{"pages":[{"id":1,"text":"تحقيق الآمال فيما ينفع الميت من الأعمال\rأو (هدايا الأحياء للأموات)\r\rكتبه الفقير إلى الله تعالى\rالسيد/ محمد بن السيد علوي المالكي الحسني\rخادم العلم الشريف بالبلد الحرام\r\rالفهرس\rقوله تعالى : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى )\rتحليل نفيس لشارح العقيدة الطحاوية\rإذا مات ابن آدم انقط عمله إلا....\rالقراءة على الميت فعل السلف\rأقوال أئمة المذاهب الفقهية\rأقوال الأئمة من فقهاء الأحناف\rأقوال أئمة الفقه المالكي\rثم ذكر أقوال كبار أئمة الشافعية\rأقوال أئمة الحنابلة وحفاظ مذهبهم\rتوثيق النصوص الفقهية من مذاهب العلماء في الموضوع\rتوثيق نصوص مذاهب الحنفية\rتوثيق نصوص مذهب المالكية :\rتوثيق النووي لنصوص الشافعية :\rتوثيق نصوص مذهب الحنابلة :\rكلام نفيس للشيخ ابن القيم\rتحقيق الشيخ ابن تيمية في الموضوع\rالقراءة عند القبر ليست بدعة\rنصوص فقهية في المسألة\rالتلقين\rرأي الشيخ ابن تيمية\rكلام ابن القيم\rالاجتماع للتعزية في بيت الميت\rسورة الفاتحة ويس لأموات المسلمين\rمعنى الإختيار والتفضيل\rفضل سورة الفاتحة\rفضل سورة يس\rفضل سورة الملك\rفضل لا إله إلا الله\rالخاتمة\rقصر الأمل وذكر الموت\rمعنى تذكر الموت\rمعنى كراهية الموت\rالمرض نذير الموت\rالمحتضر\rالنياحة والبكاء\rتمني الموت\rالموت والغسل\rالتشييع والدفن","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"مقدمة الطبعة الثانية\rالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ومولانا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطاهرين، وصحبه الراشدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.\rوبعد ..\rفإن مما يقضي منه العجب -وما حييت أراك الدهر عجباً- مما يظهر في الساحات من مدعي السلفية من النهي عن قراءة القرآن إلى روح الأموات.\rوهذا كتاب بين يديك قام بتأليفه فضيلة السيد العلامة الكبير، المحقق الشهير، ناشر العلم في الحرمين الشريفين؛ محمد بن السيد علوي عباس المالكي الحسني المكي حفظه الله، وقد جاء مؤلفاً لم يُسبق إلى مثله، جمع فيه أقوال علماء السلف من الصحابة والتابعين، وفقهاء الإسلام، وحفاظ الشريعة الإسلامية، في مشروعية تلاوة القرآن وأنواع المبرات التي تنفع الأموات، وسماه (تحقيق الآمال فيما ينفع الميت من الأعمال)، ولقد أتى فيه بالحق المؤيد بالدليل الذي لا يماري فيه إلا متعصب لا يقبل الحق، أما المنصف الذي يطلب الحق ففيه ضالته المنشودة، وطلبته المقصودة، فاشدد به يديك، وعض عليه بناجذيك. فما أحوج الميت إلى الصلة بالمبرات وأنواع الطاعات التي تخفف من أثقاله، وتزيد في صالح أعماله، وقد انقطع عنه عمله إلا ما كان من سعيه، وما وصله به إخوانه وأهله وجيرانه، من دعاء، أو تلاوة قرآن، أو صدقة، أو حج، أو عمرة، فبفضل الله تعالى ينفعه ذلك ويزيد في حسناته ولا ينقص من أجر التالي والمتصدق شيء بفضل الله وكرمه فهو أكرم الأكرمين.\rوقد شهدت موقفاً من مواقف المتعصبين في أحد المساجد بصنعاء، وقد أحدثوا ضجة في المسجد بسبب قراءة (يس) على ميت، ويقولون في حجتهم إن حديث: ((اقرءوا (يس) على موتاكم)) حديث ضعيف لا يجوز العمل به. فأجبتُ عليهم أن الحديث من قسم الحسن كما ذكره جلة العلماء ولسنا بحاجة إلى الاستدلال به، ولنا دليل من أقوى الأدلة، وهو الأصل في جواز تلاوة القرآن -(يس) وغيره- للأحياء والأموات من غير فرق وفي كل زمان ومكان. ومن ادعى منع ذلك فعليه الدليل الصحيح الصريح الذي يصلح مانعاً لدليل الأصل، فتفضلوا بدليل ينهى عن قراءة القرآن على الأموات، وهيهات هيهات لا يوجد ذلك، بل الدليل الصحيح الحث على قراءة القرآن في كل حال إلا حالة الجنابة والحيض والنفاس، وأن ((من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات، لا أقول ال‍م حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف..)) الحديث بطوله، وبقي لنا الاستدلال بحديث ((إقرؤا (يس) على موتاكم)) استظهاراً وتقوية.\rقالوا: لم يفعله الصحابة، ولا أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم.\rقلت لهم: الترك وعدم العمل لو سلمنا به ليس بدليل، فالدليل هو قوله صلى الله عليه وآله وسلم وفعله وتقريره، والترك ليس بحجة، كيف وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما تركته فهو عفوٌ)) أي جائز، نص الحديث: قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما أحل الله فهو حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفوٌ، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً)) أخرجه البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء بسند حسن.\rوروى الترمذي وابن ماجة من حديث سلمان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الحلال ما أحل الله، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه))، وللحديث طرق أخرى. وهذا كما لا يخفى مؤيد لدليل الأصل وهو الجواز.","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"ثم نقول: قد أمر صلى الله عليه وآله وسلم قولاً بقوله: ((اقرؤا (يس) على موتاكم)) وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده))، رواه أبو داود من حديث أبي هريرة بسند صحيح، فما المانع من ثبوت هذه الجوائز العظيمة والمغانم الكريمة لمن يتدارسون (يس) أو غيرها بنية الأحياء أو الأموات لإطلاق الحديث، أليس في هذا الكفاية للدلالة على المشروعية مع دليل الأصل؟ هل لديكم ما يعارضه أصح منه أو مثله؟ تفضلوا. فبهتوا وانقطعوا ولم يقتنعوا.\rولم تزل قلة الإنصاف قاطعةً ‍ ... بين الرجال ولو كانوا ذوي رحم\rوكما ورد في خصوص الموضوع الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه: سأل رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: هل بقي شيء من البر أبرُّ به أبويَّ بعد موتهما؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما)) رواه مسلم وأبو داود، وهذا من التنصيص على بعض أفراد العام، وورد في القرآن الكريم: {وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}[الإسراء:24]، وقد أثبت هذا المشهد لبيان ضعف حجة المانعين.","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"وممن ذهب إلى وصول ثواب القرآن وكل الأعمال الصالحة إلى الأموات أئمة الآل الكرام، وشيعتهم الفخام، وكثير من العلماء المحققين الأعلام، انظر كتاب جمع الشتيت للإمام محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني رحمه الله، وتكاد أن تكون المسألة وفاقية بين المحققين -كما ستقف على كلام أئمة المذاهب في هذه الرسالة النفيسة- ولم يظهر الخلاف الكبير والتعصب المقيت إلا في هذا العصر على أيدي المتجاهلين لما ورد في المسألة، والخَطْب يسير والمسألة طاعة لله وعبادة، فمن نهى عنها فهو يأمر بعقوق الوالدين وقطيعة الأرحام والأقارب بعد الموت، والله تعالى ورسوله يأمران ببرهم أحياء وميتين، وفيه أيضاً نهي عن طاعة الله وعبادته كما ذلك معلوم.\rوجزى الله مؤلف الرسالة خير الجزاء، ونفع بها المؤمنين، وقد أذن فضيلة المؤلف حفظه الله بإعادة طبع الرسالة مرة ثانية كما ترى إذنه بتوقيعه بطبعها لمؤسسة الإمام زيد الثقافية المباركة، فنرجو أن تعاد الطبعة بصورة تسر الناظر وتشوق القارئ المنصف كما هو عادة المؤسسة فيما نشرته من التراث الإسلامي، بارك الله فيها وجزى الله القائمين عليها خير الجزاء آمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطاهرين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.\rبتاريخه 1 شهر شوال سنة 1423ه‍\rكتبه/ محمد بن علي بن محمد بن المنصور وفقه الله\rعضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء\rعضو جميعة علماء اليمن\rصنعاء","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rمقدمة المؤلف\rالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\rأما بعد، فهذه رسالة تحتوي على بحوث علمية مهمة في وصول ثواب القراءة للأموات، وغيرها من الأعمال الصالحات، وما يتعلق بذلك من التلقين والجلوس للعزاء، وسميتها: (تحقيق الآمال فيما ينفع الميت من الأعمال).\rنسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بها وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، إنه سميع قدير، وبالإجابة جدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.\rسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.\rاللهم، إنا نسألك العفو والعافية، في الدين والدنيا والآخرة، والمال والأهل والبدن.\rاللهم إنا نسألك الرضا، والعفو عما مضى، واللطف فيما جرى به القضا.\rوصلى الله وسلم على خاتم رسله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\rوكتبه الفقير إلى الله تعالى\rالسيد/ محمد بن السيد علوي المالكي الحسني\rخادم العلم الشريف بالبلد الحرام","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"{وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}\rقال الله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ للإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}[النجم:39].\rهذه الآية الكريمة من النصوص المهمة التي يتمسك بها كثير ممن يجرون وراء ظواهر الألفاظ وعمومات النصوص المطلقة دون مراعاة للأصول والقرائن الأخرى التي تفيد تخصيصاً أو تقييداً للنص، والتي يجب أن لا تفهم النصوص العلمية إلا بها لتدور جميعاً في فلك واحد، وتأتي متناسبة مترابطة في نسق واحد يليق بصاحب الشريعة المحفوظ من التناقض والتعارض، إذ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى.\rفظاهر هذه الآية يفيد نفي انتفاع الميت بأي شيء بعد موته، لأنه ما أثبت له إلا ما سعى فيه، ومحل سعيه هو الدنيا، لكن هناك نصوصاً أخرى تثبت انتفاعه بغير سعيه كما سيأتي في هذا البحث، ولذلك فإن المحققين من علماء السنة وخصوصاً المنصفين من أئمة السلفية مثل الشيخ ابن تيمية وابن القيم الذين فهموا الآية هذا الفهم الصحيح أثبتوا انتفاع الميت بعمله وعمل غيره، وبينوا معنى الآية والتوفيق بينها وبين النصوص الأخرى الواردة في هذا الموضوع.\rقال العلامة الشيخ فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي في شرحه على كنز الدقائق في باب الحج عن الغير: وأما قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ للإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} فقد قال ابن عباس: إنها منسوخة بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ...} الآية [الطور:21]، وقيل: هي خاصة بقوم موسى وإبراهيم عليهما السلام لأنه وقع حكاية عما في صحفهما لقوله تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى ، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}[النجم:36،37]، وقيل: أريد بالإنسان الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى أخوه، وقيل: ليس له من طريق العدل، وله من طريق الفضل، وقيل: اللام في (الإنسان) بمعنى (على)، كقوله تعالى: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}[الإسراء:7]، أي عليها، وكقوله تعالى: {لَهُمُ اللَّعْنَةُ}، أي عليهم، وقيل: ليس له إلا سعيه، لكن سعيه قد يكون بمباشرة أسبابه، بتكثير الإخوان، وتحصيل الإيمان، حتى صار ممن تنفعه شفاعة الشافعين، وأما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)) فلا يدل على انقطاع عمل غيره، والكلام فيه وليس فيه شيء مما يستبعد عقلاً لأنه ليس فيه إلا جعل ما له من الأجر لغيره، والله تعالى هو الموصل إليه، وهو قادر عليه، ولا يختص ذلك بعمل دون عمل. ا ه‍.\rتحليل نفيس لشارح العقيدة الطحاوية\rذكر الشيخ ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية مسألة انتفاع الميت بعمل غيره مما لم يتسبب فيه، ورجح القول به، وذكر الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس عليه، ثم قال في الجواب عن الآية التي يتمسك بظاهرها المانعون:\rوالجواب عما استدلوا به من قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ للإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}[النجم:39]: قد أجاب العلماء بأجوبة، أصحها جوابان:\rأحدهما: أن الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودد إلى الناس، فترحموا عليه، ودعوا له، وأهدوا له ثواب الطاعات، فكان ذلك أثر سعيه، بل دخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كلٍ من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم.\rيوضحه: أن الله تعالى جعل الإيمان سبباً لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين وسعيهم، فإذا أتى به فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه ذلك.\rالثاني: وهو أقوى منه أن القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى، فأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه فإن شاء أن يبذله لغيره وإن شاء أن يبقيه لنفسه. وقوله سبحانه وتعالى: {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ، وَأَنْ لَيْسَ للإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}[النجم:38،39]، آيتان محكمتان تقتضيان عدل الرب تعالى، فالأولى تقتضي أنه لا يعاقب أحداً بجرم غيره، ولا يؤاخذه بجريرة غيره كما يفعله ملوك الدنيا، والثانية تقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله لينقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، وهو سبحانه لم يقل لا ينتفع إلا بما سعى. ا ه‍.","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"((إذا مات ابن آدم انقطع عمله))\rومن النصوص المهمة المتصلة بالآية الكريمة الحديث الصحيح المشهور: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)).\rوقد شرح هذا الحديث سيدي الوالد الإمام علوي بن عباس المالكي الحسني رحمه الله، فقال: قوله: ((إذا مات ابن آدم ...)) اعلم أن انقطاع ذات العمل بالموت أمر ظاهر، إذ الميت لا يعمل ولا يكلف بعد الموت، وإنما المقصود أن بعض الأعمال تستثمر آثارها حتى بعد الموت فلا ينقطع أجرها بتكرر ذلك. ولذا قال: ((إلا من ثلاث)) أي إلا من خصال ثلاث: ((صدقة جارية)) أي غير منقطعة كحفر بئر، ووقف مصحف، وبناء مسجد ورباط، وقوله: ((أو علم ينتفع به)) يعني به العلم الشرعي: الذي ينتفع به، ويترتب عليه الفوز بالنعيم المقيم والنجاة من العذاب الأبدي. ويدخل في ذلك: تأليف الكتب ووقفها. لأن المراد مطلق الانتفاع: بالمباشرة والتسبب. وقوله: ((أو ولد صالح)) أي مسلم ((يدعو له)): لأنه من كسبه. وقد تفضل الله تعالى بكتابته مثل ثواب سائر الحسنات التي يعملها الأولاد دون آثام السيئات.","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"وبما تقرر، علم أنه لا حصر في هذه الخصال الثلاث، لأن مفهوم العدد غير حجة، أو لأنه عليه الصلاة والسلام اطلع على الثلاث ثم أطلعه الله على الزائد فضلاً منه وإحساناً، لما أخرج ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً نشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورثه، ومسجداً بناه، وبيتاً لابن السبيل بناه، ونهراً أجراه، وصدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه من بعد موته)).