{"pages":[{"id":1,"text":"اللمع في أصول الفقه- الشيرازي\rاللمع في أصول الفقه\rالشيرازي","part":1,"page":0},{"id":2,"text":"تخريج أحاديث اللمع في أصول الفقه للفقير الى الله تعالى عبد الله بن محمد الصديقي الغماري الحسيني ومعه اللمع في أصول الفقه للامام ابي اسحاق ابراهيم بن علي الشيرازي المتوفي سنة 476 ه.\rبسم الله الرحمن الرحيم اللمع في أصول الفقه لابي اسحاق الشيرازي (476 ه) اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الحمد لله كما هو اهله وصلواته على محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين سألني بعض أخواني أن أصنف له مختصرا في المذهب في أصول الفقه ليكون ذلك مضافا إلى ما عملت من التبصرة في الخلاف","part":1,"page":43},{"id":3,"text":"فأجبته إلى ذلك إيجابا لمسألته وقضاء لحقه وأشرت فيه إلى ذكر الخلاف وما لا بد منه من الدليل فربما وقع ذلك إلى من ليس عنده ما عملت من الخلاف وإلى الله تعالى أرغب أن يوفقني للصواب ويجزل لي الأحر والثواب إنه كريم وهاب ولما كان الغرض بهذا الكتاب أصول الفقه وجب بيان العلم والظن وما يتصل بهما لأن بهما يدرك جميع ما يتعلق بالفقه ثم نذكر النظر والدليل وما\rيتصل بهما لأن بذلك يحصل العلم والظن ثم نبين الفقه وأصول الفقه إن شاء الله عز وجل","part":1,"page":44},{"id":4,"text":"في المقدمات العلم والظن النظر والدليل بيان الفقه واصوله","part":1,"page":45},{"id":5,"text":"1 - باب بيان العلم والظن وما يتصل بهما ونقدم على ذلك بيان الحد لأن به يعرف حقيقة كل ما نريد ذكره والحد هو عبارة على المقصود بما يحصره ويحيط به أحاطة تمنع أن يدخل فيه ما ليس منه أو يخرج منه ما هو منه ومن حكم الحد أن يطرد وينعكس فيوجد المحدود بوجوده وينعدم بعدمه 1 - فصل فأما العلم فهو معرفة المعلوم على ما هو عليه وقالت المعتزلة هو اعتقاد الشئ على ما هو به مع سكون النفس إليه وهذا غير صحيح لأن هذا يبطل باعتقاد العاصي فيما يعتقده فإن هذا المعنى موجود فيه وليس ذلك بعلم 2 - فصل والعلم ضربان قديم ومحدث فالقديم علم الله عز وجل وهو متعلق بجميع المعلومات ولا يوصف ذلك بأنه ضروري ولا مكتسب والمحدث علم الخلق وقد يكون ذلك ضروريا وقد يكون مكتسبا فالضروري كل علم لزم المخلوق على وجه لا يمكنه دفعه عن نفسه بشك ولا شبهة وذلك كالعلم الحاصل عن الحواس الخمس التي هي السمع والبصر\rوالشم والذوق واللمس والعلم بما تواترت به الأخبار من ذكر الأمم السالفة والبلاد النائية وما يحصل في النفس العلم بحال نفسه من الصحة والسقم والغم والفرح وما يعلمه من غيره من النشاط والفرح والغم والترح","part":1,"page":47},{"id":6,"text":"وخجل الخجل ووجل الوجل وما أشبهه مما يضطر إلى معرفته والمكتسب كل علم يقع على نظر واستلادلال منه كالعلم بحدوث العالم وثبات الصانع وصدق الرسل ووجوب الصلاة وأعدادها ووجوب الزكاة ونصبها وغير ذلك مما يعلم بالنظر والاستدلال 3 - فصل وحد الجهل تصور المعلوم على خلاف ما هو به والظن تجويز امرين أحدهما أظهر من الآخر كاعتقاد الإنسان فيما يخبر به الثقة أنه على ما أخبر به وإن جاز أن يكون بخلافه وظن الإنسان في الغيم المشف الثخين أنه يجئ منه المطر وإن جوز أن ينقشع عن غير مطر واعتقاد المجتهدين فيما يفتون به في مسائل الخلاف وإن جوزوا أن يكون الأمر بخلاف ذلك وغير ذلك مما لا يقطع به 4 - فصل والشك تجويز أمرين لا مزية لأحدهما عن الاخر كشك الإنسان في الغيم غير المشف انه يكون منه مطر أم لا وشك المجتهد فيما لم يقطع به من الأقوال وغير ذلك من الأمور التي لا يغلب فيها أحد التجوزين على الآخر","part":1,"page":48},{"id":7,"text":"2 - باب النظر والدليل والنظر هو الفكر في حال المنظور فيه وهو طريق إلى معرفة الأحكام إذا وجد بشروطه ومن الناس من أنكر النظر وهذا خطأ لأن العلم يحصل\rبالحكم عند وجوده فدل على أنه طريق له 5 - فصل وأما شروطه فأشياء أحدها أن يكون الناظر كامل الآلة على ما نذكره في باب المفتي إن شاء الله تعالى والثاني أن يكون نظره في دليل لا في شبهة والثالث أن يستوفي الدليل ويرتبه على حقه فيقدم ما يجب تقديمه ويؤخر ما يجب تأخيره 6 - فصل وأما الدليل فهو المرشد إلى المطلوب ولا فرق في ذلك بين ما يقع به من الأحكام وبين مالا يقع به وقال أكثر المتكلمين لا يستعمل الدليل إلا فيما يؤدي إلى العلم فأما فيما يؤدي إلى الظن فلا يقال له دليل وإنما يقال له أمرة وهذا خطأ لأن العرب لا تفرق في تسمية بين ما يؤدي إلى العلم أو الظن فلم يكن لهذا الفرق وجه وأما الدال فهو الناصب للدليل وهو الله عز وجل وقيل هو والدليل واحد كالعالم والعليم وإن كان أحدهما أبلغ والمستدل هو الطالب للدليل ويقع ذلك على السائل لأنه يطلب","part":1,"page":49},{"id":8,"text":"الدليل من المسؤول وعلى المسؤول لأنه يطلب الدليل من الأصول والمستدل عليه هو الحكم الذي هو التحريم والتحلل والمستدل له يقع على الحكم لأن الدليل يطلب له ويقع على السائل لأن الدليل يطلب له والاستدلال هو طلب الدليل وقد يكون ذلك من السائل للمسؤول وقد يكون من المسؤول في الأصول","part":1,"page":50},{"id":9,"text":"3 - باب بيان نفقة وأصول الفقه\rوالفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد والاحكام الشرعية وهي الواجب والندب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والباطل فالواجب ما تعلق العقاب بتركه كالصلوات الخمس والزكوات ورد الودائع والمغصوب وغير ذلك والندب ما يتعلق الثواب بفعله ولا يتعلق العقاب بتركه كصلوات النفل وصدقات التطوع وغير ذلك من القرب المستحبة المباح مالا ثواب بفعله ولا عقاب في تركه كأكل الطيب ولبس الناعم والنوم والمشي وغير ذلك من المباحات والمحظور ما تعلق العقاب بفعله كالزنا واللواط والغصب والسرقة وغير ذلك من المعاصي","part":1,"page":51},{"id":10,"text":"والمكروه ما تركه أفضل من فعله كالصلاة مع الالتفات والصلاة في إعطان: الأبل واشتمال الصماء وغير ذلك مما نهى عنه على وجه التنزيه والصحيح ما تعلق به النفوذ وحصل به المقصود كالصلوات الجائزة والبيوع الماضية والباطل ما لا يتعلق به النفوذ ولا يحصل به المقصود كالصلاة بغير طهارة وبيع مالا يملك وغير ذلك مما لا يعتد به من الأمور الفاسدة 7 - فصل وأما أصول الفقه فهي الأدلة التي يبنى عليها الفقه وما يتصول بها إلى الأدلة على سبيل الأجمال والأدلة ههنا خطاب الله عز وجل وخطاب رسوله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وإقراره وإجماع الأمة والقياس والبقاء على حكم الأصل عند عدم هذه\rالأدلة وفتيا العالم في حق العامة وما يتوصل به إلى الأدلة فهو الكلام على تفصيل هذه الأدلة ووجهها وترتيب بعضها على بعض وأول ما يبدأ به الكلام على خطاب الله عز وجل وخطاب رسوله صلى الله عليه وسلم لأنهما أصل لما سواهما من الأدلة ويدخل في ذلك أقسام الكلام والحقيقة والمجاز والأمر والنهي والعموم والمخصوص المجمل والمبين والمفهوم والمؤول والناسخ والمنسوخ ثم الكلام في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقراره لأنهما يجريان مجرى أقواله في البيان ثم الكلام في الأخبار لأنها طريق إلى معرفة ما ذكرناه من الأقوال","part":1,"page":52},{"id":11,"text":"والأفعال ثم الكلام في الإجماع لأنه ثبت كونه دليلا بخطاب الله عز وجل وخطاب رسوله صلى الله عليه وسلم وعنهما ينعقد ثم الكلام في القياس لأنه ثبت كونه دليلا بما ذكر من الأدلة واليها يستند ثم نذكر حكم الأشياء في الأصل لأن المجتهد إنما يفزع إليه عند عدم هذه الأدلة ثم نذكر فتيا العالم وصفة المفتي والمستفتي لأنه إنما يصير طريقا للحكم بعد العلم بما ذكرناه ثم نذكر الاجتهاد وما يتعلق به إن شاء الله تعالى","part":1,"page":53},{"id":12,"text":"الكتاب الثاني أقسام الكلام ويتضمن الابواب التالية أقسام الكلام الحقيقة والمجاز الاسماء واللغات\rالامر والنهي العموم والخصوص الاستثناء المطلق والمقيد مفهوم الخطاب المجمل والمبين","part":1,"page":55},{"id":13,"text":"4 - باب أقسام الكلام جميع ما يتلفظ به من الكلام ضربان مهمل ومستعمل فالمهل لم يوضع للافادة والمستعمل ما وضع للافادة وذلك ضربان أحدهما ما يفيد معنى فيما وضع له وهي الألقاب كزيد وعمرو وما أشبهه والثاني ما يفيد معنى فيما وضع له ولغيره وذلك ثلاثة أشياء إسم وفعل وحرف على ما يسميه أهل النحو فالأسم كل كلمة دلت على معنى في نفسها مجرد عن زمان مخصوص كالرجل والفرس والحمار وغير ذلك والفعل كل كلمة دلت على معنى في نفسها مقترن بزمان كقولك ضرب ويقوم وما أشبهه والحرف ما لا يدل على معنى في نفسه ودل على معنى في غيره كمن وإلى وعلى وأمثاله وأقل كلام مفيد ما بني من أسمين كقولك زيد قاسم وعمرو أخوك أو ما بني من إسم وفعل كقولك خرج زيد ويقوم عمرو وأما ما بين من فعلين أو من حرفين أو من حرف وإسم أو حرف وفعل فلا يفيد إلا أن يقدر فيه شئ مما ذكرناه كقولك يا زيد فإن معناه أدعو زيدا","part":1,"page":57},{"id":14,"text":"5 - باب في الحقيقة والمجاز والكلام المفيد ينقسم إلى حقيقة ومجاز وقد وردت اللغة بالجميع ونزل به القرآن ومن الناس من أنكر المجاز في اللغة وقال ابن داود ليس في القرآن مجاز وهذا خطأ لقوله تعالى جدارا يريد أن ينقض (1) ونحن نعلم ضرورة أنه لا إرادة للجدار وقال تعالى وأسأل القرية (1) ونحن نعلم ضرورة أن القرية لا تخاطب فدل على أنه مجاز فأما الحقيقة فهي الأصل وحدها كل لفظ يستعمل فيما وضع له من غير نقل وقيل ما استعمل فيما اصطلح على التخاطب به وقد يكون للحقيقة مجاز كالبحر حقيقة للماء المجتمع الكثير ومجاز في الفرس الجواد والرجل العالم فإذا ورد اللفظ حمل على الحقيقة بإطلاقه ولا يحمل على المجاز إلا بدليل وقد لا يكون له مجاز وهو أكثر اللغات فيحمل على ما وضع له","part":1,"page":58},{"id":15,"text":"وأما المجاز فحده ما نقل عما وضع له وقل التخطاب غير به وقد يكون ذلك بزيادة ونقصان وتقديم وتأخير وإستعارة فالزيادة كقوله عز وجل ليس كمثله شئ (2) والمعنى ليس مثله شئ والكاف زائدة والنقصان كقوله تعالى واسأل القرية والمراد أهل القرية فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه والتقديم والتأخير كقوله عز وجل والذي أخرج المرعي فجعله غثاء أحوى (3) والمراد أخرج المرعي أحوى فجعله غثاء فقدم وأخر والاستعارة كقوله تعالى جدارا يريد أن ينقض (4) فاستعار فيه لفظ الارادة وما من مجاز إلا وله حقيقة لأنا قد بينا أن المجاز ما نقل عما وضع له وما وضع له هو\rالحقيقة 8 - فصل ويعرف المجاز من الحقيقة بوجوه من أن يصرحوا بانه مجاز وقد بين أهل اللغة ذلك وصنف أبو عبيدة كتاب المجاز في القرآن وبين جميع ما فيه من المجاز ومنها أن يستعمل اللفظ فيما لا يسبق إلى الفهم عند سماعه كقولهم في البليد حمار والابله أحمد تيس ومنها أن يوصف الشئ ويسمى بما يستحيل وجوده كقوله واسأل القرية (5)","part":1,"page":59},{"id":16,"text":"ومنها أن لا يجري ولا يطرد كقولهم في الرجل الثقيل جبل ثم لا يقال ذلك في غيره وفي الطويل نخلة ثم لا يقال ذلك في غير الآدمي ومنها أن لا يتصرف فيما استعمل فيه كتصرفه فيما وضع له حقيقة كالأمر في معنى الفعل لا تقول فيه أمر يأمر كما تقول في الأمر بمعنى القول","part":1,"page":60},{"id":17,"text":"6 - باب بيان الوجوه التي تؤخذ منها الأسماء واللغات اعلم أن الأسماء واللغات تؤخذ من أربع جهات من اللغة والعرف والشرع والقياس فأما اللغة ما تخاطب به العرب من اللغات وهي على ضربين فمنها ما يفيد معنى واحدا فيحمل على ما وضع له اللفظ كالرجل والفرس والتمر والبر وغير ذلك ومنه ما يفيد معاني وهو على ضربين أحدهما ما يفيد معاني متفقة كاللون يتناول البياض والسواد وساء الألوان والمشرك يتناول اليهودي والنصراني فيحمل على جميع ما يتناوله أما على سبيل الجمع إن كان اللفظ يقتضي الجمع أو على كل واحد احد منه على سبيل البدل إن لم يقتض اللفظ الجمع إلا أن يدل\rالدليل على أن المراد شئ بعينه فيحمل على ما دل عليه الدليل والثاني ما يفيد معاني مختلفة كالبيضة تقع على الخودة وبيض الدجاجة والنعامة والقرء يقع على الحيض والطهر فإن دل الدليل على أن المراد به واحد منهما بعينه حمل عليه وأن دل الدليل على أن المراد به أحدهما ولم يعين لم يحمل على واحد منهما إلا بدليل إذ ليس أحدهما","part":1,"page":61},{"id":18,"text":"بأولى من الآخر وإن لم يدل الدليل على واحد منهما حمل عليهما وقال أصحاب أبي حنيفة وبعض المعتزلة لا يجوز حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين والدليل على جواز ذلك انه لا تنافي بين المعنيين واللفظ يحتملهما فوجب الحمل عليهما كما قلنا في القسم الذي قبله 9 - فصل وأما العرف فهو ما غلب الاستعمال فيه على ما وضع له في اللغة بحيث إذا أطلق سبق الفهم إلى ما غلب عليه دون ما وضع له كالدابة وضع في الأصل لكل ما دب ثم غلب عليه الاستعمال في الفرس والغائط وضع في الأصل للموضع المطمئن من الأرض ثم غلب عليه الاستعمال فيما يخرج من الانسان فيصير حقيقة فيما غلب عليه فإذا أطلق حمل على ما يثبت له من العرف 10 - فصل وأما الشرع فهو ما غلب الشرع فيه على ما وضع له اللفظ في اللغة بحيث إذا أطلق لم يفهم منه إلا ما غلب عليه الشرع كالصلاة اسم للدعاء في اللغة ثم جعل في الشرع اسما لهذه المعروفة والحج إسم للقصد ثم نقل في الشرع إلى هذه الأفعال فصار حقيقة فيما غلب عليه الشرع فإذا أطلق حمل على ما يثبت له من عرف الشرع ومن أصحابنا من قال ليس في الأسماء شئ منقول إلى الشرع بل كلها مبقاة على\rموضوعها في اللغة فالصلاة إسم للدعاء وإنما الركوع والسجود زيادات أضيفت إلى الصلاة وليست من الصلاة كما اضيفت إلى الطهارة وليست منها وكذلك الحج اسم للقصد والطواف والسعي زيادات أضيفت إلى الحج وليست من الحج فإذا أطلق اسم الصلاة حمل على الدعاء وإذا اطلق اسم الحج حمل على القصد وهو قول الأشعرية والأول أصح والدليل عليه أن هذه الأسماء إذا أطلقت في الشرع لم يعقل منها المعاني التي وضعت لها في اللغة فدل على أنها منقولة","part":1,"page":62},{"id":19,"text":"11 - فصل إذا ورد لفظ قد وضع في اللغة لمعنى وفي العرف لمعنى حمل على ما ثبت له في العرف لأن العرف طارئ على اللغة فكان الحكم له وإن كان قد وضع في اللغة لمعنى وفي الشرع لمعنى حمل على عرف الشرع لأنه طارئ على اللغة ولأن القصد بيان حكم الشرع فالحمل عليه أولى 12 - فصل وأما القياس فهو مثل تسمية اللواط زنا قياسا على وطئ النساء وتسمية النبيذ خمرا قياسا على عصير العنب وقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال يجوز إثبات اللغات والأسماء بالقياس وهو قول أبي العباس وأبي علي بن أبي هريرة ومنهم من قال لا يجوز ذلك والأول أصح لأن العرب سمت ما كان في زمانها من الأعيان بأسماء ثم انقرضوا وانقرضت تلك الأعيان وأجمع الناس على تسمية أمثالها بتلك الأسماء فدل على أنهم قاسوها على الأعيان التي سموها","part":1,"page":63},{"id":20,"text":"الكلام في الأمر والنهي\r7 - باب القول في بيان الأمر وصيغته أعلم أن الأمر قول يستدعي به الفعل ممن هو دونه ومن أصحابنا من زاد فيه على سبيل الوجوب فأما الأفعال التي ليست بقول فإنها تسمى أمرا على سبيل المجاز ومن أصحابنا من قال ليس بمجاز قال الشيخ الامام أيده الله وقد نصرت ذلك في التبصرة والأول أصح لأنه لو كان حقيقة في الفعل كما هو حقيقة في القول لتصرف في الفعل كما تصرف في القول فيقال أمر يأمر كما يقال ذلك إذا أريد به القول 13 - فصل وكذلك ما ليس فيه إستدعاء كالتهديد مثل قوله عز وجل اعملوا ما شئتم (1) والتعجيز كقوله تعالى قل فأتوا بعشر سور مثله بعد مفتريات (2) والاباحة مثل قوله عز وجل وإذا حللتم فاصطادوا (3) فذلك كله ليس بأمره وقال البلخي من المعتزلة الاباحة أمر وهذا خطأ لأن الاباحة هي الإذن وذلك لا يسمى أمرا ألا ترى أن","part":1,"page":64},{"id":21,"text":"العبد إذا استأذن مولاه في الاستراحة وترك الخدمة فأذن له في ذلك لا يقال انه أمره بذلك 14 - فصل وكذلك ماكان من النظير للنظير ومن الأدنى للأعلى فليس بأمر وإن كان صيغته صيغة أمر وذلك كقول العبد لربه اغفر لي وارحمني فإن ذلك مسألة ورغبة 15 - فصل وأما الاستدعاء على وجه الندب فليس بأمر حقيقة ومن أصحابنا من قال هو أمر حقيقة والدليل على أنه ليس بأمر قوله صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ومعلوم ان السواك عند","part":1,"page":65},{"id":22,"text":"كل صلاة مندوب إليه وقد أخبر أنه لم يأمر به فدل على أن المندوب إليه غير مأمور به 16 - فصل للأمر صيغة موضوعة في اللغة تقتضي الفعل وهو قوله افعل وقالت الأشعرية ليست للأمر صيغة والدليل على ان له صيغة أن أهل اللسان قسموا الكلام فقالوا في جملتها امر ونهي فالأمر قولك افعل والنهي قولك لا تفعل فجعلوا قوله افعل بمجرده امرا فدل على أن له صيغة","part":1,"page":66},{"id":23,"text":"8 - باب ما يقتضي الأمر من الايجاب إذا تجردت صيغة الأمر اقتضت الوجوب في قول أكثر أصحابنا ثم اختلفوا هؤلاء فمنهم من قال يقتضي الوجوب بوضع اللغة ومنهم من قال يقتضي الوجوب بالشرع ومن أصحابنا من قال يقتضي الندب وقال بعض الأشعرية لا يقتضي الوجوب ولا غيره إلا بدليل وقالت المعتزلة الأمر يقتضي إرادة الفعل فإن كان ذلك من حكيم اقتضت الندب وإن كان من غيره لم يقتض أكثر من الارادة والدليل على أنها تقتضي الوجوب قوله صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة فدل على أنه لو أمر لوجب ولو شق ولأن السيد من العرب إذا قال لعبده اسقني ماء فلم يسقع استحق الذم والتوبيخ فلو لم يقتض الوجوب لما استحق الذم عليه 17 - فصل سواء وردت هذه الصيغة ابتداء أو وردت بعد الخطر فإنها تقتضي الوجوب وقال بعض أصحابنا إذا وردت بعد الحظر اقتضت الإباحة والدليل على أنها تقتضي الوجوب أن كل لفظ اقتضى الإيجاب إذا لم يتقدمه حظ اقتضى الإيجاب وآن تقدمه حظر كقوله أوجبت وفرضت\rفصل إذا دل الدليل على أنه لم يرد بالأمر الوجوب لم يجز","part":1,"page":67},{"id":24,"text":"الاحتجاج به في الجواز ومن أصحابنا من قال يجوز والأول أظهر لأن الأمر لم يوضع للجواز وإنما وضع للإيجاب والجواز يدخل فيه على سبيل التبع فإذا سقط الوجوب سقط ما دخل فيه على سبيل التبع","part":1,"page":68},{"id":25,"text":"9 - باب في أن الأمر يقتضي الفعل مرة واحدة أو التكرار إذا وردت صيغة الأمر لإيجاب فعل وجب العزم على الفعل ويجب تكرار ذلك كلما ذكر الأمر لأنه إذا ذكر ولم يعزم على الفعل صار مصرا على العناد وهذا لا يجوز وأما الفعل المأمور به فإن كان في اللفظ ما يدل على تكراره وجب تكراره وإن كان مطلقا ففيه وجهان ومن اصحبنا من قال يجب تكراره على حسب الطاقة ومنهم من قال لا يجب أكثر من مرة واحدة إلا بليل يدل على التكرار وهو الصحيح والدليل على أن إطلاق الفعل يقتضي ما يقع عليه الإسم ألا ترى أنه لو حلف ليفعلن بر بمرة واحدة فدل على أن الإطلاق لا يقتضي أكثر من ذلك فصل فأما إذا علق الأمر بشرط بأن يقول إذا زالت الشمس فهل يقتضي التكرار إن قلنا إن مطلق الأمر يقتضي التكرار فالمعلق بالشرط مثله وإن قلنا أن مطلقه لا يقتضي التكرار ففي المعلق بالشرط وجهان ومن أصحابنا من قال يقتضي التكرار كلما تكرر الشرط ومنهم من قال لا يقتضي وهو الأصح لأن كل ما لا يقتضي التكرار إذا كان مطلقا لم يقتض التكرار إذا كان بالشرط كالطلاق لا فرق بين أن يقول أنت طالق وبين أن يقول إذا زالت الشمس فأنت طالق\rفصل فأما إذا تكرر الأمر بالفعل الواحد بأن قال صل ثم","part":1,"page":69},{"id":26,"text":"قال صل فإن قلنا أن مطلق الأمر يقتضي التكرار فتكرار الأمر يقتضي التأكيد وإن قلنا أنه يقتضي الفعل مرة واحدة ففي التكرار وجها أحدهما أنه تأكيد وهو قول الصيرفي والثاني إنه استئناف وهو الصحيح والدليل عليه أن كل واحد من الأمرين يقتضي إيجاد الفعل عند الانفراد فإذا اجتمعا أوجبا التكرار كما لو كانا فعلين","part":1,"page":70},{"id":27,"text":"10 - باب في أن الأمر هل يقتضي الفعل على الفور أم لا إذا ورد الأمر بالفعل مطلقا وجب العزم على الفعل على الفور كما مضى في الباب قبله وهل يقتضي الفعل على الفور بنيت على التكرار فإن قلنا أن الأمر يقتضي التكرار على حسب الاستطاعة وجب على الفور لأن الحالة الأولى داخلة في الاستطاعة فلا يجوز إخلاؤها من الفعل وإن قلنا أن الأمر يقتضي مرة واحدة فهل يقتضي ذلك على الفور أم لا فيه وجهان لأصحابنا أحدهما أنه لا يقتضي الفعل على الفور ومن أصحابنا من قال يقتضي ذلك على الفور وهو قول الصيرفي والقاضي أبي حامد والأول أصح لأن قوله أفعل يقتضي إيجاد الفعل من غير تخصيص بالزمان الأول دون الثاني فإذا صار ممتثلا بالفعل في الزمان الأول وجب ان يصير ممتثلا بالفعل في الزمان الثاني فصل فأما إذا ورد الأمر مقيدا بزمان نظرت فإن كان الزمان يستغرق العبادة كالصوم في شهر رمضان لزمه فعلها على الفور عند دخول","part":1,"page":71},{"id":28,"text":"الوقت وإن كان الزمان أوسع من قدر العبادة كصلاة الزوال ما بين الظهر إلى أن يصير ظل يقول كل شئ مثله وجب الفعل في أول الوقت وجوبا موسعا ثم اختلفوا هل يجب العزم في أول الوقت بدلا عن الصلاة فمنهم من لم يوجب ومنهم من أوجب العزم بدلا عن الفعل في اول الوقت وقال أبو الحسن الكرخي يتعلق الوجوب أحد شيئين إما بالفعل أو بأن يضيق الوقت وقال أكثر أصحاب أبي حينفة يتعلق الوجوب بآخر الوقت واختلف هؤلاء فيمن صلى في أول الوقت فمنهم من قال أن ذلك نفل فإن جاء آخر الوقت وليس من أهل الوجوب فلا كلام في أن ما فعله كان نفلا وإن كان من أهل الوجوب منع ذلك النفل الذي فعله من توجه الفرض عليه في آخر الوقت ومنهم من قال فعله في أول الوقت مراعي فإن جاء آخر الوقت وهو من أهل الوجوب علمنا أنه فعل واجبا وإن لم يكن من أهل الوجوب علمنا أنه فعل نفلا والدليل على ما قلناه أن المقتضي للوجوب هو الأمر وقد تناول ذلك أول الوقت بقوله أقم الصلاة لدلوك الشمس (1) فوجب أن يجب في أوله فصل فإن فات الوقت الذي علق عليه العبادة فلم يفعل فهل يجب القضاء ام لا فيه وجهان من أصحابنا من قال يجب ومنهم من قال لا يجب إلا بأمر ثان وهو الأصح لأن ما بعد الوقت لم يتناوله الأمر فلا يجب الفعل فيه كما قبل الوقت فصل إذا أمر بأمر بعبادة في وقت معين في وقت معين ففعلها في ذلك الوقت سمي أداء على سبيل الحقيقة ولا يسمى قضاء إلا مجازا كما قال","part":1,"page":72},{"id":29,"text":"الله تعالى فإذا قضيتم مناسككم (2) وكما قال فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض (1) أما إذا دخل فيها فأفسدها أو نسي شرطا من\rشروطها فأعادها والوقت باق سمي إعادة وأداء وإن فات الوقت ففعلها بعد فوات الوقت سمي قضاء","part":1,"page":73},{"id":30,"text":"11 - باب الأمر بأشياء على جهة التخيير والترتيب إذا خير الله تعالى بين أشياء مثل كفارة اليمين خير فيها بين العتق والطعام والكسوة فالواجب منها واحد غير معين فأيها فعل فقد فعل الواجب وإن فعل الجميع سقط الفرض عنه بواحد منها والباقي تطوع وقالت المعتزلة الثلاثة كلها واجبة فإن أرادوا بوجوب الجميع تساوي الجميع في الخطاب فهو وفاق وإنما يحصل الخلاف في العبارة دون المعنى وإن أرادوا بوجوب الجميع أنه مخاطب بفعل الجميع فالدليل على فساده أنه إذا ترك الجميع لم يعاقب على الجميع ولو كان الجميع واجبا لعوقب على الجميع فلما لم يعاقب إلا على واحد دل على أنه هو الواجب فصل فأما إذا أمر بأشياء على الترتيب كالمظاهر أمر بالعتق عند وجود الرقبة وبالصيام عند عدمها بالإطعام عند العجز الذي عن الجميع فالواجب من ذلك واحد معين على حسب حاله فإن كان موسرا ففرضه العتق وإن كان معسرا ففرضه الصيام وإن كان عاجزا ففرضه الاطعام فإن جمع من فرضه العتق بين الجميع سقط الفرض عنه بالعتق وما عداه تطوع وإن جمع من فرضه الصيام بين الجميع ففرضه أحد الأمرين من العتق أو الصيام والإطعام تطوع وإن جمع من فرضه الإطعام بين الجميع ففرضه واحد من الثلاثة كالكفارة المخيرة","part":1,"page":74},{"id":31,"text":"12 - باب إيجاب ما لا يتم المأمور إلا به إذا أمر بفعل ولم يتم ذلك الفعل إلا بغيره نظرت فإن كان ذلك الأمر مشروطا بذلك الغير كالاستطاعة في الحج والمال في الزكاة لم يكن الأمر بالحج والزكاة أمرا يتحصيل لأن لأن الأمر بالحج لم يتناول من لا إستطاعة له وفي الزكاة من لا مال له فلو ألزمناه تحصيل ذلك ليدخل في الأمر لأسقطنا شرط الأمر وهذا لا يجوز وإن كان الأمر مطلقا غير مشروط كان الأمر بالفعل أمرا به وبما لا يتم إلا به وذلك كالطهارة للصلاة الأمر بالصلاة أمر بالطهارة أو كغسل شئ من الراس لاستيفاء الفرض عن الوجه فلو لم يلزمه ما يتم به الفعل المأمور به أقسطنا وقد الوجوب في الأمور ولهذا قلنا فيمن نسي صلاة من صلوات اليوم والليلة ولم يعرف عينها أنه يجب عليه قضاء خمس صلوات لتدخل المنسية فيها فصل وأما إذا أمر بصفة عبادة فإن كانت الصفة واجبة كالطمأنينة في الركوع دل على وجوب الركوع لأنه لا يمكنه أن يأتي بالصفة الواجبة إلا بفعل الموصوف وإن كانت الصفة ندبا كرفع الصوت بالتبلبية علي لم يدل ذلك على وجوب التلبية ومن الناس من قال تدل على وجوب التلبية وهذا خطأ لأنه قد يندب إلى صفة ما هو واجب وما هو ندب فلم يكن في الندب دليل على وجوب الأصل","part":1,"page":75},{"id":32,"text":"فصل وإذا أمر بشئ كان ذلك نهيا عن ضده من جهة المعنى فإن كان ذلك الأمر واجبا كان النهي عن ضده على سبيل الوجوب وإن كان ندبا كان النهي عن ضده على سبيل الندب ومن أصحابنا أصحابنا من قال ليس بنهي عن ضده وهو قول المعتزلة والدليل على ما قلناه انه لا\rيتوصل إى فعل المأمور إلا بترك الضد فهو كالطهارة في الصلاة فصل فأما إذا أمر باجتناب شئ ولم يمكنه الاجتناب إلا باجتناب غيره فهذا على ضربين أحدهما أن يكون في اجتناب الجميع مشقة فيسقط حكم المحرم فيه فيسقط عنه فرض الاجتناب وهو كما إذا وقع في الماء الكثير نجاسة أو اختلطت أخته بنساء بلد فلا يمنع من الوضوء بالماء ولا من نكاح نساء ذلك البلد والثاني أن لا يكون في اجتناب الجميع مشقة فهذا على ضربين أحدهما أن يكون المحرم مختلطا بالمباح كالنجاسة في الماء القليل والجارية المشتركة بين الرجلين فيجب اجتناب الجميع والثاني أن يكون غير مختلط إلا أنه لا يعرف المباح بعينه فهذا على ضربين ضرب يجوز فيه التحري وهو كالماء الطاهر إذا اشتبه بالماء النجس فيتحرى فيه وضرب لا يجوز فيه التحري وهو الأخت إذا اختلطت بأجنبية والماء إذا اشتبه بالبول فيجب اجتناب الجميع","part":1,"page":76},{"id":33,"text":"13 - باب الأمر يدل على إجراء المأمور به واعلم أنه إذا أمر الله تعالى بفعل لم يخل المأمور إما أن يفعل المأمور به على الوجه الذي تناوله الأمر أو يزيد على ما تناوله الأمر أو ينقص فإن فعل على الوجه الذي تناوله الأمر اجزأه ذلك بمجرد الأمر وقال بعض المعتزلة الأمر لا يدل على الأجزاء بل يحتاج الآخر إلى دليل آخر وهذا خطأ لأنه قد فعل المأمور به على الوجه الذي تناوله الأمر فوجب أن يعود إلى ما كان قبل الأمر\rفصل فأما إذا زاد على المأمور بأن يأمره بالركوع فيزيد على ما يقع عليه الأسم سقط الفرض عنه بأدنى ما يقع عليه الأسم والزيادة على ذلك تطوع لا تدخل في الأمر وقال بعض الناس الجميع واجب داخل في الأمر وهذا باطل لأن ما زاد على الأسم يجوز له تركه على الاطلاق فإذا فعله لم يكن واجبا كسائر النوافل فصل فأما إذا نقص عن المأمور نظرت فإن نقص منه ما هو شرط في صحته كالصلاة بغير قراءة لم يجزه ولم يدخل في الأمر لأنه لم يأت بالمأمور على الوجه