{"pages":[{"id":1,"text":" الفصل الأول : في تعريف أصول الفقه وموضوعه وفائدته واستمداده \r\n إعلم أن لهذا اللفظ اعتبارين : أحدهما باعتبار الإضافة والآخر باعتبار العلمية أما الاعتبار الأول فيحتاج إلى تعريف المضاف وهو الأصول والمضاف إليه وهو الفقه لأن تعريف المركب يتوقف على تعريف مفرداته ضرورة توقف معرفة الكل على معرفة أجزائه ويحتاج أيضا إلى تعريف الإضافة لأنها بمنزلة الجزء الصوري أما المضاف فالأصول جمع أصل وهو في اللغة ما ينبني عليه غيره وفي الاصطلاح يقال على الراجح والمستصحب والقاعدة الكلية والدليل والأوفق بالمقام الرابع وقد قيل إن النقل عن المعنى اللغوي هنا خلاف الأصل ولا ضرورة هنا تلجئ إليه لأن الانبناء العقلي كانبناء الحكم على دليله يندرج تحت مطلق الانبناء لأن يشمل الانبناء الحسي كانبناء الجدار على أساسه والانبناء العقلي كانبناء الحكم على دليله ولما كان مضافا إلى الفقه هنا وهو معنى عقلي دل على أن المراد الانبناء العقلي وأما المضاف إليه وهو الفقه فهو في اللغة الفهم وفي الاصطلاح العلم بالأحكام الشرعية عن أدلته التفصيلية بالاستدلال وقيل التصديق بأعمال المكلفين التي تقصد لا لاعتقاد وقيل معرفة النفس مالها وما عليها عملا وقيل اعتقاد الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية وقيل هو جملة من العلوم يعلم باضطرار أنها من الدين وقد اعترض على كل واحد من هذه التعريفات باعتراضات والأول أولاها إن حمل العلم فيه على ما يشمل الظن لأن غالب علم الفقه ظنون وأما الإضافة فمعناها اختصاص المضاف بالمضاف إليه باعتبار مفهوم المضاف إليه فأصول الفقه ما تختص بالفقه من حيث كونه مبنيا عليه ومستندا إليه وأما الاعتبار الثاني فهو إدراك القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية وقيل هو العلم بالقواعد الخ وقيل هو نفس القواعد الموصلة بذاتها إلى استنباط الأحكام الخ وقيل هو طرق الفقه وفيه أن ذكر الأدلة التفصيلية تصريح باللازم المفهوم ضمنا لأن المراد استنباط الأحكام تفصيلا وهو لا يكون إلا عن أدلتها تفصيلا ويزاد عليه على وجه التحقيق لإخراج علم الخلاف والجدل فإنهما وإن اشتملا على القواعد الموصلة إلى مسائل الفقه لكن لا على وجه التحقيق بل الغرض منه إلزام الخصم ولما كان العلم مأخوذا في أصول الفقه عند البعض حسن ههنا أن نذكر تعريف مطلق العلم وقد اختلفت الأنظار في ذلك اختلافا كثيرا حتى قال جماعة منها الرازي بأن مطلق العلم ضروري فيتعذر تعريفه واستدلوا بما ليس فيه شيء من الدلالة ويكفي في دفع ما قالوه ما هو معلوم بالوجدان لكل عاقل أن العلم ينقسم إلى ضروري ومكتسب وقال قوم منهم الجويني إنه نظري ولكنه يعسر تحديده ولا طريق إلى معرفته إلى القسمة والمثال فيقال مثلا الاعتقاد إما جازم أو غير جازم والجازم إما مطابق أو غير مطابق والمطابق إما ثابت أو غير ثابت فخرج من هذه القسمة اعتقاد جازم مطابق ثابت وهو العلم وأجيب عن هذا بأن القسمة والمثال إن أفاد تمييزا لماهية العلم عما عداها صلحا للتعريف لها فلا يعسر وإن لم يفيدا تمييزا لم يصلح بهما معرفة ماهية العلم وقال الجمهور : إنه نظري فلا يعسر تحديده ثم ذكروا له حدودا فمنهم من قال هو اعتقاد الشيء على ما هو به عن ضرورة أو دليل وفيه أن الاعتقاد المذكور يعم الجازم وغير الجازم وعلى تقدير تقييده بالجازم يخرج عنه العلم بالمستحيل فإنه ليس بشيء اتفاقا ومنهم من قال : هو معرفة المعلوم على ما هو به وفيه أنه يخرج عن ذلك علم الله عز و جل إذ لا يسمى معرفة ومنهم من قال : هو الذي يوجب كون من قام به عالما أو يوجب لمن قام به اسم العالم وفيه أن يستلزم الدور لأخذ العالم في تعريف العلم ومنهم من قال : هو ما يصح ممن قام به اتقان الفعل وفيه أن في المعلومات ما لا يقدر العالم على إتقانه كالمستحيل ومنهم من قال : هو اعتقاد جازم مطابق وفيه أنه يخرج عنه التصورات وهي علم ومنهم من قال هو حصول صورة الشيء في العقل أو الصورة الحاصلة عند العقل وفيه أنه يتناول الظن والشك والوهم والجهل المركب وقد جعل بعضهم هذا حدا للعلم الأعم الشامل للأمور المذكورة وفيه أن إطلاق اسم العلم على الشك والوهم والجهل المركب يخالف مفهوم العلم لغة واصطلاحا ومنهم من قال : هو حكم لا يحتمل طرفاه أي المحكوم عليه وبه نقيضه وفيه أنه يخرج عنه التصور وهو علم ومنهم من قال : هو صفة توجب تمييزا لمحلها لا يحتمل النقيض بوجه وفيه أن العلوم المستندة إلى العادة تحتمل النقيض لإمكان خرق العادة بالقدرة الإلهية ومنهم من قال : هو صفة يتجلى به المدرك للمدرك وفيه أن الإدراك مجاز عن العلم فيلزم تعريف الشيء بنفسه مع كون المجاز مهجورا في التعريفات ودعوى اشتهاره في المعنى الأعم الذي هو جنس الأخص غير مسلمة ومنهم من قال هو صفة يتجلى بها المذكور لمن قامت هي به قال المحقق الشريف وهذا أحسن ما قيل في الكشف عن ماهية العلم لأن المذكور يتناول الموجود والمعدوم والممكن والمستحيل بلا خلاف ويتناول المفرد والمركب والكلي والجزئي والتجلي هو الانكشاف التام فالمعنى أنه صفة ينكشف بها لمن قامت به ما من شأنه أن يذكر انكشافا تاما لا اشتباه فيه فيخرج عن الحد الظن والجهل المركب واعتقاد المقلد المصيب أيضا لأنه في الحقيقة عقدة على القلب فليس فيه انكشاف تام وانشراح ينحل به العقدة انتهى وفيه أنه يخرج عنه إدراك الحواس فإنه لا مدخلية للمذكور فيه إن أريد به الذكر اللساني كما هو الظاهر وإن أريد به ما يتناول الذكر بكسر الذال والذكر بضمها فأما أن يكون من الجمع بين معنى المشترك أو من الجمع بين الحقيقة والمجاز وكلاهما مهجور في التعريفات هذا جملة ما قيل في تعريف العلم وقد عرفت ما ورد على كل واحد منها والأولى عندي أن يقال في تحديده هو صفة ينكشف بها المطلوب التعريف للشيء قد يكون حقيقيا وقد يكون إسميا فالحقيقي تعريف الماهيات الحقيقية والأسمى تعريف الماهيات الاعتبارية وبيانه أن ما يتعلقه الواضع ليضع بإزائه إسما إما أن يكون له ماهية حقيقية أو لا وعلى الأول إما أن يكون متعلقة نفس حقيقة ذلك الشيء أو وجوها واعتبارات منه فتعريف الماهية الحقيقية بمسمى الإسم من حيث إنها ماهية حقيقية تعريف حقيقي يفيد تصور الماهية في الذهن بالذاتيات كلها أو بعضها أو بالعرضيات أو بالمركبات منهما وتعريف مفهوم الإسم وما تعلقه الواضع فوضع الإسم بإزائه تعريف إسمي يفيد تبيين ما وضع الإسم بإزائه بلفظ أشهر فتعريف المعدومات لا يكون إلا إسميا إذ لا حقائق لها بل لها مفهومات فقط وتعريف الموجودات قد يكون إسميا وقد لا يكون حقيقيا إذ لها مفهومات وحقائق والشرط في كل واحد منهما الإطراد والانعكاس فالإطراد هو أنه كلما وجد الحد وجد المحدود فلا يدخل فيه شيء ليس من أفراد المحدود فهو بمعنى طرد الأغيار فيكون مانعا والانعكاس هو أنه كلما وجد المحدود وجد الحد فلا يخرج عنه شيء من أفراده فهو بمعنى جمع الأفراد فيكون جامعا ثم العلم بالضرورة ينقسم إلى ضروري ونظري : فالضروري ما لا يحتاج في تحصيله إلى نظر والنظري ما يحتاج إليه والنظر هو الفكر المطلوب به علم أو ظن وقيل هو ملاحظة المعقول لتحصيل المجهول وقيل هو حركة النفس من المطالب التصورية أو التصديقية طالبة للمبادئ وهي المعلومات التصورية أو التصديقية باستعراض صورها صورة صورة وكل واحد من الضروري والنظري ينقسم إلى قسمين تصور وتصديق والكلام فيهما مبسوط في علم المنطلق والدليل ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري وقيل ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بالغير وقيل ما يلزم من العلم به العلم بشيء آخر وقيل هو ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول والأمارة هي التي يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيها إلى الظن والظن تجويز راجح والوهم تجويز مرجوح والشك تردد الذهن بين الطرفين فالظن فيه حكم لحصول الراجحية ولا يقدح فيه احتماله للنقيض المرجوح والوهم لا حكم فيه لاستحالة الحكم بالنقيضين لأن النقيض الذي هو متعلق الظن قد حكم به فلو حكم بنقيضه المرجوح وهو متعلق الوهم لزم الحكم بهما جميعا والشك لا حكم فيه بواحد من الطرفين لتساوي الوقوع واللاوقوع في نظر العقل فلو حكم بواحد منهما لزم الترجيح بلا مرجح ولو حكم بهما جميعا لزم الحكم بالنقيضين والاعتقاد في الاصطلاح هو المعنى الموجب لمن اختص به كونه جازما بصورة مجردة أو بثبوت أمر أو نفيه وقيل هو الجزم بالشيء من دون سكون نفس ويقال على التصديق سواء كان جازما أو غير جازم مطابقا أو غير مطابق ثابتا أو غير ثابت فيندرج تحته الجهل المركب لأنه حكم غير مطابق والتقليد لأنه جزم بثبوت أمر أو نفيه لمجرد قول الغير وأما الجهل البسيط فهو مقابل للعلم والاعتقاد مقابلة العدم للملكة لأنه عدم العلم والاعتقاد عما من شأنه أن يكون عالما أو معتقدا \r\n وأما موضوع علم أصول الفقه : فاعلم أن موضوع العلم ما يبحث فيه من أعراضه الذاتية والمراد بالعرض هنا المحمول على الشيء الخارج عنه وإنما يقال له العرض الذاتي لأنه يلحق الشيء لذاته كالإدراك للإنسان أو بواسطة أمر يساويه كالضحك للإنسان بواسطة تعجبه أو بواسطة أمر أعم منه داخل فيه كالتحرك للإنسان بواسطة كونه حيوانا والمراد بالبحث عن الأعراض الذاتية جملها على موضع العلم كقولنا الكتاب يثبت به الحكم أو على أنواعه كقولنا الأمر يفيد الوجوب أو على أعراضه الذاتية كقولنا النص يدل على مدلوله دلالة قطعية أو على أنواع أعراضه الذاتية كقولنا العام الذي خص منه البعض يدل على بقية أفراده دلالة ظنية وجميع مباحث أصول الفقه راجعة إلى إثبات أعراض ذاتية للأدلة والأحكام من حيث إثبات الأدلة للأحكام وثبوت الأحكام بالأدلة بمعنى أن جميع مسائل هذا الفن هو الإثبات والثبوت وقيل موضوع علم أصول الفقه هو الدليل السمعي الكلي فقط من حيث أنه يوصل العلم بأحواله إلى قدرة إثبات الأحكام لأفعال المكلفين أخذا من شخصياته والمراد بالأحوال ما يرجع إلى الإثبات وهو ذاتي للدليل والأول أولى \r\n وأما فائدة هذا العلم فهي العلم بأحكام الله أو الظن بها ولما كانت هذه الغاية بهذه المنزلة من الشرف كان علم طالبه بها ووقوفه عليها مقتضيا لمزيد عنايته به وتوفر رغبته فيه لأنها سبب الفوز بسعادة الدارين \r\n وأما استمداده فمن ثلاثة أشياء : الأول علم الكلام لتوقف الأدلة الشرعية على معرفة الباري سبحانه وصدق المبلغ وهما مبنيان فيه مقررة أدلتهما من مباحثه \r\n الثاني : اللغة العربية لأن فهم الكتاب والسنة والاستدلال بهما متوقفان عليها إذ هما عربيان \r\n الثالث : الأحكام الشرعية من حيث تصورها لأن المقصود إثباتها أو نفيها كقولنا الأمر للوجوب والنهي للتحريم والصلاة واجبة والربا حرام ووجه ذكرنا لما اشتمل عليه هذا الفضل أن يوجب زيادة بصيرة لطالب هذا العلم كما لا يخفى على ذي فهم ","part":1,"page":5},{"id":2,"text":" الفصل الثاني في الأحكام \r\n وإنما قدمنا الكلام في الأحكام على الكلام في اللغات لأنه يتعلق بالأحكام مسائل من مهمات علم الكلام سنذكرها إن شاء الله تعالى وفيه أربعة أبحاث : \r\n البحث الأول في الحكم الثاني في الحاكم الثالث في المحكوم به الرابع في المحكوم عليه \r\n أما البحث الأول : فاعلم أن الحكم هو الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع فيتناول اقتضاء الوجود واقتضاء العدم إما مع الجزم أو مع جواز الترك فيدخل في هذا الواجب والمحظور والمندوب والمكروه وأما التخيير فهو الإباحة وأما الوضع فهو السبب والشرط والمانع فالأحكام التكليفية خمسة لأن الخطاب إما أن يكون جازما أو لا يكون جازما فإن كان جازما فإما أن يكون طلب الفعل وهو لإيجاب أو طلب الترك وهو التحريم وإن كان غير جازم فالطرفان إما أن يكونا على السوية وهو الإباحة أو يترجح جانب الوجود وهو الندب أو يترجح جانب الترك وهو الكراهة فكانت الأحكام ثمانية : خمسة تكليفية وثلاثة وضعية وتسمية الخمسة تكليفية تغليب إذ لا تكليف في الإباحة بل ولا في الندب والكراهة التنزيهية عند الجمهور وسميت الثلاثة وضعية لأن الشارع وضعها علامات لأحكام تكليفية وجودا وانتفاء فالواجب في الاصطلاح ما يمدح فاعله ويذم تاركه على بعض الوجوه فلا يرد النقض بالواجب المخير وبالواجب على الكفاية فإنه لا يذم في الأول إذا تركه مع الآخر ولا يذم في الثاني إلا إذا لم يقم به غيره وينقسم إلى معين ومخير ومضيق وموسع وعلى الأعيان وعلى الكفاية ويرادفه الفرض عند الجمهور وقيل الفرض ما كان دليله قطعيا والواجب ما كان دليله ظنيا والأول أولى والمحظور ما يذم فاعله ويمدح تاركه ويقال له المحرم والمعصية والذنب والمزجور عنه والمتوعد عليه والقبيح والمندوب ما يمدح فاعله ولا يذم تاركه وقيل هو الذي يكون فعله راجحا في نظر الشرع ويقال له سنة إلا إذا داوم عليه الشارع كالوتر ورواتب الفرائض والمكروه ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله ويقال بالاشتراك على أمور ثلاثة على ما نهى عنه نهي تنزيه وهو الذي أشعر فاعله أن تركه خير من فعله وعلى ترك الأولى كترك صلاة الضحى وعلى المحظور المتقدم والمباح ما لا يمدح على فعله ولا على تركه والمعنى أنه أعلم فاعله أنه لا ضرر عليه في فعله وتركه وقد يطلق على ما لا ضرر على فاعله وإن كان تركه محظورا كما يقال « دم المرتد مباح » أي لا ضرر على من أراقه ويقال للمباح الحلال والجائز والمطلق والسبب هو جعل وصف ظاهر منضبط مناطا لوجود حكم أي يستلزم وجوده وجوده وبيانه أن الله سبحانه في الزاني مثلا حكمين أحدهما تكليفي وهو وجوب الحد عليه والثاني وضعي وهو جعل الزنا سببا لوجوب الحد لأن الزنا لا يوجب الحد بعينه وذاته بل بجعل الشرع وينقسم السبب بالاستقراء إلى الوقتية كزوال الشمس لوجوب الصلاة والمعنوية كالاسكار للتحريك وكالملك للضمان والمعصية للعقوبة والشرط هو الحكم على الوصف بكونه شرطا للحكم وحقيقة الشرط هو ما كان عدمه يستلزم عدم الحكم فهو وصف ظاهر منضبط يستلزم ذلك أو يستلزم عدم السبب لحكمة في عدمه تنافي حكمة الحكم أو السبب وبيانه أن الحول شرط في وجوب الزكاة فعدمه يستلزم عدم وجوبها والقدرة على التسليم شرط في صحة البيع فعدمها يستلزم عدم صحته والاحصان شرط في سببية الزنا للرجم فعدمه يستلزم عدمها والمانع هو وصف ظاهر منضبط يستلزم وجوده حكمة تستلزم عدم الحكم أو عدم السبب كوجود الأبوة فإنه يستلزم عدم ثبوت الاقتصاص للابن من الأب لأن كون الأب سببا لوجود الابن يقتضي أن لا يصير الابن سببا لعدمه وفي هذا المثال الذي أطبق عليه جمهور أهل الأصول نظر لأن السبب المقتضي للقصاص هو فعله لا وجود الابن ولا عدمه ولا يصح أن يكون ذلك حكمة مانعة للقصاص ولكنه ورد الشرع بعدم ثبوت القصاص لفرع من أصل والأولى أن يمثل لذلك بوجود النجاسة المجمع عليها في بدن المصلي أو ثوبه فإنه سبب لعدم صحة الصلاة عند من يجعل الطهارة شرطا فههنا قد عدم شرط وهو الطهارة ووجد مانع وهو النجاسة لا عند من يجعلها واجبة فقط وأما المانع الذي يقتضي وجوده حكمة تخل بحكمة السبب فكالدين في الزكاة فإن حكمة السبب وهو الغنى مواساة الفقراء من فضل ماله ولم يدع الدين في المال فضلا يواسي به هذا على قول من قال أن الدين مانع \r\n البحث الثاني في الحاكم : اعلم أنه لاخلاف في كون الحاكم الشرع بعد البعثة وبلوغ الدعوة وأما قبل ذلك فقالت الأشعرية لا يتعلق له سبحانه حكم بأفعال المكلفين فلا يحرم كفر ولا يجب إيمان وقالت المعتزلة إنه يتعلق له تعالى حكم بما أدرك العقل فيه صفة حسن أو قبح لذاته أو لصفته أو لوجوه واعتبارات على اختلاف بينهم في ذلك قالوا والشرع كاشف عما أدركه العقل قبل وروده وقد اتفق الأشعرية والمعتزلة على أن العقل يدرك الحسن والقبح في شيئين الأول ملاءمة الغرض للطبع ومنافرته له فالموافق حسن عند العقل والمنافر قبيح عنده \r\n الثاني صفة الكمال والنقص فصفات الكمال حسنة عند العقل وصفات النقص قبيحة عنده ومحل النزاع بينهم كما أطبق عليه جمهور المتأخرين وإن كان مخالفا لما كان عند كثير من المتقدمين هو كون الفعل متعلق المدح والثواب والذم والعقاب آجلا وعاجلا فعند الأشعرية ومن وافقهم أن ذلك لا يثبت إلا بالشرع وعند المعتزلة ومن وافقهم أن ذلك ليس لكون الفعل واقعا بإدراكه وقد لا يستقل أما الأول فالعقل يعلم بالضرورة حسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار ويعلم نظرا حسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع وأما الثاني فكحسن صوم آخر يوم من رمضان وقبح صوم الذي بعده فإن العقل لا طريق له إلى العلم بذلك لكن الشرع لما ورد علمنا الحسن والقبح فيها وأجيب بأن دخول هذه القبائح في الوجود إما أن يكون على سبيل الاضطرار أو على سبيل الاتفاق وعلى التقديرين فالقول بالقبح باطل بيان الأول أن فاعل القبيح إما أن يكون متمكنا من الترك أو لا يكون فإن لم يتمكن من الترك فقد ثبت الاضطرار وإن تمكن من الترك فإما يتوقف رجحان الفاعلية على التاركية على مرجح أو لا يتوقف إن لم يتوقف فاتفاقي لا اختياري لعدم الإرادة وإن توقف فذلك المرجح إما أن يكون من العبد أو من غيره أو لا منه ولا من غيره فالأول محال لأن الكلام فيه كما في الأول فيلزم التسلسل وهو محل والثاني يقال فيه أن عند حصول ذلك المرجح إما أن يجب قبول الأثر أو لا فإن وجب فقد ثبت الاضطرار لأن قبل وجود هذا المرجح كان الفعل ممتنع الوقوع وعند وجوده صار واجب الوقوع وليس وقوع هذا المرجح بالعبد ألبتة فلم يكن للعبد تمكن في شيء من الفعل والترك ولا معنى للاضطرار إلا ذلك وإن لم يجب حصول هذا المرجح لا يمتنع وجود الفعل تارة وعدمه أخرى فترجيح جانب الوجود على جانب العدم إما أن يتوقف على انضمام مرجح إليه أو لا يتوقف أن توقف لم يكن الحاصل قبل ذلك مرجحا تاما وقد فرضناه مرجحا تاما هذا خلف وإن لم يتوقف فلا ترجيح ألبتة وإلا لعاد القسم الأول وإن كان حصول ذلك المرجح لا من العبد ولا من غير العبد فحينئذ يكون واقعا لا لمؤثر فيكون اتفاقيا ورد هذا الجواب بأن القادر يرجح الفاعلية على التاركية من غير مرجح وأجيب عن هذا الرد بأن ترجيح القادر إن كان له مفهوم زائد على كونه قادرا كان تسليما لكون رجحان الفاعلية على التاركية لا يمكن إلا عند انضمام آخر إلى القادرية فيعود الكلام الأول وإن لم يكن له مفهوم زائد لم يكن لقولكم القادر يرجح أحد مقدورية على الآخر إلا مجرد أن صفة القادرية مستمرة في الأزمان كلها ثم إنه يوجد الأثر في بعض تلك الأزمنة دون بعض من غير أن يكون ذلك القادر قد رجحه وقصد إيقاعه ولا معنى للاتفاق إلا ذلك ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف لاستلزامه نفي المرجح مطلقا والعلم الضروري حاصل لكل عاقل بأن الظلم والكذب والجهل قبيحة عند العقل وأن العدل والصدق والعلم حسنة عنده لكن حاصل ما يدركه العقل من قبيح هذا القبح وحسن هذا الحسن هو أن فاعل الأول يستحق الذم وفاعل الثاني يستحق المدح وأما كون الأول متعلقا للعقاب الأخروي والثاني متعلقا للثواب الأخروي فلا واحتج المثبتون للتحسين والتقبيح العقليين بأن الحسن والقبح لو لم يكونا معلومين قبل الشرع لاستحال أن يعلما عند وروده لأنهما إن لم يكونا معلومين قبله فعند وروده بهما يكون واردا بما لا يعقله السامع ولا يتصوره وذلك محال فوجب أن يكونا معلومين قبل وروده وأجيب بأن الموقوف على الشرع ليس تصور الحسن والقبح فإنا قبل الشرع نتصور ماهية ترتب العقاب والثواب والمدح والذم على الفعل ونتصور عدم هذا الترتب فتصور الحسن والقبح لا يتوقف على الشرع إنما المتوقف عليه هو التصديق فأين أحدهما من الآخر ؟ واحتج المثبتون أيضا بأنه لو لم يكن الحكم بالحسن والقبح إلا بالشرع لحسن من الله كل شيء ولو منه كل شيء لحسن منه إظهار المعجزة على يد الكاذب ولو حسن منه ذلك لما أمكننا التمييز بين النبي والمنبئ وذلك يفضي إلى بطلان الشرائع وأجيب بأن الاستدلال بالمعجز على الصدق مبني على أن الله إنما خلق ذلك المعجز للصدق وكل من صدقه الله فهو صادق وبأن العقل يمنع من خلق المعجز على يد الكاذب مطلقا لأن خلقه عند الدعوى يوهم أن المقصود منه التصديق فلو كان المدعى كاذبا لكان ذلك إيهاما لتصديق الكاذب وأنه قبيح والله لا يفعل القبيح واحتج المثبتون أيضا بأنه لو حسن من الله كل شيء لما قبح منه الكذب وعلى هذا لا يبقى اعتماد على وعده ووعيده وأجيب بأن هذا وارد عليهم لأن الكذب قد يحسن في مثل الدفع به عن قتل إنسان ظلما وفي مثل من توعد غيره بأن يفعل به ما لا يجوز من أنواع الظلم ثم ترك ذلك فإنه هنا يحسن الكذب ويقبح الصدق ورد بأن الحكم قد يتخلف عن المقتضى المانع ولا اعتبار بالنادر على أنه يمكن أن يقع الدفع لمن أراد أن يفعل ما لا يحل بإيراد المعاريض فإن فيهما مندوحة عن الكذب واحتج المثبتون أيضا بأنه لو قيل للعاقل إن صدقت أعطيناك دينارا وإن كذبت أعطيناك دينارا فإنا نعلم بالضرورة أن العاقل يختار الصدق ولو لم يكن حسنا لما اختاره وأجيب بأنه إنما يترجح الصدق على الكذب في هذه الصورة لأن أهل العلم اتفقوا على قبح الكذب وحسن الصدق لما أن نظام العالم لا يحصل إلا بذلك والإنسان لما نشأ على هذا الاعتقاد واستمر عليه لا جرم ترجح الصدق عنده على الكذب ورد هذا بأن كل فرد من أفراد الإنسان إذا فرض نفسه خالية عن الإلف والعادة والمذهب والاعتقاد ثم عرض عليها عند هذا الفرض هذه القضية وجدها جازمة بترجيح الصدق على الكذب وبالجملة فالكلام في هذا البحث يطول وإنكار مجرد إدراك العقل لكون الفعل حسنا أو قبيحا مكابرة ومباهتة وأما إدراكه لكون ذلك الفعل الحسن متعلقا للثواب وكون ذلك الفعل القبيح متعلقا للعقاب فغير مسلم وغاية ما تدركه العقول أن هذا الفعل الحسن يمدح فاعله وهذا الفعل القبيح يذم فاعله ولا تلازم بين هذا وبين كونه متعلقا للثواب والعقاب ومما يستدل به على هذه المسألة في الجملة قوله سبحانه : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } - وقوله - { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى } - وقوله - { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ونحو هذا \r\n البحث الثالث في المحكوم به : هو فعل المكلف فمتعلق الإيجاب يسمى واجبا ومتعلق الندب يسمى مندوبا ومتعلق الإباحة يسمى مباحا ومتعلق الكراهة يسمى مكروها ومتعلق التحريم يسمى حراما وقد تقدم حد كل واحد منها وفيه ثلاث مسائل : \r\n المسألة الأولى : إن شرط الفعل الذي وقع التكليف به أن يكون ممكنا فلا يجوز التكليف بالمستحيل عند الجمهور وهو الحق وسواء كان مستحيلا بالنظر إلى ذاته أو بالنظر إلى امتناع تعلق قدرة المكلف به وقال جمهور الأشاعرة بالجواز مطلقا وقال جماعة منهم أنه ممتنع في الممتنع لذاته جائز في الممتنع لامتناع تعلق قدرة المكلف به احتج الأولون بأنه لو صح التكليف بالمستحيل لكان مطلوبا حصوله واللازم باطل لأن تصور ذات المستحيل مع عدم تصور ما يلزم ذاته لذاته من عدم الحصول يقتضي أن تكون ذاته غير ذاته فيلزم قلب الحقائق وبيانه أن المستحيل لا يحصل له صورة في العقل فلا يمكن أن يتصور شيء هو اجتماع النقيضين فتصوره إما على طريق التشبيه بأن يعقل بين السواد والحلاوة أمر هو الاجتماع ثم يقال مثل هذا الأمر لا يمكن حصوله بين السواد والبياض وإما على سبيل النفي بأن يعقل أنه لا يمكن أن يوجد مفهوم اجتماع السواد والبياض وبالجملة فلا يمكن تعلقه بماهيته بل باعتبار من الاعتبارات والحاصل أن قبح التكليف بما لا يطاق معلوم بالضرورة فلا يحتاج إلى استدلال والمجوز لذلك لم يأت بما نبغي الاشتغال بتحريره والتعرض لرده ولهذا وافق كثير من القائلين بالجواز على امتناع الوقوع فقالوا يجوز التكليف بما لا يطاق مع كونه ممتنع الوقوع ومما يدل على هذه المسألة في الجملة قوله سبحانه : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } { لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها } { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } وقد ثبت في الصحيح أن الله سبحانه قال عند هذه الدعوات المذكورة في القرآن قد فعلت وهذه الآيات ونحوها إنما تدل على عدم الوقوع لا على عدم الجواز على أن الخلاف في مجرد الجواز لا يترتب عليه فائدة أصلا قال المثبتون للتكليف بما لا يطاق لو لم يصح التكليف به لم يقع وقد وقع لأن العاصي مأمور بالإيمان وممتنع منه الفعل لأن الله قد علم أنه لا يؤمن ووقوع خلاف معلومه سبحانه محال وإلا لزم الجهل واللازم باطل فالملزوم مثله وقالوا أيضا بأنه لو لم يجز لم يقع وقد وقع فإنه سبحانه كلف أبا جهل بالإيمان وهو تصديق رسوله في جميع ما جاء به ومن جملة ما جاء به أن أبا جهل لا يصدقه فقد كلفه بأن يصدقه في أنه لا يصدقه وهو محال وأجيب عن الدليل الأول بأن ذلك لا يمنع قصور الوقوع لجواز وقوعه من المكلف في الجملة وإن امتنع لغيره من علم أو غيره فهو في غير محل النزاع وعن الثاني بأنه لم يكلف إلا بتصديق وهو ممكن في نفسه متصور وقوعه إلا أنه ممن علم الله أنهم لا يصدقونه كعلمه بالعاصين هذا الكلام في التكليف بما لا يطاق أو التكليف بما علم الله أنه لا يقع فالإجماع منعقد على صحته ووقوعه \r\n المسألة الثانية : أن حصول الشرط الشرعي ليس شرطا في التكليف عند أكثر الشافعية والعراقيين من الحنفية وقال جماعة منهم الرازي وأبو حامد وأبو زيد والسرخسي هو شرط وهذه المسألة ليست على عمومها إذ لا خلاف في أن مثل الجنب والمحدث مأموران بالصلاة بل هي مفروضة في جزئي منها وهو أن الكفار مخاطبون بالشرائع أي بفروع العبادات عملا عند الأولين لا عند الآخرين وقال قوم من الآخرين هم مكلفون بالنواهي لأنها أليق بالعقوبات الزاجرة دون الأوامر والحق ما ذهب إليه الأولون وبه قال الجمهور ولا خلاف في أنهم مخاطبون بأمر الإيمان لأن مبعوث إلى الكافة وبالمعاملات أيضا والمراد بكونهم مخاطبين بفروع العبادات أنهم مؤاخذون بها في الآخرة مع عدم حصول الشرط الشرعي وهو الإيمان استدل الأولون بالأوامر العامة كقوله : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } - ونحوها وهم من جملة الناس واستدلوا أيضا بما ورد من الوعيد للكفار على الترك كقوله { ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين } لا يقال قولهم ليس بحجة لجواز كذبهم لأنا نقول ولو كذبوا لكذبوا واستدلوا أيضا بقوله سبحانه : { وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة } وقوله { ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا } والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا واستدل الآخرون بأنهم لو كلفوا بها لصحت لأن الصحة موافقة الأمر أو لأمكن الامتثال لأن الإمكان شرط ولا يصح منهم لأن الكفر مانع ولا يمكن الامتثال حال الكفر لوجود المانع ولا بعده وهو حال الموت لسقوط الخطاب وأجيب بأنه غير محل النزاع لأن حالة الكفر ليست قيدا للفعل في مرادهم بالتكليف به مسبوقا للإيمان والكافر يتمكن من أن يسلم ويفعل ما وجب عليه كالجنب والمحدث فإنهما مأموران بالصلاة مع تلبسهما بمانع عنها يجب عليهما إزالته لتصح منهما والامتناع الوصفي لا ينافي الإمكان الذاتي واستدلوا أيضا بأنه لو وقع التكليف للكفار لوجب عليهم القضاء وأجيب بمنع الملازمة لأنه لم يكن بينه وبين وقوع التكليف وصحته ربط عقلي لا سيما على قول من يقول إن القضاء لا يجب إلا بأمر جديد وأيضا قوله سبحانه : { إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } مع الكفر وأجيب بأن الكفر مانع من الترك كالفعل لأنها عبادة يثاب العبد عليها ولا تصح إلا بعد الإيمان وأيضا المكلف به في النهي هو الكف وهو فعل \r\n المسألة الثالثة : إن التكليف بالفعل والمراد به أثر القدرة الذي هو الاكوان لا التأثير الذي هو أحد الأعراض النسبية ثابت قبل حدوثه اتفاقا وينقطع بعده اتفاقا ولا اعتبار بخلاف من خالف في الطرفين فهو بين السقوط وما قالوه من أنه لو انقطع انعدم الطلب القائم بذات الله سبحانه وصفاته أبدية فهو مردود بأن كلامه سبحانه واحد والتعدد في العوارض الحادثة من التعلق ككونه أمرا أو نهيا وانتفاؤهما لا يوجب انتفاء واختلفوا هل التكليف به باق حال حدوثه أم لا ؟ فقال جمهور الأشعرية : هو باق وقالت المعتزلة والجوني : ليس بباق وليس مراد من قال بالبقاء أن تعلق التكليف بالفعل لنفسه إذ لا انقطاع له أصلا ولا أن تنجيز التكليف باق لأن التكليف بإيجاد الموجود محال لأن طلب يستدعي مطلوبا غير حاصل وهو تكليف بالمحال ولا أن القدرة مع الفعل لاستلزمه أن لا تكليف قبله وهو خلاف المعقول وخلاف الإجماع فإن القاعد مكلف بالقيام إلى الصلاة بل مرادهم أن التكليف باقي عند التأثير لكن التأثير عين الأثر عندهم واستدلوا بأن الفعل مقدور حال لأنه أثر القدرة فيوجد معها وإذا كان مقدورا حينئذ فيصح التكليف به لأنه لا مانع إلا عدم القدرة وقد انتفى وأجيب بأنه يلزم التكليف بإيجاد الموجود وهو محال ويرد بأن ذلك لا يلزم لأن المحال إنما هو إيجاد الموجود بوجود سابق لا بوجود حاصل \r\n البحث الرابع : في المحكوم عليه وهو المكلف اعلم أنه يشترط في صحة التكليف بالشرعيات فهم المكلف لما كلف به بمعنى تصوره بأن يفهم من الخطاب القدر الذي يتوقف عليه الامتثال لا بمعنى التصديق به وإلا لزم الدور ولزم عدم تكليف الكفار لعدم حصول التصديق واستدلوا على اشتراط الفهم بالمعنى الأول بأنه لو لم يشترط لزم المحال لأن التكليف استدعاء حصول الفعل على قصد الامتثال وهو محال عادة وشرعا ممن لا شعور له بالأمر وأيضا يلزم تكليف البهائم إذ لا مانع من تكليفها إلا عدم الفهم وقد فرض أنه غير مانع في صورة النزاع وقد تقدم بيان فساد قولهم فتقرر بهذا أن المجنون غير مكلف وكذلك الصبي الذي لم يميز لأنهما لا يفهمان خطاب التكليف على الوجه المعتبر وأما لزوم أرش جنايتهما ونحو ذلك فمن أحكام الوضع لا من أحكام التكليف وأما الصبي المميز فهو وإن كان يمكنه تمييز بعض الأشياء لكنه تمييز ناقص بالنسبة إلى تمييز المكلفين وأيضا ورد الدليل برفع التكليف قبل البلوغ ومن ذلك حديث رفع القلم عن ثلاثة وهو وإن كان في طرقه مقال لكنه باعتبار كثرة طرقه من قسم الحسن وباعتبار تلقي الأمة له بالقبول لكونهم بين عامل به ومؤول له صار دليلا قطعيا ويؤيده حديث [ من اخضر مئزره فاقتلوه ] وأحاديث النهي عن قتل الصبيان حتى يبلغوا كما ثبت عنه صضص في وصاياه لأمرائه عند غزوهم للكفار وأحاديث أنه صضص كان لا يأذن في القتال إلا لمن بلغ سن التكليف والأدلة في هذا الباب كثيرة ولم يأت من خالف في ذلك بشيء يصلح لإيراده كقولهم إنه قد صح طلاق السكران ولزمه أرش جنايته وقيمة ما أتلفه وهذا استدلال ساقط لخروجه عن محل النزاع في أحكام التكليف لا في أحكام الوضع ومثل هذا من أحكام الوضع وأما استدلالهم بقوله تعالى : { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } حيث قالوا إنه أمر لمن لا يعلم ما يقول ومن لا يعلم ما يقول لا يفهم ما يقال له فقد كلف من لا يفهم التكليف ورد بأنه نهى عن السكر عند إرادة الصلاة فالنهي متوجه إلى الصدور ورد أيضا بغير هذا مما لا حاجة إلى التطويل بذكره ووقع الخلاف بين الأشعرية والمعتزلة هل المعدوم مكلف أم لا فذهب الأولون إلى الأول والآخرون إلى الآخر وليس مراد الأولين بتكليف المعدوم أن الفعل أو الفهم مطلوبان منه حال عدمه فإن بطلان هذا معلوم بالضرورة فلا يرد عليهم ما أورده الآخرون من أنه إذا امتنع تكليف النائم والغافل امتنع تكليف المعدوم بالأولى بل مرادهم التعلق العقلي أي توجه الحكم في الأزل إلى من علم الله وجوده مستجمعا شرائط التكليف واحتجوا بأنه لو لم يتعلق التكليف بالمعدوم لم يكن التكليف أزليا لأن توقفه على الوجود الحادث يستلزم كونه حادثا واللازم باطل فالملزوم مثله لأنه أزلي لحصوله بالأمر والنهي وهما كلام الله وهو أزلي وهذا البحث يتوقف على مسألة الخلاف في كلام الله سبحانه وهي مقررة في علم الكلام واحتج الآخرون بأنه لو كان المعدوم يتعلق به الخطاب لزم أن يكون الأمر والنهي والخبر والنداء والاستخبار من غير متعلق موجود وهو محال ورد بعدم تسليم كونه محالا بل هو محل النزاع وتطويل الكلام في هذا البحث قليل الجدوى بل مسألة الخلاف في كلام الله سبحانه وإن طالت ذيولها وتفرق الناس فيها فرقا وامتحن بها من امتحن من أهل العلم وظن من ظن أنها من أعظم مسائل أصول الدين ليس لها كبير فائدة بل هي من فضول العلم ولهذا صان الله سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم عن التكلم فيها ","part":1,"page":10},{"id":3,"text":" الفصل الثالث في المبادئ اللغوية \r\n اعلم أن البحث إما أن يقع عن ماهية الكلام أو عن كيفية دلالته ثم لما كانت دلالته وضعية فالبحث عن هذه الكيفية إما أن يقع عن الواضع أو الموضوع أو الموضوع له أو عن الطريق التي يعرف بها الوضع فهذه أبحاث خمسة \r\n البحث الأول : عن ماهية الكلام وهو يقال بالاشتراك على المعنى القائم بالنفس وعلى الأصوات المقطعة المسموعة ولا حاجة إلى البحث في هذا الفن عن المعنى الأول بل المحتاج إلى البحث عنه فيه هو المعنى الثاني فالأصوات كيفية للنفس وهي الكلام المنتظم من الحروف المسموعة المتميزة المتواضع عليها والانتظام هو التأليف للأصوات المتوالية على السمع وخرج بقوله الحروف الحرف الواحد لأن أقل الكلام حرفان وبالمسموعة الحروف المكتوبة وبالمتميزة أصوات ما عدا الإنسان وبالمتواضع عليها المهملات وقد خصص النحاة الكلام بما تضمن كلمتين بالإسناد وذهب كثير من أهل الأصول إلى أن الكلمة الواحدة تسمى كلاما \r\n البحث الثاني : عن الواضع اختلف في ذلك على أقوال الأول أن الواضع هو الله سبحانه وإليه ذهب الأشعري وأتباعه وابن فورك القول الثاني أن الواضع هو البشر وإليه ذهب أبو هاشم ومن تابعه من المعتزلة القول الثالث أن ابتداء اللغة وقع بالتعليم من الله سبحانه والباقي بالاصطلاح القول الرابع أن ابتداء اللغة وقع بالاصطلاح والباقي توقيف وبه قال الأستاذ أبو اسحق وقيل إنه قال بالذي قبله والقول الخامس أن نفس الألفاظ دلت على معانيها بذاتها وبه قال عباد بن سليمان الصيمري القول السادس أنه يجوز كل واحد من هذه الأقوال من غير جزم بأحدها وبه قال الجمهور كما حكاه صاحب المحصول \r\n احتج أهل القول الأول بالمنقول والمعقول أما المنقول فمن ثلاثة أوجه : \r\n الأول : قوله سبحانه : { وعلم آدم الأسماء كلها } دل هذا على أن الأسماء توقيفية وإذا ثبت ذلك في الأسماء ثبت أيضا في الأفعال والحروف إذ لا قائل بالفرق وأيضا الإسم إنما سمي إسما لكونه علامة على مسماه والأفعال والحروف كذلك وتخصيص الإسم ببعض أنواع الكلام اصطلاح للنحاة \r\n الوجه الثاني : أن الله سبحانه ذم قوما على تسميتهم بعض الأشياء دون توقيف بقوله { إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان } فلو لم تكن اللغة توقيفية لما صح هذا الذم \r\n الوجه الثالث : قوله سبحانه : { ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم } والمراد اختلاف اللغات لا اختلافات بالتفات الألسن وأما المعقول فمن وجهين : \r\n الأول : أن الاصطلاح إنما يكون بأن يعرف كل واحد منهم صاحبه ما في ضميره وذلك لا يعرف إلا بطريق كالألفاظ والكتابة وكيفما كان فإن ذلك الطريق إما الاصطلاح ويلزم التسلسل أو التوقيف وهو المطلوب \r\n الوجه الثاني : أنها لو كانت بالمواضعة لجوز العقل اختلافها وأنها على غير ما كانت عليه لأن اللغات قد تبدلت وحينئذ لا يوثق بها وأجيب عن الاستدلال بقوله { وعلم آدم الأسماء } بأن المراد بالتعليم الإلهام كما في قوله { وعلمناه صنعة لبوس لكم } أو تعليم ما سبق وضعه من خلق آخر أو المراد بالأسماء المسميات بدليل قوله { ثم عرضهم } ويجاب عن الاستدلال بقوله { إن هي إلا أسماء سميتموها } بأن المراد ما اخترعوه من الأسماء للأصنام من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ووجه الذم مخالفة ذلك لما شرعه الله وأجيب عن الاستدلال بقوله { واختلاف ألسنتكم } بأن المراد التوقيف عليها بعد الوضع وإقرار الخلق على وضعها ويجاب على الوجه الأول من المعقول بمنع لزوم التسلسل لأن المراد وضع الواضع هذا الاسم لهذا المسمى ثم تعريف غيره بأنه وضعه كذلك ويجاب عن الوجه الثاني بأن تجويز الاختلاف خلاف الظاهر ومما يدفع هذا القول أن حصول اللغات لو كان بالتوقيف من الله عز و جل لكان ذلك بإرسال رسول لتعليم الناس لغتهم لأنه الطريق المعتاد في التعليم للعباد ولم يثبت ذلك ويمكن أن يقال إن آدم عليه السلام علمها غيره وأيضا يمكن أن يقال أن التعليم لا ينحصر في الإرسال لجواز حصوله بالإلهام وفيه أن مجرد الإلهام لا يوجب كون اللغة توقيفية بل هي من وضع الناس بإلهام الله سبحانه لهم كسائر الصنائع \r\n احتج أهل القول الثاني : بالمنقول والمعقول أما المنقول فقوله سبحانه وتعالى : { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } أي بلغتهم فهذا يقتضي تقدم اللغة على بعثة الرسل فلو كانت اللغة توقيفية لم يتصور ذلك إلا بالإرسال فيلزم الدور لأن الآية تدل على سبق اللغات للإرسال والتوقيف يدل على سبق الإرسال لها وأجيب بأن كون التوقيف لا يكون إلا بالإرسال إنما يوجب سبق الإرسال على التوقيف لا سبق الإرسال على اللغات حتى يلزم الدور لأن الإرسال لتعليمها إنما يكون بعد وجودها معلومة للرسول عادة لترتب فائدة الإرسال عليه وأجيب أيضا بأن آدم عليه السلام علمها كما دلت عليه الآية وإذا كان هو الذي علمها لأقدم رسول اندفع الدور وأما المعقول فهو أنها لو كانت توقيفية لكان إما أن يقال إنه تعالى يخلق العلم الضروري بأن وضعها لتلك المعاني أو لا يكون كذلك والأول لا يخلو إما أن يقال خلق ذلك العلم في عاقل أو في غير عاقل وباطل أن يخلقه في عاقل لأن العلم بأنه سبحانه وضع تلك اللفظة لذلك المعنى يتضمن العلم به سبحانه فلو كان ذلك العلم ضروريا لكان العلم به سبحانه ضروريا ولو كان العلم بذاته سبحانه ضروريا لبطل التكليف لكن ذلك باطل لما ثبت أن كل عاقل يجب أن يكون مكلفا وباطل أن يخلقه في غير العاقل لأن من البعيد أن يصير الإنسان الغير العاقل عالما بهذه اللغات العجيبة والتركيبات اللطيفة \r\n احتج أهل القول الثالث : بأن الاصطلاح لا يصح إلا بأن يعرف كل واحد منهم صاحبه ما في ضميره فإن عرفه بأمر آخر اصطلاحي لزم التسلسل فثبت أنه لا بد في أول الأمر من التوقيف ثم بعد ذلك لا يمتنع أن تحدث لغات كثيرة بسبب الاصطلاح بل ذلك معلوم بالضرورة فإن الناس يحدثون في كل زمان ألفاظا ما كانوا يعلمونها قبل ذلك وأجيب بمنع توقفه على الاصطلاح بل يعرف ذلك بالترديد والقرائن كالأطفال \r\n وأما أهل القول الرابع : فلعلهم يحتجون على ذلك بأن فهم ما جاء توقيفا لا يكون إلا بعد تقدم الاصطلاح والمواضعة ويجاب عنه بأن التعليم بواسطة رسول أو بإلهام يغني عن ذلك \r\n واحتج أهل القول الخامس : بأنه لو لم يكن بين الأسماء والمسميات مناسبة بوجه ما لكان تخصيص الاسم المعين للمسمى المعين ترجيحا بدون مرجح وإن كان بينهما مناسبة ثبت المطلوب وأجيب بأنه إن كان الواضع هو الله سبحانه كان تخصيص الاسم المعين بالمسمى المعين كتخصيص الاسم والمسمى كان ذلك ثابتا في وضعه سبحانه وإن خفي علينا وإن كان الواضع البشر فيحتمل أن يكون السبب خطور ذلك اللفظ في ذلك الوقت بالبال دون غيره كما يخطر ببال الواحد منا أن يسمي ولده باسم خاص \r\n واحتج أهل القول السادس : على ما ذهبوا إليه من الوقف بأن هذه الأدلة التي استدل بها القائلون لا يفيد شيء منها القطع بل لم ينهض شيء منها لمطلق الدلالة فوجب عند ذلك الوقف لأن ما عداه هو من التقول على الله بما لم يقل وأنه باطل وهذا هو الحق \r\n البحث الثالث : عن الموضوع اعلم أنه لما كان الفرد الواحد من هذا النوع الإنساني لا يستقل وحده بإصلاح جميع ما يحتاج إليه لم يكن بد في ذلك من جمع ليعين بعضهم بعضا فيما يحتاج إليه وحينئذ يحتاج كل واحد منهم إلى تعريف صاحبه بما في نفسه من الحاجات وذلك التعريف لا يكون إلا بطريق من أصوات مقطعة أو حركات مخصوصة أو نحو ذلك فجعلوا الأصوات المقطعة هي الطريق إلى التعريف لأن الأصوات أسهل من غيرها وأقل مؤنة ولكون إخراج النفس أمرا ضروريا فصرفوا هذا الأمر الضروري إلى هذا التعريف ولم يتكلفوا له طريقا أخرى غير ضرورية مع كونها تحتاج إلى مزاولة وأيضا فإن الحركات والإشارات قاصرة عن إفادة جميع ما يراد فإن ما يراد تعريفه قد لا تمكن الإشارة الحسية إليه كالمعدومات إذا عرفت هذا فاعلم أن الموضوعات اللغوية هي كل لفظ وضع لمعنى فيخرج ما ليس بلفظ من الدول الموضوعة وما ليس بموضوع من المحرفات والمهملات ويدخل في اللفظ المفردات والمركبات الستة وهي الإسنادي والوصفي والإضافي والعادي والمزجي والصوتي ومعنى الوضع يتناول أمرين : أعم وأخص فالأعم تعيين اللفظ بإزاء معنى والأخص تعيين اللفظ للدلالة على معنى \r\n البحث الرابع : عن الموضوع له قال الجويني والرازي وغيرهما : إن اللفظ موضوع للصورة الذهنية سواء كانت موجودة في الذهن والخارج أوفى الذهن فقط وقيل هو موضوع للموجود الخارجي وبه قال أبو إسحاق وقيل هو موضوع للأعم من الذهني والخارجي ورجحه الأصفهاني وقيل أن اللفظ في الأشخاص : أي الأعلام الشخصية موضوع للموجود الخارجي ولا ينافي كونه للموجود الخارجي وجوب استحضار الصورة الذهنية فالصورة الذهنية آلة لملاحظة الوجود الخارجي لا أنها هي الموضوع لها وأما فيما عدا الأعلام الشخصية فاللفظ موضوع لفرد غير معين وهو الفرد المنتشر فيما وضع المفهوم كلى أفراده خارجية أو ذهنية فإن كانت خارجية فالموضوع له فرد ما من تلك الأفراد الخارجية وإن كانت ذهنية له فرد ما من الذهنية وإن كانت ذهنية وخارجية فالاعتبار بالخارجية وقد ألحق علم الجنس بالأعلام الشخصية من يفرق بينه وبين إسم الجنس فيجعل علم الجنس موضوعا للحقيقة المتحدة واسم الجنس لفرد منها غير معين وفي إسم الجنس مذهبان : \r\n أحدهما : أنه موضوع للماهية مع وحدة لا بعينها ويسمى فردا منتشرا وإلى هذا ذهب الزمخشري وابن الحاجب ورجحه السعد وابن الهمام \r\n والثاني : أنه موضوع للماهية من حيث هي ورجحه الشريف فالموضوع له على المذهب الأول هو الماهية بشرط شيء وعلى المذهب الثاني هو الماهية لا بشرط شيء \r\n البحث الخامس : عن الطريق التي يعرف بها الوضع اعلم أنه لما كان الكتاب والسنة واردين بلغة العرب وكان العلم بهما متوقفا على العلم بها كان العلم بها من أهم الواجبات ولا بد في ذلك من معرفة الطريقة التي نقلت هذه اللغة العربية بها إلينا إذ لا مجال للعقل في ذلك لأنها أمور وضعية والأمور الوضعية لا يستقل العقل بإدراكها فلا تكون الطريق إليها إلا نقلية والحق أن جميعها منقول بطريق التواتر وقيل ما كان منها لا يقبل التشكيك كالأرض والسماء والحر والبرد ونحوها فهو منقول بطريق التواتر وما كان منها يقبل التشكيك كاللغات التي فيها غرابة فهو منقول بطريق الآحاد ولا وجه لهذا فإن الأئمة المشتغلين بنقل اللغة قد نقلوا غريبها كما نقلوا غيره وهم عدد لا يجوز العقل تواطأهم على الكذب في كل عصر من العصور هذا معلوم لكل من له علم بأحوال المشتغلين بلغة العرب وقد أورد الرازي في المحصول تشكيكا على هذا كعادته المستمرة في مصنفاته حتى في تفسير الكتاب العزيز فقال أما التواتر فالأشكال عليه من وجوه : \r\n الأول : أنا نجد الناس مختلفين في معاني الألفاظ التي هي أكثر الألفاظ دورانا على ألسنة المسلمين اختلافا لا يمكن القطع بما هو الحق كلفظة الله تعالى فإن بعضهم زعم أنه ليست بعربية بل سريانية والذين جعلوها عربية اختلفوا في أنها من الأسماء المشتقة أو الموضوعة والقائلون بالاشتقاق اختلفوا اختلافا شديدا وكذا القائلون بكونها موضوعة اختلفوا أيضا اختلافا كثيرا ومن تأمل أدلتهم في تعيين مدلول هذه اللغة علم أنها متعارضة وأن شيئا منها لا يفيد الظن الغالب فضلا عن اليقين وكذا اختلفوا في الإيمان والكفر والصلاة والزكاة حتى إن كثيرا من المحققين في علم الاشتقاق زعم أن اشتقاق الصلاة من الصلوين وهما عظما الورك ومن المعلوم أن هذا الاشتقاق غريب وكذلك اختلفوا في الأوامر والنواهي وصيغ العموم مع شدة اشتهارها وشدة الحاجة إليها اختلافا شديدا وإذا كان الحال في هذه الألفاظ التي هي أشهر الألفاظ والحاجة إلى استعمالها ماسة جدا كذلك فما ظنك بسائر الألفاظ ؟ وإذا كان كذلك ظهر أن دعوى التواتر في اللغة والنحو متعذر انتهى ولا يخفاك أن محل النزاع هو كون نقل هذه اللغة العربية إلينا بطريق التواتر في اللغة والنحو متعذر انتهى ولا يخفاك أن محل النزاع هو كون نقل اللغة العربية إلينا بطريق التواتر عن العرب الموثوق بعربيتهم فالاختلاف في الاشتقاق والوضع وغير ذلك خارج عن محل النزاع ولا يصلح للتشكيك به بوجه من الوجوه وقد تنبه الرازي لهذا فقال فإن قلت : هب أنه لا يمكن دعوى التواتر في معاني هذه الألفاظ على سبيل التفصيل ولكنا نعلم معانيها في الجملة فنعلم أنهم يطلقون لفظ الله تعالى على الإله سبحانه وإن كنا لا نعلم مسمى هذا اللفظ أهو الذات أم المعبودية أم القادرية وكذا القول في سائر الألفاظ قلت حاصل ما ذكره قادرا على الاختراع أو كونه ملجأ الخلق أو كونه بحيث تتحير العقول في إداركه إلى غير ذلك من المعاني المذكورة لهذا اللفظ وذلك يفيد نفي القطع بمسماه وإذا كان الأمر كذلك في هذه اللفظة مع نهاية شهرتها ونهاية الحاجة إلى معرفتها كان تمكن الاحتمال فيما عداها أظهر انتهى وهذا الجواب باطل لأن هذه اللفظة قد نقلت إلينا على طريقة التواتر ونقل إلينا الناقلون لها أنها موضوعة للرب سبحانه وتعالى وهذا القدر يكفي في الاستدلال به على محل النزاع وأما الاختلاف في مفهوم الإله سبحانه وتعالى فبحث آخر لا يقدح به على محل النزاع أصلا ثم قال مردفا لذلك التشكيك بتشكيك آخر وهو أن من شرط التواتر استواء الطرفين والوسط فهب أن علمنا حصول شرائط التواتر في حفاظ اللغة والنحو والتصريف في زماننا فكيف نعلم حصولها في سائر الأزمنة انتهى ويجاب عنه بأن علمنا حصولها فيهم في سائر الأزمنة بنقل الأئمة الثقات الأثبات المشتغلين بأحوال النقلة إجمالا وتفصيلا ثم أطال الكلام على هذا ثم عاد إلى النشكيك في نقلها آحادا وجميع ما جاء به مدفوع مردود فلا نشتغل بالتطويل بنقله والكلام عليه ففيما ذكرنا من الرد عليه ما يرشد إلى الرد لبقية ما شكك به \r\n وقد اختلف في جواز إثبات اللغة بطريق القياس فجوزه القاضي أبو بكر الباقلاني وابن شريح وأبو إسحق الشيرازي والرازي وجماعة من الفقهاء ومنعه الجويني والغزالي والآمدي وهو قول عامة الحنفية وأكثر الشافعية واختاره ابن الحاجب وابن الهمام وجماعة من المتأخرين وليس النزاع فيما ثبت تعميمه بالنقل كالرجل والضارب أو بالاستقراء كرفع الفعل ونصب المفعول بل النزاع فيما إذا سمي مسمى باسم في هذا الاسم باعتبار أصله من حيث الاشتقاق أو غيره معنى يظن اعتبارا هذا المعنى في التسمية لأجل دوران ذلك الاسم مع هذا المعنى وجودا وعدما ويوجد ذلك المعنى في غير ذلك الاسم فهل يتعدى ذلك الاسم المذكور إلى ذلك الغير بسبب وجود ذلك المعنى فيه فيطلق ذلك الاسم عليه حقيقة إذ لا نزاع في جواز الإطلاق مجازا إنما الخلاف في الإطلاق حقيقة وذلك كالخمر الذي هو اسم للنيء من ماء العنب إذا غلي واشتد وقذف بالزبد إذا أطلق على النبيذ إلحاقا له بالنيء المذكور بجامع المخامرة للعقل فإنها معنى في الاسم يظن اعتباره في تسمية النيء المذكور به لدوران التسمية معه فمهما لم توجد في ماء العنب لا يسمى خمرا بل عصيرا وإذا وجدت فيه سمي به وإذا زالت عنه لم يسم به بل خلا وقد وجد ذلك في النبيذ أو يخص اسم الخمر بمخامر للعقل هو ماء العنب المذكور فلا يطلق حقيقة على النبيذ وكذلك تسمية النباش سارقا للأخذ بالخفية واللائط زانيا للإيلاج المحرم احتج المجوزون بأن دوران الاسم مع المعنى وجودا وعدما يدل على أنه المعتبر لأن يفيد الظن وأجيب بأن إفادة الدوران لذلك ممنوعة لما سيأتي في مسالك العلة وبعد التسليم لإفادة الدوران وكونه طريقا صحيحة فنقول إن أردتم بدوران الاسم مع المعنى المذكور دورانا مطلقا سواء وجد في أفراد المسمى أو غيرها بادعاء ثبوت الاسم في كل مادة يوجد فيها ذلك المعنى وانتفائه في كل ما لم يوجد فيه بطريق النقل فغير المفروض لأن ما يوجد فيه ذلك المعنى حينئذ يكون من أفراد المسمى فلا يتحقق إلحاق فرع بأصل وإن أردتم بدوران الاسم مع المسمى أن يدور معه في الأصل المقيس عليه فقط لوجود الاسم في كل مادة يوجد فيها المسمى وانتفائه في كل ما لم يوجد فيه منعنا كونه طريقا مثبتا تسمية الشيء باسم لمشاركة المسمى في معنى دار الاسم معه وجودا وعدما وإن سلمنا كونه طريقا صحيحة لإثبات الحكم في الشرعيات فذلك لا يستلزم إثبات كونه طريقا صحيحة في إثبات الاسم وتعديته من محل إلى محل آخر لأن القياس في الشرعيات سمعي ثبت اعتباره بالسماع من الشارع وتعبدنا به لا أنه عقلي وأجيب ثانيا بالمعارضة على سبيل القلب بأنه دار أيضا مع المحل ككونه ماء العنب ومال الحي ووطئا في القبل فدل على أنه معتبر والمعنى جزء من العلة ومن قال بقطع النباش وحد شارب النبيذ فذلك لعموم دليل السرقة والحد أو لقياسهما على السارق والخمر قياسا شرعيا في الحكم لا لأنه يسمى النباش سارقا والنبيذ خمرا بالقياس في اللغة كما زعمتم وأيضا القياس في اللغة إثبات بالمحتمل وهو غير جائز لأن كما يحتمل التصريح باعتباره يحتمل التصريح بمنعه وأيضا لا يصح الحكم بالوضع بمجرد الاحتمال المجرد عن الرجحان وأيضا هذه اللغة العربية قد تقدم الخلاف هل هي توقيفية أو اصطلاحية وعلى القولين فلا طريق إليها إلا النقل وعلى القول بالتفصيل كذلك لأنه راجح إلى القولين وإذا عرفت هذا علمت أن الحق منع إثبات اللغة بالقياس ","part":1,"page":19},{"id":4,"text":" الفصل الرابع في تقسيم اللفظ إلى مفرد ومركب \r\n اعلم أن اللفظ إن قصد بجزء منه الدلالة على جزء معناه فهو مركب وإلا فهو مفرد والمفرد إما واحد أو متعدد وكذلك معناه فهذه أربعة أقسام : \r\n الأول : الواحد للواحد إن لم يشترك في مفهومه كثيرون لا محققا ولا مقدرا فمعرفة لتعينه إما مطلقا أي وضعا واستعمالا فعلم شخصي وجزئي شخصي وجزئي حقيقي إن كان فردا أو مضافا بوضعه الأصلي سواء كان العهد أي اعتبار الحضور لنفس الحقيقة أو لحصة منها معينة مذكورة أو في حكمها أو مبهمة من حيث الوجود معينة من حيث التخصيص أو لكل من الحصص وإما بالإشارة الحسية فاسمها وأما بالعقلية فلا بد من دليلها سابقا كضمير الغائب أو معا كضميري المخاطب والمتكلم أو لاحقا كالموصولات وإن اشترك في مفهومه كثيرون تحقيقا أو تقديرا فكلي فإن تناول الكثير على أنه واحد فجنس وإلا فاسم الجنس وأيا ما كان فتناوله لجزئياته إن كان على وجه التفاوت بأولية أو أولوية أو أشدية فهو كالمشكك وإن كان تناوله لها على السوية فهو كالمتواطئ وكل واحد من هذه الأقسام إن لم يتناول وضعا إلا فردا معينا فخاص خصوص البعض وإن تناول الأفراد واستغرقها فعام سواء استغرقها مجتمعة أو على سبيل البدل والأول يقال له العموم الشمولي والثاني البدلي وإن لم يستغرقها فإن تناول مجموعا غير محصور فيسمى عاما عند من لم يشترط الاستغراق كالجمع المنكر وعند من اشترط واسطة والراجح أنه خاص لأن دلالته على أقل الجمع قطعية كدلالة المفرد على الواحد وإن لم يتناول مجموعا بل واحدا أو اثنين أو يتناول محصورا فخاص خصوص الجنس أو النوع \r\n الثاني : اللفظ المتعدد للمعنى المتعدد ويسمى المتباين سواء تفاصلت أفراده كالإنسان والفرس أو تواصلت كالسيف والصارم \r\n الثالث : اللفظ الواحد للمعنى المتعدد فإن وضع لكل فمشترك وإلا فإن اشتهر في الثاني فمنقول ينسب إلى ناقله وإلا فحقيقة ومجاز \r\n الرابع : اللفظ المتعدد للمعنى الواحد ويسمى المترادف وكل من الأربعة ينقسم إلى مشتق وغير مشتق وإلى صفة وغير صفة ثم دلالة اللفظ على تمام ما وضع له مطابقة وعلى جزئه تضمن وعلى الخارج التزام وجميع ما ذكرنا ههنا قد بين في علوم معروفة فلا تطيل البحث فيه ولكنا نذكرها ههنا خمس مسائل تتعلق بهذا العلم تعلقا تاما ","part":1,"page":27},{"id":5,"text":" المسألة الأولى : في الاشتقاق \r\n الاشتقاق أن تجد بين اللفظين تناسبا في المعنى والتركيب فنرد أحدهما إلى الآخر وأركانه أربعة : أحدها اسم موضوع لمعنى وثانيها شيء آخر له نسبة إلى ذلك المعنى وثالثها مشاركة بين هذين الاسمين في الحروف الأصلية ورابعها تغيير يلحق ذلك الاسم في حرف فقط أو حركة فقط أو فيهما معا وكل واحد من هذه الأقسام الثلاثة إما أن يكون بالزيادة أو النقصان أو بهما معا فهذه تسعة أقسام : أحدها زيادة الحركة ثانيها زيادة الحرف ثالثها زيادتهما رابعها نقصان الحركة خامسها نقصان الحرف سادسها نقصانها سابعها زيادة لحركة مع نقصان الحرف ثامنها زيادة الحرف مع نقصان الحركة تاسعها أن يزاد فيه حركة وحرف وينقص عنه حركة وحرف وقيل تنتهي أقسامه إلى خمسة عشر وذلك لأنه يكون إما بحركة أو حرف بزيادة أو نقصان أو بهما والتركيب مثنى وثلاث ورباع وينقسم إلى الصغير والكبير والأكبر لأن المناسبة أعم من الموافقة فمع الموافقة في الحروف والترتيب صغير وبدون الترتيب كبير نحو جذب وجبذ وكنى وناك وبدون الموافقة أكبر لمناسبة ما كالمخرج في ثلم وثلب أو الصفة كالشدة في الرجم والرقم فالمعتبر في الأولين الموافقة وفي الأخير المناسبة والاشتقاق الكبير والأكبر ليس من غرض الأصولي لأن المبحوث عنه في الأصول إنما هو المشتق بالاشتقاق الصغير واللفظ ينقسم إلى قسمين صفة وهي ما دل على ذات مبهمة غير معينة بتعين شخصي ولا جنسي متصفة بمعين كضارب فإن معناه ذات لها الضرب وغير صفة وهو ما لا يدل على ذات مبهمة متصفة بمعين ثم اختلفوا هل بقاء وجه الاشتقاق شرط لصدق الاسم المشتق فيكون للمباشر حقيقة اتفاقا وفي الاستقبال مجازا اتفاقا وفي الماضي الذي قد انقطع خلاف مشهور بين الحنفية والشافعية فقالت الحنفية مجاز وقالت الشافعية حقيقة وإليه ذهب ابن سينا من الفلاسفة وأبو هشام من المعتزلة احتج القائلون بالاشتراط بأن الضارب بعد انقضاء الضرب يصدق عليه أنه ليس بضارب وإذا صدق عليه ذلك وجب أن لا يصدق عليه أنه ضارب لأن قولنا ضارب يناقضه في العرف قولنا ليس بضارب \r\n وأجيب بمنع أن نفيه في الحال يستلزم نفيه مطلقا فإن الثبوت في الحال أخص من الثبوت مطلقا ونفى الأخص لا يستلزم نفي الأعم إلا أن يراد النفي المقيد بالحال لا نفي المقيد بالحال وأجيب أيضا بأن اللازم النفي في الجملة ولا ينافي الثبوت في الجملة إلا أن الاعتبار بالمنافاة في اللغة لا في العقل واحتجوا ثانيا بأنه لو صح إطلاق المشتق إطلاقا حقيقيا باعتبار ما قبله لصح باعتبار ما بعده ولا يصح اتفاقا وأجيب بمنع الملازمة فإنه قد يشترط المشترك بين الماضي والحال وهو كونه ثبت له الضرب واحتج النافون بإجماع أهل اللغة على صحة ضارب أمس والأصل في الإطلاق الحقيقة وأجيب بأنه مجاز بدليل إجماعهم على صحة ضارب غدا وهو مجاز اتفاقا ويجاب عنه بأن مجازيته لعدم تلبسه بالفعل لا في الحال ولا في الماضي فلا يستلزم مجازية ضارب أمس والحق أن إطلاق المشتق على الماضي الذي قد انقطع حقيقة لاتصافه بذلك في الجملة وقد ذهب قوم إلى التفصيل فقالوا إن كان معناه ممكن البقاء اشترط بقاؤه فإذا مضى وانقطع فمجاز وإن كان غير ممكن البقاء لم يشترط بقاؤه فيكون إطلاقه عليه حقيقة وذهب آخرون إلى الوقف ولا وجه له فإن أدلة صحة الإطلاق الحقيقية على ما مضى وانقطع ضاهرة قوية ","part":1,"page":28},{"id":6,"text":" المسألة الثانية : في الترادف \r\n هو توالي الألفاظ المفردة الدالة على مسمى واحد باعتبار معنى واحد فيخرج عن هذه الأدلة اللفظين على مسمى واحد لا باعتبار واحد بل باعتبار صفتين كالصارم والمهند أو باعتبار الصفة وصفة الصفة كالفصيح والناطق \r\n والفرق بين الأسماء المترادفة والأسماء المؤكدة أن المترادفة تفيد فائدة واحدة من غير تفاوت أصلا وأما المؤكدة فإن الاسم الذي وقع به التأكيد يفيد تقوية المؤكد أو رفع توهم التجوز أو السهو أو عدم الشمول وقد ذهب الجمهور إلى إثبات الترادف في اللغة العربية وهو الحق وسببه إما تعدد الوضع أو توسيع دائرة التعبير وتكثير وسائله وهو المسمى عند أهل هذا الشأن بالافتنان أو تسهيل مجال النظم والنثر وأنواع البديع فإنه قد يحصل أحد اللفظين المترادفين للقافية أو السجعة دون الآخر وقد يحصل التجنيس والتقابل والمطابقة ونحو ذلك هذا دون هذا وبهذا يندفع ما قاله المانعون لوقوع الترادف في اللغة من أنه لو وقع لعري عن الفائدة لكفاية أحدهما فيكون الثاني من باب العبث ويندفع أيضا ما قالوه من أنه يكون من تحصيل الحاصل ولم يأتوا بحجة مقبولة في مقابلة ما هو معلوم بالضرورة من وقوع الترادف في لغة العرب مثل الأسد والليث والحنطة والقمح والجلوس والقعود وهذا كثير جدا وإنكاره مباهتة وقولهم أن ما يظن أنه من الترادف هو من اختلاف الذات والصفة كالإنسان والبشر أو الصفات كالخمر لتغطية العقل والعقار لعقره أو لمعاقرته أو اختلاف الحالة السابقة كالقعود من القيام والجلوس من الاضطجاع تكلف ظاهر وتعسف بحت وهو وإن أمكن تكلف مثله في بعض المواد المترادفة فإنه لا يمكن في أكثرها يعلم هذا كل عالم بلغة العرب فالعجب من نسبة المنع من الوقوع إلى مثل ثعلب وابن فارس مع توسعهما في هذا العلم ","part":1,"page":29},{"id":7,"text":" المسألة الثالثة : في المشترك \r\n وهو اللفظة الموضوعة لحقيقتين مختلفتين أو أكثر وضعا أولا من حيث هما كذلك فخرج بالوضع ما يدل على الشيء بالحقيقة وعلى غيره بالمجاز وخرج بقيد الحيثية المتواطئ فإنه يتناول الماهيات المختلفة لكن لا من حيث هي كذلك بل من حيث إنها مشتركة في معنى واحد وقد اختلف أهل العلم في المشترك فقال قوم أنه واجب الوقوع في لغة العرب وقال آخرون أنه ممتنع الوقوع وقالت طائفة أنه جائز الوقوع احتج القائلون بالوجوب بأن الألفاظ متناهية والمعاني غير متناهية والمتناهي إذا وزع على غير المتناهي لزم الاشتراك ولا ريب في عدم تناهي المعاني لأن الأعداد منها وهي غير متناهية بلا خلاف واحتجوا ثانيا بأن الألفاظ العامة كالموجود والشيء ثابتة في لغة العرب وقد ثبت أن وجود كل شيء نفس ماهيته فيكون وجود الشيء مخالفا لوجود الآخر مع أن كل واحد منهما يطلق عليه لفظ الموجود بالاشتراك وأجيب عن الدليل الأول بمنع عدم تناهي المعاني إن أريد بها المختلفة أو المتضادة وتسليمه مع منع عدم وفاء الألفاظ بها إن أريد المتماثلة المتحدة في الحقيقة أو المطلقة فإن الوضع للحقيقة المشتركة كاف في التفهيم وأيضا لو سلم عدم تناهي كل منها لكان عدم تناهي ما يحتاج إلى التعبير والتفهيم ممنوعا وأيضا لا نسلم تناهي الألفاظ لكونها متركبة من المتناهي فإن أسماء العدد غير متناهية مع تركبها من الألفاظ المتناهية وأجيب عن الدليل الثاني بأنا لا نسلم أن الألفاظ العامة ضرورية في اللغة وإن سلمنا ذلك لا نسلم أن الموجود مشترك لفظي لم لا يجوز أن يكون مشتركا معنويا وإن سلمنا ذلك لم لا يجوز اشتراك الموجودات كلها في حكم واحد سوى الوجود وهو المسمى بتلك اللفظة العامة واحتج القائلون بالامتناع بأن المخاطبة باللفظ المشترك لا يفيد فهم المقصود على التمام وما كان كذلك يكون منشأ للمفاسد وأجيب بأنه لا نزاع في أنه لا يحصل الفهم التام بسماع اللفظ المشترك لكن هذا القدر لا يوجب نفيه لأن أسماء الأجناس غير دالة على أحوال تلك المسميات لا نفيا ولا إثباتا والأسماء المشتقة لا تدل على تعيين الموصوفات ألبتة ولم يستلزم ذلك نفيها وكونها غير ثابتة في اللغة \r\n واحتج من قال بجواز الوقوع وإمكانه بأن المواضعة تابعة لأغراض المتكلم وقد يكون للإنسان غرض في تعريف غيره شيئا على التفصيل وقد يكون غرضه ذلك الشيء على الإجمال بحيث يكون ذكر التفصيل سببا للمفسدة كما روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال لمن سأله عن الهجرة عن النبي صضص من هو فقال هو رجل يهدني السبيل ولأنه ربما لا يكون المتكلم واثقا بصحة الشيء على التعيين إلا أنه يكون واثقا بصحة وجود أحدهما لا محالة فحينئذ يطلق اللفظ المشترك لئلا يكذب ولا يكذب ولا يظهر جهله بذلك فإن أي معنى لا يصح فله أن يقول أنه كان مرادي الثاني وبعد هذا كله فلا يخفاك أن المشترك موجود في هذه اللغة العربية لا ينكر ذلك إلا مكابر كالقرء فإنه مشترك بين الطهر والحيض مستعمل فيهما من غير ترجيح وهو معنى الاشتراك وهذا لا خلاف فيه بين أهل اللغة وقد أجيب عن هذا بمنع كون القرء حقيقة فيها لجواز مجازية أحدهما وخفاء موضع الحقيقة ورد بأن المجاز إن استغنى عن القرينة التحق بالحقيقة وحصل الاشتراك وهو المطلوب وإلا فلا تساوي ومثل القرء العين فإنها مشتركة بين معانيها المعروفة وكذا الجون مشترك بين الأبيض والأسود وكذا عسعس مشترك بين أقبل وأدبر وكما هو واقع في لغة العرب بالاستقراء فهو أيضا واقع في الكتاب والسنة فلا اعتبار بقول من قال أنه غير واقع في الكتاب فقط أو غير واقع فيهما لا في اللغة ","part":1,"page":30},{"id":8,"text":" المسألة الرابعة : اختلف في جواز استعمال اللفظ المشترك في معنييه أو معانيه \r\n فذهب الشافعي والقاضي أبو بكر وأبو علي الجبائي والقاضي عبد الجبار بن أحمد والقاضي جعفر والشيخ حسن وبه قال الجمهور وكثير من أئمة أهل البيت إلى جوازه وذهب أبو هاشم وأبو الحسن البصري والكرخي إلى امتناعه ثم اختلفوا فمنهم من منع منه لأمر يرجع إلى القصد ومنهم من منع منه لأمر يرجع إلى الوضع والكلام يبتني على بحث هو هل يلزم من كون اللفظ لمعنيين أو معاني على البدل أن يكون موضوعا لهما أولها على الجمع أم لا ؟ فقال المانعون أن المعلوم بالضرورة المغايرة بين المجموع وبين كل واحد من الأفراد لأن الوضع تخصيص لفظ يمعنى فكل وضع يوجب أن لا يراد باللفظ إلا هذا الموضع له ويوجب أن يكون هذا المعنى تمام المراد باللفظ فاعتبار كل من الوضعين ينافي اعتبار الآخر فاستعماله للمجموع استعمال له في غير ما وضع له وأنه غير جائز وإن قلنا أن ذلك اللفظ وضع للمجموع فلا يخلو إما أن يستعمل لإفادة المجموع وحده مع إفادة أفراد فإن كان الأول لم يكن اللفظ مفيدا إلا لأحد مفهوماته لأن الواضع وضعه بإزاء أمور ثلاثة على البدل وأحدها ذلك المجموع فاستعمال اللفظ فيه وحده لا يكون استعمالا له في كل مفهوماته وإن قلنا أنه مستعمل في إفادة المجموع والأفراد على البدل فهو محال كما قدمنا واحتج المجوزون بأمور أحدها أن الصلاة من الله رحمة ومن الملائكة استغفار ثم إن الله سبحانه أراد بقوله { إن الله وملائكته يصلون على النبي } كلا المعنيين وهذا هو الجمع بين معنى المشترك وأجيب بأن هذه الآية ليس فيها استعمال الاسم المشترك في أكثر من معنى واحد لأن سياق الآية لإيجاب اقتداء المؤمنين بالله وملائكته في الصلاة على النبي صضص فلا بد من اتحاد معنى الصلاة في الجميع لأنه لو قيل إن الله يرحم النبي والملائكة يستغفرون له يا أيها الذين آمنوا ادعوا له لكان هذا الكلام في غاية الركاكة فعلم أنه لا بد من اتحاد معنى الصلاة سواء كان معنى حقيقيا أو معنى مجازيا أما الحقيقي فهو الدعاء فالمراد أنه سبحانه يدعو ذاته بإيصال الخير إلى النبي صضص ثم من لوازم هذا الدعاء الرحمة فالذي قال إن الصلاة من الله الرحمة قد أراد هذا المعنى لا أن الصلاة وضعت للرحمة وأما المجازي فكإرادة الخير ونحو ذلك مما يليق بهذا المقام ثم إن اختلف ذلك لأجل اختلاف الموصوف فلا بأس به ولا يكون هذا من باب الاشتراك بحسب الوضع واحتجوا أيضا بقوله سبحانه : { ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض } الآية فإنه نسب السجود إلى العقلاء وغيرهم كالشجر والدواب فما نسب إلى غير العقلاء يراد به الانقياد لا وضع الجبهة على الأرض وما نسب إلى العقلاء يراد به وضع الجبهة على الأرض إذ لو كان المراد الانقياد لما قال - وكثير من الناس - لأن الانقياد شامل لجميع الناس وأجيب بأنه يمكن أن يراد بالسجود الانقياد في الجميع وما ذكروا من أن الانقياد شامل لجميع الناس باطل لأن الكفار لم ينقادوا ويمكن أن يراد بالسجود وضع الرأس على الأرض في الجميع فلا يحكم باستحالته من الجمادات إلا من يحكم باستحالة التسبيح من الجمادات وباستحالة الشهادة من الجوارح والأعضاء يوم القيامة إذا عرفت هذا لاح لك عدم جواز الجمع بين معنى المشترك أو معانيه ولم يأت من جوزه بحجة مقبولة وقد قيل إنه يجوز الجمع مجازا لا حقيقة وبه قال جماعة من المتأخرين وقيل يجوز إرادة الجمع لكن بمجرد القصد لا من حيث اللغة وقد نسب هذا إلى الغزالي والرازي وقيل يجوز الجمع في النفي لا في الإثبات فيقال مثلا ما رأيت عينا ومراده العين الجارحة وعين الذهب وعين الشمس وعين الماء ولا يصح أن يقال عندي عين وتراد هذه المعاني بهذه اللفظ وقيل بإرادة الجميع في الجمع فيقال مثلا عندي عيون ويراد تلك المعاني وكذا المثنى فحكمه حكم الجمع فيقال مثلا عندي جونان ويراد أبيض وأسود ولا يصح إرادة المعنيين أو المعاني بلفظ المفرد وهذا الخلاف إنما هو في المعاني التي يصح الجمع بينها وفي المعنيين اللذين يصح الجمع بينهما لا في المعاني المتناقضة ","part":1,"page":31},{"id":9,"text":" المسألة الخامسة : في الحقيقة والمجاز \r\n وفي هذه المسألة عشرة أبحاث : \r\n البحث الأول : في تفسير لفظي الحقيقة والمجاز أما الحقيقة فهي فعيلة من حق الشيء بمعنى ثبت والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية الصرفة وفعيل في الأصل قد يكون بمعنى الفاعل وقد يكون بمعنى المفعول فعلى التقدير الأول يكون معنى الحقيقة الثابتة وعلى الثاني يكون معناها المثبتة وأما المجاز فهو مفعل من الجواز الذي هو التعدي كما يقال جزت هذا الموضع : أي جاوزته وتعديته أو من الجواز الذي هو قسيم الوجوب والامتناع وهو راجع إلى الأول لأن الذي لا يكون واجبا ولا ممتنعا يكون مترددا بين الوجوه والعدم فكأنه ينتقل من هذا إلى هذا \r\n البحث الثاني : في حدهما فقيل في حد الحقيقة إنها اللفظ المستعمل فيما وضع له فيشمل هذا الوضع اللغوي والشرعي والعرفي والاصطلاحي وزاد جماعة في هذا الجد قيدا وهو قولهم في اصطلاح التخاطب لأنه إذا كان التخاطب باصطلاح واستعمل فيه ما وضع له في اصطلاح آخر لمناسبة بينه وبين ما وضع له في اصطلاح التخاطب كان مجازا مع أنه لفظ مستعمل فيما وضع له وزاد آخرون في هذا الحد قيدا فقالوا هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا لإخراج مثل ما ذكر وقيل في حد الحقيقة إنها ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به وقيل في حدها إنها كل كلمة أريد بها عين ما وضعت له في وضع واضع وضعا لا يستند فيه إلى غيره وأما المجاز فهو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينه وقيل هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولا على وجه يصح وزيادة قيد على وجه يصح لإخراج مثل استعمال لفظ الأرض في السماء وقيل في حده أيضا أنه ما كان بضد معنى الحقيقة \r\n البحث الثالث : قد اتفق أهل العلم على ثبوت الحقيقة اللغوية والعرفية واختلفوا في ثبوت الحقيقة الشرعية وهي اللفظ الذي استفيد من الشارع وضعه للمعنى سواء كان اللفظ والمعنى مجهولين عند أهل اللغة أو كانا معلومين لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى أو كان أحدهما مجهولا والآخر معلوما وينبغي أن يعلم قبل ذلك الخلاف والأدلة من الجانبين أن الشرعية هي اللفظ المستعمل فيما وضع له بوضع الشارع لا بوضع أهل الشرع كما ظن فذهب الجمهور إلى إثباتها وذلك كالصلاة والزكاة والصوم والمصلي والمزكي والصائم وغير ذلك فمحل النزاع الألفاظ المتداولة شرعا المستعملة في غير ما وضع له في اللغة فالجمهور جعلوها حقائق شرعية بوضع الشارع لها وأثبت المعتزلة أيضا مع الشرعية حقائق دينية فقالوا إن ما استعمله الشارع في معان غير لغوية ينقسم إلى قسمين : \r\n الأول : الأسماء التي أجريت على الأفعال وهي الصلاة والصوم والزكاة ونحو ذلك \r\n والقسم الثاني : الأسماء التي أجريت على الفاعلين كالمؤمن والكافر والفاسق ونحو ذلك فجعلوا القسم الأول حقيقة شرعية \r\n والقسم الثالث : حقيقة دينية وإن كان الكل على السواء في أنه عرف شرعي وقال القاضي أبو بكر الباقلاني وبعض المتأخرين ورجحه الرازي أنها مجازات لغوية غلبت في المعاني الشرعية لكثرة دورانها على ألسنة أهل الشعر وثمرة الخلاف أنها إذا وردت في كلام الشارع مجردة عن القرينة هل تحمل على المعاني الشرعية أو على اللغوية ؟ فالجمهور قالوا بالأول و الباقلاني ومن معه قالوا بالثاني قالوا أما في كلام المتشرعة فيحمل على الشرعي اتفاقا لأنها قد صارت حقائق عرفية بينهم وإنما النزاع في كون ذلك بوضع الشارع وتعيينه إياها بحيث تدل على تلك المعاني بلا قرينة فتكون حقائق شرعية أو بغلبتها في لسان أهل الشرع فقط ولم يضعها الشارع بل استعملها مجازات لغوية لقرائن فتكون حقائق عرفية خاصة لا شرعية احتج الجمهور بما هو معلوم شرعا أن الصلاة في لسان الشارع وأهل الشرع لذات الأذكار والأركان والزكاة لأداء مال مخصوص والصيام لإمساك مخصوص والحج لقصد مخصوص وأن هذه المدلولات هي المتبادرة عند الإطلاق وذلك علامة الحقيقة بعد أن كانت الصلاة في اللغة للدعاء والزكاة لنماء والصيام للإمساك مطلقا والحج للقصد مطلقا : وأجيب عن هذا بأنها باقية في معانيها اللغوية والزيادات شروط والشرط خارج عن المشروط ورد بأنه يستلزم أن لا يكون مصليا من لم يكن داعيا كالأخرس وأجيب أيضا بأنه لا يلزم من سبق المعاني الشرعية عند الإطلاق ثبوت الحقائق الشرعية لجواز صيرورتها بالغلبة حقائق عرفية خاصة لأهل الشرع وإن لم تكن حقائق شرعية بوضع الشارع ورد بأنه إن أريد بكون اللفظ مجازا أن الشارع استعمله في معناه لمناسبة للمعنى اللغوي ثم اشتهر فأفاد بغير قرينة فذلك معنى الحقيقة الشرعية فثبت المدعي وإن أريد أن أهل اللغة استعملوه في هذه المعاني وتبعهم الشارع في ذلك فخلاف الظاهر للقطع بأنها معان حادثة ما كان أهل اللغة يعرفونها واحتج القاضي ومن معه بأن إفادة هذه ألفاظ لهذه المعاني لو لم تكن لغوية لما كان القرآن كله عربيا وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم أما الملازمة فلأن هذه الألفاظ مذكورة في القرآن فلو لم تكن إفادتها لهذه المعاني عربية لزم أن لا يكون القرآن عربيا وأما فساد اللازم فلقوله سبحانه { قرآنا عربيا } وقوله { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } وأجيب بأن إفادة هذه الألفاظ لهذه المعاني وإن لم تكن عربية لكنها في الجملة ألفاظ عربية فإنهم كانوا يتكلمون بها في الجملة وإن كانوا يعنون بها غير هذه المعاني وإذا كان كذلك كانت هذه الألفاظ عربية فالملازمة ممنوعة وأجيب أيضا بأنا لا نسلم أنها ليست بعربية على تسليم أنها مجازات لغوية جعلها الشارع حقائق شرعية لأن المجازات عربية وإن لم تصرح العرب بأحداها فقد جوزوا نوعها وذلك يكفي في نسبة المجازات بأسرها إلى لغة العرب وإلا لزم كونها كلها ليست بعربية واللازم باطل فالملزوم مثله ولو سلمنا أن المجازات العربية التي صارت حقائق بوضع الشارع ليست بعربية لم يلزم أن يكون القرآن غير عربي بدخولها فيه لأنها قليلة جدا والاعتبار بالأغلب فإن الثور الأسود لا يمنع إطلاق اسم الأسود عليه بوجود شعرات بيض في جلده على أن القرآن يقال بالاشتراك على مجموعه وعلى كل بعض منه فلا تدل الآية على أنه كله عربي كما يفيده قوله في سورة يوسف { إنا أنزلناه قرآنا عربيا } والمراد منه تلك السورة وأيضا الحروف المذكورة في أوائل السور ليست بعربية والمشكاة لغة حبشية والإستبرق والسجيل فارسيان والقسطاس من لغة الروم وإذا عرفت هذا تقرر لك ثبوت الحقائق الشرعية وعلمت أن نافيها لم يأت بشيء يصلح للاستدلال كما أوضحناه وهكذا الكلام فيما سمته المعتزلة حقيقة دينية فإنه من جملة الحقائق الشرعية كما قدمنا فلا حاجة إلى تطويل البحث فيه \r\n البحث الرابع : المجاز واقع في لغة العرب عند جمهور أهل العلم وخالف في ذلك أبو إسحاق الإسفرائيني وخلافه هذا يدل أبلغ دلالة على عدم إطلاعه على لغة العرب وينادي بأعلى صوت بأن سبب هذا الخلاف تفريطه في الاطلاع على ما ينبغي الاطلاع عليه من هذه اللغة الشريفة وما اشتملت عليه من الحقائق والمجازات التي لا تخفى على من له أدنى معرفة بها وقد استدل بما هو أوهن من بيت العنكبوت فقال لو كان المجاز واقعا في لغة العرب لزم الإخلال بالتفاهم إذ قد تخفى القرينة وهذا التعليل عليل فإن تجويز خفاء القرينة أخفى من السها واستدل صاحب المحصول لهذا القائل بأن اللفظ لو أفاد المعنى على سبيل المجاز فأما أن يفيد مع القرينة أو بدونها والأول باطل لأنه مع القرينة المخصوصة لا يحتمل غير ذلك فيكون هو مع تلك القرينة حقيقة لا مجازا والثاني باطل لأن اللفظ أو أفاد معناه المجازي بدون قرينة لكان حقيقة فيه إذ لا معنى للحقيقة إلا كونها مستقلة بالإفادة بدون قرينة وأجاب عنه بأن هذا نزاع في العبارة ولنا أن نقول اللفظ الذي لا يفيد إلا مع القرينة هو المجاز ولا يقال للفظة مع القرينة حقيقة فيها لأن دلالة القرينة ليست دلالة وضعية حتى يجعل المجموع لفظا واحدا دالا على المسمى وعلى كل حال فهذا لا ينبغي الاشتغال بدفعه ولا التطويل في رده فإن وقوع المجاز وكثرته في اللغة العربية أشهر من نار على علم وأوضح من شمس النهار قال ابن جني : أكثر اللغة مجاز وقد قيل إن أبا علي الفارسي قائل بمثل هذه المقالة التي قالها الإسفرائيني وما أظن مثل أبي علي يقول ذلك فإنه إمام اللغة العربية الذي لا يخفى على مثله مثل هذا الواضح البين الظاهر الجلي وكما أن المجاز واقع في لغة العرب فهو أيضا واقع في الكتاب العزيز عند الجماهير وقوعا كثيرا بحيث لا يخفى إلا على من لا يفرق بين الحقيقة والمجاز وقد روي عن الظاهرية نفيه في الكتاب العزيز وما هذا بأول مسائلهم التي جمدوا فيها جمودا يأباه الإنصاف وينكره الفهم ويجحده العقل وأما ما استدل به لهم من أن المجاز كذب لأنه ينفي فيصدق نفيه وهو باطل لأن الصادق إنما هو نفي الحقيقة فلا ينافي صدق إثبات المجاز وليس في المقام من الخلاف ما يقتضي ذكر بعض المجازات الواقعة في القرآن والأمر أوضح من ذلك وكما أن المجاز واقع في الكتاب العزيز وقوعا كثيرا فهو أيضا واقع في السنة وقوعا كثيرا والإنكار لهذا الوقوع مباهتة لا يستحق المجاوبة \r\n البحث الخامس : أنه لا بد من العلاقة في كل مجاز فيما بينه وبين الحقيقة والعلاقة هي اتصال للمعنى المستعمل فيه بالموضوع له وذلك الاتصال إما باعتبار الصورة كما في المجاز المرسل أو باعتبار المعنى كما في الاستعارة وعلاقتها المشابهة وهي الاشتراك في معنى مطلقا لكن يجب أن تكون ظاهرة الثبوت لمحله والانتفاء عن غيره كالأسد للرجل الشجاع لا الأبخر والمراد الاشتراك في الكيف فيندرج تحت مطلق العلاقة المشاكلة الكلامية كإطلاق الإنسان على الصورة المنقوشة ويندرج تحتها أيضا المطابقة والمناسبة والتضاد المنزل منزلة التناسب لنهكم نحو { فبشرهم بعذاب أليم } فهذا الاتصال المعنوي وأما الاتصال الصوري فهو إما في اللفظ وذلك في المجاز بالزيادة والنقصان وفي المشاكلة البديعية وهي الصحبة الحقيقية أو التقديرية وقد تكون العلاقة باعتبار ما مضى وهو الكون عليه كاليتيم للبالغ أو باعتبار المستقبل وهو الأول إليه كالخمر للعصير أو باعتبار الكلية والجزئية كالركوع للصلاة واليد فيما وراء الرسغ والحالية والمحلية كاليد في القدرة والسببية والمسببية والإطلاق والتقييد واللزوم والمجاورة والظرفية والمظروفية والبدلية والشرطية والمشروطية والضدية ومن العلاقات إطلاق المصدر على الفاعل أو المفعول كالعلم في العالم أو المعلوم ومنها تسمية إمكان الشيء باسم وجوده كما يقال للخمر التي في الدن إنها مسكرة ومنها إطلاق اللفظ المشتق بعد زوال المشتق منه وقد جعل بعضهم في إطلاق اسم السبب على المسبب أربعة أنواع : القابل والصورة والفاعل والغاية : أي تسمية الشيء باسم قابله نحو سال الوادي وتسمية الشيء باسم صورته كتسمية القدرية باليد وتسمية الشيء باسم فاعله حقيقة أو ظنا كتسمية المطر بالسماء والنبات بالغيث وتسمية الشيء باسم غايته كتسمية العنب بالخمر وفي إطلاق اسم المسبب على السبب أربعة أنواع على العكس من هذه المذكورة قبل هذا وعند بعضهم من العلاقات الحلول في محل واحد كالحياة في الإيمان والعلم وكالموت في ضدهما والحلول في محلين متقاربين كرضى الله في رضى رسوله والحلول في حيزين متقاربين كالبيت في الحرم كما في قوله { من مقام إبراهيم } وهذه الأنواع راجعة إلى علاقة الحالية والمحلية كما أن الأنواع السابقة مندرجة تحت علاقة السببية والمسببية فما ذكرناه ههنا مجموعة أكثر من ثلاثين علاقة وعد بعضهم من العلاقات ما لا تعلق لها بالمقام كحذف المضاف نحو { واسأل القرية } يعني أهلها وحذف المضاف إليه نحو أنا ابن جلا أي أنا ابن رجل جلا والنكرة في الإثبات إذا جعلت للعموم نحو { علمت نفس ما أحضرت } أي كل نفس والمعرف باللام إذا أريد به الواحد المنكر نحو { ادخلوا عليهم الباب } أي بابا من أبوابها والحذف نحو { يبين الله لكم أن تضلوا } أي كراهة أن تضلوا والزيادة كقوله تعالى : { ليس كمثله شيء } ولو كانت هذه معتبرة لكانت العلاقات نحو أربعين علاقة لا كما قال بعضهم إنها لا تزيد على إحدى عشرة وقال آخر لا تزيد على عشرين وقال آخر لا تزيد عن خمس وعشرين فتدبر واعلم أنه لا يشترط النقل في آحاد المجاز بل العلاقة كافية والمعتبر نوعها ولو كان نقل آحادا المجاز معتبرا لتوقف أهل العربية في التجوز على النقل ولوقعت منهم التخطئة لمن استعمل غير المسموع من المجازات وليس كذلك بالاستقراء ولذلك لم يدونوا المجازات كالحقائق وأيضا لو كان نقليا لاستغنى عن النظر في العلاقة لكفاية النقل وإلى عدم اشتراط نقل آحاد المجاز ذهب الجمهور وهو الحق ولم يأت من اشترط ذلك بحجة تصلح لذكرها وتستدعي التعرض لدفعها وكل من له علم وفهم يعلم أن أهل اللغة العربية ما زالوا يخترعون المجازات عند وجود العلاقة ونصب القرينة وهكذا من جاء بعدهم من أهل البلاغة في فني النظم والنثر ويتمادحون باختراع الشيء الغريب من المجازات عند وجود المصحح للتجوز ولم يسمع عن واحد منهم خلاف هذا \r\n البحث السادس : في قرائن المجاز اعلم أن القرينة إما خارجة عن المتكلم والكلام أي لا تكون معنى في المتكلم وصفة له ولا تكون من جنس الكلام أو تكون معنى في المتكلم أو تكون من جنس الكلام وهذه القرينة التي تكون من جنس الكلام إما لفظ خارج عن هذا الكلام الذي يكون المجاز فيه بأن يكون في كلام آخر لفظ يدل على عدم إرادة المعنى الحقيقي أو غير خارج عن هذا الكلام بل هو عينه أو شيء منه يكون دالا على عدم إرادة الحقيقة ثم هذا القسم على نوعين إما أن يكون بعض الأفراد أولى من بعض في دلالة ذلك اللفظ عليه كما لو قال كل مملوك لي حر فإنه لا يقع على المكاتب مع أنه عبد ما بقي عليه درهم فيكون هذا اللفظ مجازا من حيث أنه مقصور على بعض الأفراد أما القرينة التي تكون لمعنى في المتكلم فكقوله سبحانه : { واستفزز من استطعت منهم } الآية فإن سبحانه لا يأمر بالمعصية وأما القرينة الخارجة عن الكلام فكقوله { فمن شاء فليؤمن } فإن سياق الكلام وهو قوله { إنا أعتدنا } يخرجه عن أن يكون للتخيير ونحو قوله طلق امرأتي إن كنت رجلا فإن هذا لا يكون توكيلا لأن قوله إن كنت رجلا يخرجه عن ذلك فانحصرت القرينة في هذه الأقسام ثم القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي قد تكون عقلية وقد تكون حسية وقد تكون عادية وقد تكون شرعية فلا تختص قرائن المجاز بنوع من هذه الأنواع دون نوع \r\n البحث السابع : في الأمور التي يعرف بها المجاز ويتميز عندها عن الحقيقة اعلم أن الفرق بين الحقيقة والمجاز إما أن يقع بالنص أو الاستدلال أما بالنص فمن وجهين : الأول أن يقول الواضع هذا حقيقة وذاك مجاز الثاني أن يذكر الواضع حد كل واحد منهما بأن يقول هذا مستعمل فيما وضع له وذاك مستعمل في غير ما وضع له ويقوم مقام الحد ذكر خاصة كل واحد منهما وأما الاستدلال فمن وجوه ثلاثة : الأول أن يسبق المعنى إلى إفهام أهل اللغة عند سماع اللفظ بدون قرينة فيعلم بذلك أنه حقيقة فيه فإن كان لا يفهم منه المعنى المراد إلا بالقرينة فهو المجاز واعترض على هذا بالمشترك المستعمل في معنييه أو معانيه فإنه لا يتبادر أحدهما أو أحدها لولا القرينة المعينة للمراد مع أنه حقيقة وأجيب بأنها يتبادر جميعها عند من قال بجواز حمل المشترك على جميع معانيه ويتبادر أحدها لا بعينه عند من منع من حمله على جميع معانيه ورد بأن علامة المجاز تصدق حينئذ على المشترك المستعمل في المعين إذ يتبادر غيره وهو علامة المجاز مع أنه حقيقة فيه ودفع هذا الرد بأنه إنما يصح ذلك لو تبادر أحدهما لا بعينه على أنه المراد واللفظ موضوع للقدر المشترك مستعمل فيه وأما إذا علم أن المراد أحدهما بعينه إذ اللفظ يصلح لهما وهو مستعمل في أحدهما ولا يعلمه فذلك كاف في كون المتبادر غير المجاز فلا يلزم كونه للمعين مجازا \r\n الثاني : صحة النفي للمعنى المجازي وعدم صحته للمعنى الحقيقي في نفس الأمر واعترض بأن العلم بعدم صحة النفي موقوف على العلم بكونه حقيقة فإثبات كونه حقيقة به دور ظاهر وكذا العلم بصحة النفي موقوف على العلم بأن ذلك المعنى ليس من المعاني الحقيقية وذلك موقوف على العلم بكونه مجازا فإثبات كونه مجازا به دور وأجيب بأن سلب بعض المعاني الحقيقية كاف فيعلم أنه مجاز فيه وإلا لزم الاشتراك وأيضا إذا علم معنى اللفظ الحقيقي والمجازي ولم يعلم أيهما المراد أمكن أن يعلم بحصته نفي المعنى الحقيقي أن المراد هو المعنى المجازي وبعدم صحته أن المراد هو المعنى الحقيقي \r\n الثالث : عدم اطراد المجاز وهو أن لا يجوز استعماله في محل مع وجود سبب الاستعمال المسوغ لاستعماله في محل آخر كالتجوز بالنخلة للإنسان الطويل دون غيره مما فيه طول وليس الاطراد دليل الحقيقية فإن المجاز قد يطرد كالأسد للشجاع واعترض بأن عدم الاطراد قد يوجد في الحقيقة كالسخي والفاضل فإنهما لا يطلقان على الله سبحانه مع وجودهما على وجه الكمال فيه سبحانه وكذا القارورة لا تطلق على غير الزجاجة مما يوجد معنى الاستقرار فيه كالدن وأجيب عنه بأن الأمارة عدم الاطراد لا لمانع لغة أو شرعا ولم يتحقق فيما ذكرتم من الأمثلة فإن الشرع منع من إطلاق السخي والفاضل على الله سبحانه واللغة منعت من إطلاق القارورة على غير الزجاجة وقد ذكروا غير هذه الوجوه مثل قولهم من العلامات الفارقة بين الحقيقة والمجاز أنها إذا علقت الكلمة بما يستحيل تعليقها به علم أنها في أصل اللغة غير موضوعة له فيعلم أنها مجاز فيه ومنها أن يضعوا اللفظة لمعنى ثم يتركوا استعماله إلا في بعض معانيه المجازية ثم استعملوه بعد ذلك في غير ذلك الشيء فإنا نعلم كونه من المجاز العرفي مثل استعمال لفظ الدابة في الحمال ومنها امتناع الاشتقاق فإنه دليل على كون اللفظ مجازا منها أن تختلف صيغة الجمع على الاسم فيجمع على صيغة مخالفة لصيغة جمعه لمسمى آخر هو فيه حقيقة ومنها أن المعنى الحقيقي إذا كان متعلقا بالغير فإنه إذا استعمل فيما لا يتعلق به شيء كان مجازا وذلك كالقدرة إذا أريد بها الصفة كانت متعلقة بالمقدور وإذا أطلقت على النبات الحسن لم يكن لها متعلق فيعلم كونها مجازا فيه ومنها أن يكون إطلاقه على أحد مسمييه متوقفا على تعلقه بالآخر نحو { ومكروا ومكر الله } ولا يقال مكر الله ابتداء ومنها لا يستعمل إلا مقيدا ولا يستعمل للمعنى المطلق كنار الحرب وجناح الذل \r\n البحث الثامن : في أن اللفظ قبل الاستعمال لا يتصف بكونه حقيقة ولا بكونه مجازا لخروجه عن حد كل واحد منهما إذا الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له وقد اتفقوا على أن الحقيقة لا تستلزم المجاز لأن اللفظ قد يستعمل في ما وضع له ولا يستعمل في غيره وهذا معلوم لكل عالم بلغة العرب واختلفوا هل يستلزم المجاز الحقيقة أم لا ؟ بل يجوز أن يستعمل اللفظ في غير ما وضع له ولا يستعمل في ما وضع له أصلا ؟ فقال جماعة أن المجاز يستلزم الحقيقة واستدلوا على ذلك بأنه لو لم يستلزم لخلا الوضع عن الفائدة وكان عبثا وهو محال أما الملازمة فلأن ما لم يستعمل لا يفيد فائدة وفائدة الوضع إنما هي إعادة المعاني المركبة وإذا لم يستعمل لم يقع في التركيب فانتفت فائدته وأما بطلان اللازم فظاهر وأجيب بمنع انحصار فائدة في إفادة المعاني المركبة فإن صحة التجوز فائدة واستدل القائلون بعدم الاستلزام وهم الجمهور بأنه لو استلزم المجاز الحقيقة لكانت لنحو شابت لمة الليل أي ابيض الغسق وقامت الحرب على ساق أي اشتدت حقيقة واللازم منتف وأجيب عن هذا بجوابين جدلي وتحقيقي أما الجدلي فبأن الإلزام مشترك لأن نفس الوضع لازم فيجب أن تكون هذه المركبات موضوعة لمعنى متحقق وليس كذلك وأما التحقيق فباختيار أن لا مجاز في المركب بل في المفردات ولها وضع واستعمال ولا مجاز في التركيب حتى يلزم أن يكون له معنى ومن اتبع عبد القاهر في أن المجاز مفرد ومركب ويسمى عقليا وحقيقة عقلية لكونهما في الإسناد سواء كان طرفاه نحو سرتني رؤيتك أو مجازين نحو أحياني اكتحالي بطلعتك أو مختلفين فإن اتبعه في عدم الاستلزام أيضا فذاك وإلا فله أن يجيب بأن مجازات الأطراف لا مدخل لها فيه ولها حقائق مجاز الإسناد ليس لفظا حتى يطلب لعينه حقيقة ووضع بل له معنى حقيقة بغير هذا اللفظ واجتماع المجازات لا يستلزم اجتماع حقائقها ومن قال بإثبات المجاز المركب في الاستعارة التمثيلية نحو طارت به العنقاء وأراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى فلا بد أن يقال بعدم الاستلزام ومن نفى المجاز المركب أجاب عن المجاز العقلي بأنه من الاستعارة التبعية وذلك لأن عرف العرب أن يعتبروا القابل فعلا نحو مات فلان وطلعت الشمس ولم يلتزموا الإسناد إلى الفاعل الحقيقي كما في أنبت الله وخلق الله فكذا سرتني رؤيتك لأنها قابلة لإحداث الفرح ونحوها من الصور الإسنادية وأشف ما استدلوا به : قولهم أن الرحمن مجاز في الباري سبحانه لأنه معناه ذو الرحمة ومعناه الحقيقي وهو رقة القلب لا وجود له ولم يستعمل في غيره تعالى وأجيب بأن العرب قد استعملته في المعنى الحقيقي فقالوا لمسيلمة رحمان اليمامة ورد بأنهم لم يريدوا بهذا الإطلاق أن مسيلمة رقيق القلب حتى يرد النقض به ومما يستدل به للنافي أن أفعال المدح والذم هي أفعال ماضية ولا دلالة لها على الزمان الماضي فكانت مجازات لا حقائق لها \r\n البحث التاسع : في اللفظ إذا دار بين أن يكون مجازا أو مشتركا هل يرجح المجاز على المشترك أو المشترك على المجاز ؟ فرجح قوم الأول ورجح آخرون الثاني استدل الأولون بأن المجاز أكثر من الاشتراك في لغة العرب فرجح الأكثر على الأقل وقال ابن جني أكثر اللغة مجاز وبأن المجاز معمول به مطلقا فبلا قرينة حقيقية ومعها مجاز والمشترك بلا قرينة مهمل والإعمال أولى من الإهمال وبأن المجاز أبلغ من الحقيقة كما هو مقرر في علم المعاني والبيان وبأنه أوجز كما في الاستعارة فهذه فوائد للمجاز وقد ذكروا غيرها من الفوائد التي لا مدخل لها في المقام وذكروا للمشترك مفاسد منها إخلاله بالفم عند خفاء القرينة عند من لا يجوز حمله على معنييه أو معانيه بخلاف المجاز فإنه عند خفاء القرينة يحمل على الحقيقة ومنها تأديته إلى مستبعد من نقيض أو ضد كالقرء إذا أطلق مرادا به الحيض فيفهم منه الطهر أو بالعكس ومنها احتياجه إلى قرينتين إحداهما تعينه للمعنى المراد والأخرى تعينه للمعنى الآخر بخلاف المجاز فإنه تكفي فيه قرينة واحدة واحتج الآخرون بأن للاشتراك فوائد لا توجد في المجاز وفي المجاز مفاسد لا توجد في المشترك فمن الفوائد أن المشترك مطرد فلا يضطرب بخلاف المجاز فقد لا يطرد كما تقدم ومنها الاشتقاق منه بالمعنيين فيتسع الكلام نحو « أقرأت المرأة » بمعنى حاضت وطهرت والمجاز لا يشتق منه صلح له حال كونه حقيقة ومنها صحة التجوز باعتبار معنى المشترك فتكثر بذلك الفوائد وأما مفاسد المجاز التي لا توجد في المشترك فمنها احتياجه إلى الوضعين الشخصي والنوعي والشخصي باعتبار معناه الأصلي والفرعي للعلاقة والمشترك يكفي فيه الوضع الشخصي ولا يحتاج إلى النوعي لعدم احتياجه إلى العلاقة ومنها أن المجاز مخالف للظاهر فإن الظاهر المعنى الحقيقي لا المجازي بخلاف المشترك فإنه ليس ظاهرا في بعض معانيه دون بعض حتى يلزم بإرادة أحدها مخالفة الظاهر ومنها أن المجاز قد يؤدي إلى الغلط عند عدم القرينة فيحمل على المعنى الحقيقي بخلاف المشترك فإن معانيه كلها حقيقة وقد أجيب عن هذه الفوائد والمفاسد التي ذكرها الأولون والآخرون والحق أن الحمل على المجاز أولى من الحمل على الاشتراك لغلبة المجاز بلا خلاف والحمل على الأعم الأغلب دون القليل النادر متعين واعلم أن التعارض الحاصل بين أحوال الألفاظ لا يختص بالتعارض بين المشترك والمجاز فإن الخلل في فهم مراد المتكلم يكون على خمسة أوجه \r\n أحدها : احتمال الاشتراك وثانيها : احتمال النقل بالعرف أو الشرع وثالثها : احتمال المجاز ورابعها : احتمال الإضمار وخامسها : احتمال التخصيص ووجه كون هذه الوجوه تؤثر خللا في فهم مراد المتكلم أنه إذا انتفى احتمال الاشتراك والنقل كان اللفظ موضوعا لمعنى واحد وإذا انتفى احتمال المجاز والإضمار كان المراد من اللفظ ما وضع له وإذا انتفى احتمال التخصيص كان المراد باللفظ جميع ما وضع له فلا يبقى عند ذلك خلل في الفهم والتعارض بين هذه يقع في عشرة وجوه لأنه يقع بين الاشتراك وبين الأربعة الباقية ثم بين النقل وبين الثلاثة الباقية ثم بين المجاز والوجهين الباقيين ثم بين الإضمار والتخصيص فإذا وقع التعارض بين الاشتراك والنقل فقيل إن النقل أولى لأنه يكون اللفظ عند النقل لحقيقة واحدة مفردة في جميع الأوقات والمشترك مشترك في الأوقات كلها وقيل الاشتراك أولى لأنه لا يقتضي فسخ وضع سابق والنقل يقتضيه وأيضا لم ينكر وقوع المشترك في لغة العرب أحد من أهل العلم وأنكر النقل كثير منهم وأيضا قد لا يعرف النقل فيحمل السامع ما سمعه من اللفظ على المعنى الأصلي فيقع الغلط وأيا المشترك أكثر وجودا من المنقول وهذه الوجوه ترجح الاشتراك على النقل وهي أقوى مما استدل به من رجح النقل وأما التعارض بين المشترك والمجاز فقد تقدم تحقيقه في صدر هذا البحث وأما التعارض بين الاشتراك والإضمار فقيل إن الإضمار أولى لأن الإجمال الحاصل بسبب الإضمار مختص ببعض الصور والإجمال الحاصل بسبب الاشتراك عام في كل الصور فكان إخلاله بالفهم أكثر من إخلال الاضماء به وقيل إن الاشتراك أولى لأن الإضمار محتاج إلى ثلاث قرائن قرينة تدل على أصل الإضمار وقرينة تدل على موضع الإضمار وقرينة تدل على نفس المضمر والمشترك يفتقر إلى قرينتين كما سبق فكان الإضمار أكثر إخلالا بالفهم وأجيب بأن الإضمار وإن افتقر إلى تلك القرائن الثلاث ذلك في صورة واحدة بخلاف المشترك فإنه يفتقر إلى القرينتين في صور متعددة فكان أكثر إخلالا بالفهم فقيل التخصيص أولى لأن التخصيص أولى من المجاز وقد تقدم أن المجاز أولى من الاشتراك وأما التعارض بين النقل والمجاز فقيل المجاز أولى لأن النقل يحتاج إلى اتفاق أهل اللسان على تغيير الوضع وذلك متعذر أو متعسر والمجاز يحتاج إلى قرينة مانعة عن فهم الحقيقة وذلك متيسر وأيضا المجاز أكثر من النقل والحمل على الأكثر مقدم وأيضا في المجاز ما قدمنا من الفوائد وليس شيء من ذلك في المنقول وأما التعارض بين النقل والتخصيص فقيل التخصيص أولى لما تقدم من أن التخصيص مقدم على النقل وأما التعارض بين المجاز والإضمار فقيل هما سواء وقيل المجاز أولى لأن الإضمار يحتاج إلى ثلاث قرائن كما تقدم وأما التعارض بين المجاز والتخصيص فالتخصيص أولى لأن السامع إذا لم يجد قرينة تدل على التخصيص حمل اللفظ على عمومه فيحصل مراد المتكلم وأما في المجاز فالسامع إذا لم يجد قرينة لحمله على الحقيقة فلا يحصل مراد المتكلم وأما التعارض بين الإضمار والتخصيص فالتخصيص أولى لما تقدم من أن التخصيص مقدم على المجاز والمجاز هو والإضمار سواء وهو أولى من الإضمار \r\n البحث العاشر في الجمع بين الحقيقة والمجاز : ذهب جمهور أهل العربية وجميع الحنفية وجمع من المعتزلة والمحققون من الشافعية إلى أنه لا يستعمل اللفظ في المعنى الحقيقي والمجازي حال كونهما مقصودين بالحكم بأن يراد كل واحد منهما وأجاز ذلك بعض الشافعية وبعض المعتزلة كالقاضي عبد الجبار وأبي علي الجبائي مطلقا إلا أن لا يمكن الجمع بينهما كأفعل أمرا وتهديدا فإن الأمر طلب الفعل والتهديد يقتضي الترك فلا يجتمعان معا وقال الغزالي وأبو الحسين : إنه يصح استعماله فيهما عقلا لا لغة إلا في غير المفرد كالمثنى والمجموع فيصح استعماله فيهما لغة لتضمنه المتعدد كقولهم : « القلم أحد اللسانين » ورجح هذا التفصيل ابن الهمام وهو قوي لأنه قد وجد المقتضى وفقد المانع فلا يمتنع عقلا إرادة غير المعنى الحقيقي مع المعنى الحقيقي بالمتعدد واحتج المانعون مطلقا بأن المعنى المجازي يستلزم ما يخالف المعنى الحقيقي وهو قرينة عدم إرادته فيستحيل اجتماعهما وأجيب بأن ذلك الاستلزام إنما هو عند عدم قصد التعميم أما معه فلا واحتجوا ثانيا بأنه كما يستحيل في الثوب الواحد أن يكون ملكا وعارية في وقت واحد كذلك يستحيل في اللفظ الواحد أن يكون حقيقة ومجازا وأجيب بأن الثوب ظرف حقيقي للملك والعارية واللفظ ليس بظرف حقيقي للمعنى والحق امتناع الجمع بينهما لتبادر المعنى الحقيقي من اللفظ من غير أن يشاركه غيره في التبادر عند الإطلاق وهذا بمجرده يمنع من إرادة غير الحقيقي بذلك اللفظ المفرد مع الحقيقي ولا يقال إن اللفظ يكون عند قصد الجمع بينهما مجازا لهما لأن المفروض أن كل واحد منهما متعلق الحكم لا مجموعهما ولا خلاف في جواز استعمال اللفظ في معنى مجازي يندرج تحته المعنى الحقيقي وهو الذي يسمونه عموم المجاز لأن قرينة كل مجاز تنافي إرادة غيره من المجازات وإلى هنا انتهى الكلام في المبادئ وقد ذكر جماعة من أهل الأصول في المبادئ مباحث في بعض الحروف التي ربما يحتاج إليها الأصولي وأنت خبير بأنها مدونة في فن مستقل مبينة بيانا تاما وذلك كالخلاف في الواو هل هي لمطلق الجمع أو للترتيب ؟ فذهب إلى الأول جمهور النحاة والأصوليون والفقهاء قال أبو علي الفارسي : أجمع نحاة البصرة والكوفة على أنها للجمع المطلق وذكر سيبويه في سبعة عشر موضعا من كتابه أنها للجمع المطلق وقال الفراء وثعلب وأبو عبيد إنها للترتيب وروي هذا عن الشافعي والمؤيد بالله وأبي طالب واحتج الجمهور بأن الواو قد تستعمل فيما يمتنع الترتيب فيه كقولهم : تقاتل زيد وعمرو ولو قيل تقاتل زيد فعمرو أو تقاتل زيد ثم عمرو لم يصح والأصل الحقيقة فوجب أن يكون حقيقة في غير الترتيب وأيضا لو اقتضت الواو الترتيب لم يصح قولك رأيت زيدا وعمرا بعده أورأيت زيدا وعمرا قبله لأن قولك بعده يكون تكرارا لما تقيده الواو من الترتيب وقولك قبله يكون مناقضا لمعنى الترتيب ويمكن أن يجاب عن هذا الاستدلال بأنه امتنع جعل الواو هنا للترتيب لوجود مانع ولا يستلزم ذلك امتناعه عند عدمه واحتجوا أيضا بقوله تعالى : { ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة } في سورة البقرة وقال في سورة الأعراف { وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا } وقوله { واسجدي واركعي مع الراكعين } مع أن الركوع مقدم على السجود وقوله { والسارق والسارقة } و { الزانية والزاني } وليست في شيء من هذه المواضع للترتيب وهكذا في غيرها مما يكثر تعداده وعلى كل حال فأهل اللغة العربية لا يفهمون من قول من قال اشتر الطعام والإدام أو اشتر الأدام والطعام والترتيب أصلا وأيضا لو كانت الواو للترتيب لفهم الصحابة رضي الله عنهم في قوله سبحانه : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } أن الابتداء يكون من الصفا من دون أن يسألوا رسول الله صضص عن ذلك ولكنهم سألوه فقال ابدأوا بما بدأ الله به واحتج القائلون بالترتيب بما صح أن خطيبا قال في خطبته من يطع الله ورسوله فقد اهتدى ومن عصاهما فقد غوى فقال له رسول الله صضص بئس خطيب القوم أنت قل ومن يعص الله ورسوله ولو كان الواو لمطلق الجمع لما افترق الحال بين ما علمه الرسول وبين ما قاله وأجيب عن هذا بأنه إنما أمره صضص بذلك لأنه فهم منه اعتقاد التسوية بين الله ورسوله فأمره بعدم الجمع بينهما في ضمير واحد تعظيما لله سبحانه والحاصل أنه لم يأت القائلون بإفادة الواو للترتيب بشيء يصلح للاستدلال به ويستدعي الجواب عنه وكما أن الواو لمطلق الجمع من دون ترتيب ولا معية فالفاء للتعقيب بإجماع أهل اللغة وإذا وردت لغير تعقيب فذلك لدليل آخر مقترن معناه بمعناها وكذلك في للظرفية إما محققة أو مقدرة وكذلك من ترد لمعان وكذلك الباء لها معان مبينة في علم الإعراب فلا حاجة لنا إلى التطويل بهذه الحروف التي لا يتعلق بتطويل الكلام فيها كثير فائدة فإن معرفة ذلك قد عرفت من ذلك العلم ولنشرع الآن بعون الله وإمداده وهدايته وتيسيره في المقاصد فنقول ","part":1,"page":33},{"id":10,"text":" المقصد الأول في الكتاب العزيز وفيه أربعة فصول الفصل الأول فيما يتعلق بتعريفه \r\n اعلم أن الكتاب لغة يطلق على كل كتابة ومكتوب ثم غلب في عرف أهل الشرع على القرآن والقرآن في اللغة مصدر بمعنى القراءة غلب في العرف العام على المجموع المعين من كلام الله سبحانه المقروء بألسنة العباد وهو في هذا المعنى أشهر من لفظ الكتاب وأظهر ولذا جعل تفسيرا له فهذا تعريف الكتاب باعتبار اللغة وهو التعريف اللفظي الذي يكون بمرادف أشهر وأما حد الكتاب اصطلاحا فهو الكلام المنزل على الرسول المكتوب في المصاحف المنقول إلينا نقلا متواترا فخرج بقوله المنزل على الرسول المكتوب في المصاحف وسائر الكتب والأحاديث القدسية والأحاديث النبوية وغيرها وخرج بقوله المنقول إلينا نقلا متواترا القراآت الشاذة وقد أورد على هذا الحد أن فيه دورا لأنه عرف الكتاب بالمكتوب في المصاحف وذلك لأنه إذا قيل ما المصحف ؟ فلا بد أن يقال هو الذي كتب فيه القرآن وأجيب بأن المصحف معلوم في العرف فلا يحتاج إلى تعريفه بقوله الذي كتب فيه القرآن وقيل في حده هو اللفظ العربي المنزل للتدبر والتذكر والمتواتر فاللفظ جنس يعم الكتب السماوية وغيرها والعربي يخرج غير العربي من الكتب السماوية وغيرها والمنزل يخرج ما ليس بمنزل من العربي وقوله للتدبر والتذكر لزيادة التوضيح وليس من ضروريات هذا التعريف والتدبير التفهم لما يتبع ظاهره من التأويلات الصحيحة والمعاني المستنبطة والتذكر الاتعاظ بقصصه وأمثاله وقوله المتواتر يخرج ما ليس بمتواتر كالقراآت الشاذة والأحاديث القدسية وقيل في حده هو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه فخرج الكلام الذي لم ينزل والذي نزل لا للإعجاز كسائر الكتب السماوية والسنة والمراد بالإعجاز ارتقاؤه في البلاغة إلى حد خارج عن طوق البشر ولهذا عجزوا عن معارضته عند تحديهم والمراد بالسورة الطائفة منه المترجم أولها وآخرها توقيفا واعترض على هذا الحد بأن الإعجاز ليس لازما بيننا وإلا لم يقع فيه ريب وبأن معرفة السورة تتوقف على معرفة القرآن وأجيب بأن اللزوم بين وقت التعريف لسبق العلم بإعجازه وبأن السورة اسم للطائفة المترجمة من الكلام المنزل قرآنا كان أو غيره بدليل سورة الإنجيل وقال جماعة في حده هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف تواترا وقال جماعة هو القرآن المنزل على رسولنا المكتوب في المصاحف المنقول تواترا بلا شبهة فالقرآن تعريف لفظي للكتاب والباقي رسمي ويعترض عليه بمثل ما سبق ويجاب عن الاعتراض بما مر وقيل هو كلام الله العربي الثابت في اللوم المحفوظ للإنزال واعترض عليه بأن الأحاديث القدسية والقراآت الشاذة بل وجميع الأشياء ثابتة في اللوح المحفوظ لقوله تعالى : { ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } وأجيب بمنع كونها أثبتت في اللوح للإنزال والأولى أن يقال هو كلام الله المنزل على محمد المتلو المتواتر وهذا لا يرد عليه ما ورد على الحدود فتدبر ","part":1,"page":46},{"id":11,"text":" الفصل الثاني اختلف في المنقول آحادا هل هو قرآن أم لا ؟ \r\n فقيل ليس بقرآن لأن القرآن ما تتوفر الدواعي على نقله لكونه كلام الرب سبحانه وكونه مشتملا على الأحكام الشرعية وكونه معجزا وما كان كذلك فلا بد أن يتواتر فما لم يتواتر فليس بقرآن هكذا قرر أهل الأصول التواتر وقد ادعى تواتر كل واحدة من القراآت السبع وهي قراءة أبي عمرو ونافع وعاصم وحمزة والكسائي وابن كثير وابن عامر دون غيرها وادعى أيضا تواتر القراآت العشر وهي مع قراءة يعقوب وأبي جعفر وخلف وليس على ذلك أثارة من علم فإن هذه القراآت كل وحدة منها منقولة نقلا أحاديا كما يعرف أسانيد هؤلاء القراء لقراآتهم وقد نقل جماعة من القراء الإجماع على أن في هذه القراآت ما هو متواتر وفيها ما هو آحاد ولم يقل أحد منهم بتواتر كل واحدة من السبع فضلا عن العشر وإنما هو قول قاله بعض أهل الأصول وأهل الفن أخبر بفنهم والحاصل أن ما اشتمل عليه المصحف الشريف واتفق عليه القراء المشهورون فهو قرآن وما اختلفوا فيه فإن احتمل رسم المصحف قراءة كل واحد من المختلفين مع مطابقتها للوجه الإعرابي والمعنى العربي فهي قرآن كلها وإن احتمل بعضها دون بعض فإن صح إسناد ما لم يحتمله وكانت موافقة للوجه الإعرابي والمعنى العربي فهي الشاذة ولها حكم أخبار الآحاد في الدلالة على مدلولها وسواء كانت من القراآت السبع أو من غيرها وأما ما لم يصح إسناده مما لم يحتمله الرسم فليس بقرآن ولا منزل منزلة أخبار الآحاد أما انتفاء كونه قرآنا فظاهر وأما انتفاء تنزيله منزلة أخبار الآحاد فلعدم صحة إسناده وإن وافق المعنى العربي والوجه الإعرابي فلا اعتبار بمجرد الموافقة مع عدم صحة الإسناد وقد صح أن النبي صضص أخبر بأن القرآن أنزل على سبعة أحرف وصح عنه صضص أنه قال : [ أقرأني جبريل على حرف فلم أزل أستزيده حتى أقرأني على سبعة أحرف ] والمراد بالأحرف السبعة لغات العرب فإنها بلغت إلى سبع لغات اختلفت في قليل من الألفاظ واتفقت في غالبها فما وافق لغة من تلك اللغات فقد وافق المعنى العربي والإعرابي وهذه المسألة محتاجة إلى بسط تتضح به حقيقة ما ذكرنا وقد أفردناها بتصنيف مستقل فليرجع إليه وقد ذكر جماعة من أهل الأصول في هذا البحث ما وقع من الاختلاف بين القراء في البسملة وكذلك ما وقع من الاختلاف فيها بين أهل العلم هل هي آية من كل سورة أو آية من الفاتحة فقط أو آية مستقلة أنزل للفصل بين كل سورتين أو ليست بآية ولا هي من القرآن ؟ وأطالوا البحث في ذلك وبالغ بعضهم فجعل هذه المسألة من مسائل الاعتقاد وذكرها في مسائل أصول الدين والحق أنها آية من كل سورة لوجودها في رسم المصاحف وذلك هو الركن الأعظم في إثبات القرآنية للقرآن ثم الإجماع على ثبوتها خطأ في المصحف في أوائل السورة ولم يخالف في ذلك من لم يثبت كونها قرآنا من القراء وغيرهم وبهذا الإجماع حصل الركن الثاني وهو النقل مع كونه نقلا إجماعيا بين جميع الطوائف وأما الركن الثالث وهو موافقتها للوجه الإعرابي والمعنى العربي فذلك ظاهر إذا تقرر لك هذا علمت أن نفي كونها من القرآن مع تسليم وجودها في الرسم مجرد دعوى غير مقبولة وكذلك دعوى كونها آية واحدة أو آية من الفاتحة مع تسليم وجودها في الرسم في أول كل سورة فإنها دعوى مجردة عن دليل مقبول تقوم به الحجة وأما ما وقع من الخلاف في كونها تقرأ في الصلاة أو لا تقرأ وعلى القول بكونها تقرأ هل يسر بها مطلقا أو تكون على صفة ما يقرأ بعدها من الأسرار في السرية والجهر في الجهرية فلا يخفاك أن هذا خارج عن محمل النزاع وقد اختلفت الأحاديث في ذلك اختلافا كثيرا وقد بسطنا القول في ذلك في رسالة مستقلة وذكرنا في شرح المنتقى ما إذا رجعت إليه لم تحتج إلى غيره ","part":1,"page":48},{"id":12,"text":" الفصل الثالث في المحكم والمتشابه من القرآن \r\n اعلم أن لا اختلاف في وقوع النوعين فيه لقوله سبحانه : { منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } واختلف في تعريفهما فقيل المحكم ما له دلالة واضحة والمتشابه ما له دلالة غير واضحة فيدخل في المتشابه المجمل والمشترك وقيل في المحكم هو متضح المعنى وفي المتشابه هو غير المتضح المعنى وهو كالأول ويندرج في المتشابه ما تقدم والفرق بينهما أنه جعل في التعريف الأول الاتضاح وعدمه للدلالة وفي الثاني لنفس المعنى وقيل في المحكم هو ما استقام نظمه للإفادة والمتشابه ما اختل نظمه لعدم الإفادة وذلك لاشتماله على ما لا يفيد شيئا ولا يفهم منه معنى هكذا قال الآمدي ومن تابعه واعترض عليه بأن القول باختلال نظم القرآن مما لا يصدر عن المسلم فينبغي أن يقال في حده هو ما استقام نظمه لا للإفادة بل للابتلاء وقيل المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل والمتشابه ما أستأثر الله بعلمه وقيل المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا والمتشابه ما احتمل أوجها وقيل المحكم الفرائض والوعد والوعيد والمتشابه القصص والأمثال وقيل المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ وقيل المحكم هو معقول المعنى والمتشابه هو غير معقول المعنى وقيل غير ذلك وحكم المحكم وجوب العمل له وأما المتشابه فاختلف فيه على أقوال الحق عدم جواز العمل به لقوله سبحانه : { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به } والوقف على قوله إلا الله متعين ويكون قوله سبحانه : { والراسخون في العلم } مبتدأ وخبره يقولون { آمنا به } ولا يصح القول بأن الوقف على قوله { والراسخون في العلم } لأن ذلك يستلزم أن يكون جملة يقولون آمنا به حالية ولا معنى لتقييد علمهم به بهذا الحالة الخاصة وهي حال كونهم يقولون هذا القول وقد بسطنا الكلام على هذا في تفسيرنا الذي سميناه فتح القدير فليرجع إليه فإن فيه ما يثلج خاطر المطلع عليه إن شاء الله وليس ما ذكرناه من عدم جواز العمل بالمتشابه لعلة كونه لا معنى له فإن ذلك غير جائز بل لعلة قصور أفهام البشر عن العلم به والاطلاع على مراد الله منه كما في الحروف التي في فواتح السور فإنه لا شك أن لها معنى لم تبلغ أفهامنا إلى معرفة فهي مما استأثر الله بعلمه كما أوضحناه في التفسير المذكور ولم يصب من تمحل لتفسيرها فإن ذلك من التقول على الله بما لم يقل ومن تفسير كلام الله سبحانه بمحض الرأي وقد ورد الوعيد الشديد عليه ","part":1,"page":50},{"id":13,"text":" الفصل الرابع في المعرب هل هو موجود في القرآن أم لا \r\n والمراد به ما كان موضوعا لمعنى عند غير العرب ثم استعملته العرب في ذلك المعنى كإسماعيل وإبراهيم ويعقوب ونحوها ومثل هذا لا ينبغي أن يقع فيه خلاف والعجب ممن نفاه وقد حكى ابن الحاجب وشراح كتابه النفي لوجوده عن الأكثرين ولم يتمسكوا بشيء سوى تجويز أن يكون ما وجد في القرآن من المعرب مما اتفق فيه اللغتان العربية والعجمية وما أبعد هذا التجويز ولو كان يقوم بمثله الحجة في مواطن الخلاف لقال من شاء ما شاء بمجرد التجويز وتطرق المبطلون إلى دفع الأدلة الصحيحة بمجرد الاحتمالات البعيدة واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله وقد أجمع أهل العربية على أن العجمة علة من العلل المانعة للصرف في كثير من الأسماء الموجودة في القرآن فلو كان لذلك التجويز البعيد تأثير لما وقع منهم هذا الإجماع وقد استدل النافون بأنه لو وجد فيه ما ليس هو بعربي لزم أن لا يكون كله عربيا وقد قدمنا الجواب عن هذا وبالجملة فلم يأت الأكثرون بشيء يصلح للاستدلال به في محل النزاع وفي القرآن من اللغات الرومية والهندية والفارسية والسريانية ما لا يجحده جاحد ولا يخالف فيه مخالف حتى قال بعض السلف إن في القرآن من كل لغة من اللغات ومن أراد الوقوف على الحقيقة فليبحث كتب التفسير في مثل المشكاة والإستبرق والسجيل والقسطاس والياقوت والأباريق والتنور ","part":1,"page":52},{"id":14,"text":" المقصد الثاني في السنة وفيه أبحاث \r\n البحث الأول : في معنى السنة لغة وشرعا وأما لغة فهي الطريقة المسلوكة وأصلها من قولهم : سننت الشيء بالمسن إذا أمررته عليه حتى يؤثر فيه سنا أي طريقا وقال الكسائي : معناها الدوام فقولنا سنة معناه الأمر بالأدامة من قولهم سننت الماء إذا واليت في صبه قال الخطابي : أصلها الطريقة المحمودة فإذا أطلقت انصرفت إليها وقد يستعمل في غيرها مقيدة كقوله من سن سنة سيئة وقيل هي الطريقة المعتادة سواء كانت حسنة أو سيئة كما في الحديث الصحيح [ من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ] وأما معناها شرعا أي في اصطلاح أهل الشرع فهي قول النبي صضص وفعله وتقريره وتطلق بالمعنى العام على الواجب وغيره في عرف أهل اللغة والحديث وأما في عرف أهل الفقه فإنما يطلقونها على ما ليس بواجب وتطلق على ما يقابل البدعة كقولهم : فلان من أهل السنة قال ابن فارس في فقه اللغة العربية : وكره العلماء قول من قال سنة أبي بكر وعمر وإنما يقال سنة الله وسنة رسوله ويجاب عن هذا بأن النبي صضص قد قال في الحديث الصحيح [ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الهادين عضوا عليها بالنواجذ ] ويمكن أن يقال إنه صضص أراد بالسنة هنا الطريقة وقيل في حدها اصطلاحا هي ما يرجح جانب وجوده على جانب عدمه ترجيحا ليس معه المنع من النقيض وقيل هي ما واظب على فعله النبي صضص مع ترك ما بلا عذر وقيل هي في العبادات النافلة وفي الأدلة ما صدر عن النبي صضص من غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير وهذا هو المقصود بالبحث عنه في هذا العلم ","part":1,"page":53},{"id":15,"text":" البحث الثاني \r\n اعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن السنة المظهرة مستقلة بتشريع الأحكام وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام وقد ثبت عنه صضص أنه قال : [ ألا وأني أوتيت القرآن ومثله معه ] أي أوتيت القرآن وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن وذلك كتحريم لحوم الحمر الأهلية وتحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير وغير ذلك مما لم يأت عليه الحصر وأما ما يروى من طريق ثوبان في الأمر بعرض الأحاديث على القرآن فقال يحيى بن معين أنه موضع وضعته الزنادقة وقال الشافعي ما رواه أحد عمن يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير وقال ابن عبد البر في كتاب الله جامع العلم : قال عبد الرحمن بن مهدي : الزنادقة والخوارج وضعوا حديث ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب فإن وافق كتاب الله فأنا قلته وإن خالف فلم أقله وقد عارض حديث العرض قوم فقال : وعرضنا هذا الحديث الموضوع على كتاب الله فخالفه لأنا وجدنا في كتاب الله { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ووجدنا فيه { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } ووجدنا فيه { من يطع الرسول فقد أطاع الله } قال الأوزاعي : الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب قال ابن عبد البر : إنها تقضي عليه وتبين المراد منه وقال يحيى بن أبي كثير : السنة قاضية على الكتاب والحاصل أن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام ","part":1,"page":53},{"id":16,"text":" البحث الثالث \r\n ذهب الأكثر من أهل العلم إلى عصمة الأنبياء بعد النبوة من الكبائر وقد حكى القاضي أبو بكر إجماع المسلمين على ذلك وكذا حكاه ابن الحاجب وغيره من متأخري الأصوليين وكذا حكوا الإجماع على عصمتهم بعد النبوة مما يزري بمناصبهم كرذائل الأخلاق والدناءات وسائر ما ينفر عنهم وهي التي يقال لها صغائر الخسة كسرقة لقمة والتطفيف بحبة وإنما اختلفوا في الدليل على ذلك الشرع والعقل لأنها منفرة عن الاتباع فيستحيل وقوعها منهم عقلا وشرعا ونقله إمام الحرمين في البرهان عن طبقات الخلق قال وإليه مصير جماهير أئمتنا وقال ابن فورك إن ذلك ممتنع من مقتضى المعجزة قال القاضي عياض : وإليه ذهب الأستاذ أبو إسحاق ومن تبعه وقال القاضي أبو بكر وجماعة من محققي الشافعية والحنفية إن الدليل على امتناعها السمع فقط وروى عن القاضي أبي بكر أنه قال إنها ممتنعة سمعا والإجماع دل عليه قال ولو رددنا ذلك إلى العقل فليس فيه ما يحيلها واختار هذا إمام الحرمين و الغزالي والكيا وابن برهان قال الهندي هذا الخلاف فيما إذا لم يسنده إلى المعجزة في التحدي فإن أسنده إليها كان امتناعه عقلا وهكذا وقع الإجماع على عصمتهم بعد النبوة من تعمد الكذب في الأحكام الشرعية لدلالة المعجزة على صدقهم وأما الكذب غلطا فمنعه الجمهور وجوزه القاضي أبو بكر واستدل الجمهور بأن المعجزة تدل على امتناعه واستدل القاضي بأن المعجزة إنما تدل على امتناعه عمدا لا خطأ وقول الجمهور أولى وأما الصغائر التي لا تزري بالمنصب ولا كانت من الدناءات فاختلفوا هل تجوز عليهم وإذا جازت هل وقعت منهم أم لا ؟ فنقل إمام الحرمين والكيا عن الأكثرين الجواز عقلا وكذا نقل ذلك عن الأكثرين ابن الحاجب ونقل إمام الحرمين وابن القشيري عن الأكثرين أيضا عدم الوقوع قال إمام الحرمين الذي ذهب إليه المحصلون أنه ليس في الشرع قاطع في ذلك نفيا أو إثباتا والظواهر مشعرة بالوقوع ونقل القاضي عياض تجويز الصغائر ووقوعها عن جماعة من السلف منهم أبو جعفر الطبري جماعة من الفقهاء والمحدثين قالوا ولا بد من تنبيههم عليه إما في الحال على رأي جمهور المتكلمين أو قبل وفاتهم على رأي بعضهم ونقل ابن حزم في الملل والنحل عن أبي إسحاق الإسفرائيني وابن فورك أنهم معصومون عن الصغائر والكبائر جميعا وقال إنه الذين ندين الله به واختاره ابن برهان وحكاه النووي في زوائد الروضة عن المحققين قال القاضي حسين وهو الصحيح مذهب أصحابنا يعني الشافعية وما ورد من ذلك فيحمل على ترك الأولى قال القاضي عياض يحمل على ما قبل النبوة أو على أنهم فعلوه بتأويل واختار الرازي العصمة عمدا وجوزها سهوا واختلفوا في معنى العصمة فقيل هو أن لا يمكن المعصوم من الإتيان بالمعصية وقيل هو أن يختص في نفسه أو بدنه بخاصية تقتضي امتناع إقدامه عليها وقيل إنها القدرة على الطاعة وعدم القدرة على المعصية وقيل إن الله منعهم منها بألطافه بهم فصرف دواعيهم عنها وقيل إنها بتهيئة العبد للموافقة مطلقا وذلك يرجع إلى خلق القدرة على كل طاعة فإن قلت : فما تقول فيما ورد في القرآن الكريم منسوبا إلى جماعة من الأنبياء وأولهم أبونا آدم عليه السلام فإن الله يقول { وعصى آدم ربه فغوى } قلت : قد قدمنا وقوع الإجماع على امتناع الكبائر منهم بعد النبوة فلا بد من تأويل ذلك بما يخرجه عن ظاهره بوجه من الوجوه وهكذا يحمل ما وقع من إبراهيم عليه السلام من قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم وقوله في سارة أنها أخته على ما يخرجه عن محض الكذب لوقوع الإجماع على امتناعه منهم بعد النبوة وهكذا في قوله سبحانه وتعالى في يونس عليه السلام { إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه } لا بد من تأويله بما يخرجه عن ظاهره وهكذا ما فعله أولاد يعقوب بأخيهم يوسف وهكذا يحمل ما ورد عن نبينا صضص أنه كان يستغفر الله في كل يوم وأنه كان يتوب إليه في كل يوم على أن المراد رجوعه من حالة إلى أرفع منها وأما النسيان فلا يمتنع وقوعه من الأنبياء قيل إجماعا وقد صح عن رسول الله صضص أنه قال : [ إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني ] قال قوم ولا يقرون عليه بل ينبهون قال الآمدي ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني وكثير من الأئمة إلى امتناع النسيان قال الزركشي في البحر : وأما الإمام الرازي في بعض كتبه فادعى الإجماع على الامتناع وحكى القاضي عياض الإجماع على امتناع السهو والنسيان في الأقوال البلاغية وخص الخلاف بالأفعال وأن الأكثرين ذهبوا إلى الجواز وتأول المانعون الأحاديث الواردة في سهوه صضص على أنه تعمد ذلك وهذا التأويل باطل بعد قوله [ أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني ] وقد اشترط جمهور المجوزين للسهو والنسيان اتصال التنبيه بالواقعة وقال إمام الحرمين يجوز التأخير وأما قبل الرسالة فذهب الجمهور إلى أنه لا يمتنع من الأنبياء ذنب كبير ولا صغير وقالت الروافض يمتنع قبل الرسالة منهم كل ذنب وقالت المعتزلة يمتنع الكبائر دون الصغائر واستدل المانعون مطلقا أو مقيدا بالكبائر بأن وقوع الذنب منهم قبل النبوة منفر عنهم عند أن يرسلهم الله فيخل بالحكمة من بعثهم وذلك قبيح عقلا ويجاب عنه بأنا لا نسلم ذلك والكلام على هذه المسألة مبسوط في كتب الكلام ","part":1,"page":54},{"id":17,"text":" البحث الرابع : في أفعاله صضص \r\n اعلم أن أفعاله صضص تنقسم إلى سبعة أقسام : \r\n الأول : ما كان من هواجس النفس والحركات البشرية كتصرف الأعضاء وحركات الجسد فهذا القسم لا يتعلق به أمر باتباع ولا نهي عن مخالفة وليس فيه أسوة ولكنه يفيد أن مثل ذلك مباح \r\n القسم الثاني : ما لا يتعلق بالعبادات ووضح فيه أمر الجبلة كالقيام والقعود ونحوهما فليس فيه تأس ولا به اقتداء ولكنه يدل على الإباحة عند الجمهور ونقل القاضي أبو بكر الباقلاني عن قوم أنه مندوب وكذا حكاه الغزالي في المنخول وقد كان عبد الله بن عمر رضي الله عنه يتتبع مثل هذا ويقتدي به كما هو معروف عنه منقول في كتب السنة المطهرة \r\n القسم الثالث : ما احتمل أن يخرج عن الجبلة إلى التشريع بمواظبته عليه على وجه معروف ووجه مخصوص كالأجل والشرب واللبس والنوم فهذا القسم دون ما ظهر فيه أمر القربة وفوق ما ظهر فيه أمر الجبلة على فرض أنه لم يثبت فيه إلا مجرد الفعل وأما إذا وقع منه صضص الإرشاد إلى بعض الهيئات كما ورد عنه الإرشاد إلى هيئة من هيئات الأكل والشرب واللبس والنوم فهذا خارج عن هذا القسم داخل فيما سيأتي وفي هذا القسم قولان للشافعي ومن معه يرجع فيه إلى الأصل وهو عدم التشريع أو إلى الظاهر وهو التشريع والراجح الثاني وقد حكاه الأستاذ أبو إسحاق عن أكثر المحدثين فيكون مندوبا \r\n القسم الرابع : ما علم اختصاصه به صضص كالوصال والزيادة على أربع فهو خاص به لا يشاركه فيه غيره وتوقف إمام الحرمين في أنه هل يمنع التأسي به أم لا ؟ وقال ليس عندنا نقل لفظي أو معنوي في أن الصحابة كانوا يقتدون به صضص في هذا النوع ولم يتحقق عندنا ما يقتضي ذلك فهذا محل التوقف وفرق الشيخ أبو شامة المقدسي في كتابه في الأفعال بين المباح والواجب فقال ليس لأحد الاقتداء به فيما هو مباح له كالزيادة على الأربع ويستحب الاقتداء به في الواجب عليه كالضحى والوتر وكذا فيما هو محرم عليه كأكل ذي الرائحة الكريهة وطلاق من تكره صحبته والحق أنه لا يقتدي به فيما صرح لنا بأنه خاص به كائنا ما كان إلا بشرع يخصنا فإذا قال مثلا هذا واجب علي مندوب لكم كان فعلنا لذلك الفعل لكونه أرشدنا إلى كونه مندوبا لنا لا لكونه واجبا عليه وإن قال هذا مباح لي أو حلال ولم يزد على ذلك لم يكن لنا أن نقول هو مباح لنا أو حلال لنا وذلك كالوصال فليس لنا أن نواصل هذا على فرض عدم ورود ما يدل على كراهة الوصال لنا أما لو ورد ما يدل على ذلك كما يثبت أنه صضص واصل أياما تنكيلا لمن لم ينته عن الوصال فهذا لا يجوز لنا فعله بهذا الدليل الذي ورد عنه ولا يعتبر باقتداء من اقتدى به فيه كابن الزبير وأما لو قال هذا حرام علي وحدي ولم يقل حلال لكم فلا بأس بالتنزه عن فعل ذلك الشيء أما لو قال حرام علي حلال لكم فلا يشرع التنزه عن فعل ذلك الشيء فليس في ترك الحلال وره \r\n القسم الخامس : ما أبهمه صضص لانتظار الوحي كعدم تعيين نوع الحج مثلا فقيل يقتدي به في ذلك وقيل لا قال إمام الحرمين في النهاية وهذا عندي هفوة ظاهرة فإن إبهام رسول الله صضص محمول على انتظار الوحي قطعا فلا مساغ للاقتداء به من هذه الجهة \r\n القسم السادس : ما يفعله مع غيره عقوبة له فاختلفوا هل يقتدي به فيه أم لا فقيل يجوز وقيل لا يجوز وقيل هو بالإجماع موقوف على معرفة السبب وهذا هو الحق فإن وضح لنا السبب الذي فعله لأجله كان لنا أن نفعل مثل فعله عند وجود مثل ذلك السبب وإن لم يظهر السبب لم يجز وأما إذا فعله بين شخصين متداعيين فهو جار مجرى القضاء فتعين علينا القضاء بما قضى به \r\n القسم السابع : الفعل المجرد عما سبق فإن ورد بيانا كقوله صضص [ صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم ] وكالقطع من الكوع بيانا لآية السرقة فلا خلاف أنه دليل في حقنا وواجب علينا وإن ورد بيان لمجمل كان حكمه حكم ذلك المجمل من وجوب وندب كأفعال الحج وأفعال العمرة وصلاة الفرض وصلاة الكسوف وإن لم يكن كذلك بل ورد ابتداء فإن علمت صفته في حقه من وجوب أو ندب أو إباحة فاختلفوا في ذلك على أقوال : الأول أن أمته مثله في ذلك الفعل إلا أن يدل عليه اختصاصه وهذا هو الحق والثاني أن أمته مثله في العبادات دون غيرها والثالث الوقف والرابع لا يكون شرعا لنا إلا بدليل وإن لم تعلم صفته في حقه وظهر فيه قصد القربة فاختلفوا فيه على أقوال \r\n الأول : أنه للوجوب وبه قال جماعة من المعتزلة وابن شريح وأبو سعيد الأصطخري وابن خيران وابن أبي هريرة واستدلوا على ذلك بالقرآن والإجماع والمعقول : أما القرآن فبقوله { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } وقوله { إن كنتم تحبون الله فاتبعوني } وقوله { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } وقوله { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر } وقوله { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } وأما الإجماع فلكون الصحابة كانوا يقتدون بأفعاله وكانوا يرجعون إلى رواية من يروى لهم شيئا منها في مسائل كثيرة منهم أنهم اختلفوا في الغسل من التقاء الختانين فقالت عائشة : فعلته أنه ورسول الله صضص فرجعوا إلى ذلك وأجمعوا عليه وأما المعقول فلكون الاحتياط يقتضي حمل الشيء على أعظم مراتبه وأجيب عن الآية الأولى بمنع تناول قوله { وما آتاكم الرسول } للأفعال بوجهين الأول أن قوله { وما نهاكم عنه فانتهوا } يدل على أنه أراد بقوله ما آتاكم ما أمركم \r\n الثاني : أن الإتيان إنما يأتي في القول والجواب عن الآية الثانية أن المراد بالمتابعة فعل مثل ما فعله فلا يلزم وجوب فعل كل ما فعله ما لم يعلم أن فعله على وجه الوجوب والمفروض خلافه والجواب عن الآية الثالثة أن لفظ الأمر حقيقة في القول بالإجماع ولا نسلم أنه يطلق على الفعل على أن الضمير في أمره يجوز أن يكون راجعا إلى الله سبحانه لأنه أقرب المذكورين والجواب عن الآية الرابعة أن التأسي هو الإتيان بمثل فعل الغير في الصورة والصفة حتى لو فعل صضص شيئا على طريق التطوع وفعلناه على طريق الوجوب لم نكن متأسين به فلا يلزم وجوب ما فعله إلا إذا أدل دليل آخر على وجوبه فلو فعلنا الفعل الذي فعله مجردا عن دليل الوجوب معتقدين أنه واجب علينا لكان ذلك قادحا في التأسي والجواب عن الآية الخامسة أن الطاعة هي الإتيان بالمأمور أو المراد على اختلاف المذهبين فلا يدل ذلك على وجوب أفعاله صضص وأما الجواب عن دعوى إجماع الصحابة فهم لم يجمعوا على كل فعل يبلغهم بل أجمعوا على الاقتداء بالأفعال على صفتها التي هي ثابتة لها من وجوب أو ندب أو نحوهما والوجوب في تلك الصورة لمذكورة مأخوذ من الأدلة الدالة على وجوب الغسل من الجنابة وأما الجواب عن المعقول فالاحتياط إنما يصار إليه إذا خلا عن الغرر قطعا وهاهنا ليس كذلك لاحتمال أن يكون ذلك الفعل حراما على الأمة وإذا احتمل لم يكن المصير إلى الوجوب احتياطا \r\n القول الثاني : أنه للندب وقد حكاه الجويني في البرهان عن الشافعي فقال وفي كلام الشافعي ما يدل عليه وقال الرازي في المحصول إن هذا القول نسب إلى الشافعي وذكر الزركشي في البحر أنه حكاه عن القفال وأبي حامد المروزي واستدلوا بالقرآن والإجماع والمعقول أما القرآن فقوله { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } ولو كان التأسي واجبا لقال عليكم فلما قال لكم دل على عدم الوجوب ولما أتت الأسوة دل على رجحان جانب الفعل على الترك وإن يكن مباحا وأما الإجماع فهو أنا رأينا أهل الأعصار متطابقين على الاقتداء بالنبي صضص وذلك يدل على انعقاد الإجماع على أنه يفيد الندب لأنه أقل ما يفيده جانب الرجحان وأما المعقول فهو أن فعله إما أن يكون راجحا على العدم أو مساويا له أو دونه والأول متعين لأن الثاني والثالث مستلزمان أن يكون فعله عبثا وهو باطل وإذا تعين أنه راجح على العدم فالراجح على العدم قد يكون واجبا وقد يكون مندوبا والمتيقن هو الندب وأجيب عن الآية بأن التأسي هو إيقاع الفعل على الوجه الذي أوقعه عليه فلو فعله واجبا أو مباحا وفعلناه مندوبا لما حصل التأسي وأجيب عن الإجماع بأنا لا نسلم أنهم استدلوا بمجرد الفعل لاحتمال أنهم وجدوا مع الفعل قرائن أخر وأجيب عن المعقول بأنا لا نسلم أن فعل المباح عبث لأن العبث هو الخالي عن الغرض فإذا حصل في المباح منفعة ناجزة لم يكن عبثا من حيث حصول النفع به وخرج عن العبث ثم حصول الغرض في التأسي بالنبي صضص ومتابعة أفعاله بين فلا يعد من أقسام البعض \r\n القول الثالث : أن للإباحة قال الرازي في المحصول : وهو قول مالك ولم يحك الجويني قول الإباحة هاهنا لأن قصد القربة لا يجامع استواء الطرفين لكن حكاه غيره كما قدمنا عن الرازي وكذلك حكاه ابن السمعاني والآمدي وابن الحاجب حملا على أقل الأحوال واحتج من قال بالإباحة بأنه قد ثبت أن فعله صضص لا يجوز أن يكون صادرا على وجه يقتضي الإثم لعصمته فثبت أنه لا بد أن يكون إما مباحا أو مندوبا أو واجبا وهذه الأقسام الثلاثة مشتركة في رفع الحرج عن الفعل فأما رجحان الفعل فلم يثبت على وجوده دليل فثبت بهذا أنه لا حرج في فعله كما أنه لا رجحان في فعله فكان مباحا وهو المتيقن فوجب التوقف عنده وعدم مجاوزته إلى ما ليس بمتيقن ويجاب عنه بأن محل النزاع كما عرفت هو كون ذلك الفعل قد ظهر فيه قصد القربة وظهورها ينافي مجرد الإباحة وإلا لزم أن لا يكون لظهورها معنى يعتد به \r\n القول الرابع : الوقف قال الرازي في المحصول : وهو قول الصيرفي وأكثر المعتزلة وهو المختار انتهى وحكاه الشيخ أبو إسحاق عن أكثر أصحاب الشافعي وحكاه أيضا عن الدقاق واختاره القاضي أبو الطيب الطبري وحكاه في اللمع عن الصيرفي وأكثر المتكلمين وعندي أنه لا معنى للوقف في الفعل الذي قد ظهر فيه قصد القربة فإن قصد القربة يخرجه عن الإباحة إلى ما فوقها والمتيقن مما هو فوقها الندب وأما إذا لم يظهر فيه قصد القربة بل كان مجردا مطلقا فقد اختلفوا فيه بالنسبة إلينا على أقوال \r\n الأول : أنه واجب علينا وقد روي هذا عن ابن سريج قال الجويني وابن خيران وابن أبي هريرة والطبري وأكثر متأخري الشافعية وقال سليم الرازي أنه ظاهر مذهب الشافعي واستدلوا بنحو ما استدل به القائلون بالوجوب مع ظهور قصد القربة ويجاب عنهم بما أجيب به عن أولئك بل الجواب عن هؤلاء بتلك الأجوبة أظهر لعدم ظهور قصد القربة في هذا الفعل وقد اختار هذا القول أبو الحسين بن القطان والرازي في المعالم قال القرافي : وهو الذي نقله أئمة المالكية في كتبهم الأصولية والفروعية ونقله القاضي أبو بكر عن أكثر أهل العراق \r\n القول الثاني : أنه مندوب قال الزركشي في البحر وهو قول أكثر الحنفية والمعتزلة ونقله القاضي وابن الصباغ عن الصيرفي والقفال الكبير قال الروياني هو قول الأكثرين وقال ابن القشيري في كلام الشافعي ما يدل عليه قلت هو الحق لأن فعله صضص وإن لم يظهر فيه قصد القربة فهو لا بد أن يكون لقربة وأقل ما يتقرب به هو المندوب ولا دليل يدل على زيادة على الندب فوجب القول به ولا يجوز القول بأنه يفيد الإباحة فإن إباحة الشيء بمعنى استواء طرفيه موجودة قبل ورود الشرع به فالقول بها إهمال للفعل الصادر منه صضص فهو تفريط كما أن حمل فعله المجرد على الوجوب إفراط الحق بن المقصر والمغالي \r\n القول الثالث : أنه مباح نقله الدبوسي في التقويم عن أبي بكر الرازي وقال إنه الصحيح واختاره الجويني في البرهان وهو الراجح عند الحنابلة ويجاب عنه بما ذكرناه قريبا \r\n القول الرابع : الوقف حتى يقوم دليل نقله ابن السمعاني عن أكثر الأشعرية قال واختاره الدقاق وأبو القاسم بن كج قال الزركشي وبه قال جمهور أصحابنا وقال ابن فورك أنه الصحيح وكذا صححه القاضي أبو الطيب في شرح الكفاية واستدلوا بأنه لما كان محتملا للوجوب والندب والإباحة مع احتمال أن يكون من خصائصه كان التوقف متعينا ويجاب عنهم بمنع احتماله للإباحة لما قدمنا منع احتمال الخصوصية لأن أفعاله كلها محمولة على التشريع ما لم يدل دليل على الاختصاص وحينئذ فلا وجه للتوقف والعجب من اختيار مثل الغزالي والرازي له ","part":1,"page":56},{"id":18,"text":" البحث الخامس : في تعارض الأفعال \r\n اعلم أنه لا يجوز التعارض بين الأفعال بحيث يكون البعث منها ناسخا لبعض أو مخصصا له لجواز أن يكون الفعل في ذلك الوقت واجبا وفي مثل ذلك الوقت بخلافه لأن الفعل لا عموم له فلا يشمل جميع الأوقات المستقبلة ولا يدل على التكرار هكذا قال جمهور أهل الأصول على اختلاف طبقاتهم وحكى ابن العربي في كتاب المحصول ثلاثة أقوال : الأول التخيير الثاني تقديم المتأخر كالأقوال إذا تأخر بعضها الثالث حصول التعارض وطلب الترجيح من خارج قال كما أنفق في صلاة الخوف صليت على أربع وعشرين صفة قال مالك والشافعي إنه يرجح من هذه الصفات ما هو أقرب إلى هيئة الصلاة وقدم بعضهم الأخير منها إذا علم انتهى وحكي عن ابن رشد أن الحكم في الأفعال كالحكم في الأقوال وقال القرطبي يجوز التعارض بين الفعلين عند من قال بأن الفعل يدل على الوجوب فإن علم التاريخ فالمتأخر ناسخ وإن جهل فالترجيح وإلا فهما متعارضان كالقولين وأما على القول بأنه يدل على الندب أو الإباحة فلا تعارض وقال الغزالي في المنخول إذا قال فعل وحمل على الوجوب ثم نقل فعل يناقضه فقال القاضي لا يقطع بأنه ناسخ لاحتمال أنه انتهى مدة الفعل الأول قال وذهب ابن مجاهد إلى أنه نسخ وتردد في القول الطارئ على الفعل وجزم الكيا بعدم تصور تعارض الفعلين ثم استثنى من ذلك ما إذا علم بدليل أنه أريد به إدامته في المستقبل بأنه يكون ما بعده ناسخا له قال وعلى مثله بنى الشافعي مذهبه في سجود السهو قبل السلام وبعده والحق أنه لا يتصور تعارض الأفعال فإنه لا صيغ لها يمكن النظر فيها والحكم عليها بل هي مجرد أكوان متغايرة واقعة في أوقات مختلفة وهذا إذا لم تقع بيانات للأقوال أما إذا وقعت بيانات للأقوال فقد تتعارض في الصورة ولكن التعارض في الحقيقة راجع إلى المبينات من الأقوال لا إلى بيانها من الأفعال وذلك كقوله صضص [ صلوا كما رأيتموني أصلي ] فإن آخر الفعلين ينسخ الأول كآخر القولين لأن هذا الفعل بمثابة القول قال الجويني وذهب كثير من الأئمة فيما إذا نقل عن النبي صضص فعلان مؤرخان مختلفان أن الواجب التمسك بآخرهما واعتقاد كونه ناسخا للأول قال وقد ظهر ميل الشافعي إلى هذا ثم ذكر ترجيحه للمتأخر من صفات صلاة الخوف وينبغي حمل هذا على الأفعال التي وقعت بيانا كما ذكرنا فإن صلاة الخوف على اختلاف صفاتها واقعة بيانا وهكذا ينبغي حمل ما نقله المازري عن الجمهور من أن المتأخر من الأفعال ناسخ عن ما ذكرنا ","part":1,"page":61},{"id":19,"text":" البحث السادس : إذا وقع التعارض بين قول النبي صضص وفعله \r\n وفيه صور وبين ذلك أن ينقسم أولا إلى ثلاثة أقسام : \r\n أحدها : أن يعلم تقدم القول على الفعل ثانيها أن يعلم تقدم الفعل على القول ثالثهما أن يجهل التاريخ وعلى الأولين إما أن يتعقب الثاني الأول بحيث لا يتخلل بينهما زمان أو يتراخى أحدهما عن الآخر وهذان قسمان إلى الثلاثة المتقدمة يكون الجميع خمسة أقسام وعلى الثلاثة الأول إما أن يكون القول عاما للنبي صضص ولأمته أو خاصا به أو خاصا بأمته فتكون الأقسام ثمانية \r\n ثم الفعل إما أن يدل دليل على وجوب تكراره في حقه صضص ووجوب تأسي الأمة به أو لا يدل دليل على واحد منهما أو يقوم دليل على التكرار دون التأسي أو يقوم دليل على التأسي دون التكرار فإذا ضربت الأقسام الأربعة وهي التي يعلم فيها تعقب الفعل للقول وتراخيه عنه وتعقب القول للفعل وتراخيه عنه في الثلاثة التي ينقسم إليها القول من كونه يعم النبي صضص وأمته أو يخصه أو يخص أمته حصل منها اثنا عشر قسما نضربها في أقسام الفعل الأربعة بالنسبة إلى التكرار والتأسي أو عدمهما أو وجود أحدهما دون الآخر فيحصل ثمانية وأربعون قسما وقد قيل إن الأقسام تنتهي إلى ستين قسما وما ذكرناه أولى وأكثر هذه الأقسام غير موجود في السنة فلنتكلم هاهنا على ما يكثر وجوده فيها وهي أربعة عشر قسما \r\n الأول : أن يكون القول مختصا به مع عدم وجود دليل على التكرار والتأسي وذلك نحو أن يفعل صضص فعلا ثم يقول بعده لا يجوز لي مثل هذا الفعل فلا تعارض بين القول والفعل لأن القول في هذا الوقت لا تعلق له بالفعل في الماضي إذ الحكم يختص بما بعده ولا في المستقبل إذ لا حكم للفعل في المستقبل لأن الغرض عدم التكرار له \r\n القسم الثاني : أن يتقدم القول مثل أن يقول لا يجوز لي الفعل في وقت كذا ثم يفعله فيه فيكون الفعل ناسخا لحكم القول \r\n القسم الثالث : أن يكون القول خاصا به ويجهل التاريخ فلا تعارض في حق الأمة وأما في حقه صضص ففيه خلاف وقد رجح الوقف \r\n القسم الرابع : أن يكون القول مختصا بالأمة وحينئذ فلا تعارض لأن القول والفعل لم يتواردا على محل واحد \r\n القسم الخامس : أن يكون القول عاما له وللأمة فيكون الفعل على تقدير تأخره مخصصا له من عموم القول وذلك كنهيه عن الصلاة بعد العصر ثم صلاته الركعتين بعدها قضاء لسنة الظهر ومداومته عليهما وإلى ما ذكرنا من اختصاص الفعل به صضص ذهب الجمهور قالوا وسواء تقدم الفعل أو تأخر وقال الأستاذ أبو منصور إن تقدم الفعل دل على نسخه القول عند القائلين بدخول المخاطب في عموم خطابه هذا إذا كان القول شاملا له صضص بطريق الظهور كأن يقول لا يحل لأحد أو لا يجوز لمسلم أو لمؤمن وأما إذا كان متناولا له على سبيل التنصيص كأن يقول لا يحل لي ولا لكم فيكون الفعل ناسخا للقول في حقه صضص لا في حقنا فلا تعارض \r\n القسم السادس : أن يدل دليل على تكرار الفعل وعلى وجوب التأسي فيه ويكون القول خاصا به وحينئذ فلا معارضة في حق الأمة وأما في حقه فالمتأخر من القول أو الفعل ناسخ فإن جهل التاريخ فقيل يؤخذ بالقول في حقه وقيل بالفعل وقيل بالوقف \r\n القسم السابع : أن يكون القول خاصا بالأمة مع قيام دليل التأسي والتكرار في الفعل فلا تعارض في حقه صضص وأما في حق الأمة فالمتأخر من القول أو الفعل ناسخ وإن جهل التاريخ فقيل يعمل بالفعل وقيل بالقول وهو الراجح لأن دلالته أقوى من دلالة الفعل وأيضا هذا القول الخاص بأمته أخص من الدليل العام الدال على التأسي والخاص مقدم على العام ولم يأت من قال بتقدم الفعل بدليل يصلح للاستدلال به \r\n القسم الثامن : أن يكون القول عاما له وللأمة مع قيام الدليل على التكرار والتأسي فالمتأخر ناسخ في حقه صضص وكذلك في حقنا وإن جهل التاريخ فالراجح تقدم القول لما تقدم \r\n القسم التاسع : أن الدليل على التكرار في حقه صضص دون التأسي به ويكون القول خاصا بالأمة وحينئذ فلا تعارض أصلا لعدم التوارد على محل واحد \r\n القسم العاشر : أن يكون خاصا به صضص مع قيام الدليل على عدم التأسي به فلا تعارض أيضا \r\n القسم الحادي عشر : أن يكون القول عاما له وللأمة مع عدم قيام الدليل على التأسي به في الفعل فيكون الفعل مخصصا له من العموم ولا تعارض بالنسبة إلى الأمة لعدم وجود دليل يدل على التأسي به وأما إذا جهل التاريخ فالخلاف في حقه صضص كما تقدم في ترجيح القول على الفعل أو العكس أو الوقف \r\n القسم الثاني عشر : إذا دل الدليل على التأسي دون التكرار أو يكون القول مخصصا به فلا تعارض في حق الأمة وأما في حقه فإن تأخر القول فلا تعارض وإن تقدم فالفعل ناسخ في حقه وإن جهل فالمذاهب الثلاثة في حقه كما تقدم \r\n القسم الثالث عشر : أن يكون القول خاصا بالأمة ولا تعارض في حقه صضص وأما في حق الأمة فالمتأخر ناسخ لعدم الدليل على التأسي \r\n القسم الرابع عشر : أن يكون القول عاما له وللأمة مع قيام الدليل على التأسي دون التكرار ففي حق الأمة المتأخر ناسخ وأما في حقه صضص فإن تقدم الفعل فلا تعارض وإن تقدم القول فالفعل ناسخ ومع جهل التاريخ فالراجح القول في حقنا وفي حقه صضص لقوة دلالته وعدم احتماله أو لقيام الدليل هاهنا على عدم التكرار واعلم أن لا يشترط وجود دليل خاص يدل على التأسي بل يكفي ما ورد في الكتاب العزيز من قوله سبحانه : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } وكذلك سائر الآيات الدالة على الائتمار بأمره والانتهاء بنهيه ولا يشترط وجود دليل خاص يدل على التأسي به في كل فعل من أفعاله بل مجرد فعله لذلك الفعل بحيث يطلع عليه غيره من أمته ينبغي أن يحمل على قصد التأسي به إذا لم يكن من الأفعال التي لا يتأسى به فيها كأفعال الجبلة كما قررناه في البحث الذي قبل هذا البحث ","part":1,"page":62},{"id":20,"text":" البحث السابع : التقرير \r\n وصورته أن يسكت النبي صضص عن إنكار قول قيل بين يديه أو في عصره وعلم به أو سكت عن إنكار فعل فعل بين يديه أو في عصره وعلم به فإن ذلك يدل على الجواز وذلك كأكل العنب بين يديه قال ابن القشيري : وهذا مما لا خلاف فيه وإنما اختلفوا في شيئين أحدهما إذا دل التقرير على انتفاء الحرج فهل يختص بمن قرر أو يعم سائر المكلفين ؟ فذهب القاضي إلى الأول لأن التقرير ليس له صيغة تعم ولا يتعدى إلى غيره وقيل يعم للإجماع على أن التحريم إذا ارتفع في حق واحد ارتفع في حق الكل وإلى هذا ذهب الجويني وهو الحق لأنه في حكم خطاب الواحد وسيأتي أنه يكون غير المخاطب بذلك الحكم من المكلفين كالمخاطب به ونقل هذا القول المازري عن الجمهور هذا إذا لم يكن التقرير مخصصا لعموم سابق أما إذا كان مخصصا لعموم سابق فيكون لمن قرر من واحد أو جماعة وأما إذا كان التقرير في شيء قد سبق تحريمه فيكون ناسخا لذلك التحريم كما صرح به جماعة من أهل الأصول وهو الحق ومما يندرج تحت التقرير إذا قال الصحابي كنا نفعل كذا أو كانوا يفعلون كذا وأضافه إلى عصر رسول الله صضص وكان مما لا يخفى مثله عليه وإن كان مما يخفى مثله عليه فلا ولا بد أن يكون التقرير على القول والفعل منه صضص مع قدرته على الإنكار كذا قال جماعة من الأصوليين وخالفهم جماعة من الفقهاء فقالوا إن في خصائصه صضص عدم سقوط وجوب تغيير المنكر بالخوف على النفس لإخبار الله سبحانه بعصمته في قوله : { والله يعصمك من الناس } ولا بد أن يكون المقرر منقاد للشرع فلا يكون تقرير الكافر على قول أو فعل دالا على الجواز قال الجويني ويلحق بالكافر المنافق وخالفه المازري وقال إنا نجري على المنافق أحكام الإسلام ظاهرا لأنه من أهل الإسلام في الظاهر وأجيب عنه بأن النبي صضص كان كثيرا ما يسكت عن المنافقين لعلمه أن الموعظة لا تنفعهم وإذا وقع من النبي صضص الاستبشار بفعل أو قول فهو أقوى في الدلالة على الجواز ","part":1,"page":64},{"id":21,"text":" البحث الثامن : ما هم به صضص ولم يفعله \r\n كما روي عنه بأنه هم بمصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة ونحو ذلك فقال الشافعي ومن تابعه إنه يستحب الإتيان بما هم به صضص ولهذا جعل أصحاب الشافعي الهم من جملة أقسام السنة وقالوا يقدم القول ثم الفعل ثم التقرير ثم الهم والحق أنه ليس من أقسام السنة لأنه مجرد خطور شيء على البال من دون تنجيز له وليس ذلك مما آتانا الرسول ولا مما أمر الله سبحانه بالتأسي به فيه وقد يكون إخباره صضص بما هم به للزجر كما صح عنه أنه قال [ لقد هممت أن أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم ] ","part":1,"page":65},{"id":22,"text":" البحث التاسع : الإشارة والكتابة \r\n كإشارته صضص بأصابعه العشر إلى أيام الشهر ثلاث مرات وقبض في الثالثة واحدة من أصابعه وكتابه صضص إلى أعماله في الصدقات ونحوها ولا خلاف في أن ذلك من جملة السنة ومما تقوم به الحجة ","part":1,"page":65},{"id":23,"text":" البحث العاشر : تركه صضص للشيء كفعله له في التأسي به فيه \r\n قال ابن السمعاني : إذا ترك الرسول صضص شيئا وجب علينا متابعته فيه ألا ترى أنه صضص لما قدم إليه الضب فأمسك عنه وترك أكله أمسك عنه الصحابة وتركوه إلى أن قال لهم [ إنه ليس بأرض قومي فأجدني أعافه ] وأذن لهم في أكله وهكذا تركه صضص لصلاة الليل جماعة خشية أن تكتب على الأمة ويتفرع على هذا البحث إذا حدثت حادثة بحضرة النبي صضص ولم يحكم فيها بشيء هل يجوز لنا أن نحكم في نظائرها الصحيح أنه يجوز خلافا لبعض المتكلمين في قولهم تركه صضص للحكم في حادثة يدل على وجوب ترك الحكم في نظائرها ","part":1,"page":66},{"id":24,"text":" البحث الحادي عشر : في الأخبار وفي أنواع \r\n النوع الأول : في معنى الخبر لغة واصطلاحا أما معناه لغة فهو مشتق من الخبار وهي الأرض الرخوة لأن الخبر يثير الفائدة كما أن الأرض الخبار تثير الغبار إذا قرعها الحافر ونحوه وهو نوع مخصوص من القول وقسم من الكلام اللساني وقد يستعمل في غير القول كقول الشاعر : \r\n ( تخبرك العينان ما القلب كاتم ) \r\n وقول المعري : \r\n ( نبي من الغربان ليس على شرع ... يخبرنا أن الشعوب إلى صدع ) \r\n ولكنه استعمال مجازي لا حقيقي لأن من وصف غيره بأنه أخبر بكذا لم يسبق إلى فهم السامع إلا القول وأما معناه اصطلاحا فقال الرازي في المحصول ذكروا في حده أمور ثلاثة الأول أنه الذي يدخله الصدق أو الكذب والثاني أنه الذي يحتمل التصديق والتكذيب والثالث ما ذكره أبو الحسين البصري أنه كلام مفيد بنفسه إضافة أمر من الأمور إلى أمر من الأمور نفيا أو إثباتا قال واحترزنا بقولنا بنفسه عن الأمر فإنه يفيد وجوب الفعل لكن لا بنفسه لأن ماهية الأمر استدعاء الفعل والصيغة لا تفيد إلا هذا القدر ثم إنها تفيد كون الفعل واجبا تبعا لذلك وكذلك القول في دلالة النهي والصيغة لا تفيد إلا هذا القدر ثم إنها تفيد كون الفعل واجبا تبعا لذلك وكذلك القول في دلالة النهي على قبح الفعل قال الرازي : واعلم أن هذه التعريفات دورية أما الأول فلأن الصدق والكذب نوعان تحت جنس الخبر والجنس جزء من ماهية النوع وأعرف منها فإذا لا يمكن تعريف الصدق والكذب إلا بالخبر فلو عرفنا الخبر بهما لزم الدور وأجيب عن هذا بمنع كونهما لا يعرفان إلا بالخبر بل هما ضروريان ثم قال واعترضوا عليه أيضا في ثلاثة أوجه : \r\n الأول : أن كلمة أو للترديد وهو ينافي التعريف ولا يمكن إسقاطها هاهنا لأن الخبر الواحد لا يكون صدقا وكذبا معا \r\n الثاني : أن كلام الله تعالى لا يدخله الكذب فكان خارجا عن هذا التعريف \r\n الثالث : من قال محمد صضص ومسيلمة صادقان فهذا خبر مع أنه ليس بصدق ولا كذب ويمكن أن يجاب عن الأول بأن المعرف لماهية الخبر أمر واحد وهو إمكان تطرق هذين الوصفين إليه وذلك لا ترديد فيه وعن الثاني أن المعتبر إمكان تطرق أحد هذين الوصفين إليه وخبر الله تعالى كذلك لأنه صدق وعن الثالث بأن قوله محمد ومسيلمة صادقان خبران وإن كانا في اللفظ خبرا واحدا لأنه يفيد إضافة الصدق إلى محمد صضص وإضافته إلى مسيلمة وأحد الخبرين صادق والثاني كاذب سلمنا أنه خبر واحد لكنه كاذب لأنه يقتضي إضافة الصدق إليهما معا وليس الأمر كذلك فكان كاذبا لا محالة وأما التعريف الثاني فالاعتراض عليه أن التصديق والتكذيب عبارة عن كون الخبر صدقا أو كذبا فقولنا الخبر ما يحتمل التصديق والتكذيب جار مجرى قولنا الخبر هو الذي يحتمل الإخبار عنه بأنه صدق أو كذب فيكون هذا تعريفا للخبر وبالصدق والكذب والأول هو تعريف الشيء بنفسه والثاني تعريف الشيء بما لا يعرف إلا به وأما التعريف الثالث فالاعتراض عليه من ثلاثة وجوه \r\n الأول : أن وجود الشيء عند أبي الحسين عين ذاته فإذا قلنا السواد موجود فهذا خبر مع أنه لا يفيد إضافة الشيء إلى شيء آخر \r\n والثاني : إنا إذا قلنا الحيوان الناطق يمشي فقولنا الحيوان الناطق يقتضي نسبة الناطق إلى الحيوان مع أنه ليس بخبر لأن الفرق بين النعت والخبر معلوم بالضرورة \r\n والثالث : أن قولنا نفيا وإثباتا يقتضي الدور لأن النفي هو الخبر عن عدم الشيء والإثبات هو الأخبار عن وجود فتعريف الخبر بهما دور قال الرازي وإذا بطلت هذه التعريفات فالحق عندنا أن تصور ماهية الخبر غني عن الحد والرسم بدليلين \r\n الأول : أن كل أحد يعلم بالضرورة إما أنه موجود وإما أنه ليس بمعدوم وأن الشيء الواحد لا يكون موجودا ومعدوما معا ومطلق الخبر جزء من الخبر الخاص والعلم بالكل موقوف على العلم بالجزء فلو كان تصور ماهية مطلق الخبر موقوفا على الاكتساب لكان تصور الخبر الخاص أولى بأن يكون كذلك فكان يجب أن لا يكون فهم هذه الأخبار ضروريا ولما لم يكن كذلك علمنا صحة ما ذكرنا \r\n الثاني : أن كل أحد يعلم بالضرورة الموضع الذي يحسن فيه الخبر ويميزه عن الموضع الذي يحسن فيه الأمر ولولا أن هذه الحقائق متصورة تصورا بديهيا لم يكن الأمر كذلك فإن قلت الخبر نوع من أنواع الألفاظ وأنواع الألفاظ ليست تصوراتها بديهية فكيف قلت أن ماهية الخبر متصورة تصورا بديهيا ؟ قلت حكم الذهن بين أمرين بأن أحدهما له الآخر وليس له الآخر معقول واحد لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وكل واحد يدرك من نفسه ويجد تفرقة بينه وبين سائر أحواله النفسانية في ألمه ولذته وجوعه وعطشه وإذا ثبت هذا فنقول إن كان المراد من الخبر هو الحكم الذهني فلا شك أن تصوره في الجملة بديهي مركوز في فطرة العقل وإن كان المراد منه اللفظة الدالة على هذه الماهية فالإشكال غير وارد أيضا لأن مطلق اللفظ الدال على المعنى بديهي التصور انتهى ويجاب عنه بأن المراد اللفظ الدال والإشكال وارد ولا نسلم أن مطلق اللفظ الدال بديهي التصور وقد أجيب عما ذكره بأن كون العلم ضروريا كيفية لحصوله وأنه يقبل الاستدلال عليه والذي لا يقبله هو نفس الحصول الذي هو معروض الضرورة فإنه يمتنع أن يكون حاصلا بالضرورة والاستدلال لتنافيهما وأجيب أيضا بأن المعلوم ضرورة إنما هو نسبة الوجود إليه إثباتا وهو غير تصور النسبة التي هي ماهية الخبر فلا يلزم أن تكون ماهية الخبر ضرورية وقيل إن الخبر لا يحد لتعسره وقد تقدم بيانه في تعريف العلم وقيل الأولى في حد الخبر أن يقال هو الكلام المحكوم فيه بنسبة خارجية والمراد بالخارج ما هو خارج عن كلام النفس المدلول عليه بذلك اللفظ فلا يرد عليه قم لأن مدلوله الطلب نفسه وهو المعنى القائم بالنفس من غير أن يشعر بأن له متعلقا واقعا في الخارج وكذا يخرج جميع المركبات التقييدية والإضافية واعترض على هذا الحد بأنه إن كان المراد أن النسبة أمر موجود في الخارج لم يصح في مثل اجتماع الضدين وشريك الباري معدوم محال وأجيب بأن المراد النسبة الخارجية عن المدلول سواء قامت تلك النسبة الخارجية بالذهن كالعلم أو بالخارج عن الذهن كالقيام أو لم تقم بشيء منهما نحو شريك الباري ممتنع والأولى أن يقال في حد الخبر هو ما يصح أن يدخله الصدق والكذب لذاته وهذا الحد لا يرد عليه شيء مما سبق وقد اختلف هل الخبر حقيقة في اللفظي والنفسي أم الحقيقة في اللفظي مجاز في النفسي أم العكس كما وقع الخلاف في الكلام على هذه الثلاثة الأقوال لأن الخبر قسم من أقسامه وإذا عرفت الاختلاف في تعريف الخبر عرفت بأن ما لا يكون كذلك ليس بخبر ويسمونه إنشاء وتنبيها ويندرج فيه الأمر والنهي والاستفهام والنداء والتمني والعرض والترجي والقسم \r\n النوع الثاني : إن الخبر ينقسم إلى صدق وكذب وخالف في ذلك القرافي وادعى أن العرب لم تضع الخبر إلا للصدق وليس لنا خبر كذب واحتمال الصدق والكذب إنما هو من جهة المتكلم لا من جهة الواضع ونظيره قولهم الكلام يحتمل الحقيقة والمجاز وقد أجمعوا على أن المجاز ليس من الوضع الأول ثم استدل على ذلك باتفاق اللغويين والنحاة على أن معنى قولنا « قام زيد » حصول القيام له في الزمن الماضي ولم يقل أحد إن معناه صدور القيام أو عدمه وإنما احتماله له من جهة المتكلم لا من جهة اللغة وأجيب عنه بأنه مصادم للإجماع على أن الخبر موضوع لأعم من ذلك وما ادعاه من أن معنى قام زيد حصول القيام له في الزمن الماضي باتفاق أهل اللغة والنحو ممنوع فإن مدلوله الحكم بحصول القيام وذلك يحتمل الصدق والكذب ويجاب عن هذا الجواب بأن هذا الاحتمال إن كان من جهة المتكلم فلا يقدح على القرافي بل هي معترف به كما تقدم عنه وإن كان من جهة اللغة فذلك مجرد دعوى ويقوي ما قاله القرافي إجماع أهل اللغة قبل ورود الشرع وبعده على مدح الصادق وذم الكاذب ولو كان الخبر موضوعا لهما لما كان على من تكلم بما هو موضوع من بأس ثم اعلم أنه قد ذهب الجمهور إلى أنه لا واسطة بين الصدق والكذب لأن الحكم إما مطابق للخارج أو لا والأول الصدق والثاني الكذب وأثبت الجاحظ الواسطة بينهما فقال الخبر إما مطابق للخارج أو لا مطابق والمطابق إما مع اعتقاده أنه مطابق أو لا وغير المطابق إما مع اعتقاد أنه غير مطابق أو لا والثاني منهما وهو ما ليس مع الاعتقاد ليس بصدق ولا كذب واستدل بقوله تعالى : { أفترى على الله كذبا أم به جنة } ووجه الاستدلال بالآية أنه حصر ذلك في كونه افتراء أو كلام مجنون فعلى تقدير كونه كلام مجنون لا يكون صدقا لأنهم لا يعتقدون كونه صدقا وقد صرحوا بنفي الكذب عنه لكونه قسيمة وما ذاك إلا أن المجنون لا يقول عن قصد واعتقاد وأجيب بأن المراد من الآية أفترى أم لم يفتر فيكون مجنونا لأن المجنون لا افتراء له والكذب من غير قصد يكون مجنونا أو المراد أقصد فيكون مجنونا أم لم يقصد فلا يكون خبرا والحاصل أن الافتراء أخص من الكذب ومقابلة قد يكون كذبا وإن سلم فقد لا يكون خبرا فيكون هذا حصرا للكذب في نوعيه الكذب عن عمد والكذب لا عن عمد قال الرازي في المحصول والحق أن المسألة لفظية لأنا نعلم بالبديهة أن كل خبر فإما أن يكون مطابقا للمخبر عنه أو لا يكون مطابقا فإن أريد بالصدق الخبر المطابق كيف كان وبالكذب الخبر الغير المطابق كيف كان وجب القطع بأنه لا واسطة بين الصدق والكذب وإن أريد بالصدق ما يكون مطابقا مع أن المخبر يكون عالما بكونه مطابقا وبالكذب الذي لا يكون مطابقا مع أن المخبر يكون عالما بأنه غير مطابق كان هناك قسم ثالث بالضرورة وهو الخبر الذي لا يعلم قائله أنه مطابق أم لا فثبت أن المسألة لفظية انتهى وقال النظام ومن تابعه من أهل الأصول والفقهاء إن الصدق مطابقة الخبر للاعتقاد والكذب عدم مطابقته للاعتقاد واستدل بالنقل والعقل أما النقل فبقوله تعالى : { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } فإن الله سبحانه حكم في هذه الآية حكما مؤكدا بأنهم كاذبون في قولهم { إنك لرسول الله } مع مطابقته للواقع فلو كان للمطابقة للواقع أو لعدمها مدخل في الصدق والكذب لما كانوا كاذبين لأن خبرهم هذا مطابق للواقع ولا واسطة بن الصدق والكذب وأجيب بأن التكذيب راجع إلى خبر تضمنه معنى نشهد أنك لرسول الله وهو أن شهادتهم هذه من صميم القلب وخلوص الاعتقاد لأن ذلك معنى الشهادة سيما بعد تأكيده بأن واللام والجملة الاسمية وأجيب أيضا بأن التكذيب راجع إلى زعمهم الفاسد واعتقادهم الباطل لأنهم يعتقدون أنه غير مطابق للواقع وأجيب أيضا بأن التكذيب راجع إلى حلفهم المدلول عليه بقوله : { لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل } ولا يخفى ما في الأجوبة من مزيد التكلف ولكنه ألجأ إلى المصير إليها الجمع بين الأدلة وأما العقل فمن وجهين : \r\n الأول : أن من غلب على ظنه أن زيدا في الدار ثم ظهر أنه ما كان كذلك لم يقل أحد أنه كذب في هذا الخبر بل يقال أخطأ أو وهم \r\n الثاني : أن أكثر العمومات والمطلقات مخصصة ومقيدة فلو كان الخبر الذي لا يطابق المخبر عنه كذبا لتطرق إلى كلام الشارع واحتج الجمهور على ما قالوه من أن صدق الخبر مطابقته وكذبه عدمها بقوله سبحانه { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد } فكذبهم الله سبحانه مع كونهم يعتقدون ذلك وبقوله { وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين } والآيات في هذا المعنى كثيرة ويدل لذلك من السنة ما ثبت في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع وقد قال للنبي صضص أن جماعة من الصحابة قالوا بطل عمل عامر لما رجع سيفه على نفسه فقتله فقال صضص كذب من قال ذلك بل له أجر مرتين فكذبهم صضص مع أنهم أخبروا بما كان في اعتقادهم وفي البخاري وغيره أن أبا سفيان قال للنبي صضص يوم الفتح إن سعد بن عبادة قال اليوم تستحل الكعبة فقال صضص كذب سعد ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة واحتجوا بالإجماع على تكذيب اليهود والنصارى في كفرياتهم مع أنا نعلم أنهم يعتقدون صحة تلك الكفريات وكذلك وقع الإجماع على تكذيب الكافر إذا قال الإسلام باطل مع مطابقته لاعتقاده والذي لي أن الخبر لا يتصف بالصدق إلا إذا جمع بين مطابقة الواقع والاعتقاد فإن خالفهما أو أحدهما فكذب فيقال في تعريفهما هكذا الصدق ما طابق الواقع والاعتقاد والكذب ما خالفهما أو أحدهما ولا يلزم على هذا ثبوت واسطة لأن المعتبر هو كلام العقلاء فلا يرد كلام الساهي والمجنون والنائم وجميع أدلة الأقوال المتقدمة تصلح للاستدلال بها على هذا ولا يرد عليه شيء مما ورد عليها فإن قلت من جملة ما استدل به الجمهور الإجماع على تصديق الكافر إذا قال الإسلام حق وهو إنما طابق الواقع لا الاعتقاد قلت ليس النزاع إلا في مدلول الصدق والكذب لغة لا شرعا وهذا الإجماع إنما هو من أهل الشرع لا من أهل اللغة والدليل الذي هو إجماعهم شرعي لا لغوي ولكن الكذب المذموم شرعا هو المخالف للاعتقاد سواء طابق الواقع أو خالفه وذلك لا يمنع من صدق وصف ما خالف الواقع وطابق الاعتقاد بالكذب \r\n النوع الثالث : في تقسيم الخبر لغة من حيث هو محتمل للصدق والكذب لكن قد يقطع بصدقه وقد يقطع بكذبه لأمور خارجة وقد لا يقطع بواحد منهما لفقدان ما يوجب القطع فهذه ثلاثة أقسام \r\n القسم الأول : المقطوع بصدقه وهو إما أن يعلم بالضرورة أو النظر فالمعلوم بالضرورة بنفسه وهو المتواتر أو بموافقة العلم الضروري وهي الأوليات كقولنا الواحد نصف الاثنين وأما المعلوم بالنظر فهو ضربان : \r\n الأول : أن يدل الدليل على صدق الخبر نفسه فيكون كل من يخبر به صادقا كقولنا العالم حادث \r\n والضرب الثاني : أن يدل الدليل على صدق المخبر فيكون كل ما يخبر به متحققا وهو ضروب : الأول خبر من دل الدليل على أن الصدق وصف واجب له وهو الله عز و جل الثاني من دلت المعجزة على صدقه وهم الأنبياء صلوات الله عليهم الثالث من صدقه الله سبحانه أو رسوله وهو خبر كل الأمة على القول بأن الإجماع حجة قطعية \r\n القسم الثاني : المقطوع بكذبه وهو ضروب الأول المعلوم خلافه إما بالضرورة كالإخبار باجتماع النقيضين أو ارتفاعهما الثاني المعلوم خلافه إما بالاستدلال كالإخبار بقدم العالم أو بخلاف ما هو من قطعيات الشريعة الثالث الخبر الذي لو كان صحيحا لتوفرت الدواعي على نقله متواترا إما لكونه من أصول الشريعة وإما لكونه أمر غريبا كسقوط الخطيب عن المنبر وقت الخطبة الرابع خبر مدعي الرسالة من غير معجزة الخامس كل خبر استلزم باطلا ولم يقبل التأويل ومن ذلك الخبر الآحادي إذا خالف القطعي كالمتواتر \r\n القسم الثالث : ما لا يقطع بصدقه ولا كذبه وذلك كخبر المجهول فإنه لا يترجح صدقه ولا كذبه وقد يترجح صدقه ولا يقطع بصدقه وذلك كخبر العدل وقد يترجح كذبه ولا يقطع بكذبه كخبر الفاسق \r\n النوع الرابع : أن الخبر باعتبار آخر ينقسم إلى متواتر وآحاد القسم : الأول المتواتر وهو في اللغة عبارة عن مجيء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما مأخوذ من الوتر وفي الاصطلاح خبر أقوام بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم وقيل في تعريفه هو خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه وقيل خبر جمع عن محسوس يمتنع تواطؤهم على الكذب من حيث كثرتهم فقولهم من حيث كثرتهم لإخراج خبر قوم يستحيل كذبهم بسبب أمر خارج عن الكثرة كالعلم بمخبرهم ضرورة أو نظرا وكما يخرج من هذا الحد بذلك القيد ما ذكرنا كذلك يخرج من قيد بنفسه في الحد الذي قبله وقد اختلف في العلم الحاصل بالتواتر هل هو ضروري أو نظري فذهب الجمهور إلى أنه ضروري وقال الكعبي وأبو الحسين البصري إنه نظري وقال الغزالي إنه قسم ثالث ليس أوليا ولا كسبيا بل من قبيل القضايا التي قياساتها معها وقال المرتضى والآمدي بالوقف والحق قول الجمهور للقطع بأنا نجد نفوسنا جازمة بوجود البلاد الغائبة عنا ووجود الأشخاص الماضية قبلنا جزما خاليا عن التردد جاريا مجرى جزمنا بوجود المشاهدات فالمنكر لحصول العلم الضروري بالتواتر كالمنكر لحصول العلم الضروري بالمشاهدات وذلك سفسطة لا يستحق صاحبها المكالمة وأيضا لو لم يكن ضروريا لافتقر إلى توسيط المقدمتين واللازم منتف لأنا نعلم بذلك قطعا مع انتفاء المقدمتين لحصوله بالعادة لا بالمقدمتين فاستغنى عن الترتيب واستدل القائل بأنه لا يفيد العلم بقولهم لا ننكر حصول الظن القوي بوجود ما ذكرتم لكن لا نسلم حصول اليقين وذلك لأنا إذا عرضنا على عقولنا وجود المدينة الفلانية أو الشخص الفلاني مما جاء التواتر بوجودهما وعرضنا على عقولنا أن الواحد نصف الاثنين وجدنا الجزم بالثاني أقوى من الجزم بالأول وحصول التفاوت بينهما يدل على تطرق النقيض إلى المرجوح وأيضا جزمنا بهذه الأمور المنقولة بالتواتر ليس بأقوى من جزمنا بأن هذا الشخص الذي رأيته اليوم هو الذي رأيته أمس مع أن هذا الجزم ليس بيقين ولا ضروري لأنه يجوز أن يوجد شخص مساو له في الصورة من كل وجه ويجاب عن هذا بأنه تشكيك في أمر ضروري فلا يستحق صاحبه الجواب كما أن من أنكر المشاهدات لا يستحق الجواب فإنا لو جوزنا أن هذا الشخص المرئي اليوم غير الشخص المرئي أمس لكان ذلك مستلزما للتشكيك في المشاهدات والقائلون بأنه نظري بقولهم لو كان ضروريا لعلم بالضرورة أنه ضروري وأجيب بالمعارضة بأنه لو كان نظريا لعمل بالضرورة كونه نظريا كغيره من النظريات وبالحل وذلك أن الضرورية والنظرية صفتان للعمل ولا يلزم من ضرورية العلم ضرورية صفته واحتج الجمهور أيضا بأن العلم الحاصل بالتواتر لو كان نظريا لما حصل لمن لا يكون من أهل النظر كالصبيان المراهقين وكثير من العامة فلما حصل ذلك لهم علمنا أنه ليس بنظري وكما يندفع بأدلة الجمهور قول من قال أنه نظري يندفع أيضا قول من قال أنه قسم ثالث وقول من قال بالوقف لأن سبب وقفة ليس إلا تعارض الأدلة عليه وقد اتضح بما ذكرنا أنه لاتعارض فلا وقف واعلم أنه لم يخالف أحد من أهل الإسلام ولا من العقلاء في أن خبر التواتر يفيد العلم وما روي من الخلاف في ذلك عن السمنية والبراهمة فهو خلاف باطل لا يستحق قائله الجواب عليه \r\n ثم اعلم أن الخبر المتواتر لا يكون مفيدا للعلم الضروري إلا بشروط منها ما يرجع إلى المخبرين ومنها ما يرجع إلى السامعين فالتي ترجع إلى المخبرين أمور أربعة : \r\n الأول : أن يكونوا عالمين بما أخبروا به غير مجازفين فلو كانوا ظانين لذلك فقط لك يفد القطع هكذا اعتبر هذا الشرط جماعة من أهل العلم منهم القاضي أبو بكر الباقلاني وقيل أنه غير محتاج إليه لأنه إن أريد وجوب علم الكل به فباطل لأنه لا يمتنع أن يكون بعض المخبرين به مقلدا فيه أو ظانا له أو مجازفا وإن أريد وجوب علم البعض فمسلم ولكنه مأخوذ من شرط كونهم مستندين إلى الحس \r\n الشرط الثاني : أن يعلموا ذلك عن ضرورة من مشاهدة أو سماع لأن ما لا يكون كذلك يحتمل دخول الغلط فيه قال الأستاذ أبو منصور فأما إذا تواترت أخبارهم عن شيء قد علموه واعتقدوه بالنظر والاستدلال أو عن شبهة فإن ذلك لا يوجب علما ضروريا لأن المسلمين مع تواترهم يخبرون الدهرية بحدوث العالم وتوحيد الصانع ويخبرون أهل الذمة بصحة نبوة نبينا محمد صضص فلا يقع لهم العلم الضروري بذلك لأن العلم به من طريق الاستدلال دون الاضطرار انتهى ومن تمام هذا الشرط أن لا تكون المشاهدة والسماع على سبيل غلط الحس كما في أخبار النصارى بصلب المسيح عليه السلام وأيضا لا بد أن يكونوا على صفة يوثق معها بقولهم فلو أخبروا متلاعبين أو مكرهين على ذلك لم يوثق بخبرهم ولا يلتفت إليه \r\n الشرط الثالث : أن يبلغ عددهم إلى مبلغ يمنع في العادة تواطؤهم على الكذب ولا يقيد ذلك بعدد معين بل ضابطه حصول العلم الضروري به فإذا حصل ذلك علمنا أنه متواتر وإلا فلا وهذا قول الجمهور وقال قوم منهم القاضي أبو الطيب الطبري يجب أن يكونوا أكثر من الأربعة لأنه لو كان خبر الأربعة يوجب العلم لما احتاج الحاكم إلى السؤال عن عدالتهم إذا شهدوا عنده وقال ابن السمعاني ذهب أصحاب الشافعي إلى أنه لا يجوز أن يتواتر الخبر بأقل من خمسة فما زاد وحكاه الأستاذ أبو منصور عن الجبائي واستدل بعض أهل هذا القول بأن الخمسة عدد أولي العزم من الرسل على الأشهر نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم وسلامه ولا يخفى ما في هذا الاستدلال من الضعف مع عدم تعلقه بمحل النزاع بوجه من الوجوه وقيل يشترط أن يكونوا سبعة بعدد أهل الكهف وهو باطل وقيل يشترط عشرة وبه قال الاصطخري واستدل على ذلك بأن ما دونها جمع قلة وهذا استدلال ضعيف أيضا وقيل يشترط أن يكونوا اثني عشر بعدد النقباء لموسى عليه السلام لأنهم جعلوا كذلك لتحصيل العلم بخبرهم وهذا استدلال ضعيف أيضا وقيل يشترط أن يكونوا عشرين لقوله سبحانه { إن يكن منكم عشرون صابرون } وهذا مع كونه في غاية الضعف خارج عن محل النزاع وإن قال المستدل به بأنهم إنما جعلوا كذلك ليفيد خبرهم العلم بإسلامهم فإن المقام ليس مقام خبر ولا استخبار وقد روي هذا القول عن أبي الهذيل وغيره من المعتزلة وقيل يشترط أن يكونوا أربعين كالعدد المعتبر في الجمعة وهذا مع كونه خارجا عن محل النزاع باطل الأصل فضلا عن الفرع وقيل يشترط أن يكونوا سبعين لقوله { واختار موسى قومه سبعين رجلا } وهذا أيضا استدلال باطل وقيل يشترط أن يكونوا ثلاثمائة وبضعة عشر بعدد أهل بدر وهذا أيضا استدلال باطل خارج عن محل النزاع وقيل يشترط أن يكونوا خمس عشرة مائة بعدد بيعة أهل الرضوان وهذا أيضا باطل \r\n وقيل سبع عشرة مائة لأنه عدد أهل بيعة الرضوان وقيل أربع عشرة مائة لأنه عدد أهل بيعة الرضوان وقيل يشترط أن يكونوا جميع الأمة كالإجماع حكي هذا القول عن ضرار بن عمرو وهو بطال وقال جماعة من الفقهاء لا بد أن يكونوا بحيث لا يحويهم بلد ولا يحصرهم عدد ويالله العجب من جري أقلام العلم بمثل هذه الأقوال التي لا ترجع إلى عقل ولا نقل ولا يوجد بينها وبين محل النزاع جامع وإنما ذكرناه ليعتبر بها المعتبر ويعلم أن القيل والقال قد يكون من أهل العلم في بعض الأحوال من جنس الهذيان فيأخذ عند ذلك حذره من التقليد ويبحث عن الأدلة التي هي من شرع الله الذي شرعه لعباده فإنه لم يشرع لهم إلا ما في كتابه وسنة رسوله \r\n الشرط الرابع : وجود العدد المعتبر في كل الطبقات فيروى ذلك العدد عن مثله إلى أن يتصل بالمخبر عنه وقد اشترط عدالة النقلة لخبر التواتر فلا يصح أن يكونوا أو بعضهم غير عدول وعلى هذا لا بد أن لا يكونوا كفارا ولا فساقا ولا وجه لهذا الاشتراط فإن حصول العلم الضروري بالخبر المتواتر لا يتوقف على ذلك بل يحصل بخبر الكفار والفساق والصغار المميزين والأحرار والعبيد وذلك هو المعتبر وقد اشترط أيضا اختلاف أنساب أهل التواتر واشترط أيضا اختلاف أديانهم واشترط أيضا اختلاف أوطانهم واشترط أيضا كون المعصوم منهم كما يقول الإمامية ولا وجه لشيء من هذه الشروط وأما الشروط التي ترجع إلى السامعين فلا بد أن يكونوا عقلاء إذ يستحيل حصول العلم لمن لا عقل له والثاني أن يكونوا عالمين بمدلول الخبر والثالث أن يكونوا خالين عن اعتقاد ما يخالف ذلك الخبر لشبهة تقليد أو نحوه \r\n القسم الثاني : الآحاد وهو خبر لا يفيد بنفسه العلم سواء كان لا يفيد أصلا أو يفيده بالقرائن الخارجة عنه فلا واسطة بين المتواتر والآحاد وهذا قول الجمهور وقال أحمد بن حنبل إن خبر الواحد يفيد بنفسه العلم وحكاه ابن حزم في كتاب الأحكام عن داود الظاهري والحسين بن علي الكرابيسي والحارث المحاسبي قال وبه نقول وحكاه ابن خوازمنداد عن مالك بن أنس واختاره وأطال في تقريره ونقل الشيخ في التبصرة عن بعض أهل الحديث أنها منها ما يوجب العلم كحديث مالك عن نافع عن ابن عمر وما أشبهه وحكى صاحب المصادر عن أبي بكر القفال أنه يوجب العلم الظاهر وقيل في تعريفه هو ما لم ينته بنفسه إلى التواتر سواء كثر رواته أو قلوا وهذا كالأول في نفي الواسطة بين التواتر والآحاد وقيل في تعريفه هو ما يفيد الظن واعترض عليه بما لم يفد الظن من الأخبار ورد بأن الخبر الذي لا يفيد الظن لا يراد دخوله في التعريف إذ لا يثبت به حكم والمراد تعريف ما يثبت به الحكم \r\n وأجيب عن هذا الرد بأن الحديث الضعيف الذي لم ينته تضعيفه إلى حد يكون به باطلا موضوعا يثبت به الحكم مع كونه لا يفيد الظن ويرد هذا الجواب بأن الضعيف الذي يبلغ ضعفه إلى حد لا يحصل معه الظن لا يثبت به الحكم ولا يجوز الاحتجاج به في إثبات شرع عام وإنما يثبت الحكم بالصحيح والحسن لذاته أو لغيره لحصول الظن بصدق ذلك وثبوته عن الشارع وقد ذهب الجمهور إلى وجوب العمل بخبر الواحد وأنه وقع التعبد به وقال القاشاني والرافضة وابن داود لا يجب العمل به وحكاه الماوردي عن الأصم وابن علية وقال إنهما قالا لا يقبل خبر الواحد في السنن والديانات ويقبل في غيره من أدلة الشرع وحكى الجويني في شرح الرسالة عن هشام والنظام أنه لا يقبل خبر الواحد إلا بعد قرينة تنضم إليه وهو علم الضرورة بأن يخلق الله في قلبه ضرورة الصدق وقال وإليه ذهب أبو الحسين بن اللبان الفرضي قال بعد حكاية هذا عنه فإن تاب فالله يرحمه وإلا فهو مسألة التكفير لأنه إجماع فمن أنكره يكفر قال ابن السمعاني واختلفوا يعني القائلين بعدم وجوب العمل بخبر الواحد في المانع من القبول فقيل منع منع العقل وينسب إلى ابن علية والأصم وقال القاشاني من أهل الظاهر والشيعة منع الشرع فقالوا أنه لا يفيد إلا الظن وأن الظن لا يغني من الحق شيئا ويجاب عن هذا بأنه عام مخصص لما ثبت في الشريعة من العلم بأخبار الآحاد ثم اختلف الجمهور في طريق إثباته فالأكثر منهم قالوا يجب بدليل السمع وقال أحمد بن حنبل والقفال وابن شريح وأبو الحسين البصري من المعتزلة وأبو جعفر الطوسي من الإمامية والصيرفي من الشافعية إن الدليل العقلي دل على وجوب العمل لاحتياج الناس إلى معرفة بعض الأشياء من جهة الخبر الوارد عن الواحد وأما دليل السمع فقد استدلوا من الكتاب بمثل قوله تعالى : { إن جاءكم فاسق بنبإ } وبمثل قوله تعالى { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } ومن السنة بمثل قصة أهل قبا لما أتاهم واحد فأخبرهم أن القبلة قد تحولت فتحولوا وبلغ ذلك النبي صضص فلم ينكر عليهم وبمثل بعثه لعماله واحدا بعد واحد وكذلك بعثه بالفرد من الرسل يدعو الناس إلى الإسلام ومن الإجماع بإجماع الصحابة والتابعين على الاستدلال بخبر الواحد وشاع ذلك وذاع ولم ينكره أحد ولو أنكره لنقل إلينا وذلك يوجب العلم العادي باتفاقهم كالقول الصريح قال ابن دقيق العيد ومن تتبع أخبار النبي والصحابة والتابعين وجمهور الأمة ما عدا هذه الفرقة اليسيرة علم ذلك قطعا انتهى وعلى الجملة فلم يأت من خالف في العلم بخبر الواحد بشيء يصلح للتمسك به ومن تتبع عمل الصحابة من الخلفاء وغيرهم وعمل التابعين فتابعيهم بأخبار الآحاد وجد ذلك في غاية الكثرة بحيث لا يتسع له إلا مصنف بسيط وإذا وقع من بعضهم التردد في العمل به في بعض الأحوال فلذلك لأسباب خارجة عن كونه خبر واحد من ريبة الصحة أو تهمة للراوي أو وجود معارض راجح أو نحو ذلك واعلم أن الآحاد تنقسم إلى أقسام فمنها خبر الواحد وهو هذا الذي تقدم ذكره \r\n والقسم الثاني : المستفيض وهو ما رواه ثلاثة فصاعدا وقيل ما زاد على الثلاثة وقال أبو إسحاق الشيرازي أقل ما ثبت به الاستفاضة اثنان قال السبكي والمختار عندنا أن المستفيض ما يعده الناس شائعا \r\n القسم الثالث : المشهور وهو ما اشتهر ولو في القرن الثاني أو الثالث إلى حد ينقله ثقات لا يتوهم تواطؤهم على الكذب ولا يعتبر الشهرة بعد القرنين هكذا قال الحنفية فاعتبروا التواتر في بعض طبقاته وهي الطبقة التي روته في القرن الثاني أو الثالث فقط فبينه وبين المستفيض عموم وخصوص من وجه لصدقهما على ما رواه الثلاثة فصاعدا ولم يتواتر في القرن الأول ثم تواتر في أحد القرنين المذكورين وانفرد المستفيض إذا لم ينته في أحدهما إلى التواتر وانفراد المشهور فيما رواه اثنان في القرن الأول ثم تواتر في الثاني والثالث وجعل الجصاص المشهور قسما من المتواتر ووافقه جماعة من أصحاب الحنفية وأما جمهورهم فجعلوه قسيما للمتواتر لا قسما منه كما تقدم واعلم أن الخلاف الذي ذكرناه في أول هذا البحث من إفادة خبر الآحاد الظن أو العلم مقيد بما إذا كان خبر واحد لم ينضم إليه ما يقويه وأما إذا انضم إليه ما يقويه أو كان مشهورا أو مستفيضا فلا يجري فيه الخلاف المذكور ولا نزاع في أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه فإنه يفيد العلم لأن الإجماع عليه قد صيره من المعلوم صدقه وهكذا خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول فكانوا بين عامل به ومتأول له ومن هذا القسم أحاديث صحيحي البخاري ومسلم فإن الأمة تلقت ما فيهما بالقبول ومن لم يعلم بالبعض من ذلك فقد أوله والتأويل فرع القبول والبحث مقرر بأدلته في غير هذا الموضع قيل ومن خبر الواحد المعلوم صدقه أن يخبر به في حضور جماعة هي نصاب التواتر ولم يقدحوا في روايته مع كونهم ممن يعرف علم الرواية ولا مانع يمنعهم من القدح في ذلك وفي هذا نظر واختلفوا في خبر الواحد المحفوف بالقرائن فقيل يفيد العلم وقيل لا يفيده وهذا خلاف لفظي لأن القرائن إن كانت قوية بحيث يحصل لكل عاقل عندها العلم كان من المعلوم صدقه أيضا إذا أخبر مخبر بحضرته صضص بخبر يتعلق بالأمور الدينية وسمعه صضص ولم ينكر عليه إلا إذا كان الخبر يتعلق بغير الأمور الدينية ","part":1,"page":66},{"id":25,"text":" فرع العلم بخبر الواحد \r\n ( العلم بخبر الواحد ) له شروط منها ما هو في المخبر وهو الراوي ومنها ما هو في المخبر عنه وهو مدلول الخبر ومنها ما هو في الخبر نفسه وهو اللفظ الدال أما الشروط الراجحة إلى الراوي فخمسة : \r\n الأول : التكليف فلا تقبل رواية الصبي والمجنون ونقل القاضي الإجماع على رد رواية الصبي واعترض عليه العنبري وقال بل هما قولان للشافعي في إخباره عن القبلة كما حكاه القاضي حسين في تعليقه قال ولأصحابنا خلاف مشهور في قبول روايته في هلال رمضان وغيره قال الفوراني الأصح قبول روايته والوجه في رد روايته أنه قد يعلم أنه غير آثم لارتفاع قلم التكليف عنه فيكذب وقد أجمع الصحابة على عدم الرجوع إلى الصبيان مع أن فيهم من كان يطلع على أحوال النبوة وقد رجعوا إلى النساء وسألوهن من وراء حجاب قال الغزالي في المنخول محل الخلاف في المراهق المتثبت في كلامه أما غيره فلا يقبل قطعا وهذا الاشتراط إنما هو باعتبار وقت الأداء للرواية أما لو تحملها صبيا وأداها مكلفا فقد أجمع السلف على قبولها كما في رواية ابن عباس والحسنين ومن كان مماثلا لهم كمحمود بن الربيع فإنه روى حديث أنه صضص مج في فيه مجة وهو ابن خمس سنين واعتمد العلماء روايته وقد كان من بعد الصحابة من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم يحضرون الصبيان مجالس الروايات ولم ينكر ذلك أحد وهكذا لو تحمل وهو فاسق أو كافر ثم روى وهو عدل مسلم ولا أعرف خلافا في عدم قبول رواية المجنون في حال جنونه أما لو سمع في حال جنونه ثم أفاق فلا يصح ذلك لأنه وقت الجنون غير ضابط وقد روى جماعة إجماع أهل المدينة على قبول رواية الصبيان بعضهم على بعض في الدماء لمسيس الحاجة إلى ذلك لكثرة وقوع الجنايات فيما بينهم إذا انفردوا ولم يحضرهم من تصح شهادته وقيدوه بعدم تفرقهم بعد الجناية حتى يؤدوا الشهادة والأولى عدم القبول وعمل أهل المدينة لا تقوم به الحجة على ما سيأتي على أن نمنع ثبوت هذا الإجماع الفعلي عنهم \r\n الشرط الثاني : الإسلام فلا تقبل رواية الكافر من يهودي أو نصراني أو غيرهما إجماعا قال الرازي في المحصول أجمعت الأمة على أنه لا تقبل روايته سواء علم من دينه الاحتراز عن الكذب أو لم يعلم قال والمخالف من أهل القبلة إذا كفرناه كالمجسم وغيره هل تقبل روايته أم لا ؟ الحق أنه إن كان مذهبه جواز الكذب لا تقبل روايته وإلا قبلناها وهو قول أبي الحسين البصري وقال القاضي عبد الجبار لا تقبل روايتهم لنا أن المقتضى للعمل بها قائم ولا معارض فوجب العمل بها بيان أن المقتضى قائم أن الاعتقاد لحرمة الكذب يزجره عن الإقدام عليها فيحصل ظن الصدق فيجب العمل بها وبيان أنه لا معارض أنهم أجمعوا على أن الكافر الذي ليس من أهل القبلة لا تقبل روايته وذلك الكفر منتف هاهنا قال واحتج المخالف بالنص والقياس أما النص فقوله تعالى : { إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا } فأمر بالتثبت عند نبأ الفاسق وهذا الكافر فاسق فوجب التثبت عند خبره وأما القياس فقد أجمعنا على أن الكافر الذي لا يكون من أهل القبلة لا نقبل روايته فكذا هذا الكافر والجامع أن قبول الرواية تنفيذ لقوله على كل المسلمين وهذا منصب شريف والكفر يقتضي الإذلال وبينهما منافاة أقصى ما في الباب أن يقال هذا الكافر جاهل لكونه كافرا لكنه لا يصلح عذرا والجواب عن الأول أن اسم الفاسق في عرف الشرع مختص بالمسلم المقدم على الكبيرة وعن الثاني الفرق بين الموضعين أن الكفر الخارج عن الملة أغلظ من كفر صاحب التأويل وقد رأينا الشرع فرق بينهما في أمور كثيرة ومع ظهور الفرق لا يجوز الجمع هكذا قال الرازي والحاصل أنه إن علم من مذهب المبتدع جواز الكذب مطلقا لم تقبل روايته قطعا وإن علم من مذهبه جوازه في أمر خاص كالكذب فيما يتعلق بنصرة مذهبه أو الكذب فيما هو ترغيب في طاعة أو ترهيب عن معصية فقال الجمهور ومنهم القاضيان أبو بكر وعبد الجبار والغزالي والآمدي لا يقبل قياسا على الفاسق بل هو أولى وقال أبو الحسين البصري يقبل وهو رأي الجويني وأتباعه والحق عدم القبول مطلقا الأول وعدم قبوله في ذلك الأمر الخاص في الثاني ولا فرق في هذا بين المبتدع الذي يكفر ببدعته وبين المبتدع الذي لا يكفر ببدعته وأما إذا كان ذلك المبتدع لا يستجيز الكذب فاختلفوا فيه على أقوال الأول رد روايته مطلقا لأنه قد فسق ببدعته فهو كالفاسق بفعل المعصية وبه قال القاضي والأستاذ أبو منصور والشيخ أبو إسحاق الشيرازي والقول الثاني أنه يقبل وهو ظاهر مذهب الشافعي وابن أبي ليلى والثوري وأبي يوسف والقول الثالث أنه إذا كان داعية إلى بدعته لم يقبل وإلا قبل وحكاه القاضي عبد الوهاب في المخلص عن مالك وبه جزم سليم قال القاضي عياض وهذا يحتمل أنه إذا لم يدع يقبل ويحتمل أنه لا يقبل مطلقا انتهى والحق أنه لا يقبل فيما يدعو إلى بدعته ويقويها لافي غير ذلك قال الخطيب وهو مذهب أحمد ونسبه ابن الصلاح إلى الأكثرين قال وهو أعدل المذاهب وأولاها وفي الصحيحين كثير من أحاديث المبتدعة غير الدعاة احتجاجا واستشهادا كعمران بن حطان وداود بن الحصين وغيرهما ونقل أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات الإجماع على ذلك قال ابن دقيق العيد جعل بعض المتأخرين من أهل الحديث هذا المذهب متفقا عليه وليس كما قال وقال ابن القطان في كتاب الوهم والإيهام الخلاف إنما هو في غير الداعية فهو ساقط عند الجمع قال أبو الوليد الباجي الخلاف في الداعية بمعنى أنه يظهر بدعته بمعنى حمل الناس عليها فلم يختلف في ترك حديثه \r\n الشرط الثالث : العدالة قال الرازي في المحصول هي هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا حتى يحصل ثقة النفس بدقة ويعتبر فيها الاجتناب عن الكبائر وعن بعض الصغائر كالتطفيف بالحبة وسرقة باقة من البقل وعن المباحات القادحة في المروءة كالأكل في الطريق والبول في الشارع وصحبة الأرذال والإفراط في المزاج والضابط فيه أن كل ما لا يؤمن من جراءته على الكذب يرد الرواية ومالا فلا انتهى وأصل العدالة في اللغة الاستقامة يقال « طريق عدل » : أي مستقيم وتطلق على استقامة السيرة والدين قال الزركشي في البحر : واعلم أن العدالة شرط بالاتفاق ولكن اختلف في معناها فعند الحنفية عبارة عن الإسلام مع عدم الفسق وعندنا ملكة في النفس تمنع عن اقتراف الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة والرذائل المباحة كالبول في الطريق والمراد جنس الكبائر والرذائل الصادق بواحدة قال ابن القشيري والذي صح عن الشافعي أنه قال في الناس من يمحض الطاعة فلا يمزجها بمعصية وفي المسلمين من يمحض المعصية ولا يمزجها بالطاعة فلا سبيل إلى رد الكل ولا إلى قبول الكل فإن كان الأغلب على الرجل من أمره الطاعة والمروءة قبلت شهادته وروايته وإن كان الأغلب المعصية وخلاف المروءة رددتها قال ابن السمعاني لا بد في العدل من أربع شرائط المحافظة على فعل الطاعة واجتناب المعصية وأن لا يرتكب من الصغائر ما يقدح في دين أو عرض وأن لا يفعل من المباحات ما يسقط القدر ويكسب الندم وأن لايعتقد من المذاهب ما يرده أصول الشرع قال الجويني الثقة هي المعتمد عليها في الخبر فمتى حصلت الثقة بالخبر قبل وقال ابن الحاجب في العدالة : هي محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ليس معها بدعة فزاد قيد عدم البدعة وقد عرفت ما هو الحق في أهل البدع في الشرط الذي مر قبل هذا والأولى أن يقال في تعريف العدالة إنها التمسك بآداب الشرع فمن تمسك بها فعلاوتركا فهو العدل المرضي ومن أخل بشيء منها فإن كان الإخلال بذلك الشيء يقدح في دين فاعله أو تاركه كفعل الحرام وترك الواجب فليس بعدل وأما اعتبار العادات الجارية بين الناس المختلفة باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكنة والأحوال فلا مدخل لذلك في هذا الأمر الديني الذي تنبني عليه قنطرتان عظيمتان وجسران كبيران وهما الرواية والشهادة نعم من فعل ما يخالف ما يعده الناس مروءة عرفا لا شرعا فهو تارك للمروءة العرفية ولا يستلزم ذلك ذهاب مروءته الشرعية \r\n وقد اختلف الناس هل المعاصي منقسمة إلى صغائر وكبائر أم هي قسم واحد ؟ فذهب الجمهور إلى أنها منقسمة إلى صغائر وكبائر ويدل على ذلك قوله سبحانه : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } وقوله { وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان } ويدل عليه ما ثبت عن النبي صضص متواترا من تخصيص بعض الذنوب باسم الكبائر وبعضها بأكبر الكبائر وذهب جماعة إلى أن المعاصي قسم واحد ومنهم الأستاذ أبو إسحاق والجويني وابن فورك ومن تابعهم قالوا إن المعاصي كلها كبائر وإنما يقال لبعضها صغيرة بالنسبة إلى ما هو أكبر كما يقال الزنا صغيرة بالنسبة إلى الكفر والقبلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنا وكلها كبائر قالوا ومعنى قوله { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } إن تجتنبوا الكفر كفرت عنكم سيآتكم التي هي دون الكفر والقول الأول راجح وهاهنا مذهب ثالث ذهب إليه الحلمي فقال إن المعاصي تنقسم حد الكبائر إلى ثلاثة أقسام : صغيرة وكبيرة وفاحشة فقتل النفس بغير حق كبيرة فإن قتل ذا رحم له ففاحشة فأما الخدشة والضربة مرة أو مرتين فصغيرة وجعل سائر الذنوب هكذا \r\n ثم اختلفوا في الكبائر هل تعرف بالحد أو لا تعرف إلا بالعدد ؟ فقال الجمهور إنها تعرف بالحد ثم اختلفوا في ذلك فقيل إنها المعاصي الموجبة للحد وقال بعضهم هي ما يلحق صاحبها وعيد شديد وقال آخرون ما يشعر بقلة اكتراث مرتكبها بالدين وثيل ما كان فيه مفسدة وقال الجويني ما نص الكتاب على تحريمه أو وجب في حقه وقيل ما ورد الوعيد عليه مع الحد أو لفظ يفيد الكبر وقال جماعة إنها لا تعرف إلا بالعدد ثم اختلفوا هل تنحصر في عدد معين أم لا ؟ فقيل هي سبع وقيل تسع وقيل عشر وقيل اثنتا عشرة وقيل أربع عشرة وقيل ست وثلاثون وقيل سبعون وإلى السبعين أنهاها الحافظ الذهبي في جزء صنفه في ذلك وقد جمع ابن حجر الهيتمي فيها مصنفا حافلا سماه الزواجر في الكبائر وذكر فيه نحو أربعمائة معصية وبالجملة فلا دليل يدل على انحصارها في عدد معين ومن المنصوص عليه منها القتل والزنا واللواطة وشرب الخمر والسرقة والغصب والقذف والنميمة وشهادة الزور واليمين الفاجرة وقطيعة الرحم والعقوق والفرار من الزحف وأخذ مال اليتيم وخيانة الكيل والوزن والكذب على رسول الله صضص وتقديم الصلاة وتأخيرها وضرب المسلم وسب الصحابة وكتمان الشهادة والرشوة والدياثة ومنع الزكاة واليأس من الرحمة أو من المكر والظهار وأكل لحم الخنزير والميتة وفطر رمضان والربا والغلول والسحر وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونسيان القرآن بعد تعلمه وإحراق الحيوان بالنار وامتناع الزوجة عن زوجها بلا سبب وقد قيل أن الإصرار على الصغيرة حكمه حكم مرتكب الكبيرة وليس على هذا دليل يصلح للتمسك به وإنما هي مقالة لبعض الصوفية فإنه قال لا صغيرة مع إصرار وقد روى بعض من لا يعرف علم الرواية هذا اللفظ وجعله حديثا ولا يصح ذلك بل الحق أن الإصرار حكمه حكم ما أصر عليه فالإصرار على الصغيرة صغيرة والإصرار على الكبيرة كبيرة \r\n وإذا تقرر لك هذا فاعلم أنه لا عدالة لفاسق وقد حكى مسلم في صحيحه الإجماع على رد خبر الفاسق فقال أنه غير مقبول عند أهل العلم كما أن شهادته مردودة عند جميعهم قال الجويني والحنفية وإن باحوا بقبول شهادة الفاسق فلم يوجبوا بقبول روايته فإن قال به قائل فهو مسبوق بالإجماع قال الرازي في المحصول إذا أقدم على الفسق فإن علم كونه فسقا لم تقبل روايته وإن لم يعلم كونه فسقا فإما أن يكون مظنونا أو مقطوعا فإن كان مظنونا قبلت روايته بالاتفاق قال وإن كان مقطوعا به قبلت أيضا لنا أن ظن صدقه راجح والعلم بهذا الظن واجب والمعارض المجمع عليه منتف فوجب العمل به احتج الخصم بأن منصب الرواية لا يليق بالفاسق أقصى ما في الباب أنه جهل فسقه لكن جهله بفسقه فسق آخر فإذا منع أحد الفسقين عن قبول الرواية فالفسقان أولى بذلك المنع والجواب أنه إذا علم كونه فسقا دل إقدامه عليه على اجترائه على المعصية بخلافه إذا لم يعلم ذلك ويجاب عن هذا الجواب أن إخلاله بأمور دينه إلى حد يجهل معه ما يوجب الفسق يدل أبلغ دلالة على اجترائه على دينه وتهاونه بما يجب عليه من معرفته \r\n واختلف أهل العلم في رواية المجهول : أي مجهول الحال مع كونه معروف العين برواية عدلين عنه فذهب الجمهور كما حكاه ابن الصلاح وغيره عنهم أن روايته غير مقبولة وقال أبو حنيفة تقبل روايته اكتفاء بسلامته من التفسيق ظاهرا وقال جماعة إن كان الراويان أو الرواة عنه لا يروون عن غير عدل قبل وإلا فلا وهذا الخلاف فيمن لا يعرف حاله ظاهرا ولا باطنا وأما من كان عدلا في الظاهر ومجهول العدالة في الباطن فقال أبو حنيفة يقبل ما لم يعلم الجرح وقال الشافعي لا يقبل ما لم تعلم العدالة وحكاه الكيا عن الأكثرين وذكر الأصفهاني أن المتأخرين من الحنفية قيدوا القول بالقبول بصدر الإسلام بغلبة العدالة على الناس إذ ذاك قالوا وأما المستور في زماننا فلا يقبل لكثرة الفساد وقلة الرشاد وقال الجويني بالوقف إذا روى التحريم إلى ظهور حاله ولنا مجهول العين وهو من لم يشتهر ولم يرو عنه إلا رواه واحد فذهب جمهور أهل العلم أنه لا يقبل ولم يخالف في ذلك إلا من لم يشترط في الراوي إلا مجرد الإسلام وقال ابن عبد البر إن كان المنفرد بالرواية عنه لا يروي إلا عن عدل كابن مهدي وابن معين ويحيى القطان فإنه تنتفي وترتفع عنه الجهالة العينية وإلا فلا وقال أبو الحسين بن القطان أن زكاة أحد من أئمة الجرح والتعديل مع روايته عنه وعمله بما رواه قبل إلا فلا وهذا هو ظاهر تصرف ابن حبان في ثقاته فإنه يحكم برفه الجهالة برواية واحدة وحكى ذلك عن النسائي أيضا قال أبو الوليد الباجي ذهب جمهور أصحاب الحديث إلى أن الراوي إذا روى عنه اثنان فصاعدا انتفت عنه الجهالة وهذا ليس بصحيح عند المحققين من أصحاب الأصول لأنه قد يروي الجماعة عن الواحد لا يعرفون حاله ولا يخبرون شيئا من أمره ويحدثون بما رووا عنه على الجهالة إذ لم يعرفوا عدالته انتهى وفيه نظر لأنهم إنما يقولون بارتفاع جهالة العين برواية الاثنين فصاعدا عنه لا بارتفاع جهالة الحال كما سبق والحق لأنها لا تقبل رواية مجهول العين ولا مجهول الحال لأن حصول الظن بالمروي لا يكون إلا إذا كان الراوي عدلا وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على المنع من العمل بالظن كقوله سبحانه { إن الظن لا يغني من الحق شيئا } وقوله { ولا تقف ما ليس لك به علم } وقام الإجماع على قبول رواية العدل فكان كالمخصص لذلك العموم فبقي من ليس بعدل داخلا تحت العمومات وأيضا قد تقرر عدم قبول رواية الفاسق ومجهول العين أو الحال يحتمل أن يكون فاسقا وأن يكون غير فاسق فلا تقبل روايته مع هذا الاحتمال لأن عدم الفسق شرط في جواز الرواية عند فلا بد من العلم بوجود هذا الشرط وأيضا وجود الفسق مانع من قبول روايته فلا بد من العلم بانتفاء هذا المانع وأما استدلال من قال بالقبول بما يرونه من قوله صضص نحن نحكم بالظاهر فقال الذهبي والمزي وغيرهما من الحفاظ لا أصل له وإنما هو من كلام بعض السلف ولو سلمنا أن له أصلا لم يصلح للاستدلال به على محل النزاع لأن صدق المجهول غير ظاهر بل صدقه وكذبه مستويان وإذا عرفت هذا فلا يصدهم ما استشهدوا به لهذا الحديث الذي لم يصح بمثل قوله صضص إنما أقضي بنحو ما أسمع وهو في الصحيح وبما روي من قوله صضص لعمه العباس يوم بدر لما اعتذر بأنه أكره على الخروج فقال كان ظاهرك علينا وبما في صحيح البخاري عن عمر رضي الله عنه إنما نؤاخذكم بما ظهر لنا من أعمالكم \r\n الشرط الرابع : الضبط فلا بد أن يكون الراوي ضابطا لما يرويه ليكون المروي له على ثقة منه في حفظه وقلة غلطه وسهوه فإن كان كثير الغلط والسهو ردت روايته إلا فيما علم أنه لم يغلط فيه ولا سها عنه وإن كان قليل الغلط قبل خبره إلا فيما يعلم أنه غلط فيه كذا قال ابن السمعاني وغيره قال أبو بكر الصيرفي : من أخطأ في حديث فليس بدليل على الخطأ في غيره ولم يسقط لذلك حديثه ومن كثر بذلك خطؤه وغلطه لم يقبل خبره لأن المدار على حفظ الحكاية قال الترمذي في العلل كل من كان متهما في الحديث بالكذب أو كان مغفلا يخطئ الكثير فالذي اختاره أكثر أهل الحديث من الأئمة أن لا يشتغل بالرواية عنه انتهى والحاصل أن الأحوال ثلاثة إن غلب خطؤه وسهوه على حفظه فمردود إلا فيما علم أنه لم يخطئ فيه وإن غلب حفظه على خطئه وسهوه فمقبول إلا فيما علم أنه أخطأ فيه وإن استويا بالخلاف قال القاضي عبد الجبار يقبل لأن جهة التصديق راجحة في خبره لعقله ودينه وقال الشيخ أبو إسحاق أنه يرد وقيل إنه يقبل خبره إذا كان مفسرا وهو أن يذكر من روى عنه ويعين وقت السماع منه وما أشبه ذلك وإلا فلا يقبل وبه قال القاضي حسين وحكاه الجويني عن الشافعي في الشهادة ففي الرواية أولى وقد أطلق جماعة من المصنفين في علوم الحديث أو الراوي إن كان تام الضبط مع بقية الشروط المعتبرة فحديثه من قسم الصحيح وإن خف ضبطه فحديثه من قسم الحسن وإن كثر غلطه فحديثه من قسم الضعيف ولا بد من تقييد هذا بما إذا لم يعلم بأنه لم يخطئ فيم رواه قال الكيا الطبري ولا يشترط انتفاء الغفلة ولا يوجب لحوق الغفلة له رد حديثه إلا أن يعلم أنه قد لحقته الغفلة فيه بعينه وما ذكره صحيح إذا كان ممن تعتريه الغفلة في غير ما يرويه كما وقع ذلك لجماعة من الحفاظ فإنهم قد تلحقهم الغفلة في كثير من أمور الدنيا فإذا رووا كانوا من أحذق الناس بالرواية وأنبههم فيما يتعلق بها وليس من شرط الضبط أن يضبط اللفظ بعينه كما سيأتي \r\n الشرط الخامس : أن لا يكون الراوي مدلسا وسواء كان التدليس في المتن أو في الإسناد أما التدليس في المتن فهو أن يزيد في كلام رسول الله صضص كلام غيره فيظن السامع أن الجميع من كلام رسول الله صضص وأما التدليس في الإسناد فهو على أنواع : \r\n أحدها : أن يكون في إبدال الأسماء فيعبر عن الراوي وعن أبيه بغير اسميهما وهذا نوع من الكذب \r\n وثانيهما : أن يسميه بتسمية غير مشهورة فيظن السامع أنه رجل آخر غير من قصده الراوي وذلك مثل من يكون مشهورا باسمه فيذكره الراوي بكنيته أو العكس إيهاما للمروي له بأنه رجل آخر غير ذلك الرجل فإن كان مقصد الراوي بذلك التغرير على السامع بأن المروي عنه غير ذلك الرجل فلا يخلو إما أن يكون ذلك الرجل المروي عنه ضعيفا وكان العدول إلى غير المشهور من اسمه أو كنيته ليظن السامع أنه رجل آخر غير ذلك الضعيف فهذا التدليس قادح في عدالة الراوي وإما أن يكون مقصد الراوي مجرد الإغراب على السامع مع كون المروي عنه عدلا على كل حال فليس هذا النوع من التدليس بجرح كما قال ابن الصلاح وابن السمعاني وقال أبو الفتح بن برهان هو جرح \r\n وثالثهما : أن يكون التدليس بإطراح اسم الراوي الأقرب وإضافة الرواية إلى من هو أبعد منه مثل أن يترك شيخه ويروي الحديث عن شيخ شيخه فإن كان المتروك ضعيفا فذلك من الخيانة في الرواية ولا يفعله إلا من ليس بكامل العدالة وإن كان المتروك ثقة وترك ذكره لغرض من الأغراض التي لا تنافي الأمانة والصدق ولا تتضمن التغرير على السامع فلا يكون ذلك قادحا في عدالة الراوي لكن إذا جاء في الرواية بصيغة محتملة نحو أن يقول : قال فلان أو روي عن فلان أو نحو ذلك أما لو قال حدثنا فلان أو أخبرنا وهو لم يحدث ولم يخبره بل الذي حدثه أو أخبره هو من ترك ذكره فذلك كذب يقدح في عدالته والحاصل أن من كان ثقة واشتهر بالتدليس فلا يقبل إلا إذا قال حدثنا أو أخبرنا أو سمعت لا إذا لم يقل كذلك لاحتمال أن يكون قد أسقط من لا تقوم الحجة بمثله \r\n أما الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر فالأول : منها أن لا يستحيل وجوده في العقل فإن أحاله العقل رد \r\n والشرط الثاني : أن لا يكون مخالفا لنص مقطوع به على وجه لا يمكن الجمع بينهما بحال \r\n والشرط الثالث : أن لا يكون مخالفا لإجماع الأمة عند من يقول بأنه حجة قطعية وأما إذا خالف القياس القطعي فقال الجمهور أنه مقدم على القياس وقيل إن كانت مقدمات القياس قطعية قدم القياس وإن كانت ظنية قدم الخبر وإليه ذهب أبو بكر الأبهري وقال القاضي أبو بكر الباقلاني إنهما متساويان وقال عيسى بن أبان إن كان الراوي ضابطا عالما قدم خبره وإلا محل اجتهاد وقال أبو الحسين البصري إن كانت العلة ثابتة بدليل قطعي فالقياس مقدم وإن كان حكم الأصول مقطوعا به خاصة دون العلة فالاجتهاد فيه واجب حتى يظهر ترجيح أحدهما فيعمل به وإلا فالخبر مقدم وقال أبو الحسين الصيمري لا خلاف في العلة المنصوص عليها وإنما الخلاف في المستنبطة قال الكيا قدم الجمهور خبر الضابط على القياس لأن القياس عرضه الزلل انتهى والحق تقديم الخبر الخارج من مخرج صحيح أو حسن على القياس مطلقا إذا لم يمكن الجمع بينهما بوجه من الوجوه كحديث المصراة وحديث العرايا فإنهما مقدمان على القياس وقد كان الصحابة التابعون إذا جاءهم الخبر لم يلتفتوا إلى القياس ولا ينظروا فيه وما روى عن بعضهم من تقديم القياس في بعض المواطن فبعضه غير صحيح وبعضه محمول على أنه لم يثبت الخبر عند من قدم القياس بوجه من الوجوه \r\n ومما يدل على تقديم الخبر على القياس حديث معاذ فإنه قدم العمل بالكتاب والسنة على اجتهاده ومما يرجح تقديم الخبر على القياس أن الخبر يحتاج إلى النظر في أمرين : عدالة الراوي ودلالة الخبر والقياس يحتاج إلى النظر في ستة أمور حكم الأصل وتعليله في الجملة وتعين الوصف الذي به التعليل ووجود ذلك الوصف في الفرع ونفي المعارض في الأصل ونفيه في الفرع هذا إذا لم يكن دليل الأصل خبرا فإن كان خبرا كان النظر في ثمانية أمور الستة المذكورة مع الاثنين المذكورين في الخبر ولا شك أن ما كان يحتاج إلى النظر في أمور كثيرة كان احتمال الخطأ فيه أكثر مما يحتاج إلى النظر في أقل منها \r\n واعلم أنه لا يضر الخبر عمل أكثر الأمة بخلافة لأن قول الأكثر ليس بحجة ولا يضره عمل أهل المدينة بخلافه خلافا لمالك وأتباعه لأنهم بعض الأمة ولجواز أنه لم يبلغهم الخبر ولا يضره عمل الراوي له بخلافه خلافا لجمهور الحنفية وبعض المالكية لأنا متعبدون بما بلغ إلينا من الخبر ولم نتعبد بما فهمه الراوي ولم يأت من قدم عمل الراوي على روايته بحجة تصلح للاستدلال بها وسيأتي لهذا البحث مزيد بسط في الشروط التي ترجع إلى لفظ الخبر ولا يضره كونه مما تعم به البلوى خلافا للحنفية وأبي عبد الله البصري لعمل الصحابة والتابعين بأخبار الآحاد في ذلك ولا يضره كونه في الحدود والكفارات خلافا للكرخي من الحنفية وأبي عبد الله البصري في أحد قوليه ولا وجه لهذا الخلاف فهو خبر عدل في حكم شرعي ولم يثبت في الحدود والكفارات دليل يخصها من عموم الأحكام الشرعية واستدلالهم بحديث إدرأوا الحدود بالشبهات باطل فالخبر الموجب للحد يدفع الشبهة على فرض وجودها ولا يضره أيضا كونه زيادة على النص القرآني أو السنة القطعية خلافا للحنفية فقالوا إن خبر الواحد إذا ورد بالزيادة في حكم القرآن أو السنة القطعية كان نسخا لا يقبل والحق القبول لأنها زيادة غير منافية للمزيد فكانت مقبولة ودعوى أنها ناسخة ممنوعة وهكذا إذا ورد الخبر مخصصا للعام من كتاب أو سنة فإن مقبول ويبنى العام على الخاص خلافا لبعض الحنفية وهكذا إذا ورد مقيدا لمطلق الكتاب أو السنة القطعية وقسم الهندي خبر الواحد إذا خصص عموم الكتاب أو السنة المتواترة أو قيد مطلقهما إلى ثلاثة أقسام : \r\n أحدها : أن ما لا يعلم مقارنته له ولا تراخيه عنه فقال القاضي عبد الجبار يقبل لأن الصحابة رفعت كثيرا من أحكام القرآن بأخبار الآحاد ولم يسألوا عنها هل كانت مقارنة أم لا ؟ قال وهو أولى لأن حمله على كونه مخصصا مقبولا أولى من حمله على كونه ناسخا مردودا \r\n الثاني : أن يعلم مقارنته له فيجوز عند من يجوز تخصيص المقطوع بالمظنون \r\n الثالث : أن يعلم تراخيه عنه وهو ممن لم يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب لم يقبله لأن لو قبله لقبل ناسخا وهو غير جائز ومن جوزه قبله إن كان ورد قبل حضور وقت العمل به وأما إذا ورد بعده فلا يقبل بالاتفاق انتهى وسيأتي تحقيق البحث في التخصيص للعام والتقييد للمطلق ولا يضره كون راويه انفرد بزيادة فيه على ما رواه غيره إذا كان عدلا فقد يحفظ الفرد ما لا يحفظه الجماعة وبه قال الجمهور إذا كانت تلك الزيادة غير منافية للمزيد أما إذا كانت منافية فالترجيح ورواية الجماعة أرجح من رواية الواحد وقيل لا نقبل رواية الواحد إذا خالفت رواية الجماعة وإن كانت تلك الزيادة غير منافية للمزيد إذا كان مجلس السماع واحدا وكانت الجماعة بحيث لا يجوز عليهم الغفلة عن مثل تلك الزيادة وأما إذا تعدد مجلس السماع فتقبل تلك الزيادة بالاتفاق ومثل انفراد العدل بالزيادة انفراده برفع الحديث إلى رسول الله صضص الذي وقفه الجماعة وكذا انفراده بإسناد الحديث الذي أرسلوه وكذا انفراده بوصل الحديث الذي قطعوه فإن ذلك مقبول منه لأنه زيادة على ما رووه وتصحيح لما أعلوه ولا يضره أيضا كونه خارجا مخرج ضرب الأمثال وروي عن إمام الحرمين أنه لا يقبل لأنه موضع تجوز فأجيب عنه بأنه وإن كان موضع تجوز فإن النبي صضص لا يقول إلا حقا لمكان العصمة \r\n وأما الشروط التي ترجع إلى لفظ الخبر : فإنه علم أن للراوي في نقل ما يسمعه أحوالا : \r\n الأول : أن يرويه بلفظه فقد أدى الأمانة كما سمعها ولكنه إذا كان النبي صضص قاله جوابا عن سؤال سائل فإن كان الجواب مستغنيا عن ذكر السؤال كقوله صضص في ماء البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته فالراوي محير بين أن يذكر السؤال أو يتركه وإن كان الجواب غير مستغن عن ذكر السؤال كما في سؤاله صضص عن بيع الرطب بالتمر فقال أينقص إذا جف ؟ فقيل نعم فقال فلا إذا فلا بد من ذكر السؤال وهكذا لو كان الجواب يحتمل أمرين فإذا نقل الراوي السؤال لم يحتمل إلا أمرا واحدا فلا بد من ذكر السؤال وعلى كل حال فذكر السؤال مع ذكر الجواب وما ورد على سبب أولى من الإهمال \r\n الحال الثاني : أن يرويه بغير لفظه بل بمعناه وفيه ثمانية مذاهب : \r\n الأول : منها أن ذلك جائز من عارف بمعاني الألفاظ لا إذا لم يكن عارفا فإنه لا يجوز له الرواية بالمعنى قال القاضي في التقريب بالإجماع ومنهم من شرط أن يأتي بلفظ مرادف كالجلوس مكان القعود أو العكس ومنهم من شرط أن يكون ما جاء به مساويا للأصل في الجلاء والخفاء فلا يأتي مكان الجلي بما هو دونه في الجلاء ولا مكان العام بالخاص ولا مكان المطلق بالمقيد ولا مكان الأمر بالخبر ولا عكس ذلك وشرط بعضهم أن لا يكون الخبر مما تعبدنا بلفظه كألفاظ الاستفتاح والتشهد وهذا الشرط لا بد منه وقد قيل إنه مجمع عليه وشرط بعضهم أن لا يكون الخبر من باب المتشابه كأحاديث الصفات وحكى الكيا الطبري الإجماع على هذا لأن اللفظ الذي تكلم به النبي صضص لا يدري هل يساويه اللفظ الذي تكلم به الراوي ويحتمل ما يحتمله من وجوه التأويل أم لا وشرط بعضهم أن لا يكون الخبر من جوامع الكلم فإن كان من جوامع الكلم كقوله : إنما الأعمال بالنيات من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه الحرب خدعة الخراج بالضمان العجماء جبار البينة على المدعي لم تجز روايته بالمعنى وشرط بعضهم أن يكون الخبر من الأحاديث الطوال وأما الأحاديث القصار فلا يجوز روايتها بالمعنى ولا وجه لهذا قال ابن الأنباري في شرح البرهان للمسألة ثلاث صور : \r\n أحدها : أن يبدل اللفظ بمرادفه كالجلوس بالقعود وهذا جائز بلا خلاف \r\n وثانيها : أن يظن دلالته على مثل ما دل عليه الأول من غير أن يقطع بذلك فلا خلاف في امتناع التبديل \r\n ثالثها : أن يقطع بفهم المعنى ويعبر عما فهم بعبارة يقطع بأنها تدل على ذلك المعنى الذي فهمه من غير أن تكون الألفاظ مترادفة فهذا موضع الخلاف والأكثرون على أنه متى حصل القطع بفهم المعنى مستندا إلى اللفظ إما بمجرده أو إليه مع القرائن التحق بالمترادف \r\n المذهب الثاني : المنع من الرواية بالمعنى مطلقا بل يجب نقل اللفظ بصورته من غير فرق بين العارف وغيره هكذا نقله القاضي عن كثير من السلف وأهل التحري في الحديث وقال أنه مذهب مالك ونقله الجويني والقشيري عن معظم المحدثين وبعض الأصوليين وحكي عن أبي بكر الرازي من الحنفية وهو مذهب الظاهرية نقله عنهم القاضي عبد الوهاب ونقله ابن السمعاني عن عبد الله بن عمر وجماعة من التابعين منهم ابن سيرين وبه قال الأستاذ أبو إسحق الإسفرائيني ولا يخفى ما في هذا المذهب من الحرج البالغ أو المخالفة لما كان عليه السلف والخلف من الرواة كما تاره في كثير من الأحاديث التي يرويها جماعة فإن غالبها بألفاظ مختلفة مع الاتحاد في المعنى المقصود بل قد ترى الواحد من الصحابة فمن بعدهم يأتي في بعض الحالات بلفظ في رواية وفي أخرى بغير ذاك اللفظ مما يؤدي معناه وهذا أمر لا شك فيه \r\n المذهب الثالث : الفرق بين الألفاظ التي لا مجال للتأويل فيها وبين الألفاظ التي للتأويل فيها مجال فيجوز النقل بالمعنى في الأول دون الثاني حكاه أبو الحسين بن القطان عن بعض أصحاب الشافعي واختاره الكيا الطبري \r\n المذهب الرابع : التفصيل بين أن يحفظ الراوي اللفظ أم لا فإن حفظه لم يجز له أن يرويه بغيره لأن في كلام رسول الله صضص من الفصاحة ما لا يوجد في غيره وإن لم يحفظ اللفظ جاز له الرواية بالمعنى وبهذا جزم الماوردي والروياني \r\n المذهب الخامس : التفصيل بين الأوامر والنواهي وبين الأخبار فتجوز الرواية بالمعنى في الأول دون الثاني قال الماوردي والروياني : أما الأوامر والنواهي فيجوز روايتها بالمعنى كقوله [ لا تبيعوا الذهب بالذهب ] وروى أنه نهى بيع الذهب بالذهب وقوله صضص اقتلوا الأسودين في الصلاة وروى أنه أمر أمر بقتل الأسودين في الصلاة قال هذا جائز بلا خلاف لأن أفعل أمر ولا تفعل نهي فيتخير الراوي بينهما وإن كان اللفظ في المعنى محتملا لإطلاق في إغلاق وجب نقله بلفظه ولا يعبر عنه بغيره \r\n المذهب السادس : التفصيل بين المحكم وغيره فتجوز الرواية بالمعنى في الأول دون الثاني كالمجمل والمشترك والمجاز الذي لم يشتهر \r\n المذهب السابع : أن يكون المعنى مودعا في جملة لا يفهمه العامي إلا بأداء تلك الجملة فلا يجوز روايته إلا بأداء تلك الجملة بلفظها كذا قال أبو بكر الصيرفي \r\n المذهب الثامن : التفصيل بين أن يورده على قصد الاحتجاج والفتيا أو يورده لقصد الرواية فيجوز الرواية بالمعنى في الأول دون الثاني فهذه ثمانية مذاهب ويتخرج من الشروط التي اشترطها أهل مذاهب غير هذه المذاهب \r\n الحال الثالث : أن يحذف الراوي بعض لفظ الخبر فينبغي أن ينظر فإن كان المحذوف متعلقا بالمحذوف منه تعلقا لفظيا أو معنويا لم يجز بالاتفاق حكاه الصفي الهندي وابن الأنباري فالتعلق اللفظي كالتقييد بالاستثناء والشرط والغاية والصفة والتعلق المعنوي كالخاص بالنسبة إلى العام والمقيد بالنسبة إلى المطلق والمبين بالنسبة إلى المجمل والناسخ بالنسبة إلى المنسوخ ويشكل على هذا المحكي من الاتفاق ما نقله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في اللمع والقاضي في التقريب من الجواز مطلقا سواء تعلق بعضه ببعض أم لا وفي هذا ضعف فإن ترك الراوي لما هو متعلق بما رواه لا سيما ما كان متعلقا به تعلقا لفظيا خيانة في الرواية وإن لم يكن كذلك فاختلفوا على أقوال : \r\n أحدها : إن كان قد نقل ذلك هو أو غيره مرة بتمامه جاز أن ينقل البعض وإن لم ينقل ذلك لا هو ولا غيره لم يجز كذا قال القاضي في التقريب والشيخ الشيرازي في اللمع \r\n ثانيها : أنه يجوز إذا لم يتطرق إلى الراوي التهمة ذكره الغزالي \r\n وثالثها : أن الخبر إذا كان لا يعلم إلا من طريق الراوي وتعلق به حكم شرعي لم يجز له أن يقتصر على بعضه دون بعض وإن لم يتعلق به حكم فإن كان الراوي فقيها جاز له ذلك وإن كان غير فقيه لم يجز قاله ابن فورك وأبو الحسين بن القطان \r\n ورابعها : إن كان الخبر مشهورا بتمامه جاز الاقتصار من الراوي على البعض وإلا فلا قاله بعض شراح اللمع لأبي إسحاق \r\n وخامسها : المنع مطلقا \r\n وسادسها : التفصيل بين أن يكون المحذوف حكما متميزا عما قبله والسامع فقيه عالم بوجه التميز فيجوز الحذف وإلا لم يجز قال الكيا الطبري وهذا التفصيل هو المختار قال الماوردي والروياني : لا يجوز إلا بشرط أن يكون الباقي مستقلا بمفهوم الحكم كقوله في ماء البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته فيجوز للراوي أن يقتصر على رواية إحدى هاتين الجملتين وإن كان الباقي لا يفهم معناه فلا يجوز وإن كان مفهوما ولكن ذكر المتروك يوجب خلاف ظاهر الحكم المذكور كقوله صضص في الأضحية لمن قال له ليس عندي إلا جذعة من المعز فقال [ تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك ] فلا يجوز الحذف لأنه لو اقتصر على قوله تجزئك لفهم من ذلك أنها تجزئ عن جميع الناس هذا حاصل ما قيل في هذه المسألة وأنت خبير بأن كثيرا من التابعين والمحدثين يقتصرون على رواية بعض الخبر عند الحاجة إلى رواية بعضه لا سيما في الأحاديث الطويلة كحديث جابر في صفة حج النبي صضص ونحوه من الأحاديث وهم قدوة لمن بعدهم في الرواية لكن بشرط أن لا يستلزم ذلك الاقتصاد على البضع مفسدة \r\n الحال الرابع : أن يزيد الراوي في روايته للخبر على ما سمعه من النبي صضص فإن كان ما زاده يتضمن بيان سبب الحديث أو تفسير معناه فلا بأس بذلك لكن بشرط أن يبين ما زاده حتى يفهم السامع أنه من كلام الراوي قال المارودي والروياني يجوز من الصحابي زيادة بيان السبب لكونه مشاهدا للحال ولا يجوز من التابعي وأما تفسير المعنى فيجوز منهما ولا وجه للاقتصار على الصحابي والتابعي في تفسير معنى الحديث فذلك جائز لكل من يعرف معناه معرفة صحيحة على مقتضى اللغة العربية بشرط الفصل بين الخبر المروي وبين التفسير الواقع منه بما يفهمه السامع \r\n الحال الخامس : إذا كان الخبر محتملا لمعنيين متنافيين فاقتصر الراوي على تفسيره بأحدهما فإن كان المقتصر على أحد المعنيين هو الصحابي كان تفسيره كالبيان لما هو المراد وإن كان المقتصر غير صحابي ولم يقع الإجماع على أن المعنى الذي اقتصر عليه هو المراد فلا يصار إلى تفسيره بل يكون لهذا اللفظ المحتمل للمعنيين المتنافيين حكم هو المراد المشترك أو المجمل فيتوقف العمل به على ورود دليل يدل على أن المراد أحدهما بعينه والظاهر أن النبي صضص لا ينطق بما يحتمل المعنيين المتنافيين لقصد التشريع ويخليه عن قرينة حالية أو مقالية بحيث لا يفهم الراوي لذلك عنه من الصحابة ما أراده بذلك اللفظ بل لا بد من بيانه بما يتضح به المعنى المراد فقد كانوا يسألونه صضص إذا أشكل عليهم شيء من أقواله أو أفعاله فكيف لا يسألونه عن مثل هذا وقد نقل القاضي أبو بكر والجويني عن الشافعي أن الصحابي إذا ذكر خبرا أو أوله وذكر المراد منه فذلك مقبول قال ابن القشيري إنما أراد والله أعلم إذا أول الصحابي أو خصص من غير ذكر دليل وإلا فالتأويل المعتضد بالدليل مقبول من كل إنسان لأنه اتباع للدليل لا اتباع لذلك التأويل \r\n الحال السادس : أن يكون الخبر ظاهرا في شيء فيحمله الراوي من الصحابة على غير ظاهره إما بصرف اللفظ عن حقيقته أو بأن يصرفه عن الوجوب إلى الندب أو عن التحريم إلى الكراهة ولم يأت بما يفيد صرفه عن الظاهر فذهب الجمهور من أهل الأصول إلى أنه يعمل بالظاهر ولا يصار إلى خلافه لمجرد قول الصحابي أو فعله وهذا هو الحق لأنا متعبدون بروايته لا برأيه كما تقدم وذهب أكثر الحنفية إلى أنه يعمل بما حمله عليه الصحابي لأنه أخبر بمراد النبي صضص ويجاب عن هذا بأنه قد يحمله على ذلك على خلاف ظاهره اجتهادا منه والحجة إنما هي روايته لا في رأيه وقد يحمله وهما منه وقال بعض المالكية إن كان ذلك مما لا يمكن أن يدرى إلا بشواهد الأحوال والقرائن يمكن أن يكون بضرب من الاجتهاد كان الرجوع إلى الظاهر متعينا لاحتمال أن لا يكون اجتهاده مطابقا لما في نفس الأمر فلا يترك الظاهر بالمحتمل ويجاب عنه بأن ذلك الحمل على خلاف الظاهر فيما ليس من مسارح الاجتهاد قد يكون وهما فلا يجوز اتباعه على الغلط بخلاف العمل بما يقتضيه الظاهر فإنه عمل بما يقتضيه كلام الشارع فكان العمل عليه أرجح وقال القاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري إن علم أنه لم يكن لمذهب الراوي وتأويله وجه سوى علمه بقصد النبي صضص لذلك التأويل وجب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال وأيضا فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك ","part":1,"page":78},{"id":26,"text":" فصل في ألفاظ الرواية \r\n اعلم أن الصحابة إذا قال سمعت رسول الله صضص أو أخبرني أو حدثني فذلك لا يحتمل الواسطة بينه وبين رسول الله صضص وما كان مرويا بهذه الألفاظ كشافهني رسول الله صضص أو رأيته يفعل كذا فهو حجة بلا خلاف وأما إذا جاء الصحابي بلفظ يحتمل الواسطة بينه وبين رسول الله صضص كأن يقول قال رسول الله صضص كذا أو أمر بكذا أو نهى عن كذا أو قضى بكذا فذهب الجمهور إلى أن ذلك حجة سواء كان الراوي من صغار الصحابة أو من كبارهم لأن الظاهر أنه روى ذلك عن النبي صضص وعلى تقدير أن ثم واسطة فمراسيل الصحابة مقبولة عند الجمهور وهو الحق وخالف في ذلك داود الظاهري فقال أنه لا يحتج به حتى ينقل لفظ الرسول ولا حجة لهذا فإن الصحابي عدل عارف بلسان العرب وقد أنكر هذه الرواية عن دود بعض أصحابه فإن قال الصحابي أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا بصيغة المبني للمفعول فذهب الجمهور إلى أنه حجة لأن الظاهر أن الآمر والناهي هو صاحب الشريعة وقال أبو بكر الصيرفي والإسماعيلي والجويني والكرخي وكثير من المالكية أنه لا يكون حجة لأنه يحتمل أن يكون الآمر أو الناهي بعض الخلفاء والأمراء ويجاب عنه بأن هذا الاحتمال بعيد لا يندفع به الظهور وحكى ابن السمعاني قولا ثالثا وهو الوقف ولا وجه له لأن رجحان ما ذهب إليه الجمهور وظهور وجه يدفع الوقف إذ لا يكون إلا مع تعادل الأدلة من كل وجه وعدم وجدان مرجح لأحدهما وحكى ابن الأثير في جامع الأصول قولا رابعا وهو التفصيل بين أن يكون قائل ذلك هو أبو بكر الصديق فيكون ما رواه بهذه الصفة حجة لأنه لم يتأمر عليه أحد وبين أن يكون القائل غيره فلا يكون حجة ولا وجه لهذا التفصيل لما عرفناه من ضعف احتمال كون الآمر والناهي غير صاحب الشريعة وذكر ابن دقيق العيد في شرح الإلمام قولا خامسا وهو الفرق بين كون قائله من أكابر الصحابة كالخلفاء الأربعة وعلماء الصحابة كابن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأنس وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس فيكون حجة وبين كون قائله من غيرهم فلا يكون حجة ولا وجه لهذا أيضا تقدم وأيضا فإن الصحابي إنما يورد ذلك مورد الاحتجاج والتبليغ للشريعة التي يثبت بها التكليف لجميع الأمة ويبعد كل البعد أن يأتي بمثل هذه العبارة ويريد غير رسول الله صضص فإنه لا حجة في قول غيره ولا فرق بين أن يأتي الصحابي بهذه العبارة في حياة رسول الله صضص أو بعد موته فإن لها حكم الرفع وبها تقوم الحجة ومثل هذا إذا قال من السنة كذا فإنه لا يحمل إلا على رسول الله صضص وبه قال الجمهور وحكى ابن فورك عن الشافعي أنه قال في قوله القديم أنه يحمل على سنة رسول الله صضص في الظاهر وإن جاز خلافه وقال في الجديد يجوز أن يقال ذلك على معنى سنة البلد وسنة الأئمة ويجاب عنه بأن هذا احتمال بعيد والمقام مقام تبليغ للشريعة إلى الأمة ليعملوا بها فكيف يرتكب مثل ذلك من هو من خير القرون ؟ قال الكرخي والرازي والصيرفي أنه ليس بحجة لأن المتلقي من القياس قد يقال إنه سنة لاستناده إلى الشرع وحكى هذا الجويني عن المحققين ويجاب عنه بأن إطلاق السنة على ما هو مأخوذ من القياس مخالف لاصطلاح أهل الشرع فلا يحمل عليه ونقل ابن الصلاح والنووي عن أبي بكر الإسماعيلي الوقف ولا وجه له وأما التابعي إذا قال من السنة كذا فله حكم مراسيل التابعين هذا أرجح ما يقال فيه واحتمال كونه مذاهب الصحابة وما كان عليه العمل في عصرهم خلاف الظاهر فإن إطلاق ذلك في مقام الاحتجاج وتبليغه إلى الناس يدل على أنه أراد سنة صاحب الشريعة قال ابن عبد البر إذا أطلق الصحابي السنة فالمراد به سنة النبي صضص وكذلك إذا أطلقه غيره ما لم تضف إلى صاحبها كقولهم « سنة العمرين » ونحو ذلك فإن قال الصحابي كنا نفعل في عهد رسول الله صضص كذا أو كانوا يفعلون كذا فأطلق الآمدي وابن الحاجب والصفي الهندي أن الأكثرين على أنه حجة ووجه أنه نقل لفعل جماعتهم مع تقرير النبي صضص على ذلك ولا بد أن يعتبر في هذا أن يكون مثل ذلك مما لا يخفى على النبي صضص فتكون الحجة في التقرير وأما كونه في حكم نقل الإجماع فلا فقد يضاف فعل البعض إلى الكل \r\n وحكى القرطبي في قول الصحابي كنا نفعل في عهده صضص ثلاثة أقوال فقال قبله أبو الفرج من أصحابنا ورده أكثر أصحابنا وهو الأظهر من مذهبهم قال القاضي أبو محمد والوجه التفصيل بين أن يكون شرعا مستقلا كقول أبي سعيد كنا نخرج صدقة عيد الفطر على عهد رسول الله صضص صاعا من تمر أو صاعا من شعير الحديث فمثل هذا يستحيل خفاؤه عليه صضص فإن كان يمكن خفاؤه فلا يقبل كقول رافع بن خديج كنا نخابر على عهد رسول الله صضص حتى روى لنا بعض عمومتي أن رسول الله صضص نهى عن ذلك ورجح هذا التفصيل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وقيل أن ذكره الصحابي في معرض الحجة حمل على الرفع وإلا فلا وأما لو قال الصحابي كانوا يفعلون أو كنا نفعل ولا يقول على عهد النبي صضص فلا تقوم بمثل هذه الحجة لأنه ليس بمسند إلى تقرير النبي صضص ولا هو حكاية للإجماع ","part":1,"page":92},{"id":27,"text":" وأما ألفاظ الرواية من غير الصحابي فلها مراتب بعضها أقوى من بعض \r\n المرتبة الأولى : أن يسمع الحديث من لفظ الشيخ وهذه المرتبة هي الغاية في التحمل لأنها طريقة رسول الله صضص فإنه هو الذي كان يحدث أصحابه وهم يسمعون وهي أبعد من الخطأ والسهو وقال أبو حنيفة أن قراءة التلميذ على الشيخ أقوى من قراءة الشيخ على التلميذ لأنه إذا قرأ التلميذ على الشيخ كانت المحافظة من الطرفين وإذا قرأ الشيخ كانت المحافظة منه وحده وهذا ممنوع فالمحافظة في الطريقين كائنة من الجهتين قال الماوردي والروياني ويصح تحمل التلميذ عن الشيخ سواء كانت القراءة عن قصد أو اتفاقا أو مذاكرة ويجوز أن يكون الشيخ أعمى على ما حفظه ويجوز أن يكون أصم ويجوز أن يكون التلميذ أعمى ولا يجوز أن يكون أصم وكما تجوز الرواية من حفظ الشيخ يجوز أن تكون من كتابه إذا كان واثقا به ذاكرا لوقت سماعه له وروي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا تجوز الرواية من الكتاب ولا وجه لذلك فإن يستلزم بطلان فائدة الكتاب ولا يبعد أن تكون الرواية من الكتاب الصحيح المسموع أثبت من الرواية من الحفظ لأن الحفظ مظنة السهو والنسيان والاشتباه وللتلميذ في هذه المرتبة التي هي أقوى المراتب أن يقول حدثني وأخبرني وأسمعني وحدثنا وأخبرنا وأسمعنا إذا كان الشيخ قاصدا لإسماعه وحده أو مع جماعة فإن لم يقصد ذلك فيقول سمعته يحدث \r\n المرتبة الثانية : أن يقرأ التلميذ والشيخ يسمع وأكثر المحدثين يسمون هذا عرضا وذلك لأن التلميذ بقراءته على الشيخ كأنه يعرض عليه ما يقرؤه ولا خلاف أن هذه طريقة صحيحة ورواية معمول بها ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد بخلافه قال الجويني وشرط صحة هذه الطريقة أن يكون الشيخ عالما بما يقرؤه التلميذ عليه ولو فرض منه تصحيف أو تحريف لرده عليه وإلا لم تصح الرواية عنه قال وأي فرق بين شيخ يسمع أصواتا وأجراسا ولا يأمن تدليسا وإلباسا وبين شيخ لا يسمع ما يقرأ عليه ؟ قال أبو نصر القشيري وهذا الذي ذكره الإمام لم أره في كلام القاضي فإن صرح بأن الصبي المميز يصح منه التحمل وإن لم يعرف معناه وتصح رواية الحديث عمن لم يعلم معناه وهذا فيما أظن إجماع من أئمة الحديث وكيف لا وفي الحديث « رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه » ولو شرطنا علم الراوي بمعنى الحديث لشرطنا معرفة جميع وجوهه ويسند بذلك الحديث قال وقد صرح الإمام بجواز الإجازة والتعويل عليها وقد يكون المجيز غير محيط بجملة ما في الكتاب المجاز وقد وافق الجويني على ذلك الشرط الذي ذكره الكيا الطبري والمازري ويقول التلميذ في هذه الطريقة قرأت على فلان أو أخبرني أو حدثني قراءة عليه وأما إطلاق أخبرني أو حدثني بدون تقييده بقوله قراءة عليه فمنع من ذلك جماعة منهم ابن المبارك ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل والنسائي لأن ظاهر ذلك يقتضي أن الشيخ هو الذي قرأ بنفسه وقال الزهري ومالك وسفيان الثوري وابن عيينة ويحيى بن سعيد القطان والبخاري أنه يجوز لأن القراءة على الشيخ كالقراءة منه ونقله الصيرفي والماوردي والروياني عن الشافعي وروي عن الشافعي وأصحابه ومسلم بن الحجاج صاحب الصحيح أنه يجوز في هذه الطريقة أن يقول أخبرنا ولا يجوز أن يقول حدثنا قال الربيع قال الشافعي إذا قرأت على العالم فقل أخبرنا وإذا قرأ عليك فقل حدثنا قال ابن دقيق العيد وهو باصطلاح المحدثين في الآخر والاحتجاج له ليس بأمر لغوي وإنما هو اصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين قال ابن فورك بين حدثني وأخبرني فرق لأن أخبرني يجوز أن يكون بالكتابة إليه وحدثني لا يحتمل إلا السماع \r\n المرتبة الثالثة : الكتابة المقترنة بالإجازة نحو أن يكتب الشيخ إلى التلميذ سمعت من فلان كذا وقد أجزت لك أن ترويه عني وكان خط الشيخ معروفا فإن تجردت الكتابة عن الإجازة فقد أجاز الرواية بها كثير من المتقدمين حتى قال ابن السمعاني أنها أقوى من مجرد الإجازة وقال الكيا الطبري إنها بمنزلة السماع قال لأن الكتابة أحد اللسانين وقد كان النبي صضص يبلغ بالكتابة إلى الغائبين كما يبلغ قبل الخطاب للحاضرين وكان رسول الله صضص يكتب إلى عماله تارة ويرسل أخرى قال البيهقي في المدخل الآثار في هذا كثير من التابعين فمن بعدهم وفيها دلالة على أن جميع ذلك واسع عندهم وكتب النبي صضص شاهدة لقوله قال إلا أن ما سمعه من الشيخ فوعاه وقرأ عليه به أولى بالقبول مما كتب به إليه لما يخاف على الكتاب من التغيير \r\n وكيفية الرواية أن يقول كتب إلي أو أخبرني كتابة فإن كان قد ذكر الأخبار في كتابه فلا بأس بقوله أخبرنا وجوز الرازي أن يقول التلميذ أخبرني مجردا عن قوله كتابة قال ابن دقيق العيد : وأما تقييده بقوله كتابة فينبغي أن يكون هذا أدبا لأن القول إذا كان مطابقا جاز إطلاقه ولكن العمل مستمر على ذلك عند الأكثرين وجوز الليث بن سعد إطلاق حدثنا وأخبرنا في الرواية بالكتابة قال القاضي عياض إن الذي عليه الجمهور من أرباب النقل وغيرهم جواز الرواية لأحاديث الكتابة ووجوب العمل بها وأنها داخلة في المسند وذلك بعد ثبوت صحتها عند المكتوب إليه ووثوقه بأنها عن كاتبها ومنع قوم من الرواية بها منهم المازري والروياني وممن نقل إنكار قبولها الحافظ الدارقطني والآمدي \r\n المرتبة الرابعة : المناولة وهو أن يناول الشيخ تلميذه صحيفة وهي على وجهين : \r\n الأول : أن تقترن بالإجازة وذلك بأن يدفع أصله أو فرعا مقابلا عليه ويقول هذا سماعي فاروه عني أو يأتي التلميذ إلى الشيخ بجزء فيه سماعه فيعرضه على الشيخ ثم يعيده إليه ويقول هو من مروياتي فاروه عني قال القاضي عياض في الإلماع أنها تجوز الرواية بهذه الطريقة بالإجماع قال المازري لا شك في وجوب العمل بذلك ولا معنى للخلاف في ذلك قال الصيرفي ولا نقول حدثنا ولا أخبرنا في كل حديث وروي عن أحمد وإسحاق ومالك أن هذه المناولة المقترنة بالإجازة كالسماع وحكاه الخطيب عن ابن خزيمة \r\n الوجه الثاني : أن لا تقترن بالإجازة بل يناوله الكتاب ويقتصر على قوله هذا سماعي من فلان ولا يقول أروه عني فقال ابن الصلاح والنووي لا تجوز الرواية بها على الصحيح عند الأصوليين والفقهاء وحكى الخطيب عن قوم أنهم جوزوا الرواية بها وبه قال ابن الصباغ والرازي قال البخاري واحتج بعض أهل الحجاز للمناولة بحديث النبي صضص حيث كتب لأمير السرية كتابا وقال لا تقرأه حتى تبلغ كذا وكذا فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي صضص وأشار البيهقي إلى أنه لا حجة في ذلك قال العبدري لا معنى لإفراد المناولة حتى يقول أجزت لك أن تروي عني وحينئذ فهو قسم من أقسام الإجازة \r\n المرتبة الخامسة : الإجازة وهو أن يقول أجزت لك أن تروي عني هذا الحديث بعينه أو هذا الكتاب أو هذه الكتب فذهب الجمهور إلى جواز الرواية بها ومنع من ذلك جماعة قال شعبة لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة وقال أبو زرعة الرازي لو صحت الإجازة لذهب العلم ومن المانعين إبراهيم الحربي وأبو الشيخ الأصفهاني والقاضي حسين والماوردي والروياني من الشافعية وأبو طاهر الدباس من الحنفية وقال من قال لغيره أجزت لك أن تروي عني فكأنه قال أجزت لك أن تكذب علي ويجاب عمن قال هؤلاء المانعون بأن الإجازة لا تستلزم بطلان الرحلة وأيضا المراد من الرحلة تحصيل طريق الرواية وقد حصلت بالإجازة ولا تستلزم ذهاب العلم غاية ما في الباب من روى بالإجازة ترك ما هو أقوى منها من طرق الرواية وهي طريقة السماع والكل طرق للرواية والعلم محفوظ غير ذاهب بترك ما هو الأقوى وأما قول الدباس إن الإجازة بمنزلة قول الشيخ لتلميذه أجزت لك أن تكذب علي فهذا خلف من القول وباطل من الكلام فإن المراد من تحصيل طريق الرواية هو حصول الثقة بالخبر وهي هنا حاصلة وإذا تحقق سماع الشيخ وتحقق أذنه للتلميذ بالرواية فقد حصل المطلوب من الإسناد ولا فرق بين الطريق المقتضية للرواية تفصيلا في اتصاف كل واحدة منها بأنها طريق وإن كان بعضها أقوى من بعض وإذا عرفت هذا علمت أنه لا وجه لما قاله ابن حزم في كتاب الأحكام أنه بدعة غير جائزة واختلفوا هل يجوز للتلميذ أن يقول في الإجازة حدثني أو أخبرني أو حدثنا أو أخبرنا من غير تقييد بكون ذلك إجازة فمنهم من أجازه ومنهم من منعه إلا بالقيد المذكور وهو أن يقول حدثني إجازة أو أخبرني إجازة قال ابن دقيق العيد وأجود العبارات في الإجازة أن يقول أجاز لنا وقيل يجوز أن يقول أنبأني بالاتفاق وهذه الطريقة على أنواع \r\n النوع الأول : أن يجيز في معين لمعين نحو أن يقول أجزت لك أو لكم جميع مسموعاتي فجوز هذا الجمهور ومنعه جماعة منهم الجويني \r\n النوع الثالث : أن يجيز غير معين بغير معين نحو أن يقول أجزت للمسلمين أو لمن أدرك حياتي جميع مروياتي وقد جوز هذا جماعة منهم الخطيب وأبو الخطيب وأبو الطيب الطبري ومنعه آخرون وهذا فيما إذا كان المجاز له أهلا للرواية وأما إذا لم يكن أهلا لها كالصبي فجوز ذلك قوم ومنعه آخرون واحتج الخطيب للجواز بأن الإجازة إباحة المجيز للمجاز له أن يروي عنه والإباحة تصح للمكلف وغيره ولا بد من تقييد قول من قال بالجواز بأن لا يروي من ليس بمتأهل للرواية إلا بعد أن يصير متأهلا لها ","part":1,"page":94},{"id":28,"text":" فصل الصحيح من الحديث \r\n الصحيح من الحديث هو ما اتصل إسناده بنقل عدل ضابط من غير شذوذ ولا علة قادحة فما لم يكن متصلا ليس بصحيح ولا تقوم به الحجة ومن ذلك المرسل وهو أن يترك التابعي الواسطة بينه وبين رسول الله صضص ويقول قال رسول الله صضص هذا اصطلاح جمهور أهل الحديث وأما جمهور أهل الأصول فقالوا المرسل قول من لم يلق النبي صضص قال رسول الله صضص سواء كان من التابعين أو من تابعي التابعين أو ممن بعدهم وإطلاق المرسل على هذا وإن كان اصطلاحا ولا مشاحة فيه لكن محل الخلاف هو المرسل باصطلاح أهل الحديث فذهب الجمهور إلى ضعفه وعدم قيام الحجة به لاحتمال أن يكون التابعي سمعه من بعض التابعين فلم يتعين أن الواسطة صحابي لا غير حتى يقال قد تقرر أن الصحابة عدول فلا يضر حذف الصحابي وأيضا يحتمل أنه سمعه من مدع يدعي أن له صحبة ولم تصح صحبته وذهب جماعة منهم أبو حنيفة وجمهور المعتزلة واختاره الآمدي إلى قبوله وقيام الحجة به حتى قال بعض القائلين بقبول المرسل أنه أقوى من المسند لثقة التابعي بصحته ولهذا أرسله وهذا غلو خارج عن الإنصاف والحق عدم القبول لما ذكرت من الاحتمال قال الآمدي وفصل عيسى بن أبان فقبل مراسيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين دون من عداهم ولعله يستدل على هذا بحديث [ خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب ] وقيد هذا من قال به بأن يكون الراوي من أئمة النقل واختاره ابن الحاجب فإنه قال فإن كان من أئمة النقل قبل وإلا فلا قال ابن عبد البر لا خلاف أنه لا يجوز العمل بالمرسل إذا كان مرسله غير محترز يرسل عن غير الثقات قال وهذا الاسم واقع بالإجماع على حديث التابعي الكبير عن النبي صضص مثل أن يقول عبيد الله بن عدي بن الخيار أو أبو أمامة بن سهل بن حنيف أو عبد الله بن عامر بن ربيعة ومن كان مثلهم عن النبي صضص كذلك من دون هؤلاء كسعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله وأبي سلمة بن عبد الرحمن والقاسم بن محمد ومن كان مثلهم وكذلك علقمة ومسروق بن الأجدع والحسن وابن سيرين والشعبي وسعيد بن جبير ومن كان مثلهم الذين صح لهم لقاء جماعة من الصحابة ومجالستهم ونحوه مرسل من دونهم كحديث الزهري وقتادة وأبي حازم ويحيى بن سعيد عن رسول الله صضص فيسمى مرسلا كمرسل كبار التابعين وقال آخرون حديث هؤلاء عن النبي صضص يسمى منقطعا لأنهم لم يلقوا من الصحابة إلا الواحد والاثنين وأكثر روايتهم عن التابعين انتهى وفي هذا التمثيل نظر فأبو أمامة بن سهل بن حنيف وعبد الله بن عامر معدودان في الصحابة وأيضا قوله في آخر كلامه أن الزهري ومن ذكر معه لم يلقوا إلا الواحد والاثنين من الصحابة غير صحيح فقد لقي الزهري أحد عشر رجلا من الصحابة \r\n قال ابن عبد البر أيضا وأصل مذهب مالك وجماعة من أصحابه أن مرسل الثقة يجب به الحجة ويلزم به العمل كما يجب بالمسند سواء طائفة من أصحابنا مراسيل الثقات مقبولة بطريق أولى واعتلوا بأن من أسند لك فقد أحالك على البحث عن أحوال من سماه لك ومن أرسل من الأئمة حديثا مع علمه ودينه وثقته فقد قطع لك بصحته قال والمشهور أنهما سواء في الحجة لأن السلف فعلوا الأمرين قال وممن ذهب إليه أبو الفرج عمر بن محمد المالكي وأبو بكر الأبهر وهو قول أبي جعفر الطبري وزعم الطبري أن التابعين بأسرهم أجمعوا على قبول المرسل ولم يأت عنهم إنكاره ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين انتهى ويجاب عن قوله من أرسل من علمه ودينه \r\n وثقته فقد قطع لك بصحته أن الثقة قد يظن من ليس بثقة ثقة عملا بالظاهر ويعلم غيره من حاله ما يقدح فيه والجرح مقدم على التعديل ويجاب عن قول الطبري إنه لم ينكره أحد إلى رأس المائتين بما رواه مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن عباس أنه لم يقبل مرسل بعض التابعين مع كون ذلك التابعي ثقة محتجا به في الصحيحين وبما نقله مسلم أيضا عن ابن سيرين أنه قال كانوا لا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قيل سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ عنهم وإلى أهل البدع فلا يؤخذ عنهم ونقل الحافظ أبو عبد الله الحاكم أن المرسل ليس بحجة عن إمام التابعين سعيد بن المسيب وعن مالك بن أنس وجماعة من أهل الحديث ونقله غيره عن الزهري والأوزاعي وصح ذلك عن عبد الله بن المبارك وغيره قال الخطيب لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بتدليس هو رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه كرواية سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ومحمد بن المنكدر والحسن البصري وقتادة وغيرهم من التابعين عن رسول الله صضص فإنه قيل هو مقبول إذا كان المرسل ثقة عدلا وهو قول مالك وأهل المدينة وأبي حنيفة وأهل العراق وغيرهم وقال الشافعي لا يجب العمل وعليه أكثر الأئمة واختلف مسقطو العمل بالمرسل في قبول رواية الصحابة خبرا عن النبي صضص ولم يسمعه منه كقول أنس بن مالك ذكر لي أن النبي صضص قال لمعاذ [ من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة ] الحديث فقال بعض من لا يقبل مراسيل الصحابة لا نشك في عدالتهم ولكنه قد يروي الراوي عن تابعي أو عن أعرابي لا نعرف صحبته ولو قال لا أروي لكم إلا من سماعي أو من صحابي لوجب علينا قبول مرسله وقال آخرون مراسيل الصحابة كلهم مقبولة لكون جميعهم عدولا وأن الظاهر فيما أرسلوه أنهم سمعوه من النبي صضص أو من صحابي سمعه من النبي صضص وأما ما رووه عن التابعين فقد بينوه وهو أيضا قليل نادر لا اعتبار به قال وهذا هو الأشبه بالصواب ثم رجح عدم قبول مراسيل غير الصحابة فقال والذي نختاره سقوط فرض الله بالمرسل بجهالة راويه ولا يجوز قبول الخبر إلا عمن عرفت عدالته ولو قال المرسل حدثني العدل الثقة عندي بكذا لم يقبل حتى يذكر اسمه \r\n مسألة : ولا تقوم الحجة بالحديث المنقطع وهو الذي سقط من رواته واحد ممن دون الصحابة ولا بالمعضل وهو الذي سقط من رواته اثنان ولا بما سقط من رواته أكثر من اثنين لجواز أن يكون الساقط أو الساقطان أو الساقطون أو بعضهم غير ثقات ولا عبرة بكون الراوي لما هذا حال ثقة متثبتا لأنه قد يخفي عليه من حال من يظنه ثقة ما هو جرح فيه ولا تقوم الحجة أيضا بحديث يقول فيه بعض رجال إسناده عن رجل أو عن شيخ أو عن ثقة أو نحو ذلك لما ذكرنا من العلة وهذا مما لا ينبغي أن يخالف فيه أحد من أهل الحديث ولا اعتبار بخلاف غيرهم لأن من لم يكن من أهل الفن لا يعرف ما يجب اعتباره ","part":1,"page":98},{"id":29,"text":" فصل في العدالة \r\n وإذ قد تقرر لك أن العدالة شرط فلا بد من معرفة الطريقة التي تثبت بها وأقوى الطرق المفيدة لثبوتها الاختبار في الأحوال بطول الصحابة والمعاصرة والمعاملة فإذا لم يعثر عليه فعل كبيره ولا على ما يقتضي التهاون بالدين والتساهل في الرواية فهو ثقة وإلا فلا ثم التزكية وهي إما أن تكون بخبر عدلين مع ذكر السبب ولا خلاف أن ذلك تعديل أو بدون ذكره والجمهور على قبوله ويكفي أن يقول هو عدل قال القرطبي لا بد أن يقول هذا عدل رضى ولا يكفي الاقتصار على أحدهما ولا وجه لهذا بل الاقتصار على أحدهما أو على ما يفيد مفاد أحدهما يكفي عند من يقبل الإجمال وأما التعديل من واحد فقط فقيل لا يقبل من غير فرق بين الرواية والشهادة وحكاه القاضي أبو بكر عن أكثر الفقهاء قال ابن الأنباري وهو قياس مذهب مالك وقيل يقبل قال القاضي والذي يوجبه القياس وجوب قبول كل عدل مرضي ذكرا أو أنثى حرا أو عبدا شاهدا أو مخبرا وقيل يشترط في الشهادة اثنان ويكفي في الرواية واحد كما يكفي في الأصل لأن الفرع لا يزيد على الأصل وهو قول الأكثرين كما حكاه الآمدي والصفي الهندي قال ابن الصلاح وهو الصحيح الذي اختاره الخطيب وغيره لأن العدد لا يشترط في قبول الخبر فلا يشترط في جرح رواته ولا في تعديلهم بخلاف الشهادة وأطلق في المحصول قبول تزكية المرأة وحكى القاضي أبو بكر عن أكثر الفقهاء أنه لا يقبل النساء في التعديل لا في الشهادة ولا في الرواية ثم اختار قبول قومه لها فيهما كما يقبل روايتها وشهادتها انتهى ولا بد من تقييد هذا بكونها ممن تجوز لها مصاحبته والاطلاع على أحواله أو يكون الذي وقعت تزيكة المرأة له مثلها ويدل على هذا سؤاله صضص للجارية في قصة الإفك عن حال أم المؤمنين عائشة \r\n وقد تكون التزكية بأن يحكم حاكم بشاهدته كذا قال الجويني والقاضي أبو بكر وغيرهما قال القاضي وهو أقوى من تزكيته باللفظ وحكى الصفي الهندي الاتفاق على هذا قال لأنه لا يحكم بشهادته إلا وهو عدل عنده وقيده الآمدي بما إذا لم يكن الحاكم ممن يرى قبول الفاسق الذي لا يكذب قال ابن دقيق العيد وهذا إذا منعنا حكم الحاكم بعلمه أما إذا أجزناه فعلمه بالشهادة ظاهرا يقوم معه احتمال أنه حكم بعلمه باطنا \r\n ومن طرق التزكية الاستفاضة فيمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة فإن ذلك يكفي قال ابن الصلاح وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي وعليه الاعتماد في أصول الفقه وممن ذكره من المحدثين الخطيب ومثله بنحو مالك وشعبة والسفيانين وأحمد وابن معين وابن المديني وغيرهم قال القاضي أبو بكر الشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التزكية متى لم يكونا مشهورين بالعدالة وكأن أمرهما متشكلا ملتبسا وصرح بأن الاستفاضة أقوى من تقوية الواحد والاثنين قال ابن عبد البر كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره على العدالة حتى يتبين جرحه لقوله صضص يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتبعه على ذلك جماعة من المغاربة وهذا الحديث رواه العقيلي في ضعفائه من جهة ابن رفاعة السلامي عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري وقال لا يعرف إلا به وهو مرسل أو معضل ضعيف وإبراهيم قال فيه القطان لا نعرفه ألبتة في شيء من العلم غير هذا وقال الخلال في كتاب العلل : سئل أحمد عن هذا الحديث فقيل له : ترى أنه موضوع ؟ فقال : لا هو صحيح قال ابن الصلاح وفيما قاله اتساع غير مرضي \r\n ومن طرق التزكية العمل بخبر الراوي حكاه أبو الطيب الطبري عن الشافعية ونقل فيه الآمدي الاتفاق واعترض عليه بأنه قد حكى الخلاف فيه القاضي والغزالي في المنخول وقال الجويني فيه أقوال : أحدها أنه تعديل له والثاني أن ليس بتعديل والثالث قال وهو الصحيح أنه إن أمكن أنه عمل بدليل آخر ووافق عليه الخبر الذي رواه فعمله ليس بتعديل وإن كان العمل بذلك الخبر من غير أن يمكن تجويز أنه عمل بدليل آخر فهو تعديل واختار هذا القاضي في التقريب قال وفرق بين قولنا عمل بالخبر وبين قولنا بموجب الخبر فإن الأول يقتضي أنه مستنده والثاني لا يقتضي ذلك لجواز أن يعمل به لدليل آخر وقال الغزالي إن أمكن حمله على الاحتياط فليس بتعديل وإلا فهو تعديل وكذا قال الكيا الطبري ويشترط في هذه الطريقة أن لا يوجد ما يقوي ذلك الخبر فإن وجد ما يقويه من عموم أو قياس وعلمنا أن العمل بخبره لم يكن لا لاعتضاده بذلك فليس بتعديل \r\n ومن طريقة التزكية أن يروي عنه من عرف من حاله أنه لا يروي إلا عن عدل كيحيى بن سعيد القطان وشعبة ومالك فإن ذلك تعديل كما اختاره الجويني وابن القشيري والغزالي والآمدي والصفي الهندي وغيرهم قال الماوردي هو قول الحذاق ولا بد في هذه الطريقة من أن يظهر أن الراوي عنه لا يروي إلا عن عدل ظهورا بينا إما بتصريحه بذلك أو بتتبع عادته بحيث لا تختلف في بعض الأحوال فإن لم يظهر ذلك ظهورا بينا فليس بتعديل فإن كثيرا من الحفاظ يروون أحاديث الضعفاء للاعتبار ولبيان حالها ومن هذه الطريقة قولهم رجاله رجال الصحيح وقولهم روى عنه البخاري ومسلم أو أحدهما \r\n فرع \r\n اختلف أهل العلم في تعديل المبهم كقولهم : « حدثني الثقة أو حدثني العدل » فذهب جماعة إلى عدم قبوله ومنهم أبو بكر القفال الشاشي والخطيب البغدادي والصيرفي والقاضي أبو الطيب الطبري والشيخ أبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ والماوردي والروياني وقال أبو حنيفة يقبل والأول أرجح لأنه وإن كان عدلا عنده فربما لو سماه كان مجروحا عند غيره قال الخطيب لو صرح بأن جميع شيوخه ثقات ثم روى عمن لم يسمه لم نعمل بروايته لجواز أن نعرفه إذا ذكره بخلاف العدالة قال نعم لو قال العالم كل ما أروي عنه وأسميه فهو عدل رضى مقبول الحديث كان هذا القول تعديلا لكل من روى عنه وسماه كما سبق انتهى ومن هذا قول الشافعي في مواضع كثيرة حدثني الثقة وكذا كان يقول مالك وهذا إذا لم يعرف من لم يسمه أما إذا عرف بقرينة حال أو مقال كان كالتصريح باسمه فينظر فيه قال أبو حاتم إذا قال الشافعي أخبرني الثقة عن ابن أبي ذئب فهو ابن أبي فديك وإذا قال أخبرني الثقة عن الليث بن سعد فهو يحيى بن حسان وإذا قال أخبرني الثقة عن الوليد بن كثير فهو عمرو بن أبي سلمة وإذا قال أخبرني الثقة عن ابن جريح فهو مسلم بن خالد الزنجي وإذا قال أخبرني الثقة عن صالح مولى التوأمة فهو إبراهيم بن أبي يحيى \r\n فرع آخر \r\n هل يقبل الجرح والتعديل من دون ذكر السبب أم لا ؟ فذهب جماعة إلى أنه لا بد من ذكر السبب فيهما وذهب آخرون إلى أنه لا يجب ذكر السبب فيهما إذا كان بصيرا بالجرح والتعديل واختار هذا القاضي أبو بكر وذهب جماعة إلى أنه يقبل التعديل من غير ذكر السبب بخلاف الجرح فإنه يحصل بأمر واحد وأيضا سبب الجرح مختلف فيه بخلاف سبب التعديل أو إلى هذا ذهب الشافعي قال القرطبي وهو الأكثر من قول مالك قال الخطيب وذهب إليه الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده كالبخاري ومسلم وذهب جماعة إلى أنه يقبل الجرح من غير ذلك السبب ولا يقبل التعديل إلا بذكر السبب قالوا لأن مطلق الجرح يبطل الثقة ومطلق التعديل لا يحصل الثقة لتسارع الناس إلى الظاهر والحق أنه لا بد من ذكر السبب في الجرح والتعديل لأن الجارح والمعدل قد يظنان ما ليس بجارح جارحا وقد يظنان ما لا يستقل بإثبات العدالة تعديلا ولا سيما مع اختلاف المذاهب في الأصول والفروع فقد يكون ما أبهمه الجارح من الجرح هو مجرد كونه على غير مذهبه وعلى خلاف ما يعتقده وإن كان حقا وقد يكون ما أبهمه من التعديل هو مجرد كونه على مذهبه وعلى ما يعتقده وإن كان في الواقع مخالفا للحق كما وقع ذلك كثيرا وعندي أن الجرح المعمول به هو أن يصفه بضعف الحفظ أو بالتساهل في الرواية أو بالإقدام على ما يدل على تساهله بالدين والتعديل المعمول به هو أن يصفه بالتحري في الرواية والحفظ لما يرويه وعدم الإقدام على ما يدل على تساهله بالدين فاشدد على هذا يديك تنتفع به عند اضطراب أمواج الخلاف فإن قلت إذا ورد الجرح المطلق كقول الجارح ليس بثقة أو ليس بشيء أو هو ضعيف فهل يجوز العمل بالمروي مع هذا أم لا ؟ ( قلت ) يجب حينئذ التوقف حتى يبحث المطلع على ذلك على حقيقة الحال في مطولات المصنفات في هذا الشأن كتهذيب الكمال للمزي وفروعه وكذا تاريخ الإسلام وتاريخ النبلاء والميزان للذهبي \r\n فرع ثالث \r\n في تعارض الجرح والتعديل وعدم إمكان الجمع بينهما وفيه أقوال : \r\n الأول : أن الجرح مقدم على التعديل وإن كان المعدلون أكثر من الجارحين وبه قال الجمهور كما نقله عنهم الخطيب والباجي ونقل القاضي فيه الإجماع قال الرازي والآمدي وابن الصلاح إنه الصحيح لأن مع الجارح زيادة علم لم يطلع عليها المعدل قال ابن دقيق العيد وهذا إنما يصح على قول من قال أن الجرح لا يقبل إلا مفسرا وقد استثنى أصحاب الشافعي من هذا ما إذا جرحه بمعصية وشهد الآخر أن قد تاب منها فإنه يقدم في هذه الصورة التعديل لأن معه زيادة علم \r\n القول الثاني : أنه يقدم التعديل على الجرح لأن الجارح قد يجرح بما ليس في نفس الأمر جارحا والمعدل إذا كان عدلا لا يعدل إلا بعد تحصيل الموجب لقبوله جرحا حكى هذا الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ولا بد من تقييد هذا القول بالجرح المجمل إذ لو كان الجرح مفسرا لم يتم ما علل به أن الجارح قد يجرح بما ليس في نفس الأمر جارحا إلخ \r\n القول الثالث : أنه يقدم الأكثر من الجارحين والمعدلين قال في المحصول وعدد المعدل إذا زاد قيل أنه يقدم على الجارح وهو ضعيف لأن سبب تقديم الجرح اطلاع الجارح على زيادة ولا ينتفي ذلك بكثرة العدد \r\n القول الرابع : أنهما يتعارضان فلا يقدم أحدهما على الآخر إلا بمرجح حكى هذا القول ابن الحاجب وقد جعل القاضي في التقريب محل الخلاف فيما إذا كان عدم المعدلين أكثر فإن استووا قدم الجرح بالإجماع وكذا قال الخطيب في الكفاية وأبو الحسين بن القطان وأبو الوليد الباجي وخالفهم أبو نصر القشيري فقال محل الخلاف فيما إذا استوى عدد المعدلين والجارحين قال فإن كثر عدد المعدلين وقل عدد الجارحين فقيل العدالة في هذه الصورة أولى انتهى والحق الحقيق بالقبول أن ذلك محل اجتهاد للمجتهد وقد قدمنا أن الراجح أنه لا بد من التفسير في الجرح والتعديل فإذا فسر الجارح ما جرح به والمعدل ما عدل به لم يخف على المجتهد الراجح منهما من المرجوح وأما على القول بقبول الجرح والتعديل المجملين من عارف فالجرح مقدم على التعديل لأن الجارح لا يمكن أن يستند في جرحه إلى ظاهر الحال بخلاف المعدل فقد يستند إلى ظاهر الحال وأيضا حديث من تعارض فيه الجرح والتعديل المجملان قد دخله الاحتمال فلا يقبل \r\n فصل \r\n اعلم أن ما ذكرناه من ( وجوب تقديم البحث عن عدالة الراوي إنما هو في غير الصحابة فأما فيهم فلا لأن الأصل فيهم العدالة فتقبل روايتهم من غير بحث عن أحوالهم ) حكاه ابن الحاجب عن الأكثرين قال القاضي هو قول السلف وجمهور الخلف وقال الجويني بالإجماع ووجه هذا القول ما ورد من العمومات المقتضية لتعديلهم كتابا وسنة كقوله سبحانه { كنتم خير أمة أخرجت للناس } وقوله { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } أي عدولا وقوله { لقد رضي الله عن المؤمنين } وقوله { والسابقون } وقوله { والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم } وقوله صضص [ خير القرون قرني ] وقولهم في حقهم [ لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدكم ولا نصيفه ] وهما في الصحيح وقوله [ أصحابي كالنجوم ] على مقال فيه معروف قال الجويني ولعل السبب في قبولهم من غير بحث عن أحوالهم أنهم نقلة الشريعة ولو ثبت التوقف في روايتهم لانحصرت الشريعة على عصر الرسول ولما استرسلت على سائر الأعصار قال الكيا الطبري وأما ما وقع بينهم من الحروب والفتن فتلك أمور مبنية على الاجتهاد وكل مجتهد مصيب أو المصيب واحد والمخطئ معذور بل مأجور وكما قال عمر بن عبد العزيز تلك دماء طهر الله منها سيوفنا فلا نخضب بها ألسنتنا \r\n القول الثاني : أن حكمهم في العدالة حكم غيرهم فيبحث عنها قال أبو الحسين بن القطان فوحشي قتل حمزة وله صحبة والوليد شرب الخمر فمن ظهر عليه خلاف العدالة لم يقع عليه اسم الصحبة والوليد ليس بصحابي لأن الصحابة إنما هم الذين كانوا على الطريقة انتهى وهذا كلام ساقط جدا فوحشي قتل حمزة وهو كافر ثم أسلم وليس ذلك مما يقدح به فالإسلام يجب ما قبله بلا خلاف وأما صحابيا عن صحبته قال الرازي في المحصول وقد بالغ إبراهيم النظام في الطعن فيهم على ما نقله الحافظ عنه في كتاب الفتيا ونحن نذكر ذلك مجملا ومفصلا أما مجملا فإنه روى من طعن بعضهم في بعض أخبارا كثيرة يأتي تفصيلها وقال رأينا بعض الصحابة يقدح في بعض وذلك يقتضي توجه القدح إما في القادح إن كان كاذبا وإما في المقدوح فيه إن كان القادح صادقا والجواب مجملا أن آيات القرآن دالة على سلامة أحوال الصحابة وبراءتهم عن المطاعن وإذا كان كذلك وجب علينا أن نحسن الظن بهم إلى أن يقوم دليل قاطع على الطعن فيهم إلى آخر كلامه \r\n القول الثالث : أنهم كلهم عدول قبل الفتن لا بعدها فيجب البحث عنهم وأما بعدها فلا يقبل الداخلون فيها مطلقا أي من الطرفين لأن الفاسق من الفريقين غير معين وبه قال عمرو بن عبيد من المعتزلة وهذا القول في غاية الضعف لاستلزامه إهدار غالب السنة فإن المعتزلين لتلك الحروب هم طائفة يسيرة بالنسبة إلى الداخلين فيها وفيه أيضا أن الباغي غير معين من الفريقين وهو معين بالدليل الصحيح وأيضا التمسك بما تمسكت به طائفة يخرجها من إطلاق اسم البغي عليها على تسليم أن الباغي من الفريقين غير معين \r\n القول الرابع : أنهم كلهم عدول إلا من قاتل عليا وبه قال جماعة من المعتزلة والشيعة ويجاب عنه بأن تمسكهم بما تمسكوا به من الشبه يدل على أنهم لم يقدموا على ذلك جراءة على الله وتهاونا بدينه وجناب الصحبة أمر عظيم فمن انتهك أعراض بعضهم فقد وقع في هوة لا ينجو منها سالما وقد كان في أهل الشام صحابة صالحون عرضت لهم شبه لولا عروضها لم يدخلوا في تلك الحروب ولا غمسوا فيها أيديهم وقد عدلوا تعديلا عاما بالكتاب والسنة فوجب علينا البقاء على والتأويل لما يقتضي خلافه \r\n القول الخامس : أن من كان مشتهرا منهم بالصحبة والملازمة فهو عدل لا يبحث عن عدالته دون من قلت صحبته ولم يلازم وإن كانت له رواية كذا قال الماوردي وهو ضعيف لاستلزامه إخراج جماعة من خيار الصحابة الذين أقاموا مع النبي صضص قليلا ثم انصرفوا كوائل بن حجر ومالك بن الحويرث وعثمان بن أبي العاص وأمثالهم قال المزي إنها لم توجد رواية عمن يلمز بالنفاق وقال ابن الأنباري وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية عليهم وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلف بحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية إلا أن يثبت ارتكاب قادح ولم يثبت ذلك ولله الحمد فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله صضص حتى يثبت خلافه ولا التفات إلى ما ذكره أهل السير فإن لا يصح وما يصح فله تأويل صحيح انتهى وإذا تقرر لك عدالة جميع من ثبتت له الصحبة علمت أنه إذا قال الراوي عن رجل من الصحابة ولم يسمه كان ذلك حجة ولا يضر الجهالة لثبوت عدالتهم على العموم \r\n فرع \r\n إذا عرفت أن الصحابة كلهم عدول فلا بد من بيان من يستحق اسم الصحبة وقد اختلفوا في ذلك فذهب الجمهور إلى أنه من لقي النبي صضص مؤمنا به ولو ساعة سواء روى عنه أم لا وقيل هو من طالت صحبته وروى عنه فلا يستحق اسم الصحبة إلا من يجمع بينهما وقيل هو من ثبت له أحدهما أما قول الصحبة أو الرواية والحق ما ذهب إليه الجمهور وإن كانت اللغة تقتضي أن الصاحب هو من كثرت ملازمته فقد ورد ما يدل على إثبات الفضيلة لمن لم يحصل له منه إلا مجرد اللقاء القليل والرؤية ولو مرة وقد ذكر بعض أهل العلم اشتراط الإقامة مع النبي صضص سنة فصاعدا أو الغزو معه روي ذلك عن سعيد بن المسيب وقيل ستة أشهر ولا وجه لهذين القولين لاستلزامهما خروج جماعة من الصحابة الذين رووا عنه ولم يبقوا الدية إلا دون ذلك وأيضا لا يدل عليهما دليل من لغة ولا شرع وحكى القاضي عياض عن الواقدي أنه يشترط أن يكون بالغا وهو ضعيف لاستلزامه لخروج كثير من الصحابة الذين أدركوا عصر النبوة ورووا عن النبي صضص ولم يبلغوا إلا بعد موته ولا تشترط الرؤية للنبي صضص لأن من كان أعمى مثل ابن أم مكتوم قد وقع الاتفاق على أنه من الصحابة وقد ذكر الآمدي وابن الحاجب وغيرهما من أهل الأصول أن الخلاف في مثل هذه المسألة لفظي ولا وجه لذلك فإن من قال بالعدالة على العموم ولا يطلب تعديل أحد منهم ومن اشترط في شروط الصحبة شرطا لا يطلب التعديل مع وجود ذلك الشرط ويطلبه مع عدمه فالخلاف معنوي لا لفظي \r\n فرع آخر \r\n ويعرف كون الصحابي صحابيا بالتواتر والاستفاضة وبكون من المهاجرين أو من الأنصار وبخبر صحابي آخر معلوم الصحبة واختلفوا هل يقبل قوله أنه صحابي أم لا فقال القاضي أبو بكر يقبل لأن وازع العدالة يمنعه من الكذب إذا لم يرو عن غيره ما يعارض قوله وبه قال ابن الصلاح والنووي وتوقف ابن القطان في قبول قوله بأنه صحابي وروي عنه ما يدل على الجزم بعدم القبول فقال ومن يدع الصحبة لا يقبل منه حتى نعلم صحبته وإذا علمناها فما رواه فهو على السماع حتى نعلم غيره انتهى واعلم أنه لا بد من تقييد قول من قال بقبول خبره أنه صحابي بأن تقوم القرائن الدالة على صدق دعواه وإلا لزم قبول خبر كثير من الكذابين الذين ادعوا الصحبة ","part":1,"page":101},{"id":30,"text":" المقصد الثالث الإجماع وفيه أبحاث البحث الأول : في مسماه لغة واصطلاحا \r\n قال في المحصول الإجماع يقال بالاشتراك على معنيين : \r\n أحدهما : العزم قال الله تعالى : { فأجمعوا أمركم } وقال صضص [ لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل ] \r\n وثانيهما : الاتفاق يقال أجمع القوم على كذا أي صاروا ذوي جمع كما يقال ألبن وأتمر إذا صار ذا لبن وذا تمر انتهى واعترض على هذا بأن إجماع الأمة يتعدى بعلى والإجماع بمعنى العزيمة لا يتعدى بعلى وأجيب عنه بما حكاه ابن فارس في المقاييس فإنه قال يقال أجمعت على الأمر إجماعا وأجمعته وقد جزم بكونه مشتركا بين المعنيين أيضا الغزالي وقال القاضي : العزم يرجع إلى الاتفاق لأن من اتفق على شيء فقد عزم عليه وقال ابن برهان وابن السمعاني الأول أي العزم أشبه باللغة والثاني أي الاتفاق أشبه بالشرع ويجاب عنه بأن الثاني وإن كان أشبه بالشرع فذلك لا ينافي كونه معنى لغويا وكون اللفظ مشتركا بينه وبين العزم قال أبو علي الفارسي : يقال أجمع القوم إذا صاروا ذوي جمع كما يقال ألبن وأتمر إذا صار ذا لبن وتمر وأما في الاصطلاح فهو اتفاق مجتهدي أمة محمد صضص بعد وفاته في عصر من الأعصار على أمر من الأمور والمراد بالاتفاق الاشتراك إما في الاعتقاد أو في القول أو في الفعل ويخرج بقوله مجتهدي أمة محمد صضص اتفاق العوام فإنه لا عبرة بوفاقهم ولا بخلافهم ويخرج منه أيضا اتفاق بعض المجتهدين وبالإضافة إلى أمة محمد صضص خرج اتفاق الأمم السابقة ويخرج بقوله بعد وفاته الإجماع في عصره صضص فإن لا اعتبار به ويخرج بقوله في عصر من الأعصار ما يتوهم من أن المراد بالمجتهدين جميع مجتهدي الأمة في جميع الأعصار إلى يوم القيامة فإن هذا توهم باطل لأنه يؤدي إلى عدم ثبوت الإجماع إذا لا إجماع يوم القيامة وبعد يوم القيامة لا حاجة للإجماع والمراد بالعصر عصر من كان من أهل الاجتهاد في الوقت الذي حدثت فيه المسألة فلا يعتد بمن صار مجتهدا بعد حدوثها وإن كان المجتهدون فيها أحياء وقوله على أمر من الأمور يتناول الشرعيات والعقليات والعرفيات واللغويات ومن اشترط في حجية الإجماع انقراض عصر المجتهدين المتفقين على ذلك الأمر زاد في الحد قيد الانقراض ومن اشترط عدم سبق خلاف مستقر زاد في الحد قيد عدم كونه مسبوقا بخلاف ومن اشترط عدالة المتفقين أو بلوغهم عدد التواتر زاد في الحد ما يفيد ذلك ","part":1,"page":109},{"id":31,"text":" البحث الثاني : في إمكان الإجماع في نفسه \r\n فقال قوم منهم النظام وبعض الشيعة بإحالة إمكان الإجماع قالوا إن اتفاقهم على الحكم الواحد الذي لا يكون معلوما بالضرورة محال كما أن اتفاقهم في الساعة الواحدة على المأكول الواحد والتكلم بالكلمة الواحدة محال وأجيب بأن الاتفاق إنما يمتنع فيما يستوي فيه الاحتمال كالمأكول المعين والكلمة المعينة أما عند الرجحان بقيام الدلالة أو الأمارة الظاهرة فذلك غير ممتنع وذلك كاتفاق الجمع العظيم على نبوة نبينا محمد قالوا ثانيا أن اتفاقهم فرع تساويهم في نقل الحكم إليهم وانتشارهم في الأقطار يمنع نقل الحكم إليهم وأجيب بمنع كون الانتشار يمنع ذلك من جدهم في الطلب وبحثهم عن الأدلة وإنما يمتنع ذلك على من قعد في قعر بيته لا يبحث ولا يطلب قالوا ثالثا الاتفاق إما عن قاطع أو ظني وكلاما باطل أما القاطع فلأن العادة تحيل عدم نقله فلو كان لنقل فلما لم ينقل علم أنه لم يوجد كيف ولو نقل لأغنى عن الإجماع وأما الظني فلأنه يمتنع الاتفاق عادة لاختلاف الأفهام وتباين الأنظار وأجيب بمنع ما ذكر في القاطع إذ قد يستغني عن نقله بحصول الإجماع الذي هو أقوى منه وأما الظني فقد يكون جليا لا تختلف فيه الأفهام ولا تتباين فيه الأنظار فهذا أعني منع إمكان الإجماع في نفسه هو المقام الأول \r\n المقام الثاني : على تقدير تسليم إمكانه في نفسه منع إمكان العلم به فقالوا لا طريق لنا إلى العلم بحصوله لأن العلم بالأشياء إما أن يكون وجدانيا أما الوجداني فكما يجد أحدنا من نفسه من جوعه وعطشه ولذته وألمه ولا شك أن العلم باتفاق أمة محمد صضص ليس من هذا الباب وأما الذي لا يكون وجدانيا فقد اتفقوا على أن الطريق إلى معرفة لا مجال للعقل فيها إذ كون الشخص الفلاني قال بهذا القول أو لم يقل به ليس من حكم العقل بالاتفاق ولا مجال أيضا للحس فيها لأن الإحساس بكلام الغير لا يكون إلا بعد معرفته فإذا العلم باتفاق الأمة لا يحصل إلا بعد معرفة كل واحد منهم وذلك متعذر قطعا ومن ذلك الذي يعرف جميع المجتهدين من الأمة في الشرق والغرب وسائر البلاد الإسلامية فإن العمر يفنى دون مجرد البلوغ إلى كل مكان من الأمكنة التي يسكنها أهل العلم فضلا عن اختيار أحوالهم ومعرفة من هو من أهل الإجماع منهم ومن لم يكن من أهله ومعرفة كونه قال بذلك أو لم يقل به والبحث عمن هو خامل من أهل الاجتهاد بحيث لا يخفى على الناقل فرد من أفرادهم فإن ذلك قد يخفى على الباحث في المدينة الواحدة فضلا عن الإقليم الواحد فضلا عن جميع الأقاليم التي فيها أهل الإسلام ومن أنصف من نفسه علم أنه لا علم عند علماء الشرق بجملة علماء الغرب والعكس فضلا عن العلم بكل واحد منهم على التفصيل وبكيفية مذهبه وبما يقوله في تلك المسألة بعينها وأيضا قد يحمل بعض من يعتبر في الإجماع على الموافقة وعدم الظهور بالخلاف التقية والخوف على نفسه كما أن ذلك معلوم في كل طائفة من طوائف أهل الإسلام فإنهم قد يعتقدون شيئا إذا خالفهم فيه مخالف خشي على نفسه من مضرتهم وعلى تقدير إمكان معرفة ما عند كل واحد من أهل بلد وإجماعهم على أمر فيمكن أن يرجعوا عنه أو يرجع بعضهم قبل أن يجمع أهل بلدة أخرى بل لو فرضنا حتما اجتماع العالم بأسرهم في موضع واحد ورفعوا أصواتهم دفعة واحدة قائلين قد اتفقنا على الحكم الفلاني فإن هذا مع امتناعه لا يفيد العلم بالإجماع لاحتمال أن يكون بعضهم مخالفا فيه وسكت تقية وخوفا على نفسه وأما ما قيل من أنا نعلم بالضرورة اتفاق المسلمين على نبوة نبينا محمد صضص فإن أراد الاتفاق باطنا وظاهرا مما لا سبيل إليه ألبتة والعلم بامتناعه ضروري وإن أراد ظاهرا فقط استنادا إلى الشهرة والاستفاضة فليس هذا هو المعتبر في الإجماع بل المعتبر فيه العلم بما يعتقده كل واحد من المجتهدين في تلك المسألة بعد معرفة أنه لا حاصل له على الموافقة وأنه يدين الله بذلك ظاهرا وباطنا ولا يمكنه معرفة ذلك منه إلا بعد معرفته بعينه ومن ادعى أنه يتمكن الناقل للإجماع من معرفة كل من يعتبر فيه من علماء الدنيا فقد أسرف في الدعوى وجازف في القول لما قدمنا من تعذر ذلك تعذرا ظاهرا واضحا ورحم الله الإمام أحمد بن حنبل فإنه قال : « من ادعى وجوب الإجماع فهو كاذب » والعجب من اشتداد نكير القاضي أبي بكر على من أنكر تصور وقوع الإجماع عادة فإن إنكاره على المنكر هو المنكر وفصل الجويني بين كليات الدين فلا يمتنع الإجماع عليها وبين المسائل المظنونة قلا يتصور الإجماع عليها عادة ولا وجه لهذا التفصيل فإن النزاع إنما هو في المسائل التي دليلها الإجماع وكليات الدين معلومة بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة وجعل الأصفهاني الخلاف في غير إجماع الصحابة وقال الحق تعذر الاطلاع على الإجماع لا إجماع الصحابة حيث كان المجمعون وهم العلماء منهم في قلة وأما الآن وبعد انتشار الإسلام وكثرة العلماء فلا مطمع للعمل به قال وهو اختيار أحمد مع قرب عهده من الصحابة وقوة حفظه وشدة اطلاعه على الأمور النقلية قال والمصنف يعلم أنه لا خبر له من الإجماع إلا ما يجده مكتوبا في الكتب ومن البين أنه لا يحصل الاطلاع عليه إلا بالسماع منهم أو بنقل أهل التواتر إلينا ولا سبيل إلى ذلك إلا في عصر الصحابة وأما من بعدهم فلا انتهى \r\n المقام الثالث : النظر في نقل الإجماع إلى من يحتج به قالوا لو سلمنا إمكان ثبوت الإجماع عند الإجماع عند الناقلين له لكان نقله إلى من يحتج به من بعدهم مستحيل لأن طريق نقله إما التواتر أو الآحاد والعادة تحيل النقل تواتر البعد أن يشاهد أهل التواتر كل واحد من المجتهدين شرقا وغربا ويسمعوا ذلك منهم ثم ينقلوه إلى عدد متواتر ممن بعدهم ثم كذلك في كل طبقة إلى أن يتصل به وأما الآحاد فغير معمول به في نقل الإجماع كما سيأتي وأجيب بأنه تشكيك في ضروري للقطع بإجماع أهل كل عصر على تقديم القاطع على المظنون ولا يخفاك ما في هذا الجواب من المصادرة على المطلوب وأيضا كون ذلك معلوما ليس من جهة نقل الإجماع عليه بل من جهة كون كل متشرع لا يقدم الدليل الظني على القطعي ولا يجوز منه ذلك لأن إيثار للحجة الضعيفة على الحجة القوية وكل عاقل لا يصدر منه ذلك \r\n المقام الرابع : اختلف على تقدير تسليم إمكانه في نفسه وإمكان العلم به وإمكان نقله إلينا هل هو حجة شرعية فذهب الجمهور إلى كونه حجة وذهب النظام والإمامية وبعض الخوارج إلى أن ليس بحجة وإنما الحجة مستندة أن ظهر لنا وإن لم يظهر لم نقدر للإجماع دليلا تقوم به الحجة واختلف القائلون بالحجية هل الدليل على حجيته العقل والسمع أم السمع فقط فذهب أكثرهم إلى أن الدليل على ذلك إنما هو السمع فقط ومنعوا ثبوته من جهة العقل قالوا لأن العدد الكثير وإن بعد في العقل اجتماعهم على الكذب فلا يبعد اجتماعهم على الخطأ كاجتماع الكفار على جحد النبوة وقال جماعة منهم أيضا أنه لا يصح الاستدلال على ثبوت الإجماع بالإجماع كقولهم إنهم أجمعوا على تخطئة المخالف للإجماع لأن ذلك إثبات للشيء بنفسه وهو باطل فإن قالوا إن الإجماع دل على نص قاطع في تخطئة المخالف ففيه إثبات الإجماع بنص يتوقف على الإجماع وهو دور وأجيب بأن ثبوت هذه الصورة من الإجماع ودلالتها على وجود النص لا يتوقف على كون الإجماع حجة فلا دور ولا يخفاك ما في هذا الجواب من التعسف الظاهر ولا يصح أيضا الاستدلال عليه بالقياس لأنه مظنون ولا يحتج بالمظنون على القطعي فلم يبق إلا دليل النقل من الكتاب والسنة فمن جملة ما استدلوا به قوله سبحانه : { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين } قوله : { ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } ووجه الاستدلال بهذه الآية أنه سبحانه جمع بين مشاقة الرسول وأتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحا لما جمع بينه وبين المحظور فثبت أن متابعة غير سبيل المؤمنين عبارة عن متابعة قول أو فتوى يخالف قولهم أو فتواهم وإذا كانت تلك محظورة وجب أن تكون متابعة قولهم وفتواهم واجبة وأجيب بأنا لا نسلم أن المراد بسبيل المؤمنين في الآية هو إجماعهم لاحتمال أن يكون المراد سبيلهم في متابعة الرسول صضص أو في مناصرته أو في الاقتداء به أو فيما به صاروا مؤمنين وهو الإيمان به ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال قال في المحصول أن المشاقة عبارة عن الكفر بالرسول وتكذيبه وإذا كان كذلك لزم وجوب العمل بالإجماع عند تكذيب الرسول وذلك باطل لأن العلم بصحة الإجماع متوقف على العلم بالنبوة ويجاب بأن العمل به حال عدم العلم بالنبوة يكون تكليفا بالجمع بين الضدين وهو محال ثم قال لا نسلم أنه إذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حراما عند المشاقة كان اتباع سبيل المؤمنين واجبا عند المشاقة لأن بين القسمين ثالثا وهو عدم الاتباع أصلا سلمنا أنه يجب اتباع سبيل المؤمنين عند المشاقة ولكن لا نسلم أنه ممتنع قوله المشاقة لا تحصل إلا عند الكفر بيانه أن المشاقة مشتقة من كون أحد الشخصين في شق والآخر في الشق الآخر وذلك يكفي فيه أصل المخالفة سواء بلغ حد الكفر أو لم يبلغه سلمنا أن المشاقة لا تحصل إلا عند الكفر فلم قلتم إن حصول الكفر ينافي العمل بالإجماع فإن الكفر بالرسول كما يكون بالجهل بكونه صادقا فقد يكون أيضا بأمور أخر كشد الزنار ولبس الغيار وإلقاء المصحف في القاذورات والاستخفاف بالنبي صضص مع الاعتراف بكونه نبيا وإنكار نبوته باللسان مع العلم بكونه نبيا وشيء من هذه الأنواع كفر لا ينافي العلم بوجوب الإجماع ثم قال سلمنا أن الآية تقتضي المنع من متابعة غير سبيل المؤمنين لا بشرط مشاقة الرسول لكن بشرط تبين الهدى لأنه ذكر مشاقة الرسول صضص فيها تبين الهدى ثم عطف عليها اتباع غير سبيل المؤمنين فيجب أن يكون تبين الهدى شرطا في التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين إلا عند تبين جميع أنواع الهدى ومن جملة أنواع الهدى ذلك الدليل الذي لأجله ذهب أهل الإجماع إلى ذلك الحكم وعلى هذا التقدير لا يبقى للتمسك بالإجماع فائدة أيضا فالإنسان إذا قال لغيره إذا تبين لك صدق فلان فاتبعه فهم منه تبين صدق قوله بشيء غير قوله فكذا هنا وجب أن يكون تبين صحة إجماعهم بشيء ورآه الإجماع وإذا كنا لا نتمسك بالإجماع إلا بعد دليل منفصل على صحة ما أجمعوا عليه لم يبق للتمسك بالإجماع فائدة سلمنا أنها تقتضي المنع عن متابعة غير سبيل المؤمنين ولكن هل المراد عن كل ما كان غير سبيل المؤمنين أو عن متابعة بعض ما كان كذلك الأول ممنوع وبتقدير التسليم فالاستدلال ساقط أما المنع فلأن لفظ الغير ولفظ السبيل كل واحد منهما لفظ مفرد فلا يفيد العموم وأما بتقدير التسليم فالاستدلال ساقط لأنه يصير معنى الآية أن من اتبع كل ما كان مغايرا لكل ما كان سبيل المؤمنين يستحق العقاب والثاني مسلم ونقول بموجبه فإن عندنا يحرم بعض ما غاير بعض سبيل المؤمنين وهو السبيل الذي صاروا به مؤمنين والذي يغايره هو الكفر بالله وتكذيب الرسول صضص وهذا التأويل متعين لوجهين : لأنا إذا قلنا لا تتبع غير سبيل الصالحين فهم منه المنع من متابعة غير سبيل الصالحين فيما صاروا به صالحين ولا يفهم منه المنع من متابعة سبيل غير الصالحين في كل شيء حتى الأكل والشرب \r\n والثاني : أن الآية أنزلت في رجل ارتد وذلك يدل على أن الغرض منها المنع من الكفر والثاني أن الآية غير سبيلهم مطلقا لكن لفظ السبيل حقيقة في الطريق الذي يحصل فيه المشي وهو غير مراد هنا بالاتفاق فصار الظاهر متروكا ولا بد من صرفه إلى المجاز وليس البعض أولى من البعض فتبقى الآية مجملة وأيضا فإنه لا يمكن جعله مجازا عن اتفاق الأمة على الحكم لأنه لا مناسبة ألبتة بين الطريق المسلوك وبين اتفاق أمة محمد صضص على شيء من الأحكام وشرط حسن التجوز حصول المناسبة سلمنا أنه يجوز جعله مجازا عن ذلك الاتفاق لكن يجوز أيضا جعله مجازا عن الدليل الذي لأجله اتفقوا على ذلك الحكم فإنهم إذا أجمعوا على الشيء فإما أن يكون الإجماع عن استدلال فقد حصل لهم سبيلان الفتوى والاستدلال عليه فلم كان حمل الآية على الفتوى أولى من حملها على الاستدلال بل هذا أولى فإن بين الدليل الذي يدل على ثبوت الحكم وبين الطريق الذي يحصل فيه المشي مشابهة فإنه كما أن الحركة البدنية في الطريق المسلوكة توصل البدن إلى المطلوب هكذا الحركة الذهنية في مقدمات ذلك الدليل موصلة للذهن إلى المطلوب والمشابهة إحدى جهات حسن المجاز وإذا كان كذلك كانت الآية تقتضي إيجاب أتباعها في سلوك الطريق الذي لأجله اتفقوا على الحكم ويرجع حاصله إيجاب الاستدلال بما استدلوا به على ذلك الحكم وحينئذ يخرج الإجماع عن كونه حجة وأما إن كان إجماعهم لا عن استدلال فالقول لا عن استدلال خطأ فيلزم إجماعهم على الخطأ وذلك يقدح في صحة الإجماع ثم قال سلمنا دلالة الآية على وجوب المتابعة لكنها إما أن تدل على متابعة بعض المؤمنين أو كلهم الأول باطل لأن لفظ المؤمنين جمع فيفيد الاستغراق لأن إجماع البعض غير معتبر بالإجماع ولأن أقوال الفرق متناقضة والثاني مسلم ولكن كل المؤمنين الذين يوجدون إلى يوم القيامة فلا يكون الموجودون في العصر كل المؤمنين فلا يكون إجماعهم إجماع كل المؤمنين فإن قلت المؤمنون هم المصدقون والموجودون وأما الذين لم يوجودا بعد فليسوا المؤمنين قلت إذا وجد أهل العصر الثاني لا يصح القول بأن أهل العصر الأول هم كل المؤمنين فلا يكون إجماع أهل العصر الأول عند حضور أهل العصر الثاني قولا لكل المؤمنين فلا يكون إجماع أهل العصر الأول حجة على أهل العصر الثاني سلمنا أن أهل العصر هم كل المؤمنين لكن الآية إنما نزلت في زمان الرسول صضص فتكون الآية مختصة بمؤمني ذلك الوقت وهذا يقتضي أن يكون إجماعهم حجة لكن التمسك بالإجماع إنما ينفع بعد وفاة الرسول صضص فمهما لم يثبت أن الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية بقوا بأسرهم إلى بعد وفاة الرسول صضص وأنها اتفقت كلمتهم على الحكم الواحد لم تدل هذه الآية على صحة ذلك الإجماع ولكن ذلك غير معلوم في شيء من الاجتماعات الموجودة في المسائل بل المعلوم خلافه لأن كثيرا منهم مات زمان حياة النبي صضص فسقط الاستدلال بهذه الآية ثم قال سلمنا دلالة الآية على كون الإجماع حجة لكن دلالة قطعية أم ظنية الأول ممنوع والثاني مسلم لكن المسألة قطعية فلا يجوز التمسك فيها بالأدلة الظنية قال فإن قلت أنا نجعل هذه المسألة ظنية قلت إن أحدا من الأئمة لم يقل إن الإجماع المنعقد بصريح القول دليل ظني بل كلهم نفوا ذلك فإن منهم من نفى كونه دليلا أصلا ومنهم من جعله دليلا قاطعا فلو اقتناه دليلا ظنيا لكان هذا تخطئة لكل الأمة وذلك يقدح في الإجماع والعجب من الفقهاء أنهم أثبتوا الإجماع بعمومات الآيات والأخبار وأجمعوا على أن المنكر لما تدل عليه العمومات لا يكفر ولا يفسق إذا كان ذلك الإنكار لتأويل ثم يقولون الحكم الذي دل عليه الإجماع مقطوع ومخالفة كافر وفاسق فكأنهم قد جعلوا الفرع أقوى من الأصل وذلك غفلة عظيمة سلمنا دلالة هذه الآية على أن الإجماع حجة لكنها معارضة بالكتاب والسنة والعقل أما الكتاب فكل ما فيه منع لكل الأمة من القول الباطل والفعل الباطل كقوله : { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } والنهي عن الشيء لا يجوز إلا إذا كان المنهى عنه متصورا وأما السنة فكثير منها قصة معاذ فإنه لم يجر فيها ذكر الإجماع ولو كان ذلك مدرجا شرعيا لما جاز الإخلال بذكره عند اشتداد الحاجة إليه لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ومنها قوله صضص [ لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي ] ومنها قوله صضص [ لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ] وقوله صضص [ إن الله لا يقبض العلم انتزاعا من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسألوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ] وقوله صضص : [ تعلموا الفرائض وعلموها فإنها أول ما ينسى ] وقوله صضص : [ من أشراط الساعة أن يرتفع العلم ويكثر الجهل ] وهذه الأحاديث بأسرها تدل على خلو الزمان عمن يقوم بالواجبات وأما المعقول فمن وجهين : \r\n الأول : أن كل واحد من الأمة جاز الخطأ عليه فوجب جوازه على الكل كما أنه لما كان كل واحد من الزنج أسود كان الكل أسود \r\n الثاني : أن ذلك الإجماع إما أن يكون لدلالة أو لأمارة فإن كان لدلالة فالواقعة التي أجمع عليها كل علماء العالم تكون واقعة عظيمة ومثل هذه الواقعة مما تتوفر الدواعي على نقل الدليل القاطع الذي لأجله أجمعوا وكان ينبغي اشتهار تلك الدلالة وحينئذ لا يبقى في التمسك بالإجماع فائدة وإن كان لأمارة فهو محال لأن الأمارات يختلف حال الناس فيها فيستحيل اتفاق الخلق على مقتضاها ولأن في الأمة من لم يقل بقول الأمارة حجة فلا يمكن اتفاقهم لأجل الأمارة على الحكم وإن كان لا لدلالة ولا لأمارة كان ذلك خطأ بالإجماع فلو اتفقوا عليه لكانوا متفقين على الباطل وذلك قادح في الإجماع هذا كلام صاحب المحصول وقد أسقطنا منه ما فيه ضعف وما اشتمل على تعسف وفي الذي ذكرناه ما يحتمل المناقشة وقد أجاب عن هذا الذي ذكرناه عنه بجوابات متعسفة يستدعي ذكرها ذكر الجواب عليها منا فيطول البحث جدا ولكنك إذا عرفت ما قدمناه كما ينبغي علمت أن الآية لا تدل على مطلوب المستدلين بها ومن جملة ما استدلوا به قوله سبحانه : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } فأخبر سبحانه عن كون هذه الأمة وسطا والوسط من كل شيء خياره فيكون تعالى قد أخبر عن خيرية هذه الأمة فلو أقدموا على شيء من المحظورات لما اتصفوا بالخيرية وإذا ثبت أنهم لا يقدمون على شيء من المحظورات وجب أن يكون قولهم حجة لا يقال الآية متروكة الظاهر لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحد منهم بها وخلاف ذلك معلوم بالضرورة لأنا نقول يتعين تعديلهم فيما يجتمعون عليه وحينئذ تجب عصمتهم عن الخطأ قولا وفعلا هذا تقرير الاستدلال بهذه الآية وأجيب بأن عدالة الرجل عبارة عن قيامه بأداء الواجبات واجتناب المقبحات وهذا من فعله وقد أخبر سبحانه أنه جعلهم وسطا فاقتضى ذلك أن كونهم وسطا من فعل الله وذلك يقتضي أن يكون غير عدالتهم التي ليست من فعل الله وأجيب أيضا بأن الوسط اسم لما يكون متوسطا بين شيئين فجعله حقيقة في العدل يقتضي الاشتراك وهو خلاف الأصل سلمنا أن الوسط من كل شيء خياره فلم قلتم بأن خبر الله تعالى عن خيريتهم يقتضي اجتنابهم لكل المحظورات ولم لا يقال إنه يكفي فيه اجتنابهم للكبائر وأما الصغائر فلا ؟ وإذا كان كذلك فيحتمل أن الذي أجمعوا عليه وإن كان خطأ لكنه من الصغائر فلا يقدح ذلك في خيريتهم ومما يؤيد هذا أنه سبحانه حكم بكونهم عدولا ليكونوا شهداء على الناس وفعل الصغائر لا يمنع الشهادة سلمنا أن المراد اجتنابهم الصغائر والكبائر لكنه سبحانه قد بين أن اتصافهم بذلك ليكونوا شهداء على الناس ومعلوم أن هذه الشهادة إنما تكون في الآخرة فيجب وجوب تحقق عدالتهم هنالك لأن عدالة الشهود إنما تعتبر حال الأداء لا حال التحمل سلمنا وجوب كونهم عدولا في الدنيا لكن المخاطب بهذا الخطاب هم الذين كانوا موجودين عند نزول الآية وإذا كان كذلك فهذا يقتضي عدالة أولئك دون غيرهم وقد أجيب عن هذا الجواب بأن الله سبحانه عالم بالباطن والظاهر فلا يجوز أن يحكم بعدالة أحد إلا والمخبر عنه مطابق للخبر فلما أطلق الله سبحانه القول بعدالتهم وجب أن يكونوا عدولا في كل شيء بخلاف شهود الحاكم حيث تجوز شهادتهم وإن جازت عليهم الصغيرة لأنه لا سبيل للحاكم إلى معرفة الباطن فلا جرم اكتفى بالظاهر وقوله الغرض من هذه العدالة أداء هذه الشهادة في الآخرة وذلك يوجب عدالتهم في الآخرة لا في الدنيا يقال لو كان المراد صيرورتهم عدولا في الآخرة لقال سنجعلكم أمة وسطا ولأن جميع الأمم عدول في الآخرة فلا يبقى في الآية تخصيص لأمة محمد صضص بهذه الفضيلة وكونه الخطاب لمن كان موجودا عند نزول الآية ممنوع وإلا لزم اختصاص التكاليف الشرعية بمن كان موجودا عند النزول وهو باطل ولا يخفاك ما في هذه الأجوبة من الضعف وعلى كل حال فليس في الآية دلالة على محل النزاع أصلا فإن ثبوت كون أهل الإجماع بمجموعهم عدولا لا يستلزم أن يكون قولهم حجة شرعية نعم بها البلوى فإن ذلك أمر إلى الشارع لا إلى غيره وغاية ما في الآية أن يكون قولهم مقبولا إذا أخبرونا عن شيء من الأشياء وأما كون اتفاقهم على أمر ديني يصير دينا ثابتا عليهم وعلى من بعدهم إلى يوم القيامة فليس في الآية ما يدل على هذا ولا هي مسوقة لهذا المعنى ولا تقتضيه بمطابقة ولا تضمن ولا التزام ومن جملة ما استدلوا به قوله سبحانه { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } وهذه الخيرية توجب الحقيقة لما أجمعوا عليه وإلا كان ضلالا فماذا بعد الحق إلا الضلال وأيضا لو أجمعوا على الخطأ لكانوا آمرين بالمنكر وناهين عن المعروف وهو خلاف المنصوص والتخصيص بالصحابة لا يناسب وروده في مقابلة أمم سائر الأنبياء وأجيب بأن الآية مهجورة الظاهر لأنها تقتضي اتصاف كل واحد منهم بهذا الوصف والمعلوم خلافه ولو سلمنا ذلك لم نسلم أنهم يأمرون بكل معروف هكذا قيل في الجواب ولا يخفاك أن الآية لا دلالة لها على محل النزاع ألبتة فإن اتصافهم بكونهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا يستلزم أن يكون قولهم حجة شرعية تصير دينا ثابتا على كل الأمة بل المراد أنهم يأمرون بما هو معروف في هذه الشريعة وينهون عما هو منكر فيها فالدليل على كون ذلك الشيء معروفا أو منكرا هو الكتاب أو السنة لا إجماعهم غاية ما في الباب إن إجماعهم يصير قرينة على أن في الكتاب والسنة ما يدل على ما أجمعوا عليه وإما إنه دليل بنفسه فليس في هذه الآية ما يدل على ذلك ثم الظاهر أن المراد من الأمة هذه الأمة بأسرها لا أهل عصر من العصور بدليل مقابلتهم بسائر أمم الأنبياء فلا يتم الاستدلال بها على محل النزاع وهو إجماع المجتهدين في عصر من العصور ومن جملة ما استدلوا به من السنة ما أخرجه الطبراني في الكبير من حديث ابن عمر عنه صضص أنه قال [ لن تجتمع أمتي على الضلالة ] وتقرير الاستدلال بهذا الحديث أن عمومه ينفي وجود الضلالة والخطأ ضلالة فلا يجوز الإجماع عليه فيكون ما أجمعوا عليه حقا وأخرج أبو داود عن أبي مالك الأشعري عنه صضص أنه قال : [ إن الله أجاركم من ثلاث خلال أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق وأن لا تجتمعوا على ضلالة ] وأخرجه الترمذي عن ابن عمر عنه صضص أنه قال : [ لا تجتمع أمتي على ضلالة ويد الله مع الجماعة ومن شذ شذ إلى النار ] وأخرج ابن أبي عاصم عن أنس مرفوعا نحوه بدون قوله ويد الله مع الجماعة الخ ويجاب عنه بمنع كون الخطأ المظنون ضلالة وأخرج البخاري ومسلم من حديث المغيرة أنه صضص قال : [ لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون ] وأخرج نحوه مسلم والترمذي وابن ماجة من حديث ثوبان وأخرج نحوه مسلم أيضا من حديث عقبة بن عامر ويجاب عن ذلك بأن غاية ما فيه أنه صضص أخبر عن طائفة من أمته بأنهم يتمسكون بما هو الحق ويظهرون على غيرهم فأين هذا من محل النزاع ؟ ثم قد ورد تعيين هذا الأمر الذي يتمسكون به ويظهرون على غيرهم بسببه فأخرج مسلم من حديث عقبة مرفوعا [ لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون عن أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك ] وأخرجه بنحو هذا اللفظ أحمد وأبو داود من حديث عمران بن حصين وأخرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة مرفوعا لزهير : [ لا يزال هذا الدين قائما تقاتل عنه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة ] ومن جملة ما استدلوا به حديث [ من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ] أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم في مستدركه من حديث أبي ذر وليس في إلا المنع من مفارقة الجماعة فأين هذا من محل النزاع وهو كون ما أجمعوا عليه حجة ثابتة شرعية وكتاب الله وسنة رسوله موجودان بين أظهرنا وقد وصف الله سبحانه كتابه بقوله : { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } فلا يرجع في تبيين الأحكام إلا إليه وقوله سبحانه { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } والرد إلى الله الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول الرد إلى سنته والحاصل أنك إذا تدبرت ما ذكرناه في هذه المقامات وعرفت ذلك حق معرفته تبين لك ما هو الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة ولو سلمنا جميع ما ذكره القائلون بحجية الإجماع وإمكانه وإمكان العلم به فغاية ما يلزم من ذلك أن يكون ما أجمعوا عليه حقا ولا يلزم من كون الشيء حقا وجوب اتباعه كما قالوا أن كل مجتهد مصيب ولا يجب على مجتهد آخر اتباعه في ذلك الاجتهاد بخصوصه وإذا تقرر لك هذا علمت ما هو الصواب وسنذكر ما ذكره أهل العلم في مباحث الإجماع من غير تعرض لدفع ذلك اكتفاء بهذا الذي حررناه هنا ","part":1,"page":110},{"id":32,"text":" البحث الثالث : اختلف القائلون بحجية الإجماع هل هو حجة قطعية أو ظنية ؟ \r\n فذهب جماعة منهم إلى أنه حجة قطعية وبه قال الصيرفي وابن برهان وجزم به من الحنفية الدبوسي وشمس الأئمة وقال الأصفهاني أن هذا القول هو المشهور وأنه يقدم الإجماع على الأدلة كلها ولا يعارضه دليل أصلا ونسبه إلى الأكثرين قال بحيث يكفر مخالفه أو يضلل يبدع وقال جماعة منهم الرازي والآمدي أنه لا يفيد إلا الظن وقال جماعة بالتفصيل بين ما اتفق عليه المعتبرون فيكون حجة قطعية وبين ما اختلفوا فيه كالسكوتي وما ندر مخالفه فيكون حجة ظنية وقال البزدوي وجماعة من الحنفية الإجماع مراتب فإجماع الصحابة مثل الكتاب والخبر المتواتر وإجماع من بعدهم بمنزلة المشهور من الأحاديث والإجماع الذي سبق فيه الخلاف في العصر السابق بمنزلة خبر الواحد واختار بعضهم في الكل أنه ما يوجب العمل لا العلم فهذه مذاهب أربعة ويتفرع عليها الخلاف في كونه يثبت بأخبار الآحاد والظواهر أم لا ؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا يثبت بهما قال القاضي في التقريب وهو الصحيح وذهب جماعة إلى ثبوته بهما في العمل خاصة ولا ينسخ به قاطع كالحال في أخبار الآحاد وقال دل الدليل على قبولها في العمليات وأجاب الجمهور عن هذا بأن أخبار الآحاد قد دل الدليل على قبولها ولم يثبت مثل ذلك في الإجماع فإن ألحقناه بها كان إلحاقا بطريق القياس وصحح هذا القول عبد الجبار والغزالي قال الرازي في المحصول الإجماع المروي بطريق الآحاد حجة خلافا لأكثر الناس لأن ظن وجوب العمل به حاصل فوجب العمل به دفعا للضرر المظنون ولأن الإجماع نوع من الحجة فيجوز التمسك بمظنونه كما يجوز بمعلومه قياسا على السنة ولأنا قد بينا أن أصل الإجماع فائدة ظنية فكيف القول في تفاصيله ؟ انتهى قال الآمدي والمسألة دائر على اشتراط كون دليل الأصل مقطوعا به وعلى عدم اشتراطه فمن شرط القطع منع أن يكون خبر الواحد مفيدا في نقل الإجماع ومن لم يشترط لم يمنع وكلام الجويني يشعر بأن الخلاف ليس مبنيا على هذا الأصل بل هو جار مع القول بأن أصل الإجماع ظني وإذا قلنا بالاكتفاء بالآحاد في نقله كالسنة فهل ينزل الظن المتلقي من أمارات وحالات منزلة الظن الحاصل من نقل العدول قال ابن الأنباري فيه خلاف ","part":1,"page":119},{"id":33,"text":" البحث الرابع : اختلفوا فيما ينعقد به الإجماع \r\n فقال جماعة لا بد من مستند لأن أهل الإجماع ليس لهم الاستقلال بإثبات الأحكام فوجب أن يكون عن مستند ولأنه لو انعقد عن غير مستند لاقتضى إثبات نوع بعد النبي صضص وهو باطل وحكى عبد الجبار عن قوم أنه يجوز أن يكون عن غير مستند وذلك بأن يوفقهم الله لاختيار الصواب من دون مستند وهو ضعيف لأن القول في دين الله لا يجوز بغير دليل وذكر الآمدي أن الخلاف في الجواز لا في الوقوع ورد عليه بأن ظاهر الخلاف في الوقوع قال الصيرفي ويستحيل أن يقع الإجماع بالتواطؤ ولهذا كانت الصحابة لا يرضى بعضهم من بعض بذلك بل يتباحثون حتى أحوج بعضهم القول في الخلاف إلى المباهلة فثبت أن الإجماع لا يقع منهم إلا عن دليل وجعل الماوردي والروياني أصل الخلاف هل الإلهام دليل أم لا ؟ وقد اتفق القائلون بأنه لا بد له من مستند إذا كان عن دلالة واختلفوا فيما إذا كان عن أمارة فقيل بالجواز مطلقا سواء كانت الأمارة جلية أو خفيفة قال الزركشي في البحر ونص عليه الشافعي فجوز الإجماع عن قياس وهو قول الجمهور قال الروياني وبه قال عامة أصحابنا وهو المذهب قال ابن القطان لا خلاف بين أصحابنا في جواز وقوع الإجماع عنه في قياس المعنى على المعنى وأما قياس الشبه فاختلفوا فيه على وجهين وإذا وقع عن الأمارة وهي المفيد للظن وجب أن يكون الظن صوابا للدليل على العصمة \r\n والثاني : المنع مطلقا وبه قال الظاهرية ومحمد بن جرير الطبري فالظاهرية منعوه لأجل إنكارهم القياس وأما ابن جرير فقال القياس حجة ولكن الإجماع إذا صدر عنه لم يكن مقطوعا بصحته واحتج ابن القطان على ابن جرير بأنه قد وافق على وقوعه عن خبر الواحد وهم مختلفون فيه فكذلك القياس ويجاب عنه بأن خبر الواحد قد أجمعت عليه الصحابة بخلاف القياس \r\n والمذهب الثالث : التفصيل بين كون الأمارة جلية فيجوز انعقاد الإجماع عنها أو خفية فلا يجوز حكاه ابن الصباغ عن بعض الشافعية \r\n والمذهب الرابع : أنه لا يجوز الإجماع إلا عن أمارة ولا يجوز عن دلالة للاستغناء بها عنه حكاه السمرقندي في الميزان عن مشايخهم وهو قادح فيما نقله البعض من الإجماع على جواز انعقاد الإجماع عن دلالة ثم اختلف القائلون يجوز انعقاد الإجماع عن غير دليل هل يكون حجة فذهب الجمهور إلى أنه حجة وحكى ابن فورك وعبد الوهاب وسليم الرازي عن قوم منهم أنه لا يكون حجة ثم اخنلفوا هل يجب على المجتهد أن يبحث عن مستند الإجماع أم لا ؟ فقال الأستاذ أبو إسحاق لا يجب على المجتهد طلب الدليل الذي وقع الإجماع به فإن ظهر له ذلك أو نقل إليه كان أحد أدلة المسألة قال أبو الحسن السهيلي : إذا أجمعوا على حكم ولم يعلم أنهم أجمعوا عليه من دلالة آية أو قياس أو غيره يجب المصير إليه لأنهم لا يجمعون إلا من دلالة ولا يجب معرفتها ","part":1,"page":120},{"id":34,"text":" البحث الخامس : هل يعتبر في الإجماع المجتهد المبتدع إذا كانت بدعته تقتضي تكفيره \r\n فقيل لا يعتبر في الإجماع قال الزركشي بلا خلاف لعدم دخوله في مسمى الأمة المشهود لهم بالعصمة وإن لم يعلم هو كفر نفسه قال الصفي الهندي لو ثبت لكان لا يمكن الاستدلال بإجماعنا على كفره بسبب ذلك الاعتقاد لأنه إنما ينعقد إجماعنا وحده على كفره وإثبات كفره بإجماعنا وحده دور وأما إذا وافقنا هو على ما ذهب إليه كفر فحينئذ يثبت كفره لأن قوله معتبر في الإجماع لكونه من أهل الحل والعقد قال الهندي وهو الصحيح \r\n الثاني : لا يعتبر قال الأستاذ أبو منصور قال أهل السنة لا يعتبر في الإجماع وفاق القدرية والخوارج والرافضة وهكذا رواه أشهب عن مالك ورواه العباس بن الوليد عن الأوزاعي ورواه أبو سليمان الجوزجاني عن محمد بن الحسن وحكاه أبو ثور عن أئمة الحديث قال أبو بكر الصيرفي ولا يخرج عن الإجماع من كان من أهل العلم وإن اختلفت بهم الأهواء كمن قال بالقدر ومن رأى الأرجاء وغير ذلك من اختلاف آراء أهل الكوفة والبصرة إذا كان من أهل الفقه فإذا قيل قالت الخطابية والرافضة كذا لم يلتفت إلى هؤلاء في الفقه لأنهم ليسوا من أهله قال ابن القطان الإجماع عندنا إجماع أهل القلم فأما من كان من أهل الأهواء فلا مدخل له فيه قال قال أصحابنا في الخوارج لا مدخل لهم في الإجماع والاختلاف لأنهم ليس لهم أصل ينقلون عنه لأنهم يكفرون سلفنا الذين أخذنا عنهم أصل الدين وممن اختار أنه لا يعتد به من الحنفية أبو بكر الرازي ومن الحنابلة القاضي أبو يعلى واستقرأه من قول أحمد لقوله لا يشهد عندي رجل ليس هو عندي بعدل وكيف أجوز حكمه \r\n قال القاضي يعني الجهمي : \r\n القول الثالث : أنه لا ينعقد عليه الإجماع وينعقد على غيره يعني أنه يجوز له مخالفة من عداه إلى ما أدى إليه اجتهاده ولا يجوز لأحد أن يقلده كذا حكاه الآمدي وتابعه المتأخرون \r\n القول الرابع : التفصيل بين من كان من المجتهدين المبتدعين داعية فلا يعتبر في الإجماع وبين من لم يكن داعية فيعتبر حكاه ابن حزم في كتاب الأحكام ونقله عن جماهير سلفهم من المحدثين قال وهو قول فاسد لأنا نراعي العقيدة قال القاضي أبو بكر والأستاذ أبو إسحاق أنه لا يعتد بخلاف من أنكر القياس ونسبه إلى الجمهور وتابعهم إمام الحرمين والغزالي قالوا لأن من أنكر لا يعرف طرق الاجتهاد وإنما هو متمسك بالظواهر فهو كالعامي الذي لا معرفة له ولا يخفاك أن هذا التعليل يفيد خروج من عرف القياس وأنكر العمل به كما كان من كثير من الأئمة فإنهم أنكروه عن علم به لا عن جهل له قال الننوي في باب السواك من شرح مسلم إن مخالفة داود لا تقدح في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون وقال صاحب المفهم جل الفقهاء والأصوليين أنه لا يعتد بخلافهم بل هم من جملة العوام وأن من اعتد بهم فإنما ذلك لأن مذهبه أنه يعتبر خلاف العوام في انعقاد الإجماع والحق خلافه وقال القاضي وعبد الوهاب في الملخص يعتبر كما يعتبر خلاف من ينفي المراسيل ويمنع العموم ومن حمل الأمر على الوجوب لأن مدار الفقه على هذه الطرق وقال الجويني المحققون لا يقيمون لخلاف الظاهرية وزنا لأن معظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد ولا تفي النصوص بعضر معاشرها ويجاب عنه بأن من عرف نصوص الشريعة حق معرفتها وتدبر آيات الكتاب العزيز وتوسع في الاطلاع على السنة المطهرة علم بأن نصوص الشريعة جمع جم ولا عيب لهم إلا ترك العمل بالآراء الفاسدة التي لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا قياس مقبول وتلك شكاة ظاهر عنك عارها \r\n نعم قد جمدوا في مسائل كان ينبغي لهم ترك الجمود عليها ولكنها بالنسبة إلى ما وقع في مذهب غيرهم من العمل بما لا دليل عليه ألبتة قليلة جدا ","part":1,"page":121},{"id":35,"text":" البحث السادس : إذا أدرك التابعي عصر الصحابة وهو من أهل الاجتهاد لم ينعقد إجماعهم إلا به \r\n كما حكاه جماعة منهم القاضي أبو الطيب الطبري والشيخ أبو إسحق الشيرازي وابن الصباغ وابن السمعاني وأبو الحسن السهيلي قال القاضي عبد الوهاب أنه الصحيح ونقله السرخسي من الحنفية عن أكثر أصحابهم قال ولهذا قال أبو حنيفة لا يثبت إجماع الصحابة في الأشعار لأن إبراهيم النخعي كان يكرهه وهو ممن أدرك عصر الصحابة فلا يثبت إجماعهم بدون قوله والوجه في هذا القول أن الصحابة عند إدراك بعض مجتهدي التابعين فيهم هم بعض الأمة لا كلها وقد سئل ابن عمر عن فريضة فقال اسألوا ابن جبير فإنه أعلم بها وكان أنس يسأل فيقول سلوا مولانا الحسن فإنه سمع وسمعنا وحفظ ونسينا وسئل ابن عباس عن دلج الولد فأشار إلى مسروق فلما بلغه جوابه تابعه عليه وقال جماعة إنه لا يعتبر المجتهد التابعي الذي أدرك عصر الصحابة في إجماعهم وهو مروي عن إسماعيل بن علية ونفاه القياس وحكاه الباجي عن ابن خواز منداد واختاره ابن برهان في الوجيز وقيل إن بلغ التابعي رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة ثم وقعت حادثة فأجمعوا عليها وخالفهم لم ينعقد إجماعهم وإن أجمعوا قبل بلوغه رتبة الاجتهاد فمن اعتبر انقرض العصر اعتد بخلافه ومن لم يعتبره لم يعتد بخلافه وقال القفال إذا عاصرهم وهو غير مجتهد ثم اجتهد ففيه وجهان يعتبر ولا يعتبر قال بعضهم أنه إذا تقدم الصحابة على اجتهاد التابعي فهو محجوج بإجماعهم قطعا قال الآمدي القائلون بأنه لا ينعقد إجماعهم دونهم اختلفوا فمن لم يشترط انقراض العصر قال إن كان من أهل الاجتهاد قبل إجماع الصحابة لم ينعقد إجماعهم وإلا لم يعتد بخلافه قال وهذا مذهب الشافعي وأكثر المتكلمين وأصحاب أبي حنيفة وهي رواية عن أحمد ومن اشترط انقراض العصر قال لا ينعقد إجماع الصحابة به مع مخالفته وإن بلغ الاجتهاد حال انعقاد إجماعهم أو بعد ذلك في عصرهم قال وذهب قوم إلى أنه لا عبرة بمخالفته أصلا وهو مهب بعض المتكلمين وأحمد بن حنبل في الرواية الأخرى ","part":1,"page":123},{"id":36,"text":" البحث السابع : إجماع الصحابة حجة بلا خلاف \r\n ونقل القاضي عبد الوهاب عن قوم من المبتدعة أن إجماعهم ليس بحجة وقد ذهب إلى اختصاص حجية الإجماع بإجماع الصحابة داود الظاهري وهو ظاهر كلام ابن حبان في صحيحه وهذا هو المشهور عن الإمام أحمد بن حنبل فإنه قال في رواية أبي داود عنه الإجماع أن يتبع ما جاء عن النبي صضص وعن أصحابه وهو في التابعين مخير وقال أبو حنيفة إذا أجمعت الصحابة على شيء سلمنا وإذا أجمع التابعون زاحمناهم قال أبو الحسن السهيلي في أدب الجدل النقل عن داود بما إذا أجمعوا على حكم من جهة القياس فاختلفوا فيه وقال ابن وهب ذهب داود وأصحابنا إلى أن الإجماع إنما هو إجماع الصحابة فقط وهو قول لا يجوز خلافه لأن الإجماع إنما يكون عن توقيف والصحابة هم الذين شهدوا التوقيف فإن قيل فما تقولون في إجماع من بعدهم قلنا هذا لا يجوز لأمرين أحدهما أن النبي صضص أنبأ عن ذلك فقال [ لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين ] والثاني أن تسعة أقطار الأرض وكثرة العدد لا تمكن من ضبط أقوالهم ومن ادعى هذا لا يخفي على أحد كذبه ","part":1,"page":124},{"id":37,"text":" البحث الثامن : إجماع أهل المدينة على انفرادهم ليس بحجة عند الجمهور \r\n لأنهم بعض الأمة وقال مالك إذا أجمعوا لم يعتد بخلاف غيرهم قال الشافعي في كتاب اختلاف الحديث قال بعض أصحابنا إنه حجة وما سمعت أحد ذكر قوله إلا عابه وأن ذلك عندي معيب وقال الجرجاني إنما أراد مالك الفقهاء السبعة وحدهم والمشهور عنه الأول ويشكل على ما روى عن مالك من حجية إجماع أهل المدينة على أن البيع بشرط البراءة لا يجوز ولا يبرئ من العيب أصلا علمه أو جهله ثم خالفهم فلو كان يرى أن إجماعهم حجة لم تسع مخالفته وقال الباجي إنما أراد ذلك بحجية إجماع أهل المدينة فيما كان طريقة النقل المستفيض كالصاع والمد والأذان والإقامة وعدم وجوب الزكاة في الخضروات مما تقتضي العادة بأن يكون في زمن النبي صضص فإنه لو تغير عما كان عليه لعلم فأما مسائل الاجتهاد فهم وغيرهم سواء وحكاه القاضي في التقريب عن شيخه الأبهري وقيل يرجح نقلهم عن نقل غيرهم وقد أشار الشافعي إلى هذا في القديم ورجح رواية وحكى يونس بن عبد الأعلى قال قال الشافعي إذا وجدت متقدمي أهل المدينة على شيء فلا يدخل في قلبك شك أنه الحق وكلما جاءك شيء غير ذلك فلا تلتفت إليه ولا تعبأ به وقال القاضي عبد الوهاب : إجماع أهل المدينة على ضربين نقلي واستدلالي فالأول على ثلاثة أضرب منه نقل شرع مبتدأ من جهة النبي صضص إما قول أو فعل أو إقرار فالأول كنقلهم الصاع والمد والأذان والإقامة والأوقات والأجناس ونحوهن والثاني نقلهم المتصل كعهدة الرقيق وغير ذلك كتركهم أخذ الزكاة من الخضروات مع أنها كانت تزرع بالمدينة وكان النبي صضص والخلفاء بعده لا يأخذون منها قال وهذا النوع من إجماعهم حجة يلزم عندنا المصير إليه وترك الأخبار والمقاييس به لا اختلاف بين أصحابنا فيه قال والثاني وهو إجماعهم من طريق الاستدلال فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه أحدها أنه ليس بإجماع ولا بمرجح وهو قول أبي بكر وأبي يعقوب الرازي والقاضي أبي بكر وابن فورك والطيالسي وأبي الفرج والأبهري وأنكر كونه مذهبا لذلك ثانيها أنه مرجح وبه قال بعض أصحاب الشافعي ثالثها أنه حجة ولم يحرم خلافه وإليه ذهب قاضي القضاة أبو الحسين بن عمر قال أبي العباس القرطبي أما الضرب الأول فينبغي أن لا يختلف فيه لأنه من باب النقل المتواتر ولا فرق بين القول والفعل والإقرار كل ذلك نقل محصل للعلم القطعي فإنهم عدد كثير وجم غفير تحيل العادة عليهم التواطؤ على خلاف الصدق ولا شك أن ما كان هذا سبيله أولى من أخبار الآحاد والأقيسة والظواهر ثم قال والنوع الاستدلالي أن عارضه خبر فالخبر أولى عند جمهور أصحابنا وقد صار جماعة إلى أنه أولى من الخبر بناء منهم على أنه إجماع وليس بصحيح لأن المشهود له بالعصمة إجماع كل الأمة لا بعضها وإجماع أهل الحرمين مكة والمدينة وأهل المصرين البصرة والكوفة ليس بحجة لأنهم بعض الأمة وقد زعم بعض أهل الأصول أن إجماع أهل الحرمين والمصرين حجة ولا وجه لذلك وقد قدمنا قول من قال بحجية إجماع أهل المدينة فمن قال بذلك فهو قائل بحجية إجماع أهل مكة والمدينة والمصرين بالأولى قال القاضي وإنما خصوا هذه المواضع يعني القائلين بحجية إجماع أهلها لاعتقادهم تخصيص الإجماع بالصحابة وكانت هذه البلاد مواطن الصحابة ما خرج منها إلا الشذوذ قال الزركشي وهذا صريح بأن القائلين بذلك لم يعمموا في كل عصر بل في عصر الصحابة فقط قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي قيل أن المخالف أراد زمن الصحابة والتابعين فإن كان هذا مراده فمسلم لو اجتمع العلماء في هذه البقاع وغير مسلم أنهم اجتمعوا فيها وذهب الجمهور أيضا إلى إجماع الخلفاء الأربعة ليس بحجة لأنهم بعض الأمة وروى عن أحمد أنه حجة وذهب بعض أهل العلم إلى أنه حجة لما ورد ما يفيد ذلك كقوله صضص [ بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ] وقوله [ اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ] وهما حديثان صحيحان ونحو ذلك وأجيب بأن الحديثين دليلا على أنهم أهل للاقتداء بهم لا على أن قولهم حجة على غيرهم فإن المجتهد مستعبد بالبحث عن الدليل حتى يظهر له ما يظنه حقا ولو كان مثل ذلك يفيد حجية قول الخلفاء أو بعضهم لكان حديث [ رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد ] يفيد حجية قول ابن مسعود وحديث أن أبا عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة يفيد حجية قوله وهما حديثان صحيحان وهكذا حديث [ أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ] يفيد حجية قول كل واحد منهم وفيه مقال معروف لأن في رجاله عبد الرحيم العمي عن أبيه وهما ضعيفان جدا بل قال ابن معين إن عبد الرحيم كذاب وقال البخاري متروك وكذا قال أبو حاتم وله طريق أخرى فيها حمزة النصيبي وهو ضعيف جدا قال البخاري منكر الحديث وقال ابن معين لا يساوي فلسا وقال ابن عدي عامة مروياته موضوعة وروي أيضا من طريق جميل بن زيد وهو مجهول وذهب الجمهور أيضا إلى أن إجماع العشرة وحدها ليس بحجة وقالت الزيدية والإمامية هو حجة واستدلوا بقوله تعالى : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } والخطأ رجس فوجب أن يكونوا مطهرين عنه وأجيب بأن سياق الآية يفيد أنه في نسائه صضص ويجاب عن هذا الجواب بأنه قد ورد الدليل الصحيح أنها نزلت في علي وفاطمة والحسنين وقد أوضحنا الكلام في هذا في تفسيرنا الذي سميناه فتح القدير فليرجع إليه ولكن لا يخفاك أن كون الخطأ رجس لا يدل عليه لغة ولا شرع فإن معناه في اللغة القذر ويطلق في الشرع على العذاب كما في قوله سبحانه { قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } وقوله { من رجز أليم } والرجز الرجس واستدلوا بمثل قوله { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } وبأحاديث كثيرة جدا تشتمل على مزيد شرفهم وعظيم فضلهم ولا دلالة فيها على حجية قولهم وقد أبعد من استدل بها على ذلك وقد عرفناك في حجية إجماع أهل الأمة ما هو الحق ووروده على القول بحجية بعضها أولى ","part":1,"page":124},{"id":38,"text":" البحث التاسع : اتفق القائلون بحجية الإجماع أنه لا يعتبر من سيوجد \r\n ولو اعتبر ذلك لم يكن ثم إجماع إلا عند قيام الساعة وعند ذلك لا تكليف فلا يكون في الإجماع فائدة وقد روي الخلاف في ذلك عن أبي عيسى الوارث وأبي عبد الرحمن الشافعي كما حكاه الأستاذ أبو منصور ","part":1,"page":126},{"id":39,"text":" البحث العاشر : اختلفوا هل يشترط انقراض عصر أهل الإجماع في حجية إجماعهم أم لا \r\n فذهب الجمهور إلى أنه لا يشترط وذهب جماعة من الفقهاء ومنهم أحمد بن حنبل وجماعة من المتكلمين منهم الأستاذ أبو بكر بن فورك إلى أنه يشترط وقيل إن كان الإجماع بالقول والفعل أو بأحدهما فلا يشترط وإن كان الإجماع بالسكوت عن مخالفة القائل فيشترط روي هذا عن أبي علي الجبائي وقال الجويني إن كان عن قياس كان شرطا وإلا فلا ","part":1,"page":126},{"id":40,"text":" البحث الحادي عشر : في الإجماع السكوتي \r\n وهو أن يقول بعض أهل الاجتهاد بقول وينتشر ذلك في المجتهدين من أهل ذلك العصر فيسكتون ولا يظهر منهم اعتراف ولا إنكار وفيه مذاهب \r\n الأول : أنه ليس بإجماع ولا حجة قاله داود الظاهري وابنه والمرتضى وعزاه القاضي إلى الشافعي واختاره وقال أنه آخر أقوال الشافعي وقال الغزالي والرازي والآمدي إنه نص الشافعي في الجديد وقال الجويني إنه ظاهر مذهبه \r\n والقول الثاني : أنه إجماع وحجة وبه قال جماعة من الشافعية وجماعة من أهل الأصول وروي نحوه عن الشافعي قال الأستاذ أبو إسحق : اختلف أصحابنا في تسميته إجماعا مع اتفاقهم على وجوب العلم به وقال أبو الإسفرائيني هو حجة مقطوع بها وفي تسميته إجماعا من الشافعية قولان : أحدهما المنع وإنما هو حجة كالخبر والثاني يسمى إجماعا وهو قولنا انتهى واستدل القائلون بهذا القول بأن سكوتهم ظاهر في الموافقة إذ يبعد سكوت الكل مع اعتقاد المخالفة عادة فكان ذلك محصلا للظن بالاتفاق وأجيب باحتمال أن يكون سكوت من سكت على الإنكار لتعارض الأدلة عنده أو لعدم حصول ما يفيده الاجتهاد في تلك الحادثة إثباتا أو نفيا أو للخوف على نفسه أو ذلك من الاحتمالات \r\n القول الثالث : أنه حجة وليس بإجماع قاله أبو هاشم وهو أحد الوجهين عند الشافعي كما سلف وبه قال الصيرفي واختاره الآمدي قال الصفي الهندي ولم يصر أحد إلى عكس هذا القول يعني أنه اجتماع لا حجة ويمكن القول به كالإجماع المروي بالأحاديث عند من لم يقل بحجيته \r\n القول الرابع : أنه إجماع بشرط انقراض العصر لأنه يبعد مع ذلك أن يكون السكوت لا عن رضا وبه قال أنه على الجبائي وأحمد في رواية عنه ونقله ابن فورك في كتاب عن أكثر أصحاب الشافعي ونقله الأستاذ أبو طاهر البغدادي عن الحذاق منهم واختاره ابن القطان والروياني قال الرافعي إنه أصح الأوجه عند أصحاب الشافعي وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في اللمع أنه المذهب قال : فأما قبل الانقراض ففيه طريقان إحداهما أنه ليس بحجة قطعا والثانية على وجهين \r\n القول الخامس : أنه إجماع إن كان فتيا لا حكما وبه قال ابن أبي هريرة كما حكاه عنه الشيخ أبو إسحاق والماوردي والرافعي وابن السمعاني والآمدي وابن الحاجب ووجه هذا القول أنه لا يلزم من صدوره عن الحاكم أن يكون قاله على وجه الحكم وقيل أن الحاكم لا يعترض عليه في حكمه فلا يكون السكوت دليل الرضا ونقل ابن السمعاني عن ابن أبي هريرة أنه احتج لقوله هذا بقوله أنا نحضر مجلس بعض الحكام ونراهم يقضون بخلاف مذهبنا ولا ننكر ذلك عليهم فلا يكون سكوتنا رضا منا بذلك \r\n القول السادس : أنه إجماع إن كان صادرا عن فتيا قاله أبو إسحاق المروزي وعلل ذلك بأن الأغلب أن الصادر من الحاكم يكون عن مشاورة وحكاه ابن القطان عن الصيرفي \r\n القول السابع : أنه إن وقع في شيء يفوت استدراكه من إراقة دم أو استباحة فرج كان إجماعا وإلا فهو حجة وفي كونه إجماعا وجهان : حكاه الزركشي ولم ينسبه إلى قائل \r\n القول الثامن : إن كان الساكتون أقل كان إجماعا وإلا فلا قاله أبو بكر الرازي وحكاه شمس الأئمة السرخسي عن الشافعي قال الزركشي وهو غريب لا يعرفه أصحابه \r\n القول التاسع : إن كان في عصر الصحابة كان إجماعا وإلا فلا قال الماوردي في الحاوي والروياني في البحر إن كان عصر الصحابة فإذا قال الواحد منهم قولا أو حكم به فأمسك الباقون فهذا ضربان : أحدهما مما يفوت استدراكه كإراقة دم واستباحة فرج فيكون إجماعا لأنهم لو اعتقدوا خلافه لأنكروه إذ لا يصح منهم أن يتفقوا على ترك إنكار منكر وإن كان مما لا يفوت استدراكه كان حجة لأن الحق لا يخرج عن غيرهم وفي كونه إجماعا يمنع الاجتهاد وجهان لأصحابنا : أحدهما يكون إجماعا لا يسوغ معه الاجتهاد والثاني لا يكون إجماعا سواء كان القول فتيا أو حكما على الصحيح \r\n القول العاشر : أن ذلك إن كان مما يدوم ويتكرر وقوعه والخوض فيه فإنه يكون السكوت إجماعا وبه قال إمام الحرمين الجويني قال الغزالي في المنخول المختار أنه لا يكون حجة إلا في صورتين : \r\n أحدهما سكوتهم وقد قطع بين أيديهم قاطع لا في مظنة القطع والدواعي تتوفر على الرد عليه \r\n الثاني : ما يسكتون عليه على استمرار العصر وتكون الواقعة بحيث لا يبدي أحد خلافا فأما إذا حضروا مجلسا فأفتى واحد وسكت آخرون فذلك اعتراض لكون المسألة مظنونة والأدب يقتضي أن لا يعترض على القضاة والمفتين \r\n القول الحادي عشر : أنه إجماع بشرط إفادة القرائن العلم بالرضا وذلك بأن يوجد من قرائن الأحوال ما يدل على رضا الساكتين بذلك القول واختار هذا الغزالي في المستصفى وقال بعض المتأخرين أنه أحق الأقوال لأن إفادة القرائن العلم بالرضا كإفادة النطق له فيصير كالإجماع القطعي \r\n القول الثاني عشر : أنه يكون حجة قبل استقرار المذاهب لا بعدها فإنه لا أثر للسكوت لما تقرر عند أهل المذاهب من عدم إنكار بعضهم على بعض إذا أفتى أو حكم بمذهبه مع مخالفته لمذاهب غيره وهذا التفصيل لا بد منه على جميع المذاهب السابقة هذا في الإجماع السكوتي إذا كان سكوتا عن قول وأما لو اتفق أهل الحل والعقد على عمل ولم يصدر منهم قول واختلفوا في ذلك فقيل إنه كفعل رسول الله صضص لأن العصمة ثابتة لإجماعهم كثوبتها للشارع فكانت أفعالهم كأفعاله وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وغيره وقال الغزالي في المنخول أنه المختار وقيل بالمنع ونقله الجويني عن القاضي إذ لا يتصور تواطؤ قوم لا يحصون عددا على فعل واحد من غير أرباب فالتواطؤ عليه غير ممكن وقيل إنه ممكن ولكنه محمول على الإباحة حتى يقوم دليل على الندب أو الوجوب وبه قال الجويني قال القرافي وهذا تفصيل حسن وقيل إن كل فعل خرج مخرج البيان أو مخرج الحكم لا ينعقد به الإجماع وبه قال ابن السمعاني ","part":1,"page":127},{"id":41,"text":" البحث الثاني عشر : هل يجوز الإجماع على شيء وقد وقع الإجماع على خلافه \r\n فقيل إن كان الإجماع الثاني من المجمعين على الحكم الأول كما لو اجتمع أهل مصر على حكم ثم ظهر لهم ما يوجب الرجوع عنه وأجمعوا على ذلك الذي ظهر لهم ففي جواز الرجوع خلاف مبني على الخلاف المتقدم في اشتراط انقراض عصر أهل الإجماع فمن اعتبره جوز ذلك ومن لم يعتبره لم يجوزه أما إذا كان الإجماع من غيرهم فمنعه الجمهور لأنه يلزم تصادم الإجماعين وجوزه أبو عبد الله البصري قال الرازي وهو الأولى واحتج الجمهور بأن كون الإجماع حجة يقتضي امتناع حصول إجماع آخر مخالف له وقال أبو عبد الله البصري إنه لا يقتضي ذلك لإمكان تصور كونه حجة إلى غاية هي حصول إجماع آخر قال الصفي الهندي ومأخذ أبي عبد الله قوي وحكى أبو الحسن السهيلي في آداب الجدل له في هذه المسألة أنها إذا أجمعت الصحابة على قول ثم أجمع التابعون على قول آخر فعن الشافعي جوابان : \r\n أحدهما : وهو الأصح أنه لا يجوز وقوع مثله لأن النبي صضص أخبر أن أمته لا تجتمع على ضلالة \r\n والثاني : لو صح وقوعه فإنه يجب على التابعين الرجوع إلى قول الصحابة وقال وقيل إن كل واحد منهما حق وصواب على قول من يقول إن كل مجتهد مصيب وليس بشيء انتهى ","part":1,"page":129},{"id":42,"text":" البحث الثالث عشر : في حدوث الإجماع بعد سبق الخلاف \r\n قال الرازي في المحصول : إذا اتفق أهل العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الأول كان ذلك إجماعا لا تجوز مخالفته خلافا لكثير من المتكلمين وكثير من الفقهاء الشافعية والحنفية وقيل هذه المسألة على وجهين : \r\n أحدهما : أن لا يستقر الخلاف وذلك بأن يكون أهل الاجتهاد في مهلة النظر ولم يستقر لهم قول كخلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم في قتال مانعي الزكاة وإجماعهم عليه بعد ذلك فقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في اللمع صارت المسألة إجماعية بلا خلاف وحكى الجويني والهندي أن الصيرفي خالف في ذلك \r\n الوجه الثاني : أن يستقر الخلاف ويمضي عليه مدة فقال القاضي أبو بكر بالمنع وإليه مال الغزالي ونقله ابن برهان في الوجيز عن الشافعي وجزم به الشيخ أبو إسحاق في اللمع ونقل الجويني عن أكثر أهل الأصول الجواز واختاره الرازي والآمدي وقيل بالتفصيل وهو الجواز فيما كان دليل خلافه القاطع عقليا كان أو نقليا ونقل الأستاذ أبو منصور إجماع أصحاب الشافعي على أنه حجة وبذلك جزم الماوردي والروياني فأما لو وقع الخلاف بين عصر ثم ماتت إحدى الطائفتين من المختلفين وبقيت الطائفة الأخرى فقال الأستاذ أبو إسحاق إنه يكون قول الباقين إجماعا واختاره الرازي والهندي قال الرازي في المحصول لأن بالموت ظهر اندراج قول ذلك القسم وحده تحت أدلة الإجماع ورجح القاضي في التقريب أنه لا يكون إجماعا قال لأن الميت في حكم الباقي الموجود والباقون هم بعض الأمة لا كلها وجزم به الأستاذ أبو منصور البغدادي في كتاب الجدل وكذا الخوارزمي في الكافي وحكى أبو بكر الرازي في هذه المسألة قولا ثالثا فقال إن لم يسوغوا فيه الاختلاف صار حجة لأن قول الطائفة المتمسكة بالحق لا يخلو منه زمان وقد شهدت ببطلان قول المنقرضة فوجب أن يكون قولها حجة وإن سوغوا فيه الاجتهاد لم يصر إجماعا لإجماع الطائفتين على تسويغ الخلاف ","part":1,"page":130},{"id":43,"text":" البحث الرابع عشر : إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين فهل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث \r\n اختلفوا في ذلك على أقوال : \r\n الأول : المنع مطلقا لأنه كاتفاقهم على أنه لا قول سوى هذين القولين قال الأستاذ أبو منصور وهو قول الجمهور قال الكيا إنه صحيح وبه الفتوى وجزم به القفال الشاشي والقاضي أبو الطيب الطبري والروياني والصيرفي ولم يحكيا خلافه إلا عن بعض المتكلمين وحكى ابن القطان الخلاف في ذلك عن داود \r\n القول الثاني : الجواز مطلقا حكاه ابن برهان وابن السمعاني عن بعض الحنفية والظاهرية ونسبه جماعة منهم القاضي عياض إلى داود وأنكر ابن حزم على من نسبه إلى داود \r\n القول الثالث : إن ذلك القول الحادث بعد القولين إن لزم منه رفعهما لم يجز إحداثه وإلا جاز وروي هذا التفصيل عن الشافعي واختاره المتأخرون من أصحابه ورجحه جماعة من الأصوليين منهم ابن الحاجب واستدلوا له بأن القول الحادث الرافع للقولين مخالف لما وقع الإجماع عليه والقول الحادث الذي لم يرفع القولين غير مخالف لهما بل موافق لكل واحد منهما من بعض الوجوه ومثل الاختلاف على قولين : الاختلاف على ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك فإنه يأتي في القول الزائد على الأقوال التي اختلفوا فيها ما يأتي في القول الثالث من الخلاف ثم لا بد من تقييد هذه المسألة بأن يكون الخلاف فيها على قولين أو أكثر قد استقر أما إذا لم يستقر فلا وجه للمنع من إحداث قول آخر ","part":1,"page":131},{"id":44,"text":" البحث الخامس عشر : إذا استدل أهل العصر بدليل وأولوا بتأويل فهل يجوز لمن بعدهم إحداث دليل آخر من غير إلغاء الأول أو إحداث تأويل غير التأويل الأول \r\n فذهب الجمهور إلى جواز ذلك لأن الإجماع والاختلاف إنما هو في الحكم على الشيء بكونه كذا وأما الاستدلال بالدليل أو العمل بالتأويل فليس من هذا الباب قال ابن القطان وذهب بعض أصحابنا إلى أنه ليس لنا أن نخرج عن دلالتهم ويكون إجماعا على الدليل لا على الحكم وأجيب عنه بأن المطلوب من الأدلة أحكامها لا أعيانها نعم إن أجمعوا على إنكار الدليل الثاني لم يجز إحداثه لمخالفة الإجماع وذهب بعض أهل العلم إلى الوقف وذهب ابن حزم إلى التفصيل بين النص فيجوز الاستدلال به ويبين غيره فلا يجوز إحداثه وبين الخفي فيجوز لجواز اشتباهه على الأولين قال أبو الحسين البصري إلا أن يكون في صحة ما استدلوا به إبطال ما أجمعوا عليه وقال سليم الرازي إلا أن يقولوا ليس فيها دليل إلا الذي ذكرناه فيمتنع وأما إذا عللوا الحكم بعلة فهل يجوز لمن بعدهم أن يعلله بعلة أخرى ؟ فقال الأستاذ أبو منصور وسليم الرازي هي كالدليل في جواز إحداثها إلا إذا قالوا لا علة إلا هذه أو تكون العلة الثانية مخالفة للعلة الأولى في بعض الفروع فتكون حينئذ الثانية فاسدة ","part":1,"page":132},{"id":45,"text":" البحث السادس عشر : هل يمكن وجود دليل لا معارض له اشترك أهل الإجماع في عدم العلم به \r\n قيل بالجواز إن كان عمل الأمة موافقا له وعدمه إن كان مخالفا له واختار هذا الآمدي وابن الحاجب والصفي الهندي وقيل بالجواز مطلقا وقيل بالمنع مطلقا قال الرازي في المحصول يجوز اشتراك الأمة في عدم العلم بما لم يكلفوا به لأن عدم العلم بذلك الشيء إذا كان صوابا لم يلزم من إجماعهم عليه محذور وللمخالف أن يقول لو اجتمعوا على عدم العلم بذلك الشيء لكان عدم العلم به سبيلا لهم وكان يجب اتباعهم فيه حتى يحرم تفصيل العلم به قال الزركشي في البحر هما مسألتان : \r\n إحداهما : هل يجوز اشتراك الأمة في الجهل بما لم يكلفوا به ؟ فيه قولان \r\n الثانية : هل يمكن وجود خبر أو دليل لا معارض له وتشترك الأمة في عدم العلم به ؟ وأما ذكر واحد من المجمعين خبرا عن الرسول صضص يشهد بصحة الحكم الذي انعقد عليه الإجماع ؟ فقال ابن برهان في الوجيز أنه يجب عليه ترك العمل بالحديث وقال قوم إن ذلك يستحيل وهو الأصح من المذاهب فإن الله سبحانه عصم الأمة عن نسيان حديث في الحادثة ولولا ذلك خرج الإجماع عن أن يكون قطعيا وبناه في الأوسط على الخلاف في انقراض العصر فمن قال ليس بشرط منع الرجوع ومن اشترط جوزه والجمهور على الأول يتطرق إلى الحديث احتمالات من النسخ والتخصيص ما لا يتطرق إلى الإجماع ","part":1,"page":132},{"id":46,"text":" البحث السابع عشر : لا اعتبار بقول العوام في الإجماع \r\n ولا وفاقا ولا خلافا عند الجمهور لأنهم ليسوا من أهل النظر في الشرعيات ولا يفهمون الحجة ولا يعقلون البرهان وقيل يعتبر قولهم لأنهم من جملة الأمة وإنما كان قول الأمة حجة لعصمتها من الخطأ ولا يمتنع أن تكون العصمة لجميع الأمة عالمها وجاهلها حكى هذا القول ابن الصباغ وابن برهان عن بعض المتكلمين واختاره الآمدي ونقله الجويني وابن السمعاني والصفي الهندي عن القاضي أبي بكر قال في مختصر التقريب فإن قال قائل فإذا أجمع الأمة على حكم من الأحكام مما يحصل فيه اتفاق الخاص والعام كوجوب الصلاة والزكاة وغيرهما فما هذا سبيله يطلق القول بأن الأمة أجمعت عليه وأما ما أجمع عليه العلماء من أحكام الفروع التي تشذ عن العوام فقد اختلف أصحابنا في ذلك فقال بعضهم العوام يدخلون في حكم الإجماع وذلك أنهم وإن لم يعرفوا تفاصيل الأحكام فقد عرفوا على الجملة أن ما أجمع عليه علماء الأمة في تفاصيل الأحكام فهو مقطوع به فهذا مساهمة منهم في الإجماع وإن لم يعلموا على التفصيل ومن أصحابنا من زعم لا يكونون مساهمين في الإجماع فإنه إنما يتحقق الإجماع في التفاصيل بعد العلم بها فإذا لم يكونوا عالمين بها فلا يتحقق كونهم من أهل الإجماع قال أبو الحسين في المعتمد اختلفوا في اعتبار قول العامة في المسائل الاجتهادية فقال قوم العامة وإن وجب عليها اتبع العلماء فإن إجماع العلماء لا يكون حجة على أهل العصر حتى لا تسوغ مخالفتهم إلا بأن يتبعهم العامة من أهل عصرهم فإن لم يتبعوهم لم يجب على أهل العصر الثاني من العلماء اتباعهم وقال آخرون بل هو حجة مطلقا وحكى القاضي عبد الوهاب وابن السمعاني أن العامة معتبرة في الإجماع في العام دون الخاص قال الرويني في البحر إن اختص بمعرفة الحكم العلماء كنصب الزكوات وتحريم نكاح المرأة وعمتها وخالتها لم يعتبر وفاق العامة معهم وإن اشترك في معرفته الخاصة والعامة كأعداد الركعات وتحريم بنت البنت فهل يعتبر إجماع العوام معهم فيه وجهان أصحهما لا يعتبر لأن الإجماع إنما يصح عن نظر واجتهاد والثاني يعم لاشتراكهم في العلم به قال سليم الرازي إجماع الخاصة هل يحتاج معهم فيه إلى إجماع العامة ؟ فيه وجهان والصحيح أنه لا يحتاج فيه إليهم قال الجويني حكم المقلد حكم العامي في ذلك إذ لا واسطة بين المقلد والمجتهد ","part":1,"page":133},{"id":47,"text":" فرع إجماع العوام عند خلو الزمان عن مجتهد عند من قال بجواز خلوه عنه هل يكون حجة أم لا \r\n فالقائلون باعتبارهم في إجماع مع وجود المجتهدين يقولون بأن إجماعهم حجة والقائلون بعدم اعتبارهم لا يقولون بأنه حجة وأما من قال بأن الزمان لا يخلو عن قائم بالحجة فلا يصح عنده هذا التقدير \r\n البحث الثامن عشر : الإجماع المعتبر في فنون العلم هو إجماع أهل ذلك الفن العارفين به دون من عداهم فالمعتبر في الإجماع في المسائل الفقهية قول جميع الفقهاء وفي المسائل الأصولية قول جميع الأصوليين وفي المسائل النحوية قول جميع النحويين ونحو ذلك ومن عدا أهل ذلك الفن هو في حكم العوام فمن اعتبرهم في الإجماع اعتبر غير أهل الفن ومن لا فلا وخالف في ذلك ابن جني فقال في كتاب الخصائص إنه لا حجة في إجماع النحاة قال الزركشي في البحر ولا خلاف في اعتبار قول المتكلم في الكلام والأصولي في الأصول وكل واحد يعتبر قوله إذا كان من أهل الاجتهاد في ذلك الفن وأما الأصولي الماهر المتصرف في الفقه ففي اعتبار خلافه في الفقه وجهان حكاهما الماوردي وذهب القاضي إلى أن خلافه معتبر قال الجويني وهو الحق وذهب معظم الأصوليين منهم أبو الحسن ابن القطان إلى أن خلافه لا يعتبر لأنه ليس من المفتين ولو وقعت له واقعة لزم أن يستفتي المفتي فيها قال الكيا والحق قول الجمهور لأأن من أحكم الأصوليين فهو مجتهد فيهما قال الصيرفي في كتاب الدلائل إجماع العلماء لا مدخل لغيرهم فيه سواء المتكلم وغيره وهم الذين تلقنوا العلم من الصحابة وإن اختلفت آراؤهم وهم القائمون بعلم الفقه وأما من انفرد بالكلام لم يدخل في جملة العلماء فلا يعد خلافا على من ليس مثله وإن كانوا حذاقا بدقائق الكلام \r\n البحث التاسع عشر : إذا خالف أهل الإجماع واحد من المجتهدين فقط فذهب الجمهور إلى أنه لا يكون إجماعا ولا حجة قال الصيرفي ولا يقال لهذا شاذ لأن الشاذ من كان في الجملة ثم شذ كيف يكون محجوبا بهم ولا يقع اسم الإجماع إلا به قال إلا أن يجمعوا على شيء من جهة الحكاية فيلزمه قبول قولهم أما من جهة الاجتهاد فلا لأن الحق قد يكون معه وقال الغزالي والمذهب انعقاد إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل ونقله الآمدي عن محمد بن جرير الطبري وأبي الحسين الخياط من معتزلة بغداد قال الشيخ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين والشرط أن يجمع جمهور تلك الطبقة ووجوههم ومعظمهم ولسنا نشترط قول جميعهم وكيف نشترط ذلك وربما يكون في أقطار الأرض من المجتهدين من لم نسمع به فإن السلف الصالح كانوا يعلمون ويتسترون بالعلم فربما كان الرجل قد أخذ الفقه الكثير ولا يعلم به جاره قال والدليل على هذا أن الصحابة لما استخلفوا أبا بكر انعقدت خلافته بإجماع الحاضرين ومعلوم أن من الصحابة من غاب قبل وفاة النبي صضص إلى بعض البلدان ومن حاضري المدينة من لم يحضر البيعة ولم يعتبر ذلك مع اتفاق الأكثرين قال الصفي الهندي والقائلون بأنه إجماع مرادهم أنه ظني لا قطعي واحتج ابن جرير على عدم اعتبار قول الأقل بارتكابه الشذوذ المنهي عنه وأجيب بأن الشذوذ المنهي عنه هو ما يشق عصا المسلمين لا في أحكام الاجتهاد وقال الأستاذ أبو إسحاق أن ابن جرير قد شذ عن الجماعة في هذه المسألة فينبغي أن لا يعتبر خلافه وقيل إنه حجة وليس بإجماع ورجحه ابن الحاجب فإنه قال لو قدر المخالف مع كثرة المجمعين لم يكن إجماعا قطعيا والظاهر أنه حجة لبعد أن يكون المرجح متمسك المخالف وقيل إن عدد الأقل أن بلغ عدد التواتر لم ينعقد إجماع غيرهم وإن كانوا دون عدد التواتر انعقد الإجماع دونهم كذا حكاه الآمدي قال القاضي أبو بكر أنه الذي يصح عن ابن جرير وقيل أتباع الأكثر أولى ويجوز خلافه حكاه الهندي وقيل أنه لا ينعقد إجماع مع مخالفة الاثنين الواحد حكاهما الزركشي في البحر وقيل إن استوعب الجماعة الاجتهاد فيما يخالفهم كان خلاف المجتهد معتدا بن كخلاف ابن عباس في العول وإن أنكروه لم يعتد بخلافه وبه قال أبو بكر الرازي أبو عبد الله الجرجاني من الحنفية قال شمس الأمة السرخسي إنه الصحيح \r\n البحث الموفى عشرين : الإجماع المنقول بطريق الآحاد حجة وبه قال الماوردي وإمام الحرمين والآمدي ونقل عن الجمهور اشتراط عدد التواتر وحكى الرازي في المحصول عن الأكثر أنه ليس بحجة فقال الإجماع المروي بطريق الآحاد حجة لأكثر الناس لأن ظن وجوب العمل به حاصل فوجب العمل به دفعا للضرر المظنون ولأن الإجماع نوع من الحجة فيجوز التمسك بمظنونه كما يجوز بمعلومه قياسا على السنة ولأنا بينا أن أصل الإجماع فائدة ظنية فكذا القول في تفاصيله انتهى وأما عدد أهل الإجماع فقيل لا يشترط بلوغهم عدد التواتر خلافا للقاضي ونقل ابن برهان عن معظم العلماء أنه يجوز انحطاط عددهم عقلا عن عدد التواتر وعن طوائف من المتكلمين أنه لا يجوز عقلا وعلى القول بالجواز فهل يكون إجماعهم حجة أم لا ؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه حجة وهو قول الأستاذ أبي إسحاق وقال إمام الحرمين الجويني يجوز ولكن لا يكون إجماعهم حجة المجمعين عند عدد التواتر ما دام التكليف بالشريعة باقيا ومنهم من زعم أن ذلك وإن كان يتصور لكن يقطع بأن ما ذهب إليه دون عدد التواتر ليس سبيل المؤمنين لأن إخبارهم عن إيمانهم لا يفيد القطع فلا تحرم مخالفته ومنهم من زعم أنه وإن أمكن أن يعلم إيمانهم بالقرائن لا يشترط ذلك فيه بل يكفي فيه الظهور لكن الإجماع إنما يكون حجة لكونه كاشفا عن دليل قاطع وهو يوجب كونه متواترا وإلا لم يكن قاطعا فيما يقوم مقام نقله متواترا وهو الحكم بمقتضاه يجب أن يكون صادرا عن عدد التواتر وإلا لم يقطع بوجوده قال الأستاذ وإذا لم يبق في العصر إلا مجتهد واحد فقوله حجة كإجماع ويجوز أن يقال للواحد أمة كما قال تعالى : { إن إبراهيم كان أمة } ونقله الصفي الهندي عن الأكثرين قال الزركشي في البحر وبه جزم ابن سريج في كتاب الودائع فقال وحقيقة الإجماع هو القول بالحق ولو من واحد فهو إجماع وكذا إن حصل من اثنين أو ثلاثة والحجة على أن الواحد إجماع ما اتفق عليه الناس في أبي بكر رضي الله عنه لما امتنعت بنو حنيفة من الزكاة فكانت مطالبة أبي بكر لها حقا عند الكل وما انفرد لمطالبتها غيره قال هذا كلامه وخلاف إمام الحرمين فيه أولى وهو الظاهر لأن الإجماع لا يكون إلا من اثنين فصاعدا ونقل ابن القطان عن أبي هريرة أنه حجة قال الكيا المسألة مبنية على تصور اشتمال العصر على المجتهد الواحد والصحيح تصوره وإذا قلنا به ففي انعقاد الإجماع بمجرد قوله خلاف وبه قال الأستاذ أبو إسحاق قال والذي حمله على ذلك أنه لم يكن لاختصاص الإجماع بمحل معنى يدل عليه فسوى بين العدد والفرد وأما المحققون سواء فإنهم يعبرون العدد ثم يقولون المعتبر عدد التواتر فإذا مستند الإجماع مستند إلى طرد العادة بتوبيخ من يخالف العصر الأول وهو يستدعي وفور عدد من الأولين وهذا لا يتحقق فيما إذا كان في العصر إلا مجتهد واحد فإنه لا يظهر فيه استيعاب مدارك الاجتهاد \r\n خاتمة \r\n قول القائل لا أعلم خلافا بين أهل العلم في كذا قال الصيرفي لا يكون إجماعا لجواز الاختلاف وكذا قال ابن حزم في الأحكام وقال في كتاب الإعراب أن الشافعي نص عليه في الرسالة وكذلك أحمد بن حنبل وقال ابن القطان قول القائل لا أعلم خلافا إن كان من أهل العلم فهو حجة وإن لم يكن من الذين كشفوا الإجماع والاختلاف فليس بحجة وقال الماوردي إذا قال : لا أعرف بينهم خلافا فإن لم يكن من أهل الاجتهاد وممن أحاط بالإجماع والاختلاف لم يثبت الإجماع بقوله وإن كان من أهل الاجتهاد فاختلف أصحابنا فأثبت الإجماع بقوله وإن كان من أهل الاجتهاد وزعم قوم أن العالم إذا قال لا أعلم خلافا فهو إجماع وهو قول فاسد قال ذلك محمد بن نصر المروزي فإنا لا نعلم أحدا منه لأقاويل أهل العلم ولكن فوق كل ذي علم عليم وقد قال الشافعي في زكاة البقر لا أعلم خلافا في أنه ليس في أقل من ثلاثين منها تبيع والخلاف في ذلك مشهور فإن قوما يرون الزكاة على خمس كزكاة الإبل وقال مالك في موطئه وقد ذكر الحكم برد اليمين وهذا مما لا خلاف فيه بين أحد من الناس ولا بلد من البلدان والخلاف فيه شهير وكان عثمان رضي الله عنه لا يرى رد اليمين ويقضي بالنكول وكذلك ابن عباس ومن التابعين الحكم وغيره وابن أبي ليلى وأبو حنيفة وأصحابه وهم كانوا القضاة في ذلك الوقت فإذا كان مثل من ذكرنا يخفي عليه الخلاف فما ظنك بغيره ؟ ","part":1,"page":134},{"id":48,"text":" المقصد الرابع في الأوامر والنواهي والعموم والخصوص والإطلاق والتقييد والإجمال والتبيين والظاهر والمؤول والمنطوق والمفهوم والناسخ والمنسوخ \r\n وسنجعل لكم من هذه بابا مستقلا إن شاء الله ففي الأوامر والنواهي بابان : \r\n الباب الأول \r\n في مباحث الأمر : \r\n والباب الثاني في مباحث النهي \r\n أما الباب الأول ففيه فصول وهي أحد عشر فصلا ","part":1,"page":138},{"id":49,"text":" الفصل الأول في تعريف لفظ الأمر \r\n قال في المحصول اتفقوا على أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص واختلفوا في كونه حقيقة في غيره فزعم بعض الفقهاء أنه حقيقة في الفعل أيضا والجمهور على أنه مجاز فيه وزعم أبو الحسين أنه مشترك بين القول المخصوص وبين الشيء وبين الصفة وبين الشأن والطريق والمختار أنه حقيقة في القول المخصوص فقط إنا أجمعنا على أنه حقيقة في القول المخصوص فوجب أن لا يكون حقيقة في غيره دفعا للاشتراك انتهى ويجاب عنه بأن مجرد الإجماع على كون أحد المعاني حقيقة لا ينفي حقيقة ما عداه والأولى أن يقال أن الذي سبق إلى الفهم من لفظ ألف ميم راء عند الإطلاق هو القول المخصوص والسبق إلى الفهم دليل الحقيقة والأصل عدم الاشتراك ولو كان مشتركا لتبادر إلى الفهم جميع ما هو مشترك فيه ولو كان متواطئا لم يفهم منه القول المخصوص على انفراده واستدلاله على أنه حقيقة في القول المخصوص بأنه لو كان حقيقة في الفعل لاطرد ويسمى الأكل أمرا والشرب أمرا ولكان يشتق للفاعل اسم الأمر وليس كذلك لأن من قام أو قعد لا يسمى آمرا وأيضا الأمر له لوازم ولم يوجد منها شيء في الفعل فوجب أن لا يكون الأمر حقيقة في الفعل وأيضا يصح نفي الأمر عن الفعل فيقال ما أمر به ولكن فعله وأجيب بمنع كون من شأن الحقيقة الاطراد وبمنع لزوم الاشتقاق في كل الحقائق وبمنع عدم وجود شيء من اللوازم في الفعل وبمنع تجويزهم لنفيه مطلقا واستدل القائلون بأنه حقيقة في الفعل بوجهين الأول : أن أهل اللغة يستعملون لفظ الأمر في الفعل وظاهر الاستعمال الحقيقة ومن ذلك قوله سبحانه { حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور } والمراد منه هنا العجائب التي أظهرها الله عز و جل وقوله { أتعجبين من أمر الله } أي من فعله وقوله { وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر } وقوله { تجري في البحر بأمره } وقوله { مسخرات بأمره } ومن ذلك قول الشاعر : \r\n ( لأمر ما يسود من يسود ) \r\n وقول العرب في أمثالها المضروبة « لأمر ما جدع قصير أنفه » والأصل في الإطلاق الحقيقة \r\n الوجه الثاني : أنه قد خولف بين جمع الأمر بمعنى القول فقيل في الأول أوامر وفي الثاني أمور والاشتقاق علامة الحقيقة وأجيب عن الأول بأنا لا نسلم استعمال اللفظ في الفعل من حيث أنه فعل أما قوله { حتى إذا جاء أمرنا } فلا مانع من أن يراد منه القول أو الشأن وإنما يطلق اسم الأمر على الفعل لعموم كونه شأنا لا لخصوص كونه فعلا وكذا الجواب عن الآية الثانية وأما قوله سبحانه { وما أمر فرعون برشيد } فلم لا يجوز أن يكون المراد هو القول بل الأظهر ذلك لما تقدم من قوله { فاتبعوا أمر فرعون } أي أطاعوه فيما أمرهم به سلمنا أنه ليس المراد القول فلم لا يجوز أن يكون المراد شأنه وطريقته وأما قوله { وما أمرنا إلا واحدة } فلم لا يجوز إجراؤه على الظاهر ويكون معناه أن من شأنه سبحانه أنه إذا أراد شيئا وقع كلمح بالبصر وأما قوله : { تجري في البحر بأمره } وقوله : { مسخرات بأمره } فلا يجوز حمل الأمر فيهما على الفعل لأن الجري والتسخير إنما حصل بقدرته لا بفعله فوجب حمله على الشأن والطريق وهكذا قول الشاعر المذكور والمثل المشهور وأما قولهم أن الأصل الحقيقة فمعارض بأن الأصل عدم الاشتراك وأجيب عن الوجه الثاني بأنه يجوز أن يكون الأمور جمع الأمر بمعنى الشأن لا بمعنى الفعل سلمنا لكن لا نسلم أن الجمع من علامات الحقيقة واستدل أبو الحسين بقوله بأن من قال هذا أمر لم يدر السامع أي هذه الأمور أراد فإذا قال هذا أمر بالفعل أوامر فلان مستقيم أو تحرك هذا الجسم لأمر وجاء زيد لأمر عقل السامع من الأول القول ومن الثاني الشأن ومن الثالث أن الجسم تحرك لشيء ومن الرابع أن زيدا جاء لغرض من الأغراض وتوقف الذهن عند السماع يدل على أنه متردد بين الكل وأجيب بأن هذا التردد ممنوع بل لا يفهم ما عدا القول إلا بقرينة مانعة من حمل اللفظ عليه كما إذا استعمل في موضع لا يليق بالقول ","part":1,"page":138},{"id":50,"text":" الفصل الثاني : اختلف في حد الأمر بمعنى القول \r\n اختلف في حد الأمر بمعنى القول فقال القاضي أبو بكر وارتضاه جماعة من أهل الأصول أنه القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به قال في المحصول وهذا خطأ لوجهين أما أولا فلأن لفظي المأمور والمأمور به مشتقان من الأمر فيمتنع تعريفهما إلا بالأمر فلو عرفنا الأمر بهما لزم الدور وأما ثانيا فلأن الطاعة عند أصحابنا موافقة الأمر وعند المعتزلة موافقة الإرادة فالطاعة على قول أصحابنا لا يمكن تعريفها إلا بالأمر فلو عرفنا الأمر بها لزم الدور وقال أكثر المعتزلة في حده : إنه قول القائل لمن دونه إفعل أو ما يقوم مقامه قال في المحصول وهذا خطأ من وجوه \r\n الأول : أنا لو قدرنا أن الواضع ما وضع لفظه إفعل لشيء أصلا حتى كانت هذه اللفظة من المهملات ففي تلك الحالة لو تلفظ الإنسان بها مع دونه لا يقال فيه أنه أمر ولو أنها صدرت عن النائم أو الساهي أو على سبيل انطلاق اللسان بها إتفاقا أو على سبيل الحكاية يقال فيه أنه أمر ولو قدرنا أن الواضع وضع بإزاء معنى لفظ إفعل وبإزاء معنى لفظ فعل لكان المتكلم بلفظ فعل آمرا وبلفظ إفعل مخبرا فعلمنا أن تحديد ماهية الأمر بالصيغة المخصوصة باطل \r\n الوجه الثاني : أن تحديد ماهية الأمر من حيث هو أمر وهي حقيقة لا تختلف باختلاف اللغات فإن التركي قد يأمر وينهي وما ذكروه لا يتناول الألفاظ العربية فإن قلت قولنا أو ما يقوم مقامه احتراز عن هذين الإشكالين الذين ذكرتهما قلت قوله أو ما يقوم مقامه يعني به كونه قائما مقامه في الدلالة على كونه طلبا للفعل أو يعني به شيئا آخر فإن كان المراد هو الثاني فلا بد من بيانه وإن كان المراد هو الأول صار معنى حد الأمر هو قول القائل لمن دونه إفعل أو ما يقوم مقامه في الدلالة على طلب الفعل كافيا وحينئذ يقع التعرض بخصوص صيغة إفعل ضائعا \r\n الوجه الثالث : سنبين أن الرتبة غير معتبرة وإذا ثبت فساد هذين الحدثين فنقول الصحيح أن يقال الأمر طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء ومن الناس من لم يعتبر هذا القيد الأخير انتهى ولا يخفاك أن ما أجاب به من هذه الوجوه الثلاثة لا يرد على ذلك الحد أما الوجه الأول فتقدير الإهمال أو الصدور لا عن قصد ليس مما يقتضي النقض به لخروجه عن الكلام المعتبر عند أهل اللغة وأما النقض بغير لغة العرب فغير وارد فإن مراد من حد الأمر بذلك الحد ليس إلا باعتبار ما يقتضيه لغة العرب لا غيرها وأما عدم اعتبار الرتبة فمصادرة على المطلوب ويرد على الحد الذي ارتضاه آخرا وقال إنه الصحيح النهي فإن طلب الفعل بالقول لأن الكف فعل ويرد على قيد الاستعلاء قوله تعالى حكاية عن فرعون { ماذا تأمرون } والأصل الحقيقة وقد أورد على الحد الذي ذكرته المعتزلة أنه يرد على طرده قول لقائل لمن دونه إفعل إذا صدر عن مبلغ لأمر الغير أو حاك له ويرد على عكسه إفعل إذا صدر من الأدنى على سبيل الاستعلاء ولذلك يذم بأنه أمر من هو أعلى منه وأجيب عن الإيراد الأول بأن المراد قول إفعل مرادا به ما يتبادر منه عند الإطلاق وعن الثاني بأنه ليس قولا لغيره إفعل وعن الثالث بمنع كونه أمرا عندهم واعترض عليه بأنه تعريف الأمر بالأمر ولا يعرف الشيء بنفسه وإن أسقط هذا القيد بقي صيغة إفعل مجردة فيلزم تجرده مطلقا حتى عما يؤكد كقوله وأجيب عنه بأن المراد القرائن الصارفة عما يتبادر منها إلى الفهم عند إطلاقها وقيل في حده هو اقتضاء فعل غير كف على جهة الاستعلاء واعترض على عكسه بأكفف وانته واترك وذر فإنها أوامر لا يصدق عليها الحد لعدم اقتضاء الفعل غير الكف فيها واعترض على طرده بلا تترك ولا تنته ونحوهما فإنها نواة ويصدق عليها الحد وأجيب بأن المحدود هو النفسي فيلتزم أن معنى لا تترك معنى الأمر النفسي ومعنى اكفف وذر النهي فاطرد وانعكس وقيل في حده هو صيغة افعل بإرادات ثلاث وجود اللفظ ودلالتها على الأمر والامتثال واحترز بالأولى عن النائم إذ يصدر عنه صيغة إفعل من غير إرادة وجود اللفظ وبالثانية عن التهديد والتخيير والإكرام والإهانة ونحوها وبالثالثة عن الصيغة التي تصدر عن المبلغ والحاكي فإنه لا يريد الامتثال واعترض عليه بأنه إن أريد بالأمر المحدود المعنى النفسي أفسد الحد جنسه فإن المعنى ليس بصيغة وأجيب بأن المراد المحدود اللفظ وبما في الحد المعنى الذي هو الطالب واستعمل المشترك الذي هو لفظ الأمر في معنييه اللذين هما الصيغة المعلومة والطلب بالقرينة العقلية وقيل في حده أنه أراد العقل واعترض عليه بأنه غير جامع لثبوت الأمر ولا إرادة كما في أمر السيد لعبده بحضرة من توعد السيد على ضربه لعبده بالإهلاك إن ظهر أنه لا يخالف أمر سيده والسيد يدعي مخالفة العبد في أمره ليدفع عن نفسه الإهلاك فإنه يأمر عبده بحضرة المتوعد له ليعصيه ويشاهد المتوعد عصيانه ويخلص من الهلاك فهاهنا قد أمر وإلا لم يظهر عذره وهو مخالف الأمر ولا يريد منه العمل لا أنه لا يريد ما يفضي إلى هلاكه وإلا كان مريدا هلاك نفسه وإنه محال وأجيب عنه بأنه مثله يجيء في الطلب لأن العاقل لا يطلب ما يستلزم هلاكه وإلا كان طلبا لهلاكه ودفع بالمنع لجواز أن يطلب العاقل الهلاك لغرض إذا علم عدم وقوعه ورد هذا الدفع بأن ذلك إنما يصح في اللفظي أما النفسي فالطلب النفسي كالإرادة النفسية فلا يطلب الهلاك بقلبه كما لا يريده وقال الآمدي لو كان الأمر إرادة لوقعت المأمورات بمجرد الأمر لأن الإرادة صفة تخصص المقدور بوقت وجوده فوجودها فرع وجود مقدور مخصص والثاني باطل لأن إيمان الكفار المعلوم عدمه عند الله تعالى لا شك أنه مأمور به فيلزم أن يكون مرادا ويستلزم وجوده مع أنه محال وأجيب عن هذا بأن لا يلزم من حد الأمر بإرادة الفعل لأنه من المعتزلة والإرادة عندهم بالنسبة إليه سبحانه وتعالى ميل يتبع اعتقاد النفع أو دفع الضرر بالنسبة إليه سبحانه وتعالى العلم بما في الفعل من المصلحة إذا تقرر لك ما ذكرنا وعرفت ما فيه فاعلم أن الأولى بالأصول تعريف الأمر الصيفي لأن بحث هذا العلم عن الأدلة السمعية وهي الألفاظ الموصلة من حيث المعلوم بأحوالها من عموم وخصوص وغيرهما إلى قدرة إثبات الأحكام والأمر الصيغي في اصطلاح أهل العربية صيغته المعلومة سواء كانت على سبيل الاستعلاء أو لا وعند أهل اللغة في صيغته المعلومة المستعملة في الطلب الجازم مع الاستعلاء هذا باعتبار لفظ الأمر الذي هو ألف ميم را بخلاف فعل الأمر نحو اضرب فإنه لا يشترط فيه ما ذكر بل يصدق مع العلو وعدمه وعلى هذا أكثر أهل الأصول ولم يعتبر الأشعري قيد العلو وتابعه أكثر الشافعية واعتبر العلو المعتزلة جميعا إلا أبا الحسين منهم ووافقهم أبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ وابن السمعاني من الشافعية ","part":1,"page":140},{"id":51,"text":" الفصل الثالث اختلف أهل العلم في صيغة إفعل وما في معناه هل هي حقيقة في الوجوب \r\n اختلف أهل العلم في صيغة افعل وما في معناه هل هي حقيقة في الوجوب أو فيه مع غيره أو في غيره فذهب الجمهور إلى أنها حقيقة في الوجوب فقط وصححه ابن الحاجب والبيضاوي قال الرازي وهو الحق وذكر الجويني أنه مذهب الشافعي قيل وهو الذي أملاه الأشعري على أصحابه وقال أبو هاشم وعامة المعتزلة وجماعة من الفقهاء وهو رواية الشافعي أنها حقيقة الندب وقال الأشعري والقاضي بالوقف فقيل أنهما توقفا في أنه موضوع للوجوب والندب وقيل توقفا بأن قالا لا ندري بما هو حقيقة فيه أصلا وحكى السعد في التلويح عن الغزالي وجماعة من المحققين أنهم ذهبوا إلى الوقف في تعيين المعنى الموضوع له حقيقة وحكى أيضا عن ابن سريج الوقف في تعيين المعنى المراد عند الاستعمال لا في تعيين الموضوع له عنده لأنه موضوع عنده بالاشتراك للوجوب والندب والإباحة والتهديد وقيل أنها مشتركة بين الوجوب والندب اشتراكا لفظيا وهو قول الشافعي في رواية عنه وقيل إنها مشتركة اشتراكا لفظيا بين الوجوب والندب والإباحة وقيل إنها موضوعة للقدر المشترك بين الوجوب والندب وهو الطلب : أي ترجيح الفعل على الترك ونسبه شارح التحرير إلى أبي منصور الماتريدي ومشايخ سمرقند وقيل إنها للقدر المشترك بين الوجوب والندب والإباحة وهو الإذن برفع الحرج عن الفعل وبه قال المرتضى من الشيعة وقال جمهور الشيعة إنها مشتركة بين الثلاثة المذكورة والتهديد استدل القائلون بأنها حقيقة في الوجوب لغة وشرعا كما ذهب إليه الجمهور أو شرعا فقط كما ذهب إليه البلخي وأبو عبد الله البصري والجويني وأبو طالب بدليل العقل والنقل أما العقل فإنا نعلم من أهل اللغة قبل ورود الشرع أنهم أطبقوا على ذم عبد لم يمتثل أمر سيده وأنهم يصفونه بالعصيان ولا يذم ويوصف بالعصيان إلا من كان تاركا لواجب عليه وأما المنقول فقد تكرر استدلال السلف بهذه الصيغة مع تجردها عنه القرائن على الوجوب وشاع ذلك وذاع بلا نكير فأوجب العلم العادي باتفاقهم عليه واعترض بأن استدلالهم بها على الوجوب كان في صيغ من الأمر محتفة بقرائن الوجوب بدليل استدلالهم بكثير منها على الندب وأجيب بأن استدلالهم بما استدلوا منها على الندب إنما كان بقرائن صارفة عن المعنى الحقيقي وهو الوجوب معينة للمعنى المجازي وهو الندب علمنا ذلك باستقراء الواقع منهم في الصيغ المنسوب إليها الوجوب والصيغ المنسوب إليها الندب في الكتاب والسنة وعلمنا بالتتبع أن فهم الوجوب لا يحتاج إلى قرينة لتبادره إلى الذهن بخلاف فهم الندب فإنه يحتاج إليها واعترض على هذا الدليل أيضا بأنه استدلال بالدليل الظني في الأصول لأنه إجماع سكوتي مختلف في حجيته كما تقدم ولا يستدل بالأدلة الظنية في الأصول وأجيب بأنه لو سلم كون ذلك الدليل ظنيا لكفى في الأصول وإلا تعذر العمل بأكثر الظواهر لأنها لا تفيد إلا الظن والقطع لا سبيل إليه كما لا يخفى على من تتبع مسائل الأصول وأيضا نحن نقطع بتبادر الوجوب من الأوامر المجردة عن القرائن الصارفة وذلك يوجب القطع به لغة وشرعا واستدلوا أيضا بقوله تعالى لإبليس { ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك } وليس المراد منه الاستفهام بالاتفاق بل الذم وأنه لا عذر له في الإخلال بالسجود بعد ورود الأمر به له في ضمن قوله سبحانه للملائكة { اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس } فدل ذلك على أن معنى الأمر المجرد عن القرائن الوجوب ولو لم يكن دالا على الوجوب لما ذمه الله سبحانه وتعالى على الترك ولكان لإبليس أن يقول إنك ألزمتني السجود واستدلوا أيضا بقوله تعالى : { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون } فذمهم على ترك فعل ما قيل لهم افعلوه ولو كان الأمر يفيد الندب لما حسن هذا الكلام كما أنه لو قال لهم الأولى أن تفعلوا ويجوز لكم تركه فإنه ليس له أن يذمهم على تركه واعترض على هذا بأنه سبحانه وتعالى إنما ذمهم لأنهم لم يعتقدوا حقيقة الأمر لا لأنهم تركوا المأمور به والدليل عليه قوله { ويل يومئذ للمكذبين } وأيضا فصيغة إفعل قد تفيد الوجوب عند اقتران بعض القرائن بها فلعله سحانه وتعالى إنما ذمهم لأنه قد كان قد وجدت قرينة دالة على الوجوب وأجيب عن الاعتراض الأول بأن المكذبين في قوله { ويل يومئذ للمكذبين } إما أن يكونوا هم الذين تركوا الركوع لما قيل لهم اركعوا أو غيرهم فإن كان الأول جاز أن يستحقوا الذم بترك الركوع والويل بسبب التكذيب وإن يكن الثاني لم يكن إثبات الويل للإنسان بسبب التكذيب منافيا لثبوت الذم لإنسان آخر بسبب تركه للمأمور به وأجيب عن الاعتراض الثاني بأن الله سبحانه وتعالى إنما ذمهم لمجرد أنهم تركوا الركوع لما قيل لهم اركعوا فدل على أن منشأ الذم هذا القدر لا القرينة واستدلوا أيضا بقوله سبحانه وتعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره } أي يعرضون عنه بترك مقتضاه { أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } لأنه رتب على ترك مقتضى أمره إصابة الفتنة في الدنيا أو العذاب الأليم في الآخرة فأفادت الآية بما تقتضيه إضافة الجنس من العموم أن لفظ الأمر يفيد الوجوب شرعا مع تجرده عن القرائن إذ لولا ذلك لقبح التحذير واستدلوا أيضا بقوله تعالى : { أفعصيت أمري } أي تركت مقتضاه فدل على أن تارك المأمور به عاص وكل عاص متوعد وهو دليل الوجوب لهذه الآية ولقوله { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم } والأمر الذي أمره به هو قوله { اخلفني في قومي } وهو أمر مجرد عن القرائن واعترض على هذا بأن السياق لا يفيد ذلك وأجيب بمنع كونه لا يفيد ذلك واستدلوا أيضا بقوله سبحانه { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة } والقضاء بمعنى الحكم وأمرا مصدرا من غير لفظة أو حال أو تمييز ولا يصح أن يكون المراد بالقضاء ما هو المراد في قوله { فقضاهن سبع سماوات } لأن عطف الرسول عليه يمنع ذلك فتعين أن المراد الحكم والمراد من الأمر القول لا الفعل واستدلوا أيضا بقوله تعالى : { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } والمراد منه الأمر حقيقة وليس بمجاز عن سرعة الإيجاد كما قيل وعلى هذا يكون الوجود مرادا بهذا الأمر أي أراد الله أنه كلما وجد الأمر يوجد المأمور به فكذا في كل أمر من الله تعالى ومن رسول الله صضص واستدلوا أيضا بما صح عنه صضص من قوله [ لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ] وكلمة لولا تفيد انتفاء الشيء لوجود غيره فهاهنا تفيد انتفاء الأمر لوجود المشقة فهذا يدل على أنه لم يوجد الأمر بالسواك عند كل صلاة والإجماع قائم على أنه مندوب فلو كان المندوب مأمورا به لكان الأمر قائما عند كل صلاة فلما لم يوجد الأمر علمنا أن المندوب غير مأمور به واعترض على هذا الاستدلال بأنه لا يجوز أن يقال إن مراده لأمرتهم على وجه يقتضي الوجوب بقرائن تدل عليه لا مجرد الأمر ورد بأن كلمة لولا دخلت على الأمر فوجب أن لا يكون الأمر حاصلا والندب حاصل فوجب أن لا يكون الندب أمرا والإلزام التناقض والمراد مجرد الأمر واستدلوا أيضا بذلك فقال لا إنما أنا شافع فنفى صضص الأمر منه مع ثبوت الشفاعة الدالة علىالندب وذلك يدل على أن المندوب غير مأمور به وإذا كان كذلك وجب أن لا يتناول الأمر الندب واستدلوا أيضا بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يستدلون بالأوامر على الوجوب ولم يظهر مخالف منهم ولا من غيرهم في ذلك فكان إجماعا واستدلوا أيضا بأن لفظ افعل إما أن يكون حقيقة في الوجوب فقط أو في الندب فقط أو فيهما معا أو في غيرهما والأقسام الثلاثة الآخرة باطلة فتعين الأول لأنه لو كان للندب فقط لما كان الواجب مأمورا به فيمتنع أن يكون الأمر للندب فقط ولو كان لما لزم الجمع بين الراجح فعله مع جواز تركه وبين الراجح فعله مع المنع من تركه والجمع بينهما محال ولو كان حقيقة في غيرهما لزم أن يكون الواجب والمندوب غير مأمور بهما وأن يكون الأمر حقيقة فيما لا ترجح فيه وهو باطل ومعلوم أن الأمر يفيد رجحان الوجود على العدم وإذا كان كذلك وجب أن يكون مانعا من الترك واستدل القائلون بأنها حقيقة في الندب بما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة : قال سمعت رسول الله صضص يقول : [ ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فإنما هلك الذين من قبلكم من كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم ] فرد ذلك إلى مشيئتنا وهو معنى الندب وأجيب عن هذا بأنه دليل للقائلين بالوجوب لا للقائلين بالندب لأن ما لا نستطيعه لا يجب علينا وإنما يجب علينا ما نستطيعه والمندوب لا حرج في تركه مع الاستطاعة واحتجوا أيضا بأنه لا فرق بين قول القائل لعبده اسقني وبين قوله أريد أن تسقيني فليس إلا مجرد الإخبار بكونه مريدا للفعل وليس فيه طلب للفعل وهذا أشق ما احتجوا به مع كونه مدفوعا بما سمعت وقد احتجوا بغير ذلك مما لا يفيد شيئا واحتج القائلون بأن صيغة الأمر مشتركة بين الوجوب والندب أو بينهما وبين الإباحة اشتراكا لفظيا بأنه قد ثبت إطلاقها عليهما أو عليها والأصل في الإطلاق الحقيقة وأجيب بما تقدم من أن المجاز أولى من الاشتراك وأيضا كان يلزم أن تكون الصيغة حقيقة في جميع معاني الأمر التي سيأتي بيانها لأنه قد أطلق عليها ولو نادرا ولا قائل بذلك واحتج القائلون بأن الصيغة موضوعة لمطلق الطلب بأنه ثبت الرجحان في المندوب كما ثبت في الواجب وجعلها للوجوب بخصوصه لا دليل عليه وأجيب بأنه قد دل الدليل عليه كما تقدم في أدلة القائلين بالوجوب وأيضا ما ذكروه هو إثبات اللغة بلوازم الماهيات وذلك أنهم جعلوا الرجحان لازما للوجوب والندب وجعلوا صيغة الأمر لما بهذا الاعتبار واللغة لا تثبت بذلك واحتج القائلون بالوقف بأنه لو ثبت تعيين الصيغة لمعنى من المعاني لثبت بدليل ولا دليل وأجيب بأن الدليل قد دل على تعيينها باعتبار المعنى الحقيقي للوجوب كما قدمنا وإذا تقرر لك هذا عرفت أن الراجح ما ذهب إليه القائلون بأنها حقيقة في الوجوب فلا تكون لغيره من المعاني إلا بقرينة لما ذكرناه من الأدلة ومن أنكر استحقاق العبد المخالف لأمر سيده للذم وأنه يطلق عليه بمجرد هذه المخالفة اسم العصيان فهو مكابر ومباهت فهذا يقطع النزاع باعتبار العقل وأما باعتبار ما ورد في الشرع وما ورد من حمل أهله للصيغ المطلقة من الأوامر على الوجوب ففيما ذكرناه سابقا ما يغني عن التطويل ولم يأت من خالف هذا بشيء يعد به أصلا واعلم أن هذا النزاع إنما هو في المعنى الحقيقي للصيغة كما عرفت وأم مجرد استعمالها فقد تستعمل في معان كثيرة قال الرازي في المحصول : قال الأصوليون صيغة افعل مستعملة في خمسة عشر وجها للإيجاب كقوله { أقيموا الصلاة } وللندب كقوله { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } ويقرب من التأديب كقوله صضص لابن عباس : [ كل مما يليك ] فإن الأدب مندوب إليه وإن كان قد جعله بعضهم قسما مغايرا للمندوب وللإرشاد كقوله { فاستشهدوا } فاكتبوا والفرق بين الندب والإرشاد أن الندب لثواب الآخرة والإرشاد لمنافع الدنيا فإنه لا ينتقص الثواب بترك الاستشهاد في المداينات ولا يزيد بفعله وللإباحة ككلوا واشربوا وللتهديد كاعملوا ما شئتم { واستفزز من استطعت } ويقرب منه الإنذار كقوله { قل تمتعوا } وإن كان قد جعلوه قسما آخر وللامتنان { فكلوا مما رزقكم الله } وللإكرام { ادخلوها بسلام آمنين } وللتسخير { كونوا قردة } وللتعجيز { فاتوا بسورة من مثله } وللإهانة { ذق إنك أنت العزيز الكريم } وللتسوية { اصبروا أو لا تصبروا } وللدعاء { رب اغفر لي } وللتمني كقوله : - ألا أيها الليل الطويل ألا انجل - وللاحتقار { ألقوا ما أنتم ملقون } وللتكوين { كن فيكون } انتهى فهذه خمسة عشر معنى ومن جعل التأديب والإنذار معنيين مستقلين جعلها سبعة عشر معنى وجعل بعضهم من المعاني الأذن نحو { كلوا من الطيبات } والخبر نحو { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } والتفويض نحو { فاقض ما أنت قاض } والمشورة كقوله { فانظر ماذا ترى } والاعتبار نحو { انظروا إلى ثمره إذا أثمر } والتكذيب نحو { قل هاتوا برهانكم } والالتماس كقولك لنظيرك : افعل والتلهيف نحو { موتوا بغيظكم } والتصبير نحو { فذرهم يخوضوا ويلعبوا } فتكون جملة المعاني ستة وعشرين معنى ","part":1,"page":142},{"id":52,"text":" الفصل الرابع التكرار وعلاقته بصيغة الأمر \r\n ذهب جماعة من المحققين إلى أن صيغة الأمر باعتبار الهيئة الخاصة موضوعة لمطلق الطلب من غير إشعار بالوحدة والكثرة واختاره الحنفية والآمدي وابن الحاجب والجويني والبيضاوي : قال السبكي وأراه رأى أكثر أصحابنا يعني الشافعية واختاره أيضا المعتزلة وأبو الحسين البصري وأبو الحسن الكرخي قالوا جميعا إلا أنه لا يمكن تحصيل المأمور به بأقل من مرة فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور به لا أن الأمر يدل عليها بذاته وقال جماعة أن صيغة الأمر تقتضي المرة الواحدة لفظا وعزاه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائني إلى أكثر الشافعية وقال إنه مقتضى كلام الشافعي وإنه الصحيح الأشبه بمذاهب العلماء وبه قال أبو علي الجبائي وأبو هاشم وأبو عبد الله البصري وجماعة من قدماء الحنفية وقال جماعة أنها تدل على التكرار مدة العمر مع الإمكان وبه قال أبو إسحاق الشيرازي والأستاذ أبو إسحاق الإسفرائني وجماعة من الفقهاء والمتكلمين وإنما قيدوه بالإمكان لتخرج أوقات ضروريات الإنسان وقال الغزالي في المستصفى أن مرادهم من التكرار العموم قال أبو زرعة يحتمل أنهم أرادوا التكرار المستوعب لزمان العمر وهو كذلك عند القائل لكن بشرط الإمكان دون أزمنة قضاء الحاجة والنوم وضروريات الإنسان ويحتمل أنهم أرادوا ما ذهب إليه بعض الحنفية والشافعية من أن الصيغة المقتضية للتكرار هي المعلقة على شرط أو صفة وقيل إنها للمرة وتحتمل التكرار وهذا مروي عن الشافعي وقيل بالوقف واختلف في تفسير معنى هذا الوقف فقيل المراد منه لا ندري أوضع للمرة أو للتكرار أو للمطلق وقيل المراد منه لا يدري مراد المتكلم للاشتراك بينها وبه قال القاضي أبو بكر وجماعة وروي عن الجويني احتج الأولون بإطباق أهل العربية على هيئة الأمر لا دلالة لها إلا على الطلب في خصوص رمان وخصوص المطلوب من قيام وقعود وغيرهما إنما هو من المادة ولا دلالة لها إلا على مجرد الفعل فحصل من مجموع الهيئة والمادة أن تمام مدلول الصيغة هو طلب الفعل فقط والبراءة بالخروج عن عهدة الأمر تحصل بفعل المأمور به مرة واحدة لتحقق ما هو المطلوب بإدخاله في الوجود بها ولهذا يندفع ما احتج به من قال إنها للمرة حيث قال إن الامتثال يحصل بالمرة فيكون لها وذلك لأن حصوله بها لا يستدعي اعتبارها جزءا من مدلول الأمر لأن ذلك حاصل على تقدير الإطلاق كما عرفت واحتج الأولون أيضا بأن مدلول الصيغة طلب حقيقة الفعل والمرة والتكرار خارجان عن حقيقة فوجب أن يحصل الامتثال به في أيهما وجد ولا يتقيد بأحدهما واعترض على هذا بأنه استدلال بمحل النزاع فإن منهم من يقول هي الحقيقة المقيدة بالمرة ومنهم من يقول هي الحقيقة المقيدة بالتكرار واحتجوا أيضا بأن المرة والتكرار من صفات الفعل كالقلة الكثرة ولا دلالة للموصوف على الصفة المعينة منهما واعترض على هذا بأنه إنما يقتضي انتفاء دلالة المادة على المرة والتكرار والكلام في الصيغة هل هي تدل على شيء منهما أم لا ؟ واحتمال الصيغة لهما لا يمنع ظهور أحدهما والمدعي إنما هو للدلالة ظاهرا لا نصا احتج القائلون بالتكرار أن تكرر المطلوب في النهي فعم الأزمان فوجب التكرار في الأمر لأنهما طلب وأجيب بأن هذا قياس في اللغة وقد تقرر بطلانه وأجيب أيضا بالفرق بينهما لأن النهي لطلب الترك ولا يتحقق إلا بالترك في كل الأوقات والأمر لطلب الإتيان بالفعل وهو يتحقق بوجوه مرة واعترض على هذا بأنه مصادرة على المطلوب لأن كون إثباته يحصل بمرة هو عين النزاع إذ للمخالف أن يقول هو للتكرار لا للمرة وأجيب عن أصل التكرار بأنه يستلزم المنع من فعل غير المأمور به لأنه يستغرق جميع الأوقات ومن ضروريات البشر أنه يشغله شأن عن شأن آخر فيتعطل عما سواه مما هو مأمور به وعن مصالح دينه ودنياه بخلاف النهي فإن دوام الترك لا يشغله عن شيء من الأفعال واعترض على هذا بأن النزاع إنما هو في مدلول الصيغة هل تدل على التكرار أم لا ؟ وإرادة المتكلم التكرار لا تستلزم كون التكرار مدلولا للصيغة فيجوز أن يكون اللفظ دالا على التكرار لكن المتكلم لا تتعلق به إرادته واستدل القائلون بالتكرار أيضا بأن الأمر نهى عن أضداده وهي كل ما لا يجتمع مع المأمور به ومنها تركه وهو أي النهي يمنع من المنهي عنه دائما فيتكرر الأمر في المأمور به إذا لو لم يتكرر واكتفى بفعله مرة في وقت واحد لم يمنع من أضداده في سائر الأوقات وأجيب بأن تكرار النهي الذي تضمنه الأمر فرع تكرر الأمر فإثبات تكرر الأمر بتكرر النهي دور لتوقف كل من التكرارين على الآخر واحتج من قال بأنه يتكرر إذا كان معلقا على شرط أو صفة بأنه تكرر في نحو قوله { وإن كنتم جنبا فاطهروا } وأجيب بأن الشرط هنا علة فيتكرر المأمور به بتكررها اتفاقا ضرورة تكرر المعلول بتكرر علته والنزاع إنما هو دلالة الصيغة مجردة قال الرازي في المحصول أن صيغة افعل لطلب إدخال ماهية المصدر في الوجود فوجب أن لا تدل على التكرار بيان الأولى أن المسلمين أجمعوا على أن أوامر الله تعالى منها ما جاء على التكرار كما في قوله تعالى : { أقيموا الصلاة } ومنها ما جاء على غير التكرار كما في الحج وفي حق العباد أيضا قد لا يفيد التكرار فإن السيد إذا أمر عبده بدخول الدار أو بشراء اللحم لم يعقل منه التكرار ولو ذمه السيد على ترك التكرار للأمة العقلاء ولو كرر العبد الدخول حسن من السيد أن يلومه ويقول له إني أمرتك بالدخول وقد دخلت فيكفي ذلك وما أمرناك بتكرار الدخول وقد يفيد التكرار فإنه إذا قال احفظ دابتي فحفظها ثم أطلقها يذم إذا ثبت هذا فنقول الاشتراك والمجاز خلاف الأصل فلا بد من جعل اللفظ حقيقة في القدر المشترك بين الصورتين وما ذلك إلا طلب إدخال ماهية المصدر في الوجوه وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يدل على التكرار لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الصورتين المختلفتين لا دلالة فيه على ما به تمتاز إحدى الصورتين عن الأخرى لا بالوضع ولا بالاستلزام والأمر لا دلالة فيه ألبتة على التكرار ولا على المرة الواحدة بل على طلب الماهية من حيث هي هي إلا أنه لا يمكن إدخال تلك الماهية في الوجود بأقل من المرة الواحدة فصارت المرة الواحدة من ضروريات الإتيان بالمأمور به فلا جرم دل على المرة الواحدة من هذا الوجه ثم أطال الكلام استدلالا للمذهب الأول ودفعا لحجج المذاهب الآخرة مما قد تقدم حاصل معناه وإذا عرفت جميع ما حررناه تبين أن القول الأول هو الحق الذي لا محيص عنه وأنه لم يأت أهل الأقوال المخالفة له بشيء يعتد به هذا إذا كان الأمر مجردا عن التعليق بعلة أو صفة أو شرط أما إذا كان معلقا بشيء من هذه فإن كان معلقا على علة فقد وقع الإجماع على وجوب اتباع العلة وإثبات الحكم بثبوتها فإذا تكررت تكرر وليس التكرار مستفادا هاهنا من الأمر وإن كان معلقا على شرط أو صفة فقد ذهب كثير ممن قال أن الأمر لا يفيد التكرار إلى أنه مع هذا التعليق يقتضي التكرار لا من حيث الصيغة بل من حيث التعليق لها على ذلك الشرط أو الصفة إن كان في الشرط أو الصفة ما يقتضي ذلك وإلا فلا تكرار كقول السيد لعبده : اشتر اللحم إن دخلت السوق وقول الرجل لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق وكذا لو قال أعط الرجل العالم درهما أو أعط الرجل الفقير درهما والحال أنه لا دلالة للصيغة على التكرار إلا بقرينة تفيد وتدل عليه فإن حصلت حصل التكرار وإلا فلا فلا يتم استدلال المستدلين على التكرار بصورة خاصة اقتضى الشرع أو اللغة أن الأمر فيها يفيد التكرار لأن ذلك خارج عن محل النزاع وليس النزاع إلا في مجرد دلالة الصيغة مع عدم القرينة فالتطويل في مثل هذا المقام بذكر الصور التي ذكرها أهل الأصول لا يأتي بفائدة ","part":1,"page":147},{"id":53,"text":" الفصل الخامس : اختلف في الأمر هل يقتضي الفور أو لا \r\n اختلف في الأمر هل يقتضي الفور أم لا ؟ \r\n فالقائلون بأنه يقتضي التكرار يقولون بأنه يقتضي الفور لأنه يلزم القول بذلك مما لزمهم من استغراق الأوقات بالفعل المأمور على ما مر وأما من عداهم فيقولون المأمور به لا يخلو إما أن يكون مقيدا بوقت يفوت الأداء بفواته أو لا وعلى الثاني يكون لمجرد الطلب فيجوز التأخير على وجه لا يفوت المأمور به وهذا هو الصحيح عند الحنفية وعزي إلى الشافعي وأصحابه واختاره الرازي والآمدي وابن الحاجب والبيضاوي قال ابن برهان لم ينقل عن أبي حنيفة و الشافعي نص وإنما فروعهما تدل على ذلك قال في المحصول والحق أنه موضوع لطلب الفعل وهو القدر المشترك بين طلب الفعل على الفور وطلبه على التراخي من غير أن يكون في اللفظ إشعار بخصوص كونه فورا أو تراخيا انتهى وقيل أنه يقتضي الفور فيحب الإتيان به في أول أوقات الامكان للفعل المأمور به وعزى إلى المالكية والحنابلة وبعض الحنفية والشافعية وقال القاضي الأمر يوجب إما الفور أو العزم على الإتيان به في ثاني الحال وتوقف الجويني في أنه باعتبار اللغة للفور أو التراخي قال فيمتثل المأمور بكل من الفور والتراخي لعدم رجحان أحدهما على الاخر مع التوقف في إثمه بالتراخي لا بالفور لعدم احتمال وجوب التراخي وقيل بالوقف في الامتثال أي لا ندري هل يأثم إن بادر أو ان أخر لاحتمال وجوب التراخي استدل القائلون بالتكرار المستلزم لاقتضاء الفور بما تقدم في الفصل الذي قبل هذا وقد تقدم دفعه واحتج من قال بأنه في غير المقيد بوقت لمجرد الطلب بما تقدم أيضا من أن دلالته لا تزيد على مجرد الطلب بفور أو تراخي لا بحسب المادة ولا بحسب الصيغة لأن هيئة الأمر لا دلالة لها إلا على الطلب في خصوص زمان وخصوص المطلوب من المادة ولا دلالة لها إلا على مجرد الفعل فلزم أن تمام مدلول الصيغة طلب الفعل فقط وكونها دالة على الفور أو التراخي خارج عن مدلوله وإنما يفهم ذلك بالقرائن فلا بد من جعلها حقيقة للقدر المشترك بين القسمين دفعا للاشتراك والمجاز والموضوع لافادة القدر المشترك بين القسمين لا يكون فيه إشعار بخصوصية أحدهما على التعيين لأن تلك الخصوصية مغايرة لمسمى اللفظ وغير لازمة فثبت أن اللفظ لا إشعار له بخصوص كونه فورا ولا بخصوص كونه تراخيا واحتجوا أيضا بأنه يحسن من السيد أن يقول لعبده افعل الفعل الفلاني في الحال أو غدا ولو كان كونه فورا داخلا في لفظ افعل لكان الأول تكرارا والثاني نقضا وأنه غير جائز واحتجوا أيضا بأن أهل اللغة قالوا لا فرق بين قولنا تفعل وبين قولنا افعل إلا أن الأول خبر والثاني إنشاء لكن قولنا تفعل لا إشعار له بشيء من الأوقات فإنه يكفي في صدقه الإتيان به في أي وقت كان فكذلك الأمر وإلا لكان بينهما فرق سوى كون أحدهما خبرا والثاني إنشاء واحتج القائلون بالفور بأن مخبر بكلام خبري كزيد قائم ومنشىء كبعت وطالق يقصد الحاضر عند الإطلاق عن القرائن حتى يكون موجودا للبيع والطلاق بما ذكر فكذا الأمر والجامع بينه وبين الخبر كون كل منهما من أقسام الكلام وبينه وبين سائر الإنشاآت التي يقصد بها الحاضر كون كل منها إنشاء وأجيب بأن ذلك قياس في اللغة لأنهم قاسوا الأمر في أفادته الفور على الخبر والانشاء للجامع المذكور وهو مع اتحاد الحكم غير جائز فكيف مع اختلافه فإنه في الخبر والانشاء تعين الزمان الحاضر للمظروفية ويمتنع ذلك في الأمر لأن الحاصل لا يطلب واحتجوا ثانيا بأن النهي يفيد الفور فكذا الأمر والجامع بينهما كونهما طلبا وأجيب بأنه قياس في اللغة وقد تقدم بطلانه وأيضا الفور في النهي ضروري لأن المطلوب الترك مستمرا على ما مر بخلاف الأمر وأيضا المطلوب بالنهي هو الامتثال لأنه يفيد الفور فالمراد أن الفور ضروري في الامتثال للنهي واحتجوا ثالثا بأن الأمر نهي عن الأضداد والنهي للفور فيلزم أن يكون الأمر للفور وأجيب بما تقدم من الدفع بمثل هذا في الفصل الذي قبل هذا واحتجوا رابعا بأن الله ذم إبليس على عدم الفور بقوله { ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك } حيث قال { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا } فدل على أن للفور وإلا لما استحق الذم لأنه لم يتضيق عليه وقته وأجيب عن هذا بأن ذلك حكاية حال فلعله كان مقرونا بما يدل على الفور ولا يخفى ما في هذا الجواب من الضعف فإنه لو كان مجرد التجويز مسوغا لدفع الأدلة لم يبق دليل إلا وقيل فيه مثل ذلك وأجيب أيضا بأن هذا الأمر لإبليس مقيد بوقت وهو وقت نفخ الروح في آدم بدليل قوله { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } فذم إبليس على تركه الامتثال للأمر في ذلك الوقت المعين واحتجوا خامسا بقوله سبحانه وتعالى : { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } وقوله { فاستبقوا الخيرات } وأجيب بأن هاتين الآيتين لو دلتا على وجوب الفور لما فيهما من الأمر بالمسارعة والاستباق لم يلزم منه دلالة نفس الأمر على الفور واحتجوا سادسا بأنه لو جاز التأخير لجاز إما ألى بدل أو غير بدل والقسمان باطلان فالقول بجواز التأخير باطل أما فساد القسم الأول فهو أن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل من كل الوجوه فإذا أتى بهذا البدل وجب أن يسقط عنه التكليف وبالانفاق ليس كذلك وأما فساد القسم الثاني فذلك يمنع من كونه واجبا لأنه يفهم من قولنا ليس بواجب إلا أنه يجوز تركه إلى غير بدل وأجيب باختيار الشق الأول ويقوم البدل مقام المبدل في ذلك الوقت لا في كل الأوقات فلا يلزم من الإتيان بالبدل سقوط الأمر بالمبدل ورد بأنه إذا كان مقتضى الأمر الإتيان بتلك الماهية مرة واحدة في أي وقت كان فهذا البدل قائم مقامه في هذا المعنى فقد حصل ما هو المقصود من الأمر بتمامه فوجب سقوط الأمر بالكلية وإنما يتم ما ذكروه من الجواب بتقدير اقتضاء الأمر للتكرار وهو باطل كما تقدم واحتجوا سابعا بأنه لو جاز التأخير لوجب أن يكون إلى وقت معين أو إلى آخر أزمنة الامكان والأول منتف لأن الكلام في غير الموقت والثاني تكليف ما لا يطلق لكونه غير معين عند المكلف والتكليف بإيقاع الفعل في وقت مجهول تكليف بما لا يطاق وأجيب بالنقض الاجمالس والنقض التفصيلي أما الاجمالي فلجواز التصريح بالإطلاق بأن يقول الشارع إفعل ولك التأجير فإنه جائز إجماعا بإيجاب التأخير إلى آخر أزمنة الإمكان أم جواز التأخير إلى وقت يعينه المكلف فلا يلزم منه تكليف ما لا يطاق لتمكنه من الامتثال في أي وقت أراد إيقاع الفعل فيه واحتج القاضي لما ذهب إليه أنه ثبت في خصال الكفارة بأنه لو أتى بإحداها أجزأ ولو أخل بها عصى وأن العزم يقوم مقام الفعل فلا يكون عاصيا إلا بتركهما وأجيب بأن الطاعة إنما هي بالفعل بخصوصه فهو مقتضى الأمر فوجوب العزم ليس مقتضاه واستدل الجويني على ما ذهب إليه من الوقف بأن الطلب متحقق والشك في جواز التأخير فوجب الفور ليخرج عن العهدة بيقين واعتراض عليه بأن هذا الاستدلال لا يلائم ما تقدم له من التوقف في كون الأمر للفور وأيضا وجوب المبادرة ينافي قوله المتقدم حيث قال أقطع بأن المكلف مهما أتى بالمأمور فهو موقع بحكم الصيغة للمطلوب واعتراض عليه أيضا بأن التأخير لا نسلم أنه مشكوك فيه بل التأخير جائز حقا لما تقدم من الأدلة فالحق قول من قال أنه لمطلق الطلب من غير تقييد بفور ولا تراخ ولا ينافي هذا اقتضاء بعض الأوامر للفور كقول القائل أسقني أطعمني فإنما ذلك من حيث أن مثل هذا الطلب يراد منه الفور فكان ذلك قرينة على إرادته به وليس النزاع في مثل هذا إنما النزاع في الأوامر المجردة عن الدلالة على خصوص الفور أو التراخي كما عرفت ","part":1,"page":150},{"id":54,"text":" الفصل السادس في الأمر المعين \r\n ذهب الجمهور من أهل الأصول ومن الحنفية والشافعية والمحدثين إلى أن الشيء المعين إذا أمر به كان ذلك الأمر به نهيا عن الشيء المعين المضاد له سواء كان الضد واحدا كما إذا أمره بالإيمان فإنه يكون نهيا عن الكفر وإذا أمره بالحركة فإنه يكون نهيا عن السكون أو كان الضد متعددا كما إذا أمره بالقيام فإنه يكون نهيا عن القعود والاضطجاع والسجود وغير ذلك وقيل ليس نهيا عن الضد ولا يقتضيه عقلا واختاره الجويني والغزالي وابن الحاجب وقيل أنه نهي عن واحد من الأضداد غير معين وبه قال جماعة من الحنفية والشافعية والمحدثين ومن هؤلاء القائلين بأنه نهي عن الضد من عمم فقال أنه نهي عن الضد في الأمر الإيجابي والأمر الندبي ففي الأول نهي تحريم وفي الثاني نهي كراهة ومنهم من خصص ذلك بالأمر الإيجابي دون الندبي ومنهم أيضا من جعل النهي عن الشيء أمرا بضده كما جعل الأمر بالشيء نهيا عن ضده ومنهم من اقتصر على كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده وسكت عن النهي وهذا معزو إلى الأشعري ومتابعيه واتفق المعتزلة على أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده والنهي عن الشيء ليس أمرا بضده وذلك لنفيهم الكلام النفسي ومع اتفاقهم على هذا النفي أن نفي كون كل واحد منهما عينا لإثبات ضده أو نفيه اختلفوا هل يوجب كل من الصيغتين حكما في الضد أم لا فأبو هاشم ومتابعوه قالوا لا يوجب شيء منهما حكما في الضد بل الضد مسكوت عنه وأبو الحسين وعبد الجبار قالا الأمر يوجب حرمة الضد وفي عبارة أخرى عنهم يدل عليها وفي عبارة ثالثة عنهم يقتضيها وقال الرازي والقاضي أبو زيد وشمس الأئمة السرخسي وصدر الإسلام وأتباعهم من المتأخرين الأمر يقتضي كراهة الضد ولو كان إيجابا والنهي يقتضي كون الضد سنة مؤكدة ولو كان النهي تحريما وقال جماعة منهم صدر الإسلام وشمس الأئمة وغيرهما أن النزاع إنما هو في أمر الفور لا التراخي وفي الضد الوجودي المستلزم للترك لا في الترك قالوا وليس النزاع في لفظ الأمر والنهي بأن يقال للفظ الأمر نهي وللفظ نهي وللفظ النهي أمر للقطع بأن الأمر موضوع بصيغة افعل والنهي موضوع بصيغة لا تفعل وليس النزاع أيضا في مفهومها للقطع بأنهما متغايران بل النزاع في أن طلب الفعل الذي هو الأمر عين طلب ترك ضده الذي هو النهي وطلب الترك الذي هو النهي عين طلب فعل ضده الذي هو الأمر وهكذا حرروا محل النزاع وفائدة الخلاف في كون الأمر بالشيء نهيا عن ضده استحقاق العقاب بترك المأمور به فقط إذا قيل بأنه ليس نهيا عن ضده أو به وبفعل الضد إذا قيل بأنه نهى عن فعل الضد لأنه خالف أمرا ونهيا وعصى بهما وهكذا في النهي استدل القائلون بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده بأنه لو لم يكن الأمر بالشيء نهيا عن ضده لمكان إما مثله أو ضده أو خلافه واللازم باطل بأقسامه أما الملازمة فلأن كل متغايرين إما أن يتساويا في صفات النفس أو لا والمعنى بصفات النفس ما لا يحتاج الوصف به إلى تعقل أمر زائد عليه كالإنسانية للإنسان والحقيقة والوجود بخلاف الحدوث والتحيز فإن تساويا فيها فهما مثلان كسوادين أو بياضين وإلا فإما أن يتنافيا بأنفسهما أي يمتنع اجتماعهما في محل واحد بالنظر إلى ذاتيهما أولا فإن تنافيا بأنفسهما فضدان كالسواد والبياض وإلا فخلافان كالسواد والحلاوة وأما انتفاء اللازم بأقسامه فلأنهما لو كانا ضدين أو مثلين لم يجتمعا في محل واحد وهما يجتمعان إذ جواز الأمر بالشيء والنهي عن ضده معا ووقوعه ضروري ولو كانا خلافين لجاز اجتماع كل واحد منهما مع ضد الآخر ومع خلافه لأن الخلافين حكمهما كذلك كما يجتمع السواد وهو خلاف الحلاوة مع الحموضة ومع الرائحة فكان يجوز أن يجتمع الأمر بالشيء مع ضد النهي عن ضده وهو الأمر بضده وذلك محال لأنه يكون الأمر حينئذ طلب ذلك الشيء في وقت طلب فيه عدمه وأجيب بمنع كون لازم كل خلافين ذلك أي جواز اجتماع كل مع ضد الآخر لجواز تلازمهما الضد للآخر وحينئذ فالنهي جواز الانفكاك في المتغايرين كالجوهر مع العرض والعلة مع المعلول فلا يجامع أحد الخلافين على تقدير تلازمهما الضد الآخر وحينئذ فالنهي إذا ادعى كون الأمر إياه إذا كان طلب ترك ضد المأمور به اخترنا كونهما خلافين ولا يجب اجتماع النهي اللازم من الأمر مع ضد طلب المأمور به كما زعموا كالأمر بالصلاة والنهي عن الأكل فإنهما خلافان ولا يلزم من كونهما خلافين اجتماع الصلاة المأمور بها مع إباحة الأكل الذي هو ضد النهي عن الأكل واستدلوا أيضا بأن فعل السكون عين ترك الحركة وطلب فعل السكون طلب لترك الحركة وطلب تركها هي النهي وأجيب بأن النزاع على هذا يرجع لفظيا في تسمية فعل المأمور به تركا لضده وفي تسميته طلبه نهيا فإن كان ذلك باعتبار اللغة فلم يثبت فيها ما يفيده ذلك ورد بمنع كون النزاع لفظيا بل هو في وحدة الطلب القائم بالنفس بأن يكون طلب الفعل عين طلب ترك ضده وأجيب ثانيا بحصول القطع بطلب الفعل مع عدم خطور الضد وإنما يتم ما ذكروه من كون فعل السكون عين ترك الحركة فيما كان إحدهما ترك الآخر لا في الأضداد الوجودية فطلب ترك أحدهما لا يكون طلبا للمأمور به لأنه يتحقق تركه في ضمن ضد آخر واستدل القائلون بأن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده ولا نقيضه بأنه لو كان الأمر بالشيء عين النهي عن الضد ومستلزما له لزم تعقل الضد والقطع حاصل بتحقق الأمر بالشيء مع عدم خطور الضد على البال واعترض بأن الذي لا يخطر بالبال من الأضداد إنما هو الأضداد الجزئية وليست مرادة للقائل بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده بل المراد الضد العام وهو ما لا يجامع المأمور به وتعقله لازم للأمر والنهي إذا طلب الفعل موقوف على العلم بعدمه لانتفاء طلب الحاصل المعلوم حصوله والعلم بالعدم ملزوم للعلم بالضد الخاص والضد الخاص ملزوم للضد العام فلا بد من تعقل الضد العام في الأمر بالشيء وكذلك لا بد منه في النهي عن الشيء ولا يخفى ما في هذا الاعتراض من عدم التوارد فإن شرط التوارد الذي هو مدار الاعتراض كون مورد الإيجاب والسلب للمتخاصمين بحيث يكون قول كل منهما على طرف النقيض لقول الآخر والمستدل إنما نفى خطور الضد الخاص على الإطلاق فقول المعترض إن الذي لا يخطر هو الأضداد الجزئية موافقة معه فيها فلا تتحقق المناظرة بينهما باعتبار ذلك نعم يجاب عنه بأن مراد المعترض من ذلك بيان غلط المستدل من حيث أنه اشتبه عليه مراد القائل بأن الأمر بالشيء نهي عن الضد فزعم أن مراده الأضداد الجزئية وليس كذلك بل الضد العام ولا يصح نفي خطورة بالبال لما تقدم فحينئذ تنعقد المناظرة بينهما ويتحقق التوارد وأيضا هذا الاعتراض متناقض في نفسه فإن قول المعترض إن ما لا يخطر بالبال هو الأضداد الجزئية يناقض قوله إن العلم بعدم الفعل ملزوم العلم بالضد الخاص لأن الإيجاب الجزئي نقيض السلب الكلي عند اتحاد النسبة وأجيب بمنع توقف الأمر بالفعل على العمل بعدم التلبس بذلك الفعل في حال الأمر به لأن المطلوب مستقبل فلا حاجة للطالب إلى الالتفات إلى ما في الحال من وجود الفعل أو عدمه ولو سلم توقف الأمر بالفعل على العلم بعدم التلبس به فالكف عن الفعل المطلوب مشاهد محسوس فقد تحقق ما توقف عليه الأمر بالفعل من العلم بعدم التلبس به ولا يستلزم شهود الكف بالسكون عن الحركة اللازمة لمباشرة الفعل المأمور به ولو سلم لزوم تعقل الضد في الجملة فمجرد تعلقه ليس ملزوما لتعلق الطلب تركه الذي هو معنى النهي عن الضد لجواز الاكتفاء في الأمر بالشيء بمنع ترك الفعل المأمور به فترك المأمور به ضد له وقد تعقل حيث منع عنه لكنه فرق بين المنع عن الترك وبين طلب الكف عن الترك وتوضيحه أن الآمر بفعل غير مجوز تركه فقد يخطر بباله تركه من حيث إنه لا يجوزه ملحوظا بالتبع لا قصدا وبهذا الاعتبار يقال منع تركه ولا يقال طلب الكف عن تركه لأنه يحتاج إلى توجه قصدي واستدل القائلون بأن الأمر بالشيء يتضمن النهي عن ضده بأن أمر الإيجاب طلب فعل يذم بتركه فاستلزم النهي عن تركه وعما يحصل الترك به وهو الضد للمأمور به فاستلزم الأمر المذكور النهي عن ضده واعترض على هذا الدليل بأنه لو تم لزم تصور الكف عن الكف عن المأمور به لكل أمر إيجاب وتصور الكف عن الكف لازم لطلب الكف عن الكف واللازم باطل للقطع بطلب الفعل مع عدم خطور الكف عن الكف ولو سلم تصور الكف عن الكف منع كون الذم بالترك جزء الأمر الإيجابي أو لازم مفهومه لزوما عقليا واستلزام الأمر الإيجابي النهي عن تركه فرع كون الذم بالترك جزءا أو لازما وما قيل من أنه لو سلم أن الأمر بالشيء متضمن للنهي عن ضده لزم أن لا مباح إذ ترك المأمور به وضده يعم المباحات والمفروض أن الأمر يستلزم النهي عنها والمنهي منه لا يكون مباحا فغير لازم إذ المراد من الضد المنهي عنه الضد المفوت لأمر وليس كل ضد مفوتا ولا كل مقدر من المباحات ضدا مفوتا كخطوة في الصلاة وابتلاع ريقه وفتح عينه ونحو ذلك فإنها أمور مغايرة بالذات للصلاة وبهذا الاعتبار يطلق الضد للصلاة لكنها لا تفوت الصلاة وزاد القائلون بأن النهي عن الشيء يتضمن الأمر بضده كما أن الأمر بشيء يتضمن النهي عن ضده دليلا آخر فقالوا أن النهي طلب ترك فعل وتركه بفعل أحد أضداده فوجب أحد أضداده وهو الأمر لأن ما لا يحصل الواجب إلا به واجب ودفع بأنه يلزم كون كل من المعاصي المضادة واجبا كالزنا فإنه من حيث كونه تركا للواط لكونه ضدا له يكون واجبا ويكون اللواط من حيث كونه تركا للزنا واجبا ودفع أيضا بأنه يستلزم أن لا يوجد مباح لأن كل مباح ترك المحرم وضد له فإن قيل غاية ما يلزم وجوب أحد المباحات المضادة لا كلها فيقال أن وجوب أحد الأشياء لا على التعيين بحيث يحصل ما هو الواجب بأداء كل واحد منها ينافي الإباحة كما في خصال الكفارة ودفع أيضا بمنع وجوب ما لا يتم الواجب أو المحرم إلا به ورد بأنه لو لم يجب ما لا يتم الواجب أو المحرم إلا به لجاز تركه وذلك يستلزم جواز ترك المشروط في الواجب وجواز فعل المشروط في المحرم بدون شرطه الذي لا يتم إلا به واستدل المخصصون لأمر الإيجاب بأن استلزام الذم للترك للنفي إنما هو في أمر الوجوب واستدل القائل بأن الأمر يقتضي كراهة الضد ولو إيجابا والنهي يقتضي كون الضد سنة مؤكدة بمثل ما استدل به القائلون بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده إن كان واحد وإلا فعن الكل وإن النهي أمر بالضد المتحد وفي المتعدد بواحد غير معين ويجاب عنه بأن ذكر الكراهة في جاتب الأمر وذكر السنية في جانب النهي يوجب الاختلاف بينهم وإذا عرفت ما حررناه من الأدلة والردود بها فاعلم أن الأرجح في هذه المسألة أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده بالمعنى الأعم فإن اللازم بالمعنى الأعم هو أن يكون تصور الملزوم واللازم معا كافيا في الجزم باللزوم بخلاف اللازم بالمعنى الأخص فإن العلم بالملزوم هناك يستلزم العلم باللازم وهكذا النهي عن الشيء فإنه يستلزم الأمر بضده بالمعنى الأعم ","part":1,"page":153},{"id":55,"text":" الفصل السابع الاتيان بالمأمور به على وجهه والخلاف الواقع بين أهل الأصول هل يوجب الإجزاء أو لا \r\n إعلم أن الإتيان بالمأمور به على وجهه الذي أمر به الشارع قد وقع الخلاف فيه بين أهل الأصول هل يوجب الأجزاء أم لا ؟ وقد فسر الأجزاء بتفسيرين أحدهما حصول الإمتثال به والآخر سقوط القضاء به فعلى التفسير الأول أن الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي تحقق الإجزاء المفسر بالامتثال وذلك متفق عليه فإنه معنى الامتثال وحقيقته ذلك وإن فسر بسقوط القضاء فقد اختلف فيه جماعة من أهل الأصول أن الإتيان بالمأمور به على وجه يستلزم سقوط القضاء وقال القاضي عبد الجبار لا يستلزم استدل القائلون بالاستلزام بأنه لو لم يستلزم سقوط القضاء لم يعلم امتثال أبدا واللازم منتف فالملزوم مثله أما الملازمة فلأنه حينئذ يجوز أن يأتي بالمأمور به ولا يسقط عنه بل يجب عليه فعله مرة أخرى قضاء وكذلك القضاء إذا فعله لم يسقط كذلك وأما انتفاء اللازم فمعلوم قطعا واتفاقا ورأيا إن القضاء عبارة عن استدراك ما قد فات من مصلحة الأداء والفرض أنه قد جاء بالمأمور به على وجهه ولم يفت منه شيء وحصل المطلوب بتمامه فلو أتى به استدراكا لكان تحصيلا للحاصل قال في المحصول فعل المأمور به يقتضي الإجزاء خلافا لأبي هاشم وأتباعه لنا وجوه : \r\n الأول : أنه أتى بما أمر به فوجب أن يخرج عن العهدة وإنما قلنا إنه أتى بما أمر به لأن المسألة مرفوضة فيما إذا كان الأمر كذلك وإنما قلنا يلزم أن يخرج عن العهدة لأنه لو بقي الأمر بعد ذلك لبقي إما متناولا للمأتي أو لغيره والأول باطل لأن الحاصل لا يمكن تحصيله \r\n والثاني : باطل لأنه يلزم أن يكون الأمر قد كان متناولا لغيره ذلك الذي وقع مأتيا به ولو كان كذلك لما كان المأتي به تمام متعلق الأمر وقد فرضناه كذلك هذا خلف والثاني أنه لا يخلو إما يجب عليه فعله ثانيا وثالثا أو يتفصى عن عهدته بما ينطلق عليه الاسم والأول باطل لما بينا على أن الأمر يفيد التكرار والثاني هو المطلوب لأنه لا معنى للأجزاء إلا كونه كافيا في الخروج عن عهدة الأمر \r\n والثالث : أنه لو لم يقتض الأجزاء لكان يجوز أن يقول السيد لعبده إفعل فإذا فعلت لا يجزىء عنك لو قال ذلك أحد لعد مناقضا احتج المخالف بوجوه : \r\n الأول : أن النهي لا يدل على الفساد بمجرده فالأمر يجب أن لا يدل على الأجزاء بمجرده \r\n والثاني : أن كثيرا من العبادات يجب على الشارع فيها إتمامها والمضي فيها ولا تجزئه عن المأمور به كالحجة الفاسدة والصوم الذي جامع فيه \r\n والثالث : أن الأمر بالشيء لا يفيد إلا كونه مأمورا به فأما أن الإتيان به يكون سببا لسقوط التكليف فذاك لا يدل عليه بمجرد الأمر والجواب عن الأول أنا إن سلمنا أن النهي لا يدل على الفساد لكن الفرق بينه وبين الأمر أن نقول النهي يدل على منعه من فعله وذلك لا ينافي أن نقول إنك لو أتيت به لجعلته سببا لحكم آخر أما الأمر فلا دلالة فيه إلا على اقتضائه المأمور به مرة واحدة فإذا أتى به فقد أتى بتمام المقتضى فوجب أن لا يبقى الأمر بعد ذلك مقتضيا لشيء وعن الثاني أن تلك الأفعال مجزئة بالنسبة إلى الأمر الوارد بإتمامها وغير مجزئة بالنسبة إلى الأمر الأول لأن الأمر الأول اقتضى إيقاع المأمور به لا على حد الوجه الذي وقع به على وجه آخر وذلك الوجه لم يوجد وعن الثالث إن الإتيان بتمام المأمور به يوجب أن لا يبقى الأمر مقتضيا بعد ذلك وذلك هو المراد بالإجزاء ","part":1,"page":157},{"id":56,"text":" الفصل الثامن اختلفوا هل القضاء بأمر جديد أو بالأمر الأول \r\n اختلفوا هل القضاء بأمر جديد أو بالأمر الأول ؟ هذه المسألة لها صورتان : \r\n الصورة الأولى : الأمر المقيد كما إذا قال افعل في هذا الوقت فلم يفعل حتى مضى فالأمر الأول هل يقتضي إيقاع ذلك الفعل فيما بعد ذلك الوقت فقيل لا يقتضي لوجهين : \r\n الأول : أن قول القائل لغيره افعل هذا الفعل يوم الجمعة لا يتناول الأمر وإذا لم يتناوله لم يدل عليه بنفي ولا إثبات \r\n الثاني : أن أوامر الشرع تارة لا تستلزم وجوب القضاء كما في صلاة الجمعة وتارة تستلزمه ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال فلا يلزم القضاء إلا بأمر جديد وهو الحق وإليه ذهب الجمهور وذهب جماعة من الحنابلة والحنفية والمعتزلة إلى أن وجوب القضاء يستلزمه بالأداء في الزمان المعين لأن الزمان غير داخل في الأمر بالفعل ورد بأنه داخل لكونه من ضروريات الفعل المعين وقته وإلا لزم أن يجوز التقديم على ذلك الوقت المعين واللازم باطل فالملزوم مثله \r\n الصورة الثانية : الأمر المطلق وهو أن يقول افعل ولا يقيده بزمان معين فإذا لم يفعل المكلف ذلك في أول أوقات الإمكان فهل يجب فعله فيما بعد أو يحتاج إلى دليل فمن لم يقل بالفور يقول إن ذلك الأمر المطلق يقتضي الفعل مطلقا فلا يخرج المكلف عن العهدة إلا بفعله ومن قال بالفور قال إنه يقتضي الفعل بعد أول أوقات الإمكان وبه قال أبو بكر الرازي ومن القائلين بالفور من يقول إنه لا يقتضيه بل لا بد في ذلك من دليل زائد قال في المحصول ومنشأ الخلاف أن قول القائل لغيره افعل هل معناه افعل في الزمان الثاني ؟ فإن عصيت ففي الثالث فإن عصيت ففي الرابع ثم كذلك أبدا أو معناه في الثاني من غير بيان حال الزمان الثالث والرابع فإن قلنا بالأول اقتضى الأمر الأول الفعل في سائر الأزمان وإن قلنا بالثاني لم يقتضه والحق أن الأمر المطلق يقتضي الفعل من غير تقييد بزمان فلا يخرج المكلف عن عهدته إلا بفعله وهو أداء وإن طال التراخي لأن تعيين بعض أجزاء الوقت له لا دليل عليه واقتضاؤه الفور لا يستلزم أنه بعد أول أوقات الإمكان قضاء بل غاية ما يستلزمه أن يكون المكلف آثما بالتأخير عنه إلى وقت آخر وقد استدل للقائلين بأن الأمر المقيد بوقت معين لا يقتضي إيقاع ذلك الفعل في وقت آخر بأنه لو وجب القضاء بالأمر الأول لكان مقتضيا للقضاء واللازم باطل فالملزوم مثله أما الملازمة فبينة إذ الوجوب أخص من الاقتضاء وثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم وأما انتفاء اللازم فلأنا قاطعون بأن قول القائل صم يوم الخميس لا يقتضي يوم الجمعة بوجه من وجوه الاقتضاء ولا يتناوله أصلا واستدل لهم أيضا بأنه لو وجب القضاء بالأمر الأول لاقتضاه ولو اقتضاه لكان أداء فيكونان سواء فلا يأثم بالتأخير وأجيب عن بأن الأمر المقيد بوقت أمر بإيقاع الفعل في ذلك الوقت المعين فإذا فات قبل إيقاع الفعل فيه بقي الوجوب مع نقص فيه فكان إيقاعه فيما بعد قضاء ويرد هذا بمنع بقاء الوجوب بعد انقضاء الوقت المعين واستدل القائلون بأن القضاء بالأمر الأول بقولهم الوقت للمأمور به كالأجل للدين فكما أن الدين لا يسقط بترك تأديته في أجله المعين بل يجب القضاء فيما بعده فكذلك المأمور به إذا لم يفعل في وقته المعين ويجاب عن هذا بالفرق بينهما بالإجماع على عدم سقوط الدين إذا انقضى أجله ولم يقضه من هو عليه وبأن الدين يجوز تقديمه على أجله المعين بالإجماع واستدلوا محل النزاع فإنه لا يجوز تقديمه عليه بالإجماع واستدلوا أيضا بأنه لو وجب بأمر جديد لكان أداء لأنه أمر بفعله بعد ذلك الوقت المعين فكان كالأمر بفعله ابتداء ويجاب عنه بأنه لا بد في الأمر بالفعل بعد انقضاء ذلك الوقت من قرينة تدل على أنه يفعل استدراكا لما فات أما مع عدم القرينة الدالة على ذلك فما قالوه يلزم ولا يضرنا ولا ينفعهم ","part":1,"page":159},{"id":57,"text":" الفصل التاسع اختلفوا هل الأمر بالشيء أو بذلك الشيء أم لا \r\n اختلفوا هل الأمر بالشيء أو بذلك الشيء أم لا ؟ فذهب الجمهور إلى الثاني وذهب جماعة إلى الأول احتج الأولون بأنه لو كان الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء لكان قول القائل لسيد العبد مر عبدك ببيع ثوبي تعديا على صاحب العبد بالتصرف في عبده بغير إذنه ولكان قول صاحب الثوب بعد ذلك للعبد لا تبعه مناقضا لقوله للسيد مر عبدك ببيع ثوبي لورود الأمر والنهي على فعل واحد وقال السبكي إن لزوم التعدي ممنوع لأن التعدي هو أمر عبد الغير بغير أمر سيده فإن أمره للعبد متوقف على أمر سيده وليس بشيء لأن النزاع في أن قوله مر عبدك الخ هل هو أمر للعبد ببيع الثوب أم لا لا في أن السيد إذا أمر عبده بموجب مر عبدك هل يتحقق عند ذلك أمر للعبد من قبل القائل مر عبدك يجعل السيد سفيرا أو وكيلا وأما استدلالهم بما ذكروه من المناقضة فقد أجيب عنه بأنه المراد هنا منعه من البيع بعد طلبه منه وهو نسخ لطلبه منه واحتج الآخرون بأوامر الله سبحانه لرسوله صضص بأن يأمرنا فإنا مأمورون بتلك الأوامر وكذلك أمر الملك لوزيره بأن أمر فلانا بكذا فإن الملك هو الآمر بذلك المأمور لا الوزير وأجيب بأنه فهم ذلك في الصورتين من قرينة أن المأمور أولا هو رسول ومبلغ عن الله وأن الوزير هو مبلغ عن الملك لا من لفظ الأمر المتعلق بالمأمور الأول ومحل النزاع هو هذا أما لو قال قل لفلان افعل كذا فالأول آمر والثاني مبلغ بلا نزاع كذا نقل عن السبكي وابن الحاجب واختار السعد التسوية بينهما والأول أولى قال في المحصول فلو قال زيد لعمرو كل ما أوجب عليك زيد فهو واجب عليك فالأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء في هذه الصورة ولكنه بالحقيقة إنما جاء من قوله كل ما أوجب عليك فلانا فهو واجب أما لو لم يقل ذلك كما في قوله صضص : [ مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع ] فإن ذلك لا يقتضي الوجوب على الصبي انتهى وهذا الحديث ثابت في السنن ومما صلح مثالا لمحل النزاع ما ثبت في الصحيحين وغيرهما في قوله صضص لعمر وقد طلق ابنه عبد الله امرأته وهي حائض مرة فليراجعها وقيل إنه ليس بما يصلح مثالا لهذه المسألة لأنه قد صرح فيه بالأمر من الشارع بالمراجعة حيث قال فليراجعها بلام الأمر وإنما يكون مثالا لو قال مره بأن يراجعها والظاهر أنه من باب قل لفلان افعل كذا وقد تقدم الخلاف فيه ","part":1,"page":161},{"id":58,"text":" الفصل العاشر اختلفوا أهل الأمر بالماهية الكلية يقتضي الآمر بها أو بشيء من جزئياتها \r\n اختلفوا أهل الأمر بالماهية الكلية يقتضي الآمر بها أو بشيء من جزئياتها على التعيين أم هو أمر بفعل مطلق تصدق عليه الماهية ويخبر به عنها صدق الكلي على جزئياته من غير تعيين ؟ فذهب الجمهور إلى الثاني وقال بعض الشافعية بالأول احتج الأولون بأن الماهية الكلية يستحيل وجودها في الأعيان فلا تطلب وإلا امتنع الامتثال وهو خلاف الإجماع ووجه ذلك أنها لو وجدت في الأعيان لزم تعدها كلية في ضمن الجزئية فمن حيث أنها موجودة تكون شخصية جزئية ومن حيث إنها الماهية الكلية تكون كلية وأنه محال فمن قال لآخر بع هذا الثوب فإن هذا لا يكون أمر ببيعه بالغبن ولا بالثمن الزائد ولا بالثمن المساوي لأن هذه الأنواع مشتركة في مسمى البيع وتمييزه كل واحد منها بخصوص كونه بالغبن أو بالثمن الزائد أو المساوي وما به الاشتراك غير ما به الامتياز وغير مستلزم له فالأمر بالبيع الذي هو جهة الاشتراك لا يكون أمرا بما به يمتاز كل واحد من الأنواع عن الآخر بالذات ولا يالاستلزام وإذا كان كذلك فالأمر بالجنس لا يكون ألبتة أمرا بشيء من أنواعه لكن إذا دلت القرينة على إرادة بعض الأنواع حمل اللفظ عليه قال في المحصول وهذه قاعدة شريفة برهانية ينحل بها كثير من القواعد الفقهية إن شاء الله ومما يوضح المقام ويحصل به المرام من هذا الكلام ما ذكره أهل علم المعقول من أن الماهيات ثلاث \r\n الأول : الماهية لابشرط شيء من القيود ولا بشرط عدمها وهي التي يسميها أهل المنطق الماهية المطلقة ويسمونها الكلي الطبيعي والخلاف في وجودها في الخارج معروف والحق أن وجود الطبيعي بمعنى وجود أشخاصه \r\n والثانية : الماهية بشرط لا شيء : أي بشرط خلوها عن القيود ويسمونها الماهية المجردة ولا خلاف بينهم في أنها لا توجد في الخارج \r\n والثالثة : الماهية بشرط شيء من القيود ولا خلاف في وجودها في الخارج \r\n وتحقيقه أن الماهية قد تؤخذ بشرط أن تكون مع بعض العوارض كالإنسان بقيد الوحدة فلا يصدق على المتعدد وبالعكس وكالمقيد بهذا الشخص فلا يصدق على فرد آخر وتسمى الماهية المخلوطة والماهية بشرط شيء ولا ارتياب في وجودها في الأعيان وقد تؤخذ بشرط التجرد عن جميع العوارض وتسمى المجردة والماهية بشرط لا شيء ولا خفاء في أنها لا توجد في الأعيان بل في الأذهان وقد تؤخذ لا بشرط أن تكون مقارنة أو مجردة بل مع تجويز أن يقارنها شيء من العوارض وأن لا يقارنها وتكون مقولا على المجموع حال المقارنة وهي الكلي الطبيعي والماهية لا بشرط شيء والحق وجودها في الأعيان لكن لا من حيث كونها جزءا من الجزئيات المحققة على ما هو رأي الأكثرين بل من حيث إنه يوجد شيء تصدق هي عليه وتكون عينه بحسب الخارج وإن تغايرا بحسب المفهوم وبمجموع ما ذكرناه يظهر لك بطلان قول من قال إن الأمر بالماهية الكلية يقتصر الأمر بها ولم يأتوا بدليل يدل على ذلك دلالة مقبولة ","part":1,"page":162},{"id":59,"text":" الفصل الحادي عشر اختلفوا إذا تعاقب أمران بمتماثلين هل يكون الثاني للتأكيد فيكون المطلوب الفعل مرة واحدة أو للتأسيس فيكون المطلوب الفعل مكررا \r\n اختلفوا إذا تعاقب أمران بمتماثلين هل يكون الثاني للتأكيد فيكون المطلوب الفعل مرة واحدة أو للتأسيس فيكون المطلوب الفعل مكررا وذلك نحو أن يقول صل ركعتين صل ركعتين فقال الجبائي وبعض الشافعية أنه للتأكيد وذهب الأكثر إلى أنه للتأسيس وقال أبو بكر الصيرفي بالوقف في كونه تأسيسا أو تأكيدا فكان الحمل على ما هو أكثر وإلحاق الأقل به أولى وبأن الأصل البراءة من التكليف المتكرر فلا يصار إليه مع الاحتمال ويجاب بمنع كون التأكيد أكثر في محل النزاع فإن دلالة كل لفظ على مدلول مستقل هو الأصل الظاهر وبمنع صحة الاستدلال بأصلية البراءة أو ظهورها فإن تكرار اللفظ يدل على مدلول كل واحد منهما أصلا وظاهرا لأن أصل كل كلام وظاهره الإفادة لا الإعادة وأيضا التأسيس أكثر والتأكيد أقل وهذا معلوم عند كل من يفهم لغة العرب وإذا تقرر لك رجحان هذا المذهب عرفت منه بطلان ما احتج به القائلون بالوقف من أنه قد تعارض الترجيح في التأسيس والتأكيد أما لو لم يكن الفعلان من نوع واحد فلا خلاف أن العمل بهما متوجه نحو صل ركعتين صم يوما وهكذا إذا كانا من نوع واحد ولكن قامت القرينة الدلالة على أن المراد التأكيد نحو صم اليوم صم اليوم ونحو صل ركعتين صل ركعتين فإن التقيد باليوم وتعريف الثاني يفيدان أن المراد بالثاني هو الأول وهكذا إذا اقتضت العادة أن المراد التأكيد نحو اسقني ماء وهكذا إذا كان التأكيد بحرف العطف نحو صل ركعتين وصل ركعتين لأن التكرير المفيد للتأكيد لم يعهد إيراده بحرف العطف وأقل الأحوال أن يكون قليلا والحمل على الأكثر أولى أما لو كان الثاني مع العطف معرفا بالظاهر التأكيد نحو صل ركعتين وصل الركعتين لأن دلالة اللام على إرادة التأكيد أقوى من دلالة حرف العطف على إرادة التأسيس ","part":1,"page":163},{"id":60,"text":" الباب الثاني في النواهي وفيه مباحث ثلاثة \r\n البحث الأول : اعلم أن النهي في اللغة معناه المنع يقال نهاه عن كذا أي منعه عنه ومنه سمي العقل نهية لأنه ينهى صاحبه عن الوقوع فيما يخالف الصواب ويمنعه عنه وهو في الاصطلاح القول الإنشائي الدال على طلب كف عن فعل على جهة الاستعلاء فخرج الأمر لأنه طلب فعل غير كف وخرج الالتماس والدعاء لأنه لا استعلاء فيهما وأورد على هذا الحد قول القائل كف بقيد عن كذا وأجيب بأنه يلتزم كونه من جملة أفراد النهي فلا يرد النقض به ولهذا قيل إن اختلافهما باختلاف الحيثيات والاعتبارات فقولنا كف عن الزنا باعتبار الإضافة إلى الكف أمر وإلى الزنا نهي وأوضح صيغ النهي لا تفعل كذا ونظائرها ويلحق بها اسم لا تفعل من أسماء الأفعال كمه فإن معناه لا تفعل وصه فإن معناه لا تتكلم وقد تقدم في حد الأمر ما إذا رجعت إليه عرفت ما يريد في هذا المقام من الكلام اعتراضا ودفعا \r\n البحث الثاني : اختلفوا في معنى النهي الحقيقي فذهب الجمهور إلى أن معناه الحقيقي هو التحريم وهو الحق ورد فيما عداه مجازا كما في قوله صضص [ لا تصلوا في مبارك الإبل ] فإنه للكراهة وكما في قوله تعالى : { ربنا لا تزغ قلوبنا } فإنه للدعاء وكما في قوله تعالى : { لا تسألوا عن أشياء } فإنه للإرشاد وكما في قول السيد لعبده الذي لم يمتثل أمره لا تمتثل أمري فإنه للتهديد وكما في قوله تعالى : { ولا تمدن عينيك } فإنه للتحقير وكما في قوله تعالى : { ولا تحسبن الله غافلا } فإنه لبيان العاقبة وكما في قوله تعالى : { لا تعتذروا اليوم } فإنه للتأييس وكما في قولك لمن يساويك لا تفعل فإنه للالتماس والحاصل أنه يرد مجازا لما ورد له الأمر كما تقدم ولا يخالف الأمر إلا في كونه يقتضي التكرار في جميع الأزمنة وفي كونه للفور فيجب ترك الفعل في الحال قيل ويخالف الأمر أيضا في كون تقدم الوجوب قرينة دالة على أنه للإباحة ونقل الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني الإجماع على أنه لا يكون تقدم الوجوب قرينة للإباحة وتوقف الجويني في نقل الإجماع ومجرد هذا التوقف لا يثبت له في نقل الأستاذ واحتج القائلون بأنه حقيقة في التحريم بأن العقل يفهم الحتم من الصيغة المجردة عن القرينة وذلك دليل الحقيقة واستدلوا أيضا باستدلال السلف بصيغة النهي المجردة عن التحريم وقيل أنه حقيقة في الكراهة واستدلوا على ذلك بأن النهي إنما يدل على مرجوحية المنهي عنه وهو لا يقتضي التحريم وأجيب بمنع ذلك بل السابق إلى الفهم عند التجرد هو التحريم وقيل مشترك بين التحريم والكراهة فلا يتعين أحدهما إلا بدليل وإلا كان جعله لأحدهما ترجيحا من غير مرجح وقالت الحنفية إنه يكون للتحريم إذا كان الدليل قطعيا ويكون للكراهة إذا كان الدليل ظنيا ورد بأن النزاع إنما هو في طلب الترك وهذا طلب قد يستفاد بقطعي فيكون قطعيا وقد يستفاد بظني فيكون ظنيا \r\n البحث الثالث : في اقتضاء النهي للفساد فذهب الجمهور إلى أنه إذا تعلق النهي بالفعل بأن طلب الكف عنه فإن كان لعينه أي لذات الفعل أو لجزئه وذلك بأن يكون منشأ النهي قبحا ذاتيا كان النهي مقتضيا للفساد المرادف للبطلان سواء كان ذلك الفعل حسيا كالزنا وشرب الخمر أو شرعيا كالصلاة والصوم والمراد عندهم أنه يقتضيه شرعا لا لغة وقيل إنه يقتضي الفساد لغة كما يقتضيه شرعا وقيل أن النهي لا يقتضي الفساد إلا في العبادات فقط دون المعاملات وبه قال أبو الحسين البصري والغزالي والرازي وابن الملاحي والرصاص واستدل الجمهور على اقتضائه للفساد شرعا بأن العلماء في جميع الأعصار لم يزالوا يستدلون به على الفساد في أبواب الربويات والأنكحة والبيوع وغيرها وأيضا لو لم يفسد لزم من نفيه حكمة يدل عليها النهي ومن ثبوته حكمة تدل عليها الصحة واللازم باطل لأن الحكمتين إن كانتا متساويتين تعارضتا وتساقطتا فكان فعله كلا فعل وامتنع النهي عنه لخلوه عن الحكمة وإن كانت حكمة النهي مرجوحة فأولى لفوات الزائد من مصلحة الصحة وهي مصلحة خالصة وإن كانت راجحة امتنعت الصحة لخلوه عن المصلحة أيضا بل لفوت قدر الرجحان من مصلحة النهي واستدلوا على عدم اقتضائه للفساد لغة بأن فساد الشيء عبارة عن سلب أحكامه وليس في لفظ النهي ما يدل عليه لغة قطعا واستدل القائلون بأنه يقتضيه لغة كما يقتضيه شرعا بأن العلماء لم يزالوا يستدلون به على الفساد وأجيب بأنهم إنما استدلوا به على الفساد لدلالة الشرع عليه لا لدلالة اللغة واستدلوا ثانيا بأن الأمر يقتضي الصحة لما تقدم والنهي نقيضه والنقيضان لا يجتمعان فيكون النهي مقتضيا للفساد وأجيب بأن الأمر يقتضي الصحة شرعا لا لغة فاقتضاء الأمر للصحة لغة ممنوع كما أن اقتضاء النهي للفساد لغة ممنوع واستدال القائلون بأنه لا يقتضي الفساد إلا في العبادات دون المعاملات بأن العبادات دون المعاملات بأن العبادات المنهى عنها لو صحت لكانت مأمورا بها ندبا لعموم أدلة مشروعية العبادات فيجتمع النقيضان لأن الأمر لطلب الفعل والنهي لطلب الترك وهو محال وأما عدم اقتضائه للفساد في غير العبادات فلأنه لو اقتضاه في غيرها لكان غسل النجاسة بماء مغصوب والذبح بسكين مغصوبة وطلاق البدعة والبيع في وقت النداء والوطء في زمن الحيض غير مستتبعة لآثارها من زوال النجاسة وحل الذبيحة وأحكام الطلاق والملك وأحكام الوطء واللازم باطل فالملزوم مثله وأجيب بمنع كون النهي في الأمور المذكورة لذات الشيء أو لجزئه بل لأمر خارج ولو سلم لكان عدم اقتضائها للفساد لدليل خارجي فلا يرد النقيض بها وذهب جماعة من الشافعية والحنفية والمعتزلة إلى أنه لا يقتضي الفساد لا لغة ولا شرعا لا في العبادات ولا في المعاملات قالوا لأنه لو دل على الفساد لغة أو شرعا لناقض التصريح بالصحة لغة أو شرعا باطل أما الملازمة فظاهرة وأما بطلان اللازم فلأن الشارع لو قال نهيتك عن الربا نهي تحريم ولو فعلت لكان البيع المنهى عنه موجبا للملك لصح من غير تناقض لا لغة ولا شرعا وأجيب بمنع الملازمة لأن التصريح بخلاف النهي قرينة صارفة له عن الظاهر ولم ندع إلا أن ظاهره الفساد فقط وذهبت الحنفية إلى ما لا تتوقف أن معرفته على الشرع كالزنا وشرب الخمر يكون النهي عنه لعينه ويقتضي الفساد إلا أن يقوم الدليل على أنه منهي عنه لوصفه أو المجاور له فيكون النهي حينئذ عنه لغيره فلا يقتضي الفساد كالنهي عن قربان الحائض وأما الفعل الشرعي وهو ما يتوقف معرفته على الشرع فالنهي عنه لغيره فلا يقتضي الفساد ولم يستدلوا على ذلك بدليل مقبول والحق أن كل مهي من غير فرق بين العبادات والمعاملات يقتضي تحريم المنهي عنه وفساده المرادف للبطلان اقتضاء شرعيا ولا يخرج من ذلك إلا ما قام الدليل على عدم اقتضائه لذلك فيكون هذا الدليل قرينة صارفة له من معناه الحقيقي إلى معناه المجازي ومما يستدل به على هذا ما ورد في الحديث المتفق عليه وهو قوله صضص [ كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد ] والمنهي عنه ليس عليه أمرنا فهو رد وما كان ردا أي مردودا كان باطلا وقد أجمع العلماء مع اختلاف أعصارهم على الاستدلال بالنواهي على أن المنهي عنه ليس من الشرع وأنه باطل لا يصح وهذا هو المراد بكون النهي مقتضيا للفساد وصح عنه صضص أنه قال : [ إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ] فأفاد وجوب اجتناب المنهي عنه وذلك هو المطلوب ودع عنك ما روعوا به من الرأي هذا إذا كان النهي عن الشيء لذاته أو لجزئه أما لو كان النهي عنه لوصفه وذلك نحو النهي عن عقد الربا لاشتماله على الزيادة فذهب الجمهور إلى أنه لا يدل على فساد المنهي عنه بل على فساد نفس الوصف واحتجوا لذلك بأن النهي عن الشيء لوصفه لو دل على فساد الأصل لناقض التصريح بالصحة كما مر وأيضا كان يلزم أن لا يعتبر طلاق الحائض ولا ذبح ملك الغير لحرمته إجماعا وذهب جماعة إلى أنه يقتضي فساد الأصل محتجيين بأن النهي ظاهر في الفساد من غير فرق بين كونه لذاته أو لصفاته وما قيل من جواز التصريح بالصحة فملتزم إن وقع ويكون دليلا على خلاف ما يقتضيه الظاهر وقد استدل أهل العلم على فساد صوم يوم العيد بالنهي الوارد عن صومه وليس ذلك لذاته ولا لجزئه لأنه صوم وهو مشروع بل لكونه صوما في يوم العيد وهو وصف لذات الصوم قال بعض المحققين من أهل الأصول أن النهي عن الشيء لوصفه هو أن ينهي عن الشيء مقيدا بصفة نحو لا تصل كذا ولا تبع كذا وحاصله ما ينهي عن وصفه لا ما يكون الوصف علة للنهي وأما النهي عن الشيء لغيره نحو النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة فقيل لا يقتضي الفساد لعدم مضادته لوجوب أصله لتغاير المتعلقين والظاهر أنه يضاد وجود أصله لأن التحريم هو إيقاع الصلاة في ذلك المكان كما صرح به الشافعي وأتباعه وجماعة من أهل العلم فهو كالنهي عن الصوم في يوم العيد لا فرق بينهما وأما الحنفية فيفرقون بين النهي عن الشيء لذاته ولجزئه ولوصف لازم ولوصف مجاور ويحكمون في بعض بالصحة وفي بعض بالفساد في الأصل أو في الوصف ولهم في ذلك فروق وتدقيقات لا تقوم بمثلها الحجة ثم النهي عن الشيء لذاته أو لجزئه الذي لا يتم إلا به يقتضي فساده في جميع الأحوال والأزمنة والنهي عنه للوصف الملازم يقتضي فساده ما دام ذلك الوصف والنهي عنه لوصف مفارق أو لأمر خارج يقتضي النهي عنه عند إيقاعه متصفا بذلك الوصف وعند إيقاعه في ذلك الأمر الخارج عنه لأن النهي عن إيقاعه مقيدا بهما يستلزم فساده ما داما قيدا له ","part":1,"page":165},{"id":61,"text":" في العموم وفيه ثلاثون مسألة المسألة الأولى : في حده \r\n وهو في اللغة شمول أمر لمتعدد سواء كان الأمر لفظا أو غيره ومنه قولهم عمهم الخير إذا شملهم وأحاط بهم وأما حده في الاصطلاح فقال في المحصول هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد كقوله الرجال فإنه مستغرق لجميع ما يصلح له ولا تدخل عليه النكرات كقولهم رجل لأنه يصلح لكل واحد من رجال الدنيا ولا يستغرقهم ولا التثنية ولا الجميع لأن لفظ رجلان ورجال يصلح لكل اثنين وثلاثة ولا يفيد أن الاستغراق ولا ألفاظ العدد كقولنا خمسة لأنه يصلح لكل خمسة ولا يستغرقه وقولنا بحسب وضع واحد احتراز عن اللفظ المشترك والذي له حقيقة ومجاز فإن عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معا انتهى وقد سبقه إلى بعض ما ذكره في هذا الحد أبو الحسين البصري فقال العام هو اللفظ المستغرق لما يصلح له ورد عليه المشترك إذا استغرق جميع أفراد معنى واحد واندفع الاعتراض عنه بزيادة قيد بوضع واحد ثم ورد عليه نحو عشرة ومائة ونحوهما لأنه يستغرق ما يصلح له من المتعدد الذي يفيده وهو معنى الاستغراق ودفع بمثل ما ذكره في في المحصول وقال أبو علي الطبري هو مساواة بعض ما تناوله لبعض واعترض عليه بلفظ التثنية فإن أحدهما مساو للآخر وليس بعام وقال القفال الشاشي أقل العموم شيئان كما أن الخصوص واحد وكأنه نظر إلى المعنى اللغوي وهو الشمول والشمول حاصل في التثنية وإلا فمن المعلوم أن التثنية لا تسمى عموما لا سيما إذا قلنا أقل الجمع ثلاثة فإذا سلب عن التثنية أقل الجمع فسلب العموم عنها أولى وقال المازري العموم عند أئمة الأصول هو القول المشتمل على شيئين فصاعدا والتثنية عندهم عموم لما يتصور فيها من معنى الجمع والشمول الذي لا يتصور في الواحد ولا يخفي ما يرد عليه وقال الغزالي هو اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدا واعترض عليه أنه ليس بجامع ولا مانع أما كونه ليس بجامع فلخروج لفظ المعدوم والمستحيل فإنه عام ومدلوله ليس بشيء وأيضا الموصولات مع صلاتها مع جملة العام وليست بلفظ واحد وأما أنه ليس بمانع فلأن مثنى يدخل في الحد مع أنه ليس بعام وكذلك قل جمع لمعهود وليس بعام وقد أجيب عن الأول بأن المعدوم والمستحيل شيء لغة وإن لم يكن شيئا في الاصطلاح وعن الثاني بأن الموصولات هي التي ثبت لها العموم والصلات مبينات لها وقال ابن فورك اشتهر من كلام الفقهاء أن العموم هو اللفظ المستغرق وليس كذلك لأن الاستغراق عموم ما دونه عموم وأقل العموم اثنان وقال ابن الحاجب أن العام هو ما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقا ضربة فقوله ما دل جنس وقوله على مسميات يخرج نحو زيد وقوله باعتبار أمر اشتركت فيه يخرج نحو عشرة فإن العشرة دلت على آحاد لا باعتبار أمر اشتركت فيه لأن آحاد العشرة أجزاء العشرة لا جزئياتها فلا يصدق على واحد واحد أنه عشرة وقوله مطلقا ليخرج المعهود فانه يدل على مسميات باعتبار ما اشتركت فيه مع قيد خصصه بالمعهودين وقوله ضربة أي دفعة واحدة ليخرج نحو رجل مما يدل على مفرداته بدلا لا شمولا ويرد عليه خروج نحو علماء البلد مما يضاف من العمومات إلى ما يخصصه مع أنه عام قصد به الاستغراق ووجه ورود ذلك عليه من حيث اعتباره في التعريف بقيد الإطلاق مع أن العام المضاف قد قيد بما أضيف هو إليه وأجيب بأن الذي اشتركت المسميات فيه هو علماء البلد مطلقا لا العالم وعالم البلد لم يتقيد بقيد وإنما قيد العلماء وورد عليه أيضا أنه قد اعتبر الأفراد في العام وعلماء البلد مركب وأجيب بأن العام إنما هو المضاف من حيث أنه مضاف إليه خارج وأورد عليه الجمع المنكر كرجال فإنه يدل على مسميات وهي آحاده باعتبار ما اشتركت فيه وهو مفهوم رجل مطلقا لعدم العهد وليس بعام عند من يشترط الاستغراق وقد أورد على المعتبرين للاستغراق في حد العام مطلقا مفردا كان أو جمعا أن دلالته على الفرد تضمينه إذ ليس الفرد مدلولا مطابقيا لأن المدلول المطابقي هو مجموع الأفراد المشتركة في المفهوم المعتبر فيه على ما صرحوا به ولا لازما ولا يمكن جعله أي الفرد مما يصدق عليه العام لصيرورته بمنزلة كلمة واحدة في الاصطلاح العلماء وليس مما يصدق على إفراده بدلا بل شمولا ولا يلزم من تعليقه بالكل تعليقه بكل جزئي وأجيب بأنه يلزم من تعليقه بالكل تعليقه بالجزء لزوما لغويا وأن ذلك مما يكفي في الرسوم وفيه نظر وإذا عرفت ما قيل في حد العام علمت أن أحسن الحدود المذكورة هو ما قدمنا عن صاحب المحصول لكن مع زيادة قيد دفعة فالعام هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد دفعة ","part":1,"page":169},{"id":62,"text":" المسألة الثانية : ذهب الجمهور إلى أن العموم من عوارض الألفاظ فإذا قيل هذا لفظ عام صدق على سبيل الحقيقة وقال القاضي أبو بكر إن العموم والخصوص يرجعان إلى الكلام ثم الكلام الحقيقي هو المعنى القائم دون الصيغ انتهى واختلف الأولون في اتصاف المعاني بالعموم بعد اتفاقهم على أنه حقيقة في الألفاظ فقال بعضهم أنها تتصف به حقيقة كما تتصف به الألفاظ وقال بعضهم أنها تتصف به مجازا وقال بعضهم أنها لا تتصف به لا حقيقة ولا مجازا احتج القائلون بأنه حقيقة فيهما بأن العموم حقيقة في شمول أمر لمتعدد فكما صح في الألفاظ باعتبار شمول لفظ لمعان متعدد بحسب الوضع صح في المعاني باعتبار شمول لفظ لمعان متعددة بحسب لا يتصور شمول أمر معنوي لأمور متعددة كعموم المطر الخصب ونحوهما وكذلك ما يتصوره الإنسان من المعاني الكلية فإنها شاملة لجزئياتها المتعددة الداخلة تحتها ولذلك يقول المنطقيون : العام ما لا يمنع تصوره وقوع الشركة فيه والخاص بخلافه وأجيب بأن العام شمول أمر لمتعدد وشمول المطر والخصب ونحوهما ليس كذلك إذا لموجود في مكان غير الموجود في المكان الآخر وإنما هو أفراد من المطر والخصب وأيضا ما ذكروه عن المنطقيين غير صحيح فانهم يطلقون ذلك على الكلي لا على العام : ورد بمنع كونه يعتبر في معنى العموم لغة هذا القيد بل يكفي الشمول سواء كان هناك أمر واحد أو لم يكن ومنشأ الخلاف هذا هو ما وقع من الخلاف في معنى العموم فمن قال معناه شمول أمر لمتعدد إلا الموجود الذهني شخصيته منع من إطلاقه حقيقة على المعاني فلا يقال هذا المعنى عام لأن الواحد بالشخص لا شمول ولا يتصف بالشمول لمتعدد إلا الموجود الذهني ووحدته ليست بشخصية فيكون عنده إطلاق العموم على المعاني مجازا لا حقيقة كما صرح به الرازي ومن فهم من اللغة أن الأمر الواحد الذي أضيف إليه الشمول في معنى العموم أعم من الشخصي ومن النوعي أجاز إطلاق العام على المعاني حقيقة وقيل إن محل النزاع إنما هو من صحة تخصيص المعنى العام كما يصح تخصيص اللفظ العام لا في اتصاف المعاني بالعموم وفيه بعد فإن نصوص هؤلاء المختلفين مصرحة بأن خلافهم في اتصاف المعاني بالعموم ","part":1,"page":170},{"id":63,"text":" المسألة الثالثة : هل يتصور العموم في الأحكام \r\n حتى يقال حكم قطع السارق عام أنكره القاضي وأثبته الجويني وابن القشيري وقال المازري الحق بناء هذه المسألة على أن الحكم يرجع إلى قول أو إلى وصف يرجع إلى الذات فإن قلنا بالثاني لم يتصور العموم لما تقدم في الأفعال وإن قلنا يرجع إلى قول فقوله سبحانه السارق يشمل كل سارق فنفس القطع فعل والأفعال لا عموم لها قال القاضي أبو عبد الله الصيمري الحنفي في كتابه مسائل الخلاف في أصول الفقه دعوى العموم في الأفعال لا تصح عند أصحابنا ودليلنا أن العموم ما اشتمل على أشياء متغايرة والفعل لا يقع إلا على درجة واحدة وقال الشيخ أبو إسحاق لا يصح العموم إلا في الألفاظ وأما في الأفعال فلا يصح لأنها تقع على صفة واحدة فإن عرفت صفته مثل قول الراوي جمع بين الصلاتين في السفر فهذا مقصور على السفر ومن الثاني قوله في السفر فلا يدري أنه كان طويلا أو قصيرا فيجب التوقف فيه ولا يدعي فيه العموم وقال ابن القشيري أطلق الأصوليون أن العموم والخصوص لا يتصور إلا في الأقوال ولا يدخل في الأفعال أعني في ذواتها فأما في أسمائها فقد يتحقق ولهذا لا نتحقق ادعاء العموم في أفعال النبي صضص قال شمس الأئمة السرخسي ذكر أبو بكر الجصاص أن العموم حقيقة في المعاني والأحكام كما هو في الأسماء والألفاظ وهو غلط فإن المذهب عندنا أنه لا يدخل المعاني حقيقة وإن كان يوصف به مجازا قال القاضي عبد الوهاب في الإفادة الجمهور على أنه لا يوصف بالعموم إلا القول فقط وذهب قوم من أهل العراق إلى أنه يصح ادعاؤه في المعاني والأحكام ومرادهم بذلك حمل الكلام على عموم الخطاب وإن لم يكن هناك صيغة كقوله { حرمت عليكم الميتة } فإنه لما لم يصح تناول التحريم لها عمها بتحريم جميع التصرفات من الأكل والبيع واللمس وسائر أنواع الأنتفاع وإن لم يكن للأحكام ذكر في التحريم بعموم ولا خصوص وكذلك قوله [ إنما الأعمال بالنيات ] عام في الأجزاء والكمال والذي يقوله أكثر الأصوليين والفقهاء واختصاصه بالقول وإن وصفهم الجور والعدل بأنه عام مجاز انتهى فعرفت بما ذكرناه وقوع الخلاف في اتصاف الأحكام بالعموم كما وقع الخلاف في اتصاف المعاني به ","part":1,"page":171},{"id":64,"text":" المسألة الرابعة : اعلم أن العام عمومه شمولي وعموم المطلق بدلي \r\n وبهذا يصح الفرق بينهما فمن أطلق على المطلق اسم العموم فهو باعتبار أن موارده غير منحصرة فصح إطلاق اسم العموم عليه باعتبار الحيثية والفرق بين عموم الشمول البدل أن عموم الشمول كلي يحكم فيه على كل فرد وعموم البدل كلي من حيث أنه لا يمنع تصور مفهومه من وقوع الشركة فيه ولكن لا يحكم فيه على كل فرد فرد بل على فرد شائع في أفراده يتناولها على سبيل البدل ولا يتناول أكثر من واحد منها دفعة قال في المحصول اللفظ الدال على الحقيقة من حيث هي هي من غير أن يكون فيها دلالة على شيء من قيود تلك الحقيقة سلبا كان ذلك القيد أو إيجابا فهو المطلق وأما اللفظ الدال على تلك الحقيقة مع قيد الكثرة فإن كانت الكثرة كثرة معينة بحيث لا تتناول ما يدل عليها فهو اسم العدد وإن لم تكن الكثرة كثرة معينة فهو العام وبهذا ظهر خطأ من قال المطلق هو الدال على واحد لا بعينه فإن كونه واحدا وغير معين قيدان زائدان على الماهية انتهى فيجعل في كلامه هذا معنى المطلق عن التقييد فلا يصدق إلا على الحقيقة من حيث هي هي وهو غير ما عليه الاصطلاح عند أهل هذا الفن وغيرهم كما عرفت مما قدمنا وقد تعرض بعض أهل العلم للفرق بين العموم والعام فقال العام هو اللفظ المتناول والعموم تناول اللفظ لما يصلح له فالعموم مصدر والعام فاعل مشتق من هو المصدر وهما متغايران لأن المصدر والفعل غير الفاعل قال الزركشي في البحر ومن هذا يظهر الإنكار على عبد الجبار وابن برهان وغيرهما في قولهم العموم اللفظ المستغرق فإن قيل أرادوا بالمصدر اسم الفاعل قلنا استعماله فيه مجاز ولا ضرورة لارتكابه مع إمكان الحقيقة وفرق القرافي بين الأعم والعام بأن الأعم إنما يستعمل في المعنى والعام في اللفظ فإذا قيل هذا أعم تبادر الذهن للمعنى وإذا قيل هذا عام تبادر الذهن للفظ ","part":1,"page":172},{"id":65,"text":" المسألة الخامسة : ذهب الجمهور إلى العموم له صيغة موضوعة له حقيقة \r\n وهي أسماء الشرط والاستفهام والموصلات والجموع المعرفة تعريف الجنس والمضافة واسم الجنس والنكرة والمنفية والمفردة والمحلي باللام ولفظ كل وجميع ونحوها وسنذكر إن شاء الله الاستدلال على عموم هذه الصيغ ونحوه ذكرا مفصلا قالوا لأن الحاجة ماسة إلى الألفاظ العامة لتعذر جمع الآحاد على المتكلم فوجب أن يكون لها ألفاظ موضوعة حقيقة لأن الغرض من وضع اللغة الإعلام والإفهام واحتجوا أيضا بأن السيد إذا قال لعبده لا تضرب أحدا فهم منه العموم حتى لو ضرب واحدا عد مخالفا والتبادر دليل الحقيقة والنكرة في النفي للعموم حقيقة فللعموم صيغة وأيضا لم يزل العلماء يستدلون بمثل { والسارق والسارقة فاقطعوا } و { الزانية والزاني فاجلدوا } وقد كان الصحابة يحتجون عند حدوث الحادثة عند الصيغ المذكورة على العموم ومنه ما ثبت عنه صضص لما سئل عن الحمر الأهلية فقال [ لم ينزل علي في شأنها إلا هذه الآية الجامعة { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } ] وما ثابت أيضا من احتجاج عمرو بن العاص لما أنكر عليه ترك الغسل من الجنابة والعدول إلى التيمم مع شدة البرد فقال سمعت الله يقول { ولا تقتلوا أنفسكم } فقرر ذلك رسول الله صضص وكم يعد العاد من مثل هذه المواد وما أجيب به عن ذلك بأنه إنما فهم بالقرائن جواب ساقط لا يلتفت إليه ولا يعول عليه وقال محمد ابن المنتاب من المالكية ومحمد بن شجاع البلخي من الحنفبة أنه ليس للعموم صيغة تخصه وأن ما ذكروه من الصيغ موضوع في الخصوص وهو أقل الجمع أما اثنان أو ثلاثة على الخلاف في أقل الجمع ولا يقتضي العموم إلا بقرينة قال القاضي في التقريب والإمام في البرهان يزعمون أن الصيغ الموضوعة للجمع نصوص في الجمع محتملات فيما عداه إذا لم تثبت قرينة تقتضي تعديها على أقل المراتب انتهى ولا يخفاك أن قولهم موضوع للخصوص مجرد دعوى ليس عليها دليل والحجة قائمة عليهم لغة وشرعا وعرفا وكل من يفهم لغة العرب واستعمالات الشرع لا يخفي عليه هذا وقال جماعة من المرجئة أن شيئا من الصيغ لا يقتضي بذاته ولا مع القرائن بل إنما يكون العموم عند إرادة المتكلم ونسب هذا إلى أبي الحسن الأشعري قال في البرهان نقل مصنفوا المقامات عن أبي الحسن الأشعري والواقفية أنهم لا يثبتون لمعنى العموم صيغة لفظية وهذا النقل على الإطلاق زلل فإن أحدا لا ينكر إمكان التعبير عن معنى الجمع بترديد ألفاظ تشعر به كقول القائل رأيت القوم واحدا واحدا لم يفتن منهم أحد وإنما كرر هذه الألفاظ لقطع توهم من يحسبه خصوصا إلى غير ذلك وإنما أنكر الواقفية لفظة واحدة مشعرة بمعنى الجمع انتهى ولا يخفاك أن هذا المذهب مدفوع بمثل ما دفع به الذي قبله وبزيادة على ذلك وهو أن إهمال القرائن المقتضية لكونه عاما شاملا عناد ومكابرة وقال قوم بالوقف ونقله القاضي في التقريب عن أبي الحسن ومتبعيه أن الصيغة وإن تقيدت بالقرائن فإنها لا تشعر بالجمع بل تبقى على التردد هذا وإن صح النقل فيه فهو مخصوص عندي بالتوابع المؤكدة لمعنى الجمع كقول القائل رأيت القوم أجمعين أكتعين أبصعين فلا يظن بذي عقل أن يتوقف فيها انتهى وقد اختلف الواقفية في محل الوقف على تسعة أقوال : \r\n الأول : وهو المشهور من مذهب أئمتهم القول به على الإطلاق من غير تفصيل \r\n الثاني : أن الوقف إنما هو في الوعد والوعيد دون الأمر والنهي حكاه أبو بكر الرازي عن الكرخي قال وربما ظن مذهب أبي حنيفة لأنه كان لا يقطع بوعيد أهل الكبائر من المسلمين ويجوز أن يغفر الله لهم في الآخرة \r\n الثالث : القول بصيغ العموم في الوعد والوعيد والتوقف فيما عدا ذلك وهو قول جمهور المرجئة \r\n الرابع : الوقف في الوعيد بالنسبة إلى عصاة هذه الأمة دون غيرها \r\n الخامس : الوقف في الوعيد دون الوعد قال القاضي وفرقوا بينهما بما يليق بالشطح والترهات دون الحقائق \r\n السادس : الفرق بين أن لا يسمع قبل اتصالها به شيئا من أدلة السمع وكانت وعدا ووعيدا فعلم أن المراد بها للعموم وإن كان قد سمع قبل اتصالها به أدلة الشرع وعلم انقسامها إلى العموم والخصوص فلا يعلم حينئذ العموم في الأخبار التي اتصلت به حكاه القاضي في مختصر التقريب \r\n السابع : الوقف في حق من لم يسمع خطاب الشرع عنه صضص وأما من سمع منه وعرف تصرفاته فلا وقف فيه كذا حكاه المازري \r\n الثامن : التفصيل بين أن يتقيد بضرب من التأكيد فيكون للعموم دون ما إذا لم يتقيد \r\n التاسع : إن لفظة المؤمن والكافر حيثما وقعت في الشرع أفادت العموم دون غيرها حكاه المازري عن بعض المتأخرين وقد علمت اندفاع مذهب الوقف على الإطلاق بعدم نوازن الأدلة التي تمسك بها المختلفون في العموم بل ليس بيد غير أهل المذهب الأول شيء مما يصح إطلاق اسم الدليل عليه فلا وجه للتوقف ولا مقتضى له والحاصل أن كون المذهب الأول هو الحق الذي لا سترة به ولا شبهة فيه ظاهر لكل من يفهم فهما صحيحا ويعقل الحجة ويعرف مقدارها في نفسها ويعرف مقدار ما يخالفها ","part":1,"page":173},{"id":66,"text":" المسألة السادسة : في الاستدلال على أن كل صيغة من تلك الصيغ للعموم \r\n وفيه فروع : \r\n الفرع الأول : في من وما وأين ومتى للاستفهام فهذه الصيغ إما أن تكون للعموم فقط أو للخصوص أو لهما على سبيل الاشتراك أو لا لواحد منهما والكل باطل إلا الأول أما أنه لا يجوز أن يقال أنها موضوعة للخصوص فقط فلأنه لو كان كذلك لما حسن من المجيب أن يجيب بذكر كل العقلاء لأن الجواب يجب أن يكون مطابقا للسؤال لكن لا نزاع في حسن ذلك وأما أنه لا يجوز أن يقال بالاشتراك فلأنه لو كان كذلك لما حسن الجواب إلا بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة مثلا إذا قال من عندك فلا بد أن تقول سألتني عن الرجال أو النساء فإذا قال عن الرجال فلا بد أن تقول سألتني عن العرب أو العجم فإذا قال عن العرب فلا بد أن تقول عن ربيعة أو مضر وهكذا إلى أن تأتي على جميع الأقسام الممكنة وذلك لأن اللفظ أما أن يقال أنه مشترك بين الاستغراق وبين مرتبة معينة في الخصوص أو بين الاستغراق وبين جميع المراتب الممكنة في الخصوص والأول باطل لأن أحدا لم يقل به والثاني يقتضي أن لا يحس من المجيب ذكر الجواب إلا بعد الاستفهام عن كل تلك الأقسام لأن الجواب لا بد أن يكون مطابقا للسؤال فإذا كان السؤال محتملا لأمور كثيرة فلو أجاب قبل أن يعرف ما عنه وقع السؤال لاحتمل أن لا يكون الجواب مطابقا للسؤال وذلك غير جائز فثبت أن لو صح الاشتراك لوجبت هذه الاستفهامات لكنها غير واجبة أما أولا فلأنه لا عام إلا وتحته عام آخر وإذا كان كذلك كانت التقسيمات الممكنة غير متناهية والسؤال عنها على سبيل التفصيل محال وأما ثانيا فإنا نعلم بالضرورة من عادة أهل اللسان أنهم يستقبحون مثل هذه الاستفهامات وأما أنه لا يجوز أن تكون هذه الصيغة غير موضوعة للعموم والخصوص فمتفق عليه فبطلت هذه الثلاثة ولم يبق إلا القسم الأول \r\n الفرع الثاني : في صيغة ما ومن في المجازاة فإنها للعموم ويدل عليه أن قول القائل من دخل داري فأكرمه لو كان مشتركا بين العموم والخصوص لما حسن من المخاطب أن يجري على موجب الأمر إلا عند الاستفهام عن جميع الأقسام لكنه قد حسن ذلك بدون استفهام فدل على عدم الاشتراك كما سبق في الفرع الذي قبل هذا وأيضا لو قال من دخل داري فأكرمه حسن منه استثناء كل واحد من العقلاء من هذا الكلام وحسن ذلك معلوم من عادة أهل اللغة ضرورة والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه وذلك أنه لا نزاع أن المستثنى من الجنس يصح دخوله تحت المستثنى منه فأما أن لا يعتبر مع الصحة الوجوب أو يعتبر والأول باطل وإلا لم يبق فرق بين الاستثناء من الجمع المنكر كقولك جاءني فقهاء إلا زيدا وبين الاستثناء من الجمع المعرف كقولك جاءني الفقهاء إلا زيدا والفرق بينهما معلوم بالضرورة من عادة العرب فعلمنا أن الاستثناء من الجمع المعرف يقتضي إخراج ما لولاه لوجب دخوله تحت اللفظ وهو المطلوب \r\n الفرع الثالث : في أن صيغة كل وجميع يقيدان الاستغراق ويدل على ذلك أنك إذا قلت جاءني كل عالم في البلد أو جميع علماء البلد فإنه يناقضه قولك ما جاءني كل عالم في البلد وما جاءني جميع علماء البلد ولذلك يستعمل كل واحد من هذين الكلامين في تكذيب الآخر والتناقض إلا إذا أفاد لكل الاستغراق لأن النفي عن الكل لا يناقض الثبوت في البعض وأيضا صيغة الكل والجميع مقابلة لصيغة البعض ولولا أن صيغتهما غير محتملة للبعض لم تكن مقابلة وأيضا إذا قال القائل ضربت كل من في الدار أو ضربت جميع من في الدار سبق إلى الفهم الاستغراق ولو كانت صيغة الكل أو الجمع مشتركة بين الكل والبعض لما كان كذلك لأن اللفظ المشترك لما كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية امتنع أن تكون مبادرة الفهم إلى أحدهما أقوى منها إلى الآخر وإذا قال السيد لعبده اضرب كل من دخل داري أو جميع من دخل داري فضرب كل واحد ممن دخل لم يكن للسيد أن يعترض عليه بضرب جميعهم وله أن يعترض عليه إذا ترك البعض منهم ومثله لو قال رجل لرجل أعتق كل عبيدي أو جميع عبيدي ثم مات لم يحصل الامتثال إلا بعتق كل عبد له ولا يحصل امتثاله بعتق البعض وأيضا لا يشك عارف بلغة العرب أو بين قول القائل جاءني رجال وجاءني كل الرجال وجميع الرجال فرقا ظاهرا وهو دلالة الثاني على الاستغراق دون الأول وإلا لم يكن بينهما فرق ومعلوم أن أهل اللغة إذا أرادوا التعبير عن الاستغراق جاءوا بلفظ كل وجميع وما يفيد مقادهما ولو لم يكونا للاستغراق لكان استعمالهم لهما عند إرادتهم للاستغراق عبثا قال القاضي عبد الوهاب : ليس بعد كل في كلام العرب كلمة أعم منها ولا فرق بين أن تقع مبتدأ بها أو تابعة تقول كل امرأة أتزوجها فهي طالق وجاءني القوم كلهم فيفيد أن المؤكد به عام وهي تشمل العقلاء وغيرهم والمذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والمجموع فلذلك كانت أقوى صيغ العموم وتكون في الجميع بلفظ واحد تقول كل النساء وكل القوم وكل رجل وكل امرأة قال سيبويه معنى قولهم كل رجل كل رجال فأقاموا رجلا مقام رجال لأن رجلا شائع في الجنس والرجال ولا يؤكد بها المثنى استغناء عنه بكل ولا يؤكد بها إلا ذو أجزاء ولا يقال جاء زيد كله انتهى وقد ذكر علماء النحو والبيان الفرق بين أن يتقدم النفي على كل وبين أن تتقدم هي عليه فإذا تقدمت على حرف النفي نحو كل القوم لم يقم أفادت التنصيص على انتفاء قيام كل فرد فرد وإن تقدم النفي عليها مثل لم يقم كل القوم لم تدل إلا على نفي المجموع وذلك بصدق بانتفاء القيام عن بعضهم ويسمى الأول عموم السلب والثاني سلب العموم من جهة أن الأول يحكم فيه بالسلب عن كل فرد والثاني لم يفد العموم في حق كل أحد إنما أفاد نفي الحكم عن بعضهم قال الفراء وهذا شيء اختصت به كل من بين سائر صيغ العموم قال وهذه القاعدة متفق عليها عند أرباب البيان وأصلها قوله صضص كل ذلك لم يكن لما قال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت انتهى \r\n وإذا عرفت هذا في معنى كل فقد تقرر أن لفظ جميع هو بمعنى كل الإفرادي وهو معنى قولهم أنها للعموم الإحاطي لا وقيل يفترقان من جهة كون دلالة على كل فرد بطريق النصوصية بخلاف جميع وفرقت الحنفية بينهما بأن كل تعم الأشياء على سبيل الإنفراد وجميع تعمها على سبيل الاجتماع وقد روى أن الزجاج حكى هذا الفرق عن المبرد \r\n الفرع الرابع : لفظ أي فإنها من جملة صيغ العموم إذا كانت شريطة واستفهامية كقوله تعالى { أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى } وقوله { أيكم يأتيني بعرشها } وقد ذكرها في صيغ العموم الأستاذ أبو منصور البغدادي والشيخ أبو إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين الجويني وابن الصباغ وسليم الرازي والقاضيان أبو بكر وعبد الوهاب والرازي والآمدي والصفي والهندي وغيرهم قالوا وتصلح للعاقل وغيره قال القاضي عبد الوهاب في التخليص إلا أنها تتناول على جهة الانفراد دون الاستغراق ولهذا إذا قلت أي الرجلين عندك لم يجب إلا بذكر واحد قال ابن السمعاني في القواطع وأما كلمة أي فقيل كالنكرة لأنها تصحبها لفظا ومعنى تقول أي رجل فعل هذا وأي دار دخل قال الله تعالى : { أيكم يأتيني بعرشها } وهي في المعنى نكرة لأن المراد بها واحد منهم انتهى قال الزركشي في البحر وحاصل كلامهم أنها للاستغراق البدلي والشمولي لكن ظاهر كلام الشيخ أبي إسحاق أنها للعموم والشمولي وتوسع القرافي فعدى عمومها إلى الموصولة والموصوفة في النداء ومنهم من لم يعده كالغزالي وابن القشيري لأجل النحاة أنها بمعنى بعض إذا أضيفت إلى معرفة وقول الفقهاء أي وقت دخلت الدار فأنت طالق لا يتكرر الطلاق بتكرار الدخول كما في كلما والحق أن عدم التكرار لا ينافي العموم وكون مدلولها أحد الشيئين قدر مشترك بينهما وبين بقية الصيغ في الاستفهام وقال صاحب اللباب من الحنفية وأبو زيد في التقويم كلمة أي نكرة لا تقتضي العموم بنفسها إلا بقرينة ألا ترى إلى قوله { أيكم يأتيني بعرشها } ولم يقل يأتوني لو قال لغيره أي عبيدي ضربته فهو حر فضربهم لم يعتق إلا واحد فإن وصفها بصفة عامة كانت للعموم بقوله أي عبيدي ضربك فهو حر فضربوه جميعا عتقوا لعموم فعل الضرب وصرح الكيا الطبري بأنها ليست من صيغ العموم فقال وأما أي فهي اسم مفرد يتناول جزءا من الجملة المضافة قال الله سبحانه وتعالى : { أيكم يأتيني بعرشها } فجاء به واحد وقال { أيكم أحسن عملا } وصرح القاضي حسين والشاشي أنه لا فرق بين الصورتين المذكورتين وأن العبيد يعتقون جميعا فيهما وجزم ابن الهمام في التحرير بأنها في الشرط والاستفهام ككل مع النكرة وكالبعض مع المعرفة وهو المناسب لما جوزه النحاة فيها فإن الفرق بين قول القائل أي رجل تضرب اضرب وبين أي الرجل تضرب اضرب ظاهر لا يخفى \r\n الفرع الخامس : النكرة في النفي فإنها تعم وذلك لوجهين : \r\n الأول : أن الأنسان إذا قال أكلت اليوم شيئا فمن أراد تكذيبه قال ما أكلت اليوم شيئا فذكرهم هذا النفي عن تكذيب ذلك الإثبات يدل على اتفاقهم على كونه مناقضا له فلو كان قوله ما أكلت اليوم شيئا لا يقتضي العموم لما تناقضا لأن السلب الجزئي لا يناقض الإيجاب الجزئي \r\n الوجه الثاني : أنها لو لم تكن النكرة في النفي للعموم لما كان قولنا لا إله إلا الله نفيا لجميع الإلهة سوى الله سبحانه وتعالى فتقرر بهذا أن النكرة المنفية بما أو لن أو لم أو ليس أو لا مفيدة للعموم وسواء دخل حرف النفي على فعل نحو ما رأيت رجلا أو على الاسم نحو لا رجل في الدار ونحو ما أحد قائما وما قام أحد وقال القاضي عبد الوهاب في الإفادة قد فرق أهل اللغة بين النفي في قوله ما جاءني أحد وما جاءني من أحد وبين دخوله على النكرة من أسماء الجنس فيما جاءني رجل وما جاءني من رجل فرأوا تساوي اللفظين في الأول وأن من زائدة فيه وافتراق المعنى في الثاني لأن قوله ما جاءني رجل يصلح أن يراد به الكل وأن يراد به رجل واحد فإذا دخلت من أخلصت النفي للاستغراق وقال إمام الحرمين الجويني هي للعموم ظاهرا عند تقدير من فإن دخلت من كانت نصا والمشهور في علم النحو الخلاف بين سيبويه والمبرد فسيبويه قال إن العموم مستفاد من النفي قبل دخول من والمبرد قال أنه مستفاد من لفظ من والحق ما قاله سيبويه وكون من تفيد النصوصية بدخولها لا ينافي الظهور الكائن قبل دخولها قال أبو حيان مذهب سيبويه أن ما جاءني من أحد وما جاءني من رجل من في الموضعين لتأكيد استغراق الجنس وهذا هو الصحيح انتهى ولو لم تكن من صيغ العموم قبل دخول من لما كان نحو قوله تعالى : { لا يعزب عنه مثقال ذرة } { لا تجزي نفس عن نفس شيئا } مقتضيا للعموم وقد فرق بعضهم بين حروف النفي الداخلة على النكرة بفرق لا طائل تحته فلا نطول بذكره واعلم أن حكم النكرة الواقعة في سياق النهي حكم النكرة الواقعة في سياق النفي وما خرج عن ذلك من الصور فهو لنقل العرف له عن الوضع اللغوي \r\n الفرع السادس : لفظ معشر ومعاشر وعامة وكافة وقاطبة وسائر من صيغ العموم في مثل قوله { يا معشر الجن والإنس } و« نحن معاشر الأنبياء لا نورث » و« جاءني القوم عامة » { وقاتلوا المشركين كافة } و« ارتدت العرب قاطبة » وجاءني سائر الناس إن كانت مأخوذة من سور البلد وهو المحيط بها كما قاله الجوهري وإن كانت من أسأر بمعنى أبقى فلا تعم وقد حكى الأزهري الاتفاق عن أنها مأخوذة من المعنى الثاني وغلطوا الجوهري وأجيب عن الأزهري بأنه قد وافق الجوهري على ذلك السيرافي في شرح كتاب سيبويه و أبو منصور الجواليقي في شرح أدب الكاتب وابن بري وغيرهم والظاهر أنه للعموم وإن كانت بمعنى الباقي لأن المراد بها شمول ما دخلت عليه سواء كانت بمعنى الجميع أو الباقي كما تقول اللهم اغفر لي ولسائر المسلمين وخالف في ذلك القرافي والقاضي عبد الوهاب \r\n الفرع السابع : الالف واللام الحرفية لا الإسمية تفيد العموم إذا دخلت على الجمع سواء كان سالما أو مكسرا وسواء كان من جموع القلة أو الكثرة وكذا إذا دخلت على اسم الجمع كركب وصحب وقوم ورهط وكذا إذا دخلت على اسم الجنس وقد اختلف في اقتضائها للعموم إذا دخلت على هذه المذكورات على مذاهب ثلاثة \r\n الأول : أنه إذا كان هناك معهود حمل على العهد فإن لم يكن حملت على الاستغراق واليه ذهب جمهور أهل العلم \r\n الثاني : انها تحمل على الاستغراق إلا ان يقوم دليل على العهد \r\n الثالث : انها تحمل عند فقد العهد على الجنس من غير استحقاق وحكاه صاحب الميزان عن ابي علي الفارسي وابي هاشم والراجح المذهب الأول وقال ابن الصباغ هو اجماع الصحابة قال في المحصول مستدلا على هذا المذهب لنا وجوه \r\n الأول : ان الأنصار لما طلبوا الامامة احتج عليهم ابو بكر بقوله صضص [ الائمة من قريش ] والأنصار سلموا تلك الحجة ولو لم يدل الجمع المعرف بلام الجنس على خص هذه الصورة وامثالها عن الموضوع اللغوي على أنه قد حكى الروياني في البحر عن ابن عباس و احمد بن حنبل انها تطلق الاربع جميعا بخلاف ما عدا هذه الصورة وامثالها فانه يحمل على العموم كما لو قال مالي صدقة ومن هذا قوله تعالى : { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } وقوله صضص [ هو الطهور ماؤه والحل ميتته ] \r\n الفرع التاسع : الاسماء الموصولة كالذي والتي والذين واللات وذو الطائية وجمعها وقد صرح القرافي والقاضي عبد الوهاب بانها من صيغ العموم وقال ابن السمعاني جميع الاسماء المبهمة تقتضي العموم وقال اصحاب الاشعري انها تجري في بابها مجرى اسم منكور كقوله سبحانه : { والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما } وما خرج من ذلك فلقرينة تخصصه عن موضوعه اللغوي \r\n الفرع العاشر : نفب المساواة بين الشيئين كقوله { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة } فذهب جمهور الشافعية وطوائف من الاصوليين والفقهاء إلى أنه يقتضي العموم وذهبت الحنفية والمعتزلة و الغزالي والرازي إلى أنه ليس بعام استدل الأولون بانه نكرة في سياق النفي لأن الجملة نكرة باتفاق النحاة وكذلك توصف بها النكرات دون المعارف واستدل الرازي في المحصول لللاخرين بوجهين : \r\n الأول : أن نفي الاستواء مطلقا أي في الجملة أعم من نفي الاستواء من كل الوجوه أو من بعضها والدال على القدر المشترك بين الامرين لا اشعار فيه بهما فلا يلزم من نفيه نفيهما \r\n الثاني : أنه أما أن يكفي في إطلاق لفظ المساواة الاستواء من بعض الوجوه أو لا بد فيه من الاستواء من كل الوجوه والأول باطل وإلا لوجوب إطلاق لفظ المساواة على جميع الأشياء لأن كل شيئين لا بد أن يستويا في بعض الأمور من كونهما معلومين وموجودين ومذكورين وفي سلب ما عداهما عنهما ومتى صدق عليه المساوي وجب أن يكذب عليه غير المساوي لأنهما في العرف كالمتناقضين فإن من قال هذا يساوي ذاك فمن أراد تكذيبه قال لا يساويه والمناقضان لا يصدقان معا فوجب أن لا يصدق على شيئين ألبتة لأنهما متساويان وغير متساويين ولما كان ذلك باطلا علمنا أنه يعتبر في المساواة المساواة من كل الوجوه وحينئذ يكفي في نفي المساواة الاستواء من بعض الوجوه لأن نقيض الكلي هو الجزئي فإذا قلنا لا يستويان لا يفيد نفي الاستواء من جميع الوجوه وأجيب عن الدليل الأول بأن عدم إشعار الأعم بالأخص إنما هو في طريق الإثبات لا في طريق النفي فإن الأعم يستلزم نفي الأخص ولولا ذلك لجاز مثله في كل نفي فلا يعلم نفي أبدا إذ يقال في لا رجل رجل أعم من الرجل بصيغة العموم فلا يشعر به وهو خلاف ما ثبت بالدليل وأجيب عن الدليل الثاني بأنه إذا قيل لا مساواة فإنما يراد نفي مساواة يصح انتفاؤه وإن كان ظاهرا في العموم وهو من قبيل ما يخصصه العقل نحو { الله خالق كل شيء } أي خالق كل شيء يخلق والحاصل أن مرجع الخلاف إلى أن المساواة في الإثبات هل مدلولها لغة المشاركة في كل الوجوه حتى يكون اللفظ شاملا أو مدلولها المساواة في بعض الوجوه حتى يصدق بأي وجه فإن قلنا بالأول لم يكن النفي للعموم لأن نقيض الكلي الموجب جزئي سالب وإن قلنا بالثاني كان للعموم لأن نقيض الجزئي الموجب كلي سالب وخلاصة هذا أن صيغة الاستواء أما لعموم سلب التسوية أو الاستغراق لما صحت تلك الدلالة لأن قوله الأئمة من قريش لو كان معناه بعض الأئمة من قريش لوجب أن لا ينافي وجود إمام من قوم آخرين \r\n قال الوجه الثاني : إن هذا الجمع يؤكد بما يقتضي الاستغراق فوجب أن يفيد في أصله الاستغراق أما أنه يؤكد فكقوله { فسجد الملائكة كلهم أجمعون } وأما أنه بعد التأكيد يقتضي الاستغراق فبالإجماع وأما أنه بعد التأكيد أن الألف واللام إذا دخلا في الاسم صار معرفة كما نقل عن أهل اللغة فيجب صرفه إلى ما به تحصل المعرفة وإنما تحصل المعرفة عند إطلاقه بالصرف إلى الكل معلوم للمخاطب فأما الصرف إلى ما دون فإنه لا يفيد المعرفة لأن بعض المجموع ليس أولى من بعض فكان مجهولا \r\n قال الوجه الرابع : أنه يصح استثناء أي واحد كان منه وذلك يفيد العموم على ما تقدم وممن حكى إجماع الصحابة على إفادة هذا التعريف للعموم ابن الهمام في التحرير وحكى ايضا إجماع أهل اللغة على صحة الاستثناء قال الزركشي في البحر وظاهر كلام الأصوليين أنها تحمل على الاستغراق لعموم فائدته ولدلالة اللفظ عليه ونقله ابن القشيري عن المعظم و صاحب الميزان عن أبي بكر السراج النحوي فقال إذا تعارض جهة العهد والجنس يصرف إلى الجنس وهذا هو الذي أورده الماوردي والروياني في أول كتاب البيع قالا لأن الجنس يدخل تحت العهد والعهد لا يدخل تحت الجنس وروى عن إمام الحرمين الجويني أنه مجمل لأن عمومه ليس من صيغته بل من قرينة نفي المعهود فتعين الجنس لأنه لا يخرج عنها وهو قول ابن القشيري قال الكيا الهراس أنه الصحيح لأن الألف واللام للتعريف وليست إحدى جهتي التعريف بأولى من الثانية فيكتسب اللفظ جهة الإجمال لاستوائه بالنسبة إليهما انتهى والكلام في هذا البحث يطول جدا فقد تكلم فيه أهل الأصول وأهل النحو وأهل البيان بما هو معروف وليس المراد هنا إلا بيان ما هو الحق وتعيين الراجح من المرجوح ومن أمعن النظر وجود التأمل علم أن الحق الحمل على الاستغراق إلا أن يوجد هناك ما يقتضي العهد وهو ظاهر في تعريف الجنس وأما تعريف الجمع مطلقا واسم الجمع فكذلك أيضا لأن التعريف يهدم الجمعية ويصيرها للجنس وهذا يدفع ما قيل من أن استغراق المفرد أشمل \r\n الفرع الثامن : تعريف الإضافة وهو من مقتضيات العموم كالألف واللام من غير فرق بين كون المضاف جمعا نحو عبيد زيد أو اسم جمع نحو جاءني ركب المدينة أو اسم جنس نحو { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ومنعت العراق درهمها ودينارها ومنعت الشام قفيزها وصاعها وقد صرح الرازي أن المفرد المضاف يعم من اختياره بأن المعرف بالألف واللام لا يعم قال الصفي الهندي في النهاية وكون المفرد المضاف للعموم وإن لم يكن منصوصا لكن نفيه التسوية بين الإضافة ولام التعريف يقتضي العموم والحق أن عموم الإضافة أقوى ولهذا لو حلف لا يشرب الماء حنث بشرب القليل منه لعدم تناهي إفراده ولو حلف لا يشرب ماء البحر لا يحنث إلا بكله انتهى وفي هذا الفرق نظر ولا ينافي إفادة إضافة اسم الجنس للعموم ما وقع من الخلاف فيمن قال زوجتي طالق وله أربع زوجات فإن من قال أنها لا تطلق إلا واحدة استدل بأن العرب قد لسلب عموم التسوية فعلى الأول يمتنع ثبوت شيء من إفرادها وعلى الثاني لا يمتنع ثبوت البعض وهذا يقتضي ترجيح المذهب الثاني لأن حرب النفي سابق وهو يفيد سلب العموم لا عموم السلب وأما الآية التي وقع المثال بها فقد صرح فبها بما يدل على أن النفي باعتبار بعض الأمور وذلك قوله { أصحاب الجنة هم الفائزون } فإن يفيد أنهما لا يستويان في الفوز بالجنة وقد رجح الصفي الهندي أن نفي الاستواء من باب المجمل من المتواطئ لا من باب العام وتقدمه إلى ترجيح الإجمال الكيا الطبري \r\n الفرع الحادي عشر : إذا وقع الفعل في سياق النفي أو الشرط فإن كان غير متعد فهل يكون النفي له نفيا لمصدره وهو نكرة فيقتضي العموم أم لا حكى القرافي عن الشافعية والمالكية أنه يعم وقال إن القاضي عبد الوهاب في الإفادة نص على ذلك وإن كان متعديا ولم يصرح بمفعوله نحو لا أكلت وإن أكلت ولا كان له دلالة على مفعول معين فذهبت الشافعية والمالكية و أبو يوسف وغيرهم إلى أنه يعم وقال أبو حنيفة لا يعم واختاره القرطبي من المالكية والرازي من الشافعية وجعله القرطبي من باب الأفعال اللازمة نحو يعطي ويمنع فلا يدل على مفعول لا بالخصوص ولا بالعموم قال الاصفهاني لا فرق بين المتعدي واللازم والخلاف فيهما على السواء وظاهر كلام إمام الحرمين الجويني والغزالي والآمدي والصفي الهندي أن الخلاف إنما هو في الفعل المتعدي إذا وقع في سياق النفي أو الشرط هل يعم مفاعيله أم لا في الفعل اللازم فإنه لا يعم والذي ينبغي التعويل عليه أنه لا فرق بينهما في نفس مصدريهما فيكون النفي لهما نفيا لهما ولا فرق بينهما وبين وقوع النكرة في سياق النفي وأما فيما عدا المصدر فالفعل المتعدي لا بد له من مفعول به فحذفه مشعر بالتعميم كما تقرر في علم المعاني وذكر القرطبي أن القائلين بتعميمه قالوا لا يدل على جميع ما يمكن أن يكون مفعولا على جهة الجمع بل على جهة البدل قال وهؤلاء أخذوا الماهية مقيدة ولا ينبغي لأبي حنيفة أن ينازع في ذلك \r\n الفرع الثاني عشر : الأمر للجميع بصيغة الجمع كقوله { أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } عمومه وخصوصه يكون باعتبار ما يرجع إليه أن السيد إذا أشار إلى جماعة من عبيده وقال قوموا فمن تخلف عن القيام منهم استحق الذم وذلك يدل على أن اللفظ للشمول فلا يجوز أن يضاف ذلك إلى القرينة قال في المحصول لأن تلك القرينة أن كانت من لوازم هذه الصيغة فقد حصل مرادنا وإلا فلنفرض هذه الصيغة مجردة عنها ويعود الكلام انتهى وممن صرح أن عموم صيغة الجمع في الأمر وخصوصها يكون باعتبار مرجعها الإمام الرازي في المحصول والصفي الهندي في النهاية وذكر القاضي عبد الجبار عن الشيخ أبي عبد الله البصري أن قول القائل افعلوا يحمل على الاستغراق وقال أبو الحسين البصري الأولى أن يصرف إلى المخاطبين سواء كانوا ثلاثة أو أكثر وأطلق سليم الرازي في التقريب أن المطلقات لا عموم فيها \r\n فائدة \r\n قال إمام الحرمين الجويني و ابن القشيري أن أعلى صيغ العموم أسماء الشرط والنكرة في النفي وادعيا القطع بوضع ذلك للعموم وصرح الرازي في المحصول أن أعلاها أسماء الشرط والاستفهام ثم النكرة المنفية لدلالتها بالقرينة لا بالوضع وعكس الصفي الهندي فقدم النكرة المنفية على الكل وقال ابن السمعاني أبين وجوه العموم وألفاظ الجمع ثم اسم الجنس المعرف باللام وظاهره أن الإضافة دون ذلك في المرتبة وعكس الإمام الرازي في تفسيره فقال الإضافة أدل على العموم من الألف واللام والنكرة المنفية أدل على العموم منها إذا كانت في سياق النفي والتي بمن أدل من المجردة عنها قال أبو علي الفارسي أن مجيء أسماء الأجناس معرفة بالألف واللام أكثر من مجيئها مضافة وقال الكيا الطبري في التلويح ألفاظ العموم أربعة : أحدها عام بصيغة ومعناه كالرجال والنساء والثاني عام لا بصيغته كالرهط ونحوه من أسماء الأجناس قال وهذا لا خلاف فيه والثالث ألفاظ مبهمة نحو ما ومن وهذا يعم كل أحد والرابع النكرة في سياق النفي نحو لم أر رجلا وذلك يعم لضرورة صحة الكلام وتحقيق غرض المتكلم من الإفهام إلا أنه لا يتناول الجميع بصيغته والعموم فيه من القرينة فلهذا لم يختلفوا فيه وقد قدمنا في الفرع الثالث ما يفيد أن لفظ كل أقوى صيغ العموم ","part":1,"page":175},{"id":67,"text":" المسألة السابعة : قال جمهور أهل الأصول أن جمع القلة المنكر ليس بعام \r\n لظهوره في العشرة فما دونها وأما جمع الكثرة المنكر فذهب جمهور المحققين إلى أنه ليس بعام وخالف في ذلك الجبائي وبعض الحنفية و ابن حزم وحكاه ابن برهان عن المعتزلة واختاره البزدوي وابن الساعات وهو أحد وجهي الشافعية كما حكاه الشيخ أبو حامد الإسفرائني والشيخ أبو إسحاق الشيرازي احتج الجمهور بأن الجمع المنكر لا يتبادر منه عند إطلاقه عن قرينة العموم نحو رأيت رجالا استغراق الرجال كما أن رجلا عند الإطلاق لا يتبادر منه الاستغراق لإفراد مفهومه ولو كان للعموم لتبادر منه ذلك فليس الجمع المنكر عاما كما أن رجلا كذا قال في المحصول لنا أن لفظ رجال يمكن نعته بأي جمع شئنا فيقال رجال ثلاثة وأربعة وخمسة فمفهوم قولك رجال يمكن أن يجعل مورد التقسيم لهذه الأقسام والمورد للتقسيم بالأقسام يكون مغايرا لكل واحد من تلك الأقسام فلا يكون دالا عليها وأما الثلاثة فهي مما لا بد فيه فيثبت أنه يفيد الثلاث فقط احتج القائلون أنه يفيد العموم بأنه قد ثبت إطلاقه على كل مرتبة من مراتب الجموع فإذا حملناه على الجميع فقد حملناه على جميع حقائقه فكان أولى وأجيب بمنع إطلاقه على كل مرتبة حقيقة بل هو للقدر المشترك بينها كما تقدم ولا دلالة له على الخصوص أصلا واحتجوا ثانيا بأنه لو لم يكن للعموم لكان مخصصا بالبعض واللازم منتف لعدم المخصص وامتناع التخصيص بلا خصوص وأجيب بالنقص برجل ونحوه مما ليس للعموم ولا مختصا بالبعض بل شائع يصلح للجمع ولا يخفاك ضعف ما استدل به هؤلاء القائلون بأنه للعموم فإن دعوى عموم رجال لكل رجل مكابرة لما هو معلوم من اللغة ومعاندة لما يعرفه كل عارف بها ","part":1,"page":185},{"id":68,"text":" المسألة الثامنة : اختلفوا في أقل الجمع \r\n وليس النزاع في لفظ الجمع المركب من الجيم والميم والعين كما ذكر ذلك إمام الحرمين الجويني والكيا الهراس وسليم الرازي فإن جمع موضوعها يقتضي ضم شيء إلى شيء وذلك حاصل في الاثنين والثلاثة وما زاد على ذلك بلا خلاف قال سليم الرازي بل قد يقع على الواحد كما يقال جمعت الثوب بعضه إلى بعض قال الشيخ أبو إسحاق الإسفرائني لفظ الجمع في اللغة له معنيان الجمع من حيث الفعل المشتق منه الذي هو مصدر جمع يجمع جمعا والجمع الذي هو لقب وهو اسم العدد قال وبعض من لم يهتد إلى هذا الفرق خلط الباب فظن أن الجمع الذي هو بمعنى اللقب من جملة الجمع الذي هو بمعنى الفعل فقال إذا كان الجمع بمعنى الضم فالواحد إذا أضيف إلى الواحد فقد جمع بينهما فوجب أن يكون جمعا وثبت أن الاثنين أقل الجمع وخالف بهذا القول جميع أهل اللغة وسائر أهل العلم وذكر إمام الحرمين الجويني أن الخلاف ليس في مدلول مثل قوله { قد صغت قلوبكما } وقول القائل ضربت رؤوس الرجلين وقطعت بطونهما بل الخلاف في الصيغ الموضوعة للجمع سواء كان للسلامة أو التكسير وذكر مثل هذا الأستاذ أبو منصور والغزالي إذا عرفت هذا ففي أقل الجمع مذاهب : \r\n الأول : أن أقله اثنان وهو المروي عن عمر وزيد بن ثابت وحكاه عبد الوهاب عن الأشعري وابن الماجشون قال الباجي وهو قول القاضي أبي بكر بن العربي وحكاه ابن خوازمنداد عن مالك واختاره الباجي ونقله صاحب المصادر عن القاضي أبي يوسف وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أهل الظاهر وحكاه سليم الأشعري وبعض المحدثين قال ابن حزم هو قول جمهور أهل الظاهر وحكاه ابن الدهان النحوي عن محمد بن داود وأبي يوسف والخليل ونفطويه قال وسأل سيبويه الخليل فقال الاثنان جمع وعن ثعلب أن التثنية جمع عند أهل اللغة واختاره الغزالي واستدلوا بقوله سبحانه { قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة } لأنهم طلبوا إلها مع الله ثم قالوا كما لهم آلهة فدل على أنه إذا صار لهم إلهان صاروا بمنزلة الآلهة واستدلوا أيضا بقوله تعالى : { فإن كان له إخوة } فأطلق الأخوة والمراد أخوان فما فوقهما إجماعا وأجيب بأنه قد ورد للاثنين مجازا كما يدل على ذلك ما روى عن ابن عباس أنه قال لعثمان ليس الأخوان أخوة في لسان قومك فقال عثمان لا أنقض أمرا كان قبلي وتوارثه الناس أخرجه ابن خزيمة والحاكم وصححه ابن عبد البر والبيهقي فلم ينكر ذلك عثمان بل عدل إلى التأويل وهو الحمل على خلاف الظاهر بالإجماع وبمثل هذا يجاب عما استدلوا به من قوله تعالى : { إنا معكم مستمعون } والمراد موسى وهارون وأيضا قد قيل بمنع كون المراد موسى وهارون فقط بل هما من فرعون وأما استدلالهم بما عنه صضص أنه قال [ الاثنان فما فوقهما جماعة ] فهو استدلال خارج عن محل النزاع لأنه لم يقل الاثنان فما فوقهما جمع بل قال جماعة يعني أنهما تنعقد بهما صلاة الجماعة \r\n المذهب الثاني : أن أقل الجمع ثلاثة وبه قال الجمهور وحكاه ابن الدهان النحوي عن جمهور النحاة وقال ابن خروف في شرح كتاب سيبويه أنه مذهب سيبويه وهذا هو القول الحق الذي عليه أهل اللغة والشرع وهو السابق إلى الفهم عند إطلاق الجمع والسبق دليل الحقيقة ولم يتمسك من خالفه بشيء يصلح للاستدلال به \r\n المذهب الثالث : إن أقل الجمع واحد هذا حكاه بعض أهل الأصول وأخذه من كلام إمام الحرمين وقد ذكر ابن فارس في فقه العربية صحة إطلاق الجمع وإرادة الواحد ومثله قوله تعالى : { فناظرة بم يرجع المرسلون } المراد بالمرسلين نوح قال القفال الشاشي في كتابه في الأصول بعد ذكر الأدلة وقد يستوي حكم التثنية وما دونها بديل كمخاطب للواحد بلفظ الجمع في قوله { قال رب ارجعون } و { إنا له لحافظون } وقد تقول العرب للواحد افعلا افعلوا وهو ظاهر في أن ذلك مجاز وظاهر كلام الغزالي أنه مجاز بالاتفاق وذكر المازري أن القاضي أبا بكر حكى الاتفاق على أنه مجاز ولم يأت من ذهب إلى أنه حقيقة بشيء يعتد به أصلا بل جاء باستعمالات وقعت في الكتاب العزيز وفي كلام العرب خارجة على طريقة المجاز كما تقدم وليس النزاع في جواز التجوز بلفظ الجمع عن الواحد أو الاثنين بل النزاع في كون ذلك معناه حقيقة \r\n المذهب الرابع : الوقف حكاه الأصفهاني في شرح المحصول عن الآمدي قال الزركشي وفي ثبوته نظر وإنما أشعر به كلام الآمدي فإنه قال في آخر المسألة وإذا عرف مأخذ الجمع من الجانبين فعلى الناظر الاجتهاد في الترجيح وإلا فالوقف لازم هذا كلام ومجرد هذا لا يكفي في حكايته مذهبا انتهى ولا يخفاك أن هذا الموطن ليس من مواطن الوقف فإن موطنه إذا توازنت الأدلة موازنة يصعب الترجيح بينهما وأما مثل هذه المسألة فلم يأت من خالف الجمهور بشيء يصدق عليه اسم الدليل فضلا عن أن يكون صالحا لموازنة ما يخالفه ","part":1,"page":185},{"id":69,"text":" المسألة التاسعة : الفعل المثبت إذا كان له جهات \r\n فليس بعام في أقسامه لأنه يقع على صفة واحدة فإن عرف تعين وإلا كان مجملا يتوقف فيه مثل قول الراوي صلى بعد غيبوبة الشفق فلا يحمل على الأحمر والأبيض وكذلك صلى في الكعبة فلا يعم الفرض والنفل هكذا قال القاضي والقفال الشاشي والأستاذ أبو منصور والشيخ أبو حامد الإسفرائني والشيخ أبو إسحاق الشيرازي وسليم الرازي وابن السمعاني وإمام الحرمين الجويني وابن القشيري والإمام فخر الدين الرازي واستدلوا على ذلك بأنه إخبار عن فعل ومعلوم أن الفاعل لم يفعل كل ما اشتمل عليه تسمية ذلك الفعل مما لا يمكن استيعاب فعله فلا معنى للعموم في ذلك قال الغزالي وكما لا عموم له بالنسبة إلى أحوال الفعل فلا عموم له بالنسبة إلى الأشخاص بل يكون خاصا في حقه صضص إلا أن يدل دليل من خارج لقوله صضص [ صلوا كما رأيتموني أصلي ] وهذا غير مسلم فإن دليل التأسي به صضص كقوله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } وقوله { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني } ونحو ذلك يدل على أن ما فعله صضص فسائر أمته مثله إلا أن يدل دليل على أنه خاص به وأطلق ابن الحاجب أن الفعل المثبت ليس بعام في أقسامه ثم اختار في نحو قوله نهى عن بيع الغرر وقضى بالشفعة للجار أنه يعم الغرر والجار مطلقا وقد تقدمه إلى ذلك شيخه ابن الأنباري والآمدي وهو الحق لأن مثل هذا ليس بحكاية للفعل الذي فعله بل حكاية لصدور النهي منه عن بيع الغرر والحكم منه بثبوت الشفعة للجار لأن عبارة الصحابي يجب أن تكون مطابقة للمقول لمعرفته باللغة وعدالته ووجوب مطابقة الرواية لمسموع وبهذا تعرف ضعف ما قاله في المحصول من أن قول الصحابي ينهى عن بيع الغرر والحكم منه ثبوت الشفعة لا يفيد العموم لأن الحجة في المحكي لا في الحكاية والذي رآه الصحابي حتى روى النهي يحتمل أن يكون خاصا بصورة واحدة وان يكون عاما ومع الاحتمال لا يجوز القطع بالعموم قال وأيضا قول الصحابي قضى رسول الله صضص بالشاهد واليمين لا يفيد العموم وكذا قول الصحابي سمعت رسول الله صضص يقول [ قضيت بالشفعة ] لاحتمال كونه حكاية عن قضاء لجار معروف ويكون الألف واللام للتعريف وقوله قضيت حكاية عن فعل معين ماض فأما قول النبي صضص قضيت بالشفعة وقول الراوي أنه قضى بالشفعة للجار فالاحتمال فيهما قائم ولكن جانب العموم راجح في الصورتين كليهما أما قوله نهى عن بيع الغرر وقضى بالشاهد واليمين فرجحان عمومه وضعف دعوى احتمال كونه خاصا في غاية الوضوح لما قدمنا نقل الآمدي عن الاكثرين مثل ما ذكره صاحب المحصول وهو خلاف الصواب وإن قال به الأكثرون لأن الحجة في الحكاية لثقة الحاكي ومعرفته وحكى عن بعض أهل الأصول التفصيل بين أن يقترن الفعل بحرف أن فيكون للعموم كقوله قضى أن الخراج بالضمان وبين أن لا يقترن فيكون خاصا نحو قضى بالشفعة للجار وقد حكى هذا القول القاضي في التقريب والأستاذ أبو منصور والشيخ أبو إسحاق والقاضي عبد الوهاب وصححه وحكاه عن أبي بكر القفال وجعل بعض المتأخرين النزاع لفظيا من جهة أن المانع للعموم ينفي عموم الصيغة المذكورة نحو أمر وقضى والمثبت للعموم فيها هو باعتبار دليل خارجي انتهى وأما نحو قول الصحابي كان النبي صضص يفعل كذا فلا يجري فيه الخلاف المتقدم لأن لفظ كان هو الذي دل على التكرار لا لفظ الفعل الذي بعدها نحو كان يجمع وإنما الخلاف في قول الراوي ونحوه وهذا إذا دلت قرينة على عدم الخصوص كوقوعه بعد إجمال أو إطلاق أو عموم فيفهم أنه بيان فنتبعه ","part":1,"page":187},{"id":70,"text":" المسألة العاشرة : ذهب الجمهور إلى أن قوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع المال إلا أن يخص بدليل \r\n قال الشافعي مخرج هذه الآية عام في الأموال وكان يحتمل أن يكون بعض الأموال دون بعض الأموال دون بعض فدلت السنة على أن الزكاة في بعض المال دون بعض وقال في موضع آخر ولولا دلالة السنة لكان ظاهر القرآن أن الأموال كلها سواء وأن الزكاة في جميعها لا في بعضها دون بعضه واستدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بأن هذه الصيغة من صيغ العموم لأنها جمع مضاف وقد تقدم أن ذلك من صيغ العموم فيكون المعنى خذ من كل واحد واحد من أموالهم صدقة إذ معنى العموم ذلك وهو المطلوب وأجيب عن هذا بمنع كون معنى العموم ذلك وذهب الكرخي من الحنفية وبعض أهل الأصول ورجحه ابن الحاجب إلى أنه لا يعم بل إذا أخذ من جميع أموالهم صدقة واحدة فقد أخذ من أموالهم صدقة وإلا لزم أخذ الصدقة من كل درهم ودينار ونحوهما واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله وأجيب بأن الجمع لتضعيف المفرد خصوصا مثل المال والعلم والمال قد يراد به المفرد فيكون معنى الجمع المعرف باللام أو الإضافة جميع الأفراد وقد يراد به الجنس فيكون معناه جميع الأنواع بالأموال والعلوم والتعويل على القرائن وقد دل العرف وانعقد الإجماع على أن المراد في مثل خذ من أموالهم الأنواع لا الإفراد وأما ما يتوهم من أن معنى الجمع العام هو المجموع من حيث هو مجموع أو كل واحد من المجموع لا من الآحاد حتى بنوا عليه أن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع فمدفوع بأن اللام والإضافة يهدمان الجمع ويصيرانه للجنس وذهب الآمدي إلى الوقف فقال وبالجملة فالمسألة محتملة ومأخذ الكرخي دقيق انتهى وقد اختلف النقل عن الكرخي فنقل عنه ابن برهان ما تقدم ونقل عنه أبو بكر الرازي أنه ذهب إلى أنه يقضي عموم وجوب الأخذ في سائر أصناف الأموال ومن جملة ما احتج به القائلون بعدم العموم أن لفظ من الداخلة على الأموال تمنع من العموم وأجاب عن ذلك القرافي بأن لا بد من تعلقها بمحذوف وهو صفة للصدقة والتقدير كائنة أو مأخوذة من أموالهم وهذا لا ينافي العموم لأن معنى كائنة أو مأخوذة من أموالهم أن لا يبقى نوع من المال إلا ويؤخذ منه الصدقة وقال بعضهم الجار والمجرور الذي هو من أموالهم أن كان متعلقا بقوله خذ فالمتجه ما قال الكرخي لأن التعلق مطلق والصدقة نكرة في سياق الإثبات فيحصل الامتثال بصدقة واحدة من نوع واحد وإن كان متعلقا بقوله صدقة فالقول قول الجمهور لأن الصدقة إنما تكون من أموالهم إذا كانت من كل نوع من أموالهم قال الزركشي وفيه نظر لأنه إذا كان المعتبر دلالة العموم الكائنة في أموالهم فإنها كلية فالواجب حينئذ من كل نوع من أنواع الأموال عملا بمقتضى العموم ولا نظر إلى تنكير صدقة وأنه نكرة في سياق الإثبات فلا عموم له على الوجهين أيضا انتهى ولا يخفاك أن دخول من هاهنا على الاموال لا ينافي ما قاله الجمهور بل هو عين مرادهم لأنها لو حذفت لكانت الآية دالة على أخذ جميع أنواع الأموال فلما دخلت أفاد ذلك أنه يؤخذ من كل بعضه وذلك البعض هو ما ورد تقديره في السنة المطهرة من العشر في بعض ونصف العشر في بعض آخر وربع العشر في بعض آخر ونحوه هذه المقادير الثابتة بالشريعة كزكاة المواشي ثم هذا العموم المستفاد من هذه الآية قد جاءت السنة المطهرة بما يفيد تخصيصه ببعض الأنواع دون بعض فوجب بناء العام على الخاص ","part":1,"page":189},{"id":71,"text":" المسألة الحادية عشرة : الألفاظ الدالة على الجمع بالنسبة إلى دلالتها على المذكر والمؤنث على أقسام \r\n الأول ما يختص به أحدهما ولا يطلق على الآخر بحال كرجال للمذكر ونساء للمؤنث فلا يدخل أحدهما في الآخر بالإجماع إلا بدليل خارج من قياس أو غيره \r\n الثاني : ما يعم الفريقين بوضعه وليس لعلامة التذكير والتأنيث في مدخل كالناس والأنس والبشر فيدخل فيه كل منهما بالإجماع \r\n الثالث : ما يشملهما بأصل وضعه ولا يخص بأحدهما إلا ببيان وذلك نحو ما ومن فقيل أنه لا يدخل فيه النساء إلا بدليل ولا وجه لذلك بل الظاهر أنه مثل الناس والبشر ونحوهما كما في قوله سبحانه وتعالى { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى } فلولا عمومه لهما لم يحسن التقسيم من بعد ذلك وممن حكى الخلاف في هذه الصورة من الأصولين أبو الحسين في المعتمد والكيا الهراس في التلويح وحكاه غيرهما عن بعض الحنفية وإنهم لأجل ذلك قالوا أن المرتدة لا تقتل لعدم دخولها في قوله صضص [ من بدل دينه فاقتلوه ] لكن الموجود في كتبهم أنها تعم الجميع وصرح به البزدوي و شراح كتابه و ابن الساعاتي وغيرهم إذ نقل الرازي في المحصول الإجماع على أنه لو قال من دخل داري من أرقائي فهو حر دخل فيه الإماء وكذلك لو علق بهذا اللفظ وصية أو توكيلا أو إذنا في أمر لم يختص بالذكر وأما إمام الحرمين الجويني فخص الخلاف بما إذا كان شرطية قال الصفي الهندي والظاهر أنه لا فرق بينهما وبين من الموصولة والاستفهامية وإن الخلاف جار في الجميع انتهى ولا يخفاك أن دعوى اختصاص من بالذكور لا ينبغي أن ننسب إلى من له أدنى فهم بل لا ينبغي أن تنسب إلى من يعرف لغة العرب \r\n الرابع : ما يستعمل بعلامة التأنيث في المؤنث وبحذفها في المذكر وذلك الجمع السالم نحو مسلمين للذكور ومسلمات للإناث ونحو فعلوا وفعلن فذهب الجمهور إلى أنه لا يدخل النساء فيما هو للذكور إلا بدليل كما لا يدخل الرجال فيما هو النساء إلا بدليل \r\n قال القفال وأصل هذا أن الأسماء وضعت للدلالة على المسمى فحصل كل نوع بما يميزه فالألف والتاء جعلتا علما لجمع الإناث والواو والياء والنون لجمع الذكور والمؤمنات غير المؤمنين وقاتلوا خلاف قاتلن ثم قد تقوم قرائن تقتضي استواءهما فيعلم بذلك دخول الإناث في الذكور وقد لا تقوم قرائن فيلحقن بالذكور بالاعتبار والدلائل كما يلحق المسكوت عنه بالمذكور بدليل ومما يدل على هذا إجماع أهل اللغة على أنه إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر فلولا أن التسمية للمذكر لم يكن حظه فيها كحظ المؤنث ولكن معناه أنهما إذا اجتمعا استثقل إفراد كل منهما بوصف فغلب المذكر وجعل الحكم له فدل على أن المقصود هو الرجال والنساء توابع انتهى قال الأستاذ أبو المنصور الرازي وهذا قول أصحابنا واختاره القاضي أبو الطيب وابن السمعاني والكيا الهراس ونصره ابن برهان والشيخ أبو إسحاق الشيرازي ونقله عن معظم الفقهاء ونقله ابن القشيري عن معظم أهل اللغة وذهبت الحنفية كما حكاه عنهم سليم الرازي وابن السمعاني وابن الساعاتي إلى أنه يتناول الذكور والإناث وحكاه القاضي أبو الطيب عن أبي حنيفة وحكاه الباجي عن ابن خوازمنداد وروى نحوه عن الحنابلة والظاهرية والحق ما ذهب إليه الجمهور من عدم التناول إلا على طريقة التغليب عند قيام المقتضى لذلك لاختصاص الصيغة لغة ووقوع التصريح بما يختص بالنساء مع ما يختص بالرجال في نحو { إن المسلمين والمسلمات } وقد ثبت في سبب نزول هذه الآية أن أم سلمة قالت يا رسول الله إن النساء قلن ما نرى الله سبحانه ذكر إلا الرجال فنزلت قال ابن الأنباري لا خلاف بين الأصوليين والنحاة أن جمع المذكر لا يتناول المؤنث بحال وإنما ذهب بعض الأصوليين إلى تناوله الجنسين لأنه لما كثر اشتراك الذكور والإناث في الأحكام لم تقصر الأحكام على الذكور قال الزركشي في البحر وحاصلة الإجماع على عدم الدخول حقيقة وإنما النزاع في ظهوره لاشتهاره عرفا قال الصفي الهندي وكلام إمام الحرمين يشعر بتخصيص الخلاف بالخطابات الواردة من الشرع لقرينة عليه وهي المشاركات في الأحكام الشرعية قال واتفق الكل أن المذكر لا يدخل تحته وإن ورد مقترنا بعلامة التأنيث ومن أقوى ما احتج به القائلون بالتعميم إجماع أهل اللغة على أنه إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر وعلى هذا ورد قوله تعالى : { قلنا اهبطوا منها جميعا } في خطاب آدم وحواء وإبليس ويجاب على هذا بأنه لم يكن ذلك بأصل الوضع ولا بمقتضى اللغة بل بطريق التغليب لقيام الدليل عليه وذلك خارج عن محل النزاع ولا يلزم من صحة إرادة الشيء من الشيء إرادته منه إذا ورد مطلقا بغير قرينة ولم يذكر أحد من أهل اللغة ولا من علماء العربية أن صيغة الذكور عند إطلاقها موضوعة لتناول الجمع وهذا ظاهر واضح لا ينبغي الخلاف في مثله ولم يأت القائلون بالتناول بدليل يدل على ما قالوه لا من جهة اللغة ولا من جهة الشرع ولا من جهة العقل ","part":1,"page":190},{"id":72,"text":" المسألة الثانية عشرة : ذهب الجمهور إلى أن الخطاب بمثل يا أيها الناس ونحوها من الصيغ يشمل العبيد والإماء وذهب جماعة إلى أنه لا يعمهم شرعا \r\n وقال أبو بكر الرازي من الحنفية إن كان الخطاب في حقوق الله فإنه يعمهم دون حقوق الآدميين فلا يعمهم والحق ما ذهب إليه الأولون ولا ينافي ذلك خروجهم في بعض الأمور الشرعية فإن ذلك إنما كان لدليل يدل على رفع الخطاب عنهم بها قال الأستاذ أبو منصور والقاضي أبو الطيب والكيا الطبري أن الذي عليه اتباع الأئمة الأربعة وهو الصحيح من مذهب الشافعي أنهم يدخلون إتباعا لموجب الصيغة ولا يخرجون إلا بدليل ولم يأت القائلون بخلاف ما ذهب إليه الجمهور بدليل يدل على ما ذهبوا إليه فإن ما زعموه من إجماع أهل العلم على عدم وجوب بعض الأمور الشرعية عليهم لا يصلح للاستدلال على محل النزاع لأن عدم وجوب ذلك عليهم لدليل خارجي اقتضى ذلك فكان كالمخصص لعموم الصيغة الشاملة لهم ","part":1,"page":192},{"id":73,"text":" المسألة الثالثة عشرة : ذهب الجمهور إلى دخول الكافر في الخطاب الصالح له وللمسلمين نحو يا أيها الناس إذا ورد مطلقا \r\n وذهب بعض الشافعية إلى اختصاصه بالمسلمين وقيل يدخلون في حقوق الله تعالى لا في حقوق الآدميين قال الصفي الهندي والقائلون بعدم دخول العبيد والكفار أن زعموا أنه لا يتناولهم من حيث اللغة فهو مكابرة وإن زعموا التناول لكن الكفر والرق في الشرع خصصهم فهو باطل للإجماع على أنهما مكلفان في الجملة وأما الخطاب الخاص بالمسلمين أو المؤمنين فحكى ابن السمعاني عن بعض الحنفية أنه لا يشمل غيرهم من الكفار ثم اختار التعميم لهم ولغيرهم لعموم التكليف بهذه الأمور والمسلمين خصصوا من باب خطاب التشريف لا خطاب التخصيص بدليل قوله { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا } وقد ثبت تحريم الربا في حق أهل الذمة قال الزركشي وفيه نظر لأن الكلام في التناول بالصيغة لا بأمر خارج وقال بعضهم لا يتناولهم لفظا وإن قلنا أنهم مخاطبون إلا بدليل منفصل ","part":1,"page":192},{"id":74,"text":" المسألة الرابعة عشرة : الخطاب الوارد شفاها في عصر النبي صضص يا أيها الناس يا أيها الذين آمنوا ويسمى خطاب المواجهة \r\n قال الزركشي لا خلاف في شموله من بعدهم من المعدومين حال صدوره لكن هل هو باللفظ أو بدليل آخر من إجماع أو قياس فذهب جماعة من الحنفية والحنابلة إلى أنه يشملهم باللفظ وذهب الأكثرون إلى أنه لا يشملهم باللفظ لما عرف بالضرورة من دين الإسلام أن كل حكم تعلق بأهل زمانه صضص فهو شامل لجميع الأمة إلى يوم القيامة كما في قوله سبحانه { لأنذركم به ومن بلغ } وقوله صضص [ بعثت إلى الناس كافة ] وقوله تعالى { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم } إلى قوله { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم } قال ابن دقيق العيد في شرح العنوان الخلاف في أن خطاب المشافهة هل يشمل غير المخاطبين قليل الفائدة ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف عند التحقيق لأنه إما أن ينظر إلى مدلول اللفظ لغة ولا شك أنه لا يتناول غير المخاطبين وإما أن يقال أن المحكم يقصر على المخاطبين إلا أن يدل دليل على العموم في تلك المسألة بعينها وهذا باطل لما علم قطعا من الشريعة أن الأحكام عامة إلا حيث يرد التخصيص انتهى وبالجملة فلا فائدة لنقل ما احتج بها المختلفون في هذه المسألة لأنا نقطع بأن الخطاب الشفاهي إنما يتوجه إلى الموجودين وإن لم يتناولهم الخطاب فلهم حكم الموجودين في التكليف بتلك الأحكام حيث كان الخطاب مطلقا ولم يرد ما يدل على تخصيصهم بالموجودين ","part":1,"page":193},{"id":75,"text":" المسألة الخامسة عشرة : الخطاب الخاص بالأمة \r\n نحو : يا أيها الأمة لا يشمل الرسول صضص قال الصفي الهندي بلا خلاف وكذا قال القاضي عبد الوهاب في كتاب الإفادة وأما إذا كان الخطاب بلفظ يشمل الرسول نحو { يا أيها الناس } { يا أيها الذين آمنوا } { يا عبادي } فذهب الأكثرون إلى أنه يشمله وقال جماعة لا يشمله وان لم يكن كذلك كان شاملا له واستنكر هذا التفصيل إمام الحرمين الجويني لأن القول فيهما جميعا مسند إلى الله سبحانه والرسول مبلغ خطابه إلينا فلا معنى للتفرقة وفصل بعض أهل الأصول بتفصيل آخر فقال إن كان الخطاب من الكتاب فهو مبلغ عن الله سبحانه مندرج تحت عموم الخطاب وإن كان من السنة فإما أن يكون مجتهدا أو لا فإن قلنا مجتهد فيرجع إلى أن المخاطب هل يدخل تحت الخطاب أم لا وإن لم يكن مجتهدا فهو مبلغ والمبلغ داخل تحت الخطاب والحق أن الخطاب بالصيغة التي تشمله يتناوله بمتقضى اللغة العربية لا شك في ذلك لا شبهة حيث كان الخطاب من جهة الله سبحانه تعالى وإن كان الخطاب من جهته صضص فعلى الخلاف الآتي في دخول المخاطب في خطابه وما قيل من أنه لا فائدة في الخلاف في هذه المسألة مدفوع بظهور الفائدة في الخطابات العامة وإذا فعل صضص ما يخالفها فإن قلنا أنه داخل في العموم كان فعله تخصيصا وإن قلنا ليس بداخل لم يكن فعله مخصصا لذلك العموم بل يبقى على عمومه وأما الخطاب المختص بالرسول صضص نحو يا أيها النبي الرسول ويا أيها النبي فذهب الجمهور إلى أنه لا يدخل تحته الأمة إلا بدليل من خارج وقيل أنه يشمل الأمة روى ذلك عن أبي حنيفة وأحمد واختاره إمام الحرمين وابن السمعاني قال في المحصول وهؤلاء أن زعموا أن ذلك مستفاد من اللفظ فهو جهالة وإن زعموا أنه مستفاد من دليل آخر وهو قوله { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } وما يجري مجرى ذلك فهو خارج عن هذه المسألة لأن الحكم عندنا إنما أوجب على الأمة لا بمجرد الخطاب المتناول للنبي صضص فقط بل بالدليل الآخر انتهى قال الزركشي وما قالوه بعيد إلا أن يحمل على التعبير بالكبير عن اتباعه فيكون مجازا لا حقيقة وحكى إمام الحرمين أنه قال إما أن ترد الصيغة في التخصيص أو لا فإن وردت فهو خاص وإلا فهو عام لأنا لم نجد دليلا قاطعا على التخصيص ولا على التعميم انتهى ولا يخفاك ضعف هذا التفصيل وركاكة ما أخذه لأن النزاع إنما هو في نفس الصيغة وهي خاصة بلا شك فورودها في محل التخصيص لا يزيدها تخصيصا باعتبار اللفظ ورودها في محل التعميم لا يوجب من حيث اللفظ أن تكون عامة فإن كان ذلك في حكم الدليل على فهو غير محل النزاع ","part":1,"page":193},{"id":76,"text":" المسألة السادسة عشرة : الخطاب الخاص بواحد من الأمة أن صرح بالاختصاص به \r\n كما في قوله صضص [ تجزئك ولا تجزئ أحدا بعد ] فلا شك في اختصاصه بذلك المخاطب وإن لم يصرح فيه بالاختصاص بذلك المخاطب فذهب الجمهور إلى أنه مختص بذلك المخاطب ولا يتناول غيره إلا بدليل من خارج وقال بعض الحنابلة وبعض الشافعية أنه يعم بدليل ما روى من قوله صضص [ حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ] وما روى عنه صضص [ إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة ] ونحو ذلك ولا يخفى أن الاستدلال بهذا خارج عن محل النزاع فإنه لا خلاف أنه إذا دل دليل من خارج على أن حكم غير ذلك المخاطب كحكمه كان له حكمه بذلك الدليل وإنما النزاع في نفس تلك الصيغة الخاصة هل تعم بمجردها أم لا فمن قال إنها تعمها بلفظها فقد جاء بما لا تفيده لغة العرب ولا تقتضيه بوجه من الوجوه قال القاضي أبو بكر هو عام بالشرع لا بالوضع للقطع باختصاصه به لغة قال إمام الحرمين الجويني لا ينبغي أن يكون في هذه المسألة خلاف إذ لا شك أن الخطاب خاص لغة بذلك الواحد ولا خلاف أنه عام بحسب العرف الشرعي وقيل بل الخلاف معنوي لا لفظي لأنا نقول الأصل ما هو هل هو مورده الشرعي أو مقتضى اللغة قال الصفي الهندي لا نسلم أن الخطاب عام في العرف الشرعي قال الزركشي والحق أن التعميم منتف لغة ثابت شرعا والخلاف في أن للعادة هل تقتضي بالاشتراك بحيث يتبادر فهم أهل العرب إليها أولا فأصحابنا يعنى الشافعية يقولون لا قضاء للعادة في ذلك كما لا قضاء للغة والخصم يقول إنها تقتضي بذلك انتهى والحاصل في هذه المسألة على ما يقتضيه الحق ويوجبه الإنصاف عدم التناول لغير المخاطب من حيث الصيغة بل بالدليل الخارجي وقد ثبت عن الصحابة فمن بعدهم الاستدلال بأقضيته صضص الخاصة بالواحد أو الجماعة المخصوصة على ثبوت مثل ذلك لسائر الأمة فكان هذا مع الأدلة الدالة على عموم الرسالة وعلى استواء أقدام هذه الأمة في الأحكام الشرعية مفيدا لإلحاق غير ذلك المخاطب به في ذلك الحكم عند الإطلاق إلى أن يقوم الدليل الدال على اختصاصه بذلك فعرفت بهذا أن الراجح التعميم حتى يقوم دليل التخصيص لا كما قيل أن الراجح التخصيص حتى يقوم دليل التعميم لأنه قد قام كما ذكرناه ","part":1,"page":194},{"id":77,"text":" المسألة السابعة عشرة : اختلفوا في المخاطب بكسر الطاء هل يدخل في عموم خطابه \r\n ؟ فذهب الجمهور إلى أنه يدخل ولا يخرج عنه إلا بدليل قال الأستاذ أبو منصور وهو الصحيح من مذهب الشافعي قال الأستاذ أبو منصور وفائدة الخلاف فيما إذا ورد منه صضص لفظ عام في إيجاب حكمه أو حظره أو إباحته هل يدل ذلك على دخوله فيه أم لا قال ابن برهان في الأوسط ذهب معظم العلماء إلى أن الأمر لا يدخل تحت الخطاب ونقل عبد الجبار وغيره من المعتزلة دخوله انتهى ونقله لهذا القول عن معظم العلماء يخالف نقل الأستاذ أبي منصور والرازي في المحصول وابن الحاجب في مختصر المنتهى وغيرهم فإنهم جعلوا دخول المخاطب في خطابه مذهب الأكثرين وقال إمام الحرمين الجويني أن خطابه يتناوله بنفسه ولكنه خارج عنه عادة فذهب إلى التفصيل وتابعه على هذا التفصيل الكيا الهراس قال الصفي الهندي هذه المسألة قد تعرض في الأمر مرة وفي النهي مرة وفي الخبر مرة والجمهور على دخوله انتهى والذي ينبغي اعتماده أن يقال إن كان مراد القائل بدخوله في خطابه أن ما وضع للمخاطب يشمل المتكلم وضعا فليس كذلك وإن كان المراد أنه يشمله حكما فمسلم إذا دل عليه دليل وكان الوضع شاملا له كألفاظ العموم ","part":1,"page":195},{"id":78,"text":" المسألة الثامنة عشرة : اختلفوا في المقتضي هل هو عام أم لا ؟ \r\n ولا بد من تحرير تصويره قبل نصب الخلاف فيه فنقول المقتضي بكسر الضاد هو اللفظ الطالب للإضمار بمعنى أن اللفظ لا يستقيم إلا بإضمار شيء وهناك مضمرات متعددة فهل يقدر جميعها أو يكتفي بواحد منها وذلك التقدير هو المقتضى بفتح الضاد وقد ذكروا لذلك أمثلة مثل قوله تعالى : { الحج أشهر معلومات } ومثل قوله صضص [ رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ] فإن هذا الكلام لا يستقيم بلا تقدير لوقوعهما من الأمة فقدروا في ذلك تقديرات مختلفة كالعقوبة والحساب والضمان ونحو ذلك ونحو قوله صضص [ إنما الأعمال بالنيات ] وأمثال ذلك كثيرة فذهب بعض أهل العلم إلى أنه يحمل على العموم في كل ما يحتمله لأنه أعم فائدة وذهب بعضهم إلى أنه يحمل على الحكم المختلف فيه لأن ما سواه معلوم بالإجماع قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وهذا كله خطأ لأن الحمل على الجميع لا يجوز وليس هناك لفظ يقتضي العموم ولا يحمل على موضع الخلاف لأنه ترجيح بلا مرجع انتهى وذهب الجمهور إلى أنه لا عموم له بل يقدر منها ما دل الدليل على إرادة فإن لم يدل دليل على إرادته واحد منها بعينه كان مجملا بينها وبتقدير الواحد منها الذي قام الدليل على أنه المراد يحصل المقصود وتندفع الحاجة فكان ذكر ما عداه مستغنى عنه وأيضا قد تقرر أنه يجب التوقف فيما تقتضيه الضرورة على قدر الحاجة وهذا هو الحق وقد اختاره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي والغزالي وابن السمعاني وفخر الدين الرازي والآمدي وابن الحاجب قال الرازي في المحصول مستدلا للقائلين بعموم المقتضى بأن إضمار أحد الحكمين ليس بأولى من إضمار الآخر فإما أن لا يضمر حكم أصلا وهو غير جائز لأنه تعطيل لدلالة اللفظ أو يضمر الكل وهو المطلوب وهكذا استدل لهم ولم يجب عن ذلك وأجاب الآمدي عنه بأن قولهم ليس إضمار البعض أولى من البعض إنما يلزم أن لو قلنا بإضمار حكم معين وليس كذلك بل إضمار حكم ما والتعيين إلى الشارح ثم أورد عليه بأنه يلزم الإجمال وأجاب بأن إضمار الكل يلزم منه تكثير مخالفة الأصلي وكل منهما يعني الإجمال وإضمار الكل خلاف الأصل قال ابن برهان وإذا قلنا ليس بمجمل فقيل يصرف إطلاقه في كل عين إلى المقصود واللائق به وقيل يضمر الموضع المختلف فيه لأن المجمع عليه مستغن عن الدليل حكى ذلك الشيخ أبو إسحاق الشيرازي قال الأصفهاني في شرح المحصول أن قلنا المقتضى له عموم أضمر الكل وإن قلنا لا عموم له فهل يضمر ما يفهم من اللفظ بعرف الاستعمال قبل الشرع أو يضمر حكم من غير تعيين وتعيينه إلى المجتهد والأول اختيار الغزالي والثاني اختيار الآمدي والثالث التوقف انتهى وهذا الخلاف في هذه المسألة إنما هو فيما إذا لم يفهم بدليل يدل على تعيين أحد الأمور الصالحة للتقدير أما إذا قام الدليل على ذلك فلا خلاف في أنه يتعين للتقدير ما قام الدليل على تقديره كقوله سبحانه { حرمت عليكم الميتة } و { حرمت عليكم أمهاتكم } فإنه قد قام الدليل على أن المراد في الآية الأولى تحريم الأكل وفي الثانية الوطء ","part":1,"page":196},{"id":79,"text":" المسألة التاسعة عشرة : اختلفوا في المفهوم هل له عموم أم لا ؟ \r\n فذهب الجمهور إلى أن له عموما وذهب القاضي أبو بكر الغزالي وجماعة من الشافعية إلى أنه لا عموم له قال الغزالي من يقول بالمفهوم قد يظن أن له عموما ويتمسك به ثم رده بأن العموم من عوارض الألفاظ والمفهوم ليست دلالته لفظية فإذا قال في سائمة الغنم الزكاة فنفى الزكاة عن المعلوفة ليس بلفظ حتى يعم أو يخص أورد ذلك صاحب المحصول فقال إن كنت لا تسميه عموما لأنك لا تطلق لفظ العام إلا على الإلفاظ فالنزاع لفظي وإن كنت تعني به أنه لا يعرف منه انتفاء الحكم عن جميع ما عداه فهو باطل لأن البحث على أن المفهوم هل له عموم أم لا ومتى ثبت كون المفهوم حجة لزم القطع بانتفائه عما عداه لأنه لو ثبت الحكم في غير المذكور لم يكن لتخصيصه بالذكر فائدة انتهى قال القرافي والظاهر من حال الغزالي أنه إنما خالف في التسمية لأن لفظ العموم إنما وضع للفظ لا للمعنى قال ابن الحاجب إنما أراد الغزالي أن العموم لم يثبت بالمنطوق به فقط بل بواسطته وهذا مما لا خلاف فيه وقال الخلاف لا يتحقق في هذه المسألة قال ابن الأنباري في شرح البرهان أن القائل بأن للمفهوم عموما مستنده أنه إذا قيل له في سائمة الغنم الزكاة فقد تضمن ذلك قولا آخر وهو لا زكاة في المعلوفة وهو ولو صرح بذلك لكان عاما في المقصود أما إذا وجدنا صورة من صور المفهوم موافقة للمنطوق به فهل نقول بطل المفهوم بالكلية حتى لا يتمسك به في غير تلك الصورة ؟ أو نقول يتمسك به فيما وراء ذلك هذا موضع نظر قال والأشبه بناء ذلك على أن مستند المفهوم ماذا هل هو البحث عن فوائد التخصيص كما هو اختيار الشافعي فلا يصح أن يكون له عموم وإن قلنا استناده إلى عرف لغوي فصحيح وخرج من كلامه وكلام الشيخ أن الخلاف معنوي وليس الخلاف لفظيا كما زعموا انتهى قال العضد في شرحه لمختصر المنتهى وإذا حرر محل النزاع لم يتحقق خلاف لأنه أن فرض النزاع في أن مفهومي المرافقة والمخالفة يثبت بهما الحكم في جميع ما سوى المنطوق من الصور أو لا فالحق النفي وهو مراد الغزالي وهم لا يخالفونه فيه ولا ثالث هاهنا يمكن فرضه محل النزاع والحاصل أنه نزاع لفظي يعود إلى تفسير العام بأنه ما يستغرق في محل النطق أو ما يستغرق في الجملة انتهى قال الزركشي ما ذكروه من عموم المفهوم حتى يعمل به فيما عدا المنطوق يجب تأويله على أن المراد ما إذا كان المنطوق جزئيا وبيانه أن الإجماع على أن الثابت بالمفهوم إنما هو نقيض المنطوق والإجماع على أن نقيض الجزئي المثبت كلي سالب ومن هاتين المقدمتين يعلم أن ما كان منطوقه كليا سالبا كان مفهومه جزئيا سالبا فيجب تأويل قولهم أن المفهوم عام على ما إذا كان المنطوق به خاصا ليجتمع أطراف الكلام انتهى وقد تقدم في مسألة الخلاف في كون العموم من عوارض الألفاظ فقط أم من عوارض الألفاظ والمعاني ؟ وكذلك سيأتي إن شاء الله تعالى في بحث المفهوم ما إذا تأملته زادك بصيرة ","part":1,"page":197},{"id":80,"text":" المسألة الموفية للعشرين : قال الإمام الشافعي ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال \r\n قال في المحصول مثاله أن ابن غيلان أسلم على عشر نسوة فقال النبي صضص [ أمسك أربعا منهن وفارق سائرهن ] ولم يسأل عن كيفية ورود عقده عليهن في الجمع والترتيب فكان إطلاقه القول دالا على أنه لا فرق بين أن تتفق تلك العقود معا أو على الترتيب وهذا فيه نظر لاحتمال أنه صضص عرف خصوصا فأجاب بناء على معرفته ولم يستفصل انتهى ويجاب عنه بأن هذا الاحتمال إنما يصار إليه إذا كان راجحا وليس بمساو فضلا عن أن يكون راجحا ","part":1,"page":198},{"id":81,"text":" المسألة الحادية عشرون : ذكر علماء البيان أن حذف المتعلق يشعر بالتعميم \r\n نحو زيد يعطي ويمنع ونحو قوله تعالى : { والله يدعو إلى دار السلام } فينبغي أن يكون ذلك من أقسام العموم وإن لم يذكره أهل الأصول قال الزركشي وفيه بحث فإن ذلك مما أخذ من القرائن وحينئذ فإن دلت القرينة على أن المقدر يجب أن يكون عاما فالتعميم من عموم المقدر سواء ذكر أو حذف وإلا فلا دلالة على التعميم فالظاهر أن العموم فيما ذكر إنما هو لدلالة القرينة على أن المقدر عام والحذف إنما هو لمجرد الاختصار لا للتعميم ","part":1,"page":198},{"id":82,"text":" المسألة الثانية والعشرون : الكلام العام على طريقة المدح أو الذم \r\n نحو { إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم } ونحو { والذين هم لفروجهم حافظون } ذهب الجمهور إلى أنه عام ولا يخرجه عن كونه عاما حسبما تقضيه الصيغة كونه مدحا أو ذما وذهب الشافعي وبعض أصحابه إلى أنه لا يقتضي العموم وحكى أبو الحسين بن القطان والأستاذ أبو منصور وسليم الرازي وابن السمعاني وجهين في ذلك لأصحاب الشافعي وروى القول بعدم عمومه عن القاشاني والكرخي نقله عن الأول أبو بكر الرازي وعن الثاني ابن برهان وقال الكيا الهراس أنه الصحيح وبه جزم القفال الشاشي وقال لا يحتج بقوله { والذين يكنزون الذهب والفضة } على وجوب الزكاة في قليل الذهب والفضة وكثيرهما بل مقصود الآية الوعيد لتارك الزكاة وكذا لا يحتج بقوله { والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم } على ما يحل منها وما لا يحل وكان فيها بيان أن الفرج لا يجب حفظه عنهما ثم إذا احتيج إلى تفصيل ما يحل بالنكاح أو بملك اليمين صير فيه إلى ما قصد تفصيله مثل { حرمت عليكم أمهاتكم } انتهى والراجح ما ذهب إليه الجمهور لعدم التنافي بين قصد العموم والمدح أو الذم ومع عدم التنافي يجب التمسك بما يفيده اللفظ من العموم ولم يأت من منع من عمومه عند قصد المدح أو الذم بما تقوم به الحجة ","part":1,"page":199},{"id":83,"text":" المسألة الثالثة والعشرون : ورود العام على سبب خاص وقد أطلق جماعة من أهل الأصول أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب \r\n وحكوا ذلك إجماعا كما رواه الزركشي في البحر قال ولا بد في ذلك من تفصيل وهو أن الخطاب أما أن يكون جوابا لسؤال سائل أو لا فإن كان جوابا فإما أن يستقل بنفسه أو لا فإن لم يستقل بحيث لا يحصل الابتداء به فلا خلاف في أنه تابع للسؤال في عمومه وخصوصه السؤال قوله تعالى : { فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم } وقوله في الحديث أينقص الرطب إذا جف قالوا نعم قال فلا إذا وكقولك القائل وطئت في نهار رمضان عامدا فيقول عليك الكفارة فيجب قصر الحكم على السائل ولا يعم غيره إلا بدليل من خارج يدل على أنه عام في المكلفين أو في كل من كان بصفته ومثال عمومه ما لو سئل عمن جامع امرأته في نهار رمضان فقال يعتق رقبة فهذا عام في كل واطئ في نهار رمضان وقوله يعتق وإن كان خاصا بالواحد لكنه لما كان جوابا عمن جامع امرأته بلفظ يعم كل من جامع كان الجواب كذلك وصار السؤال معادا في الجواب قال الغزالي وهذا يشترط فيه أن يكون حال غير المحكوم عليه كحاله في كل وصف مؤثر للحكم وجعل القاضي في التقريب من هذا الضرب قوله [ أنتوضأ بماء البحر فقال هو الطهور ماؤه ] قال لأن الضمير لا بد له من أن يتعلق بما قبله ولا يحسن أن يبتدأ به قال الزركشي وفي هذا نظر لأن هذا ضمير شأن ومن شأنه صدر الكلام وإن لم يتعلق بما قبله قال وقد رجع القاضي في موضع آخر فجعله من القسم الثاني وهو الصواب وبه صرح ابن برهان وغيره وإن استقل الجواب بنفسه بحيث لو ورد مبتدأ لكان كلاما تاما مفيدا للعموم فهو على ثلاثة أقسام لأنه أما أن يكون أخص أو مساويا أو أعم \r\n الأول : أن يكون الجواب مساويا له يزيد عليه ولا ينقص كما لو سئل عن ماء البحر فقال ماء البحر لا ينجسه شيء فيجب حمله على ظاهره بلا خلاف وكذلك قال ابن فورك والأستاذ أبو إسحاق الإسفرائني وابن القشيري وغيرهم \r\n الثاني : أن يكون الجواب أخص من السؤال مثل أن يسأل عن أحكام المياه فيقول ماء البحر طهور فيختص ذلك بماء البحر ولا يعم بلا خلاف كما حكاه الأستاذ أبو منصور وابن القشيري وغيرهما \r\n الثالث : أن يكون الجواب أعم من السؤال وهما قسمان : \r\n أحدهما : أن يكون أعم منه في حكم آخر غير ما سئل عنه كسؤالهم عن التوضؤ بماء البحر وجوابه صضص بقوله [ هو الطهور ماؤه والحل ميتته ] فلا خلاف أنه عام لا يختص بالسائل ولا بمحل السؤال من ضرورتهم إلى الماء وعطشهم بل يعم حال الضرورة والاختيار كذا قال ابن فورك وصاحب المحصول وغيرهما وظاهر كلام القاضي أبي الطيب وابن برهان أنه يجري في هذا الخلاف الآتي في القسم الثاني وليس بصواب كما لا يخفى \r\n القسم الثاني : أن يكون الجواب أعم من السؤال في ذلك الحكم الذي وقع السؤال عنه كقوله لما سئل عن كقوله لما سئل عن ماء بئر بضاعة الماء طهور لا ينجسه شيء وكقوله لما سئل عمن اشتري عبدا فاستعمله ثم وجد فيه عيبا الخراج بالضمان وهذا القسم محل الخلاف وفيه مذاهب : \r\n المذهب الأول : الأول أنه يجب قصره على ما خرج عليه السؤال وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي وحكاه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وسليم الرازي وابن برهان وابن السمعاني عن المزني وأبي ثور القفال والدقاق وحكاه أيضا الشيخ أبو منصور عن أبي الحسن الأشعري وحكاه أيضا بعض المتأخرين عن الشافعي وحكاه القاضي عبد الوهاب والباجي عن أبي الفرج من أصحابهم وحكاه الجويني في البرهان عن أبي حنيفة وقال إنه الذي صح عندنا من مذهب الشافعي وكذا قال الغزالي في المنخول ومعه فخر الدين الرازي في المحصول قال الزركشي والذي في كتب الحنفية وصح عن الشافعي خلافه ونقل هذا المذهب القاضي أبي الطيب والماوردي وابن برهان وابن السمعاني عن مالك \r\n المذهب الثاني : أنه يجب حمله على العموم لأن عدول المجيب عن الخاص المسؤول عنه إلى العام دليل على إرادة العموم ولأن الحجة قائمة بما يفيده اللفظ وهو يقتضي العموم ووروده على السبب لا يصلح معارضا وإلى هذا ذهب الجمهور قال الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والماوردي وابن برهان وهو مذهب الشافعي واختاره أبو بكر الصيرفي وابن القطان قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وابن القشيري والكيا الطبري والغزالي إنه الصحيح وبه جزم القفال الشاشي قال والأصل أن العموم له حكمه إلا أن يخصه دليل والدليل قد اختلف فإن كان في الحال دلالة يعقل بها المخاطب أن جوابه العام يقتصر به على ما أجيب عنه أو على جنسه فذاك وإلا فهو عام في جميع ما يقع عليه عمومه وحكا هذا المذهب ابن كنج عن أبي حنيفة والشافعي وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أكثر الشافعية والحنفية وحكاه القاضي عبد الوهاب عن الحنفية وأكثر الشافعية والمالكية وحكاه الباجي عن اكثر المالكية والعراقيين قال القاضي في التقريب وهو الصحيح لأن الحكم معلق بلفظ الرسول دون ما وقع عليه السؤال ولو قال ابتداء وجب حمله على العموم فكذلك إذا صدر جوابا انتهى وهذا المذهب هو الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة لأن التعبد للعباد إنما هو باللفظ الوارد عن الشارع وهو عام ووروده على سؤال خاص لا يصلح قرينة لقصره على ذلك السبب ومن ادعى أنه يصلح لذلك فليأت بدليل تقوم به الحجة ولم يأت أحد من القائلين بالقصر على السبب بشيء يصلح لذلك وإذا ورد في بعض المواطن ما يقتضي قصر ذلك العام الوارد فيه على سببه لم يجاوز به محله بل يقصر عليه ولا جامع بين الذي ورد فيه بدليل يخصه وبين سائر العمومات الواردة على أسباب خاصة حتى يكون ذلك الدليل في ذلك الموطن شاملا لها \r\n المذهب الثالث : الوقف حكاه القاضي في التقريب ولا وجه له لأن الأدلة هنا لم تتوازن حتى يقتضي ذلك التوقف \r\n المذهب الرابع : التفصيل بين أن يكون السبب هو سؤال سائل فيختص به وبين أن يكون السبب مجرد وقوع حادثة كان وذلك القوم العام واردا عند حدوثها فلا يختص بها كذا حكاه عبد العزيز في شرح البزدوي \r\n المذهب الخامس : أنه إن عارض هذا العام الوارد سبب عموم آخر خرج ابتداء بلا سبب فإنه يقصر على سببه وإن لم يعارضه فالعبرة بعمومه قال الأستاذ أبو منصور هذا هو الصحيح انتهى وهذا لا يصلح أن يكون مذهبا مستقلا فإن هذا العام الخارج ابتداء من غير سبب إذا صلح للدلالة فهو دليل خارج يوجب القصر ولا خلاف في ذلك على المذاهب كلها ","part":1,"page":199},{"id":84,"text":" المسألة الرابعة والعشرون : ذكر بعض أفراد العام الموافق له في الحكم لا يقتضي التخصيص عند الجمهور \r\n والحاصل أنه إذا وافق الخاص العام في الحكم فإن كان بمفهومه ينفي الحكم عن غيره فمن أخذ بمثل ذلك المفهوم خصص به على الخلاف الآتي في مسألة التخصيص بالمفهوم وأما إذا لم يكن له مفهوم فلا يخصص به ومثال ذلك قوله صضص [ أيما إهاب دبغ فقد طهر ] مع قوله صضص في حديث آخر في شاة ميمونة دباغها طهورها فالتنصيص على الشاة في الحديث الآخر لا يقتضي تخصيص عموم أيما إهاب دبغ فقد طهر لأنه تنصيص على بعض إفراد العام بلفظ لا مفهوم له إلا مجرد مفهوم اللقب فمن أخذ به خصص به ومن لم يأخذ به لم يخصص به ولا متمسك لمن قال بالأخذ به كما سيأتي ومن أمثلة المسألة قوله صضص [ جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ] وفي لفظ آخر وتربتها ظهورا وقوله الطعام بالطعام مع قوله في حديث آخر البر بالبر إلخ وقد احتج الجمهور على عدم التخصيص بالمواقف للعام وذكر الحكم على بعض الأفراد التي شملها العام ليس بمناف فلا يكون ذكره مخصصا وقد أنكر بعض أهل العلم وقوع الخلاف في هذه المسألة وقال لما كان أبو ثور ممن يقول بمفهوم اللقب ظن أنه يقول بالتخصيص وليس كذلك قال الزركشي فإن قلت : فعلى قول الجمهور ما فائدة هذا الخاص مع دخوله في العام ؟ قلت يجوز أن تكون فائدته عدم جواز تخصيصه أو التفخيم له أو إثبات المزيد له على غيره من الأفراد قال ابن دقيق العيد إن كان ابو ثور نص على هذه القاعدة فذاك وان كان اخذها له بطريق الاستنباط من مذهبه في مفهوم اللقب فلا يدل على ذلك ","part":1,"page":202},{"id":85,"text":" المسألة الخامسة والعشرون : إذا علق الشارع حكما على علة هل تعم تلك العلة حتى يوجد الحكم بوجودها في كل صورة ؟ \r\n فقال الجمهور بالعموم في جميع صور وجود العلة وقال القاضي أبو بكر لا يعم ثم اختلف القائلون بالعموم هل العموم باللغة أو بالشرع والظاهر أن ذلك العموم بالشرع لا باللغة فإنه لم يكن في الصيغة ما يقتضي ذلك بل اقتضى ذلك القياس وقد ثبت التعبد به كما سيأتي واحتج من قال بعدم العموم بأنه يحتمل أن يكون المذكور جزء علة والجزء الآخر خصوصية المحل وأجيب عنه بأن مجرد الاحتمال لا ينتهض للاستدلال فلا يترك به ما هو الظاهر ولكنه ينبغي تقييد هذه المسألة بأن يكون القياس الذي اقتضته العلة من الأقيسة التي ثبتت بدليل نقل أو عقل لا بمجرد محض الرأي والخيال المختل وسيأتي بمعونة الله إيضاح ذلك مستوفى ","part":1,"page":203},{"id":86,"text":" المسألة السادسة والعشرون : اختلفوا في العام إذا خص هل يكون حقيقة في الباقي أم مجازا ؟ \r\n فذهب الأكثرون إلى أنه مجاز في الباقي مطلقا سواء كان ذلك التخصيص بمتصل أو منفصل وسواء كان بلفظ أو بغيره واختاره البيضاوي وابن الحاجب والصفي الهندي قال ابن برهان في الأوسط وهو المذهب الصحيح ونسبه الكيا الطبري إلى المحققين ووجهة أنه موضوع للمجموع فإذا أريد به البعض فقد أريد به غير ما وضع له وذلك هو المجاز وأيضا لو كان حقيقة في البعض كما كان حقيقة في الكل لزم أن يكون مشتركا فيكون حقيقة في معنيين مختلفين والمفروض أنه حقيقة في معنى واحد وأيضا قد تقرر أن المجاز خير من الاشتراك كما تقدم فيكون مقدما عليه \r\n وذهب جماعة عن أهل العلم إلى أنه حقيقة فيما بقي مطلقا قال الشيخ أبو حامد الإسفرائني وهذا مذهب الشافعي وأصحابه وهو قول مالك وجماعة من أصحاب أبي حنيفة ونقله ابن برهان عن أكثر الشافعية وقال إمام الحرمين هو مذهب جماعة الفقهاء وحكاه ابن الحاجب عن الحنابلة قالوا ووجه ذلك أن اللفظ إذا كان متناولا حقيقة باتفاق فالتناول باق على ما كان عليه ولا يضره طرد عدم تناول الغير وأجيب بأنه كان يتناوله مع غيره والآن يتناوله وحده وهما متغايران وقالوا أيضا أنه يسبق إلى الفهم من غير قرينة وأجيب بأنه إنما يسبق إلى الفهم مع القرينة إذ السابق مع عدمها هو العموم وهذا دليل المجاز قال العضد وقد يقال إرادة الباقي معلومة دون القرينة إنما المحتاج إلى القرينة عدم إرادة الإخراج انتهى \r\n ويجاب عنه بأنه إرادة الباقي وحده دون غيره يحتاج إلى قرينة وذهب جماعة إلى أنه أن خص بمتصل لفظي كالاستثناء فحقيقة وان خص بمنفصل فمجاز حكاه الشيخ أبو حامد وابن برهان وعبد الوهاب عن الكرخي وغيره من الحنفية قال عبد الوهاب هو قول أكثرهم قال ابن برهان وإليه مال القاضي ونقله عنه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في اللمع واحتجوا بأنه مع التخصيص بمتصل كلام واحد ويجاب بأن ذلك المخصص المتصل هو القرينة التي كان سببا لفهم ارادة الباقي من لفظ العموم وهو معنى المجاز ولا فرق بين قرينة قريبة أو بعيدة متصلة أو منفصلة وذهب عبد الجبار إلى عكس هذا القول حكى ذلك عنه ابن برهان في الاوسط ولا وجه له وحكى الآمدي أنه أن خص بدليل لفظي كان حقيقة في الباقي سواء كان ذلك المخصص اللفظ متصلا أو منفصلا وإن خص بدليل غير لفظي كان مجازا ولا وجه لهذا أيضا لأن القرينة قد تكون لفظية وقد تكون غير لفظية وحكى أبو الحسين في المعتمد عن عبد الجبار أنه أن خص بالشرط والصفة فهو حقيقة وإلا فهو مجاز ولا وجه له أيضا وقد استدل له بما لا يصلح للاحتجاج به على محل النزاع وقال أبو الحسين البصري إن كان المخصص مستقلا فهو مجاز سواء كان عقليا أو لفظيا وذلك كقول المتكلم بالعام أردت به البعض الباقي بعد الإخراج وان لم يكن مستقلا فهو حقيقة كالاستثناء والشرط والصفة واختار هذا فخر الدين الرازي فإنه قال في المحصول قول أبي الحسين وهو أن القرينة المخصصة إن استقلت بنفسها صار مجازا وإلا فلا وتقريره أن القرينة المخصصة المستقلة ضربان عقلية ولفظية أما العقلية فكالدلالة الدالة على أن غير القادر غير مراد بالخطاب بالعبادات وأما اللفظية فيجوز أن يقول المتكلم بالعام أردت به البعض الفلاني وفي هذين القسمين يكون العام مجازا والدليل عليه أن اللفظ موضوع في اللغة للاستغراق فإذا استعمل هو بعينه في البعض فقد صار اللفظ مستعملا في غير مسماه لقرينة مخصصة وذلك هو المجاز فإن قلت لم لا يجوز أن يقال لفظ العموم وحده حقيقة في الاستغراق ومع القرينة المخصصة حقيقة في الخصوص قلت فتح هذا الباب يفضي إلى أن لا يوجد في الدنيا مجازا أصلا لأنه لا لفظ إلا ويمكن أن يقال أنه وحده حقيقة في كذا ومع القرينة حقيقة في المعنى الذي جعل مجازا عنه والكلام في أن العام المخصوص بقرينة مستقلة بنفسها هل هو مجاز أم لا انتهى ويجاب عنه بمنع كونه يفضي إلى ذلك ومجرد إمكان أن يقال لا اعتبار به بل الاعتبار بالدلالة الكائنة في نفس الدال مع عدم فتح باب الإمكان المفضي إلى سد باب الدلالة مطلقا فضلا عن سد باب مجرد المجاز وحكى الآمدي عن أبي بكر الرازي أنه أن بقي بعد التخصيص جمع فهو حقيقة وإلا فهو مجاز واختاره الباجي من المالكية وهذا لا ينبغي أن يعد مذهبا مستقلا لأنه لا بد أن يبقى أقل الجمع وهو محل الخلاف ولهذا قال القاضي أبو بكر الباقلاني والغزالي أن محل الخلاف فيما إذا كان الباقي أقل الجمع فأما إذا بقي واحد أو اثنان كما لو قال لو تكلم الناس ثم قال أردت زيدا خاصة فإنه يصير مجازا بل خلاف لأنه اسم جمع والواحد والاثنان ليسا بجمع انتهى وهكذا لا ينبغي أن يعد مذهبا مستقلا ما اختاره إمام الحرمين من أنه يكون حقيقة فيما بقي ومجازا فيما أخرج لأن محل النزاع هو فيما بقي فقط هل يكون العام فيه حقيقة أم لا ؟ ","part":1,"page":203},{"id":87,"text":" المسألة السابعة والعشرون : اختلفوا في العام بعد تخصيصه هل يكون حجة أم لا \r\n ومحل الخلاف فيما إذا خص بمبين أما إذا خص بمبهم كما لو قال تعالى : اقتلوا المشركين إلا بعضهم فلا يحتج به على شيء من الإفراد بلا خلاف إذ ما من فرد إلا ويجوز أن يكون هو المخرج وأيضا إخراج المجهول من المعلوم يصيره مجهولا وقد نقل الإجماع على هذا جماعة منهم القاضي أبو بكر وابن السمعاني والأصفهاني قال الزركشي في البحر وما نقلوه فليس بصحيح وقد حكى ابن برهان في الوجيز فصحح العمل به مع الإيهام واعتل بأنا إذا نظرنا إلى فرد شككنا فيه هل من المخرج والأصل عدمه فيبقى على الأصل ونعمل به إلى أن نعمل بالقرينة بأن الدليل المخصص معارض للفظ العام وإنما يكون معارضا عند العلم به قال الزركشي وهو في الإضراب عن المخصص والعمل بالعام في جميع أفراده وهو بعيد وقد رد الهندي هذا البحث بأن المسألة مفروضة في الاحتجاج به في الكل المخصوص وغيره ولا قائل به انتهى وقال بعض الشافعية بإحالة هذا محتجا بأن البيان لا يتأخر وهذا يؤدي إلى تأخره وأما إذا كان التخصيص بمبين فقد اختلفوا في ذلك على أقوال : \r\n الأول : أنه حجة في الباقي وإليه ذهب الجمهور واختاره الآمدي وابن الحاجب وغيرهما من محققي المتأخرين وهو الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة لأن اللفظ العام كان متناولا للكل فيكون حجة في كل واحد من أقسام ذلك الكل ونحن نعلم بالضرورة أن نسبة اللفظ إلى كل الأقسام على السوية فإخراج البعض منها بمخصص لا يقتضي إهمال دلالة اللفظ على ما بقي ولا يرفع التعبد به ولو توقف كونه حجة في البعض على كونه حجة في الكل للزم الدور وهو محال وأيضا المقتضى للعمل به فيما بقي موجود وهو دلالة اللفظ عليه والمعارض مفقود فوجد المقتضى وعدم المانع فوجب ثبوت الحكم وأيضا قد ثبت عن سلف هذه الأمة ومن بعدهم الاستدلال بالعمومات المخصوصة وشاع ذلك وذاع وأيضا قد قيل أنه ما من عموم إلا وقد خص وأنه لا يوجد عام غير مخصص فلو قلنا أنه غير حجة فما بقي للزم إبطال كل عموم ونحن نعلم أن غالب هذه الشريعة المطهرة إنما يثبت بعمومات \r\n القول الثاني : أنه ليس بحجة فيما بقي وإليه ذهب عيسى بن أبان وأبو ثور كما حكاه عنهما صاحب المحصول وحكاه القفال الشاشي عن أهل العراق وحكاه الغزالي عن القدرية قال ثم منهم من قال يبقى أقل الجمع لأنه المتيقن قال إمام الحرمين ذهب كثير من الفقهاء الشافعية والمالكية والحنفية و الجبائي و ابنه إلى أن الصيغة الموضوعة للعموم إذا خصت صارت مجملة ولا يجوز الاستدلال بها في بقية المسميات إلا بدليل كسائر المجازات وإليه مال عيسى بن أبان انتهى واستدلوا بأن معنى العموم حقيقة غير مراد مع تخصيص البعض وسائر ما تحته من المراتب مجازات وإذا كانت الحقيقة غير مرادة وتعددت المجازات كان اللفظ مجملا فيها فلا يحمل على شيء منها وأجيب بأن ذلك إنما يكون إذا كانت المجازات متساوية ولا دليل على تعين أحدهما وما قدمنا من الأدلة فقد دلت على حمله على الباقي فيصار إليه \r\n القول الثالث : أنه إن خص بمتصل كالشرط والصفة فهو حجة فيما بقي وإن خص بمنفصل فلا بل يصير مجملا حكاه الأستاذ أبو منصور عن الكرخي ومحمد بن شجاع الثلجي بالمثلثة والجيم قال أبو بكر الرازي كان شيخنا أبو الحسن الكرخي يقول في العام إذا ثبت خصوصه سقط الاستدلال باللفظ وصار حكمه موقوفا على دلالة أخرى من غير فيكون بمنزلة اللفظ وكان يفرق بين الاستثناء المتصل باللفظ وبين الدلالة من غير اللفظ فيقول أن الاستثناء غير مانع بقاء اللفظ فيما عدا المستثنى انتهى ولا يخفاك أن قوله سقط الاستدلال باللفظ مجرد دعوى ليس عليها دليل وقوله وصار حكمه الخ ضم دعوى إلى دعوى والأصل بقاء الدلالة والظاهر يقتضي ذلك فمن قال برفعها أو بعدم ظهورها لم يقبل منه ذلك إلا بدليل ولا دليل أصلا \r\n القول الرابع : إن التخصيص إن لم يمنع استفادة الحكم بالاسم وتعلقه بظاهره جاز التعلق به كما في قوله تعالى : { اقتلوا المشركين } لأن القيام الدلالة على المنع من قتل أهل الذمة لا يمنع من تعلق الحكم وهو القتل باسم المشركين وإن كان يمنع من تعلق الحكم بالاسم العام ويوجب تعلقه بشرط لا ينبئ عنه الظاهر لم يجز التعلق به كما في قوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } لأن قيام الدلالة على اعتبار النصاب والحرز وكون المسروق لا شبهة للسارق فيه بمنع من تعلق الحكم وهو القطع بعموم اسم السارق ويوجب تعلقه بشرط لا ينبئ عنه ظاهر اللفظ وإليه ذهب أبو عبد الله البصري تلميذ الكرخي ويجاب عنه بأن محل النزاع دلالة اللفظ العام على ما بقي بعد التخصيص وهي كائنة في الموضعين والاختلاف بكون الدلالة في البعض الآخر باعتبار أمر خارج لا يقتضي ما ذكره من التفرقة المفضية إلى سقوط دلالة الدال أصلا وظاهرا \r\n القول الخامس : إن كان لا يتوقف على البيان قبل التخصيص ولا يحتاج إليه كاقتلوا المشركين فهو حجة لأن مراده بين قبل إخراج الذمي وإن كان يتوقف على البيان ويحتاج إليه قبل التخصيص فليس بحجة كقوله تعالى : { أقيموا الصلاة } فإنه يحتاج إلى البيان قبل إخراج الحائض ونحوها وإليه ذهب عبد الجبار وليس هو بشيء ولم يدل عليه دليل من عقل ولا نقل \r\n القول السادس : أنه يجوز التمسك به في أقل الجمع لأنه المتعين ولا يجوز فيما زاد عليه هكذا حكى هذا المذهب القاضي أبو بكر والغزالي وابن القشيري وقال أنه يحكم وقال الصفي الهندي لعله قول من لا يجوز تخصيص التثنية وقد استدل لهذا القائل بأن أقل الجمع هو المتيقن والباقي مشكوك فيه ورد بمنع كون الباقي مشكوكا فيه لما تقدم من الأدلة \r\n القول السابع : أنه يتمسك به في واحد فقط حكاه في المنخول عن أبي هاشم وهو أشد تحكما مما قبله \r\n القول الثامن : الوقف فلا يعمل به إلا بدليل حكاه أبو الحسين بن القطان وجعله مغايرا لقول عيسى بن أبان ومن معه وهو مدفوع بأن الوقف إنما يحسن عند توازن الحجج وتعارض الأدلة وليس هناك شيء من ذلك ","part":1,"page":205},{"id":88,"text":" المسألة الثامنة والعشرون : إذا ذكر العام وعطف عليه بعض أفراده مما حق العموم أن يتناوله \r\n كقوله تعالى : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فهل يدل ذكر الخاص على أنه غير مراد باللفظ العام أم لا ؟ وقد حكى الروياني في البحر عن والده في كتاب الوصية أنه حكى اختلاف العلماء في هذه المسألة فقال بعضهم هذا المخصوص لا يدخل تحت العام لأنا لو جعلناه داخلا تحته لم يكن لإفراده بالذكر فائدة قال الزركشي في البحر وعلى هذا جرى أبو علي الفارسي وتلميذه ابن جني وظاهر كلام الشافعي يدل عليه فانه قال في حديث عائشة في الصلاة الوسطى وصلاة العصر أنه يدل على أن الصلاة الوسطى ليست العصر لأن العطف يقتضي المغايرة قال الروياني أيضا وقال بعضهم هذا المخصوص بالذكر هو داخل تحت العموم وفائدته التأكيد وكأنه ذكر مرة بالعموم ومرة بالخصوص وهذا هو الظاهر وقد أوضحنا هذا المقام بما لا مزيد عليه في شرحنا للمنتقى وإذا كان المعطوف خاصا فاختلفوا هل يقتضي تخصيص المعطوف عليه أم لا فذهب الجمهور إلى أنه لا يوجبه وقالت الحنفية يوجبه وقيل بالوقف ومثال هذه المسألة صضص [ لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ] فقال الأولون لا يقتل المسلم بالذمي لقوله لا يقتل مؤمن بكافر وهو عام في الحربي والذمي لأنه نكرة في سياق النفي وقالت الحنفية بل هو خاص والمراد به الكافر الحربي بقرينة عطف عليه وهو قوله ولا ذو عهد في عهده فيكون التقدير ولا ذو عهد في عهده بكافر قالوا والكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي فقط بالإجماع لأن المعاهد يقتل بالمعاهد فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه قال الأولون وهذا التقدير ضعيف لوجوه : \r\n أحدها : أن العطف لا يقتضي الاشتراك بين المتعاطفين من كل وجه \r\n الثاني : أن قوله ولا ذو عهد في عهده كلام تام فلا يحتاج إلى إضمار قوله بكافر لأن الإضمار خلاف الأصل والمراد حينئذ أن العهد عاصم من القتل وقد صرح أبو عبيد في غريب الحديث بذلك فقال أن قوله ولا ذو عهد جملة مستأنفة وإنما قيده بقوله في عهده لأنه لو اقتصر على قوله ولا ذو عهد لتوهم أن من وجد منه العهد ثم خرج منه لا يقتل فلما قال في عهده علمنا اختصاص النهي بحالة العهد \r\n الثالث : أن حمل الكافر المذكور على الحرب يلا يحسن لأن إهدار دمه معلوم من الدين بالضرورة فلا يتوهم أحد قتل مسلم به وقد أطال أهل الأصول الكلام في هذه المسألة وليس هناك ما يقتضي التطويل وقد قيل على ما ذهب إليه الأولون ما وجه الارتباط بين الجملتين إذ لا يظهر مناسبة لقوله ولا ذو عهد في عهده مطلقا مع قوله لا يقتل مسلم بكافر وأجاب عن ذلك الشيخ أبو إسحاق والسلام لا يقتل مسلم بكافر حتى أن ينجرد هذا عدا الكلام فتحملهم العداوة الشديدة بينهم على قتل كل كافر من معاهد وغيره فعقبه بقوله ولا ذو عهد في عهده ","part":1,"page":207},{"id":89,"text":" المسألة التاسعة والعشرون : نقل الغزالي والآمدي وابن الحاجب الإجماع على منع العمل بالعام قبل البحث عن المخصص \r\n واختلفوا في قدر البحث والأكثرون قالوا إلى أن يغلب الظن بعدمه وقال القاضي أبو بكر الباقلاني إلى القطع به وهو ضعيف إذ القطع لا سبيل إليه واشتراطه يفضي إلى عدم العمل بك لعموم واعلم أن في حكاية الإجماع نظرا فقد قال في المحصول قال ابن شريح لا يجوز التمسك بالعام ما لم يستقص في طلب المخصص فإذا لم يوجد بعد ذلك المخصص فحينئذ يجوز التمسك به في إثبات الحكم وقال الصيرفي يجوز التمسك به ابتداء ما لم يظهر دلالة مخصصة واحتج الصيرفي بأمرين : \r\n أحدهما : لو لم يجز التمسك بالعام إلا بعد طلب المخصص لم يجز التمسك بالحقيقة إلا بعد البحث هل يوجد ما يقتضي صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز وهذا باطل فذاك مثله بيان الملازمة أنه لو لم يجز التمسك بالعام إلا بعد طلب المخصص لكان ذلك لأجل الاحتراز عن الخطأ المحتمل وهذا المعنى قائم في التمسك بحقيقة اللفظ فيجب اشتراكهما في الحكم وبيان أن التمسك بالحقيقة لا يتوقف على طلب ما يوجب العدول إلى المجاز هو أن ذلك غير واجب في العرف بدليل أنهم يحملون الألفاظ على ظاهرها من غير بحث عن أنه هل وجد ما يوجب العدول أم لا وإذا وجب ذلك في العرف وجب أيضا في الشرع لقوله صضص [ ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ] والأمر الثاني أن الأصل عدم التخصيص وهذا يوجب ظن عدم التخصيص فيكفي في إثبات ظن الحكم واحتج ابن شريح أن بتقدير قيام المخصص لا يكون العموم حجة في صورة التخصيص فقبل البحث عن وجود المخصص يجوز أن يكون العموم حجة وأن لا يكون والأصل أن لا يكون حجة لأن إجراءه على العموم أولى من حمله على التخصيص ولما ظهر هذا القدر من التفاوت كفى ذلك في ثبوت الظن انتهى كلام المحصول وما ذكره من أن ما وجب في العرف وجب في الشرع ممنوع وما استدل به زاعما أنه من قول رسول الله صضص لم يثبت من وجه معتبر ولا شك أن الأصل عدم التخصيص فيجوز التمسك بالدليل العام لمن كان من أهل الاجتهاد الممارسين لأدلة الكتاب والسنة العارفين بها فإن عدم وجود المخصص لمن كان كذلك يسوغ له التمسك بالعام بل هو فرضه الذي تعبده الله به ولا ينافي ذلك تقدير وجود المخصص فإن مجرد هذا التقدير لا يسقط قيام الحجة بالعام ولا يعارض أصالة عدم الوجود وظهوره ","part":1,"page":208},{"id":90,"text":" المسألة الموفية ثلاثين : في الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به بخصوص \r\n قال الشيخ أبو حامد في تعليقه في كتاب البيع والفرق بينهما أن الذي أريد به الخصوص ما كان المراد أقل وما ليس بمراد هو الأكثر وقال أبو علي بن أبي هريرة العام المخصوص المراد به هو الأكثر وما ليس بمراد هو الأقل قال ويفترقان أن العام الذي أريد به الخصوص ما يكون المراد باللفظ أقل وما ليس بمراد باللفظ اكثر \r\n والثاني : أن المراد فيما أريد به الخصوص متقدم على اللفظ وفيما أريد به العموم متأخر عن اللفظ أو مقترن به وقال ابن دقيق العيد في شرح العنوان أن يتنبه للفرق بين قولنا هذا عام أريد به الخصوص وبين قولنا هذا عام مخصوص فإن الثاني أعم من الأول ألا ترى أن المتكلم إذا أراد باللفظ أولا ما دل عليه ظاهر العموم ثم أخرج بعد ذلك بعض ما دل عليه اللفظ كان عاما مخصوصا ولم يكن عاما أريد به الخصوص ويقال إنه منسوخ بالنسبة إلى البعض الذي أخرج وهذا متوجه إذا قصد العموم بخلاف ما إذا نطق بالعام مريدا به بعض ما يتناوله قال الزركشي وفرق بعض الحنابلة بينهما بوجهين الآخرين \r\n أحدهما : أن المتكلم إذا أطلق اللفظ العام فإن أراد به بعضا معينا فهو العام الذي أريد به الخصوص وإن إراد سلب الحكم عن بعض منه فهو العام المخصوص مثاله قام الناس فإذا أردت به سلب القيام عن زيد فهو عام مخصوص \r\n والثاني : أن العام الذي أريد به الخصوص إنما يحتاج إلى دليل معنوي يمنع إرادة الجميع فيتعين له البعض والعام المخصوص يحتاج إلى تخصيص اللفظ غالبا كالشرط والاستثناء والغاية قال وفرق بعض المتأخرين بأن العام الذي أريد به الخصوص هو أن يطلق العام ويراد به بعض ما يتناوله وهو مجاز قطعا لأنه استعمال اللفظ في بعض مدلوله وبعض الشيء غيره قال وشرط الإرادة في هذا أن تكون مقارنة لأول اللفظ ولا يكفي طردها في أثنائه لأن المقصود منها نقل اللفظ من معناه إلى غيره واستعماله في غير موضعه وليست الإرادة فيه إخراجا لبعض المدلول بل إرادة استعمال اللفظ في شيء آخر غير موضعه كما يراد باللفظ مجازه وأما العام المخصوص فهو العام المخصوص فهو العام الذي أريد به معناه مخرجا منه بعض أفراده فلا يشترط مقارنتها لأول اللفظ ولا تأخرها عنه بل يكفي كونها في أثنائه كالمشيئة في الطلاق وهذا موضع خلافهم في أن العام المخصوص مجاز أو حقيقة ومنشأ التردد أن إرادة إخراج بعض المدلول هل يصير اللفظ مرادا به الباقي أو لا وهو يقوى كونه حقيقة لكن الجمهور على المجاز والنية فيه مؤثرة في نقل اللفظ عن معناه إلى غيره وقال علي بن عيسى النحوي إذا أتى بصورة العموم والمراد به الخصوص فهو مجاز إلا في بعض المواضع إذا صار الأظهر الخصوص كقولهم غسلت ثيابي وصرمت نخلي وجاءت بنو تميم وجاءت الأزد انتهى قال الزركشي وظن بعضهم أن الكلام في الفرق بينهما مما أثاره المتأخرون وليس وكذلك فقد وقعت التفرقة بينهما في كلام الشافعي وجماعة من أصحابنا في قوله تعالى : { وأحل الله البيع } هل هو عام مخصوص أو عام أريد به الخصوص انتهى ولا يخفاك أن العام الذي أريد الخصوص هو ما كان مصحوبا بالقرينة عن التكلم به على إرادة المتكلم به بعض ما يتناوله بعمومه وهذا لا شك في كونه مجازا لا حقيقة لأنه استعمال اللفظ في بعض ما وضع له سواء كان المراد منه أكثره أو أقله فإنه لا مدخل للتفرقة بما قيل من إرادة الأقل في العام الذي أريد به الخصوص وإرادة الأكثر في العام المخصوص وبهذا يظهر لك أن العام الذي أريد به الخصوص مجاز على كل تقدير وأما العام المخصوص فهو الذي لا تقوم قرينة عند تكلم المتكلم به على أنه أراد بعض أفراده فيبقى متناولا لأفراده على العموم وهو عند هذا التناول حقيقة فإذا جاء المتكلم بما يدل على إخراج البعض منه كان على الخلاف المتقدم هل هو حقيقة في الباقي أم مجاز ","part":1,"page":209},{"id":91,"text":" الباب الرابع في الخاص والتخصيص والخصوص \r\n وفيه ثلاثون مسألة ","part":1,"page":212},{"id":92,"text":" المسألة الأولى : في حده \r\n فقيل الخاص هو اللفظ الدال على مسمى واحد ويعترض عليه بأن تقييده بالوحدة غير صحيح فإن تخصيص العام قد يكون بإخراج أفراد كثيرة من أفراد العام وقد يكون بإخراج نوع من أنواعه أو صنف من أصنافه إلا أن يراد بالمسمى الواحد ما هو أعم من أن يكون فردا أو نوعا أو صنفا لكنه يشكل عليه إخراج أفراد متعددة نحو أكرم القوم إلا زيدا وعمرا وبكرا ثم يرد على هذا الحد أيضا أنه يصدق على كل دال على مسمى واحد سواء كان مخرجا أولا قيل في حده هو ما دل على كثرة مخصوصة ويعترض عليه بان التخصيص قد يكون بفرد من الأفراد نحو أكرم القوم إلا زيدا وليس زيد وحده بكثر وأيضا يعترض عليه بأنه يصدق على كل لفظ يدل على كثرة سواء كان مخرجا من عموم أم لا إلا أن يراد بهذين الحدين تحديد الخاص من حيث هو خاص وأما التخصيص وهو المقصود بالذكر هنا فهو في اللغة الأفراد ومنه الخاصة وفي الاصطلاح تمييز بعض الجملة بالحكم كذا قال ابن السمعاني ويرد عليه العام الذي أريد به الخصوص وقيل بيان ما لم يرد بلفظ العام ويرد عليه أيضا بيان ما لم يرد بالعام الذي أريد به الخصوص وليس من التخصيص وقال العبادي التخصيص بيان المراد بالعام ويعترض عليه بأن التخصيص هو بيان ما لم يرد بالعام لا بيان ما أريد به وأيضا يدخل فيه العام الذي أريد به الخصوص وقال ابن الحاجب التخصيص قصر العام على بعض مسمياته واعترض عليه بأن لفظ القصر يحتمل القصر في التناول أو الدلالة أو الحمل أو الاستعمال وقال أبو الحسين هو إخراج بعض ما يتناوله الخطاب عنه واعترض عليه بأن ما أخرج فالخطاب لم يتناوله وأجيب بأن المراد ما يتناوله الخطاب بتقدير عدم المخصص وقيل هو تعريف أن العموم للخصوص وأورد عليه أنه تعريف التخصيص بالخصوص وفيه دور وأجيب بأن المراد بالتخصيص المحدود التخصيص في الاصطلاح وبالخصوص المذكور في الحد هو الخصوص في اللغة فتغايرا فلا دور قال القفال الشاشي إذا ثبت تخصيص العام ببعض ما اشتمل عليه علم أنه غير مقصود بالخطاب وأن المراد ما عداه ولا نقول إنه داخل في الخطاب فخرج منه بدليل وإلا لكان نسخا ولم يكن تخصيصا فإن الفارق بينهما أن النسخ رفع الحكم بعد ثبوته والتخصيص بيان ما قصد باللفظ العام قال الكيا الطبري والقاضي عبد الوهاب معنى قولنا إن العموم مخصوص أن المتكلم به قدر أراد بعض ما وضع له دون بعض وذلك مجاز لأنه شبيه بالمخصوص الذي يوضع في الأصل للخصوص وإرادة البعض لا تصيره موضوعا في الأصل لذلك ولو كان حقيقة لكان العام خاص وهو متناف وإنما يصير خاصا بالقصد كالأمر يصير أمرا بالطلب والاستدعاء وقد ذكر مثل هذا القاضي أبو بكر الباقلاني والغزالي وأما الخصوص فقيل هو كون اللفظ متناولا لبعض ما يصلح له لا لجميعه ويعترض عليه بالعام الذي أريد به الخصوص وقيل هو كون اللفظ متناولا للواحد المعين الذي لا يصلح إلا له ويعترض على تقييده بالوحدة مثل ما تقدم قال العسكري الفرق بين الخاص والخصوص بأن الخاص هو ما يراد به بعض ما ينطوي عليه لفظه بالوضع والخصوص ما اختص بالوضع لا بالإرادة وقيل الخاص ما يتناول أمرا واحدا بنفس الوضع والخصوص أن يتناول شيئا دون غيره وكان يصح أن يتناوله ذلك الغير وأما المخصص فيطلق على معان مختلفة فيوصف المتكلم بكونه مخصصا للعام بمعنى أنه أراد به بعض ما تناوله ويوصف الناصب لدلالة التخصيص بأنه مخصص ويوصف الدليل بأنه مخصص كما يقول السنة تخصص الكتاب ويوصف المعتقد لذلك بأنه مخصص وإذا عرفت أن المقصود في هذا الباب ذكر حد التخصيص دون الخاص والخصوص فالأولى في حده أن يقال هو إخراج بعض ما كان داخلا تحت العموم على تقدير عدم المخصص ","part":1,"page":212},{"id":93,"text":" المسألة الثانية : في الفرق بين النسخ والتخصيص \r\n إعلم أنه لما كان التخصيص شديد الشبه بالنسخ لاشتراكهما في اختصاص الحكم بعض ما يتناوله اللفظ احتاج أئمة الأصول إلى بيان الفرق بينهما من وجوه : \r\n الأول : أن التخصيص ترك بعض الأعيان والنسخ ترك الأعيان كذا قال الأستاذ الاسفرائني \r\n الثاني : أن التخصيص يتناول الأزمان والأعيان والأحوال بخلاف النسخ فإنه لا يتناول إلا الأزمان قال الغزالي وهذا ليس بصحيح إن الأعيان والأزمان ليسا من أفعال المكلفين والنسخ يرد على الفعل في بعض الأزمان والتخصيص يرد على الفعل في بعض الأحوال انتهى وهذا الذي ذكره هو فرق مستقل فينبغي أن يكون هو الوجه الثالث \r\n الوجه الرابع : أن التخصيص لا يكون إلا لبعض الأفراد بخلاف النسخ فإنه يكون لكل الأفراد ذكره البيضاوي \r\n الوجه الخامس : أن النسخ تخصيص الحكم بزمان معين بطريق خاص بخلاف التخصيص قاله أيضا الأستاذ واختاره البيضاوي واعترض عليه إمام الحرمين \r\n الوجه السادس : أن التخصيص تقليل والنسخ تبديل حكاه القاضي أبو الطيب عن بعض أصحاب الشافعي واعترض بأنه قليل الفائدة \r\n الوجه السابع : أن النسخ يتطرق إلى كل حكم سواء كان ثابتا في حق شخص واحد أو أشخاص كثيرة والتخصيص لا يتطرق إلا إلى الأول ومنهم من عبر عن هذا بعبارة أخرى فقال التخصيص لا يدخل في الأمر بمأمور واحد والنسخ يدخل فيه \r\n الوجه الثامن : أن التخصيص يبقى دلالة اللفظ على ما بقي تحته حقيقة كان أو مجازا على الخلاف السابق والنسخ يبطل دلالة حقيقة المنسوخ في مستقبل الزمان بالكلية \r\n الوجه التاسع : أنه يجوز تأخير النسخ عن وقت العمل بالمنسوخ ولا يجوز تأخير التخصيص عن وقت العمل بالمخصوص \r\n الوجه العاشر : أنه يجوز نسخ شريعة بشريعة أخرى ولا يجوز التخصيص قال القرافي وهذا الإطلاق وقع في كتب العلماء كثيرا أو المراد أن الشريعة المتأخرة قد تنسخ بعض أحكام الشريعة المتقدمة أما كلها فلا لأن قواعد العقائد لم تنسخ \r\n الوجه الحادي عشر : أن النسخ رفع الحكم بعد ثبوته بخلاف التخصيص فإنه بيان المراد باللفظ العام ذكره القفال الشاشي والعبادي في زياداته \r\n الوجه الثاني عشر : أن التخصيص بيان ما أريد بالعموم والنسخ بيان ما لم يرد بالمنسوخ ذكره الماوردي \r\n الوجه الثالث عشر : أن التخصيص يجوز أن يكون مقترنا بالعام أو متقدما عليه أو متأخرا عنه ولا يجوز أن يكون الناسخ متقدما على المنسوخ ولا مقترنا به بل يجب أن يتأخر عنه \r\n الوجه الرابع عشر : أن النسخ لا يكون إلا بقول وخطاب والتخصيص قد يكون بأدلة العقل والقرائن وسائر أدلة السمع \r\n الوجه الخامس عشر : أن التخيصص يجوز أن يكون بالإجماع والنسخ لا يجوز أن يكون بالإجماع \r\n الوجه السادس عشر : أن التخصيص يجوز أن يكون في الأخبار والأحكام والنسخ يختص بأحكام الشرع \r\n الوجه السابع عشر : أن التخصيص على الفور والنسخ على التراخي ذكره الماوردي قال الزركشي وفيه نظر \r\n الوجه الثامن عشر : أن تخصيص المقطوع بالمظنون واقع ونسخه به غير واقع وهذا فيه ما سيأتي من الخلاف \r\n الوجه التاسع عشر : أن التخصيص لا يدخل في غير العام بخلاف النسخ فإنه يرفع حكم العام والخاص \r\n الوجه الموفى عشرين : أن التخصيص يؤذن بأن المراد بالعموم عند الخطاب ما عداه والنسخ يحقق أن كل ما يتناوله اللفظ مراد في الحال وإن كان غير مراد فيما بعده هذا جملة ما ذكروه من الفروق وغير خاف عليك أن بعضها غير مسلم وبعضها يمكن دخوله في البعض الآخر منها ","part":1,"page":213},{"id":94,"text":" المسألة الثالثة : اتفق أهل العلم سلفا وخلفا على أن التخصيص للعمومات جائز \r\n ولم يخالف في ذلك أحد ممن يعتد به وهو معلوم من هذه الشريعة المطهرة لا يخفى على من له أدنى تمسك بها حتى قيل إنه لا عام إلا وهو مخصوص إلا قوله تعالى : { والله بكل شيء عليم } قال الشيخ علم الدين العراقي ليس في القرآن عام غير مخصوص إلا أربعة مواضع أحدها قوله : { حرمت عليكم أمهاتكم } فكل ما سميت أما من نسب أو رضاع وإن علت فهي حرام ثانيها قوله { كل من عليها فان } { كل نفس ذائقة الموت } ثالثها قوله تعالى { والله بكل شيء عليم } رابعها قوله { والله على كل شيء قدير } \r\n واعترض على هذا بأن القدرة لا تتعلق بالمستحيلات وهي أشياء وقد ألحق بهذه المواضع الأربعة قوله تعالى : { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } وقد استدل من لا يعتد به بما لا يعتد به فقال إن التخصيص يستلزم الكذب كما قال من قال بنفس المجاز أنه ينفي فيصدق في نفيه ورد ذلك بأن صدق النفي إنما يكون بقيد العموم وصدق الإثبات بقيد الخصوص فلم يتوارد النفي والإثبات على محل واحد وما قالوه من أنه يلزم البداء مردود بأن ذلك إنما يلزم لو أريد العموم الشامل لما خصص لكنه لم يرد ابتداء وإنما أريد الباقي بعد التخصيص وقد قيد بعض المتأخرين خلاف من خالف في جواز التخصيص ممن لا يعتد به بالأخبار لا بغيرها من الإنشاءات ومن جملة من قيده بذلك الآمدي وعلى كل حال فهو قول باطل ومذهب عن حلية التحقيق والحق عاطل ","part":1,"page":215},{"id":95,"text":" المسألة الرابعة : اختلفوا في المقدار الذي لا بد من بقائه بعد التخصيص \r\n على مذاهب : \r\n المذهب الأول : أنه لا بد من بقاء جمع يقرب من مدلول العام وإليه ذهب الأكثر وحكاه الآمدي عن أكثر أصحاب الشافعي قال وإليه مال إمام الحرمين ونقله الرازي عن أبي الحسين البصري ونقله ابن برهان عن المعتزلة قال الأصفهاني ما نسبه الآمدي إلى الجمهور ليس بجيد نعم اختاره الغزالي والرازي \r\n المذهب الثاني : أن العام إن كان مفردا كمن والألف واللام نحو اقتل من في الدار واقطع السارق جاز التخصيص إلى أقل المراتب وهو واحد لأن الاسم يصلح لهما جميعا وإن كان بلفظ الجمع كالمسلمين جاز إلى أقل الجمع وذلك إما ثلاثة أو اثنان على الخلاف قاله القفال الشاشي وابن الصباغ قال الشيخ أبو إسحاق الإسفرائيني لا خلاف في جواز التخصيص إلى واحد فيما إذ لم تكن الصيغة جمعا كمن والألف واللام \r\n المذهب الثالث : التفصيل بين أن يكون التخصيص بالاستثناء والبدل فيجوز إلى الواحد وإلا فلا يجوز قال الزركشي حكاه ابن المطهر وهذا المذهب داخل في المذهب السادس كما سيأتي \r\n المذهب الرابع : أنه يجوز إلى أقل الجمع مطلقا على حسب اختلافهم في أقل الجمع حكاه ابن برهان وغيره \r\n المذهب الخامس : أنه يجوز إلى الواحد في جميع ألفاظ العموم حكاه إمام الحرمين في التلخيص عن معظم أصحاب الشافعي قال وهو الذي اختاره الشافعي ونقله ابن السمعاني في القواطع عن سائر أصحاب الشافعي ما عدا القفال وحكاه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني في أصول عن إجماع الشافعية وحكاه ابن الصباغ في العدة عن أكثر الشافعية وصححه القاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق ونسبه القاضي عبد الوهاب في الإفادة إلى الجمهور \r\n المذهب السادس : إن كان التخصيص بمتصل فإن كان بالاستثناء أو البدل جاز إلى الواحد نحو أكرم الناس إلا الجهال وأكرم الناس إلا تميما وإن كان بالصفة أو الشرط فيجوز إلى اثنين نحو أكرم القوم الفضلاء أو إذا كانوا فضلاء وإن كان التخصيص بمنفصل وكان في العام المحصور القليل كقولك قتلت كل زنديق وكانوا ثلاثة أو أربعة ولم تقتل سوى اثنين جاز إلى اثنين وإن كان العام غير محصور أو كان محصورا كثيرا جاز بشرط كون الباقي قريبا من مدلول العام هكذا ذكره ابن الحاجب واختاره قال الأصفهاني في شرح المحصول ولا نعرفه لغيره احتج الأولون بأنه لو قال قائل قتلت كل من في المدينة ولم يقتل إلا ثلاثة عد لاغيا مخطئا في كلامه وهكذا لو قال أكرمت كل العلماء ولم يكرم إلا ثلاثة أو قتلت جميع بني تميم ولم يقتل إلا ثلاثة واحتج القائلون بجواز التخصيص إلى اثنين أو ثلاثة بأن ذلك أقل الجمع على الخلاف المتقدم ويجاب بأن ذلك خارج عن محل النزاع فإن الكلام إنما هو في العام والجمع ليس بعام ولا تلازم بينهما واستدل القائلون بجواز التخصيص إلى واحد بأنه يجوز أن يقول أكرم الناس إلا الجهال وإن كان العالم واحدا ويجاب عنه بأن محل النزاع هو أن يكون مدلول العام موجودا في الخارج ومثل هذه الصورة اتفاقية ولا يعتبر بها فالناس هاهنا ليس بعام بل هو للمعهود كما في قوله تعالى : { الذين قال لهم الناس } فإن المراد بالناس المعهود وهو نعيم بن مسعود والمعهود ليس بعام استدلوا أيضا بأنه يجوز أن يقول القائل أكلت الخبز وشربت الماء والمراد الشيء اليسير مما يتناوله الماء والخبز وأجيب عن ذلك بأنه غير محل النزاع فإن كل واحد من الخبز والماء في المثالين ليس بعام بل هو للبعض الخارجي المطابق للمعهود والذهني وهو الخبز والماء المقرر في الذهن أنه يؤكل ويشرب وهو مقدار معلوم والذي ينبغي اعتماده في مثل هذا المقام أنه لا بد أن يبقى بعد التخصيص ما يصح أن يكون مدلولا للعام ولو في بعض الحالات وعلى بعض التقادير كما تشهد لذلك الاستعمالات القرآنية والكلمات العربية ولا وجه لتقييد الباقي بكونه أكثر مما قد خص أو بكونه أقرب إلى مدلول العام فإنه هذه الأكثرية والأقربية لا تقتضيان كون ذلك الأكثر الأقرب هما مدلولا العام على التمام فإنه بمجرد إخراج فرد من أفراد العام يصير العام غير شامل لأفراده كما يصير غير شامل لها عند إخراج أكثرها ولا يصح أن يقال هاهنا إن الأكثر في حكم الكل لأن النزاع في مدلول اللفظ ولهذا يأتي الخلاف السابق في كون دلالة العام على ما بقي بعد التخصيص من باب الحقيقة أو المجاز ولو كان المخرج فردا واحدا وإذا عرفت أنه لا وجه للتقييد بكون الباقي بعد التخصيص أكثر أو أقرب إلى مدلول العام عرفت أيضا أنه لا وجه للتقييد بكونه جمعا لأن النزاع في معنى العموم لا في معنى الجمع ولا وجه لقول من قال بالفرق بين كون الصيغة مفردة لفظا كمن وما والمعرف باللام وبين كونها غير مفردة فإن هذه الصيغ التي ألفاظها مفردة لا خلاف في كون معانيها متعددة والاعتبار إنما هو بالمعاني لا بمجرد الألفاظ ","part":1,"page":216},{"id":96,"text":" المسألة الخامسة : اختلفوا في المخصص \r\n على قولين حكاهما القاضي عبد الوهاب في الملخص و ابن برهان في الوجيز \r\n أحدهما : أنه إرادة المتكلم والدليل كاشف عن تلك الإرادة \r\n وثانيهما : أنه الدليل الذي وقع به التخصيص واختار الأول ابن برهان وفخر الدين الرازي في محصوله فإنه قال المخصص في الحقيقة هو إرادة المتكلم لأنها المؤثرة ويطلق على الدال على الإرادة مجازا وقال أبو الحسين في المتعمد العام يصير عندنا خاصا بالأدلة ويصير خاصا في نفس الأمر بإرادة المتكلم والحق أن المخصص حقيقة هو المتكلم لكن لما كان المتكلم يخصص بالإرادة أسند التخصيص إلى إرادته فجعلت الإرادة مخصصة ثم جعل ما دل على إرادته وهو الدليل اللفظي أو غيره مخصصا في الاصطلاح والمراد هنا إنما هو الدليل فنقول المخصص للعام إما أن يستقل بنفسه فهو المنفصل وإما أن لا يستقل بل يتعلق معناه باللفظ إلى قبله فهو المتصل فالمنفصل سيأتي إن شاء الله وأما المتصل فقد جعله الجمهور أربعة أقسام الاستثناء المتصل والشرط والصفة والغاية وزاد القرافي وابن الحاجب بدل البعض من الكل وتابع الأصفهاني في ذلك قائلا أنه في نية طرح ما قبله قال القرافي وقد وجدتها بالاستقراء اثني عشر هذه الخمسة وسبعة أخرى وفي الحال وظرف الزمان وظرف المكان والمجرور مع الجار والتمييز والمفعول معه والمفعول لأجله فهذه اثنا عشر ليس فيها واحد يستقل بنفسه ومتى اتصل بما يستقل بنفسه عموما كان أو غيره صار غير مستقل بنفسه ","part":1,"page":218},{"id":97,"text":" المسألة السادسة : لا خلاف في جواز الاستثناء من الجنس \r\n كقام القوم إلا زيدا وهو المتصل ولا تخصيص إلا به وأما المنقطع فلا يخصص به نحو جاءني القوم إلا جارا فالمتصل ما كان اللفظ الأول منه يتناول الثاني وفي معنى هذا ما قيل إن المتصل ما كان الثاني جزءا من الأول والمنقطع ما لا يكون الثاني جزءا من الأول قال ابن السراج ولا بد في المنقطع من أن يكون الكلام الذي قبل إلا قد دل على ما يستثني منه قال ابن مالك لا بد فيه من تقدير الدخول في الأول كقولك قام القوم إلا جارا لما ذكر القوم تبادر الذهن إلى أتباعهم المألوفة فذكر الجار في الاستثناء لذلك هو فمستثنى تقديرا قال أبو بكر الصيرفي يجوز الاستثناء من غير الجنس ولكن يشترط أن يتوهم دخوله في المستثنى منه بوجه ما وإلا لم يجز كقوله : \r\n ( وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس ) \r\n فاليعافير قد تؤانس فكأنه قال ليس بها من يؤانس به إلا هذا النوع وقد اختلف في الاستثناء المنقطع هل وقع في اللغة أم لا فقال الزركشي من أهل اللغة من أنكره وأوله تأويلا رده به إلى الجنس وحينئذ فلا خلاف في المعنى وقال العضد في شرحه لمختصر المنتهى لا نعرف خلافا في صحته لغة واختلفوا أيضا هل وقع في القرآن أم لا فأنكر بعضهم وقوعه فيه وقال ابن عطية لا ينكر وقوعه في القرآن إلا أعجمي واختلفوا أيضا هل هو حقيقة أم مجاز على مذاهب \r\n المذهب الأول : أنه حقيقة واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني ونقله ابن الخباز عن ابن جني قال الإمام الرازي وهو ظاهر كلام النحويين وعلى هذا فإطلاق لفظ الاستثناء على المستثنى المنقطع هو بالاشتراك اللفظي \r\n المذهب الثاني : أنه مجاز وبه قال الجمهور قالوا لأنه ليس فيه معنى الاستثناء وليس في اللغة ما يدل على تسميته بذلك \r\n المذهب الثالث : أنه لا يسمى استثناء لا حقيقة ولا مجازا حكاه القاضي في التقريب و الماوردي وقال الخلاف لفظي قال الزركشي بل هو معنوي فإن من جعله حقيقة جوز التخصيص به إلا فلا ثم بعد الاختلاف في كونه حقيقة أو مجازا اختلفوا في حده ولا يتعلق بذلك كبير فائدة فقد عرفت أنه لا يخصص به وبحثنا إنما هو في التخصيص ولا يخصص إلا بالمتصل فلنقتصر على الكلام المتعلق به ","part":1,"page":218},{"id":98,"text":" المسألة السابعة : قد قال قائل إن الاستثناء في لغة العرب متعذر \r\n لأنه إذا قيل قام القوم إلا زيدا فلا يخلو إما أن يكون داخلا في العموم أو غير داخل قال والقسمان باطلان \r\n أما الأول : فلأن الفعل لما نسب إليه مع القوم امتنع إخراجه من النسبة والإلزام توارد الإثبات والنفي على محل واحد وهو محال \r\n وأما الثاني : فلأن ما لا يدخل لا يصح إخراجه وأجاب الجمهور عن هذا بأنه إنما يلزم توارد النفي والإثبات على محل واحد لو لم يكن الحكم بالنسبة بعد تقدير الإخراج أما إذا كان كذلك فلا توارد فإن المراد بقول القائل جاءني عشرة إلا ثلاثة إنما هو سبعة وإلا ثلاثة قرينة إرادة السبعة من العشرة إرادة الجزء باسم الكل كما في سائر المخصصات للعموم أورده ابن الحاجب بالإجماع على أن الاستثناء المتصل إخراج والعشرة نص في مدلولها والنص لا يتطرق إليه تخصيص وإنما التخصيص في الظاهر قال الزركشي وما قاله من الإجماع مردود فإن مذهب الكوفيين أن الاستثناء لا يخرج شيئا فإذا قلت قام القوم إلا زيدا فإنك أخبرت بالقيام عن القوم الذين ليس فيهم زيد وزيد مسكوت عنه لم يحكم عليه بالقيام ولا بنفيه قال بعض المحققين وهذا الجواب الذي أجاب به الجمهور لا يستقيم غيره لأن الله سبحانه قال : { فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما } فلو أراد الألف من لفظ الألف لما تخلف مراده عن إرادته فعلم أنه ما أراد إلا تسعمائة وخمسين من لفظ الألف وأجاب القاضي أبو بكر الباقلاني بأن قول القائل جاءني عشرة إلا ثلاثة بمنزلة سبعة من غير إخراج وأنهما كإسمين وضعا لمسمى واحد أحدهما مفرد والآخر مركب وجرى صاحب المحصول على هذا واختاره إمام الحرمين واستنكر قول الجمهور وقال إنه محال لا يعتقده لبيب قال ابن الحاجب وهذا المذهب خارج عن قانون اللغة إذ لم يعهد فيها لفظ مركب من ثلاثة ألفاظ وضع لمعنى واحد لأنا نقطع بأن دلالة الاستثناء بطريق الإخراج وأجاب آخرون بأن المستثنى منه مراد بتمامه ثم أخرج المستثنى ثم حكم بالإسناد بعده تقديرا وإن كان قبله ذكرا فالمراد بقولك عشرة إلا ثلاثة عشرة باعتبار الأفراد ثم أخرجت ثلاثة ثم أسند إلى الباقي تقديرا فالمراد بالإسناد ما يبقى بعد الإخراج قال ابن الحاجب وهو الصحيح ورجحه الصفي الهندي وجماعة من أهل الأصول والفرق بين هذا الجواب والجواب الذي قبله بأن الأفراد في هذا غير مرادة بكمالها وفي الجواب الذي قبله هي مرادة بكمالها والاستثناء إنما هو لتفسير النسبة للدلالة على عدم المراد وأيضا الفرق بين هذه الثلاثة الأجوبة أن جواب الجمهور يدل على أن الثلاثة تخصيص وعلى الجواب الثاني ليست بتخصيص وعلى الثالث محتملة فقيل الأظهر أنها تخصيص وقيل ليست بتخصيص قال الماوردي أصل هذه الخلاف في الاسثناء من العدد هل يكون الاستثناء فيه كقرينة غيرت وضع الصيغة أو لم تغيره وإنما كشفت عن المراد بها فمن جعل أسماء العدد كالنصوص التي لا تحتمل سوى ما يفهم منها قال بالأول وينزل المستثنى والمستثنى منه كالكلمة الواحدة الدالة على عدد ما ويكون المستثنى كجزء من أجزاء هذه الكلمة لمجموع هو الدال على العدد المنفى ومن لم يجعل أسماء العدد كالنصوص فإن العشرة استعملت في عشرة ناقصة جعل الاستثناء قرينة لفظية دلت على المراد بالمستثنى منه كما دل قوله لا تقتلوا الرهبان على المراد بقوله اقتلوا المشركين قال فالحاصل أن مذهب الأكثرين أنك استعملت العشرة في سبعة مجازا دل عليه قوله إلا ثلاثة والقاضي وإمام الحرمين عندهما أن المجموع يستعمل في السبعة وابن الحاجب عنده أنك تصورت ماهية العشرة ثم حذفت منها ثلاثة ثم حكمت بالسبعة فكأنه قال له علي الباقي من عشرة أخرج منها ثلاثة أو عشرة إلا ثلاثة له عندي وكل من أراد أن يحكم على شيء بدأ باستحضاره في ذهنه فهذا القائل بدأ باستحضار العشرة في ذهنه ثم أخرج الثلاثة ثم حكم كما أنك تخرج عشرة دراهم في الكيس ثم ترد منها إليه ثلاثة ثم تهب الباقي وهي السبعة انتهى والظاهر ما ذهب إليه الجمهور لأن الإسناد إنما يتبين معناه بجميع أجزاء الكلام وعلى كل حال فالمسألة قليلة الفائدة لأن الاستثناء قد تقرر وقوعه في لغة العرب تقررا مقطوعا به لا يتيسر لمنكر أن ينكره وتقرر أن ما بعده آلة الاستثناء خارج عن الحكم لما قبلها بلا خلاف وليس النزاع إلا في صحة توجيه ما تقرر وقوعه وثبت استعماله وما ذكرناه في المقام يكفي في ذلك ويندفع به تشكيك من شك في هذا الأمر المقطوع به فلا نطول باستيفاء ما قيل في أدلة تلك الأجوبة وما قيل عليها ","part":1,"page":219},{"id":99,"text":" المسألة الثامنة : يشترط في صحة الاستثناء شروط : \r\n الأول : الاتصال بالمستثنى منه لفظا بأن يكون الكلام واحدا غير منقطع ويحق به ما هو في حكم الاتصال وذلك بأن يقطعه لعذر كسعال أو عطاس أو نحوهما مما لا يعد فاصلا بين أجزاء الكلام فإن انفصل لا على هذا الوجه كان لغوا ولم يثبت حكمه قال في المحصول الاستثناء إخراج بعض الجملة عن الجملة بلفظ إلا أو أقيم مقامه والدليل على هذا التعريف أن الذي يخرج بعض الجملة عنها إما أن يكون معنويا كدلالة العقل والقياس وهذا خارج عن هذا التعريف وإما أن يكون لفظيا وهو إما أن يكون منفصلا فيكون مستقلا بالدلالة وإلا كان لغوا وهذا أيضا خارج عن الحد أو متصلا وهو إما التقييد بالشرط أو الصفة أو الغاية أو الاستثناء أما التقييد بالصفة فالذي خرج لم يتناوله لفظ التقييد بالصفة لأنك إذا قلت أكرمني بنو تميم الطوال خرج منهم القصار ولفظ الطوال لا يتناول القصار بخلاف قولنا أكرم بني تميم إلا زيدا فإن الخارج وهو زيد تتناوله صيغة الاستثناء وهذا هو الاحتراز عن التقييد بالشرط وأما التقييد بالغاية فالغاية قد تكون داخلة كما في قوله تعالى : { إلى المرافق } بخلاف الاستثناء فثبت أن التعريف المذكور للاستثناء منطبق عليه انتهى وقد ذهب إلى اشتراط الاتصال جمهور أهل العلم وروى عن ابن عباس أنه يصح الاستثناء وإن طال الزمان ثم اختلف عنه فقيل إلى شهر وقيل إلى سنة وقيل أبدا وقد رد بعض أهل العلم وقالوا لم يصح عن ابن عباس ومنهم إمام الحرمين والغزالي لما يلزم من ارتفاع الثقة بالعهود والمواثيق لإمكان تراخي المستثنى وقال القرافي المنقول عن ابن عباس إنما هو في التعليق على مشيئة الله تعالى خاصة كمن حلف وقال إن شاء الله وليس هو في الإخراج بألا وأخواتها قال ونقل العلماء أن مدركه في ذلك قوله تعالى : { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت } قال المعنى إذا نسيت قول إن شاء الله فقل بعد ذلك ولم يخصص انتهى ومن قال بأن هذه المقالة لم تصح عن ابن عباس لعله لم يعلم بأنها ثابتة في مستدرك الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين بلفظ إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثني إلى سنة وقد روى عنه هذا غير الحاكم من طرق كما ذكره أبو موسى المديني وغيره وقال سعيد بن منصور حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يرى الاستثناء بعد سنة ورجال هذا الإسناد كلهم أئمة ثقات فالرواية عن ابن عباس قد صحت ولكن الصواب خلاف ما قاله ويدفعه ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عنه صضص أنه قال [ من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ] ولو كان الاستثناء جائزا على التراخي لم يوجب التكفير على التعيين ولقال فليستثن أو يكفر وأيضا هو قول يستلزم بطلان جميع الإقرارات والإنشاءات لأن من وقع ذلك منه يمكن أن يقول من بعد قد استثنيت فيبطل حكم ما وقع منه وهو خلاف الإجماع وأيضا يستلزم أنه لا يصح صدق ولا كذب لجواز أن يرد على ذلك الاستثناء فيصرفه عن ظاهره وقد احتج لما قاله ابن عباس بما أخرجه أبو داود وغيره أنه صضص [ لأغزون قريشا ] ثم سكت ثم قال [ إن شاء الله ] وليس في هذا ما تقوم به الحجة لأن ذلك السكوت يمكن أن يكون بعارض يعرض يمنع عن الكلام وأيضا غاية ما فيه أنه يجوز له أن يستثني في اليمين بعد سكوته وقتا يسيرا ولا دليل على الزيادة على ذلك وقول ابن عباس إنه إذا قال شيئا ولم يستثن فله أن يستثني عند الذكر قال وقد غلط عليه من لم يفهم كلامه انتهى وهذا التأويل يدفعه ما تقدم عنه ويروى عن سعيد بن جبير أنه يجوز الاستثناء ولو بعد يوم أو أسبوع أو سنة وعن طاوس يجوز ما دام في المجلس وعن عطاء يجوز له أن يستثني على مقدار حلب ناقة غزيرة وروى عن مجاهد أنه يجوز إلى سنتين واعلم أن الاسثناء بعد الفصل اليسير وعند التذكر قد دلت عليه الأدلة الصحيحة منها حديث لأغزون قريشا المتقدم ومنها ما ثبت في الصحيح من قوله صضص [ ولا يعضد شجرها ولا يختلي خلاها ] فقال العباس إلا الأذخر فإن لقينهم وبيوتهم فقال صضص [ إلا الأذخر ] ومنها ما ثبت في الصحيح أيضا في حديث سليمان لما قال « لأطوفن الليلة » ومنها قوله صضص في صلح الحديبية [ إلا سهيل بن بيضاء ] \r\n الشرط الثاني : أن يكون الاستثناء غير مستغرق فإن كان مستغرقا فهو باطل بالإجماع كما حكاه جماعة من المحققين منهم الرازي في المحصول فقال أجمعوا على فساد الاستثناء المستغرق ومنهم ابن الحاجب فقال في مختصر المنتهى الاستثناء المستغرق باطل بالاتفاق واتفقوا أيضا على جواز الاستثناء إذا كان المستثنى أقل مما بقي من المستثنى منه واختلفوا إذا كان أكثر مما بقي منه فمنع ذلك قوم من النحاة منهم الزجاج وقال لم ترد به اللغة ولأن الشيء إذا نقص يسيرا لم يزل عنه اسم ذلك الشيء فلو استثنى أكثر لزال الاسم قال ابن جني لو قال له عندي مائة إلا تسعة وتسعين ما كان متكلما بالعربية وكان عبثا من القول وقال ابن قتيبة في كتاب المسائل إن ذلك يعني استثناء الأكثر لا يجوز في اللغة لأن تأسيس الاستثناء على تدارك قليل من كثير أغفلته أو نسيته لقلته ثم تداركته بالاستثناء ثم ذكر مثل كلام الزجاج قال الشيخ أبو حامد أنه مذهب البصريين من النحاة وأجازه أكثر أهل الكوفة منهم وأجازه أكثر الأصوليين نحو عندي له عشرة إلا تسعة فيلزمه درهم وهو قول السيرافي وأبي عبيدة من النحاة محتجين بقوله تعالى : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } والمتبعون له هم الأكثر بدليل قوله تعالى : { وقليل من عبادي الشكور } وقوله { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } ومن ذلك ما ثبت في الصحيح من حديث أبي بكر رضي الله عنه من رسول الله صضص عن الرب عز و جل [ يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم ] وقد أطعم سبحانه وكسا الأكثر من عباده بلا شك وقد أجيب عن هذا الدليل بأنه استثناء منقطع ولا وجه لذلك ومن جملة المانعين من استثناء الأكثر أحمد بن حنبل وأبو الحسن الأشعري وابن درستويه من النحاة وهو أحد قولي الشافعي والحق أنه لا وجه للمنع لا من جهة اللغة ولا من جهة الشرع ولا من جهة العقل وأما جواز استثناء المساوي فبالأولى وإليه ذهب الجمهور وهو واقع في اللغة وفي الكتاب العزيز نحو قوله سبحانه { قم الليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا } وقد نقل القاضي أبو الطيب الطبري والشيخ أبو إسحاق الشيرازي والمازري والآمدي عن الحنابلة أنه لا يصح استثناء المساوي ولا وجه لذلك ومن المانعين استثناء المساوي ابن قتيبة فإنه قال القليل الذي يجوز استثناؤه هو الثلث فما دونه \r\n الشرط الثالث : أن يلي الكلام بلا عاطف فأما إذا وليه حرف العطف نحو عندي له عشرة دراهم وإلا درهما أو فإلا درهما كان لغوا قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائني بالاتفاق \r\n الشرط الرابع : أن لا يكون الاستثناء من شيء معين مشار إليه كما لو أشار إلى عشرة دراهم فقال إن هذه الدراهم لفلان إلا هذا وهذا فقال إمام الحرمين في النهاية أن ذلك لا يصح لأنه إذا أضاف الإقرار إلى معين اقتضى الإقرار الملك المطلق فيها فإذا أراد الاستثناء في البعض كان رجوعا عن الإقرار انتهى والحق جوازه ولا مانع منه ومجرد الإقرار في ابتداء الكلام موقوف على انتهاثه من غير فرق بين مشار إليه وغير مشار إليه ","part":1,"page":221},{"id":100,"text":" المسألة التاسعة : اتفقوا على أن الاستثناء من الإثبات نفي \r\n وأما الاستثناء من النفي فذهب الجمهور إلى أنه إثبات وذهبت الحنفية إلى أن الاستثناء لا يكون إثباتا وجعلوا بين الحكم بالإثبات والحكم بالنفي واسطة وهي عدم الحكم قالوا فمقتضى الاستثناء بقاء المستثنى غير محكوم عليه لا بالنفي ولا بالإثبات واختلف كلام فخر الدين الرازي فوافق الجمهور في المحصول واختار مذهب الحنفية في تفسيره والحق ما ذهب إليه الجمهور ودعوى الواسطة مردودة على أنها لو كان لها وجه لكان مثل ذلك لازما في الاستثناء من الإثبات واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله وأيضا نقل الأئمة عن اللغة يخالف ما قالوه ويرد عليه ولو كان ما ذهبوا إليه صحيحا لم تكن كلمة التوحيد توحيدا فإن قولنا لا إله إلا الله هو استثناء من نفي وقد ثبت عنه صضص أنه قال [ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ] وقد استدلت الحنفية بأن الاستثناء هو مأخوذ من قولك ثنيت الشيء إذا صرفته عن وجه فإذا قلت لا عالم إلا زيد فهاهنا أمران أحدهما هذا الحكم و الثاني نفس العلم فقولك إلا زيد يحتمل أن يكون عائدا إلى الأول وحينئذ لا يلزم تحقق الثبوت إذ الاستثناء إنما يزيل الحكم بالعلم فيبقى المستثنى مسكوتا عنه غير محكوم عليه بنفي في ولا إثبات ويحتمل أن يكون عائدا إلى الثاني وحينئذ يلزم تحقق الثبوت لأن ارتفاع العدم يحصل الوجود لا محالة لكون عود الاستثناء إلى الأول أولى إذ الألفاظ وضعت دالة على الأحكام الذهنية لا على الأعيان الخارجية فثبت أن عود الاستثناء إلى الأول أولى وحكى عنهم الرازي في المحصول أنهم احتجوا بقوله صضص [ لا نكاح إلا بولي ولا صلاة إلا بطهور ] ولا يلزم منه تحقق النكاح عند حضور الولي ولا تحقق الصلاة عند حضور الوضوء بل يدل على عدم صحتهما عند عدم هذين الشرطين هكذا حكى عنهم المحصول ولم يتعرض للرد عليهم ويجاب عن الأول بمنع ما قالوه ولو سلم أنه لا يستفاد الإثبات من الوضع اللغوي لكان مستفادا من الوضع الشرعي وعن الثاني بأنه إن كان النزاع فيما يفيد ذلك باعتبار الوضع الشرعي فلا بد من اعتبار تمام ما اشترط الشرع في النكاح والصلاة وإن كان النزاع فيما يفيد ذلك باعتبار الوضع اللغوي فدخول الباء في المستثنى قد أفاد معنى غير المعنى الذي مع عدمها فإن دخولها ليس بمخرج مما قبله لأن لم نقل لا نكاح إلا الولي ولا صلاة إلا الطهور بل قلنا إلا بولي وإلا بطهور فلا بد من تقدير متعلق هو المستثنى منه فيكون التقدير لا نكاح يثبت بوجه إلا مقترنا بولي أو نحو ذلك من التقديرات قال ابن دقيق العيد في شرح الإلمام وكل هذا عندي تشغيب ومراوغات جدلية والشرع خاطب الناس بهذه الكلمة يعني كلمة الشهادة وأمرهم بها لإثبات مقصود التوحيد وحصل الفهم منهم بذلك والقبول له من غير زيادة ولا احتياج إلى أمر آخر ولو كان وضع اللفظ لا يفيد التوحيد لكان أهم المهمات تعليم اللفظ الذي يقتضيه لأنه المقصود الأعظم ","part":1,"page":224},{"id":101,"text":" المسألة العاشرة : اختلفوا في الاستثناء الوارد بعد جمل متعاطفة هل يعود إلى الجميع أو إلى الأخيرة \r\n كقوله سبحانه : { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق } إلى قوله { إلا من تاب } فذهب الشافعي وأصحابه إلى أنه يعود إلى جميعها ما لم يخصه دليل وقد نسب ابن القصار هذا المذهب إلى مالك قال الزركشي وهو الظاهر من مذاهب أصحاب مالك ونسبه صاحب المصادر إلى القاضي عبد الجبار وحكاه القاضي أبو بكر عن الحنابلة قال ونقلوه عن نص أحمد فإنه قال في قوله صضص [ لا يؤمن الرجل في سلطانه ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه ] قال أرجو أن يكون الاستثناء على كله وذهب أبو حنيفة وجمهور أصحابه إلى عوده إلى الجملة الأخيرة إلا أن يقوم دليل على التعميم واختاره الفخر الرازي وقال الأصفهاني في القواعد أنه الأشبه ونقله صاحب المعتمد عن الظاهرية وحكى عن أبي عبد الله البصري وأبي الحسن الكرخي وإليه ذهب أبو علي الفارسي كما حكاه عنه الكيا الطبري وابن برهان وذهب جماعة إلى الوقف حكاه صاحب المحصول عن القاضي أبي بكر والمرتضى من الشيعة قال سليم الرازي في التقريب وهو مذهب الأشعرية واختاره إمام الحرمين الجويني والغزالي وفخر الدين الرازي قال في المحصول بعد حكاية الوقف عن أبي بكر والمرتضى إلا أن المرتضى توقف للاشتراك والقاضي لم يقطع بذلك ومنهم من فصل القول فيه وذكروا وجوها وأدخلها في التحقيق ما قيل أن الجملتين من الكلام إما أن يكونا من نوع واحد أو من نوعين فإن كان الأول فإما أن تكون إحدى الجملتين متعلقة بالأخرى أو لا تكون كذلك فإن كان الثاني فإما أن تكونا مختلفتي الاسم والحكم أو متفقتي الاسم مختلفتي الحكم أو مخنلفتي الاسم متفقتي الحكم \r\n فالأول : كقولك أطعم ربيعة واخلع على مضر إلى الطوال والأظهر هاهنا اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة لأن الظاهر أنه لم ينتقل عن الجملة المستقلة بنفسها إلا وقد تم غرضه الأولى فلو كان الاستثناء راجعا إلى جميع الجمل لم يكن قد تم غرضه ومقصوده من الجملة الأولى \r\n والثاني : كقولنا أطعم ربيعة واخلع على ربيعة إلا الطوال \r\n والثالث : كقولنا أطعم ربيعة وأطعم مضر إلا الطوال والحكم أيضا هاهنا كما ذكرنا لأن كل واحدة من الجملتين مستقلة فالظاهر أنه لم ينتقل إلى أخراهما إلا وقد تم غرضه من الأولى بالكلية وأما إن كانت إحدى الجملتين متعلقة بالأخرى فإما أن يكون حكم الأولى مضمرا في الثانية كقوله أكرم ربيعة ومضر إلا الطوال أو اسم الأولى مضمرا في الثانية كقوله أكرم ربيعة واخلع عليهم إلا الطوال فالاستثناء راجع إلى الجملتين لأن الثانية لا تستقل كلاما إلا مع الأولى فوجب رجوع حكم الاستثناء إليهما وأما إن كانت الجملتان نوعين من الكلام فإما أن تكون القصة واحدة أو مختلفة فإن كانت مختلفة فهو كقولنا أكرم ربيعة والعلماء هم المتكلمون إلا أهل البلدة الفلانية فالاستثناء راجع إلى ما يليه لاستقلال كل واحدة من تلك الجملتين بنفسها وأما إن كانت القصة واحدة فكقوله تعالى : { والذين يرمون المحصنات } الآية فالقصة واحدة وأنواع الكلام مختلفة فالجملة الأولى أمر والثانية نهي والثالثة خبر فالاستثناء فيها يرجع إلى الجملة الأخيرة لاستقلال كل واحدة من تلك الجملتين بنفسها وأما إن كانت القصة واحدة حق لكنا إذا أردنا المناظرة اخترنا التوقف لا بمعنى الاشتراك بل بمعنى أنا لا نعلم حكمه في اللغة ماذا وهذا هو اختيار القاضي انتهى قال ابن فارس في كتاب فقه اللغة العربية إن دل الدليل على عوده إلى الجميع عاد كآية المحاربة وإن دل على منعه امتنع فآية القذف انتهى ولا يخفاك أن هذا خارج عن محل النزاع فإنه لا خلاف أنه إذا دل الدليل كان المعتمد ما دل عليه وإنما الخلاف حيث لم يدل الدليل على أحد الأمرين واستدل أهل المذهب الأول بأن الجمل إذا تعاطفت صارت كالجملة الواحدة قالوا بدليل الشرط والاستثناء بالمشيئة فإنهما يرجعان إلى ما تقدم إجماعا وأجيب أيضا عن القياس على الشرط بالفرق بينهما وذلك بأن الشرط قد يتقدم كما يتأخر ويجاب عن الأول بأن الجمل المتعاطفة لها حكم المفردات ودعوى اختصاص ذلك بالمفردات لا دليل عليها وعن الثاني بأنه يمنع مثل هذا الفرق لأن الاستثناء يفيد مفاد الشرط في المعنى واستدل أهل المذهب الثاني بأن رجوع الاستثناء إلى ما يليه من الجمل هو الظاهر فلا يعدل عنه إلا بدليل ويجاب عنه بمنع دعوى الظهور والحق الذي لا ينبغي العدول عنه أن القيد الواقع بعد جمل إذا لم يمنع مانع من عوده إلى جميعها لا من نفس اللفظ ولا من خارج عنه فهو عائد إلى جمعها وإن منع مانع فله حكمه ولا يخالف هذا ما حكوه عن عبد الجبار وجعلوه مذهبا رابعا من أن الجمل إن كانت كلها مسوقة لمقصود واحد انصرف إلى الجميع وإن سيقت لأغراض مختلفة اختص بالأخيرة فإن كونها مسوقة لأغراض مختلفة هو مانع من الرجوع إلى الجميع وكذا لا ينافي هذا ما جعلوه مذهبا خامسا وهو أنه إن ظهر أن الواو للابتداء كقوله أكرم بني تميم والنحاة البصريين إلا البغاددة فإنه يختص بالأخيرة لأن كون الواو للابتداء هو مانع من الرجوع إلى الجميع وكذلك لا ينافي هذا ما حكوه مذهبا سادسا من كون الجملة الثانية إن كانت إعراضا وإضرابا عن الأولى اختص بالأخيرة لأن الإعراض والإضراب مانع من الرجوع إلى الجميع وقد أطال أهل الأصول الكلام في هذه المسألة وساقوا من أدلة المذاهب ما لا طائل تحته فإن بعضها احتجاج بقصة خاصة في الكتاب أو السنة قد قام الدليل على اختصاصها بما اختصت به وبعضها يستلزم القياس في اللغة وهو ممنوع ","part":1,"page":225},{"id":102,"text":" المسألة الحادية عشرة : إذا وقع بعد المستثنى والمستثنى منه جملة تصلح أن تكون صفة لكل واحد منهما \r\n فعند الشافعية أن تلك الجملة ترجع إلى المستثنى منه وعند الحنفية إلى المستثنى فإذا قال عندي له ألف درهم إلا مائة قضيت ذلك فعند الشافعية أنه يكون هذا الوصف راجعا إلى المستثنى منه فيكون مقرا بتسعمائة مدعيا لقضائها فإن برهن على دعواه فذلك وإلا فعليه ما أقر به وعند الحنفية يرجع الوصف إلى المستثنى فيكون مقرا بألف مدعيا لقضاء مائة منه وهكذا إذا جاء بعد الجمل ضمير يصلح لكل واحدة منها نحو أكرم بني هاشم وأكرم بني المطلب وجالسهم أما إذا كان الضمير أو الوصف لا يصلح إلا لبعض الجمل دون بعض كان للتي يصلح لها دون غيرها نحو أكرم القوم وأكرم زيدا العالم وأكرم القوم وأكرم زيدا وعظمه ","part":1,"page":228},{"id":103,"text":" المسألة الثانية عشرة : التخصيص بالشرط وحقيقته في اللغة العلامة \r\n كذا قيل واعترض عليه بما في الصحاح وغيره من كتب اللغة بأن الذي بمعنى العلامة هو الشرط بالتحريك وجمعه أشراط ومنه أشراط الساعة أي علاماتها وأما الشرط بالسكون فجمعه شروط هذا جمع الكثرة فيه ويقال في جمع القلة منه أشرط كفلوس وأفلس وأما حقيقة في الاصطلاح فقال الغزالي الشرط ما لا يوجد المشروط دونه ولا يلزم أن يوجد عنده واعترض عليه بأنه يستلزم الدور لأنه عرف الشرط بالمشروط وهو مشتق منه فيتوقف على تعلقه وبأنه غير مطرد لأن جزء السبب كذلك فإنه لا يوجد السبب بدونه ولا يلزم أن يوجد عنده وليس بشرط وأجيب عن الأول بأن ذلك بمثابة قولنا شرط الشيء ما لا يوجد ذلك الشيء بدونه وظاهر أن تصور حقيقة المشروط غير محتاج إليه في تعقل ذلك وعن الثاني بأن جزء السبب قد يوجد المسبب بدونه إذا وجد سبب آخر وقال في المحصول إن الشرط هو الذي يتوقف عليه المؤثر في تأثيره لا في ذاته وقال ولا ترد عليه العلة لأنها نفس المؤثر والشيء لا يتوقف على نفسه ولا جزء العلة ولا شرط العلة لأن العلة تتوقف عليه في ذاتها انتهى واعترض عليه بأنه غير منعكس لأن الحياة شرط في العلم القديم ولا يتصور هاهنا تأثير ومؤثر إذ المحوج إلى المؤثر هو الحدوث وقيل الشرط ما يستلزم نفيه نفي أمر آخر لا على جهة السببية فيخرج السبب وجزؤه ورد بأن الفرق بين السبب والشرط يتوقف على فهم المعنى المميز بينهما ففيه تعريف الشيء بمثله في الخفاء وقيل هو ما استلزم عدمه عدم أمر مغاير وهو كالذي قبله وأحسن ما قيل في حده أنه ما يتوقف عليه الوجود ولا دخل له في التأثير والإفضاء فيخرج جزء السبب لأنه وإن توقف عليه السبب لكن له دخل في الإفضاء إليه ويخرج سبب الشيء بالنسبة إليه بالطريق الأولى وتخرج العلة لأنها وإن توقف عليها الوجود فهي مع ذلك مؤثرة والشرط ينقسم إلى أربعة أقسام عقلي وشرعي ولغوي وعادي فالعقلي كالحياة للعلم فإن العقل هو الذي يحكم بأن العلم لا يوجد إلا بحياة فقد توقف وجوده على وجودها عقلا والشرعي كالطهارة للصلاة فإن الشرع هو الحاكم بأن الصلاة لا توجد إلا بطهارة فقط توقف وجود الصلاة على وجود الطهارة شرعا واللغوي كالتعليقات نحو أن ما دخلت عليه أداة الشرط هو الشرط والمعلق عليه هو الجزاء ويستعمل الشرط اللغوي في السبب الجعلي كما قال إن دخلت الدار فأنت طالق والمراد أن الدخول سبب للطلاق يستلزم وجوده وجوده لا مجرد كون عدمه مستلزما لعدمه من غير سببيته وبهذا صرح الغزالي والقرافي وابن الحاجب وشراح كتابه ويدل على هذا القول النحاة في الشرط والجزاء بأن الأول سبب والثاني مسبب والشرط العادي كالسلم لصعود السطح فإن العادة قاضية بأن لا يوجد الصعود إلا بوجود السلم أو نحوه مما يقوم مقامه ثم الشرط قد يتحد وقد يتعدد ومع التعدد قد يكون كل واحد شرطا مستقلا فيحصل المشروط بحصول واحد منها فإذا قال إن دخلت الدار وأكلت وشربت فأنت طالق لم تطلق إلا بالدخول والأكل والشرب وإن قال إن دخلت أو أكلت أو شربت فأنت طالق طلقت بواحدة منها واعلم أن الشرط كالاستثناء في اشتراط الاتصال وفي تعقبه لجمل متعددة قال الرازي في المحصول اختلفوا في أن الشرط الداخل على الجمل هل يرجع حكمه إليها بالكلية فاتفق الإمامان أبو حنيفة والشافعي على رجوعه إلى الكل وذهب بعض الأدباء إلى أنه يختص بالجملة التي تليه حتى إنه إذا كان متأخرا اختص بالجملة الأخيرة وإن كان متقدما اختص بالجملة الأولى والمختار التوقف كما تقدم في مسألة الاستثناء ثم قال اتفقوا على وجوب اتصال الشرط بالكلام ودليله ما مر في الاستثناء واتفقوا على أنه يجوز التقييد بشرط يكون الخارج به أكثر من الباقي وإن اختلفوا فيه على الاستثناء انتهى فقد حكى الاتفاق في هاتين الصورتين كما تراه ","part":1,"page":228},{"id":104,"text":" المسألة الثالثة عشرة : التخصيص بالصفة وهي كالاستثناء إذا وقعت بعد متعدد \r\n والمراد بالصفة هنا هي المعنوية على ما حققه علماء البيان لا مجرد النعت المذكور في علم النحو قال إمام الحرمين الجويني في النهاية الوصف عند أهل اللغة معناه التخصيص فإذا قلت رجل شاع هذا في الرجال فإذا قلت طويل اقتضى ذلك تخصيصا فلا تزال تزيد وصفا فيزداد الموصوف اختصاصا وكلما كثر الوصف قل الموصوف قال المازري ولا خلاف في اتصال التوابع وهي النعت والتوكيد والعطف والبدل وإنما الخلاف في الاستثناء وقال الرازي في المحصول : الصفة إما أن تكون مذكورة عقيب شيء واحد كقولنا رقبة مؤمنة ولا شك في عودها إليها أو عقيب شيئين وهاهنا فإما أن يكون أحدهما متعلقا بالآخر كقولك أكرم العرب والعجم المؤمنين فهاهنا الصفة عائدة إلى الجملة الأخيرة وإن كان للبحث فيه مجال كما في الاستثناء والشرط انتهى قال الصفي الهندي إن كانت الصفات كثيرة وذكرت على الجمع عقب جملة تقيدت بها أو على البدل فلواحدة غير معينة منها وإن ذكرت عقيب جمل ففي العود إلى كلها أو إلى الأخيرة خلاف انتهى وأما إذا توسطت الصفة بين جمل ففي عودها إلى الأخيرة خلاف كذا قيل ولا وجه للخلاف في ذلك فإن الصفة تكون لما قبلها لا لما بعدها لجواز تقدم الصفة على الموصوف ","part":1,"page":229},{"id":105,"text":" المسألة الرابعة عشرة : التخصيص لغاية \r\n وهي نهاية الشيء المقتضية لثبوت الحكم قبلها وانتفائه بعدها ولها لفظان وهما حتى وإلى كقوله تعالى : { ولا تقربوهن حتى يطهرن } وقوله { وأيديكم إلى المرافق } قال الرازي في المحصول التقييد بالغاية يقتضي أن يكون الحكم فيما وراء الغاية بالخلاف لأن الحكم لو بقي فيما وراء الغاية لم تكن الغاية مقطعا فلم تكن الغاية غاية قال ويجوز اجتماع الغايتين كما لو قيل لا تقربوهن حتى يطهرن وحتى يغتسلن فهاهنا الغاية في الحقيقة هي الأخيرة عبر عن الأولى بالغاية مجازا لقربها منها واتصالها بها قال الزركشي ونوزع بأن هاتين الغايتين لشيئين لأن التحريم الناشىء عن دم الحيض غاية انقطاع الدم فإذا انقطع حدث تحريم آخر ناشيء عن دم الغسل والغاية الثانية غاية هذا التحريم وقد أطلق الأصوليون كون الغاية من المخصصات ولم يقيدوا ذلك وقيد ذلك بعض المتأخرين بالغاية التي تقدمها لفظ يشملها لو لم يؤت بها كقوله تعالى : { حتى يعطوا الجزية } فإن هذه الغاية لو لم يؤت بها لقاتلنا المشركين أعطوا الجزية أو لم يعطوها واختلفوا في الغاية نفسها هل تدخل في المغيا كقولك أكلت حتى قمت هل يكون القيام محلا للأكل أم لا وفي ذلك مذاهب : \r\n الأول : أنها تدخل فيما قبلها \r\n والثاني : لا تدخل وبه قال الجمهور كما حكاه في البرهان \r\n والثالث : إن كانت من جنسه دخلت وإلا فلا وحكاه أبو إسحاق المروزي عن المبرد \r\n والرابع : إن تميزت عما قبلها بالحس نحو أتموا الصيام إلى الليل لم تدخل وإن لم تتميز بالحس مثل وأيديكم إلى المرافق دخلت الغاية وهي المرافق ورجح هذا الفخر الرازي \r\n والخامس : إن اقترنت بمن لم يدخل نحو بعتك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة لم تدخل وإن لم تقترن جاز أن تكون تحديدا وأن تكون بمعنى مع وحكاه إمام الحرمين في البرهان عن سيبويه وأنكره عليه ابن خروف وقال لم يذكر سيبويه حرفا منهما ولا هو مذهبه \r\n والسادس : الوقف واختاره الآمدي وهذه المذاهب في غاية الانتهاء وأما غاية الابتداء ففيها مذهبان الدخول وعدمه وجعل الأصفهاني الخلاف في الغايتين غاية الابتداء وغاية الانتهاء على السواء فقال وفيها مذاهب تدخلان ولا تدخلان وتدخل غاية الابتداء دون الانتهاء وتدخلان أن اتحد الجنس لا أن اختلف وتدخلان إن لم يتميز ما بعدهما عما قبلهما بالحس وإلا لم تدخلا فيما قبلهما وفيه نظر بل الظاهر أن الأقوال المتقدمة هي في غاية الانتهاء لا في غاية الابتداء وأظهر الأقوال وأوضحها عدم الدخول إلا بدليل من غير فرق بين غاية الابتداء والانتهاء والكلام في الغاية الواقعة بعد متعدد كما تقدم في الاستثناء ","part":1,"page":230},{"id":106,"text":" المسألة الخامسة عشرة : التخصيص بالبدل \r\n أعني بدل البعض من الكل نحو أكلت الرغيف ثلثه وأكرم القوم علماءهم ومنه قوله سبحانه { ثم عموا وصموا كثير منهم } وقد جعله من المخصصات جماعة من أهل الأصول منهم ابن الحاجب وشراح كتابه قال السبكي ولم يذكره الأكثرون لأن المبدل منه في نية الطرح فلا تحقق فيه لمحل يخرج منه فلا تخصيص به وفيه نظر لأن الذي عليه المحققون كالزمخشري أن المبدل منه في غير بدل الغلط ليس في حكم المهدر بل هو للتمهيد والتوطئة وليفاد بمجموعها فضل تأكيد وتبيين لا يكون في الإفراد قال السيرافي زعم النحويون أنه في حكم تنحية الأول وهو المبدل منه ولا يريدون إلغاءه وإما مرادهم أن البدل قائم بنفسه وليس تبيينه الأول كتبيين النعت الذي هو من تمام المنعوت وهو معه كالشيء الواحد انتهى ولا يشترط فيه ما يشترط في الاستثناء من بقاء الأكثر عند من اعتبر ذلك بل يجوز إخراج الأكثر وفاقا نحو أكلت الرغيف ثلثه أو نصفه أو ثلثيه ويلحق ببدل البعض بدل الاشتمال لأن كل واحد منهما فيه بيان وتخصيص ","part":1,"page":231},{"id":107,"text":" المسألة السادسة عشرة : التخصيص بالحال \r\n وهو في المعنى كالصفة لأن قولك أكرم من جاءك راكبا يفيد تخصيص الإكرام بمن تثبت له صفة الركوب وإذا جاء بعد جمل فإنه يكون للجميع قال البيضاوي بالاتفاق نحو أكرم بني تميم وأعط بني هاشم نازلين بك وفي دعوى الاتفاق نظر فإنه ذكر الفخر الرازي في المحصول أنه يختص بالجملة الأخيرة على قول أبي حنيفة أو بالكل على قول الشافعي ","part":1,"page":232},{"id":108,"text":" المسألة السابعة عشرة : التخصيص بالظروف والجار والمجرور \r\n نحو أكرم زيدا اليوم أو في مكان كذا وإذا تعقب أحدهما جملا كان عائدا إلى الجميع وقد ادعى البيضاوي الاتفاق على ذلك كما ادعاه في الحال ويعترض عليه بما في المحصول فإنه قال في الظرف والجار والمجرور إنهما يختصان بالجملة الأخيرة على قول أبي حنيفة أو بالكل على قول الشافعي كما قال في الحال صرح بذلك في مسألة الاستثناء المذكور عقب جمل ويؤيد ما قاله البيضاوي ما قاله أبو البركات ابن تيمية فإنه قال فأما الجار والمجرور فإنه ينبغي أن يتعلق بالجميع قولا واحدا وأما لو توسط فقد ذكر ابن الحاجب في مسألة لا يقتل مسلم بكافر أن قولنا ضربت زيدا يوم الجمعة وعمرا يقتضي أن الحنفية يقيدونه بالثاني ","part":1,"page":232},{"id":109,"text":" المسألة الثامنة عشرة : التخصيص بالتمييز \r\n نحو عندي له رطل ذهبا وعندي له عشرون درهما فإن الإقرار يتقيد بما وقع به التمييز من الأجناس أو الأنواع وإذا جاء بعد جمل نحو عندي له رطل ذهبا أو ملء هذا فإنه يعود إلىالجميع وظاهر كلام البيضاوي عوده إلى الجميع بالاتفاق ","part":1,"page":232},{"id":110,"text":" المسألة التاسعة عشرة : المفعول له والمفعول معه فإن كل واحد منهما يقيد الفعل بما تضمنه من المعنى \r\n فإن المفعول له معناه التصريح بالعلة التي لأجلها وقع الفعل نحو ضربته تأديبا فيفيد تخصيص ذلك الفعل بتلك العلة والمفعول معه معناه تقييد الفعل بتلك المعية نحو ضربته وزيدا فيفيد أن ذلك الضرب الواقع على المفعول به مختص بتلك الحالة التي هي المصاحبة بين ضربه وضرب زيد ","part":1,"page":232},{"id":111,"text":" المسألة الموفية عشرين : التخصيص بالعقل \r\n فقد فرغنا بمعونة الله من ذكر المخصصات المتصلة وهذا شروع في المخصصات المنفصلة وقد حصروها في ثلاثة أقسام : العقل والحس والدليل السمعي قال القرافي والحصر غير ثابت فقد يقع التخصيص بالعوائد كقولك رأيت الناس فما رأيت أفضل من زيد فإن العادة تقضي أنك لم تر كل الناس وكذا التخصيص بقرائن الأحوال كقولك لغلامك ائتني بمن يخدمني فإن المراد الإتيان بمن يصلح لذلك ولعل القائل بانحصار المخصصات المنفصلة في الثلاثة المذكورة يجعل التخصيص بالقياس مندرجا تحت الدليل السمعي وقد اختلف في جواز التخصيص بالعقل فذهب الجمهور إلى التخصيص به وذهب شذوذ من أهل العلم إلى عدم جواز التخصيص به قال الشيخ أبو حامد الإسفرائني ولا خلاف بين أهل العلم في جواز التخصيص بالعقل قد يكون بضرورته كقوله تعالى : { الله خالق كل شيء } فإنا نعلم بالضرورة أنه ليس خالقا لنفسه وبنظره كقوله تعالى : { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } فإن تخصيص الصبي والمجنون لعدم الفهم في حقهما ومنهم من نازع في تخصيص العموم بدليل العقل والأشبه عندي أنه لا خلاف في المعنى بل في اللفظ إما أنه لا خلاف في المعنى فلأن اللفظ لما دل على ثبوت الحكم في جميع الصور والعقل منع من ثبوته في بعض الصور فإما أن يحكم بصحة مقتضى العقل والنقل فيلزم من ذلك صدق النقيضين وهو محال أو يرجع النقل على العقل وهو محال لأن العقل أصل للنقل فالقدح في العقل قدح في أصل النقل والقدح في الأصل لتصحيح الفرع يوجب القدح فيهما معا وإما أن يرجح حكم العقل على مقتضى العموم وهذا هو مرادنا من تخصيص العموم بالعقل وأما البحث اللفظي فهو أن العقل هل يسمى مخصصا أم لا ؟ فنقول إن أردنا بالمخصص الأمر الذي يؤثر في اختصاص اللفظ العام ببعض مسمياته فالعقل غير مخصص لأن المقتضى لذلك الاختصاص هو الإرادة القائمة بالمتكلم والنقل قد يكون دليلا على تحقق تلك الإرادة فالعقل قد يكون دليل المخصص لا نفس المخصص ولكن على هذا التفسير وجب أن لا يكون الكتاب مخصصا للكتاب ولا السنة مخصصة للسنة لأن المؤثر في ذلك التخصيص هو الإرادة لا تلك الألفاظ انتهى قال القاضي أبو بكر الباقلاني وصورة المسألة أن صيغة العام إذا وردت واقتضى العقل عدم تعميمها فيعلم من جهة العقل أن المراد به ما قدمناه أنا نعلم بالعقل أن مطلق الصيغة لم يرد تعميمها وفصل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في اللمع بين ما يجوز ورود الشرع بخلافه وهو ما يقتضيه العقل من براءة الذمة فيمتنع التخصيص به فإن ذلك إنما يستدل به لعدم الشرع فإذا ورد الشرع سقط الاستدلال به وصار الحكم للشرع فأما ما لا يجوز ورود الشرع بخلافه كالذي دل العقل على نفيه فيجوز التخصيص به نحو { الله خالق كل شيء } فقلنا المراد ما خلا الصفات لدلالة العقل على ذلك انتهى ولا يخفاك أن هذا التفصيل لا طائل تحته فإنه لم يرد بتخصيص العقل إلا الصورة الثانية أما الصورة الأولى فلا خلاف أن الشرع ناقل عما يقتضيه العقل من البراءة قال القاضي أبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين الجويني وابن القشيري والغزالي والكيا الطبري وغيرهم إن النزاع لفظي إذ مقتضى ما يدل عليه العقل ثابت إجماعا لكن الخلاف في تسميته تخصيصا فالخصم لا يسميه لأن المخصص هو المؤثر في التخصيص وهو الإرادة لا العقل وكذا قال الأستاذ أبو منصور إنهم احتجوا على صحة دلالة العقل على خروج شيء عن حكم العموم واختلفوا في تسميته تخصيصا وقيل الخلاف راجع إلى مسألة التحسين والتقبيح العقليين فمن منع من تخصيص العقل فهو رجوع منه إلى أن العقل لا يحسن ولا يقبح وأن الشرع يرد بما لا يقتضيه العقل وقد أنكر هذا الأصفهاني وهو حقيق بأن يكون منكرا فالكلام في تلك المسألة غير الكلام في هذه المسألة كما سبق تقريره وقد جاء المانعون من تخصيص العقل بشبه مدفوعة كلها راجعة إلى اللفظ لا إلى المعنى وقد عرفت أن الخلاف لفظي فلا نطيل بذكرها قال الرازي في المحصول فإن قيل لو جاز التخصيص بالعقل فهل يجوز النسخ به ؟ قلنا نعم لأن من سقطت رجلاه عنه سقط عنه فرض غسل الرجلين وذلك إنما عرف بالعقل انتهى وأجاب غيره بأن النسخ إما بيان مدة الحكم وإما رفع الحكم على التفسيرين وكلاهما محجوب عن نظر العقل بخلاف التخصيص فإن خروج البعض عن الخطاب قد يدركه العقل فلا ملازمة وليس التخصيص بالعقل من التخصيص فإن خروج البعض عن الخطاب قد يدركه العقل فلا ملازمة وليس التخصيص بالعقل من الترجيح لدليل العقل على دليل الشرع بل من الجمع بينهما لعدم إمكان استعمال الدليل الشرعي على عمومه المانع قطعي وهو دليل العقل ","part":1,"page":233},{"id":112,"text":" المسألة الحادية والعشرون : التخصيص بالحس \r\n فإذا ورد الشرع بعموم يشهد الحس باختصاصه ببعض ما اشتمل عليه العموم كان ذلك مخصصا للعموم قالوا ومنه قوله تعالى : { وأوتيت من كل شيء } { بأمر ربها } وقوله { يجبى إليه ثمرات كل شيء } قال الزركشي وفي عد هذا نظر لأنه من العام الذي أريد به الخصوص وهو خصوص ما أوتيته هذه ودمرته الريح لا من العام المخصوص قال ولم يحكوا الخلاف السابق في التخصيص بالعقل وينبغي طرده ونازع العبدري في تفريقهم بين دليل الحس ودليل العقل لأن أصل العلوم كلها الحس ولا يخفاك أن ما ذكره الزركشي في دليل الحس يلزمه مثله في دليل العقل فيقال له إن قوله تعالى : { الله خالق كل شيء } وقوله { ولله على الناس حج البيت } من العام الذي أريد به الخصوص لا من العام المخصوص وإلا فما الفرق بين شهادة العقل وشهادة الحس ","part":1,"page":234},{"id":113,"text":" المسألة الثانية والعشرون : التخصيص بالكتاب العزيز وبالسنة المطهرة والتخصيص لهما \r\n ذهب الجمهور إلى جواز تخصيص الكتاب بالكتاب وذهب بعض الظاهرية إلى عدم جوازه وتمسكوا بأن التخصيص بيان للمراد باللفظ ولا يكون إلا بالسنة لقوله تعالى : { لتبين للناس ما نزل إليهم } يجاب عنه بأن كونه صضص مبينا لا يستلزم أن لا يحصل بيان الكتاب بالكتاب وقد وقع ذلك الوقوع دليل الجواز فإن قوله سبحانه : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } يعم الحوامل وغيرهن فخص أولات الأحمال بقوله { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } وخص منه أيضا المطلقة قبل الدخول بقوله { فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } وهكذا قد خصص عموم قوله { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } بقوله { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } ومثل هذا كثير في الكتاب العزيز وأيضا ذلك الدليل الذي ذكروه معارض بما هو أوضح منه دلالة وهو قوله : { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } وقد جعل ابن الحاجب في مختصر المنتهى الخلاف في هذه المسألة لأبي حنيفة وأبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين الجويني وحكى عنهم أن الخاص إن كان متأخرا وإلا فالعام ناسخ وهذه مسألة أخرى سيأتي الكلام فيها ولا اختصاص لها بتخصيص الكتاب بالكتاب وكما يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب فكذلك يجوز تخصيص السنة المتواترة بالكتاب عند جمهور أهل العلم وعن أحمد بن حنبل روايتان وعن بعض أصحاب الشافعي المنع قال ابن برهان وهو قول بعض المتكلمين قال مكحول ويحيى بن كثير السنة تقضي على الكتاب والكتاب لا يقضي على السنة ولا وجه للمنع فإن استدلوا بقوله تعالى : { لتبين للناس ما نزل إليهم } فقد عرفت عدم دلالته على المطلوب مع كونه معارضا بما هو أوضح دلالة منه كما تقدم ويجوز تخصيص عموم الكتاب بالسنة المتواترة إجماعا كذا قال الأستاذ أبو منصور وقال الآمدي لا أعرف فيه خلافا وقال الشيخ أبو حامد الإسفرائني لا خلاف في ذلك إلا ما يحكى عن داود في إحدى الروايتين قال ابن كج لا شك في الجواز لأن الخبر المتواتر يوجب العلم كما أن ظاهر الكتاب يوجبه وألحق الأستاذ أبو منصور بالمتواتر الأخبار التي يقطع بصحتها ويجوز تخصيص السنة المتواترة بالسنة المتواترة وهو مجمع عليه إلا أنه حكى الشيخ أبو حامد الإسفرائني عن داود أنهما يتعارضان ولا يبني أحدهما على الآخر ولا وجه لذلك واختلفوا في جواز تخصيص الكتاب العزيز بخبر الواحد فذهب الجمهور إلى جوازه مطلقا وذهب بعض الحنابلة إلى المنع مطلقا وحكاه الغزالي في المنخول عن المعتزلة ونقله ابن برهان عن طائفة من المتكلمين والفقهاء ونقله أبو الحسين بن القطان عن طائفة من أهل العراق وذهب عيسى بن أبان إلى الجواز إذا كان العام قد خص من قبل بدليل قطعي متصلا كان أو منفصلا كذا حكاه صاحب المحصول وابن الحاجب في مختصر المنتهى عنه وقد سبق إلى حكاية ذلك عنه إمام الحرمين الجويني في التلخيص وحكى غير هؤلاء عنه أنه يجوز تخصيص العام بالخبر الأحادي إذا كان قد دخله التخصيص من غير تقييد لذلك بكون المخصص الأول قطعيا وذهب الكرخي إلى الجواز إذا كان العام قد خص من قبل بدليل منفصل سواء كان قطعيا أو ظنيا وإن خص بدليل متصل أو لم يخص أصلا لم يجز وذهب القاضي أبو بكر إلى الوقف وحكي عنه أنه قال يجوز التعبد بوروده ويجوز أن يرد لكنه لم يقع وحكى عنه أيضا أنه لم يرد بل ورد المنع ولكن الذي اختاره لنفسه هو الوقف كما حكى ذلك عنه الرازي في المحصول واستدل في المحصول على ما ذهب إليه الجمهور بأن العموم وخبر الواحد دليلان متعارضان وخبر الواحد أخص من العموم فوجب تقديمه على العموم واحتج ابن السمعاني على الجواز بإجماع الصحابة فإنهم خصوا قوله تعالى : { يوصيكم الله في أولادكم } بقوله صضص [ إنا معشر الأنبياء لا نورث ] وخصوا التوارث بالمسلمين عملا بقوله صضص [ لا يرث المسلم الكافر ] وخصوا قوله { اقتلوا المشركين } بخبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس وغير ذلك كثير وأيضا يدل على جواز التخصيص دلالة بينة واضحة ما وقع من أوامر الله عز و جل باتباع نبيه صضص من غير تقييد فإذا جاء عنه الدليل كان اتباعه واجبا وإذا عارضه عموم قرآني كان سلوك طريقة الجمع ببناء العام على الخاص متحتما ودلالة العام على أفراده ظنية لا قطعية فلا وجه لمنع تخصيصه بالأخبار الصحيحة الآحادية وقد استدل المانعون مطلقا بما ثبت عن عمر رضي الله عنه في قصة فاطمة بنت قيس حيث لم يجعل لها سكنى ولا نفقة كما في حديثها الصحيح فقال عمر « كيف نترك كتاب ربنا لقول امرأة » يعني قوله { أسكنوهن } وأجيب عن ذلك بأنه إنما قال هذه المقالة لتردده في صحة الحديث لا لرده تخصيص عموم الكتاب بالسنة الآحادية فإنه لم يقل كيف نخصص عموم كتاب ربنا بخبر آحادي بل قال كيف نترك كتاب ربنا لقول امرأة ؟ ويؤيد ذلك ما في صحيح مسلم وغيره بلفظ قال عمر لا نترك كتاب الله وسنة نبينا قول امرأة لعلها حفظت أو نسيت فأفاد هذا أن عمر رضي الله عنه إنما تردد في كونها حفظت أو نسيت ولو علم بأنها حفظت ذلك وأدته كما سمعته لم يتردد في العمل بما روته قال ابن السمعاني إن محل الخلاف في أخبار الآحاد التي لم تجمع الأمة على العمل بها أما ما أجمعوا عليه كقوله « لا ميراث لقاتل ولا وصية لوارث » فيجوز تخصيص العموم به قطعا ويصير ذلك كالتخصيص بالمتواتر لانعقاد الإجماع على حكمها ولا يضر عدم انعقاده على روايتها وكما يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الآحاد كذلك يجوز تخصيصه بالقراءة الشاذة عند من نزلها منزلة الخبر الآحادي وقد سبق الكلام في القرآن في مباحث الكتاب وهكذا يجوز التخصيص لعموم الكتاب وعموم المتواتر من السنة بما ثبت من فعله صضص إذا لم يدل دليل على اختصاصه به كما يجوز بالقول وهكذا يجوز التخصيص بتقريره صضص وقد تقدم البحث في فعله صضص وفي تقريره في مقصد السنة بما يغني عن الإعادة وأما التخصيص بموافق العام فقد سبق الكلام عليه في باب العموم وكذلك سبق الكلام على العام إذا عطف عليه ما يقتضي الخصوص وعلى العام الوارد على سبب خاص فهذه المباحث لها تعلق بالعام وتعلق بالخاص ","part":1,"page":235},{"id":114,"text":" المسألة الثالثة والعشرون : في التخصيص بالقياس \r\n ذهب الجمهور إلى جوازه قال الرازي في المحصول وهو قول أبي حنيفة والشافعي ومالك وأبي الحسين البصري والأشعري وأبي هاشم أخيرا وحكاه ابن الحاجب في مختصر المنتهى عن هؤلاء وزاد معهم الإمام الرابع أحمد بن حنبل وحكاه ابن الهمام في التحرير وحكى القاضي عبد الجبار عن الحنابلة عن أحمد روايتين وحكاه الشيخ أبو حامد وسليم الرازي عن ابن سريج وذهب أبو علي الجبائي إلى المنع مطلقا ونقله الشيخ أبو حامد وسليم الرازي عن أحمد بن حنبل وقيل إن ذلك إنما هو في رواية عنه قال بها طائفة من أصحابه ونقله القاضي أبو بكر الباقلاني عن طائفة من المتكلمين وعن الأشعري وذهب عيسى بن أبان إلى أنه يجوز إن كان العام قد خصص قبل ذلك بنص قطعي كذا حكاه عنه القاضي أبو بكر في التقريب والشيخ أبو إسحاق الشيرازي وأطلق صاحب المحصول الحكاية عنه ولم يقيدها بكون النص قطعيا وحكى هذا المذهب الشيخ أبو إسحاق الشيرازي عن بعض العراقيين وذهب الكرخي إلى أنه يجوز إن كان قد خص بدليل منفصل وإلا فلا كذا حكاه عنه صاحب المحصول وغيره وذهب الاصطخري إلى أنه يجوز إن كان القياس جليا وإلا فلا كذا حكاه عنه الشيخ أبو حامد وسليم الرازي وحكاه الشيخ أبو حامد [ الصا ] عن إسماعيل بن مروان من أصحاب الشافعي وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أبي القاسم الأنماطي ومبارك بن أبان وأبي علي الطبري وحكاه ابن الحاجب في مختصر المنتهى عن ابن سريج والصحيح عنه ما تقدم وذهب الغزالي إلى أنه إن تفاوت القياس والعام في غلبة الظن رجح الأقوى فإن تعادلا فالوقف واختاره المطرزي ورجحه الفخر الرازي واستحسنه القرافي والقرطبي وذهب الآمدي إلى أن العلة إن كانت منصوصة أو مجمعا عليها جاز التخصيص به وإلا فلا وقد حكى إمام الحرمين في النهاية مذهبين لم ينسبهما إلى من قالهما \r\n أحدهما : أنه يجوز إن كان الأصل المقيس عليه مخرجا من ذلك العام وإلا فلا وقال الشيخ أبو حامد الإسفرائني القياس إن كان جليا مثل { فلا تقل لهما أف } جاز التخصيص به الإجماع وإن كان واضحا وهو المشتمل على جميع معنى الأصل كقياس الربا فالتخصيص به جائز في قول عامة أصحابنا إلا طائفة شذت لا يعتبر بقولهم وإن كان خفيا وهو قياس علته الشبه فأكثر أصحابنا أنه لا يجوز التخصيص به ومنهم من شذ فجوزه قال الأستاذ أبو منصور والأستاذ أبو إسحاق أجمع أصحابنا على جواز التخصيص بالقياس الجلي واختلفوا في الخفي على وجهين والصحيح الذي عليه الأكثرون جوازه أيضا وكذا قال أبو الحسين بن القطان والماوردي والروياني وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أن الشافعي نص على جواز التخصيص بالخفي في مواضع واحتج الجمهور بأن العموم والقياس دليلان متعارضين والقياس خاص فوجب تقديمه وبهذا يعرف أنه لا ينتهض احتجاج المانعين بقولهم لو قدم القياس على عموم الخبر لزم تقديم الأضعف على الأقوى وأنه باطل لأن هذا التقديم إنما يكون عند إبطال أحدهما بالآخر فأما عند الجمع بينهما وإعمالهما جميعا فلا وقد طول أهل الأصول الكلام في هذا البحث بإيراد شبه زائفة لا طائل تحتها وسيأتي تحقيق الحق إن شاء الله تعالى في باب القياس فمن منع من العمل به مطلقا منع من التخصيص به ومن منع من بعض أنواعه دون بعض منع من التخصيص بذلك البعض ومن قبله مطلقا والتفاصيل المذكورة هاهنا من جهة القابلين له مطلقا إنما هي باعتبار كونه وقع هنا مقابلا لدلالة العموم والحق الحقيق بالقبول أنه يخصص بالقياس الجلي لأنه معمول به لقوة دلالته وبلوغها إلى حد يوازن النصوص وكذا يخصص بما كانت علته منصوصة أو مجمعا عليها أما العلة المنصوصة فالقياس الكائن بها في قوة النص وأما العلة المجمع عليها فلكون ذلك الإجماع قد دل على دليل مجمع عليه وما عدا هذه الثلاثة الأنواع من القياس فلم تقم الحجة بالعمل به من أصله وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا في القياس على وجه يتضح به الحق اتضاحا لا يبقى عنده ريب لمرتاب ","part":1,"page":237},{"id":115,"text":" المسألة الرابعة والعشرون : في التخصيص بالمفهوم \r\n ذهب القائلون بالعمل بالمفهوم إلى جواز التخصيص بالمفهوم قال الآمدي لا أعرف خلافا في تخصيص العموم بالمفهوم بين القائلين بالعموم والمفهوم وسيأتي الكلام على المفاهيم والمعمول به منها وغير المعمول به وقد تقدم الكلام على التخصيص بمفهوم اللقب وحكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي عن الحنفية و ابن سريج المنع من التخصيص بالمفهوم وذلك مبني على مذهبهم في عدم العمل بالمفهوم قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح الإلمام قد رأيت في بعض مصنفات المتأخرين ما يقتضي تقديم العموم وفي كلام صفي الدين الهندي أن الخلاف إنما هو في مفهوم المخالفة أما مفهوم الموافقة فاتفقوا على التخصيص به قال الزركشي والحق أن الخلاف ثابت فيهما أما مفهوم المخالفة فكما إذا ورد عام في إيجاب الزكاة في الغنم كما في قوله في أربعين شاة شاة ثم قال في سائمة الغنم الزكاة فإن المعلوفة خرجت بالمفهوم فيخصص به عموم الأول وذكر أبو الحسين بن القطان أنه لا خلاف في جواز التخصيص به ومثل بما ذكرناه وكذا قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائني إذا ورد العام مجردا على صفة ثم أعيدت الصفة متأخرة عنه كقوله اقتلوا المشركين مع قوله قبله أو بعده اقتلوا أهل الأوثان من المشركين كان ذلك موجبا للتخصيص بالاتفاق ويوجب المنع من قتل أهل الكتاب وتخصيص ما بعده من العموم انتهى وإنما حكى الصفي الهندي الإجماع على التخصيص بمفهوم الموافقة لأنه أقوى من مفهوم المخالفة ولهذا يسميه بعضهم دلالة النص وبعضهم يسميه القياس الجلي وبعضهم يسميه المفهوم الأولى وبعضهم يسميه فحوى الخطاب وذلك كقوله تعالى : { فلا تقل لهما أف } وقد اتفقوا على العمل به وذلك يستلزم الاتفاق على التخصيص به والحاصل أن التخصيص بالمفاهيم فرع العمل بها وسيأتي بيان ما هو الحق فيها إن شاء الله تعالى ","part":1,"page":239},{"id":116,"text":" المسألة الخامسة والعشرون : في التخصيص بالإجماع \r\n قال الآمدي لا أعرف فيه خلافا وكذلك حكى الإجماع على جواز التخصيص بالإجماع الأستاذ أبو منصور قال ومعناه أن يعلم بالإجماع أن المراد باللفظ العام بعض ما يقتضيه ظاهره وفي الحقيقة يكون التخصيص بدليل الإجماع لا بنفس الإجماع وقال ابن القشيري إن من خالف في التخصيص بدليل العقل يخالف هنا وقال القرافي الإجماع أقوى من النص الخاص لأن النص يحتمل نسخه والإجماع لا ينسخ لأنه إنما ينعقد بعد انقطاع الوحي وجعل الصيرفي من أمثلته قوله تعالى : { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } قال وأجمعوا على أنه لا جمعة على عبد ولا امرأة ومثله ابن حزم بقوله تعالى : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } واتفقت الأمة على أنهم لو بذلوا فلسا أو فلسين لم يجز بذلك حقن دمائهم قال والجزية بالألف فعلمنا أنه أراد جزية معلومة ومثله ابن الحاجب بآية حد القذف وبالإجماع على التصنيف للعبد والحق أن المخصص هو دليل الإجماع لا نفس الإجماع كما تقدم ","part":1,"page":240},{"id":117,"text":" المسألة السادسة والعشرون : في التخصيص بالعادة \r\n ذهب الجمهور إلى عدم جواز التخصيص بها وذهب الحنفية إلى جواز التخصيص بها قال الصفي الهندي وهذا يحتمل وجهين أحدهما أن يكون النبي صضص أوجب أو حرم شيئا بلفظ عام ثم رأينا العادة جارية بترك بعضها أو بفعل بعضها فهل تؤثر تلك العادة حتى يقال المراد من ذلك العام ما عدا ذلك البعض الذي جرت العادة بتركه أو بفعله أو لا تؤثر في ذلك بل هو باق على عمومه متناول لذلك البعض ولغيره \r\n الثاني : أن تكون العادة جارية بفعل معين كأكل طعام معين مثلا ثم إنه عليه السلام نهاهم عن تناوله بلفظ متناول له ولغيره كما لو قال نهيتكم عن أكل الطعام فهل يكون النهي مقتصرا على ذلك الطعام بخصوصه أم لا بل يجري على عمومه ولا تؤثر عاداتهم قال والحق أنها لا تخصص لأن الحجة في لفظ الشارع وهو عام والعادة ليست بحجة حتى تكون معارضة له انتهى وقد اختلف كلام أهل الأصول وصاحب المحصول وأتباعه تكلموا على الحالة الأولى واختار فيها أنه إن علم جريان العادة في زمن النبي صضص مع عدم منعه عنها فيخصص بها والمخصص في الحقيقة هو تقريره صضص وإن علم عدم جريانها ولم يخصص بها إلا أن يجمع على فعلها فيكون تخصيصا بالإجماع وأما الآمدي وابن الحاجب فتكلموا على الحالة الثانية قال الرزكشي وهما مسألتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى فتفطن لذلك فإن بعض من لا خبرة له حاول الجمع بين كلام الإمام الرازي في المحصول وكلام الآمدي وابن الحاجب ظنا منه أنهما تواردا على محل واحد وليس كذلك وممن صرح بأنهما حالتان القرافي في شرح التنقيح وفرق بأن العادة السابقة على العموم تكون مخصصة والعادة الطارئة بعد العموم لا يقضي بها على العموم انتهى والحق أن تلك العادة إن كانت مشتهرة في زمن النبوة بحيث يعلم أن اللفظ إذا أطلق كان المراد ما جرت عليه دون غيره فهي مخصصة لأن النبي صضص إنما يخاطب الناس بما يفهمون وهم لا يفهمون إلا ما جرى عليه التعارف بينهم وإن لم تكن العادة كذلك فلا حكم لها ولا التفات إليها والعجب ممن يخصص كلام الكتاب والسنة بعادة حادثة بعد انقراض زمن النبوة تواطأ عليها قوم وتعارفوا بها ولم تكن كذلك في العصر الذي تكلم فيه الشارع فإن هذا من الخطأ البين والغلط الفاحش أما لو قال المخصص بالعادة الطارئة إنه يخصص بها ما حدث بعد أولئك الأقوام المصطلحين عليها من التحاور في الكلام والتخاطب بالألفاظ فهذا مما لا بأس به ولكن لا يخفى أن بحثنا في هذا العلم إنما هو عن المخصصات الشرعية فالبحث عن المخصصات العرفية لما وقع التخاطب به من العمومات الحادثة من خلط هذا الفن بما ليس منه والخبط في البحث بما لا فائدة فيه ","part":1,"page":240},{"id":118,"text":" المسألة السابعة والعشرون : في التخصيص بمذهب الصحابي \r\n ذهب الجمهور إلى أنه لا يخصص بذلك وذهبت الحنفية والحنابلة إلى أنه يجوز التخصيص به على خلاف بينهم في ذلك فبعضهم يخصص به مطلقا وبعضهم يخصص به إن كان هو الراوي للحديث قال الأستاذ أبو منصور والشيخ أبو حامد الإسفرائني وسليم الرازي والشيخ أبو إسحاق الشيرازي إنه يجوز التخصيص بمذهب الصحابي إذا لم يكن هو الراوي للعموم وكان ما ذهب إليه منتشرا ولم يعرف له مخالف في الصحابة لأنه إما إجماع أو حجة مقطوع بها على الخلاف وأما إذا لم ينتشر فإن خالفه غيره فليس بحجة قطعا وإن لم يعرف له مخالف فعلى قول الشافعي الجديد ليس بحجة فلا يخصص به وعلى قوله القديم هو حجة يقدم على القياس وهل يخصص به العموم فيه وجهان وأما إذا كان الصحابي الذي ذهب إلى التخصيص هو الراوي للحديث فقد اختلف قول الشافعي في ذلك والصحيح عنه وعن أصحابه وعن جمهور أهل العلم أنه لا يخصص به خلافا لمن تقدم والدليل على ذلك أن الحجة إنما هي في العموم ومذهب الصحابي ليس بحجة فلا يجوز التخصيص به واستدل القائلون بجواز التخصيص بأن الصحابي العدل لا يترك ما سمعه من النبي صضص ويعمل بخلافه إلا لدليل قد ثبت عنده يصلح للتخصيص وأجيب عنه بأنه قد يخالف ذلك الدليل في ظنه وظنه لا يكون حجة على غيره فقد يظن ما ليس بدليل دليلا والتقليد للمجتهد من مجتهد مثله لا يجوز لا سيما في مسائل الأصول فالحق عدم التخصيص بمذهب الصحابي وإن كانوا جماعة ما لم يجمعوا على ذلك فيكون من التخصيص بالإجماع وقد تقرر الكلام عليه ","part":1,"page":241},{"id":119,"text":" المسألة الثامنة والعشرون : في التخصيص بالسياق \r\n قد تردد قول الشافعي في ذلك وأطلق الصيرفي جواز التخصيص به ومثله بقوله سبحانه : { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم } وكلام الشافعي في الرسالة يقتضيه فإنه بوب لذلك بابا فقال باب الصنف الذي قد بين سياقه معناه وذكر قوله سبحانه : { واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر } قال فإن السياق أرشد إلى أن المراد أهلها وهو قوله : { إذ يعدون في السبت } قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح الإلمام نص بعض الأكابر من الأصوليين أن العموم يخص بالقرائن القاضية بالتخصيص قال ويشهد له مخاطبات الناس بعضهم بعضا حيث يقطعون في بعض المخاطبات بعدم العموم بناء على القرينة والشرع يخاطب الناس بحسب تعارفهم قال ولا يشتبه عليك التخصيص بالقرائن بالتخصيص بالسبب كما اشتبه على كثير من الناس فإن التخصيص بالسبب غير مختار فإن السبب وإن كان خاصا فلا يمنع أن يورد لفظ عام يتناوله وغيره كما في { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } ولا ينتهض السبب بمجرده قرينة لرفع هذا بخلاف السياق فإنه يقع به التبيين والتعيين أما التبيين ففي المجملات وأما التعيين ففي المحتملات وعليك باعتبار هذا في ألفاظ الكتاب والسنة والمحاورات تجد منه ما لا يمكنك حصره انتهى والحق أن دلالة السياق إن قامت مقام القرائن القوية المقتضية لتعيين المراد كان المخصص هو ما اشتملت عليه من ذلك وإن لم يكن السياق بهذه المنزلة ولا أفاد هذا المفاد فليس بمخصص ","part":1,"page":242},{"id":120,"text":" المسألة التاسعة والعشرون : في التخصيص بقضايا الأعيان \r\n وذلك كإذنه صضص بلبس الحرير للحكة وفي جواز التخصيص بذلك قولان للحنابلة ولا يخفى أنه إذا وقع التصريح بالعلة التي لأجلها وقع الإذن بالشيء أو الأمر به أو النهي عنه فهو من باب التخصيص بالعلة المعلقة على الحكم ولا يجوز التخصيص بالاستصحاب قال أبو الخطاب الحنبلي إنه لا يجوز التخصيص للعموم بالبقاء على حكم الأصل الذي هو الاستصحاب بلا خلاف قال القاضي عبد الوهاب في الإفادة ذهب بعض ضعفاء المتأخرين إلى أن العموم يخص باستصحاب الحال قال لأنه دليل يلزم المصير إليه ما لم ينقل عنه ناقل فيجوز التخصيص به كسائر الأدلة وهذا في غاية التناقض لأن الاستصحاب من حقه أن يسقط بالعموم فكيف يصح تخصيصه به إذ معناه التمسك بالحكم لعدم دليل ينقل عنه والعموم دليل ناقل ","part":1,"page":242},{"id":121,"text":" المسألة الموفية ثلاثين : في بناء العام على الخاص \r\n قد تقدم ما يجوز التخصيص به وما لا يجوز فإذا كان العام الوارد من كتاب أو سنة قد ورد معه خاص يقتضي إخراج بعض أفراد العام من الحكم الذي حكم به عليها فإما أن يعلم تاريخ كل واحد منهما أو لا يعلم فإن علم فإن كان المتأخر الخاص فأما أن يتأخر عن وقت العمل بالعام أو عن وقت الخطاب فإن علم فإن كان المتأخر الخاص فإما أن يتأخر عن وقت العمل بالعام أو عن وقت الخطاب فإن تأخر عن وقت العمل بالعام فهاهنا يكون الخاص ناسخا لذلك اقدر الذي تناوله من أفراد العام قال الزركشي في البحر وفاقا ولا يكون تخصيصا لأن تأخير بيانه عن وقت العمل غير جائز قطعا وإن تأخر عن وقت الخطاب بالعام دون وقت العمل به ففي ذلك خلاف مبني على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب فمن جوزه جعل الخاص بيانا للعام وقضى به عليه ومن منعه حكم بنسخ العام في القدر الذي عارضه فيه الخاص كذا قال الشيخ أبو حامد الإسفرائني وسليم الرازي قال ولا يتصور في هذه المسألة خلاف يختص بها وإنما يعود الكلام فيها إلى جواز تأخير البيان وكذا ذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في اللمع وابن الصباغ في العدة قال الصفي الهندي من لم يجوز تأخير بيان التخصيص عن وقت الخطاب ولم يجوز نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به كالمعتزلة أحال المسألة ومنهم من جوزهما فاختلفوا فيه فالذي عليه الأكثرون من أصحابنا وغيرهم أن الخاص مخصص للعام لأنه وإن جاز أن يكون ناسخا لذلك القدر من العام لكن التخصيص أقل مفسدة من النسخ وقد أمكن حمله عليه فتعين ونقل عن معظم الحنفية أن الخاص إذا تأخر عن العام وتخلل بينهما ما يمكن المكلف بهما من العمل أو الاعتقاد بمقتضى العام كان الخاص ناسخا لذلك القدر الذي تناوله من العام لأنهما دليلان وبين حكميهما تناف فيجعل المتأخر ناسخا للمتقدم من الإمكان دفعا للتناقض قال وهو ضعيف انتهى فإن تأخر العام عن وقت العمل بالخاص فعند الشافعية يبني العام على الخاص لأن ما تناوله الخاص متيقن وما تناوله العام ظاهر مظنون والمتيقن أولى وذهب أبو حنيفة وأكثر أصحابه والقاضي عبد الجبار إلى أن العام المتأخر ناسخ للخاص المتقدم وذهب بعض المعتزلة إلى الوقف وقال أبو بكر الرازي إذا تأخر العام كان ناسخا لما تضمنه الخاص ما لم يقم له دلالة من غيره على أن العموم مرتب على الخصوص انتهى والحق في هذه الصورة البناء وإن تأخر العام عن وقت الخطاب بالخاص لكنه قبل وقت العمل به فحكمه حكم الذي قبله في البناء والنسخ إلا على رأي من لم يجوز منهم نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به كالقاضي عبد الجبار فإنه لا يمكنه الحمل على النسخ فتعين عليه البناء أو التعارض فيما تنافيا فيه وجعل الكيا الطبري الخلاف في هذه المسألة مبنيا على تأخير البيان فقال من لك يجوز تأخيره عن مورد اللفظ جعله ناسخا للخاص وهذه الأربع الصور إذا كان تاريخهما معلوما فإن جهل تاريخهما فعند الشافعي وأصحابه والحنابلة والمالكية وبعض الحنفية والقاضي عبد الجبار أنه يبني العام على الخاص وذهب أبو حنيفة وأكثر أصحابه إلى التوقف إلى ظهور التاريخ أو إلى ما يرجح أحدهما على الآخر من غيرهما وحكى نحو ذلك عن القاضي أبي بكر الباقلاني والدقاق والحق الذي لا ينبغي العدول عنه في صورة الجهل البناء وليس عنه مانع يصلح للتشبث به والجمع بين الأدلة ما أمكن هو الواجب ولا يمكن الجمع مع الجهل إلا بالبناء وما علل به المانعون في الصور المتقدمة من عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة غير موجود هنا وقد تقرر أن الخاص أقوى دلالة من العام والأقوى أرجح وأيضا إجراء العام على عمومه إهمال للخاص وإعمال الخاص لا يوجب إهمال العام وأيضا قد نقل أبو الحسين الإجماع على البناء مع جهل التاريخ والحاصل أن البناء هو الراجح على جميع التقادير المذكورة في هذه المسألة وما احتج به القائلون بأن العام المتأخر ناسخ من قولهم دليلان تعارضا وعلم التاريخ بينهما فوجب تسليط المتأخر على السابق كما لو كان المتأخر خاصا فيجاب عنه بأن العام المتأخر ضعيف الدلالة فلا ينتهض لترجيحه على قوي الدلالة وأيضا في البناء جمع وفي العمل بالعام ترجيح والجمع مقدم على الترجيح وأيضا في العمل بالعام إهمال للخاص وليس في التخصيص إهمال للعام كما تقدم وسيأتي لهذه المسألة مزيد بيان في الكلام على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة وفي الكلام على جواز النسخ قبل إمكان العام إن شاء الله ","part":1,"page":243},{"id":122,"text":" الباب الخامس في المطلق والمقيد : وفيه مباحث أربعة \r\n البحث الأول : في حدهما أما المطلق فقيل في حده ما دل على شائع في جنسه ومعنى هذا أن يكون حصة محتملة لحصص كثيرة مما يدرج تحت أمر فيخرج من قيد الدلالة المهملات ويخرج من قيد الشيوع المعارف كلها لما فيها من التعيين إما شخصا نحو زيد وهذا أو حقيقة نحو الرجل وأسامة أو حصة نحو { فعصى فرعون الرسول } أو استغراقا نحو الرجال وكذا كل عام ولو نكرة نحو كل رجل ولا رجل وقيل في حده هو ما دل على الماهية بلا قيد من حيث هي هي من غير أن تكون له دلالة على شيء من قيوده والمراد بها عوارض الماهية اللاحقة لها في الوجود وقد اعترض عليه بأنه جعل المطلق والنكرة سواء وبأنه يرد عليه أعلام الأجناس كأسامة وثعالة فإنها تدل على الحقيقة من حيث هي هي وأجاب عن ذلك الأصفهاني في شرحه للمحصول بأنه لم يجعل المطلق والنكرة سواء بل غاير بينهما فإن المطلق الدال على الماهية من حيث هي هي والنكرة الدالة على الماهية بقيد الوحدة الشائعة قال وأما إلزامه بعلم الجنس فمردود بأنه وضع للماهية الذهنية بقيد التشخيص الذهني بخلاف اسم الجنس وإنما يرد الاعتراض بالنكرة على الحد الذي أورده الآمدي للمطلق فإنه قال هو الدال على الماهية بقيد الوحدة وكذا يرد الاعتراض بها على ابن الحاجب فإنه قال في حده هو ما دل على شائع في جنسه وقيل المطلق هو ما دل على الذات دون الصفات وقال الصفي الهندي المطلق الحقيقي ما دل على الماهية فقط والإضافي مختلف نحو رجل ورقبة فإنه مطلق بالإضافة إلى رجل عامل ورقبة مؤمنة ومقيد بالإضافة إلى الحقيقي لأنه يدل على واحد شائع وهما قيدان زائدان على الماهية وأما المقيد فهو ما يقابل المطلق على اختلاف هذه الحدود المذكورة في المطلق فيقال فيه هو ما دل لا على شائع في جنسه فتدخل فيه المعارف والعمومات كلها أو يقال في حده هو ما دل على الماهية بقيد من قيودها أو ما كان له دلالة على شيء من القيود \r\n البحث الثاني : اعلم أن الخطاب إذا ورد مطلقا لا مقيدا حمل على إطلاقه وإن ورد مقيدا حمل على تقييده وإن ورد مطلقا في موضع آخر فذلك على أقسام : \r\n الأول : أن يختلفا في السبب والحكم فلا يحمل أحدهما على الآخر بالاتفاق كما حكاه القاضي أبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين الجويني والكيا الهراس وابن برهان والآمدي وغيرهم \r\n القسم الثاني : أن يتفقا في السبب والحكم فيحمل أحدهما على الآخر كما لو قال إن ظاهرت فأعتق رقبة وقال في موضع آخر إن ظاهرت فأعتق رقبة مؤمنة وقد نقل الاتفاق في هذا القسم القاضي أبو بكر الباقلاني والقاضي عبد الوهاب وابن فورك والكيا والطبري وغيرهم وقال ابن برهان في الأوسط اختلف أصحاب أبي حنيفة في هذا القسم فذهب بعضهم إلى أنه لا يحمل والصحيح من مذهبهم أنه يحمل ونقل أبو زيد الحنفي وأبو منصور الماتريدي في تفسيره أن أبا حنيفة يقول بالحمل في هذه الصورة وحكى الطرسوسي الخلاف فيه عن المالكية وبعض الحنابلة وفيه نظر فإن من جملة من نقل الاتفاق القاضي عبد الوهاب وهو من المالكية ثم بعد الاتفاق المذكور وقع الخلاف بين المتفقين فرجح ابن الحاجب وغيره أن هذا الحمل هو بيان للمطلق أي دال على أن المراد بالمطلق هو المقيد وقيل إنه يكون نسخا أي دالا على نسخ حكم المطلق السابق بحكم المقيد اللاحق والأول أولى وظاهر إطلاقهم أنه لا فرق في هذا القسم بين أن يكون المطلق متقدما أو متأخرا أو جهل السابق فإنه يتعين الحمل كما حكاه الزركشي \r\n القسم الثالث : أن يختلفا في السبب دون الحكم كإطلاق الرقبة في كفارة الظهار وتقييدها بالإيمان في كفارة القتل فالحكم واحد وهو وجوب الإعتاق في الظهار والقتل مع كون الظهار والقتل سببين مختلفين فهذا القسم هو موضع الخلاف فذهب كافة الحنفية إلى عدم جواز التقييد وحكاه القاضي عبد الوهاب عن أكثر المالكية وذهب جمهور الشافعية إلى التقييد وذهب جماعة من محققي الشافعية إلى أنه يجوز تقييد المطلق بالقياس على ذلك المقيد ولا يدعى وجوب هذا القياس بل يدعى أنه إن حصل القياس الصحيح ثبت التقييد وإلا فلا قال الرازي في المحصول وهو القول المعتدل قال واعلم أن صحة هذا القول إنما تثبت إذا أفسدنا القولين الأولين أما الأول يعني مذهب جمهور الشافعية فضعيف جدا لأن الشارع لو قال أوجبت في كفارة القتل رقبة مؤمنة وأوجبت في كفارة الظهار رقبة كيف كانت لم يكن أحد الكلامين مناقضا للآخر فعلمنا أن تقييد أحدهما لا يقتضي تقييد الآخر لفظا وقد احتجوا بأن القرآن كالكلمة الواحدة وبأن الشهادة لما قيدت بالعدالة مرة واحدة وأطلقت في سائر الصور حملنا المطلق على المقيد فكذا هاهنا والجواب عن الأول بأن القرآن كالكلمة الواحدة في أنها لا تتناقض لا في كل شيء وإلا وجب أن يتقيد كل عام ومطلق بكل خاص ومقيد وعن الثاني أنا إنما قيدناه بالإجماع وأما القول الثاني يعني ذهب الحنفية فضعيف لأن دليل القياس وهو أن العمل به دفع للضرر المظنون عام في كل الصور انتهى قال إمام الحرمين الجويني في دفع ما قالوه من أن كلام الله في حكم الخطاب الواحد إن هذا الاستدلال من فنون الهذيان فإن قضايا الألفاظ في كتاب الله مختلفة متباينة لبعضها حكم التعلق والاختصاص ولبعضها حكم الاستقلال والانقطاع فمن ادعى تنزيل جهات الخطاب على حكم كلام واحد مع العلم بأن كتاب الله فيه النفي والإثبات والأمر والزجر والأحكام المتغايرة قد ادعى أمرا عظيما انتهى ولا يخفاك أن اتحاد الحكم بين المطلق والمقيد يقتضي حصول التناسب بينهما بجهة الحمل ولا نحتاج في مثل ذلك إلى هذا الاستدلال البعيد فالحق ما ذهب إليه القائلون بالحمل \r\n وفي المسألة مذهب رابع لبعض الشافعية وهو أن حكم المطلق بعد المقيد من جنسه موقوف على الدليل فإن قام الدليل على تقييده قيد وإن لم يقم الدليل صار كالذي لم يرد فيه نص فيعدل عنه إلى غيره من الأدلة قال الرزكشي وهذا أفسد المذاهب لأن النصوص المحتملة يكون الاجتهاد فيها عائدا إليها ولا يعدل إلى غيره \r\n وفي المسألة مذهب خامس وهو أن يعتبر أغلظ الحكمين في المقيد فإن كان حكم المقيد أغلظ حمل المطلق على المقيد ولا يحمل على إطلاقه إلا بدليل لأن التغليظ إلزام وما تضمنه الإلزام لا يسقط التزامه باحتمال قال الماوردي وهذا أولى المذاهب قلت بل هو أبعدها من الصواب \r\n القسم الرابع : أن يختلفا في الحكم نحو اكس يتيما أطعم يتيما فلا خلاف في أنه لا يحمل أحدهما على الآخر بوجه من الوجوه سواء كانا مثبتين أو منفيين أو مختلفين اتحد سببهما أو اختلف وحكى الإجماع جماعة من المحققين آخرهم ابن الحاجب \r\n البحث الثالث : اشترط القائلون بالجمل شروطا سبعة : \r\n الأول : أن يكون المقيد من باب الصفات مع ثبوت الذوات في الموضعين فأما في إثبات أصل الحكم من زيادة أو عدد فلا يحمل أحدهما على الآخر وهذا كإيجاب غسل الأعضاء الأربعة في الوضوء مع الاقتصار على عضوين في التيمم فإن الإجماع منعقد على أنه لا يحمل إطلاق التيمم على تقييد الوضوء حتى يلزم التيمم في الأربعة الأعضاء لما فيه من إثبات حكم لم يذكر وحمل المطلق على المقيد يختص بالصفات كما ذكرنا وممن ذكر هذا الشرط القفال الشاشي والشيخ أبو حامد الإسفرائني والماوردي والروياني ونقله الماوردي عن الأبهري من المالكية ونقل الماوردي أيضا عن ابن خيران من الشافعية أن المطلق يحمل على المقيد في الذات وهو قول باطل \r\n الشرط الثاني : أن لا يكون للمطلق إلا أصل واحد كاشتراط العدالة في الشهود على الرجعة والوصية وإطلاق الشهادة في البيوع وغيرها فهي شرط في الجمع وكذا تقييد ميراث الزوجين بقوله : { من بعد وصية توصون بها أو دين } وإطلاق الميراث فيما أطلق فيه فيكون ما أطلق من المواريث كلها بعد الوصية والدين فأما إذا كان المطلق دائرا بين قيدين متضادين نظر فإن كان السبب مختلفا لم يحمل إطلاقه على أحدهما إلا بدليل فيحمل على ما كان القياس عليه أولى أو ما كان دليل الحكم عليه أقوى وممن ذكر هذا الشرط الأستاذ أبو منصور والشيخ أبو إسحاق الشيرازي في اللمع والماوردي وحكى القاضي عبد الوهاب الاتفاق على اشتراطه قال الزركشي وليس كذلك فقد حكى القفال الشاشي فيه خلافا لأصحابنا ولم يرجح شيئا \r\n الشرط الثالث : أن يكون في باب الأوامر والإثبات أما في جانب النفي والنهي فلا فإنه يلزم منه الإخلال باللفظ المطلق مع تناول النفي والنهي وهو غير سائغ وممن ذكر هذا الشرط الآمدي وابن الحاجب وقالا لا خلاف في العمل بمدلولهما والجمع بينهما لعدم التعذر فإذا قال لا تعتق مكاتبا كافرا ولا مسلما إذ لو أعتق واحدا منهما لم يعمل بهما وأما صاحب المحصول فسوى بين الأمر والنهي ورد عليه القرافي بمثل ما ذكره الآمدي والنهي بل يجري في جميع أقسام الكلام قال الزركشي وقد يقال لا يتصور توارد المطلق والمقيد في جانب النفي والنهي وما ذكروه من المثال إنما هو من قبيل أفراد بعض مدلول العام وفيه ما تقدم من خلاف أبي ثور فلا وجه لذكره هاهنا انتهى والحق عدم الحمل في النفي والنهي وممن اعتبر هذا الشرط ابن دقيق العيد وجعله أيضا شرطا في بناء العام على الخاص \r\n الشرط الرابع : أن لا يكون في جانب الإباحة قال ابن دقيق العيد إن المطلق لا يحمل على المقيد في جانب الإباحة إذ لا تعارض بينهما وفي المطلق زيادة قال الزركشي وفيه نظر \r\n الشرط الخامس : أن لا يمكن الجمع بينهما إلا بالحمل فإن أمكن بغير إعمالهما فإنه أولى من تعطيل ما دل عليه أحدهما ذكره ابن الرفعة في المطلب \r\n الشرط السادس : أن لا يكون المقيد ذكر معه قدر زائد يمكن أن يكون القيد لأجل ذلك القدر الزائد فلا يحمل المطلق على المقيد هاهنا قطعا \r\n الشرط السابع : أن لا يقوم دليل يمنع من التقييد فإن قام دليل على ذلك فلا تقييد \r\n البحث الرابع : اعلم أن ما ذكر في التخصيص للعام فهو جار في تقييد المطلق فارجع في تفاصيل ذلك إلى ما تقدم في باب التخصيص فذلك يغنيك عن تكثير المباحث في هذا الباب \r\n فائدة \r\n قال في المحصول إذا أطلق الحكم في موضع وقيد مثله في موضعين بقيدين متضادين كيف يكون حكمه ؟ مثاله قضاء رمضان الوارد مطلقا في قوله سبحانه : { فعدة من أيام أخر } وصوم التمتع الوراد مقيدا بالتفريق في قوله { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم } وصوم كفارة الظهار الوارد مقيدا بالتتابع في قوله { فصيام شهرين متتابعين } قال فمن زعم أن المطلق يتقيد بالمقيد لفظا ترك المطلق هاهنا على إطلاقه لأنه ليس تقييده بأحدهما أولى من تقييده بالآخر ومن حمل المطلق على المقيد لقياس حمله هاهنا على ما كان القياس عليه أولى انتهى وقد تقدم في الشرط الثاني من المبحث الذي قبل هذا المبحث الكلام في المطلق الدائر بين قيدين متضادين وإنما ذكرنا هذه الفائدة لزيادة الإيضاح ","part":1,"page":245},{"id":123,"text":" الباب السادس في المجمل والمبين \r\n وفيه ستة فصول ","part":1,"page":250},{"id":124,"text":" الفصل الأول تعريف المجمل والمبين \r\n في حدهما فالمجمل في اللغة المبهم من أجمل الأمر إذا أبهم وقيل هو المجموع من أجمل الحساب إذا جمع وجعله جملة واحدة وقيل هو المتحصل من أجمل الشيء إذا حصله وفي الاصطلاح ما له دلالة على أحد معنيين لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه كذا قال الآمدي وفي المحصول هو ما أفاد شيئا من جملة أشياء وهو متعين في نفسه واللفظ لا يعنيه قال ولا يلزم عليه قولك اضرب رجلا لأن هذا اللفظ أفاد ضرب رجل وليس بمتعين في نفسه فأي رجل ضربته جاز وليس كذلك اسم القرء لأنه يفيد إما الطهر وحده وإما الحيض وحده واللفظ لا يعنيه وقول الله تعالى : { أقيموا الصلاة } يفيد وجوب فعل معين في نفسه غير متعين بحسب اللفظ وقال ابن الحاجب هو في الاصطلاح ما لم تتضح دلالته والمراد ما كان له دلالة في الأصل ولم تتضح فلا يرد المهمل وقيل هو اللفظ الذي لا يفهم منه عند الإطلاق شيء واعترض عليه بأنه لا يطرد ولا ينعكس أما عدم اطراده فلأن المهمل كذلك وليس بمجمل وأيضا المستحيل كذلك لأن المفهوم منه ليس بشيء اتفاقا وليس بمجمل لوضوح مفهومه وأما عدم الانعكاس فلأنه يجوز أن يفهم من المجمل أحد محامله لا بعينه كما في المشترك فلا يصدق الحد عليه وقال القفال الشاشي وابن فورك ما لا يستقل بنفسه في المراد منه حتى يأتي تفسير والأولى أن يقال هو ما دل دلالة لا يتعين المراد بها إلا بمعين سواء كان عدم التعين بوضع اللغة أو بعرف الشرع أو بالاستعمال \r\n وأما المبين : فهو في اللغة المظهر من بان إذا ظهر يقال بين فلان كذا إذا أظهره وأوضح معناه وفي الاصطلاح هو ما افتقر إلى البيان والبيان مشتق من البين وهو الفراق لأنه يوضح الشيء ويزيل أشكاله كذا قال ابن فورك وفخر الدين الرازي في المحصول قال أبو بكر الرازي سمي بيانا لانفصاله عما يلتبس من المعاني وأما في الاصطلاح فهو الدال على المراد بخطاب لا يستقل بنفسه في الدلالة على المراد كذا قال في المحصول ويطلق ويراد به الدليل على المراد ويطلق على فعل المبين ولأجل إطلاقه على المعاني الثلاثة اختلفوا في تفسيره بالنظر إليها فالصيرفي لاحظ فعل المبين فقال البيان إخراج الشيء من حيز الأشكال إلى حيز التجلي وقال القاضي في مختصر التقريب وهذا ما ارتضاه من خاض في الأصول من أصحاب الشافعي واعترضه ابن السمعاني بأن لفظ البيان أظهر من لفظ إخراج الشيء من حيز الأشكال إلى حيز التجلي ولاحظ القاضي أبو بكر وإمام الحرمين والغزالي والآمدي والفخر الرازي وأكثر المعتزلة الدليل فقالوا هو الموصل بصحيح النظر فيه إلى العلم أو الظن بالمطلوب ولاحظ أبو عبد الله البصري نفسه فحده بحد العلم وحكى أبو الحسين عنه أنه العلم وحكى أبو الحسين عنه أنه العلم الحادث قال ولهذا لا يوصف الله سبحانه بأنه مبين لأن علمه لذاته لا بعلم حادث قال العبدري بعد حكاية المذاهب الصواب أن البيان هو مجموع هذه الأمور وقال شمس الأئمة السرخسي الحنفي اختلف أصحابنا في معنى البيان فقال أكثرهم هو إظهار المعنى وإيضاحه للمخاطب وقال بعضهم هو ظهور المراد للمخاطب والعلم بالأمر الذي حصل له عند الخطاب قال وهو اختيار أصحاب الشافعي لأن الرجل يقول بأن هذا المعنى أن ظهر والأول أصح أي الإظهار انتهى قال الأستاذ أبو بكر الإسفرائني قال أصحابنا إنه الإفهام بأي لفظ كان وقال أبو بكر الدقاق إنه العلم الذي يتبين به المعلوم وقال الشافعي في الرسالة إن البيان اسم جامع لأمور مجتمعة الأصول متشعبة الفروع ","part":1,"page":250},{"id":125,"text":" الفصل الثاني الإجمال في الكتاب والسنة \r\n اعلم أن الإجمال واقع في الكتاب والسنة قال أبو بكر الصيرفي ولا أعلم أحدا أبى هذا غير داود الظاهري وقيل إنه لم يبق مجمل في كتاب الله تعالى بعد موت النبي صضص وقال إمام الحرمين إن مختار ما يثبت التكليف به لا إجمال فيه لأن التكليف بالمجمل تكليف بالمحال وما لا يتعلق به تكليف فلا يبعد استمرار الإجمال فيه بعد وفاته صضص قال الماوردي والروياني يجوز التعبد بالخطاب المجمل قبل البيان لأنه صضص بعث معاذا إلى اليمن وقال ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله الحديث وتعبدهم بالتزام الزكاة قبل بيانها قالا وإنما جاز الخطاب بالمجمل وإن كانوا لا يفهمونه لأحد الأمرين : \r\n الأول : أن يكون إجماله توطئة للنفس على قبول ما يتعقبه من البيان فإنه لو بدأ في تكليف الصلاة بها لجاز أن تنفر النفوس منها ولا تنفر من إجمالها \r\n والثاني : أن الله تعالى جعل من الأحكام جليا وجعل منها خفيا ليتفاضل الناس في العمل بها ويثابوا على الاستنباط لها فلذلك جعل منها مفسرا جليا وجعل منهما مجملا خفيا قال الأستاذ أبو إسحاق الشيرازي وحكم المجمل التوقف فيه إلى أن يفسر ولا يصح الاحتجاج بظاهره في شيء يقع فيه النزاع قال الماوردي إن كان الإجمال من جهة الاشتراك واقترن به تبيينه أخذ به فإن تجرد عن ذلك واقترن به عرف يعمل به فإن تجرد عنهما وجب الاجتهاد في المراد منه وكان من خفي الأحكام التي وكل العلماء فيها إلى الاستنباط فصار داخلا في المجمل لخفائه وخارجا منه لإمكان الاستنباط ","part":1,"page":251},{"id":126,"text":" الفصل الثالث الإجمال إما أن يكون في حال الإفراد أو التركيب \r\n الإجمال إما أن يكون في حال الإفراد أو التركيب والأول إما أن يكون بتصريفه نحو قال من القول والقيلولة ونحو مختار فإنه صالح للفاعل والمفعول قال العسكري ويفترقان تقول في الفاعل مختار لكذا وفي المفعول مختار من كذا ومن قوله تعالى : { لا تضار والدة بولدها } { ولا يضار كاتب ولا شهيد } وأما أن يكون بأصل وضعه فإما أن تكون معانيه متضاده كالقرء للطهر والحيض والناهل للعطشان والريان أو متشابهة غير متضادة فإما أن يتناول معاني كثيرة بحسب خصوصياتها فهو المشترك وأما بحسب معنى تشترك فيه فهو المتواطئ والإجمال كما يكون في الأسماء على ما قدمنا يكون في الأفعال كعسعس بمعنى أقبل وأدبر ويكون في الحروف كتردد الواو بين العطف والابتداء وكما يكون في المفردات يكون في المركبات نحو قوله تعالى : { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } لتردده بين الزوج والولي ويكون أيضا في مرجع الضمير إذا تقدمه أمران أو أمور يصلح لكل واحد منها ويكون في الصفة نحو طبيب ماهر لترددها بين أن تكون للمهارة مطلقا أو للمهارة في الطب ويكون في تعدد المجازات المتساوية مع مانع يمنع من حمله على الحقيقة فإن اللفظ يصير مجملا بالنسبة إلى تلك المجازات إذ ليس الحمل على بعضها أولى من الحمل على البعض الآخر كذا قال الآمدي والصفي الهندي وابن الحاجب وقد يكون في فعل النبي صضص إذا فعل فعلا يحتمل وجهين احتمالا واحدا وقد يكون قد ورد في الأوامر بصيغة الخبر كقوله تعالى : { والجروح قصاص } وقوله { والمطلقات يتربصن بأنفسهن } فذهب الجمهور إلى أنها تفيد الإيجاب وقال آخرون يتوقف فيها حتى يرد دليل يبين المراد بها ","part":1,"page":252},{"id":127,"text":" الفصل الرابع فيما لا إجمال فيه \r\n وهو أمور قد يحصل فيها الاشتباه على البعض فيجعلها داخلة في قسم المجمل وليست منه \r\n الأول : في الألفاظ التي علق التحريم فيها على الأعيان كقوله تعالى : { حرمت عليكم الميتة } { حرمت عليكم أمهاتكم } فذهب الجمهور إلى أنه لا إجمال في ذلك وقال الكرخي والبصري إنها مجملة احتج الجمهور بأن الذي يسبق إلى الفهم من قول القائل هذا طعام حرام هو تحريم أكله ومن قول القائل هذا المرأة حرام هو تحريم وطئها وتبادر الفهم دليل الحقيقة فالمفهوم من قوله { حرمت عليكم الميتة } و تحريم الأكل لأن ذلك هو المطلوب من تلك الأعيان وكذا قوله { حرمت عليكم أمهاتكم } فإن المفهوم منه هو تحريم الوطء واحتج الكرخي والبصري بأن هذه الأعيان غير مقدورة لنا لو كانت معدومة فكيف إذا كانت موجودة فإذا لا يمكن إجراء اللفظ على ظاهره بل المراد تحريم فعل من الأفعال المتعلقة بتلك الأعيان وذلك الفعل غير مذكور وليس بعضها أولى من بعض فإما أن يضمر الكل وهو محال لأنه إضمار من غير حاجة وهو غير جائز أو يتوقف في الكل وهو المطلوب وأيضا لو دلت على تحريم فعل معين لوجب أن يتعين ذلك الفعل في كل المواضع وليس كذلك وأجيب بأنه لا نزاع في أنه لا يمكن إضافة التحريم إلى الأعيان لكن قوله ليس إضمار بعض الأحكام أولى من بعض ممنوع فإن العرف يقتضي إضافة التحريم إلى الفعل المطلوب منه وهو تحريم الاستمتاع وتحريم الأكل فهذا البعض متضح متعين بالعرف \r\n الثاني : لا إجمال في مثل قوله تعالى : { وامسحوا برؤوسكم } وإلى ذلك ذهب الجمهور وذهب الحنفية إلى أنه مجمل لتردده بين الكل والبعض والسنة بينت البعض وحكاه في المعتمد عن أبي عبد الله البصري ثم اختلف القائلون بأن لا إجمال فقالت المالكية إنه يقتضي مسح الجميع لأن الرأس حقيقة في جميعه والباء إنما دخلت للإلصاق وقال الشريف المرتضى فيما حكاه عنه صاحب المصادر إنه يقتضي التبعيض قال لأن المسح فعل متعد بنفسه غير محتاج إلى حرف التعدية بدليل قوله مسحته كله فينبغي أن يفيد دخول الباء فائدة جيدة فلو لم يفد البعض يبقى اللفظ عاريا عن الفائدة وقالت طائفة أنه حقيقة فيما ينطلق عليه الاسم وهو القدر المشترك بين مسح الكل والبعض فيصدق بمسح البعض ونسبه في المحصول إلى الشافعي قال البيضاوي وهو الحق : ونقل ابن الحاجب عن الشافعي وأبي الحسين وعبد الجبار ثبوت البعض بالعرف والذي في المعتمد لأبي الحسين وعبد الجبار أنها تفيد في اللغة تعميم مسح الجميع لأنه متعلق بما سمي رأسا وهو اسم لجملة الرأس لا للبعض ولكن العرف يقتضي إلصاق المسح بالرأس إما بجميعه وإما ببعضه لصدق الاسم عليه وعبارة الشافعي في كتاب أحكام القرآن أن من مسح رأسه شيئا فقد مسح برأسه ولم تحتمل الآية إلا هذا قال فدلت السنة أنه ليس على المرء مسح رأسه كله وإذا دلت السنة على ذلك فمعنى الآية أن من مسح شيئا من رأسه أجزأه انتهى فلم يثبت التبعيض بالعرف كما زعم ابن الحاجب ولا يخفاك أن الأفعال المنسوبة إلى الذوات تصدق بالبعض حقيقة لغوية فمن قال ضربت رأس زيد أو ضربت برأسه صدق ذلك بوقوع الفعل على جزء من الرأس فهكذا مسحت رأس زيد ومسحت برأسه وعلى كل حال فقد جاء في السنة المطهرة مسح كل الرأس ومسح بعضه فكان ذلك دليلا مستقلا على أنه يجزئ مسح البعض سواء كانت الآية من قبيل المجمل أم لا \r\n الثالث : لا إجمال في مثل قوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا } عند الجمهور وقال بعض الحنفية إنها مجملة إذ اليد العضو من المنكب والمرفق والكوع لاستعمالها فيها والقطع للإبانة والشق لاستعماله فيهما وأجاب الجمهور بأن اليد تستعمل مطلقة ومقيدة فالمطلقة تنصرف إلى الكوع بدليل آية التيمم وآية السرقة وآية المحاربة وأجاب بعضهم بأن اليد حقيقة في العضو إلى المنكب ولما دونه مجاز فلا إجمال في الآية وهذا هو الصواب وقد جاءت السنة بأن القطع من الكوع فكان ذلك مقتضيا للمصير إلى المعنى المجازي في الآية ويجاب عما ذكر في القطع بأن الإجمال إنما يكون مع عدم الظهور في أحد المعنيين وهو ظاهر في القطع لا في الشق الذي هو مجرد قطع بدون إبانة \r\n الرابع : لا إجمال في نحو « لا صلاة إلا بطهور لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب لا صيام من لم يبيت الصيام من الليل لا نكاح إلا بولي لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد » وإلى ذلك ذهب الجمهور قالوا لأنه إن ثبت عرف شرعي في إطلاقه للصحيح كان معناه لا صلاة صحيحة ولا صيام صحيح ولا نكاح صحيح فلا إجمال وإن لم يثبت عرف شرعي فإن ثبت فيه عرف لغوي وهو أن مثله يقصد منه نفي الفائدة والجدوى نحو لا علم إلا ما نفع ولا كلام إلا ما أفاد فيتعين ذلك فلا إجمال وإن قدر انتفاؤهما فالأولى حمله على نفي الصحة دون الكمال لأن ما لا يصح كالعدم في عدم الجدوى بخلاف ما لا يكمل فكان أقرب المجازين إلى الحقية المتعذرة فلا إجمال وهذا بناء منهم على أن الحقيقة متعذرة لوجوب الذات في الخارج ويمكن أن يقال إن المنفى هو الذات الشرعية والتي وجدت ليست شرعية فيبقى حمل الكلام على حقيقته وهي نفي الذات الشرعية فإن دل دليل على أنه لا يتوجه النفي إليها كان توجهه إلى الصحة أولى لأنها أقرب المجازين إذ توجيهه إلى نفي الصحة يستلزم نفي الذات حقيقة بخلاف توجيهه إلى الكمال فإنه لا يستلزم نفي الذات فكان توجيهه إلى الصحة أقرب المجازين إليها فلا إجمال وليس هذا من باب إثبات اللغة بالترجيح بل من باب ترجيح أحد المجازين على الآخر بدليل وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني والقاضي عبد الجبار وأبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم وأبو عبد الله البصري إلى أنه مجمل ونقله الأستاذ أبو منصور عن أهل الرأي واختلف هؤلاء في تقرير الإجمال على ثلاثة وجوه : \r\n الأول : أنه ظاهر في نفي الوجود وهو لا يمكن لأنه واقع قطعا فاقتضى ذلك الإجمال \r\n الثاني : أنه ظاهر في نفي الوجود ونفي الحكم فصار مجملا \r\n الثالث : أنه متردد بين نفي الجواز ونفي الوجوب فصار مجملا قال بعض هؤلاء في تقرير الإجمال إما أن يحمل على الكل وهو إضمار من غير ضرورة ولأنه قد يفضي أيضا إلى التناقض لأنا لو حملناه على نفي الصحة ونفي الكمال معا كان نفي الصحة يقتضي نفيها ونفيها يستلزم نفي الذات وكان نفي الكمال يقتضي ثبوت الصحة فكان مجملا من هذه الحيثية وهذا كله مدفوع بما تقدم \r\n الخامس : لا إجمال في نحو قوله : [ رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ] مما ينفي فيه صفة والمراد نفي لازم من لوازمه وإلى ذلك ذهب الجمهور لأن العرف في مثله قبل ورود الشرع نفي المؤاخذة ورفع العقوبة فإن السيد إذا قال لعبده رفعت عنك الخطأ كان المفهوم منه أني لا أؤاخذك به ولا أعاقبك عليه فلا إجمال قال الغزالي قضية اللفظ رفع نفس الخطأ والنسيان وهو غير معقول فالمراد به رفع حكمه لا على الإطلاق بل الحكم الذي علم بعرف الاستعمال قبل الشرع وهو رفع الإثم فليس بعام في جميع أحكامه من الضمان ولزوم القضاء وغيرهما وقال أبو الحسين وأبو عبد الله البصري إنه مجمل لأن ظاهره نفس رفع الخطأ والنسيان وقد وقعا وقد حكى شارح المحصول في هذه المسألة ثلاثة مذاهب : أحدها أنه مجمل والثاني الحمل على رفع العقاب آجلا والإثم عاجلا قال وهو مذهب الغزالي والثالث رفع جميع الأحكام الشرعية واختاره الرازي في المحصول وممن حكى هذه الثلاثة المذاهب القاضي عبد الوهاب في الملخص ونسب الثالث إلى أكثر الفقهاء من الشافعية والمالكية واختار هو الثاني والحق ما ذهب إليه الجمهور للوجه الذي قدمنا ذكره \r\n السادس : إذا دار لفظ الشارع بين مدلولين أن حمل على أحدهما أفاد معنى واحدا وإن حمل على الآخر أفاد معنيين ولا ظهور له في أحد المعنيين اللذين دار بينهما قال الصفي الهندي ذهب الأكثرون إلى أنه ليس بمجمل بل هو ظاهر في إفادة المعنيين اللذين هما أحد مدلوليه وذهب الأقلون إلى أنه مجمل وبه قال الغزالي واختاره ابن الحاجب واختار الأول الآمدي لتكثير الفائدة قال الآمدي والهندي محل الخلاف إنما هو فيما إذا لم يكن حقيقة في المعنيين فإنه يكون مجملا أو حقيقة في أحدهما فالحقيقة مرجحة وظاهرة جعل الخلاف فيما إذا كانا مجازين لأنهما إذا لم يكونا حقيقتين ولا أحدهما حقيقة والآخر مجازا فما بقي إلا أن يكونا مجازين قال الزركشي والحق أن صورة المسألة أعم من ذلك وهو اللفظ المحتمل لمتساويين سواء كانا حقيقتين أو مجازين أو أحدهما حقيقة مرجوحة والآخر مجازا راجحا عند القائل بتساويهما ويكون ذلك باعتبار الظهور والخفاء انتهى والحق أنه مع عدم الظهور في أحد مدلوليه يكون مجملا ولا يصح جعل تكثير الفائدة مرجحا ولا رافعا للإجمال فإن أكثر الألفاظ ليس لها إلا معنى واحد فليس الحمل على كثرة الفائدة بأولى من الحمل على المعنى الواحد لهذه الكثيرة التي لا خلاف فيها \r\n السابع : لا إجمال فيما كان له مسمى لغوي ومسمى شرعي كالصوم والصلاة عند الجمهور بل يجب الحمل على المعنى الشرعي لأن النبي صضص بعث لبيان الشرعيات لا لبيان معاني الألفاظ اللغوية والشرع طارئ على اللغة وناسخ لها فالحمل على الناسخ المتأخر أولى وذهب جماعة إلى أنه مجمل ونقله الأستاذ أبو منصور عن أكثر أصحاب الشافعي وذهب جماعة إلى التفصيل بين أن يرد على طريقة الإثبات فيحمل على المعنى الشرعي وبين أن يرد على طريقة النفي فمجمل لتردده فالأول كقوله صضص « إني صائم » فيستفاد منه صحة نية النهار والثاني كالنهي عن صوم أيام التشريق فلا يستفاد منه صحة صومها واختار هذا التفصيل الغزالي وليس بشيء وثم مذهب رابع وهو أنه لا إجمال في الإثبات الشرعي والنهي اللغوي واختاره الآمدي ولا وجه له أيضا والحق ما ذهب إليه الأولون لما تقدم وهكذا إذا كان للفظ محمل شرعي ومحمل لغوي فإنه يحمل على المحمل الشرعي لما تقدم وهكذا إذا كان له مسمى شرعي ومسمى لغوي فإنه يحمل على الشرعي لما تقدم أيضا وهكذا إذا تردد اللفظ بين المسمى العرفي واللغوي فإنه يقدم العرفي على اللغوي ","part":1,"page":253},{"id":128,"text":" الفصل الخامس في مراتب البيان للأحكام وهي خمسة بعضها أوضح من بعض \r\n الأول : بيان التأكيد وهو النص الجلي الذي لا يتطرق إليه تأويل كقوله تعالى في صوم التمتع { فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة } وسماه بعضهم بيان التقرير وحاصله أنه في الحقيقة التي تحتمل المجاز والعام المخصوص فيكون البيان قاطعا للاحتمال مقررا للحكم على ما اقتضاه الظاهر \r\n الثاني : النص الذي ينفرد بإدراكه العلماء كالواو وإلى في آية الوضوء فإن هذين الحرفين مقتضيان لمعان معلومة عند أهل اللسان \r\n الثالث : نصوص السنة الواردة بيانا لمشكل في القرآن كالنص على ما يخرج عند الحصاد مع قوله تعالى : { وآتوا حقه يوم حصاده } ولم يذكر في القرآن مقدار هذا الحق \r\n الرابع : نصوص السنة المبتدأة مما ليس في القرآن نص عليها ولا بالإجمال ولا بالتبيين ودليل كون هذا القسم من بيان الكتاب قوله تعالى : { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } \r\n الخامس : بيان الإشارة وهو القياس المستنبط من الكتاب والسنة مثل الألفاظ التي استنبطت منها المعاني وقيس عليها غيرها لأن الأصل إذا استنبط منه معنى وألحق به غيره لا يقال لم يتناوله النص بل تناوله لأن النبي صضص أشار إليه بالتنبيه كإلحاق المطعومات في باب الربوبيات بالأربعة المنصوص عليها لأن حقيقة القياس بيان المراد بالنص وقد أمر الله سبحانه وتعالى أهل التكليف بالاعتبار والاستنباط والاجتهاد ذكر هذا المراتب الخمس للبيان الشافعي في أول الرسالة وقد اعترض عليه قوم وقالوا قد أهمل قسمين وهما الإجماع وقول المجتهد إذا انقرض عصره وانتشر من غير نكير قال الزركشي في البحر إنما أهملهما الشافي لأن كل واحد منهما إنما يتوصل إليه بأحد الأقسام الخمسة التي ذكرها الشافعي لأن الإجماع لا يصدر إلا عن دليل فإن كان نصا فهو من الأقسام الأول وإن كان استنباطا فهو الخامس قال ابن السمعاني يقع بيان المجمل بستة أوجه : أحدها بالقول وهو الأكثر والثاني بالفعل والثالث بالكتاب كبيان أسنان الديات وديات الأعضاء ومقادير الزكاة فإنه صضص بينها بكتبه المشهورة والرابع بالإشارة كقوله الشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني ثلاثين يوما ثم أعاد الإشارة بأصابعه ثلاث مرات وحبس إبهامه في الثالثة إشارة إلى أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين والخامس بالتنبيه وهو المعاني والعلل التي نبه بها على بيان الأحكام كقوله في بيع الرطب بالتمر أينقص الرطب إذا جف وقوله في قبلة الصائم أرأيت لو تمضمض السادس ما خص العلماء بيانه عن اجتهاد وهو ما فيه الوجوه الخمسة إذا كان الاجتهاد موصولا إليه من أحد وجهين إما من أصل يعتبر هذا الفرع به وإما من طريق أمارة تدل عليه وزاد شارح اللمع وجها سابعا وهو البيان بالترك كما روى أن آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار قال الأستاذ أبو منصور رتب بعض أصحابنا ذلك فقال أعلاها رتبة ما وقع من الدلالة بالخطاب ثم بالفعل ثم بالإشارة ثم بالكتابة ثم بالتنبيه على العلة قال ويقع بيان من الله سبحانه وتعالى بها كلها خلا الإشارة انتهى قال الزركشي لا خلاف أن البيان يجوز بالقول واختلفوا في وقوعه بالفعل والجمهور على أنه يقع بيانا خلافا لأبي أسحاق المروزي منا والكرخي من الحنفية حكاه الشيخ أبو إسحاق في التبصرة انتهى ولا وجه لهذا الخلاف فإن النبي بين الصلاة والحج بأفعاله وقال [ صلوا كما رأيتموني أصلي حجوا كما رأيتموني أحج وخذوا عني مناسككم ] ولم يكن لمن منع من ذلك متمسك لا من شرع ولا من عقل بل مجرد مجادلات ليست من الأدلة في شيء وإذا ورد بعد المجمل قول وفعل وكل واحد منهما صالح لبيانه فإن اتفقا وعلم سبق أحدهما فهو البيان قولا كان أو فعلا والثاني تأكيد له وقيل إن المتأخر إن كان الفعل لم يحمل على التأكيد لأن الأضعف لا يؤكد الأقوى وإن جهل المتقدم منهما فلا يقضي على واحد منهما بأنه المبين بعينه بل يقضي بحصول البيان بواحد منهما لم نطلع عليه وهو الأول في نفس الأمر وقيل يكونان بمجموعهما بيانا قيل هذا إذا تساويا في القوة فإن اختلفا فالأشبه أن المرجوح هو المتقدم ورودا وإلا لزم التأكيد بالأضعف هذا إذا اتفق القول والفعل أما إذا اختلفا فذهب الجمهور أن المبين هو القول ورجح هذا فخر الدين الرازي وابن الحاجب سواء كان متقدما أو متأخرا ويحمل الفعل على الندب لأن دلالة القول على البيان بنفسه بخلاف الفعل فإنه لا يدل إلا بواسطة انضمام القول إليه والدال بنفسه أولى وقال أبو الحسين البصري المتقدم منهما هو البيان كما في صورة اتفاقهما ","part":1,"page":257},{"id":129,"text":" الفصل السادس في تأخير البيان عن وقت الحاجة \r\n اعلم أن كل ما يحتاج إلى البيان من مجمل وعام ومجاز ومشترك وفعل متردد ومطلق إذا تأخر بيانه فذلك على وجهين : \r\n الأول : أن يتأخر عن وقت الحاجة وهو الوقت الذي إذا تأخر البيان عنه لم يتمكن المكلف من المعرفة لما تضمنه الخطاب وذلك في الواجبات الفورية لم يجز لأن الإتيان بالشيء مع عدم العلم به ممتنع عند جميع القائلين بالمنع من تكليف ما لا يطاق وأما من جوز التكليف بما لا يطاق فهو يقول بجوازه فقط لا بوقوعه فكان عدم الوقوع متفقا عليه بين الطائفتين ولهذا نقل أبو بكر الباقلاني إجماع أرباب الشرائع على امتناعه قال ابن السمعاني لا خلاف في امتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى الفعل ولا خلاف في جوازه إلى وقت الفعل لأن المكلف قد يؤخر النظر وقد يخطئ إذا نظر فهذانك القربان لا خلاف فيهما انتهى \r\n الوجه الثاني : تأخيره عن وقت ورود الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الفعل وذلك في الواجبات التي ليست بفورية حيث يكون الخطاب لا ظاهر له كالأسماء المتواطئة والمشتركة أوله ظاهر وقد استعمل في خلافه كتأخير التخصيص والنسخ ونحو ذلك وفي ذلك مذاهب : \r\n الأول : الجواز مطلقا قال ابن برهان وعليه عامة علمائنا من الفقهاء والمتكلمين ونقله ابن فورك والقاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق الشيرازي وابن السمعاني عن ابن سريج والأصطخري وابن أبي هريرة وابن خيران والقفال وابن القطان والطبري والشيخ أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر الباقلاني ونقله القاضي في مختصر التقريب عن الشافعي واختاره الرازي في المحصول وابن الحاجب وقال الباجي عليه أكثر أصحابنا وحكاه القاضي عن مالك واستدلوا بقوله سبحانه : { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه } وثم للتعقيب مع التراخي وقوله في قصة نوح وأهلك وحكمه تناول ابنه وبقوله : { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } ثم لما سأل ابن الزبعري عن عيسى والملائكة نزل قوله : { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } الآية وبقوله { فأن لله خمسه } لم يبين بعد ذلك أن السلب للقاتل وبقوله { أقيموا الصلاة } ثم وقع بيانها بعد ذلك بصلاة جبريل وبصلاة النبي صضص وبقوله { وآتوا الزكاة } وبقوله { والسارق والسارقة فاقطعوا } وبقوله { ولله على الناس حج البيت } ثم وقع البيان لهذه الأمور بعد ذلك بالسنة ونحو هذا كثير جدا \r\n المذهب الثاني : المنع مطلقا ونقله القاضي أبو بكر الباقلاني والشيخ أبو إسحاق الشيرازي وسليم الرازي وابن السمعاني عن أبي إسحاق المروزي وأبي بكر الصيرفي وأبي حامد المروزي ونقله الأستاذ أبو إسحاق عن أبي بكر الدقاق قال القاضي وهو قول المعتزلة وكثير من الحنفية و ابن داود الظاهري ونقله ابن القشيري عن داود الظاهري ونقله المازري والباجي عن الأبهري قال القاضي عبد الوهاب قالت المعتزلة والحنفية لا بد أن يكون الخطاب متصلا بالبيان أو في حكم المتصل احترازا من انقطاعه بعطاس ونحوه من عطف الكلام بعضه على بعض قال ووافقهم بعض المالكية والشافعية واستدل هؤلاء بما لا يسمن ولا يغني من جوع فقالوا لو جاز ذلك فإما أن يكون إلى مدة معينة أو إلى الأبد وكلاهما باطل أما إلى مدة معينة فلكونه تحكما ولكونه لم يقل به أحد وأما إلى الأبد فلكونه يلزم المحذور وهو الخطاب والتكليف به مع عدم الفهم وأجيب عنهم باختيار جوازه إلى مدة معينة عند الله وهو الوقت الذي يعلم أنه يكلف به فيه فلا تحكم هذا أنهض ما استدلوا به على ضعفه وقد استدلوا بما هو دونه في الضعف فلا حاجة لنا إلى تطويل البحث بما لا طائل تحته \r\n المذهب الثالث : أنه يجوز تأخير بيان المجمل دون غيره حكاه القاضي أبو الطيب والقاضي عبد الوهاب وابن الصباغ عن الصيرفي وأبي حامد المروزي قال أبو الحسين بن القطان لا خلاف بين أصحابنا في جواز تأخير بيان المجمل كقوله : { أقيموا الصلاة } وكذا لا يختلفون أن البيان في الخطاب العام يقع بفعل النبي صضص والفعل يتأخر عن القول لأن بيانه بالقول أسرع منه بالفعل وأما العموم الذي يعقل مراده من ظاهره كقوله : { والسارق والسارقة فاقطعوا } فقد اختلفوا فيه فمنهم من لم يجوز تأخير بيانه كما هو مذهب أبي بكر الصيرفي وكذا حكى اتفاق أصحاب الشافعي على جواز تأخير بيان المجمل ابن فورك والأستاذ أبو إسحاق الإسفرائني ولم يأتوا بما يدل على عدم جواز التأخير فيما عدا ذلك إلا ما لا يعتد به ولا يلتفت إليه \r\n المذهب الرابع : أنه يجوز تأخير بيان العموم لأنه قبل البيان مفهوم ولا يجوز تأخير بيان المجمل لأنه قبل البيان غير مفهوم حكاه الماوردي والروياني وجها لأصحاب الشافعي ونقله ابن برهان في الوجيز عن عبد الجبار ولا وجه له \r\n المذهب الخامس : أنه يجوز تأخير بيان الأوامر والنواهي ولا يجوز تأخير بيان الأخبار كالوعد والوعيد حكاه الماوردي عن الكرخي وبعض المعتزلة ولا وجه له أيضا \r\n المذهب السادس : عكسه حكاه الشيخ أبو إسحاق مذهبا ولم ينسبه إلى أحد ولا وجه له أيضا ونازع بعضهم في حكاية هذا وما قبله مذهبا قال لأن موضوع المسألة التكليفي فلا تذكر فيها الأخبار قال الزركشي وفيه نظر \r\n المذهب السابع : أنه يجوز تأخير بيان النسخ دون غيره ذكر هذا المذهب أبو الحسين في المعتمد وأبو علي وأبو هاشم وعبد الجبار ولا وجه له أيضا لعدم الدليل الدال على عدم جواز التأخير فيما عدا النسخ وقد عرفت قيام الأدلة المتكثرة على الجواز مطلقا فالاقتصار على بعض ما دلت عليه دون بعض بلا مخصص باطل \r\n المذهب الثامن : التفصيل بين ما ليس له ظاهر كالمشترك دون ما له ظاهر كالعام والمطلق والمنسوخ ونحو ذلك فإنه لا يجوز التأخير في الأول ويجوز في الثاني نقله فخر الدين الرازي عن أبي الحسين البصري والدقاق والقفال وأبي إسحاق وقد سبق النقل عن هؤلاء بأنهم يذهبون إلى خلاف ما حكاه عنهم ولا وجه لهذا التفصيل \r\n المذهب التاسع : أن بيان المجمل إن لم يكن تبديلا ولا تغييرا جاز مقارنا وطارئا وإن كان تغييرا جاز مقارنا ولا يجوز طارئا بالحال نقله السمعاني عن أبي زيد من الحنفية ولا وجه له أيضا فهذه جملة المذاهب المروية في هذه المسألة وأنت إذا تتبعت موارد هذه الشريعة المطهرة وجدتها قاضية بجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب قضاء ظاهرا واضحا لا ينكره من له أدنى خبرة بها وممارسة لها وليس على هذه المذاهب المخالفة لما قاله المجوزون أثارة من علم وقد اختلف القائلون بجواز التأخير في جواز تأثير البيان على التدريج بأن يبين بيانا أولا ثم يبين بيانا ثانيا كالتخصيص بعد التخصيص والحق الجواز لعدم المانع من ذلك لا من شرع ولا عقل فالكل بيان ","part":1,"page":259},{"id":130,"text":" الباب السابع في الظاهر والمؤول وفيه ثلاثة فصول \r\n الفصل الأول : في حدهما فالظاهر في اللغة هو الواضح قال الأستاذ والقاضي أبو بكر لفظه يغني عن تفسيره وقال الغزالي هو المتردد بين أمرين وهو في أحدهما أظهر وقيل هو ما دل على معنى مع قبوله لإفادة غيره إفادة مرجوحة فاندرج تحته ما دل على المجاز الراجح ويطلق على اللفظ الذي يفيد معنى سواء أفاد معه إفادة مرجوحة أو لم يفد ولهذا يخرج النص فإن إفادته ظاهرة بنفسه ونقل إمام الحرمين أن الشافعي كان يسمي الظاهر نصا وقيل هو في الاصطلاح ما دل دلالة ظنية إما بالوضع كالأسد للسبع المفترس أو بالعرف كالغائط للخارج المستقذر إذ غلب فيه بعد أن كان في الأصل للمكان المطمئن من الأرض والتأويل مشتق من آل يؤول إذا رجع تقول آل الأمر إلى كذا أي رجع إليه وما آل الأمر مرجعه وقال النضر بن شميل إنه مأخوذ من الأيالة وهي السياسة يقال لفلان علينا إيالة وفلان أيل علينا أي سائس فكان المؤول بالتأويل كالمتحكم على الكلام المتصرف فيه وقال ابن فارس في فقه العربية التأويل آخر الأمر وعاقبته يقال ما آل هذا الأمر مصيره واشتقاق الكلمة من الأول وهو العاقبة والمصير واصطلاحا صرف الكلام عن ظاهره إلى معنى يحتمله وفي الاصطلاح حمل الظاهر على المحتمل المرجوح وهذا يتناول التأويل الصحيح والفاسد فإن أردت تعريف التأويل الصحيح زدت في الحد بدليل يصيره راجحا لأنه بلا دليل أو مع دليل مرجوح أو مسا وفاسد قال ابن برهان وهذا الباب أنفع كتب الأصول وأجلها ولم يزل الزال إلا بالتأويل الفاسد وأما ابن السمعاني فأنكر على إمام الحرمين إدخاله لهذا الباب في أصول الفقه وقال ليس هذا من أصل الفقه في شيء إنما هو كلام يورد في الخلافيات واعلم أن الظاهر دليل شرعي يجب اتباعه والعمل به بدليل إجماع الصحابة على العمل بظواهر الألفاظ وإذا عرفت معنى الظاهر فاعلم أن النص ينقسم إلى قسمين أحدهما يقبل التأويل وهو قسم من النص مرادف للظاهر والقسم الثاني لا يقبله وهو النص الصريح وسيأتي الكلام على هذا في الباب الذي بعد هذا الباب \r\n الفصل الثاني \r\n فيما يدخله التأويل وهو قسمان \r\n أحدهما أغلب الفروع ولا خلاف في ذلك والثاني الأصول كالعقائد وأصول الديانات وصفات الباري عز و جل وقد اختلفوا في هذا القسم على ثلاثة مذاهب : \r\n الأول : أنه لا مدخل للتأويل فيها بل يجري على ظاهرها ولا يؤول شيء منها وهذا قول المشبهة \r\n والثاني : أن لها تأويلا ولكنا نمسك عنه مع تنزيه اعتقادنا عن التشبيه والتعطيل لقوله تعالى : { وما يعلم تأويله إلا الله } قال ابن برهان وهذا قول السلف قلت وهذا هو الطريقة الواضحة والمنهج المصحوب بالسلام عن الوقوع في مهاوي التأويل لما لا يعلم تأويله إلا الله وكفى بالسلف الصالح قدوة لمن أراد الاقتداء وأسوة لمن أحب التأسي على تقدير عدم ورود الدليل القاضي بالمنع من ذلك فكيف وهو قائم موجود في الكتاب والسنة \r\n والمذهب الثالث : أنها مؤولة قال ابن برهان والأول من هذه المذاهب باطل والآخران منقولان عن الصحابة ونقل هذا المذهب الثالث عن علي وابن مسعود وابن عباس وأم سلمة قال أبو عمرو بن الصلاح الناس في هذه الأشياء الموهمة للجهة ونحوها فرق ثلاث : ففرقة تؤول وفرقة تشبه وثالثة ترى أنه لم يطلق الشارع مثل هذه اللفظة إلا وإطلاقه سائغ وحسن قبولها مطلقة كما قال مع التصريح بالتقديس والتنزيه والتبري من التحديد والتشبيه قال وعلى هذه الطريقة مضى صدر الأمة وسادتها واختارها أئمة الفقهاء وقادتها وإليها دعا أئمة الحديث وأعلامه ولا أحد من المتكلمين يصدف عنها ويأباها وأفصح الغزالي في غير موضع بهجر ما سواها حتى ألجم آخرا في إلجامه كل عامل وعامي عما عداها قال وهذا كتاب إلجام العوام عن علم الكلام وهو آخر تصانيف الغزالي مطلقا حث فيه على مذهب السلف ومن تبعهم قال الذهبي في النبلاء في ترجمة فخر الدين الرازي ما لفظه : وقد اعترف في آخر عمره حيث يقول لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الإثبات { الرحمن على العرش استوى } { إليه يصعد الكلم الطيب } واقرأ في النفي { ليس كمثله شيء } ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي انتهى وذكر الذهبي في النبلاء في تجرمة إمام الحرمين الجويني أنه قال ذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب تعالى والذي نرتضيه رأيا وندين الله به عقدا اتباع سلف الأمة هكذا نقل عنه صاحب النبلاء في ترجمته وقال في موضع آخر في ترجمته في النبلاء إنه قال ما لفظه اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السلف انتهى وهؤلاء الثلاثة أعني الجويني والغزالي والرازي هم الذين وسعوا دائرة التأويل وطولوا ذيوله وقد رجعوا آخرا إلى مذهب السلف كما عرفت فلله الحمد كما هو له أهل وقال ابن دقيق العيد ونقوله في الألفاظ المشكلة إنها حق وصدق وعلى الوجه الذي أراده الله ومن أول شيئا منها فإن كان تأويله قريبا على ما يقتضيه لسان العرب وتفهمه في مخاطباتهم لم ننكر عليه ولم نبدعه وإن كان تأويله بعيدا توقفنا عليه واستبعدناه ورجعنا إلى القاعدة في الإيمان بمعناه مع التنزيه وقد تقدمه إلى مثل هذا ابن عبد السلام كما حكاه عنهما الزركشي في البحر والكلام في هذا يطول لما فيه من كثرة النقول عن الأئمة الفحول \r\n الفصل الثالث \r\n في شروط التأويل \r\n الأول أن يكون موافقا لوضع اللغة أو عرف الاستعمال وإعادة صاحب الشرع وكل تأويل خرج عن هذا فليس صحيح الثاني أن يقوم الدليل على أن المراد بذلك اللفظ هو المعنى الذي حمل عليه إذا كان لا يستعمل كثيرا فيه الثالث إذا كان التأويل بالقياس فلا بد أن يكون جليا لا خفيا وقيل أن يكون مما يجوز التخصيص به على ما تقدم وقيل لا يجوز التأويل بالقياس أصلا والتأويل في نفسه ينقسم إلى ثلاثة أقسام : قد يكون قريبا فيترجح بأدنى مرجح وقد يكون بعيدا فلا يترجح إلا بمرجح قوي ولا يترجح بما ليس بقوي وقد يكون متعذرا لا يحتمله اللفظ فيكون مردودا لا مقبولا وإذا عرفت هذا تبين لك ما هو مقبول من التأويل مما هو مردود ولم يحتج إلى تكثير الأمثلة كما وقع في كثير من كتب الأصول ","part":1,"page":263},{"id":131,"text":" الباب الثامن من المقصد الرابع في المنطوق والمفهوم وفيه أربع مسائل \r\n المسألة الأولى : في حدهما فالمنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق أي يكون حكما للمذكور وحالا من أحواله والمفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق أي يكون حكما لغير المذكور وحالا من أحواله والحاصل أن الألفاظ قوالب للمعاني المستفادة منها فتارة تستفاد منها من جهة النطق تصريحا وتارة من جهته تلويحا فالأول المنطوق والثاني المفهوم والمنطوق ينقسم إلى قسمين : الأول ما لا يحتمل التأويل وهو النص والثاني ما يحتمله وهو الظاهر والأول أيضا ينقسم إلى قسمين : صريح إن دل عليه اللفظ بالمطابقة أو التضمن وغير صريح إن دل عليه بالالتزام وغير الصريح ينقسم إلى دلالة اقتضاء وإيماء وإشارة فدلالة الاقتضاء هي إذا توقف الصدق أو الصحة العقلية أو الشرعية عليه مع كون ذلك مقصود التكلم ودلالة الإيماء أن يقترن اللفظ بحكم لو لم يكن للتعليل لكان بعيدا وسيأتي بيان هذا في القياس ودلالة الإشارة حيث لا يكون مقصودا للمتكلم والمفهوم ينقسم إلى مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة فمفهوم الموافقة حيث يكون المسكوت عنه موافقا للملفوظ به فإن كان أولى بالحكم من المنطوق به فيسمى فحوى الخطاب وإن كان مساويا له فيسمى لحن الخطاب وحكى الماوردي والروياني في الفرق بين فحوى الخطاب ولحن الخطاب وجهين : أحدهما أن الفحوى ما نبه عليه اللفظ واللحن ما لاح في اللفظ وثانيهما أن الفحوى ما دل على ما هو أقوى منه واللحن ما دل على مثله وقال القفال أن فحوى الخطاب ما دل المظهر على المسقط واللحن ما يكون محالا على غير المراد والأولى ما ذكرناه أولا وقد شرط بعضهم في مفهوم الموافقة أن يكون أولى من المذكور وقد نقله إمام الحرمين الجويني في البرهان عن الشافعي وهو ظاهر كلام الشيخ أبي إسحاق الشيرازي ونقله الهندي عن الأكثرين وأما الغزالي وفخر الدين الرازي وأتباعهما فقد جعلوه قسمين : تارة يكون أولى وتارة يكون مساويا وهو الصواب فجعلوا شرطه أن لا يكون المعنى في المسكوت عنه أقل مناسبة للحكم من المعنى المنطوق به قال الزركشي وهو ظاهر كلام الجمهور من أصحابنا وغيرهم وقد اختلفوا في دلالة النص على مفهوم الموافقة هل هي لفظية أو قياسية على قولين حكاهما الشافعي في الأمر وظاهر كلامه ترجيح أنه قياس ونقله الهندي في النهاية عن الأكثرين قال الصيرفي ذهبت طائفة جلة سيدهم الشفاعي إلى أن هذا هو القياس الجلي وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع إنه الصحيح وجرى عليه القفال الشاشي فذكره في أنواع القياس قال سليم الرازي الشافعي يومئ إلى أنه قياس جلي لا يجوز ورود الشرع بخلافه قال وذهب المتكلمون بأسرهم الأشعرية والمعتزلة إلى أنه مستفاد من النطق وليس بقياس قال الشيخ أبو حامد الإسفرائني الصحيح من المذاهب أنه جار مجرى النطق لا مجرى دلالة النص لكن دلالته لفظية ثم اختلفوا فقيل إن المنع من التأفيف منقول بالعرف عن موضوعه اللغوي إلى المنع من أنواع الأذى وقيل إنه فهم بالسياق والقرائن وعليه المحققون من أهل هذا القول كالغزالي وابن القشيري والآمدي وابن الحاجب والدلالة عندهم مجازية من باب إطلاق الأخص وإرادة الأعم قال الماوردي والجمهور على أن دلالته من جهة اللغة لا من القياس قال القاضي أبو بكر الباقلاني القول بمفهوم الموافقة من حيث الجملة مجمع عليه قال ابن رشد لا ينبغي للظاهرية أن يخالفوا في مفهوم الموافقة لأنه من باب السمع والذي رد ذلك يرد نوعا من الخطاب قال الزركشي وقد خالف فيه ابن حزم قال ابن تيمية وهو مكابرة \r\n المسألة الثانية : مفهوم المخالفة وهو حيث يكون السكوت عنه مخالفا للمذكور في الحكم إثباتا ونفيا فيثبت للمسكوت عنه نقيض حكم المنطوق به ويسمى دليل الخطاب لأن دليله من جنس الخطاب أو لأن الخطاب دال عليه قال القرافي وهل المخالفة بين المنطوق والمسكوت بضد الحكم المنطوق به أو نقيضه الحق الثاني ومن تأمل المفهومات وجدها كذلك وجميع مفاهيم المخالفة حجة عند الجمهور إلا مفهوم اللقب وأنكر أبو حنيفة الجميع وحكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع عن القفال الشاشي وأبي حامد المروزي وأما الأشعري فقال القاضي إن النقلة نقلوا عنه القول بالمفهوم كما نقلوا عنه نفي صيغ العموم وقد أضيف إليه خلاف ذلك وأنه قال بمفهوم الخطاب وذكر شمس الأئمة السرخسي من الحنفية في كتاب السير أنه ليس بحجة في خطابات الشرع وأما في مصطلح الناس وعرفهم فهو حجة وعكس ذلك بعض المتأخرين من الشافعية فقال هو حجة في كلام الله ورسوله وليس بحجة في كلام المصنفين وغيرهم كذا حكاه الزركشي واختلف المثبتون للمفهوم في مواضع \r\n أحدها : هل هو حجة من حيث اللغة أو الشرع ؟ وفي ذلك وجهان : للشافعية حكاهما الماوردي والروياني قال ابن السمعاني والصحيح أنه حجة من حيث اللغة وقال الفخر الرازي لا يدل على النفي بحسب اللغة لكنه يدل عليه بسحب العرف العام وذكر في المحصول في باب العموم أنه يدل عليه العقل \r\n الموضع الثاني : اختلفوا أيضا في تحقيق مقتضاه أنه هل يدل على نفي الحكم عما عدا المنطوق به مطلقا سواء كان من جنس المثبت أو لم يكن أو تختص دلالته بما إذا كان من جنسه فإذا قال في الغنم السائمة الزكاة فهل نفى الزكاة عن المعلوفة مطلقا سواء كانت من الإبل أو البقر أو الغنم أو هو مختص بالمعلوفة من الغنم وفي ذلك وجهان حكاهما الشيخ أبو حامد الإسفرائني والشيخ أبو إسحاق الشيرازي وسليم الرازي وابن السمعاني والفخر الرازي قال الشيخ أبو حامد والصحيح تخصيصه بالنفي عن معلوفة الغنم فقط قلت هو الصواب \r\n الموضع الثالث : هل المفهوم المذكور يرتقي إلى أن يكون دليلا قاطعا أو لا يرتقي إلى ذلك قال إمام الحرمين الجويني إنه يكون قطعيا وقيل لا \r\n الموضع الرابع : إذا دل الدليل على إخراج صورة من صور المفهوم فهل يسقط المفهوم بالكلية أو يتمسك في البقية ؟ وهذا يمشي على الخلاف في حجية العموم إذا خص وقد تقدم الكلام في ذلك \r\n الموضع الخامس : هل يجب العمل به قيل البحث عما يوافقه أو يخالفه من منطوق أو مفهوم آخر ؟ فقيل حكمه حكم العمل بالعام قبل البحث عن المخصص وحكى القفال الشاشي في ذلك وجهين : \r\n المسألة الثالثة : للقول بمفهوم المخالفة شروط : \r\n الأول : أن لا يعارضه ما هو أرجح منه من منطوق أو مفهوم موافقة وأما إذ عارضه قياس فلم يجوز القاضي أبو بكر الباقلاني ترك المفهوم به مع تجويزه ترك العموم بالقياس كذا قال ولا شك أن القياس المعمول به يخصص عموم المفهوم كما يخصص عموم المنطوق وإذا تعارضا على وجه لا يمكن الجمع بينهما وكان كل واحد منهما معمولا به فالمجتهد لا يخفي عليه الراجح منهما من المرجوح وذلك يختلف باختلاف المقامات وبما يصاحب كل واحد منهما من القرائن المقوية له قال شارح اللمع دليل الخطاب إنما يكون حجة إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه كالنص والتنبيه فإن عارضه أحدهما سقط وإن عارضه عموم صح التعلق بعموم دليل الخطاب على الأصح وإن عارضه قياس جلي قدم القياس وأما الخفي فإن جعلناه حجة كالنطق قدم دليل الخطاب وإن جعلناه كالقياس فقد رأيت بعض أصحابنا يقدمون كثيرا القياس في كتب الخلاف والذي يقتضيه المذهب أنهما يتعارضان \r\n الشرط الثاني : أن لا يكون المذكور قصد به الامتنان كقوله تعالى : { لتأكلوا منه لحما طريا } فإنه لا يدل على منع أكل ما ليس بطري \r\n الشرط الثالث : أن لا يكون المنطوق خرج جوابا عن سؤال متعلق بحكم خاص ولا حادثة خاصة بالمذكور هكذا قيل ولا وجه لذلك فإنه لا اعتبار بخصوص السبب ولا بخصوص السؤال وقد حكى القاضي أبو يعلى في ذلك احتمالين قال الزركشي ولعل الفرق يعني عموم اللفظ وعموم المفهوم أن دلالة المفهوم ضعيفة تسقط بأدنى قرينة بخلاف اللفظ العام قلت وهذا فرق قوي لكنه إنما يتم في المفاهيم التي دلالتها ضعيفة أما المفاهيم التي دلالتها قوية قوة تلحقها بالدلالات اللفظية فلا قال ومن أمثلته قوله تعالى : { لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } فلا مفهوم للأضعاف لأنه جاء على النهي عما كانوا يتعاطونه بسبب الآجال كان الواحد منهم إذا حل دينه يقول إما أن تعطي وإما أن تربي فيتضاعف بذلك أصل دينه مرارا كثيرة فنزلت الآية على ذلك \r\n الشرط الرابع : أن لا يكون المذكور قصد به التفخيم وتأكيد الحال كقوله صضص [ لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم والآخر أن تحد الحديث ] فإن التقييد بالإيمان لا مفهوم له وإنما ذكر لتفخيم الأمر \r\n الشرط الخامس : أن يذكر مستقلا فلو ذكر على وجه التبعية لشيء آخر فلا مفهوم له كقوله تعالى : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } فإن قوله في المساجد لا مفهوم له لأن المعتكف ممنوع من المباشرة مطلقا \r\n الشرط السادس : أن لا يظهر من السياق قصد التعميم فإن ظهر فلا مفهوم له كقوله تعالى { والله على كل شيء قدير } للعلم بأن الله سبحانه قادر على المعدوم والممكن وليس بشيء فإن المقصود بقوله على كل شيء التعميم \r\n الشرط السابع : أن لا يعود على أصله الذي هو المنطوق بالإبطال أما لو كانت كذلك فلا يعمل به \r\n الشرط الثامن : أن لا يكون قد خرج مخرج الأغلب كقوله تعالى : { وربائبكم اللاتي في حجوركم } فإن الغالب كون الربائب في الحجور فقيد به لذلك لا لأن حكم اللاتي لسن في الحجور بخلافه ونحو ذلك كثير في الكتاب والسنة \r\n المسألة الرابعة : في أنواع مفهوم المخالفة : \r\n النوع الأول : مفهوم الصفة وهي تعليق الحكم على الذات بأحد الأوصاف نحو في سائمة الغنم زكاة والمراد بالصفة عند الأصوليين تقييد لفظ مشترك المعنى بلفظ آخر يختص ببعض معانيه ليس بشرط ولا غاية ولا يريدون به النعت فقط وهكذا عند أهل البيان فإن المراد بالصفة عندهم هي المعنوية لا النعت وإنما يخص الصفة بالنعت أهل النحو فقط وبمفهوم الصفة أخذ الجمهور وهو الحق لما هو معلوم من لسان العرب أن الشيء إذا كان له وصفان فوصف بأحدهما دون الآخر كان المراد به ما فيه تلك الصفة دون الآخر وقال أبو حنيفة وأصحابه وبعض الشافعية والمالكية إنه لا يؤخذ به ولا يعمل عليه ووافقهم من أئمة اللغة الأخفش ابن فارس وابن جني وقال المازري من الشافعية بالتفصيل بين أن يقع ذلك جواب سائل فلا يعمل به وبين أن يقع ابتداء فيعمل به فإنه لا بد لتخصيصه بالذكر من موجب وفي جعل هذا التفصيل مذهبا مستقلا نظر فإنه قد تقدم أن من شرط الأخذ بالمفهوم عند القائلين به أن لا يقع جوابا لسؤال وقال أبو عبد الله البصري إنه حجة في ثلاث صور أن يرد مورد البيان كقوله في سائمة الغنم الزكاة أو مورد التعليم كقوله صضص في خبر التحالف والسلعة قائمة أو يكون ما عدا الصفة داخلا تحت الصفة كالحكم بالشاهدين فإنه يدل على أنه لا يحكم بالشاهد الواحد لأن الداخل تحت الشاهدين ولا يدل على نفي الحكم فيما سوى ذلك وقال إمام الحرمين الجويني بالتفصيل بين الوصف المناسب وغيره فقال بمفهوم الأول دون الثاني وعليه يحمل نقل الرازي عنه للمنع ونقل ابن الحاجب عنه للجواز وقد طول أهل الأصول الكلام على استدلال هؤلاء المختلفين لما قالوا به وليس في ذلك حجة واضحة لأن المبحث لغوي واستعمال أهل اللغة والشرع لمفهوم الصفة وعملهم به معلوم لكل من له علم بذلك \r\n النوع الثاني : مفهوم العلة وهو تعليق الحكم بالعلة نحو حرمت الخمر لإسكارها والفرق بين هذا النوع والنوع الأول أن الصفة قد تكون علة كالإسكار وقد لا تكون علة بل متممة كالسوم فإن الغنم هي العلة والسوم متمم لها قال القاضي أبو بكر الباقلاني والغزالي والخلاف فيه وفي مفهوم الصفة واحد \r\n النوع الثالث : مفهوم الشرط والشرط في اصطلاح المتكلمين ما يتوقف عليه المشروط ولا يكون داخلا في المشروط ولا مؤثرا فيه وفي اصطلاح النحاة ما دخل عليه أحد الحرفين إن أو إذا أو ما يقوم مقامهما مما يدل على سببية الأول ومسببية الثاني وهذا هو الشرط اللغوي وهو المراد هنا لا الشرعي ولا العقلي وقد قال به القائلون بمفهوم الصفة ووافقهم على القول به بعض من خالف في مفهوم الصفة ولهذا نقله أبو الحسين السهيلي في آداب الجدل عن أكثر الحنفية ونقله ابن القشيري عن معظم أهل العراق ونقله إمام الحرمين عن أكثر العلماء وذهب أكثر المعتزلة كما نقله عنهم صاحب المحصول إلى المنع من الأخذ به ورجح المنع المحققون من الحنفية وروي عن أبي حنيفة ونقله ابن التلمساني عن مالك واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني والغزالي والآمدي وقد بالغ إمام الحرمين في الرد على المانعين ولا ريب أنه قول مردود وكل ما جاؤوا به لا تقوم به الحجة والأخذ به معلوم من لغة العرب والشرع فإن من قال لغيره إن أكرمتني أكرمتك ومتى جئتني أعطيتك ونحو ذلك مما لا ينبغي أن يقع فيه خلاف بين كل من يفهم لغة العرب وإنكار ذلك مكابرة وأحسن ما يقال لمن أنكره عليك بتعلم لغة العرب فإن إنكارك لهذا يدل على أنك لا تعرفها \r\n النوع الرابع : مفهوم العدد وهو تعليق الحكم بعدد مخصوص فإنه يدل على انتفاء الحكم فيما عدا ذلك العدد زائدا كان أو ناقصا وقد ذهب إليه الشافعي كما نقله عنه أبو حامد وأبو الطيب الطبري والماوردي وغيرهم ونقله أبو الخطاب الحنبلي عن أحمد بن حنبل وبه قال مالك وداود الظاهري وبه قال صاحب الهداية من الحنفية ومنع من العمل به المانعون بمفهوم الصفة قال الشيخ أبو حامد وابن السمعاني وهو دليل كالصفة سواء والحق ما ذهب إليه الأولون والعمل به معلوم من لغة العرب ومن الشرع فإن من أمر بأمر وقيده بعدد مخصوص فزاد المأمور على ذلك العدد أو نقص عنه فأنكر عليه الآمر الزيادة أو النقص كان هذا الإنكار مقبولا عند كل من يعرف لغة العرب فإن ادعى المأمور أنه قد فعل ما أمر به مع كونه نقص عنه أو زاد عليه كانت دعواه هذه مردودة عنه كل من يعرف لغة العرب \r\n النوع الخامس : مفهوم الغاية وهو مد الحكم بإلى أو حتى وغاية الشيء آخره وإلى العمل به ذهب الجمهور وبه قال بعض من لم يعمل بمفهوم الشرط كالقاضي أبي بكر الباقلاني والغزالي والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين قال ابن القشيري وإليه ذهب معظم نفاة المفهوم وكذا قال القاضي أبو بكر حاكيا لذلك وحكى ابن برهان وصاحب المعتمد الاتفاق عليه قال سليم الرازي لم يختلف أهل العراق في ذلك وقال القاضي في التقريب صار معظم نفاة دليل الخطاب إلى أن التقييد بحرف الغاية يدل على انتفاء الحكم عما وراء الغاية قال لهذا أجمعوا على تسميتها غاية وهذا من توقيف اللغة معلوم فكان بمنزلة قولهم تعليق الحكم بالغاية موضوع للدلالة على أن ما بعدها بخلاف ما قبلها انتهى ولم يخالف في ذلك إلا طائفة من الحنفية والآمدي ولم يتمسكوا بشيء يصلح للتمسك به قط بل صمموا على منعه طردا لباب المنع من العمل بالمفاهيم وليس ذلك بشيء \r\n النوع السادس : مفهوم اللقب وهو تعليق الحكم بالاسم العلم نحو قام زيد أو اسم النوع نحو في الغنم زكاة ولم يعمل به أحد إلا أبو بكر الدقاق كذا قيل وقال سليم الرازي في التقريب صار إليه الدقاق وغيره من أصحابنا يعني الشافعية وكذا حكاه عن بعض الشافعية ابن فورك ثم قال وهو الأصح قال الكيا الطبري في التلويح إن ابن فورك كان يميل إليه وحكاه السهيلي في نتائج الفكر عن أبي بكر الصيرفي ونقله عبد العزيز في التحقيق عن أبي حامد المروزي قال الزركشي والمعروف عن أبي حامد إنكار القول بالمفهوم مطلقا وقال إمام الحرمين الجويني في البرهان وصار إليه الدقاق وصار إليه طوائف من أصحابنا ونقله أبو الخطاب الحنبلي في التمهيد عن منصوص أحمد قال وبه قال مالك وداود وبعض الشافعية انتهى ونقل القول به عن ابن خوازمنداد والباجي وابن القصار وحكى ابن برهان في الوجيز التفصيل عن بعض الشافعية وهو أنه يعمل به في أسماء الأنواع لا في أسماء الأشخاص وحكى ابن حمدان وأبو يعلى من الحنابلة تفصيلا آخر وهو العمل بما دلت عليه القرينة دون غيره والحاصل أن القائل به كلا أو بعضا لم يأت بحجة لغوية ولا شرعية ولا عقلية ومعلوم من لسان العرب أن من قال رأيت زيدا لم يقتض أنه لم ير غيره قطعا وأما إذا دلت القرينة على العمل به فذلك ليس إلا للقرينة فهو خارج عن محل النزاع \r\n النوع السابع : مفهوم الحصر وهو أنواع أقواها : ما وإلا نحو : ما قام إلا زيد وقد وقع الخلاف فيه هل هو من قبيل المنطوق أو المفهوم وبكونه منطوقا جزم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في الملخص ورجحه القرافي في القواعد وذهب الجمهور إلى أنه من قبيل المفهوم وهو الراجح والعمل به معلوم من لغة العرب ولم يأت من لم يعمل به بحجة مقبولة ثم الحصر بإنما وهو قريب مما قبله في القوة قال الكيا الطبري وهو أقوى من مفهوم الغاية وقد نص عليه الشافعي في الأم وصرح هو وجمهور أصحابه أنها في قوة الإثبات والنفي بما وإلا وذهب ابن سريج وأبو حامد المروزي أن حكم ما عدا الإثبات موقوف على الدليل بما تضمنه من الاحتمال وقد وقع الخلاف هل هو منطوق أو مفهوم والحق أنه مفهوم وأنه معمول به كما يقتضيه لسان العرب ثم حصر المبتدأ في الخبر وذلك بأن يكون معرفا باللام أو الإضافة نحو العالم زيد وصديقي عمرو فإنه يفيد الحصر إذ المراد بالعالم وبصديقي هو الجنس فيدل على العموم إذ لم تبن هناك قرينة تدل على العهد فهو يدل على نفي العلم من غير زيد ونفي الصداقة من غير عمرو وذلك أن الترتيب الطبيعي أن يقدم الموصوف علىالوصف فإذا قدم الوصف على الموصوف معرفا باللام أو الإضافة أفاد العدول مع ذلك التعريف أن نفي ذلك الوصف عن غير الموصوف مقصود للمتكلم وقيل إنه يدل على ذلك بالمنطوق والحق أن دلالته مفهومية لا منطوقية وإلى ذلك ذهب جماعة من الفقهاء والأصوليين ومنهم إمام الحرمين الجويني والغزالي وأنكره جماعة منهم القاضي أبو بكر الباقلاني والآمدي وبعض المتكلمين والكلام في تحقيق أنواع الحصر محرر في علم البيان وله صور غير ما ذكرناه هاهنا وقد تتبعتها من مؤلفاتهم ومن مثل كشاف الزمخشري وما هو على نمطه فوجدتها تزيد على خمسة عشر نوعا وجمعت في تقرير ذلك بحثا \r\n النوع الثامن : مفهوم الحال أي تقييد الخطاب بالحال وقد عرفت أنه من جملة مفاهيم الصفة لأن المراد الصفة المعنوية لا النعت وإنما أفردناه بالذكر تكميلا للفائدة قال ابن السمعاني ولم يذكره المتأخرون لرجوعه إلى الصفة وقد ذكره سليم الرازي في التقريب و ابن فورك \r\n النوع التاسع : مفهوم الزمان كقوله تعالى : { الحج أشهر معلومات } وقوله { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة } وهو حجة عند الشافعي كما نقله الغزالي وشيخه وهو في التحقيق داخل في مفهوم الصفة باعتبار متعلق الظرف المقدر كما تقرر في علم العربية \r\n النوع العاشر : مفهوم المكان نحو جلست أمام زيد وهو حجة عند الشافعي كما نقله الغزالي وفخر الدين الرازي ومن ذلك لو قال بع في مكان كذا فإنه يتعين وهو أيضا راجع إلى مفهوم الصفة لما عرفت في النوع الذي قبله ","part":1,"page":266},{"id":132,"text":" الباب التاسع من المقصد الرابع في النسخ \r\n وفيه سبع عشرة مسألة ","part":1,"page":274},{"id":133,"text":" المسألة الأولى : في حده \r\n وهو في اللغة الإبطال والإزالة ومنه نسخت الشمس الظل والريح آثار القدم ومنه تناسخ القرون وعليه اقتصر العسكري ويطلق ويراد به النقل والتحويل ومنه نسخت الكتاب أي نقلته ومن قوله تعالى : { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } ومنه تناسخ المواريث ثم اختلفوا هل هو حقيقة في المعنيين أم في أحدهما دون الآخر فحكى الصفي الهندي عن الأكثرين أنه حقيقة في الإزالة مجاز في النقل وقال القفال الشاشي إنه حقيقة في النقل وقال القاضي أبو بكر الباقلاني والقاضي عبد الوهاب والغزالي إنه حقيقة فيهما مشترك بينهما لفظا لاستعماله فيهما وقال ابن المنبر في شرح البرهان إنه مشترك بينهما اشتراكا معنويا لأن بين نسخ الشمس الظل ونسخ الكتاب مقدارا مشتركا وهو الرفع وهو في الظل بين لأنه زال بضده وفي نسخ الكتاب متعذر من حيث إن الكلام المنسوخ بالكتابة لم يكن مستفادا إلا من الأصل فكان للأصل بالإفادة خصوصية فإذا نسخ الأصل ارتفعت تلك الخصوصية وارتفاع الأصل والخصوصية سواء في مسمى الرفع وقيل القدر المشترك بينهما هو التغيير وقد صرح به الجوهري قال في المحصول فإن قيل وصفهم الريح بأنها ناسخة للآثار والظل هو الله تعالى وإذا كان ذلك مجازا امتنع الاستدلال به على كون اللفظ حقيقة في مدلوله ثم نعارض ما ذكرتموه ونقول النسخ هو النقل والتحويل ومنه نسخ الكتاب إلى كتاب آخر كأنك تنقله إليه أو تنقل حكايته ومنه تناسخ الأرواح وتناسخ القرون قرنا بعد قرن وتناسخ المواريث إنما هو التحول من واحد إلى آخر بدلا عن الأول فوجب أن يكون اللفظ حقيقة في النقل ويلزم أن لا يكون حقيقة في الإزالة دفعا للاشتراك وعليكم الترجيح الجواب عن الأول من وجهين \r\n أحدهما : أنه لا يمتنع أن يكون الله تعالى هو الناسخ لذلك من حيث فعل الشمس والريح المؤثرين فهب أنه كذلك لكن متمسكنا إطلاقهم لفظ النسخ على الإزالة لا إسنادهم هذا الفعل إلى الريح والشمس وعن الثاني أنه النقل أخص من الزوال لأنه حيث وجد النقل فقد عدمت صفة حصلت عقيبها صفة أخرى فإذا مطلق العدم أعم من عدم تحصل شيء آخر عقيبة وإذا اللفظ بين العام والخاص كان جعله حقيقة في العام أولى من جعله حقيقة في الخاص على ما تقدم تقريره في كتاب اللغات انتهى وأما في الاصطلاح فقال جماعة منهم القاضي أبو بكر الباقلاني والصيرفي والشيخ أبو إسحاق الشيرازي والغزالي والآمدي وابن الأنباري وغيرهم هو الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه وإنما آثروا الخطاب على النص ليكون شاملا للفظ والفحوى والمفهوم فإنه يجوز نسخ جميع ذلك وقالوا الدال على ارتفاع الحكم ليتناول الأمر والنهي والخبر وجميع أنواع الحكم وقالوا بالخطاب المتقدم ليخرج إيجاب العبادات ابتداء فإنه يزيل حكم العقل ببراءة الذمة ولا يسمى نسخا لأنه لم يزل حكم خطاب وقالوا على وجه لولاه لكان ثابتا لأن حقيقة النسخ الرفع وهو إنما يكون رافعا لو كان المتقدم بحيث لولا طريانه لبقي وقالوا مع تراخيه عنه لأنه لو اتصل لكان بيانا لمدة العبادة لا نسخا وقد اعترض على هذا الحد بوجوه \r\n الأول : أن النسخ هو نفس الارتفاع والخطاب إنما هو دال على الارتفاع وفرق بين الرافع وبين نفس الارتفاع \r\n الثاني : أن التقييد بالخطاب خطأ لأن النسخ قد يكون فعلا كما يكون قولا \r\n الثالث : أن الأمة إذا اختلفت على قولين ثم أجمعت بعد ذلك على أحدهما فهذا الإجماع خطاب مع أن الإجماع لا ينسخ به \r\n الرابع : أن الحكم الأول قد يثبت بفعل النبي صضص وليس هو الخطاب قال الرازي في المحصول والأولى أن يقال الناسخ طريق شرعي يدل على أن مثل الحكم الذي كان ثابتا بطريق شرعي لا يوجد بعد ذلك مع تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتا وفيه أن قوله مثل الحكم الذي الخ يشمل ما كان مماثلا له في وجه من الوجوه فلا يتم النسخ لحكم إلا برفع جميع المماثلات له في شيء مما يصح عنده إطلاق المماثلات له في شيء مما يصح عنده إطلاق المماثلة عليه وقال الزركشي المختار في حده اصطلاحا أنه رفع الحكم الشرعي بخطاب وفيه أن الناسخ قد يكون فعلا لا خطابا وفي أيضا أنه أهمل تقييده بالتراخي ولا يكون نسخ إلا به وقال ابن الحاجب في مختصر المنتهى إنه في الاصطلاح رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر واعترض عليه بأن الحكم راجع إلى كلام الله سبحانه وهو قديم والقديم لا يرفع ولا يزول وأجيب بأن المرفوع تعلق الحكم بالمكلف لا ذاته ولا تعلقه الذاتي وقال جماعة هو في الاصطلاح الخطاب الدال على انتهاء الحكم الشرعي مع التأخير عن موارده ويرد على قيد الخطاب ما تقدم فالأولى أن يقال هو رفع حكم شرعي بمثله مع تراخيه عنه ","part":1,"page":274},{"id":134,"text":" المسألة الثانية : النسخ جائز عقلا واقع سمعا \r\n بلا خلاف في ذلك بين المسلمين إلا ما يروي عن أبي مسلم الأصفهاني فإنه قال أنه جائز غير واقع وإذا صح هذا عنه فهو دليل على أنه جاهل بهذه الشريعة المحمدية جهلا فظيعا وأعجب من جهله بها حكاية من حكى عنه الخلاف في كتب الشريعة فإنه إنما يعتد بخلاف المجتهدين لا بخلاف من بلغ في الجهل إلى هذه الغاية وأما الجواز فلم يحك الخلاف فيه إلا عن اليهود وليس بنا إلى نصب الخلاف بيننا وبينهم حاجة ولا هذه بأول مسألة خالفوا فيها أحكام الإسلام حتى يذكر خلافهم في هذه المسألة ولكن هذا من غرائب أهل الأصول على أنا قد رأينا في التوراة في غير موضع أن الله سبحانه رفع عنهم أحكاما لما تضرعوا إليه وسألوا منه رفعها وليس النسخ إلا هذا ولهذا لم يحكه من له معرفة بالشريعة الموسوية إلا عن طائفة من اليهود وهم الشمعونية ولم يذكروا لهم دليلا إلا ما ذكره بعض أهل الأصول من أن النسخ بداء والبداء ممتنع عليه وهذا مدفوع بأن النسخ لا يستلزم البداء لا عقلا ولا شرعا وقد جوزت الرافضة البداء عليه عز و جل لجواز النسخ وهذه مقالة توجب الكفر بمجردها والحاصل أن النسخ جائز عقلا واقع شرعا من غير فرق بين كونه في الكتاب أو السنة وقد حكى جماعة من أهل العلم اتفاق أهل الشرائع عليه فلم يبق في المقام ما يقتضي تطويل المرام وقد أو لجماعة خلاف أبي مسلم الأصفهاني المذكور سابقا بما يوجب أن يكون الخلاف لفظيا قال ابن دقيق العيد نقل عن بعض المسلمين إنكار النسخ لا بمعنى أن الحكم الثابت لا يرتفع بل بمعنى أنه ينتهي بنص دل على انتهائه فلا يكون نسخا ونقل عنه أبو إسحاق الشيرازي والفخر الرازي وسليم الرازي أنه إنما أنكر الجواز وأن خلافه في القرآن خاصة لا كما نقل عنه الآمدي وابن الحاجب أنه أنكر الوقوع وعلى كلا التقديرين فذلك جهالة منه عظيمة للكتاب والسنة ولأحكام العقل فإنه إن اعترف بأن شريعة الإسلام ناسخة لما قبلها من الشرائع فهذا بمجرده يوجب عليه الرجوع عن قوله وإن كان لا يعلم ذلك فهو جاهل بما هو من الضروريات الدينية وإن كانا مخالفا لكونها ناسخة للشرائع فهو خلاف كفري لا يلتفت إلى قائله نعم إذا قال إن الشرائع المتقدمة مغياة بغاية هي البعثة المحدية وأن ذلك ليس بنسخ فذلك أخف من إنكار كونه نسخا غير مقيد بهذا القيد فإن قلت ما الحكمة في النسخ ؟ قلت قال الفخر الرازي في المطالب العالية إن الشرائع قسمان منها ما يعرف نفعها بالعقل في المعاش والمعاد ومنها سمعية لا يعرف الانتفاع بها إلا من السمع فالأول يمتنع طروء النسخ عليه كمعرفة الله وطاعته أبدا ومجامع هذه الشرائع العقلية أمران التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله تعالى قال الله تعالى : { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا } \r\n والثاني : ما يمكن طريان النسخ والتبديل عليه وهو أمور تحصل في كيفية إقامة الطاعات الفعلية والعبادات الحقيقية وفائدة نسخها أن الأعمال البدنية إذا توطئوا عليها خلفا عن سلف صارت كالعادة عند الخلق وظنوا أن أعيانها مطلوبة لذاتها ومنعهم ذلك عن الوصول إلى المقصود وعن معرفة الله وتمجيده فإذا غير ذلك الطريق إلى نوع من الأنواع وتبين أن المقصود من هذه الأنواع رعاية أحوال القلب والأرواح في المعرفة والمحبة انقطعت الأوهام من الاشتغال بتلك الظواهر إلى علام السرائر وقيل الحكمة أن هذا الخلق طبع على الملالة من الشيء فوضع في كل عصر شريعة جديدة لينشطوا في أدائها وقيل بيان شرف نبينا صضص فإنه نسخ بشريعته شرائعهم وشريعته لا ناسخ لها وقيل الحكمة حفظ مصالح العبد فإذا كانت المصلحة لهم في تبديل حكم بحكم وشريعة بشريعة كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة وقيل الحكمة بشارة المؤمنين برفع الخدمة عنهم وبأن رفع مؤنتها عنهم في الدنيا مؤذن برفعها في الجنة وذكر الشافعي في الرسالة أن فائدة النسخ رحمة الله بعبادة والتخفيف عنهم وأورد عليه أنه قد يكون بأثقل ويجاب عنه بأن الرحمة قد تكون بالأثقل أكثر من الأخف لما يستلزمه من تكثير الثواب والله لا يضيع عمل عامل فتكثير الثواب في الأثقل يصيره خفيفا على العامل يسيرا عليه لما يتصوره من جزالة الجزاء ","part":1,"page":276},{"id":135,"text":" المسألة الثالثة : للنسخ شروط \r\n الأول أن يكون المنسوخ شرعيا لا عقليا الثاني أن يكون الناسخ منفصلا عن المنسوخ متأخرا عنه فإن المقترن كالشرط والصفة والاستثناء لا يسمى نسخا بل تخصيصا الثالث أن يكون النسخ بشرع فلا يكون ارتفاع الحكم بالموت نسخا بل هو سقوط تكليف الرابع أن لا يكون المنسوخ مقيدا بوقت أما لو كان كذلك فلا يكون انقضاء وقته الذي قيد به نسخا له الخامس أن يكون الناسخ مثل المنسوخ في القوة أو أقوى منه لا إذا كان دونه في القوة لأن الضعيف لا يزيل القوي قال الكيا وهذا مما قضى به العقل بل دل الإجماع عليه فإن الصحابة لم ينسخوا نص القرآن بخبر الواحد وسيأتي لهذا الشرط مزيد بيان السادس أن يكون المقتضى للمنسوخ غير المقتضى للناسخ حتى لا يلزم البداء كذا قيل قال الكيا ولا يشترط بالاتفاق أن يكون اللفظ الناسخ متناولا لما تناوله المنسوخ أعني بالتكرار والبقاء لا يمنع فهم البقاء بدليل آخر سوى اللفظ السابع أن يكون مما يجوز نسخه فلا يدخل النسخ أصل التوحيد لأن الله سبحانه بأسمائه وصفاته لم يزل ولا يزال ومثل ذلك ما علم بالنص أنه يتأبد ولا يتأقت قال سليم الرازي وكل بأسمائه وصفاته لم يزل ولا يزال ومثل ذلك ما علم بالنص أنه يتأبد ولا يتأقت قال سليم الرازي وكل ما لا يكون إلا على صفة واحدة كمعرفة الله ووحدانيته ونحوه فلا يدخله النسخ ومن هاهنا يعلم أنه لا نسخ في الأخبار إذ لا يتصور وقوعها على خلاف ما أخبر به الصادق وكذا قال الكيا الطبري وقال الضابط فيما ينسخ ما يتغير حاله من حسن إلى قبح قال الزركشي واعلم أن في جواز نسخ الحكم المعلق بالتأبيد وجهين حكاهما الماوردي والروياني وغيرهما أحدهما المنع لأن صريح التأييد مانع من احتمال النسخ والثاني الجواز قالا وأنسبهما الجواز قال ونسبه ابن برهان إلى معظم العلماء ونسبه أبو الحسين في المعتمد إلى المحققين لأن العادة في لفظ التأبيد المستعمل في لفظ الأمر المبالغة لا الدوام ","part":1,"page":277},{"id":136,"text":" المسألة الرابعة : اعلم أنه يجوز النسخ بعد اعتقاد المنسوخ والعمل به بلا خلاف \r\n قال الماوردي وسواء عمل به كل الناس كاستقبال بيت المقدس أو بعضهم كفرض الصدقة عند مناجاة الرسول ولا خلاف أيضا في جواز النسخ بعد التمكين من الفعل الذي تعلق به الحكم بعد علمه بتكليفه به وذلك بأن يمضي من الوقت المعين ما يسع الفعل وقد حكى الخلاف في ذلك عن الكرخي وأما النسخ قبل علم المكلف بوجوب ذلك الفعل عليه كما إذا أمر الله تعالى جبريل عليه السلام أن يعلم النبي صضص بوجوب شيء على الأمة ثم ينسخه قبل أن يعملوا به فحكى السمعاني في ذلك الاتفاق على المنع قال الزركشي وليس كذلك ففي المسألة وجهان لأصحابنا حكاهما الأستاذ أبو منصور والكيا انتهى ويرد على المنع ما ثبت في ليلة المعراج من فرض خمسين صلاة ثم استقرت على خمس ولا وجه لما قيل أن ذلك كان على سبيل التقرير دون النسخ قال ابن برهان في الوجيز نسخ الحكم قبل علم المكلف بوجوبه جائز عندنا ومنعت من ذلك المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة وزعموا أن النسخ قبل العلم يتضمن تكليف المحال قال وهذه المسألة فرع تكليف ما لا يطاق فإذا قضينا بصحته صح النسخ حينئذ قال واحتج علماؤنا في هذه المسألة بقصة المعارج فإن الله تعالى أوجب على الأمة خمسين صلاة ثم نسخها قبل علمهم بوجوبها وهذا لا حجة فيه لأن النسخ إنما كان بعد العلم فإن رسول الله صضص أحد المكلفين وقد علم ولكنه قبل جميع الأمة وعلم الجميع لا يشترط فإن التكليف استقر بعلم رسول الله صضص فلا اعتماد على هذا الحديث ويجاب عنه بأن عدم علم الأمة يقتضي وقوع النسخ قبل علم المكلفين بما كلفوا به وهو محل النزاع وحكى القاضي أبو بكر وغيره عن جمهور الفقهاء والمتكلمين أن مثل هذا لا يكون نسخا وقال بعض المتأخرين نسخ الحكم قبل علم المكلف بالحكم المنسوخ اتفقت الأشاعرة على جوازه والمعتزلة على منعه وحكى الفقهاء في المسألة طريقين : أحدهما أن للشافعي في المسألة قولين والثاني الفرق بين الأحكام التكليفية والأحكام التعريفية فمنعوه في الأول وجوزوه في الثاني كتكليف الغافل وهو مذهب أبي حنيفة انتهى وأما إذا كان المكلف قد علم بوجوبه عليه ولكن لم يكن قد دخل وقته وسواء كان موسعا كما لو قال اقتلوا المشركين غدا ثم نسخ عنهم في ذلك اليوم أو يكون على الفور ثم نسخ قبل التمكن من الفعل أو يؤمر بالعبادة مطلقا ثم نسخ قبل مضي وقت يمكن فعلها فيه فذهب الجمهور إلى الجواز ونقله ابن برهان عن الأشعرية وجماعة من الحنفية ونقله غيرهم عن معتزلة البصرة قال القاضي في التقريب وهو قول جميع أهل الحق وذهب أكثر الحنفية كما قاله ابن السمعاني والحنابلة والمعتزلة إلى المنع وبه قال الكرخي والجصاص والماتريدي والدبوسي والصيرفي احتج الجمهور بأنه لا مانع من ذلك لا عقلا ولا شرعا مع أن المقتضى موجود وهو أنه رفع تكليف قد ثبت على المكلف فكان نسخا وليس في ذلك ما يستلزم البداء ولا المحال لأن المصلحة التي جاز النسخ لأجلها بعد التمكن من الفعل وبعد دخول الوقت يصح اعتبارها قبل التمكن من الفعل وقبل دخول الوقت للقطع بأن تبديل حكم بحكم ورفع شرع بشرع كان فيهما وأما إذا كان قد دخل وقت المأمور به لكن وقع نسخه قبل فعله إما لكونه موسعا أو لكونه أراد أن يشرع فيه فنسخ فقال سليم الرازي وابن الصباغ إنه لا خلاف بين أهل العلم في جوازه وجعلوا صورة الخلاف فيما إذا كان النسخ قبل دخول الوقت وكذا نقل الإجماع في هذه الصورة ابن برهان وبعض الحنابلة والآمدي وبه صرح إمام الحرمين في البرهان وأما إذا كان قد دخل وقته وشرع في فعله فنسخ قبل تمام الفعل فقال القرافي لم أر فيه نقلا وجعلها الأصفهاني في شرح المحصول من صور الخلاف فمن قال بالجواز جوز هذه الصورة ومن قال بالمنع منعها وأما إذا وقع النسخ بعد خروج الوقت قبل الفعل قال الزركشي فمقتضى استدلال ابن الحاجب أنه يمتنع بالاتفاق ووجهه بأن التكليف بذلك الفعل المأمور به بعد مضي وقته ينتفي لانتفاء الوقت وإذا انتفى فلا يمكن رفعه لامتناع رفع المعدوم لكن صرح الآمدي في الأحكام بالجواز وأنه لا خلاف فيه قيل ولا يتأتى إلا إذا صرح بوجوب القضاء أو على القول بأن الأمر بالأداء يستلزم القضاء ","part":1,"page":278},{"id":137,"text":" المسألة الخامسة : إنه لا يشترط في النسخ أن يخلفه بدل \r\n وإليه ذهب الجمهور وهو الحق الذي لا سترة به فإنه قد وقع النسخ في هذه الشريعة المطهرة لأمور معروفة لا إلى بدل ومن ذلك نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول ونسخ ادخار لحوم الأضاحي ونسخ تحريم المباشرة بقوله سبحانه : { فالآن باشروهن } ونسخ قيام الليل في حقه صضص وأما ما تمسك به المخالفون وهم بعض المعتزلة وقيل كلهم والظاهرية من قوله سبحانه : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } فلا دلالة في ذلك على محل النزاع فإن المراد نسخ لفظ الآية كما يدل على ذلك قوله : { نأت بخير منها أو مثلها } فليس لنسخ الحكم ذكر في الآية ولو سلمنا لجاز أن يقال إن إسقاط ذلك الحكم خير من ثبوته في ذلك الوقت وقد نص الشافعي في الرسالة على أنه يختار ما ذهب إليه القائلون باشتراط البدل فقال وليس ينسخ فرض أبدا إلا أثبت مكانه فرض كما نسخت قبلة بيت المقدس فأثبت مكانها الكعبة قال وكل منسوخ في كتاب الله وسنته صضص هكذا قال الصيرفي وأبو إسحاق إنما أراد الشافعي بهذه العبارة أنه ينقل من حظر إلى إباحة من إباحة إلى حظر أو يخبر على حسب أحوال المفروض كما في المناجاة فإنه كان يناجي النبي صضص بلا تقديم صدقة ثم فرض الله تقديم الصدقة ثم أزال ذلك فردهم على ما كانوا عليه وهذا الحمل هو الذي ينبغي تفسير كلام الشافعي به فإن مثله لا يخفي عليه وقوع النسخ في هذه الشريعة بلا بدل ولا شك في أنه يجوز ارتفاع التكليف بالشيء والنسخ مثله لأنه رفع تكليف ولم يمنع من ذلك شرع ولا عقل بل دل الدليل على الوقوع ","part":1,"page":280},{"id":138,"text":" المسألة السادسة : النسخ إلى بدل يقع على وجوه \r\n الأول أن يكون الناسخ مثل المنسوخ في التخفيف والتغليظ وهذا لا خلاف فيه وذلك كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة الثاني : نسخ الأغلظ بالأخف وهو أيضا مما لا خلاف فيه وذلك كنسخ العدة حولا بالعدة أربعة أشهر وعشرا الثالث : نسخ الأخف إلى الأغلظ فذهب الجمهور إلى جوازه خلافا للظاهرية والحق الجواز والوقوع كما في نسخ وضع القتال في أول الإسلام بفرضه بعد ذلك ونسخ التخيير بين الصوم والفدية بفرضية الصوم ونسخ تحليل الخمر بتحريمها ونسخ نكاح المتعة بعد تجويزها ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان واستدل المانعون بقوله : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } وبقوله { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } وأجيب بأن المراد اليسر في الآخرة وهذا الجواب وإن كان بعيدا لكن وقوع النسخ في هذه الشريعة للأخف بالأغلظ يوجب تأويل الآية ولو بتأويل بعيد على أنه يمكن أن يقال إن الناسخ والمنسوخ هما من اليسر والأغلظية في الناسخ إنما هي بالنسبة إلى المنسوخ وهو بالنسبة إلى غيره تخفيف ويسر وأما الجواب عن الآية الثانية فظاهر لأن الناسخ الأغلظ ثوابه أكثر فهو خير من المنسوخ من هذه الحيثية ","part":1,"page":281},{"id":139,"text":" المسألة السابعة : في جواز نسخ الأخبار وفيه تفصيل \r\n وهو أن يقال إن كان خبرا عما لا يجوز تغيره كقولنا العالم حادث فهذا لا يجوز نسخه بحال وإن كان خبرا عما يجوز تغيره فإما أن يكون ماضيا أو مستقبلا والمستقبل إما أن يكون وعدا أو وعيدا أو خبرا عن حكم كالخبر عن وجوب الحج فذهب الجمهور إلى جواز النسخ لهذا الخبر بجميع هذه الأقسام وقال أبو علي وأبو هاشم لا يجوز النسخ لشيء منها قال في المحصول وهو قول أكثر المتقدمين استدل الجمهور على الجواز أن الخبر إن كان عن أمر ماض كقوله عمرت نوحا ألف سنة جاز أن يبين من بعد أنه عمره ألف سنة إلا خمسين عاما وإن كان مستقبلا وكان وعدا أو وعيدا كقوله لأعذبن الزاني أبدا فيجوز أن يبين من بعد أنه أراد ألف سنة وإن كان خبرا عن حكم الفعل في المستقبل كان الخبر كالأمر في تناوله الأوقات المستقبلة فصح إطلاق الكل مع إرادة البعض لما تناوله بموضوعه قال الزركشي إن كان مدلول الخبر مما لا يمكن تغيره بأن لا يقع إلا على وجه واحد كصفات الله وخبر ما كان من الأنبياء والأمم وما يكون من الساعة وآياتها كخروج الدجال فلا يجوز نسخه بالاتفاق كما قاله أبو إسحاق المروزي وابن برهان في الأوسط لأنه يفضي إلى الكذب وإن كان مما يصح تغيره بأن يقع على الوجه المخبر عنه ماضيا كان أو مستقبلا وعدا أو وعيدا أو خبرا عن حكم شرعي فهو موضوع الخلاف فذهب أبو عبد الله وأبو الحسين البصريان وعبد الجبار والفخر الرازي إلى جوازه مطلقا ونسبه ابن برهان في الأوسط إلى المعظم وذهب جماعة إلى المنع منهم أبو بكر الصيرفي كما رأيته في كتابه وأبو إسحاق المروزي كما رأيته في كتابه في الناسخ والمنسوخ والقاضي أبو بكر وعبد الوهاب والجبائي وابنه أبو هاشم وابن السمعاني وابن الحاجب وقال الأصفهاني إنه الحق ومنهم من فصل ومنع من الماضي لأنه يكون تكذيبا دون المستقبل لجريانه مجرى الأمر والنهي فيجوز أن يرفع لأن الكذب يختص بالماضي ولا يتعلق بالمستقبل قال الشافعي لا يجب الوفاء بالوعد وإنما يسمى من لم يف بالوعد مخلفا لا كاذبا وهذا التفصيل جزم به سليم وجرى عليه البيضاوي في المنهاج وسبقهما إليه أبو الحسين بن القطان أقول والحق منعه في الماضي مطلقا وفي بعض المستقبل وهو الخبر بالوعد لا بالوعيد ولا بالتكليف أما التكليف فظاهر لأنه رفع حكم عن مكلف وأما بالوعيد فلكونه عفوا لا يمتنع من الله سبحانه بل هو حسن يمدح فاعله من غيره ويمتدح به في نفسه وأما الماضي فهو كذب صراح إلا أن يتضمن تخصيصا أو تقييدا أو تبيينا لما تضمنه الخبر الماضي فليس بذلك بأس وهذه المسألة لها إلمام بمسألة الحسن والقبح المتقدم ذكرها في بعض أطرافها دون بعض وقد استدل المانعون مطلقا باستلزام ذلك الكذب وهو استدلال باطل فإن ذلك الاستلزام إنما هو في بعض الصور كما عرفت لا في كلها وقد نقل أبو الحسين في المعتمد عن شيوخ المعتزلة منع النسخ في الوعد والوعيد قال الزركشي وأما عندنا فكذلك في الوعد لأنه إخلاف والخلف في الأنعام يستحيل على الله وبه صرح الصيرفي في كتابه وأما في الوعيد فنسخه جائز كما قال ابن السمعاني قال ولا يعد ذلك خلفا بل عفوا وكرما ","part":1,"page":281},{"id":140,"text":" المسألة الثامنة : في نسخ التلاوة دون الحكم والعكس ونسخهما معا \r\n وقد جعل أبو إسحاق المروزي وابن السمعاني وغيرهما ذلك ستة أقسام : \r\n الأول : ما نسخ حكمه وبقي رسمه كنسخ آية الوصية للوالدين والأقربين بآية المواريث ونسخ العدة حولا بالعدة أربعة أشهر وعشرا فالمنسوخ ثابت التلاوة والحكم وإلى جواز ذلك ذهب الجمهور بل ادعى بعضهم الإجماع عليه وقد حكى جماعة من الحنفية والحنابلة عدم الجواز عن بعض أهل الأصول قالوا لأنه إذا انتفى الحكم فلا فائدة في التلاوة وهذا قصور عن معرفة الشريعة وجهل كبير بالكتاب العزيز فإن المنسوخ حكمه الباقية تلاوته في الكتاب العزيز مما لا ينكره من له أدنى قدم في العلم \r\n الثاني : ما نسخ حكمه ورسمه وثبت حكم الناسخ ورسمه كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة ونسخ صيام عاشوراء بصيام رمضان قال أبو إسحاق المروزي ومنهم من جعل القبلة من نسخ السنة بالقرآن وزعم أن استقبال بيت المقدس بالسنة لا بالقرآن \r\n الثالث : ما نسخ حكمه وبقي رسمه ورفع رسم الناسخ وبقي حكمه كقوله تعالى : { فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا } بقوله تعالى : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله وقد ثبت في الصحيح أن هذا كان قرآنا يتلى ثم نسخ لفظه وبقي حكمه \r\n الرابع : ما نسخ حكمه ورسمه ونسخ رسم الناسخ وبقي حكمه كما ثبت في الصحيح عن عائشة أنها قالت كان فيما أنزل عشر رضعات متتابعات يحرمن فنسخن بخمس رضعات فتوفي رسول الله صضص وهن فيما يتلى من القرآن قال البيهقي فالعشر مما نسخ رسمه حكمه والخمس مما نسخ رسمه وبقي حكمه بدليل أن الصحابة حين جمعوا القرآن لم يثبتوها رسما وحكمها باق عندهم قال ابن السمعاني وقولها وهن مما يتلى من القرآن بمعنى أنه يتلى حكمها دون لفظها وقال البيهقي المعنى أنه يتلوه من لم يبلغه نسخ تلاوته ومنع قوم من نسخ اللفظ مع بقاء حكمه وبه جزم شمس الأئمة السرخسي لأن الحكم لا يثبت بدون دليله ولا وجه لذلك فإن الدليل ثابت موجود محفوظ ونسخ كونه قرآنا لا يستلزم عدم وجوده ولهذا رواه الثقات في مؤلفاتهم \r\n الخامس : ما نسخ رسمه لا حكمه ولا يعلم الناسخ له وذلك كما ثبت في الصحيح لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب فإن هذا كان قرآنا ثم نسخ رسمه قال ابن عبد البر في التمهيد قيل إنه في سورة ص وكما ثبت في الصحيح أيضا أنه نزل في القرآن حكاية عن أهل بئر معونة أنهم قالوا بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا وكما أخرجه الحاكم في مستدركه من حديث زر بن جبيش عن أبي بن كعب عن النبي صضص قرأ عليه لم يكن الذين كفروا وقرأ فيها أن ذات الدين عند الله الحنيفية لا اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيرا فلن يكفر قال الحاكم صحيح الإسناد فهذا مما نسخ لفظه وبقي معناه وعده ابن عبد البر في التمهيد مما نسخ خطه وحكمه وحفظه قال ومنه قول من قال إن سورة الأحزاب كانت نحو سورة البقرة \r\n السادس : ناسخ صار منسوخا وليس بينهما لفظ متلو كالمواريث بالحلف والنصرة فإنه نسخ التوارث بالإسلام والهجرة ونسخ التوارث بالإسلام والهجرة بآية المواريث قال ابن السمعاني وعندي أن القسمين الأخيرين تكلف وليس يتحقق فيهما النسخ وجعل أبو إسحاق المروزي التوريث بالهجرة من قسم ما علم أنه منسوخ ولم يعلم ناسخه والحاصل أن نسخ التلاوة دون الحكم أو الحكم دون التلاوة أو نسخهما معا لم يمنع منه مانع شرعي ولا عقلي فلا وجه للمنع منه لأن جواز تلاوة الآية حكم من أحكامها وما تدل عليه الأحكام حكم آخر لها ولا تلازم بينهما وإذا ثبت ذلك فيجوز نسخهما ونسخ أحدهما كسائر الأحكام المتباينة ولنا أيضا الوقوع وهو دليل الجواز كما عرفت مما أوردناه ","part":1,"page":1},{"id":141,"text":" المسألة التاسعة : لا خلاف في جواز نسخ القرآن بالقرآن ونسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة وجواز نسخ الآحاد بالآحاد ونسخ الآحاد بالمتواتر \r\n وأما نسخ القرآن أو المتواتر من السنة بالآحاد فقد وقع الخلاف في ذلك في الجواز والوقوع أما الجواز عقلا فقال به الأكثرون وحكاه سليم الرازي عن الأشعرية والمعتزلة ونقل ابن برهان في الأوسط الاتفاق عليه فقال لا يستحيل عقلا نسخ الكتاب بخبر الواحد بلا خلاف وإنما الخلاف في جوازه شرعا وأما الوقوع فذهب الجمهور كما حكاه ابن برهان وابن الحاجب وغيرهما إلى أنه غير واقع ونقل ابن السمعاني وسليم في التقريب الإجماع على عدم وقوعه وهكذا حكى الإجماع القاضي أبو الطيب في شرح الكفاية والشيخ أبو إسحاق الشيرازي في اللمع وذهب جماعة من أهل الظاهر منهم ابن حزم إلى وقوعه وهي رواية عن أحمد وذهب القاضي في التقريب والغزالي وأبو الوليد الباجي والقرطبي إلى التفصيل بين زمان النبي صضص وما بعده فقالوا بوقوعه في زمانه احتج المانعون بأن الثابت قطعا لا ينسخه مظنون واستدل القائلون بالوقوع بما ثبت من أن أهل قباء لما سمعوا مناديه صضص وهم في الصلاة يقول ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة فاستداروا ولم ينكر ذلك عليهم رسول الله صضص وأجيب بأنهم علموا بالقرائن واستدل أيضا القائلون بالوقوع بأنه صضص كان يرسل رسله لتبليغ الأحكام وكانوا يبلغون الأحكام المبتدأة وناسخها ومن الوقوع نسخ قوله تعالى : { قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه } الأية بنهيه صضص عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير وهو آحاد وأجيب بأن المعنى لا أجد الآن والتحريم وقع في المستقبل ومن الوقوع نسخ نكاح المتعة بالنهي عنها وهو آحاد ونحو ذلك كثير ومما يرشدك إلى جواز النسخ بما صح من الآحاد لما هو أقوى متنا أو دلالة منها أن الناسخ في الحقيقة إنما رافعا لاستمرار حكم المنسوخ ودوامه وذلك ظني وإن كان دليله قطعيا فالمنسوخ إنما هو هذا الظني لا ذلك القطعي فتأمل هذا ","part":1,"page":284},{"id":142,"text":" المسألة العاشرة : يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة عند الجمهور \r\n كما حكى ذلك عنهم أبو الطيب الطبري وابن برهان وابن الحاجب قال ابن فورك في شرح مقالات الأشعري وإليه ذهب شيخنا أبو الحسن الأشعري وكان يقول إن ذلك وجد في قوله تعالى : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين } فإنه منسوخ بالسنة المتواترة وهي قوله لا وصية لوارث لأنه لا يمكن أن يجمع بينهما قال ابن السمعاني وهو مذهب أبي حنيفة وعامة المتكلمين وقال سليم الرازي وهو قول أهل العراق قال وهو مذهب الأشعري والمعتزلة وسائر المتكلمين قال الدبوسي هو قول علمائنا يعني الحنفية قال الباجي قال به عامة شيوخنا وحكاه ابن الفرج عن مالك قال ولهذا لا تجوز عنده الوصية للوارث للحديث فهو ناسخ لقوله : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت } الآية وذهب الشافعي في عامة كتبه كما قال ابن السمعاني إلى أنه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة بحال وإن كانت متواترة وبه جزم الصيرفي والخفاف ونقله عبد الوهاب عن أكثر الشافعية وقال الأستاذ أبو منصور أجمع أصحاب الشافعي على المنع وهذا يخالف ما حكاه ابن فورك عنهم فإنه حكى عن أكثرهم القول بالجواز ثم اختلف المانعون فمنهم من منعه عقلا وشرعا ومنهم من منعه شرعا لا عقلا واستدل على ذلك بقوله تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها } الآية قالوا ولا تكون السنة خيرا من القرآن ومثله قالوا ولم نجد في القرآن آية منسوخة بالسنة وقد استنكر جماعة من العلماء ما ذهب إليه الشافعي من المنع حتى قال الكيا الهراس : هفوات الكبار على أقدراهم ومن عد خطؤه عظم قدره قال وقد كان عبد الجبار كثيرا ما ينظر مذهب الشافعي في الأصول والفروع فلما وصل إلى هذا الموضع قال هذا الرجل كبير ولكن الحق أكبر منه قال ولم نعلم أحدا منع من جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد عقلا فضلا عن المتواتر فلعله يقول دل عرف الشرع على المنع منه وإذا لم يدل قاطع من السمع توقفنا وإلا فمن الذي يقول إنه عليه السلام لا يحكم بقوله في نسخ ما ثبت في الكتاب وإن هذا مستحيل في العقل والمغالون في حب الشافعي لما رأوا هذا القول لا يليق بعلو قدره وهو الذي مهد هذا الفن ورتبه وأول من أخرجه قالوا لا بد أن يكون لهذا القول من هذا العظيم محمل فتعمقوا في محامل ذكروها انتهى ولا يخفاك أن السنة شرع من الله عز و جل كما أن الكتاب شرع منه سبحانه وقد قال { ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } وأمر سبحانه باتباع رسوله في غير موضع في القرآن فهذا بمجرده يدل على أن السنة الثابتة عنه ثبوتا على حد ثبوت الكتاب العزيز حكمها حكم القرآن في النسخ وغيره وليس في العقل ما يمنع من ذلك ولا في الشرع وقوله : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } ليس فيه إلا ما يجعله الله منسوخا من الآيات القرآنية سيبدله بما هو خير منه أو بما هو مثله للمكلفين وما أتانا على لسان رسوله فهو كما أتانا منه كما قال سبحانه : { إن هو إلا وحي يوحى } وكما قال { قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي } قال أبو منصور البغدادي لم يرد الشافعي مطلق السنة بل أراد السنة المنقولة آحادا واكتفى بهذا الإطلاق لأن الغالب في السنة الآحاد قال الزركشي في البحر والصواب أن مقصود الشافعي أن الكتاب والسنة لا يوجدان مختلفين إلا ومع أحدهما مثله ناسخ له وهو تعظيم عظيم وأدب مع الكتاب والسنة وفهم لموقع أحدهما من الآخر وكل من تكلم في هذه المسألة لم يقع على مراد الشافعي بل فهموا خلاف مراده حتى غلظوه وأولوه انتهى ومن جملة ما قيل إن السنة فيه نسخت القرآن الآية المتقدمة أعني قوله : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت } الآية وقوله { وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار } وقوله { قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما } الآية فإنها منسوخة بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير وقوله { حرمت عليكم الميتة } فإنها منسوخة بأحاديث الدباغ على نزاع طويل في كون ما في هذه الآيات منسوخا بالسنة \r\n وأما نسخ السنة بالقرآن فذلك جائز عند الجمهور وبه قال بعض من منع من نسخ القرآن بالسنة وللشافعي في ذلك قولان حكاهما القاضي أبو الطيب الطبري والشيخ أبو إسحاق الشيرازي وسليم الرازي وإمام الحرمين وصححوا جميعا الجواز قال ابن برهان هو قول المعظم وقال سليم هو قول عامة المتكلمين والفقهاء وقال السمعاني إنه الأولى بالحق وجزم به الصيرفي ولا وجه للمنع قط ولم يأت في ذلك ما يتشبث به المانع لا من عقل ولا من شرع بل ورد في الشرع نسخ السنة بالقرآن في غير موضع فمن ذلك قوله تعالى : { قد نرى تقلب وجهك في السماء } الآية كذلك نسخ صلحه صضص لقريش على أن يرد لهم النساء بقوله تعالى : { فلا ترجعوهن إلى الكفار } ونسخ تحليل الخمر بقوله تعالى : { إنما الخمر والميسر } الآية ونسخ تحريم المباشرة بقوله تعالى : { فالآن باشروهن } ونسخ صوم يوم عاشوراء بقوله { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ونحو ذلك مما يكثر تعداده ","part":1,"page":285},{"id":143,"text":" المسألة الحادية عشرة : ذهب الجمهور إلى أن الفعل من السنة ينسخ القول كما أن القول ينسخ الفعل \r\n وحكى الماوردي والروياني عن ظاهر قول الشافعي أن القول لا ينسخ إلا بالقول وأن الفعل لا ينسخ إلا بالفعل ولا وجه لذلك فالكل سنة وشرع ولا يخالف في ذلك الشافعي ولا غيره وإذا كان كل واحد منهما شرعا ثابتا عن رسول الله صضص فلا وجه للمنع من نسخ أحدهما بالآخر ولا سيما وقد وقع ذلك في السنة كثيرا ومنه قوله صضص في السارق فإن عاد في الخامسة فاقتلوه ثم رفع إليه سارق في الخامسة فلم يقتله فكان هذا الترك ناسخا للقول وقال الثيب بالثيب جلد مائة والرجم ثم رجم ماعزا ولم يجلده فكان ذلك ناسخا لجلد من ثبت عليه الرجم ومنه ما ثبت في الصحيح من قيامه صضص للجنازة ثم ترك ذلك فكان نسخا وثبت عنه صضص صلوا كما رأيتموني أصلي ثم فعل غير ما كان يفعله وترك بعض ما كان يفعله فكان ذلك نسخا وهذا كثير في السنة لمن تتبعه ولم يأت المانع بدليل يدل على ذلك لا من عقل ولا من شرع وقد تابع الشافعي في المنع من نسخ الأقوال بالأفعال ابن عقيل من الحنابلة وقال الشيء إنا ينسخ بمثله أو بأقوى منه يعني والقول أقوى من الفعل ","part":1,"page":286},{"id":144,"text":" المسألة الثانية عشرة : الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به عند الجمهور \r\n إما كونه لا ينسخ فلأن الإجماع لا يكون إلا بعد وفاة رسول الله صضص والنسخ لا يكون بعد موته وأما في حياته فالإجماع لا ينعقد بدونه بل يكون قولهم المخالف لقوله لغوا باطلا لا يعتد به ولا يلتفت إليه وقولهما الموافق بعد لا اعتبار به بل الاعتبار بقوله وحده والحجة فيه لا في غيره فإذا عرفت هذا علمت أن الإجماع لا ينعقد إلا بعد أيام النبوة وبعد أيام النبوة قد انقطع الكتاب والسنة فلا يمكن أن يكون الناسخ منهما ولا يمكن أن يكون الناسخ للإجماع إجماعا آخر لأن هذا الإجماع الثاني إن كان لا عن دليل فهو خطأ وإن كان عن دليل فذلك يستلزم أن يكون الإجماع الأول خطأ والإجماع لا يكون خطأ فبهذا يستحيل أن يكون الإجماع ناسخا أو منسوخا ولا يصلح أيضا أن يكون الإجماع منسوخا بالقياس لأن من شرط العمل به أن لا يكون مخالفا للإجماع وقد استدل من جوز ذلك بما قيل من أن الأمة إذا اختلفت على قولين فهو إجماع على أن المسألة اجتهادية يجوز الأخذ بكليهما ثم يجوز إجماعهم على أحد القولين كما مر في الإجماع فإذا أجمعوا بطل الجواز الذي هو مقتضى ذلك الإجماع وهذا هو النسخ وأجب بأنا لا نسلم ذلك لوقوع الخلاف فيه كما تقدم ولو سلم فلا يكون نسخا لما تقدم من أن الإجماع الأول مشروط بعدم الإجماع الثاني وقال الشريف المرتضى إن دلالة الإجماع مستقرة في كل حال قبل انقطاع الوحي وبعده قال فالأقرب أن يقال إن الأمة أجمعت على أن ما ثبت بالإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به أي لا يقع ذلك لا أنه غير جائز ولا يلتفت إلى قول عسى بن أبان إن الإجماع ناسخ لما وردت به السنة من وجوب الغسل من غسل الميت انتهى قال الصيرفي ليس للإجماع حظ في نسخ الشرع لأنهم لا يشرعون ولكن إجماعهم يدل على الغلط في الخبر أو رفع حكمه لا أنهم رفعوا الحكم وإنما هم أتباع لما أمروا به وقال بعض الحنابلة يجوز النسخ بالإجماع لكن لا بنفسه بل بسنده فإذا رأينا متنا صحيحا والإجماع بخلافه استدللنا بذلك على نسخ وأن أهل الإجماع اطلعوا على ناسخ وإلا لما خالفوه وقال ابن حزم جوز بعض أصحابنا أن يرد حديث صحيح والإجماع على خلافه قال وذلك دليل على أنه منسوخ قال وهذا عندنا غلط فاحش لأن ذلك معدوم لقوله تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } وكلام الرسول وحي محفوظ انتهى وممن جوز كون الإجماع ناسخا الحافظ البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه ومثله بحديث الوادي الذي في الصحيح حين نام رسول الله صضص فما أيقظهم إلا حر الشمس وقال في آخره فإذا سها أحدكم عن صلاة فليصلها حين يذكرها ومن الغد للوقت قال فإعادة الصلاة المنسية بعد قضائها حال الذكر وفي الوقت منسوخ بإجماع المسلمين لا يجب ولا يستحب ","part":1,"page":287},{"id":145,"text":" المسألة الثالثة عشرة : ذهب الجمهور إلى أن القياس لا يكون ناسخا \r\n ونقله القاضي أبو بكر في التقريب عن الفقهاء والأصوليين قالوا لا يجوز نسخ شيء من القرآن والسنة بالقياس لأن القياس يستعمل مع عدم النص فلا يجوز أن ينسخ النص ولأنه دليل محتمل والنسخ يكون بأمر مقطوع ولأن شرط القياس أن لا يكون في الأصول ما يخالفه ولأنه إن عارض نصا أو إجماعا فالقياس فاسد الوضع وإن عارض قياسا آخر فتلك المعارضة إن كانت بين أصلي القياس فهذا يتصور فيه النسخ قطعا إذ هو من باب نسخ النصوص وإن كانت بين العلتين فهو من باب المعارضة في الأصل والفرع لا من باب القياس قال الصيرفي لا يقع النسخ إلا بدليل توقيفي ولا حظ للقياس فيه أصلا وحكى القاضي أبو بكر عن بعضهم أن القياس ينسخ به المتواتر ونص القرآن وحكى عن آخرين أنه مما ينسخ به أخبار الآحاد فقط وحكى الأستاذ أبو منصور عن أبي القاسم الأنماطي إذا كانت علته منصوصة لا مستنبطة وجعل الهندي محل الخلاف في حياة الرسول صضص وأما بعده فلا ينسخ به الاتفاق وأما كونه منسوخا فلا شك أن القياس يكون منسوخا بنسخ أصله وهل يصح نسخه مع بقاء أصله في ذلك خلاف الحق منعه وبه قال قوم من الأصوليين وقال آخرون إنه يجوز نسخه في زمن الرسول بالكتاب والسنة والقياس وأما بعد موته فلا ورجحه صاحب المحصول وجماعة من الشافعية ","part":1,"page":288},{"id":146,"text":" المسألة الرابعة عشرة : في نسخ المفهوم \r\n وقد تقدم تقسيمه إلى مفهوم مخالفة ومفهوم موافقة : \r\n أما مفهوم المخالفة فيجوز ذلك مع نسخ أصله وذلك ظاهر ويجوز نسخه بدون نسخ أصله وذلك كقوله صضص الماء من الماء فإنه نسخ مفهومه بما ثبت من قوله صضص إذا قعد بين شعبها الأربع وجدها فقد وجب الغسل وفي لفظ إذا لاقى الختان الختان فهذا نسخ مفهوم الماء من الماء وبقي منطوقه محكما غير منسوخ لأن الغسل واجب من الإنزال بلا خلاف وأما النسخ الأصل دون المفهوم ففي جوازه احتمالان ذكرهما الصفي الهندي قال والأظهر أنه لا يجوز قال سليم الرازي في التقريب من أصحابنا من قال يجوز أن يسقط اللفظ ويبقى دليل الخطاب والمذهب أنه لا يجوز ذلك لأن الدليل إنما هو تابع للفظ يستحيل أن يسقط الأصل ويكون الفرع باقيا \r\n وأما مفهوم الموافقة فاختلفوا هل يجوز نسخه وللنسخ به أم لا أما جواز النسخ به فجزم القاضي بجوازه في التقريب وقال لا فرق في جواز النسخ بما اقتضاه نص الكتاب وظاهره جوازه بما اقتضاه فحواه ولحنه ومفهومه وما أوجبه العموم ودليل الخطاب عند مثبتها لأنه كالنص أو أقوى منه انتهى وكذا جزم بذلك ابن السمعاني قال لأنه مثل النطق وأقوى ونقل الآمدي والفخر الرازي الاتفاق على أنه ينسخ به ما ينسخ بمنطوقه قال الرزكشي في البحر وهو عجيب فإن في المسألة وجهين لأصحابنا وغيرهم حكاهما الماوردي في الحاوي والشيخ أبو إسحاق في اللمع و سليم الرازي وصححوا المنع و الماوردي نقله عن الأكثرين قال لأن القياس فرع النص الذي هو أقوى فلا يجوز أن يكون ناسخا له قال والثاني وهو اختيار ابن أبي هريرة وجماعة الجواز وأما جواز نسخه فهو ينقسم إلى قسمين : الأول أن ينسخ مع بقاء أصله والثاني أن ينسخ تبعا لأصله ولا شك في جواز الثاني وأما الأول فقد اختلف فيه الأصوليون على قولين : \r\n أحدهما : الجواز وبه قال أكثر المتكلمين وجعلوه مع أصله كالنصين يجوز نسخ أحدهما مع بقاء الآخر ونقله سليم عن الأشعري وغيره من المتكلمين بناء على أصلهم أن ذلك مستفاد من اللفظ فكانا بمنزلة لفظين فجاز نسخ أحدهما مع بقاء حكم الآخر \r\n القول الثاني : المنع وصححه سليم الرازي وجزم به الروياني والماوردي ونقله ابن السمعاني عن أكثر الفقهاء لأن ثبوت لفظه موجب لفحواه مفهومه فلم يجز نسخ الفحوى مع بقاء موجبه كما لا ينسخ القياس مع بقاء أصله وذهب بعض المتأخرين إلى التفصيل فقال إن كان علة المنطوق لا تحتمل النقص جاز كما لو قال لغلامه لا تعط زيدا درهما قاصدا بذلك حرمانه ثم يقول أعطه أكثر من درهم ولا تعطه درهما لاحتمال أنه انتقل من علة حرمانه إلى علة مواساته وهذا التفصيل قوي جدا ","part":1,"page":289},{"id":147,"text":" المسألة الخامسة عشرة : في الزيادة على النص هل تكون نسخا لحكم النص أم لا \r\n وذلك يختلف باختلاف الصور فالزائد إما أن يكون مستقلا بنفسه أولا \r\n الأول : المستقل إما أن يكون من غير جنس الأول كزيادة وجوب الزكاة علىالصلاة فليس بناسخ لما تقدم من العبادات بلا خلاف قال في المحصول اتفق العلماء على أن زيادة عبادة على العبادات لا تكون نسخا للعبادات انتهى ومعلوم أنه لا يخالف في مثل هذا أحد من أهل الإسلام لعدم التنافي وأما أن يكون من جنسه كزيادة صلاة على الصلوات الخمس فهذا ليس بنسخ على قول الجمهور وذهب بعض أهل العراق إلى أنها تكون نسخا لحكم المزيد عليه كقوله تعالى : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } لأنها تجعلها غير الوسطى وهو قول باطل لا دليل عليه ولا شبهة دليل فإن الوسطى ليس المراد بها المتوسطة في العدد بل يراد بها الفاضلة ولو سلمنا أن المراد بها المتوسطة في العدد لم تكن تلك الزيادة مخرجة لها عن كونها مما يحافظ عليه فقد علم توسطها عند نزول الآية وصارت مستحقة لذلك الوصف وإن خرجت عن كونها وسطى قال القاضي عبد الجبار ويلزمهم زيادة عبادة على العبادة الأخيرة لأن هذه المزيدة تصير أخيرة وتجعل تلك التي كانت أخيرة غير أخيرة وهو خلاف الإجماع وألزمهم صاحب المحصول بأنه لو كان عدد كل الواجبات قبل الزيادة عشرة فبعد الزيادة لا يبقى ذلك العدد فيكون نسخا يعني وهو خلاف الإجماع \r\n الثاني : الذي لا يستقل كزيادة ركعة على الركعات وزيادة التغريب على الجلد وزيادة وصف الرقبة بالإيمان وقد اختلفوا فيه على أقوال : \r\n الأول : أن ذلك لا يكون نسخا مطلقا وبه قالت الشافعية والمالكية والحنابلة وغيرهم ومن المعتزلة علي وأبو هاشم سواء اتصلت بالمزيد عليه أولا ولا فرق بين أن تكون هذه الزيادة مانعة من أجزاء المزيد عليه بدونها أو غير مانعة \r\n الثاني : أنها نسخ وهو قول الحنفية قال شمس الأئمة السرخسي وسواء كانت الزيادة في السبب أو في الحكم قال ابن السمعاني أما أصحاب أبي حنيفة فقالوا إن الزيادة على النص بعد استقرار حكمة توجب النسخ حكاه الصيمري عن أصحابه على الإطلاق واختاره بعض أصحابنا قال ابن فورك والكيا وعزى إلى الشافعي أيضا \r\n الثالث : إن كان المزيد عليه بنفي الزيادة بفحواه فإن تلك الزيادة نسخ كقوله في سائمة الغنم الزكاة فإنه يفيد نفي الزكاة عن المعلوفة وإن كان لا ينفي تلك الزيادة فلا يكون نسخا حكاه ابن برهان وصاحب المعتمد وغيرهما \r\n الرابع : أن الزيادة إن غيرت المزيد عليه تغيرا شرعيا حتى صار لو فعل بعد الزيادة على حد ما كان يفعلها قبلها لم يعتد به وذلك كزيادة ركعة تكون نسخا وإن كان المزيد عليه يصح فعله بدون الزيادة لم تكن نسخا كزيادة التغريب على الجلد وإليه ذهب عبد الجبار كما حكاه عنه صاحب المعتمد و ابن الحاجب وغيرهما وحكاه سليم عن اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني والاستراباذي والبصري \r\n الخامس : التفصيل بين أن تتصل به فهي نسخ وبين أن تنفصل عنه فلا تكون نسخا حكاه ابن برهان عن عبد الجبار أيضا واختاره الغزالي \r\n السادس : إن تكن الزيادة مغيرة لحكم المزيد عليه في المستقبل كانت نسخا إن لم تغير حكمه في المستقبل بأن كانت مقارنة لم تكن نسخا حكاه ابن فورك عن أصحاب أبي حنيفة قال صاحب المعتمد وبه قال شيخنا أبو الحسن الكرخي وأبو عبد الله البصري \r\n السابع : أن الزيادة إن رفعت حكما عقليا أو ما ثبت باعتبار الأصل كبراءة الذمة لم تكن نسخا لأنا لا نعتقد أن العقل يوجب الأحكام ومن يعتقد إيجابه لا يعتقد أن رفعها يكون نسخا وإن تضمنت رفع حكم شرعي كانت نسخا حكى هذا التفصيل ابن برهان في الأوسط عن أصحاب الشافعي وقال أنه الحق واختاره الآمدي وابن الحاجب والفخر الرازي والبيضاوي وهو اختيار أبي الحسين البصري في المعتمد وهو ظاهر كلام القاضي أبي بكر الباقلاني في مختصر التقريب وظاهر كلام إمام الحرمين الجويني في البرهان قال الصفي الهندي إنه أجود الطرق وأحسنها فهذه الأقوال كما ترى \r\n قال بعض المحققين إن هذه التفاصيل لا حاصل لها وليست في محل النزاع فإنه لا ريب عند الكل أن ما رفع حكما شرعيا كان نسخا حقيقة وليس الكلام هنا في مقام أن النسخ رفع أو بيان وما لم يكن كذلك فليس بنسخ فإن القائل إنما فصل بين ما رفع حكما شرعيا وما لا يرفع كأنه قال إن كانت الزيادة نسخا وإلا فلا وهذا لا حاصل له وإنما النزاع منهم هل ترفع حكما شرعيا فتكون نسخا أو لا فلا تكون نسخا فلو وقع الاتفاق على أنها ترفع حكما شرعيا لوقع الاتفاق على أنها ليست بنسخ ولكن النزاع في الحقيقة إنما هو في أنها رفع أم لا انتهى قال الزركشي في البحر واعلم أن فائدة هذه المسألة أن ما ثبت أنه من باب النسخ وكان مقطوعا به فلا ينسخ إلا بقاطع كالتغريب فإن أبا حنيفة لما كان عنده نسخا نفاه لأنه نسخ للقرآن بخبر الواحد ولما لم يكن عند الجمهور نسخا قبلوه إذ لا معارضة وقد ردوا يعني الحنفية بذلك أخبارا صحيحة لما اقتضت زيادة على القرآن والزيادة نسخ ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد فردوا أحاديث تعين الفاتحة في الصلاة وما ورد في الشاهد واليمين وما ورد في أيمان الرقبة وما ورد في اشتراط النية في الوضوء انتهى وإذا عرفت أن هذه هي الفائدة في هذه المسألة التي طالت ذيولها وكثرت شعبها هان عليك الخطب وقد قدمنا في المسألة التاسعة من مسائل هذا الباب ما عرفته ","part":1,"page":290},{"id":148,"text":" المسألة السادسة عشرة : لا خلاف في أن النقصان من العبادة نسخ لما أسقط منها \r\n لأنه كان واجبا في جملة العبادة ثم أزيل وجوبه ولا خلاف أيضا في أن ما لا يتوقف عليه صحة العبادة لا يكون نسخه نسخا لها كذا نقل الإجماع الآمدي والفخر الرازي وأما نسخ ما يتوقف عليه صحة العبادة سواء كان جزءا لها كالشطر أو خارجا كالشرط فاختلفوا فيه على مذاهب \r\n الأول : أن نسخه لا يكون نسخا للعبادة بل يكون بمثابة تخصيص العام قال ابن برهان وهو قول علمائنا وقال ابن السمعاني إليه ذهب الجمهور من أصحاب الشافعي واختاره الفخر الرازي والآمدي قال الأصفهاني إنه الحق وحكاه صاحب المعتمد عن الكرخي \r\n الثاني : أنه نسخ للعبادة وإليه ذهب الحنفية كما حكاه عنهم ابن برهان وابن السمعاني \r\n الثالث : التفصيل بين الشرط فلا يكون نسخه نسخا للعبادة وبين الجزء كالقيام والركوع في الصلاة فيكون نسخه نسخا لها وإليه ذهب القاضي عبد الجبار ووافقه الغزالي وصححه القرطبي قالوا لأن الشرط خارج عن ماهية المشروط بخلاف الجزء وهذا في الشرط المتصل أما الشرط المنفصل فقيل لا خلاف في أن نسخه ليس بنسخ للعبادة لأنهما عبادتان منفصلتان وقيل إن كان مما لا تجزئ العبادة قبل النسخ إلا به فيكون نسخه نسخا لها من غير فرق بين الشرط والجزاء وإن كان مما تجزئ العبادة قبل النسخ بدونه فلا يكون نسخه نسخا لها وهذا هو المذهب الرابع حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في اللمع احتج القائلون بأنه لا يكون نسخا مطلقا من غير فرق بين الشرط والشطر بأنهما أمران فلا يقتضي نسخ أحدهما نسخ الآخر وأيضا لو كان نسخا للعبادة لافتقرت في وجوبها إلى دليل آخر غير الدليل الأول وأنه باطل بالاتفاق واحتج القائلون بأن نسخ الشطر يقتضي نسخ العبادة دون نسخ الشرط بأن نقصان الركعة من الصلاة يقتضي رفع وجوب تأخير التشهد ورفع أجزائها من دون الركعة لأن تلك العبادة قبل النسخ كانت غير مجزئه بدون الركعة وأجيب بأن للباقي من العبادة أحكاما مغايرة لأحكامها قبل رفع ذلك الشطر فكان النسخ مغايرا لنسخ تلك العبادة وأيضا الثابت في الباقي هو الوجوب الأصلي والزيادة باقية على الجواز الأصلي وإنما الزائل وجوبها فارتفع حكم شرعي لا إلى حكم شرعي فلا يكون ذلك نسخا ","part":1,"page":292},{"id":149,"text":" المسألة السابعة عشرة : في الطريق التي يعرف بها كون الناسخ ناسخا \r\n وذلك أمور : \r\n الأول : أن يقتضي ذلك اللفظ بأن يكون فيه ما يدل على ما تقدم أحدهما وتأخر الآخر قال الماوردي المراد بالتقدم التقدم في النزول لا في التلاوة فإن العدة بأربعة شهور وعشرة سابقة على العدة بالحول في التلاوة مع أنها ناسخة لها ومن ذلك التصريح في اللفظ بما يدل على النسخ كقوله تعالى : { الآن خفف الله عنكم } فإنه يقتضي نسخه لثبات الواحد للعشرة ومثل قوله : { أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات } \r\n الثاني : أن يعرف الناسخ من المنسوخ بقوله صضص كأن يقول هذا ناسخ لهذا أو ما في معنى ذلك كقوله : [ نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ] \r\n الثالث : أن يعرف ذلك من فعله صضص كرجمه لماعز ولم يجلده فإنه يفيد نسخ قوله الثيب بالثيب جلد مائة ورجمه بالحجارة قال ابن السمعاني وقد قالوا إن الفعل لا ينسخ القول في قول أكثر الأصوليين وإنما يستدل بالفعل على تقدم النسخ للقول بقول آخر فيكون القول منسوخا بمثله من القول والفعل مبين لذلك \r\n الرابع : إجماع الصحابة على أن هذا ناسخ وهذا منسوخ كنسخ صوم يوم عاشوراء بصوم رمضان ونسخ الحقوق المتعلقة بالمال بالزكاة ذكر معنى ذلك ابن السمعاني قال الزركشي وكذا حديث من غل صدقته فقال صضص أن آخذوها وشطر ماله قال فإن الصحابة اتفقت على ترك استعمالهم لهذا الحديث فدل ذلك على نسخه انتهى وقد ذهب الجمهور إلى أن إجماع الصحابة من أدلة بيان الناسخ والمنسوخ قال القاضي يستدل بالإجماع على أن معه خبرا وقع به النسخ لأن الإجماع لا ينسخ به ولم يجعل الصيرفي الإجماع دليلا على تعين النص للنسخ بل جعله مترددا بين النسخ والغلط \r\n الخامس : نقل الصحابي لتقدم أحد الحكمين وتأخر الآخر إذ لا مدخل للاجتهاد فيه قال ابن السمعاني وهو واضح إذا كان الخبران غير متواترين أما إذا قال في المتواتر أنه كان قبل الآحاد ففي ذلك خلاف وجزم القاضي في التقريب بأنه لا يقبل ونقله الصفي الهندي عن الأكثرين لأنه يتضمن نسخ المتواتر بالآحاد وهو غير جائز وقال القاضي عبد الجبار يقبل وشرط ابن السمعاني كون الراوي لهما واحد \r\n السادس : كون أحد الحكمين شرعيا والآخر موافقا للعادة فيكون الشرعي ناسخا وخالف في ذلك القاضي أبو بكر والغزالي لأنه يجوز ورود الشرع بالنقل عن العادة ثم يرد نسخه ورده إلى مكانه وأما حداثة الصحابي وتأخر إسلامه فليس ذلك من دلائل النسخ وإذا لم يعلم الناسخ من المنسوخ بوجه من الوجوه فرجح قوم منهم ابن الحاجب الوقف وقال الآمدي إن علم افتراقهما مع تعذر الجمع بينهما فعندي أن ذلك غير متصور الوقوع وإن جوزه قوم وبتقدير وقوعه فالواجب أما الوقف عن العمل بأحدهما أو التخيير بينهما إن أمكن وكذلك الحكم فيما إذا لم يعلم شيء من ذلك ","part":1,"page":293},{"id":150,"text":" المقصد الخامس من مقاصد هذا الكتاب القياس وما يتصل به من الاستدلال المشتمل على التلازم والاستصحاب وشرع من قبلنا والاستحسان والمصالح المرسلة ثم ماله اتصال بالاستدلال \r\n وفيه فصول سبعة ","part":1,"page":295},{"id":151,"text":" الفصل الأول في تعريفه \r\n وهو في اللغة تقدير شيء على مثال شيء آخر وتسويته به ولذلك سمي المكيال مقياسا وما يقدر به النعال مقياسا ويقال فلان لا يقاس بفلان أي لا يساويه وقيل هو مصدر قست الشيء إذا اعتبرته أقيسه قيسا وقياسا ومنه قيس الرأي وسمي امرؤ القيس لاعتبار الأمور برأيه وذكر صاحب الصحاح و ابن أبي البقاء فيه لغة بضم القاف يقال قسته أقوسه قوسا هو على اللغة الأولى من ذوات الياء وعلى اللغة الثانية من ذوات الواو وفي الاصطلاح حمل معلوم على علوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة كذا قال القاضي أبو بكر الباقلاني قال في المحصول واختاره جمهور المحققين منا وإنما قال معلوم ليتناول الموجود والمعدوم فإن القياس يجري فيهما جميعا واعترض عليه بأنه إن أريد بحمل أحد المعلومين على الآخر إثبات مثل حكم أحدهما للآخر فقوله بعد ذلك في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما إعادة لذلك فيكون تكرارا من غير فائدة واعترض عليه أيضا بأن قوله في إثبات حكم لهما مشعر بأن الحكم في الأصل والفرع ثبت بالقياس وهو باطل فإن المعتبر في ماهية القياس إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم آخر بأمر جامع واعترض عليه بأن إثبات لفظ أو في الحد للإبهام وهو ينافي التعيين الذي هو مقصود الحد وقال جماعة من المحققين أنه مساواة فرع لأصل في علة الحكم أو زيادة عليه في المعنى المعتبر في الحكم وقال أبو الحسين البصري وهو تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في علة الحكم عند المجتهد وقيل إدراج خصوص في عموم وقيل إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به وقيل إلحاق المختلف فيه بالمتفق عليه وقيل استنباط الخفي من الجلي وقيل حمل الفرع على الأصل ببعض أوصاف الأصل وقيل حمل الشيء على غيره وإجراء أحدهما على الآخر وقيل بذل الجهد في طلب الحق وقيل حمل الشيء على غيره وإجراء حكمه عليه وقيل حمل الشيء على الشيء في بعض أحكامه بضرب من الشبه وعلى كل حد من هذه الحدود اعتراضات يطول الكلام بذكرها وأحسن ما يقال في حده استخراج مثل حكم المذكور لما لم يذكر بجامع بينهما فتأمل هذا تجده صوابا إن شاء الله وقال إمام الحرمين يتعذر الحد الحقيقي في القياس لاشتماله على حقائق مختلفة كالحكم فإنه قديم والفرع والأصل فإنهما حادثان والجامع فإنه علة ووافقه ابن المنير على ذلك وقال ابن الأنباري الحقيقي إنما يتصور فيما يتركب من الجنس والفصل ولا يتصور ذلك في القياس قال الأستاذ أبو إسحاق اختلف أصحابنا فيما وضع له إسم القياس على قولين أحدهما أنه استدلال المجتهد وفكرة المستنبط والثاني أنه المعنى الذي يدل على الحكم في أصل الشيء وفرعه قال وهذا هو الصحيح انتهى واختلفوا في موضوع القياس قال الروياني وموضوعه طلب أحكام الفروع المسكوت عنها من الأصول المنصوصة بالعلل المستنبطة من معانيها ليلحق كل فرع بأصله وقيل غير ذلك مما هو دون ما ذكرناه ","part":1,"page":295},{"id":152,"text":" الفصل الثاني في حجة القياس \r\n إعلم أنه قد وقع الاتفاق على أنه حجة في الأمور الدنيوية قال الفخر الرازي كما في الأدوية والأغذية وكذلك اتفقوا على حجية القياس الصادر منه ضصض وإنما وقع الخلاف في القياس الشرعي فذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء والمتكلمين إلى أنه أصل من أصول الشريعة يستدل به على الأحكام التي يرد بها السمع قال في المحصول اختلف الناس في القياس الشرعي فقالت طائفة العقل يقتضي جواز التعبد به في الجملة وقالت طائفة العقل يقتضي المنع من التعبد به والأولون قسمان منهم من قال وقع التعبد به ومنهم من قال لم يقع \r\n أما من اعترف بوقوع التعبد به فقد اتفقوا على أن السمع دال عليه ثم اختلفوا في ثلاثة مواضع : الأول أنه هل في العقل ما يدل عليه فقال القفال منا و أبو الحسين البصري من المعتزلة العقل يدل على وجوب العمل به وأما الباقون منا ومن المعتزلة فقد أنكروا ذلك والثاني أن أبا الحسين البصري زعم أن دلالة الدلائل السمعية عليه ظنية والباقون قالوا قطعية والثالث أن القاساني والنهرواني ذهبا إلى العمل بالقياس في صورتين : إحداهما إذا كانت العلة منصوصة بصريح اللفظ أو بإيمائه والصورة الثانية كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف وأما جمهور العلماء فقد قالوا بسائر الأقسية \r\n وأما القائلون بأن التعبد لم يقع به فمنهم من قال لم يوجد في السمع ما يدل على وقوع التعبد به فوجب الامتناع من العمل به ومنهم من لم يقنع بذلك بل تمسك في نفيه بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة وإجماع العترة وأما القسم الثاني : وهم الذين قالوا بأن العقل يقتضي المنع من التعبد به فهم فريقان أحدهما خصص ذلك المنع بشرعنا وقال لأن مبنى شرعنا الجمع بين المختلفات والفرق بين المتماثلات وذلك يمنع من القياس وهو قول النظام والفريق الثاني : الذين قالوا يمتنع ورود التعبد به في كل الشرائع انتهى \r\n قال الأستاذ أبو منصور : المثبتون للقياس اختلفوا فيه على أربعة مذاهب أحدهما ثبوته في العقليات والشرعيات وهو قول أصحابنا من الفقهاء والمتكلمين وأكثر المعتزلة والثاني في العقليات دون الشرعيات وبه قال جماعة من أهل الظاهر والثالث نفيه في العلوم العقلية وثبوته في الأحكام الشرعية التي ليس فيها نص ولا إجماع وبه قال طائفة من القائلين بأن المعارف ضرورية والرابع نفيه في العقليات والشرعيات وبه قال أبو بكر بن داود الأصفهاني انتهى والمثبتون له اختلفوا أيضا قال الأكثرون هو دليل بالشرع وقال القفال وأبو الحسين البصري هو دليل بالعقل والأدلة السمعية وردت مؤكدة له وقال الدقاق يجب العمل به بالعقل والشرع وجزم به ابن قدامة في الروضة وجعله مذهب أحمد بن حنبل لقوله لايستغني أحد عن القياس قال وذهب أهل الظاهر والنظام إلى امتناعه عقلا وشرعا وإليه ميل أحمد بن حنبل لقوله يجتنب المتكلم في الفقه المجمل والقياس وقد تأوله القاضي ابو يعلى على ما إذا كان القياس مع وجود النص لأنه حينئذ يكون فاسد الاعتبار ثم اختلف القائلون به أيضا اختلافا آخر وهو دلالة السمع عليه قطعية أو ظنية ؟ فذهب الأكثرون إلى الأول وذهب أبو الحسين والآمدي إلى الثاني \r\n وأما المنكرون للقياس فأول من باح بإنكار النظام وتابعه قوم من المعتزلة كجعفر بن حرب وجعفر بن حبشة ومحمد بن عبدالله الاسكافي وتابعهم على نفيه في الأحكام داود الظاهري قال أبو القاسم البغدادي فيما حكاه عنه ابن عبد البر في كتاب جامع العلم ما علمت أحدا سبق النظام إلى القول بنفي القياس قال ابن عبد البر في كتاب جامع العلم أيضا لاخلاف بين فقهاء الأمصار وسائر أهل السنة في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام إلا داود فإنه نفاه فيهما جميعا قال ومنهم من أثبته في التوحيد و نفاه في الأحكام وحكى القاضي أبو الطيب الطبري عن داود النهرواني والمغربي والقاساني أن القياس محرم بالشرع قال الأستاذ أبو منصور أما داود فزعم أنه لا حادثة إلا وفيها حكم منصوص عليه في القرآن أو السنة أو معدول عنه بفحوى النص ودليله وذلك يغنى عن القياس قال ابن القطان ذهب داود وأتباعه إلى أن القياس في دين الله باطل ولا يجوز القول به قال ابن حزم في الأحكام ذهب أهل الظاهر إلى إبطال القول بالقياس جملة وهو قولنا الذي ندين الله به والقول بالعلل باطل انتهى والحاصل أن داود الظاهري وأتباعه لايقولون بالقياس ولو كانت العلة منصوصة ونقل القاضي ابو بكر والغزالي عن القاساني والنهرواني القول به فيما كانت العلة منصوصة \r\n وقد استدل المانعون من القياس بأدلة عقلية ونقلية ولا حاجة لهم إلى الاستدلال فالقيام في مقام المنع يكفيهم وإيراد الدليل على القائلين به وقد جاؤوا بأدلة عقلية لا تقوم بها الحجة فلا نطول البحث بذكرها وجاءوا بأدلة نقلية فقالوا دل على ثبوت التعبد بالقياس الشرعي الكتاب والسنة والإجماع \r\n أما الكتاب فقوله تعالى : { فاعتبروا يا أولي الأبصار } ووجه الاستدلال بهذه الآية أن الاعتبار مشتق من العبور وهو المجاوزة يقال عبرت على النهر والمعبر الموضع الذي يعبر عليه والمعبر السفينة التي يعبر فيها أداة العبور والعبرة الدمعة التي عبرت من الجفن وعبر الرؤيا جاوزها إلى ما يلازمها قالوا فثبت بهذه الاستعمالات أن الاعتبار حقيقة في المجاوزة فوجب أن لا يكون حقيقة في غيرها دفعا للاشتراك والقياس عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع فكان داخلا تحت الأمر قال في المحصول فإن قيل لا نسلم أن الاعتبار هو المجاوزة فقط بل هو عبارة عن الألفاظ بوجوه : الأول أنه لا يقال لمن يستعمل القياس العقلي إنه معتبر الثاني أن المتقدم في إثبات الحكم من طريق القياس إذا لم يفكر في أمر معاده يقال إنه غير معتبر أو قليل الاعتبار الثالث قوله تعالى : { إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } { وإن لكم في الأنعام لعبرة } والمراد الأتعاظ الرابع يقال السعيد من اعتبر بغيره والأصل في الكلام الحقيقة فهذه الأدلة تدل على أن الاعتبار حقيقة في الألفاظ لا في المجاوزة فحصل التعارض بين ما قلتم وما قلنا فعليكم بالترجيح معنا فإن الفهم أسبق إلى ما ذكرناه سلمنا أن ما ذكرتموه حقيقة لكن شرط حمل اللفظ على الحقيقة أن لا يكون هناك ما يمنع فإنه لو قال يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فقيسوا الذرة على البركان ذلك ركيكا لا يليق بالشرع وإذا كان كذلك ثبت أنه وجد ما يمنع من حمل اللفظ على حقيقة سلمنا أنه لا مانع من حمله على المجاوزة لكن لا نسلم أن الأمر بالمجاوزة أمر بالقياس الشرعي بيانه أن كل من تمسك بدليل على مدلوله فقد عبر من الدليل إلى المدلول فمسمى الاعتبار مشترك فيه بين الاستدلال بالدليل العقلي القاطع وبالنص وبالبراءة الأصلية وبالقياس من الشرع وكل واحد من هذه الأنواع يخالفه الآخر بخصوصيته وما به الاشتراك غير دال على ما به الامتياز لا بلفظه ولا بمعناه فلا يكون دالا على النوع الذي ليس إلا عبارة من مجموع جهة الاشتراك قال وأيضا فنحن نوجب اعتبارات أخر : الأول إذا نص الشارع على علة الحكم فهاهنا القياس عندنا واجب والثاني قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف والثالث الأقيسة في الأمور الدنيا فإن العمل بها عندنا واجب والرابع أن يشبه الفرع بالأصل في أن لا نستفيد حكمه إلا من النص والخامس الاتعاظ والانزجار بالقصص والأمثال فثبت بما تقدم أن الآتي بفرد من أفراد ما يسمى اعتبارا يكون خارجا عن عهدة هذا الأمر وثبت أن بيانه في صور كثيرة فلا يبقى فيه دلالة ألبته على الأمر بالقياس الشرعي ثم قلنا جعله حقيقة في المجاوزة أولى لوجهين : الأول أنه يقال فلان اعتبر فاتعظ فيجعلون الاتعاظ معلول الاعتبار وذلك يوجب التغاير الثاني أن معنى المجاوزة حاصل في الاتعاظ فإن الانسان ما لم يستدل بشيء آخر على حال نفسه لا يكون متعظا ثم أطال في تقرير هذا بما لا طائل تحته \r\n ويجاب عن الوجه الأول بالمعارضة فإنه يقال فلان قاس هذا على هذا فاعتبر والجواب الجواب ويجاب عن الثاني بمنع وجود معنى المجاوزة في الاتعاظ فإن من نظر في شيء من المخلوقات فاتعظ به لا يقال فيه متصف بالمجاوزة لا لغة ولا شرعا ولا عقلا وأيضا يمنع وجود المجاوزة في القياس الشرعي وليس ما يفيد ذلك البتة ولو كان القياس مأمورا به في هذه الآية لكونه فيه معنى الاعتبار لكان كل اعتبار أو عبور مأمورا به واللازم باطل والملزوم مثله وبيانه أنه لم يقل أحد من المتشرعين ولا من العقلاء إنه يجب على الإنسان أن يعبر من هذا المكان إلى هذا المكان أو يجري دمع عينه أو يعبر رؤيا الرائي مع أن هذه الأمور أدخل في معنى العبور والاعتبار من القياس الشرعي والحاصل أن هذه الآية لا تدل على القياس الشرعي لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام ومن أطال الكلام في الاستدلال بها على ذلك فقد شغل الحيز بما لا طائل تحته \r\n واستدل الشافعي في الرسالة على إثبات القياس بقوله تعالى : { فجزاء مثل ما قتل من النعم } قال فهذا تمثيل الشيء يعدله وقال { يحكم به ذوا عدل منكم } وأوجب المثل ولم يقل أي مثل فوكل ذلك إلى اجتهادنا ورأينا وأمر بالتوجه إلى القبلة بالاستدلال وقال { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } انتهى ولا يخفاك أن غاية ما في آية الجزاء هو المجيء بمثل ذلك الصيد وكونه مثلا له موكول إلى العدلين ومفوض إلى اجتهادهما وليس في هذا دليل على القياس الذي هو إلحاق فرع بأصل العلة جامعة وكذلك الأمر بالتوجه إلى القبلة فليس فيه إلا إيجاب تحري الصواب في أمرها وليس ذلك من القياس في شيء \r\n واستدل ابن سريج على إثبات القياس بقوله تعالى { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } قالوا أولوا الأمر هم العلماء والاستنباط هو القياس ويجاب عنه بأن الاستنباط هو استخراج الدليل على المدلول بالنظر فيما يفيده من العموم أو الخصوص أو الإطلاق أو التقيد أو الاجمال أو التبيين في نفس النصوص أو نحو ذلك مما يكون طريقا إلى استخراج الدليل منه ولو سلمنا اندراج القياس تحت مسمى الاستنباط لكان ذلك مخصوصا بالقياس المنصوص على علته وقياس الفحوى ونحوه لا بما ملحقا بمسلك من مسالك العلة التي هي محض رأي لم يدل عليها دليل من الشرع فإن ذلك ليس من الاستنباط من الشرع بما أذن الله له بل من الاستنباط بما لم يأذن الله به \r\n واستدل أيضا بقوله { إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها } الآية قال لأن القياس تشبيه الشيء فما جاز من فعل من لا يخفى عليه خافية فهو ممن لا يخلو من الجهالة والنقص أجوز وذلك من فعل من لا يخفى عليه خافية لأننا نعلم أنه صحيح من فعل لا يخلو من الجهالة والنقص لأنا لا نقطع بصحته بل ولا نظن ذلك لما في فاعله من الجهالة والنقص \r\n واستدل غيره بقوله تعالى : { قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة } ويجاب عنه بمنع كون هذه الآية تدل على المطلوب لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام وغاية ما فيها الاستدلال بالأثر اللاحق وكون المؤثر فيهما واحدا وذلك غير القياس الشرعي الذي هو إدراج فرع تحت أصل لعلة جامعة بينهما \r\n واستدل ابن تيمية على ذلك بقوله تعالى : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } وتقريره أن العدل هو التسوية والقياس هو التسوية بين مثلين في الحكم فيتناوله عموم الآية ويجاب عنه بمنع كون الآية دليلا على المطلوب بوجه من الوجوه ولو سلمنا لكان ذلك في الأقيسة التي قام الدليل على نفي الفارق فيها فإنه لا تسوية إلا في الأمور المتوازنة ولا توازن إلا عند القطع بنفي الفارق لا في الأقيسة التي هي شعبة من شعب الرأي ونوع من أنواع الظنون الزائفة وخصلة من خصال الخيالات المختلة \r\n وإذا عرفت الكلام على ما استدلوا به من الكتاب العزيز لإثبات القياس فاعلم أنهم قد استدلوا لإثباته من السنة بقوله ضصض فيما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم من حديث الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة قال حدثنا ناس من أصحاب معاذ عن معاذ قال لما بعثه النبي ضصض إلى اليمن قال [ كيف تقضي إذا عرض لك قضاء قال أقضي بكتاب الله قال فإن لم تجد في كتاب الله قال فبسنة رسول الله ضصض قال فإن لم تجد في سنة رسول الله ضصض ولا في كتاب الله قال اجتهد رأيي ولا آلو قال فضرب رسول الله ضصض صدره وقال الحمد الله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله ] والكلام في إسناد هذا الحديث يطول وقد قيل إنه مما تلقى بالقبول وأجيب عنه بأن اجتهاد الرأي هو عبارة عن استفراغ الجهد في الطلب للحكم من النصوص الخفية ورد بأنه إنما قال أجتهد رأيي بعد عدم وجوده لذلك الحكم في الكتاب والسنة وما دلت عليه النصوص الخفية لا يجوز أن يقال أنه غير موجود في الكتاب والسنة وأجيب عن هذا الرد بأن القياس عند القائلين به مفهوم من الكتاب والسنة فلا بد من حمل الاجتهاد في الرأي على ما عدا القياس فلا يكون الحديث حجة لإثبات واجتهاد الرأي كما يكون باستخراج الدليل من الكتاب والسنة ويكون بالتمسك بالبراءة الأصلية أو بأصالة الإباحة في الأشياء أو في الخطر على اختلاف الأقوال في ذلك أو التمسك بالمصالح أو التمسك بالاحتياط وعلى تسليم دخول القياس في اجتهاد الرأي فليس المراد كل قياس بل المراد القياسات التي يسوغ العمل بها والرجوع إليها كالقياس الذي علته منصوصة والقياس الذي قطع فيه بنفي الفارق في الدليل الذي يدل على الأخذ بتلك القياسات المبنية على تلك المسالك التي ليس فيها إلا مجرد الخيالات المختلفة والشبه الباطلة وأيضا فعلى التسليم لا دلالة للحديث إلا على العمل بالقياس في أيام النبوة لأن الشريعة إذ ذاك لم تكمل فيمكن عدم وجدان الدليل في الكتاب والسنة وأما بعد النبوة فقد كمل الشرع لقوله : { اليوم أكملت لكم دينكم } ولا معنى للإكمال إلا وفاء النصوص بما يحتاج إليه أهل الشرع إما بالنص على كل فرد أو باندراج ما يحتاج إليه تحت العمومات الشاملة ومما يؤيد ذلك قوله تعالى : { ما فرطنا في الكتاب من شيء } وقوله { ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } \r\n واستدلوا أيضا بما ثبت عن النبي ضصض من القياسات كقوله [ أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزئ عنه ؟ قالت نعم قال فدين الله أحق أن يقضي ] وقوله لرجل سأله [ فقال أيقضي أحدنا شهوته ويؤجر عليها فقال أرأيت لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر قال نعم قال فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر وقال لمن أنكر ولده الذي جاءت به امرأته أسود هل لك من أبل قال نعم قال فما ألوانها قال حمر قال فهل فيها من أورق قال نعم قال فمن اين قال لعله نزعه عرق قال وهذا لعله نزعه عرق وقال لعمر وقد قبل امرأته وهو صائم أرأيت لو تمضمضت بماء وقال يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ] وهذه الأحاديث ثابتة في دواوين الإسلام وقد وقع منه ضصض قياسات كثيرة حتى صنف الناصح الحنبلي جزءا في أقيسته ضصض ويجاب عن ذلك بأن هذه الأقيسة صادرة عن الشارع المعصوم الذي يقول الله سبحانه فيما جاءنا به عنه { إن هو إلا وحي يوحى } ويقول في وجوب اتباعه { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } وذلك خارج عن محل النزاع فإن القياس الذي كلامنا فيه هو قياس من لم يثبت له العصمة ولا وجب اتباعه ولا كان كلامه وحيا بل من جهة نفسه الأمارة وبعقله المغلوب بالخطأ وقد قدمنا أنه قد وقع الاتفاق على قيام الحجة بالقياسات الصادرة عنه ضصض \r\n واستدلوا أيضا بإجماع الصحابة على القياس قال ابن عقيل الحنبلي وقد بلغ التواتر المعنوي عن الصحابة باستعماله وهو قطعي وقال الصفي الهندي دليل الإجماع هو المعول عليه لجماهير المحققين من الأصوليين وقال الرازي في المحصول مسلك الإجماع هو الذي عول جمهور الأصوليين وقال ابن دقيق العيد عندي أن المعتمد اشتهار العمل بالقياس في أقطار الأرض شرقا وغربا قرنا بعد قرن عند جمهور الأمة إلا عند شذوذ متأخرين قال وهذا أقوى الأدلة ويجاب عنه بمنع ثبوت هذا الإجماع فإن المحتجين بذلك إنما جاؤونا بروايات عن أفراد من الصحابة محصورين في غاية القلة فكيف يكون ذلك إجماعا لجميعهم مع تفرقهم في الأقطار واختلافهم في كثير من المسائل ورد بعضهم على بعض وإنكار بعضهم لما قاله البعض كما ذلك معروف وبيانه أنهم اختلفوا في الجد مع الاخوة على أقوال معروفة وإنكار بعضهم على بعض وكذلك اختلفوا في مسألة زوج وأم وإخوة لأم وإخوة لأب وأم وأنكر بعضهم على بعض وكذلك اختلفوا في مسألة الخلع وهكذا وقع الانكار من جماعة من الصحابة على من عمل بالرأي منهم والقياس إن كان منه فظاهر وإن لم يكن منه فقد أنكره كما في هذه المسائل التي ذكرناها ولو سلمنا لكان ذلك الإجماع إنما هو على القياسات التي وقع النص على علتها والتي قطع فيها بنفي الفارق فما الدليل على أنهم قالوا بجميع أنواع القياس الذي اعتبره كثير من الأصوليين أثبتوه بمسالك تنقطع فيها أعناق الإبل وتسافر فيها الأذهان حتى تبلغ إلى ما ليس بشيء وتتغلغل فيها العقول حتى تأتي بما ليس من الشرع في ورد ولا صدر ولا من الشريعة السمحة السهلة في قبيل ولا دبير وقد صح عنه ضصض أنه قال : [ تركتكم على الواضحة ليلها كنهارها ] وجاءت نصوص الكتاب العزيز بما قدمنا من إكمال الدين وبما يفيد هذا المعنى ويصحح دلالته ويؤيد براهينه وإذا عرفت ما حررناه وتقرر لديك جميع ما قررناه فاعلم أن القياس المأخوذ به هو ما وقع النص على علته وما قطع فيه بنفي الفارق وما كان من باب فحوى الخطاب أو لحن الخطاب على إصطلاح من يسمى ذلك قياسا وقد قدمنا أنه من مفهوم الموافقة \r\n ثم اعلم أن نفاة القياس لم يقولوا بإهدار كل ما يسمى قياسا وإن كان منصوصا على علته أو مقطوعا فيه بنفي الفارق بل جعلوا هذا النوع من القياس مدلولا عليه بدليل الأصل مشمولا به مندرجا تحته وبهذا يهون عليك الخطب ويصغر عندك ما استعظموه ويقرب لديك ما بعدوه لأن الخلاف في هذا النوع الخاص صار لفظيا وهو من حيث المعنى متفق على الأخذ به والعمل عليه واختلاف طريقة العمل لا يستلزم الاختلاف المعنوي لا عقلا ولا شرعا ولا عرفا وقد قدمنا لك أن ما جاءوا به من الأدلة العقلية لا تقوم الحجة بشيء منها ولا تستحق تطويل ذيول البحث بذكرها وبيان ذلك أن أنهض ما قالوه في ذلك أن النصوص لا تفي بالأحكام فإنها متناهية والحوادث غير متناهية ويجاب عن هذا بما قدمنا من أخباره عز و جل لهذه الأمة بأنه قد أكمل لها دينها وبما اخبرها رسوله ضصض من أنه قد تركها على الواضحة التي ليلها كنهارها \r\n ثم لا يخفى على ذي لب صحيح وفهم صالح أن في عمومات الكتاب والسنة ومطلقاتهما وخصوص نصوصهما ما يفي بكل حادثة تحدث ويقوم بيان كل نازلة تنزل عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله ","part":1,"page":296},{"id":153,"text":" الفصل الثالث في أركان القياس \r\n وهي أربعة : الأصل والفرع والعلة والحكم ولا بد من هذه الأربعة الأركان في كل قياس ومنهم من ترك التصريح بالحكم وذهب الجمهور إلى أنه لا يصح القياس إلا بعد التصريح به قال ابن السمعاني ذهب بعضهم إلى جواز القياس بغير أصل قال وهو من خلط الاجتهاد بالقياس والصحيح أنه لا بد من أصل لفروع لا تتفرع إلا عن أصول انتهى \r\n والأصل يطلق على أمور : منها ما يقتضي العلم بغيره ومنها ما لا يصح العلم بالمعنى إلا به ومنها الذي يعتبر به ما سواه ومنها الذي يقع القياس عليه وهو المراد هنا وقد وقع الخلاف فيه فقيل هو النص الدال على ثبوت الحكم في محل الوفاق وبه قال القاضي أبو بكر والمعتزلة وقال الفقهاء هو محل الحكم المشبه به قال ابن السمعاني وهذا هو الصحيح قال الفخر الرازي الأصل هو الحكم الثابت في محل الوفاق باعتبار تفرع العلة عليه وقال جماعة منهم ابن برهان إن هذا النزاع لفظي يرجع إلى الاصطلاح فلا مشاحة فيه أو إلى اللغة فهي تجوز إطلاقه على ما ذكر وقيل بل يرجع إلى تحقيق المراد بالأصل وهو يطلق تارة على الغالب وتارة على الوضع اللغوي كقولهم الأصل عدم الاشتراك وتارة على إرادة التعبد الذي لا يعقل معناه كقولهم خروج النجاسة من محل وإيجاب الطهارة في محل آخر على خلاف الأصل قال الآمدي يطلق الأصل على ما يتفرع عليه غيره وعلى ما يعرف بنفسه ولم يبين عليه غيره كقولنا تحريم الربا في النقدين أصل وهذا منشأ الخلاف في أن الأصل تحريم النبيذ أو النص أو الحكم قال واتفقوا على ان العلة ليست أصلا انتهى \r\n وعلى الجملة إن الفقهاء يسمون محل الوفاق أصلا ومحل الخلاف فرعا ولا مشاحة في الاصطلاحات ولا يتعلق بتطويل البحث في هذا كثير فائدة فالأصل هو المشبه به ولا يكون ذلك إلا لمحل الحكم لا لنفس الحكم ولا لدليله والفرع هو المشبه لا لحكمه والعلة هي الوصف الجامع بين الأصل والفرع والحكم هو ثمرة القياس والمراد به ما ثبت للفرع بعد ثبوته لأصله ولا يكون القياس صحيحا إلا بشروط إثني عشر لا بد من اعتبارها في الأصل \r\n الأول : أن يكون الحكم الذي أريد تعديته إلى الفرع ثابتا في الأصل فإنه لو لم يكن ثابتا فيه بأن لم يشرع فيه حكم ابتداء أو شرع ونسخ لم يمكن بناء الفرع عليه \r\n الثاني : ان يكون الحكم في الأصل شرعيا فلو كان عقليا أو لغويا لم يصح القياس عليه لأن بحثنا إنما هو في القياس الشرعي واختلفوا هل يثبت القياس على النفس الأصلي وهو ما كان قبل الشرع فمن قال إن نفي الحكم الشرعي جوز القياس عليه ومن قال إنه ليس بحكم شرعي لم يجوز القياس عليه \r\n الثالث : أن يكون الطريق إلى معرفته سمعية لأن ما لم تكن طريقة سمعية لا يكون حكما شرعيا وهذا من ينفي التحسين والتقبيح العقليين لا عند من يثبتهما \r\n الرابع : أن يكون الحكم ثابتا بالنص وهو الكتاب أو السنة وهل يجوز القياس على الحكم الثابت بمفهوم الموافقة أو المخالفة قال الزركشي لم يتعرضوا له ويتجه أن يقال أن قلنا أن حكمهما النطق فواضح وأن قلنا كالقياس فيلتحقان به انتهى والظاهر أنه يجوز القياس عليهما عند من أثبتهما لأنه يثبت بهما الأحكام الشرعية كما يثبتهما بالمنطوق وأما ما ثبت بالإجماع ففيه وجهان وقال الشيخ أبو اسحاق الشيرازي وابن السمعاني اصحهما الجواز وحكاه ابن برهان عن جمهور أصحاب الشافعي والثاني عدم الجواز ما لم يعرف النص الذي أجمعوا لأجله قال ابن السمعاني وهذا ليس بصحيح لأن الاجماع أصل في إثبات الأحكام كالنص فإذا جاز القياس على الثابت بالنص جاز علىالثابت بالإجماع \r\n الخامس : أن لا يكون اصل المقيس عليه فرعا لأصل آخر وإليه ذهب الجمهور وخالف في ذلك بعض الحنابلة والمعتزلة فأجازوه واحتج الجمهور على المنع بأن العلة الجامعة بين القياسين إن اتحدت كان ذكر الأصل الثاني تطويلا بلا فائده فيستغني عنه بقياس الفرع الثاني على الأصل الأول وإن لم ينعقد القياس الثاني بعدم اشتراك الأصل والفرع في علة الحكم وقسم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي هذه المسألة إلى قسمين : أحدهما أن يستنبط من الثابت بالقياس نفس المعنى الذي ثبت به ويقاس عليه غيره قال وهذا لا خلاف في جوازه والثاني أن يستنبط منه معنى غير المعنى الذي قيس به على غيره ويقاس غيره عليه قال وهذا فيه وجهان : أحدهما وبه قال أبو عبد الله البصري الجواز الثاني وبه قال الكرخي المنع وهو الذي يصح الآن لأنه يؤدي إلى اثبات حكم في الفرع بغير علة الأصل وذلك لا يجوز وكذا صححه في القواطع ولم يذكر الغزالي غيره \r\n السادس : أن لا يكون دليل حكم الأصل شاملا له خرج عن كونه فرعا وكان القياس ضائعا لخلوه عن الفائدة بالاستغناء عنه بدليل الأصل ولأنه ليكون جعل أحدهما أصلا والآخر فرعا أولى من العكس \r\n السابع : أن يكون الحكم في الأصل متفقا عليه لأنه لو كان مختلفا فيه احتيج إلى إثباته أولا وجوز جماعة القياس على الأصل المختلف فيه لأن القياس في نفسه لا يشترط الإتفاق عليه في جواز التمسك به فسقوط ذلك في ركن من أركانه أولى واختلفوا في كيفية الإتفاق على الأصل فشرط بعضهم أن يتفق الخصمان فقط لينضبط فائدة المناظرة وشرط آخرون أن يتفق عليه الأمة قال الزركشي والصحيح الأول واختار في المنتهى أن المعترض إن كان مقلدا لم يشترط الإجماع إذ ليس له منع ما ثبت مذهبا له وإن كان مجتهدا اشترط الإجماع لأنه ليس مقتديا بإمام فإذا لم يكن الحكم مجمعا عليه ولا منصوصا عليه جاز أن يمنعه \r\n الثامن : أن لا يكون حكم الأصل ذا قياس مركب وذلك إذا اتفقا على إثبات الحكم في الأصل ولكنه معلل عند أحدهما بعلة أخرى يصلح كل منهما أن يكون علة وهذا يقال له مركب الأصل لاختلافهم في نفس الوصف أو لكن منع أحدهما وجودها في الفرع وهذا يقال له مركب الوصف لاختلافهم في نفس الوصف هل له وجود في الأصل أم لا وكلام الصفي الهندي يقتضي تخصيص القياس المركب بالأول وخالفه الآمدي وابن الحاجب وغيرهما فجعلوه متناولا للقسمين وقد اختلف في اعتبار هذا الشرط والجمهور على اعتبار وخالفهم جماعة فلم يعتبروه وقد طول الأصوليون الكلام على هذا الشرط بما لا طائل تحته \r\n التاسع : أن لا نكون متعبدين في ذلك الحكم بالقطع فان تعبدنا فيه بالقطع لم يجز فيه القياس لأنه لا يفيد إلا الظن وقد ضعف ابن النباري القول بالمنع وقال بل مع تعبدنا فيه بالعلم جاز أن يثبت بالقياس الذي يفيده وقد قسم المحققون القياس إلى ما يفيد العلم وإلى ما لا يفيده وقال ابن دقيق العيد في شرح العنوان لعل هذا الشرط مبني على أن دليل الأصل وإن كان قطعيا وعلمنا العلة ووجودها في الفرع قطعا فنفس الإلحاق وإثبات مثل حكم الأصل للفرع ليس بقطعي وقد تقدم ابن دقيق العيد إلى مثل هذا الفخر الرازي \r\n العاشر : أن لا يكون معدولا به عن قاعدة القياس كشهادة خزيمة وعدد الركعات ومقادير الحدود وما يشابه ذلك لأن إثبات للحكم مع منافيه وهذا هو معنى قول الفقهاء الخارج عن القياس عليه وممن ذكر هذا الشرط الفخر الرازي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم وأطلق ابن برهان أن مذهب أصحاب الشافعي جواز القياس على ما عدل به عن سنن القياس وأما الحنفية وغيرهم فمنعوه وكذلك منع منه الكرخي بإحدى خلال : إحداها أن يكون ما ورد على خلاف الأصول قد نص على علته ثانيها أن تكون الأمة مجمعة على تعليل ما ورد به الخبر وإن اختلفوا في علته ثالثهما أن يكون الحكم الذي ورد به الخبر موافقا للقياس على بعض الأصول وإن كان مخالفا للقياس على أصل آخر \r\n الحادي عشر : أن لا يكون حكم الأصل مغلظا على خلاف في ذلك \r\n الثاني عشر : أن لا يكون الحكم في الفرع ثابتا قبل الأصل لأن الحكم المستفاد متأخر عن المستفاد منه بالضرورة فلو لزم اجتماع النقيضين أو الضدين وهو محال هذا حاصل ما ذكروه من الشروط المعتبرة في الأصل وقد ذكر بعض أهل الأصول شروطا والحق عدم اعتبارها فمنها أن يكون الأصل قد انعقد الإجماع على أن حكمه معلل ذكر ذلك بشر المريسي والشريف المرتضي ومنها أن يشرط في الأصل أن لا يكون غير محصور بالعدد قال ذلك جماعة وخالفهم الجمهور ومنها الاتفاق على وجود العلة في الأصل قاله البعض وخالفهم الجمهور \r\n واعلم أن العلة ركن من أركان القياس كما تقدم فلا يصح بدونها لأنها الجامعة بين الأصل والفرع قال ابن فورك من الناس من اقتصر على الشبه ومنع القول بالعلة وقال ابن السمعاني ذهب بعض القياسيين من الحنفية وغيرهم إلى صحة القياس من غير علة إذ لاح بعض الشبه والحق ما ذهب إليه الجمهور من أنها لا بد منها في كل قياس \r\n وهي في اللغة إسم لما يتغير الشيء بحصوله أخذا من العلة التي هي المرض لأن تأثيرها في الحكم كتأثير العلة في ذات المريض يقال أعتل فلان إذا حال عن الصحة إلى السقم وقيل إنها مأخوذة من العلل بعد النهل وهو معاودة الشرب مرة بعد مرة لأن المجتهد في استخراجها يعاود النظر مرة بعد مرة وأما في الإصطلاح فاختلفوا فيها على أقوال : \r\n الأول : أنها المعرفة للحكم بأن جعلت علما على الحكم إن وجد المعنى وجد الحكم قاله الصيرفي وأبو زيد من الحنفية وحكاه سليم الرازي في التقريب عن بعض الفقهاء واختاره صاحب المحصول المنهاج \r\n الثاني : أنها الموجبة للحكم بذاتها لا يجعل الله وهو قول المعتزلة بناء على قاعدتهم في التحسين والتقبيح العقليين والعلة وصف ذاتي لا يتوقف على جعل جاعل \r\n الثالث : أنها الموجبة للحكم على معنى أن الشارع جعلها موجبة بذاتها وبه قال الغزالي وسليم الرازي قال الصفي الهندي وهو قريب لا بأس به \r\n الرابع : أنها الموجبة بالعادة واختاره الفخر الرازي \r\n الخامس : أنها الباعث على التشريع بمعنى أنه لا بد أن يكون الوصف مشتملا على مصلحة صالحة لأن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم \r\n السادس : أنها التي يعلم الله صلاح المتعبدين بالحكم لأجلها وهو اختيار الرازي وابن الحاجب \r\n السابع : أنها المعنى الذي كان الحكم على ما كان عليه لأجلها وللعلة أسماء تختلف باختلاف الإصطلاحات فيقال لها السبب والأمارة والداعي والمستدعي والباعث والحامل والمناط والدليل والمقتضي والموجب والمؤثر وقد ذهب المحققون إلى أنه لا بد من دليل على العلة ومنهم من قال إنها تحتاج إلى دليلين يعلم بأحدهما أنها علة وبالآخر أنها صحيحة وقال ابن فورك من أصحابنا من قال يعلم صحة العلة بوجود الحكم بوجودها وارتفاعه بارتفاعها ولها شروط أربعة وعشرون : \r\n الأول : أن تكون مؤثرة في الحكم فإن لم تؤثر فيه لم يجز أن تكون علة هكذا قال جماعة من أهل الأصول ومرادهم بالتأثير المناسبة قال القاضي في التقريب معنى كون العلة مؤثرة في الحكم هو أن يغلب على ظن المجتهد أن الحكم حاصل عند ثبوتها لأجلها دون شيء سواها وقيل معناه أنها جالبة للحكم ومقتضية له \r\n الثاني : أن تكون وصفا ضابطا بأن يكون تأثيرها لحكمة مقصودة للشارع لا حكمة مجردة لخفائها فلا يظهر إلحاق غيرها بها وهل يجوز كونها نفس الحكم وهي الحاجة إلى جلب مصلحة أو دفع مفسدة قال الرازي في المحصول يجوز وقال غيره يمتنع وقال آخرون إن كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها جاز التعليل بها واختاره الآمدي والصفي الهندي واتفقوا على جواز التعليل بالوصف المشتمل عليها أي مظنتها بدلا عنها ما لم يعارضه قياس \r\n الثالث : أن تكون ظاهرة جلية والألم يمكن إثبات الحكم بها في الفرع على تقدير أن تكون أخفى منه أو مساويا له في الخفاء كذا ذكره الآمدي في جدله \r\n الرابع : أن تكون سالمة بحيث لا يردها نص ولا إجماع \r\n الخامس : أن لا يعارضها من العلل ما هو أقوى منها ووجه ذلك أن الأقوى أحق بالحكم كما أن النص أحق بالحكم من القياس \r\n السادس : أن تكون مطرودة أي كلما وجدت وجد الحكم لتسلم من النقض والكسر فإن عارضها نقض أو كسر بطلت \r\n السابع : أن لا تكون عدما في الحكم الثبوتي أي لا يعلل الحكم الوجود بالوصف العدمي قاله جماعة وذهب الأكثرون إلى جوازه قال المانعون لو كان العدم علة للحكم الثبوتي لكان مناسبا أو مظنة واللازم باطل وأجيب بمنع بطلان اللازم \r\n الثامن : أن لا تكون العلة المعتدية هي المحل أو جزء منه لأن ذلك يمنع من تعديتها \r\n التاسع : أن ينتفي الحكم بانتفاء العلة والمراد انتفاء العلم أو الظن به إذ لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول \r\n العاشر : أن تكون أوصافها مسلمة أو مدلولا عليها كذا قال الأستاذ أبو منصور \r\n الحادي عشر : أن يكون الأصل المقيس عليه معللا بالعلة التي يعلق عليها الحكم في الفرع بنص أو إجماع \r\n الثاني عشر : أن لا تكون موجبة للفرع حكما وللأصل حكما آخر غيره \r\n الثالث عشر : أن لا توجب ضدين لأنها حينئذ تكون شاهدة الحكمين متضادين قاله الأستاذ أبو منصور \r\n الرابع عشر : أن لا يتأخر ثبوتها عن ثبوت حكم الأصل خلافا لقوم \r\n الخامس عشر : أن يكون الوصف معينا لأن رد الفرع إليها لا يصح إلا بهذه الواسطة \r\n السادس عشر : أن يكون طريق إثباتها شرعيا كالحكم ذكره الآمدي في جدله \r\n السابع عشر : أن لا يكون وصفا مقدرا قال الهندي ذهب الأكثرون إلى أنه لا يجوز التعليل بالصفات المقدرة خلافا للأقلين من المتأخرين \r\n الثامن عشر : إن كانت مستنبطة فالشرط أن ترجع على الأصل بإبطاله أو أبطال بعضه لئلا يفضي إلى ترك الراجح إلى المرجوح إذ الظن المستفاد من النص أقوى من الظن المستفاد من الاستنباط لأنه فرع له والفرع لا يرجع على إبطال أصله وإلا لزم أن يرجع إلى نفسه بالابطال \r\n التاسع عشر : إن كانت مستنبطة فلا شرط أن لا تعارض بمعارض مناف موجود في الأصل \r\n العشرون : إن كانت مستنبطة فالشرط أن لا تتضمن زيادة على النص أي حكما غير ما أثبته النص \r\n الحادي والعشرون : أن لا تكون معارضة لعلة أخرى تقتضي نقيض حكمها \r\n الثاني والعشرون : إذا كان الأصل فيه شرط فلا يجوز أن تكون العلة موجبة لإزالة ذلك الشرط \r\n الثالث والعشرون : إن لا يكون الدليل الدال عليها متناولا لحكم الفرع لا بعمومة ولا بخصوصه للاستغناء حينئذ عن القياس \r\n الرابع والعشرون : أن لا تكون مؤيدة لقياس أصل منصوص عليه بالاثبات على أصل منصوص عليه بالنفي فهذه شروط العلة وقد ذكرت لها شروط غير معتبرة على الأصح منها ما شرطه فيها الحنيفة وأبو عبد الله البصري وهو تعدي العلة من الأصل إلى غيره فلو وقفت على حكم النص لم تؤثر في غيره وهذا يرجع إلى التعليل بالعلة القاصرة وقد وقع الاتفاق على أنها إذا كانت منصوصة أو مجمعا عليها صح التعليل بها حكى ذلك القاضي أبو بكر وابن برهان والصفي الهندي وخالفهم القاضي عبد الوهاب فنقل عن قوم أنه لا يصح التعليل بها على الإطلاق سواء كانت منصوصة أو مستنبطة قال وهذا قول اكثر أهل العراق انتهى وأما إذ كانت العلة القاصرة مستنبطة فهي محل الخلاف فقال أبو بكر القفال بالمنع وبمثله قال ابن السمعاني ونقله إمام الحرمين عن الحليمي وقال القاضي أبو بكر وجمهور أصحاب الشافعي بالجواز قال القاضي عبد الوهاب : هو قول جميع أصحابنا وأصحاب الشافعي وحكاه الآمدي عن أحمد قال ابن برهان في الوجيز كان الأستاذ أبو أسحاق من الغلاة في تصحيح العلة القاصرة ويقول هي أولى من المتعدية واحتج بأن وقوفها يقتضي نفي الحكم عن الأصل في النفي كما كان تعديها مؤثرا في الاثبات وهذا احتجاج فاسد واستدلال باطل ومنها أن يكون وصفها حكما شرعيا عند قوم لأنه معلول فكيف يكون علة والمختار جواز تعليل الحكم الشرعي بالوصف الشرعي ومنها أن تكون مستنبطة من اصل مقطوع بحكمه عند قوم والمختار عدم اعتبار ذلك بل يكتفي بالظن ومنها القطع بوجود العلة في الفرع عند قوم منهم البزدوي والمختار الاكتفاء بالظن ومنها أن لا تكون مخالفة لمذهب صحابي وذلك عند من يقول بحجية قول الصحابي لا عند الجمهور \r\n وقد اختلفوا في جواز تعدد العلل مع اتحاد الحكم فإن كان الاتحاد بالنوع مع الاختلاف بالشخص كتعليل إباحة قتل زيد بردته وقتل عمرو بالقصاص وقتل خالد بالزنا مع الاحصان فقد اتفقوا على الجواز وممن نقل الاتفاق على ذلك الأستاذ أبو منصور البغدادي والآمدي والصفي الهندي وأما إذا كان الاتحاد بالشخص فقيل لا خلاف في امتناعه بعلل عقلية وحكى القاضي الخلاف في ذلك فقال ثم اختلفوا إذا وجب الحكم العقلي بعلتين فقيل لا يرتفع إلا بارتفاعهما جميعا وقيل يرتفع بارتفاع إحدهما وأما تعدد العلل الشرعية مع الاتحاد في الشخص كتعليل قتل زيد بكونه من يجب عليه فيه القصاص وزنى مع الاحصان فإن كل واحد منهما يوجب القتل بمجرد فهل يصح تعليل إباحة دمه بهما معا أم لا ؟ اختلفوا في ذلك على مذاهب : \r\n الأول : المنع مطلقا منصوصة كانت أو مستنبطة حكاه القاضي عبد الوهاب عن متقدمي أصحابهم وجزم به الصيرفي واختاره الآمدي ونقله القاضي وإمام الحرمين \r\n الثاني : الجواز مطلقا وإليه ذهب الجمهور كما حكاه القاضي في التقريب قال وبهذا نقول لأن العلل علامات وإمارات على الأحكام لا موجبة لها فلا يستحيل ذلك قال ابن برهان في الوجيز أنه الذي استقر عليه رأي إمام الحرمين \r\n الثالث : الجواز في المنصوصة دون المستنبطة وإليه ذهب أبو بكر بن فورك والفخر الرازي وأتباعه وذكر إمام الحرمين أن القاضي يميل إليه وكلام إمام الحرمين هذا هو الذي اعتمده ابن الحاجب في نقل هذا المذهب عن القاضي كما صرح به مختصر المنتهى ولكن النقل عن القاضي مختلف كما عرفته \r\n الرابع : الجواز في المستنبطة دون المنصوصة حكاه ابن الحاجب في مختصر المنتهى و ابن المنير في شرحه للبرهان وهو قول غريب والحق ما ذهب إليه الجمهور من الجواز وكما ذهبوا إلى الجواز فقد ذهبوا أيضا إلى الوقوع ولم يمنع ذلك عقل ولا شرع \r\n وأما ما يشترط في الفرع فأمور أربعة : أحدها مساواة علته لعلة الأصل والثاني مساواة حكمه لحكم الأصل والثالث أن لا يكون منصوصا عليه والرابع أن لا يكون متقدما على حكم الأصل ","part":1,"page":304},{"id":154,"text":" الفصل الرابع في الكلام على مسالك العلة وهي طرقها الدالة عليها \r\n ولما كان لا يكتفي في القياس بمجرد وجود الجامع في الأصل والفرع بل لا بد في اعتباره من دليل يدل عليه وكانت الأدلة إما النص أو الإجماع أو الاستنباط احتاجوا إلى بيان مسالك العلة وقد أضاف القاضي عبد الوهاب إلى الأدلة الثلاثة دليلا رابعا وهو العقل ولم يعتبره الجمهور بل جعلوا طريق إثبات العلة هو السمع فقط \r\n وقد اختلفوا في عدد هذه المسالك فقال الرازي في المحصول هي عشرة : النص والإيماء والإجماع والمناسبة والدوران والسير والتقسيم والشبه والطرد وتنقيح المناط قال وأمور أخر اعتبرها قوم وهي عندنا ضعيفة انتهى \r\n واختلف أهل الأصول في تقديم مسلك الإجماع على مسلك النص أو مسلك النص على مسلك الإجماع فمن قدم الإجماع نظر إلى كونه أرجح من ظواهر النصوص لأنه لا يتطرق إليه احتمال النسخ ومن قدم النص نظر إلى كونه أشرف من غيره وكونه مستند الإجماع وهذا مجرد اصطلاح في التأليف فلا مشاحة فيه \r\n وسنذكر من المسالك هاهنا أحد عشر مسلكا ","part":1,"page":312},{"id":155,"text":" المسلك الأول : الإجماع \r\n وهو نوعان : إجماع على علة معينة كتعليل ولاية المال بالصغر وإجماع على أصل التعليل وإن اختلفوا في عين العلة كإجماع السلف على أن الربا في الأصناف الأربعة معلل وإن اختلفوا في العلة ماذا هي وقد ذهب إلى كون الإجماع من مسالك العلة جمهور الأصوليين كما حكاه القاضي في التقريب ثم قال وهذا لا يصح عندنا فإن القياسيين ليسوا كل الأمة ولا تقوم الحجة بقولهم وهذا الذي قاله صحيح فإن المخالفين في القياس كلا أو بعضا هم بعض الأمة فلا تتم دعوى الإجماع بدونهم وقد تكلف إمام الحرمين الجويني في البرهان لدفع هذا فقال إن منكري القياس ليسوا من علماء الأمة ولا من حملة الشريعة فإن معظم الشريعة صدرت عن الاجتهاد والنصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة انتهى وهذا كلام يقضي من قائله العجب فإن كون منكري القياس ليسوا من علماء الأمة من أبطل الباطلات وأقبح التعصبات ثم دعوى أن نصوص الشريعة لا تفي بعشر معشارها لا تصدر إلا عمن لم يعرف نصوص الشريعة حق معرفتها وحكى ابن السمعاني عن بعض أصحاب الشافعي أنه لا يجوز القياس على الحكم المجمع عليه ما لم يعرف النص الذي أجمعوا عليه انتهى وهذا يعود عند التحقيق إلى نفي كون الإجماع من مسالك العلة ثم القائلون بأن الإجماع من مسالك العلة لا يشترطون فيه أن يكون قطعيا بل يكتفون فيه بالإجماع الظني فزادوا هذا المسلك ضعفا إلى ضعفه ","part":1,"page":313},{"id":156,"text":" المسلك الثاني : النص على العلة \r\n قال في المحصول : ونعني بالنص ما يكون دلالته على العلة ظاهرة سواء كانت قاطعة أو محتملة أما القاطع فما يكون صريحا وهو قولنا لعلة كذا أو لسبب كذا أو لمؤثر كذا أو لموجب كذا أو لأجل كذا كقوله تعالى : { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل } وأما الذي لا يكون قاطعا فثلاثة اللام وإن الباء أما اللام فكقولنا ثبت لكذا كقوله تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } وأما أن فكقوله [ أنها من الطوافين ] وأما الباء فكقوله { ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله } هذا حاصل كلامه قال الإمام الشافعي متى وجدنا في كلام الشارع ما يدل على نصبه أدلة وإعلاما ابتدرنا إليه وهو أولى ما يسلك \r\n واعلم أن التعليل قد يكون مستفادا من حرف من حروفه وهي : كي واللام وإذن ومن والباء والفاء وإن ونحو ذلك وقد يكون مستفادا من إسم من أسمائه وهي : لعلة كذا لموجب كذا بسبب كذا لمأثر كذا لأجل كذا بمقتضى كذا ونحو ذلك وقد يكون مستفادا من فعل من الأفعال الدالة على ذلك كقوله عللت بكذا وشبهت كذا بكذا ونحو ذلك وقد يكون مستفادا من السياق فإنه قد يدل على العلة كما يدل على غيرها \r\n وقد قسموا النص على العلة إلى صريح وظاهر قال الآمدي فالصريح هو الذي لا يحتاج فيه إلى نظر واستدلال بل يكون اللفظ موضوعا في اللغة له قال ابن الأنباري ليس المراد بالصريح المعنى الذي لا يقبل التأويل بل المنطوق بالتعليل فيه على حسب دلالة اللفظ الظاهر على المعنى انتهى \r\n ثم الصريح ينقسم إلى أقسام أعلاها أن يقول لعلة كذا أو لسبب كذا أو نحو ذلك وبعده أن يقول لأجل كذا أو من أجل كذا قال ابن السمعاني وهو دون ما قبله لأن لفظ العلة تعلم به العلة من غير واسطة بخلاف قوله لأجل فإنه يفيد معرفة العلة بواسطة أن العلة ما لأجلها والدال بلا واسطة أقوى وكذا قال الأصفهاني وبعده أن يقول كي يكون كذا فإن الجويني في البرهان جعلها من الصريح وخالفه الرازي وبعده إذا فإن أبا إسحاق الشيرازي والغزالي جعلاه من الصريح وجعله الجويني في البرهان من الظاهر وبعده ذكر المفعول له نحو ضربته تأديبا \r\n وأما الظاهر فينقسم إلى أقسام أعلاها اللام ثم أن المفتوحة المخففة ثم إن المكسورة الساكنة بناء على أن الشروط اللغوية أسباب ثم إن المشددة كقوله ضصض [ إنها من الطوافين عليكم ] قال صاحب التنقيح كذا عدوها من هذا القسم والحق أنها لتحقيق الفعل ولاحظ لها في التعليل والتعليل في الحديث مفهوم من الكلام وقد نقل ابن الأنباري إجماع النحاة على أنها لا ترد للتعليل قال وهي في قوله إنها من الطوافين عليكم للتأكيد لأن علة طهارة سؤرها هي الطواف ولقد قدرنا مجيء قوله من الطوافين بغير أن لأفادة التعليل فلو كانت للتعليل لعدمت العلة بعدمها ولا يمكن أن يكون التقدير لأنها وإلا لوجب فتحها ولا ستفيد التعليل من اللام ثم الباء قال ابن مالك وضابطه أن يصلح غالبا في موضعها اللام كقوله تعالى : { ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله } وقوله سبحانه { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم } وجعل من ذلك الآمدي والصفي الهندي قوله تعالى : { جزاء بما كانوا يعملون } ونسبة بعضهم إلى المعتزلة وقيل هي المقابلة كقولك هذا بذلك لأن المعطي بعوض قد يعطي مجانا ثم الفاء إذا علق بها الحكم على الوصف وذلك نوعان : \r\n أحدهما : أن يدخل على السبب والعلة ويكون الحكم متقدما كقوله ضصض [ لا تخمروا رأسه فإنه يبعث ملبيا ] \r\n الثاني : أن يدخل على الحكم وتكون العلة متقدمة كقوله تعالى : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } { والسارق والسارقة فاقطعوا } لأن التقدير في زنى فاجلدوه ومن سرق فاقطعوه ثم لعل على رأي الكوفيين من النحاة قالوا إنها في كلام الله للتعليل المحض مجردة عن معنى الترجي لاستحالته عليه ثم إذا ذكره ابن مالك نحوه { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف } ثم حتى كما ذكره ابن نحو قوله تعالى : { حتى يعطوا الجزية } { حتى نعلم المجاهدين منكم } { حتى لا تكون فتنة } ولا يخفى ما في عد هذه الثلاثة المتأخرة من جملة دلائل التعليل من الضعف الظاهر وقد عد منها صاحب التنقيح لا جرم نحو { لا جرم أن لهم النار } وعد أيضا جميع أدوات الشروط والجزاء وعد إمام الحرمين منها الواو وفي هذا من الضعف ما لا يخفى على عارف بمعاني اللغة العربية ","part":1,"page":313},{"id":157,"text":" المسلك الثالث : الإيماء والتنبيه \r\n وضابطه الاقتران بوصف لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان بعيدا فيحمل على التعليل دفعا للاستعباد وحاصله أن ذكره يمتنع أن يكون لا لفائدة لأته عبث فيتعين أن يكون لفائدة وهي إما كونه علة أو جزء علة أو شرطا وإلا ظهر كونه علة لأنه الأكثر في تصرفات الشرع وهو أنواع \r\n الأول : تعليق الحكم على العلة بالفاء وهو على وجهين : أحدهما أن تدخل الفاء على العلة ويكون الحكم متقدما كقوله ضصض في المحرم الذي وقصته ناقته فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا ثانيهما أن تدخل الفاء على الحكم وتكون العلة متقدمة وذلك أيضا على وجهين : أحدهما أن تكون الفاء دخلت على كلام الشارع مثل قوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا } { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا } وثانيهما أن تدخل على رواية الراوي كقوله سها رسول الله ضصض فسجد وزنى ماعز فرجم كذا في المحصول وغيره \r\n النوع الثاني : أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا لو لم يكن علة لعري عن الفائدة إما مع سؤال في محله أو سؤال في نظيره فالأول كقول الأعرابي واقعت أهلي في رمضان فقال اعتق رقبة فإنه يدل على أن الوقاع علة للإعتاق والسؤال مقدر في الجواب كأنه قال إذا واقعت فكفر الثاني : كقوله وقد سألته الخثعمية أن أبي أدركته الوفاة وعليه فريضة الحج أفينفعه إن حججت عنه ؟ فقال : أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه ؟ قالت نعم فذكر نظيره وهو دين الآدمي فنبه على كونه علة في النفع وإلا لزم العبث وذهب جماعة من الأصوليين إلى أن شرط فهم التعليل من هذا النوع أن يدل الدليل على أن الحكم وقع جوابا إذ من الممكن أن يكون الحكم استئنافا لا جوابا وذلك كمن تصدى للتدريس فأخبره تلميذه بموت السلطان فأمره عقب الأخبار بقراءة درسه فإنه لا يدل على تعليل القراءة بذلك الخبر بل بالاشتغال بما هو بصدده وترك ما لا يعنيه \r\n النوع الثالث : أن يفرق بين الحكمين الوصف نحو قوله ضصض [ للراجل سهم وللفارس سهمان ] فإن ذلك يفيد أن الموجب للإستحقاق للسهم والسهمين هو الوصف المذكور \r\n النوع الرابع : أن يذكر عقب الكلام أو في سياقه لو لم يعلل به الحكم المذكور لم ينتظم الكلام كقوله تعالى : { وذروا البيع } لأن الآية سيقت لبيان وقت الجمعة وأحكامها فلو لم يعلل النهي عن البيع بكونه مانعا من الصلاة أو شاغلا عن المشي إليها لكان ذكره عبثا لأن البيع لا يمنع منه مطلقا \r\n النوع الخامس : ربط الحكم بإسم مشتق فإن تعليق الحكم به مشعر بالعلية نحو أكرم زيدا العالم فإن ذكر الوصف المشتق مشعر بأن الإكرام لأجل العلم \r\n النوع السادس : ترتب الحكم على الوصف بصيغة الشرط والجزاء كقوله تعالى : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا } أي لأجل تقواه { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } أي لأجل توكله لأن الجزاء يتعقب الشرط \r\n النوع السابع : تعليل عدم الحكم بوجود المانع منه كقوله تعالى : { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن } { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض } { ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته } \r\n النوع الثامن : إنكاره سبحانه على من زعم أنه لم يخلق الخلق لفائدة ولا لحكمة بقوله { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } وقوله { أيحسب الإنسان أن يترك سدى } وقوله { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } \r\n النوع التاسع : إنكاره سبحانه أن يسوي بين المختلفين ويفرق بين المتماثلين فالأول كقوله { أفنجعل المسلمين كالمجرمين } والثاني كقوله { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } وقد أختلف في اشتراط مناسبة الوصف المومى إليه للحكم في الأنواع السابقة فاشترط إمام الحرمين الجويني والغزالي وذهب الأكثرون إلى عدم اشتراطه وذهب قوم إلى التفصيل فقالوا إن كان التعليل من المناسبة كما في قوله لا يقض القاضي وهو غضبان اشترط وأما فلا يشترط واختاره ابن الحاجب وحكى الهندي تفصيلا وهو اشتراطه في ترتيب الحكم على الإسم دون غيره وحكى ابن المنير تفصيلا وهو اشتراطه في ترتيب الحكم بفعل النبي ضصض تفصيلا آخر وهو إن كان الإسم المشتق يتناول معهودا معينا فلا يتعين للتعليل ولو كان مناسبا بل يحتمل أن يكون تعريفا وأما إذا علق بعام أو منكر فهو تعليل ","part":1,"page":315},{"id":158,"text":" المسلك الرابع : الإستدلال على علية الحكم بفعل النبي ضصض كذا قال القاضي في التقريب \r\n وصورته بفعل النبي ضصض فعلا بعد وقوع شيء فيعلم أن ذلك الفعل إنما كان لأجل ذلك الشيء الذي وقع كأن يسجد ضصض للسهو فيعلم أن ذلك السجود إنما كان لسهو قد وقع منه وقد يكون ذلك الفعل من غيره بأمره كرجم ماعز وهكذا الترك له حكم الفعل كتركه ضصض للطيب والصيد وما يجتبيه المحرم فإن المعلوم من شاهد الحال أن ذلك لأجل الإحرام ","part":1,"page":317},{"id":159,"text":" المسلك الخامس : السبر والتقسيم \r\n وهو في اللغة الاختبار ومنه الميل الذي يختبر به الجرح فإنه يقال له المسبار وسمي هذا به لأن المناظر يقسم الصفات ويختبر كل واحدة منها هل تصلح للعلية أم لا وفي الإصطلاح هو قسمان : أحدهما أن يدور بين النفي والإثبات وهذا هو المنحصر والثاني أن يكون كذلك وهذا المنتشر فالأول أن تحصر الأوصاف التي يمكن التعليل بها للمقيس عليه ثم اختبارها في المقيس وإبطال ما لايصلح منها بدليله وذلك الابطال إما بكونه ملغى أو وصفا طرديا أو يكون فيه نقض أو كسر أو خفاء أو إضطراب فيتعين الباقي للعلية وقد يكون في القطعيات كقولنا العالم إما أن يكون قديما أو حادثا بطل أن يكون قديما فثبت أنه حادث قد يكون في الظنيات نحو أن تقول في قياس الذرة على البر في الربوبية بحثت عن أوصاف البر فما وجدت ثم ما يصلح للربوية في بادئ الرأي إلا الطعم والقوت لا يصلح لذلك بدليل كذا فتعين الكيل قال الصفي الهندي وحصول هذا القسم في الشرعيات عسر جدا ويشترط في صحة هذا المسلك أن يكون الحكم في الأصل معللا بمناسب خلافا للغزالي وأن يقع الاتفاق على أن العلة لا تركيب فيها كما في مسألة الربا فأما لو لم يقع الاتفاق لم يكن هذا المسلك صحيحا لأن إذا بطل كونه علة مستقلة جاز أن يكون جزءا من أجزائها وإذا انضم إلى غيره صار علة مستقلة فلا بد من إبطال كونه علة أو جزء علة ويشترط أيضا أن يكون حاصرا جميع الأوصاف وذلك بأن يرافقه الخصم على انحصارها في ذلك أو يعجز عن إظهار وصف زائد وإلا فيكفي المستدل أن يقول بحثت عن الأوصاف فلم أجد سوى ما ذكرته والأصل عدم ما سواها وهذا إذا كان أهلا للبحث ونازع في ذلك بعض الأصوليين ومنهم الأصفهاني فقال قول المعلل في جواب طالب الحصر بحثت وسبرت فلم أجد غير هذه الأشياء فإن ظفرت بعلة أخرى فأبرزها وإلا فيلزمك ما يلزمني قال وهذا فاسد لأن سبره لا يصلح دليلا ما يعلم به المدلول ومحال أن يعلم طال بالحصر الانحصار ببحثه ونظره وجهله لا يوجب على خصمه أمرا واختار ابن برهان التفصيل بين المجتهد وغيره \r\n القسم الثاني : المنتشر وذلك بأن لا يدور بين النفي والإثبات أو دار ولكن كان الدليل على نفي علية ما عدا الوصف المعين فيه ظنيا واختلفوا في ذلك على مذاهب \r\n الأول : أنه ليس بحجة مطلقا لا في القطعيات ولا في الظنيات حكاه في البرهان عن بعض الأصوليين \r\n الثاني : أنه حجة في العمليات فقط لأنه يحصل غلبة الظن واختاره إمام الحرمين الجويني وابن برهان وابن السمعاني قال الصفي الهندي هو الصحيح \r\n الثالث : أنه حجة للناظر دون المناظر واختار الآمدي وقال إمام الحرمين في الأساليب إنه يفيد الطالب مذهب الخصم دون تصحيح مذهب المستدل إذ لا يمنع أن يقول ما أبطلته باطل وما اخترته باطل وحكى ابن العربي أنه دليل قطعي وعزاه إلى الشيخ أبي الحسن و القاضي وسائر أصحاب الشافعي قال وهو الصحيح فقد نطق به القرآن ضمنا وتصريحا في مواطن كثيرة فمن الضمن قوله تعالى : { وقالوا ما في بطون هذه الأنعام } إلى قوله { حكيم عليم } ومن التصريح قوله { ثمانية أزواج } إلى قوله { الظالمين } وقد أنكر بعض أهل الأصول أن يكون السبر والتقسيم مسلكا قال ابن الأنباري في شرح البرهان السبر يرجع إلى اختيار أوصاف المحل وضبطها والتقسيم يرجع إلى إبطال ما يظهر إبطاله منها فإذا لا يكون من الأدلة وإنما تسامح الأصوليون بذلك قال ابن المنير والمسألة القاصمة لمسلك السبر والتقسيم أن المنفى لا يخلو بحال في نفس الأمر أن يكون مناسبا أو شبها أو طردا لا إنه إما إن يشتمل على مصلحة أو لا فإن اشتمل على مصلحة فإما أن تكون منضبطة للفهم أو كلية لا تنضبط فالأول المناسبة والثاني الشبه وإن لم يشتمل على مصلحة أصلا فهو الطرد المردود فإن كان ثم مناسبة أو شبه السبر والتقسيم وإن كان عريا عن المناسبة قطعا لم ينفع السبر والتقسيم أيضا ","part":1,"page":317},{"id":160,"text":" المسلك السادس : المناسبة \r\n ويعبر عنها بالإخالة وبالمصلحة وبالاستدلال وبرعاية المقاصد ويسمى استخراجها تخريج المناط وهي عمدة كتاب القياس ومحل غموضه ووضوحه ومعنى المناسبة هي تعين العلة بمجرد إبداء المناسبة مع السلامة عن القوادح لا بنص ولا غيره والمناسبة في اللغة الملاءمة والمناسب الملائم قال في المحصول الناس ذكروا في تعريف المناسب شيئين الأول : أنه المفضى إلى ما يوافق الإنسان تحصيلا وإبقاء وقد يعبر عن التحصيل بجلب المنفعة وعن الابقاء بدفع المضرة لأن ما قصد إبقاؤه فإزالته مضرة وإبقاؤه دفع للمضرة ثم هذا التحصيل والإبقاء قد يكون معلوما وقد يكون مظنونا وعلى التقديرين فإما أن يكون دينيا أو دنيويا والمنفعة عبارة عن اللذة أو ما يكون طريقا إليها والمضرة عبارة عن الألم أو ما يكون طريقا إليه واللذة قيل في حدها إنها إدراك الملائم والألم إدراك المنافي والصواب عندي أنه لا يجوز تحديدهما لأنهما من أظهر ما يجده الحي من نفسه ويدرك بالضرورة التفرقة بين كل واحد منهما وبينهما وبين غيرهما وما كان كذلك يتعذر تعريفه بما هو أظهر منه الثاني أنه الملائم لأفعال العقلاء في العادات فإنه يقال هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة في الجمع بينهما في سلك واحد متلائم انتهى \r\n وقد اختلف في تعريفها القائلون بمنع تعليل أفعال الله سبحانه بالأغراض والقائلون بتعليلها بها فالأولون قالوا إنها الملائم لأفعال العقلاء في العادات أي ما يكون بحيث يقصد العقلاء تحصيله على مجاري العادة بتحصيل مقصود مخصوص والآخرون قالوا إنها ما تجلب للإنسان نفعا أو ضرا وقيل هي ما لو عرض على العقول تلقته بالقبول كذا قال الدبوسي قيل وعلى هذا فإثباتها على الخصم متعذر لأنه ربما يقول عقلي لا يتلقى هذا بالقبول ومن ثم قال الدبوسي هو حجة للناظر لأنه لا يكابر نفسه لا للمناظر قال الغزالي والحق أنه يمكن إثباته على الجاحد بتبين معنى المناسبة على وجه مضبوطة فإذا أبداه المعلل فلا يلتفت إلى جحده انتهى وهذا صحيح فإنه لا يلزم المستدل إلا ذلك وقال ابن الحاجب أن المناسب وصف ظاهر منضبط يحصل عقلا من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودا من حصول مصلحة ودفع مفسدة فإن كان الوصف خفيا أو غير منضبط اعتبر ملازمه وهو المظنة لأن الغيب لا يعرف الغيب كالسفر للمشقة والفعل المقتضى عرفا عليه بالعمد في العمدية قال الصفي الهندي وهو ضعيف لأنه اعتبر في ماهية المناسبة ما هو خارج عنه وهو اقتران الحكم بالوصف وهو خارج عن ماهية المناسب بدليل أنه يقال المناسبة مع الاقتران دليل العلة ولو كان الاقتران داخلا في الماهية لما صح هذا وأيضا فهو غير جامع لأن التعليل بالمنضبطة جائز على ما اختاره قائل هذا الحد والوصفية غير متحققة فيها مع تحقق المناسبة وقد احتج إمام الحرمين على إفادتها للعلية بتمسك الصحابة بها فإنهم يلحقون غير المنصوص بالمنصوص إذا غلب على ظنه أن يضهيه لمعنى أو يشبهه ورد بأنه لم ينقل إلينا أنهم كانوا يتمسكون بكل ظن غالب فلا يبعد التعبد مع نوع من الظن الغالب ونحن نعلم ذلك النوع ثم قال إمام الحرمين فالأولى الاعتماد على العمومات الدالة على الأمر بالقياس \r\n واعلم أنه قد يحصل بالمناسب لمقصود به من شرع الحكم يقينا كمصلحة البيع للحل أو ظنا كمصلحة القصاص لحفظ النفس وقد يحتملها على السواء كحد الخمر لحفظ العقل لأن الإقدام مساو للأحجام وقد يكون نفي الحصول أرجح كنكاح الآيسة لتحصيل التناسل ويجوز التعليل بجميع هذه الأقسام وأنكر بعضهم صحة التعليل بالثالث وبعضهم بالرابع قال الصفي الهندي الأصح يجوز إن كان في آحاد الصور الشاذة وكان ذلك الوصف في أغلب الصور من الجنس مفضيا إلى المقصود وإلا فلا أما إذا حصل القطع بأن المقصود من شرع الحكم غير ثابت فقالت الحنفية يعتبر التعليل به والأصح لا يعتبر سواء ما لا تعبد فيه كلحوق نسب المشرقي بالمغربية وما فيه تعبد كاستبراء جارية اشتراها بائعها في المجلس \r\n والمناسب يقسم إلى حقيقي وإقناعي والحقيقي ينقسم إلى ما هو واقع في محل الضرورة ومحل الحاجة ومحل التحسين \r\n الأول : الضروري وهو المتضمن لحفظ مقصود من المقاصد الخمس التي لم تختلف فيها الشرائع بل هي مطبقة على حفظها وهي خمسة : أحدها حفظ النفس بشرعية القصاص فإنه لولا ذلك لتهارج الخلق واختل نظام المصالح ثانيهما حفظ المال بأمرين : أحدهما إيجاب الضمان على المتعدي فإن المال قوام العيش وثانيهما القطع بالسرقة ثالثها حفظ النسل بتحريم الزنا وإيجاب العقوبة عليه بالحد رابعها حفظ الدين بشرعية القتل بالردة والقتال للكفار خامسها حفظ العقل بشرعية الحد على شرب المسكر فإن العقل هو قوام كل فعل تتعلق به مصلحة فاختلاله يؤدي إلى مفاسد عظيمة واعترض على دعوى اتفاق الشرائع على الخمسة المذكورة بأن الخمر كانت مباحة في الشرائع المتقدمة وفي صدر الإسلام ورد بأن المباح منها في تلك الشرائع هو ما لا يبلغ إلى حد السكر المزيل للعقل فإنه محرم في كل ملة كذا قال الغزالي وحكاه ابن القشيري عن القفال ثم نازعه فقال تواتر الخبر أنها كانت مباحة على الإطلاق ولم يثبت أن الإباحة كانت إلى حد لا يزيل العقل وكذا قال النووي في شرح مسلم ولفظه وأما ما يقوله من لا تحصيل عنده أن المسكر لا يزل محرما فباطل لا أصل له انتهى قلت : وقد تأملت التوراة والإنجيل فلم أجد فيهما إباحة الخمر مطلقا من غير تقييد بعدم السكر بل فيهما التصريح بما يتعقب الخمر من السكر وإباحة ذلك فلم يتم دعوى اتفاق الملل على التحريم وهكذا تأملت كتب أنبياء بني إسرائيل فلم أجد فيها ما يدل على التقييد أصلا وقد زاد بعض المتأخرين سادسا وهو حفظ الأعراض فإن عادة العقلاء بذل نفوسهم وأموالهم دون أعراضهم وما فدي بالضروري فهو بالضرورة أولى وقد شرع في الجناية عليه بالقذف الحد وهو أحق بالحفظ من غيره فإن الإنسان قد يتجاوز عمن جنى على نفسه أو ماله ولا يكاد أحد أن يتجاوز عمن جنى على عرضه ولهذا يقول قائلهم : ( يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراض لنا وعقول ) \r\n قالوا ويلتحق بالخمسة المذكورة مكمل الضروري كتحريم قليل المسكر ووجوب الحد فيه وتحريم البدعة والمبالغة في عقوبة المبتدع الداعي إليها والمبالغة في حفظ النسب بتحريم النظر واللمس والتعزير على ذلك \r\n القسم الثاني : الحاجي وهو ما يقع في محل الحاجة لا محل الضرورة كالإجارة فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن مع القصور عن تملكها وامتناع مالكها عن بذلها عارية وكذلك المساقاة والقراض \r\n ثم اعلم أن المناسبة قد تكون جليلة فتنتهي إلى القطع كالضروريات وقد تكون خفية كالمعاني المتنبطة لا لدليل إلا مجرد احتمال الشرع لها وقد يختلف التأثير بالنسبة إلى الجلاء والخفاء \r\n القسم الثالث : التحسيني وهو قسمان الأول ما هو معارض للقواعد كتحريم القاذورات فإن نفرة الطباع منها لقذراتها معنى يناسب حرمة تناولها حثا على مكارم الأخلاق كما قال تعالى { ويحرم عليهم الخبائث } وكما قال ضصض : [ بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ] ومنه سلب العبد أهلية الشهادة لأنها منصب شريف والعبد القدر والجمع بينهما غير ملائم وقد استشكل هذا ابن دقيق العيد لأن الحكم بالحق بعض ظهور الشاهد وإيصاله إلى مستحقه ودفع اليد الظالمة عنه من مراتب الضرورة واعتبار نقصان العبد في الرتبة والمنصب من مراتب التحسين وترك مرتبة الضرورة لمرتبة التحسين بعيد جدا نعم لو وجد لفظ يستند إليه في رد شهادته ويعلل بهذا التعليل لكان له وجه فأما مع الاستقلال بهذا التعليل ففيه هذا الاشكال وقد ذكر بعض أصحاب الشافعي أنه لا يعلم لمن رد شهادة العبد مستندا أو وجها وأما سلب ولايته فهو في محل الحاجة لأن الأطفال تستدعي استغراقا وفراغا والعبد مستغرق بخدمة سيده فتفويض أمر الطفل إليه إضرار بالطفل أما الشهادة فتتفق أحيانا كالرواية والفتوى \r\n ثم اعلم أن المناسب ينقسم باعتبار شهادة الشرع له بالملاءمة والتأثير وعدمها إلى ثلاثة أقسام لأنه إما أن يعلم أن الشارع اعتبره أو يعلم أنه ألغاه أو لا يعلم واحد منهما القسم الأول : ما علم اعتبار الشرع له والمراد بالعلم الرجحان والمراد بالاعتبار إيراد الحكم على وفقه لا التنصيص عليه ولا الإيماء إليه وإلا لم تكن العلة مستفادة من المناسبة وهو المراد بقولهم شهد له أصل معين قال الغزالي في شفاء العليل المعنى بشهادة أصل معين للوصف أنه مستنبط منه من حيث أن الحكم أثبت شرعا على وفقه وله أربعة أحوال لأنه إما يعتبر نوعه في نوعه أو في جنسه أو جنسه في نوعه أو في جنسه \r\n الحالة الأولى : أن يعتبر نوعه في نوعه وهو خصوص الحكم وعمومه في عمومه كقياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد في وجوب القصاص بجامع كونه قتلا عمدا عدوانا فإنه قد عرف تأثير خصوص كونه قتلا عمدا في خصوص الحكم وهو وجوب القصاص في النفس في القتل بالمحدد ومثل هذا أن يقال إنه إذا ثبت أن حقيقة السكر اقتضت حقيقة التحريم فالنبيذ يلحق بالخمر لأنه لا تفاوت بين العلتين وبين الحكمين وهذا القسم يسمى المناسب الملائم وهو متفق عليه بين القياسين \r\n الحالة الثانية : أن يعتبر نوعه في جنسه كقياس تقديم الإخوة لأبوين على الأخوة لأب في النكاح على تقديمهم في الإرث فإن الأخوة من الأب والأم نوع واحد في الصورتين ولم يعرف تأثيره في التقديم في ولاية النكاح ولكن عرف تأثيره في جنسه وهو التقدم عليهم فيما ثبت لكل واحد منهم عند عدم الأمر كما في الإرث وهذا القسم دون ما قبله لأن المفارقة بين المثلين بحسب اختلاف المحلين أقرب من المقارنة بين نوعين مختلفين \r\n الحالة الثالثة : أن يعتبر جنسه في نوعه كقياس إسقاط القضاء عن الحائض عن إسقاط قضاء الركعتين الساقطتين عن المسافر بتعليل المشقة والمشقة جنس وإسقاط القضاء عن الحائض على إسقاط قضاء الركعتين الساقطتين عن المسافر بتعليل المشقة والمشقة جنس وإسقاط قضاء الصلاة نوع واحد يستعمل على صنفين إسقاط قضاء الكل وإسقاط قضاء البعض وهذا أولى من الذي قبله لأن الإبهام في العلة أكبر محذورا من الإبهام في المعلول \r\n الحالة الرابعة : اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم وذلك كتعليل كون حد الشرب ثمانين بأنه مظنة القذف لكونه مظنة الافتراء فوجب أن يقام مقامه قياسا على الخلوة فإنها لما كانت مظنة الوطء أقيمت مقامه وهذا كالذي قبله \r\n القسم الثاني : ما علم إلغاء الشرع له كما قال بعضهم بوجوب الصوم ابتداء في كفارة الملك الذي واقع في رمضان لأن القصد منها الانزجار وهو لا ينزجر بالعتق فهذا وأن كان قياسا لكن الشرع ألغاه حيث أوجب الكفارة مرتبة من غير فصل بين المكلفين فالقول به مخالف للنص فكان باطلا \r\n القسم الثالث : ما لا يعلم اعتباره ولا إلغاؤه وهو الذي لا يشهد له أصل معين من أصول الشريعة بالاعتبار وهو المسمى بالمصالح المرسلة وقد اشتهر انفراد المالكية بالقول به قال الزركشي وليس كذلك فإن العلماء في جميع المذاهب يكتفون بمطلق المناسبة ولا معنى للمصلحة المرسلة إلا ذلك قال الفخر الرازي في المحصول وبالجملة فالأوصاف إنما يلتفت إليها ظن التفات الشرع إليها وكل ما كانت التفات الشرع إليه أكثر كان ظن كونه معتبرا أقوى وكلما كان الوصف والحكم أخص كان ظن كون ذلك الوصف معتبرا في حق ذلك الحكم آكد فيكون لا محالة مقدما على ما يكون أعم منه وأما المناسب الذي علم أن الشرع ألغاه فهو غير معتبر أصلا وأما المناسب الذي لا يعلم أن الشارع ألغاه أو اعتبره فذلك يكون بحسب أوصاف هي أخص من كونه وصفا مصلحا وإلا فعموم كونه وصفا مصلحيا مشهود له بالاعتبار وهذا القسم المسمى بالمصالح المرسلة انتهى \r\n قال ابن الحاجب في مختصر المنتهى وغير المعتبر هو المرسل فإن كان غريبا أو ثبت إلغاؤه فمردود اتفاقا وإن كان ملائما فقد صرح الإمام والغزالي بقبوله وذكر عن مالك والشافعي والمختار رده وشرط الغزالي فيه أن تكون المصلحة ضرورية قطعية كلية انتهى وسنذكر للمصالح المرسلة بحثا مستقلا في الفصل السابع إن شاء الله \r\n القسم الرابع : أن المناسب إما مؤثر أو غير مؤثر وغير المؤثر إما ملائم أو غير ملائم إما غريب أو مرسل أو ملغى الصنف الأول : المؤثر وهو أن يدل النص أو الإجماع على كونه علة تدل على تأثير عين الوصف في عين الحكم أو نوعه في نوعه \r\n الصنف الثاني : الملائم وهو أن يعتبر الشارع عينة في عين الحكم بترتيب الحكم على وفق الوصف لا بنص ولا إجماع وسمي ملائما لكونه موافقا لما اعتبره الشارع وهذه المرتبة دون ما قبلها الصنف الثالث : الغريب وهو أن يعتبر عينة في عين الحكم بترتيب الحكم على وفق الوصف فقط ولا يعتبر عين الوصف من جنس الحكم ولا عينه ولا جنسه في جنسه بنص ولا إجماع كالإسكار في تحريم الخمر فإنه اعتبر الإسكار في عين الحكم بترتيب التحريم على الاسكار فقط ومن أمثلة الغريب توريث المبتوتة في مرض الموت إلحاقا بالقاتل الممنوع من الميراث تعليلا بالمعارضة بنقيض القصد فإن المناسبة ظاهرة لكن هذا النوع من المصلحة لم يعهد اعتباره في غير هذا الخاص فكان غريب لذلك الصنف الرابع : المرسل غير الملائم وقد عرفت مما تقدم من كلام ابن الحاجب الاتفاق على رده وحكاه غيره عن الأكثرين الصنف الخامس : الغريب غير الملائم وهو مردود بالاتفاق واختلفوا هل تنخرم المناسبة بالمعارضة التي تدل على وجود مفسدة أو فوات مصلحة تساوي المصلحة أو ترجع عليها على قولين : الأول أنها تنخرم وإليه ذهب الأكثرون واختاره الصيدلاني وابن الحاجب لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح ولأن المناسبة أمر عرفي والمصلحة إذا عاضها ما يساويها لم تعد عند أهل العرف مصلحة \r\n الثاني : أنها لا تنخرم واختاره الفخر الرازي في المحصول و البيضاوي في المنهاج وهذا الخلاف إنما هو إذا لم تكن المعارضة دالة على انتفاء المصلحة أما إذا كانت كذلك فهي قادحة ","part":1,"page":319},{"id":161,"text":" المسلك السابع : الشبه \r\n ويسميه بعض الفقهاء الاستدلال بالشيء على مثله وهو عام أريد به خاص إذ الشبه يطلق على جميع أنواع القياس لأن كل قياس لا بد فيه من كون الفرع شبيها بالأصل بجامع بينهما وهو من أهم ما يجب الاعتناء به قال ابن الأنباري لست أرى في مسائل الأصول مسألة أغمض منه وقد اختلفوا في تعريفه فقال إمام الحرمين الجويني لا يمكن تحديده وقال غيره يمكن تحديده فقيل هو الجمع بين الأصل والفرع بوصف يوهم اشتماله على الحكمة المقتضية للحكم من غير تعيين كقول الشافعي في النية في الوضوء والتيمم طهارتان فأني تفترقان كذا قال الخوارزمي في الكافي قال في المحصول ذكروا في تعريفه وجهين : \r\n الأول : ما قاله القاضي أبو بكر وهو أن الوصف إما يكون مناسبا للحكم بذاته وإما لا يناسبه بذاته لكنه يكون مستلزما لما يناسبه بذاته وإما أن لا يناسبه بذاته ولا يستلزم ما يناسبه بذاته فالأول هو الوصف المناسب والثاني الشبه والثالث الطرد \r\n الثاني : الوصف الذي لا يناسب الحكم أما أن يكون عرف بالنص تأثير جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم وإما أن يكون كذلك والأول هو الشبه لأنه من حيث هو غير مناسب يظن أنه غير معتبر في حق ذلك الحكم ومن حيث إنه علم تأثير جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم مع أن سائر الأوصاف ليس كذلك يكون ظن إسناد الحكم إليه أقوى من ظن إسناده إلى غيره انتهى وحكى ابن الأنباري في شرح البرهان عن القاضي أنه ما يوهم الاشتمال على وصف مخيل ثم قال وفيه نظر من جهة أن الخصم قد ينازع في إيهام الاشتمال على مخيل إما حقا أو عنادا ولا يمكن التقرير عليه قال الزركشي والذي في مختصر التقريب من كلام القاضي أن قياس الشبه هو إلحاق فرع بأصل لكثرة إشباهه للأصل في الأوصاف من غير أن يعتقد أن الأوصاف التي شابه الفرع بها الأصل علة حكم الأصل وقيل الشبه هو الذي لا يكون مناسبا للحكم ولكن عرف اعتبار جنسه القريب في الجنس القريب واختلف في الفرق بينه وبين الطرد فقيل إن الشبه الجمع بينهما بوصف يوهم المناسبة كما تقدم والطرد الجمع بينهما بمجرد الطرد وهو السلامة عن النقض ونحوه وقال الغزالي في المستصفى الشبه لا بد أن يزيد على الطرد بمناسبة الوصف الجامع لعلة الحكم وإن لم يناسب الحكم قال وإن لم يريدوا بقياس الشبه هذا فلا أدري ما أرادوا به وبم فصلوه عن الطرد المحض والحاصل أن الشبهي والطردي يجتمعان في عدم الظهور في المناسب ويتخالفان في أن الطردي عهد من الشارع عدم الالتفات إليه وسمي شبها لأنه باعتبار الوقوف على المناسبة يجزم المجتهد بعدم مناسبته ومن حيث اعتبار الشرع له في بعض الصور يشبه المناسب والطردي وفرق إمام الحرمين بين الشبه والطرد بأن الطرد نسبة ثبوت الحكم إليه ونفيه على السواء والشبه نسبة الثبوت إليه مترجحة على نسبة النفي فافترقا قال ابن الحاجب في مختصر المنهى ويتميز يعني الشبه عن الطردي بأن وجوده كالعدم وعن المناسب الذاتي بأن مناسبته عقلية وإن لم يرد الشرع به كالاسكار في التحريم مثاله طهارة تراد للصلاة فيتعين الماء كطهارة الحدث فالمناسبة غير ظاهرة واعتبارها في مس المصحف والصلاة يوهم المنسابة انتهى واختلفوا في كونه حجة أم لا عى مذاهب \r\n الأول : أنه حجة وإليه ذهب الأكثرون \r\n الثاني : أنه ليس حجة قال ابن السمعاني وبه قال أكثر الحنفية وإليه ذهب من ادعى التحقيق منهم وإليه ذهب القاضي أبو بكر والأستاذ أبو منصور وأبو إسحاق المروزي وأبو إسحاق الشيرازي وأبو الصيرفي والقاضي أبو الطيب الطبري \r\n الثالث : اعتباره في الأشياء الراجعة إلى الصورة \r\n الرابع : اعتباره فيما غلب على الظن أنه مناط الحكم بأن يظن انه مستلزم لعلة الحكم فمتى كان كذلك صح القياس سواء كانت المشابهة في الصورة او المعنى وإليه ذهب الفخر الرازي وحكاه القاضي في التقريب عن ابن سريج \r\n الخامس : إن تمسك به المجتهد كان حجة في حقه إن حصلت غلبة الظن وإلا فلا وأما المناظر فيقبل منه مطلقا هذا ما اختاره الغزالي في المستصفى \r\n وقد احتج القائلون بأنه حجة بأنه يفيد غلبة الظن فوجب العمل له واحتج القائلون بأنه ليس بحجة بوجهين \r\n الأول : أن الوصف الذي كان شبها إن كان مناسبا فهو معتبر بالاتفاق وإن كان غير مناسب فهو الطرد المردود بالاتفاق \r\n الثاني : أن المعتمد في إثبات القياس على عمل الصحابة ولم يثبت عنهم أنهم تمسكوا بالشبه وأجيب عن الأول بأنا لا نسلم أن الوصف إذا لم يكن مناسبا كان مردودا بالاتفاق بل ما لا مناسبا إن كان مستلزما للمناسب أو عرف بالنص تأثير جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم فهو غير مردود وعن الثاني بأنا نعول في إثبات هذا النوع من القياس على عموم قوله : فاعتبروا على ما ذكرنا أنه يجب العمل بالظن ويجاب عن هذين الجوابين أنا لا نسلم أن ما كان مستلزما للمناسب كالمناسب ولا يحصل به الظن بحال ولا تدل عليه الآية بوجه من وجوه الدلالة كما سبق تقريره في أول مباحث القياس ","part":1,"page":325},{"id":162,"text":" المسلك الثامن : الطرد \r\n قال في المحصول والمراد منه الوصف الذي لم يكن مناسبا ولا مستلزما للمناسب إذا كان الحكم حاصلا مع الوصف في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع وهذا المراد من الأطراد والجريان وهو قول كثير من فقهائنا ومنهم من بالغ فقال مهما رأينا الحكم حاصلا مع الوصف في صورة واحدة يحصل ظن الغلبة احتجوا على التفسير الأول بوجهين : أحدهما أن استقراء الشرع يدل على أن النادر في كل باب يلحق بالغالب فإذا رأينا الوصف في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع مقارنا للحكم ثم رأينا الوصف حاصلا في الفرع وجب أن يستدل على ثبوت الحكم إلحاقا لتلك الصورة بسائر الصور وثانيهما إذا رأينا فرس القاضي واقفا على باب الأمير غلب على ظننا كون القاضي في دار الأمير وما ذاك إلا لأن مقارنتهما في سائر الصور أفاد ظن مقارنتهما في هذه الصورة المعينة واحتج المخالف بأمرين : أولهما أن الأطراد عبارة عن كون الوصف بحيث لا يوجد إلا ويوجد معه الحكم وهذا لا يثبت إلا إذا ثبت أن الحكم حاصل معه في الفرع فإذا أثبتم ثبوت الحكم في الفرع بكون ذلك الوصف علة وأثبتم عليته بكونه مطردا لزم الدور وهو باطل وثانيهما أن الحد مع المحدود والجوهر مع العرض وذات الله مع صفاته حصلت المقارنة فيها مع عدم العلية والجواب أن نستدل بالمصاحبة في كل الصور غير الفرع على العلية وحينئذ لا يلزم الدور وعن الثاني ان غاية كلامكم حصول الطرد في بعض الصور منفكا عن العلية وهذا لا يقدح في دلالته على العلية ظاهرا كما أن الغيم الرطب دليل المطر ثم عدم نزول المطر في بعض الصور لا يقدح في كونه دليلا وأيضا المناسبة والدوران والتأثير والإيماء قد ينفك كل واحد منها عن العلية ولم يكن ذلك قدحا في كونها على العلية ظاهرا انتهى وقد جعل بعض أهل الأصول الطرد والدوران شيئا واحدا وليس كذلك فإن الفرق بين الطرد والدوران أن الطرد عبارة عن المقارنة في الوجود دون العدم والدوران عبارة عن المقارنة وجودا وعدما والتفسير الأول للطرد المذكور في المحصول قال الهندي هو قول الأكثرين \r\n وقد اختلفوا في كون الطرد حجة فذهب بعضهم إلى أنه ليس بحجة مطلقا وذهب آخرون إلى أنه حجة مطلقا وذهب بعض أهل الأصول إلى التفصيل فقال هو حجة على التفسير الأول دون الثاني ومن القائلين بالمذهب الأول جمهور الفقهاء والمتكلمين كما نقله القاضي عنهم قال القاضي حسين لا يجوز أن يدان الله به واختار الرازي والبيضاوي أنه حجة وحكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في التبصرة عن الصيرفي قال الكرخي هو مقبول جدلا ولا يسوغ التعويل عليه عملا والفتوى به قال القاضي أبو الطيب الطبري ذهب بعض متأخري أصحابنا إلى أنه يدل على صحة العلية واقتدى به قوم من أصحاب أبي حنيفة بالعراق فصاروا يطردون الأوصاف على مذاهبهم ويقولون إنها قد صحت كقولهم في مس الذكر آلة الحدث فلا ينتقض الوضوء بلمسه لأنه طويل مشقوق فأشبه البوق وفي السعي بين الصفا والمروة إنه سعى بين جبلين فلا يكون ركنا كالسعي بين جبلين بنيسابور ولا يشك عاقل أن هذا سخف قال ابن السمعاني وسمي أبو زيد الذين يجعلون الطرد حجة والإطراد دليلا على صحة العلية حشوية أهل القياس قال ولا يعد هؤلاء من جملة الفقهاء ","part":1,"page":327},{"id":163,"text":" المسلك التاسع : الدوران \r\n وهو أن يوجد الحكم عند وجود الوصف ويرتفع بارتفاعه في صورة واحدة كالتحريم مع السكر في العصير فإنه لما لم يكن مسكرا لم يكن حراما فلما حدث السكر فيه وجدت الحرمة ثم لما زال السكر بصيرورته خلا زال التحريم فدل على أن العلة السكر وقد اختلف أهل الأصول في إفادته للعلية فذهب بعض المعتزلة إلى أنه يفيد القطع بالعلية وذهب الجمهور إلى أنه يفيد ظن العلية بشرط عدم المزاحم لأن العلة الشرعية لا توجب الحكم بذاتها وإنما هي علامة منصوبة فإذ دار الوصف مع الحكم غلب على الظن أنه معرف قال الصفي الهندي هو المختار قال إمام الحرمين ذهب كل من يعزي إلى الجدل إلى أنه أقوى ما تثبت به العلل وذكر القاضي أبو الطيب الطبري أن هذا المسلك من أقوى المسالك وذهب بعض أهل الأصول إلى أنه لا يفيد بمجرده لا قطعا ولا ظنا واختاره الأستاذ أبو منصور وابن السمعاني والغزالي والشيخ أبو إسحاق الشيرازي والآمدي وابن الحاجب واحتجوا بأنه قد وجد مع العلية فلا يكون دليلا عليها ألا ترى أن المعلول دار مع العلة وجودا وعدما مع أن المعلول ليس بعلة لعلته قطعا والجوهر والعرض متلازمان مع أن أحدهما ليس بعلة في الآخر اتفاقا والمتضايقان كالأبوة والبنوة متلازمان وجودا وعدما مع أن أحدهما ليس بعلة في الآخر لوجوب تقدم العلة على المعلول ووجوب تصاحب المتضايفين وإلا لما كان متضايفان ","part":1,"page":328},{"id":164,"text":" المسلك العاشر : تنقيح المناط \r\n التنقيح في اللغة التهذيب والتمييز ويقال كلام منقح أي لا حشو فيه والمناط هو العلة قال ابن دقيق العيد وتعبيرهم عن العلة بالمناط من باب المجاز اللغوي لأن الحكم لما علق بها كان كالشيء المحسوس الذي تعلق بغيره فهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس وصار ذلك في اصطلاح الفقهاء بحيث لا يفهم عند الاطلاق غيره انتهى ومعنى تنقيح المناط عند الأصوليين إلحاق الفرع بالأصل بإلغاء الفارق بأن يقال لا فرق بين الأصل والفرع إلا كذا وذلك لا مدخل له في الحكم ألبته فيلزم اشتراكهما في الحكم لاشتراكهما في الموجب له كقياس الأمة على العبد في السراية فإنه لا فرق بينهما إلا الذكورة وهو ملغى بالإجماع إذ لا مدخل له في العلية قال الصفي الهندي والحق أن تنقيح المناط قياس خاص مندرج تحت مطلق القياس وهو عام يتناوله وغيره وكل منهما قد يكون ظنيا وهو الأكثر وقطعيا لكن حصول القطع فيما فيه الإلحاق بإلغاء الفارق أكثر من الذي الإلحاق فيه بذكر الجامع لكن ليس ذلك فرقا في المعنى بل في الوقوع وحينئذ لا فرق بينهما في المعنى قال الغزالي تنقيح المناط يقول به أكثر منكري القياس ولا نعرف بين الأمة خلافا في جوازه ونازعه العبدري بأن الخلاف فيه ثابت بين من يثبت القياس وينكره لرجوعه إلى القياس وقد زعم الفخر الرازي أن هذا المسلك هو مسلك السبر والتقسيم فلا يحسن عده نوعا آخر ورد عليه بأن بينهما فرقا ظاهرا وذلك أن الحصر في دلالة السبر والتقسيم لتعيين العلة إما استقلالا أو اعتبارا وفي تنقيح المناط لتعيين الفارق وإبطاله لا لتعيين العلة ","part":1,"page":329},{"id":165,"text":" المسلك الحادي عشر : تحقيق المناط \r\n وهو أن يقع الاتفاق على علية وصف بنص أو إجماع فيجتهد في وجودها في صورة النزاع كتحقيق أن النباش سارق وسمي تحقيق المناط لأن المناط وهو الوصف علم أنه مناط وبقي النظر في تحقيق وجوده في الصورة المعينة قال الغزالي وهذا النوع من الاجتهاد لا خلاف فيه بين الأمة والقياس مختلف فيه فكيف يكون هذا قياسا ؟ \r\n واعلم إنهم قد جعلوا القياس من أصله ينقسم إلى ثلاثة أقسام : قياس علة وقياس دلالة وقياس في معنى الأصل فقياس العلة ما صرح فيه بالعلة كما يقال في النبيذ إنه مسكر فيحرم كالخمر وقياس الدلالة هو أن لا يذكر فيه العلة بل وصف ملازم لها كما لو علل في قياس النبيذ على الخمر برائحة المشتد والقياس الذي في معنى الأصل أن يجمع بين الأصل والفرع بنفي الفارق وهو تنقيح المناط ما تقدم \r\n وأيضا قسموا القياس إلى جلي وخفي فالجلي ما قطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع كقياس الأمة على العبد في أحكام العتق فإنا نعلم قطعا أن الذكورة والأنوثة فيها مما لم يعتبره الشارع وأنه لا فارق بينهما إلا ذلك فحصل لنا القطع بنفي الفارق والخفي بخلافة وهو ما يكون نفي الفارق فيه مظنونا كقياس النبيذ على الخمر في الحرمة إذ لا يمتنع أن تكون خصوصية الخمر معتبرة ولذلك اختلفوا في تحريم النبيذ ","part":1,"page":330},{"id":166,"text":" الفصل الخامس فيما لا يجري فيه القياس \r\n فمن ذلك الأسباب وقد اختلفوا في ذلك فذهب أصحاب أبي حنيفة وجماعة الشافعية وكثير من أهل الأصول إلى أنه لا يجري فيها وذهب جماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يجري فيها ومعنى القياس في الأسباب أن يجعل الشارع وصفا سببا لحكم فيقاس عليه وصف آخر فيحكم بكونه سببا وذلك نحو جعل الزنا سببا للحد فيقاس عليه اللواط في كونه سببا للحد احتج المانعون بأن عليه سببية المقيس عليه وهي قدر من الحكمة يتضمنها الوصف الأول منتفية في المقيس وهو الوصف الآخر أي لم يعلم ثبوتها فيه لعدم انضباط الحكم وتغاير الوصفين فيجوز اختلاف الحكمة الحاصلة بهما وإذا كان كذلك امتنع الجمع بينهما في الحكم وهو السببية لأن معنى القياس الاشتراك في العلة وبه يمكن التشريك في الحكم وأيضا الحكمة المشتركة إما أن تكون ظاهرة منضبطة يمكن جعلها مناطا للحكم أو لا تكون فعلى الأولى قد استغنى القياس عن الالتفات إلى الوصفين وصار القياس في الحكم المترتب على الحكمة وهي الجامع بينهما فاتحد الحكم والسبب وهو الخلاف المفروض وعلى الثاني فإما يكون لها مظنة أي وصف ظاهر منضبط تنضبط هي به أولا فعلى الأول صار في الحكم المترتب على ذلك الوصف فاتحد الحكم والسبب أيضا وعلى الثاني لا جامع بينهما من حكمة أو مظنة فيكون قياسا خاليا عن الجامع وهو لا يجوز واحتج القائلون بالجواز بأنه قد ثبت القياس في الأسباب وذلك كقياس المثقل على المحدد في كونه سببا للقصاص وقياس اللواطة على الزنا في كونها سببا للحد وأجيب بأن ذلك خارج عن محل النزاع لأن النزاع إنما هو فيما تغاير فيه السبب في الأصل والفرع أي الوصف المتضمن للحكمة وكذا العلة وهي الحكمة وهاهنا السبب سبب واحد يثبت لهما أي الحكم وهما الأصل والفرع بعلة واحدة ففي المثقل والمحدد السبب هو القتل العمد العدوان والعلة الزجر لحفظ النفس الحكم القصاص وفي الزنا واللواطة السبب إيلاج فرج في فرج محرم شرعا مشتهى طبعا والعلة الزجر لحفظ النسب والحكم وجوب الحد وهذا الجواب لا يرد على الحنفية المانعين من القياس في الأسباب لأنهم لا يقولون بالقصاص في المثقل ولا بالحد في اللواطة وإنما يرد من قال بمنع القياس في الأسباب من الشافعية فإنهم يقولون بذلك قال المحقق السعد والحق أن رفع النزاع بمثل ذلك يعني لكونه ليس محل النزاع ممكن في كل صورة فإن القائلين بصحة القياس في الأسباب لا يقصدون إلا ثبوت الحكم بالوصفين لما بينهما من الجامع ويعود إلى ما ذكرتم من اتحاد الحكم والسبب \r\n واختلفوا أيضا هل يجري القياس في الحدود و الكفارات أم لا ؟ فمنعه الحنفية وجوزه غيرهم احتج المانعون بأن الحدود مشتملة على تقديرات لا تعقل كعدد المائة في الزنا والثمانين في الذف فإن العقل لا يدرك الحكمة في اعتبار خصوص هذا العدد والقياس فرع تعقل المعنى في حكمة الأصل وما كان يعقل منها كقطع يد السارق لكونها قد جنت بالسرقة فقطعت فإن الشبهة في القياس لاحتماله الخطأ توجب المنع من إثباته بالقياس وهكذا اختلاف تقديرات الكفارات فإنه لا يعقل كما لا تعقل أعداد الركعات وأجيب عن ذلك بأن جريان القياس إنما يكون فيما يعقل معناه منها لا فيما يعقل فإنه لا خلاف في عدم جريان القياس فيه كما في غير الحدود والكفارات ولا مدخل لخصوصيتهما في امتناع القياس وأجيب عما ذكروه من الشبهة في القياس لاحتماله الخطأ بالنقض بخبر الواحد وبالشهادة فإن احتمال الخطأ فيهما قائم لأنهما لا يفيدان القطع وذلك يقتضي عدم ثبوت الحد بهما والجواب الجواب واحتج القائلون بإثبات القياس في الحدود والكفارات بأن الدليل الدال على حجية القياس يتناولهما بعمومه فوجب العمل به فيهما ويؤيد ذلك أن الصحابة حدوا في الخمر بالقياس حتى تشاوروا فيه فقال علي رضي الله عنه : إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فأرى عليه حد الافتراء فأقام مظنة الشيء مقامه وذلك هو القياس واحتجوا أيضا بأن القياس إنما يثبت في غير الحدود والكفارات لاقتضاء الظن وهو حاصل فيهما فوجب العمل به واعلم أن عدم جريان القياس فيما لا يعقل كضرب الدية على العاقلة قد قيل إنه إجماع وقيل إنه مذهب الجمهور وأن المخالف في ذلك شذوذ ووجه المنع أن القياس فرع تعقل المعنى المعلل به الحكم في الأصل و استدل من أثبت القياس فيما لا يعقل معناه بأن الأحكام الشرعة متماثلة لأنه يشملها حد واحد وهو الحكم الشرعي والممثلان يجب اشتراكهما فيما يجوز عليهما لأن حكم الشيء حكم مثله وأجيب بأن هذا القدر لا يوجب التماثل وهو الاشتراك في النوع فإن الأنواع المتخالفة قد تندرج تحت جنس واحد فيعمها حد واحد وهو حد ذلك الجنس ولا يلزم من ذلك تماثلها بل تشترك في الجنس ويمتاز كل نوع منها بأمر يميزه وحينئذ فما كان يلحقها باعتبار القدر المشترك من الجواز والامتناع يكون عاما لا ما كان يلحقها باعتباره غيره ","part":1,"page":330},{"id":167,"text":" الفصل السادس في الاعتراضات \r\n أي ما يعترض به المعترض على كلام المستدل وهي في الأصل تنقسم إلى ثلاثة أقسام : مطالبات وقوادح ومعارضة لأن كلام المعترض إما أن يتضمن تسليم مقدمات الدليل أولا الأول المعارضة والثاني أما أن يكون جوابه ذلك الدليل أولا الأول المطالبة والثاني القدح وقد أطنب الجدليون في هذه الاعتراضات ووسعوا دائرة الأبحاث فيها حتى ذكر بعضهم منها ثلاثين اعتراضا وبعضهم خمسة وعشرين وبعضهم جعلها عشرة وجعل الباقية راجعة إليها فقال هي فساد الوضع فساد الاعتبار عدم التأثير القول بالموجب النقض المنع التقسيم المعارضة المطالبة قال والكل مختلف فيه إلا بالمنع والمطالبة وهذا يدل على الإجماع على المنع والمطالبة وفيه أنه قد خالف في المنع غير واحد منهم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وخالف في المطالبة شذوذ من أهل العلم وقال ابن الحاجب في المختصر أنها راجعة إلى منع أو معارضة وإلا لم تسمع وهي خمسة وعشرون انتهى وقد ذكرها جمهور أهل الأصول في أصول الفقه وخالف في ذلك الغزالي فأعرض عن ذكرها في أصول الفقه وقال إنها كالعلاوة عليه وأن موضع ذكرها علم الجدل وقال صاحب المحصول إنها أربعة : النقض وعدم التأثير والقول الموجب والقلب انتهى وسنذكر هاهنا منها ثمانية وعشرين اعتراضا : \r\n الاعتراض الأول : النقض وهو تخلف الحكم مع وجود العلة ولو في صورة واحدة فإن اعترف المستدل بذلك كان نقضا صحيحا عند من يراه قادحا وأما من لم يره قادحا فلا يسميه نقضا بل يجعله من باب تخصيص العلة وقد بالغ أبو زيد في الرد على من يسميه نقضا وينحصر النقض في تسع صور لأن العلة إما منصوصة قطعا أو ظنا أو مستنبطة وتخلف الحكم عنها إما المانع أو فوات شرط أو بدونهما \r\n وقد اختلف الأصوليون في هذا الاعتراض على مذاهب : \r\n الأول : أنه يقدح في الوصف المدعى علة مطلقا سواء كانت منصوصة أو مستنبطة وسواء كان تخلف الحكم لمانع أو لا لمانع وهو مذهب المتكلمين وهو اختيار أبي الحسين البصري والأستاذ أبي إسحاق والفخر الرازي وأكثر أصحاب الشافعي ونسبوه إلى الشافعي ورجحوا أنه مذهبه \r\n المذهب الثاني : أنه لا يقدح مطلقا في كونها علة فيما وراء النقض ويتعين بتقدير مانع أو تخلف شرط وإليه ذهب أكثر أصحاب أبي حنيفة مالك وأحمد \r\n المذهب الثالث : أنه لا يقدح في المنصوصة ويقدح في المستنبطة حكاه إمام الحرمين عن المعظم فقال ذهب معظم الأصوليين إلى أن النقض يبطل العلة المستنبطة وقال في المحصول زعم الأكثرون أن علية الوصف إذا ثبتت بالنص لم يقدح التخصيص في عليته \r\n المذهب الرابع : أنه يقدح في المنصوصة دون المستنبطة عكس الذي قبله حكاه بعض الأصول وهو ضعيف جدا \r\n المذهب الخامس : أنه لا يقدح في المستنبطة إذا كان لمانع أو عدم شرط ويقدح في المنصوصة حكاه ابن الحاجب وقد أنكروه عليه وقالوا لعله فهم ذلك من كلام الآمدي وفي كلام الآمدي ما يدفعه \r\n المذهب السادس : أنه لا يقدح حيث وجد مانع مطلقا سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة فإن لم يكن مانع قدح واختاره البيضاوي والصفي الهندي \r\n المذهب السابع : أنه يقدح في المستنبطة في صورتين إذا كان التخلف لمانع أو انتفاء شرط ولا يقدح في صورة واحدة وهي ما إذا كان التخلف بدونهما وأما المنصوصة فإن كان النص ظنيا وقدر مانع أو فوات شرط جاز وإن كان قطعيا لم يجز أي لم يكن وقوعه لأن الحكم لو تخلف الدليل وحاصله أنه لا يقدح في المنصوصة إلا بظاهر عام ولا يقدح في المستنبطة إلا لمانع أو فقد شرط واختاره ابن الحاجب وهو قريب من كلام الآمدي \r\n المذهب الثامن : أنه يقدح في علة الوجوب واحل دون علة الحظر حكاه القاضي عن بعض المعتزلة \r\n المذهب التاسع : أنه يقدح إن انتفضت على أصل من جعلها علة ولم يلزمه الحكم بها وإن اطردت على أصله ألزم حكاه الأستاذ أبو إسحاق عن بعض المتأخرين قال وهو من حشو الكلام لولا أنه أودع كتابا مستعملا لكان تركه أولى \r\n المذهب العاشر : إن كانت العلة مؤثرة لم يرد النقض عليها لأن تأثيرها لا يثبت إلا بدليل مجمع عليه ومثله لا ينقض حكاه ابن السمعاني عن أبي زيد ورده بأن النقض يفيد عدم تأثير العلة \r\n المذهب الحادي عشر : إن كانت العلة مستنبطة فإن اتجه فرق بين محل التعليل وبين صورة النقض بطلت عليته لكون المذكور أولا جزءا من العلة وليست علة تامة وإن لم يتجه فرق بينهما فإن لم يكن الحكم مجمعا عليه أو ثابتا بمسلك قاطع بطلت عليته وإلا فلا واختاره إمام الحرمين الجويني \r\n المذهب الثاني عشر : أن يتخلف الحكم عن العلة وله ثلاث صور : الأولى أن يعرض في جريان العلة ما يقتضي عدم إطرادها فإنه يقدح الثانية أن تنتفي العلة لا لخلل في نفسها لكن لمعارضة علة أخرى فهذا لا يقدح الثالثة أن يختلف الحكم لا لخلل في ركن العلة لكن لعدم مصادفتها محلها أو شرطها فلا يقدح وهذا اختيار الغزالي وفي كلامه طول \r\n المذهب الثالث عشر : إن كان النقض من جهة المستدل فلا يقدح لأن الدليل قد يكون صحيحا في نفسه وينقضه المستدل فلا يكون نقضه دليلا على فساده لأنه قد ينقضه على أصله ويكون أصل غيره مخالفا له وإن كان النقض من جهة قدح حكاه الأستاذ أبو منصور \r\n المذهب الرابع عشر : أن علية الوصف إن ثبتت بالمناسبة أو الدورات وكان النقض بتخلف الحكم عنها لمانع لم يقدح في عليته وإن كان التخلف لا لمانع قدح حكاه صاحب المحصول ونسبه إلى الأكثرين \r\n المذهب الخامس عشر : أن الخلاف في هذه المسألة لفظي لأن العلة إن فسرت بالموجبة فلا يتصور عليتها مع الانتقاض وإن فسرت بالمعرفة فيتصور عليتها مع الانتقاض وهذا رجحه الغزالي والبيضاوي وابن الحاجب وفيه نظر فإن الخلاف معنوي لا لفظي على كل حال \r\n قال الزركشي في البحر : واعلم أنه إذا قال المعترض ما ذكرت من العلة منقوض بكذا فللمستدل أن يقول لا نسلم ويطالبه بالدليل على وجودها في محل النقض وهذه المطالبة مسموعة بالاتفاق انتهى \r\n قال الأصفهاني لا يشترط في القيد الدافع للنقض أن يكون مناسبا بل غير المناسب مقبول مسموع اتفاقا والمانعون من التعليل بالشبه يوافقون على ذلك وقال في المحصول هل يجوز دفع النقض بقيد طردي أما الطاردون فقد جوزوه وأما منكرو الطرد فمنهم من جوزه والحق أنه لا يجوز لأن أحد أجزاء العلة إذا لم يكن مؤثرا لم يكن مجموع العلة مؤثرا وهكذا قال إمام الحرمين في هذا البرهان ثم اختار التفصيل بين أن يكون القيد الطردي يشير إلى مسألة تفارق مسألة النزاع بفقه فلا يجوز نقض العلة وإلا فلا يفيد الاحتراز عنه قال ولو فرض التقييد بإسم غير مشعر بفقه ولكن مباينة المسمى به لما عداه مشهورة بين النظار فهل يكون التقييد تخصيصا للعلة ؟ اختلف فيه الجدليون والأقرب تصحيحه لأنه إصطلاح \r\n الإعتراض الثاني : الكسر وهو إسقاط وصف من أوصاف العلة المركبة وإخراجه عن الاعتبار بشرط أن يكون المحذوف مما لا يمكن أخذه في حد العلة هكذا قال أكثر الأصوليين والجدليين ومنهم من فسره بأنه وجود المعنى في صورة مع عدم الحكم فيه والمراد وجود معنى تلك العلة في موضع آخر معها ذلك الحكم وعلى هذا التفسير يكون كالنقض ولهذا قال ابن الحاجب في المختصر : الكسر وهو نقض المعنى والكلام فيه كالنقض ومثاله أن يعلل المستدل على القصر في السفر بالمشقة فيقول المعترض ما ذكرته من المشقة ينتقض بمشقة أرباب الصنائع الشاقة في الحضر وفد ذهب الأكثرون إلى أن الكسر غير مبطل وأما جماعة من الأصوليين منهم الفخر الرازي والبيضاوي فجعلوه من القوادح قال الصفي الهندي : الكسر نقض يرد على بعض أوصاف العلة وذلك هو ما عبر عنه الآمدي بالنقض المكسور قال الصفي الهندي وهو مردود عند الجماهير إلا إذا بين الخصم إلغاء القيد ونحن لا نعني بالكسر إلا إذا بين أما إذا لم يبين فلا خلاف أنه مردود وأما إذا بين فالأكثرون على أنه قادح وقال الآمدي والأكثرون على أنه غير قادح مردود وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في التلخيص : واعلم أن الكسر سؤال مليح والاشتغال به ينتهي إلى بيان الفقه وتصحيح العلة وقد اتفق اكثر أهل العلم على صحته وإفساد العلة به ويسمونه النقض من طريق المعنى والإلزام من طريق الفقه وأنكره طائفة من الخرسانيين قال وهذا غير صحيح لأن الكسر نقض من حيث المعنى فهو بمنزلة النقض من طريق اللفظ انتهى وقد جعلوا منه ما رواه البيهقي عنه ضصض أنه دعي إلى دار فأجاب ودعي إلى دار أخرى فلم يجب فقيل له في ذلك فقال إن في دار فلان كلبا فقيل وفي هذا الدار سنور فقال السنور سبع ووجه الدلالة أنهم ظنوا أن الهرة يكسر المعنى فأجاب بالفرق وهو أن الهرة سبع أي ليست بنجسة كذا قيل قال في المنخول قال الجدليون الكسر يفارق النقض فإنه يرد على إخالة المعلل لا على عبارته والنقض يرد على العبارة قال وعندنا لا معنى للكسر فإن كل عبارة لا إخالة فيها فهي طرد محذوف فالوارد على الإخالة نقض ولو ورد على أحد الوصفين مع كونهما مختلفين فهو باطل لا يقبل \r\n الاعتراض الثالث : عدم العكس وهو وجود الحكم بدون الوصف في صورة أخرى كاستدلال الحنفي على منع تقديم أذان الصبح بقوله صلاة لا تقصر فلا يجوز تقديم أذانها كالمغرب فيقال له هذا الوصف لا ينعكس لأن الحكم الذي هو منع التقديم للأذان على الوقت موجود فيما قصر من الصلوات لعلة أخرى قال إمام الحرمين إذا قلنا إن اجتماع العلل على معلول واحد غير واقع فالعكس لازم ما لم يثبت الحكم عند انتفاء العلة يتوقف لكن لا يلزم المستدل بيانه بخلاف ما ألزمناه في النقض لأن ذاك داع إلى الانتشار وسببه أن إشعار النفي بالنفي منحط عن إشعار الثبوت بالثبوت وقال الآمدي لا يرد سؤال العكس إلا أن يتفق المتناظران على اتحاد العلة \r\n الاعتراض الرابع : عدم التأثير قد ذكر جماعة من أهل الأصول أن هذا الاعتراض قوي حتى قال ابن الصباغ إنه من أصح ما يعترض به على العلة وقال السمعاني ذكر كثير من أصحابنا سؤال عدم التأثير ولست أرى له وجها بعد أن يبين المعلل التأثير لعلته وقد ذكرنا أن العلة الصحيحة ما أقيم الدليل على صحتها بالتأثير وقد جعله القائلون به منقسما إلى أقسام : \r\n الأول : عدم التأثير في الوصف لكونه طرديا وهو راجع إلى عدم العكس السابق قبل هذا كقولهم صلاة الصبح لا تقصر فلا تقدم على وقتها كالمغرب فقولهم لا تقصر وصف طردي بالنسبة إلى عدم التقديم \r\n الثاني : عدم التأثير في الأصل لكونه مستغنى عنه في الأصل لوجود معنى آخر مستقل بالغرض كقولهم في بيع الغائب مبيع غير مرئي كالطير في الهواء فلا يصح فيقال لا أثر لكونه غير مرئي فإن العجز عن التسليم كاف لأن بيع الطير لا يصح وإن كان مرئيا وحاصله معارضة في الأصل لأن المعترض يلغي من العلة وصفا ثم يعارضه المستدل بما بقي قال إمام الحرمين والذي صار إليه المحققون فساد العلة بما ذكرنا وقيل بل يصح لأن ذلك القيد له أثر في الجملة وإن كان مستغنى عنه كالشاهد الثالث بعد شهادة عدلين وهو مردود لأن ذلك القيد ليس محله ولا وصفا له فذكره لغو بخلاف الشاهد الثالث فإنه متهيء لأن يصير عند عدم صحة شهادة أحد الشاهدين ركنا \r\n الثالث : عدم التأثير في الأصل والفرع جميعا بأن يكون له فائدة في الحكم إما ضرورية كقول من اعتبر الاستنجاء بالأحجار وإما غير ضرورية كقولهم الجمعة صلاة مفروضة فلم تفتقر إلى إذن الإمام كالظهر فإن قولهم مفروضة حشو لو حذف لم يضر \r\n الرابع : عدم التأثير في الفرع كقولهم زوجت نفسها فلا يصح كما لو زوجت من غير كفء لا أثر له فإن النزاع في الكفء وغيره سواء \r\n وقد اختلف فيه على أقوال : الأول الجواز قال الأستاذ أبو بكر وهو الأصح والثاني المنع والثالث التفصيل وهو عدم الجواز مع تبيين محل السؤال والجواز مع عمدة واختاره إمام الحرمين الخامس عدم التأثير في الحكم وهو أن يذكر في الدليل وصفا لا تأثير في الحكم للعلل به كقولهم في المرتدين الذين يتلفون الأموال مشركون أتلفوا في دار الحرب فلا ضمان عليهم كالحربي فإن دار الحرب لا مدخل لها في الحكم فلا فائدة لذكرها لأن من أوجب الضمان يوجبه وإن لم يكن في دار الحرب وكذا من نفاه ينفيه مطلقا \r\n الاعتراض الخامس : القلب قال الآمدي هو أن يبين القالب أن ما ذكره المستدل يدل عليه لا له أو يدل عليه وله والأول قلما يتفق في الأقسية ومثله في المنصوص بالاستدلال الحنفي في توريث الخال بقوله ضصض : [ الخال وارث من لا وارث له ] فأثبت إرثه عند عدم الوارث فيقول المعترض هذا يدل عليك لا لك لأن معناه نفي توريث الخال بطريق المبالغة كما يقال الجوع زاد من لا زاد له والصبر حيلة من لا حيلة له أي ليس الجوع زادا ولا الصبر حيلة قال الفخر الرازي في المحصول القلب معارضة إلا في أمرين : أحدهما أنه لا يمكن فيه الزيادة في العلة وفي سائر المعارضات يمكن والثاني لا يمكن منع وجود العلة في الفرع والأصل لأن أصله وفرعه أصل المعلل وفرعه ويمكن ذلك في سائر المعارضات أما فيما وراء هذين الوجهين فلا فرق بينه وبين المعارضة قال الهندي والتحقيق أنه دعوى أن ما ذكره المستدل عليه لا له في تلك المسألة على ذلك الوجه انتهى وجعله ابن الحاجب وشراح كلامه قسمين : أحدهما تصحيح مذهب المعرض فيلزم منه بطلان مذهب المستدل لتنافيهما وثانيهما إبطال مذهب المستدل إبتداء إما صريحا أو بالالتزام ومثال الأول أن الحنفي الاعتكاف يشترط فيه الصوم لأنه لبث فلا يكون بمجردة قربة كالوقوف بعرفة فيقول الشافعي فلا يشترط فيه الصوم كالوقوف بعرفة ومثال الثاني أن يقول الحنفي في أنه يكفي مسح ربع الرأس عضو من أعضاء الوضوء فلا يكفي أقله كسائر الأعضاء فيقول الشافعي فلا يقدر بالربع كسائر الأعضاء هذا الصريح وأما الإلتزام فمثاله أن يقول الحنفي بيع غير المرئي بيع معاوضة فيصح مع الجهل بأحد العوضين كالنكاح فيقول الشافعي فلا يثبت فيه خيار الرؤية كالنكاح وقد ذهب إلى اعتبار هذا الاعتراض الجمهور وأنه قادح وأنكره بعض أهل الأصول وقال إن الحكمين أي ما يثبته القالب إن لم يتنافيا فلا قلب إذ لا منع من اقتضاء العلة الواحدة لحكمين غير متنافيين وإن استحال اجتماعهما في صورة واحدة فلم يمكن الرد ذلك الأصل بعينه فلا يكون قلبا إذ فيه من الرد إلى ذلك الأصل وأجاب الجمهور عن هذا بأن الحكمين غير متنافيين لذاتهما فلا جرم يصح اجتماعهما في الفرع فإذا أثبت القالب الحكم الآخر في الفرع بالرد إلى الأصل امتنع ثبوت الحكم الأول وظاهر كلام إمام الحرمين أنه لازم جدلا لا دينا وقال أبو الطيب الطبري أن هذا القلب إنما ذكره المتأخرين من أصحابنا حيث استدل أبو حنيفة بقوله ضصض [ لا ضرر ولا ضرار في مسألة الساحة ] قال هذا البناء ضرار بالغاصب فقال له أصحابنا وفي بيع صاحب الساحة الساحة إضرار به قال ومن أصحابنا من قال يصح سؤال القلب قال وهو شاهد زور يشهد لك ويشهد عليك قال وهذا باطل لأن القالب عارض المستدل بما لا يمكن الجمع بينه وبين دليله فصار كما بدليل آخر وقيل هو باطل إذ لا يتصور إلا في الأوصاف الطردية ومن أنواع القلب جعل المعلول علة والعلة معلولا وإذا أمكن ذلك تبين أن لا علة فإن العلة هي الموجبة والمعلول هو الحكم الواجب لها وقد فرقوا بين القلب والمعارضة بوجوه منها ما قدمنا عن الفخر الرازي وقال القاضي أبو الطيب الطبري والشيخ أبو إسحاق الشيرازي إنه معارضة فإنه لا يفسد العلة وقال ابن الحاجب في مختصر المنتهى والحق أنه نوع معارضة اشتراك فيه الأصل والجامع فكان أولى بالقبول \r\n الاعتراض السادس : القول بالموجب بفتح الجيم أي القول بما أوجبه دليل المستدل قال في المحصول وحده تسليم ما جعله المستدل موجب العلة مع استبقاء الخلاف انتهى قال الزركشي في البحر وذلك بأن يظن المعلل أن ما يأتي به مستلزم لمطلوبه من حكم المسألة المتنازع فيها مع كونه غير مستلزم قال وهذا أولى من تعريف الرازي له بموجب العلة لأنه لا يختص بالقياس قال ابن المنير حدوده بتسليم مقتضى الدليل مع بقاء النزاع فيه وهو غير مستقيم لأنه يدخل فيه ما ليس منه وهو بيان غلط المستدل على إيجاب النية في الوضوء بقوله ضصض [ في أربعين شاة شاة ] فقال المعترض أقول بموجب هذا الدليل لكنه لا يتناول محل النزاع عندي كالمظنون للمستدل وليس قولا بالموجب لأن شرطه أن يظهر عذر للمستدل في العدلة فتمام الحد أن يقال هو تسليم مقتضى الدليل مع بقاء النزاع حيث يكون للمستدل عذر معتبر ومن أنواع القول بالموجب أن يذكر المستدل إحدى المقدمتين ويسكت على الأخرى ظنا منه أنها مسلمة فيقول الخصم بموجب المقدمة ويبقى على المنع لما عداها ومنها أن يعتقد المستدل تلازما بين محل النزاع وبين محل آخر فينصب الدليل على ذلك المحل بناء منه على أن ما ثبت به الحكم في ذلك المحل يستلزم ثبوته في محل النزاع فيقول المعترض بالموجب ومنه الملازمة والفرق بينه وبين المعارضة أن حاصله يرجع إلى خروج الدليل عن محل النزاع والمعارضة فيها اعتراف بأن للدليل دلالة على محل النزاع قال إمام الحرمين وابن السمعاني وهو سؤال صحيح إذا خرج مخرج المانعة ولا بد في موجهه من شرط وهو أن يسند الحكم الذي ينصب له العلة إلى شيء مثل قول الحنفي في ماء الزعفران ماء خالطه طاهر والمخالطة لا تمنع صحة الوضوء فيقول المعترض المخالط لا يمنع لكنه ليس بماء مطلق قال في المنخول الأصوليون يقولون تارة إن القول بالموجب ليس اعتراضا وهو لعمري كذلك فإنه لا يبطل العلة لأنها جرت العلة وحكمها مختلف فيه فلأن تجري حكمها متفق عليه أولى واختلفوا هل يجب على المعترض إبداء سند القول بالموجب أم لا فقيل يجب لقربه إلى ضبط الكلام وصوته عن الخبط وإلا فقد يقول بالموجب على سبيل العناد وقيل لا يجب لأنه قد وفى بما عليه وعلى المستدل الجواب وهو أعرف بمآخذ مذهبه قال الآمدي وهو المختار \r\n الاعتراض السابع : الفرق وهو إبداء وصف في الأصل يصلح أن يكون مستقلة أو جزء علة وهو معدوم في الفرع سواء كان مناسبا أو شبها إن كانت العلة شبيهة بأن يجمع المستدل بين الأصل والفرع بأمر مشترك بينهما فيبدي المعترض وصفا فارقا بينه وبين الفرع قال في المحصول الكلام فيه مبنى على أن تعليل الحكم بعلتين هل يجوز أم لا انتهى وقد اشترطوا فيه أمرين أحدهما أن يكون بين الأصل والفرع فرق بوجه من الوجوه وإلا لكان هو هو وليس كلما انفرد الأصل بوصف من الأوصاف يكون مؤثرا مقتضيا للحكم بل قد يكون ملغى للإعتبار بغيره فلا يكون الوصف الفارق قادحا والثاني أن يكون قاطعا للجمع بين أن يكون أخص من الجمع فيقدم عليه أو مثله فيعارضه قال جمهور الجدليين في حدة الفرق قطع الجمع بين الأصل والفرع إذ اللفظ أشعر به وهو الذي يقصد منه وقال بعضهم حقيقته المنع من الإلحاق بذكر وصف في الفرع أو في الأصل بمعنى أو معارضة العلة التي نصبها المستدل في الفرع بعلة مستقلة وهو سؤال صحيح كما اختاره إمام الحرمين وجمهور المحققين من الأصوليين والفقهاء قال إمام الحرمين ويعترض على الفارق مع قبوله في الأصل بما يعترض به على العلل المستقلة \r\n الاعتراض الثامن : الاستفسار وقد قدمه جماعة من الأصوليين على الاعتراضات ومعناه طلب شرح معنى اللفظ إن كان غريبا أو مجملا ويقع بهل أو الهمزة أو نحوهما مما يطلب به شرح الماهية وهو سؤال مقبول معمول عليه عند الجمهور وقد غلط من لم يقبله من الفقهاء لأن محل النزاع إذا لم يكن متحققا لم يظهر وفاق ولا خلاف وقد يرجع المخالف الى الموافقة عند أن يتضح له محل النزاع ولكنه لا يقبل إلا بعد بيان اشتمال اللفظ على إجمال أو غرابة فيقول المعترض أولا اللفظ الذي ذكره المستدل مجمل أو غريب بدليل كذا فعند ذلك يتوجه على المستدل التفسير وحكى الصفي الهندي أن بعض الجدليين أنكر كونه اعتراضا لأن التصديق فرع دلالة الدليل على المتنازع فيه قال بعض أهل الأصول إن هذا الاعتراض للاعتراضات قد جعلوه طليعة جيشها وليس من جنسها إذ الاعتراض عبارة عما يخدش به كلام المستدل والاستفسار ليس من هذا القبيل \r\n الاعتراض التاسع : فساد الاعتبار أي أنه لا يمكن اعتبار القياس في ذلك الحكم لمخالفته للنص أو الإجماع أو كان الحكم مما لا يمكن إثباته بالقياس أو كان تركيبه مشعرا بنقيض الحكم المطلوب وخص فساد الاعتبار جماعة من أهل الأصول بمخالفته للنص وهذا الاعتراض مبني على أن خبر الواحد مقدم على القياس وهو الحق وخالف في ذلك طائفة من الحنفية والمالكية فقدموا القياس على خبر الواحد \r\n وجواب هذا الاعتراض بأحد وجوه : الأول الطعن في سند النص إن لم يكن من الكتاب أو السنة المتواترة أو منع ظهوره فيما يدعيه المستدل أو بيان أن المراد به غير ظاهره أو أن مدلوله لا ينافي حكم القياس أو المعارضة له بنص آخر حتى يتساقطا ويصح القياس أو أن القياس الذي اعتمده ارجح من النص الذي عورض ويقيم الدليل على ذلك \r\n الاعتراض العاشر : فساد الوضع وذلك بابطال القياس المخصوص في إثبات الحكم المخصوص بأن يبين المعترض أن الجامع الذي ثبت به الحكم قد ثبت اعتباره بنص أو إجماع في نقيض الحكم والوصف الواحد لا يثبت به النقيضان وذلك بأن يكون أحدهما مضيقا والآخر موسعا أو أحدهما مخففا والآخر مغلظا أو أحدهما إثباتا والآخر نفيا والفرق بين هذا الاعتراض والاعتراض الذي قبله أن فساد الاعتبار أعم من فساد الوضع فكل فاسد الوضع فاسد الاعتبار ولا عكس وجعلهما أبو إسحاق الشيرازي واحدا وقال ابن برهان هما شيئان من حيث المعنى لكن الفقهاء فرقوا بينهما وقالوا فساد الوضع هو أن يعلق على العلة خلاف ما يقتضيه النص وقيل فساد الوضع هو إظهار كون الوصف ملائما لنقيض الحكم مع اتحاد الجهة ومنه الاحتراز عن تعدد الجهات لتنزيلها منزلة تعدد الأوصاف وعن ترك حكم العلة بمجرد ملاءمة الوصف للنقيض دون دلالة الدليل إذ هو عند فرض إتحاد الجهة خروج عن فساد الوضع إلى القدح في المناسبة قال ابن السمعاني وذكر أبو زيد هذا السؤال لايرد إلا على الطرد والطرد ليس بحجة وقيل هو أقوى من النقيض لأن الوضع إذا فسد لم يبق إلا الانتقال والنقض يمكن الاحتراز منه وقال الأصفهاني في شرح المحصول هو مقبول عند المتقدمين ومنعه المتأخرون إلا لا توجه له لكونه خارجا عن المنع والمعارضة وجواب هذا الاعتراض ببيان وجود المانع في أصل المعترض \r\n الاعتراض الحادي عشر : المنع قال ابن السمعاني الممانعة أرفع سؤال على العلل وقيل أساس المناظرة وهو يتوجه على الأصل من وجهين أحدهما منع كون الأصل معللا لأن الأحكام تنقسم بالاتفاق إلى ما يعلل وإلى ما لا يعلل فمن ادعى تعليل شيء كلف ببيانه قال إمام الحرمين إنما يتوجه هذا الاعتراض على من لم يذكر تحريرا فإن الفرع في العلة المحررة يرتبط بالأصل قال الكيا هذا الاعتراض باطل لأن المعلل إذا أتى بالعلة لم يكن لهذا السؤال معنى الثاني منع الحكم في الأصل واختلفوا هل هذا الاعتراض يقتضي انقطاع المستدل أم لا فقيل إنه يقتضي انقطاعه وقيل إنه لا يقتضي ذلك وبه جزم إمام الحرمين والكيا الطبري قال ابن برهان إنه المذهب الصحيح المشهور بين النظار واختاره الآمدي وابن الحاجب وقيل إن كان المنع جليا فهو انقطاع وإن كان خفيا فلا واختاره الأستاذ أبو إسحاق وقيل يتبع عرف البلد الذي وقعت فيه المناظرة فإن الجدل مراسيم فيجب إتباع العرف وهو اختيار الغزالي وقيل إن لم يكن له مدرك غيره جاز واختاره الآمدي \r\n الاعتراض الثاني عشر : التقسيم وهو اللفظ مترددا بين أمرين أحدهما ممنوع والآخر مسلم واللفظ محتمل لهما غير ظاهر في أحدهما قال الآمدي وليس من شرطه أن يكون أحدهما ممنوعا والآخر مسلما بل قد يكونان مسلمين لكن الذي يرد على أحدهما غير الذي يرد على الآخر إذ لو اتحد الذي يرد عليهما لم يكن للتقسيم معنى ولا خلاف في أنه لا يجوز كونهما ممنوعين لأن التقسيم لا يفيد وقد منع قوم من قبول هذا السؤال لأن إبطال أحد محتملي كلام المستدل لا يكون إبطالا له إذ لعله غير مراده مثاله في الصحيح الحاضر إذا فقد الماء وجد سبب التيمم وهو تعذر الماء فيجوز التيمم فيقول المعترض ما المراد بكون تعذر الماء سببا للتيمم هل تعذر الماء مطلقا أو تعذره في السفر أو المرض الأول ممنوع وحاصله أنه منع بعد تقسيم فيأتي فيه ما تقدم في صريح المنع من كونه مقبولا أو مردودا موجبا للانقطاع أو غير موجب \r\n وجوابه أن يعين المستدل أن اللفظ موضوع له ولو عرفا أو ظاهرا \r\n الاعتراض الثالث عشر : إختلاف الضابط بين الأصل والفرع لعدم الثقة بالجامع كقولهم في شهود القصاص تسببوا للقتل عمدا فلزمهم القصاص زجرا لهم عن التسبب كالمكره فالمشترك بين الأصل والفرع إنما هو في الحكمة وهي الزجر والضابط في الفرع الشهادة وفي الأصل الإكراه ولا يمكن التعدية بالحكمة وحدها وضابط الفرع يحتمل أن يكون مساويا لضابط الأصل في الإفضاء إلى المقصود وأن لا يكون \r\n وجوابه ببيان كون التعليل بالقدر المشترك بينهما مضبوطا عرفا أو ببيان المساواة في الضابط \r\n الاعتراض الرابع عشر : إختلاف حكمي الأصل والفرع قيل إنه قادح لأن شرط القياس مماثلة الفرع للأصل في علته وحكمه فإذا اختلف الحكم لم تتحقق المساواة وذلك كإثبات الولاية على الصغيرة في نكاحها قياسا على إثباتها في مالها \r\n الاعتراض الخامس عشر : منع كون ما يدعيه المستدل علة الحكم موجودا في الأصل فضلا عن أن يكون هو العلة مثاله أن يقول في الكلب حيوان يغسل من ولوغه سبعا فلا يقبل جلده الدباغ كالخنزير فيقول المعترض لا نسلم أن الخنزير يغسل من ولوغه سبعا والجواب عن الإعتراض بإثبات وجود الوصف في الأصل بما هو طريق ثبوت مثله إن كان حسيا فبالحس وإن كان عقليا فبالعقل وإن كان شرعيا فبالشرع \r\n الاعتراض السادس عشر : منع كون الوصف المدعي عليته علة قال ابن الحاجب في مختصر المنتهى وهو من أعظم الأسئلة لعمومه وتشعب مسالكه والمختار قبوله وإلا لأدى إلى اللعب في التمسك بكل طردي انتهى ومثاله أن يقول في الكلب حيوان يغسل من ولوغه سبعا فلا يقبل جلده الدباغ معللا بكونه يغسل من ولوغه وجوابه بإثبات العلية بمسلك من مسالكها المذكورة سابقا \r\n الاعتراض السابع عشر : القدح في المناسبة وهو إبداء مفسدة راجحة أو مساوية لما تقدم من أن المناسبة تنخرم بالمعارضة وجوابه ترجيح المصلحة على المفسدة إجمالا أو تفصيلا \r\n الاعتراض الثامن عشر : القدح في إفضائه إلى المصلحة المقصودة من شرع الحكم له مثاله أن يقال في علة تحريم مصاهرة المحارم على التأييد إنها الحاجة إلى ارتفاع الحجاب ووجه المناسبة أنه يفضي إلى رفع الفجور وتقريره أن رفع الحجاب وتلاقي الرجال والنساء يفضي إلى الفجور وأنه يرتفع بتحريم التأبيد إذ يرتفع إذ يرتفع الطمع المفضي إلى مقدمات الهم والنظر المفضية إلى الفجور فيقول المعترض لا يفضي إلى ذلك بل سد باب النكاح أفضى إلى الفجور لأن النفس حريصة على ما منعت منه إذ قوة داعية الشهوة مع اليأس عن اليأس عن الحل مظنة الفجور وجوابه ببيان الإفضاء إليه بأن قول في هذه المسألة التأبيد يمنع عادة ما ذكرناه من مقدمات الهم والنظر وبالدوام يصير كالأمر الطبيعي \r\n الاعتراض التاسع عشر : كون الوصف غير كالرضا في العقود وجوابه بالاستدلال على كونه ظاهرا كضبط الرضا بصيغ العقود ونحو ذلك \r\n الاعتراض الموفي عشرين : كون الوصف غير منضبط كالحكم والمصالح مثل الحرج والمشقة والزجر فإنها أمور ذوات مراتب غير محصورة ولا متميزة وتختلف باختلاف الأشخاص والزمان والأحوال وجوابه بتقرير الانضباط إما بنفسه أو بوصفه \r\n الاعتراض الحادي والعشرين : المعارضة وهي إلزام المستدل الجمع بين شيئين والتسوية بينهما في الحكم إثباتا أو نفيا كذا قال الأستاذ أبو منصور : وقيل هي إلزام الخصم أن يقول قولا قال بنظيره وهي من أقوى الاعتراضات وهي أهم من اعتراض النقض فكل نقض معارضة ولا عكس كذا قيل وفيه نظر لأن النقض هو تخلف الحكم مع وجود العلة وهذا المعنى يخالف معنى المعارضة وقد أثبت اعتراض المعارضة الجمهور من أهل الأصول والجدل وزعم قوم أنها ليست بسؤال صحيح واختلف القائلون بها في الثابت منها فقيل إنما يثبت منها معارضة الدلالة بالدلالة والعلة بالعلة ولا يجوز معارضة الدعوى بالدعوى \r\n والمعارضة تنقسم إلى ثلاثة أقسام : معارضة في الأصل ومعارضة في الفرع ومعارضة في الوصف \r\n أما المعارضة في الأصل فبأن يذكر علة أخرى في الأصل سوى العلة التي علل بها المستدل وتكون تلك العلة معدومة ويقول إن الحكم في الأصل إنما كان بهذه العلة التي ذكرها المعترض لا بالعلة التي ذكرها المستدل قال ابن السمعاني والصفي الهندي وهذا هو سؤال الفرق وذكر بعض أهل الأصول أنه لا فرق بين أن تكون العلة التي يبديها المعترض مستقلة بالحكم كمعارضة الكيل بالطعم أو غير مستقلة بل هي جزء علة كزيادة الجارح في القتل العمد العدوان في مسألة القتل بالمثقل وهذا إذا كانت العلة التي جاء بها المعترض مسلمة من خصمه أو محتملة احتمالا راجحا أما إذا تعارضت الاحتمالات فقيل يرجح وصف المستدل وقيل وصف المعترض وقيل لا وجه لترجيح أحدهما على الآخر بل هو من التحكيم المحض ثم اختلفوا مع عدم الترجيح هل تقضي هذه المعارضة إبطال دليل المستدل أم لا على قولين حكاهما الأستاذ أبو منصور ثم اختلفوا هل يجب على المعترض بيان انتفاء الوصف الذي عارض به الأصل عن الفرع على أقوال : الأول أنه لا يجب بل على المستدل أن بين ثبوته في الفرع ليصح الالحاق وإلا بطل الجمع الثاني أنه يجب على المعترض البيان لأن الفرق لا يتم إلا بذلك الثالث أنه إن قصد الفرق بين الأصل والفرع وجب عليه ذلك وإلا لم يجب وهو اختيار الآمدي وابن الحاجب وجواب هذه المعارضة يكون إما بمنع وجود الوصف في الأصل أو بمنع المناسبة أو منع الشبه إن أثبته بأحدهما لأن المعارضة لا تتم من المعترض إلا إذا كان الوصف الذي عارض به في الأصل مناسبا أو مشابها إذ لو كان طرديا لم تصح المعارضة أو بمنع كون الوصف الذي أبداه المعترض ظاهرا أو بمنع كونه منضبطا أو ببيان إلغاء الوصف الذي وقعت به المعارضة أو ببيان رجوعه إلى عدم وجود وصف في الفرع لا إلى ثبوت معارض في الأصل \r\n وأما المعارضة في الفرع فهي أن يعارض حكم الفرع بما يقتضي نقيضه أو ضده بنص أو إجماع أو بوجود مانع أو بفوات شرط فيقول ما ذكرت من الوصف وإن اقتضى ثبوت الحكم في الفرع فعندي وصف آخر يقتضي نقضيه نقيضه أو ضده بنص هو كذا أو إجماع على كذا أو بوجود مانع لما ذكرته من الوصف أو بفوات شرط له وقد قبل هذا الاعتراض أعني المعارضة في الفرع بعض أهل الأصول والجدل ونفاه آخرون فقالوا إن دلالة المستدل على ما ادعاه قد تمت قال الصفي الهندي وهو ظاهر الإدعاء إذا كانت المعارضة بفوات شرط \r\n وأما المعارضة في الوصف فهي على قسمين : أحدهما أن يكون بضد حكمه والثاني أن يكون في عين حكمه مع تعذر الجمع بينهما مثال الأول أن يقول المستدل في الوضوء إنها طهارة حكمية فتفتقر إلى النية قياسا على التيمم فيقول المعارض طهارة بالماء فلا تفتقر إلى النية قياسا على إزالة النجاسة فلا بد عند ذلك من الرتجيح ومثال الثاني أن يقول المعترض نفس هذا الوصف الذي ذكرته على خلاف ما تريده ثم يوضح ذلك بما يكون محتملا \r\n الاعتراض الثاني والعشرون : سؤال التعدية وهو أن يعين المعترض في الأصل معنى غير ما عينه المستدل ويعارضه به ثم يقول للمستدل ما عللت به وإن تعدى إلى فرع مختلف فيه فكذا ما عللت به أنا متعد إلى فرع آخر مختلف فيه وليس أحدهما أولى من الآخر وذلك كأن يقول المستدل بكر فجاز اختيارها كالصغيرة فيقول المعترض البكارة وإن تعدت إلى البكر البالغة فالصغر متعد إلى الثيب الصغيرة وقد اختلفوا في قبول هذا إبطال الاعتراض فقبله البعض ورده البعض وأدرجه الصفي الهندي في اعتراض المعارضة في الأصل \r\n وجوابه إبطال ما اعترض به وحذفه عن درجة الاعتبار واختلفوا هل يجب على المستدل أن يبين أنه لا أثر لما إليه المعترض من التسوية في التعدية أو لا يجب فقال الأكثرون لا يجب وقال بعض أهل الأصول يجب \r\n الاعتراض الثالث والعشرون : سؤال التركيب وهو أن يقول المعترض شرط حكم الأصل أن لا يكون ذا قياس مركب وهو قسمان مركب الأصل ومركب الوصف ومرجع الأول منع حكم الأصل أو منع العلة ومرجع الثاني منع الحكم أو منع وجود العلة في فرع وقد اختلفوا في قبوله فبعضهم قبله وبعضهم رده \r\n الاعتراض الرابع والعشرون : منع وجود الوصف المعلل به في الفرع كأن يقول المستدل في أمان العبد أمان صدر عن أهله كالعبد المأذون له في القتال فيقول المعترض لا نسلم أن العبد أهل للأمان وجوابه ببيان ما يثبت أهليته من حس أو عقل أو شرع وقد جعل بعضهم هذا الاعتراض مندرجا فيما تقدم \r\n الاعتراض الخامس والعشرون : المعارضة في الفرع وقد تقدم بيانه في الاعتراض الحادي والعشرين \r\n الاعتراض السادس والعشرون : المعارضة في الوصف وقد تقدم بيانه أيضا في الاعتراض الحادي والعشرين وإنما ذكرناهما هاهنا وهناك لأن كثيرا من أهل الأصول والجدل جعلوا المعارضة في الأصل اعتراضا والمعارضة في الفرع اعتراضا والمعارضة في الوصف اعتراضا وبعضهم جعل الثلاث المعارضات اعتراضا وبعضهم جعل الثلاث المعارضات اعتراضا اعتراضا واحدا ولا مشاحة في مثل ذلك فهو مجرد إصطلاح \r\n الاعتراض السابع والعشرون : إختلاف جنس المصلحة في الأصل والفرع كأن يقول المستدل بحد اللائط كما يحد الزاين لأنهما إيلاج محرم شرعا مشتهى طبعا فيقول المعترض : المصلحة في تحريمهما مختلفة ففي الزنا منع اختلاط الأنساب وفي اللواطة دفع رذيلة اللواطة وحاصله معارضة في الأصل بإبداء خصوصية ولهذا أدرجه بعضهم في اعتراض المعارضة في الأصل وبعضهم جعله اعتراضا مستقلا وجوابه بإلغاء الخصوصية \r\n الاعتراض الثامن والعشرون : أن يدعي المعترض المخالفة بين حكم الأصل وحكم الفرع وهو اعتراض متوجه إلى المقدمة القائلة فيوجد الحكم في الفرع كما وجد في الأصل وحاصل هذا أن دعوى المعترض للمخالفة إما أن تكون بدليل المستدل فيرجع إلى اعتراض القلب أو بغيره فيكون اعتراضا خاصا خارجا عما تقدم وقد جعله بعضهم مندرجا فيما تقدم ","part":1,"page":332},{"id":168,"text":" وهاهنا فوائد بهذه الاعتراضات \r\n اختلفوا هل يلزم المعترض أن يورد الأسئلة مرتبة بعضها مقدم على البعض ؟ إذا أورد أسئلة متعددة أم لا يلزمه ذلك بل يقدم ما شاء ويؤخر ما شاء فقال جماعة لا يلزمه الترتيب وقال آخرون يلزمه لأنه لو جاز إيرادها على أي وجه اتفق لأدى إلى التناقض كما لو جاء بالمنع بعد المعارضة أو بعد النقض أو بعد المعارضة فإنه ممتنع لأنه منع بعد تسليم وإنكار بعد إقرار قال الآمدي وهذا هو المختار وقيل إن اتحد جنس السائل كالنقض والمعارضة والمطالبة جاز إيرادها من غير تركيب لأنها بمنزلة سؤال واحد فإن تعددت أجناسها كالمنع مع المطالبة ونحو ذلك لم يجز وحكاه الآمدي عن أهل الجدل وقال اتفقوا على ذلك ونقل عن أكثر الجدليين أنه يقدم المنع ثم المعارضة ونحوها ولا يعكس هذا الترتيب وإلا لزم الانكار بعد الإقرار وقال جماعة من المحققين منهم : \r\n الترتيب المستحسن أن يبدى بالمطالبات أولا لأنه لا اذا لم يثبت اركان القياس لم يدخل في جملة الأدلة ثم بالقوادح لأنه لا يلزم من كونه على صورة الأدلة أن يكون صحيحا ثم إذا بدأ بالمنع فالأولى أن يقدم منع وجود الوصف في الفرع لأنه دليل الدعوى ثم منع ظهوره ثم منع إنضباطه ثم منع كونه علة في الأصل فإذا فرغ من المنوع شرع في القوادح فيبدأ بالقول بالموجب لوضوح مأخذه ثم بفساد الوضع ثم بالقدح في المناسبة ثم بالمعارضة وقال الأكثر من القدماء كما حكاه عنهم أبو الحسن السهيلي في أدب الجدل إنه يبدأ بالمنع من الحكم في الأصل لأنه إذا كان ممنوعا لم نجب على السائل أن يتكلم على كون الوصف ممنوعا أو مسلما ولا كون الأصل معللا بتلك العلة أو بغيرها ثم يطالبه بإثبات الوصف في الفرع ثم بإطراد العلة ثم بتأثيرها ثم بكونها غير فاسد الوضع ثم بكونه غير فاسد الاعتبار ثم بالقلب ثم بالمعارضة وقال جماعة من الجدليين والأصوليين إن أول ما يبدأ به الاستفسار ثم فساد الاعتبار ثم فساد الوضع ثم منع حكم الأصل ثم منع وجود العلة في الأصل ثم منع علية الوصف ثم المطالبة وعدم التأثير والقدح في المناسبة والتقسيم وعدم ظهور الوصف وانضباطه وكون الحكم غير صالح للإفضاء إلى ذلك المقصود ثم النقض والكسر ثم المعارضة والتعدية والتركيب ثم منع وجود العلة في الفرع ومخالفة حكمه حكم الأصل ثم القلب ثم القول بالموجب وقد قدمنا قول من قال أن جميع الأسئلة ترجع إلى المنع والمعارضة ووجه ذلك أنه متى حصل الجواب عن المنع والمعارضة فقد تم الدليل وحصل الغرض من إثبات المدعي ولم يبق للمعترض مجال فيكون ما سواهما من الأسئلة باطلا فلا يسمع لأنه لا يحصل الجواب عن جميع المنوع إلا بإقامة الدليل على جميع المقدمات وكذلك لا يحصل الجواب عن المعارضة إلا ببيان انتفاء المعارضة عن جميعها \r\n الفائدة الثانية : في الانتقال عن محل النزاع إلى غيره قبل تمام الكلام فيه منعه الجمهور لأنا لو جوزناه لم يأت إفحام الخصم ولا إظهار الحق لأنه يتنقل من كلام إلى كلام ثم كذلك إلى ما لا نهاية له فلا يحصل المقصود من المناظرة وهو إظهار الحق وإفحام المخالف له وهذا إذا كان الانتقال من المستدل وأما إذا كان من السائل بأن ينتقل من سؤاله قبل تمامه ويقول ظننت أنه لازم فبان خلافه فمكنوني من سؤال آخر : \r\n فقال بعضهم الأصح أنه يمكن من ذلك إذا كان انحدار من الأعلى إلى الأدنى فإن كان ترقيا من الأدنى إلى الأعلى لو أراد الترقي من المعارضة إلى المنع لم يمكن من ذل لأنه يكذب نفسه وقيل يمكن لأن مقصوده الإرشاد \r\n الفائدة الثالثة : في الفرض والبناء قالوا إنه يجوز للمستدل في الاستدلال ثلاث طرق : الأولى أن يدل على المسألة بعينها والثانية أن يفرض الدلالة في بعض شعبها وفصولها والثالثة أن يبني المسألة على غيرها فإن استدل عليها بعينها فواضح وإن أراد أن يفرض الكلام في بعض أحوالها جاز لأنه إذا كان الخلاف في الكل وثبت الدليل في بعضها ثبت في الباقي بالإجماع وإن أراد أن يفرض الدلالة في غير فرد من أفراد المسألة لم يجز وأما إذا أراد أن يبني المسألة على غيرها فأما يبينها على مسألة أصولية وإما أن يبينها على مسألة فروعية وعلى التقديرين إما أن يكون طريقها واحدة أو مختلفة فإن كانت واحدة جاز وإن كانت مختلفة لم يجز وهذا قول جمهور أهل الجدل وقال ابن فورك لا يجوز الفرض والبناء لأن حق الجواب أن يطابق السؤال وقال إمام الحرمين إنما يجوز إذا كانت علة الفرض شاملة لسائر الأطراف قال والمستحسن منه هو الواقع في طرف يشتمل عليه عموم سؤال السائل وذلك محمول على استشعار انتشار الكلام في جميع الأطراد وعدم وفاء مجلس واحد باستتمام الكلام فيها وحاصله إن ظهر انتظام العلة العامة في صورتين كان مستحسنا وإلا كان مستهجنا وفائدته كون العلة قد تخفى في بعض الصور وتظهر في بعض آخر فالتفاوت بالأولية خاصة والعلة واحدة \r\n الفائدة الرابعة : في جواز التعلق بمناقضات الخصوم قد وقع الاتفاق على أنه لا يجوز إثبات المذهب إلا بدليل شرعي ولكن اختلفوا في التعلق بمناقضات الخصوم في المناظرة فذهب جماعة إلى جوازه من حيث إن المقصود من الجدل تضييق الأمر على الخصم وذكر القاضي تفصيلا حسنأ فقال إن كانت المناقضة عائدة إلى تفاصيل أصل لا يرتبط فسادها وصحتها بفساد الأصل وصحته فلا يجوز التعلق بها وإلا جاز \r\n الفائدة الخامسة : في السؤال والجواب قال الصيرفي السؤال إما استفهام مجرد وهو الاستخبار عن المذهب أو عن العلة وإما استفهام عن الأدلة أي التماس وجه دلالة البرهان ثم المطالبة بنفوذ الدليل وجريانه وسبيل الجواب أن يكون إخبارا مجردا ثم الاستدلال ثم طرد الدليل ثم السائل في الابتداء إما أن يكون غير عالم بمذهب من يسأله أو يكون عالما به ثم إما أن يعلم صحته فسؤاله لا معنى له وإما أن لا يعلم فسؤاله راجع إلى الدليل والحاصل أن من أنكر الأصل الذي يستشهد به المجيب فسؤاله عنه أولى لأن الذي أحوجه إلى المسألة هو الخلاف فأما إذا كان الخلاف في الشاهد فالسؤال عنه أولى ","part":1,"page":347},{"id":169,"text":" الفصل السابع في الاستدلال \r\n وهو في اصطلاحهم ما ليس بنص ولا إجماع ولا قياس لا يقال هذا من تعريف بعض الأنواع ببعض وهو تعريف بالمساوي في الجلاء والخفاء بل هو تعريف للمجهول بالمعلوم لأنه قد سبق العلم بالنص والإجماع والقياس واختلفوا في أنواعه فقيل هي ثلاثة : الأول التلازم بين الحكمين من غير تعيين علة وإلا كان قياسا الثاني استصحاب الحال الثالث شرع من قبلنا قالت الحنفية ومن أنواعه نوع رابع وهو الاستحسان وقالت المالكية ومن أنواعه نوع خامس وهو المصالح المرسلة وسنفرد لكل واحد من هذه الأنواع بحثا ونلحق بها فوائد لاتصالها بها بوجه من الوجوه \r\n البحث الأول : في التلازم وهو أربعة أقسام لأن التلازم إنما يكون بين حكمين وكل واحد منهما إما مثبت أو منفي وحاصله إذا كان تلازم تساو فثبوت كل يستلزم ثبوت الآخر ونفيه نفيه وإن كان مطلق اللزوم فثبوت الملزوم يستلزم ثبوت اللازم من غير عكس ونفي اللازم يستلزم نفي الملزوم من غير عكس وخلاصة هذا البحث ترجع إلى الاستدلال بالأقيسة الاستثنائية والاقترانية قال الآمدي ومن أنواع الاستدلال قولهم وجد السبب والمانع أو فقد الشرط ومنها انتفاء الحكم لانتفاء مدركه ومنها الدليل المؤلف من أقوال يلزم من تسليمها لذاتها قول آخر ثم قسمه إلى الاقتراني والاسثنائي وذكر الاشكال الأربعة وشروطها وضروبها انتهى فليرجع في هذا البحث إلى ذلك الفن وإذا كان هذا لا يجري إلا فيما فيه تلازم أو تناف فالتلازم إما أن يكون طردا أو عكسا أي في الطرفين أو طردا لا عكسا أي من طرف واحد والتنافي لا بد أن يكون من الطرفين لكنه إما أن يكون طردا وعكسا أي إثباتا ونفيا وأما طردا فقط أي إثباتا وإما عكسا فقط أي نفيا : \r\n الأول : المتلازمان طردا وعكسا وذلك كالجسم والتأليف إذ كل جسم مؤلف وكل مؤلف جسم وهذا يجري فيه التلازم بين الثبوتين وبين النفيين كلاهما طردا وعكسا فيصدق كلما كان جسما كان مؤلفا وكلما كان مؤلفا كان جسما وكلما لم يكن مؤلفا لم يكن جسما وكلما لم يكن جسما لم يكن مؤلفا \r\n الثاني : المتلازمان طردا فقط كالجسم والحدوث إذ كل جسم حادث ولا ينعكس في الجوهر الفرد فهذا يجري فيه التلازم بين الثبوتين طردا فيصدق كلما كان جسما كان حادثا لا عكسا فلا يصدق كلما كان حادثا كان جسما ويجري فيه التلازم بين النفيين عكسا فيصدق كلما لم يكن حادثا لم يكن جسما لا طردا فلا يصدق كلما لم يكن جسما لم يكن حادثا \r\n الثالث : المتنافيان طردا وعكسا كالحدوث ووجوب البقاء فإنهما لا يجتمعان في ذات فتكون حادثة واجبة البقاء ولا يرتفعان فيكون قديما غير واجب البقاء فهذا يجري فيه التلازم بين الثبوت والنفي وبين النفي والثبوت طردا وعكسا أي من الطرفين فيصدق لو كان حادثا لم يجب بقاؤه ولو وجب بقاؤه لم يكن حادثا فلا يجب بقاؤه ولو لم يجب بقاؤه فلا يكون حادثا \r\n الرابع : المتنافيان طردا لا عكسا إي إثباتا لا نفيا كالتأليف والقدم إذ لا يجتمعان فلا يوجد شيء هو مؤلف وقديم لكنهما قد يرتفعان كالجزء الذي لا يتجزأ وهذا يجري فيه التلازم بين الثبوت والنفي طردا وعكسا أي من الطرفين فيصدق كلما كان جسما لم يكن قديما وكلما كان قديما كان جسما \r\n الخامس : المتنافيان عكسا أي نفيا كالأساس والخلل فإنهما لا يرتفعان فلا يوجد ما ليس له أساس ولا يختل وقد يجتمعان في كل ما له أساس قد يختل بوجه آخر وهذا يجري فيه تلازم النفي والإثبات طردا وعكسا فيصدق كل ما لم يكن له أساس فهو مختل وكل ما لم يكن مختلا فليس له أساس ولا يصدق كل ما كان له أساس فليس بمختل وكل ما كان مختلا فليس له أساس وما قدمنا عن الآمدي أن من أنواع الاستدلال قولهم وجد السبب الخ هو أحد الأقوال لأهل الأصول وقال بعضهم إنه ليس بدليل وإنما هو دعوى دليل فهو بمثابة قولهم وجد دليل الحكم فيوجد الحكم لا يكون دليلا ما لم يعين وإنما الدليل ما يستلزم المدلول وقال بعضهم هو دليل إذ لا معنى للدليل إلا ما يلزم من العلم بالمدلول والصواب القول الأول أنه استدلال لا دليل ولا مجرد دعوى واعلم أنه يرد على جميع أقسام التلازم من الاعتراضات السابقة جميع ما تقدم ما عدى الاعتراضات الواردة على نفس العلة \r\n البحث الثاني الاستصحاب : أي استصحاب الحال لأمر وجودي أو عدمي عقلي أو شرعي ومعناه أن ما ثبت في الزمن الماضي فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل مأخوذ من المصاحبة وهو بقاء ذلك لأمر ما لم يوجد ما يغيره فيقال الحكم الفلاني قد كان فيما مضى وكلما كان فيما مضى ولم يظن عدمه فهو مظنون البقاء قال الخوارزمي في الكافي وهو آخر مدار الفتوى فإن المفتي إذا سئل عن حادثة يطلب حكمها في الكتاب ثم في السنة ثم في الإجماع ثم في القياس فإن لم يجده فيأخد حكمها من استصحاب الحال في النفي والاثبات فإن كان التردد في زواله فالأصل بقاؤه وإن كان التردد في ثبوته فالأصل عدم ثبوته انتهى واختلفوا هل هو حجة عند عدم الدليل على أقوال الأول ؟ أنه حجة وبه قالت الحنابلة وإنما المالكية وأكثر الشافعية والظاهرية سواء كان في النفي أو الاثبات وحكاه ابن الحاجب عن الأكثرين : الثاني أنه ليس بحجة وإليه ذهب أكثر الحنفية والمتكلمين كأبي الحسين البصري قالوا لأن الثبوت في الزمان الأول يفتقر إلى الدليل فكذلك في الزمان الثاني لأنه يجوز أن يكون وأن يكون وهذا خاص عندهم بالشرعيات بخلاف الحسيات فإن الله سبحانه أجرى العادة فيها بذلك ولم يجر العادة به في الشرعيات فلا تلحق بالحسيات ومنهم من نقل عنه تخصيص النفي بالأمر الوجودي ومنهم من نقل عنه الخلاف مطلقا قال الصفي الهندي وهو يققتضي تحقق الاختلاف في الوجودي والعدمي جميعا لكنه بعيد إذ تفاريعهم تدل على أن استصحاب العدم الأصلي حجة قال الزركشي والمنقول في كتب أكثرالحنفية أنه لا يصلح حجة على الغير ولكن يصلح للرفع والدفع وقال أكثر المتأخرين منهم أنه حجة لإبقاء ما كان ولا يصلح حجة لإثبات أمر لم يكن الثالث أنه حجة على المجتهد فيما بينه وبين الله عز و جل فإنه لا يكلف إلا ما يدخل تحت مقدوره فإذا لم يجد دليلا سواه جاز له التمسك ولا يكون حجة على الخصم عند المناظرة فإن المجتهدين إذا تناظروا لم ينفع المجتهد قوله لم أجد دليلا على هذا لأن التمسك بالاستصحاب لا يكون إلا عند عدم الدليل الرابع أنه يصلح حجة للدفع وإليه ذهب أكثر الحنفية قال الكيا ويعبرون عن هذا باستصحاب الحال صالح لأبقاء ما كان على ما كان إحالة على عدم الدليل لا لإثبات أمر لم يكن وقد قدمنا أن هذا قول أكثر المتأخرين منهم الخامس أنه يجوز الترجيح به لا غير نقله الأستاذ أبو إسحاق عن الشافعي وقال إنه الذي يصح عنه لا أنه يحتج به السادس أن المستصحب إن لم يكن غرضه سوى نفي ما نفاه صح ذلك وإن كان غرضه إثبات خلاف قوله خصمه من وجه يمكن استصحاب الحال في نفي ما أثبته فلا يصح حكاه الأستاذ أبو منصور البغدادي عن بعض اصحابه الشافعي قال الزركشي لا بد من تنقيح موضع الخلاف فإن أكثر الناس يطلقه ويشتبه عليهم موضع النزاع فنقول للإستصحاب صور إحداهما استصحاب ما دل العقل والشرع على ثبوته ودوامه كالملك عند جريان القول المقتضى له وشغل الذمة عند جريان إتلاف أو التزام ودوام الحل في المنكوحة بعد تقرير النكاح فهذا لا خلاف في وجوب العمل به إلى أن يثبت معارض قال : الثانية استصحاب العدم الأصلي المعلوم بدليل العقل في الأحكام الشرعية كبراءة الذمة من التكليف حتى يدل دليل شرعي على تغيره كنفي صلاة سادسة قال القاضي أبو الطيب وهذا حجة بالإجماع من القائلين بأنه لا حكم قبل الشرع فإن الثالثة استصحاب الحكم العقلي عند المعتزلة فإن عندهم أن العقل يحكم في بعض الأشياء إلى أن يرد الدليل السمعي وهذا لا خلاف بين أهل السنة في أنه لا يجوز العمل به لأنه لا حكم للعقل في الشرعيات قال : الرابعة استصحاب الدليل مع احتمال المعارض إما تخصيصا إن كان الدليل ظاهرا أو نسخا إن كان الدليل نصا فهذا أمر معمول به إجماعا وقد اختلف في تسمية هذا النوع بالاستصحاب فأثبته جمهور الأصوليين ومنعه المحققون منهم إمام الحرمين في البرهان و الكيا في تعليقه وابن السمعاني في القواطع لأن ثبوت الحكم فيه من ناحية اللفظ لا من ناحية اللفظ لا من ناحية الإستصحاب \r\n قال الخامسة الحكم الثابت بالإجماع في محل النزاع وهو راجع إلى الحكم الشرعي بأن يتفق على حكم في حالة ثم يتغير صفة المجمع عليه فيختلفون فيه فيستدل من لم يغير الحكم باستصحاب الحال مثاله إذا استدل من يقول إن المتيمم إذا رأى الماء في أثناء صلاته لا تبطل صلاته لأن الإجماع منعقد على صحتها قبل ذلك فاستصحب إلى أن يدل دليل على أن رؤية الماء مبطلة وكقول الظاهرية يجوز بيع أم الولد لأن الإجماع انعقد على جواز بيع هذه الجارية قبل الاستيلاد فنحن على ذلك الإجماع بعد الاستيلاد وهذا النوع هو محل الخلاف كما قاله في القواطع وهكذا فرض أئمتنا الأصوليون الخلاف فيها فذهب الأكثرون منهم القاضي الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ والغزالي إلى أنه ليس بحجة قال الأستاذ أبو منصور وهو قول جمهور اهل الحق من الطوائف وقال المارودي والروياني في كتاب القضاء إنه قول الشافعي وجمهور العلماء فلا يجوز الاستدلال بمجرد الاستصحاب بل إن اقتضى القياس أو غيره ألحاقه بما قبل ألحق به وإلا فلا قال وذهب أبو ثور وداود الظاهري إلى الاحتجاج به ونقله ابن السمعاني عن المزني وابن سريج والصيرفي وابن خيران وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أبي الحسين بن القطان قال واختاره الآمدي وابن الحاجب قال سليم الرازي في التقريب إنه الذي ذهب إليه شيوخ اصحابنا فيستصحب حكم الإجماع حتى يدل الدليل على ارتفاعه انتهى والقول الثاني هو الراجح لأن المتمسك بالاستصحاب باق على الأصل قائم في مقام المنع فلا يجب عليه الانتقال عنه إلا بدليل يصلح لذكل فمن ادعاه جاء به \r\n البحث الثالث : شرع من قبلنا وفي ذلك مسألتان : \r\n المسألة الأولى : هل كان نبينا ضصض قبل البعثة متعبدا بشرع أم لا ؟ وقد اختلفوا في ذلك على مذاهب فقيل أنه ضصض كان متعبدا قبل البعثة بشريعة آدم لأنها أول الشرائع وقيل بشريعة نوح لقوله تعالى : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } وقيل بشريعة إبراهيم لقوله تعالى : { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي } وقوله { أن اتبع ملة إبراهيم } قال الواحدي وهذا هو الصحيح قال ابن القشيري في المرشد وعزي إلى الشافعي قال الأستاذ أبو منصور وبه نقول وحكاه صاحب المصادر عن أكثر أصحاب أبي حنيفة وإليه أشار أبو علي الجبائي وقيل كان متعبدا بشريعة موسى وقيل بشريعة عيسى لأنه أقرب الأنبياء ولأنه الناسخ لما قبله من الشرائع وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائني كما حكاه عنه الواحدي وقيل كان على شرع من الشرائع ولا يقال كان من أمة نبي من الأنبياء أو على شرعه قال ابن القشيري في المرشد وإليه كان يميل الأستاذ أبو إسحاق وقيل كان متعبدا بشريعة كل من قبله من الأنبياء إلا ما نسخ منها واندرس حكاه صاحب الملخص وقيل كان متعبدا بشرع ولكن لا ندري بشرع من تعبده الله حكاه ابن القشيري وقيل لم يكن قبل البعثة متعبدا بشرع حكاه في المنخول عن إجماع المعتزلة قال القاضي في مختصر التقريب وابن القشيري هو الذي صار إليه جماهير المتكلمين قال جمهورهم إن ذلك محال عقلا إذ لو تعبد باتباع أحد لكان غضا من نبوته وقال بعضهم بل كان على شريعة العقل قال ابن القشيري وهذا باطل إذ ليس للعقل شريعة ورجح هذا المذهب أعني عدم التعبد بشرع قبل البعثة القاضي وقال هذا ما ترتضيه وتنصره لأنه كان على دين لنقل ولذكره ضصض إذ لا يظن به الكتمان وعارض ذلك إمام الحرمين وقال لو لم يكن على دين أصلا لنقل فإن ذلك أبعد عن المعتاد مما ذكره القاضي قال فقد تعارض الأمران والوجه أن يقال كانت العادة انحرفت في أمور الرسول ضصض بانصرافهم الناس عن أمر دينه والبحث عنه ولا يخفى ما في هذه المعارضة من الضعف وسقوط ما زمه عليها وقيل بالوقف وبه قال إمام الحرمين وابن القشيري والكيا والغزالي والآمدي والشريف المرتضى واختاره النووي في الروضة قالوا إذ ليس فيه دلالة عقل ولا ثبت فيه نص ولا إجماع قال ابن القشيري في المرشد بعد حكاية الاختلاف في ذلك وكل هذه أقوال متعارضة وليس دلالة قاطعة والعقل يجوز ذلك لكن أين السمع فيه انتهى قال إمام الحرمين هذه المسألة لا تظهر لها فائدة بل تجري مجرى التواريخ المنقولة ووافقه المازري والماوردي وغيرهما وهذا صحيح فإنه لا يتعلق بذلك فائدة باعتبار هذه الأمة ولكنه يعرف به في الجملة شرف تلك الملة التي تعبد بها وفضلها على غيرها من الملل المتقدمة على ملته وأقرب هذه الأقوال قول من قال إنه كان متعبدا بشريعة إبراهيم عليه السلام فقد كان ضصض كثير البحث عنها عاملا بما بلغ إليه منها كما يعرف ذلك من كتب السير وكما تفيده الآيات القرآنية من أمره ضصض بعد البعثة باتباع تلك الملة فإن ذلك يشعر بمزيد خصوصية لها فلو قدرنا أنه كان على شريعة قبل البعثة لم يكن إلا عليها \r\n المسألة الثانية : اختلفوا هل كان متعبدا بعد البعثة بشرع من قبله أم لا ؟ على أقوال : \r\n الأول : أنه لم يكن متعبدا باتباعها بل كان منهيا عنها وإليه ذهب الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في آخر قوليه واختاره الغزالي في آخر عمره قال ابن السمعاني إنه المذهب الصحيح وكذا قال الخوارزمي في الكافي واستدلوا بأنه ضصض لما بعث معاذا إلى اليمن لم يرشده إلا إلى العمل بالكتاب والسنة ثم اجتهاد الرأي وصحح هذا القول ابن حزم واستدلوا أيضا بقوله تعالى : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } وبالغت المعتزلة فقالت باستحالة ذلك عقلا وقال غيرهم العقل لا يحيله ولكنه ممتنع شرعا واختاره الفخر الرازي والآمدي \r\n القول الثاني : أنه كان متعبدا بشرع من قبله إلا ما نسخ منه نقله ابن السمعاني عن أكثر الشافعية وأكثر الحنفية وطائفة من المتكلمين قال ابن القشيري هو الذي صار إليه الفقهاء واختاره الرازي وقال إنه قول أصحابهم وحكاه الأستاذ أبو منصور عن محمد بن الحسن واختاره الشيخ أبو إسحاق واختاره ابن الحاجب وقال ابن السمعاني وقد أومأ إليه الشافعي في بعض كتبه قال القرطبي وذهب إليه معظم أصحابنا يعني المالكية قال القاضي عبد الوهاب إنه الذي تقتضيه أصول مالك واستدلوا بقوله سبحانه : { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } الآية فإن ذلك مما استدل به في شرعنا على وجوب القصاص ولو لم يكن متعبدا بشرع من قبله لما صح الاستدلال بكون القصاص واجبا في شرع بني إسرائيل على كونه واجبا في شرعه واستدلوا أيضا بأنه ضصض لما قال من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها قرأ قوله تعالى : { وأقم الصلاة لذكري } وهي مقولة لموسى فلو لم يكن متعبدا بشرع من قبله لما كان لتولاة الآية عند ذلك فائدة واستدلوا بما ثبت عن ابن عباس أنه سجد في صورة ص وقرأ قوله تعالى : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } فاستنبط التشريع من هذه الآية واستدلوا أيضا بما ثبت في الصحيح أنه كان ضصض يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه ولولا ذلك لم يكن لمحبته للموافقة فائدة ولا أوضح ولا أصرح في الدلالة على هذا المذهب من قوله تعالى : { فبهداهم اقتده } وقوله { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } \r\n القول الثالث : الوقف حكاه ابن القشيري وابن البرهان وقد فصل بعضهم تفصيلا حسنا فقال إنه إذا بلغنا شرع من قبلنا على لسان الرسول أو لسان الرسول أو لسان من أسلم كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار ولم يكن منسوخا ولا مخصوصا فإنه شرع لنا وممن ذكر هذا القرطبي ولا بد من هذا التفصيل على قول القائلين بالتعبد لما هو معلوم من وقوع التحريف والتبديل فإطلاقهم مقيد بهذا القيد ولا أظن أحدا منهم يأباه \r\n البحث الرابع : الاستحسان واختلف في حقيقة فقيل هو دليل ينقدح في نفس المجتهد ويعسر عليه التعبير عنه وقيل هو العدول عن قياس إلى قياس أقوى وقيل هو العدول عن الحكم إلى العادة لمصلحة الناس قيل تخصيص قياس بأقوى منه ونسب القول به إلى أبي حنيفة وحكى عن أصحابه ونسبه إمام الحرمين إلى مالك وأنكره القرطبي فقال ليس معروفا من مذهبه وكذلك أنكر اصحاب أبي حنيفة ما حكى عن الحنابلة قال ابن الحاجب في المختصر قالت به الحنفية والحنابلة وأنكره غيرهم انتهى وقد أنكره الجمهور حتى قال الشافعي من استحسن فقد شرع قال الروياني معناه أنه ينصب من جهة نفسه شرعا غير الشرع وفي رواية عن الشافعي أنه قال القول بالاستحسان باطل وقال الشافعي في الرسالة الاستحسان تلذذ ولو جاز لأحد الاستحسان في الدين لجاز ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم ولجاز أن يشرع في الدين في كل باب وأن يخرج كل أحد لنفسه شرعا قال جماعة من المحققين الحق أنه لا يتحقق استحسان مختلف فيه لأنهم ذكروا في تفسيره أمور لا تصلح للخلاف لأن بعضها مقبول اتفاقا وبعضها متردد بين ما هو مقبول اتفاقا وما هو مردود اتفاقا وجعلوا من صور الاتفاق على القبول قول من قال إن الاستحسان العدول عن قياس إلى قياس أقوى وقول من قال إنه تخصيص قياس بأقوى منه وجعلوا من المتردد بين القبول والرد قول من قال إنه دليل ينقدح في نفس المجتهد ويصر علي التعبير عنه لأنه إن كان معنى قوله ينقدح أنه يتحقق ثبوته والعمل به واجب عليه فهو مقبول اتفاقا وإن كان بمعنى أنه شاك فهو مردود اتفاقا إذ لا يثبت الأحكام بمجرد الاحتمال والشك وجعلوا من المتردد ايضا قول من قال إنه العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس فقالوا إن كان العادة هي الثابتة في زمن النبي ضصض فقد ثبت بالسنة وإن كانت هي الثابتة في عصر الصحابة من غير إنكار فقد ثبت بالأجماع وأما غيرها فإن كان نصا وقياسا مما ثبت حجيته فقد ثبت ذلك به وإن كان شيئا آخر لم تثبت حجيته فهو مردود قطعا وقد ذكر الباجي أن الاستحسان الذي ذهب إليه أصحاب مالك هو القول بأقوى الدليلين كتخصيص بيع العرايا من بيع الرطب بالتمر قال وهذا هو الدليل فإن سموه استحسانا فلا مشاحة في التسمية وقال ابن الأنباري الذي يظهر من مذهب مالك القول بالاستحسان لا على ما سبق بل حاصله استعمال مصلحة جزئية في مقابلة قياس كلي فهو يقدم الاستدلال المرسل على القياس ومثاله لو اشترى سلعة بالخيار ثم مات وله ورثة فقيل يرد وقيل يختار الامضاء قال أشهب القياس الفسخ ولكنا نستحسن إن أراد الامضاء أن يأخذ من لم يمض إذا امتنع البائع من قبوله نصيب الراد قال ابن السمعاني إن كان الاستحسان هو القول بما يستحسنه الانسان ويشتهيه من غير دليل فهو باطل ولا أحد يقول به ثم ذكر أن الخلاف لفظي ثم قال فإن تفسير الاستحسان بما يشنع به عليهم لا يقولون به وإن تفسير الاستحسان بالعدول عن دليل إلى دليل أقوى منه فهذا مما لم ينكره أحد عليه لكن هذا الإسم لا يعرف إسما لما تقاربه وقد سبقه إلى مثل هذا القفال فقال إن كان المراد بالاستحسان ما دلت الأصول بمعانيها فهو حسن لقيام الحجة به قال فهذا لا ننكره ونقول وبه وإن كان ما يقع في الوهم من استقباح الشيء واستحسانه من غير حجة دلت عليه من أصل ونظير فهو محظور والقول به غير سائغ قال بعض المحققين الاستحسان كلمة يطلقها أهل العلم على ضربين : أحدهما واجب بالإجماع وهو أن يقدم الدليل الشرعي أو العقلي لحسنه فهذا يجب العمل به لأن الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع والضرب الثاني أن يكون على مخالفة ادليل مثل أن يكون الشيء محظورا بدليل شرعي وفي عادات الناس التحقيق فهذا عندنا يحرم القول به ويجب اتباع الدليل وترك العادة والرأي سواء كان ذلك الدليل نصا أو إجماعا أو قياسا انتهى فعرفت بمجموع ما ذكرنا أن ذكر الاستحسان في بحث مستقل لا فائدة فيه أصلا لأنه إن كان راجعا إلى الأدلة المتقدمة فهو تكرار وإن كان خارجا عنها فليس من الشرع في شيء بل هو من التقول على هذه الشريعة بما لم يكن فيها تارة وبما يضادها أخرى \r\n البحث الخامس : المصالح المرسلة قد قدمنا الكلام فيها في مباحث القياس وسنذكر هاهنا بعض ما يتعلق بها تتميما للفائدة ولكونها قد ذكرها جماعة من أهل الأصول في مباحث الاستدلال ولهذا سماها بعضهم بالاستدلال المرسل وأطلق إمام الحرمين وابن السمعاني عليها إسم استدلال قال الخوارزمي والمراد بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق قال الغزالي هي أن يوجد معنى يشعر بالحكم مناسب عقلا ولا يوجد أصل متفق عليه وقال ابن برهان هي ما لا تستند إلى أصل كلي ولا جزئي وقد اختلفوا في القول بها على مذاهب : الأول منع التمسك بها مطلقا وإليه ذهب الجمهور الثاني الجواز مطلقا وهو المحكى عن مالك قال الجويني في البرهان وأفرط في القول بها حتى جزاه إلى استحلال القتل وأخذ المال لمصالح يقتضيها في غالب الظن وإن لم يجد لها مستندا وقد حكى القول بها ومنهم القرطبي وقال ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى عدم الاعتماد عليها وهو مذهب مالك قال وقد اجترأ إمام الحرمين الجويني وجازف فيما نسبه إلى مالك من الافراط في هذا الأصل وهذا الأصل وهذا لا يوجد في كتب مالك ولا في شيء من كتب أصحابه قال ابن دقيق العيد الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحا على غيره من الفقهاء في هذا النوع ويليه أحمد بن حنبل ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتباره في الجملة ولكن لهذين ترجيح في الاستعمال لها على غيرهما انتهى قال القرافي هي عند التحقيق في جميع المذاهب لأنهم يقومون ويقعدون بالمناسبة ولا يطلبون شاهدا بالاعتبار ولانعني بالمصلحة المرسلة إلا ذلك الثالث إن كانت ملائكة لأصل كلي من أصول الشرع أو لأصل جزئي جاز بنا الأحكام عليها ولا فلا حكاه ابن برهان في الوجيز عن الشافعي وقال إنه الحق المختار قال إمام الحرمين ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنفية إلى تعليق الأحكام بالمصالح المرسلة بشرط الملاءمة للمصالح المعتبرة المشهود لها بالأصول الرابع إن كانت تلك المصلحة ضرورية قطعية كلية كانت معتبرة فإن فقد أحد هذه الثلاثة لم تعتبر والمراد بالضرورية أن تكون من الضروريات الخمس وبالكلية أن تعم جميع المسلمين لا لو كانت لبعض الناس دون بعض أو في حالة مخصوصة دون حالة واختار وبالكلية أن تعم جميع المسلمين لا لو كانت لبعض الناس دون بعض أو في حالة مخصوصة دون حالة واختار هذا الغزالي والبيضاوي ومثل الغزالي للمصلحة المستجمعة بمسألة الترس وهي ماذا تترس الكفار بجماعة من المسلمين وإذا رمينا قتلنا مسلما من دون جريمة منه ولو تركنا الرمي لسلطنا الكفار على المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارىالذين تترسوا بهم فحفظ المسلمين بقتل من تترسوا به من المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع لأنا نقطع أن الشرع يقصد تقليل القتل كما يقصد حسمه عند الإمكان فحيث لم نقدر على الحسم فقد قدرنا على التقليل وكان هذا التفاتا إلأى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودة للشرع لا بدليل واحد بل بأدلة خارجة على الحصر ولكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب لم يشهد له اصل فينقدح اعتبار هذه المصلحة بالأوصاف الثلاثة وهي كونها ضرورية كلية قطعية فخرج بالكلية فإذا اشرف جماعة في سفينة على الغرق ولو غرق بعضهم لنجوا فلا يجوز تغريق البعض وبالقطعية ما إذا شككنا في كون الكفار يتسلطون عن عدم رمي الترس إذ لا ضرورة بنا إلى أخذ القعلة قال القرطبي هي بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها وأما ابن المنير فقال هو احتكام من قائلة ثم هو تصويرها بما لا يمكن عادة ولا شرعا أما عادة فلأن القطع في الحوادث المستقلة لا سبيل إليه إذ هو عبث وعناد وأما شرعا فلأن الصادق المعصوم قد أخبرنا بأن الأمة لا يتسلط عدوها عليها ليستأصل شأفتها قال وحاصل كلام الغزالي رد الاستدلال بها لتضيقه في قبولها باشتراط ما لا يتصور وجوده انتهى قال الزركشي وهذا تحامل منه فإن الفقيه يفرض المسائل النادرة لاحتمال وقوعها بل المستحيلة لرياضة الأفهام ولا حجة له في الحديثة لأن المراد به كافة الخلق وتصوير الغزالي إما هو في أهل محلة يخصوصهم استولى عليهم الكفار لا جميع العالم وهذا واضح انتهى قال ابن دقيق العيد لست أنكر على من اعتبر أصل المصالح لكن الاسترسال فيها وتحقيقها محتاج إلى نظر سديد وربما يخرج عن الحد وقد نقلوا عن عمر رضي الله عنه أنه قطع لسان الحطيئة بسبب الهجو فإن صح ذلك فهو من باب العزم على المصالح المرسلة وحمله على التهديد الرادع للمصلحة أولى من حمله على حقيقة القطع للمصلحة وهذا يجر إلى النظر فيما يسمى مصلحة مرسلة قال وشاورني بعض القضاءة في قطع أنملة شاهد والغرض منعه عن الكتابة بسبب قطعها وكل هذا منكرات عظيمة الموقع في الدين واسترسال قبيح في أذى المسلمين انتهى ","part":1,"page":350},{"id":170,"text":" فوائد لها بعض اتصال بمباحث الاستدلال \r\n الفائدة الأولى : في قول الصحابي اعلم أنهم قد اتفقوا على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس بحجة على صحابي آخر وممن نقل هذا الاتفاق القاضي أبو بكر والآمدي وابن الحاجب وغيرهم واختلفوا هل يكون حجة على من بعد الصحابة من التابعين ومن بعدهم على أقوال : الأول أنه ليس بحجة مطلقا وإليه ذهب الجمهور الثاني أنه حجة شرعية مقدمة على القياس وبه قال أكثر الحنفية ونقل عن مالك وهو قول الشافعي الثالث أنه حجة إذا انضم إليه القياس فيقدم حينئذ على قياس ليس معه قول صحابي وهو ظاهر قول الشافعي في الرسالة قال وأقوال الصحابة إذا تفرقوا نصير منها إلى ما وافق الكتاب أو السنة أو الإجماع أو ما كان أصح في القياس وإذا قال واحد منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم له فيه موافقة ولا مخالفة صرت إلى اتباع قول واحدهم إذا لم أجد كتابا ولا سنة ولا إجماعا ولا شيئا يحكم له بحكمه أو وجد معه قياس انتهى وحكى القاضي حسين وغيره من أصحاب الشافعي عنه أنه يرى في الجديد أن قول الصحابي حجة إذا عضده القياس وكذا حكاه عنه القفال الشاشي وابن القطان قال القاضي في التقريب إنه قاله الشافعي في الجديد واستقر عليه مذهبه وحكاه عنه المزني وابن أبي هريرة الرابع أنه حجة إذا خالف القياس لأنه لا محمل له إلا التوقيف وذلك القياس والتحكم في دين الله باطل فيعلم أنه لا يقلد إلا توقيفا قال ابن برهان في الوجيز وهذا هو الحق المبين قال : ومسائل الإمامين أبي حنيفة والشافعي رحمهما الله تدل عليه انتهى ولا يخفاك أن الكلام في قول الصحابي إذا كان ما قاله من مسائل الاجتهاد أما إذا لم يكن منها ودل دليل على التوقيف فليس مما نحن بصدده والحق أنه ليس بحجة فإن الله سبحانه لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبينا محمدا ضصض وليس لنا إلا رسول واحد وكتاب واحد وجميع الأمة مأمور باتياع كتابة وسنة نبيه ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم في ذلك فكلهم مكلفون بالتكاليف الشرعية وباتباع الكتاب والسنة فمن قال إنها تقوم الحجة في دين الله عز و جل بغير كتاب الله وسنة رسوله وما يرجع إليهما قد قال في دين الله لا يثبت وأثبت في هذه الشريعة الإسلامية شرعا لم يأمر الله وهذا أمر عظيم وتقول بالغ فإن الحكم لفرد أو أفراد من عباد الله بأن قوله أو اقوالهم حجة على المسلمين يجب عليهم العمل به وتصير شرعا ثابتا متقررا تعم به البلوى مما لا يدان الله عز وزجل به ولا يحل لمسلم الركون إليه ولا العمل عليه فإن هذا المقام لم يكن إلا لرسل الله الذين أرسلهم بالشرائع إلى عباده لا لغيرهم وإن بلغ في العلم والدين وعظم المنزلة أي مبلغ ولا شك أن مقام الصحبة مقام عظيم ولكن ذلك في الفضيلة وارتفاع الدرجة وعظمة الشأن وهذا مسلم لا شك فيه ولهذا مد أحدهم لا يبلغه من غيرهم الصدقة بأمثاله الجبال ولا تلازم بين هذا وبين جعل كل واحد منهم بمنزلة رسول الله ضصض في حجة قوله وإلزام الناس باتباعه فإن ذلك مما لم يأذن الله به ولا ثبت عنه فيه حرف واحد وأما ما تمسك به بعض القائلين بحجية قول الصحابي مما روى عنه ضصض أنه قال [ أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ] فهذا مما لم يثبت قط والكلام فيه معروف عند أهل هذا الشأن بحيث لا يصح العمل بمثله في أدنى حكم من أحكام الشرع فكيف مثل هذا الأمر العظيم والخطب الجليل على أنه لو ثبت من وجه صحيح لكان معناه أن مزيد عملهم بهذه الشريعة المطهرة الثابتة من الكتابة والسنة وحرصهم على اتباعها ومشيهم على طريقتها يقتضي أن اقتداء الغير بهم في العمل بها واتباعها هداية كاملة لأنه لو قيل لأحدهم لم قلت كذا لم فعلت كذا لم يعجز من إبراز الحجة من الكتاب والسنة ولم يتلعثم في بيان ذلك وعلى مثل هذا الحمل يحمل ما صح عنه ضصض من قوله [ اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ] وما صح عنه من قوله ضصض [ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الهادين ] فاعرف هذا واحرص عليه فإن الله لم يجعل إليك وإلى سائر هذه الأمة رسولا إلا محمدا ضصض ولم يأمرك باتباع غيره ولا شرع لك على لسان سواه من أمته حرفا واحدا ولا جعل شيئا منه الحجة عليك في قول غيره كائنا من كان \r\n الفائدة الثانية : الأخذ بأقل ما قيل فإنه أثبته الشافعي والقاضي أبو بكر الباقلاني قال القاضي عبد الوهاب وحكى بعض الأصوليين إجماع أهل النظر عليه قال ابن السمعاني وحقيقته أن يختلف المختلفون في أمر على أقاويل فيأخذ بأقلها إذا لم يدل على الزيادة دليل قال القفال الشاشي هو أن يرد الفعل عن النبي ضصض مبينا لمجمل ويحتاج إلى تجديده فيصار إلى ما يوجد كما قال الشافعي في أقل الجزية إنه دينار وقال ابن القطان هو أن يختلف الصحابي في تقديره فيذهب بعضهم إلى مائة مثلا وبعضهم إلى خمسين فإن كان ثم دلالة تعضد أحد القولين صير إليها وإن لم يكن دلالة فقد اختلف فيه أصحابنا فمنهم من قال يأخذ بأقل ما قيل ويقول إن هذا مذهب الشافعي لأنه قال أن دية اليهود الثلث وحكى اختلاف الصحابة فيه وأن بعضهم قال بالمساواة وبعضهم قال بالثلث فكان هذا أقلها \r\n وقسم ابن السمعاني إلى قسمين : \r\n أحدهما : أن يكون ذلك فيما أصله البراءة فإن كان الاختلاف في وجوب الحق وسقوطه كان سقوطه أولى لموافقة براءة الذمة ما لم يقم دليل الوجوب وإن كان الاختلاف في قدره بعد الاتفاق على وجوبه كدية الميت إذا وجبت على قاتله فهل يكون الأخذ بأقله دليلا اختلف أصحاب الشافعي فيه \r\n القسم الثاني : أن يكون مما هو ثابت في الذمة كالجمعة الثابت فرضها مع اختلاف العلماء في عدد انعقادها فلا يكون الأخذ بالأقل دليلا لارتهان الذمة بها فلا تبرى الذمة عنه إلا بدليل لأن الذمة تبرأ بالأكثر إجماعا وفي الأقل خلاف فلذلك جعلها الشافعي تنعقد بأربعين لأن هذا العدد أكثر ما قيل الثاني : لا يكون دليلا لأنه لا ينعقد من الخلاف دليل انتهى والحاصل أنهم جعلوا الأخذ بأقل ما فيها متركبا من الإجماع والبراءة الأصلية وقد أنكر جماعة الأخذ بأقل ما قيل قال ابن حزم وإنما إذا أمكن ضبط أقوال جميع أهل الإسلام ولا سبيل إليه وحكى قولا بأنه يؤخذ بأكثر ما قيل ليخرج من عهدة التكليف بيقين ولا يخفاك أن الاختلاف في التقدير بالقليل والكثير أن كان باعتبار الأدلة ففرض المجتهد بما صح له منها من الجمع بينهما إن أمكن أو الترجيح إن لم يمكن وقد تقرر أن الزيادة الخارجة من مخرج صحيح الواقعة غير منافية للمزيد مقبولة يتعين الأخذ بها والمصير الى مدلولها وان كان الاختلاف في التقدير باعتبار المذاهب فلا اعتبار عند الجمهور بمذاهب الناس بل هو متعبد باجتهاده وما يؤدي إليه نظره من الأخذ بالأقل أو بالأكثر أو بالوسط وأما المقلد فليس له من الأمر شيء بل هو أسير إمامه في جميع دينه وليته لم يفعل وقد أوضحنا الكلام في التقليد في المؤلف الذي سميناه أدب الطلب وفي الرسالة المسماة القول المفيد في حكم التقليد \r\n وكما وقع الخلاف في مسألة الأخذ بأقل ما قيل كذلك وقع الخلاف في الأخذ بأخف ما قيل وقد صار بعضهم إلى ذلك لقوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } وقوله { وما جعل عليكم في الدين من حرج } وقوله ضصض [ بعثت بالحنفية السمحة السهلة ] وقوله [ يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا ] وبعضهم صار إلى الأخذ بالأشق ولا معنى للخلاف في مثل هذا لأن الدين كله يسر والشريعة جميعها سمحة سهلة والذي يجب الأخذ به ويتعين العمل عليه هو ما صح دليله فإن تعارضت الأدلة لم يصلح أن يكون الأخف مما دلت عليه أو الأشق مرجحا بل يجب المصير إلى المرجحات المعتبرة \r\n الفائدة الثالثة : لا خلاف أن المثبت للحكم يحتاج إلى إقامة الدليل عليه وأما النافي له فاختلفوا في ذلك على مذاهب \r\n الأول : أن يحتاج إلى إقامة الدليل على النفي نقله الأستاذ أبو منصور عن طوائف أهل الحق ونقله ابن القطان على أكثر اصحاب الشافعي وجزم به القفال والصيرفي وقال الماوردي إنه مذهب الشافعي وجمهور الفقهاء والمتكلمين وقال القاضي في التقريب إنه الصحيح وبه قال الجمهور قالوا لأنه مدع والبينة على المدعي ولقوله تعالى : { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله } فذمهم على نفي ما لم يعلموه مبينا ولقوله تعالى : { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } في جواب قوله { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } ولا يخفاك أن الاستدلال بهذه الأدلة واقع في غير موضعه فإن النافي غير مدع بل قائم مقام المنع متمسك بالبراءة الأصلية ولا هو مكذب بما لم يحط بعلمه بل واقف حتى يأتيه الدليل وتضطره الحجة إلى العمل وأما قوله تعالى : { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } فهو نصب للديل في غير موضعه فإنه إنما طلب منهم البرهان لادعائهم أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى \r\n المذهب الثاني : أنه لا يحتاج إلى إقامة دليل وإليه ذهب أهل الظاهر إلا ابن حزم فإنه رجح المذهب الأول قالوا لأن الأصل في الأشياء النفي والعدم فمن نفى الحكم له أن يكتفي بالاستصحاب وهذا المذهب قوي جدا فإن النافي عهدته أن يطلب الحجة من المثبت حتى يصير إليها ويكفيه في عدم إيجاب الدليل عليه التمسك بالبراءة الأصلية فإنه لا ينقل عنها إلا دليل يصلح للنقل \r\n المذهب الثالث : أنه يحتاج إلى إقامة الدليل في النفي العقلي دون الشرعي حكاه القاضي في التقريب و ابن فورك \r\n المذهب الرابع : أنه يحتاج إلى الدليل في غير الضروري بخلاف الضروري وهذا اختاره الغزالي ولا وجه له فإن الضروري يستغني بكونه ضروريا ولا يخالفه مخالف إلا على جهة الغلط أو الاعتراض الشبهة ويرتفع عنه ذلك ببيان ضروريته وليس النزاع إلا في الضروري \r\n المذهب الخامس : أن النافي إن كان شاكا في نفيه لم يحتج إلى دليل وإن كان نافيا له عن معرفة احتاج إلى ذلك إن كانت تلك المعرفة استدلالية لا إن كانت ضرورية فلا نزاع في الضروريات كذا قال القاضي عبد الوهاب في الملخص ولا وجه له فإن النافي عن معرفة يكفيه المثبت بإقامة الدليل حتى يعمل به أو يرده لأنه هو الذي جاء بحكم يدعى أنه واجب عليه وعلى خصمه وعلى غيرهما \r\n المذهب السادس : أن النافي أن نفى العلم عن نفسه فقال لا أعلم ثبوت هذا الحكم فلا يلزمه الدليل وإن نفاه مطلقا احتاج إلى الدليل لأن نفي الحكم حكم كما أن الاثبات حكم قال ابن البرهان في الأوسط وهذا التفصيل هو الحق انتهى قلت بل الحق ما قدمناه \r\n المذهب السابع : أنه إن ادعى لنفسه علما بالنفي احتاج إلى الدليل وإلا فلا هكذا ذكر هذا المذهب بعض أهل الجدل واختاره المطرزي وهو قريب من المذهب الخامس \r\n المذهب الثامن : أنه إذا قال لم أجد فيه دليلا بعد الفحص عنه وكان من أهل الاجتهاد لم يحتج إلى دليل وإلا احتاج هكذا قال ابن فورك \r\n المذهب التاسع : أنه حجة دافعة لا موجبة حكاه أبو زيد ولا وجه له فإن النفي ليس بحجة موجبة على جميع الأقوال وإنما النزاع في كونه يحتاج إلى الاستدلال على النفي فيطالب به مطالبة مقبولة في المناظرة أم لا واختلفوا إذا قال العالم بحثت وفحصت فلم أجد دليلا هل يقبل منه ذلك ويكون عدم الوجدان دليلا له فقال البيضاوي يقبل لأنه يغلب ظن عمده وقال ابن برهان في الأوسط أن صدر هذا عن المجتهد في باب الاجتهاد والفتوى بل منه ولا يقبل منه في المناظرة لأن قوله بحثت فلم أظفر يصلح أن يكون عذرا فيما بينه وبين الله أما انتهاضه في حق خصمه فلا \r\n الفائدة الرابعة : سد الذرائع الذريعة هي المسألة التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها إلى فعل المحظور قال الباجي ذهب مالك إلى المنع من الذرائع وقال أبو حنفية والشافعي لا يجوز منعها استدل المانع بمثل قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا } وقوله { واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر } وما صح عنه ضصض من قوله [ لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها ] وقوله ضصض [ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ] وقوله : [ الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات والمؤمنون وقافون عند الشبهات ] وقوله ضصض [ من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه ] قال القرطبي سد الذرائع ذهب إليه مالك وأصحابه وخالفه أكثر الناس تأصيلا وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلا ثم قرر موضع الخلاف فقال اعلم أن ما يفضي إلى الوقوع قطعا أولا الأول ليس في هذا الباب بل من باب ما لا خلاص من الحرام إلا باجتنابه ففعله حرام من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب والذي لا يلزم أما أن يفضي إلى المحظور غالبا أو ينفك عنه غالبا أو يتساوى الأمران وهو المسمى بالذرائع عندنا فالأول لا بد من مراعاته والثاني والثالث اختلف الأصحاب فيه فمنهم من يراعيه وربما يسميه التهمة البعيدة والذرائع الضعيفة قال القرافي : مالك لم ينفرد بذلك بل كل أحد يقول بها ولا خصوصية للمالكية بها إلا من حيث زيادتهم فيها قال فإن من الذرائع ما هو معتبر بالإجماع كالمنع من حفر الآبار في طريق المسلمين وإلقاء السم في طعامهم وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله ومنها ما هو ملغى إجماعا كزراعة العنب فإنها لا تمنع خشية الخمر وإن كانت وسيلة إلى المحرم ومنها هو مختلف فيه كبيوع الآجال فنحن لا نغتفر الذريعة فيها وخالفنا غيرنا في أصل القضية أنا قلنا بسد الذرائع أكثر من غيرنا لا أنها خاصة بنا قال وبهذا تعلم بطلان استدلال أصحابنا على الشافعية في هذه المسألة بقوله { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله } وقوله { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت } فقد ذمهم بكونهم تذرعوا للصيد يوم السبت المحرم عليهم لحبس الصيد يوم الجمعة وقوله ضصض [ لا تقبل شهادة خصم وظنين ] خشية الشهادة بالباطل ومنع شهادة الآباء للأبناء وإنما قلنا إن هذه الأدلة لا تفيد في محل النزاع لأنها تدل على اعتبار الشرع سد الذرائع في الجملة وهذا أمر مجمع عليه وإنما النزاع في ذريعة خاصة وهو بيوع الآجال ونحوها فينبغي أن يذكروا أدلة خاصة بمحل النزاع وإن قصدوا القياس على هذه الذرائع المجمع عليها فينبغي أن تكون حجتهم القياس وحينئذ فليذكروا حتى يتعرض الخصم لدفعه بالفارق وهم لا يعتقدون أن دليلهم القياس قال بل من أدلة محل النزاع حديث زيد بن أرقم أن أمته قالت لعائشة إني بعت منه عبدا بثمانمائة إلى العطاء واشتريته منه نقدا بستمائة فقالت عائشة بئسما اشتريت وأخبري زيد بن ارقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ضصض إلا أن يتوب قال أبو الوليد بن رشد وهذه المبايعة كانت بين أم ولد زيد بن أرقم ومولاها قبل العتق فيخرج قول عائشة على تحريم الربا بين السيد وعبده مع القول بتحريم هذه الذرائع ولعل زيدا لا يعتقد تحريم الربا بين السيد وعبده قال الزركشي وأجاب أصحابنا عن ذلك بأن عائشة إنما قالت ذلك باجتهادها واجتهاد واحد من الصحابة لا يكون حجة على الآخر بالإجماع ثم قولها معارض بفعل زيد بن أرقم ثم أنها أنكرت ذلك لفساد التعيين فإن الأول فاسد بجهالة الأجل فإن وقت العطاء غير معلوم والثاني بناء على الأول فيكون فاسدا قال ابن الرفعة : الذريعة ثلاثة أقسام : أحدها ما يقطع بتوصيله إلى الحرام فهو حرام عندنا وعندهم يعني عند الشافعية والمالكية والثاني ما يقطع بأنه لا يوصل ولكن اختلط بما يوصل فكان من الاحتياط سد الباب وإلحاق الصورة النادرة التي قطع بأنها لا توصل إلى الحرام بالغالب منها الموصل إليه وهذا غلو في القول بسد الذرائع والثالث ما يحتمل ويحتمل وفيه مراتب ويختلف الترجيح عندهم بسبب تفاوتها قال ونحن نخالفهم فيها إلا القسم الأول لانضباطه وقيام عليه انتهى ومن أحسن ما يستدل به على هذا الباب ما قدمنا ذكره من قوله ضصض [ ألا وإن حمى الله معاصيه فمن حام حول الحمى يوشك أن يواقعه ] وهو حديث صحيح ويلحق به ما قدمنا ذكره من قوله ضصض [ دع ما يريبك إلى ما لايريبك ] وهو حديث صحيح أيضا وقوله ضصض [ الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس ] وهو حديث حسن وقوله ضصض [ استفت قلبك وإن أفتاك المفتون ] وهو حديث حسن أيضا \r\n الفائدةة الخامسة : دلالة الاقتران وقد قال بها جماعة من أهل العلم فمن الحنفية أبو يوسف ومن الشافعية المزني وابن أبي هريرة وحكى ذلك الباجي عن بعض المالكية قال ورأيت ابن نصر يستعملها كثيرا ومن ذلك استدلال مالك على سقوط الزكاة في الخيل بقوله تعالى : { والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة } قال فقرن بين الخيل والبغال والحمير لا زكاة فيها إجماعا فكذلك الخيل وأنكر دلالة الاقتران الجمهور فقالوا إن الاقتران في النظم لا يستلزم الاقتران في الحكم واحتج المثبتون إما بأن العطف يقتضي المشاركة وأجاب الجمهور بأن الشركة إنما تكون في المتعاطفات الناقصة المحتاجة إلى ما تتم به فإذا تمت بنفسها فلا مشاركة كما في قوله تعالى : { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار } فإن الجملة الثانية معطوفة على الأولى ولا تشاركها في الرسالة ونحو ذلك كثير في الكتاب والسنة والأصل في كل كلام تام أن ينفرد بحكمه ولا يشاركه غيره فمن ادعى خلاف هذا في بعض المواضع فلدليل خارجي ولا نزاع فيما كان كذلك ولكن الدلالة فيه ليست للإقتران بل للدليل الخارجي أما إذا كان المعطوف ناقصا بأن لا يذكر خبره كقول القائل فلانة طالق وفلانة فلا خلاف في المشاركة ومثله عطف المفردات وإذا كان بينهما مشاركة في العلة فالتشارك في الحكم إنما كان لأجلها لأجل الاقتران وقد احتج الشافعي على وجوب العمرة بقوله تعالى : { وأتموا الحج والعمرة لله } والأمر يقتضي الوجوب فكان احتجاجه بالأمر دون الاقتران وقال الصيرفي في شرح الرسالة في حديث أبي سعيد وغسل الجمعة على كل محتلم والسواك وأن يمس الطيب فهو دلالة على الغسل غير واجب لأنه قرنه بالسواك والطيب وهما غير واجبين بالاتفاق والمروي عن الحنفية كما حكاه الزركشي عنهم في البحر أنها إذا عطفت جملة على جملة فإن كانتا تامتين كانت المشاركة في أصل الحكم لا في جميع صفاته وقال لا تقتضي المشاركة أصلا وهي التي تسمى واو الاستئناف كقوله تعالى : { فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل } فإن قوله { ويمح الله الباطل } جملة مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها ولا هي داخلة في جواب الشرط وإن كانت الثانية ناقصة شاركت الأولى في جميع ما هي عليه قال وعلى هذا بنو بحثهم المشهور في قوله ضصض لا يقتل مسلم بكافر وقد سبق الكلام فيه \r\n الفائدة السادسة : دلالة الإلهام ذكرها بعض الصوفية وحكى الماوردي والرياني في كتاب القضاء في حجية الإلهام خلافا وفرعا عليه أن الإجماع هل يجوز انعقاده لا عن دليل وإلا فلا قال الزركشي في البحر وقد اختار جماعة من المتأخرين اعتماد الإلهام منهم في تفسيره في أدلة القبلة و ابن الصلاح في فتاواه فقال إلهام خاطر الحق من الحق قال ومن علامته أن ينشرح له الصدر ولا يعارضه معارض آخر قال أبو علي التميمي في كتاب التذكرة في أصول الدين ذهب بعض الصوفية إلى أن المعارف تقع اضطرار للعباد على سبيل الالهام بحكم وعد الله سبحانه وتعالى بشرط التقوى واحتج بقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا } أي ما تفرقون به بين الحق والباطل وقوله تعالى : { ومن يتق الله يجعل له مخرجا } أي عن كل ما يلتبس على غيره وجه الحكم فيه وقوله تعالى { واتقوا الله ويعلمكم الله } فهذه العلوم الدينية تحصل للعباد إذا زكت أنفسهم وسلمت قلوبهم لله تعالى بترك المنهيات وامتثال المأمورات وخبره صدق ووعده حق واحتج شهاب الدين السهروردي على الإلهام بقوله تعالى : { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه } وبقوله { وأوحى ربك إلى النحل } فهذا الوحي هو مجرد الإلهام ثم إن من الوحي علوما تحدث في النفوس الزكية المطمئنة قال ضصض [ إن من أمتي المحدثين والمكلمين وإن عمر لمنهم ] وقال تعالى : { ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها } فأخبر أن النفوس ملهمة : قلت وهذا الحديث الذي ذكره هو ثابت في الصحيح بمعناه قال ابن وهب في تفسير الحديث أي ملهمون ولهذا قال صاحب نهاية الغريب جاء في الحديث تفسيره أنهم الملهمون والملهم هو الذي يلقى في نفسه الشيء فيخبر به حدسا وفراسة وهو نوع يخص به الله من يشاء من عباده كأنهم حدثوا بشيء فقالوه وأما قوله ضصض [ استفت قلبك وإن أفتاك الناس ] فذلك في الواقعة التي تتعارض فيها الأدلة قال الغزالي واستفتاء القلب إنما هو حيث أباح المفتى أما حيث حرم فيجب الامتناع ثم لا نقول على كل قلب فرب قلب موسوس ينفي كل شيء ورب متساهل يطير إلى كل شيء فلا اعتبار بهذين القلبين وإنما الاعتبار بقلب العالم الموفق لدقائق الأحوال فهو المحك الذي يمتحن به حقائق الأمور وما أعز هذا القلب قال البيهقي في شعب الإيمان هذا محمول على أنه يعرف في منامه من عالم الغيب ما عسى أن يحتاج إليه أو يحدث على لسان ملك بشيء من ذلك كما ورد في بعض طرق الحديث بلفظ وكيف يحدث قال يتكلم الملك على لسانه وقد روى عن إبراهيم بن سعد أنه قال في هذا الحديث يعني يلقى في روعه قال القفال لو تثبت العلوم بالإلهام لم يظن للنظر معنى ونسأل القائل بهذا عن دليله فإن احتج بغير الإلهام فهو ناقض قوله انتهى ويجاب عن هذا الكلام بأن مدعي الإلهام لا يحصر الأدلة في الإلهام حتى يكون استدلاله بغير الإلهام مناقضا لقوله نعم إن استدل على إثبات الإلهام بالإلهام كان في ذلك مصادرة على المطلوب لأنه استدل على محل النزاع بمحل النزاع ثم على تقدير الاستدلال لثبوت الإلهام بمثل ما تقدم من الأدلة من أين لنا أن دعوى هذا الفرد لحصول الإلهام له صحيحة وما الدليل على أن قلبه من القلوب التي ليست بموسوسة ولا بمتساهلة \r\n المسألة السابعة : في رؤيا النبي ضصض ذكر جماعة من أهل العلم منهم الأستاذ أبو إسحاق أن يكون حجة ويلزم العمل به وقيل حجة ولا يثبت به حكم شرعي وإن كانت رؤية النبي ضصض رؤية حق والشيطان لا يتمثل به لكن النائم ليس من أهل التحمل للرواية لعدم حفظه وقيل إنه يعمل به ما لم يخالف شرعا ثابتا ولا يخفاك أن الشرع الذي شرعه الله لنا على لسان نبينا ضصض قد كمله الله عز و جل وقال : { اليوم أكملت لكم دينكم } ولم يأتنا دليل يدل على أن رؤيته في النوم بعد موته ضصض إذ قال فيها بقول أو فعل فيها فعلا يكون دليلا وحجة بل قبضه الله إليه عند أن كمل لهذه الأمة ما شرعه لها على لسانه ولم يبق بعد حاجة للأمة في أمر دينها وقد انقطعت البعثة لتبليغ الشرائع وتبينها بالموت وإن كان رسولا حيا وميتا وبهذا تعلم أن لو قدرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله ضصض أو فعله حجة عليه ولا على غيره من الأمة ","part":1,"page":360},{"id":171,"text":" من مقاصد هذا الكتاب في الاجتهاد والتقليد \r\n وفيه فصلان ","part":1,"page":370},{"id":172,"text":" الفصل الأول في الاجتهاد المسألة الأولى : في حد الاجتهاد \r\n المسألة الأولى : في حد الاجتهاد وهو في اللغة مأخوذ من الجهد وهو المشقة والطاقة فيختص بما فيه مشقة ليخرج عنه ما لا مشقة فيه قال المحصول وهو في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في أي فعل كان يقال استفرغ وسعه في حمل الثقيل ولا يقال استفرغ وسعه في حمل النواة وأما في عرف الفقهاء : فهو استفرغ الوسع في النظر فيما لا يلحقه فيه لوم مع استفرغ الوسع فيه وهو سبيل مسائل الفروع ولهذا تسمى هذه المسائل مسائل الاجتهاد والناظر فيها مجتهدا وليس هكذا حال الأصول انتهى وقيل هو في الاصطلاح بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط فقولنا بذل الوسع يخرج ما يحصل مع التقصير فإن معنى بذل الوسع أن يحس من نفسه العجز عن مزيد طلب ويخرج بالشرعي اللغوي والعقلي والحسي فلا يسمى من بذل وسعه في تحصيلها مجتهدا اصطلاحا وكذلك بذل الوسع في تحصيل الحكم العلمي فإنه لا يسمى اجتهادا عند الفقهاء وإن كان يسمى اجتهادا عند المتكلمين ويخرج بطريق الاستنباط نيل الأحكام من النصوص ظاهرا أو حفظ المسائل أو استعلامها من المفتى أو بالكشف عنها في كتب العلم فإن ذلك وإن كان يصدق عليه الاجتهاد اللغوي فإنه لا يصدق عليه الاجتهاد الاصطلاحي وقد زاد بعض الأصوليين في هذا الحد لفظ الفقيه فقال بذل الفقيه الوسع ولا بد من ذلك فإن بذل غير الفقيه وسعه لا يسمى اجتهادا اصطلاحا ومنهم من قال هو استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي فزاد قيد الظن لأنه لا اجتهاد في القطعيات ومنهم من قال هو طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه قال ابن السمعاني هو أليق بكلام الفقهاء وقال أبو بكر الرازي الاجتهاد يقع على ثلاثة معان : أحدها القياس الشرعي لأن العلة لما لم تكن موجبة للحكم لجواز جودها خالية عنه لم يوجب ذلك العلم بالمطلوب فذلك كان طريقة الاجتهاد والثاني ما يغلب في الظن من غير علة كالاجتهاد في الوقت والقبلة والتقويم والثالث الاستدلال بالأصول قال الآمدي هو في الاصطلاح استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه وبهذا القيد خرج اجتهاد المقصر فإنه لا يعد في الاصطلاح اجتهادا معتبرا وإذا عرفت هذا فالمجتهد هو الفقيه المستفرغ لوسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي ولا بد أن يكون بالغا عاقلا قد ثبتت له ملكة يقتدر بها على استخراج الأحكام من مآخذها وإنما يتمكن من ذلك بشروط الأول أن يكون عالما بنصوص الكتاب والسنة فإن قصر في أحدهما لم يكن مجتهدا ولا يجوز له الاجتهاد ولا يشترط معرفته بجميع الكتاب والسنة بل بما يتعلق منهما بالأحكام قال الغزالي وابن العربي والذي في الكتاب العزيز من ذلك قدر خمسمائة آية ودعوى الانحصار في هذا المقدار إنما هي باعتبار الظاهر للقطع بأن في الكتاب العزيز من الآيات التي تستخرج منها الأحكام الشرعية أضعاف أضعاف ذلك بل من له فهم صحيح وتدبر كامل يستخرج الأحكام من الآيات الواردة لمجرد القصص والأمثال قيل ولعلهم قصدوا بذلك الآيات الدالة على الأحكام دلالة أولية بالذات لا بطريق التضمن والإلتزام وقد حكى المارودي عن بعض أهل العلم أن اقتصار المقتصرين على العدد المذكور إنما هو لأنهم رأوا مقاتل بن سليمان أفرد آيات الأحكام في تصنيف وجعلها خمسمائة آية قال الأستاذ أبو منصور يشترط معرفة ما يتعلق بحكم الشرع ولا يشترط معرفة ما فيها من القصص والمواعظ واختلفوا في القدر الذي يكفي المجتهد من السنة فقيل خمسمائة حديث وهذا أعجب ما يقال فإن الأحاديث التي تؤخذ منها الأحكام الشرعية ألوف مؤلفة وقال ابن العربي في المحصول هي ثلاثة آلاف وقال أبو علي الضرير قلت لأحمد بن حنبل كم يكفي الرجل من الحديث حتى يمكنه أن يفتي يكفيه مائة ألف ؟ قال لا قلت ثلاثمائة ألفظ قال لا قلت أربعمائة ؟ قال لا قلت خمسمائة ألف ؟ قال أرجو قال بعض أصحابه هذا محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتيا أو يكون العلم عن النبي ضصض ينبغي أن تكون ألفا ومائتين قال أبو بكر الرازي لا يشترط استحضار جميع ما ورد في ذلك الباب إذ لا يمكن الأحاطة به ولو تصور لما حضر في ذهنه عند الاجتهاد جميع ما روى وقال الغزالي وجماعة من الأصوليين يكفيه أن يكون عنده أصل بجمع أحاديث الأحكام كسنن أبي داود ومعرفة السنن للبيهقي أو أصل وقعت العناية فيه بجمع أحاديث الأحكام ويكتفي فيه بمواقع كل باب فيراجعه وقت الحاجة وتبعه على ذلك الرافعي ونازعه النووي وقال لا يصح التمثيل بسنن أبي داود فإنها لم تستوعب الصحيح من أحاديث الأحكام ولا معظمها وكم في صحيح البخاري ومسلم من حديث حكمي ليس في سنن أبي داود وكذا قال ابن دقيق العيد في شرح العنوان التمثيل بسنن أبي داود ليس يجيد عندنا لوجهين : الأول أنها لا تحوي السنن المحتاج إليها الثاني أن في بعضها ما لا يحتج به في الأحكام انتهى ولا يخفاك أن كلام أهل العلم في هذا الباب من قبيل الإفراط وبعضه من قبيل التفريط والحق الذي لا شك فيه ولا شبهة أن المجتهد لا بد أن يكون عالما بما اشتملت عليه مجاميع السنة التي صنفها أهل الفن كالأمهات الست وما يلحق بها مشرفا على ما اشتملت عليه المسانيد والمستخرجات والكتب التي التزم مصنفوها الصحة ولا يشترط في هذا أن تكون محفوظة له مستحضرة في ذهنه بل يكون ممن يتمكن من استخراجها من مواضعها بالبحث عنها عند الحاجة الى ذلك وان يكون ممن له تمييز بين الصحيح منها والحسن والضعيف بحيث يعرف حال رجال الاسناد معرفة يتمكن بها من الحكم على الحديث بأحد الأوصاف المذكورة وليس من شرط ذلك أن يكون حافظا لحال الرجال عن ظهر قلب بل المعتبر أن يتمكن بالبحث في كتب الجرح والتعديل من معرفة حال الرجال مع كونه ممن له معرفة تامة بما يوجب الجرح وما لا يوجبه من الأسباب وما هو مقبول منها وما هو مردود وما هو قادح \r\n الشرط الثاني : أن يكون عارفا بمسائل الإجماع حتى لا يفتي بخلاف ما وقع الإجماع عليه إن كان ممن يقول بحجية الإجماع ويرى أنه دليل شرعي وقل أن يلتبس على من بلغ رتبة الاجتهاد ما وقع عليه الإجماع من المسائل \r\n الشرط الثالث : أن يكون عالما بلسان العرب بحيث يمكنه تفسير ما ورد في الكتاب والسنة من الغريب ونحوه ولا يشترط أن يكون متمكنا من مؤلفات الأئمة المشتغلين بذلك وقد قربوها أحسن تقريب وهذبوها ابلغ تهذيب ورتبوها على حروف المعجم ترتيبا لا يصعب الكشف عنه ولا يبعد الاطلاع عليه وإنما يتمكن من معرفة معانيها وخواص تراكيبها وما اشتملت عليه من لطائف المزايا من كان عالما بعلم النحو والصرف والمعاني والبيان حتى ثبت له في كل فن من هذه ملكة يستحضر بها كل ما يحتاج إليه عند وروده عليه فإنه عند ذلك ينظر في الدليل نظرا صحيحا ويستخرج منه الأحكام استخراجا قويا ومن جعل المقدار المحتاج إليه من هذه الفنون هو معرفة مختصراتها أو كتاب متوسط من المؤلفات الموضوعة فيها فقد أبعد بل الاستكثار من الممارسة لها والتوسع في الاطلاع على مطولاتها مما يزيد المجتهد قوة في البحث وبصرا في الاستخراج وبصيرة في حصول مطلوبه والحاصل أنه لابد أن تثبت له الملكة القوية في هذه العلوم وإنما تثبت هذه الملكة بطول الممارسة وكثرة الملازمة لشيوخ هذا الفن قال الإمام الشافعي يجب على كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما يبلغه جهده في أداء فرضه قال الماوردي ومعرفة لسان العرب فرض على كل مسلم من مجتهد وغيره \r\n الشرط الرابع : أن يكون عالما بعلم أصول الفقه لاشتماله على نفس الحاجة إليه وعليه أن يطول الباع فيه ويطلع على مختصراته ومطولاته بما تبلغ به طاقته فإن هذا العلم هو عماد فسطاط الاجتهاد وأساسه الذي تقوم عليه أركان بنائه وعليه أيضا أن ينظر في كل مسألة من مسائله نظرا يوصله إلى ما هو الحق فيها فإنه إذا فعل ذاك تمكن من رد الفروع إلى أصولها بأيسر عمل وإذا قصر في هذا الفن صعب عليه الرد وخبط فيه وخلط قال الفخر الرازي في المحصول وما أحسن ما قال أن أهم العلوم للمجتهد علم أصول الفقه انتهى قال الغزالي إن عظم علوم الاجتهاد يشتمل على ثلاثة فنون الحديث واللغة وأصول الفقه \r\n الشرط الخامس : أن يكون عارفا بالناسخ والمنسوخ بحيث لا يخفى عليه شيء من ذلك مخافة أن يقع في الحكم بالمنسوخ وقد اختلفوا في اشتراط العلم بالدليل العقلي فشرطه جماعة منهم الغزالي و الرازي ولم يشترط الآخرون وهو الحق لأن الاجتهاد إنما يدور على الأدلة الشرعية لا على الأدلة العقلية ومن جعل العقل حاكما فهو لا يجعل ما حكم به داخلا في مسائل الاجتهاد واختلفوا أيضا في اشتراط علم أصول الدين فمنهم من يشترط ذلك وإليه ذهب المعتزلة ومنهم من لم يشترط ذلك وإليه ذهب الجمهور ومنهم من فصل فقال يشترط العلم بالضروريات كالعلم بوجود الرب سبحانه وصفاته وما يستحقه والتصديق بالرسل بما جاءوا به ولا يشترط علمه بدقائقه وإليه ذهب الآمدي واختلفوا أيضا في اشتراط على الفروع فذهب جماعة منه الأستاذ ابو إسحاق أبو منصور إلى اشتراطه واختاره الغزالي وقال إنما يحصل الاجتهاد في زماننا بممارسته فهو طريق لتحصيل الدربة في هذا الزمان وذهب آخرون إلى عدم اشتراطه قالوا وإلا لزم الدور وكيف يحتاج إليها وهو الذي يولدها بعد حيازته لمنصب الاجتهاد وقد جعل قوم من جملة علوم الاجتهاد علم الجرح والتعديل وهو كذلك ولكنه مندرج تحت العلم بالسنة فإنه لا يتم العلم بها بدونه كما قدمنا وجعل قوم من جملة علوم الاجتهاد معرفة القياس بشروطه وأركانه قالوا لأنه مناط الاجتهاد وأصل الرأي ومنه يتشعب الفقه وهو كذلك ولكنه مندرج تحت علم أصول الفقه باب من أبوابه وشعبة من شعبه \r\n وإذا عرفت معنى الاجتهاد والمجتهد فاعلم أن المجتهد فيه الحكم الشرعي العلمي قال في المحصول المجتهد فيه كل حكم شرعي ليس فيه دليل قاطع واحترزنا بالشرعي عن العقليات ومسائل الكلام وبقولنا ليس فيه دليل قاطع عن وجوب الصلوات الخمس والزكاة وما اتفق عليه الأئمة من جليات الشرع قال أبو الحسين البصري المسألة الاجتهادية هي التي اختلف فيها المجتهدون من الأحكام الشرعية وهذا ضعيف لأن جواز اختلاف المجتهدين مشروط بكون المسألة اجتهادية باختلافهم فيها لزوم الدور ","part":1,"page":370},{"id":173,"text":" المسألة الثانية : هل يجوز خلو العصر عن المجتهدين أم لا \r\n فذهب جمع إلا أنه لا يجوز خلو الزمان عن مجتهد قائم بحجج الله يبين للناس ما نزل إليهم قال بعضهم ولا بد أن يكون في كل قطر من يقوم بأنه لا يتأتى فرض الكفاية بالمجتهد المقيد قال والظاهر أنه لا يتأتى في الفتوى وقال بعضهم الاجتهاد في حق العلماء على ثلاثة أضرب فرض عين وفرض كفاية وندب فالأول على حالين اجتهاد في حق نفسه عند نزول الحادثة والثاني اجتهاد فيما يتعين عليه الحكم فيه فإن ضاق فرض الحادثة كان على الفور وإلا كان على التراخي والثاني على حالين أحدهما إذا نزلت بالمستفتى حادثة فاستفتى أحد العلماء توجه الفرض على جميع وأخصهم بمعرفتها من خص بالسؤال عنها فإن أجاب هو أو غيره سقط الفرض وإلا أثموا جميعا والثاني أن يتردد الحكم بين قاضيين مشتركين في النظر فيكون فرض الاجتهاد مشتركا بينهما فأيهما تفرد بالحكم فيه سقط فرضه عنها والثالث على حالين أحدهما فيما يجتهد فيه العالم من غير النوازل يسبق إلى معرفة حكمه قبل نزوله والثاني أن يستفتيه قبل نزولها انتهى ولا يخفاك أن القول بكون الاجتهاد فرضا يستلزم عدم خلو الزمان عن مجتهد ويدل على ذلك ما صح عنه صضص من قوله [ لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى تقوم الساعة ] وقد حكى الزركشي في البحر عن الأكثرين أنه يجوز خلو العصر عن المجتهدين وبه جزم صاحب المحصول قال الرافعي الخلق كالمتفقين على أنه لا مجتهد اليوم قال الزركشي ولعله أخذه من كلام الإمام الرازي أو من قول الغزالي في الوسيط : قد خلا العصر عن المجتهد المستقل قال الزركشي ونقل الاتفاق عجيب والمسألة خلافية بيننا وبين الحنابلة وساعدهم بعض أئمتنا والحق أن الفقيه الفطن القياس كالمجتهد في حق العامي لا الناقل فقط وقالت الحنابلة لا يجوز خلو العصر عن مجتهد وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق والزبيري ونسبه أبو إسحاق إلى الفقهاء قال ومعناه أن الله تعالى لو أخلى زمانا من قائم بحجة زال التكليف إذا التكليف لا يثبت إلا بالحجة الظاهرة وإذا زال التكليف بطلت الشريعة قال الزبيري لن تخلو الأرض من قائم لله بالحجة في كل وقت ودهر وزمان وذلك قليل في كثير فأما أن يكون غير موجود كما قال الخصم فليس بصواب لأنه لو عدم الفقهاء لم تقم الفرائض كلها ولو عطلت الفرائض كلها لحلت النقمة بالخلق فليس بصواب كما جاء في الخبر لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس ونحن نعوذ بالله أن نؤخر مع الأشرار انتهى قال أبن دقيق العيد : هذا هو المختار عندنا لكن إلى الحد الذي ينتقض به القواعد بسبب زوال الدنيا في آخر الزمان وقال في شرح خطبة الإمام والأرض لا تخلوا من قائم لله بالحجة والأمة الشريفة لا بد لها من سالك إلى الحق على واضح الحجة إلى أن يتأتى أمر الله في أشراط الساعة الكبرى انتهى وما قاله الغزالي رحمه الله من أنه قد خلا العصر عن المجتهد قد سبقه إلى القول به القفال ولكنه ناقض ذلك فقال أنه ليس بمقلد للشافعي وإنما وافق رأيه رأيه كما نقل ذلك عنه الزركشي وقال قول هؤلاء القائلين بخلو العصر عن المجتهد مما يقضي منه العجب فإنهم إن قالوا ذلك باعتبار المعاصرين لهم فقد عاصر القفال والغزالي والرازي والرفاعي من الأئمة القائمين بعلوم الاجتهاد على الوفاء و الكمال جماعة منهم ومن كان له إلمام بعلم التاريخ والاطلاع على أحوال علماء الإسلام في كل عصر لا يخفى عليه مثل هذا بل قد جاء بعدهم من أهل العلم من جمع الله له من العلوم فوق ما اعتده أهل العلم في الاجتهاد وإن قالوا ذلك لا بهذا الاعتبار بل باعتبار أن الله عز و جل رفع ما تفضل به على من قبل هؤلاء من هذه الأئمة من كمال الفهم و قوة الإدراك والاستعداد للمعارف فهذه دعوى من أبطل الباطلات بل هي جهالة من الجهالات وإن كان ذلك باعتبار تيسر العلم لمن قبل هؤلاء المنكرين وصعوبته عليهم وعلى أهل عصورهم فهذه أيضا دعوى باطلة فإنه لا يخفى على من له أدنى فهم أن الاجتهاد قد يسره الله للمتأخرين تيسيرا لم يكن للسابقين لأن التفاسير للكتاب العزيز قد دونت وصارت في الكثرة إلى حد لا يمكن حصره والسنة المطهرة قد دونت وتكلم الأمة على التفسير والتجريح والتصحيح والترجيح بما هو زيادة على ما يحتاج إليه المجتهد وقد كان السلف الصالح ومن قبل هؤلاء المنكرين يرحل للحديث الواحد من قطر إلى قطر فالاجتهاد على المتأخرين أيسر واسهل من الاجتهاد على المتقدمين ولا يخالف في هذا من له فهم صحيح وعقل سوي وإذا أمعنت النظر وجدت هؤلاء المنكرين إنما أتوا من قبل أنفسهم فإنهم لما عكفوا على التقليد واشتغلوا بغير علم الكتاب والسنة حكموا على غيرهم بما وقعوا فيه واستصعبنا ما سهله الله على رزقه العمل والفهم وأفاض على قلبه أنواع علوم الكتاب والسنة ولما هؤلاء الذين صرحوا بعدم وجود المجتهدين شافعية فها نحن نصرح لك من وجد من الشافعية بعد عصرهم ممن لا يخالف مخالف في أنه جمع أضعاف علوم الاجتهاد فمنهم ابن عبد السلام وتلميذه ابن دقيق العيد ثم تلميذه ابن سيد الناس ثم تلميذه زين الدين العراقي ثم تلميذه ابن حجر العسقلاني ثم تلميذه السيوقي فهؤلاء ستة أعلام كل واحد منهم تلميذ من قبله قد بلغوا من المعارف العلمية ما يعرفه من يعرف مصنفاتهم حق معرفتها وكل واحد منهم إمام كبير في الكتاب والسنة محيط بعلوم الاجتهاد إحاطة متضاعفة عالم بعلوم خارجه عنها ثم في المعاصرين لهؤلاء كثير من المماثلين لهم وجاء بعدهم من لا يقصر عن بلوغ مراتبهم والتعداد لبعضهم فضلا عن كلهم يحتاج إلى بسط طويل وقد قال الزركشي في البحر ما لفظه ولم يختلف اثنان في أن ابن عبد السلام بلغ رتبة الاجتهاد وكذلك ابن دقيق العيد انتهى وهذا الاجماع من هذا الشافعي يكفي في مقابلة حكاية الإتفاق من ذلك الشافعي الرافعي \r\n وبالجملة فتطوير البحث في مثل هذا لا يأتي بكثير فائدة فإن أمره أوضح من كل واضح وليس ما يقوله من كان من إسراء التقليد بلازم لمن فتح الله عليه أبواب المعارف ورزقه من العلم ما يخرج به عن تقليد الرجال وما هذه بأول فاقرة جاء بها المقلدون ولا هي بأول مقالة باطلة قالها المقصرون ومن حصر فضل الله على بعض خلقه وقصر فهم هذه الشريعة المطهرة على من تقدم عصره فقد تجرأ على الله عز و جل ثم على شريعته الموضوعة لكل عباده ثم على عبادة الدين تعبدهم الله بالكتاب وبالسنة ويالله العجب من مقالات هي جهالات وضلالات فإن هذه المقالة تستلزم رفع التعبد بالكتاب والسنة وإنه لم يبق إلا تقليد الرجال الذين هم متعبدون بالكتاب والسنة كتعبد من جاء بعدهم على حد سواء فإن كانت التعبد بالكتاب والسنة مختصا بمن كانوا في العصور السابقة ولم يبق لهؤلاء إلا التقليد لمن تقدمهم ولا يتمكنون من معرفة أحكام الله من كتاب الله وسنة رسوله فما الدليل على هذه التفرقة الباطلة والمقالة الزائفة وهل النسخ إلا هذا سبحانك هذا بهتان عظيم ","part":1,"page":374},{"id":174,"text":" المسألة الثالثة : في تجزي الاجتهاد \r\n وهو أن يكون العالم قد تحصل له في بعض المسائل ما هو مناط الاجتهاد من الأدلة دون غيرها فإذا حصل له ذلك فهل له أن يجتهد فيها أو لا ؟ بل لا بد أن يكون مجتهدا وطلقا عنده ما يحتاج إليه في جميع المسائل فذهب جماعة إلى أنه يتجزأ عزاه الصفي الهندي إلى الأكثرين وحكاه صاحب النكت عن أبي علي الجبائي وأبي عبد الله البصري قال ابن دقيق العيد وهو المختار لأنها قد تمكن العناية بباب من الأبواب الفقهية حتى تحصل المعرفة بمأخذ أحكامه وإذا حصلت المعرفة بالمآخذ أمكن الاجتهاد قال الغزالي والرافعي يجوز أن يكون العالم منتصب للاجتهاد في باب دون باب وذهب آخرون إلى المنع لأن المسألة في نوع من الفقه ربما كان أصلها في نوع آخر منه احتج الأولون بأنه لو لم يتجزأ الاجتهاد لزم أن يكون المجتهد عالما بجميع المسائل واللازم منتف فكثير من المجتهدين قد سئل فلم يجب وكثير منهم سئل عن مسائل فأجاب في أربع منها وقال في الباقي لا أدري وأجيب بأنه قد يترك ذلك لمانع أو للورع أو لعلمه بأن السائل منعت وقد يحتاج بعض المسائل إلى فريد بحث يشغل المجتهد عنه شاغل في الحال واحتج الباقون بأن كل ما يقدر جهله به يجوز تعلقه بالحكم المفروض فلا يحصل له ظن عدم المانع وأجيب بأن المفروض حصول جميع ما يتعلق بتلك المسألة ويرد هذا الجواب بمنع حصول ما يحتاج إليه في مسألة دون غيرها فإن من لا يقتدر على الاجتهاد في بعض المسائل لا يقتدر عليه في البعض الآخر وأكثر علوم الاجتهاد يتعلق بعضها ببعض ويأخذ بعضها بحجزة بعض ولا سيما ما كان من علومه مرجعه إلى ثبوت الملكة فإنها إذا تمت كان مقتدرا على الاجتهاد في جميع المسائل وإن احتاج بعضها إلى مزيد بحث وإن نقصت لم يقتدر على شيء من ذلك ولا يثق من نفسه يتبين بطلانها بأن يبحث معه من هو مجتهد اجتهادا مطلقا فإنه يورد عليه من المسالك والمآخذ لا يتعلقه قال الزركشي وكلامهم يقتضي تخصيص الخلاف بما إذا عرف بابا دون باب أما مسألة دون مسألة فلا يتجزأ قطعا والظاهر جريان الخلاف في الصورتين وبه صرح الأنباري انتهى ولا فرق عند التحقيق في امتناع تجزي الاجتهاد فإنهم قد اتفقوا على أن المجتهد لا يجوز له الحكم بالدليل حتى يحصل له غلبة الظن بحصول المقتضى وعدم المانع وإنما يحصل ذلك للمجتهد المطلق وأما من ادعى الاحاطة بما يحتاج إليه في باب دون باب أو في مسألة دون مسألة فلا يحصل له شيء من غلبة الظن بذلك لأنه لا يزال يجوز الغير ما قد بلغ إليه علمه فإن قال قد غلب ظنه بذلك فهو مجازف وتتضح مجازفته بالبحث معه ","part":1,"page":377},{"id":175,"text":" المسألة الرابعة : اختلفوا في جواز الاجتهاد للأنبياء صلوات الله عليهم \r\n بعد أن أجمعوا على أنه يجوز عقلا تعبدهم بالاجتهاد كغيرهم من المجتهدين حكى هذا الإجماع ابن فورك والأستاذ أبو منصور وأجمعوا أيضا على أنه يجوز لهم الاجتهاد فيما يتعلق بمصالح الدنيا وتدبير الحروب ونحوها حكى هذا الإجماع سليم الرازي وابن حزم وذلك كما قلت وقع من نبينا ضصض من إرادته بأن يصالح غطفان على ثمار المدينة وكذلك ما كان قد عزم عليه من ترك تلقيح ثمار المدينة فأما اجتهادهم في الأحكام الشرعية والأمور الدينية فقد اختلفوا في ذلك على مذاهب \r\n الأول : ليس لهم ذلك لقدرتهم على النص بنزول الوحي وقد قال سبحانه { إن هو إلا وحي يوحى } والضمير يرجع إلى النطق المذكور قبله بقوله { وما ينطق عن الهوى } قد حكى هذا المذهب الأستاذ أبو منصور عن أصحاب الرأي وقال القاضي في التقريب كل من نفى القياس أحال تعبد النبي ضصض بالاجتهاد قال الزركشي وهو ظاهر اختيار ابن حزم واحتجوا أيضا بأنه ضصض كان إذا سئل ينتظر الوحي ويقول ما أنزل علي في هذا شيء كما قال لما سئل عن زكاة الحمير فقال لم ينزل علي إلا هذه الآية الجامعة { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } وكذا انتظر الوحي في كثير مما سئل عنه ومن الذاهبين إلى هذا المذهب أبو علي وأبو هاشم \r\n المذهب الثاني : أنه يجوز لنبينا ضصض ولغيره من الأنبياء وإليه ذهب الجمهور واحتجوا بأن الله سبحانه خاطب نبيه ضصض كما خاطب عباده وضرب له الأمثال وأمره بالتدبر والاعتبار وهو أجل المتفكرين في آيات الله وأعظم المعتبرين وأما قوله { وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى } فالمراد به القرآن لأنهم قالوا إنما يعلمه بشر ولو سلم لم يدل على نفي اجتهاده لأنه ضصض إذا كان معبدا بالاجتهاد وبالوحي لم يكن نطقا عن الهوى بل عن الوحي وإذا جاز لغيره من الأمة أن يجتهد بالإجماع مع كونه معرضا للخطأ فلأن يجوز لمن هو معصوم عن الخطأ بالأولى وأيضا قد وقع كثيرا منه ضصض ومن غيره من الأنبياء فأما منه فمثل قوله أرأيت لو تمضمضت أرأيت لو كان على أبيك ديه وقوله للعباس الإذخر ولم ينتظر الوحي في كثير مما سئل عنه وقد قال ضصض [ ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه ] وأما من غيره فمثل قصة داود وسليمان وأما ما احتج به المانعون أن ذلك الذي قاله بالاجتهاد هو حكم من أحكام الاجتهاد ومن لوازم أحكام الاجتهاد جواز المخالفة إذ لا قطع بأنه حكم الله لكونه محتملا للإصابة ومحتملا للخطأ فقد أجيب عنه بمنع كون اجتهاد يكون له حكم اجتهاد غيره فإن ذلك إنما كان لازما لاجتهاد غيره لعدم اقترانه بما اقتران به اجتهاده ضصض من الأمر باتباعه وأما ما احتجوا به من أنه لو كان متعبدا بالاجتهاد لما في جواب سؤال سائل فقد أجيب عنه بأنه إنما تأخر في بعض المواطن لجواز أن ينزل عليه فيه الوحي الذي عدمه شرط في صحة اجتهاده على أنه قد يتأخر الجواب لمجرد الاستثبات في الجواب والنظر فيما ينبغي النظر فيه في الحادثة كما يقع ذلك من غيره من المجتهدين \r\n المذهب الثالث : الوقف عن القطع بشيء من ذلك وزعم الصيرفي في شرح الرسالة أنه مذهب الشافعي لأنه حكى الأقوال ولم يختر شيئا منها واختار هذا القاضي أبو بكر الباقلاني والغزالي ولا وجه للوقف في المسألة لما قدمنا من الأدلة الدالة على الوقوع على أنه يدل على ذلك دلالة واضحة ظاهرة قول الله عز و جل : { عفا الله عنك لم أذنت لهم } فعاتبه على ما وقع منه ولو كان ذلك بالوحي لم يعاتبه ومن ذلك ما صح عنه ضصض من قوله [ لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدى ] أي لو عملت أولا ما علمت آخرا ما فعلت ذلك ومثل ذلك لا يكون فيما عمله ضصض بالوحي وأمثال ذلك كثيرة كمعاتبته ضصض على أخذ الفداء من أسرى بدر بقوله { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } وكما في معاتبته ضصض بقوله تعالى : { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك } إلى آخر ما قصه الله في ذلك في كتابه العزيز والاستيفاء لمثل هذا يفضي إلى بسط طويل وفيما ذكرناه ما يغني عن ذلك ولم يأت المانعون بحجة تستحق المنع أو التوقف لأجلها ","part":1,"page":378},{"id":176,"text":" المسألة الخامسة : في جواز الاجتهاد في عصره ضصض \r\n فذهب الأكثرون إلى جوازه ووقوعه واختاره جماعة من المحققين منهم القاضي ومنهم من منع ذلك كما روي عن أبي علي وأبي هاشم ومنهم من فصل بين الغائب والحاضر فأجازه لمن غاب عن حضرته ضصض كما وقع في حديث معاذ دون من كان فبحضرته الشريفة ضصض واختاره الغزالي وابن الصباغ ونقله الكيا عن أكثر الفقهاء والمتكلمين ومال إليه إمام الحرمين قال القاضي عبد الوهاب إنه الأقوى على أصول أصحابهم قال ابن فورك بشرط تقريره عليه وقال ابن حزم إن كان اجتهاد الصحابي في عصره ضصض في الأحكام كإيجاب شيء أو تحريمه فلا يجوز كما وقع في أبي السنابل من الإفتاء باجتهاده في الحامل المتوفى عنها زوجها أنها تعتد بأربعة أشهر وعشر فاخطأوا في ذلك وإن كان اجتهاده في غير ذلك فيجوز كاجتهادهم فيما يجعلونه علماء للدعاء إلى الصلاة لأنه لم يكن فيه إيجاب شريعة يلزم وكاجتهاد قوم بحضرته ضصض فيمن هم السبعون الفا الذين يدخلون الجنة ووجوههم كالقمر ليلة البدر فأخطأوا في ذلك وبين النبي ضصض من هم ولم يعنفهم في اجتهادهم ومنهم من قال وقع ظنا لا قطعا واختاره الآمدي وابن الحاجب ومنهم من قال إنه يجوز للحاضر في مجلس النبي ضصض أن يجتهد إذا أمره بذلك كما وقع منه ضصض من أمره لسعد بن معاذ أن يحكم في بني قريظة وإن لم يأمره النبي ضصض لم يجز له الاجتهاد إلا أن يجتهد ويعلم به النبي ضصض فيقرر عليه كما وقع من أبي بكر رضي الله عنه في سلب القتيل فإنه قال لاها الله إذا لا يعمد إلى أسد الله فيعطيك سلبه فقرره النبي ضصض والحق ما تقدم من التفصيل بين من كان بحضرته ضصض فيما نابه من الأمر وبين من كان غائبا عنها فيجوز له الاجتهاد وقد وقع من ذلك واقعات متعددة كما وقع من عمرو بن العاص من صلاته بأصحابه وكان جنبا ولم يغتسل بل تيمم وقال سمعت الله تعالى يقول : { ولا تقتلوا أنفسكم } فقرره النبي ضصض على ذلك وكما وقع منه ضصض من الأمر بالنداء يوم انصرافه من الأحزاب بأنه [ لا يصلين أحد إلا في بني قريظة ] فتخوف ناس من فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة وقال آخرون لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله ضصض وإن فات الوقت فما عنف أحدا من الفريقين ومن أدل ما يدل على هذا التفصيل تقرير معاذ على اجتهاد رأيه لما بعثه من إلى اليمن وهو حديث مشهور له طرق متعددة ينتهض مجموعها للحجة كما أوضحنا ذلك في مجموع مستقل ومنه بعثه ضصض لعلي قاضيا فقال لا علم لي بالقضاء فقال النبي ضصض [ اللهم أهد قلبه وثبت لسانه ] أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم في المستدرك ومن ذلك ما رواه أحمد في المسند أن ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر فأتوا عليا يختصمون في الولد فأقرع بينهم فبلغ النبي ضصض فقال لا أعلم فيها إلا ما قال علي وإسناده صحيح وأمثال هذا كثيرة قال الفخر الرازي في المحصول الخلاف في هذه المسألة لا ثمرة له في الفقه وقد اعترض عليه ذلك ولا وجه للاعتراض لأن الاجتهاد الواقع من الصحابي إن قرره النبي ضصض كان حجة وشرعا بالتقرير لا باجتهاج الصحابي وإن لم يبلغه كان اجهاد الصحابي فيه الخلاف المتقدم في قول الصحابي عند من قال بجوازه في عصره ضصض وأنكره أو قال فخلافه فليس في ذلك الاجتهاد فائدة لأنه قد بطل بالشرع ","part":1,"page":380},{"id":177,"text":" المسألة السادسة : فيما ينبغي للمجتهد أن في اجتهاده ويعتمد عليه \r\n فعليه أولا أن ينظر في نصوص الكتاب والسنة فإن وجد ذلك فيهما قدمه على غيره فإن لم يجده أخذ بالظواهر منهما وما يستفاد بمنطوقهما ومفهومهما فإن لم يجد نظر في أفعال النبي ضصض ثم في تقرير أنه لبعض أمته ثم في الإجماع إن كان يقول بحجيته ثم في القياس على ما يقتضيه اجتهاده من العمل بمسالك العلة كلا أو بعضا وما أحسن ما قاله الإمام الشافعي فيما حكاه عنه الغزالي أنها إذا وقعت الواقعة للمجتهد فليعرضها على نصوص الكتاب فإن أعوزه عرضها على الخبر المتواتر ثم الآحاد فإن أعوزه لم يخض في القياس بل يلتفت إلى ظواهر الكتاب فإن وجد ظاهرا نظر في المخصصات من قياس وخبر فإن لم يجد مخصصا حكم به وإن لم يعثر على ظاهر من كتاب ولا سنة نظر إلى المذاهب فإن وجدها مجمعا عليها اتبع الإجماع وإن لم يجد إجماعا خاض في القياس ويلاحظ القواعد الكلية أولا ويقدمها على الجزئيات كما في القتل بالمثقل فتقدم قاعدة الردع على مراعاة الإسم فإن عدم قاعدة كلية نظر في المنصوص ومواقع الإجماع فإن وجدها في معنى واحد ألحق به وإلا انحدر به القياس فإن أعوزه تمسك بالشبه ولا يعول على طرد انتهى وإذا أعوزه ذلك كله تمسك بالبراءة الأصلية وعليه عند التعارض بين الأدلة أن يقدم طريق الجمع على وجه مقبول فإن أعوزه ذلك رجع إلى الترجيح بالمرجحات التي سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى قال الماوردي الاجتهاد بعد النبي ضصض ينقسم إلى ثمانية أقسام : أحدها : ما كان الاجتهاد مستخرجا من معنى النص كاستخراج علة الربا فهذا صحيح عند القائلين بالقياس ثانيهما : ما استخرج من شبه النص كالعبد لتردد شبهه بالحرفي أنه يملك لأنه مكلف وشبهه بالبهيمة في أنه لا يملك لأنه مملوك فهذا صحيح غير مرفوع عند القائلين بالقياس والمنكرين له غير أن المنكرين له جعلوه داخلا في عموم أحد الشبهين ثالثها : ما كان مستخرجا من عموم كالذي بيده عقدة النكاح في قوله : { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } فإنه من إجماع النص أحدهما وهذا صحيح بتوصيل بالترجيح إليه \r\n رابعها : ما استخرج من إجماع النص كقوله في المتعة { ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } فيصح الاجتهاد في قدر المتعة باعتبار حال الزوجين خامسها : ما استخرج من أحوال النص كقوله في التمتع { فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم } فاحتمل صيام السبعة إذا رجع في طريقه وإذا رجع إلى أهله فيصح الاجتهاد في تغليب إحدى الحالتين على الأخرى سادسها : ما استخرج من دلائل النص كقوله { لينفق ذو سعة من سعته } فاستدللنا على تقدير نفقة الموسر بمدين بأن أكثر ما جاءت به السنة في فدية الآدمي أن لكل مسكين مدين واستدللنا على تقدير نفقة المعسر بمد بأنه أقل ما جاءت به السنة في كفارة الوطء أن لكل مسكين مدا سابعها : ما استخرج من أمارات النص كاستخراج دلائل القبلة لمن خفيت عليه من قوله تعالى : { وعلامات وبالنجم هم يهتدون } فيكون الاجتهاد في القبلة بالأمارات والدلائل عليها من هبوب الرياح ومطالع النجوم ثامنها : ما استخرج من غير نص ولا أصل فاختلف في صحة الاجتهاد فقيل لا يصح حتى يقترن بأصل وقيل يصح لأنه في الشرع أصل انتهى وعندي أن من استكثر من تتبع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وحعل كل ذلك دأبه ووجه إليه همته واستعان بالله عز و جل واستمد منه التوفيق وكان معظم همه ومرمى قصده الوقوف على الحق والعثور على الصواب من دون تعصب لمذهب من المذاهب وجد فيهما ما يطلبه فإنهما الكثير الطيب والبحر الذي لا ينزف والنهر الذي يشرب منه كل وارد عليه العذب الزلال والمعتصم الذي يأوي إليه كل خائف فاشدد يديك على هذا فإنك إن قبلته بصدر منشرح وقلب موفق وعقل قد حلت به الهداية وجدت فيهما كل ما تطلبه من أدلة الأحكام التي تريد الوقوف على دلائلها كائنا ما كان فإن استعبدت هذا المقال واستعظمت هذا الكلام وقلت كما قاله كثير من الناس إن أدلة الكتاب والسنة لا تفي بجميع الحوادث فمن نفسك أتيت ومن قبل تقصيرك أصبت وعلى نفسها براقش تجني وإنما تنشرح لهذا الكلام صدور قوم وقلوب رجال مستعدين لهذه المرتبة العلية : \r\n ( لا تعذل المشتاق في اشواقه ... حتى تكون حشاك في أحشائه ) \r\n ( لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها ) \r\n ( دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى ... فإذا هويت فعند ذلك عنف ) ","part":1,"page":381},{"id":178,"text":" المسألة السابعة : اختلفوا في المسائل التي كل مجتهد فيها مصيب والمسائل التي لحق فيها مع واحد من المجتهدين \r\n وتلخيص الكلام في ذلك يحصل في فرعين : \r\n الفرع الأول : العقليات وهي على أنواع الأول ما يكون الغلط فيه مانعا من معرفة الله كما في إثبات العلم بالصانع والتوحيد والعدل قالوا فهذه الحق فيها واحد فمن أصابه أصاب الحق ومن اخطأه فهو كافر النوع الثاني مثل مسألة الرؤية وخلق القرآن وخروج الموحدين من النار وما يشابه ذلك فالحق فيها واحد فمن أصابه فقد أصاب ومن أخطأه فقيل يكفر ومن القائلين بذلك الشافعي فمن أصحابه من حمله على ظاهره ومنهم من حمله على كفران النعم النوع الثالث إذا لم تكن المسألة دينية كما في تركب الأجسام من ثمانية أجزاء وانحصار اللفظ في المفرد والمؤلف قالوا فليس المخطئ فيها بآثم ولا المصيب فيها بمأجور إذ هذه وما يشابهها يجري مجرى الاختلاف في كون ملكه أكبر من المدينة أو أصغر منها وقد حكى ابن الحاجب في المختصر أن المصيب في العقليات واحد ثم حكى عن العنبري أن كل مجتهد في العقليات مصيب وحكى ايضا عن الجاحظ أنه لا إثم على المجتهد بخلاف المعاهد قال الزركشي وأما الحق فجعل الحق فيها واحد ولكنه يجعل المخطئ في جميعها غير آثم قال ابن السمعاني وكان العنبري يقول في مثبتي القدر هؤلاء عظموا الله وفي نافي القدر هؤلاء نزهوا الله وقد استشبع هذا القول منه يقتضي تصويب اليهود والنصارى وسائر الكفار في اجتهادهم قال ولعله أراد أصول الديانات التي اختلف فيها أهل القبلة كالرؤية وخلق الأفعال ونحوه وأما ما اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل الملل كاليهود والنصارى والمجوس فهذا مما يقطع فيه بقول اهل الإسلام قال القاضي في مختصر التقريب اختلفت الروايات عن العنبري فقال في أشهر الروايتين إنما أصوب كل مجتهد في الذين يجمعهم الله وأما الكفرة فلا يصوبون وفي رواية عنه أنه صوب الكافرين المجتهدين دون الراكبين البدعة قال ونحن نتكلم معهما يعني العنبري والجاحظ فنقول أنتما أولا محجوجان بأن الإجماع قبلكما وبعدكما \r\n ثانيا أن اردتما بذلك مطابقة الإعتقاد للمعتقد فقد خرجتما عن حيز العقلاء وانخرطتما في سلك الأنعام وإن أردتما الخروج عن عهدة التكليف ونفي الحرج كما نقل عن الجاحظ فالبراهين العقلية من الكتاب والسنة والإجماع الخارجة عن حد الحصر ترد هذه المقالة وأما تخصيص التصويب بأهل الملة الإسلامية فنقول مما خاض فيه المسلمون القول بخلق القرآن وغير ذلك مما يعظم خطره وأجمعوا قبل العنبري على أنه يجب على المرء إدراك بطلانه وقد حكى القاضي أيضا في موضع آخر عن داود بن علي الأصفهاني إمام مذهب الظاهر أنه قال بمثل قول العنبري وحكى قوم عن العنبري والجاحظ أنهما قالا ذلك فيمن علم الله من حاله استفراغ الوسع في طلب الحق من أهل ملتنا وغيرهم وقد نحا الغزالي نحو هذا المنحى في كتاب التفرقة بين الاسلام والزندقة وقال ابن دقيق العيد ما نقل عن العنبري والجاحظ أن أراد أن كل واحد من المجتهدين مصيب لما في نفس الأمر فباطل وإن أريد به من بذل الوسع ولم يقصر في الأصوليات يكون معذورا غير معاقب فهذا اقرب لأنه قد يعتقد فيه أنه لو عوقب وكلف بعد استفراغه غاية الجهد لزم تكليفه بما لا يطاق قال وأما الذي حكى عنه من الاصابة في العقائد القطعية فباطل قطعا ولعله لا يقوله إن شاء الله تعالى وأما المخطئ في الأصول والمجتهد فلا شك في تأثيمه وتفسيقه تضليله واختلف في تكفيره وللأشعري قولان قال إمام الحرمين وابن القشيري وغيرهما وأظهر مذهبه ترك التكفير وهو اختيار القاضي في متاب المتأولين وقال ابن السلام رجع الإمام الحسن الأشعري عند موته عن تكفير أهل القبلة لأن الجهل بالصفات ليس جهلا بالموصوف قال الزركشي وكان الإمام أبو سهل الصعلوكي لا يكفر فقيل له ألا يكفرك فعاد إلى القول بالتكفير وهذا مذهب المعتزلة فهم يكفرون خصومهم ويكفر كل فريق منهم الآخر وقد حكى إمام الحرمين عن معظم أصحاب الشافعي ترك التكفير وقال إنما يكفر من جهل وجود الرب أو علم وجوده ولكن فعل فعلا أو قال قولا أجمعت الأمة على أنه لا يصدر ذلك إلا عن كافر انتهى واعلم أن التكفير لمجتهدي الإسلام بمجرد الخطأ في الاجتهاد في شيء من مسائل العقل عقبة كؤود لا يصعد إليها إلا من لا يبالي بدينه ولا يحرص عليه لأنه مبني على شفا جرف هار وعلى ظلمات بعضها فوق بعض وغالب القول به ناشئ عن العصبية وبعضه ناشئ عن شبه واهية ليست من الحجة في شيء ولا يحل التمسك بها في أيسر أمر من أمور الدين فضلا عن هذا الأمر الذي هو مزلة خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم يدفع ذلك دفعا لا شك فيه ولا شبهة فإياك أن تغتر بقول من يقول منهم إنه يدل على ما ذهب إليه الكتاب والسنة فإن ذلك دعوى باطلة مترتبة على شبهة داحضة وليس هذا المقام مقام بسط الكلام على هذا المرام فموضعه علم الكلام \r\n الفرع الثاني : المسائل الشرعية فذهب الجمهور ومنهم الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاني ومن المعتزلة أبو الهذيل وأبو هاشم وأتباعهم إلى أنها تنقسم إلى قسمين \r\n الأول : ما كان منها قطعيا معلوما بالضرورة أنه من الدين كوجوب الصلوات الخمس وصوم رمضان وتحريم الزنا والخمر فليس كل مجتهد فيها بمصيب بل الحق فيها واحد فالموافق له مصيب والمخطئ غير معذور وكفره جماعة منهم لمخالفته للضروري وإن كان فيها دليل قاطع وليست من الضروريات الشرعية فقيل إن قصر فهو مخطئ آثم وإن لم يقصر فهو مخطئ غير آثم قال ابن السمعاني ويشبه أن يكون سبب غموضها امتحانا من الله لعباده ليفاضل بينهم في درجات العلم ومراتب الكرامة كما قال تعالى : { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } وقال { وفوق كل ذي علم عليم } \r\n القسم الثاني : المسائل الشرعية التي لا قاطع فيها وقد اختلفوا في ذلك اختلافا طويلا واختلف النقل عنهم ذلك اختلافا كثيرا فذهب جمع جم إلى أن قول من أقوال المجتهدين فيها حق وأن كل واحد منهم مصيب وحكاه الماوردي والرياني عن الأكثرين قال الماوردي وهو قول أبي الحسن الأشعري والمعتزلة وذهب أبو حنفية ومالك والشافعي وأكثر الفقهاء إلى أن الحق في أحد الأقوال ولم يتعين لنا وهو عند الله متعين لاستحالة أن يكون الشيء الواحد في الزمان الواحد في الشخص الواحد حلالا وحراما وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يخطئ بعضهم بعضا ويعترض بعضهم على بعض ولو كان اجتهاد كل مجتهد حقا لم يكن للتخطئة وجه ثم اختلف هؤلاء بعد اتفاقهم على أن الحق واحد هل كل مجتهد مصيب أم لا ؟ فعند مالك والشافعي وغيرهما أن المصيب منهم واحد وإن لم يتعين وأن جميعهم مخطئ إلا ذلك الواحد وقال جماعة منهم أبو يوسف إن كل مجتهد مصيب وإن كان الحق مع واحد وقد حكى بعض أصحاب الشافعي عن الشافعي مثله وأنكر ذلك أبو إسحاق المروزي وقال إنما نسبة إليه قوم من المتأخرين ممن لا معرفة لهم بمذهبه قال القاضي أبو الطيب الطبري واختلف النقل عن أبي حنفية فنقل عنه أنه قال في بعض المسائل كقولنا وفي بعض كقول أبي يوسف وقد روى عن اهل العراق وأصحاب مالك وابن شريح وأبي حامد بمثل قول أبي يوسف واستدل ابن كج على هذا بإجماع الصحابة على تصويب بعضهم بعضا فيما اختلفوا فيه ولا يجوز إجماعهم على خطأ قال ابن فورك في المسألة ثلاثة أقوال : أحدها أن الحق في واحد وهو المطلوب وعليه دليل منصوب فمن وضع النظر موضعه أصاب ومن قصر عنه وفقد الصواب فهو مخطئ ولا إثم عليه ولا نقول إنه معذور لأن المعذور من يسقط عنه التكليف لعذر في تركه كالعاجز عن القيام في الصلاة وهو عندنا قد كلف إصابة العين لكنه خفف أمر خطابه وأجر على قصده الصواب وحكمه نافذ على الظاهر وهذا مذهب الشافعي وأكثر أصحابه وعليه نص في كتاب الرسالة وأدب القاضي والثاني أن الحق واحد إلا أن المجتهدين لم يتكلفوا إصابته وكلهم مصيبون لما كلفوا من الاجتهاد وإن كان بعضهم مخطئا والثالث أنهم كلفوا الرد إلى الأشبه على طريق الظن انتهى وذهب قوم إلى أن الحق واحد والمخالف له مخطئ آثم ويختلف خطؤه على قدر ما يتعلق به الحكم فقد يكون كبيرة وقد يكون صغيرة ومن القائلين بهذا القول الأصم والمريسي وابن علية وحكى عن أهل الظاهر وعن جماعة من الشافعية وطائفة من الحنفية وقد طول أئمة الأصول الكلام في هذه المسألة وأوردوا من الأدلة ما لا تقوم به الحجة واستكثر من ذلك الرازي في المحصول ولم يأتوا بما يشفى طالب الحق وهاهنا دليل يرفع النزاع ويوضح الحق إيضاحا لا يبقى بعده ريب لمرتاب وهو الحديث الثابت في الصحيح من طرق أن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر فهذا الحديث يفيدك أن الحق واحد وأن بعض المجتهدين يوافقه فيقال له مصيب ويستحق اجرين وبعض المجتهدين يخالفه ويقال له مخطئ واستحقاقه الأجر لا يستلزم كونه مصيبا واسم الخطأ عليه لا يستلزم أن لا يكون له أجر فمن قال كل مجتهد مصيب وجعل الحق متعددا بتعدد المجتهدين فقد أخطأ خطأ بينا وخالف الصواب بمخالفة ظاهرة فإن النبي ضصض جعل المجتهدين قسمين قسما مصيبا وقسما مخطئا ولو كان كل منهم مصيبا لم يكن لهذا التقسيم معنى وهكذا من قال إن الحق واحد ومخالفه آثم يوافق الحق في اجتهاده مخطئا ورتب على ذلك استحقاقه للأجر فالحق الذي لا شك فيه ولا شبهة أن الحق واحد ومخالفه مأجور إذا كان قد وفى الاجتهاد حقه ولم يقصر في البحث بعد إحرازه لما يكون به مجتهدا ومما يحتج به على هذا حديث القضاء ثلاثة فإنه لو لم يكن الحق واحدا لم يكن للتقسيم معنى أو مثله قوله ضصض لأمير السرية [ وإن طلب منك أهل حصن النزول على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ] وما أشنع ما قاله هؤلاء الجاعلون لحكم الله عز و جل متعددا بتعداد المجتهدين تابعا لما يصدر عنهم من الاجتهادات فإن هذه المقالة مع كونها مخالفة للأدب مع الله عز و جل ومع شريعته المطهرة هي أيضا صادرة عن محض الرأي الذي لم يشهد له دليل ولا عضدته شبهة تقبلها العقول وهي أيضا مخالفة لإجماع الأمة سلفها وخلفها فإن الصحابة ومن بعدهم في كل عصر من العصور ما زالوا يخطئون من خالف في اجتهاد ما هو أنهض مما تمسك به ومن شك في ذلك وأنكره فهو لا يدري بما في بطون الدفاتر الإسلامية بأسرها من التصريح في كثير من المسائل بتخطئه بعضهم لبعض واعتراض بعضهم على بعض وأما استدلال من القائلين بهذه المقالة بمثل قصة داود وسليمان فهو عليهم لا لهم فإن الله سبحانه وتعالى صرح في كتابه العزيز بأن الحق هو ما قاله سليمان ولو كان الحق بيد كل واحد منهما لما كان لتخصيص سليمان بذلك معنى وأما استدلالهم بمثل قوله تعالى : { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله } فهو خارج عن محل النزاع لأن سبحانه قد صرح في هذه الآية بأن ما وقع منهم من القطع والترك هو بإذنه عز و جل فأفاد ذلك أن حكمه في هذه الحادثة بخصوصها هو كل واحد من الأمرين وليس النزاع إلا فيما لم يرد النص فيه بخصوصها هو كل واحد من الأمرين وأن حكمه على التخيير بين أمور يختار المكلف ما شاء منها كالواجب المخير أو أن حكمه يجب على الكل حتى يفعله البعض فيسقط على الباقين كفروض الكفايات فتدبر هذا وافهمه حق فهمه وأما استدلالهم بتصويب كل طائفة ممن صلى قبل الوصول إلى بني قريظة لمن خشي فوت الوقت وممن ترك الصلاة حتى وصل إلى بني قريظة امتثالا لقوله ضصض [ لا يصلين أحد إلا في بني قريظة ] فالجواب عنه كالجواب عما قبله على أن ترك التثريب لمن قد عمل باجتهاده لا يدل على أنه قد أصاب الحق بل يدل على أنه قد أجزأه ما عمله باجتهاده وصح صدوره عنه لكونه قد بذل وسعه في تحري الحق وذلك لا يستلزم أن يكون هو الحق الذي طلبه الله من عباده وفرق بين الإصابة والصواب فإن إصابة الحق هو الموافقة بخلاف الصواب فإنه قد يطلق على من أخطأ الحق ولم يصبه من حيث كونه قد فعل ما كلف به واستحق الأجر عليه وإن لم يكن مصيبا للحق وموافقا له وإذا عرفت هذا حق معرفته لم تحتج إلى زيادة عليه وقد حرر الصفي الهندي هذه المسألة وما فيها من المذاهب تحريرا جيدا فقال الواقعة التي وقعت إما أن يكون عليها نص أولا فإن كان الأول فإما يجده المجتهد أو لا الثاني على قسمين لأنه إما أن يقصر في طلبه أو لا يقصر فإن وجده وحكم بمقتضاه فلا كلام وإن لم يحكم بمقتضاه فإن كان مع العلم بوجه دلالته على المطلوب فهو مخطئ وآثم وفاقا وإن لم يكن مع العلم ولكن قصر في البحث عنه فكذلك وإن يقصر بل بالغ في الاستكشاف والبحث ولم يعثر على وجه دلالته على المطلوب فحكمه حكم ما لم يجده مع الطلب الشديد وسيأتي وإن لم يجده فإن كان التقصير في الطلب فهو مخطئ وآثم وإن لم يقصر بل بالغ في التنقيب عنه وأفرغ الوسع في طلبه ومع ذلك لم يجده فإن خفي عليه الراوي الذي عنده النص أو عرفه ومات قبل وصوله إليه فهو غير آثم قطعا وهل هو مخطئ أو مصيب على الخلاف الآتي فيما لا نص فيه والأولى بأن يكون مخطئا وأما التخيير يقال فيها فإما أن يقال لله فيها قبل اجتهاد المجتهد حكم معين أو لا بل إجماع وتابع لاجتهاد المجتهدين فهذا الثاني من قول من قال كل مجتهد مصيب وهو مذهب جمهور المتكلمين كالشيخ أبي الحسن الأشعري والقاضي والغزالي والمعتزلة كأبي الهذيل وأبي علي وأبي هاشم وأتباعه ونقل عن الشافعي وأبي حنيفة والمشهور عنهما خلافه فإن لم يوجد في الواقعة حكم معين فهل وجد فيها ما لو حكم الله تعالى فيها بحكم لما حكم إلا به أو لم يوجد ذلك والأول هو القول بالأشبه وهو قول كثير من المصوبين وإليه صار أبو يوسف ومحمد بن الحسن وابن شريح في إحدى الروايتين عنه قال وأمل الثاني فقول الخلص من المصوبة انتهى ","part":1,"page":383},{"id":179,"text":" المسألة الثامنة : لا يجوز أن يكون لمجتهد في مسألة قولان متناقضان في وقت واحد بالنسبة إلى شخص واحد \r\n لأن دليلهما أن تعادلا من كل وجه ولم يمكن الجمع ولا الترجيح وجب عليه الوقف وإن أمكن الجمع بينهما وجب عليه المصير إلى الصورة الجامعة بينهما وإن ترجع أحدهما على الآخر تعين عليه الأخذ به وبهذا يعلم امتناع أن يكون له قولان متناقضان في وقت واحد باعتبار شخص واحد وأما في وقتين فجائز لجواز تغير الاجتهاد الأول وظهور ما هو أولى بأن يأخذ به مما كان قد أخذ به وأما بالنسبة إلى شخصين فيكون ذلك على اختلاف المذهبين المعروفين عند تعادل الأمارتين فمن قال بالتخيير جوز ذلك له ومن قال بالوقف لم يجوز فإن كان للمجتهد قولان واقعان في وقتين فالقول الآخر رجوعه عن القول الأول بدلالته على تغير اجتهاد الأول إذا أفتى المجتهد مرة بما أدى إليه اجتهاده ثم سئل ثانيا عن تلك الحادثة فإما أن يكون ذاكرا لطريق الاجتهاد الأول أو لا يكون ذاكرا جاز له الفتوى به وإن نسيه لزمه أن يستأنف الاجتهاد فإن أداه اجتهاده الى خلاف فتواه في الأول أفتى بما أدى إليه اجتهاده ثانيا وإن أدى إلى موافقة ما قد أفتى به أولا وإن لم يستأنف الاجتهاد لم يجز له الفتوى قال الرازي في المحصول ولقائل أن يقول لما كان الغالب على ظنه أن الطريق الذي تمسك به كان طريقا قويا حصل له الآن ظن أن ذلك القوى حق جاز له الفتوى به لأن العمل بالظن واجب وأما إذا حكم المجتهد باجتهاده فليس له أن ينقضه إذا تغير اجتهاده وترجع له ما يخالف الاجتهاد الأول لأن ذلك يؤدي إلى عدم استقرار الأحكام الشرعية وهكذا ليس له أن ينقض باجتهاد ما حكم به حاكم آخر باجتهاده لأنه يؤدي إلى ذلك ويتسلسل وتفوت مصلحة نصب الحكام وهي فصل الخصومات ما لم يكن ما حكم به الحاكم الأول مخالفا لدليل قطعي فإن كان مخالفا لدليل القاطع نقضه اتفاقا وإذا حكم المجتهد بما يخالف اجتهاده فحكمه باطل لأنه متعبد بما أدى إليه اجتهاده وليس له أن يقول بما يخالفه ولا يحل له أن يقلد مجتهدا آخر فيما يخالف اجتهاده بل يحرم عليه التقليد مطلقا إذا كان قد اجتهد في المسألة فأداه اجتهاده إلى حكم ولا خلاف في هذا وأما أن يجتهد فالحق أنه لا يجوز له تقليد مجتهد آخر مطلقا وقيل يجوز له فيما يخصه من الأحكام لا فيما لا يخصه فلا يجوز وقيل يجوز له تقليد من هو أعلم منه وقيل يجوز له أن يقلد مجتهدا من مجتهدي الصحابة ولأهل الأصول في هذه المباحث كلام طويل وليست محتاجة إلى التطويل فإن القول فيها لا مستند له إلا محض الرأي ","part":1,"page":389},{"id":180,"text":" المسألة التاسعة : في جواز تفويض المجتهد \r\n قال الرازي في المحصول اختلفوا في أنه هل يجوز أن يقول الله تعالى للنبي ضصض أو للعالم : أحكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب ؟ فقطع بوقوعه موسى بن عمران من المعتزلة وقطع جمهور المعتزلة بامتناعه وتوقف الشافعي في امتناعه وجوازه وهو المختار انتهى ولا خلاف في جواز التفويض إلى النبي ضصض أو المجتهد أن يحكم بما رآه بالنظر والاجتهاد وإنما الخلاف في تفويض الحكم بما شاء المفوض وكيف اتفق له واستدل من قال بالجواز بأنه ليس بممتنع لذاته والأصل عدم امتناعه لغيره وهذا الدليل ساقط جدا وتفويض من كان ذا علم بأن يحكم بما أراد من غير تقييد بالنظر والاجتهاد مع كون الأحكام الشرعية تختلف مسالكها وتتباين طرائقها ولا علم للعبد بما عند الله عز و جل فيها ولا بما هو الحق الذي يرديه من عباده ولا ينبغي لمسلم أن يقول بجوازه ولا يتردد في بطلانه فإن العالم الجامع لعلوم الاجتهاد المتمكن من النظر والاستدلال إذا بحث وفحص وأعطى النظر حقه فليس معه إلا مجرد الطن بأن ذلك الذي رجحه وقاله هو الحق الذي طلبه الله عز و جل فكيف يحل له أن يقول ما أراد ويفعل ما اختار من دون نظر واجتهاد وكيف يجوز مثل ذلك على الله عز و جل مع القطع بأن هذا العالم الذي زعم الزاعم جواز تفويضه مكلف بالشريعة الإسلامية لأنه واحد من أهلها مأخوذ بما أخذوا به مطلوب منه ما طلب منهم فما الذي رفع عنه التكليف الذي كلف به غيره وما الذي كلف به غيره وما الذي أخرجه مما كان فيه من الخطاب مما كلف به وهل هذه المقالة إلا مجرد بحت ومجازفة ظاهرة وكيف يصح أن يقال بتفويض العبد مع جهله بما في أحكام الله من المصالح فإن من كان هذا قد يقع اختياره على ما فيه مصلحة وعلى ما لا مصلحة فيه واما الاستدلال بقول سبحانه : { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } فهو خارج عن محل النزاع لأن هذا تفويض لنبي من أنبياء الله وهم معصومون من الخطأ وإذا وقع منهم نادرا فلا يقرون عليه وجميع إصدارهم وإيرادهم هو بوحي من الله عز و جل أو باجتهاد يقرره الله عز و جل ويرضاه وهكذا يقال فيما استدلوا به من اجتهادات نبينا ضصض ووقوع الجوابات منه على ما سأله من دون انتظار الوحي وبمثل قوله ضصض [ لو استقبلت من أمري ما استدبرت ] وبمثل قوله لما سمع أبيات قتيلة بنت الحرث لو بلغني هذا لمننت عليه أي على أخيها النضر بن الحرث أحد أسرى بدر والقصة والشعر معروفان وأما اعتذر عن القائل بصحة ذلك بأنه إنما قال بالجواز ولم يقل بالوقوع فليس هذا الاعتذار بشيء فإن تجويز مثل هذا على الله عز و جل مما لا يحل لمسلم أن يقول به وقد عرفت أنه لا خلاف في جواز التفويض إلى الأنبياء وإلى المجتهدين بالنظر فليس محل النزاع إلا التفويض إلى من كان من أهل العلم أن يحكم بما شاء وكيف اتفق وحينئذ يتبين لك أن غالب ما جاء به جهل على جهل وظلمات بعضها فوق بعض ","part":1,"page":390},{"id":181,"text":" الفصل الثاني في التقليد وما يتعلق به من أحكام المفتى والمستفتى وفيه ست مسائل \r\n المسألة الأولى : في حد التقليد والمفتى والمستفتى أما التقليد فأصله في اللغة مأخوذ من القلادة التي يقلد غيره بها ومنه تقليد الهدى فكأن المقلد جعل ذلك الحكم الذي قلد فيه المجتهد كالقلادة في عنق من قلده وفي الاصطلاح هو العمل بقول الغير من غير حجة فيخرج العمل بقوله رسول الله صضص والعمل بالإجماع ورجوع العامي إلى المفتي ورجوع القاضي إلى شهادة العدول فإنها قد قامت الحجة في ذلك أما العلم بقول رسول الله صضص وبالإجماع فقد تقدم الدليل على ذلك في مقصد السنة وفي مقصد الإجماع وأما رجوع القاضي إلى قول الشهود فالدليل على ذلك في مقصد السنة وفي الإجماع وأما رجوع القاضي إلى قول الشهود فالدليل عليه ما في الكتاب والسنة من الأمر بالشهادة والعمل بها وقد وقع الإجماع على ذلك وأما رجوع العامي إلى قول المفتي فللإجماع على ذلك ويخرج عن ذلك قبول رواية الرواة فإنه قد الدليل على قبولها ووجوب العمل بها وأيضا ليست قول الراوي بل قول من روى عنه إن كان ممن تقوم به الحجة وقال ابن الهمام في التحرير التقليد العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة وهذا الحد من الذي قبله وقال القفال هو قبول قول القائل وأنت لا تعلم من أن قاله وقال الشيخ أبو حامد والأستاذ أبو منصور هو قبول القول من غير حجة تظهر على قوله وقيل هو قبول الغير دون حجة القول والأولى أن يقال هو قبول رأي من لا تقوم به الحجة بلا حجة وفوائد هذه القيود معروفة بما تقدم وأما المفتى فهو المجتهد وقد تقدم بينه ومثله قول من قال إن المفتى للفقيه لأن المراد به المجتهد في مصطلح أهل الأصول والمستفتى من ليس بمجتهد أو من ليس بفقيه وقد عرفت من حد المقلد على جميع الحدود المذكورة أن قبول قول النبي صضص والعمل به ليس من التقليد في شيء لأن قوله صضص وفعله نفس الحجة قال القاضي حسين في التعليق لا خلاف أن قبول قول غير النبي صضص من الصحابة والتابعين يسمى تقليدا وأما قبول قوله صضص فهل يسمى تقليدا ؟ فيه وجهان يبتنيان على الخلاف في حقيقة التقليد ماذا هو ؟ وذكر الشيخ أبو حامد أن الذي نص عليه الشافعي أنه يسمى تقليدا فإنه قال في حق قول الصحابي لما ذهب إلى أنه لا يجب الأخذ به ما نصه وأما أن يقلده فلم يجعل الله ذلك لأحد بعد رسول الله وآله وسلم انتهى ولا يخفاك أن مراده بالتقليد هاهنا غير ما وقع عليه الاصطلاح ولهذا قال الروياني في البحر أطلق الشافعي على جعل القبول من النبي صضص تقليدا ولم يرد حقيقة التقليد وإنما أراد القبول من غير السؤال عن وجهه وفي وقوع إسم التقليد عليه وجهان قال والصحيح من المذهب أنه يتناول هذا الاسم قال الزركشي في البحر وفي هذا إشارة إلى رجوع الخلاف إلى اللفظ وبه صرح إمام الحرمين في التخليص حيث قال وهو اختلاف في عبارة يهون موقعها عند ذوي التحقيق انتهى وبهذا تعرف أن التقليد بالمعنى المصطلح لا يشمل ذلك وهو المطلوب قال ابن الدقيق العيد إن الأنبياء لا يجتهدون فقد علمنا أن سبب أقوالهم فلا يكون تقليدا وإن قلنا إنهم يجتهدون فقد علمنا أن السبب أحد الأمرين : إما الوحي أو الاجتهاد وعلى كل تقدير فقد علمنا السبب واجتهادهم اجتهاد معلوم العصمة انتهى وقد نقل القاضي في التقريب الإجماع على أن الآخذ بقول النبي صضص والراجع إليه ليس بمقلد بل هو صائر إلى دليل وعلم يقين انتهى \r\n المسألة الثانية : اختلفوا في المسائل العقلية وهي المتعلقة بوجود البارئ وصفاته هل يجوز التقليد فيها أم لا ؟ فحكى الرازي في المحصول عن كثير من الفقهاء أنه يجوز وحكاه الأستاذ أبو إسحاق في شرح الترتيب عن إجماع أهل العلم من أهل الحق وغيرهم من الطوائف قال أبو الحسين بن يقطان لا نعلم خلافا في امتناع التقليد في التوحيد وحكاه ابن السمعاني عن جميع المتكلمين وطائفة من الفقهاء وقال إمام الحرمين في الشامل لم يقل بالتقليد في الأصول إلا الحنابلة وقال الإسفرائني لا يخالف فيه إلا أهل الظاهر واستدل الجمهور بأن الأمة أجمعت على وجوب معرفة الله عز و جل وأنها لا تحصل بالتقليد لأن المقلد ليس معه إلا الأخذ بقول من يقلده ولا يدري أهو صواب أم خطأ قال الأستاذ أبو منصور فلو اعتقد من غير معرفة بالدليل فاختلفوا فيه فقال أكثر الأئمة إنه مؤمن من أهل الشفاعة وإن فسق بترك الاستدلال وبه قال أئمة الحديث وقال الأشعري وجمهور المعتزلة لا يكون مؤمنا حتى يخرج فيها عن جملة المقلدين انتهى فيالله العجب من هذه المقالة التي تقشعر لها الجلود وترجف عند سماعها الأفئدة فإنها جناية على جمهور هذه الأمة المرحومة وتكليف لهم بما ليس في وسعهم ولا يطيقونه وقد كفى الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها الإيمان الجملي ولم يكلفهم رسول الله صضص وهو بين أظهرهم بمعرفة ذلك ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته وما حكاه الأستاذ أبو منصور عن أئمة الحديث من أنه مؤمن وإن فسق فلا يصح التفسيق عنهم بوجه من الوجوه بل مذهب سابقهم ولاحقهم الاكتفاء بالايمان الجملي وهو الذي كان عليه خير القرون ثم الذين يلونهم بل حرم كثير منهم النظر في ذلك وجعله من الضلالة والجهالة ولم يخف هذا من مذهبهم حتى على أهل الأصول والفقه قال الأستاذ أبو إسحاق ذهب قوم من كتبة الحديث إلى أن طلب الدليل فيما يتعلق بالتوحيد غير واجب وإنما الغرض هو قول الله ورسول ويرون الشروع في موجبات العقول كفرا وأن الاستدلال والنظر ليس هو المقصود في نفسه وإنما هو طريق إلى حصول العلم حتى يصير بحيث لا يتردد فمن حصل له هذا الاعتقاد الذي لا شك فيه من غير دلالة قاطعة فقد صار مؤمنا وزال عنه كلفة طلب الأدلة ومن أحسن الله إليه وأنعم الله عليه بالاعتقاد الصافي من الشبهة والشكوك فقد أنعم الله عليه بأكمل أنواع النعم وأجلها حين لم يكله إلى النظر والاستدلال لا سيما العوام فإن كثيرا منهم تجده في صيانة اعتقاده أكثر ممن يشاهد ذلك بالأدلة انتهى ومن أمعن النظر في أحوال العوام وجدها صحيحا فإن كثيرا منهم نجد الإيمان في صدره كالجبال الرواسي ونجد بعض المتعلقين بعلم الكلام المشتغلين به الخائضين في معقولاته التي يتخبط فيها أهلها لا يزال ينقض إيمانه وتنتقض منه عروة عروة فأن أدركته الألطاف الربانية نجا إلا هلك ولهذا تمنى كثير من الخائضين في هذه العلوم المتبحرين في أنواعها في آخر أمره أن يكون على دين العجائز ولهم في ذلك من الكلمات المنظومة والمنثورة ما لا يخفى على من له إطلاع على أخبار الناس وقد أنكر القشيري والشيخ أبو محمد الجويني وغيرهما من المحققين صحة هذه الرواية المتقدمة عن أبي حسن الأشعري قال ابن السمعاني إيجاب معرفة الأصول على ما يقوله المتكلمون بعيد جدا عن الصواب ومتى أوجبنا ذلك فمتى يوجد من العوام من يعرف ذلك وتصدر عقيدته عنه كيف وهم لو عرضت عليهم تلك الأحكام لم يفهموها وإنما غاية العامي أن يتلقن ما يريد أن يعتقدوه ويلقي به ربه من العلماء يتبعهم في ذلك ثم يسلم عليها بقلب طاهر عن الأهواء والأدغال ثم يعض عليها بالنواجذ فلا يحول ولا يزول لو قطع إربا فهنيئا لهم السلامة والبعد عن الشبهات الداخلة على أهل الكلام والورطات التي توغلوها حتى أدت بهم إلى المهاوي والمهالك ودخلت عليهم الشبهات العظيمة فصاروا متحيرين ولا يوجد فيهم متورع عفيف إلا القليل فإنهم أعرضوا عن ورع الألسنة وأرسلوها في صفات الله بجرأة وعدم مهابة وحرمه قال ولأنه ما من دليل لفريق منهم يعتمدون عليه إلا ولخصومهم عليه من الشبه القوية ونحن لا ننكر من الدلائل العقلية بقدر ما ينال المسلم به برد الخاطر وإنما ننكر إيجاب التوصل إلى العقائد في الأصول بالطريق الذي اعتقدوه وساموا به الخلق وزعموا أن من لم يعرف ذلك لم يعرف الله تعالى ثم أداهم ذلك إلى تكفير العوام أجمع وهذا هو الخطة الشنعاء والداء العضال وإذا كان السواد الأعظم هو العوام وبهم قوام الدين وعليهم مدار رحى الإسلام ولعله لا يوجد في البلدة الواحدة التي تجمع المائة الألف من يقوم بالشرائط التي يعتبرونها إلا العدد الشاذ الشارد النادر ولعله لا يبلغ عدد العشرة انتهى \r\n المسألة الثالثة : اختلفوا في المسائل الشرعية الفرعية هل يجوز التقليد فيها أم لا ؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يجوز مطلقا قال القرافي مذهب مالك وجمهور العلماء وجوب الاجتهاد وإبطال التقليد وادعى ابن حزم الإجماع على النهي عن التقليد قال ونقل عن مالك أنه قال أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق فاتركوه وقال عند موته وددت أني ضربت بكل مسألة تكلمت فيها برأي سوطا على أنه لا صبر لي على السياط قال ابن حزم فهاهنا مالك ينهى عن التقليد وكذلك الشافعي وأبو حنيفة وقد روى المزني عن الشافعي في أول مختصرة أنه لم يزل ينهى عن تقليده وتقليد غيره انتهى ذكرت نصوص الأئمة الأربعة المصرحة بالنهي عن التقليد في الرسالة التي سميتها القول المفيد في حكم التقليد فلا نطول المقام بذكر ذلك وبهذا تعلم أن المنع من التقليد إن لم يكن إجماعا فهو مذهب الجمهور ويؤيد هذا ما سيأتي في المسألة التي بعد هذه في حكاية الإجماع على عدم جواز تقليد الأموات وكذلك ما سيأتي من أن عمل المجتهد برأيه إنما هو رخصة له عند عدم الدليل ولا يجوز لغيره أن يعمل به بالإجماع فهذان الإجماعان يجتثان التقليد من أصله فالعجب من كثير من أهل الأصول حيث لم يحكوا هذا القول إلا عن بعض المعتزلة وقابل مذهب القائلين بعده الجواز بعض الحشوية وقال يجب مطلقا ويحرم النظر وهؤلاء لم يقنعوا بما هم فيه من الجهل حتى أوجبوه على أنفسهم وعلى غيرهم فإن التقليد جهل وليس بعلم والمذهب الثالث : التفصيل وهو أنه يجب على العامي ويحرم على المجتهد وبهذا قال كثير من أتباع الأئمة الأربعة ولا يخفاك أنه إنما يعتبر في الخلاف أنه إنما يعتبر خلافه ولا سيما وأئمتهمم الأربعة يمنعونهم من تقليدهم وتقليد غيرهم وقد تعسفوا فحملوا كلام أئمتهم هؤلاء على أنهم أرادوا المجتهدين من الناس لا المقلدين فيالله العجب وأعجب من هذا أن بعض المتأخرين ممن صنف في الأصول نسب هذا القول إلى الأكثرين وجعل الحجة لهم الإجماع على عدم الإنكار على المقلدين فإن أراد إجماع خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فتلك دعوى باطلة فإنه لا تقليد فيهم البتة ولا عرفوا التقليد ولا سمعوا به بل كان المقصر منهم يسأل العالم عن المسألة التي تعرض له فيفتيه بالنصوص التي يعرفها من الكتاب والسنة وهذا ليس من التقليد في شيء بل هو من باب طلب حكم الله في المسألة والسؤال عن الحجة الشرعية وقد عرفت في أول هذا الفصل أن التقليد إنما هو العمل بالرأي لا بالرواية وليس المراد بما احتج به الموجبون للتقليد والمجوزون له من قوله سبحانه { فاسألوا أهل الذكر } إلا السؤال عن حكم الله في المسألة لا عن آراء الرجال هذا على تسليم أنها واردة في عموم السؤال كما زعموا وليس الأمر كذلك بل هي واردة في أمر خاص وهو السؤال عن كون أنبياء الله رجالا كما يفيده أول الآية وآخرها حيث قال { وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } { بالبينات والزبر } وإن أراد إجماع الأئمة الأربعة فقد عرفت أنهم قالوا بالمنع من التقليد ولم يزل في عصرهم من ينكر ذلك وإن أراد إجماع من بعدهم فوجود المنكرين لذلك منذ ذلك الوقت إلى هذه الغاية معلوم بكل من يعرف أقوال أهل العلم وقد عرفت مما نقلناه سابقا أن المنع قول الجمهور إذ لم يكن إجماعا وإن أراد إجماع المقلدين للأئمة الأربعة خاصة فقد عرفت مما قدمنا في مقصد الإجماع أنه لا اعتبار بأقوال المقلدين في شيء فضلا عن أن ينعقد بهم إجماع والحاصل أنه لم يأت من جوزه التقليد فضلا عمن أوجبه بحجة ينبغي الاشتغال بجوابهما قط ولا نؤمر برد شرائع الله سبحانه إلى آراء الرجال بل أمرنا بما قاله سبحانه { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } أي كتاب الله وسنة رسوله وقد كان صضص يأمر من يرسله من أصحابه بالحكم بكتاب الله فإن لم يجد فبسنة رسول الله صضص فإن لم يجد فيما يظهر له من الرأي كما في حديث معاذ وأما ما ذكروه من استعباد أن يفهم المقصرون نصوص الشرع وجعلوا ذلك مسوغا للتقليد فليس الأمر كما ذكروه فهاهنا واسطة بين الاجتهاد والتقليد وهو سؤال الجاهل للعالم عن الشرع فيما يعرض له لا عن رأيه البحث واجتهاده المحض وعلى هذا كان عمل المقصرون من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن لم يسعه ما وسع أهل هذه القرون الثلاثة الذين هم خير قرون هذه الأمة على الإطلاق فلا وسع الله عليه وقد ذم الله تعالى المقلدين في كتابه العزيز في كثير من { إنا وجدنا آباءنا على أمة } { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } { إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } وأمثال هذه الآيات ومن أراد استيفاء هذا البحث على التمام فليرجع إلى الرسالة التي قدمت الإشارة إليها وإلى المؤلف الذي سميته أدب الطلب ومنتهى الأرب وما أحسن ما حكاه الزركشي في البحر عن المزني أنه قال : يقال لمن حكم بالتقليد هل لك من حجة فإن قال نعم أبطل التقليد لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد وان قال بغير علم قيل له فلم ارقت الدماء وابحت الفروج والأموال وقد حرم الله ذلك بحجة فإن قال أنا أعلم أني أصبت وإن لم أعرف الحجة لأن معلمي من كبار العلماء قيل له تقليد معلم معلمك أولى من تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عنك فإن قال نعم ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه ثم كذلك حتى ينتهي إلى العالم من الصحابة فإن أبى ذلك نقض قوله وقيل له كيف يجوز تقليد من هو أصغر وأقل علما ولا يجوز تقليد من هو أكبر وأغزر علما ؟ وقد روى عن رسول الله صضص أنه حذر من زلة العالم وعن ابن مسعود أنه قال لا يقلدن أحدكم دينه رجلا إن آمن آمن وإن كفر كفر فإنه لا أسوة في الشر انتهى قلت تتميما لهذا الكلام وعند أن ينتهي إلى العالم من الصحابة يقال له هذا الصحابي أخذ علمه من أعلم البشر المرسل من الله تعالى إلى عباده المعصوم من الخطأ في أقوال وأفعاله فتقليده أولى من تقليده الصحابي الذي لم يصل إليه إلا شعبة من شعب علومه وليس له من العصمة شيء ولم يجعل الله سبحانه قوله ولا فعله ولا اجتهاد حجة على أحد من الناس واعلم أنه لا خلاف في أن رأي المجتهد عند عدم الدليل إنما هو رخصة له يجوز له العمل بها عند فقد الدليل ولا يجوز لغيره العمل بها بحال من الأحوال ولهذا نهى كبار الأئمة عن تقليدهم وتقليد غيرهم وقد عرفت حال المقلد أنه إنما يأخذ بالرأي لا بالرواية ويتمسك بمحض الإجتهاد غير مطالب بحجة فمن قال إن رأى المجتهد يجوز لغيره التمسك به ويسوغ له يعمل به فيما كلفه الله فقد جعل هذا المجتهد صاحب شرع ولم يجعل الله ذلك لأحد من هذه الأمة بعد نبينا صضص ولا يتمكن كامل ولا مقصر أن يحتج على هذا بحجة قط وأما مجرد الدعاوى والمجازفات في شرع الله تعالى فليست بشيء ولو جازت الأمور الشرعية بمجرد الدعاوى لادعى من شاء ما شاء وقال من شاء بما شاء \r\n المسألة الرابعة : اختلفوا هل يجوز لمن ليس بمجتهد أن يفتي بمذهب إمامه الذي يقلده أو بمذهب إمام آخر فقيل لا يجوز وإليه ذهب جماعة من أهل العلم منهم أبو الحسين البصري والصيرفي وغيرهم قال الصيرفي وموضوع هذا الاسم يعني المفتى لمن قام للناس بأمر دينهم وعلى حمل عموم القرآن وخصوصه وناسخه ومنسوخه وكذلك السنن والاستنباط ولم يوضع لمن علم مسألة وأدرك حقيقتها فمن بلغ هذه المرتبة سموه بهذا الاسم ومن استحقه يما استفتى قال ابن السمعاني المفتى من استكمل فيه ثلاث شرائط الاجتهاد والعدالة والكف عن الترخيص والتساهل قال ويلزم الحاكم من الاستظهار في الاجتهاد أكثر مما يلزم المفتى قال الرازي في المحصول اختلفوا في غير المجتهد هل يجوز له يجوز له الفتوى بما يحكيه عن المفتين فنقول لا يخلو إما أن يحكي عن ميت أوحي فإن حكى عن ميت لم يجز له الأخذ بقوله لأنه لا قول للميت لأن الإجماع لا ينعقد على خلافه حيا وينعقد على موته وهذا يدل على أنه لم يبق له قول بعد موته فإن قلت لم صنفت كتب الفقه مع فناء أربابها ؟ قلت لفائدتين إحداهما : استفادة طرق الاجتهاد من تصرفهم في الحوادث وكيف بني بعضها على بعض والثانية معرفة المتفق عليه من المختلف فيه فلا يفتى بغير المتفق عليه انتهى وفي كلامه هذا التصريح بالمنع من تقليد الأموات وقد حكى الغزالي في المنخول إجماع أهل الأصول على المنع من تقليد الأموات قال الروياني في البحر إنه القياس وعللوا ذلك بأن الميت ليس من أهل الاجتهاد كمن تجدد فسقه بعد عدالته فإنه لا يبقى حكم عدالته وإما لأن قوله وصف له وبقاء الوصف بعد زوال الأصل محال وأما لأنه لو كان حيا لوجب عليه تجديد الاجتهاد وعلى تقدير تجديده لا يتحقق بقاؤه على القول الأول فتقليده بناء على وهم أو تردد والقول بذلك غير جائز وبهذا تعرف أن قول من قال بجوار فتوى المقلد حكاية عن مجتهد ليس على إطلاقه وذهب جماعة إلى أنه يجوز للمقلد أن يفتى بمذهب مجتهد من المجتهدين بشرط أن يكون ذلك المفتى أهلا للنظر مطلعا على مأخذ ذلك القول الذي أفتى به فلا يجوز وحكاه القاضي عن القفال ونسبه بعض المتأخرين إلى الأكثرين وليس كذلك ولعله يعني الأكثرين من المقلدين وبعضهم نسبه إلى الرازي وهو غلط عليه فإن اختياره المنع واحتج بعض أهل هذا القول بانعقاد الإجماع في زمنه على جواز العمل بفتاوى الموتى قال الهندي وهذا القول بانعقاد الإجماع إنما يعتبر من أهل الحل والعقد وهم المجتهدون والمجمعون ليسوا بمجتهدين فلا يعتبر إجماعهم بحال قال ابن دقيق العيد توقيف الفتيا على حصول المجتهد يفضي إلى حرج عظيم أو استرسال الخلق في أهويتهم فالمختار أن الراوي عن الأئمة المتقدمين إذا كان عدلا متمكنا من فهم كلام الإمام ثم حكى للمقلد قوله يكتفي به لأن ذلك مما يغلب على ظن العامي أنه حكم الله عنده وقد انعقد الإجماع في زماننا على هذا النوع من الفتيا هذا مع العلم الضروري بأن نساء الصحابة كن يرجعن في أحكام الحيض وغيره إلى ما يخبر به أزواجهن عن النبي صضص وكذلك فعل علي رضى الله عنه حين أرسل المقداد بن الأسود في قصة المذي وفي مسألتنا أظهر فإن مراجعه النبي صضص إذ ذاك ممكنة ومراجعة المقلد الآن للأئمة السابقين متعذرة وقد أطبق الناس على تنفيذ أحكام القضاة مع شرائط الاجتهاد اليوم انتهى قلت وفي كلام هذا المحقق ما لا يخفى على الفطن أما قوله يفضي إلى حرج عظيم الخ فغير مسلم فإن من حدثت له الحادثة لا يتعذر عليه أن يستفتي من يعرف ما شرعه الله في المسألة في كتابه أو على لسان رسوله كما يمكنه أن يسأل من يعرف مذهب مجتهد من الأموات عن رأي ذلك المجتهد في حادثته وأما استدلاله على الجواز بقوله لأن ذلك مما يغلب على ظن العامي الخ فمن أغرب ما يسمعه السامع لا سيما عن مثل هذا الإمام وأي ظن لهذا العامي بالنسبة إلى الأحكام الشرعية وأي تأثير لظنون العامة الذين لا يعرفون الشريعة ومعلوم أن ظن غالبهم لا يكون إلا فيما يوافق هواه { ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض } وأما قوله مع العلم الضروري بأن نساء الصحابة الخ فنقول نعم ذلك أمر ضروري فكان ماذا فإن ذلك ليس باستفتاء عن رأي من ليس بحجة بل استفتاء عن الشرع في ذلك الحكم فإن كان المسؤول يعلمه رواه للسائل وإن لم يعلمه أحال السؤال على رسول الله صضص على من يعلمه من أصحابه وكذا فيمن بعدهم ونحن لا نطلب من العامي والمقصر إذا نابته نائبة وحدثت له حادثة إلا أن يفعل هكذا فيسأل علماء عصره كما كان الصحابة والتابعون فتابعوهم يسألون أهل العلم فيهم وما كانوا يسألونهم عن مذاهبهم ولا عما يقولون بمحض الرأي فإن قلت مراد هذا المحقق إلا أنهم يستفتون المقلد عما صح لذلك المجتهد بالدليل قلت إذا كان مراده هذا فأي فائدة لإدخال المجتهد في البين وما ثمرة ذلك فينبغي له أن يسأل عن الثابت في الشريعة و يكون المسؤول فيمن لا يجهله فيفتيه حينئذ بفتوى قرآنية أو نبوية و يدع السؤال عن مذاهب الناس ويستغني بمذهب إمامهم الأول وهو رسول الله صضص وأما إرسال علي للمقداد فهو إنما أرسله ليروى له ما يقوله الصادق المصدوق المعصوم عن الخطأ وأين هذا مما نحن بصدده وأما قوله و قد أطبق الناس على تنفيذ أحكام القضاة مع عدم شرائط الاجتهاد فيجاب عنه بأن هذا الإطباق إن كان من المجتهدين فممنوع وإن كان من العامة المقلدين فلا اعتبار به وعلى كل حال فغير المجتهد لا يدري بحكم الله في تلك الحادثة وإذا لم يدره فهو حاكم بالجهل ليس بحجة على أحد وذهب طائفة إلى أنه يجوز للمقلد أن يفتي إذا عدم المجتهد وإلا فلا وقال آخرون إنه يجوز لمقلد الحي أن يفتي بما شافهه به أو ينقله إليه موثوق بقوله أو وجده مكتوبا في كتاب معتمد عليه ولا يجوز له تقليد الميت قال الروياني و الماوردي إذا علم العامي حكم الحادثة ودليلها فهل له أن يفتي فيه أوجه ثالثها إن كان الدليل نصا من كتاب أو سنة جاز وإن كان نظرا واستنباطا لم يجز قال الروياني و الماوردي والأصح أنه لا يجوز مطلقا لأنه قد يكون هناك دلالة تعارضها أقوى منها وقال الجويني في شرح الرسالة من حفظ نصوص الشافعي وأقوال الناس بأسرها غير أنه لا يعرف حقائقها ومعانيها لا يجوز له أن يجتهد ويقيس ولا يكون من أهل الفتوى و لو أفتى فإنه لا يجوز \r\n المسألة الخامسة : إذا تقرر لك أن العامي يسأل العالم والمقصر يسأل الكامل فعليه أن يسأل أهل العلم المعروفين بالدين وكمال الورع عن العالم بالكتاب والسنة العارف بما فيهما المطلع على ما يحتاج إليه في فهمها من العلوم الآلية حتى يدلوه عليه ويرشدوه إليه فيسأله عن حادثته طلبا منه أن يذكر له فيها ما في كتاب الله سبحان أوما في سنة رسول الله صضص فحينئذ يأخذ الحق من معدنه ويستفيد الحكم من موضعه ويستريح من الرأي الذي لا يأمن المتمسك به أن يقع في الخطأ المخالف للشرع المباين للحق ومن سلك هذا المنهج ومشى في هذا المنهج ومشى في هذا الطريق لا يعدم مطلبه ولا يفقد من يرشده إلى الحق فإن الله سبحانه وتعالى قد أوجد لهذا الشأن من يقوم به ويعرفه حق معرفته وما من مدينة من المدائن إلا وفيها جماعة من علماء الكتاب والسنة وعند ذلك يكون حكم هذا المقصر حكم المقصرين من الصحابة والتابعين وتابعيهم فإنهم كانوا يستروون النصوص من العلماء ويعملون على ما يرشدونهم إليه ويدلوهم عليه وقد ذكر أهل الأصول انه يكفي العامي في الاستدلال على من له أهلية الفتوى بأن يرى الناس متفقين على سؤاله مجتمعين على الرجوع إليه ولا يستفتي من هو مجهول الحال كما صرح به الغزالي والآمدي وابن الحاجب وحكى في المحصول الاتفاق على المنع وشرط القاضي أخبار من يوجب خبره العلم بكونه عالما في الجملة ولا يكفي خبر الواحد والاثنين وخالفه غيره في ذلك فاكتفوا بخبر عدلين وممن صرح بذلك صاحب فقال واشتراط تواتر الخبر بكونه مجتهدا كما قاله الأستاذ غير سديد واشترط القاضي وجماعة من المحققين امتحانه بالمسائل المفترقة ومراجعته فيها فإن أصاب في الجواب غلب على ظنه كونه مجتهدا وذهب الوجيز قيل يقول له أمجتهد أنت وأقلدك ؟ فإن أجابه قلده قال وهذا أصح المذاهب وجزم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي بأنه يكفيه خبر العدل الواحد عن فقهه وأمانته لأن طريقه طريق الأخبار انتهى وإذا كان في البلد جماعة متصفون بهذه الصفة المسوغة للأخذ عنهم فالله فالمستفتى مخير بينهم كما صرح به عامة أصحاب الشافعي قال الرافعي وهو الأصح وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائني والكيا إنه يبحث عن الأعلم منهم فيسأله وقد سبقه إلى القول بذلك ابن شريح والقفال قالوا لأن الأعلم أهدى إلى أسرار الشرع وإذا اختلف عليه فتوى علماء عصره فقيل هو مخير يأخذ بما شاء منها وبه قال أكثر أصحاب الشافعي وصححه الشافعي وصححه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي والخطيب البغدادي وابن الصباغ والقاضي والآمدي واستدلوا بإجماع الصحابة على عدم إنكار العمل بقول المفضول مع وجود الأفضل وقيل يأخذ بالأغلظ حكاه الأستاذ أبو منصور عن أهل الظاهر وقيل يأخذ بالأخف وقيل يبحث عن الأعلم منهم فيأخذ بقوله وهو قول من قال إنه يبحث عن الأعلم كما تقدم وقيل يأخذ بقول الأول حكاه الروياني وقيل يأخذ بقول من يعمل على الرواية دون الرأي حكاه الرافعي وقيل يجب عليه أن يجتهد فيما يأخذ مما اختلفوا فيه حكاه ابن السمعاني وقيل إن كان في حق الله أخذ بالأخف وإن كان في حق العباد أخذ بالأغلظ حكاه الأستاذ أبو منصور وقيل إنه يسأل المختلفين عن حجتهما إن اتسع عقله لفهم ذلك فيأخذ بأرجح الحجتين عنده وإن لم يتسع عقله لذلك أخذ بقول المعتبر قاله الكعبي \r\n المسألة السادسة : اختلف المجوزون للتقليد هل يجب على العامي التزام مذهب معين في كل واقعة فقال جماعة منهم يلزمه ورجحه الكيا وقال آخرون لا يلزمه ورجحه ابن برهان والنووي واستدلوا بأن الصحابة رضي الله عنهم لم ينكروا على العامة تقليد بعضهم في بعض المسائل وبعضهم في البعض الآخر وذكر بعض الحنبالة أن هذا مذهب أحمد بن حنبل فإنه قال لبعض أصحابه لا تحمل الناس على مذهبك فيحرجوا دعهم يترخصوا بمذاهب الناس وسئل عن مسألة من الطلاق فقال يقع يقع فقال له السائل فإن أفتاني أحد أنه لا يقع يجوز ؟ قال نعم وقد كان السلف يقلدون من شاءوا قبل ظهور المذاهب وقال ابن المنير الدليل يقتضي التزام مذهب معين بعد الأربعة من شاؤوا قبل ظهور المذاهب وقال ابن المنير الدليل يقتضي التزام مذهب معين بعد الأربعة لا قبلهم انتهى وهذا التفصيل مع زعم قائله أنه اقتضاه الدليل من أعجب ما يسمعه السامعون وأغرب ما يعتبر به المنصفون أما إذا التزم العامي مذهبا معينا فلهم في ذلك خلاف آخر وهو أنه هل يجوز أن يخالف إمامه في بعض المسائل ويأخذ بقول غيره فقيل لا يجوز وقيل يجوز وقيل إن يخالف قد عمل بالمسألة لم يجز له الانتقال وإلا جاز وقيل إن كان بعد حدوث الحادثة التي قلد فيها لم يجز له الانتقال وإلا جاز واختار هذا إمام الحرمين وقيل إن غلب على ظنه أن مذهب غير إمامه في تلك المسألة أقوى من مذهبه جاز له وإلا لم يجز وبه قال القدوري الحنفي وقيل إن كان المذهب الذي أراد الانتقال إليه مما ينقض الحكم لم يجز له الانتقال وإلا جاز واختاره ابن عبد السلام وقيل يجوز بشرط أن ينشرح له صدره وأن لا يكون قاصدا للتلاعب وأن لا يكون ناقضا لما قد حكم عليه به واختاره ابن دقيق العيد وقد ادعى الآمدي وابن الحاجب أنه يجوز قبل العمل لا بعده بالاتفاق واعترض عليهما بأن الخلاف جاز فيما ادعيا الاتفاق عليه أما لو اختار المقلد من كل مذهب ما هو الأهون عليه والأخف له فقال أبو إسحاق المروزي يفسق وقال ابن أبي هريرة لا يفسق قال الإمام أحمد بن حنبل لو أن رجلا عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ وأهل المدينة في السماع وأهل مكة في المتعة كان فاسقا وخص القاضي من الحنابلة التفسيق بالمجتهد إذا لم يؤد اجتهاده إلى الرخصة واتبعها العامي العامل بها من غير تقليد لإخاله بفرضه وهو التقليد فأما العامي إذا قلد في ذلك فلا يفسق لأنه قلد من سوغ اجتهاده وقال ابن عبد السلام ينظر إلى الفعل الذي فعله فإن كان مما اشتهر تحريمه في الشرع أثم وإلا لم يأثم وفي السنن للبيهقي عن الأوزاعي من أخذ بنوادر العلماء خرج عن الإسلام وروى عنه أنه قال يترك من قول أهل مكة المتعة والصرف ومن قول أهل المدينة السماع وإتيان النساء في أدبارهن ومن قول أهل الشام الحرب والطاعة ومن قول أهل الكوفة النبيذ وحكى البيهقي عن إسماعيل القاضي قال دخلت على المعتضد فرفع إلى كتابا لطرق فيه وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم فقلت مصنف هذا زنديق فقال لم تصح هذه الأحاديث على ما رويت ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر وما من عالم إلا وله زلة ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب ","part":1,"page":391},{"id":182,"text":" المقصد السابع من مقاصد هذا الكتاب في التعادل والترجيح \r\n وفيه ثلاث مباحث ","part":1,"page":403},{"id":183,"text":" المبحث الأول : في معناهما وفي العمل بالترجيح وفي شروطه \r\n أما التعادل فهو التساوي وفي الشرع استواء الأمارتين وأما الترجيح فهو إثبات الفضل في أحد جانبي المتقابلين أو جعل الشيء راجحا ويقال مجازا لاعتقاد الرجحان وفي الاصطلاح اقتران الأمارة بما تقوى بها على معارضتها قال في المحصول الترجيح تقوية أحد الطرفين على الآخر فيعلم الأقوى فيعمل به ويطرح الآخر وإنما قلنا طرفين لأنه لا يصح الترجيح بين الأمرين إلا بعد تكامل كونهما طرفين أو انفراد كل واحد منهما فإنه لا يصح ترجيح الطرف على ما ليس بطرف انتهى والقصد منه تصحيح الصحيح وإبطال الباطل قال الزركشي في البحر : اعلم أن الله لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة بل جعلها ظنية قصدا للتوسع على المكلفين لئلا ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدليل القاطع عليه وإذا ثبت أن المعتبر في الأحكام الشرعية الأدلة الظنية فقد تتعارض في الظاهر بحسب جلائها وخفائها فوجب الترجيح بينهما والعمل بالأقوى والدليل على تعيين الأقوى أنه تعارض دليلان أو أمارتان فإما أن يعملا جميعا أو يعمل بالمرجوح أو الراجح وهذا متعين قال أما حقيقته يعني التعارض فهو تفاعل من العرض بضم العين وهو الناحية والجهة كأن الكلام المتعارض يقف بعضه في عرض بعض أي ناحيته وجهته فيمنعه من النفوذ إلى حيث وجه وفي الاصطلاح تقابل الدليلين على سبيل الممانعة وللترجيح شروط : الأول التساوي في الثبوت فلا تعارض بين الكتاب وخبر الواحد إلا من حيث الدلالة الثاني التساوي في القوة فلا تعارض بين المتواتر والآحاد بل يقدم المتواتر بالاتفاق كما نقله إمام الحرمين الثالث اتفاقهما في الحكم مع اتحاد الوقت والمحل والجهة فلا تعارض بين النهي عن البيع مثلا في وقت النداء مع الإذن به في غيره وحكى إمام الحرمين في تعارض الظاهرين في الكتاب والسنة مذاهب : أحدهما يقدم الكتاب لخبر معاذ وثانيهما تقدم السنة لأنها المفسرة للكتاب والمبينة له وثالثها التعارض وصححه واحتج عليه بالاتفاق وزيف الثاني بأنه ليس الخلاف في السنة المفسرة للكتاب بل المعارضة له وأقسام التعادل والترجيح بحسب القسمة العقلية عشرة لأن الأدلة أربعة الكتاب والسنة والإجماع فيقع التعارض بين الكتاب والكتاب وبين الكتاب والسنة وبين الكتاب والإجماع وبين الكتاب والقياس فهذه أربعة ويقع بين السنة والسنة وبين السنة والإجماع وبين السنة والقياس فهذه ثلاثة ويقع بين الإجماع والإجماع والقياس وبين القياسين فهذه ثلاثة الجميع عشرة قال الرازي في المحصول الأكثرون اتفقوا على جواز التمسك بالترجيح وأنكره بعضهم وقال عند التعارض يلزم التخيير والتوقف لنا وجوه : الأول إجماع الصحابة على العمل بالترجيح فإنهم قدموا خبر عائشة بوجوب الغسل عند التقاء الختانين على خبر الماء من الماء وقدموا خبر من روى من أزواجه أنه كان صضص يصبح جنبا على ما روى أبو هريرة أنه [ من يصبح جنبا فلا صوم له ] وقبل علي خبر أبي بكر ولم يحلفه وكان يقبل من غيره إلا بعد تحليفه وقبل أبو بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة لموافقة محمد بن مسلمة له وقبل عمر خبر أبي موسى في الاستئذان لموافقة أبي سعيد الخدري له الثاني أن الظنين إذا تعارضا ثم ترجح أحدهما على الآخر كان العمل بالراجح متعينا عرفا فيجب شرعا لقوله صضص [ ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ] الثالث أنه لو لم يعمل بالراجح لزم العمل بالمرجوح على الراجح وترجيح المرجوح على الراجح ممتنع في بداهة العقل واحتج المنكر بأمرين : أحدهما أن الترجيح لو اعتبر في الأمارات لاعتبر في البينات والحكومات لأنه لو اعتبر لكانت العلة في اعتباره ترجح الأظهر على الظاهر وهذا المعنى قائم هنا الثاني أن قوله تعالى : { فاعتبروا يا أولي الأبصار } وقوله صضص [ نحن نحكم بالظاهرة ] يقتضي إلغاء زيادة الظن والجواب عن الأول والثاني أن ما ذكرتموه دليل ظني وما ذكرناه قطعي والظني لا يعارض القطعي انتهى وما ذكره من الأحاديث هاهنا صحيح إلا حديث ما رآه المسلمون حسنا وحيث نحن نحكم بالظاهر فلا أصل لهما لكن هما صحيح وقد ورد في أحاديث أخر ما يفيد ذلك كما في قوله صضص للعباس لما قال له إنه خرج يوم بدر مكرها فقال [ كان ظاهرك علينا ] وكما في قوله صضص [ إنما أقضى بما أسمع ] وكما في أمره صضص بلزوم الجماعة وذم من خرج عنها وأمره بلزوم السواد الأعظم ويجاب عما ذكره المنكرون بجواب أحسن مما ذكره أما عن الأول فيقال نحن نقول بموجب ما ذكرتم فإذا ظهر الترجيح لإحدى البينتين على الآخرى أولا حد الحكمين على الآخر كان العمل على الراجح وأما عن الثاني فيقال لا دلالة على محل النزاع في الآية بوجه من الوجوه وأما قوله نحن نحكم بالظاهر فلا يبقى الظاهر ظاهرا بعد وجود ما هو أرجح منه ","part":1,"page":403},{"id":184,"text":" المبحث الثاني : أنه لا يمكن التعارض بين دليلين قطعيين اتفاقا \r\n سواء كانا عقليين أو نقليين هكذا حكى الاتفاق الزركشي في البحر قال الرازي في المحصول الترجيح لا يجوز في الأدلة اليقينية لوجهين : الأول أن شرط اليقيني أن يكون مركبا من مقدمات ضرورية أو لازمة عنها لزوما ضروريا إما بواسطة واحدة أو وسائط شأن كل واحدة منها ذلك وهذا لا يتأتى إلا عند اجتماع علوم أربعة : الأول العلم الضروري بحقية المقدمات إما ابتداء أو انتهاء والثاني العلم الضروري بأن ما يلزم عن الضروري لزوما ضروريا فهو ضروري فهذه العلوم الأربعة يستحيل حصولها في النقيضين معا وإلا لزم القدح في الضروريات وهو سفسطة و إذا علم ثبوتها امتنع التعارض الثاني الترجيح عبارة عن التقوية والعلم اليقيني لا يقبل التقوية لأنه أن قارنة الاحتمال النقيض ولو على أبعد الوجوه كان ظنا لا علما وإن لم يقارنه ذلك لم يقبل التقوية انتهى وقد جعل أهل المنطق شروط التناقض في القضايا الشخصية ثمانية اتحاد الموضوع والمحمول والإضافة والكل والجزء في القوة والفعل وفي الزمان والمكان وزاد بعض المتأخرين وهو اتحادهما في الحقيقة والمجاز نحو قوله تعالى : { و ترى الناس سكارى وما هم بسكارى } ورد هذا بعضهم بأنه راجع إلى وحدة الإضافة أي تراهم بالإضافة إلى أهوال يوم القيامة سكارى مجازا وما هم بسكارى بالإضافة إلى الخمر ومنهم من رد الثمانية إلى ثلاثة الاتحاد في الموضوع والمحمول والزمان ومنهم من ردها إلى إثنين الاتحاد في الموضوع والمحمول والاندراج وحدة الزمان تحت وحدة المحمول ومنهم من ردها إلى أمر واحد وهو الاتحاد في النسبة وهذه الشروط على هذا الاختلاف فيها لا يخص الضروريات وإنما ذكرناها هاهنا لمزيد الفائدة بها ومما لا يصح التعارض فيه إذا كان أحد المتناقضين قطعيا والآخر ظنيا لأن الظن ينتفي بالقطع بالنقيض وإنما يتعارض الظنيان سواء كان المتعارضان نقليين أو عقليين أو كان أحدهما نقليا والآخر عقليا ويكون الترجيح بينهما بما سيأتي وقد منع جماعة وجود دليلين ينصبهما الله تعالى في مسألة متكافئين في نفس الأمر بحيث لا يكون لأحدهما مرجح وقالوا لا بد أن يكون أحدهما أرجح من الآخر في نفس الأمر وإن جاز خفاؤه على بعض المجتهدين ولا يجوز تعارضهما في نفس الأمر من كل وجه قال الكيا وهو الظاهر من مذهب عامة الفقهاء وبه قال العنبري وقال ابن السمعاني وهو مذهب الفقهاء ونصره وحكاه الآمدي عن أحمد بن حنبل عن أحمد القاضي وأبو الخطاب من أصحابه وإليه ذهب أبو علي وأبو هاشم عن القاضي أبي بكر الباقلاني قال الكيا وهو المنقول عن الشافعي وقرره الصيرفي في شرح الرسالة فقال قد صرح الشافعي بأنه لا يصح عن النبي صضص أبدا حديثات صحيحان متضادان ينفي أحدهما ما يثبته الآخر من غير جهة الخصوص والعموم والإجمال والتفسير إلا على وجه النسخ وإن لم يجده انتهى وفصل القاضي من الحنابلة بين مسائل الأصول فيمتنع وبين مسائل الفروع فيجوز وحكى الماوردي والرياني عن الأكثرين أن التعارض على جهة التكافؤ في نفس الأمر بحيث لا يكون أحدهما أرجح من الآخر جائز وواقع وقال القاضي أبو بكر والأستاذ أبو منصور والغزالي وابن الصباغ الترجيح بين الظواهر المتعارضة إنما يصح على قول من قال إن المصيب في الفروع واحد وأما القائلون بأن كل مجتهد مصيب فلا معنى لترجيح ظاهر على ظاهر لأن الكل صواب عنده واختاره الفخر الرازي وأتباعه أن تعادل الأمارتين على حكم في فعلين متابيين جائز واقع وأما تعارضهما متباينين في فعل واحد كالإباحة والتحريم فإنه جائز عقلا ممتنع شرعا \r\n واختلفوا على فرض وقوع التعادل في نفس الأمر مع عجز المجتهد عن الترجيح بينهما وعدم وجود دليل آخر فقيل أنه مخير وبه قال أبو علي وأبو هاشم ونقله الرازي والبيضاوي عن القاضي أبي بكر الباقلاني وقيل إنهما يتساقطان ويطلب الحكم من موضع آخر أو يرجع المجتهد إلى عموم أو إلى البراءة الأصلية ونقله الكيا عن القاضي ونقله الأستاذ أبو منصور عن أهل الظاهر وبه قطع ابن كج وأنكر ابن حزم نسبته إلى الظاهرية وقال إنما هو قول بعض شيوخنا وهو خطأ بل الواجب الأخذ بالزائد إذ لم يقدر على استعمالها جميعا وقيل إن كان التعارض بين حديثين تساقطا ولا يعمل بواحد منهما وإن كان بين قياسين فيخير حكاه ابن برهان في الوجيز عن القاضي ونصره وقيل بالوقف حكاه الغزالي وجزم به سليم الرازي في التقريب واستبعده الهندي إذ الوقف فيه لا إلى غاية وأمد إذ لا يرجى فيه ظهور الريب إن وإلا لم يكن من مسألتنا بخلاف التعادل الذهني فإنه يتوقف إلى أن يظهر المرجح وقيل يأخذه بالأغلظ حكاه الماوردي والرياني وقيل يصير إلى التوزيع إن أمكن تنزيل كل إمارة على أمر حكاه الزركشي في البحر وقيل إن كان بالنسبة إلى الواجبات فالتخيير وإن كان في الإباحة كالتحريم فالتساقط والرجوع إلى البراءة الأصلية ذكره في المستصفى وقيل يقلد عالما أكبر منه ويصير كالعامي لعجزه عن الاجتهاد وحكاه إمام الحرمين وقيل أنه كالحكم قبل ورود الشرع فتجيء فيه الأقوال المشهورة حكاه الكيا الطبري فهذه تسعة مذاهب فيما كان متعارضا في نفس الأمر مع عدم إمكان الترجيح ","part":1,"page":405},{"id":185,"text":" المبحث الثالث : في وجوه الترجيح بين المعارضين لا في نفس الأمر بل في الظاهر \r\n وقد قدمنا في المبحث الأول أنه متفق عليه ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد به ومن نظر في أحوال الصحابة والتابعين وتابعهم ومن بعدهم وجدهم متفقين على العمل بالراجح وترك المرجوح وقد سمي بعضهم هذا المخالف في العمل بالترجيح فقال هو البصري الملقب سحعل كما حكاه القاضي واستبعد الأنباري وقوع ذلك من مثله وعلى كل حال فهو مسبوق بالإجماع على استعمال الترجيح في كل طبقة من طبقات الإسلام وشرط القاضي في الترجيح شرط غير ما قد ذكرناه في المبحث الأول فقال لا يجوز العمل بالترجيح المظنون لأن الأصل امتناع العمل بشيء من الظنون وخرج من ذلك الظنون المستقلة بأنفسها لانعقاد إجماع الصحابة عليها وما وراء ذلك يبقى على الأصل والترجيح عمل بظن لا يستقل بنفسه وأجيب عنه بأن الإجماع انعقد على وجوب العمل بالظن الذي لا يستقل كما انعقد على المستقل ومن شروط الترجيح التي لا بد من اعتبارها أن لا يمكن الجمع بين المتعارضين بوجه مقبول فإن أمكن ذلك تعين المصير إليه ولم يجز المصير إلى الترجيح قال في المحصول العمل بكل منهما من وجه أولى من العمل بالراجح من كل وجه وترك الآخر انتهى وبه قال الفقهاء جميعا واعلم أن الترجيح قد يكون باعتبار الاسناد وقد يكون باعتبار المتن وقد يكون باعتبار المدلول وقد يكون باعتبار أمر خارج فهذه أربعة أنواع والنوع الخامس الترجيح بين الأقيسة والنوع السادس الترجيح بين الحدود السمعية النوع الأول : الترجيح باعتبار الاسناد وله صور الصورة الأولى : الترجيح بكثرة الرواة فيرجع ما رواته أكثر على رواته أقل لقوة الظن به وإليه ذهب الجمهور وذهب الشافعي في القديم إلى أنهما سواء وشبهه بالشهادات وبه قال الكرخي قال إمام الحرمين إن لم يمكن الرجوع إلى دليل آخر قطع باتباع الأكثر فإنه أولى من الإلغاء لأنا نعلم أن الصحابة لو تعارض لهم خبران هذه صفتهما لم يعطلوا الواقعة بل كانوا يقدمون هذا قال وأما إذا كان في المسألة قياس وخبران متعارضان كثرت رواة أحدهما فالمسألة ظنية والاعتماد على ما يؤدي إليه اجتهاد الناظر وفي المسألة قول رابع صار فيه القاضي والغزالي وهو أن الاعتماد على ما غلب ظن المجتهد قرب عدل أقوى في النفس من عدلين لشدة يقظته وضبطه انتهى وهذا صحيح لكن المفروض في الترجيح بالكثرة هو كون الأكثر من الرواة مثل الأقل في وصف العدالة ونحوها قال ابن الدقيق العيد وهو المرجح من أقوى المرجحات فإن الظن يتأكد عند ترادف الروايات ولهذا يقوى الظن إلى أن يصير العلم به متواترا انتهى أما لو تعارضت الكثرة من جانب والعدالة من الجانب الآخر ففيه قولان : أحدهما ترجيح الكثرة وثانيهما ترجيح العدالة فإنه رب عدل يعدل ألف رجل في الثقة كما قيل إن شعبة بن الحجاج كان يعدل مائةوقد كان الصحابة يقدمون رواية الصديق على رواية غيره النوع الثاني : أنه يرجع ما كانت الوسائط فيه قليلة وذلك بأن يكون إسنادا عاليا لأن الخطأ والغلط فيما كانت وسائطه أقل دون ما كانت وسائطه أكثر النوع الثالث : أنها ترجح رواية الكبير على رواية الصغير لأنه أقرب إلى الضبط إلا أن يعلم أن الصغير مثله في الضبط أو أكثر ضبطا منه النوع الرابع : ترجح رواية من كان فقيها على من لم يكن كذلك لأنه أعرف بمدلولات الألفاظ النوع الخامس : أنه ترجح رواية من كان عالما باللغة العربية لأنه أعرف بالمعنى ممن لم يكن كذلك النوع السادس : أن يكون أحدهما أوثق من الآخر النوع السابع : أن يكون أحدهما أحفظ من الآخر النوع الثامن : أن يكون أحدهما من الخلفاء الأربعة دون الآخر النوع التاسع : أن يكون أحدهما متبعا والآخر مبتدعا النوع العاشر : أن يكون أحدهما صاحب الواقعة لأنه أعرف بالقصة النوع الحادي عشر : أن يكون أحدهما مباشرا لما رواه دون الآخر النوع الثاني عشر : أن يكون أحدهما كثير المخالطة للنبي صضص دون الآخر لأن المخالطة تقتضي زيادة في الاطلاع النوع الثالث عشر : أن يكون أحدهما أكثر ملازمة للمتحدثين من الآخر النوع الرابع عشر : أن يكون أحدهما قد طالت صحبته للنبي صضص دون الآخر النوع الخامس عشر : أن يكون أحدهما قد ثبتت عدالته بالتزكية والآخر بمجرد التزكية فإنه ليس الخبر كالمعاينة النوع السابع عشر : أن يكون أحدهما قد وقع الحكم بعدالته دون الآخر النوع الثامن عشر : أن يكون أحدهما قد عدل مع ذكر أسباب التعديل والآخر عدل بدونها النوع التاسع عشر : أن يكون المزكون لأحدهما أكثر من المزكين للآخر النوع العشرون : أن يكون المزكون لأحدهما أكثر بحثا عن أحوال الناس من المزكين للآخر النوع الحادي والعشرون : أن يكون المزكون لأحدهما أعلم من المزكين للآخر لأن مزيد العلم له مدخل في الإصابة النوع الثاني والعشرون : أن يكون أحدهما قد حفظ اللفظ فهو أرجح ممن روى بالمعنى أو اعتمد على الكتابة وقيل إن رواية من اعتمد على الكتابة أرجح من رواية من اعتمد على الحفظ النوع الثالث والعشرون : أن يكون أحدهما أسرع حفظا من الآخر وأبطأ نسيانا منه فإنه أرجح إما لو كان أحدهما أسرع حفظا وأسرع نسيانا والآخر أبطأ حفظا وأبطأ نسيانا فالظاهر أن الآخر أرجح من الأول لأنه يوثق بما حفظه ورواه وثوقا زائدا على ما رواه الأول النوع الرابع والعشرون : أنها ترجح رواية من يوافق الحفاظ على رواية من يتفرد عنهم في كثير من رواياته النوع الخامس والعشرون : أنها ترجح رواية من دام حفظه وعقله ولم يختلط على من اختلط في آخر عمره ولم يعرف هل روى الخبر حال سلامته أو حال اختلاطه النوع السادس والعشرون : أنها تقدم رواية من كان أشهر بالعدالة الثالثة من الآخر لأن ذلك يمنع من الكذب النوع السابع والعشرون : أنها ترجح رواية من كان مشهور النسب على من لم يكن مشهورا لأن احتراز المشهور عن الكذب أكثر النوع الثامن والعشرون : أن يكون أحدهما معروف الإسم ولم يلتبس إسمه بإسم أحد من الضعفاء على من يلتبس إسمه بإسم ضعيف النوع التاسع والعشرون : أنها تقدم رواية من تأخر إسلامه على من تقدم إسلامه لاحتمال أن يكون ما رواه من تقدم إسلامه منسوخا هكذا قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وابن برهان والبيضاوي وقال الآمدي بعكس ذلك النوع الحادي والثلاثون : أنها تقدم رواية الذكر على الأنثى لأن الذكور أقوى فهما وأثبت حفظا وقيل لا تقدم النوع الثاني والثلاثون أنها تقدم رواية الحر على العبد لأن تحرزه عن الكذب أكثر وقيل لا تقدم النوع الثالث والثلاثون : أنها تقدم رواية من ذكر سبب الحديث على من لم يذكر سببه النوع الرابع والثلاثون : أنها تقدم رواية من لم يختلف الرواة عليه على من اختلفوا عليه النوع الخامس والثلاثون : أن يكون أحدهما أحسن استيفاء للحديث من الآخر فإنها ترجح روايته النوع السادس والثلاثون : أنها تقدم رواية من سمع شفاها على من سمع من وراء حجاب النوع السابع والثلاثون : أن يكون أحد الخبرين بلفظ حدثنا أو أخبرنا فإنه أرجح من لفظ أنبأنا ونحوه قيل ويرجح لفظ حدثنا على لفظ أخبرنا النوع الثامن والثلاثون : أنها تقدم رواية من سمع من لفظ الشيخ على رواية من سمع بالقراءة عليه النوع التاسع والثلاثون : أنها تقدم رواية من روى بالسماع على رواية من روى بالإجازة النوع الأربعون : أنها تقدم رواية من روى المسند على رواية من روى المرسل النوع الحادي والأربعون : أنها تقدم الأحاديث التي في الصحيحين على الأحاديث الخارجة عنهما النوع الثاني والأربعون : أنها تقدم رواية من لم ينكر عليه على رواية من أنكر عليه واعلم أن وجوه الترجيح كثيرة وحاصلها أن ما كان أكثر إفادة للظن فهو راجح فإن وقع التعارض في بعض هذه المرجحات فعلى المجتهد أن يرجح بين ما تعارض منها \r\n وأما المرجحات باعتبار المتن فهي أنواع النوع الأول : أن يقدم الخاص على العام كذا قيل ولا يخفاك أن تقديم الخاص على العام بمعنى العمل به فيما تناوله والعمل بالعام فيما بقي ليس من باب الترجيح بل من باب الجمع وهو مقدم على الترجيح النوع الثاني : أنه يقدم الأفصح على الفصيح لأن الظن بأنه لفظ النبي صضص أقوى وقيل لا يرجح بهذا لأن البليغ يتكلم بالأفصح والفصيح النوع الثالث : أنه يقدم العام الذي لم يخصص على العام الذي قد خصص كذا نقله إمام الحرمين عن المحققين وجزم به سليم الرازي وعللوا ذلك بأن دخول التخصيص يضعف اللفظ ويصبر به مجازا قال الفخر الرازي لأن الذي قد خصص قد أزيل عن تمام مسماه واعترض على ذلك الصفي الهندي بأن المخصص راجح من حيث كونه خاصا بالنسبة إلى العام الذي لم يخصص لأن المخصوص قد قلت أفراده حتى قارب النص إذ كل عام لا بد أن يكون نصا في أقل متناولاته النوع الرابع : أنه يقدم العام الذي لم يرد على سبب على العام الوارد على سبب كذا قال إمام الحرمين في البرهان و الكيا والشيخ أبو إسحاق الشيرازي في اللمع و سليم الرازي في التقريب و الرازي في المحصول قالوا لأن الوارد على غير سبب متفق على عمومه والوارد على سبب مختلف في عمومه قال الصفي الهندي ومن المعلوم أن هذا الترجيح إنما يتأتى بالنسبة إلى ذلك السبب وأما بالنسبة إلى سائر الأفراد المندرجة تحت العامين فلا انتهى وفيه نظر لأن الخلاف في عموم الوارد على سبب هو كائن في سائر الأفراد النوع الخامس : أنها تقدم الحقيقة على المجاز لتبادرها إلى الذهن هذا إذا لم يغلب المجاز النوع السادس : أنه يقدم المجاز الذي هو أشبه بالحقيقة على المجاز الذي لم يكن كذلك النوع السابع : أنه يقدم ما كان حقيقة شرعية أو عرفية على ما كان حقيقة لغوية قال في المحصول وهذا ظاهر في اللفظ الذي قد صار شرعيا لا فيما لم يكن كذلك كذا قال ولا يخفى أن الكلام فيما صار شرعيا لا فيما لا يثبت كونه شرعيا فإنه خارج عن هذا النوع الثامن : أن يقدم ما كان مستغنيا عن الاضمار في دلالته على ما هو مفتقر إليه النوع التاسع : أنه يقدم الدال على المراد من وجهين على ما كان دالا على المراد من وجه واحد النوع العاشر : أنه يقدم ما دل على المراد بغير واسطة على ما دل عليه بواسطة النوع الحادي عشر : إنه يقدم ما كان فيه الإيماء إلى علة الحكم على ما لم يكن كذلك لأن دلالة المعلل أوضح من دلالة ما لم يكن معللا النوع الثاني عشر : أنه يقدم ما ذكرت فيه العلة متقدمة على ما ذكرت فيه العلة متأخرة وقيل العكس النوع الثالث عشر : أنه يقدم ما ذكر فيه معارضة على ما لم يذكر كقوله [ كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ] على الدال على تحريم الزيارة مطلقا النوع الرابع عشر : أنه يقدم المقرون بالتهديد على ما لم يقرن به النوع الخامس عشر : أن يقدم المقرون بالتأكيد على ما لم يقرن به النوع السادس عشر : أنه يقدم ما كان مقصودا به البيان على ما لم يقصد به النوع السابع عشر : أن يقدم مفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة وقيل بالعكس ولا يرجح أحدهما على الآخر والأول أولى النوع الثامن عشر : أنه يقدم النهي على الأمر النوع التاسع عشر : أنه يقدم النهي على الإباحة النوع العشرون : أنه يقدم الأمر على الإباحة النوع الحادي والعشرون : أنه يقدم الأقل احتمالا على الأكثر احتمالا النوع الثاني والعشرون : أنه يقدم المجاز على المشترك النوع الثالث والعشرون : أنه يقدم الأشهر في الشرع أو اللغة أو العرف على غير الأشهر فيها النوع الرابع والعشرون : أنه يقدم ما يدل بالاقتضاء على ما يدل بالإشارة وعلى ما يدل بالإيماء وعلى ما يدل بالمفهوم موافقة ومخالفة النوع الخامس والعشرون : أنه يقدم ما يتضمن تخصيص العام على ما يضمن تأويل الخاص لأنه أكثر النوع السادس والعشرون : أنه يقدم المقيد على المطلق النوع السابع والعشرون : أنه يقدم ما كان صيغة عمومه بالشرط الصريح على ما كان صيغة عمومه بكونه نكرة في سياق النفي أو جمعا معرفا أو مضافا ونحوهما النوع الثامن والعشرون : أنه يقدم الجمع المحلى والاسم الموصول على إسم الجنس المعرف باللام لكثرة استعماله في المعهود فتصير دلالته أضعف على خلاف معروف في هذا وفي الذي قبله \r\n وأما المرجحات باعتبار المدلول : فهي أنواع النوع الأول : أنه يقدم ما كان مقررا لحكم الأصل والبراءة على ما كان ناقلا وقيل بالعكس وإليه ذهب الجمهور واختار الأول الفخر الرازي والبيضاوي والحق ما ذهب إليه الجمهور النوع الثاني : أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط فإنه أرجع النوع الثالث : أنه يقدم المثبت على المنفى نقله إمام الحرمين عن جمهور الفقهاء لأن مع المثبت زيادة علم وقيل يقدم النافي وقيل هما سواء واختاره في المستصفى النوع الرابع : أنه يقدم ما يفيد سقوط الحد على ما يفيد لزومه النوع الخامس : أنه يقدم ما كان حكمه أخف على ما كان حكمه أغلظ وقيل بالعكس النوع السادس : أنه يقدم ما لا تعم به البلوى على ما تعم به النوع السابع : أن يكون أحدهما موجبا لحكمين والآخر موجبا لحكم واحد فإنه يقدم الموجب لحكمين لاشتماله على زيادة لم ينقلها الآخر النوع الثامن : أنه يقدم الحكم الوضعي على الحكم التكليفي لأن الوضعي لا يتوقف على ما يتوقف عليه التكليفي من أهلية المكلف وقيل بالعكس لأن التكليفي أكثر مثوبة وهي مقصودة للشارع النوع التاسع : أنه يقدم ما فيه تأسيس على ما فيه تأكيد واعلم أن المرجح في مثل هذه الترجيحات هو نظر المجتهد المطلق فيقدم ما كان عنده أرجح على غيره إذا تعارضت \r\n وأما المرجحات بحسب الأمور الخارجة فهي أنواع النوع الأول : أنه يقدم ما عضده دليل آخر على ما لم يعضده دليل آخر النوع الثاني : أن يكون أحدهما قولا والآخر فعلا فيقدم القول لأن له صيغة والفعل لا صيغة له النوع الثالث : أنه يقدم ما كان فيه التصريح بالحكم على ما لم يكن كضرب الأمثال ونحوها فإنها ترجح العبادة على الإشارة النوع الرابع : أنه يقدم ما عمل عليه أكثر السلف على ما ليس كذلك لأن الأكثر أولى بإصابة الحق وفيه لأنه لا حجة في قول الأكثر ولا في عملهم فقد يكون الحق في كثير من المسائل مع الأقل ولهذا مدح الله القلة في غير موضع من كتابه النوع الخامس : أن يكون أحدهما موافقا لعمل الخلفاء الأربعة دون الآخر فإنه يقدم الموافق وفيه نظر النوع السادس : أن يكون أحدهما توارثه أهل الحرمين دون الآخر وفيه نظر النوع السابع : أن يكون أحدهما موافقا لعمل أهل المدينة وفيه نظر أيضا النوع الثامن : أن أحدهما موافقا للقياس دون الآخر فإنه يقدم الموافق النوع التاسع : أن يكون أحدهما أشبه بظاهر القرآن دون الآخر فإنه يقدم النوع العاشر : أنه يقدم ما فسره الراوي له بقوله أو فعله على ما لم يكن كذلك وقد ذكر بعض أهل الأصول مرجحات في هذا القسم زائدة على ما ذكرناه هاهنا وقد ذكرناها في الأنواع المتقدمة لأنها بها ألصق ومن أعظم ما يحتاج إلى المرجحات الخارجة إذا تعارض عمومان بينهما عموم وخصوص من وجه وذلك كقوله تعالى : { وأن تجمعوا بين الأختين } مع قوله { أو ما ملكت أيمانكم } فإن الأولى خاصة في الأختين عامة في الجمع بين الأختين في الملك أو بعقد النكاح والثانية عامة في الأختين وغيرهما خاصة في ملك اليمين وكقوله صضص [ من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ] مع نهيه عن الصلاة في الأوقات المكروهة فإن الأول عام في الأوقات خاص في الصلاة المقتضية والثاني عام في الصلاة خاص في الأوقات فإن علم المتقدم من العمومين والمتأخر منهما كان المتأخر ناسخا عند من يقول إن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم وأما من لا يقول ذلك فإنه يعمل بالترجيح بينهما وإن لم يعلم المتقدم منهما من المتأخر وجب الرجوع إلى الترجيح على القولين جميعا بالمرجحات المتقدمة وإذا استويا اسنادا ومتنا ودلالة رجع إلى المرجحات الخارجة وإن لم يوجد مرجح خارجي وتعارضا من كل وجه فعلى الخلاف المتقدم هل يخير المجتهد في العلم بأحدهما أو يطرحهما ويرجع إلى دليل آخر إن وجد أو إلى البراءة الأصلية ونقل سليم الرازي عن أبي حنيفة أنه يقدم الخبر الذي فيه ذكر الوقت ولا وجه لذلك قال ابن دقيق العيد في هذه المسألة من مشكلات الأصول والمختار عند المتأخرين الوقف إلا بترجيح يقوم على أحد اللفظين بالنسبة إلى الآخر وكأن مرادهم الترجيح العام الذي لا يخص مدلول العموم كالترجيح بكثرة الرواة وسائر الأمور الخارجة عن مدلول العموم ثم حكي عن الفاضل أبي سعيد محمد بن يحيى أنه ينظر فيهما فإن دخل أحدهما تخصيص مجمع عليه فهو أولى بالتخصيص وكذلك إذا كان أحدهما مقصودا بالعموم رجح على ما كان عمومه اتفاقيا قال الزركشي في البحر وهذا هو اللائق بتصرف الشافعي في أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة فإنه قال لما دخلها التخصيص بالإجماع في صلاة الجنازة ضعفت دلالتها فتقدم عليها أحاديث المقضية وتحية المسجد وغيرهما وكذلك نقول دلالة { وأن تجمعوا بين الأختين } على تحريم الجمع مطلقا في النكاح والملك أولى من دلالة الآية الثانية على جواز الجمع في ملك اليمين لأن هذه الآية ما سيقت لبيان حكم الجمع \r\n وأما الترجيح بين الأقيسة فلا خلاف أنه لا يكون بين ما هو معلوم منها وأما كان مظنونا فذهب الجمهور إلى أنه يثبت الترجيح بينها وحكى إمام الحرمين عن القاضي أنه ليس في الأقيسة المظنونة مطلوب وإذا لم يكن فيها مطلوب فلا طريق على التعيين وإنما المظنون على حسب الوفاق قال إمام الحرمين وهذه هفوة عظيمة ثم ألزمه القول بأنه لا أصل للاجتهاد قال الزركشي والحق أن القاضي لم يرد ما حكاه عنه وقد عقد فصولا في التقريب في تقديم بعض العلل على بعض فعلم أنه ليس يعني إنكار الترجيح فيها وإنما مراده أنه يقدم نوع على نوع على الإطلاق بل ينبغي أن يرد الأمر في ذلك إلى ما يظن المجتهد راجحا والظنون تختلف فإنه قد يتفق في آحاد النوع القوي شيء يتأخر عن النوع الضعيف انتهى والترجيح بين الأقيسة يكون على أنواع النوع الأول : بحسب العلة النوع الثاني : بحسب الدليل الدال على وجود العلة النوع الثالث : بحسب الدليل الدال على علية الوصف للحكم النوع الرابع : بحسب دليل الحكم النوع الخامس : بحسب كيفية الحكم النوع السادس : بحسب الأمور الخارجة النوع السابع : بحسب الفرع \r\n أما الترجيح بينها بحسب العلة : فهو أقسام الأول : أنه يرجح القياس المعلل بالوصف الحقيقي الذي هو مظنة الحكمة على القياس المعلل بنفس العلة للإجماع بين أهل القياس على صحة التعليل بالمظنة فيرجح التعليل بالسفر الذي هو مظنة المشقة على التعليل بنفس المشقة القسم الثاني : أنه يرجح التعليل بالحكمة على التعليل بالوصف العدمي لأن العدم لا يكون علة إلا إذا علم اشتماله على الحكمة القسم الثالث : أنه يرجح المعلل حكمة بالوصف العدمي على المعلل حكمة بالحكم الشرعي لأن التعليل بالعدمي يستدعي كونه مناسبا للحكم والحكم الشرعي لا يكون علة إلا بمعنى الأمارة والتعليل بالمناسب أولى من التعليل بالأمارة هكذا قال صاحب المنهاج واختاره وذكر إمام الحرمين الجويني في هذا احتمالين القسم الرابع : أنه يرجح المعلل بالحكم الشرعي على غيره القسم الخامس : أنه يرجح المعلل بالتعدية على المعلل بالقاصرة قاله القاضي والأستاذ أبو منصور وابن برهان قال إمام الحرمين وهو المشهور فإنه أكثر فائدة وقال الأستاذ أبو إسحاق أنها ترجح القاصرة لأنها معتضدة بالنص ورجحه في المستصفى القسم السادس : أنها ترجح العلة المتعدية التي فروعها أكثرعلى العلة المتعدية التي فروعها أقل لكثرة الفائدة قاله الاستاذ أبو منصور ورفعه صاحب المنخول وكلام إمام الحرمين يقتضي أ نه لا ترجيح بذلك القسم السابع : أنها ترجح العلل البسيطة على العلل المركبة كذا قال الجدليون وأكثر الأصوليين إذ يحتمل في العلل المركبة أن تكون العلة فيها هي بعض الأجزاء لا كلها وأيضا البسيطة يكثر فروعها وفوائدها ويقل فيها الاجتهاد فيقل الغلط على ما في المركبة من الخلاف في جواز التعليل بها كما تقدم وقال جماعة المركبة أرجح قال القاضي في مختصر التقريب ولعله الصحيح وقال إمام الحرمين إن هذا المسلك باطل عند المحققين القسم الثامن : أنها ترجح العلة القلية الأوصاف على العلة الكثيرة الأوصاف لأن الوصف الزائد لا أثر له في الحكم ولأن كثرة الأوصاف يقل فيها التفريع وقيل وهو مجموع على هذا المرحج بين المحققين من الأصوليين إذا كانت القليلة الأوصاف داخلة تحت الكثيرة الأوصاف فإن كانت غير داخلة مثل أن يكون أوصاف إحداهما غير أوصاف الأخرى فاختلفوا في ذلك فقيل ترجح القليلة الأوصاف وقيل الكثيرة الأوصاف القسم التاسع : أنه يرجح الوصف الوجودي على العدمي وكذا الوصف المشتمل على وجوديين على الوصف المشتمل على وجودي وعدمي كذا في المحصول القسم العاشر : أنها ترجح العلة المحبوسة على الحكمية وقيل بالعكس القسم الحادي عشر : أنها ترجح العلة التي مقدماتها قليلة على العلة التي مقدماتها كثيرة لأن صدق الأولى وغلبة الظن بها أكثر من الأخرى وقيل بالعكس وقيل هما سواء القسم الثاني عشر : أنها ترجح العلة المشتملة على صفة ذاتية على العلة المشتملة على صفة حكمية وقيل بالعكس ورجحه ابن السمعاني القسم الرابع عشر : أنها ترجح العلة الموجبة للحكم على العلة المقتضية للتسوية بين حكم وحكم الإجماع على جواز التعليل بالأولى بخلاف الثانية ففيها خلاف وقال أبو سهل الصعلوكي إن علة التسوية أولى لكثرة الشبه فيها \r\n وأما الترجيح بحسب الدليل الدال على وجود العلة : فهو على أقسام : القسم الأول : أنها تقدم المعلومة سواء كان العلم بوجدها بديهيا أو ضروريا على العلة التي ثبت وجودها بالنظر والاستدلال كذا قال جماعة وذهب الأكثرون إلى أنه لا يجري الترجيح بين العلتين المعلومتين إذا كانت إحداهما معلومة بالبداهة والأخرى بالنظر والاستدلال القسم الثاني : أنها ترجح العلة التي وجودها بديهي على العلة التي وجودها أجلي وأظهر عند العقل فهو أرجح مما لم يكن كذلك وأما الترجيح بحسب الدليل الدال على علية الوصف للحكم فهو على أقسام : القسم الأول : أنها ترجح العلة التي ثبت عليتها بالدليل القاطع على العلة التي لم يثبت عليتها بدليل قاطع وخالف في ذلك صاحب المحصول ولا وجه لخلافه القسم الثاني : أنها ترجع العلة التي ثبت عليتها بدليل ظاهر على العلة التي ثبت عليتها بغيره من الأدلة التي ليست بنص ولا ظاهر القسم الثالث : أنها ترجح العلة التي ثبت عليتها بالمناسبة على العلة التي ثبت عليتها بالشبة والدوران لقوة المناسبة واستقلالها بإثبات العلية وقيل بالعكس ولا وجه له القسم الرابع : أنها ترجح العلة الثابتة عليتها بالمناسبة على العلة الثابتة عليتها بالسبر وقيل بالعكس قيل وليس هذا الخلاف في السبر المقطوع فإن العلم به متعين لوجوب تقديم المقطوع على المظنون بل الخلاف في المظنون القسم الخامس : أنه ترجح ما كان من المناسبة ثابتا بالضرورة الدينية على الضرورة الدنيوية القسم السابع : أن يقدم ما كان من المناسبة معتبرا نوعه في نوع الحكم على ما كان منها معتبرا نوعه في جنس الحكم وعلى ما كان منها معتبرا جنسه في نوع الحكم وعلى ما كان منها معتبرا جنسه في جنس الحكم ثم يقدم المعتبر نوعه في جنس الحكم والمعتبر جنسه في نوع الحكم على المعتبر جنسه في جنس الحكم : قال الهندي : الأظهر تقديم المعتبر نوعه في جنس الحكم على علته القسم الثامن : أنها تقدم العلة الثابتة عليتها بالدوران على الثابتة عليتها بالسبر وما بعده وقيل بالعكس القسم التاسع : أنها تقدم العلة الثابتة عليتها بالشبه على العلة الثابتة عليتها بالضرورة قال البيضاوي وكذا ترجح على العلة الثابتة عليتها بالإيماء وادعى في المحصول اتفاق الجمهور على أن ما ثبت عليته بالإيماء راجح على ما ثبت عليته بالوجوه العقلية من المناسبة والدوران والسبر وهو ظاهر كلام إمام الحرمين في البرهان قال الصفي الهندي هذا ظاهر إن قلنا لا تشترط المناسبة في الوصف المومأ إليه وإن قلنا تشترط فالظاهر ترجيح بعض الطرق العقلية عليها كالمناسبة لأنها تستقل بإثبات العلية بخلاف الإيماء فإنه لا يستقل بذلك بدونها القسم الحادي عشر : أنها تقدم العلة الثابتة بنفي الفارق على غيرها \r\n وأما الترجيح بحسب دليل الحكم فهو على أقسام : الأول : أنه يقدم ما دليل أصله قطعي على ما دليل أصله ظني القسم الثاني : أنه يقدم ما كان دليل أصله الإجماع على ما كان دليل أصله النص لأن النص بقبل التخصيص والتأويل والنسخ والإجماع لا يقبلها قال إمام الحرمين ويحتمل تقدم الثابت بالنص على الإجماع لأن الإجماع فرع النص لكونه المثبت له والفرع لا يكون أقوى من الأصل وبهذا جزم صاحب المنهاج القسم الثالث : أنه يقدم القياس الذي هو مخرج من أصل منصوص عليه على ما كان مخرجا من أصل غير منصوص عليه قاله ابن برهان القسم الرابع : أنه يقدم القياس الخاص بالمسألة على القياس العام الذي يشهد له القواعد قاله القاضي القسم الخامس : أنه يقدم ما كان على سنن القياس على ما لم يكن كذلك القسم السادس : أنه يقدم ما دل دليل خاص على تعليله دون ما لم يكن كذلك القسم السابع : أنه يقدم ما لم يدخله النسخ بالاتفاق على ما وقع فيه الخلاف والحاصل أنه يقدم ما كان دليل أصله أقوى بوجه من الوجوه المعتبرة \r\n وأما المرجحات تحسب كيفية الحكم فهي على أقسام الأول : أنه يقدم ما كانت علته ناقلة عن حكم العقل على ما كانت علته ناقلة عن حكم العقل على ما كانت علته مقررة كما قاله الغزالي وابن السمعاني وغيرهما لأن الناقلة أثبتت حكما شرعيا والمقررة لم تثبت شيئا وقيل إن المقررة أولى لاعتضادها بحكم العقل المستقل بالنفي لولا هذه العلة الناقلة قال الأستاذ أبو منصور ذهب أكثر أصحابنا إلى ترجيح الناقلة عن العادة وبه جزم الكيا لأن الناقلة مستفادة من الشرع والأخرى ترجع إلى عدم الدليل فلا معارضة بينهما وقيل هما مستويان لأن النسخ بالعلل لا يجوز القسم الثاني : أنه يقدم ما كانت علته مثبتة على ما كانت علته نافية كذا قال الأستاذ أبو إسحاق وغيره قال الغزالي قدم قوم المثبتة على النافية وهو غير صحيح لأن النفي الذي لا يثبت إلا شرعا كالاثبات وإن كان نفيا أصليا يرجع إلى ما قدمناه في الناقلة والمقررة وقال الأستاذ أبو منصور الصحيح أن الترجيح في العلة لا يقع بذلك لاستواء المثبت والنافي في الافتقار إلى الدليل قال وإلى هذا القول ذهب أصحاب الرأي القسم الثالث : أنه يقدم ما يقتضي الحظر على ما يقتضي الإباحة قال ابن السمعاني وهو الصحيح وقيل وقيل هما سواء القسم الرابع : أن يكون أحدهما يقتضي حدا والآخر يسقطه فالمسقط أقدم القسم الخامس : أن يكون أحدهما يقتضي العنف والآخر يسقطه فالمقتضى للعنف أقدم وقيل هما سواء القسم السادس : أن يكون أحدهم مبقيا للعموم لأنه كالنص في وجوب استغراق الجنس ومن حق العلة أن لا ترفع النص فإذا أخرجت ما اشتمل عليه العام مخالفة للأصول التي يجب سلامتها عنه كذا قال القاضي في التقريب وحكى الزركشي عن الجمهور أن المخصصة له أولى لأنها زائدة \r\n وأما المرجحات بحسب الأمور الخارجة : فهي على أقسام الأول : أنه يقدم القياس الموافق للأصول بأن يكون علة أصله على وفق الأصول الممهدة في الشرع على ما كان موافقا لأصل واحد لأن وجود العلة في الأصول الكثيرة دليل على قوة اعتبارها في نظر الشرع هكذا قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وابن السمعاني وغيرهما وقيل هما سواء وجزم بالأول الأستاذ أبو منصور ورفعه الغزالي القسم الثاني : أنه يقدم ما كان حكم أصله موافقا للأصول على ما ليس كذلك للاتفاق على الأول واختلاف في الثاني القسم الثالث : أنه يرجع ما كان مطردا في الفروع بحيث يلزم الحكم به في جميع الصور على ما لم يكن كذلك القسم الرابع : أنه يرجع ما انضمت إلى علته علة أخرى على ما لم ينضم إليه علة أخرى لأن ذلك الانضمام يزيد قوة وقيل للترجيح بذلك وصححه أبو زيد من الحنفية القسم الخامس : أنه يقدم ما انضم إليه فتوى صحابي على ما لم يكن كذلك وهو مبني على الخلاف المتقدم في حجية قول الصحابي \r\n وأما المرجحات بحس بالفرع : فهي على أقسام الأول : أنه يقدم ما كان مشاركا في عين الحكم ووعين العلة على المشارك في جنس الحكم وعين العلة أو عين الحكم وجنس العلة أو جنس الحكم وحني العلة القسم الثاني : أنه يقدم ما كان مشاركا في عين الحكم وجنس العلة أو عين العلة وجنس الحكم على المشارك في جنس الحكم وجنس العلة القسم الثالث : أنه يقدم المشارك في عين العلة وجنس الحكم على المشارك في عين الحكم وجنس العلة لأن العلة هي العمدة في التعدية القسم الرابع : أنه يقدم ما كان مقطوعا بوجود علته في الفرع على المظنون وجودها فيه القسم الخامس : أنه يقدم ما كان حكم الفرع ثابتا فيه جملة لا تفصيلا وقد دخل بعض هذه المرجحات الترجيح فيما تقدم لصلاحيتها هنالك وهاهنا لذكر ذلك فيه \r\n وأما المرجحات بين الحدود السمعية فهي على أقسام : الأول : أنه يرجح الحد المشتمل على الألفاظ الصريحة الدالة على المطلوب بالمطابقة أو التضمن على الحد المشتمل على الألفاظ المجازية أو المشتركة أو الغربية أو المضطربة وعلى ما دل على المطلوب بالالتزام لأن الأول قريب إلى الفهم بعيد عن الخلل والاضطراب القسم الثاني : أن يكون أحدهما أعرف من الآخر فإنه يقدم الأعرف على الأخفى لأنه أدل على المطلوب من الأخفى القسم الثالث : أنه يقدم الحد المشتمل على الذاتيات على المشتمل على العرضيات لإفادة الأول تصور حقيقة المحدود دون الثاني القسم الرابع : أنه يقدم ما كان مدلوله أعم من مدلول الآخر لتكثير الفائدة وقيل بل يقدم الأخص للاتفاق على ما تناوله القسم الخامس : أنه يقدم ما كان موافقا لنقل الشرع واللغة على ما لم يكن كذلك لكون الأصل عدم النقل القسم السادس : أنه يقدم ما كان أقرب إلى المعنى المنقول عنه شرعا أو لغة القسم السابع : أنه يقدم ما كان طريق اكتسابه أرجح من طريق اكتساب الآخر لأنه أغلب على الظن القسم الثامن : أنه يقدم ما كان موافقا لعمل أهل مكة والمدينة ثم ما كان موافقا لأحدهما القسم التاسع : أنه يقدم ما كان موافقا لعلم الخلفاء الأربعة القسم العاشر : أنه يقدم ما كان موافقا للإجماع القسم الحادي عشر : أنه يقدم ما كان موافقا لعمل أهل العلم القسم الثاني عشر : أنه يقدم ما كان مقررا لحكم الحظر على ما كان مقرر الحكم الإباحة القسم الثالث عشر : أنه يقدم ما كان مقررا لحكم النفي على ما كان مقررا لحكم الإثبات القسم الرابع عشر : أنه يرجع ما كان مقررا لإسقاط الحدود على ما كان موجبا لها القسم الخامس عشر : أنه يقدم ما كان مقررا لإيجاب العتق على ما لم يكن كذلك وفي غالب هذه المرجحات خلاف يستفاد من مباحثه المتقدمة في هذا الكتاب ويعرف به ما هو الراجح في جميع ذلك وطرق الترجيح كثيرة جدا وقد قدمنا أن مدار الترجيح على ما يزيد الناظر قوة في نظره على وجه صحيح مطابق للمسالك الشرعية فما كان محصلا لذلك فهو مرجح معتبر ","part":1,"page":407},{"id":186,"text":" خاتمة لمقاصد هذا الكتاب \r\n اعلم أنا قد قدمنا في أول هذا الكتاب الخلاف في كون العقل حاكما أولا وذكرنا أنه لا خلاف في أن بعض الأشياء يدركها العقل ويحكم فيها كصفات الكمال والنقص وملاءمة الغرض ومنافرته وأحكام العقل باعتبار مدركاته تنقسم إلى خمسة أحكام كما انقسمت الأحكام الشرعية إلى خمس أقسام الأول : الوجوب كقضاء الدين والثاني : التحريم كالظلم والثالث : الندب كالإحسان والرابع : الكراهة كسوء الأخلاق والخامس : الإباحة كتصرف المالك في ملكه \r\n وهاهنا مسألتان : \r\n المسألة الأولى : هل الأصل فيما وقع فيه الخلاف ولم يرد فيه دليل يخصه أو يخص نوعه الإباحة أو المنع أو الوقف ؟ فذهب جماعة من الفقهاء وجماعة من الشافعية و محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ونسبه بعض المتأخرين إلى الجمهور إلى أن الأصل الإباحة وذهب الجمهور إلى أنه لا يعلم حكم الشيء إلا بدليل يخصه أو يخص نوعه فإذا لم يوجد دليل كذلك فالأصل المنع وذهب الأشعري وأبو بكر الصيرفي وبعض الشافعية إلى الوقف بمعنى لا يدري هل هنا حكم أم لا وصرح الرازي في المحصول أن الأصل في المنافع الإذن وفي المضار المنع احتج الأولون بقوله تعالى : { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } فإنه أنكر على من حرم ذلك فوجب أن لا تثبت حرمته وإذا لم تثبت حرمته امتنع ثبوت الحرمة في فرد من أفراده لأن المطلق جزء من المقيد فلو ثبتت الحرمة في فرد من أفراده لثبتت الحرمة في زينة الله وفي الطيبات من الرزق وإذا انتفت الحرمة بالكلية ثبتت الإباحة واحتجوا أيضا بقوله تعالى : { أحل لكم الطيبات } وليس المراد من الطيب الحلال وإلا لزم التكرار فوجب تفسيره بما يستطاب طبعا وذلك يقتضي حل المنافع بأسرها واحتجوا أيضا بقوله تعالى { قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة } الآية فجعل الأصل الإباحة والتحريم مستثنى وبقوله سبحانه { وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه } وبما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي ضصض أنه قال [ إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء فحرم على السائل من أجل مسألته ] وبما أخرجه الترمذي وابن ماجة عن سلمان الفارسي قال سئل رسول الله ضصض عن السمن والخبز والفراء قال الحلال ما أحله الله في كتابه والحرام ما حرمه الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه واحتجوا أيضا بأنه انتفاع بما لا ضرر فيه على المالك قطعا ولا على المنتفع فوجب أن لا يمتنع كالاستضاءة بضوء السراج والاستظلال بظل الجدار ولا يرد على هذا الدليل ما قيل إنه يقتضي إباحة كل المحرمات لأن فاعلها ينتفع بها ولا ضرر فيها على المالك ويقتضي سقوط التكاليف بأسرها ووجه عدم وروده أنه قد وقع الإحتراز عنه بقوله ولا على المنتفع ولا انتفاع بالمحرمات وبترك الواجبات لضرره ضررا ظاهرا لأن الله سبحانه قد بين حكمها وليس النزاع في ذلك إنما النزاع فيما لم يبين حكمه ببيان يخصه أو يخص نوعه واحتجوا أيضا بأنه سبحانه إما أن يكون خلقه لهذه الأعيان لحكمة أو لغير حكمه والثاني باطل لقوله { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين } وقوله { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } والعبث لا يجوز على الحكمة فثبت أنها مخلوقة لحكمة ولا تخلو هذه الحكمة إما أن تكون لعود النفع إليه سبحانه أو إلينا والأول باطل لاستحالة الانتفاع عليه عز و جل فثبت أنه إنما خلقها لينتفع بها المحتاجون إليها وإذا كان كذلك كان نفع المحتاج مطلوب الحصول أينما كان فإن منع منه فإنما هو يمنع منه لرجوع ضرره إلى المحتاج إليه وذلك بأن ينهى الله عنه فثبت أن الأصل في المنافع الإباحة وقد احتج القائلون بأن الأصل المنع بمثل قوله تعالى : { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } وهذا خارج عن محل النزاع فإن النزاع إنما هو فيما لم ينص على حكمه أو حكم نوعه وأما ما قد فصل وبين حكمه فهو كما بينه بلا خلاف واحتجوا أيضا بقوله تعالى : { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام } قالوا فأخبر الله سبحانه أن التحريم والتحليل ليس إلينا وإنما هو إليه فلا نعلم الحلال والحرام إلا بإذنه ويجاب عن هذا بأن القائلين بأصالة الإباحة لم يقولوا بذلك من جهة أنفسهم بل قالوه بالدليل الذي استدلوا به من كتاب الله وسنة رسوله كما تقدم فلا ترد هذه الآية عليهم ولا تعلق لها بمحل النزاع واستدل بعضهم بالحديث الصحيح الثابت في دواوين الإسلام عنه ضصض قال [ الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات والمؤمنون وقافون عند الشبهات ] الحديث قال فأرشد ضصض إلى ترك ما بين الحلال والحرام ولم يجعل الأصل فيه أحدهما ولا يخفاك أن هذا الحديث لا يدل على مطلوبهم من أن الأصل المنع فإن استدل به القائلون بالوقف فيجاب عنه بأن الله سبحانه قد بين حكم ما سكت عنه بأنه حلال بما سبق من الادلة وليس المراد بقوله وبينهما امور مشتبهات الا ما لم يدل الدليل على انه حلال طلق او حرام واضح بل تنازعه امران احدهما يدل على الحاقه بالحلال والآخر يدل على إلحاقه بالحرام كما يقع ذلك عند تعارض الأدلة أما ما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه كما تقدم في حديث سلمان وقد أوضحنا الكلام على هذا الحديث في رسالة مستقلة فليرجع إليها واستدلوا أيضا بالحديث الصحيح وهو قوله ضصض [ إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ] الحديث ويجاب عنه بأنه خارج عن محل النزاع لأنه خاص بالأموال التي قد صارت مملوكة ولا خلاف في تحريمها على الغير وإنما النزاع في الأعيان التي خلقها الله لعباده ولم تصرفي ملك أحد منهم وذلك كالحيوانات التي لم ينص الله عز و جل على تحريمها إلا بدليل عام ولا خاص وكالنباتات التي تنبتها الأرض ما لم يدل دليل على تحريمها ولا كانت مما يضر مستعملة بل مما ينفعه \r\n المسألة الثانية : اختلفوا في وجوب شكر المنعم عقلا فالمعتزلة ومن وافقهم أوجبوه بالعقل على من لم يبلغه الشرع وخالف في ذلك جمهور الأشعرية ومن وافقهم لأنهم يقولون لا حكم للعقل كما تقدم تحقيقه قالوا وعلى تقدير التسليم لحكم العقل فلا حكم للعقل بوجوب شكر المنعم فلا إثم في تركه على من لم تبلغه دعوة النبوة لأنه لو وجب لوجب لفائدة واللازم باطل فالملزوم مثله وتقرير الملازمة أنه لو وجب لا لفائدة لكان عبثا وهو قبيح فلا يجب عقلا ولا يجوز على الله سبحانه إيجاب ما كان عبثا وأما تقرير بطلان اللازم فلأن الفائدة أما أن تكون لله تعالى أو تكون للعبد إما في الدنيا أو في الآخرة والكل باطل لأن الله سبحانه متعال ولأنه لا منفعة فيه للعبد في الدنيا لأنه تعب ومشقة عليه ولا حظ للنفس فيه وما كان كذلك لا يكون له فائدة دنيوية وأما انتفاع العبد به في الآخرة فلأن أمور الآخرة من الغيب الذي لا مجال للعقل فيه وأجيب عن ذلك بمنع كونه لا فائدة للعبد فيه وسند هذا المنع بأن فائدته للعبد في الدنيا هي دفع ضرر خوف العقاب وذلك للزوم الخطور على بال عاقل إذا رأى ما عليه من النعم المتجددة وقتا بعد وقت أن المنعم قد ألزمه بالشكر كما يخطر على بال من أنعم عليه ملك من الملوك بأصناف النعم أنه مطالب له بالشكر عليها ومنع الأشعرية لزوم الخطور الموجب للخوف فلا يتعين وأجيب عن هذا المنع بأنه غير متوجب لأن ما ذكره القائلون بالوجوب هو منع فإن أرادوا بهذا المنع لذلك المنع أن سنده لا يصلح للسندية فذلك منع مجرد للسند وهو غير مقبول وعلى التسليم فيقال وإنه وإن لم يتعين وجود الخوف فهو على خطر الوجود بالشكر يندفع احتمال وجوده وهو فائدة جليلة ثم جاء الأشعرية بمعارضة لما ذكرته المعتزلة فقالوا ولو سلم فخوف العقاب على الترك معارض بخوف العقاب على الشكر إما لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذن المالك فإن ما يتصرف به العبد من نفسه وغيرها ملك الله تعالى وأما لأنه كالاستهزاء وما مثله إلا كمثل فقير حضر مائدة ملك عظيم فتصدق عليه بلقمة فطفق يذكرها في المجامع وشكر عليها شكرا كثيرا مستمرا فإن ذلك يعد استهزاء من الشاكر بالملك فكذا هنا بل اللقمة بالنسبة إلى الملك وما يملكه أكثر مما أنعم الله به على العبد بالنسبة إلى الرب سبحانه وشكر العبد أقل قدرا في جنب الله من شكر الفقير للملك على الصفة المذكورة ولا يخفاك أن هذه المعارضة الركيكة والتمثيل الواقع في غاية من السخف يندفعان بما قصه الله سبحانه علينا في الكتاب العزيز من تعظيم شأن ما أنعم به على عباده وكرر ذلك تكريرا كثيرا فإن كان ذلك مطابقا للواقع سقط ما جاءوا به وإن كان غير مطابق للواقع فهو التكذيب البحت والرد الصراح ثم لا يخفى على أحد أن النعمة التي وجب الشكر عليها هي على غاية العظمة عند الشاكر فإن أولها وجوده ثم تكميل آلاته ثم إفاضة النعم عليه على اختلاف أنواعها فكيف يكون شكره عليها استهزاء \r\n وقد اعترض جماعة من المحققين على ما ذكره الأشاعرة في هذه المسألة منهم ابن الهمام في تحريره فقال ولقد طال رواج هذه الجملة على تهافتها يعني جملة الاستدلال والاعتراض ثم ذكر أن حكم المعتزلة بتعلق الوجوب والحرمة بالفعل قبل البعثة تابع لعقلية ما في الفعل فإذا عقل فيه حسن يلزم بترك ما هو فيه القبح كحسن شكر المنعم المستلزم تركه القبح الذي هو الكفران بالضرورة فقد أدرك العقل حكم الله الذي هو وجوب الشكر قطعا وإذا ثبت الوجوب بلا مرد لم يبق لنا حاجة في تعيين فائدة بل نقطع بثبوتها في نفس الأمر علم عينها أولا ولو منعوا يعني الأشعرية اتصاف الشكر بالحسن واتصاف الكفران بالقبح لم تصر مسألة على التنزل معنى والمفروض أنها مسألة على التنزل ثم ذكر أن انفصال المعتزلة بدفع ضرر خوف العقاب إنما يصح حاملا على العمل الذي يتحقق به الشكر وهو بعد العلم بوجوب الشكر بالطريق الموصلة إليه وهو محل النزاع ثم قال وأما معارضتهم بأنه يشبه الاستهزاء فيقضي منه العجب قال شارحه لغرابته وسخافته كيف ويلزم منه انسداد باب الشكر قبل البعثة وبعدها انتهى \r\n ومن كان مطلعا على مؤلفات المعتزلة لا يخفى عليه أنهم إنما ذكروا هذا الدليل للاستدلال به على وجوب النظر فقالوا من رأى النعم التي هو فيها دقيقها وجليلها وتواتر أنواعها خشى أن لها صانعا بحق له الشكر إذ وجوب شكر كل منعم ضروري ومن خشي ذلك خاف ملاما على الإخلال وتبعه على الإخلال ضرر عاجل والنظر كاشف للحيرة دافع لذلك الخوف فمن أخل بالنظر حسن في العقل ذمه وهو معنى الوجوب فإذا نظر زال ذلك الضرر فيلزمه فائدة الأمن من العقاب على التقديرين إما بأن يشكر وإما بأن يكشف له بالنظر أنه لا منعم فلا عقاب هذا حاصل كلامهم في الوجوب العقلي \r\n وأما الوجوب الشرعي فلا نزاع فيه بينهم وقد صرح الكتاب العزيز بأمر العباد بشكر ربهم وصرح أيضا بأنه سبب في زيادة النعم والأدلة القرآنية والأدلة النبوية في هذا كثيرة جدا وحاصلها فوز الشاكر بخير الدنيا والآخرة وفقنا الله تعالى لشكر نعمه ودفع عنا جميع نقمه \r\n قال المؤلف رحمه الله : وإلى هنا انتهى ما أردنا جمعه بقلم مؤلفه المفتقر إلى نعم ربه الطالب منه مزيدها عليه ودوامها له محمد بن علي بن محمد الشوكاني غفر الله ذنوبه \r\n وكان الفراغ منه يوم الأربعاء الرابع من شهر محرم سنة 1231 والحمد لله أولا وآخرا والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه تم ","part":1,"page":420}],"titles":[{"id":1,"title":"الفصل الأول : في تعريف أصول الفقه وموضوعه وفائدته واستمداده","lvl":1,"sub":0},{"id":2,"title":"الفصل الثاني في الأحكام","lvl":1,"sub":0},{"id":3,"title":"الفصل الثالث في المبادئ اللغوية","lvl":1,"sub":0},{"id":4,"title":"الفصل الرابع في تقسيم اللفظ إلى مفرد ومركب","lvl":1,"sub":0},{"id":5,"title":"المسألة الأولى : في الاشتقاق","lvl":1,"sub":0},{"id":6,"title":"المسألة الثانية : في الترادف","lvl":1,"sub":0},{"id":7,"title":"المسألة الثالثة : في المشترك","lvl":1,"sub":0},{"id":8,"title":"المسألة الرابعة : اختلف في جواز استعمال اللفظ المشترك في معنييه أو","lvl":1,"sub":0},{"id":9,"title":"المسألة الخامسة : في الحقيقة والمجاز","lvl":1,"sub":0},{"id":10,"title":"المقصد الأول في الكتاب العزيز وفيه أربعة فصول الفصل الأول فيما يتعلق","lvl":1,"sub":0},{"id":11,"title":"الفصل الثاني اختلف في المنقول آحادا . هل هو قرآن أم لا ؟","lvl":1,"sub":0},{"id":12,"title":"الفصل الثالث في المحكم والمتشابه من القرآن","lvl":1,"sub":0},{"id":13,"title":"الفصل الرابع في المعرب هل هو موجود في القرآن أم لا","lvl":1,"sub":0},{"id":14,"title":"المقصد الثاني في السنة وفيه أبحاث","lvl":1,"sub":0},{"id":15,"title":"البحث الثاني","lvl":1,"sub":0},{"id":16,"title":"البحث الثالث","lvl":1,"sub":0},{"id":17,"title":"البحث الرابع : في أفعاله صضص","lvl":1,"sub":0},{"id":18,"title":"البحث الخامس : في تعارض الأفعال","lvl":1,"sub":0},{"id":19,"title":"البحث السادس : إذا وقع التعارض بين قول النبي صضص وفعله","lvl":1,"sub":0},{"id":20,"title":"البحث السابع : التقرير","lvl":1,"sub":0},{"id":21,"title":"البحث الثامن : ما هم به صضص ولم يفعله","lvl":1,"sub":0},{"id":22,"title":"البحث التاسع : الإشارة والكتابة","lvl":1,"sub":0},{"id":23,"title":"البحث العاشر : تركه صضص للشيء كفعله له في التأسي به فيه","lvl":1,"sub":0},{"id":24,"title":"البحث الحادي عشر : في الأخبار وفي أنواع","lvl":1,"sub":0},{"id":25,"title":"فرع العلم بخبر الواحد","lvl":1,"sub":0},{"id":26,"title":"فصل في ألفاظ الرواية","lvl":1,"sub":0},{"id":27,"title":"وأما ألفاظ الرواية من غير الصحابي فلها مراتب بعضها أقوى من بعض","lvl":1,"sub":0},{"id":28,"title":"فصل الصحيح من الحديث","lvl":1,"sub":0},{"id":29,"title":"فصل في العدالة","lvl":1,"sub":0},{"id":30,"title":"المقصد الثالث الإجماع وفيه أبحاث البحث الأول : في مسماه لغة واصطلاحا","lvl":1,"sub":0},{"id":31,"title":"البحث الثاني : في إمكان الإجماع في نفسه","lvl":1,"sub":0},{"id":32,"title":"البحث الثالث : اختلف القائلون بحجية الإجماع هل هو حجة قطعية أو ظنية","lvl":1,"sub":0},{"id":33,"title":"البحث الرابع : اختلفوا فيما ينعقد به الإجماع","lvl":1,"sub":0},{"id":34,"title":"البحث الخامس : هل يعتبر في الإجماع المجتهد المبتدع إذا كانت بدعته","lvl":1,"sub":0},{"id":35,"title":"البحث السادس : إذا أدرك التابعي عصر الصحابة وهو من أهل الاجتهاد لم","lvl":1,"sub":0},{"id":36,"title":"البحث السابع : إجماع الصحابة حجة بلا خلاف","lvl":1,"sub":0},{"id":37,"title":"البحث الثامن : إجماع أهل المدينة على انفرادهم ليس بحجة عند الجمهور","lvl":1,"sub":0},{"id":38,"title":"البحث التاسع : اتفق القائلون بحجية الإجماع أنه لا يعتبر من سيوجد","lvl":1,"sub":0},{"id":39,"title":"البحث العاشر : اختلفوا هل يشترط انقراض عصر أهل الإجماع في حجية إجماعهم","lvl":1,"sub":0},{"id":40,"title":"البحث الحادي عشر : في الإجماع السكوتي","lvl":1,"sub":0},{"id":41,"title":"البحث الثاني عشر : هل يجوز الإجماع على شيء وقد وقع الإجماع على خلافه","lvl":1,"sub":0},{"id":42,"title":"البحث الثالث عشر : في حدوث الإجماع بعد سبق الخلاف","lvl":1,"sub":0},{"id":43,"title":"البحث الرابع عشر : إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين فهل يجوز لمن","lvl":1,"sub":0},{"id":44,"title":"البحث الخامس عشر : إذا استدل أهل العصر بدليل وأولوا بتأويل فهل يجوز","lvl":1,"sub":0},{"id":45,"title":"البحث السادس عشر : هل يمكن وجود دليل لا معارض له اشترك أهل الإجماع في","lvl":1,"sub":0},{"id":46,"title":"البحث السابع عشر : لا اعتبار بقول العوام في الإجماع","lvl":1,"sub":0},{"id":47,"title":"فرع إجماع العوام عند خلو الزمان عن مجتهد عند من قال بجواز خلوه عنه هل","lvl":1,"sub":0},{"id":48,"title":"المقصد الرابع في الأوامر والنواهي والعموم والخصوص والإطلاق والتقييد","lvl":1,"sub":0},{"id":49,"title":"الفصل الأول في تعريف لفظ الأمر","lvl":1,"sub":0},{"id":50,"title":"الفصل الثاني : اختلف في حد الأمر بمعنى القول","lvl":1,"sub":0},{"id":51,"title":"الفصل الثالث اختلف أهل العلم في صيغة افعل وما في معناه هل هي حقيقة في","lvl":1,"sub":0},{"id":52,"title":"الفصل الرابع التكرار وعلاقته بصيغة الأمر","lvl":1,"sub":0},{"id":53,"title":"الفصل الخامس اختلف في الأمر هل يقتضي الفور أو لا","lvl":1,"sub":0},{"id":54,"title":"الفصل السادس في الأمر المعين","lvl":1,"sub":0},{"id":55,"title":"الفصل السابع الاتيان بالمأمور به على وجهه والخلاف الواقع بين أهل","lvl":1,"sub":0},{"id":56,"title":"الفصل الثامن اختلفوا هل القضاء بأمر جديد أو بالأمر الأول","lvl":1,"sub":0},{"id":57,"title":"الفصل التاسع اختلفوا هل الأمر بالشيء أو بذلك الشيء أم لا","lvl":1,"sub":0},{"id":58,"title":"الفصل العاشر اختلفوا أهل الأمر بالماهية الكلية يقتضي الآمر بها أو بشيء","lvl":1,"sub":0},{"id":59,"title":"الفصل الحادي عشر اختلفوا إذا تعاقب أمران بمتماثلين هل يكون الثاني","lvl":1,"sub":0},{"id":60,"title":"الباب الثاني في النواهي وفيه مباحث ثلاثة","lvl":1,"sub":0},{"id":61,"title":"في العموم وفيه ثلاثون مسألة المسألة الأولى : في حده","lvl":1,"sub":0},{"id":62,"title":"المسألة الثانية : ذهب الجمهور إلى أن العموم من عوارض الألفاظ","lvl":1,"sub":0},{"id":63,"title":"المسألة الثالثة : هل يتصور العموم في الأحكام","lvl":1,"sub":0},{"id":64,"title":"المسألة الرابعة : اعلم أن العام عمومه شمولي وعموم المطلق بدلي","lvl":1,"sub":0},{"id":65,"title":"المسألة الخامسة : ذهب الجمهور إلى العموم له صيغة موضوعة له حقيقة","lvl":1,"sub":0},{"id":66,"title":"المسألة السادسة : في الاستدلال على أن كل صيغة من تلك الصيغ للعموم","lvl":1,"sub":0},{"id":67,"title":"المسألة السابعة : قال جمهور الأصول أن جمع القلة المنكر ليس بعام","lvl":1,"sub":0},{"id":68,"title":"المسألة الثامنة : اختلفوا في أقل الجمع","lvl":1,"sub":0},{"id":69,"title":"المسألة التاسعة : الفعل المثبت إذا كان له جهات","lvl":1,"sub":0},{"id":70,"title":"المسألة العاشرة : ذهب الجمهور إلى أن قوله تعالى : \" خذ من أموالهم صدقة","lvl":1,"sub":0},{"id":71,"title":"المسألة الحادية عشرة : الألفاظ الدالة على الجمع بالنسبة إلى دلالتها","lvl":1,"sub":0},{"id":72,"title":"المسألة الثانية عشرة : ذهب الجمهور إلى أن الخطاب بمثل يا أيها الناس","lvl":1,"sub":0},{"id":73,"title":"المسألة الثالثة عشرة : ذهب الجمهور إلى دخول الكافر في الخطاب الصالح له","lvl":1,"sub":0},{"id":74,"title":"المسألة الرابعة عشرة : الخطاب الوارد شفاها في عصر النبي صضص يا أيها","lvl":1,"sub":0},{"id":75,"title":"المسألة الخامسة عشرة : الخطاب الخاص بالأمة","lvl":1,"sub":0},{"id":76,"title":"المسألة السادسة عشرة : الخطاب الخاص بواحدة الخاص بواحد من الأمة أن صرح","lvl":1,"sub":0},{"id":77,"title":"المسألة السابعة عشرة : اختلفوا في المخاطب بكسر الطاء يدخل في عموم","lvl":1,"sub":0},{"id":78,"title":"المسألة الثامنة عشرة : اختلفوا في المقتضي هل هو عام أم لا","lvl":1,"sub":0},{"id":79,"title":"المسألة التاسعة عشرة : اختلفوا في المفهوم هل له عموم أم لا","lvl":1,"sub":0},{"id":80,"title":"المسألة الموفية للعشرين : قال الإمام الشافعي ترك الاستفصال في حكاية","lvl":1,"sub":0},{"id":81,"title":"المسألة الحادية عشرون : ذكر علماء البيان أن حذف المتعلق يشعر بالتعميم","lvl":1,"sub":0},{"id":82,"title":"المسألة الثانية والعشرون : الكلام العام على طريقة المدح أو الذم","lvl":1,"sub":0},{"id":83,"title":"المسألة الثالثة والعشرون : ورود العام على سبب خاص وقد أطلق جماعة من","lvl":1,"sub":0},{"id":84,"title":"المسألة الرابعة والعشرون : ذكر بعض ذكر العام الموافق له في الحكم لا","lvl":1,"sub":0},{"id":85,"title":"المسألة الخامسة والعشرون : إذا علق الشارع حكما على علة هل تعم تلك","lvl":1,"sub":0},{"id":86,"title":"المسألة السادسة والعشرون : اختلفوا في العام إذا خص هل يكون حقيقة في","lvl":1,"sub":0},{"id":87,"title":"المسألة السابعة والعشرون : اختلفوا في العام بعد تخصيصه هل يكون حجة أم","lvl":1,"sub":0},{"id":88,"title":"المسألة الثامنة والعشرون : إذا ذكر العام وعطف عليه بعض أفراده مما حق","lvl":1,"sub":0},{"id":89,"title":"المسألة التاسعة والعشرون : نقل الغزالي والآمدي وابن الحاجب الإجماع على","lvl":1,"sub":0},{"id":90,"title":"المسألة الموفية ثلاثين : في الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد","lvl":1,"sub":0},{"id":91,"title":"الباب الرابع في الخاص والتخصيص والخصوص","lvl":1,"sub":0},{"id":92,"title":"المسألة الأولى : في حده","lvl":1,"sub":0},{"id":93,"title":"المسألة الثانية : في الفرق بين النسخ والتخصيص","lvl":1,"sub":0},{"id":94,"title":"المسألة الثالثة : اتفق أهل العلم سلفا وخلفا على أن التخصيص للعمومات","lvl":1,"sub":0},{"id":95,"title":"المسألة الرابعة : اختلفوا في المقدار الذي لا بد من بقائه بعد التخصيص","lvl":1,"sub":0},{"id":96,"title":"المسألة الخامسة : اختلفوا في المخصص","lvl":1,"sub":0},{"id":97,"title":"المسألة السادسة : لا خلاف في جواز الاستثناء من الجنس","lvl":1,"sub":0},{"id":98,"title":"المسألة السابعة : قد قال قائل إن الاستثناء في لغة العرب متعذر","lvl":1,"sub":0},{"id":99,"title":"المسألة الثامنة : يشترط في صحة الاستثناء","lvl":1,"sub":0},{"id":100,"title":"المسألة التاسعة : اتفقوا على أن الاستثناء من الإثبات نفي","lvl":1,"sub":0},{"id":101,"title":"المسألة العاشرة : اختلفوا في الاستثناء الوارد بعد جمل متعاطفة هل يعود","lvl":1,"sub":0},{"id":102,"title":"المسألة الحادية عشرة : إذا وقع بعد المستثنى والمستثنى منه جملة تصلح أن","lvl":1,"sub":0},{"id":103,"title":"المسألة الثانية عشرة : التخصيص بالشرط وحقيقته في اللغة العلامة","lvl":1,"sub":0},{"id":104,"title":"المسألة الثالثة عشرة : التخصيص بالصفة وهي كالاستثناء إذا وقعت بعد","lvl":1,"sub":0},{"id":105,"title":"المسألة الرابعة عشرة : التخصيص لغاية","lvl":1,"sub":0},{"id":106,"title":"المسألة الخامسة عشرة : التخصيص بالبدل","lvl":1,"sub":0},{"id":107,"title":"المسألة السادسة عشرة : التخصيص بالحال","lvl":1,"sub":0},{"id":108,"title":"المسألة السابعة عشرة : التخصيص بالظروف والجار والمجرور","lvl":1,"sub":0},{"id":109,"title":"المسألة الثامنة عشرة : التخصيص بالتمييز","lvl":1,"sub":0},{"id":110,"title":"المسألة التاسعة عشرة : المفعول له والمفعول معه فإن كل واحد منهما يقيد","lvl":1,"sub":0},{"id":111,"title":"المسألة الموفية عشرين : التخصيص بالعقل","lvl":1,"sub":0},{"id":112,"title":"المسألة الحادية والعشرون : التخصيص بالحس","lvl":1,"sub":0},{"id":113,"title":"المسألة الثانية والعشرون : التخصيص بالكتاب العزيز وبالسنة المطهرة","lvl":1,"sub":0},{"id":114,"title":"المسألة الثالثة والعشرون : في التخصيص بالقياس","lvl":1,"sub":0},{"id":115,"title":"المسألة الرابعة والعشرون : في التخصيص بالمفهوم","lvl":1,"sub":0},{"id":116,"title":"المسألة الخامسة والعشرون : في التخصيص بالإجماع","lvl":1,"sub":0},{"id":117,"title":"المسألة السادسة والعشرون : في التخصيص بالعادة","lvl":1,"sub":0},{"id":118,"title":"المسألة السابعة والعشرون : في التخصيص بمذهب الصحابي","lvl":1,"sub":0},{"id":119,"title":"المسألة الثامنة والعشرون : في التخصيص بالسياق","lvl":1,"sub":0},{"id":120,"title":"المسألة التاسعة والعشرون : في التخصيص بقضايا الأعيان","lvl":1,"sub":0},{"id":121,"title":"المسألة الموفية ثلاثين : في بناء العام على الخاص","lvl":1,"sub":0},{"id":122,"title":"الباب الخامس في المطلق والمقيد : وفيه مباحث أربعة","lvl":1,"sub":0},{"id":123,"title":"الباب السادس في المجمل والمبين","lvl":1,"sub":0},{"id":124,"title":"الفصل الأول تعريف المجمل والمبين","lvl":1,"sub":0},{"id":125,"title":"الفصل الثاني الإجمال في الكتاب والسنة","lvl":1,"sub":0},{"id":126,"title":"الفصل الثالث الإجمال إما أن يكون في حال الإفراد أو التركيب","lvl":1,"sub":0},{"id":127,"title":"الفصل الرابع فيما لا إجمال فيه","lvl":1,"sub":0},{"id":128,"title":"الفصل الخامس في مراتب البيان للأحكام وهي خمسة بعضها أوضح من بعض","lvl":1,"sub":0},{"id":129,"title":"الفصل السادس في تأخير البيان عن وقت الحاجة","lvl":1,"sub":0},{"id":130,"title":"الباب السابع في الظاهر والمؤول وفيه ثلاثة فصول","lvl":1,"sub":0},{"id":131,"title":"الباب الثامن من المقصد الرابع في المنطوق والمفهوم وفيه أربع مسائل","lvl":1,"sub":0},{"id":132,"title":"الباب التاسع من المقصد الرابع في النسخ","lvl":1,"sub":0},{"id":133,"title":"المسألة الأولى : في حده","lvl":1,"sub":0},{"id":134,"title":"المسألة الثانية : النسخ جائز عقلا واقع سمعا","lvl":1,"sub":0},{"id":135,"title":"المسألة الثالثة : للنسخ شروط","lvl":1,"sub":0},{"id":136,"title":"المسألة الرابعة : اعلم أنه يجوز النسخ بعد اعتقاد المنسوخ والعمل به بلا","lvl":1,"sub":0},{"id":137,"title":"المسألة الخامسة : إنه لا يشترط في النسخ أن يخلفه بدل","lvl":1,"sub":0},{"id":138,"title":"المسألة السادسة : النسخ إلى بدل يقع على وجوه","lvl":1,"sub":0},{"id":139,"title":"المسألة السابعة : في جواز نسخ الأخبار وفيه تفصيل","lvl":1,"sub":0},{"id":140,"title":"المسألة الثامنة : في نسخ التلاوة دون الحكم والعكس ونسخهما معا","lvl":1,"sub":0},{"id":141,"title":"المسألة التاسعة : لا خلاف في جواز نسخ القرآن بالقرآن ونسخ السنة","lvl":1,"sub":0},{"id":142,"title":"المسألة العاشرة : يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة عند الجمهور","lvl":1,"sub":0},{"id":143,"title":"المسألة الحادية عشرة : ذهب الجمهور إلى أن الفعل من السنة ينسخ القول","lvl":1,"sub":0},{"id":144,"title":"المسألة الثانية عشرة : الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به عند الجمهور","lvl":1,"sub":0},{"id":145,"title":"المسألة الثالثة عشرة : ذهب الجمهور إلى أن القياس لا يكون ناسخا","lvl":1,"sub":0},{"id":146,"title":"المسألة الرابعة عشرة : في نسخ المفهوم","lvl":1,"sub":0},{"id":147,"title":"المسألة الخامسة عشرة : في الزيادة على النص هل تكون نسخا لحكم النص أم","lvl":1,"sub":0},{"id":148,"title":"المسألة السادسة عشرة : لا خلاف في أن النقصان من العبادة نسخ لما أسقط","lvl":1,"sub":0},{"id":149,"title":"المسألة السابعة عشرة : في الطريق التي يعرف بها كون الناسخ ناسخا","lvl":1,"sub":0},{"id":150,"title":"المقصد الخامس من مقاصد هذا الكتاب القياس وما يتصل به من الاستدلال","lvl":1,"sub":0},{"id":151,"title":"الفصل الأول في تعريفه","lvl":1,"sub":0},{"id":152,"title":"الفصل الثاني في حجة القياس","lvl":1,"sub":0},{"id":153,"title":"الفصل الثالث في أركان القياس","lvl":1,"sub":0},{"id":154,"title":"الفصل الرابع في الكلام على مسالك العلة وهي طرقها الدالة عليها","lvl":1,"sub":0},{"id":155,"title":"المسلك الأول : الإجماع","lvl":1,"sub":0},{"id":156,"title":"المسلك الثاني : النص على العلة","lvl":1,"sub":0},{"id":157,"title":"المسلك الثالث : الإيماء والتنبيه","lvl":1,"sub":0},{"id":158,"title":"المسلك الرابع : الإستدلال على علية الحكم بفعل النبي ضصض كذا قال القاضي","lvl":1,"sub":0},{"id":159,"title":"المسلك الخامس : السبر والتقسيم","lvl":1,"sub":0},{"id":160,"title":"المسلك السادس : المناسبة","lvl":1,"sub":0},{"id":161,"title":"المسلك السابع : الشبه","lvl":1,"sub":0},{"id":162,"title":"المسلك الثامن : الطرد","lvl":1,"sub":0},{"id":163,"title":"المسلك التاسع : الدوران","lvl":1,"sub":0},{"id":164,"title":"المسلك العاشر : تنقيح المناط","lvl":1,"sub":0},{"id":165,"title":"المسلك الحادي عشر : تحقيق المناط","lvl":1,"sub":0},{"id":166,"title":"الفصل الخامس فيما لا يجري فيه القياس","lvl":1,"sub":0},{"id":167,"title":"الفصل السادس في الاعتراضات","lvl":1,"sub":0},{"id":168,"title":"وهاهنا فوائد بهذه الاعتراضات","lvl":1,"sub":0},{"id":169,"title":"الفصل السابع في الاستدلال","lvl":1,"sub":0},{"id":170,"title":"فوائد لها بعض اتصال بمباحث الاستدلال","lvl":1,"sub":0},{"id":171,"title":"من مقاصد هذا الكتاب في الاجتهاد والتقليد","lvl":1,"sub":0},{"id":172,"title":"الفصل الأول في الاجتهاد المسألة الأولى : في حد الاجتهاد","lvl":1,"sub":0},{"id":173,"title":"المسألة الثانية : هل يجوز خلو العصر عن المجتهدين أم لا","lvl":1,"sub":0},{"id":174,"title":"المسألة الثالثة : في تجزي الاجتهاد","lvl":1,"sub":0},{"id":175,"title":"المسألة الرابعة : اختلفوا في جواز الاجتهاد للأنبياء صلوات الله عليهم","lvl":1,"sub":0},{"id":176,"title":"المسألة الخامسة : في جواز الاجتهاد في عصره ضصض","lvl":1,"sub":0},{"id":177,"title":"المسألة السادسة : فيما ينبغي للمجتهد أن في اجتهاده ويعتمد عليه","lvl":1,"sub":0},{"id":178,"title":"المسألة السابعة : اختلفوا في المسائل التي كل مجتهد فيها مصيب والمسائل","lvl":1,"sub":0},{"id":179,"title":"المسألة الثامنة : لا يجوز أن يكون لمجتهد في مسألة قولان متناقضان في","lvl":1,"sub":0},{"id":180,"title":"المسألة التاسعة : في جواز تفويض المجتهد","lvl":1,"sub":0},{"id":181,"title":"الفصل الثاني في التقليد وما يتعلق به من أحكام المفتى والمستفتى وفيه ست","lvl":1,"sub":0},{"id":182,"title":"المقصد السابع من مقاصد هذا الكتاب في التعادل والترجيح","lvl":1,"sub":0},{"id":183,"title":"المبحث الأول : في معناهما وفي العمل بالترجيح وفي شروطه","lvl":1,"sub":0},{"id":184,"title":"المبحث الثاني : أنه لا يمكن التعارض بين دليلين قطعيين اتفاقا","lvl":1,"sub":0},{"id":185,"title":"المبحث الثالث : في وجوه الترجيح بين المعارضين لا في نفس الأمر بل في","lvl":1,"sub":0},{"id":186,"title":"خاتمة لمقاصد هذا الكتاب","lvl":1,"sub":0},{"id":186,"title":"خاتمة لمقاصد هذا الكتاب","lvl":2,"sub":0}]}