\rفهذا الحديث احتوى على سبع خصال تضم إلى الثلاث الأول: تبلغ عشراً. وقد زاد السيوطي عليها واحدة أيضاً. وقد نظم ذلك بقوله:\rإذا مات ابن آدم ليس يجري ‍...عليه ـ من خصال ـ غيرُ عشر\rعلومٌ بثها، ودعاءُ نجل ‍...وغرسُ النخل، والصدقاتُ تجري\rوراثةُ مصحف، ورباطُ ثغر ‍...وحفرُ البئر، أو إجراءُ نهر\rوبيتُ للغريب بناه يأوي ‍... إليه، أو بناءُ محل ذكر\rوتعليمٌ لقرآن كريم ‍ ... فخذها من أحاديث بحصر\rتخريج ما ورد في هذه الأبيات:\rأما قوله: (علوم بثها، ودعاء نجل، والصدقات تجري) فهذه جاءت مجموعة في الحديث الصحيح المشهور: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)).\rوأما قوله: (غرس النخل، وحفر بئر) فقد جاء ذكرهما في حديث أنس مرفوعاً: ((سبع يجري أجرهما للعبد بعد موته وهو في قبره ـ وذكر منها حفر البئر أو غرس النخل)) رواه أبو نعيم في الحلية.\rوأما قوله: (محل ذكر) فهو المسجد، وقد تقدم ذكره في حديث ((إن مما يلحق المؤمن ..)) الحديث.","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"قال ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية:\rوأما استدلالهم بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله)) فاستدلال ساقط، فإنه لم يقل انقطع انتفاعه، وإنما أخبر عن انقطاع عمله، وأما عمل غيره فهو لعامله، فإن وهبه له وصل إليه ثواب عمل العامل، لا ثواب عمله هو، وهذا كالدّين يوفيه الإنسان عن غيره، فتبرأ ذمته، ولكن ليس له ما وفّى به الدَّين. ا ه‍..\rالقراءة على الميت وفعل السلف\rوربما يقول متنطع ممن يتشبث بأذيال العدم لرد كل مسألة وإنكار كل جديد بقوله: لم يفعله السلف ولم يثبت عنهم، ربما يقول هذا: إن القراءة على الميت لم يفعلها السلف، فنقول له:\rأولاً: هذه الدعوى غير صحيحة، لأن القراءة على الأموات صحت عن ابن عمر، وحكاها الشعبي عن الأنصار، وثبتت عن الإمام أحمد، وهو من كبار أئمة السلف. وفي نفح الطيب في فوائد المقري الكبير أنه أنشد شيخه الآبلي قول ابن الرومي المشهور:\rأفنى وأعمى ذا الطبيب بطبه\rوبكحله الأحياء والبصراء\rفإذا مررت رأيت من عميانه\rأمماً على أمواته قراء\rفاستفاد منه قدم القراءة على الأموات.\rثانياً: لو سلم عدم فعل السلف لها لا يلزم منه المنع الخاص المدعى، فعدم فعلهم لها ليس بدليل، وليس كل شيء من مسائل الفروع لم يفعله السلف يكون محظوراً، ومن ادّعى ذلك فعليه الدليل ولا سبيل له إليه.","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"ثالثاً: قد ثبت في الحديث الصحيح ((إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه))، وثبت أيضاً تعذيب الأموات في قبورهم كقوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا}[غافر:46]، وكحديث وضعه عليه السلام الجريدتين على قبرين وأخبر: ((أنه يخفف عنهما ما دامتا رطبتين)) أخرجه الشيخان، وأصحاب السنن الأربعة، وابن خزيمة، وأخرج البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به))، ووردت أحاديث كثيرة بخصال غير هذه الثلاثة، يلحق ثوابها الإنسان بعد موته، تتّبعها الحافظ السيوطي فبلغت إحدى عشرة خصلة، ونظمها في الأبيات السابقة.\rوأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنه، عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله تعالى))، وكون الأموات يعذبون في قبورهم ويتألمون من سوء أعمال أقربائهم الأحياء، وينتفعون بما يسديه الأحياء إليهم شيء لا يأتي عليه الحصر من الأحاديث والآثار عن السلف، ذكر بعضاً من ذلك ابن كثير في تفسير سورة الروم عند قوله تعالى: {فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى}[الروم:52].\rرابعاً: القراءة على الأموات أمر بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان وصححه عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((اقرءوا (يس) على موتاكم))، قال النووي رحمه الله في كتابه (الأذكار) ما نصه: قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويستحب العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعاً اه‍.","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"(قلت): فسكوت الإمام أبي داود عن تضعيفه يدل على أنه صالح وأنه لا يبعد عن درجة الحسن لغيره، وأقل ما يقال فيه أنه نافع للعمل به، دافع لاعتراض المعترض أو إنكار المنكر لذلك العمل. خصوصاً وأنه قد جرى عليه عمل الفقهاء في كثير من الأمصار سلفاً وخلفاً واشتهر بين الناس ـ كما قرر ذلك الشيخ ابن القيم في كتاب الروح كما سيأتي ـ وغيره من أئمة السلف.\rوالحديث الضعيف ـ إذا جرى عليه العمل ـ تقوّى، وانتهض، وصار له مزية على غيره، ويستأنس به أهل الاعتبار والنظر، ويفرحون للعمل به، ويعتبرون ذلك داخلاً في دائرة السنة النبوية، ولا يبادرون إلى الإنكار أو الحكم بالبدعة والضلالة والمخالفة.\rوشواهد هذا كثيرة في كتب السنة المشرفة. وممن يعتني به الإمام الحافظ الترمذي، فإنه في كتابه السنن كثيراً ما ينقل أحاديث ويحكم عليها بالضعف ثم يقول بعد ذلك: (وقد عمل قوم من أهل العلم بهذا الحديث) كما قال في حديث أبي سعيد في دعاء الاستفتاح [أبواب الصلاة/ باب ما يقول عند افتتاح الصلاة] ج1 ص276، وكما قال في حديث علي في ميراث الإخوة من الأم وهو ضعيف: (والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم) كتاب الفرائض/ باب ما جاء في ميراث الإخوة ج4 ص30، وكما قال في حديث تميم الداري في ميراث المشرك الذي يسلم على يد رجل من المسلمين ـ إنه أولى: (فالحديث فيه ضعف ولكن العمل عليه عند بعض أهل العلم) ج4 ص38، وكما قال في حديث أنس بن مالك في الصلاة على الدابة في ماء وطين وهو ضعيف: (والعمل على هذا عند أهل العلم) أبواب الصلاة/ باب ما جاء في الصلاة على الدابة في الطين والمطر ج1 ص421. وكما قال في حديث أبي هريرة في قضاء صلاة ركعتي الفجر بعد طلوع الشمس. وهو ضعيف: (والعمل على هذا عند بعض أهل العلم) أبواب الصلاة/ باب ما جاء في إعادتها بعد طلوع الشمس ج1 ص433.\rوالحاصل أن هذا الحديث صالح للعمل به ومقبول في هذا الباب.","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"وقال الإمام أحمد في المسند أيضاً: حدثنا أبو المغيرة، حدثني صفوان -يعني ابن عمرو- حدثني المشيخة أنهم حضروا غضيف بن الحارث الثمالى حين اشتد سوقه، فقال: هل منكم أحد يقرأ (يس)؟ قال: فقرأها صالح بن شريح السكوني، فلما بلغ أربعين قبض، قال: فكانوا يقولون: إذا قرئت ـ يعني (يس) ـ على ميت خفف عنه بها.\rوأسند صاحب مسند الفردوس إلى أبي الدرداء بلفظ: ((ما من ميت تقرأ عنده (يس) إلا هون الله عزّوجلّ عليه))، قال محب الدين الطبري: المراد الميت الذي فارقته روحه، وحمله على المحتضر قول بلا دليل. اه‍.\rوأخرج ابن حبان في صحيحه عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكاً واستخرجت {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} من تحت العرش فوصلت بها، و(يس) قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرءوها على موتاكم)). اه‍.\rأقوال أئمة المذاهب الفقهية\rوقد عقد العلامة الفقيه الحنبلي الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد رحمه الله فصلاً خاصاً في كتابه (غاية المقصود) جمع فيه أقوال العلماء من كل مذهب في إثبات وصول الثواب إلى الأموات من أي عمل صالح يقوم به الحي ويهب ثوابه إلى الأموات، كالحج، والصدقة، والأضحية، والعمرة، وقراءة القرآن، ولا شك أنه يدخل فيه الأذكار من تهليل، وتكبير، وصلاة وسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهي كلها أعمال صالحة يثاب عليها العامل بها، وإذا وهب ثوابها للميت تقبل الله منه ذلك وأوصله إليه، وإذا وصل إليه انتفع به بفضل الله وكرمه وإحسانه.\rفنقل الشيخ ابن حميد أقوال الأئمة من فقهاء الأحناف، مثل الشيخ برهان الدين علي بن أبي بكر المرغيناني، في كتابه: (الهداية) في باب الحج عن الغير.","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"والشيخ شمس الدين أبي العباس أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السروجي، في كتابه (نفحات النسمات في وصول إهداء الثواب للأموات).\rوالبدر العيني، في باب الحج عن الغير، من شرح الكنز.\rوابن عابدين، في رد المحتار على الدر المختار.\rوصاحب الفتاوي الهندية، في الفتاوي الهندية، الباب الرابع عشر، في الحج عن الغير.\rوصاحب الهداية، في بيان أحكام الحج عن الغير.\rوالشيخ علي قاري، في شرح المنسك المتوسط.\rونقل أقوال أئمة الفقه المالكي وحفاظ المذهب في الموضوع مثل:\rالإمام ابن رشد، في نوازله.\rوالعلامة الشهاب القرافي، في الفرق الثاني والسبعين والمائة.\rوابن الحاج، في الجزء الأول من المدخل.\rوالشيخ أبو زيد الفاسي، في باب الحج عن الغير.\rوالحطاب، في شرحه على خليل.\rثم ذكر أقوال كبار أئمة الشافعية مثل:\rالعلامة الشربيني، في كتابه السراج المنير.\rوالنووي، في روضة الطالبين، وشرح مسلم.\rوالسيوطي، والسبكي، وابن الصلاح، في الفتاوى، والشيخ أبو المعالي على ابن أبي السعود الشهير بالسويدي، في كتابه (العقد الثمين في بيان مسائل الدين). وابن النحوي، في المنهاج. وشيخ الإسلام أبو عبد الله القاياتي، في الروضة.\rثم ذكر أقوال أئمة الحنابلة وحفاظ مذهبهم.\rوبدأه بقول الإمام أحمد: الميت يصل إليه كل شيء من الخير من صدقة أو صلاة أو غيره، ثم ذكر كلام الموفق ابن قدامة، في المغني، وهو طويل ونفيس.\rثم قال في العدة شرح العمدة: وأما قراءة القرآن وإهداء ثوابه للميت فالإجماع واقع على فعله من غير نكير، وقد صح الحديث: أن الميت ليعذب ببكاء أهله، والله سبحانه أكرم من أن يوصل إليه العقوبة ويحجب عنه المثوبة.\rقلت: ويدل على هذا أيضاً قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل))، فإذا كان هذا في العذاب والعقاب ففي الفضل والثواب أولى وأحرى.","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"توثيق النصوص الفقهية من مذاهب العلماء في الموضوع\r1) توثيق نصوص مذهب الحنفية\rقال الإمام العلامة المرغيناني في أول باب الحج عن الغير من هدايته ما نصه: الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوماً أو صدقة أو غيرها عند أهل السنة والجماعة، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((أنه ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته ممن أقر بوحدانية الله وشهد له بالبلاغ)). اه‍.\rوقد كتب عليه المحقق الكمال بن الهمام في فتح القدير كتابة مطنبة جيّدة، ملخصها أن المعتزلة خالفوا في كل العبادات ـ أي منعوا وصول ثوابها للغير ـ وذكر شبهتهم، وأجاب عنها، وساق آثاراً كثيرة دالة على الجواز، ثم قال ما نصه: فهذه الآثار وما قبلها، وما في السنة أيضاً من نحوها عن كثير، قد تركناه لحال الطول يبلغ القدر المشترك بين الكل ـ وهو أن من جعل شيئاً من الصالحات لغيره نفعه الله به ـ مبلغ التواتر. اه‍.\rوقال العلامة عثمان بن علي الزيلعي الحنفي في شرحه على كنز الدقائق في باب الحج عن الغير أيضاً ما نصه: الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره عند أهل السنة والجماعة، صلاة كان أو صوماً أو حجاً أو صدقةً أو قراءة قرآن أو الأذكار، إلى غير ذلك من جميع أنواع البر، ويصل ذلك إلى الميت وينفعه.","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"وقال العلامة الشيخ زين الدين المعروف بابن نجيم والمشهور بأبي حنيفة الثاني ومحرر المذهب في البحر الرائق في باب الحج عن الغير: لما كان الحج عن الغير كالتبع آخره، والأصل فيه أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوماً أو صدقة أو قراءة القرآن أو ذكراً أو طوافاً أو حجاً أو عمرة أو غير ذلك عند أصحابنا للكتاب والسنة، أما الكتاب فلقوله تعالى: {وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}[الإسراء:24]، وإخباره تعالى عن ملائكته بقوله: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا}، وساق عبارتهم بقوله تعالى: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ}[غافر:7]، إلى قوله: {وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ}.\rوأما السنة فأحاديث كثيرة منها ما في الصحيحين، ثم ذكر الأحاديث الواردة في الموضوع.\rوجزم البدر العيني في باب الحج عن الغير أيضاً من شرح الكنز، بأن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره من صلاة أو صوم أو حج أو صدقة أو قراءة قرآن أو ذكر إلى غير ذلك من جميع أنواع البر، وكل ذلك يصل إلى الميت عند أهل السنة والجماعة. اه‍.\rوللعلامة سعد الدين الديري المتوفى سنة 867ه‍: (الكواكب النيرات في وصول ثواب الطاعات إلى الأموات) اقتفى فيه أثر السروجي مع زيادات عليه كثيرة.اه‍.\r2) توثيق نصوص مذهب المالكية\rقال الإمام القاضي أبو الفضل عياض في شرحه على صحيح مسلم في حديث الجريدتين عند قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لعله يخفف عنهما ما دامتا رطبتين)) ما نصه: أخذ العلماء من هذا استحباب قراءة القرآن على الميت لأنه إذا خفف عنه بتسبيح الجريدتين وهما جماد فقراءة القرآن أولى.","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"وقال العلامة الشهاب القرافي في الفرق الثاني والسبعين والمائة ما ملخصه: مذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل أن القراءة يحصل ثوابها للميت، وإذا قرئ عند القبر حصل للميت أجر المستمع، والذي يتجه أن يقال ما لا يقع فيه خلاف: أنه يحصل لهم بركة القرآن لا ثوابه، كما يحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده، والذي ينبغي للإنسان أن لا يهمل هذه المسألة فلعل الحق هو الوصول إلى الموتى، فإن هذه أمور مغيبة عنا وليس فيها اختلاف في حكم شرعي، وإنما هو في أمر واقع، هل هو كذلك أم لا. وكذلك التهليل الذي جرت عادة الناس بعمله اليوم ينبغي أن يعمل ويعتمد في ذلك على فضل الله بكل سبب ممكن، ومن الله الجود والإحسان هذا هو اللائق بالعبد.\rوقال الشيخ ابن الحاج في الجزء الأول من المدخل ما نصه: لو قرأ في بيته وأهدى إليه لوصلت، وكيفية وصولها أنه إذا فرغ من تلاوته وهب ثوابها له، أو قال: اللهم اجعل ثوابها له. فإن ذلك دعاء بالثواب لأن يصل إلى أخيه والدعاء يصل بلا خلاف. اه‍.\rونقل الشيخ أبو زيد الفاسي في باب الحج عن الغير في جواب له ما نصه: الميت ينتفع بقراءة القرآن، وهذا هو الصحيح، والخلاف فيه مشهور، والأجرة عليه جائزة. والله أعلم، نقله عنه الفقيه كنون الفاسي محشي عبد الباقي.\rوفي آخر نوازل ابن رشد في السؤال عن قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ للإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} قال: وإن قرأ الرجل وأهدى ثواب قراءته للميت جاز ذلك، وحصل للميت أجره. ا ه‍.