الذي أمر به وإن نقص منه ما ليس بشرط التمسية في الطهارة اجزأه في المأمور وهل يدخل ذل ك في الأمر الظاهر من قول أصحابنا أنه لا يدخل في الأمر وقال أصحاب أبي حنيفة يدخل في","part":1,"page":77},{"id":34,"text":"الأمر وهذا غير صحيح لأن المكروه منهي عنه فلا يجوز أن يدخل في لفظ الأمر كالمحرم","part":1,"page":78},{"id":35,"text":"14 - باب من يدخل في الأمر ومن لا يدخل فيه اعلم أن الساهي لا يجوز أن يدخل في الأمر والنهي لأن القصد إلى التقرب بالفعل والترك يتضمن العلم به حتى يصح القصد إليه وهذا يستحيل في حق الناسي ألا ترى أنه لو قيل له لا تتكلم في صلاتك وأنت ساه لوجب أن يقصد إلى ترك ما يعلم أنه ساه فيه وعلمه بأنه ساه يمنع كونه ساهيا فبطل خطابه على هذه الصفة فصل وكذلك لا يجوز خطاب النائم ولا المجنون ولا السكران لأنه لو جاز خطابهم مع زوال العقل لجاز خطاب البهيمة والطفل\rفي المهد وهذا لا يقوله أحد فصل وأما المكره فيصح دخوله في الخطاب والتكليف وقالت المعتزلة لا يصح دخوله تحت التكليف وهذا خطأ لأنه لو لم يصح تكليفه لما كلف ترك القتل مع الإكراه ولأنه عالم قاصد إلى ما يفعله فهو كغير المكره فصل وأما الصبي فلا يدخل في خطاب التكليف فإن الشرع قد ورد بإسقاط التكليف عنه وما إيجاب الحقوق في ماله فيجوز أن يدخل فيه كالزكوات والنفقات فإن التكليف والخطاب في ذلك على وليه دونه","part":1,"page":79},{"id":36,"text":"فصل وأما العبيد فإنهم يدخلون في الخطاب ومن أصحابنا من قال لا يدخلون في خطاب الشرع إلا بدليل وهذا خطأ لأن الخطاب صلح لهم كما يصلح للأحرار فصل وأما الكفارة فإنهم يدخلون ايضا في الخطاب ومن أصحابنا من قال لا يدخلون في الشرعيات ومن الناس من قال يدخلون في المنهيات دون المأمورات والدليل على أنهم يدخلون في الجميع قوله عز وجل ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين (1) ولو لم يكونوا مخاطبين بالصلاة لما عاقبهم عليها ولأن صلاح الخطاب لهم كصلاحه للمسلمين فكما دخل المسلمون وجب أن تدخل الكفار فصل وأما النساء فإنهن لا يدخلن في خطاب الرجال وقال أبو بكر بن داود وأصحاب أبي حنيفة يدخلن وهذا خطأ لأن للنساء لفظا مخصوصا كما أن للرجال لفظا مخصوصا فكما لم تدخل الرجال في خطاب النساء لم تدخل النساء في خطاب الرجال\rفصل وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يدخل في كل خطاب خوطب به الأمة كقوله تعالى يا أيها الناس ويا أيها الذين آمنوا وغير ذلك لأن صلاح اللفظ له كصلاحه لكل احد من الأمة فكما دخلت الأمة دخل النبي صلى الله عليه وسلم وأما إذا خوطب النبي صلى الله عليه وسلم بخطاب خاص لم يدخل معه غيره إلا بدليل كقوله تعالى يا أيها المزمل قم","part":1,"page":80},{"id":37,"text":"الليل (1) وقوله يا أيها النبي قل لأزواجك (2) ومن الناس من قال ما ثبت أنه شرع له دخل غيره معه فيه وهذا خطأ لأن الخطاب مقصور عليه فمن زعم أن غيره يدخل فيه فقد خالف حتى مقتضى الخطاب فصل فأما إذا أمر صلى الله عليه وسلم أمته بشئ لم يدخل هو فيه ومن أصحابنا من قال يدخل فيما يأمر به الأمة وهذا خطأ لأن ما خاطب به الأمة من الخطاب لا يصح له فلا يجوز أن يدخل فيه من غير دليل فصل وأما ما خاطب الله عز وجل به الخلق خطاب المواجهة كقوله تعالى يا أيها الناس ويا أيها الذين آمنوا فإنه لا يدخل فيه سائر من لم يخلق من جهة الصيغة واللفظ لأن هذا الخطاب لا يصلح إلا لمن هو موجود على الصفة التي ذكرها فامأ من لم يخلق فلا يصلح له هذا الخطاب وكذلك إذا خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بخطاب لم يدخل غيره فيه من جهة اللفظ لأن الذي خاطبه به لا يتناول غيره وإنما يدخل الغير في حكم ذلك الخطاب بدليل وهو قوله صلى الله عليه وسلم حكمي على واحد حكمي على الجماعة والقياس وهو أن يوجد المعنى الذي حكم به فيمن حكم عليه في غيره فيقاس عليه","part":1,"page":81},{"id":38,"text":"فصل إذا ورد الخطاب بلفظ العموم دخل فيه كل من صلح\rله الخطاب ولا يسقط ذلك الفعل عن بعضهم بفعل البعض إلا فيما ورد الشرع به وقررة تعالى أنه فرض كفاية كالجهاد وتكفين الميت والصلاة عليه ودفنه فإنه إذا أقام به من يقع به الكفاية سقط عن الباقين","part":1,"page":82},{"id":39,"text":"15 - باب بيان الفرض والواجب والسنة والندب والواجب والفرض والمكتوبة واحد وهو ما يعلق العقاب بتركه وقال أصحاب أبي حنيفة الواجب ما ثبت وجوبه بدليل مجتهد فيه كالوتر والأضحية عندهم والفرض ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به كالصلوات الخمس والزكوات المفروضة وما أشبهها وهذا خطأ لأن طريق الأسماء الشرع واللغة والاستعمال وليس في شئ من ذلك فرق بين ما ثبت بدليل مقطوع به أو بطريق مجتهد فيه فصل وأما السنة فما رسم ليحتذي فإن به على سبيل الاستحباب وهي والنفل والندب بمعنى واحد ومن الناس من قال السنة ما ترتب كالسنن الراتبة مع الفرائض والنفل والندب ما زاد على ذلك وهذا لا يصح لأن كل ما ورد الشرع باستحبابه فهو سنة سواء كان راتبا أو غير راتب فلا معنى لهذا الفرق فصل إذا قال الصحابي أمر رسول صلى الله عليه وسلم بكذا وجب قبوله ويصير كما لو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت بكذا وقال داود لا يقبل حتى","part":1,"page":83},{"id":40,"text":"ينقل لفظه والدليل على ما قلناه هو أن الراوي مصدق فيما يرويه وهو عارف بالأمر والنهي لأنه لغته فوجب أن يقبل كسائر ما يرويه فصل وكذلك إن قال من السنة كذا حمل على سنة النبي\rصلى الله عليه وسلم وأما إذا قال أمر فلان بكذا أو أمرنا أو نهينا ولم يسم الآمر حمل ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم وقال أصحاب أبي حنيفة لا يحمل على ذلك إلا بدليل وهو قول أبي بكر الصيرفي وهذا غير صحيح لأن الذي يحتج بأمره ونهيه وسنته هو الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا أطلق الصحابي ذلك وجب أن يحمل عليه","part":1,"page":84},{"id":41,"text":"16 - باب القول في النهي فصل النهي يقارب الأمر في أكثر ما ذكرناه إلا إني أشير إليه عمر على جهة الاختصار وأبين ما يخالف الأمر فيه إن شاء الله تعالى وبه الثقة فأما حقيقته فهو القول الذي يستدعي به ترك الفعل فمن هو دونه ومن أصحابنا من زاد فيه على سبيل الوجوب كما ذكرناه في الأمر فصل وله صيغة تدل عليه في اللغة وهو قوله لا تفعل وقالت الأشعرية ليس له صيغة وقد مضى الدليل عليه في الأمر فصل وإذا تجردت صيغته اتقضت التحريم وقالت الأشعرية لا تقتضي لتحريم ولا غيره إلا بدليل والدليل على ما قلناه أن السيد من العرب إذا قال لعبده لا ففعل كذا لفعل استحق الذم والتوبيخ فدل على أنه ينتفي التحريم فصل وإذا تجردت صيغته اقتضت الترك على الدوام وعلى الفور بخلاف الأمر وذلك أن الأمر يقتضي إيجاد الفعل فإذا فعل مرة في أي زمان فعل سمي ممتثلا وفي النهي لا يسمى منتهيا إلا إذا سارع إلى الترك على الدوام فصل وإذا نهى عن شئ فإن كان له ضد واحد فهو أمر","part":1,"page":85},{"id":42,"text":"بذلك الضد كالصوم في العيدين وإن كان له أضداد كالزنا فهو أمر بضد من اضداده لأنه لا يتوصل إلى ترك المنهي عنه إلا بما ذكرناه فصل وإذا نهى عن أحد شيئين كان ذلك نهيا عن الجمع بينهما ويجوز له فعل احدهما وقالت المعتزلة يكون ذلك نهيأ عنهما فلا يجوز فعل واحد منهما والدليل على ما قلناه هو أن النهي أمر بالترك كما أن الأمر أمر بالفعل ثم الأمر بفعل أحدهما لا يقتضي وجوبهما فكذلك الأمر بترك أحدهما لا يقتضي وجوب تركهما فصل والنهي يدل على فساد المنهي عنه في قول أكثر أصحابنا كما يدل الأمر على أجزاء المأمور به ثم اختلف هؤلاء فمنهم من قال يقتضي الفساد من جهة الوضع في اللغة ومنهم من قال يقتضي الفساد من جهة الشرع ومن أصحابنا من قال النهي لا يدل على الفساد وحكي عن الشافعي رحمه الله ما يدل عليه وهو قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة وأكثر المتكلمين واختلف القائلون بذلك في الفصل بين ما يفسد وبين ما لا يفسد فقال بعضهم إن كان في فعل المنهي إخلال بشرط في صحته إن كان عبادة أو في نفوذه إن كان عقد أوجب القضاء بفساده وقال بعضهم إن كان النهي يختص بالفعل المنهي عنه كالصلاة في المكان النجس اقتضى الفساد وإن لم يختص المنهي عنه كالصلاة في الدار المغصوبة لم يقتض الفساد والدليل على أن النهي يقتضي الفساد على الاطلاق أنه إذا أمر بعبادة مجردة عن النهي ففعل على وجه منهي عنه فإنه لم يأت بالمأمور على الوجه الذي اقتضاه الأمر فوجب أن تبقى العبادة عليه كما كانت","part":1,"page":86},{"id":43,"text":"17 - باب القول في العموم والخصوص باب ذكر حقيقة العموم وبيان مقتضاه والعموم كل لفظ عم شيئين فصاعدا وقد يكون متناولا لشيئين كقولك عممت زيدا وعمرا بالعطاء وقد يتناول جميع الجنس كقولك عممت الناس بالعطاء وأقل ما يتناول شيئين وأكثره ما استغرق الجنس فصل وألفاظه أربعة أنواع أحدها إسم الجمع إذا عرف باللأف النبي واللام كالمسلمين والمشركين والأبرار والفجار وما أشبه ذلك وأما المنكر منه كقولك مسلمون ومشركون وأبرار وفجار فلا قتضي العموم ومن أصحابنا من قال هو للعموم وهو قول أبي علي الجبائي والدليل على فساد ذلك أنه نكرة فلم يقتض الجنس كقولك رجل ومسلم فصل والثاني إسم الجنس إذا عرف بالألف واللام كقولك الرجل والمسلم ومن أصحابنا من قال هو للعهد دون الجنس والدليل على أنه للجنس قوله عز وجل والعصر إن الإنسان لفي خسر (1) والمراد به الجنس ألا ترى أنه استثنى منه الجمع فقال إلا الذين آمنوا وتقول العرب أهلك الناس الدينار والدرهم ويريدون الجنس","part":1,"page":87},{"id":44,"text":"فصل والثالث الأسماء المبهمة وذلك من فيمن بعقل وما فيما لا يعقل في الاستفهام والشرط والجزاء تقول في الاستفهام من عندك وما عندك وفي الجزاء تقول من أكرمني أكرمته ومن جاءني رفعته وأي فيما يعقل وفيما لا يعقل في الاستفهام وفي الشرط والجزاء تقول في الاستفهام أي شئ عندك وفي الشرط والجزاء أي\rرجل أكرمني أكرمته وأين وحيث في المكان ومتى في الزمان تقول اذهب اين شئت وحيث شئت واطلبني متى شئت فصل والرابع النفي في النكرات تقول ما عندي شئ ولا رجل في الدار فصل أقل الجمع ثلاثة فإذا ورد لفظ الجمع كقوله مسلمون ورجال حمل على ثلاثة ومن أصحابنا من قال هو اثنان وهو قول مالك وابن داود ونفطويه وطائفة من المتكلمين والدليل على ما قلناه أن ابن عباس رضي الله عنهما احتج على عثمان رضي الله عنه في حجب الأم بالأخوين وقال ليس الأخوان أخوة في لسان قومك فقال","part":1,"page":88},{"id":45,"text":"عثمان لا أستطيع أن أنقض أمرا كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في الأمصار فادعى ابن عباس أن الاخوين ليسا بأخوة فأقره عثمان كرم الله وجهه على ذلك وإنما اعتذر عنه بالاجماع ولأنهم فرقوا بين الواحد والاثنين والجمع فقالوا رجل ورجلان ورجال فلو كان الاثنان جمعا كالثلاثة لما خالفوا بينهما في اللفظ","part":1,"page":89},{"id":46,"text":"إذا تجردت ألفاظ العموم التي ذكرناها اقتضت العموم واستغراق الجنس والطبقة وقالت الأشعرية ليس للعموم صيغة موضوعة وهذه الألفاظ تحتمل العموم والخصوص فإذا وردت وجب التوقف فيها حتى يدل الدليل على ما يراد بها من الخصوص والعموم ومن الناس من قال لا تحمل على العموم في الأخبار وتحمل في الأمر والنهي ومن الناس من قال تحمل على أقل الجمع ويتوقف فيما زاد والدليل على ما ذكرناه أن العرب فرقت بين الواحد\rوالاثنين والثلاثة فقالوا رجل ورجلان ورجال كما فرقت بين الأعيان في الأسماء فقالوا رجل وفرس وحمار فلو كان احتمال لفظ الجمع للواحد والاثنين كاحتماله لما زاد لم يكن لهذا التفريق معنى ولأن العموم مما تدعو الحاجة إلى العبارة عنه في مخاطباتهم فلا بد ان يكونوا قد وضعوا له لفظا يدل عليه كما وضعوا لكل ما يحتاجون إليه من الأعيان فأما من قال أنه يحمل على الثلاث ويتوقف فيما زاد فالدليل عليه أن تناول اللفظ للثلاث ولما زاد عليه واحد فإذا وجب الحمل على الثلاث وجب الحمل على ما زاد فصل ولا فرق في ألفاظ العموم بين ما قصد بها المدح أو الذم أو قصد بها الحكم في الحمل على العموم ومن أصحابنا من قال أن","part":1,"page":90},{"id":47,"text":"قصد بها المدح كقوله عز وجل والذين هم لفروجهم حافظون (1) والذم كقوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة (2) لم يحمل على العموم وهذا خطأ لأن ذكر المدح والذم يؤكد في الحث عليه والزجر عنه فلا يجوز أن يكون مانعا من العموم فصل وإذا وردت ألفاظ العموم فهل يجب اعتقاد عمومها والعمل بموجبها قبل البحث عما يخصها اختلف أصحابنا فيه فقال أبو بكر الصيرفي يجب العمل بموجبها واعتقاد عمومها ما لم يعلم ما يخصها وذهب عامة أصحابنا أبو العباس وأبو سعيد الأصطخري وأبو إسحاق المروزي إلى أنه لا يجب اعتقاد عمومها حتى يبحث عن الدلائل فإذا بحث فلم يجد ما يخصها اعتقد حينئذ عمومها وهو الصحيح والدليل عليه أن المقتضى للعموم وهو الصيغة المتجردة ولا يعلم التجرد إلا بعد\rالنظر والبحث فلا يجوز اعتقاد العموم قبله","part":1,"page":91},{"id":48,"text":"19 - باب بيان ما يصح دعوى العموم فيه وما لا يصح وجملته أن العموم يصح دعواه في نطق ظاهر يستغرق الجنس بلفظه كالألفاظ التي ذكرناها في الباب الأول وأما الأفعال فلا يصح فيها دعوى العموم لأنها تقع على صفة واحدة فإن عرفت تلك الصفة اختص الحكم بها وإن لم تعرف صار مجملا مما عرف صفته مثل ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين في السفر فهذا مقصور على ما روي فيه وهو","part":1,"page":92},{"id":49,"text":"السفر لا يحمل على العموم فيما لم يرد فيه وما لم يعرف مثلما روى أنه جمع بين الصلاتين في السفر فلا يعلم أنه كان في سفر طويل أو سفر قصير إلا أنه معلوم أنه لم يكن إلا في سفر واحد فإذا لم يعلم ذلك بعينه وجب التوقف فيه حتى يعرف ولا يدعى فيه العموم فصل وكذلك القضايا في الأعيان لا يجوز دعوى العموم فيها وذلك مثل أن يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة للجار وقضى في الافطار بالكفارة وما أشبه ذلك فلا يجوز دعوى","part":1,"page":93},{"id":50,"text":"العموم فيها بل يجب التوقف فيه لأنه يجوز أن يكون قضي بالشفعة لجار لصفة يختص بها وقضى بكفارة بإفطار في جماع أو غيره مما يختص به المحكوم له وعليه فلا يجوز أن يحكم على غيره إلا أن يكون في الخبر لفظ يدل على العموم ومن الناس من قال إن كان قد روى أنه قضى بكفارة بالإفطار\rوبالشفعة للجار لم يدع فيه العموم وإن كان قد روى أنه قضي بأن الكفارة في الإفطار وبأن الشفعة للجار تعلق بعمومه لأن ذلك حكاية قول فكأنه قال الكفارة في الافطار والشفعة للجار وقال بعضهم إن روى أنه كان يقضي تعلق بعمومه لأن ذلك للدوام ألا ترى أنه يقال فلان كان يقري الضيف ويصنع المعروف وقال الله تعالى وكان يأمر أهله بالصلاة (1) وأراد التكرار والصحيح أنه لا فرق بين أن يكون بلفظ إن أو غيره لأنه قد يروى لفظه إن في القضاء بمعنى الحكم في القصة المقضي فيها ولا يقتضي الحكم في غيرها ولا فرق أيضا بين أن يقول كان وبين غيره لأنه وإن اقتضى الكرار إلا أنه يجوز أن يكون التكرار على صفة مخصوصة لا يشاركها فيه سائر الصفات فصل وكذلك المجمل من القول المفتقر إلى إضماره لا يدعى في إضماره العموم وذلك مثل قوله عز وجل الحج أشهر معلومات (1) فإنه يفتقر إلى إضمار فبعضهم يضمر وقت إحرام الحج أشهر","part":1,"page":94},{"id":51,"text":"معلومات وبعضهم يضمر وقت افعال الحج أشهر معلومات فالحمل عليهما لا يجوز بل يحمل على ما يدل الدليل على أنه يراد به لأن العموم من صفات النطق فلا يجوز دعواه في المعاني وعلى هذا من جعل قوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ولا نكاح إلا بولي","part":1,"page":95},{"id":52,"text":"ولا أحل المسجد لجنب ولا لحائض","part":1,"page":96},{"id":53,"text":"ورفع القلم عن ثلاثة وما أشبهه مجملا منع من دعوى العموم فيه\rلأنه يجعل المراد معنى غير مذكور ويجوز أن يريد شيئا دون شئ فلا يجوز د عوى العموم فيه ومن الفقهاء من يحمل في مثل هذا على العموم في كل ما","part":1,"page":97},{"id":54,"text":"يحتمله لأنه أعم فائدة ومنهم من يحمله على الحكم المختلف فيه لأن ما","part":1,"page":98},{"id":55,"text":"سواه معلوم بالاجماع وهذا كله خطأ لما بيناه من أن الحمل على الجميع لا يجوز وليس هناك لفظ يقتضي العموم ولا يجوز حمله على موضع الخلاف لأن احتماله لموضع الخلاف ولغيره واحد فلا يجوز تخصيصه لموضع الخلاف","part":1,"page":99},{"id":56,"text":"20 - باب القول في الخصوص التخصيص تمييز بعض الجملة بالحكم ولهذا القول خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وخص الغير بكذا وأما تخصيص العموم فهو بيان ما لم يرد باللفظ العام فصل ويجوز دخول التخصيص في جميع الفاظ العموم من الأمر والنهي والخبر ومن الناس من قال لا يجوز التخصيص في الخبر كما لا يجوز النسخ وهذا خطأ لأنا قد بينا أن التخصيص ما لم يرد باللفظ العام وهذا يصح في الخبر كما يصح في الأمر والنهي فصل ويجوز التخصيص إلى أني يبقى من اللفظ العام واحد وقال أبو بكر القفال من أصحابنا يجوز التخصيص في أسماء الجموع إلى أن يبقى ثلاثة ولا يجوز أكثر منه والدليل على جواز ذلك هو أنه لفظ من ألفاظ العموم فجاز تخصيصه إلى أن يبقى واحد دليله الأسماء\rالمبهمات من وما فصل وإذا خض من العموم شئ لم يصر اللفظ مجازا فيما","part":1,"page":100},{"id":57,"text":"بقي وقالت المعتزلة يصير مجازا وقال الكرخي إن خص بلفظ متصل كالاستثناء والشرط لم يصر مجازا وإن خص بلفظ منفصل صار مجازا وهو قول القاضي أبي بكر الأشعري فالدليل على المعتزلة خاصة هو أن الأصل في الاستعمال الحقيقة وقد وجدنا الاستثناء والشرط في الاستعمال كغيرهما من أنواع الكلام فدل على أن ذلك حقيقة والدليل على الجميع أن اللفظ تناول كل واحد من الجنس فإذا خرج بعضه بالدليل بقي الباقي على ما اقتضاه اللفظ وتناوله فكان حقيقة فيه","part":1,"page":101},{"id":58,"text":"21 - باب ذكر ما يجوز تخصيصه وما لا يجوز وجملته أنه يجوز تخصيص ألفاظ العموم وأما تخصيص ما عرف من نحوي الخطاب كتخصيص ما عرف قوله عز وجل فلا تقل لهما أف (1) فلا يجوز لأن التخصيص إنما يلحق القول وهذا معنى القول ولأن تخصيصه نقض للمعنى الذي تعلق المنع به ألا ترى أنه لو قال لا تقل لهما أف ولكن أضر بهما كان ذلك مناقضة فصار كتخصيص القياس فصل وأما تخصيص دليل الخطاب فيجوز لأنه كالنطق فجاز تخصيصه فإذا قال في سائمة الغنم زكاة فدل على أنه لا زكاة في المعلوفة جاز ان يخص لا زكاة في المعلوفة فيحمل على معلوفة دون معلوفة فصل وأما النص فلا يجوز تخصيصه كقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة","part":1,"page":102},{"id":59,"text":"يجزئك ولا يجزئ أحدا بعدك لأن التخصيص أن يخرج بعض ما تناوله وهذا لا يصح في النص على شئ بعينه فصل وكذلك ما وقع من الأفعال لا يجوز تخصيصه لما بينا فيما تقدم أن الفعل لا يجوز أن يقع على صفتين فيخرج أحداهما بدليل فإن دل الدليل على أنه لم يقع إلا على صفة من الصفتين لم يكن ذلك تخصيصا","part":1,"page":103},{"id":60,"text":"22 - بيان الأدلة التي يجوز التخصيص بها وما لا يجوز والأدلة التي يجوز التخصيص بها ضربان متصل ومنفصل فالمتصل هو الاستثناء والشرط والتقييد بالصفة ولها أبواب تأتي إن شاء الله تعالى وبه الثقة وأما المنفصل فضربان من جهة العقل ومن جهة الشرع فالذي من جهة العقل ضربان أحدهما لا يجوز ورود الشرع بخلافة وذلك ما يقتضيه العقل من براءة الذمة فهذا لا يجوز التخصيص به لأن ذلك إنما يستدل به لعدم الشرع فإذا ورد الشرع سقط الاستدلال به وصار الحكم للشرع الثاني ما لا يجوز ورود الشرع بخلافه وذلك مثل ما دل عليه العقل من نفي الخلق عن صفاته فيجوز التخصيص به ولهذا خصصنا قوله تعالى الله خالق كل شئ (1) في الصفات وقلنا المراد ما خلا الصفات لأن العقل قد دل على أنه لا يجوز أن يخلق صفاته فخصصنا العموم به فصل وأما الذي من جهة الشرع فوجوه نطق الكتاب والسنة ومفهومهما وأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقراره وإجماع الأمة والقياس فأما الكتاب\rفيجوز تخصيص الكتاب به كقوله تعالى والمحصنات من الذين أؤتوا الكتاب (1) خص به قوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى","part":1,"page":104},{"id":61,"text":"يؤمن (2) ويجوز تخصيص السنة به ومن الناس من قال لا يجوز والدليل على جوازه هو أن الكتاب مقطوع بصحة طريقه والسنة غير مقطوع بطريقها فإذا جاز تخصيص الكتاب به فتخصيص السنة به أولى فصل وفأما وإن السنة فيجوز تخصيص الكتاب بها وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم لا يرث القاتل خص به قوله عز وجل يوصيكم الله أولادكم (3) وقال بعض المتكلمين لا يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد","part":1,"page":105},{"id":62,"text":"وقال عيسى بن أبان إن دخله التخصيص بدليل جاز تخصيصه بخبر الواحد وإن لم يدخله التخصيص لم يجز والدليل على جواز ذلك أنهما دليلان أحدهما خاص والآخر عام وفقضي بالخاص منهما على العام كما لو كانا من الكتاب والدليل على من فرق بين أن يكون قد خص بغيره أو لم يخص هو أنه خص به إذا دخله التخصيص لأنه يتناول الحكم بلفظ غير محتمل والعموم يتناوله بلفظ محتمل وهذا المعنى موجود وإن لم يدخله التخصيص ويجوز تخصيص السنة بالسنة وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به","part":1,"page":106},{"id":63,"text":"يخص به قوله صلى الله عليه وسلم لا تنتفعوا من الميتة بشئ ومن الناس من قال لا يجوز من جهة ان السنة جعلت بيانا فلا يجوز أن يفتقر البيان إلى بيان وقال بعض أهل الظاهر يتعارض الخاص والعام وهو قول القاضي أبي بكر\rالأشري والدليل على ما قلناه يجئ إن شاء الله تعالى","part":1,"page":107},{"id":64,"text":"فصل وأما المفهوم فضربان يحوى الخطاب ودليل الخطاب فاما فحوى الخطاب فهو التنبيه ويجوز التخصيص به كقوله تعالى فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما (1) لأن هذا في قول الشافعي رحمة الله عليه يدل على الحكم بمعناه إلا أنه معنى جلي وعلى قوله يدل على الحكم بلفظه فهو كالنص وأما دليل الخطاب الذي هو مقتضى النطق فيجوز تخصيص العموم به وقال أبو العباس بن سريج لا يجوز التخصيص به وهو قوله أهل العراق لأن عندهم انه ليس بدليل والكلام معهم يجئ إن شاء الله تعالى وعندنا هو دليل كالنطق في أحد الوجهين","part":1,"page":108},{"id":65,"text":"وكالقياس كما في الوجه الآخر وأيهما كان جاز التخصيص فصل في تعارض اللفظين إذا تعارض لفظان فلا يخلو إما أن يكونا خاصين أو عامين أو احدهما خاصا والآخر عاما أو كل واحد منهما عاما من وجه خاصا من وجه فإن كانا خاصين مثل أن يقول لا تقتلوا المرتد واقتلوا المرتد وصلوا ما لها سبب عند طلوع الشمس ولا تصلوا ما لا سبب لها عند طلوع الشمس فهذا لا يجوز أن يرد إلا في وقتين ويكون أحدهما ناسخا للآخر فن عرف التاريخ نسخ الأول بالثاني وإن لم يعرف وجب التوقف وإن كانا عامين مثل ان يقول من بدل دينه فاقتلوه ومن بدل دينه فلا تقتلوه وصلوا عند طلوع الشمس ولا تصلوا عند طلوع الشمس فهذا إن أمكن استعمالها في حالين استعملا كما قال صلى الله عليه وسلم خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد","part":1,"page":109},{"id":66,"text":"وقال شر الشهود من شهد قبل أن يستشهد فقال أصحابنا الأول محمول عليه إذا شهد وصاحب الحق لا يعلم أنه له شاهدا فإن الأولى أن يشهد وإن لم يستشهد ليصل المشهود له إلى حقه والثاني محمول عليه إذا علم من له الحق أن له شاهدا فلا يجوز للشاهد ان يبدأ بالشهادة قبل أن يستشهد وإن لم يمكن استعمالها وجب التوقف كالقسم الذي قبله وإن كان أحدهما عاما والآخر خاصا","part":1,"page":110},{"id":67,"text":"وقوله تعالى حرمت عليكم الميتة (1) مع قوله صلى الله عليه وسلم إيما إهاب دبغ فقد طهر","part":1,"page":111},{"id":68,"text":"مثل قوله فيما سقت السماء العشر","part":1,"page":112},{"id":69,"text":"مع قوله ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة فالواجب في مثل هذا وأمثاله أن يقضي بالخاص على العام ومن أصحابنا من قال كان الخاص متأخرا والعام متقدما نسخ الخاص من العموم بقدره بناء على أن يتعارض الخاص والعام وهو قول أبي بكر الأشعري وقال أصحاب أبي حنيفة إن كان الخاص مختلفا فيه والعام مجمعا عليه لم يقض به على العام وإن كان متفقا عليه قضي به والدليل على ما ذكرناه أن الخاص هو أقوى من العام لأن الخاص يتناول الحكم بلفظ لا احتمال فيه والعام يتناوله بلفظ محتمل فوجب أن يقضي بالخاص عليه وأما إذا كان\rواحد منهما عاما من وجه خاصا من وجه يمكن أن يخص بكل واحد منهما عموم الآخر مثل ما روي","part":1,"page":113},{"id":70,"text":"أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس مع قوله صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فيصلها إذا ذكرها فإنه يحمل","part":1,"page":114},{"id":71,"text":"أن يكون المراد بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس بدليل ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس فالواجب في مل هذا أن لا يقدم أحدهما على الآخر إلا بدليل شرعي من غيرهما يدل على المخصوص منهما أو ترجيح يثبت لأحدهما على الآخر كما روي عن عثمان وعلي رضي الله عنهما في الجمع بين الأختين بملك اليمين أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحريم أولى وهل يجوز أن","part":1,"page":115},{"id":72,"text":"يخلوا مثل هذا من الترجيح من الناس من قال لا يجوز ومنهم من قال يجوز وإذا خلى تعارضا وسقطا ورجع المجتهد إلى براءة الذمة","part":1,"page":116},{"id":73,"text":"فصل وأما افعال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجوز التخصيص بها وذلك مثل ان يحرم أشياء بلفظ عام ثم يفعل بعضها فيخص بذلك العام ومن الناس من قال لا يجوز التخصص بها وهو قول بعض أصحابنا لأنه يجوز أن يكون مخصوصا به لأنه وإن جاز أن يكون مخصوصا إلا أن الأصل مشاركة الأمة في الأحكام ولهذا قال الله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة 01)\rفصل وأما الاقرار فيجوز التخصيص به كما رأى قيسا يصلي ركعتي الفجر بعد الصبح فأقره عليه","part":1,"page":117},{"id":74,"text":"فيخص به نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد الصبح لأنه لا يجوز أن يرى منكرا فيقر عليه فلما أقره دل على جوازه","part":1,"page":118},{"id":75,"text":"فصل وأما الاجماع فيجوز التخصيص به لأنه أقوى من الظواهر فإذا جاز التخصيص بالظواهر فبالاجماع اولى فصل وأما قول الواحد من الصحابة إذا انتشر ولم يعرف له مخالف فهو حجة يجوز التخصيص به وإن لم ينشر فإن كان له مخالف لم يجز التخصيص به وإن لم يكن له مخالف فهل يجوز التخصيص به يبني على القولين في أنه حجة أم لا فإذا قلنا ليس بحجة لم يجز التخصيص به وإذا قلنا أنه حجة فهل يجوز التخصيص به فيه وجهان احدهما يجوز والثاني لا يجوز فصل وأما القياس فيجوز التخصيص به ومن أصحابنا من قال لا يجوز التخصيص به وهو قول أبي علي الجبائي واختيار القاضي أبي بكر الأشعري وقال عيسى بن أبان إذا ثبت تخصيصه بدليل يوجب العلم جاز التخصيص به وإن لم يثبت تخصيصه بدليل يوجب العلم لم يجز وقال بعض اهل العراق إن دخله التخصيص بدليل غير القياس جاز التخصيص به وإن لم يدخله التخصيص