{"pages":[{"id":1,"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\rالكتاب: حاشية الصاوي على تفسير الجلالين\rالمؤلف: أحمد بن محمد الصاوي\rتاريخ وفاة المؤلف: 1241 ه. ق\rالمصحح: محمد عبد السلام شاهين\rعدد المجلدات: 4\rالناشر: دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون\rمكان الطبع: بيروت\rتاريخ الطبع: 1427 ه. ق\rالطبعة: الرابعة\r[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\rالمصدر: الشاملة الذهبية","part":1,"page":2},{"id":2,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 3\rالمجلد الأول\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rالحمد للّه الذي أنزل الفرقان مصدقا لما بين يديه هدى وبشرى للمتقين، قرآنا عربيا غير ذي عوج موعظة وذكرى للمؤمنين، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له شهادة ندخل بها الفردوس آمنين وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الصادق الأمين، المنزل عليه الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، صلّى اللّه وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين أوتو العلم درجات. وبعد:\rفيقول العبد الفقير الذليل أحمد بن محمد الصاوي المالكي الخلوتي: لما علم التفسير أعظم العلوم مقدارا وأرفعها شرفا ومنارا، إذ هو رئيس العلوم الدينية ورأسها، ومبنى قواعد الشرع وأساسها، وكان كتاب الجلالين من أجل كتب التفسير، وأجمع على الإعتناء به الجم الغفير من أهل البصائر والتنوير، وجاءني الداعي الإلهي بقراءته فاشتغلت به على حسب عجزي، ووضعت عليه كتابة ملخصة من حاشية شيخنا العلامة المحقق المدقق الورع: الشيخ سليمان الجمل، مع زوائد وفوائد، فتح بها مولانا من نور كتابه، وإنما اقتصرت على تلخيص تلك الحاشية، لكوني وجدتها ملخصة من جميع كتب التفسير التي بأيدينا، تنسب لنحو عشرين كتابا منها البيضاوي وحواشيه وحواشي هذا الكتاب. ومنها الخازن والخطيب والسمين وأبو السعود، والكواشي، والبحر والنهر والساقية، والقرطبي، والكشاف، وابن عطية، والتحبير، والإتقان، ولم أنسب العبارات لأصحابها غالبا اكتفاء بنسبة الأصل واللّه على ما أقول وكيل، وهو حسبي وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.\rوقد تلقيت هذا الكتاب من أوله إلى آخره مرتين: عن العلامة الصوفي سيدي الشيخ سليمان الجمل وعن الإمام أبي البركات العارف باللّه تعالى استاذنا الشيخ أحمد الدردير، وعن استاذنا العلامة الشيخ الأمير، وكل من هؤلاء الأئمة تلقاه عن تاج العارفين شمس الدين سيدي محمد بن سالم الحفناوي، وعن الإمام أبي الحسن سيدي الشيخ علي الصعيدي العدوي، والشيخ الحفناوي، تلقاه عن العلامة سيدي محمد بن محمد البديري الدمياطي الشهير بابن الميت، وهو عن نور الدين سيدي على الشبراملسي، وهو عن الشيخ الحلبي صاحب السيرة، وهو عن خاتمة المحققين، سيدي علي الأجهوري، وهو عن البرهان العلقمي، وهو عن أخيه، شمس الدين","part":1,"page":3},{"id":3,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 4\rمحمد العلقمي، عن الجلال عبد الرحمن السيوطي، وأما سندنا للجلال المحلي، فهو بعينه إلى الإمام الحلبي، وهو عن الإمام الزيادي، عن الشيخ الرملي، وهو عن شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، عن الجلال محمد بن أحمد المحلي رضي اللّه عنهم ونفعنا بهم، ولد السيوطي سنة ثمانمائة وتسع وأربعين، وتوفي سنة تسعمائة وثلاث عشرة فعاش أربعا وستين.\rمقدمة: ينبغي لكل شارع في فن أن يعرف مباديه العشرة ليكون على بصيرة فيه وهي:\rحده، وموضوعه، وواضعه، واستمداده، واسمه، وحكمه، ومسائله، ونسبته، وفائدته، وغايته.\rفحد هذا الفن: علم بأصول يعرف بها معاني كلام اللّه على حسب الطاقة البشرية، وأما معناه: لغة فمأخوذ من الفسر وهو الكشف، وموضوعه: آيات القرآن من حيث فهم معانيها، وواضعه: الراسخون في العلم من عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى هنا على التحقيق كما شهد اللّه بذلك، واستمداده: من الكتاب والسنة والآثار والفصحاء من العرب العرباء، واسمه: علم التفسير، وحكمه: الوجوب الكفائي، ومسائله: قضاياه من حيث الأمر والنهي والموعظة إلى غير ذلك، ونسبته: أنه أفضل العلوم الشرعية وأصلها، وفائدته: المعرفة بمعاني كلام اللّه على الوجه الأكمل، وغايته: الفوز بسعادة الدارين، أما الدنيا فبامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وأما الآخرة فبالجنة ونعيمها ولذلك يقال له اقرأ وارق.\rواعلم: أن القرآن نزل ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا في مكان يقال له بيت العزة على هذا الترتيب الذي نقرؤه فإنه توقيفي. ثم نزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع لقوله تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [33: الفرقان] لكن لا على هذا الترتيب، فإنه نزل عليه ثلاث وثمانون سورة بمكة أي قبل الهجرة، وبالمدينة إحدى وثلاثون على التحقيق، فأول ما نزل بمكة اقرأ وآخر ما نزل بها قيل العنكبوت وقيل المؤمنون وقيل ويل للمطففين. وأول سورة نزلت بالمدينة، البقرة، وآخر سورة نزلت بها، المائدة. وهناك بعض سور اختلف فيها، منها الفاتحة، ويمكن تكرار نزولها، وأما أول آية نزلت على الإطلاق ف اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وآخر آية على الإطلاق وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [282: البقرة] واعلم أيضا أن القرآن ينقسم أربعة أقسام: قسم فيه الناسخ والمنسوخ، وهو خمسة وعشرون سرة، وقسم فيه المنسوخ، فقط وهو أربعون سورة، وقسم فيه الناسخ فقط، وهو ست سور، وقسم لا ناسخ فيه ولا منسوخ وهو ثلاث وأربعون سورة، وأغلبها من الربع الأخير.\rوعدة حروف القرآن ألف ألف وخمسة وعشرون ألفا، ودرج الجنة على قدر ذلك، وبين الدرجتين خمسمائة عام، وعدة آياته ستة آلاف ستمائة ستة وستون ونصفه بحسب الآيات قوله تعالى في سورة الشعراء: فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ [45: الشعراء] ونصفه بحسب الحروف قوله تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً [74: الكهف] فالنون من النصف الأول والكاف","part":1,"page":4},{"id":4,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 5\rمن الثاني ونصفه بحسب السور الحديد المجادلة من النصف الثاني. عدة كلماته سبعة وسبعون ألفا وأربعمائة وخمسن كلمة، كل كلمة لها أربعة علموم: علم بحسب ظاهرها، علم بحسب باطنها، وعلم بحسب حدها، وعلم بحسب مقطعها، وإن نظرت إلى تناسبها مع ما قبلها وما بعدها زادت كثيرا. وترتيب السور هكذا، توقيفي. وأما وضع أسمائها في المصاحف، وتقسيمها إلى أعشار، وأرباع، وأثلاث، وأجزاء، وأحزاب، فمن الحجاج الثقفي، بأخذ عن الصحابة في وضع أسماء السور، وباجتهاد منه في تقسيمه إلى ما ذكر. ولذلك تجد ابتداء الربع وسط قصة.","part":1,"page":5},{"id":5,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 6\rبسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد اللّه حمدا موافيا لنعمه، مكافئا لمزيده، والصلاة والسّلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وجنوده. هذا ما اشتدت إليه حاجة الراغبين في تكملة تفسير القرآن الكريم الذي ألفه\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرّحيم قوله: (الحمد اللّه إلخ) كتابه بهذه الصيغة لأنها أفضل المحامد كما ورد وهي مقتبسة من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «الحمد اللّه حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده». وقد غير المصنف الحديث بعض تغيير وهو مغتفر في الإقتباس. قوله: (موافيا لنعمه) أي مقابلا لها بحيث يكون بقدرها فلا تقع نعمة إلا مقابلة بهذا الحمد، وهذا على سبيل المبالغة بحيث ما ترجاه، وإلا فكل نعمة تحتاج لحمد مستقل. قوله: (مكافئا لمزيده) أي مماثلا ومساويا له، والمزيد مصدر ميمي من زاده اللّه النعم، والزيادة النمو وبابه باع ويستعمل متعديا ولازما يقال: زاده اللّه خيرا وزاد الشيء، والمعنى أنه ترجى أن يكون الحمد الذي أتى به موفيا بحق النعم الحاصلة بالفعل وما يزيد منها في المستقبل قوله: (على محمد) في نسخة على سيدنا محمد وعليها فعطف وآله وما بعده على سيدنا لا على محمد لما يلزم عليه من ابدال محمد وما عطف عليه من السيد وهو في نفس الأمر محمد فقط. قوله: (و جنوده) جمع جند اسم جند جمعي يفرق بينه وبين واحد بالياء على خلاف الغالب فالياء في المفرد. والمراد بجنده كل من يعين على الدين بالقتال في سبيل اللّه أو بتقرير العلم وضبطه أو بتعمير المساجد أو بغير ذلك من عصره صلّى اللّه عليه وسلّم إلى آخر الزمان.\rقوله: (هذا) هي بمنزلة أما بعد وبمنزلة أيضا في أن كلا منهما اقتضاب مشوب بتخلص لأن الكلام الثاني وهو المقصود مقتطع عن الكلام الأول الذي هو الخطبة لكن فيه نوع مناسبة من حيث سبب التأليف، والمقصود أمر ذو بال وقد ندب الشارع للإبتداء فيه بالبسملة والحمدلة والصلاة على النبي، فحصلت المناسبة، ولكنها ليست كلمة وآثرها على أما بعد. وإن كانت الواردة لإختصارها، واسم الإشارة عائد: إما على المعاني أو الألفاظ أو النقوش أو المعاني والألفاظ، أو النقوش والمعاني أو النقوش والألفاظ أو الثلاثة احتمالات، سبعة المختار منها عوده على المعاني المستحضرة ذهنا سواء قلنا إن الخطبة متقدمة على التأليف أو متأخرة وفي الكلام استعارة تصريحية أصلية حيث شبه المعقول بالمحسوس واستعار اسم المشبه به وهو اسم الإشارة للمشبه.\rقوله: (ما اشتدت) ما واقعة على المعاني الذهنية كما هو المختار من الإحتمالات المتقدمة وعبر باشتدت دون دعت اشارة إلى أن حاجتهم بلغت حد الضرورة لمزيد احتياجهم إلى هذه التكملة، وذلك","part":1,"page":6},{"id":6,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 7\rالإمام العلامة المحقق جلال الدين محمد بن أحمد المحلي الشافعي رحمه اللّه، وتتميم ما فاته وهو من أول سورة البقرة إلى آخر الإسراء بتتمة على نمطه من ذكر ما يفهم به كلام اللّه تعالى والاعتماد\r______________________________\rأن تفسير النصف الثاني قد احتوى على المعنى العزيز، وانطوى على اللفظ الوجيز، فلم ينسج أحد على منواله. قوله: (الراغبين) أي: المحبين والمريدين لتكميل هذا الكتاب بالتأليف، وتستعمل الرغبة متعدية بنفسها، وبفي في المحبة والميل، ومتعدية بعن للزهد في الشيء والكراهية له. قوله: (تفسير القرآن) المراد منه ما يعم التأويل، والفرق بينهما أن التفسير هو التوضيح لكلام اللّه أو رسوله أو الآثار أو القواعد الأدبية العقلية، وأما التأويل فهو أن يكون الكلام محتملا لمعان فتقصره على بعضها كما في وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ والقرآن في اللغة مأخوذ من القرء وهو الجمع، وفي الإصطلاح اللفظ المنزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المتعبد بتلاوته ووصفه بالكريم، لأن نفعه ليس قاصرا بل عم الخلق جميعا في الدنيا والآخرة. واعلم أن المدرسين وإن تباينت مراتبهم في العلم، ثلاثة أصناف، الأول: من إذا درس آية اقتصر على ما فيها من المنقول، وأقوال المفسرين، وأسباب النزول، والمناسبة، وأوجه الإعراب، ومعاني الحروف. والثاني: من يأخذ في وجوه الإستنباط منها، ويستعمل فكره بمقدار ما آتاه اللّه من الفهم، ولا يشتغل بأقوال السابقين اعتمادا على كونها موجودة في بطون الأوراق لا معنى لذكرها. والثالث: من يرى الجمع بين الأمرين والتحلي بالوصفين، ولا يخفى أنه أرفع الأصناف، ومن هذا الصنف الجلال المحلي والجلال السيوطي رضي اللّه عنهما وعنا بهما.\rقوله: (الذي ألفه) صفة للتفسير مخصصة له. قوله: (الإمام) هو لغة المقدم واصطلاحا من بلغ رتبة أهل الفضل. قوله: (العلامة) مبالغة في العلم، ومعناه الجامع بين المعقول والمنقول بأبلغ وجه.\rقوله: (المحقق) أي الآتي بأدلة على الوجه الحق. قوله: (جلال الدين) لقب له ومعناه ذو جلالة في الدين أو مجل ومعظم له لأنه شيده وأظهر قواعده. قوله: (محمد) هو اسمه، وقوله: (ابن أحمد) هو اسم أبيه.\rقوله: (المحلي) بفتح الحاء نسبة للمحلة الكبرى مدينة من مدن مصر مشهورة ولد سنة سبعمائة وإحدى وتسعين وتوفي سنة ثمانمائة وأربع وستين، فعمره ثلاث وسبعون، وقبر قبالة باب النصر مشهور. قوله:\r(الشافعي) نسبة للإمام أبي عبد اللّه محمد بن ادريس.\rقوله: (و تتميم) بالرفع عطف على ما في قوله ما اشتدت إليه حاجة الراغبين، أو بالجر عطف على قوله في تكملة تفسير القرآن وذكره، وإن علم مما قبله توطئة للأوصاف التي ذكرها بقوله على نمطه الخ، وفي التعبير بالتتميم تسمح من حيث إن ما أتى به السيوطي تتميم لما أتى به المحلي لا لما فاته، إذ الذي فاته هو نفس ما أتى به السيوطي. وقوله: (و هو من أول الخ) الضمير راجع لما فاته أو للتتميم، لما علمت أن ما فاته والتتميم مصدوقهما واحد وهو تفسير السيوطي. وقوله: (من أول سورة البقرة إلخ) أي وأما الفاتحة ففسرها المحلي، فجعلها السيوطي في آخر تفسير المحلي لتكون منضمة لتفسيره، وابتداء هو من أول البقرة. قوله: (بتتمة) متعلق بتتميم والباء بمعنى مع، أي هذا التتميم الذي أتى به السيوطي تفسيرا للنصف الأول مصاحب لتتمة، والمراد بها ما ذكره بعد فراغه من سورة الإسراء بقوله هذا آخر ما كملت به تفسير القرآن الكريم إلخ. قوله: (على نمطه) حال من التتميم، أي حال كون هذا التتميم كائنا على نمط تفسير المحلي أي طريقته وأسلوبه. قوله: (من ذكر ما يفهم إلخ) بيان للنمط.","part":1,"page":7},{"id":7,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 8\rعلى أرجح الأقوال وإعراب ما يحتاج إليه وتنبيه على القراءات المختلفة على وجه لطيف وتعبير وجيز وترك التطويل بذكر أقوال غير مرضية وأعاريب محلها كتب العربية، واللّه أسأل النفع به في الدنيا وأحسن الجزاء عليه في العقبى بمنه وكرمه.\r______________________________\rقوله: (و الاعتماد) بالجر عطف على ذكر أي والإقتصار على أرجح الأقوال، وكذا قوله وإعراب وتنبيه إلخ. قوله: (و تنبيه إلخ) نكر هذا المصدر دون ما قبله، إشارة إلى قلة التنبيه المذكور وإنه لم ينبه على جميع القراءات المختلفة. قوله: (المختلفة) أي المتنوعة وتنوعها من سبعة أوجه، لأنه إما من حيث الشكل فقط كالبخل والبخل قرئ بهما والمعنى واحد، وإما من حيث المعنى فقط نحو: (فتلقى آدم من ربه كلمات)، برفع آدم ونصب كلمات وعكسه قرىء بهما أيضا، وإما من حيث اللفظ والمعنى وصورة الحرف واحدة نحو (تبلوا كل نفس) وتتلو قرئ بهما وصورة الباء والتاء واحدة بقطع النظر عن النقط، وإما أن يكون الاختلاف في صورة الحرف لا في المعنى كسراط وصراط، وإما من حيث اللفظ والمعنى وصورة الحرف نحو فاسعوا وامضوا قرىء بهما، وإما من حيث الزيادة والنقص كأوصى ووصى، وإما من حيث التقديم والتأخير كيقتلون ويقتلون بتقديم المبني للفاعل على المبني للمفعول وبالعكس. قوله: (على وجه لطيف) متعلق بالمصادر الأربعة قبله والمراد باللطيف هنا القصير فعطف قوله وتعبير وجيز للتفسير.\rقوله: (و ترك التطويل) معطوف على وجه لطيف وهو تصريح بما علم من قوله، وتعبير وجيز إذ يلزم من كونه وجيزا أن لا يكون طويلا. قوله: (بذكر أقوال) متعلق بتطويل وقوله: (غير مرضية) أي عند المفسرين. قوله: (و أعاريب) معطوف على أقوال. قوله: (و اللّه أسأل النفع به) أي بالتتميم المذكور.\rقوله: (بمنه وكرمه) الباء فيه للتوسل أي أتوسل إليه بصفتيه العظيمتين؛ وهما منه الذي هو تفضله على عباده بالعطايا، وكرمه الذي هو إيصال فضله للبار والفاجر.","part":1,"page":8},{"id":8,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 9\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة البقرة\rمدنية وآياتها ستّ وثمانون ومائتان بسم اللّه الرّحمن الرّحيم\r______________________________\rسورة البقرة مدنية مائتان وست أو سبع وثمانون آية قوله: (سورة البقرة إلخ) مبتدأ و(مدنية) خبر أول و(مائتان) الخ خبر ثان، ويؤخذ من هذا أن تسميتها بما ذكر غير مكروه، خلافا لمن قال بذلك وادعى أنه إنما يقال السورة التي تذكر فيها البقرة، وأسماء السور توقيفية وكذا ترتيبها على التحقيق كما تقدم، والسورة مأخوذة من سور البلد، لارتفاع رتبتها وإحاطتها وهي طائفة من القرآن لها أول وآخر وترجمة باسم خاص بها بتوقيف كما سبق، والراجح أن المكي ما نزل قبل الهجرة ولو في مكة، والمدني ما نزل بعد الهجرة ولو في غير المدينة، قوله: (و ثمانون آية) قيل: أصلها أبية قلبت عينها ألفا على غير قياس، وهي في العرف طائفة من كلمات القرآن متميزة بفصل وقد تكون كلمة مثل: والفجر والضحى والعصر وكذا: الم وطه ويس ونحوهما عند الكوفيين وغيرهم لا يسميها آيات بل يقول هي فواتح السور وعن أبي عمرو الداني لا أعلم كلمة هي وحدها آية إلا قوله تعالى: (مُدْهامَّتانِ).\rفائدة:- قال ابن العربي: سورة البقرة فيها ألف أمر وألف نهي وألف حكم وألف خبر أخذها بركة وتركها حسرة لا تستطيعها البطلة وهم السحرة إذا قرئت في بيت لم تدخله مردة الشياطين ثلاثة أيام-.\rوروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر وإن الشياطين يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة» وعنه في رواية: «لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة» وفي رواية: «سيدة أي القرآن، آية الكرسي».\rفائدة أخرى: في الكلام على الاستعاذة ولفظها المختار أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم عند مالك وأبي حنيفة والشافعي لقوله تعالى: (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) وقال أحمد: الأولى أن يقول أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم جمعا بين هذه الآية وآية فاستعذ باللّه إنه هو السميع العليم. وقال الثوري والأوزاعي: الأولى أن يقول أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم إن اللّه هو السميع العليم، فاتفق الجمهور على أنه يستحب لقارئ القرآن خارج الصلاة أن يتعوذ، وحكي عن عطاء","part":1,"page":9},{"id":9,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 10\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) اللّه أعلم بمراده بذلك، ذلِكَ أي هذا\r______________________________\rوجوبها. وقال ابن سيرين: إذا تعوذ الرجل في عمره مرة واحدة كفى في إسقاط الوجوب. ووقت الإستعاذة قبل القراءة عند الجمهور. وحكي عن النخعي أنه بعد القراءة، وهو قول داود وأحد الروايتين عن ابن سيرين، ومعنى أعوذ باللّه ألتجىء اليه وأتحصن به مما اخشاه، والشيطان أصله من شطن أي بعد عن الرحمة وقيل من شاط بمعنى احترق وهو اسم لكل عات من الأنس والجن، والرجيم فعيل بمعنى فاعل أي راجم بالوسوسة والشر، وقيل بمعنى مفعول أي مرجوم بالشهب عند استراق السمع أو بالعذاب أو مطرود عن الرحمة والخيرات، فحكمة الاستعاذة تطهير القلب من كل شيء يشغل عن اللّه تعالى، فإن في تعوذ العبد باللّه إقرارا بالعجز والضعف واعترافا بقدرة الباري وأنه الغنى القادر على دفع المضرات وإن الشيطان عدو مبين وقد دخل منه في الحصن الحصين.\rقوله: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) اختلف الأئمة في كون البسملة من الفاتحة وغيرها من السور سوى سورة براءة، فذهب الشافعي وجماعة من العلماء إلى أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة ذكرت في أولها سوى سورة براءة، وقال به جماعة من الصحابة، وذهب الأوزاعي ومالك وأبو حنيفة إلى أن البسملة ليست آية من الفاتحة، وزاد أبو داود ولا من غيرها من السور وإنما هي بعض آية في سورة النمل وإنما كتبت للفصل والتبرك، قال مالك ويكره استفتاح صلاة الفرض بها، واختلفت الرواية عن أحمد في كونها في الفاتحة أو لا والأحسن أن يقدر متعلق الجار هنا قولوا، لأن هذا المقام مقام تعليم صادر عن حضرة الرب تعالى.\rقوله: (الم): اعلم أن مجموع الأحرف المنزلة في أوائل السور أربعة عشر حرفا وهي نصف حروف الهجاء، وقد تفرّقت في تسع وعشرين سورة: المبدوء بالألف واللام منها ثلاث عشرة، وبالحاء والميم سبعة، وبالطاء أربعة، وبالكاف واحدة، وبالباء واحدة، وبالصاد واحدة، وبالقاف واحدة، وبالنون واحدة، وبعض هذه الحروف المبدوء بها أحادي وبعضها ثنائي وبعضها ثلاثي وبعضها رباعي وبعضها خماسي ولا تزيد. قوله: (اللّه أعلم بمراده بذلك) أشار بهذا إلى أرجح الأقوال في هذه الأحرف التي ابتدأ بها تلك السور، وهو أنها من المتشابه جريا على مذهب السلف القائلين باختصاص اللّه تعالى بعلم المراد منه، وعلى هذا فلا محل لها من الإعراب، لأنه فرع إدراك المعنى فلا يحكم عليها بإعراب ولا بناء ولا بتركيب مع عامل، ومقابل هذا أقوال: قيل إنها اسماء للسور التي ابتدئت بها، وقيل اسماء للقرآن، وقيل للّه تعالى، وقيل كل حرف منها مفتاح اسم من اسمائه تعالى، أي جزء من اسم، فالألف مفتاح لفظ الجلالة، واللام مفتاح اسم لطيف، والميم مفتاح اسم مجيد، وهكذا، وقيل كل حرف منها يشير إلى نعمة من نعم اللّه، وقيل إلى ملك، وقيل إلى نبي، وقيل الألف تشير إلى آلاء اللّه، واللام إلى لطف اللّه، والميم إلى ملك اللّه، وعلى هذه الأقوال فلها محل من الإعراب، فقيل الرفع، وقيل النصب، وقيل الجر، فالرفع على أحد وجهين، إما بكونها مبتدأ، وإما بكونها خبرا، والنصب على أحد وجهين أيضا: إما باضمار فعل لائق تقديره اقرؤوا مثلا وإما باسقاط حرف القسم كقول الشاعر:\rإذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة اللّه الثريد\r\rيريد وأمانة اللّه والجر بوجه واحد وهو أنها مقسم بها حذف حرف القسم وبقي عمله، أجاز ذلك الزمخشري وإن كان ضعيفا لأن ذلك من خصائص الجلالة المعظمة لا يشاركها فيه غيرها.","part":1,"page":10},{"id":10,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 11\rالْكِتابُ الذي يقرؤه محمد لا رَيْبَ لا شك فِيهِ أنه من عند اللّه وجملة النفي خبر مبتدؤه ذلك والإشارة به للتعظيم هُدىً خبر ثان أي هاد لِلْمُتَّقِينَ (2) الصائرين إلى التقوى بامتثال\r______________________________\rقوله: (ذلِكَ) اسم الإشارة مبتدأ واللام للبعد والكاف حرف خطاب والكتاب نعت لاسم الإشارة أو عطف بيان وجملة لا ريب فيه خبر كما قال المفسر. قوله: (أي هذا) أشار بذلك إلى أن حق الإشارة أن يؤتى بها للقريب وسيأتي الجواب عنه. قوله: (الكتاب) بمعنى المكتوب وهو القرآن، إن قلت إن القرآن قريب فلا يشار له بإشارة البعيد، أجاب المفسر بقوله والإشارة به للتعظيم، أي والقرآن وإن كان قريبا منا إلا أنه مرفوع الرتبة وعظيم القدر من حيث إنه منزه عن كلام الحوادث، وذلك كمناداة المولى سبحانه وتعالى بيا التي ينادي بها البعيد مع كونه أقرب إلينا من حبل الوريد، لكونه سبحانه منزها عن صفات الحوادث، فنزل تنزهه عن الحوادث منزلة بعدنا عنه، والكتاب في الأصل مصدر يطلق بمعنى الجمع.\rقوله: (الذي يقرؤه محمد) أي وهو القرآن احترز بذلك عن باقي الكتب السماوية. قوله: (لا شك) هذا أحد معان ثلاثة والثاني النهمة والثالث القلق والإضطراب وكلها منزه عنها القرآن لخروجه عن طاقة البشر، قال تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) الآية.\rإن قلت إن قوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ خبر وهو لا يتخلف، مع أن بعض الكفار ارتاب فيه حيث قالوا:\rسحر وكهانة وأساطير الأولين إلى غير ذلك، أجيب بأجوبة أحسنها أن قوله: لا رَيْبَ فِيهِ أي لمن أذعن وأقام البرهان وتأمل، فلا ريب فيه للعارفين المنصفين، وأما من عاند فلا يعتد به، (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل) ومنها أن معنى قوله: لا رَيْبَ فِيهِ أي لا ينبغي أن يرتاب فيه لقيام الأدلة الواضحة على كونه من عند اللّه. ومنها أن المعنى لا رَيْبَ فِيهِ أي للمؤمنين، وأما الكافرون فلا يعتد بهم، فالجواب الأول عام، فمن تأمل لا يحصل له ريب مسلما أو كافرا أو جحده بعد ذلك عنادا، والجواب الثاني أنه نفي بمعنى النهي، والثالث خاص بالمسلم. قوله: (أنه من عند اللّه) بفتح الهمزة بدل من الضمير في قوله: فِيهِ ويدل على قوله تعالى في الآية الأخرى لا رَيْبَ فِيهِ من رَبِّ الْعالَمِينَ*. قوله: (و الإشارة به للتعظيم) تقدم أن هذا الجواب عن سؤال مقدر، إن قلت إنه لا يشار إلا المحسوس أو الإشارة لما في المصاحف أو اللوح المحفوظ.\rقوله: (هدى) أي رشاد وبيان، وهو مصدر إما بمعنى اسم الفاعل وهو الذي اقتصر عليه المفسر أي مرشد ومبين، والإسناد له مجاز عقلي من الإسناد للسبب أو ذو هدى أو بولغ فيه حتى جعل نفس الهدى على حد: زيد عدل. قوله: (للمتقين) إن قلت إن القرآن هدى بمعنى مبين طريق الحق من الباطل للناس مؤمنهم وكافرهم فلم خص المتقين؟ أجيب بأنه خصهم بالذكر لكونهم انتفعوا بثمرته عاجلا وآجلا وهذا إن أريد به البيان حصل وصول للمقصود أم لا، وأما إن أريد به الوصول للمقصود فالتخصيص ظاهر، وأصل متقين متقيين استثقلت الكسرة على الياء الأولى فحذفت الياء فالتقى ساكنان حذفت الياء لإلتقاء الساكنين. قوله: (الصائرين إلى التقوى) اشار بذلك إلى أن في الكلام مجاز الأول أي المتقين في علم اللّه أو من يؤول إلى كونهم متقين، فهو جواب عن سؤال مقدر حاصله أنهم إذا كانوا متقين فهم مهتدون فلا حاجة له. قوله: (بامتثال الأوامر) يصح أن تكون سببية أو للتصوير. وقوله: (و اجتناب النواهي) عطف عليه، والمعنى أن امتثال الأوامر على حسب الطاقة واجتناب النواهي جميعها سبب للتقوى أو هي مصورة بذلك. قوله: (لاتقائهم) علة لتسميتهم متقين. قوله: (بذلك) أي المذكور وهو امتثال الأوامر واجتناب","part":1,"page":11},{"id":11,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 12\rالأوامر واجتناب النواهي لاتقائهم بذلك النار الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ يصدقون بِالْغَيْبِ بما غاب عنهم من البعث والجنة والنار وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ أي يأتون بها بحقوقها وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ أعطيناهم يُنْفِقُونَ (3) في طاعة اللّه وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ أي القرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ\r______________________________\rالنواهي، وهذا إشارة إلى تقوى الخواص وتحتها تقوى العوام وهي تقوى الشرك وفوقها تقوى خواص الخواص وهي تقوى ما يشغل عن اللّه. قال العارف:\rولو خطرت لي في سواك إرادة ... على خاطري يوما حكمت بردتي\r\rوالآية في حد ذاتها شاملة للمراتب الثلاث.\rقوله:\rالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ هذا تفصيل لبعض صفات المتقين وخصها لأنها أعلى الأوصاف، وهو في محل جر صفة للمتقين، أو رفع خبر لمحذوف، أو نصب مفعول لمحذوف، ويصح أن يكون مستأنفا مبتدأ خبره قوله: أُولئِكَ عَلى هُدىً، وعلى هذا فالوقف على المتقين تام لعدم ارتباطه بما بعده، وعلى الإعراب الأول فهو حسن لأنه رأس آية وإن كان له ارتباط بما بعده. قوله: (بما غاب) أشار بذلك إلى إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل، وما غاب عنا قسمان ما دل عليه عقلي أو سمعي، كالجنة والنار والملائكة والعرش والكرسي واللوح والقلم والمولى سبحانه وتعالى وصفاته، وما لم يدل عليه كالساعة ووقت نزول المطر، وما في الأرحام وباقي الخمسة المذكورة في الآية. وأما الشهادة فهي ما ظهر لنا حسا أو عقلا ببداهة العقل كالواحد نصف الأثنين وأن الجرم متحيز. قوله: (من البعث إلخ) بيان لما. وقوله:\r(و الجنة والنار) عطف عليه، أي ونحو ذلك مما قام لنا الدليل عليه، ويحتمل أن يبقى الغيب على مصدريته والباء متعلقة بمحذوف حال أي إيمانا ملتبسا بحالة الغيبة، ففيها بيان لحال المؤمنين الخالصين وتعريض لحال المنافقين، فإنهم كانوا يؤمنون ظاهرا فقط، فمدح اللّه من يؤمن في حال غيبته عن كل أحد كما يؤمن ظاهرا، ويحتمل أن المراد بالغيب القلب سمي بذلك لخفائه أي يؤمنون بحالة السر وهو الإيمان القلبي، فالمصدر باق على حاله وفيه رد على المنافقين أيضا حيث قالوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.\rقوله: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ إما مأخوذة من الصلاة اللغوية بمعنى الدعاء لأنها مشتملة عليه في الركوع والسجود وعليه فأصلها صلوة تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، وقيل من الوصلة لأنها وصلة بين العبد وبين ربه، وعليه فأصلها وصلة قلبت ألفا مكانيا فصار صلوة تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا. وقوله: يُقِيمُونَ من قومت العود عدلته. قوله: (أي يأتون بها بحقوقها) أي الظاهرية كالشروط والآداب والأركان، والباطنية كالخشوع والخضوع والإخلاص. قوله: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ فيه حذف نون من التبعيضية لفظا وخطا لإدغامها في ما الموصولة، ورزقنا صلة الموصول ونا فاعل والهاء مفعول أول وحذف المفعول الثاني فيصح تقديره متصلا أي رزقناهموه، أو منفصلا أي رزقناهم إياه على حد قول ابن مالك وصل أو افصل هاء سلنيه. قوله: (أعطيناكم) أشار بذلك إلى أن الرزق معناه الملك، وليس المراد به الرزق الحقيقي، إذ لا يتأتى تعديه لغيره وقدم الجار والمجرور للإهتمام. قوله: يُنْفِقُونَ إي إنفاقا واجبا كالزكاة والنفقة على الوالدين والعيال، أو مندوبا كالتوسعة على العيال ومواساة الأقارب والفقراء. قوله:\r(في طاعة اللّه) في تعليله أي من أجل طاعة اللّه لا رياء ولا سمعة، قال اللّه تعالى: (إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ).","part":1,"page":12},{"id":12,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 13\rقَبْلِكَ أى التوراة والإنجيل وغيرهما وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) يعلمون أُولئِكَ الموصوفون بما ذكر عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) الفائزون بالجنة الناجون من النار إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا كأبي جهل وأبي لهب ونحوهما سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا\r______________________________\rقوله: (وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) معطوف على الموصول الأول وهو نوع آخر للمتقين، فإنها أنزلت فيمن كان آمن بعيسى وأدرك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كعبد اللّه بن سلام وعمار بن ياسر وسلمان والنجاشي وغيرهم. وأما النوع الأول فهم مشركو العرب الذين لم يرسل لهم غيره صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت فيهم الآية الأولى. قوله: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ نزل المستقبل منزلة الماضي لتحقق الوقوع لأنه لم يكن تم نزوله. قوله: وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ أي فلم يفرقوا بين الأنبياء بحيث يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. قوله: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ قدم الجار والمجرور لإفادة الحصر وأتى بالجملة الأسمية لأنه أعلى من الإنفاق. قوله: (يعلمون) أي علما لا شك فيه ولا ريب، ولذا اتصف مولانا بالعلم ولم يتصف باليقين، وفيه رد على من أنكر الآخرة ممن لم يؤمن بمحمد.\rقوله: أُولئِكَ (الموصوفون بما ذكر) إنا قلنا إن قوله الذين يؤمنون الخ وصف للمتقين كان ما هنا مبتدأ وخبرا بيان لعاقبة المتقين وإن قلنا إنه مستأنف مبتدأ كان ما هنا خبره. قوله: عَلى هُدىً عبر بعلى إشارة إلى تمكنهم من الهدى كتمكن الراكب من المركوب. قوله: (الناجون من النار) أي ابتداء وانتهاء، وعطف الجملتين إشارة إلى تغايرهما وأن كلا غاية في الشرف، وأن الثانية مسببة على الأولى.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا جرت عادة اللّه سبحانه وتعالى في كتابه أنه إذا ذكر بشرى المؤمنين يذكر بلصقها وعيد الكافرين، فذكر حال الكافرين ظاهرا وباطنا، وثم ذكر حال الكافرين باطنا وهم المنافقون، وأنهم أسوأ حالا من الكافرين ظاهرا وباطنا، وإن حرف توكيد ونصب والذين كفروا اسمها وجملة لا يؤمنون خبرها، وجملة سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم معترضة بين اسم إن وخبرها، وإعرابها أن تقول على المشهور سواء اسم مصدر مبتدأ بمعنى مستو، وسوغ الإبتداء به تعلق الجار والمجرور به، وأ أنذرتهم أم لم تنذرهم مؤول بمفرد خبر تقديره مستو عليهم إنذارك وعدمه، وهو فعل مسبوك بلا سابك، إن قلت إن خبر المبتدأ إذا وقع جملة لا بدله من رابط. اجيب بأن الخبر عن المبتدأ في المعنى وهو يكفي في الربط، وأجيب أيضا بأن محل الإحتياج للرابط ما لم يؤول الخبر بمفرد وإلا فلا يحتاج للرابط، وقولهم لا بد للفعل من سابك اغلبي ويصح العكس، وهو أن الجملة مبتدأ مؤخر وسواء خبر مقدم.\rقوله: (و نحوهما) أي من كفار مكة الذين سبق علم اللّه بعدم ايمانهم، والحكمة في إخبار اللّه نبيه بذلك ليريح قلبه من تعلقه بإيمانهم فلا يشغل بهدايتهم ولا تأليفهم، ويحتمل أن ذلك إعلام من اللّه لنبيه بمن كفر من أول الزمان إلى آخره لأنه أطلعه على النار وعلى أعد لها من الكفار، والحكمة في عدم الدعاء منه عليهم مع علمه بأنه يستحيل إيمانهم أنه يرجو الإيمان من ذريتهم. قوله: (بتحقيق الهمزتين) أي مع مدة بينهما مدا طبيعيا وتركه فهما قراءتان. قوله: (و إبدال الثانية ألفا) أي مدا لازما وقدره ست حركات. وقوله:\r(و تسهيلها) أي بأن تكون بين الهمزة والهاء. وقوله: (و ادخال الف) الواء بمعنى مع، فحاصله أن القراءات خمس: قراءتان مع التحقيق وقراءتان مع التسهيل وقراءة مع الإبدال، وكلها سبعية على التحقيق، خلافا للبيضاوي حيث قال إن قراءة الإبدال لحن لوجهين: الأول أن الهمزة المتحركة لا تبدل","part":1,"page":13},{"id":13,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 14\rوتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) لعلم اللّه منهم ذلك فلا تطمع في إيمانهم، والإنذار إعلام مع تخويف خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ طبع عليها واستوثق فلا يدخلها خير وَعَلى سَمْعِهِمْ أي مواضعه فلا ينتفعون بما يسمعونه من الحق وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ غطاء فلا يبصرون الحق وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (7) قوي دائم. ونزل في المنافقين وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ أي يوم القيامة لأنه آخر الأيام وَما هُمْ\r______________________________\rالفا، والثاني أن فيه التقاء الساكنين على غير حده، رد عليه ملا علي قاري بأن القراءة متواترة عن رسول اللّه، ومن أنكرها كفر، فيستدل بها لا لها، وأما قوله أن الهمزة المتحركة لا تبدل الفا محله في القياسي، وأما السماعي فلا لحن فيه لأنه يقتصر فيه على السماع، وقوله فيه التقاء الساكنين على غيره حده تقول سهله طول المد والسماح، وأما قولهم كل ما وافق وجه النحو الخ، محله في قراءة الآحاد لا في المتواترة، وإلا فالتواتر نفسه حجة على غيره لا يحتج له. قوله: (إعلام مع تخويف) أي في وقت يسع التحرز من الأمر المخوف، وإلا فيسمى إخبارا بالعذاب.\rقوله: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ هذا وما بعده كالعلة والدليل لما قبله، والمراد بالقلوب العقول وهي اللطيفة الربانية القائمة بالشكل الصنوبري قيام العرض بالجوهر أو قيام حرارة النار بالفحم. قوله: (طبع عليها) هذا إشارة إلى المعنى الأصلي فأطلقه وأراد لازمه وهو عدم تغيير ما في قلوبهم بدليل قوله فلا يدخلها خير، وفي القلوب استعارة بالكناية، حيث شبه قلوب الكفار بمحل فيه شيء مختوم عليه وطوى ذكر المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو الختم فإثباته تخييل. قوله: (أي مواضعه) إنما قدر ذلك المضاف لأن السمع معنى من المعاني لا يصح اسناد الختم لها. وإفراده، إما لأنه مصدر لا يثنى ولا يجمع، أو لكون المسموع واحدا، وتم الوقف على قوله: وَعَلى سَمْعِهِمْ وقوله: وَعَلى أَبْصارِهِمْ خبر مقدم و: غِشاوَةٌ مبتدأ مؤخر جملة مستأنفة نظير قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ الآية، والمراد من الغشاوة عدم وصول النور المعنوى لهم. فأطلق اللازم وأراد الملزوم وخص الثلاثة لأنها طرق العلم باللّه. قوله: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ العذاب هو إيصال الآلام للحيوان على وجه الهوان.\rقوله: (قوي دائم) إنما فسره بذلك لأن الأصل في العظم أن يكون وصفا للأجسام فلذلك حول العبارة.\rقوله: (و نزل في المنافقين) أي في أحوالهم وهوانهم واستهزاء اللّه بهم وضرب الأمثال فيهم وعاقبة أمرهم، وجملة ذلك ثلاث عشرة آية آخرها (إن اللّه على كل شيء قدير) وأخرهم عن المؤمنين والكافرين ظاهرا أو باطنا إشارة إلى أنهم أسوأ حالا من الكفار.\rقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ يحتمل أن الجار والمجرور خبر مقدم، ومن اسم موصول أو نكرة موصوفة مبتدأ مؤخرة، وجملة يقول إما صلة أو صفة، والمعنى الذي يقول أو فريق يقول ما ذكر كائن من الناس ورد ذلك بأنه لا فائدة في ذلك الأخبار، والحق أن يقال إن من اسم بمعنى بعض مبتدأ أو جربها لأنها صورة الحرف أو صفة لمحذوف بمبتدأ تقديره فريق من الناس، وخبره قوله: (من يقول) الخ وعهده جعل الظرف مبتدأ حيث كان تمام الفائدة بما بعده كقوله تعالى: (وَ مِنَّا دُونَ ذلِكَ) وقوله تعالى: (وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ)، وأصل ناس إناس أتى بأل بدل الهمزة مشتق من التأنس لتأنس بعضهم ببعض، وتسمية الأنس به حقيقة، والجن مجاز وقيل مشتق من ناس إذا تحرك، وعليه فتسمية الجن به حقيقة أيضا والحق الأول، ولذا","part":1,"page":14},{"id":14,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 15\rبِمُؤْمِنِينَ (8) روعي فيه معنى من وفي ضمير يقول لفظها يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا باظهار خلاف ما أبطنوه من الكفر ليدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن وبال خداعهم راجع إليهم فيفتضحون في الدنيا بإطلاع اللّه نبيه على ما أبطنوه ويعاقبون في الآخرة وَما يَشْعُرُونَ (9) يعلمون أن خداعهم لأنفسهم والمخادعة هنا من واحد كعاقبت اللص وذكر اللّه فيها\r______________________________\rقيل لم يوجد منافق أو مشرك إلا في بني آدم فقط وكفر الجن بغير الإشراك والنفاق وهو جمع إنسان أو إنسي، والمراد من المنافقين هنا بعض سكان البوادي بعض أهل المدينة في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم وخير ما فسرته بالوارد، قال تعالى: (وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) الآية.\rقوله: وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ أعاد الجار لإفادة تأكد دعواهم الإيمان بكل ما جاء به رسول اللّه، فرد عليهم المولى بأبلغ رد بقوله: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ حيث أتى بالجملة الإسمية وزاد الجار في الخبر. قوله:\r(لأنه آخر الأيام) علة لتسميته اليوم الآخر، والمراد بالأيام الأوقات، وهل المراد الأوقات المحدودة وهو بناء على أن أوله النفخة وآخره الإستقرار في الدارين أو الأوقات الغير المحدودة بناء على أنه لا نهاية له. قوله:\rوَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ جملة اسمية تفيد الدوام والإستمرار، أي لم يتصفوا بالإيمان في حال من الأحوال، لا في الماضي ولا في الحال ولا في الإستقبال.\rقوله: يُخادِعُونَ اللَّهَ هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره ما الحامل لهم عن إظهار الإيمان وإخفاء الكفر، وحقيقة المخادعة أن يظهر لصاحبه أنه موافق ومساعد له على مراده، والواقع أنه ساع في إبطال مراده، فاظهار خلاف ما يبطن إن كان في الدين سمي نفاقا وخديعة ومكرا، وإن كان في الدنيا بأن يصانع أهل الدنيا لأجل حماية الدين ووقايته تسمى مداراة وهي ممدوحة. قوله: (من الكفر) بيان لما أبطنوه.\rقوله: (ليدفعوا) علة للإظهار. قوله: (أحكامه) أي الكفر. وقوله: (الدنيوية) أي الكائنة في الدنيا وذلك كالقتل والسبي والجزية والذل، ولو قصدوا دفع أحكامه الأخروية من الخلود في النار وغضب الجبار لأخلصوا في إيمانهم. قوله: (لأن وبال خداعهم) أي عذابه وعاقبة أمره. قوله: (راجع إليهم) قال تعالى:\r(وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ). قوله: (فيفتضحون) تفريع على قوله: (لأن وبال خداعهم إلخ) قوله: (بإطلاع اللّه نبيه) أي وأمره بإخراجهم من المسجد ونزل فيهم: (و لا تصل على أحد منهم) الآيات.\rقوله: (و يعاقبون في الآخرة) أي العذاب الدائم المؤيد في الدرك الأسفل. قوله: (يعلمون) سمى العلم شعورا لأنه يكون بأحد المشاعر الخمس وهي: الشم والذوق واللمس والسمع والبصر. قوله: (و المخادعة هنا من واحد) أي فليست على بابها وهو جواب عن سؤال تقديره إن المفاعلة تكون من الجانبين، وفعل اللّه لا يقال فيه مخادعة، فأجاب بما ذكر، وقد ورد سؤال آخر حاصله أن الخداع لا يكون إلا لمن تخفى عليه الأمور، فما معنى إسناد المخادعة إلى اللّه أجيب بأن في الكلام استعارة تمثيلية، حيث شبه حالهم مع ربهم في إيمانهم ظاهرا لا باطنا بحال رعية تخادع سلطانها واستعير اسم المشبه به للمشبه، أو مجاز عقلي، أي يخادعون رسول اللّه من اسناد الشيء إلى غير من هو له أو مجاز بالحذف، أو في الكلام تورية وهي أن يكون للكلام معنى قريب وبعيد، فيطلق القريب ويراد البعيد وهو مطلق الخروج عن الطاعة باطنا، وإن كان العامل لا تخفى عليه خافية، وأشار المفسر لذلك كله بقوله: (و ذكر اللّه فيها تحسين) أي","part":1,"page":15},{"id":15,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 16\rتحسين وفي قراءة وما يخدعون فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك ونفاق فهو يمرض قلوبهم أي يضعفها فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً بما أنزله من القرآن لكفرهم به وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (10) بالتشديد أي نبي اللّه وبالتخفيف أي في قولهم آمنا وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أي لهؤلاء لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالكفر والتعويق عن الإيمان قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) وليس ما نحن فيه بفساد قال اللّه تعالى ردا عليهم أَلا للتنبيه إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12) بذلك\r______________________________\rبذكر المجاز لأنه أبلغ من الحقيقة.\rقوله: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يطلق على الحسي وهو الحرقة، وعلى المعنوي وهو الشك والنفاق، ولا شك أن في قلوبهم المرضين والمعنوي سبب في الحسي، فقوله: (شك ونفاق) إشارة للمرض المعنوي، وقوله: (فهو يمرض قلوبهم) بيان لما يتسبب عنه، وهو إشارة للحسي، وهي في محل التعليل لما قبلها قوله: (بما أنزله من القرآن) أشار بذلك إلى أن نزول القرآن يزيد الكافر والمنافق مرضا بمعنى كفرا وشكا فينشأ عنه المرض الحسي، كما يزيد المؤمن إيمانا فينشأ عنه البهجة والسرور، قال تعالى: (وَ إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً) الآيات. ويحتمل أن المراد بما أنزله أي في حقهم من فضيحتهم خصوصا بسورة التوبة فإنها تسمى الفاضحة. قوله: (مؤلم) يقرأ اسم مفعول أي العذاب يتألم من شدته فكأنه لشدته كأن الألم قائم به وهو أبلغ، ويصح قراءته اسم فاعل ولا بلاغة فيه. قوله: (أي نبي اللّه) إشارة إلى المفعول، وقوله: (أي في قولهم) إشارة إلى المتعلق على القراءة الثانية.\rقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ شروع في ذكر قبائحهم وأحوالهم الشنيعة، وفي الحقيقة هو تفصيل للمخادعة الحاصلة منهم، وهذه الجملة يحتمل أنها استئنافية، ويحتمل أنها معطوفة على يكذبون أو على صلة من وهي يقول التقدير من صفاتهم أنهم يقولون آمنا إلخ، ومن صفاتهم أنهم إِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ إلخ، وأصل قيل قول استثقلت الكسرة على الواو فنقلت إلى ما قبلها بعد سلب حركتها ثم وقعت الواو ساكنة بعد كسرة قلبت ياء، وفاعل القول قيل اللّه سبحانه وتعالى وقيل النبي والصحابة ومقول القول جملة (لا تفسدوا في الأرض) في محل نصب وهي نائب الفاعل باعتبار لفظها.\rقوله: (بالكفر) الباء سببية بيان لسبب الإفساد، وقوله: (و التعويق عن الإيمان) معطوف عليه أي تعويق الغير عن الإيمان وصدهم عنه. قوله: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أي ليس شأننا الإفساد أبدا، بل نحن محصورون للإصلاح ولا نخرج عنه إلى غيره فهو في حصر المبتدأ في الخبر، وأكدوا ذلك بإنما المفيدة الحصر، وبالجملة الإسمية المفيدة الدوام والإستمرار، فرد عليهم سبحانه وتعالى بجملة مؤكدة بأربع تأكيدات إلا التي للتنبيه وإن وضمير الفصل وتعريف الخبر. قوله: (للتنبيه) وتأتي أيضا للإستفتاح وللعرض والتحضيض، وفي الحقيقة الإستفتاح والتنبيه شيء واحد، وتدخل إذا كانت لهما على الجملة الإسمية والفعلية، وأما إذا كانت للعرض والتحضيض، فإنها تختص بالأفعال وهي بسيطة على التحقيق لا مركبة من همزة الإستفهام ولا النافية. قوله: وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (بذلك) أي ليس عندهم شعور بالإفساد لطمس بصيرتهم، وعبر بالشعور دون العلم، إشارة إلى أنهم لم يصلوا إلى رتبة البهائم تمتنع من المضار فلا تقربها لشعورها بخلاف هؤلاء.","part":1,"page":16},{"id":16,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 17\rوَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ أصحاب النبي قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ الجهال أي لا نفعل كفعلهم. قال تعالى ردا عليهم أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13) ذلك وَإِذا لَقُوا أصله لقيوا حذفت الضمة للإستثقال ثم الياء لإلتقائها ساكنة مع الواو الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا منهم رجعوا إِلى شَياطِينِهِمْ رؤسائهم قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ في الدين إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (14) بهم بإظهار الإيمان اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ يجازيهم باستهزائهم وَيَمُدُّهُمْ يمهلهم فِي طُغْيانِهِمْ يتجاوزهم الحد بالكفر يَعْمَهُونَ (15) يترددون تحيرا. حال أُولئِكَ\r______________________________\rقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ مقول القول قوله: آمَنُوا وهو نائب الفاعل وفاعل القول قيل اللّه وقيل النبي وأصحابه كما تقدم. قوله: (أصحاب النبي) أشار بذلك إلى أن أل في الناس للعهد العلمي الخارجي ويحتمل أن تكون أل للكمال أي الناس الكاملون. قوله: قالُوا أي فيما بينهم وإلا فلو قالوا ذلك جهارا لظهر كفرهم وقتلوا. قوله: (الجهال) أي بناء على أن السفه ما قابل العلم، ويصح أن المراد به نقص العقل بناء على أنه ما قابل الحلم، فإن الصحابة أنفقوا أموالهم في سبيل اللّه حتى افتقروا وتحملوا المشاق فسموهم سفهاء لذلك. قوله: (ردا عليهم) أي بجملة مؤكدة بأربع تأكيدات كالأولى.\rقوله: وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (ذلك) أي السفه أو علم النبي بسفههم، وعبر هنا بالعلم إشارة إلى أن السفه معقول بخلاف الفساد فإنه مشاهد، فلذلك عبر هنا بالعلم وهناك بالشعور.\rقوله: وَإِذا لَقُوا سبب نزول الآية، أن أبا بكر وعمر وعليا توجهوا لعبد اللّه بن أبي بن سلول لعنه اللّه فقال له أبو بكر هلم أنت وأصحابك وأخلص معنا، فقال له مرحبا بالشيخ والصديق ولعمر مرحبا بالفاروق القوي في دينه، ولعلي مرحبا بابن عم النبي، فقال له علي: أتق اللّه ولا تنافق، فقال ما قلت ذلك إلا لكون إيماني كإيمانكم، فلما توجهوا قال لجماعته: إذا لقوكم فقولوا مثل ما قلت فقالوا: لم نزل بخير ما عشت فينا، وإذا ظرف منصوب بقالوا. قوله: (أصله لقيوا) أي على وزن شربوا. قوله:\r(حذفت الضمة) لم يكمل التصريف وتمامه ثم ضمت القاف للمناسبة. قوله: (منهم) أشار بذلك إلى أن متعلق خلا محذوف، وقوله: إِلى شَياطِينِهِمْ متعلق بمحذوف أيضا قدره المفسر بقوله: (و رجعوا) ويحتمل كما قال البيضاوي إن خلا بمعنى الفرد، وإلى بمعنى مع، أي انفردوا مع شياطينهم ولا حذف فيه، وأصل خلوا خلووا بواوين الأولى لام الكلمة والثانية علامة الإعراب قلبت لام الكلمة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فبقيت ساكنة، وبعدها واو الضمير ساكنة فحذفت لالتقاء الساكنين وبقيت الفتحة دالة عليها. قوله: (رؤسائهم) إنما سموا شياطين لأن كل رئيس منهم معه شيطان يوسوس له ويعلمه المكر، وقيل لأنهم كالشياطين في الإغواء ورؤساؤهم في ذلك الوقت خمسة: كعب بن الأشرف في المدينة، وعبد الدار في جهينة، وأبو بردة في بني أسلم وعوف بن عامر في بني أسد، وعبد اللّه بن الأسود في الشام، قوله:\r(يجازيهم باستهزائهم) إنما سمى المجازاة استهزاء من باب المشاكلة، والإستهزاء الإستخفاف بالشيء.\rقوله: (يمهلهم) أتى بذلك دفعا لما يتوهم من أن المجازاة واقعة حالا، وحكمة الإمهال مذكورة في قوله تعالى: (إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً) إلى غير ذلك من الآيات. قوله: (بالكفر) الباء سببية أي تجاوزهم الغاية بسبب الكفر. قوله: (حال) أي جملة يعهمون وهي إما حال من الهاء في يمدهم أو من الهاء في طغيانهم،","part":1,"page":17},{"id":17,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 18\rالَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى أي استبدلوها به فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ أي ما ربحوا فيها بل خسروا لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (16) فيما فعلوا مَثَلُهُمْ صفتهم في نفاقهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ أوقد ناراً في ظلمة فَلَمَّا أَضاءَتْ أنارت ما حَوْلَهُ فأبصر واستدفأ وأمن مما يخافه ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ أطفأه وجمع الضمير مراعاة لمعنى الذي\r______________________________\rوالمراد بالعمه عدم معرفة الحق من الباطل، فمنهم من يظهر له وجه الحق ويكفر عنادا، ومنهم من يشك في الحق ويقال له عمى أيضا، فبين العمه والعمى عموم وخصوص مطلق يجمعان في طمس القلب وينفرد العمى بفقد البصر. قوله: (تحيرا) إما مفعول لأجله أو تمييز. قوله: (استبدلوها به) أشار بذلك إلى أن المراد بالشراء مطلق الإستبدال، والباء داخلة على الثمن، والمراد بالضلالة الكفر وبالهدى الإيمان وكلامه يقتضي أن الهدى كان موجودا عندهم ثم دفعوه وأخذوا الضلالة، وهو كذلك لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يهودانه أبواه» الحديث، ولأنهم في العهد يوم (أَلست بربكم) أجابوا بالإيمان جميعا. قوله:\r(أي ما ربحوا فيها) أشار بذلك إلى أن إسناد الربح للتجارة مجاز عقلي وحقه أن يسند للتجر. قوله: (بل خسروا) أي الربح ورأس المال جميعا خسرانا دائما فقوله: (لمصيرهم) علة له. فمثلهم كمثل من عنده كنز عظم ينفع في الدنيا والآخرة استبدله بالنار لأن الضلالة سبب للنار.\rقوله: مَثَلُهُمْ لما بين قبائحهم وعاقبة أمرهم شرع يضرب أمثالهم ويبين فيه وصفهم وما هم عليه. قوله: (صفتهم) أشار بذلك إلى أن المثل بالتحريك هنا معناه الصفة، وليس المراد به المثل السائر وهو كلام شبه مضربه بمورده لغرابته كقولهم الصيف ضيعت اللبن. وقوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً) الآية، وإنما فسره بالصفة ولم يفسره بالمثل بمعنى الشبه، لئلا يلزم عليه زيادة الكاف، والأصل عدم الزيادة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مثل التقدير صفتهم كائنة مثل صفة (الذي استوقد نارا)، ويصح في هذه الكاف أن تكون اسما وهي نفسها هي الخبر، وإنما جربها لأنها على صورة الحرف وأن تكون حرفا متعلقة بمحذوف وعلى كل معناها مثل. قوله: اسْتَوْقَدَ راعى في الإفراد لفظ الذي. وفي قوله:\rذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ معناه. قوله: (أوقد) أشار بذلك إلى أن السين والتاء زائدتان لا للطلب، لأنه لا يلزم من الطلب الإيقاد بالفعل. قوله: (في ظلمة) أي شديدة وهي ظلمة الليل والسحاب والريح مع المطر.\rقوله: فَلَمَّا أَضاءَتْ الإضاءة النور القوي. قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً) فقوله: (أنارت) أي نورا قويا والفاء للترتيب والتعقيب لأن الإضاءة تعقب الإيقاد. قوله: ما حَوْلَهُ يحتمل أن ما نكرة موصوفة وحوله صفة والضمير عائد على الموقد للنار، وفاعل أضاءت ضمير يعود على النار، ويحتمل أن ما اسم موصول وحوله صلة وهو صفة لموصوف محذوف تقديره المكان الذي حوله.\rقوله: (و استدفأ) أي امتنع عنه ألم البرد. قوله: (و أمن مما يخافه) أي من عدو وسباع وحيات وغير ذلك مما يضر، وحينئذ فقد تم له النفع بالنار. قوله: بِنُورِهِمْ الضمير عائد على ما تقدم ضمنا في قوله: (فلما أضاءت) إذ المعنى أنارت على حد (اعدلوا هو أقرب للتقوى) ولم يقل بضوئهم إشارة إلى انعدام النور بالكلية، بخلاف ما لو عبر بالضوء لأنه لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، والباء للتعدية كالهمزة فلذلك دخلت على المفعول، ولا تستلزم الباء المصاحبة كالهمزة فذهبت يزيد مثل أذهبت زيدا خلافا للمبرد حيث","part":1,"page":18},{"id":18,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 19\rوَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (17) ما حولهم متحيرين عن الطريق خائفين فكذلك هؤلاء أمنوا بإظهار كلمة الإيمان فإذا ماتوا جاءهم الخوف والعذاب هم صُمٌ عن الحق فلا يسمعونه سماع قبول بُكْمٌ خرس عن الخير فلا يقولونه عُمْيٌ عن طريق الهدى فلا يرونه فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) عن الضلالة أَوْ مثلهم كَصَيِّبٍ أي كأصحاب مطر وأصله صيوب من صاب يصوب أي ينزل مِنَ السَّماءِ السحاب فِيهِ أي السحاب ظُلُماتٌ متكاثفة وَرَعْدٌ هو الملك الموكل به وقيل صوته وَبَرْقٌ لمعان سوطه الذي يزجره به يَجْعَلُونَ أي أصحاب الصيب أَصابِعَهُمْ أي أناملهم فِي آذانِهِمْ مِنَ أجل الصَّواعِقِ شدة صوت الرعد لئلا يسمعوها حَذَرَ خوف الْمَوْتِ من سماعها، كذلك هؤلاء إذا نزل القرآن وفيه ذكر الكفر المشبه بالظلمات والوعيد عليه المشبه بالرعد والحجج البينة المشبهة بالبرق يسدون آذانهم لئلا\r______________________________\rجعلها تفيد المصاحبة، ورد بهذه الآية لإستحالة المصاحبة فيها.\rقوله: وَتَرَكَهُمْ عطف على ذهب. قوله: فِي ظُلُماتٍ أي ثلاث: ظلمة الليل والسحاب والريح مع المطر. قوله: (ما حولهم) هذا هو مفعول يبصرون. وقوله: (متحيرين) حال من الضمير في تركهم. قوله: (فكذلك) أشار بذلك إلى حال المشبه وهم المنافقون. وقوله: (أمنوا) بالقصر ضد الخوف، أي حيث أسلموا بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم، فقد أمنوا من القتل والسبي وانتفعوا بأخذ الغنائم والزكاة، فإذا ماتوا فقد ذهب اللّه بنورهم فلم يأمنوا من النار ولم ينتفعوا بالجنة، وتركهم في ظلمات ثلاث:\rظلمة الكفر، والنفاق والقبر، والجامع بينهما أن الإنتفاع ودفع المضار في كل شيء قليل ثم يذهب.\rقوله: صُمٌ خبر لمحذوف قدره المفسر بقوله هم. قوله: فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أي لفقد هذه الإدراكات الثلاثة من قلوبهم.\rقوله: أَوْ (مثلهم) يصح أن تكون أو للتنويع أو للإبهام أو الشك أو الإباحة أو التخيير أو الإضراب أو بمعنى الواو وأحسنها الأول. قوله: (أي كأصحاب مطر) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، والمثل هنا بمعنى الصفة كما تقدم. قوله: (و أصله صيوب) أي اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء. قوله: (السحاب) أشار بذلك إلى أن المراد بالسماء السماء اللغوية وهي كل ما ارتفع، وأصل سماء سماو وقعت الواو متطرفة فقلبت همزة.\rقوله: (أي السحاب) المناسب عود الضمير على الصيب. قوله: ظُلُماتٌ أي ظلمة الريح والسحاب والليل. قوله: (هو الملك) أي وعليه قوله تعالى: (وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ). قوله: (و قيل صوته) أي فقوله تعالى يسبح الرعد أي ذو الرعد. قوله: (لمعان صوته) أي الآلة التي يسوق بها وهي من نار. قوله:\r(أي أصحاب الصيب) أي فهو بيان للواو في يجعلون. قوله: (أي أناملها أشار بذلك إلى أن في الأصابع مجازا من باب تسمية الجزء باسم الكل مبالغة في شدة الحرص في إدخال رأس الأصبع فكأنه مدخل لها كلها. قوله: (شدة صوت الرعد) الإضافة بيانية إن كان المراد بالرعد صوت الملك، وحقيقته إن كان المراد به ذاته. قوله: (كذلك هؤلاء) أي المنافقون. قوله: (علما وقدرة) تمييزان محولان عن الفاعل، والإحاطة الإحتواء على الشيء كاحتواء الظرف على المظروف، وهي محالة في حقه تعالى، فأشار المفسر إلى دفع ذلك بقوله: علما وقدرة أي فالمراد الإحاطة المعنوية، وهي كونهم مقهورين، فلا يتأتى منهم فوات ولا","part":1,"page":19},{"id":19,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 20\rيسمعوه فيميلوا إلى الإيمان وترك دينهم وهو عندهم موت وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) علما وقدرة فلا يفوتونه يَكادُ يقرب الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ يأخذها بسرعة كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ أي في ضوئه وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وقفوا تمثيل لإزعاج ما في القرآن من الحجب قلوبهم وتصديقهم لما سمعوا قيه مما يحبون ووقوفهم عما يكرهون وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ بمعنى أسماعهم وَأَبْصارِهِمْ الظاهرة كما ذهب بالباطنة إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شاءه قَدِيرٌ (20) ومنه\r______________________________\rإفلات، قال تعالى: (وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً).\rقوله: يَكادُ الْبَرْقُ هذا من تمام المثل، وأما قوله: وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ فجملة معترضة بين أجزاء المشبه به جيء بها تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وأصل يكاد يكود بفتح الواو نقلت فتحة الواو إلى الساكن قبلها فتحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، وأصل ماضيها كود بكسر الواو تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، وهذا التصريف في الناقصة، وأما التامة ففعلها يائي وهي بمعنى المكر، قال تعالى: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً) وأصل مضارعها يكيد بسكون الكاف وكسر الياء نقلت كسرة الياء إلى الكاف فصحت الياء. قوله: يَخْطَفُ بفتح الطاء مضارع خطف بفتح الطاء وكسرها. قوله: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ كل بحسب ما تضاف إليه وما نكرة بمعنى وقت، فكل ظرفية والعامل فيها مشوا وفاعل أضاء يعود على البرق، وأضاء يحتمل أن يكون متعديا، والمفعول محذوف التقدير كل وقت أضاء لهم البرق طريقا مَشَوْا فِيهِ فالضمير في فيه عائد على الطريق، ويحتمل أن يكون لازما، والضمير عائد على الضوء. قوله: (تمثيل) أي من باب تمثيل الجزئيات بالجزئيات فقوله من الحجج أي المشبهة بالرعد والبرق الخاطف، وقوله:\r(و تصديقهم لما سمعوا فيه ما يحبون) أي من الآيات الموافقة لطبعهم كالقسم لهم من الغنائم وعدم التعرض لهم وأموالهم، وأشار بذلك بقوله: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ، فكذلك هؤلاء، وقوله:\r(و وقوفهم عما يكرهون) أي من التكاليف كالصلاة والصوم والحج والحكم عليهم، قالت تعالى: (وَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) وأشار إلى ذلك بقوله: وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا. قوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ يحتمل أن هذا من تعليقات المشبه به الذي هو أصحاب الصيب، التقدير لو لا مشيئة اللّه سبقت لخطف البرق أبصارهم ولأذهب الرعد أسماعهم، فإن ما ذكر سبب عادي لإذهاب السمع والبصر، ولكن قد يوجد السبب ولا يوجد المسبب لتخلف المشيئة، والمقصود من ذلك زيادة القوة في المشبه به ويلزم منه القوة في المشبه، وهذا ما عليه أبو حيان والبيضاوي، ويحتمل أنه من تعلقات المشبه وهم المنافقون، وعليه المفسر حيث أشار لذلك بقوله كما ذهب بالباطنة. قوله: (بمعنى أسماعهم) أشار بذلك إلى أن السمع بمعنى الإسماع. قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ هذا دليل لما قبله. قوله: (شاءه) دفع بذلك ما يقال إن الشيء هو الموجود ومن ذلك ذات اللّه وصفاته وكل للإستغراق، فيقتضي أن القدرة تتعلق بالواجبات فدفع ذلك بقوله شاءه أي أراده، والإرادة لا تتعلق إلا بالممكن، فكذا القدرة فخرجت ذات اللّه وصفاته فلا تتعلق بهما القدرة إلا لزم، إما تحصيل الحاصل أو قلب الحقائق. قوله: قَدِيرٌ من القدر وهو صفة أزلية قائمة بذاته تعالى تتعلق بالممكنات إيجادا أو إعداما على وفق الإرادة والعلم. قوله: (و منه إذهاب ما ذكره) أي من جملة الشيء الذي شاءه، وقوله ما ذكره أي السمع والبصر.","part":1,"page":20},{"id":20,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 21\rإذهاب ما ذكر يا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة اعْبُدُوا وحدوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ أنشأكم ولم تكونوا شيئا وَخلق الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) بعبادته عقابه، ولعل في الأصل للترجي وفي كلامه تعالى للتحقيق الَّذِي جَعَلَ خلق لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً حال، بساطا يفترش لا غاية في الصلابة أو الليونة فلا يمكن الإستقرار عليها وَالسَّماءَ بِناءً سقفا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ من أنواع مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ تأكلونه وتعلفون به دوابكم فَلا تَجْعَلُوا\r______________________________\rقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ لم يناد في القرآن إلا بيا سواء كان النداء من اللّه لعباده أو منهم للّه وهي لنداء البعيد، ولما كان اللّه لا يشبه شيئا من الحوادث وهو منزه عنهم ذاتا وصفات وأفعالا نودي بيا تنزيلا للبعد المعنوي منزلة البعد الحسي، ولما كان البعد قائما بالحوادث للحجب الموجودة بينهم وبين اللّه سبحانه وتعالى ناداهم بيا أيضا، ويا حرف نداء وأي منادي مبنى على الضم، والناس نعت لأي باعتبار اللفظ وهو مرفوع بضمة ظاهرة، واستشكل ذلك بأن العامل إنما طلب النصب لا البناء على الضم وإنما هو اصطلاح للنحاة، فما وجه رفع الناس مع أن القاعدة أن النعت تابع للمنعوت في الإعراب، وهذا إشكال قديم لا جواب له، واعلم أن النداء على سبعة أقسام: نداء تنبيه مع مدح كيا أيها النبي أو مع ذم كيا أيها الذين هادوا، أو تنبيه كيا أيها الإنسان، أو إضافة كيا عبادي، أو نسبة كيا نساء النبي، أو تسمية كيا داود، أو تخصيص كيا أهل الكتاب. قوله: (أي أهل مكة) يصح رفع أهل نظرا للفظ الناس، ونصبه نظرا لمحل أي، لأن لما بعد أي في الإعراب حكم ما فسرته. قوله: (وحدوا) هذا تفسير للعبادة، والمفسر قد تبع في تفسير الناس بأهل مكة والعبادة بالتوحيد ابن عباس، وقال جمهور المفسرين إن المراد بالناس جمع المكلفين، وبالعبادة جميع أنواعها أصولا وفروعا وهو أشمل، واستدل المفسر بقاعدة أن ما قيل في القرآن بيا أيها الناس كان خطابا لأهل مكة، ويا أيها الذين آمنوا كان خطابا لأهل المدينة، وهي قاعدة أغلبية فإن السورة مدنية.\rقوله: الَّذِي خَلَقَكُمْ صفة لرب وتعليق الحكم بمشتق يؤذن بالعلية أي اعبدوه لخلقه إياكم فإنه هو الذي يعبد لا غيره. قوله: (عقابه) إشارة إلى مفعول تتقون. قوله: (و لعل في الأصل للترجي) أي أصل اللغة والترجي هو توقع الأمر المحبوب على سبيل الظن. قوله: (و في كلامه تعالى للتحقيق) أي ومثلها عسى كما قال سيبويه، ودفع بذلك ما يتوهم من معنى كون المولى سبحانه وتعالى جاهلا بالأمور المستقبلة، وأتى به على صورة الترجي بالنسبة لحال المخاطبين لا لخبر اللّه فإنه من قبيل الوعد وهو لا يتخلف. قوله: (خلق) أي فتنصب مفعولا واحدا وهو الأرض،\rوقوله: فِراشاً حال كما قال المفسر ويحتمل أنها على بابها بمعنى صير فيكون فراشا مفعولا ثانيا، والمراد على الثاني التصيير من عدم. قوله: (فلا يمكن الإستقرار عليها) مفرع على المنفي بشقيه. قوله: (سقفا) أي وقد صرح به في آية (و جعلنا السماء سقفا محفوظا). قوله: مِنَ السَّماءِ أي اللغوية وهي ما علا وارتفع، والمراد بالسحاب. قوله: ماءً هو من الجنة فينزل بمقدار على السحاب وهو كالغربال ثم يساق حيث شاء اللّه على مختار أهل السنة، وقالت المعتزلة: إن السحاب له خراطيم كالإبل فينزل يشرب من البحر المالح بمقدار ويرتفع في الجو فتنسفه الرياح فيحلو ثم يساق حيث شاء اللّه. قوله: الثَّمَراتِ أي المأكولات لجميع الحيوانات بدليل قول المفسر وتعلفون به دوابكم، والمراد بها على وجه الأرض غير الآدمي.","part":1,"page":21},{"id":21,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 22\rلِلَّهِ أَنْداداً شركاء في العبادة وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) أنه الخالق ولا يخلقون ولا يكون إلها إلا من يخلق وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ شك مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا محمد من القرآن أنه من عند اللّه فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ أي المنزل ومن للبيان أي هي مثله في البلاغة وحسن النظم والأخبار عن الغيب\r______________________________\rقوله: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لا ناهية والفعل مجزوم بحذف النون والواو فاعل، وأندادا مفعول أول مؤخر، وللّه جار ومجرور متعلق بمحذوف مفعول ثاني مقدم واجب التقديم لأن المفعول الأول في الأصل نكرة ولم يوجد له مسوغ إلا تقديم الجار والمجرور، ومعنى تجعلوا تصيروا أو تسموا، وعلى كل فهي متعدية لمفعولين والفاء سببية، والأنداد جمع ند معناه المقاوم المضاهي سواء كان مثلا أو ضدا أو خلافا.\rقوله: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال، وقوله: (أنه الخالق) بفتح الهمزة في تأويل مصدر سدت مسد مفعولي تعلمون أن تعلمونه خالقا. قوله: (و لا يكون إلها إلا من يخلق) هذا هو تمام الدليل، قال تعالى: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ).\rقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ استشكلت هذه الآية بوجوه ثلاثة، الأول: أن إن تقلب المضي إلى الإستقبال ولو كان الفعل كان خلافا للمبرد القائل بأنها لا تقبله إذا كان الفعل كان واحتج بهذه الآية فيقتضي أن الريب مستقبل وليس حاصلا الآن مع أنه حاصل أجيب عنه بأن الإستقبال بالنسبة للدوام والمعنى إن دمتم على الريب. الوجه الثاني:\rأن إن للشك فيفيد أن ريبهم مشكوك فيه مع أنه محقق أجيب بأنه أتى بأن إشارة للائق أي اللائق والمناسب أن لا يكون عندكم ريب. الوجه الثالث: أن قوله وإن كنتم في ريب أي شك في أنه من عند اللّه أو من عند محمد فليس عندهم جزم بأنه من عند محمد، وقوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يفيد أن عندهم جزما بأنه من عند محمد فبين أول الآية وآخرها تناف أجيب بأنه أشار في أول الآية إلى عقيدتهم الباطنة وفي آخرها إلى عنادهم لإظهار الإغاظة له صلّى اللّه عليه وسلّم، فلا يخلو حالهم الباطني، إما أن يكون عندهم شك في أنه من عند اللّه أو تحقيق بأنه من عند اللّه، وإنما إظهارهم الجزم بأنه ليس من عند اللّه عناد. قوله: (شك) جعل الشك ظرفا لهم إلى أنه تمكن منهم تمكن الظرف من المظروف.\rقوله: مِمَّا نَزَّلْنا من حرف جر واسم موصول أو نكرة موصوفة، والعائد محذوف، والجملة صلة أو صفة، والجار والمجرور صلة لريب التقدير في ريب كائن من الذي نزلناه أو في ريب كائن من كلام نزلناه. قوله: عَلى عَبْدِنا الإضافة للتشريف وقرىء على عبادنا فعلى هذه القراءة المراد بالجمع محمد وأمته لأن المكذب لمحمد مكذب لأمته. (من القرآن) بيان لما. قوله: (أنه من عند اللّه) الكلام على حذف الجار أي بأنه.\rقوله: فَأْتُوا أصله ائتيوا بهمزتين الأولى للوصل والثانية فاء الكلمة وقعت الثانية ساكنة بعد كسرة قلبت ياء واستثقلت الضمة على الياء التي هي لام الكلمة فحذفت الياء لالتقاء الساكنين وضمت التاء للتجانس، وفي الدرج تحذف همزة الوصل وتعود الهمزة التي قلبت ياء كما هنا، فأتوا على وزن فافعوا. قوله: (أي المنزل) أي وهو القرآن ويشهد لهذا التفسير ما في سورة يونس (قل فأتوا بسورة مثله)، ويحتمل أن الضمير عائد على عبدنا الذي هو محمد أي فائتوا بسورة من رجل مثل محمد في كونه أميا بشرا عربيا فإنكم مثله وحيث كان كذلك فلا بعد في مناظرته. قوله: (و من للبيان) ويحتمل أن تكون للتبعيض","part":1,"page":22},{"id":22,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 23\rوالسورة قطعة لها أول وآخر أقلها ثلاث آيات وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ آلهتكم التي تعبدونها مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره لتعينكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (23) في أن محمدا قاله من عند نفسه فافعلوا ذلك فإنكم عربيون فصحاء مثله ولما عجزوا عن ذلك قال تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ما ذكر لعجزكم وَلَنْ تَفْعَلُوا ذلك أبدا لظهور إعجازه اعتراض فَاتَّقُوا بالإيمان باللّه وأنه ليس من كلام البشر النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ الكفار وَالْحِجارَةُ كأصنامهم منها يعني أنها مفرطة الحرارة تتقد بما ذكر لا كنار الدنيا تتقد بالحطب ونحوه أُعِدَّتْ هيئت لِلْكافِرِينَ (24) يعذبون بها جملة\r______________________________\rوالأول أقرب. قوله: (في البلاغة) هذا بيان لوجه المماثلة. قوله: (أقلها ثلاث آيات) ليس من تمام التعريف بل هو بيان للواقع فإن أقصر سورة ثلاث آيات ولو فرض أنها آيتان لعجزوا أيضا. قوله:\r(آلهتكم) إنما سموا شهداء لزعمهم أنه يشهدون لهم يوم القيامة. قوله: (أي غيره) أشار بذلك إلى أن دون بمعنى غيره، والمعنى ادعوا شهداءكم الذين اتخذتموهم من دون اللّه أولياء أو آلهة وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة، فقوله من دون اللّه وصف لشهداء أو حال منه وهو على زيادة من إذ تقديره شهداءكم التي هي غير اللّه أو حال كونها مغايرة للّه، وقوله لتعينكم علة لقوله ادعوا. قوله: (فافعلوا) إشارة إلى جواب الشرط الثاني، وأما جواب الأول فهو مذكور بقوله فأتوا هكذا، قال المفسر ولكن سيأتي له في قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ) الآية، وللمحلي في تفسير قوله تعالى: (قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا) الآية أنه إذا اجتمع شرطان وتوسط بينهما جواب كان للأخير والأول قيد فيه ولا يحتاج لجواب ثان، والتقدير في الآية إن كنتم صادقين في دعواكم أنه من عند محمد ودمتم على الريب فائتوا بسورة من مثله وهو أولى لعدم التقدير. قوله: (فإنكم عربيون) علة لقوله فافعلوا.\rقوله: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا إن حرف شرط ولم حرف نفي وجزم وقلب وتفعلوا مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف النون، والجملة من الجازم والمجزوم في محل جزم فعل الشرط، وقوله فاتقوا جواب الشرط وقرن بالفاء لأنه فعل طلبي. قوله: (أبدا) أخذ التأبيد من قرينة خارجية لا من لن خلافا للزمخشري.\rقوله: (اعتراض) أي جملة معترضة بين فعل الشرط وجوابه قصد بها تأكيد العجز وليس معطوفا على جملة (لم تفعلوا). قوله: (و أنه) بفتح الهمزة على حذف الجار أي وبأنه. قوله: الَّتِي وَقُودُهَا بفتح الواو:\rما توقد به، وأما بالضم فهو الفعل وقيل بالعكس على حد ما قيل في الوضوء والطهوز والسحور. قوله:\r(كأصنامهم منها) إنما خص الأصنام بكونها من الحجارة مسايرة للآية وإلا فالأصنام مطلقا تدخل النار، قال تعالى: (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) ويستثنى من ذلك عيسى والعزيز وكل معبود من الصالحين، وإنما دخلت الأصنام النار وإن كانت غير مكلفة إهانة لعبادها وليعذبوا بها لا لتعذيبها. قوله:\r(بما ذكر) أي بالناس الكفار والحجارة. قوله: (لا كنار الدنيا) أي كما ورد أن نار الدنيا قطعة من جهنم غمست في البحر سبع مرات ثم بعد أخذها أوقد على جهنم ثلاثة آلاف سنة، ألف حتى ابيضت وألف حتى احمرت، وألف حتى اسودت، فهي الآن سوداء مظلمة. قوله: (جملة مستأنفة إلخ) أشار بذلك إلى أن هذه الجملة لا ارتباط لها بما قبلها، وقعت في جواب سؤال مقدر تقديره هذه النار التي وقودها الناس والحجارة لمن. قوله: (أو حال لازمة) أي والتقدير فاتقوا النار حال كونها معدة ومهيأة للكافرين، ودفع بقوله لازمة ما قيل إنها معدة للكافرين اتقوا أو لم يتقوا.","part":1,"page":23},{"id":23,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 24\rمستأنفة أو حال لازمة وَبَشِّرِ أخبر الَّذِينَ آمَنُوا صدقوا باللّه وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الفروض والنوافل أَنَ أي بأن لَهُمْ جَنَّاتٍ حدائق ذات أشجار ومساكن تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أي تحت أشجارها وقصورها الْأَنْهارُ أي المياه فيها والنهر الموضع الذي يجري فيه الماء لأن الماء ينهره أي يحفره وإسناد الجري إليه مجاز كُلَّما رُزِقُوا مِنْها أطعموا من تلك الجنات مِنْ ثَمَرَةٍ\r______________________________\rقوله: وَبَشِّرِ جرت عادة اللّه في كتابه أنه إذا ذكر ما يتعلق بالكافرين وأحوالهم وعاقبة أمرهم يذكر بلصقه ما يتعلق بالمؤمنين وأحوالهم وعاقبة أمرهم، فإن القرآن نزل لهذين الفريقين، والبشارة هي الخبر السار سمي الخبر بذلك لطلاقة البشرة والسرور عنده، والأمر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو للوجوب لأن البشارة من جملة ما أمر بتبليغه، ويحتمل أن الأمر عام له ولكل من تحمل شرعه كالعلماء. قوله: (أخبر) مشى المفسر على أن معنى البشارة الخبر مطلقا لكن غلب في الخبر وضده على الندارة، وأما قوله تعالى:\r(فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) * فمن باب التشبيه يجامع أن كلا صادر من المولى وهو لا يتخلف. قوله: (صدقوا باللّه) إنّما على ذلك لأنّه يلزم من التصديق باللّه التصديق بما أخبر به على لسان رسله.\rقوله: الصَّالِحاتِ وصف جرى مجرى الأسماء فلذلك صح إسناد العوامل له، فلا يقال إنه صفة لموصوف محذوف أي الأعمال الصالحات. قوله: (من الفروض) أي كالصلوات الخمس وصيام رمضان والحج في العمرة مرة وزكاة الأموال والجهاد إذا فجأ العدو، وقوله والنوافل أي كصلاة التطوع وصومه ومواساة الفقراء وغير ذلك من أنواع البر، والمراد عملوا الصالحات على حسب الطاقة قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). قوله: (أي بأن) أشار بذلك إلى حذف الجار وهو مطرد مع أن قال ابن مالك:\rنقلا وفي أن وأن يطرد ... مع امن لبس كعجبت أن يدوا\rقوله: لَهُمْ جَنَّاتٍ جمع جنة واختلف في عددها فقيل أربع وهو ما يؤخذ من سورة الرحمن، وقيل سبع وعليه ابن عباس جنة عدن وجنة المأوى والفردوس ودار السّلام ودار الجلال وجنة النعيم وجنة الخلد. قوله: (حدائق) جمع حديقة وهي الروضة الحسنة. قوله: (ذات أشجار ومساكن) أي موجودات فيها الآن ومع ذلك تقبل الزيادة، فالجنة تامة فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ومع ذلك أرضها واسعة طيبة تقبل الزيادة. قوله: (أي تحت أشجارها) أي على وجه الأرض بقدرة اللّه فلا تبلي فرشا ولا تهدم بناء ولا تقطع شجرا. قوله: الْأَنْهارُ يحتمل أن تكون ال للعهد والمراد بها ما ذكر في سورة القتال بقوله تعالى: (فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى). قوله:\r(أي المياه فيها) أي الأنهار وأشار بذلك إلى أن في الجنة حفرا كأنهار الدنيا، وقيل لم يوجد في الجنة حفر تجري فيها المياه بل تجري على وجه الأرض. قوله: (و النهر الموضع) أي بحسب الأصل اللغوي. قوله:\r(و إسناد الجري إليه مجاز) أي عقلي أو الإسناد حقيقي، وإنما التجوز في الكلمة من إطلاق المحل وإرادة الحال فيه.\rقوله: كُلَّما رُزِقُوا ظرف لقوله قالوا: قوله: مِنْ ثَمَرَةٍ أي نوعها. قوله: (أي مثل ما) الأولى حذف وما تقديم مثل على الذي وأتى بمثل دفعا لما يتوهم من قولهم (هذا الذي رزقنا من قبل) إنه عينه وذلك مستحيل لأنه قد أكل والمعنى أن اللّه قادر على صنع طعام متحد اللون مختلف الطعام واللذة. فإذا","part":1,"page":24},{"id":24,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 25\rرِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي أي مثل ما رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ أي قبله في الجنة لتشابه ثماره بقرينة وَأُتُوا بِهِ أي جيئوا بالرزق مُتَشابِهاً يشبه بعضه بعضا لونا ويختلف طعما وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ من الحور وغيرها مُطَهَّرَةٌ من الحيض وكل قذر وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (25) ماكثون أبدا لا يفنون ولا يخرجون. ونزل ردا لقول اليهود لما ضرب اللّه المثل بالذباب في قوله: (و إن يسلبهم الذباب شيئا) والعنكبوت في قوله: (كمثل العنكبوت) ما أراد اللّه بذكر هذه الأشياء الخسيسة. إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ يجعل مَثَلًا مفعول أول ما نكرة موصوفة بما بعدها مفعول ثان أي أي مثل كان أو زائدة لتأكيد الخسة فما بعدها المفعول الثاني بَعُوضَةً مفرد البعوض وهو صغار\r______________________________\rرأوه قالوا: (هذا الذي رزقنا من قبل بحسب ما رأوا من اتحاد اللون، فإذا أكلوه علموا عدم الإتحاد.\rقوله: (أي قبله في الجنة) أشار بذلك إلى رد ما قيل إن المراد بقوله من قبل في الدنيا وقوله: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً أي يشبه ثمر الدنيا في الصورة. قوله: (جيئوا بالرزق) أي يأتي به الولدان والملائكة والمراد بالرزق المرزوق أي المأكول. قوله: (و غيرها) أي نساء الدنيا فقد ورد أن نساء الدنيا يكن أجمل من الحور العين، وقد ورد أن كل رجل يزوج بأربعة آلاف بكر وثمانية آلاف أيم ومائة حوراء. قوله: (و كل قذر) أي كالنفاس والبصاق والمخاط وليس في الجنة إنزال ولا حمل ولا ولادة وليس الأكل والشرب عن جوع وظمأ. قوله: (لا يفنون) أي ولا يمرضون ولا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم. قوله: (و لا يخرجون) أي لقوله تعالى: (وَ ما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ). قوله: (و نزل ردا) فاعل نزل جملة (إن اللّه لا يستحيى) قصد لفظها وردا بمعنى جوابا مفعول لأجله أو حال من فاعل نزل، وقوله لما: (ضرب اللّه المثل) ظرف للقول ومقول القول قوله: ماذا أراد اللّه إلخ وقوله: (بالذباب) الباء للتصوير وهو متعلق بضرب وجواب استفهامهم قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً قوله: (في قوله) أي تعالى وحذفها للاختصار وكذا بقية المثلين قوله: (بذكر هذه الأشياء الخسيسة) أي مع أنه عظيم وقالوا أيضا إن الواحد منا يستحي أن يضرب المثل بالشيء الخسيس فاللّه أولى وجعلوا ذلك ذريعة لإنكار كونه من اللّه.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مضارع استحيا ومصدره استحياء وقرىء بحذف إحدى الياءين فاختلف هل المحذوف اللام أو العين، فعلى الأول وزنه يستفع وعلى الثاني وزنه يستفل، وعلى كل نقلت حركة ما بعد الساكن إليه فحذفت إما اللام أو العين، والحياء في حق الحوادث تغيير وانكسار يعتري الإنسان من فعل ما يعاب ولازمه الترك فأطلق في حق اللّه وأريد لازمه وهو الترك، وإنما أتى به مشاكلة لقولهم: اللّه عظيم يستحي أن يضرب المثل بالشيء الحقير. قوله: أَنْ يَضْرِبَ فيه حذف الجار أي من أن يضرب وقوله: (يجعل) أي فينصب مفعولين. قوله: (أو زائدة) أي وهو الأقرب والمعنى على الأول إن اللّه لا يستحيي أن يجعل مثلا شيئا موصوفا بكونه بعوضة فما فوقها وعلى الثاني إن اللّه لا يستحي أن يجعل مثلا بعوضة فما فوقها. قوله: (لتأكيد الخسة) أي فليست زيادة محضة وهكذا كل زائدة في القرآن. قوله: (و هو صغار البق) يطلق البق على الناموس وعلى الأحمر المنتن الرائحة والأقرب الأول لأنه عجيب في الخلقة فله ستة أرجل وأربعة أجنحة وخرطوم طويل وذنب ومع ضعفه وصغره يقتل الجمل العظيم بمنقاره وهو القاتل للنمروذ. قوله: (أي أكبر منها) أي في الجسم كالجمل مثلا ويحتمل أن المراد","part":1,"page":25},{"id":25,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 26\rالبق فَما فَوْقَها أي أكبر منها أي لا يترك بيانه لما فيه من الحكم فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ أي المثل الْحَقُ الثابت الواقع موقعه مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا تمييز أي بهذا المثل، وما استفهام إنكار مبتدأ وذا بمعنى الذي بصلته خبره أي أي فائدة فيه قال تعالى في جوابهم يُضِلُّ بِهِ أي بهذا المثل كَثِيراً عن الحق لكفرهم به وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً من المؤمنين لتصديقهم به وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (26) الخارجين عن طاعته الَّذِينَ نعت يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ ما عهده إليهم في الكتب من الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ توكيده عليهم وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ من الإيمان بالنبي والرحم وغير ذلك، وأن بدل من\r______________________________\rبقوله: فَما فَوْقَها أي في الخسة كالذرة. قوله: (أي لا يترك بيانه) هذا هو معنى الإستحياء في حق اللّه وتقدم أنه مجاز من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. قوله: (لما فيه من الحكم) علة لعدم الترك.\rقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا شروع في بيان الحكمة المترتبة على ضرب المثل. قوله: (الواقع موقعه) صادق بالأفعال الصائبة والذات الثابتة والأقوال الصادقة. قوله: (تمييز) أي محول عن المفعول على حد (و فجرنا الأرض عيونا). قوله: (استفهام إنكار) أي بمعنى النفي. قوله: (بمعنى الذي) أي والعائد محذوف أي أراده. قوله: (أي أي فائدة) هذا زبدة معنى التركيب وقصدهم بهذا الإستفهام نفي الفائدة فيتوصلون بذلك إلى إنكار كونه من عند اللّه قوله: (به) الباء سببية وقوله: (لكفرهم به) علة لضلالهم. وقوله:\r(لتصديقهم به) علة لهدايتهم.\rقوله: إِلَّا الْفاسِقِينَ يطلق لفظ الفاسقين على من فعل الكبائر في بعض الأحيان وعلى من فعلها في كل الأحيان غير مستحل لها وعلى من استحلها وهو المراد هنا فقول المفسر الخارجين عن طاعته أي بالكلية وهم الكفار. قوله: (نعت) أي للفاسقين. قوله: (ما عهده إليهم) إنما فسر المصدر باسم المفعول لأن العهد الذي هو أمر اللّه بالإيمان بالنبي قد حصل فلا ينقض، وإنما الذي ينقض المأمور به، والمراد جملة العهد الواقع على ألسنة أنبيائهم في كتبهم، فإن اللّه عاهد كل نبي مع أمته من آدم إلى عيسى أنه إذا ظهر محمد ليؤمنن به ولينصرنه قال تعالى: (وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) الآية. ومن العهد أوصافه المذكورة في كتبهم فنقضوا ذلك بتبديلهم إياها وإنكارها وعدم الإيمان بها وفي قوله تعالى: (يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ) استعار بالكناية حيث شبه العهد بالحبل وطوى ذكر المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو ينقضون فاثباته تخييل، والنقض في الأصل فك طاقات الحبل والمراد منه هنا الإبطال ففيه استعارة تصريحية تبعية حيث شبه الأبطال بالنقض واستعير النقض للإبطال واشتق من النقض ينقضون بمعنى يبطلون والعهود ثلاثة عهد عام وهو عهد اللّه في الأزل لجميع الخلق على التوحيد وابتاع الرسل وعهد خاص بالإنبياء وهو تبليغ الشرائع والأحكام وعهد خاص بالعلماء وهو تبليغ ما تلقوه عن الأنبياء والكفار قد نقضوها. قوله: (من الإيمان) بيان لما. وقوله: (بالنبي) أي من توقيره ونصره والإيمان به ومتابعته. وقوله: (و الرحم) أي ومن وصل ذي الرحم أي القرابة من الإحسان إليهم ومواساتهم والبر بهم. قوله: (و أن بدل من ضمير به) أي فإن والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر على البدلية للضمير في\rبه، التقدير ما أمر اللّه بوصله ويصح أن يكون أن يوصل بدل من ما فهو في محل نصب والأول أقرب. قوله: (و التعويق عن الإيمان) عطف","part":1,"page":26},{"id":26,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 27\rضمير به وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالمعاصي والتعويق عن الإيمان أُولئِكَ الموصوفون بما ذكر هُمُ الْخاسِرُونَ (27) لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم كَيْفَ تَكْفُرُونَ يا أهل مكة بِاللَّهِ وَقد كُنْتُمْ أَمْواتاً نطفا في الأصلاب فَأَحْياكُمْ في الأرحام والدنيا بنفخ الروح فيكم، والإستفهام للتعجب من كفرهم مع قيام البرهان أو للتوبيخ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انتهاء آجالكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بالبعث ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) تردون بعد البعث فيجازيكم بأعمالكم. وقال دليلا على البعث لما أنكروه هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ أي الأرض وما فيها جَمِيعاً لتنتفعوا به وتعتبروا ثُمَّ اسْتَوى بعد خلق الأرض أي قصد إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَ الضمير يرجع إلى السماء لأنها\r______________________________\rويحتمل خاص على عام فإن التعويق من أكبر المعاصي.\rقوله: أُولئِكَ مبتدأ أول وهم مبتدأ ثان والخاسرون خبر الثاني والثاني وخبره خبر الأول، ويحتمل أن هم ضمير فصل لا محل له من الإعراب والخاسرون خبر أولئك، قوله: (لمصيرهم) علة لكونهم خاسرين. قوله: (يا أهل مكة) الأحسن العموم سواء كان للمخاطب جنا أو إنسا من أهل مكة أو غيرها.\rقوله: وَ(قد) كُنْتُمْ قدر المفسر لفظ قد إشارة إلى أن الجملة حالية مع كونها ماضوية والجملة الماضوية إذا وقعت حالا وجب اقترانها بقد إما لفظا أو تقديرا. قوله: (في الأصلاب) إنما قدره لأجل اقتصاره على النطق وإلا ففي حالة كونهم في الرحم علقة ومضغة أموات أيضا. قوله: فَأَحْياكُمْ مرتب على محذوف تقديره وكنتم علقة فمضغة فأحياكم وإنما قلنا ذلك لأن الإحياء لا يكون عقب كونهم نطفا بسرعة بل بعد مضي زمن كونهم علقة وكونهم مضغة ولو قال المفسر وقد كنتم أمواتا نطفا أو علقا أو مضغا فأحياكم لحسن الترتيب. قوله: (بنفخ الروح) الباء سببية. قوله: (و الإستفهام للتعجب) التعجب استعظام أمر خفي سببه، وهو بالنسبة للخلق لا للخالق فهو مستحيل، والأحسن أن يكون الإستفهام للتعجب والتوبيخ معا، وهو الرعد والزجر.\rقوله: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ الترتيب في هذا وما بعده ظاهر، فإن بين نفخ الروح والموت زمنا طويلا وبين الموت والإحياء بالبعث زمن طويل، وبين الإحياء والمجازاة على الأعمال كذلك. قوله: (لما أنكروه) أي استغرابا واستبعادا، قال تعالى: (أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ). قوله: (أي الأرض وما فيها) أي فمراده العالم السفلي بجميع أجزائه، وأل في الأرض للجنس، فيشمل الأرضين السبع. قوله: (و تعتبروا) أي إذا تأملتم الأرض وتغير الأحوال فيها وما حوته، علمتم أن ذلك صنع حكيم قادر فينشأ عن ذلك الإعتبار كمال التوحيد، وقوله: (لتنتفوا به)، أي ظاهرا وباطنا، وهو جميع المخلوقات ما عدا المؤذيات، وأما المؤذيات كالحيات والعقارب والسباع وغير ذلك فنفعها من حيث العبرة بها، فما من شيء مخلوق إلا وفي خلقه حكمة تبهر العقول، سبحانك ما خلقت هذا عبثا، ولما سئل الإمام الشافعي رضي اللّه عنه عن حكمة خلق الذباب أجاب بقوله: مذلة للملوك.\rقوله: ثُمَّ اسْتَوى الإستواء في الأصل الإعتدال والإستقامة، وهذا المعنى مستحيل على اللّه تعالى، فالمراد منه هنا في حق اللّه القصد والإرادة، فقوله قصد أي تعلقت إرادته التعلق التنجيزي الحادث بخلق السموات، وثم للترتيب مع الإنفصال، لأنه خلق الأرض في يومين، وخلق الجبال والأقوات وما في الأرض في يومين، فتكون الجملة أربعة أيام، فالترتيب الرتبي ظاهر ويشهد لذلك قوله تعالى: (قُلْ أَإِنَّكُمْ","part":1,"page":27},{"id":27,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 28\rفي معنى الجمع الآيلة إليه أي صيرها كما في آية أخرى فقضاهن سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) مجملا ومفصلا أفلا تعتبرون أن القادر على خلق ذلك ابتداء وهو أعظم منكم قادر على إعادتكم وَاذكر يا محمد إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً يخلفني في\r______________________________\rلتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) الآيات، وعلى ذلك درج المفسر حيث قال أي الأرض وما فيها، ويحتمل أن ثم للترتيب الذكري بناء على أن الأرض خلقت مكورة، فبعد ذلك خلقت السماء ثم بعد خلق السماء دحا الأرض وخلق جميع ما فيها، ويشهد لذلك قوله تعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها) ثم قال: (و الأرض بعد ذلك دحاها) وعلى ذلك درج القرطبي وغيره وهو الحق. قوله: إِلَى السَّماءِ أي جهة العلو وأل للجنس. قوله: (فقضاهن) بدل من آية فسوى وصير وقضى بمعنى واحد وكل واحد ينصب مفعولين.\rقوله: سَبْعَ سَماواتٍ أي طباقا بالإجماع للآية وبين كل سماء خمسمائة عام وسمكها كذلك، والأولى من موج مكفوف، والثانية من مرمرة بيضاء، والثالثة من حديد، والرابعة من نحاس، والخامسة من فضة والسادسة من ذهب، والسابعة زمردة خضراء. قوله: (مجملا ومفصلا) هذا هو مذهب أهل السنة خلافا لمن ينكر علم اللّه بالأشياء تفصيلا فإنه كافر. قوله: (على خلق ذلك) أي الأرض وما فيها والسموات وما فيها، وقوله: (و هو) الضمير عائد على اسم الإشارة، قوله: (و هو أعظم منكم) أي لقوله تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أكبر من خلق الناس، قوله: (قادر على إعادتكم) هذا هو روح الدليل.\rقوله: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ إذ ظرف في محل نصب معمول لمحذوف قدره المفسر بقوله اذكر أي اذكر يا محمد قصة قول ربك إلخ، والأحسن أنه معمول لقوله بعد (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها) وقت قول ربك للملائكة إلخ، لأن إذ إذا وقعت ظرفا لا تكون إلا للزمان، قوله: لِلْمَلائِكَةِ جمع ملك مخفف ملأك وأصله مألك على وزن مفعل مشتق من الألوكة وهي الإرسال دخله القلب المكاني فأخرت الهمزة عن اللام فنقلت حركت الهمزة للساكن قبلها وهو اللام فسقطت الهمزة، قوله: إِنِّي جاعِلٌ يصح أن يكون بمعنى مصير فخليفة مفعول أول وفي الأرض مفعول ثاني قدم لأنه المسوغ للإبتداء بالنكرة في الأصل، ويصح أن يكون بمعنى خالق فخليفة مفعول وفي الأرض متعلق به، قوله: خَلِيفَةً فعليه بمعنى مفعول أي مخلوف أو بمعنى فاعل أي خالف بمعنى أنه قائم بالخلافة، وحكمة جعله خليفة الرحمة بالعباد لا لإفتقار اللّه له، وذلك أن العباد لا طاقة لهم على تلقي الأوامر والنواهي من اللّه بلا واسطة، بل ولا بواسطة ملك، فمن رحمته ولطفه وإحسانه إرسال الرسل من البشر، قوله: (و هو آدم) أي فهو البشر والخليفة الأول باعتبار عالم الأجساد، وأما باعتبار عالم الأرواح فهو سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قال العارف:\rفإني وإن كنت ابن آدم صورة ... فلي فيه معنى شاهد بأبوتي\r\rوهو مأخوذ من أديم الأرض لخلقه من جميع أجزائها وكانت ستين جزءا، ولذلك كان طباع نبيه ستين طبعا. وكفارة الظهار والصوم ستين، وعاش من العمر تسعمائة وستين وما مات حتى رأى من أولاده مائة ألف عمروا الأرض بأنواع الصنائع، والملائكة المخاطبون يحتمل أنهم من النوع المسمى بالجان،","part":1,"page":28},{"id":28,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 29\rتنفيذ أحكامي فيها وهو آدم قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها بالمعاصي وَيَسْفِكُ الدِّماءَ يرفعها بالقتل كما فعل بنو الجان وكانوا فيها فلما أفسدوا أرسل اللّه عليهم الملائكة فطردوهم إلى الجزائر والجبال وَنَحْنُ نُسَبِّحُ متلبسين بِحَمْدِكَ أي نقول سبحان اللّه وبحمده وَنُقَدِّسُ لَكَ ننزهك عما لا يليق بك، فاللام زائدة والجملة حال أي فنحن أحق بالإستخلاف قالَ تعالى إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (30) من المصلحة في استخلاف آدم وأن ذريته فيهم المطيع والعاصي فيظهر العدل بينهم، فقالوا لن يخلق ربنا خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم لسبقنا له ورؤيتنا ما لم يره، فخلق تعالى آدم من أديم الأرض أي وجهها بأن قبض منها قبضة من جميع ألوانها وعجنت بالمياه المختلفة وسواه ونفخ فيه الروح فصار حيوانا حساسا بعد أن كان جمادا وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ أي\r______________________________\rورئيسهم إبليس، فإن اللّه خلق خلقا وأسكنهم الأرض يسمون بني الجان فأفسدوا في الأرض، فسلط اللّه عليهم هؤلاء الملائكة فطردوهم وسكنوا موضعهم، ويحتمل أن الخطاب لعموم الملائكة، قوله: مَنْ يُفْسِدُ فِيها أي بمقتضى القوة الشهوية، وقوله: وَيَسْفِكُ الدِّماءَ أي بمقتضى القوة الغضبية، فإن في الإنسان ثلاثة اشياء: قوة شهوية، وقوة غضبية، وقوة عقلية فبالأوليين يحصل النقص، وبالأخيرة يحصل الكمال والفضل، وقد نظر الملائكة للأوليين ولم ينظروا للثالثة. قوله: (كما فعل بنو الجان) قيل الجان ابليس، وقيل مخلوق آخر، وإبليس أبو الشياطين، قوله: (أرسل اللّه عليهم الملائكة) أي المسلمين بالجان ورئيسهم إبليس، وفي هذه الآية امور منها: مشاورة العظيم للحقير، ولا بأس بها لتأليف الحقير، قال تعالى: (وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)، ومنها إظهار عجز الملائكة عن علم الغيب، ومنها اظهار فضل آدم للملائكة، ومنها أنه لا ينبغي ترك الخير الكثير من أجل شر قليل، فإن بني آدم خيرهم غالب سرهم، فإن منهم الأنبياء والرسل والأولياء، وإن لم يكن منهم إلا سيدنا محمد لكفى، قوله: (متلبسين) أشار بذلك إلى أن الباء للملابسة، والجملة من قبيل الحال المتداخلة، قوله: وَنُقَدِّسُ لَكَ التقديس في اللغة يرجع لمعنى التسبيح وهو التنزيه عما لا يليق، وأما هنا فالتسبيح يرجع للعبادة الظاهرية، والتقديس يرجع للإعتقادات الباطنية، قوله: (فاللام زائدة) أي لتأكيد التخصيص، ويحتمل أنها للتعدية والتعليل أي ننزهك لك لا طمعا في عاجل ولا آجل، ولا خوفا من عاجل ولا آجل فتنزيهنا لذاتك فقط، قوله: (أي فنحن أحق بالإستخلاف) ليس المقصود من ذلك الإعتراض على اللّه ولا احتقار آدم، وإنما ذلك لطلب جواب يريحهم من العناء، حيث وقعت المشورة من اللّه لهم، قوله: (فيظهر العدل بينهم) أي فالطائع المؤمن له الجنة، والعاصي الكافر له النار، قوله:\r(فقالوا) أي سرا في أنفسهم، قوله: (لسبقنا له) أي للخلق وهو راجع لقوله أكرم، وقوله: (و رؤيتنا) راجع لقوله ولا أعلم فهو لف ونشر مرتب، قوله: (جميع ألوانها) تقدم أنها ستون، وورد أن اللّه لما أراد خلق آدم أوحى إلى الأرض إني خالق منك خلقا من أطاعني ادخلته الجنة، ومن عصاني أدخلته النار، فقالت يا ربنا أتخلق مني خلقا يدخل النار؟ فقال نعم فبكت فنبعت العيون من بكائها فهي تجري إلى يوم القيامة، قوله: (بالمياة المختلفة) أي على حسب الألوان.\rقوله: وَعَلَّمَ آدَمَ الحق أن آدم ممنوع من الصرف للعلمية والعجمية وليس منصرفا ولا مشتقا على التحقيق، قوله: (أي اسماء المسميات) أشار بذلك إلى أن أل عوض عن المضاف اليه، والمراد","part":1,"page":29},{"id":29,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 30\rأسماء المسميات كُلَّها حتى القصعة والقصيعة والفسوة والفسية والمغرفة بأن ألقى في قلبه علمها ثُمَّ عَرَضَهُمْ أي المسميات وفيه تغليب العقلاء عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ لهم تبكيتا أَنْبِئُونِي أخبروني بِأَسْماءِ هؤُلاءِ المسميات إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (31) في أني لا أخلق أعلم منكم أو أنكم أحق بالخلافة، وجواب الشرط دل عليه ما قبله قالُوا سُبْحانَكَ تنزيها لك عن الإعتراض عليك لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إياه إِنَّكَ أَنْتَ تأكيد للكاف الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) الذي لا يخرج شيء عن علمه وحكمته قالَ تعالى يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ أي الملائكة بِأَسْمائِهِمْ أي المسميات\r______________________________\rبالمسميات مدلولات الأسماء، سواء كانت جواهر أو أعراضا أو معاني أو معنوية فالحاصل أن اللّه أطلع آدم على المسميات جميعها وعلمه أسماءها، وأطلع الملائكة على المسميات ولم يعلمهم أسماءها فاشترك آدم مع الملائكة في معرفة المسميات، واختص آدم بمعرفة الأسماء بجميع اللغات وتلك اللغات تفرقت في أولاده قوله:\r(حتى القصعة) غاية في الخسة، إشارة إلى كونه تعلم جميع الأسماء شريفة أو خسيسة وحكمتها أيضا كما يأتي، والقصعة هي الإناء الكبير من الخشب، والقصعية الإناء الصغير منه أيضا المسمى بالزويلي. قوله: (و الفسوة) من باب عتا والمصدر فسوا والاسم الفساء بالمد واوي هو الريح الخارج من الدبر بلا صوت، فإن كان شديدا سمي فسوة، وإن كان خفيفا سمي فسية، وإن كان بصوت سمي ضراطا، وهو من باب تعب وضرب، والمصدر ضرطا بفتح الراء وسكونها فالمكبر للشديد والمصغر للخفيف. قوله: (بأن ألقى في قلبه علمها) أي الأسماء وحكمتها حين صور اللّه المسميات كالذر وذلك قبل دخوله الجنة وهو ظاهر في الأشياء المحسوسة، وأما المعقولة كالحياة والقدرة والفرح وغير ذلك فبإلقاء اللّه الدال والمدلول في قلبه. قوله: (و فيه تغليب العقلاء) أي في الإتيان بميم الجمع التي للعقلاء المذكور، وإلا فلو لم يغلب لقال عرضها أو عرضهن وبهما قرىء شاذا. قوله:\rعَلَى الْمَلائِكَةِ يحتمل عموم الملائكة ويحتمل خصوص الملائكة المسمين بالجان الذين كانوا في الأرض.\rقوله: أَنْبِئُونِي الأنباء هو الإخبار بالشيء العظيم فهو أخص من الخبر. قوله: (أخبروني) أي أجيبوني ليظهر علمكم، وذلك تعجيز لهم لأنهم ليسوا بعالمين ذلك لا لاستفادته العلم منهم. قوله: (في أني لا أخلق أعلم منكم) معلق بصادقين. قوله: (دل على ما قبله) أي قوله أنبئوني، فهو دليل الجواب والجواب محذوف تقديره إن كنتم صادقين فأنبئوني.\rقوله: سُبْحانَكَ مصدر وقيل اسم مصدر منصوب بعامل محذوف وجوبا أي أسبح، وهي كلمة تقال مقدمة للأمر العظيم، كان توبة واستغفارا أم لا، والمقصود منها توبتهم واستغفارهم، كقول موسى عليه السّلام (سبحانك تبت إليك)، وقول يونس (سبحانك إني كنت من الظالمين)، والغالب عليه الإضافة وأما سبحان من علقمة الفاخر، فمؤول أو شاذ، ومن غير الغالب. قوله: (إياه) أشار بذلك إلى أن المفعول الثاني محذوف. قوله: إِنَّكَ كالدليل لما قبله. قوله: (تأكيد للكاف) أي فهو ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو في محل نصب كالمؤكد والعليم الحكيم خبران لأن الحكيم صفة للعليم، ويحتمل أن أنت مبتدأ والعليم خبره والجملة خبر أن. قوله: الْعَلِيمُ قدم العلم على الحكمة لمناسبة علم آدم ولا علم لنا، ولأن الحكمة تنشأ عن العلم، والعلم في حق اللّه صفة أزلية تتعلق بجميع أقسام الحكم العقلي الواجب والمستحيل والجائز تعلق إحاطة وانكشاف. قوله: الْحَكِيمُ أي ذو الحكمة أي الإتقان فهو صفة فعل أو العلم فيكون صفة ذات. قوله: (فسمى) أي آدم. قوله: (توبيخا) أي تقريعا ولوما لهم على ما مضى منهم فالهمزة في ألم أقل","part":1,"page":30},{"id":30,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 31\rفسمى كل شيء باسمه وذكر حكمته التي خلق لها فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ تعالى لهم توبيخا أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ما غاب فيهما وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ تظهرون من قولكم أتجعل فيها الخ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) تسرون من قولكم لن يخلق اللّه أكرم عليه منا ولا أعلم وَاذكر إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ سجود تحية بالإنحناء فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ\r______________________________\rللاستفهام التوبيخي، والقصد منه توبيخهم على ما مضى منهم وليست الإنكار ولا للتقرير. قوله: (ما غاب فيهما) أي عنا. قوله: (أَتجعل فيها إلخ) أي من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك. بقي شيء آخر وهو أن مقتضى الآية أن آدم علم الأسماء والمسميات، ومقتضى قول البويصيري في الهمزية:\rلك ذات العلوم من عالم الغي ... ب ومنها لآدم الأسماء\r\rأن آدم علم الأسماء دون المسميات، فيكون بينه وبين الآية مخالفة، والحق أنه لا مخالفة لأنه يلزم من علم الأسماء علم المسميات لعرض المسميات عليه أولا، فمعنى قول البوصيري لك ذات العلوم أي أصلها، فعلم آدم مأخوذ من نبينا، لأن رسول اللّه أعطي أصل العلوم بل وأصل كل كمال، ويشهد لذلك قول ابن مشيش وتنزلت علوم آدم أي صل على من منه تنزلت علوم آدم، فعلوم آدم كائنة منه فأعجز بها الملائكة خاصة، وأما علوم رسول اللّه فاعجز بها الخلائق جميعا، هذا هو الحق ولا تغتر بما قيل إن آدم علم الأسماء فقط، ومحمد علم الأسماء والمسميات.\rقوله: وَاذكر إِذْ قُلْنا أشار المفسر بذلك إلى أن إذ ظرف عاملها محذوف والتقدير واذكر وقت قولنا إلخ إن قلت إن المقصود ذكر القصة لا ذكر الوقت، أجيب بأن التقدير ذكر القصة الواقعة في ذلك الوقت، ومحصل ذلك أنه بعد خلق آدم ونفخ الروح فيه، وعرض المسميات على الملائكة، وإنباء آدم لهم بالأسماء أمرهم اللّه بالسجود له لأنه صار شيخهم، ومن حق الشيخ التعظيم والتوقير، وكان ذلك كله خاو.\rقوله: (بالإنحناء) أشار بذلك إلى أن المراد السجود اللغوي وهو الإنحناء كسجود إخوة يوسف وأبويه له وهو تحية الأمم الماضية، وأما تحيتنا فهي السّلام، وعليه فلا إشكال، وقال بعض المفسرين إن السجود شرعي بوضع الجبهة على الأرض، وآدم قبلة كالكعبة، فالسجود للّه وإنما آدم قبلة، والآية محتملة للمعنيين ولا نص يعين أحدهما، وعلى الثاني فاللام بمعنى إلى أي اسجدوا جهة آدم فاجعلوه قبلتكم. قوله: فَسَجَدُوا أي الملائكة كلهم أجمعون بدليل الآية الأخرى، فالخطاب بالسجود لجميع الملائة على التحقيق لا الملائكة الذين طردوا بني الجان. قوله: إِلَّا إِبْلِيسَ قيل مشتق من أبلس إبلاسا بمعنى بئس وهذا هو اسمه في اللوح المحفوظ.\rفائدة: قال كعب الإحبار: إن إبليس اللعين كان خازن الجنة أربعين الف سنة، ومع الملائكة ثمانين الف سنة، ووعظ الملائكة عشرين الف سنة، وسيد الكروبيين ثلاثين الف سنة، وسيد الروحانيين الف سنة، وطاف حول العرش أربعة عشر الف سنة، وكان اسمه في سماء الدنيا العابد، وفي الثانية الزاهد، وفي الثالثة العارف، وفي الرابعة الولي، وفي الخامسة التقي، وفي السادسة الخازن، وفي السابعة عزازيل، وفي اللوح المحفوظ إبليس وهو غافل عن عاقبة أمره. قوله: (هو أبو الجن) هذا أحد قولين والثاني هو أبو الشياطين فرقة من الجن لم يؤمن منهم أحد. قوله: (كان بين الملائكة) أشار بذلك إلى أن الإستثناء منقطع","part":1,"page":31},{"id":31,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 32\rهو أبو الجن كان بين الملائكة أَبى امتنع من السجود وَاسْتَكْبَرَ تكبر وقال أنا خير منه وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (34) في علم اللّه وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ تأكيد للضمير المستتر ليعطف عليه وَزَوْجُكَ حواء بالمد وكان خلقها من ضلعه الأيسر الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها أكلا رَغَداً واسعا لا\r______________________________\rوأنه ليس من الملائكة، قال في الكشاف لما اتصف بصفات الملائكة جمع معهم في الآية واحتيج إلى استثنائه، ويدل على ذلك قوله تعالى: (إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ) وكررت قصة إبليس في سبعة مواضع:\rفي البقرة والأعراف والحجر والإسراء والكهف وطه وص تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، وعبرة لبني آدم، فلا يغتر العابد ولا يقنط العاصي، ويحتمل أن الإستثناء متصل وقوله تعالى: (كانَ مِنَ الْجِنِّ) أي في الفعل والأقرب الأول.\rقوله: وَاسْتَكْبَرَ من عطف العلة على المعلول أي أبى وامتنع لكبره والسين للتأكيد. قوله: (قال أنا خير منه) هذا وجه تكبره وبين وجه الخيرية في الآية الأخرى، قوله تعالى: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ* قال بعض المفسرين: وذلك مردود بأمور، منها أن آدم مركب من العناصر الأربع بخلاف إبليس فلا وجه للخيرية، ومنها أن اللّه هو الخالق لكل شيء ولا يعلم الفضل إلا هو، فله أن يفضل من شاء على من يشاء، ومنها غير ذلك. قوله: (في علم اللّه) دفع بذلك ما قيل إنه لم يكن كافرا بل كان عابدا وإنما كفر الآن، ويجاب أيضا بأن كان بمعنى صار.\rقوله: وَقُلْنا يا آدَمُ هذه الجملة معطوفة على جملة (وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ) من عطف قصة على قصة وإنما عطفت عليها لوقوعها بعدها، فإنه بعد أمر الملائكة بالسجود لآدم، وامتناع إبليس منه، أمر آدم بسكنى الجنة. قوله: (ليعطف عليه) وَزَوْجُكَ إن قلت إن فعل الأمر يعمل في الظاهر والمعطوف على الفاعل فاعل فيقتضي عمله في الظاهر، أجيب بأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، وفصل بالضمير المنفصل لقول ابن مالك:\rوإن على ضمير رفع متصل ... عطفت فافصل بالضمير المنفصل\rقوله: (و كان خلقها) أي اللّه وقوله: (من ضلعه) أي آدم فلذلك كان كل ذكر ناقصا ضلعا من الجانب الأيسر، فجهة اليمين ثمانية عشر، واليسار سبعة عشر، وقد خلقت بعد دخوله الجنة نام فلما استيقظ وجدها فأراد أن يمد يده إليها فقالت له الملائكة مه يا آدم حتى تؤدي مهرها، فقال وما مهرها فقالوا ثلاث صلوات أو عشرون صلاة على سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا يقال إن شرط الصداق عود منفعته للزوجة، لأننا نقول ليس المقصود منه حقيقة المهر، وإنما هو ليظهر قدر محمد لآدم من أول قدم، إذ لولاه ما تمتع بزوجه، فهو الواسطة لكل واسطة حتى آدم، وقوله من ضلعه الأيسر أي وهو القصير، ووضع اللّه مكانة لحما من غير أن يحس آدم بذلك، ولم يجد له ألما، ولو وجده لما عطف رجل على امرأة، والنون في قلنا للعظمة، وقوله: اسْكُنْ أي دم على السكنى، فإنه كان ساكنا فيها قبل خلق حواء، واستشكل شيخ الإسلام هذه الآية بأنه أتى في هذه الآية بالواو في قوله: وَكُلا وفي آية الأعراف بالفاء، هل لذلك من حكمة أجاب بأن الأمر هنا في هذه الآية كان داخل الجنة، فلا ترتيب بين السكنى والأكل، وفي آية الأعراف كان خارجها، فحسن الترتيب بين السكنى والأكل ا. ه. والحق أن يقال: إن ذلك ظاهر إن دل","part":1,"page":32},{"id":32,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 33\rحجر فيه حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ بالأكل منها وهي الحنطة أو الكرم أو غيرهما فَتَكُونا فتصيرا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) العاصين فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ إبليس أذهبهما وفي قراءة فأزالهما نحاهما عَنْها أي الجنة بأن قال لهما هل أدلكما على شجرة الخلد وقاسمهما باللّه إنه لهما لمن الناصحين فأكلا منها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ من النعيم وَقُلْنَا اهْبِطُوا إلى الأرض أي أنتما بما اشتملتما عليه من ذريتكما بَعْضُكُمْ بعض الذرية لِبَعْضٍ عَدُوٌّ من ظلم بعضهم بعضا وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ موضع قرار وَمَتاعٌ ما تتمتعون به من نباتها إِلى حِينٍ (36) وقت\r______________________________\rدليل على اختلاف القصة ولم يوجد فالقصة واحدة، والأمر في الموضعين ايحتمل أن يكون داخل الجنة أو خارجها، فعلى الأول معنى اسكن دم على السكنى، والفاء في آية الأعراف بمعنى الواو، وعلى الثاني معناه ادخل على سبيل السكنى، فتكون الواو بمعنى الفاء.\rقوله: رَغَداً يقال رغد بالضم رغادة من باب ظرف، ورغد رغدا من باب تعب اتسع عيشه.\rقوله: حَيْثُ شِئْتُما أي في أي مكان أردتماه. قوله: (أو غيرهما) قيل شجر التين أو البلح أو الأرتج، والأقرب أنها الحنطة، وفي الحقيقة لا يعلمها إلا اللّه. قوله: فَتَكُونا مسبب عن قوله ولا تقربا وتعبيره بعدم القرب منها كناية عن عدم الأكل، كقوله تعالى: (وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى) فالنهي عن القرب يستلزم النهي عن الفعل بالأولى. قوله: (العاصين) أي الذين تعدوا حدود اللّه.\rقوله: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ أتى بالفاء إشارة إلى أن ذلك عقب السكنى، والشيطان مأخوذ من شاط بمعنى احترق لأنه محروق بالنار، أو من شطن بمعنى بعد لأنه بعيد عن رحمة اللّه، والزلل الزلق وهو العثرة في الطين مثلا فأطلق وأريد لازمه وهو الإذهاب. قوله: (و في قراءة) أي سبعية لحمزة. قوله: (أي الجنة) ويحتمل أن الضمير عائد على الشجرة، وعن بمعنى الباء أي أوقعهما في الزلة بسبب أكل الشجرة. قوله: (بأن قال لهما) أي وهو خارج الجنة وهما داخلها لكن أتوا على بابها فقال لهما ذلك، ويحتمل أنه دخل الجنة على صورة دابة من دوابها وخزنتها غفلوا عنه، ويحتمل أنه دخلها في فم الحية، ويحتمل أنه وسوس في الأرض فوصلت وسوسته لهما، إن قلت إن ذلك ظاهر في حواء لعدم عصمتها وما الحكم في آدم، أجيب بأنه اجتهد فأخطأ فسمى اللّه خطأه معصية، فلم يقع منه صغيرة ولا كبيرة، وإنما هو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين فلم يتعمد المخالفة، ومن نسب التعمد والعصيان له بمعنى فعل الكبيرة أو الصغيرة فقد كفر، كما أن من نفى اسم العصيان عنه فقد كفر أيضا لنص الآية.\rقوله: مِمَّا كانا فِيهِ يحتمل أن ما اسم موصول، وما بعده صلته، أو نكرة موصوفة، وما بعدها صفة، وقوله من النعيم بيان لما. قوله: (أي أنتما الخ) أشار بذلك إلى حكمة الإتيان بالواو في اهبطوا أي الجمع باعتبار ما اشتملا عليه من الذرية، ويحتمل أن الأمر لآدم وحواء وإبليس والحية، فهبط آدم بالهند بمكان يقال له سرنديب، وحواء بجدة، وإبليس بالأبلة، والحية بأصبهان. قوله: (بعض الذرية) أشار بذلك إلى أن العداوة في الذرية لا في الأصول، ويحتمل أن يكون ذلك في بعض الأصول كالحية وإبليس، وأفرد عدوا إما مراعاة للفظ بعض أو لأنه يستعمل بلفظ واحد للمثنى والجمع. بقي شيء آخر وهو أنه تقدم لنا أن حواء خلقت داخل الجنة حين القى على آدم النوم، كيف ذلك مع أن الجنة لا نوم فيها، ولا","part":1,"page":33},{"id":33,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 34\rانقضاء آجالكم فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ألهمه إياها وفي قراءة بنصب آدم ورفع كلمات أي جاءه وهي (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا) الآية فدعا بها فَتابَ عَلَيْهِ قبل توبته إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ على عباده\r______________________________\rيخرج أهلها منها ولا تكليف فيها، والثلاثة قد حصلت. أجيب بأن ذلك في الدخول يوم القيامة، وأما الدخول الأولى فلا يمتنع فيه شيء من ذلك. قوله: (ألهمه إياها) أي فهم آدم من ربه تلك الكلمات.\rقوله: (و في قراءة) أي سبعية لابن كثير. قوله: (بنصب آدم) أي على المفعولية، وقوله: (و رفع كلمات) أي على الفاعلية فتحصل أن التلقي نسبة تصلح للجانبين، يقال تلقيت زيدا وتلقاني زيد فالمعنى على القراءة الأولى، تعلم آدم الكلمات فحفظ بسببها من المهالك، وعلى الثانية الكلمات تلقت آدم من السقوط في المهاوي إذ لولاها لسقط فهي الدواء له، وأما إبليس فلم يجعل اللّه له دواء فالكلمات جاءته بالإسعاف وهو جاءها بالقبول والتسليم، ومن هنا أن الذاكر لا ينتفع بالذكر ولا ينور باطنه إلا إذا كان الشيخ عارفا وأذنه في ذلك، والذاكر مشتاقا كتلقي آدم الكلمات. قوله: (و هي ربنا ظلمنا أنفسنا إلخ) مشى المفسر على أن المراد بالكلمات المذكورة في سورة الأعراف وهو أحد أقوال، ولا يقال إن التلقي كان لآدم فقط والدعاء بها صدر منهما، لأنه يقال إن الخطاب لآدم والمراد هو معها، وكم من خطاب في القرآن يقصد به الرجال، والمراد ما يشمل الرجال والنساء، وقيل إن المراد بالكلمات سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وتقدم أن معصية آدم ليست كالمعاصي بل من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، والحق أن يقال إن ذلك من سر القدر، فهو منهي عنه ظاهرا لا باطنا، فإنه في الباطن مأمور بالأولى من قصة الخضر مع موسى وإخوة يوسف معه على أنهم أنبياء، فإن اللّه حين قال للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة كان قبل خلقه، وهذا الأمر مبرم يستحيل تخلفه، فلما خلقه وأسكنه الجنة أعلمه بالنهي عن الشجرة صورة فهذا النهي صوري، وأكله من الشجرة جبري لعلمه أن المصلحة مترتبة على أكله، وإنما سمي معصية نظرا للنهي الظاهري، فمن حيث الحقيقة لم يقع منه عصيان، ومن حيث الشريعة وقعت منه المخالفة، ومن ذلك قول ابن العربي: لو كنت مكان آدم لأكلت الشجرة بتمامها لما ترتب على أكله من الخير\rالعظيم، وإن لم يكن من ذلك إلا وجود سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لكفى. ومن هذا المقام قول الجبلي:\rولي نكتة غرا هنا سأقولها ... وحق لها أن ترعويها المسامع\r\rهي الفرق ما بين الولي وفاسق ... تنبه لها فالأمر فيه بدائع\r\rوما هو إلا أنه قبل وقعه ... يخبر قلبي بالذي هو واقع\r\rفأجني الذي يقضيه في مرادها ... وعيني لها قبل الفعال تطالع\r\rفكنت أرى منها الإرادة قبل ما ... أرى الفعل مني والأسير مطاوع\r\rإذا كنت في أمر الشريعة عاصيا ... فإني في حكم الحقيقة طائع\r\rقوله: التَّوَّابُ أي كثير التوبة، بمعنى أن العبد كلما أذنب وتاب قبله فهو كثير القبول لتوبة من تاب، ويسمى العبد توابا بمعنى أنه كلما أذنب ندم واستغفر ولا يصر، وشرط توبة العبد الندم والإقلاع والعزم على أن لا يعود، فإن كانت المعصية متعلقة بمخلوق اشترط إما رد المظالم لأهلها أو مسامحتهم له، فكل من العبد والرب يسمى توابا بالوجه المتقدم، لكن لا يقال في الرب تائب لأن أسماءه توقيفية، وقد","part":1,"page":34},{"id":34,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 35\rالرَّحِيمُ (37) بهم قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها من الجنة جَمِيعاً كرره ليعطف عليه فَإِمَّا فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً كتاب ورسول فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فآمن بي وعمل بطاعتي فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) في الآخرة بأن يدخلوا الجنة وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كتبنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (39) ماكثون أبدا لا يفنون ولا يخرجون يا بَنِي إِسْرائِيلَ أولاد يعقوب اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ أي على\r______________________________\rقيل إن آدم لما نزل الأرض مكث ثلثمائة سنة لا يرفع رأسه إلى السماء حياء من اللّه تعالى، وقد قيل لو أن دموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع داود أكثر، ولو أن دموع داود مع أهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم أكثر.\rقوله: قُلْنَا أتى بنون العظمة لأنها له حقيقة ومن ادعاها غير مولانا قصم. قوله: اهْبِطُوا جمع باعتبار الذرية التي في صلب آدم. قوله: جَمِيعاً حال من فاعل اهبطوا أي مجتمعين إما في زمان واحد أو في أزمنة متفرقة، لأن المراد الإشتراك في أصل الفعل، فإن جاؤوا جميعا لا تستلزم الصحبة بخلاف جاؤوا معا. قوله: (ليعطف عليه) أي فهذا حكمة التكرار، فالأول أفاد الأمر بالهبوط مع ثبوت العداوة، والثاني أفاد الأمر بالهبوط والتكاليف، وترتب السعادة والشقاوة على الإمتثال وعدمه، فالشيء مع غيره، غيره في نفسه. قوله: (كتاب ورسول) أي أو رسول فقط، فالمراد بالهدى مطلق دال على اللّه، والمراد أي رسول وأي كتاب من آدم إلى محمد، والرسول صادق بكونه من الملك أو البشر فيشمل الأمم والأنبياء فتأمل. قوله: (إن الشرطية) أي وفعلها يأتينكم مبني على الفتح لإتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وجوابه جملة فمن اتبع هداي وجملة وَالَّذِينَ كَفَرُوا الآية إذا التقدير ومن لم يتبع هداي وجملة وَالَّذِينَ كَفَرُوا الآية إذ التقدير ومن لم يتبع هداي فأولئك أصحاب النار.\rقوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ ذكر سبحانه وتعالى خطاب المكلفين عموما في أول السورة، ثم ثنى بمبدأ خلق آدم وقصته مع إبليس، وثلث بذكر بني إسرائيل سواء كانوا في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم أو قبله، وما يتعلق بهم من هنا إلى (سيقول السفهاء)، فعدد عليهم نعما عشرة وقبائح عشرة وانتقامات عشرة، والحكمة في ذكر بني إسرائيل الذين تقدموا قبل رسول اللّه مع أنهم لم يخاطبوا بالإيمان برسول اللّه أن من كان في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم يدعى أنه على قدمهم وأنه متبع لهم وأن أصولهم كانوا على شيء فلذلك تبعوهم، فبين سبحانه وتعالى النعم التي أنعم اللّه بها على أصولهم وبين لهم انهم قابلوا تلك النعم بالقبائح وبين أنه أنزل عليهم العفاف ليعتبر من يأتي بعدهم وحكمة تخصيصهم بالخطاب أن السورة أو ما نزل بالمدينة وأهل المدينة كان غالبهم يهود أو هم أصحاب كتاب وشوكة فإذا أسلموا وانقادوا انقاد جميع أتباعهم فلذلك توجه الخطاب لهم وبني منادى مضاف منصوب بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم لكونه ليس علما ولا صفة لمذكر عاقل، وبني مضاف وإسرائيل مضاف إليه مجرور بالفتحة لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف العلمية والعجمة، وبني جمع ابن وأصله قيل بنو فهو واوي وقيل بني فهو يأتي، فعلى الأول هو من البنوة كالأبوة وعلى الثاني هو من البناء، وإسرائيل قيل معنا عبد اللّه وقيل القوي باللّه لأن إسراقيل معناه عبد أو القوي وإيل معناه اللّه، وقيل مأخوذ من الإسراء لأنه أسرى بالليل مهاجرا إلى اللّه تعالى، وإسرائيل فيه لغات سبع الأولى بالألف ثم همزة ثم ياء ثم لام وبها جاءت القراءات السبع، الثانية بقلب الهمزة ياء بعد الألف، الثالثة بإسقاط الياء مع بقاء الهمزة والألف، الرابعة والخامسة بإسقاط الألف والياء مع بقاء الهمزة مفتوحة ومكسورة،","part":1,"page":35},{"id":35,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 36\rآبائكم من الإنجاء من فرعون، وفلق البحر، وتظليل الغمام، وغير ذلك بأن تشكروها بطاعتي وَأَوْفُوا بِعَهْدِي الذي عهدته إليكم من الإيمان بمحمد أُوفِ بِعَهْدِكُمْ الذي عهدت إليكم من الثواب عليه بدخول الجنة وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) خافون في ترك الوفاء به دون غيري وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ من القرآن مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ من التوراة بموافقته له في التوحيد والنبوة وَلا تَكُونُوا\r______________________________\rالسادسة بإسقاط الهمزة والياء مع بقاء الألف، السابعة إبدال اللام الأخيرة بالنون مع بقاء الألف والهمزة والياء وجمعه أساريل وأسارلة وأسارل، قوله: (أولاد يعقوب) أي ابن اسحق ابن ابراهيم الخليل.\rقوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الذكر بكسر الدال وضمها بمعنى واحد، وهو ما كان باللسان أو بالجنان وقال الكسائي ما كان باللسان فهو بالكسر وما كان بالقلب فهو بالضم وضد الأول صمت والثاني نسيان والنعمة اسم لما ينعم به وهي شبيهة بفعل بمعنى مفعول، والمراد بها الجمع لأنها اسم جنس، قال تعالى:\r(وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها) وقوله: الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ جملة الصلة والموصول صفة للنعمة والعائد محذوف تقديره أنعمتها بالنصب على نزع الخافض ولا يقدر أنعمت بها لئلا يلزم حذف العائد من غير وجود شرطه لقول ابن مالك: كذا الذي جر بما الموصول جر. وليس الموصول مجرورا، فتأمل، قوله:\r(و غير ذلك) أي من بقية العشرة وهي العفو عنهم وغفران خطاياهم، وإتيان موسى الكتاب والحجر الذي تفجرت منه اثنتا عشرة عينا والبعث بعد الموت وإنزال المن والسلوى عليهم.\rتنبيه: بقي ذكر قبائحهم العشرة وهي: قولهم سمعنا وعصينا، واتخاذهم العجل، وقولهم أرنا اللّه جهرة وتبديل القول الذي أمروا به، وقولهم لن نصبر على طعام واحد، وتحريف الكلم وتوليهم عن الحق بعد ظهوره وقسوة قلوبهم، وكفرهم بآيات اللّه، وقتلهم الأنبياء بغير حق. وأما عقوباتهم العشرة فهي ضرب الذلة والمسكنة عليهم، والغضب من اللّه، وإعطاء الجزية، وأمرهم بقتل أنفسهم، ومسخهم قردة وخنازير، وإنزال الرجز عليهم من السماء، وأخذ الصاعقة لهم، وتحريم طيبات أحلت لهم، وهذ العشرات في أصولهم، وقد وبخ اللّه المعاصرين لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم بعشرة أخرى: كتمانهم أمر محمد، وتحريف الكلم، وقولهم هذا من عند اللّه، وقتلهم أنفسهم، وإخراجهم فريقا من ديارهم، وحرصهم على الحياة، وعداوتهم لجبريل، واتباعهم السحر، وقولهم نحن ابناء اللّه، وقولهم يد اللّه مغلولة، قوله تعالى: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا). قوله: (بأن تشكروها) أي تصرفوها فيما يرضي ربكم.\rوقوله: وَأَوْفُوا يقال أوفى ووفى مشددا ومخففا. قوله: (من الإيمان بمحمد) أي في قوله تعالى:\r(وَ لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً) الآيات. قوله: (بدخول الجنة) أي في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ) الآيات وقوله تعالى: (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) الآيات. قوله:\r(دون غيري) أخذ الحصر من تقديم المعمول، وإياي مفعول المحذوف يفسره قوله فارهبون، وهذا في الحصر أبلغ من (إياك نعبد) لأن اياك معمول لنعبد، وأما هنا فهو معمول لمحذوف لإستيفاء الفعل المذكور معموله وهو الياء المذكورة أو المحذوفة تخفيفا فهو في قوة تكرار الفعل مرتين.\rقوله: وَآمِنُوا من عطف المسبب على السبب. قوله: (من القرآن) بيان لما قوله: مُصَدِّقاً حال من الضمير المحذوف في أنزلت أو من ما. قوله: (بموافقته) الباء سسة ولا يلزم من موافقته للتوراة أنه لم يزد عليها بل القرآن جمع الكتب","part":1,"page":36},{"id":36,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 37\rأَوَّلَ كافِرٍ بِهِ من أهل الكتاب لأن خلفكم تبع لكم فإثمهم عليكم وَلا تَشْتَرُوا تستبدلوا بِآياتِي التي في كتابكم من نعت محمد ثَمَناً قَلِيلًا عوضا يسيرا من الدنيا أي لا تكتموها خوف فوات ما تأخذونه من سفلتكم وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) خافون في ذلك دون غيري وَلا تَلْبِسُوا تخلطوا الْحَقَ الذي أنزل عليكم بِالْباطِلِ الذي تفترونه وَلا تَكْتُمُوا الْحَقَ نعت محمد وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) أنه حق وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) صلوا مع المصلين محمد وأصحابه. ونزل في علمائهم وكانوا يقولون لأقربائهم المسلمين اثبتوا على دين محمد فإنه حق أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ بالإيمان بمحمد وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ تتركونها فلا تأمرونها به\r______________________________\rالسماوية وزاد عليها. قوله: (من أهل الكتاب) هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره إن أول بعثة النبي في مكة وأول كافر أهلها ولم يأت للمدينة إلا بعد ثلاث عشرة سنة فليس كفار أهل الكتاب بأول كافر أجاب المفسر بأن المراد الذي في أيديهم الكتب بالنسبة لمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة. فليس المراد الأولية الحقيقية بل النسبية. قوله: (فإثمهم عليكم) أي لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عملها إلى يوم القيامة. قوله: (تستبدلوا) حول المفسر العبارة لأن الشراء ليس حقيقيا بل هو مطلق استبدال ومعاوضة. قوله: (من نعت محمد) أي أوصافه وأخلاقه التي ذكرت في التوراة والإنجيل. قوله: (من سفلتكم) أي عامتكم. قوله: وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ يقال فيه ما قيل في (و إياي فارهبون).\rقوله: وَلا تَلْبِسُوا من لبس بالفتح من باب ضرب وأما اللبس وهو سلك الثوب في العنق فمن باب تعب قوله: (الذي تفترونه) أي من تغيير صفات محمد. قوله: (صلوا مع المصلين) أشار بذلك إلى أنه من باب تسمية الكل باسم جزئه، وآثر الركوع على غيره لأنه لم يكن في شريعتهم، فكأنه قال: صلوا الصلاة ذات الركوع جماعة. قوله: (و نزل في علمائهم) فاعل نزل جملة أتأمرون الناس والضمير في علمائهم عائد على اليهود، ومثل ذلك يقال في علماء المسلمين لأن كل آية وردت في الكفار تجر ذيلها على عصاة المؤمنين، فالحاصل أن العالم إن كان كافرا فهو معذب من قبل عباد الوثن لأن وزر من كفر في عنقه، وأما إن كان مسلما ولكنه فرط في العمل بالعلم فهو أقبح العصاة عذابا، هذا هو الحق. فقوله:\rوعالم بعلمه لن يعملن ... معذب من قبل عباد الوثن\r\rمحمول على العالم الكافر كعلماء اليهود والنصارى. قوله: (لأقربائهم المسلمين) إنما فضحوا معهم ليأسهم من دنياهم.\rقوله: أَتَأْمُرُونَ سيأتي للمفسر أن الهمزة للإستفهام الإنكاري، ومحط الإستفهام قوله وتنسون أنفسكم، أي لا يليق منكم الأمر بالمعروف والبر لغيركم مع كونكم ناسين أنفسكم قال الشاعر:\rيا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم\r\rإلى أن قال:\rلا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم\r\rوقال الشاعر أيضا:\rأتنهى الناس ولا تنتهي ... متى تلحق القوم يا لكع\r\rويا حجر السن ما تستحي ... تسن الحديد ولا تقطع","part":1,"page":37},{"id":37,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 38\rوَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ التوراة وفيها الوعيد على مخالفة القول العمل أَفَلا تَعْقِلُونَ (44) سوء فعلكم فترجعون، فجملة النسيان محل الإستفهام الإنكاري وَاسْتَعِينُوا اطلبوا المعونة على أموركم بِالصَّبْرِ الحبس للنفس على ما تكره وَالصَّلاةِ أفردها بالذكر تعظيما لشأنها وفي الحديث كان صلّى اللّه عليه وسلّم إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة وقيل الخطاب لليهود لما عاقهم عن الإيمان الشره وحب الرياسة فأمروا بالصبر وهو الصوم لأنه يكسر الشهوة والصلاة لأنها تورث الخشوع وتنفي الكبر وَإِنَّها أي الصلاة لَكَبِيرَةٌ ثقيلة إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ (45) الساكنين إلى الطاعة الَّذِينَ\r______________________________\rقوله: (بالإيمان بمحمد) الأخصر حذف بالإيمان، فالبر اسم جامع لكل خير كما أن الإثم اسم جامع لكل شر. ولما كان الإيمان بمحمد يستلزم كل خير فسره به. وسيأتي تفسيره في قوله تعالى: (وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) الآية. قوله: (تتركونها) أشار بذلك إلى أنه من باب استعمال اللازم في الملزوم، أو السبب في المسبب، لأنه يلزم من نسيان الشيء تركه، وسبب الترك النسيان، والحكمة في ارتكاب المجاز الإشارة إلى أن الشأن أن العالم لا يقع منه ذلك إلا نسيانا. قوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ قال بعض المفسرين إن الفاء في مثل هذا الموضع مؤخرة من تقديم، وجملة تعقلون معطوفة على جملة تتلون، والمستفهم عنه ما بعد الفاء، التقدير فأي شيء لا تعقلونه، وقال الزمخشري إن الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، التقدير أتفعلون ذلك فلا تعقلون.\rقوله: وَاسْتَعِينُوا قيل إن هذا الخطاب للمسلمين، وقيل لليهود فعلى الأول تكون الجملة معترضة بين أجزاء القصة، وعلى الثاني لا اعتراض. قوله: (الحبس للنفس على ما تكره) أي من المصائب والطاعات وترك المعاصي، فأقسام الصبر ثلاثة: صبر على المصيبة، وصبر على دوام الطاعة، وصبر عن المعاصي فلا يفعلها، والكامل من تحقق بجميعها. قوله: (أفردها بالذكر) أي مع أنها داخلة في الصبر فذكر الخاص بعد العام لا بد له من نكتة، أجاب عن ذلك بقوله تعظيما لشأنها. قوله: (تعظيما لشأنها) أي من حيث إن الصلاة جامعة لأنواع للعبادة من تسبيح وتهليل وتكبير وذكر وصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وركوع وسجود، وفي الحديث لما أسرى به ورأى الملائكة منهم القائم لا غير، والراكع لا غير، وهكذا تمنى عبادة تجمع عبادات الملائكة فأعطي الصلاة. قوله: (إذا حزبه) بالباء والنون ومعناها همه وشق عليه، وهذا يؤيد أن الخطاب لمحمد وأصحابه. قوله: (الشره) أي الشهوة فالمانع لهم من الإيمان بمحمد الشهوات والكبر، ولكن قد يقال إن الكافر لا يصح منه صوم ولا صلاة حتى يدخل في الإسلام، فما معنى أمرهم بذلك، أجيب بأن المراد أمرهم بعد الإسلام. قوله: (لأنه يكسر الشهوة) أي يضعفها. قوله: (تورث الخشوع) هو خضوع النفس وسكونها تحت المقادير قوله: (ثقيلة) قوله تعالى: (وَ إِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى) الآية.\rقوله: إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ استثناء مفرغ مضمن معنى النفي، أي لا تسهل إلا على الخاشعين.\rقوله: (الساكنين) أي الماثلين المحبين للطاعة الذين اطمأنت قلوبهم لها، وفي الحديث أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وفي الحديث وجعلت قرة عيني في الصلاة، هكذا مشى المفسر على أن الضمير عائد على الصلاة، ويحتمل عوده على الإستعانة بالصبر والصلاة، ويحتمل عوده على ما تقدم من قوله:","part":1,"page":38},{"id":38,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 39\rيَظُنُّونَ يوقنون أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ بالبعث وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (46) في الآخرة فيجازيهم يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ بالشكر عليها بطاعتي وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ أي آباءكم عَلَى الْعالَمِينَ (47) عالمي زمانهم وَاتَّقُوا خافوا يَوْماً لا تَجْزِي فيه نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً هو يوم القيامة وَلا يُقْبَلُ بالتاء والياء مِنْها شَفاعَةٌ أي ليس لها شفاعة فتقبل فمالنا من\r______________________________\r(اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم)، أي وإن ما أمر به بنو إسرائيل لكبيرة. قوله: (يوقنون) أشار بذلك إلى أن الظن يستعمل بمعنى اليقين، وقد يستعمل اليقين بمعنى الظن، قال تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ) أي ظننتموهن.\rقوله: أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ أي يعتقدون أنهم يبعثون ويرون ربهم، فقوله بالبعث الباء سببية. قوله: وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ أي صائرون فيحاسبهم على أعمالهم فيدخلهم إما الجنة أو النار، وبهذا التفسير فلا تكرار بين قوله: (أنهم ملاقوا ربهم)، وبين قوله: (و أنهم إليه راجعون).\rقوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ كرر هذا النداء لطول الفصل، بناء على أن الخطاب في (و استعينوا بالصبر والصلاة) لغير بني إسرائيل ولتعداد النعم عليهم وللتأكيد لبلادتهم، فإن الذكي يفهم بالمثال الواحد ما لا يفهمه الغبي بألف شاهد. قوله: (بالشكر عليها) أي باتباع محمد والدخول في دينه، ولا ينفعهم الإنتساب لغيره مع وجوده. قوله: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ في تأويل مصدر معطوف على نعمتي أي اذكروا نعمتي وتفضيلي إياكم. قوله: (أي آباؤكم) اشارة إلى أنه على حذف مضاف، فالفضل ثابت لآبائهم المتقدمين لا لمن وجد في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم، فإن المصر منهم على الكفر من همج الهمج. قوله: (عالمي زمانهم) دفع بذلك ما يقال إن المراد بالعالمين ما سوى اللّه، فيقتضى أن بني إسرائيل أفضل مما سواهم من الأولين والآخرين، فأجاب بأن المراد بالعالمين عالمو زمانهم وهذا هو المرتضى، وهناك أجوبة أخر منها أن المراد بآبائهم الأنبياء وهو مخدوش بأن ابراهيم أفضل من أنبياء بني إسرائيل، ومحمدا أفضل الخلق جميعا، ومنها أن المراد تفضيل أمم بني إسرائل على جميع الأمم وهو مخدوش أيضا بأن أمة محمد أفضل الأمم جميعا باتفاق لقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، ولذلك طلب موسى أن يكون منهم فلم يتم إلا الأول.\rقوله: وَاتَّقُوا أصله أوتقوا قلبت الواو تاء وأدغمت في التاء، وقوله يوما مفعول به وليس ظرفا لأن الخوف واقع على اليوم لا في اليوم. قوله: لا تَجْزِي (فيه) صفة ليوما وقدر المفسر قوله فيه إشارة للرابط، وحذف لأنه يتوسع في الظروف ما لا يتوسع في غيرها. قوله: عَنْ نَفْسٍ متعلق بتجزي ونفس فاعل تجزي وهو بمعنى تغني أي لا تغني نفس مؤمنة عن نفس كافرة شيئا من عذاب اللّه، وأما قوله يحشر المرء مع من أحب أي إذا كان المحب مؤمنا، والأصول لا تنفع الفروع إلا إذا كان مع الفروع إيمان، قال تعالى: (بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ). قوله: (بالتاء الياء) قراءتان سبعيتان فعلى التاء الأمر ظاهر، وعلى الياء لأنه مجازي التأنيث، فيصح تذكير الفعل وتأنيثه. قوله: مِنْها شَفاعَةٌ أي النفس المؤمنة لا تقبل شفاعتها في النفس الكافرة. قوله: (و ليس لها شفاعة فتقبل) أي لم يؤذن لها في أصل الشفاعة حتى يتسبب عنها القبول، وليس المراد أنها تشفع ولكن لا يقبل منها تلك الشفاعة لقوله تعالى: (فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ)","part":1,"page":39},{"id":39,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 40\rشافعين وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ فداء وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) يمنعون من عذاب اللّه وَاذكروا إِذْ نَجَّيْناكُمْ أي آباءكم والخطاب به وبما بعده للموجودين في زمن نبينا بما أنعم على آبائهم تذكيرا لهم بنعمة اللّه تعالى ليؤمنوا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ يذيقونكم سُوءَ الْعَذابِ أشده، والجملة حال من ضمير أنجيناكم يُذَبِّحُونَ بيان لما قبله أَبْناءَكُمْ المولودين وَيَسْتَحْيُونَ يستبقون نِساءَكُمْ لقول بعض الكهنة له إن مولودا يولد في بني إسرائيل يكون سببا\r______________________________\rوخير ما فسرته بالوارد كما أشار لذلك المفسر. قوله: وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ الضمير عائد على النفس الكافرة، والعدل بالفتح الفداء، ويطلق على المماثل في القدر لا في الجنس، وأما المماثل في الجنس فبالكسر. قوله: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ جمع باعتبار أفراد النفس، لأن المراد بها جنس الأنفس، وأتى بالجملة اسمية للتأكيد، والمعنى ليس لهم مانع يمنعهم من عذاب اللّه.\rقوله: إِذْ نَجَّيْناكُمْ معطوف على نعمتي مسلط عليه اذكروا الأول أي اذكروا نعمتي وتفضيلي إياكم ووقت إنجائي لكم، والمقصود ذكر الإنجاء أو معطوف على جملة اذكروا، فقول المفسر اذكروا ليس تقديرا للعامل الأول بل هو عامل مماثلة، وهكذا يقال فيما يأتي ما فيه إذ من جميع ما يتعلق ببني إسرائيل.\rقوله: (أي آبائكم) ويصح أن النجاة لهم إذ لو غرقت أصولهم ما وجدوا، والنجاة مأخوذة من النجوة وهي الأرض المرتفعة، والوضع عليها ليسلم من الآفات يسمى إنجاء لهم ثم أطلق على كل خلوص من ضيق إلى سعة، فالمعنى خلصناهم من الهلكات. قوله: (بما أنعم على آبائهم) أي وعدد عليهم نعما عشرة نهايتها (و إذ استسقى).\rقوله: مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ لا يرد أن الآل لا يضاف إلا لذي شرف لأن فرعون ذو شرف دنيوي، والمراد أعوانه وكانوا يوم الغرق ألف ألف وسبعمائة ألف غير المتخلفين بمصر، وكانت الخيل الدهم سبعين ألفا، وبنو إسرائيل كانوا ستمائة ألف وعشرين ألفا وعند دخول يعقوب مصر كانوا سبعين نفسا ذكورا وإناثا، وبين موسى ويعقوب أربعمائة سنة، فكمل فيها ذلك العدد مع كثرة قتل الأطفال وموت الشيوخ، فسبحان الخلاق العظيم، وفرعون اسمه الوليد بن مصعب بن الريان، وفرعون لقب له من الفرعنة وهي العتو والتمرد، ومدة ادعائه الألوهية أربعمائة سنة، وكان يأكل كل يوم فصيلا، وكان لا يتغوط إلا كل أربعين يوما مرة، وفرعون اسم لكل من ملك العمالقة، كما أن قيصر اسم لمن ملك الروم، وكسرى لمن ملك الفرس، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وتبع لمن ملك اليمن، وخافان لمن ملك الترك. قوله:\r(يذيقونكم) أي على سبيل الدوام. قوله: سُوءَ الْعَذابِ اسم جامع لكل ما يعم النفس كالشر وهو ضد الخير، إن قلت إن العذاب شيء أجاب المفسر بأن المراد أشده. قوله: (بيان لما قبله) أي لبعض ما قبله فإنهم يعذبون بأنواع العذاب، فكانوا يخدمون أقوياء بني إسرائيل في قطع الحجر والحديد والبناء وضرب الطوب والنجارة وغير ذلك وكان نساؤهم يغزلن الكتان لهم وينسجنه، وضعفاؤهم يضربون عليهم الجزية، وإنما قلنا لبعض ما قبله لأن ذبح الأولاد وما ذكر معه ليس هو عين أشد العذاب بل بعضه بدليل سورة إبراهيم فإنها بالعطف وهو يقتضي المغايرة.\rقوله: وَيَسْتَحْيُونَ أصله يستحييون بياءين الأولى عين الكلمة والثانية لامها استثقلت الكسرة","part":1,"page":40},{"id":40,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 41\rلذهاب ملكك وَفِي ذلِكُمْ العذاب أو الإنجاء بَلاءٌ ابتلاء أو إنعام مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) اذكروا وَإِذْ فَرَقْنا فلقنا بِكُمُ بسببكم الْبَحْرَ حتى دخلتموه هاربين من عدوكم فَأَنْجَيْناكُمْ من الغرق وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ قومه معه وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) إلى انطباق البحر عليهم وَإِذْ واعَدْنا بألف ودونها مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً نعطيه عند انقضائها\r______________________________\rعلى الياء الأولى فحذفت فالتقى ساكنان حذفت الياء لالتقاء الساكنين، وقيل حذفت الياء الثانية تخفيفا، وضمت الأولى لمناسبة الواو، فعلى الأولى وزنه يستفلون وعلى الثاني وزنه يستفعون. قوله: (لقول بعض الكهنة) أي حين دعاهم ليقص عليهم ما رآه في النوم، وهو أن نارا أقبلت من بين المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، فشق عليه ذلك ودعا الكهنة وسألهم عن ذلك فقالوا له ما ذكر. قوله: (أو الإنجاء) أي من حيث عدم الشكر عليه فصار الإنجاء بلاء، فالبلاء يطلق عليه الخير والشر، قال تعالى: (وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً). قوله: (ابتلاء) راجع للعذاب، وقوله أو إنعام راجع للإنجاء فهو لف ونشر مرتب.\rقوله: وَ(اذكروا) إِذْ فَرَقْنا هذا من جملة المعطوف على نعمتي أو على اذكروا، فالمقصود تعداد النعم عليهم وفرق من باب قتل ميز الشيء من الشيء، قال تعالى: (وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ) أي ميزنا به الحق من الباطل. قوله: (فلقنا) الفلق والفرق بمعنى واحد، قال تعالى: (فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ). قوله: الْبَحْرَ هو الماء الكثير عذبا أو ملحا، لكن المراد هنا الملح، والمراد به بحر القلزم. قوله: آلَ فِرْعَوْنَ يطلق آل الرجل عليه وعلى آله. قال تعالى: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) والمراد محمد وآله (و لقد كرمنا بني آدم) المراد آدم وبنوه.\rقوله: (إلى انطباق البحر) إشارة إلى أن المتعلق محذوف. قوله: (بألف ودونها) أي فهما قراءتان سبعيتان، فعلى الألف المواعدة من اللّه بإعطاء التوراة، ومن موسى برياضته الأربعين يوما وإتيانه جبل الطور لأخذ التوراة وعلى عدمها فالأمر ظاهر.\rقوله: مُوسى هو اسم عجمي غير منصرف وهو في الأصل مركب والأصل موشى بالشين لأن الماء بالعبرانية يقال له مو. والشجر يقال له شيء، فغيرته العرب وقالوه بالسين سمي بذلك، لأن فرعون أخذه من بين الماء والشجر حين وضعته أمه في الصندوق وألقته في اليم كما سيأتي في سورة القصص، وهذا بخلاف موسى الحديد فإنه عربي مشتق من أوسيت رأسه إذا حلقته، وعاش موسى مائة وعشرين سنة.\rقوله: أَرْبَعِينَ لَيْلَةً إشارة إلى غاية المدة، وأما في سورة الأعراف فبين المبدأ والمنتهى، قال تعالى:\r(وَ واعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) وهي ذو العقدة وعشر ذي الحجة، واقتصر على ذكر الليالي مع أن النهار تبع لها لأن الليل محل الصفا والأنس والعطايا الربانية. قوله: (عند انقضائها أي فراغها فبعد تمام الخدمة من العبد العطايا من الرب، قال عليه الصلاة والسّلام: «تمام الرباط أربعون يوما». قوله: (التوراة) أي في ألواح من زبرجد فيها الأحكام التكليفية من خرج عنها فهو ضال مضل لقوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ) الآية، وأعطاه أيضا ألواحا أخر فيها مواعظ وأسرار ومعارف، قال تعالى: (وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ) يخص بها من شاء فلما رجع بها ووجدهم قد عبدوا العجل ألقى الألواح فتكسر ما عدا التوراة، كذا قالوا هنا، وسيأتي تحقيق","part":1,"page":41},{"id":41,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 42\rالتوراة لتعلموا بها ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ الذي صاغه لكم السامري إلها مِنْ بَعْدِهِ أي بعد ذهابه إلى ميعادنا وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (51) باتخاذه لوضعكم العبادة في غير محلها ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ محونا ذنوبكم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الإتخاذ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) نعمتنا عليكم وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة وَالْفُرْقانَ عطف تفسير أي الفارق بين الحق والباطل والحلال والحرام لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) به من الضلال وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ الذين عبدوا العجل يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ إلها فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ خالقكم من عبادته فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي ليقتل البريء منكم المجرم ذلِكُمْ القتل خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فوفّقكم لفعل ذلك وأرسل عليكم سحابة سوداء لئلا يبصر بعضكم بعضا فيرحمه حتى قتل منكم نحو سبعين ألفا فَتابَ عَلَيْكُمْ قبل توبتكم إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) وَإِذْ قُلْتُمْ وقد خرجتم مع موسى لتعتذروا إلى اللّه من عبادة العجل وسمعتم كلامه يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً عيانا فَأَخَذَتْكُمُ\r______________________________\rذلك في الأعراف. قوله: (السامري) واسمه موسى وكان ابن زنا ولدته أمه في الجبل وتركته لخوفها من قومها، فرباه جبريل وكان يسقيه من أصبعه لبنا فصار يعرف جبريل، ويعرف أن أثر حافر فرس جبريل إذا وضع على ميت يحيا، فاستعار حليا منهم وصاغة عجلا ووضع التراب في أنفه وفمه فصار له خوار، وكان السامري منافقا من بني إسرائيل فعكفوا على عبادته جميعا إلا اثني عشر ألفا قال بعضهم:\rإذا المرء لم يخلق سعيدا من الأزل ... قد خاب من ربى وخاب المؤمل\r\rفموسى الذي رباه جبريل كافر ... وموسى الذي رباه فرعون مرسل\rقوله: (إلها) قدره إشارة للمفعول الثاني لاتخذ هذا إذا كانت بمعنى جعل، وأما إن كانت بمعنى عمل نصبت مفعولا واحدا.\rقوله: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي تتدبرون في معانيه فتعلموا الحق من الباطل\rقوله: بِاتِّخاذِكُمُ من إضافة المصدر لفاعله، والعجل مفعول أول وإلها مفعول ثان. قوله: إِلى بارِئِكُمْ البارىء هو الخالق للشيء على غير مثال سابق. قوله: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ هذا بيان لتوبتهم.\rقوله: (أي ليقتل البريء إلخ) ورد أنهم أمروا جميعا بالإحتباء، فصار الواحد منهم يقتل أخاه أو ابنه فشق عليهم ذلك، فشكوا لموسى ذلك فتضرع موسى لربه فأرسل عليهم سحابة سوداء مظلمة كما قال المفسر.\rقوله: فَتابَ عَلَيْكُمْ أي لما تضرع موسى وهارون وبكيا، فأرسل اللّه جبريل يأمرهم بالكف عن الباقي وأخبرهم أن اللّه قبل توبة من قتل ومن لم يقتل، وقوله فتاب عليكم الفاء سببية مرتب على محذوف قدره المفسر بقوله: فوفقكم لفعل ذلك إلخ، وقوله حتى قتل منكم نحو سبعين ألفا أي في يوم واحد.\rقوله: التَّوَّابُ أي الذي يقبل التوبة كثيرا. قوله: الرَّحِيمُ أي المنعم المحسن. قوله: (و قد خرجتم إلخ) بيان للسبب، وحاصل ذلك أنه بعد قبول توبتهم، أوحى اللّه إلى موسى أن خذ من قومك سبعين رجلا ممن لم يعبدوا العجل ومرهم بطهارة الثياب والأبدان والذهاب معك إلى جبل الطور ليعتذروا عمن عبدوا العجل ويستغفروا ويتوبوا، فاختارهم وذهبوا معه إلى جبل الطور فسمعوا كلام اللّه ورد أن اللّه قال لهم إني أنا اللّه لا إله إلا أنا أخرجتكم من أرض مصر بيد شديدة فاعبدون ولا تعبدوا غيري، فقالوا: (يا موسى لن نؤمن لك الآية).\rقوله: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ أي لن نصدقك في أن المخاطب لنا","part":1,"page":42},{"id":42,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 43\rالصَّاعِقَةُ الصيحة فمتم وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ما حل بكم ثُمَّ بَعَثْناكُمْ أحييناكم مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) نعمتنا بذلك وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ سترناكم بالسحاب الرقيق من حر الشمس في التيه وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ فيه الْمَنَّ وَالسَّلْوى هما الترنجبين والطير السمانى بتخفيف الميم والقصر وقلنا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ولا تدخروا فكفروا النعمة وادخروا فقطع عنهم وَما ظَلَمُونا بذلك وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) لأن وباله عليهم\r______________________________\rربنا. قوله: (الصيحة) قيل صاح عليهم ملك، وقيل نزلت عليهم نار فأحرقتهم، وجمع بأنه أصابهم كل منهما. قوله: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أي فماتوا مترتبين واحدا بعد واحد ومكثوا ميتين يوما وليلة والحي ينظر للميت. قوله: (ما حل بكم) إشارة إلى مفعول تنظرون.\rقوله: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ أي واحدا بعد واحد لتعتبروا وهذا الموت حقيقي وإنما أحيوا بشفاعة موسى ليستوفوا آجالهم المقدرة لهم، وما ذكره المفسر من أن السائل لرؤية اللّه جهرة هم السبعون المختارون للمناجاة أحد طريقتين والثانية أن السائل غيرهم، وأما المختارون فصعقوا من هيبة اللّه ولم يسألوا رؤية ولم يكن منهم انكار، فتضرع موسى لربه وقال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا، فأحياهم اللّه بعد ذلك، ويشهد لذلك ما في آية النساء فإن ما فيها يدل على أن طلب الرؤية كان قبل عبادة العجل. وأما السبعون المختارون للمناجاة فكانوا بعد عبادة العجل قالت تعالى في سورة النساء:\r(فقالوا أرنا اللّه جهرة) الآية، وأما ما هنا فالواو لا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا فإن ما هنا بصدد تعداد ما قالوا، ويشهد لذلك أيضا أنه عبر في جانب من طلب الرؤية بالصاعقة وهي أخذة غضب، وفي جانب من يسمع الكلام بالرجفة وهي أخذة هيبة، ولا تقتضي الغضب إذ علمت ذلك، فما مشى عليه المفسر مشكل من وجوه والأقرب الطريقة الثانية. قوله: (سترناكم بالسحاب) حاصله أن اللّه أوحى إلى موسى أن في أريحا قوما جبارين فتجهز لقتالهم، فخرج في ستمائة ألف فلما وصل التيه واد بين الشام ومصر وقدره تسعة فراسخ مكثوا فيه أربعين سنة متحيرين، وكانوا يبتدئون السير من أول النهار فإذا جاء الليل وجدوا أنفسهم في المبتدأ وهكذا، وسيأتي بسطه في المائدة، ومات هارون قبل موسى بسنة وكانت بالتية، ولما توفي هارون وذهب موسى لدفنه أشاعوا أنه قتل أخاه فذهب إلى قبره ودعاهم وسأله عن سبب موته فبرأه، ولما حضرت موسى الوفاة تمنى أن يدفن بمحل قريب من الأرض المقدسة قدر رمية الحجر فأجابه اللّه، ثم لما مات ومات كبارهم نبىء يوشع بن نون عليهم فوقفوا بعد تمام الأربعين سنة لقتال الجبارين، فتوجه مع من بقي من بني اسرائيل فكان النصر على يديه. قوله: (الترنجين) شيء يشبه العسل الأبيض وقيل هو هو. قوله:\r(و الطير السمانى) أي بإرسال ريح الجنوب به، قيل كان يأتيهم مطبوخا، وقيل كانوا يطبخونه بأيديهم، قيل هو الطير المعروف وقيل طير يشبهه.\rقوله: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ أي مستلذات الذي رزقناكموه، فما اسم موصول وما بعده صلة والعائد محذوف، ويصح أن تكون نكرة والجملة بعدها صفة، وأن تكون مصدرية والجملة صلتها ولم تحتج إلى عائد ويكون المصدر واقعا موقع المفعول أي من طيبات مرزوقنا. قوله: (فقطع عنهم) هذا أحد تفسيرين أن القطع بسبب الإدخار، وقيل إن القطع بسبب تمني غيره كما يأتي في قوله تعالى: (وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ). قوله: وَلكِنْ كانُوا جمع في هذه الآية وآية الأعراف بين لكن وكانوا واقتصر على لكن، ولم يذكر كانوا في آل عمران، لأن ما هنا","part":1,"page":43},{"id":43,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 44\rوَإِذْ قُلْنَا لهم بعد خروجهم من التية ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ بيت المقدس أو أريحا فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً واسعا لا حجر فيه وَادْخُلُوا الْبابَ أي بابها سُجَّداً منحنين وَقُولُوا مسألتنا حِطَّةٌ أي أن تحط عنا خطايانا نَغْفِرْ وفي براءة بالياء والتاء مبنيا للمفعول فيهما لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) بالطاعة ثوابا فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا منهم\r______________________________\rوالأعراف حكاية عن بين إسرائيل، وأما آل عمران فمثل ضربه اللّه فهو مستمر إلى الآن فناسب عدم التعبير بكان.\rقوله: قُلْنَا (لهم) القائل اللّه سبحانه وتعالى على لسان موسى وهم في التية بطريق الكشف والمعنى إذا خرجتم من التيه بعد مضي الأربعين سنة فادخلوا إلخ، وأما إن كان بعد الخروج من التيه فيكون ذلك على لسان يوشع وهو المعتمد. قوله: هذِهِ الْقَرْيَةَ هذه منصوبة عند سيبويه على الظرف، وعند الأخفش على المفعولية، والقرية نعت لهذه أو عطف بيان وهي مشتقة من قريت أي جمعت لجمعها لأهلها، وهي في الأصل اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وقد تطلق عليهم مجازا، وقوله تعالى:\r(وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ) يحتمل الوجهين. قوله: (بيت المقدس) هو قول مجاهد، وقوله أو أريحا هو قول ابن عباس المقدس وهي بفتح الهمزة وكسر الراء والحاء المهملة قرية بالغور بغين معجمة مكان منخفض بين بيت المقدس وحوران، وعبارة الخازن قال ابن عباس القرية هي أريحا قرية الجبارين، قيل كان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم العمالقة ورأسهم عوج بن عنق.\rقوله: فَكُلُوا أتى بالفاء لأن الأكل منها إنما يكون بعد الدخول فحسن الترتيب، ولم يأت بالفاء في الأعراف بل أتى بالواو لتعبيره هناك اسكنوا وهو بجامع الأكل، فلم يحصل بينهما ترتيب فلذا أتى بالواو بخلاف الدخول فيعقبه الأكل عادة فلذلك أتى بالفاء. قوله: (أي بابها) أي أريحا وهو المعتمد والمراد أي باب من أبوابها وكان لها سبعة أبواب أو بيت المقدس، ومن قال بذلك فالمراد باب من أبواب المسجد يسمى الآن بباب حطة. قوله: (منحنين) أي على صورة الراكع، وقيل إن السجود حقيقة وهو وضع الجبهة على الأرض، وقيل المراد بالسجود التواضع والذل للّه والأمر بالسجود قيل لصغر الباب وقيل تعبدي. قوله: (مسألتنا) إشارة إلى أن حطة خبر لمحذوف قدره المفسر، والجملة في محل نصب مقول القول، وحطة بوزن قعدة أو جلسة ومعناها حطيطة الذنوب عنا. قوله: (خطايانا) جمع خطيئة وهي الذنوب التي ارتكبوها من عبادة العجل، وقولهم أرنا اللّه جهرة إلى غير ذلك، وفي قراءة شاذة بنصب حطة إما مفعول مطلق أي حط عنا الذنوب حطة أو مفعول لمحذوف أي نسألك حطة ومعنى حطها إزالتها ومحوها.\rقوله: نَغْفِرْ هذه القراءة تناسب ما قبلها وما بعدها لأنه تكلم. قوله: (و في قراءة بالياء والتاء) أي وهما مناسبان لمعنى الخطايا والخطايا مجازي التأنيث، فلذلك جاز تذكير الفعل وتأنيثه. قوله:\rخَطاياكُمْ جمع خطيئة وأصله خطائي بياء قبل الهمزة فقلبت تلك الياء همزة مكسورة فاجتمع همزتان فقلبت الثانية ياء وقلبت كسرة الهمزة الأولى فتحة، ثم يقال تحركت الياء التي بعد الهمزة وانفتح ما قبلها فقلبت الفا فصار خطاءا بألفين بينهما همزة فاستثقل ذلك لأن الهمزة تشبه الألف، فكأنه اجتمع ثلاث","part":1,"page":44},{"id":44,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 45\rقَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فقالوا حبة في شعرة ودخلوا يزحفون على أستاههم فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فيه وضع الظاهر موضع المضمر مبالغة في تقبيح شأنهم رِجْزاً عذابا طاعونا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (59) بسبب فسقهم أي خروجهم عن الطاعة فهلك منهم في\r______________________________\rالفات متواليات فقلبت الهمزة ياء للخفة هنا، ففيه خمس إعمالات قلب الياء التي قبل الهمزة همزة ثم قلب الهمزة الثانية ياء ثم قلب كسرة الأولى فتحة ثم قلب الثانية الفا ثم قلب الأولى ياء تأمل، وخطايا هنا باتفاق القراء، وأما في الإعراف فيقرأ خطيئات، وحكمة ذلك أنه هنا أسند القول لنفسه فهو يغفر الذنوب وإن عظمت فناسب التعبير بخطايا الذي هو جمع كثرة، وفي الأعراف بنى الفعل للمجهول فعبر بجمع القلة، وقوله نغفر مجزوم في جواب قوله ادخلوا المقيد بالسجود وبالقول. قوله: وَسَنَزِيدُ عبر بالسين والمضارع إشارة إلى أن المحسن لا ينقطع ثوابه بل دائما يتجدد شيئا فشيئا.\rقوله: الَّذِينَ ظَلَمُوا حكمة الإتيان بذلك الزيادة في التقبيح عليهم. قوله: (منهم) قدرها هنا لأنه ذكرها في الأعراف، والقصة واحدة فما تركه هنا قدره هناك وبالعكس. قوله: قَوْلًا أي وفعلا ففيه اكتفاء على حد سرابيل تقيكم الحر أي والبرد، أو المراد بالقول الأمر الإلهي وهو يشمل القول والفعل كأنه قال فبدل الذين ظلموا أمرا غير الذي أمروا به. قوله: (فقالوا حبة في شعرة إلخ) لف ونشر مشوش لأن هذا راجع إلى حطة، وقوله: (و دخلوا إلخ) راجع لقوله سجدا، وما فسر به المفسر هو الصحيح لأنه حديث البخاري، وقيل قالوا حنطة في شعرة أو شعيرة أو حنطة حمراء في شعرة سوداء أو حنطة بيضاء في شعرة سوداء، ومعنى حبة في شعرة جنس الحب وجنس الشعر أي نسألك حبا في زكائب من شعر. قوله:\r(و دخلوا يزحفون) وقيل إنهم مستلقين على ظهورهم. قوله: (على أستاههم) جمع سته وهو الدبر أي أدبارهم. قوله: رِجْزاً هو في الأصل فناء ينزل بالإبل أطلق وأريد منه مطلق الفناء. قوله: (بسبب فسقهم) أشار بذلك إلى أن الباء سببية وما مصدرية تسبك مع ما بعدها بمصدر، ومشى المفسر على أن كان تتصرف فسبكه من الخبر، وقيل إن كان متصرفة يأتي منها المصدر لقول الشاعر:\rببذل وحلم ساد في قومه الفتى ... وكونك إياه عليك يسير\r\rفعليه أن ما تسبك بها بمصدر أي بكونهم فاسقين وهو المعتمد. قوله: (فهلك منهم إلخ) أي فالطاعون عذاب لهم بخلاف الأمة المحمدية فإنه رحمة لهم من مات به أو في زمنه كان شهيدا، وقد ذكروا أن في الآية سؤالات، الأول: قوله هنا وإذ قلنا، وفي الأعراف وإذ قيل، وأجيب بأنه صرح هنا بالفاعل لإزالته الإبهام وحذفه في الأعراف للعلم به مما هنا. الثاني: قال هنا ادخلوا وهناك اسكنوا، وأجيب بأن الدخول مقدم على السكنى فذكر الدخول في السورة المتقدمة، والسكنى في المتأخرة على حسب الترتيب الطبيعي. الثالث: قال خطاياكم باتفاق السبعة وهناك خطيئاتكم في بعضها وتقدم جوابه. الرابع: ذكر هنا رغدا وحذفه من هناك، والجواب أن القصة ذكرت هنا مبسوطة وهناك مختصرة. الخامس: قدم هنا دخول الباب على قولوا حطة وعكس هناك، وأجيب بأن ما هنا هو الأصل في الترتيب وعكس فيما يأتي اعتناء بحط الذنوب. السادس: إثبات الواو في وسنزيد هنا وحذفها هناك، وأجيب بأنه لما تقدم أمران كان المجيء بالواو مؤذنا بأن مجموع الغفران والزيادة جزء واحد لمجموع الأمرين، وحيث تركت الواو أفاد","part":1,"page":45},{"id":45,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 46\rساعة سبعون ألفا أو أقل وَاذكر إِذِ اسْتَسْقى مُوسى أي طلب السقيا لِقَوْمِهِ وقد عطشوا في التية فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ وهو الذي فر بثوبه خفيف مربع كرأس الرجل رخام أو كذان فضربه فَانْفَجَرَتْ انشقت وسالت مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً بعدد الأسباط\r______________________________\rتوزيع كل واحد على كل واحد من الأمرين، فالغفران في مقابلة القول، والزيادة في مقابلة ادخلوا.\rالسابع: لم يذكر هنا منهم وذكرها هناك، واجيب بأن أول القصة في الأعراف مبني على التخصيص بلفظ من حيث قال ومن قوم موسى أمة فذكر لفظ منهم آخرا ليطابق الآخر الأول. الثامن: ذكر هنا انزلنا وهناك أرسلنا وأجيب بأن الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر، والإرسال يفيد تسلطه عليهم واستئصالهم بالكلية، وهذا إنما يحدث في آخر الأمر. التاسع: هنا يفسقون وهناك يظلمون، وأجيب بأنه لما بين هنا كون ذلك الظلم فسقا، اكتفى بذكر الظلم هناك لأجل ما تقدم من البيان هنا. العاشر: قوله تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا فيه إخبار بالمجازاة عن المخالفة في القول دون الفعل، وجوابه ما تقدم فلتحفظ.\rقوله: وَ(اذكر) أي يا محمد، والمناسب لما تقدم وما يأتي أن يقدر اذكروا ويكون خطابا لبني إسرائيل بتعداد النعم عليهم، والأول وإن كان صحيحا إلا أنه خلاف النسق. قوله: (أي طلب السقيا) أشار بذلك إلى أن السين والتاء للطلب، والفعل إما رباعي أو ثلاثي، يقال سقى وأسقى قال تعالى:\r(وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً) (وَ أَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً) والمصدر سقيا والإسم السقيا. قوله: (و قد عطشوا في التية) أشار بذلك إلى أن المراد بقومه من كان معه في التية لا جميعهم، وتقدم أنهم ستمائة ألف غير دوابهم، وقدر مسافة الأرض التي تكفيهم اثنا عشر ميلا، وعطش من باب ضرب وعلم. قوله: فَقُلْنَا القائل اللّه على لسان جبريل أو غيره. قوله: بِعَصاكَ كانت من آس الجنة طولها عشرة اذرع وطول موسى كذلك، وكان لها شعبتان تضيئان له في الظلام وتظلانه في الحر، وكانت تسوق له الغنم وتطرد عنها الذئاب. قوله: (و هو الذي فر بثوبه) أي حين رموه بالإدرة وهي انتفاخ الخصية، وكان بنو اسرائيل لا يبالون بكشف العورة، فأراد موسى الغسل فوضع ثوبه على ذلك الحجر ففر بذلك الثوب فخرج موسى من الماء وقال ثوبي حجر ثوبي حجر، فنظر بنو إسرائيل لعورته فلم يروه كما ظنوا. قال تعالى: (فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا) وهذا الحجر قيل أخذه هو والعصا من شعيب، وقيل إن الحجر أخذه من وقت فراره بثوبه وكان طوله ذراعا وعرضه كذلك وله جهات أربع في كل جهة ثلاثة أعين، فكان يضربه بالعصا عند طلب السقيا فتخرج منه اثنتا عشرة عينا بعدد فرق بني إسرائيل، وتلك العصا كانت من الجنة خرجت مع آدم مع عدة أشياء نظمها سيدي على الأجهوري بقوله:\rوآدم معه أنزل العود والعصا ... لموسى من الآس النبات المكرم\r\rوأوراق تين واليمين بمكة ... وختم سليمان النبي المعظم\r\rقوله: (أو كذان) بفتح الكاف وتشديد الذال المعجمة الحجر اللين. قوله: (فضربه) أشار بذلك إلى أن الفاء في قوله فانفجرت عاطفة على محذوف.\rقوله: فَانْفَجَرَتْ عبر هنا بالإنفجار، وفي الأعراف بالإنبجاس إشارة إلى أن ما هنا بيان للغاية، وما في الأعراف بيان للمبدأ فإن مبدأ خروج الماء الرشح الذي هو الإنبجاس، ثم إذا قوي سمي انفجارا","part":1,"page":46},{"id":46,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 47\rقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ سبط منهم مَشْرَبَهُمْ موضع شربهم فلا يشركهم فيه غيرهم وقلنا لهم كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) حال مؤكدة لعاملها من عثى بكسر المثلثة أفسد وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ أي نوع منه واحِدٍ وهو المن والسلوى فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا شيئا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ للبيان بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها حنطتها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ لهم موسى أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى أخس بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ أشرف أي أتأخذونه بدله والهمزة للإنكار فأبوا أن يرجعوا فدعا اللّه تعالى فقال تعالى اهْبِطُوا انزلوا مِصْراً من الأمصار فَإِنَّ لَكُمْ فيه ما سَأَلْتُمْ من النبات وَضُرِبَتْ جعلت عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ الذل والهوان وَالْمَسْكَنَةُ أي أثر الفقر من السكون والخزي فهي لازمة لهم وإن كانوا أغنياء لزوم الدرهم المضروب لسكته وَباؤُ رجعوا\r______________________________\rوقيل معناهما واحد. قوله: اثْنَتا فاعل انفجرت مرفوع بالألف لأنه ملحق بالمثنى وعشرة بمنزلة النون في المثنى. قوله: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ أي فكانت كل عين تأتي لقبيلة واعظم من هذه المعجزة نبع الماء من اصابع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: مِنْ رِزْقِ اللَّهِ تنازعه كل من كلوا واشربوا، فأعمل الأخير، وأضمر في الأول، وحذف، والمراد بالرزق المرزوق، وهو بالنسبة للأكل المن والسلوى. قوله: (مؤكدة لعاملها) وحكمة ذلك عظم بلادتهم، فنزلوا منزلة الساهي والغافل. قوله: (من عثى) أي والمصدر عثيا بضم العين وكسرها.\rقوله: وَإِذْ قُلْتُمْ أي واذكروا إذ قالت أصولكم. قوله: (أي نوع منه) جواب عن سؤال كيف يقولون واحد مع أنهما اثنان، فأجاب المراد وحدة النوع الذي هو الطعام المستلذ. قوله: (شيئا) قدره إشارة إلى أن مفعول يخرج محذوف. قوله: مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ بيان لذلك الشيء. قوله: (بيان) أي بيان ما تنبته الأرض. قوله: بَقْلِها هو ما لا ساق له، كالكراث والفجل والملوخية وشبهها. قوله:\rوَقِثَّائِها هي الخضراوات، كالبطيخ والخيار وغير ذلك. قوله: (حنطتها) قيل هو الثوم، لأن الثاء تقلب فاء في اللغة، والأقرب ما قاله المفسر. قوله: (قال لهم موسى) وقيل القائل اللّه على لسان موسى.\rقوله: بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ الباء داخلة على المتروك. قوله: (للإنكار) أي التوبيخي. قوله: (فدعا اللّه) أشار بذلك إلى أن قوله اهبطوا مرتب على محذوف. قوله: اهْبِطُوا يطلق الهبوط على النزول من أعلى لأسفل، وعلى الإنتقال من مكان لمكان، وهو المراد. إن قلت: ظاهر الآية أنهم متمكنون من الإنتقال، مع أن الأمر ليس كذلك- أجيب: بأن ذلك على سبيل التوبيخ واللوم عليهم في ذلك تقدير الكلام، أن مطلوبكم يكون في الأمصار، فإن كنتم متمكنين منها فلكم ما سألتم، وإلا فاصبروا على حكم اللّه. قوله:\rمِصْراً بالتنوين لجمهور القراء، ولم يقرأ بعدمه إلا الحسن وأبي للعلمية والتأنيث، ونظيرها يجوز فيه الصرف وعدمه، لأنه اسم ثلاثي ساكن الوسط. قوله: عَلَيْهِمُ أي على ذرياتهم إلى يوم القيامة وكل من نحا نحوهم. قوله: (أي أثر الفقر) أي القلبي ولو كثرت أمواله، قال عليه الصلاة والسّلام: «الفقر سواد الوجه في الدارين». قوله: (لزوم الدرهم إلخ) الكلام على القلب أي لزوم السكة للدرهم، والمراد بالسكة أثرها، لأن السكة اسم للحديدة المنقوشة يضرب عليها الدراهم، فكذلك لا يخلو يهودي من آثار","part":1,"page":47},{"id":47,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 48\rبِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ أي الضرب والغضب بِأَنَّهُمْ أي بسبب أنهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ كزكريا ويحيى بِغَيْرِ الْحَقِ أي ظلما ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (61) يتجاوزون الحد في المعاصي وكرره للتأكيد إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالأنبياء من قبل وَالَّذِينَ هادُوا هم اليهود وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ طائفة من اليهود أو النصارى مَنْ آمَنَ منهم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ في زمن نبينا وَعَمِلَ صالِحاً بشريعته فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ\r______________________________\rالفقر، قال المفسرون: مبدأ زيادة الذلة والغضب من وقت إشاعتهم قتل عيسى. قوله: بِآياتِ اللَّهِ أي المعجزات التي أتى بها موسى وعيسى ومحمد صلوات اللّه وسلامه عليهم. قوله: (كزكريا) أي بالنشر حين أوى إلى شجرة الأثل فانفتحت له فدخلها فنشروها معه. قوله: (و يحيى) أي قتلوه على كلمة الحق، ورد أنهم قتلوا في يوم واحد سبعين نبيا وأقاموا سوقهم. قوله: بِغَيْرِ الْحَقِ من المعلوم أن قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق، وإنما ذكره إشارة إلى أن اعتقادهم موافق للواقع، فهم يعتقدون أنه بغير الحق كما هو الواقع. قوله: (بما عصوا) أصله عصيوا تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا ثم حذفت لإلتقاء الساكنين وبقيت الفتحة لتدل عليها. قوله: (و كرره) أي اسم اشارة وهو لفظ ذلك، قال بعضهم: وفي تكرير الإشارة قولان أحدهما أنه مشار به إلى ما أشير إليه بالأول على سبيل التأكيد، والثاني أنه مشار به إلى الكفر وقتل الأنبياء على معنى أن ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم لأنهم انهمكوا فيها، وما مصدرية والباء للسببية، وأصل يعتدون يعتديون استثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان، حذفت الياء لإلتقائهما وضمت الدال لمناسبة الواو.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا هذه الآية معترضة بين قصص بني إسرائيل. قوله: (من قبل) أي قبل بعثة النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، كبحيرا الراهب وأبي ذر الغفاري وورقة بن توفل وسلمان الفارسي وقس بن ساعدة وغيرهم ممن آمن بعيسى ولم يغير ولم يبدل حتى أدرك محمدا وآمن به، وأما من آمن بعيسى وأدرك محمدا ولم يؤمن به فذلك مخلد في النار، لقوله تعالى: (وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ)، والذين اسم إن وآمنوا صلته والذين معطوف عليه وهادوا صلته. قوله: (هم اليهود) من هاد إذا رجع سموا بذلك لرجوعهم من عبادة العجل على أنه عربي، وأما على أنه عبراني فعرب فاصله يهوذا اسم أكبر أولاد يعقوب فأبدلت المعجمة مهملة.\rقوله: وَالنَّصارى جمع نصران والياء للمبالغة كأحمرى، سموا بذلك لأنهم نصروا عيسى على كلمة الحق، كما سمي الأنصار أنصارا لنصرته صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل نسبة لناصرة قرية بالشام. قوله:\rوَالصَّابِئِينَ أي المائلين عن دينهم. قوله: (أو النصارى) إشارة إلى تنويع الخلاف أي صبؤوا عن دينهم وعبدوا النجوم والملائكة، وقيل فرقة ادعوا أنهم على دين صابىء بن شيث بن آدم. والأرجح ما قاله المفسر. قوله: (من) اسم موصول مبتدأ وآمن صلته والعائد محذوف، قدره المفسر بقوله منهم وباللّه متعلق بآمن، وقوله: فلهم أجرهم خبر المبتدأ وقرن بالفاء لما في المبتدأ من العموم، ويصح أن يكون من اسم شرط مبتدأ وآمن فعل الشرط، وقوله فلهم أجرهم جواب الشرط وخبر المبتدأ فيه خلاف، قيل فعل الشرط رقيل جوابه وقيل هما والجملة خبر إن، ويصح أن يكون من بدل من اسم إن وجملة فلهم أجرهم خبر إن. قوله: أَجْرُهُمْ في الأصل مصدر بمعنى الإيجار، والمراد به هنا الثواب وهو مقدار من الجزاء أعده","part":1,"page":48},{"id":48,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 49\rأي ثواب أعمالهم عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) روعي في ضمير آمن وعمل لفظ من وفيما بعده معناها وَاذكر إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ عهدكم بالعمل بما في التوراة وَقد رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ الجبل اقتعلناه من أصله عليكم لما أبيتم قبولها وقلنا خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ بجد واجتهاد وَاذْكُرُوا ما فِيهِ بالعمل به لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) النار أو المعاصي ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الميثاق عن الطاعة فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لكم بالتوبة أو تأخير العذاب لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (64) الهالكين وَلَقَدْ لام قسم عَلِمْتُمُ عرفتم الَّذِينَ اعْتَدَوْا تجاوزوا الحد مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ بصيد السمك وقد نهيناهم عنه وهم\r______________________________\rاللّه لعباده في نظير أعمالهم الحسنة بمحض الفضل.\rقوله: وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي في الآخرة.\rقوله: مِيثاقَكُمْ الخطاب لبني إسرائيل. قوله: وَ(قد) رَفَعْنا قدر المفسر لفظ قد إشارة إلى أن الجملة حالية. قوله: الطُّورَ في الأصل اسم لكل جبل، لكن المراد به هنا جبل معروف بفلسطين. قوله: (و قلنا) خُذُوا قدره المفسر إشارة إلى أن خذوا مقول لقول محذوف، وحاصل ذلك أن اللّه لما آتى موسى التوراة وأمرهم بالسجود شكرا للّه أبوا من قبول التوراة ومن السجود، فرفع اللّه جبل الصور فوق رؤوسهم كأنه سحابة قدر قامتهم وكان على قدرهم، فسجدوا على نصف الجبهة الأيسر فصار ذلك فيهم إلى الآن ثم لما رفع عنهم أبوا. قوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الترجي بالنسبة للمخاطبين. قوله:\r(الميثاق) أشار بذلك إلى مرجع اسم الإشارة، وقال البيضاوي: إنه راجع لرفع الجبل وإيتاء التوراة.\rقوله: (فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ) لو حرف امتناع لوجود أي امتنع خسرانكم لوجود فضل اللّه ورحمته، وجوابها يقترن باللام غالبا إن كان مثبتا فإن كان منفيا بما فالغالب الحذف أو بغيرها فالجواب الحذف وتختص بالجمل الإسمية ومدخولها المبتدأ يجب حذف خبره لإغناء جوابها عنه، قال ابن مالك: وبعد لو لا غالبا حذف الخبر ختم. قوله: (بالتوبة) هذا في حق المؤمنين أو قوله وتأخير العذاب في حق الكافرين.\rقوله: (الهالكين) أي في الدنيا والآخرة. قوله: (عرفتم) أي فتنصب مفعولا واحدا والعلم والمعرفة قيل مترادفان، ولكن يقال في اللّه عالم لا عارف لأن السماء توقيفية، وقيل العلم أوسع دائرة من المعرفة لتعلقه بالجزئيات والكليات والبسائط والمركبات بخلاف المعرفة، فلذلك يقال في اللّه عالم لعموم ما تعلق به علمه لا عارف لأنه يوهم القصور والمعتمد الأول، وقوله لام قسم أي محذوف تقديره واللّه لقد عرفتم.\rقوله: الَّذِينَ مفعول علمتم واعتدوا صلته وأصله اعتديوا تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا ثم حذفت لالتقاء الساكنين. قوله: مِنْكُمْ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل اعتدوا.\rقوله: فِي السَّبْتِ هو لغة القطع وهو أصل وضعه لأنه ورد أن الدنيا ابتدئت بالأحد وختمت بالجمعة فكان يوم السبت يوم انقطاع عمل خصت اليهود به لقطعهم عن رحمة اللّه، أو مأخوذ من السبوت وهو السكون لأن بانقطاع العمل السكون. قوله: (و هو أهل أيلة) حاصله أن سبعين الفا من قوم داود كانوا بقرية تسمى أيلة عند العقبة في أرغد عيش، فامتحنهم اللّه بأن حرم عليهم اصطياد السمك يوم السبت وأحل لهم باقي الجمعة، فإذا كان يوم السبت وجدوا السمك بكثرة على وجه الماء وفي باقيها لم يجدوا شيئا، ثم إن إبليس علمهم حيلة يصطادون بها فقال لهم اصنعوا جداول حول البحر فإذا جاء السمك ونزل في","part":1,"page":49},{"id":49,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 50\rأهل أيلة فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (65) مبعدين فكانوها وهلكوا بعد ثلاثة أيام فَجَعَلْناها أي تلك العقوبة نَكالًا عبرة مانعة من ارتكاب مثل ما عملوا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها أي للأمم التي في زمانها وبعدها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) اللّه خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها بخلاف غيرهم وَاذكر إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ وقد قتل لهم قتيل لا يدري قاتله وسألوه أن يدعو اللّه أن يبينه لهم فدعاه إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً مهزوءا بنا حيث تجيبنا بمثل ذلك قالَ أَعُوذُ امتنع بِاللَّهِ من أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (67) المستهزئين فلما علموا أنه عزم قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ أي ماسنها قالَ موسى إِنَّهُ أي اللّه يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ مسنة وَلا بِكْرٌ صغيرة عَوانٌ نصف بَيْنَ ذلِكَ المذكور من السنين فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (68) به من ذبحها قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها شديدة الصفرة تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) إليها بحسنها أي تعجبهم قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ أسائمة أم عاملة إِنَّ الْبَقَرَ أي جنسه المنعوت\r______________________________\rالجداول فسدوا عليه وخذوه في غير يوم السبت، فافترقوا ثلاث فرق، فاثنا عشر ألفا فعلوا ذلك واصطادوا وأكلوا فمسخوا قردة، ومكثوا ثلاثة أيام لم يأكلوا ولم يشربوا ثم ماتوا، وأما ما وجد من القردة الآن فلم يكونوا من ذريتهم بل خلق آخر، وقيل مسخت شبابهم قردة وشيوخهم خنازير، وقيل الذين مسخوا خنازير أهل المائدة، وفرقة نهوهم وجعلوا بينهم سدا، وفرقة أنكروا بقلوبهم ولم يتعرضوا لهم، فمن نهى نجاى وكذا من لم ينه على المعتمد.\rقوله: فَقُلْنا المراد بالقول تعلق الإرادة. قوله: (مبعدين) أي عن رحمة اللّه.\rقوله: نَكالًا هو في الأصل القيد الحديد أطلق وأريد لازمه وهو المنع، لأن المقيد ممنوع فكذا تلك العقوبة مانعة. قوله:\r(مثل ما عملوا) المماثلة في مطلق المخالفة. قوله: (و اذكروا) أي يا بني إسرائيل قوله: (قتيل) اسمه عاميل.\rقوله: بَقَرَةً واحدة البقر يفرق بين مذكره ومؤنثه بالوصف، تقول بقرة أنثى وبقرة ذكر، فالتاء للوحدة وقيل للتأنيث فالأنثى بقرة والذكر ثور، وسمي البقر بقرا لأنه يبقر الأرض بحافره أي يشقها.\rوأول القصة قوله فيما يأتي (و إذ قتلتم نفسا) الآية: قوله: (مهزوءا بنا) أشار بذلك إلى أنه مصدر بمعنى اسم المفعول، ويصح أن يبقى على مصدريته مبالغة أو على حذف مضاف أي ذوي هزء، على حد ما قيل في زيد عدل والهزؤ هو الكلام الساقط الذي لا معنى له. قوله: مِنَ الْجاهِلِينَ أي المبلغين عن اللّه الكذب. قوله: (إنه عزم) أي مفروض وحق لا هزل فيه. قوله: (أي ما سنها) أي فيما واقعة على الأوصاف، وقولهم إن ما يسأل بها عن الماهية والحقيقة أغلبي.\rقوله: لا فارِضٌ من الفرض وهو القطع سميت بذلك لقطعها عمرها. قوله: (نصف) بالتحريك يقال للمرأة والبقرة، قال الشاعر:\rوإن أتوك وقالوا إنها نصف ... قل إن أحسن نصفيها الذي ذهبا\rوكرر لا لوقوع النعت بعدها، وكذا إذا وقع بعدها الحال والخبر. قوله: (به) هو عائد الموصول وقوله من ذبحها بيان لما\rقوله: قالَ أي موسى وقوله: إِنَّهُ أي اللّه. قوله: (فاقع) صفة لصفراء وهو مبالغة في الصفرة، يقال أحمر قانىء وأسود حالك وأبيض ناصع وأصفر فاقع. قوله: (بحسنها) أي","part":1,"page":50},{"id":50,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 51\rبما ذكر تَشابَهَ عَلَيْنا لكثرته فلم نهتد إلى المقصودة وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) إليها في الحديث لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ غير مذللة بالعمل تُثِيرُ الْأَرْضَ تقلبها للزراعة والجملة صفة ذلول داخلة في النفي وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ الأرض المهيأة للزراعة مُسَلَّمَةٌ من العيوب وآثار العمل لا شِيَةَ لون فِيها غير لونها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِ نطقت بالبيان التام فطلبوها فوجدوها عند الفتى البار بأمه فاشتروها بملء مسكها ذهبا فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (71) لغلاء ثمنها، وفي الحديث «لو ذبحوا أي بقرة\r______________________________\rلجمال خلقتها وحيث شددوا شدد عليهم، إذ لو أتوا أولا بأي بقرة لكفت، ثم لو أتوا بما في السؤال الثاني.\rلكفت، ثم ما في الثالث لكفت، ولكن شددوا فشدد عليهم. قوله: (أسائمة) أي متروكة في الجبال ترعى من كلئها. قوله: (أم عاملة) أي يعلفها ربها ويشغلها.\rقوله: إِنَّ الْبَقَرَ تعليل للإسئلة الثلاثة. قوله: (لو لم يستثنوا) أي بالمشيئة. قوله: (آخر الأبد) أي إلى انقضاء الدنيا.\rقوله: لا ذَلُولٌ من الذلة وهي السهولة بل فيها الصعوبة. قوله: (داخلة في النفي) أي فالمعنى ليست مذللة لعمل ولا مثيرة للأرض. قوله: (الأرض المهيأة إلخ) المناسب أن يقول الحرث أي الزرع لأن الحرث يطلق على الزرع. قوله: الْآنَ ظرف زمان للوقت الحاضر. قوله:\rجِئْتَ بِالْحَقِ أي بصفات البقر التي لا تخفى ولا تلتبس، فلا تنافي بين الآية وقول المفسر فطلبوها.\rقوله: (نطقت بالبيان التام) جواب عن سؤال ورد على الآية، وهو أن ظاهر مفهوم الآية يقتضي أنهم كفار، فأجاب المفسر بأن فيه حذف النعت مع بقاء المنعوت وهو جائز لقول ابن مالك:\rوما من المنعوت والنعت عقل ... يجوز حذفه وفي النعت يقل\rقوله: (فطلبوها) أي بحثوا عنها. قوله: (عند الفتى البار بأمه) وحاصل ذلك أن أبا الفتى المذكور كان رجلا صالحا من بني إسرائيل قد حضرته الوفاة، وكان عنده بقرة قد ولدت انثى، فأخذ تلك الأنثى ووضعها في غيضة واوصى أم الغلام أن تعطيه تلك البقرة حين يكبر ومات، ثم إن الولد صار يحتطب ويبيع الحطب ويقسم اثلاثا: يصرف ثلثه على نفسه والثلث الآخر على أمه والثلث الآخر يتصدق به، ويقسم ليله أثلاثا: ينام ثلثه ويخدم أمه ثلثه ويقوم لطاعة اللّه ثلثه، فما كبر الغلام قالت له أمه اذهب إلى الغيضة الفلانية فإن فيها بقرة تركها لك أبوك، واوصاني إذا كبرت أن اعطيها لك، واقسم عليها بابراهيم الخليل وإسحاق ويعقوب فإنها تأتي لك طائعة، ففعل كما أمرته فجاءت له طائعة وقالت له اركب على ظهري، فقال لها إن أمي لم تأمرني بالركوب، فقالت له لو ركبت على ظهري ما قدرتني إلى الأبد، فأخذها وذهب إلى أمه فقالت له اذهب إلى السوق فبعها بثلاثة دنانير على مشورة، فذهب فأتاه ملك على صورة رجل وقال له بكم تبيعها فقال بثلاثة دنانير على مشورة أمي، فقال له بعها بستة دنانير من غير مشورة فقال لا ثم ذهب إلى أمه واخبرها بذلك فقالت له بعها بستة على مشورتي، فذهب فأتاه ثانيا واعطاه فيها اثني عشر على غير مشورة فأبى، فذهب إلى أمه واخبرها فقالت له إن هذا ملك من عند اللّه فاذهب إليه واقرئه السّلام وقل له أنبيع البقرة أم لا، فذهب إليه وأخبره بذلك فقال له إن بني إسرائيل يقتل لهم قتيل ويتوقف بيان قاتله على تلك البقرة فلا تبعها إلا بملء مسكها ذهبا ففعل ما أمر به، والفتى هو الشاب السخي ولا شك أنه كان كذلك. قوله: (مسكها) بفتح الميم الجلد.\rقوله: فَذَبَحُوها مرتب على محذوف قدره المفسر بقوله فطلبوها إلخ. قوله: وَما كادُوا","part":1,"page":51},{"id":51,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 52\rكانت لأجزأتهم ولكن شددوا على أنفسهم فشدد اللّه عليهم» وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فيه إدغام التاء في الأصل في الدال أي تخاصمتم وتدافعتم فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مظهر ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) من أمرها وهذا اعتراض وهو أول القصة فَقُلْنا اضْرِبُوهُ أي القتيل بِبَعْضِها فضرب بلسانها أو عجب ذنبها فحيي وقال قتلني فلان وفلان لابني عمه ومات فحرما الميراث وقتلا. قال تعالى: كَذلِكَ الإحياء يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ دلائل قدرته لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) تتدبرون فتعلمون أن القادر على إحياء نفس واحدة قادر على إحياء نفوس كثيرة فتؤمنون ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ أيها اليهود صلبت عن قبول الحق مِنْ بَعْدِ ذلِكَ المذكور من إحياء القتيل وما قبله من الآيات فَهِيَ كَالْحِجارَةِ في القسوة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً منها وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فيه إدغام التاء في الأصل في الشين فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ ينزل من علو إلى أسفل مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وقلوبكم لا تتأثر ولا\r______________________________\rيَفْعَلُونَ أي ما قاربوا الفعل (قوله لغلاء ثمنها) أي أو للتعنت في أوصافها. قوله: (فيه إدغام التاء في الأصل إلخ) أي اصله تدار أتم قلبت التاء دالا وأدغمت فيها وأتى بهمزة الوصل توصلا للنطق بالساكن.\rقوله: (أي تخاصمتم) أي اتهم بعضكم بعضا. قوله: (و هذا اعتراض) أي جملة معترضة بين المعطوف وهو فقلنا اضربوه إلخ والمعطوف عليه وهو فذبحوها. قوله: (و هو أول القصة وإنما أخره ليواصل قبائح بني إسرائيل بعضها ببعض.\rقوله: فَقُلْنا معطوف على فذبحوها والقائل اللّه على لسان موسى. قوله:\r(بلسانها) أي لأنه محل الكلام. قوله: (أو عجب ذنبها) إشارة لتنويع الخلاف، والحكمة في ذلك أنه محل حياة ابن آدم، وقيل ضربوه بفخذها اليمنى وقيل بقطعة لحم منها. قوله: (فحيي) ورد أنه قام واوداجه تشخب دما. قوله: (و مات) أي سريعا بلا مهلة. قوله: (فحرما الميراث) أي لأن القاتل لا يرث من تركة المقتول شيئا حتى في شرع موسى، وسبب قتله إياه أن المقتول كان غنيا والقاتل كان فقيرا فلما طال عمر المقتول قتله ليرثه، وقيل غير ذلك. قوله: كَذلِكَ هذه الجملة معترضة بين قصص بني أسرائيل ردا على منكري البعث، فإن بني إسرائيل لم يكونوا منكرين له، فالخطاب لمشركي العرب المنكرين للبعث.\rقوله: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ نزل استبعاد قسوة قلوبهم لظهور الخوارق للعادات العظيمة منزلة التراخي، فأتى بثم وأكده بالظرف بعده. قوله: (أيها اليهود) دفع بذلك ما يقال إنه خطاب لغير بني إسرائيل كالذي قبله. قوله: (صلبت عن قبول الحق) أشار بذلك إلى أن في قست استعارة تصريحية تبعية حيث شبه عدم الإذعان بالقسوة بجامع عدم قبول التأثير في كل، واستعير اسم المشبه به للمشبه واشتق من القساوة قست بمعنى لم تذعن فلم تقبل المواعظ ولم تؤثر فيها. قوله: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ لم يشبههم بالحديد لوجود اللين فيه في الجملة. قوله: أَوْ أَشَدُّ هذ ترق في ذكر قسوتهم فأو بمعنى بل. قوله: (فيه إدغام التاء إلخ) أي فأصله يتشقق فأبدلت التاء شيئا ثم أدغمت فيها. قوله: فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ أي أنهارا أو غيرها كالعيون فهو من عطف العام على الخاص. قوله: (ينزل من علو إلى أسفل) أي كجبل الطور، وورد ما من حجر يسقط من علو إلى أسفل إلا من خشية اللّه. قوله: مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أخذ أهل السنة من ذلك ومن قوله تعالى: (وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) ومن قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ","part":1,"page":52},{"id":52,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 53\rتلين ولا تخشع وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) وإنما يؤخركم لوقتكم وفي قراءة بالتحتانية وفيه التفات عن الخطاب أَفَتَطْمَعُونَ أيها المؤمنون أَنْ يُؤْمِنُوا أي اليهود لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ طائفة مِنْهُمْ أحبارهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ في التوراة ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ يغيرونه مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ فهموه وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) أنهم مفترون والهمزة للإنكار أي لا تطمعوا فلهم سابقة في الكفر وَإِذا لَقُوا أي منافقو اليهود الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا بأن محمدا نبي وهو المبشر به في كتابنا وَإِذا خَلا رجع بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أي رؤساؤهم الذين لم ينافقوا لمن نافق أَتُحَدِّثُونَهُمْ أي المؤمنين بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أي عرفكم في التوراة من\r______________________________\rمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الآية، أن كل شيء يعرف اللّه ويسبحه ويخشاه إلا الكافر من الإنس والجن.\rقوله: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ ما نافية ولفظ الجلالة اسمها وبغافل خبرها، وقوله عما تعملون يحتمل أن ما اسم موصول وتعملون صلته والعائد محذوف أي عن الذي تعملونه، ويحتمل أنها مصدرية تسبك مع ما بعدها بمصدر أي عن عملكم.\rقوله: أَفَتَطْمَعُونَ سيأتي للمفسر أن الهمزة للإنكار، فيحتمل أنها مقدمة من تأخير والأصل فاتطمعون قدمت لأن لها الصدارة وهو مذهب الجمهور، وقال الزمخشري إن الهمزة داخلة على محذوف والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، التقدير اتسمعون كلامهم وتعرفون احوالهم فتطمعون إلخ أي لا يكون منكم ذلك، واعلم أن الهمزة لا تدخل إلا على ثلاثة من حروف العطف الواو والفاء وثم. قوله: أَنْ يُؤْمِنُوا أي يستبعد ذلك منهم لافتراقهم أربع فرق في كل فرقة صفة مانعة له من الإيمان، الأول كونهم يحرفون كلام اللّه، الثاني النفاق، الثالث التوبيخ من غير المنافق المنافق على ملاطفة المسلمين، الرابع كونهم أميين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، فهذه يستبعد معها الإيمان لرسوخ الكفر في قلوبهم.\rقوله: وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ الجملة حالية وقد قربت الماضي من حال، والمراد من كان النسبة لأن هذا الكلام فيمن كان موجودا زمن النبي لا فيمن كان قبلهم. قوله: (أحبارهم) علماؤهم جمع حبر بالكسر ويقال بالفتح وجمعه حبور كفلس وفلوس. قوله: مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ أي من بعد تعقلهم إياه وتحريفهم في الكلام كأوصاف النبي من كونه اكحل العينين جعد الشعر، فغيروه إلى أزرق العينين سبط الشعر، وآية الرجم غيروها إلى الجلد وغير ذلك. قوله: (وَ هُمْ يَعْلَمُونَ) الجملة حالية من فاعل يحرفون. قوله:\r(أنهم مفترون) أشار بذلك إلى أن مفعول يعلمون محذوف، والإفتراء هو الكذب الذي لا شك فيه.\rقوله: (للإنكار) أي الإستبعادي. قوله: (أي لا تطمعوا) عبر بالطمع دون الرجاء، إشارة إلى فقد أسباب الإيمان منهم وعدم قابليتهم له. قوله: (فلهم سابقة في الكفر) أي كفر سابق قبل دعوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اياهم للإيمان، وهذا الجملة علة لقوله لا تطمعوا.\rقوله: وَإِذا لَقُوا شروع في ذكر الفرقة الثانية وهم المنافقون ورئيسهم عبد اللّه بن سلول. قوله:\rوَإِذا خَلا شروع في الفرقة الثالثة وهم الموبخون للمنافقين. قوله: بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ما اسم موصول وجملة فتح صلته والعائد محذوف، التقدير بالذي فتح اللّه عليكم به وما واقعة على أوصاف محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (من نعت محمد) بيان لما. قوله: (و اللام للصيرورة) أي عاقبة أمرهم أنهم يحاجونكم","part":1,"page":53},{"id":53,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 54\rنعت محمد لِيُحَاجُّوكُمْ ليخاصموكم واللام للصيرورة بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ في الآخرة ويقيموا عليكم الحجة في ترك اتباعه مع علمكم بصدقه أَفَلا تَعْقِلُونَ (76) أنهم يحاجونكم إذا حدثتموهم فتنتهوا قال تعالى: أَوَلا يَعْلَمُونَ الإستفهام للتقرير والواو الداخل عليها للعطف أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (77) ما يخفون وما يظهرون من ذلك وغيره فيرعووا عن ذلك وَمِنْهُمْ أي اليهود أُمِّيُّونَ عوام لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ التوراة إِلَّا لكن أَمانِيَ أكاذيب تلقوها من رؤسائهم فاعتمدوها وَإِنْ ما هُمْ في جحد نبوة النبي وغيره مما يختلقونه إِلَّا يَظُنُّونَ (78) ظنا ولا علم لهم فَوَيْلٌ شدة عذاب لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ أي مختلقا من عندهم ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا من الدنيا\r______________________________\rعند ربكم، والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها. قوله: (في الآخرة) إشارة إلى معنى العندية وهو متعلق بيحاجوكم. قوله: (أنهم يحاجونكم) أشار بذلك إلى مفعول تعقلون وأنه من كلام الرؤساء الذين لم ينافقوا. قوله: (الإستفهام للتقرير) أي على سبيل التوبيخ، حيث اعتقدوا أن المنافق يؤاخذ والكافر الأصلي لا حجة عليه وله عذر قائم عند ربه وهذه الجملة حالية. قوله: (الداخل) نعت سببي للواو فكان عليه أن يظهر فاعله ويقول، والواو الداخل الإستفهام عليها للعطف لوجود اللبس. قوله: (للعطف) أي على محذوف تقديره أيلومونهم ولا يعلمون، وتقدم أن هذا مذهب الزمخشري.\rقوله: أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ هذه الجملة سدت مسد مفعولي يعلمون إن كانت على بابها أو مفعولها إن كانت بمعنى يعرفون قوله: (فيرعووا) أي فينكفوا وينزجروا وهو مرتب على قوله: أَوَلا يَعْلَمُونَ كما أن قوله فتنتهوا مرتب على قوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ.\rقوله: وَمِنْهُمْ شروع في ذكر الفرقة الرابعة. قوله:\rأُمِّيُّونَ أي منسوبون للأم لعدم انتقالهم عن حقيقتهم الأصلية التي ولدتهم عليها، قال تعالى: (وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً) والأمي هو من لا يقرأ ولا يكتب. قوله: إِلَّا (لكن) أَمانِيَ اشار بذلك إلى أن الاستثناء منقطع والأماني جمع امنية وهو ما يتمناه الشخص، ويطلق على القراءة وعلى الأكاذيب وهو المراد هنا. قوله: (فاعتمدوها) أي ثبتوا عليها ورسخت في قلوبهم. قوله: (ما) هُمْ اشار بذلك إلى أن إن نافية بمعنى ما، والغالب وقوعها بعد إلا التي بمعنى لكن، وهل تعمل عمل ما الحجازية فتنصب الاسم وترفع الخبر، أو لا عمل لها فما بعدها مبتدأ وخبر خلاف بين الجمهور وسيبويه فاختار سيبويه الأول مستدلا بقول الشاعر:\rإن هو مستوليا على أحد ... إلا على اضعف المجانين\rواختار الجمهور الثاني. قوله: (و لا علم لهم) أي ليس عندهم جزم مطابق الواقع، وإنما أخر الأميون لأنهم اقرب للإيمان بخلاف من قبلهم فإنهم وأضلوا افرأيت من اتخذ إلهه هواه واضله اللّه على علم.\rقوله: فَوَيْلٌ شروع في ذكر ما يستحقونه. قوله: (شدة عذاب) وقيل واد في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لا نماعت من حره. قوله: الْكِتابَ أي المكتوب. قوله: بِأَيْدِيهِمْ دفع بذلك ما يتوهم أن المراد املوه لغيرهم. قوله: لِيَشْتَرُوا علة لقوله يكتبون قوله: (غيروا صفة النبي) أي من كونه ربعة جعد الشعر اكحل العينين، فغيروها وقالوا طويل سبط الشعر ازرق العينين. قوله: (و آية الرجم) أي","part":1,"page":54},{"id":54,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 55\rوهم اليهود غيروا صفة النبي في التوراة وآية الرجم وغيرهما وكتبوها على خلاف ما أنزل فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ من المختلق وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) من الرشا وَقالُوا لما وعدهم النبي النار لَنْ تَمَسَّنَا تصيبنا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قليلة أربعين يوما مدة عبادة آبائهم العجل ثم تزول قُلْ لهم يا محمد أَتَّخَذْتُمْ حذفت منه همزة الوصل استغناء بهمزة الإستفهام عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً ميثاقا منه بذلك فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ به لا أَمْ بل تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (80) بَلى تمسكم وتخلدون فيها مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً شركا وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ بالأفراد والجمع أي استولت عليه وأحدقت به من كل جانب بأن مات مشركا فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (81) روعي فيه معنى من وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (82) واذكر إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ\r______________________________\rفغيروها إلى الجلد. قوله: (و غيرهما) أي كقولهم: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً وكدعواهم أنهم من أهل الجنة. قوله: (من الرشا) بكسر الراء وبضمها جمع رشوة بتثليث الراء، وهو من باب تقديم السبب على المسبب لأن أخذ الرشوة سبب للتبديل. وقوله: مِمَّا كَتَبَتْ يحتمل أن ما اسم موصول وكتبت صلتها والعائد محذوف أي كتبته، ويحتمل أن ما مصدرية، التقدير من كتبهم وكذا قوله: مِمَّا يَكْسِبُونَ قوله: (اربعين يوما) وقيل سبعة أيام، وقوله قليلة تفسير باللازم لمعدودة لأن معنى المعدودة التي يسهل عدها، وشأن القليلة سهولة عدها. قوله: (استغناء بهمزة الاستفهام) أي لأنه يحصل بها التوصل للنطق بالساكن مع إفادة المراد من الإستفهام، وفي اتخذتم قراءتان سبعيتان الأولى بالفك والثانية بالإغام، وطريقته أن تقلب الذال دالا ثم تاء وتدغمها في التاء، وهذا الاستفهام يحتمل أن يكون تقريريا فتكون الجملة انشائية وأم متصلة معادلة للهمزة التي لطلب التعيين، التقدير اتخذتم عند اللّه عهدا أم لم تتخذوا، ويحتمل أن يكون انكاريا بمعنى النفي فتكون الجملة خبرية وأم منقطعة بمعنى بل، التقدير لم تتخذوا عند اللّه عهدا بل تقولون على اللّه ما لا تعلمون وهذا هو الأقرب ولذا اختاره المفسر.