\rوقال ابن هلال في نوازله: الذي أفتى به ابن رشد، وذهب إليه غير واحد من أئمتنا بالأندلس أن الميت ينتفع بقراءة القرآن، ويصل إليه نفعه، ويحصل له أجره إذا وهب القارئ ثوابه له، وبه جرى عمل المسلمين شرقاً وغرباً، ووقفوا على ذلك أوقافاً، واستمر عليه الأمر منذ أزمنة سالفة. اه‍.","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"ونقل العلامة الحافظ الشيخ عبد الرحمن الثعالبي في تفسيره (الجواهر الحسان) عند قوله تعالى: {وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}[الإسراء:24] عن الحافظ العلامة عبد الحق الإشبيلي في كتابه (العاقبة) ما نصه: واعلم أن الميت كالحي فيما يعطاه ويهدى إليه، بل الميت أكثر وأكثر، لأن الحي قد يستقل ما يهدى إليه ويستحقر ما يتحف به، والميت لا يستحقر شيئاً من ذلك ولو كان مقدار جناح بعوضة أو وزن مثقال ذرة لأنه يعلم قيمته، وقد كان يقدر عليه فضيعه، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به)) فهذا دعاء الولد يصل إلى والده وينتفع به، وكذا أمره عليه الصلاة والسلام بالسلام على أهل القبور، والدعاء لهم، وما ذاك إلا لكون ذلك الدعاء لهم والسلام عليهم يصل إليهم ويأتيهم، والله أعلم.\rوروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((الميت في قبره كالغريق ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديقه، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها)) والأخبار في هذا الباب كثيرة. اه‍.\rثم قال الثعالبي: قلت: وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أنه قال: ((كان يقال: إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده، وأشار بيده نحو السماء)) قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: قد رويناه بإسناد جيد، ثم أسند عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن الله ليرفع العبد الدرجة فيقول: أي ربِّ أنى لي هذه الدرجة؟ فيقال: باستغفار ابنك لك)). اه‍ من التمهيد.","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"وروينا في سنن أبي داود أن رجلاً من بني سلمة قال: يا رسول الله! هل بقي من بر أبويَّ شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: ((نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما)). اه‍.\r3) توثيق النووي لنصوص الشافعية\rقال الإمام النووي: ويستحب للزائر ـ يعني زائر القبور ـ أن يسلم على المقابر ويدعو لمن يزوره ولجميع أهل المقبرة، والأفضل أن يكون السلام والدعاء مما ثبت في الحديث، ويستحب أن يقرأ من القرآن ما تيسر ويدعو لهم عقبها. نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب.\r4) توثيق نصوص مذهب الحنابلة\rقال الإمام موفق الدين أبو محمد عبد الله بن قدامة الحنبلي:","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"(فصل) وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك إن شاء الله. أما الدعاء والاستغفار والصدقة وأداء الواجبات فلا أعلم فيه خلافاً إذا كانت الواجبات مما يدخله النيابة. وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ}[الحشر:10]، وقال الله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}[محمد:19]، ودعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي سلمة حين مات، وللميت الذي صلى عليه في حديث عوف بن مالك، ولكل ميت صلى عليه، وسأل رجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت فينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: ((نعم))، رواه أبو داود، وروي ذلك عن سعد بن عبادة، وجاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: ((أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته)) قالت: نعم، قال: ((فدين الله أحق أن يقضى))، وقال للذي سأله: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: ((نعم)) وهذه أحاديث صحاح، وفيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القرب، لأن الصوم والحج والدعاء والاستغفار عبادات بدنية، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت، فكذلك ما سواها مع ما ذكرنا من الحديث في ثواب من قرأ (يس) وتخفيف الله تعالى عن أهل المقابر بقراءته.","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمرو بن العاص: ((لو كان أبوك مسلماً فأعتقتم عنه، أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه بلغه ذلك)) وهذا عام في حج التطوع وغيره، ولأنه عمل وبر وطاعة، فوصل نفعه وثوابه كالصدقة والصيام والحج الواجب، وقال الشافعي: ما عدا الواجب والصدقة والدعاء والاستغفار لا يفعل عن الميت ولا يصل ثوابه إليه لقول الله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ للإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به من بعده، أو ولد صالح يدعو له))، ولأن نفعه لا يتعداه فاعله فلا يتعدى ثوابه. وقال بعضهم: إذا قرئ القرآن عند الميت أو أهدي إليه ثوابه كان الثواب لقارئه ويكون الميت كأنه حاضرها وترجى له الرحمة.\rولنا ما ذكرناه وأنه إجماع المسلمين فإنهم في كل عصر ومصر يجتمعون ويقرءون القرآن ويهدون ثوابه إلى موتاهم من غير نكير، ولأن الحديث صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه)) والله أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إليه ويحجب عنه المثوبة، ولأن الموصل لثواب ما سلموه قادر على إيصال ثواب ما منعوه، والآية مخصوصة بما سلموه، وما اختلفنا فيه في معناه فنقيسه عليه، ولا حجة لهم في الخبر الذي احتجوا به فإنما دل على انقطاع عمله، فلا دلالة فيه عليه، ثم لو دل عليه كان مخصوصاً بما سلموه، وفي معناه ما منعوه، فيتخصص به أيضاً بالقياس عليه، وما ذكروه من المعنى غير صحيح، فإن تعدي الثواب ليس بفرع لتعدي النفع، ثم هو باطل بالصوم والدعاء والحج وليس له أصل يعتبر به. والله أعلم.","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"قال الإمام شمس الدين محمد بن مفلح المقدسي في كتابه الفروع: كل قربة فعلها المسلم وجعل ثوابها للمسلم نفعه ذلك وحصل له الثواب، كالدعاء والاستغفار، وواجب تدخله النيابة، وصدقة التطوع، وكذا العتق، ذكره القاضي وأصحابه أصلاً، وذكره أبو المعالي، وشيخنا، وصاحب المحرر، وكذا حج التطوع. وفي المجرد: من حج نفلاً عن غيره وقع عمن حج لعدم إذنه، وكذا القراءة والصلاة والصيام، نقل الكمال في الرجل يعمل شيئاً من الخير من صلاة أو صدقة أو غير ذلك ويجعل نصفه لأبيه أو أمه: أرجو، وقال: الميت يصل إليه كل شيء من الخير من صدقة أو صلاة أو غيره.\rوقال الإمام برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن مفلح في كتابه المبدع: (وأي قربة فعلها) من دعاء واستغفار وصلاة وصوم وحج وقراءة وغير ذلك (وجعل ثواب ذلك للميت المسلم نفعه ذلك).\rقال أحمد: الميت يصل إليه كل شيء من الخير للنصوص الواردة فيه، ولأن المسلمين يجتمعون في كل مصر ويقرءون ويهدون لموتاهم من غير نكير فكان إجماعاً وكالدعاء والاستغفار، حتى لو أهداها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم جاز ووصل إليه الثواب، ذكره المجد.\rوقال الإمام أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي في كتابه الإنصاف: قوله: (وأي قربة فَعَلها وجعلها للميت المسلم نفعه ذلك)، وهو المذهب مطلقاً، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم وهو من المفردات، وقال القاضي في المجرد: من حج نفلاً عن غيره وقع عمن حج لعدم إذنه.\rوقال شيخ الإسلام تقي الدين محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي: وسن ما يخفف عنه ولو بجعل جريدة رطبة في القبر وذكر وقراءة عنده وكل قربة فعلها مسلم وجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت حصل له ولو جعله الجاعل وإهداء القرب مستحب.\rوقال العلامة الشيخ منصور البهوتي: وكل قربة فعلها المسلم وجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت جاز ونفعه، وذكر جملة من الأعمال منها القراءة.","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"كلام نفيس للشيخ ابن القيم\rقال الشيخ ابن القيم: والقائل: إن أحداً من السلف لم يفعل ذلك، قائل ما لا علم له به، فإن هذه شهادة على نفي ما لم يعلمه، فما يدريه أن السلف كانوا يفعلون ذلك ولا يشهدون من حضرهم عليه؟ بل يكفي اطلاع علام الغيوب على نياتهم ومقاصدهم لا سيما وأن التلفظ بنية الإهداء لا يشترط كما تقدم، وسر ذلك أن الثواب ملك للعامل فإذا تبرع به وأهداه إلى أخيه المسلم أوصله الله إليه، فما الذي خص من هذا ثواب قراءة القرآن وحجر على العبد أن يوصله إلى أخيه .... قال: وأما السبب الذي لأجله لم يظهر ذلك من السلف فهو أنهم لم يكن لهم أوقاف على من يقرأ ويهدي إلى الموتى، ولا كانوا يعرفون ذلك البتة، ولا كانوا يقصدون القبر للقراءة عنده كما يفعله الناس اليوم، ولم يكن أحدهم يشهد من حضره من الناس على أن ثواب هذه القراءة لفلان الميت ـ بل ولا ثواب هذه الصدقة أو الصوم، ثم يقال لهذا القائل: لو كلفت أن تنقل عن واحد من السلف أنه قال: اللهم اجعل ثواب هذا الصوم لفلان لعجزت، فإن القوم كانوا أحرص شيء على كتمان أعمال البر، ولم يكونوا ليشهدوا على الله بإيصال ثوابها إلى أمواتهم. اه‍.","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"الخلاصة\rقال شيخنا الإمام العلامة محمد العربي التباني المكي: وقد تحقق وتلخص من كلام العلماء أن أربعة يصل ثوابها للميت بالإجماع. وهي: الصدقة، والدعاء، والاستغفار، وأداء الواجبات التي تقبل النية كأداء الدين عنه، وأن الصوم يصح عنه ويصله ثوابه عند الإمام الشافعي في القديم وأبي ثور والمحققين من المحدثين، لعموم حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من مات وعليه صوم، صام عنه وليه)) وتحقق أيضاً أن القراءة على الأموات فعلها السلف الصالح كما هو مستفاد من كلام ابن قدامة وابن القيم وغيرهما من المنقول عن الأئمة الأقدمين من أهل الأثر كالخلال وغيره، وأن عمل المسلمين شرقاً وغرباً لم يزل مستمراً عليها، وأنهم وقفوا على ذلك أوقافاً كما في فتوى الإمام ابن رشد المالكي، وكلام السيوطي الشافعي المنقول عن ابن عبد الواحد المقدسي الحنبلي وعن غيره، وكلام ابن قدامة في مغنيه، وابن القيم في كتابه الروح، بل صرح ابن قدامة وابن عبد الواحد المقدسي فيما نقله عنه السيوطي بإجماع المسلمين فيها، وخصها الثاني منهما بتأليف، كما ألف فيها السروجي وسعد الدين الديري الحنفيان وغيرهما، وقال ابن القيم: وهذا عمل سائر الناس حتى المنكرين في سائر الأعصار والأمصار من غير نكير من العلماء، ونسب وصولها لجمهور السلف، والإمام أحمد، وعدمه إلى أهل البدع من أهل الكلام، وكذلك السيوطي وجمهور السلف والأئمة الثلاثة على الوصول، والعلامة المرغيناني الحنفي قال: للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صوماً أو صدقة أو غيرها عند أهل السنة والجماعة، وكذلك قال البدر العيني الحنفي: يصل إلى الميت جميع أنواع البر من صلاة أو صوم أو حج أو صدقة أو قراءة قرآن أو ذكر إلى غير ذلك، والآثار الدالة على جواز انتفاع الشخص بعمل الغير كثيرة، قال العلامة المحقق الكمال بن الهمام: يبلغ القدر المشترك بين الكل ـ وهو أن من جعل شيئاً من الصالحات","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"لغيره نفعه الله به ـ مبلغ التواتر.\rوقال الحافظ السيوطي: واستدلوا (أي الجمهور) على الوصول بالقياس على الدعاء والصدقة والصوم والحج والعتق، وبالأحاديث الآتي ذكرها (ذكرها في شرح الصدور عن الخلال وغيره) قال: وهي وإن كانت ضعيفة فمجموعها يدل على أن لذلك أصلاً، وبأن المسلمين ما زالوا في كل عصر يجتمعون ويقرءون لموتاهم من غير نكير فكان ذلك إجماعاً. اه‍.\rوأما قول الله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ للإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} فلا حجة فيها للمانع لأنها مخصصة بأدلة الكتاب والسنة الكثيرة الدالة على انتفاع الشخص بعمل غيره، أو محمولة على ما لا يهبه العامل له، وقد سئل عنها وعن قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ}[البقرة:261] الإمام الحسين بن الفضل رحمه الله فقال: ليس له بالعدل إلا ما سعى، وله بالفضل ما شاء الله تعالى.\rتحقيق الشيخ ابن تيمية في الموضوع\rقال الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع وذلك باطل من وجوه كثيرة:\r(أحدها) أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير.\r(ثانيها) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشفع لأهل الموقف في الحساب، ثم لأهل الجنة في دخولها، ثم لأهل الكبائر في الخروج من النار، وهذا انتفاع بعمل الغير.\r(ثالثها) أن كل نبي وصالح له شفاعة وذلك انتفاع بعمل الغير.\r(رابعها) أن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض وذلك انتفاع بعمل الغير.\r(خامسها) أن الله تعالى يخرج من النار من لم يفعل خيراً قط بمحض رحمته وهذا انتفاع بغير عملهم.\r(سادسها) أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم وذلك انتفاع بمحض عمل الغير.\r(سابعها) قال الله تعالى في قصة الغلامين اليتيمين: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}[الكهف:82]، فانتفعا بصلاح أبيهما وليس هو من سعيهما.","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"(ثامنها) أن الميت ينتفع بالصدقة عنه وبالعتق بنص السنة والإجماع وهو من عمل الغير.\r(تاسعها) أن الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه بنص السنة وهو انتفاع بعمل الغير.\r(عاشرها) أن الحج المنذور أو الصوم المنذور يسقط عن الميت بعمل غيره بنص السنة وهو انتفاع بعمل الغير.\r(حادي عشرها) أن المدين الذي امتنع صلى الله عليه وآله وسلم من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة وقضى دين الآخر علي بن أبي طالب انتفع بصلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبردت جلدته بقضاء دينه وهو من عمل الغير.\r(ثاني عشرها) أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لمن صلى وحده: ((ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه)) فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير.\r(ثالث عشرها) أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الخلق إذا قضاها قاض عنه وذلك انتفاع بعمل الغير.\r(رابع عشرها) أن من عليه تبعات ومظالم إذا حلل منها سقطت عنه وهذا انتفاع بعمل الغير.\r(خامس عشرها) أن الجار الصالح، به ينتفع في المحيا والممات كما جاء في الأثر وهذا انتفاع بعمل الغير.\r(سادس عشرها) أن جليس أهل الذكر يرحم بهم وهو لم يكن منهم ولم يجلس لذلك بل الحاجة عرضت له والأعمال بالنيات فقد انتفع بعمل غيره.\r(سابع عشرها) في الصلاة على الميت والدعاء له في الصلاة انتفاع للميت بصلاة الحي عليه وهو عمل غيره.