بغيره لم يجز والدليل على جواز ذلك أن القياس يتناول الحكم فيما يخصه بلفظ غير محتمل فخص به العموم كاللفظ الخاص\rفصل وأما قول الراوي فلا يجوز تخصيص العموم به وقال","part":1,"page":119},{"id":76,"text":"أصحاب أبي حنيفة رحمه الله يجوز والدليل على أنه لا يجوز هو ان تخصيصه يجوز أن يكون بدليل ويجوز أن يكون بشبهة فلا يترك الظاهر بالشك وكذلك لا يجوز ترك شئ من الظواهر بقوله مثل أن يحتمل الخبر أمرين وهو في احدهما اظهر فيصرفه الراوي إلى الآخر فلا يقبل ذلك منه لما بيناه في تخصيص العموم وأما إذا احتمل اللفظ أمرين احتمالا واحدا فصرفه إلى أحدهما مثل ما روي عن عمر كرم الله وجهه أنه حمل قوله صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء على القبض في المجلس فقد قيل أنه يقبل ذلك لأنه أعرف بمعنى الخطاب وقال الشيخ الإمام رحمه الله وفيه نظر عندي فصل وأما العرف أو العادة فلا يجوز تخصيص العموم به لأن","part":1,"page":120},{"id":77,"text":"الشرع لم يوضع على العادة وإنما وضع في قول بعض الناس على حسب المصلحة وفي قول الباقين على ما أراد الله تعالى وذلك لا يقف على العادة فصل وأما تخصيص اول الآية بآخرها وآخرها بأولها فلا يجوز ذلك مثل قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء (1) وهذا عام في الرجعية وغيرها ثم قال في آخر الآية وبعولتهن أحق بردهن (2) وهذا خاص في الرجعيات فيحمل اول الآية على العموم وآخرها على الخصوص ولا يخص أولها بآخرها لجواز أن يكون قصد بآخر الآية بيان بعض ما اشتمل عليه أول الآية فلا يجوز ترك العموم بأولها","part":1,"page":121},{"id":78,"text":"باب القول في اللفظ الوارد على سبب وجملته أن اللفظ الوارد على سبب لم يجز أن يخرج السبب منه لأنه يؤدي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة وذلك لا يجوز وهل يدخل فيه غيره نظرت فإن كان اللفظ لا يستقل بنفسه كان ذلك مقصورا على ما ورد فيه من السبب ويصير الحكم مع السبب الجملة الواحدة فإن كان لفظ السائل عاما مثل أن قال أفطرت قال اعتق حمل الجواب على العموم في كل مفطر كأنه قال من أفطر فعليه العتق من جهة المعنى لا من جهة اللفظ وذلك أنه لما لم يستفصل دل على أنه لا يختلف أو لما نقل السبب وهو الفطر فحكم فيه بالعتق صار كأنه علل بذلك لأن ذكر السبب في الحكم تعليل وإن كان خاصا مثل إن قال جامعت فقال اعتق حمل الجواب على الخصوص في المجامع لا يتعدى إلى غيره من المفطرين فكأنه قال من جامع في رمضان فعليه العتق وأما إذا كان اللفظ يستقل بنفسه اعتبر حكم اللفظ فإن كان خاصا حمل على خصوصه وإن كان عاما حمل على عمومه ولا يخص بالسبب الذي ورد فيه وذلك مثل ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن بئر بضاعة فقيل إنك تتوضأ من بئر بضاعة وأنه يطرح فيها المحائض ولحوم الكلاب وما ينحى الناس فقال صلى الله عليه وسلم الماء طهور لا","part":1,"page":122},{"id":79,"text":"ينجسه شئ فهذا يحمل على عمومه ولا يخص بما ورد فيه من السبب وقال المزني وأبو ثور وأبو بكر الدقاق من أصحابنا يقصر على ما ورد فيه من السبب والدليل على ما قلناه هو أن الحجة في قول الرسول صلى الله عليه وسلم دون السبب فوجب أن يعتبر عمومه","part":1,"page":123},{"id":80,"text":"باب القول في الاستثناء والاستثناء يجوز تخصيص اللفظ به وهو مأخوذ من قولهم ثنيت فلانا عن رأيه إذا صرفته عنه وقيل أنه مأخوذ من تثنية الخبر بعد الخبر ومن شرطه أن يكون متصلا بالمستثنى منه وحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما جواز تأخيره وحكي عن قوم جواز تأخيره إذا أورد معه كلام يدل على أن ذلك استثناء مما تقدم وهو أن يقول جاءني الناس ثم يقول بعد زمان إلا زيدا وهو استثناء مما كنت قلت فأما المحكي عن ابن عباس رضي الله","part":1,"page":125},{"id":81,"text":"عنهما فالظاهر أنه لا يصح عنه وهو بعيد لأنهم لا يستعملون الاستثناء إلا متصلا بالكلام ألا ترى أنه إذا قال جاءني الناس ثم قال بعد شهر إلا زيدا لم يعد ذلك كلاما فدل على بطلانه وما حكي عن غيره خطأ لأنه لو جاز ذلك على الوجه الذي قاله لجاز أن يؤخر خبر المبتدأ يخبر به مع كلام يدل عليه بأن يقول زيد ثم يقول بعد حين قائم ويقرنه بما يدل على انه خبر عنه وهذا مما لا يقوله أحد ولا يعد كلاما في اللغة فبطل فصل ويجوز أن يتقدم الاستثناء على المستثنى منه كما يجوز أن يتأخر كقول الكميت","part":1,"page":126},{"id":82,"text":"فمالي إلا آل أحمد شيعة ومالي إلا مشعب الحق مشعب فصل ويجوز الاستثناء من جنسه كقولك رأيت الناس إلا زيدا وكذلك استثناء بعض ما دخل تحت الاسم كقولك رأيت زيدا إلا وجهه وأما الاستثناء من غير الجنس فهو مستعمل وقد ورد به القرآن والأشعار قال الله عز وجل فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس (1) فاستثنى\rإبليس من الملائكة وليس من الملائكة وقال الشاعر وقفت فيها أصيلا لا أسائلها * اعيت جوابا وما بالربع من أحد ألا أواري لأيا ما أبينها * والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد فاستثنى الأوارة هو من الناس وهل هو حقيقة أم لا فيه وجهان من أصحابنا من قال هو حقيقة ومنهم من قال هو مجاز وهذا الأظهر لأن الاستثناء مشتق من قولهم ثنيت عنان الدابة إذا صرفتها أو من تثنية الخبر بعد الخبر وهذا لا يوجد إلا فيما دخل في الكلام ثم يخرج منه","part":1,"page":127},{"id":83,"text":"فصل ويجوز أن يستثنى الأكثر من الجملة وقال أحمد لا يجوز وهو قول القاضي أبي بكر الأشعري وابن درستويه والدليل على جوازه أن القرآن ورد به قال الله تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (2) ثم قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين فاستثنى الغاوين من العباد واستثنى العباد من الغاوين وأيهما كان أكثر فقد اسثناه وسلم من الآخر ولأن الاستثناء معنى يوجب تخصيص اللفظ العام فجاز في القليل والكثير كالتخصيص بالدليل المنفصل فصل إذا تعقب الاستثناء جملا عطف بعضها على بعض وجمع ذلك إلى الجميع وذلك مثل قوله عز وجل والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ألا الذين تابوا (4) وقال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله يرجع إلى ما يليه وقال القاضي أبو بكر يتوقف فيه\rولا يرد إلى شئ منهما إلا بدليل والدليل على ما قلناه هو أن الاستثناء كالشرط في التخصيص ثم الشرط يرجع إلى الجميع وهو إذا قال امرأتي","part":1,"page":128},{"id":84,"text":"طالق وعبدي حر ومالي صدقة إن شاء الله تعالى فكذلك الاستثناء فصل وإن دل الدليل على أنه لا يجوز رجوعه إلى جملة من الجمل المذكورة في آية القذف فإن الدليل على انه لا يجوز أن يرجع الاستثناء فيها إلى الحد رجع إلى ما بقي من الجمل وكذلك ان تعقب الاستثناء جملة واحدة ودل الدليل على أنه لا يجوز رجوعه إلى بعضها كقوله عز وجل وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة إلى قوله تعالى إلا أن يعفون (1) فإنه قد دل الدليل على أن الاستثناء لا يجوز رجوعه إلى الصغار والمجانين رجع إلى ما بقي من الجملة لأن ترك الظاهر فيما قام عليه الدليل لا يوجب تركه فيما لم يقم عليه الدليل","part":1,"page":129},{"id":85,"text":"25 - باب التخصيص في الشرط واعلم أن الشرط ما لا يصح المشروط إلا به وقد ثبت ذلك بدليل منفصل كاشتراط القدرة في العبادات واشتراط الطهارة في الصلاة وقد دخل ذلك فيما ذكرناه من تخصيص العموم وقد يكون متصلا بالكلام وذلك قد يكون بلفظ الشرط كقوله تعالى فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين إلى قوله فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا (2) وقد يكون بلفظ الغاية كقوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد (3) ويجوز تخصيص الحكم بالجميع فيكون الصيام لمن لم يجد الرقبة والقتل فيمن لم يؤد الجزية فصل يجوز أن يتقدم الشرط في اللفظ ويجوز أن يتأخر كما يجوز أن يتأخر كما\rيجوز في الاستثناء ولهذا لم يفرق بين قوله أنت طالق إن دخلت الدار وبين قوله إن دخلت الدار فأنت طالق فصل وإذا عقب الشرط جملا إلى جميعها كما قلنا في الاستثناء ولهذا إذا قال أمرأتي طالق وعبدي حر إن شاء الله الله لم تطلق المرأة ولم يعتق العبد فصل فأما إذا دخل الشرط في بعض الجمل المذكورة دون","part":1,"page":130},{"id":86,"text":"بعض لم يرجع الشرط إلا إلى المذكورة وذلك مثل قوله تعالى اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم إلى قوله تعالى وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن (1) فشرط الحمل في الانفاق دون السكن فيرجع الشرط إلى الانفاق ولا يرجع إلى السكن وهكذا لو ثبت الشرط بدليل منفصل في بعض الجمل لم يجب إثابته فيما عداه كقوله عز وجل والملطقات عنه يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء إلى قوله وبعولتهن أحق بردهن (2) فإن الدليل قد دل على أن الرد في الرجعيات فيرجع ذلك إلى الرجعيات ولا يوجب إن ذلك تخصيص أول الآية وهكذا إذا ذكر جملا وعطف بعضها على بعض لم يقتض الوجوب في الجميع أو يقتضي العموم في الجميع ثم دل الدليل على أن في بعضها لم يرد الوجوب أو في بعضها ليس على العموم لم يجب حمله في الباقي على غير الوجوب ولا على غير العموم وذلك مثل قوله تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده (3) فأمر بالأكل وإيتاء الحق والأكل لا يجب والايتاء واجب والأكل عام في القليل والكثير والايتاء خاص في خمسة أوسق فما قام الدليل عليه خرج من اللفظ وبقي الباقي على ظاهره\rفصل وهكذا كل شيئين قرن بينهما في اللفظ ثم ثبت لأحدهما حكم بالاجماع لم يجب أن يثبت ذلك الحكم للآخر من غير لفظ يوجب التسوية بينهما أو علة توجب الجمع بينهما ومن أصحابنا من قال إذا ثبت لأحدهما نفع حكم ثبت لقرينه مثله وهذا غير صحيح لأن الحكم الذي ثبت لأحدهما ثبت بدليل يخصه من لفظ أو إجماع وذلك غير موجود في الاخر فلا تجب التسوية بينهما إلا بعلة تتجمع بينهما","part":1,"page":131},{"id":87,"text":"26 - باب القول في المطلق والمقيد واعلم أن تقييد العام بالصفة يوجب التخصيص كما يوجب الشرط والاستثناء وذلك قوله تعالى فتحرير رقبة مؤمنة (1) فإنه لو أطلق الرقبة نعم المؤمنة والكافرة فلما قيده بالمؤمنة وجب التخصيص فصل فإن ورد الخطاب مطلقا لا مقيد له حمل على إطلاقه وإن ورد مقيدا لا مطلق له حمل على تقييده وإن ورد مطلقا في موضع ومقيدا في موضع آخر نظرت فإن كان ذلك في حكمين مختلفين مثل أن يقيد الصيام بالتتابع ويطلق الإطعام لم يحمل أحدهما على الآخر بل يعتبر كل واحد منهما بنفسه لأنهما لا يشتركان في لفظ ولا معنى وإن كان ذلك في حكم واحد وسبب واحد مثل أن يذكر الرقبة في كفارة القتل مقيدة بالإيمان ثم يعيدها في القتل مطلقة كان الحكم للمقيد لأن ذلك حكم واحد التسوفى إلا بيانه في أحد الموضعين ولم يستوف في الموضع الآخر وإن كان في حكم واحد وشيئين مختلفين نظرت في المقيد فإن عارضه مقيد آخر لم يحمل المطلق على واحد من القيدين وذلك مثل الصوم في الظهار قيده بالتتابع وفي التمتع قيده بالتفريق وأطلق في كفارة اليمين فلا\rيحمل المطلق في اليمين على الظهار ولا على التمتع بل يعتبر بنفسه إذ","part":1,"page":132},{"id":88,"text":"ليس حمله على أحدهما بأولى من الحمل على الآخر وإن لم يعارض المقيد مقيد آخر كالرقبة في كفارة القتل والرقبة في الظهار قيدت بالايمان في القتل وأطلقت في الظهار حمل المطلق على المقيد فمن أصحابنا من قال يحمل من جهة اللغة لأن القرآن من فاتحته إلى خاتمته كالكلمة الواحدة ومنهم من قال يحمل من جهة القياس وهو الأصح وقال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله لا يجوز حمل المطلق على المقيد لأن ذلك زيادة في النص وذلك نسخ بالقياس وربما قالوا لأنه حمل منصوص والدليل على أنه لا يحمل من جهة اللغة أن اللفظ الذي ورد فيه التقييد وهو القتل لا يتناول المطلق وهو الظهار فلا يجوز أن يحكم فيه بحكمه من غير علة كلفظ البر لما لم يتناول الأرز لم يجزآن فيه يحكم فيه بحكمه من غير علة فكذلك ههنا والدليل على أنه يحمل عليه بالقياس هو أن حمل المطلق على المقيد تخصيص عموم بالقياس فصار كتخصيص سائر العمومات","part":1,"page":133},{"id":89,"text":"27 - باب القول في مفهوم الخطاب اعلم أن مفهوم الخطاب على اوجه أحدها فحوى الخطاب وهو ما دل عليه اللفظ من جهة التنبيه كقوله عز وجل فلا تقل لهما أف وقوله تعالى ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك (1) وما أشبه ذلك مما ينص فيه على الأدنى لينبه به على الأعلى وعلى الأعلى لينبه به على الأدنى وهل يعلم ما دل عليه التنبيه من جهة اللغة أو من جهة القياس فيه\rوجهان أحدهما أنه من جهة اللغة وهو قول أكثر المتكلمين وأهل الظاهر ومنهم من قال هو من جهة القياس الجلي ويحكى ذلك عن الشافعي وهو الأصح لأن لفظ التأفيف لا يتناول الضرب وإنما يدل عليه بمعناه وهو الأدنى فدل على أنه قياس فصل والثاني لحن الخطاب وهو ما دل عليه اللفظ من الضمير الذي لا يتم الكلام إلا به وذلك مثل قوله عز وجل فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت (1) ومعناه فضرب فانفجرت ومن ذلك أيضا حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كقوله عز وجل واسأل","part":1,"page":134},{"id":90,"text":"القرية (2) ومعناه أهل القرية ولا خلاف إن هذا كالمنطوق به في افادة والبيان ولا يجوز أن يضمر فيمثل هذا إلا ما تدعو الحاجة إليه فإن استقل الكلام بإضمار واحد لم يجز أن يضاف إليه غيره إلا بدليل فإن تعارض فيه إضمار إن أضمر ما دل عليه الدليل منهما وقد حكينا في مثل هذا الخلاف عمن يقول أنه يضمر فيه ما هو أعم فائدة أو موضع الخلاف وبينا فساد ذلك فصل والثالث دليل الخطاب وهو أن يعلق الحكم على احدى صفتي الشئ فيدل على ان ما عداها بخلافه كقوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا (3) فيدل على أنه إن جاء عدل صلى لم يتبين وكقوله صلى الله عليه وسلم في سائمة الغنم زكاة فيدل على أن المعلوفة لا زكاة فيها وقال عامة أصحاب","part":1,"page":135},{"id":91,"text":"أبي حنيفة رحمه الله وأكثر المتكلمين لا يدل على أن ما عداه بخلافه بل حكم ما عداه موقوف على الدليل","part":1,"page":136},{"id":92,"text":"وقال أبو العباس بن سريج إن كان بلفظ الشرط كقوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا دل على أن ما عداه بخلافه وإن لم يكن بلفظ الشرط لم يدل وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة رحمه الله والدليل على ما قلناه أن الصحابة اختلفت في إيجاب الغسل من الجماع من غير إنزال فقال بعضهم لا يجب واحتجوا بدليل الخطاب في قول النبي صلى الله عليه وسلم الماء من الماء وانه لما أوجب من الماء دل على أنه لا يجب من غير ماء ومن أوجب ذكر أن الماء من الماء منسوخ فدل على ذكرناه ولأن تقييد الحكم بالصفة يوجب تخصيص الخطاب فاقتضى باطلاقه النفي والاثبات كالاستثناء","part":1,"page":138},{"id":93,"text":"فصل وإما إذا علق الحكم بغاية فإنه يدل على أن ما عداها بخلافها وبه قال أكثر من أنكر القول بدليل الخطاب ومنهم من قال لا يدل والدليل على ما قلناه هو أن لو جاز ان يكون حكم ما بعد الغاية موافقا لما قبلها خرج عن أن يكون غاية وهذا لا يجوز فصل وأما إذا علق الحكم على صفة بلفظ إنما كقوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات","part":1,"page":139},{"id":94,"text":"وقوله صلى الله عليه وسلم إنما الولاء لمن اعتق دل أيضا على أن ما عداها بخلافها وبه قال كثير ممن لم يقل بدليل الخطاب وقال بعضهم لا يدل على أن ما عداها بخلافها وهذا خطأ لأن هذه اللفظة لا تستعمل إلا لاثبات المنطوق به ونفي ما عداه ألا ترى أنه لا فرق بين أن يقول إنما في الدار زيد وبين أن\rيقول ليس في الدار إلا زيد وبين أن يقول إنما الله واحد وبين أن يقول لا إله إلا واحد فدل على أنه يتضمن النفي والإثبات فصل فأما إذا علق الحكم على صفة في جنس كقوله صلى الله عليه وسلم في سائمة الغنم زكاة دل ذلك على نفي الزكاة عن معلوفة الغنم دون ما عداها ومن أصحابنا من قال يدل على نفيها عما عداها في جميع","part":1,"page":140},{"id":95,"text":"الأجناس وهذا خطأ لأن الدليل يقتضي النطق فإذا اقتضى النطق الايجاب في سائمة الغنم وجب أن يقتضي الدليل نفيها عن معلوفة الغنم فصل فأما إذا علق الحكم على مجرد الاسم مثل أن يقول في الغنم زكاة فإن ذلك لا يدل على نفي الزكاة عما عدا الغنم ومن أصحابنا من قال يدل كالصفة والمذهب الأول لأنه قد يخص اسم بالذكر وهو وغيره سواء ألا ترى أنهم يقولون اشتر غنما وإبلا وبقرا فينص على كل واحد منها مع إرادة جميعها ولا يضم الصفة إلى الاسم وهي وغيرها سواء ألا ترى أنهم لا يقولون اشتر غنما سائمة وهي المعلوفة عندهم سواء فافترقا فصل إذا ادى القول بالدليل إلى اسقاط الخطاب سقط الدليل وذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم لا تبع ما ليس عندك فإن دليله يقتضي جواز بيع ما هو عنده وإن كان غائبا عن العين وإذا اجزنا ذلك لزمنا ألا نجيز","part":1,"page":141},{"id":96,"text":"بيع ما ليس عنده لأن أحدا لم يفرق بينهما وإذا اجزنا ذلك سقط الخطاب وهو قوله صلى الله عليه وسلم لا تبع مال ليس عندك فيسقط الدليل ويبقى الخطاب لأن الدليل فرع الخطاب ولا يجوز أن يعترض الفرع على الأصل بالاسقاط","part":1,"page":142},{"id":97,"text":"الكلام في المجمل والمبين 28 - باب ذكر وجوه المبين فأما المبين فهو ما استقل بنفسه في الكشف عن المراد ولا يفتقر في معرفة المراد إلى غيره وذلك على ضربين ضرب يفيد بنطقه وضرب يفيد بمهفومه وقال فالذي يفيد بنطقه هو النص والظاهر والعموم فالنص كل لفظ دل على الحكم بصريحه على وجه لا احتمال فيه وذلك مثل قوله عز وجل محمد رسول الله (1) وكقوله تعالى ولا تقربوا الزنا (2) ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق (3) وكقوله صلى الله عليه وسلم في كل خمس شاة في أربع وعشرين من الأبل فما دونها الغنم وغير ذلك من الألفاظ الصريحة في بيان الأحكام","part":1,"page":143},{"id":98,"text":"فصل وأما الظاهر فهو كل لفظ احتمل أمرين وفي أحدهما أظهر كالأمر والنهي وغير ذلك من أنواع الخطاب الموضوعة للمعاني المخصوصة المحتملة لغيرها فصل والعموم كل لفظ عم شيئين فصاعدا كقوله تعالى فاقتلوا المشركين (4) وقوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما (5) وغير ذلك فهذه كلها من المبين الذي لا يفتقر في معرفة المراد إلى غيره وإنما يفتقر إلى غيره في معرفة ما ليس بمراد به فيصح الاحتجاج بهذه الأنواع وقال أبو ثور وعيسى بن أبان العموم إذا دخله التخصيص صار مجملا لا يحتج بظاهره وقال أبو الحسن الكرخي إن خص بدليل متصل لم يصر مجملا وإن خص بدليل منفصل صار مجملا وقال أبو عبدا لله","part":1,"page":144},{"id":99,"text":"البصري إن كان حكمه يفتقر إلى شروط كآية السرقة فهي مجملة لا يحتج بها إلا بدليل وإن لم يفتقر إلى شروط لم يصر مجملا والدليل على ما قلناه هو أن المجمل ما لا يعقل معناه من لفظه ويفتقر في معرفة المراد إلى غيره وهذه الآيات يعقل معناها من لفظها ولا يفتقر في معرفة المراد بها إلى غيرها فهي كغيرها من الآيات فصل وأما ما يفيد بمفهومه فهو فحوى الخطاب ولحن الخطاب ودليل الخطاب وقد بينتها قبل هذا الباب فاغنى عن الاعادة","part":1,"page":145},{"id":100,"text":"باب ذكر وجوه المجمل وأما المجمل فهو ما لا يعقل معناه من لفظه ويفتقر في معرفة المراد إلى غيره وذلك على وجوه منها أن يكون اللفظ لم يوضع للدلالة على شئ بعينه كقوله تعالى وآتوا حقه يوم حصاده (1) وكقوله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها فإن الحق مجهول الجنس والقدر فيفتقر إلى البيان","part":1,"page":146},{"id":101,"text":"فصل ومنها أن يكون اللفظ في الوضع مشتركا بين شيئين كالقرء يقع على الحيض ويقع على الطهر فيفتقر إلى البيان فصل ومنها أن يكون اللفظ موضوعا لجملة معلومة إلا أنه دخلها استثناء مجهول كقوله عز وجل أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد (1) فإنه قد صار مجملا بما دخله من الاستثناء ومن هذا المعنى العموم إذا علم أنه مخصوص ولم يعلم ما خص منه فهذا أيضا مجمل لأنه لا يمكن العمل به قبل معرفة ما خص منه\rفصل ومن ذلك أيضا أن يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلا يحتمل وجهين إحتمالا واحدا مثل ما روي أنه جمع في السفر فإنه مجمل لأنه يجوز أن يكون في سفر طويل أو في سفر قصير فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا بدليل وكذلك إذا قضى في عين تحتمل حالين إحتمالا واحدا مثل أن يروى أن الرجل أفطر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة فهو مجمل فإنه يجوز أن يكون أفطر بجماع ويجوز ان يكون أفطر بأكل فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا بدليل فهذه الوجوه لا يختلف المذهب في إجمالها وافتقارها إلى البيان فصل واختلف المذهب في ألفاظ فمنها قوله تعالى وأحل الله البيع وحرم الربا (2) وفيه قولان قال في أحدهما هو مجمل لأن الله تعالى أحل البيع وحرم الربا والربا هو الزيادة وما من بيع إلا وفيه زيادة وقد أحل الله البيع وحرم الربا فافتقر إلى بيان ما يحل مما يحرم وقال في","part":1,"page":147},{"id":102,"text":"القول الثاني ليس بمجمل وهو الأصح لأن البيع معقول في اللغة فحمل على العموم إلا فيما خصه لدليل فصل ومنها الآيات التي ذكر فيها الأسماء الشرعية وهو قوله عز وجل وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة (1) وقوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه (2) وقوله تعالى ولله على الناس حج البيت (3) فمن أصحابنا من قال هن عامة غير مجملة فتحمل الصلاة على كل دعاء والصوم على كل إمساك والحج على كل قصد إلا ما قام الدليل عليه وهذه طريقة من قال ليس في الأسماء شئ منقول ومنهم من قال هي مجملة لأن المراد بها معان لا يدل اللفظ عليها في اللغة وإنما تعرف من جهة الشرع فافتقر إلى البيان كقوله\rعز وجل وآتوا حقه يوم حصاده (4) وهذه طريقة من قال إن هذه الأسماء منقولة وهو الأصح فصل ومنها الألفاظ التي علق التحليل والتحريم فيها على أعيان كقوله تعالى حرمت عليكم الميتة (5) فقال بعض اصحابنا أنها مجملة لأن العين لا توصف بالتحليل والتحريم وإنما الذي يوصف بذلك أفعالنا وأفعالنا غير مذكورة فافتقر إلى بيان ما يحرم من الأفعال مما لا يحرم ومنهم من قال إنها ليست بمجملة وهو الأصح لأن التحليل والتحريم في مثل هذا إذا أطلق عقل منها التصرفات المقصودة في اللغة ألا ترى أنه إذا قال لغيره حرمت عليك هذا الطعام عقل منه تحريم الأكل وما عقل المراد من لفظه لم يكن مجملا","part":1,"page":148},{"id":103,"text":"فصل وكذلك اختلفوا في الألفاظ التي تتضمن نفيا وإثباتا كقوله صلى الله عليه وآله وسلم إنما الأعمال بالنيات وقوله صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي وما أشبهه فمنهم من قال إن ذلك مجمل لأن الذي نفاه هو العمل والنكاح وذلك موجود فيجب أن يكون المراد به نفي صفة غير مذكورة فافتقر إلى بيان تلك الصفة ومنهم من قال ليس بمجمل وهو الأصح لأن صاحب الشرع لا ينفي ولا يثبت المشاهدات وإنما ينفي ويثبت الشرعيات فكأنه قال لا عمل في الشرع إلا بنية ولا نكاح في الشرع إلا بولي وذلك معقول من اللفظ فلا يجوز أن يكون مجملا فصل وكذلك اختلفوا في قوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان فمنهم من قال هو مجمل لأن الذي رفعه هو الخطأ وذلك موجود فيجب أن يكون المراد بها معنى غير مذكور فافتقر إلى البيان ومنهم","part":1,"page":149},{"id":104,"text":"من قال غير مجمل هو الأصح لأنه معقول المعنى في اللغة ألا ترى أنه إذا قال لعبده رفعت عنك جنايتك عقل منه رفع المؤاخذة بكل ما يتعلق بالجناية من التبعات فدل على أنه مجمل","part":1,"page":150},{"id":105,"text":"فصل وأما المتشابه فاختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال هو والمجمل واحد ومنهم من قال المتشابه ما استأثر الله تعالي بعلمه وما لم يطلع عليه أحدا من خلقه ومن الناس من قال المتشابه هو القصص والأمثال والحكم والحلال والحرام ومنهم من قال المتشابه الحروف المجموعة في أوائل السور (المص) أنه و (المر) وهو وغير ذلك والصحيح هو الأول لأن حقيقة المتشابه ما اشتبه معناه وأما ما ذكروه فلا يوصف بذلك","part":1,"page":151},{"id":106,"text":"الكتاب الثالث الكلام في البيان ووجوهه وجوه البيان: القول، مفهوم القول، الفعل، الاقرار، الاشارة، الكتابة، القياس.