\rقوله: فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ هذه الجملة في محل جزم جواب الإستفهام، وقيل إنها جواب شرط مقدر تقديره أن اتخذتم فلن يخلف اللّه عهده وقرن بالفاء لوجود لن في حيزه. قوله: (بل) تَقُولُونَ أشار بذلك إلى أنها منقطعة والإضراب انتقالي.\rقوله: بَلى هو حرف جواب للنفي لكنه يصير اثباتا، وأما نعم وجير وأجل وأي فلتقرير ما قبلها اثباتا أو نفيا. قوله: (تمسكم) رد لقولهم لن تمسنا وقوله وتخلدون فيها رد لقولهم إلا اياما معدودة.\rقوله: مَنْ كَسَبَ يحتمل أن تكون من شرطية وكسب فعل الشرط، وجوابه فأولئك اصحاب النار وأن تكون موصولة وكسب صلتها وقرن خبرها بالفاء لما في الموصل من معنى العموم، ولم يقرن خبر التي بعدها بالفاء إشارة إلى أن خلود النار مسبب عن الكفر بخلاف خلود الجنة فلا يتسبب عن الإيمان بل بمحض فضل اللّه، كذا قاله بعض الأشياخ. قوله: سَيِّئَةً اصلها سيوئة اجتمعت الواو والياء وسبقت احداهما بالسكون، قلبت الواو ياء وادغمت في الياء على حد ما قيل في سيد وميت. قوله: (بالإفراد) أي باعتبار ذات الشرك، وقوله: (و الجمع) أي باعتبار انواعه. قوله: (و احدقت به من كل جانب) أي فلم يجد ملجأ لكفره.\rقوله: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي وأما من آمن ولم يعمل صالحا غير الإيمان فمخلد في الجنة","part":1,"page":55},{"id":55,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 56\rبَنِي إِسْرائِيلَ في التوراة وقلنا لا تَعْبُدُونَ بالتاء والياء إِلَّا اللَّهَ خبر بمعنى النهي وقرئ لا تعبدوا وَأحسنوا بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً برا وَذِي الْقُرْبى القرابة عطف على الوالدين وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ قولا حُسْناً من الأمر بالمعروف ولنهي عن المنكر والصدق في شأن محمد والرفق بهم وفي قراءة بضم الحاء وسكون السين مصدر وصف به مبالغة وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فقبلتهم ذلك ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم عن الوفاء به فيه\r______________________________\rأيضا وتحت المشيئة في الإبتداء، وقد جرت عادة اللّه في كتابه أنه إذا ذكر آية الكفار وعاقبة امرهم يتبعها بذكر آية المؤمنين وعاقبة امرهم.\rقوله: وَ(اذكر) أي يا محمد والمناسب للسياق اذكروا ويكون خطابا لبني إسرائيل، الفروع تذكيرا لهم بقبائح أصولهم. قوله: (و قلنا) لا تَعْبُدُونَ قدر ذلك إشارة إلى أن جملة لا تعبدون في محل نصب مقول لقول محذوف، وذلك القول في محل نصب على الحال من فاعل أخذنا، التقدير، وأذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل حال كوننا قائلين لا تعبدون إلخ، ويحتمل أن جملة لا تعبدون إلا اللّه مفسرة للميثاق لا محل لها من الإعراب ولا حذف وهو الأقرب. قوله: (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان ولا التفات في ذلك على ما قرره المفسر من تقدير القول، وعلى الإحتمال الثاني ففيه التفات على قراءة التاء من الغيبة إلى الخطاب فإن الإسم الظاهر من قبيل الغيبة. قوله: (خبر بمعنى النهي) أي فهي جملة خبرية لفظا لعدم جزم الفعل إنشائية معنى لأن القصد النهي عن عبادة غير اللّه! لا الإخبار عنهم بأنهم لا يعبدون غير اللّه، والحكمة في التعبير عن الإنشاء بالخبر استبعاد ذلك منهم وتقوية للإنشاء، كأنه قيل لا ينبغي أن تعبدوا غير اللّه حتى ننهاكم عنه، بل أخبر عنهم بأنهم لا يعبدون إلا اللّه كأنه لم يقع منهم عبادة لغيره أبدا. قوله:\r(و قرئ) أي قراءة شاذة لأن قاعدة المفسر يشير للشاذة بقرئ وللسبعية بأي قراءة غالبا. قوله:\r(و أحسنوا) قدر ذلك إشارة إلى أنه من عطف الجمل على جملة لا تعبدون، وأتى بحق الوالدين عقب حق اللّه، إشار إلى أنه آكد الحقوق بعد عبادة اللّه. قال تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ) فإنهما السبب في وجود الشخص ويجب برهما ولو كافرين، وبالجملة فلم يشدد اللّه على أمر كتشديده على برهما. قوله: (عطف على الوالدين) أي من عطف المفردات، وأحسنوا مسلط عليه التقدير، واحسنوا بذي القربى لأن حق القرابة تابع لحق الوالدين والإحسان اليهم إنما هو بواسطتهما.\rقوله: وَالْيَتامى جمع يتيم وهو من الآدميين من فقد أباه، ومن غيرهم من فقد أمه. قوله: وَالْمَساكِينِ المراد ما يشمل الفقراء فإن الفقير والمسكين متى اجتمعا افترقا ومتى افترقا اجتمعا قوله: وَقُولُوا لِلنَّاسِ أي عموما ومنه الحديث «و خالق الناس بخلق حسن». قوله: (قولا) حُسْناً أشار بذلك إلى أن حسنا بفتحتين صفة مشبهة لموصوف محذوف. قوله: (و النهي عن المنكر) أي على حسب مراتبه من النهي باليد ثم اللسان ثم القلب. قوله: (و الرفق بهم) أي بالناس بأن يوقر كبيرهم ويرحم صغيرهم. قوله: (و في قراءة) أي سبعية. قوله: (مصدر) أي على غير قياس إن كان فعله أحسن وهو المتبادر، وقياسي إن كان فعله حسن كظرف وكرم. قوله: (وصف به مبالغة) أي أو على حذف مضاف على حد ما قيل في زيد عدل.\rقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ أي المفروضات عليهم في مثلهم، وما نزل بقارون من","part":1,"page":56},{"id":56,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 57\rالتفات عن الغيبة والمراد آباؤهم إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) عنه كآبائكم وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وقلنا لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ تريقونها بقتل بعضكم بعضا وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ لا يخرج بعضكم بعضا من داره ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ قبلتم ذلك الميثاق وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) على أنفسكم ثُمَّ أَنْتُمْ يا هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ بقتل بعضكم بعضا وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ فيه إدغام التاء في الأصل في\r______________________________\rالخسف به وبداره سببه منع الزكاة. قوله: (فقبلتم ذلك) قدر ذلك لأجل العطف بثم عليه. قوله: (فيه التفات) وحكمته الإستلذاذ للسامع وعدم الملل منه، فإن الإلتفات من المحسنات للكلام. قوله: إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ أي من أجدادكم وهو من أقام اليهود على وجهها قبل النسخ، أي ومنكم أيضا وهو من آمن منهم كعبد اللّه بن سلام وأضرابه. قوله: وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ خطاب للفروع ويلاحظ قوله: إِلَّا قَلِيلًا هنا كما علمت فتغاير معنى الجملتين فلا تكرار.\rقوله: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ المقدر اذكروا فهو خطاب لبني إسرائيل وهو معطوف على الجملة الأولى المتعلقة بحقوق اللّه، وهذه الجملة متعلقة بحقوق العباد، فخانوا كلا من العهدين. وهي متضمنة لأربعة عهود: الأول لا يسفك بعضهم دماء بعض، الثاني لا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، الثالث لا يتظاهر بعضهم على بعض بالإثم والعدوان، الرابع أن وجد بعضهم بعضا أسيرا فداه ولو بجميع ما يملك. قوله: مِيثاقَكُمْ أي ميثاق آبائكم في التوراة، فإن هذا خطاب لقريظة وبني النضير الكائنين في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قوله: (و قلنا) لا تَسْفِكُونَ قدر القول إشارة إلى أن الجملة في محل نصب مقول لقول محذوف، والجملة حالية من فاعل أخذنا، التقدير أخذنا ميثاقكم حال كوننا قائلين، ويحتمل أن الجملة لا محل لها من الإعراب تفسير للميثاق وتقدم ذلك في نظيره.\rقوله: لا تَسْفِكُونَ مضارع سفك من باب ضرب وقتل أراق الدم أو الدمع. قوله: (بقتل بعضكم بعضا) أشار بذلك إلى أنه من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم، لأنه يلزم من القتل إراقة الدم غالبا والإضافة في دمائكم لأدنى ملابسة، فإن دم الأخ كدم النفس أو باعتبار أن من قتل يقتل، أي فلا تتسببوا في قتل أنفسكم بقتلكم غيركم، وهنا حذف يعلم بما يأتي أي ظلما وعدوانا. قوله: مِنْ دِيارِكُمْ أصله دوار وقعت الواو إثر كسرة قلبت ياء، وأسند الإخراج لأنفسهم مع أنهم يخرجون غيرهم، لأن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله. قوله: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ لم يذكر هنا بقية العهود لأن عهد عدم التظاهر بالإثم والعدوان ملاحظ في العهدين الأولين، أما الرابع فقد وفوا به فلم يعاتبهم الرب عليه. قوله: (على أنفسكم) أشار بذلك إلى أن الجملة مؤكدة لجملة ثم أقررتم لأن الشهادة على النفس هي الإقرار بعينه، ويحتمل أن قوله ثم أقررتم خطاب لبني إسرائيل الأصول، وقوله وأنتم تشهدون خطاب للفروع، فتغاير معنى الجملتين ولا تأكيد.\rقوله: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ أنتم مبتدأ وجملة تقتلون خبره، وهؤلاء منادى وحرف النداء محذوف والجملة معترضة بين المبتدأ والخبر، قوله: تَظاهَرُونَ في محل نصب على الحال من فاعل تخرجون وهو من باب الحذف من الأوائل لدلالة الأواخر، التقدير تقتلون أنفسكم متظاهرين وتخرجون فريقا كذلك","part":1,"page":57},{"id":57,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 58\rالظاء وفي قراءة بالتخفيف على حذفها تتعاونون عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ بالمعصية وَالْعُدْوانِ الظلم وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى وفي قراءة أسرى تُفادُوهُمْ وفي قراءة تفادوهم تنقدوهم من الأسر بالمال أو غيره وهو مما عهد إليهم وَهُوَ أي الشأن مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ متصل بقوله وتخرجون والجملة بينهما اعتراض أي كما حرم ترك الفداء وكانت قريظة حالفوا الأوس والنضير الخزرج فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه ويخرب ديارهم ويخرجهم فإذا أسروا فدوهم وكانوا إذا سئلوا لم تقاتلونهم وتفدونهم قالوا أمرنا بالفداء فيقال فلم تقاتلونهم فيقولون حياء أن تستذل حلفاؤنا، قال تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وهو الفداء وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ وهو ترك القتل والإخراج والمظاهرة فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ هوان وذل فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وقد خزوا بقتل قريظة ونفي النضير إلى الشام وضرب الجزية وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) بالياء والتاء أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ\r______________________________\rقوله: (في الأصل) أي بعد قلبها ظاء، قوله: (بالتخفيف) أي بحذف التاء الثانية التي ليست للمضارعة، ولم تحذف التي للمضارعة لأنه أتى بها المعنى. قوله: بِالْإِثْمِ يجمع على آثام قوله: (و في قراءة اسرى) أي بالإمالة وهي لحمزة وكل منهما جمع لأسير، قوله: (و في قراءة تفادوهم) الحاصل أن القراءات خمس أسرى بالإمالة مع تفدوهم فقط أسارى بالإمالة وعدمها مع تفدوهم وتفادوهم. وقوله: (أي الشأن) ويقال ضمير القصة يفسره ما بعده، قال ابن هشام ويختص بخمسة اشياء كونه مفردا ولو كان مرجعه مثنى أو مجموعا، وتأخير مرجعه وكونه جملة ولا يعمل فيه إلا الابتداء أو الناسخ ولا يتبع.\rقوله: مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ مبتدأ وخبر والجملة خبر ضمير الشأن ولم تحتج لرابط لأنها عين المبتدأ في المعنى. قوله: (و النضير) معطوف على قريظة والعامل فيه كانت، وقوله الخزرج معطوف على الأوس والعامل فيه حالفوا ففيه العطف على معمولي عاملين مختلفين قصدا للإختصار، ويحتمل أن الخزرج معمول لمحذوف التقدير حالفوا والحاصل أن الأوس والخزرج فرقتان في المدينة وهم الأنصار وكان بينهما عداوة ولم يرسل لهم نبي غير رسول اللّه، وأما قريظة وبنو النضير فكانوا مكلفين بشريعة موسى وكانوا اذلاء، فاستعز قريظة بالأوس وبنو النضير بالخزرج، فكان إذا اقتتل الأوس مع الخزرج قاتل مع كل حلفاؤه، فإذا أسر حلفاء قريظة أسيرا من بني النضير افتداه قريظة وبالعكس فإذا سئلوا عن القتال أجابوا بأنهم قاتلوا خشية أن يستذل من استعزوا به، وعن الفداء أجابوا بأننا أمرنا به. قوله:\rأَفَتُؤْمِنُونَ أي تصدقون بالعمل به قوله: (و قد خزوا) أصله خزيوا استثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان الياء والواو حذفت الياء لالتقاء الساكنين وقلبت كسرة الزاي ضمة لمناسبة الواو. قوله:\r(بقتل قريظة) أي حين دخل النبي المدينة وأسلم الأوس والخزرج، فعزاهم النبي وأصحابه إلى أن نزلوا على حكم سعد بن معاذ فحكم فيهم بقتل شجعانهم وسبي ذراريهم ونسائهم فقتل منهم سبعمائة، وكان ذلك في السنة الرابعة من الهجرة. قوله: (و نفي النضير إلى الشام) أي مع كل واحد حمل بعير من طعام لا غير. قوله: (و ضرب الجزية) أي على من بقي من قريظة وسكن خيبر، وعلى بني النضير بعد ذهابهم إلى الشام. قوله: يُرَدُّونَ وقرىء شاذ بالتاء. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (بأن","part":1,"page":58},{"id":58,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 59\rالدُّنْيا بِالْآخِرَةِ بأن آثروها عليها فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) يمنعون منه وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ أي أتبعناهم رسولا في أثر رسول وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ المعجزات كإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص وَأَيَّدْناهُ قويناه بِرُوحِ الْقُدُسِ من إضافة الموصوف إلى الصفة أي الروح المقدسة جبريل لطهارته يسير معه حيث سار فلم تستقيموا أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى تحب أَنْفُسُكُمُ من الحق اسْتَكْبَرْتُمْ تكبرتم عن اتباعه جواب كلما وهو محل الإستفهام والمراد به التوبيخ فَفَرِيقاً منهم\r______________________________\rآثروها) بالمد بمعنى قدموها.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ شروع في ذكر نعم أخرى لبني إسرائيل قابلوها بقبائح عظيمة، وصدر الجملة بالقسم زيادة في الرد عليهم. قوله: وَقَفَّيْنا من التقفية وهي المشي خلف القفا أطلق، وأريد به مطلق الإتباع. قوله: مِنْ بَعْدِهِ يحتمل أن الضمير عائد على موسى أو الكتاب. قوله: (أي أتبعناهم رسولا في أثر رسول) ظاهره أنه لا يجتمع رسولان في زمن واحد، وليس كذلك، فإن زكريا ويحيى كانا في زمن واحد، وكذا دواد وسليمان، وورد أنهم قتلوا سبعين نبيا في يوم واحد واقاموا سوقهم، وأجيب بأن مراد التبع في العمل بالتوراة، فكل الأنبياء الذين بين موسى وعيسى يعملون بالتوراة بوحي من اللّه لا تقليدا لموسى. إذا علمت ذلك، فالمناسب للمفسر أن يقول أي اتبعنا بعضهم بعضا في العمل بالتوراة كانوا في زمن واحد أو لا، وقوله بالرسل مراده ما يشمل الأنبياء وعدة الأنبياء والرسل الذين بين موسى وعيسى سبعون ألفا وقيل أربعة آلاف.\rقوله: وَآتَيْنا عِيسَى معطوف على آتينا موسى وخصه بالذكر، وإن كان داخلا في قوله: (وَ قَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ) لعظم شرفه ومزيته، ولكون رسولا مستقلا بشرع يخصه لأنه نسخ بعض ما في التوراة، وللرد على اليهود حيث ادعوا أنهم قتلوه، وعيسى لغة عبرانية معناه السبوح. قوله: ابْنَ مَرْيَمَ معنى مريم خادمة للّه، وفي اصطلاح العرب المرأة التي تكره مخالطة الرجال. قوله: الْبَيِّناتِ أل للعهد أي المعجزات المعهودة له. قوله: (و إبراء الأكمة) هو من ولد أعمى. قوله: (أي الروح القدس) أي المطهرة. قوله: (جبريل) وجه تسميته روحا أن الروح جسم نوراني به حياة الأبدان، وجبريل جسم نوراني به حياة القلوب. قوله: (لطهارته) أي من المعاصي والمخالفات والأقذار، وقد مدحه اللّه بقوله تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) * الآية. قوله: (يسير معه حيث سار) أي ولم يزل معه حتى رفعه إلى السماء. قوله: (فلم تستقيموا) قدره المفسر لعطف قوله أفكلما جاءكم رسول عليه. قوله: بِما لا تَهْوى ماضيه هوى من باب تعب وضرب، سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه إلى النار، وهو تذكير للفروع بقبائح أصولهم.\rقوله: اسْتَكْبَرْتُمْ السين زائدة والتقدير تكبرتم كلما جاءكم رسول بالذي لا تحبه أنفسكم.\rقوله: (و المراد به التوبيخ) أي اللوم والتقريع عليهم. قوله: فَفَرِيقاً معمول لكذبتم وقدم مراعاة للفواصل، وقدم التكذيب على القتل مع أن القتل أشنع لأن التكذيب مبدأ القتل. قوله: (كعيسى) أي كذبوه ولم يتمكنوا من قتله بل رفعه اللّه إلى السماء. قوله: (المضارع لحكاية الحال الماضية) أي فنزل وقوعه","part":1,"page":59},{"id":59,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 60\rكَذَّبْتُمْ كعيسى وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87) المضارع لحكاية الحال الماضية أي قتلتم كزكريا ويحيى وَقالُوا للنبي استهزاء قُلُوبُنا غُلْفٌ جمع أغلف أي مغشاة بأغطية فلا تعي ما تقول قال تعالى بَلْ للإضراب لَعَنَهُمُ اللَّهُ أبعدهم عن رحمته وخذلهم عن القبول بِكُفْرِهِمْ وليس عدم قبولهم لخلل في قلوبهم فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ (88) ما زائدة لتأكيد القلة أي إيمانهم قليل جدا وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ من التوراة هو القرآن وَكانُوا مِنْ قَبْلُ قبل مجيئه يَسْتَفْتِحُونَ يستنصرون عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا يقولون اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث آخر الزمان فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا من الحق وهو بعثة النبي كَفَرُوا بِهِ حسدا وخوفا على الرياسة وجواب لما الأولى دل عليه جواب الثانية فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا باعوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أي حظها من الثواب وما نكرة بمعنى شيئا تمييز لفاعل بئس والمخصوص بالذم أَنْ يَكْفُرُوا أي كفرهم بِما أَنْزَلَ اللَّهُ من القرآن بَغْياً مفعول له\r______________________________\rمنهم فيما مضى منزلة وقوعه الآن استعظاما له. قوله: (كزكريا) أي حيث نشروه حين هرب منهم وأوى إلى شجرة أثل فانفتحت له ودخلها. قوله: (و يحيى) أي قتلوه من أجل امرأة فاجرة، أردا محرمها التزوج بها فمنعه من ذلك.\rقوله: وَقالُوا أي الموجودون في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (أي مغشاة بأغطية) أي حسية. قوله:\rفَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ المراد بالقلة الإستبعاد أي فايمانهم مستبعد لطرد اللّه إياهم عن رحمته وسبق شقاوتهم، ويحتمل أن تبقى القلة على بابها، أي فمن آمن منهم قليل كعبد اللّه بن سلام وأضرابه، ويحتمل أن القلة باعتبار الزمن أي أن الزمن الذي يؤمنون فيه قليل جدا، قال تعالى: (وَ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ)\rقوله: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ هذه الجملة من تعلقات الجملة التي قبلها، وكل منهما حكاية عن اليهود الذين كانوا في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقوله من عند اللّه صفة أولى لكتاب، وقوله مصدق صفة ثانية له وجملة وكانوا من قبل حال من الضمير في جاءهم. قوله: مِنْ قَبْلُ مبني على الضم لحذف المضاف إليه ونية معناه. قوله: (يستنصرون) السين والتاء للطلب. قوله: (و هو بعثة النبي) في الحقيقة بعثة النبي والكتاب. قوله: (دل عليه جواب الثانية) أي والأصل ولما جاءكم كتاب من عند اللّه مصدق لما معهم كفروا بذلك الكتاب وكانوا يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا وهو النبي الكريم كفروا به، فبين الجملتين تغاير لفظا وإن كان بينهما تلازم معنى.\rقوله: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا الخ، بئس فعل ماض لإنشاء الذم وفاعلها مستتر فيه وجوبا تقديره هو يعود على الشيء، يفسره قوله ما اشتروا فما تمييز لذلك الفاعل وما بعدها صفة لها، وإن يكفروا في تأويل مصدر المخصوص بالذّم وهو يعرب مبتدأ والجملة التي قبله خبر عنه أو خبر لمبتدأ محذوف، قال ابن مالك:\rويعرب المخصوص بعد مبتدأ ... أو خبر اسم ليس يبدو أبدا\r\rقوله: (من القرآن) بيان لما. قوله: (مفعول له ليكفروا) أي مفعول لأجله والعامل فيه يكفروا.","part":1,"page":60},{"id":60,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 61\rليكفروا أي حسدا على أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ بالتخفيف والتشديد مِنْ فَضْلِهِ الوحي عَلى مَنْ يَشاءُ للرسالة مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ رجعوا بِغَضَبٍ من اللّه بكفرهم بما أنزل والتنكير للتعظيم عَلى غَضَبٍ استحقوه من قبل بتضييع التوراة والكفر بعيسى وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (90) ذو إهانة وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ القرآن وغيره قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا أي التوراة، قال تعالى وَيَكْفُرُونَ الواو للحال بِما وَراءَهُ سواه أو بعده من القرآن وَهُوَ الْحَقُ حال مُصَدِّقاً حال ثانية مؤكدة لِما مَعَهُمْ قُلْ لهم فَلِمَ تَقْتُلُونَ أي قتلتم أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) بالتوراة وقد نهيتم فيها عن قتلهم، والخطاب للموجودين في زمن نبينا بما فعل آباؤهم لرضاهم به وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات كالعصا واليد وفلق\r______________________________\rقوله: على أن يُنَزِّلَ اللَّهُ المعنى كفرهم بما أنزل اللّه حسدا على إنزال اللّه من فضله، وذلك بمعنى قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ). قوله: (الوحي) قدره إشارة إلى أن مفعول ينزل محذوف. قوله: عَلى مَنْ يَشاءُ مفعول يشاء محذوف التقدير يشاؤه. قوله: (بكفرهم) الباء يصح أن تكون للتعدية وللسببية والتنكير للتعظيم. أي في قوله غضب على حد شرا هر ذا ناب. قوله: (و الكفر بعيسى) أي ثم الكفر بمحمد وما جاء به، فقد آمنوا بموسى ثم كفروا به وضيعوا التوراة، فلما جاءهم عيسى آمنوا به ثم كفروا به، فلما جاءهم محمد كفروا به، وازدادوا كفرا. قوله: عَذابٌ مُهِينٌ أصله مهون نقلت كسرة الواو إلى الهاء فوقعت الووا ساكنة بعد كسرة قلبت ياء. قوله: (ذو إهانة) أي هوان وذل ولا يوصف بذلك إلا عذاب الكافرين، وأما ما يقع للعصاة في الدنيا من المصائب وفي الآخرة من دخول النار فهو تطهير لهم.\rقوله: بِما وَراءَهُ يطلق بمعنى سوى وبمعنى بعد وبمعنى أمام اقتصر المفسر على الأولين.\rقوله: (من القرآن) أي والأنجيل.\rقوله: وَهُوَ الْحَقُ حال من ما. قوله: (مؤكدة) أي لمضمون الجملة قبلها على حد زيد أبوك عطوفا وقوله: (ثانية) أي في التأكيد وإلا فهي ثالثة. قوله: فَلِمَ تَقْتُلُونَ ما اسم استفهام حذفت ألفها لجرها باللام، والفاء واقعة في جواب شرط مقدر تقديره إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بالتوراة فلأي شيء تقتلون أنبياء اللّه. قوله: (أي قتلتم) أشار بذلك إلى أن المضارع بمعنى الماضي، وإنما عبر بالمضارع لحكاية الحال الماضية. قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ جواب إن محذوف دل عليه المذكور، فقد حذف من الجملة الأولى أداة الشرط وفعلها ومن الثانية الجواب فهو احتباك، وقيل إن نافية بمعنى ما نتيجة الشرط المقدر. قوله: (بما فعل آباؤهم) الحاصل أنه أقيمت الحجة عليهم مرتين، الأولى دعواكم الإيمان بالتوراة، كذب لكفرهم بالقرآن، فإن الكافر بأي كتاب كافر بالجميع، وعلى تسليم هذه الدعوى فهي كذب من جهة أخرى وهي قتل الأنبياء، فلو كنتم مؤمنين بالتوراة لانتهيتم عما نهاكم اللّه عنه، فإنه نهاكم فيها عن قتل الأنبياء. قوله: (لرضاهم به) جواب عما يقال إن ذلك فيمن قتل الأنبياء، وأما هؤلاء فلم يقع منهم ذلك، فأجاب بأن الرضا بالكفر كفر، وقد يقال إنهم مصرون على قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد تسببوا في ذلك مرارا.\rقوله: وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى هذا أيضا من جملة قبائح بني إسرائيل. قوله: (كالعصا) دخل تحت","part":1,"page":61},{"id":61,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 62\rالبحر ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ إلها مِنْ بَعْدِهِ من بعد ذهابه إلى الميقات وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (92) باتخاذه وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ على العمل بما في التوراة وَقد رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ الجبل حين امتنعتم من قولها ليسقط عليكم وقلنا خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ بجد واجتهاد وَاسْمَعُوا ما تؤمرون به سماع قبول قالُوا سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ أي خالط حبه قلوبهم كما يخالط الشراب بِكُفْرِهِمْ قُلْ لهم بِئْسَما شيئا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ بالتوراة عبادة العجل إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) بها كما زعمتم. المعنى لستم بمؤمنين لأن الإيمان لا يأمر بعبادة العجل والمراد آباؤهم أي فكذلك أنتم لستم بمؤمنين بالتوراة وقد كذبتم محمدا والإيمان بها لا يأمركم بتكذيبه قُلْ لهم إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ أي الجنة عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً خاصة مِنْ دُونِ النَّاسِ كما زعمتم فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (94) تعلق بتمنيه الشرطان على أن الأول قيد في الثاني أي إن صدقتم في زعمكم أنها\r______________________________\rالكاف باقي التسع وهي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنين والطمس. قوله: (إلها) قدره إشارة إلى مفعول اتخذتم. قوله: وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ أي كافرون. قوله: (ليسقط عليكم) علة لقوله رفعنا أي رفعناه لأجل السقوط عليكم إن لم تتمثلوا.\rقوله: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ الجملة حالية على حذف مضافين أي حب عبادة العجل، وفي الكلام استعارة بالكناية وتقريرها أن تقول شبه حب عبادة العجل بمشروب لذيذ سائغ بجامع الإمتزاج في كل وطوى ذكر المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو الإشراب فاثباته تخييل ولم يعبر بالأكل لأنه ليس فيه شدة مخالطة. قوله: (كما يخالط الشراب) أي خلال القلوب والأبدان فمفعول يخالط محذوف. قوله: (شيئا) أشار بذلك إلى أن ما نكرة بمعنى شيء مفسرة لفاعل بئس، وقوله: يَأْمُرُكُمْ صفة لما وإِيمانُكُمْ فاعل يأمر، وقوله: (عبادة العجل) هو المخصوص بالذم قدره المفسر وهذا من جملة التشنيع عليهم، أي أنتم ادعيتم الإيمان بالتوراة ثم رأيناكم قد عبدتم العجل، فإن كان إيمانكم بها أمركم وحملكم على عبادته فبئس إيمانكم وما يأمركم به فإنه كفر لا إيمان، وقوله بالتوراة إن قلت إن عبادة العجل متقدمة على التوراة، أجيب بأن موسى كان يأمرهم بالتوحيد وهو موافق لما في التوراة.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يحتمل أن إن شرطية وكنتم فعل الشرط وجوابه محذوف دل عليه قوله:\r(بئسما يأمركم به إيمانكم) ويحتمل أنها نافية نتيجة قوله: (بئسما يأمركم به إيمانكم) وكلام المفسر يحتملها.\rقوله: (المعنى إلخ) إشارة إلى قياس حملي من الشكل الأول، وتقريره أن تقول اعتقادكم يأمركم بعبادة العجل، وكل اعتقاد يأمر بعبادة العجل فهو كفر ينتج اعتقادكم كفر. قوله: (أي فكذلك أنتم إلخ) أشار بذلك إلى قياس آخر تقريره أن تقول اعتقادكم يأمركم بتكذيب محمد، وكل اعتقاد يأمر بذلك فهو كفر ينتج اعتقادكم كفر.\rقوله: إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ إلخ في هذه الآية أعاريب منها أن الدار اسم كانت ولكم جار ومجرور خبرها وعند اللّه ظرف وخالصة حال، ومنها أن الخبر قوله خالصة وعند اللّه ظرف على كل حال، ومنها أن الخبر هو الظرف وخالصة حال. قوله: (تعلق بتمنيه الشرطان) في العبارة قلب والأصل","part":1,"page":62},{"id":62,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 63\rلكم ومن كانت له يؤثرها والموصل إليها الموت فتمنوه وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من كفرهم بالنبي المستلزم لكذبهم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) الكافرين فيجازيهم وَلَتَجِدَنَّهُمْ لام قسم أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَأحرص مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا المنكرين للبعث عليها لعلمهم بأن مصيرهم النار دون المشركين لأنكارهم له يَوَدُّ يتمنى أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ لو مصدرية بمعنى أن وهي بصلتها في تأويل مصدر مفعول يود وَما هُوَ أي أحدهم بِمُزَحْزِحِهِ مبعده مِنَ الْعَذابِ النار أَنْ يُعَمَّرَ فاعل مزحزحه أي تعميره وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (96) بالياء والتاء فيجازيهم وسأل ابن صوريا النبي أو عمر عمن يأتي بالوحي من الملائكة فقال جبريل فقال هو عدونا يأتي بالعذاب ولو كان ميكائيل لآمنا لأنه يأتي بالخصب\r______________________________\rتعلق تمنيه بالشرطين لأن تمنوا هو الجواب وهو متعلق بالشرطين. قوله: (قيد في الثاني) حاصله أنه إذا اجتمع شرطان وتوسط بينهما جواب كان الأول قيدا في الثاني بمعنى أنه من تمام معناه ويكون الجواب لذلك الثاني، فتقدير الآية إن كنتم صادقين في زعمكم أن الدار الآخرة لكم خاصة فتمنوا الموت، وقيل إن الجواب للأول وجواب الثاني محذوف دل عليه جواب الأول. قوله: (أي إن صدقتم) إشارة إلى الشرط الثاني، وقوله إنها لكم إشارة للأول. قوله: (يؤثرها) أي يقدمها ويختارها.\rقوله: بِما قَدَّمَتْ الباء سببية وما يحتمل أنها اسم موصول وقدمت صلته والعائد محذوف أي قدمته، ويحتمل أنها نكرة موصوفة والعائد محذوف على كل حال، والحكمة في الإتيان هنا بلن وفي الجمعة بلا، أن ادعاءهم هنا أعظم من ادعائهم هناك، فانهم ادعوا هنا اختصاصهم بالجنة وهناك كونهم أولياء للّه من دون الناس، فلا تفيد اختصاصهم بالجنة، فناسب هنا التوكيد بلن وهناك بلا.\rقوله: وَلَتَجِدَنَّهُمْ عطف على قوله ولن يتمنوه من عطف اللازم على الملزوم. قوله: أَحْرَصَ مفعول ثان لتجدنهم حيث كانت بمعنى علم، وأما إن كانت بمعنى أصاب أو صادف نصبت مفعولا واحدا فيكون أحرص حالا. قوله: (و أحرص من الّذين أشركوا) من عطف الخاص على العام زيادة في التقبيح عليهم ودفعا لتوهم أن المشركين أحرص منهم. قوله: (لو مصدرية) أي ولا تنصب الفعل فهي سابكة فقط. قوله: وَما هُوَ يحتمل أن ما حجازية وهو اسمها وبمزحزحه خبرها، وإن يعمر فاعل مزحزحه وإن ما تميمة وهو مبتدأ وبمزحزحه خبره وإن يعمر فاعله على كل حال. قوله: (أي أحدهم الخ) وقيل إن هو ضمير شأن ورد بأن ضمير الشأن يفسر بجملة وهنا ليس كذلك قوله: (بالياء والتاء) ظاهره أنهما سبعيتان وليس كذلك بل التاء عشرية، واختلف فيما زاد على السبعة هل يلحق بها فتجوز القراءة والصلاة بها أم بالشواذ فيمتنعان والمعتمد الأول.\rقوله: (و سأل ابن صوريا إلخ) أشار بذلك إلى سبب نزول الآية، وابن صوريا اسمه عبد اللّه وكان من أحبار اليهود. قوله: (أو عمر) أشار بذلك إلى تنويع الخلاف، فإن عمر كان له أرض بالعوالي وكان يمر على مدارسهم ليختبر صفات محمد من كتبهم، فقالوا يا عمر لقد أحببناك فقال واللّه ما أحبكم وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد، فسأله بأن صوريا عمن يأتي بالوحي لمحمد فقال هو جبريل، فقال: هو عدونا إلخ، فأخبر النبي بذلك فنزلت الآية. قوله: (فقال) أي المسؤول وهو النبي أو عمر.\rقوله: (يأتي بالعذاب) أي كالصواعق والخسف والمسخ. قوله: (بالخصب) بكسر الخاء أي الرخاء. قوله:","part":1,"page":63},{"id":63,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 64\rوالسلم فنزل قُلْ لهم مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فليمت غيظا فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ أي القرآن عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ بأمر اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ قبله من الكتب وَهُدىً من الضلالة وَبُشْرى بالجنة لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ بكسر الجيم وفتحها بلا همز وبه بياء ودونها وَمِيكالَ عطف على الملائكة من عطف الخاص على العام وفي قراءة ميكائيل بهمز وياء وفي أخرى بلا ياء فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (98) أوقعه موقع لهم\r______________________________\r(و السلم) أي الصلح. قوله: (فليمت غيظا) جواب لاسم الشرط الذي هو من وهو مبتدأ خبره قيل فعل الشرط وقيل جوابه وقيل هما، وأما قوله تعالى: فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ فلا يصح أن يكون جوابا للشرط لمانعين الأول عدم الرابط والثاني عدم تسبب الجواب عن الشرط، وقوله لجبريل الصحيح أنه اسم أعجمي علم على رئيس الملائكة فلا اشتقاق فيه ولا تصرف، وقيل مشتق من الجبروت وهو عالم الأسرار، وقيل مركب إضافي وقيل مزجي والصحيح الأول، وورد عن ابن عباس أن جبر معناه عبد وإيل معناه اللّه، وميكا معنها عبد إيل معناه اللّه.\rقوله: فَإِنَّهُ أي جبريل. قوله: (أي القرآن) وقيل الوحي أعم من يكون قرآنا أو غيره.\rقوله: عَلى قَلْبِكَ عبر بعلى إشارة لتمكنه وانصبابه ورسوخه، فإن الشيء إذا صب من أعلى لأسفل رسخ وثبت. قوله: (بأمر اللّه) أشار بذلك إلى أن المراد بالإذن الأمر لا العلم. قوله: مُصَدِّقاً حال من الضمير في نزله وكذلك قوله: هُدىً وَبُشْرى. قوله: (بالجنة) أي وما فيها من النعيم ورؤية وجه اللّه الكريم قوله: لِلْمُؤْمِنِينَ أي ونذير للكافرين بالنار، وهذا رد أول لكلام ابن صوريا، حاصله أن جبريل لا اختيار له في إنزال العذاب ولا في إنزال القرآن.\rقوله: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ قدم لأنه المنشىء للأشياء جميعها، وثنى بالملائكة لأنهم المرسلون من حضرته، وثلث بالرسل لنزول الملائكة عليهم. قوله: وَجِبْرِيلَ خص وهو وميكائيل زيادة في التشنيع عليهم ولأن حياة الأرواح والأشباح بواسطتهما وتنبيها على أن عداوتهما خسران وضلال. قوله: (بكسر الجيم) أي على وزن قنديل. قوله: (و فتحها) أي على وزن شمويل. قوله: (و به بياء ودونها) هذا في المفتوح وهو على وزن سلسبيل وجحمرش، فجملة القراءات السبعية أربعة وهي من جملة لغات أنهاها بعضهم لثلاث عشرة، خامسها فتح الجيم مع الهمزة واللام مشددة على أنها اسم من اسماء اللّه، وفي بعض التفاسير لا يرقبون في مؤمن إلا أي اللّه، سادسها فتح الجيم والف بعد الراء وهمزة مكسورة بعدها، سابعها مثلها إلا أنها بياء بعد الهمزة، ثامنها فتح الجيم وياءان بعد الألف من غير همزة، تاسعها فتح الجيم وألف بعد الراء ولام، عاشرها فتح الجيم وياء بعد الراء مكسورة ولام، حادي عشرها فتح الجيم وياء بعد الراء ونون، ثاني عشرها كذلك إلا أنها بكسر الجيم، ثالث عشرها فتح الجيم والف بعد الراء وهمزة وياء ونون وأكثرها قرىء به شاذا. قوله: (من عطف الخاص على العام) والنكتة شرفهما وعظمهما وكون النزاع فيهما. قوله: (و في أخرى بلا ياء فتكون القراءات السبعية ثلاثا بالهمزة والياء معا وبإسقاط الياء فقط وبإسقاطهما وهي من جملة لغاته السبع، رابعها مثل بيكعيل، خامسها كذلك إلا أنه لا ياء بعد الهمزة مثل بيكعل، سادسها بياءين بعد الألف سابعها بهمزة مفتوحة بعد الألف وقرىء بالجميع شاذا.\rقوله: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ هذا هو جواب الشرط، والرابط موجود وهو الإسم الظاهر لقيامه","part":1,"page":64},{"id":64,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 65\rبيانا لحالهم وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يا محمد آياتٍ بَيِّناتٍ أي واضحات حال رد لقول ابن صوريا للنبي ما جئتنا بشيء وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ (99) كفروا بها أَوَكُلَّما عاهَدُوا اللّه عَهْداً على الإيمان بالنبي إن خرج أو النبي أن لا يعاونوا عليه المشركين نَبَذَهُ طرحه فَرِيقٌ مِنْهُمْ بنقضه جواب كلما وهو محل الإستفهام الإنكاري بَلْ للإنتقال أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ أي التوراة وَراءَ ظُهُورِهِمْ أي لم يعملوا بما فيها من الإيمان بالرسول وغيره كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) ما فيها من أنه نبي حق أو أنها كتاب اللّه وَاتَّبَعُوا عطف على نبذ ما تَتْلُوا أي تلت الشَّياطِينُ عَلى عهد مُلْكِ سُلَيْمانَ من\r______________________________\rمقام الضمير وقيل الرابط العموم. قوله: (بيانا لحالهم) أي ولزيادة التقبيح عليهم، والمراد بعدواتهم للّه خروجهم عن طاعته وعدم امتثالهم أمره. قوله: (حال) المناسب أن يقول صفة لأن الحال لا يكون من النكرة إلا إذا وجد لها مسوغ.\rقوله: إِلَّا الْفاسِقُونَ أي الكافرون. قوله: (أ) (كفروا بها) أشار بذلك إلى أن الهمزة داخلة على محذوف والواو عاطفة على ذلك المحذوف وهو أحد احتمالين تقدما.\rقوله: عاهَدُوا (اللّه) قدر المفسر لفظ الجلالة إشارة إلى أن عاهدوا بمعنى أعطوا، فاللّه مفعول أول وعهدا مفعول ثان. قوله: (على الإيمان بالنبي) أي فالعهد مأخوذ عليهم قديما في كتبهم وعلى أنبيائهم. قوله: (أو النبي) أشار إلى تفسير ثان فقد كانوا يأتون النبي ويقولون له إن كنت نبيا فائت لنا بكذا، فيقيم عليهم الحجة فيعاهدونه أن لا يعاونوا عليه المشركين ثم ينقضونه. قوله: (بنقضه) الباء سببية. قوله: أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ دفع بذلك ما يتوهم من قوله فريق أن الفريق يصدق بالقليل والكثير، فيتوهم أن المراد القليل فدفع ذلك بقوله بل أكثرهم إلخ، وهو إما من عطف الجمل أو المفردات، فعلى الأول جملة أكثرهم لا يؤمنون معطوفة على جملة نبذه فريق منهم، وعلى الثاني أكثرهم معطوف على طريق الإشارة إلى أن النابذ للعهد أكثرهم، وقوله لا يؤمنون إخبار عنهم بعدم الإيمان لرسوخ الشرك في قلوبهم.\rقوله: وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ هذا من جملة التشنيع على بني إسرائيل. قوله: لِما مَعَهُمْ أي التوراة والمعنى أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جاء بإثبات التوراة وأنها من عند اللّه، فكان مقتضى ذلك اتباعه والعمل بشريعته، ولكن اللّه طمس على قلوبهم وسمعهم وابصارهم. قوله: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ صفة لفريق وأوتوا ينصب مفعولين نائب الفاعل الذي هو الواو مفعول أول والكتاب مفعول ثان، وقوله: كِتابَ اللَّهِ مفعول لنبذ وهو بمعنى طرح. قوله: (أي لم يعملوا بما فيها) أشار بذلك إلى أن قوله وراء ظهورهم ليس على حقيقته بل هو كناية عن عدم العمل بما في التوراة، وإلا فهم يعظمونها إلى الآن. قوله: (من أنه نبي حقا) إشارة إلى مفعول يعلمون، والمعنى أنهم أنكروا صفة رسول اللّه وبدلوها ولم يذعنوا للأحكام التي في التوراة كأنهم جاهلون بها مع أنهم عالمون بها.\rقوله: (عطف على نبذ) استشكل بأن المعطوف على الجواب جواب، و\rقوله: اتَّبَعُوا لا يصلح أن يكون جوابا لعدم ترتبه على الشرط لأنه سابق على بعثة رسول اللّه، فالأحسن عطفه على جملة ولما","part":1,"page":65},{"id":65,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 66\rالسحر وكانت دفنته تحت كرسيه لما نزع ملكه أو كانت تسترق السمع وتضم إليه أكاذيب وتلقيه إلى الكهنة فيدونونه وفشا ذلك وشاع أن الجن تعلم الغيب فجمع سليمان الكتب ودفنها فلما مات دلت الشياطين عليها الناس فاستخرجوها فوجدوا فيها السحر فقالوا إنما ملككم بهذا فتعلموه ورفضوا كتب أنبيائهم، قال تعالى تبرئة لسليمان وردا على اليهود في قولهم انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء وما كان إلا ساحرا وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ أي لم يعمل السحر لأنه كفر وَلكِنَ بالتشديد والتخفيف الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ الجملة حال من ضمير كفروا وَيعلمونهم ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ أي ألهماه من السحر،\r______________________________\rجاءهم رسول بيان لسوء حالهم. قوله: (أي تلت) أشار بذلك إلى أن المضارع بمعنى الماضي، لأن السماء محفوظة من استراقهم السمع من بعثة رسول اللّه وتلت بمعنى قرأت أو كذبت. قوله: (على عهد) على بمعنى في وعهد بمعنى زمن التقدير، واتبعوا ما تلت الشياطين في زمن ملك سليمان، ويحتمل أن تتلو بمعنى تتقول وعلى على بابها ومتعلقها محذوف تقديره على اللّه، فيصير المعنى واتبعوا ما تتقوله الشياطين على اللّه زمن ملك سليمان، وقوله: (من السحر) بيان لما وعائد الموصول محذوف تقديره تتلوه. قوله: (أو كانت تسترق السمع) أو لتنويع الخلاف لأنه اختلف في الذي اتبعته اليهود، فقيل هو السحر الذي وضعته الشياطين تحت كرسيه لما نزع ملكه، وسبب ذلك أن امرأة من نساء سليمان سجدت لصنم أربعين يوما فعاتبه اللّه بنزع ملكه تلك المدة، وسبب عزله أنه كان خاتمه الذي نزل به آدم من الجنة يضعه إذ دخل الخلاء عند امرأة من نسائه تسمى الأمينة، وكان كل من لبسه يملك الدنيا بما فيها، فوضعه عندها مرة فجاءها شيطان يسمى صخر المارد، وتشكل بشكل سليمان وطلب الخاتم فأعطته له، ثم أتى الكرسي وجلس عليه أربعين يوما فجمعت الشياطين كتب السحر ودفنتها تحت كرسيه، ثم لما انقضت المدة وجاء الأمر بتولية سليمان ثانيا طار الشيطان فوقع الخاتم في البحر فحملته دابة من دواب الماء وأتته به، فأمر سليمان الشياطين أن يأتوا بصخر المارد فأتوه به، فأمرهم أن يفتحوا صخرة ففعلوا ثم أمرهم أن يضعوه فيها ويسدوا عليه بالرصاص والنحاس ويرموه في قعر البحر الملح ففعلوا فلما مات سليمان دلت الشياطين على تلك الكتب المدفونة الناس، وقيل إنه ما استرقته الشياطين من السماء، فكان الشيطان يسمع الكلمة الصدق ويضع عليها تسعة وتسعين كذبة ويلقيها إلى الكهنة، إلى آخر ما قال المفسر. قوله: (دلت الشياطين) المراد الجنس لأن الذي دل شيطان منهم. قوله: (لأنه كفر) أي في شرعه وأما في\rشرعنا ففيه تفصيل، فإن اعتقد صحته وأنه يؤثر بنفسه فهو كفر، وأما إن تعلمه ليسحر به الناس فهو حرام، وإن كان لا لشيء فمكروه، وإن كان ليبطل به السحر فجائز، وعرفه ابن العربي بأنه كلام مؤلف يعظم به غير اللّه وتنسب له المقادير، فعليه هو كفر حتى في شرعنا، وعبارة الغزالي تفيد ما قاله ابن العربي. قوله: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ إما بدل من كفروا بدل فعل من فعل على حد إن تصل تسجد للّه يرحمك، أو خبر بعد خبر أو جملة مستأنفة أو حال من الشياطين أو حال من الواو في كفروا، فهذه خمس احتمالات اختار المفسر آخرها. قوله: (و يعلمونهم) ما أُنْزِلَ أشار بذلك إلى أن ما اسم موصول معطوف على السحر من عطف الخاص على العام، والنكتة قوة ما أنزل على الملكين وصعوبته ويحتمل أنه مغاير، وأن ما أنزل على الملكين وإن كان سحرا إلا أنه نوع آخر منه غير متعارف بين الناس. قوله: (و قرئ) أي قراءة شاذة وفيها دليل لمن يقول إنهما ليسا","part":1,"page":66},{"id":66,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 67\rوقرىء بكسر اللام الكائنين بِبابِلَ بلد في سواد العراق هارُوتَ وَمارُوتَ بدل أو عطف بيان للملكين قال ابن عباس هما ساحران كانا يعلمان السحر وقيل ملكان أنزلا لتعليمه ابتلاء من اللّه للناس وَما يُعَلِّمانِ مِنْ زائدة أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا له نصحا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ بلية من اللّه للناس ليمتحنهم بتعليمه فمن تعلمه كفر ومن تركه فهو مؤمن فَلا تَكْفُرْ بتعلمه، فإن أبى إلا التعليم علماه فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ بأن يبغض كلّا إلى الآخر وَما هُمْ أي السحرة بِضارِّينَ بِهِ بالسحر مِنْ زائدة أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ بإرادته وَيَتَعَلَّمُونَ\r______________________________\rملكين حقيقيين وإنما هما رجلان صالحان، وسميا بذلك لحسنهما وصلاحهما على حد ما قيل في يوسف (ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم). قوله: (الكائنين) قدره إشارة إلى أن ببابل جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة للملكين.\rقوله: بِبابِلَ ممنوع من الصرف للعلمية، أو العجمة مأخوذ من البلبلة لأن أهلها يتكلمون بثمانين لغة، وأول من اختطها نوح وسماها ثمانين. قوله: هارُوتَ وَمارُوتَ هما ممنوعان من الصرف للعلمية والعجمة، ويجمعان على هواريت ومواريت، أو على هوارية وموارية مأخوذان من الهرت والمرت وهو الكسر، ولكن حيث قلنا إنهما أعجميان فلا يتصرف فيهما أحد ولا يعلم لهما اشتقاق. قوله: (هما ساحران) قدم هذا القول إشار لقوته وأنهما رجلان ساحران وليسا بملكين. قوله: (ابتلاء من اللّه) أي اختبارا وامتحانا، وقصة هاروت وماروت على القول بثبوتها، أن الملائكة لما رأوا أعمال بني آدم الخبيثة تصعد إلى السماء قالوا سبحانك يا ربنا خلقت خلقا وأكرمتهم وهم يعصونك، فقال اللّه تعالى لهم لو ركبت فيكم ما ركبت فيهم لفعلتم فعلهم، فقالوا سبحانك لا نعصيك أبدا، فقال: اختاروا لكم ملكين فاختاروا هاروت وماروت وكانا من أصلحهم، فركب اللّه فيهما الشهوة وأمرهما بالهبوط إلى الأرض والحكم بين الناس بالحق، ونهاهما عن الشرك والقتل والزنا وشرب الخمر، وعلمهما اللّه الإسم الأعظم، فكان إذا أمسى الوقت صعدا به إلى السماء، ثم إنه جاءت إليهما امرأة تسمى الزهرة وكانت جميلة جدا، فلما وقع نظرهما عليها أخذت بقلوبهما فراوداها فأبت إلا أن يقتلا ففعلا، ثم راوداها فأبت إلا أن يشربا الخمر ففعلا، ثم راوداها فأبت إلا أن يسجدا للصنم ففعلا، ثم راوداها فأبت إلا أن يعلماها الاسم الذي يصعدان به إلى السماء ففعلا، فتلته فصعدت به إلى السماء فمسخها اللّه كوكبا فهي الزهرة المعروفة، فلما علما ذلك أرادا تلاوة الاسم الأعظم فلم تطاوعهما أجنحتهما، فذهبا إلى إدريس وسألاه أن يشفع لهما عند اللّه ففعل ذلك، فخيرهما اللّه بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا لعلمهما بانقطاعه، فهما ببابل معلقان بشعورهما يضربان بسياط من حديد إلى يوم القيامة، مزرقة\rأعينهما مسودة جلودهما، وما زالا يعلمان الناس السحر، وقد اختلف في صحة هذه القصة وعدمها، فاختار الحافظ ابن حجر الأول لورودها من عدة طرق عن الإمام أحمد بن حنبل، واختار البيضاوي ومن تبعه الثاني لأنه لم تثبت روايتها إلا عن اليهود. قوله: (فمن تعلمه كفر) أي إن اعتقد صحته وتأثيره.\rقوله: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما معطوف على وما يعلمان من أحد إن قلت إن الأول منفي والثاني مثبت وكيف يصح عطف المثبت على المنفي، أجيب بأنه في المعنى مثبت التقدير ويعلمون الناس السحر قائلين لهم إنما نحن فتنة فلا تكفر. قوله: وَما هُمْ إلخ يحتمل أن ما حجازية وهم اسمها وبضارين خبرها","part":1,"page":67},{"id":67,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 68\rما يَضُرُّهُمْ في الآخرة وَلا يَنْفَعُهُمْ وهو السحر وَلَقَدْ لام قسم عَلِمُوا أي اليهود لَمَنِ لام ابتداء معلقة لما قبلها ومن موصولة اشْتَراهُ اختاره أو استبدله بكتاب اللّه ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ نصيب في الجنة وَلَبِئْسَ ما شيئا شَرَوْا باعوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أي الشارين أي حظها من الآخرة إن تعلموه حيث أوجب لهم النار لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (102) حقيقة ما يصيرون إليه من العذاب ما تعلموه وَلَوْ أَنَّهُمْ أي اليهود آمَنُوا بالنبي والقرآن وَاتَّقَوْا عقاب اللّه بترك معاصيه كالسحر وجواب لو محذوف أي لأثيبوا دل عليه لَمَثُوبَةٌ ثوبا وهو مبتدأ واللام فيه للقسم مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ خبره مما شروا به أنفسهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (103) أنه خير لما آثروه عليه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا للنبي راعِنا أمر من المراعاة وكانوا يقولون له ذلك وهي بلغة اليهود سب من الرعونة فسروا بذلك وخاطبوا بها النبي فنهي المؤمنون عنها وَقُولُوا بدلها انْظُرْنا أي انظر إلينا وَاسْمَعُوا ما تؤمرون به سماع قبول وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (104) مؤلم وهو النار ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ من العرب عطف على أهل الكتاب ومن للبيان\r______________________________\rوالباء زائدة في خبرها، ويحتمل أنها تميمية وما بعدها مبتدأ وخبر والباء زائدة في خبر المبتدأ. قوله: (أي اليهود) أي جميعهم لأنهم علموا ذلك في التوراة. قوله: (و من موصولة) أي وهي مبتدأ واشتراه صلتها وجملة ما له في الآخرة إلخ خبرها والجملة منها ومن خبرها سادة مسد مفعولي علم. قوله: (باعوا) أشار بذلك إلى أنه يطلق الشراء على البيع. قال تعالى: (وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ). قوله: (أن تعلموه) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر هو المخصوص بالذم وقوله حيث أوجب لهم النار حيث تعليلية. قوله: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ لا منافاة بينه وبين قوله ولقد علموا إلخ لأنهم علموا أنهم ليس لهم نصيب في الآخرة، ولكن لم يعلموا أنهم لا يفلتون من العذاب الدائم.\rقوله: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ صفة لمثوبة وأصلها مثوبة بوزن مفعلة نقلت ضمة الواو إلى الثاء. قوله: (لما آثروه عليه) أي لما قدموا السحر على ما عند اللّه، وهو إشارة إلى جواب لو. قوله: راعِنا أي اشملنا بنظرك ليفتح اللّه علينا، لأنهم كانوا يقولونها عند سماعهم الوحي منه. قوله: (أمر من المراعاة) أي وهي المبالغة في الرعي وحفظ الغير. قوله: (سب من الرعونة) أي الحمق والجهل وقلة العقل أو معناها اسمع لا سمعت وعليه فهي عبرانية أو سريانية وعلى ما قاله المفسر فهي عربية، روي أن سعد بن معاذ رضي اللّه عنه سمع اليهود يقولونها لرسول اللّه، فقال يا أعداء اللّه عليكم لعنة اللّه لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول اللّه لأضربن عنقه، قالوا أو لستم تقولونها، فنزلت الآية ونهى فيها المؤمنون عن ذلك قطعا لألسنة اليهود عن التدليس وأمروا بما في معناها ولا يقبل التدليس الذي هو انظرنا. قوله: (أي انظر الينا) أشار بذلك إلى أنه من باب الحذف والإيصال، حذف الجار فاتصل الضمير. قوله: (سماع قبول) أي بحضور قلب عند تلقي الأحكام، فإنه إذا وجدت القابلية من الطالب مع نظر المعلم حصل الفتح العظيم.\rقوله: ما يَوَدُّ من المودة وهي المحبة أي ما يجب، وقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا فاعل يود ومِنْ","part":1,"page":68},{"id":68,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 69\rأَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ زائدة خَيْرٍ وحي مِنْ رَبِّكُمْ حسدا لكم وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ نبوته مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) ولما طعن الكفار في النسخ وقالوا إن محمدا يأمر وينهي عنه غدا نزل: ما شرطية نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أي نزل حكمها إما مع لفظها أو لا وفي قراءة بضم النون من أنسخ أي نأمرك أو جبريل بنسخها أَوْ نُنْسِها نؤخرها فلا نزل حكمها ونرفع تلاوتها أو نؤخرها في اللوح المحفوظ وفي قراءة بلا همز من النسيان أي ننسكها أي نمحها من قلبك وجواب الشرط نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أنفع للعباد في السهولة أو كثرة الأجر\r______________________________\rأَهْلِ الْكِتابِ إلخ بيان للذين كفروا. قوله: وَلَا الْمُشْرِكِينَ معطوف على أهل الكتاب ولا زائدة لتوكيد النفي. قوله: أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ في تأويل مصدر مفعول يود ومن زائدة وخير نائب فاعل ينزل، والتقدير ما يحب الذين كفروا وهم أهل الكتاب والمشركون إنزال خير من ربكم عليكم. قوله: (حسدا لكم) تعليل للنفي وحسد اليهود بسبب زعمهم أن النبوة لا تليق إلا بهم لكونهم أبناء الأنبياء، وحسد مشركي العرب بسبب ما عندهم من الرياسة والفخر فقالوا لا تليق النوبة إلا بنا. قوله: وَاللَّهُ يَخْتَصُ يتسعمل متعديا ولازما فعلى الأولى فاعله ضمير مستتر فيه الموصول بصلته في محل نصب على المفعولية والمعنى واللّه يخص إلخ، وعلى الثاني الفاعل هو الموصول بصلته والمعنى واللّه يميز برحمته من يشاؤه.\rقوله: الْعَظِيمِ أي الواسع. قوله: (و لما طعن الكفار إلخ) أشار بذلك إلى سبب نزول الآية، والمقصود من ذلك بيان حكمة النسخ والرد على الكفار حيث قالوا إن القرآن افتراء من محمد فلو كان من عند اللّه لما بدل فيه وغير. ورد عليهم أيضا بقوله تعالى: (وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ) الآية وقوله تعالى: (قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي) قوله: (شرطية) أي وهي نكرة بمعنى شيء معمولة لننسخ وقوله من آية بيان لما.\rقوله: نَنْسَخْ من النسخ وهو لغة الإزالة والنقل، يقال نسخت الشمس الظل أزالته، ونسخت الكتاب نقلت ما فيه، واصطلاحا بيان انتهاء حكم التعبد إما باللفظ أو الحكم أو بهما، فنسخ اللفظ والحكم كعشر رضعات معلومات يحرمن. ونسخ اللفظ دون الحكم: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. ونسخ الحكم دون اللفظ كقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ) الآية نسخت بآية المواريث وبقوله صلّى اللّه عليه وسلّم لا وصية لوارث، وقوله تعالى:\r(وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ) الآية، فنسخت بقوله تعالى:\r(يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) إلى غير ذلك. قوله: (إما مع لفظها) أي كعشر رضعات إلخ.\rقوله: (أو لا) أي بأن نزيل حكمها فقط، قوله: (أو جبريل) في الحقيقة بينهما تلازم. قوله: (فلا نزل حكمها) أي لا ننسخه بل نبقيه وقوله: (و نرفع تلاوتها) أي ننسخه، فعلى هذا التفسير دخل تحت قوله ما ننسخ من آية حكمان من أحكام النسخ، وهما نسخ الحكم واللفظ أو الحكم فقط وتحت قوله أو ننسأها الحكم الثالث وهو نسخ اللفظ دون الحكم. قوله: (أو نؤخرها في اللوح المحفوظ) أي لا نطلعكم عليها ولا نعلمكم بها، وعلى هذا التفسير فقد دخل تحت قوله ما ننسخ الأحكام الثلاثة. قوله: (في قراءة بلا همز) المناسب أن يقول وفي قراءة بضم النون من غير همز. قوله: (من النسيان) الأولى أن يقول من الإنساء لأنه مصدر الرباعي. قوله: (أي نمحها من قلبك) أي وقلب أمتك بأن يبقى الحكم دون اللفظ أو يمحيان. قوله: (في السهولة) أي كقوله تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ) الآية. قوله: (أو كثرة الأجر) أي","part":1,"page":69},{"id":69,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 70\rأَوْ مِثْلِها في التكليف والثواب أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) ومنه النسخ والتبديل والإستفهام للتقرير أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يفعل فيهما ما يشاء وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره مِنْ زائدة وَلِيٍ يحفظكم وَلا نَصِيرٍ (107) يمنع عذابه عنكم إن أتاكم ونزل لما سأله أهل مكة أن يوسعها ويجعل الصفا ذهبا أَمْ بل أتُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى أي سأله قومه مِنْ قَبْلُ من قولهم أرنا اللّه جهرة وغير ذلك وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ أي يأخذه بدله بنرك النظر في الآيات البينات واقترح غيرهما فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (108) أخطأ الطريق الحق والسواء في الأصل الوسط وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ\r______________________________\rكقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) بعد قوله: (و على الذين يطيقونه فدية) فليس ثواب من خير بين الأمرين كثواب من تحتم عليه الصوم.\rقوله: أَوْ مِثْلِها أي كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة، فإنه لا مشقة في كل، وليس أحدهما أكثر ثوابا من الآخر. قوله: (و الإستفهام للتقرير) أي أقر واعترف بكون اللّه قديرا على كل شيء.\rقوله: وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما حجازية ولكم خبرها مقدم، ومن دون اللّه حال من ولي ومن زائدة وولي اسمها مؤخر، ولا نصير معطوف على ولي ولا زائدة لتأكيد النفي، ويحتمل أنها تميمية، وما بعد مبتدأ وخبر ويحتمل أن من في قوله من دون اللّه زائدة أو أصلية متعلق بما تعلق به الخبر. قوله: مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ الفرق بين الولي والنصير أن الولي قد يضعف عن النصرة، والنصير قد يكون أجنبيا من المنصور، فبينهما عموم وخصوص من وجه. قوله: (أن يوسعها) أي بإزالة الجبلين المحيطين بها. قوله: (و يجعل الصفا ذهبا) أي وغير ذلك مما ذكره اللّه في سورة الإسراء في قوله تعالى: (وَ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً) الآية، هكذا ذكر المفسر، واستشكل ذلك بأن هذه السورة مدنية، والسؤال من أهل مكة كان قبل المهاجرة، فالحق أن يقال إن سبب نزولها سؤال يهود المدينة إنزال كتاب من السماء، بدليل أن السورة مدنية وأن السياق في خطاب اليهود، ووجود أم التي بمعنى بل التي للإضراب الإنتقالي، المفيد أن له تعلقا بما قبله.\rقوله: رَسُولَكُمْ أي محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه رسول الخلق أجمعين.\rقوله: كَما سُئِلَ مُوسى بني الفعل للمجهول للعلم بالفاعل. قوله: (و غير ذلك) أي من قولهم (فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ) ومن قولهم: (اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ) ونحو ذلك قوله: وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ استئناف لبيان حال من تعنت على نبيه. قوله: سَواءَ السَّبِيلِ من إضاف الصفة للموصوف أي السبيل السواء بمعنى المستوي. قوله: (أخطأ طريق الحق) أي فقد شبه الدين الحق بالطريق المستوي بجامع أن كلا يوصل للمقصود.\rقوله: وَدَّ كَثِيرٌ سبب نزولها أن عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان لما رجعا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من غزوة أحد، اجتمعا برهط من اليهود فقالوا لهما ألم نقل لكما إن دين اليهود هو الحق وغيره باطل، فلو كان ما عليه محمد حقا ما قتلت أصحابه مع دعواه أنه يقاتل واللّه معه، فقال عمار بن ياسر ما حكم نقض العهد عندكم، فقالوا فظيع جدا، فقال إني عاهدت محمدا على اتباعه إلى أن أموت فلا أنقضه أبدا، فقالوا قد صبأ، فقال حذيفة رضيت باللّه ربا، وبالإسلام دينا، والكعبة قبلة، والقرآن إماما، والمؤمنين","part":1,"page":70},{"id":70,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 71\rالْكِتابِ لَوْ مصدرية يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مفعول له كائنا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ أي حملتهم عليه أنفسهم الخبيثة مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ في التوراة الْحَقُ في شأن النبي فَاعْفُوا عنهم أي اتركوهم وَاصْفَحُوا أعرضوا فلا تجازوهم حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ فيهم من القتال إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ طاعة كصلة وصدقة تَجِدُوهُ أي ثوابه عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) فيجازيكم به وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً جمع هائد أَوْ نَصارى قال ذلك يهود المدينة ونصارى نجران لما تناظروا بين يدي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي قال اليهود لن يدخلها إلا اليهود وقال النصارى لن يدخلها إلا النصارى تِلْكَ القولة أَمانِيُّهُمْ شهواتهم الباطلة قُلْ لهم هاتُوا بُرْهانَكُمْ حجتكم على ذلك إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (111) فيه\r______________________________\rإخوانا فلما رجعا أخبرا رسول اللّه بذلك فقال أصبتما الخير وأفلحتما فنزلت قوله: وَدَّ كَثِيرٌ من المودة وهي المحبة. قوله: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أي وهم اليهود. قوله: لَوْ (مصدرية) فتسبك مع ما بعدها بمصدر مفعول ود، التقدير ود كثير ردكم إلخ، ورد تنصب مفعولين لأنها بمعنى صير مفعولها الأول الكاف والثاني كفارا ويصح أن تكون لو شرطية وجوابها محذوف تقديره فيسرون ويفرحون بذلك. قوله: (كائنا) أشار بذلك إلى أن قوله من عند أنفسهم متعلق بمحذوف صفة لحسدا ومن ابتدائية.\rقوله: مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ متعلق بود وما مصدرية أي من بعد تبين الحق لهم، وهذا أبلغ قبيح منهم لأنهم عرفوا الحق فلم يهتدوا، ومع ذلك وقعت المراودة لغيرهم على الضلال فقد ضلوا وأضلوا.\rقوله: فَاعْفُوا أي لا تؤاخذهم بهذه المقالة، وقوله: وَاصْفَحُوا أي لا تلوموهم فبينهما مغايرة وقيل متحدان، وعليه مشى المفسر ومعناهما عدم المؤخذة، ولم يؤمر النبي وأصحابه بقتالهم مع أنهم ناقضون للعهد بتلك المقالة لأن الواقعة كانت بعد غزوة أحد فكان الأذن في القتال حاصلا، فالجواب أن القتال المأذون فيه كان للمشركين، وأما أهل الكتاب فلم يؤمروا بقتالهم إلا في غزوة أحد فكان الإذن في القتال حاصلا، فالجواب أن القتال المؤذون فيه كان للمشركين، وأما أهل الكتاب فلم يؤمروا بقتالهم إلا في غزوة الأحزاب، قيل قبلها وقيل بعدها، فقتل قريظة وأجلى بني النضير وغزا خيبر. قوله: (من القتال) أي الخاص بهم.\rقوله: عِنْدَ اللَّهِ العندية معنوية على حد لي عند زيد يد أي مصون ومحفوظ مدخر. قوله:\r(قال ذلك يهود المدينة إلخ) لف ونشر مرتب. قوله: (لما تناظروا) لما حينية ظرف لقالوا قوله: (لن يدخلها إلا اليهود) سميت اليهود بذلك لأنهم هادوا بمعنى رجعوا عن عبادة العجل، وسميت النصارى بذلك لأنهم نصروا عيسى وهو جمع نصران أو نصرى.\rقوله: تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ مبتدأ وخبر وجمع الخبر مع كون المبتدأ مفردا لأنه جمع في المعنى لأنه عائد على القول وهي بمعنى المقالات. قوله: هاتُوا قيل هو اسم أمر وقيل فعل أمر وقيل اسم صوت، والحق الوسط للحوق العلامة لها والمعنى أحضروا. قوله: بُرْهانَكُمْ قيل مأخوذ من البرهة أي القطعة لأن به قطع حجة الخصم وقيل من البرهن أي البيان، فعلى الأول ممنوع من الصرف وعلى الثاني","part":1,"page":71},{"id":71,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 72\rبَلى يدخل الجنة غيرهم مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ أي انقاد لأمره وخص الوجه لأنه أشرف الأعضاء فغيره أولى وَهُوَ مُحْسِنٌ موحد فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ أي ثواب عمله الجنة وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) في الآخرة وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ معتد به وكفرت بعيسى وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ معتد به وكفرت بموسى وَهُمْ أي الفريقان يَتْلُونَ الْكِتابَ المنزل عليهم وفي كتاب اليهود تصديق عيسى وفي كتاب النصارى تصديق موسى والجملة حال كَذلِكَ كما قال هؤلاء قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أي المشركون من العرب وغيرهم مِثْلَ قَوْلِهِمْ بيان لمعنى ذلك أي قالوا لكل ذي دين ليسوا على شيء فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) من أمر الدين فيدخل المحق الجنة والمبطل النار وَمَنْ أَظْلَمُ أي لا أحد أظلم مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ بالصلاة والتسبيح وَسَعى فِي خَرابِها بالهدم أو التعطيل. نزلت إخبارا عن الروم الذين خربوا بيت المقدس أو في المشركين\r______________________________\rمصروف.\rقوله: بَلى أي لا يدخلها أحد منكم. قوله: مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ أي دخل الإسلام بوجهه أي بذاته ومعناه انقاد بظاهره، وقوله موحد أي بباطنه لا منافق بل منقاد بظاهره مؤمن موحد بباطنه. قوله:\r(معتد به) أي بل هم على باطل وقدره المفسر إشارة إلى أن صفة شيء محذوفة، وهذه أصدق مقالة قالتها اليهود والنصارى. قوله: (و كفرت بعيسى) أي وزعمت أنها قتلته.\rقوله: يَتْلُونَ الْكِتابَ المراد به بالنسبة لليهود التوراة، والنسبة للنصارى الأنجيل. قوله: (المشركون من العرب) أي فالمراد من ذلك تسلية رسول اللّه على ما وقع من المشركين، فإن اليهود والنصارى كفروا وضلوا مع علمهم بالحق فكيف بمن لا علم عنده فلا يستغرب ذلك منهم. قوله: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ أي الفرق المذكورة: اليهود والنصارى ومشركي العرب ومن أسلم وجهه للّه وهو محسن.\rقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ من اسم استفهام مبتدأ وأظلم خبره. قوله: (أي لا أحد أظلم) استشكل بأنه يقتضي أن من منع مساجد اللّه من ذكر اسمه فيها لم يساوه أحد في الظلم، فكيف ذلك مع قوله تعالى:\r(وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) * (وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ) * (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ) الآية، المقتضى كل آية منها أنه لا أحد أظلم ممن ذكر فيها، وأجيب بأن هؤلاء الموجودين في الآيات ظلمهم زائد عن غيرهم، وكون الظلم الواقع من بعضهم مساويا للبعض الآخر أم لا شيء آخر تأمل، وأشار المفسر بقوله أي لا أحد أظلم إلى الإستفهام إنكاري بمعنى النفي. قوله: مِمَّنْ مَنَعَ يتعدى لمفعولين الأول بنفسه وهو مساجد، والثاني قوله أن يذكر فهو في تأويل مصدر مجرور بمن، التقدير لا أحد أظلم ممن منع مساجد اللّه من ذكر اسمه فيها، والمنع إما بغلقها أو تعطيل الناس عنها أو تخريبها أو أكل ربعها أو التفريط في حقوقها، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\rقوله: مَساجِدَ اللَّهِ جمع مسجد سمي باسم السجود لأنه أشرف أركان الصلاة، لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ولأنه محل غاية الذل والخضوع للّه عز وجل وإن كان القياس فتح عينه في المفرد لكنه لم يسمع إلا الكسر فالقراءة سنة متبعة. قوله: (بالصلاة والتسبيح) أشار بذلك إلى أن المراد بذكر اسم اللّه فيها ما يعم الصلاة وغيرها. قوله: (نزلت إلخ) هذا إشارة إلى بيان سبب نزولها. قوله:","part":1,"page":72},{"id":72,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 73\rلما صدوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عام الحديبية عن البيت أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ خبر بمعنى الأمر أي أخيفوهم بالجهاد فلا يدخلها أحد آمنا لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ هوان بالقتل والسبي والجزية وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (114) هو النار، ونزل لما طعن اليهود في نسخ القبلة أو في صلاة النافلة على الراحلة في السفر حيثما توجهت وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي الأرض\r______________________________\r(إخبار عن الروم) أي قبل بعثة الرسول حين توجهت جيوش بختنصر مع نصارى الروم لتخريب بيت المقدس، وكان بختنصر مجوسيا من أهل بابل وذلك حين قتل بنو إسرائيل يحيى بن زكريا، ولم يزل كذلك حتى بناه المسلمون في خلافه عمر بن الخطاب. قوله: (عام الحديبية) أي وهو عام ست من الهجرة حين خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ألف وأربعمائة بقصد العمرة، قصده المشركون وهو بالحديبية فتحلل ورجع.\rقوله: أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ المعنى ليس لهم دخولها يعني البيت أو بيت المقدس في حال من الأحوال إلا في حال كونهم خائفين. قوله: (خبر بمعنى الأمر) أي فالجملة خبرية لفظا إنشائية معنى وقوله أي أخيفوهم بالجهاد أي فالمراد من الآية أن اللّه كلفنا بقتالهم ومنعهم عن المسجد الحرام وبيت المقدس، قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا) فأرسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليا بعد الفتح ينادي في الناس أن لا يطوف بالبيت عريان، وأن لا يحج بعد هذا العام مشرك، وفي خلافة عمر فتح الشام ومدينة بيت المقدس ومنع المشركين من دخول بيت المقدس، ويحتمل أنه خبر لفظا ومعنى فهو إخبار من اللّه بما وقع من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومن عمر وهو الأقرب كما قال المفسرون، ويصح أن يكون المعنى ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخضوع فضلا عن أن يجترئوا على تخريبها وقيل غير ذلك. قوله: (فلا يدخلها أحد آمنا) من ذلك اختلفت المذاهب في دخول الكافر المسجد فمنعه المالكية إلا لحاجة، وفصل الشافعية فقالوا إن أذن له مسلم في غير المساجد الثلاثة جاز وإلا فلا، وجوزه الحنفية مطلقا.\rقوله: لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ هذا عام لكل من منع مساجد اللّه من ذكر اسم اللّه فيها كان مسلما أو كافرا، فخزي المسلم في الدنيا بالمصائب والفقر والعمى والموت على غير حالة مرضية وذكر المفسر خزي الكافر. قوله: (هو النار) أي على سبيل الخلود إن مات كافرا، أو على سبيل التطهير إن مات مسلما، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكل آية وردت في الكفار فإنها تجر ذيلها على عصاة المؤمنين.\rقوله: (لما طعن اليهود في نسخ القبلة) أي التي هي بين المقدس. فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين قدم المدينة أمر بالصلاة لجهة بيت المقدس تأليفا لليهود، فأشاعوا أن محمدا تابع لهم في دينهم وشريعتهم، ثم بعد مدة أمره اللّه بالإنتقال إلى الكعبة فقالوا إن محمدا يفعل على مقتضى هواه وليس مأمورا بشرع، فنزلت الآية.\rقوله: (أو في صلاة النافلة) أي نزلت في شأن اعتراض اليهود على النبي حين شرعت صلاة النافلة على الدابة في السفر حيثما توجهت.\rقوله: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي مكان الشروق والغروب وهذا ظاهر، وأما آية: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) فباعتبار مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما، وأما آية: (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ) فباعتبار مشرق كل يوم ومغربه، لأن للشمس طرقا في الشروق والغروب على قدر أيام السنة.\rقوله: (أي الأرض كلها) جواب عن سؤال مقدر كأنه قيل ما وجه الإقتصار على المشرق والمغرب، ويحتمل","part":1,"page":73},{"id":73,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 74\rكلها لأنهما ناحيتاها فَأَيْنَما تُوَلُّوا وجوهكم في الصلاة بأمره فَثَمَ هناك وَجْهُ اللَّهِ قبلته التي رضيها إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ يسع فضله كل شيء عَلِيمٌ (115) بتدبير خلقه وَقالُوا بواو ودونها أي اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات اللّه اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً قال تعالى سُبْحانَهُ تنزيها له عنه بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا والملكية تنافي الولادة وعبر بما تغليبا لما لا يعقل كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (116) مطيعون كل بما يراد منه وفيه تغليب العاقل بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ موجدهما لا على مثال سبق وَإِذا قَضى أراد أَمْراً أي إيجاده فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) أي فهو يكون وفي قراءة بالنصب جوابا للأمر وَقالَ الَّذِينَ لا\r______________________________\rأن فيه حذف الواو مع ما عطفت أي وما بينهما. قوله: فَأَيْنَما تُوَلُّوا أينما اسم شرط جازم ظرف مكان وتولوا فعل الشرط، وقوله: (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) جواب الشرط وثم إشارة للمكان خبر مقدم، ووجه اللّه مبتدأ مؤخر. قوله: فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أي جهته يعني جهة رضاه وليس المراد بوجهه ذاته بل المراد (أين ما تولوا وجوهكم) في جهة أمركم اللّه بها تجدون جهة رضاه والصوفية يريدون بالوجه الذات وهم دليل على تنزه اللّه عن التخصيص بالجهة، ومن هنا قال ابن العربي: مقتضى التوحيد أن الصلاة لأي جهة تصح وإنما أمرنا بجهة مخصوصة تعبدا ولم نعقل له معنى. قوله: (يسع فضله كل شيء) أي فصحة الصلاة ليست متوقفة على جهة بيت المقدس فقط كما زعمت اليهود، بل خصنا اللّه بمزايا على حسب مزيد فضله لم تكن فيهم، فمنها أمر القبلة ومنها جعل الأرض كلها مسجدا وتربتها طهورا وغير ذلك.\rقوله: وَقالُوا هذا من جملة قبائح اليهود ومشركي العرب حيث قالت اليهود عزيز ابن اللّه، وقالت النصارى المسيح ابن اللّه، وقال مشركو العرب الملائكة بنات اللّه. قوله: (بواو ودونها) أي فهما قراءتان سبعيتان فعلى الواو هو معطوف على منع مساجد اللّه التقدير (و من أظلم ممن قال اتخذ اللّه ولدا) وعلى عدمها هو مستأنف لبيان حال الكفرة، وأما آية يونس فبترك الواو لا غير لعدم ما يناسب العطف.\rقوله: سُبْحانَهُ أي تنزه عنه لأن الولدية تقتضي النوعية والجنسية والإفتقار والتشبيه والحدوث، وهو سبحانه منزه عن كل ذلك كله. قوله: (لما لا يعقل) أي غير العاقل لكثرته وإنما غلبه لأن في سياق القهر، وهو مناسب لغير العاقل بخلاف قانتون فإنه في سياق الطاعة. قوله: (مطيعون) أي نافذ فيهم مراده فالمراد بالطاعة هنا الإنقياد ونفوذ المراد. قوله: (و فيه تغليب العاقل) أي حيث جمعه بالواو والنون وإنما غلب العاقل هنا لشرفه، ولأن شأن الطاعة أن تكون للعاقل، وفيه مراعاة معنى كل ولو راعى لفظها لأفرد.\rقوله: بَدِيعُ خبر لمبتدأ محذوف أي هو وقرئ بالجر بدل من الضمير في له وبالنصب على المدح أي أمدح بديع. قوله: (لا على مثال سبق) أي فهما في غاية الإتقان، قال تعالى: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها) الآيات. قوله: وَإِذا قَضى يطلق القضاء على الوفاء يقال قضى دينه بمعنى وفاه، ويطلق على الإرادة وهو المراد هنا. قوله: (أراد) أي تعلقت إرادته به وفسر القضاء بالإرادة للآية الأخرى وهي قوله تعالى: (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، وخير ما فسرته بالوارد. قوله: فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ليس المراد أنه إذا تعلقت إرادته بإيجاد أمر أتى بالكاف والنون، بل ذلك كناية عن سرعة الإيجاد، فمراده نافذ ولا يتخلف بل ما علمه أزلا تعلقت به الإرادة تعلقا تنجيزيا حادثا وأبرزه","part":1,"page":74},{"id":74,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 75\rيَعْلَمُونَ أي كفار مكة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لَوْ لا هلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ بأنك رسوله أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ مما اقترحناه على صدقك كَذلِكَ كما قال هؤلاء قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من كفار الأمم الماضية لأنبيائهم مِثْلَ قَوْلِهِمْ من التعنت وطلب الآيات تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ في الكفر والعناد فيه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) يعلمون أنها آيات فيؤمنون فاقتراح آية معها تعنت إِنَّا أَرْسَلْناكَ يا محمد بِالْحَقِ بالهدى بَشِيراً من أجاب إليه بالجنة وَنَذِيراً من لم يجب إليه بالنار وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (119) النار أي الكفار ما لهم لم يؤمنوا إنما عليك البلاغ وفي قراءة بجزم تسأل نهيا وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ دينهم قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ أي الإسلام هُوَ الْهُدى وما عداه ضلال وَلَئِنِ لام\r______________________________\rبالقدرة سريعا. قوله: (أي فهو يكون) أشار بذلك إلى أنه مستأنف مرفوع خبر لمبتدأ محذوف. قوله:\r(بالنصب) أي بأن مضمرة بعد فاء السببية أي يحصل ويوجد في الخارج.\rقوله: وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أي الجاهلون الذين هم كالبهائم أو أضل. قوله: (أي كفار مكة) تقدم الأشكال بأن السورة مدنية وأن السائل له يهود المدينة، ويمكن أن يجاب هنا بأن هذه الآية بخصوصها مكية وهو بعيد، وأجاب أستاذنا الشيخ الدردير بأنه لا مانع أن كفار مكة أرسلوا ذلك السؤال له وهو بالمدينة. قوله: (هلا) أشار بذلك إلى أنها تحضيضية وهي بذلك المعنى في غالب القرآن. قوله:\rيُكَلِّمُنَا اللَّهُ أي مشافهة أو على لسان جبريل فينزل علينا كما ينزل عليك. قوله: (مما اقترحناه) أي طلبناه والمقترح هو الشيء الذي لم يسبق إليه. قوله: (من التعنت إلخ) هذا هو وجه المماثلة لأن ما وقع من الأمم الماضية ليس عين ما وقع من كفار مكة. قوله: (فيه تسلية للنبي) أي من قوله كذلك. قوله: قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أي فلا تحزن على من كفر فإنا قد وضحنا آياتنا لقوم يؤمنون بك ولا يتعنتون عليك قال تعالى تسلية له: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). قوله: (تعنت) أي ممن كفر وعاند فلا تحزن عليه ويكفيك من آمن.\rقوله: إِنَّا أَرْسَلْناكَ الخطاب له صلّى اللّه عليه وسلّم أي أرسلناك للناس كافة. قوله: بِالْحَقِ الباء للملابسة أو المصاحبة أو السببية والأقرب الأولان. قوله: (بالهدى) أي دين الإسلام أو القرآن. قوله: بَشِيراً هو ونذيرا حالان إما من الكاف في أرسلناك أو من الحق. قوله: (من) اسم موصول معمول لبشيرا، وقوله أجاب إليه صلتها والمعنى انقاد له، وقوله من لم يجب إليه أي من لم ينقد إليه ولم يختر دينا. قوله: (النار) سميت النار جحيما لجحمها أي اضطرابها بأهلها من شدة لهيبها كاضطراب موج البحر. قوله: (ما لهم لم يؤمنوا) هذا هو صورة السؤال، أي حيث بلغت الرسالة ونصحت الأمة وكشفت الغمة وجليت الظلمة، فلا تخف من كفرهم ولا يسألك اللّه عنه. قوله: (إنما عليك البلاغ) علة للنفي. قوله: (بجزم تسأل) أي مع فتح التاء مبنيا للفاعل وهما قراءتان سبعيتان، والمعنى على هذه القراءة لا تسألنا يا محمد عن صفاتهم وأحوالهم فإنها شنيعة فظيعة لا يسعك السؤال عنها لهولها، أو المعنى لا تسألنا الشفاعة فيهم لأن كلمة العذاب حقت عليهم.\rقوله: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى هذه مقالة قالها اللّه له حين قالت اليهود لا نرضى عنك حتى تتبع ما نحن عليه، وكذلك قالت النصارى. قوله: (و ما عداه ضلال) أخذ ذلك من الجملة","part":1,"page":75},{"id":75,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 76\rقسم اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ التي يدعونك إليها فرضا بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ الوحي من اللّه ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍ يحفظك وَلا نَصِيرٍ (120) يمنعك منه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مبتدأ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أي يقرؤونه كما أنزل والجملة حال وحق نصب على المصدر والخبر أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ نزلت في جماعة قدموا من الحبشة وأسلموا وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ أي بالكتاب المؤتى بأن يحرفه فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (121) لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (122) تقدم مثله وَاتَّقُوا خافوا يَوْماً لا تَجْزِي تغني نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ فيه شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ فداء وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (123)\r______________________________\rالمعرفة الطرفين فإنها تفيد الحصر. قوله: (لام قسم) أي محذوف تقديره وعزتي أو واللّه وعلامة كونها لام قسم وقوعها قبل إن الشرطية. قوله: (فرضا) أي على فرض وقوعه أو ذلك تخويف لأمته على حد ما قيل في لئن أشركت ليحبطن عملك. قوله: ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍ هذا جواب القسم وجواب الشرط محذوف دل عليه المذكور لتأخر الشرط عن القسم لقول ابن مالك:\rواحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم\r\rولو كان جوابا للشرط لاقترن بالفاء لكونه منفيا بما. قوله: مِنْ وَلِيٍ من زائدة لتأكيد النفي.\rقوله: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ أي القرآن وآتينا صلة الذين والهاء مفعول أول والكتاب مفعول ثان.\rقوله: (و الجملة حال) أي إما مؤولة باسم الفاعل أو المفعول، فعلى الأول هي حال من مفعول آتينا الأول الذي هو الضمير، وعلى الثاني هي حال من الكتاب. قوله: (نصب على المصدر) في الحقيقة صفة لمصدر محذوف تقديره تلاوة حق التلاوة، والمعنى يقرؤونه مجودا مرتلا بخشوع وخضوع، كما نزل من جبريل لا ينقصون عما ورد ولا يزيدون عليه، يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه ويصدقون وعده ووعيده ويتدبرون معانيه يعملون بمحكمه ويفوضون علم متشابهه إلى اللّه. قوله: أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ مبتدأ وخبر والجملة خبر المبتدأ. قوله: (نزلت في جماعة) أي أربعين اثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من رهبان الشام منهم بحيرا الراهب، مقدمهم جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (و أسلموا) أي وصاروا يتلون القرآن حق التلاوة، هكذا ذكر المفسر سبب نزولها، وقيل نزلت في كل من اتصف بهذا الوصف، وقيل في عبد اللّه بن سلام وأضرابه. قوله: (بأن يحرفه) أي متعمدا بأن يتلاعب بمعانيه والفاظه ويأخذ بظاهره، والضمير عائد على القرآن، وذلك كالخوارج الذين يأخذون بظاهره ولا يعرفون معانيه فضلوا واصلوا، فإن من جملة أبواب الكفر الأخذ بظواهر الكتاب والسنة.\rقوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ تقدمت هذه الآية وكررها لمزيد التقبيح عليهم. قوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ أي بالشكر عليها والمراد بها الجنس. قوله: (تقدم مثله) أي من أن المراد عالمي زمانهم، أو أن المراد آباؤهم الأنبياء، أو المراد بالتفضيل المزايا ففيهم مزايا لم توجد في غيرهم كفلق البحر وتفجير الماء من الحجر والمن والسلوى.\rقوله: يَوْماً أي عذاب يوم. قوله: (تغني) نَفْسٌ أي مؤمنة وقوله: عَنْ نَفْسٍ أي كافرة، وهذه الجملة صفة ليوما وهو نكرة والجملة إذا وقعت صفة لنكرة فلا بد لها من رابط، وقد قدره","part":1,"page":76},{"id":76,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 77\rيمنعون من عذاب اللّه وَاذكر إِذِ ابْتَلى اختبر إِبْراهِيمَ وفي قراءة إبراهام رَبُّهُ بِكَلِماتٍ بأوامر ونواه كلفه بها قيل هي مناسك الحج وقيل المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وفرق الرأس وقلم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء فَأَتَمَّهُنَ أداهن تامات قالَ تعالى له إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قدوة في الدين قالَ وَمِنْ\r______________________________\rالمفسر بقوله فيه قوله: وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ أي لا شفاعة لها حتى يترتب عليها النفع، قال تعالى: (فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) واتفقت القراءات السبع على الياء في يقبل ولم يقرأ أحد بالتاء، والقراءة سنة متبعة.\rقوله: وَ(اذكر) إِذِ ابْتَلى أشار بذلك إلى أن إذ ظرف لمحذوف قدره بقوله اذكر، والخطاب لمحمد، أي اذكر يا محمد لقومك وقت ابتلاء ابراهيم، ويصح تقدير اذكروا، ويكون خطابا لبني إسرائيل، والمقصود من ذكر قصة إبراهيم إقامة الحجة على المخالف من اليهود والنصارى ومشركي العرب، لأن الفرق جميعها يعترفون بفضل إبراهيم، كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: انظروا التكاليف التي كلف بها ابراهيم هل هي موافقة لما جئت به أو مخالفة. قوله: (و في قراءة إبراهام) هما قراءتان سبعيتان وهاتان لغتان من سبع، والثالثة والرابعة والخامسة بغير ياء والهاء مثلثة، والسادسة بغير ياء والف مع فتح الهاء، والسابعة إبراهوم وهو اسم أعجمي وتعريبه أب رحيم وهو ابن تارخ بن آزر بن شاروخ بن أرغو بن فالغ بن عامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وإبراهيم مفعول مقدم وربه فاعل مؤخر وتقديم المفعول هنا واجب لإتصال الفاعل بضمير يعود على المفعول، فلو قدم الفاعل لزم عليه عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، قال ابن مالك:\rوشاع نحو خاف ربه عمر ... وشذ نحو زان نوره الشجر\rوالإختبار في الأصل الإمتحان بالشيء، ليعلم صدق ذلك الشخص أو كذبه، وهو مستحيل على اللّه لأنه علم بذلك قبل الإختبار، وإنما المراد عامله معاملة المختبر ليظهر ذلك للخلق، فاختبر ابراهيم صدقه، وإبليس فظهر كذبه. قوله: بِكَلِماتٍ قيل ثلاثون من شريعتنا: عشرة في براءة وهي التائبون العابدون إلى وبشر المؤمنين، وعشرة في الأحزاب وهي إن المسلمين والمسلمات إلى قوله أعد اللّه لهم مغفرة الآية، وتسعة في المؤمنون من أولها إلى أولئك هم الوارثون، وواحدة في سأل وهي والذين هم بشهاداتهم قائمون، وقيل هي التكاليف بخدمة البيت، وقيل ذبح ولده والرمي في النار، وهجرته من الشام إلى مكة، وانظر في الشمس والقمر والكواكب لإقامة الحجة على قومه، وبضميمة ما ذكره المفسر تكون أقوالا خمسة ولا مانع من إرادة جميعها. قوله: (مناسك الحج) أي واجباته وسننه. قوله: (و قيل المضمضة إلخ) هذه عشرة أشياء الخمسة الأول في الوجه والرأس وما عداها في باقي الجسد. قوله: (و الختان) ورد أنه أول من اختتن، وأول من قص الشارب، وأول من قلم الأظفار، وأول من رأى الشيب، فلما رآه قال يا رب ما هذا قال الوقار قال يا رب زدني وقارا، وقوله: (و الإستنجاء) أي بالماء، وأما بالحجر فهو من خصائص هذه الأمة. قوله: فَأَتَمَّهُنَ أي لم يفرط في شيء منها.\rقوله: قالَ (تعالى) هذا كلام مستأنف واقع في جواب سؤال كأنه قيل ما فعل اللّه به بعد ذلك،","part":1,"page":77},{"id":77,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 78\rذُرِّيَّتِي أولادي اجعل أئمة قالَ لا يَنالُ عَهْدِي بالامامة الظَّالِمِينَ (124) الكافرين منهم دل على أنه ينال غير الظالم وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ الكعبة مَثابَةً لِلنَّاسِ مرجعا يثوبون إليه من كل جانب وَأَمْناً مأمنا لهم من الظلم والإغارات الواقعة في غيره كان الرجل يلقى قاتل أبيه فيه فلا يهيجه وَاتَّخِذُوا أيها الناس مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ هو الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت\r______________________________\rأجاب بقوله قال له إني جاعلك للناس إماما، ومن ذلك أن العطايا الربانية تكون بعد التخلي عن الأغيار بالإختبار. قوله: لِلنَّاسِ يحتمل أن يكون ظرفا لغوا متعلقا بجاعلك، ويحتمل أنه حال من إماما لأنه نعت نكرة تقدم عليها وجاعل بمعنى مصير، فينصب مفعولين الكاف مفعول أول وإماما مفعول ثان قوله:\rوَمِنْ ذُرِّيَّتِي هذا كعطف التلقين كما يقال لك سآمرك فتقول وزيدا ومن للتبعيض وتخصيص البعض بذلك لبداهة استحالة إمامة الكل وإن كانوا على الحق. قوله: (اجعل أئمة) أنبياء وملوكا عدولا أو علماء، وقد اجتمع ذلك في ذريته. قوله: عَهْدِي فاعل ينال فهو مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة لالتقاء الساكنين منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة والظالمين مفعوله، والمعنى أن عهدي لا يدرك الظالمين وقرىء بالعكس شذوذا، لأنه إذا دار الأمر بين الإسناد للمعنى والذات فالإسناد للمعنى الأولى.\rقوله: وَإِذْ جَعَلْنَا معطوف على وإذ ابتلى وما قدر هناك يقدر هنا، وجعل إن كانت بمعنى خلق نصبت مفعولا واحدا وهو البيت ومثابة حال منه وإن كانت بمعنى صير نصبت مفعولين البيت أول ومثابة مفعول ثان، وللناس جار ومجرور متعلق يجعلنا أو بمحذوف صفة لمثابة. قوله: (الكعبة) أشار بذلك إلى أن أل في البيت للعهد. قوله: مَثابَةً يحتمل أن يكون مصدرا ميميا وهو الذي درج عليه المفسر بقوله مرجعا ويحتمل أن يكون ظرف مكان أي محل رجوع يرجع إليه المرة بعد المرة، أو المراد محل ثواب أي إن من لاذ به حصل له من الثواب ما لا يحصل له في غيره لما ورد ينزل من السماء مائة وعشرون رحمة على البيت ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين وأصل مثابة مثوبة تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا. قوله: وَأَمْناً إما مصدر باق على مصدريته أو بمعنى اسم الفاعل أو ظرف مكان أي محل أمن وعليه درج المفسر، وعلى كونه اسم فاعل فالإسناد مجاز أي آمنا من دخله. وخير ما فسرته بالوارد.\rقال تعالى: (وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً) قوله: (فلا يهيجه) أي لا يزعجه ولا يؤاخذه بما فعل وكان البيت معظما في الجاهلية ففي الإسلام أولى ولذا قال ابن العباس: إن معصيته تضاعف لأنه يشدد على من في الحضرة ما لا يشدد على غيره، قال بعضهم:\rلقد أسرك من يرضيك ظاهره ... ولقد أبرك من يعصيك مستترا\rقوله: وَاتَّخِذُوا أمر إما معطوف على ما تضمنه قوله مثابة تقديره فتوبوا واتخذوا أو مستأنف مقول لقول محذوف تقديره وقال اللّه لهم اتخذوا قوله: (أَيُّهَا النَّاسُ) * فيه حذف حرف النداء وهذا على قراءة الأمر. قوله: مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ يحتمل أن من تبعيضية أو زائدة في الإثبات على مذهب الأخفش أو بمعنى في كل بعيد والأقرب أنها بمعنى عند، والسنة سنت أن الصلاة خلفه بأن يكون الحجر بين المصلي والكعبة. قوله: (هو الحجر) ورد أن طوله ذراع وعرضه كذلك، وقد نزل هو والحجر الأسود مع آدم من الجنة وهما ياقوتتان من يواقيتها، ولو لا مس الكفار لهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب. قوله: (عند بناء","part":1,"page":78},{"id":78,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 79\rمُصَلًّى مكان صلاة بأن تصلوا خلفه ركعتي الطواف وفي قراءة بفتح الخاء خبر وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أمرناهما أَنْ أي بأن طَهِّرا بَيْتِيَ من الأوثان لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ المقيمين فيه وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) جمع راكع وساجد المصلين وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا المكان بَلَداً آمِناً ذا أمن وقد أجاب اللّه دعاءه فجعله حرما لا يسفك فيه دم إنسان ولا يظلم فيه أحد ولا يصاد صيده ولا يختلى خلاه وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ وقد فعل بنقل الطائف من الشام إليه وكان أقفر لا زرع فيه ولا ماء مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ بدل\r______________________________\rالبيت) أي بناؤه كان متأخرا عن بناء مكة فجرهم بنوا مكة أولا وإبراهيم بنى البيت ثانيا، وذلك أن إبراهيم لما جاء بأم اسماعيل وابنها وهي ترضعه وضعهما عند مكان البيت وليس هناك يومئذ بناء ولا أحد، فعطشت واشتد عليها الأمر، فجاءها جبريل فبحث بعقبه أو بجناحه موضع زمزم حتى ظهر الماء فصارت تشرب منه، فاستمرت كذلك هي وولدها حتى مرت بهم طائفة من جرهم فقالوا لها أتأذنين أن ننزل عندك قالت نعم ولكن لا حق لكم في الماء قالوا نعم فنزلوا عندها وبنوا مكة، فلما شب إسماعيل وأعجبهم زوجوه امرأة منهم. قوله: (بأن تصلوا خلفه) هذا تخصيص لكون الصلاة عنده ومعنى كون الصلاة خلفه باعتبار مقصورته وإلا فهو مربع لا خلف له ولا إمام، وهذا بحسب ما سبق من الزمان فإنه كان الحجر مقصورة بابها لجهة البيت، وأما الآن فقد حول الباب فالمصلي الآن يصلي لجهة الباب فهو قبالته ولا خلفه.\rقوله: (و في قراءة) هما سبعيتان. قوله: (خبر) أي جملة خبرية معطوفة على جعلنا مسلط عليها إذ أي اذكر جعلنا واذكر إذ اتخذ الناس من مقام إبراهيم مصلى. قوله: وَإِسْماعِيلَ فيه لغتان باللام والنون ويجمع على سماعل وسماعلة وأسامع، قيل سمي بذلك لأن ابراهيم لما دعا اللّه أن يرزقه ولدا صار يقول اسمع إيل أي استجب يا اللّه.\rقوله: أَنْ يحتمل أنها تفسيرية وهو الأقرب لوجود ضابطها، وهو أن تتقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه وصحة حلول أي محلها، ويحتمل أنها مصدرية وكلام المفسر يحتملها. قوله: (من الأوثان) إن قلت إنه لم يكن حين بناء البيت أوثان، قلت أجيب بأن المراد طهره فيما يستقبل من الزمان لعلم اللّه أن المشركين ستتخذ أوثانا، وليس المراد أن الأوثان كانت موجودة حينئذ وأمر بطهارته منها. قوله:\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 1 79\r\rله: أَنْ يحتمل أنها تفسيرية وهو الأقرب لوجود ضابطها، وهو أن تتقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه وصحة حلول أي محلها، ويحتمل أنها مصدرية وكلام المفسر يحتملها. قوله: (من الأوثان) إن قلت إنه لم يكن حين بناء البيت أوثان، قلت أجيب بأن المراد طهره فيما يستقبل من الزمان لعلم اللّه أن المشركين ستتخذ أوثانا، وليس المراد أن الأوثان كانت موجودة حينئذ وأمر بطهارته منها. قوله:\rلِلطَّائِفِينَ جمع طائف وهو الذي يطوف حوله الأشواط. قوله: وَالْعاكِفِينَ جمع عاكف وهو عرفا الملازم للمسجد للعبادة على وجه مخصوص، ولكن المراد به هنا المقيم فيه يفسره قوله في الآية الأخرى، (و القائمين) فالعاكفون والقائمون والمقيمون بمعنى واحد. قوله: (المصلين) أخذ ذلك من عدم عطف السجود على الركوع، فالمراد جمعهما في عبادة، لا أن الركوع قسم والسجود قسم آخر.\rقوله: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ معطوف على وإذ ابتلى. قوله: بَلَداً نكره هنا وعرفه بأل في سورة إبراهيم لأنه قيل إن ما هنا كان قبل بنائها وما هناك بعد. قوله: آمِناً إن قلت إن اللّه قد امتن به من غير سؤال إبراهيم، أجيب بأن المراد بالذي امتن اللّه به الأمن من إغارات الأعداء وبالذي طلبه إبراهيم الأمن من القحط والجوع. قوله: (خلاه) بالقصر أي حشيشه. قوله: مِنَ الثَّمَراتِ أي بعضها.\rقوله: (إليه) أي إلى قربه بنحو مرحلتين، وقد نقل الموضع الذي كان بالحجاز موضع ما نقل من الشام","part":1,"page":79},{"id":79,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 80\rمن أهله وخصهم بالدعاء لهم موافقة لقوله (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قالَ تعالى وَأرزق مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ بالتشديد والتخفيف في الدناي بالرزق قَلِيلًا مدة حياته ثُمَّ أَضْطَرُّهُ ألجئه في الآخرة إِلى عَذابِ النَّارِ فلا يجد عنها محيصا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) المرجع هي وَاذكر إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ الأسس أو الجدر مِنَ الْبَيْتِ يبنيه متعلق بيرفع وَإِسْماعِيلُ عطف على إبراهيم يقولان رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا بناءنا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ للقول\r______________________________\rبمكان يسمى الحرة أقفر مشهور بالشام كذا قيل. قوله: وَ(أرزق) مَنْ كَفَرَ هذا يسمى عطفا تلقينيا. قوله: وَبِئْسَ الْمَصِيرُ جملة استئنافية لإنشاء الذم، وليست معطوفة على ثم أضطره. قوله:\r(هي) هذا هو المخصوص بالذم، والحاصل أن إبراهيم لما قال اللّه له إني جاعلك للناس إماما طلب أن يكون من ذريته من هو كذلك، فأجابه اللّه بأنه لا ينال عهده الظالمين، فلما بنى البيت ودعا لأهله بالرزق من الثمرات، خصص دعوته بالمؤمن منهم قياسا منه الرزق على الإمامة وخوفا من رد دعوته إذا عم فلقنه اللّه قوله: (و من كفر) أي فالمؤمن والكافر سواء في الرزق الدنيوي، وأما في الإمامة فليسوا سواء.\rقوله: وَ(اذكر) أي يا محمد وقت رفع إبراهيم القواعد. قوله: الْقَواعِدَ جمع قاعدة وهي حجارة كبار كل حجر قدر البعير، والمراد برفع القواعد بناء البيت ورفعه عليها. قوله: (الأسس) جمع أساس وهي القواعد وقوله: (و الجدر) جمع جدار وهي الأسس فالعطف مرادف. وقصة بناء البيت أن اللّه لما خلق الماء قبل الأرض بألفي عام، كان ذلك البيت زبدة بيضاء على وجه الماء، فدحيت الأرض وبسطت وامتدت من تلك الزبدة، فلما أهبط آدم إلى الأرض استوحش إلى ذكر اللّه، فأنزل اللّه البيت المعمور وهو من ياقوتة حمراء له بابان من زمردة خضراء، باب بالمشرق وباب بالمغرب، ووضع موضع الزبدة فكان يأتيه ماشيا من الهند، ورد أنه حجه ماشيا أربعين عاما فلما فرغ قالت الملائكة: لقد بر حجك يا آدم، فلما جاء الطوفان أمر برفعه إلى السماء السابعة فكان موضع البيت خاليا إلى زمن إبراهيم، وبعث اللّه جبريل حين رفعه فخبأ الحجر الأسود في جبل أبي قبيس صيانة له من الغرق هكذا قيل، والمشهور أن أول من بناه الملائكة ثم آدم ثم شيث، واستمر حتى جاء طوفان نوح فأذهب رسومه الظاهرية لا قواعده لأنها ثابتة متصلة بالأرض السابعة، ثم أتى جبريل بالحجر الأسود وألقمه جبل أبي قيس، فلما أتى إبراهيم وأراد بناءه جاءه جبريل وحدده له وأعلمه بالحجر فبناه على طبق ما رأى من القواعد، ثم بناه بعده العمالقة ثم جرهم ثم قصي ثم قريش، وكان الواضع للحجر الأسود في محله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقصر بهم النفقة فلم يتموا بناءه على قواعد إبراهيم بل نقضوه وأخرجوا الحجر منه، ثم ابن الزبير وقد رده لقواعد إبراهيم مستدلا بحديث عن عائشة: لو لا قومك حديثو عهد بكفر لبنيت البيت على قواعد إبراهيم، ثم لما تولى الحجاج عامله اللّه بعدله حارب ابن الزبير وقتله وهدم البيت بالمنجنيق وبناه كما بنته قريش وهو الآن على بنائه، ونظمهم بعضهم فقال:\rبنى بيت رب العرش عشر فخذهم ... ملائكة اللّه الكرام وآدم\r\rفشيث فإبراهيم ثم عمالق ... قصي قريش قبل هذين جرهم\r\rوعبد الإله بن الزبير بني كذا ... بناء لحجاج وهذا متمم","part":1,"page":80},{"id":80,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 81\rالْعَلِيمُ (127) بالفعل رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ منقادين لَكَ وَاجعل مِنْ ذُرِّيَّتِنا أولادنا أُمَّةً جماعة مُسْلِمَةً لَكَ ومن للتبعيض وأتى به لتقدم قوله (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) وَأَرِنا علمنا مَناسِكَنا شرائع عبادتنا أو حجنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) سألاه التوبة مع عصمتهما تواضعا وتعليما لذريتهما رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ أي أهل البيت رَسُولًا مِنْهُمْ من أنفسهم وقد أجاب اللّه دعاءه بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ القرآن وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ القرآن وَالْحِكْمَةَ أي ما فيه من الأحكام وَيُزَكِّيهِمْ يطهرهم من الشرك إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الغالب الْحَكِيمُ (129) في صنعه وَمَنْ أي يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ فيتركها إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ جهل أنها مخلوقة اللّه يجب عليها عبادته أو استخف بها وامتهنها وَلَقَدِ\r______________________________\rقوله: (يقولان) قدره المفسر ليصح جعل الجملة حالا من إبراهيم وإسماعيل، لأن الجملة الإنشائية لا تقع حالا إلا بتقدير، وعبر بالمضارع في يرفع استحضارا للحال الماضية لعظم شأنه كأنه حصل الآن وهو يحدث عنه. قوله: (للقول) أي دعائنا. قوله: (بالفعل) أي بنائنا. قوله: (منقادين) أي كاملين في الأنقياد لأن الكامل يقبل الكمال، وليس المراد طلب أصل الإسلام لأن الأنبياء معصومون عن كل معصية سيما الكفر. قوله: (جماعة) أي وهو الأصل الكثير وتطلق على المقتدى به كقوله تعالى: (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً) وتطلق على الملة، قال تعالى: (إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ) *\rقوله: وَأَرِنا رأى عرفانية تنصب مفعولا واحدا ودخلت عليها الهمزة فتعدت لاثنين، فنا مفعول أول ومناسكنا مفعول ثان. قوله: التَّوَّابُ أي كثير القبول لتوبة من تاب، ويوصف العبد بذلك الوصف بمعنى كثير التوبة والرجوع عن القبائح والرذائل. قوله: الرَّحِيمُ أي عظيم الرحمة وهي الإنعام أو إرادته. قوله: (تواضعا) أي أو طلبا للإرتقاء من مقام أعلى مما هما فيه. قوله: (أهل البيت) أي بيت إبراهيم وهم ذريته، ولم يأت نبي من ذرية إبراهيم وإسماعيل إلا نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم وأما الغالب فمن ذرية إسحق.\rقوله: وَالْحِكْمَةَ هي العلم النافع.\rقوله: (الغالب) أي الذي أمره نافذ. قوله: الْحَكِيمُ هو الذي يضع الشيء في محله.\rقوله: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ سبب نزولها أن عبد اللّه بن سلام أسلم وكان له ابن أخ أحدهما اسمه مهاجر والثاني اسمه سلمة، فدعاهما إلى الإسلام وقال لهما قد علمتها أن اللّه قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد من آمن به فقد اهتدى ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجر فنزلت الآية، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله: (أي لا) يَرْغَبُ أشار بذلك إلى أن الإستفهام إنكاري بمعنى النفي، والإستثناء المفرغ لا يكون إلا بعد النفي، وما في معناه الرغبة، عن الشيء الزهد فيه. قوله: عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ أي دينه وشريعته فالملة والدين والشريعة بمعنى واحد، وهو الأحكام التي جعلها اللّه للتعبد بها، فمن حيث إملاؤها يقال لها ملة، ومن حيث شرعها يقال لها شريعة، ومن حيث التدين بها يقال لها دين. قوله: إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ يحتمل أن من اسم موصول والجملة بعدها صلة أو نكرة والجملة بعدها صفة، وعلى كل فهو بدل من فاعل يرغب، التقدير ولا يرغب عن ملة إبراهيم أحد إلا الذي أو شخص سفه نفسه قوله: (جهل أنها مخلوقة) هذا بناء على أنه لا يتعدى بنفسه إلا بتضمينه معنى جهل ومعنى جهله نفسه لم يتأمل ولم ينظر فيها، فيستدل على أن لها صانعا","part":1,"page":81},{"id":81,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 82\rاصْطَفَيْناهُ اخترناه فِي الدُّنْيا بالرسالة والخلة وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) الذين لهم الدرجات العلى واذكر إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ انقد اللّه وأخلص له دينك قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (131) وَوَصَّى وفي قراءة وأوصى بِها بالملة إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ بنيه قال يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ دين الإسلام فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) نهى عن ترك الإسلام وأمر بالثبات عليه إلى مصادفة الموت. ولما قال اليهود للنبي ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية نزل أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ حضورا إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ بدل من إذ قبله قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي بعد موتي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ عد أسماعيل من الآباء تغليب ولأن العم بمنزلة الأب إِلهاً واحِداً بدل من إلهك وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) وأم بمعنى همزة الانكار أي لم تحضروه وقت موته فكيف تنسبون\r______________________________\rأتقن صنعها فيؤمن به. قوله: (أو استخف بها) هذا بناء على أنه يتعدى بنفسه كالمشدد، ومعنى استخفافه بها تركه العبادة للّه التي بها العز الأبدي.\rقوله: وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ هذا حجة لقوله ومن يرغب، وأكدت هذه الجملة باللام فقط وما بعدها بأن واللام لأن هذه الجملة متعلقة بأمر الدنيا وهو فيها ظاهر الحال، بخلاف الجملة الثانية فإنها متعلقة بالآخرة وهو أمر مغيب لا يؤمن به إلا من نور اللّه بصيرته فاحتاجت لزيادة التأكيد. قوله: (و في قراءة وأوصى) أي فهما قراءتان سبعيتان فالهمز والتضعيف أخوان. قوله: (إبراهيم وبنيه) أي وهم اسماعيل وهو من هاجر وإسحق وهو من سارة، وكان له ستة أولاد من امرأة تسمى قنطور الكنعانية تزوجها بعد وفاة سارة، فجملة أولاده ثمانية وقيل أربعة عشر.\rقوله: وَيَعْقُوبُ (بنيه) أشار بذلك إلى أن يعقوب بالرفع معطوف على إبراهيم، والمفعول محذوف قدره المفسر بقوله بنيه وهم اثنا عشر: روبيل بضم الراء وشمعون ولاوي ويهوذا ويشبخون وزبولون ودون وبقيون وكودا وأوشيز وبنيامين ويوسف، كذا في البيضاوي.\rقوله: يا بَنِيَ هذا هو صورة الوصية. قوله: فَلا تَمُوتُنَ أصله تموتون أكد بالنون فصار تموتن حذف نون الرفع لتوالي الأمثال فالتقى ساكنان الواو والنون حذفت الواو لالتقائهما. قوله: (نهى عن ترك الإسلام إلخ) دفع بذلك ما يقال إن الموت على الإسلام ليس في طاقة العبد فما معنى التكليف، فأجاب بأن المراد التكليف بالإسلام والنهي عن تركه، كقولك لشخص لا تصل إلا وأنت خاشع، فهو نهي عن ترك الخشوع فيها. قوله: (بدل من إذ قبله) أي بدل اشتمال.\rقوله: ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي أتى بما دون من امتحانا لهم لأنه في زمنه كثرت عبادة غير اللّه، وإنما امتحنهم لتظهر سرائرهم. قوله: (إبراهيم إلخ) بدل من آبائك وكرر إله لأنه الفصيح مطلقا اسما كما هنا أو حرفا كمررت بك وبزيد، قال ابن مالك:\rوعود خافض لدى عطف على ... ضمير لازما قد جعلا\r\rقوله: وَإِسْماعِيلَ قدمه على إسحق وإن كان أبا يعقوب لمزيتين، كونه أسن منه وكونه أبا النبي عليه الصلاة والسّلام. قوله: (و لأن العم بمنزلة الأب) أي لما في الحديث «عمك صنو أبيك». قوله:\rإِلهاً واحِداً كرره لدفع توهم التعدد من تعدد المضاف. قوله: (بمعنى همزة الإنكار) أي فتارة تفسر بها","part":1,"page":82},{"id":82,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 83\rإليه ما لا يليق به تِلْكَ مبتدأ والإشارة إلى إبراهيم ويعقوب وبنيهما وأنث لتأنيث خيره أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ سلفت لَها ما كَسَبَتْ من العمل أي جزاؤه استئناف وَلَكُمْ الخطاب لليهود ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (134) كما لا يسألون عن عملكم والجملة تأكيد لما قبلها وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا أو للتفصيل وقائل الأول يهود المدينة والثاني نصارى نجران قُلْ لهم بَلْ نتبع مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً حال من إبراهيم مائلا عن الأديان كلها إلى الدين القيم وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا خطاب للمؤمنين آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا من القرآن وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ من الصحف العشر وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ\r______________________________\rوحدها كما هنا وتارة تفسر وببل وتارة تفسر ببل وحدها.\rقوله: أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ هذا رد على اليهود من حيث افتخارهم بآبائهم. قوله: (من العمل) أي فلا ينفع أحدا كسب غيره، بل كل امرىء بما كسب رهين خيرا كان أو شرا. قوله: (استئناف) أي فلها خبر مقدم وما مبتدأ مؤخر وكسبت صلتها والعائد محذوف أي كسبته. قوله: (و الجملة تأكيد لما قبلها) أي لأنه إذا كان لها ما كسبت فلا يسألون عن عملكم وإذا كان لكم ما كسبتم فلا تسألون عما كانوا يعملون، وقوله كما لا يسألون عن عملكم إشارة إلى أن في الكلام اكتفاء.\rقوله: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى هذا في المعنى معطوف على قوله ما ننسخ، وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى. قوله: تَهْتَدُوا أي تصلوا للخير وتبلغوا السعادة. قوله:\r(أو للتفصيل) أي لا للجمع فإن مقالة يهود المدينة كونوا هودا تهتدوا لأنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودا، ومقالة نصارى نجران كونوا نصارى تهتدوا لأنه لا يدخل الجنة إلا من كان نصارى. قوله: (نتبع) قدره إشارة إلى أن ملة معمول لمحذوف، والجملة مقول القول في محل نصب. قوله: (حال من إبراهيم) أي والشرط موجود وهو كون المضاف كالجزء من المضاف إليه. قوله: وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تعريض لهم بأنهم هم المشركون. قوله: (خطاب للمؤمنين) أي ويصح أن يكون خطابا لليهود والنصارى، أي إذا أردتم النجاة فلا تشركوا وقولوا آمنا.\rقوله: وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا معطوف على لفظ الجلالة وقوله: (من القرآن) بيان لما. قوله: (من الصحف العشر) قال تعالى: (إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى).\rقوله: وَإِسْماعِيلَ إلخ إن قلت إن إسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط لم ينزل عليهم كتاب، أجيب بأنه أوحى إليهم بصحف إبراهيم فلم يكن مغايرا لما نزل اللّه على إبراهيم. قوله: (أولاده) أي أولاد يعقوب وهم أسباط بالنسبة لإسحق وإبراهيم. وأولادهم أسباط للجميع ويؤخذ من الآية أن الأسباط أنبياء وهو المعتمد كما ذكره ابن حجر في شرحه على الهمزية. إن قلت حيث كانوا أنبياء فهم معصومون من الصغائر والكبائر قبل النبوة وبعدها فكيف ذلك مع ما يأتي في سورة يوسف من رميه في الجب وإتيانهم على قميصه بدم كذب وغير ذلك من الأمور المنافية للنبوة. فأجيب بأنهم غير مشرعين بل هم أنبياء فقط، فلا يلزمهم إجراء فعلهم على مقتضى الظاهر بل على سر القدر، فالمدار على خلوصهم في الباطن على حد ما قيل في أفعال الخضر مع موسى، وقد شهد اللّه له بأنه ما فعله عن أمره فيكون ما جرى من الأسباط في حق يوسف كما جرى من الخضر أو أولى، وسيأتي بسط ذلك في سورة يوسف إن شاء اللّه تعالى.","part":1,"page":83},{"id":83,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 84\rوَالْأَسْباطِ أولاده وَما أُوتِيَ مُوسى من التوراة وَعِيسى من الانجيل وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ من الكتب والآيات لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كاليهود والنصارى وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا أي اليهود والنصارى بِمِثْلِ مثل زائدة ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا عن الإيمان به فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ خلاف معكم فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ يا محمد شقاقهم وَهُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم الْعَلِيمُ (137) بأحوالهم وقد كفاه إياهم بقتل قريظة ونفي النضير وضرب الجزية عليهم صِبْغَةَ اللَّهِ مصدر مؤكد لآمنا ونصبه بفعل مقدر أي صبغنا اللّه والمراد بها دينه الذي فطر الناس عليه لظهور أثره على صاحبه كالصبغ في الثوب وَمَنْ أي لا أحد أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً تمييز وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (138) قال اليهود للمسلمين نحن أهل الكتاب الأول وقبلتنا أقدم ولم تكن الأنبياء من\r______________________________\rقوله: وَما أُوتِيَ مُوسى عبر أولا بأنزل وثانيا بأوتى تفننا ودفعا للثقل. قوله: وَعِيسى لم يكرر ما أوتي لأن مؤدى الإنجيل والتوراة واحد، وإنما التغاير في شيء يسير وهو تحليل بعض ما حرم.\rقوله: وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ هذا من عطف العام على الخاص، إشارة إلى أنه يجب علينا الإيمان بجميع أنبياء اللّه وما أنزل عليهم. قوله: (كاليهود) أي فإنهم آمنوا بموسى وكفروا بمن عداه، وقوله والنصارى أي فإنهم آمنوا بعيسى وكفروا بمن عداه. قوله: (مثل زائدة) أي لأن المعنى على أصالتها فاسد لأنه يوهم أنهم مأمورون بالإيمان بمثل اللّه ومثل ما أنزل على محمد إلخ وهذا باطل. قوله: (خلاف) أي مخالفة الدين الحق ويطلق على الضلال وعلى العداوة، ويصح إرادة كل منهما لأن تولى عن الإيمان فهو في ضلال ومعاداة اللّه. قوله: (شقاقهم) أي ضرر ضلالهم ومخالفتهم ومعاداتهم. قوله: (بقتل قريظة) أي فقد قتل منهم في يوم واحد سبعمائة من صناديدهم ورموا في الخندق. قوله: (و ضرب الجزية عليهم) أي اليهود والنصارى.\rقوله: صِبْغَةَ اللَّهِ الصبغ بالكسر أثر الصبغ بالفتح الذي هو المصدر. وسبب نزول الآية أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمى ماء المعمودية، ويقولون حينئذ: قد صار نصرانيا حقا، فنزلت ردا عليهم كأن اللّه يقول لهم: صبغتي لعبيدي لا أحسن منها صبغة. قوله: (أي صبغنا) من باب نفع وضرب ونصر. قوله: (كالصبغ في الثوب) أشار بذلك إلى أن في الكلام استعارة تصريحية أصلية، حيث شبه آثار الإيمان القائم بالشخص بالصبغ القائم بالثوب بجامع المكث والظهور في كل، واستعير اسم المشبه به للمشبه، وفي هذه الآية بشرى للمؤمنين عظيمة، وهي أن الإيمان في القلب كالصبغ المتقن في الثوب، فكما لا يزول الصبغ من الثوب كذلك الإيمان لا يزول من القلب لأن صبغة اللّه لا أحسن منها، ولذا قيل إن موت المؤمن على غير الإيمان نادر كالكبريت الأحمر، والمراد من الصبغة الأنوار الكائنة في القلب والأعضاء لأن الإيمان لا يكمل إلا إذا صبغ به كصبغة الثوب، قال تعالى: (سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ). وقال تعالى: (نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ) في الحديث: «لو كشف عن نور المؤمن العاصي لأضاء ما بين المشرق والمغرب وإنما انحجب عنه ليتم وعد اللّه ووعيده». قوله: (قال اليهود) شروع في ذكر سبب نزول الآية. قوله: (الأول) أي السابق على الأنجيل والقرآن. قوله: (من العرب) أي بل كانت من بني إسرائيل.","part":1,"page":84},{"id":84,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 85\rالعرب ولو كان محمد نبيا لكان منا فنزل قُلْ لهم أَتُحَاجُّونَنا تخاصموننا فِي اللَّهِ أن اصطفى نبيا من العرب وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ فله أن يصطفي من عباده من يشاء وَلَنا أَعْمالُنا نجازى بها وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ تجازون بها فلا يبعد أن يكون في أعمالنا ما نستحق به الاكرام وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) الدين والعمل دونكم فنحن أولى بالاصطفاء والهمزة للانكار والجمل الثلاث أحوال أَمْ بل تَقُولُونَ بالياء والتاء إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ لهم أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ أي اللّه أعلم وقد برأ منهما إبراهيم بقوله (ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا) والمذكورون معه تبع له وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ أخفى الناس شَهادَةً عِنْدَهُ كائنة مِنَ اللَّهِ أي لا أحد أظلم وهم اليهود كتموا شهادة اللّه في التوراة لابراهيم بالحنيفية وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تهديد لهم تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ\r______________________________\rقوله: قُلْ أي يا محمد والخطاب لكل عاقل يريد إقامة الحجة عليهم. قوله: (فله أن يصطفي من عباده من يشاء) أي فلا حرج عليه في أفعاله. قوله: وَلَنا أَعْمالُنا أي فإن كانت النبوة من جهة اصطفاء اللّه واختياره، فربكم هو ربنا فيختص برحمته من يشاء، وإن كان من جهة العمل فكما لكم أعمال تجازون عليها لنا أعمال نجازى عليها، فنحن مشتركون معكم في العبودية والأعمال. قوله: وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ أي لم نشرك به أحدا بخلافكم أنتم فقد زدنا عليكم وصفا وهو الإخلاص، فكان الأولى بذلك نحن لا أنتم. قوله: (أحوال) أي إما من الواو أو نا، لكن الأظهر في الأخيرة أنها حال من نا، وعامل الحال على كل هو الفعل الذي هو أتحاجوننا. قوله: (بالياء والتاء) فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: أَوْ نَصارى أو للتقسيم والتوزيع فاليهود نسبوا لهم اليهودية، والنصارى نسبوا لهم النصرانية.\rقوله: أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ الهمزة للإستفهام وما بعدها مبتدأ وخبر، والمستفهم عنه يجوز توسطه بين الهمزة وأم كما هنا هو الأحسن، ويجوز في غير القرآن أن تقول أأعلم أنتم أم اللّه أو أأنتم أم اللّه أعلم.\rقوله: أَمِ اللَّهُ أم معادلة للهمزة التي هي لطلب التعيين، واسم التفضيل ليس على بابه بل للتهكم والإستهزاء. قوله: (أي اللّه أعلم) أشار بذلك إلى أنه جواب الإستفهام وإن خبر المبتدأ محذوف دل عليه المذكور. قوله: (تبع له) جواب عن سؤال مقدر تقديره إن اللّه قد برأ إبراهيم ولم يذكر معه أولاده. ومن جملة ما رد عليهم به قوله تعالى: (يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ). قوله: (كائنة) مِنَ اللَّهِ أشار بذلك إلى أن قوله عنده صفة أولى لشهادة، وقوله من اللّه متعلق بمحذوف صفة ثانية لها. قوله: (لإبراهيم بالحنيفية) أي ولمحمد بالرسالة حيث ذكر اللّه أوصافه وأخلاقه في كتبهم فغيروها وبدلوها. قوله: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ الغفلة هي ترك الشيء مع التمكن من العلم به وذلك مستحيل على اللّه تعالى، فالمراد بها الإمهال ليوم القيامة، وما يفسر تلك الآية قوله تعالى: (وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ). وقوله:\r(وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) أبلغ في التهديد من قوله: (و اللّه عليم بما تعملون) مثلا لأن عدم الغفلة يستلزم العلم فلا يستلزم عدم الغفلة.\rقوله: تِلْكَ أُمَّةٌ أي أنبياء بني إسرائيل. قوله: قَدْ خَلَتْ أي سبقت. قوله: لَها ما","part":1,"page":85},{"id":85,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 86\rوَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (141) تقدم مثله سَيَقُولُ السُّفَهاءُ الجهال مِنَ النَّاسِ اليهود والمشركين ما وَلَّاهُمْ أي شيء صرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها على استقبالها في الصلاة وهي بيت المقدس والإتيان بالسين الدالة على الاستقبال من الاخبار بالغيب قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي الجهات كلها فيأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء لا اعتراض عليه يَهْدِي مَنْ يَشاءُ هدايته إِلى صِراطٍ طريق مُسْتَقِيمٍ (142) دين الإسلام أي ومنهم أنتم دل على هذا وَكَذلِكَ كما هديناكم إليه جَعَلْناكُمْ يا أمة محمد أُمَّةً وَسَطاً خيارا عدولا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ يوم القيامة أن رسلهم بلغتهم وَيَكُونَ الرَّسُولُ\r______________________________\rكَسَبَتْ أي من خير أو شر. قوله: وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ أي ولا يسألون عن عملكم.\rقوله: (تقدم مثله) أي وإنما كرره اللّه لمزيد بلادتهم فإن السامع إذا كان بليدا فالأبلغ تكرار الكلام له لإقامة الحجة عليه.\rقوله: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ سيأتي للمفسر أن الآية من الإخبار بالغيب وحاصل ذلك أن النبي كان يستقبل الكعبة في صلاته وهو بمكة، فلما هاجر إلى المدينة أمر باستقبال بيت المقدس، فأنزل اللّه هذه الآية ليعلمه بأنه سيحوله للكعبة فيعترض عليه وليكون معجزة له من حيث إخباره بالمغيبات، ثم نزل آية تحويل القبلة، فمقتضاه أن هذه الآية متقدمة في النزول والتلاوة، ودرج على ذلك جماعة من المفسرين، والذي ورد عن ابن عباس وغيره أنها متقدمة في التلاوة متأخرة في النزول عن آية التحويل، وحكمة الإتيان بالسين إفادة الإستمرار على هذه المقالة منهم ومن يأتي بعدهم، والسفهاء جمع سفيه وهو من يتجنب المنافع ويتعلق بالمضار دنيوية أو دينية، ولا شك أن الكافر تعلق بالمضار الدينية فكل كافر سفيه. قوله: مِنَ النَّاسِ بيان للسفهاء احترازا عن البهائم فإنها تسمى سفهاء أيضا. قوله: (اليهود) أي فإنهم اعترضوا على النبي وأصحابه في تحولهم عن جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة، وقوله:\r(و المشركين) أي فإنهم اعترضوا عليهم في تحولهم أولا ورجوعهم ثانيا. قوله: ما وَلَّاهُمْ ما استفهامية والجملة بعدها خبر عنها. قوله: (إلى أي جهة شاء) أي فالأمر باستقبال جهة مخصوصة تعبدي لا نعقل له معنى. قوله: (هدايته) مفعول يشاء قوله: (و منهم أنتم) أي من المهتدين أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: وَكَذلِكَ اسم الإشارة عائد على الهداية. قوله: (أي كما هديناكم) جَعَلْناكُمْ أي فمن اللّه عليهم بمنتين الأولى الهداية والثانية جعلهم خيارا عدولا، وجعل بمعنى صير فالكاف مفعول أول وأمة مفعول ثان. وَسَطاً هو في الأصل المكان الذي استوت إليه الجهات ثم أطلق وأريد منه الخصال الحميدة، فالمعنى أصحاب خصال حميدة ولا شك أن من كان كذلك فهم خيار عدول. قوله: (خيارا وعدولا) أي أصحاب علم وعمل ولا يخلو زمان منهم لما في الحديث: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتيهم أمر اللّه وهم على ذلك وما دام القرآن موجودا فهم موجودون» لقوله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) فلو لا أن أناسا موجودون بهذه المثابة ما بقي القرآن، ونزول البلاء ليس دليلا على عدم وجود الخيار، فإن الأنبياء كانوا موجودين مع حصول الخسف والمسخ بأممهم فليسوا أعظم من الأنبياء، ولما في الحديث:\r«أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر الخبث».","part":1,"page":86},{"id":86,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 87\rعَلَيْكُمْ شَهِيداً أنه بلغكم وَما جَعَلْنَا صيرنا الْقِبْلَةَ لك الآن الجهة الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها أولا وهي الكعبة وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يصلي اليها فلما هاجر أمر ياستقبال بيت المقدس تألفا لليهود فصلى اليه ستة أو سبعة عشر شهرا ثم حول إِلَّا لِنَعْلَمَ علم ظهور مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ فيصدقه مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ أي يرجع إلى الكفر شكا في الدين وظنا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حيرة من أمره وقد ارتد لذلك جماعة وَإِنْ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي وإنها كانَتْ أي التولية اليها لَكَبِيرَةً شاقة على الناس إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ منهم وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ أي\r______________________________\rقوله: لِتَكُونُوا اللام للتعليل وقيل للصيرورة وعلى كل فالفعل منصوب بأن مضمرة بعدها جوازا وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل. قوله: (أن رسلهم بلغتهم) هذا بيان للمشهود به قوله:\r(أنه بلغكم) هذا بيان لشهادة الرسول، وحاصل ذلك أنه يوم القيامة توقف كفار الأمم السابقة في صعيد واحد، ويقول اللّه لهم لم لم تؤمنوا بي ألم يأتكم نذير؟ فيقولون يا ربنا ما جاءنا نذير، فيؤتى بأنبيائهم فيقول اللّه لهم وهو أعلم بهم لإقامة الحجة عليهم، ومن يشهد لكم فيقولون أمة محمد فيؤتى بهم فيقول اللّه:\rأتشهدون أن الرسل بلغت الرسالة لأممهم فكفروا بهم، فيقولون نعم نشهد بذلك، فتقول الأمم كيف يشهدون علينا مع كونهم متأخرين عنا؟ فيقولون يا ربنا أخبرنا رسولنا بذلك في كتابنا عنك وهو صادق في خبره، فيقول اللّه لهم ومن يزكيكم؟ فيقولون نبينا فيؤتى به فيقول أشهد أن أمتي عدول، وقوله على الناس إن كان المراد بهم أمم الأنبياء السابقة فعلى على بابها، وإن كان المراد بهم الأنبياء فعلى بمعنى اللام فهي مستعملة في حقيقتها ومجازها، وقوله: عَلَيْكُمْ شَهِيداً أي على كفاركم وسميت شهادة وإن كانت في الواقع دعوى لعدم ردها، ويحتمل أن على بمعنى اللام والضمير عائد على العدول الشاهدين على الأمم السابقة من حيث تزكيته لهم.\rقوله: وَما جَعَلْنَا اختلف في إعراب هذه الآية فدرج المفسر على أن قوله: الْقِبْلَةَ مفعول ثان لجعلنا مقدم، وقوله: الَّتِي صفة لموصوف محذوف مفعول أول، ودرج غيره على العكس وهو أن القبلة مفعول أول والتي صفة لموصوف محذوف مفعول ثان والأقرب الأول، وحاصل ذلك أن رسول اللّه وهو بمكة كان يصلي للكعبة، فما هاجر إلى المدينة أمر باستقبال بيت المقدس تأليفا لليهود فصلى لها سبعة عشر أو ستة عشر شهرا، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يشم منهم الكبر فكانوا يقولون إن محمدا يفارق ديننا ويصلي لقبلتنا، وكان رسول اللّه يحب أن يصلي للكعبة حتى نزل عليه جبريل يوما فقال له يا جبريل أود أن اللّه يحولني لقبلة أبي إبراهيم فسل ربك ذلك، فقال له أنت أكرم عليه مني، ثم صعد إلى السماء فصار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ينظر لجهتها منتظرا للإذن في ذلك، فنزل عليه جبريل بعد ركعتين من صلاة الظهر في رجب بالأمر بالتحويل للكعبة فتحول وتحولت الناس معه. وكان يوما مشهودا فافتتن اليهود وأهل النفاق. قوله: (علم ظهور) جواب عما يقال إن علم اللّه قديم فلا يتجدد، والمعنى ليظهر لكم متعلق علمنا بتمييز المؤمن من الكافر. قوله: (فيصدقه) أي يدوم على صدقه. قوله: (أي يرجع للكفر) أشار بذلك إلى أن قوله ممن ينقلب على عقبيه ليس على حقيقته، لأن الانقلاب على العقب معناه الرجوع لخلف وليس مرادا بل هو كناية عن الرجوع للكفر، نظير (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى). قوله: (و قد ارتد ذلك) أي التحويل والمعنى ظهر كفرهم، وإلا فمتى صبغ القلب بالإيمان فلا يزول لأن الكريم إذا منّ تمم. قوله: إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ أي فكان عيدا لهم حتى صار","part":1,"page":87},{"id":87,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 88\rصلاتكم إلى بيت المقدس بل يثيبكم عليه لأن سبب نزولها السؤال عمن مات قبل التحويل إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ المؤمنين لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (143) في عدم إضاعة أعمالهم والرأفة شدة الرحمة وقدم الأبلغ للفاصلة قَدْ للتحقيق نَرى تَقَلُّبَ تصرف وَجْهِكَ فِي جهة السَّماءِ متطلعا إلى الوحي ومتشوقا للأمر باستقبال الكعبة وكان يود ذلك لأنه قبلة إبراهيم ولأنها أدعى إلى الإسلام العرب فَلَنُوَلِّيَنَّكَ نحولنك قِبْلَةً تَرْضاها تحبها فَوَلِّ وَجْهَكَ استقبل في الصلاة شَطْرَ نحو الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي الكعبة وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ خطاب للأمة فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ في الصلاة شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ أي التولي إلى الكعبة الْحَقُ الثابت\r______________________________\rفضل من صلى مع النبي للقبلتين أعظم ممن أتى بعد ذلك، قال صاحب الجوهرة: والسابقون فضلهم نصا عرف. قوله: (أي صلاتكم) عبر بالإيمان عن الصلاة لأنها أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين. قوله: (لأن سبب نزولها إلخ) وسبب ذلك شبهة ألقاها حيي بن أخطب للمسلمين، وهي أن استقبالكم لبيت المقدس لا يخلو إما أن يكون هدى فقد انتقلتم الآن إلى ضلال، وإما أن يكون ضلالا فلم أقركم عليه، وأيضا من مات قبل التحويل مات على الضلال وضاعت أعماله، فشق ذلك على أقارب من مات قبل التحويل فشكوا ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت الآية، وتحويل القبلة أول نسخ ورد في الشرع. قوله: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ هذا كالدليل لما قبله أي لم يضيع صلاتكم لكونه رؤوفا رحيما. قوله: (للفاصلة) أي التي هي قوله إلى صراط مستقيم فهي على الميم فيهما.\rقوله: قَدْ نَرى تقدم سبب نزول هذه الآية. قوله: (للتحقيق) وقيل للتكثير وهو بالنظر لفعل النبي لا لرؤية اللّه وهو خطاب تودد. قوله: (متطلعا) أي متطلبا ومتشوفا وهو إشارة لحال محذوفة. قوله:\r(لأنها قبلة إبراهيم) أي وقبلته من قبل. قوله: (و لأنه أدعى إلى إسلام العرب) أي فإنهم قالوا حين استقبل بيت المقدس حيث عدل عن قبلة أبيه إبراهيم: لا نتبعه أبدا. قوله: (نحولنك) متقضى هذا التفسير أن قبلة منصوب بنزع الخافض ولو أبقى نولي على حالها لفسرها بنعطي لأنها تنصب مفعولين، فالكاف مفعول أول وقبله مفعول ثان. قوله: (تحبها) أي بحسب الطبع وإلا فهو يحب أوامر اللّه مطلقا.\rلكن إذا كانت موافقة للطبع كانت أحب، وهذا وعد من اللّه له بما يحبه وفي قوله فول إنجاز له. قوله:\rشَطْرَ يطلق على الجهة وهو المراد هنا ويطلق على النصف ويطلق على البعد يقال شطر فلان بمعنى بعد. قوله: (أي الكعبة) أشار بذلك إلى أن المراد بالمسجد الحرام خصوص الكعبة، ولما نزلت هذه الآية تحول لجهة الميزاب وهكذا قبلتنا بمصر فإنها لجهته.\rقوله: وَحَيْثُ ما شرطية لاقترانها بما وكنتم فعل الشرط، وقوله فولوا إلخ جوابه وقرن بالفاء لأنه فعل طلبي، وفي هذه الآية إشارة أخرى لحكمة النسخ وهي تطلعه لجهة السماء ومحبته للكعبة، وتقدمت الحكمة الأولى كونها فتنة للناس ليتميز المؤمن من غيره. قوله: (خطاب للأمة) ودفع بذلك ما يتوهم أنه من خصائصه عليه الصلاة والسّلام. قوله: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ أي في أي مكان وفي أي زمان. قوله:\rإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ قيل المراد بهم اليهود لأنهم هم المعارضون له في ذلك الوقت والكتاب هو التوراة، وقيل اليهود والنصارى والكتاب هو التوراة والإنجيل. قوله: (أي التولي إلى الكعبة) ويصح أنه","part":1,"page":88},{"id":88,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 89\rمِنْ رَبِّهِمْ لما في كتبهم من نعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أنه يتحول إليها وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) بالتاء أيها المؤمنون من امتثال أمره وبالياء أي اليهود من إنكار أمر القبلة وَلَئِنْ لام قسم أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ على صدقك في أمر القبلة ما تَبِعُوا أي يتبعون قِبْلَتَكَ عنادا وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ قطع لطمعه في إسلامهم وطمعهم في عوده إليها وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ أي اليهود قبلة النصارى وبالعكس وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ التي يدعونك إليها مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ الوحي إِنَّكَ إِذاً إن اتبعتهم فرضا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ أي محمدا كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ بنعته في كتبهم، قال ابن سلام لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ومعرفتي لمحمد أشد وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَ نعته وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) هذا الّذي أنت عليه الْحَقُ كائن مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) الشاكين فيه أي من هذا النوع فهو أبلغ من لا تمتر\r______________________________\rعائد على النبي أو النسخ، لأن كلا مذكور في الآية والمآل واحد قوله: (أيها المؤمنون) أي وفيه وعيد وزجر وتهديد وهما قراءتان سبعيتان. قوله: (و لئن أتيت) هذا أيضا تسلية للنبي وتيؤس من إيمانهم، لأنهم ضلوا على علم فلا تنفع فيهم موعظة:\rوإذا ضلت العقول على عل ... م فماذا تقوله النصحاء\r\rقوله: (لام قسم) أي وإن حرف شرط وقوله أتيت فعل الشرط وقوله ما تبعوا جواب القسم، وأما جواب الشرط فهو محذوف للقاعدة النحوية أنه إذا اجتمع شرط وقسم فإنه يحذف جواب المتأخر منهما، وأيضا قوله ما تبعوا لا يصلح أن يكون جوابا للشرط لأنه فعل منفي بما فحقه دخول الفاء فيه. قوله:\r(قطع لطمعه في إسلامهم) راجع لقوله ما تبعوا قبلتك، وقوله: (و طمعهم إلخ) راجع لقوله وما أنت بتابع قبلتهم، فهو لف ونشر مرتب. إن قلت كيف يطمعون في عوده لبيت المقدس مع أنه مذكور في كتبهم أنه لا يرجع عن الكعبة بعد أن تحول إليها، قلت إن ذلك الطمع واقع من جهلتهم الذين لا يعرفون في التوراة شيئا. قوله: (أي اليهود قبلة النصارى) هذا مما يؤيد أن المراد بالذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى، وقبلة اليهود بيت المقدس، وقبلة النصارى مطلع الشمس. وكانت باختراع منهم لزعم بولس القسيس أنه بعد رفع عيسى قال لقيت عيسى عليه السّلام فقال لي إن الشمس كوكب أحبه يبلغ سلامي في كل يوم فمر قومي ليتوجهوا إليها في صلاتهم ففعلوا ذلك. قوله: (إن اتبعتهم فرضا) أي على سبيل الفرض والتقدير على حد لئن أشركت ليحبطن عملك، وقيل الخطاب له والمراد غيره لمزيد الزجر.\rقوله: كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ما مصدرية تسبح مع ما بعدها بمصدر أي كمعرفتهم ابنائهم، والمشبه أقوى من المشبه به، قوله: (و معرفتي لمحمد أشد) سئل عن ذلك فقال لأن معرفتي بابني ظنية لأنه يحتمل أن يكون من غيره، وأما معرفتي بمحمد فهي عن اللّه، وأي خبر أصدق خبر اللّه؟ قوله: (كائنا) أشار بذلك إلى أن قوله من ربك متعلق بمحذوف حال من الحق وهو خير لمبتدأ محذوف، والأظهر أن مبتدأ خبره والجار والمجرور بعده أو مبتدأ والخبر محذوف تقديره يعرفونه وأل يحتمل أنها للعهد الذكري أو الجنس أو الاستغراق، قوله: (الشاكين فيه) أي في كونهم يعرفون نعتك أو في الحق، قوله: (فهو أبلغ من لا تمتر)","part":1,"page":89},{"id":89,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 90\rوَلِكُلٍ من الأمم وِجْهَةٌ قبلة هُوَ مُوَلِّيها وجهه في صلاته وفي قراءة مولاها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ بادروا إلى الطاعات وقبولها أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً يجمعكم يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ لسفر فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) بالتاء والياء تقدم مثله وكرره لبيان تساوى حكم السفر وغيره وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ كرره للتأكيد لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ اليهود أو\r______________________________\rأي لكون النهي عاما فيفيد أن الشك يضر كل من قام به، ولكونه مؤكدا بالنون ولأن الكناية أبلغ من الحقيقة بخلاف لا تمتر، فربما يتوهم أن الشك يضر إلا هو فقط ولم يكن مؤكدا.\rقوله: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هذا كالنتيجة لما قبله كأنه قال فلما تفرقوا صار لكل وجهة. قوله: (قبلة) أشار بذلك إلى أن وجهة اسم للمكان فثبوت الواو قياسي، وأما إن أريد بها المعنى المصدري فثبوت الواو غير قياسي على حد عدة ورقة، وإنما ثبتت الواو تنبيها على الأصل، قوله: هُوَ أي الفريق المفهوم من الأمم، لأن المراد بهم الفرق، ولو عبر به لكان أوضح، قوله: مُوَلِّيها اسم فاعل فاعله ضمير يعود على الفريق، والهاء مفعول أول وقول المفسر وجهة مفعول ثان قوله: (و في قراءة مولاها) أي بصيغة اسم المفعول، فنائب الفاعل مفعول أول والهاء مفعول ثاني والمعنى موجه إليها. قوله: الْخَيْراتِ جمع خير بالتخفيف والتشديد جمع خيرة ومعناه الطاعة على كل، قوله: أَيْنَما تَكُونُوا أين اسم شرط جازم يجزم فعلين، تكونوا فعل الشرط مجزوم بحذف النون والواو فاعل، ويأت جواب الشرط مجزوم بحذف الياء والكسرة دليل عليها، وبكم متعلق بيأت واللّه فاعل يأت وجميعا حال من الكاف في بكم، وقوله:\r(فيجازيكم) فيصح فيه الجزم والرفع والنصب ولكن الرسم يأبى الأول، وإنما جازت الأوجه الثلاثة فيه لقول ابن مالك:\rوالفعل من بعد الجزا إن يقترن ... بالفاء أو الواو بتثليث قمن\r\rوالمعنى في أي مكان تكونون فيه يجمعكم اللّه لحساب فيترتب عليه الجزاء. قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هذا كالدليل لما قبله أي إنما كان ذلك لأنه قدير على كل شيء. قال تعالى: (وَ هُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ)،\rقوله: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ إلخ حيث هنا ظرف مكان ومن للإبتداء، وجملة خرجت في محل جر بإضافة حيث إليها وليست شرطية لأنها لا تكون كذلك إلا إذا اقترنت بما. قوله: (لسفر) ظاهره فرضا ونقلا ولكن السنة خصصت ذلك بالفريضة، وأما النافلة فتجوز في السفر لغير القبلة بشروط مذكورة في الفقه، قوله: شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي جهة الكعبة. قوله: وَإِنَّهُ أي النسخ أو التولي للكعبة أو النبي، قوله: لَلْحَقُ أي جنسه أو المعهود وهو نعت النبي أو كل فرد من أفراده، قوله:\r(بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان، قوله: (لبيان تساوي حكم السفر إلخ) أشار بذلك لدفع ما يتوهم أنه تكرار محض، قوله: (كرره للتأكيد) أي للتثبيت في عقولهم لقرابة الحكم حينئذ لأنه أول ما ورد من النسخ.\rقوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ هذا هو حكمة التولية أي فما أمرناكم بالتوبة لأجل انتفاء حجة","part":1,"page":90},{"id":90,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 91\rالمشركين عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ أي مجادلة في التولي إلى غيره أي لتنتفي مجادلتهم لكم من قول اليهود يجحد ديننا ويتبع قبلتنا وقول المشركين يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ بالعناد فإنهم يقولون ما تحول إليها إلا ميلا إلى دين آبائه والاستثناء متصل والمعنى لا يكون لأحد عليكم كلام إلا كلام هؤلاء فَلا تَخْشَوْهُمْ تخافوا جدالهم في التولي إليها وَاخْشَوْنِي بامتثال أمري وَلِأُتِمَ عطف على لئلا يكون نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بالهداية إلى معالم دينكم وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) إلى الحق كَما أَرْسَلْنا متعلق بأتم أي إتماما كإتمامها بإرسالنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا القرآن وَيُزَكِّيكُمْ يطهركم من الشرك وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ القرآن وَالْحِكْمَةَ ما فيه الأحكام وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)\r______________________________\rالناس عليكم، واللام هذه لام كي وإن مصدرية ولا نافية ويكون منصوب بأن، وللناس خبرها مقدم وحجة اسمها مؤخر وعليكم حال من حجة لأنه نعت نكرة تقدم عليها، قوله: (أي لتنتفي إلخ) هذا حل معنى لا حل إعراب، ولو حله حل إعراب لقال لعدم كون حجة ثابتة للناس عليكم قوله: (أي مجادلة) أي جدال في الباطل واعتراض وليس المراد بها المجادلة في الحق وإظهار حجته قوله: (من قول اليهود) هذا بيان للمجادلة، قوله: (و قول المشركين) أي فقد زال ذلك وأما قولهم ما زال محمد في حيرة فباقية لم تزل، قوله: (فإنهم يقولون) أي اليهود، والحاصل أن الحجج أربع: لليهود حجتان وللمشركين كذلك، أما حجة اليهود فهي ما له يصلي لقبلتنا ولا يتبع ديننا وأما حجة المشركين فهي يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته، وهاتان الحجتان قد انقطعتا وبقيت حجة لكل، أما حجة اليهود فقولهم ما تحول إليها إلا ميلا لدين الجاهلية، وأما حجة المشركين فقولهم لم يزل محمد في حيرة، قوله: (و الإستثناء متصل) أي لأن ما قبله ظالمون أيضا، قوله: (تخافوا جدالهم) أي لا يقدرون على إيصال نفع ولا دفع ضرر، قوله: (عطف على لئلا يكون) أي فتحويل القبلة لحكم عظيمة الأولى تمييز المؤمن من غيره، الثانية انقطاع الحجج، الثالثة إتمام النعمة، الرابعة الإهتداء إن قلت إن مقتضى هذه الآية إن النعمة تمت الآن ومقتضى ما يأتي في سورة المائدة في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) أنها لم تتم إلا حين نزولها وهو يوم عرفة في حجة الوداع. أجيب بأن النعمة مقولة بالتشكيك، فالمراد بها هنا استقبال الأشرف الذي هو الكعبة والمراد بها هنا الدين،\rقوله: مِنْكُمْ هذه نعمة أخرى فوق أصل الإرسال لأنه لو كان ملكا لما استطاعوه لأن علة الإنضمام المجانسة، قوله: (القرآن) خصه من دون المعجزات لأنه باق إلى الآن.\rقوله: (يطهركم من الشرك) أي حتى صرتم عدولا تشهدون على الناس يوم القيامة، ويصح أن يقال معنى يُزَكِّيكُمْ يشهد لكم بالعدالة يوم القيامة.\rقوله: وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ أي حتى حفظتم لفظه عن ظهر قلب لقوله في الحديث: «و جعلت من أمتك أقواما قلوبهم أناجيلهم» قوله: (ما فيه من الأحكام) أي المعاني التي لا تحصى، قال علي بن أبي طالب: لو أردت أن أوقر من الفاتحة حمل سبعين بعيرا لفعلت، ومن معناه ما قال الخواص مما من اللّه به علي أن أعطاني مائة ألف علم وتسعة وتسعين الفا من علوم الفاتحة، قوله: وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ","part":1,"page":91},{"id":91,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 92\rفَاذْكُرُونِي بالصلاة والتسبيح ونحوه أَذْكُرْكُمْ قيل معناه أجازكم، وفي الحديث عن اللّه «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه»\rوَاشْكُرُوا لِي نعمتي بالطاعة وَلا تَكْفُرُونِ (152) بالمعصية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا\r______________________________\rعطف عام على خاص، قوله: (و نحوه) أي كالتهليل والتحميد، وإنما قال بالصلاة لأن الذكر إما باللسان أو الجوارح أو بالجنان، ولا شك أن الصلاة جامعة لكل ذكر، فالقراءة والتكبير والتسبيح والدعاء ذكر لساني، والركوع والسجود ذكر بالجوارح والخشوع والخضوع والمراقبة ذكر قلبي، قوله:\rأي خاليا وبعيدا عن الخلق، قوله: (ذكرته في نفسي) أي أعطيه عطايا لا يعلمها غيري، قوله: (و من ذكرني في ملأ) أي بين الناس، قوله: (ذكرته في ملأ) أي أعطيته عطايا ظاهرة لعبادي وأظهر فضله لهم، إن قلت إن الإنسان قد يذكر اللّه بحضرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كالصحابة فأي ملأ خير من النبي، قلت أجيب بأن الشيء يشرف بما نسب إليه، فإن المجلس ينسب لكبيره وفرق بين حضرة اللّه وملائكته، وبين حضرة النبي وأصحابه، وأيضا كون النبي في حضرة اللّه اشرف من نفسه في حضرة أصحابه، فمعنى قوله خير من ملئه ذكرته في حضرة النبي والملائكة المقربين في الملأ الأعلى، ولا شك أن تلك الحضرة لا يعدلها شيء أبدا، والملأ بالقصر الجماعة الأشراف قوله: (خير) بالجر صفة الملأ وقيل معنى اذكروني تذللوا لجلالي، أذكركم أكشف الحجب عنكم وأفيض عليكم رحمتي وإحساني وأحبكم وأرفع ذكركم في الملأ الأعلى لما في الحديث: «و من تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا» وفي الحديث أيضا «إن اللّه إذا أحب عبدا نادى جبريل:\rإني أحب فلانا فأحبه» فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء إن اللّه يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض» وهذا من جملة الثمرات المعجلة، وأما المؤجلة فرؤية وجهه الكريم ورفع الدرجات وغير ذلك وينبغي للإنسان أن يذكر اللّه كثيرا لقوله تعالى: (وَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) ولا يلتفت لواش ولا رقيب، لقول السيد الحفني خطابا للعارف باللّه تعالى إستاذنا الشيخ الدردير:\rيا مبتغي طرق أهل اللّه والتسليك ... دع عنك أهل الهوى تسلم من التشكيك\r\rإن اذكروني لرد المعترض يكفيك ... فاجعل سلافا الجلالة دائما في فيك\r\rولا تترك الذكر لعدم حضورك مع اللّه فيه، فربما ذكر مع غفلة يجر لذكر مع حضور، لأنهم شبهوا الذكر بقدح الزناد، فلا يترك الإنسان القدح لعدم إيقاده من أول مرة مثلا بل يكرر حتى يوقد، فإذا ولع القلب نارت الأعضاء فلا يقدر الشيطان على وسوسته، لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا) وخفت العبادة على الأعضاء فلا يكون على الشخص كلفة فيها، قال العارف:\rإذا رفع الحجاب فلا ملالة ... بتكليف الإله ولا مشقة\rويكفى الذاكر من الشرف قول اللّه تعالى في الحديث القدسي «أنا جليس من ذكرنى» وقوله تعالى:\r(وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) * وهل الأفضل الذكر مع الناس أو الذكر في خلوة، والحق التفصيل، وهو إن كان الإنسان ينشط وحده ولم يكن مدعوا من اللّه لهداية الناس فالخلوة في حقه أفضل، وإلا فذكره مع الناس أفضل إما لينشط أو ليقتدي الناس به، نسأل اللّه أن يجعلنا من أهل ذكره.\rقوله: وَاشْكُرُوا","part":1,"page":92},{"id":92,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 93\rعلى الآخرة بِالصَّبْرِ على الطاعة والبلاء وَالصَّلاةِ خصها بالذكر لتكررها وعظمها إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) بالعون وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هم أَمْواتٌ بَلْ هم أَحْياءٌ أرواحهم في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت لحديث بذلك وَلكِنْ لا\r______________________________\rلِي الحق أنه يتعدى بنفسه وباللام والمعنى واحد وهو من عطف الخاص على العام، والنكة في ذلك بيان أعلى المقاصد في الذكر، فإن المقاصد في الذكر مختلفة، فمن قصد بذكره الدنيا فقط فهو دنيء، ومن قصد بذكره دخول الجنة والنجاة من النار فهو أعلى من الأول، ومن قصد بذكره شكر اللّه على خلقه إياه وإنعامه عليه ولم يقصد غيره فهو من المقربين لما في الحديث «أ فلا أكون عبدا شكورا».\rقوله: وَلا تَكْفُرُونِ أي لأن حقيقة الشكر أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، فمعنى لا تكفرون لا تصرفوا نعمي في غير ما خلقتها له. قوله: (على الطاعة) أي على دوامها سواء كانت الطاعة فعلا أو تركا. قوله: (و البلاء) أي المصائب بأقسام الصبر ثلاثة: صبر على الطاعة بدوام فعلها، وصبر عن المعصية بدوام تركها، وصبر على البلاء بحمد اللّه وشكره عليها فيكون شاكرا على السراء والضراء، وأعظمها الصبر عن المعاصي، وأقل منه الصبر على الطاعة، وأقل منهما الصبر على البلاء لأنه ورد أن الصابر على البلاء يرفعه اللّه ثلثمائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض مرة والصابر على دوام الطاعة يرفعه يرفع اللّه ستمائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض امرة والصابر عن المعصية يرفعه اللّه تسعمائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ثلاث مرات.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ خصهم وإن كان اللّه مع كل أحد لأن المراد معية مخصوصة وهي العون والإغاثة، وأما المعية مع كل أحد فمعية علم وقدرة يتصرف فيهم كيف شاء، وأما الصابرون فهم المحبوبون للّه لقوله في الحديث: «و لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» حديث.\rقوله: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هذه الآية نزلت في قتلى بدر وكان المقتول من المسلمين أربعة عشر: ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، لما قال المشركون والمنافقون هؤلاء قد ماتوا وضيعوا على أنفسهم الحياة ولذاتها وقد ادعوا أنهم ماتوا في مرضاة محمد فنزلت هذه الآية. قوله: (هم) أَمْواتٌ اشار بذلك إلى أن أموات خبر لمبتدأ محذوف والجملة في محل نصب مقول القول، والمعنى يحرم قول ذلك للشهيد لأنه ليس بموت حقيقة، وإنما هو انتقال من دار الكدر إلى دار الصفا ومن دار الحزن إلى دار السرور. قوله: لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي وهم الشهداء وسموا بذلك لأن أرواحهم شهدت دار السّلام عند خروجها من البدن، أو لأن الملائكة تشهد له بنصره لدين الإسلام.\rقوله: بَلْ (هم) أَحْياءٌ أي حياة أخروية بالجسم والروح ليس كحياة أهل الدنيا، لا يشاهدها إلا أهل الآخرة ومن خصه اللّه بالإطلاع عليها وهذا هو التحقيق خلافا لمن قال إنهم أحياء بالروح فقط لأنه يرد بأن كل انسان حي الروح مسلما كان أو كافرا لعدم فناء الروح ولا مزية للشهيد على غيره وهذه الحياة حقيقة، وإنما خروج روحه انتقال من دار إلى أخرى وهي مزية من مزايا الأنبياء فلا يقال إنهم ساووهم، وحكمة عدم تغسيل الشهداء بقاء دمهم ليشهد لهم يوم القيامة، لما في الحديث «زملوهم بثيابهم اللون لون الدم والريح ريح المسك»، وأما تغسيل الأنبياء فتعبدي أو للتشريع ولا تأكل الأرض","part":1,"page":93},{"id":93,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 94\rتَشْعُرُونَ (154) تعلمون ما هم فيه وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ للعدو وَالْجُوعِ القحط وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ بالهلاك وَالْأَنْفُسِ بالقتل والموت والأمراض وَالثَّمَراتِ بالجوائح أي لنختبرنكم فننظر أتصبرون أو لا وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) على البلاء بالجنة هم الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بلاء قالُوا إِنَّا لِلَّهِ ملكا وعبيدا يفعل بنا ما يشاء وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (156) في الآخرة فيجازينا، في الحديث «من استرجع عند المصيبة آجره اللّه فيها وأخلف عليه خيرا» وفيه «أن مصباح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم طفىء فاسترجع فقالت عائشة إنما هذا مصباح فقال: كل ما ساء المؤمن فهو مصيبة» رواه أبو داود في مراسيله أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مغفرة مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ نعمة\r______________________________\rأجساد الشهداء. قوله: (أرواحهم في حواصل الطيور إلخ) أي فهو كالهودج لها، وأما أرواح المؤمنين المطيعين الغير الشهداء فتتنعم خارج الجنة بريحها ومأواها البرزخ، وأما أرواح العصاة والكفار فهي مسجونة لا تصرف لها، وأما أرواح الأنبياء فورد أنها تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش في الجنة، وأما أرواح صغار المؤمنين ففي الجنة في كفالة إبراهيم وسارة.\rقوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ اللام موطئة لقسم محذوف أي واللّه لنبلونكم ونبلون جوابه، واقترن باللام والنون لكونه مضارعا مثبتا مستقبلا، والمعنى لنختبركم أيها المؤمنون لما في الحديث «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» أو ولو كان المؤمن في غاية نعيمها والكافر في أشد ضيقها. قوله: (القحط) هو في الأصل تخلف المطر وهو سبب في الجوع، فقد فسر الشيء بسببه. قوله: (بالجوائح) أي الآفات المتلفة للزرع ونحوه. قوله: (أي لنختبركم) أي لنظهر ذلك للملائكة ولبعضكم فمن صبر فله الرضا، ومن جزع فله السخط. قوله: (بالجنة) متعلق ببشر، والمعنى بشرهم بالجنة من غير سابقة عذاب. قوله: (هم) الَّذِينَ أشار بذلك إلى أن الذين خبر لمبتدأ محذوف واقع في جواب سؤال مقدر قيل نعت مقطوع، وقيل إن الذين نعت للصابرين وهو أحسنها، وقيل منصوب على المدح بفعل محذوف تقديره أمدح، وقيل مبتدأ خبره قوله أولئك.\rقوله: مُصِيبَةٌ أي مصيبة كانت سواء كانت فقد مال أو نفس أو جوعا أو خوفا أو غير ذلك.\rقوله: إِنَّا لِلَّهِ أي مملوكون ومخلوقون له يتصرف فينا على ما أراد، وهذه المقالة من خصائص هذه الأمة، ولو كانت لغيرهم لكانت ليعقوب حين فقد يوسف فقال يا أسفا. قوله: وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أي صائرون. قوله: (من استرجع) أي قال إن للّه وإنا إليه راجعون. قوله: (آجره اللّه فيها) أي بسببها وفي المصباح أجره اللّه أجرا من بابي ضرب وقتل وآجره بالمد لغة ثالثة إذا أثابه. قوله: (و أخلف عليه خيرا) أي منها إما في الآخرة فقط أو فيها وفي الدنيا، فمن رضي بأحكام اللّه وصبر على ما أصابه فله الرضا من اللّه، ولكل مصيبة دواء إلا الموت على الكفر والعياذ باللّه تعالى، قال بعضهم:\rلكل شيء إذا فارقته عوض ... وليس للّه إن فارقت من عوض\r\rقوله: (إنما هذا مصباح) أي شيء قليل.\rقوله: صَلَواتٌ جمع صلاة وهي المغفرة كما فسر بذلك المفسر، وجمعها إشارة إلى أنه لا يبقى عليهم ذنوب أبدا بل عليهم مغفرة متكررة، قوله: (نعمة) دفع بذلك ما يقال إن الصلاة هي الرحمة، فعطف الرحمة عليها مرادف فيما حكمة التكرار، فأجاب المفسر بمنع","part":1,"page":94},{"id":94,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 95\rوَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) إلى الصواب إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ جبلان بمكة مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ أعلام دينه جمع شعيرة فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ أي تلبس بالحج أو العمرة وأصلهما القصد والزيارة فَلا جُناحَ إثم عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ فيه ادغام التاء في الأصل في الطاء بِهِما بأن يسعى بينهما سبعا نزلت لما كره المسلمون ذلك لأن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بهما وعليهما صنمان يمسحونهما وعن ابن عباس أن السعي غير فرض لما أفاده رفع الاثم من التخيير وقال الشافعي وغيره ركن وبين صلّى اللّه عليه وسلّم فرضيته بقوله: «إن اللّه كتب عليكم السعي» رواه البيهقي وغيره، وقال:\r«ابدأوا بما بدأ اللّه به» يعني الصفا رواه مسلم وَمَنْ تَطَوَّعَ وفي قراءة بالتحتية وتشديد الطاء مجزوما وفيه إدغام التاء فيها خَيْراً أي بخير أي عمل ما لم يجب عليه من طواف وغيره فَإِنَ\r______________________________\rذلك، وأن العطف مغاير، فالصلاة محو الذنوب والرحمة العطايا فهو من باب التحلية بعد التخلية، وقد ورد إطلاق الصلاة على المغفرة، ففي الحديث «اللهم صل على آل أبي أوفى» أي اغفر لهم، وفي الحديث أيضا «إن الملائكة لتصلي على أحدكم ما دام في صلاة تقول اللهم اغفر له اللهم اغفر له» وقيل إن الصلاة بمعنى الرحمة والعطف مرادف وحكمة التكرار الإشارة لتوالي الرحمات والنعم والرضا عليه، حيث رضي بأحكام سيده وحبس نفسه على ما تكره. قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ أي الكاملون في الهدى، فإن الرضا عن اللّه في كل حال من علامات الهدى الكامل.\rقوله: إِنَّ الصَّفا جمع صفاة اسم للحجر الأملس، والمراد هنا الجبل المعروف الذي يبتدأ السعي منه. قوله: وَالْمَرْوَةَ في الأصل اسم للمكان الرخو، والمراد هنا الجبل الذي ينتهي السعي إليه. قوله: (جبلان بمكة) أي بجوار المسجد الحرام. قوله:\rمِنْ شَعائِرِ اللَّهِ أي من أمور دين اللّه التي تعبدنا بها فمن أنكر كون السعي من أمور الدين فقد كفر.\rقوله: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ الحج في اللغة القصد واصطلاحا عبادة، يلزمها طواف بالبيت سبعا وسعي بين الصفا والمروة كذلك، ووقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحجة على وجه مخصوص.\rقوله: أَوِ اعْتَمَرَ العمرة في اللغة الزيارة واصطلاحا عبادة، يلزمها طواف وسعي على وجه مخصوص. قوله: (و أصلهما القصد إلخ) لف ونشر مرتب. قوله: (فيه إدغام التاء في الأصل) أي فأصله يتطوف قلبت التاء طاء ثم أدغمت في الطاء. قوله: (لما كره المسلمون) أي حين كرهوا ذلك. قوله:\r(و عليهما صنمان) أحدهما يسمى أسافا والثاني يسمى نائلة، قيل كانا على صورة رجل وامرأة، وذلك أن رجلا اسمه أساف وامرأة اسمها نائلة زنيا في الكعبة فمسخهما اللّه حجرين على صورتهما الأصلية، فلما تقادم الزمان عبدتهما الجاهلية، فلما جاء الإسلام أبطل ذلك ونسخه. قوله: (غير فرض) أي ووافقه على ذلك ابن حنبل. قوله: (من التخيير) ليس المراد أنه مباح بل هو مطلوب بدليل ضم أول الآية لأخرها.\rقوله: (و غيره) أي وهو مالك. قوله: (إن اللّه كتب عليكم السعي) تمامه «فاسعوا» وأصل الحديث «اسعوا فإن كتب عليكم السعي» فتحصل أن الآية ليست صريحة في الفرضي ولا في الوجوب وإنما أخذ ذلك من السنة. قوله: (و فيه إدغام التاء) أي بعد قلبها طاء. قوله: (أي بخير) أشار بذلك إلى أن خيرا منصوب بنزع الخافض. قوله: (من طواف وغيره) أي كسعي في حج أو عمرة أو طواف مطلقا، لأن عبادة الطواف لا تقيد بالنسك بخلاف السعي.","part":1,"page":95},{"id":95,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 96\rاللَّهَ شاكِرٌ لعمله بالإثابة عليه عَلِيمٌ (158) به. ونزل في اليهود إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ الناس ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى كآية الرجم ونعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ التوراة أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ يبعدهم من رحمته وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) الملائكة والمؤمنون أو كل شيء بالدعاء عليهم باللعنة إِلَّا الَّذِينَ تابُوا رجعوا عن ذلك وَأَصْلَحُوا عملهم وَبَيَّنُوا ما كتموا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ أقبل توبتهم وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) بالمؤمنين إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ حال أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) أي هم مستحقون ذلك في الدنيا والآخرة، والناس قيل عام وقيل المؤمنون\r______________________________\rقوله: فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ هذا دليل الجواب وليس هو الجواب بل هو محذوف تقديره شكره اللّه لأن اللّه شاكر عليم، والشكر في الأصل مجازاة أصحاب الحقوق عليها، وليس ذلك مرادا في حق مولانا، وإنما المراد عاملناه معاملة الشاكر بأنه ألزم نفسه الجزاء من فضله لأنه كريم واسع العطاء. قوله: (و نزل في اليهود) أي في أحبارهم ككعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وعبد اللّه بن صوريا قوله: (الناس) قدره المفسر إشارة إلى أنه مفعول يكتمون الثاني، والمعنى يكتمون الحق عن الناس بحيث يظهرون الباطل ويخفون الحق من نعت محمد وغيره.\rقوله: ما أَنْزَلْنا أي الشيء أو الذي أنزلناه، وقوله من البينات بيان لما، والمراد بالبينات الآيات الواضحات التي من أذعن لها فقد اهتدى، وعطف الهدى عليها للتفسير.\rقوله: (كآية الرجم) أي الكائنة في التوراة، وهي أن من زنى يرجم فمحوها وقالوا لم يكن ذلك عندنا فحصل منهم التكذيب لنبيهم. قوله: (و نعت محمد) أي صفاته وأخلاقه من مولده إلى إنتهاء أجله، وهذان مثالان للبينات والهدى معا لأن بالآيات يحصل الهدى.\rقوله: لِلنَّاسِ أي عموما. قوله: أُولئِكَ مبتدأ وجملة يلعنهم اللّه خبره وأتى بإشارة البعيد إشارة لبعدهم عن رحمة اللّه. قوله: (و المؤمنون) أي من غيرهم كالإنس والجن. قوله: (أو كل شيء) أي حتى الجمادات والحيتان في البحر، ويشهد له الحديث «العاصي يلعنه كل شيء حتى الحيتان في البحر». وأو لتنويع الخلاف، ثم إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذا الوعيد وإن كان واردا في كل شيء خاص إلا أنه لكل من كتم علما، ومنه شاهد الزور والمفتي بغير الحق.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ استثناء متصل أفاد به أن اللعنة معلقة. قوله: (رجعوا عن ذلك) أي الكتمان بأن أنصفوا من أنفسهم وأسلموا فهذا الوعيد خاص بمن مات كافرا، وأما من مات مؤمنا ولو عاصيا فليس له هذا الوعيد، ولا يجوز الدعاء باللعنة على المعين ولو كافرا إلا أن يثبت موته على الكفر، وأما غير المعين فيجوز على الكافر والعاصي. قوله: وَأَصْلَحُوا (عملهم) أي في المستقبل كعبد اللّه بن سلام وأضرابه.\rقوله: (ما كتموا) أي من البينات والهدى، ويحتمل أن قوله تعالى وبينوا أي التوبة. قوله: فَأُولئِكَ أتى بإشارة البعيد إشارة لرفعة رتبتهم على رتبة غيرهم على حد (ذلك الكتاب). قوله: وَأَنَا التَّوَّابُ أي الكثير القبول لتوبة من تاب، والجملة حالية من فاعل أتوب. قوله: (بالمؤمنين) أي ولو عصاة والمراد من مات مسلما.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي أحبارا أو غيرهم، وقوله: وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أي استمروا على","part":1,"page":96},{"id":96,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 97\rخالِدِينَ فِيها أي اللعنة أو النار المدلول بها عليها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ طرفة عين وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) يمهلون لتوبة أو معذرة. ونزل لما قالوا صف لنا ربك وَإِلهُكُمْ المستحق للعبادة منكم إِلهٌ واحِدٌ لا نظير له في ذاته ولا في صفاته لا إِلهَ إِلَّا هُوَ هو الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (163) وطلبوا آية على ذلك فنزل إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وما فيهما من\r______________________________\rالكفر حتى ماتوا عليه. قوله: (أي هم مستحقون ذلك) أشار بذلك لدفع التكرار، كأنه قال: المراد باللعنة الأولى حصولها بالفعل وبالثانية استحقاقها، وفي الحقيقة لا تكرار لأن ما تقدم في الكفار من أحبار اليهود وهذا في الكفار عموما. قوله: (قيل عام) أي حتى الكفار لأنه يلعن بعضهم بعضا. قوله: (و قيل المؤمنون) أي من الإنس والجن والملائكة. قوله: (أي اللعنة) أي ويلزم من خلوده في اللعنة خلوده في النار. قوله: (المدلول بها) أي اللعنة وقوله أي عليها أي النار. قوله: (طرفة) أي مقدار تغميض العين وفتحها العادي. قوله: (يمهلون) أشار بذلك إلى أنه من الإنظار بمعنى الإمهال والتأخير، قال تعالى: (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ) أجارنا اللّه والمسلمين من النار. قوله: (و نزل) أي بمكة لأن هذه الآية وما بعدها مكية وإن كانت السورة مدنية. قوله: (لما قالوا) أي مشركوا العرب وكانوا إذ ذاك يعبدون ثلاثمائة وستين صنما حول الكعبة، نزلت سورة الإخلاص أيضا ردا عليهم.\rقوله: وَإِلهُكُمْ مبتدأ وإله خبره وواحد صفته وهو محط الفائدة على حد: مررت بزيد رجلا صالحا، فهي كالحال الموطئة، وقوله لا إله إلا هو خبر ثان مؤكد لما قبله لقصد الإيضاح. قوله: (لا نظير له إلخ) فيه نفي الكموم الخمسة وتوضيحه أن قوله لا نظير له في ذاته، أي إن ذاته ليست مركبة من أجزاء وليس لأحد ذات كذاته ولا في صفاته، أي ليست صفاته متعددة من جنس واحد، بمعنى أنه ليس له علمان ولا سمعان إلى آخرها، وليس لأحد صفة كصفات مولانا، فهذه أربعة كموم متصلان في الذات والصفات ومنفصلان فيهما، والخامس المنفصل في الأفعال بمعنى أنه ليس لأحد فعل مع اللّه وأما المتصل فيها فهو ثابت لا ينفى لأن أفعاله على حسب شؤونه في خلقه.\rقوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي لا معبود بحق موجود إلا هو أي إلهكم، وفي الكلام تغليظ لهم، وإعرابه لا نافيه للجنس تعمل عمل إن. إله اسمها مبني على الفتح في محل نصب، والخبر محذوف تقديره موجود، وإلا أداة حصر وهو ضمير منفصل بدل من الضمير المستتر في الخبر، والتقدير: لا إله موجود هو إلا هو، وقوله الرحمن الرحيم خبر ثالث، والمقصود من تعدد الأخبار أيضا أمر الإله لهم وتبكيت لهم لالزامهم الحجة وهذه طريقة، ومشى المفسر على أن الرحمن الرحيم خبر لمبتدأ محذوف، وكل صحيح.\rقوله: (و طلبوا آية) أي دليلا على ما تقدم من الدعاوى، فإن قوله وإلهكم إله واحد دعوى أولى، وقوله لا إله هو دعوى ثانية، وقوله الرحمن الرحيم دعوى ثالثة. قوله: (فنزل) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ أي إلى قوله لآيات وهي ثمانية أشياء في كل شيء منها آيات فهو إجابة بالمطلوب وزيادة:\rوفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد\r\rوإن حرف نصب وتوكيد وفي خلق السموات جار ومجرور خبر مقدم ولآيات اسمها مؤخر وحذفه من الأول لدلالة الأخير عليه كأنه قال واختلاف الليل والنهار لآيات والفلك التي تجري في البحر لآيات","part":1,"page":97},{"id":97,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 98\rالعجائب وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ بالذهاب والمجيء والزيادة والنقصان وَالْفُلْكِ السفن الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ ولا ترسب موقرة بِما يَنْفَعُ النَّاسَ من التجارات والحمل وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ مطر فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بالنبات بَعْدَ مَوْتِها يبسها وَبَثَ فرق ونشر به فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ لأنهم ينمون بالخصب الكائن عنه وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ تقليبها جنوبا وشمالا حارة وباردة وَالسَّحابِ الغيم الْمُسَخَّرِ المذلل بأمر اللّه تعالى يسير إلى\r______________________________\rوهكذا، وقوله في خلق اطلق المصدر وأراد اسم المفعول أي مخلوق هو السموات والأرض، وقد جعل الخازن السماء مع الأرض شيئا واحدا من ثمانية أشياء، وقوله بما ينفع الناس شيء مستقل. قوله: (و ما فيهما من العجائب) أي فعجائب السموات رفعها بلا عمد، وكو الشمس في السماء الرابعة مع إضاءتها لأهل الأرض ونفعها لهم النفع التام، وإضاءة النجوم لأهل الأرض واهتدائهم بها مع كونها ثوابت في العرش وهكذا، وعجائب الأرض مدها وبسطها وتثبيتها بالجبال الرواسي وهكذا قال تعالى: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) وأفرد الأرض ولم يجمعها كالسموات لإتحاد جنسها وهو الماء والتراب واختلاف جنس السموات. قوله: (بالذهاب والمجيء) أشار بذلك إلى وجه اختلافهما. ومن جملة عجائب الليل كونه مقمرا أو مظلما وكونه طويلا على أناس دون غيرهم، ومن جملة عجائب النهار طوله على أناس دون غيرهم، فقد يكون الفجر عند قوم هو العصر عند آخرين وغير ذلك، وقدم الليل على النهار لأنه سابقه على الأصح لأن الظلمة سابقة على النور وقيل يسبق النهار وينبني على هذا الخلاف فائدة وهي أن الليلة تابعة لليوم قبلها أو لليوم بعدها فعلى الصحيح تكون الليلة تابعة لليوم بعدها، وعلى مقابله تكون تابعة لليوم قبلها، فيوم عرفة مستثنى على القول الأول لأنه تابع لليلة بعده، ولا يرد قوله تعالى: (وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ) لأن المعنى ليس الليل يسبق النهار بحيث يأتي قبل انقضاء النهار بل كل يلزم الحد الذي حده اللّه له.\rقوله: وَالْفُلْكِ يستعمل مفردا وجمعا بوزن واحد والتغاير بالوصف، يقال فلك مشحونة وفلك مشحونات. قوله: الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ أي يسيرها اللّه بالريح مقبلة ومدبرة، قال تعالى: (وَ مِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ). قوله: (و لا ترسب) أي لا تسقط لأسفل. قوله: (موقرة) أي حاملة للإثقال.\rاشار به إلى أن قوله بما ينفع الناس متعلق بمحذوف هو الشيء الرابع قوله: بِما يَنْفَعُ النَّاسَ أي ومن جملة منافعهم اتصال الأقطار بعضها ببعض من حيث انتفاعهم بما في القطر الآخر من الزروع وغيرها، فلو لا تسخير السفن لاستقل كل قطر بما فيه وضاق على الناس معاشهم. قوله: مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ من الأولى ابتدائية والثانية يصح أن تكون بيانية أو للتبعيض.\rقوله: فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ أي أظهر ما فيها من النضارة والبهجة. قال تعالى: (وَ مِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). قوله: (لأنهم ينمون بالخصب) أي فإذا كثرت المراعي شبعت البهائم فيأتي منها النسل، وإذا كثرت الأقوات شبعت الناس فتأتي منهم الذرية. قوله: (و شمالا) هي ما جاءت من جهة القطب والجنوب ما قابلتها، والصبا ما جاءت من مطلع الشمس والدبور ما قابلتها. قوله: (حارة وباردة) أي","part":1,"page":98},{"id":98,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 99\rحيث شاء بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ بلا علاقة لَآياتٍ دالات على وحدانيته تعالى لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) يتدبرون وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره أَنْداداً أصناما يُحِبُّونَهُمْ بالتعظيم والخضوع كَحُبِّ اللَّهِ أي كحبهم له وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من\r______________________________\rوتأتي بالخير والشر ففي الحديث «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور»، والحاصل أن الريح تنقسم إلى قسمين رحمة وعذاب، ثم إن كل قسم ينقسم إلى أربعة أقسام ولكل قسم اسم، فأسماء أقسام الرحمة المبشرات والنشر والمرسلات والرخاء، وأسماء أقسام العذاب العاصف والقاصف وهما في البحر والعقيم والصرصر وهما في البر، وقد جاء في القرآن بكل هذه الأسماء، وقد نزل الأطباء كل ريح على طبيعة من الطبائع الأربع، فطبع الصبا الحرارة واليبس وتسميها أهل مصر الشرقية لأن مهبها من الشرق وتسمى قبولا لاستقبالها وجهة الكعبة. وطبع الدبور البرد والرطوبة وتسميها أهل مصر الغربية لأن مهبها من الغرب وهي تأتي من دبر الكعبة، وطبع الشمال البرد واليبس وتسمى البحرية لأنه يسار بها في البحر على كل حال وقلما تهب ليلا، وطبع الجنوب الحرارة وتسمى القبلية لأن مهبها من مقابلة القطب وهي عن يمين مستقبل المشرق وتسميها أهل مصر المريسية وهي من عيوب مصر المعدودة فإنها إذا هبت عليهم سبع ليال استعدوا للأكفان.\rقوله: وَالسَّحابِ أصله طرح شجرة في الجنة جعله اللّه محمولا للريح يسير حيث شاء اللّه، فسيره أعجب من سير المراكب على ظهر البحر. قوله: (بلا علاقة) أي بلا شيء يتعلق به ويحفظه من السقوط.\rقوله: (يتدبرون) أي يتفكرون ويتأملون في عجائب قدرته فيعلمون أنه قادر على كل شيء، فهذا الدليل من تمسك به وأتقنه كفاه في عقائد إيمانه، وأما المقلد فهو من لم يحضر العلماء ولم يجلس بين أيديهم ولا يعرف الأرض من السماء كالبهائم.\rقوله: وَمِنَ النَّاسِ هذه الآية وردت لاستعظام ما وقع من بعض بني آدم من الكفر بعد ثبوت البراهين القطعية، كأن اللّه يقول: اعجبوا لكفر بعض العبيد مع ثبوت الأدلة على وحدانيته تعالى، والجار والمجرور خبر مقدم، ومن يتخذ مبتدأ مؤخر، وهو اسم موصول وما بعد صلته أو نكرة موصوفة وما بعده صفة. قوله: مِنْ دُونِ اللَّهِ هي في الأصل ظرف مكان للمكان الأدنى، يقال: جلس فلان في مكان دون مكان زيد يعني أدنى منه، ثم أطلق الدون، وأريد الغيرية من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم لكن صار حقيقة عرفية في الغير.\rقوله: أَنْداداً مفعول يتخذ وقوله يحبونهم صفة لأندادا، وفاعل يحبونهم عائد على من باعتبار المعنى وأفرد في يتخذ مراعاة للفظ. قوله: (أي كحبهم له) أي كحب المشركين فقد سووا في المحبة بين اللّه والأنداد، ويحتمل أن المعنى كحب المؤمنين للّه فمحبة المشركين للأصنام كمحبة المؤمنين للّه وهو الأقرب، واستشكل الأول بأنه لا يتأتى من عاقل التسوية في المحبة بين من يخلق ومن لا يخلق، أجاب المفسر بأن المراد بالحب التعظيم والخضوع وليس المراد الحب الحقيقي، فإن كل إنسان جبل على محبة خالقه. قوله:\rأَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ أي فقد انفرد المؤمنون بمحبة اللّه، وأما محبة مثل الأنبياء والأولياء فمن المحبة للّه، إن قلت إن الكفار كذلك يحبون الأنداد ليقربوهم إلى اللّه زلفى فيقتضي أنها أيضا من المحبة للّه. أجيب بأنهم","part":1,"page":99},{"id":99,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 100\rحبهم للأنداد لأنهم لا يعدلون عنه بحال ما والكفار يعدلون في الشدة إلى اللّه وَلَوْ يَرَى تبصر يا محمد الَّذِينَ ظَلَمُوا باتخاذ الأنداد إِذْ يَرَوْنَ بالبناء للفاعل والمفعول يبصرون الْعَذابَ لرأيت أمرا عظيما وإذ بمعنى إذا أَنَ أي لأن الْقُوَّةَ القدرة والغلبة لِلَّهِ جَمِيعاً حال وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (165) وفي قراءة يرى بالتحتانية والفاعل ضمير السامع وقيل الذين ظلموا فهي بمعنى يعلم وأن وما بعدها سدت مسد المفعولين وجواب لو محذوف والمعنى لو علموا في الدنيا شدة عذاب اللّه وأن القدرة للّه وحده وقت معاينتهم له وهو يوم القيامة لما اتخذوا من دونه أندادا\r______________________________\rكفروا بعبادتهم لهم لا بمجرد المحبة ففرق بين المحبة والعبادة، فلا يعبد إلا اللّه لا غيره، بخلاف المحبة من أجل كون ذلك المحبوب مقربا مثلا من اللّه كالأنبياء والأولياء ولذلك من عبدهم فقد كفر. قوله: (لأنهم لا يعدلون عنه بحال) أي فهذا وجه الأشدية. وحاصل ما قرره المفسر أن المشركين سووا الأنداد في المحبة باللّه، والمؤمنين انفردوا بمحبة اللّه، ومع ذلك فهي أشد من محبة المشركين للأنداد، وقرر غيره أن قوله تعالى: (أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) أي من جهة أن المحبة من الطرفين، فالمؤمنون يحبون اللّه ويحبهم اللّه، وأما المشركون فلا يخلو إما أن يكون معبودهم عاقلا أم لا فالأول يلعنهم ولا يحبهم، والثاني لا يوصف بحب ولا بغض على أنه يصير حصبا لهم في نار جهنم بعذبون به، فمحبة اللّه للعبد سابقة على محبة العبد للّه، لأن اللّه هو الخالق للخير والهدى في القلوب، فحيث خلق اللّه في قلب الشخص النور والهدى والمحبة وفق العبد للرضا عنه ومحبته له وامتثاله أمره ونهيه، ولذا قال بعض العارفين:\rأيها المعرض عنا ... إن إعراضك منا\r\rلو أردناك جعلنا ... كل ما فيك يردنا\r\rوإنما قال أشد حبا ولم يقل أحب، لأن اسم التفضيل لا يصاغ من الفعل المبني للمجهول، وحيث اختل منه شرط توصل له بأشد أو أشدد. قوله: الَّذِينَ ظَلَمُوا أظهر في محل الإضمار زيادة في التشنيع عليهم، والمراد بالظلم الكفر. قوله: (باتخاذ الأنداد) الباء للسببية ومفعول ظلموا محذوف تقديره أنفسهم. قوله: (يبصرون) على القراءة الأولى هو بضم الياء مع سكون الباء وكسر الصاد، وعلى الثانية بضم الياء وفتح الباء مع تشديد الصاد. قوله: الْعَذابَ مفعول لقوله يرون. قوله: (لرأيت أمرا عظيما) هذا هو جواب لو الشرطية. قوله: (إذ بمعنى إذا) جواب عن سؤال وهو أن إذ ظرف للماضي ورؤية العذاب مستقبل فالمحل لإذا فأجاب بذلك أو أنه نزل المستقبل منزلة الماضي لتحقق الحصول. قوله: (أي لأن) أشار بذلك إلى أنه علة لجواب لو أي رأيت أمرا عظيما لكون القوة جميعها للّه، فلا تخش من إمهالهم الفوات والهروب.\rقوله: وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ هذا لدفع توهم الكافر أنه وإن كانت له القوة جميعا يمكن أن يسامح في ذلك فقال إن اللّه شديد العذاب. قوله: (قيل ضمير السامع) أي والذين ظلموا مفعوله والجواب محذوف تقديره لرأى أمرا فظيعا. قوله: (فهي بمعنى يعلم) أي فتنصب مفعولين. قوله: (و أن) أي الأولى. قوله: (سدت مسد المفعولين) أي فهذا موجب فتحها، ويوجب فتحها أيضا تأويلها بمصدر.\rقوله: (و المعنى) أي على هذا الوجه الأخير. قوله: (وقت معاينتهم) هذا تفسير لإذ. قوله: (لما اتخذوا)","part":1,"page":100},{"id":100,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 101\rإِذْ بدل من إذ قبله تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا أي الرؤساء مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أي أنكروا إضلالهم وَقد رَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ عطف على تبرأ بِهِمُ عنهم الْأَسْبابُ (166) الوصل التي كانت بينهم في الدنيا من الارحام والمودة وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً رجعة إلى الدنيا فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ أي المتبوعين كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا اليوم، ولو للتمني ونتبرأ جوابه كَذلِكَ أي كما أراهم شدة عذابه وتبرأ بعضهم من بعض يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ السيئة حَسَراتٍ حال ندامات عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) بعد دخولها. ونزل فيمن حرم السوائب ونحوها يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا حال طَيِّباً صفة موكدة أي مستلذا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ طرق الشَّيْطانِ أي تزيينه إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) بين العداوة إِنَّما يَأْمُرُكُمْ\r______________________________\rهذا هو جواب الشرط. قوله: (أي الرؤساء) أي كفرعون والنمروذ وعبد اللّه بن سلول وحيي بن أخطب وغيرهم. قوله: (أي أنكروا إضلالهم) أي قالوا يا ربنا لم نضل هؤلاء بل ضلوا في أنفسهم وكفروا بإرادتهم. قوله: (عنهم) أشار بذلك إلى أن الباء بمعنى عن على حد (فسئل به خبيرا). قوله: (من الأرحام) قال تعالى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ). قوله: (و نتبرأ جوابه) أي فهو منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية.\rقوله: كَذلِكَ أي يتحاجون ولا تنفعهم المحاججة. قوله: (و تبرأ بعضهم) معطوف على أراهم أي مثل ما أراهم شدة العذاب ومثل ما تبرأ بعضهم يريهم. قوله: أَعْمالَهُمْ أي جزاءها. قوله:\r(حال) أي من أعمالهم. قوله: (ندامات) جمع ندامة. قوله: (و نزل فيمن حرم السوائب) أي وهم قبائل العرب حرموا أمورا لم يرد تحريمها من الشرع، والسوائب جمع سائبة والمراد بها في عرف الجاهلية الناقة أو البعير المنذورة للصنم، كان يقول الواحد منهم: إن قدمت من سفري فناقتي أو بعيري سائبة للأصنام، فتصير لا ملك لأحد عليها ولا تؤكل وإن ذكيت. قوله: (و نحوها) أي كالبحيرة والوصيلة والحام، فالبحيرة هي المنذورة اللبن للأصنام، والوصيلة التي تبكر بالأنثى ثم تتبعها بالأنثى فإن الأم صارت عتيقة الأصنام لا يحمل عليها ولا يؤكل لبنها ولا لحمها، والحام فحل الإبل يضرب مدة في الإبل معلومة فإذا استوفاها صار عتيقا للأصنام، وسيأتي إيضاح ذلك.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ هذا خطاب لأهل مكة ولا ينافيه كون السورة مدنية فإن ذلك من حيث النزول. قوله: مِمَّا فِي الْأَرْضِ من للتبعيض لأن بعض ما في الأرض لا يجوز أكله، كالحجارة والخنزير وما ورد تحريمه. قوله: (صفة مؤكدة) أي فمعنى الطيب الحلال، وقوله: (أي مستلذا) أي لنفس المؤمن وهو ما عدا الحرام، هكذا في نسخة، وفي نسخة أخرى أو مستلذا وهي أولى فعليها هو صفة مخصصة، فإن الحلال بعضه غير مستلذ كالصبر والمر، وبعضه مستلذ كالسمن والعسل، والحاصل أنه إن أريد بالمستلذ الشرعي وهو ما عدا الحرام فالصفة مؤكدة ويناسبها نسخة أي مستلذا، وإن أريد به المستلذ الطبعي أي الذي لا يمجه الطبع فالصفة مخصصة ويناسبها نسخة أو مستلذا. قوله: خُطُواتِ بسكون الطاء وضمها قراءتان سبعيتان، وقرأ أبو السماك بفتح الخاء والطاء. قوله: (أي تزيينه) أي فأطلق الخطوات التي هي ما بين القدمين وأراد التزيين، والجامع بينهما الإتباع في كل. قوله: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ","part":1,"page":101},{"id":101,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 102\rبِالسُّوءِ الإثم وَالْفَحْشاءِ القبيح شرعا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (169) من تحريم ما لم يحرم وغيره وَإِذا قِيلَ لَهُمُ أي الكفار اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ من التوحيد وتحليل الصيبات قالُوا لا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا وجدنا عَلَيْهِ آباءَنا من عبادة الأصنام وتحريم السوائب والبحائر، قال تعالى أَيتبعونهم وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من أمر الدين وَلا يَهْتَدُونَ (170) إلى حق والهمزة للإنكار وَمَثَلُ صفة الَّذِينَ كَفَرُوا ومن يدعوهم\r______________________________\rهذا علة للنهي عن ابتاع تزيينه. قوله: (بين العداوة) أي للصالحين، وأما غيرهم فلا يظهر عداوته لمصاحبتهم له، ويقرب ذلك البيت الذي فيه النور فإنه يبين فيه كل مؤذ بخلاف غيره.\rقوله: إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ هذا كالعلة لقوله إنه لكم عدو مبين، والسوء اسم جامع لما يغضب اللّه كان فيه حد أو لا سمي بذلك لأنه بسوء صاحبه، فعطف الفحشاء عليه من عطف الخاص على العام لأن المراد بها الكبائر، وكلام المفسر يريد أن السوء والفحشاء مترادفان وكل صحيح. قوله: وَأَنْ تَقُولُوا معطوف على السوء أي وقولهم على اللّه. قوله: (من تحريم ما لم يحرم) أي كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وقوله: (و غيره) أي كاتخاذ أنداد غير اللّه. قوله: (من التوحيد) أي فلا تعبدوا إلا اللّه ولا تشركوا به شيئا. قوله: (و تحليل الطيبات) أي كالبحائر والسوائب والوصيلة والحام وهو لف ونشر مرتب، فإن قوله من التوحيد راجع لقوله ومن الناس من يتخذ من دون اللّه أندادا، وقوله وتحليل الطيبات راجع لقوله يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا.\rقوله: قالُوا (لا) أي لا تتبع ما أنزل اللّه، وقوله بل نتبع بل للإضراب الإبطالي وهو معطوف على جملة محذوفة، أشار لها المفسر بتقدير لا قيل كل اضراب في القرآن انتقالي أي يفيد الإنتقال من قصة إلى قصة إلا هذه، وإلا بل في قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، فمحتمل للأمرين، فإن اعتبرت قوله أم يقولون افتراء كان انتقاليا، وإن اعتبرت افتراء وحده كان ابطاليا. قوله:\r(وجدنا) إن كانت وجد بمعنى أصاب نصبت مفعولا واحدا وهو آباؤنا وقوله عليه ظرف لغو متعلق بألفينا، وإن كانت بمعنى علم نصبت مفعولين عليه وآباؤنا. قوله: (من عبادة الأصنام) راجع للفريق الأول، وقوله تحريم السوائب إلخ راجع للفريق الثاني، فهو لف ونشر مرتب. قوله: أَ(يتبعونهم) أشار بذلك إلى أن الهمزة للإنكار داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، والجملة حالية فالواو للحال أيضا. قوله: وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً أي فهم تابعون لهم سواء ظهر لهم عقل آبائهم وهداهم أو شكوا في ذلك، بل ولو ظهر لهم عدم عقلهم وعدم هداهم. قوله: (و الهمزة للإنكار) أي والتوبيخ والتعجب، والمعنى لا يليق منك بذلك.\rقوله: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي المدعوين وقوله: (و من يدعوهم) أي كالأنبياء فقد حذف الداعي من هنا وذكر ما يدل عليه بقوله كمثل الذي ينعق، والمعنى أن مثل الكفار في عدم سماع المواعظ والآيات والبراهين القطيعة ومثل داعيهم وهو النبي في تكرار المواعظ والآيات، كمثل راع يرشد البهائم الوحشية بصوته إلى مصالحها، فكما أن البهائم الوحشية لا ينفع فيها الصوت ولا تفهمه ولا تعقل معناه، بل لا يرشدها إلا الضرب مثلا، كذلك الكفار لا تنفع فيهم المواعظ والآيات، بل جزاؤهم في الدنيا","part":1,"page":102},{"id":102,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 103\rإلى الهدى كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ يصوت بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً أي صوتا ولا يفهم معناه أي هم في سماع الموعظة وعدم تدبرها كالبهائم تسمع صوت راعيها ولا تفهمه هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171) الموعظة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ حلالات ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ على ما أحل لكم إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ أي أكلها إذ الكلام فيه وكذا ما بعدها وهي ما لم يذكّ شرعا وألحق بها بالسنة ما أبين من حي وخص\r______________________________\rالسيف وفي الآخرة النار وعذابها. قوله: بِما لا يَسْمَعُ الباء بمعنى على. قوله: وَنِداءً عطف مرادف. قوله: (كالبهائم) أي الوحشية وإلا فالإنسية ربما تسمع صوت راعيها وتنزجر به. قوله: (هم) صُمٌ أشار بذلك إلى أن صم وما عطف عليه خبر لمبتدأ محذوف، وقوله صم أي لا يسمعون المواعظ ولا ينزجرون بها، وقوله: بُكْمٌ أي لا ينطقون بالحق، وقوله عمي أي لا ينظرون الهدى ولا يتبعونه وإن كانت صورة الحواس موجودة. قوله: فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ نتيجة ما قبله.\rتنبيه: ما حل به المفسر هذه الآية هو أظهر التفاسير لأنهم اختلفوا في ذلك فمنهم من قال مثل ما قال المفسر، ومنهم من قال إن المثل مضروب لتشبيه الكافر في دعائه للأصنام بالناعق على البهائم، ومنهم من قال غير ذلك.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا جرت عادة اللّه في كتابه غالبا ومناداة أهل مكة بيا أيها الناس، ومناداة أهل المدينة بيا أيها الذين آمنوا. قوله: (حلالات) أي مستلذة كانت أو لا أو المراد المستلذات وتقدم ذلك، ويطلق الطيب في المأكولات على الطاهر، قال تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) * وقوله من طيبات من تبعيضية في موضع المفعول، والأمر للوجوب بالنسبة لإقامة البنية، وللندب بالنسبة للإستعانة على أمور مندوبة، وللإباحة إن كان تفكها أو تبسطا. قوله: ما رَزَقْناكُمْ يصع أن تكون ما مصدرية أي من طيبات رزقنا إياكم أو اسم وصول. والجملة صلة أو نكرة موصوفة والجملة صفة أي من طيبات الشيء الذي رزقناكموه، أو شيء رزقناكموه ويؤخذ من ذلك أن ذلك الرزق بعضه حلال وبعضه غير حلال وهو مذهب أهل السنة، قال في الجوهرة:\rفيرزق اللّه الحلال فاعلما ... ويرزق المكروه والمحرما\r\rقوله: وَاشْكُرُوا لِلَّهِ أي اعتقدوا أن النعم صادرة لكم من اللّه، وهو بذلك المعنى واجب وإنكاره كفر، أو المعنى راقبوا في كل لحظة أن كل نعمة من اللّه وهو بهذا المعنى مندوب لأن هذا مقام الخواص.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إن شرطية وكنتم فعل الشرط، والتاء اسمها وجملة تعبدون خبرها وإياه مفعول تعبدون قدم رعاية للفواصل وللحصر، وجواب الشرط محذوف دل عليه الأمر أي فكلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا اللّه.\rقوله: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ المقصود من هذا الحصر الرد على من حرم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وعلى من أحل بعض المحرمات فالحصر إضافي. قوله: (و هو ما لم يذك شرعا) أي إما لكونها لا تعمل فيه أصلا كالبغال والحمير أو تعمل فيه ولكن لم يذك كالأنعام إجماعا والخيل على مذهب الشافعي. قوله: (ما أبين من حي) أي فهو ميتة. قوله: (و خص منها السمك والجراد) أي لما في الحديث","part":1,"page":103},{"id":103,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 104\rمنها السمك والجراد وَالدَّمَ أي المسفوح كما في الأنعام وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ خص اللحم لأنه معظم المقصود وغيره تبع له وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي ذبح على اسم غيره والاهلال رفع الصوت وكانوا يرفعونه عند الذبح لآلهتهم فَمَنِ اضْطُرَّ أي ألجأته الضرورة إلى أكل شيء مما ذكر فأكله غَيْرَ باغٍ خارج على المسلمين وَلا عادٍ متعد عليهم بقطع الطريق فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في أكله إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لأوليائه رَحِيمٌ (173) بأهل طاعته حيث وسع لهم في ذلك وخرج الباغي والعادي ويلحق بهما كل عاص بسفره كالآبق والمكاس فلا يحل لهم أكل شيء من ذلك ما لم يتوبوا، وعليه الشافعي إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ المشتمل على نعت محمد\r______________________________\r«أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال» وإنما أحل الكبد والطحال المنفصلان من الحيوان بعد ذكاته شرعا لكونهما ليسا من الدم المسفوح. قوله: (أي المسفوح) أي ولو من سمك خلافا لأبي حنيفة، ومن هنا اختلف في الفسيخ فقال الأئمة الثلاثة: محرمة أكله وبيعه لشرب بعضه من دم بعض حين تكديسه، وقال أبو حنيفة بطهارته لأنه لا دم له أصلا، وإنما الذي ينزل منه دهن لا دم بدليل أنه لو نشف لصار أبيض لا أحمر، وقال أستاذنا العارف باللّه تعالى شيخنا الشيخ الدردير الذي أدين اللّه به أن الفسيخ بجميع أجزائه طاهر يجوز أكله، وأما لو نشف بحيث لم يسل منه دم كالسمك المالح فهو طاهر حلال بإجماع. قوله: (كما في الأنعام) أي في سورة الأنعام في قوله تعالى: (قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً) الآية، فما هنا يقيد بما هناك.\rقوله: وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ أي البر إنسيا أو وحشيا، وأما البحري فهو حلال وكلبه كذلك. قوله:\r(و غيره تبع له) ظاهره حتى الشعر ولكن مذهب مالك حل لبسه والانتفاع. قوله: (و الإهلال رفع الصوت) أي قد سمي الشيء باسم صاحبه، ولذلك يقال استهل المولود بمعنى صاح عند الولادة وسمي الهلال بذلك لرفع الصوت عند رؤيته. قوله: فَمَنِ اضْطُرَّ هذا كالإستدراك على عموم قوله: (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ). قوله: غَيْرَ باغٍ حال من الضمير في اضطر. قوله: (لأوليائه) أي الذين أكلوا عن اضطرار. قوله: (حيث وسع لهم في ذلك) أي فأباح لهم أكلها والشبع منها حيث كانت المخمصة دائمة، وأجمعت الأئمة على ذلك، واختلفوا إذا لم تدم المخمصة فرجح مالك الشبع والتزود وذكره غيره قولين، وعلى كل فإذا استغنى عنها طرحها ويقدم الميتة وما أهل لغير اللّه في الأكل على لحم الخنزير. قوله: (و عليه الشافعي) أي فمذهب الشافعي أن العاصي بسفره لا يأكل من الميتة إلا إن تاب، وأما مذهب مالك وأبي حنيفة أن العاصي بسفره له الأكل من الميتة وإن لم يتب، وفسر قوله غير باغ أي غير طالب الميتة وما معها وهو يجد غيرها وغير عاد أي متعد ما أحل اللّه وقيل غير مستحل لها.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ نزلت هذه الآية في حق علماء اليهود، وقد كانوا يأخذون من سفلتهم مالا، وكانوا يودون أن نبي آخر الزمان يكون منهم، فلما بعث رسول اللّه من غيرهم خافوا أن رئاستهم تذهب بسبب ظهوره واتباع سفلتهم له، فينقطع ما كان يصلهم من سفلتهم فغيروا صفته وصفة أصحابه وبلده حرصا على الرياسة وعلى ما كانوا يأخذونه من سفلتهم، قال تعالى:\r(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ). قوله: (المشتمل على","part":1,"page":104},{"id":104,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 105\rوهم اليهود وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا من الدنيا يأخذونه بدله من سفلتهم فلا يظهرونه خوف فوته عليهم أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ لأنها مآله وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ غضبا عليهم وَلا يُزَكِّيهِمْ يطهرهم من دنس الذنوب وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (174) مؤلم، هو النار أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى أخذوها بدله في الدنيا وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ المعدة لهم في الآخرة لو لم يكتموا فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) أي ما أشد صبرهم وهو تعجيب للمؤمنين من ارتكابهم موجباتها من غير مبالاة وإلا فأي صبر لهم ذلِكَ الذي ذكر من أكلهم النار وما بعدها بِأَنَ بسبب أن اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِ متعلق بنزل فاختلفوا فيه حيث آمنوا ببعضه وكفروا\r______________________________\rنعت محمد) أي فالكتاب مشتمل على أمور كثيرة، منها نعت محمد ومنها غيره، فالمغير إنما هو المشتمل على نعت محمد لا جميع ما في الكتاب. قوله: (يأخذونه بدله) أي يأخذون الثمن بدل الكتمان، بمعنى أن الحامل لهم على الكتمان إنما هو العرض الفاني الذي يأخذونه من سفلتهم، وليس المراد أنهم قالوا لهم خذوا هذا المال واكتموا وصف محمد. قوله: (خوف فوته) أي الأمر الدنيوي عليهم. قوله: إِلَّا النَّارَ أي سببها كما يشير له قول المفسر لأنها مآله أي مأواه وعاقبة أمره ففيه مجاز الأول.\rقوله: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ أي كلام رضا بل يكلمهم كلام غضب. قوله: (غضبا عليهم) أي من أجل غضبه عليهم أي طرده لهم وإبعادهم عن رضاه. قوله: (يطهرهم من دنس الذنوب) أو المعنى لا يشهد لهم بالطهارة يوم القيامة قوله: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ هذا بيان حالهم في الآخرة وهو عدم كلام اللّه لهم المترتب على كتمانهم، وعدم طهارة اللّه لهم المترتب على اشترائهم ثمنا قليلا، والعذاب الأليم المترتب على أكلهم سبب النار.\rقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا هذا بيان لحالهم في الدنيا. قوله: بِالْهُدى الباء داخلة على المتروك أي فقد تركوا الهدى وأخذوا الضلالة بدله. قوله: (لو لم يكتموا) لو شرطية وجوابها محذوف تقديره ما اشتروا العذاب بالمغفرة. قوله: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ الأحسن أن ما نكرة تامة مبتدأ والجملة بعدها في محل رفع خبر، والمعنى أي شيء أصبرهم على النار فأصبر فعل تعجب والفاعل مستتر وجوبا والهاء مفعول وقيل استفهامية فيها معنى التعجب والإعراب واحد، وقيل اسم موصول وما بعدها صلتها والخبر محذوف، وقيل نكرة موصوفة وما بعدها صفتها والخبر محذوف. قوله: (أي ما أشد صبرهم) هذا حل معنى لا إعراب. قوله: (و هو تعجيب للمؤمنين) جواب عن سؤال مقدر، حاصله أن التعجب هو استعظام شيء خفي سببه وذلك مستحيل على اللّه تعالى لأنه لا يخفى عليه خافية، فأجاب بأن التعجب واقع من المؤمنين، فالمعنى تعجبوا أيها المؤمنون من صبر هؤلاء على موجبات النار التي من جملتها الكتمان وأخذهم الثمن القليل وغير ذلك من غير مبالاة قوله: (و إلا فأي صبر لهم) أي وإلا نقدر موجبات بل لو أبقينا الكلام على ظاهره فلا يصح ذلك لأنه ليس لأحد صبر على ذات النار. قوله: (الذي ذكر) أي وهو أمور ستة: أكلهم سبب النار وعدم كلام اللّه وعدم تزكيته لهم والعذاب الأليم واشتراؤهم الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة.\rقوله: نَزَّلَ الْكِتابَ المراد به التوراة باتفاق المفسرين، وإنما الخلاف في الكتاب الثاني. قوله:","part":1,"page":105},{"id":105,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 106\rببعضه بكتمه وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ بذلك وهم اليهود وقيل المشركون في القرآن حيث قال بعضهم شعر وبعضهم سحر وبعضهم كهانة لَفِي شِقاقٍ خلاف بَعِيدٍ (176) عن الحق لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ في الصلاة قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ نزل ردا على اليهود والنصارى حيث زعموا ذلك وَلكِنَّ الْبِرَّ أي ذا البر وقرىء بفتح الباء أي البار مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ أي الكتب وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى مع حُبِّهِ له ذَوِي\r______________________________\r(فاختلفوا فيه) قدره المفسر لتمام الفائدة وإلا فالسبب ليس نزول الكتاب بالحق فقط. قوله: (و كفروا ببعضه) أي فما وافق هواهم آمنوا به وما خالفه كتموه وقالوا لم ينزله ربنا. قوله: (و هم اليهود) أي فالمراد بالكتاب التوراة والآية من تمام ما قبلها. قوله: (و قيل المشركون) أي فهو كلام مستأنف والكتاب هو القرآن. قوله: (حيث قال بعضهم شعر) هذا هو وجه الإختلاف. قوله: بَعِيدٍ (عن الحق) أي فمن آمن بالبعض وكفر بالبعض لم يصادف الحق بل هو بعيد عنه، ومن قال من المشركين إنه شعر أو سحر أو كهانة أو غير ذلك لم يصادف الحق بل هو بعيد عنه، وبهذه الآية تم الرد على جميع من كفر كان من اليهود أو المشركين.\rقوله: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ هذا ابتداء نصف السورة الثاني وهو متعلق بتبيين غالب أحكام الدين، وأما النصف الأول فهو متعلق بأصول الدين وقبائح اليهود، والبر بالنصب والرفع قراءتان سبعيتان، فمن نصب جعله خبرا لليس مقدما وأن تولوا في تأويل مصدر اسمها مؤخر، ومن رفع جعله اسمها وأن تولوا خبرها، والبراسم جامع لكل خير، كما أن الإثم اسم جامع لكل شر. قوله: (نزل ردا على اليهود والنصارى) أي فقد زعم النصارى أن البر في استقبال جهة طلوع الشمس، وزعم اليهود أن البر في استقبال بيت المقدس، فالمراد بالمغرب ما عدا المشرق فيشمل جهة الشمال وقيل بكسر القاف وفتح الباء ظرف مكان معناه جهة، وقيل نزلت ردا على المسلمين وكانوا في صدر الإسلام أمروا بالإيمان باللّه والصلاة فقط لأي جهة كانت، فالمعنى ليس البر كما تعتقدون أنه مقصور على الإيمان والصلاة فقط بل هو من جميع هذه الخصال والأظهر الأول. قوله: (أي ذا البر) قدر ذا إشارة إلى أن من اتصف بهذه الخصال يسمى بارا لا برا، وبالجملة يقال فيه ما قيل في زيد عدل وقيل إن برا اسم فاعل أصله برر نقلت كسرة الراء إلى الباء ثم أدغمت إحدى الراءين في الأخرى.\rقوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ أي صدق بقلبه ونطق بلسانه أن اللّه يجب له كل كمال ويستحيل عليه كل نقص. قوله: وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي ما يتعلق به من الحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار وما فيهما من الثواب والعقاب. قوله: وَالْمَلائِكَةِ أي بأنهم عباد مكرمون، أجسام نوارنية لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة، لا يعصون اللّه ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. قوله: (أي الكتب) أي المنزلة من عند اللّه على أنبيائه. قوله: وَالنَّبِيِّينَ أي إجمالا في الإجمالي وتفصيلا في التفصيلي، فيجب الإيمان بخمسة وعشرين منهم وهم المذكورون في القرآن. قوله: (مع) حُبِّهِ (له) أي المال بأن يعطيه مع كونه يحبه لنفسه، ويحتمل أن المعنى مع حبه للّه أي يعطي المال مع كونه يحب اللّه، وكل صحيح.\rقوله: (القرابة) أي فإعطاء الأقارب مقدم لأن فيه قربتين الصدقة وصلة الرحم.","part":1,"page":106},{"id":106,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 107\rالْقُرْبى القرابة وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ المسافر وَالسَّائِلِينَ الطالبين وَفِي فك الرِّقابِ المكاتبين والأسرى وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ المفروضة وما قبله في التطوع وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا اللّه أو الناس وَالصَّابِرِينَ نصب على المدح فِي الْبَأْساءِ شدة الفقر وَالضَّرَّاءِ المرض وَحِينَ الْبَأْسِ وقت شدة القتال في سبيل اللّه أُولئِكَ الموصوفون بما ذكر الَّذِينَ صَدَقُوا في إيمانهم أو ادعاء البر وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) اللّه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ فرض عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ المماثلة فِي الْقَتْلى وصفا وفعلا الْحُرُّ يقتل بِالْحُرِّ ولا يقتل بالعبد وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى وبينت السنة أن الذكر يقتل بها وأنه\r______________________________\rقوله: وَالْيَتامى أي الفقراء منهم وهم من مات أبوهم قبل بلوغهم. قوله: وَالْمَساكِينَ المراد ما يشمل الفقراء وهم المحتاجون. قوله: (المسافر) أي الغريب ولو مليئا ببلده. قوله: (الطالبين) أي مطلقا لما في الحديث: «أعطوا السائل ولو جاء على فرس». قوله: (المكاتبين) أي ليستعينوا على فك رقابهم من الرق. قوله: (و الأسرى) أي ليستعينوا على خلاص أنفسهم من الكفرة. قوله: (المفروضة) أي ومن المعلوم أن لها أصنافا مذكورة في الفقه تصرف لها.\rقوله: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ أي وهم من إذا وعدوا أنجزوا، وإذا نذروا أوفوا، وإذا حلفوا لم يحنثوا في أيمانهم، وإذا قالوا صدقوا في أقوالهم، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، والموفون معطوف على من آمن، التقدير ولكن البر المؤمنون والموفون. قوله: (نصب على المدح) أي بفعل محذوف تقديره وأمدح الصابرين وخصهم بالذكر، لأن الصبر يزين العبادة وتركه يشينها. قوله: (شدة الفقر) أي فلا يشكون لأحد غير اللّه لأنه يحب الملحين في الدعاء. قوله: (وقت شدة القتال) أي فلا يفر من الأعداء. قوله: (الموصوفون بما ذكر) أي بجميع هذه الخصال، قال بعضهم: لا تكون هذه الخصال جميعها إلا في الأنبياء، وقال بعضهم لا مانع أن تكون في غيرهم. قوله: (أو دعاء البر) أي فمعنى الصدق هنا الصدق في الأقوال، فإذا أخبروا بشيء فهم صادقون فيه.\rقوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (اللّه) أي الكاملون في التقوى.\rقوله: (فرض) عَلَيْكُمُ إن قلت إن مقتضى الفرض أنه متحتم لا يجوز العدول عنه وهو مخالف لما يأتي. أجيب بأن الفرض بالنسبة لولاة الأمور إذا شح الولي وأبى إلا القتل، فالمعنى يجب عليهم فعل القتل إن شح المولى ولم يعف. وسبب نزول الآية أن رسول اللّه لما دخل المدينة وجد الأوس والخزرج يتفاخران على بعضهم فصاروا يقتلون الأثنين بالواحد والحر بالعبد منهم، فنزلت هذه الآية فآمنوا وأسلموا. قوله: الْقِصاصُ نائب فاعل كتب وقوله في القتلى أي بسببها ففي للسببية على حد «دخلت امرأة النار في هرة حبستها» والقتلى جمع قتيل. قوله: (المماثلة) أي التماثل في الوصف والفعل وهذا هو المراد به هنا، وإلا فالقصاص في الأصل القود وهو قتل القاتل. قوله: (و صفا) أي يشترط التماثل في الوصف بأن يكون مماثلا له في وصفه من حرية وإسلام، وبالجملة فالمدار في القصاص من كون القاتل مثل المقتول أو أدنى، فإن كان أعلى منه إما بالدين أو الحرية فلا قود. قوله: (و فعلا) أي فلو قتل بسيف فإنه يقتل به أو بغيره فبغيره. قوله: (و لا بقتل بالعبد) أي بل يلزمه قيمته ويضرب مائة ويحبس سنة كما بينته السنة.","part":1,"page":107},{"id":107,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 108\rتعتبر المماثلة في الدين فلا يقتل مسلم ولو عبدا بكافر ولو حرا فَمَنْ عُفِيَ لَهُ من القاتلين مِنْ دم أَخِيهِ المقتول شَيْءٌ بأن ترك القصاص منه وتنكير شيء يفيد سقوط القصاص بالعفو عن بعضه ومن بعض الورثة وفي ذكر أخيه تعطف داع إلى العفو وإيذان بأن القتل لا يقطع أخوة الإيمان ومن مبتدأ شرطية أو موصولة والخبر فَاتِّباعٌ أي فعلى العافي اتباع للقاتل بِالْمَعْرُوفِ بأن يطالبه بالدية بلا عنف، وترتيب الاتباع على العفو يفيد أن الواجب أحدهما وهو أحد قولي الشافعي والثاني الواجب القصاص والدية بدل عنه فلو عفا ولم يسمها فلا شيء ورجح وَعلى القاتل أَداءٌ للدية إِلَيْهِ أي العافي وهو الوارث بِإِحْسانٍ بلا مطل ولا بخس ذلِكَ الحكم المذكور من جواز القصاص والعفو عنه على الدية تَخْفِيفٌ تسهيل مِنْ رَبِّكُمْ عليكم وَرَحْمَةٌ بكم حيث وسع في ذلك ولم يحتم واحدا منهما كما حتم على اليهود القصاص وعلى النصارى الدية فَمَنِ اعْتَدى ظلم القاتل بأن قتله بَعْدَ ذلِكَ أي العفو فَلَهُ\r______________________________\rقوله: وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ أي إن طلب سيد المقتول القصاص وإلا فله إما قيمة القاتل أو المقتول أو ذات القاتل، والخيار في ذلك لسيد القاتل. قوله: (و أن الذكر يقتل بالأنثى) أي وبالعكس. قوله:\r(و أنه تعتبر المماثلة) معطوف على أن الذكر مسلط عليه قوله وبينت السنة. قوله: (فلا يقتل مسلم إلخ) أي فالإسلام أعلى من الحرية وعكسه يقتل به. قوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ هذا تقييد لما قبله، وسيأتي للمفسر أن من يصح أن تكون شرطية أو موصولة فالمعنى على الثاني، فالشخص الذي ترك له شيء من دم أخيه فاتباع بالدية بالمعروف، وقرن بالفاء لما في المبتدأ من معنى الشرط وعلى الأول فأي شخص ترك له الخ فقد بطل القتل فلا مطالبة به. قوله: (من القاتلين) بيان لمن.\rقوله: مِنْ (دم) أَخِيهِ أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله: (المقتول) وصف للأخ. قوله: (عن بعضه) أي القصاص ولو شيئا يسيرا كعشرة وذلك كما إذا كان الولي واحدا وعفا عن بعض القصاص. قوله: (و من بعض الورثة) أي ولو كان العافي واحدا من ألف مثلا ولمن بقي نصيبه من الدية. قوله: (تعطف) أي من اللّه. قوله: (لا يقطع أخوة الإيمان) أي خلافا للخوارج القائلين بقطع الإيمان بالمعاصي. قوله: (و الخبر) فَاتِّباعٌ أي جملته من المبتدأ والخبر الذي قدره المفسر بقوله فعلى العافي اتباع.\rقوله: بِالْمَعْرُوفِ الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لاتباع أي اتباع ملتبس بالمعروف.\rقوله: (و ترتيب الإتباع على العفو) أي بعد ذكر وجوب القصاص. قوله: (أن الواجب أحدهما) أي القصاص أو الدية، فالدية واجب مستقل مقابل للقصاص. قوله: (و هو أحد قولي الشافعي) أي ومالك أي فأحد قوليهما أن الواجب أحدهما، فإذا كان عفا على الدية وامتنع من إعطائها فله جبره على الدية ولا يقتل. قوله: (و الثاني الواجب القصاص إلخ) أي فالخيار للأولياء في ثلاثة، إما القصاص أو العفو على الدية أو مجانا، فلو عفوا على الدية وامتنع القاتل من دفعها فللأولياء إما قتله أو العفو مجانا، وهذا هو المرتضى في المذهبين. قوله: (فلا شيء) أي على هذا القول وأما على الأول فيلزمه الدية. قوله: (و العفو عنه لا على الدية) أي أو مجانا كما بينته السنة. قوله: (بأن قتله) بَعْدَ ذلِكَ أي فحيث ترك حقه لا حق له.","part":1,"page":108},{"id":108,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 109\rعَذابٌ أَلِيمٌ (178) مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ أي بقاء عظيم يا أُولِي الْأَلْبابِ ذوي العقول لأن القاتل إذا علم أنه يقتل ارتدع فأحيا نفسه ومن أراد قتله فشرع لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) القتل مخافة القود كُتِبَ فرض عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي أسبابه إِنْ تَرَكَ خَيْراً مالا الْوَصِيَّةُ مرفوع بكتب، ومتعلق إذا إن كانت ظرفية ودال على جوابها إن كانت شرطية وجواب إن أي فليوص لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ بالعدل بأن لا يزيد على الثلث ولا يفضل الغنى حَقًّا مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) اللّه وهذا منسوخ بآية الميراث وبحديث «لا وصية لوارث» رواه الترمذي فَمَنْ بَدَّلَهُ أي الإيصاء من شاهد ووصي بَعْدَ ما سَمِعَهُ علمه فَإِنَّما إِثْمُهُ أي الإيصاء المبدل عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ فيه إقامة الظاهر مقام المضمر إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لقول الموصي عَلِيمٌ (181)\r______________________________\rقوله: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ هذا هو حكمة القصاص. قوله: (بقاء عظيم) أي للقاتل والمقتول. قوله: يا أُولِي الْأَلْبابِ جمع لب وهو العقل الكامل. قوله: (فشرع) تفريع على بيان الحكمة وأخره لتعلق لعلكم تتقون به. قوله: (مخافة القود) أي مخافة أن يقتص منكم. قوله: (أي أسبابه) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، والمراد بأسبابه علاماته كالأمراض الشديدة والجراحات التي يظن منها الموت عادة.\rقوله: إِنْ تَرَكَ خَيْراً شرط في الشرط الذي هو إذا. قوله: (مالا) سماه خيرا إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون حلالا طيبا. قوله: (مرفوع بكتب) أي على أنه نائب الفاعل ولو لم توجد في الفعل علامة التأنيث لوجود الفاعل سيما مع كونه مجازي التأنيث كقولهم طلع في النهار الشمس. قوله:\r(إن كانت ظرفية) أي محضة لم يكن فيها معنى الشرط بل المراد منها الوقت والزمن. إن قلت الوصية إما مصدر أو اسم مصدر والمصدر أو اسمه لا يتقدم معموله عليه. أجيب بأنه يتوسع في الظرف ما لا يتوسع في غيرها. قوله: (و جواب إن) بالجر معطوف على جوابها أي ودالة على جواب إن وقوله أي فليوص هذا هو جواب إذا وإن.\rقوله: لِلْوالِدَيْنِ متعلق بالوصية، وقوله: وَالْأَقْرَبِينَ عطف عام على خاص. قوله:\r(مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله) أي حيث صدر بقوله كتب على حد: زيد أبوك عطوفا، واستشكل بأن المصدر المؤكد لا يعمل مع أنه عامل في قوله على المتقين، فالأحسن أن يجعل مصدرا مبينا للنوع إلا أن يقال يتوسع في الظرف والمجرورات ما لا يتوسع في غيرها لأنه يكتفي فيها بأي عامل ولو ضعيفا قوله:\r(و هذا منسوخ) أي الحكم لا التلاوة فحكمها حكم القرآن. قوله: (بآية الميراث) أي قوله تعالى:\r(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) الآيات. قوله: (لا وصية لوارث) صدره إن اللّه أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية إلخ. قوله: (أي الإيصاء) أي أو المعروف أو الوصية. قوله: (من شاهد ووصي) بيان لمن. قوله: (علمه) أي ولو لم يسمعه من الموصي. قوله: (أي الإيصال المبدل) أو المعروف. قوله: (فيه إقامة الظاهر إلخ) أي مع مراعاة معنى من، ولو راعى لفظها لقال على الذي بدله، ولو أضمر لقال عليه.","part":1,"page":109},{"id":109,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 110\rبفعل الوصي فمجاز عليه فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ مخففا ومثقلا جَنَفاً ميلا عن الحق خطأ أَوْ إِثْماً بأن تعمد ذلك بالزيادة على الثلث أو تخصيص غنى مثلا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ بين الموصي والموصى له بالعدل فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في ذلك إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ فرض عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأمم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) المعاصي فإنه يكسر الشهوة التي هي مبدؤها أَيَّاماً نصب بالصيام أو بصوموا مقدرا مَعْدُوداتٍ أي قلائل أو مؤقتات بعدد معلوم وهي رمضان كما سيأتي وقلله تسهيلا على المكلفين فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ حين شهوده مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ أي مسافرا سفر القصر وأجهده الصوم في الحالين فأنظر فَعِدَّةٌ فعليه عدة ما أفطر مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يصومها بدله وَعَلَى\r______________________________\rقوله: فَمَنْ خافَ الأحسن أن هذا الحكم عام فهو غير منسوخ، ويؤخذ هذا من تقديم المفسر قوله وهذا منسوخ عليه. قوله: (مخففا ومثقلا) أي فهما قراءتان سبعيتان والمعنى واحد. قوله:\r(خطأ) حمله على ذلك عطف قوله أو إثما عليه وإلا فالجنف في الأصل الميل عن الحق مطلقا. قوله: (بين الموصي والموصى له) أي إن أدرك وهو حي وحصل إصلاح فالإثم مرتفع وإلا فعليه الإثم ويبطل مما زاد على الثلث.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب للمؤمنين من أهل المدينة لكن المراد العموم قوله:\rالصِّيامُ هو لغة الإمساك ومنه (إني نذرت للرحمن صوما) أي إمساكا عن الكلام ومنه أيضا: خيل صيام وخيل غير صائمة. أي ممسكة عن الجري وغير ممسكة عنه، واصطلاحا الإمساك عن شهوتي البطن والفرج يوما كاملا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التقرب إلى اللّه تعالى. قوله: (من الأمم) أي وأنبيائهم من آدم إلى نبينا لكن لا كصومنا من كل جهة فالتشبه في الفرضية لا الكيفية والثواب وحكمة ذكر التشبيه التأكيد في الأمر والتسلي بمن قبلنا لأن في الصوم نوع صعوبة. قوله: (فإنه يكسر الشهوة) أي لما في الحديث «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» أي قاطع لشهوته كما تنقطع بالخصى. قوله: (نصب بالصوم) أي على أنه ظرف له أي الصيام في أيام، وقوله أو بصوموا مقدرا أي دل عليه قوله الصيام وهو الأحسن.\rقوله: مَعْدُوداتٍ أي أقل من أربعين إذ العادة في لغة العرب متى ذكر لفظ العدد يكون المراد به ذلك. قوله: (أو مؤقتات) هذا هو الأولى ليعلم منه تعيينها، وقيل معنى معدودات معدات للعطايا الربانية، فالصالحون يتهيؤون لها لما في الحديث «إن للّه في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها» وأيضا فيه ليلة خير من الف شهر وغير ذلك من فضائله المشهورة. قوله: (تسهيلا على المكلفين) أي ليقدموا عليها. قال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) الآية. قوله: أَوْ عَلى سَفَرٍ أي ملتبسا به قوله: (في الحالين) أي المرض والسفر وهذا ظاهر بالنسبة للمرض لا للسفر، فإن المسافر يباح له الفطر وإن لم يجهده بالصوم، لكن الصوم أفضل له في هذه الحالة، ولا فرق في السفر بين كونه برا أو بحرا.\rقوله: أُخَرَ بالجمع صفة لأيام ممنوع من الصرف للوصفية والعدل، ولم يقل أخرى مع","part":1,"page":110},{"id":110,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 111\rالَّذِينَ لا يُطِيقُونَهُ لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فِدْيَةٌ هي طَعامُ مِسْكِينٍ أي قدر ما يأكله في يومه وهو مد من غالب قوت البلد لكل يوم وفي قراءة بإضافة فدية وهي للبيان وقيل لا غير مقدرة وكانوا مخيرين في صدر الإسلام بين الصوم والفدية ثم نسخ بتعيين الصوم بقوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) قال ابن عباس: إلا الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على الولد فإنها باقية بلا نسخ في حقهما فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً بالزيادة على القدر المذكور في الفدية فَهُوَ أي التطوع خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا مبتدأ خبره خَيْرٌ لَكُمْ من الافطار والفدية إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) أنه خير لكم فافعلوه تلك الأيام شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر منه هُدىً حال، هاديا من الضلالة لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ\r______________________________\rصحته لتوهم كونه صفة لعدة مع أنه ليس مرادا. قوله: (لا يرجى برؤه) أي كمرض القصبة والجذام.\rقوله: (هي) طَعامُ أشار بذلك إلى أن فدية بالتنوين وطعام خبر لمبتدأ محذوف بيان لفدية. قوله: (و في قراءة بإضافة فدية) أي مع جمع مسكين، وأما الأولى ففيها وجهان الإفراد والجمع. قوله: (و قيل لا غير مقدرة) هذا مقابل ما حل به المفسرد، فعلى الأول الآية محكمة، وعلى الثاني منسوخة. قوله: (بتعيين الصوم) أي ولا يقبل منه فدية بعد ذلك والتارك له جحدا كافر أو كسلا يؤخر لمقدار النية قبل الفجر فإن لم ينو قتل حدا. قوله: (خوفا على الولد) أي فإنهما يقضيان ويفتديان. وأما على أنفسهما فقط أو للولد فإن عليهما القضاء لا غير. قوله: (بالزيادة على القدر المذكور) أي بأن زاد على المذكور وفي عدد المساكين.\rقوله: (مبتدأ) أي مؤول بمصدر تقديره صيامكم. قوله: (فافعلوه) قدره إشارة إلى أن جواب الشرط محذوف.\rقوله: شَهْرُ رَمَضانَ خبر لمبتدأ محذوف قدره المفسر بقوله تلك الأيام، واعلم أن اسماء الشهور أعلام أجناس ورمضان ممنوع من الصرف للعلمية وزياد. الألف والنون لأنه من الرمض وهو الأحراق لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها وسمي الشهر شهرا لاشتهاره لمنافع الناس في دينهم ودنياهم، وسيأتي ايضاحه في قوله تعالى يسئلونك عن الأهلة. قوله: الْقُرْآنُ هو لغة من القرء وهو الجمع واصطلاحا اللفظ المنزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المتعبد بتلاوته للإعجاز بأقصر سورة منه. قوله: (في ليلة القدر منه) أي فقد حوى رمضان مزيتين: نزول القرآن فيه ووجود ليلة القدر به، وليلة القدر به هي المعنية بقوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ). والحاصل أن جبريل تلقاه من اللوح المحفوظ ونزل به إلى السماء الدنيا فأملاه للسفرة فكتبته في الصحف على هذا الترتيب ومقرها بيت العزة في سماء الدنيا، ثم نزل به على النبي في ثلاث وعشرين سنة مفرقا على حسب الوقائع، فجبريل أملى للسفرة ابتداء وتلقى عنها انتهاء، والحكمة في نزوله مفرقا تثبيته في قلبه وتجديد الحجج على المعاندين وزيادة إيمان للمؤمنين، قال تعالى: (وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) وقال تعالى: (وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً) وقال تعالى: (وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا) وتلك الليلة التي نزل فيها القرآن ليلة أربع وعشرين. واعلم أن ليلة القدر تكون في رمضان وقد تنتقل عنه لغيره لكن الغالب كونها في العشر الأواخر منه، والغالب","part":1,"page":111},{"id":111,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 112\rآيات واضحات مِنَ الْهُدى بما يهدي إلى الحق من الأحكام وَمن الْفُرْقانِ مما يفرق بين الحق والباطل فَمَنْ شَهِدَ حضر مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ تقدم مثله وكرر لئلا يتوهم نسخه بتعميم من شهد يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ولذا أباح لكم الفطر في المرض والسفر ولكون ذلك في معنى العلة أيضا للأمر بالصوم\r______________________________\rكونها في الأوتار هذا مذهب مالك، وذهب الشافعي إلى أنها لا تنتقل عن رمضان بل هي ملازمة له، والغالب كونها في العشر الأواخر منه، والغالب كونها في الأوتار خصوصا إذا صادف الوتر ليلة جمعة قوله:\r(هاديا) يصح أن يبقى على مصدريته والوصف به مبالغ، ويصح أن يكون على حذف مضاف أي ذو هدى على حد: زيد عدل قوله: (من الضلالة) أي الكفر.\rقوله: وَبَيِّناتٍ معطوف على هدى من عطف الخاص على العام، لأن الهدى بعضه ظاهر واضح كآية الكرسي والإخلاص وغير ذلك، وبعضه غير واضح، قال تعالى: (مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ) إلى أن قال: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا)، فالإيمان بكل آية هدى واضحة أو لا. قوله:\rقوله: (مما يفرق بين الحق والباطل) أي فيه آيات بينات مصحوبة بالأدلة القطعية التي تقنع الخصم كقوله تعالى:\r(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ). وقوله تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ) الآيات. وعطف الفرقان على الهدى من عطف الخاص على العام فكل أخص ما قبله الهدى صادق بالواضح وغيره كان معه دليل أم لا، والبينات من الهدى صادقة بوجود الحجج معها أم لا، والفرقان هو الآيات البينات التي معها حجج.\rقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ إن كان المراد به الأيام فالمعنى شهد بعضه وإن كان المراد به الهلال، فالمعنى علمه إما أن يكون رآه أو ثبت عنده، وقوله: فَلْيَصُمْهُ الشهر بمعنى الأيام، وعلى كل ففيه استخدام على كل حال لأنه ذكر الإسم الظاهر بمعنى وأعاد الضمير بمعنى آخر، والخطاب للمكلف القادر الغير المعذور. قوله: مَرِيضاً أي مرضا شديدا يشق معه الصوم. قوله: أَوْ عَلى سَفَرٍ أي سفر قصر وتلبس به قبل الفجر، والمعنى فأفطروا فعليهم عدة. قوله: (بتعميم من شهد) أي فإن لفظ من يعم المسافر وغيره والمريض وغيره.\rقوله: وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ عطف لازم على ملزوم. قوله: (في المرض والسفر) أي وما والاهما من الأعذار المبيحة للفطر التي نص عليها الفقهاء. قوله: (في معنى العلة أيضا للأمر بالصوم) أي فهو علة لأمرين الأول جواز الفطر للمريض والمسافر، الثاني التوسعة في القضاء فلم يجب زمن معين ولا تتابع ولا مبادرة. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أي عدة صوم رمضان) يحتمل أن المعنى من جهة قضائه أي أردت بكم اليسر لتكملوا قضاءه إذا فاتكم لعذر، فإذا فاتكم شهر رمضان مثلا فاقضوا شهرا إن كاملا فكاملا وإن ناقصا فناقصا ويحتمل أن المعنى من جهة صوم رمضان الحاضر، أي أردت بكم اليسر لتكملوا عدة رمضان ولا تنقصوها إلا لعذر كمرض وسفر فلا بأس بالفطر لذلك، وهذا مرتب أيضا على قوله يريد اللّه بكم اليسر، فالمعنى أبحت لكم الفطر في السفر والمرض لإرادة اليسر بكم وكلفتكم بالصوم مع اليسر وأبحت لكم الفطر في المرض والسفر لتكمل منكم العدة إما في رمضان أو في أيام آخر.","part":1,"page":112},{"id":112,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 113\rعطف عليه وَلِتُكْمِلُوا بالتخفيف والتشديد الْعِدَّةَ أي عدة صوم رمضان وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عند إكمالها عَلى ما هَداكُمْ أرشدكم لمعالم دينه وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) اللّه على ذلك. وسأل جماعة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أقريب ربنا فنناجيه أو بعيد فنناديه فنزل وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ منهم بعلمي فأخبرهم بذلك أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ بإنالته ما سأل فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي\r______________________________\rقوله: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ أي يوم العبد وهو يوم إكمال العدة وبينت السنة كيفية التكبير. قوله:\r(على ذلك) أي على التكليف مع اليسر. قوله: (و سأل جماعة) هذا إشارة من المفسر لسبب نزول الآية.\rقوله: (فنناجيه) أي نسارره أي ندعوه سرا ولا نجهر بالدعاء. قوله: (فنناديه) أي ندعوه جهرا والفعلان يصح فيهما النصب بأن مضمرة بعد فاء السببية لوقوعهما في جواب الإستفهام والرفع على الإستئناف أي فنحن نناجيه ونحن نناديه والأظهر الثاني لقول بعض شراح الحديث إنه الرواية، واعلم أن هذا السؤال الواقع من الصحابة لا يقتضي جهلهم بالتوحيد، لأن اللّه منزه عن القرب والبعد الحسيين لأنهما من صفات الحوادث واللّه منزه عنها فمن ذلك حارت عقولهم في ذلك، فمقتضى إحاطته بجميع خلقه وتصرفه فيهم كيف يشاء يوصف بالقرب، ومقتضى تنزهه عن صفات الحوادث جميعها يوصف بالبعد لأن صفاته توفيقية فالمسؤول عنه القرب أو البعد المعنويان لا الحسيان، وإلا لذمهم اللّه على ذلك ولم يضفهم له. قوله:\r(فأخبرهم بذلك) أي بأني قريب وقدر ذلك المفسر لعدم صحة ترتيب قوله فإني قريب على الشرط الذي هو إذا فإن جوابها لا بد وأن يكون مستقبلا، وكون اللّه قريبا وصف ذاتي له لا ينفك عنه أزلا ولا أبدا وإنما المستقبل الأخبار بذلك، وقوله بعلمي أي وسمعي وبصري وقدرتي وإرادتي ولم يقل بذاته وإن كانت الصفات لا تفارق الذات لأنه ربما يتوهم للقاصر الحلول فيقع في الحيرة، وأما من فني عن وجوده فلم يشهد إلا اللّه فقد زال عنه الحجاب فلا حيرة عنده إذ لم يشهد غيره، وإنما خص المفسر العلم بذلك لأنه من صفات الإحاطة ومن غلبة رحمته تعالى أنه وصف نفسه بالقرب وإلا فمقتضى التوحيد وصفه بالبعد أيضا بالإعتبار المتقدم، فلو قال فإني بعيد لحصل اليأس من رحمته.\rقوله: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ الياءان من قوله الداع ودعان من الزوائد عند القراء، ومعناه أن الصحابة لم تثبت لها صورة في المصحف ولذا اختلفت فيها القراء، فمنهم من أسقطها وصلا ووقفا تبعا للرسم، ومنهم من يثبتها في الحالين، ومنهم من يثبتها وصلا ويحذفها وقفا. قوله: (بإنالته ما سأل) أي ما لم يسأل باثم أو قطيعة رحم، وهذه الإجابة وعد من اللّه وهو لا يتخلف لكن على مراده تعالى لا على مراد الداعي، فالدعاء نافع ولا يخيب فاعله، وما يحتمل أن تكون موصولة وسأل صلتها والعائد محذوف أو نكرة موصوفة وسأل صفتها أو مصدرية أي بإنالته سؤاله.\rقوله: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي يحتمل أن السين والتاء زائدتان، والمعنى فليجيبوني بالإمتثال والطاعة كما أجبت دعاءهم، (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان)، وهذا ما مشى عليه المفسر، ويحتمل أنهما للطلب، والمعنى فليطلبوا مني الإجابة، فشرط الإجابة عقب دعائهم، وفي الحديث: «ادعوا اللّه وأنتم موقنون بالإجابة» فشرط الإجابة تيقنها، وقد أشار لذلك السيد البكري بقوله: فلا تردنا واستجب لنا كما وعدتنا. قوله: (يديموا) فعله آدم رباعيا وفي نسخة يدوموا وفعله دام ثلاثيا وهما لغتان فصيحتان. قوله:","part":1,"page":113},{"id":113,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 114\rدعائي بالطاعة وَلْيُؤْمِنُوا يدوموا على الإيمان بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) يهتدون أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ بمعنى الإفضاء إِلى نِسائِكُمْ بالجماع. نزل نسخا لما كان في صدر الإسلام من تحريمه وتحريم الأكل والشرب بعد العشاء هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ كناية عن تعانقهما أو احتياج كل منهما إلى صاحبه عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ تخونون أَنْفُسَكُمْ بالجماع ليلة الصيام وقع ذلك لعمر وغيره واعتذروا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَتابَ عَلَيْكُمْ قبل توبتكم وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ إذ حل لكم بَاشِرُوهُنَ جامعوهن وَابْتَغُوا اطلبوا ما كَتَبَ اللَّهُ\r______________________________\r(على الإيمان) بِي أي فلا يرتدوا. قوله: لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ هكذا أقر الجمهور بفتح الياء وضم الشين من باب قتل، وقرىء بكسر الشين وفتحها والياء مفتوحة على كل من بابي ضرب وعلم، وقرىء بضم الياء مبنيا للفاعل والمفعول محذوف أي غيرهم أي يدلوهم على طريق الرشاد، ولذا قيل حال رجل في الف رجل أنفع من وعظ ألف رجل في رجل، أو مبنيا للمفعول فقراءات غير الجمهور أربع.\rقوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ ليلة ظرف لأحل والمعنى أحل لكم في ليلة الصيام، وفي الناصب له ثلاثة أقوال: قيل أحل وهو المشهور عند المعربين وليس بشيء لأن الإحلال ثابت قبل ذلك الوقت، وقيل مقدر مدلول عليه بلفظ الرفث تقديره أحل لكم أن ترفثوا ليلة الصيام، وقيل متعلق بالرفث لأنه يتوسع في الظروف ما لا يتوسع في غيرها. قوله: الرَّفَثُ ضمنه معنى الإفضاء فعداه بإلى وإلا فهو يتعدى بالباء أو بفي وهو في الأصل الكلام الذي يستقبح ذكره الواقع عند الجماع، فأطلق وأريد منه الجماع على سبيل الكناية لاستقباح ذكره. قوله: (بمعنى الإفضاء) هو في الأصل أن لا يكون بينك وبين الشيء حائل، وليس مرادا هنا بل المراد به هنا إفضاء خاص بالجماع، ولذا قال المفسر بمعنى الإفضاء إلى نسائكم بالجماع.\rقوله: إِلى نِسائِكُمْ المراد حلائلكم من زوجة وأمة. قوله: (من تحريمه) أي الجماع. (بعد العشاء) أي دخول وقتها أو بعد النوم ولو كان قبلها. قوله: (كناية عن تعانقهما) أي فالتشبيه من حيث الإعتناق، فكما أن اللباس يسلك في العنق كذلك المرأة تسلك في عنق الرجل والرجل يسلك في عنقها، ويصح أن التشبيه من حيث الستر، فالمرأة تستر الرجل والرجل يسترها، قال تعالى: (وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً). وإليه، الإشارة بقول المفسر أو احتياج كل منهما لصاحبه والحكمة في تقديم قوله هن لباس لكم أن طلب المواقعة غالبا يكون ابتداء من الرجل إليها أكثر لما في الحديث لا خير في النساء ولا صبر عنهن يغلبن كريما ويغلبهن لئيم فأحب أن أكون كريما مغلوبا، ولا أحب أن أكون لئيما غالبا.\rقوله: تَخْتانُونَ هو أبلغ من تخونون لزيادة بنائه. قوله: (وقع ذلك لعمر). وحاصله أنه بعد أن صلى العشاء، وجد بأهله رائحة طيبة فواقع أهله حينئذ، ثم لما أصبح جاء رسول اللّه واخبره الخبر فقال يا رسول اللّه إني اعتذر إلى اللّه وإليك ما وقع مني، فقام جماعة فقالوا مثل ما قال عمر، فنزلت الآية نسخا للتحريم الواقع بالسنة. قوله: فَالْآنَ إن قلت إنه ظرف للزمان الحاضر. وقوله: بَاشِرُوهُنَ مستقبل فحينئذ لا يحسن ذلك. أشار المفسر لدفع ذلك حيث حول العبارة بقوله إذ حل لكم فمتعلق","part":1,"page":114},{"id":114,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 115\rلَكُمْ أي أباحة من الجماع أو قدره من الولد وَكُلُوا وَاشْرَبُوا الليل كله حَتَّى يَتَبَيَّنَ يظهر لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ أي الصادق بيان للخيط الأبيض وبيان الأسود محذوف أي من الليل شبه ما يبدو من البياض وما يمتد معه من الغبش بخيطين أبيض وأسود في الامتداد ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ من الفجر إِلَى اللَّيْلِ أي إلى دخوله بغروب الشمس وَلا تُبَاشِرُوهُنَ أي نساءكم وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ مقيمون بنية الإعتكاف فِي الْمَساجِدِ متعلق بعاكفون نهي لمن كان يخرج وهو معتكف فيجامع امرأته ويعود تِلْكَ الأحكام المذكورة حُدُودُ اللَّهِ حدها لعباده ليقفوا عندها فَلا تَقْرَبُوها أبلغ من لا تعتدوها المعبر به في آية أخرى كَذلِكَ كما بين لكم ما ذكر يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) محارمه وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ أي لا يأكل بعضكم مال بعض بِالْباطِلِ الحرام شرعا كالسرقة والغصب\r______________________________\rالظرف الحل لا المباشرة، فالمعنى حصل لكم التحليل الآن فحينئذ باشروهن فيما يستقبل. قوله:\r(جامعوهن) أي فالمراد مباشرة خاصة، فأطلق الملزوم وهو المباشرة، وأراد لازمه وهو الجماع. قوله: (أي أباحة من الجماع) أي في النساء الحلائل، واشار بذلك إلى أن ينبغي أن يقصد بجماعه العفة بالحلال عن الحرام له ولها أو رجاء النسل لتكثير الأمة، ففي الحديث «تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة».\rقوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا نزلت في صرمة بن قيس وكان عاملا في أرض له وهو صائم، فحين جاء المساء رجع لأهله فلم يجد طعاما فغلبته عيناه من التعب، فلما حضر الطعام استيقظ فكره أن يأكل خوفا من اللّه فبات طاويا، فما انتصف النهار حتى غشي عليه، فما افاق أخبر النبي بذلك فنزلت الآية.\rقوله: مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ قيل قبل نزول قوله من الفجر، وضع علي بن حاتم عقالا أبيض وعقالا أسود وجعل يأكل ويشرب حتى تبين كل منهما فلما أصبح أخبر النبي بذلك فقال له أنما ذلك سواد الليل وبياض النهار. قوله: (أي الصادق) احترز بذلك عن الكاذب وهو ما يظهر قبل الصادق كذنب السرحان، ثم تعقبه ظلمة ثم يطلع الصادق وهو الضياء المنتشر. قوله: (و بيان الأسود محذوف) أي فلو بينه لقال من الفجر والليل ليكون لفا ونشرا مرتبا، ولم يذكره لعدم تعلق حكم به، فإن الصوم متعلق بظهور الأبيض. (من الغبش) أي ظلمة الليل. قوله: (أبيض وأسود) لف ونشر مرتب، والتشبيه هنا إنما هو في الصورة والهيئة، وليس هناك خيط أبيض ولا أسود، كما توهمه بعض الصحابة. قوله: (في الإمتداد) هذا هو وجه الشبه. قوله: (بغروب الشمس) أشار بذلك إلى أن الغاية غير داخلة في المغيا، وإنما صيام جزء من الليل من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\rقوله: وَلا تُبَاشِرُوهُنَ أي مطلقا ليلا كان أو نهارا وليس كالصيام. قوله: (نهي) خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذه الآية نهي. قوله: (الأحكام المذكورة) أي من أول آية الصيام هنا. واستشكل ذلك بأن الحد هو قوله تعالى: (وَ لا تُبَاشِرُوهُنَّ) الآية. وأجيب بأن اللّه أمرنا بالصوم بقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) والأمر بالشيء منهى عن ضده. قوله: (أبلغ من لا تعتدوها) أي لأن النهي عن المقاربة نهي عن المجاوزة وزيادة. قوله: (أي لا يأكل بعضكم مال بعض) أي لأن اللّه قدر لك رزقه، فلا يتسع بالباطل","part":1,"page":115},{"id":115,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 116\rوَلا تُدْلُوا تلقوا بِها أي بحكومتها أو بالأموال رشوة إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا بالتحاكم فَرِيقاً طائفة مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ ملتبسين بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) أنكم مبطلون يَسْئَلُونَكَ يا محمد عَنِ الْأَهِلَّةِ جمع هلال لم تبدو دقيقة ثم تزيد حتى تمتلىء نورا ثم تعود كما بدت ولا تكون على حالة واحدة كالشمس قُلْ لهم هِيَ مَواقِيتُ جمع ميقات لِلنَّاسِ يعلمون بها أوقات زرعهم ومتاجرهم وعدد نسائهم وصيامهم وإفطارهم وَالْحَجِ عطف على الناس أي يعلم بها وقته فلو استمرت على حالة لم يعرف ذلك وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها في الإحرام بأن تنقبوا فيها نقبا تدخلون منه وتخرجون وتتركوا الباب، وكانوا يفعلون\r______________________________\rولا يضيق بالحق. قوله: (كالسرقة) أي والمكس والنهب من كل ما لم يأذن فيه الشارع. قوله: (تلقوا) أي تسرعوا أو تبادروا.\rقوله: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جملة حالية من فاعل تأكلوا. قوله: (أنكم مبطلون) بفتح الهمزة إشارة إلى أنه مفعول تعلمون.\rقوله: يَسْئَلُونَكَ أي أصحابك. قوله: (لم تبدو دقيقة) هذا هو صورة السؤال. قوله: (ثم تزيد) أي شيئا فشيئا. قوله: (حتى تمتلىء نورا) أي وذلك ليلة أربعة عشر. قوله: (ثم تعود كما بدت) أي فالهلال إما آخذ في الزيادة وذلك في النصف الأول من الشهر، وإما آخذ في النقص وذلك في النصف الأخير منه.\rقوله: قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ قيل إن الجواب غير مطابق للسؤال، لأن سؤالهم عن حكمة كونه يبدو دقيقا، ثم إذا تم عاد كما كان، والجواب إنما هو عن حكمة الهلال الظاهرية وهي كونه مواقيت للناس والحج، وأما جواب سؤالهم فليسوا مكلفين به ولا حاجة لهم بذلك لأنه من المغيبات، وقيل إن الجواب مطابق للسؤال، فقوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ أي عن حكمتها الظاهرة وهذا هو الأنسب بمقامهم لأن الأول من باب (لا تسئلوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم) والضمير يعود على الأهلة وتقدم أنه جمع هلال سمي بذلك لاستهلال الناس عند رؤيته بمعنى رفع أصواتهم، ويسمى بالهلال ليلتين أو ثلاثا وبعد ذلك يسمى قمرا. قوله: (جمع ميقات) أصله موقات وقعت الواو ساكنة إثر كسرة قلبت ياء. قوله:\r(أوقات زرعهم) أي فكل زرع له وقت يطلع فيه، فزرع هذا الشهر مثلا لا يطلع في غيره وهكذا. قوله:\r(و عدد نسائهم) أي من كونها أربعة أشهر وعشرا أو ثلاثة أشهر مثلا قوله: (و صيامهم) أي في رمضان مثلا. قوله: (و إفطارهم) أي في شوال. قوله: (عطف على الناس) أي مسلط عليه مواقيت واللام وفي الحقيقة هو معطوف على المضاف المحذوف أي لمصالح الناس والحج. قوله: (يعلم بها وقته) أي وهو شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة فلو تقدم أو تأخر لم يصح، وهذا هو حكمة تخصيصه من دون العبادات وإن كان من مصالح الناس.\rقوله: وَلَيْسَ الْبِرُّ الحكمة في ذكر هذه الآية بعد ما تقدم أنهم سألوا عن ذلك أيضا، وصورة سؤالهم هل من البر إتيان البيوت من ظهورها، فأجابهم اللّه بأنه ليس من البر، ويتعين رفع البر هنا لأن ما بعد الباء يتعين جعله خبرا لليس فإن الباء إنما تدخل على الخبر لا على الإسم. قوله: (بأن تنقبوا فيها نقبا) أي من خوف الإستظلال بالسقف وهذا في الحاضر، وأما البادي فكان يشق الخيمة وذلك في الإحرام،","part":1,"page":116},{"id":116,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 117\rذلك ويزعمونه برا وَلكِنَّ الْبِرَّ أي ذا البر مَنِ اتَّقى اللّه بترك مخالفته وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها في الإحرام كغيره وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) تفوزون. ولما صد صلّى اللّه عليه وسلّم عن البيت عام الحديبية وصالح الكفار على أن يعود العام القابل ويخلوا له مكة ثلاثة وتجهز لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي قريش ويقاتلوهم وكره المسلمون قتالهم في الحرم والإحرام والشهر الحرام نزل وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لإعلاء دينه الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ من الكفار وَلا تَعْتَدُوا عليهم بالابتداء بالقتال إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) المتجاوزين ما حد لهم وهذا منسوخ بآية براءة أو بقوله وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وجدتموهم وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أي مكة\r______________________________\rزاعمين أن عدم تغطية الرأس بشيء أصلا غير السماء بر. قوله: (بترك مخالفته) أي مطلقا وامتثال المأمورات على حسب الطاقة.\rقوله: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها حاصل ذلك أن اللّه أخبرنا بجملتين وأمرنا بجملتين مرتبا على الأوليين: فقوله: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها جملة خبرية رتب عليها قوله:\rوَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها. وقوله: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى جملة خبرية أيضا رتب عليها قوله:\rوَاتَّقُوا اللَّهَ. قوله: (تفوزون) أي تسعدون وتظفرون برضاه. قوله: (و لما صد إلخ) أي صده المشركون ومنعوه وصرفوه، والمراد بالبيت الكعبة، وحاصله أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سنة ست من الهجرة توجه مع ألف وأربعمائة لفعل عمرة لأن الحج إذ ذاك لم يكن فرض، فنزلوا الحديبية بمكان قريب من مكة يسمى وادي فاطمة، فخرجت عليهم سفهاء مكة يقاتلونهم بالأحجار والسهام، فأرسل رسول اللّه عثمان يستأذن أهل مكة في أن يدخل هو وأصحابه ويطوفوا ويكملوا عمرتهم، فأشاع الكفار وابليس أن عثمان قد مات فبايع النبي أصحابه تحت الشجرة على قتالهم، فحصل صلح بينه وبينهم عشر سنين، وتبين أن عثمان حي لم يمت وأتى اليهم وقال إن الكفار أوعدونا إلى العام القابل. فتحلل المسلمون مكانهم في الحديبية ونحروا هديهم وحلقوا وانصرفوا راجعين، ثم في العام القابل وهو سنة سبع، تجهز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لعمرة القضاء، وسميت قضاء لأنها وقع فيها المقاضاة والصلح لا أنه لزمهم قضاء للعمرة السابقة، لأن من صد لا يلزمه قضاء، فخافت المسلمون أن قريشا لا تفي بالوعد ويحصل قتال في الشهر الحرام والحرم والإحرام فنزلت الآية. قوله: (و صالح الكفار) يصح أن الكفار فاعل بصالح والمفعول محذوف تقديره صالحه، ويصح أن الفاعل مستتر تقديره هو يعود على النبي والكفار مفعول. قوله: (على أن يعود العام القابل) تقدم أنه عام سبع. قوله: (و خافوا أن لا تفي قريش إلخ) أي فيحصل المحذور الذي هو القتال في الحرم والإحرام والشهر الحرام. قوله: (نزل) هذا جواب لما أي فهو سبب النزول.\rقوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ السبيل في الأصل الطريق فاستعير لدين اللّه وشرائعه بجامع التوصل للمقصود في كل. قوله: الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ أي لا تبتدئوهم بالقتال. قوله: وَلا تَعْتَدُوا المراد بالإعتداء هنا ابتداء القتال لا حقيقة الإعتداء الذي هو تجاوز الحد. قوله: (و هذا منسوخ بآية براءة) أي بقوله وقاتلوا المشركين كافة، فأزال اللّه الضيق عن المسلمين وأبدله بالسعة، وفي الحقيقة هذه الآية نسخت نحو سبعين آية من القرآن حصل فيها نهي عن القتال. قوله: (أو بقوله إلخ) أي وهذا أبلغ لكونها بلصقها.\rقوله: وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أي من المكان الذي أخرجوكم منه","part":1,"page":117},{"id":117,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 118\rوقد فعل بهم ذلك عام الفتح وَالْفِتْنَةُ الشرك منهم أَشَدُّ أعظم مِنَ الْقَتْلِ لهم في الحرم أو الإحرام الذي استعظموه وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي في الحرم حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فيه فَاقْتُلُوهُمْ فيه، وفي قراءة بلا ألف في الأفعال الثلاثة كَذلِكَ القتل والاخراج جَزاءُ الْكافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا عن الكفر وأسلموا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لهم رَحِيمٌ (192) بهم وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ توجد فِتْنَةٌ شرك وَيَكُونَ الدِّينُ العبادة لِلَّهِ وحده لا يعبد سواه فَإِنِ انْتَهَوْا عن الشرك فلا تعتدوا عليهم، دل على هذا فَلا عُدْوانَ اعتداء بقتل أو غيره إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) ومن انتهى فليس بظالم فلا عدوان عليه الشَّهْرُ الْحَرامُ المحرم مقابل بِالشَّهْرِ الْحَرامِ فكما قاتلوكم فيه فاقتلوهم في مثله رد لاستعظام\r______________________________\rيعني مكة وهو أمر بالإخراج، فكأنه وعد من اللّه بالفتح لمكة، وقد أنجز اللّه ما وعد به عام ثمان. قوله:\r(و قد فعل) أي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بهم أي الكفار منهم. قوله: (عام الفتح) أي وهو العام الثامن. إن قلت:\rإن مدة الصلح باقية مع أن إخراجهم وقتالهم حصل قبل مضي تلك المدة. أجيب: بأنه حصل منهم نقض للعهد بعد عمرة القضاء.\rقوله: وَالْفِتْنَةُ إلخ هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره إن خفتم أن تقاتلوهم في الشهر الحرام وراعيتم حرمة الشهر والإحرام والحرم، فالشرك الذي حصل منهم الذي فيه تهاون برب الحرم أبلغ قوله: وَلا تُقاتِلُوهُمْ إلخ هذا توكيد المنسوخ وهو تفسير لقوله: (و لا تعتدوا). قوله: (أي في الحرم) إنما فسر عند بفي، لأنه ظرف منصوب وهو على تقدير في، وأطلق المسجد الحرام وأراد ما يعم الحرم بتمامه. قوله: (و في قراءة بلا ألف) والقراءتان سبعيتان، والتلاوة على هذا: ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم فاقتلوهم، والمعنى فخذوا في أسباب قتلهم. قوله: جَزاءُ الْكافِرِينَ أي في الدنيا وفي الآخرة العذاب الأليم.\rقوله: فَإِنِ انْتَهَوْا أي رجعوا عن الكفر، وأصله انتهيوا بياء مضمومه بعد الهاء، استثقلت الضمة على الياء فحذفت وتحركت الياء بحسب الأصل وانفتح ما قبلها بحسب الآن قلبت ألفا فالتقى ساكنان حذفت الألف وبقيت الفتحة دليلا عليها.\rقوله: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ هذا الآية ناسخة أيضا لما قبلها. قوله: وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ أي في مكة أي لأن المراد تخليص للدين في مكة من الشرك فقط لا كل الجهات، وأما آية الأنفال في قوله: (و يكون الدين كله) أي في كل الجهات. قوله: فَإِنِ انْتَهَوْا أي رجعوا عن الكفر وأسلموا. قوله: فَلا عُدْوانَ إلخ هذا خبر في صورة الأمر مبالغة، أي فلا تنتقموا ولا تقتلوا إلا الظالمين، والمعنى لا يجازى على عدوانه إلا الظالمون، لأن العدوان واقع من الكفار بكفرهم وقتالهم للمسلمين لا من المسلمين بقتالهم لهم.\rقوله: الشَّهْرُ الْحَرامُ إلخ هذا نزل أيضا زيادة طمأنينة للمسلمين لأنه كان يشق عليهم القتال فيها تعظيما لها، وقيل إنها نزلت ردا على الكفار والمنافقين المعترضين في قولهم إن الأشهر الحرم","part":1,"page":118},{"id":118,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 119\rالمسلمين ذلك وَالْحُرُماتُ جمع حرمة ما يجب احترامه قِصاصٌ أي يقتص بمثلها إذا انتهكت فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ بالقتال في الحرم أو الاحرام أو الشهر الحرام فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ سمى مقابلته اعتداء لشبهها بالمقابل به في الصورة وَاتَّقُوا اللَّهَ في الانتصار وترك الاعتداء وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) بالعون والنصر وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ طاعته الجهاد وغيره وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ أي أنفسكم والباء زائدة إِلَى التَّهْلُكَةِ الهلاك بالإمساك عن النفقة في الجهاد أو تركه لأنه يقوي العدو عليكم وَأَحْسِنُوا بالنفقة وغيرها إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ\r______________________________\rوالحرم معظمة قديما، ويزعم محمد أنه يحكم بالعدل وهو ينتهك حرمة الشهر الحرام والحرم، فرد اللّه عليهم بقوله الشهر الحرام أي الذي نقاتلكم فيه في مقابلة الشهر الحرام، أي الذي صددتمونا فيه عن العمرة والدخول وقاتلنا سفهاؤكم ولا يسمى انتهاكا ولا عدم تعظيم للحرم، لأنه لما كان بأمر اللّه اندفع ذلك كله. قوله: وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ أي متى حصل انتهاك من أحد لحرمة آخر سقطت حرمته فيقتص له منه، ومن هنا قول بعضهم ملغزا فيمن قطعت يده ظلما ومن قطعت يده لأجل السرقة:\rيد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار\r\rأجاب عنه القاضي عبد الوهاب البغدادي بقوله:\rعز الأمانة أغلاها وأرخصها ... ذل الخيانة فافهم حكمة الباري\r\rقوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ تسميته اعتداء ظاهر لأنه للحذ، وقوله: فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ أي انتقموا منه وقاتلوا فتسميته اعداء مشاكلة لمقابله، قوله: بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ توكيد لقوله والحرمات قصاص، وكل هذا منسوخ بقوله واقتلوهم حيث ثقفتموهم. قوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي ومن التقوى رحمة عباده سيما إذا لم يقاتلوكم أو إذا قدرتم عليهم فالأولى العفو. قوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ أي معية خاصة فيمدهم بالنصر والعون، وإلا فهو مع كل نفس بعلمه وتصرفه.\rقوله: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي ابذلوا أنفسكم وأموالكم في طاعته ومراضيه، سواء الجهاد وغيره كصلة الرحم ومراعاة الضعفاء والفقراء من عباد اللّه. قوله: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ عبر الأيدي عن الأنفس اكتفاء بالجزء الأهم من النفس كقوله في آية أخرى: (و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) أي أنفسكم. قوله: إِلَى التَّهْلُكَةِ أي إلى الهلاك أي إلى أسبابه، وأسباب الهلاك إمساك الأموال والأنفس عن الجهاد لأن به يقوى العدو وتكثر المصائب في الدين والذل لأهله كما هو مشاهد، ومن أنفق أمواله ونفسه في سبيل اللّه فقد ألقى بنفسه إلى العز الدائم في الدنيا والآخرة، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون. قوله: وَأَحْسِنُوا أي افعلوا الإحسان بالإنفاق في سبيل اللّه وغيره من أنواع العبادات. قوله: (أي يثيبهم) فسر المحبة في حق اللّه بالإثابة، لأن حقيقتها وهي ميل القلب للمحبوب مستحيلة في حق اللّه تعالى، والإثابة لازمة لذلك، والقاعدة أن كل ما استحال على اللّه باعتبار مبدئه وورد يطلق ويراد لازمه وغايته.","part":1,"page":119},{"id":119,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 120\rالْمُحْسِنِينَ (195) أي يثيبهم وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ أدوهما بحقوقهما فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ منعتم عن إتمامها بعدو فَمَا اسْتَيْسَرَ تيسر مِنَ الْهَدْيِ عليكم وهو شاة وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ أي لا تتحللوا حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ المذكور مَحِلَّهُ حيث يحل ذبحه وهو مكان الاحصار عند الشافعي فيذبح فيه بنية التحلل ويفرق على مساكينه ويحلق وبه يحصل التحلل فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ كقمل وصداع فحلق في الاحرام فَفِدْيَةٌ عليه مِنْ صِيامٍ لثلاثة أيام أَوْ صَدَقَةٍ بثلاثة آصع من غالب قوت البلد على ستة مساكين أَوْ نُسُكٍ أي ذبح شاة وأو للتخيير وألحق به من خلق لغير عذر لأنه أولى بالكفارة وكذا من استمتع بغير الحلق كالطيب واللبس والدهن لعذر أو غيره فَإِذا أَمِنْتُمْ العدو بأن ذهب أو لم يكن فَمَنْ تَمَتَّعَ\r______________________________\rقوله: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ المتبادر من الآية يشهد لقول الشافعي بوجوب العمرة عينا في العمر مرة كالحج، وقال مالك بسنيتها في العمر مرة عينا، وقرىء وأقيموا الحج والعمرة وهي تؤيد مذهب الشافعي سيما مع كون الأصل في الأمر الوجوب، وحجة مالك أن المراد تمموهما إذا شرعتم فيهما، ولا يلزم من وجوب الإتمام وجوب الإبتداء، فالحاصل أن العلماء اتفقوا على وجوب الحج عينا في العمر مرة وما عدا ذلك فهو فرض كفاية لإقامة الموسم، واتفقوا على مشروعية العمرة واختلفوا في حكمها، فقال الشافعي بوجوبها كالحج وحمل الإتمام على الأداء، وقال مالك بسنيتها وحمل الإتمام على حقيقته.\rقوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ أي عن البيت ولم تتمكنوا من دخوله كما وقع للمصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم، وهذا رفع للحرج الواقع في الأمر من قوله وأتموا. قوله: (تيسر) أشار بذلك إلى أن السين ليست لمعنى زائد، بل استيسر وتيسر بمعنى واحد. قوله: (و هو شاة) أي ضأنا أو معزا مجزئة في الضحية. قوله: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ أعلم أنه إذا اجتمع هدي وحلق فالهدي مقدم على الحلق، فإذا اجتمع معهما رمي وطواف قدم الرمي، ثم النحر ثم الحلق ثم الطواف، وضبطها بعضهم بقوله ونحط. قوله: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ اعلم أنه اختلف في الهدي فقيل يؤمر به وهو قول الشافعي، وعليه فإن لم يجد هديا قومه بطعام وأخرجه، فإن لم يجد صام بعدد الأمداد، وقيل لا يؤمر به، والآية محمولة على من كان معه هدي تطوعا مثلا وهو قول مالك، وعليه فإن لم يجد هديا فلا شيء عليه غير الحلق. قوله: مَحِلَّهُ وهو بالكسر يطلق على الزمان والمكان، وبالفتح على المكان فقط. قوله: (عند الشافعي) أي ومالك أيضا فالمدار عندهما على مكان الإحصار حلالا أو حراما، وقال أبو حنيفة لا بد أن يذبح بالحرم. قوله: أَوْ بِهِ أَذىً متعلق بمحذوف معطوف على مريضا الواقع خبرا لكان، وقوله أذى فاعل بالجار والمجرور خبر مقدم، وأذى مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على مريضا.\rقوله: فَفِدْيَةٌ (عليه) قدره إشارة إلى أنه خبر المبتدأ، والجملة جواب من. واعلم أن دماء الحج ثلاثة: فدية وهدي، وقد ذكرهما هنا، وجزاء وقد ذكره في المائدة، فما كان عن إزالة أذى أو ترفه فهو فدية، وما ترتب عن نقص في حج أو عمرة بفعل اختياري أو لا فهدي، وما كان عن صيد فجزاء. قوله:\r(على ستة مساكين) أي لكل مسكين مدان. قوله: (لغير عذر) أي وإن كان حراما. قوله: (و كذا من استمتع بغير الحلق) أي فهو مقيس عليه. قوله: (بعذر أو غيره) راجع للثلاثة، غير أن الحرمة فيما كان","part":1,"page":120},{"id":120,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 121\rاستمتع بِالْعُمْرَةِ أي بسبب فراغه منها بمحظورات الاحرام إِلَى الْحَجِ أي إلى الإحرام به بأن يكون أحرم بها في أشهره فَمَا اسْتَيْسَرَ تيسر مِنَ الْهَدْيِ عليه وهو شاة بذبحها بعد الاحرام به والأفضل يوم النحر فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الهدي لفقده أو فقد ثمنه فَصِيامُ أي فعليه صيام ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِ أي في حال الإحرام به فيجب حينئذ أن يحرم قبل السابع من ذي الحجة والأفضل قبل السادس لكراهة صوم يوم عرفة ولا يجوز صومها أيام التشريق على أصح قولي الشافعي وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ إلى وطنكم مكة أو غيرها وقيل إذا فرغتم من أعمال الحج وفيه التفات عن الغيبة تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ جملة تأكيد لما قبلها ذلِكَ الحكم المذكور من وجوب الهدي أو الصيام على من تمتع لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ بأن لم يكونوا على دون مرحلتين من الحرم عند الشافعي فإن كان فلا دم عليه ولا صيام وإن، تمتع وفي ذكر الأهل إشعار باشتراط الاستيطان فلو أقام قبل أشهر الحج ولم يستوطن وتمتع فعليه ذلك وهو أحد وجهين عند الشافعي والثاني لا، والأهل كناية عن النفس وألحق بالمتمتع فيما ذكر بالسنة القارن وهو من أحرم بالعمرة\r______________________________\rلغير عذر وألحق بذلك من قلم أظافره، وأما الوطء وتقبيل الزوجة فكذا عند الشافعي وعند مالك وفيه هدى.\rقوله: فَإِذا أَمِنْتُمْ أي ابتداء وانتهاء. قوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ حاصل ما في المقام أن الشخص إذا كان مفردا فإنه لا شيء عليه، وأما إذا كان قارنا أو متمتعا فعليه دم. قوله: (أي بسبب فراغه منها دفع بذلك ما يقال إن العمرة فيها مشقة ولا تمتع فيها. قوله: إِلَى الْحَجِ أي تمتع من فراغه من العمرة واستمر على ذلك إلى الإحرام بالحج. قوله: (تيسر) من قوله: الْهَدْيِ أي وأفضل الهدايا الإبل ثم البقر ثم الغنم.\rقوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ أي فهو على الترتيب، وهذا الدم يلزم بشروط أربعة: الأول: أن لا يكون أهله بالمسجد الحرام. الثاني: أن يكون تحلله من العمرة في أشهر الحج. الثالث: أن يحج في عامه. الرابع: أن لا يرجع إلى بلده أو مثلها، وقال الشافعي أن لا يرجع إلى الميقات. قوله: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِ محل ذلك إن كان النقص قبل الوقوف وإلا صام العشرة متى شاء. قوله: (قبل السابع) أي ليصوم الثلاثة الأيام، وما مشى عليه المفسر قول ضعيف في مذهب الشافعي، والمعتمد أنه لا يجب عليه ذلك، لأنه لا يجب عليه تحصيل سبب الوجوب، ووافقه مالك على ذلك. قوله: (على أصح قولي الشافعي) وقال مالك بجواز صومها. قوله: (و فيه التفات عن الغيبة) أي مع مراعاة معنى من قوله:\r(تأكيد لما قبلها) أي لدفع توهم الكثرة في العدد، وقوله: كامِلَةٌ أي في الثواب كالهدي وفيه تسلية الفقير العاجز عن الهدي. قوله: (عند الشافعي) أي وعند مالك لا ينتفي الهدي إلا عمن كان متوطنا بأرض الحرم، فيشمل أهل منى ومزدلفة. قوله: (و هو أحد وجهين عند الشافعي) أي وهو مذهب مالك.\rقوله: (و الأهل كناية عن النفس) أي فعلى هذا يكون معنى الآية ذلك لمن أي لمحرم لم يكن أهله أي نفسه حاضري المسجد الحرام وهذا معنى بعيد، فالأولى ما قاله غيره من أن المراد بالأهل الزوجة والأولاد الذين تحت حجره دون الآباء والإخوة، ومعدوم الأهل المتوطن بنفسه كذلك، وإنما عبر بالأهل لكون شأن","part":1,"page":121},{"id":121,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 122\rوالحج معا أو يدخل الحج عليها قبل الطواف وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما يأمركم به وينهاكم عنه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (196) لمن خالفه الْحَجُ وقته أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ شوال وذو العقدة وعشر ليال من ذي الحجة وقيل كله فَمَنْ فَرَضَ على نفسه فِيهِنَّ الْحَجَ بالاحرام به فَلا رَفَثَ جماع فيه وَلا فُسُوقَ معاص وَلا جِدالَ خصام فِي الْحَجِ وفي قراءة بفتح الأولين والمراد في الثلاثة النهي وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ كصدقة يَعْلَمْهُ اللَّهُ فيجازيكم به ونزل في أهل اليمن\r______________________________\rالمتوطن يكون بذلك. قوله: (القارن) أي ويطوف لهما طوافا واحدا وسعيا واحدا عند مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة لا بد لهما من طوافين وسعيين. قوله: (فيما يأمركم به إلخ) أي وخصوصا في الحج والعمرة. قوله: (وقته) إنما قدره لأن الحج عمل والأشهر زمن ولا يخبر عن العمل بالزمن.\rقوله: أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ هذه الآية مقيدة لآية قل هي مواقيت للناس والحج، لأن المتبادر منها أن الأهلة كلها مواقيت الحج، فأفاد بهذه الآية أن الحج له زمن معلوم يؤدى فيه، وأما العمرة فوقتها السنة كلها ما لم يكن متلبسا بالحج، وإلا فلا يعتمر حتى يفرغ منه. قوله: (و عشر ليال من ذي الحجة) أي فالجمع في الآية لما فوق الواحد أو باعتبار جبر الكسر. قوله: (و قيل كله) أي فالجمع على حقيقته وبذلك قال مالك، والمعنى على ما قال مالك أن له التحلل في ذي الحجة بتمامه ولا يلزمه دم إلا بدخول الحرم، لا أن المعنى أن يبتدىء الإحرام به بعد فجر النحر، فإن ذلك لم يقله مالك ولا غيره ممن يعتد به، فالحاصل أن الحج له ميقاتان مكاني وزماني، فالمكاني ما أشار له بعضهم بقوله:\rعرق العراق يلملم اليمن ... وبذي الحليفة يحرم المدني\r\rوالشام جحفة إن مررت بها ... ولأهل نجد قرن فاستبن\r\rوالزماني لابتداء الإحرام به شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، وأما لإنتهاء التحليل منه فبقية ذي الحجة. قوله: فَمَنْ فَرَضَ (على نفسه) أي ألزم نفسه الدخول في أفعال الحج بأن أحرم به، وسواء كان فرضا عليه قبل ذلك أو لا. قوله: فِيهِنَ أي الشهرين والعشر ليال، وأما في غير هذه الأشهر فقال مالك ينعقد ويكره وقال غيره لا ينعقد. قوله: فَلا رَفَثَ في الآية ثلاث قراءات غير شاذة، الأولى برفع الجميع مع التنوين، الثانية برفع الأولين وبناء الثالث على الفتح، الثالثة بناء الثلاثة على الفتح، وقرىء شاذا بنصب الثلاثة. قوله: (معاص) أي بأي وجه من أوجه المعاصي والنهي عنها وإن كان عاما إلا أنه في الحج أشد. قوله: وَلا جِدالَ هو مقابلة الحجة بالحجة لنصرة الباطل، وأما لنصرة الحق فلا بأس بذلك. قوله: فِي الْحَجِ أظهر في مقام الإضمار اهتماما بشأنه.\rقوله: (بفتح الأولين) أي مع الثالث. قوله: (و المراد في الثلاثة النهي) أي لا الإخبار وإنما أتى بها على صورة الأخبار، إشارة إلى أنه لا ينبغي أن ييقع ذلك والتعبير على النهي بصورة الخبر أبلغ في الإنزجار.\rقوله: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ إن قلت إن اللّه كما يعلم الخير من العبد يعلم الشر منه، أجيب بأن شأن اللّه ستر الشر عن العبيد فلا يظهره عليهم، بخلاف الخير فيظهره للخلائق لما في الحديث: «إذا تاب العبد أنسى اللّه الحفظة ذنوبه وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه حتى يأتي يوم القيامة وليس عليه شاهد بذنب» وأيضا الآية مسوقة في أفعال الحج وكلها خير. قوله: (و نزل في أهل اليمن) أي وكانوا","part":1,"page":122},{"id":122,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 123\rوكانوا يحجون بلا زاد فيكونون كلا على الناس وَتَزَوَّدُوا ما يبلغكم لسفركم فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ما يتقى به سؤال الناس وغيره وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (197) ذوي العقول لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ في أَنْ تَبْتَغُوا تطلبوا فَضْلًا رزقا مِنْ رَبِّكُمْ بالتجارة في الحج نزل ردا لكراهتهم ذلك فَإِذا أَفَضْتُمْ دفعتم مِنْ عَرَفاتٍ بعد الوقوف بها فَاذْكُرُوا اللَّهَ بعد المبيت بمزدلفة بالتلبية والتهليل والدعاء عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ هو جبل في آخر المزدلفة يقال له قزح وفي الحديث «أنه صلّى اللّه عليه وسلّم وقف به يذكر اللّه ويدعو حتى أسفر جدا» رواه مسلم وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ لمعالم دينه ومناسك حجه والكاف للتعليل وَإِنْ مخففة كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ قبل هداه لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا يا قريش مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ أي من عرفة بأن تقفوا بها\r______________________________\rحديثي عهد بإسلام ويزعمون أنهم متوكلون. قوله: (كلا على الناس) أي عالة. قوله: (و غيره) أي كالغصب والسرقة. قوله: (نزل ردا لكراهتهم ذلك) أي فلا بأس بالتجارة بالحج إذا كانت لا تشغله عن أفعاله، واختلف هل التجارة تنقص ثواب الحج أو لا، قال بعضهم إن كانت التجارة أكبر همه ومبلغ علمه سقط الفرض عنه وليس ثوابه كمن لا قصد له إلا الحج، وإن استوى الأمران فلا يذم ولا يمدح وإن كانت التجارة تبعا للحج فقد حاز خير الدنيا والآخرة.\rقوله: مِنْ عَرَفاتٍ هو مصروف ويصح منعه من الصرف للعلمية والتأنيث لأنه علم على البقعة. قوله: (بعد الوقوف بها) أعلم أن الركن عند مالك إدراك جزء من الليل، وأما النهار فهو واجب يجبر بالدم، وعند الشافعي أحدهما كاف، فمن أدرك جزءا من الليل وجزءا من النهار فقد تم حجه باتفاق، والأفضل الوقوف عند الصخرات العظام هناك لأنه موقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (بعد المبيت بمزدلفة) أي ويجمعون بها المغرب والعشاء جمع تأخير ويقصرون العشاء إلا أهلها ويستمرون بها إلى صلاة الصبح فيصلونها ثم يتوجهون إلى المشعر الحرام فيقفون به إلى الأسفار. قوله: (التلبية) هذا جرى على مذهب الشافعي، وأما عند مالك فيقطع التلبية من وصوله لعرفة وصلاته الظهر والعصر بها. قوله: (هو جبل في آخر المزدلفة) أي من جهة منى عند منارة بلا جامع. قوله: (قزح) على وزن عمر. قوله: (و الكاف للتعليل) أي فالمعنى اذكره لأجل هدايته إياكم، ولأجل أنكم كنتم قبل ذلك من الضالين. قوله:\rوَإِنْ (مخففة) أي مهملة لا عمل لها. قوله: لَمِنَ الضَّالِّينَ أي من التائهين عن الهدى فهي نعمة ثانية يجب الشكر عليها، قال تعالى في مقام تعداد النعم: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) الآية.\rقوله: ثُمَّ أَفِيضُوا أي قفوا بعرفة، وتقدم أن معنى الإفاضة الدفع فأطلقه وأراد لازمه وهو الوقوف. قوله: (ترفعا) أي تكبرا. قوله: (و ثم للترتيب في الذكر) جواب عن سؤال مقدر حاصله أن الإتيان بثم يقتضي أن الأمر بالوقوف بعد رجوع الناس من عرفة ووصولهم منى مع أن الأمر ليس كذلك، فأجاب المفسر بذلك، وأجيب أيضا بأن ثم بمعنى الواو وهي لا تقتضي ترتيبا وأجيب أيضا بأن في الكلام تقديما وتأخيرا، فقوله: (ثم أفيضوا) معطوف على قوله فاتقون، وقوله: (فإذا أفضتم) مرتب عليه،","part":1,"page":123},{"id":123,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 124\rمعهم وكانوا يقفون بالمزدلفة ترفعا عن الوقوف معهم، وثم للترتيب في الذكر وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ من ذنوبكم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ للمؤمنين رَحِيمٌ (199) بهم فَإِذا قَضَيْتُمْ أديتم مَناسِكَكُمْ عبادات حجكم بأن رميتم جمرة العقبة وطفتم واستقررتم بمنى فَاذْكُرُوا اللَّهَ بالتكبير والثناء كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ كما كنتم تذكرونهم عند فراغ حجكم بالمفاخرة أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً من ذكركم إياهم ونصب أشد على الحال من ذكرا المنصوب باذكروا إذ لو تأخر عنه لكان صفة له فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا نصيبنا فِي الدُّنْيا فيؤتاه فيها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200) نصيب وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً نعمة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً هي الجنة وَقِنا عَذابَ النَّارِ (201) بعدم دخولها وهذا بيان لما كان عليه المشركون ولحال المؤمنين والقصد به الحث على طلب خيري الدارين كما وعد بالثواب عليه بقوله أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ ثواب «من» أجل\r______________________________\rويكون الخطاب لعموم الناس. قوله: وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ أي اطلبوا منه مغفرة ذنوبكم بتلك المواضع المطهرة فإنها مهبط تجلي الرحمات وإجابة الدعوات.\rقوله: مَناسِكَكُمْ جمع منسك وهي العبادات التي عين الشارع لها أماكن مخصوصة، كالطواف لا يكون إلا بالبيت، والسعي لا يكون إلا بين الصفا والمروة، والوقوف لا يكون إلا بعرفة، والرمي لا يكون إلا بمنى، فالمعنى أديتم العبادات في أماكنها المعهودة. قوله: (المفاخرة) كانت العرب في الجاهلية بعد فراغ حجهم يذكرون آبائهم بالخصال الحميدة نظما ونثرا فكان الواحد منهم يقول مثلا إن أبي كان كبير الجفنة أي القصعة فتاكا بالشجعان وهكذا لأنه يوما اجتماع للقبائل من العام إلى العام. قوله:\r(من ذكرا المنصوب باذكروا) أي على المصدرية. قوله: (إذ لو تأخر عنه لكان صفة له) أي لأن القاعدة أن نعت النكرة إذا تقدم عليها يعرب حالا وتعرب النكرة بحسب العوامل، فيكون التقدير فاذكروا اللّه ذكرا كائنا كذكركم آباءكم أو أشد.\rقوله: فَمِنَ النَّاسِ هذا بيان لحال من يقف بعرفة، قوله: مِنْ خَلاقٍ من صلة.\rقوله: (نصيب) أي حظ وهذا دعاء غير المؤمنين بغير الآخرة، وقوله ومنهم هذا هو دعاء المؤمنين بها.\rقوله: (نعمة) أي بركة وخيرا وذلك كالعافية والزوجة الحسنة والدار الواسعة وغير ذلك مما يعين على الدار الآخرة فكل أمر في الدنيا يوافق الطبع ويعين على الدار الآخرة فهو من حسنات الدنيا. قوله: (هي الجنة) أي دخولها بسلام بحيث يموت على الإسلام ولا يلحقه حساب ولا عذاب ويرى وجه اللّه الكريم، وهذا أحسن ما فسر به حسنة الدنيا والآخرة، وهو معنى قوله في الحديث لعائشة: «سلي اللّه العافية في الدارين».\rقوله: وَقِنا عَذابَ النَّارِ من عطف اللازم على الملزوم، وأصل قنا أو قنا حذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها في المضارع ثم حذفت الهمزة للإستغناء عنها لأنه أتى بها توصلا للنطق بالساكن وقد زال، وقد ورد أن المؤمن الناجي يكون بينه وبين النار مسيرة خمسمائة عام عرضا وعمقا. قوله: (بعدم دخولها) أي أصلا فلا ندخلها ولا نراها. قوله: (لما كان عليه المشركون) أي هو الأول، وقوله، ولحال المؤمنين أي وهو الثاني.، قوله: (الحث على طلب خيري الدارين) أي لا التخيير بين كونه يدعوه بشيء","part":1,"page":124},{"id":124,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 125\rما كَسَبُوا عملوا من الحج والدعاء وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (202) يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك وَاذْكُرُوا اللَّهَ بالتكبير عند رمي الجمرات فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ أي أيام التشريق الثلاثة فَمَنْ تَعَجَّلَ أي استعجل بالنفر من منى فِي يَوْمَيْنِ أي في ثاني أيام التشريق بعد رمي جماره فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بالتعجيل وَمَنْ تَأَخَّرَ بها حتى بات ليلة الثالث ورمى جماره فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بذلك أي هم مخيرون في ذلك ونفي الأثم لِمَنِ اتَّقى اللّه في حجه لأنه الحاج في الحقيقة وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم وَمِنَ\r______________________________\rيؤتاه في الدنيا فقط، أو بحسنة الدنيا والآخرة، ولخسة الأول في دعائهم لم يبين اللّه ما طلبوه في الدنيا.\rقوله: (ثواب) أي على الطلب فيؤتون سؤالهم ويزادون ثوابا على طلبهم، ذلك لأن الدعاء مع العبادة.\rقوله: (في قدر نصف نهار) بل قد ورد أنه في مقدار ساعة بل ورد أيضا كلمح البصر، وذلك كناية عن عظيم قدرته، فمن كان هذا وصفه ينبغي أن يتقي ويخشى، وما من أحد من لمحاسبين إلا ويرى أنه لا محاسب غيره وذلك بعد انفضاض الموقف الذي تدنو الشمس فيه من الرؤوس، ويسيل العرق في الأرض سبعين ذراعا، وتكون النار حول الخلائق، وتحيط الملائكة بالمخلوقات فيكونون سبع صفوف يحولون بينهم وبين النار، وهو يختلف باختلاف الناس فنسأل اللّه السلامة من أهواله. قوله: (عند رمي الجمرات) أي عند رمي كل حصاة من حصيات الجمار يقول اللّه أكبر، وكذلك عقب الصلوات وعند الذبح بأن يقول:\rبسم اللّه واللّه أكبر اللهم إن هذا منك وإليك، قوله: (أي أيام التشريق الثلاثة) أي وهي ثاني يوم النحر وتالياه، وأما يوم النحر فمعلوم للذبح غير معدود للرمي، واليومان بعده معلومان معدودان، والرابع معدود غير معلوم عند مالك وأبي حنيفة وعند الشافعي معلوم أيضا، وما ذكره المفسر من أن المراد بالأيام المعدودات أيام التشريق الثلاثة هو ما عليه مالك والشافعي، وإطلاق التشريق على الثلاثة اعتبار بمذهب الشافعي، والحاصل أن يوم النحر يفعل فيه رمي جمرة العقبة ثم النحر ثم الحلق ثم طواف الإفاضة، وفي الثاني يرمي ثلاث جمرات يبدأ بالتي تلي مسجد منى ثم بالوسطى ثم يختم بالعقبة، وكذا في الثالث والرابع إن لم يتعجل. قوله: (أي في ثاني أيام التشريق) دفع بذلك ما يتوهم أن له التعجل في كل من اليومين مع أنه لا معنى له. قوله: (بعد رمي جماره) أو هو بعد الزوال ومحل التخيير إن لم تغرب عليه الشمس وهو بمنى وإلا فيلزمه المبيت بها لرمي الثالث، وأصل مشروعية الرمي عند أمر إبراهيم الخليل بذبح ولده، فلما توجه به لمنى تعرض له الشيطان عند المسجد فرماه بسبع حصيات، ثم تعرض له عند الوسطى فرماه أيضا بسبع، ثم تعرض له عند العقبة فرماه أيضا بسبع، فهو ما زال سببه وبقي حكمه.\rقوله: فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ أي لا حرج لأنه رخصة. قوله: (أي هم مخيرون) جواب عن سؤال وهو أن المتأخر أتى بالمطلوب فكيف ينفى عنه الإثم، وأجيب أيضا بأن ذكر الإثم في جانب المتأخر مشاكلة، وأجيب أيضا بأنه رد على من زعم من الجاهلية أن على المعجل الإثم وعلى من زعم منهم أن على المتأخر الإثم. قوله: (و نفي الإثم) لِمَنِ اتَّقى أشار بذلك إلى أن لمن اتقى خبر لمحذوف قدره بقوله ونفي الإثم. قوله: (لأنه الحاج على الحقيقة) وفي نسخة في الحقيقة أي لاستكماله الشروط والآداب، وأما غير المتقي فعليه الإثم مطلقا تعجل أو تأخر كالحاج بالمال الحرام ومرتكب المعاصي. قوله: (فيجازيكم بأعمالكم) أي إن خيرا فخير وإن شرا فشر.","part":1,"page":125},{"id":125,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 126\rالنَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ولا يعجبك في الآخرة لمخالفته لاعتقاده وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ أنه موافق لقوله وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (204) شديد الخصومة لك ولأتباعك لعداوته لك وهو الأخنس بن شريق كان منافقا حلو الكلام للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يحلف أنه مؤمن به ومحب له فيدني مجلسه فأكذبه اللّه في ذلك ومر بزرع وحمر لبعض المسلمين فأحرقه وعقرها ليلا كما قال تعالى وَإِذا تَوَلَّى انصرف عنك سَعى مشى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ من جملة الفساد وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (205) أي لا يرضى به وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ في فعلك أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ حملته الأنفة والحمية على العمل بِالْإِثْمِ الذي أمر بإتقائه فَحَسْبُهُ كافيه جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (206) الفراش هي وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي يبيع نَفْسَهُ أي يبذلها في طاعة اللّه ابْتِغاءَ طلب مَرْضاتِ اللَّهِ رضاه وهو صهيب لما آذاه المشركون هاجر إلى المدينة وترك لهم ماله وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (207) حيث أرشدهم لما فيه رضاه. ونزل في عبد اللّه ابن سلام وأصحابه لما عظموا السبت وكرهوا الإبل بعد الإسلام يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي\r______________________________\rقوله: وَمِنَ النَّاسِ معطوف على قوله فمن الناس من يقول ربنا الآية، فقد قسم اللّه الناس على أربعة أقسام: الأول من يطلب الدنيا لا غير، ومنهم من يطلب الدنيا والآخرة، ومنهم من يظهر أنه من أهل الآخرة مع أنه في الواقع من أهل النار، ومنهم من هو مؤمن ظاهرا وباطنا، وذكرهم على هذا الترتيب. قوله: (الأخنس بن شريق) هذا لقبه واسمه أبي وكان يتبعه ثلاثمئة منافق من بني زهرة، وسبب تلقيبه بالأخنس أنه اختفى يوم بدر هو وجماعته فقال لهم إن انتصر محمد فالعزة لكم لعدم ظهور العداوة منكم، وإن انتصر الكفار فقد كفيتموه. قوله: (حلو الكلام) أي والمنظر قوله: (فيدني مجلسه) أي فيقربه منه، وفي الحديث: «إن لنبش في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم». قوله: (فأكذبه اللّه في ذلك) أي في دعواه وفي حلفه. قوله: (و حمر) جمع حمار. قوله: (و عقرها) أي قطع رجلها.\rقوله: لِيُفْسِدَ فِيها علة لقوله سعى. قوله: وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ تفصيل للإفساد.\rقوله: بِالْإِثْمِ الباه للملابسة، والإتيان بقوله بالإثم يسمى عند علماء البديع تتميما لأنه ربما يتوهم أن المراد عزة ممدوحة. قوله: وَلَبِئْسَ الْمِهادُ أي إن اللّه جعل له جهنم غطاء ووطاء، فأكرمه كما تكرم أم الصبي ولدها بالغطاء والوطاء اللينين وذلك من باب التهكم. قوله: (و هو صهيب) أي ابن سنان الرومي حين أسلم تعرض له المشركون وآذوه، فقال إني رجل كبير مسكين ليس بنافعكم وفراري ليس بضاركم، فإن كان من جهة المال فها هو فتركه وهاجر لرسول اللّه، وقد مدحه رسول اللّه بقوله نعم العبد صهيب لو لم يخف اللّه لم يعصه، أي لو انتفى عنه خوف اللّه لا يقع منه عصيان، لأن طاعته محبة في اللّه لا طمعا في جنة ولا خوفا من نار. قوله: (حيث أرشدهم لما فيه رضاه) أي فقد جعل النعيم الدائم في نظير العمل القليل، فإن الخلود في الجملة جزاء كلمة الإخلاص ومن جملة رأفته مضاعفة الحسنات وعدم مضاعفة السيئات، وعدم مؤاخذة من كفر خوف القتل، وقبول التائب وأن بالغ في العصيان وطال زمانه.\rقوله: (و نزل في عبد اللّه بن سلام) أي وكان من أحبار اليهود. قوله: (و أصحابه) أي الذين أسلموا معه من اليهود. قوله: (لما عظموا السبت) أي احترموه بتحريم الصيد فيه كما كان في شرع موسى. قوله:","part":1,"page":126},{"id":126,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 127\rالسِّلْمِ بفتح السين وكسرها الإسلام كَافَّةً حال من السلم أي في جميع شرائعه وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ طرق الشَّيْطانِ أي تزيينه بالتفريق إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) بين العداوة فَإِنْ زَلَلْتُمْ ملتم عن الدخول في جميعه مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ الحجج الظاهرة على أنه حق فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه شيء عن انتقامه منكم حَكِيمٌ (209) في صنعه هَلْ ما يَنْظُرُونَ ينتظر التاركون الدخول فيه إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ أي أمره كقوله أو يأتي أمر ربك أي عذابه فِي ظُلَلٍ جمع ظلة مِنَ الْغَمامِ السحاب وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ تم أمر هلاكهم وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) بالبناء للمفعول والفاعل في الآخرة فيجازي سَلْ يا محمد\r______________________________\r(و كرهوا الإبل) أي حيث حرموا أكل لحومها وشرب ألبانها. قوله: (بعد الإسلام) أي بعد أن دخلوا في الإسلام لم يتمسكوا بجميع شرائعه، فوبخهم اللّه على ذلك. قوله: (بفتح السين وكسرها) قراءتان سبعيتان هنا وفي الأنفال والقتال لكن الأكثر هنا الكسر وما هناك العكس، وقوله الإسلام إشارة لمعناه هنا على القراءتين، وأما في الأنفال والقتال فمعناه الصلح. قوله: (حال من السلم) أي وهو يذكر ويؤنث فلذا أتى بالتاء في كافة، وقال تعالى أيضا: (و إن جنحوا للسلم فاجنح لها). قوله: (أي تزيينه) أي تحسينه أمورا لكم، والمعنى لا تتبعوا طرق الشيطان التي يزينها لكم بوسوسته. قوله: (بالتفريق) أي بأن تتبعوا محمدا في أمور وموسى في أمور أخر.\rقوله: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ تعليل لما قبله، والعدو هو الذي يسره ما يضرك ويضره ما يسرك. قوله: (بين العداوة) من أبان اللازم، والمعنى أن عداوته بينة وظاهرة لمن نور اللّه بصيرته وأراد به خيرا، قال تعالى:\r(إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا). قوله: (عن الدخول في جميعه) أي جميع أحكامه.\rقوله: مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ إن قلت أن الزلل لا يكون إلا بعد مجيئها أجيب بأن المراد بمجيئها ظهورها ظهورا بينا. قوله: (لا يعجزه شيء) أي فلا تفلتون منه. قوله: حَكِيمٌ (في صنعه) أي يضع الأشياء في محلها ومنها عذاب المفرق.\rقوله: ب هَلْ يَنْظُرُونَ الإستفهام هنا إنكاري توبيخي. قوله: (الدخول فيه) أي في جميع أحكامه.\rقوله: إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ استثناء مفرغ، والمعنى لا ينتظرون شيئا إلا اتيان اللّه في ظلل.\rقوله: (أي أمره) دفع بذلك ما يقال إن الإتيان بمعنى الإنتقال من صفات الحوادث وهي مستحيلة على اللّه تعالى. قوله: فِي ظُلَلٍ ظرف للإتيان المذكور، والمعنى أن اللّه يرسل عليهم العذاب في صورة الرحمة، وذلك لأن شأن السحاب الرقيق أن تأتي بالأمطار التي يكون فيها منافع لهم، وذلك مكر عظيم من اللّه بهم.\rقوله: وَالْمَلائِكَةُ عطف على لفظ الجلالة، والمعنى أن إتيان الملائكة مصاحب لعذاب اللّه المظروف في السحاب الرقيق، وقرىء شاذا بجر الملائكة واختلفوا في عطفه، فقيل معطوف على ظلل وقيل على الغمام. قوله: وَقُضِيَ الْأَمْرُ عبر بالماضي لتحقق وقوعه، فالمقام للمضارع لمناسبة يأتيهم وينظرون وهذا وعيد عظيم لكل من لم يستجمع أحكام الإسلام، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله: (فيجازي كلا بعمله) أي فيحاسبكم على النقير والقطمير ويؤول أمركم إما إلى جنة أو إلى نار.","part":1,"page":127},{"id":127,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 128\rبَنِي إِسْرائِيلَ تبكيتا كَمْ آتَيْناهُمْ كم استفهامية معلقة سل عن المفعول الثاني وهي ثاني مفعولي آتينا ومميزها مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ظاهرة كفلق البحر وإنزال المن والسلوى فبدلوها كفرا وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ أي ما أنعم به عليه من الآيات لأنها سبب الهداية مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ كفرا فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (211) له زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة الْحَياةُ الدُّنْيا بالتمويه فأحبوها وَهم يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا لفقرهم كبلال وعمار وصهيب أي يستهزئون بهم ويتعالون عليهم بالمال وَالَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك وهم هؤلاء فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ\r______________________________\rقوله: سَلْ أصله اسأل نقلت فتحة الهمزة الثانية إلى الساكن قبلها فسقطت تلك الهمزة تخفيفا ثم سقطت همزة الوصل للإستغناء عنها فصار وزنه فل. قوله: (تبكيتا) أي تقريعا وتوبيخا لا للإستفهام منهم، وهذا تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، أي فلا غرابة في عدم إيمانهم بك، فأننا آتيناهم آيات بينات على يد موسى فلم يؤمنوا ولم ينقادوا. قوله: (معلقة سل عن المفعول الثاني) التعليق هو إبطال العمل لفظا لا محلا والإلغاء إبطاله لفظا ومحلا فتكون جملة كم آتيناهم في المعنى في محل المفعول الثاني لسل إن قلت إن التعليق مختص بأفعال القلوب وسل ليست منها، أجيب بأنها سبب للعلم والعلم منها. قوله:\r(و هو ثاني مفعولي آتينا) أي كم ومفعولها الأول الهاء من هم. قوله: (و مميزها) أي مميزكم. قوله: (كفلق البحر) أي اثني عشر طريقا. قوله: (و إنزال المن والسلوى) أي وهم في التيه حين أمروا بقتل الجبارين.\rقوله: (فبدلوها كفرا) هذا إشارة للبدل، والمعنى أن اللّه يأتيهم بالآيات فيبدلونها بالكفر.\rقوله: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ من شرطية ويبدل فعل الشرط، وقوله: فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ جوابه. قوله: مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ أي اتضحت وثبتت له. قوله: (كفرا) هذا هو المفعول الثاني وقد صرح به في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً). قوله: (له) قدره المفسر لصحة جعل الجملة جواب الشرط.\rقوله: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا زين فعل ماض مبني للمفعول، ونائب الفاعل قوله الحياة الدنيا، وللذين كفروا متعلق بزين، وفاعل الزينة حقيقة هو اللّه، والشيطان مجازا، وقرىء ببناء الفعل للفاعل، والحياة مفعول، والفاعل ضمير يعود على اللّه أو الشيطان، وجرد الفعل من العلامة لكون نائب الفعل مجازي التأنيث سيما مع وجود الفاصل. قوله: (من أهل مكة) تخصيص بحسب السبب وإلا فكل كافر كذلك. قوله: (بالتمويه) أي التحسين الظاهر الذي باطنه قبيح. قوله: وَ(هم) يَسْخَرُونَ قدره المفسر إشارة إلى أن الجملة حالية، قال ابن مالك:\rوذات واو بعدها انو مبتدأ ... له المضارع اجعلن مسندا\rقوله: (لفقرهم) أي لتركهم الدنيا وإقبالهم على الآخرة. قوله: (كعمار) أي ابن ياسر. (قوله:\rوبلال) أي الحبشي لما أسلم عذب في اللّه عذابا شديدا، وقوله وصهيب تقدمت قصته. قوله:\rوَالَّذِينَ اتَّقَوْا جملة حالية. قوله: فَوْقَهُمْ أي حسا لكونهم في الجنة وهي عالية وجهنم سافلة، ومعنى لكونهم مكرمين والكفار مهانون. قوله: (و اللّه يرزق) جملة مستأنفة كالدليل لما قبلها.","part":1,"page":128},{"id":128,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 129\rيَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (212) أي رزقا واسعا في الآخرة أو الدنيا بأن يملك المسخور منهم أموال الساخرين ورقابهم كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً على الإيمان فاختلفوا بأن آمن بعض وكفر بعض فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ إليهم مُبَشِّرِينَ من آمن بالجنة وَمُنْذِرِينَ من كفر بالنار وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بمعنى الكتب بِالْحَقِ متعلق بأنزل لِيَحْكُمَ به بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من الدين وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أي الدين إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ أي الكتاب فآمن بعض وكفر بعض مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ الحجج الظاهرة على التوحيد ومن متعلقة باختلف وهي وما بعدها مقدم على الاستثناء في المعنى بَغْياً من الكافرين بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ للبيان الْحَقِّ بِإِذْنِهِ بإرادته وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ هدايته إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) الطريق الحق. ونزل في جهد أصاب المسلمين أَمْ بل أحَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ\r______________________________\rقوله: (أي رزقا واسعا في الآخرة) أي لما في الحديث «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها». قوله: (أو في الدنيا هذا تفسير آخر، وقوله: (بأن يملك المسخور منهم إلخ) أي وقد حصل ذلك بعد الفتح وفي الغزوات، فإنه ما من غزوة إلا ويأخذ منهم الأموال والرقاب في تلك الغزوة، بل زادهم اللّه بأن ملكهم رقاب الملوك وأموالهم، والحاصل أن رزق المؤمن في الدنيا بغير حساب بخلاف الكافر، وفي الحديث: «أبى اللّه أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب»، وأما في الآخرة فالأمر ظاهر.\rقوله: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً أي في مبدأ الدنيا من آدم إلى إدريس وقيل من آدم إلى نوح، والمعنى أنهم كانوا على الحق ولا اختلاف بينهم في تلك المدة، وقيل كانوا على باطل في تلك المدة وهو ضعيف، ولذا لم يعرج عليه المفسر. قوله: (بأن آمن بعض الخ) أي بعد ظهور نوح أو إدريس. قوله:\r(من آمن) هذا معمول مبشرين، وقوله: (من كفر) معمول لمنذرين. قوله: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ) أي مع مجموعهم لا جميعهم. قوله: (بمعنى الكتب) أشار بذلك إلى أن أل جنسية. قوله: (متعلق بأنزل) أي والباء للملابسة. قوله لِيَحْكُمَ يحتمل عود الضمير على اللّه لأنه الحاكم حقيقة، ويحتمل عوده على الأنبياء باعتبار كل فرد من أفرادهم، أي ليحكم كل نبي بين أمته. قوله: (من الدين) بيان لما.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ استثناء مفرغ فالمستثنى منه محذوف، أي وما اختلف فيه أحد إلا الذين أوتوه، والمعنى لم يختلف في الدين أحد إلا الذين أوتوا الكتاب، فالاختلاف من عهد إنزال الكتب، وذلك يؤيد القول بأن الاختلاف من زمن إدريس. قوله: (و هي وما بعدها مقدم على الاستثناء) أي فيكون المعنى وما اختلف في الدين أحد من بعد ظهور الحجج الواضحة حال كون الاختلاف بغيا إلا الذين أوتوه، وإنما جعل مقدما على الاستثناء لئلا يكون الاستثناء المفرغ متعددا مع أنه لا يكون كذلك لأنه يصير المعنى حينئذ: إلا الذين أوتوه إلا من بعد ما جائتهم البينات إلا بغيا بينهم.\rقوله: بَغْياً أي ظلما وتعديا. قوله: (للبيان) أي بيان الأمر الذي اختلفوا فيه. قوله: (بإرادته) أي سبقت إرادته بهداية الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه الكفار. قوله: (هدايته) أشار بذلك إلى أنه مفعول يشاء، وأشار بذلك إلى أن الهداية والاضلال ليسا من فعل الإنسان بل بخلق اللّه، فمن يرد اللّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا. قوله: (طريق الحق) أي دين","part":1,"page":129},{"id":129,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 130\rوَلَمَّا لم يَأْتِكُمْ مَثَلُ شبه ما أتى الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ من المؤمنين من المحن فتصبروا كما صبروا مَسَّتْهُمُ جملة مستأنفة مبينة ما قبلها الْبَأْساءُ شدة الفقر وَالضَّرَّاءُ المرض وَزُلْزِلُوا أزعجوا بأنواع البلاء حَتَّى يَقُولَ بالنصب والرفع أي قال الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ استبطاء للنصر لتناهي الشدة عليهم مَتى يأتي نَصْرُ اللَّهِ الذي وعدناه فأجيبوا من قبل اللّه أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) إتيانه يَسْئَلُونَكَ يا محمد ما ذا يُنْفِقُونَ أي الذين ينفقونه، والسائل عمرو بن الجموح وكان شيخا ذا مال فسأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عما ينفق وعلى من ينفق قُلْ لهم ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ بيان لما شامل للقليل والكثير وفيه بيان المنفق الذي هو أحد\r______________________________\rالإسلام، سمي طريقا لأنه يوصل للمقصود كما أن الطريق كذلك. قوله: (و نزل في جهد) هو بالفتح المشقة. قوله: (أصاب المسلمين) قيل كان ذلك في غزوة الأحزاب حين حاصر الكفار المدينة واحتاطوا بها وقطعوا عنها الوارد ولم يكن بينهم وبين دخولها إلا الخندق، وكانوا إذ ذاك عشرة آلاف مقاتل، فاشتد الكرب والخوف على المسلمين ولا سيما مع وجود ثلاثمائة منافق بين أظهرهم فنزلت الآية.\rقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ قدر المفسر بل إشارة إلى أن أم منقطعة والهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، والمقصود منه تقويتهم على الصبر. قوله: «لم» قدرها إشارة إلى أن لما نافية بمعناها. قوله:\r(ما أتى) قدر ذلك المضاف إشارة إلى أن الشبه في الأمر الذي أتاهم لا في الذوات. قوله: مِنْ قَبْلِكُمْ تأكيد لخلوا. قوله: (من المحن) بيان لما أتى. قوله: (بالنصب والرفع) أي فهما قراءتان سبعيتان والنصب بأن مضمرة وحتى بمعنى إلى وهي تنصب المضارع إذا كان مستقبلا ولا شك أن القول مستقبل بالنسبة للزلزال. إن قلت: إن القول والزلزال قد مضى. فالجواب: أنه على حكاية الحال الماضية، وأما الرفع فهو بناء على أن الفعل بعدها حال مقارن لما قبلها، والحال لا ينصب بعد حتى فتحصل أن لها بعد حتى ثلاثة أحوال: إما أن يكون مستقبلا أو ماضيا أو حالا، فالأول ينصب والأخيران يرفعان. قوله: مَتى نَصْرُ اللَّهِ قدر المفسر يأتي إشارة إلى أن نصر اللّه فاعل بفعل محذوف، ولكن الأحسن جعله مبتدأ مؤخرا ومتى خبر مقدم، وليس قول الرسول قلقا وعدم صبر بل ذلك دعاء وطلب لما وعده اللّه به. قوله: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ أخذ من ذلك أنه إذا اشتد الكرب كان الدعاء بالفرج مستجابا، قال تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) وقد حقق اللّه ذلك سريعا كما قال في سورة الأحزاب: (فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها).\rقوله: يَسْئَلُونَكَ أي أصحابك المسلمون. قوله: ما ذا يُنْفِقُونَ ما اسم استفهام مبتدأ، وذا اسم موصول بمعنى الذي خبره، وجملة ينفقون صلته والعائد محذوف أي ينفقونه، والمعنى أن أصحابك يسألونك عن الشيء الذي ينفقونه هل ينفقون مما تيسر ولو حراما أو يتحرون الحلال، وفي الآية حذف سؤال آخر دل عليه الجواب، والتقدير وعلى من ينفقون، والسؤال عن صدقة التطوع بدليل الجواب.\rقوله: (السائل عمرو) أي إنما جمع السائل في الآية لأن التكليف لكل مسلم، فكان هذا السائل ترجمانا عن كل مسلم، وإنما اعتنى بذلك السؤال لأن الإنسان يوم القيامة ورد أنه يسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه. قوله: (فسأل النبي الخ) أي وحينئذ ففي الآية اكتفاء في السؤال حيث حذف الشق الثاني","part":1,"page":130},{"id":130,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 131\rشقي السؤال وأجاب عن المصرف الذي هو الشق الآخر بقوله فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ أي هم أولى به وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ إنفاق أو غيره فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) فمجاز عليه كُتِبَ فرض عَلَيْكُمُ الْقِتالُ للكفار وَهُوَ كُرْهٌ مكروه لَكُمْ طبعا لمشقته وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ لميل النفس إلى الشهوات الموجبة لهلاكها ونفورها عن التكليفات الموجبة لسعادتها فلعل لكم في القتال وإن كرهتموه خيرا لأن إما الظفر والغنيمة أو الشهادة والأجر، وفي تركه وإن أحببتموه شرا لأن فيه الذل والفقر وحرمان الأجر وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما هو خير لكم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216) ذلك فبادروا\r______________________________\rواكتفى بجوابه. قوله: مِنْ خَيْرٍ أي حلال. قوله: (الذي هو أحد شقي السؤال) أي المذكور في الآية، قوله: (و أجاب أي عن المصرف الخ) أي الذي سؤاله مطوي.\rقوله: وَالْأَقْرَبِينَ أي من أولاد وإخوة وأعمام وعمات، وهو من عطف العام على الخاص، وصرح بذكر الوالدين وإن دخلا في الأقربين اعتناء بشأنهما. قوله: وَالْيَتامى جمع يتيم وهو من فقد أباه وهو دون البلوغ، وقدم اليتامى على المساكين لعجزهم عن التكسب. قوله: وَالْمَساكِينِ المراد بهم ما يشمل الفقراء. قوله: وَابْنِ السَّبِيلِ أي الغريب المسافر. قوله: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ ما شرطية، وتفعلوا فعل الشرط، وما بعد الفاء جوابه، وأتى بتلك الجملة طمأنينة للمؤمن في الاكتفاء بوعد اللّه في المجازاة لأنه وعد بها ووعده لا يتخلف، ومع ذلك لا يغيب عن علمه مثقال ذرة، فيلزم من علمه بالخير من العبد مجازاته عليه، والأسرار بنفقة التطوع أفضل لأن صاحبها من جملة من يظله اللّه في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. قوله: (أو غيره) أي كالكلام اللين الطيب. قوله: فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي وقد التزم جزاءه وحقيق بأن ينجزه.\rقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أي وكان فرضه بعد الهجرة بعد أن نهى رسول اللّه عنه في نيف وسبعين آية، وهو فرض عين إن فجأ العدو، وكفاية إن لم يفجأ بأن كان في بلده ونحن الطالبون له.\rقوله: (الكفار) أي الحربيين أهل الذمة فيحرم قتالهم. قوله: (طبعا) أي فهو مكروه من جهة الطبع ولا يلزم من كون الطبع يكرهه أنه كاره حكم اللّه به، بل هو من باب مخالفة النفس. قوله: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً الترجي في كلام اللّه ليس على بابه بل هو للتحقيق لأنه خبر من أحاط بكل شيء علما، وعسى هنا تامة تكتفي بمرفوعها قال ابن مالك:\rبعد عسى اخلولق أوشك قد يرد ... غنى بأن يفعل عن ثان فقد\r\rقوله: وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ جملة حالية من قوله شيئا أو صفة له، فاستشكل كل منهما بأن الحال لا يتأتى من النكرة بدون مسوغ وبأن الصفة لا تقترن بالواو. وأجيب عن الأول بأن إتيان الحال من النكرة بدون مسوغ قليل، وعن الثاني أن الصفة أجريت مجرى الحال في جواز اقترانها بالواو، قوله الموجبة لسعادتها أي فالسعادة في طاعة اللّه والشقاوة في معاصيه. قوله: (إما الظفر والغنيمة) أي لمن عاش. قوله: (أو الشهادة والأجر) أي لمن مات. قوله: (لأن فيه الذل) أي بغلبة العدو علينا. وقوله: (و الفقر) أي لكونه يسلب مالنا. وقوله: (و حرمان الأجر) أي المترتب على الجهاد في سبيل اللّه وهو مضاعفة الحسنات إلى سبعمائة","part":1,"page":131},{"id":131,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 132\rإلى ما يأمركم به وأرسل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أول سراياه وعليها عبد اللّه بن جحش فقاتلوا المشركين وقتلوا ابن الحضرمي آخر يوم من جمادى الآخرة والتبس عليهم برجب فعيرهم الكفار باستحلاله فنزل يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ المحرم قِتالٍ فِيهِ بدل اشتمال قُلْ لهم قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ عظيم وزرا، مبتدأ وخبر وَصَدٌّ مبتدأ منع للناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دينه وَكُفْرٌ بِهِ باللّه وَصد عن الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي مكة وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ وهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنون وخبر المبتدأ أَكْبَرُ أعظم وزرا عِنْدَ اللَّهِ من القتال فيه وَالْفِتْنَةُ الشرك منكم أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ لكم فيه وَلا يَزالُونَ أي الكفار يُقاتِلُونَكُمْ أيها المؤمنون حَتَّى كي يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إلى\r______________________________\rضعف، وغير ذلك مما وعد اللّه به المجاهدين. قوله: (و أرسل النبي) هذا بيان لسبب نزول هذه الآيات من هنا إلى آخر الربع. قوله: (أول سراياه) أي وكانت تلك السرية إذ ذاك رجال وقيل اثني عشر، أرسلهم النبي لمحل يقال له نخلة جهة الطائف يتجسسون على الكفار ويأتون بأخبارهم، فبينما هم في ذلك الموضع إذ مرت بهم عير لقريش من جهة الطائف ومعها أربعة رجال، فقتل أهل السرية أحد الأربعة وأسروا اثنين وهرب واحد وغنموا العير وما عليها، وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين. وأعلم أن جملة سراياه وغزواته سبعون، والسرية من خمسة رجال إلى أربعمائة وما فوقها يقال لها جيش، ثم صريح المفسر يقتضي أنه لم يكن قبلها سرية، والذي ذكره في المواهب أو أول سرية كانت في رمضان سابع شهر من هجرته عليه الصلاة والسّلام، والثانية في شوال، والثالثة في صفر، وهذه هي الرابعة، وغزا قبل تلك السرية ثلاث غزوات إلا أن يجاب عن المفسر بأن المراد بأول سراياه التي حصل منها القتل والغنيمة للكفار، وأما ما قبلها فلم يقع فيها قتل ولا غنيمة. قوله: (و عليها عبد اللّه بن جحش) أي أميرا وهو ابن عمة رسول اللّه. قوله: (فقاتلوا المشركين) أي الذين كانوا مع العير. قوله: (و التبس عليهم برجب) أي حيث رأوا الهلال كبيرا فالتبس عليهم هل هو ابن ليلة أو ليلتين قول: (تعيرهم الكفار باستحلاله) أي حيث قال الكفار للمسلمين أنتم قد استحللتم القتال في الأشهر الحرم.\rقوله: ويَسْئَلُونَكَ أي سؤال اعتراض. قوله: (بدل اشتمال) أي من الشهر إذ هو مشتمل على القتال لوقوعه فيه.\rقوله: كَبِيرٌ أي إن كان عمدا. قوله: (مبتدأ وخبر) أي والمسوغ وصفه بالجار والمجرور. قوله: وَ(صد عن) قدر ذلك المفسر إشارة إلى أنه معطوف على سبيل مسلط عليه صد، لكن يلزم عليه العطف على المبتدأ قبل استكمال مسوغه، وأجيب بأنه لا يلزم محذور إلا إذا كان المعطوف أجنبيا من المعطوف عليه، وهنا ليس بأجنبي لأن الكفر والصد عن سبيل اللّه والمسجد الحرام من واد واحد. قوله: (و خبر المبتدأ) أي وما عطف عليه وإنما أفرد الخبر لأنه اسم تفضيل مجرد، والقاعدة أن اسم التفضيل إذا كان مجردا أو مضافا لنكرة يلزم أن يكون بلفظ واحد للمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، قال ابن مالك:\rوإن لمنكور يضف أو جردا ... ألزم تذكيرا وإن يوحدا\r\rقوله: وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ المقصود من ذلك تحريض المؤمنين على القتال. قوله: (كي) يَرُدُّوكُمْ أشار بذلك إلى أن حتى للتعليل والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها، وعن دينكم متعلق","part":1,"page":132},{"id":132,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 133\rالكفر إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ بطلت أَعْمالُهُمْ الصالحة فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فلا اعتداد بها ولا ثواب عليها والتقييد بالموت عليه يفيد أنه لو رجع إلى الإسلام لم يبطل عمله فيثاب عليه ولا يعيده كالحج مثلا وعليه الشافعي وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (217) ولما ظن السرية أنهم إن سلموا من الإثم فلا يحصل لهم أجر نزل إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا فارقوا أوطانهم وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لإعلاء دينه أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ثوابه وَاللَّهُ غَفُورٌ للمؤمنين رَحِيمٌ (218) بهم يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ القمار ما حكمهما قُلْ لهم فِيهِما أي في تعاطيهما إِثْمٌ كَبِيرٌ عظيم\r______________________________\rبيردوكم. قوله: إِنِ اسْتَطاعُوا جملة شرطية حذف جوابها لدلالة ما قبلها عليه ومفعولها محذوف أيضا، أي إن استطاعوا ذلك فلا يزالون يقاتلونكم. قوله: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ هكذا القراءة هنا بالفك لا غير، وأما في المائدة ففيها قراءتان بالفك والادغام. قوله: أَعْمالُهُمْ (الصالحة) أي وأما السيئة فباقية يعذبون عليها. قوله: (و عليه الشافعي) هذا ضعيف والمعتمد عنده أنه يرجع له عمله مجردا عن الثواب، وأما عند مالك وأبي حنيفة فهو كالكافر الأصلي إذا أسلم فلا يرجع له شيء من أعماله، ولا يؤمر بالقضاء ترغيبا له في الإسلام إلا ما أسلم في وقته فيفعله، وثمرة الخلاف تظهر في صحابي ارتد ثم عاد للإسلام ولم تثبت رؤيته للنبي بعد ذلك، هل ترجع له الصحبة مجردة عن الثواب، وعليه الشافعي أولا وعليه مالك وأبو حنيفة، وأما زوجته، فتبين منه وترجع له بالإسلام من غير عقد عند الشافعي، وعند مالك وأبي حنيفة لا ترجع له إلا بالعقد، وحكم المرتد عند مالك أنه يستتاب ثلاثة أيام، فان تاب وإلا قتل بعد غروب الثالث. قوله: (و لما ظن السرية الخ) بل ورد أنهم سألوا النبي عن ذلك.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أي وهم عبد اللّه بن جحش ومن معه. قوله: (فارقوا أوطانهم) أشار بذلك إلى معنى الهجرة هنا. قوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي ومن رحمته بهم غفران خطيئتهم وقسم الغنيمة عليهم فإنه نزل بعد هذه الآية: (وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) الآية، فأخذ رسول اللّه الخمس لبيت المال وفرق عليهم الأربعة أخماس.\rقوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ السائل عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وجماعة من الصحابة بقولهم: إن الخمر والميسر يضيعان العقل والمال فأفتنا فيهما، وحاصل ما وقع في الخمر في زمان رسول اللّه أنه نزل فيه أربع آيات: الأولى نزلت بمكة تدل على حله وهي قوله تعالى: (وَ مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً) ثم سأل عمر ومعاذ وجماعة النبي بالمدينة عن حكمه فنزل:\rيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ الآية، فشربها قوم لقوله: وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وامتنع آخرون خوفا من قوله فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ثم إن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما لبعض أصحابه فأكلوا وشربوا الخمر، فحضرت صلاة المغرب فأمهم واحد منهم فقرأ قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون بإسقاط لا إلى آخر السورة فنزل (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) الآية، فحرمت في أوقات الصلاة دون غيرها، ثم إن عتبان بن مالك صنع طعاما لجماعة من الصحابة وفيهم سعد بن أبي وقاص فأكلوا وشربوا الخمر فافتخروا وتناشدوا الشعر، فأنشد سعد قصيدة يمدح بها قومه ويهجو الانصار فشج رجل منهم","part":1,"page":133},{"id":133,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 134\rوفي قراءة بالمثلثة لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ باللذة والفرح في الخمر وإصابة المال بلا كد في الميسر وَإِثْمُهُما أي ما ينشأ عنهما من المفاسد أَكْبَرُ أعظم مِنْ نَفْعِهِما ولما نزلت شربها قوم وامتنع آخرون إلى أن حرمتها آية المائدة وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ أي ما قدره قُلْ أنفقوا الْعَفْوَ أي الفاضل عن الحاجة ولا تنفقوا ما تحتاجون إليه وتضيعوا أنفسكم وفي قراءة بالرفع بتقدير هو كَذلِكَ أي كما بين لكم ما ذكر يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي أمر الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فتأخذون بالأصلح لكم فيهما وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى وما يلقونه من الحرج في شأنهم فإن واكلوهم يأثموا وإن عزلوا ما لهم\r______________________________\rرأسه، فرفع ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فأنزل اللّه آية المائدة إلى قوله: (فهل أنتم منتهون) فقال عمر: انتهينا يا رب، فكان يوم نزولها عيدا عظيما، والخمر كل مائع غيب العقل ولو من غير ماء العنب وهو نجس وفيه الحد قليلا أو كثيرا، بل بالغ بعض المالكية في الحديث أوجبه على من وضع إبرة فيه ومصها وبلع ريقه، والحاصل أن المتخذ من ماء العنب نجس يحرم قليله وكثيرة أسكر أم لا ويحد شاربه بإجماع، وأما المتخذ من غيره من سائر المائعات التي دخلتها الشدة المطربة فكذلك عند الأئمة الثلاثة وبعض الحنفية، وقال بعضهم لا يحرم منه إلا القدر المسكر، وأما الجامد الذي يغيب العقل كالحشيشة والأفيون والبنج والداتورة فطاهر يحرم تعاطي القدر المغيب للعقل منه وفيه الأدب. قوله: (القمار) هو آلات الملاهي التي يلعب بها في نظير مال فيشمل الطاب والشطرنج والسيجة، وأما إن كان بغير مال ففيه خلاف، قيل كبيرة وقيل صغيرة وقيل مكروه. قوله: (أي في تعاطيهما) لا حاجة له بعد تقدير حكمهما. قوله: (بالمثلثة) أي كثير. قوله: (باللذة والفرح) أي القوة على الجماع والشجاعة والكرم. قوله: (إلى أن حرمتها آية المائدة) ظاهره أن آية المائدة نزلت بعد هذه الآية وليس كذلك بل بينهما آية النساء.\rقوله: وَيَسْئَلُونَكَ السائل عمرو بن الجموح المتقدم، فسأل أولا عن جنس المال الذي ينفق منه وعلى من ينفقه، وسأل ثانيا عن القدر المنفق فلم يكن بين السؤالين تكرار، وتقدم الجواب عن الجمع بأنه لما كان ذلك السؤال ينفع جميع الناس فكأن السائل جميع الناس. قوله: (و تضيعوا أنفسكم) أي فالاسراف مذموم وكذا التقتير، قال تعالى: (وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ) الآية، وقال تعالى: (وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً). قوله: (قراءة بالرفع) أي وهي لأبي عمرو من السبع، وسبب القراءتين الاختلاف في إعراب ماذا ينفقون، فمن أعرب ماذا جميعها اسم استفهام معمولا لينفقون فالجملة فعلية فيكون جوابها كذلك، فقوله العفو بالنصب معمول لمحذوف، والجملة في محل نصب مقول القول لأن القول لا ينصب إلا الجمل أو ما قام مقامها، ومن أعرب ما وحدها اسم استفهام مبتدأ وذا اسم موصول خبره وجملة ينفقون صلته فالجملة اسمية فيكون جوابها كذلك، فالعفو بالرفع خبر لمحذوف أي هو العفو، والجملة على كل حال مقول القول وهذا هو المناسب، وإلا فيصح جعل السؤال جملة اسمية، والجواب جملة فعلية وبالعكس. قوله: فِي (أمر) الدُّنْيا أي فتصلحوها ولا تسرفوا ولا تقتروا. قوله: وَالْآخِرَةِ أي فتصلحوها بالأعمال","part":1,"page":134},{"id":134,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 135\rمن أموالهم وصنعوا لهم طعاما وحدهم فحرج قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ في أموالهم بتنميتها ومداخلتكم خَيْرٌ من ترك ذلك وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ أي تخلطوا نفقتكم بنفقتهم فَإِخْوانُكُمْ أي فهم إخوانكم في الدين ومن شأن الأخ أن يخالط أخاه أي فلكم ذلك وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ لأموالهم بمخالطته مِنَ الْمُصْلِحِ بها فيجازي كلا منهما وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ لضيق عليكم بتحريم المخالطة إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب على أمره حَكِيمٌ (220) في صنعه وَلا تَنْكِحُوا تتزوجوا أيها\r______________________________\rالصالحة، فلا تشددوا حتى تملوا، ولا تتركوا حتى تغفلوا بل التوسط مطلوب في أمر الدنيا والآخرة.\rقوله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى سبب نزولها أنه لما نزل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً اشتد الكرب على أولياء الأيتام فشكوا الرسول اللّه ذلك فقالوا يا رسول اللّه إنا إن خالطناهم فبالضرورة لا بد من أكل شيء من أموالهم، وإن عزلناهم يلزم عليه المشقة على اليتامى وعلى أوليائهم فنزلت الآية. قوله: (و ما يلقونه من الحرج) هذا بيان لوجه السؤال كأنه قال ويسألونك عما يلقونه من الحرج في شأن اليتامى، والمراد بالحرج الوعيد الوارد في سورة النساء.\rقوله: (فان واكلوهم) أي خالطوهم. قوله: (يأثموا) أي يقعوا في الأثم المترتب عليه الوعيد، وهذا بيان لوجه الحرج. قوله: (و إن عزلوا مالهم) أي مال اليتامى، وقوله (من أموالهم) أي الأولياء ويصح العكس.\rقوله: (فحرج) أي هو حرج فالجملة جواب الشرط.\rقوله: قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ التنوين عوض عن المضاف إليه أي إصلاحكم لهم خير، والوعيد محمول على الأكل بنية الافساد. قوله: (بتنميتها) الباء للسببية أي بسبب زيادتها بالاتجار فيها، وفي الحديث «اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة». قوله: (و مداخلتكم) أي مخالطتكم لهم بأن تدخلوا أموالهم في أموالكم قوله: خَيْرٌ (من ترك ذلك) أي العزل واختلف في تنمية مال اليتيم بالاتجار ونحوه، فقال مالك حفظ ماله بأي وجه واجب، والأولى أن يكون بالتنمية فهي ليست واجبة وحمل حديث اتجروا على الندب واسم التفضيل على بابه فترك التنمية خير أيضا لكن الأولى التنمية، وقال الشافعي تنميته والاتجار فيه على حسب الطاقة واجب، وحمل الحديث على الوجوب واسم التفضيل في الآية على غير بابه، فترك التنمية لا خير فيه بل هي المتعينة. قوله: (أي فهم إخوانكم) أشار بذلك إلى أنه خبر لمحذوف والجملة جواب الشرط وهذا من التعبير باللازم، ولذا أشار له المفسر بقوله (أي فلكم ذلك).\rقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ أي فيدخل المفسد النار والمصلح الجنة، ودفع بذلك ما يقال ربما الأولياء يدعون الاصلاح بالخلطة، والواقع غير ذلك. قوله: (بتحريم المخالطة) أي بأن يكلف الأولياء بعزل مال اليتيم وطعامه وشرابه، وإن تلف شيء من ذلك فعلى الولي. قوله: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ هذا كالتعليل لما قبله، فالمعنى لو شاء اللّه عنتكم لأعنتكم لأنه غالب على أمره. قوله: حَكِيمٌ (في صنعه) أي يضع الشيء في محله فحيث أوجب اللّه حفظ مال اليتيم سوغ المخالطة وفقا بالأولياء، والحاصل أنه يخرج من تركة أبي الأيتام مؤن تجهيزه، وأما ما أوصى به من السبح والجمع فمن ثلثه إن وسعه، وأما إن لم يوص وقد جرت العادة بذلك والمال واسع وفعل ذلك كبير رشيد، فعند المالكية يلزم الأيتام ذلك ولا","part":1,"page":135},{"id":135,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 136\rالمسلمون الْمُشْرِكاتِ أي الكافرات حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ حرة لأن سبب نزولها العيب على من تزوج أمة وترغيبه في نكاح حرة مشركة وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ لجمالها ومالها وهذا مخصوص بغير الكتابيات بآية والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب وَلا تَنْكِحُوا تزوجوا الْمُشْرِكِينَ أي الكفار المؤمنات حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ لماله وجماله أُولئِكَ أي أهل الشرك يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ بدعائهم إلى العمل الموجب لها فلا تليق مناكحتهم وَاللَّهُ يَدْعُوا على لسان رسله إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ أي العمل الموجب لهما بِإِذْنِهِ بإرادته فتجب إجابته بتزويج أوليائه وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) يتعظون وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ أي الحيض أو مكانه ما ذا يفعل بالنساء فيه قُلْ هُوَ أَذىً قذر أو\r______________________________\rيحرم الأكل منه حيث لا إسراف فيه وعند الشافعية لا يلزم الأيتام ذلك ويحرم الأكل منه، وأما إن كان المال ضيقا فلا يلزم الأيتام ذلك اتفاقا ويحرم الأكل منه، إلا أن يهدي للأيتام ما يفي بما أكله. قوله:\r(تتزوجوا) يشير إلى أن المراد بالنكاح العقد لا الوطء، ولم يرد في القرآن بمعنى الوطء، وسبب نزول الآية أن رجلا من الصحابة كان عاشقا امرأة في الجاهلية، فلما أسلم اجتمع بها في مكة بعد هجرة النبي إلى المدينة فراودته عن نفسه، فقال لها: قد حال بيني وبين ما تطلبينه الإسلام، فقالت له فهل لك في التزوج بي فقال حتى استأذن رسول اللّه فلما أخبره نزلت الآية. قوله: (أيها المسلمون) تفسير للواو في تنكحوا.\rقوله: (الكافرات) أي الغير الكتابيات بدليل ما يأتي في المفسر.\rقوله: حَتَّى يُؤْمِنَ فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة وهي فاعله سكنت وأدغمت في نون الفعل. قوله: خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ اسم التفضيل ليس على بابه أو باعتبار أمر الدنيا قوله: (على من تزوج أمة) أي وهو عبد اللّه بن رواحة أو حذيفة بن اليمان كان عند كل منهما أمة فأعتقها وتزوج بها فعيرا بذلك وفي الحقيقة لم يتزوجا إلا بحرة، وأما التزوج بالأمة من غير عتق فيجوز بشرط أن لا يجد للحرائر طولا وأن يخشى العنت أو تكون أمة كالجد وهذا إن كان يولد له منها وإلا فيجوز بغير شرط، وسيأتي التعرض له في قوله تعالى: (وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا) الآيات.\rقوله: (بغير الكتابيات) أي الحرائر وأما الأمة الكتابية فلا تحل إلا بالملك.\rقوله: وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ القراءة بضم التاء بإجماع، وهو ينصب مفعولين المشركين مفعول أول وقدر المفسر المفعول الثاني، والمعنى لا تزوجوا الكفار ولو أهل كتاب المؤمنات. قوله: (المؤمنات) قدره إشارة إلى مفعول تنكحوا الثاني. قوله: حَتَّى يُؤْمِنُوا أي إلى أن يدخلوا في الإيمان. قوله: وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ الواو للحال ولو شرطية بمعنى أن جوابها محذوف تقديره فلا تزوجوه قوله: إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ قدم الجنة هنا لمناسبة النار، وإلا فالمغفرة سبب في دخول الجنة، والسبب مقدم على المسبب، وقد قدمت في قوله تعالى: (وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ) وقوله تعالى: (سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ). قوله: (بتزويج أوليائه) أي وهم المسلمون. قوله: وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ أي يظهرها ويوضحها لهم وللناس متعلق بيبين.\rقوله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ السائل أبو الدحداح وجماعة من الصحابة، وسبب ذلك أن","part":1,"page":136},{"id":136,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 137\rمحله فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ اتركوا وطأهن فِي الْمَحِيضِ أي وقته أو مكانه وَلا تَقْرَبُوهُنَ بالجماع حَتَّى يَطْهُرْنَ بسكون الطاء وتشديدها والهاء وفيه إدغام التاء في الأصل في الطاء أي يغتسلن بعد انقطاعه فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَ بالجماع مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بتجنبه في الحيض وهو القبل ولا تعدوه إلى غيره إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ يثيب ويكرم التَّوَّابِينَ من الذنوب وَيُحِبُ\r______________________________\rاليهود كانوا يعتزلون النساء في المحيض بالمرة، حتى إنه لا يبيت في مكان فيه حائض، ولا تصنع له حاجة أبدا، ثم اقتدت بهم الجاهلية، وأما النصارى فبخلاف ذلك فإنهم كانوا لا يفرقون بين كونها حائضا أو لا، فبين اللّه أن شرعنا بين ذلك قواما. قوله: (أي الحيض أو مكانه) أعلم أن المحيض مصدر ميمي يصلح للزمان والمكان، فقوله أو مكانه أي أو زمانه، والحيض لغة السيلان يقال حاض الوادي إذا سأل، واصطلاحا دم أو صفرة أو كدرة خرج من قبل من تحمل عادة حالة الصحة والاعتياد، فخرج بقولنا دم الخ القصة البيضاء فإنها علامة الطهر من الحيض لا نفس الحيض، وبقولنا من قبل من تحمل عادة أي وهو ما بين الاثنتي عشرة والخمسين سنة، وأما ما فوق الخمسين إلى الستين من التسعة إلى الاثني عشر يسأل النساء العارفات، فإن قلن إنه حيض كان حيضا. وإلا فلا خرج به من لا تحمل عادة لصغر أو يأس كبنت ست أو سبعين فليس بحيض، وقولنا حالة الصحة والاعتياد خرج بذلك ما نزل على وجه المرض كالسلس فليس بحيض إلا أن تميزه بعد طهر تام وأكثره للمبتدأة نصف شهر فإن زاد كان استحاضة، وللمعتادة عادتها فإن زاد استظهرت عليها بثلاثة أيام ما لم تجاوز نصف شهر وتصير هي مع الاستظهار عادة لها، وأحكام الحيض مفصلة في الفروع. قوله: (ماذا يفعل بالنساء) هذا هو صورة السؤال.\rقوله: قُلْ هُوَ أي المحيض بمعنى الدم السائل لا بالمعنى المصدري الذي هو السيلان ففيه استخدام. قوله: (قذر أو محله) لف ونشر مرتب فإن قوله قذر راجع لتفسيره بالمصدر، وقوله أو محله راجع لتفسيره بالمكان. قوله: فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ مفرع على قوله قُلْ هُوَ أَذىً ولما نزلت هذه الآية فهم بعض الصحابة أن الاعتزال مطلق حتى في المسكن، فقال ناس من الأعراب: يا رسول اللّه البرد شديد والثياب قليلة، فان آثرناهن هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلكت الحيض، فقال إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن ولم تؤمروا باخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم، ثم أعلم أنه يحرم وطء الحائض في الفرج باجماع، وأما التلذذ بما بين السرة والركبة فان كان من الأزار ففيه خلاف، وأما ما عدا ذلك من سائر الجسد فهو جائز باجماع لما في الحديث: «الحائض تشد إزارها وشأنك بأعلاها». قوله: (أي وقته أو مكانه) تفسير له بالزمان أو المكان. قوله: (بالجماع) أي فالمراد قرب خاص. قوله: (و فيه إدغام التاء في الأصل) أي فأصله يتطهرن فلبت التاء طاء ثم أدغمت في الطاء. قوله: (أي يغتسلن بعد انقطاعه) أي الماء إن كان موجودا وقدرن على استعماله وإلا فالتيمم يقوم مقامه، ولا يجوز فربانها بعد الانقطاع وقبل الطهر عند الأثمة الثلاثة، وجوزه أبو حنيفة حيث انقطع بعد مضي أكثره وهو عشرة أيام عنده، وأما ان انقطع قبل مضي أكثره فلا يجوز قربانها إلا بالغسل أو بمضي وقت الصلاة.\rقوله: مِنْ حَيْثُ أي في المكان الذي أمركم اللّه بتجنبه في زمن المحيض. قوله: (و لا تعدوه) بسكون العين وضم الدال، ويصح فتح العين وتشديد الدال. قوله: (إلى غيره) أي وهو الدبر فلا يجوز الايلاج فيه مطلقا زمن الحيض أو لا. قوله: التَّوَّابِينَ أي وهم الذين كلما أذنبوا تابوا. قوله: (من","part":1,"page":137},{"id":137,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 138\rالْمُتَطَهِّرِينَ (222) من الأقذار نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ أي محل زرعكم الولد فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أي محله وهو القبل أَنَّى كيف شِئْتُمْ من قيام وقعود واضطجاع وإقبال وإدبار نزل ردا لقول اليهود: من أتى امرأته في قبلها من جهة دبرها جاء الولد أحول وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ العمل الصالح كالتسمية عن الجماع وَاتَّقُوا اللَّهَ في أمره ونهيه وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ بالبعث فيجازيكم بأعمالكم وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) الذين اتقوه بالجنة وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ أي الحلف به عُرْضَةً علة مانعة لِأَيْمانِكُمْ أي نصبا لها بأن تكثروا الحلف به أَنْ لا تَبَرُّوا\r______________________________\rالأقذار) أي الحسية والمعنوية، وقدم التوابين لئلا يقنطوا وأخر المتطهرين لئلا يعجبوا وان كانوا اعلى منهم.\rقوله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ أي كالأرض تحرث ليوضع فيها البذر، فشبه النساء بالأرض التي تحرث وشبه النطفة بالبذر الذي يوضع في تلك الأرض، وشبه الولد بالزرع الذي ينبت من الأرض، والمراد من تلك الآية بيان الآية المتقدمة وهي قوله: (من حيث أمركم اللّه) فبين أن المراد به موضع الزرع وهو القبل لا غيره. قوله: (و هو القبل) أخذ بعضهم من الآية أنه يحرم وطء النساء في ادبارهن لأنه ليس محل الزرع، وحكمه النكاح وجود النسل، وإنما جعلت الشهوة وسيلة لذلك، وجعلت شهوة النساء أعظم، لأن مشقة النسل عليهن أعظم من الرجال، فتتسلى النساء عن المشقة بعظم الشهوة. قوله: أَنَّى شِئْتُمْ أنى بمعنى كيف فهي لتعميم الأحوال. قوله: (و أدبار) أي فيجامعها من جهة دبرها لكن في الفرج، والوارد في السنة عن رسول اللّه في صفة إتيانه لنسائه أنه كان يجلس بين شعبها الاربع وهي مستلقية على ظهرها، وقال الحكماء ادامة الجماع وهو مضطجع على جنبه يورث وجع الجنب. قوله: (جاء الولد أحول) أي بياض عينه مكان سوادها. قوله: (كالتسمية عند الجماع) أي بأن يقول: بسم اللّه الرحمن الرحيم، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إذا فعل ذلك حفظ الولد من الشيطان، وكتب له بعدد انفاسه وانفاس اولاده حسنات إلى يوم القيامة. قوله: (في أمر) أي بالأتيان في القبل والتسمية وقوله ونهيه عن الأتيان في الدبر، وإنما طلبت التسمية في ذلك الموضع لأنها ذكر في وقت غفلة فيكتب من الذاكرين اللّه في الغافلين، وأهل اللّه في ذلك لهم تجليات ومشاهدات تجل عن الحصر والكيف، وإلى ذلك الإشارة بقوله عليه الصلاة والسّلام: «حبب إليّ من دنياكم ثلاث النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة» حيث قدم النساء، ولا يقال إن الاشتغال بمشاهدة المنعم يحجب عن اللذة، لأنه يقال إنه مقام جمال وبسط لا جلال وقبض، فعند ذلك تزداد القوة لما ورد أن رسول اعطي قوة أربعة آلاف رجل من أهل الدنيا في الجماع، ويقرب ذلك إذا اضافك ملك عظيم وصنع لك طعاما عظيما وجلس معك يباسطك بأنواع المباسطات، فان شهودك له ومسامرته تزيد لذتك في طعامه وشرابه أكثر من تمتعك بذلك في حال غيبتك عنه، فسبحان المعطي المانع.\rقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ أي ملاقوا جزائه.\rقوله: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً سبب نزول هذه الآية أن عبد اللّه بن رواحة كان بينه وبين ختنه أي نسيبه وهو النعمان بن بشير شيء، فحلف أنه لا يواصله أبدا فنزلت، وقيل نزلت في حق الصديق حين حلف على مسطح لما تكلم في الافك أن لا يصله.\rقوله: لِأَيْمانِكُمْ أي افعال بركم، وسميت أيمانا لتعلق الإيمان بها، وقوله أن تبروا الخ بدل من","part":1,"page":138},{"id":138,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 139\rوَتَتَّقُوا فتكره اليمين على ذلك ويسن فيه الحنث ويكفر بخلافها على فعل البر ونحوه فهي طاعة وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ المعنى لا تمتنعوا من فعل ما ذكر من البر ونحوه إذا حلفتم عليه بل ائتوه وكفروا لأن سبب نزولها الامتناع من ذلك وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأقوالكم عَلِيمٌ (224) بأحوالكم لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ الكائن فِي أَيْمانِكُمْ وهو ما يسبق إليه اللسان من غير قصد الحلف نحو لا واللّه وبلى واللّه فلا إثم عليه ولا كفارة وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أي قصدته من الإيمان إذا حنثتم وَاللَّهُ غَفُورٌ لما كان من اللغو حَلِيمٌ (225) بتأخير العقوبة عن مستحقها لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ أي يحلفون أن يجامعوهن تَرَبُّصُ انتظار أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ\r______________________________\rأيمانكم. قوله: (أي نصبا لها) أي عرضا مانعا من فعل البر. قوله: (بأن تكثروا الحلف به) هذا تفسير آخر للآية، فكان المناسب للمفسر أن يأتي بأو. قوله: أَنْ تَبَرُّوا أي تصلوا الرحم مثلا، وقوله:\rوَتَتَّقُوا أي تصلوا أو تصوموا مثلا، وقوله: وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ من عطف الخاص على العام، والمعنى أن الفعل الذي يحصل لكم به خير فلا تحلفوا على تركه وهذا على التفسير الأول، وأما على الثاني فلا يحتاج لتقدير لا وإنما يقدر لام التعليل، أي لا تكثروا الحلف باللّه لما فيه من ابتذال اسمه تعالى في كل شيء قليل أو كثير عظيم أو حقير، لأجل أن تكونوا من أهل البر والتقوى والاصلاح بين الناس، فالنهي عن الكثرة على هذا والإيمان على بابها بمعنى الأقسام، وعرضة بمعنى معروض فهي اسم مفعول أي محل للحلف كغرض الرماة، وعلى الأول فهي بمعنى عارضة، أي لا تجعلوا اللّه مانعا من بركم وتقواكم واصلاحكم بواسطة القسم به. قوله: (فتكره اليمين على ذلك) أي إن كان مندوبا وهو مفرع على التفسير الأول.\rقوله: (فهي طاعة) أي مندوب وتعتريها الحرمة كما إذا حلف على ترك واجب.\rقوله: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ اختلف العلماء في معنى اللغو، فقال الشافعي هو ما سبق إليه اللسان من غير قصد عقد اليمين فلا أثم ولا كفارة له، وقال أبو حنيفة ومالك هو أن يحلف على ما يعتقد فيتبين خلافه، وفي الفروع تفاصيل موكولة لأربابها. قوله: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وقعت هنا لكن بين نقيضين باعتبار وجود اليمين لأنها لا تخلو إما أن لا يقصدها القلب بل جرت على اللسان وهي اللغو عند الشافعي، وإما أن يقصدها وهي المنعقدة، والمعنى لا يؤاخذكم اللّه بغير المقصودة لقلوبكم وإنما يؤاخذكم بالمقصودة لها، وهذا التقرير على مذهب الشافعي، ويقال على مذهب أبي حنيفة ومالك لا يؤاخذكم اللّه باللغو أي بما حلفتم عليه معتقدين حقيقته بحيث يكون اللسان موافقا للجنان، ولكن يؤاخذكم بما حلفتم عليه غير معتقدين حقيقته وهي اليمين الغموس، وقذ نظم الاجهوري من المالكية صور كفارة اللغو والغموس بقوله:\rكفر غموسا بلا ماض بكون كذا ... لغو بمستقبل لا غير فامتثلا\r\rقوله: (لما كان من اللغو) أي والخطأ. قوله: (بتأخير العقوبة عن مستحقها) أي ومن ذلك اليمين الغموس فكفارتها الغمس في جهنم.\rقوله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ حقيقة الايلاء الحلف باللّه أو بغيره على ترك وطء الزوجة المدخول بها المطيقة للوطء أكثر من أربعة أشهر، إما صريحا كلا أطؤك، أو ضمنا كلا أغتسل من جنابة منك، وخكمه كما قال اللّه، وللذين خبر مقدم وتربص مبتدأ مؤخر،","part":1,"page":139},{"id":139,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 140\rفاؤُ رجعوا فيها أو بعدها عن اليمين إلى الوطء فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لهم ما أتوه من ضرر المرأة بالحلف رَحِيمٌ (226) بهم وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ أي عليه بأن لم يفيؤوا فليوقعوه فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لقولهم عَلِيمٌ (227) بعزمهم. المعنى ليس لهم بعد تربص ما ذكر إلا الفيئة أو الطلاق وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ أي لينتظرن بِأَنْفُسِهِنَ عن نكاح ثَلاثَةَ قُرُوءٍ تمضى من حين الطلاق جمع قرء بفتح القاف وهو الطهر أو الحيض قولان، وهذا في المدخول بهن أما غيرهن فلا عدة عليهن لقوله (فمالكم عليهن من عدة) وفي غير الآيسة والصغيرة فعدتهن ثلاثة أشهر والحوامل فعدتهن أن يضعن حملهن كما في سورة الطلاق والإماء\r______________________________\rوالإضافة على معنى في أي انتظار في أربعة أشهر ولها النفقة والكسوة في تلك المدة، لأن الامتناع من قبله بخلاف الناشز فلا نفقة لها ولا كسوة لأن الامتناع منها. قوله: (أي يحلفون أن لا يجامعوهن) بيان لحقيقة الايلاء الشرعي، وإلا فمعناه لغة مطلق الحلف. قوله: أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أي وتحسب من يوم الحلف إن كانت صريحة في ترك الوطء، ومن يوم الرفع للحاكم إن لم تكن صريحة. قوله: (رجعوا فيها) أي في الأربعة أشهر ويلزمه ما يترتب على الحنث من كفارة إن كانت اليمين باللّه أو العتق إن كان به. قوله: (أي عليه) إشار بذلك إلى أن الطلاق منصوب بنزع الخافض. قوله: (فليوقعوه) قدره المفسر إشارة لجواب الشرط، فإن امتنعوا من إيقاعه ومن الوطء فإن الحاكم يأمرها بالطلاق ثم يحكم به، وقيل شيء الطلاق وهو رجعي كالطلاق على المعسر بالنفقة، لأن كل طلاق اوقعه الحاكم فهو بائن إلا المولي والمعسر بالنفقة.\rقوله: (المعنى) أي المراد من قوله تعالى: فَإِنْ فاؤُ الآيتين. قوله: (تربص ما ذكر) أي الأربعة أشهر قوله: (إلا الفيئة أو الطلاق) أي ما لم ترض بالمقام معه بلا وطء، فإن استمرت على ذلك فالأمر ظاهر.\rفإن رفعت ثانيا وشكت للحاكم أمره إما بالفيئة أو الطلاق، فإن امتنع منهما طلق عليه الحاكم.\rقوله: وَالْمُطَلَّقاتُ أي رجعيا أو بائنا. قوله: بِأَنْفُسِهِنَ يحتمل أن الباء زائدة لتوكيد النون أي يتربصن أنفسهن، ويحتمل أنها للتعدية، والمعنى أنهن لا يحتجن لحكم. قوله: (عن النكاح) أي نكاح غير المطلق. قوله: (تمضى من حين الطلاق) أي وتصدق المرأة في ذلك لأنها امينة على فرجها ان مضى زمن تقضي العادة فيه بمضي الثلاثة الأقراء. قوله: (بفتح القاف) أي وأما الضم فجمعه اقراء كقفل واقفال، وإنما ضبطه المفسر بالفتح فقط لأجل جمعه في الآية على قروء، وإلا فهو في نفسه يصح فيه الضم والفتح. قوله: (و هو الطهر) أي وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد في أول امره. قوله: (أو الحيض) أي وإليه ذهب أبو حنيفة وأحمد في آخر امره. قوله: (قولان) أي للعلماء وتظهر ثمرة الخلاف فيما إذا طلقت في طهر ثم حاضت ثم طهرت ثم حاضت ثم طهرت ثم حاضت، فعنمد مالك والشافعي وأحمد في أول امره أنها تحل للأزواج بمجرد رؤية الدم لأن الأقراء قد تمت، وعند أبي حنيفة وأحمد في آخر امره أنها لا تحل حتى تطهر، وأما إذا طلقها في الحيض فلا تحسب ذلك الحيض من العدة اتفاقا، ويأتي الخلاف في الحيضة الرابعة هل تحل بأولها أو بانقضائها. قوله: (و في غير الآيسة) أي وهي بنت كسبعين. قوله: (و الصغيرة) أي المطيقة للوطء ولم تبلغ أوان الحمل. قوله: (كما في سورة الطلاق) راجع للآيسة والصغيرة والحامل، وحاصل ما في المقام أن غير المدخول بها لا عدة عليها في الطلاق حرة كانت أو أمة، وأما المدخول بها ففيها تفصيل، فالآيسة والصغيرة عدتهما ثلاثة أشهر، والحامل وضع حملها كله لا فرق في ذلك كله بين الحرة","part":1,"page":140},{"id":140,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 141\rفعدتهن قرءان بالسنة وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَ من الولد أو الحيض إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَ أزواجهن أَحَقُّ بِرَدِّهِنَ بمراجعتهن ولو أبين فِي ذلِكَ أي في زمن التربص إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً بينهما لا ضرار المرأة وهو تحريض على قصده لا شرط لجواز الرجعة وهذا في الطلاق الرجعي وأحق لا تفضيل فيه إذ لاحق لغيرهم في نكاحهن في العدة وَلَهُنَ على الأزواج مِثْلُ الَّذِي لهم عَلَيْهِنَ من الحقوق بِالْمَعْرُوفِ شرعا من حسن العشرة وترك الضرار ونحو ذلك وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ فضيلة في الحق من وجوب طاعتهن لهم لما ساقوه من المهر والإنفاق وَاللَّهُ عَزِيزٌ في ملكه حَكِيمٌ (228) فيما دبره لخلقه الطَّلاقُ أي التطليق الذي يراجع بعده مَرَّتانِ أي اثنتان فَإِمْساكٌ أي فعليكم بعده بأن تراجعوهن بِمَعْرُوفٍ من غير إضرار أَوْ تَسْرِيحٌ أي إرسالهن بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أيها\r______________________________\rوالأمة، وأما من يأتيها الحيض فعدتها ثلاثة أقراء إن كانت حرة، وقرءان إن كانت أمة، وهذا في الطلاق، وأما في الوفاة فسيأتي أنها للحرة أربعة أشهر وعشرة وللأمة نصفها، وللحامل وضع الحمل. قوله: (من الولد أو الحيض) أي أو عيوب الفرج كالرتق والقرن والعفل والبخر والإفضاء.\rقوله: إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ هذا من باب الزجر والتشديد عليهن، وجواب الشرط محذوف دل عليه قوله فلا يحل. قوله: وَبُعُولَتُهُنَ جمع بعل يطلق على الرجل والمرأة، لكن المراد به هنا الرجل، فالتاء لتأنيث الجمع لأن كل جمع يجوز تأنيثه. قوله: (لا ضرار المرأة) فتحرم الرجعة إذ ذاك ويعتريها الوجوب إن خشي على نفسه الزنا، وتكره إن أشغلته عن عبادة مندوبة، وتندب إن كانت تعينه على تلك العبادة.\rقوله: (لجواز الرجعة) أي مضيها فلا ينافي أنه شرط في جواز القدوم عليها. قوله: (في نكاحهن في العدة) صوابه أو يقول فلا حق لغيرهم في ردهن ورجعتهن كما عبر به غيره تأمل. قوله: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَ حاصله أن الرجل له حقوق على المرأة من طبخ وعجن وكنس وغير ذلك من الخدمة الباطنية، وللمرأة حقوق على الرجل من نفقة وكسوة وإظهار محبة وغير ذلك، فالمماثلة في الآية في مطلق الوجوب لا في صفة الحقوق، وفي الآية احتباك حيث حذف من كل نظير ما اثبته في الآخر، يشير لذلك تقدير المفسر قوله: (الأزواج) وقوله: (لهم). قوله: (فضيلة في الحق) أي فحق الرجل زائد على حقها. قوله: (لما ساقوه) علة لوجوب طاعتهن لهم ومعناه دفعوه، وقوله من المهر والانفاق بيان لما.\rقوله: الطَّلاقُ مَرَّتانِ سبب نزول هذه الآية أنه كان في صدر الإسلام إذا طلق الرجل امرأته طلاقا رجعيا وراجعها في العدة كان له ذلك ولو طلق الف مرة، فطلق رجل امرأته طلقة رجعية ثم راجعها قبل انقضاء عدتها بشيء يسير فقال: واللّه لا آويك ولا تحلين لغيري أبدا فنزلت الآية فاستأنف الناس الطلاق والغوا ما مضى، وقوله مرتان أي مرة بعد أخرى أو المرتان دفعة وهو تخصيص لقوله:\r(و بعولتهن أحق بردهن) في ذلك. قوله: (أي التطليق) إنما فسر اسم المصدر بالمصدر لأجل قوله أو تسريح. قوله: (أي اثنتان) دفع بذلك ما يتوهم أنه لا بد أن يكون على مرتين. قوله: (أي فعليكم) قدر ذلك إشارة إلى أن إمساك مبتدأ خبره محذوف، وقدره مقدما عليه ليكون مسوغا للابتداء بالنكرة. قوله:\rأَوْ تَسْرِيحٌ يحتمل أن المراد بذلك إنشاء طلاق ثالث بعد المراجعة الثانية، ويحتمل أن المراد عدم","part":1,"page":141},{"id":141,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 142\rالأزواج أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَ من المهور شَيْئاً إذا طلقتموهن إِلَّا أَنْ يَخافا أي الزوجان أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أي لا يأتيا بما حده لهما من الحقوق وفي قراءة يخافا بالبناء للمفعول فأن لا يقيما بدل اشتمال من الضمير فيه وقرىء بالفوقانية في الفعلين فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ نفسها من المال ليطلقها أي لا حرج على الزوج في أخذه ولا الزوجة في بذله تِلْكَ الاحكام المذكورة حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِنْ طَلَّقَها الزوج بعد الثنتين فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ بعد الطلقة الثالثة حَتَّى تَنْكِحَ تتزوج زَوْجاً غَيْرَهُ ويطأها كما في الحديث، رواه الشيخان فَإِنْ طَلَّقَها\r______________________________\rالمراجعة إذا طلقها ثانيا، وأما الطلقة الثالثة فمأخوذة من قوله تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) وهو الأقرب لأنه المتبادر من المفسر، فالرجل مخير في عدة الطلقة الأولى بين أن يراجعها بالمعروف أو يسرحها من غير مراجعة، وكذا في عدة الثانية. قوله: بِإِحْسانٍ أي فيؤدي ما عليه لها من الحقوق ولا يذكرها بسوء. قوله: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً يوضح بمعنى الآية قوله تعالى (و آتيتم إحداهن قنطارا) الآيتين. قوله: (من المهور) بيان لما. قوله: (إذا طلقتموهن) أي وأما إن كانت في عصمته ووهبت له صداقها أو بعضه فلا بأس بذلك. قوله: (ألا يقيما حدود اللّه تعالى) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بمن، التقدير من عدم إقامتها حدود اللّه، وسبب نزولها أن امرأة اسمها جميلة بنت عبد اللّه بن أبي بن سلول كانت تبغض زوجها ثابت بن قيس فشكت للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حيث قالت يا رسول اللّه إني لا أعيبه في دين ولا في خلق غير أني وجدته مقبلا في جماعة فرأيته أشدهم سوادا وقصرا وأقبحهم وجها لا يجمع رأسي ورأسه شيء وإني لأكره الكفر في الإسلام، فلما نزلت هذه الآية أمرها رسول اللّه بالفداء فأخذ ما كان أعطاه لها وطلقها، وكان قد أمهرها حديقة. قوله: (و في قرءاة) أي فهما سبعيتان. قوله: (بالبناء للمفعول) أي فالضمير نائب فاعل والفاعل ولاة ولاة الأمور، أي فإن خاف ولاة الأمور الزوجين وأن لا يقيما بدل اشتمال من نائب الفاعل، قوله: (و قرى) أي قراءة شاذة.\rقوله: فَإِنْ خِفْتُمْ خطاب لولاة لأمور. قوله: فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ أي كان بمهرها أو أقل أو أكثر.\rقوله: (لا حرج على الزوج في أخذه) أي لعدم ظلمه لها، وقوله: (و لا على الزوجة في بذله) أي لدفعها الضرر عن نفسها. قوله: فَلا تَعْتَدُوها أي تتجاوزوها بأن تعينوا الظالم على المظلوم منهما. قوله:\rوَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ ذكر هذا الوعيد بعد النهي عن تعديها للمبالغة في التهديد. وقوله: الظَّالِمُونَ أي لأنفسهم بتعريضها لسخط اللّه تعالى وعقابه.\rقوله: فَإِنْ طَلَّقَها أي طلقة ثالثة سواء وقع الاثنتان في مرة أو مرتين، والمعنى فإن ثبت طلاقها ثلاثا في مرة أو مرات فَلا تَحِلُ الخ، كما إذا قال لها أنت طالق ثلاثا أو البتة وهذا هو المجمع عليه، وأما القول بأن الطلاق الثلاث في مرة واحدة لا يقع إلا طلقة فلم يعرف إلا لابن تيمية من الحنابلة، وقد ورد عليه أثمة مذهبه حتى قال العلماء إنه الضال المضل، ونسبتها للإمام أشهب من أئمة المالكية باطلة.\rقوله: حَتَّى تَنْكِحَ المراد به هنا العقد مع الوطء كما بين ذلك في الحديث والإجماع عليه، خلافا لما نقل عن ابن المسيب أن العقد كاف في التحليل. قوله: زَوْجاً أي لا سيدا فلا يقع به تحليل، ولا بد من","part":1,"page":142},{"id":142,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 143\rأي الزوج الثاني فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أي الزوجة والزوج الأول أَنْ يَتَراجَعا إلى النكاح بعد انقضاء العدة إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ المذكورات حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) أي يتدبرون وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ قاربن انقضاء عدتهن فَأَمْسِكُوهُنَ بأن تراجعوهن بِمَعْرُوفٍ من غير ضرار أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ اتركوهن حتى تنقضي عدتهن وَلا تُمْسِكُوهُنَ بالرجعة ضِراراً مفعول له لِتَعْتَدُوا عليهن بالإلجاء إلى الافتداء والتطليق وتطويل الحبس وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بتعريضها إلى عذاب\r______________________________\rكون الزوج بالغا عند مالك لقوله في الحديث «حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته» ولا عسيلة للصبي، وقال الشافعي بعدم اشتراط بلوغه، ومن هنا المسألة الملفقة وهي أن يقلد الشافعي في صحة تحليل غير البالغ، ومالكا في صحة طلاق وليه عنه لمصلحة وفي عدم العدة عليها من وطئه، وهذه المسألة قال العلماء فيها الورع تركها، ويشترط للتحليل عند مالك شروط عشرة تعلم من الفروع. قوله: (و يطؤها) أي ولا يشترط الأنزال. قوله: (كما في الحديث) وهو أنه جاءت امرأة تسمى تميمة القرظية وكانت متزوجة بابن عمها رفاعة القرظي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت يا رسول اللّه إن رفاعة أبتّ طلاقي فتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير بفتح الزاي، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول اللّه وقال أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته، فمكثت مدة ثم جاءت ثانيا لرسول اللّه وقالت إنه مسني وذقت منه وذاق مني، فقال لها رسول اللّه إن قولك الأول كذبك الآن، فجاءت للصديق في خلافته وقالت له مثل ما قالت لرسول اللّه، فقال لها إني شهدت مجيئك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكلامك له، لا ترجعي، فجاءت لعمر في خلافته فقالت له كذلك فقال لها إن عدت لرفاعة رجمتك. قوله: (رواه الشيخان) أي عن عائشة.\rقوله: أَنْ يَتَراجَعا (إلى النكاح) أي بعقد ومهر وولي وشهود. قوله: (بعد انقضاء العدة) أي فلا بد من عدتين: عدة للزوج الأول وعدة للثاني. قوله: أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول ظن الثاني، ومعنى إقامة حدود اللّه زوال ما في أنفسهما من الكدر الذي كان سببا في الطلاق. قوله: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ خصهم لأنهم المنتفعون بتلك الأحكام وهم الذين يعقلون الخطاب.\rقوله: (أي يتدبرون) أي ينظرون في عواقب أمورهم (تنبيه): يقع الطلاق فيما ذكر ولو كان سكرانا بحرام لعدم عذره بذلك أو في حماقة، وليست الحماقة من باب الإكراه الذي قال فيه رسول اللّه «لا طلاق في إغلاق»، خلافا لمن يفتي بذلك فإنه ضال مضل، اللهم إلا أن يطيش عقله فلا يعرف الأرض من السماء ويصير كالمجنون فلا شيء عليه.\rقوله: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ أي طلاقا رجعيا وإنما كرره للإيضاح. قوله: (قاربن انقضاء عدتهن) أي أشرفهن عليها. قوله: (مفعول له) أي لإجله. قوله: لِتَعْتَدُوا علة لقوله ضرارا. قوله:\r(بالإلجاء) أي الأضطرار. قوله: (تطويل الحبس) أي العدة. قوله: فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ أي لما في الحديث: «بغلبن كريما ويغلبهن لئيم، فأحب أن أكون كريما مغلوبا ولا أحب أن أكون لئيما غالبا». قوله:","part":1,"page":143},{"id":143,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 144\rاللّه وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً مهزوءا بها بمخالفتها وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالإسلام وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ القرآن وَالْحِكْمَةِ ما فيه من الأحكام يَعِظُكُمْ بِهِ بأن تشكروها بالعمل به وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) لا يخفى عليه شيء وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ انقضت عدتهن فَلا تَعْضُلُوهُنَ خطاب للأولياء أي تمنعوهن من أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَ المطلقين لهن لأن سبب نزولها أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها فأراد أن يراجعها فمنعها معقل بن يسار كما رواه الحاكم إِذا تَراضَوْا أي الأزواج والنساء بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ شرعا ذلِكَ النهي عن العضل يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لأنه المنتفع به ذلِكُمْ أي ترك العضل أَزْكى خير لَكُمْ وَأَطْهَرُ لكم ولهم لما يخشى على الزوجين من الريبة بسبب العلاقة بينهما وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فيه المصلحة وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (232) ذلك فاتبعوا أمره وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أي ليرضعن أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ عامين كامِلَيْنِ صفة مؤكدة ذلك لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ولا زيادة عليه وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ أي\r______________________________\r(بمخالفتها) أي فأطلق الاستهزاء وأراد المخالفة، قوله: (ما فيه من الأحكام) أي العلوم النافعة. قوله:\r(بالعمل به) أي ولا تتخذوها هزوا. قوله: (لا يخفى عليه شيء) أي فيثيب المطيع ويعذب العاصي.\rقوله: (انقضت عدتهن) أي فبلوغ الأجل في المحلين مختلف. قوله: (خطاب للأولياء) أي وأما الخطاب في طلقتم فهو خطاب للأزواج، ويصح أن يكون خطابا للأولياء أيضا، والمعنى إذا رفعن أمورهن إليكم أيها الأولياء وتسببتم في طلاقهن من أزواجهن، ثم زال ما في النفوس وأرادوا العقد على أزواجهم فلا يكن منكم عضل لهن من ذلك. قوله: (أن أخت معقل) أي واسمها جميلة. قوله: (طلقها زوجها) أي واسمه عاصم بن عدي. قوله: (أي الأزواج والنساء) وغلب الذكور لشرفهم وهو جمع باعتبار أفراد الرجال والنساء. قوله: (لأنه المنتفع به) جواب عما يقال لمن خص المؤمنين. قوله: (بسبب العلاقة) أي الارتباط.\rقوله: (فاتبعوا أمره) أي ولا تطيعوا أنفسكم في العضل، فمتى كان لكم منهما رغبة في الآخر فلا يكن منكم منع في ذلك لأنه لا مصلحة فيه، وقد جرت عادة اللّه في كتابه أنه يتخلل الأحكام والقصص بالمواعظ الجليلة، وفي الحديث «كان يتخولنا بالمواعظ مخافة السآمة» علينا. قوله: (أي ليرضعن) فسره بالأمر إشارة إلى أن الجملة خبرية لفظا إنشائية معنى فالمقصود منها الأمر وهو للندب للأم بشروط ثلاثة إن كان للولد أب موسر، أو مال، ووجد من ترضعه غير أمه وقبلها، فإن فقد شرط منها وجب عليها الرضاع.\rقوله: أَوْلادَهُنَ أي ذكورا أو إناثا. قوله: كامِلَيْنِ هذا تقريب عند مالك فألحق الشهران بالحولين وتحديد عند الشافعي. قوله: (صفة مؤكدة) أي لدفع توهم تسمية الأقل منهما باسم الكامل تسمحا، والمقصود من النص على الحولين قطع النزاع بين الزوجين حيث اراد أحدهما أكثر من الحولين أو أقل، والآخر الحولين فإنه يقضى لمن ارادهما. قوله: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ الجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف قدره المفسر بقوله ذلك وهو جواب عن سؤال مقدر. قوله: (و لا زيادة عليه) أي خلافا لمن قال إذا شحت المرأة قضي لها بثلاثين شهر أو لمن قال بثلاثة أعوام. قوله: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ أي","part":1,"page":144},{"id":144,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 145\rالأب رِزْقُهُنَ إطعام الوالدات وَكِسْوَتُهُنَ على الإرضاع إذا كن مطلقات بِالْمَعْرُوفِ بقدر طاقته لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها طاقتها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها بسببه بأن تكره على إرضاعه إذا امتنعت وَلا يضار مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ أي بسببه بأن يكلف فوق طاقته وإضافة الولد إلى كل منهما في الموضعين للاستعطاف وَعَلَى الْوارِثِ أي وارث الأب وهو الصبي أي على وليه في ماله مِثْلُ ذلِكَ الذي على الأب للوالدة من الرزق والكسوة فَإِنْ أَرادا أي الوالدان فِصالًا فطاما له قبل الحولين صادرا عَنْ تَراضٍ اتفاق مِنْهُما وَتَشاوُرٍ بينهما لتظهر مصلحة الصبي فيه فَلا جُناحَ عَلَيْهِما في ذلك وَإِنْ أَرَدْتُمْ خطاب للآباء أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ مراضع غير الوالدات فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فيه إِذا سَلَّمْتُمْ إليهن ما آتَيْتُمْ أي أردتم إيتاءه لهن من الأجرة بِالْمَعْرُوفِ بالجميل كطيب النفس وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)\r______________________________\rالمنسوب له الولد احترازا عن ابن الزنا، ومن نفاه أبوه بلعان فلا يلزم أباه شيء من أجله لقطع نسبه.\rقوله: رِزْقُهُنَ أي دفع الرزق بمعنى الأجرة التي يتحصل بها الطعام والشراب والكسوة. قوله: (إذا كن مطلقات) أي بائنا، وأما الرجعيات واللاتي في العصمة فلا يلزمه أجرة على الرضاع عند الشافعي وكذا عند مالك في غير من شأنها عدم الأرضاع بنفسها كنساء الملوك، وأما هي فلها أن تأخذ الأجرة على ذلك، هكذا حمله المفسر على غير الزوجة، وبعضهم حمله على ما يعم الزوجة بمعنى أن الزوجة تأخذ الأجرة على الرضاع ولو ناشزا ولو يجرى على حكم النفقة الزوجية. قوله: (بقدر طاقته) أي عسرا ويسرا.\rقوله: لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ ببناء الفعل للمجهول ونفس نائب الفاعل، وفي قراءة يكلف نفسا ببناء للفاعل، والفاعل هو اللّه سبحانه وتعالى. قوله: (بأن تكره على إرضاعه) أي بغير أجرة أو بأجرة دون أجرة المثل حيث طلبتها، قوله: (إذا امتنعت) أي ووجد غيرها وقبلها الولد وكان الأب موسرا وللولد مال، وإلا أكرهت الأم على إرضاعه إما بنفسها أو تكري له من يرضعه، قوله: (في ماله) أي وهو مقدم ثم مال الأب ثم مال الأم عند مالك، قوله: (للوالدة) أي المرضعة والدة كانت أو غيرها.\rقوله: فَإِنْ أَرادا فِصالًا هذا تقييد لما تقدم في قوله حولين كاملين. قوله: عَنْ تَراضٍ الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لفصالا قدره المفسر بقوله صادرا. قوله: (في فعل ذلك) أي ولا في الزيادة على الحولين عند الاتفاق بل هو جائز شرعا، ومنعه الحكماء لما فيه من توريث البلادة للطفل. قوله:\r(مراضع) مفعول أول لتسترضعوا مؤخر، وأولادكم مفعول ثان مقدم على حذف الجار أي إن أردتم أن تطلبوا مراضع لأولادكم، لأن أفعل إذا كان متعديا إلى مفعول واحد وزيدت فيه السين للطلب، أو النسبة يصير متعديا إلى مفعولين كما قال الزمخشري، وقال الجمهور إنما يتعدى للثاني بحرف الجر فيكون أولادكم منصوبا بنزع الخافض، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول أردتم. قوله: (غير الوالدات) أي حيث كانت أجرة الغير أقل من أجرة الأم أو كانت الغير ترضع مجانا، أما إذا استويا فالأم أولى. قوله:\rإِذا سَلَّمْتُمْ ليس شرطا لصحة الإجارة بل هو بيان للأكمل لأن التعجيل أطيب لنفوسهن. قوله:\rبِالْمَعْرُوفِ فيه ثلاثة أوجه أحدها أنه متعلق بسلمتم، الثاني أنه متعلق بآتيتم، الثالث أنه حال من فاعل سلمتم أو آتيتم، والعامل فيه حينئذ محذوف أي ملتبسين بالمعروف. قوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ مبالغة في","part":1,"page":145},{"id":145,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 146\rلا يخفى عليه شيء منه وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ يموتون مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ يتركون أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ أي ليتربصن بِأَنْفُسِهِنَ بعدهم عن النكاح أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً من الليالي وهذا في غير الحوامل وأما الحوامل فعدتهن أن يضعن حملهن بآية الطلاق والأمة على النصف من ذلك بالسنة فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَ انقضت مدة تربصهن فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أيها الأولياء فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَ من التزين والتعرض للخطاب بِالْمَعْرُوفِ شرعا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) عالم بباطنه كظاهره وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ لوحتم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ المتوفى عنهن أزواجهن في العدة كقول الإنسان مثلا إنك لجميلة ومن يجد مثلك ورب راغب فيك أَوْ أَكْنَنْتُمْ أضمرتم فِي أَنْفُسِكُمْ من قصد نكاحهن عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَ بالخطبة ولا تصبرون\r______________________________\rالمحافظة على ما شرع في أمر الأطفال والمراضع.\rقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ بضم الياء مبنيا للمفعول، وفي قراءة بفتحها مبنيا للفاعل، والمعنى عليها يستوفون آجالهم. قوله: (يموتون) المناسب تقبض أرواحهم ليناسب الفعل المبني للمفعول. قوله:\rأَزْواجاً جمع زوج بمعنى زوجة لأن الزوج يقع على الذكر والأنثى. قوله: (أي ليتربصن) أشار بذلك إلى أن المراد من الآية الأمر وإن كان ظاهرها الخبر له. قوله: بِأَنْفُسِهِنَ الباء زائدة للتأكد والأصل يتربصن أنفسهن يعني لا بواسطة حكم حاكم، فإن العدة لا تحتاج لذلك. قوله: (بعدهم) الضمير عائد على اسم الموصول الواقع على الرجال، وقدره المفسر ليصح الأخبار بجملة يتربصن عن الموصول هكذا أعرب المفسر، وبعضهم قدر في المبتدأ فقال وأزواج الذين يتوفون، وبعضهم قدر في الخبر حيث قال والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا أزواجهم يتربصن، فأزواجهم مبتدأ، وجملة يتربصن خبره، والمبتدأ وخبره خبر الأول والرابط موجود. قوله: (عن النكاح) أي نكاح الغير لهن.\rقوله: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً إما مفعول ليتربصن على حذف مضاف أي مضى أربعة أشهر وعشر أو ظرف له. قوله: (من الليالي) أي مع النهار وخص الليالي لسبقها على النهار. قوله: (و هذا في غير الحوامل) أي ما تقدم من العموم لا يتناول الحوامل والاماء. قوله: (أن يضعن حملهن) أي كله ولو علقة أو مضغة فلا تحل إلا بوضعه ولو مكث الزمن الطويل في بطنها. قوله: (و الأمة) بالجر معطوف على الحوامل. قوله: (على النصف من ذلك) أي فعدتها شهران وخمس ليال وهو خبر لمبتدأ محذوف تقديره وهي على النصف من ذلك وأعلم أن ذلك تعبد أمرنا به الشارع ولم نعقل له معنى، ولذا أمرت بتلك العدة الصغيرة وزوجة الصغير، وما قيل إنه معلل بوجود حركة الحمل بعد الأربعة أشهر فغير مطرد في الأمة الصغيرة وزوجة الصغير. قوله: (بالسنة) أي الدليل السني. قوله: (من التزين) أي الشرعي بأن تفعل ذلك ببيتها. قوله: (و التعرض للخطاب) معطوف على التزين فلا يحرم كل من التزين والتعرض للخطاب بعد العدة، وأما فيها فيحرم على الأولياء وعليهن إذا بلغن ويجب عليهن كفهن ولو بالشتم والضرب،\rقوله: فِيما عَرَّضْتُمْ التعريض هو الكلام الذي يفهم منه المقصود بطرف خفي. قوله:\rمِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ بكسر الخاء التماس النكاح قوله: (و رب راغب) رب للتكثير.\rقوله: أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ أي ولو أخبرتم بذلك غير المجبر لها، فالحرمة في التصريح لها أو","part":1,"page":146},{"id":146,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 147\rعنهن فأباح لكم التعريض وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا أي نكاحا إِلَّا لكن أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً أي ما عرف شرعا من التعريض فلكم ذلك وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ أي على عقده حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أي المكتوب من العدة أَجَلَهُ بأن ينتهي وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ من العزم وغيره فَاحْذَرُوهُ أن يعاقبكم إذا عزمتم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن يحذره حَلِيمٌ (235) بتأخير العقوبة عن مستحقها لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَ وفي قراءة تماسوهن أي تجامعوهن أَوْ لم تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً مهرا، وما مصدرية ظرفية أي لا تبعة عليكم في الطلاق زمن عدم المسيس والفرض باثم ولا مهر فطلقوهن وَمَتِّعُوهُنَ أعطوهن ما يتمتعن به عَلَى الْمُوسِعِ الغني منكم قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ الضيق\r______________________________\rلوليها المجبر. قوله: (فأباح لكم التعريض) أي والأضمار في أنفسكم وهو تفريع على قوله علم اللّه الواقع علة لقوله ولا جناح عليكم، والمعنى إنما لم يحرم عليهم التعريض والأضمار في الأنفس لعلمه أنه إن حرم عليكم ذلك لوقعتم فيما هو أعظم الذي هو التصريح فأباح لكم التعريض. قوله: سِرًّا هو في الأصل ضد الجهر أطلق وأريد منه الوطء لأنه لا يكون إلا كذلك، ثم أطلق وأريد منه العقد لأنه سببه فهو مجاز على مجاز. قوله: (أي نكاحا) أي عقدا. قوله: إِلَّا (لكن) أَنْ تَقُولُوا الخ. جعل المفسر الاستثناء منقطعا لأن التعريض ليس من المواعدة، والمواعدة إنما تحرم إذا كانت من الجانبين، وأما من جانب فتكره عند مالك. قوله: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ أي فالعقد في العدة فاسد، ويفسخ، فإن انضم لذلك العقد مباشرة ولو بعد العدة تأبد تحريمها عند مالك، وعند الشافعي يفسخ العقد فقط، وله العقد عليها ثانية بعدها. قوله: (من العزم) أي التصميم على العقد فالعزم يؤاخذ الإنسان به خيرا كان أو شرا، وقد نظم بعضهم الأمور التي تطرأ على الشخص فقال:\rمراتب القصد خمس هاجس ذكروا ... فخاطر فحديث النفس فاستمعا\r\rيليه هم فعزم كلها رفعت ... سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا\r\rقوله: فَاحْذَرُوهُ أي اللّه بمعنى احذروا عقابه. قوله: (لمن يحذره) أي يخافه، ففي الحديث:\r«إذا أذنب العبد ذنبا وعلم أن اللّه يغفره غفر له بمجرد فعله الذنب». قوله: (بتأخير العقوبة عن مستحقها) أي فلا يغتر العاصي بذلك فلربما يكون ذلك التأخير استدراجا له.\rقوله: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ سبب نزولها أن رجلا من الأنصار تزوج امرأة تفويضا ثم طلقها قبل الدخول، فرفعته لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت، فقال له رسول اللّه أمتعها ولو بقلنسوتك. قوله: ما لَمْ تَمَسُّوهُنَ فعله مس مسند للرجل لأنه الأقوى في المس، والأقرب أن ما شرطية بمعنى إن وليست مصدرية ظرفية كما قال المفسر، لأن محل الظرفية فيما يقتضي الامتداد كقوله تعالى: (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) * لأن شأن الخلود الامتداد. قوله: (و في قراءة تماسوهن) أي بضم التاء وفعله ماس مماسة مفاعلة من الجانبين، لأن كلّا يمس الآخر، واستشكل مفهوم الآية بأن الطلاق بعد المس لا إثم فيه نعم فيه المهر.\rوأجيب بأنه مظنة الجناح بدفع المهر، ووجود الأثم من حيث إنه قد يوقعه زمن الحيض، وأما الطلاق قبل الدخول فلا جناح فيه أصلا. قوله: (فطلقوهن) وَمَتِّعُوهُنَ أشار بذلك إلى أن ومتعوهن معطوف على","part":1,"page":147},{"id":147,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 148\rالرزق قَدَرُهُ يفيد أنه لا نظر إلى قدر الزوجة مَتاعاً تمتيعا بِالْمَعْرُوفِ شرعا صفة متاعا حَقًّا صفة ثانية أو مصدر مؤكد عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) المطيعين وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ يجب لهن ويرجع لكم النصف إِلَّا لكن أَنْ يَعْفُونَ أي الزوجات فيتركنه أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وهو الزوج فيترك لها الكل وعن ابن عباس الولي إذا كانت محجورة فلا حرج في ذلك وَأَنْ تَعْفُوا مبتدأ خبره أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ أي أن يتفضل بعضكم على بعض إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) فيجازيكم به حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ الخمس بأدائها في أوقاتها وَالصَّلاةِ\r______________________________\rمحذوف قدره بقوله فطلقوهن. قوله: قَدَرُهُ بفتح الدال وسكونها قراءتان سبعيتان قوله: (يفيد أنه لا نظر إلى قدر الزوجة) أي وهو أحد الأقوال عند الشافعي، والمفتى به عند مالك، ولكن المعتمد عند الشافعي مراعاة حال الزوج والزوجة. قوله: (تمتيعا) أشار بذلك إلى أن اسم المصدر بمعنى المصدر.\rقوله: (شرعا) أي لا بشيء حرام. قوله: (أو مصدر مؤكد) أي وعامله محذوف أي أحقه حقا. وأعلم أنه اختلف في المتعة، فقيل واجبة نظرا للأمر ولقوله حقا وبه أخذ الشافعي، وقيل مندوبة نظرا لقوله بالمعروف، ولقوله على المحسنين، وبه أخذ مالك.\rقوله: مِنْ قَبْلِ متعلق بطلقتموهن وقوله: وَقَدْ فَرَضْتُمْ الجملة حالية. قوله: فَرِيضَةً بمعنى مفروضة مفعول به، وقيل مفعول مطلق بمعنى فرض، لكن الأول أقرب. قوله: فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ مبتدأ خبره محذوف قدره المفسر بقوله (يجب لهن) ويحتمل أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره فاللازم لكم ما فرضتم، وما اسم موصول والعائد محذوف، وجملة فرضتم صلته ونصف مثلث الوزن ونصيف كرغيف، ولا يقرأ في جميع مواضع القرآن إلا بكسر النون لا غير.\rقوله: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ إلا أداة استثناء، وأن حرف مصدري ونصب، ويعفون مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة وهي فاعل، والواو لام الكلمة لا واو الجماعة لأن وزنها يفعلن بخلاف الرجال يعفون فإن وزنه يفعون، وقدر المفسر لكن إشارة إلى أن الاستثناء منقطع لأن العفو ليس من جنس ما قبله فإن ما قبله وجوب دفع نصف المهر. قوله: (فيترك لها الكل) أي وتسميته عفوا مشاكلة لما قبله. قوله:\r(الولي) أي المجبر، وقال به مالك. قوله: (محجورة) أي مجبورة.\rقوله: وَأَنْ تَعْفُوا الضمير عائد على من ذكر من الرجال والنساء، وإنما غلب الرجال لشرفهم، وأصله تعفوون دخل الناصب فحذف النون ثم استثقلت الضمة على الواو فحذفت فالتقى ساكنان حذفت لام الكلمة لالتقائهما. قوله: أَقْرَبُ لِلتَّقْوى استشكل كلام ابن عباس بأن عفو الولي لا تقوى فيه. أجيب بأن المراد بالتقوى الألفة، أي فإذا عفا الولي فربما تحصل الألفة من الزوج ثانيا. قوله: (أي أن يتفضل بعضكم على بعض) أي يفعل بعضكم مع بعض مكارم الأخلاق بأن يحصل العفو عن جميع المهر من الزوج، أو تعفو الزوجة عن النصف الذي يخصها.\rقوله: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ أتى بهذه الآية في خلال ما يتعلق بالأزواج والأولاد تنبيها على أنه لا ينبغي من العبد أن يشتغل عن حقوق سيده بأمر الأزواج والأولاد، قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ). قوله: (بأدائها في أوقاتها) أي مع استكمال شروطها وفرائضها","part":1,"page":148},{"id":148,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 149\rالْوُسْطى هي العصر أو الصبح أو الظهر أو غيرها أقوال وأفردها بالذكر لفضلها وَقُومُوا لِلَّهِ في الصلاة قانِتِينَ (238) قيل مطيعين لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم «كل قنوت في القرآن فهو طاعة» رواه أحمد وغيره وقيل ساكتين لحديث زيد بن أرقم «كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام» رواه الشيخان فَإِنْ خِفْتُمْ من عدو أو سيل أو سبع فَرِجالًا جمع راجل أي مشاة صلوا أَوْ رُكْباناً جمع راكب أي كيف أمكن مستقبلي القبلة أو غيرها ويومىء بالركوع والسجود فَإِذا أَمِنْتُمْ من الخوف فَاذْكُرُوا اللَّهَ أي صلوا كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) قبل تعليمه من فرائضها وحقوقها والكاف بمعنى مثل وما موصولة أو مصدرية وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ\r______________________________\rوسننها وآدابها، فإن فقد شيء من ذلك دخل في الوعيد، قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ) وخص بالذكر لأنها عماد الدين، ومعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين.\rقوله: وَالصَّلاةِ الْوُسْطى فعلى مؤنث الأوسط بمعنى الأفضل والأخير لا بمعنى المتوسطة بين شيئين، فإنه ليس فيه مزيد مزية وهو من عطف الخاص على العام، والنكتة مزيد فضلها على غيرها كليلة القدر فهي أفضل الليالي. قوله: (هي العصر) أي لأنه وقت نزول ملائكة الليل وصعود ملائكة النهار، وبه قال الشافعي. قوله: (أو الصبح) أي لما ذكر ولما في الحديث «بورك لأمتي في بكورها» ولأنها تأتي الناس وهم نيام، وبه قال مالك. قوله: (أو الظهر) أي لأنها أول صلاة ظهرت في الإسلام، وقوله: (أو غيرها) قيل هي المغرب لأنها وتر صلاة النهار، وقيل العشاء لأنها تأتي الناس وهم كسالى، وقيل هي الصلاة على النبي، وقيل هي صلاة الجمعة، وقيل الجنازة، وقيل صلاة العيد وحكمه إخفائها ليحافظ الإنسان على ذلك كله، كما أخفى ليلة القدر في سائر الليالي ليقوم الإنسان جميع الليالي وساعة الإجابة في يوم الجمعة والرجل الصالح في الخلق، واختار ابن العربي وابن أبي جمرة أن الصلاة الوسطى هي مجموع العصر والصبح مستدلين بأدلة كثيرة تشهد بفضل هذين الوقتين. قوله: (و أفردها بالذكر لفضلها) أشار بذلك لنكتة عطفها على الصلوات، لأن عطف الخاص على العام يحتاج لنكتة. قوله: (قيل مطيعين) أي لا مكرهين ولا كسالى بل ممتثلين الأمر مجتنبين النهي. قوله: (و قيل ساكتين) أي إلا عن ذكر اللّه ويلحق به مخاطبة النبي فإنها لا تبطل الصلاة. قوله: (من عدو) أي مسلم أو كافر، وقوله: (أو سيل أو سبع) أي دافع كل منهما الناس لو توانى واحد منهم أخذه ما ذكر. قوله: (جمع راجل) أي ويجمع أيضا على رجل بسكون الجيم، قال تعالى: (وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) ويجمع أيضا على رجال بتشديد الجيم المفتوحة. قوله: (أي مشاة) أي مستقبلين القبلة أم لا. قوله: (جمع راكب) هو في الأصل راكب الإبل، لكن المراد به هنا الراكب مطلقا إبلا أو غيرها لصلاة الخوف أقسام تأتي في سورة النساء. قوله: (أي صلوا) إنما سمى الصلاة ذكرا لأنها جمعت أنواع الذكر.\rقوله: كَما عَلَّمَكُمْ أي على الصفة التي علمكم إياها قبل حصول الخوف ولو ركعة، وحكمة الإتيان في جانب الخوف بإن التي تفيد الشك وبإذا في جانب الأمن المفيدة للتحقيق، الإشارة إلى أن الأصل الأمن وهو محقق، والخوف طارىء يزول. قوله: (و ما موصولة) أي والعائد محذوف، والتقدير","part":1,"page":149},{"id":149,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 150\rوَيَذَرُونَ أَزْواجاً فليوصوا وَصِيَّةً وفي قراءة بالرفع أي عليهم لِأَزْواجِهِمْ ويعطوهن مَتاعاً ما يتمتعن به من النفقة والكسوة إِلَى تمام الْحَوْلِ من موتهم الواجب عليهن تربصه غَيْرَ إِخْراجٍ حال أي غير مخرجات من مسكنهن فَإِنْ خَرَجْنَ بأنفسهن فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ يا أولياء الميت فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ شرعا كالتزين وترك الإحداد وقطع النفقة عنها وَاللَّهُ عَزِيزٌ في ملكه حَكِيمٌ (240) في صنعه والوصية المذكورة منسوخة بآية الميراث وتربص الحول بآية أربعة أشهر وعشرا السابقة المتأخرة في النزول والسكنى ثابتة لها عند الشافعي رحمه اللّه وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ يعطينه بِالْمَعْرُوفِ بقدر الإمكان حَقًّا نصب بفعله المقدر عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) اللّه تعالى كرره ليعم الممسوسة أيضا إذ الآية السابقة في غيرها كَذلِكَ كما بين لكم ما ذكر يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) تتدبرون أَلَمْ تَرَ استفهام تعجيب وتشويق إلى استماع ما بعده أي ينته عملك إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ\r______________________________\rفأذكروا اللّه ذكرا مثل الذكر الذي علمكموه ما لم تكونوا تعلمون، وما الثانية بدل من ما الأولى أو من الضمير المحذوف، وقوله: (أو مصدرية) أي تسبك بمصدر، وظاهره أن الكاف أيضا بمعنى مثل ولكنه بعيد فالأظهر أنها للتعليل، والتقدير فاذكروا اللّه لأجل تعليمه إياكم ما لم تكونوا تعلمون، وما معمول لتعليم.\rقوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ حاصله أنه كان في صدر الإسلام يجب على الرجل إذا حضرته الوفاة أن يوصي بالنفقة والكسوة والسكنى لزوجته سنة لأنها عدتها، ولا ينقطع عنها ذلك إلا بخروجها من نفسها، ثم نسخ ذلك. قوله: (و في قراءة بالرفع) أي وهي سبعية. قوله: مَتاعاً مفعول لمحذوف قدره المفسر بقوله ويعطوهن. قوله: (حال) أي من الزوجات. قوله: (كالتزين وترك الأحداد) أي فكان حلالا في العدة. قوله: (و قطع النفقة عنها) أي بخروجها من نفسها من غير إخراج أحد لها. قوله:\r(المتأخرة في النزول) جواب عن سؤال وهو أن المتقدم لا ينسخ المتأخر، أجاب بأنه وإن تقدم تلاوة إلا أنه متأخر في النزول. قوله: (و السكنى ثابتة لها عند الشافعي) أي أربعة أشهر وعشرا، وأما عند مالك فهي ثابتة لها إن كان المسكن له أو نقد كراءه، وإلا نقدت هي كراءه ومكثت مكانها حتى تخرج من العدة.\rقوله: وَلِلْمُطَلَّقاتِ أي مطلقا قبل الدخول أو بعده إلا من طلقت قبل الدخول وأخذت نصف الصداق فلا متعة لها، وزاد مالك المختلعة فلا متعة لها أيضا. قوله: مَتاعٌ أي متعة وهي بقدر إمكان الزوج فقط عند مالك وعند الشافعي بقدرهما، ويسن أن لا تنقص عن ثلاثين درهما. قوله: عَلَى الْمُتَّقِينَ إنما قال هنا ذلك وقال فيما تقدم على المحسنين، لأن بعض الأعراب حين نزلت الآية الأولى طلق زوجته ولم يمتعها وقال إن أردت أحسنت وإن أردت لم أحسن، فنزلت حقا على المتقين. قوله: (بفعله المقدر) أي تقديره أحقه حقا. قوله: (إذ الآية السابقة في غيرها) أي وأما هذه فهي عامة في كل مطلقة ما عدا المطلقة قبل الدخول وأخذت نصف المهر، المختلعة والمخيرة والمملكة عند مالك. قوله: (كما بين لكم ما ذكر) هذا وعد من اللّه ببيان كل شيء في القرآن، ولذا قال الشافعي: لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في القرآن. قوله: (استفهام تعجيب) أي إيقاع في العجب، والخطاب قيل للنبي، وقيل لكل من","part":1,"page":150},{"id":150,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 151\rأُلُوفٌ أربعة أو ثمانية أو عشرة أو ثلاثون أو أربعون أو سبعون ألفا حَذَرَ الْمَوْتِ مفعول له وهم قوم من بني إسرائيل وقع الطاعون ببلادهم ففروا فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا فماتوا ثُمَّ أَحْياهُمْ بعد ثمانية أيام أو أكثر بدعاء نبيهم حزقيل بكسر المهملة والقاف وسكون الزاي فعاشوا دهرا عليهم أثر الموت لا يلبسون ثوبا إلا عاد كالكفن واستمرت في أسباطهم إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ومنه إحياء هؤلاء وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ وهم الكفار لا يَشْكُرُونَ (243) والقصد من ذكر خبر هؤلاء تشجيع المؤمنين على القتال ولذا عطف عليه وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لإعلاء دينه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لأقوالكم عَلِيمٌ (244) بأحوالكم فمجازيكم مَنْ ذَا الَّذِي\r______________________________\rيصلح للخطاب وهو أولى. قوله: (و تشويق) أي إيقاعه في الشوق لأن ما سيق بعد الطلب ألذ مما سيق بلا تعب، وعطف التشويق على التعجيب من عطف المسبب على السبب. قوله: (أي ينته علمك) أشار بذلك إلى أن ترى مضمن معنى ينته والحامل له على ذلك تصريح اللّه بالى. وإلا فرأى علمية تتعدى للمفعولين بنفسها. قوله: (ألفا) تمييز حذفه من الأول لدلالة الأخير عليه، وقد ذكر المفسر ستة أقوال أصحها الثلاثة الأخيرة لأن ألوفا جمع كثرة ومبدؤه بعد العشرات. قوله: (مفعول له) أي لأجله وقد استوفى شروطه المذكورة في العربية. قوله: (ففروا) أخذت الأئمة من الآية النهي عن الخروج من بلد فيها الطاعون، فقال مالك بالكراهية، وقال الشافعي بالحرمة. قوله: (فماتوا) قدره المفسر لعطف\rقوله: ثُمَّ أَحْياهُمْ عليه، وقوله: فَقالَ لَهُمُ قيل المراد على لسان ملك، وقيل كناية عن سرعة الإيجاد. قوله:\r(بعد ثمانية أيام) أي حتى انتشرت عظامهم وذاب لحمهم (قوله حزقيل) هو الخليفة الثالث في بني إسرائيل بعد موسى، لأن موسى لما حضرته الوفاة خلف يوشع بن نون، فلما حضزته الوفاة خلف كالب، ثم عند موته خلف حزقيل ويسمى ابن العجوز لأنه جاءها وهي عجوز، ويلقب بذي الكفل لأنه كفل أي وقى سبعين نبيا من القتل. ورد أنه لما مر عليهم وهم موتى قال يا رب كنت في قوم يحمدونك ويهللونك ويكبرونك، فبقيت وحدي لا قوم لي، فأوحى اللّه إليه أن قل أيها العظام إن اللّه يأمرك أن تجتمعي فاجتمعت العظام، فأوحى اللّه إليه أن قل أيها العظام إن اللّه يأمرك أن تكتسي لحما فاكتست، ثم أمره اللّه أن يقول لها إن اللّه يأمرك أن تقومي فقاموا قائلين سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت. إن قلت:\rكيف مات هؤلاء مرتين مع قوله تعالى: (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى) قلت: إن الموت قبل استيفاء الأجل، إما عقوبة كموت الذين سألوا الرؤية قبلهم، أو عبرة كموت العزيز وحماره. قوله:\r(فعاشوا دهرا) أي مدة عمرهم. قوله: (أثر الموت) أي من الصفرة. قوله: (و استمرت في اسباطهم) أي أولادهم كما هو مشاهد في بعض اليهود. قوله: (و منه إحياء هؤلاء) أي ليعتبروا ويظفروا بالسعادة. قوله:\r(تشجيع المؤمنين) أي حملهم على القتال. قوله: (و لذا عطف عليه) أي الخبر المذكور، وقيل معطوف على قوله: (حافظوا على الصلوات) الآية، وما بينهما اعتراض. قوله: (لإعلاء دينه) أي لا لغنيمة ولا لإظهار شجاعة ونحو ذلك.\rقوله: وَاعْلَمُوا الخ، فيه وعد للمجاهدين ووعيد لمن تخلف عنهم. قوله:\r(فيجازيكم) أي على ما يعلم منكم الجزاء على حساب البواطن لا الظواهر.\rقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يحتمل أن من اسم استفهام مبتدأ وذا خبر والذي بدل منها ويقرض صلة الموصول لا محل لها من الأعراب، ويحتمل أن من ذا اسم استفهام مبتدأ والذي خبر ويقرض صلة","part":1,"page":151},{"id":151,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 152\rيُقْرِضُ اللَّهَ بإنفاق ماله في سبيل اللّه قَرْضاً حَسَناً بأن ينفقه للّه عز وجل عن طيب قلب فَيُضاعِفَهُ وفي قراءة يضعفه بالتشديد لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً من عشر إلى أكثر من سبعمائة كما سيأتي وَاللَّهُ يَقْبِضُ يمسك الرزق عمن يشاء ابتلاء وَيَبْصُطُ يوسعه لمن يشاء امتحانا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ الجماعة مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ\r______________________________\rالموصول. قوله: يُقْرِضُ اللَّهَ أي يسلفه وهذا من تنزلات المولى لعباده، حيث خاطبهم مخاطبة المحتاج المضطر، مع إنه غني عنهم رحمة بهم على حد كتب ربكم على نفسه الرحمة، وسماه هنا قرضا وفي آية براءة بيعا، وفي الحقيقة لا بيع ولا قرض لان الملك كله له، وحينئذ فليست مضاعفته على ذلك ربا لأنه لا تجري أحكام الربا بين السيد وعبده الحادثين لملكه له صورة، فأولى بين السيد المالك القديم وعبده الذليل الضعيف الذي لا يملك شيئا أصلا فمن إحسانه عليه خلق ونسب إليه. قوله: قَرْضاً مفعول مطلق لقوله يقرض. قوله: (عن طيب قلب) أي لا رياء ولا سمعة بل ينفقه من حلال خالصا للّه.\rقوله: فَيُضاعِفَهُ بالرفع والنصب والتشديد والتخفيف قراءات أربع سبعية، فالرفع عطف على يقرض، والنصب بأن مضمرة بعد فاء السببية في جواب الاستفهام. قوله: (كما سيأتي) أي في قوله تعالى:\r(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ) الآية، وكثرة المضاعفة على حسب الاخلاص قال عليه الصلاة والسّلام: «اللّه اللّه في أصحابي لا تتخذوهم غرضا من بعدي، فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه».\rقوله: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ هذا كالدليل لما قبله، أي إن الانفاق لا يقبض الرزق وعدمه لا يبسطه، بل القابض الباسط هو اللّه. قوله: (ابتلاء) أي اختبارا هل يصيرون ولا يشكون أم لا. قوله:\r(امتحانا) أي هل يشكرون أم لا، فالمطلوب من الإنسان أن يكون كما قال الشاعر:\rاستغن ما أغناك ربك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتحمل\r\rفلا يشكو ربه في حال فقره، ولا يطغى في حال غناه، قال أهل الاشارات: في الآية إشارة خفية إلى أن القبض لا بد وأن يعقبه بسط بخلاف العكس. قوله: (فيجازيكم بأعمالكم) أي فيثيب المنفق ويعذب الممسك.\rقوله: أَلَمْ تَرَ ضمنت معنى ينتهي فعديت بإلى كما تقدم نظيره، والاستفهام هنا نظير ما تقدم، فالمقصود من ذكر هذه القصة العبرة حيث كانوا كثيرا ولم يوجد الصدق في غالبهم، فالمعنى لا تكونوا يا أمة محمد كمن ذكروا في الجبن والمخالفة. قوله: (الجماعة) أي الأشراف لأنهم هم الذين يملأون العين هيبة وأنسا. قوله: مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ من تبعيضية. وحاصل مبدأ تلك القصة أنه عند وفاة موسى خلف اللّه على بني إسرائيل يوشع بن نون فقام بالخلافة حق قيام، ثم لما مات تخلف عليهم كالب ثم حزقيل ثم الياس ثم اليسع فقاموا جميعا بالخلافة كمن قبلهم. ثم ظهرت لهم العمالقة وكانوا في بلد قريبة من بيت المقدس يقال لها فلسطين وهم من أولاد عمليق بن عاد، فغلبوا على كثير من بلادهم وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وزيادة وضربوا عليهم الجزية، ولم يكن فيهم إذ ذاك نبي ولا ذرية نبي إلا امرأة حبلى من ذرية لاوى من أولاد يعقوب فولدت غلاما فسمته شمويل، فلما كبر نبأه اللّه عليهم وأرسله إليهم، ثم إنهم","part":1,"page":152},{"id":152,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 153\rبَعْدِ موت مُوسى أي إلى قصتهم وخبرهم إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ هو شمويل ابْعَثْ أقم لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ معه فِي سَبِيلِ اللَّهِ تنتظم به كلمتنا ونرجع إليه قالَ النبي لهم هَلْ عَسَيْتُمْ بالفتح والكسر إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا خبر عسى والاستفهام لتقرير التوقع بها قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا بسببهم وقتلهم وقد فعل بهم ذلك قوم جالوت أي لا مانع لنا منه مع وجود مقتضيه قال تعالى فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا عنه وجبنوا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وهم الذين عبروا النهر مع طالوت كما سيأتي وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) فمجازيهم وسأل النبي ربه إرسال ملك فأجابه إلى إرسال طالوت وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى كيف يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ لأنه ليس من سبط المملكة ولا النبوة وكان دباغا أو راعيا وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ يستعين بها على إقامة الملك قالَ النبي لهم إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ اختاره لذلك عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً سعة فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وكان أعلم بني إسرائيل يومئذ وأجملهم خلقا وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ\r______________________________\rطلبوا منه ملكا يقيم أمرهم ويرشدهم لما فيه صلاحهم فأقام لهم طالوت إلى آخر ما قص اللّه.\rقوله: مِنْ بَعْدِ مُوسى من ابتدائية. قوله: (إلى قصتهم وخبرهم) بيان للمراد من الآية لأنه لا معنى لرؤية ذواتهم. قوله: نُقاتِلْ مجزوم في جواب الأمر. قوله: (و الاستفهام لتقرير التوقع) والمعنى أترقب منكم عدم القيام بالقتال، وقوله: (خبر عسى) أي واسمها التاء، وقوله: إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ جملة معترضة بين اسمها وخبرها، وجواب الشرط محذوف تقديره فلا تقاتلوا. قوله: قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ ما استفهامية بمعنى شيء مبتدأ، ولنا متعلق بمحذوف خبر، وأن مقدر قبلها الجار، ولا بمعنى عدم، ويكون المعنى أي شيء ثبت لنا في عدم القتال. قوله: وَقَدْ أُخْرِجْنا جملة حالية والمعنى أخرج أصولنا وأبناؤهم. قوله: (فعل بهم ذلك قوم جالوت) أي حين مات آخر نبي لهم وهو اليسع، وضربوا عليهم الجزية وأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وشيئا فضلا عن غيرهم. قوله: (أي لا مانع لنا منه) تفسير للمعنى المراد من الآية.\rقوله: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ مرتب على محذوف تقديره فدعا شمويل ربه بذلك فبعث لهم مكلا وكتب عليهم القتال فلما كتب عليهم الخ. قوله: (و جبنوا) عطف تفسير وهو ترك القتال خوف الموت وسيأتي بيان جبنهم. قوله: إِلَّا قَلِيلًا منصوبا على الاستثناء من الواو في تولوا وهو استثناء متصل، وكان عدتهم ثلثمائة وثلاثة عشر. قوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ أي منهم وهذا وعيد عظيم لمن جبن عن القتال. قوله: (كيف) تفسير لأنى والعامل فيها يكون. قوله: (لأنه ليس من سبط المملكة) أي لكونه لم يكن من ذرية يهوذا بن يعقوب، وقوله: (و لا النبوة) أي لكونه لم يكن من ذرية لاوى بل هو من ذرية بنيامين أصغر أولاد يعقوب، وكانت ذريته لا نبوة فيهم ولا مملكة، بل أقيموا في الحرف الدنيئة من أجل معاصيهم.\rقوله: سَعَةً أصله وسع حذفت فاء الكلمة وهي الواو وعوض عنها تاء التأنيث كما في عدة وزنة، وحذف في مضارعه لوقوعها بين عدوتيها لأن أصله يوسع. قوله: (و كان أعلم بني إسرائيل) أي فكان يحفظ التوراة، وقوله: (و أتمهم خلقا) أي فكان يزيد على أهل زمانه بكتفيه ورأسه. قيل ورد أنه","part":1,"page":153},{"id":153,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 154\rمَنْ يَشاءُ إيتاءه لا اعتراض عليه وَاللَّهُ واسِعٌ فضله عَلِيمٌ (247) هو أهل له وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ لما طلبوا منه آية على ملكه إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ الصندوق كان فيه صور الأنبياء أنزل اللّه على آدم واستمر إليهم فغلبتهم العمالقة عليه وأخذوه وكانوا يستفتحون به على عدوهم ويقدمونه في القتال ويسكنون إليه كما قال اللّه تعالى فِيهِ سَكِينَةٌ طمأنينة لقلوبكم مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ أي تركاهما وهي نعلا موسى وعصاه وعمامة هرون وقفيز من المن الذي كان ينزل عليهم ورضاض من الألواح تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ حال من فاعل يأتيكم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ على ملكه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) فحملته الملائكة بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت فأقروا بملكه وتسارعوا إلى الجهاد\r______________________________\rلما دعا شمويل ربه أن يبعث لهم ملكا أعطاه اللّه قرنا فيه طيب ويسمى طيب القدس وعصا، وأوحى إليه إذا دخل عليك رجل اسمه طالوت فانظر في القرن فإذا فار فادهن رأسه به وقسه بالعصا، فإذا جاء طولها فهو الملك فلما دخل عليه فعل به كما أمر فإذا هو طولها، ثم دهن رأسه بذلك الدهن وقال له إن اللّه جعلك ملكا على بني إسرائيل، فقال كيف ذلك مع أني أدنى منهم فقال له: اللّه يؤتي ملكه من يشاء. قوله:\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 1 154\r______________________________\rلما دعا شمويل ربه أن يبعث لهم ملكا أعطاه اللّه قرنا فيه طيب ويسمى طيب القدس وعصا، وأوحى إليه إذا دخل عليك رجل اسمه طالوت فانظر في القرن فإذا فار فادهن رأسه به وقسه بالعصا، فإذا جاء طولها فهو الملك فلما دخل عليه فعل به كما أمر فإذا هو طولها، ثم دهن رأسه بذلك الدهن وقال له إن اللّه جعلك ملكا على بني إسرائيل، فقال كيف ذلك مع أني أدنى منهم فقال له: اللّه يؤتي ملكه من يشاء. قوله:\rعَلِيمٌ (بمن هو أهل له) أي فلا حرج عليه في فعل ولا ترك.\rقوله: قالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ أي حين استبعدوا مجيء الملك له. قوله: (لما طلبوا منه آية) لما بمعنى حين ظرف لقوله قالوا أي وقع منهم القول وقت طلبهم منه آية. قوله: (الصندوق) ويقال بالزاي والسين وكل من الثلاثة إما مفتوح أو مضموم أفصحها بالصاد مع الضم، وكان من خشب الشمشار وطوله ثلاثة أذرع، وعرضه ذراعان مموه بالذهب، وكان عند آدم فيه صور الأنبياء جميعهم، وفيه صورة محمد وبيته وأصحابه وقيامه يصلي بينهم، ثم توارثه ذرية آدم إلى أن وصل لموسى فكان يضع فيه التوراة ووضع فيه بقية الألواح التي تكسرت، ثم أخذه بنو إسرائيل بعد موسى، وكانوا إذا خرجوا للقتال يقدمونه بين أيديهم، وكانت الملائكة تحمله فوق رؤوس المتقاتلين، ثم يشرعون في القتال فإذا سمعوا صيحة تيقنوا النصر، فلما انقرضت أنبياؤهم سلط اللّه عليهم العمالقة بسبب فسادهم فأخذوا منهم الصندوق وجعلوه في موضع البول والغائط، فلما أراد اللّه إظهار ملك طالوت سلط عليهم البلاء، فكان كل من بال عنده ابتلي بالبواسير، حتى خرجت خمس بلاد من بلادهم، فلما كبر خوفهم منه أخرجوه للخلاء، ثم حملته الملائكة وأتت به طالوت. قوله: (أنزل اللّه على آدم) أي ثم توارثه ذريته من بعده. قوله: (فغلبتهم العمالقة) أي بعد موت أنبيائهم. قوله: (و كانوا يستفتحون به) أي يطلبون الفتح والنصر به. قوله: (و يسكنون إليه) أي يطمئنون بقدومه على العدو. قوله: (طمأنينة لقلوبكم) أي ففي للسببية فالمعنى أن السكينة تحصل بسببه ومن أجله، وقيل المراد بالسكينة صورة من زبرجد على صورة الهرة غير أن لها جناحين فإذا صوتت في الصندوق استبشروا بالنصر، وقيل المراد بالسكينة صورة الأنبياء، فالظرفية على بابها. قوله: (أي تركاهما) بيان للمراد من الآية فأطلق الآل وأراد منه نفس موسى وهارون، وكثيرا ما يطلق آل الرجل على الرجل نفسه.\rقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ أي إتيان التابوت على الوصف المذكور. قوله: (فاختار من شبابهم) أي الذين لا شاغل لهم دنيوي لأنه","part":1,"page":154},{"id":154,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 155\rفاختار من شبابهم سبعين ألفا فَلَمَّا فَصَلَ خرج طالُوتُ بِالْجُنُودِ من بيت المقدس وكان حرا شديدا وطلبوا منه الماء قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ مختبركم بِنَهَرٍ ليظهر المطيع منكم والعاصي وهو بين الأردن وفلسطين فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ أي من مائه فَلَيْسَ مِنِّي أي أتباعي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ يذقه فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بالفتح والضم بِيَدِهِ فاكتفى بها ولم يزد عليها فإنه مني فَشَرِبُوا مِنْهُ لما وافوا بكثرة إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فاقتصروا على الغرفة روي أنها كفتهم لشربهم ودوابهم وكانوا ثلثمائة وبضعة عشر رجلا فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وهم الذين اقتصروا على الغرفة قالُوا أي الذين شربوا لا طاقَةَ قوة لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ أي بقتالهم وجبنوا ولم يجاوزوه قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ يوقنون أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ بالبعث وهم الذين جاوزوه كَمْ خبرية بمعنى كثير مِنْ فِئَةٍ جماعة قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ بإرادته وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) بالعون والنصر وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ أي ظهروا لقتالهم\r______________________________\rكان لا يأخذ من كان عنده بناء لم يتم، ومن عقد على زوجة ولم يدخل بها، ومن كان مشغولا بتجارة. قوله:\r(سبعين ألفا) (1) وقيل ثمانون ألفا وقيل مائة ألف وعشرون ألفا.\rقوله: فَلَمَّا فَصَلَ أي انفصل وهو مرتب على محذوف تقديره فجمعهم. قوله: (و هو بين الأردن) بفتح الهمزة وسكون الراء وضم الدال وتشديد النون، موضع قريب من بيت المقدس، وقوله:\r(و فلسطين) بفتح الفاء وكسرها وفتح اللام لا غير، قال بعضهم إنه قرية، وقال بعضهم إنه عدة قرى قرب بيت المقدس.\rقوله: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ أي بكثرة بدليل ما بعده، وهذا النهر باق يجري إلى الآن بين الخليل وغزة. قوله: (يذقه) أشار بذلك إلى أن الطعم بمعنى الذوقان، يطلق على المأكول والمشروب. قوله:\r(بالفتح والضم) قراءتان سبعيتان بمعنى الشيء المغروف، وقيل بالفتح اسم للاغتراف وبالضم اسم للشيء المغروف، وقيل بالفتح والضم بمعنى المصدر أشهرها أوسطها. قوله: إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ استثناء من قوله فشربوا منه المقيد بالكثرة، فالمعنى إلا قليلا شربوا منه بقلة، فيؤخذ منه أن الجميع شربوا لكن أكثرهم شرب بكثرة، وأقلهم شرب منه بقلة. قوله: (و بضعة عشر) البضعة من ثلاثة عشر إلى تسعة عشر، لكن المراد هنا ثلاثة عشر كما في أكثر الروايات وهم عدة غزوة بدر.\rقوله: فَلَمَّا جاوَزَهُ أي تعداه. قوله: وَجُنُودِهِ قيل عدتهم مائة الف شاكى السلاح وقيل أكثر، وكان طول جالوت ميلا وخوذته التي على رأسه ثلثمائة رطل. قوله: قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ استشكل بأن من شرب كثيرا مؤمنون أيضا، وأجيب بأنهم صلب إيمانهم بكثرة شربهم، وأجيب أيضا بان المراد يظنون أنهم ملاقوا اللّه أي بالموت في تلك الواقعة فلا أمل لهم في الحياة. قوله: وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ قيل من كلامهم من كلام اللّه بشارة لهم، والمراد معية معنوية خاصة. قوله: (أي ظهروا","part":1,"page":155},{"id":155,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 156\rوتصافوا قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ اصبب عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا بتقوية قلوبنا على الجهاد وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ كسروهم بِإِذْنِ اللَّهِ بإرادته وَقَتَلَ داوُدُ وكان في عسكر طالوت جالُوتَ وَآتاهُ أي داود اللَّهُ الْمُلْكَ في بني إسرائيل وَالْحِكْمَةَ النبوة بعد موت شمويل وطالوت ولم يجتمعا لأحد قبله وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ كصنعة الدروع ومنطق الطير وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بدل بعض من الناس بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ بغلبة المشركين وقتل المسلمين وتخريب المساجد وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (251) فدفع بعضهم\r______________________________\rلقتالهم) أي فلم يبق بينهم حجاب أبدا، بل خرجوا في البراز الذي هو صحراء الأرض. قوله: (اصبب)\rعَلَيْنا صَبْراً أي كصب الماء على الأرض الجرز.\rقوله: وَقَتَلَ داوُدُ أي ابن أيشا وكان أيشا من جملة عسكر طالوت، وكان أولاده ثلاثة عشر معه أصغرهم داود وكان يرعى الغنم، فلما خرجوا للقتال مر داود بحجر فناداه يا داود احملني فإني حجر هارون، فحمله ثم مر بآخر فقال له احملني فإني حجر موسى فحمله، ثم مر بآخر فقال له احملني فإني حجرك الذي تقتل به جالوت فحمله، ووضع الثلاثة في مخلاته، فلما تصافوا للقتال نادى طالوت كل من يقتل جالوت أزوجه ابنتي وأناصفه في ملكي، فلم يتقدم أحد، فسأل طالوت شمويل فدعا ربه فأتى بقرن فيه دهن وقيل له إن الذي يقتل جالوت هو الذي إذا وضع الدهن على رأسه لا يسيل على وجهه، فدعا طالوت القوم فصار يدهن رؤوسهم فلم تصادف تلك الصفة أحدا، إلى أن وصل لداود فصادف، فقال له أنت تبرز له؟ فقال نعم، فأتى بالمقلاع وأخرج حجرا من مخلاته وقال باسم رب إبراهيم، وأخرج حجرا آخر وقال باسم رب إسحاق، وأخرج حجرا آخر وقال باسم رب يعقوب، ثم وضعها في مقلاعه فصارت الثلاثة حجرا واحدا، فرمى به جالوت فأصابه في خوذته وخرج من دماغه فقتل ثلاثين رجلا، فأخذ داود جالوت حتى ألقاه بين يدي طالوت ففرح هو ومن معه من بني إسرائيل وزوجه ابنته وأعطاه نصف الملك، فمكث كذلك أربعين سنة، فلما مات طالوت وشمويل انفرد فعاش نبيا ملكا سبع سنين، ثم خلفه سليمان ولده في النبوة والملك. قوله: وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ أي استقلالا سبع سنين. قوله: (كصنعة الدروع) أي وكان يلين في يده من غير نار وينسجه كالغزل. قوله: (و منطق الطير) أي فهم أصواتها بل وجميع الحيوانات.