\r(ثامن عشرها) أن الجمعة تحصل باجتماع العدد وكذلك الجماعة بكثر العدد وهو انتفاع للبعض بالبعض.\r(تاسع عشرها) أن الله تعالى قال لنبي صلى الله عليه وآله وسلم: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ}[الأنفال:33]، {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ}[الفتح:25]، {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ}[البقرة:251]، فقد دفع الله تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض وذلك انتفاع بعمل الغير.","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"(عشرونها) أن صدقة الفطر تجب عن الصغير وغيره ممن يمونه الرجل فينتفع بذلك من يخرج عنه ولا سعي له.\r(حادي عشرينها) أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون ويثاب على ذلك ولا سعي له.\rومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فكيف يجوز أن تُؤول الآية على خلاف صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة، والمراد بالإنسان العموم. اه‍.\rالقراءة عند القبر ليست بدعة\rمن المسائل التي يكثر فيها الجدال والخلاف والنقاش حتى يصل إلى الخصام والمقاطعة مسألة قراءة شيء من القرآن عند القبر، فمنهم من يقول بدعة، ومنهم من يقول حرام، والمسألة لا تقتضي كل هذا الهجوم الفظيع، والإنكار الشنيع، ولنرجع فيها إلى أقوال أئمة السلف، وعلى رأسهم إمام السلفية في عصره الشيخ ابن القيم قال:\rذكر عن جماعة من السلف أنهم أوصوا أن يقرأ عند قبورهم وقت الدفن، قال عبد الحق الإشبيلي: يروى أن عبد الله بن عمر أمر أن يقرأ عند قبره سورة البقرة، وكان الإمام أحمد ينكر ذلك أولاً حيث لم يبلغه فيه أثر ثم رجع عن ذلك.\rقال الحافظ جلال الدين السيوطي: روى البيهقي في الشعب والطبراني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره وليقرأ عند رأسه فاتحة الكتاب)) ولفظ البيهقي: ((فاتحة البقرة وعند رجليه بخاتمة سورة البقرة في قبره)). اه‍.","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"قلت: وقد استعمل الصحابة هذا الحديث وعملوا به فقد روى الخلال في الجامع، (كتاب القراءة عند القبور) أخبرنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا مبشر الحلبي، حدثني عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج، عن أبيه قال: قال أبي: إذا أنا متُّ فضعني في اللحد وقل: باسم الله، وعلى سنة رسول الله. وشن عليّ التراب شنّا، واقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة، فإني سمعت عبد الله بن عمر يقول ذلك، قال عباس الدوري: سألت أحمد بن حنبل، قلت: تحفظ في القراءة شيئاً؟ وفي رواية: تحفظ في القراءة على القبر شيئاً؟ فقال: لا، وسألت يحيى بن معين فحدثني هذا الحديث. قال الخلال: وأخبرني الحسن بن أحمد الوراق، حدثنا علي بن موسى الحداد وكان صدوقاً قال: كنت مع أحمد بن حنبل ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة، فلما دفن الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر، فقال له أحمد: يا هذا إن القراءة عند القبر بدعة، فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة، قال: كتبت عنه شيئاً؟ قال: نعم، فأخبرني، قال: أخبرني مبشر عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عنه رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك، فقال له أحمد: فارجع وقل للرجل يقرأ.\rوقال الحسن بن الصباح الزعفراني: سألت الشافعي عن القراءة عند القبر فقال: لا بأس بها.","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"وذكر الخلال عن الشعبي قال: كانت الأنصار إذا مات لهم الميت اختلفوا إلى قبره يقرءون عنده القرآن، قال: وأخبرني أبو يحيى الناقد قال: سمعت الحسن بن الجروي يقول: مررت على قبر أخت لي فقرأت عندها تبارك لما يذكر فيها فجاءني رجل فقال: إني رأيت أختك في المنام تقول: جزى الله أبا علي خيراً فقد انتفعت بما قرأ، أخبرني الحسن بن الهيثم قال: سمعت أبا بكر بن الأطروش ابن بنت أبي نصر بن التمار يقول: كان رجل يجيء إلى قبر أمه يوم الجمعة فيقرأ سورة (يس)، فجاء في بعض أيامه فقرأ سورة (يس) ثم قال: اللهم إن كنت قسمت لهذه السورة ثواباً فاجعله في أهل هذه المقابر، فلما كان يوم الجمعة التي تليها جاءت امرأة فقالت: أنت فلان بن فلانة؟ قال: نعم، قالت: إن بنتاً لي ماتت فرأيتها في النوم جالسة على شفير قبرها فقلت: ما أجلسك هاهنا؟ فقالت: إن فلان بن فلانة جاء إلى قبر أمه فقرأ سورة (يس) وجعل ثوابها لأهل المقابر فأصابنا من روح ذلك أو غفر لنا، أو نحو ذلك.\rوفي النسائي وغيره من حديث معقل بن يسار المزني عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((اقرءوا (يس) على موتاكم))، وهذا يحتمل أن يراد به قراءتها على المحتضر عند موته مثل قوله: ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله))، ويحتمل أن يراد به القراءة عند القبر والأول أظهر لوجوه:\rالأول: أنه نظير قوله: ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)).\rالثاني: انتفاع المحتضر بهذه السورة لما فيها من التوحيد، والمعاد، والبشرى بالجنة لأهل التوحيد، وغبطة من مات عليه بقوله: {يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}[يس:26-27]، فتستبشر الروح بذلك فتحب لقاء الله فيحب الله لقاءها، فإن هذه السورة قلب القرآن ولها خاصية عجيبة في قراءتها عند المحتضر.","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي قال: كنا عند شيخنا أبي الوقت عبد الأول، وفي السياق: وكان آخر عهدنا به أنه نظر إلى السماء وضحك وقال: {.. يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ، بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} وقضى.\rالثالث: أن هذا عمل الناس وعادتهم قديماً وحديثاً يقرءون (يس) عند المحتضر.\rالرابع: أن الصحابة لو فهموا من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اقرءوا (يس) عند موتاكم)) قراءتها عند القبر لما أخلوا به وكان ذلك أمراً معتاداً مشهوراً بينهم.\rالخامس: أن انتفاعه باستماعها وحضور قلبه وذهنه عند قراءتها في آخر عهده بالدنيا هو المقصود، وأما قراءتها عند قبره فإنه لا يثاب على ذلك لأن الثواب إما بالقراءة أو بالاستماع وهو عمل وقد انقطع من الميت. اه‍ من كلام ابن القيم.\rوقد ترجم الحافظ أبو محمد عبد الحق الأشبيلي على هذا فقال: ذكر ما جاء أن الموتى يسألون عن الأحياء ويعرفون أقوالهم وأعمالهم، ثم قال: ذكر أبو عمر بن عبد البر من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما من رجل يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فيسلم عليه إلا عرفه وردَّ عليه السلام))، ويروى هذا من حديث أبي هريرة مرفوعاً قال: ((فإن لم يعرفه وسلم عليه ردَّ عليه السلام)).\rقال: ويروى من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((ما من رجل يزور قبر أخيه فيجلس عنده إلا استأنس به حتى يقوم))، واحتج الحافظ أبو محمد في هذا الباب بما رواه أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما من أحد يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام)).","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"قال: وقال سليمان بن نعيم: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم فقلت: يا رسول الله هؤلاء الذين يأتونك ويسلمون عليك أتفقه منهم؟ قال: نعم وأرد عليهم، قال: وكان صلى الله عليه وآله وسلم يعلمهم أن يقولوا إذا دخلوا المقابر: ((السلام عليكم أهل الديار...)) الحديث، قال: وهذا يدل على أن الميت يعرف سلام من يسلم عليه ودعاء من يدعو له.\rقال أبو محمد: ويذكر عن الفضل بن الموفق قال: كنت آتي قبر أبي المرة بعد المرة فأكثر من ذلك فشهدت يوماً جنازة في المقبرة التي دفن فيها فتعجلت لحاجتي ولم آته، فلما كان من الليل رأيته في المنام فقال لي: يا بني لم لا تأتيني؟ فقلت: يا أبتي وإنك لتعلم بي إذا أتيتك؟ فقال: إي والله يا بني لا أزال أطلع عليك حين تطلع من القنطرة، حتى تصل إليّ وتقعد عندي ثم تقوم فلا أزال أنظر إليك حتى تجوز القنطرة، قال ابن أبي الدنيا: حدثني إبراهيم بن بشار الكوفي، قال: حدثني الفضل بن الموفق ...فذكر القصة.\rوصح عن عمرو بن دينار أنه قال: ما من ميت يموت إلا وهو يعلم ما يكون في أهله بعده وإنهم ليغسلونه ويكفنونه وإنه لينظر إليهم، وصح عن مجاهد أنه قال: إن الرجل ليبشر في قبره بصلاح ولده من بعده.\rوقال النووي رحمه الله في شرح المهذب: يستحب لزائر القبور أن يقرأ ما تيسر من القرآن ويدعو لهم عقبها، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب، وزاد في موضع آخر وإن ختموا القرآن على القبر كان أفضل. اه‍.\rوقال ابن مفلح في الفروع: لا تكره القراءة على القبر وفي المقبرة، نص عليه واختاره أبو بكر، والقاضي، وجماعة، وهو المذهب .. إلى أن قال: وفي شرح مسلم: أن العلماء استحبوا القراءة عند القبر لخبر الجريدة لأنه إذا رجا التخفيف لتسبيحها فالقراءة أولى.","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"وقال الشيخ الإمام أبو محمد بن قدامة المقدسي في آخر كتاب الجنائز من مغنيه ما نصه:\r(فصل) ولا بأس بالقراءة عند القبر، وقد روي عن أحمد أنه قال: (إذا دخلتم المقابر فاقرءوا آية الكرسي، وثلاث مرات (قل هو الله أحد)، ثم قل: اللهم إن فضله لأهل المقابر).\rوهذا الخبر عزاه السيوطي رحمه الله إلى المحب الطبري، وإلى الغزالي في الإحياء، وفي العاقبة لعبد الحق عن أحمد بن حنبل بلفظ: إذا دخلتم المقابر فاقرءوا بفاتحة الكتاب والمعوذتين و(قل هو الله أحد) واجعلوا ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم.\rقلت: ويؤيده ما حكاه البرهان ابن مفلح في كتابه المبدع عن الإمام أحمد، ونقلناه في الفصل الآتي من النصوص الفقهية في المسألة فانظره.\rقال الحافظ السيوطي في نفس المصدر: وفي فوائد الزنجاني عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من دخل المقابر ثم قرأ فاتحة الكتاب و(قل هو الله أحد) و(ألهاكم التكاثر)، ثم قال: اللهم إني قد جعلت ...)) الحديث.\rوفي نفس المصدر في فضل (قل هو الله أحد) للسمرقندي عن علي مرفوعاً بلفظ: ((وقرأ (قل هو الله أحد) إحدى عشر مرة ...))الحديث، وفي الإتحاف للزبيدي بعد كلام أحمد بن حنبل قال: كذا أورده عبد الحق في كتابه العاقبة عن أبي بكر أحمد بن محمد المروزي وعزاه أيضاً إلى النسائي والرافعي في تاريخه، والسمرقندي، وذكر الحديث مرفوعاً عن علي.\rوقال الخلال: حدثني أبو علي الحسن بن الهيثم البزاز شيخنا الثقة المأمون قال: رأيت أحمد بن حنبل يصلي خلف ضرير يقرأ على القبور.\rوقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من دخل المقابر فقرأ (يس) خفف عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها حسنات)).","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من زار قبر والديه أو أحدهما فقرأ عنده أو عندهما (يس) غفر له))، ثم قال:\r(فصل): وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك إن شاء الله. أما الدعاء والاستغفار والصدقة وأداء الواجبات فلا أعلم فيه خلافاً إذا كانت الواجبات مما تدخلها النيابة، وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ}[الحشر:10]، وقال تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}[محمد:19]. اه‍.\rقال العلامة الشهاب القرافي في الفرق الثاني والسبعين والمائة ما ملخصه: مذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل أن القراءة يحصل ثوابها للميت، وإذا قرئ عند القبر حصل للميت أجر المستمع، والذي يتجه أن يقال ما لا يقع فيه خلاف أنه يحصل لهم بركة القرآن لا ثوابه كما يحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده، والذي ينبغي للإنسان أن لا يهمل هذه المسألة فلعل الحق هو الوصول إلى الموتى، فإن هذه أمور مغيبة عنا وليس فيها اختلاف في حكم شرعي، وإنما هو في أمر واقع، هل هو كذلك أم لا؟ وكذلك التهليل الذي جرت عادة الناس بعمله اليوم ينبغي أن يعمل ويعتمد في ذلك على فضل الله، ويلتمس فضل الله بكل سبب ممكن، ومن الله الجود والإحسان، هذا هو اللائق بالعبد. اه‍.\rنصوص فقهية في المسألة\rقال الإمام شمس الدين محمد بن مفلح المقدسي في كتابه (الفروع): لا تكره القراءة على القبر وفي المقبرة، نص عليه واختاره أبو بكر القاضي وجماعة، وهو المذهب.\rثم قال: وصح عن ابن عمر أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها. فلهذا رجع أحمد عن الكراهة، وقال الخلال وصاحبه: المذهب رواية واحدة لا يكره.","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"وقال الإمام برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح في كتابه المبدع: ولا تكره القراءة على القبر وفي المقبرة في أصح الروايتين هذا المذهب، روى أنس مرفوعاً قال: ((من دخل المقابر فقرأ فيها (يس)، خفف عنهم يومئذ وكان له بقدرهم حسنات)).\rوصح عن ابن عمر أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها، ولهذا رجع أحمد عن الكراهة قاله أبو بكر، وأصلها أنه مر على ضرير يقرأ عند قبر، فنهاه عنها، فقال له محمد بن قدامة الجوهري: يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة، فقال: أخبرني مبشر عن أبيه أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعت ابن عمر أوصى بذلك. فقال أحمد عند ذلك: ارجع، فقل للرجل: يقرأ، فلهذا قال الخلال وصاحبه: المذهب رواية واحدة أنه لا يكره لكن قال السامري: يستحب أن يقرأ عند رأس القبر بفاتحة البقرة وعند رجله بخاتمتها.\rوقال الإمام أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي في كتاب الإنصاف: قوله: (ولا تكره القراءة على القبر في أصح الروايتين) وهذا المذهب. قاله في الفروع وغيره ونص عليه، قال الشارح: هذا المشهور عن أحمد.\rوقال الخلال وصاحب المذهب: رواية واحدة لا تكره وعليه أكثر الأصحاب منهم القاضي، وجزم به في الوجيز وغيره. وقدمه في الفروع والمغني والشرح وابن تميم والفائق وغيرهم.\rوالرواية الثانية: تكره، اختارها عبد الوهاب الوراق، والشيخ تقي الدين.\rقال الشيخ تقي الدين: نقلها جماعة وهي قول جمهور السلف. وعليها قدماء أصحابه. وسمى المروذي. انتهى.","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"قلت: قال كثير من الأصحاب: رجع الإمام أحمد عن هذه الرواية: فقد روى جماعة عن الإمام أحمد: أنه مر بضرير يقرأ عند قبر فنهاه. وقال: القراءة عند القبر بدعة، فقال محمد بن قدامة الجوهري: يا أبا عبد الله، ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة، فقال: حدثني مبشر عن أبيه أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها. وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك، فقال الإمام أحمد: فارجع فقل للرجل يقرأ. فهذا يدل على رجوعه.