\rتأخير البيان","part":1,"page":153},{"id":107,"text":"30 - باب الكلام في البيان ووجوهه أعلم أن البيان هو الدليل الذي يتوصل بصحيح النظر إلى ما هو دليل عليه وقال بعض اصحابنا هو إخراج الشئ من حيز الأشكال إلى حيز التجلي فصل ويقع البيان بالقول ومفهوم القول والفعل\rوالاقرار والاشارة والكتابة والقياس فأما البيان بالقول كقوله صلى الله عليه وسلم في الرقة ربع العشر وقوله صلى الله عليه وسلم في خمس من الابل شاة وأما المفهوم فقد يكون تنبيها كقوله تعالى فلا تقل لهما أف فيدل","part":1,"page":155},{"id":108,"text":"على ان الضرب اولى بالمنع وقد يكون دليلا كقوله صلى الله عليه وسلم في سائمة الغنم زكاة فيدل على أنه لا زكاة في المعلوفة وأما بالفعل فمثل بيان مواقيت الصلاة وأفعالها والحج ومناسكه بفعله صلى الله عليه وسلم وأما الاقرار فهو كما روي أنه رأى قيسا يصلي بعد الصبح ركعتين فسأله فقال ركعتا الفجر ولم ينكر فدل على جواز التنقل بعد الصبح وأما بالإشارة فكما قال صلى الله عليه وسلم الشهر هكذا وهكذا وحبس إبهامه في الثالثة وأما الكتابة فكما بين فرائض الزكاة وغيرها من الأحكام في كتب كتبها","part":1,"page":156},{"id":109,"text":"وأما القياس فكما نص على أربعة أعيان في الربا ودل القياس على أن غيرها من المطعومات مثلها","part":1,"page":157},{"id":110,"text":"31 - باب تأخير البيان ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة لأنه لا يمكن الاحتفال من غير بيان وأما تأخيره عن وقت الخطاب ففيه ثلاثة أوجه أحدها يجوز وهو قول أبي العباس وأبي سعيد الأصطخري وأبي بكر القفال\rوالثاني أنه لا يجوز وهو قول أبي بكر الصيرفي وأبي إسحاق المروزي وهو قول المعتزلة والثالث أنه يجوز تأخير بيان المجمل ولا يجوز تأخير بيان العموم وهو قول أبي الحسن الكرخي ومن الناس من قال يجوز ذلك في الاخبار دون الأمر والنهي ومنهم من قال يجوز في الأمر والنهي دون الأخبار والصحيح أنه يجوز في جميع ما ذكرناه ولأن تأخيرها لا يخل بالامتثال فجاز كتأخير بيان النسخ","part":1,"page":159},{"id":111,"text":"الكتاب الرابع الكلام في النسخ بيان النسخ ما يجوز نسخه من الاحكام وجوه النسخ ما يعرف به الناسخ والمنسوخ نسخ بعض العبادة والزيادة فيها","part":1,"page":161},{"id":112,"text":"الكلام في النسخ 32 - باب بيان النسخ والبداء والنسخ في اللغة يستعمل في الرفع والإزالة يقال نسخت الشمس الظل ونسخت الرياح الآثار إذا ازالتها ويستعمل في النقل يقال نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه وإن لم تزل شيئا عن موضعه وأما في الشرع على الوجه الأول في اللغة وهو الإزالة فحده الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه\rلكان ثابتا به مع تراخيه عنه ولا يلزم ما سقط عن الإنسان بالموت فإن ذلك ليس بنسخ لأنه ليس بخطاب ولا يلزم رفع ما كانوا عليه كشرب الخمر وغيره فإنه ليس بنسخ لأنه لم يثبت بخطاب ولا يلزم ما اسقطه بكلام متصل كالإستثناء والغاية كقوله تعالى ثم اتموا الصيام إلى الليل (1) فإنه ليس بنسخ لأنه غير متراخ عنه وقالت المعتزلة هو الخطاب الدال على ان مثل الحكم الثابت بالمنسوخ غير ثابت في المستقبل على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الأول وهذا فاسد لأنه إذا حد بهذا لم يكن الناسخ مزيلا لما ثبت بالخطاب الأول لأن مثل","part":1,"page":163},{"id":113,"text":"الحكم ما ثبت بالمنسوخ حتى يزيله بالناسخ وقد بينا أن النسخ في اللغة هو الإزالة والرفع فصل والنسخ جائز في الشرع وقالت طائفة من اليهود لا يجوز وبه قال شرذمة من المسلمين وهذا خطأ لأن التكليف في قول بعض الناس إلى الله تعالى يفعل فيه ما يشاء وعلى قول بعضهم التكليف على سبيل المصلحة فإن كان إلى مشيئته فيجوز أن يشاء في وقت تكليف فرض وفي وقت إسقاطه وإن كان على وجه المصلحة فيجوز أن تكون المصلحة في وقت في امر وفي وقت آخر في غيره فلا وجه للمنع منه فصل وأما البداء فهو أن يظهر له ما كان خفيا عليه من قولهم بدا لي الفجر إذا ظهر له وذلك لا يجوز في الشرع وقال بعض الرافضة يجوز البداء على الله تعالى وقال منهم زرارة بن أعين في شعره ولولا البدا سميته غير هائب * وذكر البدا نعت لمن يتقلب ولولا البدا ما كان فيه تصرف * وكان كنار دهرها تتلهب\rوكان كضوء مشرق بطبيعة * وبالله عن ذكر الطبائع يرغب وزعم بعصهم انه يجوز على الله تعالى البداء فيما لم يطلع عليه عباده وهذا خطأ لأنهم إن أرادوا بالبداء ما بيناه من أنه يظهر له ما كان خفيا عنه فهذا كفر وتعالى الله عز وجل عن ذلك علوا كبيرا وإن كانوا أرادوا به","part":1,"page":164},{"id":114,"text":"تبيدل صلى الله عليه وسلم العبادات والفروض فهذا لا ننكره إلا أنه لا يسمى بداء لأن حقيقة البداء ما بينا ولم يكن لهذا القول وجه فصل فأما نسخ الفعل قبل دخول وقته فيجوز وليس ذلك ببداء ومن أصحابنا من قال لا يجوز ذلك وهو قول المعتزلة وزعموا أن ذلك بداء والدليل على جواز ذلك أن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح إبنه ثم نسخه قبل وقت الفعل فدل على جوازه والدليل على أنه ليس ببداء ما بيناه من أن البداء ظهور ما كان خفيا عنه وليس في النسخ قبل الوقت هذا المعنى","part":1,"page":165},{"id":115,"text":"33 - باب بيان ما يجوز نسخه من الأحكام وما لا يجوز أعلم أن النسخ لا يجوز إلا فيما يصح وقوعه على وجهين كالصوم والصلاة والعبادات الشرعية فأما ما لا يجوز أن يكون إلا على وجه واحد مثل التوحيد وصفات الذات كالعلم والقدرة وغير ذلك فلا يجوز فيه النسخ وكذلك ما أخبر الله عز وجل عنه من أخبار القرون الماضية والأهم السالفة فلا يجوز فيها النسخ وكذلك ما اخبر عن وقوعه في المستقبل كخروج الدجال وغير ذلك لم يجز فيه النسخ وحكي عن أبي بكر الدقاق أنه قال ما ورد من الأمر بصيغة الخبر كقوله عز وجل المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة\rقروء (1) يجوز نسخه وقال بعض الناس يجوز والمطلقات بتربصن وإن كان لفظه لفظ الخبر إلا أنه أمر ألا ترى أنه يجوز أن يقع فيه","part":1,"page":166},{"id":116,"text":"المخالفة ولو كان خبرا لم يصح أن يقع فيه المخالفة وإذا ثبت أنه أمر جاز نسخه كسائر الأوامر والدليل على القائل الآخر أنا إذا جوزنا النسخ في الخبر صار أحد الخبرين كاذبا وهذا لا يجوز فصل وكذلك لا يجوز نسخ الإجماع لأن الاجماع لا يكون إلا بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم والنسخ لا يجوز بعد موته فصل وكذلك لا يجوز نسخ القياس لأن القياس تابع الأصول والأصول ثابتة فلا يجوز نسخ تابعها فأما إذا ثبت الحكم في عين بعلة وقيس عليها غيرها ثم نسخ الحكم في تلك العين بطل الحكم في الفرع المقيس عليه ومن أصحابنا من قال لا يبطل وهو قول أصحاب أبي حنيفة رحمه الله وهذا غير صحيح لأن الفرع تابع للأصل فإذا بطل الحكم في الأصل بطل في الفرع","part":1,"page":167},{"id":117,"text":"34 - باب بيان وجوه النسخ فصل اعلم أن النسخ يجوز في الرسم (2) دون الحكم كآية الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة فهذا نسخ رسمه وحكمه باق","part":1,"page":168},{"id":118,"text":"ويجوز في الحكم دون الرسم كالعدة كانت (1) حولا ثم نسخت بأربعة اشهر وعشرا ورسمها باق وهو قوله متاعا إلى الحول غير إخراج (2)","part":1,"page":169},{"id":119,"text":"ويجوز في الرسم والحكم كتحريم الرضاع كان بعشر رضعات وكان مما يتلي (3) فنسخ الرسم والحكم جميعا وذهب طائفة إلى أنه لا يجوز نسخ","part":1,"page":170},{"id":120,"text":"الحكم وبقاء التلاوة لأنه يبقى الدليل ولا مدلول معه وقالت طائفة لا يجوز نسخ التلاوة مع بقاء الحكم لأن الحكم تابع التلاوة فلا يجوز أن يرتفع الأصل ويبقى التابع وهذا خطأ (4) لأن التلاوة والحكم في الحقيقة حكمان فجاز رفع أحدهما وتبقية الآخر كما تقول في عبادتين يجوز أن تنسخ إحداهما وتبقي الأخرى فصل ويجوز النسخ إلى غير بدل كالعدة نسخ ما زاد على أربعة أشهر وعشرا إلى غير بدل ويجوز النسخ إلى بدل كنسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ويجوز النسخ إذا إلى أخف من المنسوخ كنسخ مصابرة الواحد للعشرة نسخ إلى اثنين ويجوز إلى ما هو اغلظ منه كالصوم كان مخيرا بينه وبين الفطر ثم نسخ الى الانحتام بقوله عز وجل","part":1,"page":171},{"id":121,"text":"فمن شهد منكم الشهر فليصمه (5) ويجوز النسخ في الحظر إلى الاباحة كقوله تعالى علم الله كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن (6) حرم عليهم المباشرة ثم أبيح لهم ذلك وقال بعض أصحابنا لا يجوز النسخ إلى ما هو أغلظ من المنسوخ وهو قول أهل الظاهر وهذا خطأ لأنا قد وجدنا ذلك في الشرع وهو التخير بين الصوم والفطر إلى انحتام الصوم ولأنه إذا جاز أن يوجب تغليظا لم يكن فلان يجوز أن ينسخ واجبا بما هو أغلظ أولى","part":1,"page":172},{"id":122,"text":"35 - باب ما يجوز به وما لا يجوز ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب لقوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها (1) فصل وكذلك يجوز نسخ السنة بالسنة كما يجوز نسخ الكتاب الكتاب الاحاد بالآحاد والتواتر بالتواتر والآحاد بالتواتر فأما التواتر بالآحاد فلا يجوز لأن التواتر يوجب العلم فلا يجوز نسخة بما يوجب الظن فصل ويجوز نسخ الفعل بالفعل لأنهما كالقول مع القول وكذلك نسخ القول بالفعل والفعل بالقول ومن الناس من قال لا يجوز نسخ القول بالفعل والدليل على جوازه أن الفعل كالقول في البيان فكما يجوز بالقول جاز بالفعل فصل وأما نسخ السنة بالقرآن ففيه قولان أحدهما لا يجوز لأن الله تعالى جعل السنة بيانا للقرآن فقال تعالى ليبين للناس ما نزل إليهم (2) فلو جوزنا نسخ السنة بالقرآن لجعلنا القرآن بيانا للسنة","part":1,"page":173},{"id":123,"text":"والثاني أنه يجوز وهو الصحيح لأن القرآن أقوى من السنة فإذا جاز نسخ السنة بالسنة فلأن يجوز بالقرآن أولى فصل وأما نسخ القرآن بالسنة فلا يجوز من جهة السمع ومن أصحابنا من قال لا يجوز من جهة السمع ولا من جهة العقل والأول أصح وقال أصحاب أبي حينفة يجوز بالخبر المتواتر وهو قول أكثر المتكلمين وحكي ذلك عن أبي العباس بن سريج والدليل على ذلك من جهة العقل انه ليس في العقل ما يمنع جوازه والدليل على أنه لا يجوز من\rجهة السمع قوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها والسنة ليست من مثل القرآن ألا ترى أنه لا يثاب على تلاوة السنة كما يثاب على تلاوة القرآن ولا إعجاز في لفظه كما في لفظ القرآن فدل على أنه ليس مثله فصل واما النسخ بالاجماع فلا يجوز لأن الاجماع حادث بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز أن ينسخ ما يتقرر في شرعه ولكن يستدل بالإجماع على النسخ فإن الأمة لا تجتمع على الخطأ فإذا رأيناهم قد أجمعوا على خلاف ما ورد به الشرع دلنا ذلك على أنه منسوخ فصل ويجوز النسخ بدليل الخطاب لأنه معنى النطق على المذهب الصحيح ومن أصحابنا من جعله كالقياس فعلى هذا لا يجوز النسخ به والأول أظهر وأما النسخ بفحوى الخطاب وهو التنبيه فلا يجوز لأنه قياس ومن أصحابنا من قال النسخ به لأنه كالنطق فصل ولا يجوز النسخ بالقياس وقال بعض أصحابنا يجوز بالجلي منه دون الخفي ومن الناس من قال يجوز بكل دليل يقع به","part":1,"page":174},{"id":124,"text":"البيان والتخصيص وهذا خطأ لأن القياس إنما يصح إذا لم يعارضه نص فإذا كان هناك نص يخالف القياس لم يكن للقياس حكم فلا يجوز النسخ به فصل ولا يجوز النسخ بأدلة العقل لأن دليل العقل ضربان ضرب لا يجوز أن يرد الشرع بخلافه فلا يتصور نسخ الشرع به وضرب يجوز أن يرد الشرع بخلافه وهو البقاء على حكم الأصل وذلك إنما يوجب العمل به عند عدم الشرع فإذا وجد الشرع بطلت دلالته فلا يجوز النسخ به","part":1,"page":175},{"id":125,"text":"36 - باب ما يعرف به الناسخ من المنسوخ واعلم أن النسخ قد يعلم بصريح النطق كقوله عز وجل الان خفف الله عنكم وقد يعلم بالاجماع وهو أن تجمع الأمة على خلاف ما ورد من الخبر فيستدل بذلك على أنه منسوخ لأن الأمة لا تجتمع على الخطأ وقد يعلم بتأخير أحد اللفظين عن الآخر مع التعارض وذلك مثل ما روي أنه قال الثيب بالثيب جلد مائة والرجم","part":1,"page":176},{"id":126,"text":"ثم روي أنه رجم ماعزا ولم يجلده فدل على أن الجلد منسوخ","part":1,"page":177},{"id":127,"text":"فصل ويعلم التأخير في الأخبار بالنطق كقوله صلى الله عليه وسلم كنت نهتيكم فقال عن زيارة القبور فزوروها ويعلم بأخبار الصحابة أن هذا نزل بعد","part":1,"page":178},{"id":128,"text":"هذا وورد هذا بعد هذا كما روي أنه كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار فأما إذا كان راوي أحد الخبرين أقدم صحبة والآخر أحدث صحبة كابن مسعود وابن عباس لم يخز نسخ خبر الأقدم بخبر الأحدث لأنهما عاشا إلى أن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجوز ان يكون الأقدم سمع ما رواه بعد سماع الأحدث ولأنه يجوز أن يكون الحدث أرسله عمن قدمت صحبته ولا تكون روايته متأخرة عن رواية الأقدم فلا يجوز النسخ مع الاحتمال","part":1,"page":179},{"id":129,"text":"وأما إذا كان راوي أحد الخبرين أسلم بعد موت الآخر أو بعد قصته\rمثل ما روي بن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن مس الذكر وهو يبني مسجد المدينة فلم يوجب منه الوضوء","part":1,"page":180},{"id":130,"text":"وروى أبو هريرة إيجاب الوضوء وهو أسلم عام حنين بعد بناء المسجد فيحتمل أن ينسخ حديث طلق بحديثه لأن الظاهر أنه لم يسمع ما رواه إلا بعد هذه القصة فنسخة ويحتمل ان لا ينسخ لجواز أن يكون قد سمعه قبل أن يسلم وأرسله عمن قدم إسلامه فصل فأما إذا قال الصحابي هذه الآية منسوخة أو هذا الخبر","part":1,"page":181},{"id":131,"text":"منسوخ لم يقبل منه حتى يبين الناسخ فينظر فيه ومن الناس من قال ينسخ بخبره ويقلد فيه ومنهم من قال إن ذكر الناسخ لم يقلد بل ينظر فيه وإن لم يذكر الناسخ نسخ وقلد فيه والدليل على أنه لا يقبل هو انه يجوز أن يكون قد اعتقد النسخ بطريق لا يوجب النسخ ولا يجوز أن يترك الحكم الثابت من غير نظر وبالله التوفيق","part":1,"page":182},{"id":132,"text":"37 - باب الكلام في نسخ بعض العبادة والزيادة فيها إذا نسخ شيئا يتعلق بالعبادة لم يكن ذلك نسخا للعبادة ومن الناس من قال إن نسخ للعبادة ومن الناس من قال إن كان ذلك بعضا من العبادة كالركوع والسجود من الصلاة كان ذلك نسخا لها وإن كان شيئا منفصلا منها كالطهارة لم يكن نسخا لها وقال بعض المتكلمين إن كان ذلك مما لا تجزئ العبادة قبل النسخ به إلا به كان نسخا لها سواء كان جزأ منها أو منفصلا عنها وإن كان مما تجزئ العبادة قبل النسخ مع\rعدمه كالوقوف على يمين الإمام ودعاء التوجه وما أشبهه لم يكن ذلك نسخا لها والدليل على ان ذلك ليس بنسخ أن الباقي من الجملة على ما كان عليه لم يزل فلم يجز أن يجعل منسوخا كما لو أمر بصوم وصلاة ثم نسخ أحدهما فصل فأما إذا زاد في العبادة شيئا لم يكن ذلك نسخا وقال أهل العراق إن كانت الزيادة توجب تعيين الحكم المزيد عليه كايجاب النية في الوضوء والتغريب في الحد كان نسخا وإن كان ذلك في نص القرآن لم يجز الواحد والقياس وقال بعض المتكلمين إن كانت الزيادة شرطا في المزيد كزيادة ركعة الصلاة كانت نسخا وإن لم تكن شرطا في المزيد لم تكن نسخا والدليل على ما قلناه هو أن النسخ هو الرفع والازالة وهذا لم يرفع شيئا ولم يزله فلم يكن ذلك نسخا","part":1,"page":183},{"id":133,"text":"38 - باب القول في شرع من قبلنا وما ثبت في الشرع ولم يتصل بالأمة اختلف أصحابنا في شرع من قبلنا على ثلاثة أوجه فمنهم من قال ليس بشرع لنا ومنهم من قال هو شرع لنا إلا ما ثبت نسخه ومنهم من قال شرع إبراهيم صلوات الله عليه وحده شرع لنا دون غيره ومنهم من قال شرع موسى شرع لنا إلا ما نسخ بشريعة عيسى صلوات الله عليه ومنهم من قال شريعة عيسى صلى الله عليه وسلم شرع لنا دون غيره وقال الشيخ الإمام رحمه الله ونور ضريحه والذي نصرت في التبصرة أن الجميع شرع لنا إلا ما ثبت نسخه والذي يصح الآن عندي ان شيئا من ذلك ليس بشرع لنا والدليل عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرجع في شئ من الأحكام ولا أحد من الصحابة إلى\rشئ من كتبهم ولا إلى خبر من اسلم منها ولو كان ذلك شرعا لنا لبحثوا أي عنه ورجعوا إليه ولما لم يفعلوا ذلك دل ذلك على ما قلناه فصل ما رود به الشرع أو نزل به الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يتصل بالأمة من حكم مبتدأ أو نسخ أمر كانوا عليه فهل يثبت ذلك من حق الأمة فيه وجهان من أصحابنا من قال أنه يثبت في حق الأمة فإن","part":1,"page":184},{"id":134,"text":"كانت في عبادة وجب القضاء ومنهم من قال لا يجب القضاء وهو الصحيح لأن القبلة قد حولت إلى الكعبة وأهل قباء يصلون إلى بيت المقدس فأخبروا بذلك وهم في الصلاة فاستداروا ولم يؤمروا بالاعادة فلو كان قد ثبت في حقهم ذلك لأمروا بالقضاء","part":1,"page":185},{"id":135,"text":"الكتاب الخامس القول في حروف المعاني","part":1,"page":187},{"id":136,"text":"39 - باب القول في حروف المعاني واعلم أن الكلام في هذا الباب كلام في باب من أبواب النحو غير أنه لما كثر احتياج الفقهاء إليه ذكرها الأصوليون وأنا أشير إلى ما يكثر من ذلك إن شاء الله فمن ذلك من ويدخل ذلك في الاستفهام والشرط والجزاء والخبر وتقول في الاستفهام من عندك ومن جاءك وتقول في الشرط والجزاء من جاءني أكرمته ومن عصاني عاقبته وتقول في الخبر جاءني من أحبه ويختص بذلك من يعقل دون من لا يعقل\rفصل وأي تدخل في الاستفهام والشرط والجزاء والخبر تقول في الاسفتهام أي شئ تحبه وأي شئ عندك وفي الشرط والجزاء تقول أي رجل جائني أكرمته وفي الخبر أيهم قام ضربته ويستعمل ذلك فيمن يعقل وفيما لا يعقل فصل وما تدخل للنفي والتعجب والاستفهام تقول في النفي ما رأيت زيدا وفي التعجب تقول ما احسن زيدا وفي الاستفهام ما عندك ويدخل في الاستفهام عما لا يعقل وقد قيل أنه","part":1,"page":189},{"id":137,"text":"يدخل أيضا لما يقعل كقوله تعالى السماء وما بناها (1) فصل ومن تدخل لابتداء الغاية والتبعيض والصلة تقول في ابتداء الغاية سرت من البصرة وورد الكتاب من فلان وفي التبعيض تقول خذ من هذه الدراهم وأخذت من علم فلان وفي الصلة تقول ما جاءني من أحد وما بالربع من احد فصل وإلى تدخل لانتهاء الغاية كقولك ركبت إلى زيد وقد تستعمل بمعنى مع إلا أنه لا يحمل على ذلك إلا بدليل كقوله عز وجل وأيديكم إلى المرافق والمراد به مع المرافق وزعم قوم من اصحاب أبي حنيفة أنه يستعمل في معنى مع على سبيل الحقيقة وهذا خطأ لأنه لا خلاف أنه لو قال لفلان على من درهم إلى عشرة لم يلزمه الدرهم العاشر وكذلك إذا قال لأمر انه أنت طالق من واحد إلى ثلاث لم تقع الطلقة الثالثة فدل على أنه للغاية فصل والواو للجمع والتشريك في العطف وقال بعض أصحابنا هي للترتيب وهذا خطأ لأنه لو كان للترتيب لما جاز أن يستعمل\rفيه لفظ المقارنة وهو أن تقول جاءني زيد وعمر ومعا كما لا يجوز أن يقال جاءني زيد ثم عمرو ومعا وتدخل بمعنى رب في ابتداء الكلام كقوله ومهمة مغبرة أرجاؤه أي ورب مهمة وفي القسم تقوم مقام الباء تقول والله بمعنى بالله","part":1,"page":190},{"id":138,"text":"فصل والفاء للتعقيب والترتيب تقول جاءني زيد فعمر ومعناه جاءني عمرو وعقيب زيد وإذا دخلت السوق فاشتر كذا يقتضي ذلك عقيب الدخول فصل وثم للترتيب مع المهلة والتراخي وتقول جاءني زيد ثم عمرو ويقتضي أن يكون بعده بفصل فصل وأم للاستفهام تقول أكلت ام لا وتدخل بمعنى أو تقول سواء أحسنت أم لم تحسن فصل وأو تدخل في الشك للخبر تقول كلمني زيد أو عمرو وتدخل في التخيير في الأمر كقوله تعالى إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم (1) وقال بعضهم في النهي تدخل للجمع والأول هو الأصح لأن النهي أمر بالترك كالأمر أمر بالفعل فإذا لم يقتض الجمع في الأمر لم يقتض في النهي فصل والباء تدخل للإلصاق كقول مررت بزيد وكتبت بالقلم وتدخل للتبعيض كقوله مسحب ثنا بالرأس وقال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله لا تدخل للتبعيض وهذا غير صحيح لأنهم أجمعوا\rعلى الفرق بين قوله أخذت قميصه وبين قوله أخذت بقميصه فعقلوا من الأول أخذ جميعه ومن الثاني الأخذ ببعضه فدل على ما قلناه فصل واللام تقتضي التمليك وقال بعض أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تقتضي الاختصاص دون الملك وهذا غير صحيح لأنه لا خلاف أنه لو قال هذه الدار لزيد إقتضى أنها ملكه فدل على أن ذلك","part":1,"page":191},{"id":139,"text":"مقتضاه وتدخل أيضا للتعليل كقوله عز وجل لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل (2) وتدخل للغاية فيه والصيرورة كقوله عز وجل فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا (3) فصل وعلى للايجاب كقوله لفلان على كذا ومعناه واجب فصل وفي للظرف تقول على تمر به في جراب معناه أن ذلك فيه فصل ومتى ظرف زمان تقول متى رأيته فصل وإذ وإذا ظرف للزمان إلا أن إذ لما مضى تقول أنت طالق إذ دخلت الدار معناه في الماضي وإذا للمستقبل تقول أنت طالق إذا دخلت الدار ومعناه في المستقبل فصل وحتى للغاية كقوله تعالى حتى مطلع الفجر (1) وتدخل للعطف كالواو وإلا أنه لا يعطف به إ على وجه التعظيم والتحقير تقول في التعظيم جاءني الناس حتى السلطان وتقول في التحقير كلمني كل أحد حتى العبيد وتدخل ليبتدئ هذا الكلام بعده كقولك قام الناس حتى زيد قائم\rفصل وإنما للحصر وهو جمع الشئ فيما أشير إليه ونفيه عما سواه تقول إنما في الدار زيد أي ليس فيها غيره وإنما الله واحد أي لا إله إلا واحد","part":1,"page":192},{"id":140,"text":"الكتاب السادس الكلام في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وأنواعها الاقرار والسكت عن الحكم","part":1,"page":193},{"id":141,"text":"40 - باب الكلام في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجملته ان الأفعال لا تخلو إما ان تكون قربة أو ليس بقربة فإن لم تكن قربة كالأكل والشرب واللبس والقيام والقعود فهو يدل على الإباحة لأنه لا يقر على الحرام فإن كان قربة لم يحل من ثلاثة أوجه أحدها أني فعل بيانا لغيره فحكمه مأخوذ من المبين فإن كان المبين واجبا كان البيان واجبا وإن كان البيان ندبا ويعرف بأنه بيان لذلك بأن يصرح بأن ذلك بيان لذلك أو يعلم في القرآن آية مجملة تفتقر إلى البيان ولم يظهر بيانها بالقول فيعلم أن هذا الفعل بيان لها والثاني أن يعفل امتثالا لأمر فيعتبر أيضا بالأمر فإن كان على الوجوب علمنا أنه فعل واجبا وإن كان على الندب علمنا أنه فعل ندبا والثالث أن يفعل ابتداء من غير سبب فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه أحدها أنه على الوجوب إلا أن يدل الدليل على غيره\rوهو قول ابي العباس وأبي سعيد وهو مذهب مالك وأكثر أهل","part":1,"page":195},{"id":142,"text":"العراق والثاني أنه على الندب إلا أن يدل الدليل على الوجوب والثالث أنه على الوقف فلا يحمل على الوجوب ولا على الندب إلا بدليل وهو قول أبي بكر الصيرفي وهو الأصح والدليل عليه أن احتمال الفعل للوجوب كاحتماله للندب فوجب التوقف فيه حتى يدل الدليل فصل إذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا وعرف أن فعله على وجه الوجوب أو على وجه الندب كان ذلك شرعا لنا إلا أن يدل الدليل على تخصيصه بذلك وقال أبو بكر الدقاق لا يكون ذلك شرعا لنا إلا بدليل والدليل على فساد ذلك قوله عز وجل لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة (1) ولأن الصحابة كانوا يرجعون فيما أشكل عليهم إلى أفعاله فيقتدون به فيها فدل على انه شرع في حق الجميع فصل ويقع بالفعل جميع أنواع البيان من بيان المجمل","part":1,"page":196},{"id":143,"text":"وتخصيص العموم وتأويل الظاهر والنسخ فأما بيان المجمل فهو كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة والحج فكان في فعله بيان المجمل الذي في القرآن وأما تخصيص العموم فكما روي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ثم روي أنه صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر صلاة لها سبب فكان في ذلك تخصيص عموم النهي","part":1,"page":197},{"id":144,"text":"وأما تأويل ثم الظاهر فكما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهي عن الوقود في الطرف قبل الإندمال فيعلم أن المراد بالنهي الكراهية دون التحريم وأما النسخ\rفكما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ثم روي أنه صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا ولم يجلده فدل على أن ذلك منسوخ","part":1,"page":198},{"id":145,"text":"فصل وإن تعارض قول وفعل في البيان ففيه أوجه من أصحابنا من قال القول أولى ومنهم من قال الفعل أولى ومنهم من قال هما سواء والأول أصح لأن الأصل في البيان هو القول ألا تراه يتعدى بصيغته والفعل لا يتعدى إلا بدليل فكان القول أولى","part":1,"page":199},{"id":146,"text":"41 - باب القول في الاقرار والسكت عن الحكم والاقرار أن يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فلا ينكره أو يرى فعلا فلا ينكره مع عدم الموانع فيدل ذلك على جوازه وذلك مثل ما روي أنه سمع رجلا يقول الرجل يجد مع امرأته رجلا إن قتل قتلتموه وإن تكلم جلدتموه وإن سكت سكت على غيظ أم كيف يصنع ولم ينكر عليه فدل ذلك على أنه إذا قتل قتل وإذا قذف جلد","part":1,"page":200},{"id":147,"text":"وكما روي أنه صلى الله عليه وسلم رأى قيسا يصلي ركعتي الفجر بعد الصبح فلم ينكر عليه فدل على جواز ما لها سبب بعد الصبح لأنه يجوز أن يرى منكرا فلا ينكره مع القدرة عليه رسول لأن في ترك الإنكار إيهام ان ذلك جائز فصل وأما ما فعل في زمانه صلى الله عليه وسلم فلم ينكره فإنه ينظر فيه فإن كان ذلك مما لا يجوز أن يخفي عليه من طريق العادة كان بمنزلة ما لو رأه فلم ينكره وذلك مثل ما روي أن معاذا كان يصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم\rيأتي قومه في بني سلمة لا فيصلي بهم هي له تطوع ولهم فريضة العشاء فيدل","part":1,"page":201},{"id":148,"text":"ذلك على جواز الافتراض خلف المتنفل وإن كان مثل ذلك لا يجوز أن يخفى عليه فإن كان لا يجوز لأنكر وأما ما يجوز إخفاؤه عليه وذلك مثل ما روي عن بعض الأنصار أنه قال كنا نجامع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكسل ولا نغتسل فهذا لا يدل على الحكم لأن ذلك يفعل سرا ويجوز ان لا يعلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يغتسلون لأن الأصل أن لا يجب الغسل فلا يحتج به في إسقاط الغسل","part":1,"page":202},{"id":149,"text":"ولهذا قال عمر رضي الله عنه حين روي له ذلك أو علم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقركم عليه فقالوا لا فقال فمه (1) فصل وأما السكت عن الحكم فهو أن يرى رجلا يفعل فعلا فلا يوجب فيه حكما فينظر فيه فإن لم يكن ذلك موضع حاجة ولم يكن في سكوته دليل على الايجاب ولا اسقاط الجواز أن يكون قد أخر","part":1,"page":203},{"id":150,"text":"البيان إلى وقت الحاجة وإن كان موضع حاجة مثل الأعرابي الذي سأله عن الجماع في رمضان فأوجب عليه العتق ولم يوجب على المرأة دل سكوته على أنه واجب عليه لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز","part":1,"page":204},{"id":151,"text":"الكتاب السابع القول في الاخبار بيان الخبر وإثبات صيغته الخبر المتواتر\rأخبار الاحاد المراسيل صفة الراوي ومن يقبل خبره الجرح والتعديل حقيقة الرواية ما يرد به خبر الواحد الترجيح في الاخبار","part":1,"page":205},{"id":152,"text":"42 - باب القول في الاخبار بيان الخبر وإثبات صيغته والخبر الذي لا يخلو من أن يكون صدقا أو كذبا وله صيغة موضوعة في اللغة تدل عليه وهو قوله زيد قائم وعمرو قاعد وما أشبههما وقالت الأشعرية لا صيغة له والدليل على فساد ذلك أن أهل اللغة قسموا الكلام أربعة أقسام فقالوا أمر ونهي وخبر واستخبار فالأمر قولك افعل والنهي قولك لا تفعل والخبر قولك زيد في الدار والاستخبار قولك أزيد في الدار فدل على ما قلناه","part":1,"page":207},{"id":153,"text":"43 - باب القول في الخبر المتواتر اعلم أن الخبر ضربان متواتر وآحاد فأما الآحاد فله باب يأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى وبه الثقة وأما المتواتر فهو كل خبر علم مخبره ضرورة وذلك ضربان تواتر من جهة اللفظ كالأخبار المتفقة عن القرون الماضية والبلاد النائية وتواتر من طريق المعنى كالأخبار المختلفة عن سخاء حاتم وشجاعة علي رضي الله عنه وما أشبه ذلك ويقع العلم بكلا الضربين\rوقال البراهمة لا يقع العلم بشئ من الأخبار وهذا جهل فإنا نجد أنفسنا عالمة بما يؤدي إليها الخبر المتواتر أخبار مكة وخراسان وغيرهما كما نجدها عالمة بما تؤدي إلي الحواس فكما لا يجوز إنكار العلم الواقع بالحواس لم يجز إنكار العلم الواقع بالاخبار فصل والعلم الذي يقع به ضروري وقال البلخي من المعتزلة العلم الواقع به الكتاب وهو قول أبي بكر الدقاق وهذا خطأ","part":1,"page":208},{"id":154,"text":"لأنه لا يمكن نفي ما يقع به من العلم عن نفسه بالشك والشبهة فكان ضروريا كالعلم الواقع عن الحواس فصل ولا يقع العلم الضروري بالتواتر إلا بثلاث شرائط أحداها أن يكون المخبرون عددا لا يصح منهم التواطؤ على الكذب وإن يستوي طرفاه ووسطه فيروي هذا العدد عن مثله إلى أن يتصل بالمخبر عنه وأن يكونا لخبر في الأصل عن مشاهدة أو سماع فأما إذا كان عن نظر واجتهاد مثل أن يجتهد العلماء فيؤديهم الاجتهاد إلى شئ لم يقع العلم الضروري بذلك ومن أصحابنا من اعتبر ان يكون العدد مسلمين ومن الناس من قال لا يجوز أن يكون العدد أقل من ثاني عشر ومنهم من قال أقله سبعون ومنهم من قال ثلاثمائة وأكثر وهذا كله خطأ لأن وقوع العلم به لا يختص بشئ مما ذكروه فسقط اعتبار ذلك","part":1,"page":209},{"id":155,"text":"44 - باب القول في اخبار الاحاد واعلم أن خبر الواحد ما انحط عن حد التواتر وهو ضربان مسند ومرسل فأما المرسل فله باب يجئ إن شاء الله تعالى وأما المسند فضربان أحدهما يوجب العلم وهو على أوجه منها خبر الله عز وجل وخبر رسول الله\rصلى الله عليه وسلم ومنها أن يحكي الرجل بحضرة رسول الله ص شيئا