\rقوله: وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ أي لو لا أن اللّه دفع الناس وهم أهل الكفر والمعاصي، ببعض الناس وهم أهل الإيمان والطاعة، لغلب المشركون على الأرض فقتلوا المؤمنين وخربوا المساجد والبلاد، وقيل معناه لو لا دفع اللّه بالمؤمنين والأبرار على الكفار والفجار لفسدت الأرض أي هلكت ومن فيها، ولكن اللّه يدفع بالمؤمن عن الكافر، وبالصالح عن الفاجر، وعن ابن عمر قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن اللّه ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيت من جيرانه البلاء» ثم قرأ (وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) الآية. قوله: وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ يعني دفع الفساد على هذا الوجه بطريق إنعام اللّه وتفضله فعم الناس كلهم، ومن المعلوم أن لو لا حرف امتناع لوجود فالمعنى امتنع فساد الأرض لأجل وجود دفع الناس بعضهم عن بعضهم، وهذه الآية كالدليل لما ذكر في القصة من مشروعية القتال،","part":1,"page":156},{"id":156,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 157\rببعض تِلْكَ أي هذه الآيات آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها نقصها عَلَيْكَ يا محمد بِالْحَقِ بالصدق وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) التأكيد وغيرها رد لقول الكفار له لست مرسلا تِلْكَ مبتدأ الرُّسُلُ صفة، والخبر فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ بتخصيصه بمنقبة ليست لغيره مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ كموسى وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ أي محمدا دَرَجاتٍ على غيره بعموم الدعوة وختم النبوة وتفضيل أمته على سائر الأمم والمعجزات المتكاثرة والخصائص العديدة وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ قويناه بِرُوحِ الْقُدُسِ جبريل يسير معه حيث سار وَلَوْ شاءَ اللَّهُ هدى\r______________________________\rونصر داود على جالوت. قوله: (هذه الآيات) أي فالإشارة عائدة على ما تقدم من أول الربيع إلى آخره لما فيه من عظيم العجائب والإشارة في الآية للبعد نظرا لبعد زمن تلك القصة، وإنما فسره بالقريب نظرا للفظ الدال عليها، فأفاد المفسر أنه يصح إرادة المعنيين، فلا مخالفة بين إشارة الآية وإشارة المفسر. قوله:\r(بالصدق) أي الذي لا يحتمل النقيض. قوله: (و غيرها) أي وهي اللام والجملة الأسمية.\rقوله: تِلْكَ الرُّسُلُ اسم الإشارة عائد على الرسل المذكورين من أول السورة إلى هنا أو على المذكورين بلصقها، وأتى بالإشارة البعيدة نظرا لبعد زمنهم أو لبعد رتبتهم وعلوها عند اللّه. قوله: (صفة) أي أو عطف بيان أو بدل لأن المحلى بأل بعد اسم الإشارة يجوز فيه الثلاثة. قوله: (بتخصيصه بمنقبه) أي بصفة الكمال وذلك بفضل اللّه لا بصفة قائمة بذاته بحيث تقتضي التخصيص بالمناقب لذاته، قال تعالى:\r(وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) * ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن اللّه يزكي من يشاء. قوله: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ بيان للتفضيل، وقوله: (كلم اللّه) أي كلمة اللّه بغير واسطة. قوله: (كموسى) أي في الطور ليلة الإسراء، وإنما لم يشتهر بالكلام لأنه حاز منصبا أشرف من المكالمة وهي الرؤية. قوله: (أي محمدا) مثل هذا التفسير لا يقال من قبل الرأي بل هو الوارد، وقد أشار لذلك العارف بقوله:\rوإن ذكروا نجي الطور فاذكر ... نجي العرش مفتقرا لتغنى\r\rفإن اللّه كلم ذاك وحيا ... وكلم ذا مشافهة وأدنى\r\rوإن قابلت لفظة لن تراني ... بما كذب الفؤاد فهمت معنى\r\rفموسى خر مغشيا عليه ... وأحمد لم يكن ليزيغ ذهنا\r\rقوله: (بعموم الدعوة) أي لجميع المخلوقات حتى الجمادات والملائكة والجن، ولا يرد حكم سليمان في الجن فإنه حكم سلطنة لا رسالة. قوله: (و ختم النبوة) أي فلا نبي بعده تبتدأ رسالته ويلزم من ذلك نسخ شرعه. قوله: (و تفضيل أمته على سائر الأمم) قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وأما قوله تعالى في حق بني إسرائيل: (وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ* فالمراد عالمو زمانهم. قوله: (و المعجزات المتكاثرة) أي الكثيرة التي لا تحصى بحد ولا عد، قال العارف البوصيري:\rإنما فضلك الزمان وآيا ... تك فيما نعده الآناء\r\rقوله: (و الخصائص العديدة) أي كالحوض المورود والمقام المحمود والوسيلة وغير ذلك قوله: الْبَيِّناتِ أي كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. قوله: (يسير معه حيث سار) أي من مبدأ خلقه لأن خلقه كان","part":1,"page":157},{"id":157,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 158\rالناس جميعا مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ بعد الرسل أي أممهم مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ لاختلافهم وتضليل بعضهم بعضا وَلكِنِ اخْتَلَفُوا لمشيئة ذلك فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ثبت على إيمانه وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ كالنصارى بعد المسيح وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا تأكيد وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (253) من توفيق من شاء وخذلان من شاء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ زكاته مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فداء فِيهِ وَلا خُلَّةٌ صداقة تنفع وَلا شَفاعَةٌ بغير إذنه وهو يوم القيامة وفي قراءة برفع الثلاثة وَالْكافِرُونَ باللّه أو بما فرض عليهم هُمُ الظَّالِمُونَ (254) لوضعهم أمر اللّه في غير محله اللَّهُ لا إِلهَ أي لا معبود بحق في الوجود إِلَّا هُوَ الْحَيُ الدائم\r______________________________\rعلى يده. قوله: (هدى الناس) مفعول لشاء، وقوله: مَا اقْتَتَلَ جواب لو، وهو إشارة لقياس استثنائي نظمه أن تقول لو شاء اللّه هدى الناس جميعا ما اقتتل الذين من بعد الرسل ولكنهم اقتتلوا فلم يشأ اللّه هداهم جميعا. قوله: (بعد الرسل) أي بعد مجيئهم. قوله: (أي أممهم) تفسير للذين، وقوله: مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ متعلق باقتتل وما مصدرية أي من بعد مجيء البينات لهم. قوله: (لاختلافهم) علة للاقتتال.\rقوله: وَلكِنِ اخْتَلَفُوا هذا استثناء لنقيض التالي فينتج نقيض المقدم، وهو لم يشأ اللّه هداهم لكنه عبر بالسبب وهو الاختلاف عن المسبب وهو الاقتتال. قوله: (لمشيئة ذلك) أي فلو شاء هداهم لم يختلفوا ولم يقتتلوا، فالحق واضح ظاهر، وإنما كفر من كفر بإرادة اللّه عدم إيمانه فالعبد مجبور في قالب مختار. قوله: (ثبت على إيمانه) أي بإرادة اللّه. قوله: (زكاته) قدره إشارة إلى أن المراد الانفاق الواجب بدليل الوعيد العظيم ونحو الزكاة كل نفقة واجبة. قوله: (بغير إذنه) أشار بذلك إلى أن الآية المطلقة فتحمل على المقيدة وهي قوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية. قوله: (برفع الثلاثة) أي على أن لا نافية مهملة أو عاملة عمل ليس، لأنها إذا تكررت جاز إعمالها وإلغاؤها، وأما على القراءة الأولى فهي عاملة عمل إن تنصب الاسم وترفع الخبر. قوله: (باللّه) أي فهو كفر حقيقي، وقوله: (أو بما فرض عليهم) أي بالتفريط في الفرائض وهو كفر مجازي.\rقوله: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ هذه الآية تسمى آية الكرسي وهي أفضل أي القرآن، لأن التوحيد الذي استفيد منها لم يستفد من آية سواها، لأن الشيء يشرف بشرف موضوعه، فإنها اشتملت على أمهات المسائل الدالة على ثبوت الكمالات للّه ونفي النقائض عنه تعالى، وورد في فضلها من الأحاديث الكثيرة ما يجل عن الحصر، منها من قرأها عند خروجه من بيته كان في ضمان اللّه حتى يرجع، ومنها من قرأها دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ومنها ما قرئت في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوما، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة، يا علي علمها ولدك وأهلك وجيرانك فما نزلت آية أعظم منها، ومنها من قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه اللّه على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله، ومنها سيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي، ومنها ما ورد أنه نزل جبريل على موسى وقال له ربك يقول لك من قال عقب كل صلاة اللهم إني أقدم إليك بين يدي كل نفس ولمحة وطرفة يطرف بها أهل السموات وأهل الأرض وكل شيء هو في علمك كائن أو قد كان أقدم إليك بين يدي ذلك كله اللّه لا إله إلا هو الحي القيوم إلى آخرها، فإن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة ليس منها ساعة إلا ويصعد إلى","part":1,"page":158},{"id":158,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 159\rالبقاء الْقَيُّومُ المبالغ في القيام بتدبير خلقه لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ نعاس وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا مَنْ ذَا الَّذِي أي لا أحد يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ له فيها يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أي الخلق وَما خَلْفَهُمْ أي من أمر الدنيا والآخرة وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ\r______________________________\rاللّه منه فيها سبعون ألف ألف حسنة، حتى ينفخ في الصور وتشتغل الملائكة، وأخذ العارفون منها فوائد جمة منها من فرأها عقب كل صلاة أربع عشرة عدة فصولها أحبه العالم العلوي والسفلي، ومن قرأها عدة الرسل ثلاثمائة وثلاث عشرة فرج اللّه عنه وأزال عنه ما يكره، ومنها من قرأها عدد حروفها وهي مائة وسبعون حرفا لا يطلب منزلة إلا وجدها ولا سعة إلا نالها ولا فرجا من سائر الشدائد إلا حصل، ومنها أنه إذا سقي المبطون حروفها مقطعة شفي بإذن اللّه، ومنها من كتبها عدد كلماتها وهي خمسون كلمة وحملها أدرك غرضه من عدوه وحاسده، وإن كان للمحبة والألفة نال مقصوده، وتسميتها آية الكرسي من باب تسمية الشيء باسم جزئه لذكره فيها. قوله: (الدائم البقاء) أي فحياته ذاتية له.\rقوله: الْقَيُّومُ هو من صيغ المبالغة وإن لم تكن من الصيغ المشهورة. قوله: (المبالغ في القيام بتدبير خلقه) أي فلا يشغله شأن عن شأن (و لا تخفى عليه خافية) أبدا سواء منكم من أسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب النهار، وما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة، فقوم السماء وزينها، وبسط الأرض وجملها، وأرضى كل إنسان بما قسم له من غير تعب يحصل له من ذلك، قال تعالى: (وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ).\rقوله: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ هذا من صفات السلوب والسنة هي النوم في العين وهي نوم الأنبياء.\rقوله: وَلا نَوْمٌ عرف بأنه فترة طبيعية تهجم على الشخص قهرا عليه، تمنع حواسه الحركة وعقله الإدراك، إن قلت حيث كان منزها عن السنة فهو منزه عن النوم بالأولى أجيب بأنه زيادة في الإيضاح، وأجيب أيضا بأنه ذكر النوم لأنه ربما يتوهم من كونه يهجم قهرا أنه يغلبه فلا يلزم من نفي السنة نفي النوم وهذا هو الأثم، لأنه لا يلزم من نفي الأخف نفي الأثقل. إن قلت: إن الملائكة أيضا لا تأخذهم سنة ولا نوم فليس في ذكر هذه الصفة مزيد مزية. أجيب: بأن تنزه الملائكة عن النوم من إخبار اللّه فقط، وإلا فالعقل يجوزه عليهم بخلاف تنزه اللّه عنه، فالدليل العقلي قائم على تنزهه عنه. قوله: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ كالدليل لما قبله، وأتى بما تغليبا لغير العاقل لكثرته. قوله: (ملكا (بضم الميم معناه التصرف، وقوله وخلقا أي إيجادا، وقوله وعبيدا أي مملوكين له (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا) ولا نزاع في كون السموات والأرض ملكا للّه، قال تعالى: (وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) وفي ذلك رد على الكفار حيث أثبتوا له شريكا، فكأن اللّه يقول لهم ما أشركتموه لا يخرج عن السموات والأرض، وشأن الشريك أن يكون مستقلا خارجا عن مملكة الشريك الآخر.\rقوله: مَنْ ذَا اسم استفهام مبتدأ والَّذِي خبره وهو استفهام إنكاري بمعنى النفي، أي لا شفيع في أحد يستحق النار يشفع عنده بغير مراده. قوله: (أي لا أحد) تفسير للاستفهام الإنكاري. قوله: إِلَّا بِإِذْنِهِ أي مراده. قوله: (أي من أمر الدنيا) راجع لقوله ما بين أيديهم، وقوله:\r(و الآخرة) راجع لقوله: وَما خَلْفَهُمْ فهو لف ونشر مرتب ويصح العكس فيكون لفا ونشرا مشوشا،","part":1,"page":159},{"id":159,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 160\rمِنْ عِلْمِهِ أي لا يعلمون شيئا من معلوماته إِلَّا بِما شاءَ أن يعلمهم به منها باخبار الرسل وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قيل أحاط علمه بهما وقيل الكرسي نفسه مشتمل عليهما لعظمته لحديث» ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس» وَلا يَؤُدُهُ يثقله حِفْظُهُما أي السموات والأرض وَهُوَ الْعَلِيُ فوق خلقه بالقهر الْعَظِيمُ (255) الكبير لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ على الدخول فيه قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ أي ظهر بالآيات البينات أن الإيمان رشد والكفر غي نزلت فيمن كان له من الأنصار أولاد أراد أن يكرههم على الإسلام\r______________________________\rوالأقرب أن يقال المراد بما بين أيديهم ما يستقبل من الدنيا والآخرة، وقوله وما خلفهم ما انقضى من أمر الدنيا، فعلم أمر الدنيا والآخرة مستو عنده بخلاف المخلوقات، قال الشاعر:\rوأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عمي\rقوله: (أي لا يعلمون شيئا من معلوماته) دفع بذلك ما يتوهم أن علم اللّه يتجزأ مع أنه ليس كذلك، وما يتوهم أيضا أنه يشاء إطلاع أحد على علمه مع أنه مستحيل، إذ ليس في طاقة الحادث اطلاع على حقيقة القديم ولا صفاته، سبحان من لا يعلم قدره غيره، ولا يبلغ الواصفون صفته. قوله: (منها) أي من معلوماته. قوله: (بأخبار الرسل) أي فلا يصل لأحد علم إلا بواسطة الأنبياء، فالأنبياء وسائط لأممهم في كل شيء، وواسطتهم رسول اللّه، قال العارف: اللهم صل على من منه انشقت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق، وتنزلت علوم آدم فأعجز الخلائق. قوله: (و قيل أحاط علمه بهما) أي فالكرسي بضم الكاف وكسرها يطلق على العلم، كما يطلق على السرير الذي يجلس عليه. قوله:\r(و قيل الكرسي نفسه) أي وهو مخلوق عظيم فوق السماء السابعة، يحمله أربعة ملائكة، لكل ملك أربعة أوجه أرجلهم تحت الصخرة التي تحت الأرض السابعة، وتحت الأرض السفلى ملك على صورة آدم يسأل الرزق لبني آدم، وملك على صورة الثور يسأل الرزق للبهائم، وملك على صورة السبع يسأل الرزق للوحوش، وملك على صورة النسر يسأل الرزق للطيور، بينهم وبين حملة العرش سبعون حجابا من ظلمه، وسبعون حجابا من نور، سمك كل حجاب خمسمائة سنة، وذلك لئلا تحترق حملة الكرسي من نور حملة العرش، وخلق العرش والكرسي من حكم اللّه لا لاحتياج لهما. قال صاحب الجوهرة:\rوالعرش والكرسي ثم القلم ... والكاتبون اللوح كل حكم\r\rقوله: (في ترس) هو ما يتترس به عند الحرب، وهو المسمى بالدرقة. قوله: وَلا يَؤُدُهُ أي اللّه وهو ظاهر، أو الكرسي وهو أبلغ، لأنه إذا لم تثقل السموات والأرض مع عظمها الكرسي مع أنه مخلوق فكيف بخالقه. قوله: وَهُوَ الْعَلِيُ أي المنزه عن صفات الحوادث فهو من صفات السلوب. قوله:\rالْعَظِيمُ أي المتصف بالعظم وقدم العلي عليه لأنه من باب تقديم التخلية على التحلية.\rقوله: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قيل إن من هنا إلى خالدون من تمام آية الكرسي، وقيل ليست منها وهو الحق، وإنما ذكرت عقبها كالنتيجة لما ذكر فيها من خالص التوحيد، والمعنى لا يكره أحد أحدا على الدخول في الإسلام، فإن الحق والباطل ظاهران لكل أحد فلا ينفع الاكراه، قال تعالى: (وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ). قوله: (أي ظهر بالآيات البينات) أي الدلائل الظاهرة على باهر قدرته وعظيم حكمته، قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) * الآية. قوله: (فيمن كان له من الأنصار أولاد) أي وهو","part":1,"page":160},{"id":160,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 161\rفَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ الشيطان أو الأصنام وهو يطلق على المفرد والجمع وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ تمسك بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى بالعقد المحكم لَا انْفِصامَ انقطاع لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ لما يقال عَلِيمٌ (256) بما يفعل اللَّهُ وَلِيُ ناصر الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ الكفر إِلَى النُّورِ الإيمان وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ ذكر الإخراج إما في مقابلة قوله يخرجهم في الظلمات أو في كل من آمن بالنبي قبل بعثته\r______________________________\rأبو الحصين كان له ابنان تنصرا قبل بعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثم قدما المدينة بتجارة زيت فلقيهما أبوهما، وأحب أن يكرههما على الإسلام، فارتفع معهما إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال أبوهما يا رسول اللّه أيدخل بعضي النار وأنا أنظر إليه فنزلت وهذه الآية يحتمل أنها منسوخة بآيات القتال أو محكمة، وتحمل على من ضرب عليهم الجزية ويؤيده سبب نزولها.\rقوله: بِالطَّاغُوتِ مبالغة في الطغيان كالجبروت والملكوت، والمراد به ما يعبد من دون اللّه، ومعنى الكفر به جحده والإعراض عنه. قوله: (و هو يطلق على المفرد والجمع) أي ويعود الضمير عليه مؤنثا ومذكرا وهو قيل مصدر وقيل اسم جنس.\rقوله: وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ تقديم الكفر بالطاغوت على الإيمان باللّه من باب تقديم التخلية على التحلية، لأنه لا يصح إيمان باللّه مع إشراك غيره معه. قوله: فَقَدِ اسْتَمْسَكَ هذه الجملة جواب الشرط الذي هو من وقرن بالفاء لدخول قد عليها. قوله: (تمسك) أشار بذلك إلى السين والتاء زائدتان لتقوية الاستمساك. قوله: بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى فيه استعارة تصريحية أصلية، حيث شبه دين الإسلام بالعروة الوثقى، وهي موضع المسك من الحبل بجامع أن كلا لا يخشى منه الخلل، واستعير اسم المشبه به وهو العروة الوثقى للمشبه وهو دين الإسلام، والاستمساك وعدم الانفصام ترشيحان لأنه من ملائمات المشبه به، أو فيه استعارة تمثيلية بأن يقال شبه حال من تمسك بدين الإسلام وأحكامه بحال من تمسك بالعروة الوثقى، بجامع أن كلا لا يخشى الانفكاك ولا الخلل، واستعير اسم المشبه به للمشبه والاستمساك وعدم الانفصام ترشيحان أيضا. قوله: لَا انْفِصامَ لَها الانفصام الانقطاع بغير بينونة، والانقصام بالقاف الانقطاع مع بينونة، فالتعبير بالانفصام أبلغ. قوله: (لما يقال) أي سرا أو جهرا. قوله: (بما يفعل) أي خيرا أو شرا سرا أو جهرا.\rقوله: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا هذا كالدليل لما قبله وولي فعيل بمعنى فاعل أي متولي أمر عباده، وأما الولي من العبيد فبمعنى فاعل أي موالي طاعة ربه، أو بمعنى مفعول أي تولاه اللّه فلم يكله لغيره.\rقوله: (الكفر) شبه بالظلمات الحسية للحيرة وعدم الاهتداء في كل، ولأنه يكون كذلك يوم القيامة، قال تعالى: ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها، وقوله: (الإيمان) شبه بالنور لأنه يهتدى بكل ولأنه يكون كذلك يوم القيامة، قال تعالى: (نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ)، فالكفر ظلمة معنوية في الدنيا وحسية في الآخرة، والإيمان نور معنوي في الدنيا وحسي في الآخرة، قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ إنما لم يقل والطاغوت أولياء الذين كفروا لأجل المقابلة لئلا يكون الطاغوت مقابلا لاسم اللّه وهو قبيح، فبدأ بكفرهم تقبيحا وتبكيتا لهم. قوله: (ذكر الاخراج الخ) جواب عن سؤال مقدر حاصله أن الكفار لم يكونوا في نور فأخرجوا منه إلى الظلمات كيف ذلك أجاب المفسر","part":1,"page":161},{"id":161,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 162\rمن اليهود ثم كفر به أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (257) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَ جادل إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ ل أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ أي حمله بطره بنعم اللّه على ذلك وهو نمروذ إِذْ بدل من حاج قالَ إِبْراهِيمُ لما قال له من ربك الذي تدعونا إليه رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ أي بخلق الحياة والموت في الأجساد قالَ هو أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ بالقتل والعفو عنه ودعا برجلين فقتل أحدهما وترك الآخر فلما رآه غبيا قالَ إِبْراهِيمُ منتقلا إلى حجة أوضح فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها أنت مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ تحير ودهش\r______________________________\rبجوابين: الأول أنه مشاكلة لما قبله والمراد منهم من أصل النور، والثاني أنه إخراج حقيقي وهو في كل من آمن بالنبي قبل مبعثه ثم ارتد بعد ذلك، وفي هذه الآية وعد من اللّه بالأمن للمؤمن من المخاوف دنيا وأخرى.\rقوله: أَلَمْ تَرَ الاستفهام لتقرير النفي مع التعجيب، والمعنى ألم ينته علمك إلى هذا الذي قابله اللّه بالجود والاحسان، وقابل مولاه بالكفر والطغيان، وهذا كالدليل لقوله: (وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) الآية. فإن الشيطان طاغوت نمروذ وهو طاغوت غيره ما عدا إبراهيم ومن تبعه قوله: إِلَى الَّذِي حَاجَ لم يصرح باسمه تبكيتا له وإظهارا لقبحه. قوله: (جادل) أي مجادلة باطلة وهي مقابلة الحجة بالحجة فإبراهيم يجادل بالحق، ونمروذ يجادل بالباطل. قوله: فِي رَبِّهِ أي إبراهيم فالإضافة للتشريف، أو نمروذ والإضافة لإقامة الحجة عليه حيث نازع خالقه في وصفه. قوله: أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ مفعول لأجله وهو مجرور باللام لفقد أحد شروطه وهو عدم اتحاد الفاعل، لأن فاعل المحاججة النمروذ وفاعل إيتاء الملك هو اللّه، قال ابن مالك: وإن شرط فقد. فاجرره بالحرف. وحذف الجار لأن حذفه مطرد مع أن وإن. قوله: (بطره) هو الاستخفاف بآلاء اللّه. قوله: (بنعم اللّه) أي وهي ملك الدنيا، لأنه لم يملك إلا أربعة اثنان مسلمان، واثنان كافران سليمان وذو القرنين، والنمروذ وبختنصر.\rقوله: (و هو نمروذ) أي ابن كنعان حملت به أمه من زنا خوفا على ملك أبيه من الضياع حيث كان أبوه عقيما، وهو أول من لبس التاج المكلل، وهذه الواقعة كانت بعد إلقاء إبراهيم في النار، وكان النمروذ قد ملك أقوات الأرض كلها، فكان لا يعطي القوت إلا لمن آمن به، فذهب إبراهيم إليه وطلب منه شيئا من القوت فامتنع حتى يتبعه، فذهب إبراهيم إلى كثيب من رمل وملأ وعاءه فلما وصل منزله صار دقيقا فصار يأكل منه هو ومن تبعه. قوله: (بدل من حاج) أي بدل اشتمال. قوله: (لما قال له) ظرف لقوله قال إبراهيم، أي قال إبراهيم ذلك وقت قوله له من ربك؟\rقوله: أَنَا أُحْيِي الضمير قيل أن وحدها والألف زائدة لبيان الحركة في حالة الوقف، وقيل بل كلها الضمير، والصحيح أن فيه لغتين لغة تميم إثبات ألفه وصلا ووقفا، والثانية إثباتها وقفا وحذفها وصلا. قوله: (غبيا) أي بليدا لا يفهم جوابا ولا يحسن خطابا، وهو جواب عن سؤال مقدر حاصله أن ما وقع من إبراهيم ليس صناعة المناظرة لأنه كان الواجب إبطال حجة الأحياء والإماتة التي ادعاها اللعين أولا ثم ينتقل لحجة أخرى، أجاب المفسر بأنه لما رآه غبيا لم يدقق عليه في ذلك وانتقل لحجة أخرى.","part":1,"page":162},{"id":162,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 163\rوَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) بالكفر إلى حجة أَوْ رأيت كَالَّذِي الكاف زائدة مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ هي بيت المقدس راكبا على حمار ومعه سلة تين وقدح عصير وهو عزير وَهِيَ خاوِيَةٌ ساقطة عَلى عُرُوشِها سقوفها لما خربها بختنصر قالَ أَنَّى كيف يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها استعظاما لقدرته تعالى فَأَماتَهُ اللَّهُ وألبثه مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ أحياه ليريه كيفية ذلك قالَ تعالى له كَمْ لَبِثْتَ مكثت هنا قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ لأنه نام أول النهار فقبض وأحيي عند الغروب فظن أنه يوم النوم قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ التين وَشَرابِكَ العصير لَمْ يَتَسَنَّهْ يتغير مع طول الزمان والهاء قيل أصل من سانهت وقيل للسكت من سانيت\r______________________________\rقوله: أَوْ كَالَّذِي هذا كالدليل لقوله: اللّه ولي الذين آمنوا، فهو من باب اللف والنشر المشوش فمن أراد اللّه هدايته جعل له كل شيء دليلا يستدل به على ذات صانعه وصفاته، ومن أراد اللّه خذلانه أضله بكل شيء وأعمى قلبه عن النظر في المصنوعات، وإنما قدم ما يتعلق بالكافر لقصر الكلام عليه واتصاله بما قبله بخلاف ما يتعلق بالمؤمن، واعلم أنهم ذكروا أن في الكاف قولين: الأول أنها بمعنى مثل وعليه درج المفسر حيث قدر رأيت فيكون المعنى ألم ينته علمك إلى الشخص الذي مر الخ. قوله:\rالكاف زائدة غير مناسب لحله، الثاني أنها زائدة والمعنى ألم ينته علمك إلى الشخص الذي مر الخ. قوله:\r(و هو عزيز) أي ابن شرخيا كان من بني إسرائيل، قيل كان نبيا وقيل وليا وقيل هو الخضر وقيل رجل كان كافرا ينكر البعث فأراد اللّه له الهدى، والقرية قيل هي بيت المقدس كما قال المفسر، وقيل هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت. قوله: (لما خربها بختنصر) بخت معناه ابن ونصر اسم للصنم، سمي بذلك لأن أمه لما ولدته وضعته عنده فلما وجدوه قالوا بختنصر أي ابن الصنم، وكان كافرا ملك الأرض مشرقا ومغربا، وسبب تخريبها أن بني إسرائيل لما طغوا سلط اللّه عليهم بختنصر فتوجه إليهم في ستمائة راية، فلما ملكهم قسمهم ثلاثة أقسام: قسم قتله وقسم أقره بالشام وقسم استرقه، وكان ذلك مائة ألف، فقسمه بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل واحد أربعة فكانوا خمسة وعشرين ألف ملك، وكان من جملة من أسر عزيز، وفك من الأسر فلما مر عليها وهي بهذه الحالة قال ما ذكر.\rقوله: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها يحتمل أن المراد في الدنيا أو يوم القيامة، وليس ذلك شكا واستغرابا لفعل اللّه، بل ذلك سؤال عن تعلق قدرة اللّه كأنه قال هل تعلقت قدرة اللّه بإحيائها فيحييها، أو بعدمه فيبقيها على ما هي عليه. قوله: (كيف) وقيل بمعنى متى. قوله: (استعظاما لقدرته) أي إنه لا يقدر على ذلك إلا صاحب القدرة العظيمة. قوله: (و ألبثه) قدره إشارة إلى أن قوله مائة عام متعلق بمحذوف، ولا يصح تعلقه بأماته لأنه لا معنى له. وسبب ذلك أنه لما دخل بيت المقدس وربط حماره فلم ير أحدا بها ثم رأى أشجارها قد أثمرت فأكل منها ونام فأماته اللّه في منامه، فلما مضى من موته سبعون سنة، وجه اللّه ملكا من ملوك فارس إلى بيت اللّه المقدس ليعمره فعمره ورد من بقي من بني إسرائيل إليه، فلما تمت المائدة أحياه اللّه.\rقوله: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ أو للاضراب لأنه نام ضحوة النهار فأحيي آخر النهار، فظن أنه يوم النوم، فبالضرورة ليس يوما كاملا. قوله: (قيل أصل) أي فهي لام الكلمة والفعل مجزوم بسكون الهاء","part":1,"page":163},{"id":163,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 164\rوفي قراءة بحذفها وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ كيف هو فرآه ميتا وعظامه بيض تلوح، فعلنا ذلك لتعلم وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً على البعث لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ من حمارك كَيْفَ نُنْشِزُها نحييها بضم النون وقرىء بفتحها من أنشر ونشر لغتان وفي قراءة بضمها والزاي نحركها ونرفعها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فنظر إليها وقد تركبت وكسيت لحما ونفخ فيه الروح ونهق فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ذلك بالمشاهدة قالَ أَعْلَمُ علم مشاهدة أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) وفي قراءة أعلم، أمر من اللّه له وَاذكر إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ تعالى أَوَلَمْ تُؤْمِنْ بقدرتي\r______________________________\rفأصل سنة سنهة. قوله: (و قيل للسكت) أي فهي زائدة وأصل سنة سنو. قوله: (و في قراءة بحذفها) أي وصلا. قوله: (من أنشر ونشر) لف ونشر مرتب. قوله: (و نرفعها) أي نرفع بعضها إلى بعض. قوله:\r(علم مشاهدة) جواب عن سؤال مقدر. قوله: (أمر من اللّه له) أي وترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، روي أن العزيز لما أحيي ورأسه ولحيته إذ ذاك سوداوان وهو ابن أربعين سنة، ركب حماره وأتى محلته، فأنكره الناس وأنكر هو الناس والمنازل، فانطلق على وهم منه حتى أتى منزله، فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أدركت زمن عزير، فقال عزير: يا هذه هذا منزل عزير، قالت: نعم، وأين عزير، قد فقدناه منذ كذا وكذا فبكت بكاء شديدا قال: فإني عزير، قالت: سبحان اللّه وأني يكون ذلك، قال: قد أماتني اللّه مائة عام ثم بعثني. قالت: إن عزيرا كان رجلا مجاب الدعوة فادع اللّه لي يرد علي بصري حتى أراك، فدعا ربه ومسح بين عينيها فصحتا فأخذ بيدها فقال لها قومي بإذن اللّه فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال، فنظرت إليه فقالت أشهد أنك عزير، فانطلقت به إلى محلة بني إسرائيل وهم في أنديتهم، وكان في المجلس ابن لعزير قد بلغ مائة وثماني عشرة سنة وبنو بنته شيوخ، فنادت هذا عزير قد جاءكم فكذبوها، فقالت انظروا فإني بدعائه رجعت إلى هذه الحالة، فنهض الناس فأقبلوا إليه، فقال ابنه كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه مثل الهلال فكشف فإذا هو كذلك، وقد كان قبل بختنصر ببيت المقدس من قراء التوراة أربعون ألف رجل، ولم يكن يومئذ بينهم نسخة من التوراة ولا أحد يعرف التوراة، فقرأها عليهم عن ظهر قلبه من غير أن يخل منها بحرف، فقال رجل من أولاد المسبيين ممن ورد بيت المقدس بعد هلاك بختنصر حدثني أبي عن جدي أنه دفت التوراة يوم سبينا في خابية في كرم فإن أريتموني كرم جدي أخرجتها لكم، فذهبوا به إلى كرم جده ففتشوا فوجدوها فعارضوها بما أملى عليهم عزير عن ظهر القلب فما اختلفا في حرف واحد، فعند ذلك قالوا هو ابن اللّه، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.\rقوله: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ هذا دليل آخر لقوله اللّه ولي الذين آمنوا، وقصة إبراهيم أبلغ من قصة العزيز لعظم مقام إبراهيم، وإنما غاير الأسلوب ولم يقل أو كالذي (قال رب أرني) الخ لأن إبراهيم قد تقدم له ذكر، وأيضا الأمر المعجز لم يقع له في نفسه كالعزير وإنما أراه اللّه ذلك في غيره، وسبب سؤال إبراهيم أنه مر بساحل طبريا فوجد جيفة إنسان وقيل حمار وقيل حوت، فلما رآه وجد السباع والطيور والسمك تأكل منها، فاشتاقت نفسه إلى رؤية جمع اللّه لها، فقال أعلم أن اللّه قادر على جمعها لكن أحب أن أرى ذلك، وقيل سبب سؤاله أنه لما حاجج النمروذ حيث (قال ابراهيم ربي الذي يحيي ويميت) فقال النمروذ أنا أحيي وأميت، ودعا رجلين فقتل أحدهما وعفا عن الآخر، فقال له إبراهيم ليس هذا إحياء إدخال الروح في الجسم وتقويمه بها، فقال النمروذ أو ربك يفعل ذلك فقال إبراهيم نعم، فقال له هل عاينته","part":1,"page":164},{"id":164,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 165\rعلى الأحياء سأله مع علمه بإيمانه بذلك ليجيبه بما سأل فيعلم السامعون غرضه قالَ بَلى آمنت وَلكِنْ سألتك لِيَطْمَئِنَ يسكن قَلْبِي بالمعاينة المضمومة إلى الاستدلال قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ بكسر الصاد وضمها أملهن إليك وقطعهن واخلط لحمهن وريشهن ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ من جبال أرضك مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَ إليك يَأْتِينَكَ سَعْياً سريعا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه شيء حَكِيمٌ (260) في صنعه فأخذ طاووسا ونسرا وغرابا وديكا وفعل بهن ما ذكر وأمسك رؤوسهن عنده ودعاهن فتطايرت الأجزاء إلى بعضها حتى تكاملت ثم أقبلت إلى رؤوسها مَثَلُ صفة نفقات الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي\r______________________________\rفانتقل لحجة أخرى وهي (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ) الآية، فعند ذلك تشوق للمعاينة لتقوى حجته على قومه إذا سألوه عن المعاينة وقال رب أرني، الآية.\rقوله: أَرِنِي أصله أرئيني بوزن أكرمئي حذفت الياء لأن الأمر كالمضارع فصار أرئيني ثم نقلت حركة الهمزة إلى الراء، وحذفت الهمزة والرؤية هنا بصرية تتعدى إلى مفعول واحد فلما دخلت همزة النقل تعدت إلى مفعول ثان وهو جملة الاستفهام. قوله: (سأله) أي سأل إبراهيم. قوله: (بذلك) أي بقدرته على إحياء الموتى. قوله: (ليجيب) علة لسأل وفاعل الإجابة إبراهيم وهو المسؤول. وقوله: (بما سأله) أي اللّه، وقوله: (فيعلم السامعون غرضه) أي لأن سؤاله أولا يوهم عدم إيمانه فترتب على سؤال اللّه بقوله:\rأَوَلَمْ تُؤْمِنْ كشف إبراهيم عن مراده. بقوله: بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قوله: (آمنت) قدره إشارة إلى أن قوله ولكن ليطمئن قلبي مرتب عليه وهناك محذوف آخر تقديره وليس سؤالي لعدم إيمان مني ولكن الخ. قوله: (يسكن) قَلْبِي أي من اضطرابه واشتياقه إلى المعاينة، ولا يقدح ذلك في إيمان إبراهيم، فإن الإنسان مؤمن برسول اللّه وبيت اللّه الحرام، ولكن قلبه مشتاق ومضطرب لمشاهدة رسول اللّه وبيته الحرام غاية الاشتياق، ومع ذلك لا يقدح في إيمانه بما ذكر، وكسؤال موسى رؤية اللّه مع كونه في أعلى مراتب الإيمان باللّه. قوله: (بالمعاينة المضمومة إلى الاستدلال) إن قلت: إن إيمان الأنبياء حق يقين لا علم يقين ولا عين يقين، فكيف يطلب إبراهيم الانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين مع أن مرتبته فوق ذلك، أجيب بأن هذا الكلام بالنسبة للذات والصفات لوجدها بجيث لو كشف عنا الحجاب لرأيناها، وأما إيجاد اللّه للأشياء فهو أمر اعتباري يطلع اللّه على ذلك من خصه برحمته فلا يشاهده إلا من رآه بعينه، وأجيب أيضا بأنه من أهل حق اليقين في الجميع لأن اللّه يمثل لأحبائه الأمور الاعتبارية التي ستحصل.\rفتصير كالمشاهدة الحاضرة فلا فرق في حق اليقين بين شهود الذات والصفات والأفعال، وإنما طلب ذلك لأجل تمام الاستدلال والاحتجاج على قومه وهذا هو الأتم. قوله: (بكسر الصاد وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أملهن إليك) أي (و قطعهن) فهما معنيان لصرهن والمفسر جمع بينهما. قوله: من جبال أرضك) أي من جبال حولك وكانت أربعا وقيل سبعا. قوله: (فأخذ طاووسا الخ) الحكمة في اختيار هذه الطيور الأربعة شبهها بالإنسان فإن في الطاووس الخيلاء والعجب، وفي النسر شهوة الأكل والشرب، وفي الغراب الحرص، وفي الديك شهوة النكاح، وذلك كله في الإنسان. قوله: (ثم أقبلت إلى رؤوسها) أي بدعائها ثانيا، فالدعوة الأولى لالتئام أجزائها، والثانية لاتيانها إليه لأخذ رؤوسها وإنما لم تكن من جنس","part":1,"page":165},{"id":165,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 166\rطاعته كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ فكذلك نفقاتهم تضاعف لسبعمائة ضعف وَاللَّهُ يُضاعِفُ أكثر من ذلك لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ فضله عَلِيمٌ (261) بمن يستحق المضاعفة الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا على المنفق عليه بقولهم مثلا قد أحسنت إليه وجبرت حاله وَلا أَذىً له بذكر ذلك إلى من لا يحب وقوفه عليه ونحوه لَهُمْ أَجْرُهُمْ ثواب إنفاقهم عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) في\r______________________________\rواحد ليظهر التمييز وكانت من الطيور لأن الطير صفته الطيران في العلو، وهمة إبراهيم إلى جهة العلو فمعجزته مشاكلة لهمته.\rقوله: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ مثل مبتدأ مضاف للموصول وينفقون صلته والخبر قوله كمثل حبة، وقدر المفسر قوله نفقات ليصح التشبيه لأن ذوات المنفقين لا يصح تشبيهها بالحبة. والحاصل أنه لا يصح التشبيه إلا بتقدير، إما في الأول كما صنع المفسر أو في الثاني أي مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل باذر حبة، قوله: (طاعته) أي واجبة أو مندوبة فيشمل الجهاد وطلب العلم والحج والتوسعة على العيال وغير ذلك، وكلما عظمت القربة كانت الحسنات فيها أكثر، قوله: أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ أي في سبع شعب والأصل والساق واحد وسنابل جمع سنبلة ويقال أيضا: سبل وسبلة وفعل الأول سنبل والثاني سبل وغالبا يوجد ذلك في الذرة والدخن والشعير.\rقوله: وَاللَّهُ يُضاعِفُ (أكثر من ذلك) أي على حسب الأخلاص وطيب المال ويشهد لذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم «اللّه اللّه في أصحابي لا تتخذوهم غرضا من بعدي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا لما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» وأعلم أن أقل المضاعفة عشر ثم سبعون ثم سبعمائة ثم إلى غير نهاية، وظاهر المفسر أن وعد اللّه الذي لا يتخلف هو المضاعفة بالسبعمائة، وأما ما زاد فيختص برحمته من يشاء، والحق أن وعد اللّه الذي لا يختلف هو المضاعفة بالعشر وما زاد فيخص به من يشاء فقوله: وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ صادق بما فوق العشرة، قوله: وَاللَّهُ واسِعٌ (فضله) أي فلا يستغرب إعطاؤه الشيء الكثير في نظير شيء قليل لا تخفى عليه خافية، وهذا كالدليل لما قبله، قوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ، نزلت هذه الآية في حق عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنهما في غزوة تبوك، حيث جهز عثمان ألف بعير بأحلاسها وأقتابها ووضع بين يدي رسول اللّه الف دينار، فصار رسول اللّه يقلبها ويقول: «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم» «و أتى عبد الرحمن النبي عليه الصلاة والسّلام بأربعة آلاف درهم وأخبره بأنه أبقى لأهله نظيرها،. فقال له: بارك اللّه لك فيما أمسكت وفيما أنفقت» فصار بعد ذلك ماله كالتراب.\rقوله: مَنًّا هو تعداد النعم، وأتى بثم إشارة أن المن يقع بعد الانفاق بمهلة وهو حرام محبط للعمل إلا من الوالد على ولده، والشيخ على تلميذه والسيد على عبده، فليس بحرام، قوله: وَلا أَذىً من عطف العام على الخاص، لأن المن من جملة الأذى، قوله: (و نحوه) أي كان يعطيه ويسبه، قوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ أي مدخر عنده والعندية عندية مكانة وشرف لا مكان.\rقوله: وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي في الآخرة والخوف غم لما يستقبل، وقوله: وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ","part":1,"page":166},{"id":166,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 167\rالآخرة قَوْلٌ مَعْرُوفٌ كلام حسن ورد على السائل جميل وَمَغْفِرَةٌ له في إلحاحه خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً بالمن وتعبير له بالسؤال وَاللَّهُ غَنِيٌ عن صدقة العباد حَلِيمٌ (263) بتأخير العقوبة عن المان والمؤذي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ أي أجورها بِالْمَنِّ وَالْأَذى إبطالا كَالَّذِي أي كابطال نفقة الذي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ أي مرائيا لهم وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وهو المنافق فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ حجر أملس عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ مطر شديد فَتَرَكَهُ صَلْداً صلبا أملس لا شيء عليه لا يَقْدِرُونَ استئناف لبيان مثل المنافق المنفق رئاء الناس وجمع الضمير باعتبار معنى الذي عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا عملوا أي لا يجدون له ثوابا في الآخرة كما لا يوجد على الصفوان شيء من التراب الذي كان عليه لإذهاب المطر له وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (264) وَمَثَلُ نفقات الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ طلب مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي تحقيقا للثواب عليه بخلاف المنافقين الذين لا يرجونه لانكارهم له.\r______________________________\rأي فيها والحزن غم لما مضى فقوله: (و الآخرة) راجع لهما وأما في الدنيا فلا مانع من حصول ذلك لما في الحديث «اشدكم بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل».\rقوله: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ الخ، قول مبتدأ ومعروف صفته ومغفرة معطوف عليه وخير خبره، وسوغ الابتداء بالنكرة الأولى وصفها، وبالثانية عطفها على ما له مسوغ. قوله: (كلام حسن) أي من المسؤول كأن يقول له اللّه يرزقك مثلا، قوله: خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً أعلم أن أعلى المراتب الأحسان مع الكلام الحسن، ثم الكلام الحسن من غير إعطاء، وادناها الاعطاء مع الأذى، وهل له في هذه الحالة ثواب لقضاء حاجة السائل، ويعاقب من جهة الأذية أو لا ثواب ولا عقاب، أو يعاقب فقط ولا ثواب لوجود الأذية، ويؤيده ما يأتي في\rقوله: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِ الآية، وعلى ذلك فيشكل الأتيان باسم التفضيل، وأجيب بأن الخيرية بالنسبة للسائل لا للمسؤول.\rقوله: وَاللَّهُ غَنِيٌ أي فلا يحوج عباده الفقراء إلى من الأغنياء وأذاهم، ويرزقهم من جهة أخرى إذا استد باب يفتح اللّه عشرة وفي الحقيقة الصدقة نفع صرف لصاحبها (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم) وأما قسمة اللّه للعبد فلا تخطئه، بل إن لم تكن من هذا فمن غيره، قوله: (أي أجورها) يحتمل أن المراد مضاعفتها أو ثوابها من أصله، قوله: (إبطالا) أشار بذلك إلى قوله كالذي صفة لمصدر محذوف، قوله:\r(أي كإبطال نفقة الذي) الكلام على حذف مضاف أي كإبطال أجر نفقة الذي الخ، قوله: (أي مرائيا لهم) أشار بذلك إلى أن رئاه مصدر بمعنى اسم الفاعل حال من فاعل ينفق، والمراءاة مفاعلة من الجانبين.\rقوله: (و هو المنافق) أي وهو قسمان: نفاق عملي ونفاق ديني، فالأول أن يقصد بصدقاته وصلاته وصومه غير وجه اللّه لكنه مسلم، والثاني أن يظهر الإسلام ويخفي الكفر، فمعنى قوله: وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ أي أصلا بأن يكون كافرا أو إيمانا كاملا بأن يكون مسلما عاصيا.\rقوله: فَمَثَلُهُ أي في الانفاق، قوله: (حجر أملس) أي وهو كبير، قوله: (مطر شديد) وأوله رش ثم طش ثم طل ثم نضح ثم هطل ثم وابل، قوله: (و جمع الضمير باعتبار معنى الذي) أي وأفرد فيما قبله نظر اللفظة\rقوله: ابْتِغاءَ مفعول لأجله. قوله: (أي تحقيقا للثواب) أي جازما ومصمما أن اللّه","part":1,"page":167},{"id":167,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 168\rومن ابتدائية كَمَثَلِ جَنَّةٍ بستان بِرَبْوَةٍ بضم الراء وفتحها مكان مرتفع مستو أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أعطت أُكُلَها بضم الكاف وسكونها ثمرها ضِعْفَيْنِ مثلي ما يثمر غيرها فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌ مطر خفيف يصيبها ويكفيها لارتفاعها المعنى تثمر وتزكو كثر المطر أم قل فكذلك نفقات من ذكر تزكو عند اللّه كثرت أم قلت وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) فيجازيكم به أَيَوَدُّ أيحب أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ بستان مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها ثمر مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَقد أَصابَهُ الْكِبَرُ فضعف من الكبر الكسب وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ أولاد صغار لا يقدرون عليه فَأَصابَها إِعْصارٌ ريح شديدة فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ ففقدها أحوج ما كان إليها وبقي هو وأولاده عجزة متحيرين لا حيلة لهم وهذا تمثيل لنفقة المرائي والمان في ذهابها وعدم نفعها أحوج ما يكون إليها في الآخرة والاستفهام بمعنى النفي وعن ابن\r______________________________\rيثيبه. قوله: (مكان مرتفع) أي طيب حسن شجره تام ثمره، وقوله: (مستو) أي لا مسنم لعدم بقاء الماء عليه، وقوله: (بضم الراء وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان، قوله: (لارتفاعها) أي واستوائها، قوله:\r(كثرت أم قلت) أي فحيث حسن باطنه بالإخلاص فقليل عمله ككثيره في رضا اللّه عنه، قال العارف:\rوبعد الفنا في اللّه كن كيف ما تشا ... فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر\r\rقوله: (فيجازيكم به) في ذلك وعد للمخلصين برضا اللّه والفوز الأكبر ووعيد للمرائين بغضب اللّه وعدم الرضا عليهم،\rقوله: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ شروع في ذكر مثال آخر للمرائي والمان والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، ومصبه قوله فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت. وقوله: (أيحب) تفسير ليود فالمودة هي المحبة لكن مع تمني اللقاء، قوله: جَنَّةٌ قيل إن المراد بالجنة الأرض ذات الشجر، وقيل الشجر نفسه، قوله:\rمِنْ نَخِيلٍ اسم جنس جمعي واحدة نخلة ولا يكون إلا لشجر البلح، والأعناب جمع عنبة اسم للكرم المعلوم، وخصمهما لعظم منافعهما ومزيد فضلهما على سائر الأشجار، وإلا فالمراد في الآية جميع الثمار بدليل باقي الآية.\rقوله: لَهُ فِيها (ثمر) مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أشار بذلك إلى أن من كل الثمرات جر ومجرور متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف على حد منا ظعن ومنا أقام، أي منا فريق ظعن ومنا فريق أقام، وكقوله تعالى: (وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) أي ما منا أحد، وقوله له متعلق بمحذوف خبر لثمر المقدر وقوله فيها متعلق بمحذوف حال من ضمير الخبر. قوله: وَأَصابَهُ الْكِبَرُ الجملة حالية و(قد) مقدرة كما ذكره المفسر، لأن الجملة الماضوية إذا وقعت حالا فإن قد تصحبها إما لفظا أو تقديرا. قوله: وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ جملة حالية أيضا.\rقوله: فَأَصابَها إِعْصارٌ هذا هو مصب الاستفهام لأن هذا هو موضع المصيبة. قوله: (ريح شديدة) هي المسماة بالزوبعة لأنها تعصر الشجر كما يعصر الإنسان الثوب وتقلعه من أصله. قوله:\rفَاحْتَرَقَتْ معطوف على أصابها. قوله: (أحوج ما كان إليها) حال من فاعل فقدها، أي فقدها هو حال كونه محتاجا إليها. قوله: (عجزة) جمع عاجز ككملة وكامل. قوله: (و هذا تمثيل لنفقة المرائي والمان) أي لأنهما خصلتان من خصال المنافقين، وهو كافر بهما إن استحل ذلك. قوله: (و الاستفهام بمعنى النفي)","part":1,"page":168},{"id":168,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 169\rعباس هو لرجل عمل بالطاعات ثم بعث له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله كَذلِكَ كما بين ما ذكر يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) فتعتبرون يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا أي زكوا مِنْ طَيِّباتِ جياد ما كَسَبْتُمْ من المال «و من» طيبات ما أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ من الحبوب والثمار وَلا تَيَمَّمُوا تقصدوا الْخَبِيثَ الرديء مِنْهُ أي من المذكور تُنْفِقُونَ ه في الزكاة حال من ضمير تيمموا وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ أي الخبيث لو أعطيتموه في حقوقكم إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ بالتساهل وغض البصر فكيف تؤدون منه حق اللّه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌ عن نفقاتكم حَمِيدٌ (267) محمود على كل حال الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ يخوفكم\r______________________________\rأي فهو إنكاري يعنى لا يحب مسلم ذلك. قوله: (و عن ابن عباس) أي فهو تفسير آخر لمعنى الآية.\rقوله: (ما ذكر) أي من نفقة المخلص. بقوله: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل اللّه) الآية، ونفقة المرائي والمان. بقوله: (فمثله كمثل صفوان) الآية. قوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي فلم يكلفكم إلا بعد البيان.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا هذا نتيجة ما قبله، فبين أولا الأخلاص في الأنفاق، وبين هنا الأخلاص في الشيء المنفق. قوله: (زكوا) أي أدوا الزكاة وما قاربها. قوله: (من المال) أي وهو النقد والمواشي وعروض التجارة. قوله: (و من) (طيبات) ما أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ظاهر الآية أن جميع ما خرج من الأرض يجب فيه الزكاة، ولكن تفصيل ذلك موكول للسنة، فأوجب الشافعي الزكاة فيما كان مقتاتا للآدمي حالة الاختيار إذا بلغ ذلك خمسة أو سق ففيه إن سقي بآلة نصف العشر وبغيرها العشر، وأبقاها أبو حنيفة على ظاهرها فأوجب الزكاة في جميع ما يخرج من الأرض من مأكولات الآدمي كالفواكه والخضراوات وأوجب في ذلك العشر قليلا أو كثيرا، وعند مالك تجب الزكاة في عشرين نوعا:\rالقمح والشعير والسلث والدخن والذرة والأرز والعلس، والقطاني السبع وهي: الفول والحمص والترمس والبسلة والجليان واللوبيا والعدس، وذوات الزيوت الأربع وهي: الزيتون والقرطم وحب الفجل الأحمر والسمسم والتمر والزبيب، فيخرج من ذلك نصف العشر إن سقي بآلة، والعشر كاملا إن سقي بغيرها إن بلغ حب ذلك أو زيت ما له زيت خمسة أو سق. قوله: (أي من المذكور) أي الخبيث.\rفقوله: مِنْهُ تُنْفِقُونَ متعلق بالخبيث.\rقوله: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ هذا احتجاج على من أدى الزكاة من الرديء وامتنع من إعطائها من الطيب، وقد نزلت في الأنصار عن البراء بن عازب قال نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط البسر أو التمر فيأكل، وكان فينا من لا يرغب في الخير، فيأتي بالقنو فيه الشيص والحشف وبالقنو قد أنكسر فيعلقه، فأنزل اللّه (و لا تيمموا) الآية. قوله: (بالتساهل) أشار بذلك إلى قوله: إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ كناية عن التساهل، لأن من تساهل في شيء فقد غض بصره عنه. قوله: (عن نفقاتكم) أي فأمركم بها لانتفاعكم بها لا لعجزه عن نفقة الفقراء.\rقوله: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ أي يخبركم بأسباب الفقر ويجعله بين أعينكم. قوله: (البخل) قال","part":1,"page":169},{"id":169,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 170\rبه إن تصدقتم فتمسكوا وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ البخل ومنع الزكاة وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ على الإنفاق مَغْفِرَةً مِنْهُ لذنوبكم وَفَضْلًا رزقا خلفا منه وَاللَّهُ واسِعٌ فضله عَلِيمٌ (268) بالمنفق يُؤْتِي الْحِكْمَةَ العلم النافع المؤدي إلى العمل مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً لمصيره إلى السعادة الأبدية وَما يَذَّكَّرُ فيه إدغام التاء في الأصل في الذال يتعظ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (269) أصحاب العقول وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أديتم من زكاة أو صدقة أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فوفيتم به فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ فيجازيكم عليه وَما لِلظَّالِمِينَ بمنع الزكاة أو النذر أو بوضع الانفاق في غير محله من معاصي اللّه مِنْ أَنْصارٍ (270) مانعين لهم من عذابه إِنْ تُبْدُوا تظهروا الصَّدَقاتِ أي النوافل فَنِعِمَّا هِيَ أي نعم شيئا إبداؤها وَإِنْ تُخْفُوها تسروها\r______________________________\rبعضهم الفحشاء في القرآن جميعه معناه الزنا إلا هذه فمعناها البخل، والمعنى يغويكم ويخبركم بأمور يتسبب عنها البخل فيترتب على ذلك مطاوعتكم له كمطاوعة المأمور للآمر، وسمي إخبار الشيطان بالفقر وعد مع إنه وعيد لأنه شر مشاكلة لقوله: وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا. قوله: (خلفا منه) ورد أن اللّه بعث ملكين أحدهما ينادي: اللهم أعط منفقا خلفا والآخر ينادي اللهم أعط ممسكا تلفا، وفي الحديث أيضا «إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة به، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من اللّه فليحمد اللّه، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان ثم قرأ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء» أخرجه الترمذي. قوله: (بالمنفق) يقرأ بصيغة اسم الفاعل أي بنية الشخص المنفق، وبصيغة اسم المفعول أي بالشيء المنفق. قوله: (العلم النافع الخ) هذا هو أصح الأقوال وأولاها بالصواب وفي تفسيرها أقوال كثيرة: قيل النبوة، وقيل المعرفة بإحكام القرآن، وقيل الفهم فيه، وقيل الإصابة في القول والفعل، وقيل الفقه في الدين مطلقا، وقيل بإحكام القرآن، وقيل الفهم فيه، وقيل الإصابة في القول والفعل، وقيل الفقه في الدين مطلقا، وقيل خشية اللّه، وقيل القرآن لما ورد «إذا أراد اللّه إنزال العذاب بقوم سمع تعليم صبيانهم الحكمة رفعه عنهم» ويشهد لما قاله المفسر حديث «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه اللّه مالا فسلطه على هلكته في الخير، ورجل آتاه اللّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها للناس» قوله: (المؤدي إلى العمل) أي وأما شقشقة اللسان التي لم تورث القلب خشية فلا تسمى حكمة بل يعذب الإنسان على ذلك ويبعث جاهلا، قال الإمام الشافعي:\rإذا لم يزيد علم الفتى قلبه هدى ... وسيرته عدلا وأخلاقه حسنا\r\rفبشره أن اللّه أولاه نقمة ... ينكل بها من قبل من عبد الوثنا\r\rنسأل اللّه السلامة. قوله: (فيه إدغام التاء في الأصل الخ) أي فإن أصله يتذكر قلبت التاء دالا ثم أعجمت وأدغمت في الذال. قوله: (أصحاب العقول) أي الكاملة السالمة من شوائب النقص. قوله:\r(فوفيتم به) أشار بذلك إلى أن في الآية حذف العاطف والمعطوف، لأن المجازاة لا تترتب إلا على الوفاء بالنذر لا على نفس النذر.\rقوله: فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ دليل الجواب، وقدر المفسر الجواب. بقوله:\r(فيجازيكم عليه). قوله: مِنْ أَنْصارٍ من صلة، والأنصار الأعوان.\rقوله: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ لما تقدم فضل الصدقة كأن قائلا يقول هل هذا الفضل مخصوص بمن أسرها أو بمن أعلنها فأجاب بذلك وحذف من هنا شيئا أثبت نظيره في الآخر، تقديره إن تبدو الصدقات","part":1,"page":170},{"id":170,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 171\rوَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ من ابدائها وإيتائها الأغنياء أما صدقة الفرض فالأفضل إظهارها ليقتدى به ولئلايتهم، وإيتاؤها الفقراء متعين وَيُكَفِّرُ بالياء وبالنون مجزوما بالعطف على محل فهو مرفوعا على الاستئناف عَنْكُمْ مِنْ بعض سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) عالم بباطنه كظاهره لا يخفى عليه شيء منه، ولما منع صلّى اللّه عليه وسلّم من التصدق على المشركين ليسلموا نزل لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ أي الناس إلى الدخول في الإسلام إنما عليك البلاغ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ هدايته إلى الدخول فيه وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ مال فَلِأَنْفُسِكُمْ لأن ثوابه لها وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ أي ثوابه لا غيره من أعراض الدنيا خبر بمعنى النهي وَما تُنْفِقُوا مِنْ\r______________________________\rوتعطوها الأغنياء فنعما هي. قوله: (أي النوافل) أي فالمراد بالصدقات صدقات التطوع لأنها هي التي يصح اعطاؤها للأغنياء. قوله: فَنِعِمَّا هِيَ بكسر النون وفتحها قراءتان سبعيتان، والعين مكسورة على كل حال، والقياس فتح النون لأنه على وزن علم، وإنما كسرت النون في القراءة الأخرى اتباعا لكسرة العين، ونعم فعل ماض وما مميز وقيل فاعل وهي هو المخصوص بالمدح. قوله: (شيئا) تفسير لما، وقوله:\r(ابداؤها) بيان لكون المخصوص على حذف مضاف قوله: (فالأفضل إظهارها) أي حيث كان مشهورا بالمال ولم يخش على نفسه تسلط الظلمة على مال. قوله: (و ايتاؤها الفقراء متعين) التعيين بالنسبة للأغنياء وإلا فالأصناف التي تدفع لهم ثمانية مذكورة في سورة براءة. قوله: (بالياء) أي مع الرفع لا غير، وقوله:\r(و النون) أي مع الجزم والرفع فالقراءات ثلاث، فقول المفسر مجزوما ومرفوعا راجع لقوله والنون لا غير.\rقوله: (على محل فهو) أي مع خبره ومحله جزم لوقوعه جواب الشرط. قوله: (بعض) سَيِّئاتِكُمْ أشار بذلك إلى أن مِنْ للتبعيض لأن الصدقات لا تكفر جميع السيئات، بخلاف التوبة فتكفر جميعها قوله:\r(لا يخفى عليه شيء منه) أي من العمل سرا أو جهرا، فاسرار العمل لا يدل على الاخلاص، واجهاره لا يدل على الرياء قوله: (و لما منع) أشار بذلك إلى سبب نزول الآية. قوله: (من التصدق على المشركين) أي الكفار الفقراء يهودا أو غيرهم. قوله: (ليسوا) أي ليضطروا فربما يترتب على ذلك إسلامهم.\rقوله: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ أي لم يكلفك يا محمد ربك يخلق الهدى فيهم، بل كلفك بتبليغ شرعه، ويسمى هدى أيضا، قال تعالى: (وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) بمعنى مبلغ ودال لهم على طريق الحق، فتحصل أن الهدى يطلق بمعنى الدلالة وهو مكلف به الأنبياء والعلماء، وبمعنى إيصال الخير للقلب، وهو لم يكلف به أحد، قال تعالى: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) ومن هنا قول العارف: من نظر للخلق بعين الحقيقة عذرهم، ومن نظر لهم بعين الشريعة مقتهم، فعذرهم بالنظر لخلق اللّه الضلال والهدى في قلوبهم، فالخالق للضلال والهدى والأفعال جميعها هو اللّه وحده، فمن نظر لذلك لم يستقبح فعل أحد لأنه فعل اللّه في الحقيقة قال العارف:\rإذا ما رأيت اللّه في الكل فاعلا ... رأيت جميع الكائنات ملاحا\rوإن لم تر إلا مظاهر صنعه ... حجبت فصيرت الحسان قباحا\r\rومقتهم بالنظر للتكليف الظاهري فالعبد مجبور في قالب مختار قوله: (هدايته) قدره إشارة إلى مفعول يشاء قوله: (لأن ثوابه لها) أي فلا يضيع الثواب سواء تصدق على مؤمن أو مشرك. قوله: (لا غيره من أعراض الدنيا) أي فلا تجعلوا نفقاتكم عليه إلا لوجه اللّه لا لشيء آخر لأن من كان مقصده وجه اللّه فلا يخيب أبدا","part":1,"page":171},{"id":171,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 172\rخَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ جزاؤه وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272) تنقصون منه شيئا والجملتان تأكيد للأولى لِلْفُقَراءِ خبر مبتدأ محذوف أي الصدقات الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي حبسوا أنفسهم على الجهاد، نزلت في أهل الصفة وهم أربعمائة من المهاجرين أرصدوا لتعلم القرآن والخروج مع السرايا لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً سفرا فِي الْأَرْضِ للتجارة والمعاش لشغلهم عنه بالجهاد يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ بحالهم أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ أي لتعففهم عن السؤال وتركه تَعْرِفُهُمْ يا مخاطبا بِسِيماهُمْ علامتهم من التواضع وأثر الجهد لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ شيئا فيلحفون إِلْحافاً أي لا سؤال لهم أصلا فلا يقع منهم إلحاف وهو الإلحاح وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) فمجاز عليه الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا أي يأخذونه وهو الزيادة\r______________________________\rكانت النفقة على مسلم أو كافر، بل ورد أن اللّه غفر لإنسان بسبب سقيه كلبا يلهث عطشا. قوله: (خبر بمعنى النهي) راجع للجملة الثانية أي فهي خبرية لفظا إنشائية معنى، والمعنى لا تجعلوا إنفاقكم إلا خالصا لوجه اللّه لا لغرض آخر لا دنيوي ولا أخروي، وهذا هو المقام الأعلى، أو لا تقصدوا إلا وجه اللّه بمعنى ثوابه، وهذا أدنى منه، وارتكبه المفسر وإن كانت الآية محتملة لهما بالنظر لأخلاق العامة، والمعنى في هذه الجملة أن تكون خبرية لفظا ومعنى وتكون قيدا فيما قبلها فالمعنى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ إن قصدتم بها وجه اللّه. قوله: مِنْ خَيْرٍ أي قليلا أو كثيرا. قوله: (تنقصون منه شيئا) أي سواء كان قليلا أو كثيرا ولو خردلة. قوله: (للأولى) أي وهي. قوله: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ قوله: (أي الصدقات) أي المتقدم ذكرها تصرف وتعطى للفقراء الذين أحصروا الخ. قوله: (في أهل الصفة) أي وهي محل في مؤخر المسجد النبوي، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالمراد كل من كان متصفا بأوصافهم فالصدقات تعطى له. قوله: (و هم أربعمائة) أي ورئيسهم عبد الرحمن بن صخر المكنى بأبي هريرة. قوله: (من المهاجرين) أي الذين هاجروا مع رسول اللّه من مكة وما حولها وتركوا أموالهم وديارهم، ولم يكن لهم بالمدينة مساكن ولا عشائر، وكانوا غير متزوجين، وكانوا يستغرقون أوقاتهم في الاشتغال بالقرآن والسنة والعبادة ليلا والجهاد نهارا، وكانوا يقفون أول صف في الصلاة والجهاد. قوله:\r(أرصدوا لتعلم القرآن) أي والصلاة خلف النبي وقيام الليل. قوله: (بالجهاد) أي في طاعة اللّه، إما بالغزو أو بتعلمهم القرآن، وغير ذلك من أنواع الطاعات. قوله: (و أثر الجهد) أي من عظيم الخدمة مع الجوع. قوله: (شيئا) قدره إشارة إلى مفعول يسألون، قوله: (فيحلفون) قدره إشارة إلى أن إلحافا مفعول لمحذوف. قوله: (أي لا سؤال لهم أصلا) أي فالنفي منصب على القيد وهو الالحاف والمقيد وهو أصل السؤال، فالالحاف منفي قطعا لانتفاء أصل السؤال.\rقوله: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ هذه الجملة تأكيد للجملة المتقدمة.\rقوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ قيل نزلت في أبي بكر حيث تصدق بأربعين ألف دينار، عشرة آلاف بالليل ومثلها بالنهار، ومثلها سرا ومثلها علانية، وقيل في علي كان معه أربعة دراهم لم يملك غيرها، فتصدق بدرهم ليلا.\rوبآخر نهارا وبآخر سرا وبآخر علانية، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالمراد بيان أجر","part":1,"page":172},{"id":172,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 173\rفي المعاملة بالنقود والمطعومات في القدر أو الأجل لا يَقُومُونَ من قبورهم إِلَّا قياما كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ يصرعه الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ الجنون بهم متعلق بيقومون ذلِكَ الذي نزل بهم بِأَنَّهُمْ بسبب أنهم قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا في الجواز وهذا عن عكس التشبيه مبالغة فقال تعالى ردا عليهم وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ بلغه مَوْعِظَةٌ وعظ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى عن أكله فَلَهُ ما سَلَفَ قبل النهي أي لا يسترد منه وَأَمْرُهُ في العفو عنه إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ إلى أكله مشبها له بالبيع في الحل فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ينقصه ويذهب بركته وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ يزيدها وينميها ويضاعف ثوابها وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ بتحليل الربا أَثِيمٍ (276) فاجر بأكله أي يعاقبه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا اتركوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ\r______________________________\rالمنفق على هذا الوجه، فلا خصوصية لأبي بكر بذلك ولا لعلي. قوله: (أي يأخذونه) أشار بذلك إلى أن المراد ليس خصوص الأكل بل التناول مطلقا. قوله: (القدر) مراده به ربا الفضل أي الزيادة وهو حرام في متحد الجنس فقط، وقوله: (و الأجل) مراده به ربا النساء وهو حرام وإن تعدد الجنس، قال الأجهوري:\rربا النسا في النقد حرم مثله ... طعام وإن جنساهما قد تعددا\r\rوخص ربا فضل بنقد ومثله ... طعام ربا إن جنس كل توحدا\r\rواعلم أن الربا محرم كتابا وسنة وإجماعا فمن استحله فقد كفر، وقد ورد في ذم آكل الربا من الأحاديث ما لا يحصى، فمنها «لعن اللّه آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده كلهم في اللعنة سواء»، ومنها «أنه رأى ليلة الأسراء رجلا يسبح في نهر من دم يلقم الحجارة فقال ما هذا يا جبريل قال هذا مثل آكل الربا».\rقوله: الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ أي وهذه علامة يعرفون بها يوم القيامة. قوله: (بسبب أنهم) قالُوا الخ أي فقد ضلوا بالربا قولا وفعلا واعتقادا. قوله: (و هذا عن عكس التشبيه) أي فقد جعلوا المشبه به مشبها، فجعلوا الربا أصلا في الحل والبيع مقيسا عليه. قوله: (له ما سلف) أي سبق قبل النهي عنه قوله: (في العفو عنه) أي عن آكله، والمعنى فأمره في الثواب لامتثال أمر اللّه موكول له، يعني أن من سمع النهي من رسول اللّه عنه وتاب فقد فاز بما أكله قبل النهي وثوابه موكول للّه، فهذه الآية محمولة على الصحابة الذين سبق منهم الربا قبل تحريمه. قوله: هُمْ فِيها خالِدُونَ أي لاستحلالهم ما حرم اللّه.\rقوله:\rيَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا أي المال كله. قوله: وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ أي لما في الحديث «إذا تصدق العبد بصدقة فإن اللّه يربيها له كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون في ميزانه كأحد». قوله: (أي يعاقبه) تفسير لعدم محبة اللّه له.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أي بما أنزل اللّه ومن جملة ذلك تحريم الربا. وقوله:\rوَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي بتركهم الربا واتباعهم ما أحل اللّه. قوله: وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ نص عليهما وإن كانا داخلين في قوله وعملوا الصالحات لعظم شأنهما. قوله: وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي من مكروه يوم القيامة. وقوله: وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أي في يوم القيامة على ما فاتهم من الدنيا.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ أي امتثلوا أوامر اللّه واجتنبوا نواهيه. قوله: وَذَرُوا أمر من وذر يذر وأصله أو","part":1,"page":173},{"id":173,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 174\rمُؤْمِنِينَ (278) صادقين في إيمانكم فإن من شأن المؤمن امتثال أمر اللّه تعالى. نزلت لما طالب بعض الصحابة بعد النهي بربا كان له قبل فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أمرتم به فَأْذَنُوا أعلموا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لكم. فيه تهديد شديد لهم، ولما نزلت قالوا لا يدي لنا بحربه وَإِنْ تُبْتُمْ رجعتم عنه فَلَكُمْ رُؤُسُ أصول أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ بزيادة وَلا تُظْلَمُونَ (279) بنقص وَإِنْ كانَ وقع غريم ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ له أي عليكم تأخيره إِلى مَيْسَرَةٍ بفتح السين وضمها أي وقت يسر وَأَنْ تَصَدَّقُوا بالتشديد على إدغام التاء في الأصل في الصاد وبالتخفيف على حذفها أي تتصدقوا على المعسر بالابراء خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) أنه خير فافعلوه في الحديث:\r______________________________\rذروا حذفت الواو حملا على حذفها في المضارع. قوله: (لما طالب بعض الصحابة) قيل هو عثمان بن عفان والعباس كانا أسلما رجلا في قدر من التمر، فلما حل الأجل طالباه فقال لهما إن اعطيتكما الحق بتمامه لم يبق شيء للعيال، وإنما أعطيكما الآن نصفه والنصف الآخر أخواني به وأزيدكما مثله، فتراضيا معه على ذلك قبل التحريم ثم حل الأجل فطالباه بذلك فنزلت الآية. إن قلت: كيف يطالبانه بالربا مع علمهما بالنهي السابق قبل التحريم؟ أجيب: بأنهما تأولا ذلك حيث ظنا أنه لا حرمة إلا على من جدد عقدا بعد التحريم.\rقوله: فَأْذَنُوا بالقصر والمد قراءتان سبعيتان، فعلى القصر معناها أيقنوا وعلى المد معناها أعلموا غيركم بذلك، وكلام المفسر يحتملهما. قوله: بِحَرْبٍ أي حرب الكفار إن استحله أو البغاة إن لم يستحله. قوله: (لا يدي لنا) هكذا بالتثنية وكان مقتضى الفصيح لا يدين إلا أن يقال حذفت النون تخفيفا، أو يلاحظ إضافته للضمير واللام مقحمة، وفي نسخة لا بد لنا بالأفراد وهي ظاهرة، ومعناهما لا طاقة ولا قدرة لنا على محاربته، وهذا كناية عن كونهم امتثلوا ما أمروا به لورود هذا الوعيد العظيم فيه، ومن ذلك قول عمر وكان قد صعد المنير: أيها الناس إن آية الربا آخر ما نزل على نبيكم ولو عاش لبين لكم وجوها كثيرة لا تعلمونها فاتقوا الربا والريبة. قوله: لا تَظْلِمُونَ (بزيادة) ومن ذلك مهاداة المدين لرب الدين فهو حرام وربا ان لم تكن عادته الهدية قبل شغل الذمة. قوله: (وقع غريم) أشار بذلك إلى أن كان تامة وذو فاعلها وهو الأقرب، ويصح كونها ناقصة وذو اسمها وخبرها محذوف تقديره غريما لكم.\rقوله: ذُو عُسْرَةٍ أي حيث كان ثابتا عسره بالبينة أو بإقرار صاحب الدين، وأما من لم يكن عسره ثابتا بأن كان ظاهر الملاء فإنه يحبس حتى يؤدي أو يثبت عسره أو يموت. قوله: (عليكم تأخيره) أي وجوبا وأشار بذلك إلى أن نظرة مبتدأ خبره محذوف. قوله: (في الأصل في الصاد) أي فأصله تتصدقوا قلبت الثانية صادا ثم أدغمت في الصاد. قوله: (على حذفها) أي التاء، قال ابن مالك:\rوما بتاءين ابتدى قد يقتصر ... فيه على تا كتبين العبر\r\rقوله: (بالإبراء) أي وهو مندوب وهو أفضل من الواجب الذي هو الأنظار لأنه انظار وزيادة، وله نظائر نظمها المفسر بقوله:\rالفرض أفضل ما أتى متعبد ... حتى ولو قد جاء منه بأكثر\r\rإلا التطهر قبل وقت وابتدا ... بالسلام كذاك أبرأ المعسر","part":1,"page":174},{"id":174,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 175\r«من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله اللّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله» رواه مسلم وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ بالبناء للمفعول تردون وللفاعل تصيرون فِيهِ إِلَى اللَّهِ هو يوم القيامة ثُمَّ تُوَفَّى فيه كُلُّ نَفْسٍ جزاء ما كَسَبَتْ عملت من خير وشر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281) بنقص حسنة أو زيادة سيئة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ تعاملتم بِدَيْنٍ كسلم وقرض إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى معلوم فَاكْتُبُوهُ استيثاقا ودفعا للنزاع وَلْيَكْتُبْ كتاب الدين بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ بالحق في كتابته لا يزيد في المال والأجل ولا ينقص وَلا يَأْبَ يمتنع كاتِبٌ من أَنْ يَكْتُبَ إذا دعي إليها كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ أي فضله بالكتابة فلا يبخل بها. والكاف متعلقة بيأب فَلْيَكْتُبْ\r______________________________\rقوله: وَاتَّقُوا يَوْماً هذه الآية آخر القرآن نزولا كما قال ابن عباس، وأمر جبريل رسول اللّه بوضعها على رأس مائتين وثمانين آية، وتقدم لنا أن البقرة مائتان وست وثمانون آية، فيكون الباقي بعد خمس آيات أولها آية الدين، وثانيها وإن كنتم على سفر إلى قوله عليم، ثالثها للّه ما في السموات وما في الأرض إلى قدير، رابعها آمن الرسول إلى المصير، خامسها لا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها إلى آخرها، ونزلت قبل وفاة رسول اللّه بثلاث ساعات، وقيل بسبعة أيام، وقيل بأحد وعشرين، وقيل بأحد وثمانين، قوله: (جزاء) ما كَسَبَتْ أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ هذه الآية من هنا إلى عليم أطول آي القرآن، وقد اشتملت على بيان إرشاد العباد لمصالح دنياهم، وذلك لأن الدنيا مزرعة الآخرة والدين المعاملة، فحينئذ لا يتم إصلاح الآخرة إلا باصلاح الدنيا، فبين هنا ما به إصلاح الدنيا. قوله: (تعاملتم) فسر المداينة بالمعاملة التي هي مفاعلة من الجانبين، أي سواء كنت آخذا أو مأخوذا منك. قوله: بِدَيْنٍ حكمة التصريح به وإن علم من تداينتم ليعود الضمير في قوله فاكتبوه عليه صراحة، وأيضا لدفع توهم أن المراد بالمداينة المجازاة كقوله كما يدين الفتى يدان أي كما يجازي يجازي، وأيضا صرح به إشارة إلى عموم الدين قليلا أو كثيرا جليلا أو حقيرا، فالمعنى لا تستخفون به. قوله: (كسلم) أي مسلم فيه كما إذا دفع عشرة دراهم مثلا ليأتي له بقنطار من سمن عند أجل معلوم بينهما. وقوله: (و قرض) المراد به السلف.\rقوله: إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي وأما الحال فلا يحتاج لكتابة، لأنه ليس من المهمات ولمزيد المشقة قوله: (معلوم) أي فالجهل فيه مفسد للعقد إن كان مسلما، وأما السلف فيجوز فيه التأجيل والحلول فإن وقع على الحلول فلا بد عند مالك من مضي زمن يمكن انتفاعه به عادة، وإن وقع على التأجيل فيلزم المقرض الصبر إلى الأجل عند مالك، وعند الشافعي لا يلزمه الصبر إليه بل له أن يطلبه قبله. قوله:\r(استيثاقا) أشار بذلك إلى أن الأمر في الآية للإرشاد لا للوجوب، كالأمر بالصلاة والصوم بحيث يعاقب على تركه. قوله: (كتاب الدين) أشار بذلك إلى أن مفعول يكتب محذوف. قوله: بِالْعَدْلِ أي ولا يكون إلا فقيها عدلا، ويشترط أن يكتب كلاما معروفا لا موهما\rقوله: وَلا يَأْبَ لا ناهية والفعل مجزوم بحذف الألف والفتحة دليل عليها وكاتب فاعل يأب، وقوله: (من) أَنْ يَكْتُبَ قدر من إشارة إلى أن الجار والمجرور محذوف وهو مطرد مع أن وإن عند أمن اللبس فهو في محل نصب مفعول ليأب. قوله: (و الكاف متعلقة بيأب) أي تعليلية وما مصدرية وعبارة","part":1,"page":175},{"id":175,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 176\rتأكيد وَلْيُمْلِلِ يمل الكاتب الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُ الدين لأنه المشهود عليه فيقر ليعلم ما عليه وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ في إملائه وَلا يَبْخَسْ ينقص مِنْهُ أي الحق شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً مبذرا أَوْ ضَعِيفاً عن الإملاء لصغر أو كبر أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ لخرس أو جهل باللغة أو نحو ذلك فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ متولي أمره من والد ووصي وقيم ومترجم بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا أشهدوا على الدين شَهِيدَيْنِ شاهدين مِنْ رِجالِكُمْ أي بالغي المسلمين الأحرار فَإِنْ لَمْ يَكُونا أي الشهيدان رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ يشهدون مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ لدينه وعدالته وتعدد النساء لأجل أَنْ تَضِلَ تنسى إِحْداهُما الشهادة لنقص عقلهن وضبطهن فَتُذَكِّرَ بالتخفيف والتشديد إِحْداهُما الذاكرة الْأُخْرى الناسية وجملة\r______________________________\rغيره والكاف متعلقة بلا يأب وهي الأوضح، لأن من لم يعرف الوضع ولا الأحكام لا يتعلق به النهي، والمعنى لا يمتنع كاتب من الكتابة من أجل تعليم اللّه له تلك الكتابة. قوله: (تأكيد) أي زيادة في الإيضاح. قوله: (الكاتب) مفعول أول ليملل ومفعوله الثاني قوله الدين، قوله: (يمل) أشار بذلك إلى أن الأملاء والأملال لغتان يقال أمليته وأمللته بمعنى ألقيت عليه ذلك شيئا فشيئا، ومن ذلك سميت الملة ملة لا ملائها وإلقائها على رسول اللّه شيئا فشيئا والقراءة بالفك هنا، ويصح في غير القرآن الادغام لقول ابن مالك: وفي جزم وشبه الجزم تخيير قفي. قوله: (لأنه المشهود عليه) أي فلا يكتب الكاتب إلا بحضرتهما لقطع النزاع بينهما.\rقوله: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ أي فلا يكتب كلاما موهما للزيادة أو النقص، قوله: وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً تفسير للتقوى وذلك كأن يكتب ألفا ولم يبين كونه فضة أو محبوبا أو ريالا أو غير ذلك أو عشرين محبوبا مثلا، ولم يبين كونها معاملة أو ذهبا أو غير ذلك. قوله: فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُ أي أو الذي له الحق، قوله: (مبذرا) أي في أمور دنياه عند مالك أو في أمور دنياه ودينه عند الشافعي، قوله: (أو كبر) أي مفرط بحيث لا يدري شيئا أو كان من عليه الحق أنثى يخشى منها الفتنة فتوكل محرمها. قوله:\r(و مترجم) أي إن كان لا يعرف اللغة العربية مثلا، قوله: بِالْعَدْلِ متعلق بقوله فليملل، قوله:\r(أشهدوا على الدين) أشار بذلك إلى السين والتاء لتأكيد الطلب. قوله: مِنْ رِجالِكُمْ متعلق بمحذوف صفة لشهيدين. قوله: (أي بالغي المسلمين الأحرار) أي العقلاء العدول، فشهادة الصبيان لا تقبل في الأموال ولا فيما آل إليها، وعند مالك تجوز شهادة الصبيان على بعضهم في الجراح، وكذا لا تقبل شهادة العبيد ولا الكفار ولا المجانين ولا غير العدول، ولكن إذا لم يوجد العدول فليستكثر من الشهود، قوله:\rفَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ أي في الأموال وما آل إليها، فإذا لم يوجد الرجل كفى اليمين معهما كما يكفي اليمين معه وحده، وهذا مذهب مالك والشافعي وأما أبو حنيفة فلا يكتفي باليمين مع الشاهد.\rقوله: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ متعلق باستشهدوا فيؤخذ منه شرط العدالة في الجميع، وقد صرح بالعدالة في مواضع أخر، قوله: (و عدالته) العدل هو من لم يفعل كبيرة ولا صغيرة خسة كتطفيف حبة، ولا ما يخل بالمروءة كالأكل في الأسواق. قوله: (و تعدد النساء الخ) أشار بذلك إلى قوله إن قوله أن تضل متعلق بمحذوف جواب عن سؤال مقدر تقديره لم اشترط تعدد النساء مع أنهن شقائق الرجال، أجيب بأنه لتذكر إحداهما الأخرى، وإنما احتيج للتذكار لأن شأنهن النسيان لنقص عقلهن وعدم ضبطهن. قوله: (فتذكر)","part":1,"page":176},{"id":176,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 177\rالأذكار محل العلة أي لتذكر إن ضلت ودخلت على الضلال لأنه سببه وفي قراءة بكسر إن شرطية ورفع تذكر استئناف جوابه وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما زائدة دُعُوا إلى تحمل الشهادة وأدائها وَلا تَسْئَمُوا تملوا من أَنْ تَكْتُبُوهُ أي ما شهدتم عليه من الحق لكثرة وقوع ذلك صَغِيراً كان أَوْ كَبِيراً قليلا أو كثيرا إِلى أَجَلِهِ وقت حلوله حال من الهاء في تكتبوه ذلِكُمْ أي الكتب أَقْسَطُ أعدل عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ أي أعون على إقامتها لأنه يذكرها وَأَدْنى أقرب إلى أَلَّا تَرْتابُوا تشكوا في قدر الحق والأجل إِلَّا أَنْ تَكُونَ تقع تِجارَةً حاضِرَةً وفي قراءة بالنصب فتكون ناقصة واسمها ضمير التجارة تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ أي تقبضونها ولا أجل\r______________________________\rمعطوف على تضل عطف مسبب على سبب أو معلول على علة، لأن التذكار علة للتعداد، والاضلال علة للتذكار فهو علة للعلة، قوله: (و رفع تذكر) أي بالتشديد لا غير، فالقراءات ثلاث وكلها سبعية فعلى هذه القراءة تضل فعل الشرط وهو مجزوم بسكون مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الادغام، قوله: (استئناف) أي خبر لميتدأ محذوف، والجملة في محل جزم جواب الشرط، أي فهي تذكر.\rقوله: (لا يأب الشهداء) أي لا يجوز للشهود الامتناع من أداء الشهادة أو تحملها، لأنه فرض كفاية إن وجد من يثبت به الحق غيرهم وإن لم يوجد غيرهم كان التحمل أو الأداء فرض عين، ومن تأخر عن ذلك كان عاصيا. قوله: (من) أَنْ تَكْتُبُوهُ أشار بذلك إلى أن قوله أن تكتبوه في تأويل مصدر مجرور بمن مقدرة معمول لتسأموا، والمعنى: لا تسأموا من كتابته وظاهره لزوم تقديره من، وليس كذلك لأن سئم يتعدى بنفسه وبحرف الجر فعلى عدم التقدير أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول لتسأموا. قوله:\r(لكثرة وقوع ذلك) علة للنهي أي لا يسأم من الكتابة من يكثر منه الحقوق فبالأولى من لم تكثر منه، وظاهر قوله أي ما شهدتم عليه أن الضمير في تكتبوه عائد على الشهود وهو معنى صحيح فبين أولا كتابة المتداينين، وثانيا كتابة الشاهدين لشهادتهما لتكون تلك الكتابة مذكرة لهما، ويصح أن يكون خطابا للمتداينين ويؤول قول المفسر ما شهدتم بأشهدتم، قوله: صَغِيراً (كان) قدر كان إشارة إلى أن صغيرا أو كبيرا خبران لكان المحذوف، قال ابن مالك:\rويحذفونها ويبقون الخبر ... وبعد إن ولو كثيرا ذا اشتهر\r\rوليس بمتعين بل يصح جعلهما حالين من الهاء في تكتبوه، قوله: (أي الكتب) أي المفهوم من أن تكتبوه على حد (اعدلوا هو أقرب للتقوى). قوله: وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ هذا يؤيد ما ذكره المفسر أولا من أن الضمير في تكتبوه عائد على الشهود. قوله: (أي تشكوا في قدر الحق والأجل) أي فيلزم على ذلك إما ضرر المدين أو من له الدين.\rقوله: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً إما بالرفع على أن تكون تامة، أو بالنصب على أنها ناقصة واسمها ضمير تكون قراءتان سبعيتان وحاضرة وتديرونها صفتان لتجارة، وهو وصف بالجملة بعد الوصف بالمفرد، عكس قوله تعالى: (وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ) * والاستثناء يحتمل أن يكون متصلا من عموم الأحوال ويحتمل أن يكون منقطعا وهو الأقرب، لأن ما بيع مناجزة ليس داخلا تحت قوله إلى أجل مسمى، الآية، قوله: (تقبضونها) راجع لقوله تديرونها وقوله ولأجل فيها راجع لقوله حاضرة، فهو لف","part":1,"page":177},{"id":177,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 178\rفيها فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ في أَلَّا تَكْتُبُوها والمراد بها المتجر فيه وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ عليه فإنه أدفع للاختلاف وهذا وما قبله أمر ندب وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ صاحب الحق ومن عليه بتحريف أو امتناع من الشهادة أو الكتابة ألا ولا يضرهما صاحب الحق بتكليفهما ما لا يليق في الكتابة والشهادة وَإِنْ تَفْعَلُوا ما نهيتم عنه فَإِنَّهُ فُسُوقٌ خروج عن الطاعة لاحق بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ في أمره ونهيه وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ مصالح أموركم حال مقدرة أو مستأنف وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ أي مسافرين وتداينتم وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ\r______________________________\rونشر مشوش، قوله: (أمر ندب) أي إرشاد لمصالح الدنيا لقطع النزاع، وهذا تقييد للاستثناء أي إن الاشهاد المذكور يكون في العقارات والأمور التي تبقى، وأما الاستثناء فمحله الأمور التي لا تبقى، قوله:\r(صاحب الحق) قدره إشارة إلى أن يضار اسم فاعل، وكاتب فاعل، وأصله يضارر، فلا ناهية ويضار مجزوم بسكون مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الأدغام، قوله: (بتحريف) أي في الكتابة بأن يزيد أو ينقص فيضر البائع أو المشتري، وقوله: (أو امتناع من الشهادة) أي يتركها حتى يأخذ عليها جعلا مثلا وذلك إضرار من الكاتب، والشهيد لصاحب الحق، قوله: (أو لا يضرهما صاحب الحق) أي فيضار مبني للمفعول، وكاتب وشهيد نائب الفاعل فأصله يضارر، قوله: (ما لا يليق في الكتابة) أي بأن يأمره بكتابة ما لم يطلع عليه أو يمتنع من إعطاء أجرته له، وقوله: (و الشهادة) أي بأن يستشهد على ما لم يرد ويأخذه على مسافة القصر قهرا من غير دفع شيء له يتمون به. قوله: (ما نهيتم عنه) أي من مضارة الكاتب والشاهد.\rقوله: فَإِنَّهُ فُسُوقٌ أي يترتب عليه الفسوق آخرا لأن من لم يدر العواقب فليس له في الدنيا صاحب، قوله: (لاحق) بِكُمْ قدره إشارة إلى أن بكم متعلق بمحذوف، قوله: (أو مستأنفة) الأولى الاقتصار عليه لأن جعله حالا خلاف القاعدة النحوية، فإن القاعدة أن الجملة المضارعية المثبتة إذا وقعت حالا فإن الضمير يلزمها وتخلو من الواو، ولا يصح أيضا عطفها على جملة واتقوا اللّه لأنه يلزم عليه عطف الخبر على الانشاء وفيه خلاف، وقوله: وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ أي العلم النافع لأن العلم نور لا يهدى لغير المتقي، قال الإمام الشافعي:\rشكوت إلى وكيع سوء حظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي\r\rوأعلمني بأن العلم نور ... ونور اللّه لا يهدي لعاصي\r\rوقال الإمام مالك: من عمل بما علم ورثه اللّه علم ما لم يكن يعلم، فالتقوى سبب لإعطاء العلم النافع. قوله: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي فيجازي كلا من الفاسق والمتقي على ما صدر منه. قوله:\rوَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ فيه استعارة تبعية حيث شبه الظرفية المطلقة بالاستعلاء المطلق، فسرى التشبيه من الكليات للجزئيات فاستعيرت على الموضوعة للاستعلاء الخاص لمعنى في الموضوعة للظرفية الخاصة عكس ولأصلبنكم في جذوع النخل، والجامع بينهما التمكن في كل، فكما أن المسافر متمكن من السفر، كذلك الراكب متمكن من الركوب ومستعل على المركوب، وقد أشار للاستعارة المفسر بقوله: (أي مسافرين).","part":1,"page":178},{"id":178,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 179\rوفي قراءة فرهان جمع رهن مَقْبُوضَةٌ تستوثقون بها وبينت السنة جواز الرهن في الحضر ووجود الكاتب فالتقييد بما ذكر لأن التوثيق فيه أشد، وأفاد قوله مقبوضة اشتراط القبض في الرهن والاكتفاء به من المرتهن ووكيله فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أي الدائن المدين على حقه فلم يرتهنه فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أي المدين أَمانَتَهُ دينه وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ في أدائه وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ إذا دعيتم لإقامتها وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ خص بالذكر لأنه محل الشهادة ولأنه إذا أثم تبعه غيره فيعاقب عليه معاقبة الآثمين وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) لا يخفى عليه شيء منه. لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا تظهروا ما فِي أَنْفُسِكُمْ من السوء والعزم عليه أَوْ\r______________________________\rقوله: وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً يصح عطفه على فعل الشرط فهو في محل جزم، أو على خبر كان فهو في محل نصب، أو حالا فهو في محل نصب أيضا، ولم يقل ولا شهودا لأن الشأن وجودهم إذ ذاك بخلاف الكاتب. قوله: فَرِهانٌ مبتدأ وقوله مَقْبُوضَةٌ صفته وخبره محذوف قدره المفسر بقوله تستوثقون بها والجملة جواب الشرط في محل جزم. قوله: (جمع رهن) أي كل من رهن ورهان جمع لرهن. قوله:\r(و بينت السنة الخ) جواب عن سؤال مقدر، وهو أن مفهوم الآية أن الرهن في الحضر لا يسوغ أخذه أجاب بأن السنة بينت الجواز في الحضر. قوله: (لأن التوثق فيه أشد) أي لأن الغالب في السفر عدم وجود الكاتب ونسيان الدين والتعرض للموت. قوله: (اشترط القبض في الرهن) أي وهل يشترط من الراهن الاقباض بأن يسلمه الرهن بيده خلاف عند مالك والشافعي والمعتمد عدم اشتراطه ولا بد أن يكون القبض بعلم الراهن أو وكيله ورضاه، فلو سرقه المرتهن مثلا ومات الراهن أو فلس فلا يختص المرتهن به بل هو أسوة الغرماء.\rقوله: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أي رضي بعضكم وهو صاحب الدين بأمانة بعض وهو المدين.\rقوله: (فلم يرتهنه) تفريع على قوله فإن أمن الخ. قوله: فَلْيُؤَدِّ الخ جواب الشرط وقرن بالفاء لأن الجملة طلبية، وقد أكد ذلك بأمور: منها الأمر، ومنها تسميته أمانة، ومنها الأمر بتقوى اللّه في الأداء، ومنها التصريح بقوله: اللّه ربه. قوله: (دينه) إنما سماه أمانة لأنه صار لا يعلم إلا منه. قوله: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ أي ليخش عقاب ربه في الأداء ولا يماطله به.\rقوله: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ أي الإقرار بالدين وسمي شهادة لأنه لا يعلم إلا من المدين فكأنه شاهد بالدين، فحيث كتمه فقد كتم الشهادة بالدين. قوله: فَإِنَّهُ آثِمٌ جواب الشرط وقلبه فاعل بآثم. قوله: (و لأنه إذا تبعه غيره) أي في الأثم لأنه سلطان الأعضاء إذا صلح الجسد كله وإذا فسد فسد الجسد كله، قوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ أي فيجازي الخلق على أعمالهم خيرا أو شرا. قوله: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي ملكا وخلقا وعبيدا وهذا كالدليل لما قبله، وعبر بما تغليبا لغير العاقل لكثرته. قوله: (تظهروا) ما فِي أَنْفُسِكُمْ أي فتفعلوا بمقتضاه. قوله: (و العزم عليه) عطف تفسير وهذا هو محل المؤاخذة، وهو إشارة لجواب عن الآية حيث عمم في المؤاخذة مع أن لا يؤاخذ إلا بالفعل أو العزم عليه، ولكن ينافيه ما يأتي من أن عموم الآية منسوخ بآية (لا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها) إلا أن يقال إنه إشارة لجواب آخر، فما يأتي على هذا بيان للمراد هنا، والحاصل أنه إن أبقيت الآية على عمومها","part":1,"page":179},{"id":179,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 180\rتُخْفُوهُ تسروه يُحاسِبْكُمْ يخبركم بِهِ اللَّهُ يوم القيامة فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ المغفرة له وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه والفعلان بالجزم عطفا على جواب الشرط والرفع أي فهو وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) ومنه محاسبتكم وجزاؤكم آمَنَ صدق الرَّسُولُ محمد بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ من القرآن وَالْمُؤْمِنُونَ عطف عليه كُلٌ تنويه عوض عن المضاف إليه آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ بالجمع والإفراد وَرُسُلِهِ يقولون لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ فنؤمن ببعض ونكفر\r______________________________\rكانت منسوخة بما بعدها وإن حملت على العزم فلا نسخ، وما يأتي توضيح لما أجمل هنا، وقد تقدمت مراتب القصد نظما ونثرا. قوله: (يخبركم) أي يعلمكم به. قوله: (و الفعلان بالجزم عطفا على جواب الشرط) أي الذي هو يحاسب، وقوله: (و الرفع أي) على الاستئناف خبر لمحذوف قراءتان سبعيتان، ويصح في غير القرآن النصب على إضمار إن قال ابن مالك:\rوالفعل من بعد الجزاإن يقترن ... بالفا أو الواو بتثليث قمن\r\rوهذه الآية محمولة على من مات مسلما عاصيا لا من مات كافرا. قوله: (و منه محاسبتكم) ورد أنه يحاسب الخلق في نصف يوم من أيام الدنيا. قوله: آمَنَ الرَّسُولُ روى مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قرأ هاتين الآيتين آخر سورة البقرة كفتاة». قيل عن قيام الليل كما روي عن ابن عمر قال: سمعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «أنزل اللّه علي آيتين من كنوز الجنة ختم بهما سورة البقرة من قرأهما بعد العشاء مرتين أجزأتاه عن قيام الليل آمن الرسول إلى آخر السورة». وقيل كفتاه من شر الشيطان فلا يكون عليه سلطان، وإنما ختم السورة بهاتين الآيتين لأنها بينت فرض الصلاة والزكاة والصوم والحج والطلاق والايلاء والحيض والجهاد وقصص الأنبياء فناسب أن يذكر تصديق النبي والمؤمنين بجميع ذلك.\rقوله: وَالْمُؤْمِنُونَ أي فاشترك الرسول والمؤمنون في أصل الإيمان، لكن افترقا من جهة أخرى، وهو أن إيمان الرسول من قبيل حق اليقين، وإيمان المؤمنين من قبيل علم اليقين أو عين اليقين فالافتراق من حيث المراتب لا من حيث أصله. قوله: (عطف عليه) أي فهو مرفوع بالفاعلية والوقف عليه، ويدل على صحة هذا قراءة علي بن أبي طالب وآمن المؤمنون فأظهر الفعل ويكون قوله: كُلٌّ آمَنَ جملة مبتدأ وخبر تدل على أن جميع من تقدم ذكره آمن بما ذكر. قوله: (عوض عن المضاف إليه) أي فيكون الضمير الذي ناب عنه التنوين في كل راجعا إلى الرسول والمؤمنين أي كلهم، وتوحيد الضمير في آمن مع رجوعه إلى كل المؤمنين، ليكون المراد بيان كل فرد منهم من غير اعتبار الاجتماع.\rقوله: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ كل مبتدأ أخبر عنه بخبرين راعى في اولهما لفظ كل فأفرد، وفي ثانيهما معناها فجمع حيث قال: (و قالوا سمعنا) الخ. قوله: (بالجمع والأفراد) أي في الكتب قراءتان سبعيتان.\rقوله: (يقول الخ) قدر الفعل ليفيد أن هذه الجملة منصوبة بقول محذوف، وهذا القول المضمر في محل نصب على الحال أي قائلين. قوله: بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ أي في الإيمان به وأضيف بين إلى أحد وهو مفرد، وإن كانت قاعدتهم أنه إنما يضاف إلى متعدد نحو بين زيد وعمر، ولأن أحد يستوي فيه الواحد والمتعدد. وقله: (فنؤمن ببعض الخ) بالنصب في حين النفي فالنفي مسلط عليه، وسيأتي وصفهم في قوله","part":1,"page":180},{"id":180,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 181\rببعض كما فعل اليهود والنصارى وَقالُوا سَمِعْنا أي ما أمرنا به سماع قبول وَأَطَعْنا نسألك غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) المرجع بالبعث. ولما نزلت الآية قبلها شكا المؤمنون من الوسوسة وشق عليهم المحاسبة بها فنزل لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي ما تسعه قدرتها لَها ما كَسَبَتْ من الخير أي ثوابا وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ من الشر أي وزره ولا يؤاخذ أحد بذنب أحد ولا بما لم يكسبه مما وسوست به نفسه وقولوا رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا بالعقاب إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا تركنا الصواب لا عن عمد كما آخذت به من قبلنا وقد رفع اللّه ذلك عن هذه الأمة كما ورد في الحديث، فسؤاله اعتراف بنعمة اللّه رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً أمرا يثقل علينا حمله كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا أي بني إسرائيل من قتل النفس في التوبة وإخراج ربع المال في\r______________________________\rتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ) الآية. قوله: (سماع قبول) فيه تعريض بالرد على من قال سمعنا وعصينا،\rقوله: وَأَطَعْنا أي انقدنا للطاعة ولو بالعزم عليها.\rقوله: غُفْرانَكَ مفعول المحذوف قدره المفسر بقوله نسألك، ومعنى الغفران ستر الذنوب كبيرها وصغيرها جليها وخفيها، فالإنسان يطلب المغفرة ولو في حالة الطاعة بسبب ما يطرأ عليها من العجب وحب المحمدة وغير ذلك من الآفات التي تذهبها، فالعارف لا يعتمد على أعماله أبدا، وعلامة ذلك كونه يجدد التوبة والاستغفار ولو كان متلبسا بأكبر الطاعات. قوله: رَبَّنا منادى وحرف النداء محذوف أي يا ربنا. قوله: وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ قيل معطوف على محذوف تقديره لك المبدأ وإليك المصير. قوله: (و لما نزلت الآية قبلها) أي قوله وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللّه. قوله: (من الوسوسة) أي التي تطرأ على القلب كالهاجس وهو ما لاح وذهب بسرعة، والخاطر وهو ما لاح ومكث برهة من الزمن، وحديث النفس وهو تزيينها الأمور وتحسينها، وهذه لا تكتب خيرا كانت أو شرا، والهم وهو ترجيح الفعل وهو يكتب إن كان خيرا لا شرا، وأما العزم فيكتب خيره وشره. قوله: (فنزل)\rلا يُكَلِّفُ اللَّهُ أي فهذه الآية إما ناسخة للأولى أو مبينة لها، وتقدمت الإشارة بذلك.\rقوله: لَها ما كَسَبَتْ عبر في جانب الخير باللام، وفي جانب الشر بعلى، لأن اللام للمسرة وعلى للمضرة، وعبر في جانب الطاعة بكسبت، وفي جانب المعصية باكتسبت، لأن شأن المعصية التعالي والشهوة بخلاف الطاعة فشأنها عدم الشهوة لما في الحديث «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» وأيضا لا يؤخذ في المعصية بالهم بل بالعزم أو الفعل بخلاف الطاعة فيكتب له ثواب الهم عليها، وأيضا يؤجر المرء رغما عن انفه بخلاف المعصية، وأيضا الطاعة تتعدى لغير فاعلها بخلاف المعصية. قوله: (و لا يؤاخذ أحد بذنب أحد) هذا في جانب المعصية، وأما في جانب الطاعة فقد تنفع في غير فاعلها. قوله:\r(و لا بما لم يكسبه) المناسب يكتسبه. قوله: (مما وسوست به نفسه) أي من هاجس وخاطر وحديث نفس وهم.\rقوله: إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا أي أو استكرهنا عليه، وقد علم ذلك من قوله لا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها. ومن هنا إلى آخر السور سبع دعوات مستجابة. قوله: (تركنا الصواب لا عن عمد) تفسير لكل","part":1,"page":181},{"id":181,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 182\rالزكاة وقرض موضع النجاسة رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ قوة لَنا بِهِ من التكاليف والبلاء وَاعْفُ عَنَّا امح ذنوبنا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا في الرحمة زيادة على المغفرة أَنْتَ مَوْلانا سيدنا ومتولي أمورنا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (286) بإقامة الحجة والغلبة في قتالهم فإن من شأن المولى أن ينصر مواليه على الأعداء وفي الحديث لما نزلت هذه الآية فقرأها صلّى اللّه عليه وسلّم قيل له عقيب كل كلمة قد فعلت.\r______________________________\rمن الخطأ والنسيان. قوله: (كما ورد في الحديث) أي رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه قوله: (فسؤاله اعتراف بنعمة اللّه) جواب عما يقال حيث رفعه اللّه فما وجه سؤالنا لرفعه فأجاب بما ذكر.\rقوله: (من قتل النفس في التوبة) أي حين عبدوا العجل فتوبتهم قتل طائعهم العاصي منهم، وأما توبتنا فالندم. قوله: (و إخراج ربع المال في الزكاة) أي وأما نحن فربع العشر في النقدين والعشر أو نصفه في الحبوب، قوله: (و قرض موضع النجاسة) أي من الثواب أو البدن. قوله: (من التكاليف) أي فلم يكفنا بالحج من غير استطاعة مثلا، ولا بالصلاة من قيام مع كونه مريضا لا يقدر عليه، ولا باستعمال الماء مع عدم القدرة عليه. قوله: (و البلاء) أي فكان ينزل بمن قبلنا الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والصيحة والخسف والمسخ، وغير ذلك من أنواع البلايا العامة التي لا تبقي ولا تذر. قوله: (امح ذنوبنا) أي من الصحف.\rقوله: وَاغْفِرْ لَنا أي استرها عن أعين المخلوقات. قوله: وَارْحَمْنا أي أنعم علينا وذلك في حق من تاب جزما، وأما من لم يتب ومات فأمره مفوض لخالقه. قوله: (سيدنا ومتولي أمورنا) هذا أحد معاني المولى ويطلق على الناصر، ولا شك أن اللّه كذلك. قوله: (أن ينصر مواليه) أي عبيده فإن المولى كما يطلق على العبد يطلق على السيد. قوله: (عقيب) لغة رديئة في عقب. وقوله: (كل كلمة) أي وهي سبع وكلها مستجابة، وكرر لفظ ربنا بين المتعاطفات زيادة في التضرع. قوله: (قد فعلت) أي أجبت مطلوبكم لما في الحديث: «إن اللّه لأفرح بتوبة عبده ممن ضلت منه راحلته فوجدها بعد طلبها» وفي رواية لما قرأ النبي قوله: (غفرانك ربنا) قال اللّه قد غفرت، وفي قوله: (و لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) قال لا أؤاخذكم، وفي قوله: (و لا تحمل علينا إصرا) قال لا أحمل عليكم، وفي قوله: (و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به) قال لا أحملكم، وفي قوله: (و اعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين)، قال قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم ونصرتكم على القوم الكافرين، والحكمة في زيادة قوله القوم ولم يقل الكافرين، إنه لا يلزم من النصرة على أفراد الكفار النصرة على الهيئة المجتمعة وفي هذه الآية تعليم آداب الدعاء، وفي الحديث: «إذا دعوتم فعمموا».\r***","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 183\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة آل عمران مدنية وآياتها مائتان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) اللّه أعلم بمراده بذلك اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ يا محمد الْكِتابَ القرآن ملتبسا بِالْحَقِ بالصدق في أخباره\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة آل عمران\rمدنية مائتان أو إلا آية قوله: (سورة آل عمران) مبتدأ ومدنية خبره، ومائتان خبر ثان. وقوله: (مدنية) أي نزلت بعد الهجرة وإن بغير أرض المدينة، وتسميتها بذلك الاسم من باب تسمية الشيء باسم جزئه، واختلف في عمران الذي سميت به، فقيل المراد به أبو موسى وهرون فآله موسى وهرون، وقيل المراد به أبو مريم والمراد بآله مريم وابنها عيسى، ويقرب ذلك ذكر قصتهما أثر ذكره، وبين عمران أبي موسى وعمران أبي مريم ألف وثمانمائة عام. قوله: (أو إلا آية) أو الحكاية الخلاف، وسببه الاختلاف في عد البسملة من السورة، فمن عدها قال مائتان ومن لم يعدها قال إلا آية، وورد في فضل هذه السورة أنها أمان من الحيات وكنز للفقير، وأنه يكتب لمن قرأ منها (إن في خلق السموات والأرض) إلى آخرها آخر الليل ثواب من قام الليل كله، قوله: (اللّه أعلم بمراده بذلك) مشى في ذلك على مذهب السلف في المتشابه، وهكذا عادته في فواتح السور، وقد تقدم الكلام في ذلك بأبسط عبارة، وأعلم أنه قرىء عند إسقاط الهمزة من اللّه وفتح ميم ألم للنقل بمد الميم ست حركات أو حركتين، وعند إسكان الميم حالة الوقف واثبات الهمزة بمد الميم ست حركات، فالقراءات ثلاثة.\rقوله: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ سبب نزولها قدوم وفد نصارى نجران وكانوا ستين راكبا فيهم أربعة عشر من أشرافهم ثلاثة منهم كانوا أكابرهم أميرهم وحبرهم ووزيرهم يحاجون رسول اللّه في عيسى. فتارة قالوا إن عيسى ابن اللّه لأنه لم يكن له أب، وتارة قالوا إنه اللّه لأنه يحيي الموتى، وتارة قالوا إنه ثالث ثلاثة لأنه يقول فعلنا وخلقنا، فلو كان واحدا لذكره مفردا، فشرع النبي يرد عليهم تلك الشبه، فقال لهم: أتسلمون أن اللّه حي لا يموت؟ فقالوا نعم، أتسلمون أن عيسى يموت؟ فقالوا نعم، فقال لهم أتسلمون أن اللّه يصور في الارحام كيف يشاء؟ فقالوا نعم، إلى غير ذلك فنزلت تلك السورة منها نيف وثمانون آية على طبق ما رد عليهم به، قوله: الْحَيُ أي ذو الحياة الذاتية. قوله: الْقَيُّومُ أي القائم بأمور خلقه من غير واسطة معين،\rقوله: (ملتبسا) بِالْحَقِ أشار بذلك إلى الباء في بالحق للملابسة في","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 184\rمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ قبله من الكتب وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ أي قبل تنزيله هُدىً حال بمعنى هاديين من الضلالة لِلنَّاسِ ممن تبعهما وعبر فيهما بأنزل وفي القرآن بنزل المقتضي للتكرير لأنهما أنزلا دفعة واحدة بخلافه وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ بمعنى الكتب الفارقة بين الحق والباطل وذكره بعد ذكر الثلاثة ليعم ما عداها إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ القرآن وغيره لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب على أمره فلا يمنعه شيء من إنجاز وعده ووعيد ذُو انْتِقامٍ (4) عقوبة شديدة ممن عصاه لا يقدر على مثلها أحد إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ كائن فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (5) لعلمه بما يقع في العالم من كلي وجزئي، وخصهما بالذكر لأن الحس لا\r______________________________\rمحل نصب على الحال فيكون مصدقا حالا بعد حال.\rقوله: مُصَدِّقاً حال من الكتاب، قوله: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ في الكلام استعارة بالكناية حيث شبه بسلطان تقدمه عسكره، وجاء على أثرهم يؤيدهم ويقويهم وطوى ذكر المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو قوله: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ فإثباته تخييل. قوله: وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ أي على موسى وقوله: وَالْإِنْجِيلَ أي على عيسى، واختلف الناس في هذين اللفظين هل يدخلهما الاشتقاق والتصريف أم لا لكونهما أعجميين، فذهب جماعة إلى الأول فقالوا التوراة مشتقة من قولهم ورى إذا قدح فظهر منه نار، فلما كانت التوراة فيها ضياء ونور يخرج به من الضلال إلى الهدى كما يخرج بالنار من الظلام إلى النور سمي هذا الكتاب بالتوراة، والإنجيل مشتق من النجل وهو التوسعة ومنه العين النجلاء لسعتها فسمي الإنجيل بذلك لأن فيه توسعة لم تكن في الوراة، إذ حلل فيه أشياء كانت محرمة فيها، والصحيح أنهما ليسا مشتقين لأنهما عبرانيان، قوله: (أي قبل تنزيله) أي الكتاب الذي هو القرآن، قوله: (حال) أي من التوراة والإنجيل، قوله: (ممن تبعهما) أشار بذلك إلى أن المراد بالهدى الوصول لا مجرد الدلالة، قوله: (و عبر فيهما بأنزل الخ) جواب عن سؤال مقدر، وقيل إن ذلك تفنن، وقيل إن مادة نزل تعيد التكرار غالبا، ومادة أنزل تفيد عدمه غالبا، فلعل المفسر بنى هذا الجواب على ذلك، وإلا فالهمز والتضعيف أخوان.\rقوله: (بخلافه) أي فإنه نزل مفرقا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة. قوله: (ليعم ما عداها) أي فهو من عطف العام على الخاص، فالمراد بالفرقان هنا الفارق بين الحق والباطل لا خصوص القرآن فالفرقان كما يطلق على القرآن يطلق على غيره من الكتب.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي كنصارى نجران. قوله: لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ أي في الدنيا بالقتل والأسر وفي الآخرة بالنار. قوله: (وعده) أي بالخير وقوله ووعيده أي بالشر. قوله: (لا يقدر على مثلها أحد) أي لأن غاية عذاب غيره الموت وفيه راحة للمعذب، ولا يقدر على إعادة روحه حتى تتألم ثانيا، وأما عذاب اللّه فدائم لا آخر له، قال تعالى: (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ).\rقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ هذا رد لقولهم إن عيسى إله لأنه يعلم الأمور، فرد عليهم بأن اللّه هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وليس كذلك عيسى. قوله: (كائن) أشار بذلك إلى أن قوله: فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ متعلق بمحذوف صفة لشيء. قوله: (و خصهما بالذكر) جواب","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 185\rيتجاوزهما هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ من ذكورة وأنوثة وبياض وسواد وغير ذلك لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (6) في صنعه هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ واضحات الدلالة هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أصله المعتمد عليه في الأحكام وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ لا تفهم معانيها كأوائل السور وجعله كله محكما في قوله أحكمت آياته بمعنى أنه ليس فيه عيب ومتشابها في قوله كتابا متشابها بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن والصدق فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ميل عن الحق فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ طلب الْفِتْنَةِ لجهالهم\r______________________________\rعن سؤال مقدر. قوله: (لا يتجاوزهما) أي لا يتعداهما.\rقوله: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ هذه حجة أخرى للرد على تلك الفرقة كأنه يقول لا إله إلا من يصوركم في الأرحام كيف يشاء، وأما عيسى فإنه وإن كان يحيي الموتى فبإذن اللّه، ولا يقدر أن يصوركم في الأرحام كيف يشاء بل هو مصور في الرحم، فالمصور لا يصور غيره بل ولا نفسه. قوله: الْعَزِيزُ أي الغالب على أمره عديم المثال. قوله: الْحَكِيمُ أي ذو الحكمة وهي وضع الشيء في محله.\rقوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ قيل سبب نزولها أن وفد نجران قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ألست تقول إن عيسى روح اللّه وكلمته؟ فقال نعم، فقالوا حسبنا أي يكفينا ذلك في كونه ابن اللّه، فنزلت الآية، والمعنى أن اللّه أنزل القرآن منه محكم ومنه متشابه، وقوله روح اللّه وكلمته من المتشابة الذي لا يعرفون معناه ولا يفهمون تأويله، بل معنى ذلك أنه روح من اللّه أي نوره وكلمته، بمعنى أنه قال له كن فكان، فهو عبد من جملة العباد ميزه اللّه بالنبوة والرسالة. قوله: (أصله) إنما فسر الأم بذلك لصحة الأخبار بالمفرد عن الجمع، لأن الأصل يصدق بالمتعدد. وأجيب أيضا بأنه عبر بالمفرد إشارة إلى أن المجموع بمنزلة آية واحدة على حد (و جعلنا ابن مريم وأمه آية) وما سلكه المفسر أظهر. قوله: (المعتمد عليه في الأحكام) أي الذي يعول عليه في أحكام الدين والدنيا هو المحكم، وأما المتشابة فلم يكلف بمعرفة معناه بل نؤمن به ونفوض علمه للّه.\rقوله: وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ. إن قلت هلا نزل كله محكما لأنه نزل لارشاد العباد ومداره على المحكم لا على المتشابه؟ أجيب بأنه نزل على أسلوب العرب، فإن أسلوبهم التعبير بالمجاز والكناية والتلميح وغير ذلك من المستحسنات، فلو نزل كله محكما لقالت العرب إن القرآن على لغتنا فهلا ذكر فيه مستحسنات لغاتنا. قوله: (لا يفهم معانيها) أي إلا بفكر وتأمل كما هو مذهب الخلف. قوله: (كأوائل السور) أي بعضها وأدخلت الكاف باقي الآيات المتشابهة. قوله: (و جعله كله محكما الخ) جواب عن سؤال مقدر كأن قائلا قال هذه الآية بينت أن القرآن بعضه محكم وبعضه متشابه، وآية أخرى بينت أن كله محكم وآية أخرى أفادت أن كله متشابه، فبين هذه الآيات تناف أجاب المفسر بما ذكره. قوله: (بمعنى أنه ليس فيه عيب) أي لا في ألفاظه ولا في معانيه. قوله: (في الحسن والصدق) قال ابن عباس: تفسير القرآن أربعة أقسام: قسم لا يسع أحدا جهله كقوله: (قل هو اللّه أحد)، وقسم يتوقف على معرفة لغات العرب كقوله: (هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي)، وقسم تعرفه العلماء الراسخون في العلم، وقسم لا يعلمه إلا اللّه، ودخل تحت القسمين الأخيرين المتشابه، وحكمة الإتيان بالمتشابه الزيادة في الاعجاز عن الإتيان بمثله، فإن المحكم وإن فهموا معناه إلا أنهم عجزوا عن الإتيان بلفظ مثل ألفاظه،","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 186\rبوقوعهم في الشبهات واللبس وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ تفسيره وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ تفسيره إِلَّا اللَّهُ وحده وَالرَّاسِخُونَ الثابتون المتمكنون فِي الْعِلْمِ مبتدأ خبره يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ أي بالمتشابه أنه من عند اللّه ولا نعلم معناه كُلٌ من المحكم والمتشابه مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ بإدغام التاء في الأصل في الذال أي يتعظ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (7) أصحاب العقول ويقولون أيضا إذا رأوا من يتبعه رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا تملها عن الحق بإبتغاء تأويله الذي لا يليق بنا كما أزغت قلوب أولئك بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا أرشدتنا إليه وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ من عندك رَحْمَةً تثبيتا إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) يا رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ تجمعهم لِيَوْمٍ أي في يوم لا رَيْبَ شك فِيهِ هو يوم القيامة فتجازيهم بأعمالهم كما وعدت بذلك إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (9) موعده بالبعث فيه التفات عن الخطاب، ويحتمل أن يكون من كلامه تعالى، والغرض من الدعاء بذلك بيان أن همهم أمر الآخرة، ولذلك سألوا الثبات على الهداية لينالوا ثوابها، روى الشيخان عن عائشة رضي\r______________________________\rوالمتشابه عجزوا عن فهم معناه كما عجزوا عن الإتيان بمثله. قوله: (ميل عن الحق) أي إلى الباطل.\rقوله: (بوقوعهم في الشبهات واللبس) أي كنصارى نجران ومن حذا حذوهم ممن أخذ بظاهر القرآن، فإن العلماء ذكروا أن من أصول الكفر الأخذ بظواهر الكتاب والسنة.\rقوله: وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ معطوف على ابتغاء الأول، والمعنى أنهم يتجرؤون على تفسيره بتفسير باطل لا أصل له. قوله: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ أي تفسيره على الحقيقة. قوله: إِلَّا اللَّهُ (وحده) هذه طريقة السلف واختارها المفسر لكونها أسلم، فالوقف على قوله إلا اللّه، وأما طريقة الخلف فهي أحكم، فالوقف على أولي الألباب، فالراسخون معطوف على لفظ الجلالة، قال بعضهم ويؤيد طريقة الخلف قوله تعالى بعد ذلك: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ. قوله: وَالرَّاسِخُونَ كلام مستأنف قالوا وللاستئناف والراسخون مبتدأ، وفي العلم متعلق بالراسخون وخبره يقولون كما قاله المفسر، قال مالك: الراسخ في العلم من جمع أربع خصال: الخشية فيما بينه وبين اللّه، والتواضع فيما بينه وبين الناس، والزهد فيما بينه وبين الدنيا والمجاهدة فيما بينه وبين نفسه.\rقوله: مِنْ عِنْدِ رَبِّنا أي ففهمنا المحكم وأخفى علينا المتشابه. قوله: (في الأصل في الذال) أي فأصله يتذكر قلبت التاء ذالا ثم أدغمت في الذال. قوله: (أصحاب العقول) أي السليمة المستنيرة.\rقوله: (من يتبعه) أي يتبع الباطل.\rقوله: بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا أي بعد وقت هدايتك وتبيينك الحق لنا.\rقوله: (تثبيتا) فسر الرحمة هما بذلك لأنه المراد هنا، وأما في غير هذا الموضع فقد تفسر بالمطر أو الغفران.\rقوله: (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ أي الذي تعطي النوال قبل السؤال.\rقوله: رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ منادي وحرف النداء محذوف، قدره المفسر إشارة إلى أنه دعاء.\rقوله: (أي في يوم) أشار بذلك إلى أن اللام بمعنى في. قوله: (فيه التفات) أي على أنه من كلام الراسخين. قوله: (و يحتمل أن يكون من كلامه تعالى) أي فلا التفات فيه على مذهب الجمهور، وأما على مذهب السكاكي ففيه التفات على كل حال لأنه أتى على خلاف السياق. قوله: (روى الشيخان) قصده","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 187\rاللّه تعالى عنها قالت: تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ) إلى آخرها وقال: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى اللّه فاحذروهم»، وروى الطبراني في الكبير عن أبي موسى الأشعري أنه سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: ما أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال، وذكر منها «أن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وليس يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب» الحديث. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ تدفع عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ أي عذابه شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) بفتح الواو ما توقد به، دأبهم كَدَأْبِ كعادة آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم كعاد وثمود كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ أهلكهم بِذُنُوبِهِمْ والجملة مفسرة لما قبلها وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (11) ونزل لما أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اليهود\r______________________________\rبذلك الاستدلال على ذم المتبعين للمتشابه ومدح الراسخين. قوله: (فأولئك الذين سمى اللّه) أي بقوله:\r(فأما الذين في قلوبهم زيغ) الآية. قوله: (فاحذروهم) الخطاب لعائشة وإنما ذكر وجمع تعظيما لها أو إشارة إلى عدم خصوصيتها بذلك. قوله: (و روى الطبراني) أي في معجمه الكبير. قوله: (إلا ثلاث خلال) هذه نسخة وفي أخرى خصال. قوله: (و ذكر منها الخ) هذه هي الخلة الثانية وترك اثنتين، ونص الحديث:\rأخرج الطبراني عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول «لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يعلم تأويله إلا اللّه. والراسخون في العلم يقولون امنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب، وأن يزداد علمهم فيضعوه ولا يسألوا عنه».\rقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا قيل المراد بهم جميع من كفروا من أول الزمان إلى آخره، وقيل المراد بهم نصارى نجران، وقيل كفار مكة، وعلى كل فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله: أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ قدم الأموال لأن الشأن أن الشخص أول ما يقتدي بالأموال ثم بالأولاد، والمعنى أن زينتهم وعزهم لا يدفع عنهم شيئا من عقاب اللّه أبدا لا قليلا ولا كثيرا. قوله: (أي عذابه) أشار بذلك إلى أن في الكلام حذف مضاف.\rقوله: وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ هذه الجملة تأكيد للجملة الأولى. قوله: (بفتح الواو) أي بإتفاق السبعة، وقرأ الحسن بضم الواو مصدر بمعنى الإيقاد. قوله: (ما يوقد به) أي وهو الحطب مثلا.\rقوله:\r(دأبهم) كَدَأْبِ إشار بذلك إلى أن قوله كدأب خبر لمحذوف قدره بقوله دأبهم، وهذا بيان لسبب كونهم وقود النار، وفي ذلك تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي فلا تحزن يا محمد فإن ما نزل بالأمم الذين كفروا من قبلك ينزل بمن كفر بك. قوله: (كعاد وثمود) بيان الأمم وأدخلت الكاف باقي الأمم الذين كفروا بأنبيائهم، كقوم نوح وقوم موسى وغيرهم. قوله: (أهلكهم) بِذُنُوبِهِمْ أي انتقم منهم دنيا وأخرى.\rقوله: (و الجملة مفسرة لما قبلها) أي جملة كذبوا وما قبلها هي قوله كدأب آل فرعون. وأعلم أن هنا قال كذبوا بآياتنا، وفي آية أخرى كفروا بآيات اللّه وفي آية أخرى كذبوا بآيات ربهم، وحكمة ذلك التفنن في التعبير على عادة فصحاء العرب، والباء في قوله بذنوبهم يحتمل أن تكون للملابسة، والمعنى أخذهم اللّه","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 188\rبالإسلام مرجعه من بدر فقالوا له لا يغرنك أن قتلت نفرا من قريش اغمارا لا يعرفون القتال قُلْ يا محمد لِلَّذِينَ كَفَرُوا من اليهود سَتُغْلَبُونَ بالتاء والياء في الدنيا بالقتل والأسر وضرب الجزية وقد وقع ذلك وَتُحْشَرُونَ بالوجهين في الآخرة إِلى جَهَنَّمَ فتدخلونها وَبِئْسَ الْمِهادُ (12) الفراش هي قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ عبرة وذكر الفعل للفصل فِي فِئَتَيْنِ فرقتين الْتَقَتا يوم بدر للقتال فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي طاعته وهم النبي وأصحابه وكانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا معهم فرسان وست أدرع وثمانية سيوف وأكثرهم رجالة وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ أي الكفار مِثْلَيْهِمْ أي المسلمين أي أكثر منهم وكانوا نحو ألف رَأْيَ الْعَيْنِ أي\r______________________________\rوالحال أنهم ملتبسون بذنوبهم يعني من غير توبة، ويحتمل أن تكون للسببية والمعنى أخذهم اللّه بسبب ذنوبهم، والأول أبلغ لأن فيه دفع توهم أن موتهم كفارة لما وقع منهم. قوله: (و نزل لما أمر صلّى اللّه عليه وسلّم) حاصل ذلك أنه لما رجع من غزوة بدر إلى المدينة، جمع يهودها وهم قريظة وبنو النضير، ودعاهم للإسلام وتوعدهم إن لم يسلموا أو يؤدوا الجزية قاتلهم، فقالوا له ما ذكره المفسر. قوله: (أغمارا) جمع غمر بالضم وهو الرجل الذي لا يعرف الأمور، وأما بالكسر فمعناه الحقد، وبالفتح مع سكون الميم يطلق على الشدة، واما بفتحتين فمعناه الدسم. قوله: (من اليهود) أي قريظة وبني النضير ومن حذا حذوهم كأهل خيبر. قوله: (و بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان فالتاء ظاهرة في الخطاب لهم والياء معناها الأخبار بأنهم سيغلبون. قوله: (و قد وقع ذلك) أي فقتل من فحول قريظة ستمائة حول الخندق، وكان القاتل لهم علي بن أبي طالب، وقوله: (و ضرب الجزية) أي على أهل خيبر، وأما بنو النضير فأجلاهم إلى الشام.\rقوله: (بالوجهين) أي بالتاء والياء وهما سبعيتان أيضا.\rقوله: وَبِئْسَ الْمِهادُ المقصود من ذلك بيان سوء مآلهم، قال تعالى: (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ)، قال تعالى: (يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ). قوله: (هي) هذا هو المخصوص بالذم وفاعل بئس قولهم المهاد.\rقوله: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ يحتمل أن يكون ذلك على جملة مقول النبي للكفار أي قل لهم ما ذكر وقل لهم (قد كان لكم آية) فعلى ذلك الخطاب لليهود، ويحتمل أن يكون ذلك خطابا لكفار مكة أو للمؤمنين ويكون مستأنفا. قوله: (للفصل) أي بالجار والمجرور الواقع خبرا لكان على حد أتى القاضي بنت الواقف، وأجيب أيضا بان الفاعل مجازي التأنيث أو مذكر معنى، لأن الآية معناها البرهان. قوله:\r(فرقتين) إنما سميت الفرقة فئة لأنه يفاء بمعنى يرجع إليها في الشدائد.\rقوله: فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ برفع فئة بإتفاق السبعة مبتدأ خبره تقاتل الخ والمعنى فئة مؤمنة، وقوله: وَأُخْرى كافِرَةٌ يعني تقاتل في سبيل الطاغوت ففيه شبه احتباك حيث حذف من كل نظير ما أثبته في الآخر. قوله: (كانوا ثلثمائة) أي من المهاجرين سبعة وسبعون صاحب رايتهم علي بن أبي طالب، ومن الأنصار مائتان وستة وثلاثون صاحب رايتهم سعد بن عبادة، والذي مات منهم في تلك الغزوة أربعة عشر ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار. قوله: (معهم فرسان) ورد أنه كان معهم سبعون بعيرا.\rقوله: (رجالة) جمع راجل بمعنى ماش. قوله: يَرَوْنَهُمْ هكذا بالياء للسبعة ما عدا نافعا فقرا بالتاء، ورأى بصرية والواو فاعل عائد على المؤمنين، والهاء مفعول عائد على الكفار ومثليهم حال، والهاء إما","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 189\rرؤية ظاهرة معاينة وقد نصرهم اللّه مع قلتهم وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ يقوي بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ نصره إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (13) لذوي البصائر أفلا تعتبرون بذلك فتؤمنون زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ما تشتهيه النفس وتدعو إليه زينها اللّه ابتلاء أو الشيطان مِنَ النِّساءِ\r______________________________\rعائدة على المؤمنين، والمعنى يشاهد المؤمنون الكفار قدر أنفسهم مرتين، أو الكفار والمعنى يرى المؤمنون الكفار قدر الكفار مرتين محنة للمؤمنين، ويحتمل أن الواو عائدة على الكفار والهاء عائدة على المؤمنين، والهاء في مثليهم إما عائدة على الكفار والمعنى يرى الكفار المؤمنين قدرهم مرتين فترتب على ذلك هزيمتهم، أو عائدة على المؤمنين والمعنى يرى الكفار المؤمنين قدر المؤمنين مرتين ففي هذه القراءة احتمالات أربع قد علمتها ومثلها على قراءة التاء لأنه يحتمل أن الخطاب للمؤمنين، فالواو عائدة على المؤمنين والهاء عائدة على الكفار، والضمير في مثليهم إما عائد على الكفار وهو ظاهر، أو على المؤمنين ويكون فيه التفات من الخطاب للغيبة وكان مقتضى الظاهر أن يقول مثليكم، ويحتمل أن الخطاب للكفار فالواو عائدة على الكفار والهاء عائدة على المؤمنين، والضمير في مثليهم إما عائد على المؤمنين وهو ظاهر أو على الكفار وفيه التفات أيضا. بقي شيء آخر وهو أن مقتضى الآية أن المرئي كثير، سواء كان الرائي الكفار أو المسلمين، ومقتضى ما يأتي في سورة الأنفال أن المرئي قليل فحصل بين الآيتين تناف، وأجيب عن ذلك بحمل ما يأتي على حالة البعد، وما هنا على حالة التقاء الصفين، وحكمة ذلك أنهم إذا شاهدوا القلة على بعد حملهم ذلك على الاقتحام.\rقوله: (أي الكفار) يقرأ بالرفع تفسيرا للواو وبالنصب تفسيرا للهاء. قوله: (و قد نصرهم اللّه مع قلتهم) أي مع كونهم عددا قليلا جدا ولا عدد معهم.\rقوله: لِأُولِي الْأَبْصارِ صفة لعبرة. قوله: (أَفلا تعتبرون) الخطاب لليهود أو لكفار مكة. قوله:\r(بذلك) أي بالنصر ورؤية الجيش مثليهم.\rقوله: زُيِّنَ لِلنَّاسِ هذه الآية مسوقة لبيان حقارة الدنيا وتزهيد المسلمين فيها، ففي الحديث «ظاهرها وباطنها عبرة» وقال الشاعر:\rهي الدنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار من بطشي وفتكي\r\rفلا يغرركمو مني ابتسام ... فقولي مضحك والفعل مبكي\rوالفعل مبني للمفعول، والمزين حقيقة هو اللّه، ويصح أن يكون الشيطان باعتبار وسوسته، ولذا نوع فيه المفسر. قوله: حُبُّ الشَّهَواتِ جمع شهوة وهي ميل النفس لمحبوبها، ولما كان ذلك المعنى ليس مرادا فسرها بالذي تشتهيه النفس ففيه إشارة إلى أنه أطلق المصدر، وأريد اسم المفعول إن قلت إنه يدخل في الناس الأنبياء مع أنهم معصومون من ذلك. أجيب بأنه عام مخصوص بما عدا الأنبياء، وأما هم فهم معصومون من الميل إلى ما سوى اللّه لما في الحديث «حبب إليّ من دنياكم ثلاث» ولم يقل من دنيانا، وفي الحديث أيضا «لست من الدنيا ولا الدنيا مني». قوله: (زينها اللّه) أي أوجد فيها الزينة. قوله: (ابتلاء) أي اختبارا، قال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا). قوله: (أو الشيطان) أي بالوسوسة.\rقوله: مِنَ النِّساءِ متعلق بمحذوف حال من الشهوات وهو تفصيل لما أجمل فيها، وقدم النساء لأنهن أعظم زينة الدنيا، فإنهن حبالة الشيطان، ويحملن الإنسان على قطع الرحم واكتساب المال من الحرام وارتكاب المحرمات، وقال عليه الصلاة والسّلام: «ما تركت فتنة أضر الرجال من النساء، ما","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 190\rوَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الأموال الكثيرة الْمُقَنْطَرَةِ المجمعة مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ الحسان وَالْأَنْعامِ أي الابل والبقر والغنم وَالْحَرْثِ الزرع ذلِكَ المذكور مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا يتمتع به فيها ثم يفنى وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) المرجع وهو الجنة فينبغي الرغبة فيه دون غيره قُلْ يا محمد لقومك أَأُنَبِّئُكُمْ أخبركم بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ المذكور من الشهوات استفهام تقرير لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك عِنْدَ رَبِّهِمْ خبر مبتدؤه جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ أي مقدرين الخلود فِيها إذا دخولها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ من الحيض وغيره مما يستقذر وَرِضْوانٌ بكسر أوله وضمه لغتان أي رضا كثير مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ عالم بِالْعِبادِ (15)\r______________________________\rرأيت ناقصات عقل ودين أسلب للب الرجل الحكيم منكن». قوله: وَالْبَنِينَ قدمهم على الأموال لأنهم فرع النساء وأكبر فتنة من الأموال، لأن الإنسان يفدي بنيه بالمال ولم يقل والبنات لأن الشأن أن الفخر في الذكور دون الإناث.\rقوله: وَالْقَناطِيرِ جمع قنطار قبل المراد به المال الكثير، وقيل ألف أوقية ومائتا أوقية، وقيل اثنا عشر ألف أوقية، وقيل غير ذلك، ودرج المفسر على الأول. قوله: الْمُقَنْطَرَةِ قيل وزنها مفعللة فتكون النون أصلية، وقيل وزنها مفنعلة فالنون زائدة، ويترتب على ذلك النون في قنطار هل هي أصلية فوزنه فعلال، أو زائدة فوزنه فنعال، وأقل القناطير المقنطرة تسعة، لأن المراد تعددت جموع القناطير عنده ثلاثة ففوق. قوله: وَالْفِضَّةِ الواو بمعنى أو المانعة الخلو فتجوز الجمع، وقدم الذهب والفضة على ما عداهما لأن فخر صاحبهما أعظم. قوله: وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ قدمها على الأنعام لأن فخرها أعظم. قوله:\r(الزرع) أي مطلقا حسبت أو غيرها. قوله: (ثم يفنى) أي يزول هو وصاحبه، قال تعالى: (إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ) الآية. قوله: (فينبغي الرغبة فيه) أي في ذلك المآب، وفي الآية اكتفاء أي وعنده سوء المآب، فحسن المآب لمن لم يغتر بالدنيا وجعلها مزرعة للآخرة، وسوء المآب لمن اغتر بها وآثرها على الآخرة.\rقوله: أُنَبِّئُكُمْ قرىء في السبع بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية مع زيادة مد بينهما وبدون زيادة، فالقراءات أربع، وليس في القرآن همزة مضمومة بعد مفتوحة إلا ما هنا، وما في ص أأنزل عليه الذكر، وما في اقتربت الساعة أألقي عليه الذكر. قوله: (من الشهوات) أي المشتهيات. قوله: (استفهام تقرير) أي تثبيت. قوله: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا (الشرك) أي الإيمان، وإنما اقتصر عليه لأن أصل دخول الجنة إنما يتوقف عليه فقط. قوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ في محل نصب على الحال من جنات. قوله: جَنَّاتٌ أي سبع: جنة المأوى وجنة الخلد وجنة النعيم وجنة عدن وجنة الفردوس ودار السّلام ودار الجلال، وأبوابها ثمانية وأعظمها جنة الفردوس. قوله: أي (مقدرين الخلود) أشار بذلك إلى أن قوله خالدين حال منتظرة أي منتظرين الخلود فيها إذا دخلوها، لأنه ينادي المنادي حين استقرار أهل الدارين فيهما يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، فيقع الفرح الدائم في قلوب أهل الجنة، والحزن الدائم في قلوب أهل النار.\rقوله: وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ أي من الحور وغيرهن من نساء الدنيا. قوله: (لغتان) أي وقرىء بهما في","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 191\rفيجازي كلا منهم بعمله الَّذِينَ نعت أو بدل من الذين قبله يَقُولُونَ يا رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا صدقنا بك وبرسولك فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ على الطاعة وعن المعصية نعت وَالصَّادِقِينَ في الإيمان وَالْقانِتِينَ المطيعين للّه وَالْمُنْفِقِينَ المتصدقين وَالْمُسْتَغْفِرِينَ اللّه بأن يقولوا اللهم اغفر لنا بِالْأَسْحارِ (17) أواخر الليل خصت بالذكر لأنها وقت الغفلة ولذة النوم شَهِدَ اللَّهُ بين لخلقه بالدلائل أَنَّهُ لا إِلهَ أي لا معبود في الوجود بحق إِلَّا هُوَ وَشهد بذلك الْمَلائِكَةُ بالإقرار وَأُولُوا الْعِلْمِ من الأنبياء والمؤمنين بالإعتقاد\r______________________________\rالسبع في جميع لفظ رضوان الواقع في القرآن إلا الثاني في المائدة فإنه بالكسر بإتفاق السبعة، وهو قوله من اتبع رضوانه سبل السّلام، والمكسور قياسي والمضموم سماعي ومعناهما واحد، وقول المفسر كثير أخذ الكثرة من التنوين. قوله: (أي رضا كثير) أي عظيم لا سخط بعده أبدا. قوله: (فيجازي كلا منهم بعمله) أي فيدخل المتقين الجنة والعاصين النار. قوله: (نعت) أي للذين اتقوا. قوله: (على الطاعة) أي على فعلها، وقوله: (و عن المعصية) أي نهاهم اللّه عنها فأمسكوا عنها وانتهوا.\rقوله: وَالصَّادِقِينَ إن قيل كيف دخلت الواو على هذه الصفات مع أن الموصوف فيها واحد؟\rأجيب بجوابين: أحدهما أن الصفات إذا تكررت جاز أن يعطف بعضها على بعض بالواو وإن كان الموصوف بها واحدا، ودخول الواو في مثل هذا للتفخيم لأنه يؤذن بأن كل صفة مستقلة بمدح الموصوف بها، ثانيهما لا نسلم أن الموصوف بها واحد بل هو متعدد، والصفات موزعة عليهم، فبعضهم صابر وبعضهم صادق، ففيه إشارة إلى أن بعضها كاف في المدح. قوله: (في الإيمان) أي صدقوا بقلوبهم وانقادوا بظواهرهم. قوله: (المطيعين للّه) أي بأي نوع من أنواع الطاعة. قوله: (بأن يقولوا اللهم اغفر لنا) أي أو غير ذلك من أنواع الطاعات، فالمراد بالمستغفرين المتعرضون للمغفرة إما بسؤال المغفرة أو غيرها من الطاعات. قوله: (و آخر الليل) ويدخل بالنصف الأخير منه، وقيل الأسحار ما بعد الفجر إلى طلوع الشمس، فينبغي اغتنام هذين الوقتين فإن لم يمكن الأول فالثاني.\rقوله: شَهِدَ اللَّهُ سبب نزولها أن حبرين من أحبار الشام قدما على رسول اللّه بالمدينة فقالا له نسألك عن شيء آخر إن أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك، فقال سلا، فقالا له أخبرنا عن أعظم شهادة في القرآن فنزلت فآمنا به، ولكونها أعظم كان وقت نزولها حول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فحين نزلت تساقطت تلك الأصنام، وورد في فضلها أنه يوم القيامة يجاء بمن كان يحفظها فيقول اللّه تعالى لعبدي هذا عندي عهدا فأوفيه إياه أدخلوا عبدي الجنة فيدخلونه من غير سابقة عذاب، ومن فضلها أنها تقلع عرق الشرك من القلب وتنفع من الوسواس، ولذا اختارها العارفون في ختم صلاتهم فيقرؤونها عقب كل صلاة، ثم أعلم أن معنى الشهادة الأقرار باللسان، والإذعان بالقلب وذلك مستحيل على اللّه تعالى، فالمراد بين وأظهر لخلقه بالدلائل القطعية أنه الخ، ففي الكلام استعارة تبعية حيث شبه البيان بالشهادة، واستعار اسم المشبه به للمشبه، واشتق من الشهادة شهد بمعنى بين، والجامع الوثوق بكل، لأن من أقر وأذعن حصل له وثوق، كما أن من بين حصل للسامع وثوق بخبره، وإلى ذلك أشار المفسر بقوله: (بين لخلقه الخ). قوله: (في الوجود) أي الدنيوي والأخروي. قوله: وَ(شهد بذلك) الْمَلائِكَةُ أشار","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 192\rواللفظ قائِماً بتدبير مصنوعاته ونصبه على الحال والعامل فيها معنى الجملة أي تفرد بِالْقِسْطِ بالعدل لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كرره تأكيدا الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (18) في صنعه إِنَّ الدِّينَ المرضي عِنْدَ اللَّهِ هو الْإِسْلامُ أي الشرع المبعوث به الرسل المبني على التوحيد وفي قراءة بفتح أن بدل من أنه الخ بدل اشتمال وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اليهود والنصارى في الدين بأن وحد بعض وكفر بعض إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بالتوحيد بَغْياً من\r______________________________\rبذلك إلى أن الملائكة معطوف على لفظ الجلالة فهو مرفوع، وقدر الفعل دفعا لاستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه وفيه خلاف ولا يتمشى التنزيل عليه، فإن الشهادة في حق الملائكة معناها الإقرار، وأما في حق اللّه فمعناها التبيين.\rقوله: وَأُولُوا الْعِلْمِ لم يقدر الفعل اكتفاء بما قدره في جانب الملائكة. قوله: (بالاعتقاد) أي في القلب، وقوله: (و اللفظ) أي باللسان وإنما اقتصر في جانب الملائكة على الإقرار دون أولي العلم، لأن توحيد الملائكة جبلي لهم مخلوقون عليه كالنفس، فلا يتوهم فيهم عدم الاعتقاد بخلاف الإنس فاختياري لهم لوجود المنافقين فيهم دون الملائكة. قوله: (و نصبه على الحال) أي إما من لفظ الجلالة أو من الضمير المنفصل بعد إلا، والاحسن الثاني ليفيد أن اللّه شهد شهادتين: الأولى أنه لا إله إلا هو، والثانية أنه قائم بالقسط، فمتعلق الأولى تنزيه ذاته، ومتعلق الثانية تنزيه صفاته. قوله: (معنى الجملة) أي جملة لا إله إلا هو، وقوله: (أي تفرد) بيان لمعنى الجملة. قوله: بِالْقِسْطِ بيان لكرمه تعالى: فالمعنى أنه تعالى ثابت الأولوهية، وأن جميع الخلق مملوكون له يتصرف فيهم كيف يشاء، فلو ادخل الطائعين جميعا النار لا حرج عليه، غير أنه لا يفعل ذلك بل هو قائم بالقسط. قوله: (تأكيدا) أي وتوطئة لقوله: العزيز الحكيم.\rقوله: الْعَزِيزُ (في ملكه) أي عديم المثال أو قاهر لخلقه، وهو راجع لقوله إنه لا إله إلا هو. قوله:\rالْحَكِيمُ (في صنعه) أي يصنع الشيء في محله وهو راجع لقوله قائما بالقسط، والعزيز الحكيم إما خبران لمبتدأ محذوف، وإما بدلان من ضمير المنفصل، أو نعتان له على جواز نعت ضمير الغيبة.\rقوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ نزلت لما ادعت اليهود أنه لا دين أفضل من دين اليهودية، وادعت النصارى أن لا دين أفضل من دين النصرانية. قوله: (هو) الْإِسْلامُ قدر الضمير إشارة إلى أن الجملة معرفة الطرفين فتفيد الحصر. قوله: (المبعوث به الرسل) أي جميعهم من آدم إلى محمد قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ) فأصل الدين واحد، وإنما الاختلاف في الفروع. قوله: (بدل اشتمال) أي فيكون من تمام آية شهد اللّه، لأن وحدانية اللّه اشتمل عليها الإسلام، وهذا إن أريد بالإسلام الشرع المنقول، وأما إن أريد به التوحيد كان بدل كل من كل.\rقوله: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ جواب عن سؤال نشأ من قوله: (إن الدين عند اللّه الإسلام) كأنه قيل حيث كان الدين واحدا من آدم إلى الآن فما اختلاف أهل الكتاب. قوله: إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ استثناء من محذوف، أي ما كان اختلافهم في حال من الأحوال إلا في حال مجيء العلم لهم، فالمعنى لا عذر ولا شبهة لهم في ذلك الاختلاف، لأن اللّه بين لهم الحق من الباطل، وإنما","part":1,"page":192},{"id":193,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 193\rالكافرين بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (19) أي المجازاة له فَإِنْ حَاجُّوكَ خاصمك الكفار يا محمد في الدين فَقُلْ لهم أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ انقدت له أنا وَمَنِ اتَّبَعَنِ وخص الوجه بالذكر لشرفه فغيره أولى وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اليهود والنصارى وَالْأُمِّيِّينَ مشركي العرب أَأَسْلَمْتُمْ أي أسلموا فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا من الضلال وَإِنْ تَوَلَّوْا عن الإسلام فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ أي التبليغ للرسالة وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (20) فيجازيهم بأعمالهم وهذا قبل الأمر بالقتال إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ وفي قراءة يقاتلون النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ بالعدل مِنَ النَّاسِ وهم\r______________________________\rكفرهم واختلافهم محض عناد، قال تعالى: (وَ جَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا). قوله: وَمَنْ يَكْفُرْ من اسم شرط جازم ويكفر فعل الشرط، وقوله: فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ دليل الجواب والجواب محذوف أي فيعذبه، وهذا تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كأنه قال له: لا تحزن على كفر من كفر فإن اللّه معذبه.\rقوله: فَإِنْ حَاجُّوكَ أي اليهود والنصارى حيث أنكروا عموم رسالتك أو أصلها، وجملة حاجوك فعل الشرط، وجوابه فقل وما عطف عليه. قوله: وَمَنِ اتَّبَعَنِ معطوف على ضمير أَسْلَمْتُ المتصل، وقد وجد الفاصل وهو قوله: وَجْهِيَ لِلَّهِ إذا علمت ذلك، فتقدير المفسر أنا، توضيح وبيان للضمير المتصل لا ليفيد الفاصل فإنه قد حصل بقوله وجهي للّه، قال ابن مالك:\rوإن على ضمير رفع متصل ... عطف فافصل بالضمير المنفصل\r\rأو فاصل ما وما هنا من قبيلة، ومفعول اتبعن محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي ومن اتبعن أسلم وجهه. قوله: (لشرفه) أي لوجود الحواس الخمس فيه. قوله: وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصارى، وفيه وضع الموصول موضع الضمير لمقابلته بالأميين. قوله:\r(مشركي العرب) أي ومن عداهم ممن لا كتاب لهم. قوله: (أي أسلموا) أي فهو استفهام تقريعي، والمقصود الأمر على حد (فهل أنتم منتهون). قوله: فَقَدِ اهْتَدَوْا أي انتفعوا وحصل لهم الرضا والقبول وتم لهم السعد والوصول، وبهذا اندفع ما يقال إن فعل الشرط متحد مع جوابه، كأنه قال فإن أسلموا فقد أسلموا.\rقوله: وَإِنْ تَوَلَّوْا أي داموا عليه وهو فعل الشرط، وقوله: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ دليل الجواب، والجواب محذوف تقديره فلا تحزن عليهم وأمرهم إلى اللّه. قوله: (أي التبليغ للرسالة) أي وقد بلغت فلا تأس عليهم. قوله: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ أي عليم بهم ومطلع عليهم وناظر إليهم فلا يغيب عنه شيء من أفعالهم. قوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) أي هذه الآية نزلت قبل الأمر به، فإن رسول اللّه أمر بالأمساك والأعراض عنهم في نحو نيف وسبعين آية ثم أمر بقتالهم.\rقوله: بِآياتِ اللَّهِ أي القرآن وغيره. قوله: (و في قراءة يقاتلون) صوابه تأخيرها بعد المعطوف إذ هي التي فيها القراءتان، وأما هذه فيقتلون بإتفاق السبعة.\rقوله: بِغَيْرِ حَقٍ إن قلت إن قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير حق. أجيب بأنه في اعتقادهم أيضا","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 194\rاليهود روي أنهم قتلوا ثلاثة وأربعين نبيا فنهاهم مائة وسبعون من عبادهم فقتلوهم من يومهم فَبَشِّرْهُمْ أعلمهم بِعَذابٍ أَلِيمٍ (21) مؤلم وذكر البشارة تهكم بهم ودخلت الفاء في خبر إن لشبه اسمها الموصول بالشرط أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ بطلت أَعْمالُهُمْ ما عملوا من خير كصدقة وصلة رحم فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فلا اعتداد بها لعدم شرطها وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (22) مانعين من العذاب أَلَمْ تَرَ تنظر إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً حظا مِنَ الْكِتابِ التوراة يُدْعَوْنَ حال إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) عن قبول حكمه. نزل في اليهود زنى منهم اثنان فتحاكموا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فحكم عليهما بالرجم فأبوا فجيء بالتوراة فوجد فيها فرجما فغضبوا ذلِكَ التولي والإعراض بِأَنَّهُمْ قالُوا أي\r______________________________\rفهو زيادة في التشنيع عليهم، فالمعنى اعجب يا محمد من بلادة هؤلاء حيث يقتلون الأنبياء وهم معتقدون أن قتلهم خلاف الحق ويقتلون من يأمرهم بالعدل. قوله: (و هم اليهود) أي قوم موسى، وإنما خوطب من كان في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك لرضاهم بفعلهم مع كونهم كانوا عازمين على قتله صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (ثلاثة وأربعين) وفي رواية أخرى سبعين. قوله: (من يومهم) أي فقتلوا الأنبياء أول النهار والعباد آخره. قوله: (أعلمهم) أشار بذلك إلى أن في الكلام استعارة تبعية حيث شبه الاعلام بالعذاب بالبشارة، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من البشارة بشرهم بمعنى أعلمهم بالعذاب، والجامع الانتقال من حال لأخرى في كل.\rقوله: (و ذكر البشارة تهكم) أي لأن البشارة هي الخبر السار، والنذارة الخبر الضار، فكأنه يقول هو لا يتخلف، كما أن الوعد بالخير لا يتخلف. قوله: (لشبه اسمها الموصول) أي وهو في الأصل كان مبتدأ متى وقع اسم موصول، ولو منسوخا قرن خبره بالفاء. قوله: (كصدقة وصلة رحم) إن قلت إن مثل هذا العمل لا يتوقف على الإسلام لعدم توقفه على النية فينتفع به الكافر فلا يتم، قول المفسر فلا اعتداد بها لعدم شرطها، فلعل ذلك محمول على جماعة مخصوصين باشروا قتل الأنبياء وعاندوهم، وإلا فصدقة الكافر وصلة رحمه تنفعه في الدنيا بتوسعتها عليه مثلا لا غير، ولا ينتفع بها في الآخرة إجماعا لأن محل الجزاء الجنة وهو عنها بمعزل، لأنه ليس له في الآخرة إلا النار.\rقوله: أَلَمْ تَرَ الخطاب للنبي أو لكل من يتأتى منه النظر. قوله: إِلى كِتابِ اللَّهِ أي التوراة.\rقوله: (في اليهود) أي يهود خيبر. قوله: (زنى منهم اثنان) أي من أشرافهم ثم سألوا أحبارهم فأخبروهم بأن التوراة نصت على رجمهم، ولكن أخذتهم الشفقة عليهم لكونهم من أشرافهم فتحاكموا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعله أن يوجد في دينه فرج لهم، فقال لهم النبي حكم ديني رجمكم، والذي أعلمه أن في التوراة كذلك، فقال بعضهم حرت علينا يا محمد فقال هلموا إليّ بأعلمكم بالتوراة، فقالوا عبد اللّه بن صوريا وكان بفدك، فأتى به فسأله النبي عن حكم الزاني والزانية في التوراة، فقال ائتوني بالتوراة، فقرأ منها على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى وصل آية الرجم فوضع يده عليها وقرأ ما بعدها، وكان عبد اللّه بن سلام حاضرا إذ ذاك، وكان من أحبارهم قبل الإسلام، فقال يا رسول اللّه إن الرجل أخفى آية الرجم وقرأ ما بعدها، فأمره النبي بأخذها منه فأخذها وقرأها فإذا فيها: إن المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رجما، وإن كانت امرأة حبلى تربص بها حتى تضع ما في بطنها، فأمر صلّى اللّه عليه وسلّم برجمهما فغضبت اليهود لذلك. قوله: (فوجد فيها) أي الرجم.","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 195\rبسبب قولهم لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ أربعين يوما مدة عبادة آبائهم العجل ثم تزول عنهم وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ متعلق بقوله ما كانُوا يَفْتَرُونَ (24) من قولهم ذلك فَكَيْفَ حالهم إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ أي في يوم لا رَيْبَ شك فِيهِ هو يوم القيامة وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ من أهل الكتاب وغيرهم جزاء ما كَسَبَتْ عملت من خير وشر وَهُمْ أي الناس لا يُظْلَمُونَ (25) بنقص حسنة أو زيادة سيئة، ونزل لما وعد صلّى اللّه عليه وسلّم أمته ملك فارس والروم فقال المنافقون هيهات قُلِ اللَّهُمَ يا اللّه مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي تعطي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ من خلقك\r______________________________\rقوله: بِأَنَّهُمْ قالُوا أي بسبب قولهم ذلك فهونوا على أنفسهم جميع المويقات من قتل الأنبياء وعصيانهم وغير ذلك. قوله: (من قولهم ذلك) أي وهو لن تمسنا النار إلا أياما معدودات.\rقوله:\rفَكَيْفَ (حالهم) رد لقولهم المذكور وإبطال لما غرهم باستعظام ما سيقع لهم من الأهوال، ويجوز أن يكون كيف خبرا مقدما والمبتدأ محذوف، قدره المفسر بقوله: (حالهم). وقوله: إِذا جَمَعْناهُمْ ظرف غير مضمن معنى الشرط منصوب على الظرفية والعامل فيه متعلق الخبر. قوله: لا رَيْبَ فِيهِ أي في مجيئه ووقوع ما فيه.\rقوله: وَهُمْ (أي الناس) فيه إشارة إلى أنه ذكر ضميرهم، وجمعه بإعتبار معنى كل نفس. قوله:\r(و نزل لما وعد) وذلك أنه حين تحزبت عليه الأحزاب سنة خمس من الهجرة حتى تجمع عليه عشر آلاف مقاتل، وكان المسلمون إذ ذاك نحو الألفين معه بالمدينة، فأشاروا عليه بحفر الخندق فجعل على كل عشرة أربعين ذراعا، فبينما هم في ذلك، إذ ظهرت لهم صخرة عظيمة لا تعمل فيها المعاول، فكرب من كانت في قسمته، فاستجاروا برسول اللّه، فأخذ صلّى اللّه عليه وسلّم المعول من سلمان الفارسي وضرب الصخرة أول مرة فخرج منها نور فملأ ما بين لابتي المدينة، فقال أضاء منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب، والحيرة بكسر الحاء المهملة وسكون الياء مدينة بقرب الكوفة، وتمثيله القصور بأنياب الكلاب لشبهها لها في البياض وانضمام بعضها لبعض مع الإشارة إلى تحقيرها، ثم ضرب الثانية وقال: أضاء لي منها قصور الروم، ثم ضرب الثالثة وقال: أضاء لي منها قصور صنعاء اليمن، وأخبرني جبريل أن أمتي طاهرة على كلها فابشروا، فقال المنافقون ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم بالباطل ويخبركم أنه يبصر ما ذكر، وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندق من شدة الخوف ولا تستطيعون البروز، فنزلت الآية، وكسر الصخرة في الثلاث ضربات من عزمه وقوته البشرية، وإلا لو كان معجزة لأشار لها فقط، وروي في فضل تلك الآية أحاديث لا تحصى، منها ما روي أن اللّه لما أمر فاتحة الكتاب وآية الكرسي وشهد اللّه وقل اللهم مالك الملك بالنزول إلى الأرض، قالوا يا ربنا لا تهبطنا دار الذنوب وإلى من يعصيك، فقال تعالى وعزتي وجلالي ما يقرؤكن عبد عقب كل صلاة إلا أسكنته حظيرة القدس على ما كان منه، وإلا نظرت له بعيني المكنونة في اليوم والليلة سبعين مرة، وإلا قضيت له في اليوم والليلة سبعين حاجة أدناها المغفرة، وإلا أعذته من عدوه بنصرته عليه ولا يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت. قوله: (يا اللّه) أشار بذلك إلى أن الميم معوضة عن ياء النداء، فهو مبني على الضم في محل نصب. والميم عوض عن ياء النداء، وذلك من جملة ما خص به لفظ الجلالة ومن جملتها اجتماع يا وأل.\rقوله: مالِكَ الْمُلْكِ يصح أن يكون بدلا أو عطف بيان أو نعتا لمحل اللهم أو منادى حذفت منه","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 196\rوَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ بإيتائه وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بنزعه منه بِيَدِكَ بقدرتك الْخَيْرُ أي والشر إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ تدخل اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ تدخله فِي اللَّيْلِ فيزيد كل منهما بما نقص من الآخر وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ كالإنسان والطائر من النطفة والبيضة وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ كالنطفة والبيضة مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (27) أي رزقا واسعا لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ يوالونهم مِنْ دُونِ أي غير الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي يوالهم فَلَيْسَ مِنَ دين اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ\r______________________________\rيا النداء، والملك هو من العرش للفرش، وفي بعض الكتب أنا اللّه ملك الملوك ومالك الملك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة، وإن هم عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك، ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم. وقله: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ إما صفة لمالك الملك أو استئناف بياني، دليل لكونه مالك الملك، وقوله: (من تشاء) أي كمحمد وأصحابه.\rقوله: (بإيتائه) أي الملك. قوله: (بنزعه منه) أي بنزع الملك من فارس والروم وغيرهما. قوله: (بقدرتك) هذا تأويل الخلف، وأما السلف فيؤمنون بذلك ويفوضون علم ذلك للّه قوله: (أي والشر) أشار بذلك إلى أن فيه اكتفاء، وإنما اقتصر على الخير لأن الآية مسوقة في الخير بدليل سبب نزولها وإن كان لفظها عاما، أو يقال إنما اقتصر على الخير لأنه صنعه، وأما الشر فبالنظر للمنعكس عليه قال بعض العارفين:\rإذا ما رأيت اللّه في الكل فاعلا ... رأيت جميع الكائنات ملاحا\r\rوإن لم تر إلا مظاهر صنعه ... حجبت فصيرت الحسان قباحا\r\rففعل اللّه كله خير لأن أفعاله دائرة بين الفضل والعدل، ولا ينسب له الشر أصلا، وإنما ينسب الشر للمخالف، وليس لمولانا حاكم يخالفه فيما أمره به بل هو الفعال لما يريد. قوله: إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ دليل لما تقدم. قوله: (فيزيد كل منهما بما نقص من الآخر) أي بقدر ما نقص ساعة بساعة ودرجة بدرجة. قوله: (كالإنسان والطائر الخ) ويصح أن يراد بالحي المسلم وبالميت الكافر قوله: (من النطفة والبيضة) لف ونشر مرتب.\rقوله: بِغَيْرِ حِسابٍ أي ومن غير توقف على عمل، وإلا فلو توقف رزقه على عمل منا لما أعطانا شيئا أبدا، بل لم يبق لنا نعمه التي هي موجودة فينا، كالسمع والبصر والكلام واليدين والرجلين وغير ذلك، فسبحان الحليم الذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاء.\rقوله: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ قيل نزلت في عبد اللّه بن أبي بن سلول، كان منافقا يخفي الكفر ويحب أهله ويواليهم باطنا، وكان بصحبته على هذه الخصلة ثلثمائة، وكانوا يحبون ظفر الأعداء برسول اللّه وأصحابه، وإنما كانوا يظهرون الإسلام فقط، فمعنى الآية أن من علامة الإيمان عدم موالاة أهل الكفر، قال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الآية، وقال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) قوله: أَوْلِياءَ أي أصدقاء وقوله:\r(يوالونهم) أي يحبونهم ويميلون إليهم. قوله: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ في محل الحال من الفاعل، أي حال كون المؤمنين متجاوزين بموالاتهم المؤمنين أي تاركين قصر الولاية عليهم، وذلك الترك يصدق بصورتين، كونها مشتركة بين الكفار والمؤمنين، أو مختصة بالكفار، فالصورتان داخلتان في منطوق النهي، وإنما","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 197\rتَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً مصدر تقيته أي تخافوا مخافة فلكم موالاتهم باللسان دون القلب وهذا قبل عزة الإسلام ويجري فيمن في بلد ليس قويا فيها وَيُحَذِّرُكُمُ يخوفكم اللَّهُ نَفْسَهُ أن يغضب عليكم إن واليتموهم وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) المرجع فيجازيكم قُلْ لهم إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ قلوبكم من موالاتهم أَوْ تُبْدُوهُ تظهروه يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَهو يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) ومنه تعذيب من والاهم اذكر يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ ه مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ ه مِنْ سُوءٍ مبتدأ خبره تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً غاية في نهاية البعد فلا يصل إليها وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ كرر للتأكيد وَاللَّهُ رَؤُفٌ\r______________________________\rالواجب على المؤمنين قصر الموالاة والمحبة على بعضهم.\rقوله: فَلَيْسَ مِنَ الكلام على حذف مضاف، قدره المفسر بقوله دين وفيه حذف مضاف أيضا أي من أهل دين اللّه، فالمعنى أنه كافر، وإذا اطلعنا عليه فلا نبقيه بل نقتله، ويسمى زنديقا ومنافقا، واسم ليس ضمير يعود على من الشرطية. قوله: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا هذا استثناء مفرغ من عموم الأحوال، أي لا يتخذ المؤمن الكافر وليا لشيء من الأشياء، ولا لغرض من الأغراض إلا للتقية ظاهرا بحيث يكون مواليه في الظاهر ومعاديه في الباطن. ومحصله أن اللّه نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم، إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كفار فيداهنهم بلسانه مطمئنا قلبه بالإيمان، فالتقية لا تكون إلا مع الخوف على النفس أو العرض. قوله: تُقاةً وزنه فعلة ويجمع على تقى كرطبة ورطب، وأصله وقية لأنه من الوقاية، فأبدلت الواو تاء والياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقوله: من (تقيته) بفتح القاف بوزن رميته وهو بمعنى اتقيته. قوله: (دون القلب) أي فالموالاة به حرام إجماعا. قوله:\r(و هذا) أي قوله إلا أن تتقوا. قوله: (ليس قويا فيها) أي الإسلام ليس قويا في تلك البلدة، كأن يجعل أمراء تلك البلدة الحكام من أهل الكفر، فالواجب مداراتهم ظاهرا حتى يقضي اللّه أمرا كان مفعولا، كما وقع لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان في داره يوما، إذ أقبل عليه رجل فطرق الباب فقال من؟ فقال فلان فقال سرا: بئس أخو العشيرة، ثم لما خرج إليه أطلق له وجهه وصار يلاطفه بالقول، فلما انصرف قالت له عائشة: رأيت منك عجبا، سمعتك تقول قولا ثم فعلت خلافه، فقال: يا عائشة إنا لنبش في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم.\rقوله: وَيُحَذِّرُكُمُ الكاف مفعول أول، ونفسه مفعول ثان، وهو على حذف مضاف أشار له المفسر بقوله أن يغضب عليكم، والأصل غضبت نفسه، أي فإن واليتموهم غضب اللّه بجلاله عليكم.\rقوله: (فيجازيكم) أي إما بالثواب إن لم توالوهم أو بالعقاب إن واليتموهم.\rقوله: يَعْلَمْهُ اللَّهُ أي فيرتب الجزاء على ذلك.\rقوله: يَوْمَ تَجِدُ ظرف لمحذوف أي ذكر. قوله: مُحْضَراً أي حاضرا ظاهرا تفرح به، وذلك كالصدقات والصيام والصلاة مثلا. قوله: أَمَداً بَعِيداً أي مسافة طويلة فيتمنى أن لم يكن رآه، وقد ورد أن العبد إذا خرج من قبره وجد عمله الصالح في صورة حسنة، فيقول له طالما كنت أقلقك في الدنيا فاركب على ظهري الآن فيركبه إلى الحشر، وذلك قوله تعالى: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً) وإذا كان غير صالح وجد عمله السيء في صورة قبيحة، فيقول له طالما كنت تتمتع بي في","part":1,"page":197},{"id":198,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 198\rبِالْعِبادِ (30) ونزل لما قالوا ما نعبد الأصنام إلا حبا للّه ليقربونا إليه قُلْ لهم يا محمد إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ بمعنى أنه يثيبكم وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن اتبعني ما سلف منه قبل ذلك رَحِيمٌ (31) به قُلْ لهم أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فيما يأمركم به من التوحيد فَإِنْ تَوَلَّوْا أعرضوا عن الطاعة فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (32) فيه إقامة الظاهر مقام المضمر أي لا يحبهم بمعنى أنه يعاقبهم إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى اختار آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ\r______________________________\rالدنيا فأنا أركبك الآن، وذلك قوله تعالى: (وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ) ولو شرطية، في الكلام حذفان أحدهما حذف مفعول تود، والثاني حذف جواب لو، والتقدير تود تباعدا ما بينها وبينه، لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا لسرت بذلك.\rقوله: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ أي شديد الرحمة بهم، حيث قطع عذرهم بتبيين ذلك في زمن يسع التوبة والرجوع إليه فيه. ومن جملة رأفته كثرة التكرار والتأكيد في الكلام لعله يصل إلى قلوب السامعين فيعملوا بمقتضاه. قوله: (و نزل لما قالوا الخ) وقيل سبب نزولها قول اليهود والنصارى نحن أبناء اللّه وأحباؤه. وقيل قول نصارى نجران ما عبدنا عيسى وأمه إلا محبة للّه. وقيل سبب نزولها أن النبي دخل الكعبة فوجد الكفار يعلقون على الأصنام بيض النعام ويزخرفونها فقال لهم ما هذه ملة إبراهيم التي تدعونها، فقالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى.\rقوله: قُلْ (لهم يا محمد) أي ردا لمقالهم. قوله:\rفَاتَّبِعُونِي أي في جميع ما جئت به، والمعنى أن اتباع النبي فيما جاء به دليل على محبة الإنسان لربه، وهي ميل القلب نحوه وإيثار طاعته على هوى نفسه فيلزم من المحبة الطاعة، قال بعض العارفين:\rلو قال تيها قف على جمر الغضا ... لوقفت ممتثلا ولم أتوقف\r\rوقال بعضهم:\rتعصي الاله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في القياس بديع\r\rلو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع\r\rفمن ادعى المحبة من غير طاعة فدعواه باطلة لا تقبل. قوله: (بمعنى أنه يثيبكم) أشار بذلك إلى أن معنى المحبة الأصلي محال في حقه تعالى، وأن المراد بمحبة اللّه للعبد قبوله والإثابة على أعماله. قوله:\rوَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ أي يمحها من الصحف، فالمحبوب لا يبقى عليه ذنب، والمبغوض لا تبقى له طاعة، قال بعض العارفين: واجعل سيئاتنا سيئات من أحببت، ولا تجعل حسناتنا حسنات من أبغضت، فالإحسان لا ينفع مع البغض منك، والإساءة لا تضر مع الحب منك. قوله: (رحيم به) أي في الدنيا والآخرة. قوله: (من التوحيد) أي وغيره من شرائع الدين قوله: (أعرضوا عن الطاعة) أي فلم يتبعوك فيما أمرت به. قوله: (فيه إقامة الظاهر) أي تبكيتا لهم.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ قال ابن عباس: قالت اليهود نحن من أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونحن على دينهم، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، والمعنى إن اللّه اصطفى هؤلاء بالإسلام والنبوة والرسالة، وأنتم يا معشر اليهود على غير دينهم، وعاش آدم في الأرض تسعمائة وستين سنة، وأما مدة إقامته في الجنة فلا تحسب. قوله: وَنُوحاً هذا لقبه، واسمه الأصلي عبد الغفار، وقيل السكن، ولقب","part":1,"page":198},{"id":199,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 199\rوَآلَ عِمْرانَ بمعنى أنفسهما عَلَى الْعالَمِينَ (33) بجعل الأنبياء من نسلهم ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ ولد بَعْضٍ منهم وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) اذكر إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ حنة لما أسنت واشتاقت للولد فدعت اللّه وأحست بالحمل يا رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ أن أجعل لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً عتيقا خالصا من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدس فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الدعاء الْعَلِيمُ (35) بالنيات، وهلك عمران وهي حامل فَلَمَّا وَضَعَتْها ولدتها جارية وكانت ترجو أن يكون غلاما إذ لم يكن يحرر إلا الغلمان قالَتْ متعذرة يا رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ\r______________________________\rبنوح لكثرة نوحه، وهو من نسل إدريس لأنه ابن لمك بن متوشلخ بن إدريس عليهم الصلاة والسّلام، وعمر ألف سنة وخمسين، والمعنى اختياره بالنبوة والرسالة وجعله من أولي العزم. قوله: وَآلَ إِبْراهِيمَ أي اصطفاه بالنبوة والرسالة والخلة، وعمر إبراهيم مائة وسبعين سنة. قوله: وَآلَ عِمْرانَ قيل المراد عمران أبو مريم وهو الأقرب، وقيل أبو موسى وهارون، وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة. قوله: (بمعنى أنفسهما) وقيل إنهما حقيقة، فآل إبراهيم أولاده، وآل عمران أبو مريم مريم وابنها، وأبو موسى موسى هارون. قوله: عَلَى الْعالَمِينَ المراد عالمو زمانهم.\rقوله: ذُرِّيَّةً بدل من آدم وما عطف عليه، وهي إما مأخوذة من الذر أو من الذرء بمعنى الخلق.\rقوله: بَعْضُها مِنْ (ولد) بَعْضٍ أي متناسلين من بعض، فالمراد البعضية في النسب، وقيل المراد بعضها من بعض في الصلاح والنبوة والرسالة، فكما أن الأصول أنبياء ورسل كذلك الذرية، بل في بعضها ما يفوق الأصول جميعها كسيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: إِذْ قالَتِ ظرف في محل نصب على المفعولية لمحذوف، قدره المفسر بقوله: (اذكر) والتقدير أذكر يا محمد وقت قول امرأة عمران، والمقصود ذكر القصة الواقعة في ذلك الوقت لا ذكر الوقت نفسه. قوله: (حنة) أي بنت فاقود، وكان لها أخت تسمى إشاع بنت فاقود أيضا متزوجة بزكريا عليه السّلام، وكان عمران من السادات الصالحين، وكان له التكلم على سدنة بيت المقدس، واسم أبيه ماثان قوله: (و اشتاقت للولد) سبب ذلك أنها كانت يوما جالسة في ظل الشجرة، فرأت طائرا يطعم فرخه ويسقيه، فعطفت واشتاقت للولد من أجل رؤية ذلك الطائر، فدعت اللّه أن يرزقها ولدا ونذرت أن تهبه لبيت المقدس يخدمه، وكان ما من رجل من أشراف بيت المقدس إلا وله ولد منذور لخدمته، فاستجاب اللّه دعاءها فحملت، فلما أحست بالحمل جددت النذر ثانيا بقولها: (رب إني نذرت لك ما في بطني محررا) فلامها زوجها على ذلك حيث أطلقت في نذرها ولم تقيده بالذكر، فبقيت في حيرة وكرب إلى أن وضعت، فلما وضعتها ورأتها أنثى اعتذرت إلى اللّه إلى آخر ما يأتي. قوله: (عتيقا خالصا من شواغل الدنيا) أي وكانوا يفعلون ذلك بالصبيان إلى أن يبلغوا الحلم، فإذا بلغوا عرضوا ذلك الأمر عليهم، فإن اختاروا الخدمة مكثوا وكلفوا بها ولا يخرجون لشيء من شواغل الدنيا، وإن اختاروا عدم الخدمة أجيبوا لذلك. قوله: (و هلك عمران وهي حامل) أي وحين نذرت ذلك النذر لامها فكربت ثم لما وضعتها الخ فهو مرتب محذوف. قوله: (جارية) حال من الهاء في ولدتها.\rقوله: قالَتِ (معتذرة) حال من فاعل قالت لا إعلاما له تعالى فإنه لا يليق ذلك، فإنه عالم بها","part":1,"page":199},{"id":200,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 200\rأَعْلَمُ أي عالم بِما وَضَعَتْ جملة اعتراض من كلامه تعالى وفي قراءة بضم التاء وَلَيْسَ الذَّكَرُ الذي طلبت كَالْأُنْثى التي وهبت لأنه يقصد للخدمة وهي لا تصلح لها لضعفها وعورتها وما يعتريها من الحيض ونحوه وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها أولادها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (36) المطرود في الحديث ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا إلا مريم وابنها رواه الشيخان فَتَقَبَّلَها رَبُّها أي قبل مريم من أمها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً أنشأها بخلق حسن فكانت تنبت في اليوم كما ينبت المولود في العام وأتت بها أنها لأحبار سدنة بيت المقدس فقالت دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها بنت إمامهم\r______________________________\rمن قبل أن تعلم بها هي.\rقوله: أُنْثى حال من الضمير في وضعتها مؤكدة له، ويحتمل أن تكون مؤسسة بالنظر لعوده على النسمة الشاملة للذكر والأنثى. قوله: (جملة اعتراض) أي بين كلامي حنة تفخيما وتعظيما لشأن ذلك المولود. قوله: (و في قراءة) أي سبعية. قوله: (بضم التاء) أي ويكون ذلك من كلامها اعتذارا. قوله: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى يحتمل أن يكون ذلك من كلام اللّه والمعنى ليس الذكر الذي طلبته كالأنثى التي أعطيتها لك، فإن ما وهبته لك أعظم مما طلبته لنفسك، فالقصد تفخيم شأنها، ويحتمل أن يكون من كلام حنة ويكون في الكلام قلب، والمعنى ليست الأنثى التي وهبت لي كالذكر الذي طلبته، فالذكر أعظم من حيث قوته على الخدمة وخلوه من القذارة كالحيض والنفاس، فيكون اعتذارا واقعا منها. قوله: (و نحوه) أي كالنفاس.\rقوله: وَإِنِّي سَمَّيْتُها معطوف على إني وضعتها أنثى، ويكون ما بينهما اعتراض علي أنه من كلام اللّه، وأما على أنه من كلامها فتكون من جملة مقولها. قوله: مَرْيَمَ معناه بلغتهم العابدة خادمة الرب.\rقوله: وَإِنِّي أُعِيذُها أي أحصنها وأجيرها. قوله: (أولادها) أي ولم تلد إلا عيسى. قوله: الرَّجِيمِ فعيل بمعنى مفعول أي مطرود كما قال المفسر، أو مرجوم بالشهب من السماء. قوله: (إلا مسه الشيطان) أي نخسه في جنبه وظاهره حتى الأنبياء وهو كذلك. إن قلت الأنبياء معصومون من الشيطان فلا سبيل له عليهم، أجيب بأنهم معصومون من وسوسته وإغوائه لا من نخسه في أجسامهم، فإن ذلك لا يقدح في عصمتهم منه. إن قلت إن موضوع الآية أن دعوة أم مريم كانت بعد وضعها وتسميتها، فلم تنفع مريم من نخس الشيطان، وإنما نفعت ولدها فقط، فلم تحصل مطابقة بين الآية والحديث إلا أن يقال إن حفظهما من نخس الشيطان كان واقعا، وإن لم تدع حنة فدعوتها طابقت ما أراده اللّه بهما، ومع ذلك فالمناسب للمفسر أن لا يأتي بالحديث تفسيرا للآية، وقد ورد أن الشيطان نخسهما أيضا إلا أنه صادف الغشاء.\rقوله: فَتَقَبَّلَها أي رضي بها خادمة لبيت المقدس، وخلصها من دنس الأطفال والنساء. قوله:\rبِقَبُولٍ يحتمل أن الباء زائدة أي قبولا، ويكون منصوبا على المصدر المحذوف الزوائد، وإلا لقيل تقبلا أو تقبيلا، ويحتمل أنها أصلية، والمراد بالقبول اسم لما يقبل به الشيء كالوجور والسعوط. قوله: (كما ينبت المولود في العام) أي في العقل والمعرفة، وإلا فالكلام من قبيل المبالغة. قوله: (سدنة بيت المقدس) أي خدمته. قوله: (هذه النذيرة) أي المنذورة. قوله: (لأنها بنت إمامهم) أي رئيسهم وأميرهم. قوله:","part":1,"page":200},{"id":201,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 201\rفقال زكريا أنا أحق بها لأن خالتها عندي فقالوا لا حتى نقترع فانطلقوا وهم تسعة وعشرون إلى نهر الأردن وألقوا أقلامهم على أن من ثبت قلمه في الماء وصعد فهو أولى بها فثبت قلم زكريا فأخذها وبنى لها غرفة في المسجد بسلم لا يصعد إليها غيره وكان يأتيها بأكلها وشربها ودهنها فيجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، كما قال تعالى وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا ضمها إليه وفي قراءة بالتشديد ونصب زكريا ممدودا أو مقصورا والفاعل اللّه كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ الغرفة وهي أشرف المجالس وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى من أين لَكِ هذا قالَتْ وهي صغيرة هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يأتيني به من الجنة إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (37) رزقا واسعا بلا تبعة هُنالِكَ أي لما رأى زكريا ذلك وعلم أن القادر على الإتيان بالشيء في غير حينه قادر على الإتيان بالولد على الكبر وكان أهل بيته انقرضوا دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ لما دخل المحراب للصلاة جوف الليل قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ من عندك ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ولدا\r______________________________\r(لأن خالتها عندي) ورد أنهم قالوا لو كانت القرابة مقتضية لأخذها لكانت أمها أولى. قوله: (إلى نهر الأردن) أي وهو نهر يجري إلى الآن. قوله: (و ألقوا أقلامهم) قيل سهامهم، وقيل التي كانوا يكتبون بها التوراة، وقيل اقلامهم من حديد. قوله: (و صعد) أي على وجه الماء، أي من غرق قلمه أو ذهب مع الماء فلا حق له فيها. قوله: (بأكلها) بضم الهمزة فيه وفيما بعده بمعنى الشيء المأكول والمشروب والذي يدهن به. قوله (ممدودا أو مقصورا) راجع لقراءة التشديد لا غير، وأما التخفيف فليس فيه إلا المد مع رفعه على الفاعلية. قوله: (و الفاعل اللّه) أي بالنسبة للتشديد.\rقوله: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا أي في وقت دخل عليها فيه وجد الخ، وزكريا بالمد والقصر قراءتان سبعيتان. قوله: الْمِحْرابَ هو اسم لكل محل من محال العبادة فسميت الغرفة بذلك لأنها في المسجد وهو محل العبادة. قوله: وَجَدَ عِنْدَها حال من زكريا، التقدير قائلا: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ حال كونه واجدا عندها رزقا يا مريم الخ، ورزقا مفعول لقوله وجد ووجد بمعنى أصاب. قوله: (و هي صغيرة) أي فهي من جملة من تكلم في المهد. قوله: (بلا تبعة) أي حق عليه، فليس اعطاؤه الرزق لحق العباد، بل هو من محض فضله وجوده.\rقوله: هُنالِكَ أصلها ظرف مكان لكن استعملت هنا ظرف زمان، ويحتمل أن تكون ظرف مكان معنوي، والمعنى عند تلك الواقعة دعا زكريا الخ وهو كلام مستأنف وقصة مستقلة سيقت في اثناء قصة مريم لما بينهما من قوة الارتباط، لأن فضل بعض الأقارب يدل على فضل الآخر وهو حكمة قوله تعالى: (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ). قوله: (لما رأى ذلك زكريا) أي ما تقدم من قصة حنة حيث دعت اللّه أن يرزقها بولد مع يأسها وكبر سنها، فأجابها اللّه مع كونها لم تكن نبية، واعطاها مريم وجعلها افضل من الذكور، وصار يأتيها رزقها من الجنة، واكرمها اكراما عظيما، فكان ذلك الأمر العجيب باعثا له على طلب الولد. قوله: (و علم) أي تنبه واستحضر عند مشاهدة تلك الخوارق للعادة على حد: (و لكن ليطمئن قلبي) فشهود الكرامات تزيد في اليقين والكامل يقبل الكمال. قوله: (على الكبر) أي منه ومن زوجته، قيل كان وقت الدعاء عمره ثمانون سنة، وعمرها ثمان وخمسون، وبين الدعاء والإجابة أربعون سنة.\rقوله: (و كان أهل بيته) أي أقاربه. قوله: (لما دخل المحراب) أي المسجد.","part":1,"page":201},{"id":202,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 202\rصالحا إِنَّكَ سَمِيعُ مجيب الدُّعاءِ (38) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ أي جبريل وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أي المسجد أَنَ أي بأن وفي قراءة بالكسر بتقدير القول اللَّهَ يُبَشِّرُكَ مثقلا ومخففا بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ كائنة مِنَ اللَّهِ أي بعيسى أنه روح وسمي كلمة لأنه خلق بكلمة كن وَسَيِّداً متبوعا وَحَصُوراً ممنوعا من النساء وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) روي أنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها قالَ رَبِّ أَنَّى كيف يَكُونُ لِي غُلامٌ ولد وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ أي بلغت نهاية السن مائة وعشرين سنة وَامْرَأَتِي عاقِرٌ بلغت ثمانية وتسعين سنة قالَ الأمر كَذلِكَ\r______________________________\rقوله: ذُرِّيَّةً الذرية تطلق على المفرد والجمع، فلذا قال المفسر ولدا صالحا. قوله: إِنَّكَ سَمِيعُ ليس المراد به الاسم بل المراد المجيب أي سميع سماع إجابة كما قال المفسر.\rقوله: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ أي بعد مضي أربعين سنة من دعوته. قوله: (أي جبريل) أي فهو من تسمية الخاص باسم العام تعظيما له. قوله: وَهُوَ قائِمٌ جملة حالية من الهاء في نادته، وجملة يصلي إما خبر ثان أو حال ثانية أو صفة لقائم، وقوله: فِي الْمِحْرابِ متعلق بيصلي أو بقائم. قوله: (أي بأن) أي فهو بدل من نادته. قوله: (بتقدير القول) أي استئناف تقديره قائلين إن اللّه يبشرك الخ. قوله: (مثقلا ومخففا أي فهما قراءتان سبعيتان مع فتح همزة إن وكسرها فهما أربع، فالمثقل بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين المشددة، والمخفف بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين المخففة.\rقوله: بِيَحْيى قيل إنه منقول من الفعل فيكون ممنوعا من الصرف للعلمية ووزن الفعل ويكون عربيا، وسمي بذلك لأنه يحيي القلوب الميتة، وقيل أعجمي فيكون ممنوعا من الصرف للعلمية والعجمة، ويجمع في حالة الرفع على يحيون، وفي حال النصب على يحيين، وتثنيته في حالة الرفع بحيان، وفي النصب والجر يحيين. قوله: مُصَدِّقاً هو وما بعده أحوال من يحيى. قوله: (إنه روح اللّه) أي سر نشأ من اللّه. قوله: (لأنه خلقه بكلمة كن) وقيل لأن الكلمة التي قالها لها اللّه وهي كذلك اللّه يخلق ما يشاء، وقيل لأنه الكلمة التي قالها اللّه لجبريل حيث أمره بالنفخ في جيبها. قوله: (متبوعا) أي ما يقتدى به قيل إنه أعطي النبوة من حين الولادة. قوله: (ممنوعا من النساء) أي اختيارا لشغله بربه وهذا هو المراد بالحصور هنا، وإلا فمعناه الممنوع من النساء مطلقا سواء كان اضطرارا أو اختيارا.\rقوله: وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ أي من كبار المرسلين القائمين بحقوقك وحقوق عبادك. قوله:\r(روي أنه لم يعمل خطيئة الخ) هذا لا يخصه بل كذلك غيره من الأنبياء.\rقوله: أَنَّى يَكُونُ تستعمل أني شرطية كقول الشاعر:\rفأصبحت أنى تأتها تستجر بها ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا\r\rوتستعمل اسم استفهام كما هنا فلذا فسرها بكيف ويكون ناقصة وغلام اسمها وخبرها أنى، التقدير رب يكون لي غلام علي أي حالة، فالاستفهام من أحوال الغلام لا عن ذاته. قوله: وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ هنا أسند البلوغ للكبر، وفيما يأتي في سورة مريم أسنده لنفسه، وكلاهما صحيح لأن البلوغ من الطرفين، والجملة حالية وكذا ما بعدها. قوله: (أي بلغت نهاية السن) أي بالنسبة لأهل زماني فلا ينافي أن المتقدمين كان الواحد منهم يعمر الألف.","part":1,"page":202},{"id":203,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 203\rمن خلق اللّه غلاما منكما اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (40) لا يعجزه عنه شيء ولإظهار هذه القدرة العظيمة ألهمه السؤال ليجاب بها ولما تاقت نفسه إلى سرعة المبشر به قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً أي علامة على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ عليه أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ أي تمتنع من كلامهم بخلاف ذكر اللّه تعالى ثَلاثَةَ أَيَّامٍ أي بلياليها إِلَّا رَمْزاً إشارة وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ صل بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (41) أواخر النهار وأوائله وَاذكر إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ أي جبريل يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ اختارك وَطَهَّرَكِ من مسيس الرجال وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (42) أي أهل زمانك يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ أطيعيه وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ\r______________________________\rقوله: كَذلِكَ خبر لمحذوف قدره بقوله: (الأمر) وقوله من خلق غلام بيان لمرجع اسم الإشارة، والكاف في كذلك يحتمل أن تكون صلة، والمعنى قال اللّه الأمر ذلك، واسم الإشارة راجع إلى خلق الولد، ويحتمل أن تكون اصلية، والمعنى قال اللّه الأمر كذلك أي كما قلت لا تغيير فيه ولا تبديل، فاسم الإشارة راجع إلى القول. قوله: (ألهمه السؤال) أي بقوله أنى يكون لي غلام. قوله: (ليجاب بها) علة للإلهام وقوله؛ (لإظهار) علة لقوله: (ليجاب) فهو علة مقدمة على معاولها. إن قلت: ما الحكمة في قوله في قصة زكريا اللّه يفعل اللّه يفعل ما يشاء، وفي قصة مريم اللّه يخلق ما يشاء؟ قلت: الحكمة أن خرق العادة في عيسى أعظم من يحيى، فإن عيسى لم يكن له أب مع كون أمه عذراء، وأما يحيى فأبواه موجودان وإن كان هناك مانع من الحمل، فعبر في جانب عيسى بالخلق الذي هو إنشاء واختراع دون الفعل. قوله:\r(و لما تاقت نفسه) أي اشتاقت.\rقوله: قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً أي لأزداد بها شكرا على ما أعطيتني وسرورا به. قوله: (و علامة على حمل امرأتي) أي فإن الحمل في مبدئه خفي فطلب علامة على ظهور علوقها به. قوله: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ أي يأتيك مانع من اللّه يمنعك من الكلام بغير ذكر اللّه. قوله: (أي بلياليها) أخذ ذلك ممن يأتي في سورة مريم جمعا بين الموضعين والقصتين، ومن ذلك اختار بعض أكابر الصوفية أن الخلوة مع الرياضة لبلوغ المراد ثلاثة أيام بلياليها، يجعل ذكر اللّه فيها شعاره ودثاره ولا يتكلم فيها. قوله: إِلَّا رَمْزاً استثناء منقطع على التحقيق، لأن الرمز لا يقال له كلام اصطلاحا وإن كان كلاما لغة، لكن ليس مرادا هنا. قوله: (إشارة) أي وكانت بسبابته اليمنى. قوله: (اواخر النهار) راجع للعشي وقوله:\r(و اوائلة) راجع للأبكار فهو لف ونشر مرتب، وخص هذين الوقتين لفرضية الصلاة عليه فيهما.\rقوله: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ عطف على قوله إذ قالت امرأة عمران، والمناسبة بينهما ظاهرة، فإن تلك قصة الأم وهذه قصة البنت، وأما قصة زكريا فذكرت بينهما، لأن رؤية العجائب في الأولى هي الحاملة لزكريا على طلب الولد. قوله: (أي جبريل) أشار بذلك إلى أنه من باب تسمية الخاص باسم العام تعظيما له. قوله: يا مَرْيَمُ الحكمة في أن اللّه لم يذكر في القرآن امرأة باسمها إلا هي، الإشارة بطرف خفي إلى رد ما قاله الكفار من أنها زوجته، فإن العظيم على الهمة يأنف من ذكر اسم زوجته بين الناس: فكأن اللّه يقول لو كانت زوجة لي لما صرحت باسمها. قوله: (من مسيس الرجال) أي ومن الحيض والنفاس وكل قذر. قوله: (أي أهل زمانك) اشار بذلك إلى أن العالمين عام مخصوص بما عدا","part":1,"page":203},{"id":204,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 204\rالرَّاكِعِينَ (43) أي صلي مع المصلين ذلِكَ المذكور من أمر زكريا ومريم مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ أخبار ما غاب عنك نُوحِيهِ إِلَيْكَ يا محمد وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ في الماء يقترعون ليظهر لهم أَيُّهُمْ يَكْفُلُ يربي مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) في كفالتها فتعرف ذلك فتخبر به وإنما عرفته من جهة الوحي، اذكر إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ أي جبريل يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أي ولد اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ خاطبها بنسبته إليها\r______________________________\rخديجة وفاطمة وعائشة، وهذه طريقة مرجوحة، والحق أن مريم أفضل النساء على الاطلاق ثم فاطمة ثم خديجة ثم عائشة، قال بعضهم في ذلك:\rفضلى النسا بنت عمران ففاطمة ... خديجة ثم من قد برأ اللّه\r\rوبالجملة فأفضل النساء خمسة: مريم وخديجة وفاطمة وعائشة وآسية بنت مزاحم زوجة فرعون وهي زوجة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الجنة وكذلك مريم.\rقوله: يا مَرْيَمُ اقْنُتِي تكرار الخطاب باسمها يفيد ما قلنا أولا من أنه اشار لرد ما قيل إنها زوجته. قوله: وَاسْجُدِي وَارْكَعِي قدم السجود لشرفه والواو لا تقتضي ترتيبا إن كانت صلاتهم كصلاتنا من تقديم الركوع على السجود، وإن كانت بالعكس فالأمر ظاهر.\rقوله: مَعَ الرَّاكِعِينَ لم يقل مع الراكعات، إما لدخول جمع المؤنث في المذكر بالتغليب، أو المعنى صلي كصلاة الرجال من حيث الخشية وعلو الهمة، لا كصلاة النساء من حيث التفريط وعدم الخشية.\rقوله:\rنُوحِيهِ أي المذكور فالضمير عائد على اسم الإشارة لأفراده. قوله: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أي وقت القائهم اقلامهم. قوله: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ هذا بمعنى ما قبله، والمعنى يختصمون قبل القاء الأقلام. قوله: (فتعرف ذلك الخ) مسبب عن النفي أي ما كنت حاضرا حتى تعرف ذلك وتخبر به، وإنما عرفته من جهة الوحي لا من جهة غيره، لأن بلده ليست بلد علم، ولم يجلس بين يدي معلم، ولم يقرأ كتابا، ولم يكن هو ولا أحد من اجداده حاضرا وقت حصول تلك الوقائع، فتعين أن يكون ذلك بوحي من اللّه، قال العارف:\rكفاك بالعلم في الأمي معجزة ... في الجاهلية والتأديب في اليتم\r\rقوله: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ قدر المفسر اذكر إشارة إلى أن إذ ظرف معمول لمحذوف، وهذا شروع في ذكر قصة عيسى وما فيها من العجائب. قوله: (أي جبريل) أي فهو من باب تسمية الخاص باسم العام. قوله: يُبَشِّرُكِ البشارة هي الخبر السار وضدها النذارة وهي الخبر الضار. قوله: بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أي اللّه. قوله: (أي ولد) أي مولود وعبر عنه بالكلمة لأنه يقول كن من غير واسطة مادة، واتفق أن نصرانيا قدم على الرشيد فوجد عنده الحسن بن علي الواقدي، فقال النصراني للخليفة والعالم: إن في كلام اللّه آية تدل على أن عيسى جزء من اللّه، فقال له: وما تلك الآية؟ فقال النصراني: (إن اللّه يبشرك بكلمة منه) فمن للتبعيض، فمقتضى ذلك أنه جزء منه، فقال الشيخ: إذا كانت من للتبعيض هنا فكذلك هي في قوله تعالى: (وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) إذ لا فرق بينهما، فبهت النصراني واسلم، واغدق الخليفة على الشيخ اغداقا عظيما وكان يوما مشهودا، وإنما من للابتداء على حد إن اللّه خلق نور نبيك من نوره، والمعنى خلقه بلا واسطة مادة. وأعلم أن تلك البشارة تضمنت خمسة عشر وصفا.","part":1,"page":204},{"id":205,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 205\rتنبيها على أنها تلده بلا أب إذ عادة الرجال نسبتهم إلى آبائهم وَجِيهاً ذا جاه فِي الدُّنْيا بالنبوة وَالْآخِرَةِ بالشفاعة والدرجات العلا وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) عند اللّه وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ أي طفلا قبل وقت الكلام وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قالَتْ رَبِّ أَنَّى كيف يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ بتزوج ولا غيره قالَ الأمر كَذلِكِ من خلق ولد منك بلا أب اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً أراد خلقه فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) أي فهو يكون وَيُعَلِّمُهُ بالنون والياء الْكِتابَ الخط وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَنجعله رَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ في الصبا أو بعد البلوغ فنفخ جبريل في جيب درعها فحملت وكان من\r______________________________\rقوله: اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ظاهره أن هذه الأشياء كلها جعلت اسما واحدا له، مع أن المسيح لقبه وابن مريم كنيته، وإنما الاسم عيسى فقط، ويجاب بأنه لما كان لا يتميز إلا بهذه الأشياء كلها جعلت اسما واحدا، والمسيح فعيل إما بمعنى فاعل لأنه ما مسح على ذي عاهة إلا برىء، أو لأنه كان يمسح الأرض في الزمن القليل لهداية الخلق، أو مفعول لأنه ممسوح بالبركة أو ممسوح القدم بمعنى أنها لا أخمص لها، وأما الدجال فيلقب بالمسيح إما لأنه يمسح الأرض في الزمن القليل لإضلال الناس، أو لأنه ممسوح العين، فهو من تسمية الأضداد ومن الأسماء المشتركة، وعيسى من العيس وهو البياض المشرب بحمرة لأن لونه كان كذلك، قوله: (إذ عادة الرجال) أي والنساء.\rقوله: وَجِيهاً حال من المسيح. قوله: (ذا جاه) أي عز وسؤدد. قوله: (بالنبوة) أي والمعجزات الباهرة والحكمة التي لا تضاهى. قوله: (و الدرجات العلا) أي من حيث إنه من أولي العزم. قوله: (عند اللّه) عندية مكانة لا مكان أي قرب ومنزلة.\rقوله: فِي الْمَهْدِ أي زمنه والمهد فراش الصبي زمن طفوليته، وورد أنه كان تكلم حين ولادته كما قص اللّه في سورة مريم. قوله: (قبل وقت الكلام) أي وانقطع إلى وقته المعتاد، وكان يحدث أمه وهو في بطنها، فإذا اشتغلت أمه بكلام إنسان اشتغل هو بالتسبيح. قوله: وَكَهْلًا أي بين الثلاثين والاربعين، والمقصود بشارة أمه بطول عمره لا كون كلامه حينئذ خرق عادة. قوله: وَمِنَ الصَّالِحِينَ أي الكاملين في الصلاح وهم سادات الرسل، فأل في الصالحين للكمال. قوله: (بتزوج ولا غيره) أي كالزنا وقد صرح به في سورة مريم بقوله: (و لم أك بغيا) وهذا استفهام عن الحالة التي يأتي عليها ذلك الولد، وإنما استفهمت عن ذلك لأنها جازمة أنها منذورة لخدمة بيت المقدس وإنها مقبولة، وكانت عاداتهم إن المنذور لا يتزوج، فهذا هو حكمة استعظامها ذلك.\rقوله: كَذلِكِ خبر لمحذوف قدره المفسر بقوله: الأمر والكاف يحتمل زيادتها والأصل الأمر ذلك ويحتمل اصالتها، وقد تقدم ذلك. قوله: إِذا قَضى أَمْراً القضاء هو تعلق ارادة اللّه بالأشياء أزلا.\rقوله: (اراد خلقه) أي تعلقت ارادته بخلقه تعلقا تنجيزيا قديما. قوله: (أي فهو يكون) اشار بذلك إلى أن جملة خبر لمحذوف. قوله: (بالنون والياء) أي قراءتان سبعيتان، فعلى الياء الأمر ظاهر وعلى النون فهو التفات من الغيبة للخطاب. قوله: (الخط) ورد أنه كان حسن الخط جدا، وكان يعلمه للصغار في المكتب.\rقوله: وَالْحِكْمَةَ أي النبوة. قوله: وَالتَّوْراةَ إن قلت إنها كتاب موسى. أجيب بأنه كان يحفظها ويتعبد بها إلا ما نسخ منها في الإنجيل.\rقوله: وَرَسُولًا معمول بمحذوف قدره المفسر بقوله:","part":1,"page":205},{"id":206,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 206\rأمرها ما ذكر في سورة مريم، فلما بعثه اللّه إلى بني إسرائيل قال لهم إني رسول اللّه إليكم أَنِّي أي بأني قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ علامه على صدقي مِنْ رَبِّكُمْ هي أَنِّي وفي قراءة بالكسر استئنافا أَخْلُقُ أصور لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ مثل صورته فالكاف اسم مفعول فَأَنْفُخُ فِيهِ الضمير للكاف فَيَكُونُ طَيْراً وفي قراءة طائرا بِإِذْنِ اللَّهِ بإرادته فخلق لهم الخفاش لأنه أكمل الطير خلقا فكان يطير وهم ينظرونه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا وَأُبْرِئُ أشفي الْأَكْمَهَ الذي ولد أعمى وَالْأَبْرَصَ وخصّا بالذكر لأنهما داءا إعياء، وكان بعثه في زمن الطب فأبرأ في يوم خمسين ألفا بالدعاء بشرط الإيمان وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ كرره لنفي\r______________________________\r(نجعله) لأنه المناسب له. قوله: (في الصبا) أي وهو ابن ثلاث سنين، وقوله: (أو بعد البلوغ) أي وهو ابن ثلاثين سنة، وكلا القولين ضعيف، والمعتمد أنه نبىء على رأس الأربعين، وعاش نبيا ورسولا ثمانين سنة، فلم يرفع إلا وهو ابن مائة وعشرين سنة. قوله: (فنفخ جبريل في جيب درعها) أي وكان عمرها إذ ذاك قيل عشر سنين، وقيل ثلاث عشرة، وقيل ست عشرة سنة. قوله: (ما ذكر في سورة مريم) أي في قوله تعالى: (وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ) الآيات، واختلف في مدة حملها، فقيل تسعة أشهر، وقيل ثلاث ساعات، وقيل ساعة واحدة وهو المشهور.\rقوله: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مرتب على محذوف قدره المفسر بقوله فلما بعثه اللّه الخ، وهو إشارة لقصة رسالته بعد أن ذكر قصة بشارته وحمله وولادته. قوله: (اصور) دفع بذلك ما يقال إن الخلق هو الإيجاد بعد العدم وهو مخصوص باللّه تعالى، فأجاب بأن معنى الخلق التصوير. قوله: (مفعول) أي لأخلق.\rقوله: (الضمير للكاف) ويصح أن يعود على الطين، وحكمة المغايرة بين ما هنا وبين ما يأتي في آخر المائدة أن المتكلم هنا عيسى وهناك اللّه. قوله: (و في قراءة طائرا) أي بالإفراد وأما الأولى فهو اسم جمع وهما سبعيتان. قوله: (الخفاش) أي الوطواط. وقوله: (لأنه أكمل الطير خلقا) أي لأن له اسنانا وثديا، ويحيض كالنساء ويطير من غير ريش، ولا يبصر إلا في ساعة المغرب وبعد الصبح، وما بقي من الزمن هو فيه اعمى. قوله: (سقط ميتا) أي ليتميز فعل المخلوق من فعل الخالق. قوله: (الذي ولد اعمى) أي ممسوح العين أم لا وابراؤه للطارىء أولوي.\rقوله: وَالْأَبْرَصَ هو من به داء البرص وهو داء عظيم يشبه البهق إذا نخس نزل منه ماء قوله:\r(لأنهما داءا إعياء) أي أعييا الأطباء الذين كانوا في زمنه، فإن معجزة كل نبي على شكل أهل زمانه، كموسى فإنه بعث في زمن كثرت فيه السحرة فأعياهم بالعصا واليد البيضاء، وسيدنا محمد فإنه بعث في زمن العرب البلغاء فأعياهم بالقرآن. قوله: (بشرط الإيمان) أي بالقلب واللسان، فإن آمن بلسانه فقط لم يشف. قوله: (لنفي توهم الألوهية فيه) أي في عيسى بهذا الوصف الذي لم يشارك اللّه فيه أحد صورة، فقوله: بِإِذْنِ اللَّهِ رد عليهم، فالمعنى لو كان دليلا على ألوهيته لكان بإذنه. قوله: (عازر) بفتح الزاي.\rوقوله: (صديقا له) أي عيسى وكان قد تمرض، فأرسلت أخته لعيسى فأخبرته بمرضه وكان على مسافة ثلاثة أيام، فجاء فوجده قد مات ودفن، فذهب مع أخته إلى قبره فدعا بالاسم الأعظم فأحيي وعاش إلى","part":1,"page":206},{"id":207,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 207\rتوهم الألوهية فيه فأحيا عازر صديقا له وابن العجوز وابنة العاشر فعاشوا وولد لهم وسام بن نوح ومات في الحال وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ تخبئون فِي بُيُوتِكُمْ مما لم أعاينه فكان يخبر الشخص بما أكل وبما يأكل بعد إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَجئتكم مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَ قبلي مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ فيها فأحل لهم من السمك والطير ما لا صيصية له وقيل أحل الجميع فبعض بمعنى كل وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ كرره تأكيدا وليبني عليه فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) فيما آمركم من توحيد اللّه وطاعته\r______________________________\rأن ولد له. قوله: (و ابن العجوز) أي وأحياه قبل دفنه حين مر به على عيسى وهو على أعناق الرجال، فدعا اللّه فجلس ولبس ثيابه وأتى أهله، وقوله: (و ابنة العاشر) أي الذي كان يأخذ العشر من الناس، وقوله: (و سام بن نوح) أي وكان قد مات من نحو أربعة آلاف سنة، فدعا اللّه فأحياه فقام وقد شاب نصف رأسه. ثم قال له مت بإذن اللّه فقال نعم لكن لا أذوق حرارة الموت ثانيا فقال له كذلك.\rقوله: وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ ورد أنه كان يخبر الصبيان الذين يعلمهم الخط بما في بيوت آبائهم من المدخرات، فيذهب الأولاد ويخبرون آباءهم بذلك، ثم إنهم تجمعوا وحبسوا أولادهم عنه فجاء إليهم وسأل عنهم فأنكروهم، فقال لهم من الذي خلف الأبواب فقالوا هم خنازير، فقال كذلك إن شاء اللّه ففتحوا عليهم فوجدوهم كذلك، فكربوا وتجمعوا على قتله فحملته أمه على حمار لها وجاءت به مصر، فإن قلت قد يخبر المنجم والكاهن عن مثل ذلك فما الفرق؟ أجيب بأن المنجم والكاهن لا بد لكل واحد من معدمات يرجع إليها ويعتمد عليها في أخباره، فالمنجم يستعين بواسطة الكواكب والكاهن يستعين بخبر من الجن، وقد يخطئان كثيرا، وأما الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام فبواسطة الوحي السماوي، وهو من عند اللّه لا بواسطة ولا غيره فتأمل.\rقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ هذه الجملة يحتمل أن تكون من كلام عيسى أو من كلام اللّه.\rوقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ جوابه محذوف أي انتفعتم بهذه الآية.\rقوله: وَمُصَدِّقاً حال معطوفة على حال مقدرة، وهي متعلق قوله بآية التقدير جئتكم حال كوني متلبسا بآية وحال كوني مصدقا، ويشعر بذلك تقدير المفسر قوله جئتكم وليس معطوفا على وجيها لأن وجيها من جملة المبشر به وهو من كلام اللّه، وأما قوله مصدقا فهو من كلام عيسى. قوله: (قبلي) مِنَ التَّوْراةِ أي وهو كتاب موسى، وكان بينه وبين عيسى ألف سنة وتسعمائة وخمسة وسبعون سنة، وأول أنبياء بني إسرائيل يوسف بن يعقوب وآخرهم عيسى. قوله: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ معمول لمحذوف تقديره وجئتكم لأجل التحليل، ولا يصح عطفه على مصدقا لأن ذاك حال وذا تعليل (قوله بعض الذي حرم عليكم) أي بسبب ظلمكم كذي الظفر وشحوم البقر والغنم. قوله: (ما لا صيصية له) أي شوكة يؤذي بها، وأما ما له صيصية فهو باق على حله لم يحرم.