\rوعنه لا يكره وقت دفنه دون غيره. قال في الفائق: وعنه يسن وقت الدفن، اختارها عبد الوهاب الوراق وشيخنا، وعنه القراءة على القبر بدعة، لأنها ليست من فعله عليه أفضل الصلاة والسلام ولا فعل أصحابه. فعلى القول بأنه لا يكره: فيستحب على الصحيح.\rقال في الفائق: يستحب القراءة على القبر. نص عليه أخيراً.\rقال ابن تميم: لا تكره القراءة على القبر، بل تستحب نص عليه. وقيل: تباح. قال في الرعاية الكبرى: وتباح القراءة على القبر، نص عليه وقدمه في الرعاية الصغرى والحاويين. قال في المغني، والشرح، وشرح ابن رزين: لا بأس بالقراءة عند القبر. وأطلقهما في الفروع.\rقال العلامة الشيخ منصور البهوتي: ولا تكره القراءة على القبر ولا في المقبرة بل تستحب.","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"التلقين\rوالتلقين للميت هو أيضاً من المسائل التي يكثر فيها الجدال، والأخذ والرد، والذي يصل إلى الخصام والمقاطعة، والأصل في هذا الباب هو حديث أبي أمامة المرفوع الذي رواه الطبراني وعبد العزيز الحنبلي في الشافي بسندهما إلى أبي أمامة قال: إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نصنع بموتانا، أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان بن فلانة فإنه يستوي قاعداً، ثم يقول: يا فلان بن فلانة فإنه يقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربّا وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، فإن منكراً ونكيراً يأخذ كل واحد بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا، ما يقعدنا عند من لقن حجته؟ فقال رجل: يا رسول الله، فإن لم يعرف أمه؟ قال: ينسبه إلى أمه حواء، يا فلان بن حواء)).\rقال الحافظ في (التلخيص): وإسناده صالح، وقد رواه الضياء في أحكامه، وفي إسناده سعيد الأزدي بَيَّض له أبو حاتم، وقال الهيثمي بعد أن ساقه: في إسناده جماعة لم أعرفهم. انتهى. وفي إسناده أيضاً عاصم بن عبد الله وهو ضعيف. قال الأثرم: قلت لأحمد: هذا الذي يصنعونه إذا دفن الميت يقف الرجل ويقول: يا فلان بن فلانة، قال: ما رأيت أحداً يفعله، إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة، يروى فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه، وكان إسماعيل بن عياش يشير إلى حديث أبي أمامة، انتهى.","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"وقد استشهد في التلخيص لحديث أبي أمامة بأثر رواه سعيد بن منصور بسنده عن راشد بن سعد وضمرة بن حبيب وحكيم بن عمير قالوا: (إذا سوِّي على الميت قبره وانصرف الناس عنه كانوا يستحبون أن يقال للميت عند قبره: يا فلان، قل: لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله ثلاث مرات، يا فلان قل: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم ينصرف) رواه سعيد في سننه، وبما جاء عن عثمان قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: ((استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل)) رواه أبو داود وأخرجه أيضاً الحاكم وصححه البزار وقال: لا يروى عن النبي صلى الله عليه وآله إلا من هذا الوجه.\rقال الشوكاني عن أثر راشد وضمرة وحكيم: ذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه.\r(قلت): وقد تكلم الشيخ ظفر العثماني في كتابه القواعد عما سكت عنه الحافظ ابن حجر في كتابه الفتح من الأحاديث الزائدة بأنه صرّح في المقدمة (هدى الساري) بأنه صحيح أو حسن عنده، ثم قال: وكذا سكوت الحافظ عن حديث التلخيص الحبير دليل على صحته أو حسنه، فإن الشوكاني رحمه الله ربما يحتج بسكوته في التلخيص أيضاً كما احتج بسكوته في الفتح يظهر ذلك بمراجعة نيل الأوطار.\rرأي الشيخ ابن تيمية\rجاء في الفتاوي الكبرى للشيخ ابن تيمية:\rوسئل: مفتي الأنام، بقية السلف الكرام، تقي الدين، بقية المجتهدين، أثابه الله، وأحسن إليه، عن تلقين الميت في قبره بعد الفراغ من دفنه، هل صح فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو عن صحابته؟ وهل إذا لم يكن فيه شيء يجوز فعله أم لا؟","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"فأجاب: هذا التلقين المذكور قد نقل عن طائفة من الصحابة: أنهم أمروا به. كأبي أمامة الباهلي، وغيره. وروي فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكنه مما لا يحكم بصحته ولم يكن كثير من الصحابة يفعل ذلك، فلهذا قال الإمام أحمد وغيره من العلماء: إن هذا التلقين لا بأس به. فرخصوا فيه، ولم يأمروا به، واستحبه طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، وكرهه طائفة من العلماء من أصحاب مالك وغيرهم.\rوالذي في السنن عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقوم على قبر الرجل من أصحابه إذا دفن ويقول: ((سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل))، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لقنوا أمواتكم لا إله إلا الله))، فتلقين المحتضر سنة مأمور بها.\rوقد ثبت أن المقبور يسأل ويمتحن وأنه يؤمر بالدعاء له فلهذا قيل: إن التلقين ينفعه، فإن الميت يسمع النداء كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إنه ليسمع قرع نعالهم))، وأنه قال: ((ما أنتم بأسمع لما أقول منهم))، وأنه أمرنا بالسلام على الموتى فقال: ((ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله روحه حتى يرد عليه السلام)). والله أعلم.\rوسئل رحمه الله: هل يجب تلقين الميت بعد دفنه أم لا؟ وهل القراءة تصل إلى الميت؟\rفأجاب: تلقينه بعد موته ليس واجباً بالإجماع ولا كان من عمل المسلمين المشهور بينهم على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخلفائه بل ذلك مأثور عن طائفة من الصحابة كأبي أمامة وواثلة بن الأسقع.\rفمن الأئمة من رخص فيه كالإمام أحمد وقد استحبه طائفة من أصحابه وأصحاب الشافعي، ومن العلماء من يكرهه لاعتقاده أنه بدعة فالأقوال فيه ثلاثة: الاستحباب، والكراهة، والإباحة، وهذا أعدل الأقوال.","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"فأما المستحب الذي أمر به وحض عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو الدعاء للميت... إلى أن قال: فالقراءة عند الدفن مأثورة في الجملة، وأما بعد ذلك فلم ينقل فيه أثر والله أعلم. اه‍.\rكلام ابن القيم\rقال الشيخ ابن القيم:\rويدل على هذا أيضاً ما جرى عليه عمل الناس قديماً وإلى الآن من تلقين الميت في قبره ولولا أنه يسمع ذلك وينتفع به لم يكن فيه فائدة وكان عبثاً، وقد سئل عنه الإمام أحمد رحمه الله فاستحسنه واحتج عليه بالعمل.\rويروى فيه حديث ضعيف ذكره الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس قبره ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يسمع ولا يجيب، ثم ليقل: يا فلا بن فلانة -الثانية- فإنه يستوي قاعداً، ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فيقول: أرشدنا رحمك الله، ولكنكم لا تسمعون، فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، فإن منكراً ونكيراً يتأخر كل واحد منهما ويقول: انطلق بنا، ما يقعدنا عند هذا وقد لقن حجته؟ ويكون حجيجه الله دونهما، فقال رجل: يا رسول الله فإن لم يعرف أمه؟ قال: ينسبه إلى أمه حواء)).\rفهذا الحديث إن لم يثبت فاتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار كافٍ في العمل به، وما أجرى الله سبحانه العادة قط أن أمة طبقت مشارق الأرض ومغاربها وهي أكمل الأمم عقولاً وأوفرها معارف تطبق على مخاطبة من لا يسمع ولا يعقل وتستحسن ذلك لا ينكره منكر منها، بل سنه الأول للآخر، ويقتدي فيه الآخر بالأول، فلولا أن المخاطب يسمع لكان ذلك بمنزلة الخطاب للتراب والخشب والحجر والمعدوم، وهذا وإن استحسنه واحد فالعلماء قاطبة على استقباحه واستهجانه.","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"وقد روى أبو داود في سننه بإسناد لا بأس به أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حضر جنازة رجل فلما دفن قال: ((سلوا لأخيكم التثبيت فإنه الآن يسأل))، فأخبر أنه يسأل حينئذ وإذا كان يسأل فإنه يسمع التلقين.\rوقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا ولوا منصرفين. اه‍.\rوضع الجريد على القبر\rقال جماعة من العلماء: إن من جملة ما ينتفع به الميت وضع الجريد على القبر لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه مر بقبرين، فقال: ((إنهما ليعذبان -وما يعذبان في كبير- كان أحدهما يمشي بالنميمة، وكان الآخر لا يستنزه عن البول ـ أو قال: من البول ـ ثم أخذ جريدة رطبة فكسرها فغرز عند رأس كل قبر منهما قطعة ثم قال: عسى أن يخفف عنهما ما لم ييبسا))، أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن عباس.\rوجاء بلفظ آخر عن جابر عند مسلم وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((يا جابر هل رأيت مقامي؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: فانطلق إلى الشجرتين فاقطع من كل واحدة منهما غصناً فأقبل بهما، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما ما دام الغصنان رطبين)).\rورواه أيضاً ابن أبي شيبة عن أبي بكرة بلفظ: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمر على قبرين فقال: ((إنهما ليعذبان، من يأتيني بجريدة؟ فاستبقت أنا ورجل فأتينا بها، قال: فشقها من رأسها فغرس على هذا واحدة وعلى هذا واحدة قال: لعله يخفف عنهما ما بقي فيهما من بلولتهما شيء، كانا يعذبان في الغيبة والبول)).\rوقد ذكر أن ابن أبي شيبة روى في هذا الباب عدة أحاديث عن أبي هريرة وابن عباس ويعلى بن شبابة رضي الله عنهم.","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"قال القرطبي في التذكرة معلقاً على حديث ابن عباس الذي أخرجاه في الصحيحين وحديث أبي بكرة الذي أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، وحديث جابر الذي أخرجه مسلم في أواخر كتابه قال: الذي يظهر لي أنهما قضيتان مختلفتان لا قضية واحدة كما قال من تكلم على ذلك، ويدل عليهما سياق الحديث، ففي حديث جابر زيادة على رطوبة الغصن وهي: شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم وحديث ابن عباس يدل على أن التخفيف إنما هو بمجرد نصف العسيب ما دام رطباً لا زيادة معه، وفي حديث أبي بكرة وابن عباس عسيباً شقه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيده نصفين وغرزهما بيده، وحديث جابر بخلافهما، ولم يذكر فيه ما يعذب بسببه. اه‍.","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"وقال الحافظ في الفتح معلقاً على حديث الباب: وأما ما رواه مسلم من حديث جابر الطويل أنه الذي قطع الغصنين فهو في قصة أخرى غير هذه فالمغايرة بينهما من أوجه: منها أن هذه كانت في المدينة، وكان معه صلى الله عليه وآله وسلم جماعة، وقصة جابر كانت في السفر، وكان خرج لحاجته فتبعه جابر وحده. ومنها: إن في هذه القصة أنه صلى الله عليه وآله وسلم غرس الجريدة بعد أن شقها نصفين، وفي حديث جابر أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر جابراً بقطع غصنين من شجرتين كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم استتر بهما عند قضاء حاجته، ثم أمر جابراً فألقى الغصنين عن يمينه وعن يساره حيث كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم جالساً، وأن جابراً سأله عن ذلك فقال: ((إني مررت بقبرين يعذبان......)) ولم يذكر في قصة جابر أيضاً السبب الذي كانا يعذبان به، ولا الترجي الآتي في قوله: (لعله) فبان التغاير بين حديث ابن عباس وحديث جابر وأنهما كانا في قصتين مختلفتين ولا يبعد تعدد ذلك، قال: وقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وآله وسلم مر بقبر فوقف عليه فقال: ائتوني بجريدتين. فجعل إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه، وفي قصة الواحد: جعل نصفها عند رأسه ونصفها عند رجليه، وفي قصة الاثنين جعل على كل قبر جريدة. اه‍.\rتعليقات للعلماء مؤيدة\rروى الإمام البخاري في الجنائز من صحيحه معلقاً. عن بريدة بن الحصيب أنه أوصى أن يجعل في قبره جريدتان.\rقال الحافظ في الفتح: يحتمل أن يكون بريدة أمر أن يغرزا في ظاهر القبر اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في وضعه الجريدتين على القبرين، ويحتمل أن يكون أمر أن يجعلا داخل القبر لما في النخلة من البركة لقوله تعالى: {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ}[إبراهيم:23]، قال: والأول أظهر، ويؤيده إيراد المصنف حديث القبرين في آخر الباب.","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"قال: وكأن بريدة حمل الحديث على عمومه ولم يره خاصاً بذينك الرجلين. وقال أيضاً: أثر بريدة يؤذن بمشروعيتها، والذي يظهر من صنيع البخاري وتصرفه ترجيح الوضع، وعلل إرداف البخاري لأثر ابن عمر عندما رأى فسطاطاً قد ضرب على قبر عبد الرحمن بن أبي بكر: انزعه يا غلام فإنما يظله عمله، قال: يجاب عنه بأن ضرب الفسطاط على القبر لم يرد فيه ما ينتفع به الميت، بخلاف وضع الجريدة لأن مشروعيتها ثبتت بفعله صلى الله عليه وآله وسلم. اه‍.\rوقال الأمير الصنعاني في العدة: قد تأسى بريدة بذلك، ولا يتم التأسي إلا بناءً على أنه أمر به صلى الله عليه وآله وسلم من يضعها، لأنه وضعها بيده الشريفة، أو أنه لا خصوصية ليده الكريمة في مطلق التخفيف، قال الخفاجي في الريحانة: وعليه عمل الناس إلى الآن حتى رتبوا لذلك أوقافاً. اه‍.\rقال الإمام النووي رحمه الله معللاً اختياره صلى الله عليه وآله وسلم للرطب من الجريدة وتركه اليابس منه قال: لكونهما يُسبحان ما داما رطبين، وليس لليابس تسبيح، وهذا مذهب الأكثرين من المفسرين في قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ...}الآية[الإسراء:44]،. قالوا: معناه وإن من شيء حي، ثم قال: حياة كل شيء بحسبه، فحياة الخشب ما لم ييبس والحجر ما لم يقطع قال: ثم اختلف هؤلاء هل يسبح حقيقة أم فيه دلالة على الصانع فيكون مسبحاً منزهاً بصورة حاله، قال المحققون: على أنه يسبح حقيقة، وقد أخبر الله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ} {لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ...}الآية[البقرة:74]، قال: وإذا كان العقل لا يحيل جعل التمييز فيها، وجاء النص به وجب المصير إليه، والله أعلم.\rوقال أيضاً: لهذا الحديث استحب العلماء قراءة القرآن عند القبر؛ لأنه إذا كان يرجى التخفيف بتسبيح الجريد فتلاوة القرآن أولى، اه‍. ونحوه لابن دقيق العيد في الأحكام، والطيبي في شرح المشكاة.","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"وقال القرطبي في التذكرة: يستفاد من هذا الحديث غرس الأشجار وقراءة القرآن، فإذا خفف عنهم بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرآن؟\rوقال أيضاً: قد استدل بعض علمائنا على قراءة القرآن على القبر بحديث العسيب الرطب الذي شقه النبي صلى الله عليه وآله وسلم باثنين.