ويدعي علمه فلا ينكر عليه فيقطع به على صدقه ومنها أن يحكي الرجل شيئا بحضرة جماعة كثيرة ويدعي علمهم فلا ينكرونه فيعلم بذلك صدقة ومنها خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول فيقطع بصدقه سواء عمل الكل به أو عمل البعض وتأوله البعض فهذه الأخبار توجب العمل ويقع العلم بها استدلالا والثاني يوجب العمل ولا يوجب العلم وذلك مثل الأخبار المروية في السنن والصحاح وما أشبهها وقال بعض أهل العلم توجب العلم وقال بعض المحدثين ما يحكى إسناده أوجب العلم وقال النظام يجوز أن يوجب العمل إذا قارنه سبب مثل أن يرى رجل مخرق الثياب فيجئ ويخبر","part":1,"page":210},{"id":156,"text":"بموت قريب له وقال القاشاني وابن داود لا يوجب العلم وهو مذهب الرافضة ثم اختلف هؤلاء فمنهم من قال العقل يمنع العلم به ومنهم من قال العقل لا يمنع إلا أن الشرع لم يرد به فالدليل على أنه لا يوجب العلم أنه لو كان يوجب العلم لوقع العلم بخبر كل مخبر ممن يدعي النبوة أو مالا على غيره ولما لم يقع العلم بذلك دل على انه لا يوجب العمل واما الدليل على أن العقل لا يمنع من التعبد به هو انه إذا جاز التعبد بخبر المفتي وشهادة الشاهد ولم يمنع العقل منه جاز بخبر المخبر وأما الدليل على وجوب العمل به من جهة الشرع أن الصحابة رضي الله عنهم رجعت إليهما في الأحكام فرجع عمر إلى حديث حمل بن مالك في دية الجنين وقال لو نسمع هذا لقضينا بغيره","part":1,"page":211},{"id":157,"text":"ورجع عثمان كرم الله وجهه في السكنى إلى حديث فريعة بنت\rمالك","part":1,"page":212},{"id":158,"text":"وكان علي كرم الله وجهه يرجع إلى أخبار الآحاد ويستظهر فيها باليمين وقال إذا حدثني أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلفته فإذا حلف لي صدقته إلا أبا بكر وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر","part":1,"page":213},{"id":159,"text":"ورجع ابن عمر إلى خبر رافع بن خديج في المخابرة","part":1,"page":214},{"id":160,"text":"ورجعت الصحابة إلى حديث عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين فدل على وجوب العمل به فصل ولا فرق بين أن يرويه واحد أو إثنان وقال أبو علي الجبائي لا يقبل حتى يرويه إثنان عن اثنين وهذا خطأ لأنه إخبار عن حكم شرعي فجاز قبوله من واحد كالفتيا فصل ويجب العمل به فيما يعم به البلوى وفيما لا يعم وقال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله لا يجوز العمل به فيما يعم به البلوى والدليل على فساد ذلك أنه حكم شرعي يسوغ فيه الاجتهاد فجاز إثابته بخبر الواحد قياسا على ما لا يعم به البلوى فصل ويقبل أن خالف القياس ويقدم عليه وقال أصحاب مالك رحمه الله إذا خالف القياس لم يقبل أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه إذا خالف ولا القياس الأصول لم يقبل وذكروا ذلك في خبر التفليس والقرعة والمصراة والدليل على أصحاب مالك أن الخبر يدل على قصد","part":1,"page":215},{"id":161,"text":"صاحب الشرع بصريحه والقياس يدل على قصده بالاستدلال والصريح أوقى فيجب أن يكون بالتقديم اولى وأما أصحاب أبي حنيفة رحمه الله فإنهم إن أرادوا بالأصول القياس","part":1,"page":216},{"id":162,"text":"على ما ثبت بالأصول فهو الذي قاله أصحاب مالك وقد دللنا على فساده وإن أرادوا نفس الأصول التي هي الكتاب والسنة والاجماع فليس معهم في المسائل التي ردوا فيها خبر الواحد كتاب ولا سنة ولا إجماع فسقط ما قالوه","part":1,"page":217},{"id":163,"text":"45 - باب القول في المراسيل والمرسل ما انقطع إسناده وهو أن يروي عمن لم يسمع منه فيترك بينه وبينه واحد في الوسط فلا يخلو ذلك من أحد أمرين إما أن يكون مراسيل الصحابة وأو من غيرها فإن كان من مراسيل الصحابة وجب العمل به لأن الصحابة رضي الله عنهم مقطوع بعدالتهم فصل وإن كان مراسيل غيرهم نظرت فإن كان من مراسيل غير سعيد بن المسيب لم يعمل به وقال مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما يعمل به كالمسند وقال عيسى بن أبان إن كان من مراسيل التابعين وتابعي التابعين وقيل وإن كان من مراسيل غيرهم لم يقبل إلا أن يكون المرسل إماما فالدليل على ما قلناه أن العدالة شرط في صحة الخبر والذي ترك تسميته يجوز أن يكون عدلا ويجوز قبول خبره حتى يعلم فصل وإن كان من مراسيل ابن المسيب فقد قال الشافعي","part":1,"page":218},{"id":164,"text":"رضي الله عنه مراسيله عندنا حسن فمن أصحابنا من قال مراسيله حجة لأنها تتبعت فوجدت كلها مسانيد ومنهم من قال هي كغيرها وإنما استحسنها الشافعي رضي الله عنه استئناسا بها لا أنها حجة فأما إذا قال أخبرني الثقة عن الزهري فهو كالمرسل لأن الثقة مجهول عندنا فهو بمنزلة من لم يذكره أصلا وأما خبر العنعنة إذا قال أخبرنا مالك عن الزهري فهو مسند ومن الناس من قال حكمه حكم المرسل وهذا خطأ لأن الظاهر أنه سماع عن الزهري وإن كان بلفظ العنعنة فوجب أن يقبل فصل وأما إذا قال أخبرني عمرو بن شعيب عن أبيه (1) عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم فيحتمل أن يكون ذلك عن الحد الأدنى وهو محمد بن عبد الله بن عمرو فيكون مرسلا ويحتمل أن يكون عن جده الأعلى فيكون مسندا فلا يحتج به لأنه يحتمل الارسال والاسناد فلا يجوز ثابته بالشك إلا أن يثبت أنه ليس يروي إلا عن جده الأعلى فحينئذ يحتج به","part":1,"page":219},{"id":165,"text":"46 - باب صفة الراوي ومن يقبل خبره واعلم أنه لا يقبل الخبر حتى يكون الراوي في حال السماع مميزا ضابطا لأنه إذا لم يكن بهذه الصفة عند السماع لم يعلم ما يرويه وإن لم يكن بالغا عند السماع جاز ومن الناس من قال يعتبر أن يكون في حال السماع بالغا وهذا خطأ لأن المسلمين اجمعوا على قبول خبر أحداث الصحابة والعمل بما سمعوه في حا الصغر كابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وغيرهم فدل على ما قلناه فصل وينبغي أن يكون عدلا مجتنبا للكبائر متنزها عن كل ما\rيسقط المروءة من المجون والسخف والأكل في السوق والبول في قارعة الطريق لأنه إذا لم يكن بهذه الصفة لم يؤمن من أن يتساهل في رواية مالا","part":1,"page":220},{"id":166,"text":"أصل له ولهذا رد أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه حديث أبي سنان الأشجعي وقال بوال على عقبيه","part":1,"page":221},{"id":167,"text":"فصل وينبغي أن يكون ثقة مأمونا لا يكون كذابا ولا ممن يزيد في الحديث ما ليس منه فإن عرف بشئ من ذلك لم يقبل حديثه لأنه لا يؤمن ان يضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله فصل وكذلك يجب أن يكون غير مبتدع يدعو الناس إلى البدعة فإنه لا يؤمن أن يضع الحديث على وفق بدعته وأما إذا لم يدع الناس إلى البدعة فقد قيل أن روايته تقبل قال الشيخ الامام رحمه الله والصحيح عندي أنها لا تقبل لأن المبتدع فاسق فلا يجوز أن يقبل خبره فصل وينبغي أن يكون غير مدلس والتدليس هو أن يروي عمن لم يسمع منه ويوهم أنه سمع منه ويوري عن رجل يعرف بنسب أو إسم فيعدل عن ذلك إلى ما لا يعرف به من أسمائه يوهم أنه غير ذلك الرجل المعروف وقال كثير من أهل العلم يكره ذلك إلا أنه لا يقدح ذلك","part":1,"page":222},{"id":168,"text":"في روايته وهو قول بعض اصحابنا لأنه لم يصرح بكذب ومن الناس من قال يرد حديثه لأنه في الإيهام عمن لم يسمع توهيم ما لا أصل له فهو كالمصرح بالكذب وفي العدول عن الاسم المشهور إلى غيره تغرير بالرواية عمن لعله غير مرضي فوجب التوقف عن حديثه\rفصل ويجب ان يكون ضابطا حال الرواية محصلا لما يرويه فأما إذا كان مغفلا لم يقبل خبره فإنه لا يؤمن أن يروي بما لم يسمعه فإن كان له حال غفلة وحال تيقظ فما يرويه في حال تيقظه مقبول وإن روي عنه حديثا ولم يعلم أنه رواه في حال التيقظ أو الغفلة لم يعمل به","part":1,"page":223},{"id":169,"text":"باب القول في الجرح والتعديل وجملته أن الراوي لا يخلو إما أن يكون معلوم العدالة أو معلوم الفسق أو مجهول الحال فإن كانت عدالته معلومة كالصحابة رضي الله عنهم أو أفاضل التابعين كالحسن وعطاء والشعبي والنخعي","part":1,"page":224},{"id":170,"text":"وأجلاء الأئمة كمالك وسفيان وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق ومن يجري مجراهم وجب قبول خبره ولم يجب البحث عن عدالته وذهبت المعتزلة والمبتدعة إلى أن في الصحابة فساقا وهم الذين قتلوا عليا كرم الله وجهه من أهل العراق وأهل الشام حتى إجترأوا ولم يخافوا الله عز وجل وأطلقوا هذا القول على طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم وهذا قول عظيم في السلف والدليل على فساد قولهم أن عدالتهم قد ثبتت ونزاهتهم قد عرفت فلا يجوز أن تزول عما عرفاناه لم إلا بدليل قاطع ولأنهم لم يظهر منهم معصية اعتمدوها وإنما دارت بينهم حروب كانوا فيها متأولين ولهذا امتنع خلق كثير من خيار الصحابة والتابعين عن معاوية في قتال علي كرم الله وجهه على ذلك واستعفوا عن القتال معه لما دخل عليهم من الشبهة في ذلك كسعد بن أبي وقاص وأصحاب ابن مسعود وغيرهم ولهذا كان علي رحمه الله عليه يأذن في قبول\rشهادتهم والصلاة معهم فلا يجوز أن يقدح ذلك في عدالتهم فصل فأما أبو بكرة ومن جلد معه في القذف فإن أخبارهم","part":1,"page":225},{"id":171,"text":"تقبل لأنهم لم يخرجوا مخرج القذف بل أخرجوه مخرج الشهادة وإنما جلدهم عمر كرم الله وجهه باجتهاده فلم يجز أن يقدح بذلك في عدالتهم ولم يرد خبرهم","part":1,"page":226},{"id":172,"text":"فصل وإن كان معلوم الفسق لم يقبل خبره سواء كان فسقه بتأويل أو بغير تأويل وقال بعض المتكلمين يقبل الفاسق بتأويل إذا كان أمينا","part":1,"page":227},{"id":173,"text":"في دنيه حتى الكافر والدليل على ما قلناه قوله عز وجل إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا (1) ولم يفرق ولأنه إذا لم يخرجه التأويل عن كونه كافرا أو فاسقا لم يخرجه عن ان يكون مردود الخبر فصل فإذا كان مجهول الحال لم يقبل حتى تثبت عدالته وقال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله يقبل والدليل على ما قلناه أن كل خبر لم يقبل من الفاسق لم يقبل من مجهول العدالة كالشهادة لم فصل ويجب البحث عن العدالة الباطنة كما يجب ذلك في الشهادة ومن أصحابنا من قال يكفي السؤال عن العدالة في الظاهر فإن مبناه على الظاهر وحسن الظن ولهذا يجوز قبوله من العبد فصل فإن اشترك رجلان في الاسم والنسب وأحدهما عدل والآخر فاسق فروي خبر عن هذا الاسم لم يقبل حتى يعلم أنه عن العدل فصل ويثبت التعديل والجرح في الخبر بواحد ومن\rاصحابنا من قال لا يثبت إلا من نفسين كتزكية الشهود والأصول أصح لأن الخبر يقبل من واحد فكذلك تزكية المخبر فصل ولا يقبل التعديل إلا ممن يعرف شروط العدالة وما يفسق به الانسان لأنا لو قبلنا ممن لا يعرف لم نأمن أن نشهد بعدل من هو فاسق أو فسق من هو عدل فصل ويكفي في التعديل أن يقول هو عدل ومن أصحابنا من قال يحتاج أن يقول هو عدل علي ولي ومن الناس من قال لا بد من ذكر ما صار به عدلا والدليل على انه يكفي قوله عدل أن قوله عدل يجمع","part":1,"page":228},{"id":174,"text":"أنه عدل عليه وله ولا يحتاج إلى الزيادة عليه والدليل على أنه لا يحتاج إلى ذكر ما يصير به عدلا أنا لا نقبل إلا قول من تعرف فيه شروط العدالة فلا يحتاج إلى بيان شروط العدالة فصل ولا يقبل الجرح إلا مفسرا فأما إذا قال هو ضعيف أو فاسق لم يقبل وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا قال هو فاسق قبل من غير تفسير وهذا غير صحيح لأن الناس يختلفون فيما يرد به الخبر ويفسق به الانسان فربما اعتقد في أمر أنه جرح ولس بجرح فوجب بيانه فصل فإن عدله واحد وجرحه آخر قدم الجرح على التعديل لأن مع شاهد الجرح زيادة علم فقدم على المزكي فصل فإن روي عن المجهول عدل لم يكن ذلك تعديلا وقال بعض اصحابنا إن ذلك تعديل والدليل على فساد ذلك هو أنا نجد العدول يروون عن المدلسين والكذابين ولهذا قال الشعبي أخبرني الحارث الأعور وكان والله كذابا فلم يكن في الرواية عنه دليل على\rالتعديل","part":1,"page":229},{"id":175,"text":"فصل فأما إذا عمل العدل بخبره وصرح بأنه عمل بخبره فهو تعديل لأنه يجوز أن يعمل به إلا وقد قبله وإن عمل بموجب خبره ولم يسمع منه أنه عمل بالخبر لم يكن ذلك تعديلا لأنه قد يعمل بموجب الخبر من جهة القياس ودليل غيره فلم يكن ذلك تعديلا","part":1,"page":230},{"id":176,"text":"48 - باب القول في حقيقة الرواية وما يتصل به والاختيار في الرواية أن يروي الخبر بلفظه لقوله صلى الله عليه وسلم نصر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أذاعها كما سمع رب حامل فقه منه فإن أورد الرواية بالمعنى نظرت فإن كان ممن لا يعرف معنى الحديث لم يجز لأنه لا يؤمن أن يغير معنى الحديث وإن كان ممن يعرف معنى","part":1,"page":231},{"id":177,"text":"الحديث نظرت فإن كان ذلك في خبر محتمل لم يجز أني روي بالمعنى لأنه ربما نقل بلفظ لا يؤذي مرادا الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يجوز أن يتصرف فيه وإن كان خبرا ظاهرا ففيه وجهان من اصحابنا من قال لا يجوز لأنه ربما كان التعبد باللفظ كتكبير للصلاة والثاني أنه يجوز وهو الظهر لأنه يؤدي معناه فقام مقامه ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أصبت المعنى فلا بأس","part":1,"page":232},{"id":178,"text":"فصل والأولى أن يروى الحديث بتمامه فإن روي البعض وترك البعض لم يجز ذلك على قول من يقول إن نقل الحديث بالمعنى لا يجوز وأما على\rقول من قال إن ذلك جائز فقد اختلفوا في هذا فمنهم من قال إن كان قد نقل ذلك هو أو غيره بتمامه مرة جاز أن ينقل البعض وإن لم يكن قد نقل ذلك لا هو ولا غيره لم يجز ومنهم من قال إن كان يتعلق بعضه ببعض لم يجز فإن كان الخبر يشتمل على حكمين لا يتعلق أحدهما بالآخر جاز نقل احد الحكمين بترك الآخر وهو الصحيح ومن الناس من قال لا يجوز بكل حال والدليل على الصحيح هو أنه إذا تعلق بعضه ببعض كان في ترك بعضه تقرير لأنه ربما عمل بظاهره فيخل بشرط من شروط الحكم وإذا لم يتعلق بعضه ببعض فهو كالخبرين يجوز نقل أحدهما دون الآخر فصل وينبغي لمن لا يحفظ الحديث أن يرويه من الكتاب فإن كان يحفظ فالأولى أن يرويه من كتاب لأنه أحوط فإن رواه من حفظه جاز وأما إذا لم يحفظ وعنده كتاب وفيه سماعه بخطه وهو يذكر أنه سمع جاز ان يرويه وإن لم يذكر كل حديث فيه وإن لم يذكر أنه سمع هذا الخبر فهل يجوز أن يرويه فيه وجهان أحدهما يجوز وعليه يدل قوله في الرسالة والثاني لا يجوز وهو الصحيح لأنه لا يأمن أن يكون قد زور على خطه فلا تجوز الرواية بالشك فصل فأما إذا روي عن شيخ ثم نسي الشيخ الحديث لم يسقط الحديث وقال الكرخي من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله يسقط","part":1,"page":233},{"id":179,"text":"الحديث وهذا غير صحيح لأن الراوي عنه ثقة ويجوز أن يكون الشيخ قد نسي فلا تسقط رواية صحيحة في الظاهر فأما إذا جحد الشيخ الحديث وكذب الراوي عنه سقط الحديث لأنه قطع بالحجود حدثنا ورد الحديث فتعارض روايته وحجود ابن الشيخ فسقطا ولا يكون هذا التكذيب قدحا في\rالرواية عنه لأنه كما يكذبه الشيخ فهو ايضا يكذب الشيخ فصل فإذا قرأ الشيخ الحديث عليك جاز أن تقول سمعته وحدثني وأخبرني وقرأ علي سواء قال أروه عني أو لم يقل وإن أملي عليك جاز جميع ما ذكرناه ويجوز أن يقول أملي علي لأن جميع ذلك صدق فأما إذا قرأت عليه الحديث وهو ساكت يسمع لم يجز أن تقول سمعته ولا حدثني ولا أخبرني ومن الناس من قال يجوز ذلك وهذا خطأ لأنه لم يوجد شئ من ذلك فإن قال له هو كما قرأت عليك فأقرأ به جاز أن يقول أخبرني ولا يقول حدثني لأن الاخبار يستعمل في كل ما يتضمن الاعلام والحديث لا يستعمل إلا فيما سمعه مشافهة فأما إذا أجازه لم يجز أن يقول حدثني ولا أخبرني ويجوز أن يقول أجازني وأخبرني إجازة ويجب العمل به وقال بعض اهل الظاهر لا يجب العمل به وهذا خطأ لأن القصد أن يثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا فرق بين النطق وبين ما يقوم مقامه فأما إذا كتب إليه رجل وعرف خطه جاز أن يقول كتب إلي به فأخبرني كتابة ومن أصحابنا من قال لا يعمل بالخط كما لا يعمل في الشهادة وهذا غير صحيح لأن الاخبار مبناها على حسن الظن","part":1,"page":234},{"id":180,"text":"49 - باب بيان ما يرد به خبر الواحد إذا روي الخبر ثقة رد بأمور أحدها أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول وأما بخلاف العقول فلا والثاني أن يخالف نص كتاب أو سنة متوارتة قوله فيعلم أنه لا أصل له أو مسنوخ\rوالثالث أن يخالف الاجماع فيستدل به على أنه منسوخ أو لا أصل له لأنه لا يجوز أن يكون صحيحا غير منسوخ وتجمع الأمة على خلافه والرابع أن ينفرد الواحد برواية ما يجب على الكافة علمه فيدل ذلك على أنه لا أصل له لأنه لا يجوز أن يكون له أصل وينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم والخامس أن ينفرد برواية ما جرت العادة أن ينقله أهل التواتر فلا يقبل لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية فأما إذا ورد مخالفا","part":1,"page":235},{"id":181,"text":"للقياس أو أنفرد الواحد برواية ما يعم به البلوى لم يرد وقد حكينا الخلاف في ذلك فأغنى عن الاعادة فصل فأما إذا انفرد بنقل حديث واحد لا يرويه غيره لم يرد خبره وكذلك لو انفرد بإسناد ما أرسله غيره أو رفع ما وقفه غيره أو يزيادة لا ينقلها غيره وقال بعض أصحاب الحديث يرد وقال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله إذا لم ينقل الأصل لم يقبل وهذا خطأ لأنه يجوز أن يكون أحدهم سمع الحديث كله والآخر سمع بعضه أو أحدهم سمعه مسندا أو مرفوعا فلا تترك رواية الثقة لذلك","part":1,"page":236},{"id":182,"text":"50 - باب القول في ترجيح أحد الخبرين له على الآخر وجملته أنه إذا تعارض خبران وأمكن الجمع بينهما وترتيب احدهما على الآخر في الاستعمال فعل وإن لم يكن ذلك وأمكن نسخ أحدهما\rبالآخر فعل على ما بينه في باب بيان الأدلة التي جوز التخصيص لها وما لا يجوز فإن لم يكن ذلك رجح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح والترجيح يدخل في موضعين أحدهما في الاسناد والآخر في المتن فأما الترجيح في الاسناد فمن وجوه احدها ان يكون أحد الراويين صغيرا والآخر كبيرا فيقدم رواية الكبير لأنه أضبط ولهذا قدم ابن عمر روايته في الإفراد على رواية أنس فقال إن أنسا كان صغيرا يتولج على النساء وهن متكشفات وأنا آخذ بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يسيل علي لعابها","part":1,"page":237},{"id":183,"text":"والثاني أن يكون أحدهما أفقه من الآخر فيقدم على من دونه لأنه اعرف بما يسمع والثالث أن يكون أحدهما أقر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقدم لأنه أوعى والرابع ان يكون أحدهما مباشرا للقصة أو تتعلق القصة به فيقدم لأنه اعرف من الأجنبي والخامس أن يكون أحد الخبرين أكثر رواة فيقدم على الخبر الآخر ومن أصحابنا من قال لا يقدم كما لا تقدم الشهادة بكثرة العدد والأول أصح لأن قول الجماعة أقوى في الظن وباعد عن السهو ولهذا قال الله تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى (1) والسادس أن يكون أحد الروايين أكثر صحبة فروايته أولى لأنه اعرف بما دام من السنن والسابع أن يكون أحدهما أحسن سياقا للحديث فيقدم لحسن\rعنايته بالخبر","part":1,"page":238},{"id":184,"text":"والثامن أن يكون احدهما متأخر الإسلام فيقدم لأنه يحفظ آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك إذا كان أحدهما متأخر ذلك الصحبة كابن عباس وابن مسعود فرواية المتأخر منهما تقدم وقال بعض أصحاب أبي حنيفة رحمه الله لا يقدم بالتأخير لأن المتقدم عاش حتى مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فساوى المتأخر في الصحبة وزاد عليه بالتقدم وهذا غير صحيح لأنه وإن كان قد ساوى المتأخر في الصحبة إلا أن سماع المتأخر متحقق التأخر وسماع المتقدم يحتمل التأخر والتقدم فما تأخر بيقين أولى ولهذا قال ابن عباس كنا نأخذ من أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فالأحدث","part":1,"page":239},{"id":185,"text":"والتاسع أن يكون أحد الروايين أورع أو أشد إحتياطا فيما يروى فتقدم روايته لاحتياطه في النقل والعاشر أن يكون أحدهما قد اضطرب لفظه والآخر لم يضطرب فيقدم من لم يضطرب لفظه لأن اضطراب لفظه يدل على ضعف حفظه والحادي عشر أن يكون أحد الخبرين من رواية أهل المدينة فيقدم علي رواية غيرهم لأنهم يرثون افعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته التي مات عليها فهم أعرف بذلك من غيرهم والثاني عشر ان يكون راوي أحد الخبرين قد اختلفت الرواية عنه والاخر لم تختلف عنه فاختلف أصحابنا في ذلك فمنهم من قال تتعارض الروايتان عمن اختلفت الرواية عنه وتقسطان محمد وتبقى رواية من لم تختلف عنه\rالرواية ومنهم من قال ترجح إحدى الروايتين عمن اختلفت الرواية عنه على الرواية الأخرى برواية من لم تختلف الرواية عنه فصل وأما ترجيح المتن فمن وجوه أحدها أن يكون احد الخبرين موافقا لدليل آخر من كتاب أو سنة أو قياس فيقدم على الآخر لمعاضدة الدليل له والثاني أن يكون أحد الخبرين عمل به الأئمة فهو أولى لأن عملهم به يدل على أنه آخر الأمرين وأولاهما وهكذا إذا عمل بأحد الخبرين","part":1,"page":240},{"id":186,"text":"أهل الحرمين فهو أولى لأن عملهم به يدل على أنه قد استقر عليه الشرع وورثوه والثالث أن يكون أحدهما يجمع النطق والدليل فيكون أولى ما يجمع أحدهما لأنه أبين والرابع أن يكون أحدهما نطقا والاخر دليلا فالنطق أولى من الدليل لأن النطق مجمع عليه والدليل مختلف فيه والخامس أن يكون أحدهما قولا وفعلا والآخر أحدهما فالذي يجمع القول والفعل أولى لأنه أقوى لتظاهر الدليلين وإن كان أحدهما قولا والاخر فعلا ففيه أوجه قد مضت في باب الأفعال والسادس أن يكون أحدهما قصد به الحكم والآخر لم يقصد به الحكم فالذي قصد به الحكم أولى لأنه ابلغ في بيان الغرض وإفادة المقصود والسابع أن يكون أحدهما ورد على سبب والآخر ورد على غير سبب فالذي ورد على غير سبب أولى لأنه متفق على عمومه والوارد على\rسبب مختلف في عمومه والثامن أن يكون أحد الخبرين قضى به على الآخر فالذي قضى به منهما أولى لأنه ثبت له حق التقدم والتاسع أن يكون احدهما إثابتا والآخر نفيا فيقدم الاثبات لأن مع المثبت زيادة علم فالأخذ بروايته أولى","part":1,"page":241},{"id":187,"text":"والعاشر أن يكون أحدهما ناقلا والاخر منفيا فالناقل أولى لأنه يفيد حكما شرعيا والحادي عشر أن يكون أحدهما احتياطا فيقدم على الذي لا احتياط فيه لأن الأحوط للدين أسلم والثاني عشر أن يكون أحدهما يقتضي الحظر والاخر الاباحة ففيه وجهان أحدهما أنهما سواء والثاني أن الذي يقتضي الحظر أولى وهو الصحيح لأنه أحوط","part":1,"page":242},{"id":188,"text":"الكتاب الثامن القول في الاجماع معنى الاجماع وإثباته وحجيته ما ينعقد به الاجماع ما يعرف به الاجماع ما يصح به الاجماع الاجماع بعد الخلاف اختلاف الصحابة\rقول الواحد من الصحابة وترجيح بعضهم على بعض","part":1,"page":243},{"id":189,"text":"القول في الاجماع 51 - باب ذكر معنى الاجماع واثباته الاجماع في اللغة يحتمل معنيين أحدهما الاجماع على الشئ والثاني العزم على الأمر والقطع به من قولهم أجمعت على الشئ إذا عزمت عليه وأما في الشرع فهو اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة فصل وهو حجة من حجج الشرع ودليل من أدلة الاحكام مقطوع على مغيبة وذهب النظام والرافضة إلى أنه ليس بحجة ومنهم من قال لا يتصور انعقاد الاجماع ولا سبل إلى معرفته فالدليل على أنه يتصور انعقاده هو أن الاجماع إنما ينعقد عن دليل من نص أو استنباط وأهله مأمورون بطلب ذلك الدليل ودواعيهم متوفرة في الاجتهاد وفي إصابته فصح اتفاقهم على إدراكه والاجماع موجبة كما يصح اجتماع الناس على رؤية الهلال والصوم والفطر بسببه والدليل على إمكان معرفة ذلك من جهتهم صحة السماع من حضر والاخبار عمن غاب يعرف بذلك اتفاقهم كما تعرف أديان أهل الملل مع تفرقهم في البلاد وتابعدهم إلى في الأوطان والدليل على أنه حجة قوله عز وجل ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم","part":1,"page":245},{"id":190,"text":"وساءت مصيرا (1) فتوعد على اتباع غير سبيلهم فدل على أن إتباع سبيلهم واجب ومخالفتهم حرام وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم لا تجتمع أمتي على الخطأ وروى لا تجتمع أمتي على الضلالة","part":1,"page":246},{"id":191,"text":"وقوله صلى الله عليه وسلم من فارق الجماعة ولو قيد شبر فقد خلع ربقه الإسلام من عنقه","part":1,"page":247},{"id":192,"text":"ونهى عن الشذوذ وقال من شذ شذ في النار فدل على وجوب العمل بالاجماع","part":1,"page":248},{"id":193,"text":"فصل والاجماع حجة من جهة الشرع ومن الناس من قال هو حجة من جهة العقل والشرع جميعا وهذا خطأ لأن العقل لا يمنع إجماع الخلق الكثير على الخطأ وبهذا اجمع اليهود على كثرتهم والنصارى على كثرتهم على ما هم عليه من الكفر والضلال على أن ذلك ليس بحجة من جهة العقل","part":1,"page":249},{"id":194,"text":"52 - باب ذكر ما ينعقد به الاجماع وما جعل حجة فيه اعلم أن الاجماع لا ينعقد إلا على دليل فإذا رأيت إجماعهم على حكم علمنا أن هناك دليلا جمعهم سواء عرفنا ذلك الدليل أو لم نعرفه ويجوز أن ينعقد على كل دليل يثبت به الحكم كأدلة العقل في الأحكام ونص الكتاب والسنة وفحواهما كان وأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم واقراره والقياس وجميع وجوه الاجتهاد وقال داود وابن جرير لا يجوز أن ينعقد الاجماع من جهة القياس فأما داود فبناه على أن القياس ليس بحجة ويجئ الكلام عليه إن شاء الله تعالى وأما ابن جرير فالدليل على فساد قوله هو أن القياس دليل من أدلة الشرع فجاز ان ينعقد الاجماع من جهتة كالكتاب والسنة\rفصل والاجماع حجة في جميع الأحكام الشرعية كالعبادات والمعاملات واحكام الدماء والفروج وغير ذلك من الحلال والحرام والفتاوى والاحكام فأما الاحكام العقلية فعلى ضربين","part":1,"page":250},{"id":195,"text":"أحدهما يجب تقديم العمل به على العلم بصحة الشرع كحدث العالم واثبات الصانع وإثبات صفاته واثبات النبوة وما أشبهها فلا يكون الاجماع حجة فيه لنا قد بينا أن الاجماع دليل شرعي ثبت بالسمع فلا يجوز أن يثبت حكما يجب معرفته قبل السمع كما لا يجوز أن يثبت الكتاب بالسنة والكتاب يجب العمل به قبل السنة والثاني ما لا يجب تقديم العمل به على السمع وذلك مثل جواز الرؤية وغفران الله تعالى للمذنبين وغيرهما مما يجوز أن يعلم بعد السمع فالاجماع حجة فيها لأنه يجوز أن يعلم بعد الشرع والاجماع من أدلة الشرع فجاز إثبات ذلك به وأما أمور الدنيا كتجيهز أبو الجيوش وتدبير الحروب والعمارة والزراعة وغيرها من مصالح الدنيا فالاجماع ليس بحجة فيها لأن الاجماع فيها ليس بأكثر من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثبت أن قوله إنما هو حجة في إجماع الشرع دون مصالح الدنيا ولهذا روي أنه صلى الله عليه وسلم نزل منزلا فقيل له إنه ليس برأي فتركه","part":1,"page":251},{"id":196,"text":"باب ما يعرف به الاجماع اعلم أن الاجماع يعرف بقول وفعل وقول وإقرار وفعل وإقرار فأما القول فهو أن يتفق قول الجميع على الحكم بأن يقولوا كلهم هذا حلال أو حرام\rوالفعل أن يفعلوا كلهم الشئ وهل يشترط انقراض العصر في هذا أم لا