\rقوله: (فبعض بمعنى كل) استشكل بأنه يلزم عليه تحليل كالزنا والقتل. وأجيب بأن المراد جميع ما طرأ تحريمه من أجل التشديد، لا ما كان محرما بالأصالة. قوله: (و ليبني عليه) فَاتَّقُوا اللَّهَ أي فحيث أمرتكم بما ذكر من ظهور الآيات فاتقوا اللّه الخ. قوله: (و طاعته) معطوف على توحيد اللّه من عطف العام على الخاص.","part":1,"page":207},{"id":208,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 208\rإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا الذي آمركم به صِراطٌ طريق مُسْتَقِيمٌ (51) فكذبوه ولم يؤمنوا به فَلَمَّا أَحَسَ علم عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ وأرادوا قتله قالَ مَنْ أَنْصارِي أعواني ذاهبا إِلَى اللَّهِ لأنصر دينه قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أعوان دينه وهم أصفياء عيسى أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلا، من الحور، وهو البياض الخالص، وقيل كانوا قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها آمَنَّا صدقنا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ يا عيسى بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ من الإنجيل وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ عيسى فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) لك بالوحدانية ولرسولك بالصدق، قال تعالى وَمَكَرُوا أي كفار بني إسرائيل بعيسى إذ وكلوا به من يقتله غيلة\r______________________________\rقوله: اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ هذا رد لدعواهم بنوته للّه، وإلا لقال إن اللّه أبي. (قوله طريق مستقيم) أي دين قيم من تمسك به فقد نجا ومن حاد عنه وقع في الردى.\rقوله: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ أحس يتعدى بنفسه وبحرف الجر، والاحساس الإدراك بأحد الحواس الخمس: السمع والبصر والذوق واللمس والشم، والمعنى أدركه منهم عنادا بعد ظهور تلك الآيات البينات.\rقوله: قالَ مَنْ أَنْصارِي أي من ينصرني. وقوله: إِلَى اللَّهِ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الياء في انصاري، قدره المفسر بقوله ذاهبا. قوله: (اعوان دينه) أي أهل دينه فنصرة الدين كناية عن نصرة أهله. قوله: (و كانوا اثني عشر) أي وكان لهم كبيران اسمهما شمعون ويعقوب قوله:\r(و هو البياض الخالص) أي لبياض قلوبهم وثيابهم فأعطاهم اللّه بياض بواطنهم وظواهرهم قوله: (و قيل كانوا قصارين) وقيل لأنهم حوروا النبي بمعنى نصروه، وقيل كانوا صيادين للسمك، وقيل كانوا صباغين، وقيل كانوا ملوكا، ورد أن عيسى مر على هؤلاء وهم يصطادون السمك، فقال لهم: اذهبوا بنا لنصطاد الخلق، فقالوا له: وما آيتك على ذلك؟ وكانوا طول نهارهم يطرحون الشبك لا يخرج لهم شيء من السمك، فأمر أن يطرح الشبكة واحد منهم ففعل، فخرج لهم سمك ملأ مركبين، فآمنوا به وساروا بسيره، وقيل إن شمعون كان ملكا، فرأى عيسى ذات يوم يأكل من إناء هو والناس ولا يفرغ ذلك الطعام، فآمن به ونزل عن ملكه وتبعه أقاربه، وقيل كان في صغره عند صباغ، فأمره بصبغ ثياب متعددة ألوانا متغايرة وذهب لحاجة، فوضع تلك الثياب في دن واحد وقال أيتها الثياب كوني كما أريد، فجاء الصباغ وسأله عن الثياب فقال ها هي في هذا الدن، فحزن حزنا عظيما فأخرجها من الدن فوجدها كما أمره الصباغ فآمن به هو وأقاربه، وقيل إن الأثني عشر كانوا لا صنعة لهم حين آمنوا بعيسى وكانوا سياحين معه، وكانوا كلما جاعوا شكوا لعيسى فينزل لهم كل واحد رغيفان، وكلما ظمئوا شكوا له فتنبع لهم عين في أي محل كانوا فيه، فقال لهم يوما هناك من هو أفضل منكم، فقالوا من فقال الذين يأكلون من كسب أيديهم، فاستعملوا قصارة الثياب، وقد يجمع بين الروايات المختلفة بأن بعض الاثني عشر كان من الملوك، وبعضهم من الصيادين، وبعضهم من القصارين، وبعضهم من الصباغين\rقوله: فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ أي الموحدين مطلقا أو الذين فضلتهم بالشهادة وهم محمد وأمته، لأنهم يشهدون للرسل بالتبليغ وعلى الأمم بالتكذيب\rقوله: وَمَكَرُوا المكر هو الخديعة وإظهار خلاف ما يبطن قوله: (غيلة) هي بكسر الغين","part":1,"page":208},{"id":209,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 209\rوَمَكَرَ اللَّهُ بهم بأن ألقى شبه عيسى على من قصد قتله فقتلوه ورفع عيسى إلى السماء وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (54) أعلمهم به، اذكر إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ قابضك وَرافِعُكَ إِلَيَ من الدنيا من غير موت وَمُطَهِّرُكَ مبعدك مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ صدقوا بنبوتك من المسلمين والنصارى فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بك وهم اليهود يعلونهم بالحجة والسيف\r______________________________\rالمعجمة وسكون الياء التحتية، أي يخدع الرجل فيذهب به إلى موضع لا يراه أحد به ويقتله\rقوله: وَمَكَرَ اللَّهُ أي جازاهم على مكرهم، فحيث أضمروا على أخذ عيسى من حيث لا يحتسب، جازاهم على ذلك وأخذهم من حيث لم يحتسبوا. قوله: (بأن القى شبه عيسى الخ) حاصل ذلك أنهم لما تجمعوا على قتله، جاءه جبريل فوجده في مكان في سقفه فرجة فرفعه من تلك الفرجة إلى السماء، وأمر ملك اليهود رجلا اسمه ططيانوس أن يدخل على عيسى فيقتله. فلما دخل فلم يجده خرج وقد القى اللّه شبه عيسى عليه، فلما رأوه ظنوه عيسى فقتلوه، وفتشوا على عيسى فلم يجدوه، ثم قالوا إذا كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإذا كان صاحبنا فأين عيسى، فوقع بينهم قتال عظيم.\rقوله: وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ أي أقواهم مكرا بحيث يقدر على إيصال الضرر لهم من حيث لم يحتسبوا كما أضمروا ذلك لعيسى، ولا يقال للّه ماكر أو مكار إلا مشاكلة ويؤول بما علمت، لأن أصل المكر يستعمل في المحتال لأخذ صاحبه لعجزه عنه وهو مستحيل على اللّه. قوله: (اذكر) إِذْ قالَ اللَّهُ أشار بذلك إلى أن إذ ظرف معمول لمحذوف، والمعنى أن اليهود لما تجمعوا على قتله وتحيلوا على أخذه جعل اللّه كيدهم في نحورهم، وقال اللّه يا عيسى الخ فهو من تفصيل قوله ومكر اللّه.\rقوله: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ اختلف في التوفي فقيل معناه مبلغك الأمل بأن تبلغ عمرك بتمامه ولا تموت بقتل أحد بل من اللّه، وقيل معناه بالنوم أي فرفع إلى السماء وهو نائم فلم يحصل له انزعاج، وقيل معناه مميتك قابض لروحك لا يقال إنه يقتضي أنه يموت قبل الرفع إلى السماء لأنه يقال إن الواو لا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا فالكلام على التقديم والتأخير، والمعنى أني رافعك إليّ ومتوفيك بعد ذلك، والمقصود بشارته بنجاته من اليهود ورفعه إلى السماء، واعلم أن الأنبياء الذين أمروا بالقتال معصومون من القتل فلا خصوصية لعيسى، وأما من لم يؤمر به فلا مانع من كون الكفار يقتلونه لأنه مأمور بالصبر، وذلك كما وقع لزكريا حين نشروه بالشجرة. قوله: (قابضك) وَرافِعُكَ أشار بذلك إلى أن عطف ورافعك على متوفيك للتفسير وهو تقدير آخر غير ما تقدم. قوله: وَرافِعُكَ إِلَيَ أي إلى كرامتي وأهل قربي. وقوله: (من الدنيا) أراد بها الأرض.\rقوله: وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ أي أحبوك وانتسبوا لك، فإن صدقوا بمحمد أيضا وأحبوه أو ماتوا قبل بعثته فقد تم لهم العز دنيا وأخرى، وإن لم يصدقوا بمحمد ولم يحبوه فقد حازوا على الدنيا. (وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) فالنصارى لهم عز في الدنيا وسلطنة على اليهود إلى يوم القيامة. قوله: (و هم اليهود) أي فهو عز على خصوص اليهود لا مطلقا ما داموا كفارا، وذلك أنه لما رفع اللّه عيسى افترق أصحابه ثلاث فرق، فقالت فرقة كان اللّه فينا ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية، وقالت أخرى كان فينا ابن اللّه ثم رفعه إليه وهم النسطورية، وقالت أخرى كان فينا عبد اللّه ورسوله ثم رفعه اللّه إليه وهذه الفرقة هم","part":1,"page":209},{"id":210,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 210\rإِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) من أمر الدين فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا بالقتل والسبي والجزية وَالْآخِرَةِ بالنار وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (56) مانعين منه وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ بالياء والنون أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) أي يعاقبهم، روي أن اللّه أرسل إليه سحابة فرفعته فتعلقت به أمه وبكت فقال لها إن القيامة تجمعنا وكان ذلك ليلة القدر ببيت المقدس وله ثلاث وثلاثون سنة وعاشت أمه بعده ست سنين، وروي الشيخان حديث «إنه ينزل قرب الساعة ويحكم بشريعة نبينا ويقتل الدجال والخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية» وفي حديث مسلم «إنه يمكث سبع سنين» وفي حديث عند أبي داود الطيالسي «أربعين سنة ويتوفى ويصلى عليه»\r______________________________\rالمسلمون، فتظاهرت عليهم الفرقتان الكافرتان فقتلوهم، فلم يزل الإسلام منطمسا إلى أن بعث محمد.\rقوله: (يعلونهم بالحجة) أي يغلبونهم بالأدلة. قوله: إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي طائفة بعد طائفة. قوله:\rثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ خطاب لجميع المخلوقات.\rقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ تفصيل لما يؤول أمر الناس إليه في الآخرة. قوله: (بالقتل والسبي) أي مع الذل والهوان. قوله: (مانعين منه) أي من العذاب. قوله: (بالياء والنون) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: (فتعلقت به أمه) أعلم أنه بعد رفعه بسبعة أيام قال اللّه له اهبط إلى مريم، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها، ولم يحزن عليك أحد حزنها، ثم لتجمعن الحواريين فبثهم في الأرض دعاة إلى اللّه، فأهبطه اللّه عز وجل، فاجتمعت له الحواريون فبثهم في الأرض، فلما أصبح الحواريون تكلم كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى إليه، إذا علمت ذلك، فقوله: (تعلقت به أمه) محمول على هذا الصعود الثاني، وإلا فالأول لم تعلم به وهي ولا أصحابه. قوله: (و بكت) أي على فراقه. قوله: (و كان ذلك ليلة القدر) إن قلت إن ليلة القدر من خصائص هذه الأمة، أجيب بأن الذي من خصائص هذه الأمة فضلها من كونها خيرا من الف شهر، وكونها تنزل فيها الملائكة من الغروب إلى طلوع الفجر، وكون الدعاء فيها مجابا بعين المطلوب، فلا ينافي ثبوتها في الأمم السابقة، لكن لا بهذا الفضل. قوله: (و له ثلاث وثلاثون سنة) أي وعليه فقيل جاءته النبوة من حين الولادة وقيل على رأس الثلاثين، وبعد هذا فما قاله المفسر ضعيف رجع عنه كما قاله سيدي محمد الزرقاني في شرح المواهب، والحق الذي اعتمده الاشياخ أنه ما رفع إلا بعد مضي مائة وعشرين سنة، وجاءته النبوة على رأس الأربعين كغيره، وعمر أمه حين رفع على الأول ست وأربعون سنة وعاشت بعده ست سنين فيكون عمرها اثنين وخمسين، وعلى الثاني مائة وتسعة وثلاثين، واعلم أنه لما رفع كساه اللّه خلعة النور وسلبه شهوة الطعام والشراب والنوم، وجعل له ريشا يطير به كالملائكة فهو حكمهم.\rقوله: (إنه ينزل) أي على منارة بني أمية حين يضايق الدجال المهدي والخلق جميعا، فيهرعون إلى دمشق الشام وهو محتاط بهم، فينزل عند إقامة الصلاة، فيريد المهدي التأخر فيأمره عيسى بالتقدم، فبعد الصلاة يتوجهون إلى الدجال وهو في بلد، فإذا رأى عيسى ذاب كالملح فيهزمه اللّه، ثم يظهر العدل والصلاح في الأرض. قوله: (و يحكم بشريعة نبينا) إن قلت إن وضع الجزية ليس من شرع نبينا. أجيب بأنه غير أن أخذها مغيى بنزول عيسى كما أخبر بذلك نبينا فوضعها أيضا من شرعنا (قوله سبع سنين) أي فوق الثلاث والثلاثين وهو ضعيف. قوله: (أربعين سنة) قيل من ولادته فيكون مكثه بعد النزول سبع سنين كالرواية","part":1,"page":210},{"id":211,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 211\rفيحتمل أن المراد مجموع لبثه في الأرض قبل الرفع وبعده ذلِكَ المذكور من أمر عيسى نَتْلُوهُ نقصه عَلَيْكَ يا محمد مِنَ الْآياتِ حال من الهاء في نتلوه وعامله في ذلك من معنى الإشارة وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) المحكم أي القرآن إِنَّ مَثَلَ عِيسى شأنه الغريب عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ كشأنه في خلقه من غير أب وهو من تشبيه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأوقع في النفس خَلَقَهُ أي آدم أي قالبه مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ بشرا فَيَكُونُ (59) أي فكان وكذلك عيسى قال له كن من غير أب فكان الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ خبر لمبتدأ محذوف أي أمر عيسى فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) الشاكين فيه فَمَنْ حَاجَّكَ جادلك من النصارى فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ\r______________________________\rالأولى، وقيل مبدأ الأربعين من نزوله، وعلى كونها من نزوله فعلى كونه رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين يكون عمره ثلاثا وسبعين سنة، وعلى أنه رفع وهو ابن مائة وعشرين فيكون عمره مائة وستين. قوله: (و يصلى عليه) أي يصلي عليه المسلمون ويدفن في السهوة الشريفة، فإذا جاء يوم القيامة قام أبو بكر وعمر بين رسولين سيدنا محمد وعيسى عليهما السّلام.\rقوله: ذلِكَ اسم الإشارة عائد على ما تقدم من عجائب عيسى، وأفرد باعتبار ما ذكر كما أشار لذلك المفسر. قوله: (و عامله في ذلك الخ) لأنه مضمن معنى أشير واعتراض ذلك بأن العامل في صاحبها، هو الهاء في نتلوه، فالعامل فيه هو نتلوه، قال بعضهم معتذرا عن المفسر بأنه خلط إعرابا بآخر.\rوحاصل ذلك أن قوله ذلك مبتدأ وقوله نتلوه خبره، وقوله من الآيات حال من الهاء وعامله هو نتلو أو من الآيات خبره ونتلوه حال، وعاملها ما في ذلك من معنى الإشارة، وهذا هو الذي يشير له المفسر على قول بعضهم. قوله: وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ عطف على الآيات للتفسير.\rقوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسى سبب نزولها أن وفد نجران قدموا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا له: نراك تسب صاحبنا، فقال من هو؟ قالوا عيسى تزعم أنه عبد اللّه، فقال رسول اللّه أجل إنه عبد اللّه ورسوله، فقالوا:\rهل له مثل من الخلق خلق من غير أب؟ فنزلت الآية. قوله: (الغريب) أي وهو عيسى، قوله:\r(بالإغرب) أي وهو آدم، وأغربيته من وجوه منها أنه لم يسبق له أمثال أصلا، ومنها وجود الأم لعيسى دون آدم، إن قلت: وجه الشبه بينهما ليس بتمام. أجيب: بأنه يكفي وجه واحد وهو عدم الأبوة لكل.\rقوله: خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ جملة مفسرة لما قبلها لا محل لها من الأعراب. قوله: (أي قالبه) بفتح اللام وهو الجسم، وأما الروح فمن نور نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم، وإنما حمل الخلق على القالب لا على صورة الجسم الشاملة للروح نظرا لقوله ثم قال كن الخ، وإلا لكان ضائعا. قوله: (و كذلك عيسى الخ) أشار بذلك إلى وجه الشبه بينهما، واتفق أن عالما أسر في بلاد الروم فوجدهم يعبدون عيسى، فقال لهم لم تعبدون عيسى؟\rفقالوا لأنه لا أب له، فقال لهم: آدم أولى لأنه معدوم الأبوين، فقالوا له: آدم وإن كان بلا أب إلا أنه لا يحيى الموتى، فقال لهم: إذا كان كذلك فحزقيل أولى لأنه أحيا ثمانية آلاف وقيل أكثر بدعوته وعيسى أحيا أربعة أنفار، فقالوا: إن عيسى يبرىء الأكمة والأبرص، فقال: جرجيس أحرق وطبخ ولم يضره الحرق ولا الطبخ. قوله: (أي أمر عيسى) أي الذي قصة اللّه في كتابه.\rقوله: فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ خطاب له والمراد أمته على حد (لئن أشركت ليحبطن عملك)، لأنه معصوم من الامتراء والشرك وكل كبيرة","part":1,"page":211},{"id":212,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 212\rالْعِلْمِ بأمره فَقُلْ لهم تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ فنجمعهم ثُمَّ نَبْتَهِلْ نتضرع في الدعاء فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61) بأن نقول اللهم العن الكاذب في شأن عيسى، وقد دعا صلّى اللّه عليه وسلّم وفد نجران لذلك لما حاجوه فيه، فقالوا حتى ننظر في أمرنا ثم نأتيك، فقال ذوو رأيهم: لقد عرفتم نبوته وأنه ما بأهل قوم نبيا إلا هلكوا، فوادعوا الرجل وانصرفوا، فأتوه وقد خرج ومعه الحسن والحسين وفاطمة وعلي وقال لهم: إذا دعوت فأمنوا، فأبوا أن يلاعنوا وصالحوه على الجزية، رواه أبو نعيم، وعن ابن عباس قال لو خرج الذين يباهلون لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا، وروي لو خرجوا لاحترقوا إِنَّ هذا المذكور لَهُوَ الْقَصَصُ الخبر الْحَقُ الذي لا شك فيه وَما مِنْ زائدة إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (62) في صنعه فَإِنْ تَوَلَّوْا أعرضوا عن الإيمان فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) فيجازيهم وفيه وضع الظاهر موضع المضمر قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ اليهود\r______________________________\rوصغيرة. قوله: (من النصارى) أي نصارى نجران أو غيرهم. وقوله: (بأمره) أي أنه عبد اللّه ولم يكن ابنه.\rقوله: تَعالَوْا أصله تعاليوا تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فالتقى ساكنان الألف والواو وحذفت الألف لالتقائهما وهو فعل أمر صحيح مبني على حذف النون والواو فاعل وهو مفتوح اللام دائما لمذكر أو مؤنث. قوله: أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ أي الذكور، وقوله: وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ أي الاناث منهم، والحكمة في حضور الأولاد زيادة التغليظ في اليمين، وتأكيد لمزيد صدقه وكذبهم، ولما كانت المباهلة أمرا عظيما لم تشرع بعد النبي إلا في اللعان بين الزوجين.\rقوله: ثُمَّ نَبْتَهِلْ الابتهال من البهلة بفتح الباء وضمها هي اللعنة في الأصل، ثم استعمل في كل دعاء مجتهد فيه وإن لم يكن التعانا. قوله: (لذلك) أي للتضرع والدعاء. قوله فقال: (ذوو رأيهم) أي فرجعوا إليهم وشاوروهم فقال الخ. قوله: (لقد عرفتم نبوته) أي نبوة محمد، وقوله: (ما باهل) أي نازع. قوله: (فوادعوا الرجل) أي صالحوه على مال يأخذه منكم. قوله: (و قد خرج) الجملة حالية.\rقوله: (و صالحوه على الجزية) ورد أنها ألفا حلة نصفها في صفر ونصفها في رجب، وثلاثون درعا وثلاثون بعيرا وثلاثون فرسا وثلاثون من كل صنف من أصناف السلاح، وقد ثبتت هذه الرواية في بعض نسخ الجلال القديمة. قوله: (و عن ابن عباس الخ) أي وورد أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «و الذي نفسي بيده إن الهلاك قد تولى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولأضرم عليهم الوادي نارا، ولم يبق نصراني على وجه الأرض إلى يوم القيامة».\rقوله: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُ هذا نتيجة ما قبله واسم الإشارة عائد على ما ذكر من أمر عيسى وأنه ليس ابن اللّه، وأكد الجملة بأن اللام وكونها معرفة الطرفين لشدة إنكارهم. قوله: (زائدة) أي وإله مبتدأ واللّه خبره وهو قصر إفراد. قوله: (و فيه وضع الظاهر الخ) أي زيادة التبكيت عليهم.\rقوله: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ سبب نزولها أن نصارى نجران اختصموا مع اليهود في شأن إبراهيم، فزعمت النصارى أنه كان نصرانيا وهم على دينه، وزعمت اليهود أنه كان يهوديا وهم على دينه، فقدموا","part":1,"page":212},{"id":213,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 213\rوالنصارى تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ مصدر بمعنى مستو أمرها بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ هي أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ كما اتخذتم الأحبار والرهبان فَإِنْ تَوَلَّوْا أعرضوا عن التوحيد فَقُولُوا أنتم لهم اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) موحدون. ونزل لما قال اليهود: إبراهيم يهودي ونحن على دينه، وقالت النصارى كذلك يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ تخاصمون فِي إِبْراهِيمَ بزعمكم أنه على دينكم وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ بزمن طويل، وبعد نزولهما حدثت اليهودية والنصرانية أَفَلا تَعْقِلُونَ (65)\r______________________________\rمتحاكمين إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم كلا الفريقين كاذب، فقالت النصارى ما تريد إلا أن نتخذك معبودا كما اتخذت اليهود العزيز ربا، وقالت اليهود ما تريد إلا أن نتخذك معبودا كما اتخذت النصارى المسيح ربا، فنزلت. قوله: إِلى كَلِمَةٍ متعلق بتعالوا ذكره المتعلق هنا لأن المقصود الاجتماع على هذه الكلمة بخلاف التي قبلها، فإن المقصود منها مجرد الأقبال أو حذفه من الأول، وتقديره إلى المباهلة لدلالة الثاني عليه.\rقوله: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ هذه الجملة في محل رفع خبر لمحذوف قدره المفسر بقوله هي، وإنما أطلق عليها كلمة مع أنها جمل لارتباط بعضها ببعض، قال ابن مالك: وكلمة بها قد يؤم. نظير قوله تعالى: (كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها). قوله: (كما اتخذتم الأحبار) أي وهم علماء اليهود والرهبان عباد النصارى واتخاذهم أربابا من حيث إنهم ينسبون التحليل والتحريم والاقالة من الذنوب لهم ولا يتبعون ما أنزل اللّه، بل المدار عندهم على ما حللته الأحبار والرهبان أو حرموه، وهذه الآية وإن كانت خطابا لليهود والنصارى إلا أنها تجر بذيلها على من يشرك باللّه غيره من المسلمين كضعفاء الإيمان الذين يعتقدون في الأولياء أنهم يضرون أو ينفعون بذواتهم، ويحلون ما حرم اللّه ويحرمون ما أحل اللّه، ومع ذلك يحدثون بدعا عظيمة ما أنزل اللّه بها من سلطان، ويجعلون تلك البدع طرقا لهؤلاء الأولياء ويزعمون أنها منجية وإن كانت مخالفة للشرع، ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر اللّه أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هو الخاسرون). قوله: (أعرضوا عن التوحيد) أي لم يمتثلوا أمرك واتبعوا أحبارهم ورهبانهم فيما يأمرونهم به.\rقوله: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أي منقادون للّه وبريئون منكم ومن عقائدكم. قوله: (و نزل لما قال اليهود الخ) أي وتحاكموا عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليفصل بينهما. قوله: (و قالت النصارى كذلك) أي هو نصراني ونحن على دينه.\rقوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ أي اليهود والنصارى. قوله: لِمَ تُحَاجُّونَ أي يحاجج بعضكم بعضا، والإستفهام توبيخي إنكاري. قوله: فِي إِبْراهِيمَ أي في دينه فهو على حذف مضاف، وإليه يشير المفسر بقوله: (بزعمكم أنه على دينكم). قوله: (بزمن طويل) أي فكان بين التوراة وإبراهيم ألف سنة، وبينه وبين الإنجيل ألفا سنة وتسعمائة وخمسة وسبعون سنة. قوله: (و بعد نزولها الخ) بهذا التقدير تمت الحجة عليهم، فالمعنى أن المانع من كونهم على دين إبراهيم تغييرهم وتبديلهم، وإلا فلو تمسكوا بالتوراة والإنجيل حقيقة لما اختلفوا ولكانوا على دين إبراهيم. قوله: (حدثت اليهودية والنصرانية) أي","part":1,"page":213},{"id":214,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 214\rبطلان قولكم ها أَنْتُمْ للتنبيه مبتدأ يا هؤُلاءِ والخبر حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ من أمر موسى وعيسى وزعمكم أنكم على دينهما فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ من شأن إبراهيم وَاللَّهُ يَعْلَمُ شأنه وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ه (66)، قال تعالى تبرئة لإبراهيم ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مائلا عن الأديان كلها إلى الدين القيم مُسْلِماً موحدا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ أحقهم بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في زمانه وَهذَا النَّبِيُ محمد لموافقته له في أكثر شرعه وَالَّذِينَ آمَنُوا من أمته فهم الذين ينبغي أن يقولوا نحن على دينه لا أنتم وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) ناصرهم وحافظهم. ونزل لما دعا اليهود معاذا وحذيفة وعمارا إلى دينهم وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن إثم إضلالهم عليهم والمؤمنون لا يطيعونهم فيه وَما يَشْعُرُونَ (69) بذلك\r______________________________\rاللتان ابتدعوهما حيث غيروا التوراة وسموها اليهودية، وغيروا الإنجيل وسموه النصرانية. قوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ أي أغفلتم عما زعمتم فلا تعقلون ما تقولونه.\rقوله: ها أَنْتُمْ يقرأ إما بألف وبعدها همزة إما محققة أو مسهلة أو بدون ألف، والهمزة إما محققة أو مسهلة أو بألف فقط بدون همزة أصلا، فالقراءات خمس وكلها سبعية. قوله: (من أمر موسى وعيسى) أي الذي نطقت به التوراة والإنجيل من أنهما عبدان ورسولان للّه، يأمران بعبادة اللّه وحده ولا يشركان به غيره. وقوله: (من شأن إبراهيم) أي لكونه لم يذكر في كتبكم ما كان إبراهيم عليه، فكيف تدعون أنكم على دينه مع جهلكم به. قوله: (إلى الدين القيم) أي المستقيم الذي لا اعوجاج فيه. قوله: (موحدا) أي منقادا ممتثلا أوامر ربه مجتنبا نواهيه.\rقوله: وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي معه غيره.\rقوله: لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ زيدت اللام للتقوية وهي لام الابتداء زحلقت للخبر، كما قال في الخلاصة:\rوبعد ذات الكسر تصحب الخبر ... لام ابتداء نحو إني لوزر\r\rقوله: (في زمانه) أي وهم أولاده كإسماعيل وإسحاق ويعقوب وأولادهم إلى يوم القيامة، قال:\rتعالى: (وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ) الآية. قوله: (لموافقته له في أكثر شرعه) أي فعقائد محمد التي هو عليها لا تخالف ما قصه اللّه في كتابه عن إبراهيم. إذا علمت ذلك، فالمناسب للمفسر أن يقول لموافقته له في الأصول، أو يقال إن الموافقة في الفروع من حيث السهولة، فإن شريعة محمد سهلة نهلة كشريعة إبراهيم، لا كشريعة موسى فإنها صعبة التكاليف بسبب عناد بني إسرائيل، وهذا هو محمل المفسر. قوله:\r(من أمته) أي أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (ناصرهم) أي على أعدائهم، وقوله: (و حافظهم) أي واقيهم من أعدائهم.\rقوله: وَدَّتْ أي أحبت ولو مصدرية، والمعنى أحبت جماعة من اليهود والنصارى إضلالكم أي رجوعكم عن الإسلام إلى الكفر، وكانوا يتوددون إليهم بالهدايا. قوله: (لأن اثم اضلالهم عليهم) أي لأن الدال على الشر كفاعله، ويؤخذ من ذلك أن المقوي لشوكة الكفر بالشبه الباطلة والحجج العاطلة عليه إثم كفره وإثم كفر من تبعه إلى يوم القيامة. قوله: (بذلك) أي يكون إثم الضلال لاحقا بهم لقساوة","part":1,"page":214},{"id":215,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 215\rيا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ القرآن المشتمل على نعت محمد وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) تعلمون أنه حق يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ تخلطون الْحَقَّ بِالْباطِلِ بالتحريف والتزوير وَتَكْتُمُونَ الْحَقَ أي نعت النبي وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) أنه حق وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ اليهود لبعضهم آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا أي القرآن وَجْهَ النَّهارِ أوله وَاكْفُرُوا به آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ أي المؤمنين يَرْجِعُونَ (72) عن دينهم إذ يقولون ما رجع هؤلاء عنه بعد دخلوهم فيه وهم أولو علم إلا لعلمهم بطلانه، وقالوا أيضا وَلا تُؤْمِنُوا تصدقوا إِلَّا لِمَنْ اللام زائدة تَبِعَ وافق دِينَكُمْ قال تعالى قُلْ لهم يا محمد إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ الذي هو الإسلام وما عداه ضلال والجملة اعتراض إِنَ أي بأن يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ من الكتاب والحكمة والفضائل، وأن مفعول تؤمنوا، والمستثنى منه أحد قدم عليه المستثنى، المعنى لا تقروا بأن أحدا يؤتى ذلك إلا لمن تبع دينكم أَوْ بأن يُحاجُّوكُمْ أي المؤمنون يغلبوكم\r______________________________\rقلوبهم، فلم يعرفوا أنهم لا يضرون إلا أنفسهم. قوله: (القرآن المشتمل على نعت محمد) أي وقيل هي التوراة والإنجيل فإنهما مشتملان على نعته أيضا، قال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ) الآية. قوله: (تعلمون أنه حق) أي من التوراة والإنجيل.\rقوله: الْحَقَ أي وهو نعت محمد وأصحابه المذكور في التوراة والإنجيل، وقوله: بِالْباطِلِ أي وهو التغيير لتلك النعوت. قوله: (بالتحريف والتزوير) أي الكذب في تلك الصفات. قوله: (إنه حق) أي إنه نبي حقا، وما جاء به من عند ربه حق.\rقوله: وَقالَتْ طائِفَةٌ شروع في بيان تلبيسات اليهود، ورد أنه اجتمع اثنا عشر من أحبار خيبر، وأجمع رأيهم على أنهم يظهرون الإسلام في أول النهار وفي آخره يرجعون لدينهم ويأمرون الناس بذلك، وقصدهم بذلك دخول الشك على من آمن به صلّى اللّه عليه وسلّم، فلما أجمعوا وصمموا على ذلك جعل اللّه كيدهم في نحورهم ولم يفعلوا شيئا من ذلك، ولو فعلوه لعاد شؤمه عليهم وقتلوا إن لم يتوبوا، لأن المرتد لا يبقى على ردته فمن نكث فإنما ينكث على نفسه. قوله: آمِنُوا أي صدقوا ظاهرا باللسان. قوله: (أي القرآن) هذا هو المشهور في تفسير الآية، وقيل الذي أنزل على الذين آمنوا هو القبلة حين أمر النبي بالتحول للكعبة ثانيا بعد استقباله بيت المقدس، فحينئذ حصل لليهود غيظ وحزن عظيم، فأجمع رأيهم على موافقة المؤمنين أول النهار ومخالفتهم آخره، لعله يحصل الشك لأصحابه فيرجعون عن دينهم. قوله: (أوله) أشار بذلك إلى أن وجه النهار ظرف زمان لقوله آمنوا. قوله: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ علة لقوله آمنوا بالذي أنزل الخ. قوله: (إذ يقولون) علة للعلة.\rقوله: وَلا تُؤْمِنُوا هذا من جملة تلبيساتهم، وحاصل إعراب هذه الآية أن يقال لا ناهية وتؤمنوا مجزوم بها وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل، وقوله: أَنْ يُؤْتى أن حرف مصدري ونصب، ويؤتى منصوب بها وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر وهو في تأويل مصدر معمول لقوله ولا تؤمنوا، وأحد نائب فاعل يؤتى وهو مفعول أول له ومثل مفعول ثان، وقوله: (إلا) أداة استثناء و(لمن) اللام زائدة ومن منصوب على الاستثناء والمستثنى منه قوله أحد وما اسم موصول وأوتيتم","part":1,"page":215},{"id":216,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 216\rعِنْدَ رَبِّكُمْ يوم القيامة لأنكم أصح دينا، وفي قراءة أأن بهمزة التوبيخ أي أإيتاء أحد مثله تقرون به، قال تعالى قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ فمن أين لكم أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وَاللَّهُ واسِعٌ كثير الفضل عَلِيمٌ (73) بمن هو أهله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ أي بمال كثير يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ\r______________________________\rصلتها والعائد محذوف، والمعنى لا تصدقوا إتيان أحد من الفضائل والكمالات مثل الذي أوتيتموه إلا من تبع دينكم، وأما من لم يتبعه كمحمد فلا تصدقوه، وهذا الوجه وإن كان صحيحا من جهة المعنى، إلا أنه مشكل من جهة الصناعة، لأن فيه تقديم المستثنى على المستثنى منه ومعمول الصلة عليها. قوله: والجملة اعتراض) أي بين العامل والمعمول. قوله: (و أن مفعول تؤمنوا) أي مع صلتها. قوله: (و المعنى لا تقروا الخ) إيضاحة أنهم قالوا انظروا فيمت ادعى شيئا من النبوة والفضائل والكمالات، فإن كان متبعا لدينكم فصدقوه وإلا فكذبوه، والمناسب للمفسر أن يقول والمعنى لا تصدقوا الخ، وحاصل هذا المعنى الذي أشار له المفسر أنه ضمن تؤمنوا معنى تقروا لتكون اللام أصلية والمستثنى منه محذوف تقديره: لأحد، والمعنى لا تقروا ولا تعترفوا لأحد بأنه يؤتى أحد مثل الذي أوتيتموه من الفضائل والكمالات إلا لشخص اتبع دينكم، وهذا كله كناية عن نفي النبوة عن محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وهذا المعنى صحيح من جهة العربية، والمعنى والمفسر من شدة اختصاره خلط هذا التقرير المتقدم وقد علمتهما.\rقوله: أَوْ يُحاجُّوكُمْ معطوف على يؤتى، والضمير عائد على أحد المتقدم، وإنما جمعه لأن أحدا في معنى الجمع، والمعنى على الأول لا تصدقوا أحدا يحاججكم ويغلبكم عند ربكم يوم القيامة إلا من اتبع دينكم، وأما من لم يتبعه فلا حجة له عليكم، وعلى الثاني لا تقروا بأن أحدا يغلبكم ويحاججكم عند ربكم إلا من تبع دينكم، وأما غيره فلا تقروا ولا تعترفوا له بذلك. قوله: (و في قراءة أأن) وهي سبعية لابن كثير لكن بتسهيل الثانية. قوله: (بهمزة التوبيخ) أي الاستفهام التوبيخي، والكلام قد تم قبل الاستفهام، والمستثنى منه محذوف على كلا التقديرين، والمعنى لا تصدقوا أحدا في دعواه النبوة والفضائل إلا من تبع دينكم، ألا لا تقروا لأحد من الناس أنه على هدى وخير إلا لمن تبع دينكم، وقوله قل إن الهدى هدى اللّه رد لمقالتهم، وجملة الاستفهام استثنائية، فالمعنى أن يؤتى أحد مثل الذي أوتيتموه أو يكون له محاججة عند ربكم، وجوابه لا يكون ذلك وهو استبعاد منهم لفضل اللّه. قوله: (أي إيتاء أحد الخ) أشار بذلك إلى أن قوله أن يؤتي في تأويل مصدر مبتدأ خبره محذوف تقديره تقرون به.\rقوله: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ رد عليهم حيث استبعدوا أن اللّه لا يؤتي أحدا مثل ما آتاهم من الفضل والنبوة، وفي الحقيقة هو رد لدعواهم من أولها إلى آخرها.\rقوله: وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ أي فيعطيه لمن يشاء.\rقوله: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ شروع في بيان قبائحهم في أمور الدنيا، بعد أن ذكر قبائحهم في أمور الدين، والجار والمجرور خبر مقدم، ومن اسم موصول أو نكرة موصوفة مبتدأ مؤخر، وقوله: إِنْ تَأْمَنْهُ ويؤده جملة شرطية إما صلة أو صفة، وراعى في افراد الضمير في تأمنه لفظ من، ولو راعى معناها لقال تأمنهم. قوله: (أي بمال كثير) أشار بذلك إلى بيان شأن هذا المؤتمن، وإن كان سبب النزول في قنطار حقيقة، فالمقصود بيان شرفه من جهة الأمانة فلا مفهوم للقنطار، بل لو ائتمن على قناطير متعددة لم يخنه فيها. قوله: يُؤَدِّهِ يقرأ بالسكون وبالكسر مع الأشباع وتركه فهي ثلاث سبعيات.","part":1,"page":216},{"id":217,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 217\rلأمانته كعبد اللّه بن سلام أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية ذهبا فأداها إليه وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ لخيانته إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً لا تفارقه فمتى فارقته أنكره ككعب بن الأشرف استودعه قرشي دينارا فجحده ذلِكَ أي ترك الأداء بِأَنَّهُمْ قالُوا بسبب قولهم لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ أي العرب سَبِيلٌ أي إثم، لاستحلالهم ظلم من خالف دينهم، ونسبوه إليه تعالى وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ في نسبة ذلك إليه وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) أنهم كاذبون بَلى عليهم فيهم سبيل مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ الذي عاهد اللّه عليه أو بعهد اللّه إليه من أداء الأمانة وغيره وَاتَّقى اللّه بترك المعاصي وعمل الطاعات فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) فيه وضع الظاهر موضع المضمر، أي يحبهم بمعنى يثيبهم، ونزل في اليهود لما بدلوا نعت النبي وعهد اللّه إليهم في التوراة أو\r______________________________\rقوله: (أودعه رجل) أي قرشي. قوله: بِدِينارٍ أصله دننار بنونين قلبت الأولى ياء دفعا للثقل، والباء في قوله بدينار وبقنطار بمعنى في وهو على حذف مضاف، في حفظ قنطار، وفي حفظ دينار، ويصح أن تكون بمعنى على لتعدي الأمانة بها في القرآن كثيرا، نحو لا تأمنا على يوسف، هل آمنكم على عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل، والدينار أربعة وعشرون قيراطا، والقيراط وزنه ثلاث شعيرات، فوزن الدينار بالشعير اثنتان وسبعون شعيرة.\rقوله: إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ما مصدرية ظرفية ودام فعل ماض والتاء اسمها وقائما خبرها، إلا مدة دوامك قائما عليه، والمعنى لا يؤده إليك في حال من الأحوال، إلا في حال ملازمتك له وإشهادك عليه قوله: (فجحده) أي أنكره. قوله: (أي بسبب قولهم) أشار بذلك إلى أن الباء سببية وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالباء. قوله: (أي العرب) أي وغيرهم ممن ليس من أهل كتابهم. قوله:\r(لاستحلالهم ظلم من خالف دينهم الخ) روي أنهم قالوا نحن أبناء اللّه وأحباؤه، وجميع ما في الأرض ملك لأبينا، وأولاد السيد يتصرفون في ملك أبيهم، وقيل إنهم قالوا: المال لنا وظلمنا فيه العرب، وقيل:\rإنهم قالوا إن اللّه أباح لنا مال من خالف ديننا، وادعوا أن ذلك في التوراة. ورد أن النبي لما قالوا ذلك قال: «كذبوا ما من شيء إلا وهو تحت قدمي، يعني منسوخ، ما عدا الأمانة فإنها مؤداة للبر والفاجر».\rقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ هذا بالنسبة لعلمائهم، وما عداهم مقلدون لهم في ذلك.\rقوله: بَلى إضراب إبطالي وهو مغن عن جملة قدرها المفسر بقوله عليهم فيهم سبيل. قوله: مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ جملة مستأنفة مؤكدة للإبطال الأول. قوله: (الذي عاهد اللّه عليه) أي فهم من إضافة المصدر لفاعله، وقوله: (أو بعهد اللّه إليه) أي فهو من إضافة المصدر لمفعوله، فكل من العبد والمولى معاهد ومعاهد، فعهد اللّه للعبد إثابته، وعهد العبد لمولاه عدم مخالفته له. قوله: (من أداء الأمانة الخ) ورد في الحديث: «خمس من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كان فيه واحدة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». قوله: (فيه وضع الظاهر موضع المضمر) أي وكان مقتضى الظاهر أن يقول فإن اللّه يحيه، وفيه أيضا مراعاة معنى من. قوله: (لما بدلوا الخ) شروع في سبب نزول الآية وقد ذكره على ثلاثة أوجه. قوله: (نعت النبي) من الجماعة الذين بدلوا","part":1,"page":217},{"id":218,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 218\rفيمن حلف كاذبا في دعوى أو في بيع سلعة إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ يستبدلون بِعَهْدِ اللَّهِ إليهم في الإيمان بالنبي وأداء الأمانة وَأَيْمانِهِمْ حلفهم به تعالى كاذبين ثَمَناً قَلِيلًا من الدنيا أُولئِكَ لا خَلاقَ نصيب لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ غضبا عليهم وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يرحمهم يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ يطهرهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (77) مؤلم وَإِنَّ مِنْهُمْ أي أهل الكتاب لَفَرِيقاً طائفة ككعب بن الأشرف يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ أي يعطفونها بقراءته عن المنزل إلى ما حرفوه من نعت النبي ونحوه لِتَحْسَبُوهُ أي المحرف مِنَ الْكِتابِ الذي أنزله اللّه وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) أنهم كاذبون. ونزل لما قال نصارى نجران: إن عيسى أمرهم أن\r______________________________\rنعته حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف. قوله: (في دعوى) أي كانت بين رجلين في بئر أحدهما الأشعث بن قيس فاختصما إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال شاهداك أو يمينه فقال الأشعث بن قيس إذا يحلف كاذبا ولا يبالي، وقوله: (أو بيع سلعة) أي فيمن أراد بيعها وحلف لقد أعطي فيها كذا كاذبا.\rقوله: بِعَهْدِ اللَّهِ الباء داخلة على المتروك أي يتركون الوفاء به في نظير الثمن القليل. قوله:\rأُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ أي فهم مخلدون في النار إن استحلوا ذلك. قوله: (و لا يكلمهم اللّه) إن قلت إن قوله تعالى في سورة المؤمنون: (قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون) الآية، يقتضي أن اللّه يقع منه كلام لهم، فكيف الجمع بين الاثنين؟ أجيب بأن قوله تعالى (و لا يكلمهم اللّه) أي كلام رضا فلا ينافي أنه يكلمهم كلام غضب أو لا يكلمهم أصلا وآيات الكلام على لسان الملائكة، ويشهد لذلك قوله تعالى: (وَ نادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ). قوله: وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ أي نظر رحمة وإلا فهو ناظر لكل شيء. قول (يطهرهم) أي من الذنوب ولا يثني عليهم وهذا استخفاف بهم.\rقوله: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً هذا من جملة قبائحهم وتلبيساتهم، وأكدت الجملة بأن واللام إشارة إلى أن ذلك محقق منهم. قوله: (ككعب بن الأشرف) أدخلت الكاف، مالك بن الصيف، وحيي بن أخطب، وأبي ياسر، وشعبة بن عمرو الشاعر. قوله: يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ في محل نصب صفة لفريقا، وقوله: مِنْهُمْ متعلق بمحذوف خبر إن، وراعى في الجمع معنى فريقا لأنه اسم جمع كرهط وقوم، قال بعضهم يجوز مراعاة اللفط، وألسنتهم جمع لسان، وهذا على أنه مذكر، وأما على أنه مؤنث فهو جمع لألسن كذراع وأذرع، والمراد من الألسنة الكلام، ففيه إطلاق الشيء على آلته، والباء في الكتاب بمعنى في، أي يلفتون ألسنتهم في حال قراءة الكتاب. قوله: (أي يعطفونها) أي يلفتونها. قوله: (عن المنزل) متعلق بيعطفونها، وكذا قوله: (من نعت النبي) بيان لما. قوله: (و نحوه) أي كآية الرجم وغيرها مما يشهد للنبي بالتصديق.\rقوله: لِتَحْسَبُوهُ أي أيها المؤمنون، فالمقصود من ذلك إدخال اللبس على المؤمنين. قوله: مِنَ الْكِتابِ في محل نصب مفعول ثان لتحسبوه، والهاء مفعول أول. قوله: وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ أي لا في الواقع ولا في اعتقادهم، وأظهر في محل الاضمار في الموضعين زيادة في التبكيت عليهم. قوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ الواو للحال، وقوله: (أنهم كاذبون) إشارة إلى مفعول يعلمون. قوله: (و نزل لما قال نصارى","part":1,"page":218},{"id":219,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 219\rيتخذوه ربا، أو لما طلب بعض المسلمين السجود له صلّى اللّه عليه وسلّم ما كانَ ينبغي لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ أي الفهم للشريعة وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ يقول كُونُوا رَبَّانِيِّينَ علماء عاملين منسوب إلى الرب بزيادة ألف ونون تفخيما بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ بالتخفيف والتشديد الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) أي سبب ذلك فإن فائدته أن تعملوا وَلا يَأْمُرَكُمْ بالرفع استئنافا أي اللّه، والنصب عطفا على يقول أي البشر أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً كما اتخذت الصابئة الملائكة واليهود عزيزا والنصارى عيسى أَيَأْمُرُكُمْ\r______________________________\rنجران) أي حين قدموا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فالمراد بالبشر على هذا هو عيسى وبالكتاب الإنجيل، قوله: (أو لما طلب بعض المسلمين الخ) أو لتنويع الخلاف، فالمراد بالبشر على ذلك هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وبالكتاب القرآن، وآخر الآية يؤيد هذا السبب.\rقوله: ما كانَ الخ هذه الصيغة يؤتى بها للنفي العام الذي لا يجوز عقلا ثبوته وهو المراد هنا، وكذلك قوله تعالى: (ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها) أي لا يمكن ولا يتصور عقلا صدور دعوى الأولوهية من نبي قط ويؤتى بها للنفي الخاص، كقول أبي بكر ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم في الصلاة بين يدي رسول اللّه، أي ما ينبغي له ذلك، فقول المفسر ينبغي أي يمكن وقد فسره المحلي في سورة يس في قوله تعالى: (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ) بذلك. قوله: ثُمَّ يَقُولَ معطوف على يؤتى، ولهذا العطف لازم يتوقف صحة المعنى عليه لأن مصب النفي المعطوف والمعطوف عليه. قوله: لِلنَّاسِ أي أمة محمد على الثاني، ونصارى نجران على الأول. قوله: مِنْ دُونِ اللَّهِ أي من غير أن يقصرهم على اللّه بأن يشرك نفسه مع اللّه في العبادة أو يفرد نفسه بالعبادة، وهذه الجملة حال من الواو في كُونُوا أي حال كونكم متجاوزين اللّه إشراكا أو إفرادا. قوله: وَلكِنْ استدارك على ما تقدم. قوله: (زيادة ألف ونون) أي كرقباني وشعراني ولحياني، وقوله: (تفخيما) أي للمبالغة. قوله: وَبِما كُنْتُمْ الباء سببية.\rقوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان، فالعلم سبب للعمل، فقبيح على العالم تركه العمل، وأقبح منه أن يرشد الناس يهديهم مع كونه هو غير مهتد في نفسه، قال بعضهم:\rوعالم بعلمه لن يعلمن ... معذب من قبل عباد الوثن\r\rفمثل العالم الذي يعلم الناس وهو غير عامل، كشمعة موقودة تضيء للناس وتحرق نفسها، وفي هذا المعنى قال بعضهم:\rأتنهى الأناس ولا تنتهي ... متى تلحق القوم يا لكع\r\rويا حجر السن ما تستحي ... تسن الحديد ولا تقطع\r\rقوله: (أي اللّه) أشار بذلك إلى أن فاعل يأمر ضمير مستتر عائد على اللّه. قوله: (عطفا على يقول) أي لأنه في حيز النفي، وتكون لا زائدة لتأكيد النفي، والمعنى لا يمكن لبشر أن يأمر بعبادة الناس له، ولا بعبادة الملائكة والنبيين، وقوله: (أي البشر) أي ففاعلة ضمير يعود على البشر، ولا يصح كون الفاعل ضميرا يعود على اللّه.\rقوله: أَرْباباً أي بل نحبهم ونعتقد أنهم عبيد مكرمون، لا يعصون اللّه ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لا يضرون ولا ينفعون، فنتوسل بهم إلى اللّه، لذلك لا لكونهم أربابا.","part":1,"page":219},{"id":220,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 220\rبِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) لا ينبغي له هذا وَأذكر إِذْ حين أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عهدهم لَما بفتح اللام للابتداء وتوكيد معنى القسم الذي في أخذ الميثاق وكسرها متعلقة بأخذ، وما موصولة على الوجهين أي الذي آتَيْتُكُمْ إياه وفي قراءة آتيناكم مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ من الكتاب والحكمة وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ جواب القسم إن أدركتموه وأممهم تبع لهم في ذلك قالَ تعالى لهم أَأَقْرَرْتُمْ بذلك وَأَخَذْتُمْ قبلتم عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي عهدي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا على أنفسكم\r______________________________\rقوله: (كما اتخذت الصابئة الخ) هم فرقة من اليهود صبؤوا بمعنى مالوا عن دين موسى إلى عبادة الملائكة وقالوا إنهم بنات اللّه. قوله: (و اليهود عزيرا) أي حيث رأوه يحفظ التوراة. قوله: (و النصارى عيسى) أي حيث رأوه جاء من غير أب ويحيى الموتى. قوله: (لا ينبغي له هذا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري تعجبي، نظير قوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ).\rقوله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ إذ ظرف لمحذوف قدره المفسر بقوله اذكر، والمراد ذكر العهد نفسه لا ذكر وقته، والميثاق هو عهد مؤكد باليمين، واختلف فيه هل كان ذلك في عالم الدر، وعليه يكون قوله آتيتكم من كتاب وحكمة في عالم الأشباح، فالمعاهدة لما يأتي أو كان ذلك في عالم الأشباح، وكانت تلك المعاهدة تنزل في كتبهم، وعليه تكون المعاهدة في الحالة الراهنة، واختلف في الرسول المعاهد عليه في جميع الأنبياء، فذهب جماعة من الصحابة والتابعين، منهم سعيد بن جبير وطاوس إلى أن كل نبي يعاهد على من يأتي بعده من الأنبياء، فأخذ العهد على آدم إن جاءه رسول مصدق لما معه ليؤمنن به ولينصرنه، وكذلك شيث أخذ عليه العهد، وهكذا إلى إبراهيم إلى موسى إلى بقية أنبياء بني إسرائيل، إلى عيسى، فهو صلّى اللّه عليه وسلّم معاهد عليه مع كل نبي في عموم الأنبياء، ومع عيسى عوهد عليه بالخصوص، وهي حكمة قوله تعالى: (وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) وذهب جماعة أخرى من الصحابة منهم ابن عباس وعلي بن أبي طالب والسدي وقتادة، إلى أن المراد بالرسول المعاهد عليه هو سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فأخذ اللّه العهد على كل نبي بإنفراده لئن جاءه محمد وهو حي مصدق لما معه ليؤمنن به ولينصرنه، وعليه فلو ظهر محمد في زمن أي نبي من الأنبياء، لبطل شرع ذلك النبي وكان هو وأمته من أتباعه، واقتصر على هذا القول المفسر، قال السبكي يؤخذ من الآية على هذا التفسير أنه نبي الأنبياء وأن الأنبياء نوابه، والحكمة في تلك المعاهدة ارتباط أولهم بآخرهم، وبيان عصمتهم من داء الحسد، من الأمم التي تكفر بالرسول المبعوث. قوله: (و توكيد معنى القسم) أي مؤكدة لليمين المأخوذ من الميثاق، فإنه تقدم أن معنى الميثاق عهد مؤكد بيمين. قوله: (متعلقة بأخذ) أي على أنها للتعليل مع حذف المضاف، أي لرعاية وحفظ ما آتيتكم. قوله: (و ما موصولة) على الوجهين وهي على الأول مبتدأ وآتيتكم صلتها، وقوله: مِنْ كِتابٍ بيان لما وَحِكْمَةٍ معطوف على كِتابٍ. وقوله: ثُمَّ جاءَكُمْ معطوف على آتيتكم ومُصَدِّقٌ صفة لرسول، وقوله: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ جواب القسم، وخبر المبتدأ محذوف تقديره تؤمنون به وتنصرونه، والضميران في لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ راجعان للرسول، واستشكل عود الضمير على الرسول، مع أن المبتدأ في الحقيقة الكتاب والحكمة، وانظر ما الجواب. قوله: أَأَقْرَرْتُمْ بتخفيف الهمزتين بألف بينهما وتركها، وتسهيل الثانية بألف وبدونها، وبإبدال الثانية ألفا، فالقراءات خمس. قوله: (عهد) سمي العهد بالإصر لأن فيه مشقة.","part":1,"page":220},{"id":221,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 221\rوأتباعكم بذلك وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) عليكم وعليهم فَمَنْ تَوَلَّى أعرض بَعْدَ ذلِكَ الميثاق فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ بالياء أي المتولون والتاء وَلَهُ أَسْلَمَ انقاد مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً بلا إباء وَكَرْهاً بالسيف ومعاينة ما يلجىء إليه وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) بالتاء والياء والهمزة للإنكار قُلْ لهم يا محمد آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ أولاده وَما أُوتِيَ\r______________________________\rقوله: قالُوا أَقْرَرْنا جواب عن سؤال تقديره ماذا قالوا حينئذ؟ وثمرة المعاهدة على محمد مع علم اللّه أنه لا يأتي في زمن نبي من الأنبياء الثواب على العزم بالاتباع، والعقاب على العزم بعدم الإيمان، فجميع الأنبياء يثابون على الإيمان بمحمد، ومن عزم على عدم الإيمان به لو ظهر عوقب.\rقوله: فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ إن قلت إن الأنبياء معصومون من ذلك، أجيب بأن الشرطية لا تقتضي الوقوع أو خطاب لهم، والمراد أممهم.\rقوله: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ هذا رد على اليهود والنصارى، حيث ادعى كل دين إبراهيم واختصموا إلى النبي، فقال النبي: كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم، والهمزة داخلة على محذوف تقديره أعموا فغير دين اللّه يبغون؟\rقوله: وَلَهُ أَسْلَمَ جملة حالية. قوله: طَوْعاً راجع لجميع أهل السماء وبعض أهل الأرض، وقوله: وَكَرْهاً راجع لبعض أهل الأرض فطوعا وكرها مصدران في موضع الحال، والتقدير طائعين وكارهين. قوله: (و معاينة ما يلجأ إليه) أي إلى الإسلام كنطق الجبل وإدراك فرعون وقومه الغرق، قال تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) الآية. قوله: (و الهمزة للإنكار) أي التوبيخي وقدم المفعول لأن المقصود إنكاره.\rقوله: قُلْ آمَنَّا لما تقدم أن اللّه أمر الأنبياء بالإيمان بمحمد على أرجح التفسيرين، ذكر هنا أمره بالإيمان وأفرد في قوله قل، وجمع في قوله آمنا، لأن النبي هو المخاطب بالوحي والتبليغ فقط، وأما الإيمان فمخاطب به هو وأتباعه. قوله: بِاللَّهِ أي صدقنا بأن اللّه متصف بكل كمال، ومستحيل عليه كل نقص. قوله: وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا أي وهو القرآن، وعبر هنا بعلى، وفي سورة البقرة بإلى، لأن مادة النزول تتعدى بهما، غير أنه بالنظر للمبدأ يعدى بعلى كما هنا لأن المخاطب بذلك هو الموحى إليه وهو محمد والأنبياء بعده، وبالنظر للمنتهى كما في البقرة بعد بإلى لأن المأمور بذلك أمم.\rقوله: وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ إنما صرح بأسماء هؤلاء لأن أهل الكتاب يعترفون بكتبهم ونبوتهم. قوله: وَإِسْماعِيلَ الخ، وما أنزل على هؤلاء من الوحي، وكانوا يتعبدون بشرع إبراهيم بوحي من اللّه، وإسماعيل أبو العرب، وإسحاق أبو العجم، ويعقوب بن إسحاق، والأسباط أولاد يعقوب وكانوا اثني عشر رجلا، يوسف وإخوته، ويؤخذ من الآية أنهم أنبياء يجب الإيمان بهم وهو المعتمد، وما يأتي في سورة يوسف من الوقائع العظيمة الموهمة عدم عصمتهم، فمؤول بأنهم مأمورون بذلك باطنا من حضرة اللّه، كأفعال الخضر عليه السّلام، قال تعالى في حقه: (و ما فعلته عن أمري) ويقال فيهم ما قيل فيه بالأولى، فإن المعتمد أن الخضر ليس بنبي، والأسباط أنبياء على المعتمد، وموافقة ظاهر الشرع إنما تلزم الرسول المشرع فتأمل. قوله: (أولاده) أي أولاد يعقوب فهم أسباط لإبراهيم،","part":1,"page":221},{"id":222,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 222\rمُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ بالتصديق والتكذيب وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) مخلصون في العبادة، ونزل فيمن ارتد ولحق بالكفار وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (85) لمصيره إلى النار مؤبدة عليه كَيْفَ أي لا يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أي وشهادتهم أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَقد جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ الحجج الظاهرات على صدق النبي وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أي الكافرين أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خالِدِينَ فِيها أي اللعنة أو النار المدلول بها عليها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) يمهلون إِلَّا الَّذِينَ تابُوا\r______________________________\rبمعنى أولاد بنيه لا بالمعنى المصطلح عليه وهو أولاد البنت.\rقوله: وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى أي من التوراة والإنجيل ومعجزاتهما، قوله: وَالنَّبِيُّونَ عطف عام على خاص، فيجب الإيمان بالنبيين عموما إجمالا في الإجمالي، وتفصيلا في التفصيلي، فيجب الإيمان تفصيلا بخمسة وعشرين نبيا ثمانية عشر في الأنعام، ومحمد وآدم وهود وصالح وشعيب وإدريس وذو الكفل، من أنكر أي واحد منهم بعد علمه فقد كفر، ويجب الإيمان الإجمالي بما عدا هؤلاء، ولا يعلم عدتهم إلا اللّه. قوله: (بالتصديق والتكذيب) أي بالتصديق لبعض والتكذيب للبعض الآخر، كما فعلت اليهود والنصارى. قوله: (مخلصون في العبادة) أشار بذلك إلى أن المراد بالإسلام هنا حقيقته وهو الانقياد الظاهري. قوله: (فيمن ارتد) أي وهم اثنا عشر أسلموا بالمدينة، ولحقوا بأهل الكفر في مكة، منهم الحرث بن سويد الأنصاري ولكنه أسلم بعد ذلك.\rقوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ أعلم أن جمهور السبعة على الفك لوجود الفاصل الحكمي وهو الياء التي حذفها الجازم، لأن المحذوف لعله كالثابت، وقرأ أبو عمرو في أحد وجهيه بالإدغام نظرا للصورة الظاهرية، ونظيره في القرآن كل مثلين بينهما فاصل حكمي ففيه الوجهان نحو (يخل لكم وجه أبيكم) (و إن يك كاذبا) ومن اسم شرط، ويبتغ فعله، وغير مفعول، ودينا تمييز لغير أو بدل منه أو مفعول وغير حال لأنه نعت نكرة قدم عليها. قوله: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ أي ولا يقر عليه\rقوله: كَيْفَ استفهام إنكاري بمعنى النفي كما يشير له المفسر بقوله: (أي) يَهْدِي وقيل إنه استبعادي أي فهداهم مستبعد، قال العارف البوصيري:\rوإذا البينات لم تغن شيئا ... فالتماس الهدى بهن عناء\r\rقوله: (أي وشهادتهم) أشار بذلك إلى أن الفعل مؤول باسم الذي هو الإيمان.\rقوله: وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أي حتى أهل النار في النار، قال تعالى: (كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها). قوله: (أي اللعنة) أي ومن لوازمها الخلود في النار، قوله: (المدلول بها) أي اللعنة، وقوله: (عليها) أي على النار،\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا أي كالحرث بن سويد فإنه لما ارتد وذهب لمكة مع المفار وأراد اللّه له الهدى بعث لأخ له في المدينة وكان مسلما يقول له أخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أني إذا اتيت هل أقبل، فأخبر رسول اللّه بذلك فنزلت هذه الآية، فبعثها له بمكة فأتى طائعا وأسلم وحسن إسلامه، وهذا شروع في تقسيم الكفار إلى ثلاثة أقسام:\rقسم منهم كفر ولم يعد، وقسم كفر ثم عاد للإسلام ظاهرا فقط، وقسم كفر ثم أسلم ظاهرا وباطنا،","part":1,"page":222},{"id":223,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 223\rمِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا عملهم فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لهم رَحِيمٌ (89) بهم، ونزل في اليهود إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بعيسى بَعْدَ إِيمانِهِمْ بموسى ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بمحمد لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ إذا غرغروا وماتوا كفارا وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ مقدار ما يملؤها ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أدخل الفاء في خبر إن لشبه الذين بالشرط وإيذانا بتسبب عدم القبول عن الموت على الكفر أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (91) مانعين منه لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ أي ثوابه وهو الجنة حَتَّى تُنْفِقُوا تصدقوا مِمَّا تُحِبُّونَ من أموالكم وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) فيجازي عليه. ونزل لما قال اليهود إنك تزعم أنك على ملة إبراهيم وكان لا يأكل لحوم الإبل وألبابها كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا حلالا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ يعقوب عَلى نَفْسِهِ وهو الإبل لما حصل له عرق النسا بالفتح والقصر فنذر إن شفي لا يأكلها فحرم عليه مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ وذلك\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 1 223","part":1,"page":223},{"id":224,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 223\rمِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا عملهم فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لهم رَحِيمٌ (89) بهم، ونزل في اليهود إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بعيسى بَعْدَ إِيمانِهِمْ بموسى ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بمحمد لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ إذا غرغروا وماتوا كفارا وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ مقدار ما يملؤها ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أدخل الفاء في خبر إن لشبه الذين بالشرط وإيذانا بتسبب عدم القبول عن الموت على الكفر أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (91) مانعين منه لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ أي ثوابه وهو الجنة حَتَّى تُنْفِقُوا تصدقوا مِمَّا تُحِبُّونَ من أموالكم وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) فيجازي عليه. ونزل لما قال اليهود إنك تزعم أنك على ملة إبراهيم وكان لا يأكل لحوم الإبل وألبابها كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا حلالا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ يعقوب عَلى نَفْسِهِ وهو الإبل لما حصل له عرق النسا بالفتح والقصر فنذر إن شفي لا يأكلها فحرم عليه مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ وذلك\r______________________________\rقوله: مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي الكفر، قوله: رَحِيمٌ (بهم) أي حيث قبل توبتهم، قوله: (بعيسى) أي والإنجيل، وقوله: (بموسى) أي والتوراة، وقوله: (بمحمد) أي والقرآن، قوله: (إذا غرغروا) أشار بذلك إلى أن الآية مقيدة بذلك وهذا في الكافر، وأما العاصي فتقبل منه عند الغرغرة، قوله: (أو ماتوا كفّارا) أي بأن تابوا عند معاينة العذاب.\rقوله: مِلْءُ الْأَرْضِ أي مشرقها ومغربها، قوله: ذَهَباً تمييز وخصه بالذكر لأنه أحسن الأموال وأغلاها، قوله: وَلَوِ افْتَدى بِهِ أي هذا إذا تصدق به، بل ولو افتداه أهله به بالصدقة لا تنفعه منه أو من غيره لإجله.\rقوله: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ لما ذكر أن صدقة الكافر لا تنفعه، ذكر هنا أن صدقة المسلم وجميع طاعاته تنفعه، قوله: (أي ثوابه) أي البر أشار بذلك إلى أن في الكلام حذف مضاف. قوله: (تصدقوا) بحذف إحدى التاءين على التخفيف، أو بدون حذف على التشديد بقلب إحدى التاءين صادا أو بادغامها في الصاد. قوله: (من أموالكم) أي وغيرها من الأنفس والجاه، قوله: فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ هذه الجملة في محل الجواب، أي فحيث كان عليما بذلك لا يضيع من جزائه شيء. وقد أشار لذلك المفسر بقوله فيجازون عليه، قوله: (و نزل لما قال اليهود الخ) أي سبب نزولها قول اليهود ما ذكر. قوله: (و كان لا يأكل لحوم الإبل) أي زعموا أن ما ذكر حرام على إبراهيم، فلو كنت على ملته لما كان ذلك حلا لك، فرد اللّه عليهم زعمهم.\rقوله: كُلُّ الطَّعامِ أي الذي هو حلال في شرعنا، فما هو حلال في شرعنا كان حلالا في شرعه.\rقوله: (حلالا) أشار بذلك إلى أنه يقال حل وحلال وكذلك حرم وحرام، قوله: إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ معناه بالعربية عبد اللّه وهو اسمه ويعقوب لقبه. قوله: (عرق النسا) أي وهو عرق ينفر في بطن الفخذ يعجز صاحبه، وورد في دوائه عن أنس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه يؤتى بكبش عربي ويذبح وتؤخذ أليته وتقطع ثم تسلى بالنار، ثم يؤخذ ذلك ويقسم ثلاثة أجزاء ويشرب كل جزء على الريق، قال أنس: فما زلت أصف ذلك لمن نزل به فشفي به أكثر من مائة، قوله: (فنذر إن شفي لا يأكلها) أي وكان لحمها أحب المأكول إليه، ولبنها أحب المشروب إليه، ومثل هذا النذر لا يلزم في شرعنا لأن النذر إنما يلزم به ما ندب، وترك","part":1,"page":224},{"id":225,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 224\rبعد إبراهيم، ولم تكن على عهده حراما كما زعموا قُلْ لهم فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها ليتبين صدق قولكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (93) فيه فبهتوا ولم يأتوا بها قال تعالى فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي ظهور الحجة بأن التحريم إنما كان من جهة يعقوب لا على عهد إبراهيم فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) المتجاوزون الحق إلى الباطل قُلْ صَدَقَ اللَّهُ في هذا كجميع ما أخبر به فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ التي أنا عليها حَنِيفاً مائلا عن كل دين إلى الإسلام وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) ونزل لما قالوا قبلتنا قبل قبلتكم إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ متعبدا لِلنَّاسِ في الأرض لَلَّذِي بِبَكَّةَ بالباء لغة في مكة سميت بذلك لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها بناه الملائكة قبل خلق آدم ووضع بعده الأقصى وبينهما أربعون سنة كما في حديث الصحيحين، وفي الحديث «أنه أول ما ظهر على وجه الماء عند خلق السموات والأرض زبدة بيضاء فدحيت الأرض من تحته» مُبارَكاً حال من الذي أي ذا بركة وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (96) لأنه قبلتهم فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ منها مَقامُ إِبْراهِيمَ أي الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت فأثر\r______________________________\rما ذكر ليس مندوبا، قوله: (فحرم عليه) قيل حرمت أيضا على أولاده تبعا له، وقيل هو حرمها على نفسه وعلى ذريته.\rقوله: مِنْ قَبْلِ ظرف متعلق بحلا مع ملاحظة الإستثناء، ويحتمل أنه متعلق بقوله إلا ما حرم قوله: (و ذلك بعد إبراهيم) أي بألف سنة، قوله: (صدق قولكم) أي أخباركم عنه بأن ما ذكر حرام عليه. قوله: (فبهتوا) من باب علم أو نصر أو كرم أو زهي، والمعنى دهشوا وتحيروا وانقطعت حجتهم.\rقوله: فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي اختلقه من عند نفسه، قوله: (أن التحريم) أي لخصوص لحوم الإبل والبانها.\rقوله: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ أي ثبت وتقرر صدقه وظهر كذبكم. قوله:\r(كجميع ما أخبر به) أي كصدقة في جميع أخباره التي جاءت بها الرسل. قوله: (التي أنا عليها) أي وجميع المؤمنين.\rقوله: وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ تعريض لهم بأنهم هم المشركون، وبيان أن النبي على ملة إبراهيم من حيث السهولة وأصول الدين. قوله: (و نزل لما قالوا إلخ) أي حين حولت القبلة قالوا لم تحولت عن قبلتنا مع كونها أقدم وأفضل. قوله: (لغة في مكة) أي فأبدلت الميم باء، قوله: (لأنها تبك أعناق الجبابرة) أي وسميت مكة لأنها من الملك وهو الإزالة، فإنها تزيل الذنوب وتمحوها، قوله: (بناه الملائكة) ورد أن اللّه خلق البيت المعمور، وكانت ملائكة السماء تطوف به، اشتاقت ملائكة الأرض لبيت مثله، فأمرهم ببناء بيت محاذ للبيت الذي في السماء وكان من درة بيضاء وطافت به قبل آدم الفي سنة.\rقوله: (و وضع بعده) أي بعد بنائه ظاهره أنه وضع بعد بناء الملائكة بأربعين سنة، فيكون من وضع الملائكة ويكون متقدما على آدم وليس كذلك، بل الحق أن بيت المقدس وضعه آدم بعد بنائه هو البيت الحرام بأربعين سنة. قوله: (زبدة) بالتحريك رغوة بيضاء. قوله: (ذا بركة) أي من حيث الحج به وتكفير السيئات لمن دخله بذل وانكسار. قوله: (لأنه قبلتهم) أي يتوجهون إليه عند الصلاة، وعموم","part":1,"page":225},{"id":226,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 225\rقدماه فيه وبقي إلى الآن مع تطاول الزمان وتداول الأيدي عليه ومنها تضعيف الحسنات فيه وأن الطير لا يعلوه وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً لا يتعرض إليه بقتل أو ظلم أو غير ذلك وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ واجب بكسر الحاء وفتحها لغتان في مصدر حج بمعنى قصد ويبدل من الناس مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا طريقا فسره صلّى اللّه عليه وسلّم بالزاد والراحلة رواخ الحاكم وغيره وَمَنْ كَفَرَ باللّه أو بما فرضه من الحج فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (97) الأنس والجن والملائكة وعن عبادتهم قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ القرآن وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (98) فيجازيكم عليه قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ تصرفون عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي دينه مَنْ آمَنَ بتكذيبكم النبي وكتم نعمته تَبْغُونَها أي تطلبون السبيل عِوَجاً مصدر بمعنى معوجة أي مائلة عن\r______________________________\rالآية يشهد بأنه قبلة حتى للجمادات، ولذلك ترى الأشجار عند انحنائها تكون لجهته. قوله: (و بقي إلى الآن) أشار بذلك إلى أن في الحجر آيتين غوص إبراهيم فيه وصعوده به ونزوله به، وكونه باقيا إلى الآن.\rقوله: (تضعيف الحسنات فيه) أي فالصلاة فيه بمائة ألف صلاة، قوله: (و أن الطير لا يعلوه) أي لا يمر على ظهره إلا إذا كان بالطير مرض فيمر ليشتفي بهوائه. قوله: (بقتل) أي ولو قصاصا، هذا ما كان في الجاهلية فكان الرجل يقتل ويدخله فلا يتعرض له ما دام فيه، وأما بعد الإسلام فعند مالك والشافعي أن قتل اقتص منه فيه، وعند أبي حنيفة لا يقتص منه فيه ما دام فيه وإنما يضيق عليه حتى يخرج، وهذا هو الأمر في الدنيا، وأما في الآخرة فبتكفير السيئات ومضاعفة الحسنات.\rقوله: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ خبر مقدم وحِجُّ الْبَيْتِ مبتدأ مؤخر، والحج لغة القصد، واصطلاحا عبادة، يلزمها طواف بالبيت سبعا وسعيا بين الصفة والمروة كذلك ووقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحجة على وجه مخصوص، وهو فرض عين في العمر مرة، وواجب كفاية كل عام إن قصد إقامة الموسم، ومندوب إن لم يقصد ذلك. قوله: (لغتان) أي وهما قراءتان سبعيتان. قوله: (و يبدل من الناس) أي بدل بعض من كل، والعائد محذوف تقديره منهم. قوله: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا أي على سبيل العادة، فلا يجب بطيران ولا خطوة، لكن لو فعل سقط الفرض، وأما المشي فيجب به عند مالك إن قدر عليه.\rقوله: وَمَنْ كَفَرَ (باللّه) أي أنكر وحدانيته أو جحد شيئا من أحكامه. قوله: (أو بما فرضه) تفسير ثان. قوله: فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ أي فلا تنفعه طاعتهم ولا تضره معاصيهم قال تعالى:\r(فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ).\rقوله: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ أي اليهود والنصارى، وخصهم بالذكر لأن كفرهم محض عناد قوله: (القرآن) أو وما ألحق به من المعجزات الباهرة. قوله: عَلى ما تَعْمَلُونَ أي من الكفر. قوله:\r(تصرفون) أي تمنعون. قوله: (أي دينه) أي المعتدل.\rقوله: مَنْ آمَنَ يحتمل أن المعنى من آمن بالفعل تسعون في رده عن الإيمان إلى الكفر ويحتمل أن المراد من أراد الإيمان تصدوه عن كونه يؤمن باللّه. قوله: تَبْغُونَها الجملة حالية من الواو في تصدون. قوله: عِوَجاً هو بكسر العين في المعاني ويفتحها في الأجسام، يقال اعوجت الطريق","part":1,"page":226},{"id":227,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 226\rالحق وَأَنْتُمْ شُهَداءُ عالمون بأن الدين المرضي القيم هو دين الإسلام كما في كتابكم وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) من الكفر والتكذيب وإنما يؤخركم إلى وقتكم ليجازيكم. ونزل لما مر بعض اليهود على الأوس والخزرج فغاظه تآلفهم فذكرهم بما كان بينهم في الجاهلية من الفتن فتشاجروا وكادوا يقتتلون يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ استفهام تعجيب وتوبيخ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ يتمسك بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ بأن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى فقالوا يا\r______________________________\rواعوجت الحائط، بمعنى قام بالأول العوج بالكسر، وبالثاني للعوج بالفتح، والمعنى تتركون السبيل المعتدلة وتطلبون السبيل المعوجة. قال تعالى: (قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ). قوله: (مصدر) أي حال من ضمير تبغونها. قوله: وَأَنْتُمْ شُهَداءُ الجملة حالية من الواو في تبغونها. قوله: (كما في كتابكم) المراد به الجنس الصادق بالتوراة والأنجيل.\rقوله: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ دفع بذلك توهم أن اللّه حيث أمهلهم فهو غافل عنهم، وقال تعالى أيضا: (و لا تحسبن اللّه غافلا عما يعمل الظالمون) الآيات. قوله: (من الكفر إلخ) بيان لما.\rقوله: (و نزل لما مر بعض اليهود) أي واسمه شاس. قوله: (فغاظه تآلفهم) أي توددهم ومحبة بعضهم لبعض، بعد أن كان ما كان بينهم من الشحناء والبغضاء. قوله: (فذكرهم) ورد أنه كان معه شاب يهودي فقال له اذهب إلى بني قيلة هؤلاء وقل لهم أتذكرون يوم بعاث، واذكر لهم ما تناشدوه بينهم من الأشعار التي فيها الهجو لبعضهم بعضا، وكان يوم بعاث عظيما في اقتتال الأوس والخزرج، وكان الغلبة فيه للخزرج، فذهب ففعل كما أمره، فقالوا السلاح السلاح، فنزل جبريل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالآيات إلى قوله: (لعلكم تهتدون) فخرج النبي مع بعض اصحابه فوجدهم في الصحراء مصطفين للقتال، فقال يا معشر المسلمين أتدعون بدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم اللّه بالإسلام وقطع عنكم إصر الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمك اللّه بالإسلام وقطع عنكم إصر الجاهلية وألف بين قلوبكم، وقرأ عليهم الآيات، فعلموا أنها نزعة من عدوهم، فألقوا السلاح وصار يعانق بعضهم بعضا، قال جابر بن عبد اللّه: ما رأيت يوما أشأم منه ولا أسر منه، كان أوله شؤما وآخره سرورا،\rقوله: فَرِيقاً هو شاس واتباعه، قوله: يَرُدُّوكُمْ أي يصيروكم فالكاف مفعول أول، وكافرين مفعول ثان فرد تنصب مفعولين، كقول الشاعر:\rفرد وجوههن البيض سودا ... ورد شعورهن السود بيضا\rقوله: وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ هاتان الجملتان حالان والمعنى كيف يحصل منكم الكفر والحال أنكم تتلى عليكم آيات اللّه أي القرآن وفيكم رسوله محمد فهذا الأمر مستبعد أن يكون بعد تمام الهدى والكفر والضلال. قوله: إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي دين قيم لا اعوجاج فيه وهو دين الإسلام.\rقوله: حَقَّ تُقاتِهِ صفة المصدر محذوف أي تقوى حق تقاته. قوله: (بأن يطاع إلخ) تصوير للتقوى حق التقوى، وهذه أخلاق الأنبياء والمرسلين لعصمتهم وتكون لخواص عباد اللّه الذين على","part":1,"page":227},{"id":228,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 227\rرسول اللّه ومن يقوى على هذا فنسخ بقوله تعالى (فاتقوا اللّه ما استطعتم) وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) موحدون وَاعْتَصِمُوا تمسكوا بِحَبْلِ اللَّهِ أي دينه جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا بعد الإسلام وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إنعامه عَلَيْكُمْ يا معشر الأوس والخزرج إِذْ كُنْتُمْ قبل الإسلام أَعْداءً فَأَلَّفَ جمع بَيْنَ قُلُوبِكُمْ بالإسلام فَأَصْبَحْتُمْ فصرتم بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً في الدين والولاية وَكُنْتُمْ عَلى شَفا طرف حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا كفارا فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها بالإيمان كَذلِكَ كما بين لكم ما ذكر يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ الإسلام وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ\r______________________________\rقدم الأنبياء ولذلك قال بعض العارفين:\rولو خطرت لي في سواك إرادة ... على خاطري يوما حكمت بردتي\r\rولكن ليس معنى ذلك أنه يكون كافرا يستحق الخلود في النار، بل هذا لسان محب عاشق وردته نقصه عن مرتبة حبه إلى مرتبة أدنى منها في الحب، وأما القرآن فنزل على أخلاق العوام لتعليمهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين، فنسخ الآية من حيث التكليف بهذا المعنى على سبيل الوجوب، وأما الرقي لتلك المراتب فمما يتنافس فيه المتنافسون على سبيل التطوع والتقرب فتدبر. قوله: (فنسخ بقوله إلخ) أي فيقال في قوله: (بأن يطاع) بحسب الطاقة، وقوله: (فلا يعصى) يعني أصلا، وكذا قوله: (و يشكر ولا يكفر ويذكر فلا ينسى) ويناسب الناسخة قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) وقيل إن الآية ليست منسوخة بل آية (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) مبينة للمراد منها. قوله: وَلا تَمُوتُنَ أي يا بني قيلة الأوس والخزرج، قوله: إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي فلا يكن منكم موت على حالة دون حالة الإسلام، والمعنى دوموا على الإسلام إلى الممات، ولا تغيروا ولا تبدلوا لئلا يصادفكم الموت في حالة التغيير، قال المفسر في بعض كتبه وما شاع من تفسير قوله تعالى: (إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) متزوجون فهو باطل لا أصل له، ولا يجوز تفسير القرآن بمجرد الرأي، وخص حالة الموت بذلك لأن ثمرة الأعمال تظهر في تلك الحالة والمدار عليها.\rقوله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ أي حين الدخول في الإسلام. وقوله: وَلا تَفَرَّقُوا أي فدوموا على الإجتماع ولا يكن منكم تفرقة. قوله: (أي دينه) أي أو القرآن، وفي الكلام استعارة حيث شبه الدين أو القرآن بالحبل، واستعير اسم المشبه به وهو الحبل للمشبه، وهو الدين أو القرآن على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية، والجامع بينهما التوصل للمقصود في كل، وإضافته للفظ الجلالة قرينة مانعة والاعتصام ترشيح، وفيه استعارة تصريحية تبعية حيث شبه الوثوق بالإعتصام، واستعار الإعتصام للوثوق، واشتق من الإعتصام اعتصموا بمعنى ثقوا، قوله: إِخْواناً خبر ثان لأصبحتم، وقوله:\r(و الولاية) أي النصرة أي ينصر بعضكم بعضا. قوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ أي يزيدكم بيانا ما دام رسول اللّه فيكم، قوله: تَهْتَدُونَ أي تدومون على الهداية وتزيدون فيها.\rقوله: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يحتمل أنها ناقصة، وأمة اسمها ويدعون خبرها، ومنكم إما ظرف لغو متعلق بتكن أو حال من أمة أو من الواو في يدعون أو تامة وأمة فاعلها، وجملة يدعون صفة لأمة","part":1,"page":228},{"id":229,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 228\rالْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ الداعون الآمرون الناهون هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) الفائزون ومن للتبعيض لأن ما ذكر فرض كفاية لا يلزم كل أمة ولا يليق بكل أحد كالجاهل وقيل زائدة أي لتكونوا أمة وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا عن دينهم وَاخْتَلَفُوا فيه مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وهم اليهود والنصارى وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ أي يوم القيامة\r______________________________\rومنكم حال أو متعلق بتكن قوله: يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ مفعوله هو وما بعده من يأمرون وينهون محذوف تقديره الناس. قوله: (الإسلام) إنما قصره عليه لأنه رأس الأمور ولأجل قوله بعد (و يأمرون بالمعروف).\rقوله: بِالْمَعْرُوفِ المراد به ما طلبه الشارع، إما على سبيل الوجوب كالصلوات الخمس وبر الوالدين وصلة الرحم، أو الندب كالنوافل وصدقات التطوع. وقوله: عَنِ الْمُنْكَرِ المراد به ما نهى عنه الشارع، إما عن سبيل الحرمة كالزنا والقتل والسرقة أو على سبيل الكراهة. قوله: (و من للتبعيض) أي بناء على أن المخاطب بفرض الكفاية بعض غير معين أو معين في علم اللّه. قوله: (كالجاهل) أي فلا يأمر ولا ينهى، لأنه ربما أمر بمنكر أو نهى عن معروف لعدم علمه بذلك. قوله: (و قيل زائدة) أي بناء على أن المخاطب بفرض الكفاية الجميع ويسقط بفعل بعضهم. قوله: (أي لتكونوا أمة) أي دعاة للخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر. قوله: (و هم اليهود والنصارى) أي فافترقت اليهود إحدى وسبعين فرقة واحدة ناجية والباقون في النار، والنصارى اثنتين وسبعين فرقة والباقون في النار، وأخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن هذه الأمة ستفترق ثلاثا وسبعين فرقة واحدة ناجية والباقون في النار، وهذا التفرق من بعد الصحابة، فالناجي من كان على قدم النبي وأصحابه، ويختلف في كل زمن بالقلة والكثرة، ففي الصدر الأول كانوا ظاهرين أقوياء، وكلما تقادم الزمان ازدادوا في الإختفاء، لكن لا تنقطع الفرقة الناجية ما دام القرآن موجودا. قال اللّه تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) الآية، فلو لا أن أهل القرآن الذين يتدبرونه موجودون لما بقي القرآن، إن قلت إن دعاءهم مستجاب فهلا دعوا باصلاح العالم مثلا؟ أجيب بأنهم لا يلهمون الدعاء بغير ما في علم اللّه، فإذا علم اللّه أن العالم لا يصلح مثلا فلا يلهمون ولا يوفقون للدعاء باصلاحه بل هم أشد الناس صبرا وتحملا للمكاره ورضا بالقضاء والقدر وفي ذلك قلت:\rأرح قلبك العاني وسلم له القضا ... تفز بالرضا فالأصل لا يتحول\r\rعلامة أهل اللّه فينا ثلاثة ... أمان وتسليم وصبر مجمل\r\rوالتفرق المذموم إنما هو في العقائد لا في الفروع فإنه رحمة لعباد اللّه.\rقوله: وَأُولئِكَ مبتدأ وعذابان مبتدأ ثان ولهم متعلق بمحذوف خبر الثاني والثاني وخبره خبر الأول. و\rقوله: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ ظرف متعلق بما تعلق به الجار والمجرور تقديره وأولئك الذين تفرقوا في العقائد عذاب عظيم مستقر لهم يوم تبيض وجوه إلخ. يعني أنه يكون ويحصل ذلك العذاب حينئذ، ويحتمل أن قوله:\rيَوْمَ مفعول المحذوف تقديره اذكر يوم تبيض وجوه. وبياض الوجه إما حقيقة فقد ورد أن وجه المؤمن يكون أضوأ من الشمس في رابعة النهار، وإما كناية عن الفرج والسرور ومثله يقال في اسوداد الوجه، وذلك حين تطاير الصحف، فالمؤمن يأخذ كتابه بيمينه ويقول: (هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ) الآية والكافر","part":1,"page":229},{"id":230,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 229\rفَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ وهم الكافرون فيلقون في النار ويقال لهم توبيخا أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ يوم أخذ الميثاق فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ وهم المؤمنون فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ أي جنته هُمْ فِيها خالِدُونَ (107) تِلْكَ أي هذه الآيات آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ يا محمد بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (108) بأن يأخذهم بغير جرم وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ تصير الْأُمُورُ (109) كُنْتُمْ يا أمة محمد في علم اللّه تعالى خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ أظهرت لِلنَّاسِ\r______________________________\rيأخذ كتابه بشماله ويقول: (يا ليتني لم أوت كتابيه) الآية.\rقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ تفصيل لما أجمل أولا، والفاء واقعة في جواب شرط مقدر تقديره إن اردت تفصيل ما تقدم فأقول لك أما الذين أسودت وجوههم وقدم في التفصيل هذا القسم مبادرة بالتحذير، وليكون في الكلام حسن ابتداء وحسن اختتام، فابتدأ الآية بالبشرى وختمها كذلك. قوله: (فيلقون في النار) أي والقاؤهم مختلف، فمنهم من يؤخذ بالكلاليب، ومنهم من يؤخذ بالنواصي والأقدام، وعلى كل حال فهم يسحبون في النار على وجوههم، وهذه الجملة خبر المبتدأ قدره المفسر، وذلك لأن الجزاء في المقابل هو الكون في الجنة، فالمناسب هنا أن يكون هو الكون في النار، وتقدير القول هنا لأجل أن يكون حذف الفاء في جواب أما مقيسا. قوله: (و يقال لهم) يحتمل أن ذلك من كلام اللّه لهم، ويحتمل أن ذلك على لسان الملائكة. قوله: (يوم أخذ الميثاق) دفع بذلك ما يقال إن الآية ظاهرة فيمن ارتد بعد إيمانه لا فيمن كان كافرا واستمر على كفره، وأجيب أيضا بأن هذا يحمل على اليهود والنصارى، فإنهم كانوا مؤمنين برسول اللّه قبل البعثة ثم كفروا به بعدها، وأجيب أيضا بأن قوله:\rبَعْدَ إِيمانِكُمْ أي بعد ظهور الأدلة التي توجب الإيمان.\rقوله: فَذُوقُوا الْعَذابَ فيه استعارة بالكناية حيث شبه العذاب بشيء مر يذاق، وطوي ذكر المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو الإذاقة فاثباتها تخييل. قوله: بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ الباء سببية، فالكفر سبب في إذاقة العذاب، بخلاف الطاعات فلم يجعلها اللّه سببا لدخول الجنة، بل دخول الجنة بمحض فضل اللّه، وإنما كان جزاء الكفار الخلود في النار، لأن الكفر إنكار لكمالات اللّه وهي لا تتناهى، فكان جزاؤه عذابا لا يتناهى، وذلك يتحقق الخلود، بخلاف معصية المؤمن. قوله: (أي جنته) أي ففيه إطلاق الحال وإرادة المحل، فالجنة محل هبوط الرحمة والرحمة ناشئة عن ذات اللّه فقولهم اللهم اجمعنا في مستقر رحمتك، فالمراد بالمستقر محل هبوط الرحمة وهي الجنة لا ذات اللّه،\rقوله: بِالْحَقِ أي الصدق. قوله: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ أي فحيث انتفت إرادة الظلم فالظلم منفي بالأولى، لأن تعلق الإرادة في التعقل سابق على الفعل.\rقوله: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي فيتصرف في ملكه كيف شاء. قوله: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ أي فلا مفر منه ولا محيص عنه قوله:\rكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ هذا مدح عظيم وتفضيل من اللّه لهذه الأمة المحمدية، وفيه إعلام بتثبيتهم على تلك الأوصاف العظيمة، واعلم أن المخاطب مشافهة الصحابة وثبتت لهم هذه الصفات المرضية فمدحهم اللّه على ذلك، ومن تمسك بأوصافهم وأخلاقهم كان ممدوحا مثلهم، وهذا المدح يدل على أن أوصافهم مرضية للّه، فشرفهم اللّه بشرف نبيهم، قال صاحب البردة:","part":1,"page":230},{"id":231,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 230\rتَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ الإيمان خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ كعبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه وأصحابه وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (110) الكافرون لَنْ يَضُرُّوكُمْ أي اليهود يا معشر المسلمين بشيء إِلَّا أَذىً باللسان من سب ووعيد\r______________________________\rلما دعا اللّه داعيا لطاعته ... بأشرف الرسل كنا أكرم الأمم\r\rوقال في الهمزية:\rولك الأمة التي غبطتها ... بك لما أتيتها الأنبياء\r\rومدحهم اللّه سابقا بقوله: (و كذلك جعلناكم أمة وسطا) الآية، وبالجملة فهو صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل الخلق على الإطلاق، وأمته أفضل الأمم على الإطلاق، وكان فعل ناقص يفيد الإتصاف في الماضي، لكن المراد هنا الدوام على حد (و كان اللّه غفورا رحيما) والتاء اسمها وخير خبرها، و\rقوله: أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ صفة لأمة. قوله: (في علم اللّه) أي وقيل في اللوح المحفوظ، وقيل في كتب الأمم السابقة. قوله:\rلِلنَّاسِ إنما عبر باللام دون من، إشارة إلى أن هذه الأمة نفع ورحمة لنفسها وللخلق عموما. في الدنيا بالدعاء لجميع الأمم، وفي الآخرة بالشهادة للأنبياء. قوله: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ إما خبر بعد خبر لكان، والمقصود منه تفصيل ما أجمل أولا، أو صفة لمعنى الخيرية، أو استئناف بياني واقع في جواب سؤال مقدر تقديره ما وجه الخيرية، وراعى في الخطاب لفظ كنتم، ولو راعى الخبر لقال يأمرون، لأن الإسم الظاهر من قبيل الغيبة، واختيرت صيغة الخطاب تشريفا لهم وإشارة إلى رفع الحجب عنهم، حيث خاطبهم ولم يخبر عنهم وأنهم مقربون من حضرة اللّه. إن قلت إن الإيمان هو الأصل فلم لم يقدم؟ أجيب بأنه غير مخصوص به، وإنما الفضل الثابت لهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه الأمة لها شبه بالأنبياء من حيث إنها مهتدية في نفسها هادية لغيرها. قوله: وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ أي اليهود والنصارى.\rقوله: خَيْراً لَهُمْ أي من الإيمان بموسى وعيسى في زمانهما، أي أن من آمن بمحمد أعلى وأفضل من أدرك موسى وعيسى وآمن به لدخوله في هذا المدح العظيم، أو المعنى خيرا لهم مما هم عليه في زعمهم، وإن كان في الواقع ما هم عليه ليس بخير، أو ذلك تهكم بهم، أو أن أفعل التفضيل ليس على بابه أي لكان هو الخير لهم. قوله: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ استئناف بياني واقع في جواب سؤال مقدر نشأ من قوله: وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ كأن قائلا قال وهل آمن منهم أحد أو لا فأجاب بذلك. قوله:\r(كعبد اللّه بن سلام) أي من اليهود وادخلت الكاف النجاشي وغيره من النصارى. قوله: (الكافرون) أي وسماهم فاسقين لأنهم فسقوا في دينهم، فليسوا عدولا فيه.\rقوله: إِلَّا أَذىً قيل استثناء منقطع وهو المتبادر من المفسر، والمعنى لا يصل لكم منهم ضرر بشيء أصلا لكن يقع منهم أذى باللسان، قال تعالى: (وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً) ففي الحقيقة لا ضرر في ذلك، وقيل الإستثناء متصل، والمعنى لن يصل لكم منهم ضرر في حال من الأحوال، إلا في حال الضرر اللساني. قوله: (من سب) أي للنبي وأصحابه، وقوله: (و وعيد) أي للمؤمنين بقولهم إنا نغلبهم، وستكون العزة لنا والذلة لهم.","part":1,"page":231},{"id":232,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 231\rوَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ منهزمين ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111) عليكم بل لكم النصر عليهم ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا حيثما وجدوا فلا عزلهم ولا اعتصام إِلَّا كائنين بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ المؤمنين وهو عهدهم إليهم بالأمان على أداء الجزية أي لا عصمة لهم غير ذلك وَباؤُ رجعوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ أي بسبب أنهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ تأكيد بِما عَصَوْا أمر اللّه وَكانُوا يَعْتَدُونَ (112) يتجاوزون الحلال إلى الحرام لَيْسُوا أي أهل الكتاب سَواءً مستوين مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ مستقيمة ثابتة على الحق كعبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه وأصحابه يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ أي في ساعاته وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يصلون حال يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ\r______________________________\rقوله: ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ليس معطوفا على جواب الشرط، وإلا لأوهم أنهم قد ينصرون من غير قتال، بل هو مستأنف ليفيد سلب النصرة عنهم في جميع الأحوال. قوله: أَيْنَما ثُقِفُوا أين اسم شرط وثقفوا فعل الشرط وجوابه محذوف لدلالة ضربت عليهم الذلة عليه، التقدير أينما ثقفوا تضرب عليهم الذلة. قوله: (فلا عز لهم) أي ولذا لم يوجد منهم سلطان أصلا فالذل قد علاهم للمؤمنين والنصارى لقوله تعالى: (وَ جاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا). قوله: (و لا اعتصام) معطوف على قوله فلا عز لهم، وقدر ذلك ليرتب\rقوله: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ عليه إشارة إلى أنه مستثنى من محذوف. قوله: بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ أي وهو الإيمان. قوله: (أي لا عصمة لهم غير ذلك) أي لكن إن كان اعتصامهم بحبل من اللّه ارتفع عنهم الذل وعصموا نفوسهم وأموالهم، وإن كان من الناس فقد عصموا نفوسهم وأموالهم وعاشوا في الذل. قوله: (ذلك) أي المذكور من ضرب الذلة والمسكنة والغضب من اللّه. قوله: وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ أي فقتلوا أول النهار سبعين نبيا وآخره أربعمائة عابد. إن قلت:\rإن القاتل للأنبياء أجدادهم فلم أوخذوا بفعل أصولهم أجيب بأن رضا الفروع بقتل أصولهم الأنبياء صيره كأنه واقع منهم، فالقتل وقع من أصولهم بالفعل ومنهم بالعزم والتصميم فهم الآن لو تمكنوا من النبي والمسلمين ما أبقوا واحدا. قوله: بِغَيْرِ حَقٍ أي حتى في اعتقادهم، فاعتقادهم عدم الحقيقة مطابق للواقع غير أنه عناد منهم. قوله: (تأكيد) أي فالعصيان والإعتداء هو عين الكفر وقتل الأنبياء، ويحتمل أنه ليس تأكيدا بل هو علة للعلة، أي فعلة ضرب الذلة والمسكنة والغضب من اللّه كفرهم وقتلهم الأنبياء، وعلة الكفر والقتل عصيانهم أمر اللّه وتجاوزهم الحد.\rقوله: لَيْسُوا سَواءً هذه الجملة راجعة لجميع أهل الكتاب أي هم غير مستوين في العقيدة، بل منهم من هو على حق ومنهم من هو على باطل. قوله: (مستوين) دفع بذلك ما يقال إن سواء خبر عن الواو في ليسوا فكان حقه أن يجمع مطابقة له، فأجاب بأن سواء مصدر من التسوية بمعنى مستوين. قوله:\rمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ هذا كالتفصيل لقوله ليسوا سواء. قوله: (كعبد اللّه بن سلام وأصحابه) أي من اليهود، وكالنجاشي وأربعين من نصارى نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثلاثة من الروم، كجماعة من الأنصار كأسعد بن زرارة والبراء بن معرور ومحمد بن سلمة وصرمة ابن أنس، كانوا يتعبدون بما يعرفون من الشرائع القديمة، فما بعث النبي صدقوه ونصروه. قوله: آناءَ اللَّيْلِ إما جمع أنى كعصا أو أنى كظبي أو أنى كحمل أو أنو كجرو. قوله: (أي في ساعاته) أي اللغوية وهي دقائقه ولحظاته،","part":1,"page":232},{"id":233,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 232\rالْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ الموصوفون بما ذكر مِنَ الصَّالِحِينَ (114) ومنهم من ليسوا كذلك وليسوا من الصالحين وَما يَفْعَلُوا بالتاء أيتها الأمة وبالياء أي الأمة القائمة مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ بالوجهين أي تعدموا ثوابه بل تجازون عليه وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ تدفع عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ أي من عذابه شَيْئاً وخصهما بالذكر لأن الإنسان يدفع عن نفسه تارة بفداء المال وتارة بالاستعانة بالأولاد وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (116) مَثَلُ صفة ما يُنْفِقُونَ أي الكفار فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا في عداوة النبي أو صدقة ونحوها كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ حر أو برد شديد أَصابَتْ حَرْثَ زرع قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر والمعصية فَأَهْلَكَتْهُ فلم ينتفعوا به فكذلك نفقاتهم ذاهبة لا ينتفعون بها وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بضياع نفقاتهم وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) بالكفر الموجب لضياعها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً أصفياء\r______________________________\rقال تعالى: (تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ). قوله: (يصلون) سمى الصلاة سجودا لأنه أشرف أجزائها، وقوله: (حال) أي من قوله: يَتْلُونَ أي يقرؤون القرآن في حال صلاتهم.\rقوله: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أي يصدقون بأن اللّه متصف بكل كمال مستحيل عليه كل نقص، وقوله: وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي وما فيه من النعيم والعقاب فيصدقون بأنه حق، قوله: وَيَأْمُرُونَ مفعوله هو وينهون محذوف تقديره الناس. قوله: وَيُسارِعُونَ أي يبادرون بامتثال أمر اللّه، إن قلت إن العجلة مذمومة، ففي الحديث العجلة من الشيطان إلا في أمور، أجيب: بأن معنى المسارعة أنه إذا تعارض حق للّه وحظ لنفسه بادر لحق اللّه وترك حظه، وأما العجلة فهي المبادرة للشيء مطلقا كأن يبادر للصلاة قبل وقتها، أو في الصلاة بأن لا يتقن ركوعها ولا سجودها، فإن ذلك مذموم إلا في أمور، فهي مسارعة لا عجل كالتوبة وتقديم الطعام للضيف وتجهيز الميت وزواج البكر والصلاة في أول وقتها. قوله:\r(و منهم من ليسوا كذلك) قدر ذلك إشارة إلى أن في الآية حذف المقابل. قوله: (و بالياء) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: مِنْ خَيْرٍ أي قليل أو كثير، قال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ). قوله:\r(بالوجهين) أي التاء والياء. قوله: (بل تجازون عليه) أي في الآخرة.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا قيل نزلت في قريظة وبني النضير، وقيل في مشركي العرب، وقيل فيما هو أعم وهو الأقرب. قوله: شَيْئاً أي قليلا كان أو كثيرا. قوله: (يدفع عن نفسه) أي في الدنيا.\rقوله: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ يحتمل أن ما اسم موصول وينفقون صلتها والعائد محذوف، ويحتمل أنها مصدرية تسبك مع ما بعدها بمصدر تقدير الأول مثل المال الذي ينفقونه، وتقدير الثاني مثل إنفاقهم.\rقوله: (في عداوة النبي) أي في مثل حروبه، وقوله: (أو صدقة) أي على فقرائهم أو فقراء المسلمين.\rقوله: (و نحوها) أي كصلة الرحم ومواساة الفقراء.\rقوله: كَمَثَلِ رِيحٍ أي كمثل مهلك ريح فالكلام على حذف مضاف. قوله: (حر) أي ويسمى بالسموم وقوله: (أو برد شديد) أي ويسمى بالزمهرير. قوله: أَصابَتْ أي تلك الريح قوله: (أي زرع) سماه حرثا لأنه يحرث. قوله: قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ هذا وصف المشبه به. قوله:","part":1,"page":233},{"id":234,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 233\rتطلعونهم على سركم مِنْ دُونِكُمْ أي غيركم من اليهود والنصارى والمنافقين لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا نصب بنزع الخافض أي لا يقصرون لكم في الفساد وَدُّوا تمنوا ما عَنِتُّمْ أي عنتكم وهو شدة الضرر قَدْ بَدَتِ ظهرت الْبَغْضاءُ العداوة لكم مِنْ أَفْواهِهِمْ بالوقيعة فيكم واطلاع المشركين على سركم وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ من العداوة أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ على عداوتهم إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) ذلك فلا توالوهم ها أَنْتُمْ للتنبيه يا أُولاءِ المؤمنين تُحِبُّونَهُمْ لقرابتهم منكم وصداقتهم وَلا يُحِبُّونَكُمْ لمخالفتهم لكم في الدين وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ أي بالكتب كلها ولا يؤمنون بكتابكم وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ أطراف الأصابع مِنَ الْغَيْظِ شدة الغضب لما يرون من ائتلافكم ويعبر عن شدة الغضب بعض الأنامل مجازا وإن لم يكن ثم عض قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ أي ابقوا عليه إلى الموت فلن تروا ما يسركم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (119) بما في القلوب ومنه ما يضمره هؤلاء إِنْ تَمْسَسْكُمْ تصبكم حَسَنَةٌ نعمة كنصر وغنيمة تَسُؤْهُمْ تحزنهم وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ كهزيمة وجدب يَفْرَحُوا بِها وجملة الشرط متصلة بالشرط قبل وما بينهما اعتراض والمعنى أنهم متناهون في عداوتكم فلم توالونهم فاجتنبوهم وَإِنْ تَصْبِرُوا على أذاهم وَتَتَّقُوا اللّه في موالاتهم وغيرها لا يَضُرُّكُمْ بكسر الضاد وسكون الراء وضمها وتشديدها كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بالياء والتاء مُحِيطٌ (120) عالم فيجازيهم به وَاذكر يا محمد إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ من المدينة تُبَوِّئُ تنزل الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ مراكز يقفون فيها لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ\r______________________________\rوَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ هذا في جانب المشبه فلا تكرار.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا نزلت في قوم من المؤمنين كان لهم أقارب من المنافقين والكفار وكانوا يواصلونهم. قوله: (أصفياء) أشار بذلك إلى أن في الكلام استعارة، حيث شبه الأصفياء ببطانة الثوب الملتصقة به، واستعير اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية، والجامع شدة الالتصاق على حد الناس دثار والأنصار شعار. قوله: (أي لا يقصرون في الفساد) أي فليس عندهم تقصير في ذلك بل هو شأنهم. قوله: ما عَنِتُّمْ ما مصدرية تسبك بمصدر أي ودوا عنتكم بمعنى تعبكم ومشقتكم. قوله: (بالوقيعة فيكم) أي في أعراضكم بالغيبة وغيرها. قوله: (فلا توالوهم) أشار بذلك إلى أن جواب الشرط محذوف.\rقوله: بِالْكِتابِ أي جنسه، وقوله: (و لا يؤمنون بكتابكم) أي القرآن.\rقوله: وَإِذا خَلَوْا أي خلا بعضهم ببعض. قوله: عَلَيْكُمُ أي من أجلكم.\rقوله: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ أي مصاحبين له وهو دعاء عليهم بذلك. قوله: (و جدب) هو ضد الخصب. قوله: (و جملة الشرط) أي وهي إن تمسكم إلخ وقوله: (بالشرط) وهو قوله: وَإِذا لَقُوكُمْ وقوله: (و ما بينهما) أي وهو قوله: قُلْ مُوتُوا الآية. قوله: (بكسر الضاد) أي فهما قراءتان سبعيتان، الأولى من ضار يضير، والثانية من ضر يضر، والفعل من كليهما مجزوم جوابا للشرط، وجزمه على الأولى ظاهر، وعلى الثانية بسكون مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الإتباع.\rقوله: كَيْدُهُمْ الكيد احتيال الشخص ليقع غيره في مكروه. قوله: (بالياء) أي وقد اتفق عليها العشرة، وقوله: (و التاء) أي وهي شاذة، فكان على المفسر أن ينبه على شذوذها، كأن يقول: وقرئ","part":1,"page":234},{"id":235,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 234\rلأقوالكم عَلِيمٌ (121) بأحوالكم وهو يوم أحد خرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بألف أو إلا خمسين رجلا والمشركون ثلاثة آلاف ونزل بالشعب يوم السبت سابع شوال سنة ثلاث من الهجرة وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وسوى صفوفهم وأجلس جيشا من الرماة وأمر عليهم عبد اللّه بن جبير بسفح الجبل وقال انضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من ورائنا ولا تبرحوا غلبنا أو نصرنا إِذْ بدل من إذ قبله هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ بنو سلمة وبنو حارثة جناحا العسكر أَنْ تَفْشَلا تجبنا عن القتال وترجعا لما رجع عبد اللّه بن أبي المنافق وأصحابه وقال علام نقتل أنفسنا وأولادنا وقال لأبي جابر السلمي القائل له أنشدكم اللّه في نبيكم وأنفسكم لو نعلم قتالا لاتبعناكم فثبتهما اللّه ولم ينصرفا\r______________________________\rبالتاء كما هو عادته.\rقوله: وَإِذْ غَدَوْتَ جمهور المفسرين على أن هذه الآية متعلقة بغزوة أحد، وقيل بغزوة بدر، وقيل بغزوة الأحزاب، والصحيح الأول، ولذا مشى المفسر عليه. قوله: مِنْ أَهْلِكَ أي من بيت أهلك وهي زوجته عائشة، وكان قدوم جيش الكفار يوم الأربعاء رابع شوال وأميرهم إذا ذاك أبو سفيان فجمع صلّى اللّه عليه وسلّم الأنصار والمهاجرين وشاورهم في الخروج لهم أو المكث في المدينة ينتظرونهم، فأشار عبد اللّه بن أبي بن سلول رئيس المنافقين هو وجماعة من الأنصار بعدم الخروج فإن أبوا قاتلوهم الرجال والنساء، وأشار جماعة بالخروج، فدخل صلّى اللّه عليه وسلّم منزله ولبس لأمته وخرج فقال هلموا إلى الخروج، فقالوا يا رسول اللّه ما لنا رأي معك، فقال ما من نبي يلبس لأمته ويرجع حتى يحكم اللّه له بين عدوه، وكان قد رأى في المنام بقرا ودرعا حصينا وضع يده فيه وثلما في ذبابة سيفه، فقالوا ما أولته فقال أما البقر فخير، وأما الدرع الحصين فهي المدينة، وأما الثلم في السيف فهزيمة، فخرج صلّى اللّه عليه وسلّم هو وأصحابه بعد صلاة الجمعة، فلما أصبحوا جعل الجيش خمسة أقسام، جناحان ومقدم وساقة ووسط، وأنزل كلا في منزلته، وأمرهم أن يثبتوا مكانهم ولا يتحولوا، وأخبرهم أنه بمجرد ملاقاة الصفوف تحصل الهزيمة للكفار، فلما التقى الصفان ولى عبد اللّه بن أبي بن سلول هو وجماعته الثلثمائة وقالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم، ولم يبق إلا ستمائة وخمسون، فهزم الصحابة الكفار أولا واشتغلوا بالغنيمة، فنزع اللّه من قلوب الكفار الرعب فكروا عليهم مرة واحدة، ففر المسلمون ما عدا النبي وبعض الصحابة، فبعد ذلك اجتمع المسلمون للقتال، فقتل من كل سبعون وكان العزة للّه ورسوله. قوله: (و هو يوم أحد) أي وهو قول جمهور المفسرين وهو المعتمد. قوله:\r(أو إلا خمسين) أي فهما قولان. قوله: (سابع شوال) وقيل كان في نصفه فيكون قدوم الكفار يوم اثني عشر منه. قوله: (و عسكره) بالجر معطوف على الضمير المجرور في ظهره أي وجعل ظهر عسكره. قوله:\r(و أجلس جيشا من الرماة) أي وهم المسلمون بالساقة. قوله: (و قال انضحوا) أي فرقوا من النضح وهو الرش، والمعنى فرقوا الأعداء عنا بالنبل. قوله: (و لا تبرحوا) هذا في الحقيقة خطاب وأمر للجميع.\rقوله: هَمَّتْ طائِفَتانِ أي أرادت ولما كان الهم بالمعصية لا يكتب مدحهم اللّه بقوله: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وأما بالطاعة فيكتب، وأما العزم فيكتب خيرا أو شرا، وما دون ذلك من مراتب القصد لا يكتب أصلا لا خيرا ولا شرا. قال بعضهم:\rمراتب القصد خمس هاجس ذكروا ... فخاطر فحديث النفس فاستمعا","part":1,"page":235},{"id":236,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 235\rوَاللَّهُ وَلِيُّهُما ناصرهما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) ليثقوا به دون غيره. ونزل لما هزموا تذكيرا لهم بنعمة اللّه وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ موضع بين مكة والمدينة وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ بقلة العدد والسلاح فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) نعمه إِذْ ظرف لنصركم تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ توعدهم تطمينا أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ يعينكم رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بالتخفيف والتشديد بَلى يكفيكم ذلك وفي الأنفال بألف لأنه أمدهم أولا بها ثم صارت ثلاثة ثم صارت خمسة كما قال تعالى إِنْ تَصْبِرُوا على لقاء العدو وَتَتَّقُوا اللّه في المخالفة وَيَأْتُوكُمْ أي المشركون مِنْ فَوْرِهِمْ وقتهم هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ\r______________________________\rيليه هم فعزم كلها رفعت ... سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا\r\rقوله: (بنو سلمة) أي وهم من الخزرج، وقوله: (و بنو حارثة) أي وهم من الأوس. قوله:\r(و أصحابه) أي وكانوا ثلثمائة. قوله: (علام نقتل أنفسنا وأولادنا) أي لأي شيء نقتل قوله: (و قال) أي عبد اللّه بن أبي ومقول القول قوله: (لو نعلم قتالا إلخ). قوله: (القائل له) صفة لأبي جابر. قوله:\r(أنشدكم اللّه) أي أحلفكم باللّه، وقوله: (في نبيكم وأنفسكم) أي في حفظهما قوله: (فثبتهما اللّه) أي الطائفتين بعد أن حصلت لهما التفرقة أولا، وشج وجه رسول اللّه وكسرت رباعيته وضرب نيفا وسبعين ضربة ما بين سهم وسيف، وطلحة بن عبيد اللّه أحد العشرة يلقاها عن رسول اللّه، وحينئذ نادى إبليس والمنافقون في الناس إن محمدا قد مات، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم في محل منخفض فأراد الصعود ليراه المسلمون فلم ينهض، فحمله طلحة على ظهره وقد كان على المصطفى درعان، فما رآه المسلمون فرحوا وصاروا يأتون إليه من كل فج كالناقة الغائب عنها ولدها إذا رأته، فحصل الثبات والنصر وباتت الهزيمة على الكفار. قوله: (ناصرهما) أي ولم يؤاخذهما بذلك الهم.\rقوله: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ هذا الكلام تسلية للنبي وأصحابه فيما وقع لهم في غزوة أحد، يعني أنه سبق لكم النصر فلا تحزنوا بحصول تلك الشدة، وحكمتها تمييز المنافق من المؤمن لا الهزيمة كما قال تعالى:\r(وَ ما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ). قوله: (موضع بين مكة والمدينة) أي فسميت الواقعة باسم الموضع، وقيل إن بدرا اسم بئر حفرها رجل يقال له بدر فسمي المكان باسم ذلك الرجل. قوله: (بقلة العدد والسلاح) أي فلم يكن معهم إلا ثلاثة أفراس وثلاثة سيوف وكان عدتهم ثلثمائة وثلاثة عشر وعدة الكفار نحو ألف. قوله: أف لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (نعمه) أي حديث نصركم مع كونكم أذلة فظفروا بهم وأخذوا شجعانهم ما بين قتيل وأسير.\rقوله: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ سبب هذا القول أنه لما تلاقى الصفان جاء للصحابة خبر بأن كرز بن جابر يمد الكفار ويعينهم، فحزنت الصحابة حزنا شديدا فأنزل اللّه تلك الآية. قوله: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ الإستفهام إنكاري نظير ألست بربكم. قوله: (يعينكم) أي يزيدكم. قوله: بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ إن قلت: ما الحاجة إلى ذلك العدد الكثير فإن جبريل وحده أو أي ملك كاف في قتال الكفار؟ أجيب: بأن ذلك ينسب النصر لرسول اللّه والمؤمنين لقوله تعالى: (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ) فلو هلكوا بشيء مما هلك به الأمم السابقة لم يكن في ذلك مزيد فخر للمؤمنين ولا شفاء لغيظهم، لكونه خارجا عن اختيارهم.","part":1,"page":236},{"id":237,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 236\rالْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) بكسر الواو وفتحها أي معلمين وقد صبروا وأنجز اللّه وعدهم بأن قاتلت معهم الملائكة على خيل بلق عليهم عمائم صفر أو بيض أرسلوها بين أكتافهم وَما جَعَلَهُ اللَّهُ أي الأمداد إِلَّا بُشْرى لَكُمْ بالنصر وَلِتَطْمَئِنَ تسكن قُلُوبُكُمْ بِهِ فلا تجزع من كثرة العدو وقلتكم وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) يؤتيه من يشاء وليس بكثرة الجند لِيَقْطَعَ متعلق بنصركم أي ليهلك طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالقتل والأسر أَوْ يَكْبِتَهُمْ يذلهم بالهزيمة فَيَنْقَلِبُوا يرجعوا خائِبِينَ (127) لم ينالوا ما راموه. ونزل لما كسرت رباعيته صلّى اللّه عليه وسلّم وشج وجهه يوم أحد وقال كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ\r______________________________\rقوله: بَلى حرف جواب أي وهو إيجاب للنفي في قوله: تعالى أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ وأما جواب الشرط فهو قوله يمددكم. قوله: (لأن أمدهم أولا بها) هذا إشارة لوجه الجمع بين ما هنا وبين ما يأتي.\rقوله: مِنْ فَوْرِهِمْ يطلق الفور على قوة الغليان يقال فار القدر غلا، ويطلق على الوقت الحاضر وهو المراد هنا. قوله: (بكسر الواو) أي اسم فاعل والمعنى معلمين أنفسهم آداب الحرب، وقوله:\r(و فتحها) أي اسم مفعول بمعنى أن اللّه علمهم آدابه. قوله: (و أنجز اللّه وعدهم) أي فكلما حصل للمؤمنين ضعف زادهم اللّه من الملائكة. قوله: (على خيل بلق) أي وجوهها وأيديها وأرجلها بيض، وقوله: (و عليهم عمائم صفر أو بيض) أي فهما روايتان وجمع بأن جبريل كانت عمامته صفراء وباقيهم بيض. قوله: (أرسلوها) أي طرفها، ورد عن علي أنه قال كنت في قليب بدر فاشتدت ريح عظيمة فرأيت جبريل نزل بألفين من الملائكة فسار أمام المصطفى، ثم اشتدت ريح فرأيت إسرافيل نزل بألفين من الملائكة فسار على يمينه. ثم اشتدت ريح فرأيت ميكائيل نزل بألف فسار على يساره. واعلم أن قتال الملائكة من خصائص هذه الأمة وليس مخصوصا بواقعة بدر، بل ورد أن جبريل وميكائيل قاتلا مع النبي في أحد حين فرت أصحابه. قوله: (أي الأمداد) أي المفهوم من قوله يمددكم.\rقوله: إِلَّا بُشْرى البشارة هي الخبر السار، ولا تطلق على الضد إلا مقيدة، كقوله تعالى:\r(فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) *. قوله: وَلِتَطْمَئِنَ معطوف على بشرى، الواقع مفعولا لأجله، وجر باللام لعدم استيفائه شروط المفعول من أجله، فإن فاعل الجعل اللّه، وفاعل الطمأنينة القلوب، فلم يتحد في الفاعل وشرطه الإتحاد. قوله: (فلا تجزع من كثرة العدو) ورد أن الملائكة كانت تقاتل وتقول للمؤمنين اثبتوا فإن عدوكم قليل واللّه معكم. قوله: (و ليس بكثرة الجند) أي فلا تتوهموا أن النصر بكثرة العدد.\rقوله: (متعلق بنصركم) أي المتقدم في قوله: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ. قوله: (أي ليهلك) إنما فسره بذلك لأن القطع يأتي لمعان منها التفريق كقوله تعالى: (وَ قَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً) وليس مرادا هنا، ومنها الهلاك وهو المراد. قوله: (بالقتل) أي وكانوا سبعين، وقوله: (و الأسر) أي وكانوا كذلك.\rقوله: أَوْ يَكْبِتَهُمْ الكبت بمعنى الكبد فتاؤه مبدلة من الدال وهو الغيظ الذي يحرق الكبد.\rقوله: (لم ينالوا ما راموا) أي ما قصدوه. قوله: (لما كسرت رباعيته) أي السنة التي بين الثنايا والناب، وقوله: (وشج وجهه) أي غاصت في حلقه المغفر. قوله: (و قال كيف يفلح قوم إلخ) أي وقد عزم على أن يدعو عليهم كذا قيل، والأقرب أن مقالة النبي حزنا على عدم إيمانهم فإن قصد النبي هداهم، وحيث وقع منهم ذلك الفعل فهو دليل على عدم إيمانهم فيفوت مقصد النبي، فسلاه اللّه بالآية كما سلاه بقوله:","part":1,"page":237},{"id":238,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 237\rبل الأمر للّه فاصبر أَوْ بمعنى إلى أن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ بالإسلام أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (128) بالكفر وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ المغفرة له وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه وَاللَّهُ غَفُورٌ لأوليائه رَحِيمٌ (129) بأهل طاعته يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً بألف ودونها بأن تزيدوا في المال عند حلول الأجل وتؤخروا الطلب وَاتَّقُوا اللَّهَ بتركه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) تفوزون وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (131) أن تعذبوا بها وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسارِعُوا بواو ودونها إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أي كعرضهما\r______________________________\r(فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ). وبقوله: (إنك لا تهدي من أحببت). وقوله: (يوم أحد) أي وقيل نزلت في أهل بئر معونة، وهم سبعون رجلا من القراء بعثهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى بئر معونة، وهي بين مكة وعسفان، ليعلموا الناس القرآن والعلم، وأمره عليهم المنذر بن عمرو، وكان ذلك في صفر سنة أربع من الهجرة، فخانهم عامر بن الطفيل وقتلهم عن آخرهم. فاشتد غضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسلاه اللّه بذلك.\rقوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أي لا تملك لهم نفعا فتصلحهم ولا ضرا فتهلكهم، فنفى ذلك من حيث الإيجاد والإعدام، وأما من حيث الدلالة والشفاعة فهو الدليل الشفيع المشفع جعل اللّه مفاتيح خزائنه بيده، فمن زعم أن النبي كآحاد الناس لا يملك شيئا أصلا ولا نفع به لا ظاهرا ولا باطنا، فهو كافر خاسر الدنيا والآخرة، واستدلاله بهذه الآية ضلال مبين. قوله: فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ علة لقوله:\r(أو يعذبهم).\rقوله: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ هذا كالدليل لما قبله.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا سبب نزول هذه الآية أن الرجل كان في الجاهلية إذا كان له دين على آخر وحل الأجل ولم يقدر الغريم على وفائه قال له صاحب الدين زدني في الدين وأزيدك في الأجل، فكانوا يفعلون ذلك مرارا، فربما زاد الدين زيادة عظيمة. قوله: (و تؤخروا الطلب) أي في نظير تلك الزيادة والواجب إنظار المعسر من غير شيء والتشديد على الموسر المماطل. قوله: (بتركه) أي الربا وكذا كل ما نهى اللّه عنه. قوله: (أن تعذبوا بها) أشار بذلك إلى أن في الكلام حذف مضاف، أي اتقوا تعذيب النار، أي اجعلوا بينكم وبينه وقاية.\rوَسارِعُوا أي بادروا. قوله: (بواو ودونها) أي فهما قراءتان سبعيتان، فعلى الواو تكون الجملة معطوفة على جملة واتقوا النار، وعلى عدمها تكون الجملة استئنافية، كأن قائلا قال وما كيفية تقوى النار وبأي شيء يكون تقواها، فأجاب بقوله سارعوا إلخ، إن قلت: إن ما خالف الرسم العثماني شاذ فمقتضاه أن أحد القراءتين مخالف للرسم. أجيب: بأن المصاحف العثمانية تعددت، فبعضها بالواو وبعضها بدونها، ولا يرد هذا الإشكال إلا لو كان واحدا. قوله: إِلى مَغْفِرَةٍ أي إلى أسبابها وهو الإنهماك في الطاعات والبعد عن المعاصي. قوله: وَجَنَّةٍ عطفها على المغفرة من عطف المسبب على السبب، ومرادنا بالسبب الظاهري وإلا فالسبب الحقيقي هو فضل اللّه. قوله: (كعرضهما) أشار بذلك إلى أن في الكلام حذف مضاف وأداة التشبيه وقد صرح بهما في سورة الحديد، قال تعالى: (سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) واختلف هل هذا التشبيه حقيقي والمعنى لو بسطت السموات كل واحدة بجانب الأخرى وكذلك الأرض، لكان ما ذكر مماثلا لعرض الجنة، وأما طولها فلا يعلمه إلا اللّه، وإنما لم يقل طولها لأنه لا يلزم من سعة الطول سعة العرض بخلاف العكس، وهذا تفسير","part":1,"page":238},{"id":239,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 238\rلو وصلت إحداهما بالأخرى والعرض السعة أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) اللّه بعمل الطاعات وترك المعاصي الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في طاعة اللّه فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ اليسر والعسر وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ الكافين عن إمضائه مع القدرة وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ ممن ظلمهم أي التاركين عقوبتهم وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) بهذه الأفعال أي يثيبهم وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ذنبا قبيحا كالزنا أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بما دونه كالقبلة ذَكَرُوا اللَّهَ أي وعيده\r______________________________\rابن عباس، أو مجازي وهو كناية عن عظم سعتها، وإلا فالسموات والأرض لو اتصلت بعضها ببعض كان ما ذكر أقل مما يعطاه أبو بكر الصديق فضلا عن غيره، لما ورد أن جبريل يسير بأجنحته الستمائة في ملكه شهرا. إذا علمت ذلك، فالمناسب للمفسر أن يقول أو العرض السعة ليفيد أنه تفسير آخر.\rقوله: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ أي هيئت وأحضرت وقدم هذا الوصف لأن مستلزم لجميع الأوصاف، والمتقين جمع متق وهو المنهمك في الطاعات المجتنب المعاصي. قوله: (اليسر والعسر) أي الرخاء والشدة وذلك لثقته بربه واعتماده عليه، فينفق في كل زمن على حسب حاله فيه قليلا أو كثيرا ولا يستخف بالصدقة، ففي الحديث: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» وفي رواية «و لو بظلف محرق».\rقوله:\rوَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ أي وهو نارية تحل في القلب تظهر آثارها على الجوارح. قوله: (الكافين على إمضائه مع القدرة) أي الكاتمين الغضب مع القدرة على العمل بمقتضاه بظواهرهم وبواطنهم، وكظم الغيظ من أعظم العبادة، ورد من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأه اللّه أمنا وإيمانا، إن قلت: ورد عن الشافعي أنه قال من استغضب ولم يغضب فهو حمار فمقتضاه أنه مذموم ومقتضى الآية أنه من المتقين.\rأجيب: بأن كلام الشافعي يحمل على إذا ما رأى حرمات اللّه تفعل ولم ينه عنها ولم يغضب لأجلها، وقد اتفق للإمام الحسن زمن خلافته وكان حليما جدا أن رجلا قدم عليه ليمتحنه فصار يسبه ويتكلم فيه وهو يبتسم، فقال له الرجل إن شتمتني واحدة شتمتك مائة، فقال له الحسن إن شتمتني مائة ما شتمتك واحدة فوقع على قدمه وقبلها وقال أشهد أنك على خلق رسول اللّه.\rقوله: وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ عطف على الكاظمين من عطف العام على الخاص، لأن العفو أعم من أن يكون معه كظم غيظ أو لا، كما إذا سبه وهو غائب فبلغه ذلك فعفا عنه من غير أن يستفزه الغضب، واتفق للإمام زين العابدين أن جاريته كانت تصب عليه ماء الوضوء، فسقط الإبريق على رأسه فشج وجهه فرفع بصره لها فقالت له والكاظمين الغيظ، فقال كظمت غيظي، فقالت والعافين عن الناس فقال عفوت عنك، فقالت واللّه يحب المحسنين، فقال أنت حرة لوجه اللّه.\rقوله: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا شروع في ذكر التوابين بعد أن ذكر المطهرين، وبقي قسم ثالث وهم الذين أصروا على المعاصي وماتوا من غير توبة فأمرهم مفوض اللّه إما أن يدخلهم الجنة من غير سابقة عذاب أو يعذبهم بقدر الجرم ثم يدخلهم الجنة خلافا للمعتزلة حيث منعوا عن غفران الذنوب لهم.\rقوله: وَالَّذِينَ مبتدأ أول أولئك مبتدأ ثان وجزاؤهم مبتدأ ثالث، و\rقوله: مَغْفِرَةٌ خبر الثالث وهو وخبره خبر الثاني وهو وخبره خبر الأول، وقوله: (كالزنا) أي وغيره من الكبائر قوله: (ذنبا قبيحا) أي كبيرا، وقوله: (بما دونه) أي كالصغائر وهذه الآية نزلت في حق رجل تمار مرت عليه امرأة","part":1,"page":239},{"id":240,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 239\rفَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ أي لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا يديموا عَلى ما فَعَلُوا بل أقلعوا عنه وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أن الذي أتوه معصية أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها حال مقدرة أي مقدرين الخلود فيها إذا دخلوها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (136) بالطاعة هذا الأجر. ونزل في هزيمة أحد قَدْ خَلَتْ مضت مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ طرائق في الكفار بامهالهم ثم أخذهم فَسِيرُوا أيها المؤمنون فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) الرسل أي آخر أمرهم من الهلاك فلا تحزنوا لغلبتهم فإنما أمهلهم لوقتهم هذا القرآن بَيانٌ لِلنَّاسِ كلهم وَهُدىً من الضلالة وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) منهم\r______________________________\rوأرادت أن تشتري منه تمرأ فاعجبته فقال لها إن التمر الجيد داخل الحانوت فدخل معها الحانوت وفعل معها ما عدا الإيلاج وأعطاها التمر، فتذكر هيبة اللّه وعقابه، فجاء لرسول اللّه يبكي فنزلت الآية، قوله:\r(أي وعيده) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف.\rقوله: فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ أي أقلعوا عنها وتابوا، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ جملة معترضة بين الحال وصاحبها قصد بها التعليل، قوله: وَلَمْ يُصِرُّوا جملة حالية من الواو في استغفروا، قوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ جملة حالية أيضا. وقوله: (إن الذي أتوه معصية) إشارة لمفعول يعلمون. والمعنى وليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها والنهي عنها والوعيد عليها لأنه قد يقوم على الذنوب من لا يعلم أنه ذنب. ولا يؤخذ بذلك كالمجتهدين من الصحابة في قتال بعضهم.\rولذلك كان الواحد منهم إذا ظهر له الخطأ أقلع في الحال. قوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ المعنى أن القصور والأشجار مشرفة على الأنهار.\rقوله: وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ نعم فعل ماض وأجر فاعل والمخصوص بالمدح محذوف قدره المفسر بقوله هذا الأجر الذي هو المغفرة أو الجنة. قوله: (و نزل في هزيمة أحد) أي تسلية للنبي وأصحابه على ما أصابهم من الحزن الذي وقع لهم في تلك الغزوة، فكأن اللّه يقول لهم لا تحزنوا فإن هذه سنن من قبلكم والعبرة بالخواتم وقد تم النصر لكم على أعدائكم.\rقوله: قَدْ خَلَتْ من الخلو بمعنى المضي قوله: (في الكفار) أي كعاد مع هود. وكثمود مع صالح، وكقوم نوح معه، وكقوم لوط معه، وكالنمروذ مع إبراهيم. وكفرعون مع موسى. فإن اللّه أمهل هؤلاء ثم أخذهم أخذ عزيز مقتدر، فكذلك هؤلاء.\rقال تعالى: (وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) * وقال عليه الصلاة والسّلام: «إن اللّه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته». قوله: (بامهالهم) أي على سبيل الاستدراج. والمعنى فلا تحزنوا مما وقع لكم فإن اللّه يمهل ولا يهمل.\rقوله: فَسِيرُوا إنما قرن الفعل بالفاء لما في الجملة الأولى من معنى الشرط، كأن اللّه يقول إن كنتم في شك مما ذكرته لكم فسيروا في الأرض لتروا آثارهم، قوله: (أي آخر أمرهم) أي وهو الهلاك الأخروي بإخبار اللّه ورسله والدنيوي بالمشاهدة. قوله: (فإنما أمهلهم لوقتهم) أي المقدر لهم ولا يعجل بالعقوبة إلا من يخاف الفوات.\rقوله: بَيانٌ إما باق على مصدريته مبالغة أو بمعنى مبين أو ذو بيان على حد زيد عدل، ولذلك يسمى القرآن أيضا فرقانا لأنه يفرق بين الحق والباطل. قوله: (كلهم) أي","part":1,"page":240},{"id":241,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 240\rوَلا تَهِنُوا تضعفوا عن قتال الكفار وَلا تَحْزَنُوا على ما أصابكم بأحد وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ بالغلبة عليهم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) حقا وجوابه دل عليه مجموع ما قبله إِنْ يَمْسَسْكُمْ يصبكم بأحد قَرْحٌ بفتح القاف وضمها جهد من جرح ونحوه فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ الكفار قَرْحٌ مِثْلُهُ ببدر وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها نصرفها بَيْنَ النَّاسِ يوما لفرقة ويوما لأخرى ليتعظوا وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ علم ظهور الَّذِينَ آمَنُوا أخلصوا في إيمانهم من غيرهم وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ يكرمهم بالشهادة وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) الكافرين أي يعاقبهم وما ينعم به\r______________________________\rمسلمين أو كفارا، وإنما كان بيانا للجميع لإقامة الحجة على الكافر يوم القيامة وتعذيبه.\rقوله: وَهُدىً (من الضلالة) أي هاد من الكفر أو المعصية. قوله: لِلْمُتَّقِينَ راجع لقوله: وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ وخصهم لأنهم هم المنتفعون بذلك. قال تعالى: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ).\rقوله: وَلا تَهِنُوا هذا من جملة التسلية للنبي وأصحابه، وأصله توهنوا حذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها. وسبب ذلك أنه لما حصلت التفرقة لأصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحد وقتل منهم سبعون وجرح منهم ناس كثيرون، وقتل من الكفار نيف وعشرون وجرح منهم ناس كثيرون، قال أبو سفيان رئيس الكفار مناديا للنبي وأصحابه أفي القوم محمد ثلاث مرات فنهى القوم أن يجيبوه، فقال أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاث مرات ثم قال أفي القوم عمر بن الخطاب ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه فقال أما هؤلاء فقد قتلوا، فما ملك عمر نفسه فقال كذبت واللّه يا عدو اللّه، إن الذين عددت أحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك، ثم أخذ أبو سفيان يرتجز بقوله: أعل هبل أعل هبل. فقال عليه الصلاة والسّلام ألا تجيبوه قولوا: اللّه أعلى وأجل. قال أبو سفيان: إن لنا عزى ولا عزى لكم. فقال عليه الصلاة والسّلام قولوا: اللّه مولانا ولا مولى لكم. وفي رواية قال أبو سفيان: يوم بيوم وإن الأيام دول والحرب سجال، فقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، ثم أمر النبي أصحابه جميعا بالإقبال على قتال الكفار ثانيا فصار الجريح منهم يزحف على الركب، ووقع الحرب بينهم وباتت الهزيمة على الكفار، فنزلت الآية تسلية للنبي وأصحابه.\rوقوله: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ أصله الأعلوون استثقلت للضمة على الواو فحذفت ثم تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت الفا فالتقى ساكنان حذفت الألف لإلتقائهما وبقيت الفتحة لتدل عليها. قوله:\r(مجموع ما قبله) أي وهو قوله ولا تهنوا ولا تحزنوا. قوله: (بفتح القاف وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان، وجواب الشرط محذوف تقديره فلا تحزنوا، و\rقوله: فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ إلخ مفرع عليه. قوله: (ببدر) أي فكانت الغلبة فيه للمؤمنين من أوله إلى آخره، وقال بعضهم بل في أحد أيضا، لأن الغلبة آخرا كانت للمؤمنين، وأما غزوة بدر فكانت للمؤمنين خاصة. قوله: نُداوِلُها المداولة نقل الشيء من واحد لآخر، والمعنى إنما جعلنا الأيام دولا بين الناس يوما للكفار ويوما للمسلمين لتتعظوا وليعلم اللّه إلخ. قوله: (علم ظهور) جواب عن سؤال مقدر حاصله أن علم اللّه قديم لا يتجدد فكيف ذلك؟ فأجاب: بأن المراد ليظهر متعلق علمه بتمييز المؤمن من غيره، والمعنى أن نصرة الكافر تارة ليست لمحبة اللّه له، بل ليتميز المؤمن من المنافق وليتخذ منكم شهداء، وإلا فاللّه لا يحب الكافرين. قوله: (أي يعاقبهم) تفسير لعدم محبة اللّه للظالمين. قوله: (و ما ينعم به عليهم استدراج) جواب عن سؤال مقدر تقديره إنا نرى اللّه ينصرهم تارة وينعم عليهم بالدنيا وزينتها،","part":1,"page":241},{"id":242,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 241\rعليهم استدراج وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يطهرهم من الذنوب بما يصيبهم وَيَمْحَقَ يهلك الْكافِرِينَ (141) أَمْ بل أحَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا لم يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ علم ظهور وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) في الشدائد وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ فيه حذف إحدى التاءين في الأصل الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ حيث قلتم ليت لنا يوما كيوم بدر لننال ما نال شهداؤه فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ أي سببه الحرب وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) أي بصراء تتأملون الحال كيف هي فلم انهزمتم. ونزل في هزيمتهم لما أشيع أن النبي قتل وقال لهم المنافقون إن كان قتل\r______________________________\rفأجاب بأنها نقم في صورة نعم.\rقوله: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ إلخ هذه حكمة ثالثة، والمعنى إنما جعلنا الغلبة أولا، للكفار ليتميز المؤمن من الكافر ويتخذ منهم شهداء، ويخلص المؤمنين من الذنوب؛ ويأخذ الكفار شيئا فشيئا قوله: (بما يصيبهم) أي بسبب ما يصيبهم من الجهد والمشقة. قوله: وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ أي يأخذهم ويهلكهم شيئا فشيئا، لأن المحق الإهلاك شيئا فشيئا.\rقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أم منقطعة فلذا فسرها ببل التي للإضراب الإنتقالي، والهمزة التي قدرها المفسر للإستفهام الإنكاري، والمعنى لا تظنوا يا أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة مع السابقين بمجرد الإيمان من غير جهاد وصبر بل مع الجهاد والصبر وهو خطاب لأهل أحد حيث أمروا بالقتال مع كونهم جرحى وتشديد عليهم في ذلك، والمقصود من ذلك تعليم من يأتي بعدهم، وإلا فهم قد جاهدوا في اللّه حق جهاده، وصبروا صبرا جميلا. قوله: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ لما حرف نفي وجزم وقلب تفيد توقع الفعل، فلذا عبر بها دون لم وقد خصل ذلك ويعلم مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون وحرك بالكسر تخلصا من التقاء الساكنين، واللّه فاعل يعلم، وذلك كناية عن عدم حصول الجهاد والصبر، لأن ما لم يعلمه اللّه لم يكن حاصلا.\rقوله: وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ هكذا بالنصب باتفاق القراء بأن مضمرة بعد واو المعية على حد لا تأكل السمك وتشرب اللبن. قوله: (في الشدائد) أي البلايا كالأمراض والفقر والمحن، فيكون عن اللّه راضيا في السراء والضراء، وقوله: الَّذِينَ جاهَدُوا يدخل فيه جهاد النفس بمخالفة شهواتها لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قال تعالى: (وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى). قوله: (فيه حذف إحدى التاءين) أي تخفيفا، قال ابن مالك:\rوما بتاءين ابتدى قد يقتصر ... فيه على تاكتبين العبر\r\rوقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ يحتمل أن الضمير عائد على الموت بمعنى سببه وهو الحرب، أو على العدو نفسه وهو وإن كان غير متقدم الذكر لكنه معلوم من السياق. قوله: (ما نال شهداؤه) أي من الأجر العظيم، ففي الحديث: «اطلع اللّه على أهل بدر فقال اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم». قوله: (أي سببه) ويحتمل أن الضمير عائد على العدو. قوله: (أي بصراء) أشار بذلك إلى أن نظر بصرية تنصب مفعولا واحدا قدره بقوله الحال، ويحتمل أنها علمية ومفعولاها محذوفان تقديرهما تعلمون إخوانكم ما بين مقتول ومجروح. قوله: (و نزل في هزيمتهم) أي في أحد حين تفرقوا. قوله: (لما أشيع) أي أشاع المنافقون. قوله: (أن النبي قتل) أي وكذا أبو بكر وعمر.","part":1,"page":242},{"id":243,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 242\rفارجعوا إلى دينكم وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ كغيره انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ رجعتم إلى الكفر والجملة الأخيرة محل الاستفهام الانكاري أي ما كان معبودا فترجعوا وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وإنما يضر نفسه وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) نعمه بالثبات وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ بقضائه كِتاباً مصدر أي كتب اللّه ذلك مُؤَجَّلًا مؤقتا لا يتقدم ولا يتأخر فلم انهزمتم والهزيمة لا تدفع الموت والثبات لا يقطع الحياة وَمَنْ يُرِدْ بعمله ثَوابَ الدُّنْيا أي جزاءه منها نُؤْتِهِ مِنْها ما قسم له ولا حظ له في الآخرة وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها أي من ثوابها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145)\r______________________________\rقوله: (و ما محمّد إلّا رسول اللّه) أي لا رب معبود فالقصر قصر قلب، والمقصود من ذلك الرد على المنافقين، حيث قالوا لضعفاء المسلمين إن كان محمد قتل فارجعوا إلى دينكم ودين آبائكم، فأفاد أن محمدا عبد مرسل يجوز عليه الموت لا رب معبود حتى تترك عبادة اللّه من أجل موته، لأن المقصود من وجوده تبليغ رسالة ربه، ولذلك نزل قرب وفاته (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) ولكن يجب علينا تعظيمه واحترامه حيا وميتا، واعتقاد أن معجزاته باقية واتباعه وطاعته، قال تعالى: (وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) ولم يقل لأصحابك، وقال عليه الصلاة والسّلام:\r«حياتي خير لكم ومماتي خير لكم فمن اعتقد أن النبي لا نفع به بعد الموت بل هو كآحاد الناس فهو الضال المضل.\rقوله: أَوْ قُتِلَ أي فرضا. قوله: (رجعتم إلى الكفر) أشار بذلك إلى أن قوله: انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ كناية عن الرجوع للكفر لا حقيقة الإنقلاب على الأعقاب الذي هو السقوط إلى خلف، وهذه الآية قالها أبو بكر الصديق يوم وفاته صلّى اللّه عليه وسلّم حين طاشت عقول الصحابة وارتد من ارتد، حتى قال عمر: كل من قال إن محمدا قد مات رميت عنقه بسيفي، فبلغ أبا بكر الخبر فدخل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكشف اللثام عن وجهه وقبله بين عينيه وقال طبت يا حبيبي حيا وميتا، كنت أود لو أفديك بنفسي ومالي، ولكن قال اللّه إنك ميت وإنهم ميتون، وخرج وجمع الصحابة وصعد المنبر وخطب خطبة عظيمة قال فيها: أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت، وقد قال تعالى:\r(وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ) الآية، فثبت الناس حتى قال عمر: واللّه كأن هذه الآية لم أسمعها إلا من أبي بكر.\rقوله: (و الجملة الأخيرة) أي التي هي قوله: انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ.\rقوله: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ هذا رد لمن يفر من القتال خوفا على نفسه من الموت. قوله: (لا يتقدم ولا يتأخر) أي لقوله تعالى: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) *. قوله: وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا أي يصرف نيته للدينا وزخارفها تاركا الآخرة وما فيها. قوله: (و ما قسم له) من الدنيا يأتيه على كل حال، فلا فرق بين من يطلبها ومن لا يطلبها، فلا تجعل الدنيا أكبر همك ولا مبلغ علمك، بل اجعل مطمح نظرك عبادة ربك، قال تعالى: (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) وما قدر لك فلا بد من وصوله إليك طلبته أو لا.\rوقوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ هذا من جملة التسلية لأهل أحد على ما أصابهم، وفيه توبيخ لمن","part":1,"page":243},{"id":244,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 243\rوَكَأَيِّنْ كم مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ وفي قراءة قاتل والفاعل ضميره مَعَهُ خبر مبتدؤه رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ جموع كثيرة فَما وَهَنُوا جبنوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ من الجراح وقتل أنبيائهم وأصحابهم وَما ضَعُفُوا عن الجهاد وَمَا اسْتَكانُوا خضعوا لعدوهم كما فعلتم حين قيل قتل النبي وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) على البلاء أي يثيبهم وَما كانَ قَوْلَهُمْ عند قتل نبيهم مع ثباتهم وصبرهم إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا تجاوزنا الحد فِي أَمْرِنا إيذانا بأن ما أصابهم لسوء فعلهم وهضما لأنفسهم وَثَبِّتْ أَقْدامَنا بالقوة على الجهاد وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (147) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا النصر والغنيمة وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ أي الجنة وحسنه التفضل فوق الاستحقاق وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا\r______________________________\rانهزم منهم وتحريض على القتال، وأصل كأين أي الاستفهامية دخلت عليها كاف التشبيه فأكسبتها معنى كم الخبرية فلذا فسرها بها، كأين مبتدأ ومن نبي ميزها وجملة قتل خبرها ونائب فاعل قتل ضمير يعود على كأين المفسر بقوله من نبي، وعلى القراءة الثانية يكون الضمير فاعل قاتل، وقوله: مَعَهُ رِبِّيُّونَ مبتدأ وخبر والجملة حالية. واستشكلت القراءة الأولى بأنه لم يرد أن نبيّا قتل في حال الجهاد، بل متى أمر النبي بالجهاد عصم من القتل، ومقتضى الآية وقوع ذلك. وأجيب بأن المعنى قتله قومه ظلما في غير حرب، ولكن الأحسن أن نائب الفاعل قوله: ربيون، ومعه ظرف متعلق بقتل، فالقتل واقع للربيين لا للأنبياء، وهو رد القول الكفار لو كان نبيا ما قتلت أصحابه وهو بينهم، هذا الإعراب يجري في القراءة الثانية أيضا، والضمير في أصابهم يعود على الأمم، ويتفرع على هذين الإعرابين صحة الوقف على قتل أو قاتل على الإعراب الأول دون الثاني. قوله: (و الفاعل) أي حقيقة على القراءة الثانية، أو حكما على القراءة الأولى.\rقوله: رِبِّيُّونَ هكذا بكسر الراء جمع ربي نسبة للرب على غير قياس ومعناه العالم الرباني، أو منسوب للربة بالكسر بمعنى الجماعة وعليه مشى المفسر، وقياس الأول فتح الراء وقد قرأ بها ابن عباس، وقرىء بضم الراء بمعنى الجماعة الكثيرة أيضا، والقراءتان شاذتان، والمعنى لا تحزنوا على ما لكم فكم من نبي قتل والحال أن معه أصحابه فلم يضعفوا إلخ ورد أنه لما نزلت الآية أخذ النبي وأصحابه في التوجه خلف الأعداء فساروا ثمانية أميال صحيحهم وجريحهم وباتت الهزيمة على الكفار. قوله: فَما وَهَنُوا هكذا بفتح الهاء وقرىء بسكون الهاء وكسرها. قوله: وَمَا اسْتَكانُوا قيل أصله استكنوا زيد في الفتحة فصارت الفا، وقيل أصله استكونوا نقلت فتحة الواو إلى الساكن قبلها فتحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت الفا.\rقوله: وَما كانَ قَوْلَهُمْ أي الربيين وهذا بيان محاسن أقوالهم بعد بيان محاسن أفعالهم. قوله: (عند قتل نبيهم) ظاهره حتى في جهاد الكفار وتقدم ما فيه.\rقوله: فَآتاهُمُ اللَّهُ أي بسبب دعائهم وحسن أفعالهم. قوله: (و الغنيمة) إن قلت إنها لم تحل إلا لهذه الأمة المحمدية، أجيب بأن المراد بالغنيمة ملك أموال الكفار ورقابهم، ولا يلزم من الملك حل أكلها. قوله: (و حسنه التفضل فوق الإستحقاق) يعني أن ثواب الآخرة هو الجنة وهو حسن، وأحسن منه الزيادة لهم فوق ما يستحقون.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا نزلت في أهل أحد حين تفرقوا، وصار عبد اللّه بن سلول","part":1,"page":244},{"id":245,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 244\rالَّذِينَ كَفَرُوا فيما يأمرونكم به يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ إلى الكفر فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ ناصركم وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) فأطيعوه دونهم سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بسكون العين وضمها الخوف وقد عزموا بعد ارتحالهم من أحد على العود واستئصال المسلمين فرعبوا ولم يرجعوا بِما أَشْرَكُوا بسبب إشراكهم بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً حجة على عبادته وهو الأصنام وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى مأوى الظَّالِمِينَ (151) الكافرين هي وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إياكم بالنصر إِذْ تَحُسُّونَهُمْ تقتلونهم بِإِذْنِهِ بإرادته حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ جبنتم عن القتال وَتَنازَعْتُمْ اختلفتم فِي الْأَمْرِ أي أمر النبي بالمقام في سفح الجبل للرمي فقال بعضكم نذهب فقد نصر أصحابنا وبعضكم لا نخالف أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَعَصَيْتُمْ أمره فتركتم المركز لطلب الغنيمة مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ اللّه ما تُحِبُّونَ من النصر\r______________________________\rيقول لضعفائهم امضوا بنا إلى أبي سفيان لنأخذ لكم منه عهدا ألم أقل لكم إنه ليس بنبي. قوله:\rالَّذِينَ كَفَرُوا أي كعبد اللّه بن سلول وغيره من المنافقين.\rقوله: فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ أي للدنيا بالأسر والخزي والآخرة بالعذاب الدائم.\rقوله:\rواللّه خَيْرُ النَّاصِرِينَ أفعل التفضيل ليس على بابه.\rقوله: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ هذا وعد حسن من اللّه بنصر المسلمين وخذلان الكفار. قوله: (بسبب إشراكهم) أشار بذلك إلى أن الباء سببية وما مصدرية. قوله: (حجة) سماها سلطانا لقوتها ونفوذها. قوله: (و هو) أي ما لا ينزل به سلطانا. قوله: وَمَأْواهُمُ النَّارُ هذا بيان لحالهم في الآخرة بعد أن بين حالهم في الدنيا، وكل ذلك مسبب عن الإشراك باللّه، فهم في الدنيا مرعوبون وفي الآخرة معذبون.\rقوله: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ سبب نزولها أن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما رجعوا إلى المدينة تذاكروا ما وقع في تلك الغزوة حيث قالوا إن اللّه وعدنا بالنصر على لسان نبيه فلأي شيء غلبنا، فنزلت الآية ردا عليهم. قوله: وَعْدَهُ مفعول ثان لصدق لأنه يتعدى لمفعولين الأول لنفسه والثاني إما كذلك كما هنا أو بحرف الجر وهو في قوله: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ ظرف لقوله: صَدَقَكُمُ وحسن يطلق بمعنى علم ووجد وطلب وقتل وهو المراد هنا.\rقوله: حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ حتى ابتدائية بمعنى أن ما بعدها مستأنف، ويصح أن تكون غائبة بمعنى إلى، والمعنى ولقد استمر معكم النصر إلى أن فشلتم وتنازعتم وعصيتم فتخلف وعده ومنعكم النصر وإذا على الأول ظرف لما يستقبل من الزمان وعصيتم معطوف على فشلتم وجواب إذا محذوف قدره المفسر بقوله: (منعكم نصره). وقوله: ثُمَّ صَرَفَكُمْ معطوف على ذلك المحذوف، وقوله: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا إلخ معترض بين المعطوف والمعطوف عليه. قوله: (جبنتم عن القتال) أي بسبب الإلتفات للغنيمة. قوله: (فتركتم المركز) أي الموضع الذي أقامكم فيه رسول اللّه، فإنه تقدم أنه قسم الجيش خمسة أقسام ساقة ومقدم وجناحان وقلب، وأمرهم بالثبات سواء حصل النصر أو الهزيمة، فظهرت لهم أمارات النصر أولا، فبعضهم ترك مركزه وذهب للغنيمة، والبعض ثبت.\rقوله: مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ تنازعه كل من فشلتم وتنازعتم وعصيتم، فأعمل الأخير وأضمر في","part":1,"page":245},{"id":246,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 245\rوجواب إذا دل عليه ما قبله أي منعكم نصره مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا فترك المركز للغنيمة وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ فثبت به حتى قتل كعبد اللّه بن جبير وأصحابه ثُمَّ صَرَفَكُمْ عطف على جواب إذا المقدر ردكم بالهزيمة عَنْهُمْ أي الكفار لِيَبْتَلِيَكُمْ ليمتحنكم فيظهر المخلص من غيره وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ما ارتكبوه وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) بالعفو اذكروا إِذْ تُصْعِدُونَ تبعدون في الأرض هاربين وَلا تَلْوُونَ تعرجون عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أي من ورائكم يقول إليّ عباد اللّه إليّ عباد اللّه فَأَثابَكُمْ فجازاكم غَمًّا بالهزيمة بِغَمٍ بسبب غمكم للرسول بالمخالفة وقيل الباء بمعنى على أي مضاعفا على غم فوت الغنيمة لِكَيْلا متعلق بعفا أو بأثابكم فلا زائدة تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ من الغنيمة وَلا ما أَصابَكُمْ من القتل والهزيمة وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (153) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً أمنا نُعاساً بدل\r______________________________\rالأولين وحذف. قوله: ما تُحِبُّونَ مفعول ثان لأرى، والكاف مفعول أول. قوله: (من النصر) أي أولا فلما وقع الإختلاف تغير الحال. قوله: (دل عليه ما قبله) أي وهو قوله: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ. قوله: (كعبد اللّه بن جبير) أي وقد كان أميرا على الرماة. قوله: وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ أي عن المؤمن منكم بعد توبته. قوله: (اذكروا) قدره إشارة إلى أن إذ ظرف لمحذوف، ويصح أنه ظرف لقوله:\rعصيتم، التقدير وقت بعدكم إلخ.\rقوله: إِذْ تُصْعِدُونَ فلعله رباعي بمعنى تبعدن، وقرىء تصعدون من الثلاثي بمعنى تذهبون متفرقين في البرية.\rقوله: وَلا تَلْوُونَ الجمهور على أنها بواوين، وقرىء شذوذا بإبدال الواو الأولى همزة وأصلها تلويون بواوين بينهما ياء هي لام الكلمة فاعل بحذفها، وقرأ الحسن شاذا بواو واحدة. قوله: (تعرجون) أي لا تقيمون مع أحد بل كل واحد ذاهب على حدة. قوله: يَدْعُوكُمْ أي يناديكم ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا، وقيل ثمانية عشر رجلا، وقيل لم يبق معه إلا طلحة عن يساره وجبريل عن يمينه، وجمع بين الأقوال بأن ذلك بحسب اختلاف الأوقات حين احتاطت به الكفار. قوله: (أي من ورائكم) أشار بذلك إلى أن الأخرى بمعنى آخر وفي بمعنى من، ويصح أن يبقى الكلام على ما هو عليه، ويكون المعنى والرسول يدعوكم في ساقتكم وجماعتكم الأخرى. قوله: (يقول إلي عباد اللّه) تمامه أنا رسول اللّه من يكر فله الجنة. قوله: (فجازاكم) أشار بذلك إلى أن المراد بالثواب مطلق المجازاة وإلا فالثواب هو ما يكون في نظير الأعمال الصالحة وإنما سماه ثوابا لأن عاقبته محمودة، قوله: (أي مضاعفا) أي زائدا. قوله: (متعلق بعفا) أي وتكون لا أصلية والمعنى عفا عنكم ليذهب عنكم الحزن. قوله: (أو بأثابكم) أي فيكون المعنى أثابكم غما بغم لأجل حزنكم على فوات الغنيمة وعلى قتل أصحابكم فقوله: (فلا زائدة) أي على هذا الثاني فقط.\rقوله: وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أي فيعلم المخلص من غيره فإن منهم من لزم رسول اللّه ولم ينتقل من موضعه أبدا وهو طلحة بن عبد اللّه، ومنهم من ثبت لو لا غلبة الكفار كبقية الأثني عشر أو الثمانية عشر، ومنهم من فر خوفا من القتل، ومنهم من فر ابتداء لإظهار هزيمة المؤمنين وهؤلاء منافقون وقد ظهروا في تلك الغزوة وافتضحوا، وأما المؤمنون فقد تم لهم النصر وعفا اللّه من مسيئهم،\rقوله: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ ثم للترتيب بدليل تصريحه بالبعدية بعد ذلك بقوله: مِنْ بَعْدِ الْغَمِ، قوله: (أمنا)","part":1,"page":246},{"id":247,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 246\rيَغْشى بالياء والتاء طائِفَةً مِنْكُمْ وهم المؤمنون فكانوا يميدون تحت الحجف وتسقط السيوف منهم وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ أي حملتهم على الهم فلا رغبة لهم إلا نجاتها دون النبي وأصحابه فلم يناموا وهم المنافقون يَظُنُّونَ بِاللَّهِ ظنا غَيْرَ الظن الْحَقِّ ظَنَ أي كظن الْجاهِلِيَّةِ حيث اعتقدوا أن النبي قتل أو لا ينصر يَقُولُونَ هَلْ ما لَنا مِنَ الْأَمْرِ أي النصر الذي وعدناه مِنْ زائدة شَيْءٍ قُلْ لهم إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ بالنصب توكيد أو بالرفع مبتدأ خبره لِلَّهِ أي القضاء له يفعل ما يشاء يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ يظهرون لَكَ يَقُولُونَ بيان لما قبله لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا أي لو كان الاختيار إلينا لم نخرج\r______________________________\rأشار بذلك إلى أن الأمنة والأمن بمعنى واحد وهو الطمأنينة، زال سبب الخوف أولا، وقيل إن الأمن هو الطمأنينة مع زوال سبب الخوف، والأمنة الطمأنينة مع وجود اسبابه. قوله: (بدل) أي بدل كل من كل وهو ظاهر، لأن الأمنة هي النعاس بعينها، وقيل بدل اشتمال لأن الأمنة لها اشتمال بالنعاس وهو له اشتمال بها، لأنه لا يحصل النعاس إلا لآمن، قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان فعلى الياء الضمير عائد على النعاس، وعلى التاء الضمير عائد على الأمنة، قوله: (يميدون) أي يميلون، وقوله: (تحت الجحف) بفتحتين وتقديم الحاء جمع حجفة كقصبة، وقصب اسم للترس والدرقة كما في المصباح. قوله:\r(و تسقط السيوف منهم) أي المرة بعد المرة وكلما سقطت أخذوها.\rقوله: وَطائِفَةٌ أي من غيركم وهم المنافقون، قوله: قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ أهم فعل ماض والتاء علامة التأنيث وأنفسهم فاعل، والمعنى أنهم يحرصون على نجاة أنفسهم من الموت لا تشييدا للدين. قوله: (ظنا) غَيْرَ (الظن) الْحَقِ أشار بذلك إلى أن قوله: غَيْرَ الْحَقِ صفة لموصوف محذوف مفعول ليظنون، وقوله: الْحَقِ صفة لمصدر محذوف مضاف لغير، وقوله: ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ صفة ثانية وهو منصوب بنزع الخافض، والمعنى أن هذه الطائفة حملتهم أنفسهم على الهزيمة لنجاتها، ومن أوصافهم أنهم يظنون في ربهم ظنا باطلا مثل ظن الجاهلية بمعنى أهل الجهل والكفر حيث ظنوا أن النبي قتل وأن دينه قد بطل، قال تعالى: (وَ ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ) وقال تعالى: (وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) فحسن الظن باللّه من علامات الإيمان، قال تعالى في الحديث القدسي: أنا عند ظن عبدي بي ما شاء وبالجملة فمن أراد أن يعلم عاقبة ربه فلينظر إلى ظنه بربه.\rقوله: يَقُولُونَ أي اعتراضا على رسول اللّه وتكذيبا له. قوله: هَلْ لَنا استفهام انكاري بمعنى النفي أي ما ثبت لنا من النصر شيء، قلنا خبر مقدم وشيء مبتدأ مؤخر، ومن زائدة فيه، ومن الأمر حال من شيء، قوله: (بالنصب) توكيد أي للأمر، وخبر إن قوله للّه، قوله: (أو بالرفع مبتدأ إلخ) أي والجملة خبر إن والقراءتان سبعيتان، قوله: (أي القضاء له) تفسير والمعنى أن النصر بيد اللّه واللّه هو الفاعل المختار، وليس النصر بكثرة العدد والعدد. قوله: (بيان لما قبله) أي استئناف بياني واقع في جواب سؤال مقدر كأنه قيل ما الذي يخفونه. قوله: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ أي الإختيار والرأي.","part":1,"page":247},{"id":248,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 247\rفلم نقتل لكن أخرجنا كرها قُلْ لهم لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وفيكم من كتب اللّه عليه القتل لَبَرَزَ خرج الَّذِينَ كُتِبَ قضي عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ منكم إِلى مَضاجِعِهِمْ مصارعهم فيقتلوا ولم ينجهم قعودهم لأن قضاءه تعالى كائن لا محالة وَفعل ما فعل بأحد لِيَبْتَلِيَ يختبر اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ قلوبكم من الاخلاص والنفاق وَلِيُمَحِّصَ يميز ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (154) بما في القلوب لا يخفى عليه شيء وإنما يبتلي ليظهر للناس إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ عن القتال يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ جمع المسلمين وجمع الكفار بأحد وهم المسلمون إلا اثنا عشر رجلا إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ أزلهم الشَّيْطانُ بوسوسته بِبَعْضِ ما كَسَبُوا من الذنوب وهو مخالفة أمر النبي وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ للمؤمنين حَلِيمٌ (155) لا يعجل على العصاة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا أي المنافقين وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ أي في\r______________________________\rقوله: (لكن أخرجنا كرها) أي فحصل القتل فينا. قوله: قُلْ (لهم) أي ردا لمقالتهم واعتقادهم دفع قضاء اللّه المبرم.\rقوله: لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ أي لو لم تخرجوا إلى أحد ومكثتم في بيوتكم وقوله: لَبَرَزَ جواب قوله: لَوْ والمعنى لخرج من قضي عليه بالموت إلى المحل الذي مات به لسبب من الأسباب ونفذ حكم اللّه فيه، مما اتفق أن سليمان بن داود عليهما السّلام كان جالسا، وإذا بملك الموت أقبل عليه ونظر إلى رجل في مجلسه، فارتعدت فرائص الرجل، فلما ذهب ملك الموت قال الرجل: يا نبي اللّه إني خفت من نظرة هذا الرجل، فقال: هو ملك الموت، قال الرجل: مر الرياح لتذهب بي إلى اقصى البلاد ففعل، فبعد لحظة وإذا بملك الموت قد أقبل على سليمان فقال له: إن اللّه أمرني أن أقبض روح ذلك الرجل بتلك الأرض، فلما وجدته في مجلسك تحيرت، فكان منه ما كان، فهو قد خرج هاربا وفي الواقع خرج لمصرعه. قوله: وَ(فعل ما فعل) أشار بذلك إلى أن قوله: لِيَبْتَلِيَ علة لمحذوف والواو عاطفة لذلك المحذوف على أنزل.\rقوله: وَلِيُمَحِّصَ عطف على (لِيَبْتَلِيَ) من عطف المسبب على السبب. قوله: (ليظهر للناس) أي المؤمن الخالص من غيره. قوله: (إلا اثنا عشر) منهم أبو بكر وعلى وطلحة وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، وتقدم في رواية أن من بقي ثمانية عشر، وقيل لم يبق إلا طلحة، وتقدم الجمع بين هذه الروايات. قوله: (و هو مخالفة أمر النبي) أي حيث قسمهم خمسة أقسام وأقام كلا في مركز وقال لهم لا تبرحوا عن مكانكم غلبنا أو نصرنا، فبعضهم تفرق للغنيمة، والبعض فرقه الأعداء.\rقوله: وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ أي عن الجماعة الذين تفرقوا للغنيمة وعصوا أمر النبي. قوله:\rإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ هذه الجملة تأكيد وعلة لما قبلها، أي إنما عفا عنهم لأنه كثير المغفرة للذنوب واسع الحلم، فلا يعجل بالعقوبة على العاصي لأن الكل في قبضته، ولا يعجل بالعقوبة إلا من يخاف الفوات.\rقوله: لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني لا تشبهوهم في قولهم في شأن من مات أو قتل، لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فيه يعتقدون أن الفرار نافع مع قضاء اللّه. قوله: لِإِخْوانِهِمْ أي في النسب أو الكفر أو الضلال، والمعنى لا تكونوا مثلهم في كفرهم ولا في قولهم لإخوانهم إلخ. قوله:","part":1,"page":248},{"id":249,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 248\rشأنهم إِذا ضَرَبُوا سافروا فِي الْأَرْضِ فماتوا أَوْ كانُوا غُزًّى جمع غاز فقتلوا لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا أي لا تقولوا كقولهم لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ القول في عاقبة أمرهم حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ فلا يمنع عن الموت قعود وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بالتاء والياء بَصِيرٌ (156) فيجازيكم به وَلَئِنْ لام قسم قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي الجهاد أَوْ مُتُّمْ بضم الميم وكسرها من مات يموت ويمات أي أتاكم الموت فيه لَمَغْفِرَةٌ كائنة مِنَ اللَّهِ لذنوبكم وَرَحْمَةٌ منه لكم على ذلك واللام مدخولها جواب القسم وهو في موضع الفعل مبتدأ خبره خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) من الدنيا بالتاء والياء وَلَئِنْ لام قسم مُتُّمْ بالوجهين أَوْ قُتِلْتُمْ في\r______________________________\rإِذا ضَرَبُوا إذا هنا لمجرد الزمان وأتى بإذا إشارة إلى أن هذا الأمر محقق منهم. قول: (سافروا) أي مطلقا لغزو أو لا. قوله: (فماتوا) أخذه من قوله الآتي ما ماتُوا قوله: غُزًّى خبر كان منصوب بفتحة مقدرة على الألف المنقلبة عن الواو. قوله: (جمع غاز) أي على غير قياس، وقياس المعتل غزاة كقضاة. قوله: (فقتلوا) أخذه من قوله: وَما قُتِلُوا. قوله: ما ماتُوا راجع لقوله: إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ وقوله: وَما قُتِلُوا راجع لقوله: أَوْ كانُوا غُزًّى. قوله: (أي لا تقولوا كقولهم) أي فإنه شائبة من الكفر والضلال واعتقاده كفر.\rقوله: لِيَجْعَلَ اللام للعاقبة والصيرورة كهي في قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً) والمعنى أن الكفار قصدوا بهذا الكلام اللوم على من خرج ومنع من يريد الخروج، فكان عاقبة ذلك كونه يجعل حسرة في قلوبهم. قوله: (فلا يمنع عن الموت قعود) أي عن الغزو والسفر، ولا يجلب الغزو والسفر موتا، بل لكل أجل كتاب (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون). قوله: (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان، فعلى الياء يكون وعيدا للكفار، وعلى التاء يكون تحذيرا للمؤمنين. قوله: (فيجازيكم به) أي إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، قوله: (لام قسم) أي موطئة تقديره واللّه لئن قتلتم. قوله: (بضم الميم وكسرها) قراءتان سبعيتان. وقوله: (من مات يموت) راجع للضم ووزنه قال يقول، وأصله يموت بسكون الميم وضم الواو نقلت حركة الواو إلى الساكن قبلها. قوله: (و يمات) راجع لقوله: (و كسرها) فيكون من باب خاف يخاف، وأصله يموت بسكون الميم وفتح الواو، نقلت فتحة الواو إلى الساكن قبلها ثم تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا. قوله: (أي أتاكم الموت فيه) أي في السفر.\rقوله: لَمَغْفِرَةٌ أي تأتيه، وقوله: وَرَحْمَةٌ أي إحسان فالموت خير من الحياة إن كان في سفر غير معصية أو جهاد فإنه شهادة على كل حال. قوله: (جواب القسم) أي جواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم، لقول ابن مالك: واحذف لدى اجتماع شرط وقسم. جواب ما أخرت. قوله: (و هو في موضع الفعل) أي فتقديره لغفرت لكم ورحمتكم، وظاهره أن جواب القسم لا بد أن يكون جملة فعلية وليس كذلك، بل يكون جملة اسمية، وقد القتل هنا على الموت لأنه أهم وأشرف، وقدم الموت أولا لمراعاة الترتيب. وآخر لأنه أعم من القتل. قوله: مِمَّا يَجْمَعُونَ يحتمل أن ما مصدرية، والمعنى خير من جمعكم الدنيا أو موصولة، والعائد محذوف تقديره خير من الذي تجمعونه من الدنيا.","part":1,"page":249},{"id":250,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 249\rالجهاد أو غيره لَإِلَى اللَّهِ لا إلى غيره تُحْشَرُونَ (158) في الآخرة فيجازيكم فَبِما ما زائدة رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ يا محمد لَهُمْ أي سهلت أخلاقك إذ خالفوك وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا سيء الخلق غَلِيظَ الْقَلْبِ جافيا فأغلظت لهم لَانْفَضُّوا تفرقوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ تجاوز عَنْهُمْ ما أتوه وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ذنوبهم حتى أغفر لهم وَشاوِرْهُمْ استخرج آراءهم فِي الْأَمْرِ أي شأنك من الحرب وغيره تطييبا لقلوبهم وليستن بك وكان صلّى اللّه عليه وسلّم كثير المشاورة لهم فَإِذا عَزَمْتَ على إمضاء ما تريد بعد المشاورة فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ثق به لا بالمشاورة إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) عليه إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ يعنكم على عدوكم كيوم بدر فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ\r______________________________\rقوله: (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (بالوجهين) أي السابقين من ضم الميم وكسرها.\rقوله:\rلَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ قال بعضهم إن الآية تشير إلى مقامات العبودية الثلاثة: الأول من يعبد اللّه خوفا من ناره وإليه الإشارة بقوله لمغفرة. الثاني من يعبد اللّه شوقا إلى جنته وإليه الإشارة بقوله ورحمة. الثالث من يعبد اللّه لذاته لا طمعا ولا خوفا وإليه الإشارة بقوله لالى اللّه تحشرون، وفي الحقيقة الثالثة قد حاز جميعها لكن من غير قصد منه، لأن مشاهدة اللّه لا تكون إلا في الجنة ولا بد. ومن ذلك قول بعض العارفين:\rليس قصدي من الجنان نعيما ... غير أني أريدها لأراك\r\rقوله: (ما زائدة) أي للتوكيد، والمعنى فبسبب رحمة من اللّه كنت لينا سهلا على الخلق قال أنس بن مالك: خدمت رسول اللّه عشر سنين فما لامني على شيء فعلته أو تركته.\rقوله: رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ التنوين للتعظيم. قوله: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا أي صعب القول والفعل، ومن سهولته قبول توبة وحشي قاتل عمه حمزة. قوله: (سيء الخلق) المناسب أن يفسره بصعوبة القول والفعل. قوله: غَلِيظَ الْقَلْبِ أي قاسيه.\rقوله: لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ أي ذهبوا إلى الكفار ولم يبق منهم أحد، وأما من قبله من الأنبياء فقد عاملوا قومهم بالجلال، كنوح حين قال: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا، وكهود وصالح، فنبينا رحمة للعالمين ولو لا رحمته بنا ما بقي منا أحد، فكان شفيعا عند ربه لنا في كل بلاء عام طلبته الأنبياء لأممهم. قوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ شروع في ذكر ترقيه لهم، فذكر أولا العفو عنهم، ثم الاستغفار لهم ليطهرهم ربهم من الذنوب، فإذا طهروا وصاروا أصفياء خلقاء شاورهم في الأمر. قوله: (تطييبا لقلوبهم) أي تونيسا وجبرا لئلا ينفر ضعفاء المؤمنين لو لم تحصل المشاورة منه. قوله: (و ليستن ربك) أي ليصير سنة لمن يأتي بعدك، وليظهر صاحب الرأي السديد من غيره، ولذا قدموا بعد النبي أبا بكر لأنه كان يشاوره كثيرا، ثم عمر لأن القرآن كان ينزل على طبق ما يقول، واختلف هل كانت المشاورة في أمر الدين والدنيا أو الدنيا فقط، فقيل بالأول ولكن لا يتبع إلا الوحي، وإنما المشاورة تطييبا لخاطرهم، وقيل بالثاني وهو الظاهر. قوله: (ثق به) أي فلا يردك عنه أحد. قوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ أي يثيب المفوضين الأمور اليه.\rقوله: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ هذا خطاب تشريف للمؤمنين المجاهدين. قوله: (يعنكم) أشار بذلك إلى أن النصر بمعنى الإعانة، ويطلق بمعنى الجمع، قال تعالى: (فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) وبمعنى الإنتقام، قال تعالى: (فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ). قوله: فَلا غالِبَ لَكُمْ أي ولو اجتمعت عليكم","part":1,"page":250},{"id":251,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 250\rيَخْذُلْكُمْ يترك نصركم كيوم أحد فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ أي بعد خذلانه أي فلا ناصر لكم وَعَلَى اللَّهِ لا غيره فَلْيَتَوَكَّلِ ليثق الْمُؤْمِنُونَ (160) ونزل لما فقدت قطيفة حمراء يوم بدر فقال بعض الناس لعل النبي أخذها وَما كانَ ما ينبغي لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَ يخون في الغنيمة فلا تظنوا به ذلك وفي قراءة بالبناء للمفعول أي ينسب إلى الغلول وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ حاملا له على عنقه ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ الغال وغيره جزاء ما كَسَبَتْ عملت وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (161) شيئا أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ فأطاع ولم يغل كَمَنْ باءَ رجع بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ لمعصيته وغلوله وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) المرجع هي، لا\r______________________________\rأهل الأرض جميعا. قوله: (أي بعد خذلانه) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف والضمير عائد على اللّه. قوله: (فلا ناصر لكم) أشار بذلك إلى أن الإستفهام إنكاري بمعنى النفي، ولم يقل فلا ناصر لكم إشارة لعدم تقنيطهم من النصر تلطفا بهم، أي فارجعوا إليه ينصركم، قال تعالى: (وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ).\rقوله: فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي المصدقون بأن النصر والخذلان من عند اللّه، والمعنى فإذا علمتم أيها المؤمنون أن من نصره اللّه فلا يغلبه أحد، ومن خذله لا ناصر له سواه، فثقوا به واعتمدوا عليه.\rقوله: (لما فقدت قطيفة) أي من الغنيمة. قوله: (فقال بعض الناس) أي من المنافقين. قوله: (ينبغي) أي يمكن والمعنى لا يتأتى ذلك لأن الأنبياء معصومون من الذنوب كبيرها وصغيرها، وأما قوله تعالى: (قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) حكاية عن سيدنا يوسف، فقال بعض المفسرين: إن يوسف وهو صغير وجد صنما عند جده، فأخذه خفية وكسره ووضعه في محل القذر. قوله: (فلا تظنوا به ذلك) أي لأنها خيانة وهي محرمة والنبي معصوم من ذلك، فمن جوز المعصية على النبي فقد كفر لما فاته للعصمة الواجبة.\rقوله: وَمَنْ يَغْلُلْ كلام مستأنف قصد به التحذير لغير المعصومين. قوله: (حاملا له على عنقه) أي والناس ناظرون له فضيحة له، روى الشيخان عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال: لا ألقين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول يا رسول اللّه أغثني، فأقول لا أملك لك من اللّه شيئا قد أبلغتك، لا ألقين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، فيقول يا رسول اللّه أغثني، فأقول لا أملك لك من اللّه شيئا قد أبلغتك، لا ألقين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، فيقول يا رسول اللّه أغثني، فأقول لا أملك لك من اللّه شيئا قد أبلغتك، لا ألقين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول يا رسول اللّه أغثني، فأقول لا أملك لك من اللّه شيئا، والرغاء صوت البعير، والثغاء صوت الشاة، والرقاع الثياب والصامت الذهب والفضة، والحمحمة صوت الفرس وقوله لا ألقى نفى معناه النبي أي لا يغل أحدكم حتى القاه هكذا.\rقوله: أَفَمَنِ الهمزة مقدمة من تأخير لأن الإستفهام له الصدارة. قوله: (و لم يغل أي لم يسرق ولم يخن). قوله: بِسَخَطٍ مصدر قياسي لسخط بكسر الخاء، وله مصدر سماعي وهو سخط بضم السين وسكون الخاء. قوله: (هي) هذا هو المخصوص بالذم، وقوله: (لا) جواب الاستفهام. قوله:","part":1,"page":251},{"id":252,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 251\rهُمْ دَرَجاتٌ أي أصحاب درجات عِنْدَ اللَّهِ أي مختلفو المنازل، فلمن اتبع رضوانه الثواب، ولمن باء بسخطه العقاب وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (163) فيجازيهم به لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي عربيا مثلهم ليفهموا عنه ويشرفوا به ملكا ولا عجميا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ القرآن وَيُزَكِّيهِمْ يطهرهم من الذنوب وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ القرآن وَالْحِكْمَةَ السنة وَإِنْ مخففة أي إنهم كانُوا مِنْ قَبْلُ أي قبل بعثه لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164) بين أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ بأحد بقتل سبعين منكم قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها ببدر بقتل سبعين وأسر سبعين منهم قُلْتُمْ متعجبين أَنَّى من أين لنا هذا الخذلان ونحن مسلمون ورسول اللّه فينا والجملة الأخيرة محل الاستفهام الإنكاري قُلْ لهم هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ لأنكم تركتم المركز فخذلتم إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) ومنه النصر ومنعه وقد\r______________________________\rهُمْ دَرَجاتٌ أي رتب فمنهم المقبول فله الدرجات العلا، ومنهم المردود فله الدركات السفلى، وفيه تغليب على الدركات لشرفها.\rقوله: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ هذا ترق في تعظيمه صلّى اللّه عليه وسلّم، فنزهه أولا عن الغلول، ثم بين أن وجوده بينهم نعمة عظيمة أنعم بها عليهم، وفي الحقيقة هو نعمة حتى على الكفار، وإنما خص المؤمنين لأنهم هم المنتفعون بها وتدوم عليهم، وأما الكفار وإن آمنوا به من الخسف والمسخ وكل بلاء عام ورزقوا به، إلا أن عاقبتهم الخلود في دار البوار ويتبرأ منهم ولا يشفع لهم في النجاة من العذاب.\rبشرى لنا معشر الإسلام إن لنا ... من العناية ركنا غير منهدم\r\rقوله: (لا ملكا) أي لعدم إطاقة البشر له، قال تعالى: (وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ). قوله: (و لا عجميا) أي لعدم فهمهم عنه ما أرسل به، ومن نعم اللّه أيضا كون القرآن عربيا، قال تعالى: (وَ لَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) الآية. قوله:\rوَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ أي بنفسه أو بواسطة كالعلماء. قوله: (السنة) العلم النافع. قوله: (مخففة) أي من الثقيلة لا عمل لها لقول ابن مالك:\rوخففت إن فقل العمل ... وتلزم اللام إذا ما تهمل\r\rقوله: لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي كفر واضح ظاهر، قال العارف البرعي:\rأتى والجاهلية في ضلال ... وكفر تعبد الحجر الأصنا\r\rوتأكل ميتة ودما وتسطو ... على مؤودة الأطفال دفنا\r\rفجاء بملة الإسلام يتلو ... مثاني في صلاة الخمس مثنى\r\rقوله: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ الهمزة داخلة على قوله: قُلْتُمْ أَنَّى هذا التقدير أقلتم أني هذا حين أصابتكم إلخ. قوله: (و أسر سبعين) لأن الفخر بالمأسور أعظم من المقتول لدلالته على عظم الشجاعة، فلذا قال قد أصبتم مثيلها، والمقصود من ذلك التسلية للمؤمنين. قوله: (و الجملة الأخيرة) أي وهي قوله قلتم. قوله: (محل الإستفهام الإنكاري) أي فهو بمعنى النفي والمعنى لا تقولوا ذلك حين أصابتكم","part":1,"page":252},{"id":253,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 252\rجازاكم بخلافكم وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ بأحد فَبِإِذْنِ اللَّهِ بإرادته وَلِيَعْلَمَ اللّه علم ظهور الْمُؤْمِنِينَ (166) حقا وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَالذين قِيلَ لَهُمْ لما انصرفوا عن القتال وهم عبد اللّه بن أبي وأصحابه تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أعداءه أَوِ ادْفَعُوا عنا القوم بتكثير سوادكم إن لم تقاتلوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ نحسن قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ قال تعالى تكذيبا لهم هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ بما أظهروا من خذلانهم للمؤمنين وكانوا قبل أقرب إلى الإيمان من حيث الظاهر يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ولو علموا قتالا لم يتبعوكم وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (167) من النفاق الَّذِينَ بدل من الذين قبله أو نعت قالُوا لِإِخْوانِهِمْ في الدين وَقد قَعَدُوا عن الجهاد لَوْ أَطاعُونا أي شهداء أحد أو إخواننا في القعود ما قُتِلُوا قُلْ لهم فَادْرَؤُا ادفعوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (168) في أن القعود ينجي منه. ونزل في الشهداء وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا بالتخفيف والتشديد فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لأجل دينه أَمْواتاً بَلْ هم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ أرواحهم في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة\r______________________________\rمصيبة، لأنه من عند أنفسكم فسببه ظاهر فلا يتعجب منه. قوله: (بحلافكم) أي مخالفتكم والمعنى جازاكم عليها.\rقوله: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ شروع في بيان الحكم التي ترتبت على هزيمة المؤمنين بأحد. قوله: (علم ظهور) أي بالنسبة للخلق. قوله: (أصحابه) أي وكانوا ثلاثمائة.\rقوله:\rتَعالَوْا قاتِلُوا أي إما في المقدم بالسيف، أو في المؤخر بالسهام. قوله: (بتكثير سوادكم) أي عددكم وأشخاصكم. قوله: (بما أظهروا) أي بسببه أي فاظهارهم الخذلان للمؤمنين سبب في كونهم أقرب للكف من الإيمان. قوله: (بدل من الذين قبلهم) أي وهو قوله الذين نافقوا.\rقوله: وَقَعَدُوا الجملة حالية فلذا قدر المفسر قد.\rقوله: قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ ورد أنه نزل بهم الموت وهم في دورهم، فمات منهم سبعون من غير قتال في يوم أحد. قوله: (و نزل في الشهداء) قيل شهداء بدر وقيل أحد وقيل شهداء بئر معونة، وهم سبعون أرسلهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأهل نجد يعلمونهم القرآن فقتلوهم عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا واحد فر هاربا، وأخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذا الوعد الحسن لكل من قتل في سبيل اللّه لإعلاء كلمة اللّه، وسبب ذلك أن الشهداء الذين قتلوا لما رأوا ما رأوا من الحياة والرزق والنعيم الدائم، قالوا ربنا ومن يوصل خبرنا لإخواننا الأحياء، فقال لهم اللّه أنا أبلغ خبركم لإخوانكم، فقال تعالى: (وَ لا تَحْسَبَنَّ).\rقوله: وَلا تَحْسَبَنَ الخطاب قيل للنبي، وقيل لكل من يصلح للخطاب، والَّذِينَ مفعول أول وأَمْواتاً مفعول ثان وبَلْ للإضراب الإنتقالي وأَحْياءٌ خبر لمحذوف قدره المفسر بقوله:\r(و هم) قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (في سبيل اللّه) أي طاعته، والمعنى لم يكن لهم قصد إلا إعلاء دينه. قوله: بَلْ أَحْياءٌ بل للعطف، وما بعدها خبر لمحذوف، والجملة معطوفة على ما قبلها، وهذه الحياة ليست كحياة الدنيا بل هي أعلى وأجل منها، لأنهم يسرحون حيث شاءت أرواحهم. قوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ خبر ثان، والمعنى أنهم في كرامة ربهم وضيافته، وقوله:","part":1,"page":253},{"id":254,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 253\rحيث شاءت كما ورد في الحديث يُرْزَقُونَ (169) يأكلون من ثمار الجنة فَرِحِينَ حال من ضمير يرزقون بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَهم يَسْتَبْشِرُونَ يفرحون بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ من إخوانهم المؤمنين ويبدل من الذين أَلَّا أي بأن خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي الذين لم يلحقوا بهم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) في الآخرة المعنى يفرحون بأمنهم وفرحهم يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ ثواب مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ زيادة عليه وَأَنَ بالفتح عطفا على نعمة والكسر استئنافا اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) بل يأجرهم الَّذِينَ مبتدأ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ دعاءه بالخروج للقتال لما أراد أبو سفيان وأصحابه العود وتواعدوا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سوق بدر العام المقبل\r______________________________\rيُرْزَقُونَ خبر ثالث. قوله: (كما ورد في الحديث) أي وهو أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إن اللّه جعل أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش».\rوأما أجسادهم فمحلها القبور، غير أن الأرواح لها تعلق بها، فلذلك لا يحصل لأجسادهم بلاء، فأرواحهم لها جولان عظيم من البرزخ إلى أعلى السموات إلى داخل الجنان، والطيور الخضر لها كالهوادج مع كونها متصلة بجسم صاحبها، وما وصل للروح من النعيم يحصل للجسم أيضا، وذلك نظير النائم، فإن النائم يرى أن روحه في المشرق أو في المغرب مع كونها متصلة بجسمه، وكالأولياء الذين أعطاهم اللّه التصريف، فإن الواحد منهم يكون جالسا في مكان، وروحه تسرح في أمكنة متعددة، وربك على كل شيء قدير، ولذلك قال اللّه تعالى في آية البقرة: (و لكن لا تشعرون) ومثل الشهداء الأنبياء بل حياة الأنبياء أجل وأعلى، وأما المؤمنون غير الشهداء والأنبياء فأرواحهم تسرح من القبر إلى باب الجنة، وتنظر ما أعد لها من النعيم المقيم، لكن لا تدخلها إلى يوم القيامة، وذلك يسمى عالم البرزخ، واتساعه بالنسبة للدينا كاتساع الدنيا بالنسبة لبطن الأم.\rقوله: بِما آتاهُمُ متعلق بقوله: فَرِحِينَ والذي آتاهم اللّه من فضله هو حياتهم ورزقهم.\rقوله: وَ(هم) يَسْتَبْشِرُونَ أشار بذلك إلى أن يستبشرون خبر لمحذوف، والجملة إما حالية من الضمير في فرحين أو مستأنفة. قوله: (بالذين لم يلحقوا بهم) أي في الموت، والمعنى أنهم يفرحون بما أعطاهم اللّه، ويفرحون بما أعد لإخوانهم الذين لم يموتوا الآن، سواء كانوا موجودين أو سيوجدون إلى يوم القيامة، لدخولهم الجنة وإطلاعهم على منازل المؤمنين فيها. قوله: مِنْ خَلْفِهِمْ حال من الواو في يلحقوا، أي حال كون الذين لم يلحقوا بهم متخلفين عنهم. قوله: (المعنى يفرحون) أي المتقدمون، وقوله: (بأمنهم) أي المتأخرين.\rقوله: بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي لهم ولإخوانهم. قوله: (بالفتح عطفا على نعمة) أي ويكون المعنى يستبشرون بنعمة من اللّه وفضل وبأن اللّه لا يضيع إلخ، وقوله: (و الكسر) استئنافا أي في معنى العلة لما قبله، والقراءتان سبعيتان.\rقوله: الَّذِينَ اسْتَجابُوا نزلت في أهل أحد حين دعاهم للقتال ثانيا بعد حصول التفرقة لهم، فخرجوا وساروا خلف العدو ثمانية أميال، فوقع بينهم ما وقع في مكان يقال له حمراء الأسد، فحصل التوافق بين أبي سفيان والنبي أن يرفعوا القتال إلى العام القابل، والموعد بدر الصغرى، فسار أبو سفيان وأصحابه، ومكث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بحمراء الأسد من يوم الأحد إلى يوم الجمعة إذا علمت ذلك، فقول المفسر (بالخروج للقتال لما أراد أبو سفيان إلخ) ليس بسديد فإن الآية نزلت مدحا لمن أجاب الرسول للقتال ثانيا","part":1,"page":254},{"id":255,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 254\rمن يوم أحد مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ بأحد وخبر المبتدأ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ بطاعته وَاتَّقَوْا مخالفته أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) هو الجنة الَّذِينَ بدل من الذين قبله أو نعت قالَ لَهُمُ النَّاسُ أي نعيم بن مسعود الأشجعي إِنَّ النَّاسَ أبا سفيان وأصحابه قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ الجموع ليستأصلوكم فَاخْشَوْهُمْ ولا تأتوهم فَزادَهُمْ ذلك القول إِيماناً تصديقا باللّه ويقينا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ كافينا أمرهم وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) المفوض إليه الأمر هو وخرجوا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فوافوا سوق بدر وألقى اللّه الرعب في قلب أبي سفيان وأصحابه فلم يأتوا وكان معهم تجارات فباعوا وربحوا قال تعالى فَانْقَلَبُوا رجعوا من بدر بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ بسلامة وربح لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ من قتل أو جرح وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ بطاعته ورسوله في الخروج وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) على أهل طاعته إِنَّما ذلِكُمُ أي القائل لكم إن الناس الخ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ كم أَوْلِياءَهُ الكفار فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ في ترك أمري إِنْ كُنْتُمْ\r______________________________\rفي غزوة أحد يوم الأحد بعد الواقعة التي كانت يوم السبت، وتسمى غزوة يوم الأحد غزوة حمراء الأسد، وهي التي مدحهم اللّه بها وانجبر خللهم بها. قوله: (بأحد) المناسب أن يقول بعد ذلك يوم السبت، واستجابوا له يوم الأحد، قوله: مِنْهُمْ من بيانية على حد فاجتنبوا الرجس من الأوثان.\rقوله: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ شروع في ذكر غزوة بدر الثالثة وتسمى بدر الصغرى، وكانت في السنة الرابعة من شعبان وهو يوم موسم عظيم لقبائل العرب كل عام، فخرج أبو سفيان حتى نزل مر الظهران، فألقى اللّه الرعب في قلبه فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي، فقال أبو سفيان يا نعيم إني قد واعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر وهذا عام جدب، فأحب أن يكون الخلف منه لا مني، فاذهب إلى المدينة فثبطهم عن الخروج، ولك عندي عشرة من الإبل، فانطلق نعيم إلى المدينة فوجد النبي وأصحابه يتجهزون، فقال لهم ما تريدون فقالوا لميعاد أبي سفيان، فقال لهم لا تقدرون عليهم فإنهم قد جمعوا لكم فاخشوهم، فقال النبي لأخرجن اليهم ولو وحدي، فخرج النبي في ألف وخمسمائة مقاتل حتى بلغوا بدرا وكانت موضع سوق للعرب يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام، فصادفوا الموسم وباعوا ما كان معهم من التجارات، فربحوا في الدرهم درهمين ولم يأتهم أحد من المشركين، فرجعوا بربح وأجر عظيمين، وأسلم كثير من أهل القبائل حينئذ. قوله: (أي نعيم بن مسعود) أي فأطلق الكل وأراد البعض، وقد أسلم بعد ذلك عام الخندق. قوله: (ذلك القول) أشار بذلك إلى فاعل زاد على حد (اعدلوا هو أقرب للتقوى).\rقوله: (هو) أي اللّه وهو إشارة للمخصوص بالمدح، وهذه الدعوة من أفضل الدعوات، وقد استعملها العارفون للمهمات وجعلوا عدتها أربعمائة وخمسين، فمن فعلها كفاه اللّه ما أهمه. قوله: (فلم يأتوا) أي أبو سفيان وأصحابه، وقد أسلم هو يوم الفتح بعد أن أسر قوله: (و ربحوا) أي في الدرهم درهمين. قوله:\r(بسلامة وربح) راجع للنعمة والفضل. قوله: (أي لقائل لكم) أي وهو نعيم بن مسعود الأشجعي.\rقوله: يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ أشار بذلك إلى أن يخوف ينصب مفعولين الكاف المقدرة مفعول أول وأولياء مفعول ثان، والمعنى يخوفكم شر أوليائه وهم الكفار.","part":1,"page":255},{"id":256,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 255\rمُؤْمِنِينَ (175) حقا وَلا يَحْزُنْكَ بضم الياء وكسر الزاي وبفتحها وضم الزاي من حزنه لغة في أحزنه الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ يقعون فيه سريعا بنصرته وهم أهل مكة أو المنافقون أي لا تهتم لكفرهم إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً بفعلهم وإنما يضرون أنفسهم يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا نصيبا فِي الْآخِرَةِ أي الجنة فلذلك خذلهم وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (176) في النار إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ أي أخذوه بدله لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ بكفرهم شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (177) مؤلم وَلا يَحْسَبَنَ بالياء والتاء الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي أي إملاءنا لَهُمْ بتطويل الأعمار وتأخيرهم خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ وأن ومعمولاها سدت مسد المفعولين في قراءة التحتانية ومسد الثاني في الأخرى أَنَّما نُمْلِي نمهل لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً بكثرة المعاصي وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (178) ذو إهانة في الآخرة ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ ليترك الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ أيها الناس عَلَيْهِ من\r______________________________\rقوله: وَلا يَحْزُنْكَ نزلت تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين. قوله: (بضم الياء إلخ) قراءتان سبعيتان ولغتان مشهورتان، الأولى من أحزن، والثانية من حزن. قوله: (يقعون فيه) أشار بذلك إلى أن يسارعون مضمن معنى يقعون فعداه بفي إشارة إلى أنهم تلبسوا بالكفر وليسوا بخارجين عنه. قوله: (بنصرته) أي الكفر بمقاتلة النبي وأصحابه. قوله: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً علة للنفي وهو على حذف مضاف تقديره لن يضروا أولياء اللّه شيئا، وإنما أسند الضرر لنفسه تشريفا لهم، كأن محاربة المسلمين محاربة له. إن قلت: إن قتلهم للمؤمنين مشاهد وهو ضرر فكيف ينفى؟ أجيب: بأنه ليس بضرر بل هو شهادة فالمؤمنون فائزون على كل حال قتلوا أو قتلوا، والكافرون خاسرون على كل حال قتلوا أو قتلوا. قوله: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ أي جزاء لمسارعتهم في الكفر ونصرتهم له.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ هذه الجملة مؤكدة لما قبلها. قوله: (أي أخذوه بدله) يعني تركوا الإيمان واختاروا الكفر. قوله: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ إنما وصف العذاب هنا بكونه أليما، لأن من اشترى سلعة وخسر فيها تألم منها، ووصفه فيما تقدم بالعظيم، لأن المسارعة للشيء تقتضي عظمه.\rقوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان، فعلى التاء الخطاب للنبي،\rوقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا مفعول أول لتحسبن، وقوله: أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ في محل المفعول الثاني، وهو تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى لا تظن أن إمهال الكافر بطول عمره وأكله من رزق اللّه ومقاتلته في أولياء اللّه خير له، وإنما إمهاله ليزداد إثما وجرما، قال تعالى: (وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) الآية، وعلى الياء فقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا فاعل تحسبن، وقوله: أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ سد مسد مفعوليها كما قال المفسر، والمعنى لا يظن الكفار أن إملاءنا وإمهالنا لهم خير لهم بل هو شر لهم، لأننا إنما نملي لهم ليزدادوا إثما. قوله: (أي إملاءنا) أشار بذلك إلى أن ما مصدرية تسبك مع ما بعدها بمصدر اسم إن. قوله: (و مسد الثاني في الأخرى) أي ومفعولها الأول هم الذين كفروا. قوله: أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ تعليل لما قبله. قوله: وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ وصفه بالإهانة، لأن من شأن من طال عمره في الكفر أن تنفذ كلمته ويزداد عزا، فعومل بضد ما لقي في الدنيا.\rقوله: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ هذا وعد من اللّه لنبيه بأنه سيميز له المؤمن من المنافق. قوله:","part":1,"page":256},{"id":257,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 256\rاختلاط المخلص بغيره حَتَّى يَمِيزَ بالتخفيف والتشديد يفصل الْخَبِيثَ المنافق مِنَ الطَّيِّبِ المؤمن بالتكاليف الشاقة المبينة لذلك وفعل ذلك يوم أحد وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ فاعرفوا المنافق من غيره قبل التمييز وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي يختار مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فيطلعه على غيبه كما أطلع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على حال المنافقين فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا النفاق فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) وَلا يَحْسَبَنَ بالياء والتاء الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي بزكاته هُوَ أي بخلهم خَيْراً لَهُمْ مفعول ثان والضمير للفصل والأول بخلهم مقدرا قبل الموصول على الفوقانية وقبل الضمير على التحتانية بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ أي بزكاته من المال يَوْمَ الْقِيامَةِ بأن يجعل حية في عنقه تنهشه كما ويد في الحديث وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يرثهما بعد فناء أهلهما وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بالياء والتاء خَبِيرٌ (180) فيجازيكم به لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ وهم اليهود قالوه لما\r______________________________\r(أيها الناس) أي المؤمنون والكفار. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (و فعل ذلك يوم أحد) أي حيث امتحنهم بالقدوم على العدو وبذل الأموال، وكذلك في غزوة الأحزاب، وكذلك في ميعاد أبي سفيان في العام المقبل من أحد، ففضحهم اللّه وميزهم في مواضع عديدة. قوله: عَلَى الْغَيْبِ أي ما غاب عنهم.\rقوله: وَلكِنَّ اللَّهَ استدراك على ما تقدم في قوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ كأنه قال إلا الرسل فإنه يطلعهم على الغيب. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أي بزكاته) أشار بذلك إلى الكلام على حذف مضاف، أي بزكاة ما آتاهم اللّه من فضله. قوله: (مقدرا قبل الموصول) أي فتقديره ولا تحسبن بخل الذين يبخلون الخ خيرا لهم إذا علمت ذلك، فقول المفسر بخلهم فيه تسمح، لأن المقدر قبل الموصول يكون مضافا له لا للضمير، وإنما المضاف للضمير وهو ما قدر قبل الضمير.\rقوله: (و قبل الضمير) أي فتقديره وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ الخ، بخلهم خيرا لهم.\rقوله: (كما ورد في الحديث) أي وهو قوله عليه الصلاة والسّلام «يمثل مانع الزكاة بشجاع أقرع له زبيبتان يأخذ بلهزمتيه ويقول أنا كنزك أنا مالك» ثم تلا وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ الآية، وقال تعالى: (يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ) الآية، وهذا إذا كان المال من حلال فما بالك إذا كان من حرام وبخل به. قوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ هذا كالدليل لما قبله، كأنه قال لا معنى للبخل بالمال، فإنه للّه يعطيه لمن يشاء ليصرفه فيما أمر به مدة حياته، فإذا مات رجع المال لصاحبه. قال الشاعر:\rوما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع\rقوله: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ اللام موطئة لقسم محذوف أي واللّه لقد سمع إلخ. وسبب ذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما أمرهم بالدخول في الإسلام، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا اللّه قرضا حسنا، قال كبراء اليهود كحي بن أخطب وكعب بن الأشرف وفنحاص بن عاذوراء، لأبي بكر الصديق حين أمرهم بما ذكر على لسان رسوله (إن اللّه فقير ونحن أغنياء) ولو كان غنيا ما استقرضنا، ومعنى سمعه","part":1,"page":257},{"id":258,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 257\rنزل (من ذا الذي يقرض اللّه قرضا حسنا) وقالوا لو كان غنيا ما استقرضنا سَنَكْتُبُ نأمر بكتب ما قالُوا في صحائف أعمالهم ليجازوا عليه وفي قراءة بالياء مبنيا للمفعول وَنكتب قَتْلَهُمُ بالنصب والرفع الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ بالنون والياء أي اللّه لهم في الآخرة على لسان الملائكة ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (181) النار ويقال لهم إذا ألقوا فيها ذلِكَ العذاب بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ عبر بها عن الإنسان لأن أكثر الأفعال تزاول بها وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ أي بذي ظلم لِلْعَبِيدِ (182) فيعذبهم بغير ذنب الَّذِينَ نعت للذين قبله قالُوا لمحمد إِنَّ اللَّهَ قد عَهِدَ إِلَيْنا في التوراة أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ نصدقه حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ فلا نؤمن لك حتى تأتينا به وهو ما يتقرب به إلى اللّه من نعم وغيرها فإن قبل جاءت نار بيضاء من السماء فأحرقته وإلا بقى مكانه وعهد إلى بني إسرائيل ذلك إلا في المسيح ومحمد قال تعالى قُلْ لهم توبيخا قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات وَبِالَّذِي قُلْتُمْ كزكريا ويحيى\r______________________________\rله علمه وإحصاءه والمجازاة عليه. قوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً* هذا من تلطف اللّه بعباده وتنزله لهم، وإلا فالملك للّه وحده، وإنما سماها قرضا لأن جزاءه عليه كمجازاة المقترض أو أعظم، فمن إحسانه عليها خلق ونسب إلينا، وليس معناه أقرضوا اللّه لينتفع به، بل معناه أعطوا الفقراء لأجلي ومجازاتكم عليّ. قوله: (و في قراءة بالياء) أي فهما قراءتان سبعيتان، فعلى هذه القراءة يكون الموصول وصلته نائب الفاعل، وعلى الأولى يكون مفعولا، والفاعل ضمير يعود على اللّه. قوله: (بالنصب والرفع) لف ونشر مرتب وهو معطوف على محل الموصول، وصلته محله إما نصب على قراءة النون، أو رفع على قراءة الياء. قوله: بِغَيْرِ حَقٍ أي حتى في اعتقادهم. إن قلت: إن ذلك كان في أجدادهم فلم أوخذوا به؟ أجيب: بأن رضاهم به صيره كأنه واقع منهم، لأن الرضا بالكفر كفر. قوله: (أي اللّه) هذا تفسير لقراءة الياء، ويحتمل أنه راجع لقراءة النون ويكون حل معنى، وإلا فمقتضى حلها أن يقول أي في نحن.\rقوله: (عبر بها عن الإنسان إلخ) أي فهو من باب تسمية الكل باسم جزئه، وقوله: (لأن أكثر الأفعال تزاول بها) علة لارتكاب المجاز.\rقوله: وَأَنَّ اللَّهَ معطوف على الموصول عطف علة على معلول، التقدير ذلك العذاب بما قدمت أيديكم، لأن اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ. قوله: (أي بذي ظلم) دفع بذلك ما يقال إن المنفى كثرة الظلم، فيفيد أن أصل الظلم ثابت، فأجاب بأن هذه الصيغة للنسب لا للمبالغة كتمار. قال ابن مالك:\rومع فاعل وفعال فعل ... في نسب أغنى من اليا قبل\rقوله: (نعت للذين قبله) أي وهو قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ فقد وصفهم بأوصاف زادتهم قبحا وشناعة. قوله: (في التوراة) أي على لسان موسى، قيل إن تلك المقالة لم تقع أصلا فهي كذب محض، وقيل إنها موجودة في التوراة إلا في حق المسيح ومحمد، وأما هما فمعجزاتهما غير ذلك، فهم قد كذبوا على التوراة على كل حال. قوله: (من نعم) أي إبل وبقر وغنم وغيرهما أي كخيل وبغال وحمير وأمتعة. قوله: (بيضاء) أي لا دخان لها ولها دوي. قوله: (إلا في المسيح ومحمد) هذه طريقة، والطريقة الأخرى أن هذا العهد باطل وكذب من أصله. قوله: (كزكريا ويحيى) أي فجاؤوا بقربان","part":1,"page":258},{"id":259,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 258\rفقتلتموهم والخطاب لمن في زمن نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم وإن كان الفعل لأجدادهم لرضاهم به فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (183) في أنكم تؤمنون عند الإتيان به فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ المعجزات وَالزُّبُرِ كصحف إبراهيم وَالْكِتابِ وفي قراءة بإثبات الباء فيهما الْمُنِيرِ (184) الواضح كالتوراة والإنجيل فاصبر كما صبروا كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ جزاء أعمالكم يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ بعد عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ نال غاية مطلوبه وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا أي العيش فيها إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (185) الباطل يتمتع به قليلا ثم يفنى لَتُبْلَوُنَ حذف منه الرفع لتوالي النونات والواو ضمير الجمع لإلتقاء الساكنين لتختبرن\r______________________________\rوأكلته النار. قوله: (لرضاهم به) أي والرضا بالكفر كفر.\rقوله: فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ أي فلأي شيء قتلتموهم.\rقوله: فَإِنْ كَذَّبُوكَ أي داموا على تكذيبك، وجواب الشرط محذوف قدره المفسر بقوله فاصبر كما صبروا والمناسب ذكره بلصقه وأما فقد كذب رسل فدليل الجواب، ولا يصح أن يكون جوابا لأنه ماض بالنسبة للشرط، وهذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (المعجزات) أي الظاهرة الباهرة. قوله: وَالزُّبُرِ جمع زبور وهو كل كتاب اشتمل على المواعظ من الزبر، وهو الموعظة والزجر. قوله: وَالْكِتابِ عطف خاص على العام، وإنما خصهما لشرفهما. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا.\rقوله: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ هذا أيضا من جملة التسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى كل روح ذائقة الموت لجسمها وإلا فالروح لا تموت، وعموم الآية يشمل حتى الشهداء والأنبياء والملائكة. وأما قوله تعالى: (وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً، بَلْ أَحْياءٌ) فمعناه ترد بعد خروجها لهم، وكذلك الأنبياء والملائكة، وأما ما عداهم فلا ترد، لهم إلا عند النفخة الثانية. قوله: (جزاء أعمالكم أي خيرها أو شرها). قوله: يَوْمَ الْقِيامَةِ أي وما ألحق به لما ورد «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار». قوله: وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ أي مع السابقين أو بعد الخروج من النار. قوله: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا أي القريبة وهي التي نحن ملتبسون بها. قوله: (الباطل) أي الزائل الذي لا يبقى، ويصح أن يراد بالغرور مصدر بمعنى اسم المفعول، أي المخدوع بالشيء الحسن ظاهره القبيح باطنه بمعنى أنه لا يدري العواقب. قال الإمام الشافعي:\rإن للّه عبادا فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا\r\rنظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحي وطنا\rجعلوها لجة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا\r\rقوله: لَتُبْلَوُنَ أخبار من اللّه للمؤمنين بأنه سيقع لهم بلايا من اللّه بلا واسطة، ومن الكفار أذى كثير في أموالهم وأعراضهم وأنفسهم، وأمر منه لهم بالصبر حين وقوع ذلك، لأن الجنة حفت بالمكاره، واللام موطئه لقسم محذوف، وتبلون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه النون المحذوفة لتوالي النونات، والواو نائب فاعل، والنون للتوكيد، وأصله تبلوون أكد فصار تبلونن، ثم أتى باللام لتدل على القسم المحذوف تحركت الواو الأولى التي هي اللام الكلمة، وانفتح ما قبلها قلبت الفا فالتقى ساكنان، حذفت","part":1,"page":259},{"id":260,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 259\rفِي أَمْوالِكُمْ بالفرائض فيها والجوائح وَأَنْفُسِكُمْ بالعبادات والبلاء وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ اليهود والنصارى وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا من العرب أَذىً كَثِيراً من السب والطعن والتشبيب بنسائكم وَإِنْ تَصْبِرُوا على ذلك وَتَتَّقُوا اللّه فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) أي من معزوماتها التي يعزم عليها لوجوبها وَاذكر إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي العهد عليهم في التوراة لَتُبَيِّنُنَّهُ أي لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ أي الكتاب بالياء والتاء في الفعلين فَنَبَذُوهُ طرحوا الميثاق وَراءَ ظُهُورِهِمْ فلم يعملوا به وَاشْتَرَوْا بِهِ أخذوا بدله ثَمَناً قَلِيلًا من الدنيا من سفلتهم برياستهم في العلم فكتموه خوف قوته عليهم فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (187) شراؤهم هذا لا تَحْسَبَنَ بالتاء والياء الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا فعلوا من إضلال الناس وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا من التمسك بالحق وهم على ضلال فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بالوجهين تأكيد بِمَفازَةٍ بمكان ينجون فيه مِنَ الْعَذابِ في الآخرة بل هم في\r______________________________\rالألف لالتقاء الساكنين، ثم حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، ثم حركت الواو بحركة مجانسة لها. قوله:\r(لالتقاء الساكنين) علة لمحذوف تقديره وحذفت الألف المنقلبة عن الواو الأولى لإلتقاء الساكنين. قوله:\r(لتختبرن) حل لمعنى لتبلون، والمعنى يعاملكم معاملة المختبر وإلا فهو أعلم بكم من أنفسكم. قوله:\r(بالفرائض فيها) أي كالزكاة والكفارات والنذور، وقوله: (و الجوائح) أي الأمور السماوية التي تهلك الزرع، كالجراد والفأر والظلمة، قوله: (بالعبادات) أي التكاليف بها، وقوله: (و البلاء) أي الذى يصيب الإنسان في نفسه، كالعمى والجراحات وغير ذلك.\rقوله: مِنْ قَبْلِكُمْ جار ومجرور حال من قوله: الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وأصل لتسمعن تسمعون أكد بالنون ولام القسم، حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال فالتي ساكنان، حذفت الواو لالتقائهما ولوجود الضمة التي تدل عليها. قوله: (و التشبيب بنسائكم) أي بذكر محاسنهن وأوصافهن بالقصائد وتناشدها بينهم، وكان يفعل ذلك كعب بن الأشرف لعنه اللّه. قوله: (على ذلك) أي المذكور من الإبتلاء في الأموال والأنفس، وسماع الأذى من أهل الكتاب. قوله: (لوجوبها) أي فالصبر على ما ذكر والتقوى للّه من الأمور الواجبة، فإن من علامة الإيمان الصبر والتقوى، وقبيح على الإنسان يدعي محبة اللّه ثم لم يصبر على أحكامه. قال العارف:\rتدعى مذهب الهوى ثم تشكو ... أين دعواك في الهوى يا معنى\r\rلو وجدناك صابرا لبلانا ... لعطيناك كل ما تتمنى\rقوله: (بالياء والتاء في الفعلين) أي وهما ليبيننه ولا يكتمونه وهما قراءتان سبعيتان فعلى الياء إخبار عنهم وعلى التاء حكاية للحال الماضية.\rقوله: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كناية عن عدم التمسك به، لأن من لم يتمسك بشيء ولم يعتنه طرحه خلف ظهره. قوله: (شراؤهم) أشار به إلى أن ما مؤولة بمصدر فاعل بئس، وقوله: (هذا) هو المخصوص بالذم، وهذه الآية وإن وردت في الكفار تجر بذيلها على عصاة المؤمنين الذين يكتمون الحق وينصرون الباطل.\rقوله: (بالياء والتاء) فعلى التاء الخطاب للنبي أو لمن يصلح له الخطاب الَّذِينَ مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف دل عليه. قوله: بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ تقديره ناجين من عذاب اللّه، وعلى الياء فقوله: الَّذِينَ فاعل ومفعولاها محذوفان تقديرهما","part":1,"page":260},{"id":261,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 260\rمكان يعذبون فيه وهو جهنم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (188) مؤلم فيها ومفعولا يحسب الأولى دل عليهما مفعولا الثانية على قراءة التحتانية وعلى الفوقانية حذف الثاني فقط وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خزائن المطر والرزق والنبات وغيرها وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) ومنه تعذيب الكافرين وإنجاء المؤمنين إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وما فيهما من العجائب وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ بالمجيء والذهاب والزيادة والنقصان لَآياتٍ دلالات على قدرته تعالى لِأُولِي الْأَلْبابِ (190) لذوي العقول الَّذِينَ نعت لما قبله أو بدل يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ مضطجعين أي في كل حال وعن ابن عباس يصلون كذلك حسب الطاقة وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ليستدلوا به على قدرة صانعهما يقولون رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا الخلق\r______________________________\rأنفسهم ناجين من عذاب اللّه، وسيأتي يشير لذلك المفسر. قوله: (بالوجهين) أي الياء والتاء، لكن على قراءة الياء والتاء مفتوحة، وهذه الآية تجر بذيلها على من يكون خبيث الباطن ويجب زينة الظاهر، كأن يظهر العلم والصلاح والتقوى مع كونه في الباطن ضالا مضلا.\rقوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي التصرف فيما في السماوات وما في الأرض، لأن ذات السماوات والأرض لا نزاع في أنهما مملوكان للّه. قوله: (و منه) أي من الشيء المقدور عليه.\rقوله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ سبب نزولها أن كفار مكة قالوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ائتنا بآية تدل على أن اللّه واحد، فقال تعالى ردا عليهم: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآيات، وإن حرف توكيد ونصب، وفي خلق جار ومجرور خبرها مقدم، وخلق مضاف، والسماوات مضاف إليه، وقوله:\rلَآياتٍ اسمها مؤخر. قوله: (و ما فيهما من العجائب) أشار بذلك إلى أن خلق باق على مصدريته بمعنى الإيجاد، ويحتمل أن يكون بمعنى اسم المفعول، أي مخلوقات السموات والأرض وقوله: (من العجائب) أي كالنجوم والشمس والقمر والسحاب بالنسبة للسماوات، والبحار والجبال والنباتات والحيوانات بالنسبة للأرض. قال تعالى: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) وبالجملة ففي كل شيء له آية، تدل على أنه الواحد. قوله: (بالمجيء والذهاب) أي بمجيء الليل عقب النهار، والنهار عقب الليل، فليس أحد يقدر على إتيان الليل في النهار ولا العكس. قوله: (و الزيادة والنقصان) أي زيادة أحدهما بقدر ما نقص من الآخر. قوله: (دلالات) أي براهين قطعية دالة على كونه متصفا بالكمالات، منزها عن النقائض.\rقوله: (ذوي العقول) أي أصحاب العقول الكاملة. قوله: (نعت لما قبله) أي وهو أولى فهو في محل جر.\rقوله: (مضطجعين) أشار بذلك إلى أن\rقوله: وَعَلى جُنُوبِهِمْ متعلق بمحذوف حال، فهو حال مؤولة بعد حال صريحة. قوله: (أي في كل حال) تفسير لقوله: قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ. قوله:\r(يصلون كذلك) أي قياما إن قدروا، فإن لم يقدروا فقعودا، فإن لم يقدروا فعلى جنوبهم. قوله: (ليستدلوا به على قدرة صانعهما) أي واتصافه بالكمالات، فالتفكر مورث للعلم والمعرفة، قال العارف أبو الحسن الشاذلي: ذرة من عمل القلوب خير من مثاقيل الجبال من عمل الأبدان. قوله: (يقولون) قدره إشارة إلى أنه حال من الواو في يَتَفَكَّرُونَ، والمعنى يَتَفَكَّرُونَ قائلين رَبَّنا إلخ وهو إشارة لثمرة الفكر،","part":1,"page":261},{"id":262,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 261\rالذي نراه باطِلًا حال عبثا بل دليلا على كمال قدرتك سُبْحانَكَ تنزيها لك عن العبث فَقِنا عَذابَ النَّارِ (191) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ للخلود فيها فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أهنته وَما لِلظَّالِمِينَ الكافرين فيه وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بتخصيص الخزي بهم مَنْ زائدة أَنْصارٍ (192) يمنعونهم من عذاب اللّه تعالى رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي يدعو الناس لِلْإِيمانِ أي إليه وهو محمد أو القرآن أَنْ أي بأن آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا به رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ غط عَنَّا سَيِّئاتِنا فلا تظهرها بالعقاب عليها وَتَوَفَّنا اقبض أرواحنا مَعَ في جملة الْأَبْرارِ (193) الأنبياء والصالحين رَبَّنا وَآتِنا أعطنا ما وَعَدْتَنا به عَلى ألسنة رُسُلِكَ من الرحمة والفضل وسؤالهم ذلك وإن كان وعده تعالى لا يخلف سؤال أن يجعلهم من\r______________________________\rفثمرة الفكر الإستدلال والمعرفة باللّه. قوله: (حال) أي من قوله: هذا وهذه الحال لا يستغنى عنها فهي واجبة الذكر كقوله تعالى: (وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ).\rقوله: سُبْحانَكَ مصدر منصوب بفعل محذوف وجوبا تقديره أسبح سبحانك، وهذه الجملة معترضة بين قوله: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا وبين قوله: فَقِنا عَذابَ النَّارِ. قوله: فَقِنا عَذابَ النَّارِ هذا متسبب عن قوله: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا أي فحيث وحدناك ونزهناك عن النقائض فقنا عذاب النار، لأن النار جزاء من عصى ولم يوحد.\rقوله: إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ إلخ هذا علة لما قبله، والمعنى إنما طلبنا الوقاية من عذاب النار، لأن من أدخلته النار فقد أخزيته. قوله: (للخلود فيها) جواب عن سؤال مقدر تقديره أن قوله تعالى: (يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) يقتضي أن جميع المؤمنين غير مخزيين، مع أن بعض العصاة منهم يدخل النار تطهيرا لما اقترفه، وهذه الآية تدل على أن من دخل النار مخزي وإن مؤمنا. فأجاب المفسر بحمل هذه الآية على الكفار. قوله: (زائدة) أي للتوكيد في المبتدأ المؤخر، وقوله: لِلظَّالِمِينَ خبر مقدم.\rقوله: مُنادِياً أي داعيا وهو على حذف مضاف أي نداء مناد قوله: يُنادِي صفة لمناديا على الصحيح، خلافا لمن جعله مفعولا ثانيا لسمع لأنه لا تنصب إلا مفعولا واحدا على الصحيح. قوله:\r(و هو محمد) أي فإسناد النداء إليه حقيقي، وقوله: (أو القرآن) أي فإسناد النداء إليه مجازي، والمعنى منادى به.\rقوله: أَنْ آمِنُوا أن تفسيرية، وقوله: بِرَبِّكُمْ أي صدقوا بأنه يجب له كل كمال، ويستحيل عليه كل نقص. قوله: فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا أي استرها عن أعين الخلق، وقوله: وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا أي غطها عنا فلا تؤاخذنا بها وامحها من المصحف، وهو ترقي عظيم في طلب المغفرة، فهو من عطف الخاص على العام. قوله: (بالعقاب عليها) أي ولا بالعتاب عليها.\rقوله: وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ أي احشرنا معهم واجعلنا في زمرتهم، والمراد بالأبرار المطهرون الذين لم يفعلوا ذنوبا.\rقوله: وَآتِنا معطوف على محذوف، تقديره حقق لنا ما ذكروا وَآتِنا. قوله: (من الرحمة والفضل) بيان لما. قوله: (و سؤالهم ذلك) أشار بذلك إلى سؤال وارد حاصله أن يقال إن وعد اللّه لا يتخلف قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) فلا فائدة في","part":1,"page":262},{"id":263,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 262\rمستحقيه لأنهم لم يتيقنوا استحقاقهم له وتكرير ربنا مبالغة في التضرع وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (194) الوعد بالبعث والجزاء فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ دعاءهم أَنِّي أي بأني لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ كائن مِنْ بَعْضٍ أي الذكور من الإناث وبالعكس والجملة مؤكدة لما قبلها أي هم سواء في المجازاة بالأعمال وترك تضييعها. نزلت لما قالت أم سلمة يا رسول اللّه إنّي لا أسمع ذكر النساء في الهجرة بشيء فَالَّذِينَ هاجَرُوا من مكة إلى\r______________________________\rذلك السؤال، أجاب المفسر بقوله سؤال أن يجعلهم إلخ. وحاصل ذلك الجواب أن العاقبة مجهولة، ووعد اللّه لا يخلف لمن حمد عاقبته، ومن أين لنا حسن العاقبة، ففائدة السؤال أن اللّه يحسن عاقبتهم، فإذا حسنت تحقق وعده تعالى إن قلت: لا يخلو الأمر إما أن تكون العاقبة في نفس الأمر محمودة فوعد اللّه له محق ولا بد، وإما أن تكون غير محمودة فليس له عند اللّه وعد أصلا فلا فائدة في الدعاء. أجيب: بأن توفيقه للدعاء دليل على أن اللّه لا يخلف وعده الذي وعده إياه، قال بعضهم: ما وفقك للدعاء إلا ليعطيك، فحيث وفق العبد للدعاء كان دليلا على قبوله وإنابته وحسن عاقبته، ولذا لم يوفق إبليس للتوبة ولا للدعاء. قوله: (و تكرير ربنا إلخ) جواب عن سؤال مقدر حاصله أنه لم كرر لفظ ربنا خمس مرات، فأجاب بأنه مبالغة في التضرع، أي الخضوع والتذلل، ولما ورد أنه الأسم الأعظم، وعن جعفر الصادق:\rمن حزبه أمر فقال خمس مرات ربنا، أنجاه اللّه مما يخاف وأعطاه ما أراد، قيل وكيف ذلك؟ قال اقرؤوا قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) * الآيات، وهي من أوراد الصالحين تقرأ إلى آخر السورة عند الإستيقاظ من النوم ليلا فمن لازم عليها تحقق بما فيها، وحصل له ثواب من قام الليل. قوله: يَوْمَ الْقِيامَةِ ظرف لقوله: وَلا تُخْزِنا أي لا تفضحنا في ذلك اليوم. قوله: إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ علة لقوله: آتِنا ما وَعَدْتَنا إلخ.\rقوله: فَاسْتَجابَ لَهُمْ أي لأولي الألباب الموصوفين بما تقدم، واستجاب بمعنى أجاب، فالسين والتاء زائدتان للتأكيد وهو يتعدى بنفسه واللام. قوله: رَبُّهُمْ إنما عبر به دون غيره من الأسماء لمناسبة دعائهم به. قوله: (أي بأني) أشار بذلك إلى أن بفتح الهمزة تفاق السبعة وفيه حذف الجار وهو مطرد إذا أمن اللبس، قال ابن مالك:\rوحذفه مع إن وأن يطرد ... مع أمن لبس كعجبت أن يدوا\r\rوهذه الباء للسببية وقرىء شذوذا باثباتها، وقرىء سذوذا أيضا بكسر الهمزة على تقدير القول.\rقوله: لا أُضِيعُ هكذا بسكون الياء من أضاع، وقرىء بتشديد الياء من ضيع. قوله: مِنْكُمْ جار ومجرور صفة لعامل، وقوله: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى من بيانية وقيل زائدة وذكر أو أنثى بدل من عامل، وقيل إن الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور قبله بدل كل من كل. قوله: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ هذه الجملة قصد بها التعليل والتعميم، والمعنى لا أضيع عمل عامل منكم جميعا ذكر أو أنثى، لأن ربكم واحد، وأصلكم واحد، ودينكم واحد، وبعضكم متناسل من بعض. قوله: (مؤكدة لما قبلها) أي قصد بها التعميم. قوله: (نزلت) أي هذه الآية من هنا إلى قوله: (و اللّه عنده حسن الثواب). قوله: (من مكة","part":1,"page":263},{"id":264,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 263\rالمدينة وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي ديني وَقُتِلُوا الكفار وَقُتِلُوا بالتخفيف والتشديد وفي قراءة بتقديمه لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أسترها بالمغفرة وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مصدر من معنى لأكفرن مؤكد له مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فيه التفات عن التكلم وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (195) الجزاء. ونزل لما قال المسلمون أعداء اللّه فيما نرى من الخير ونحن في الجهد لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا تصرفهم فِي الْبِلادِ (196) بالتجارة والكسب مَتاعٌ قَلِيلٌ يتمتعون به يسيرا في الدنيا ويفنى ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (197) الفراش هي لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ أي مقدرين الخلود\r______________________________\rإلى المدينة) أي أو إلى الحبشة كما كان في صدر الإسلام، فكان من أسلم ولم يأمن على نفسه يأمره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالهجرة إلى الحبشة، إلى أن جاءه الأذن بالهجرة إلى المدينة.\rقوله: وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يشير بذلك إلى أن الإخراج قهري، لأنه وإن كان في الظاهر طائعا إلا أنه في الباطن مكره. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان، وقوله: (و في قراءة بتقديمه) أي المبني للمفعول لكن بالتخفيف، فالقراءات ثلاث، وتكون الواو على هذه القراءة بمعنى مع، أي قتلوا مع كونهم قاتلوا فلم يفروا، بل قتلوا في حال مقاتلهم الأعداء. قوله: لَأُكَفِّرَنَ اللام موطئة لقسم محذوف، أو وحقي وجلالي لأكفرن، والقسم وجوابه في محل رفع خبر. قوله: فَالَّذِينَ هاجَرُوا إلخ، وهذا الوعد الحسن لمن اتصف بجميع تلك الصفات أو ببعضها قوله: (أسترها بالمغفرة) أي عن الخلق وأبدلها حسنات. قوله: ثَواباً هو في الأصل مقدار من الجزاء اعده اللّه لعباده المؤمنين في الآخرة في نظير أعمالهم الحسنة، لكن المراد به هنا الإثابة فهو مصدر مؤكد كما قال المفسر، ويصح أن يكون حالا في جنات، أي لأدخلنهم جنات حال كونها ثوابا بمعنى مثابا بها، أي في نظير أعمالهم الحسنة. قوله: (من معنى لأكفرن) أي وما بعده وهو لأدخلنهم فهما في معنى لأثيبنهم.\rقوله: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لثوابا. قوله: (فيه التفات عن التكلم) أي وكان مقتضى الظاهر أن يقول ثوابا من عندي وإنما أظهر في محل الإضمار تشريفا لهم قوله: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ لفظ الجلالة مبتدأ، وقوله: حُسْنُ الثَّوابِ مبتدأ ثان، وقوله: عِنْدَهُ خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، ويحتمل أن يكون حسن الثواب فاعلا بالظرف قبله، والجملة خبر المبتدأ وإضافة حسن للثواب من إضافة الصفة للموصوف، أي الثواب الحسن كالجنة وما فيها، وأتى بهذه الآية تعليلا لما قبلها.\rقوله: لا يَغُرَّنَّكَ الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، والمقصود غيره، لأن هذه المقالة واقعة من ضعفاء المسلمين، ولا ناهية، ويغرنك فعل مضارع مبني على الفتح لإتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والكاف مفعوله، والمعنى لا تغتر بتقلبهم إلخ.\rقوله: مَتاعٌ قَلِيلٌ خبر لمحذوف قدره المفسر بقوله هو. قوله: (يتمتعون) أي ينتفعون ويتنعمون به. قوله: (هي) أشار به إلى أنه المخصوص بالذم.\rقوله: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا إنما أتى بالإستدارك دفعا لما يتوهم من أن الدنيا مذمومة، ومتاع قليل مطلقا للمؤمن والكافر، فأفاد أن المؤمن وإن أخذ في التجارة","part":1,"page":264},{"id":265,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 264\rفِيها نُزُلًا هو ما يعد للضيف ونصبه على الحال من جنات والعامل فيها معنى الظرف مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ من الثواب خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (198) من متاع الدنيا وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ كعبد اللّه بن سلام وأصحابه والنجاشي وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ أي القرآن وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ أي التوراة والإنجيل خاشِعِينَ حال من ضمير يؤمن مراعى فيه معنى من أي متواضعين لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ التي عندهم في التوراة والإنجيل من نعت النبي ثَمَناً قَلِيلًا من الدنيا بأن يكتموها خوفا على الرياسة كفعل غيرهم من اليهود أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ثواب أعمالهم عِنْدَ رَبِّهِمْ يؤتونه مرتين كما في القصص إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (199) يحاسب الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا على الطاعات والمصائب وعن المعاصي وَصابِرُوا الكفار فلا يكونوا أشد صبرا منكم وَرابِطُوا أقيموا\r______________________________\rوالتكسب لا يضره ذلك، بل له في الآخرة الدرجات العلا، فذم الدنيا ومعيشتها للكافر خاصة، قال العارف:\rما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... لا بارك اللّه في الدنيا بلا دين\r\rقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ صفة لجنات. قوله: (أي مقدرين الخلود) أشار بذلك إلى أن قوله خالدين حال مقدرة، لأن وقت دخولهم الجنة ليسوا بخالدين فيها. قوله: (و نصبه على الحال) أي لهم جنات حال كونها مهيئة ومعدة للمؤمنين، كما يقري الإنسان ضيفه أفخر ما عنده. قوله: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هذه الجملة صفة لنزلا وإنما سمي نُزُلًا لأنه ارتفع عنهم تكاليف السعي والكسب، فهو شيء سهل مهيأ لهم من غير تعب، ولذلك حين دخلوها يقولون: الحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن. قوله:\rلِلْأَبْرارِ أي المتقين.\rقوله: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ سبب نزولها أنه يوم موت النجاشي ملك الحبشة واسمه أصحمة ومعناه عطية اللّه، أسلم من غير أن يرى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ودخلت رعيته في الإسلام تبعا له، جاء جبريل وأخبره بأنهم متوجهون بجنازته ليصلوا عليه، فخرج النبي إلى هذا الرجل يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه، فنزلت الآية. قوله: (كعبد اللّه بن سلام) أي وأربعين من نصارى نجران، وإثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم، وراعى في الصلاة لفظ مِنْ وفي قوله: خاشِعِينَ وما بعده معناها. قوله: (بأن يكتموها) تصوير للشراء المنفي. قوله: (يؤتونه مرتين) أي لإيمانهم بكتابهم والقرآن. قوله: (كما في القصص) أي في سورة القصص، قال تعالى: (أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا). قوله: إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ أي المجازاة على الخير والشر.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا لما بين في هذه السورة فضل الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من الأحكام العظيمة، ختمت بما يفيد المحافظة على ذلك. قوله: (على الطاعات إلخ) أشار بذلك إلى مراتب الصبر الثلاثة، وأعظمها الصبر عن المعصية. قوله: (فلا يكونوا أشد صبرا منكم) أي فلا تفروا من الأعداء واصبروا على الجهاد، وخصه وإن دخل في عموم الصبر لأنه أعظم أنواعه","part":1,"page":265},{"id":266,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 265\rعلى الجهاد وَاتَّقُوا اللَّهَ في جميع أحوالكم لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) تفوزون بالجنة وتنجون من النار.\r______________________________\rوجامع لها، فإنه صبر على الطاعة وهو الجهاد، وعن المعصية وهو الفرار من العدو، وعلى المصيبة وهي القتل والجرح. قوله: وَرابِطُوا أصل المرابطة أن يربط كل من الخصمين خيولهم بحيث يكونون مستعدين للقتال ثم توسع فيه، وجعل كل مقيم في الثغر لحراسة العدو مرابطا، وإن لم يكن عدو ولا مركوب مربوط. قوله: (في جميع أحوالكم) أي حالاتكم من رخاء وشدة وعسر ويسر وصحة ومرض.\rقوله: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ الترجي في القرآن بمنزلة التحقيق، والفلاح هو الفوز والظفر، ورد أن من قرأ سورة آل عمران أعطاه اللّه بكل آية منها أمانا على جسر جهنم.","part":1,"page":266},{"id":267,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 267\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة النّساء مدنيّة وآياتها ست وسبعون ومائة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة اتَّقُوا رَبَّكُمُ أي عقابه بأن تطيعوه الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ آدم وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها حواء بالمد من ضلع من\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة النساء\rمدنية مائة وخمس أو ست أو سبع وسبعون آية مدنية أي كلها، وإن خوطب بمطلعها أهل مكة، لأن القاعدة أنه متى قيل في القرآن يا أَيُّهَا النَّاسُ كان خطابا لأهل مكة، ومتى قيل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* كان خطابا لأهل المدينة. قوله: (و خمس أو ست) أو لتنويع الخلاف فهي مائة وسبعون جزما والخلاف فيما زاد.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ الخطاب للمكلفين عموما، ذكورا وإناثا، إنسا أو جنا، لأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وليس مخصوصا بمن كان موجودا وقت النزول، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قال تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ.\rقوله: اتَّقُوا رَبَّكُمُ أي امتثلوا أوامره واجتبوا نواهيه، ولذلك يحصل بالإسلام، فإنّ المسلم العاصي قد اتّقى الشرك وهو أعظم المنهيات بالإيمان وهو أعظم المأمورات، لكن يقال لها تقوى عامة، وتقوى الخواص هي اجتناب المنهيات جميعها، وامتثال المأمورات على حسب الطاقة، وتقوى خواص الخواص هي الانهماك في طاعة اللّه، وعدم الشغل بغيره ولو مباحا، والآية صادقة بهذه المراتب كلها.\rقوله: الَّذِي خَلَقَكُمْ تأكيد للأمر المتقدم، فالمعنى اتّقوا اللّه لأنه مالككم ومربيكم، ومن أوصافه أنه خلقكم وأنشأكم من نفس واحدة، فمن كان بهذه الصفات فهو أحق بأن يتقى، لأنه لا استغناء عنه، بل كان من خلقه مفتقر إليه في كل لمحة وطرفة ولحظة، وفي ذلك إشارة إلى أن التقوى تكون في حق بعضنا بعضا لأن أصلنا واحد، فواجب علينا اتقاء ربنا لأنه الخالق لنا، واتقاء بعضنا بعضا لأننا كلنا من أصل واحد.\rقوله: وَخَلَقَ مِنْها أي من تلك النفس الواحدة. قوله: زَوْجَها يقال في الأنثى زوج","part":1,"page":267},{"id":268,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 268\rأضلاعه اليسرى وَبَثَ فرق ونشر مِنْهُما من آدم وحواء رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً كثيرة وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ فيه إدغام التاء في الأصل في السين وفي قراءة بالتخفيف بحذفها أي تتساءلون بِهِ فيما بينكم حيث يقول بعضكم لبعض أسألك باللّه وأنشدك باللّه وَاتقوا الْأَرْحامَ أن تقطعوها وفي قراءة بالجر عطفا على الضمير في به وكانوا يتناشدون بالرحم إِنَ\r______________________________\rوزوجة، والأفصح الأول. قوله: (حوّاء) بالمد سميت بذلك لأنها خلقت من حي. قوله: (من ضلع من أضلاعه) أي بعد أن أخذ، النوم ولا يشعر بذلك ولم يتألم، فلما استيقظ من النوم وجدها فمال إليها فأراد أن يمد يده إليها، فقالت له الملائكة مه يا آدم حتى تؤدي مهرها، قال فما مهرها؟ قالوا حتى تصلي على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، في رواية ثلاث صلوات، وفي رواية سبعة عشر، وفي ذلك إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسّلام الواسطة لكل موجود حتى أبيه آدم. إن قلت: حيث كانت حواء مخلوقة من ضلع آدم فهي أخت لأولاده، فمقتضاه أنه يحل لمن يخلق منها التزوج بها في شرعه. أجيب: بأن تفرع حواء من آدم ليس كتفرع الولد من الوالد، بل نباتها من الضلع كما تنبت النخلة من النواة، فلا يحكم عليها بأنها بنت آدم ويقال لها أخت أولاده، بل هي أمهم لا غير، واختلف هل كان خلق حواء خارج الجنة، وبه قال جماعة، وقال ابن عباس وجماعة أنه كان داخل الجنة، ولا مانع من كونه أخذه النوم فيها، لأن الممنوع النوم بعد دخولها يوم القيامة. قوله: وَنِساءً (كثيرة) أشار بذلك إلى أن في الآية اكتفاء، ورد أن حواء حملت من آدم عشرين بطنا، أو أربعين بطنا في كل بطن ذكر وأنثى، وكان يزوج ذكر هذه البطن لأنثى البطن الأخرى، فنزلت اختلاف البطون منزلة اختلاف الآباء والأمهات، وما مات حتى اجتمع من ذريته مباشرة وبواسطة فوق المائة ألف يشتغلون بأنواع الصنائع والتجارة.\rقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ معطوف على قوله: اتَّقُوا رَبَّكُمُ. قوله: الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ أي يقسم بعضكم على بعض به لأنه عظيم جليل، فحيث كان كذلك فهو أحق بأن يتقى. قوله: (فيه إدغام التاء الخ) أي فأصله تتساءلون به، قلبت التاء سينا ثم أدغمت في السين وإنما قلبت التاء سينا لقرب مخرجيهما.\rقوله: (يحذفها) أي التاء الثانية وحذفت تخفيفا. قال ابن مالك:\rوما بتاءين ابتدى قد يقتصر ... فيه على تا كتبين العبر\r\rقوله: (حيث يقول بعضكم الخ) أي فيدخل الحمى ولا يتعرض له، وكان ذلك في الجاهلية، والمعنى اتقوا اللّه لأنه ربكم وخالقكم من نفس واحدة، ولأنه عظيم يقسم به وتقضى الحوائج باسمه.\rقوله: وَالْأَرْحامَ هكذا بالنصب معطوف على لفظ الجلالة، والعامل فيه اتقوا، ولذا قدره المفسر، وقوله: (أن تقطعوها) إشارة إلى أن الكلام على حذف مضاف تقديره واتقوا قطع الأرحام لما في الحديث:\r«الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله اللّه ومن قطعني قطعه اللّه، ومواصلة الأرحام تختلف باختلاف الناس، فمنهم الغني والفقير، فالواجب على الغني المواصلة بالهدايا والتحف والكلام اللين، وعلى الفقير باللين والسعي لهم ومعاشرتهم بالمعروف، ولا فرق بين الأحياء والأموات». قوله: (و في قراءة بالجر) أي مع تخفيف تساءلون وهي لحمزة، وأما قراءة النصب فبالتشديد والتخفيف، فالقراءات ثلاثة وكلها سبعية. قوله: (عطفا على الضمير في به) أي من غير عود الخافض، وهي وإن كانت لغة فصيحة","part":1,"page":268},{"id":269,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 269\rاللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) حافظا لأعمالكم فمجازيكم بها أي لم يزل متصفا بذلك ونزل في يتيم طلب من وليه ماله فمنعه وَآتُوا الْيَتامى الصغار الألى لا أب لهم أَمْوالَهُمْ إذا بلغوا وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ الحرام بِالطَّيِّبِ الحلال أي تأخذوه بدله كما تفعلون من أخذ الجيد من مال\r______________________________\rإلا أنها خلاف الكثير، وقد أشار لذلك ابن مالك بقوله:\rوعود خافض لدى عطف على ... ضمير خفض لازما قد جعلا\rوليس عندي لازما إذ قد أتى ... والنظم والنثر الصحيح مثبتا\r\rفأشار بالنثر الصحيح إلى الآية، والنظم إلى قول الشاعر:\rقد بت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب\r\rبجر الأيام. قوله: (و كانوا يتناشدون بالرحم) هذا مرتب على القراءة الثانية، أي فالمعنى اتّقوا اللّه لأنكم تتناشدون به، واتقوا الأرحام لأنكم تتناشدون بها، ومن التناشد بها قول هارون لأخيه موسى صلوات اللّه وسلامه عليهما: «يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي». قوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً هذا تعليل لقوله: اتَّقُوا رَبَّكُمُ والرقيب لغة من ينظر في الأمور ويتأمل فيها، واصطلاحا الحفيظ الذي لا يغيب عن حفظه شيء، وهذا المعنى هو المراد في حق اللّه تعالى. قوله: (حافظا لأعمالكم) أي جميعها خيرها وشرها، سرها وجهرها، قال تعالى: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ. قوله: (أي لم يزل متصفا بذلك) جواب عن سؤال مقدر تقديره أن لفظ كان يفيد الانقطاع، فيفيد أن اللّه اتّصف بالحفظ فيما مضى وانقطع، فأجاب بأن كان هنا للاستمرار، أي هو متصف بذلك أزلا وأبدا. قوله: (و نزل في يتيم) أي بحسب ما كان، وإلا فوقت طلبه رشيدا. قوله: (طلب من وليه) أي وكان عما لذلك اليتيم. قوله: (فمنعه) أي فلما منعه شكا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت الآية، فلما سمعها الولي قال أطعت اللّه وأطعت رسوله، ونعوذ باللّه من الحوب الكبير.\rقوله: وَآتُوا الْيَتامى شروع في ذكر مواطن التقوى، وقدم مال اليتيم لأن فيه وعيدا عظيما وتحذيرا شديدا، واليتامى جمع يتيم ويجمع أيضا على أيتام من اليتيم وهو لغة الانفراد، ومنه الدرة اليتيمة بمعنى عديمة المثيل، ومنه يتيم سيد الكائنات عليه أفضل الصلاة والسّلام، قال العارف:\rأخذ الإله أبا النبي ولم يزل ... برسوله الفرد الكريم رحيما\r\rنفسي الفداء لمفرد في يتمه ... والدر أحسن ما يكون يتيما\r\rواصطلاحا أشار له المفسر بقوله: (الألى) لا أب لهم، أي ولو كانت أمهم موجودة، فاليتيم في الآدمي من كان معدوم الأب وهو صغير، وفي غيره من كان معدوم الأم، فإن مات الأبوان قيل للصغير لطيم، وإن ماتت أمه فقط قيل له عجمي. قوله: (الآلى) بضم الهمزة وفتح اللام اسم موصول جمع الذي كالذين. قوله: (إذا بلغوا) أي وكانوا راشدين، بدليل قوله تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً) الآية.\rقوله: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ هذا نهي آخر، وكان ولي اليتيم في الجاهلية يأخذ مال اليتيم","part":1,"page":269},{"id":270,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 270\rاليتيم وجعل الرديء من مالكم مكانه وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ مضمومة إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ أي أكلها كانَ حُوباً ذنبا كَبِيراً (2) عظيما. ولما نزلت تحرجوا من ولاية اليتامى وكان فيهم من تحته العشر أو الثمان من الأزواج فلا يعدل بينهن فنزل وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا تعدلوا فِي الْيَتامى فتحرجتم من أمرهم فخافوا أيضا أن لا تعدلوا بين النساء إذا نكحتموهن فَانْكِحُوا تزوجوا ما بمعنى من طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ أي اثنين اثنين وثلاثا ثلاثا\r______________________________\rالجيد ويدفع بدله الرديء كشاة هزيلة يدفعها ويأخذ شاة سمينة، ودرهم زائف يتركه لليتيم ويأخذ له الجيد، ويقول شاة بشاة ودرهم بدرهم. قوله: (الحرام) أي وإن كان جيدا، وقوله: (الحلال) أي وإن كان رديئا. قوله: (أي تأخذوه بدله) أشار بذلك إلى أن الباء داخلة على المتروك. قوله: (مضمومة) أي بأن تجمعوا ماله على أموالكم وتصرفوا من الجميع، وقصده بذلك أكل الجميع، وهذا نهي ثالث، لأن الأمر الأول تضمن نهيا أي لا تمنعوا اليتامى من أموالهم إذا رشدوا أو لا تتبدلوا الخبيث بالطيب، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم. إن قلت: مقتضى الآية أن أكل مال اليتيم منفردا ليس بذنب عظيم، أجيب:\rبأنه نص على مستقبح الأوصاف زيادة في التشنيع على من يأكله مع الاستغناء، وإلا فأكله منفردا كأكله مضموما لماله في ارتكاب الإثم الكبير. قوله: حُوباً بضم الحاء باتفاق السبعة، وقرىء شذوذا بفتح الحاء وسكون الواو وقبلها ألفا والمعنى واحد. قوله: (و لما نزلت) أي آيات اليتيم التي ورد النهي فيها.\rقوله: (تحرجوا) أي شق عليهم وطلبوا الخروج من الحرج الذي هو الإثم. قوله: (من الأزواج) أي اليتامى، فكان الواحد منهم إذا وجد يتيمة ذات مال وجمال رغب فيها لأجل مالها، فلما نزلت آية النهي عن أكل مال اليتيم شق عليهم ذلك فنزلت وَإِنْ خِفْتُمْ فالنهي في الأولى عام في اليتامى مطلقا أزواجا أو لا، والثاني خاص بالأزواج اليتامى.\rقوله: أَلَّا تُقْسِطُوا من أقسط بمعنى عدل، وأما القاسط فمعناه الجائز، وقرىء تقسطوا بفتح التاء وتحمل على أن لا زائدة أو لغة في أقسط بمعنى عدل، فتكون مستعملة في الشيء وضده.\rقوله: فِي الْيَتامى أي في نكاحهم. قوله: (فتحرجتم) أي طلبتم الخروج من الحرج الذي هو الإثم، وقوله: (فخافوا) جواب الشرط، قالت عائشة: هذه الآية في اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينتقص صداقها، فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا في إكمال الصداق، وأمروا بالنكاح من غيرهن، قالت عائشة: فاستفتى الناس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ذلك، فأنزل اللّه عز وجل:\rوَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ إلى قوله وَتَرْغَبُونَ أن تنكحوهن، فبينّ اللّه لهم في هذه الآية أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها ولم يلحقوها بأمثالها في إكمال الصداق، وبينّ في تلك الآية أن اليتيمة إذا كانت مرغوبا عنها لقلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء قال أي اللّه فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها، إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق، وقال الحسن: كان الرجل من أهل المدينة تكون عنده الأيتام وفيهن من يحل له نكاحها، فيتزوجها لأجل مالها وهي لا تعجبه، وإنما تزوجها كراهية أن يدخل غريب فيشاركها في مالها ثم يسيء صحبتها ويتربص إلى أن تموت فيرثها، فعاب اللّه عليهم ذلك وأنزل هذه الآية. قوله: (بين النساء) أي اليتامى. قوله: (بمعنى من) أي الواقعة على العاقل، وهو جواب عن سؤال مقدر تقديره أن ما لغير العاقل","part":1,"page":270},{"id":271,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 271\rوأربعا أربعا ولا تزيدوا على ذلك فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فيهن بالنفقة والقسم فَواحِدَةً انكحوها أَوْ اقتصروا على ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من الإماء إذ ليس لهن من الحقوق ما للزوجات ذلِكَ أي نكاح الأربع فقط أو الواحدة أو التسري أَدْنى أقرب إلى أَلَّا تَعُولُوا (3) تجوروا وَآتُوا أعطوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَ جمع صدقة مهورهن نِحْلَةً مصدر عطية عن طيب نفس فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً تمييز محول عن الفاعل أي طابت أنفسهن لكم\r______________________________\rولا شك أن النساء عقلاء، فأجاب بأن ما بمعنى من، وعبر عنهن بما لنقص عقلهن عن الرجال. وأجيب أيضا بأن ما واقعة على الأوصاف، والمعنى وانكحوا الوصف الذي يعجبكم من النساء كالحسب والنسب والجمال وفي الحديث: «تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس».\rقوله: مِنَ النِّساءِ أي غير اليتامى، وقد تضمنت هذه الآية النهي عن نكاح اليتامى من أجل أموالهن والزيادة على أربع. قوله: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ بدل من النساء. قوله: (أي اثنين اثنين) المعنى أباح لكم في الاختيار اثنين أو ثلاثا أو أربعا، فالواو ليست للعطف، وإلا لزم أنه بيان جمع تسع، وبه قالت الظاهرية، ولا بمعنى أو وإلا لزم أن من اختار اثنين لا يجوز له أن ينتقل إلى ثلاث أو أربع. قوله:\r(و لا تزيدوا على ذلك) هذا محط السياق. قوله: (إذ ليس لهن من الحقوق ما للزوجات) أي فلا يجب العدل بينهن، لا في القسم، ولا في النفقة، ولا في الكسوة. قوله: أَدْنى يتعدى بإلى واللام، تقول دنوت إليه وله. قوله: أَلَّا تَعُولُوا العول في الأصل معناه الميل، من قولهم عال الميزان عولا أي مال وعال في الحكم إذا جار. قوله: (تجوروا) أي تظلموا، وفي الحديث: «من لم يعدل بين نسائه جاء يوم القيامة وشقه ساقط».\rقوله: وَآتُوا النِّساءَ أتى بهذه الآية استطرادا بين أحكام اليتامى لمناسبة ذكر النساء، وآتى بالمد مصدره الإيتاء بمعنى الإعطاء، فلذا فسره به، وأما بالقصر فمصدره الإتيان بمعنى المجيء. قوله: (جمع صدقة) أما بضم الدال أو فتحها أو إسكانها، ويقال أيضا صداق بفتح الصاد وكسرها، ومعنى الجميع المهر الذي يجعل للمرأة في نظير البضع، وأقله عند المالكية ربع دينار شرعي، أو ثلاث دراهم شرعية، أو مقوم بأحدهما، وعند الشافعي يكفي أي شيء متموّل أو خاتما من حديد، وعند الحنفية عشرة دراهم شرعية، وأكثره لا حد له بل بحسب ما تراضوا عليه، والأمر للأزواج، فالمعنى لا تنكحوا النساء إلا بمهر، وخصصت السنة نكاح التفويض وهو العقد من غير تسمية مهر، فهو صحيح لكن يلزمه بعد الدخول صداق المثل. قوله: (مصدر) أي مؤكد لقوله آتوا من معناه كجلست قعودا، ويسمى ذلك المصدر معنويا. قوله: (عن طيب نفس) أي خالصا لا منة للزوج به عليها.\rقوله: فَإِنْ طِبْنَ أي النسوة. وقوله: مِنْهُ الضمير عائد على الصداق المعلوم من قوله صدقات، ومن يحتمل أن تكون للتبعيض أو البيان، فيحل للمرأة الرشيدة بعد الدخول أن تعطي زوجها المهر كله أو بعضه عند جميع الأئمة إلا الليث فعنده لا يحل لها أن تعطيه جميعه، فمن على ذلك يتعينّ أن تكون للتبعيض لا للبيان. قوله: (أي طابت أنفسهن) هذا بيان لكون نفسا في الأصل فاعلا. قوله","part":1,"page":271},{"id":272,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 272\rعن شيء من الصداق فوهبنه لكم فَكُلُوهُ هَنِيئاً طيبا مَرِيئاً (4) محمودة العاقبة لا ضرر فيه عليكم في الآخرة نزلت ردا على من كره ذلك وَلا تُؤْتُوا أيها الأولياء السُّفَهاءَ المبذرين من الرجال والنساء والصبيان أَمْوالَكُمُ أي أموالهم التي في أيديكم الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً مصدر قام أي تقوم بمعاشكم وصلاح أودكم فيضعوها في غير وجهها وفي قراءة قيما جمع قيمة ما تقوم به الأمتعة وَارْزُقُوهُمْ فِيها أطعموهم منها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (5) عدوهم عدة جميلة بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا وَابْتَلُوا اختبروا الْيَتامى قبل البلوغ في دينهم وتصرفهم في أحوالهم حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ أي صاروا أهلا له بالاحتلام أو السن وهو\r______________________________\r(فوهبنه لكم) أي اختيارا لا قهرا، وإلا فلا يحل أخذه، ويشترط أيضا أن تكون المرأة رشيدة بالغة، وإلا فلا يحل أخذه.\rقوله: فَكُلُوهُ أي انتفعوا به، فأطلق الأكل وأراد مطلق الانتفاع. قوله: مَرِيئاً أي ممروءا لا غصة فيه ولا عقبة من قولهم جرى الطعام في المريء، أي العرق الأحمر الكائن تحت الحلقوم المسمى بالبلعوم، وهنيئا مريئا حالان من مفعول كلوه، والمعنى كلوه حال كونه هنيئا حلالا مريئا سائغا لا نكد فيه. قوله: (في الآخرة) أي ولا في الدنيا، فليس لورثتها طلبه. قوله: (على من كره ذلك) أي استنكافا عنه وجعله كالرجوع في الهبة.\rقوله: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ هذا رجوع لتتميم أحكام اليتامى، وأصل تؤتوا تؤتيوا، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان الياء والواو، حذفت الياء لالتقائهما. قوله: (و الصبيان) معطوف على المبذرين. قوله: (أي أموالهم) أي وإنما نسبها للأولياء لأنهم هم المتصرفون فيها، فالإضافة ليست لذلك وإنما هي لأدنى ملابسة. قوله: الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً جعل بمعنى صير، ولفظ الجلالة فاعلة، وقياما مفعول ثان، والمفعول الأول محذوف تقديره جعلها، والضمير عائد على الأموال، ويحتمل أن جعل بمعنى خلق فقياما حال، والمعنى لا تعطوا المبذرين والصبيان أموالهم التي جعل اللّه مقومة لمعاشهم وصلاحهم. قوله: (أودكم) الأود بفتحتين وبفتح فسكون معناه العوج. قوله: (و في قراءة قيما) أي وهي سبعية أيضا، وقرىء شذوذا قواما بفتح القاف وكسرها وقوما كعنبا، وعموم الآية يشمل من أعطى مال اليتيم لسفيه مبذر يتجر له فيه وهو مشهور بالسفه والتبذير، فإن الولي منهي عن ذلك ويضمنه لفهمه بالأولى.\rقوله: وَارْزُقُوهُمْ فِيها حكمة التعبير بفي، أنه ينبغي للولي أن يعطي مال اليتيم لرجل أمين يتجر فيه، ويكون مصرفه من الربح لا من أصل المال. وفي الحديث: «اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة» فالتجارة في أموال اليتامى مطلوبة عند جميع الأئمة. قوله: (عدوهم عدة جميلة) أي كأن يقول له مالك عندي وأنا أمين عليه، فإذا بلغت ورشدت أعطيتك مالك، وهكذا تطييبا لخاطرهم وجدهم في أسباب الرشد.\rقوله: وَابْتَلُوا الْيَتامى أي لا تتركوهم هملا، بل علموهم الصنائع وأمور الدنيا والدين، ولا تفرطوا في ذلك حتى تبلغوا. قوله: (بالاحتلام) أي نزول المني. قوله: (حتى إذا بلغوا) حتى ابتدائية،","part":1,"page":272},{"id":273,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 273\rاستكمال خمس عشرة سنة عند الشافعي فَإِنْ آنَسْتُمْ أبصرتم مِنْهُمْ رُشْداً صلاحا في دينهم ومالهم فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها أيها الأولياء إِسْرافاً بغير حق حال وَبِداراً أي مبادرين إلى إنفاقها مخافة أَنْ يَكْبَرُوا رشداء فيلزمكم تسليمها إليهم وَمَنْ كانَ من الأولياء غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ أي يعف عن مال اليتيم ويمتنع من أكله وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ منه بِالْمَعْرُوفِ بقدر أجرة عمله فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أي إلى اليتامى أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ أنهم تسلموها وبرئتم لئلا يقع اختلاف فترجعوا إلى البينة وهذا أمر إرشاد وَكَفى بِاللَّهِ الباء\r______________________________\rوإذا شرطية، وفعل الشرط قوله بلغوا، وجوابها قوله: فَإِنْ آنَسْتُمْ الخ، فشرط إعطاء الولي المال لليتيم بلوغ النكاح وعلم الرشد. قوله: (عند الشافعي) أي وعند مالك وأبي حنيفة ثمانية عشر. ومن علامات البلوغ: الحيض وكبر الثدي للإناث ونبات العانة ونتن الأبط وفرق الأرنبة وغلظ الحنجرة، فإذا وجدت تلك العلامات حكم ببلوغه عند مالك، وأما عند الشافعي فلا يحكم بالبلوغ إلا بالإحتلام أو الحيض أو بلوغ خمسة عشر سنة، وما عدا ذلك علامة على البلوغ ولا يحكم عليه به. قوله: (أبصرتم) المناسب أن يكون علمتم، لأن الرشد يعلم ولا يشاهد بالبصر. قوله: (صلاحا في دينهم ومالهم) هذا مذهب الشافعي، ويكفي عند مالك في الرشد إصلاح المال فقط.\rقوله: فَادْفَعُوا جواب الشرط الثاني. قوله: (حال) أي من الواو في تأكلوا مؤولا بمسرفين.\rقوله: (مخافة) أَنْ يَكْبَرُوا قدره إشارة إلى أن قوله: أَنْ يَكْبَرُوا مفعول لأجله، ومفعول بِداراً محذوف تقديره ولا تأكلوها حال كونكم مسرفين فيها مبادرين لأكلها، مخافة كبرهم عليكم فيأخذوها منكم. قوله: أَنْ يَكْبَرُوا مضارع كبر بوزن علم ومصدره كبر كعنبا. قوله: (من الأولياء) أولياء الأيتام. قوله: (أي يعف عن مال اليتيم) أي يتباعد عنه لما فيه من الوعيد العظيم الآتي في قوله تعالى:\rإِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً فالواجب على الولي إن كان غنيا التباعد عن مال اليتيم بالمرة، بل ينبغي له أن لا يخلط ماله بماله، بل يعطيه لغيره ليتجر له فيه، ويكون هو ناظرا عليه. قوله:\r(و يمتنع من أكله) أي فإذا أكله وأطعمه لغيره ولو لمن يصنع سبحا أو جمعا لوالد اليتيم ضمنه إذا لم يوص الميت بذلك، وأما إن لم يكن لليتامى ولي وليس فيهم كبير رشيد، حرم الأكل من مالهم وكل من أكل شيئا لزمه عوضه. قوله: (بقدر أجرة عمله) أي ما لم تزد على كفايته، وإلا فله كفايته فقط، وهذا مذهب الشافعي، وعند مالك له أجرة مثله مطلقا زادت عن كفايته أو لا.\rقوله: فَإِذا دَفَعْتُمْ مرتب على قوله: فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ والمعنى فإذا أردتم الدفع فأشهدوا لئلا يقع اختلاف فترجعوا إلى البينة، هذا هو المشهور في المذاهب أن الولي لا يصدق في الدفع إلا ببينة تشهد أنه دفعه لهم بعد رشدهم، فإن لم تكن بينة غرمه، وهناك قول ضعيف عند مالك وهو أنه يصدق في الدفع بيمين، فعلة الإشهاد على هذا القول لئلا يحلف الولي، والفرق بين الأمين والوصي أن الوصي لما كان له التصرف في مال اليتيم كان ضامنا له إلا ببينة تشهد بالدفع، والأمين لا تصرف له في الأمانة فصدق بيمين في الدفع، ولذا إذا انصرف فيها كانت متعلقة بذمته، فلا يصدق في دفعها إلا ببينة كالدين. قوله: (و هذا أمر إرشاد) أي تعليم لمصالح الدنيا فهو أمر ندب. قوله: (الباء زائدة) أي في","part":1,"page":273},{"id":274,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 274\rزائدة حَسِيباً (6) حافظا لأعمال خلقه ومحاسبهم. ونزل ردا لما كان عليه الجاهلية من عدم توريث النساء والصغار لِلرِّجالِ الأولاد والأقرباء نَصِيبٌ حظ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ المتوفون وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أي المال أَوْ كَثُرَ جعله اللّه نَصِيباً مَفْرُوضاً (7) مقطوعا بتسليمه إليهم وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ للميراث أُولُوا الْقُرْبى ذوو القرابة ممن لا يرث وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ شيئا قبل القسمة وَقُولُوا أيها الأولياء لَهُمْ إذا كان الورثة صغارا قَوْلًا مَعْرُوفاً (8) جميلا بأن تعتذروا إليهم أنكم لا تملكونه وأنه للصغار وهذا قيل إنه منسوخ وقيل لا ولكن تهاون الناس في تركه وعليه فهو ندب وعن ابن عباس واجب وَلْيَخْشَ أي ليخف على اليتامى الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا أي قاربوا\r______________________________\rفاعل كفى، فلفظ الجلالة فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائدة، وفي قوله: وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً وعد حسن لمن كان سليما ولم يلتمس من مال اليتيم شيئا، ولو اتهمه اليتيم بأكله ظلما وعدوانا، ووعيد لمن أكله وظلمه وإن لم يثبت عليه ذلك.\rقوله: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ سبب نزولها أن أوس بن ثابت توفي وترك امرأته واسمها أم كحة وثلاث بنات، وأقام وصيين واسمهما سويد وعرفجة ولدا عمه، فأخذا المال جميعه فجاءت المرأة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقالت: مات أوس بن ثابت وترك ثلاث بنات، وأنا امرأته ولم يكن عندي ما أنفقه عليهن، وترك مالا حسنا، فأخذه سويد وعرفجة ولم يعطياني ولا بناته شيئا، فدعاهما النبي فقالا أولادها يركبن فرسا، ولا يحملن كلا، ولا ينكين عدوا، فنزلت هذه الآية، وبينّ أن الإرث غير مختص بالرجال البالغين، وأوقف النبي التركة حتى نزلت يُوصِيكُمُ اللَّهُ الآية، فأعطى الزوجة الثمن، والبنات الثلثين، وابني عمه ما بقي. قوله: (الأولاد) أخذه من قوله: الْوالِدانِ. وقوله: (و الأقرباء) أخذه من قوله:\rوَالْأَقْرَبُونَ. قوله: مِمَّا قَلَّ مِنْهُ بدل من قوله: مِمَّا تَرَكَ قوله: نَصِيباً مَفْرُوضاً مفعول ثان لفعل محذوف قدره بقوله: (جعله اللّه).\rقوله: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى معنى ذلك إذا مات الميت وترك من يرث ومن لا يرث، وحضر جميعهم قسمة الميراث، طلب الشارع إعطاء من لا يرث، وكذا المساكين واليتامى شيئا قبل القسمة جبرا لخاطرهم، باجتهاد من يقسم التركة بحسب قلة المال وكثرته، واختلف هل هذا منسوخ هو الحق، وقيل ليس بمنسوخ، واختلف على هذا هل الأمر للوجوب أو الندب وهو المعتمد على هذا القول. قوله:\r(إذا كانت الورثة صغارا) أي أو التركة قليلة.\rقوله: وَلْيَخْشَ قرأ السبعة بسكون اللام وغيرهم بكسرها وعلى كل اللام للأمر، وسبب نزولها أنه كان في الجاهلية إذا حضر أحدهم الموت قد حضره جماعة، حملوه على تفرقة ماله للفقراء والمساكين، ويحرمون أولاده منه، فيترتب على ذلك كونهم بعد موته عالة على الناس ويضيعون، فنزلت الآية تحذيرا لمن يحمل الميت على ذلك من وصي أو غيره، فإنه كما يدين الفتى يدان، فكما يتقي اللّه في يتامى غيره، فجزاؤه أن يقبض اللّه له من يتقي اللّه في أولاده. قوله: (أي ليخفف على اليتامى) المعنى ليخفف اللّه على اليتامى.\rقوله: الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا لو شرطية بمعنى إن، فنقلت الماضي للاستقبال، كما قال ابن مالك وجماعة،","part":1,"page":274},{"id":275,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 275\rأن يتركوا مِنْ خَلْفِهِمْ أي بعد موتهم ذُرِّيَّةً ضِعافاً أولادا صغارا خافُوا عَلَيْهِمْ الضياع فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ في أمر اليتامى وليأتوا إليهم ما يحبون أن يفعل بذريتهم من بعدهم وَلْيَقُولُوا للميت قَوْلًا سَدِيداً (9) صوابا بأن يأمروه أن يتصدق بدون ثلثه ويدع الباقي لورثته ولا يتركهم عالة إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً بغير حق إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ أي ملئها ناراً لأنه يؤول إليها وَسَيَصْلَوْنَ بالبناء للفاعل والمفعول يدخلون سَعِيراً (10) نارا شديدة يحترقون فيها يُوصِيكُمُ يأمركم اللَّهُ فِي شأن أَوْلادِكُمْ بما يذكر لِلذَّكَرِ منهم مِثْلُ حَظِّ نصيب الْأُنْثَيَيْنِ إذا اجتمعتا معه فله نصف المال ولهما النصف فإن كان معه واحدة فلها الثلث وله الثلثان وإن انفرد حاز المال فَإِنْ كُنَ أي الأولاد نِساءً فقط فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ الميت وكذا الاثنتان لأنه للأختين بقوله فلهما الثلثان مما ترك فهما أولى\r______________________________\rفتركوا فعل الشرط. قوله: خافُوا جوابه، وقوله: فَلْيَتَّقُوا مرتب عليه. قوله: خافُوا عَلَيْهِمْ (الضياع) إن قلت: ما ذنب اليتيم حتى يعاقب بالضياع؟ أجيب بأن ذلك تعذيب لأبيه، لأن ما يؤذي الحي يؤذي الميت، وليس تعذيبا لهم، بل قد يكون رفعة لهم إن اتقوا اللّه. قوله: (و ليأتوا إليهم ما يحبون الخ) أي يفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذريتهم بعد موتهم. قوله: (للميت) ويحتمل أن يكون لليتامى، بأن يقولوا لهم لا تخافوا ولا تحزنوا، فنحن مثل آبائكم. قوله: (و لا يتركهم عالة) أي فقراء يتكففون وجوه الناس.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ نزلت في حق رجل من غطفان، مات أخوه وترك ولدا يتيما فأكل عمه ماله، والمعنى يتلفون أموالهم، فالتعبير بالأكل عن الإتلاف مجاز. قوله: ظُلْماً يحتمل أن يكون مفعولا لأجله، أي لأجل الظلم، ويحتمل أن يكون حالا من يأكلون، أي حال كون الأكل ظلما. قوله: إِنَّما يَأْكُلُونَ هذه الجملة خبر إن الأول، والتعبير بالأكل مجاز باعتبار ما يؤول إليه أو المعنى يأكلون بسبب النار. قوله: (بالبناء للفاعل والمفعول) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (نارا شديدة) أشار بذلك إلى أنه ليس المراد خصوص الطبقة المسماة بذلك، لأنها لعباد الوثن خاصة وربما مات آكل مال اليتيم مسلما.\rوالحاصل: أنه تارة تطلق تلك الأسماء على ما يعم جميع الطبقات وتارة تطلق على مسمياتها خاصة. قوله:\r(يحترقون فيها) أي إن لم يتوبوا. روي أن آكل مال اليتيم يبعث يوم القيامة، والدخان يخرج من قبره ومن فمه وأنفه وأذنيه وعينيه فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا.\rقوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ هذا شروع في تفصيل ما أجمل أولا في قوله: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ الخ، قوله: (يأمركم) أي على سبيل الوجوب. قوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ هذا كلام مستأنف واقع في جواب سؤال مقدر، قوله: (فله نصف المال الخ) أي إن لم يكن معهم صاحب فرض، وإلا فيأخذ فرضه، ثم الباقي يقسم مثل حظ الأنثيين.\rقوله: فَإِنْ كُنَّ نِساءً إن حرف شرط، وكن فعل الشرط، ونساء خبركن، واسمها النون، وفوق اثْنَتَيْنِ صفة لنساء، وقوله: فَلَهُنَ جواب الشرط. قوله: (أي الأولاد) أي بعضهم، ففي الكلام","part":1,"page":275},{"id":276,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 276\rولأن البنت تستحق الثلث مع الذكر فمع الأنثى أولى فَوْقَ قيل صلة وقيل لدفع توهم زيادة النصيب بزيادة العدد لما فهم استحقاق البنتين الثلثين من جعل الثلث للواحدة مع الذكر وَإِنْ كانَتْ المولودة واحِدَةً وفي قراءة بالرفع فكان تامة فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ أي الميت ويبدل منها لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ ذكرا أو أنثى ونكتة البدل إفادة أنهما لا يشتركان فيه وألحق بالولد ولد الابن وبالأب الجد فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فقط أو مع زوج فَلِأُمِّهِ بضم الهمزة وكسرها فرارا من الإنتقال إلى كسرة لثقله في الموضعين الثُّلُثُ أي ثلث المال أو ما يبقى بعد الزوج والباقي للأب فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ أي اثنان فصاعدا ذكورا وإناثا فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ والباقي للأب ولا شيء للإخوة وإرث من ذكر ما ذكر مِنْ بَعْدِ تنفيذ وَصِيَّةٍ يُوصِي بالبناء للفاعل والمفعول بِها أَوْ قضاء دَيْنٍ عليه وتقديم الوصية على الدين\r______________________________\rاستخدام، فذكر الأولاد بمعنى، وأعاد الضمير عليه بمعنى آخر، نظير قوله تعالى: (وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ) بعد قوله: (وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ). قوله: (لأنه للأختين) أي الفرض المذكور وهذان وجهان: أحدهما القياس على الأختين. والثاني القياس على البنت الواحدة، وهما على كون فوق ليست صلة. قوله: (و قيل لدفع توهم زيادة النصيب) هذا القيل محتمل لأن تكون أصلية أو زائدة، فالمعنى أن ما فوق البنتين حكمهما حكم البنتين. قوله: (و في قراءة بالرفع) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (ذكرا أو أنثى) أي فإن كان الولد ذكرا أخذ ما فضل عن سدسيهما، وإن كانت أنثى أخذت النصف فرضها، والأم سدسها، والأب الباقي فرضا وتعصيبا. قوله: (و ألحق بالولد ولد الابن الخ) أي بالقياس المساوي، قوله: (بضم الهمز وكسرها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (فرارا) راجع للكسر، وقوله:\r(في الموضعين) أي في قوله: فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ وقوله: فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ أي وما بقي بعد الزوج أي الزوجة وهما الغراوان، وقد أشار لهما صاحب الرحبية بقوله:\rوإن يكن زوج وأم وأب ... فثلث الباقي لها مرتب\r\rوهكذا مع زوجة فصاعدا ... فلا تكن عن العلوم قاعدا\r\rثلث الباقي في الحقيقة، أما ربع أو سدس، وقد انعقد الإجماع على ذلك، قوله: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ تقدم أن الأم يفرض لها جميع ثلث المال أو ثلث الباقي، إن لم يكن للميت فرع وارث، وأفاد هنا أنه مع وجود الأخوة يفرض لها السدس، فيفهم منه أنه عند عدم الأخوة أيضا، يكون لها الثلث، فتحصل أن لها الثلث بشرطين عدميين، وهما عدم الأخوة، وعدم الفرع الوارث، قوله: (ذكورا أو إناثا) أي أشقاء أو لأب أو لأم. قوله: (و لا شيء للأخوة) أي مطلقا لكونهم محجوبين بالأب، ولذلك قال في التلمسانية:\rوفيهم في الحجب أمر عجب ... لكونهم قد حجبوا وحجبوا\r\rفلو كان بدل الأب جد. لكان مثله عند أبي حنيفة. وعند الأئمة الثلاثة يشترك مع الأخوة. على تفصيل في ذلك مذكور في الفروع. قوله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ متعلق بمحذوق قدره المفسر بقوله: (وارث من ذكر الخ) وهو قيد في جميع ما تقدم. قوله: (تنفيذ) وَصِيَّةٍ أي تخرج من رأس المال إن حملها","part":1,"page":276},{"id":277,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 277\rوإن كانت مؤخرة عنه في الوفاء للاهتمام بها آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ مبتدأ خبره لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً في الدنيا والآخرة فظان أن ابنه أنفع له فيعطيه الميراث فيكون الأب أنفع وبالعكس وإنما العالم بذلك اللّه ففرض لكم الميراث فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً (11) فيما دبره لهم أي لم يزل متصفا بذلك وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ منكم أو من غيركم فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وألحق بالولد في ذلك ولد الابن بالاجماع وَلَهُنَ أي الزوجات تعددن أو لا الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ منهن أو من غيرهن فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها\r______________________________\rالثلث. وشرطها أن تكون في معصية، فلو أوصى بمال يصرف على الكنيسة، أو على من يشرب الخمر. أو غير ذلك. فلا تنفذ. قوله: (بالبناء للفاعل والمفعول) أي فهما قراءتان سبعيتان. فعلى الأولى نائب الفاعل الجار والمجرور. وقال ابن مالك:\rوقابل من ظرف أو من مصدر ... أو حرف جر بنيابة حرى\r\rوعلى الثانية الفاعل ضمير يعود على الميت. قوله: (و تقديم الوصية) أي اللفظ، وإلا فأو لأحد الشيئين لا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا. والمعنى وإرث ما ذكر، يحصل من بعد وصية إن كانت، أو دين إن كان. فإن اجتمعت الوصية والدين قدم الدين. قوله: (للاهتمام بها) أي وشأن الوارثة الشح بها. ومنازعة الموصى له بخلاف الدين. قوله: آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ هذه الجملة معترضة بين قوله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ وقوله: فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ. قوله: أَيُّهُمْ اسم استفهام مبتدأ وأَقْرَبُ خبره. ولَكُمْ جار ومجرور متعلق بأقرب، ونَفْعاً تمييز، والجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي تدرون، والمعنى لا تدرون أقربية نفعهم لكم ويحتمل أنها اسم مفعول موصول اول لتدرون والمفعول الثاني محذوف، والمعنى لا تدرون هو أقرب لكم نفعا الآباء والأبناء. قوله: (في الدنيا) أي كحسن القيام بالمصالح والإحسان إليه بعد موته، وقوله: (و الآخرة) أي كالشفاعة أو (في الدنيا والآخرة) لما ورد أن أحد الوالدين أو الولدين إذا كان أرفع درجة من الآخر في الجنة، سأل أن يرفع إليه فيرفع الآخر بشفاعته. قوله: (فظان) إما بالرفع صفة لموصوف محذوف مبتدأ أي فريق ظان، أو بالجر مجرور برب. وقوله: (فيكون الأب أنفع) أي في الواقع ونفس الأمر. قوله: (و بالعكس) أي وفريق ظان أن أباه أنفع فيعطيه الميراث، فيكون الابن أنفع.\rقوله: فَرِيضَةً مفعول لفعل محذوف قدره بقوله: (ففرض لكم الميراث) وهو راجع لقوله:\rيُوصِيكُمُ فيحتمل أنه مصدر مؤكد لعامله من لفظه، ودرج على ذلك المفسر، أو من معناه تقدير يوصيكم فريضة، لأن الإيصاء معناه الأمر. قوله: (أي لم يزل متصفا بذلك) دفع به ما قد يتوهّم من كان الاتصاف بذلك في الزمن الماضي وانقطع، فأفاد أن صفات اللّه لا تتقيد بزمان فهي للاستمرار، وبعضهم يجعلها في صفات اللّه زائدة. قوله: وَلَكُمْ نِصْفُ هو أيضا من جملة التفصيل لما أجمل في قوله أولا لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ.\rقوله: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَ أي للزوجات، والمراد الجنس وقوله: (ولد) أي واحدا ومتعدد، ذكرا أو أنثى، فالزوج يأخذ النصف بشرط عدمي. قوله: (أو من غيركم) أي ولو من زنا، فإن ولد الزنا ينسب لأمه.\rقوله: فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ هذا مفهوم قوله: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ صرح به لإفادة الحكم","part":1,"page":277},{"id":278,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 278\rأَوْ دَيْنٍ وولد الابن في ذلك كالولد إجماعا وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ صفة والخبر كَلالَةً أي لا والد له ولا ولد أَوِ امْرَأَةٌ تورث كلالة وَلَهُ أي للموروث كلالة أَخٌ أَوْ أُخْتٌ أي من أم وقرأ به ابن مسعود وغيره فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مما ترك فَإِنْ كانُوا أي الأخوة والأخوات من الأم أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ أي من واحد فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ حال من ضمير يوصى أي غير مدخل الضرر على الورثة بأن يوصى بأكثر من الثلث وَصِيَّةٍ مصدر مؤكد ليوصيكم مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما دبره لخلقه من له الفرائض حَلِيمٌ (12) بتأخير العقوبة عمن خالفه وخصت السنة توريث من ذكر بمن ليس فيه مانع من قتل أو اختلاف دين أو رق تِلْكَ الأحكام المذكورة من\r______________________________\rفيه. قوله: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تقدم أنه متعلق بمحذوف تقديره وهذا الاستحقاق يكون بعد تنفيذ وصية.\rقوله: (ولد الابن) أي ذكرا كان ذلك الولد أو أنثى، فإن بنت الابن كابن الابن، وأما أولاد البنت ذكورا أو إناثا، فلا يحجب الزوج بهم عن نصفه ولذلك قال شاعرهم:\rبنانا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد\r\rوكلام المفسر في غاية الحسن حيث قال وولد الابن، ولم يقل كالخازن وولد الولد، لأنه يشمل أولاد البنات وهو غير صحيح. قوله: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ أي ذكر أو أنثى، واحد أو متعدد قوله: (منهن أو من غيرهن) المناسب تقديمه عند قوله: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ليكون على منوال ما تقدم له في نظيره، وقوله: (أو من غيرهن) أي نسيب، فإن كان ابن زنا فلا يحجب الزوجة من الربع إلى الثمن، لأنه لا يلحق بأبيه ولا يرث منه، ومن لا يرث لا يحجب وارثا. قوله: (و ولد الابن كالولد) أي وأما أولاد البنات فليسوا مثلهم، لأنهم من ذوي الأرحام. قوله: يُورَثُ (صفة) أي ويصح أن يكون خبرا. وقوله:\rكَلالَةً حال من الضمير في يورث. قوله: (و الخبر) كَلالَةً أي واسمها رجل، وهذا على أنها ناقصة، وأما على أنها تامة فرجل فاعل، ويورث صفته، وكلالة بحال. قوله: (أي لا والد له ولا ولد) هذا هو أرجح الأقوال في تفسير الكلالة. والحاصل أنه اختلف الناس في معنى الكلالة فقال جمهور اللغويين إنه الميت الذي لا ولد له ولا والد، وقيل الذي لا ولد له فقط، وقيل الذي لا ولد له فقط، وقيل هو من لا يرثه أب ولا أم، وعلى هذه الأقوال كلها، فالكلالة واقعة على الميت، وقيل الكلالة الورثة ما عدا الأبوين والولد، سمرا بذلك لأن الميت بذهاب طرفية تكلله الورثة، أي أحاطوا به من جميع نواحيه، ويؤيد القوال الذي مشى عليه المفسر، أن الآية نزلت في جابر رضي اللّه عنه، ولم يكن له يوم أنزلت أب ولا ابن، قوله: (و قرأ به ابن مسعود وغيره) أي قراءة شاذة، وإنما استدل بهذه القراءة، لأنها بمنزلة رواية الآحاد، ورواية الآحاد يستدل بها لأنها منقولة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (أي من واحد) أي لأن أو في الآية لأحد الشيئين، فإذا اجتمع ذكر وأنثى من ولد الأم كان لهما الثلث، وكذا إن زادوا عن ذلك، ويسقط الأخوة للأم بستة: الابن وابن الابن والبنت وبنت الابن والأب والجد. قوله: (من ضمير يوصى) أي هو عائد على الميت. قوله: (أي غير مدخل الضرر) أشار بذلك إلى أن مضار اسم فاعل. قوله: (بأن يوصى بأكثر من الثلث) هذا تصوير لإدخال الضرر، ويبطل ما زاد على الثلث إن لم يجزه الورثة. قوله:","part":1,"page":278},{"id":279,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 279\rأمر اليتامى وما بعده حُدُودُ اللَّهِ شرائعه التي حدها لعباده ليعملوا بها ولا يعتدوها وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما حكم به يُدْخِلْهُ بالياء والنون التفاتا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ بالوجهين ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ فيها عَذابٌ مُهِينٌ (14) ذو إهانة روعي في الضمائر في الآيتين لفظ من وفي خالدين معناها وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ الزنا مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ أي من رجالكم المسلمين فَإِنْ شَهِدُوا عليهن بها فَأَمْسِكُوهُنَ احبسوهن فِي الْبُيُوتِ وامنعوهن من مخالطة الناس حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أي ملائكته أَوْ إلى أن يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) طريقا إلى الخروج منها أمروا بذلك أول الاسلام ثم جعل لهن سبيلا بجلد البكر مائة وتغريبها ....\r______________________________\r(من قتل) أي فلا يرث القاتل من تركة المقتول شيئا كما في الحديث. قوله: (أو اختلاف دين) أي بالإسلام والكفر، فلا يرث المسلم الكافر، ولا العكس. قوله: (أورق) أي فلا يرث الرقيق من تركة الحر شيئا ولا بالعكس. قوله: (و ما بعده) أي من المواريث والوصايا. قوله: (التي حدها لعباده) أي بينها وفصلها. قوله: (بالياء والنون) أي فهما قراءتان سبعيتان. وقوله: (التفاتا) راجع للنون وهو التفات من الغيبة للتكلم.\rقوله: مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي من تحت قصورها. قوله: (بالوجهين) أي الياء والنون.\rقوله: خالِداً فِيها المراد بالخلود طول المكث إن مات مسلما وعلى حقيقته إن مات كافرا، وحكمة الإفراد في جانب العذاب أنه كما يعذب بالنار يعذب بالغربة وحكمة الجمع في جانب النعيم أنه كما ينعم بالجنة ينعم باجتماعه مع أحبابه فيها ويزورهم ويزورونه. قوله: (لفظ من) أي فأفرد في قوله: يُدْخِلْهُ في الموضعين، وفي قوله: وَلَهُ. قوله: (و في خالدين معناها) أي فجمع.\rقوله: وَاللَّاتِي الخ، جمع التي وهو اسم موصول مبتدأ. وقوله: يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ صلته. وقوله: فَاسْتَشْهِدُوا خبره وقرن بالفاء لأن المبتدأ أشبه الشرط في العموم، لأن المبتدأ إذا وقع اسما موصولا، ووصل بجملة فعلية أشبه الشرط فيقرن خبره بالفاء، خصوصا إذا أخبر عنه بجملة طلبية. قوله: مِنْ نِسائِكُمْ بيان لللاتي. قوله:\rأَرْبَعَةً مِنْكُمْ أي عدولا، والعدل هو الذكر الحر المكلف الذي لم يرتكب كبيرة ولا صغيرة خسة، ولا ما يخل بالمروءة، وهذه الشهادة على رؤية الزنا وأما الإقرار فيكفي اثنان عليه، والخطاب في قوله:\rفَاسْتَشْهِدُوا لولاة الأمور كالقضاة والحكام. قوله: (أي من رجالكم المسلمين) أي الأحرار، وأما النساء والأرقاء والصبيان فلا تقبل شهادتهم، ويشترط في الشهادة أن تكون متحدة وقتا ورؤية ومكانا، فلو اختلف شيء من ذلك حد الشهود. قوله: (و امنعوهن من مخالطة الناس) أي الرجال، وهو عطف علة على معلول. قوله: (أي ملائكته) دفع بذلك ما يقال إن التوفي هو الموت ففيه إسناد الشيء نفسه.\rقوله: أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ أو حرف عطف، ويجعل معطوف على يتوفى، فهو داخل في الغاية، وأشار المفسر لذلك بقوله: (إلى أن) يَجْعَلَ ويصح أن تكون أو بمعنى إلا كما في قوله لألزمنك أو تقضيني حقي، فهو مخرج من قوله: حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ فالمعنى إلا أن يجعل اللّه لهن سبيلا، فلا تمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت. قوله: (ثم جعل لهن سبيلا) أي بنزول آية النور، واختلف في هذه الآية،","part":1,"page":279},{"id":280,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 280\rعاما ورجم المحصنة وفي الحديث لما بين الحد قال خذوا عني خذوا عني قد جعل اللّه لهن سبيلا رواه مسلم وَالَّذانِ بتخفيف النون وتشديدها يَأْتِيانِها أي الفاحشة الزنا أو اللواط مِنْكُمْ أي الرجال فَآذُوهُما بالسب والضرب بالنعال فَإِنْ تابا منها وَأَصْلَحا العمل فَأَعْرِضُوا عَنْهُما ولا تؤذوهما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً على من تاب رَحِيماً (16) به وهذا منسوخ بالحد إن أريد بها الزنا وكذا إن أريد بها اللواط عند الشافعي لكن المفعول به لا يرجم عنده وإن كان محصنا بل يجلد ويغرب وإرادة اللواط أظهر بدليل تثنية الضمير والأول أراد الزاني والزانية ويرده تبيينهما بمن المتصلة بضمير الرجال واشتراكهما في الأذى والتوبة والإعراض وهو مخصوص بالرجال لما تقدم في النساء من الحبس إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ أي التي كتب على نفسه قبولها بفضله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ المعصية بِجَهالَةٍ حال أي جاهلين إذا عصوا ربهم ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ زمن قَرِيبٍ قبل أن يغرغروا فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يقبل توبتهم وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً\r______________________________\rقيل منسوخة بآية النور أو مفصلة لها وهو الحق، وقد مشى عليه المفسر. قوله: (بجلد البكر مائة وتغريبها عاما) هذا هو مذهب الإمام الشافعي، وعند مالك التغريب خاص بالذكر، وأما الأنثى فلا تغرب.\rقوله: (رواه مسلم) وتمامه الثيب ترجم، والبكر تجلد. قوله: (بتخفيف النون وتشديدها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أو اللواط) أو لتنويع الخلاف في تفسير الفاحشة هنا، وسيرجح الثاني بقوله:\rوإرادة اللواط أظهر الخ، ويصح أن يراد بالفاحشة بالزنا واللواط معا الواقعان من الرجال، وأما الزنا من النساء فقد تقدم حكمه.\rقوله: فَآذُوهُما أي ما لم يتوبا. قوله: (و هذا منسوخ بالحد) أي فالبكر يجلد مائة، ويغرب عاما، والمحصن يرجم إلى أن يموت. قوله: (عند الشافعي) أي وعند مالك يرجم اللائط مطلقا، فاعلا أو مفعولا أحصنا أو لم يحصنا، حيث كانا بالغين مختارين، وعند أبي حنيفة حده، رميه من شاهق أو رمي حائط عليه. قوله: (لكن المفعول به الخ) أي وأما الفاعل عنده فكالزاني، إن كان محصنا يرجم، وإن كان غير محصن جلد مائة وغرب عاما. قوله: (بل يجلد ويغرب) أي إن كان بالغا مختارا. قوله: (بدليل تثنية الضمير) أي في قوله: وَالَّذانِ وقد يقال إن فيه تغليب الذكر على الأنثى. قوله: (و هو مخصوص) أي ما ذكر من (الأذى والتوبة والإعراض).\rقوله: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ هذا حسن ترتيب، حيث ذكر الذنب ثم أردفه بذكر التوبة. وقوله:\rعَلَى اللَّهِ أي التزامها تفضلا منه وإحسانا، لأن وعد الكريم لا يتخلف على حد كتب ربكم على نفسه الرحمة. قوله: (المعصية) أي ولو كانت كفرا. قوله: (أي جاهلين) إنما قرن العصيان بالجهل، لأن العصيان لا يتأتى مع العلم، بل حين وقوع المعصية يسلب العلم، لأن أشدّ الناس خشية العلماء. قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ. قوله: (قبل أن يغرغروا) أي قبل أن تبلغ الروح الحلقوم، وإنما كان الزمن الذي بين وقوع المعصية والغرغرة قريبا، لأن كل ما هو آت قريب، والعمر وإن طال قليل، وفيه إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يجدد التوبة في كل لحظة، لأن الموت متوقع في كل لحظة، لأن المتوقع","part":1,"page":280},{"id":281,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 281\rبخلقه حَكِيماً (17) في صنعه بهم وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الذنوب حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ وأخذ في النزع قالَ عند مشاهدة ما هو فيه إِنِّي تُبْتُ الْآنَ فلا ينفعه ذلك ولا يقبل منه وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ إذا تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب لا تقبل منهم أُولئِكَ أَعْتَدْنا أعددنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (18) مؤلما يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ أي ذاتهن كَرْهاً بالفتح والضم لغتان أي مكرهيهن على ذلك كانوا في الجاهلية يرثون نساء أقربائهم فإن شاؤوا تزوجوها بلا صداق أو زوجوها وأخذوا صداقها أو عضلوها حتى تفتدي بما ورثته أو تموت فيرثوها فنهوا عن ذلك وَلا أن تَعْضُلُوهُنَ أي تمنعوا أزواجكم\r______________________________\rفي كل لمحة، ولذا قال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه: ما خرج مني نفس وانتظرت عوده، وورد أنه ما من نفس يخرج من ابن آدم إلا بإذن من اللّه في العودة ثانيا وعمر جديد.\rقوله: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ أي قبولها. قوله: (و أخذ في النزع) أي بلغت الروح الحلقوم وغرغر الميت، لأن الإنسان عند الغرغرة يرى مقعده في الجنة أو في النار، فيظهر عليه علامة البشرى أو الحزن، فلا ينفعه الندم إذ ذاك. قوله: وَلَا الَّذِينَ معطوف على قوله: لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ المعنى ليست التوبة للذين يعملون السيئات الخ، وليست التوبة للذين يموتون وهم كفار فهو محل جر. قوله:\rأُولئِكَ أَعْتَدْنا أصله أعددنا قلبت الدال الأولى تاء، وقد أشار لذلك المفسر بقوله (أعددنا) والمعنى أحضرنا وهيأنا.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ الآية الخ، سبب نزولها أنه كان في الجاهلية وصدر الإسلام، إذا مات الرجل وترك امرأة، جاء ابنه من غيرها أو قريبه فرمى عليها ثوبه فيخير فيها بعد ذلك، فإما أن يتزوجها بلا مهر، أو يزوجها لغيره ويأخذ مهرها، أو بعضها حتى تفتدي منه، أو تموت ويأخذ ميراثها، ثم لما توفي أبو قيس، وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية، قام ابن له قيل اسمه قيس، فطرح عليها ثوبه ثم تركها، فلم يقربها ولم ينفق عليها، فأتت كبيشة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت يا رسول اللّه إن أبا قيس توفي وأخذني ابنه، فلم ينفق علي ولم يخل سبيلي، فقال امكثي في بيتك حتى يأتي أمر اللّه فيك، فنزلت هذه الآية. قوله: (أي ذاتهن) دفع بذلك ما يقال إن ميراث الرجل من المرأة قد تقدم، وهو إما النصف أو الربع، وليس بمنهي عنه. قوله: (لغتان) المناسب قراءتان وهما سبعيتان. قوله: (أي مكرهين) بكسر الراء اسم فاعل، ومفعول محذوف تقديره مكرهين لهن على ذلك. قوله: (كانوا في الجاهلية) أي وصدر الإسلام، وهو إشارة لسبب نزول الآية، وقد أجمل فيه. قوله: (بلا صداق) أي اتكالا على الصداق الذي دفعه أبوه.\rقوله: وَلا تَعْضُلُوهُنَ معطوف على قوله: لا يَحِلُّ لَكُمْ الخ، والمعنى لا يحل لكم ميراث النساء ولا عضلهن، وهو خطاب للأزواج كان الرجل يكره المرأة، ولها عليه المهر، فيسيء عشرتها ويضارها لتفتدي منه. قوله: (أي تمنعوا أزواجكم) أشار بذلك إلى أن الضمير عائد على النساء، لا بالمعنى الأول، فإن المراد بالنساء فيما تقدم نساء غيركم، وفيما هنا نساؤكم، ففي الكلام استخدام قوله:","part":1,"page":281},{"id":282,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 282\rعن نكاح غيركم بإمساكهن ولا رغبة لكم فيهن ضرارا لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَ من المهر إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ بفتح الباء وكسرها أي بينت أو هي بينة أي زنا أو نشوز فلكم أن تضاروهن حتى يفتدين منكم ويختلعن وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي بالاجمال في القول والنفقة والمبيت فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَ فاصبروا فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19) ولعله يجعل فيهن ذلك بأن يرزقكم منهن ولدا صالحا وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ أي أخذها بدلها بأن طلقتموها وَقد آتَيْتُمْ إِحْداهُنَ أي الزوجات قِنْطاراً مالا كثيرا صداقا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً ظلما وَإِثْماً مُبِيناً (20) بينا ونصبهما على الحال والاستفهام للتوبيخ وللإنكار في وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ أي بأي وجه وَقَدْ أَفْضى وصل بَعْضُكُمْ إلى بعض بالجماع المقرر للمهر وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً عهدا غَلِيظاً (21) شديدا وهو ما\r______________________________\rلِتَذْهَبُوا علة لقوله: وَلا تَعْضُلُوهُنَ. قوله: بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَ أي ومن باب أولى أخذ الجميع.\rقوله: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ هذا استثناء من عموم الأحوال، والمعنى لا يحل عضل النساء لأجل أخذ بعض ما آتيتموهن في حال من الأحوال، إلا في حال إتيانهن بفاحشة مبينة. قوله: (بفتح الياء وكسرها) أي فهم قراءتان سبعيتان. قوله: (أو نشوز) أي خروج عن طاعة الزوج. قوله: (فلكم أن تضاروهن) إن قلت: إن المضاررة لا تجوز فكيف ذلك؟ أجيب بأن هذا منسوخ، أو بأن المراد بها الوعظ والهجر والضرب على طبق ما يأتي في قوله تعالى: وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَ الآيات، وتسميته حينئذ مضاررة مشاكلة نظير (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه). قوله: (و عاشروهن) قيل معطوف على قوله فيما تقدم وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً وقيل معطوف على قوله: وَلا تَعْضُلُوهُنَ وعليه فالعطف للتوكيد، والمعنى لا تضاروهن وعاشروهن بالمعروف، بأن تطيبوا لهن القول والفعل، ومن ذلك تعليمهن مصالح دينهن ودنياهن. قوله: (الإجمال في القول) أي بالقول الجميل الخ.\rفَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَ أي طبعا من غير ظهور ما يوجب الكراهة منهن. قوله: (فاصبروا) هذا هو جواب الشرط، وقوله: فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً علة له. قوله: (ولدا صالحا) أي ذكرا أو أنثى، ففي الحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» وبالجملة فالإحسان إلى النساء من مكارم الأخلاق، وإن وقعت منهن الإساءة، لما في الحديث «يغلبن كريما ويغلبهن لئيم، فأحب أن أكون كريما مغلوبا، ولا أحب أن أكون لئيما غالبا». قوله: (بأن طلقتموها) أي بعد الدخول، وأما قبله فليس لها عنده إلا نصف المهر. قوله: (مالا كثيرا) أشار بذلك إلى أنه ليس المراد بالقنطار التحديد.\rقوله: (ظلما) أشار بذلك إلى أنه أطلق البهتان وهو في الأصل الكذب، وأراد به الظلم مجازا. قوله: (و الاستفهام للتوبيخ والإنكار في) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ أي وفيما قبله. قوله:\r(بالجماع) هكذا فسره به الشافعي، وقال مالك بالخلوة التي يتأتى فيها الوطء. قوله: (بالجماع) هكذا فسره به الشافعي، وقال مالك بالخلوة التي يتأتى فيها الوطء. قوله: (المقرر للمهر) أي وهو الواقع من بالغ في مطيقة، وقال الشافعي بل ولو لم تكن مطيقة. قوله: وَأَخَذْنَ أي النساء، والآخذ في الحقيقة هو اللّه،","part":1,"page":282},{"id":283,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 283\rأمر اللّه به من إمساكهن بمعروف أو تسريحهن باحسان وَلا تَنْكِحُوا ما بمعنى من نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا لكن ما قَدْ سَلَفَ من فعلكم ذلك فإنه معفو عنه إِنَّهُ أي نكاحهن كانَ فاحِشَةً قبيحا وَمَقْتاً سببا للمقت من اللّه وهو أشد البغض وَساءَ بئس سَبِيلًا (22) طريقا ذلك حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ أن تنكحوهن وشملت الجدات من قبل الأب أو الأم وَبَناتُكُمْ وشملت بنات الأولاد وإن سفلن وَأَخَواتُكُمْ من جهة الأب أو الأم وَعَمَّاتُكُمْ أي أخوات آبائكم وأجدادكم وَخالاتُكُمْ أي أخوات أمهاتكم وجداتكم وَبَناتُ الْأَخِ\r______________________________\rوإنما أسند للنساء مجازا عقليا من الإسناد للسبب.\rقوله: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ شروع منه سبحانه وتعالى في المحرمات من النساء على الرجال، وابتدأ بتحريم زوجة الأب اعتناء بها، فإن الجاهلية كانوا يفعلون ذلك كثيرا، ولما كان ذلك الأمر قبيحا شرعا وطبعا، أفرده بالنهي ولم يدرجه في جملة المحرمات الآتية. قوله: ما نَكَحَ آباؤُكُمْ المراد بالنكاح العقد، وبالآباء الأصول وإن علوا، فمتى عقد أحد من أصولك على امرأة، فلا يحل لك ولا لأحد من ذريتك تزوجها بحال، وهذه إحدى المحرمات بالصهر، وهن أربع، والباقي زوجة الابن، وأم الزوجة، وبنت الزوجة، وكل ذلك يحصل التحريم فيه بمجرد العقد، إلا بنت الزوجة فلا يحرمها إلا الدخول بأمها، والمراد بالدخول عند مالك التلذذ مطلقا وإن لم تكن خلوة، وعند الشافعي لا بد من الوطء، وأما جارية الأب فلا تحرم على الابن، إلا إن تلذذ بها الأب، وسيأتي في الآية تحريم باقي الأصهار. قوله: مِنَ النِّساءِ بيان لما التي بمعنى من، وعبر بما التي لغير العاقل غالبا، إشارة إلى أن النساء ناقصات عقل. قوله: إِلَّا (لكن) أشار بذلك إلى أن الاستثناء منقطع، لأن النهي مستقبل، والاستثناء ماض، ولا يستثنى الماضي من المستقبل، وفي الحقيقة الاستثناء من قوله بعد إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً الخ، وحكمة هذا الاستثناء دفع توهم أن من فعله، ولو قيل بالتحريم يحصل له هذا الوعيد الشديد.\rقوله: إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً علة لقوله: وَلا تَنْكِحُوا وكان إمّا صلة، أو مجردة عن معنى الزمان الماضي، فهي بمعنى صار. قوله: وَساءَ سَبِيلًا مقول لقول محذوف معطوف على فاحشة، أي ومقولا فيه ساء سبيلا، ويحتمل أنه كلام مستأنف لإنشاء الذم. قوله: (ذلك) قدره إشارة إلى المخصوص بالذم، والمعنى أن من تزوج بزوجة الأب بعد التحريم، ارتكب أمرا قبيحا، واستحق أشد البغض من اللّه، وسلك طريقا قبيحا خبيثا.\rقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ شروع في ذكر المحرمات بالنسب، وأمهات جمع أم، فالهاء زائدة في الجمع، للفرق بين جمع من يعقل ومن لا يعقل، وهذا على أن المفرد أم، وإما على أن المفرد أمهة فليست زائدة، وقد يتعاكس على الأول، فيقال في العقلاء أمات، وفي غيرهم أمهات. قوله: (تنكحوهن) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، لأن الذوات لا تحرم، وإنما التحريم متعلق بالفعل. قوله:\r(و شملت بنات الأولاد) أي ذكورا وإناثا. قوله: وَأَخَواتُكُمْ جمع أخت، يقال في الأنثى أخت، وفي الذكر أخ، وجمع الأول أخوات، والثاني إخوة. قوله: (من جهة الأب أو الأم) أي ومن باب أولى الشقيقات. قوله: (أي أخوات آبائكم) أي مطلقا شقيقات أو لأب أو لأم. قوله: (و أجدادكم) أي وإن علوا. قوله: (أي أخوات أمهاتكم) أي مطلقا شقيقات أو لأب أو لأم. قوله: (وجداتكم) أي وإن","part":1,"page":283},{"id":284,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 284\rوَبَناتُ الْأُخْتِ ويدخل فيهن أولادهم وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ قبل استكمال الحولين خمس رضعات كما بينه الحديث وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ ويلحق بذلك بالسنة البنات منها وهن من أرضعتهن موطوأته والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت منها لحديث يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب رواه البخاري ومسلم وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ جمع ربيبة وهي بنت الزوجة من غيره اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ تربونها صفة موافقة للغالب فلا مفهوم لها مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَ أي جامعتموهن فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ في نكاح بناتهن إذا فارقتموهن وَحَلائِلُ أزواج أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ بخلاف من تبنيتموهم فلكم نكاح حلائلهم وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ من نسب أو رضاع بالنكاح ويلحق بها بالسنة الجمع بينها وبين عمتها أو خالتها ويجوز نكاح كل واحدة على الانفراد وملكهما معا ويطأ\r______________________________\rعلون. قوله: (و يدخل فيهن بنات أولادهن) أي الأخوات ذكورا وإناثا وإن سفلن، وفيه تغليب الأخت على الأخ لقربها، وفي نسخة أولادهم بميم الجمع، ويكون عائدا على الأخ، وغلبه على الأخت تشريفا.\rقوله: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ شروع في ذكر المحرمات بالرضاع. قوله: (قبل استكمال الحولين) ظاهره ولو كان مستغنيا عن اللبن، ولكن يقيد عند مالك بما إذا لم يستغن عن اللبن داخل الحولين، وإلا فلا يحرم كبعد الحولين. قوله: (خمس رضعات) أي متفرقات، وهذا مذهب الإمام الشافعي وابن حنبل، وأما مذهب مالك وأبي حنيفة فالمصة الواحدة كافية في التحريم. قوله: (كما بينه الحديث) أي الصحيح، لأن من قواعد الشافعي كلما صح الحديث كان مذهبا له، وأما مالك فكذلك ما لم يعارضه عمل أهل المدينة وإجماعهم، وإلا حمل الحديث عنده على أنه منسوخ، فعمل أهل المدينة حجة عند مالك دون غيره.\rقوله: وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ أي وسواء كانت تلك الأخت بنتا لمن أرضعتك أولا، كما إذا رضعت امرأة ابن عمر وبنت زيد فإنها تصير أختا له من الرضاعة. قوله: (و يلحق بذلك) أي بما ذكر من الأمهات والأخوات من الرضاعة. قوله: (من أرضعتهن موطوأته) ظاهره ولو بزنا، وهو كذلك عند مالك، وأما عند الشافعي فيقيد الوطء بكونه من نكاح أو شبهته، أو ملك أو شبهته، وأما بالزنا فلا يحرم عنده. قوله: اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ جمع حجر وهو في الأصل مقدم الثوب، أطلق وأريد به كونهم في تربيته. قوله: (موافقه للغالب) أي فإن الغالب عدم استغناء الربيبة عن أمها فهي في حجر زوجها.\rقوله: (أي جامعتموهن) هذا مذهب الشافعي، وعند مالك يكفي مطلق التلذذ في التحريم. قوله:\rالَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ نزلت ردا لقول بعض المنافقين حين تزوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حليلة زيد وكان متسنيا له، إن محمدا تزوج حليلة ابنه. قوله: بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ أي مطلقا شقيقتين أو لأب أو لأم. قوله: (الجمع بينها وبين عمتها الخ) أي وضابط ذلك أن يقال كل اثنتين لو قدرت آية ذكر ما حرم فإنه يحرم جمعهما، وأما لو كان التقدير في أحد الجانبين يحرم وفي الآخر لا يحرم، فإنه لا يحرم، كجمع المرأة وأم زوجها أو بنته من غيرها، أو المرأة وجاريتها، كما قال الأجهوري:\rوجمع مرأة وأمّ البعل ... أو بنته أو رقّها ذو حلّ","part":1,"page":284},{"id":285,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 285\rواحدة إِلَّا لكن ما قَدْ سَلَفَ في الجاهلية من نكاحكم بعض ما ذكر فلا جناح عليكم فيه إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً لما سلف منكم قبل النهي رَحِيماً (23) بكم في ذلك وَحرمت عليكم الْمُحْصَناتُ أي ذوات الأزواج مِنَ النِّساءِ أن تنكحوهن قبل مفارقة أزواجهن حرائر مسلمات كن أو لا إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من الإماء بالسبي فلكم وطؤهن وإن كان لهن أزواج في دار الحرب بعد الاستبراء كِتابَ اللَّهِ نصب على المصدر أي كتب ذلك عَلَيْكُمْ وَأُحِلَ بالبناء للفاعل والمفعول لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أي سوى ما حرم عليكم من النساء أَنْ تَبْتَغُوا تطلبوا النساء بِأَمْوالِكُمْ بصداق أو ثمن مُحْصِنِينَ متزوجين غَيْرَ مُسافِحِينَ زانين فَمَا أي من اسْتَمْتَعْتُمْ تمتعتم بِهِ مِنْهُنَ ممن تزوجتم بالوطء فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ مهورهن التي\r______________________________\rقوله: (و يطأ واحدة) أي ويحرم الأخرى. قوله: إِلَّا (لكن) ما قَدْ سَلَفَ هذا استثناء منقطع كالأول، ولم يقل هنا إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا لعله بالقياس على ما تقدم. قوله: (بعض ما ذكر) أي وهو نكاح الأختين.\rقوله: وَالْمُحْصَناتُ معطوف على قوله: أُمَّهاتُكُمْ فهو مندرج في سلك المحرمات، ولذا قدر المفسر قوله حرمت عليكم، وَالْمُحْصَناتُ بفتح الصاد هنا باتفاق السبعة، وأما في غير هذا الموضوع فقرأ الكسائي بالكسر، فعلى الفتح هو اسم مفعول، وفاعل الإحصان إما الأزواج أو الأولياء أو اللّه، وعلى الكسر اسم فاعل بمعنى إنهن أحصن أنفسهن، واعلم أن الإحصان يطلق على التزوج كما في هذه الآية، وعلى الحرية كما في\rقوله: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ وعلى الإسلام كما في قوله: فَإِذا أُحْصِنَ وعلى العفة كما في قوله: مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ. قوله: (أن تنكحوهن) أي تعقدوا عليهن في العصمة وما ألحق بها كالعدة، وقد أشار لذلك بقوله: (قبل مفارقة أزواجهن). قوله: (أو لا) أي بل كن إماء أو كتابيات.\rقوله: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ الاستثناء متصل، ويشير له قول المفسر وإن كان لهن أزواج، ولكن فيه شائبة انقطاع من وجهين: الأول أن المستثنى الوطء، والمستثنى منه العقد، الثاني أن المستثنى منه المتزوجات بالفعل، والمستثنى من كن متزوجات، فإنه بمجرد السبي تنقطع عصمة الكافر. قوله: (نصب على المصدر) أي المؤكد لعامله المعنوي المستفاد من قوله حرمت، فإن التحريم والفرض والكتب بمعنى واحد. قوله: (بالبناء للفاعل والمفعول) أي فهما قراءتان سبعيتان، والفاعل هو اللّه، وحذف للعلم به.\rقوله: ما وَراءَ ذلِكُمْ أي غير ما ذكر لكم، وهذا عام مخصوص بغير ما حرم بالسنة كباقي المحرمات من الرضاع، والجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، والملاعنة على ملاعنها، والمعتدة، فقوله: (أي سوء ما حرم عليكم من النساء) أي كتابا وسنة.\rقوله: أَنْ تَبْتَغُوا علة لقوله: وَأُحِلَّ لَكُمْ أي أحل لكم لأجل أن تبتغوا. قوله: (بصداق) أي بالتزوج، وقوله: (أو ثمن) أي بالملك. قوله: (متزوجين) أي أو متملكين بدليل قوله: (أو ثمن).\rوقوله: غَيْرَ مُسافِحِينَ حال أخرى، وسمى الزنا سفاحا، لأن الزانيين لا يقصدان إلا صبّ الماء، ولا يقصدان نسلا، فإن الأصل في السفح الصب. قوله: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ أشار المفسر بقوله: (أي من)","part":1,"page":285},{"id":286,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 286\rفرضتم لهن فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ أنتم وهن بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ من حطها أو بعضها أو زيادة عليها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً (24) فيما دبره لهم وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أي غنى أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الحرائر الْمُؤْمِناتِ هو جري على الغالب فلا مفهوم له فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ينكح مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ فاكتفوا بظاهره وكلوا السرائر إليه فإنه العالم بتفصيلها ورب أمة تفضل الحرة فيه وهذا تأنيس بنكاح الإماء بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أي أنتم وهن سواء في الدين فلا تستنكفوا من نكاحهن فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَ مواليهن وَآتُوهُنَ أعطوهن أُجُورَهُنَ مهورهن بِالْمَعْرُوفِ من غير مطل\r______________________________\rإلى أن ما واقعة على من يعقل وهن الزوجات، والمراد الزوجات اللاتي تمتعتم به منهن، فالآية واردة في النكاح الصحيح، فهو بمعنى قوله تعالى: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً الآية، وكرره لتتميم حكم الحل، وقيل إن الآية وردت في نكاح المتعة، وكان في صدر الإسلام حلالا، فكان الرجل ينكح المرأة وقتا معلوما ثم يسرحها، وقد نسخ هذا، فعلى هذا الآية منسوخة. قوله: (بالوطء) أي ومقدماته. قوله: (مهورهن) سمى المهر أجرا لأنه في مقابلة الاستمتاع لا الذات. قوله: (فرضتم لهن) أشار بذلك إلى أن فريضة مفعول لمحذوف وهو متصل بما قبله، فإن لم يكن فرض لها شيئا وقد دخل بها، فإنه يلزمه مهر مثلها.\rقوله: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أي ولا عليهن. قوله: (أنتم وهن) أي إن كن رشيدات، أو أولياؤهن إن كن سفيهات. قوله: (من حطها إلخ) بيان لما، والكلام موزع، والمعنى فلا جناح عليكم فيما تراضيتم به من الحط، ولا جناح عليهن فيما تراضين من أخذ الزيادة.\rقوله: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ من شرطية أو موصولة، ويستطع إما فعل الشرط أو صلة الموصول، وقوله: مِنْكُمْ أي الأحرار وهو شروع في بيان حكم نكاح الإماء للأحرار، فأفاد أنه لا يجوز للحر أن ينكح الأمة إلا بشروط ثلاثة: أن لا يجد للحرائر طولا، وأن تكون تلك الأمة مؤمنة، وأن يخشى على نفسه العنت، وذلك الحكم يخصص ما تقدم في قوله: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ. وقوله: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ وعلة حرمة نكاح الأمة لئلا يصير الولد رقيقا لسيد الأمة، فإن كان لا يولد له أو لها أو كان ولده يعتق على سيدها مثل أمة الجد، فإنه يجوز له تزوج الأمة بشرط كونها مؤمنة.\rقوله: أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول لقوله طولا على حد، أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً. قوله: (فلا مفهوم له) أي فإذا وجد طولا لحرة كتابية، فلا يجوز له أن يتزوج بالأمة. قوله: فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إما جواب الشرط أو خبر المبتدأ، وقدر المفسر العامل مؤخرا لإفادة الحصر. قوله: مِنْ فَتَياتِكُمُ جمع فتاة وهي الشابة من النساء. قوله: (تفضل الحرة فيه) أي الإيمان بأن تكون من كبار الأولياء وأرباب الأسرار مثلا. قوله: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أي من جنس بعض في الدين والنسب، كقول علي كرّم اللّه وجهه بيت شعر من البسيط:\rالنّاس من جهة التّمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأمّ حوّاء\r\rقوله: (من غير مطل) أي عدم أداء مع القدرة عليه. قوله: (حال) أي من قوله: فَانْكِحُوهُنَ","part":1,"page":286},{"id":287,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 287\rونقص مُحْصَناتٍ عفائف حال غَيْرَ مُسافِحاتٍ زانيات جهرا وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ أخلاء يزنون بهن سرا فَإِذا أُحْصِنَ زوجن وفي قراءة بالبناء للفاعل تزوجن فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ زنا فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ الحرائر الأبكار إذا زنين مِنَ الْعَذابِ الحد فيجلدن خمسين ويغربن نصف سنة ويقاس عليهن العبيد ولم يجعل الإحصان شرطا لوجوب الحد بل لإفادة أنه لا رجم عليهن أصلا ذلِكَ أي نكاح المملوكات عند عدم الطول لِمَنْ خَشِيَ خاف الْعَنَتَ الزنا وأصله المشقة سمي به الزنا لأنه سببها بالحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة مِنْكُمْ بخلاف من لا يخافه من الأحرار فلا يحل له نكاحها وكذا من استطاع طول حرة وعليه الشافعي وخرج بقوله من فتياتكم المؤمنات الكافرات فلا يحل له نكاحها ولو عدم وخاف وَأَنْ تَصْبِرُوا عن نكاح المملوكات خَيْرٌ لَكُمْ لئلا يصير الولد رقيقا وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) بالتوسعة في ذلك يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ شرائع دينكم ومصالح أمركم وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ طرائق الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأنبياء في التحليل والتحريم فتتبعوهم وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يرجع بكم\r______________________________\rأي حال كونهن عفائف عن الزنا، وهذا شرط كمال على المعتمد. قوله: غَيْرَ مُسافِحاتٍ حال مؤكدة.\rقوله: وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ جمع خدن بالكسر وهو الصاحب والخليل، وإنما ذكره بعده لأنه كان في الجاهلية الزنا قسمان: جهرا وسرا، فكان الأكابر منهم يحرمون القسم الأول ويحلون القسم الثاني. قوله:\r(و في قراءة بالبناء للفاعل) أي فهما قراءتان سبعيتان، والمعنى على هذه القراءة أحصن أنفسهن.\rقوله: فَإِنْ أَتَيْنَ شرط في الشرط، وقوله: فَعَلَيْهِنَ الخ، جواب الثاني، والثاني وجوابه جواب الأول على حد: إن جئتني فإن لم أكرمك فعبدي حر. قوله: (الأكابر) إنما قيد بذلك لأن حد غير البكر من الأحرار الرجم وهو لا ينتصف. قوله: (و يغرّبن نصف سنة) هذا مذهب الإمام الشافعي، وأما عند مالك فلا تغريب على الرقيق، ذكرا أو أنثى. قوله: (و لم يجعل الإحصان الخ) إنما احتاج للسؤال والجواب، لأنه فسر الإحصان بالتزوج، وإلا فلو فسره بالإسلام كما فعل غيره لما احتاج لذلك كله. قوله:\r(و أصله المشقة) أي أصله الثاني، وإلا فأصله الأول الكسر بعد الجبر، ثم نقل لكل مشقة تحصل للإنسان. قوله: (و العقوبة في الآخرة) أي إن لم يقم عليه الحد في الدنيا على المعتمد من أن الحدود جوابر. قوله: (فلا يحل له نكاحها) محل ذلك إن لم يخف العنت في أمة معينة ولم يجد ما يكفه عنها من الحرائر، فعند مالك يجوز له نكاحها لأنه عادم للحرائر حكما. قوله: (و عليه الشافعي) أي ومالك وأحمد، وقال أبو حنيفة بجواز نكاح الأمة لمن ليس تحته حرة بالفعل، ولو كان واجدا لمهرها، وخالف في اشتراط إسلام الأمة. قوله: (و لو عدم) أي الطول وخاف العنت.\rقوله: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ أي فالصبر أجمل حيث أمكن التحيل على ذلك لقوله في الحديث:\r«من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»، ولقوله تعالى:\rوَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. قوله: (بالتوسعة في ذلك) أي في نكاح الأمة.\rقوله: لِيُبَيِّنَ لَكُمْ أي يفصل ويظهر. قوله: (فتتبعوهم) أي على منوال شرعكم. قوله:","part":1,"page":287},{"id":288,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 288\rعن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته وَاللَّهُ عَلِيمٌ بكم حَكِيمٌ (26) فيما دبره لكم وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ كرره ليبني عليه وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ اليهود والنصارى أو المجوس أو الزناة أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً (27) تعدلوا عن الحق بارتكاب ما حرم عليكم فتكونوا مثلهم يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ يسهل عليكم الشرع وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (28) لا يصبر عن النساء والشهوات يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ بالحرام في الشرع كالربا والغصب إِلَّا لكن أَنْ تَكُونَ تقع تِجارَةً وفي قراءة بالنصب أي تكون الأموال أموال تجارة صادرة عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وطيب نفس فلكم أن تأكلوها وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بارتكاب ما يؤدي إلى هلاكها أيا كان في الدنيا أو الآخرة بقرينة إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (29) في\r______________________________\rوَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ أي يقبل توبتكم إذا تبتم. قوله: (عن معصيته) أي اللغوية، وإلا فقبل التشريع لم تكن معصية.\rقوله: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ أي يحب ذلك ويرضاه، وليست الإرادة على حقيقتها، لأنه يقتضي أن إرادة اللّه متعلقة بتوبة كل، مع أنه ليس كذلك، فالمعنى اللّه يحب توبة العبد فيتوب عليه، ومن هنا قيل إن قبول التوبة قطعي. قوله: (أو المجوس) أي فكانوا يجوزون نكاح الأخوات من الأب وبنت الأخ، فلما حرمهن اللّه صاروا يقولون للمؤمنين إنكم تحلون نكاح بنت العمة وبنت الخالة، فلا فرق بينهما وبين بنت الأخ والأخت. قوله: (فتكونوا مثلهم) أي لأن المصيبة إذا عمت هانت. قوله: (يسهل عليكم أحكام الشرع) أي فلم يجعلها ثقيلة عسرة كما كان في الأمم السابقة، قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، وقال تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.\rقوله: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ هذا كالتعليل لقوله: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ. قوله: (لا يصبر عن النساء) أي لما في الحديث «لا خير في النساء ولا صبر عنهن، يغلبن كريما ويغلبن لئيما، فأحب أن أكون كريما مغلوبا، ولا أحب أن أكون لئيما غالبا». وقوله: (أو الشهوات) أي مطلقا ومن جملتها النساء، وفي الحديث: «إن لنفسك عليك حقا».\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ، لما بين النهي عن بعض الفروج وإباحة بعضها، شرع بين النهي عن بعض الأموال والأنفس. قوله: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ أي بإنفاقها في المعاصي، والمراد بالأكل مطلق الأخذ، وإنما عبر بالأكل لأنه معظم المقصود من الأموال. قوله: (كالربا والغصب) أي والسرقة والرشوة وغير ذلك من المحرمات. قوله: إِلَّا (لكن) أشار بذلك إلى أن الاستثناء منقطع. قوله: (و في قراءة بالنصب) أي على أن تكون ناقصة وتجارة خبرها واسمها محذوف، وأما على الرفع فتكون تامة، والقراءتان سبعيتان.\rقوله: عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ أي وأما إذا لم تكن عن تراض، بل كانت غصبا أو غشا أو خديعة، فليست حلالا، ويشترط أن تكون على الوجه المرضي في الشرع، وخص التجارة بالذكر، لأن غالب التصرف في الأموال بها لذوي المروءات. قوله: (أيا كان في الدنيا الخ) أي بأن يزني وهو محصن، فيترتب عليه الرجم، أو يقتل أحدا فيقتل، أو يقتل نفسه غما وأسفا، لما روي عن أبي هريرة قال: قال","part":1,"page":288},{"id":289,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 289\rمنعه لكم من ذلك وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي ما نهى عنه عُدْواناً تجاوزا للحلال حال وَظُلْماً تأكيد فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ندخله ناراً يحترق فيها وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30) هينا إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ وهي ما ورد عليها وعيد كالقتل والزنا والسرقة وعن ابن عباس هي إلى السبعمائة أقرب نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ الصغائر بالطاعات وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا بضم الميم وفتحها أي إدخالا أو موضعا كَرِيماً (31) هو الجنة وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ من جهة الدنيا أو الدين لئلا يؤدي إلى التحاسد والتباغض لِلرِّجالِ نَصِيبٌ ثواب\r______________________________\rرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فهو يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا فيها أبدا». قوله: (أي ما نهى عنه) أي وهو قتل النفس أو أكل الأموال بالباطل. قوله: (تأكيد) أي لأن الظلم والعدوان بمعنى واحد، وهو تجاوز الحد.\rقوله: وَكانَ ذلِكَ أي الإصلاء المذكور. قوله: (و هي ما ورد عليها وعيد) أي واحد، ولا تحد بالعد. قوله: (أقرب) أي منها للسبعين التي قيل بها. قوله: (بالطاعات) أي يفعلها زيادة على الاجتناب كذا قيل، وقيل لا يشترط ذلك، بل تكفر الصغائر باجتناب الكبائر فقط، فإن اجتناب الكبائر من أعظم الطاعات، وهو المعتد. قوله: (بضم الميم) أي فيكون مصدرا على صورة المفعول، لأن مصدر الرباعي يأتي على صورة اسم المفعول ومفعوله محذوف، أي ندخلكم الجنة إدخالا، وقوله: (و فتحها) أي فيكون اسم مكان، فقوله: (أي إدخالا أو موضعا) لف ونشر مرتب، ويحتمل أن كلا لكل لكن الأول أقرب، وهما سبعيتان إلا في الإسراء فبالضم لا غير. قوله: (هو الجنة) هذا يناسب كونه اسم مكان، وأما على كونه مصدرا، فالمراد أن قرار الإدخال الكريم الجنة، ومعنى كونه كريما أنه لا نكد فيه ولا تعب، بل فيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\rقوله: وَلا تَتَمَنَّوْا سيأتي في المفسر سبب نزولها، وهو تمني أم سلمة كونها من الرجال، وذلك لأن اللّه فضل الرجال على الناس بأمور منها: الجهاد والجمعة والزيادة في الميراث وغير ذلك، والتمني هو التعلق بحصول أمر في المستقبل، عكس التلهف لأنه التعلّق بحصول أمر في الماضي، فإن تعلق بانتقال ما لغيره له أو لغيره مع زواله عنه، فهو حسد مذموم، وهو معنى قوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وفي ذلك قال ابن حنبل:\rألا قل لمن بات لي حاسدا ... أتدري على من أسأت الأدب\r\rأسأت على اللّه في فعله ... كأنّك لم ترض لي ما وهب\r\rفكان جزاؤك أن خصّني ... وسدّ عليك طريق الطّلب\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 1 290\r\rفكان جزاؤك أن خصّني ... وسدّ عليك طريق الطّلب\r\rوإن تعلق بمثل ما لغيره مع بقاء نعمته، فإن كان تقوى أو صلاحا وإنفاق مال في الخير فهو مندوب، وهو المعنى بقوله عليه الصلاة والسّلام «لا حد إلا في اثنتين: رجل آتاه اللّه مالا فسلطه على هلكته في الخير، ورجل آتاه اللّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس» وأما إن كان تمنى المال لمجرد الغنى فهو جائز.","part":1,"page":289},{"id":290,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 290\rمِمَّا اكْتَسَبُوا بسبب ما عملوا من الجهاد وغيره وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ من طاعة أزواجهن وحفظ فروجهن نزلت لما قالت أم سلمة ليتنا كنا رجالا فجاهدنا وكان لنا مثل أجر الرجال وَسْئَلُوا بهمزة ودونها اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ما احتجتم إليه يعطكم إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (32) ومنه محل الفضل وسؤالكم وَلِكُلٍ من الرجال والنساء جَعَلْنا مَوالِيَ عصبة يعطون مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ لهم من المال وَالَّذِينَ عَقَدَتْ بألف ودونها أَيْمانُكُمْ جمع يمين بمعنى القسم أو اليد أي الخلفاء الذين عاهدتموهم في الجاهلية على النصرة والإرث فَآتُوهُمْ الآن نَصِيبَهُمْ حظوظهم من الميراث وهو السدس إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (33) مطلعا ومنه حالكم وهذا منسوخ بقوله وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض الرِّجالُ\r______________________________\rقوله: (و غيره) أي من أنواع البر، كالصلاة والصوم وغيرهما. قوله: (من طاعة أزواجهن) أي لما في الحديث: «لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها». وفي الحديث: «إذا بات الرجل غضبانا على زوجته باتت الملائكة تلعنها إلى الصباح». قوله: (أم سلمة) أي وهي زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد ترتب على تمنيها نزول تلك الآية، ونزول قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ إلى قوله: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً. قوله: (ليتنا كنّا رجالا) أي ينتقل لنا وصفهم، ولا خصوصية لأم سلمة بهذا التمني، فقد تمنى مثلها جماعة من النسوة، وقيل سبب نزولها تمني الرجال أن اللّه كما فضلهم على النساء في الدنيا، يفضلهم عليهن في الآخرة. قوله: (بهمزة ودونها) أي فهما قراءتان سبعيتان. والحاصل أن هذه المادة إن وردت في القرآن بواو وفاء لغير غائب ففيها القراءتان نحو: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ* وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ وإن وردت بغيرهما فالقراءة بدون الهمزة لا غير، نحو: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ، وإن وردت لغائب مع الواو أو الفاء نحو: وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا، فالقراءة بالهمزة لا غير.\rقوله: وَلِكُلٍ أي لكل من مات من الرجال أو النساء موالي، أي ورثة يرثونهم، وقوله: مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ أي من المال الذي تركه الوالدان والأقربون إن ماتوا، وهذا حل المفسر، وقال غيره إن قوله: الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ بيان للموالي فيكونون وارثين لا موروثين، وكل صحيح، والأقرب الأول وعليه ابن عباس، والقصد بذلك نسخ ما كانت عليه الجاهلية من توريث الخلفاء، فكان الواحد منهم يأخذ بيمين صاحبه ويقول له دمي دمك وهدمي هدمك، أعقل عنك وتعقل عني، وأرثك وترثني، وقد كان في صدر الإسلام لكل واحد من صاحبه السدس، ثم نسخ بهذه الآية، أو بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ* كما يأتي، وقوله: دمي دمك أي أنت ولي دمي وأنا ولي دمك، وقوله: هدمي هدمك بفتح الهاء وسكون الدال أي إذا وقع بيننا قتل كان المقتول منا هدرا، وقوله أعقل عنك وتعقل عني، أي إذا ألزمتك دية شاركتك فيها وأنت كذلك.\rقوله: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ مبتدأ خبره قوله: فَآتُوهُمْ وقد فرضه المفسر في تحالف الجاهلية، وبعضهم فرضه في مؤاخاة النبي بين المهاجرين والأنصار، وكل صحيح، وعلى كل فالميراث لهم منسوخ. قوله: (بألف ودونها) أي فهما قراءتان سبعيتان. وروي عن حمزة التشديد مع حذف الألف.\rقوله: فَآتُوهُمْ (الآن) أي في صدر الإسلام، وقد علمت أن المفسر فرضه في تحالف الجاهلية، ويجوز فرضه في محالفة المهاجرين مع الأنصار. قوله: (و هذا منسوخ) أي قوله: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ الآية.","part":1,"page":290},{"id":291,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 291\rقَوَّامُونَ مسلطون عَلَى النِّساءِ يؤدبونهن ويأخذون على أيديهن بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ أي بتفضيله لهم عليهن بالعلم والعقل والولاية وغير ذلك وَبِما أَنْفَقُوا عليهن مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ منهن قانِتاتٌ مطيعات لأزواجهن حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ أي لفروجهن وغيرها في غيبة أزواجهن بِما حَفِظَ بهن اللَّهُ حيث أوصى عليهن الأزواج وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَ عصيانهن لكم بأن ظهرت أماراته فَعِظُوهُنَ فخوفوهن اللّه وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ اعتزلوا إلى فراش آخر إن أظهرن النشوز وَاضْرِبُوهُنَ ضربا غير مبرح إن لم\r______________________________\rقوله: (بقوله وأولوا الأرحام) وقيل منسوخ بالآية قبلها، والواقع أن كلا ناسخ لها.\rقوله: الرِّجالُ قَوَّامُونَ سبب نزولها أن سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار، نشزت زوجته واسمها حبيبة بنت زيد فلطمها، فانطلق بها أبوها إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال له قد لطم كريمتي، فقال النبي لتقتص من زوجها، فذهبت مع أبيها، فقال له عليه الصلاة والسّلام: ارجعوا إن جبريل أتاني وقرأ الآية، ثم قال أردنا أمرا وأراد اللّه أمرا، وما أراده اللّه خير. وهذا كلام مستأنف قصد به بيان تفضيل الرجال على النساء، وأفاد أن التفضيل لحكمتين: الأولى وهبية، والثانية كسبية، واعلم أن بعض الرجال أفضل من جنس النساء، فلا ينافي أن بعض أفراد النساء أفضل من بعض أفراد الرجال، كمريم بنت عمران، وفاطمة الزهراء، وخديجة، وعائشة. قوله: (مسلطون) أي قيام سلطنة، كقيام الولاة على الرعايا فالمرأة رعية زوجها، وفي الحديث: «كل راع مسؤول عن رعيته». قوله: (و يأخذون على أيديهن) أي يمنعونهن من كل مكروه كالخروج من المنزل.\rقوله: بِما فَضَّلَ الباء سببية وما مصدرية، أي بتفضيل اللّه، والبعض الأول الرجال، والثاني النساء، وأبهم البعض إشارة إلى أن التفضيل بالجملة لا بالتفصيل. قوله: (بالعلم الخ) أشار المفسر لبعض الأمور التي فضلت الرجال بها على النساء، ومنها زيادة العقل والدين، والولاية والشهادة والجهاد والجمعة والجماعات، وكون الأنبياء والسلاطين من الرجال، ومنها كون الرجل يتزوج بأربع في الدنيا، وبأكثر في الجنة، دون المرأة، وكون الطلاق والرجعة بيد الرجل.\rقوله: وَبِما أَنْفَقُوا يقال فيه ما قيل في قوله: بِما فَضَّلَ اللَّهُ أي وبإنفاقهم، ومن جملة الإنفاق دفع المهر. قوله: (مطيعات لأزواجهن) أي في غير معصية اللّه. قوله: (في غيبة أزواجهن) أي عنهم. قوله: بِما حَفِظَ اللَّهُ أشار المفسر إلى أن ما اسم موصول، أو نكرة موصوفة، والعائد محذوف قدره بقوله هن، والباء سببية أي بسبب الذي، أو شيء حفظهن اللّه به، ولفظ الجلالة فاعل حفظ، والمعنى أن اللّه كما أوصى الأزواج بحفظ النساء، كذلك لا تسمى النساء صالحات إلا إذا حفظهن الأزواج، لأنه كما يدين الفتى يدان، ويحتمل أن ما مصدرية، والمعنى بحفظ اللّه، أي توفيق اللّه لهن.\rقوله: (عصيانهن لكم) أي فيما تأمرونهن به. قوله: (بأن ظهرت أماراته) أي النشوز بأن ظننتم ذلك.\rقوله: فَعِظُوهُنَ أي بنحو: اتقي اللّه واحذري عقابه، فإن الرجل له حق على المرأة، وهذا الترتيب واجب، وأخذ وجوبه من السنة. قوله: (غير مبرح) أي وهو الذي لا يكسر عظما، ولا يشين جارحة، واعلم أن الهجر والضرب لا يسوغ فعلهما إلا إذا تحقق النشوز، ويزاد في الضرب ظن الإفادة،","part":1,"page":291},{"id":292,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 292\rيرجعن بالهجران فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فيما يراد منهن فَلا تَبْغُوا تطلبوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا طريقا إلى ضربهن ظلما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (34) فاحذروه أن يعاقبكم إن ظلمتموهن وَإِنْ خِفْتُمْ علمتم شِقاقَ خلاف بَيْنِهِما بين الزوجين والإضافة للاتساع أي شقاقا بينهما فَابْعَثُوا اليهما برضاهما حَكَماً رجلا عدلا مِنْ أَهْلِهِ أقاربه وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ويوكل الزوج حكمه في طلاق وقبول عوض عليه وتوكل هي حكمها في الاختلاع فيجتهدان ويأمران الظالم بالرجوع أو يفرقان إن رأياه قال تعالى إِنْ يُرِيدا أي الحكمان إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما بين الزوجين أي يقدرهما على ما هو الطاعة من إصلاح أو فراق إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بكل شيء خَبِيراً (35) بالبواطن كالظواهر وَاعْبُدُوا اللَّهَ وحدوه وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَأحسنوا بِالْوالِدَيْنِ\r______________________________\rوأما الوعظ فلا يشترط فيه تحقق النشوز، ولا ظن الإفادة. قوله: (طريقا إلى ضربهن ظلما) أي كأن توبخوهن على ما كان منهن، فيلجأ الأمر إلى الخصام والضرب، فإن عدن للنشوز رجع الترتيب الأول، ولا يضربن من أول وهلة. قوله: (فاحذروه أن يعاقبكم إن ظلمتوهن) أي فالمطلوب أن تستوصوا بهن خيرا، لما في الحديث: «استوصوا بالنساء خيرا، فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا».\rقوله: وَإِنْ خِفْتُمْ الخطاب لولاة الأمور أو لأشراف البلدة التي هما بها. قوله: (و الإضافة للإتّساع) أي والأصل شقاقا بينهما، فأضيف المصدر إلى ظرفه مثل مكر الليل. قوله: حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها أي إن وجد كل من الأهلين معا، فإن لم يوجدا، أو وجد أحدهما دون الآخر، اختار ولي الأمر رجلين، وبعثهما واحدا عنها وواحدا عنه، واعلم أن كون الحكمين من الأهلين عند وجودهما، مندوب عند الشافعي، واجب عند مالك. قوله: (إن رأياه) أي صوابا ومصلحة. قوله: (أي الحكمان) ويحتمل أن يعود الضمير على الزوجين، والمعنى أن يرد الزوجان إصلاحا معاشرة بالمعروف وترك ما يسيء تحصل الموافقة بينهما، وقوله: (بين الزوجين) ويحتمل أن يعود على الحكمين، والمعنى لا يحصل اختلاف بين الحكمين، بل تحصل الموافقة بينهما، فيحكمان بما أنزل اللّه، فتحصل أن الضميرين يصح عودهما معا على الزوجين أو الحكمين، أو الأول للزوجين، والثاني للحكمين وبالعكس، وقوله: إِصْلاحاً أي مصلحة، وإليه يشير قول المفسر بعد ذلك من إصلاح أو فراق.\rقوله: وَاعْبُدُوا اللَّهَ الخطاب للمكلفين، لأن العبادة تتوقف على معرفة المعبود والنية، ولكن المراد ما يشمل القربة التي هي ما تتوقف على معرفة المتقرب إليه، والطاعة التي لا تتوقف على شيء.\rقوله: (وحدوه) حيث فسر العبادة بالتوحيد، كان قوله بعد ذلك: وَلا تُشْرِكُوا تأكيدا، ولكن الأولى التعميم كما قدمناه، فيكون قوله: وَلا تُشْرِكُوا تأسيسا، وهذا نظير قوله تعالى: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.\rقوله: وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً يحتمل أن شيئا مفعول به، والمعنى لا تشركوا به شيئا من الأشياء صنما أو غيره، ويحتمل أنه مفعول مطلق صفة لمصدر محذوف، والمعنى إشراكا شيئا جليا أو خفيا كالرياء والسمعة. قوله: وَبِالْوالِدَيْنِ قرن بر الوالدين بعبادة اللّه، إشارة لتأكد حقهما وتخويفا من عقوقهما،","part":1,"page":292},{"id":293,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 293\rإِحْساناً برا ولين جانب وَبِذِي الْقُرْبى القرابة وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى القريب منك في الجوار أو النسب وَالْجارِ الْجُنُبِ البعيد عنك في الجوار أو النسب وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ الرفيق في سفر أو صناعة وقيل الزوجة وَابْنِ السَّبِيلِ المنقطع في سفره وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من الأرقاء إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا متكبرا فَخُوراً (36) على الناس بما أوتي الَّذِينَ مبتدأ يَبْخَلُونَ بما يجب عليهم وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ به وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من العلم والمال وهم اليهود وخبر المبتدأ لهم وعيد شديد وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ بذلك وبغيره عَذاباً مُهِيناً (37) ذا إهانة وَالَّذِينَ عطف على الذين قبله يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ مرائين لهم وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ كالمنافقين وأهل مكة وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ\r______________________________\rوقدر المفسر أحسنوا إشارة إلى أن إِحْساناً مفعول مطلق لفعل محذوف، والجار والمجرور يحتمل أن يكون متعلق بأحسنوا المقدر، وإليه يشير المفسر، ويحتمل أنه متعلق بإحسانا؛ ولا يقال إن المصدر لا يعمل في متقدم، لأنه يقال محله في غير الجار والمجرور والظرف. قوله: (برا ولين جانب) أي بأن يعظمهما ويخدمهما ويفعل معهما أنواع البر، وقد بين أنواعه في قوله تعالى: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما الآية، وإنما خص حالة الكبر لأن عندها يثقلان، وإنما تكررت الآيات المتعلقة بالوصية على الوالدين دون العكس، لأن اللّه جعل الرأفة القائمة بقلوب الوالدين على الأولاد، مغنية عن التكليف بالقيام بحقوق الأولاد بخلاف الأولاد، فلذا شدد على الأولاد دون الوالدين.\rقوله: وَبِذِي الْقُرْبى كرر الباء إشارة إلى تأكيد حق القرابة لما في الحديث: «الرحم معلقة بالعرش تقول يا رب من وصلني فأوصله ومن قطعني فاقطعه». قوله: وَالْيَتامى جمع يتيم وهو من مات أبوه، ويستمر يتمه إلى البلوغ، فإذا بلغ زال يتمه. قوله: وَالْمَساكِينِ جمع مسكين وهو من التصقت يده بالتراب، والمراد ما يشمل الفقير. قوله: (أو النسب) أو مانعة خلو تجوز الجمع، لما في الحديث:\r«الجيران ثلاثة: فجار له ثلاثة حقوق حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام، وجار له حقان حق الجوار وحق الإسلام، وجار له حق واحد حق الجوار، وهو المشرك من أهل الكتاب». قوله: (الرفيق في سفر) ومثله الملاصق لك في نحو درس علم أو صلاة. قوله: (المنقطع في سفر) المناسب تفسيره بالغريب كان منقطعا أو لا. قوله: (من الأرقاء) لا مفهوم له بل مثله الدواب المملوكة، إنما خص الأرقاء لقوله تعالى:\rوَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ فالإحسان إليهم متأكد لقوله في الحديث: «إن اللّه ملككم إياهم ولو شاء ملكهم إياكم». قوله: إِنَّ اللَّهَ علة لمحذوف تقديره أمركم اللّه بذلك فلا تفخروا إن اللّه الخ. قوله: (متكبرا) أي معجبا بنفسه مستحقرا لغيره. قوله: (بما أوتي) أي من النعم. قوله: (بما يجب عليهم) أي من الزكاة وغيرها.\rقوله: بِالْبُخْلِ (به) أي بما يجب. قوله: (من العلم) أي كصفاة النبي الموجودة في التوراة والإنجيل.\rقوله: وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ علة لخبر المبتدأ المحذوف. قوله: (مرائين لهم) أشار به إلى أن رئاء","part":1,"page":293},{"id":294,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 294\rلَهُ قَرِيناً صاحبا يعمل بأمره كهؤلاء فَساءَ بئس قَرِيناً (38) هو وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ أي ضرر عليهم في ذلك والاستفهام للإنكار ولو مصدرية أي لا ضرر فيه وإنما الضرر فيما هم عليه وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (39) فيجازيهم بما عملوا إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ أحدا مِثْقالَ وزن ذَرَّةٍ أصغر نملة بأن ينقصها من حسناته أو يزيدها في سيئاته وَإِنْ تَكُ الذرة حَسَنَةً من مؤمن وفي قراءة بالرفع فكان تامة يُضاعِفْها من عشر إلى أكثر من سبعمائة وفي قراءة يضعفها بالتشديد وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أي من عنده مع المضاعفة أَجْراً عَظِيماً (40) لا يقدره أحد فَكَيْفَ حال الكفار إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ يشهد عليها بعملها وهو نبيها وَجِئْنا بِكَ يا محمد عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (41) يَوْمَئِذٍ يوم المجيء\r______________________________\rحال من الواو في ينفقون. قوله: (كهؤلاء) أي الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون، ومن ينفق ماله مرائيا، ومن لا يؤمن باللّه ولا باليوم الآخر.\rقوله: فَساءَ قَرِيناً ساء بمعنى بئس تساق للذم فهي نظيرتها في المعنى والعمل، وقرينا تمييز، والأصل فساء القرين قرينهم، وقدر المخصوص بالذم بقوله:\r(هو) واعلم أن كل إنسان له قرين من الشياطين يوسوس له في الدنيا ويكون معه في النار في سلسلة، واختلف فقيل الذم في الدنيا على مطاوعته فيما يأمره به، وقيل في الآخرة على مقارنته له في السلسلة في النار. قوله: (أي أي ضرر) أشار بذلك إلى أن ماذا استفهام وهو للإنكار والتوبيخ. قوله: (و لو مصدرية) أي والكلام على تقدير في، وإليه يشير المفسر بقوله أي لا ضرر عليهم فيه، فالتقدير وماذا عليهم في إيمانهم.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ المقصود من ذلك إظهار العدل في المجازاة على السيئات وكمال الفضل في المجازاة على الحسنات. قوله: (أصغر نملة) وقيل هو الهباء الذي يكون في الشمس، فقوله:\r(من مؤمن) أي لا من كافر، بل تكون هباء منثورا. قوله: (و في قراءة بالرفع) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: يُضاعِفْها أي يضاعف ثوابها. قوله: (لا يقدره) أي لا يحصره ولا يعده، بل من محض فضله وكرمه.\rقوله: فَكَيْفَ خبر لمبتدأ محذوف، قدره المفسر بقوله: (حال الكفار) وهو استفهام تعجبي استعظامي، أي تعجب من حالهم، فإنه بلغ الغاية في الفظاعة والشناعة، لعظيم ما رأوه من الأهوال العظيمة. قوله: (إذا جئنا) ظرف متعلق بالمبتدأ المحذوف. قوله: عَلى هؤُلاءِ أي أمم الأنبياء الكفار حين ينكرون تبليغ أنبيائهم لهم الرسالة. وحاصل ذلك، أنه بعد انفضاض الموقف تحضر الأنبياء مع أممهم، فيقول اللّه للأمم: ألم تبلغكم الرسل الشرائع، فيقولون: يا ربنا ما بلغونا، فيسأل اللّه الرسل: ألم تبلغوهم ما أرسلتكم به؟ فيقولون: بلى، فيقول اللّه للرسل: هل لكم شهود؟ فيقولون: محمد وأمته، فيؤتى بهم فيشهدون على الأمم بالتكذيب وللأنبياء بالبراءة، ثم بعد ذلك إن وقع منهم إنكار تنطق عليهم ألسنتهم، بل وجميع أعضائهم والأزمنة والأمكنة بتكذيبهم، وهذا الاحتمال هو الأظهر، ويحتمل أن اسم الإشارة عائد على المشركين مطلقا من أول الزمان إلى آخره، أو عائد على الكفار والمنافقين من أمته صلّى اللّه عليه وسلّم","part":1,"page":294},{"id":295,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 295\rيَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ أي أن تُسَوَّى بالبناء للمفعول وللفاعل مع حذف إحدى التاءين في الأصل ومع إدغامها في السين أي تتسوى بِهِمُ الْأَرْضُ بأن يكونوا ترابا مثلها لعظم هوله كما في آية أخرى (و يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا) وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (42) عما عملوه وفي وقت آخر يكتمونه ويقولون واللّه ربنا ما كنا مشركين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ أي لا تصلوا وَأَنْتُمْ سُكارى من الشراب لأن سبب نزولها صلاة جماعة في حال السكر حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ بأن تصحوا وَلا جُنُباً بإيلاج أو إنزال ونصبه على الحال وهو يطلق على المفرد وغيره إِلَّا عابِرِي مجتازي سَبِيلٍ طريق أي مسافرين حَتَّى تَغْتَسِلُوا\r______________________________\rوإنما رجع للنبي وأمته على الاحتمال الأول، وإن كانت الدعوى من معصوم، تبكيتا لكفار الأمم السابقة، وإظهارا لشرف هذه الأمة وعظم قدرها. قوله: (يوم المجيء) أشار بذلك إلى أن التنوين في يومئذ عوض عن جملة جئنا من كل أمة إلى آخرها.\rقوله: يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي يتمنى الكفار مطلقا. قوله: وَعَصَوُا الرَّسُولَ أي رسول كل أمة فأل فيه للجنس. قوله: (أي أن) أشار بذلك إلى أن لَوْ مصدرية. قوله: (بالبناء للمفعول) أي مع تخفيف السين، وقوله: (للفاعل الخ) هذه قراءة ثانية، وقوله: (و مع إدغامها) قراءة ثالثة. فالحاصل أن القراءات ثلاث: البناء للمفعول مع تخفيف السين، والبناء للفاعل مع التخفيف بحذف إحدى التاءين، والتشديد بقلب التاء سينا وإدغامها في السين. قوله: (بأن يكون ترابا مثلها) أو بأن تنشق الأرض وتبتلعها أو يدفنون فيها، والأقرب ما ذكره المفسر، لأن خير ما فسرته بالوارد.\rقوله: وَلا يَكْتُمُونَ معطوف على يَوَدُّ فأخبر عنهم بأنهم يوم القيامة يقع منهم شيئان: تمني أن الأرض تستوي بهم، وعدم كتمانهم عن اللّه حديثا. قوله: (و في وقت آخر الخ) جواب عن سؤال، وهو أن هذه الآية أفادت عدم الكتمان، وآية الأنعام أفادت إثباته. وحاصل الجواب أن الكتمان يقع منهم ابتداء وعدمه انتهاء.\rقوله: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ إنما نهى عن القربان للمبالغة في النهي، وقوله: وَأَنْتُمْ سُكارى إن قلت: إن السكران لا عقل عنده فكيف ينهى؟ أجيب: بأن المراد لا تسكروا في أوقات الصلوات. قوله:\r(لأن سبب نزولها) اختصر المفسر السبب. وحاصله أنه روي عن علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه قال:\rصنع لنا ابن عوف طعاما فدعانا، فأكلنا وأسقانا خمرا قبل أن تحرم الخمر، فأخذت منا، وحضرت الصلاة، أي صلاة المغرب، فقدموني فقرأت قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون، فنزلت الآية، فحرمت في أوقات الصلاة حتى نزلت آية المائدة فحرمت مطلقا.\rقوله: حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ حتى جاره بمعنى إلى، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة، وما يجوز فيها أن تكون بمعنى الذي، أو نكرة موصوفة، والعائد على كل محذوف أو مصدرية ولا حذف. قوله:\r(و نصبه على الحال) أي فهو معطوف على قوله: وَأَنْتُمْ سُكارى. قوله: (و هو يطلق) أي لفظ جنب.\rقوله: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ الأحسن أن إلا بمعنى غير صفة لجنبا، ومفهومه أن الجنب المسافر يكفيه التيمم","part":1,"page":295},{"id":296,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 296\rفلكم أن تصلوا واستثناء المسافر لأن له حكما آخر سيأتي وقيل المراد النهي عن قربان مواضع الصلاة أي المساجد إلا عبورها من غير مكث وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى مرضا يضره الماء أَوْ عَلى سَفَرٍ أي مسافرين وأنتم جنب أو محدثون أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ هو المكان المعد لقضاء الحاجة أي أحدث أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ وفي قراءة بلا ألف وكلاهما بمعنى اللمس وهو الجس باليد قاله ابن عمر وعليه الشافعي وألحق به الجس بباقي البشرة وعن ابن عباس هو الجماع فَلَمْ تَجِدُوا ماءً تتطهرون به للصلاة بعد الطلب والتفتيش وهو راجع إلى ما عدا المرضى فَتَيَمَّمُوا اقصدوا بعد دخول الوقت صَعِيداً طَيِّباً ترابا طاهرا فاضربوا به ضربتين فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مع المرفقين منه ومسح يتعدى بنفسه وبالحرف إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (43) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً حظا مِنَ الْكِتابِ وهم اليهود يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ بالهدى وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) تخطئوا طريق الحق لتكونوا مثلهم وَاللَّهُ\r______________________________\rوهو كذلك. قوله: (سيأتي) أي في قوله: أَوْ عَلى سَفَرٍ الخ. قوله: (و قيل المراد النهي الخ) هذا تفسير آخر للآية، وبه أخذ الإمام الشافعي، وقال مالك بحرمة مرور الجنب في المسجد إذا كان غير مضطر. قوله: (يضره الماء) أي فيتيمم ويصلي، ولا إعادة عليه عند مالك وأبي حنيفة، وقال الشافعي بالإعادة. قوله: (أي مسافرين) أي ولو كان غير قصر. قوله: (أو محدثون) أي بالريح مثلا. قوله: (و هو المكان المعد لقضاء الحاجة) أي في الأصل، ثم أطلق على نفس الحاجة من إطلاق المحل، وإرادة الحال يدل عليه. قوله: (أي أحدث). قوله: (و هو الجس باليد) أي ولو كان من غير قصد أو وجدان لغير محرم وعليه الشافعي، وقال مالك يقيد بالقصد أو الوجدان، وأخذ أبو حنيفة بكلام ابن عباس، فالجس باليد عنده لا يوجب الوضوء مطلقا. قوله: (و هو راجع إلى ما عدا المرضى) أي وأما المرضى فيتيممون مع وجوده، لأنهم لا يقدرون على استعماله، أو يراد بعدم الوجود حقيقة أو حكما فيشمل المرضى، لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا. قوله: (بعد دخول الوقت) إنما قيد بذلك لأن التيمم لا يصح قبله. قوله: (ترابا طاهرا) هكذا فسر به الشافعي، وقال مالك الصعيد هو ما صعد على وجه الأرض من أجزائها، ولم يحرق بالنار، ولم يكن من الجواهر النفسية كالتراب أو الرمل أو الحجارة أو غير ذلك. قوله: (مع المرفقين) أي فمسحهما واجب وبه أخذ الشافعي، وقال مالك إن التكميل للمرفقين سنة، وإنما الفرض عنده مس اليدين للكوعين كما هو ظاهر الآية. قوله: (منه) قدره لبيان الممسوح به، كما صرح به في آية المائدة.\rقوله: (و مسح يتعدى بنفسه) أي فعليه تكون الباء زائدة، وقوله: (و بالحرف) أي وعليه تكون الباء للتعدية، لأن سيبويه حكى: مسحت رأسه وبرأسه.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً تعليل للترخيص المستفاد مما قبله.\rقوله: أَلَمْ تَرَ كلام مستأنف سيق لتعجب النبي والمؤمنين من سوء حالهم. قوله: إِلَى الَّذِينَ أبهمهم لفظاعة حالهم وشناعته. قوله: مِنَ الْكِتابِ أي التوراة. قوله: (و هم اليهود) أي بعض علمائهم. قوله: (بالهدى) قدره إشارة إلى أن المقابل محذوف. والمعنى أنهم يأخذون الضلالة بدل الهدى، والمراد بالضلالة الكفر وتكذيب سيدنا محمد، والمراد بالهدى الإيمان وتصديقه.","part":1,"page":296},{"id":297,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 297\rأَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ منكم فيخبركم بهم لتجتنبوهم وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا حافظا لكم منهم وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (45) مانعا لكم من كيدهم مِنَ الَّذِينَ هادُوا قوم يُحَرِّفُونَ يغيرون الْكَلِمَ الذي أنزل اللّه في التوراة من نعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم عَنْ مَواضِعِهِ التي وضع عليها وَيَقُولُونَ للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أمرهم بشيء سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ حال بمعنى الدعاء أي لا سمعت وَيقولون له راعِنا وقد نهى عن خطابه بها وهي كلمة سب بلغتهم لَيًّا تحريفا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً قدحا\r______________________________\rقوله: وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ هذا ترق في التعجيب. والمعنى أنهم اختاروا الضلالة لأنفسهم، ومع ذلك يحبونها لغيرهم، قال تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً روي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود، كانا يأتيان رأس المنافقين عبد اللّه بن أبي رهطة يثبطانهم عن الإسلام، وعنه أيضا أنه نزلت في رفاعة بن زيد ومالك بن دخشم، كانا إذا تكلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لويا لسانهما وعاباه. قوله: (لتجتنبوهم) أي لتتحرزوا منهم.\rقوله: وَكَفى بِاللَّهِ الباء حرف جر زائد، ولفظ الجلالة فاعل كفى. قوله: وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً تأكيدا لما قبله وهو معنى قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ.\rقوله: مِنَ الَّذِينَ هادُوا خبر مقدم لمبتدأ محذوف، قدره المفسر بقوله قوم، وقوله: يُحَرِّفُونَ نعت لذلك المحذوف، وحذف المنعوت كثير إن تقدمه من التبعيضية على حد: منا ظعن ومنا أقام، أي فريق ظعن، وفريق أقام، وهذا الكلام تفصيل لبعض قبائحهم. قوله: الْكَلِمَ أي الكلام. قوله:\r(من نعت محمد) أي من كونه أبيض مشربا بحمرة، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير مثلا، فقد حرفوه وقالوا أسود اللون، طويل جدا، حرصا على الرياسة، وعلى ما يأخذونه من سفلتهم، ومن جملة ما غيروه آية الرجم بالجلد. ومن ذلك أنه في كتبهم من خالف محمدا خلد في النار، فغيروه وقالوا لن تمسنا النار إلا أربعين يوما، مدة عبادة العجل.\rقوله: وَعَصَيْنا (أمرك) هذا بحسب باطنهم، وأما بحسب ظاهرهم فمعناه عصينا قول غيرك، وكذا قوله: وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ أي اسمع الخير منا غير سامع ما يؤذيك، وكذا قوله: وَراعِنا أي اشملنا بنظرك، فهذا من الكلام الموجه الذي يحتمل معنيين مختلفين في المدح والذم. قوله: (أي لا سمعت) يحتمل أن المعنى لا سمعت خيرا ولا سمعت شيئا أصلا بأن تبتلى بالصمم أو الموت. قوله: (و قد نهى عن خطابه بها) أي في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا قوله: (و هي كلمة سب بلغتهم) يحتمل أنها موضوعة للسب في لغتهم، ويحتمل أنهم قصدوا بها السب، وإن كانت تحتمل الدعاء بخير من الرعاية وهي الحفظ وبشر ومعناها الرعونة وهي الطيش في العقل، كأنهم يقولون اشملنا برعونتك. قوله: لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ أي صرفا للكلام عن ظاهره، وأصله لويا، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء أدغمت في الياء، وهو في الأصل فتل الحبل، فشبه به الكلام الذي قصد منه غير ظاهره وطوي، ذكر المشبه به وهو الحبل المقتول، ورمز له بشيء من لوازمه وهو اللي، فإثباته تخييل.","part":1,"page":297},{"id":298,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 298\rفِي الدِّينِ الإسلام وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا بدل وعصينا وَاسْمَعْ فقط وَانْظُرْنا انظر إلينا بدل راعنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مما قالوه وَأَقْوَمَ أعدل منه وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أبعدهم عن رحمته بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46) منهم كعبد اللّه بن سلام وأصحابه يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا من القرآن مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ من التوراة مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً نمحو ما فيها من العين والأنف والحاجب فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها فنجعلها كالأقفاء لوحا واحدا أَوْ نَلْعَنَهُمْ نمسخهم قردة كَما لَعَنَّا مسخنا أَصْحابَ السَّبْتِ منهم وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قضاؤه مَفْعُولًا (47) ولما نزلت أسلم عبد اللّه بن سلام فقيل كان وعيدا بشرط فلما أسلم بعضهم رفع وقيل يكون طمس ومسخ قبل قيام الساعة إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ أي الإشراك بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ سوى ذلِكَ من الذنوب لِمَنْ يَشاءُ المغفرة له بأن يدخله الجنة بلا عذاب ومن شاء عذبه من المؤمنين بذنوبه ثم يدخله الجنة وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً ذنبا عَظِيماً (48) كبيرا أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ وهم\r______________________________\rقوله: لَكانَ خَيْراً لَهُمْ هذا جواب لو، واسم التفضيل ليس على بابه، ويحتمل أنه على بابه على حسب ما زعموا من أن حرصهم على الكفر يبقي لهم حظ الرياسة والدنيا التي يأخذونها من عوامهم وهو خير دنيوي. قوله: إِلَّا قَلِيلًا صفة الموصوف محذوف، أي إلا فريا قليلا. قوله: (نمحو) أي نزيل ما فيها. قوله: (فقيل كان وعيدا بشرط) أي لأن رحمة اللّه تسبق غضبه، والحاصل أنه اختلف في ذلك الوعيد، هل كان معلقا ثم ارتفع، وقيل إنه واقع لكن في آخر الزمان، وقيل إنه واقع في الآخرة، فيقومون من قبورهم ممسوخة صورهم، ولا مانع من إرادتها كلها، وليس في القرآن وعيد لأمة محمد بتعجيل العقوبة مثل هذا، لأنهم بالغوا في الكفر وإيذاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقوله: (بشرط) أي وهو عدم إيمان أحد منهم، ويؤيده ما روي أن عبد اللّه بن سلام لما قدم من الشام، وقد سمع بهذه الآية أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل أن يأتي أهله وقال يا رسول اللّه وما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي إلى قفاي، وكذا ما روي أن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية على كعب الأحبار، فقال كعب الأحبار: يا رب آمنت يا رب أسلمت مخافة أن يصيبه وعيدها. قوله: (و قيل يكون) أي يحصل، وقوله: (قبل قيام الساعة) أي زمن عيسى.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ إن وما دخلت عليه في تأويل مصدر أشار له المفسر بقوله:\r(أي الإشراك) والمعنى أن اللّه لا يغفر للكافر إشراكا أو غيره، فالمراد بالشرك الكفر، لا الشرك الأصغر الذي هو الرياء، فإنه من جملة الذنوب التي تغفر، وهذا رد على اليهود، حيث زعموا أن الشرك لا يضرهم لكون أجدادهم أنبياء، وزعموا أنهم أبناء اللّه وأحباؤه. قوله: (من الذنوب) بيان لما. قوله:\rلِمَنْ يَشاءُ (المغفرة له) أي إن مات من غير توبة، وإلا فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، هذا معنى قول صاحب الجوهرة:\rومن يمت ولم يتب من ذنبه ... فأمره مفوّض لربّه\r\rوالغالب المغفرة، لأن فضل اللّه واسع، ورحمته تغلب غضبه، وكل ذلك ما لم يمت هديما أو غريقا أو مقتولا ظلما مثلا، وإلا فيقوم ما ذكر مقام التوبة.\rقوله: أَلَمْ تَرَ كالدليل لما قبله. قوله: (و هم","part":1,"page":298},{"id":299,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 299\rاليهود حيث قالوا نحن أبناء اللّه وأحباؤه أي ليس الأمر بتزكيتهم أنفسهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي يطهر مَنْ يَشاءُ بالإيمان وَلا يُظْلَمُونَ ينقصون من أعمالهم فَتِيلًا (49) قدر قشرة النواة انْظُرْ متعجبا كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بذلك وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (50) بينا. ونزل في كعب ابن الأشرف ونحوه من علماء اليهود لما قدموا مكة وشاهدوا قتلى بدر وحرضوا المشركين على الأخذ بثأرهم ومحاربة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ صنمان لقريش وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أبي سفيان وأصحابه حين قالوا لهم أنحن أهدى سبيلا\r______________________________\rاليهود) وقيل هم والنصارى، لأن هذه المقالة وقعت منهما، لقوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ. قوله: (حيث قالوا نحن أبناء اللّه) أي كالأبناء من حيث إن منزلتنا عنده عظيمة، وقائل هذه اللفظة كافر، ولو على سبيل المجاز. قوله: (أي ليس الأمر بتزكيتهم الخ) أي ليس الأمر منوطا ومعتبرا بتزكيتهم أنفسهم، وهذا تمهيد لقوله تعالى: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ. قوله: (بالإيمان) أي وجميع الأعمال الصالحة، وإنما اقتصر عليه لأن مدار النجاة عليه. قوله: وَلا يُظْلَمُونَ يحتمل أن الضمير عائد على المؤمنين، أي فيجازيهم على أعمالهم الصالحة، ولا ينقص منه شيء ولو كان أقل قليل، وهذا هو المتبادر من المفسر، وقيل إنه عائد على الكفار، أي فيعذبهم بذنوبهم، ولا ينقصون شيئا من أعمالهم، ويحتمل العموم وهو الأولى. قوله: (قدر قشرة النواة) هذا سبق قلم، والمناسب قدر الخيط الذي يكون في بطن النواة، وأما القطمير فهو قشر النواة، والنقير النقرة التي تكون في وسطها، والثفروق هو ما بين النواة والقمع، وذكر في القرآن الثلاثة الأول، وعادة العرب تمثل بأحد الأربعة لأقل قليل. قوله:\r(متعجبا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام تعجبي.\rقوله: وَكَفى بِهِ أي الافتراق. قوله: (و نزل في كعب بن الأشرف الخ) حاصل ما ذكره الخازن، أنه بعد وقعة بدر، ضاق صدر كعب بن الأشرف، فركب مع سبعين راكبا من اليهود حتى قدموا مكة، فنزلوا على أبي سفيان وأصحابه، فأحسنوا مثواهم، ثم قال لهم أبو سفيان وأصحابه: ما ذا تريدون؟\rفقالوا: نريد حرب محمد ونقض عهده، فقال أبو سفيان وأصحابه: لا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم، فإن كان ما تقولون حقا، فاسجدوا لهذين الصنمين، ففعلوا، ثم قال كعب: ليأت منكم ثلاثون رجلا ومنا ثلاثون، فنلزق أكبادنا بالكعبة، فنعاهد رب البيت لنجهدن في قتال محمد، ففعلوا، ثم قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب ونحن أميون، فأينا أهدى سبيلا أنحن أم محمد؟ فقال كعب:\rاعرض علي دينكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج ونسقيهم الماء، ونقري الضيف، ونفك العاني ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا ونطوف به، ونحن من أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه والحرم وقطع الرحم، وديننا القديم، ودين محمد حادث، فقال كعب: أنتم واللّه أهدى سبيلا مما عليه محمد، فنزلت الآية. قوله: (و نحوه من علماء اليهود) أي وكانوا سبعين راكبا. قوله: (و حرضوا المشركين) أي أبا سفيان وأصحابه. قوله: (بثأرهم) بالهمز وتركه.\rقوله: أَلَمْ تَرَ أي تعلم وتنظر لفعلهم. قوله: مِنَ الْكِتابِ أي التوراة. قوله: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ أي بسجودهم لهما. قوله: (صنمان لقريش) وقيل الجبت اسم لكل صنم يعبد،","part":1,"page":299},{"id":300,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 300\rونحن ولاة البيت نسقي الحاج ونقري الضيف ونفك العاني ونفعل أم محمد وقد خالف دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم هؤُلاءِ أي أنتم أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51) أقوم طريقا أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ ه اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (52) مانعا من عذابه أَمْ بل ألَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ أي ليس لهم شيء منه ولو كان فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (53) أي شيئا تافها قدر النقرة في ظهر النواة لفرط بخلهم أَمْ بل أيَحْسُدُونَ النَّاسَ أي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من النبوة وكثرة النساء أي يتمنون زواله عنه ويقولون لو كان نبيا لاشتغل عن النساء فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ جده كموسى وداود وسليمان الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ النبوة وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (54) فكان لداود تسع وتسعون امرأة ولسليمان ألف ما بين حرة وسرية فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ أعرض عَنْهُ فلم يؤمن وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (55) عذابا لمن لا يؤمن إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ندخلهم ناراً يحترقون فيها كُلَّما نَضِجَتْ احترقت جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها بأن تعاد إلى حالها الأول غير محترقة لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ليقاسوا شدته إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً لا يعجزه شيء حَكِيماً (56) في خلقه وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ\r______________________________\rوالطاغوت الشيطان التي يلبس الصنم ويكلم الناس، فلكل صنم شيطان يغر الناس. قوله: (و نفك العاني) أي الأسير. قوله: (نفعل) يحتمل أنه بالفاء والعين، أي نفعل غير ما ذكر من الأمور الجميلة المستحسنة، أو بالعين ثم القاف أي نؤدي العقل بمعنى الدية عن حلفائنا. قوله: (أي أنتم) أشار بذلك إلى أنه خطاب لهم، وإنما المولى حكاه عنهم بالمعنى. قوله: (أي ليس لهم) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي.\rقوله: فَإِذاً الفاء واقعة في جواب شرط مقدر، أشار له المفسر بقوله: (و لو كان) وإنما قدر لو دون أن، لأن الجواب مرفوع لا مجزوم، وهذا ذم لهم بالبخل بعد ذمهم بالجهل، وسيأتي ذمهم بالحسد. قوله: (بل) الإضراب انتقالي من صفة لصفة أخرى أقبح منها. قوله: (أي النبي) أي فهو من باب تسمية الخاص باسم العام، إشارة إلى أنه جمعت فيه كمالات الأولين والآخرين، قال الشاعر:\rوليس على اللّه بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد\r\rقوله: (جده) بيان لإبراهيم فهو بالجر. قوله: (تسع وتسعون امرأة) أي غير امرأة وزيره، فقد أخذها بعد موته، فتكامل له مائة.\rقوله: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ أي كعبد اللّه بن سلام وأضرابه. قوله:\r(فلم يؤمن) أي ككعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وأضرابهما. قوله: (بأن تعاد إلى حالها) ورد أنها تعاد في الساعة الواحدة مائة مرة، بل ورد أنها تعاد في اليوم الواحد سبعين ألف مرة، وورد أن بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسروع، وورد أن ضرس الكافر يكون كأحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا ذكر للمقابل وهو راجع لقوله: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ كما أن قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا راجع لقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ على عادته سبحانه إذا ذكر الوعيد أعقبه بالوعد.","part":1,"page":300},{"id":301,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 301\rخالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ من الحيض وكل قذر وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57) دائما لا تنسخه شمس هو ظل الجنة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ أي ما اؤتمن عليه من الحقوق إِلى أَهْلِها نزلت لما أخذ علي رضي اللّه عنه مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة الحجبي سادنها قسرا لما قدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مكة عام الفتح ومنعه وقال لو علمت أنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم أمنعه فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم برده إليه وقال هاك خالدة تالدة فعجب من ذلك فقرأ له علي الآية فأسلم وأعطاه عند موته لأخيه شيبة فبقي في ولده والآية وإن وردت على سبب خاص فعمومها معتبر بقرينة\r______________________________\rقوله: (و كل قذر) أي كالنفاس وغيره. قوله: (لا تنسخه شمس) أي لعدم وجودها. قال تعالى: لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ الخطاب للمكلفين لما سيأتي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله: أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول ثان ليأمر، والأصل يأمركم تأدية الأمانات، أو منصوب بنزع الخافض، لأن حذفه مع أن وإن مطرد، ويقال في أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ما قيل فيه لأنه معطوف عليه، وقوله: إِذا حَكَمْتُمْ ظرف له، ولا يقال يلزم عليه تقديم معمول الصلة عليها، لأنه يقال إنه ظريف ويغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره. قوله: (من الحقوق) اعلم أن الأمانات ثلاثة أقسام، الأول: عبادات اللّه بأن يفعل المأمورات ويجتنب المنهيات، الثاني: نعمه التي أنعم بها كالسمع والبصر والعافية وغير ذلك فلا يصرفها فيما يغضب اللّه، الثالث: حقوق العباد كالودائع وغيرها فيجب على الإنسان تأدية الأمانات مطلقا، كانت قولية أو فعلية أو اعتقادية، فالقولية كحفظ القرآن، والفعلية كحفظ الودائع والعواري، والاعتقادية كالتوحيد وحسن الظن بالخلق، وبالجملة فهذه الآية من جوامع الكلم، وهي بمعنى قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية على التحقيق.\rقوله: (نزلت لما أخذ علي مفتاح الكعبة الخ) قال البغوي قلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار وكان سادن الكعبة، فلما دخل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مكة والفتح أغلق عثمان باب الكعبة وصعد السطح، فطلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المفتاح قيل له إنه مع عثمان. فطلب منه فأبى وقال لو علمت أنه رسول اللّه لم أمنعه المفتاح، فلوى علي بن أبي طالب يده وأخذ المفتاح وفتح الباب، ودخل رسول اللّه البيت وصلى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح لتجتمع له السقاية والسدانة، فأنزل اللّه هذه الآية، فأمر رسول اللّه عليا أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر له، ففعل ذلك، فقال عثمان أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق، فقال علي لقد أنزل اللّه في شأنك قرآنا وقرأ عليه الآية فأسلم، فكان المفتاح معه إلى أن مات، فدفعه إلى أخيه شيبة فهي في أولادهم إلى يوم القيامة. قوله: (الحجبي) أي الذي يحجب الناس بمعنى يمنعهم من الدخول. قوله: (سادنها) أي خادمها، وقوله: (قسرا) أي قهرا. قوله: (لما قدم النبي) ظرف لأخذ وكان ذلك في رمضان، وقوله: (عام الفتح) أي وهو سنة ثمان. قوله: (و قال لو علمت الخ) أي فهو غير مصدق برسالته، وإلا فذاته إذ ذاك غير خافية على أحد. قوله: (خالدة تالدة) أي مخلدة في المستقبل كما كانت متأصلة فيكم. قوله: (فعمومها معتبرا الخ) أشار بذلك لما قيل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومحل ذلك إن لم توجد قرينة الخصوص فيكون معتبرا، كالنهي عن قتل النساء، فإن","part":1,"page":301},{"id":302,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 302\rالجمع وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ يأمركم أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا فيه إدغام ميم نعم في ما النكرة الموصوفة أي نعم شيئا يَعِظُكُمْ بِهِ تأدية الأمانة والحكم بالعدل إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً لما يقال بَصِيراً (58) بما يفعل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي أصحاب الْأَمْرِ أي الولاة مِنْكُمْ أي إذا أمروكم بطاعة اللّه ورسوله فَإِنْ تَنازَعْتُمْ اختلفتم فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ أي إلى كتابه وَالرَّسُولِ مدة حياته وبعده إلى سنته أي اكشفوا عليه منهما إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ أي الرد إليهما خَيْرٌ لكم من التنازع والقول بالرأي وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) مآلا ونزل لما اختصم يهودي ومنافق فدعا إلى كعب ابن الأشرف ليحكم بينهما ودعا اليهودي إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأتياه فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وأتيا\r______________________________\rسببه أن رسول اللّه رأى امرأة حربية مقتولة، فذلك يدل على اختصاصه بالحربيات، فلا يدخل فيه المرتدة ولا الزانية. قوله: وَإِذا حَكَمْتُمْ فيه فصل بين المعطوف والمعطوف عليه وهو جائز إذا كان ظرفا.\rقوله: نِعِمَّا بكسر النون اتباعا لكسرة العين، وأصله نعم على وزن علم. قوله: (أي نعم شيئا) أشار بذلك إلى أن ما مميز، ويكون الفاعل مستترا وجوبا تقديره نعم هذا الشيء شيئا، والمخصوص بالمدح محذوف قدره بقوله: (تأدية الأمانة) وقيل أن ما فاعل، وقد ذكر القولين ابن مالك بقوله:\rوما مميّز وقيل فاعل ... في نحو نعم ما يقول الفاضل\r\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هذا خطاب لسائر الناس، بعد أن خاطب ولاة الأمور بالحكم بالعدل، وفي هذه الآية إشارة لأدلة الفقه الأربعة، فقوله: أَطِيعُوا اللَّهَ إشارة للكتاب، وقوله:\rوَأَطِيعُوا الرَّسُولَ إشارة للسنة، وقوله: وَأُولِي الْأَمْرِ إشارة للإجماع، وقوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ الخ، إشارة للقياس. قوله: وَأُولِي الْأَمْرِ يدخل فيه الخلفاء الراشدون، والأئمة المجتهدون، والقضاة والحكام. قوله: (أي إذا أمروكم بطاعة اللّه ورسوله) أي لا بمعصية فلا يطاعوا في ذلك، لما في الحديث «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». قوله: فِي شَيْءٍ أي غير منصوص عليه. قوله: (مدة حياته) أي بسؤاله، وقوله: (إلى سنته) أي فيعرض عليها.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ أي فردوه. قوله: ذلِكَ خَيْرٌ اسم التفضيل ليس على بابه بقرينة إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ فمخالفة ما ذكر ليس فيها خير، بل هي شر وضلال. قوله: (مآلا) أي عاقبة. قوله:\r(و نزل لما اختصم يهودي الخ) حاصلها تفصيلا، قال ابن عباس: نزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر، كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: تنطلق إلى محمد، وقال المنافق: ننطلق إلى كعب بن الأشرف وهو الذي سماه الطاغوت، فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لليهودي، فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال انطلق بنا إلى عمر، فقال اليهودي اختصمت أنا وهذا إلى محمد، فقضى عليه، فلم يرض بقضائه، وزعم أنه يخاصمني إليك، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ فقال نعم، فقال لهما عمر: رويدا حتى أخرج إليكما، فدخل عمر البيت وأخذ السيف واشتمل عليه ثم خرج، فضرب به المنافق حتى برد أي مات، وقال هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء","part":1,"page":302},{"id":303,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 303\rعمر فذكر له اليهودي ذلك فقال للمنافق أكذلك فقال نعم فقتله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ الكثير الطغيان وهو كعب بن الأشرف وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ولا يوالوه وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً (60) عن الحق وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ في القرآن من الحكم وَإِلَى الرَّسُولِ ليحكم بينكم رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ يعرضون عَنْكَ إلى غيرك صُدُوداً (61) فَكَيْفَ يصنعون إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ عقوبة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الكفر والمعاصي أي يقدرون على الإعراض والفرار منها لا ثُمَّ جاؤُكَ معطوف على يصدون يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ ما أَرَدْنا بالمحاكمة إلى غيرك إِلَّا إِحْساناً صلحا وَتَوْفِيقاً (62) تأليفا بين الخصمين بالتقريب في الحكم دون الحمل على مر الحق أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق وكذبهم في عذرهم فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ بالصفح وَعِظْهُمْ خوفهم اللّه وَقُلْ لَهُمْ فِي شأن أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً (63) مؤثرا فيهم أي ازجرهم ليرجعوا عن كفرهم وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ فيما\r______________________________\rاللّه وقضاء رسوله، فنزلت هذه الآية، وقال جبريل: إن عمر فرق بين الحق والباطل، فسمي الفاروق، وإنما دعا المنافق لكعب بن الأشرف لأنه يقبل الرشوة، والنبي لا يقبلها بل يحكم بالحق، وكان الحق إذ ذاك مع اليهودي.\rقوله: يَزْعُمُونَ أي يقولون قولا كذبا، لأن الزعم مطية الكذب. قوله: وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ أي وهو جميع الكتب السماوية. قوله: (الكثير الطغيان) وقيل إنه صنم يعبد من دون اللّه، وقيل اسم من يعبد من دون اللّه صنما أو غيره. قوله: بَعِيداً يحتمل أنه صفة كاشفة لأن الضلال هو البعد ويحتمل أنه صفة مخصصة، ويكون معنى بعده أنه لا يهتدي بعد ذلك أصلا، وهذا هو مراد الشيطان، ويؤيده قول المفسر عن الحق.\rقوله: رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ رأى بصرية والمنافقين مفعول لها، وجملة يصدون حال.\rقوله: (يعرضون) أشار بذلك إلى أن الصد هنا بمعنى الإعراض فهو لازم، لا بمعنى المنع فيكون متعديا، فقوله: صُدُوداً مفعول مطلق لقوله: يَصُدُّونَ\rقوله: فَكَيْفَ يصح أن تكون مفعولا لمحذوف تقديره (يصنعون) كما قدره المفسر، ويصح أن تكون خبرا لمحذوف تقديره صنعهم.\rقوله: إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ أي عاجلة أو آجلة. قوله: (لا) هذا جواب الاستفهام. قوله: ثُمَّ جاؤُكَ أي أهل المنافق، يعتذرون إليك ويسترون على أنفسهم النفاق، ويحتمل أنهم جاؤوا مطالبين بدمه مثبتين إسلامه، فلولا هذه الآية لربما اقتص من عمر، لعدم البينة على كفر المنافق. قوله:\r(بالتقريب) أي التساهل في الحكم، كأن يعمل صلحا، ويقسم المدعى به بين الخصمين. قوله:\rفَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي ولا تقتلهم، وهذا قبل الأمر بإخراجهم وقتلهم، والفاء واقعة في جواب شرط مقدر تقديره إذا كان حالهم كذلك فأعرض عن قبول عذرهم.\rقوله: فِي (شأن) أَنْفُسِهِمْ أي في حقها وما انطوت عليه، ويحتمل أن المعنى حاليا بهم ليس معهم غيرهم. قوله: (ليرجعوا) أي لعله أن يترتب","part":1,"page":303},{"id":304,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 304\rيأمر به ويحكم بِإِذْنِ اللَّهِ بأمره لا ليعصى ويخالف وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بتحاكمهم إلى الطاغوت جاؤُكَ تائبين فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ فيه التفات عن الخطاب تفخيما لشأنه لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً عليهم رَحِيماً (64) بهم فَلا وَرَبِّكَ لا زائدة لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ اختلط بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً ضيقا أو شكا مِمَّا قَضَيْتَ به وَيُسَلِّمُوا ينقادوا لحكمك تَسْلِيماً (65) من غير معارضة وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ مفسرة اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ كما كتبنا على بني إسرائيل ما فَعَلُوهُ أي المكتوب عليهم إِلَّا قَلِيلٌ بالرفع على البدل والنصب على الاستثناء مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ من طاعة الرسول لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (66) تحقيقا لإيمانهم وَإِذاً أي لو\r______________________________\rعن ذلك رجوعهم عما هم عليه. قوله: (بأمره) أشار بذلك إلى أنه ليس المراد بالإذن الإرادة، وإلا فيلزم عليه أن لا يتخلف عن طاعة أحد، لأن ما أراده اللّه وقوعه واقع، ولا بد مع أن الواقع خلافه، فدفع ذلك المفسر بقوله: (بأمره) لأنه لا يلزم من الإرادة الأمر ولا عكس. قوله: (بتحاكمهم) الباء سببية.\rقوله: فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ أي بالتوبة والإخلاص. قوله: وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ أي سامحهم وعفا عنهم وطلب لهم المغفرة، لأنه تعلق بهم حقان: حق اللّه وحق لرسوله. قوله: (فيه التفات) أي وحقه واستغفرت لهم. قوله: (لا زائدة) أي لتأكيد القسم، وهو اختيار الزمخشري في الكشاف وهو الأحسن، ولذا اقتصر عليه المفسر.\rقوله: حَتَّى يُحَكِّمُوكَ الخ، هذه شروط ثلاثة لكمال الإيمان، وهذه الآية بمعنى قوله تعالى: وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ الآيات. قوله: (اختلط) أي أشكل والتبس. قوله: (من غير معارضة) أي بأن ينقادوا للأحكام من غير توقف.\rقوله: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ بيان لسوء حالهم، وأنهم لو شدد عليهم كما شدد على من قبلهم لم يفعل ذلك إلا ما قل منهم. قوله: (مفسرة) أي بمعنى أي، وضابطها أن يتقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه نظير: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وانطلق الملأ منهم أن امشوا، ويحتمل أن تكون مصدرية، وعليه فيكون كَتَبْنا بمعنى ألزمنا، التقدير ولو أنا الزمناهم قتل أنفسهم. قوله: أَنِ اقْتُلُوا جمهور القراء على ضم النون والواو من أو اخرجوا، وقرأ حمزة وعاصم بكسرهما، وقرأ أبو عمرو بكسر النون وضم الواو، وأما ضم النون وكسر الواو فلم يقرأ به أحد. قوله: (على البدل) أي وهو المختار عند النحاة، قال ابن مالك: وبعد نفي أو كنفي انتخب. اتباع ما اتصل. وقوله: (و النصب على الاستثناء) أي فهما قراءتان سبعيتان على حد سواء وإن كان الرفع أرجح عند النحاة من النصب، فالمنزه عنه القرآن كونه ليس على قواعد النحاة، وأما كون بعض القراءات له وجه قوي في العربية دون بعض فلا مانع منه.\rقوله: لَكانَ خَيْراً لَهُمْ اسم التفضيل ليس على بابه إذ ما هم عليه ليس بخير. قوله: (أي لو","part":1,"page":304},{"id":305,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 305\rثبتوا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا من عندنا أَجْراً عَظِيماً (67) هو الجنة وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (68) قال بعض الصحابة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كيف نراك في الجنة وأنت في الدرجات العلى ونحن أسفل منك فنزل وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فيما أمرا به فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ أفاضل أصحاب الأنبياء لمبالغتهم في الصدق والتصديق وَالشُّهَداءِ القتلى في سبيل اللّه وَالصَّالِحِينَ غير من ذكر وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (69) رفقاء في الجنة بأن يستمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم وإن كان مقرهم في الدرجات العالية بالنسبة إلى غيرهم ذلِكَ أي كونهم مع من ذكر مبتدأ خبره الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ تفضل به عليهم لا أنهم نالوه بطاعتهم وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (70) بثواب الآخرة أي فثقوا بما أخبركم به ولا ينبئك مثل خبير يا\r______________________________\rثبتوا) ليس تفسير إلا ذابل، إشارة إلى أن إِذاً واقعة في جواب سؤال مقدر،\rوقوله: لَآتَيْناهُمْ جواب الشرط، وأصل الكلام فما جزاؤهم لو ثبتوا إذ لآتيناهم الخ، فالحامل للمفسر على تقدير (لو ثبتوا) قوله بعد: لَآتَيْناهُمْ والحامل لنا على تقدير السؤال قوله: إِذاً وهي هنا ملناة عن عمل النصب لفقد شرطها.\rقوله: صِراطاً مُسْتَقِيماً أي دينا قيما لا اعوجاج فيه، وهو دين الإسلام، فتحصل أنهم لو امتثلوا لأعطاهم اللّه خير الدنيا والآخرة. قوله: (و أنت في الدرجات العلى) أي التي ليس فوقها درجة، وهذا السؤال كما توجه من الصحابة، يتوجه أيضا من الأنبياء، فإنه أعلى من جميع المخلوقات على الإطلاق حتى الأنبياء، قال البوصيري:\rكيف ترقى رقيّك الأنبياء ... يا سماء ما طاولتها سماء\r\rقوله: (فيما أمرا به) أي ونهيا عنه، فالطاعة امتثال المأمورات واجتناب المنهيات.\rقوله: مِنَ النَّبِيِّينَ الخ، بيان للذين والمعنى أن من أطاع اللّه كان رفيقا لمن ذكر، وليس ذلك بسفر ولا مشقة، بل يكشف له عمن ذكر ويحادثه مع كون كل درجته لا يصعد هذا لهذا، ولا ينزل هذا لهذا، قال تعالى إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ فإذا تمنى الشخص مشاهدة النبي ومحادثته، حصل ذلك من غير مشقة ولا انتقال. قوله: (أفاضل أصحاب الأنبياء) أي فالصديقية تحت مرتبة النبوة. قوله: وَالصَّالِحِينَ أي القائمين بحقوق اللّه وحقوق عباده. قوله: (غير من ذكر) أتى به دفعا للتكرار، لأن جميع من تقدم صالحون.\rقوله: وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً حسن كنعم تستعمل للمدح وفيها معنى التعجب، وأولئك فاعل، ورفيقا تمييز، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره هؤلاء. قوله: (رفقاء) أشار بذلك إلى أن رفيقا فعيل يستوي فيه الواحد وغيره، ويحتمل أنه أفرد نظرا لكل واحد مما ذكر. قوله: (و الحضور معهم) أي مجالستهم حيثما أحب.\rقوله: (مبتدأ خبره) الْفَضْلُ ويحتمل أن الْفَضْلُ نعت لاسم الإشارة أو بدل، قوله: مِنَ اللَّهِ خبره. قوله: (لا أنهم نالوه بطاعتهم) أي نالوا الرفق بسبب طاعتهم، ففي الحقيقة دخول الجنة وارتقاء منازلها ومرافقة من ذكر بمحض فضل اللّه، وإلا فأي طاعة يستحق بها الإنسان شيئا من ذلك. قوله: (أي فثقوا) أي اعتمدوا على ذلك الخبر ولا تشكوا. قوله: (و لا ينبئك مثل","part":1,"page":305},{"id":306,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 306\rأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ من عدوكم أي احترزوا منه وتيقظوا له فَانْفِرُوا انهضوا إلى قتاله ثُباتٍ متفرقين سرية بعد أخرى أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (71) مجتمعين وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَ ليتأخرن عن القتال كعبد اللّه بن أبي المنافق وأصحابه وجعله منهم من حيث الظاهر واللام في الفعل للقسم فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ كقتل وهزيمة قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (72) حاضرا فأصاب وَلَئِنْ لام قسم أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ كفتح وغنيمة لَيَقُولَنَ نادما كَأَنْ مخففة واسمها محذوف أي كأنه لَمْ تَكُنْ بالياء والتاء بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ معرفة وصداقة وهذا راجع إلى قوله قد أنعم اللّه على اعترض به بين القول ومقوله وهو يا للتنبيه لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (73) آخذ حظا وافرا من الغنيمة قال تعالى فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لإعلاء دينه الَّذِينَ يَشْرُونَ يبيعون الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ يستشهد أَوْ يَغْلِبْ يظفر بعدوه فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (74) ثوابا\r______________________________\rخبير) أي لا يخبرك بأحوال الجنة وغيرها، مثل خبير عالم ببواطن الأشياء كظواهرها الذي هو اللّه تعالى.\rقوله: حِذْرَكُمْ هو والحذر بفتحتين مصدران بمعنى التحفظ والتيقظ وهو مبالغة، كأنه جعل حفظ النفس آلة تؤخذ، وبعضهم فسّر الحذر بآلة الحرب، وعليه فلا مبالغة في قوله: خُذُوا.\rقوله: فَانْفِرُوا فعله نفر ينفر من باب ضرب وقعد، مصدره النفر والنفور والنفير. قوله:\rثُباتٍ جمع ثبة وهي الجماعة من الرجال فوق العشرة إلى المائة، والسرية الجماعة أقلها مائة وغايتها أربعمائة، والمنسر من أربعمائة إلى ثمانمائة، والجيش من ثمانمائة إلى أربعة آلاف، والجحفل ما زاد على ذلك. قوله: (سرية بعد أخرى) أي جماعات بعد جماعات، سرية أو غيرها. قوله: أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً هذا التخيير لولاة الأمور بحسب اجتهادهم.\rقوله: لَمَنْ اللام لام ابتداء دخلت على اسم إن لوقوع الخبر فاصلا. وقوله: (ليتأخرن) أشار بذلك إلى أن بطأ لازم بمعنى قام به البطء وهو التأخر، ويصح أن يكون متعديا، والمفعول محذوف أي غيره، فالمعنى يكسلن غيره عن القتال. قوله: (من حيث الظاهر) أي وإلا ففي نفس الأمر ليس منهم بل هو عدو لهم. قوله: (و هزيمة) أي لبعض الجيش، وإلا فمن قال إن رسول اللّه هزم، فقد كفر، وما وقع في أحد وهوازن كان لأطراف الجيش من حيث الغنيمة. قوله:\r(فأصاب) هو بالنصب بأن مضمرة بعد فاء السببية بعد الأمر.\rقوله: وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ هذه الآية معنى قوله تعالى إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان، فعلى التاء الأمر ظاهر، وعلى الياء فالمودة بمعنى الود. قوله: (و هذا راجع) أي قوله كأن لم يكن بينكم وبينه مودة، والمعنى حاله في الفرح بمصيبة المسلمين، كحال من لم يكن بينكم وبينه مودة. قوله:\r(للتنبيه) أي لدخولها على الحرف، ويحتمل أنها للنداء، والمنادى محذوف أي يا هؤلاء. قوله: فَأَفُوزَ منصوب بأن مضمرة في جواب النهي بعد فاء السببية.\rقوله: فَلْيُقاتِلْ الفاء واقعة في جواب شرط مقدر تقديره إذا ترك المنافقون القتال وتأخروا عنه فليقاتل الخ. قول: (يبيعون) دفع بذلك ما يقال إن القاعدة دخول الباء في الشراء على المتروك، ولا يصح ذلك هنا لأنه يصير ذما، فأجاب بأن الشراء بمعنى","part":1,"page":306},{"id":307,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 307\rجزيلا وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ استفهام توبيخ أي لا مانع لكم من القتال فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفي تخليص الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الذين حبسهم الكفار عن الهجرة وآذوهم قال ابن عباس رضي اللّه عنهما كنت أنا وأمي منهم الَّذِينَ يَقُولُونَ داعين يا رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ مكة الظَّالِمِ أَهْلُها بالكفر وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ من عندك وَلِيًّا يتولى أمورنا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (75) يمنعنا منهم وقد استجاب اللّه دعاءهم فيسر لبعضهم الخروج وبقي بعضهم إلى أن فتحت مكة وولى صلّى اللّه عليه وسلّم عتاب بن أسيد فأنصف مظلومهم من ظالمهم الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ الشيطان فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ أنصار دينه تغلبوهم لقوتكم باللّه إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ بالمؤمنين كانَ ضَعِيفاً (76) واهيا لا يقاوم كيد اللّه بالكافرين أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ عن قتال\r______________________________\rالبيع نظير وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ. قوله: وَمَنْ يُقاتِلْ الخ، من اسم شرط مبتدأ، ويقاتل فعل الشرط، وقوله: فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ معطوف على يُقاتِلْ عطف مسبب على سبب، وقوله: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً جواب الشرط وجملة الشرط وجوابه خبر المبتدأ.\rقوله: وَما لَكُمْ الخ، ما اسم استفهام مبتدأ، ولكم جار ومجرور خبره، وجملة لا تُقاتِلُونَ في محل نصب على الحال، والمعنى أي شيء ثبت لكم حال كونكم غير مقاتلين، وهذا أحسن الأعاريب.\rقوله: وَ(في تخليص) الْمُسْتَضْعَفِينَ أشار بذلك إلى أن قوله الْمُسْتَضْعَفِينَ معطوف على سبيل اللّه، لكن على حذف مضاف. وسبب نزولها أنه كان قبل الهجرة لم يشرع الجهاد، فلما هاجر عليه الصلاة والسّلام أمر بالجهاد، فتكاسل بعض ضعفاء المؤمنين وجميع المنافقين، فنزلت الآية توبيخا لهم على ترك القتال، لإعلاء كلمة اللّه وتخليص المستضعفين. قوله: وَالْوِلْدانِ قيل جمع وليد بمعنى ولد، وقيل جمع ولد أي الصغار. قوله: (الذين حبسهم الكفار) أي بمكة. قوله: (كنت أنا وأمي) أي وأخي الفضل.\rقوله: الَّذِينَ صفة للمستضعفين ويَقُولُونَ صلة الذين. قوله: الظَّالِمِ نعت القرية وأَهْلُها فاعل الظالم وذكر النعت وإن كان المنعوت مؤنثا لأنه نعت سببي رفع اسما ظاهرا، فذكر نظرا لذلك الاسم الظاهر. قوله: (إلى أن فتحت مكة) أي في السنة الثامنة من الهجرة. قوله: (عتاب بن أسيد) أي وكان عمره ثمانية عشر سنة، فكان ينصر المظلومين من الظالمين، ويأخذ للضعيف من القوي، الدعاء بهذه الآية مستجاب لمن وقع في بلدة كثر ظلم أهلها.\rقوله: الَّذِينَ آمَنُوا الخ، المقصود من ذلك تحريض المؤمنين على القتال وترغيبهم فيه. قوله:\rفِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في مرضاته لإعلاء دينه. وقوله: فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ أي في مرضاته. قوله:\r(تغلبوهم) مجزوم في جواب الأمر. وقوله: (لقوتكم) علة له. قوله: كانَ ضَعِيفاً أي بالنسبة إلى كيد اللّه تعالى، وأما عظم كيد النساء في آية يوسف، فبالنسبة إلى الرجال فضعف كيد الشيطان لمقابلته بكيد اللّه، وعظم كيد النساء لمقابلته بكيد الرجال، وإلا فأصل كيد النساء التقدير من الشيطان، وفي الحديث:\r«النساء حبائل الشيطان». قوله: (واهيا) أي لا ضرر فيه أصلا، ولذا خذل الشيطان أولياءه لما رأى الملائكة نزلت يوم بدر، وكان النصر لأولياء اللّه وحزبه.","part":1,"page":307},{"id":308,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 308\rالكفار لما طلبوه بمكة لأذى الكفار لهم وهم جماعة من الصحابة وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ فرض عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ يخافون النَّاسَ الكفار أي عذابهم بالقتل كَخَشْيَةِ هم عذاب اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً من خشيتهم له ونصب أشد على الحال وجواب لما دل عليه إذا وما بعدها أي فاجأتهم الخشية وَقالُوا جزعا من الموت رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا هلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ لهم مَتاعُ الدُّنْيا ما يتمتع به فيها أو الاستمتاع بها قَلِيلٌ آيل إلى الفناء وَالْآخِرَةُ أي الجنة خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى عقاب اللّه بترك معصيته وَلا تُظْلَمُونَ بالتاء والياء تنقصون من أعمالكم فَتِيلًا (77) قدر قشرة النواة فجاهدوا\r______________________________\rقوله: أَلَمْ تَرَ الاستفهام تعجبي، أي تعجب يا محمد من قومك كيف يكرهون القتال مع كونهم قبل ذلك كانوا طالبين له وراغبين فيه. قوله: (و هم جماعة من الصحابة) منهم عبد الرحمن بن عوف، والمقداد بن الأسود، وسعد بن أبي وقاص، وقدامة بن مظعون، وجماعة كانوا بمكة يتحملون أذى الكفار كثيرا، واللّه يأمرهم بالتحمل والكف عن القتال في نيف وسبعين آية، فكانوا يقولون لو لا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال، فلما هاجر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأمر بالقتال كرهوا ذلك فنزلت الآية، وقوله: (بمكة) متعلق ب (طلبوه) وليس ذلك نفاقا منهم، وإنما كراهتهم ذلك، إما لغلبة الرأفة عليهم أو لمحبتهم المعيشة في طاعة اللّه، وإلا لذمهم اللّه على ذلك، ولما نزلت الآية، أقلعوا عما خطر ببالهم، وشمروا عن ساعد الجد والاجتهاد، وجاهدوا في اللّه حق جهاده.\rقوله: إِذا فَرِيقٌ قيل إذ ظرف مكان وقيل ظرف زمان وقيل حرف والأولى الأول، وعليه فإذا خبر مقدم، وفريق مبتدأ مؤخر، ومنهم صفة لفريق، وكذلك جملة يَخْشَوْنَ ويصح أن تكون حالا لوجود المسوغ، والتقدير ففي الحضرة فريق كائن منهم خاشون أو خاشين. وقوله: كَخَشْيَةِ اللَّهِ مفعول مطلق أي خشية كخشية اللّه. قوله: (أي عذابهم بالقتل) ويحتمل أن المراد بخشيتهم احترامهم القرابة. قوله: (و نصب أشد على الحال) أي من خشية الثاني، لأنه نعت نكرة تقدم عليها. قوله: (دل عليه إذا الخ) المناسب أن يقول وجواب لما إذا وما بعدها. قوله: (أي فاجأتهم الخشية) الأوضح أن يقول فاجأ كتب القتال عليهم الخشية، لأن الخشية فاجأت كتب القتال لا ذواتهم. قوله: (جزعا من الموت) يحتمل أنهم قالوا ذلك لاعتقادهم أن القاتل يقطع المقتول أجله، فأعلمهم اللّه تعالى أن الأجل محتم، لا يزيد بالبعد عن القتال ولا ينقص به، وليس ذلك نقصا فيهم. قال تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وقال تعالى: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً ويحتمل أنهم قالوا ذلك بحسب الطبيعة البشرية، وليس عندهم اعتقاد ذلك. قوله: قُلْ (لهم) أي ليزدادوا رغبة في دار البقاء، وزهدا في دار الفناء.\rقوله: خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى أي لأنه لا كدر فيها ولا نصب، ولذلك حين دخولها يقولون: الحمد للّه الذي أذهب عنّا الحزن. قوله: (بترك معصيته) أي كالشرك وغيره، ومعلوم أن كل من زادت تقواه، كان نعيمه في الآخرة أكبر. قوله: (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان، فعلى التاء يكون خطابا لهم، وعلى الياء يكون تحديثا عنهم، والمعنى بلغهم يا محمد أنهم لا يظلمون فتيلا. قوله: (قدر قشرة النواة) تقدم أنه","part":1,"page":308},{"id":309,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 309\rأَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ حصون مُشَيَّدَةٍ مرتفعة فلا تخشوا القتال خوف الموت وَإِنْ تُصِبْهُمْ أي اليهود حَسَنَةٌ خصب وسعة يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ جدب وبلاء كما حصل لهم عند قدوم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ يا محمد أي بشؤمك قُلْ لهم كُلٌ من الحسنة والسيئة مِنْ عِنْدِ اللَّهِ من قبله فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ أي لا يقاربون أن يفهموا حَدِيثاً (78) يلقى إليهم وما استفهام تعجيب من فرط جهلهم ونفي مقاربة الفعل أشد من نفيه ما أَصابَكَ أيها الإنسان مِنْ حَسَنَةٍ خير فَمِنَ اللَّهِ أتتك فضلا منه وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ بلية فَمِنْ نَفْسِكَ أتتك حيث ارتكبت ما يستوجبها من الذنوب وَأَرْسَلْناكَ يا محمد لِلنَّاسِ رَسُولًا حال مؤكدة وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (79) على رسالتك مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى أعرض عن\r______________________________\rغير مناسب، والمناسب تفسيره بالخيط الذي يكون في باطن نواة.\rقوله: أَيْنَما تَكُونُوا هذا تسلية لهم أيضا وأين اسم شرط جازم، وما صلة، وتكونوا فعل الشرط مجزوم بحذف النون والواو اسمها ويُدْرِكْكُمُ جواب الشرط، والْمَوْتُ فاعله، والمعنى أن الموت يدرككم أينما تكونوا في أي زمان أو مكان متى حضر الأجل. قوله: فِي بُرُوجٍ جمع برج وهو القلعة والحصن. قوله: (مرتفعة) أي عالية البناء، أو المعنى مطلية بالشيد أي الجص قوله: (أي اليهود) أي والمنافقين. قوله: (عند قدوم النبي المدينة) أي حيث دعاهم إلى الإيمان فكفروا فحصل لهم الجدب، فقالوا هذا شؤمه، والشؤم ضد اليمن والبركة. قوله: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي خلقا وإيجادا.\rقوله: فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ الخ، أي أي شيء ثبت لهؤلاء لا يقربون من فهم الحديث والموعظة. قوله: (و ما استفهام تعجيب) أي وتوبيخ. قوله: (أيها الإنسان) أي فهو خطاب عام لكل أحد وقيل الخطاب للنبي والمراد به غيره.\rقوله: فَمِنْ نَفْسِكَ أي من شؤمك وسوء كسبك فنسبة ذلك إلى النفس مجاز، باعتبار سوء الكسب والشؤم من إسناد الشيء لسببه، وبهذا اندفع التنافي بين هذه الآية وبين قوله تعالى قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فنسبة الأشياء جميعها إلى اللّه من حيث الإيجاد، ونسبة الشر إلى العبد، فباعتبار أن سوء كسبه سبب ذلك، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: «ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب، ولا الشوكة يشاكها، وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب، وما يعفو اللّه عنه أكثر» وأما حديث «أشدكم بلاء الأنبياء الخ» فمعناه أن اللّه امتحنهم بالبلايا، وألقى عليهم الصبر والمحبة، فشاهدوا إعطاء اللّه في تلك البلايا، فصارت البلايا عطايا، فتحصل أن البلاء إما أن يكون من شؤم الذنب، وذلك للعصاة الذين لم يتلقوه بالرضا والتسليم، وإما أن يكون اختبارا أو امتحانا، وذلك للأنبياء والصالحين ليرقيهم به أعلى الدرجات، ولذلك قال العارف الجيلي:\rتلذّ لي الآلام مذ أنت مسقمي ... وإن تمتحنّي فهي عندي صنائع\r\rقوله: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا والمعنى حيث ثبتت رسالته بشهادة اللّه، اتضح من ذلك أن من","part":1,"page":309},{"id":310,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 310\rطاعته فلا يهمنك فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (80) حافظا لأعمالهم بل نذيرا وإلينا أمرهم فنجازيهم وهذا قبل الأمر بالقتال وَيَقُولُونَ أي المنافقين إذا جاؤوك أمرنا طاعَةٌ لك فَإِذا بَرَزُوا خرجوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ بإدغام التاء في الطائفة وتركه أي أضمرت غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ لك في حضورك من الطاعة إلى عصيانك وَاللَّهُ يَكْتُبُ يأمر بكتب ما يُبَيِّتُونَ في صحائفهم ليجازوا عليه فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ بالصفح وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ثق به فإنه كافيك وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) مفوضا إليه أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ يتأملون الْقُرْآنَ وما فيه من المعاني البديعة وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82) تناقضا في معانيه وتباينا في نظمه وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ عن سرايا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بما حصل لهم مِنَ الْأَمْنِ بالنصر أَوِ الْخَوْفِ\r______________________________\rأطاعه أطاع اللّه. قوله: (فلا يهمنك) بضم الياء من أهم، أو بفتحها من هم، ومعناه لا يحزنك إعراضهم وقدره المفسر إشارة إلى أن جواب الشرط محذوف، و\rقوله: فَما أَرْسَلْناكَ الخ علة للجواب المحذوف.\rقوله: (بل نذيرا) اقتصر عليه لأنه في سياق من أعرض، ولا يناسبه إلا الإنذار، وإلا فرسول اللّه بعث بشيرا ونذيرا. قوله: (أمرنا) طاعَةٌ أشار بذلك إلى أن طاعة خبر مبتدأ محذوف واجب الحذف، لأن الخبر مصدر بدل من لفظ الفعل، فهو نائب عن أطعنا، ويصح أن يكون مبتدأ والخبر محذوف أي منا طاعة. قوله: (بإدغام التاء في الطائفة) أي بعد قلبها طاء. وقوله: (و تركه) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: (أي أضمرت) المعنى أظهرت ما أضمرته! وإلا فالإضمار كان واقعا منهم قبل الخروج من عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (من الطاعة) بيان الذي تقول.\rقوله (إلى عصيانك) تفسير لقوله: غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ. قوله: (ليجازوا عليه) أي في العاجل والآجل.\rقوله: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي لا تقتلهم ولا تفضحهم، وهذا قبل الأمر بقتلهم وإخراجهم. قوله:\r(ثق به) أي اعتمد عليه.\rقوله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الهمزة داخلة على محذوف تقديره أيعرضون عنك فلا يتدبرون، وهو استقباح لحالهم وتشنيع عليهم، والتدبر في الأصل النظر في عواقب الأمور، لتقع على الوجه الأكمل، والمراد هنا مطلق التأمل والتفكر. قوله: (تناقضا في معانيه) أي بأن يكون بعض إخباره غير مطابق لبعض. وقوله: (و تباينا في نظمه) أي بأن يكون بعضه فصيحا بليغا، وبعضه ليس كذلك، فلما كان جميعه على منوال واحد، ليس بعضه مناقضا لبعض، بل إخباره كلها متوافقة، وهو فصيح بليغ ليس فيه ما ينافي ذلك ثبت أنه عند اللّه لأن هذا الأمر لا يقدر عليه غيره، ولو ثبت فرضا أنه من عند غير اللّه، لوجدوا فيه اختلافا في المعنى أو اللفظ. إن قلت إن قوله كثيرا ربما يوهم أن فيه اختلافا قليلا، أجيب: أن بالتقييد بالكثرة للمبالغة، والمعنى أن القرآن ليس فيه اختلاف أصلا، فلو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فضلا عن القليل فهو من عند اللّه، فلم يكن فيه اختلاف أصلا لا كثير ولا قليل.