\rاعتراضات مردودة\rوقد قال بعضهم: هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، واستدل على عدم مشروعية وضع الجريد على القبر بأمور سنردها فيما بعد:\rمنها أنه لا يعرف عن أحد من الخلفاء الراشدين، وما ثبت عن بريدة ليس بحجة لأنه انفرد بذلك، ومنها أن هذا من الأمور المغيبة، ووضع الجريد يستلزم الحكم بأنه يعذب في قبره، ومنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعله في كل القبور بل فعله مرة، فدل على أنه خاص بذينك القبرين وأنه ليس مشروعاً.","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"والجواب عن الأول: أن الجمهور من العلماء على أن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، ولا دليل، قال ابن عبد البر معلقاً على حديث أم سلمة في القبلة للصائم: ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟ قال فيه: أن فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كله يحسن التأسي به فيه على كل حال إلا أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه له خاصة، أو ينطق القرآن بذلك، وإلا فالاقتداء به أقل أحواله أن يكون مندوباً إليه، ومن أهل العلم من رأى أن جميع أفعاله واجب الاقتداء بها كوجوب أوامره، قال: والدليل على أن أفعله كلها يحسن التأسي به فيها قول الله عزّوجلّ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رسول اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ...}[الأحزاب:21]، فهذا على الإطلاق، إلا أن يقوم الدليل على خصوص شيء منه فيجب التسليم له، وإلا فلا يجوز ادعاء الخصوص عليه في شيء بوجه من الوجوه إلا بدليل مجمع عليه، وإلا فيما بان به خصوصه في القرآن أو السنة الثابتة أو الإجماع، لأنه قد أمرنا باتباعه والتأسي به والاقتداء بأفعاله، وغير جائز عليه أن يخص شيء فيسكت لأمته عنه ويترك بيانه لها، وهي مأمورة باتباعه، هذا ما لا يظنه ذو لب مسلم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. اه‍ باختصار.\rوأما الجواب عن الثاني: بأن يقال: إن هناك أموراً كثيرة لا تعرف عن الخلفاء الراشدين قد فعلها الناس من بعدهم، منها تعدد الجمع في البلد الواحد، وصلاتا العيدين في الصحراء وغيرها، ثم إن ترك الخلفاء لهذا إنما هو عدم دليل، وكما أنه لا يعرف عنهم فعله، كذلك لم يثبت عنهم النهي عنه، أو القول بأنه خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم.","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"وأما قول بعضهم: بأن بريدة انفرد بذلك، فخطأ، فقد ثبت أيضاً عن غيره، قال الحافظ السيوطي: روى ابن عساكر في تاريخه من حديث حماد بن سلمة، عن قتادة، أن أبا برزة الأسلمي رضي الله عنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر على قبر وصاحبه يعذب فأخذ جريدة فغرسها في القبر وقال: ((عسى أن يرفه عنه ما دامت رطبة))، قال: وكان أبو برزة يوصي: إذا مت فضعوا في قبري جريدتين .. الحديث، فهذا يدل على أن أبا برزة أيضاً فهم من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مشروعية وضع الجريد على القبر، وأن بريدة لم ينفرد بهذا.\rوأما قول بعضهم: إن هذا من الأمور المغيبة، ووضع الجريد يستلزم الحكم بأنه يعذب فليس بمجد في المقصود، فقد تعقب الحافظ ابن حجر القاضي عياض لقوله: علل غرزهما على القبر بأمر مغيب وهو قوله: ليعذبان، فقال: لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا أن نتسبب له في أمر يخفف العذاب أن لو عذب كما لا يمنع كوننا لا ندري أرحم أم لا أن لا ندعو له بالرحمة.\rوأما احتجاج بعضهم بعدم مشروعيته لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعله في كل القبور، فهذه أيضاً حجة مردودة ومتعقبة بأنه لم يثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه صلى عند قبر كل من دفن ولم يصل هو عليه، ومع ذلك فإن الجمهور يقولون مشروعية الصلاة بعد الدفن لمن فاتته الصلاة والمسألة من مباحث الأصول، على أنه قد صحح الثقات القول بتعدد القصة وثبوتها غير مرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم فلا حجة فيما احتجوا به.","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"الاجتماع للتعزية في بيت الميت\rمن أهم المسائل التي يقع بسببها الخلاف والخصام الذي يصل إلى المقاطعة والحكم على الناس بالبدعة والضلال هو جلوس أهل الميت واجتماعهم في مجلس يجمعهم لاستقبال المعزين في وفاة فقيدهم، وقد جرت العادة أن يقف أهل الميت في صف واحد فيما يسمى (بصف العزاء) تسهيلاً لمهمة العزاء بدلاً من أن يدور المعزِّي من مكان إلى مكان باحثاً عن أهل الميت ليعزيهم وخصوصاً إذا فاته حضور تشييع الجنازة، وهذا يوفر على الناس وقتاً كبيراً ولولا ذلك لاضطر المعزون إلى المشي لكل واحد من أهل الميت في بيته لتعزيته، كما أن فيه جبراً لخاطر أهل الميت ومؤانسة لهم في وحشتهم وحزنهم أول مصيبتهم، وهي مسألة فرعية لا تستوجب ذلك الإنكار والهجوم الشديد، ولا تقتضي ما يقع بسببه من الخصام والمقاطعة.\rوالأصل في جوازها أو مشروعيتها ما رواه الإمام البخاري في الجنازة (باب من جلس عند المصيبة). وأبو داود في الجنائز من سننه في (باب الجلوس عند المصيبة) وفي نسخة (باب من جلس في المسجد وقت التعزية) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: لما قتل زيد بن حارثة وجعفر وعبد الله بن رواحة جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد يعرف فيه الحزن.\rفأنت ترى الإمامين البخاري وأبا داود جعلا عنوان الباب بلفظ صريح في الجلوس وقت التعزية، ولذلك قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وفي هذا الحديث من الفوائد أيضاً جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار. اه‍.\rثم إن تعزية أهل البيت مقصد شرعي، واجتماعهم في بيت واحد وسيلة يتحقق بها هذا المقصد، والقاعدة عند الفقهاء أن الوسائل تتبع المقاصد في أحكامها، فوسيلة المحرم محرمة، ووسيلة الواجب واجبة، وكذلك بقية الأحكام الشرعية.","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"أما القول بأن الجلوس بدعة فلا أعلم أحداً نص عليه من أهل العلم، وكيف يكون الجلوس بدعة وقد جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! بل لا يصدق عليه تعريف البدعة التي هي كما قال الإمام الشاطبي في الاعتصام: (طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية).\rنعم إن هذا التعريف يصدق على معنى آخر نص العلماء على أنه بدعة وهو أن يصنع أهل البيت طعاماً ويجمعون الناس عليه، وإنما كان بدعة لأن السنة أن يصنع الناس لأهل الميت الطعام، فمن ترك هذه السنة وأحدث طريقة غيرها كان مبتدعاً، فقد نص الإمام النووي رحمه الله على أنه بدعة غير مستحبة.\rوقال ابن تيمية فيما نقله عنه الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: جمع أهل المصيبة الناس على طعامهم ليقرءوا ويهدوا له ليس معروفاً عند السلف، وقد كرهه طوائف من العلماء من غيره وجه. اه‍.","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"فيا ليت المنكرين المعترضين على الناس في هذه المسائل يسلكون مسلك الشيخ ابن تيمية ويتأدبون بأدب أسلوبه في الانتقاد والإنكار حيث اكتفى بقوله: (ليس معروفاً عند السلف وقد كرهه جماعة) فما ألطف هذه الجملة! وما أحسن هذا الأسلوب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأين هذا مما نسمعه من إخواننا المنكرين من الهجوم الشديد، والإنكار الغليظ بالألفاظ البشعة، والأساليب المنفردة، والمقاطعة لأهلهم وأرحامهم، وعدم مشاركتهم في مصيبتهم وأحزانهم، بدعوى أن فيها مخالفة للسنة ومحاربة لله ورسوله، وأن حضور ذلك تكثير لأهل البدع والضلالات، فلا أدري من هو الذي وقع في الضلال المتفق على ضلاله؟ ومن هو الذي فعل المنكر المتفق عليه؟ هل الذين اجتمعوا في بيت الميت للتعزية المشروعة؟ أم الذين قاطعوا أرحامهم وأهلهم واتهموهم بالبدعة والضلالة، فتركوا تعزيتهم وتسليتهم في مصائبهم، وفاتهم أجر عظيم بسبب ذلك، {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}[محمد:22].\rوعليه فمن جلس للعزاء فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى إذا خلا ذلك عن المنهي عنه الذي يقع في بعض البلاد جهلاً أو تهاوناً، ومن ترك الجلوس لا ينكر عليه، لأن المسألة من مسائل الخلاف التي تتسع لها الصدور المؤمنة ولا تضيق.\rولأن الإنكار في مثل هذه المسألة ليس من عمل السلف الصالح وإنما هو أمر محدث أحدثه الناس في الأزمان المتأخرة. فعلى طلبة العلم أن ينتزعوا هذا الإنكار المحدث من مجتمعاتهم، وأن يعيدوا الناس إلى ما كان عليه السلف الصالح من عدم الإنكار في مسائل الخلاف، والحمد لله رب العالمين.","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"قراءة الفاتحة و(يس) لأموات المسلمين\rجرت العادة في كثير من البلاد الإسلامية وفي الحرمين الشريفين خصوصاً أن يجتمعوا على قراءة القرآن وذكر الله سبحانه وتعالى في مناسبات عديدة تقرباً وتوسلاً بكتابه العظيم وذكره الكريم في قضاء الحوائج، وتفريج الكروب، وإصلاح القلوب، وغفران الذنوب، ورحمة الموتى، واللطف بالأحياء، وبلوغ الأماني على اختلافها.\rوتكثر العناية في هذا الباب بقراءة الفاتحة، و(يس) و(تبارك)، وبالتهليل، والتكبير، والتسبيح، والصلاة والسلام على الحبيب الأعظم والنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.\rمعنى الاختيار والتفضيل\rقد يخطر ببال بعضنا ما قد يعذر فيه، فيقول مثلاً: لماذا كانت هذه السور والآيات أفضل من غيرها؟\rوقد حرر الجواب على هذه المسألة فضيلة الإمام السيد محمد زكي إبراهيم فقال:\rإن القرآن كله كلام الله تعالى، فهو من حيث المصدر والذاتية والتنزيل المناسب للأحداث، لا تفضيل فيه لبعض الآي والسور على بعض، أما ما جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بيان فضل بعضها فليس معناه أنه لا فضل لباقيها، ولكن معناه أن ملابسات خاصة وقعت فجعلت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصرح بما في بعض هذه السور والآيات من البركة والخير، وبالتالي فإنه لم تقع الملابسات التي ربما لو وقعت لكشف لنا صلى الله عليه وآله وسلم عما لا نعرفه من فضل بقية السور والآيات، فالفضل هنا وهنا موجود، ولكننا عرفنا هذا ولم نعرف ذاك لأن هذا الفضل سرّ، ولا يمكن الإحاطة به إلا بوحي وبيان من الصادق المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم.\rهذا وقد قال بعض العلماء: إن الأفضلية في الآيات والسور ليست في ذاتها ولكن في الأجر عليها والانتفاع بها في مواضعها.\rوقال فريق آخر، منهم القرطبي، وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن العربي، والحليمي، وابن القصَّار، وغيرهم: إن الأفضلية طبيعة الأشياء الكونية كلها فلا عيب أبداً في أن تكون هناك آية أو سورة أفضل من غيرها لسبب أو لآخر.","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"قالوا: فإن مدلول قوله تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ}[الحديد:3]، ليس كمدلول قوله تعالى: {وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ}[الأنعام:144]، {وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ}[الأنعام:143]، وإن ما في آية (الكرسي) من المعاني ليس في {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ}[المسد:1]، فالتفضيل عندهم من حيث المعاني، وإن استوى الجميع من حيث المصدر والغاية.\rولا مانع أن يكون لبعض السور والآيات القرآنية مزايا خاصة لمنافع معينة أخبر بها المشرع الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم فهذه المزايا بمنافعها في مجالاتها الخاصة المعينة لا تقتضي أفضليتها على غيرها، ولهذا يقول العلماء في هذا الباب: (المزية لا تقتضي الأفضلية).\rوأمثلة هذا كثيرة، وكتب السنة المشرفة طافحة بها، فمنها ما جاء في خصائص بعض الآيات والسور مما هو لدفع الشر، ومنها ما هو لجلب الخير، ومنها ما هو لقضاء الدَّين، ومنها ما هو لذهاب الهم والحزن، ومنها ما هو للشفاء من الأمراض عامة، ومنها ما هو للشفاء من أمراض خاصة كالصرع، والحمى، والحسد، والوسواس، والشيطان، ومنها ما جاء أنه يقرأ على الموتى وهو موضوعنا، ومنها ما هو لدفع الفقر والفاقة.\rوالقرآن كله كلام الله، وفضله وأجره كبير والله ذو الفضل العظيم.\rفضل سورة الفاتحة\rعن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي فدعاني النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم أجبه، قلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، قال: ((ألم يقل الله: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرسول إِذَا دَعَاكُمْ}[الأنفال:24]الآية، ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ فأخذ بيدي فلما أردنا أن نخرج قلت: يا رسول الله إنك قلت: ألا أعلمك أعظم سورة من القرآن؟ قال: (الحمد لله رب العالمين) هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته)).","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"وعن أبي سعيد الخدري قال: كنا في مسير لنا فنزلنا فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سليم وإن نفرنا غيب فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنّا نَأْبِنُهُ برقية فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة وسقانا لبناً، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية؟ أو كنت ترقي؟ قال: ما رقيت إلا بأم الكتاب، قلنا: لا تحدثوا شيئاً حتى نأتي أو نسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((وما كان يدريه أنها رقية؟ اقسموا واضربوا لي بسهم)).\rعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج)) (ثلاثاً) غير تمام، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، قال: مجدني عبدي، وقال مرة فوّض إليّ عبدي، وإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ }، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل))، قال سفيان: حدثني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب دخلت عليه وهو مريض في بيته فسألته أنا عنه.\rوعن ابن عباس: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} قال: هي أم الكتاب.\rوعن أبي هريرة أن إبليس رنّ حين نزلت فاتحة الكتاب وأنزلت بالمدينة.","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"وعن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من قرأ أم القرآن و(قل هو الله أحد) فكأنما قرأ ثلث القرآن)).\rقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (((الحمد لله رب العالمين) هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته)).\rوقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((والذي نفسي بيده ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها)).\rوعن عبد الملك بن عمير عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((فاتحة الكتاب شفاء من كل داء)).