فيه وجهان من اصحابنا من قال يشترط فيه انقراض العصر وإذا لم ينقرض العصر لم يكن إجماعا ولا حجة ومنهم من قال إنه إجماع ولا يشترط فيه انقراض العصر وهو الأصح لقوله صلى الله عليه وسلم لا تجتمع امتي على ضلالة ولأن من جعل قوله حجة لم يعتبر موته في كونه حجة كالرسول صلى الله عليه وسلم فإذا قلنا أن ذلك إجماع فإذا أجمعت الصحابة على قول ولم ينقرضوا لم يجز لأحد منهم أن يرجع عما اتفقوا عليه وإن كبر منهم صغير وصار من اهل الاجتهاد بعد إجماعهم لم يعتبر قوله ولم تجز له مخالفتهم وإذا قلنا أنه ليس بإجماع وأن انقراض العصر شرط جاز لهم الرجوع عما اتفقوا عليه وجاز لمن كبر منهم وصار من أهل الاجتهاد أن يخالفهم فصل وأما القول والاقرار فهو أن يقول بعضهم قولا فينشر","part":1,"page":253},{"id":197,"text":"ذلك في الباقين فيسكنوا عن مخالفته والفعل والاقرار هو أن يفعل بعضهم شيئا فيتصل بالباقين فيسكتوا عن الانكار عليه فالمذهب أن ذلك حجة وإجماع بعد انقراض العصر وقال الصيرفي هو حجة ولكن لا يمسي إجماعا وقال أبو علي بن أبي هريرة إن كان ذلك فتيا فقيها فسكتوا عنه فهو حجة وإن كان حكم إمام أو حاكم لم يكن حجة وقال داود ليس بحجة بحال والدليل على ما قلناه أن العادة أن أهل الاجتهاد إذا سمعوا جوابا في حادثة حدثت اجتهدوا فاظهروا ما عندهم فلما لم يظهروا الخلاف فيه دل على انهم راضون بذلك وأما قبل انقراض العصر ففيه طريقان من أصحابنا من قال ليس بحجة وجها واحدا ومنهم من قال هو على وجهين كالاجماع من جهة القول والفعل","part":1,"page":254},{"id":198,"text":"باب ما يصح من الاجماع وما لا يصح ومن يعتبر قوله ومن لا يعتبر واعلم أن اجماع سائر الأمم سوى هذه الأمة ليس بحجة وقال بعض الناس إجماع كل امة حجة وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق الاسفرائيني والدليل على فساد ذلك ما بينا أن الاجماع إنما صار حجة بالشرع والشرع لم يرد إلا بعصمة هذه الأمة فوجب جواز الخطأ على من سواها من الأمم فصل وأما هذه الأمة فإجماع علماء كل عصر منهم حجة على العصر الذي بعدهم وقال داود إجماع غير الصحابة ليس بحجة والدليل على ما قلنا قوله تعالى ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى (1) الاية ولم يفرق قوله صلى الله عليه وسلم لا يخلو عصر من قائم الله عز وجل بحجة ولأنه اتفقا من علماء العصر على حكم الحادثة فأشبه الصحابة","part":1,"page":255},{"id":199,"text":"فصل ويعتبر في صحة الاجماع اتفاق جميع علماء العصر على الحكم فإن خالف بعضهم لم يكن ذلك إجماعا ومن الناس من قال إن كان المخالفون أقل عددا من الموافقين لم يعتد بخلافهم وقال بعضهم إن كان المخالفون عدد لا يقع العلم بخبرهم لم يعتد بهم ومن الناس من قال إذا أجمع أهل الحرمين مكة والمدينة والمصرين البصرة والكوفة لم يعتد بخلاف غيرهم وقال مالك إذا اجتمع أهل المدينة لم يعتد بخلاف غيرهم وقال الابهري من أصحابه إنما أراد به فيما طريقة الأخبار كالأجناس والصاع وقال بعض أصحابه إنما اراد به الترجيح بنقلهم وقال\rبعضهم إنما أراد به في زمن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وقال بعض الفقهاء إذا أجمع الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم لم يعتد بغيرهم وقال الرافضة إذا قال علي كرم الله وجهه شيئا لم يعتد بغيره والدليل على فساد هذه الأقاويل إن الله سبحانه إنما أخبر عن عصمة جميع الأمة فدل على جواز الخطأ على بعضهم","part":1,"page":256},{"id":200,"text":"فصل ويعتبر في صحة الاجماع اتفاق كل من كان من أهل الاجتهاد سواء كان مدرسا مشهورا أو خاملا مستورا وسواء كان عدلا امينا أو فاسقا متهتكا لأن المعول في ذلك على الاجتهاد والمهجور كالمشهور والفاسق كالعدل في ذلك فصل ولا فرق بين أن يكون المجتهد من أهل عصرهم أو لحق بهم من العصر الذي بعدهم وصار من أهل الاجتهاد وعند الحادثة كالتابعي إذا أدرك الصحابة في حال حدوث الحادثة وهو من أهل الاجتهاد ومن أصحابنا من قال لا يعتد بقول التابعين مع الصحابة والدليل على ما قلناه هو أن سعيد بن المسيب والحسن وأصحاب عبد الله بن مسعود كشريخ أو والأسود وعلقمة كانوا يجتهدون في زمن الصحابة ولم ينكر عليهم أحد ولأنه من أهل الاجتهاد عند حدوث الحادثة فاعتد بقوله كاصاغر) الصحابة فصل وأما من خرج من الملة بتأويل أو من غير تأويل فلا يعتد","part":1,"page":257},{"id":201,"text":"بقوله في الاجماع فإن أسلم وصار من أهل الاجتهاد عند الحادثة اعتبر قوله وإن انعقد الاجماع وهو كافر ثم أسلم وصار من أهل الاجتهاد فإن قلنا أن\rانقراض العصر ليس بشرط لم يعتبر قوله وإن قلنا إنه شرط اعتبر قوله فإن خالفهم لم يكن إجماعا فصل وأما من لم يكن من أهل الاجتهاد في الأحكام كالعامة والمتكلمين والأصوليين لم يعتبر قولهم في الاجما وقال بعض المتكلمين يعتبر قول العامة في الاجماع وقال بعضهم يعتبر قول المتكلمين والأصوليين وهذا غير صحيح لأن العامة لا يعرفون طرق الاجتهاد فهم كالصبيان وأما المتكلمون والأصولين فلا يعرفون جميع طرق الأحكام فلا يعتبر قولهم كالفقهاء إذا لم يعرفوا أصول الفقه","part":1,"page":258},{"id":202,"text":"55 - باب الاجماع بعد الخلاف إذا اختلف الصحابة في المسألة على قولين وانقرض العصر جاز للتابعين أن يتفقوا على أحدهما ومن أصحابنا من قال لا يتصور ذلك لأن اختلافهم على قولين حجة في جواز الأخذ بكل واحد منهما لا يجوز عليها الخطأ وإجماع التابعين على تحريم احدهما حجة لا يجوز عليها الخطأ فلا يصح اجتماعهما وهذا غير صحيح لأن اصحابة إذا اجتمعت على جواز الأخذ بكل واحد من القولين صار التابعون في القول بتحريم احدهما بعض الأمة والخطأ جائز على بعض الأمة فصل وإذا اجتمع التابعون على أحد القولين لم يزل بذلك خلاف الصحابة ويجوز لتابع التابعين الأخذ بكل واحد من القولين وقال ابن خيرون والقفال يزول الخلاف وتصير المسألة إجماعا وهو قول المعتزلة والدليل على ما قلناه أن اختلافهم على قولين إجماع على جواز الأخذ بكل واحد من القولين وما اجتمعت الصحابة على جوازه لا يجوز","part":1,"page":259},{"id":203,"text":"تحريمه بإجماع التابعين كما إذا اجمعوا على تحليل شئ لم يجز تحريمه بإجماع التابعين فصل واما إذا اختلفت الصحابة على قولين ثم اجتمعت على أحدهما نظرت عبد فإن كان ذلك قبل ان يبرد الخلاف ويستقر كخلاف الصحابة لأبي بكر رضي الله عنه في قتال مانعي الزكاة وإجماعهم بعد ذلك زال الخلاف وصارت المسألة بعد ذلك إجماعا بلا خلاف وإن كان ذلك بعدما برد الخلاف واستقر فإن قلنا إنه إذا اجتمع التابعون زال","part":1,"page":260},{"id":204,"text":"الخلاف باجماعهم فباجماعهم عليه اولى أن يزول وإذا قلنا أن بإجماع التابعين لا يزول الخلاف بنيت على انقراض العصر فإن قلنا أن ذلك شرط في صحة الاجماع جاز لأن اختلافهم على قولين ليس بأكثر من اجتماعهم على قول واحد فإذا جاز لهم أن يرجعوا قبل انقراض العصر فرجوعهم عما اختلفوا فيه أولى وإذا قلنا أن انقراض العصر ليس بشرط لم يجز أن يجمعوا لأن اختلافهم على قولين حجة لا يجوز عليها الخطأ في تجويز الأخذ بكل واحد من القولين فلا يجوز الاجماع على ترك حجة لا يجوز عليها الخطأ","part":1,"page":261},{"id":205,"text":"56 - باب القول في اختلاف الصحابة على قولين واعلم أنه إذا اختلفت الصحابة في المسألة على قولين وانقرض العصر عليه لم يجز للتابعين احداث قول ثالث وقال بعض أهل الظاهر يجوز ذلك والدليل على فساد ذلك هو أن اختلافهم على قولين إجماع على إبطال\rكل قول سواهما كما أن إجماعهم على قول كل واحد إجماع على إبطال كل قول سواه فلما لم يجز إحداث قول ثان فيما أجمعوا فيه على قول واحد لم يجز احداث قول ثالث فيما أجمعوا فيه على قولين فصل فأما إذا اختلفت الصحابة في مسألتين على قولين فقالت طائفة فيهما بالتحليل وقالت طائفة فيهما بالتحريم ولم يصرحوا بالتسوية بينهما في الحكم جاز للتابعي أن يأخذ في إحدى المسألتين بقول طائفة وفي المسألة الأخرى بقول الطائفة الأخرى فيحكم بالتحليل في أحدى المسألتين وبالتحريم في المسألة الأخرى ومن الناس من زعم أن هذا احداث قول ثالث وهذا خطأ لأنه وافق في كل واحد من المسألتين فريقا من الصحابة وأما إذا صرح الفريقان بالتسوية بين المسألتين فقال أحد الفريقين الحكم فيهما واحد وهو التحريم وقال الفريق الآخر الحكم فيهما واحد وهو التحليل وأخذ بقول فريق في أحدهما وبقول فريق في الآخر","part":1,"page":262},{"id":206,"text":"فقال شيخنا القاضي أبو الطيب رحمه الله يحتمل أن يجوز ذلك لأنه لم يحصل الاجماع على التسوية بينما في حكم الأول أصح لأن الاجماع قد حصل من الفريقين على التصريح بالتسوية بينهما فمن فرق بينهما فقد خالف الاجماع وذلك لا يجوز","part":1,"page":263},{"id":207,"text":"57 - باب القول في قول الواحد من الصحابة وترجيح بعضهم على بعض إذا قال بعض الصحابة قولا ولم ينتشر ذلك في علماء الصحابة ولم يعرف له مخالف لم يكن ذلك إجماعا وهل هو حجة أم لا فيه قولان\rقال في القديم هو حجة ويقدم على القياس وهو قول جماعة من الفقهاء وهو قول أبي علي الجبائي وقال في الجديد ليس بحجة وهو الصحيح وقال أصحاب أبي حنيفة إذا خالف القياس فهو توقيف يقدم على القياس وذكروا ذلك من كل وجه في قول ابن عباس فيمن نذر ذبح ابنه","part":1,"page":264},{"id":208,"text":"وفي قول عائشة رضي الله عنها في قصة زيد بن أرقم","part":1,"page":266},{"id":209,"text":"وغير ذلك من المسائل والدليل على أنه ليس بحجة أن الله سبحانه وتعالى إنما أمر باتباع سبيل جميع المؤمنين فدل على أن إتباع بعضهم لا يجب ولأنه قول عالم يجوز أقراره على الخطأ فلم يكن حجة كقول التابعي والدليل على أنه ليس بتوقيف أنه لو كان توقيفا لنقل في وقت من الأوقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما لم ينقل دل على أنه ليس بتوقيف فصل وإذا قلنا بقوله القديم وأنه حجة قدم على القياس ويلزم التابعي العمل به ولايجوز له مخالفته وهل يخص العموم به فيه وجهان احدهما يخص به لأنه إذا قدم على القياس بتخصيص العموم أولى والثاني لا يخص به لأنهم كانوا يرجعون إلى العموم ويتركون ما كانوا عليه فدل على أنه لا يجوز التخصيص به وإذا قلنا أنه ليس بحجة فالقياس مقدم عليه","part":1,"page":267},{"id":210,"text":"ويسوغ للتابعي مخالفته وقال الصيرفي إن كان معه قياس ضعيف كان قوله مع القياس الضعيف أولى من قياس قوي وهذا خطأ لأن قوله ليس بحجة والقياس الضعيف ليس بحجة فلا يجوز أن يترك بمجموعهما قياس هو حجة\rفصل فأما إذا اختلفوا على قولين بنيت على القولين في أنه حجة أو ليس بحجة فإذا قلنا أنه ليس بحجة لم يكن قول بعضهم حجة على البعض ولم يجز تقليد واحد في الفريقين بل يجب الرجوع إلى الدليل وإذا قلنا أنه حجة فيهما فهما دليلان تعارضا فيرجع أحد القولين عالي الآخر بكثرة العدد فإذا كان على أحد القولين أكثر أصحابه وعلى القول الآخر الأقل قدم ما عليه الأكثر لقوله صلى الله عليه وسلم عليكم بالسواد الأعظم فإن استويا في العدد قدم بالأئمة","part":1,"page":268},{"id":211,"text":"فإن كان على أحدهما إمام وليس على الآخر قدم الذي عليه الأمام لقوله صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي فإن كان على أحدهما الأكثر وعلى الآخر الأقل إلا أن مع الأقل إماما فهما سواء لأن مع أحدهما زيادة عدد ومع الآخر إماما فتساويا وإن استويا في العدد والأئمة إلا أن في أحدهما أحد الشيخين وفي الآخر غيرهما ففيه","part":1,"page":269},{"id":212,"text":"وجهان أحدهما أنهما سواء لقوله صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم","part":1,"page":270},{"id":213,"text":"والثاني إن الذي فيه أحد الشيخين أولى لقوله صلى الله عليه وسلم اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر فخصهما بالذكر","part":1,"page":271},{"id":214,"text":"الكتاب التاسع الكلام في القياس\rحد القياس إثبات القياس وحجيته أقسام القياس ما يشتمل القياس عليه بيان الاصل بيان العلة بيان الحكم ما يدل على صحة العلة ما يفسد العلة تعارض العلتين ترجيح إحدى العلتين","part":1,"page":273},{"id":215,"text":"الكلام في القياس 58 - باب بيان حد القياس واعلم أن القياس حمل فرع على أصل في بعض أحكامه بمعنى يجمع بينهما وقال بعض أصحابنا القياس هو الأمارة على الحكم وقال بعض الناس هو فعل القائس وقال بعضهم القياس هو اجتهاد والصحيح هو الأول لأنه يطرد وينعكس ألا ترى أنه يوجد بوجوده القياس وبعدمه يعدم القياس فدل على صحته فأما الأمارة فلا تطرد ألا ترى أن زوال الشمس أمارة على دخول الوقت وليس بقياس وفعل القائس أيضا لا معنى له لأنه لو كان ذلك صحيحا لوجب أن يكون كل فعل يفعله القائس من المشي والقعود قياسا وهذا لا يقوله أحد فبطل تحديده بذلك\rوأما الاجتهاد فهو أعم من القياس لأن الاجتهاد بذل المجهود في طلب الحكم وذلك يدخل فيه حمل المطلق على المقيد وترتيب العام على الخاص وجميع الوجوه التي يطلب منها الحكم وشئ من ذلك ليس بقياس فلا معنى لتحديد القياس به","part":1,"page":275},{"id":216,"text":"59 - باب إثبات القياس وما جعل حجة فيه وجملته أن القياس حجة في إثبات الأحكام العقلية وطريق من طرقها وذلك مثل حدث العالم وإثابت الصانع وغير ذلك ومن الناس من أنكر ذلك والدليل على فساد قوله إن اثبات هذه الأحكام لا يخلو إما أن يكون بالضرورة أو بالاستدلال والقياس لا يجوز أن يكون بالضرورة لأنه لو كان كذلك لم يختلف العقلاء فيها فثبت أن اثباتها بالقياس والاستدلال بالشاهد على الغائب فصل وكذلك هو حجة في الشرعيات وطريق لمعرفة الأحكام ودليل من أدلتها من جهة الشرع وقال أبو بكر الدقاق هو طريق من طرقها يجب العمل به من جهة العقل والشرع وذهب النظام والشيعة وبعض المعتزلة البغداديين إلى أنه ليس بطريق للأحكام الشرعية ولا يجوز ورود التعبد به من جهة العقل","part":1,"page":276},{"id":217,"text":"وقال داود وأهل الظاهر يجوز أن يرد التعبد به من جهة العقل إلا أن الشرع ورد بحظره والمنع منه والدليل على أنه لا يجب العمل به من جهة العقل أن تعليق تحريم\rالتفاضل على الكيل أو الطعم في العقل ليس بأولى تعليق التحليل عليهما ولهذا يجوز أن يرد الشرع بكل واحد من الحكمين بدلا عن الآخر وإذا استوى الأمر أن في التجويز يبطل أن يكون العقل موجبا لذلك وأما الدليل على جواز ورود التعبد به من جهة العقل هو أنه إذا جاز أن يحكم في الشئ بحكم لعلة منصوص عليها جاز أن يحكم فيه بعلة غير منصوص عليها وينصب عليها دليلا يتوصل به إليها ألا ترى أنه لما جاز ان يؤمر من عاين القبلة بالتوجه إليها جاز أيضا أن يؤمر من غاب عنها أن يتوصل بالدليل إليها وأما الدليل على ورود الشرع به ووجوب العمل به فإجماع الصحابة وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله عز وجل ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يجد","part":1,"page":277},{"id":218,"text":"جمع رؤساء الناس فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على شئ قضي به","part":1,"page":278},{"id":219,"text":"وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رحمه الله في الكتاب الذي اتفق الناس على صحته الفهم فيما أدى اليك مما ليس في قرآن ولا سنة ثم قس الأمور عند ذلك وقال لعمثان أبي رضي الله عنه إني رأيت في الجد رأيا فاتبعوني فقال له عمثان ان نتبع رأيك فرأيك رشيد وإن نتبع رأي من قبلك فنعم ذا الرأي كان","part":1,"page":279},{"id":220,"text":"وقال علي كرم الله وجهه كان رأيي ورأي أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ان لا تباع أمهات الأولاد رأيي الآن أن يبعن فقال له عبيدة\rالسلماني رأي وي عدل أحب إلينا من رأيك وحدك وفي بعض الروايات من رأي عدل واحد فدل على جواز العمل بالقياس","part":1,"page":280},{"id":221,"text":"فصل وثبت بالقياس جميع الأحكام الشرعية جملها وتفصيلها وحدودها وكفاراتها ومقدراتها (وقال أبو هاشم لا يثبت بالقياس إلا تفصيل ما ورد النص عليه وإما إثبات جمل لم يرد بها النص فلا يجوز بالقياس وذلك كميراث الأخ لا يجوز أن يبتدأ إيجابه بالقياس ولكن إذا ثبت بالنص ميراثه جاز إثبات إرثه مع الحد بالقياس وقال أصحاب أبي حنيفة لا مدخل للقياس في إثبات الحدود والكفارات والمقدرات كالنصب في الزكوات والمواقيت في الصلوات وهو قول الجبائي","part":1,"page":281},{"id":222,"text":"ومنهم من قال يجوز ذلك بالاستدلال دون القياس والدليل على ما قلناه أن هذه الأحكام يجوز إثباتها بخير والواحد فجاز إثباتها بالقياس كسائر الأحكام فصل فأما الأسماء واللغات فهل يجوز أثباتها بالقياس فيه وجهان أصحهما أنه يجوز وقد مضى في أول الكتاب فصل وأما ما طريقة العادة والخلقة كأقل الحيض وأكثره وأقل النفاس وأكثره وأقل الحمل وأكثره فلا مجال للقياس فيه لأن معناها لا يعقل بل طريق إثابتها خبر الصادق وكذلك ما طريقة الرواية والسماع كقرآن النبي صلى الله عليه وسلم وافراده ودخوله إلى مكة صلحا أو عنوة فهذا كله لا مجال\rللقياس فيه","part":1,"page":282},{"id":223,"text":"60 - باب أقسام القياس قال الشيخ الإمام الأوحد نور الله قبره وبرد مضجعه قد ذكرت في الملخص في الجدل أقسام القياس مشروحا وأنا أعيد القول في ذلك ههنا على ما يتقضيه هذا الكتاب إن شاء الله تعالى فأقول وبالله التوفيق إن القياس على ثلاثة أضرب قياس علة وقياس دلالة وقياس شبه فأما قياس العلة فهو أن يرد الفرع إلى الأصل بالبينة التي علق الحكم عليها في الشرع وقد يكون ذلك معنى يظهر وجه الحكمة فيه للمجتهد كالفساد الذي في الخمر وما فيها من الصد عن ذكر الله عز وجل وعن الصلاة وقد يكون معنى استأثر الله عز وجل بيانه فيه بوجه الحكمة كالطعم في تحريم الربا والكيل وهذا الضرب من القياس ينقسم قسمين جلي وخفي فأما الجلي فهوما لا يحتمل إلا معنى واحدا وهو ما ثبتت عليه بدليل قاطع يحتمل التأويل وهو أنواع بعضها أجلى من بعض فأجلاها ما صرح فيه بلفظ التعليل كقوله تعالى كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم (1)","part":1,"page":283},{"id":224,"text":"وكقوله صلى الله عليه وسلم إنما نهيتكم لأجل الدافة فصرح لفظ التعليل ويليه ما دل عليه التنبيه من جهة الولى كقوله تعالى فلا تقل لهما أف فنبه على أن الضرب اولى بالمنع وكنهيه عن التضحية بالعوراء فإنه يدل على أن العمياء أولى بالمنع","part":1,"page":284},{"id":225,"text":"ويليه ما فهم من اللفظ من غير جهة الاولى كنهيه عن البول في الماء\rالراكد الدائم","part":1,"page":285},{"id":226,"text":"والأمر بإراقة السمن الذائب إذا وقعت فيه الفأرة فإنه يرعف من لفظه أن الدم مثل البول والشيرج مثل السمن وكذلك كل ما استنبط من العلل وأجمع المسلمون عليها فهو جلي كإجماعهم على أن الحد للردع والزجر عن ارتكاب المعاصي ونقصان حد العبد عن حد الحر لرقة فهذا الضرب من القياس لا يحتمل إلا معنى واحدا وينقض به حكم الحاكم إذا خالفه كما ينقض إذا خالف النص والاجماع فصل وأما الخفي فهو ما كان محتمل وهو ما ثبت بطريق محتمل وهو أنواع بعضها أظهر من بعض فأظهرها ما دل عليه ظاهر","part":1,"page":286},{"id":227,"text":"مثل الطعم في الربا فإنه علم من نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع المطعوم قوله لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثل بمثل فإنه تعلق النهي على الطعم فالظاهر أنه علة وكما روى أن بريرة اعتقت فكان زوجها عبدا فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فالظاهر أنه خيرها لعبودية ما الزوج ويليه ما عرف بالاستنباط ودل عليه التأثير كالشدة المطربة في الخمر فإنه لما وجد التحريم بوجودها وزال","part":1,"page":287},{"id":228,"text":"بزوالها دل على أنها هي العلة وهذا الضرب من القياس محتمل أن يكون الطعام أراد به ما يطعم ولكن حرم فيه التفاضل المعني غير الطعم وكذلك حديث بريرة يحتمل أنه أثبت الخيار لرقه ويحتمل أن يكون لمعنى آخر ويكون ذكر رق الزوج تعريفا وكذلك التحريم في الخمر\rيجوز أن يكون للشدة المطربة ويجوز أن يكون لإسم الخمر فإن الإسم يوجد بوجود الشدة ويزول بزوالها فهذا لا ينقض به حكم الحاكم فصل وأما الضرب الثاني من القياس وهو قياس الدلالة فهو أن ترد الفرع إلى الأصل بمعنى غير المعنى الذي علق عليه الحكم في الشرع إلا أنه يدل على وجود علة الشرع وهذا على اضرب منها أن يستدل بخصيصة من خصائص الحكم على الحكم وذلك مثل أن يستدل على منع وجوب سجود التلاوة بجواز فعلها على الراحلة فإن جوازه على الراحلة من أحكام النوافل ويليه ما يستدل بنظير الحكم على الحكم كقولنا في وجوب الزكاة في مال الصبي أنه يجب العشر في زرعه فوجبت الزكاة في ماله كالبالغ كقولنا وكقولنا في ظهار الذمي أنه يصح طلاقه يصح ظهاره","part":1,"page":288},{"id":229,"text":"فيستدل بالعشر على ربع العشر وبالطلاق على الظاهر لأنهما نظيران فيدل احدهما على الآخر وهذا الضرب من القياس يجري مجرى الخفي من قياس العلة في الاحتمال إلا أن يتفق فيه ما يجمع على دلالته فيصير كالجلي لا في نقض الحكم به فصل والضرب الثالث هو قياس الشبه وهو أن تحمل فرعا على الاصل بضرب من الشبه وذلك مثل أن يتردد الفرع بين أصلين يشبه أحدهما في ثلاثة اوصاف ويشبه الاخر في وصفين فيرد إلى أشبه الأصلين به وذلك كالعبد يشبه الحر في أنه آدمي مخاطب مثاب معاقب ويشبه البهيمة في أنه مملوك مقوم فيلحق بما هو أشبه به وكالوضوء يشبه التميم في إجياب أن النية من جهة أنه طهارة عن حدث ويشبه إزالة النجاسة في أنه طهارة بمائع فيلحق بما هو أشبه به فهذا اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال إن ذلك\rيصح وللشافعي ما يدل عليه ومنهم من قال لا يصح وتأول ما قال الشافعي على انه أراد به أنه يرجح به قياس العلة بكثرة الشبه واختلف القائلون بقياس الشبه فمنهم قال الشبه الذي يرد به الفرع إلى الأصل يجب أن يكون حكما ومنهم من قال يجوز أن يكون حكما ويجوز أن يكون صفة قال الشيخ الإمام رحمه الله والشبه عندي قياس الشبه لا يصح لأنه ليس بعلة الحكم عند الله تعالى ولا دليل على العلة فلا يجوز تعليق الحكم عليه فصل وأما الاستدلال فإنه يتفرع على ما ذكرناه من أقسام القياس وهو على أضرب منها الاستدلال ببيان العلة وذلك ضربان أحدهما أن يبين علة","part":1,"page":289},{"id":230,"text":"الحكم في الأصل ثم يبين أن الفرع يساويه في العلة مثل أن يقول أن علة إيجاب القطع الردع والزجر عن أخذ الأموال فهذا المعنى موجود في سرقة الكفن فوجب أن يجب فيها القطع والثاني أن يبين علة الحكم في الأصل ثم يبين أن الفرع يساويه في العلة ويزيد عليه مثل أن يقول إن الكفارة إما وجبت في القتل بالقتل الحرام وهذا المعنى يوجد في العمد ويزيد عليه بالاثم فهو بإيجاب الكفارة أولى فهذا حكمه حكم القياس في جميع أحكامه وفرق أصحاب أبي حنيفة رحمه الله بين القياس وبين الاستدلال فقالوا الكفارة لا يجوز إثابتها بالقياس ويجوز أثباتها بالاستدلال وذكروا في إيجاب الكفارة بالأكل أن الكفارة تجب بالإثم ومأثم الأكل كمأثم الجماع وربما قالوا هو أعظم فهو بالكفارة أولى وهذا سهو عن معنى القياس وذلك أنهم حملوا الأكل على الجماع لتساويهما في العلة\rالتي تجب فيها الكفارة وهذا حقيقة القياس ومنها الاستدلال بالتقسيم وذلك ضربان أحدهما أن يذكر جميع أقسام الحكم فيبطل جميعها ليبطل الحكم له كقولنا في الايلاء إنه لا يوجب وقوع الطلاق بانقضاء المدة لأنه لا يخلو إما أن يكون صريحا أو كناية فلا يجوز أن يكون صريحا ولا يجوز أن يكون كناية فإذا لم يكن صريحا ولا كناية لم يجز إيقاع الطلاق به والثاني أن يبطل جميع الأقسام إلا واحدا ليصح ذلك الواحد وذلك مثل أن يقول أن القذف يوجب رد الشهادة لأنه إذا حد ردت شهادته فلا يخلو إما أن يكون ردت شهادته للحد أو للقذف أولهما فلا يجوز أن يكون للحد ولا لهم فثبت أنه إنما رد للقذف وحده ومنها الاستدلال بالعكس وذلك مثل أن يقول لو كان دم الفصد ينقض","part":1,"page":290},{"id":231,"text":"الوضوء لوجب أن يكون قليله ينقض الوضوء كما نقول في البول والغائط والنوم وسائر الأحداث واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال أنه لا يصح لأنه استدلال على الشئ بعكسه ونقضه ومنهم من قال يصح وهو الأصح لأنه قياس مدلول على صحته بشهادة الأصول","part":1,"page":291},{"id":232,"text":"61 - باب الكلام في بيان ما يشتمل القياس عليه على التفصيل وجملته أن القياس يشتمل على أربعة أشياء على الأصل والفرع والعلة والحكم فأما الفرع فهو ما ثبت حكمه بغيره وقد بينا ذلك في باب إثبات القياس وما جعل القياس حجة فيه والكلام هنا في بيان الأصل والعلة والحكم وفي كل واحد من ذلك باب مفرد","part":1,"page":292},{"id":233,"text":"باب بيان الأصل وما يجوز أن يكون أصلا وما لا يجوز اعلم ان الأصل تستعمله الفقهاء في أمرين أحدهما في أصول الأدلة وهي الكتاب والسنة والاجماع ويقولون هي الأصل وما سوى ذلك من القياس ودليل الخطاب وفحوى الخطاب معقول الأصل وقد بينت هذا في الملخص في الجدل ويستعملونه في الشئ الذي يقاس عليه كالخمر أصل النبيذ والبر اصل للأرز وحده ما عرف حكمه بلفظ تناوله أو ما عرف حكمه بنفسه وقال بعض أصحابنا ما عرف به حكم غيره وهذا لا يصح لأن الاثمان أصل في الربا وإن لم يعرف بها حكم غيرها فصل واعلم أن الاصل قد يعرف بالنص وقد يعرف بالاجماع فما يعرف بالنص فضربان ضرب يعقل معناه وضرب لا يعقل معناه فما لا يعقل معناه كعدد الصلوات والصيام وما أشبهما لا يجوز القياس عليه لأن القياس لا يجوز إلا بمعنى يقتضي الحكم فإذا لم يعقل ذلك المعنى لم يصح القياس وأما ما يعقل معناه فضربان ضرب يوجد معناه في غيره وضرب لا","part":1,"page":293},{"id":234,"text":"يوجد معناه في غيره فما لا يوجد معناه في غيره لا يجوز قياس غيره عليه وما يوجد معناه في غيره فما لا يوجد معناه في غيره لا يجوز قياس غيره عليه وما يوجد معناه في غيره جاز القياس عليه سواء كان ما ورد به النص مجمعا على ت عليله أو مختلفا فيه مخالفا لقياس الأصول أو موافقا له\rوقال بعض الناس لا يجوز القياس إلا على أصل مجمع على تعليله وقال الكرخي وغيره من أصحاب أبي حنيفة لا يجوز القياس على أصل مخالف للقياس إلا أن يثبت تعليله بنص أو إجماع أو هناك أصل آخر يوافقه ويسمون ذلك القياس على موضع الاستحسان فالدليل على جواز القياس على الأصل وإن لم يكن مجمعا على تعليله هو أن لا يخلو إما أن يعتبر إجماع الأمة كلها فهذا يوجب إبطال القياس لأن نفاة القياس من الأمة وأكثرهم على أن الأصول غير معللة أو يعتبر إجماع مثبتي القياس فذلك لا معنى له لأن إجماعهم ليس بحجة على الانفراد فكان القياس على ما اجمعوا عليه كالقياس على ما اختلفوا فيه وإما الدليل على الكرخي ومن قال بقوله هو أن ما ورد به النص مخالفا للقياس أصل ثابت كما أن ما ورد به النص موافق للقياس أصل ثابت فإذا جاز القياس على ما كان موافقا للقياس جاز على ما كان مخالفا فصل وأما ما عرف بالاجماع فحكمه حكم ما ثبت بالنص في جواز القياس عليه على التفصيل الذي قدمه في النص ومن أصحابنا من قال لا يجوز القياس عليه ما لم يعرف النص الذي أجمعوا لاجله وهذا غير صحيح لأن الاجماع أصل في إثبات الاحكام كالنص فإذا جاز القياس على ما ثبت بالنص جاز على ما ثبت بالاجماع","part":1,"page":294},{"id":235,"text":"فصل وأما ما ثبت بالقياس على غيره فلا خلاف انه يجوز أن يستنبط منه المعنى الذي ثبت به ويقاس عليه غيره وهل يجوز أن يستنبط منه معنى غير المعنى الذي قيس