\rقوله: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ الخ، سبب نزولها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يبعث البعوث والسرايا، فإذا غلبوا الكفار أو غلبوهم بادر المنافقون للاستخبار عن حالهم، ثم يتحدثون بذلك ويشيعونه قبل أن يسمعوه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو كبار أصحابه، وقصدهم بذلك افتتان ضعفاء المؤمنين.","part":1,"page":310},{"id":311,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 311\rبالهزيمة أَذاعُوا بِهِ أفشوه نزل في جماعة من المنافقين أو في ضعفاء المؤمنين كانوا يفعلون ذلك فتضعف قلوب المؤمنين ويتأذى النبي وَلَوْ رَدُّوهُ أي الخبر إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ أي ذوي الرأي من أكابر الصحابة أي لو سكتوا عنه حتى يخبروا به لَعَلِمَهُ هل هو مما ينبغي أن يذاع أو لا الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ يتتبعونه ويطلبون علمه وهم المذيعون مِنْهُمْ من الرسول وأولي الأمر وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالإسلام وَرَحْمَتُهُ لكم بالقرآن لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ فيما يأمركم به من الفواحش إِلَّا قَلِيلًا (83) فَقُتِلَ يا محمد فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ فلا\r______________________________\rقوله: مِنَ الْأَمْنِ الخ، بيان الأمر. قوله: (من المنافقين) أي وقصدهم بذلك فتنة الضعفاء وقوله: (أو ضعفاء المؤمنين) أي جهلا منهم بذلك وهما قولان والراجح الأول. قوله: (فتضعف قلوب المؤمنين) هذا ظاهر بالنسبة للهزيمة، وأما إشاعة النصر فالضعف فيه من حيث إن هذا الخبر بما وصل الكفار فيتجهزون ويعيدون الحرب ثانيا، ففيه فتنة للضعفاء على كل حال. قوله: (من أكابر الصحابة) أي كأبي بكر وعمر ونظائرهما. قوله: (حتى يخبروا به) بالبناء للمفعول، أي حتى يخبرهم النبي به. قوله:\r(هل هو مما ينبغي الخ) أي لعلموا صفته وكيفيته، وإلا فهم عالمون به قبل ذلك. قوله: (و هم المذيعون) أي المنافقون أو ضعفاء المؤمنين، وهو تفسير للذين يستنبطونه، وهو إظهار في محل الإضمار أي لعلموه.\rوقوله: مِنْهُمْ من ابتدائية، والجار والمجرور متعلق بيستنبطون، والمعنى يتلقونه من جهة الرسول أو كبار الصحابة. قوله: (بالإسلام) أي بسبب إرسال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: إِلَّا قَلِيلًا اعلم أن في هذا استثناء ستة أوجه: أحدها أنه مستثنى من فاعل اتبعتم، والمعنى لاتبعتم الشيطان إلا قليلا منكم فإنه لم يتبعه، كقس بن ساعدة وعمرو بن نفيل وورقة بن نوفل ممن كان على دين عيسى قبل بعثة محمد، والمراد بالفضل والرحمة المنتفيين على هذا بعثة محمد والقرآن ثانيهما أنه مستثنى من فاعل أتبعتم أيضا، لكنه واقع على من لم يبلغ التكليف، ويكون الاستثناء منقطعا. ثالثها أنه مستثنى من فاعل أذاعوا، والمعنى أظهر وأخبر الأمن أو الخوف إلا قليلا فلم يظهروا. رابعها أنه مستثنى من فاعل علمه، أي علمه الذين يستنبطونه إلا قليلا فلم يعلموا. خامسها أنه مستثنى من فاعل وجدوا أي إلا قليلا، فلم يجدوا فيه اختلافا كثيرا لبلادتهم وعدم معرفتهم. سادسها أن قوله لاتبعتم خطاب لجميع الناس عموما، والمراد بالقليل أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وأحسن هذه الأوجه أولها، وهو المأخوذ من سياق المفسر، وأبعدها الأخير تأمل.\rقوله: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الفاء واقعة في جواب شرط مقدر تقديره إذا تكاسلوا عن القتال فقاتل الخ، فإنك منصور على كل حال، ولو اجتمعت عليك أهل الأرض جميعا. قوله: لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ هذه الجملة حال من فاعل قاتل، والمعنى قاتل في سبيل اللّه ولا تنظر لكسلهم حال كونك غير مكلف إلا نفسك، فلا يضرك مخالفتهم وتقاعدهم عن القتال، وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في شدة الحرب لا يتغير وجهه أبدا، بل كان يتبسم إذ ذاك ولا يكترث بملاقاة الأعداء، قال البوصيري:\rمسفر يلتقي الكتيبة بسا ... ما إذا أسهم الوجوه اللّقاء","part":1,"page":311},{"id":312,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 312\rتهتم بتخلفهم عنك المعنى قاتل ولو وحدك فإنك موعود بالنصر وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ حثهم على القتال ورغبهم فيه عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ حرب الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً منهم وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (84) تعذيبا منهم فقال صلّى اللّه عليه وسلّم والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي فخرج بسبعين راكبا إلى بدر الصغرى فكف اللّه بأس الكفار بإلقاء الرعب في قلوبهم ومنع أبي سفيان عن الخروج كما تقدم في آل عمران مَنْ يَشْفَعْ بين الناس شَفاعَةً حَسَنَةً موافقة للشرع يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ من الأجر مِنْها بسببها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً مخالفة له يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ نصيب من الوزر\r______________________________\rقوله: (المعنى قاتل ولو وحدك) أي فكان من خصائصه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه إذا هم بالحرب لا يرجع حتى يحكم اللّه بينه وبين عدوه. قوله: وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ أي بالآيات الواردة في فضل الجهاد، فإن تخلفوا بعد ذلك فلا يضرونك، وإنما وبالهم على أنفسهم. قول: عَسَى اللَّهُ الخ، هذا وعد من اللّه بكفهم، وهو وإن ورد بصيغة الترجي، فهو في المعنى محقق لتعلق قدرته وإرادته بذلك، ويستحيل تخلف ما تعلقا به، لأنه يصير عاجزا، فلا فرق في تحقق وعد اللّه بين أن يرد بصيغة الترجي أو غيره. قوله: وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً أي قوة وسطوة. قوله: تَنْكِيلًا من النكل، وهو في الأصل القيد ثم أطلق على العذاب. قوله:\r(و الذي نفسي بيده) إنما أقسم بذلك لأنه دائما في حضرة ربه. وقوله: (بيده) أي قدرته، وكان عليه الصلاة والسّلام كثيرا ما يحلف بذلك. قوله: (فخرج بسبعين راكبا) أي في السنة الرابعة لأن أحدا كانت في الثالثة، فلما انصرف منها أبو سفيان نادى بأعلى صوته يا محمد موعدك العام القابل في بدر، فقال عليه الصلاة والسّلام: إن شاء اللّه تعالى، فلما جاء العام القابل طلب المؤمنين للخروج، فتقاعد المنافقون وتبعهم بعض ضعفاء المؤمنين بسبب تثبيط نعيم بن مسعود الأشجعي لهم، قال تعالى حكاية عنه: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ الآيات وقوله: (بسبعين راكبا) تبع في ذلك بعض السير وهو ضعيف، والراجح أنه خرج معه ألف وخمسمائة من أصحابه وعشرة أفراس، واستخلف على المدينة عبد اللّه بن رواحة، فأقاموا على بدر ينتظرون أبا سفيان، فألقى اللّه في قلوب الأعداء الرعب، ولم ينتقلوا من محل يسمى الآن بوادي فاطمة فاجتمعت قبائل العرب من كل جهة لإقامة السوق في بدر، فصارت الصحابة يتجرون إلى أن ربحوا ربحا عظيما، فمكثوا في بدر ثمانية أيام، فلم تأت الكفار ولم يحصل بينهم حرب أصلا، قال تعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وتقدم بسط القصة في آل عمران. قوله: (و منع أبي سفيان) معطوف على الفاء فهو مصدر.\rقوله: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً هذه الجملة أفادت أن تحريض النبي للمؤمنين على القتال شفاعة حسنة، فله حظ وافر في نظير ذلك، والشفاعة هي سؤال الخير للغير، ويندرج في ذلك الدعاء للمسلم بظهر الغيب، فقد ورد «من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك» وفي الحديث أيضا «أدعوني بألسنة ما عصيتموني بها» قال العلماء هو الدعاء للغير. قوله: وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً إنما أطلق عليها شفاعة مشاكلة، لأن حقيقة الشفاعة لا تكون إلا في الخير، قال بعضهم هي النميمة، وهي نقل الكلام لإيقاع العداوة بين الناس، وقيل هي السعي بالفساد مطلقا. قوله: (نصيب)","part":1,"page":312},{"id":313,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 313\rمِنْها بسببها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85) مقتدرا فيجازي كل أحد بما عمله وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ كأن قيل لكم سلام عليكم فَحَيُّوا المحيي بِأَحْسَنَ مِنْها بأن تقولوا له عليك\r______________________________\rأشار بذلك إلى أن الكفل مرادف للنصيب وإنما غاير تفننا. قوله: مُقِيتاً هو في الأصل معناه الموصل لكل أحد قوته، ومعلوم أن هذا لا يكون إلا من المقتدر أطلق وأريد منه المقتدر بمعنى القادر الذي لا يعجزه شيء. قوله: (بما عمله) أي من خير أو شر.\rقوله: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ هذا من جملة أفراد الشفاعة الحسنة، وفيه تعليم محاسن الأخلاق، وهو أنه ينبغي للإنسان أن يجازي على المعروف بأحسن منه أو بمثله، والتحية في الأصل الدعاء بطول الحياة، وكانت العرب إذا لقي بعضهم بعضا يقول له حياك اللّه، ثم استعملت في الإسلام وإنما اختير لفظ السّلام على لفظها الأصلي لأنه أتم وأنفع، لأن السّلام معناه السلامة من الآفات الدنيوية والأخروية، ورحمة اللّه إنعامه وإحسانه وبركاته حفظه من الزوال، وأما طول الحياة فلا يلزم منه السلامة، من الآفات، بل قد يكون طول الحياة مذموما كما إذا كان في المعاصي، فكان السّلام بهذا المعنى أتم وأكمل، وأصل تحية تحيية كتزكية، نقلت حركة الياء الأولى إلى ما قبلها ثم أدغمت فيما بعدها. قوله: (كأن قيل لكم سلام عليكم) أي بهذا اللفظ وما شابهه، كالسلام عليكم، أو سلامي عليكم، أو سلام اللّه عليكم والأولى أن يأتي بميم الجمع، ولو كان المسلم عليه واحدا أو مثنى أو جمع نسوة نظرا للملائكة المصاحبين للمسلم عليه، فإذا سلم بغير هذا اللفظ كأمان اللّه عليكم أو غير ذلك، فلا يجب عليه الرد، ومن المطلوب المصافحة، لما ورد أنها تذهب الغل من القلوب، وأما تقبيل اليد فهو مكروه إلا لمن ترجى بركته كشيخ أو والد، وأما المعانقة فمكروهة إلا لشوق، كقدوم من سفر ونحوه. واعلم أن ابتداء السّلام سنة، ورده فرض كفاية، ولكن الابتداء أفضل من الرد، لما ورد «أن للبادىء تسعين حسنة، وللراد عشرة» ومثله الوضوء قبل الوقت فإنه مندوب، لكنه أفضل من الوضوء بعده الواجب، وإبراء المعسر مندوب، وهو أفضل من أنظاره الواجب. وجمع ذلك بعضهم في قوله:\rالفرض أفضل من تطوّع عابد ... حتّى ولو قد جاء منه بأكثر\r\rإلّا التّطهّر قبل وقت وابتداء ... للسّلام كذاك إبرا المعسر\r\rوقد تقدم في آخر البقرة. قوله: فَحَيُّوا أصله حييوا، استثقلت الضمة على الياء فحذفت الضمة فالتقى ساكنان الياء والواو، فحذفت الياء وضم ما قبل الواو. قوله: (بأن تقولوا عليك السّلام ورحمة اللّه وبركاته) أي فإذا اقتصر البادىء على السّلام وزاد الراد الرحمة والبركة، روي أن رجلا، قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: السّلام عليك، فقال: وعليك السّلام ورحمة اللّه وقال آخر: السّلام عليك ورحمة اللّه، فقال: وعليك السّلام ورحمة اللّه وبركاته. وقال آخر: السّلام عليك ورحمة اللّه وبركاته، فقال: وعليك السّلام ورحمة اللّه وبركاته، فقال الرجل: نقصتني الفضل على سلامي، فأين ما قال اللّه؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: لم تترك لي فضلا فرددت عليك مثله، ولا يزاد على البركة شيء لا من البادي ولا من الراد، لما ورد أن رجلا سلم على ابن عباس فقال له السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ثم زاد شيئا، فقال ابن عباس إن السّلام انتهى إلى البركة.","part":1,"page":313},{"id":314,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 314\rالسّلام ورحمة اللّه وبركاته أَوْ رُدُّوها بأن تقولوا له كما قال أي الواجب أحدهما والأول أفضل إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (86) محاسبا فيجازي عليه ومنه رد السّلام وخصت السنة الكافر والمبتدع والفاسق والمسلم على قاضي الحاجة ومن في الحمام والآكل فلا يجب الرد عليهم بل يكره في غير الأخير ويقال للكافر وعليك اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ واللّه لَيَجْمَعَنَّكُمْ من قبوركم إِلى في يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ شك فِيهِ وَمَنْ أي لا أحد أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87) قولا ولما رجع ناس من أحد اختلف الناس فيهم فقال فريق اقتلهم وقال فريق لا فنزل فَما لَكُمْ أي ما شأنكم صرتم فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ فرقتين وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ ردهم بِما كَسَبُوا\r______________________________\rقوله: أَوْ رُدُّوها أي ردوا مثلها على حد واسأل القرية لأن رد عينها محال. قوله: (و المبتدع) أي صاحب البدعة التي تخالف الشرع. قوله: (و الفاسق) أي بالجارحة المتجاهر. قوله: (على قاضي الحاجة) أي ومن في حكمه كمن في محل مستقذر، أو في حال الاستنجاء. قوله: (و من في الحمام) أي في محل الحرارة لا خارجه في محل نزع الثياب. قوله: (و الآكل) أي بالفعل بأن كان فمه مشغولا بالمضغ لا وقت خلوه منه فيجب الرد. قوله: (بل يكره في غير الأخير) أي الآكل بالفعل. قوله: (و يقال للكافر وعليك) أي لأنه يقول في سلامه السام عليك، والسام الموت، فيرد عليه بقوله وعليك، ومحل ذلك ما لم يتحقق منه النطق بالسلام بلفظه وإلا فيرد.\rقوله: اللَّهُ مبتدأ، ولا إِلهَ إِلَّا هُوَ خبر أول، ولَيَجْمَعَنَّكُمْ خبر ثان، ورد بالخبر الأول على منكري التوحيد، وبالثاني على منكري البعث. قوله: (و اللّه) أشار بذلك إلى أن اللام في لَيَجْمَعَنَّكُمْ موطئة لقسم محذوف. قوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ أي يحشركم بعد تفرقكم، قال تعالى: وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ. قوله: إِلى (في) أشار بذلك إلى أن إِلى مضمنة معنى (في) ويصح بقاؤها على أصلها، ويضمن الفعل معنى يحشر، وهو الأقرب، لأن التجوز في الفعل أكثر من التجوز في الحرف. قوله: لا رَيْبَ فِيهِ أي لا تردد ولا تحير في ذلك اليوم. قوله: (أي لا أحد) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي. قوله: حَدِيثاً تمييز. قوله: (و لما رجع ناس) هذا إشارة لسبب نزول الآية، والمراد بالناس عبد اللّه بن أبي وأصحابه الثلثمائة وكانوا منافقين. قوله: (اختلف الناس) أي الصحابة، وقوله: (اقتلهم) أي للأمارة الدالة على كفرهم، وقوله: (و قال فريق لا) أي لنطقهم بالشهادتين، واللوم في الحقيقة راجع على الفريق الثاني القائل لا تقتلهم.\rقوله: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ ما مبتدأ ولكم جار ومجرور خبر، وفي المنافقين متعلق بما تعلق به الخبر، أو متعلق بمحذوف حال من فئتين، لأنه نعت نكرة تقدم عليها، أو متعلق بفئتين لتأوله بمشتق أي مفترقين، وقوله: فِئَتَيْنِ خبر لصار المحذوفة كما قدره المفسر. قوله: وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ الركس في الأصل النكس، وهو قلب الشيء على رأسه، فمعناه على هذا ردهم من حالة العلو وهو عز الإسلام، إلى السفل وهو ذل الكفر بالسبي والقتل. قوله: (ردهم) أي عن القتال ومنعهم منه، ولم يجر على أيديهم خير بسبب كسبهم، لما في الحديث «إن العبد ليحرم الخير بالذنب يصيبه» وفي نسخة بددهم أي فرق شملهم","part":1,"page":314},{"id":315,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 315\rمن الكفر والمعاصي أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَ ه اللَّهُ أي تعدوهم من جملة المهتدين والاستفهام في الموضعين للإنكار وَمَنْ يُضْلِلِ ه اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) طريقا إلى الهدى وَدُّوا تمنوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ أنتم وهم سَواءً في الكفر فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ توالونهم وإن أظهروا الإيمان حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ هجرة صحيحة تحقق إيمانهم فَإِنْ تَوَلَّوْا وأقاموا على ما هم عليه فَخُذُوهُمْ بالأسر وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا توالونه وَلا نَصِيراً (89) تنصرون به على عدوكم إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ يلجؤون إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ عهد بالأمان لهم ولمن وصل اليهم كما عاهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هلال بن عويمر الأسلمي أَوْ الذين جاؤُكُمْ وقد حَصِرَتْ ضاقت صُدُورُهُمْ عن أَنْ يُقاتِلُوكُمْ مع قومهم أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ معكم أي ممسكين عن قتالكم وقتالهم فلا\r______________________________\rوجمعهم. قوله: (من الكفر الخ) بيان لما كسبوا، وقوله: (و المعاصي) عطف عام على خاص. قوله:\r(للإنكار) أي مع التوبيخ، والمعنى لا تفترقوا في قتلهم، أو لا تجعلوهم من المهتدين، ولا تعدوهم منهم، وهذا إشارة لليأس من هداهم، فلم يهتدوا بعد ذلك أبدا.\rقوله: كَما كَفَرُوا نعت لمحذوف، والتقدير ودوا لو تكفرون كفرا مثل كفرهم. قوله: فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ مفرع على قوله: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ والجمع باعتبار الأفراد.\rقوله: حَتَّى يُهاجِرُوا غاية في عدم اتخاذ الأولياء منهم، والمعنى امتنعوا من اتخاذ الأولياء منهم إلى أن تقع منهم الهجرة، بمعنى الجهاد في سبيل اللّه مخلصين له الدين. واعلم أن الهجرة ثلاثة أقسام: هجرة للمؤمنين في أول الإسلام وهي قوله تعالى للفقراء المهاجرين، وهجرة المنافقين وهي خروجهم للقتال مع رسول اللّه صابرين محتسبين لا لأغراض الدنيا وهي المرادة هنا، وهجرة عن جميع المعاصي وهي التي قال فيها عليه الصلاة والسّلام: «المهاجر من هجر ما نهى اللّه عنه»، قوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن عما أمرتهم به، وقوله: (و أقاموا على ما هم عليه) دفع به ما يتوهم من قوله: تَوَلَّوْا أنه كان حصل منهم إقبال ثم أعرضوا، فأجاب بأن المراد أقاموا وداموا على ما هم. قوله: حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ أي في حل أو في حرم لأنهم من جملة الكفار، فيفعل بهم ما فعل بسائر الكفار.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ هذا استثناء من الأخذ والقتل فقط، ولا يرجع للموالاة فإنها لا تجوز مطلقا. قوله: إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أي وهم الأسلميون، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقت خروجه إلى مكة، قد وقع بينه وبين هلال بن عويمر الأسلمي عهد، أن لا يعين على النبي ولا يعينه، وعلى أن من لجأ إليه لا يتعرض له، وكذلك بنو بكر بن زيد وخزاعة.\rقوله: أَوْ جاؤُكُمْ معطوف على يَصِلُونَ كما قدر الموصول المفسر، فالمستثنى فريقان: فريق التجؤوا للمعاهدين، وفريق ترك قتالنا مع قومه، وقتال قومه معنا. قوله: وقد حصرت صُدُورُهُمْ أي وهم بنو مدلج جاؤوا لرسول اللّه غير مقاتلين. قوله: (و هذا) أي قوله: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ وقوله:","part":1,"page":315},{"id":316,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 316\rتتعرضوا إليهم بأخذ ولا قتل وهذا وما بعده منسوخ بآية السيف وَلَوْ شاءَ اللَّهُ تسليطهم عليكم لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ بأن يقوي قلوبهم فَلَقاتَلُوكُمْ ولكنه لم يشأه فألقى في قلوبهم الرعب فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ الصلح أي انقادوا فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) طريقا بالأخذ والقتل سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ بإظهار الإيمان عندكم وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ بالكفر إذا رجعوا إليهم وهم أسد وغطفان كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ عدا إلى الشرك أُرْكِسُوا فِيها وقعوا أشد وقوع فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ بترك قتالكم وَلم يُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَلم يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ عنكم فَخُذُوهُمْ بالأسر وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (91) برهانا بينا ظاهرا على قتلهم وسبيهم لغدرهم وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً أي ما ينبغي أن يصدر منه قتل له إِلَّا خَطَأً مخطئا في قتله من غير قصد وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً بأن قصد رمي غيره كصيد أو شجرة فأصابه أو ضربه بما لا يقتل غالبا\r______________________________\rأَوْ جاؤُكُمْ وقوله: (و ما بعده) أي وهو قوله: فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ الخ. قوله: (منسوخ بآية السيف) أي التي نزلت في براءة وهي قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ الآيات فصار بعد نزول آية السيف لا يقبل منهم عهد أبدا، إلى أن انتشر الإسلام، فخصصت آية السيف بالجزية والعهود. قوله:\rوَلَوْ شاءَ اللَّهُ الخ، هذا تسلية للمؤمنين وتذكير لنعم اللّه عليهم. قوله: لَسَلَّطَهُمْ هذا تمهيد لجواب لَوْ وجوابها. قوله: فَلَقاتَلُوكُمْ قوله: (و لكنه لم يشأه الخ) أشار بهذا الاستدراك إلى تتميم القياس، لأنه ذكر المقدم بقوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ والتالي بقوله: لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فذكر المفسر نقيض المقدم بقوله لكن، والنتيجة بقوله: (فألقى في قلوبهم الرعب).\rقوله: فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ أي بوجه من الوجوه المتقدمة، وهي التجاؤهم إلى من بيننا وبينه عهد، وهي التجاؤهم، أو تركهم القتال معنا ومع قومهم. قوله: (أي انقادوا) للصلح والأمان ورضوا به.\rقوله: آخَرِينَ أي قوما آخرين من المنافقين، وسيأتي أنهم أسد وغطفان، كانوا حول المدينة فأسلموا ظاهرا ليأمنوا من القتل والأسر، وكانوا إذا خلوا بالكفار يقولون آمنا بالقرد والعقرب والخنفساء، وإذا لقوا النبي وأصحابه يقولون إنا على دينكم ليأمنوا من الفريقين. قوله: (وقعوا أشد وقوع) أي رجعوا إلى الشرك أعظم رجوع. قوله: (لغدرهم) أي خيانتهم.\rقوله: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أي لا يسوغ ولا يصلح لمتصف بالإيمان أن يقتل أخاه في الإيمان، والمعنى يبعد كل البعد، لأن شأن الإيمان الرأفة والرحمة بالإخوان، قال تعالى مدحا في أصحاب رسول اللّه (أشداء على الكفار رحماء بينهم). قوله: إِلَّا خَطَأً الاستثناء منقطع لأن ما قبله محمول على العمد، والمعنى لكن قد يقع خطأ، ويصح أن يقع متصلا، والمعنى لا ينبغي أن يقع القتل من المؤمن للمؤمن في حال من الأحوال إلا في حالة الخطأ. قوله: (مخطئا) أشار بذلك إلى أن خطأ حال، إلا أنه مؤول باسم الفاعل.\rقوله: (من غير قصد) أي للضرب من أصله، أو ضرب من يجوز له ضربه فصادف غيره.\rقوله: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً الخ، حاصل ما ذكره في الخطأ ثلاثة أقسام: لأن المقتول إما مؤمن","part":1,"page":316},{"id":317,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 317\rفَتَحْرِيرُ عتق رَقَبَةٍ نسمة مُؤْمِنَةٍ عليه وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ مؤداة إلى أهله أي ورثة المقتول إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا يتصدقوا عليه بها بأن يعفوا عنها وبينت السنة أنها مائة من الإبل عشرون بنت مخاض وكذا بنات لبون وبنو لبون وحقاق وجذاع وأنها على عاقلة القاتل وهم عصبته إلا الأصل والفرع موزعة عليهم على ثلاث سنين على الغني منهم نصف دينار والمتوسط ربع كل سنة فإن لم يفوا فمن بيت المال فإن تعذر فعلى الجاني فَإِنْ كانَ المقتول مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ حرب لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ على قاتله كفارة ولا دية تسلم إلى أهله لحرابتهم وَإِنْ كانَ المقتول مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ عهد كأهل الذمة فَدِيَةٌ له مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وهي ثلث دية المؤمن إن كان يهوديا أو نصرانيا وثلثا عشرها إن كان مجوسيا وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ\r______________________________\rورثته وورثته مسلمون، أو مؤمن وورثته حربيون، أو معاهد، فالأول فيه الدية والكفارة وكذا الثالث، وأما الثاني ففيه الكفارة فقط، ومن إما اسم موصول مبتدأ وقتل صلتها، وقوله: فَتَحْرِيرُ خبره وقرن بالفاء لشبهه بالشرط، وإما اسم الشرط وقتل فعله، وقوله فتحرير جوابه والجملة خبره من حيث كونه مبتدأ. قوله:\r(عليه) أشار بذلك إلى أن قوله فتحرير مبتدأ خبره محذوف، ويصح أن يكون خبر المحذوف، والتقدير فالواجب عليه تحرير الخ، أو فاعل بفعل محذوف أي فيجب عليه تحرير.\rقوله: وَدِيَةٌ معطوف على تحرير، والدية مصدر في الأصل أطلقت على المال المأخوذ في نظير القتل، وهو والمراد هنا، ولذا وصفها بمسلمة، وأصلها ودي حذفت الواو وعوض عنها تاء التأنيث. قوله:\rإِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا أصله يتصدقوا قلبت التاء صادا وأدغمت في الصاد هو حال من أهله، والمعنى إلا متصدقين. قوله: (بأن يعفو) أي أهله وسمي العفو عنها صدقة تنبيها على فضله، لأن كل معروف صدقة. قوله: (أنها مائة من الإبل) هذا مخصوص بأهل الإبل، وأما على أهل الذهب فألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم. قوله: (بنت مخاض) أي وهي ما أوفت سنة ودخلت في الثانية. قوله:\r(و كذا بنات لبون) أي وابن اللبون ما أوفى سنتين ودخل في الثالثة. قوله: (و حقاق) الحقة ما أوفت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، وقوله: (و جذاع) الجذعة ما أوفت أربع سنين ودخلت في الخامسة. قوله:\r(و أنها على عاقلة القاتل) أي وهو إن كان غنيا كواحد منهم عند مالك، وعند الشافعي ليس عليه شيء منها، وهذه دية الخطأ، وأما دية العمد فمغلظة من أربعة أنواع: بإسقاط ابن اللبون من كل نوع خمس وعشرون عند مالك، إلا إذا قتل الأب ابنه عمدا غير قاصد إزهاق روحه بأن لم يذبحه، فعليه ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة، والخلفة: الناقة الحامل، والتغليظ عند الشافعي يكون بتلك الأنواع الثلاثة لا غير. قوله: (إلا الأصل والفرع) هذا مذهب الشافعي، وأما عند مالك فلا فرق بين الأصل والفرع وغيرهما، في أن كلا منهما يدفع كغيره. قوله: (على الغني منهم نصف دينار) يؤخذ منه أن العاقلة غير محدودة بعدد، وهو مذهب الشافعي، وعند مالك تفرض الدية على ما زاد على ألف من أقاربه، وقيل على سبعمائة. قوله: فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ أي بأن جاء من بلاد الكفر وأسلم عندنا ثم قتل خطأ. قوله: (حرب) بكسر الحاء أي محارب. قوله: فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ الخ، أي بأن كان يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا. قوله: (و هي ثلث دية المؤمن) هذا مذهب الإمام الشافعي، وأما عند مالك فهو على","part":1,"page":317},{"id":318,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 318\rعلى قاتله فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الرقبة بأن فقدها وما يحصلها به فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ عليه كفارة ولم بذكر اللّه تعالى الانتقال إلى الطعام كالظهار وبه أخذ الشافعي في أصح قوليه تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ مصدر منصوب بفعله المقدر وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً (92) فيما دبره لهم وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً بأن يقصد قتله بما يقتل غالبا عالما بإيمانه فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ أبعده من رحمته وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (93) في النار وهذا مؤول\r______________________________\rالنصف من الحر المسلم، كأنثى الحر المسلم. قوله: (و ثلثا عشرها إن كان مجوسيا) هذا باتفاق بين مالك والشافعي، وأنثاه على النصف منه. قوله: (الرقبة) قدره إشارة إلى أن مفعول يجد محذوف. قوله:\rفَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ يقال فيه من الإعراب ما قيل في فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ. قوله: (و به أخذ الشافعي) أي ومالك. قوله: (المقدر) أي وتقديره تاب اللّه عليكم توبة، ويصح أن يكون مفعولا لأجله، أي شرع لكم ذلك لأجل التوبة عليكم وهو الأحسن، إن قلت: إن الخطأ ليس بذنب فما معنى التوبة منه؟ أجيب: بأن ذلك لجبر الخلل الذي حصل منه في عدم إمعان النظر والتحفظ.\rقوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً مقابل قوله من قتل مؤمنا خطأ، وقوله متعمدا أي عدوانا ليخرج المقتول قصاصا أو حدا، كالزاني المحصن والمحارب. وسبب نزولها: أن رجلا يقال له مقيس بن صبابة أسلم هو وأخوه هشام على يد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة، ثم إن مقيسا وجد أخاه مقتولا في بني النجار، فقال لهم: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك، فأرسل معه رجلا يقال له فهر من بني مهران إلى بني النجار، فقال لهم: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يأمركم أنكم إذا عرفتم عين القاتل فسلموه لمقيس، وإن لم تعرفوه فأعطوا له الدية، فقالوا سمعا وطاعة إنا لا نعرف عين القاتل وأعطوه مائة بعير! فلما ذهب من عندهم سول الشيطان لمقيس أن يقتل فهرا بدل أخيه، فتأخر عنه وضربه فقتله وركب بعيرا وساق باقيها راجعا إلى مكة، وقال شعرا في ذلك:\rقتلت به فهرا وأحملت عقله ... سراة بني النجّار أرباب قارع\r\rوأدركت ثأري واضطجعت توسّدا ... وكنت إلى الأصنام أوّل راجع\rفنزلت فيه الآية، ولما كان عام الفتح استثناه النبي ممن أمنه! فقتله الصحابة وهو متعلق بأستار الكعبة، فعلى هذا الخلود في الآية على ظاهره. قوله: خالِداً حال من الضمير في جزاؤه. قوله:\rوَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ معطوف على محذوف، والتقدير حكم اللّه عليه بذلك وغضب اللّه عليه. قوله:\rوَلَعَنَهُ عطف على غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ مرادف لأن اللعنة هي الغضب. قوله: (و هذا مؤول إلخ) يشرع في ذكر الأجوبة عن السؤال الوارد على الآية. وحاصله أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وظاهر الآية يقتضي أن جزاء القاتل عمدا الخلود في النار، ولو مات مؤمنا، وليس كذلك فأجاب المفسر عن ذلك بثلاثة أجوبة: الأول أنه محمول على المستحل لذلك، الثاني أن هذا جزاؤه إن جوزي، أي إن عامله اللّه بعد له، جازاه بذلك، وإن عامله بفضله فجائز أن لا يدخله النار، ولكن في هذا الجواب شيء، لأن فيه تسليم أنه إذا جوزي يخلد في النار، وهو غير سديد للقواطع الدالة على أنه لا يخلد في النار إلا من مات على الكفر، وقد أجاب البيضاوي بجواب آخر: أن يحمل الخلود على طول المكث،","part":1,"page":318},{"id":319,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 319\rبمن يستحله أو بأن هذا جزاؤه إن جوزي ولا بدع في خلف الوعيد لقوله ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وعن ابن عباس أنها على ظاهرها وأنها ناسخة لغيرها من آيات المغفرة وبينت آية البقرة أن قاتل العمد يقتل به وأن عليه الدية إن عفى عنه وسبق قدرها وبينت السنة أن بين العمد والخطأ قتلا يسمى شبه العمد وهو أن يقتله بما لا يقتل غالبا فلا قصاص فيه بل دية كالعمد في الصفة والخطأ في التأجيل والحمل وهو والعمد أولى بالكفارة من الخطأ. ونزل لما مر نفر من الصحابة برجل من بني سليم وهو يسوق غنما فسلم عليهم فقالوا ما سلم علينا إلا تقية فقتلوه واستاقوا غنمه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ سافرتم للجهاد فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وفي قراءة بالمثلثة في الموضعين وَلا تَقُولُوا لِمَنْ\r______________________________\rالثالث أشار له المفسر بقوله: (و عن ابن عباس الخ). قوله: (و أنها ناسخة) الأولى مخصصة، وكلام ابن عباس خارج مخرج الزجر والتشديد، وليس على حقيقته على مقتضى مذهب أهل السنة. قوله: (و سبق قدرها) أي في تفسير الآية التي قبلها. قوله: (أن بين العمد والخطأ الخ) سبق للمفسر أنه أدخله في الخطأ بقوله أو ضربه بما لا يقتل غالبا. قوله: (يسمى شبه العمد) أي فأشبه العمد من حيث تغليظ الدية بكونها من ثلاثة أنواع: ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة، وأشبه الخطأ من حيث كونه لا قصاص فيه وهذا مذهب الشافعي، وعند أبي حنيفة لا يقتص من القاتل إلا إذا قتله بآلة محددة كسيف وبندق وإلا فيلزمه الدية، وعند مالك يقتص من القاتل إذا قتل بأي آلة ولو بضرب كف أو سوط لا بكمروحة. قوله:\r(في الصفة) أي من حيث كونها من ثلاثة أنواع. قوله: (في التأجيل) أي كونها على ثلاث سنين وقوله:\r(و الحمل) أي كون العاقلة تحملها. قوله: (و هو) أي شبه العمد، وقوله: (أولى بالكفارة) أي فتجب وهذا مذهب الشافعي، وعند مالك ليس كالخطأ، بل تستحب الكفارة فقط. قوله: (و نزل لما مر نفر الخ) هذه رواية ابن عباس في سبب نزول الآية، روي عنه أيضا أنها نزلت في رجل من بني مرة بن عون يقال له مرداس بن نهيك، وكان من أهل فدك، لم يسلم من قومه غيره! فلما سمعوا بسرية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هربوا وبقي ذلك الرجل، فلما رأى الخيل خاف أن لا يكونوا مسلمين، فألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل وصعد هو الجبل، فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون، فعرف أنهم من أصحاب رسول اللّه، فكبّر ونزل وهو يقول لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه السّلام عليكم، فتغشاه أسامة بن زيد بسيفه فقتله واستاق غنمه، ثم رجعوا إلى رسول اللّه فأخبروه الخبر، فوجد رسول اللّه من ذلك وجدا شديدا، وكان قد سبقهم الخبز، فقال عليه الصلاة والسّلام أقتلتموه إرادة ما معه، ثم قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أسامة هذه الآية، فقال أسامة: استغفر لي يا رسول اللّه، فقال: كيف أنت بلا إله إلا اللّه يقولها ثلاث مرات، قال أسامة: فما زال رسول اللّه يكررها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم استغفر له رسول اللّه وقال اعتق رقبة.\rوروي عن أسامة أنه قال: قلت يا رسول اللّه إنما قالها خوفا من السلاح، فقال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها خوفا أم لا.\rقوله: فَتَبَيَّنُوا أي تمهلوا حتى يكشف لكم حقيقة الأمر، وما وقع من الصحابة اجتهاد، غير أنهم مخطئون فيه، حيث اعتمدوا على مجرد الظن، فلذا عاتبهم اللّه على ذلك، وهذا مرتب على وعيد القاتل عمدا، أي حيث ثبت الوعيد العظيم للقاتل عمدا، فالواجب التثبت والتحفظ، فرتب على ذلك","part":1,"page":319},{"id":320,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 320\rأَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ بالألف ودونها أي التحية أو الانقياد بقوله كلمة الشهادة التي هي أمارة على الإسلام لَسْتَ مُؤْمِناً وإنما قلت هذا تقية لنفسك ومالك فتقتلوه تَبْتَغُونَ تطلبون بذلك عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا متاعها من الغنيمة فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ تغنيكم عن قتل مثله لما له كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ تعصم دماؤكم وأموالكم بمجرد قولكم الشهادة فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالاشتهار بالإيمان والاستقامة فَتَبَيَّنُوا أن تقتلوا مؤمنا وافعلوا بالداخل في الإسلام كما فعل بكم إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (94) فيجازيكم به لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عن الجهاد غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ بالرفع صفة والنصب استثناء من زمانه أو عمى أو نحوه وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ لضرر دَرَجَةً فضيلة لاستوائهما في النية وزيادة المجاهدين بالمباشرة وَكُلًّا من الفريقين وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى الجنة وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ لغير ضرر أَجْراً عَظِيماً (95) ويبدل منه دَرَجاتٍ مِنْهُ منازل بعضها فوق بعض من الكرامة وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً منصوبان بفعلهما المقدر\r______________________________\rما وقع من الصحابة. قوله: (في الموضعين) أي هنا، وقوله فيما يأتي: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا، وبقي موضع ثالث في الحجرات وهو قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا وفيه القراءتان، ويحتمل أن قوله في الموضعين أي ما هنا بشقيه والحجرات والأول أقرب. قوله: (بالألف ودونها) أي فهما قراءتان سبعيتان، وروي عن عاصم كسر السين وسكون اللام وهي بمعنى المفتوحة. قوله: (أي التحية أو الانقياد) لف ونشر مرتب. قوله: (التي هي أمارة على إسلامه) تقدم أنه وقع منه الأمران.\rقوله: تَبْتَغُونَ النهي منصب على القيد والمقيد، وليس كقولهم لا تطلب العلم تبتغي به الدنيا قوله: فَعِنْدَ اللَّهِ تعليل للنهي المذكور. قوله: كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ أي كنتم مثله في مبدإ الإسلام.\rقوله: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أي قبل منكم النطق بالشهادتين، ولم يأمر بالبحث عن سرائركم. قوله:\rفَتَبَيَّنُوا أي في المستقبل في مثل هذه الوقعة فهو تأكيد لفظي، وقيل ليس تأكيد الاختلاف متعلقيهما، لأن الأول فيمن تقتلونه، والثاني في شأن نعمة اللّه عليكم بالإسلام لتشكروه.\rقوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ متعلق بمحذوف حال من الْقاعِدُونَ. قوله: (بالرفع صفة) أي لقوله:\rالْقاعِدُونَ إما لأن غير إذا وقعت بين ضدين قد تتعرف، أو لأن أل في القاعدون للجنس فأشبه النكرة، والأظهر أنه مرفوع على البدلية من القاعدون! لأنه لا يشترط استواء البدل والمبدل منه تعريفا أو تنكيرا. قوله: (و النصب استثناء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (من زمانه) بيان للضرر وهي المرض، وقوله: (أو نحوه) أي كالعرج. قوله: (فضيلة) أي في الآخرة، والمعنى أن من تقاعد عن القتال لمرض ونحوه، فهو ناقص عن المباشرين للجهاد درجة لأنهم استووا معهم في الجهاد بالنية، وإنما زاد المجاهدون بالمباشرة، وكل من القسمين وعده اللّه بالجنة. قوله: (الجنة) أي لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم.\rقوله: دَرَجاتٍ قيل سبعة وقيل سبعون وقيل سبعمائة، كل درجة كما بين السماء والأرض.","part":1,"page":320},{"id":321,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 321\rوَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لأوليائه رَحِيماً (96) بأهل طاعته. ونزل في جماعة أسلموا ولم يهاجروا فقتلوا يوم بدر مع الكفار إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بالمقام مع الكفار وترك الهجرة قالُوا لهم موبخين فِيمَ كُنْتُمْ أي في أي شيء كنتم في أمر دينكم قالُوا معتذرين كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ عاجزين عن إقامة الدين فِي الْأَرْضِ أرض مكة قالُوا لهم توبيخا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها من أرض الكفر إلى بلد آخر كما فعل غيركم، قال تعالى فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (97) هي إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الذين لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا قوة لهم على الهجرة، ولا نفقة وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) طريقا إلى أرض الهجرة فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (99)\r______________________________\rقوله: (بفعلهما المقدر) أي غفر لهم مغفرة ورحمهم رحمة. قوله: (فقتلوا يوم بدر) أي وهل ماتوا عصاة أو كفارا خلاف، لأن الهجرة كانت ركنا أو شرطا في صحة الإسلام. قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وهذا كان قبل الفتح، ثم نسخ بعده، والقاتل لهؤلاء الملائكة لعلمهم بأن اللّه لم يقبل منهم الإسلام لفقد شرطه، وهو الهجرة مع قدرتهم عليها، وليس التخلف ومن أجل صيانة المال والعيال عذرا، والمتبادر من ذلك أنهم ماتوا كفارا.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ يصح أن يكون ماضيا ولم يؤت فيه بعلامة التأنيث، لأن التأنيث مجازي، ويصح أن يكون مضارعا حذفت منه إحدى التاءين، والأصل تتوفاهم. قال ابن مالك:\rوما بتاءين ابتدى قد يقتصر ... فيه على تا كتبين العبر\r\rقوله: الْمَلائِكَةُ يعني ملك الموت وهو عزرائيل، وإنما جمع تعظيما، وقيل المراد أعوانه وهم ستة: ثلاثة منهم يقبضون أرواح المؤمنين، وثلاثة منهم يقبضون أرواح الكفار. قوله: قالُوا (لهم موبخين) أي عند قبض أرواحهم. قوله: فِيمَ كُنْتُمْ ما اسم استفهام حذفت ألفها لجرها بالحرف.\rقال ابن مالك:\rوما في الاستفهام إن جرّت حذف ... ألفها وأوّلها الها إن تقف\r\rقوله: (في أي شيء كنتم) أي أكنتم مؤمنين أم كفارا. قوله: قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ هذا اعتذار غير صحيح، فلذا ردت الملائكة عليهم هذا الاعتذار. قوله: فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ هذا هو خبر إن، وقرن بالفاء لأن في الأصل خبر عن الموصول وهو يشبه الشرط. قوله: (هي) هذا هو المخصوص بالذم.\rقوله: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ هذا الاستثناء منقطع على التحقيق. قوله: مِنَ الرِّجالِ هو وما بعده بيان للمستضعفين، وذلك كعباس بن ربيعة وسلمة بن هشام وغيرهما، وقوله: وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ. قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان. قوله: لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً هذه الجملة إما مستأنفة مبينة للاستضعاف جواب سؤال مقدر تقديره ما وجه استضعافهم، أو صفة للمستضعفين.\rقوله: فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ عسى في كلام اللّه بمنزلة التحقيق، لعلمه بعواقب","part":1,"page":321},{"id":322,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 322\rوَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً مهاجرا كَثِيراً وَسَعَةً في الرزق وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ في الطريق كما وقع لجندع بن ضمرة الليثي فَقَدْ وَقَعَ ثبت أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (100) وَإِذا ضَرَبْتُمْ سافرتم فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ في أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ بأن تردوها من أربع إلى اثنتين إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ أي ينالكم بمكروه الَّذِينَ كَفَرُوا بيان للواقع إذا ذاك فلا مفهوم له وبينت\r______________________________\rالأمور، وقدرته على كل شيء، وأما في كلام غيره فللرجاء، لجهله بعواقب الأمور وعجزه.\rقوله: وَمَنْ يُهاجِرْ هذا ترغيب في الهجرة. قوله: (مهاجرا) بالفتح أي أماكن يهاجر إليها، وعبر عنها بالمراغم إشارة إلى أن من فعل ذلك أرغم اللّه به أنف عدوه: أي يقهره ويذله، والرغام في الأصل التراب، فأطلق وأريد لازمه، وهو الذل والهوان، لأن من التصق أنفه بالتراب فقد ذل وصغر. قوله: (كما وقع لجندع بن ضمرة الليثي) وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ الآيات، بعث بها صلّى اللّه عليه وسلّم إلى مكة، فتليت على المسلمين الذين كانوا فيها إذ ذاك، فسمعها رجل من بني ليث، شيخ مريض كبير يقال له جندع بن ضمرة فقال: واللّه ما أنا ممن استثنى اللّه، فإني لأجد حيلة ولي من المال ما يبلغني إلى المدينة وأبعد منها، واللّه لا أبيتن بمكة، أخرجوني، فخرجوا به على سرير حتى أتوا به التنعيم، فأدركه الموت فصفق بيمينه على شماله ثم قال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك، أبايعك على ما بايعك رسولك، ثم مات، فبلغ خبره أصحاب رسول اللّه فقالوا: لو وافى المدينة لكان أتم وأوفى أجرا، وضحك منه المشركون وقالوا: ما أدرك ما طلب، فنزلت الآية.\rقوله: فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ أي تفضلا منه وكرما ويدخل في ذلك من قصد أي طاعة ثم عجز عن إتمامها، فيكتب له ثوابها كاملا. وقوله: عَلَى اللَّهِ أي عنده وفي علمه.\rقوله: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ذكر هذه عقب الهجرة للترغيب، فكأنه قال لا بأس في الهجرة ولا مشقة فيها لكون الصلاة تقصر فيها فهذا من جملة السعة التي يرونها في السفر. قوله: (سافرتم) أي سفرا طويلا وسيأتي أن أقله أربعة برد عند الشافعي، والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ستة آلاف ذراع، والذراع ستة وثلاثون أصبعا، والأصبع ست شعيرات، والشعيرة ست شعرات من شعر البرذون، وكذا عند مالك، وعند أبي حنيفة ثلاثة أيام من أقصر الأيام مع الاستراحات، فلا يصح القصر في أقل من أربعة برد عند مالك والشافعي، ولا في أقل من ثلاثة أيام عند أبي حنيفة إلا في مناسك الحج، فإنهم يقصرون في أقل من ذلك للسنة. قوله: (في) أَنْ تَقْصُرُوا أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالحرف، والجار والمجرور متعلق بجناح، أي ليس عليكم جناح في القصر.\rقوله: مِنَ الصَّلاةِ يصح أن تكون تبعيضية، وأل في الصلاة للجنس أي وهو الرباعيات، ويصح أن تكون زائدة على مذهب الأخفش وأل للجنس، والمراد جنس مخصوص وهو الرباعية، وقد بين بالسنة. قوله: (بأن تردوها من أربع إلى اثنتين) هذا أحد أقوال ثلاثة، لأنه اختلف هل فرضت الصلاة كاملة ثم نقصت في السفر وبقيت في الحضر على حالها أو فرضت ناقصة فبقيت في السفر وزيدت في الحضر، وقيل فرض كل مستقلا. قوله: (بيان للواقع) أي قوله: إِنْ خِفْتُمْ الخ، أي لأن غالب","part":1,"page":322},{"id":323,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 323\rالسنة أن المراد بالسفر الطويل وهو أربعة برد وهي مرحلتان ويؤخذ من قوله فليس عليكم جناح أنه رخصة لا واجب وعليه الشافعي إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (101) بين العداوة وَإِذا كُنْتَ يا محمد حاضرا فِيهِمْ وأنتم تخافون العدو فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ وهذا جري على عادة القرآن في الخطاب فلا مفهوم له فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وتتأخر طائفة وَلْيَأْخُذُوا أي الطائفة التي قامت معك أَسْلِحَتَهُمْ معهم فَإِذا سَجَدُوا أي صلوا فَلْيَكُونُوا أي الطائفة الأخرى مِنْ وَرائِكُمْ يحرسون إلى أن تقضوا الصلاة وتذهب هذه الطائفة تحرس وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ معهم إلى أن تقضوا الصلاة وقد فعل صلّى اللّه عليه وسلّم كذلك ببطن نخل رواه الشيخان وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ إذا قمتم إلى\r______________________________\rأسفار نبينا وأصحابه لم تخل من خوف العدو لكثرة المشركين حينئذ، وقوله: (فلا مفهوم له) أي لأنه يكون في سفر التجارة وغيرها من كل سفر مأذون فيه واجبا كان أو مندوبا أو مباحا. قوله: (و هي مرحلتان) أي سير يومين معتدلين، كل يوم اثنا عشر ساعة بسير الجمال المثقلة بالأحمال. قوله: (إنه رخصة) أي جائز ما لم يبلغ سفره ثلاث مراحل، وإلا كان أفضل للخروج من خلاف أبي حنيفة فإنه قال بوجوبه، وعند مالك سنة مؤكدة. قوله: عَدُوًّا مُبِيناً العدو يقع بلفظ واحد على المذكر والمؤنث والمجموع والمثنى.\rقوله: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ شروع في ذكر صلاة القسمة في الخوف. واعلم أن صلاة الخوف على أقسام، فتارة يكون العدو في غير تجاه القبلة، وفي هذا القسم تكون صلاة القسمة، وهي على كيفيتين:\rالأولى: أن يقسم الجيش طائفتين، فطائفة تقف تجاه العدو، وطائفة تصلي مع الإمام بتمامها، فبعد السّلام تنصرف للعدو، ويأتي الطائفة الثانية فيعبد الإمام بهم الصلاة ثانيا فصلاة الطائفة الأولى فرض خلف فرض، والثانية فرض خلف نفل، وهذه الكيفية انفرد بها الإمام الشافعي. الثانية: أن يصلي بكل طائفة ركعة في الثنائية وركعتين في الرباعية، وبالطائفة الأولى ركعتين في الثلاثية والثانية ركعة، وبها قال مالك والشافعي أيضا، لكن مالك يقول بها وإن كان العدو تجاه القبلة، وتارة يكون العدو تجاه القبلة، وهي على قسمين أيضا: إما أن يتقدم الإمام ويقف الجيش خلفه صفوفا، فعند ركوع الإمام تركع طائفة مع الإمام وتسجد معه، فبعد وقوفهم تركع الطائفة الأخرى وتسجد، وبهذه الكيفية أخذ الإمام الشافعي، وإما أن يتقدم الإمام ويصلون جميعا معه ويركعون ويسجدون، وبها أخذ مالك، وتارة يلتحم القتال فيصلون كيف شاؤوا، وحل للضرورة مشي وركض وإمساك ملطخ، وهذه الكيفية عند مالك والشافعي، وعند أبي حنيفة إن ضاق الوقت قدموا القتال وأخّروا الصلاة ثم يقضونها، وتفاصيل هذه الأقسام مبينة عند أرباب المذاهب. قوله: (و تتأخر طائفة) أي بإزاء العدو. قوله: (أي صلوا) أي شرعوا في الصلاة.\rقوله: طائِفَةٌ أُخْرى أي وهي الواقعة تجاه العدو. قوله: فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ أي صلاة ثانية، أو يتمموا معك الصلاة فالأولى. قوله: وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ إنما زاد هنا الأمر بالحذر لكونها مظنة تنبه الكفرة على تلك الطائفة، وأما في الطائفة الأولى فلم يتنبهوا لهم. قوله: (ببطن نخل) سببه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صلى مع أصحابه جميعا الظهر، فتنبه المشركون وقال بعضهم لبعض إنا نظفر بهم في أوقات الصلاة، وتحزب المشركون على ذلك، فنزل جبريل على رسول اللّه بالآية، وعلمه صلاة القسمة ففعلها في","part":1,"page":323},{"id":324,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 324\rالصلاة عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً بأن يحملوا عليكم فيأخذوكم وهذا علة الأمر بأخذ السلاح وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ فلا تحملوها وهذا يفيد إيجاب حملها عند عدم العذر وهو أحد قولين للشافعي والثاني أنه سنة ورجح وَخُذُوا حِذْرَكُمْ من العدو أي احترزوا منه ما استطعتم إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (102) ذا إهانة فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فرغتم منها فَاذْكُرُوا اللَّهَ بالتهليل والتسبيح قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ مضطجعين أي في كل حال فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ أمنتم فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أدوها بحقوقها إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مكتوبا أي مفروضا مَوْقُوتاً (103) أي مقدرا وقتها فلا تؤخر عنه. ونزل لما بعث صلّى اللّه عليه وسلّم طائفة في طلب أبي\r______________________________\rصلاة العصر، وقد مشى المفسر على أن هذه الآية في صلاة بطن نخل، وهو موضع من نجد إلى أرض غطفان، بينه وبين المدينة يومان، وقال غيره إنها في صلاة أرض عسفان، وقال آخرون إنها في ذات الرقاع.\rقوله: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ، سبب نزولها كما قال ابن عباس، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غزا بني محارب وبني أنمار، فنزلوا ولا يرون من العدو أحدا، فوضع الناس السلاح، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لحاجته حتى قطع الوادي، والسماء ترش بالمطر، فسال الوادي فحال السيل بين رسول اللّه وبين أصحابه فجلس تحت شجرة، فبصر به غورث بن الحرب المحاربي فقال: قتلني اللّه إن لم أقتله، ثم انحدر من الجبل ومعه السيف، ولم يشعر به رسول اللّه إلا وهو قائم على رأسه، وقد سل سيفه من غمده وقال: يا محمد من يمنعك مني الآن، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: اللّه، ثم قال: اللهم اكفني غورث بن الحرب بما شئت، فأهوى غورث بالسيف ليضرب رسول اللّه، فأكب بوجهه من زلخة زلخها فندر السيف من يده فقام رسول اللّه وأخذ السيف ثم قال: يا غورث من يمنعك مني الآن، فقال: لا أحد، فقال: أتشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا عبده ورسوله، فقال: لا ولكن أشهد أن لا أقاتلك ولا أعين عليك عدوا فأعطاه رسول اللّه سيفه، فقال غورث: أنت خير مني، فقال رسول اللّه: أنا أحق بذلك منك، فرجع غورث إلى أصحابه فقالوا له: ويلك يا غورث ما منعك منه، فقال: واللّه لقد أهويت إليه بالسيف لأضربه به، فو اللّه ما أدري من زلخني بين كتفي فخررت، وذكر لهم حاله مع رسول اللّه. قال وسكن الوادي، فقطع رسول اللّه الوادي إلى أصحابه وأخبرهم الخبر وقرأ هذه الآية، والزلخة الدفعة. قوله: لَوْ تَغْفُلُونَ أي غفلتكم.\rقوله: فَيَمِيلُونَ أي يشتدون. قوله: مِنْ مَطَرٍ أي لأنه يفسد بالماء. قوله: أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أي لا طاقة لكم على حمله.\rقوله: فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ أي صلاة الخوف أي تممتموها على الوجه المبين. قوله: فَاذْكُرُوا اللَّهَ الأمر للندب لأنه في الفضائل، وقوله: (بالتهليل والتسبيح) أي والتحميد والتكبير. قوله: (في كل حال) أي فالمراد من قوله: قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ الأحوال. قوله: فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أي التي دخل وقتها حينئذ، ومعنى إقامتها أداؤها بالشروط والأركان. قوله: (مقدرا وقتها) أي مفروضا وقتا بعد وقت. قوله: (لما بعث) المناسب أن يقول لما خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأمر من حضر بالخروج لطلب أبي","part":1,"page":324},{"id":325,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 325\rسفيان وأصحابه لما رجعوا من أحد فشكوا الجراحات وَلا تَهِنُوا تضعفوا فِي ابْتِغاءِ طلب الْقَوْمِ الكفار لتقاتلوهم إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ تجدون ألم الجراج فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ أي مثلكم ولا يجنبوا عن قتالكم وَتَرْجُونَ أنتم مِنَ اللَّهِ من النصر والثواب عليه ما لا يَرْجُونَ هم فأنتم تزيدون عليهم بذلك فينبغي أن تكونوا أرغب منهم فيه وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بكل شىء حَكِيماً (104) في صنعه وسرق طعمة بن أبيرق درعا وخبأها عند يهودي فوجدت عنده فرماه طعمة بها وحلف أنه ما سرقها فسأل قومه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه يجادل عنه ويبرئه فنزل إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ القرآن بِالْحَقِ متعلق بأنزل لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ أعلمك اللَّهُ فيه وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ كطعمة خَصِيماً (105) مخاصما عنهم وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ مما هممت به إِنَّ اللَّهَ كانَ\r______________________________\rسفيان وأصحابه، وقوله: (طائفة) أي وهي جميع من حضر أحدا من المؤمنين الخالصين وكانوا ستمائة وثلاثين. قوله: (لما رجعوا من أحد) أي فرغوا من وقعتها، والضمير عائد على الصحابة، فحينئذ همّ أبو سفيان وتشاور مع أصحابه في العود إلى المدينة ليستأصلوا المسلمين، فبلغ ذلك رسول اللّه، فنادى في اليوم الثاني من وقعة أحد، ليخرج من كان معنا بالأمس ولا يخرج معنا غيرهم، فخرجوا حتى بلغوا إلى حمراء الأسد، وتقدم ذلك في آل عمران.\rقوله: وَلا تَهِنُوا الجمهور على كسر الهاء، وقرىء شذوذا بفتحها من وهن بالكسر أو الفتح قوله: فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ أي قتالهم. قوله: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ تعليل للنهي وتشجيع لهم، والمعنى ليس الألم مختصا بكم بل هم كذلك. قوله: (و لا يجبنوا) المناسب يجبنون بالنون إلا أن يقال حذفت تخفيفا. قوله: (و الثواب عليه) أي على الجهاد، فإنكم تقاتلون في سبيل اللّه، وهم يقاتلون في سبيل الطاغوت، فأنتم أحق بالشجاعة والقدوم عليهم. قوله: (و سرق طعمة) بتثليث الطاء والكسر أفصح (أبيرق) بضم الهمزة وفتح الباء بعدها راء مكسورة تصغيرا برق، وطعمة من الأنصار من بني ظفر سرق الدرع من دار جاره قتادة، وكان في جراب فيه دقيق فصار الدقيق يتناثر منه، فاتهم طعمة بها، فحلف كاذبا أنه ما أخذها وما له بها علم، وكان ودعها عند يهودي يقال له زيد بن السمين، فقال أصحاب الدرع نتبع أثر الدقيق فتتبعوه حتى وصل إلى دار اليهودي، فأخبر أنه ودعه عنده طعمة وشهد به قومه، فقال قوم طعمة نذهب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نشهد أن اليهودي هو السارق، فذهبوا وشهدوا زورا ولم يظهروا زورا، ولم يظهر صلّى اللّه عليه وسلّم قادح فيهم، فهم بقطع اليهودي فنزلت الآية، فأراد أن يقطع طعمة فهرب إلى مكة وارتد، فنقب حائطا ليسرق متاع أهله فوقع عليه فمات مرتدا. قوله: (و خبأها) أي الدرع. قوله: (عند يهودي) أي واسمه زيد بن السمين. قوله: (متعلق بأنزل) أي على أنه حال منه.\rقوله: لِتَحْكُمَ متعلق بأنزلنا. قوله: بِما أَراكَ أي عرفانية تتعدى بالهمزة لمفعولين الكاف مفعول، والمفعول الثاني محذوف تقديره إياه إذا علمت ذلك، فالمناسب للمفسر أن يقول عرفك. قوله:\rلِلْخائِنِينَ اللام للتعليل، ومفعول خَصِيماً محذوف تقديره شخصا بريئا، فاللام على بابها لا بمعنى عن، فقول المفسر: (مخاصما عنهم) إيضاح للمعنى. قوله: (مما هممت به) أي من القضاء على اليهودي فإنه ذنب صورة على حد: (و عصى آدم ربه فغوى) فهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين. قوله:","part":1,"page":325},{"id":326,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 326\rغَفُوراً رَحِيماً (106) وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ يخونونها بالمعاصي لأن وبال خيانتهم عليهم إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً كثير الخيانة أَثِيماً (107) أي يعاقبه يَسْتَخْفُونَ أي طعمة وقومه حياء مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ بعلمه إِذْ يُبَيِّتُونَ يضمرون ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ من عزمهم على الحلف على نفي السرقة ورمي اليهودي بها وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108) علما ها أَنْتُمْ يا هؤُلاءِ خطاب لقوم طعمة جادَلْتُمْ خاصمتم عَنْهُمْ أي عن طعمة وذويه وقرىء عنه فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إذا عذبهم أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) يتولى أمرهم ويذب عنهم أي لا أحد يفعل ذلك وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً ذنبا يسوء به غيره كرمي طعمة اليهودي أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ بعمل ذنب قاصر عليه ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ منه أي يتب يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً له رَحِيماً (110) به وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً ذنبا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ لأن وباله عليها ولا يضر غيره وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (111) في صنعه وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً ذنبا صغيرا أَوْ إِثْماً ذنبا كبيرا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً منه فَقَدِ احْتَمَلَ تحمل بُهْتاناً برميه وَإِثْماً مُبِيناً (112) بينا بكسبه وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ يا محمد وَرَحْمَتُهُ بالعصمة لَهَمَّتْ أضمرت طائِفَةٌ مِنْهُمْ من قوم طعمة أَنْ يُضِلُّوكَ عن\r______________________________\rعَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أي كطعمة وقومه المعينين فإنهم شركاء في الإثم. قوله: مَنْ كانَ خَوَّاناً صيغة مبالغة بمعنى كثير الخيانة، لأنه وقعت منهم خيانات كثيرة، أولا السرقة، ثم اتهام اليهودي، ثم الحلف كاذبا، ثم الشهادة زورا. إن قلت: إن مقتضى الآية إن اللّه يحب من كان عنده أصل الخيانة مع أنه ليس كذلك. أجيب: بأن ذلك بالنظر لمن نزلت فيهم وهو طعمة وقومه، فالواقع أن عندهم خيانات كثيرة.\rقوله: (أي يعاقبه) تفسير لعدم محبة اللّه له.\rقوله: يَسْتَخْفُونَ أي يطلبون الخفاء والستر، وهذه الجملة مستأنفة بيان لطلبهم الستر من الناس. قوله: وَهُوَ مَعَهُمْ الجملة حالية. قوله: (يضمرون) هذا هو المراد من التبييت هنا، وإلا فهو في الأصل تدبير الأمر ليلا. قوله: (علما) تمييز محول عن الفاعل.\rقوله: ها أَنْتُمْ ها للتنبيه أي تنبهوا يا مخاطبون في المجادلة عن السارق. قوله: (و قرئ) أي شذوذا. قوله: (أي لا أحد) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي.\rقوله: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً حث وتحريض لطعمة على التوبة، ومع ذلك لم يتب. قوله: (اليهودي) مفعول لرمي وطعمة فاعلة. قوله: (قاصر عليه) كاليمين الكاذبة. قوله: (أي يتب) المراد التوبة الصادقة بشروطها، فليس المراد مجرد الاستغفار باللسان مع الإصرار، فإنه توبة الكذابين. قوله: (ذنبا) أي متعلقا به أو بغيره.\rقوله: (و لا يضر غيره). إن قلت: إن معصية طعمة أصابت قومه فضرتهم. أجيب: بأن ضررهم إنما جاء من كسبهم، لمعاونتهم له، وشهادتهم الزور معه، وعزمهم على الحلف كذبا.\rقوله: ثُمَّ يَرْمِ بِهِ أي بالخطيئة والإثم، وإنما أفرد الضمير لأن العطف بأو. قوله: بَرِيئاً صفة لموصوف محذوف، أي شخصا بريئا.\rقوله: وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ الخ جوابها قوله: لَهَمَّتْ. واستشكل بأن الوهم قد وقع منهم،","part":1,"page":326},{"id":327,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 327\rالقضاء بالحق بتلبيسهم عليك وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ زائدة شَيْءٍ لأن وبال إضلالهم عليهم وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ القرآن وَالْحِكْمَةَ ما فيه من الأحكام وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ من الأحكام والغيب وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ بذلك وغيره عَظِيماً (113) لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ أي الناس أي ما يتناجون فيه ويتحدثون إِلَّا نجوى مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ عمل بر أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ المذكور ابْتِغاءَ طلب مَرْضاتِ اللَّهِ لا غيره من أمور الدنيا فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ بالنون والياء أي اللّه\r______________________________\rوالمأخوذ من لو لا أنه لم يقع لوجود فضل اللّه ورحمته، وأجيب بأن المراد هم يحصل معه الإضلال، فالمعنى انتفى إضلالك الذي هموا به لوجود فضل اللّه ورحمته. قوله: (بالعصمة) أي الحفظ من المعاصي والمخالفات صغيرها وكبيرها. قوله: (زائدة) أي في مفعول يَضُرُّونَكَ المطلق. قوله: (و الغيب) أي علم الغيب وهو ما غاب عنا. قوله: (بذلك) أي بإنزال الكتاب والحكمة، وتعليمه ما لم يكن يعلم، وقوله: (و غيره) أي كالفضائل التي اختص بها مما لا يعلم كنهه إلا اللّه تعالى.\rقوله: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ لا نافية للجنس وخير اسمها، وفي كثير متعلق بمحذوف خبرها، وقوله:\rمِنْ نَجْواهُمْ بمحذوف حال من متعلق الخبر. قوله: (أي الناس) أشار بذلك إلى أن الآية عامة وليست مخصوصة بقوم طعمة المتقدم. قوله: (أي ما يتناجون فيه ويتحدثون) أشار بذلك إلى أن معنى النجوى المحادثة من بعض القوم لبعض اثنان ففوق، قال تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ الآية، والنجوى ضد السر، وهو محادثة الإنسان نفسه، وعطف قوله: (يتحدثون) على (يتناجون) للتفسير.\rقوله: إِلَّا مَنْ أَمَرَ يحتمل أنه استثناء منقطع إن أبقينا الكلام على ظاهره، لأن المستثنى الشخص، والمستثنى منه الكلام، ولا شك أنه غيره، ويحتمل أنه متصل وهو على حذف مضاف، وإليه يشير المفسر بقوله: إِلَّا (نجوى) الخ. قوله: بِصَدَقَةٍ أي واجبة أو مندوبة. قوله: أَوْ مَعْرُوفٍ المراد به كل طاعة للّه، فيدخل فيه جميع أعمال البر، فهو من عطف العام على الخاص، وقوله: أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ معطوف على قوله: أَوْ مَعْرُوفٍ من عطف الخاص على العام اعتناءا بشأنه واهتماما به، وإنما خصت الثلاثة لأن الأمر المرضي للّه، إما إيصال نفع وهو إما جسماني أو روحاني، فالأول كالصدقات، والثاني كالأمر بالمعروف، أو دفع ضرر كالإصلاح بين الناس، لأن المفاسد مترتبة على التشاحن، وبالإصلاح يحصل الخير والبركة ودفع الشرور، ولذا حثّ عليه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله: «امش ميلا عد مريضا، امش ميلين أصلح بين اثنين» وبالجملة فكثرة الكلام لا خير فيها، قال بعضهم: من كثر لغطه كثر سقطه، وفي الحديث: «و هل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم». قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اسم الإشارة عائد على الثلاثة، وإنما أفرد لأن العطف بأو إن قلت مقتضى السياق ومن يأمر بذلك، أجيب بأن هذا راجع للمأمور به، فاسم الإشارة عائد على المأمور به تقديره ومن يفعل المأمور به من صدقة أو معروف أو إصلاح، فاستفيد من الآية أولا وآخرا ثواب الأمر والفاعل، وفي الحديث:\r«الدال على الخير كفاعله». وأجيب أيضا بأنه عبر عن الأمر بالفعل لأنه فعل لساني والأقرب الأول. قوله:\r(لا غيره من أمور الدنيا) أي لأن ثواب الأعمال الصالحة منوط بالإخلاص كان من الآمر والفاعل، فلو","part":1,"page":327},{"id":328,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 328\rأَجْراً عَظِيماً (114) وَمَنْ يُشاقِقِ يخالف الرَّسُولَ فيما جاء به مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى ظهر له الحق بالمعجزات وَيَتَّبِعْ طريقا غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ أي طريقهم الذي هم عليه من الدين بأن يكفر نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى نجعله واليا لما تولاه من الضلال بأن نخلي بينه وبينه في الدنيا وَنُصْلِهِ ندخله في الآخرة جَهَنَّمَ فيحترق فيها وَساءَتْ مَصِيراً (115) مرجعا هي إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً (116) عن الحق إِنْ ما يَدْعُونَ يعبد المشركون مِنْ دُونِهِ أي اللّه أي غيره إِلَّا إِناثاً أصناما مؤنثة كاللات والعزى ومناة وَإِنْ ما يَدْعُونَ يعبدون بعبادتها إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً (117)\r______________________________\rكان الفعل أو الأمر رياء وسمعة أو لغرض دنيوي لم يستحق به عند اللّه أجرا. قوله: (بالنون والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان، وفي قراءة النون التفات من الغيبة للتكلم، لأن الاسم الظاهر من قبيل الغيبة.\rقوله: أَجْراً عَظِيماً أي وهو الجنة وما فيها، قال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وفي التعبير بسوف إشارة إلى أن جزاء الأعمال الصالحة في الآخرة لا الدنيا، لأنها ليست دار جزاء، بل عطاء الدنيا لكل من وجد فيها أطاع أو عصى كلف أو لا.\rقوله: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ الخ، لما ذكر سبحانه وتعالى المطيعين وما أعد لهم في الآخرة، ذكر وعيد الكفار وعاقبه أمرهم على عادته سبحانه في كتابه. قوله: (فيما جاء من الحق) أي من الأمور التكليفية والأحكام الشرعية. قوله: وَيَتَّبِعْ عطف لازم على ملزوم. قوله: (أي طريقهم) أي اعتقادا وعملا.\rقوله: نُوَلِّهِ هو وَنُصْلِهِ إما بسكون الهاء أو كسرها بدون إشباع، وهو المسمى بالاختلاس أو بالإشباع، فالقراءات ثلاث وكلها سبعية. قوله: (بأن نخلي بينه) أي المشاقق، وقوله: (و بينه) أي الضلال، والمعنى أن من خالف ما أمر اللّه به، فإن اللّه يستدرجه بالنعم ويمهله ولا يعجل عقوبته، قال تعالى: قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا الآية.\rقوله: وَساءَتْ مَصِيراً ساء كبش للذم فاعلها مستتر وجوبا يعود على جهنم ومصيرا تمييز، والمخصوص بالذم محذوف قدره المفسر بقوله هي.\rقوله: أَنْ يُشْرَكَ بِهِ أي إذا مات على ذلك لقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ. قوله: لِمَنْ يَشاءُ أي إن مات من غير توبة. قوله: فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً أي فالشرك أعظم أنواع الضلال، إن قلت قد قال فيما سبق فقد افترى إثما عظيما، وهنا فقد ضل ضلالا بعيدا، فما الحكمة في ذلك؟ قلت: إن ما تقدم في شأن أهل الكتاب وهم عندهم علم بأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الحق، وإنما كفرهم عناد، فسماه اللّه افتراء أي كذبا، وما هنا في شأن مشركي العرب وهم ليس لهم علم بذلك إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل، فلذا سماه اللّه ضلالا بعيدا.\rوقوله: إِنْ يَدْعُونَ هذا كالدليل، والتعليل لقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ قوله: (ما) يَدْعُونَ أشار بذلك إلى أن إن نافية بمعنى ما. قوله: (يعبد المشركون) أطلق الدعاء على العبادة لأنه منها، وكثيرا ما يطلق الدعاء عليها. قوله: (أصناما مؤنثة) أي لتأنيث أسمائها، ورد أنه ما من مشرك إلا وكان له صنم قد سماه باسم أنثى من العرب، وحلاه بأنواع الحلى، وكانوا يقولون هم بنات اللّه. قوله:","part":1,"page":328},{"id":329,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 329\rخارجا عن الطاعة لطاعتهم له فيها وهو إبليس لَعَنَهُ اللَّهُ أبعده عن رحمته وَقالَ أي الشيطان لَأَتَّخِذَنَ لأجعلن لي مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً حظا مَفْرُوضاً (118) مقطوعا أدعوهم إلى طاعتي وَلَأُضِلَّنَّهُمْ عن الحق بالوسوسة وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ألقى في قلوبهم طول الحياة وأن لا بعث ولا حساب وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَ يقطعن آذانَ الْأَنْعامِ وقد فعل ذلك بالبحائر وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ دينه بالكفر وإحلال ما حرم اللّه وتحريم ما أحل وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا يتولاه ويطيعه مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (119) بينا لمصيره إلى النار المؤبدة عليه يَعِدُهُمْ طول العمر وَيُمَنِّيهِمْ نيل الآمال في الدنيا وأن لا بعث ولا جزاء وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ بذلك إِلَّا غُرُوراً (120) باطلا أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (121) معدلا وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أي وعدهم اللّه ذلك وعدا وحقه حقا وَمَنْ أي لا أحد\r______________________________\r(كاللات والعزى ومناة) اللات مأخوذ من إله والعزى من العزيز، ومناة من المنان، فاقتطعوها وسموا بها أصنامهم. قوله: (بعبادتها) الباء سببية أي فالمسؤول لهم على عبادتها الشيطان، فعبادتها لازمة لعبادة الشيطان لأنه يحضر عندهم، فهم في الصورة يعبدون الأصنام، وفي الحقيقة العبادة للشيطان. قوله:\rمَرِيداً أي متمردا بمعنى بلغ الغاية في العتو والفجور لخروجه عن طاعة ربه، حتى أمر الناس بعبادة غير اللّه.\rقوله: لَعَنَهُ اللَّهُ صفة ثانية لشيطانا. قوله: (عن رحمته) أي جنته وما فيها.\rقوله: وَقالَ الخ، الجملة إما صفة لشيطانا أو حال منه، أي ما يدعون إلا شيطانا بكونه مريدا، وبكونه مطرودا عن رحمته، بكونه قائلا أو حال كونه قائلا، وهذا القول قد وقع منه عند قول اللّه تعالى:\rفَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ. قوله: نَصِيباً مَفْرُوضاً ورد أنهم تسعمائة وتسعة وتسعون من كل ألف، لما في الحديث: «ما أنتم فيمن سواكم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود» وورد أن يوم القيامة يقول اللّه لآدم: أخرج من ذريتك بعث النار، فيقول: يا رب وما بعث النار، فيقول اللّه تعالى: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فعند ذلك تشيب الأطفال من شدة الهول.\rقوله: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ (عن الحق) أي أميلن قلوبهم عن طريق الهدى والرشاد. قوله: (و قد فعل ذلك بالبحائر) جمع بحيرة وهي أن تلد الناقة أربعة بطون وتأتي في الخامس بذكر، فكانوا لا يحملون عليها، ولا يأخذون نتاجها، ويجعلون لبنها للطواغيت، ويشقون آذانها علامة على ذلك. قوله:\rفَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ أي ما خلقه، ومن ذلك تغيير صفات نبينا الواقع من اليهود والنصارى، وتغيير كتبهم، ومن ذلك تغيير الجسم بالوشم، وتغيير للشعر بالوصل، لما في الحديث: «لعن اللّه الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة». قوله: خُسْراناً مُبِيناً أي لأنه ضيع رأس ماله وهي طاعة اللّه وعبادته.\rقوله: إِلَّا غُرُوراً أي مزين الظاهر فاسد الباطن.\rقوله: أُولئِكَ أي أولياء الشيطان.\rقوله: (معدلا) أي منفذا ومهربا.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا بيان لوعد المؤمنين إثر بيان وعيد الكفار. قوله: (أي وعدهم اللّه ذلك وعدا) أشار بذلك إلى أن وعدا وحقا منصوبان بفعلين محذوفين من لفظهما، ويصح أن يكون حقا صفة","part":1,"page":329},{"id":330,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 330\rأَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122) أي قولا. ونزل لما افتخر المسلمون وأهل الكتاب لَيْسَ الأمر منوطا بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ بل بالعمل الصالح مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ إما في الآخرة أو في الدنيا بالبلاء والمحن كما ورد في الحديث وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وَلِيًّا يحفظه وَلا نَصِيراً (123) يمنعه منه وَمَنْ يَعْمَلْ شيئا مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ بالبناء للمفعول والفاعل الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124) قدر نقرة النواة\r______________________________\rلوعدا. قوله: (أي لا أحد) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، وهو كالدليل لما قبله:\rقوله: (لما افتخر المسلمون وأهل الكتاب) أي حيث قال المسلمون: نبينا خاتم الأنبياء، وكتابنا يقضي على سائر الكتب، ونحن آمنّا بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا، فنحن أولى باللّه منكم، وقال أهل الكتاب: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم فنحن أولى منكم، وقيل سبب نزول الآية افتخار أهل الكتاب ومشركي العرب،\rوعليه فلا يحتاج لتأويل في قوله: يُجْزَ بِهِ بل يحمل الجزاء لكل من الفريقين على الخلود في النار.\rقوله: لَيْسَ (الأمر منوطا) أشار بذلك إلى أن اسم ليس ضمير عائد على الأمر، وقوله:\rبِأَمانِيِّكُمْ متعلق بمحذوف خبرها أي منوطا بمعنى متعلقا ومرتبطا. قوله: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أي من مؤمن أو كافر. قوله: (إما في الآخرة) أي وهو محتم في حق من مات كافرا، وأما من مات عاصيا ولم يتب فتحت المشيئة. قوله: (كما ورد في الحديث) أي وهو أن أبا بكر لما نزلت قال: يا رسول اللّه وأينا لم يعمل السوء، وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «أما أنت وأصحابك المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا اللّه وليس عليكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة»، وفي رواية قال أبو بكر: فمن ينجو من هذا؟ فقال عليه الصلاة والسّلام: أما تمرض أو يصيبك البلاء؟ قال: بلى، قال: هو ذلك.\rقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ هذا مقابل قوله: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ قوله: (شيئا) أشار بذلك إلى أن من للتبعيض، لأنه لا يمكن استيفاء جميع الأعمال الصالحة. قوله: مِنَ الصَّالِحاتِ الجار والمجرور متعلق بشيئا الذي قدره المفسر. قوله: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى حال من الضمير في يَعْمَلْ وكذا قوله:\rوَهُوَ مُؤْمِنٌ وأما الكافر فأعماله الصالحة ضائعة، قال تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً قوله: فَأُولئِكَ هذه الجملة جواب الشرط. قوله: (بالبناء للمفعول) أي والجنة مفعول ثان، والواو نائب الفاعل مفعول أول، لأنه من أدخل الرباعي فهو ينصب مفعولين، وقوله: (و الفاعل) أي من دخل فهو ينصب مفعولا واحدا فمفعوله الجنة والواو فاعله، وهما قراءتان سبعيتان. قوله: وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً أي لا ينقصون شيئا أبدا لا قليلا ولا كثيرا، ويؤخذ من الآية أن جزاء الأعمال الصالحة في الآخرة، وأما النعم التي يعطاها المؤمن في الدنيا من عافية ورزق وغير ذلك، فليست جزاء لأعماله الصالحة، بل تكفل اللّه بها لكل حي في الدنيا مسلما أو كافرا، بل بعض العبيد من أهل المحبة في اللّه لا ينتظر بعمله الجنة، بل يقول إنما عبدناك لذاتك لا لشيء آخر، قال العارف بن الفارض حين كشف له عن الجنة وما أعد له فيها في مرض موته:","part":1,"page":330},{"id":331,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 331\rوَمَنْ أي لا أحد أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ أي انقاد وأخلص عمله لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ موحد وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ الموافقة لملة الإسلام حَنِيفاً حال أي مائلا عن الأديان كلها إلى الدين القيم وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا (125) صفيا خالص المحبة له وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (126) علما وقدرة أي لم يزل متصفا بذلك وَيَسْتَفْتُونَكَ يطلبون منك الفتوى فِي شأن النِّساءِ وميراثهن قُلِ لهم اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ القرآن من آية الميراث ويفتيكم أيضا فِي يَتامَى\r______________________________\rإن كان منزلتي في الحبّ عندكم ... ما قد رأيت فقد ضيّعت أيّامي\r\rقوله: (أي لا أحد) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي.\rقوله: مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ أي نفسه وذاته، وعبر عنها بالوجه لأنه أشرف أعضاء الإنسان. قوله: (و هو محسن) الجملة حال من ضمير أسلم. قوله: وَاتَّبَعَ إما عطف لازم على ملزوم، وعلة على معلول، أو حال ثانية، والقصد بذلك إقامة الحجة على المشركين جميعا في عدم اتباعهم لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، لأن إبراهيم متفق على مدحه حتى من اليهود والنصارى، فالمعنى ما تقولون فيمن اتبع ملة إبراهيم، فيقولون لا أحد أحسن منه، فيقال لهم إن محمدا على ملة إبراهيم فلم لم تتبعوه وتتركوا ما أنتم عليه من عبادة غير اللّه. قوله: (حال) أي إما من ضمير اتبع أو من إبراهيم، ولصحة هذين المعنيين أجمل المفسر في الحال. قوله: (خالص المحبة له) أي لم يجعل في قلبه غير محبة ربه، لتخللها في حشاشته وانطباعها في مهجته، وقوله: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا كالدليل لما قبله، أي من اتخذه اللّه خليلا فهو جدير بأن تتبع ملته.\rقوله: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ هذا دليل ما تقدم، أي حيث كانت السموات وما فيها، والأرض وما فيها للّه وحده ولا مشارك له في شيء من ذلك، فما معنى إشراك من لا يملك لنفسه شيئا، مع من له جميع المخلوقات، وهو آخذ بناصيتها، وقيل أتى بهذه الآية دفعا لما يتوهم أن اتخاذ ابراهيم خليلا عن احتياج كما هو شأن الآدميين، بل ذلك من فضله وكرمه. قوله: (علما وقدرة) أشار بذلك لقولين في تفسير قوله: مُحِيطاً قيل علما وقيل قدرة وكل صحيح. قوله: (أي لم يزل) أشار بذلك إلى أن كان للاستمرار لا للانقطاع. قوله: (يطلبون منك الفتوى) أي بيان ما حكم اللّه به في شأنهن، والفتوى بالواو فتفتح الفاء والياء فتضم وجمعها فتاوي بكسر الواو، ويجوز الفتح للخفة.\rقوله: فِي (شأن) النِّساءِ أي ما يتعلق بهن من دفع المهر لهن وعدم إيذائهن. قوله: (و ميراثهن) عطف خاص ردا على من كان يمنعه من الجاهلية. قوله: يُفْتِيكُمْ أي يبين لكم تلك الأحكام. قوله: وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ يحتمل أن ما معطوف على لفظ الجلالة، أو على الضمير المستتر في يفتيكم، والفاصل موجود وهو الكاف، لقول ابن مالك:\rوإن على ضمير رفع متّصل ... عطفت فافصل بالضّمير المنفصل\r\rأو فاصل ما، وعلى كل فيكون المفتي اثنين: اللّه سبحانه وتعالى وكتابه والتغاير بالاعتبار، فالمعنى يفتيكم بنفسه على لسان نبيه، وبكتابه على لسان نبيه، فتأمل، وفيه مزيد اعتناء بتلك الفتوى. قوله: (من آية الميراث) أي وهي قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ الآيات، وكذلك الوصية التي تقدمت في","part":1,"page":331},{"id":332,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 332\rالنِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ فرض لَهُنَ من الميراث وَتَرْغَبُونَ أيها الأولياء عن أَنْ تَنْكِحُوهُنَ لدمامتهن وتعضلوهن أن يتزوجن طمعا في ميراثهن أي يفتيكم أن لا تفعلوا ذلك وَفي الْمُسْتَضْعَفِينَ الصغار مِنَ الْوِلْدانِ أن تعطوهم حقوقهم وَيأمركم أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ بالعدل في الميراث والمهر وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (127) فيجازيكم به وَإِنِ امْرَأَةٌ مرفوع بفعل يفسره خافَتْ توقعت مِنْ بَعْلِها زوجها\r______________________________\rأوائل السورة كقوله: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً فالمناسب للمفسر أن لا يقتصر على آية الميراث. قوله: (و يفتيكم أيضا) أشار بذلك إلى أن قوله:\rفِي يَتامَى النِّساءِ متعلق بمحذوف معطوف على الضمير في قوله: فِيهِنَ العاطف محذوف، التقدير اللّه وكتابه يفتيكم في شأن النساء عموما، واللّه وكتابه يفتيكم في يتامى النساء، فهو من عطف الخاص على العام والنكتة الاعتناء بشأنهن.\rقوله: فِي يَتامَى النِّساءِ الإضافة على معنى من أي اليتامى من النساء، أو من إضافة الصفة للموصوف أي النساء اليتامى. قوله: (من الميراث) أي وباقي الحقوق كالمهور. قوله: (عن) أَنْ تَنْكِحُوهُنَ معلوم أن حذف الجار مع أن وإن مطرد، وإنما قدر عن إشارة إلى أن الرغبة بمعنى الزهد فتعدى بعن، وبعضهم قدر في إشارة إلى أن الرغبة بمعنى الحب، والمعنى تحبون وترغبون في نكاحهن لمالهن، ولو لا ذلك ما تزوجتموهن، وهو مذموم أيضا، بل الواجب تقوى اللّه فيهن، فإن أكل مال اليتيم فيه الوعيد الشديد، فضلا عن كون اليتيم امرأة لا ناصر لها، روى مسلم عن عائشة قالت: هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينقص صداقها. فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن، قالت عائشة رضي اللّه عنها: فاستفتى الناس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأنزل اللّه عز وجل: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ إلى قوله: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ فبين لهم أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها، ولم يلحقوا بسنتها في إكمال الصداق، وإذا كانت مرغوبا عنها في قلة المال والجمال والتمسوا غيرها قال: فكما يتركونها حين يرغبون عنها، فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها، إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى من الصداق، وقد تقدم بسط ذلك أول السورة. قوله: (لدمامتهن) أي فقرهن. قوله: (و تعضلوهن) أي تمنعوهن، وهذا التخويف للأولياء كما هو مقتضى المفسر، وفي الحقيقة هو عام للأولياء، ومن يتزوج بها فتخويف الولي من حيث عضلهن عن الزواج لأخذ مالهن، وتخويف الزوج من حيث تزوجها لأخذ مالها، أو بغير مهر مثلها وعدم إعطائها إياه، وبالجملة فلا يجوز لولي ولا زوج أكل مال اليتيم ميراثا أو مهرا.\rقوله: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ معطوف على يتامى عطف عام على خاص. قوله: مِنَ الْوِلْدانِ أي ذكورا أو إناثا، وكانوا في الجاهلية لا يورثون الصبيان مطلقا ولا النساء، وإنما كانوا يقولون: لا نورث إلا من يحمي الحوزة ويذب عن الحرم، فيحرمون المرأة والصبي. قوله: وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى معطوف على قوله: فِي يَتامَى من عطف العام أيضا، ويصح نصبه بإضمار فعل، وهو الذي مشى عليه المفسر بقوله: وَ(يأمركم) وهو خطاب للأولياء والحكام، والمراد باليتامى مطلقا ذكورا أو إناثا. قوله: مِنْ خَيْرٍ بيان لما. قوله: (مرفوع بفعل يفسره) خافَتْ أي فهو من باب الاشتغال، ولا يصح جعله","part":1,"page":332},{"id":333,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 333\rنُشُوزاً ترفعا عليها بترك مضاجعتها والتقصير في نفقتها لبغضها وطموح عينه إلى أجمل منها أَوْ إِعْراضاً عنها بوجهه فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد وفي قراءة يصلحا من أصلح بَيْنَهُما صُلْحاً في القسم والنفقة بأن نترك له شيئا طلبا لبقاء الصحبة فإن رضيت بذلك وإلا فعلى الزوج أن يوفيها حقها أو يفارقها وَالصُّلْحُ خَيْرٌ من الفرقة والنشوز والإعراض قال تعالى في بيان ما جبل عليه الإنسان وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَ شدة البخل أي جبلت عليه فكأنها حاضرته لا تغيب عنه والمعنى أن المرأة لا تكاد تسمح بنصيبها من زوجها\r______________________________\rمبتدأ، لأن أداة الشرط لا يليها إلا الفعل ولو تقديرا، ونظيره وإن أحد من المشركين استجارك.\rقوله: خافَتْ الخوف توقع الأمر المكروه، فقوله: (توقعت) أي انتظرته. قوله: (زوجها) أي ويقال له سيد أيضا، قال تعالى: وَأَلْفَيا سَيِّدَها والسيد والبعل مختصان بالرجل، والزوج كما يطلق على الرجل يطلق على المرأة. قوله: (يترك مضاجعتها) الباء سببية، والمراد بالترك التقليل من ذلك. قوله:\r(و التقصير في نفقتها) أي التقليل منها، مع كونه لم يكن ترك الحقوق الواجبة، وإلا فصلحه بالمال على ترك الحقوق الواجبة يحرم عليه ولا يحل له أخذه، مع أن الموضوع أنه لا جناح عليه ولا عليها فيه فتأمل.\rقوله: (و طموح عينه) أي تلفته ونظره إلى غيرها قوله: (إلى أجمل منها) أي ولو بحسب ما عنده. قوله:\rأَوْ إِعْراضاً معطوف على نُشُوزاً والمراد بالإعراض عنها بوجهه عدم البشاشة معها ولقاؤها بوجه عبوس، قال الشاعر:\rوللغدر عين لن تزال عبوسة ... وعين الرّضا مصحوبة بالتبسّم\r\rقوله: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أي لا إثم في ذلك على المرأة إذا صالحته على ترك القسم أو النفقة أو الكسوة، ولا على الرجل في قبول ذلك منها، ونفي الجناح على الرجل ظاهر لأنه يأخذ منها شيئا، فهو مظنة الجناح، وأما نفي الجناح عن المرأة فمن حيث دفع ذلك، لأنه ربما يقال إنه كان كالربا، فإنه حرام على الدافع والآخذ. قوله: (فيه إدغام التاء) أي بعد قلبها صادا وتسكينها. قوله: (و في قراءة يصلحا) أي وهي سبعية، وقوله: صُلْحاً مفعول مطلق على كلا القراءتين، ويصح على القراءة الثانية جعله مفعولا به إن ضمن يصلحا معنى يوفقا، وقوله: بَيْنَهُما حال من قوله: صُلْحاً لأنه نعت نكرة قدم عليها، وأقحمه إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون ذلك الصلح سرا لا يطلع عليه إلا أهلهما. قوله: (بأن نترك له شيئا) أي بما لها عليه من الحقوق، كالنفقة والكسوة والمبيت، قوله: (فإن رضيت بذلك) جواب الشرط محذوف تقديره لزمها ذلك، قوله: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ هذه الجملة كالتي بعدها معترضة بين جملة الشرط الأولى والثانية، وقوله: خَيْرٌ اسم تفضيل والمفضل عليه محذوف، قدره المفسر بقوله: (من الفرقة) لا يقال الفرقة لا خير فيها إلا أن يقال قد يكون في الفرقة خير أيضا لكنه متوهم، وأما خيرية الصلح فمحققة، وقيل إنه ليس على بابه، بل على الصلح خير من الخيور، كما أن النشوز شر من الشرور. قوله:\rوَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَ الأنفس نائب فاعل، أحضرت مفعول أول، والشح مفعول ثان، والمعنى أحضر اللّه الأنفس الشح أي كل ما عليه، فمتى تعلقت الأنفس بشيء فلا ترجع عنه إلا بمشقة. قوله:","part":1,"page":333},{"id":334,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 334\rوالرجل لا يكاد يسمح عليها بنفسه إذا أحب غيرها وَإِنْ تُحْسِنُوا عشرة النساء وَتَتَّقُوا الجور عليهن فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (128) فيجازيكم به وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا تسووا بَيْنَ النِّساءِ في المحبة وَلَوْ حَرَصْتُمْ على ذلك فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ إلى التي تحبونها في القسم والنفقة فَتَذَرُوها أي تتركوا الممال عليها كَالْمُعَلَّقَةِ التي لا هي أيم ولا ذات بعل وَإِنْ تُصْلِحُوا بالعدل في القسم وَتَتَّقُوا الجور فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً لما في قلبكم من الميل رَحِيماً (129) بكم في ذلك وَإِنْ يَتَفَرَّقا أي الزوجان بالطلاق يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا عن صاحبه مِنْ سَعَتِهِ أي فضله بأن يرزقها زوجا غيره ويرزقه غيرها وَكانَ اللَّهُ واسِعاً لخلقه في الفضل حَكِيماً (130) فيما دبره لهم وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بمعنى الكتب مِنْ قَبْلِكُمْ أي اليهود والنصارى وَإِيَّاكُمْ يا أهل القرآن أَنِ أي بأن اتَّقُوا اللَّهَ خافوا عقابه بأن تطيعوه وَقلنا لهم ولكم إِنْ تَكْفُرُوا بما وصيتم به فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا وعبدا فلا يضره كفركم وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا عن خلقه وعبادتهم حَمِيداً (131) محمودا في صنعه بهم وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ كرره تأكيدا لتقرير موجب التقوى وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) شهيدا بأن ما فيهما له إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ يا أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ بدلكم وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (133) مَنْ كانَ يُرِيدُ\r______________________________\r(و المعنى) أي المراد من المعنى في ذلك ترغيب في الصلح، وترك هوى النفس. قوله: (عشرة النساء) قدره إشارة إلى أن مفعول تُحْسِنُوا محذوف. قوله: بِما تَعْمَلُونَ أي بعلمكم مع النساء خيرا أو شرا.\rقوله: (في المحبة) أي والمحادثة والمضاجعة.\rقوله: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ أي فلا تعرضوا كل الإعراض، بل يلزمكم العدل في المبيت وتركه حرام لما في الحديث: «من لم يعدل بين نسائه جاء يوم القيامة وشقه ساقط» وأما الميل القلبي إلى إحداهما فلا حرج فيه، ولذا قال عليه الصلاة والسّلام: «اللّهم إن هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك». قوله: (الممال عنها) على بمعنى عن، أي الممال عنها بمعنى المبغوضة. قوله: كَالْمُعَلَّقَةِ الكاف بمعنى مثل مفعول ثان لتذروا، والهاء مفعول أول، لأنها إذا كانت بمعنى ترك تنصب مفعولين. قوله: (التي لا هي أيم) الأيم هي التي لا زوج لها، كأن سبق لها زواج أو لم تتزوج أصلا.\rقوله: وَإِنْ يَتَفَرَّقا مقابل قوله: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا. بقوله: (بأن يرزقها زوجا غيره) أي وإن كان لأحدهما عشق في الآخر، يغنيه اللّه بأن يبرد قلبه من ذلك. قوله: (في الفضل) متعلق بواسعا.\rقوله: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ الخ، هذا كالعلة والدليل لقوله: وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً. قوله: (فلا يضره كفركم) أي فليس أمرهم بالطاعة عن احتياج تنزه اللّه عن أن يصل له نفع من طاعتهم أو ضر من كفرهم، وهذا هو جواب الشرط،\rوقوله: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ دليل الجواب قوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أي يستأصلكم بالمرة،\rوقوله: وَيَأْتِ بِآخَرِينَ أي يقوم آخرين دفعة مكانكم.","part":1,"page":334},{"id":335,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 335\rبعمله ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لمن أراده لا عند غيره فلم يطلب أحدهما الأخس وهلا طلب الأعلى بإخلاصه له حيث كان مطلبه لا يوجد إلا عنده وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (134) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ قائمين بِالْقِسْطِ بالعدل شُهَداءَ بالحق لِلَّهِ وَلَوْ كانت الشهادة عَلى أَنْفُسِكُمْ فاشهدوا عليها بأن تقروا بالحق ولا تكتموه أَوِ على الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ المشهود عليه غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما منكم وأعلم بمصالحهما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى في شهادتكم بأن تحابوا الغني لرضاه أو الفقير رحمة له إِنْ لا\r______________________________\rقوله: مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا جواب الشرط محذوف تقديره فقد ساء عمله وخاب نظره، وقوله: فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ مرتب على محذوف التقدير، فلا يقصر نظره وطلبه على إحداهما فعند اللّه الخ، قوله: (لمن أراده) متعلق بقوله: فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وهذا معنى قوله تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ الآية. قوله: (و هلا طلب الأعلى بإخلاصه) أي فالواجب على المكلف أن لا يطلب بعمله الصالح إلا الآخرة، لأن الدنيا مضمونة لكل حيوان.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قيل سبب نزولها أن غنيا وفقيرا اختصما إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يرى أن الفقير لا يظلم الغني، فنزلت الآية، فالخطاب للنبي وأمته. قوله: (قائمين) هذا بيان لأصل المادة، وإلا فالمراد مد يمين القيام، لأن صيغة المبالغة لا تتحقق إلا بالدوام على القيام بالقسط، يقال قسط يقسط، جار وعدل، والمراد هنا العدل بقرينة المقام، وأما أقسط فمعناه عدل لا غير، واسم الفاعل من الأول قاسط، ومن الثاني مقسط. وقوله: شُهَداءَ خبر ثان لكونوا، والواو اسمها، وقوامين خبر أول. قوله: (بالحق) أي لا بالباطل فلا تجوز الشهادة به، وقوله اللّه أي لمحض وجهه لا لغرض آخر.\rقوله: وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لكان المحذوفة، لأن حذف كان مع اسمها بعد لو كثير، قال ابن مالك:\rويحذفونها ويبقون الخبر ... وبعد أن ولو كثيرا ذا اشتهر\r\rأي هذا إذا كانت الشهادة على الغير، بل ولو على النفس. قوله: (بأن تقروا بالحق) أي فالمراد بالشهادة الإقرار، ويحتمل أن تكون الشهادة على حقيقتها، وهي الإخبار عن الغير بأمر، كأن يكون شاهدا على ابنه مثلا بحق، فالواجب اداؤها ولو حصل منها ضرر للنفس. قوله: أَوِ الْوالِدَيْنِ في حيز المبالغة، ولا عبرة بغضبهما حينئذ إذا كان الولد شاهدا عليهما بحق. قوله: إِنْ يَكُنْ (المشهود عليه) أي من الوالدين والأقربين والأجانب. قوله: فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما استشكل تثنية الضمير مع كون العطف بأو، أجيب بأن الضمير ليس عائدا على الغني والفقير المتقدمين، بل هو عائد على جنسهما المدلول عليه بالمذكورين، ويدل على ذلك قراءة أبي فاللّه أولى بهم، وأجيب أيضا بأن أو للتقسيم للمشهود له والمشهود عليه، لأنهما إما أن يكونا غنيين أو فقيرين، والمشهود له غنيا، والمشهود عليه فقيرا، أو بالعكس، فالضمير في الحقيقة عائد على المشهود له والمشهود عليه، وقد يجاب أيضا بأن أو بمعنى الواو. قوله: (لرضاه) أي الغني فربما واساكم. وقوله: (بأن تحابوا) تصوير للمنفي.","part":1,"page":335},{"id":336,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 336\rتَعْدِلُوا تميلوا عن الحق وَإِنْ تَلْوُوا تحرفوا الشهادة وفي قراءة بحذف الواو الأولى تخفيفا أَوْ تُعْرِضُوا عن أدائها فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (135) فيجازيكم به يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا داوموا على الإيمان بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو القرآن وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ على الرسل بمعنى الكتب وفي قراءة بالبناء للفاعل في الفعلين وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً (136) عن الحق إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بموسى وهم اليهود ثُمَّ كَفَرُوا بعبادة العجل ثُمَّ آمَنُوا بعده ثُمَّ كَفَرُوا بعيسى ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بمحمد لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ما أقاموا عليه وَلا لِيَهْدِيَهُمْ\r______________________________\rقوله: إِنْ (لا) تَعْدِلُوا تعليل للنهي، لأن من اتّبع الهوى فقد اتصف بالجور، ومن ترك أتباعه فلا يتصف به فيصير المعنى انتهوا عن اتباع الهوى لأجل أن لا يحصل منكم جور، وهذا ما مشى عليه المفسر، من أن العدل بمعنى الجور، فاحتاج إلى تقدير لا، وقال في الكشاف أن العدل ضد الجور، وعليه فليس فيه تقدير لا، ولا يصير المعنى انتهوا عن اتباع الهوى لأجل اتصافكم بالعدل وكل صحيح، والثاني أقرب لعدم لكلفة. قوله: (تحرفوا الشهادة) أي بأن يشهد على خلاف ما يعلم من الدعوى.\rقوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا، وأصل تلووا تلويون استثقلت الضمة على الياء، فنقلت للواو قبلها بعد سلب حركتها، حذفت الياء التي هي لام الكلمة، وحذفت النون للجازم، فصار وزنه تفعوا، وعلى القراءة الثانية حذفت عين الكلمة التي هي الواو الأولى بعد نقل ضمتها إلى اللام، فصار وزنه تفوا، وفيه إجحاف، لأنه لم يبق إلا فاؤها.\rقوله: أَوْ تُعْرِضُوا أي بأن تنكروها من أصلها، فالعطف مغاير خلافا لمن قال بالترادف. قوله:\rفَإِنَّ اللَّهَ دليل الجواب، والجواب محذوف تقديره يعاقبكم على ذلك لأن اللّه كان بما تعملون خبيرا.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ، ذكر هذه الآية بعد الأمر بالعدل من ذكر السبب بعد المسبب، لأن الإيمان سبب للعدل. قوله: (داوموا) الخ دفع بذلك ما يقال إن فيه تحصيل الحاصل والمعنى داوموا على الإيمان بفعل الطاعات، لأن فعلها يزيد في الإيمان، ولا تكونوا ممن بدل وغير ممن سيأتي ذكرهم والتشنيع عليهم. قوله: (بمعنى الكتب) أي فأل للجنس. قوله: (في الفعلين) أي نزل وأنزل، وفاعل الإنزال هو اللّه تعالى.\rقوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ أي بشيء من ذلك بأن أنكر صفة من صفات اللّه أو سب ملائكته، أو أنكر الكتب السماوية، أو سبّ رسله أو أنكر رسالتهم أو لم يصدق باليوم الآخر، فالكفر بواحد من هذه المذكورات كاف في استحقاق الوعيد، لأن الإيمان بكل واحد أصل من أصول الدين.\rقوله: (بعده) أي بعد رجوعه إليهم من المناجاة. قوله: (أقاموا عليه) أي مدة إقامتهم عليه، ودفع بذلك ما يقال إن ظاهر الآية يقتضي عدم المغفرة لهم ولو تابوا فأفاد أن عدم المغفرة لهم مقيد بمدة إقامتهم على الكفر، أما إن تابوا ورجعوا عنه فإن اللّه يقبل توبتهم، قال تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وخبر كان في الآية محذوف وهو متعلق اللام تقديره لم يكن اللّه مريدا ليغفر لهم، والفعل","part":1,"page":336},{"id":337,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 337\rسَبِيلًا (137) طريقا إلى الحق بَشِّرِ أخبر يا محمد الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (138) مؤلما هو عذاب النار الَّذِينَ بدل أو نعت للمنافقين يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ لما يتوهمون فيهم من القوة أَيَبْتَغُونَ يطلبون عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ استفهام إنكاري أي لا يجدونها عندهم فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (139) في الدنيا والآخرة ولا ينالها إلا أولياؤه وَقَدْ نَزَّلَ بالبناء للفاعل والمفعول عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ القرآن في سورة الأنعام أَنْ مخففة واسمها محذوف أي أنه إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ القرآن يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ أي الكافرين والمستهزئين حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً إن قعدتم معهم مِثْلُهُمْ في الإثم أَنْ\r______________________________\rمنصوب بأن مضمرة بعد هذه اللام لأنها لام الجحود، والفعل تأويل مصدر مفعول لمريد التقدير لم يكن اللّه مريدا غفران كفرهم.\rقوله: بَشِّرِ البشارة في الأصل هي الخبر السار، سمي بذلك لأنه يغير البشرة أي الجلدة. قوله:\r(أخبر) أشار بذلك إلى أن المراد بالبشارة هنا مطلق الإخبار، وسماه بشارة تهكما بها وإشارة إلى أن وعيدهم بالعذاب لا يخلف، كما أن وعيد المؤمن بالخير لا يخلف، وفي الكلام استعمل تبعية، حيث شبهت النذارة بالبشارة، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من البشارة بشر بمعنى أنذر، والجامع التأثر في كل، لأن من سمع الخبر الضار تأثّر به، ومن سمع الخبر السار تأثر به. قوله: الْمُنافِقِينَ أي وهم الذين يسرون الكفر، ويظهرون الإسلام، والنفاق قسمان: عملي واعتقادي. فالعملي أشار له صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله: «إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». والاعتقادي هو إظهار الإسلام وإخفاء الكفر. قوله:\rأَوْلِياءَ أي أصحابا يوالونهم ويستعزون بهم، لزعمه أن الكفار لهم اليد العليا، وأن الإسلام سيهدم لقلة أهله. قوله: (استفهام إنكاري) أي بمعنى النفي. قوله: (إلا أولياءه) أي المؤمنون، قال تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ.\rقوله: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ أي يا أيها المؤمنون، والذي نزل هو قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وهذا نزل بمكة، لأن المشركين كانوا يخوضون في القرآن يستهزؤون به، فلما هاجر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة، صار اليهود يفعلون مثل المشركين وكان المنافقون يجلسون إليهم، ويسمعون منهم الخوض، ويستهزؤون معهم، فنهى اللّه تعالى المؤمنين عن مجالستهم والقعود معهم. قوله: (بالبناء للفاعل) أي والفاعل ضمير يعود على اللّه تعالى، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعوله وهذا على كونه مشددا، وقرىء بالبناء للفاعل مخففا، فأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل، وقوله: (و المفعول) أي مشددا، وأن ما دخلت عليه في تأويل مصدر نائب فاعل.\rقوله: يُكْفَرُ بِها أي إما من غير استهزاء وهو الواقع من المشركين واليهود، أو مع الاستهزاء وهو الواقع من المنافقين. قوله: (أي الكافرين) أي كالمشركين واليهود، وقوله: (و المستهزئين) أي وهم المنافقون، وسموا مستهزئين لقولهم: (إذا خلوا بشياطينهم إنا معكم إنما نحن مستهزؤون). قوله: فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ أي غير الحديث المتقدم من الكفر والاستهزاء قوله: إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ أي مشاركون لهم في الإثم، قال بعضهم:","part":1,"page":337},{"id":338,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 338\rاللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (140) كما اجتمعوا في الدنيا على الكفر والاستهزاء الَّذِينَ بدل من الذين قبله يَتَرَبَّصُونَ ينتظرون بِكُمْ الدوائر فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ ظفر وغنيمة مِنَ اللَّهِ قالُوا لكم أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ في الدين والجهاد فاعطونا من الغنيمة وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ من الظفر عليكم قالُوا لهم أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ نستول عَلَيْكُمْ ونقدر على أخذكم وقتلكم فأبقينا عليكم وَأ لم نَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أن يظفروا بكم بتخذيلهم ومراسلتكم بأخبارهم فلنا عليكم المنة قال تعالى فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وبينهم يَوْمَ الْقِيامَةِ بأن يدخلكم الجنة ويدخلهم النار وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) طريقا بالاستئصال إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ بإظهارهم خلاف ما أبطنوه من الكفر ليدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية وَهُوَ خادِعُهُمْ مجازيهم على خداعهم فيفتضحون في الدنيا باطلاع اللّه نبيه على ما أبطنوه ويعاقبون في الآخرة وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ مع المؤمنين قامُوا كُسالى متثاقلين\r______________________________\rوسمعك صنّ عن سماع القبيح ... كصون اللّسان عن النّطق به\r\rفإنّك عند سماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه\r\rقوله: (في الإثم) أي كفر أو غيره، فالراضي بالكفر كافر، والراضي بالمحرم عاص، وبالجملة فجليس الطائع مثله، وجليس العاصي مثله. قوله: إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ الخ، هذا كالعلة والدليل لقوله: إِذاً مِثْلُهُمْ. قوله: (من الذين قبله) أي وهو قوله: (الذين يتخذون الكافرين أولياء) والأحسن أنه نعت ثان للمنافقين.\rقوله: فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ أي بأن كانت الغلبة للمؤمنين، والخذلان للكفار. قوله: (من الظفر عليكم) أي كما وقع في أحد. قوله: أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ الاستحواذ الاقتدار والاستيلاء. قوله: (فأبقينا عليكم) أي رفقنا بكم ورحمناكم. قوله: (فلنا عليكم المنة) أي فأعطونا نصيبا من الدنيا، فهم لا حظ لهم غير أخذ المال. قوله: (بالاستئصال) دفع بذلك ما يقال إن الكفار بالمشاهدة لهم سبيل على المؤمنين في الدنيا، فأجاب المفسر: بأن معنى ذلك أن الكفار لا يستأصلون المؤمنين ويجاب أيضا: بأن المراد في القيامة فلا يطالبونا بشيء يوم القيامة، أو المراد سبيلا بالشرع، فإن شريعة الإسلام ظاهرة إلى يوم القيامة، فمن ذلك أن الكافر لا يرث المسلم، وليس له أن يملك عبدا مسلما، ولا يقتل المسلم بالذمي.\rقوله: يُخادِعُونَ اللَّهَ أي رسوله، وهذا بيان لبعض قبائحهم. قوله: (بإظهارهم خلاف ما أبطنوه) أي من إظهار الإيمان وإخفاء الكفر. قوله: (فيفتضحون في الدنيا) أي يفتضحون في الآخرة أيضا لما روي أنه يوم القيامة حين يمتاز الكفار من المؤمنين، تبقى هذه الأمة وفيها منافقوها فيتجلى اللّه لهم، فيخرّ المؤمنون سجدا، والمنافقون يصير ظهورهم طبقا، فلا يستطيعون السجود، وروي أنهم يعطون على الصراط نورا كما يعطى المؤمنون، فيمضون بنورهم ثم يطفأ نورهم، ويبقى نور المؤمنين فينادون المؤمنين:\rانظرونا نقتبس من نوركم، وهو معنى قوله تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ الآية. قوله: كُسالى أي لعدم الداعية في قلوبهم وهو نصب على الحال، والكسل","part":1,"page":338},{"id":339,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 339\rيُراؤُنَ النَّاسَ بصلاتهم وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ يصلون إِلَّا قَلِيلًا (142) رياء مُذَبْذَبِينَ مترددين بَيْنَ ذلِكَ الكفر والإيمان لا منسوبين إِلى هؤُلاءِ أي الكفار وَلا إِلى هؤُلاءِ أي المؤمنين وَمَنْ يُضْلِلِ ه اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143) طريقا إلى الهدى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ بموالاتهم سُلْطاناً مُبِيناً (144) برهانا بينا على نفاقكم إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ المكان الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وهو قعرها وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) مانعا من العذاب إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من النفاق وَأَصْلَحُوا عملهم وَاعْتَصَمُوا وثقوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ من الرياء فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ فيما يؤتونه وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146) في الآخرة هو الجنة ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ نعمه وَآمَنْتُمْ به والاستفهام بمعنى النفي أي لا يعذبكم وَكانَ اللَّهُ شاكِراً لأعمال المؤمنين بالإثابة عَلِيماً (147) بخلقه لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ من\r______________________________\rالفتور والتواني، قوله: يُراؤُنَ النَّاسَ أي النبي وأصحابه، والمعنى أنهم يقصدون بصلاتهم النجاة من النبي وأصحابه، والجملة خال من كسالى. قوله: (يصلون) إنما سميت الصلاة ذكرا، لأنها اشتملت عليه.\rقوله: مُذَبْذَبِينَ حال من فاعل يراؤون، وحقيقة المذبذب ما يذب ويدفع عن كلا الجانبين مرة بعد أخرى، وقد أفاده المفسر بقوله: (مترددين) قوله: لا إِلى هؤُلاءِ الخ، متعلق في الموضعين بمحذوف حال من مذبذبين، قدره المفسر بقوله: (منسوبين). قوله: (أي الكفار) أي فيقتلون ويترتب عليهم أحكامه. وقوله: (أي المؤمنين) أي فينجون في الدنيا والآخرة.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب للمؤمنين الخلص. قوله: لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أي كما فعل المنافقون، فيترتب عليه الوعيد العظيم فاحذروا ذلك. قوله: أَتُرِيدُونَ الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، أي لا تريدون ذلك.\rقوله: فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ الدركات بالكاف منازل أهل النار، والدرجات بالجيم منازل أهل الجنة. قوله: (و هو قعرها) أي لأنها سبع طبقات، العليا لعصاة المؤمنين وتسمى جهنم، والثانية لظى للنصارى، والثالثة الحطمة لليهود، والرابعة السعير للصابئين، والخامسة سقر للمجوس، والسادسة الجحيم للمشركين، والسابعة الهاوية للمنافقين وفرعون وجنوده، لقوله تعالى:\rأَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ استثناء من قوله: إِنَّ الْمُنافِقِينَ.\rقوله: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ ما استفهامية، الباء سببية، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي. أي لا يفعل بعذابكم شيئا حيث حسنت توبتكم، ويصح أن تكون ما نافية والباء زائدة ومدخولها مفعول لقوله يفعل، والمعنى ما يفعل عذابكم، أي لا يعذبكم حين صدقت التوبة، فالمآل في المعنيين واحد. قوله: وَآمَنْتُمْ عطف خاص على عام، أو مسبب على سبب، لأن الشكر سبب في الإيمان، فإن الإنسان إذا تذكر نعم اللّه حملته على الإيمان.\rقوله: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ هذا مرتب على ما تقدم من ذكر أحوال المنافقين، أي فلا تتوهم أيها العاقل من تقبيح اللّه لبعض عبيده، إنه يجوز لكل أحد التقبيح لمن علم منه سوءا، أو ظنه فيه،","part":1,"page":339},{"id":340,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 340\rأحد أي يعاقب عليه إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فلا يؤاخذه بالجهر به بأن يخبر عن ظلم ظالمه ويدعو عليه وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً لما يقال عَلِيماً (148) بما يفعل إِنْ تُبْدُوا تظهروا خَيْراً من أعمال البر أَوْ تُخْفُوهُ تعملوه سرا أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ظلم فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (149) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ بأن يؤمنوا به دونهم وَيَقُولُونَ\r______________________________\rوسبب نزولها: أن رجلا استضاف قوما فلم يحسنوا ضيافته، فلما خرج تكلم فيها جهرا بسوء، وقيل إن سبب نزولها أن رجلا نال من أبي بكر والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حاضر، فسكت عنه مرارا ثم رد عليه فقام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه شتمني فلم تقل شيئا، حتى إذا رددت عليه قمت، فقال له إن ملكا كان يجيب عنك، فلما رددت عليه ذهب الملك وجاء الشيطان فقمت فنزلت، وقوله: بِالسُّوءِ هو اسم جامع لكل فحش، كالبر فإنه اسم جامع لكل خير، وقوله: مِنَ الْقَوْلِ بيان للجهر بالسوء ومثل القول الفعل، فلا مفهوم للجهر ولا للقول، وإنما خصا لأنهما سبب النزول ولكونهما الغالب. قوله: (من أحد) قدره إشارة إلى أن فاعل المصدر محذوف، وهو من المواضع التي ينقاس فيها حذف الفاعل، وقد جمعها بعضهم بقوله:\rعند النّيابة مصدر وتعجّب ... ومفرغ ينقاس حذف الفاعل\r\rقوله: (أي يعاقب) دفع بذلك ما يقال إن الحب والبغض معنى قائم بالقلب وهو مستحيل على اللّه تعالى، فأجاب بأن المراد لازمه وهو العقاب، لأن من غضب من أحد عاقبه، ودخل في الجهر بالسوء التعريض والسخرية به والغيبة والنميمة، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ الآية.\rوقال تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً إلى غير ذلك، وفي الحديث: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة الواحدة يهوي بها في النار سبعين خريفا». قوله: (بأن يخبر عن ظلم ظالمه) أي لمن ينصفه بأن يقول: شتمني، أو غصبني، أو أخذ مالي، أو ضربني مثلا. قوله: (و يدعو عليه) أي بدعاء جائز مثل: اللهم خلّص حقي منه، أو جازه، أو انتقم ممن ظلمني، أو خذ لي بثأري منه، ولا يجوز الدعاء على الظالم بسوء الخاتمة على المعتمد، ولو بلغ في الظلم مهما بلغ، ولا بخراب دياره أو هلاكه مثلا، والصبر وعدم الدعاء أجمل، وهو مقام عظيم، ولذا أمر به صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله تعالى: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ وقوله: إِلَّا مَنْ ظُلِمَ أي مثلا، ومثله المستفتي والمستغيث والمحذر والمعرف والمتجاهر، وقد جمعها بعضهم بقوله:\rتظلم واستغث واستفت حذر ... وعرف بدعة فسق المجاهر\r\rوجمعت أيضا في قول بعضهم:\rلقب ومستفت وفسق ظاهر ... متظلّم ومعرف ومحذر\r\rقوله: (لما يقال) أي من الظالم والمظلوم. وقوله: (بما يفعل) أي من الظالم والمظلوم. قوله: (من أعمال البر) أي كالصلاة والصدقة وفعل المعروف وحسن الظن.\rقوله: أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ هذا هو محط الفائدة بدليل قوله: فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً وهذا بيان للخلق الكامل، فالعفو والمسامحة أجل وأعلى من الانتصار. قوله: فَإِنَّ اللَّهَ الخ، دليل الجواب، والجواب محذوف تقديره يعفو عنكم.\rقوله:\rوَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا الخ، عطف سبب على مسبب، أي فكفرهم بالتفرقة لا باعتقاد للشريك للّه","part":1,"page":340},{"id":341,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 341\rنُؤْمِنُ بِبَعْضٍ من الرسل وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ منهم وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ الكفر والإيمان سَبِيلًا (150) طريقا يذهبون إليه أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (151) ذا إهانة هو عذاب النار وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ كلهم وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ بالنون والياء أُجُورَهُمْ ثواب أعمالهم وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لأوليائه رَحِيماً (152) بأهل طاعته يَسْئَلُكَ يا محمد أَهْلُ الْكِتابِ اليهود أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ جملة كما أنزل على موسى تعنتا فإن استكبرت ذلك فَقَدْ سَأَلُوا أي آباؤهم مُوسى أَكْبَرَ أعظم مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً عيانا فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ الموت عقابا لهم بِظُلْمِهِمْ حيث تعتنوا في السؤال ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ\r______________________________\rمثلا. قوله: (من الرسل) أي كموسى وعيسى. قوله: وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ أي كمحمد. قوله: (طريقا يذهبون إليه) أي واسطة بين الإيمان والكفر، وهو الإيمان ببعض الأنبياء والكفر ببعض. قوله: (مصدر مؤكد) أي وعامله محذوف ويقدر مؤخرا عن الجملة المؤكدة لها تقديره أحقه حقا، نظير زيد أبوك عطوفا.\rقال ابن مالك:\rوإن تؤكّد جملة فمضمر ... عاملها ولفظها يؤخّر\r\rويصح أن يكون حالا من\rقوله: هُمُ الْكافِرُونَ أي حال كون كفرهم حقا أي لا شك فيه.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا مقابل قوله: الَّذِينَ يَكْفُرُونَ وقوله: وَلَمْ يُفَرِّقُوا مقابل قوله: وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا. قوله: بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أي في الإيمان بأن يؤمنوا بجميعهم. قوله: (بالنون والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان، وعلى النون فيكون فيه التفات من الغيبة للتكلم، لأن الاسم الظاهر من قبيل الغيبة.\rقوله: يَسْئَلُكَ أي سؤال تعنت ذو عناد، فلذا لم يبلغهم اللّه مرادهم، ولو كان سؤالهم لطلب الاسترشاد لأجيبوا. قوله: (اليهود) أي أحبارهم. قوله: أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ أي فقالوا إن كنت نبيا فائتنا بكتاب محرر بخط سماوي في ألواح كما نزلت التوراة. قوله: (تعنتا) مفعول لأجله أي فالحامل لهم على السؤال التعنت والعناد لا الاسترشاد، وإلا لأجيبوا. قوله: (فإن استكبرت ذلك) قدره إشارة إلى أن قوله: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى جواب شرط محذوف، والمعنى إن استعظمت سؤالهم، فقد وقع من أصولهم ما هو أعظم من ذلك. قوله: (أي آباؤهم) أي وإنما نسب السؤال لهم لأنهم راضون بها فكأنها وقعت منهم. قوله: فَقالُوا تفسير لسألوا على حد توضأ فغسل وجهه. قوله: (عيانا) أي معاينين له، وذلك أن موسى عليه السّلام اختار من قومه سبعين من بني إسرائيل، فخرج معهم إلى الجبل ليستغفروا لقومهم حيث عبدوا العجل فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً. قوله: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ أي ثم أحيوا بعد ذلك حين قال موسى: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي.\rقوله: ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ ثم للترتيب الذكري الإخباري، لأن عبادة العجل كانت قبل ذلك","part":1,"page":341},{"id":342,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 342\rإلها مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ المعجزات على وحدانية اللّه فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ ولم نستأصلهم وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (153) تسلطا بينا ظاهرا عليهم حيث أمرهم بقتل أنفسهم توبة فأطاعوه وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ الجبل بِمِيثاقِهِمْ بسبب أخذ الميثاق عليهم ليخافوا فيقبلوه وَقُلْنا لَهُمُ وهو مظل عليهم ادْخُلُوا الْبابَ باب القرية سُجَّداً سجود انحناء وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا وفي قراءة بفتح العين وتشديد الدال وفيه إدغام التاء في الأصل في الدال أي لا تعتدوا فِي السَّبْتِ باصطياد الحيتان فيه وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (154) على ذلك فنقضوه فَبِما نَقْضِهِمْ ما زائدة والباء للسببية متعلقة بمحذوف أي لعناهم بسبب نقضهم مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قُلُوبُنا غُلْفٌ لا تعي كلامك بَلْ طَبَعَ ختم اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فلا تعي وعظا فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) منهم كعبد اللّه\r______________________________\rقوله: (المعجزات) أي كالعصا واليد البيضاء والسنين وفلق البحر. قوله: فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ أي قبلنا توبتهم، فتوبوا أنتم أيضا حتى يعفو عنكم. قوله: سُلْطاناً أي قهرا عظيما وسلطنة جليلة. قوله:\r(فأطاعوه) أي فقتل منهم سبعون ألفا في يوم واحد.\rقوله: بِمِيثاقِهِمْ أي حين جاءهم موسى بالتوراة، وفيها الأحكام فامتنعوا من قبولها، فرفع اللّه فوقهم الطور، فخافوا من وقوعه عليهم فقبلوه وسجدوا على جبينهم وأعينهم تنظر له، فصار ذلك فيهم إلى الآن. قوله: (فيقبلوه) أي الميثاق ولا ينقضوه. قوله: (و هو مظل عليهم) أي مرفوع عليهم، والتقييد بذلك سبق قلم، لأن القول لهم حين دخول القرية كان بعد مدة التيه، وتلك القرية قيل هي بيت المقدس وقيل أريحا، والقول قيل على لسان يوشع بن نون وهي قرية الجبارين، وأما رفع الجبل فكان قبل دخولهم التيه حين جاءتهم التوراة فلم يؤمنوا بها. قوله: (سجود انحناء) أي خضوع وتذلل، فخافوا ودخلوا يزحفون على أستاههم، وتقدم بسط ذلك في البقرة. قوله: لا تَعْدُوا بسكون العين وضم الدال من عدا يعدو بمعنى جار، وأصله تعدووا بضم الواو الأولى وهي لام الكلمة، استثقلت الضمة عليها فحذفت فالتقى ساكنان، حذفت الواو لالتقائهما ووزنه تفعوا. قوله: (و في قراءة بفتح العين) أي فأصله تعتدوا قلبت التاء دالا ثم أدغمت في الدال، والمعنى أنهم نهوا عن الاعتداء في السبت بصيد السمك، فخالف بعضهم واصطاد وامتنع بعضهم من غير نهي للآخرين وامتنع بعضهم مع نهي من اصطاد، فحل بمن اصطاد العذاب ونجا من نهي، وسيأتي بسط ذلك في سورة الأعراف. قوله: مِيثاقاً غَلِيظاً أي أنهم إن خالفوا عذبهم اللّه بأي نوع من العذاب أراده.\rقوله: بِآياتِ اللَّهِ أي القرآن أو كتابهم. قوله: بِغَيْرِ حَقٍ أي حتى في زعمهم، أي فهم مقرّون بأن القتل بغير وجه.\rقوله: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها أي غشيت وغطيت بغطاء معنوي لا حسي كما قالوا تهكما، بمعنى أنهم صم بكم عمي لا يهتدون للحق ولا يعونه. قوله: إِلَّا قَلِيلًا قيل إنه مستثنى من فاعل يُؤْمِنُونَ ورد بأن من آمن لم يطبع على قلبه، والأحسن أنه مستثنى من الهاء في قوله: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها أي إلا قليلا","part":1,"page":342},{"id":343,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 343\rابن سلام وأصحابه وَبِكُفْرِهِمْ ثانيا بعيسى وكرر الباء للفصل بينه وبين ما عطف عليه وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (156) حيث رموها بالزنا وَقَوْلِهِمْ مفتخرين إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ في زعمهم أي بمجموع ذلك عذبناهم قال تعالى تكذيبا لهم في قتله وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ المقتول والمصلوب وهو صاحبهم بعيسى أي ألقى اللّه عليه شبهه فظنوه إياه وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي في عيسى لَفِي شَكٍّ مِنْهُ من قتله حيث قال بعضهم لما رأوا المقتول: الوجه وجه عيسى والجسد ليس بجسده فليس به. وقال آخرون بل هو هو ما لَهُمْ بِهِ بقتله مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ استثناء منقطع أي لكن يتبعون فيه الظن الذي تخيلوه وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) حال مؤكدة لنفي القتل بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً في ملكه حَكِيماً (158) في صنعه وَإِنْ ما مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أحد إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ بعيسى قَبْلَ مَوْتِهِ أي الكتابي حين يعاين ملائكة الموت فلا ينفعه إيمانه أو قبل موت عيسى لما ينزل قرب\r______________________________\rفلم يطبع على قلوبهم. قوله: (ثانيا بعيسى) أي وأولا بموسى. قوله: (و كرر الباء) أي في قوله:\rوَبِكُفْرِهِمْ. قوله: (للفصل) أي بأجنبي وهو قوله: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ. قوله: (حيث رموها بالزنا) أي منكرين تعلق قدرة اللّه تعالى بخلق ولد من غير والد، ومعتقد ذلك كافرا لأنه يلزم عليه القول بقدم العالم، لأن كل ولد لا بد له من والد وهكذا.\rقوله: رَسُولَ اللَّهِ إن قلت: أنهم لم يعترفوا برسالته! بل كفروا به وقالوا هو ساحر ابن ساحرة.\rوأجيب: بأنهم قالوا ذلك تهكّما به، نظير قول فرعون لموسى إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون، وقول مشركي العرب في حق محمد: يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون. وأجيب أيضا: بأنه من كلامه تعالى مدحا له وتنزيها له عن مقالتهم، فيكون منصوبا بفعل محذوف، أي أمدح رسول اللّه. قوله: (في زعمهم) متعلق بقوله: قَتَلْنَا والمناسب حذفه لأن تكذيبهم في القتل معلوم من قوله بعد: وَما قَتَلُوهُ وفي نسخة في زعمه بالإفراد، ويكون متعلقا بقوله: رَسُولَ اللَّهِ وهي أولى.\rقوله: وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ روي أن رهطا من اليهود سبوه وأمه! فدعا عليهم فمسخهم اللّه قردة وخنازير، فاجتمعت اليهود على قتله، فأخبره اللّه بذلك، وكان له صاحب منافق، فقالوا له: اذهب إلى عيسى وأخرجه لنا، فلما دخل دار عيسى ألقى شبهه عليه، ورفع عيسى إلى السماء، فلما خرج إليهم قتلوه.\rقوله: (بعيسى) متعلق بشبه، وقوله: (عليه) أي الصاحب، وقوله: (شبهه) أي شبه عيسى. قوله:\r(استثناء منقطع) أي لأن إتباع الظن ليس من جنس العلم. قوله: (مؤكدة لنفي القتل) أي انتفى قتلهم له انتفاء يقينا لا شك فيه، فيلاحظ القيد بعد وجود النفي، فهو من باب تيقن العدم لا من عدم التيقن، ومحصله أنه نفي للقيد الذي هو اليقين، والمقيد الذي هو القتل، ويصح أن يكون حالا من فاعل قتلوه أي ما فعلوا القتل في حال تيقنهم له، بل فعلوه شاكين فيه، وقيل منصوب بما بعد بل من\rقوله: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ورد بأن ما بعد بل لا يعمل فيما قبلها. قوله: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ أي إلى محل رضاه وانفراد حكمه وهو السماء الثالثة، كما في الجامع الصغير، أو الثانية كما في بعض المعاريج. قوله: (حين يعاين","part":1,"page":343},{"id":344,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 344\rالساعة كما ورد في الحديث وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عيسى عَلَيْهِمْ شَهِيداً (159) بما فعلوه لما بعث إليهم فَبِظُلْمٍ أي فبسبب ظلم مِنَ الَّذِينَ هادُوا هم اليهود حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ هي التي في قوله تعالى حرمنا كل ذي ظفر الآية وَبِصَدِّهِمْ الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دينه صدا كَثِيراً (160) في التوراة وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ في التوراة وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ بالرشا في الحكم وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (161) مؤلما لكِنِ الرَّاسِخُونَ الثابتون فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ كعبد اللّه بن سلام وَالْمُؤْمِنُونَ المهاجرون والأنصار يُؤْمِنُونَ بِما\r______________________________\rملائكة الموت) روي أن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره وقالوا له: يا عدو اللّه أتاك عيسى نبيا فكذبت به، فيقول آمنت بأنه عبد اللّه ورسوله، ويقال للنصراني: أتاك عيسى نبيا فزعمت أنه اللّه وابن اللّه، فيقول آمنت بأنه عبد اللّه، فأهل الكتاب يؤمنون به، ولكن لا ينفعهم إيمانهم لحصوله وقت معاينة العذاب. قوله: (أو قبل موت عيسى) هذا تفسير آخر وهو صحيح أيضا، والمعنى أن عيسى حين ينزل إلى الأرض ما من أحد يكون من اليهود أو النصارى، أو ممن يعبد غير اللّه إلا آمن بعيسى، حتى تصير الملة كلها إسلامية.\rقوله: شَهِيداً أي فيشهد على اليهود بالتكذيب، وعلى النصارى بأنهم اعتقدوا فيه أنه ابن اللّه.\rقوله: فَبِظُلْمٍ الجار والمجرور متعلق بحرمنا والباء سببية. قوله: (هم اليهود) سموا بذلك لأنهم هادوا بمعنى تابوا، ورجعوا عن عبادة العجل. قوله: أُحِلَّتْ لَهُمْ صفة لطيبات، أي طيبات كانت حلال لهم، فلما حرمت عليهم، صاروا يقولون: لسنا بأول من حرمت عليه، بل كانت حراما على من قبلنا! فرد اللّه عليهم بقوله: (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه) الآية.\rقوله: وَبِصَدِّهِمْ هذا تفصيل لبعض أنواع الظلم، وكرر الجار للفصل بين العاطف والمعطوف بقوله:\rحَرَّمْنا\rولم يكرره في قوله: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ لعدم الفاصل. قوله: (صدا) كَثِيراً أشار بذلك إلى أن كثيرا صفة لموصوف محذوف مفعول مطلق لقوله صدهم، ويصح أن يكون المحذوف مفعولا به والتقدير خلقا كثيرا.\rقوله: وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ الجملة حالية. قوله: (بالرشا في الحكم) جمع رشوة، وهي ما يعطيه الشخص للحاكم ليحكم له؟ والمقصود من ذكر هذه الأمور الاتعاظ بها؟ وبيان أنها حرام في شرعنا أيضا، ففي الحديث: «كل لحم نبت من السحت فالنار أولى به، قالوا: وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم» فالحاكم لا يجوز له أن يأخذ شيئا على حكمه، ومثله الضامن، وذو الجاه، والمقرض، ففي الحديث:\r«ثلاثة لا تكون إلا للّه: القرض، والضمان، والجاه». قوله: مِنْهُمْ أي وممن حذا حذوهم. قوله:\rعَذاباً أَلِيماً أي وهو الخلود في النار.\rقوله: لكِنِ الرَّاسِخُونَ استدراك على قوله: وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً والمعنى من كان من اليهود، وفعل تلك الأفعال المتقدمة، وأصر على الكفر، ومات عليه، أعتدنا لهم عذابا أليما، وأما من كان من اليهود، غير أنه رسخ في العلم، وآمن وعمل صالحا، فأولئك سنؤتيهم أجرا عظيما، والرَّاسِخُونَ مبتدأ، وفِي الْعِلْمِ متعلق به، وقوله: مِنْهُمْ متعلق بمحذوف حال من","part":1,"page":344},{"id":345,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 345\rأُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من الكتب وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ نصب على المدح وقرىء بالرفع وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ بالنون والياء أَجْراً عَظِيماً (162) هو الجنة إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَكما أَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ابنيه وَيَعْقُوبَ ابن اسحاق وَالْأَسْباطِ أولاده وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ\r______________________________\rالراسخون. وقوله: أُولئِكَ مبتدأ، وسَنُؤْتِيهِمْ خبره، والجملة خبر الراسخون.\rقوله: وَالْمُؤْمِنُونَ عطف على الراسخون عطف مفصل على مجمل، لأن الإيمان وما بعده متنوع ولازم للرسوخ في العلم، فنزل التغاير الاعتباري منزلة التغاير الذاتي، وهذا على أن المراد المؤمنون منهم وأما على أن المراد المؤمنون من غيرهم، أو ما هو أعم، فالمغايرة ظاهرة، وقوله: يُؤْمِنُونَ الخ حال من المؤمنون والراسخون. قوله: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ أي وهو القرآن، وهذه الصفات للإيمان الكامل، فلا يكون الإنسان كامل الإيمان حتى يتصف بجميعها. قوله: (نصب على المدح) أي فتكون جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، وإنما نصبهم تعظيما لشأنهم، وما قاله المفسر هو أحسن الأجوبة عن الآية، ويصح أنه معطوف على الكاف في إليك، ويكون المراد بالمقيمين الأنبياء، ويصح أنه معطوف على ما أنزل، ويكون المراد بالمقيمين الأنبياء والملائكة، ويصح أن يكون معطوفا على الهاء في منهم، أي لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين. قوله: (و قرىء بالرفع) أي وعليها، فلا إشكال وهي شاذة وإن وردت عن كثير.\rقوله: وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أي المصدقون بأن اللّه يجب له كل كمال، ويستحيل عليه كل نقص، وقوله: وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي يصدقون بأنه حق وما يقع فيه صدق. قوله: (هو الجنة) أي الخلود فيها، وهو مقابل قوله: (و اعتدنا لهم عذابا أليما).\rقوله: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قيل سبب نزولها أن مسكينا وعدي بن زيد قالا: يا محمد ما نعلم أن اللّه أنزل على بشر من شيء من بعد موسى، وقيل هو جواب لقولهم: (لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابا من السماء جملة واحدة) فالمعنى أنكم تقرون بنبوة نوح وجميع الأنبياء المذكورين في الآية ولم ينزل على أحد من هؤلاء كتابا جملة مثل ما أنزل على موسى، فقدم إنزال الكتاب جملة ليس قادحا في نبوتهم، فكذلك محمد صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: كَما أَوْحَيْنا يحتمل أن تكون ما مصدرية، والمعنى كوحينا، وأن تكون اسم موصول والعائد محذوف، والتقدير كالذي أوحيناه أي الأحكام التي أوحيناها إلى نوح الخ. قوله: إِلى نُوحٍ قدمه لأنه أول نبي أرسله اللّه لينذر الناس من الشرك، وعاش ألف سنة وخمسين عاما وهو صابر على أذى قومه، لم يشب فيها ولم تنقص قواه، وهو أول الأنبياء أولي العزم، وكان أبا البشر بعد آدم لانحصار الناس في ذريته. قوله: إِلى إِبْراهِيمَ خصه بعد نوح، لأن أكثر الأنبياء من ذريته وهو ابن تارخ، وقيل هو آزر، وقيل هو أخوه فآزر عم ابراهيم. قوله: وَإِسْماعِيلَ كان نبيا ورسولا بمكة، ثم لما مات نقل إلى الشام. قوله: وَإِسْحاقَ كان رسولا بالشام بعد اسماعيل ومات بها.\rقوله: وَيَعْقُوبَ هو إسرائيل، ثم يوسف ابنه، ثم شعيب بن نويب، ثم هود بن عبد اللّه، ثم","part":1,"page":345},{"id":346,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 346\rوَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا أباه داوُدَ زَبُوراً (163) بالفتح اسم للكتاب المؤتى وبالضم مصدر بمعنى مزبورا أي مكتوبا وَأرسلنا رُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ روي أنه تعالى بعث ثمانية آلاف نبي أربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلاف من سائر الناس قاله الشيخ في سورة غافر وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى بلا واسطة تَكْلِيماً (164) رُسُلًا بدل من رسلا قبله\r______________________________\rصالح بن آسف، ثم موسى وهارون ابنا عمران، ثم أيوب، ثم الخضر، ثم داود بن أيشا، ثم سليمان بن داود، ثم يونس بن متى، ثم الياس، ثم ذو الكفل، وكل نبي ذكر في القرآن فهو من ولد إبراهيم غير إدريس ونوح وهود ولوط وصالح، ولم يكن نبي من العرب إلا خمسة: هود وصالح وإسماعيل وشعيب ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله:\r(ابنيه) أي ابراهيم، اسماعيل من هاجر وإسحاق من سارة. قوله: (أولاده) أي أولاد يعقوب منهم يوسف نبي ورسول باتفاق وباقيهم فيه اختلاف، والصحيح نبوتهم وليسوا رسلا مشرعين، ولذلك وقع منهم ما يخالف الشرع الظاهر للمصالح التي ترتبت على تلك المخالفة، وسيأتي ذلك في سورة يوسف.\rقوله: وَيُونُسَ أي ابن متى، وفيه لغات ست بالواو والهمزة مع تثليث النون، والذي قرىء به في السبع ضم النون أو كسرها مع الواو، وقوله: وَهارُونَ أي أخي موسى. قوله: (اسم للكتاب المؤتى) أي وهو مائة وخمسون سورة، ليس فيها حكم ولا حلال ولا حرام، بل هو تسبيح وتقديس وتحميد وثناء ومواعظ، وكان داود عليه السّلام يخرج إلى البرية فيقوم ويقرأ الزبور، وتقوم علماء بني إسرائيل حلفه، ويقوم الناس خلف العلماء، وتقوم الجن خلف الناس، والشياطين خلف الجن، وتجيء الدواب التي في الجبال فيقمن بين يديه، وترفرف الطيور على رؤوس الناس هم يستمعون لقراءة داود ويتعجبون منها، لأن اللّه أعطاه صوتا حسنا، وقد ورد أن أبا موسى الأشعري كان يقرأ القرآن ليلا بصوت حسن، فلما أصبح قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أعجبتني قراءتك الليلة، كأنك أعطيت مزمارا من مزامير داود، فقال أبو موسى: لو علمت بك لحبرته لك تحبيرا. قوله: (و بالضم) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ الخ، هذا رد لقول اليهود للمصطفى عليه الصلاة والسّلام: إنك لم تذكر موسى مع ما عددته من الأنبياء، فهذا دليل على عدم رسالتك، فرد ذلك اللّه بهذه الآية وبما بعدها. قوله: (روي أنه تعالى الخ) هذه الرواية ضعيفة، فلذا تبرأ منها المفسر، والرواية المشهورة أن الأنبياء مائة ألف، وفي رواية مائتا ألف وأربعة وعشرون ألفا الرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر أو خمسة عشر، وبعد ذلك فالحق أنه لم يبلغنا عددهم على الصحيح، وإنما هي أحاديث مختلفة تقبل الطعن كما أفاده الأشياخ. قوله: (قاله الشيخ) أي الجلال المحلّي، وقوله: (في سورة غافر) أي في قوله تعالى:\rوَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ.\rقوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى أي أزال عنه الحجاب فسمع كلام اللّه، وليس المراد أن اللّه كان ساكنا ثم تكلم، لأن ذلك مستحيل على اللّه تعالى. قوله: تَكْلِيماً مصدر مؤكد لقوله كلم، وإنما أكد رفعا لاحتمال المجاز، لأن اللّه كلم موسى بكلامه الأزلي القديم، من غير حرف ولا صوت ولا كيف ولا انحصار، ولا يعلم اللّه إلا اللّه.\rقوله: لِئَلَّا يَكُونَ هذه اللام لام كي متعلقة بمنذرين وأضمر في الأول","part":1,"page":346},{"id":347,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 347\rمُبَشِّرِينَ بالثواب من آمن وَمُنْذِرِينَ بالعقاب من كفر أرسلناهم لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ تقال بَعْدَ إرسال الرُّسُلِ إليهم فيقولوا ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين فبعثناهم لقطع عذرهم وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً في ملكه حَكِيماً (165) في صنعه. ونزل لما سئل اليهود عن نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم فأنكروه لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ يبين نبوتك بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ من القرآن المعجز أَنْزَلَهُ ملتبسا بِعِلْمِهِ أي عالما به أو وفيه علمه وَالْمَلائِكَةُ\r______________________________\rوحذف، وهذا هو الأولى، ويحتمل أنه متعلق بمحذوف تقديره (أرسلناهم) وعلى ذلك درج المفسر، إلا أن يقال إنه حل معنى لا حل إعراب. قوله: حُجَّةٌ أي معذرة يعتذرون بها، وسماها اللّه حجة تفضلا منه وكرما، فأهل الفترة ناجون ولو بدلوا وغيروا، قال تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وقال تعالى:\rوَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا الآية، وما ورد من تعذيب بعض أفراد من أهل الفترة، فأحاديث آحاد لا تقاوم القطعيات، كما أفاده أشياخنا المحققون.\rقوله: بَعْدَ الرُّسُلِ أي وإنزال الكتب، والمعنى لو لم يرسل اللّه رسولا لكان للناس عذر في ترك التوحيد فقطع اللّه عذرهم بإرسال الرسل، والظرف متعلق بالنفي، أي انتفت حجتهم واعتذارهم بعد إرسال الرسل، وأما قبل الإرسال فكانوا يعتذرون، فإن قلت: كيف يكون للناس حجة قبل الرسل، مع قيام الأدلة التي تدل على معرفة اللّه ووحدانيته كما قيل:\rوفي كلّ شيء له آية ... تدلّ على أنّه الواحد\r\rأجيب: بأن اللّه لا يكلفنا بذلك بمجرد العقل، بل لا بد من ضميمة الرسل التي تنبه على الأدلة، وشاهده هذه الآية، وقوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا فلذلك قال أهل السنة: إن معرفة اللّه لا تثبت إلا بالشرع، خلافا للمعتزلة. قوله: (لو لا أرسلت) لو لا للتحضيض وهو الطلب بحث وإزعاج، ولكن المراد بها هنا العرض وهو الطلب بلين ورفق. قوله: عَزِيزاً أي غالبا قاهرا لغيره منفردا بالإيجاد والإعدام، وقوله: حَكِيماً أي يضع الشيء في محله. قوله: (و نزل لما سئل اليهود) أي حين قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لليهود: «أنتم تشهدون بأني مذكور في كتبكم»، فقالوا: لا نشهد بذلك، وما نعلم من بشر أوحي إليه بعد موسى، وقيل إن السائل مشركو العرب حيث قالوا للنبي: إنّا نسأل اليهود عنك وعن صفتك في كتابهم، فزعموا أنهم لا يعرفونك فنزلت، والمعنى أن أنكروك وكفروا ما أنزل إليك، فقد كذبوا فيما قالوا، لأن اللّه يشهد لك بالنبوة والرسالة، ويشهد بما أنزل إليك.\rقوله: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ استدراك على ما ذكر في سبب النزول. قوله: (من القرآن المعجز) أي لكل مخلوق، ولم ينزل كتاب معجز يتحدى به على نبي من الأنبياء غير نبينا. قوله: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ أشار المفسر إلى أن الباء للملابسة أو بمعنى في، والمعنى على الأول أنزله ملتبسا بعلمه، أي وهو عالم به، لأن التأليف يحسن على قدر علم مؤلفه، فحيث كان هذا القرآن ناشئا عن علم اللّه التام المتعلق بكل شيء، كان في أعلى طبقات البلاغة، فلا يمكن أحدا غيره الإتيان بشيء منه، والمعنى على الثاني أنزله، والحال أن فيه علمه أي معلوماته الغيبية، بمعنى أنه مشتمل على المغيبات، وعلى مصالح الخلق وما يحتاجون إليه، فحيث اشتمل على ذلك فهو شاهد صدق على","part":1,"page":347},{"id":348,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 348\rيَشْهَدُونَ لك أيضا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (166) على ذلك إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا باللّه وَصَدُّوا الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دين الإسلام بكتمهم نعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهم اليهود قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً (167) عن الحق إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا باللّه وَظَلَمُوا نبيه بكتمان نعته لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (168) من الطرق إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ أي الطريق المودي إليها خالِدِينَ مقدرين الخلود فِيها إذا دخلوها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (169) هينا يا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا به واقصدوا خَيْراً لَكُمْ مما أنتم فيه وَإِنْ تَكْفُرُوا به فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا فلا يضره كفركم وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً (170) في صنعه بهم يا أَهْلَ الْكِتابِ الإنجيل لا تَغْلُوا تتجاوزوا الحد فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا القول الْحَقَ من تنزيهه عن الشريك والولد إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها\r______________________________\rأنه من عند اللّه، وإنما خص القرآن بالذكر لأن إنكارهم وتعرضهم كان له، ولأنه أكبر معجزاته.\rقوله: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً لفظ الجلالة فاعل كفى، والباء زائدة، وشهيدا حال، وقوله: (على ذلك) أي على صحة نبوتك، والمعنى أن شهادة اللّه تغنيك وتكفيك.\rقوله: وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي منعوا الناس من طريق الهدى. قوله: ضَلالًا بَعِيداً أي لأنهم ضلوا في أنفسهم وأضلوا غيرهم، ومن كان هذا وصفه يبعد عنه الهدى.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا أي وهم اليهود. قوله: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ أي مريدا ليغفر لهم حيث ماتوا على الكفر.\rقوله: إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ استثناء متصل لأنه مستثنى من عموم الطرق، والمراد بجهنم الدار المسماة الحطمة، والمعنى أنهم لا يهتدون إلى طريق الرشاد أبدا، بل دائما أعمالهم تجرهم إلى طريق جهنم. قوله: وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً رد بذلك عليهم حيث زعموا وقالوا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ولا يهون عليه أن يعذب أحباؤه. قوله: (أي أهل مكة) جري على القاعدة، وهو أن المخاطب بيا أيها الناس أهل مكة، ولكن المراد العموم.\rقوله: بِالْحَقِ متعلق بجاء، وقوله: مِنْ رَبِّكُمْ متعلق بمحذوف حال من الحق، أي جاءكم بالحق حال كونه من ربكم. قوله: (و اقصدوا) خَيْراً أشار بذلك إلى أن قوله خيرا مفعول لمحذوف، ويصح أن يكون خبرا لكان المحذوفة، والتقدير آمنوا يكن الإيمان خيرا وهو الأقرب. وقوله: (مما أنتم فيه) أي وهو الكفر على حسب زعمكم أن فيه خيرا، وإلا فالكفر لا خير فيه. قوله: (لا يضره كفركم) قدره إشارة إلى أن جواب الشرط محذوف، وقوله: فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ دليل الجواب.\rقوله: حَكِيماً (في صنعه) أي لا يصنع شيئا إلا محكما متقنا. قوله: (الإنجيل) أي فالخطاب للنصارى فقط، ويحتمل أنه خطاب لليهود والنصارى، لأن غلو اليهود بتنقيص عيسى حيث قالوا إنه ابن زانية، وغلو النصارى بالمبالغة في تعظيمه حيث جعلوه ابن اللّه.\rقوله: إِلَّا (القول) الْحَقَ أشار بذلك إلى أنه صفة لمصدر محذوف.","part":1,"page":348},{"id":349,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 349\rأوصلها اللّه إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ أي ذو روح مِنْهُ أضيف إليه تعالى تشريفا له وليس كما زعمتم أنه ابن اللّه أو إلها معه أو ثالث ثلاثة لأن ذا الروح مركب والإله منزه عن التركيب وعن نسبة المركب إليه فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا الآلهة ثَلاثَةٌ اللّه وعيسى وأمه انْتَهُوا عن ذلك وائتوا خَيْراً لَكُمْ منه وهو التوحيد إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ تنزيها له عن أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا وعبيدا والملكية تنافي النبوة وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) شهيدا على ذلك لَنْ يَسْتَنْكِفَ يتكبر ويأنف الْمَسِيحُ الذي زعمتم أنه إله عن أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ عند اللّه لا يستنكفون أن يكونوا عبيدا وهذا من أحسن الاستطراد ذكر للرد على من زعم أنها آلهة أو بنات اللّه كما رد بما قبله على النصارى الزاعمين ذلك\r______________________________\rقوله: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ المسيح مبتدأ، وعيسى بدل أو عطف بيان عليه، وابن مريم صفته، ورسول اللّه خبره. قوله: وَكَلِمَتُهُ أي أنه نشأ بكلمة كن، من غير واسطة أب ولا نطفة، وقوله: أَلْقاها أي بنفخ جبريل في جيب درعها، فحصل النفخ إلى فرجها فحملت به. قوله:\rوَرُوحٌ مِنْهُ سمي بذلك لأنه حصل من الريح الحاصل من نفخ جبريل، روي أن اللّه تعالى لما خلق أرواح البشر جعلها في صلب آدم عليه السّلام، وأمسك عنده روح عيسى، فلما أراد اللّه أن يخلقه، أرسل بروحه مع جبريل إلى مريم، فنفخ في جيب درعها فحملت بعيسى. قوله: مِنْهُ أي نشأت وخلقت، فمن ابتدائية لا تبغيضية كما زعمت النصارى. حكي أن طبيبا حاذقا نصرانيا جاء للرشيد، فناظر علي بن الحسين الواقدي ذات يوم، فقال له: إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى جزء من اللّه وتلا هذه الآية، فقرأ الواقدي له: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ فقال: إذن يلزم أن تكون جميع الأشياء جزءا منه سبحنه، فبهت النصراني وأسلم، وفرح الرشيد فرحا شديدا، وأعطى الواقدي صلة فاخرة. قوله: (أنه ابن اللّه الخ) أشار بذلك إلى أنهم فرق ثلاثة: فرقة تقول إنه ابن اللّه، وفرقة تقول إنهما إلهان اللّه وعيسى، وفرقة تقول الآلهة ثلاثة: اللّه وعيسى وأمه. قوله: (لأن ذا الروح مركب) أشار بذلك إلى قياس من الشكل الأول، وتقريره أن تقول عيسى ذو روح، وكل ذي روح مركب، وكل مركب لا يكون إلها ينتج عيسى لا يكون إلها. قوله: (الآلهة) ثَلاثَةٌ أشار بذلك إلى أن ثلاثة خبر لمحذوف، والجملة مقول القول. قوله: (و ائتوا) خَيْراً أي اقصدوه، ويصح أن يكون خبرا لكان المحذوفة، أي يكن الانتهاء خيرا قوله: (منه) أي مما ادعيتموه، وقوله: (و هو التوحيد) بيان للخير.\rقوله: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي فإذا كان يملك جميع ما فيهما ومن جملة ذلك، عيسى، فكيف يتوهم كون عيسى ابن اللّه، فهذه الجملة تعليل لقوله سبحانه.\rقوله: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ سبب نزولها أن وفد نجران قالوا يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول إنه عبد اللّه، فقال رسول اللّه: إنه ليس بعار على عيسى أن يكون عبد اللّه، فنزلت. قوله: (عن) أَنْ يَكُونَ أشار بذلك إلى أنه حذف الجار من أن، والمعنى لن يستنكف المسيح عن كونه عبد اللّه. قوله: (و هذا من أحسن الاستطراد) أي قوله: وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ لأن الاستطراد ذكر الشيء في غير محله لمناسبة، والمناسبة هنا الرد على النصارى في عيسى، فناسب أن يرد على المشركين في قولهم الملائكة بنات اللّه.","part":1,"page":349},{"id":350,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 350\rالمقصود خطابهم وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172) في الآخرة فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ثواب أعمالهم وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا عن عبادته فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً مؤلما هو عذاب النار وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وَلِيًّا يدفعه عنهم وَلا نَصِيراً (173) يمنعهم منه يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ حجة مِنْ رَبِّكُمْ عليكم وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (174) بينا وهو القرآن فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً طريقا مُسْتَقِيماً (175) هو دين الإسلام يَسْتَفْتُونَكَ في الكلالة قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ\r______________________________\rقوله: وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ من اسم شرط، ويستنكف فعل الشرط، ويستكبر معطوف عليه، وقوله:\rفَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً جوابه، ولكن لما كان فيه إجمال فصله بما بعده، وجميعا حال من الهاء في يحشرهم، والمعنى أنه يحشر المستنكفين وغيرهم.\rقوله: وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي فوق مضاعفة أعمالهم.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ العبرة بعموم اللفظ، وإن كان السياق لأهل مكة. قوله: مِنْ رَبِّكُمْ الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لبرهان، أو ظرف لغو متعلق بجاء. قوله: (عليكم) أي إن خالفتم ولكم إن أطعتم. قوله: (و هو القرآن) أي فالعطف مغاير، ويصح أن يراد بالبرهان النبي وما جاء به، ويراد بالنور المبين القرآن، ويكون عطف خاص على عام، والنكتة الاعتناء بشأن القرآن، وما مشى عليه المفسر أسهل لعدم الكلفة.\rقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا الخ، أي فمنهم من آمن ومنهم من كفر، فأما الذين آمنوا الخ، وترك الشق الثاني لأنهم مهملون ولا يعتني بهم، وأيضا قد تقدم ذكرهم فتركهم اتكالا على ما تقدم، وأعاد ذكر المؤمنين ثانيا تعجيلا للمسرة والفرح، وتعظيما لشأنهم. قوله: وَاعْتَصَمُوا بِهِ أي تمسكوا به. قوله:\rفِي رَحْمَةٍ مِنْهُ أي وهي الجنة، من باب تسمية المحل باسم الحال فيه، وقوله: وَفَضْلٍ أي إحسان وإكرام وزيادة إنعام، وهو رؤية وجه اللّه الكريم ودوام رضاه. قوله: وَيَهْدِيهِمْ عطف سبب على مسبب، لأن سبب الجنة هو الهدى في الدنيا.\rقوله: يَسْتَفْتُونَكَ ختم هذه السورة بهذه الآية لاشتمالها على الميراث، كما ابتدأها بذلك للمشاكلة بين المبدأ والختام، وجملة ما ذكر في هذه السورة من المواريث ثلاثة مواضع، الأول: في ميراث الأصول والفروع وهو قوله: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلى آخر الربع. الثاني: ميراث الزوجين والإخوة والأخوات للأم وهو قوله: وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ إلى قوله: غَيْرَ مُضَارٍّ. الثالث: ميراث الإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب وهو هذه الآية، وأما أولو الأرحام فسيأتي ذكرهم في آخر الأنفال. وسبب نزول هذه الآية أن جابر بن عبد اللّه تمرض، فذهب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبو بكر ليعوداه ماشيين، فلما دخلا عليه وجداه مغمى عليه، فتوضأ رسول اللّه ثم صب عليه من وضوئه فأفاق، فقال: يا رسول اللّه كيف أصنع في مالي: فلم يرد عليه حتى نزلت الآية، وكان له تسع أخوات وقيل سبع. قوله: فِي الْكَلالَةِ تنازعه","part":1,"page":350},{"id":351,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 351\rامْرُؤٌ مرفوع بفعل يفسره هَلَكَ مات لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ أي ولا والد وهو الكلالة وَلَهُ أُخْتٌ من أبوين أو أب فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ أي الأخ كذلك يَرِثُها جميع ما تركت إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فإن كان لها ولد ذكر فلا شيء له أو أنثى فله ما فضل عن نصيبها ولو كانت الأخت أو الأخ من أم ففرضه السدس كما تقدم أول السورة فَإِنْ كانَتَا أي الأختان اثْنَتَيْنِ أي فصاعدا لأنها نزلت في جابر وقد مات عن أخوات فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ الأخ وَإِنْ كانُوا أي الورثة إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ منهم مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ شرائع دينكم إِنِ لا تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176) ومنه الميراث روى الشيخان عن البراء أنها آخر آية\r______________________________\rكل من يستفتونك ويفتيكم فأعمل الثاني وأضمر في الأول وحذف، وهكذا كل ما جاء في القرآن من التنازع كقوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ وبهذا أخذ البصريون، وتقدم أن الكلالة هي أن يموت الميت وليس له فرع ولا أصل، وهو أصح الأقوال فيها.\rقوله: إِنِ امْرُؤٌ هذه الجملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر تقديره وما تفسير الكلالة وما الحكم فيها، فالوقف على الكلالة. قوله: (مرفوع بفعل يفسره) هَلَكَ أي فهو من باب الاشتغال، وإنما لم يجعل امرؤ مبتدأ أو جملة هلك خبره، لأن إن الشرطية لا يليها إلا الفعل ولو تقديرا. قوله: لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ الجملة في محل رفع صفة لا مرؤ، ولا يصح أن تكون حالا منه لأنه نكرة، ولم يوجد له مسوغ لأن هلك ليس صفة له، وإنما هو مفسر للفعل المحذوف فتأمل. قوله: (أي ولا والد) أخذ هذا من توريث الأخت لأنها لا ترث مع وجوده. قوله: (من أبوين) أي وهي الشقيقة. قوله: وَهُوَ الضمير عائد على لفظ امرؤ لا على معناه، على حد: عندي درهم ونصفه، والمعنى أن ذلك على سبيل الفرض والتقدير، أي أن فرض موته دونها فلها النصف، وإن فرض موتها دونه فله المال كله، إن لم يكن لها فرع وارث. قوله:\r(أو أنثى) أي واحدة أو متعددة، وقوله: (فله ما فضل عن نصيبها) أي وهو النصف في الأولى والثلث في الثانية. قوله: (كما تقدم أول السورة) أي في قوله: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً الآية. قوله: (و قد مات عن أخوات) جملة مستأنفة مقيدة لما قبلها لا أنها حالية، لأن جابرا عاش بعده صلّى اللّه عليه وسلّم، بل قيل إنه آخر الصحابة موتا بالمدينة، وقوله: (عن أخوات) قيل تسع وقيل سبع.\rقوله: وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً أي وأخوات ففيه تغليب الذكور على الإناث. قوله: (شرائع دينكم) قدره إشارة إلى أن مفعول يُبَيِّنُ محذوف. قوله: إِنِ (لا) تَضِلُّوا إشارة بذلك إلى أنه مفعول لأجله ولا مقدرة، والمعنى يبين لكم الشرائع لأجل عدم ضلالكم، نظير قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا أي لئلا تزولا، ويصح أن يكون المحذوف مضافا، والتقدير كراهة أن تضلوا. قوله: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ كالعلة لما قبله، وقد ختم هذه السورة ببيان كمال العلم وسعته، كما ابتدأها بسعة قدرته وكمال تنزهه، وذلك يدل على اختصاصه بالربوبية والألوهية. قوله: (أي من الفرائض) دفع بذلك ما يقال إن آخر آية نزلت على الإطلاق (و اتقوا يوما ترجعون فيه إلى اللّه) فإنها نزلت","part":1,"page":351},{"id":352,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 352\rنزلت أي من الفرائض.\r______________________________\rقبل موت رسول اللّه بأحد وعشرين يوما، ونزل قبلها آية الربا، وقبلها الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وقبلها آية الكلالة فهي من الأواخر، إذا علمت ذلك فقول المفسر: (أي من الفرائض) غير متعين، بل يصح أن يكون آخرا نسبيا.\r***","part":1,"page":352},{"id":353,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 353\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة المائدة مدنيّة وآياتها عشرون ومائة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ العهود المؤكدة التي بينكم\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة المائدة\rمدنية مائة وعشرون أو وثنتان أو وثلاث آية وجه المناسبة بينها وبين ما قبلها أنه حيث وعدنا اللّه بالبيان كراهة وقوع الضلال منا، تمّم ذلك الوعد بذكر هذه السورة، فإن فيها أحكاما لم تكن في غيرها، قال البغوي عن ميسرة قال: إن اللّه تعالى أنزل في هذه السورة ثمانية عشر حكما، لم تنزل في غيرها من سورة القرآن، وهي: (المنخنقة والموقوذة والمتردية وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام)، وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ، وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ، وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، وتمام بيان الطهر في قوله: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ، وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ، لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ، وقوله: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ.\rقوله: (مدنية) أي نزلت بعد الهجرة، وإن كان بعضها نزل بمكة، كقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ فإنها نزلت عام الفتح، وقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فإنها نزلت بعرفة في حجة الوداع، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم واقف بعرفة فقرأها النبي في خطبته وقال: «يا أيها الناس إن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا، فأحلوا حلالها، وحرموا حرامها»، وإنما خصها بذلك، وإن كان كل سورة يجب تحليل حلالها، وتحريم حرامها اعتناء بشأنها.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا العبرة بعموم اللفظ، وإن كان الخطاب لأهل المدينة. قوله: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أي ما عقده اللّه وعهده عليكم من التكاليف والأحكام الدينية، ومن هنا قالوا أمور الدين أربعة: الصحة في العقد، والصدق في القصد، والوفاء بالعهد، واجتناب الحد. قوله: (العهود) أشار بذلك إلى أن المراد بالعقد، العقد المعنوي، وهو العهد المشبه بعقد الحبل، وقوله: (المؤكدة) أخذ ذلك","part":1,"page":353},{"id":354,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 354\rوبين اللّه والناس أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ الإبل والبقر والغنم أكلا بعد الذبح إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ تحريمه في حرمت عليكم الميتة الآية فالاستثناء منقطع ويجوز أن يكون متصلا والتحريم لما عرض من الموت ونحوه غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أي محرمون ونصب غير على الحال من ضمير لكم إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (1) من التحليل وغيره لا اعتراض عليه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا\r______________________________\rمن قوله العقود، لأن معنى العقد هو العهد المؤكد. قوله: (التي بينكم وبين اللّه) أي كالمأمورات والمنهيات، فالوفاء بالمأمورات فعلها، والوفاء بالمنهيات تركها، ودخل في قوله: (و بين اللّه) العهد الواقع بين العبد وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فيجب على الإنسان الوفاء به، بأن يؤمن به، ويصدق بما جاء به، ويعظمه ويحترمه، ولا يخالف ما أمره به أصلا. قوله: (و بين الناس) أي كالمعاملات: من بيع وشراء ونكاح وطلاق وتمليك وتخيير وعتق ودين ووديعة وصلح، ومن ذلك أيضا: احترام المؤمنين وتعظيمهم وعدم غيبتهم وإيذائهم والنميمة والكذب عليهم، ومن ذلك أيضا: وفاء المريدين بعهود المشايخ على مصطلح الصوفية.\rقوله: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ كلام مستأنف مسوق لبيان امتنان اللّه علينا، حيث أحل لنا أشياء لم تكن لليهود، وبنى الفعل للمجهول للعلم بفاعله وهو اللّه، وإضافة بهيمة للأنعام على معنى من كثوب خز، لأن البهيمة كما في القاموس كل ذات أربع قوائم، ولو من حيوان الماء أو كل حي لا يميز.\rقوله: (بعد الذبح) مراده ما يشمل النحر، ولو قال بعد التزكية لكان أشمل.\rقوله: إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ أي وهو عشرة أشياء، أولها الميتة، وآخرها وما ذبح على النصب فقوله: (الآية) أي إلى قوله وما ذبح على النصب. قوله: (فالاستثناء منقطع) أي لأن ما قبل إلا فيما أحل، وما بعدها فيما حرم، وقوله: (و التحريم لما عرض) أي فهو كان حلالا بحسب الأصل، فهو استثناء حلال من حلال، هكذا يؤخذ من عبارة المفسر، وفيه أنه يلزم عليه أن كل استثناء منقطع لأن ما بعد إلا دائما مخالف لما قبلها، منقطعا أو متصلا، مع أنهم قالوا إن الاستثناء المتصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، والمنقطع أن يكون من غير جنسه، والمخالفة في الحكم لا بد منها على كل، فالأحسن أن يقال إن الانقطاع من حيث إن المستثنى لفظ وهو قوله: ما يُتْلى عَلَيْكُمْ المستثنى منه ذات وهو بهيمة الأنعام، ولا شك أنه من غير جنسه، ويمكن أن يكون متصلا بتقدير مضاف، والتقدير إلا محرم ما يتلى.\rقوله: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ أي غير محلين للصيد بمعنى معتقدين حله، وقوله: (أي محرمون) أي أو في الحرم، فيحرم صيد الأنعام الوحشية، بل الصيد مطلقا أنعاما أو غيرها، وهو تقييد لقوله: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ كأن اللّه قال أحل اللّه لكم بهيمة الأنعام كلها، والوحشية أيضا، من الظباء والبقر والحمر، إلا صيد الوحشي منها أو من غيرها وأنتم محرمون، فلا يجوز فعله ولا اعتقاد حله. قوله:\r(و نصب غير على الحال من ضمير لكم) أي وقوله: وَأَنْتُمْ حُرُمٌ حال من الضمير في مُحِلِّي.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ كالعلة لما قبله، أي فالأحكام صادرة من اللّه على حسب إرادته، فلا اعتراض عليه، ولا معقب لحكمه، وهذا مما يرد على المعتزلة القائلين بوجوب الصلاح والأصلح.","part":1,"page":354},{"id":355,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 355\rلا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ جمع شعيرة أي معالم دينه بالصيد في الإحرام وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ بالقتال فيه وَلَا الْهَدْيَ ما أهدى إلى الحرم من النعم بالتعرض له وَلَا الْقَلائِدَ جمع قلادة وهي ما كان يقلد به شجر الحرم ليأمن أي فلا تتعرضوا لها ولا لأصحابها وَلَا تحلوا آمِّينَ قاصدين الْبَيْتَ الْحَرامَ بأن تقاتلوهم يَبْتَغُونَ فَضْلًا رزقا مِنْ رَبِّهِمْ بالتجارة وَرِضْواناً منه بقصده بزعمهم الفاسد وهذا منسوخ بآية براءة وَإِذا حَلَلْتُمْ من الإحرام فَاصْطادُوا أمر\r______________________________\rقوله: (أي معالم دينه) أي العلامات الدالة على دينه من مأمورات ومنهيات، والمعنى لا تتهاونوا بمعالم دينه، وقوله: (بالصيد في الإحرام) خصه لقرينة ما قبله وما بعده، وإلا فاللفظ عام كقوله: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فأولا أمرنا بالوفاء بها، وثانيا نهانا عن التفريط والتهاون بالشعائر، وهي كناية عن معالم الدين والإحلال، تارة يكون بالفعل أو الاعتقاد.\rقوله: وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ هو وما بعده من عطف الخاص على العام، اعتناء بشأن تلك الأمور.\rقوله: (بالقتال فيه) سيأتي للمفسر أنه منسوخ بآية براءة، وإن حمل على غير القتال كالظلم مثلا فليس بمنسوخ، قال تعالى: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ. قوله: (ما أهدى إلى الحرام) إن حمل على هدايا الكفار فهو منسوخ بقوله تعالى: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وبقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وسبب ذلك أن رجلا من ربيعة يقال له الحطم سريح بن هند أتى المدينة وترك خيله وجيوشه، وجاء رسول اللّه بنفسه، وقد كان أخبرهم النبي به فقال: الوجه وجه كافر والقفا قفا غادر، فلما وصل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال له: يا محمد ما تأمرنا به؟ فقال: «شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة». فقال حسن إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم، ولعلي أسلم وآتي بهم، فلما خرج استاق جملة من غنم أهل المدينة وإبلهم، فلما كان في العام القابل، جاء ومعه تلك الإبل والغنم قد ساقها وهو مع بني بكر، وهم أصحاب حلف للنبي عليه الصلاة والسّلام، فأحب أصحاب رسول اللّه أن يأخذوها منه، فنزلت الآية. قوله: (أي فلا تتعرضوا لها) أي للقلائد، وهي ما قلد به من شجر الحرم، وقوله: (و لا لأصحابها) أي الهدايا المقلدات، والنهي عن التعرض للقلائد مبالغة عن التعرض للهدايا على حد، ولا يبدين زينتهن، لأنه إذا نهى عن إبداء الزينة، فما بالك بالجسم الموضع فيه الزينة، ويحتمل أن معنى قوله أو لأصحابها أي الرجال المقلدين، لأنهم كانوا في الجاهلية إذا أرادوا الخروج من الحرم، قلدوا أنفسهم بخشبة من شجر الحرم فلا يتعرض لهم، فتحصل أن المعنى لا تتعرضوا للهدي وإن لم يكن مقلدا، ولا للقلادة من المقلد، بل ولا للمقلد من الهدايا أو الرجال. قوله: آمِّينَ أي قوما آمين.\rقوله: يَبْتَغُونَ فَضْلًا حال من الضمير في آمين. قوله: (و هذا منسوخ) أي قوله: ولا الشهر الحرام، ولا الهدي، ولا القلائد، ولا آمين البيت الحرام. وقوله: (بآية براءة) أي جنسها، إذ الناسخ أكثر من آية، فالمنسوخ ما عدا قوله: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ فليست منسوخة إن حملت على معالم دينه كما تقدم، وأما إن حملت على شعائر الكفار وإحرامهم، بمعنى لا تبطلوه ولا تهدموه كان أيضا منسوخا، وليس","part":1,"page":355},{"id":356,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 356\rإباحة وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ يكسبنكم شَنَآنُ بفتح النون وسكونها بغض قَوْمٍ لأجل أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا عليهم بالقتل وغيره وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ فعل ما أمرتم به وَالتَّقْوى بترك ما نهيتم عنه وَلا تَعاوَنُوا فيه حذف إحدى التاءين في الأصل عَلَى الْإِثْمِ المعاصي وَالْعُدْوانِ التعدي في حدود اللّه وَاتَّقُوا اللَّهَ خافوا عقابه بأن تطيعوه إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (2) لمن خالفه حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ أي أكلها وَالدَّمُ أي المسفوح كما في الأنعام وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ بأن ذبح على اسم غيره وَالْمُنْخَنِقَةُ الميتة خنقا وَالْمَوْقُوذَةُ\r______________________________\rفي المائدة منسوخ غير هذه الآية. قوله: (أمر إباحة) دفع بذلك ما يقال إن الأمر يقتضي الوجوب على المحرم إذا حل من إحرامه أن يصطاد.\rقوله: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ هذه الآية نزلت عام الفتح حين تمكن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه من مكة وأهلها، فنهاهم اللّه تعالى عن التعرض للكفار بالقتال والإيذاء، والمعنى لا تعاملوهم مثل ما كانوا يعاملونكم به، ولذا ورد أن رسول اللّه لما دخل مكة قال: «اذهبوا أنتم الطلقاء. أنا قائل لكم كما قال أخي يوسف لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ». وبسبب ذلك صاروا مؤمنين، ولذا قال البوصيري:\rولو أنّ انتقامه لهوى النّف ... س لدامت قطيعة وجفاء\r\rوقرأ الجمهور بفتح الياء من جرم الثلاثي واختلفوا في معناه، فقيل معناه لا يكسبنكم، وقيل معناه لا يحملنكم. قوله: (بفتح النون وسكونها) أي فهو مصدر شنىء كعلم فهو سماعي، ومن المادة قول العرب: مشنوء من يشنؤك، أي مبغوض من يبغضك، وقوله تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ أي باغضك.\rقوله: (لأجل) أَنْ صَدُّوكُمْ أشار بذلك إلى أنه مفعول لأجله، فهو علة للشنآن، أي لا يحملنكم بغضكم لقوم لأجل صدهم إياكم عن المسجد الحرام. قوله: أَنْ تَعْتَدُوا أي بأن تعتدوا وعلى أن تعتدوا، فمتى أسلموا فهم إخوانكم فلا تتعرضوا لهم. قوله: (فعل ما أمرتم به) قال ابن عباس: البر متابعة السنة. قوله: إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ في الآية وعيد وتهديد عظيم.\rقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ هذا شروع في بيان ما أجمل أولا في قوله: إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ وذكر في هذه الجملة العظيمة أحد عشر كلها محرمة، منها عشرة مطعومة وواحد غير مطعوم، وهو قوله وأن تستقسموا بالأزلام. قوله: الْمَيْتَةُ فيه رد على جاهلية العرب حيث قالوا كما حكى اللّه عنهم، وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء، وعلى المشركين حيث أحلّوا أكلها مطلقا. قوله: (أي المسفوح) أي السائل. قوله: (كما في الأنعام) أي في قوله تعالى:\rإِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً الآية، وأما غير المسفوح كالكبد والطحال والدم الباقي في العروق فهو طاهر، ويجوز أكله.\rقوله: وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ أي ولو ذكي وهو نجس كله، ما عدا الشعر إن جز، عند مالك، فهو طاهر ويجوز استعماله. قوله: وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ الإهلال رفع الصوت، والأظهر أن اللام بمعنى الباء، والباء بمعنى عند، والمعنى وما رفع الصوت عند ذكاته بغير اللّه، أي باسم غير اللّه، كما إذا قال باسم","part":1,"page":356},{"id":357,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 357\rالمقتولة ضربا وَالْمُتَرَدِّيَةُ الساقطة من علو إلى سفل فماتت وَالنَّطِيحَةُ المقتولة بنطح أخرى لها وَما أَكَلَ السَّبُعُ منه إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ أي أدركتم فيه الروح من هذه الأشياء فذبحتموه وَما ذُبِحَ عَلَى اسم النُّصُبِ جمع نصاب وهي الأصنام وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا تطلبوا القسم والحكم بِالْأَزْلامِ جمع زلم بفتح الزاي وضمها مع فتح اللام قدح بكسر القاف صغير لا ريش له ولا\r______________________________\rاللات أو العزى، قال تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ فإن جمع بين اسم اللّه واسم غيره غلب اسم اللّه وتؤكل، لأنه يعلو ولا يعلى عليه، والموضوع أن ذلك وقع من كتابي، وأما من مسلم فهو مرتد لا تؤكل ذبيحته، وهذا مذهب مالك بن أنس، ومراد مالك بأهل الكتاب الذين تؤكل ذبيحتهم، إن لم يذكروا اسم غير اللّه عليه اليهود والنصارى، ولو غيروا وبدلوا. قوله: (بأن ذبح على اسم غيره) المناسب أن يقول بأن صرح عند ذبحها باسم غيره، ليندفع التكرار بين ما هنا وبين ما يأتي في قوله:\rوَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ.\rقوله: وَالْمُنْخَنِقَةُ كانوا في الجاهلية يخنقون الشاة، حتى إذا ماتت أكلوها، فحرم اللّه ذلك.\rقوله: وَالْمَوْقُوذَةُ كانوا في الجاهلية يضربون الشاة بنحو العصا حتى تموت ويأكلونها. قوله:\rوَالنَّطِيحَةُ فعيلة بمعنى مفعولة. قوله: وَما أَكَلَ السَّبُعُ كانوا في الجاهلية إذا جرح السبع شيئا وأكل منه أكلوا ما بقي، والسبع اسم لكل ما يفترس من ذي الناب، كالأسد والذئب ونحوهما وقوله: (أي أدركتم فيه الروح) أي مع بقاء الحياة المستقرة، بحيث يتحرك بالاختيار أو يبصر بالاختيار، ولو نفذت مقاتله، وهذا مذهب الشافعي، ومذهب مالك لا بد من استقرار الحياة مع عدم إنفاذ المقاتل، فما أدرك بذكاة وهو مستقر الحياة، وكان قبل إنفاذ مقتله أكل، وإلا فلا يؤكل، ولو ثبتت له حياة مستقرة، والمقاتل هي: قطع النخاع، ونثر الدماغ، وفري الودج، وثقب المصران، ونثر الحشوة. وفي شق الودج قولان، والاستثناء راجع للمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وما أكل السبع وهو متصل على كلا المذهبين مع مراعاة الشرط المتقدم عند كل.\rقوله: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ أي ذكر اسم الصنم على ذلك المذبوح، فإن فعل ذلك مسلم لولي، وقصد التقريب له كما يتقرب للّه فهو مرتد لا تؤكل ذبيحته، وأما إن قصد أن الذبح للّه وثوابه للولي فلا بأس بذلك، فإن نذر ذبيحته لولي ميت كالسيد البدوي مثلا، فإن قصد انتفاعه بها كالحي فهو نذر باطل، وأما إن قصد أنها تذبح في محله من غير قصد فقراء ذلك المحل، فلا يسوقها لذلك المحل، بل يذبحها بأي محل شاء، قال مالك: سوق الهدايا لغير مكة ضلال، وأما إن قصد بسوقها فقراء ذلك المحل لزمه سوقها. قوله: (و هي الأصنام) سميت الأصنام نصبا، لأنها تنصب وترفع لتعظم وتعبد. قوله:\r(تطلبوا القسم) بالكسر ما قسم لكم من خير أو شر، وبالفتح أي تمييزه، لأن القسم بالفتح تمييز الأنصباء، وبالكسر الحظ والنصيب. قوله: (مع فتح اللام) راجع لكل منهما. قوله: (و كانت سبعة) أي وكانت أزلامهم سبعة قداح مستوية، مكتوب على واحد منها أمرني ربي، وعلى واحد منها نهاني ربي، وعلى واحد منكم، وعلى واحد من غيركم، وعلى واحد ملصق، وعلى واحد العقل، وواحد غفل، أي ليس عليه شيء، وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا أمرا من سفر أو غيره، جاؤوا إلى هبل، وهو أعظم صنم بمكة،","part":1,"page":357},{"id":358,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 358\rنصل وكانت سبعة عند سادن الكعبة عليها أعلام وكانوا يحكمونها فإن أمرتهم ائتمروا وإن نهتهم انتهوا ذلِكُمْ فِسْقٌ خروج عن الطاعة. ونزل يوم عرفة عام حجة الوداع الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ أن ترتدوا عنه بعد طمعهم في ذلك لما رأوا من قوته فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ أحكامه وفرائضه فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ\r______________________________\rوكان في الكعبة، وأعطوا صاحب القداح مائة درهم، فإن خرج أمرني ربي فعلوا ذلك الأمر، وإن خرج نهاني ربي لم يفعلوا، وإذا كان ذلك لنسب، فإن خرج منكم، ألحقوا بهم، وإن خرج من غيركم لم يلحقوه، وإن خرج ملصق، كان على حاله، وإن اختلفوا في العقل وهو الدية، فمن خرج عليه العقل تحمله، وإن خرج الغفل فعلوا ثانيا حتى يخرج المكتوب، فنهاهم اللّه عن ذلك. قوله: (عند سادن الكعبة) أي خادمها. قوله: (عليها أعلام) أي كتابة. قوله: (و كانوا يحكمونها) في نسخة يجيبونها أي يجيبون حكمها.\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 1 358\r______________________________\rوكان في الكعبة، وأعطوا صاحب القداح مائة درهم، فإن خرج أمرني ربي فعلوا ذلك الأمر، وإن خرج نهاني ربي لم يفعلوا، وإذا كان ذلك لنسب، فإن خرج منكم، ألحقوا بهم، وإن خرج من غيركم لم يلحقوه، وإن خرج ملصق، كان على حاله، وإن اختلفوا في العقل وهو الدية، فمن خرج عليه العقل تحمله، وإن خرج الغفل فعلوا ثانيا حتى يخرج المكتوب، فنهاهم اللّه عن ذلك. قوله: (عند سادن الكعبة) أي خادمها. قوله: (عليها أعلام) أي كتابة. قوله: (و كانوا يحكمونها) في نسخة يجيبونها أي يجيبون حكمها.\rقوله: ذلِكُمْ فِسْقٌ أي الاستقسام المذكور خروج عن طاعة اللّه. إن قلت: إن هذه بعينها هي القرعة الجائزة في الإسلام. أجيب بأن تحريم هذه إنما جاء من إحالتها للصنم وتفويض الأمر له، ولذا وقعت القرعة بحضرة ولي ميت مثلا، وفوض الأمر له، لكان الحكم الحرمة، كالاستقسام بالأزلام، واسم الإشارة مبتدأ، وفسق خبر، وهو راجع إلى الاستقسام بالأزلام، كما هو مروي عن ابن عباس، وقيل راجع إلى جميع ما تقدم، وكل صحيح. قوله: (و نزل يوم عرفة) أي والنبي قائم يخطب بها فأل في اليوم للعهد الحضوري، والمعنى اليوم الحاضر، وهو يوم عرفة، وكان يوم جمعة، وعاش النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد نزولها أحدا وثمانين يوما. قوله: يَئِسَ اليأس ضد الرجاء، والمعنى انقطع طمع الكفار في إبطال دينكم لما شاهدوا من دخول الناس فيه أفواجا، وذلك أن قبل الوداع حجة أبو بكر بالناس، وأرسل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عليا خلفه ينادي: لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ففي حجة الوداع تفرد النبي وأصحابه بالحج، فحينئذ نزلت الآية المشرفة. قوله: (لما رأوا) علة لقوله يئس، وقوله: (بعد طمعهم) متعلق بيئس أيضا. قوله: فَلا تَخْشَوْهُمْ أي لا تخافوهم لا ظاهرا ولا باطنا. قوله: وَاخْشَوْنِ بحذف الياء وصلا ووقفا، بخلاف واخشوني في البقرة فإنها بثبوت الياء وصلا ووقفا اتفاقا، وبخلاف الآتية في يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ ففيها الحذف والإثبات، والمعنى لا تخافوا من الكفار وخافون، لأني مالك الدنيا والآخرة عزا وذلا، ولا يملك ذلك غيري، فمن شهد ذلك وكمل دينه، فلا يخاف إلا مولاه، ولا يرجو سواه، فإنه المعطي المانع، الضار النافع.\rقوله: الْيَوْمَ بدل من اليوم قبله. قوله: (أحكامه وفرائضه) دفع بذلك ما يقال إنه قد نزل بعدها وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ فيكون حينئذ الكمال نسبيا. فأجاب بأن المراد إكمال الأحكام والفرائض التي أرسل بها رسول اللّه، وأما آية وَاتَّقُوا يَوْماً فهي موعظة ولا حكم فيها. إن قلت إن قوله:\rأَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ يقتضي نقصانه قبل ذلك. وأجيب: بأن القرآن نزل جملة في بيت العزة في سماء الدنيا، وصار ينزل بعد ذلك مفرقا، فحين نزول هذه كأن اللّه تعالى يقول لا تنتظروا بعد ذلك حكما، فإني قد أتممت لكم ما قدرته لكم وادخرته عندي، ولذلك حين نزلت بكى عمر، فقال له رسول اللّه: «ما","part":1,"page":358},{"id":359,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 359\rنِعْمَتِي بإكماله وقيل بدخول مكة آمنين وَرَضِيتُ أي اخترت لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ مجاعة إلى أكل شيء مما حرم عليه فأكله غَيْرَ مُتَجانِفٍ مائل لِإِثْمٍ معصية فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ له ما أكل رَحِيمٌ (3) به في إباحته له بخلاف المائل لإثم أي الملتبس به كقاطع الطريق والباغي مثلا فلا يحل له الأكل يَسْئَلُونَكَ يا محمد ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ من الطعام قُلْ\r______________________________\rيبكيك»؟ فقال: إذا تم شيء بدا نقصه. فقال له: صدقت، فكانت هذه الآية نعي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. روي عن عمر بن الخطاب أن رجلا يهوديا قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، فقال له: أي آية؟ قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ الآية، فقال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي أنزلت فيه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة بعد العصر ا ه.\rوقد تضمن جواب عمر أنهم جعلوا صبيحتها عيدا. قوله: (بإكماله) أي الدين، والأحسن أن يراد بإتمام النعمة ما هو أعم.\rقوله: وَرَضِيتُ هذه الجملة مستأنفة لبيان الحال، وليست معطوفة على أكملت، لأنه يقتضي أنه لم يرض الإسلام دينا إلا اليوم، ولم يرضه قبل ذلك، وليس كذلك، لأن الإسلام لم يرض مرضيا للّه وللنبي وأصحابه منذ أرسله، ورضي متعد لواحد، الإسلام مفعوله ودينا تمييز. قوله: فَمَنِ اضْطُرَّ مفرع على حرمت عليكم الميتة، فقوله اليوم: يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ إلى قوله: دِيناً معترض بينهما لبيان أن الإسلام حنيفية سمحاء لا صعوبة فيه كالأديان المتقدمة، ومن اسم شرط، واضطر فعل الشرط، وجوابه محذوف تقديره فلا إثم عليه، وقد صرح به في آية البقرة. قوله: (إلى أكل شيء) أي بقدر الضرورة وسد الرمق، وبذلك قال الشافعي، وقال مالك: يأكل المضطر من الميتة ويشبع ويتزود، فإن استغنى عنها طرحها وقدم مال الغير على الميتة، عند مالك إن لم يخف الضرر وقدم المختلف فيه على المتفق على حرمته.\rقوله: غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ أي بأن كان اضطراره ناشئا عن إثمه، فلا يجوز له الأكل، هكذا حمل الآية مالك، وقال الشافعي غير متجانف لإثم، بأن كان عاصيا بسفره كالآبق وقاطع الطريق، فقول المفسر كقاطع الطريق والباغي أي المسافرين وأما الحاضرون فيباح لهم أكل الميتة، وأما عند مالك فلا فرق بين العاصي بالسفر والطائع به فإنهما كالحاضر، فيأكلان منها إذا اضطرا، حيث لم يكن إصراره على المعصية موقعا له في الاضطرار.\rقوله: يَسْئَلُونَكَ هذه الآية مرتبة على قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ الخ فلما بين المحرمات سألوا عن الحلال، وصورة السؤال ماذا أحل اللّه لنا، وروي في سبب نزولها أن جبريل أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يستأذن عليه، فأذن له، فلم يدخل، فقال له النبي: قد أذنا لك يا رسول اللّه، قال: أجل ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب، فأمر صلّى اللّه عليه وسلّم أبا رافع بقتل كل كلب في المدينة ففعل، حتى انتهى إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها فتركه رحمة لها، ثم جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأمره بقتله فرجع إلى الكلب فقتله، فجاؤوا إلى رسول اللّه فقالوا له: ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها، قال: فسكت رسول اللّه، فنزل يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ الآية، فعند ذلك أذن رسول اللّه في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها، ونهى عن إمساك ما لا نفع","part":1,"page":359},{"id":360,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 360\rأُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ المستلذات وَصيد ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ الكواسب من الكلاب والسباع والطير مُكَلِّبِينَ حال من كلبت الكلب بالتشديد أي أرسلته على الصيد تُعَلِّمُونَهُنَ حال من ضمير مكلبين أي تؤدبوهن مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ من آداب الصيد فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وإن قتلنه بأن لم يأكلن منه بخلاف غير المعلمة فلا يحل صيدها وعلامتها أن تسترسل إذا أرسلت وتنزجر إذا زجرت وتمسك الصيد ولا تأكل منه وأقل ما يعرف به ذلك ثلاث مرات فإن أكلت منه فليس مما أمسكن على صاحبها فلا يحل أكله كما في حديث الصحيحين وفيه أن صيد السهم إذا أرسل وذكر اسم اللّه عليه كصيد المعلم من الجوارح وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ عند\r______________________________\rفيه منها، وروى الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من أمسك كلبا فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراط»، وفي رواية قيراطان، إلا كلب حرث أو ماشية، ويؤخذ من هذا الحديث أن قتل غير النافع من الكلاب مندوب، إن لم يكن عقورا يخشى منه الضرر ولا يندفع إلا بالقتل، وإلا وجب قتله عند مالك. قوله: (المستلذات) أي الشرعية وهي ما لم يثبت تحريمها بكتاب أو سنة، فلا يرد لحم الخنزير مثلا إذا أتقن طبخه. قوله: وَ(صيد) ما عَلَّمْتُمْ قدره إشارة إلى أن ما معطوف على الطيبات لكن على حذف مضاف، وصيد بمعنى مصيد، ومن الجوارح بيان لما.\rقوله: مُكَلِّبِينَ حال أي من التاء في علمتم. قوله: (من كلبت) أي مأخوذ من كلبت. قوله:\r(أرسلته على الصيد) أي فمعنى مكلبين مرسلين بمعنى قاصدين إرساله احترازا عما لو ذهبت من غير إرسال وأتى بصيد فلا يؤكل، وفسره غيره بالتعليم، فيكون حالا مؤكدة لعاملها، وما قاله المفسر أوجه، وإن رد بأنه لا مستند له في ذلك، لأن المفسر حجة، وعبر عن الإرسال بالتكليب، إما إشارة إلى أن ذلك غالب في الكلاب، أو أن الكلب يطلق على كل ما يصاد به سبع وطير. قوله: (حال من ضمير مكلبين) أي مؤكدة إن فسر مكلبين بمعلمين، ومؤسسة إن فسر بمرسلين، ويصح أن يكون جملة مستأنفة موضحة لما قبلها.\rقوله: مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ من للتبعيض، وقوله: (من آداب الصيد) بيان لما.\rقوله: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ نتيجة قوله: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ وقوله: عَلَيْكُمْ أي لكم قوله: (بأن لم يأكلن منه) أي فإن أكلن منه فلا يؤكل وهو داخل في قوله ما أكل السبع، وهذا الشرط اعتبره الشافعي، وعند مالك يؤكل، ولو أكل منه الجارح، فإن أدرك حيا فلا بد من ذكاته الشرعية، فقوله: (بأن لم يأكلن) تفسير لقوله: أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ لأنه إن أكل منه فليس ممسكا لصاحبه بل لنفسه، وقد علمت أن هذا التقييد مذهب الشافعي، وسيأتي إيضاحه في آخر عبارة المفسر، قوله:\r(و علامتها الخ) ذكر أربع علامات وهي معتبرة في الكلب والسبع، وأما في الطير كالصقر فلا يعتبر فيه إلا قيدان، أن لا يأكل منه، وأنه إذا أرسل استرسل. والحاصل أن المدار عند مالك في الصقر أنه إذا أرسل استرسل، وزاد الشافعي فيه أن لا يأكل مما أمسك، وأما في الكلب والسبع ففيه القيود الأربعة التي ذكرها المفسر، ما عدا الأكل عند مالك قوله: (كما في حديث الصحيحين) أي ولكن هذا الحديث لم يأخذ به مالك قوله: (و فيه) أي في الحديث قوله: (و ذكر اسم اللّه عليه) أي وهو سنّة عند الشافعي، وعند مالك واجب مع الذكر والقدرة، وأما النية فلا بد منها لأنها شرط صحة قوله: (كصيد المعلم من الجوارح) ألحق","part":1,"page":360},{"id":361,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 361\rإرساله وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ المستلذات وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي ذبائح اليهود والنصارى حِلٌ حلال لَكُمْ وَطَعامُكُمْ إياهم حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ الحرائر مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ حل لكم أن تنكحوهن إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَ مهورهن مُحْصِنِينَ متزوجين غَيْرَ مُسافِحِينَ معلنين بالزنا بهن وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ منهن تسرون بالزنا بهن وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ أي يرتد فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ الصالح قبل ذلك فلا يعتد به ولا يثاب عليه وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (5) إذا مات عليه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ أي أردتم القيام إِلَى الصَّلاةِ\r______________________________\rمالك بالسهم ما صيد ببندق الرصاص، لأن قوته تقوم مقام حد السهم. قوله: عَلَيْهِ اختلف في مرجع الضمير، فقيل عائد على ما علمتم من الجوارح، وإليه يشير المفسر بقوله عند إرساله، وقيل عائد على ما أمسكن عليكم، أي سموا اللّه إذا أدركتم ذكاته.\rقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي امتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه، حيث بينّ لكم الحلال والحرام قوله:\rسَرِيعُ الْحِسابِ ورد أنه يحاسب الخلق في قدر نصف يوم من أيام الدنيا.\rقوله: الْيَوْمَ يحتمل أن المراد باليوم المتقدم في قوله: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهو يوم عرفة، ويحتمل أن المراد يوم نزولها، ويحتمل أن المراد به الزمن مطلقا. قوله: (أي ذبائح اليهود والنصارى) أي إن ذبح ما هو حل لهم في شرعنا، ولم يذكر اسم غير اللّه عليه وتؤكل ذبائحهم، ولو غيروا اليهودية بالنصرانية وعكسه عند مالك، واشترط الشافعي عدم التغيير والتبديل. قوله: وَطَعامُكُمْ (إياهم) أي بمعنى إطعامكم إياهم، ومعنى (حل لهم) أي لا يحرم عليهم بشرعهم، ولا يحرم علينا أن نطعمهم من ذبائحنا.\rقوله: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ أي الحرائر منهن، وأما الإماء فتقدم أنهن حل بالشروط.\rقوله: (الحرائر) أي وأما الإماء فلا يحل نكاحهن إلا بالملك، وأما حرائرنا فلا يحل لهم نكاحهن، بل ولا إماؤنا، فتحصل أن طعامنا حل لهم، وطعامهم حل لنا، ونساؤهم حل لنا، ونساؤنا لسن حلالهم. قوله:\rإِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَ بيان للأكمل، واحترز عن الدخول على إسقاطه فلا يحل، والظرف متعلق بالخبر المحذوف الذي قدره المفسر بقوله حل لكم.\rقوله: مُحْصِنِينَ حال من آتَيْتُمُوهُنَ أي حال كونكم محصنين، وقوله: غَيْرَ مُسافِحِينَ نعت لمحصنين. قوله: أَخْدانٍ جمع خدن وهو الخليل والصاحب الذي يزني بالمرأة سرا. قوله:\rبِالْإِيمانِ الباء بمعنى عن، والكفر بمعنى الردة، أي يرتد عن الإيمان. قوله: حَبِطَ عَمَلُهُ (الصالح) أي والسيىء إن عاد للإسلام بمعنى بطل كل منهما، فلو عاد للإسلام فلا عقاب عليه في السيىء، ولا ثواب له في الصالح، والمرتد لا يقضي الصلاة ولا الصوم ولا الزكاة، إذا فاته جميع ذلك في زمن الردة أو قبل زمنها ما لم يرتد بقصد إسقاط ذلك، ولا يقضي إلا ما أسلم في وقته لعموم آية قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ عند مالك، وعند الشافعي يقضي جميع ذلك، وأما الحج فوقته وهو العمر باق فيقضيه. قوله: (إذا مات عليه) أي الكفر وهو راجع لقوله: وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ لا لما قبله، فإنه يحبط عمله زمن الردة مطلقا، مات على الكفر أو الإسلام.","part":1,"page":361},{"id":362,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 362\rوأنتم محدثون فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ أي معها كما بينته السنة وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ الباء للإلصاق أي ألصقوا المسح بها من غير إسالة ماء وهو اسم جنس فيكفي أقل ما يصدق عليه وهو مسح بعض شعره وعليه الشافعي وَأَرْجُلَكُمْ بالنصب عطفا على أيديكم\r______________________________\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنما وجه الخطاب للمؤمنين، وإن كان الكفار مخاطبين بفروع الشريعة أيضا على الصحيح لعدم صحتها منهم إلا بالإسلام. قوله: إِذا قُمْتُمْ أي اشتغلتم بها قولا وفعلا من قيام أو غيره. قوله: (أي أردتم القيام) دفع بذلك ما يقال إن مقتضى الآية أن الطهارة لا تجب إلا بعد الشروع في الصلاة، فأجاب بأن المراد أردتم القيام، أي قصدتموه وعزمتم عليه، وشرعت الطهارة قبل الصلاة، لأن المصلي يناجي ربه وهو في حضرته، فيحتاج قبل ذلك للنظافة من الحدثين الأصغر والأكبر، ومن الخبثين الحسي والمعنوي كالذنوب، ليترتب على ذلك قبول طاعته. قوله: (و أنتم محدثون) أي حدثا أصغر، وأخذ المفسر هذا من قوله فيما يأتي وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً وفيه إشارة للجواب عن إشكال البيضاوي حيث قال ظاهر الآية أن كل قائم إلى الصلاة يجب عليه الوضوء وإن لم يكن محدثا، وقوله: (و أنتم محدثون) أي ممنوعون من الصلاة لعدم وجود الطهارة فيشمل من ولد، ولم يحصل منه ما يوجب الوضوء إلى أن بلغ فيجب عليه الوضوء، لأنه كان ممنوعا من الصلاة قبل ذلك لعدم وجود الطهارة، ولذا علق الوضوء بالقيام للصلاة. قوله: وُجُوهَكُمْ أي ليغسل كل منكم وجهه ولو تعدد وحده، طولا من منابت شعر الرأس المعتاد لآخر الذقن، وعرضا ما بين وتدي الأذنين، ويخلل لحيته إن كانت خفيفة وإلا غسل ظاهرها فقط، ويتتبع أسارير جبهته والوترة ولا يلزمه غسل داخل العينين، وأما المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين فسنة. قوله: (أي معها) أشار بذلك إلى أن إلى بمعنى مع، وهذا أسهل ما قيل، وقيل إن إلى على بابها من الانتهاء، والغاية داخلة، وقيل خارجة، وقيل إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها دخلت وإلا فلا، والأصح أن إلى لا يدخل ما بعدها فيما قبلها عكس حتى، قال سيدي علي الأجهوري:\rوفي دخول الغاية الأصحّ لا ... تدخل مع إلى وحتّى دخلا\r\rوأما في الآية فإما أن يقال إنها بمعنى مع، أو الغاية داخلة على خلاف القاعدة لوجود القرينة، فغسل المرافق واجب لذاته، وليس من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. قوله: (كما بينته السنة) أي فبينت السنة أن المرافق تغسل مع الأيدي، ويجب تخليل أصابع الأيدي عند مالك لوجوب الدلك عنده.