\rوعن ابن عباس قال: بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع نقيضاً من فوقه فرفع رأسه فقال: ((هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته)).\rفائدة قال في بغية المسترشدين للإمام عبد الرحمن بن محمد المشهور رحمه الله:\rرجل مرّ بمقبرة فقرأ الفاتحة وأهدى ثوابها لأهلها فهل يقسم أو يصل لكل منهم ثوابها كاملاً؟\rأجاب الشيخ ابن حجر بقوله: أفتى جمع بالثاني وهو اللائق بسعة رحمة الله تعالى. اه‍.\rثم قال: نقل عن فتاوى السيد العلامة عبد الله بن حسين بلفقيه: الأولى لمن يقرأ الفاتحة لشخص أن يقول: إلى روح فلان بن فلان، كما عليه العمل لبقاء الأرواح وفناء الأجسام، وإن كان لها بعض مشاركة في النعيم، وضده في البرزخ، إذ الروح الأصل، وسر ذلك أن حقيقة المعرفة، والتوحيد، وسائر الطاعات الباطنة، إنما نشأ عن الروح، فاستحقت أكمل الثواب وأفضله. اه‍ ملخصاً.","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"فضل سورة (يس)\rعن معقل بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((البقرة سنام القرآن وذروته مع كل آية منها ثمانون ملكاً، واستخرجت {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} من تحت العرش، فوصلت بها، أو فوصلت بسورة البقرة، و(يس) قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله تبارك وتعالى والدار الآخرة إلا غفر له، واقرءوها علىموتاكم)).\rوعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اقرءوا (يس) على موتاكم)).\rوعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((سورة (يس) اقرءوها على موتاكم)).\rوعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن لكل شيءٍ قلباً، وقلب القرآن (يس)، ومن قرأ (يس) كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات)).\rوعن جندب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من قرأ (يس) في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له)).\rفضل سورة الملك\rعن ابن عباس رضي الله عنهما: ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا فيه إنسان يقرأ (تبارك الذي بيده الملك) حتى ختمها، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إني ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا فيه إنسان يقرأ سورة (تبارك الملك) حتى ختمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((هي المانعة هي المنجية من عذاب القبر)).\rوعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: يؤتى الرجل في قبره فتؤتى رجلاه، فتقول رجلاه: ليس لكم على ما قبلي سبيل، كان يقوم يقرأ بي سورة الملك، ثم يؤتى من قبل صدره أو قال بطنه، فيقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل كان يقوم يقرأ بي سورة الملك، ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل كان يقرأ بي سورة الملك، فهي المانعة تمنع عذاب القبر، وهي في التوراة سورة الملك من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطنب.\rوعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي)) يعني (تبارك الذي بيده الملك).","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"فضل لا إله إلا الله\rأول أبواب الفرج لا إله إلا الله، هي كلمة التقوى، كما قال عمر رضي الله عنه، وهي كلمة الإخلاص وشهادة الحق ودعوة الحق وبراءة من الشك ونجاة هذا الأمر، ولأجلها خلق الخلق، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات:56]، ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ}[الأنبياء:25]، وقال تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ}[النحل:2]، ونحو هذه الآيات. ولهذا قال ابن عيينة: (ما أنعم الله على عبد من العباد نعمة أعظم من أن عرفهم لا إله إلا الله) وأن (لا إله إلا الله) لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا، ولأجلها أعدت دار الثواب ودار العقاب، ولأجلها أمرت الرسل بالجهاد، فمن قالها عصم ماله ودمه، ومن أباها فماله ودمه هدر، وهي مفتاح الجنة، ومفتاح دعوة الرسل، وبها كلم الله موسى شفاهاً.","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"وفي مسند البزّار وغيره عن عياض الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لا إله إلا الله كلمة حق كريمة على الله، ولها من الله مكان، وهي كلمة من قالها صادقاً أدخله بها الجنة، ومن قالها كاذباً حقنت دمه، وأحرزت ماله، ولقي الله غداً فحاسبه، وهي ثمن الجنة)). وقال الحسن ـ وجاء مرفوعاً من وجوه ضعيفة ـ: ((ومن كانت آخر كلامه دخل الجنة)). وهي نجاة من النار، وهي توجب المغفرة، وهي أحسن الحسنات، وهي تمحو الذنوب والخطايا، وهي تجدد ما درس من الإيمان في القلب، وهي ترجح بالسماوات والأرض، وهي تخرق الحجب، وهي أفضل ما قاله النبيون، وهي أفضل الأعمال وأكثرها تضعيفاً وتعدل عتق الرقاب وتكون حرزاً من الشيطان، وهي أمان من وحشة القبر، وهي شعار المؤمنين إذا قاموا من قبورهم).\rعن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، أوصني، قال: ((إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها)) قال: قلت: يا رسول الله أمن الحسنات (لا إله إلا الله)؟ قال: ((هي أفضل الحسنات)).\rوعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله)).\rوعن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لكل شيء مفتاح ومفتاح السماوات قول لا إله إلا الله)).\rوعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قيل: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه)).\rوعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما قال عبد لا إله إلا الله قط مخلصاً إلا فتحت له أبواب السماء حتى يفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر)).","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"هذه خلاصة يسيرة في ذكر فضائل بعض السور القرآنية وبركتها على الأحياء والأموات، وقد سبق من التحقيق وهو الراجح عند أكثر المذاهب وعليه عمل جمهور المسلمين من السلف والخلف أن الميت ينتفع بقراءة القرآن كما ينتفع بالدعاء والاستغفار له والصدقة عليه والحج عنه وزيارة قبره. والله أعلم.","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"الخاتمة\rقصر الأمل وذكر الموت\rاعلم أن قصر الأمل، والإكثار من ذكر الموت، أمر مرغب فيه، مندوب إليه، وأن طول الأمل ونسيان الموت أمر مكروه قد ورد التحذير عنه. قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ، وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ، وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[المنافقون:9-11].\rوقال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}[الحديد:16].\rوقال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}الآية[الجمعة:8].\rوقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أكثروا من ذكر هاذم اللذات)) الحديث.\rوسئل عليه الصلاة والسلام عن الأكياس من الناس من هم؟ فقال: ((أكثرهم للموت ذكراً، وأحسنهم له استعداداً، أولئك الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة)).\rوقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)).\rوقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها)).\rمعنى تذكر الموت\rوليس ذكر الموت النافع هو أن يقول الإنسان بلسانه: الموت، الموت، فقط؛ فإن ذلك قليل المنفعة وإن أكثر منه، بل لا بد مع ذلك من تفكر القلب واستحضاره عند ذكر الموت باللسان. كيف يكون حاله عند الموت وأهواله وسكراته ومعاينته أمور الآخرة. وما الذي بقي من أجله وبم يختم له، وكيف كان حال من مضى من أقرانه وأصحابه عند الموت، وإلى أي مصير صاروا!! وأشباه ذلك من الأفكار والأذكار النافعة للقلب والمؤثرة فيه.\rقال بعض السلف: انظر كل شيء تحب أن يأتيك الموت وأنت عليه فالزمه، وكل شيء تكره أن يأتيك الموت وأنت عليه فاجتنبه. فتأمل رحمك الله هذه المقالة، فإنها عظيمة النفع لمن عمل بها، والله الموفق والمعين لا رب غيره.\rمعنى كراهية الموت\rوأما كراهية الموت فأمر طبيعي لا يكاد الإنسان ينفك عنه، وذلك لأن الموت مؤلف في نفسه، ومفرق بين الإنسان وبين محبوباته ومألوفاته من دنياه. ولما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)). قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله كلنا نكره الموت، قال عليه الصلاة والسلام: ((إن المؤمن إذا حضره الموت بشر برحمة الله فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضره الموت بُشِّر بعذاب الله فكره لقاء الله وكره الله لقاءه)).","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"وفي وصف المؤمن المحبوب المذكور في قوله عليه الصلاة والسلام عن الله: ((ما تقرب المتقربون)) فساق الحديث إلى أن قال تعالى: ((وما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه))، فانظر كيف وصفه بكراهية الموت مع كمال إيمانه وعلو منزلته عنده تعالى تعلم صحة ما ذكرناه، وفي أخبار موسى عليه الصلاة والسلام أنه لطم ملك الموت حين جاءه ليقبضه فأخرج عينه.\rنعم، قد تنغمر كراهية الموت حتى لا تحس في حال قوة إشراق أنوار المعرفة واليقين، ويكون ذلك لأهله في وقت دون وقت. وأما الأمر العام في أهل الإيمان فهو أنهم يحبون الموت لما فيه من لقاء الله، والمصير إلى الدار الباقية، والخروج من الدنيا محل الفتن والمحن، ويكرهون المون بالنفس والطبع، لما فيه من الألم وفراق المحبوبات، وكلما كان الإيمان أقوى كانت الكراهية أقل، ومقتضى الطبع أضعف، وبالعكس. فتفطن لذلك، والله يتولى هداك.\rوأما طول العمر في طاعة الله فهو محبوب ومطلوب لقوله عليه الصلاة والسلام: ((خيركم من طال عمره وحسن عمله)) وكلما كان العمر أطول في طاعة الله كانت الحسنات أكثر والدرجات أرفع. وأما طوله في غير طاعة الله فبلاء وشر، تكثر السيئات وتتضاعف الخطيئات.","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"ومن زعم من الناس أنه يحب طول البقاء في الدنيا ليستكثر من الأعمال الصالحة المقربة إلى الله تعالى، فإن كان مع ذلك حريصاً عليها ومشمراً فيها ومجانباً لما يشغل عنها من أمور الدنيا فهو بالصادقين أشبه، وإن كان متكاسلاً عنها ومسوفاً فيها ـ أعني الأعمال الصالحة ـ فهو من الكاذبين المتعللين بما لا يغني عنه، لأن من أحب أن يبقى لأجل شيء صار في غاية الحرص على ذلك الشيء مخافة أن يفوته ويحال بينه وبينه. سيما والعمل الصالح لا يمكن إلا في الدنيا، ولا يتصور وجوده في غيرها البتة، لأن الآخرة دار جزاء وليست بدار عمل. فتفكر في ذلك جداً عسى الله أن ينفعك به، واستعن بالله واصبر، واجتهد وشمر، وبادر بالأعمال الصالحة من قبل أن لا تجد إليها سبيلاً، واغتنم فسحة المهل من قبل أن يفجأك الأجل، فإنك غرض للآفات، وهدف منصوب لسهام المنيات، وإنما رأس مالك الذي يمكنك أن تشتري به من الله سعادة الأبد هذا العمر. فإياك أن تنفق أوقاته وأيامه وساعاته وأنفاسه فيما لا خير فيه ولا منفعة، فيطول تحسرك ويعظم أسفك بعد الموت إذا عرفت قدر الفائت وتحققته.","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"وقد ورد أنه تعرض على الإنسان في الدار الآخرة ساعات أيامه ولياليه في هيئة الخزائن كل يوم وليلة أربع وعشرون خزانة بعدد ساعاتهما، فيرى الساعة التي عمل فيها بطاعة الله خزانة مملوءة نوراً، والتي عمل فيها بمعصية الله مملوءة ظلمة، والتي لم يعمل فيها بطاعة ولا معصية يجدها فارغة لا شيء فيها فيعظم تحسره إذا نظر إلى الفارغة أن لا يكون عمل فيها بطاعة الله فيجدها مملوءة نوراً. وأما التي يجدها مملوءة ظلمة فلو قضى عليه أن يموت عند النظر إليها من الأسف والحسرة لمات، غير أنه لا موت في الآخرة، فالعامل بطاعة الله يكون فيها فرحاً مغتبطاً على الدوام، يزيد فرحه واغتباطه على ممر الأيام. والعامل بمعصية الله ترح مغموم، لا يزال يزداد ترحه وغمه إلى غير نهاية، فاختر لنفسك رحمك الله ما دمت في دار الاختيار ما ينفعها ويرفعها، فإنك لو قَدْ متّ خرج الأمر عن اختيارك.\rقال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله في البداية: واعلم أن الموت لا يهجم في وقت مخصوص، وحال مخصوص، وسن مخصوص، ولا بد من هجومه، فالاستعداد له أولى من الاستعداد للدنيا.\rوقال أيضاً في موضع آخر من البداية: ولا تدع عنك التفكر في قرب الأجل، وحلول الموت القاطع للأمل، وخروج الأمر عن الاختيار، وحصول الحسرة والندامة بطول الاغترار. انتهى.\rوقد كان من السلف الصالح من لو قيل له: إنك ميت غداً، لم يجد موضعاً للزيادة من العمل الصالح، لما هو عليه من غاية الإقبال على الآخرة والاشتغال بالأعمال الصالحة.\rوقال بعضهم لبعض من استوصاه: انظر فكل شيء تحب أن يأتيك الموت وأنت تعمله فالزمه الآن، وكل شيء تكره أن يلقاك الموت وأنت تعمله فاتركه الآن.","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"وفي الإكثار من ذكر الموت، واستشعار قرب نزوله، فوائد جليلة، ومنافع كثيرة، منها الزهد في الدنيا، والقناعة باليسير منها، وملازمة الأعمال الصالحة التي هي زاد الآخرة، ومجانبة السيئات والمخالفات، والمبادرة بالتوبة إلى الله تعالى منها، إن كان قد قارفها.\rوفي نسيان ذكر الموت وإطالة الأمل، أضداد هذه الفوائد وهذه المنافع، من شدة الرغبة في الدنيا، وشدة الحرص على جمع حطامها، والتمتع بشهواتها، والاغترار بزخارفها، وتسويف التوبة من الذنوب، والتكاسل عن الأعمال الصالحة.\rوقد قال السلف الصالح رحمهم الله: من طال أمله ساء عمله.\rوقال علي كرم الله وجهه: (أخوف ما أخاف عليكم، اتباع الهوى، وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة)، انتهى، وفي الحديث المرفوع: ((أخوف ما أخاف على أمتي اتباع الهوى وطول الأمل)).\rولا خير بحال فيما ينسي الآخرة من الآمال، وهو الأمل الذي استعاذ منه عليه الصلاة والسلام، فقال: ((أعوذ بك من كل أمل يلهيني))، ومن دعائه صلوات الله عليه: ((وأعوذ بك من دنيا تمنع خير الآخرة، ومن حياة تمنع خير الممات، ومن أمل يمنع خير العمل)).\rفإذا غلب على قلب الإنسان استشعار طول البقاء في الدنيا، غلب عليه الاهتمام لها، والسعي لجمعها، حتى يغفل عن الآخرة وعن التزود لمعاده فيبغته الموت وهو على ذلك، فيلقى الله مفلساً من الأعمال الصالحة، فيندم ويتحسر، حيث لا ينفعه التحسر فيقول: {يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}[الفجر:24]، و{رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ}[المؤمنون:99،100].\rالمرض نذير الموت\rثم إذا مرض الإنسان فينبغي له أن يأخذ في التوبة، والإكثار من الاستغفار ومن الذكر لله، والاعتذار إليه من سالف إساءاته وغفلاته، فإنه لا يدري لعله يموت من مرضه ذلك، ولعله قد حضره الأجل، فيختم عمله وأيام عمره بالخيرات فإن الأعمال بخواتيمها.","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"والأمراض مذكرات بالآخرة، وبالرجوع إلى الله تعالى، وليوص بما يحتاج إلى الوصية به، مما يهمه من أمور آخرته ودنياه، سيما من حقوق الخلق وتبعاتهم، فإنها شديدة والخلاص منها عسير.