به على غيره ويقاس عليه غيره مثل أن يقاس الأرز على البر في الربا بعلة أنه مطعوم ثم يسقط من الأرز أنه نبت لا يقطع\rالماء عنه ثم يقاس عليه النيلوفر فيه وجهان من أصحابنا من قال يجوز ومن أصحابنا من قال لا يجوز وهو قول أبي الحسن الكرخي وقد نظرت في التبصرة جواز ذلك والذي يصح عندي أنه لا يجوز لأنه اثبات حكم في الفرع بغير علة الاصل وذلك أن علة الأصل هي الطعم فمتى قسنا النيلوفر عليه بما ذكرناه رددنا الفرع إلى الاصل بغير علة وهذا لا يجوز فصل وأما ما لم يثبت من الأصول بأحد هذه الطرق أو كان قد ثبت ثم نسخ فلا يجوز القياس عليه لأن الفرع إنما يثبت بأصل ثابت فإذا كان الأصل غير ثابت لم يجز إثبات الفرع من جهته","part":1,"page":295},{"id":236,"text":"63 - باب القول في بيان العلة وما يجوز أن يعلل به وما لا يجوز واعلم أن العلة في الشرع هي المعنى الذي يقتضي الحكم وأما المعلول ففيه وجهان من أصحابنا من قال هو العين التي تحلها العلة كالخمر والبر ومنهم من يقول هو الحكم وأما المعلل فهو الاصل وأما المعلل له فهو الحكم وأما المعلل فهو الناصب للعلة وأما المعتل فهو المستدل بالعلة فصل واعلم أن العلة الشرعية إمارة على الحكم ودلالة عليه ومن أصحابنا من قال موجبة للحكم بعدما جعلت علة ألا ترى أنه يجب إيجاد الحكم بوجودها ومنهم من قال ليست بموجبة لأنها لو\rكانت موجبة لما جاز ان توجد في حال ولا توجه كالعلل العقلية ونحن نعلم أن هذه العلل كانت موجودة قبل الشرع ولم تكن موجبة للحكم فدل على أنها غير موجبة فصل ولا تدل العلة إلا على الحكم الذي نصبت له فإن نصبت للأثبات لم تدل على النفي أو أن نصبت للنفي لم تدل على","part":1,"page":296},{"id":237,"text":"الاثبات وإن نصبت للنفي والاثبات وهي العلة الموضوعة لجنس الحكم دلت على النفس والاثبات فيجب أن يوجد الحكم بوجودها ويزول بزوالها ومن الناس من قال إن كل علة تدل على حكمين على الاثبات والنفي فإذا نصبت للاثبات اقتضت الاثبات عند وجودها والنفي عند عدمها وإن نصبت للنفي اقتضت النفي عند وجودها والاثبات عند عدمها وهذا خطأ لأن العلة الشرعية دليل ولهذا كان يجوز أن لا يوجب ما علق عليها من الحكم والدليل العقلي الذي يدل بنفسه يجوز أن يدل على وجود الحكم في الموضع الذي وجد فيه ثم يعدم ويثبت الحكم بدليل آخر والدليل الشرعي الذي صار دليلا بجعل جاعل اولى بذلك فصل ويجوز أن يثبت الحكم الواحد بعلتين وثلاثة وأكثر كالقتل يجب بالقتل والزنا والردة وتحريم الوطء يثبت بالحيض والاحرام والصوم والاعتكاف والعدة فصل وكذلك يجوز أن يثبت بعلة واحدة أحكام متماثلة كالاحرام يوجب تحريم الوطء والطيب واللباس وغير ذلك وكذلك يجوز أن يثبت بالعلة الواحدة أحكام مختلفة كالحيض يوجب تحريم الوطء و إحتلال على ترك الصلاة ولكن لا يجوز أن يثبت بالعلة الواحدة أحكام تضادة\rكتحريم الوطء وتحليله لتنافيهما فصل وكذلك يجوز أن تكون العلة لاثبات الحكم في الابتداء كالعدة في منع النكاح وقد تكون بعلة الابتداء والاستدامة كالرضاع في إبطال النكاح فصل ولا بد في رد الفرع إلى الأصل من علة يجمع بها بينهما وقال بعض الفقهاء من أهل العراق يكفي في القياس تشبيه الفرع بالأصل بما يغلب على الظن إنه مثله فإن كان المراد بهذا أنه لا يحتاج إلى","part":1,"page":297},{"id":238,"text":"علة موجبة للحكم يقطع بصحتها كالعلل العقلية فلا خلاف في هذا وإن أرادوا أنه يجوز بضرب من الشبه على ما يقول القائلون بقياس الشبه فقد بينا ذلك في أقسام القياس وإن أرادوا أنه ليس ها هنا معنى مطلوب يوجب إلحاق الفرع بالأصل فهذا خطأ لأنه لو كان الأمر على هذا لما احتيج إلى الاجتهاد بل كان يجوز رد الفرع إلى كل أصل من غير فكر وهذا مما لا يقوله أحد فبطل القول به فصل والعلة التي يجمع بها بين الفرع والأصل ضربان منصوص عليها ومستنبطة فالمنصوص عليها مثل أن يقول حرمت الخمر للشدة المطر به فهذا يجوز أن يجعل علة والنص عليها يغني عن طلب الدليل على صحتها من جهة الاستنباط والتأثير ومن الناس من قال لا يجوز أن يجعل المنصوص عليه علة وهو قول بعض نفاة القياس ومن الناس من قال هو علة في العين المنصوص عليها ولا يكون علة في غيرها إلا بأمر ثان فالدليل على أنه علة هو أنه إذا جاز أن يعرف بالاستنباط أن الشدة المطربة علة للتحريم في\rالخمر ويقاس غيرها عليها جاز بالنص ويقاس غيرها عليها وأما الدليل على من قال أنه علة في العين التي وجد فيها دون غيرها هو أنه إذا لم يصر علة فيها وفي غيرها إلا بالنص عليها سقط النظر والاجتهاد لأنه إذا نص على انه علة فيها وفي غيرها استغنينا بالنص عن الطلب والاجتهاد فصل واما المستنبطة فهو كالشدة المطربة في الخمر فإنها عرفت بالاستنباط فهذا يجوز أن يكون علة ومن الناس من قال لا يجوز ان تكون العلة إلا ما ثبت بالنص أو الاجماع وهذا خطأ لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه","part":1,"page":298},{"id":239,"text":"قال لمعاذ رحمه الله بم تحكم قال بكتاب الله قال فإن لم تجد قال بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن لم تجد قال اجتهد رأيي فلو كان لا يجوز التعليل إلا بما ثبت بنص أو إجماع لم يبق بعد الكتاب والسنة ما يجتهد فيه","part":1,"page":299},{"id":240,"text":"فصل وقد تكون العلة معنى مؤثرا في الحكم يوجد الحكم بوجوده ويزول بزواله كالشدة المطربة في تحريم الخمر والاحرام بالصلاة في تحريم الكلام وقد تكون دليلا ولا تكون نفس العلة كقولنا في إبطال النكاح الموقوف انه نكاح لا يملك الزوج المكلف إيقاع الطلاق فيه وفي إظهار الذمي انه يصح طلاقه فصح إظهاره كالمسلم وهل يجوز أن يكون شبها لا يزول الحكم بزواله ولا يدل على الحكم كقولنا في الترتيب في الوضوء أنه عبادة يبطلها النوم فوجب فيها الترتيب كالصلاة على ما ذكرناه من الوجهين في قياس الشبه فصل وقد يكون وصف العلة معنى يعرف به وجه الحكمة في\rتعلق الحكم به كالشدة المطربة في الخمر وقد يكون معنى لا يعرف وجه الحكمة في تعلق الحكم به كالطعم في البر فصل وقد يكون وصف العلة صفة كقولنا في البر أنه مطعوم وقد يكون إسما كقولنا تراب وماء وقد يكون حكما شرعيا كقولنا يصح وضوؤه أو تصح صلاته ومن الناس من قال لا يجوز أن يكون الاسم علة وهذا خطأ لأن كل معنى جاز أن يعلق الحكم عليه من جهة النص جاز أن يستنبط من الأصل ويعلق الحكم عليه كالصفات والأحكام فصل ويجوز أن يكون الوصف نفيا أو إثباتا فالاثبات","part":1,"page":300},{"id":241,"text":"كقولنا لأنه وارث والنفي كقولنا لأنه ليس بوارث وليس بتراب ومن الناس من قال لا يجوز أن يجعل النفي علة والدليل على ما قلناه أن ما جاز أن يعلل به نصا جاز أن يعلل به استنباطا كالاثبات الله فصل ويجوز أن تكون العلة ذات وصف ووصفين قال وأكثر وليس لها عدد محصور وحكي عن بعض الفقهاء أنه قال لا يزاد على خمسة أوصاف وهذا لا وجه له لأن العلل شرعية فإذا جاز ان يعلق في الشرع على خمسة أوصاف جاز أن يعلق على ما فوقها فصل ويجوز أن تكون العلة واقفة كعلة أصحابنا في الذهب والفضة ويجوز أن تكون متعدية وقال بعض أصحاب أبي حنيفة رحمه الله لا يجوز أن تكون الواقفة علة وهذا غير صحيح لما بينا أن العلل أمارات شرعية فيجوز أن تجعل الأمارة معنى عن لا يتعدى كما يجوز أن تجعل معنى يتعدى","part":1,"page":301},{"id":242,"text":"64 - باب بيان الحكم اعلم أن الحكم هو الذي تعلق على العلة من التحليل والتحريم والاسقاط وهو على ضربين مصرح به ومبهم فالمصرح به أن نقول فجاز أن يجب أو فوجب أن يجب وما أشبهه ذلك والمبهم على أضرب منها أن نقول فاشبه كذا فمن الناس من قال إن ذلك لا يصح لأنه حكم مبهم ومنهم من قال إنه يصح وهو الأصح لأن المراد به فاشبه كذا في الحكم الذي وقع السؤال عنه وذلك حكم معلوم بين السائل والمسؤول فيجوز أن يمسك عن بيانه اكتفاء بالعرف القائم بينهما ومنها أن يعلق عليها التسوية بين حكمين كقولنا في إيجاب النية في الوضوء أنه طهارة فاستوى جامدها ومائعها في النية كإزالة النجاسة ومن أصحابنا من قال إن ذلك لا يصح لأنه يريد به التسوية بين المائع والجامد في الأصل في إسقاط النية وفي الفرع في إيجاب النية وهما حكمان متضادان والقياس أن يشتق حكم الشئ من نظيره لا من ضده ونقيضه ومنهم من قال إن ذلك يصح وهو الصحيح لأن حكم العلة هو التسوية بين","part":1,"page":302},{"id":243,"text":"المائع والجامد في أصل النية والتسوية بين المائع والجامد في النية موجود في الأصل والفرع من غير اختلاف وإنما نظهر الاختلاف بينهما في التفصيل وليس ذلك حكم علته ومنها أن يكون حكم العلة إثبات تأثير لمعنى مثل قولنا في السواك للصائم أنه تطهير يتعلق بالفم من غير نجاسة فوجب أن يكون للصوم تأثير فيه\rكالمضمضة فهذا يصح لأن للصوم تأثيرا في المضمضة وهو منع المبالغة كما أن للصوم تأثيرا في السواك وهو في المنع منه بعد الزوال وإن كان تأثيرهما مختلفا واختلافهما في كيفية التأثير لا يمنع صحة الجمع لأن الغرض إثبات تأثير الصوم في كل واحد منهما وقد استويا في التأثير فلا يضرب إختلافهما في التفصيل","part":1,"page":303},{"id":244,"text":"65 - باب بيان ما يدل على صحة العلة وجملته أن العلة لا بد من الدلالة على صحتها لأن العلة شرعية كما أن الحكم شرعي فكما لا بد من الدلالة على الحكم فكذلك لا بد من الدلالة على صحة العلة فصل والذي يدل على صحة العلة شيئان أصل واستنباط فأما الأصل فهو قول الله عز وجل وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله والاجماع فأما قول الله تعالى وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فدلالتهما من من وجهين أحدهما من جهة النطق والثاني من جهة الفحوى والمفهوم فأما دلالتهما من جهة النطق فمن وجوه بعضها أجلى من بعض فأجلاها ما صرح فه بلفظ التعليل كقوله تعالى من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل (1) وكقوله صلى الله عليه وسلم إنما نهيتكم لأجل الدافة","part":1,"page":304},{"id":245,"text":"وقوله إنما جعل الاستئذان من أجل البصر وقوله أينقص الرطب إذا يبس فقيل نعم فقال فلا إذا أي من أجله فهذا صريح في التعليل ويليه في البيان والوضوح أن يذكر صفة لا","part":1,"page":305},{"id":246,"text":"يفيد ذكرها غير التعليل كقوله تعالى في الخمر إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء (2) الآية","part":1,"page":306},{"id":247,"text":"وقوله صلى الله عليه وسلم في دم الاستحاضة إنه دم عرق وكقوله في الهرة إنها من الطوافين عليكم والطوفات","part":1,"page":307},{"id":248,"text":"وقوله صلى الله عليه وسلم حين قيل له في دار فلان هرة فقال الهرة سبع وفي بعضها الهرة ليست بنجسة فهذه الصفات وإن لم يصرح فيها بلفظ","part":1,"page":308},{"id":249,"text":"التعليل إلا أنها خارجة مخرج التعليل إذ لا فائدة في ذكرها سوى التعليل ويليه في البيان أن يعلق الحكم على عين موصوفة بصفة فالظاهر أن تلك الصفة علة وقد يكون هذا بلفظه الشرط كقوله تعالى وإن كن أولات حمل افنفقوا في عليهن (3) وكقوله صلى الله عليه وسلم من باع نخلا بعد يؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع فالظاهر أن الحمل علة لوجوب الفقه والتأبير علة بن لكون الثمرة للبائع وقد تكون بغير لفظ الشرط كقوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما (4)","part":1,"page":309},{"id":250,"text":"وكقوله صلى الله عليه وسلم لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل فالظاهر أن السرقة علة لوجوب القطع والطعم علة لتحريم التفاضل وأما دلالتهما من جهة الفحوى والمفهوم فبعضها أيضا اجلى من بعض فأجلاها ما دل عليه التنبيه كقوله تعالى (فلا تقل لهما أف)\rكنهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالعوراء فيدل بالتنبيه عند سماعه أن الضرب اولى بالمنع وأن العمياء أولى بالمنع ويليه في البيان أن يذكر صفة فيفهم من ذكرها المعنى التي تتضمنه تلك الصفة من غير جهة التنبيه كقوله صلى الله عليه وسلم لا يقض القاضي وهو غضبان","part":1,"page":310},{"id":251,"text":"وكقوله صلى الله عليه وسلم في الفأرة تقع في السمن إن كان جامدا فالقوها وما حولها وإن كان مائعا فأريقوه فيفهم بضرب من الفكر أنه إنما منع الغضبان من القضاء لاشتغال قلبه وأن الجائع والعطشان مثله وإنه إنما أمر بالقاء ما حول الفأرة من السمن إن كان جامدا وإراقته إن كان مائعا لكونه جامدا أو مائعا وإن الشيرج والزيت مثله فصل وأما دلالة افعال الرسول صلى الله عليه وسلم فهو أن يفعل شيئا عند وقوع معنى من جهته أو من جهة غيره فيعلم أنه لم يفعل ذلك إلا لما ظهر من المعنى فيصير ذلك علة فيه وهذا مثل ما روي أنه سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد فيعلم أن السهو علة للسجود","part":1,"page":311},{"id":252,"text":"وأن أعرابيا جامع في رمضان فأوجب عليه عتق رقبته فيعلم أن الجماع علة لايجاب الكفارة فصل وأما دلالة الإجماع فهو أن تجمع الأمة على التعليل به كما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال في قسمة السواد لو قسمت بينكم لصارت دولة بين اغنيائكم هذه ولم يخالفوه","part":1,"page":312},{"id":253,"text":"وكما قال علي كرم الله وجهه في شارب الخمر إنه إذا شرب سكر\rوإذا سكر هذى وإذا هذى اتفرى سنة فأرى أن يحد حد المفترى فلم يخالفه أحد في هذا التعليل","part":1,"page":313},{"id":254,"text":"فصل وأما الضرب الثاني من الدليل على صحة العلة فهو الاستنباط وذلك من وجهين احدهما التأثير والثاني شهادة الاصول فأما التأثير فهو أن يوجد الحكم بوجود معنى فيغلب على الظن أنه لأصله ثبت الحكم ويعرف ذلك من وجهين أحدهما بالسلب والوجود وهو أن يوجد الحكم بوجوده ويزول بزواله وذلك مثل قوله في الخمر أنه شراب فيه شدة مطربة فإنه قبل حدوث الشدة كان حلالا ثم حدثت الشدة فحرم ثم زالت الشدة فحل فعلم أنه هو العلة والثاني بالتقسيم وهو أن يبطل كل معنى في الاصل إلا واحد أفيعلم أنه هو العلة وذلك مثل أن يقول في الخبز أنه يحرم فيه الربا فلا يخلو إما أن يكون للكيل أو للطعم أو للوزن ثم يبطل أن يكون للكيل والوزن فيعلم أنه للطعم","part":1,"page":314},{"id":255,"text":"فصل وأما شهادة الأصول فيختص بقياس الدلالة وهو أن يدل على صحة العلة شهادة الأصول وذلك أن يقول في القهقهة أن ما لا ينقض الطهر خارج الصلاة لم ينقض داخل الصلاة كالكلام فيدل عليها بأن الأصول تشهد بالتسوية بين داخل الصلاة وخارجها ألا ترى أن ما ينقض الوضوء داخل الصلاة ينقض خارجها كالأحداث كلها وما لا ينقض خارج الصلاة لا ينقض داخلها فيجب ان تكون القهقهة مثلها فصل وما سوى هذه الطرق فلا يدل على صحة العلة وقال بعض الفقهاء إذا لم يجد ما يعارضها ولا ما يفسدها دل على صحتها\rوقال أبو بكر الصيرفي في طردها يدل على صحتها فأما الدليل على من قال أن عدم ما يفسدها دليل على صحتها فهو أنه لو جاز أن يجعل هذا دليلا على صحتها لوجب إذا استدل بخير لا يعرف صحته أن يقال عدم ما يعارضه وما يفسده يدل على صحته وهذا لا يقوله أحد وأما الدليل على الصيرفي فهو أن الطرد فعل القائس وفعل القائس ليس بحجة في الشرع ولأن قوله إنها مطردة معناه أنه ليس ها هنا نقض يفسدها وقد بينا أن عدم ما يفسد لا يدل على الصحة","part":1,"page":315},{"id":256,"text":"66 - باب بيان ما يفسد العلة قال الشيخ الامام الأوحد رحمه الله ورضي عنه قد ذكرت في الملخص في الجدل فيما يفسد العلة خمسة عشر نوعا وأنا أذكرها هنا ما يليق بهذا الكتاب إن شاء الله تعالى فأقول إن الذي يفسد العلة عشرة اشياء أحدها أن لا يكون على صحتها دليل فيدل ذلك على فسادها لأني قد بينت في الباب قبله أن العلة شرعية فإذا لم يكن على صحتها دليل من جهة الشرع دل على أنها ليست بعلة فوجب الحكم بفسادها فصل والثاني أن تكون العلة منصوبة لما لا يثبت بالقياس أقل الحيض وأكثره وإثبات الأسماء واللغات على قول من لا يجيز إثابتها بالقياس وغير ذلك من الأحكام التي لا مدخل للقياس فيها على ما تقدم شرحها فيدل ذلك على فسادها فصل والثالث أن تكون العلة منتزعة من اصل لا يجوز إنتزاع\rالعلة منه مثل أن يقيس على أصل غير ثابت كأصل منسوخ أو أصل لم يثبت الحكم فيه لأن الفرع لا يثبت إلا بالأصل فإذا لم يثبت الأصل لم يجز","part":1,"page":316},{"id":257,"text":"إثبات الفرع من جهته وهكذا لو كان الأصل قد ورد الشرع بتخصيصه ومنع القياس عليه مثل قياس أصحاب أبي حنيفة رحمه الله غير رسول الله صلى الله عليه وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جواز النكاح بلفظ الهبة وقد ورد الشرع بختصيصه عمرو بذلك فهذا أيضا لا يجوز القياس عليه لأن القياس إنما يجوز على ما لم يرد الشرع بالمنع منه فأما إذا ورد الشرع بالمنع منه فلا يجوز ولهذا لا يجوز القياس إذا منع منه نص أو إجماع فصل والرابع أن يكون الوصف الذي جعل علة لا يجوز التعليل به مثل ان تجعل العلة إسم لقب أو نفي صفة على قول من يجيز ذلك أو شبها على قول من لا يجيز قياس الشبه أو وصفا لمن يثبت وجوده في الأصل وفي الفرع فيدل على فسادها لأن الحكم تابع للعلة وإذا كانت العلة لا تفيد الحكم أو لم تثبت لم يجز إثابت الحكم من جهتها فصل والخامس أن لا تكون العلة مؤثرة في الحكم فيدل ذلك على فسادها ومن أصحانبا من قال إن ذلك لا يوجب فسادها وهي طريقة من قال إن طردها يدل على صحتها وقد دللت على فساده ومن أصحابنا من قال أن دفعه للنقض تأثير صحيح وهذا خطأ لأن المؤثر ما تعلق الحكم به في الشرع ودفع النقض عن مذهب المعلل ليس بدليل على تعلق الحكم به في الشرع وإنما يدل على تعلق الحكم به عنده وليس المطلوب علة المعلل وإنما المطلوب علة الشرع فسقط هذا القول وفي أي موضع يعتبر تأثير العلة فيه وجهان من أصحابنا من قال يطلب تأثيرها\rفي الأصل لأن العلة تتفرع من الأصل أولا ثم يقاس الفرع عليه فإذا لم يؤثر في الأصل لم تثبت العلة فيه فكأنه رد الفرع إلى الأصل بغير علة الأصل ومنهم من قال يكفي أن يؤثر في وضع من الأصول وهو اختيار شيخنا","part":1,"page":317},{"id":258,"text":"القاضي أبي الطيب الطبري رحمه الله وهو الصحيح عندي لأنها إذا أثرت في موضع من الأصول دل على صحتها وإذا صحت في موضع وجب تعليق الحكم عليها حيث وجدت فصل والسادس أن تكون منتقضة وهي أن توجد ولا حكم معها وقال أصحاب أبي حنيفة وجود العلة من غير حكم ليس بنقض لها بل هو تخصيص لها وليس بنقض والدليل على فساد ذلك هو انها علة مستنبطة فإذا وجدت من غير حكم وجب الحكم بفاسدها دليله العلل العقلية وأما وجود معنى العلة ولا حكم وهو الذي سمته المتفقهة الكسر والنقض من طريق المعنى وهو ان تبدل العلة أو بعض اوصافها بما هو في معناه ثم يوجد ذلك من غير حكم فهذا ينظر فيه فإن كان الوصف الذي أبدله غير مؤثر في الحكم دل على فساد العلة لأنه إذا لم يكن مؤثرا وجب إسقاطه وإذا سقط لم يبق شئ فأما أن لا يبقى شئ فيسقط الدليل أو يبقى شئ فينتقض فيكون الفساد راجعا إلى عدم التأثير أو النقض وقد بيناهما وإن كان الوصف الذي أبدله مؤثرا في الحكم لم تفسد العلة لأن المؤثر في الحكم لا يجوز إسقاطه فلا يتوجه على العلة من جهة فساد فأما وجود الحكم من غير علة فينظر فيه فإن كانت العلة لجنس الحكم فهو نقض وذلك مثل أن نقول العلة في وجوب النفقة التمكين في الاستمتاع\rفأي موضع وجبت النفقة من غير تمكين فهو نقض وأي موضع وجد التمكين من غير نفقة فهو نقض لأنه زعم أن التمكين علة هذا الحكم أجمع لا علة له وسواه فكأنه قال أي موضع وجد وجب وأي موضع فقد سقط","part":1,"page":318},{"id":259,"text":"فإذا وجد ولم يجب أو فقد ولم يسقط فقد أنتقض التعليل وإن كانت العلة للحكم في أعيان لا لجنس الحكم لم يكن ذلك نقضا لأنه يجوز أن يكون في الموضع الذي وجدت العلة يثبت الحكم بوجود هذه العلة وفي الموضع الذي عدمت يثبت لعلة اخرى كقولنا في الحائض يحرم وطؤها للحيض ثم يعدم الحيض في المحرمة والمعتدة ويثبت التحريم لعلة اخرى ف صل والسابع أن يمكن قلب العلة وهو أن يعلق عليها نقيض ذلك الحكم ويقاس على الأصل فهذا قد يكون بحكم مصرح وقد يكون بحكم مبهم فأما المصرح فهو أن نقول عضو من أعضاء الوضوء فلا يتقدر فرضه بالربع كالوجه فيقول المخالف عضو من أعضاء الوضوء فلا يجوز فيه ما يقع عليه الاسم كالوجه فهذا يفسد العلة ومن أصحابنا من قال إن ذلك لا يفسد العلة ولا يقدح فيه لأنه فرض مسألة على المعلل ومنهم من قال إن ذلك كالمعارضة بعلة أخرى فيصار فيهما إلى الترجيح والصحيح أنه يوجب الفساد والدليل على أنه يقدح أنه عارضه بما لا يمكن الجمع بينه وبين علته فصار كما لو عارضه بعلة مبتدأة والدليل على أنه يوجب الفساد أنه يمكن أن يعلق عليها حكمان متنافيان فوجب الحكم بالفساد وأما القلب بحكم مبهم فهو قلب التسوية\rوذلك مثل أن يقول الحنفي طهارة بمائع فلم يفتقر إلى النية كإزالة النجاسة فيقول الشافعي رحمه الله طهارة بمائع فكان مائعها كجامدها قبل في وجوب النية كإزالة النجاسة فمن أصحابنا من قال أن ذلك لا يصح لأنه يريد التسوية بين المائع والجامد في الأصل في إسقاط النية وفي الفرع في إيجاب النية","part":1,"page":319},{"id":260,"text":"ومنهم من قال إن ذلك يصح وهو الأصح لأن التسوية بين المائع والجامد تنافى علة المستدل في إسقاط النية فصار كالحكم المصرح به فصل والثامن أن لا يوجب العلة حكمها في الأصل وذلك على ضربين أحدهما أن يفيد الحكم في الفرع بزيادة أو نقصان عما يفيدها في الأصل ويدل على فسادها وذلك مثل ان يقول الحنفي في إسقاط تعيين النية في صوم رمضان لأنه مستحق العين فلا يفتقر إلى التعيين كرد الوديعة فهذا لا يصح لأنه يفيد في الفرع غير حكم الأصل لأنه يفيد في الأصل إسقاط التعيين مع النية رأسا وفي الفرع يفيد إسقاط التعيين ومن حكم العلة أن يثبت الحكم في الأصل ثم يتعدى إلى الفرع فينقل حكم الأصل إليه فإذا لم ينقل ذلك الحكم إليه دل على بطلانها والثاني أن لا يفيد الحكم في نظائره على الوجه الذي أفاد في الأصل وذلك مثل أن يقول الحنفي في إسقاط الزكاة في مال الصبي أنه غير معتقد للإيمان فلا تجب الزكاة في مال كالكافر فإن هذا فاسد لأنه لا يوجب الحكم في النظائر على الوجه الذي يوجب في الأصل ألا ترى أنه لا يوجب إسقاط العشر في زرعه ولا زكاة الفطر في ماله كما يوجب في\rالأصل فدل على فسادها لأنها لو كانت توجب الحكم في الفرع لأوجبت الحكم في نظائره على الوجه الذي أوجب في الأصل فصل والتاسع أن يعتبر حكما يحكم مع اختلافها في الموضع وهو الذي تسميه المتفقهة فساد الاعتبار ويعرف ذلك من طريقين من جهة النطق بأن يرد الشرع بالتفرقة بينهما فيدل ذلك على بطلان","part":1,"page":320},{"id":261,"text":"الجمع بينهما مثل أن يعتبر الطلاق بالعدة في أن الاعتبار فيه في رق المرأة وحريتها فهذا فاسد لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بينهما في ذلك فقال الطلاق بالرجال والعدة بالنساء فيكون الجمع باطلا بالنص ويعرف بالأصول وهو أن يعتبر ما بني على التخفيف في إيجاب التخفيف كاعتبار العمد بالسهو والضمان بالحد أو ما بني على التأكيد في الاسقاط بما بنى على التضعيف كاعتبار العتق بالرق والضمان بالحد أو بما بني على التغليظ في التغليظ كاعتبار السهو بالعمد أو ما بني على التغليظ بما بني على التخفيف أو ما بني على التضعيف بما بنى على التأكيد في الايجاب كاعتبار الرق بالحرية والحد بالضمان فيدل ذلك على فسادها لأن اختلافهما في الوضع يدل على اختلاف علتهما وقد قيل إن ذلك لا يدل على الفساد إذا دلت الدلالة على صحة العلة فصل والعاشر أن يعارضها ما هو أقوى منها من نص كتاب أو سنة أو إجماع فيدل ذلك على فسادها لأن هذه الأدلة مقطوع بصحتها فلا يثبت القياس معها","part":1,"page":321},{"id":262,"text":"67 - باب القول فيتعارض العلتين إذا تعارضت العلتان لم يخل إما أن يكونا من أصل واحد أو من\rأصلين فإن كانتا من أصلين وذلك مثل علتنا في إيجاب النية والقياس إلى التميم وعلتهم في إسقاط النية والقياس على إزالة النجاسة وجب إسقاط أحديها بما ذكرناه من وجوه الإفساد أو ترجيح أحداهما على الأخرى بما نذكره إن شاء الله تعالى وإن كانتا من اصل واحد لم يخل إما أن تكون أحداهما داخلة في الأخرى أو تتعدى أحداهما إلى ما لا تتعدى إليه الأخرى فإن كانت احداهما داخلة في الأخرى نظرت فإن أجمعوا على أنه ليس له إلا علة واحدة وذلك مثل أن يعلل الشافعي رضي الله عنه البر بأنه مطعوم جنس ويعلل المالكي بأنه مقتات جنس لم يجز القول بالعلتين بل يصار إلى الأبطال أو الترجيح وإن لم يجمعوا على أن له علة واحدة مثل أن يعلل الشافعي رضي الله في مسألة ظهار الذمي بأنه يصح طلاقه فصح ظهاره كالمسلم ويعلل الحنفي في المسلم بأنه يصح تكفيره فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين فمنهم من قال نقول بالعلتين لأنهما لا يتنافيان بل هما متفقان على إثبات حكم واحد","part":1,"page":322},{"id":263,"text":"ومنهم من قال لا نقول بهما بل يصار إلى الترجيح والأول أصح لأنه يجوز أن يكون للحكم علتان وثلاثة وبعضها يتعدى وبعضها لا يتعدى وإن كانت لك واحدة منهما تتعدى إلى فروع لا تتعدى إليها الأخرى مثل أن يعلل الشافعي البر بأنه مطعوم جنس ويعلل الحنفي بأنه مكيل جنس فهاتان مختلفتان في فروعهما فلا يمكن القول بهما فيكون حكمهما حكم العلتين من أصلين فأما أن يفسد أحداهما وأما أن ترجح إحداهما على الأخرى","part":1,"page":323},{"id":264,"text":"68 - باب القول في ترجيح أحدى العلتين على الأخرى وأعلم أن الترجيح لا يقع بين دليلين موجبين للعلم ولا بين علتين موجبتين للعلم لأن العلم لا يتزايد وإن كان بعضه أقوى من بعض وكذلك لا يقع الترجيح بين دليل موجب للعلم أو علة موجبة يحيى للعلم وبين دليل أو علة موجبة للظن لما ذكرناه ولأن المقتضى للظن لا يبلغ رتبة الموجب للعلم ولو رجح بما رجح لكان الموجب للعلم مقدما عليه فلا معنى للترجيح فصل ومتى تعارضت علتان واحتيج فيهما إلى الترجيح رجح إحداهما على الأخرى بوجه من وجوه الترجيح وذلك من وجوه أحدها أن تكون إحداهما منتزعة من أصل مقطوع به والأخرى من اصل غير مقطوع به والمنتزعة من المقطوع به اولى لأن أصلها أقوى والثاني أن يكون أصل إحداهما مع الإجماع عليه قد عرف دليله على التفصيل فيكون أقوى ممن أجمعوا عليه ولم يعرف دليله على التفصيل لأن ما عرف دليله يمكن النظر في معناه وترجيحه على غيره والثالث أن يكون أصل إحداهما قد عرف بنطق الأصل وأصل الأخرى بمفهوم أو استنباط فما عرف بالنطق أقوى والمنتزع منه أقوى والرابع ان يكون أصل إحداهما عموما ما يخص وأصل الأخرى","part":1,"page":324},{"id":265,"text":"عموم دخله التخصيص فالمنتزع الرحمن مما لم يدخله التخصيص أولى لأن ما دخله التخصيص أضعف لأن من الناس من قال قد صار مجازا بدخول التخصيص فيه والخامس أن يكون أصل إحداهما قدنص على القياس عليه وأصل الأخرى لم ينص على القياس عليه فما ورد النص بالقياس عليه أقوى\rوالسادس أن يكون أصل إحداهما من جنس الفرع فقياسه عليه أولى على ما ليس من جنسه والسابع ان تكون إحداهما مردودة إلى أصل والأخرى إلى أصول فما ردت إلى أصول أولى ومن أصحابنا من قال هما سواء والأول أظهر لأن ما كثرت أصوله أقوى والثامن أن تكون إحدى العلتين صفة ذاتية والاخرى صفة حكمية فالحكمية أولى ومن اصحابنا من قال الذاتية أولى لأنها أقوى والأول أصح لأن الحكم بالحكم أشبه فهو بالدلالة عليه أولى والتاسع أن تكون إحداهما منصوصا عليها والأخرى غير منصوص عليها فالعلة المنصوص عليها أولى لأن النص أقوى من الاستنباط والعاشر أن تكون إحداهما نفيا والأخرى إثباتا