\rوليكن في مرضه على غاية ونهاية من حسن الظن بالله تعالى. قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى))، وليكن ذلك هو الغالب على قلبه، والمستولي عليه، فإنه تعالى يقول: ((أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني)).\rودخل صلوات الله وسلامه عليه على مريض شاب يعوده، فقال: ((كيف تجدك؟))، فقال: أرجو ربي، وأخاف ذنوبي، فقال عليه الصلاة والسلام: ((ما اجتمعا في قلب مسلم في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف)).\rومع ذلك ينبغي أن يكون حال الرجاء هو الغالب على المريض، سيما إذا ظهرت عليه علامات الموت، وقرب حضور الأجل، ليموت على حسن الظن بالله، وقوة الرجاء في كرمه، وسعة رحمته، وحب لقائه.\rوفي الحديث: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)). وقد جاء في معناه: أن العبد المسلم إذا حضره الموت، بُشر برحمة الله وفضله فأحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه، وأن المنافق إذا حضره الموت، بُشر بعذاب الله، فكره لقاء الله، وكره الله لقاءه.","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"فالمؤمنون المتقون يبشرون برحمة الله عند خروجهم من الدنيا، فتكاد أرواحهم أن تطير من أجسادهم شوقاً إلى ربهم وحب لقائه، حين تسلم عليهم الملائكة، وتبشرهم بدخول الجنة، وأن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، قال الله تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}[النحل:32]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}[فصلت:30]، إلى قوله تعالى: {نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ}[فصلت:32].\rوينبغي للمريض أن يحترز من النجاسات أن تصيبه في بدنه وفي ثيابه فتمنعه من الصلاة، وليحذر كل الحذر من ترك الصلاة، وليُصلِّ على حسب حاله، قاعداً أو مضطجعاً، أو كيف أمكنه، ولا يختم عمله بالإضاعة لعماد الدين الذي هو الصلاة.\rوينبغي لمن حضره من أهله وأصحابه أن يحثوه على ذلك، ويعاونوه، ويذكروه به.\rوليعلم أن فرض الصلاة لا يسقط عنه ما دام عقله معه، وليكثر من قول: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، وليكثر من قراءة سورة الإخلاص.\rثم إن المريض إذا غلب عليه المرض، وظهرت عليه أمارات قرب الموت كان الذي ينبغي لحاضريه من أهله وأقاربه أن ينظروا، فإن رأوا عليه شيئاً من مخايل الجزع وشدة الخوف فليذكروا له محاسن عمله، وسعة رحمة ربه، وعظيم عفوه عن المذنبين، وتجاوزه عن المقصرين، فقد كان السلف يستحسنون مثل ذلك مع المحتضرين من حاضريه، وربما التمس المحتضر منهم مثل ذلك من حاضريه.\rومن المتأكد المأمور به أن يلقنوه (لا إله إلا الله)، فإذا قالها فلا ينبغي أن يعاد عليه، إلا إن تكلم بكلام آخر.","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"وينبغي أن يقرأ عليه سورة (يس) المباركة، يقال: إن ذلك يسهل خروج الروح. وللموت كرب وسكرات. وقد تسهل وتهون على بعض المؤمنين.\rوفيما يروى عن ملك الموت عليه السلام أنه قال: إني بكل مؤمن شفيق رفيق. وقد يحضر الموتى في حال قبضهم أنواعٌ من الفتن والعياذ بالله.\rفلذلك ينبغي الإكثار لمن يحضرهم من قراءة القرآن، وأحاديث الرجاء، وذكر أحوال الصالحين، عند خروجهم من الدنيا.\rوفي بعض الآثار، أن الشيطان لعنه الله، أقرب ما يكون من العبد عند وفاته حرصاً منه على أن يفتنه، ولكن {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ}[النحل:100]، {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}[إبراهيم:27].\rوقد اشتد خوف السلف الصالح، رحمهم الله، من سوء الخاتمة، ولهم في ذلك أخبار وحكايات، يطول ذكرها. وقد ورد في ذلك ما يقتضي الخوف البالغ، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: ((فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)).\rوقال عليه الصلاة والسلام: ((إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة))، ومثل ذلك كثير.","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"قالوا: وأكثر من يخشى عليه سوء الخاتمة -والعياذ بالله- المتهاون بالصلاة والمدمن لشرب الخمر، والعاق لوالديه، والذي يؤذي المسلمين، وكذلك المصرّون على الكبائر والموبقات الذين لم يتوبوا إلى الله منها، ويكاد يدل لذلك قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون}[الروم:10].\rفينبغي للمسلم: أن يرجو من فضل الله أن لا يسلبه نعمة الإسلام من بعد أن أنعم عليه بها ابتداء من غير وسيلة منه، ويخاف مع ذلك من التغير، لتقصيره في الشكر على هذه النعمة التي هي أعظم النعم، وقد كان بعض السلف، يحلف بالله: أنه ما أمن أحد على إسلامه أن يسلب إلا سلب.\rوينبغي أن لا يزال سائلاً من الله تعالى، متضرعاً إليه، أن يرزقه حسن الخاتمة، وقد ذكر عن إبليس لعنه الله أنه قال: قصم ظهري الذي يسأل الله حسن الخاتمة، أقول: متى يعجب هذا بعمله؟ أخشى أنه قد فطن.\rاللهم إنا نسألك بنور وجهك، وبحقك عليك، حسن الخاتمة عند الممات، لنا ولأحبابنا وللمسلمين، يا أرحم الراحمين. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين.\rالمحتضر\rومن السنة أن يضجع المحتضر على يمينه، مستقبل القبلة، فإذا قضى نحبه، فينبغي أن تغمض عيناه، فإنه يشخص ببصره عند ذلك.\rوفي الحديث: ((إن البصر يتبع الروح))، ويكثر عند ذلك حاضروه من الاستغفار له، والترحم عليه، والدعاء، فإن الملائكة يؤمنون على ما يقولون، وفي البكاء رخصة، والصبر خير منه وأفضل.\rالنياحة والبكاء\rوأما النياحة والندب، وهو التعديد، وطرح التراب على الرأس، ولطم الخدود، وشق الجيوب، فجميع ذلك محرم شديد التحريم، وقد وردت الأحاديث الصحيحة، بالنهي عنه والوعيد عليه.","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"تمني الموت\rويكره تمني الموت، والدعاء به، لضر ينزل بالإنسان، من مرض أو فقر أو نحو ذلك من شدائد الدنيا، فإن خاف فتنة في دينه جاز له تمنيه، وربما ندب، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إن كانت الوفاة خيراً لي)).\rوقال عليه الصلاة والسلام: ((لا يتمنين أحدك الموت، إما محسن فعله يزاد وإما مسيء فلعله يستعتب)) أي يتوب ويعتذر.\rثم إن الموت أمر مكتوب على جميع الأنام، وقضاء محتوم بين الخاص والعام، وقد سوى الله فيه بين القوي والضعيف، والوضيع والشريف، وقهر به الجبابرة، وقصر به القياصرة، وكسر به الأكاسرة، وجعله للمؤمنين المتقين تحفة وأي تحفة، وزلفة وأيّ زلفة، وللكافرين والمنافقين حسرة وأيّ حسرة، وأخذة وأيّ أخذة.\rفسبحانه من ملك جبار منفرد قهار، قد توحد بالدوام والبقاء، وتنزه عن الموت والفناء، فهو الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، قال عزَّ من قائل: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ}[الرحمن:26،27]، وقال تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[القصص:88]، وقال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ}[آل عمران:185].\rالموت والغسل\rفإذا مات العبد المسلم وتحقق موته، فينبغي الأخذ في تجهيزه إلى قبره بغسله وتكفينه والصلاة عليه، وينبغي أن يراعى في ذلك الاتباع، والأخذ بما ورد في السنة النبوية.\rوينبغي أن يُعلم بموته أهله وأقاربه، وجيرانه وأصحابه، وأهل الخير والصلاح، ليدعوا له ويترحموا عليه، ويشهدوا الصلاة على جنازته.","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"ويستحب لمن بلغه موت أخيه المسلم، أن يقول بعد الاسترجاع: اللهم اجعل كتابه في عليين، واكتبه عندك من المحسنين، واخلفه في أهله في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين.\rويدعو له ويثني عليه بالخير، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم)).\rولا ينبغي الإفراط في الثناء والمجازفة فيه بما يوقع في الكذب وما يقاربه.\rالتشييع والدفن\rوفي تشييع جنازة المسلم والصلاة عليه وحضور دفنه فضل وثواب كثير. وفي الحديث الصحيح: ((إن من شيع جنازة مسلم حتى يصلي عليها كان له قيراط من الأجر، فإن بقي معها حتى يحضر دفنها كان له قيراطان والقيراط مثل جبل أحد)) الحديث.\rوينبغي الإسراع بالميت وتعجيله إلى قبره. فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها إلى أين تذهبون بها؟))، وقال عليه الصلاة والسلام: ((أسرعوا بالجنازة، فإن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكن سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم)).\rوللميت شعور ومعرفة بمن يغسله ويكفنه ويدليه في قبره. وقد ورد أن روحه بيد ملك يقف بها بالقرب منه ويمشي بها مع جنازته، وأنه يسمع ما يثنى به عليه من خير أو شر، فإذا وضع الميت في قبره فمن المستحب أن يقول الذي يضعه فيه: باسم الله وعلى ملة رسول الله، وأن يحثو من يدنو من القبر ثلاث حثيات، ويقول مع الأولى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} ومع الثانية: {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} ومع الثالثة: {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}، ويصب عليه التراب قليلاً قليلا برفق، فإذا سوى عليه التراب فينبغي أن يمكث عنده الحاضرون ساعة، يتلون القرآن ويستغفرون للميت ويدعون له بالتثبيت، فإنه حينئذ يسأل كما في الحديث، أي يسأله الملكان منكر ونكير اللذان هما فتَّانا القبر، يسألان الميت بعد ما يدفن كما في الأثر: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟.","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"فمن ثبته الله قال: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيي، ومن أزاغه الله حار وتردد، على وفق ما كان عليه في الدنيا، من الشك والزيغ والإضاعة لأمر الله، وارتكاب محارمه، فيقول: هاه هاه لا أدري، كما ورد في الأحاديث الصحيحة، فعند ذلك يضربانه، ويضيق عليه قبره، ويملأ عليه عذاباً.\rوأما المؤمن المثبت، المستقيم على الإيمان والطاعة في حياته، فإنهما يبشرانه، ويوسع له في قبره، ويملأ عليه نوراً ونعيماً، وتحيط به أعماله الصالحة من الصلاة والصدقة والصيام وقراءة القرآن وذكر الله تعالى فيدفعن عنه ما يقصده من المخاوف والمهالك.\rوقد قال عليه الصلاة والسلام: ((القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار))، وقال عليه الصلاة والسلام: ما رأيت منظراً إلا والقبر أفضع منه)).\rوكان عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا حضر القبر يبكي حتى تبتل لحيته، فقيل له: إنك تذكر الجنة والنار فلا تبكي هذا البكاء، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه)).\rويقال: إن أكثر عذاب القبر من ثلاثة أشياء: الغيبة، والنميمة، وقلة التحفظ من البول، وفي الحديث: ((عامة عذاب القبر من البول)). وحديث الرجلين اللذين سمعهما صلى الله عليه وآله وسلم يعذبان في قبريهما وأمر بجريدة من النخل، فجعلت على قبريهما، وقال: ((لعله يخفف عنهما ما دامتا رطبتين، وأنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من البول)) الحديث. وهو حديث صحيح مشهور.\rوكان صلى الله عليه وآله وسلم يكثر الاستعاذة من عذاب القبر، ويأمر بها في الدعاء الذي بعد التشهد من كل صلاة، وفي أذكار المساء والصباح، فعذاب القبر حق ونعيمه كذلك.","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"ومما ينفع الله به الميت في قبره ويدفع به عنه: الدعاء له، والاستغفار، والتصدق عنه، وقد وردت في ذلك الأخبار والآثار الكثيرة، وتقدم كثير منها.\rويروى أن هدايا الأحياء للأموات، من الصدقات والدعاء وقراءة القرآن تأتيهم بها الملائكة في أطباق من نور، مخمرة بمناديل من سندس، وتقول لأحدهم: هذه الهدية بعث بها إليك فلان، فيسره ذلك ويفرح به.\rربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين.\rوصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد عبد الله ورسوله الأمين على وحيه وتنزيله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الهداة المهتدين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم وفيهم\rبرحمتك يا أرحم الراحمين.\rوكتبه\rالسيد محمد بن السيد علوي المالكي الحسني.","part":1,"page":69}],"titles":[{"id":1,"title":"تحقيق الآمال فيما ينفع الميت من الأعمال","lvl":1,"sub":0},{"id":2,"title":"مقدمة الطبعة الثانية","lvl":2,"sub":0},{"id":6,"title":"وأن ليس للإنسان إلا ما سعى","lvl":2,"sub":0},{"id":6,"title":"تحليل نفيس لشارح العقيدة الطحاوية","lvl":2,"sub":1},{"id":7,"title":"((إذا مات ابن آدم انقطع عمله))","lvl":2,"sub":0},{"id":9,"title":"القراءة على الميت وفعل السلف","lvl":2,"sub":0},{"id":12,"title":"أقوال أئمة المذاهب الفقهية","lvl":2,"sub":0},{"id":14,"title":"1) توثيق نصوص مذهب الحنفية","lvl":2,"sub":0},{"id":15,"title":"2) توثيق نصوص مذهب المالكية","lvl":2,"sub":0},{"id":18,"title":"3) توثيق النووي لنصوص الشافعية","lvl":2,"sub":0},{"id":18,"title":"4) توثيق نصوص مذهب الحنابلة","lvl":2,"sub":1},{"id":19,"title":"(فصل)","lvl":2,"sub":0},{"id":22,"title":"كلام نفيس للشيخ ابن القيم","lvl":2,"sub":0},{"id":23,"title":"الخلاصة","lvl":2,"sub":0},{"id":24,"title":"تحقيق الشيخ ابن تيمية في الموضوع","lvl":2,"sub":0},{"id":26,"title":"القراءة عند القبر ليست بدعة","lvl":2,"sub":0},{"id":32,"title":"نصوص فقهية في المسألة","lvl":2,"sub":0},{"id":35,"title":"التلقين","lvl":2,"sub":0},{"id":38,"title":"كلام ابن القيم","lvl":2,"sub":0},{"id":39,"title":"وضع الجريد على القبر","lvl":2,"sub":0},{"id":41,"title":"تعليقات للعلماء مؤيدة","lvl":2,"sub":0},{"id":43,"title":"اعتراضات مردودة","lvl":2,"sub":0},{"id":46,"title":"الاجتماع للتعزية في بيت الميت","lvl":2,"sub":0},{"id":49,"title":"قراءة الفاتحة و(يس) لأموات المسلمين","lvl":2,"sub":0},{"id":50,"title":"فضل سورة الفاتحة","lvl":2,"sub":0},{"id":53,"title":"فضل سورة (يس)","lvl":2,"sub":0},{"id":53,"title":"فضل سورة الملك","lvl":2,"sub":1},{"id":54,"title":"فضل لا إله إلا الله","lvl":2,"sub":0},{"id":57,"title":"الخاتمة","lvl":1,"sub":0},{"id":57,"title":"قصر الأمل وذكر الموت","lvl":2,"sub":1},{"id":57,"title":"معنى تذكر الموت","lvl":2,"sub":2},{"id":57,"title":"معنى كراهية الموت","lvl":2,"sub":3},{"id":61,"title":"المرض نذير الموت","lvl":2,"sub":0},{"id":65,"title":"المحتضر","lvl":2,"sub":0},{"id":65,"title":"النياحة والبكاء","lvl":2,"sub":1},{"id":66,"title":"تمني الموت","lvl":2,"sub":0},{"id":66,"title":"الموت والغسل","lvl":2,"sub":1},{"id":67,"title":"التشييع والدفن","lvl":2,"sub":0}]}