فالاثبات اولى لأن النفي مختلف في كونه علة أو تكون إحداهما صفة والأخرى إسما فالصفة أولى لأن من الناس من قال الاسم لا يجوز أن يكون علة والحادي عشر أن تكون إحداهما أقل أوصافا والأخرى أكثر اوصافا فمن أصحابنا من قال القليلة الأوصاف أولى لأنها اسلم ومنهم قال ما كثرت أوصافه أولى لأنها أكثر مشابهة للأصل","part":1,"page":325},{"id":266,"text":"والثاني عشر أن تكون إحداهما أكثر فروعا من الأخرى فمن أصحابنا من قال ما كثرت فروعه أولى لأنها أكثر فائدة ومنهم من قال هما سواء والثالث عشر أن تكون إحداهما متعدية والأخرى واقفة فالمتعدية أولى لأنها مجمع على صحتها والواقفة مختلف في صحتها والرابع عشر أن تكون إحداهما تطرد وتنعكس والأخرى تطرد ولا\rتنعكس فالتي تطرد وتنعكس أولى لأن العكس دليل على الصحة بلا خلاف والطرد ليس بدليل على قول الأكثر والخامس عشر أن تكون إحداهما تقتضي إحتياطا في فرض والأخرى لا تقتضي الاحتياط فالتي تقتضي الاحتياط أولى لأنها أسلم في الموجب والسادس عشر أن تكون إحداهما تقتضي الحظر والأخرى تقتضي الإباحة فمن أصحابنا من قال هما سواء ومنهم من قال التي تقتضي الحظر أولى لأنها أحوط والسابع عشر أن تكون إحداهما تقتضي النقل عن الأصل إلى شرع والأخرى تقتضي البقاء على الأصل فالناقلة أولى ومن أصحابنا من قال المبقية أولى والأول أصح لأن الناقلة تفيد حكما شرعيا والثامن عشر أن تكون إحداهما توجب جدا والأخرى تسقطه أو إحداهما توجب العتق والأخرى تسقطه فمن الناس من قال إن ذلك يرجح لأن الحد مبني على الدرء والعتق على الايقاع والتكميل ومنهم من قال إنه لا يرجح لأن إيجاب الحد وإسقاطه والعتق والرق في حكم الشرع سواء والتاسع عشر أن تكون إحداهما يوافقها عموم والأخرى لا يوافقها","part":1,"page":326},{"id":267,"text":"فما يوافقها العموم أولى ومن الناس من قال التي توجب التخصيص أولى والأول أصح لأن العموم دليل نفسه فإذا انضم إلى القياس قواه والعشرون أن يكون مع إحداهما قول صحابي فهو أولى لأن قول الصحابي حجة في قول بعض العلماء فإذا انضم إلى القياس قواه","part":1,"page":327},{"id":268,"text":"الكتاب العاشر القول في الاستحسان","part":1,"page":329},{"id":269,"text":"69 - باب القول في الاستحسان الاستحسان المحكي عن أبي حنيفة رحمه الله هو الحكم بما يستحسنه من غير دليل واختلف المتأخرون من أصحابه في معناه فقال بعضهم هو تخصيص العلة بمعنى يوجب التخصيص وقال بعضهم تخصيص بعض الجملة من الجملة بدليل يخصها وقال بعضهم هو قول بأقوى الدليلين وقد يكون هذا الدليل إجماعا وقد يكون نصا وقد يكون قياسا وقد يكون استدلالا فالنص مثل قولهم إن القياس أن لا يثبت الخيار في البيع لأنه غرر ولكن استحسناه للخبر","part":1,"page":331},{"id":270,"text":"والاجماع مثل قولهم إن القياس أن لا يجوز دخول الحمام إلا بأجرة معلومة لأنه انتفاع مكان ولا الجلوس فيه إلا قدرا معلوما ولكن استحسناه للإجماع","part":1,"page":332},{"id":271,"text":"والقياس مثل قولهم فيمن حلف أنه لا يصلي أن القياس انه يحنث بالدخول في الصلاة لأنه يسمى مصليا ولكن استحسنا أنه لا يحنث إلا أن يأتي بأكثر الركعة لأن ما دون أكثر الركعة لا يعتد به فهو بمنزلة ما لو لم يكبر والاستدلال مثل قولهم أن القياس إن من قال إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني أنه لا يكون حالفا لأنه لم يحلف بالله تعالى ولكن استحسنا\rأنه يحنث بضرب من الاستدلال وهو أن الهاتك للحرمة بهذا القول بمنزلة الهاتك لحرمة قوله والله وهذا أيضا قياسا إلا أنهم يزعمون ان هذا استدلال ويفرقون بين القياس والاستدلال فإن كان الاستحسان هو الحكم بما يهجس في نفسه ويستحسنه من غير دليل فهذا ظاهر الفساد لأن ذلك حكم","part":1,"page":333},{"id":272,"text":"بالهوى وإتابع وكان للشهوة والأحكام مأخوذة من أدلة الشرع لا مما يقع في النفس وإن كان الاستحسان ما يقوله أصحابه من أنه تخصيص العلة فقد مضى القول في ذلك ودللنا على فساده وإن كان تخصيص بعض الجملة من الجملة بدليل يخصها أو الحكم بأقوى الدليلين فهذا مما لا ينكره أحد فيسقط الخلاف في المسألة ويحصل الخلاف في أعيان الأدلة التي يزعمون أنها أدلة خصوا بها الجملة أو دليل أوقى من دليل","part":1,"page":334},{"id":273,"text":"الكتاب الحادي عشر بيان الاشياء قبل الشرع واستصحاب الحال والقول بأقل ما قيل بيان الاشياء قبل الشرع استصحاب الحال القول بأقل ما قيل","part":1,"page":335},{"id":274,"text":"70 - باب القول فبي بيان الأشياء قبل الشرع واستصحاب الحال والقول بأقل ما قيل وإيجاب الدليل على الباقي واختلف أصحابنا في الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع فمنهم من قال أنها على الوقف لا يقضي فيها بحظر ولا إباحة وهو قول أبي علي\rالطبري وهو مذهب الأشعرية ومن أصحابنا من قال هو على الإباحة وهو قول أبي العباس وأبي إسحاق فإذا رأى شيئا جاز له تملكه وتناوله وهو قول المعتزلة البصريين ومنهم من قال هو على الحظر فلا يحل له الانتفاع بها ولا التصرف فيها وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وهو قول المعتزلة البغداديين والأول أصح لأنه لو كان العقل يوجب في هذه الأعيان حكما من حظر أو أباحة لما ورد الشرع فيها بخلاف ذلك ولما جاز ورود الشرع بالإباحة مرة وبالحظر روى مرة أخرى دل على أن العقل لا يوجب في ذلك حظرا ولا إباحة","part":1,"page":337},{"id":275,"text":"فصل وأما استصحاب الحال فضربان استصحاب حال العقل واستصحاب حال الاجماع فأما استصحاب حال العقل فهو الرجوع إلى براءة الذمة في الأصل وذلك طريق يفزع إليه المجتهد عند عدم أدلة الشرع ولا ينتقل عنها إلا بدليل شرعي ينقله عنه فإن وجد دليلا من أدلة الشرع انتقل عنه سواء كان ذلك الدليل نطقا أو مفهوما أو نصا أو ظاهرا لأن هذه الحال إنما استصحبها لعدم دليل شرعي فأي دليل ظهر من جهة الشرع حرم عليه استصحاب الحال بعده فصل والضرب الثاني استصحاب حال الإجماع وذلك مثل أن يقول الشافعي رضي الله عنه في المتيمم إذا رأى الماء في اثناء صلاته أنه يمضي فيها لأنهم أجمعوا قبل رؤية الماء على انعقاد صلاته فيجب أن تستصحب هذه الحال بعد رؤية الماء حتى يقوم دليل ينقله عنه فهذا اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال أن ذلك دليل وهو قول أبي بكر\rالصيرفي من أصحابنا ومنهم من قال إن ذلك ليس بدليل وهو الصحيح لأن الدليل هو الإجماع والإجماع إما حصل قبل رؤية و إذا رأى الماء قد زال الإجماع فلا يجوز أن يستصحب حكم الإجماع في موضع الخلاف من غير علة تجمع بينهما فصل فأما القول بأقل ما قيل فهو أن يختلف الناس في حادثة على قولين أو ثلاثة فقضى بعضهم فيها بقدر وقضى بعضهم فيها بأقل من ذلك القدر وذلك مثل اختلافهم في دية اليهودي والنصارني فمنهم من","part":1,"page":338},{"id":276,"text":"قال تجب فيه دية مسلم ومنهم من قال تجب فيه نصف دية مسلم ومنهم من قال تجب فيه ثلث دية مسلم فهذا الاستدلال به من وجهين احدهما من جهة استصحاب الحال في براءة الذمة وهو أن يقول الأصل براءة الذمة إلا فيما دل الدليل عليه من جهة الشرع وقد دل الدليل على اشتغال ذمته بثلث الدية وهو الاجماع وما زاد عليه باق على براءة الذمة فلا يجوز إيجابه إلا بدليل فهذا استدلال صحيح لأنه استصحاب حال العقل في براءة الذمة والثاني أن يقول هذا القول متيقن وما زاد مشكوك فيه فلا يجوز إيجابه بالشك فهذا لا يصح لأنه لا يجوز إيجاب الزيادة بالشك فلا يجوز أيضا إسقاط الزيادة بالشك فصل وأما النافي للحكم فهو كالمثبت في وجوب الدليل عليه ومن أصحابنا من قال النافي لا دليل عليه ومن الناس من قال إن كان ذلك في العقليات فعليه الدليل وإن كان في الشرعيات لم يكن عليه دليل والدليل على ما قلناه هو أن القطع بالنفي لا يعلم إلا عن دليل كما أن القطع بالاثبات لا يعلم إلا عن دليل وكما لا يقبل الاثبات إلا بدليل فكذلك النفي","part":1,"page":339},{"id":277,"text":"الكتاب الثاني عشر ترتيب استعمال الادلة واستخراجها","part":1,"page":341},{"id":278,"text":"71 - باب في بيان ترتيب استعمال الأدلة واستخراجها واعلم أنه إذا نزلت بالعالم نازلة وجب عليه طلبها في النصوص والظواهر في منطوقها ومفهومها وفي أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وإقراره وفي إجماع علماء الأمصار فإن وجد في شئ من ذلك ما يدل عليه قضى به وإن لم يجد طلبه في الأصول والقياس عليها وبدأ في طلب العلة بالنص فإن وجد التعليل منصوصا عليه عمل به وإن لم يجد المنصوص عليه يسلم ضم إليه غيره من الأوصاف التي دل الدليل عليها فإن لم يجد في النص عاد إلى المفهوم فإن لم يجد في ذلك نظر في الأوصاف المؤثرة في الأصول من ذلك الحكم اختبرها منفردة ومجتمعة فما سلم منها منفردا أو مجتمعا علق الحكم عليه وإن لم يجد علل بالاشباه الدالة على الحكم على ما قدمناه فإن لم يجد علل بالأشبه وإن كان ممن يرى مجرد الشبه وإن لم تسلم له علة في الأصل علم أن الحكم مقصور على الأصل لا يتعداه فإن لم يجد في الحادثة دليلا يدله عليها من جهة الشرع لا نصا ولا استنباطا ابقاء على حكم الأصل في العقل على ما قدمناه","part":1,"page":343},{"id":279,"text":"الكتاب الثالث عشر القول في التقليد ما يسوغ فيه التقليد\rصفة المفتي والمستفتي","part":1,"page":345},{"id":280,"text":"القول في التقليد 72 - باب بيان ما يسوغ فيه التقليد وما لا يسوغ ومن يسوغ له التقليد ومن لا يسوغ قد بينا الأدلة التي يرجع إليها المجتهد في معرفة الحكم وبقي الكلام في بيان ما يرجع إليه العامل في العمل وهو التقليد وجملته أن التقليد قبول القول من غير دليل والأحكام على ضربين عقلي وشرعي فأما العقلي فلا يجوز فيه التقليد كمعرفة الصانع وصفاته ومعرفة الرسول صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الأحكام العقلية وحكي عن أبي عبيد الله بن الحسن العنبري أنه قال يجوز التقليد في اصول الدين وهذا خطأ لقول الله تعالى إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (1) فذم قوما اتبعوا آباءهم في الدين فدل على أن ذلك لا يجوز لأن طريق هذه الأحكام العقل والناس كلهم يشتركون في العقل فلا معنى للتقليد فيه فصل وأما الشرعي فضربان ضرب يعلم ضرورة من دين الرسول صلى الله عليه وسلم كالصلوات الخمس والزكوات وصوم شهر رمضان","part":1,"page":347},{"id":281,"text":"والحج وتحريم الزنا وشرب الخمر وما شابه ذلك فهذا لا يجوز التقليد فيه لأن الناس كلهم يشتركون في إدراكه والعلم به فلا معنى للتقليد فيه وضرب لا يعلم إلا بالنظر والاستدلال كفروع العبادات والمعاملات والفروج والمناكحات وغير ذلك من الأحكام فهذا يسوغ فيه التقليد وحكي عن أبي علي الجبائي أنه قال إن كان ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد\rجاز وإن كان مما لا يجوز فيه الاجتهاد لم يجز والدليل على ما قلناه قوله تعالى فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (1) ولأنا لو منعنا ولم التقليد فيه لاحتاج كل احد أن يتعلم ذلك وفي إيجاب ذلك قطع عن المعاش وهلاك الحرث والزرع فوجب أن يسقط فصل وأما من يسوغ له التقليد فهو العامي وهو الذي لا يعرف طرق الأحكام الشرعية فيجوز له أن يقلد عالما ويعمل بقوله وقال بعض الناس لا يجوز حتى يعرف علة الحكم والدليل على ما قلناه هو أنا لو ألزمناه معرفة العلة أدى إلى ما ذكرناه من الانقطاع عن المعيشة وفي ذلك خراب الدنيا فوجب أن لا يجب فصل واما العالم فينظر فيه فإن كان الوقت واسعا عليه يمكنه الاجتهاد لزمه طلب الحكم بالاجتهاد ومن الناس من قال يجوز له تقليدا لعالم وهو قول أحمد وإسحاق وسفيان الثوري وقال محمد بن","part":1,"page":348},{"id":282,"text":"الحسن يجوز له تقليد من هو اعلم منه ولا يجوز له تقليد مثله ومن الناس من قال إن كان في حادثة نزلت به جاز له أن يقلد ليعمل به وإن كان في حادثة نزلت بغيره لم يجز أن يقلد ليحكم به أو يفتي به فالدليل على ما قلناه هو أن معه آلة يتوصل بها إلى الحكم المطلوب فلا يجوز له تقليد غيره كما قلناه في العقليات فصل وإن كان قد ضاق عليه الوقت وخشي فوت العبادة إن اشتغل بالاجتهاد ففيه وجهان أحدهما لا يجوز وهو قول أبي إسحاق والثاني يجوز وهو قول أبي العباس والأول أصح لأن معه آلة يتوصل بها إلى الاجتهاد فأشبه إذا كان الوقت واسعا","part":1,"page":349},{"id":283,"text":"73 - باب صفة المفتي والمستفتي وينبغي أن يكون المفتي عارفا بطرق الأحكام وهي الكتاب والذي يجب أن يعرف من ذلك ما يتعلق بذكر الأحكام والحلال والحرام دون ما فيه من القصص والأمثال والمواعظ والأخبار ويحيط بالسنن المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان الأحكام ويعرف الطرق التي يعرف بها ما يحتاج إليه من الكتاب والسنة من أحكام الخطاب وموارد الكلام ومصادره من الحقيقة والمجاز والعام والخاص والمجمل والمفصل والمطلق والمقيد والمنطوق والمفهوم ويعرف من اللغة والنحو ما يعرف به مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم في خطابهما ويعرف أحكام أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تقتضيه ويعرف الناسخ من ذلك من المسنوخ وأحكام النسخ وما يتعلق به","part":1,"page":350},{"id":284,"text":"ويعرف إجماع السلف وخلافهم ويعرف ما يعتد به من ذلك ما لا يعتد به ويعرف القياس والاجتهاد والأصول التي يجوز تعليلها وما لا يجوز والأوصاف التي يجوز أن يعلل بها وما لا يجوز وكيفية انتزاع العلل بها وما لا يجوز وكيفية انتزاع العلل ويعرف ترتيب الأدلة بعضها على بعض وتقديم الأولى منها ووجوه الترجيح\rويجب أن يكون ثقة مأمونا لا يتساهل في أمر الدين ف صل ويجب عليه أن يفتي من استفتاه ويعلم من طلب منه التعليم فإن لم يكن في الأقليم الذي هو فيه غيره يتعين عليه التعليم والفتيا وإن كان هناك غيره لم يتعين عليه بل كان ذلك من فروض الكفاية إذا قام به بعضهم سقط الفرض عن الباقين ويجب ان يبين الجواب فإن كان الذي نزلت به النازلة حاضرا وعرف منه النازلة على جهتها جاز أن يجيب على حسب ما علم من حال المسألة وإن لم يكن حاضرا واحتملت المسألة تفصيلا فصل الجواب وبين وإن لم يعرف المستفتي لسان المفتي قبل فيه ترجمة عدل وإن اجتهد في حادثة مرة فأجاب فيها ثم نزلت تلك الحادثة مرة أخرى فهل يجب عليه إعادة الاجتهاد أم لا فيه وجهان من أصحابنا من قال يفتي بالاجتهاد الأول ومنهم من قال يحتاج أن يجدد الاجهتاد بين والأول أصح فصل وأما المستفتي فلا يجوز أن يستفتي من شاء على الإطلاق لأنه ربما استفتى من لا يعرف الفقه بل يجب ان يتعرف حال الفقيه في الفقه والأمانة ويكفيه في معرفة ذلك خبر العدل الواحد فإذا عرف أنه فقيه نظر فإن كان وحده قلده وإن كان هناك غيره فهل يجب عليه الاجتهاد","part":1,"page":351},{"id":285,"text":"فيه وجهان من أصحابنا من قال يقلد من شاء منهم وقال أبو العباس والقفال يلزمه الاجتهاد في أعيان المتفين فيقلد اعلمهم وأورعهم والأول أصح لأن الذي يجب عليه أن يرجع إلى قول عالم ثقة وقد فعل ذلك فيجب أن يكفيه فصل فإن استفتى رجلين نظرت فإن اتفقا في الجواب عمل بما قال وإن اختلفا فافتاه أحدهما بالحظر والآخر بالإباحة\rفاختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه منهم من قال يأخذ بما شاء منهما ومنهم من قال يجتهد فيمن يأخذ بقوله منهما ومنهم من قال يأخذ بأغلظ الجوابين لأن الحق ثقيل والصحيح هو الأول لأنا قد بينا أنه لا يلزمه الاجتهاد والحق أيضا لا يختص بأغلظ الجوابين بل قد يكون الحق في الأخف كيف وقد قال الله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (1) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت بالحنيفية السهلة ولم أبعث بالرهبانية المبتدعة","part":1,"page":352},{"id":286,"text":"الكتاب الرابع عشر القول في الاجتهاد أقوال المجتهدين وأن الحق منها واحد تخريج المجتهد المسألة على قولين اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم والاجتهاد بحضرته","part":1,"page":355},{"id":287,"text":"القول في الاجتهاد 74 - اقوال في اقولا المجتهدين وأن الحق منهما في واحد أو كل مجتهد مصيب ا لاجتهاد في عرف الفقهاء استفراغ الوسع وبذل المجهود في طلب الحكم الشرعي والأحكام ضربان عقلي وشرعي فأما العقلي فهو كحدوث العالم وإثبات الصانع وإثبات النبوة وغير ذلك من اصول الديانات والحق في هذه المسائل في واحد وما عداه\rباطل وحكي عن عبيد الله بن الحسن العبنري إنه قال كل مجتهد في الأول مصيب ومن الناس من حمل هذا القول منه على أنه إنما أراد في أصول الديانات التي يختلف فيها أهل القبلة ويرجع المخالفون فيها إلى آيات وآثار محتملة للتأويل كالرؤية وخلق الأفعال والتجسيم وما أشبه ذلك دون ما يرجع إلى الاختلاف بين المسلمين وغيرهم من أهل الأديان والدليل على فساد قوله هو أن هذه الأقوال المخالفة للحق من التجسيم ونفي الصفات لا يجوز ورود الشرع بها فلا يجوز أن يكون المخالف فيها مصيبا كالقول بالتثليث وتكذيب الرسل فصل وأما الشرعية فضربان ضرب يسوغ فيه الاجتهاد وضرب لا يسوغ فيه الاجتهاد","part":1,"page":357},{"id":288,"text":"فأما ما لا يسوغ فيه الاجتهاد فعلى ضربين احدهما ما علم من دين الرسول صلى الله عليه وسلم ضرورة كالصلوات المفروضة والزكوات الواجبة وتحريم الزنا واللواط وشرب الخمر وغير ذلك فمن خالف في شئ من ذلك بعد العلم فهو كافر لأن ذلك معلوم من دين الله تعالى ضرورة فمن خالف فيه فقد كذب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في خبرهما فحكم بكفره والثاني ما لم يعلم من دين الرسول صلى الله عليه وسلم ضرورة كالأحكام التي تثبت بإجماع الصحابة وفقهاء الأعصار ولكنها لم تعلم من دين الرسول صلى الله عليه وسلم ضرورة فالحق من ذلك في واحد وهو ما أجمع الناس عليه فمن خالف في شئ من ذلك بعد العلم به فهو فاسق وأما ما يسوغ فيه الاجتهاد وهو المسائل التي اختلف فيها فقهاء الأمصار على قولين وأكثر فقد اختلف اصحابنا فيه فمنهم من قال الحق\rمن ذلك كله في واحد وما عداه باطل إلا أن الإثم موضوع عن المخطئ فيه وذكر هذا القائل أن هذا هو مذهب الشافعي رحمه الله لا قول له غيره ومن أصحابنا من قال فيه قولان أحدهما ما قلناه والثاني أن كل مجتهد مصيب وهو ظاهر قول مالك رحمه الله وأبي حنيفة رحمه الله وهو مذهب المعتزلة وأبي الحسن الأشعري وحكي القاضي أبو بكر الأشعري بن أبي علي بن أبي هريرة من أصحابنا إنه كان يقول بآخرة أن الحق من هذه الأقاويل في واحد مقطوع به عند الله تعالى وأن مخطئه","part":1,"page":358},{"id":289,"text":"مأثوم والحكم بخلافه منصوص وهو قول الأصم بن علية وبشر المريسي واختلف القائلون من أصحابنا أن الحق في واحد في أنه هل الكل مصيب في إجتهاده أم لا فقال بعضهم إن المخطئ في الحكم مخطئ في الاجتهاد وقال بعضهم أن الكل مصيب في الاجتهاد وإن جاز أن يخطئ في الحكم حكي ذلك عن أبي العباس واختلف القائلون بأن كل مجتهد مصيب فقال بعض أصحاب أبي حنيفة رحمه الله أن عند الله عز وجل أشبهه مطلوب ربما اصابه المجتهد وربما أخطأه ومنهم من أنكر ذلك والقائلون بالأشبه اختلفوا في تفسيره فمنهم من أبى تفسيره بأكثر من أنه أشبه وحكي عن بعضهم أنه قال الأشبه عند الله في حكم الحادثة قوة الشبه بقوة الإمارة وهذا تصريح بأن الحق في واحد يجب طلبه وقال بعضهم الأشبه عند الله تعالى أن عنده في هذه الحادثة حكما لو نص عليه وبينه لم ينص إلا عليه والصحيح من مذهب أصحابنا هو الأول وأن الحق في واحد وما سواه باطل وأن الإثم مرفوع\rعن المخطئ والدليل على ذلك وقوله صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله","part":1,"page":359},{"id":290,"text":"أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد ولأنه لو كان الجميع حقا وصوابا لم يكن للنظر والبحث معنى وأما الدليل على وضع المأثم عن المخطئ فما ذكرناه من الخبر ولأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعت على تسويغ الحكم بكل واحد من الأقاويل المختلف فيها وإقرار المخالفين على ما ذهبوا إليه من الأقاويل فدل على أنه لا مأثم على واحد منهم","part":1,"page":360},{"id":291,"text":"فصل لا يجوز أن تتكافأ الأدلة في الحادثة بل لا بد من ترجيح أحد القولين على الآخر وقال أبو علي وابو هاشم يجوز أن تتكافأ الأدلة فيتخير المجتهد عند ذلك من القولين المختلفين فيعمل بما شاء منهم والدليل على ما قلناه أنه إذا كان الحق في واحد على ما بيناه لم يجز أن تتكافأ الأدلة فيه كالعقليات","part":1,"page":361},{"id":292,"text":"75 - باب القول في تخريج المجتهد المسألة على قولين يجوز للمجتهد أن يخرج المسألة على قولين وهو أن يقول هذه المسألة تحتمل قولين على معنى أن كل قول سواهما باطل وذهب قوم لا يعتد بهم إلى أنه لا يجوز ذلك وهذا خطأ لأنه إن كان المراد بالمنع من تخريج القولين أن يكون له قولان على وجه الجمع مثل أن يقول هذا الشئ حلال وحرام على سبيل الجمع فهذا لا يجوز أيضا عندنا وإن كان المراد أن يكون له قولان في الشئ أنه حلال أو حرام على سبيل التخيير\rفيأخذ بما شاء منهما فهذا أيضا لا يجوز أن يقول هذه المسألة تحتمل قولين ليبطل ما سواهما فهذا جائز والدليل عليه أن المجتهد قد يقوم له الدليل على إبطال كل قول سوى قولين ولا يظهر له الدليل في تقديم احد القولين في الحال فيخرج على قولين ليدل به على أن ما سوهما أهل باطل وهذا كما فعل عمر رضي الله عنه في الشورى فإنه قال الخليفة بعدي احد هؤلاء الستة ليدل على أنه لا يجوز أن تكون الخلافة فيمن سواهم","part":1,"page":362},{"id":293,"text":"وأما تخريج الشافعي رحمه الله المسائل على قولين فعلى أضرب منها ما قال فيها قولين في وقتين فقال في القديم فيها بحكم وفي الجديد رجع عنه فهذا جائز بلا كلام لما وري عن علي كرم الله وجهه أنه قال كان رأيي ورأي أمير المؤمنين عمر أن لا تباع أمهات الأولاد ورأيي الآن أن يبعن وعلى الروايات التي عن ابي حنيفة رحمه الله ومالك رحمه الله تعالى فإنه روي عنهما روايات ثم رجعوا عنها إلى غيرها ومنها ما قال في وقت واحد هذه المسألة على قولين ثم بين الصحيح منهما بأن يقول إلا أن أحدهما مدخول أو منكسر وغير ذلك من الوجوه التي يعرف بها الصحيح من الفاسد فهذا أيضا جائز لتبيين طرق الاجتهاد إنه","part":1,"page":363},{"id":294,"text":"احتمل هذين القولين إلا أن أحدهما يلزم عليه كذا وكذا فتركته فيفيد بذلك تعلم طرق الاجتهاد كما قال أبو حنيفة رحمه الله القياس يقتضي كذا وكذا إلا إني تركته للخبر ومنها ما نص على قولين في موضعين فيكون ذلك على اختلاف\rحالين فلا يكون هذا اختلاف قول في مسألة بل هذا في مسألتين فيصير كالقولين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضعين على معنيين مختلفين ومنها ما نص فيه على قولين ولم يبين الصحيح منهما حتى مات رحمه الله تعالى ويقال إن هذا لم يوجد إلا في سبعة عشر مسألة وهذا جائز لأنه يجوز أن يكون قد دل الدليل عنده على إبطال كل قول سوى القولين وبقي له النظر في القولين فمات قبل أن يبين كما رويناه في قصة عمر رضي الله عنه في أمر الشورى وكما قال أبو حنيفة رحمه الله في الشك في سؤر الحمار فصل فأما إذا ذكر المجتهد قولا ثم ذكر قولا آخر بعد ذلك كان ذلك رجوعا عن الأول ومن أصحابنا من قال ليس ذلك برجوع بل هو تخريج للمسألة على قولين وهذا غير صحيح لأن الثاني من القولين يناقض الأول فكان ذلك رجوعا عن الأول كالنصين في الحادثة فصل فأما إذا نص على قولين ثم أعاد للمسألة فأعاد أحد","part":1,"page":364},{"id":295,"text":"القولين كان ذلك اختيارا للقول المعاد ومن أصحابنا من قال ليس ذلك باختيار والأول أصح لأن الثاني يضاد القول الأول فصار كما لو نص في الابتداء على أحد الوقلين حديث ثم نص على القول الآخر فصل فأما إذا قال المجتهد في الحادثة بقول ثم قال ولو قال قائل كذا وكذا كان مذهبا لم يجز أن يجعل ذلك قولا له ومن أصحابنا من قال يجعل ذلك قولا آخر وهذا غير صحيح لأن هذا إخبار عن احتمال المسألة قولا آخر فلا يجوز ذلك مذهبا له فصل وأما ما يقتضيه قياس قول المجتهد فلا يجوز أن يجعل\rقولا له ومن أصحابنا من قال يجوز أن يجعل ذلك قولا له وهذا غير صحيح لأن القول ما نص عليه وهذا لم ينص عليه فلا يجوز أن يجعل قولا له فصل إذا نص في حادثة على حكم ونص في مثلها على ضد ذلك الحكم لم يجز نقل القول في أحدى المسألتين إلى الأخرى ومن أصحابنا من قال يجوز نقل الجواب في كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وتخرجيهما عند على قولين وهذا غير صحيح لأنه لم ينص في كل واحدة منهما إلآ على قول فلا يجوز أن يسنب إليه ما لم ينص عليه ولأن الظاهر أنه قصد الفرق بين المسألتين فمن جمع بينهما فقد خالفه","part":1,"page":365},{"id":296,"text":"76 - باب القول في اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم والاجتهاد بحضرته يجوز الاجتهاد بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن اصحابنا من قال لا يجوز دليلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سعدا أن يحكم في بني قريظة فاجتهد بحضرته ولأن ما جاز الحكم به في غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم جاز الحكم به في حضرته كالنص","part":1,"page":366},{"id":297,"text":"فصل وقد كان يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم في الحوادث بالاجتهاد ومن أصحابنا من قال ما كان له ذلك لنا هو أنه إذا جاز لغيره من العلماء الحكم بالاجتهاد ولأن يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم وهو أكمل اجتهادا أولى فصل وقد كان الخطأ جائزا عليه إلا أنه لا يقر عليه ومن أصحابنا من قال ما كان يجوز عليه الخطأ وهذا خطأ لقوله تعالى عفا الله عنك لم أذنت لهم (1) فدل على أنه أخطأ ولأن من جاز عليه السهو والنسيان جاز عليه الخطأ كغيره\rما جاز الحكم به في غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم جاز الحكم به في حضرته كالنص","part":1,"page":367},{"id":298,"text":"فصل وقد كان يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم في الحوادث بالاجتهاد ومن أصحابنا من قال ما كان له ذلك لنا هو أنه إذا جاز لغيره من العلماء الحكم بالاجتهاد ولأن يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم وهو أكمل اجتهادا أولى فصل وقد كان الخطأ جائزا عليه إلا أنه لا يقر عليه ومن أصحابنا من قال ما كان يجوز عليه الخطأ وهذا خطأ لقوله تعالى عفا الله عنك لم أذنت لهم (1) فدل على أنه أخطأ ولأن من جاز عليه السهو والنسيان جاز عليه الخطأ كغيره فصل ويجوز أن يتعبد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بوضع الشرع فيقول له افرض وسن ما ترى إنه مصلحة للخلق وقال أكثر القدرية لا يجوز وهذا","part":1,"page":367},{"id":299,"text":"خطأ لأنه ليس في ذلك تجويز إحالة ولا فساد فوجب أن يكون جائزا والله أعلم (تنبيه) وجد في الأصل المطبوع عليه ما نصه قوبل على أصله المنتسخ منه مع مراجعة نسختين منه في المكتبة العمومية بدمشق جيدتين تاريخ إحداهما عام 574 في صفر والأخرى بالعام نفسه من شهر ربيع الاخر.\rوكتبه الفقير جمال الدين القاسمي حامدا ومصليا في 26 ربيع الاخر سنة 1325.\rوراجعه وعلق عليه وعلى تخريج أحاديثه الفقير يوسف عبد الرحمن المرعشلي في 15 شوال سنة 1404 ه، الموافق له 14 تموز سنة 1984 م والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.","part":1,"page":368}],"titles":[{"id":1,"title":"اللمع","lvl":1,"sub":0}]}