\rقوله: (الباء للإلصاق) وقيل للتبعيض لدخولها على متعدد، وأما في وليطوفوا بالبيت فللإلصاق، لدخولها على غير متعدد، وأورد على ذلك آية التيمم، فإن قيل إنها للإلصاق يقال أي فرق بينهما، ولما كان هذا المعنى معترضا، عدل عنه المفسر وجعلها للإلصاق في كل، وأحال بيان ذلك للسنّة. قوله: (أي ألصقوا المسح بها) لعل في كلام المفسر تسامحا، لأن المسح معنى من المعاني لا يلصق، لأن الإلصاق لا يكون إلا بين جسمين، إلا أن يقال المراد بالمسح آلته وهو اليد. قوله: (من غير إسالة ماء) بيان لحقيقة المسح من حيث هو، لا لما لا يكفي في الوضوء، فإن الغسل يكفي أيضا. قوله: (و هو) أي المسح. قوله: (و هو مسح بعض شعره) وقال أبو حنيفة يجب مسح ربع الرأس، وقال مالك وأحمد يجب مسح الجميع، كما يجب مسح الوجه في التيمم. قوله: (بالنصب) أي لفظا وهي قراءة نافع وابن عامر والكسائي وحفص","part":1,"page":362},{"id":363,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 363\rوبالجر على الجوار إِلَى الْكَعْبَيْنِ أي معهما كما بينته السنة وهما العظمان الناتئان في كل رجل عند مفصل الساق والقدم والفصل بين الأيدي والأرجل المغسولة بالرأس الممسوح يفيد وجوب الترتيب في طهارة هذه الأعضاء وعليه الشافعي ويؤخذ من السنة وجوب النية فيه كغيره من العبادات وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا فاغتسلوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى مرضا يضره الماء أَوْ عَلى سَفَرٍ أي مسافرين أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أي أحدث أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ سبق مثله في آية النساء فَلَمْ تَجِدُوا ماءً بعد طلبه فَتَيَمَّمُوا اقصدوا صَعِيداً طَيِّباً ترابا طاهرا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مع المرفقين مِنْهُ بضربتين والباء للإلصاق وبينت السنة أن المراد استيعاب العضوين بالمسح ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ضيق بما فرض عليكم\r______________________________\rعن عاصم، وقوله: (و الجر) أي وهي لباقي السبعة. قوله: (على الجوار) أي فهو في المعنى منصوب بفتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المجاورة، واعترض هذا الحمل بأنه لم يرد الجر بالمجاورة إلا في النعت، ومع ذلك هو ضعيف، والأولى أن يقال إنه مجرور لفظا، ومعنى معطوف على الرؤوس والمسح مسلط عليه، ويحمل على حالة لبس الخف، أو يقال إن المراد بالمسح الغسل الخفيف، وسماه مسحا ردا على من يتبع الشك ويسرف في الماء وهو بعيد. قوله: (و هما) أي الكعبان. قوله: (عند مفصل) بفتح الميم وكسر الصاد، وأما بكسر الميم وفتح الصاد فهو اللسان، ويجب على الإنسان في غسل رجليه أن يتتبع العقب بالغسل لما في الحديث: «ويل للأعقاب من النار» وتسن الزيادة على محل الفرض عند الشافعي، وفسر بها الغرة والتحجيل الواردين في الحديث، وكره مالك ذلك، وفسر الغرة والتحجيل بإدامة الطهارة. قوله: (و الفصل) هو مبتدأ وخبره (يفيد) وقصده بذلك تتميم الفرائض السنة عند الشافعي، ومحصل ذلك أن الواو وإن كانت لا تقتضي ترتيبا لكن وجدت قرينة تفيد الترتيب وهو الفصل بين المغسولات بالرأس الممسوح، لكن يقال إن ذلك ظاهر في غير الوجه مع الأيدي، وعند مالك ليس الترتيب فرضا. وإنما هو سنة إبقاء للواو على ظاهرها ولم يعتبر تلك القرينة. قوله: (وجوب النية فيه) أي لأنه عبادة، وكل عبادة تحتاج لنية، فتحصل أن فرائض الوضوء عند الإمام الشافعي ستة: الأربعة القرآنية، والنية، والترتيب. وعند مالك سبعة: الأربعة، والنية، والموالاة بأن لا يفرق بين أجزائه تفريقا متفاحشا، والتدليك وهو إمرار باطن الكف على الأعضاء. وعند الحنفية الأربعة القرآنية لا غير.\rقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً أي بمغيب الحشفة، أو خروج المني بلذة معتادة في اليقظة، أو مطلقا في النوم، أو الحيض، أو النفاس، لأن الخطاب عام للذكور والإناث. قوله: (أي أحدث) أي فالمجيء من الغائط كناية عن الحدث، وعبر عنه بالغائط، لأن العادة قضاء الحاجة في الغائط، بمعنى المكان المنخفض.\rقوله: (سبق مثله) أي فيقال هنا جامعتم أو جسستم باليد. قوله: (مع المرفقين) أي فهو فرض عند الشافعي حملا على آية الوضوء، وعند مالك مسح المرفقين سنّة، وإنما الفرض للكوعين. قوله:\r(بضربتين) أي فهما فرض عند الشافعي، وعند مالك الأولى فرض والثانية سنّة. قوله: (و بينت السنة","part":1,"page":363},{"id":364,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 364\rمن الوضوء والغسل والتيمم وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ من الأحداث والذنوب وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ بالإسلام ببيان شرائع الدين لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) نعمه وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالإسلام وَمِيثاقَهُ عهده الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ عاهدكم عليه إِذْ قُلْتُمْ للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين بايعتموه سَمِعْنا وَأَطَعْنا في كل ما تأمر به وتنهي عما نحب ونكره وَاتَّقُوا اللَّهَ في ميثاقه أن تنقضوه إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (7) بما في القلوب فبغيره أولى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ قائمين لِلَّهِ بحقوقه شُهَداءَ بِالْقِسْطِ بالعدل وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ يحملنكم\r______________________________\rالخ) جواب من الشافعية والحنفية عن التعارض الواقع بين آية الوضوء وآية التيمم. قوله: (من الوضوء والغسل والتيمم) أي فأوجب ما ذكر عند القدرة عليه، ووجود الماء أو الصعيد، فإن فقدا معا سقطت عنه الصلاة، وقضاؤها على المعتمد عند مالك، ويصلي ويقضي عند الشافعي. قوله: (من الأحداث والذنوب) أي فإذا تطهر الإنسان فقد خلص من الحدث والذنوب، لأنه ورد أن الذنوب تتساقط مع غسل الأعضاء. قوله: (بالإسلام) الباء للتعدية، والجار والمجرور متعلق بنعمة، فهو أعظم النعم، لأنه به ينال كل خير.\rقوله: إِذْ قُلْتُمْ ظرف لقوله: واثَقَكُمْ بِهِ. قوله: (حين بايعتموه) أي عند العقبة سنة الهجرة، لما جاءه سبعون من الأنصار، ورئيسهم إذ ذاك البراء بن معرور، وكان له اليد البيضاء في الميثاق، حتى أنه قال: والذي بعثك بالحق، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول اللّه، فنحن واللّه أبناء الحرب كابرا عن كابر، وبايعوه على أن يقاتلوا معه الأسود والأبيض، وكذلك بيعة الرضوان تحت الشجرة، حين صده المشركون عن البيت، أشاع إبليس أن عثمان قتل، فبايع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الصحابة على عدم الرجوع حتى يقتلوا أو يدخلوا مكة، وهكذا حمل المفسر على عهد النبي أصحابه، ويحتمل أن المراد العهد الواقع يوم ألست بربكم، فيكون المعنى: اذكروا نعمة اللّه عليكم، حيث خلقكم على التوحيد في عالم الأرواح، وجعل عالم الأجساد موافقا له، فالإيمان نعمة عظيمة لموافقته للإجابة الواقعة يوم ألست بربكم، وكل صحيح، لكن إن كان المراد عهد اللّه الأزلي فالنسبة له ظاهرة، وإن كان المراد عهد النبي لأصحابه، فإسناد العهد للّه، لأنه هو المعاهد حقيقة، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ الآية.\rقوله: سَمِعْنا أي سماع قبول. قوله: (مما نحب) أي بأن كان موافقا لما تهواه نفوسهم، وقوله:\r(و نكره) أي بأن لم يكن موافقا، كالجهاد وأداء الزكاة مثلا. قوله: (بما في القلوب) أي من الإخلاص وغيره، فذات الصدور صفة لموصوف محذوف تقديره الأمور الخفية صاحبات الصدور التي لا يطلع عليها إلا اللّه.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ شروع في بيان الحقوق الواجبة على العباد، وهي قسمان: متعلق بالخالق وهو قوله: قَوَّامِينَ لِلَّهِ وبالمخلوق وهو قوله: شُهَداءَ بِالْقِسْطِ، وقد تقدمت هذه الآية في النساء، وكررها اعتناء بشأنها، فإن مقام القيام بحق اللّه وحق عباده عظيم، وهو حقيقة التوفيق، فليس كل من آمن قام بالحقين، وقوله قوامين خبر لكونوا، وشهداء خبر ثان. قوله: (بحقوقه) أي الخاصة به،","part":1,"page":364},{"id":366,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 365\rشَنَآنُ بغض قَوْمٍ أي الكفار عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا فتنالوا منهم لعداوتهم اعْدِلُوا في العدو والولي هُوَ أي العدل أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (8) فيجازيكم به وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وعدا حسنا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) هو الجنة وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (10) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا\r______________________________\rكالصلاة والصوم والحج وغير ذلك. قوله: شُهَداءَ بِالْقِسْطِ أي فلا تشهدوا بخلاف الواقع، بل بما في نفس الأمر، وهو المراد بقوله: (بالعدل). قوله: (يحملنكم) هو معنى يَجْرِمَنَّكُمْ ومن ثم عداه بعلى، ويجوز أن يفسر بيكسبنكم وهما متقاربان. قوله: شَنَآنُ بفتح النون وسكونها سبعيتان. قوله: (أي الكفار) أشار به إلى أنها نزلت في قريش لما صدوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن المسجد الحرام، ولكن العبرة بعموم اللفظ.\rقوله: عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بعلى، أي على عدم العدل، كنقض العهد، وإيذاء من أسلم منهم. قوله: (فتنالوا منهم) أي مقصودكم من القتل وأخذ المال. قوله: (في العدو والولي) أي فسووا بين المحب والمبغض في العدل، ولا تؤثروا المحب. قوله:\rاعْدِلُوا تصريح بما علم من النهي عن ترك العدل، اعتناء بشأن العدل. قوله: (أي العدل) أي المأخوذ من قوله: اعْدِلُوا فإن الضمير لا بد أن يرجع لمذكور، ولو ضمنا كما هنا.\rقوله: أَقْرَبُ لِلتَّقْوى أي أقرب ما يدل على التقوى لأنها في القلب، والعدل أكبر دليل عليها، فعند القدرة يظهر الحال، فمن ظهر العدل على يديه، كان دليلا على تقواه، ومن لا فلا، ومنه ما ورد:\rالظلم كمين في النفس، القوة تظهره، والعجز يخفيه. قوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي امتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه. قوله: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ فيه وعد ووعيد، وبين الوعد بقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، وبين الوعيد بقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا الخ.\rقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا تفصيل لما أجمل في قوله: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ والذين مفعول أول لوعد، وقدر المفسر المفعول الثاني بقوله: (وعدا حسنا) أي موعودا، فأطلق المصدر، وأراد اسم المفعول. وقوله: (لهم مغفرة وأجر عظيم) جملة مستأنفة بيان للموعود به الحسن. قوله: (الجنة) تفسير للأجر العظيم، فيكون عطف الأجر العظيم على المغفرة من عطف المسبب على السبب.\rقوله:\rوَالَّذِينَ كَفَرُوا مبتدأ، وأُولئِكَ مبتدأ ثان، وأَصْحابُ خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، والجملة مستأنفة لبيان وعيد الكفار، ولم يقل في جانب الكفار لهم عذاب الجحيم مثلا قطعا لرجائهم، لأن صاحب الشيء لا ينفك عنه.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا سبب نزولها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما خرج هو وأصحابه لعسفان في غزوة ذي أنمار، وهي غزوة ذات الرقاع، قاموا إلى الظهر جميعا، فلما صلوا ندم المشركون على عدم المكر بهم في الصلاة، فقالوا إن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم، يعنون بها صلاة العصر، وهموا أن يقعوا بهم إذا قاموا إليها، فرد اللّه كيدهم بنزول آية صلاة الخوف، وقيل ما روي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أتى بني قريظة، ومعه أبو بكر وعمر وعلي، يستقرض منهم دية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ","part":1,"page":365},{"id":367,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 366\rنِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ هم قريش أَنْ يَبْسُطُوا يمدوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ليفتكوا بكم فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وعصمكم مما أرادوا بكم وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ بما يذكر بعد وَبَعَثْنا فيه التفات عن الغيبة أقمنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً من كل سبط نقيب يكون كفيلا على قومه بالوفاء بالعهد توثقة عليهم وَقالَ لهم اللَّهُ\r______________________________\rبحسبهما مشركين، فقالوا: يا أبا القاسم اجلس حتى نطعمك ونعطيك ما سألت، فأجلسوه في صفة وهموا بالفتك به، وعمد عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة يطرحها عليه، فأمسك اللّه تعالى يده ونزل جبريل عليه وأخبره، فخرج هو وأصحابه ونقض عهدهم حينئذ، وأقام الحرب عليهم، وقيل هو ما روي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نزل منزلا، وتفرق أصحابه في الشجر يستظلون به، فجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تحت شجرة وعلق سيفه بها ونام، فجاء أعرابي وأخذ السيف من الشجرة وسله، فاستيقظ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فوجده في يده، فقال له الأعرابي: يا محمد من يمنعك مني؟ فقال: اللّه، فسقط السيف من يده، فأخذه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال له: «من يمنعك مني»؟ فقال: لا أحد، أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا رسول اللّه، والأحسن أن يراد بقوله: إِذْ هَمَّ قَوْمٌ ما هو أعم فيشمل هذه الوقائع وغيرها كواقعة السم. قوله: أَنْ يَبْسُطُوا الخ، يقال بسط إليه يده إذا بطش به، وبسط إليه لسانه إذا شتمه، والمراد مدوا إليكم أيديهم بالقتل.\rقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي دوموا على امتثال أوامره واجتناب نواهيه. قوله: وَعَلَى اللَّهِ أي لا على غيره، فلا يعتمد الإنسان على سبب ولا غيره، بل يثق باللّه ويفوض أمره إليه.\rقوله: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ كلام مستأنف مسوق لبيان تحريض المؤمنين على الوفاء بالعقود، فإن المقصود من ذكر الأمم السابقة، ونقضهم عهود أنبيائهم، تذكير هذه الأمة بأن الوفاء بالعهود أمره عظيم وأجره جسيم، ونقضه فيه الوبال الكبير، ولذا قال العارف أبو الحسن الشاذلي: فالويل لمن لم يعرفك، بل الويل ثم الويل لمن أقر بوحدانيتك ولم يرض بأحكامك. قوله: (بما يذكر بعد) أي من قوله: إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ الخ، فعهد اللّه هو امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، والدال على ذلك تجب مطاوعته، فالشيخ المتمسك بشرع رسول اللّه، القائم بحقوق اللّه وحقوق عباده، إذا أخذ العهد بذلك على إنسان، وجب عليه اتباعه ونقض عهده، إما كفر إذا قصد نقض ما هو عليه من التوحيد وغيره، أو ضلال مبين إذا قصد عدم الإلتزام بأوراده، وأما من خالف الشرع، واتبع هوى نفسه، فالواجب نقض عهده، لأن من لا عهد له مع اللّه، لا عهد له مع خلقه، قال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى هكذا ينبغي. قوله: (فيه التفات عن الغيبة) أي وكان مقتضى الظاهر وبعث، وإنما التفت اعتناء بشأن البعث قوله: (أقمنا) أشار بذلك إلى أن المراد بالبعث الجعل والإقامة، لا الإرسال، إلا لكانوا معصومين من النقض.\rقوله: مِنْهُمُ إما متعلق ببعثنا، أو بمحذوف حال من اثني عشر، وقوله: نَقِيباً تمييزه، والنقيب فعيل، إما بمعنى فاعل لأنه يفتش على أحوال القوم، أو بمعنى مفعول لأنهم فتشوا عليه، واختاروه نقيبا عليهم مشتق من التنقيب وهو التفتيش، ومنه فنقبوا في البلاد، سمي بذلك لأنه يفتش عن أحوال القوم ويسعى في مصالحهم. قوله: (من كل سبط نقيب) أي فالنقباء على عدد الأسباط، وهم أولاد يعقوب، وكانوا اثني عشر كل واحد منهم سبط. قوله: (توثقة عليهم) أي تأكيدا عليهم.","part":1,"page":366},{"id":368,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 367\rإِنِّي مَعَكُمْ بالعون والنصرة لَئِنْ لام قسم أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ نصرتموهم وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً بالانفاق في سبيله لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ الميثاق منكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (12) أخطأ طريق الحق والسواء في الأصل الوسط فنقضوا الميثاق قال اللّه تعالى فَبِما نَقْضِهِمْ ما زائدة مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ أبعدناهم عن رحمتنا وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً لا تلين\r______________________________\rقوله: وَقالَ (لهم) أي للنقباء، وعهد النقباء هو عهد بني إسرائيل، أو الضمير عائد على بني إسرائيل عموما، وسبب ذلك أن بني إسرائيل لما رجعوا إلى مصر بعد هلاك فرعون، أمرهم اللّه تعالى بالسير إلى أريحاء بأرض الشام، وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون، وقال لهم: إني كتبتها لكم دارا وقرارا، فأخرجوا من فيها وإني ناصركم، وأمر موسى أن يأخذ من كل سبط نقيبا أمينا يكون كفيلا على قومه بالوفاء بما أمروا به، فاختار النقباء، وأخذ الميثاق على بني إسرائيل وسار بهم، فلما دنا من أرض كنعان، بعث النقباء إليهم يتجسسون أحوالهم، فرأوا خلقا أجسامهم عظيمة، ولهم قوة وشوكة فهابوهم فرجعوا، وكان موسى قد نهاهم أن يتحدثوا بما يرون من أحوال الكنعانيين، فنكثوا الميثاق وتحدثوا، إلا اثنين منهم، قيل لما توجه النقباء لتجسس أحوال الجبارين، لقيهم عوج بن عنق، وعنق أمه إحدى بنات آدم لصلبه، وكان عمره ثلاثة آلاف سنة، وطوله ثلاثة آلاف وثلثمائة وثلاثين ذراعا، وكان على رأسه حزمة حطب، فأخذ النقباء وجعلهم في الحزمة، وانطلق بهم إلى امرأته، فطرحهم بين يديها، وقال اطحنيهم بالرحى، فقالت لا بل نتركهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا، فجعلوا يتعرفون أحوالهم، وكان من أحوالهم أن عنقود العنب عندهم لا يحمله إلا خمسة رجال منهم، وأن قشرة الرمانة تسع خمسة منهم، فلما خرج النقباء من أرضهم، قال بعضهم لبعض: إن أخبرتم بني إسرائيل بخبر القوم، ارتدوا عن نبي اللّه، ولكن اكتموه إلا عن موسى وهارون، ثم انصرفوا إلى موسى، وكان معهم حبة من عنبهم، فنكثوا عهدهم، وجعل كل واحد منهم ينهي سبطه عن القتال ويخبره بما رأى، إلا كالب ويوشع، وكان عسكر موسى فرسخا في فرسخ، فجاء عوج بن عنق حتى نظر إليهم، فجاء إلى جبل وأخذ منه صخرة على قدر عسكر موسى، ثم حملها على رأسه ليطبقها عليهم، فبعث اللّه الهدهد فنقر وسط الصخرة المحاذي لرأسه، فوقعت في عنقه وطوقته فصرعته، وأقبل موسى فقتله، فأقبلت جماعته حتى حزوا رأسه، وهذه القصة ذكرها كثير من المفسرين، قال المحققون: إنه لا عوج ولا عنق، وإنما الصحيح من القصة وجود الجبارين وقريتهم، وأنهم عظام الأجسام، وبالجملة فالصحيح هو ما قصه اللّه علينا فيما يأتي في هذا الربع. قوله: (لام قسم) أي واللّه، وجوابه هو قوله لأكفرن، وحذف جواب الشرط لتأخره عن القسم اكتفاء بجواب القسم، قال ابن مالك: واحذف لدى اجتماع شرط وقسم، جواب ما أخرت.\rقوله: وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي أخره عن الصلاة والزكاة، مع أنهما من الفروع، لأن بعضهم كان يفعلهما مع كونه يكذب ببعض الرسل، فأفاد اللّه تعالى أن عدم الإيمان لا ينفع مع فعل الطاعات قوله:\rوَعَزَّرْتُمُوهُمْ من التعزيز، يطلق على التعذيب، وعلى التعظيم والتوفير والنصرة، وهو المراد هنا.\rقوله: (بالإنفاق في سبيله)، أي واجبا أو مندوبا، وهو أعم من الزكاة. قوله: (فنقضوا الميثاق) أي بتكذيبهم الرسل، وقتلهم الأنبياء، وتضييعهم الفرائض.","part":1,"page":367},{"id":369,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 368\rلقبول الإيمان يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ الذي في التوراة من نعت محمد وغيره عَنْ مَواضِعِهِ التي وضعه اللّه عليها أي يبدلونه وَنَسُوا تركوا حَظًّا نصيبا مِمَّا ذُكِّرُوا أمروا بِهِ في التوراة من اتباع محمد وَلا تَزالُ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم تَطَّلِعُ تظهر عَلى خائِنَةٍ أي خيانة مِنْهُمْ بنقض العهد وغيره إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ممن أسلم فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) وهذا منسوخ بآية السيف وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى متعلق بقوله أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ كما أخذنا على بني إسرائيل اليهود فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ في الإنجيل من الإيمان وغيره ونقضوا الميثاق فَأَغْرَيْنا أوقعنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ بتفرقهم واختلاف أهوائهم فكل فرقة تكفر الأخرى وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ في الآخرة بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (14) فيجازيهم عليه يا أَهْلَ الْكِتابِ اليهود والنصارى قَدْ جاءَكُمْ\r______________________________\rقوله: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ بيان لقسوة قلوبهم. قوله: (تركوا) أشار بذلك إلى أن المراد بالنسيان، الترك من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. قوله: (خيانة) أشار بذلك إلى أن خائنة بمعنى خيانة، فالتاء للتأنيث بدليل القراءة الأخرى خيانة. قوله: (و هذا) أي الأمر بالعفو والصفح، منسوخ إن أريد مع بقائهم على الكفر، وأما إن أريد إن تابوا فلا نسخ.\rقوله: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى شروع في بيان قبائح النصارى إثر بيان قبائح اليهود، والحكمة في قوله قالوا، ولم يقل ومن النصارى، أن هذه التسمية واقعة منهم لأنفسهم، ولم يسمهم اللّه تعالى بذلك، والجار والمجرور متعلق بأخذنا، والأصل وأخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم وهو الأحسن، ولذا مشى عليه المفسر، وقدم الجار والمجرور على قوله: مِيثاقَهُمْ هروبا من عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وهو غير جائز إلا في مواضع ليس هذا منها، ونصارى نسبة للنصر، لأنهم يزعمون أنهم أنصار اللّه، ومفرده نصران ونصرانة، ولكن ياء النسب لا تفارقه، وقيل نسبة لقرية اسمها نصرة، فيكون مفرده نصرى، ثم أطلق على كل من تعبد بهذا الدين. قوله: مِيثاقَهُمْ أي عهدهم المؤكد.\rقوله: فَنَسُوا حَظًّا أي تركوه. قوله: (من الإيمان) أي بمحمد وبجميع الأنبياء، وقوله:\r(و غيره) أي غير الإيمان كبشارة عيسى بمجيء محمد بعده رسولا. قوله: (و نقضوا الميثاق) أي تكذيب الأنبياء، وتحريف ما في الإنجيل، وهذا مرتب على قوله: فَنَسُوا حَظًّا وكذا قوله: فَأَغْرَيْنا وهو من غرا بالشيء إذا لصق به، يقال غروت الجلد ألصقته بالغراء، وهو كناية عن إيقاع العداوة بينهم، والتعبير بالإغراء أبلغ كأن العداوة لا صقة بهم كالغراء اللاصق بالجلد. قوله: بَيْنَهُمُ متعلق بأغرينا والضمير عائد على اليهود والنصارى، أي ألقينا العداوة بين اليهود والنصارى، فكل من الفرقتين تلعن الأخرى، وقيل الضمير عائد على النصارى فقط باعتبار فرقهم، لأنهم ثلاث فرق: الملكانية واليعقوبية والنسطورية فكل فرقة تلعن الأخرى، وإنما لم يظهروا ذلك بين المسلمين، خوفا من الشماتة بهم فكل فرقة تكفر الأخرى، أي في الدنيا وفي الآخرة كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها. قوله: وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ (في الآخرة) أي بقوله يوم القيامة: وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ الآية.","part":1,"page":368},{"id":370,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 369\rرَسُولُنا محمد يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ تكتمون مِنَ الْكِتابِ التوراة والإنجيل كآية الرجم وصفته وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ من ذلك فلا يبينه إذا لم يكن فيه مصلحة إلا افتضاحكم قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ هو نور النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَكِتابٌ قرآن مُبِينٌ (15) بينّ ظاهر يَهْدِي بِهِ أي بالكتاب اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ بأن آمن سُبُلَ السَّلامِ طرق السلامة وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ الكفر إِلَى النُّورِ الايمان بِإِذْنِهِ بإرادته وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) دين الاسلام لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ حيث جعلوه إلها وهم اليعقوبية فرقة من النصارى قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ أن يدفع مِنَ عذاب اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً أي لا أحد يملك ذلك ولو كان المسيح إلها لقدر عليه وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شاءه قَدِيرٌ (17) وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى أي كل منهما نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ أي كأبنائه في القرب والمنزلة وهو كأبينا في الرحمة والشفقة وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ لهم يا محمد فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ إن صدقتم في ذلك ولا يعذب\r______________________________\rقوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ خطاب للفريقين جميعا، بعد أن ذكر كل فرقة على حدة. قوله: (كآية الرجم وصفته) أي فقد أخفوهما، وأطلع اللّه نبيه على أنهما في التوراة، فبين ذلك وأظهره، وهو معجزة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، لأنه لم يقرأ كتابهم، ولم يجلس بين يدي معلم، وهذا مثال لما في التوراة، ولم يمثل لما في الإنجيل، ولو مثل له لقال: وكبشارة عيسى بمحمد.\rقوله: وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ أي من قبائحهم كسبه فيما بينهم، والكلام في شأنه هو والقرآن، فلم يتعرض لهم في ذلك. قوله: (هو نور النبي) أي وسمي نورا لأنه ينوّر البصائر ويهديها للرشاد، ولأنه أصل كل نور حسي ومعنوي.\rقوله: مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ أي من سبق في علم اللّه أنه يتبع رضوانه.\rقوله: (طرق السلامة) أي من العذاب والنجاة من العقاب، وسُبُلَ السَّلامِ منصوب بنزع الخافض وإنما حقه أن يتعدى إلى المفعول الثاني بإلى أو باللام، قال تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ.\rقوله: (و هم اليعقوبية) أي القائلون بالاتحاد.\rقوله: وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً هذا ترق في الرد عليهم. قوله: (أي لا أحد) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي.\rقوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ترق في الرد عليهم أيضا. قوله: (شاءه) أي تعلقت به إرادته وهي الممكنات، خرج بذلك ذاته وصفاته والمستحيلات فلا تتعلق القدرة والإرادة بشيء من ذلك.\rقوله: (أي كأبنائه في القرب) أي فالمعنى على التشبيه، وهذا هو الصحيح، وقيل المعنى أبناء أنبياء اللّه، فالكلام على حذف مضاف. وسبب نزولها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دعا جماعة من اليهود إلى الإسلام، وخوفّهم بعقاب اللّه تعالى، فقالوا: كيف تخوفنا به ونحن أبناء اللّه وأحباؤه؟ وهذه مقالة اليهود، وأما النصارى فقالوا مثلهم، زاعمين أن اللّه قال في الإنجيل: إن المسيح قال لهم إني ذاهب إلى أبي وأبيكم.\rقوله:\rقُلْ (لهم يا محمد) أي إلزاما لهم وتبكيتا، إن صح ما زعمتم، فلأي شيء يعذبكم في الدنيا بالقتل","part":1,"page":369},{"id":371,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 370\rالأب ولده ولا الحبيب حبيبه وقد عذبكم فأنتم كاذبون بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ من جملة من خَلَقَ من البشر لكم ما لهم وعليكم ما عليهم يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ المغفرة له وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه لا اعتراض عليه وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) المرجع يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا محمد يُبَيِّنُ لَكُمْ شرائع الدين عَلى فَتْرَةٍ انقطاع مِنَ الرُّسُلِ إذ لم يكن بينه وبين عيسى رسول ومدة ذلك خمسمائة وستون سنة أَنْ لا تَقُولُوا إذا عذبتم ما جاءَنا مِنْ زائدة بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ فلا عذر لكم إذا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) ومنه تعذيبكم إن لم تتبعوه وَاذكر إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أي منكم أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً أصحاب خدم وحشم وَآتاكُمْ ما\r______________________________\rوالمسخ، وقد اعترفتم بأنه تعالى سيعذبكم في الآخرة بالنار أياما بعدد أيام عبادة العجل، ولو كان الأمر كما زعمتم، لما صدر منكم ما صدر، ولما وقع عليكم ما وقع. قوله: (لا اعتراض عليه) أي لأنه القادر الفعال بالاختيار.\rقوله: عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أي في وقت لا تعرفون فيه توحيدا، فعليكم باتباعه. قوله: (إذا لم يكن بينه وبين عيسى رسول الخ) هذا هو الصحيح، وقيل كان بين محمد وعيسى أربعة رسل، ثلاثة من بني إسرائيل، وواحد من حمير، وهو خالد بن سنان. قوله: (و مدة ذلك خمسمائة وستون سنة) وقيل خمسمائة وخمسة وستون، وقيل خمسمائة وأربعون، وقيل أربعمائة وبضع وثلاثون، والصحيح أنها ستمائة ومدة ما بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة، لكنها ليست فترة لبعثة كثيرين من الأنبياء بينهما ويتعبدون بشريعة موسى، كداود وسليمان وزكريا ويحيى. قوله: أَنْ (لا) تَقُولُوا أشار بذلك إلى أنّ أَنْ المصدرية دخلت عليها اللام ولا النافية مقدرة بعدها، والتقدير لعدم قولكم ما جاءنا الخ. قوله: (زائدة) أي في فاعل جاء.\rقوله: وَ(اذكر) إِذْ قالَ مُوسى أشار بذلك إلى أن إذ ظرف لمحذوف، قدره المفسر بقوله اذكر، والمقصود من ذلك توبيخ اليهود الذين في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم وتسليته على عدم إيمانهم به وبيان نقضهم العهد تفصيلا، والمعنى تسل ولا تحزن من عدم إيمانهم بك ومن تكذيبك، فإنهم كذبوا من يدعون أنه نبيهم إلى الآن. قوله: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ أي تذكّروها واشكروا عليها. قوله: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ أي بكثرة ولم تكن في غيركم.\rقوله: جَعَلَكُمْ مُلُوكاً أي يبسط الدنيا لكم، وذلك بعد إغراق فرعون. قوله: (خدم) جمع خادم، وهو صادق بالذكر والأنثى، وقوله: (و حشم) هم الخدم لكن من الرجال، ورد أن أول من ملك الخدم بنو إسرائيل، وكان يقال عندهم من كانت عنده دابة وجارية وزوجة فهو ملك، وقيل الملك من اتسعت داره وكان فيها النهر يجري، وقيل جعلكم ملوكا أي أحرارا بعد استرقاق فرعون لكم. قوله:","part":1,"page":370},{"id":372,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 371\rلَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (20) من المن والسلوى وفلق البحر وغير ذلك يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ المطهرة الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أمركم بدخولها وهي الشام وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ تنهزموا خوف العدو فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (21) في سعيكم قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ من بقايا عاد طوالا ذوي قوة وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (22) لها قالَ لهم رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ مخالفة أمر اللّه وهما يوشع وكالب من النقباء الذين بعثهم موسى في كشف أحوال الجبابرة أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالعصمة فكتما ما اطلعا عليه من حالهم إلا عن موسى بخلاف بقية النقباء فأفشوه فجبنوا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ باب\r______________________________\rمِنَ الْعالَمِينَ أي مطلقا، لأن فلق البحر والمن والسلوى لم يكن لأحد غيرهم، ولا لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا حاجة هنا للتأويل بعالمي زمانهم. قوله: (من المن والسلوى) بيان لما. إن قلت: إن هذه المقالة وقعت حين أخذ الميثاق عليهم في قتال الجبارين، فلا يظهر قول المفسر من المن والسلوى، لأنه لم ينزل عليهم إلا في التيه، وذلك بعد توجههم من مصر لقتال الجبارين، فحينئذ كان المناسب للمفسر أن يقول من النبوة والملك وفلق البحر، وقد يجاب: بأنه لا مانع من ذكر هذه الكلمة في التيه أيضا.\rقوله: يا قَوْمِ الجمهور على كسر الميم من غير ياء، وقرىء بضم الميم إجراء له مجرى المفرد، وبالباء مفتوحة لأنه منادى مضاف لياء المتكلم، قال ابن مالك:\rواجعل منادى صحّ أن يضف ليا ... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا\r\rقوله: (المطهرة) إنما سميت مطهرة لسكنى الأنبياء المطهرين فيها، فشرفت وطهرت بهم، فالظرف طاب بالمظروف، إن قلت: إن الجبارين كانوا فيها وهم غير مطهرين أجيب: بأن الخير يغلب الشر، والنور يغلب الظلمة. قوله: (أمركم بدخولها) دفع بذلك ما يقال: كيف الجمع بين الكتابة التي تفيد تحتم الدخول، وبين قوله قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة، فأجاب: بأن المراد بالكتب الأمر بالدخول، وأجيب أيضا بأن قوله التي كتب اللّه لكم أي قدرها في اللوح المحفوظ، إن لم تقع منكم مخالفة، وقد وقعت فحرمت عليهم أربعين سنة، فهو قضاء معلق.\rقوله: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ أي ترجعوا إلى مصر، فإنهم لما سمعوا بأخبار الجبارين، قالوا تجعل لنا رئيسا ينصرف بنا إلى مصر، وصاروا يبكون ويقولون ليتنا متنا بمصر. قوله: فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ أي لأن الفرار من الزحف من الكبائر.\rقوله: قالَ رَجُلانِ وصفهما بصفتين: الأولى قوله:\rمِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ والثانية قوله: أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا وهو حسن، لأن فيه الوصف بالجملة بعد الوصف بالجار والمجرور، وهو من قبيل المفرد. قوله: (و هما يوشع) أي ابن نون وهو الذي نبىء بعد موسى، وقوله: (و كالب) بكسر اللام وفتحها ابن يوقنا. قوله: (بقية النقباء) أي الاثني عشر، وقوله:\r(فأفشوه) أي خبر الجبارين، وقوله: (فجبنوا) أي بنو إسرائيل.\rقوله: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ أي امنعوهم من الخروج، لئلا يجدوا في أنفسهم قوة للحرب،","part":1,"page":371},{"id":373,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 372\rالقرية ولا تخشوهم فإنهم أجساد بلا قلوب فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ قالا ذلك تيقنا بنصر اللّه وإنجاز وعده وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا هم إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (24) عن القتال قالَ موسى حينئذ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَإلا أَخِي ولا أملك غيرهما فأجبرهم على الطاعة فَافْرُقْ فافصل بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (25) قالَ تعالى له فَإِنَّها أي الأرض المقدسة مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أن يدخلوها أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ يتحيرون فِي الْأَرْضِ وهي تسعة فراسخ قاله ابن عباس فَلا تَأْسَ تحزن عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (26) روي أنهم كانوا يسيرون الليل جادين فإذا أصبحوا إذا هم في الموضع الذي ابتدؤوا منه ويسيرون النهار كذلك حتى انقرضوا كلهم إلا من لم يبلغ العشرين قيل وكانوا ستمائة ألف ومات هارون وموسى في التيه وكان\r______________________________\rبخلاف ما إذا دخلتم عليهم القرية بغتة، فإنهم لا يقدرون على الكر والفر. قوله: (بلا قلوب) أي قوية نافعة. قوله: (تيقنا بنصر اللّه) أي فإنهما مصدقان بذلك، لإخبار موسى لهما بذلك. قوله: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا أي بعد ترتيب الأسباب، ولا تعتمدوا عليها فإنها غير مؤثرة.\rقوله: ما دامُوا فِيها أي مدة إقامتهم فيها. قوله: أَنْتَ وَرَبُّكَ قيل إن الواو للعطف، وربك معطوف على الضمير المستتر في اذهب، وقد وجد الفاصل بالضمير المنفصل، قال ابن مالك:\rوإن على ضمير رفع متّصل ... عطفت فافصل بالضّمير المنفصل\r\rأي ليذهب ربك، واختلف في الرب، فقيل هو المولى جل وعلا، فإسنادهم الذهاب إليه على حقيقته، لأنهم كانوا يعتقدون التجسيم، وقيل المراد به هارون وسموه ربا لأنه كان أكبر من موسى بسنة، وهو الأحسن، ويدل عليه السياق، وقيل الواو للحال، وربك مبتدأ خبره محذوف تقديره يعينك. قوله:\r(لا أملك غيرهما) إن قلت: إن يوشع وكالب كانا في طاعته أيضا. أجيب بأنه لم يثق بهما.\rقوله: فَافْرُقْ بَيْنَنا أي احكم لنا بما نستحقه، واحكم لهم بما يستحقونه، وكان الأمر كذلك، فصار التيه رحمة لموسى وهارون، وعذابا على بني إسرائيل.\rقوله: أَرْبَعِينَ سَنَةً يصح أن يكون ظرفا لقوله: يَتِيهُونَ وعلى هذا فهي محرمة عليهم أبدا لأنهم انقرضوا، وما دخلها إلا من لم يبلغ العشرين حين الميثاق، وقيل ظرف لقوله: مُحَرَّمَةٌ وعلى هذا فالتحريم مقيد بتلك المدة، وقيل ظرف لهما معا. قوله: (و هي تسعة فراسخ) أي عرضا، وطولها ثلاثون فرسخا.\rقوله: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ أي وذلك أنه ندم على دعائه عليهم، فقيل له لا تأس فإنهم أحق بذلك. قوله: (و مات هارون وموسى في التيه) ومات موسى بعد هارون بسنة، وقيل إن موسى هو الذي ملك الشام، وكان يوشع على مقدمته، وعاش فيها زمنا طويلا، ومات ولم يعلم له قبر، وهما طريقتان: قيل إن موسى وهارون توجها إلى البرية، فمات هارون فدفنه أخوه موسى، ثم رجع إلى قومه فقالوا قتله لحبنا إياه، فتضرع موسى إلى ربه، فأوحى اللّه إليه أن انطلق بهم إلى هارون فإني باعثه، فانطلق بهم إلى قبره، فناداه يا هارون فخرج من قبره ينفض رأسه، قال: أنا قتلتك؟ قال: لا، ولكنني","part":1,"page":372},{"id":374,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 373\rرحمة لهما وعذابا لأولئك وسأل موسى ربه عند موته أن يدنيه من الأرض المقدس رمية بحجر فأدناه كما في الحديث ونبىء يوشع بعد الأربعين وأمر بقتال الجبارين فسار بمن بقي معه وقاتلهم وكان يوم الجمعة ووقفت له الشمس ساعة حتى فرغ من قتالهم وروى أحمد في مسنده حديث إن\r______________________________\rمت، قال: فعد إلى مضجعك. وروي أن موسى خرج ليقضي حاجته، فمر برهط من الملائكة يحفرون قبرا لم ير شيئا أحسن منه، ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم: يا ملائكة اللّه لم تحفرون هذا القبر؟ فقالوا: لعبد كريم على ربه، فقال: إن هذا العبد لمن اللّه بمنزلة ما رأيت كاليوم أحسن منه مضجعا، فقالت الملائكة: يا صفي اللّه أتحب أن يكون لك؟ قال: وددت، قالوا فانزل واضطجع فيه وتوجّه إلى ربك، قال: فنزل فاضطجع فيه وتوجه إلى ربه، ثم تنفس أسهل نفس، فقبض اللّه تعالى روحه، ثم سوت عليه الملائكة التراب، وقيل إن ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمّها فقبض اللّه روحه، وقيل إنه روي أن ملك الموت جاءه وقال له: أجب أمر ربك، فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، فقال ملك الموت: يا رب إنك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت وقد فقأ عيني، قال فرد اللّه تعالى عينه وقال له ارجع إلى عبدي فقل له: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة، فضع يدك على متن ثور، فما وارت يدك من شعره فإنك تعيش بكل شعرة سنة، قال: ثم ما ذا؟ قال: ثم تموت، قال: فالآن من قريب، قال: رب أدنني من الأرض المقدسة رمية حجر، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطور عند الكثيب الأحمر. ورواية فقء عين ملك الملك متكلم فيها، وعلى فرض ورودها، ففقء عين الملك من خصوصيات موسى، لأن الملك لا تحكم عليه الصورة، ولا يقال إن هذا جناية حرام، لأننا نقول إنه فقأ عين الصورة المتشكل فيها، لا الصورة الأصلية، وقصده بتلك الفعلة نهيه عن أن يأتي للمؤمن في صورة فظيعة، كما قرره أشياخنا قوله: (و كان رحمة لهما) أي وكذا يوشع وكالب، وذلك كنار إبراهيم، فإنها جعلت عليه بردا وسلاما. قوله: (و عذابا لأولئك) أي من حيث السير، وقد أنعم اللّه عليهم في التيه بنعم عظيمة، منها أنهم شكوا لموسى حالهم من الجوع والعري، فدعا اللّه تعالى فأنزل عليهم المن والسلوى، وأعطاهم من الكسوة ما يكفيهم كل واحد على مقدار هيئته، وشكوا له العطش، فأتى موسى بحجر من جبل الطور، فكان يضربه بعصاه فيخرج منه اثنتا عشرة عينا، وشكوا الحر، فأرسل اللّه عليهم الغمام يظلهم، وكان يطلع عمود من نور يضيء لهم بالليل ولا تطول شعورهم، وإذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر، يطول بطوله ويتسع بقدره. قوله: (أن يدنيه) أي يقربه من الأرض المباركة، أي يدفن بقربها لكونها مطهرة مباركة، ويؤخذ من ذلك، أن الإنسان ينبغي له أن يتحرى الدفن في الأرض المباركة بقرب نبي أو ولي، وإنما لم يسأل الدفن فيها خوفا من أن يعرف قبره فيفتتن به الناس.\rقوله: (بعد الأربعين) أي مدة التيه. قوله: (بمن بقي) أي وهم أولادهم الذين لم يبلغوا العشرين سنة حين أخذ الميثاق. قوله: (و قاتلهم) روي أن اللّه نبأ يوشع بعد موت موسى، وأخبرهم أن اللّه قد أمرهم بقتال الجبابرة فصدقوه وبايعوه، فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحا ومعه تابوت الميثاق، وأحاط بمدينة أريحا ستة أشهر، وفتحوها في الشهر السابع ودخلوها، فقاتلوا الجبارين وهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم، وكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها، وكان القتال يوم الجمعة، فبقيت منهم بقية، وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت، فقال: الههم أردد الشمس علي، وقال للشمس: إنك","part":1,"page":373},{"id":375,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 374\rالشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس وَاتْلُ يا محمد عَلَيْهِمْ على قومك نَبَأَ خبر ابْنَيْ آدَمَ هابيل وقابيل بِالْحَقِ متعلق باتل إِذْ قَرَّبا قُرْباناً إلى اللّه وهو كبش لهابيل وزرع لقابيل فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وهو هابيل بأن نزلت نار من السماء فأكلت قربانه\r______________________________\rفي طاعة اللّه، وأنا في طاعة اللّه، فسأل الشمس أن تقف، والقمر أن يقيم، حتى ينتقم من أعداء اللّه قبل دخول السبت، فردت عليه الشمس وزيد في النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين، ثم تتبع ملوك الشام فقتل منهم إحدى وثلاثين ملكا، حتى غلب على جميع أرض الشام، وصارت الشام كلها لبني إسرائيل، وفرق عماله في نواحيها، ثم مات يوشع ودفن بجبل إبراهيم، وكان عمره مائة وستا وعشرين سنة، وتدبيره أمر بني إسرائيل بعد موسى سبعا وعشرين سنة. قوله: (لم تحبس على بشر) أي قبل يوشع، وإلا فقد حبست لنبينا مرتين يوم الخندق، حين شغل هو وأصحابه عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، فردها اللّه عليه حتى صلى العصر، وصبيحة ليلة الإسراء حين انتظر قدوم العير، وزيد في رواية مرة لعلي بن أبي طالب حين كان النبي نائما على فخذه، ولم يكن صلى العصر، فما استيقظ حتى غربت الشمس، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم:\r«اللهم عليا في طاعتك وطاعة رسولك، فاردد عليه الشمس حتى يصلي العصر». قوله: (ليالي سار) أي أيام سيره، أي توجهه لقتالهم.\rقوله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ معطوف على العامل المحذوف في قوله: أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ عطف قصة على قصة، أي اذكر ما وقع من بني إسرائيل، واتل عليهم نبأ ابني آدم الخ. قوله: (على قومك) أي سواء كانوا يهودا أو نصارى أو مشركين. قوله: (خبر) ابْنَيْ آدَمَ أي قصتهما وما وقع لهما.\rقوله: (هابيل) هو السعيد المقتول، وقابيل هو الشقي القاتل، وظاهر الآية أنهما من أولاد آدم لصلبه وهو التحقيق، ويؤيده قوله فيما يأتي، فبعث اللّه غرابا، وقيل لم يكونا لصلبه بل هما رجلان من بني إسرائيل، بدليل قوله في آخر القصة،: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ، والأول هو الصحيح، وقابيل هو أول أولاده، وهابيل بعده بسنة، وكلاهما بعد هبوطه إلى الأرض بمائة سنة، وقيل إن قابيل هو وأخته ولدا في الجنة، ولم تر حواء لهما وحما ولا وصبا ولا دم نفاس، وأما بقية أولاده فبالأرض، ولذا كان يفتخر قابيل على هابيل ويقول له: إني ابن الجنة وأنت ابن الأرض، فأنا خير منك، وحاصل ذلك أن حواء ولدت لآدم عشرين بطنا في كل بطن ذكر وأنثى، فصار الذكور عشرين والإناث كذلك، فلما قتل قابيل هابيل، نقصت الذكور عن الإناث فرزقه اللّه بشيث ومعناه هبة اللّه، فتماثل الذكور مع الإناث.\rقوله: بِالْحَقِ الجار والمجرور ويحتمل أن يكون متعلقا بمحذوف صفة لمصدر محذوف تقديره اتل تلاوة ملتبسة بالحق، أو حال من فاعل أتل عليهم حال كونك ملتبسا بالحق أي الصدق أو حال من المفعول وهو نبأ أي اتل نبأهما حال كونه ملتبسا بالحق، وكل صحيح، والمقصود من ذكر هذه القصص الأخبار بما في الكتب القديمة، لتقوم الحجة على أربابها وغيرهم، فالأخبار بها من جملة المعجزات.\rقوله: إِذْ قَرَّبا قُرْباناً أي قرب كل واحد قربانا، والقربان ما يقرب به إلى اللّه. وذلك أنه كان في شرع آدم، إذا كبر أولاده زوج ذكر هذه البطن لأنثى بطن أخرى، فأمره اللّه أن يزوج قابيل أخت هابيل وكانت دميمة، وهابيل أخت قابيل وكانت جميلة، فرضي هابيل وأبى قابيل، وقال: إنك تأمرنا برأيك لا","part":1,"page":374},{"id":376,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 375\rوَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ وهو قابيل فغضب وأضمر الحسد في نفسه إلى أن حج آدم قالَ له لَأَقْتُلَنَّكَ قال لم قال لتقبل قربانك دوني قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ لام قسم بَسَطْتَ مددت إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (28) في قتلك إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ ترجع بِإِثْمِي بإثم قتلي وَإِثْمِكَ الذي ارتكبته من قبل فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ ولا أريد أن أبوء بإثمك إذا قتلتك فأكون منهم قال تعالى وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ زينت لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ فصار مِنَ الْخاسِرِينَ (30) بقتله ولم يدر ما يصنع به لأنه أول ميت على وجه الأرض من بني آدم فحمله على ظهره فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ ينبش في التراب بمنقاره وبرجليه ويثيره على غراب\r______________________________\rمن عند اللّه. فقال لهما: قربا قربانا، فأيكما تقبل منه فهو أحق بالجميلة، فذهب هابيل وأخذ كبشا من أحسن غنمه وقربه، وذهب قابيل لصبرة قمح من أردأ ما عنده، وقيل قت رديء، حتى أنه وجد سنبلة جيدة ففركها وأكلها، وكان علامة قبول القربان نزول نار من السماء تحرقه، فنزلت على كبش هابيل فأحرقته، وقيل رفع إلى السماء حتى نزل فداء للذبيح ولم يتقبل من قابيل. قوله: (فغضب) أي لأمرين:\rفوزه بالجميلة وبقبول قربانه. قوله: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أي ولم يكن عندك تقوى لعقوقك لأبيك، وعدم إخلاصك في القربان.\rقوله: لِتَقْتُلَنِي اللام للتعليل أي لأجل قتلي. قوله: ما أَنَا بِباسِطٍ جواب للقسم لتقدمه، وحذف جواب الشرط لتأخره، قال ابن مالك:\rواحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم\r\rوالباء في بباسط زائدة في خبر ما، على أنها حجازية، وفي خبر المبتدأ على أنها تميمية. قوله: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ أي فالمانع لي من قتلك خوف اللّه، وكان في شرعهم لا يجب دفع الصائل بل يجب الاستسلام له، وما في شرعنا فعند الشافعي يسنّ الاستسلام للمسلم الصائل، ويجب قتل الكافر، وعند مالك دفع الصائل واجب ولو بالقتل مسلما أو كافرا.\rقوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي هذا تخويف من هابيل لقابيل لعله ينزجر. إن قلت: إنه لا تحل إرادة المعصية من الغير. أجيب بأجوبة منها: أن الهمزة محذوفة والاستفهام للإنكار، والأصل إني أريد، والمعنى لا أريد، ويؤيده هذا قراءة أني بفتح النون بمعنى كيف. ومنها: أن لا محذوفة أي أن لا تبوء على حد: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا. قوله:\r(و الذي ارتكبته) أي كالحسد ومخالفة أمر أبيه.\rقوله: وَذلِكَ أي المذكور وهو النار. قوله: (زينت) أي سهلت عليه القتل. قوله: فَقَتَلَهُ قيل لما قصد قتله لم يدر كيف يقتله، فتمثل له إبليس وقد أخذ طيرا فوضع رأسه على حجر ثم رضخه بحجر آخر، وقابيل ينظر فتعلم القتل، فوضع قابيل رأس هابيل بين حجرين وهو صابر، واختلف في موضع قتله، فقيل على عقبة حراء، وقيل بالبصرة عند مسجدها الأعظم. قوله: (فحمله على ظهره) أي في جراب، قيل أربعين يوما وقيل سنة، روي لما قتل ابن آدم أخاه، رجفت بمن عليها سبعة أيام، وشربت الأرض دم المقتول كما تشرب الماء، فناداه اللّه: يا قابيل أين أخوك هابيل؟ فقال: ما أدري ما كنت عليه","part":1,"page":375},{"id":377,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 376\rميت معه حتى وأراه لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي يستر سَوْأَةَ جيفة أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ عن أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) على حمله وحفر له وواراه مِنْ أَجْلِ ذلِكَ الذي فعله قابيل كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ أي الشأن مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ قتلها أَوْ بغير فَسادٍ أتاه فِي الْأَرْضِ من كفر أو زنا أو قطع طريق أو نحوه فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها بأن امتنع من قتلها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً قال ابن عباس من حيث انتهاك حرمتها وصونها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ أي بني إسرائيل رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ المعجزات ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) مجاوزون الحد بالكفر والقتل وغير ذلك ونزل في العرنيين لما قدموا المدينة وهم مرضى فأذن لهم\r______________________________\rرقيبا، فقال اللّه له: إن دم أخيك ليناديني من الأرض، فلم قتلت أخاك؟ فقال: فأين دمه إن كنت قتلته، فحرم اللّه على الأرض من يومئذ أن تشرب دما بعده أبدا. ويروى أنه لما قتل قابيل هابيل كان آدم بمكة، فاشتاك الشجر أي ظهر له شوك، وتغيرت الأطعمة وحمضت الفواكه، واغبرت الأرض، فقال آدم: قد حدث في الأرض حادث، فلما رجع آدم سأل قابيل عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلا، فقال: بل قتلته ولذلك أسود جلدك، فغضب عليه فذهب قابيل مطرودا، فأخذ أخته وهرب بها إلى عدن، فأتاه إبليس وقال له: إنما أكلت من النار قربان هابيل لأنه كان يعبد النار، فانصب أنت نارا تكون لك ولعقبك، فبنى بيت النار فهو أول من عبد النار، وكان قابيل لا يمر به أحد إلا رماه بالحجارة، فأقبل ابن لقابيل أعمى ومعه ابنه، فقال ابن الأعمى لأبيه: هذا أبوك قابيل، فرماه بحجارة فقتله، فقال ابن الأعمى لأبيه:\rقتلت أباك قابيل، فرفع الأعمى يده ولطم ابنه فمات، فقال الأعمى: ويل لي قتلت أبي برميتي، وابني بلطمتي، واستمرت ذرية قابيل يفسدون في الأرض، إلى أن جاء طوفان نوح فأغرقهم جميعا، فلم يبق منهم أحد وللّه الحمد، وأبقى اللّه ذرية شيت إلى يوم القيامة، وما مات آدم حتى رأى من ذريته أربعين ألفا. قوله: (و يثيره على غراب ميت معه) أي بعد أن وضعه في الحفرة التي نبشها.\rقوله: يا وَيْلَتى كلمة تحسر، والألف بدل من ياء المتكلم، أي هذا أوانك فاحضري. قوله:\rأَعَجَزْتُ تعجب من عدم اهتدائه إلى ما اهتدى إليه الغراب. قوله: فَأَصْبَحَ أي صار من النادمين على حمله، أي أو على عدم اهتدائه للدفن أو لا، فلا يقال إن الندم توبة، فيقتضي أنه تاب فلا يخلد في النار. قوله: (الذي فعله قابيل) أي من الفساد.\rقوله: كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ إنما خصهم بالذكر، وإن كان القصاص في كل ملة، لأن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة، أقدموا على قتل الأنبياء والأولياء، وذلك يدل على قسوة قلوبهم.\rقوله: وَمَنْ أَحْياها أي تسبب في بقائها، إما بنهي قاتلها عن قتلها، أو بإطعامها وحفظها من الأسباب المهلكة. قوله: (أي من حيث انتهاك حرمتها) أي النفوس المقتولة، ولذا ورد في الحديث: «من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» فقابل عليه وزر كل من وقع منه القتل من بني آدم لتسببه في ذلك، فإنه أول من وقع منه القتل. قوله: (و نزل) وجه المناسبة بينها وبين قصة ابني آدم ظاهرة، لأن قابيل قتل وأفسد في الأرض هو وذريته. قوله: (في العرنيين) جمع عرني نسبة لعرينة قبيلة من العرب، كجهني نسبة لجهينة، وكانوا ثمانية رجال قدموا المدينة وأظهروا الإسلام وكانوا مرضى، فاشتكوا","part":1,"page":376},{"id":378,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 377\rالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يخرجوا إلى الإبل ويشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحوا قتلوا راعي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم واستاقوا الإبل إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بمحاربة المسلمين وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً بقطع الطريق أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أي أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ أو لترتيب الأحوال فالقتل لمن قتل فقط والصلب لمن قتل وأخذ المال والقطع لمن أخذ المال ولم يقتل والنفي لمن أخاف فقط قاله ابن عباس وعليه الشافعي وأصح قوليه أن الصلب ثلاثا بعد القتل وقيل قبله قليلا ويلحق بالنفي ما أشبهه\r______________________________\rله صلّى اللّه عليه وسلّم من مرضهم، فأمرهم أن يخرجوا إلى إبل الصدقة، وكانت خمسة عشر ترعى في الجبل مع عتيق للمصطفى يقال له يسار النوبي، فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الإبل وارتدوا عن الإسلام، فقد وقع منهم المحاربة والقتل والسرقة والارتداد، فبلغ رسول اللّه خبرهم، فأرسل خلفهم نحو عشرين فارسا، فأتوا بهم فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم أي كحلهم بالنار، وتركهم بالحرة يعضون الحجارة ويستسقون فلم يسقهم أحد. إن قلت: تسمير الأعين وموتهم بالجوع والعطش مثلة ورسول اللّه نهى عنها. أجيب بأجوبة منها: أنهم فعلوا بالراعي كذلك، ومنها أن ذلك خصوصية له صلّى اللّه عليه وسلّم فيهم، ومنها أن ذلك كان جائزا ثم نسخ. قوله: (و يشربوا من أبوالها) أخذ مالك من ذلك طهارة فضلة مأكول اللحم. قوله: (بمحاربة المسلمين) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف تقديره يحاربون أولياء اللّه وأولياء رسوله وهم المسلمون، وأفاد به أن هذا الأمر مستمر إلى يوم القيامة.\rقوله: وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ هذا تصوير للمحاربة، وقوله: فَساداً مفعول لأجله، أي يسعون لأجل الفساد. قوله: (بقطع الطريق) أي لأخذ المال أو هتك الحريم أو قتل النفوس. قوله: أَنْ يُقَتَّلُوا أي من غير صلب، وقوله: أَوْ يُصَلَّبُوا أي مع القتل في محل مشهور لزجر غيره، والتفعيل للتكثير لكثرة المحاربين.\rقوله: أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ أي إلى مسافة القصر فما فوقها. قوله: (أو لترتيب الأحوال) أي التقسيم فيها، والمعنى أن هذه العقوبات على حسب أحوال المحاربين، وبينّ المفسر ذلك، قال بعض العلماء أوفى جميع القرآن للتخيير إلا هذه الآية. قوله: (و عليه الشافعي) أي موافقا في الاجتهاد لابن عباس لا مقلدا له، وعند مالك أو على بابها للتخيير لكن بحسب ما يراه الحاكم، فحدود المحارب أربعة لا يجوز الخروج عنها، وإنما الإمام مخير في فعل أيها شاء بالمحارب ما لم يقتل المحارب مسلما مكافئا ولم يعف وليه فإنه يتعين قتله، فإن عفا الولي رجع التخيير للإمام، فما أوجبه الشافعي استحسنه مالك للإمام وجاز غيره، مثلا يجب على الإمام قتل القاتل، ولا يجوز غيره من الصلب والقطع من خلاف عند الشافعي، واستحسنه مالك للإمام ويجوز غيره من الحدود. قوله: (إن الصلب ثلاثا) أي لا أقل إلا أن يخاف التغيير، وقيل يطال به حتى ينقطع جسده. قوله: (و قيل قبله قليلا) أي بحيث يحصل الزجر به، وهذا مشهور مذهب مالك وأبي حنيفة وعليه فيقتل وهو مصلوب. قوله: (و يلحق بالنفي ما أشبهه) أي لأن المقصود من النفي البعد عن الخلق، وذلك كما يحصل بإبعاده من الأرض التي هو بها يحصل بحبسه، ولو في الأرض التي هو بها، وهذا مذهب الشافعي ووافقه أبو حنيفة، وقال مالك النفي إبعاده من الأرض على مسافة القصر، ولا يكفي حبسه بأرضه.","part":1,"page":377},{"id":379,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 378\rفي التنكيل من الحبس وغيره ذلِكَ الجزاء المذكور لَهُمْ خِزْيٌ ذل فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (33) هو عذاب النار إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من المحاربين والقطاع مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لهم ما أتوا رَحِيمٌ (34) بهم عبر بذلك دون فلا تحدوهم ليفيد أنه لا يسقط عنه بتوبته إلا حدود اللّه دون حقوق الآدميين كذا ظهر لي ولم أر من تعرض له واللّه أعلم فإذا قتل وأخذ المال يقتل ويقطع ولا يصلب وهو أصح قولي الشافعي ولا تفيد توبته بعد القدرة عليه شيئا وهو أصح قوليه أيضا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ خافوا عقابه بأن تطيعوه وَابْتَغُوا اطلبوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ما يقربكم اليه من طاعته وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ\r______________________________\rقوله: ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ اسم الإشارة مبتدأ، ولهم خبر مقدم، وخزي مبتدأ مؤخر، والجملة خبر المبتدأ، وفِي الدُّنْيا صفة الخزي، وهذا أحسن الأعاريب. قوله: وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ هذا محمول على من مات كافرا، وأما حدود المسلمين فالمعتمد أنها جوابر.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا استثناء منقطع أي لكن التائب يغفر له. قوله: (ليفيد إنه لا يسقط الخ) حاصل ذلك أنه إن كان كافرا أو تاب، سقطت عنه جميع التبعات حدودا أو غيرها، وأما إن كان مسلما سقط عنه حقوق اللّه لا حقوق الآدميين، مثلا إن قتل وجاء تائبا، فالنظر للولي إن شاء عفا وإن شاء اقتص. قوله: (كذا ظهر لي) أي فهمه من الآية، وقوله: (و لم أر من تعرض له) أي من المفسرين وإن كان مذكورا في كتب الفقه. قوله:\r(يقتل ويقطع) هذا سبق قلم والمناسب حذف قوله ويقطع، والحاصل عند الشافعي أنه إذا قتل وتاب، فإن عفا الولي سقط القتل وإلا فيقتل فقط، وأما إن كان أخذ المال وتاب، فإنه يؤخذ منه المال ولا يقطع، خلافا لما ذكره المفسر من أنه إذا قتل وأخذ المال ثم تاب فإنه يجمع له بين القتل والقطع، وإنما المنفي عنه الصلب، وما ذكرناه من المعتمد عند الشافعي يوافقه مالك. قوله: (و هو أصح قولي الشافعي) أي ومقابله أنه يصلب.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ لما ذكر سبحانه وتعالى أن التوبة من الذنوب نافعة، وكانت التوبة من جملة التقوى حث على طلبها هنا. قوله: إِلَيْهِ متعلق بابتغوا. قوله: (ما يقربكم إليه) أي يوصلكم إليه، وقوله: (من طاعته) بيان لما، سواء كانت تلك الطاعة فرضا أو نقلا لما في الحديث: «و ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به» الحديث. فالتقوى هنا ترك المخالفات، وابتغاء الوسيلة فعل المأمورات، ويصحّ أن المراد بالتقوى امتثال المأمورات الواجبة وترك المنهيات المحرمة، وابتغاء الوسيلة ما يقربه إليه مطلقا، ومن جملة ذلك: محبة أنبياء اللّه وأوليائه، والصدقات، وزيارة أحباب اللّه، وكثرة الدعاء، وصلة الرحم، وكثرة الذكر وغير ذلك، فالمعنى كل ما يقربكم إلى اللّه فالزموه، واتركوا ما يبعدكم عنه، إذا علمت ذلك، فمن الضلال البين والخسران الظاهر، تكفير المسلمين بزيارة أولياء اللّه، زاعمين أن زيارتهم من عبادة غير اللّه، كلا بل هي من جملة المحبة في اللّه التي قال فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ألا لا إيمان لمن لا محبة له والوسيلة له التي قال اللّه فيها وابتغوا إليه الوسيلة».\rقوله: وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ عطف خاص على عام، إشارة إلى أن الجهاد من أعظم الطاعات،","part":1,"page":378},{"id":380,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 379\rلإعلاء دينه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) تفوزون إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ ثبت أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ يتمنون أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (37) دائم وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ أل فيهما موصولة مبتدأ ولشبهه بالشرط دخلت الفاء في خبره وهو فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما أي يمين كل منهما من الكوع وبينت السنة أن الذي يقطع فيه ربع دينار فصاعدا وأنه إذا عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم ثم اليد اليسرى ثم الرجل اليمنى وبعد ذلك يعزر\r______________________________\rوهو قسمان: أصغر وهو قتال المشركين، وأكبر وهو الخروج عن الهوى والنفس والشيطان، وكان قتال المشركين جهادا أصغر لأنه يحضر تارة ويغيب أخرى، وإذا قتلك الكافر كنت شهيدا، وإن قتلته صرت سعيدا، بخلاف النفس فلا تغيب عنك وإذا قتلتك صرت من الأشقياء، نسأل اللّه السلامة. قوله:\r(تفوزون) أي تظفرون بسعادة الدارين.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا هذا كالدليل لما قبله، كأن اللّه يقول الزموا التقوى ليحصل لكم الفوز، لأن من لم تكن عنده التقوى كالكفار، لا ينفعه الفداء من العذاب الخ. قوله: لَوْ أَنَّ لَهُمْ لو شرطية، وفعل الشرط محذوف قدره المفسر بقوله: (ثبت) إِنَ وما دخلت عليه فاعل ثبت، ولَهُمْ خبر أن مقدم، وما فِي الْأَرْضِ اسمها مؤخر، وجَمِيعاً توكيد له أو حال منه، ومِثْلَهُ معطوف على اسم إِنَ وقوله: لِيَفْتَدُوا علة له، وقوله: بِهِ أي بما ذكر وهو ما فِي الْأَرْضِ ومثله أو حذفه من الأول لدلالة الثاني عليه على حد: فإني وقيار بها لغريب، والتقدير لو أن لهم ما في الأرض جميعا ليفتدوا به، ومثله معه ليفتدوا به، وقوله: ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ جواب الشرط، ولَوْ مع مدخولها في محل رفع خبر أن الأولى. والمعنى لو ثبت أن للكفار ما في الأرض جميعا، ومثله معه، ويريدون الافتداء بذلك من العذاب ما نفعهم ذلك، وهو كناية عن عدم قبولهم، وعدم نفع عز الدنيا لهم. قوله: (يتمنون) أي حيث يقولون يا مالك ليقض علينا ربك.\rقوله: وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ دفع بذلك ما يتوهم من قوله:\rوَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أنه ربما ينقطع.\rقوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ جمهور القراء على الرفع على الابتداء، ولا يصح النصب على الاشتغال، لأن ما بعد فاء الجزاء لا يعمل فيما قبلها، وما لا يعمل لا يفسر عاملا، وهذه الفاء تشبه فاء الجزاء، وصرح بالسارقة لكون السرقة معهودة منهن أيضا، وقدم سبحانه وتعالى السارق على السارقة هنا، وقدم الزانية على الزاني في سورة النور، لأن الرجال في السرقة أقوى من النساء، والزنا من النساء أقوى من الرجال. قوله: (أل فيهما موصولة) أي وصلتها الصفة الصريحة، أي الذي سرق والتي سرقت.\rقوله: (مبتدأ) أي وهو مرفوع بضمة ظاهرة، لأن إعرابهما ظهر فيما بعدهما. قوله: (دخلت الفاء في خبره وهو) فَاقْطَعُوا أي فجملة فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما خبر المبتدأ، ولا يضر كونه جملة طلبية على المعتمد، وقيل الخبر محذوف وتقديره مما يتلى عليكم حكمهما، وما بعد الفاء تفصيل له. قوله: (ربع دينار) أي أو ثلاثة دراهم شرعية، أو مقوم بهما، ويشترط في القطع إخراجه من حرز مثله، غير مأذون له في دخوله، ويثبت القطع ببينة أو بإقراره طائعا، فإن أقر ثم رجع لزمه المال دون القطع، فإن سرق ولم تثبت عليه","part":1,"page":379},{"id":381,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 380\rجَزاءً نصب على المصدر بِما كَسَبا نَكالًا عقوبة لهما مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب على أمره حَكِيمٌ (38) في خلقه فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ رجع عن السرقة وَأَصْلَحَ عمله فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) في التعبير بهذا ما تقدم فلا يسقط بتوبته حق الآدمي من القطع ورد المال نعم بينت السنة أنه إن عفا عنه قبل الرفع إلى الإمام سقط القطع وعليه الشافعي أَلَمْ تَعْلَمْ الاستفهام فيه للتقرير أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ المغفرة له وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40) ومنه التعذيب والمغفرة يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ صنع الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ يقعون فيه بسرعة أي يظهرونه إذا وجدوا فرصة مِنَ للبيان الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ بألسنتهم متعلق بقالوا وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ\r______________________________\rالسرقة، وجب عليه الستر على نفسه ورد المال والتوبة منه، وكذا كل معصية، فمن الجهل قول بعض من يدعي التصوف: لو اطلعتم علي لرجمتموني، وبالجملة من ستر على نفسه ستره اللّه. قوله: (نصب على المصدر) أي والعامل محذوف تقديره جازاه اللّه جزاء، ويصح أن يكون مفعولا لأجله، أي اقطعوا أيديهما لأجل الجزاء، وقوله: بِما كَسَبا الباء سببية أي بسبب كسبهما، وقوله: نَكالًا علة للعلة فالعامل فيه جزاء. قوله: (غالب على أمره) أي فلا معقب لحكمه، لأنه القاهر على كل شيء. قوله: (حكيم) أي يضع الشيء في محله، فلا يحكم بقطع يده ظلما لأن السارق لما خان هان، ولذا أورد بعض اليهود على القاضي عبد الوهاب البغدادي سؤالا حيث:\rيد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار\r\rفأجابه رضي اللّه عنه بقوله:\rعزّ الأمانة أغلاها وأرخصها ... ذلّ الخيانة فافهم حكمة الباري\r\rقوله: مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ أي من بعد تعديه وأخذه المال وظلمه للناس. قوله: (في التعبير بهذا) أي قوله: فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ دون أن يقول فلا تحدوه. قوله: (و عليه الشافعي) أي وعند مالك فلا ينفع عفوه عنه مطلقا قبل الرفع أو بعده، حيث ثبتت السرقة ببينة أو إقرار، ولم يرجع بل يقطع لأنه حق اللّه، وقوله: (قبل الرفع) أي وأما بعده فلا بد من قطعه اتفاقا.\rقوله: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ أي إن لم يتب فالميت المصر على الذنب تحت المشيئة خلافا للمعتزلة. قوله: (و من التعذيب والمغفرة) أي من الشيء المقدور عليه.\rقوله: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ أل للعهد الحضوري، أي الرسول الحاضر وقت نزول القرآن وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، ولم يخاطب بيا أيها الرسول إلا في موضعين هذا وما يأتي في هذه السورة. قوله: لا يَحْزُنْكَ قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي، والباقون بفتح الياء وضم الزاي، والمقصود نهي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الحزن الناشىء عن مسارعتهم إلى الكفر، رفقا به وتسلية له. قوله: (إذا وجدوا فرصة) أي زمنا يتمكنون فيه من الظفر بمطلوبهم، فالكفر حاصل منهم على كل حال، غير أنهم إذا وجدوا زمنا أو مكانا يتمكنون فيه من إظهاره فعلوا قال تعالى: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قوله: مِنَ (للبيان) أي لقوله: الَّذِينَ يُسارِعُونَ على حد: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ. قوله: (متعلق بقالوا)","part":1,"page":380},{"id":382,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 381\rوهم المنافقون وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا قوم سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ الذي افترته أحبارهم سماع قبول سَمَّاعُونَ منك لِقَوْمٍ لأجل قوم آخَرِينَ من اليهود لَمْ يَأْتُوكَ وهم أهل خيبر زنى فيهم محصنان فكرهوا رجمهما فبعثوا قريظة ليسألوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن حكمهما يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ الذي في التوراة كآية الرجم مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ التي وضعه اللّه عليها أي يبدلونه يَقُولُونَ لمن أرسلوهم إِنْ أُوتِيتُمْ هذا الحكم المحرف أي الجلد أي أفتاكم به محمد فَخُذُوهُ فاقبلوه وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ بل أفتاكم بخلافه فَاحْذَرُوا أن تقبلوه وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ إضلاله فَلَنْ\r______________________________\rأي لا بآمنا، والمعنى أن إيمانهم لم يجاوز أفواههم، وقوله: وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ الجملة حالية. قوله:\r(و هم المنافقون) أي ويسمون الآن زنادقة.\rقوله: وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا يحتمل أنه معطوف على مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا فيكون بيانا للذين يسارعون في الكفر أيضا وهو الأقرب، وعليه فقوله: سَمَّاعُونَ حال من الذين هادُوا ويحتمل أنه خبر مقدم، وقوله سَمَّاعُونَ صفة لموصوف محذوف هو المبتدأ المؤخر، فيكون كلاما مستأنفا، وقد مشى عليه المفسر، وعلى كل فقوله: لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ الخ راجع للفريقين.\rقوله: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أي من أحبارهم، وسبب نزولها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما هاجر إلى المدينة، وقع بينه وبين قريظة صلح، فصاروا يترددون عليه، وبينه وبين يهود خيبر حرب، فاتفق أنه زنى منهم محصنان شريف بشريفة، فأفتوهم الأحبار بأنهما يجلدان مائة سوط، ويسودان بالفحم، ويركبان على حمار مقلوبين، ثم إنهم بعثوا قريظة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يسألونه عن ذلك، وقالوا لهم: إن قال لكم مثل ذلك فهو صادق، وقوله حجة لنا عند ربنا، وإلا فهو كذاب. فأتوه فأخبرهم بأنهما يرجمان، وفي التوراة كذلك، فقالوا إن أحبارنا أخبرونا بأنهما يجلدان، فقال جبريل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه له، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: هل تعرفون شابا أبيض أعور يقال له ابن صوريا؟ قالوا: نعم هو أعلم يهودي على وجه الأرض بما في التوراة، قال: فأرسلوا إليه فأحضروه، ففعلوا فأتاهم، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: أنت ابن صوريا؟ قال: نعم، قال: وأنت أعلم اليهود؟ قال: كذلك يزعمون، قال النبي: أترضون به حكما؟\rقالوا: نعم، قال النبي: أنشدك اللّه الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر وأنجاكم وأغرق آل فرعون؛ هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن؟ قال: نعم والذي ذكرتني به لو لا خشيت أن تحرقني التوراة إن كذبت أو غيّرت ما اعترفت، فوثب عليه سفلة اليهود، فقال: أنا خفت إن كذبت ينزل علينا العذاب، ثم سأل النبي عن أشياء كان يعرفها من أعلامه، فأجابه عنها فأسلم، وأمر النبي بالزانيين فرجما عند باب المسجد. هكذا ذكر شيخنا الشيخ الجمل عن أبي السعود ولم نرها فيه، ولكن تقدم لنا أن ابن صوريا أتى بالتوراة وقرأ ما قبل آية الرجم وما بعدها ووضع يده عليها ولم يقرأها، فنبهه عليها عبد اللّه بن سلام فافتضح هو وأصحابه، فلعلهما روايتان في إسلامه وعدمه. قوله: (أي يبدلونه) أي بأن يضعوا مكانه غيره.\rقوله: يَقُولُونَ أي يهود خيبر، وقوله: (لمن أرسلوهم) أي وهم قريظة. قوله: (الحكم المحرف)","part":1,"page":381},{"id":383,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 382\rتَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً في دفعها أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ من الكفر ولو أراده لكان لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ ذل بالفضيحة والجزية وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (41) هم سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ بضم الحاء وسكونها أي الحرام كالرشا فَإِنْ جاؤُكَ لتحكم بينهم فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ هذا التخيير منسوخ بقوله وأن احكم بينهم الآية فيجب الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا وهو أصح قولي الشافعي فلو ترافعوا إلينا مع مسلم وجب إجماعا وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ بينهم فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ بالعدل إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) العادلين في الحكم أي يثيبهم وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ بالرجم استفهام تعجيب أي لم يقصدوا بذلك معرفة الحق بل ما هو أهون عليهم ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ يعرضون عن حكمك بالرجم الموافق لكتابهم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ التحكيم وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً من الضلالة وَنُورٌ بيان للأحكام يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ من بني إسرائيل الَّذِينَ أَسْلَمُوا انقادوا للّه لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ\r______________________________\rأي في الواقع وليس المراد أنهم يقولون لهم ذلك، بل التحريف واقع من الأحبار سرا. قوله: فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً فيه رد على المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعال نفسه. قوله: (ذل بالفضيحة) أي للمنافقين بظهور نفاقهم بين المسلمين، وقوله: (و الجزية) أي لليهود.\rقوله: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ خبر لمحذوف قدره المفسر بقوله هم وكرره تأكيدا. قوله: (بضم الحاء وسكونها) أي فهما قراءتان سبعيتان، وسمي سحتا لأنه يسحت البركة أي يمحقها ويذهبها. قوله:\r(كالرشا) أي والربا.\rقوله: أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ أي بأن تردهم لأهل دينهم. قوله: (منسوخ الخ) وليس في هذه السورة منسوخ إلا هذا، وقوله: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ. قوله: (و هو أصح قولي الشافعي) أي ومقابله التخيير باق وليس بمنسوخ، وهو مشهور مذهب مالك. قوله: (مع مسلم) أي بأن كانت الدعوى بين مسلم وكافر. قوله: (وجب إجماعا) أي بإجماع الأئمة. قوله: فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً أي لأن اللّه عاصمك وحافظك من الناس.\rقوله: وَعِنْدَهُمُ خبر مقدم، والتَّوْراةُ مبتدأ مؤخر، والجملة حال من الواو في يُحَكِّمُونَكَ. قوله: (استفهام تعجيب) أي إيقاع للمخاطب في العجب. قوله: (بل ما هو أهون عليهم) أي وهو الجلد. قوله: وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ أي لا بكتابهم لإعراضهم عنه وتحريفه، ولا بك لعدم الانقياد لك في أحكامك.\rقوله: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ كلام مستأنف مسوق لبيان فضل التوراة، وأنها كتاب عظيم كله هدى ونور. قوله: فِيها هُدىً أي لمن أراد اللّه هدايته، وأما من أراد اللّه شقاوته فلا تنفعه التوراة ولا غيرها، قال البوصيري:\rوإذا ضلت العقول على عل ... م فماذا تقوله النصحاء\r\rقوله: وَنُورٌ في الكلام استعارة مصرحة، حيث شبهت الأحكام بالنور بجامع الاهتداء في كل، واستعير اسم المشبه به للمشبه، وحيث أريد بالنور الأحكام، فالمراد بالهدى التوحيد، فالعطف مغاير.\rقوله: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ كلام مستأنف لبيان المنتفع بالتوراة، وهم الأنبياء والعلماء والمراد بالأنبياء ما","part":1,"page":382},{"id":384,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 383\rالعلماء منهم وَالْأَحْبارُ الفقهاء بِمَا أي بسبب الذي اسْتُحْفِظُوا استودعوه أي استحفظهم اللّه إياه مِنْ كِتابِ اللَّهِ أن يبدلوه وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ أنه حق فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ أيها اليهود في إظهار ما عندكم من نعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم والرجم غيرهما وَاخْشَوْنِ في كتمانه وَلا تَشْتَرُوا تستبدلوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا من الدنيا تأخذونه على كتمانها وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (44) به وَكَتَبْنا فرضنا عَلَيْهِمْ فِيها أي التوراة أَنَّ النَّفْسَ تقتل بِالنَّفْسِ إذا قتلتها وَالْعَيْنَ تفقأ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ يجدع بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ\r______________________________\rيشمل المرسلين، فحكم المرسلين ظاهر، وحكم الأنبياء بالقضاء بها لا على أنها شرع لهم. قوله: الَّذِينَ أَسْلَمُوا أي كمل إسلامهم، وهو وصف كاشف، لأن كل نبي منقاد للّه، وحكمة الوصف بذلك التعريض باليهود، حيث افتخروا بأصولهم ولم يسلموا، بل حرفوا التوراة وبدلوها.\rقوله: لِلَّذِينَ هادُوا اللام للاختصاص، أي أحكام التوراة مختصة بالذين هادوا، أعم من أن تكون أحكاما لهم أو عليهم. قوله: وَالرَّبَّانِيُّونَ معطوف على النَّبِيُّونَ. قوله: (العلماء منهم) وقيل الزهاد، وقيل الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره، وهذا لا ينافي كلام المفسر، بل يقال سموا ربانيين لكونهم منسوبين للرب لزهدهم ما سواه، أو للتربية لكونهم يربون الخلق.\rقوله: وَالْأَحْبارُ جمع حبر بالفتح والكسر، وأما المداد فبالكسر لا غير من التحبير وهو التحسين، يقال حبره إذا حسنه، سموا بذلك لأنهم يزينون الكلام ويحسنونه، وهو عطف على النبيون أيضا، وقد وسط بين المعطوفات الذين هم الحكام بالمحكوم لهم، وذكر الأحبار بعد الربانيين من ذكر العام بعد الخاص، لأن الحبر العالم كان ربانيا أو لا. قوله: (أي بسبب الذي) أشار بذلك إلى أن الباء سببية، وما اسم موصول بمعنى الذي، والعائد محذوف أي بسبب الذي استحفظوه، وفاعل الحفظ هو اللّه أي بسبب الشرع الذي أمرهم اللّه بحفظه، وقوله: مِنْ كِتابِ اللَّهِ بيان لما فالأنبياء والعلماء أمناء اللّه على خلقه، يحكمون بين الناس بأحكام اللّه التي علمها اللّه لهم، ومن لم يحكم بذلك فقد خان اللّه في أمانته وكذب على ربه، فحينئذ يستحق الوعيد.\rقوله: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ تفريع على قوله: وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ والخطاب لعلماء اليهود الذين في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (و غيرهما) أي كقوله تعالى: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ فغيروها وقالوا ما لم يكن القاتل شريفا وإلا فلا يقتل بالوضيع. قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ نزلت في قريظة وبني النضير، فكان الواحد من بني النضير إذا قتل واحدا من قريظة أدى إليهم نصف الدية، وإذا قتل الواحد من قريظة واحدا من بني النضير أدى إليهم الدية كاملة، فغيروا حكم اللّه الذي أنزله في التوراة، وكل آية وردت في الكفار تجرّ بذيلها على عصاة المؤمنين.\rقوله: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها هذا شرع من قبلنا وهو شرع لنا ولم يرد ما ينسخه، ففي هذه الآية دليل لمذهب مالك حيث قال: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ. قوله: أَنَّ النَّفْسَ أن حرف توكيد ونصب، والنفس اسمها، وقوله: بِالنَّفْسِ الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر أن، قدره المفسر بقوله: (تقتل) وهو حل معنى لا حل إعراب، لأن الخبر يقدر كونا عاما لا خاصا، فالمناسب تقديره","part":1,"page":383},{"id":385,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 384\rتقطع بِالْأُذُنِ وَالسِّنَ تقلع بِالسِّنِ وفي قراءة بالرفع في الأربعة وَالْجُرُوحَ بالوجهين قِصاصٌ أي يقتص فيها إذا أمكن كاليد والرجل والذكر ونحو ذلك وما لا يمكن فيه الحكومة وهذا الحكم وإن كتب عليهم فهو مقرر في شرعنا فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ أي بالقصاص بأن مكن من نفسه فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ لما أتاه وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ في القصاص وغيره فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنا أتبعنا عَلى آثارِهِمْ أي النبيين بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ قبله مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً من الضلالة وَنُورٌ بيان للأحكام\r______________________________\rتؤخذ ليصلح للجميع، والجملة من أن واسمها وخبرها في محل نصب على المفعولية بكتبنا، واعلم أنه قرىء بنصب الجميع وهو ظاهر لأنه معطوف على اسم أن، وقرىء برفع الأربعة مبتدأ وخبر معطوف على جملة أن واسمها وخبرها ويؤول كتبنا بقلنا، فالجمل كلها في محل نصب مقول القول وهو الأحسن، وقرىء بنصب الجميع ما عدا الجروح فبالرفع مبتدأ وخبر معطوف على أن واسمها وخبرها.\rقوله: وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ بضم الذال وسكونها قراءتان سبعيتان. قوله: (بالوجهين) أي الرفع والنصب عند نصب الجميع، وأما عند رفع ما قبله فبالرفع لا غير. قوله: (و ما لا يمكن) ما اسم موصول مبتدأ، وقوله: (فيه الحكومة) خبر قوله: (فيه الحكومة) أي بأن يقدر رقيقا سالما من العيوب، ثم ينظر لما نقصه فيؤخذ بنسبته من الدية، وظاهر المفسر أن كل ما لا يمكن فيه القصاص فيه الحكومة ولعله مذهبه، وإلا فمذهب مالك الحكومة في كل ما لم يرد فيه شيء مقرر في الخطأ، وإلا ففيه ما قرر في الخطأ كرض الأنثيين وكسر الصلب ففيه الدية كاملة، وفي نحو الجائفة والآمة ثلثها على ما هو مبين في المذاهب. قوله:\r(بأن مكن) أي القاتل من نفسه للقصاص، ويحتمل أن المعنى فمن تصدق به أي القصاص بأن عفا الولي عن القاتل فهو كفارة لما عليه من الذنوب، والحاصل أن القاتل تعلق به ثلاث حقوق: حق للّه وحق للولي وحق للمقتول، فإن سلم القاتل نفسه طوعا تائبا سقط حق اللّه وحق الولي ويرضي اللّه المقتول من عنده، وأما إن أخذ القاتل كرها وقتل من غير توبة فقد سقط حق الولي وبقي حق اللّه وحق المقتول، هكذا ذكره ابن القيم وهو مبني على أن الحدود زواجر، أما على ما مشى عليه مالك من أن الحدود جوابر، فمتى قتل ولو من غير توبة فقد سقطت الحقوق كلها، لأن السيف يجب ما قبله.\rقوله: فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي لمخالفة شرع اللّه مع عدم استحلاله لذلك، وعبر فيما تقدم بالكافرون لتبديلهم وتغييرهم ما أنزل اللّه واستحلالهم لذلك.\rقوله: وَقَفَّيْنا شروع في ذكر ما يتعلق بفضل عيسى وكتابه، بعد ذكر فضل موسى وكتابه، وقفينا من التقفيه وهي الإتيان في القفا، ومعناه العقب، وقد ضمن قفينا معنى جئنا فلا يقال يلزم عليه أن التضعيف كالهمزة، فمقتضاه أن يتعدّى لمفعولين، بأن يقال مثلا وقفيناهم عيسى. قوله: (أتبعنا) أي جئنا بعيسى تابعا لآثارهم. قوله: (أي النبيين) أي المتقدم ذكرهم في قوله يحكم بها النبيون، فالأنبياء الذين بين موسى وعيسى يعملون بالتوراة ويحكمون بها بين الناس، فلما جاء عيسى نسخ العمل بالتوراة، وصار الحكم للإنجيل قوله: مُصَدِّقاً حال من عيسى، وقوله: مِنَ التَّوْراةِ بيان لما. قوله: وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ معطوف على قفينا. قوله:\rفِيهِ خبر مقدم، وهُدىً مبتدأ مؤخر وَنُورٌ معطوف عليه، والجملة حال من الإنجيل، والمراد","part":1,"page":384},{"id":386,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 385\rوَمُصَدِّقاً حال لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ لما فيها من الأحكام وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) قلنا وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ من الأحكام وفي قراءة بنصب يحكم وكسر لامه عطفا على معمول آتيناه وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (47) وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ يا محمد الْكِتابَ القرآن بِالْحَقِ متعلق بأنزلنا مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ قبله مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً شاهدا عَلَيْهِ والكتاب بمعنى الكتب فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بين أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك بِما أَنْزَلَ اللَّهُ إليك وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عادلا عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا\r______________________________\rبالهدى التوحيد، وبالنور الأحكام، فالعطف مغاير.\rقوله: وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي معترفا بأنها من عند اللّه وإن نسخت أحكامها، لأن اللّه سبحانه وتعالى كلف أمة كل عصر بأحكام تناسبها، فالنسخ في الأحكام الفرعية لا الأصول، كالتوحيد فلا نسخ فيه، بل ما كان عليه آدم من التوحيد، هو ما عليه باقي الأنبياء. قوله: وَهُدىً أي ذو هدى، أو يولغ فيه حتى جعل نفس الهدى مبالغة، على حد زيد عدل، وعبر أولا بقوله فيه هدى وثانيا بقوله وهدى مبالغة. قوله: وَمَوْعِظَةً أي أحكام يتعظون بها، والحكمة في زيادة الموعظة في الإنجيل دون التوراة، لأن التوراة كان فيها الأحكام الشرعية فقط، وإنما المواعظ كانت في الألواح وقد تكسرت، وأما الإنجيل فهو مشتمل على الأحكام والمواعظ.\rقوله: لِلْمُتَّقِينَ خصهم لأنهم المنتفعون بذلك.\rقوله: وَ(قلنا) قدره المفسر إشارة إلى أن الواو حرف عطف، والمعطوف محذوف، وقوله: لْيَحْكُمْ اللام لام الأمر والفعل مجزوم بها، والجملة مقول القول، والمحذوف معطوف على آتينا، والمعنى آتينا عيسى ابن مريم الإنجيل وأمرناه ومن تبعه بالحكم به. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (بنصب يحكم) أي بأن مضمرة بعد لام كي. قوله: (عطفا على معمول آتيناه) فيه شيء لأنه إن أراد معموله الذي هو الإنجيل فهو غير ظاهر، وإن أراد معموله الذي هو قوله هدى وموعظة، والمعنى آتيناه الإنجيل لأجل الهدى والموعظة، ولحكم أهل الإنجيل فهو صعب التركيب، والأحسن أن قوله ليحكم متعلق بمحذوف، والواو للاستئناف، والمعنى وآتيناه ذلك ليحكم. قوله: فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ عبر بالفسق هنا لأنه خروج عن أمره تعالى وطاعته، لأنه تقدمه أمر وهو قوله ليحكم، وفي الحقيقة الفسق يرجع للظلم لأنه مخالفة الأمر، فتعبيره بالظلم أولا، وبالفسق ثانيا تفنن.\rقوله: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ معطوف على أنزلنا التوراة. قوله: (متعلق بأنزلنا) المناسب أن يقول متعلق بمحذوف حال من الكتاب، وقوله: مُصَدِّقاً حال مِنَ الْكِتابِ أيضا. قوله: مِنَ الْكِتابِ بيان لما وأل في الكتاب للجنس، فيشمل جميع الكتب السماوية. قوله: وَمُهَيْمِناً المهيمن معناه الحاضر الرقيب، فالقرآن شاهد على سائر الكتب، وعلى من آمن من أصحابها ومن كفر. قوله: (و الكتاب بمعنى الكتب) أي فأل للجنس.\rقوله: وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ الخطاب للنبي والمراد غيره، والمعنى لا يميل الحاكم بين الناس","part":1,"page":385},{"id":387,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 386\rمِنْكُمْ أيها الأمم شِرْعَةً شريعة وَمِنْهاجاً طريقا واضحا في الدين يمشون عليه وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً على شريعة واحدة وَلكِنْ فرقكم فرقا لِيَبْلُوَكُمْ ليختبركم فِي ما آتاكُمْ من الشرائع المختلفة لينظر المطيع منكم والعاصي فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ سارعوا إليها إِلَى اللَّهِ مرجعكم جميعا بالبعث فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) من أمر الدين ويجزي كلا منكم بعمله وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنِ لا يَفْتِنُوكَ\r______________________________\rلأهوائهم بأن يحكم بها ويترك ما أنزل اللّه. قوله: مِنَ الْحَقِ بيان لما. قوله: (أيها الأمم) أي من لدن آدم إلى محمد، فكل أمة لها شرع مختص بها، والاختلاف إنما هو في الفروع لا الأصول، فكل ما ورد دالا على اختلاف الشرائع كهذه الآية، فباعتبار الفروع وما ورد دالا على الاتحاد، كقوله: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ فمحمول على الأصول. قوله:\rشِرْعَةً أي أحكاما شرعها وبيّنها للتعبد بها، والشريعة في كلام العرب مورد الماء الذي يقصد للشرب منه، استعير للطريقة الإلهية، قال بعضهم: للشريعة والمنهاج عبارة عن معنى واحد، التكرار للتأكيد.\rقوله: أُمَّةً واحِدَةً أي جماعة متفقة على دين واحد من غير نسخ.\rقوله: وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ هذا هو حكمة تفرق الشرائع في الفروع. قوله: (لينظر المطيع) أي ليظهر أمر المطيع من العاصي. قوله: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أي بادروا إلى وجوه البر والطاعات قوله: (جميعا) حال من الكاف في مرجعكم، ولا يقال هو حال من المضاف إليه وهو لا يجوز، لأنه يقال المضاف مقتض للعمل في المضاف إليه، قال ابن مالك:\rولا تجز حالا من المضاف له ... إلّا إذا اقتضى المضاف عمله\r\rقوله: فَيُنَبِّئُكُمْ أي يخبركم بالذي كنتم تختلفون فيه، فيترتب على ذلك الثواب للمطيع والعقاب للعاصي.\rقوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ الواو حرف عطف، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر معطوف على الكتاب، التقدير وأنزلنا إليك الكتاب والحكم والفعل وإن كان أمرا لفظا، إلا أنه في معنى المضارع ليفيد استمرار الحكم، وليس هذا مكررا مع قوله فاحكم بينهم بما أنزل اللّه، لأن ما تقدم في شأن رجم المحصنين، وما هنا في شأن الدماء والديات، لأن سبب نزولها، أن بني النضير كانوا إذا قتلوا من قريظة قتيلا أعطوهم سبعين وسقا من تمر، وإذا قتلت قريظة قتيلا من بني النضير أعطوهم مائة وأربعين وسقا، فقال لهم رسول اللّه: «أنا احكم أن دم القرظي كدم النضري، ليس لأحدهم فضل على الآخر في دم ولا عقل ولا جراحة»، فغضب بنو النضير وقالوا لا نرضى بحكمك فإنك تريد صغارنا.\rقوله: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ سبب نزولها، أن كعب بن أسيد وعبد اللّه بن صوريا وشاس بن قيس قال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم إليك، فاقض لنا عليهم نؤمن بك ونصدقك، فأبى رسول اللّه، فنزلت الآية، وقوله: أَنْ يَفْتِنُوكَ مفعول لأجله على تقدير لام العلة ولا النافية، وهو ما مشى عليه المفسر، ويحتمل أنه بدل اشتمال من الهاء في احذرهم، والمعنى احذرهم فتنتهم، والخطاب له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمراد غيره لعصمته من الفتنة.","part":1,"page":386},{"id":388,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 387\rيضلوك عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا عن الحكم المنزل وأرادوا غيره فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بالعقوبة في الدنيا بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ التي أتوها ومنها التولي ويجازيهم على جميعها في الأخرى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ بالياء والتاء يطلبون من المداهنة والميل إذا تولوا استفهام إنكاري وَمَنْ أي لا أحد أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ عند قوم يُوقِنُونَ (50) به خصوا بالذكر لأنهم الذين يتدبرونه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ توالونهم وتوادونهم بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ لاتحادهم في الكفر وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ من جملتهم إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) بموالاتهم الكفار\r______________________________\rقوله: بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ أي لا بجميعها، فعقابهم في الدنيا بالقتل والسبي والجلاء، إنما هو ببعض ذنوبهم، وأما في الآخرة فيجازيهم على الجميع كما قال المفسر، لأن العذاب المنقضي وإن طال لا يكفي جزاء لذنوب الكافر جميعها، كما أن نعيم الدنيا وإن كثر ليس جزاء لأعمال المؤمن الصالحة، وإن عذب في الدنيا بمرض أو غيره، فهو جزاء لأعمال المؤمن السيئة، والنعيم في الدنيا للكافر قد يكون جزاء لما عمل من الصالحات كالصدقات مثلا. قوله: (و منها التولي) أي الإعراض عن حكمه صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ أي خارجون عن دائرة الحق، وتقدم أن بعث النار من كل ألف واحد ناج، والباقي خارج عن حدود اللّه، والمعنى تسل يا محمد فإن الغالب في الناس الفسق، فلا خصوصية لليهود بذلك.\rقوله: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير أيتولون عنك فيبتغون حكم الجاهلية، فحكم مفعول ليبغون. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (استفهام إنكاري) أي فهو بمعنى النفي، والمعنى لا يبغون حكم الجاهلية منك على سبيل الظفر به لعصمتك. قوله: (أي لا أحد) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، والآية كالدليل لما قبلها. قوله: (عند قوم) أشار بذلك إلى أن اللام بمعنى عند. قوله: «به» قدره إشارة إلى أن مفعول يوقنون محذوف، والضمير عائد على حكم اللّه.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الخ، النهي لكل من أظهر الإيمان وإن كان في الباطن خاليا من الإيمان، وسبب نزولها أن عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه وعبد اللّه بن أبي سلول رأس المنافقين اختصما فقال عبادة إن لي أولياء من اليهود كثيرا عددهم، شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى اللّه وإلى رسوله من ولاية اليهود ولا مولى لي إلا اللّه ورسوله، فقال عبد اللّه بن أبي إني لا أبرأ من ولاية اليهود، فإني أخاف الدوائر ولا بد لي منهم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا أبا الحباب ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت هو لك دونه»، فقال إذا أقبل فنزلت، واتخذ ينصب مفعولين: اليهود والنصارى مفعول أول، وأولياء مفعول ثان. قوله: بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ جملة مستأنفة، والمعنى بعض كل فريق أولياء البعض الآخر من ذلك الفريق، لأن بين اليهود والنصارى العداوة الكبرى. قوله: فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أي لأنه لا يوالي أحد أحدا إلا وهو عنه راض، فإذا رضي عنه وعن دينه صار من أهل ملته، وأما معاملتهم مع كراهتهم فلا ضرر في ذلك.","part":1,"page":387},{"id":389,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 388\rفَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ضعف اعتقاد كعبد اللّه بن أبي المنافق يُسارِعُونَ فِيهِمْ في موالاتهم يَقُولُونَ معتذرين عنها نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ يدور بها الدهر علينا من جدب أو غلبة ولا يتم أمر محمد فلا يميرونا قال تعالى فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ بالنصر لنبيه بإظهار دينه أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ بهتك ستر المنافقين وافتضاحهم فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ من الشك وموالاة الكفار نادِمِينَ (52) وَيَقُولُ بالرفع استئنافا بواو ودونها وبالنصب عطفا على يأتي الَّذِينَ آمَنُوا لبعضهم إذا هتك سترهم تعجبا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ غاية اجتهادهم فيها إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ في الدين قال تعالى حَبِطَتْ بطلت أَعْمالُهُمْ الصالحة\r______________________________\rقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ علة لكون من يواليهم منهم. قوله: (كعبد اللّه بن أبي) أي وأصحابه. قوله: (معتذرين عنها) أي الموالاة.\rقوله: دائِرَةٌ أي أمر مكروه، فالدوائر هي حوادث الدهر وشروره، والدولة هي العز والنصر، فالمؤمن لا ينتظر إلا الدولة لا الدائرة. قوله: (أو غلبة) أي للكفار على المسلمين. قوله: (فلا يميرونا) أي يعطونا الميرة وهي الطعام. قوله: (قال تعالى) أي ردا لقول المنافقين: نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ وبشارة للمؤمنين لاعتقادهم أن اللّه ناصرهم، ففي الحديث: «أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء».\rقوله: أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ أو مانعة خلو تجوز الجمع، وقد حصل الأمران معا، فقد روي أن رسول اللّه أمر وهو على المنبر بإخراجهم من المسجد واحدا واحدا، ونزلت سورة براءة بفضيحتهم وذمهم ظاهرا وباطنا، ولذا تسمى الفاضحة وعسى وإن كانت للترجي إلا أنها في كلام اللّه للتحقيق، لأن كلامه موافق لعلمه وهو لا يتخلف.\rقوله: فَيُصْبِحُوا عطف على يأتي، وفاء السببية مغنية عن الربط. قوله: نادِمِينَ أي على تخلف مرادهم وحسرتهم، من أجل نصر محمد وأصحابه، وخذلان الكفار، وليس المراد نادمين على ما تقدم منهم من الذنوب، تائبين من ذلك، وإلا فيكون حينئذ ندما محمودا لغلبة رحمة اللّه على غضبه.\rقوله: (بالرفع استئنافا) أي نحويا أو بيانيا واقعا في جواب سؤال مقدر تقديره ماذا يقول المؤمنون حينئذ بناء على جواز اقتران البياني بالواو، وأما على قراءة عدم الواو فيكون بيانيا لا غير قوله: (عطفا على يأتي) أي مسلط عليه عسى، والمعنى فعسى اللّه أن يأتي بالفتح ويقول: الَّذِينَ آمَنُوا تعجبا من كذب المنافقين، هكذا ذكر المفسر، والمناسب أن يقول عطفا على فيصبحوا، لأنه نتيجة ما قبله، لأن تعجب المؤمنين ناشىء عن الفتح لهم والفضيحة للمنافقين.\rقوله: أَهؤُلاءِ الهمزة للاستفهام التعجبي، والهاء للتنبيه، وأولاء اسم إشارة مبتدأ، والَّذِينَ خبره، وأَقْسَمُوا صلته، وقوله: إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ جملة تفسيرية لمعنى أقسموا، لأن يمينهم إنا معكم. قوله: (غاية اجتهادهم) أشار بذلك إلى أن جهد صفة لمصدر محذوف مفعول مطلق لأقسموا، والتقدير إقساما. جَهْدَ أَيْمانِهِمْ أي أغلظها. قوله: (تعالى) أشار بذلك إلى أن قوله: حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ من كلامه تعالى إخبار عن المنافقين، لا من كلام المؤمنين، لأنهم لا علم لهم بذلك. قوله:\r(الصالحة) أي بحسب الظاهر.","part":1,"page":388},{"id":390,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 389\rفَأَصْبَحُوا صاروا خاسِرِينَ (53) الدنيا بالفضيحة والآخرة بالعقاب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ بالفك والإدغام يرجع مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ إلى الكفر إخبار بما علم اللّه تعالى وقوعه وقد ارتد جماعة بعد موت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بدلهم بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ قال صلّى اللّه عليه وسلّم هم قوم هذا\r______________________________\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هذا تحذير عام لكل مؤمن من موالاة الكفار، وبيان عاقبة من والاهم ومال إلى دينهم. قوله: مَنْ يَرْتَدَّ من اسم شرط جازم، ويرتد فعل الشرط، وجوابه قوله: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ الخ، والجملة خبر المبتدأ. قوله: (بالفك والإدغام) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (قد ارتدّ جماعة بعد موت النبي) أي وهم ثمان فرق: سبعة في خلافة أبي بكر، وفرقة في زمن عمر، وارتد ثلاث فرق أيضا في زمن رسول اللّه، بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار لقب به لأنه كان له حمارا يأتمر بأمره وينتهي بنهيه، وهو الأسود العنسي بفتح العين وسكون النون، وكان كاهنا تنبأ باليمن واستولى على بلاده، وأخرج عمال رسول اللّه، فكتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى معاذ بن جبل وسادات اليمن، فأهلكه اللّه تعالى على يد فيروز الديلمي فبيته وقتله، فأخبر رسول اللّه بقتله ليلة قتله، فسرّ المسلمون بذلك، وقبض رسول اللّه من الغد، وأتى خبر قتله في آخر ربيع الأول، وبنو حنيفة وهم قوم مسيلمة الكذاب، تنبأ وكتب إلى رسول اللّه: من مسيلمة رسول اللّه، إلى محمد رسول اللّه، أما بعد فإن الأرض نصفها لي، ونصفها لك، فكتب إليه رسول اللّه: من محمد رسول اللّه، إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد، فإن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، وهلك في خلافة أبي بكر على يد وحشي غلام مطعم بن عدي قاتل حمزة فكان يقول قتلت خير الناس في الجاهلية، وشر الناس في الإسلام، وبنو أسد وهم قوم طلحة بن خويلد تنبأ، فبعث إليه رسول اللّه خالد بن الوليد فقاتله، فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، والسبع اللاتي في خلافة أبي بكر الصديق هم: فزارة قوم عيينة بن حصن الفزاري، وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، وبنو سليم وبنو يربوع قوم مالك بن بريدة اليربوعي، وبعض تميم وكندة قوم الأشعث بن قيس الكندي، وبنو بكر بن وائل، فكفى اللّه أمرهم على يد أبي بكر الصديق حين خرج لقتالهم حيث منعوا الزكاة، فكره ذلك الصحابة وقالوا هم أهل القبلة فكيف نقاتلهم؟ فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بدا من الخروج على أثره، فقال ابن مسعود: كرهنا ذلك في الابتداء وحمدناه في الانتهاء، وقال بعض الصحابة: ما ولد بعد النبيين أفضل من أبي بكر، لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردة. والفرقة التي ارتدت في زمن عمر بن الخطاب هم غسان، فكفى اللّه أمرهم على يد عمر رضي اللّه عنه. قوله: (بدلهم) أي بدل المرتدين، فالضمير عائد على من باعتبار معناها، وأشار به إلى الرابط بين المبتدأ وخبره، وهذا لا يحتاج له إلا على قول بأن الجزاء وحده هو الخبر، وأما على القول بأن الخبر هو مجموع فعل الشرط والجزاء أو الفعل وحده، فلا حاجة لتقديره، لأنه موجود في يرتد. قوله:\rيُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ معنى محبة اللّه لهم إقامتهم له في خدمته مع الرضا والإثابة، ومعنى محبتهم للّه موالاة طاعته وتقديم خدمته على كل شيء، ولما كانت محبتهم للّه ناشئة عن محبة اللّه لهم، قدم محبة اللّه لهم. قال العارف رضي اللّه عنه على لسان الحضرة العلية:\rأيّها المعرض عنّا ... إنّ أعراضك منّا\r\rلو أردناك جعلنا ... كلّ ما فيك يردنا","part":1,"page":389},{"id":391,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 390\rوأشار إلى أبي موسى الأشعري رواه الحاكم في صحيحه أَذِلَّةٍ عاطفين عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ أشداء عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ فيه كما يخاف المنافقون لوم الكفار ذلِكَ المذكور من الأوصاف فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ كثير الفضل عَلِيمٌ (54) بمن هو أهله ونزل لما قال ابن سلام يا رسول اللّه إن قومنا هجرونا إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (55) خاشعون أو يصلون صلاة التطوع وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فيعينهم وينصرهم فَإِنَّ حِزْبَ\r______________________________\rقوله: (و أشار إلى أبي موسى الأشعري) أي فالقوم الأشعريون، وقيل هم أبو بكر وأصحابه الذين باشروا قتال المرتدين، والأقرب أن الآية عامة لأصحاب رسول اللّه ومن كان على قدمهم إلى يوم القيامة بقرينة التسويف. قوله: أَذِلَّةٍ جمع ذليل وقوله: (عاطفين) أشار به إلى أن أذلة مضمن معنى عاطفين لتعديته بعلى، والمعنى متواضعين لأنهم مغلظين على الكفار، ومن هذا المعنى قوله تعالى: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ. قوله: يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لإعلاء دينه. قوله: وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ تعريف بالمنافقين، فإنهم كانوا إذا خرجوا في جيش المسلمين خافوا أوليائهم اليهود لئلا يحصل منهم اللوم لهم. قوله: ذلِكَ (المذكور) أي من الأوصاف الستة. قوله: (و نزل لما قال ابن سلام الخ) أي لما أسلم هجره قومه قريظة وبنو النضير.\rقوله: إِنَّما وَلِيُّكُمُ الخطاب لعبد اللّه بن سلام وأتباعه الذين هداهم اللّه إلى الإسلام، فلما نزلت هذه الآية، قال عبد اللّه بن سلام: رضيت باللّه ربا، وبرسوله نبيا، وبالمؤمنين أولياء، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من انتسب للّه فهو وليه، قال تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ. قوله: وَرَسُولُهُ أي لأنه الواسطة العظمى في كل نعمة، وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا أي لكونهم الإخوان، فمن تخلى عنه رسول اللّه أو المؤمنون فهو هالك، لأن موالاة الثلاثة شرط في صحة الإيمان. قوله: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ بدل من الذين قبله، ومعنى إقامة الصلاة أداؤها بشروطها وأركانها وآدابها. قوله: وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ أي الحقوق التي عليهم في أموالهم.\rقوله: وَهُمْ راكِعُونَ الجملة حالية من يقيمون ويؤتون، وقوله: (خاشعون) أي فأطلق الركوع وأراد لازمه وهو الخشوع. قوله: (أو يصلون صلاة التطوع) أي فالمراد بالركوع صلاة النوافل وخصها بالذكر، لأن نفل الصلاة أفضل من نفل غيرها، وعليه فجملة وهم راكعون معطوفة على ما قبلها، فتحصل أنه وصفهم بأوصاف ثلاثة: إقامة صلاة الفرائض، وإيتاء الزكاة، وصلاة النوافل، وقيل قوله وهم راكعون حال من فاعل يؤتون الزكاة، والمراد بها ما يشمل صدقة التطوع والركوع على حقيقته، والمراد كمال رغبتهم في الإحسان ومسارعتهم إليه، روي أنها نزلت في علي كرّم اللّه وجهه حين سأله سائل وهو في الصلاة فنزع خاتمه وأعطاه له.\rقوله: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا من اسم شرط، يتول فعله، واللّه مفعول يتول والمعنى يختار اللّه وليا يعبده ويلتجىء إليه، ويختار رسوله وليا بأن يؤمن به ويتوسل به ويعظمه ويوقره، ويختار الذين آمنوا أولياء بأن يعينهم وينصرهم ويوقرهم إذا حضروا ويحفظهم إذا غابوا، وقوله: فَإِنَ","part":1,"page":390},{"id":392,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 391\rاللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (56) لنصره إياهم أوقعه موقع فإنهم بيانا لأنهم من حزبه أي أتباعه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً مهزوءا به وَلَعِباً مِنَ للبيان الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ المشركين بالجر والنصب أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ بترك موالاتهم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) صادقين في إيمانكم وَالذين إِذا نادَيْتُمْ دعوتم إِلَى الصَّلاةِ بالأذان اتَّخَذُوها أي الصلاة هُزُواً وَلَعِباً بأن يستهزؤوا بها ويتضاحكوا ذلِكَ الاتخاذ بِأَنَّهُمْ أي بسبب أنهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (58) ونزل لما قال اليهود للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمن تؤمن من الرسل فقال باللّه\r______________________________\rحِزْبَ اللَّهِ الخ، يحتمل أنها جواب الشرط، وإنما أوقع الظاهر موقع المضمر لنكتة التشريف، ويؤخذ ذلك من عبارة المفسر، ويحتمل أنها دليل الجواب، والجواب محذوف تقديره يكن من حزب اللّه. قوله:\rهُمُ الْغالِبُونَ أي القاهرون لأعدائهم.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا لا ناهية، وتتخذوا مجزوم بلا الناهية، والذين مفعول أول للاتتخذوا الأولى، واتخذوا الثانية صلة الذين، ومفعولها الأول قوله دينكم، ومفعولها الثاني هزوا ولعبا، وقوله: أَوْلِياءَ مفعول ثان للاتتخذوا الأولى. قله: مِنَ (للبيان) أي فهو بيان للذين اتخذوا دينكم، فالمعنى لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا وهم الذين أوتوا الكتاب. قوله: (المشركين) إنما اقتصر عليهم وإن كان الجميع كفارا، لتحصل المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه. قوله: (بالجر) أي عطف على مجرور من، وقوله: (و النصب) أي عطف على الذين الواقع مفعولا به، فعلى الأول الاستهزاء واقع من الفريقين، وعلى الثاني واقع من أهل الكتاب فقط، وثبوت الاستهزاء لغيرهم مأخوذ من آية أخرى له.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي فاتركوا موالاتهم، فيؤخذ من الآية أن من والاهم فليس بمؤمن، فهو وعيد عظيم لمن اتخذ الكفار أولياء من دون المؤمنين.\rقوله: وَإِذا نادَيْتُمْ يحتمل أنه معطوف على الذين المجرور بمن، وعليه فالمستهزؤون ثلاث فرق، ويحتمل أنه معطوف على الذين الواقع مفعولا به، فيكون من جملة أوصاف الفريق الأول. قوله: (بالأذان) ورد أن المنافقين والكفار كانوا إذا سمعوا الأذان ضحكوا وقالوا: يا محمد لقد ابتدعت شيئا لم يسمع بمثله فيما مضى قبلك من الأمم، فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت الأنبياء قبلك، ولو كان فيك خير لكان أولى الناس به الأنبياء، فمن أين لك صياح العير، فما أقبح هذه الصوت وهذا الأمر، فنزلت آية وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا وهذه الآية.\rقوله: لا يَعْقِلُونَ أي لا يعون ولا يتأملون جلال اللّه وهيبته، ولو عقلوه ما ساعهم الاستهزاء، ولذا ورد أن رسول اللّه كان إذا نودي بالصلاة تغيرت حالته، قال بعض الصحابة، كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه، وكان علي إذا سمع للنداء ينتفع لونه، وهذا الوعيد يجر بذيله على من يتعاطى الضحك وأسبابه في الصلاة، ولذلك جعله أبو حنيفة من مبطلات الوضوء والصلاة، وجعله غيره من مبطلات الصلاة فقط، وإنما لم يكفروا فاعله، لأنه لم يكن مستهزئا بأمر اللّه حقيقة، وإلا كان كافرا إجماعا وداخلا في عموم الكفار. قوله: (و نزل لما قال اليهود) أي سبب نزولها، قول طائفة من اليهود، كأبي يسار ورافع بن أبي رافع وآزر بن آزر، وقصدهم بهذا السؤال اختباره صلّى اللّه عليه وسلّم، قل هو مؤمن بعيسى فيخالفوه، أولا فيتبعوه لكراهتهم له. قوله: (بمن تؤمن من الرسل) أي بأي رسول تؤمن؟ قوله: (فقال باللّه) متعلق بمحذوف","part":1,"page":391},{"id":393,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 392\rوما أنزل إلينا الآية فلما ذكر عيسى قالوا لا نعلم دينا شرا من دينكم قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ تنكرون مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ إلى الأنبياء وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (59) عطف على أن آمنا المعنى ما تنكرون إلا إيماننا ومخالفتكم في عدم قبوله المعبر عنه بالفسق اللازم عنه وليس هذا مما ينكر قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ أخبركم بِشَرٍّ مِنْ أهل ذلِكَ الذي تنقمونه مَثُوبَةً ثوابا بمعنى جزاء عِنْدَ اللَّهِ هو مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ أبعده عن رحمته\r______________________________\rتقديره أؤمن باللّه، وقوله: (الآية) أي إلى قوله: (مسلمون) وتلك الآية هي آية البقرة التي أولها (قولوا آمنا) الآية.\rقوله: هَلْ تَنْقِمُونَ جمهور القراء على كسر القاف من نقم بفتحها وهو الفصيح، وقرىء شذوذا بفتح القاف، وماضيه نقم بكسرها، وهو في الأصل النقض، ثم أطلق على الكراهية والإنكار، ولذا عدى بمن دون على. قوله: مِنَّا أي من أوصافنا وأخلاقنا. قوله: إِلَّا أَنْ آمَنَّا استثناء مفرغ، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول لتنقموا، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي، والمعنى لا تنكرون ولا تكرهون من أوصافنا إلا إيماننا باللّه الخ. قوله: وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ أي من سائر الكتب السماوية.\rقوله: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ قرأ الجمهور بفتح الهمزة، وقرىء شذوذا بكسرها على الاستئناف. قوله:\r(عطف على أن آمنا) أي فهو في محل نصب على حذف مضاف تقديره واعتقادنا أن أكثركم فاسقون، وإنما قدرنا المضاف لصحة العطف، فإن المعطوف على الصفة صفة، وكون أكثرهم فاسقين وصف لهم لا لنا، فقدر المضاف لذلك، ويصح أنه منصوب على المعية، والمعنى إلا إيماننا مع كون أكثركم فاسقين، مع تقدير المضاف، أي مع اعتقادنا أن أكثركم فاسقون، ويحتمل أنّ أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف تقديره وفسق أكثركم ثابت عندنا، ويحتمل أنه في محل جر معطوف على لفظ الجلالة مسلّط عليه آمنا، التقدير وما تكرهون منا إلا إيماننا باللّه، وإيماننا بأن أكثركم فاسقون. قوله: (المعنى ما تنكرون الخ) إنما أتى بذلك جوابا عن سؤال مقدر، تقديره إن. قوله: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ وصف لهم، وأما الإيمان فهو وصف لنا، فيشكل عطف ما ليس وصفا لنا على ما هو وصف لنا، فلذلك حول المفسر العبارة. قوله: (و مخالفتكم) من إضافة المصدر لمفعوله، والفاعل محذوف تقديره مخالفتنا إياكم.\rقوله: (المعبر عنه بالفسق) أي فأطلق اللازم وهو الفسق، وأراد الملزوم وهو عدم قبول الإيمان، ثم أطلق وأريد لازمه، وهو مخالفتنا لهم في اتصافنا بقبول الإيمان وهم بعدمه، وقوله: (في عدم قبوله) أي الإيمان.\rقوله: (و ليس هذا مما ينكر) تتميم للكلام، إشارة إلى أن الاستفهام إنكاري.\rقوله: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ هذا الكلام من باب المقابلة، لأنه في مقابلة اليهود لا نعلم دينا شرا من دينكم. قوله: (الذي تنقمونه) أي وهو ديننا. قوله: مَثُوبَةً تمييز لشر. قوله: (بمعنى جزاء) أي بالعقاب، وكان على المفسر أن يزيده، فتسمية الجزاء بالعقاب ثوابا تهكم بهم على حد (فبشرهم بعذاب أليم). قوله: (هو) مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ أشار بذلك إلى أن قوله من لعنه خبر لمحذوف قدره المفسر بقوله هو، وهو جواب عن سؤال مقدر تقديره ومن الأشر.","part":1,"page":392},{"id":394,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 393\rوَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ بالمسخ وَمن عَبَدَ الطَّاغُوتَ بطاعته الشيطان وراعى في منهم معنى من وفيما قبله لفظها وهم اليهود وفي قراءة بضم باء عبد وإضافته إلى ما بعده اسم جمع لعبد ونصبه بالعطف على القردة أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً تمييز لأن مأواهم النار وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (60) طريق الحق وأصل السواء الوسط وذكر شر وأضل في مقابلة قولهم لا نعلم دينا شرا من دينكم وَإِذا جاؤُكُمْ أي منافقو اليهود قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا إليكم متلبسين بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا من عندكم متلبسين بِهِ ولم يؤمنوا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (61) ه من النفاق وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ أي اليهود يُسارِعُونَ يقعون سريعا فِي الْإِثْمِ الكذب وَالْعُدْوانِ الظلم وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ الحرام كالرشا لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (62) عملهم هذا لَوْ لا هلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ منهم عَنْ قَوْلِهِمُ\r______________________________\rقوله: وَغَضِبَ عَلَيْهِ أي انتقم منه على سبيل الأبد. قوله: (بالمسخ) أي فجعل شبابهم قردة ومشايخهم خنازير. قوله: (الشيطان) تقدم أنه أحد تفاسير في الطاغوت، وقيل هو كل ما أوقع في الضلال، وعابده هو التابع له في الضلال. قوله: (و فيما قبله) أي وهو لعنه وغضب عليه، وكذلك راعى لفظها في وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ. قوله: (و في قراءة) أي سبعية لحمزة، وقوله: (اسم جمع لعبد) أي لا جمع له بل جمعه أعبد، قال ابن مالك: لفعل اسما صح عينا أفعل. قوله: (و نصبه بالعطف على القردة) أي فتكون الصلات ثلاثا وهي: لعنه، وغضب عليه، وجعل الرابعة على القراءة الأولى عبد. قوله: (تمييز) أي تمييز نسبة، ونسب الشر للمكان، وحقه لأهله كناية عن نهايتهم في ذلك. قوله: (و ذكر شر) أي المجرور في قوله بشر، والمرفوع في قوله أولئك شر، وقوله: (في مقابلة قولهم الخ) جواب عن سؤال مقدر، تقديره كيف ذلك مع أن المؤمنين لا شر عندهم، فأجاب بما ذكر، وأجيب أيضا بأن شر المؤمنين باعتبار تعبهم في الدنيا، فعذاب الآخرة للكفار، أشر من ضيق الدنيا على المؤمنين، وأجيب أيضا: بأن المفضل عليه جماعة من الكفار، فيكون المعنى: هؤلاء المتصفون بتلك الأوصاف، شر من غيرهم من الكفرة الذين لم يجمعوا بين هذه الخصال.\rقوله: وَإِذا جاؤُكُمْ الخطاب للنبي، فجمعه للتعظيم أوله، ومن عنده من المؤمنين، فالجمع ظاهر. قوله: وَقَدْ دَخَلُوا الجملة حالية من فاعل قالُوا، وكذا. قوله: وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ.\rقوله: (متلبسين) قدره إشارة إلى أن قوله: بِالْكُفْرِ متعلق بمحذوف حال من فاعل دخلوا، وكذا قوله به حال من فاعل خرجوا.\rقوله: وَتَرى كَثِيراً رأى بصرية تنصب مفعولا واحدا وهو قوله كثيرا، وقوله: يُسارِعُونَ حال من قوله كثيرا. قوله: (كالرشا) بضم الراء وكسرها من الرشوة بضم وكسر، فالمضموم للمضموم، والمكسور للمكسور، وأدخلت الكاف الربا. قوله: (عملهم هذا) قدره إشارة للمخصوص بالذم. قوله:\r(هلا) أشار بذلك إلى أن لو لا للتحضيض والتوبيخ لعلمائهم، حيث لم ينهوهم عما ارتكبوه من المخالفات.\rقوله: لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ عبر في جانب العوام بيعملون، وفي جانب العلماء بيصنعون، لأن","part":1,"page":393},{"id":395,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 394\rالْإِثْمَ الكذب وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (63) ه ترك نهيهم وَقالَتِ الْيَهُودُ لما ضيق عليهم بتكذيبهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعد أن كانوا أكثر الناس مالا يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ مقبوضة عن إدرار الرزق علينا كنوا به عن البخل تعالى اللّه عن ذلك قال تعالى غُلَّتْ أمسكت أَيْدِيهِمْ عن فعل الخيرات دعاء عليهم وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ مبالغة في الوصف بالجود وثني اليد لإفادة الكثرة إذا غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطي بيديه يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ من\r______________________________\rالصنع أبلغ من العمل، إذ هو عمل مع إتقان، فذمهم بأبلغ وجه، وكل آية وردت في الكفار فإنها تجر بذيلها على عصاة المؤمنين، قال ابن عباس: هذه أشد آية في القرآن، يعني في حق العلماء. وقال الضحاك: ما في القرآن أخوف آية عندي منها.\rقوله: وَقالَتِ الْيَهُودُ أي بعضهم وهو فنحاص بن عازوراء، وإنما نسب القول لهم عموما لرضاهم به ولم ينهوا عنه. قوله: (بتكذيبهم) الباء سببية. قوله: (بعد أن كانوا أكثر الناس مالا) أي وأخصب أرضا. قوله: (مقبوضة) أي ممسوكة عن بسط العطاء لنا. قوله: (كنوا به عن البخل) أي لأنه يلزم من قبض اليد عن الإعطاء للمستحقين البخل. قوله: (تعالى اللّه عن ذلك) أي تنزه سبحانه عن ما وصفوه به من البخل، لأن البخل هو منع المستحق من حقه، وليس لأحد حق على اللّه تعالى، بل هو الكريم الحقيقي الذي عم عطاؤه والطائع والعاصي لا لغرض ولا لعوض. قوله: (دعاء) إما بالرفع خبر لمحذوف والتقدير هو دعاء، أي طلب من نفسه بنفسه غلول أيديهم، ويصح النصب على أنه مفعول لأجله، أي قال تعالى لأجل الدعاء عليهم.\rقوله: وَلُعِنُوا معطوف على غُلَّتْ فهو في حين الدعاء، فبسبب هذه المقالة صاروا أشقياء آيسين من رحمة اللّه، فلم يوفقوا لفعل خير بعد ذلك أبدا، وطردوا عن رحمة اللّه في الدنيا والآخرة. قوله:\rبَلْ يَداهُ إضراب إبطالي، ويداه مبتدأ، ومَبْسُوطَتانِ خبره، وجملة ينفق: إما خبر ثان أو استئناف بياني، وكيف اسم شرط، ويشاء فعل الشرط، ومفعوله محذوف تقديره الإنفاق له، وجوب الشرط محذوف دل عليه قوله ينفق. قوله: (مبالغة في الوصف بالجود) أي الإعطاء الكثير الذي عم الطائع والعاصي، واعلم أن معاملة اللّه للمؤمنين بالفضل إعطاء أو منعا، لأنه ما منعهم عطاء الدنيا إلا لكونه ادخر لهم ما هو أعظم منه في الآخرة، وأما معاملته للكفار، فبالفضل عند الإعطاء، وبالعدل عند المنع، فلا يوصف بالبخل على كل حال تنزه اللّه عنه، لأن البخل هو منع المستحق من حقه، وتعالى اللّه عن أن يكون لأحد حق عليه. قوله: (و ثني اليد الخ) أي فذكر اليدين مشاكلة، والتثنية كناية عن كثرة العطاء، لكن على مراده هو، لا على مراد عبيده، لأنه ليس لأحد حق عليه يطلبه منه، ثم في إطلاق اليد على اللّه طريقتان: طريقة السلف أن اليد صفة من صفاته أزلية، كالسمع والبصر، ينشأ عنها الخير لا الشر، فهي أخص من القدرة، لأن القدرة ينشأ عنها جميع الممكنات، إيجادا وإعداما، خيرا أو شرا، ولا يعلمها إلا هو، ويشهد لما قلنا. قوله تعالى: قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ أي اصطفيته، ولم يقل بقدرتي، وطريقة الخلف أن اليد تطلق بمعنى الجارحة، وهي مستحيلة على اللّه، وتطلق على القدرة والنعمة والملك، ويصح إرادة كل منهما في حق اللّه. إن قلت: على تفسيرها بالقدرة أو النعمة، فلم ثنيت","part":1,"page":394},{"id":396,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 395\rتوسيع وتضييق لا اعتراض عليه وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ من القرآن طُغْياناً وَكُفْراً لكفرهم به وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فكل فرقة منهم تخالف الأخرى كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أي لحرب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أَطْفَأَهَا اللَّهُ أي كلما أرادوه ردهم وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أي مفسدين بالمعاصي وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) بمعنى أنه يعاقبهم وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وَاتَّقَوْا الكفر لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ بالعمل بما فيهما ومنه الإيمان بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من الكتب مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ بأن يوسع عليهم الرزق ويفيض من كل جهة مِنْهُمْ أُمَّةٌ جماعة مُقْتَصِدَةٌ تعمل به ومنهم من\r______________________________\rثانيا بعد إفرادها أولا؟ أجيب: بأن التثنية لإفادة كثرة الكرم والعطاء كما قال المفسر إن قلت: على تفسيرها بالنعمة فمقتضاه جمعها لأن النعم كثيرة، قال تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها أجيب: بأن التثنية بحسب الجنس، لأن النعم جسان مثل: نعمة الدنيا ونعمة الدنيا، ونعمة الظاهر ونعمة الباطن، ونعمة الإعطاء ونعمة المنع، وتحت كل واحد من الجنسين أنواع كثيرة، وما قلنا عقائد المؤمنين، وعقيدة اليهود أنها الجارحة لأنهم مجسمة. قوله: (من توسيع وتضييق) أي على مقتضى المصلحة والحكمة الإلهية، ففي الحديث «إن من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر، فلو أغنيته لفسد حاله، وإن عبادي من لا يصلح له إلا الغنى، فلو أفقرته لفسد حاله». قوله: (فكل فرقة منهم) أي اليهود كالجبرية والقدرية والمشبهة والمرجئة، والنصارى كذلك فرق كالملكانية والنسطورية واليعقوبية والماردانية. إن قلت: إن المسلمين فرق أيضا؟ أجيب: بأن افتراق المسلمين في الفروع لا الأصول، وكلهم على خير مسلمين لبعضهم، وأما من خرج عن ذلك فهو ضال مضل.\rقوله: كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أي بتعاطي أسبابه ومبادئه. قوله: (ردهم) أي قهرهم وجعلهم أذلة خاشعين. قوله: (أي مفسدين) أشار بذلك إلى أنه حال من فاعل يسعون، ويصح أن يكون مصدرا مؤكدا ليسعون من معناه.\rقوله: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ بيان لحالهم في الآخرة، فهو تردد لهم لعلهم يهتدون، ومن هنا لا يجوز لعن كافر معين حي، لأنه يحتمل أنه يهتدي. قوله: (من الكتب) أي ككتاب شعياء، وكتاب دانيال، وكتاب أرمياء، ففي هذه الكتب أيضا ذكر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فالمراد بإقامة الكتب الإيمان به صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل المراد بما أنزل إليهم من ربهم القرآن، لأنهم مأمورون بالإيمان به، لأنهم من جملة أمته صلّى اللّه عليه وسلّم، ولعل هذا هو الأقرب. قوله: (بأن يوسع عليهم الرزق) أي بأن يفيض عليهم بركات السماء والأرض، ويؤخذ من هذه الآية أن طاعة اللّه سبب في الرزق، ومعاصيه سبب في قبضه، قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وقال تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً. وقال عليه الصلاة والسّلام: «إذا رأيت قساوة في قلبك وحرمانا في رزقك ووهنا في بدنك فاعلم أنك تكلمت فيما لا يعنيك».\rقوله: مُقْتَصِدَةٌ أي معتدلة ليست مفرطة ولا مفرطة، وقوله: (تعمل به)","part":1,"page":395},{"id":397,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 396\rآمن بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كعبد اللّه بن سلام وأصحابه وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ بئس ما شيئا يَعْمَلُونَ (66) يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ جميع ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ولا تكتم شيئا خوفا أن تنال بمكروه وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ أي لم تبلغ جميع ما أنزل إليك فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ بالإفراد والجمع لأن كتمان بعضها ككتمان كلها وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ أن يقتلوك وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يحرس\r______________________________\rأي بالقرآن أو بما ذكر من التوراة وما بعدها. قوله: (و منهم من آمن) الأوضح أن يحذف قوله ومنهم من آمن، ويقتصر على قوله كعبد اللّه الخ، كما قال غيره من المفسرين، وفي نسخة وهم من آمن وهي الصواب. قوله: وَكَثِيرٌ مبتدأ وجملة ساءَ ما يَعْمَلُونَ خبره، وساء كلمة ذم. وما مميز وقيل فاعل.\rوجملة يعملون: إما صلة إن جعلت ما موصولة أو صفة إن جعلت نكرة، والعائد محذوف قدره المفسر.\rقوله: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ سبب نزولها: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما بعث ضاق ذرعا لعلمه أن قوما يكذبونه ولا بد، فنزلت الآية تسلية له، وفي ندائه بيا أيها الرسول شهادة له بالرسالة، وأل في الرسول للعهد الحضوري، أي الرسول الحاضر وقت نزولها، وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (جميع) قدره إشارة إلى أن ما اسم موصول بمعنى الذي، ولا يصح تقديرها نكرة، لأنه يصدق بتبليغ البعض مع أنه غير مكلف، واعلم أن ما أوحي إلى رسول اللّه، ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ما أمر بتبليغه وهو القرآن والأحكام المتعلقة بالخلق عموما فقد بلغه ولم يزد عليه حرفا ولم يكتم منه حرفا ولو جاز عليه الكتم لكتم آيات العتاب الصادرة له من اللّه، كآية عبس وتولى، وآية ما كان لنبي أن يكون له أسرى، وسورة تبت يدا أبي لهب، ولفظ قل يا أيها الكافرون، وقل هو اللّه أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، وقد شهد اللّه له بتمام التبليغ، حيث أنزل قبيل وفاته الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وورد أنه قال لعزرائيل حين قبض روحه:\rاقبض فقد بلغت، وما أمر بكتمه فقد كتمه ولم يبلغ منه حرفا، وهو جميع الأسرار التي لا تليق بالأمة، وما خير في تبليغه وكتمه، فقد كتم البعض وبلغ البعض، وهو الأسرار التي تليق بالأمة، ولذا ورد عن أبي هريرة أنه قال: أعطاني حبيبي جرابين من العلم، لو بثثت لكم أحدهما لقطع مني هذا الحلقوم. قوله:\r(خوفا أن تنال بمكروه) أي يمنعك عن مطلوبك، كالقتل والأسر ومنع الخلق عنك فإنك معصوم من ذلك، وأما مثل السب فتحمله، ولا يكن مانعا لك من التبليغ، وهذا إخبار من اللّه بأن رسوله لم يكتم شيئا، فهو معصوم من الكتمان لاستحالته عليه. قوله: (بالإفراد والجمع) أي فهما قراءتان سبعيتان، وعلى كل فهو مفعول لبلغت، فعلى الإفراد منصوب بالفتحة الظاهرة، وعلى الجمع منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم، والمعنى واحد على كل، لأن المفرد المضاف يفيد العموم. قوله: (لأن كتمان بعضها الخ) أشار بذلك إلى دفع سؤال ورد على الآية. وحاصله أن ظاهر قوله: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ اتحاد الشرط، والجواب لأنه ينحل المعنى إن لم تبلغ فما بلغت. وحاصل الجواب أن المعنى وإن تركت شيئا مما أمرت بتبليغه ولو حرفا، فقد تركت الكل وصار ما بلغته غير معتد به، لأن كتمان بعضه ككتمان كله.\rقوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ أي يحفظك وهو من تمام الأمر بالتبليغ. قوله: (أن يقتلوك) دفع ما قيل إنه أوذي أشد الإيذاء قولا فأجاب بأن المراد العصمة من القتل، وما في معناه من كل ما يعطل عليه التبليغ وهكذا كل نبي أمر بالقتال، وما ورد من قتل بعض الأنبياء، فلم يكونوا مأمورين بالقتال. قوله:","part":1,"page":396},{"id":398,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 397\rحتى نزلت فقال انصرفوا فقد عصمني اللّه رواه الحاكم إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (67) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ من الدين معتد به حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ بأن تعملوا بما فيه ومنه الإيمان بي وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ من القرآن طُغْياناً وَكُفْراً لكفرهم به فَلا تَأْسَ تحزن عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (68) إن لم يؤمنوا بك أي لا تهتم بهم إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا هم اليهود مبتدأ وَالصَّابِئُونَ فرقة منهم وَالنَّصارى ويبدل من المبتدأ مَنْ آمَنَ منهم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) في الآخرة خبر المبتدأ ودال على خبر إن لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي\r______________________________\r(و كان صلّى اللّه عليه وسلّم يحرس الخ) عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: سهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مقدمه المدينة ليلة فقال:\r«ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة»، قال فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح، قال من هذا؟ قال سعد بن أبي وقاص، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ما جاء بك؟ فقال وقع في نفسي خوف على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فجئت أحرسه، فدعا له رسول اللّه ثم نام، وفي رواية إن الذي جاء سعد وحذيفة بن اليمان قالا: جئنا نحرسك، فنام عليه السّلام حتى سمعت غطيطه، ونزلت هذه الآية فأخرج رأسه من قبة آدم وقال: انصرفوا أيها الناس فقد عصمني اللّه، ورد أنه كان يحفظه سبعون ألف ملك، لا يفارقونه في نوم ولا يقظة. قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ أي لبلوغ مطلوبهم فيك لعصمتك منهم، ولذلك في بعض الغزوات حين احتاطت به الأعداء صار يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، ويرميهم بالتراب في وجوههم، وكان يمر بين صفي القتال على بغلة لا تصلح لكر ولا فر.\rقوله: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ أي اليهود والنصارى. قوله: (معتد به) أي عند اللّه وهو الهدى والخير، وهذا جواب عن سؤال: كيف يقول لستم على شيء، مع أنهم على شيء وهو الدين الباطل.\rقوله: حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ أي تأتمرون بأمرهما وتنتهون بنهيهما، لأن فيهما بيان أن دينه هو الدين القيم، وأن وجوده ناسخ لجميع الشرائع. قوله: كَثِيراً مِنْهُمْ أي كعلمائهم ورؤسائهم، وأما القليل منهم كعبد اللّه بن سلام والنجاشي وأضرابهما، فقد زادهم القرآن اهتداء ونورا. قوله: ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ نسب الإنزال أولا إليهم، لأنهم مأمورون بإتباعه، ونسب الإنزال ثانيا إليه، لأنه منزّل إليه حقيقة، فيصح نسبة الإنزال إليهم باعتبار أنهم مأمورون بالعمل به وإليه باعتبار أنه يبلغه. قوله: طُغْياناً وَكُفْراً قيل الطغيان والكفر مترادفان، وقيل الطغيان أعم لأنه مجاوزة الحد.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا إن حرف توكيد ونصب، والذين اسمها، وآمنوا صلته، وخبرها محذوف دل عليه قوله: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ الخ، وقوله: وَالَّذِينَ هادُوا الواو للإستئناف أو عطف جمل، والذين مبتدأ وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى معطوفان عليه، وقوله: مَنْ آمَنَ بدل من الذين هادوا، وما عطف عليه بدل بعض من كل، وقوله: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ خبر المبتدأ، وهذا أحد أوجه تسعة وهو أحسنها، ولذا درج عليه المفسر. قوله: آمَنُوا أي حقيقة بقلوبهم وألسنتهم خرج المنافقون. قوله:\r(فرقة منهم) أي اليهود، وقيل من النصارى، وقيل طائفة يعبدون الكواكب السبعة، وقيل يعبدون الملائكة. قوله: (و عمل صالحا) أي فإن مات ولم يكن عمل صالحا غير الإيمان فهو تحت المشيئة. قوله:","part":1,"page":397},{"id":399,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 398\rإِسْرائِيلَ على الإيمان باللّه ورسله وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ منهم بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ من الحق كذبوه فَرِيقاً منهم كَذَّبُوا وَفَرِيقاً منهم يَقْتُلُونَ (70) كزكريا ويحيى والتعبير به دون قتلوا حكاية للحال الماضية للفاصلة وَحَسِبُوا ظنوا أَلَّا تَكُونَ بالرفع فأن مخففة والنصب فهي ناصبة أي تقع فِتْنَةٌ عذاب بهم على تكذيب الرسل وقتلهم فَعَمُوا عن الحق فلم يبصروه وَصَمُّوا عن استماعه ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لما تابوا ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا\r______________________________\r(منهم) قدره إشارة إلى أن العائد محذوف.\rقوله: لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي في التوراة، والمقصود من ذلك إقامة الحجة على من كان في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم من اليهود والنصارى، وتقدم أن الميثاق هو العهد المؤكد باليمين.\rقوله: وَأَرْسَلْنا معطوف على أخذنا. قوله: رُسُلًا أي كشعياء وأرمياء ويوشع. قوله:\rكُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ كلما شرطية وجاءهم فعل الشرط، وقوله: بِما لا تَهْوى متعلق بجاء وما اسم موصول، وقوله: لا تَهْوى صلته، والعائد محذوف تقديره لا تهواه، وجواب الشرط محذوف قدره المفسر بقوله: (كذبوه) والأوضح له أن يقول عادوه وعصوه، وقوله: فَرِيقاً كَذَّبُوا الخ مستأنف بيان لوجه العصيان والمعاداة. قوله: (منهم) قدره إشارة إلى أن الجملة الشرطية صفة لرسلا، والعائد محذوف ولو جعلت استئنافية لما احتيج لتقديره. قوله: (من الحق) بيان لما. قوله: كَذَّبُوا أي غير قتل، كداود وسليمان ويوشع وعيسى ومحمد. قوله: (كزكريا ويحيى) أي وشعياء. قوله: (دون قتلوا) أي لمراعاة كذبوا. قوله: (حكاية للحال الماضية) أي كأنها حاصلة الآن. قوله: (للفاصلة) أي المحافظة على رؤوس الآي وتناسبها مع بعضها، ولعل فيه حذف الواو ويكون علة ثانية.\rقوله: وَحَسِبُوا سبب هذا الحسبان، أنهم كانوا يعتقدون أنهم يقربون لكونهم من ذرية الأنبياء، فلا يضرهم تكذيب الأنبياء وقتلهم إياهم، بل سلفهم يدفعون عنهم عذاب الآخرة. قوله: (بالرفع فأن مخففة) أي واسمها محذوف تقديره أنه، وقوله: أَلَّا تَكُونَ خبرها، قال ابن مالك:\rوإن تخفّف أن فاسمها استكن ... والخبر اجعل جملة من بعد أن\rقوله: (و النصب) أي فهما قراءتان سبعيتان. واعلم أن أن إن وقعت بعد ما يفيد اليقين، كانت مخففة من الثقيلة لا غير، نحو علم أنه سيكون، وإن وقعت بعد ما يفيد الظن، كانت ناصبة لا غير، نحو وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ، وإن وقعت بعد ما يحتملهما كان فيه الأمران كهذه الآية، فالرفع على تأويل حسب بمعنى علم، والنصب على تأويلها بالظن. إن قلت: مقتضى هذه القاعدة أن كل ما يفيد الأمرين يجوز فيه الرفع والنصب، مع أنه لم يسمع في أحسب الناس أن يتركوا الرفع ولا النصب في أفلا يرون أن لا يرجع. أجيب بأن القراءة سنّة متّبعة، لأنه ليس كلما جاز نحوا جاز قراءة، وجملة أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ في محل نصب سدت مسد مفعولي حسب على كلا القراءتين عند جمهور البصريين، وقيل مسد مفعولها الثاني محذوف تقديره حاصلة. قوله: فِتْنَةٌ بالرفع فاعل تكون لأنها بمعنى توجد فهي تامة.\rقوله: فَعَمُوا وَصَمُّوا معطوف على حبسوا، وهذا إشارة إلى ما وقع منهم في المرة الأولى من الفساد والقتل في زمن شعياء وأرمياء، حتى قتلوا شعياء وحبسوا أرمياء، فسلط اللّه عليهم بختنصر، ففرق","part":1,"page":398},{"id":400,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 399\rثانيا كَثِيرٌ مِنْهُمْ بدل من الضمير وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (71) فيجازيهم به لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ سبق مثله وَقالَ لهم الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ فإني عبد ولست بإله إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ في العبادة غيره فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ منعه أن يدخلها وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ زائدة أَنْصارٍ (72) يمنعونهم من عذاب اللّه لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ آلهة ثَلاثَةٍ أي أحدها والآخران عيسى وأمه وهم فرقة من النصارى وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ من التثليث ويوحدوا لَيَمَسَّنَ\r______________________________\rجمعهم وأسرهم، وخرب بيت المقدس، وصاروا في غاية الذل والهوان، فلما تابوا توجه ملك من ملوك فارس، فعمر بيت المقدس، وقتل بختنصر، وردهم إلى وطنهم، فكثروا وكانوا أحسن ما كانوا عليه، فمكثوا ثلاثين سنة ثم عموا وصموا ثانيا وقتلوا زكريا ويحيى، وإلى هذه القصة الإشارة بقوله تعالى في سورة الإسراء لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ الآيات، وهذا هو الصحيح، فالمراد ببني إسرائيل من كان في زمن شعياء وأرمياء، لا من كان في زمن موسى وهارون قوله: (بدل من الضمير) أي قوله: عَمُوا وَصَمُّوا والضمير هو الفاعل، وهذا هو هروب من تخريج الآية على لغة أكلوني البراغيث فإنها ضعيفة، ودفع بقوله كَثِيرٌ مِنْهُمْ ما يتوهم أنهم عموا وصموا جميعهم وعطف قوله ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا بثم المفيدة للتراخي، لأن بين التوبة والعمى ثلاثين سنة.\rقوله: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا وهم اليعقوبية من النصارى، وهو شروع في ذكر قبائح النصارى بعد ذكر قبائح اليهود. قوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ معنى ذلك عندهم أن اللّه حل في ذات عيسى واتحد بها. قوله: وَقالَ الْمَسِيحُ الجملة حالية من الواو في قالوا، وهو رد لما ادعوه من ألوهيته، أي فلا عذر لهم في تلك الدعوة، فإن تبرأ منها وبين لهم طريق الهدى.\rقوله: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ كالعلة لقوله: اعْبُدُوا اللَّهَ. قوله: (منعه أن يدخلها) أي فالمراد بالتحريم مطلق المنع. قوله: وَما لِلظَّالِمِينَ أي المشركين. قوله: أَنْصارٍ أي أعوان يحفظونهم من غضب اللّه. قوله: (و الآخران عيسى الخ) هذا وجه في التثليث عندهم، وهناك وجه آخر عندهم وهو أن الإله مركب من ثلاثة: الأب والابن وروح القدس، فمرادهم بالأب ذات اللّه، وبالابن صفة الكلام، وبروح القدس الحياة، فاختلطت صفة الكلام بجسد عيسى كاختلاط الماء باللبن، وزعموا أن الأب إله، والابن إله، والروح إله، والكل إله واحد. واعلم أن النصارى في اعتقاد التثليث على أربع فرق، واحدة تقول: كل من ذات اللّه تعالى وذات عيسى وذات مريم إله، وأخرى تقول: الإله مجموع صفات ثلاث:\rالوجود والعلم والحياة وعيسى ابنه، وأخرى تقول: الإله مجموع ذات وصفتين، ذات اللّه ويسمونها الأب وصفة كلامه ويسمونها الابن وصفة الحياة ويسمونها روح القدس، والكل إله واحد، وأخرى تقول: الإله مجموع ذاتين وصفة اللّه وذات عيسى والحياة الحالة في جسد عيسى. قوله: (و هم فرقة من النصارى) أي وهم النسطورية والمرقوسية.\rقوله: وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ الواو إما حالية أو استئنافية، وما نافية، ومن زائدة لاستغراق النفي، وإله مبتدأ والخبر محذوف تقديره كائن في الوجود، وإلا ملغاة، وإله بدل من الضمير في الخبر نظير لا إله إلا اللّه، والمقصود من ذلك التشنيع والرد عليهم في دعواهم التثليث، لأن حقيقة الإله هو المستغني","part":1,"page":399},{"id":401,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 400\rالَّذِينَ كَفَرُوا أي ثبتوا على الكفر مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73) مؤلم وهو النار أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ مما قالوه استفهام توبيخ وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن تاب رَحِيمٌ (74) به مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مضت مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ فهو يمضي مثلهم وليس بإله كما زعموا وإلا لما مضى وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ مبالغة في الصدق كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ كغيرهما من الحيوانات ومن كان كذلك لا يكون إلها لتركبه وضعفه وما ينشأ منه من البول والغائط انْظُرْ متعجبا كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ على وحدانيتنا ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى كيف يُؤْفَكُونَ (75) يصرفون عن الحق مع قيام البرهان قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالكم الْعَلِيمُ (76) بأحوالكم والاستفهام للإنكار قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ اليهود والنصارى لا تَغْلُوا تجاوزوا الحد فِي دِينِكُمْ غلوا غَيْرَ الْحَقِ بأن تضعوا عيسى أو ترفعوه\r______________________________\rمما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه، وليس شيء من ذلك وصفا لعيسى ولا لأمه، ولا لأحد أبدا سواه سبحانه وتعالى. قوله: لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا جواب لقسم محذوف، وجواب الشرط محذوف لدلالة هذا عليه، والتقدير واللّه إن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا الخ، نظير قوله تعالى: وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ. قوله: (أي ثبتوا على الكفر) أشار بذلك إلى أن من في مِنْهُمْ للتبعيض لأن كثيرا منهم تابوا. قوله: (توبيخ) أي وإنكار وهذا استدعاء لهم إلى التوبة.\rقوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ الجملة حالية كالتعليل لما قبلها.\rقوله: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ الخ، هذا استئناف مسوق لبيان إقامة الحجة عليهم وبطلان دعاويهم الباطلة، وما نافية والمسيح مبتدأ، وإلا أداة حصر ورسول خبره، وهو من حصر المبتدأ في الخبر، أي أن عيسى محصور في وصف الرسالة وليس بإله، فالمقصود من ذلك نفي الألوهية عنه. قوله: قَدْ خَلَتْ أي ذهبت وفنيت. قوله: صِدِّيقَةٌ أي ملازمة للصدق، وهذان الوصفان لعيسى وأمه، مختصان بهما شرفهما اللّه بهما، ثم وصفهما بعد ذلك بوصف البشر الذين لا يميزهم عن الحيوانات الغير العاقلة فضلا عن العاقلة. قوله: كَيْفَ نُبَيِّنُ كيف معمول لنبين لا لأنظر، لأن اسم الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله لأن له الصدارة. قوله: ثُمَّ انْظُرْ هذا ترق في التعجب، ولذا أتى بثم المفيدة للتراخي. قوله: (مع قيام البرهان) أي الدليل الواضح على باهر قدرتنا وكمال صفاتنا.\rقوله: قُلْ أَتَعْبُدُونَ هذا تبكيت لهم وإلزامهم الحجة. قوله: ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً أي وهو عيسى، والمعنى لا يملك بذاته شيئا أصلا لا ضرا ولا نفعا، وأما إجراء النفع أو الضر على يديه فبخلق اللّه لذلك ولو شاء لم يخلقه. قوله: وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أي فهو أحق بالعبادة. قوله:\r(للإنكار) أي مع التوبيخ.\rقوله: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ شروع في ذكر قبائحهم جميعا، بعد أن ذكر كل فريق منهم على حدة.\rقوله: (غلوا) قدره المفسر إشارة إلى أن غير الحق صفة لمصدر محذوف مفعول مطلق لقوله تَغْلُوا، ويصح أن يكون غير الحق حالا من فاعل تغلوا. قوله: غَيْرَ الْحَقِ أي وأما الغلوا في الحق كالتشديد","part":1,"page":400},{"id":402,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 401\rفوق حقه وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ بغلوهم وهم أسلافهم وَأَضَلُّوا كَثِيراً من الناس وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (77) عن طريق الحق والسواء في الأصل الوسط لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ بأن دعا عليهم فمسخوا قردة وهم أصحاب أيلة وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ بأن دعا عليهم فمسخوا خنازير وهم أصحاب المائدة ذلِكَ اللعن بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (78) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ أي لا ينهى بعضهم بعضا عَنْ معاودة مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (79) ه فعلهم هذا تَرى يا محمد كَثِيراً\r______________________________\rعلى النفس، بأن يصوم النهار ويقوم الليل مثلا فليس بحرام ولا ضلال. قوله: (بأن تضعوا عيسى) أي تنقصوه عن مرتبته، كقول اليهود إنه ابن زنا. وقوله: (أو ترفعوه فوق حقه) كقول النصارى إنه ابن اللّه، أو هو اللّه، فكل من الفريقين قد غلا في دينه غير الحق. قوله: أَهْواءَ قَوْمٍ الأهواء جمع هوى وهو ما تدعو شهوة النفس إليه، وما ذكر في القرآن إلا على وجه الذم، لأنه لا يقال فلان يهوى الخير، وإنما يقال يحبه ويريده. قوله: مِنْ قَبْلُ أي من قبل بعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فالخطاب لمن كان في زمنه. قوله: (بغلوهم) الباء سببية أي بسبب غلوهم في عيسى حيث رفعوه جدا ووضعوه جدا. قوله: (و هم أسلافهم) جمع سلف وهو المتقدم عليهم في الزمن وهم اليهود والنصارى.\rقوله: وَأَضَلُّوا كَثِيراً أي بهذا الاعتقاد الفاسد. قوله: عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ السواء في الأصل الوسط، والسبيل الطريق، والمراد الدين الحق، فشبه التمسك بالدين الحق بالمشي في وسط الطريق بجامع أن كلا سالم من العطب. قوله: (عن طريق الحق) أي وهو دين الإسلام. إن قلت: إنه قد تقدم ضلالهم في قوله: قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ أجيب: بأنه يحمل الضلال الأول على الكفر بموسى وعيسى، والضلال الثاني على الكفر بمحمد.\rقوله: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي اليهود والنصارى، فلعن اليهود على لسان داود، ولعن النصارى على لسان عيسى. قوله: عَلى لِسانِ داوُدَ اختلف في المراد باللسان، فقيل هو الجارحة فداود وعيسى صرحا بلعنهم وقيل هو الكتاب، والمعنى أنزل اللّه لعنتهم في كتاب داود وعيسى وهو الأقرب، وكلام المفسر يفيد الأول. قوله: (فمسخوا قردة) أي وخنازير. وقوله: (و هم أصحاب أيلة) الذين اعتدوا في السبت واصطادوا السمك فيه، وستأتي قصتهم في سورة الأعراف. قوله: (فمسخوا خنازير) أي وقردة، فقد حذف من كل نظير ما أثبته في الآخر، وهذا على المشهور من أن كلا مسخوا قردة وخنازير، وقيل أصحاب السبت مسخوا قردة، وأصحاب المائدة مسخوا خنازير وهو ظاهر المفسر. قوله: (و هم أصحاب المائدة) أي وسيأتي أنهم ثلثمائة وثلاثون رجلا. قوله: بِما عَصَوْا الباء سببية وما مصدرية، وقوله:\rوَكانُوا يَعْتَدُونَ معطوف على عصوا، والمعطوف على الصلة صلة، والمعنى ذلك بسبب عصيانهم وكونهم معتدين.\rقوله: عَنْ (معاودة) مُنكَرٍ إنما قدر المفسر هذا المضاف لدفع ما أورد بأن المنكر الذي فعل لا معنى للنهي عنه، لأن رفع الواقع محال، فأجاب بأن المعنى النهي عن المعاودة. قوله:\r(فعلهم) هذا هو المخصوص بالذم.","part":1,"page":401},{"id":403,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 402\rمِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة بغضا لك لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ من العمل لمعادهم الموجب لهم أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (80) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِ محمد وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أي الكفار أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (81) خارجون عن الإيمان لَتَجِدَنَ يا محمد أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا من أهل مكة لتضاعف كفرهم وجهلهم وانهماكهم في اتباع الهوى وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ أي قرب مودتهم للمؤمنين بِأَنَ بسبب أن مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ علماء وَرُهْباناً عبادا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) عن\r______________________________\rقوله: تَرى أي تبصر وقوله: كَثِيراً مِنْهُمْ أي أهل الكتاب. قوله: يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي يوالونهم ويصادقونهم. قوله: (بغضا لك) مفعول لأجله أي من أجل بغضك. قوله: لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ اللام موطئة للقسم وبئس كلمة ذم وما فاعل قدمت صلته، والعائد محذوف أي قدمته، وأنفسهم فاعل قدمت، وقوله: أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هو المخصوص بالذم، لكن على حذف مضاف تقديره موجب أن سخط اللّه، والمعنى أن ما قدمت لهم أنفسهم من الضلال تسبب عن سخط اللّه، وتسبب عن سخط اللّه الخلود في النار. قوله: (من العمل) بيان لما. قوله: وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ هذه الجملة معطوفة على جملة أن سخط اللّه عليهم، فهي من جملة المخصوص بالذم، فالمعنى موجب سخط اللّه والخلود في النار.\rقوله: وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ أي وهو القرآن. قوله: مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ أي أنصارا يوالونهم وقد فعلوا ذلك، فكانوا يأخذون الهدايا لكفار مكة ويصادقونهم ويتوددون إليهم خوفا من زوال عزهم ورياستهم.\rقوله: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً كلام مستأنف سيق للتقبيح على اليهود والتشنيع عليهم، واللام موطئة لقسم محذوف، وأشد مفعول أول لتجدن، وعداوة منصوب على التمييز، ولِلَّذِينَ آمَنُوا متعلق بعداوة أو بمحذوف صفة لعداوة، واليهود مفعول ثان هكذا أعربوا، والأقرب أن أشد مفعول ثان مقدم، واليهود مفعول أول مؤخر. قوله: وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا معطوف على اليهود.\rوقوله: (لتضاعف كفرهم) علة لقوله أشد. وقوله: (و جهلهم) أي وتضاعف جهلهم. قوله: (و انهماكهم في اتباع الهوى) عطف على تضاعف عطف علة على معلول، والهوى بالقصر ما تهواه النفس وتميل إليه.\rقوله: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ يقال في إعرابه ما قيل في الذي قبله من أن أقرب مفعول ثان، والذين قالوا مفعول أول، ومودة تمييز، وللذين صفة للمودة أو متعلق به. قوله: الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أي أنصار دين اللّه. إن قلت: مقتضى الآية مدح النصارى وذم لليهود، مع أن كفر النصارى أشد لأنهم ينازعون في الربوبية واليهود أخف منهم لأنهم ينازعون في النبوة، أجيب بأن مدح النصارى من جهة قرب مودتهم للمسلمين، وذم اليهود من حيث إنهم أشد عداوة للمسلمين، وذلك لا يقتضي شدة الكفر ولا عدمها، وأيضا الحرص في اليهود دون النصارى، وأيضا مذهب اليهود أن إيصال الشر والأذى إلى من خالفهم في الدين قربة، ومذهب النصارى أنه حرام. قوله: ذلِكَ اسم الإشارة مبتدأ، وبِأَنَّ مِنْهُمْ خبر، وقِسِّيسِينَ اسم إن، ومنهم متعلق بمحذوف خبر إن وَرُهْباناً معطوف على قسيسين","part":1,"page":402},{"id":404,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 403\rاتباع الحق كما يستكبر اليهود وأهل مكة نزلت في وفد النجاشي القادمين عليهم من الحبشة قرأ صلّى اللّه عليه وسلّم سورة\r______________________________\rوقوله: وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ معطوف على قسيسين. قوله: (أي قرب مودتهم) أشار بذلك إلى مرجع اسم الإشارة. قوله: (بسبب) أشار بذلك إلى أن الباء سببية.\rقوله: قِسِّيسِينَ جمع قسيس من يقيس الشيء إذا تتبعه، يقال قس الأثر وقصه فهو أعجمي معرب، ويقال قس، وقس بفتح القاف وكسرها وهو عالم النصارى. قوله: وَرُهْباناً جمع راهب وهو الزاهد التارك للدنيا وشهواتها. قوله: (نزلت في وفد النجاشي) أي واسمه أصحمة وقيل صحمة.\rوحاصل ذلك: أنه سنة خمس من البعثة، اشتد أذى الكفار لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولمن أسلم، ولم يكن أمر بجهاد، فأمر الصحابة الذين لا غزوة لهم بالخروج إلى أرض الحبشة، وهي الهجرة الأولى، وقال إن بها ملكا صالحا لا يظلم عنده أحد، فأخرجوا إليه حتى يجعل اللّه للمسلمين فرجا، فخرج إليها أحد عشر رجلا وأربع نسوة سرا، منهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فخرجوا إلى البحر، وأخذوا سفينة بنصف دينار إلى أرض الحبشة، وذلك في رجب، ثم تتابع المسلمون فكانوا اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان، فلما كانت وقعة بدر وقتل فيها صناديد الكفار، قال كفار قريش: إن ثأركم بأرض الحبشة فأهدوا إلى النجاشي، وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله يعطيكم من عنده لتقتلوهم بمن قتل منكم ببدر، فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبد اللّه بن ربيعة، فقالا له: أيها الملك إنه قد خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامهم وزعم أنه نبي، وأنه قد بعث إليك برهط من أصحابه ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم، وإن قومنا يسألونك أن تردهم إليهم، فقال:\rحتى نسألهم، فأمر بهم فاحضروا، فلما أتوا باب النجاشي قالوا يستأذن أولياء اللّه فقال: ائذنوا لهم فمرحبا بأولياء اللّه، فلما دخلوا عليه سلموا، فقال الرهط من المشركين أيها الملك ألا ترى أنا صدقناك إنهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيا بها، فقال لهم الملك: ما منعكم أن تحيوني؟ قالوا: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة، فقال لهم النجاشي: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ فقال جعفر بن أبي طالب: يقول هو عبد اللّه ورسوله وكلمة اللّه وروح منه ألقاها إلى مريم العذراء، ويقول في مريم إنها العذراء البتول، قال فأخذ النجاشي عودا من الأرض وقال: واللّه ما زاد صاحبكم على ما قال عيسى قدر هذا العود فكره المشركون قوله وتغيرت وجوههم، فقال: هل تعرفون شيئا مما أنزل على صاحبكم؟ قالوا نعم، قال:\rاقرؤوا فقرأ جعفر سورة مريم، وهناك قسيسون ورهبانيون وسائر النصارى، فعرفوا ما قرأ فانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، فأنزل اللّه تعالى فيهم ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ الخ الآيتين، فقال النجاشي لجعفر وأصحابه: اذهبوا فأنتم بأرضي آمنون، وفي بعض الروايات أن عمرا أسلم على يد النجاشي. وبذلك يلغز فيقال صحابي أسلم على يد تابعي، لأن النجاشي لم يجتمع برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعمرو اجتمع به بعد مقدمه من الحبشة، وأقام المسلمون عند النجاشي بخير دار وخير جوار، إلى أن هاجر رسول اللّه إلى المدينة وعلا أمره وقهر أعداءه، وذلك سنة ست من الهجرة، وكتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وكانت هاجرت مع زوجها ومات عنها، فأرسل النجاشي جارية يقال لها أبرهة إلى أم حبيبة يخبرها أن رسول اللّه قد خطبها فسرت بذلك وأعطت الجارية أوضاحا كانت لها، وأذنت لخالد بن سعيد في نكاحها فأنكحها لرسول اللّه على","part":1,"page":403},{"id":405,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 404\rيس فبكوا وأسلموا وقالوا ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى قال تعالى وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ من القرآن تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا صدقنا بنبيك وكتابك فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) المقرين بتصديقهما وَقالوا في جواب من غيرهم بالإسلام من اليهود ما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِ القرآن أي لا مانع لنا من الإيمان مع وجود مقتضيه وَنَطْمَعُ عطف على نؤمن أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) المؤمنين الجنة قال تعالى فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ\r______________________________\rصداق مبلغه أربعمائة دينار، وكان الخاطب لرسول اللّه النجاشي، فأرسل إليها بجميع الصداق على يد جاريته أبرهة، فلما جاءتها بالدنانير وهبتها منها خمسين دينارا فلم تأخذها وقالت إن الملك أمرني أن لا آخذ منك شيئا، وقالت أنا صاحبة ذهب الملك وثيابه، وقد صدّقت بمحمد وآمنت به، وحاجتي إليك مني أن تقرئيه مني السّلام، قالت: نعم، وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من دهن وعود، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحاصر خيبر، قالت أم حبيبة: فخرجنا إلى المدينة ورسول اللّه بخيبر، فخرج من قدم معي وأقمت بالمدينة حتى قدم رسول اللّه فدخلت عليه، فكان يسألني عن النجاشي فقرأت عليه السّلام من أبرهة جارية الملك، فرد رسول اللّه عليهاالسّلام، وأنزل اللّه عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً يعني أبا سفيان وذلك بتزوج رسول اللّه أم حبيبة ولما بلغ أبا سفيان تزوج رسول اللّه بأم حبيبة قال: ذلك الفحل لا يجدع أنفه، وبعث النجاشي بعد خروج جعفر وأصحابه إلى رسول اللّه ابنه أزهى في ستين من أصحابه وكتب إليه: يا رسول اللّه، إني أشهد أنك رسول اللّه صادقا مصدقا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك جعفرا وأسلمت للّه رب العالمين، وقد بعثت إليك ابني أزهى، وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت، والسّلام عليك يا رسول اللّه، فركبوا في سفينة في أثر جعفر. حتى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا، ووافى جعفر وأصحابه رسول اللّه وهو بخيبر، ووافى جعفر في سبعين رجلا، عليهم الثياب الصوف، منهم اثنان وستون رجلا من الحبشة وثمانية من الشام، فقرأ عليهم رسول اللّه سورة يس إلى آخرها، فبكى القوم حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى عليه السّلام، فأنزل اللّه هذه الآية فيهم، ولذلك قال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء بها عيسى عليه السّلام، فلما بعث صلّى اللّه عليه وسلّم آمنوا به وصدقوه فأثنى اللّه عليهم.\rقوله: وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ صنيع المفسر يقتضي أنه مستأنف حيث قال: قال تعالى ولذلك جعله بعضهم أول الربع، ويصح أن يكون عطفا على لا يستكبرون. قوله: تَفِيضُ أي تمتلىء بالدمع حتى يسيل. قوله: مِنَ الدَّمْعِ من ابتدائية. قوله: مِمَّا عَرَفُوا من تعليلية ومِنَ الْحَقِ بيانية. قوله: يَقُولُونَ استئناف مبني على سؤال، كأنه قيل فماذا يقولون.\rقوله: وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ جملة مستأنفة جوابا للسؤال الوارد عليهم. قوله: وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِ معطوف على لفظ الجلالة، أي لا مانع لنا من الإيمان باللّه وبما جاءنا من الحق، ويراد بالحق القرآن. قوله: (عطف على نؤمن) أي مسلطة عليه لا على سبيل الاستفهام الإنكاري، والمعنى أي شيء ثبت لنا في كوننا لا نؤمن باللّه ولا بالقرآن، ولا نطمع في أن يدخلنا ربنا الخ، مع وجود مقتضى ما ذكر.\rقوله: بِما قالُوا أي بسبب","part":1,"page":404},{"id":406,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 405\rالْمُحْسِنِينَ (85) بالإيمان وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (86) ونزل لما هم قوم من الصحابة أن يلازم الصوم والقيام ولا يقربوا النساء والطيب ولا يأكلوا اللحم ولا يناموا على الفراش يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا تتجاوزوا أمر اللّه إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً مفعول والجار والمجرور قبله حال متعلق به وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ الكائن فِي\r______________________________\rقولهم، ورتب الثواب على القول، لأنه قد سبق بما يدل على إخلاصهم فيه.\rقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لما ذكر اللّه تعالى الوعد لمؤمني النصارى، وذكر الوعيد لمن بقي منهم على الكفر جمعا بين الترغيب والترهيب. قوله: (و نزل لما هم قوم) أي وهم عشرة اجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون الجمحي، وسبب اجتماعهم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وعظ الناس يوما حتى أبكاهم، فرقت أفئدتهم وعزموا على الترهب، وهم: أبو بكر وعلي بن أبي طالب وعبد اللّه بن مسعود وعبد اللّه بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن وعثمان بن مظعون، فتشاوروا واتفقوا على أنهم يلبسون المسوح، ويجبون مذاكيرهم، ويصومون الدهر، ويقومون الليل، ولا ينامون على الفراش، ولا يأكلون اللحم والودك ولا يقربون النساء ولا الطيب، وأن يسيحوا في الأرض، فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادقه، فقال لامرأته: أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟ فكرهت أن تكذب، وكرهت أن تفشي سر زوجها، فقالت: يا رسول اللّه إن كان قد أخبرك عثمان فقد صدق، فانصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلما جاء عثمان أخبرته بذلك فأتى هو وأصحابه العشرة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لهم: ألم أخبر أنكم اتفقتم على كذا وكذا؟ فقالوا: يا رسول اللّه وما أردنا إلا الخير، فقال رسول اللّه: «إني لم أؤمر بذلك ثم قال صلّى اللّه عليه وسلّم: إن لأنفسكم عليكم حقا، فصوموا وافطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني، ثم جمع الناس وخطبهم فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب وشهوات الدنيا، وإني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا، فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي ورهبانيتهم الجهاد، واعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئا، وحجوا واعتمروا، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، واستقيموا يستقم لكم، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد اللّه عليهم، فتلك بقاياهم في الديارات والصوامع»، فنزلت تلك الآية.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هذا هو فاعل نزل. قوله: لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ أي لا تجعلوها حراما على أنفسكم، فمن حرم حلالا فلا يحرم عليه إلا الزوجة، لأن اللّه جعل بيده تحريمها وتحليلها دون ما سواها، واعتقاد التحريم من غير إنشاء منه كفر. قوله: (تتجاوزوا أمر اللّه) أي ونهيه فلا تفعلوا ما نهى اللّه عنه، ولا تفرطوا فيما أمر به. قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ أي المتجاوزين الحد،\rومن جملة ذلك قطع المذاكير والشهوة والإسراف في المطاعم والمشارب قال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا. قوله: (حال) أي من حلالا لأنه في الأصل نعت نكرة قدم عليها وطيبا صفته.\rقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي امتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه، فتقوى اللّه لا تتوقف على الرهبانية كما كان","part":1,"page":405},{"id":407,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 406\rأَيْمانِكُمْ هو ما يسبق اليه اللسان من غير قصد الحلف كقول الإنسان لا واللّه وبلى واللّه وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ بالتخفيف والتشديد وفي قراءة عاقدتم الْأَيْمانَ عليه بأن حلفتم عن قصد فَكَفَّارَتُهُ أي اليمين إذا حنثتم فيه إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ لكل مسكين مد مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ منه أَهْلِيكُمْ أي أقصده وأغلبه لا أعلاه ولا أدناه أَوْ كِسْوَتُهُمْ بما يسمى كسوة كقميص وعمامة وإزار ولا يكفي دفع ما ذكر إلى مسكين واحد وعليه الشافعي أَوْ تَحْرِيرُ عتق\r______________________________\rفي الأمم السابقة.\rقوله: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ هذا مرتب على قوله: لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ لأن بعض الصحابة حلف على الترهب لظن أنه قربة، فلما نزلت الآية شكوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من اليمين، فنزلت هذه الآية. قوله: (هو ما يسبق إليه اللسان من غير قصد الحلف) أي بل بقصد التبرر أو لا قصد له وهذا مذهب الشافعي، وأما عند مالك وأبي حنيفة فاللغو أن يحلف على ظنه فيتبين خلافه.\rوهذا في غير الطلاق، وأما هو فلا ينفع فيه اللغو واللغو عند مالك وأبي حنيفة تكفر إن تعلقت بمستقبل فقط، لا إن تعلقت بحال أو ماض. والحاصل أنه إن قصد باليمين التبرر فهو لغو عند الشافعي لا عند مالك وأبي حنيفة، وأما إن سبق لسانه باليمين من غير قصد أصلا فهو لغو اتفاقا، والحلف على ظن شيء فتبين خلافة اتفاقا أيضا. قوله: (و في قراءة عاقدتم) والثلاث سبعيات، فالتخفيف ظاهر، والتشديد للمبالغة، وما مصدرية أي بتعقيدكم الأيمان.\rقوله: فَكَفَّارَتُهُ مبتدأ، وإِطْعامُ خبره وهو مضاف لمفعوله الأول، والمفعول الثاني قوله:\rمِنْ أَوْسَطِ والفاعل محذوف قياسا يعود على الحالف تقديره إطعامه عشرة مساكين. قوله: (أي اليمين) إن قلت: إن اليمين مؤنثة فلم عاد الضمير عليها مذكرا؟ أجيب: بأنها تذكر بمعنى الحلف. قوله: (إذا حنثتم فيه) أي وهو الحلف باللّه أو بصفة من صفاته القديمة، وأما الحلف بغير ذلك فلا حنث فيه، ثم هو إن كان مما يعظم شرعا كالكعبة والنبي فقيل مكروه وقيل حرام، وإلا فهو ممنوع لما في الحديث: «من كان حالفا فليحلف باللّه أو ليصمت». قوله: عَشَرَةِ مَساكِينَ المراد ما يشمل الفقراء، والفقير هو من لا يملك قوت عامه، والمسكين من التصقت يده بالتراب عند مالك. قوله: (لكل مسكين مد) أي وهو رطل وثلث بالبغدادي، وبالمصري رطل وأوقيتان وربع أوقية.\rقوله: ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ قدر المفسر المفعول الثاني بقوله منه والأوضح أن يقدره متصلا به وأهليكم مفعوله الأول. قوله: (أغلبه) هذا تفسير لأوسط، فإن كان القمع غالب اقتياتهم مثلا أخرج منه. ولو كان هو يفتات ذرة مثلا. وهل المراد بالغالب وقت الإخراج وهو مذهب مالك أو في السنة وهو مذهب الشافعي. وقوله: (لا أعلاه ولا أدناه) أي لا تفهم أن المراد بالأوسط ما قابل الأعلى كالقمح.\rوالأدنى كالدخن. بل المراد به الغالب في الاقتيات. كان هو في نفسه أعلى أو أدنى أو أوسط. ويكفي بدل الإمداد عند مالك، لكل واحد رطلان من خبز، أو إطعام العشرة غداء وعشاء. أو غداءين أو عشاءين.\rقوله: (بما يسمى كسوة) أي وإن لم يكن من غالب كسوة الناس لأن قيد الأوسطية مخصوص بالإطعام.\rواشترط مالك كون الكسوة تستر البدن للرجل ثوب، وللمرأة درع وخمار. قوله: (و عمامة وإزار) الواو","part":1,"page":406},{"id":408,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 407\rرَقَبَةٍ أي مؤمنة كما في كفارة القتل والظهار حملا للمطلق على المقيد فَمَنْ لَمْ يَجِدْ واحدا مما ذكر فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ كفارته وظاهره أنه لا يشترط التتابع وعليه الشافعي ذلِكَ المذكور كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وحنثتم وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ أن تنكثوها ما لم تكن على فعل بر أو إصلاح بين الناس كما في سورة البقرة كَذلِكَ أي مثل ما يبين لكم ما ذكر يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) ه على ذلك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ المسكر الذي يخامر العقل وَالْمَيْسِرُ القمار وَالْأَنْصابُ الأصنام وَالْأَزْلامُ قداح الاستقسام رِجْسٌ خبيث مستقذر\r______________________________\rبمعنى أو، ويكفي المنديل عند الشافعي. قوله: (و عليه الشافعي) أي ومالك. قوله: (كما في كفارة القتل والظهار) أي كما ثبت عند الفقهاء في كفارة القتل بالتصريح بمؤمنة، والظهار بحمل المطلق على المقيد، وهذا مذهب مالك والشافعي، وعند أبي حنيفة لا يحمل المطلق على المقيد إلا إذا اتحد السبب، وأما هنا فقد اختلف السبب فلا حمل فيكفي في اليمين والظهار عنده عتق الكافرة.\rقوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ أي بأن لم يكن عنده ما يباع على المفلس بأن لم يكن عنده أزيد من قوت يومه، وهو مذهب مالك والشافعي في القديم، وقال في الجديد ينتقل للصيام إن لم يكن عنده ما يكفيه العمر الغالب. قوله: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ أي فالكفارة مخير فيها ابتداء في الثلاثة مرتب انتهاء في الصيام، وأفضلها في التخيير عند مالك الإطعام ثم الكسوة ثم العتق، وعند الشافعي العتق ثم الكسوة ثم الإطعام. قوله: (كفارته) أشار بذلك إلى أن صيام مبتدأ خبره محذوف، والأوضح أن يقدر المحذوف هو المبتدأ. قوله: (و عليه الشافعي) أي ومالك خلافا لأبي حنيفة في اشتراطه التتابع. قوله: (ما لم يكن على فعل بر) أي فالحنث أفضل. قوله: (كما في سورة البقرة) أي في قوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ فمن حلف على شيء، وكان فعله خيرا من تركه، فالأفضل حنثه كما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يفعل ذلك. قوله: (ما ذكر) أي وهو حكم اليمين. قوله: (على ذلك) أي البيان فإنه من أعظم النعم.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا سبب نزولها دعاء عمر رضي اللّه عنه بقوله: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا، وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ الآية أحضر رسول اللّه عمر وقرأها عليه فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا ثم نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى فأحضره رسول اللّه وقرأها عليه فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت هذه الآية، فأحضره وقرأها عليه فقال: انتهينا يا رب، وذكرت عقب ما قبلها، لأنه لما نهي فيما قبلها عن تحريم الطيبات مما أحلّ اللّه، وكانت الخمر والميسر مما يستطاب عندهم، ربما يتوهم أنهما داخلان في جملة الطيبات، فأفاد أنهما ليسا كذلك. قوله: (الذي يخامر العقل) أي يستره ويغطيه ولو كان متخذا من غير العنب. قوله: (القمار) من المقامرة وهي المغالبة، لأن كلا يريد المغالبة لصاحبه، والمراد بالقمار اللعب بالملاهي، كالطاب والطولة والمنقلة، فيحرم اللعب بذلك إذا كان بمال إجماعا، وبغيره ففيها الخلاف بين العلماء بالكراهة والحرمة ما لم يضيع بسببها الفرائض، وإلا فحرام إجماعا، وسمي ميسرا، لأن فيه أخذ المال بيسر.","part":1,"page":407},{"id":409,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 408\rمِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ الذي يزينه فَاجْتَنِبُوهُ أي الرجس المعبر به عن هذه الأشياء أن تفعلوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ إذا أتيتموهما لما يحصل فيهما من الشر والفتن وَيَصُدَّكُمْ بالاشتغال بهما عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ خصها بالذكر تعظيما لها فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) عن إتيانهما أي انتهوا وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا المعاصي فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ عن الطاعة فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92) الإبلاغ البين وجزاؤكم علينا لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا أكلوا من الخمر والميسر قبل التحريم إِذا مَا اتَّقَوْا المحرمات وَآمَنُوا وَعَمِلُوا\r______________________________\rقوله: وَالْأَنْصابُ جمع نصب، سميت بذلك لأنها تنصب وترفع للعبادة. قوله: (قداح الاستقسام) تقدم أنها سبعة. قوله: رِجْسٌ خبر عن كل واحد مما تقدم من الخمر وما بعده، وحيث قرن الخمر والميسر بالأنصاب والأزلام، فهو دليل على أنهما من الكبائر، وقوله: (خبيث مستقذر) تفسير للرجس، وأما الرجز فهو العذاب، وأما الركس فهو العذرة والشيء النتن. قوله: (الذي يزينه) أي يأمر به ويحسنه، وليس المراد من عمل يده. قوله: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ الترجي في كلام اللّه تعالى للتحقيق.\rقوله: فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ إنما أعادهما ثانيا لأنها اللذان كانا في المسلمين، بخلاف الأنصاب والأزلام، وذكرهما أولا لمزيد التنفير عنهما، وأكد التحريم بأمور، وإنما جمعهما مع الأنصاب والأزلام، وكونهما رجسا من عمل الشيطان، وكون اجتنابهما موجبا للفلاح، وكونهما يصدان عن ذكر اللّه وعن الصلاة، ويوقعان في العداوة والبغضاء والاستفهام التهديدي. قوله: (خصها بالذكر) أي الصلاة مع دخولها في الذكر. قوله:\r(أي انتهوا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام بمعنى الأمر، وهو استفهام تهديدي، وهو أبلغ من الأمر صريحا كأنه قيل: قد بينت لكم ما في هذه الأمور من القبائح، فهل أنتم منتهون عنها، أم أنتم مقيمون عليها فلكم الوعيد.\rقوله: وَأَطِيعُوا اللَّهَ معطوف على معنى الاستفهام، أي انتهوا وأطيعوا. قوله: وَاحْذَرُوا (المعاصي) أي فإنها تجر إلى الكفر. قوله: أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي وقد فعله، فلم ينتقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للرفيق الأعلى، حتى بلغ ما أمر بتبليغه، ففي الحديث: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، ونهارها كليلها، لا يضل عنها إلا هالك». قوله: (و جزاؤكم علينا) أشار بذلك إلى أن جواب الشرط محذوف.\rقوله: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا سبب نزولها أنه لما نزل تحريم الخمر والميسر، قال أبو بكر وبعض الصحابة: يا رسول اللّه كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار فنزلت. قوله: (أكلوا من الخمر والميسر) أي تناولوا ذلك شربا للخمر وانتفاعا بمال القمار عاشوا أو ماتوا. قوله: إِذا مَا اتَّقَوْا ظرف لقوله: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ والحاصل أنه كرر سبحانه وتعالى قوله اتقوا ثلاثا، فقيل الأول محمول على مبدأ العمر، والثاني على وسطه، والثالث على آخره، وقيل الأول اتقوا المحرمات خوف الوقوع في الكفر، والثاني الشبهات خوف الوقوع في المحرمات، والثالث بعض المباحات","part":1,"page":408},{"id":410,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 409\rالصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثبتوا على التقوى والإيمان ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا العمل وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) بمعنى أنه يثيبهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ ليختبرنكم اللَّهُ بِشَيْءٍ يرسله لكم مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أي الصغار منه أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ الكبار منه وكان ذلك بالحديبية وهم محرمون فكانت الوحش والطير تغشاهم في رحالهم لِيَعْلَمَ اللَّهُ علم ظهور مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ حال أي غائبا لم يره فيجتنب الصيد فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ النهي عنه فاصطاده فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (94) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ محرمون بحج أو عمرة وَمَنْ\r______________________________\rخوف الوقوع في الشبهات. وقيل الأول تقوى العبد بينه وبين ربه، والثاني تقوى العبد بينه وبين نفسه، والثالث تقوى العبد بينه وبين الناس، لأن العبد لا يكمل إلا إذا كان طائعا فيما بينه وبين ربه، مجاهدا فيما بينه وبين نفسه، محافظا على حقوق العباد. قوله: (ثبتوا على التقوى) هذا إشارة للمعنى الأول، وهو أن المراد بالأول التقوى في أول العمر الخ.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا نزلت عام الحديبية حين أحرم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه، وكانوا ألفا وأربعمائة بالعمرة من ذي الحليفة، وأرسل عثمان لأهل مكة يخبرهم بأن رسول اللّه قاصد زيارة بيت اللّه، فجلسوا ينتظرون عثمان، فكانت وحوش البر والطيور تأتي إليهم من كل فج، فنزلت الآية. قوله:\r(ليختبرنكم) أي يعاملكم معاملة المختبر. قوله: مِنَ الصَّيْدِ أي المصيد وهو وحوش البر والطيور، وهذا الابتلاء نظير ابتلاء قوم موسى بتحريم صيد السمك يوم السبت، ولكن اللّه حفظ الأمة المحمدية من الوقوع فيما يخالف أمر ربهم، فتم له السعد والعز في الدنيا والآخرة، وأما أمة موسى فتعدوا واصطادوا فمسخوا قردة وخنازير، قوله: أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ هو على التوزيع، فالأيدي راجع للصغار والرماح راجع للكبار. قوله: (بالحديبية) أي سنة ست، وقوله: (و هم محرمون) أي بالعمرة، وأشيع قتل عثمان فبايع النبي أصحابه تحت الشجرة على أنهم يدخلون مكة حربا ثم حصل صلح بين الكفار وبين رسول اللّه، فأمرهم رسول اللّه بالتحلل من العمرة بالحلاق وذبح الهدايا. قوله: (علم ظهور) أي للخلق أي ليظهر لهم المطيع من العاصي. قوله: (حال) أي من فاعل يخاف، أي حال كون العبد غائبا عن اللّه أي محجوبا عنه لم يره. قوله: بَعْدَ ذلِكَ (النهي) أي المستفاد من قوله: لَيَبْلُوَنَّكُمُ مع علته التي هي قوله: لِيَعْلَمَ اللَّهُ.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ لما كان قتل الصيد في حال الإحرام مشددا في النهي عنه، كرر في هذه الصورة أربع مرات أولها في قوله: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ثانيها لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ الآية. ثالثها لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ. رابعها وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ الآية. قوله: لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ أتى به وإن علم من قوله: فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ ليرتب عليه قوله: مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً الآية. قوله: وَأَنْتُمْ حُرُمٌ الجملة حالية من فاعل تقتلوا، وحرم جمع حرام، يقع على المحرم وإن كان في الحل، وعلى من في الحرام وإن كان حلالا، فهما سيان في النهي عن قتل الصيد.","part":1,"page":409},{"id":411,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 410\rقَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ بالتنوين ورفع ما بعده أي فعليه جزاء هو مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ أي شبهه في الخلقة وفي قراءة بإضافة جزاء يَحْكُمُ بِهِ أي بالمثل رجلان ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ لهما فطنة يميزان بها أشبه الأشياء به وقد حكم ابن عباس وعمر وعلي رضي اللّه عنهم في النعامة ببدنة، وابن عباس وأبو عبيدة في بقر الوحش وحماره ببقرة، وابن عمر وابن عوف في الظبي بشاة، وحكم بها ابن عباس وعمر وغيرهما في الحمام لأنه يشبهها في العب هَدْياً حال من جزاء بالِغَ الْكَعْبَةِ أي يبلغ به الحرم فيذبح فيه ويتصدق به على مساكينه ولا يجوز أن يذبح حيث كان ونصبه نعتا لما قبله وإن أضيف لأن إضافته لفظية لا تفيد تعريفا فإن لم يكن للصيد مثل من النعم كالعصفور والجراد فعليه قيمته أَوْ عليه كَفَّارَةٌ غير الجزاء وإن وجده هي طَعامُ مَساكِينَ من غالب قوت البلد ما يساوي قيمة الجزاء لكل مسكين مد وفي قراءة بإضافة كفارة لما بعده وهي للبيان أَوْ عليه عَدْلٍ مثل ذلِكَ الطعام صِياماً يصومه عن كل مد يوما وإن وجده\r______________________________\rقوله: وَمَنْ قَتَلَهُ من اسم شرط جازم، وقتل فعل الشرط، وقوله: فَجَزاءٌ مبتدأ خبره محذوف قدره المفسر بقوله: (فعليه) وقوله: مِثْلُ خبر لمحذوف تقديره هو مثل، والجملة جواب الشرط، والمعنى أن ما قتله المحرم أو من في الحرم، أو له مدخل في قتله، فعليه جزاؤه، وهو ميتة لا يجوز أكله، ويقدم المضطر ميتة غيره عليه. قوله: مُتَعَمِّداً سيأتي للمفسر أنه لا مفهوم وله، بل الخطأ والنسيان كذلك، إلا أن الحرمة مختصة بالمتعمد. قوله: مِنَ النَّعَمِ أي الإنسية وهي الإبل والبقر والغنم، والجار والمجرور حال من مثل أو صفة له. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله:\r(بإضافة جزاء) إن قلت على هذه القراءة يقتضي أن الجزاء لمثل المقتول لا للمقتول نفسه مع أنه ليس كذلك. أجيب بأجوبة منها: أن الإضافة بيانية، ومنها أن مثل زائدة، ومنها أن جزاء مصدر مضاف لمفعوله، أي أن يجازى القاتل مثل المقتول حال كون المثل من النعم. قوله: (رجلان) قدره إشارة إلى أن ذوا صفة لموصوف محذوف.\rقوله: ذَوا عَدْلٍ أي عدل شهادة. قوله: (يميزان بها) أي بتلك الفطنة أي العقل الزكي قوله:\r(و قد حكم ابن عباس) أي وحكم الصحابة المذكور بين أصول المماثلة، وأما جزئيات الوقائع، فلا بد لكل واحدة من حكم إلى يوم القيامة، لاختلاف الصيد بالكبر والصغر، ولا بد من كون الجزاء المحكوم به يجزىء ضحية عند مالك. قوله: (في النعامة) أي ومثلها الزرافة والفيل، وقوله: (في الظبي) أي ومثله الضب. قوله: (لأنه يشبهها في العب) أي شرب الماء بلا مص، وهذا التعليل للإمام الشافعي، وقال مالك بوجوب الشاة في خصوص حمام مكة ويمامة تعبدا، فإن لم يكن شاة فصيام عشرة أيام من غير تقويم ولا حكم، وحمام غيرها وسائر الطيور ليس فيه إلا قيمته طعاما أو عدله صياما. قوله: (حال من جزاء) ويصح أن يكون تمييزا، وأن يكون مفعولا مطلقا والتقدير يهديه هديا. قوله: (فعليه) أي طعاما لكل مسكين مد، أو يصوم عن كل مد يوما، فهو مخير بين أمرين فيما لا مثل له، وبين ثلاثة فيما له مثل. قوله:\r(و إن وجده) أي الجزاء وهو مبالغة في الكفارة، أي الكفارة عليه، هذا إذا لم يجد الجزاء، بل وإن وجده.\rقوله: (لكل مسكين) أي من مساكين المحل الذي هو به، وأما الصيام فلا يختص بزمان ولا مكان. قوله:","part":1,"page":410},{"id":412,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 411\rوجب ذلك عليه لِيَذُوقَ وَبالَ ثقل جزاء أَمْرِهِ الذي فعله عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ من قتل الصيد قبل تحريمه وَمَنْ عادَ إليه فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب على أمره ذُو انْتِقامٍ (95) ممن عصاه وألحق بقتله متعمدا فيما ذكر الخطأ أُحِلَّ لَكُمْ أيها الناس حلالا كنتم أو محرمين صَيْدُ الْبَحْرِ أن تأكلوه وهو ما لا يعيش إلا فيه كالسمك بخلاف ما يعيش فيه وفي البر كالسرطان وَطَعامُهُ ما يقذفه ميتا مَتاعاً تمتيعا لَكُمْ تأكلونه وَلِلسَّيَّارَةِ المسافرين منكم يتزودونه وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ وهو ما يعيش فيه من الوحش المأكول أن تصيدوه ما دُمْتُمْ حُرُماً فلو صاده حلال فللمحرم أكله كما بينته السنة وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ المحرم قِياماً لِلنَّاسِ يقوم به أمر دينهم بالحج إليه ودنياهم\r______________________________\r(وجب ذلك) أي الجزاء بأقسامه الثلاثة، وقوله: لِيَذُوقَ متعلق بقوله: (وجب) وكان المناسب أن يأتي بالواو ليفيد أنه كلام مستأنف، وليس جوابا لقوله فإن وجده لفساد ذلك. قوله: وَبالَ أَمْرِهِ أي جزاء ذنبه الصادر منه، ويؤخذ من ذلك أن قتل الصيد متعمدا للمحرم أو من في الحرم كبيرة، ولو أخرج الجزاء فيحتاج لتوبة. قوله: (ثقل جزاء) أَمْرِهِ أي لأن إخراج المال ثقيل على النفس، والصوم فيه إنهاك للبدن فهو ثقيل أيضا.\rقوله: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ أي لا يؤاخذ به، فلا يرد أن ما قبل التحريم لا ذنب في قتله. قوله:\rفَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ أي يعاقبه. قوله: (فيما ذكر) أي في لزوم الجزاء، وإن كان لا إثم فيه. قوله: (الخطأ) أي والغلط والنسيان. قوله: (كالسمك) أي وغيره من دواب البحر، وإن كان على صورة آدمي أو خنزير. قوله: (كالسرطان) أي والضفدع والتمساح. قوله: (و هو ما يعيش فيه) الأولى ما لا يعيش إلا فيه. قوله: (من الوحش) استثنى الشارع الفأرة والحية والعقرب والكلب العقور والحدأة والعادي من السباع. قوله: (فلو صاده حلال) أي لنفسه أو لحلال، وأما ذبحه لمحرم من غير دلالة من المحرم عليه، فميتة عند مالك، وعند الشافعي ليس بميتة. قوله: (كما بينته السنة) أي كما روي عن أبي قتادة الأنصاري قال: كنت جالسا مع رجال أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في منزل في طريق مكة، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمامنا، والقوم محرمون، وأنا غير محرم، وذلك عام الحديبية، فأبصروا حمارا وحشيا، وأنا مشغول أخصف النعل، فلم يؤذنوني وأحبوا لو أبصرته، فالتفت فأبصرته، فقمت إلى الفرس فأسرجته ثم ركبت، ونسيت السوط والسرع والرمح، فقلت لهم: ناولوهما لي، فقالوا: لا واللّه لا نعينك عليه، فغضبت ونزلت فأخذتهما ثم ركبت، فشددت على الحمار فعقرته، ثم جئت به وقد مات، فوقعوا فيه يأكلون، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فرحنا وخبأت العضد، فأدركنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسألته عن ذلك فقال: هل معكم شيء منه؟\rفقلت نعم، فناولته العضد فأكل منها وهو محرم، زاد في رواية أن النبي قال لهم إنما هي طعمة أطعمكموها اللّه.\rقوله: الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي لا إلى غيره، فلا أحد غير اللّه يلتجأ إليه حتى يتوهم الفرار من وعيد اللّه.\rقوله: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ يحتمل أن جعل بمعنى صير، فيكون قوله الكعبة مفعول أول، وقياما مفعول ثاني، ويحتمل أنها بمعنى خلق فيكون قياما حالا، والبيت الحرام عطف","part":1,"page":411},{"id":413,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 412\rبأمن داخله وعدم التعرض له وجبي ثمرات كل شيء إليه، وفي قراءة قيما بلا ألف مصدر قام غير معل وَالشَّهْرَ الْحَرامَ بمعنى الأشهر الحرام ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب قياما لهم بأمنهم القتال فيها وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ قياما لهم بأمن صاحبهما من التعرض له ذلِكَ الجعل المذكور لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) فإن جعله\r______________________________\rبيان على الكعبة. إن قلت .. إن عطف البيان إنما يكون مبينا أو موضحا، وهنا ليس كذلك، إذ من المعلوم أن الكعبة هي البيت الحرام. أجيب بأنه للاحتراز عن بيت خثعم الذي سموه الكعبة اليمانية، فهو هنا للتوضيح لدفع الإلباس بغيره. وأجيب أيضا بأنه جيء به لمجرد المدح، إذ الكعبة عند العرب لا تنصرف إلّا للبيت الحرام على حد «الحمد لله رب العالمين» إذ من المعلوم أن اللّه هو رب العالمين. إن قلت: إن البيت جامد والمدح لا يكون إلا بمشتق. أجيب بأنه وصف بمشتق وهو الحرام، والكعبة لغة بيت مربع، فسميت الكعبة بذلك.\rقوله: قِياماً أصله قواما وقعت الواو بعد كسرة قلبت ياء. قوله: (بالحج إليه) أي فهو أحد أركان الدين، فلا يكمل إلا به، لأن من أتى بأركان الدين ما عداه مع القدرة عليه، فلم يكمل دينه، وقد حرم نفسه من الرحمات المشار إليها بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «ينزل من السماء كل يوم وليلة مائة وعشرون رحمة، ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين». قوله: (بأمن داخله) أي الحرم لا خصوص الكعبة. قوله: (و عدم التعرض له) أي للداخل عاقلا أو غيره. قوله: (وجبى ثمرات كل شيء إليه) أي نقلها له وذلك بدعوة ابراهيم عليه السّلام حين قال: وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ وقال تعالى في مقام الامتنان يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله:\r(قيما) أي على وزن عنب. قوله: (مصدر قام) أي أيضا إذ قياما مصدر له أيضا. قوله: (غير معل) أي الآن بقلب واوه ياء، فلا ينافي أن أصله معل وهو قياما، فالياء الثابتة في قياما هي الموجودة في قيما غير أن ألفه حذفت، فيلاحظ أن قيما فرع عن قياما، فلم يحصل فيه تغير إلا حذف الألف.\rقوله: وَالشَّهْرَ الْحَرامَ معطوف على الكعبة، وأل فيه للجنس فيشمل الأشهر الأربعة، ولهذا أشار المفسر بقوله: (يعني الأشهر الخ). قوله: (قياما) قدره إشارة إلى أنه محذوف من الثاني لدلالة الأول عليه. قوله: (بأمنهم القتال فيها) أي فكانت العرب يغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضا، إلا في الأشهر الحرم. قوله: وَالْهَدْيَ أي فهو من مصالح الدين لجبره نقص الحج، والدنيا لحصول البركة فيما بقي من ماله بسبب إنفاقه الهدي في سبيل اللّه، وهكذا كل صدقة بها مصالح الدين بتكفير الذنوب، ومصالح الدنيا بنمو المال، ووقاية صاحبها مصارع السوء. قوله: وَالْقَلائِدَ أي التي كانوا يقلدون بها أنفسهم إذا خرجوا من مكة لمصالحهم، فكانوا يأخذون من شجر الحرم شيئا ويضعونه في عنقهم إذا خرجوا، ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم.\rقوله: ذلِكَ لِتَعْلَمُوا اسم الإشارة مبتدأ، ولتعلموا خبره، وأن واسمها وخبرها في محل نصب سدت مسد مفعولي تعلموا، وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ معطوف على أن الأولى من عطف العام","part":1,"page":412},{"id":414,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 413\rذلك لجلب المصالح لكم ودفع المضار عنكم قبل وقوعها دليل على علمه بما هو في الوجود وما هو كائن اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لأعدائه وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لأوليائه رَحِيمٌ (98) بهم ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الإبلاغ لكم وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ تظهرون من العمل وَما تَكْتُمُونَ (99) تخفون منه فيجازيكم به قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ الحرام وَالطَّيِّبُ الحلال وَلَوْ أَعْجَبَكَ أي سرك كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ في تركه يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) تفوزون. ونزل لما أكثروا سؤاله صلّى اللّه عليه وسلّم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ تظهر لَكُمْ تَسُؤْكُمْ لما فيها من المشقة وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ أي في زمن\r______________________________\rعلى الخاص. قوله: (فإن جعله ذلك) أي المتقدم ذكره وهو الكعبة والشهر الحرام والهدي والقلائد.\rقوله: (لجلب المصالح) علة لما قبله، وقوله: (دليل الخ) خبر إن. قوله: (و ما هو كائن) أي الآن أو في المستقبل.\rقوله: شَدِيدُ الْعِقابِ (لأعدائه) أي الذين بطروا نعمته، وسماهم أعداء لمخالفتهم أمره، فكل من خالفه فهو كالعدو له، والمعنى يعامله معاملة العدو. قوله: (لأوليائه) أي أحبابه الذين يشكرون نعمه، وإنما قدم شديد العقاب لأنه تقدم ذكر النعم، فحذر من الاغترار بها والطغيان فيها، لأن الفقر مع الشكر خير من الغنى مع البطر.\rقوله: ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ هو بالرفع فاعل لفعل محذوف، أو مبتدأ خبره الجار والمجرور قبله، والمعنى ليس على الرسول إلا تبليغ أمر دينكم لا جزاؤكم. قوله: (الإبلاغ) أشار بذلك إلى أنه استعمل مصدر المجرد موضع المزيد في الآية لمزيد البلاغة، لأن زيادة البنية تدل على زيادة المعنى، ففيه الإشارة إلى أنه بلغ البلاغ الكامل. قوله: (فيجازيكم به) أي إن خيرا فخير، وإن شرا فشر،\rقوله:\rوَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ معطوف على محذوف تقديره هذا إذا لم يعجبك بل ولو أعجبك، وجواب الشرط محذوف تقديره فلا يستويان، لأن اللّه طيب لا يقبل إلا طيبا، والمقصود من ذلك أمره صلّى اللّه عليه وسلّم أن يخاطب بذلك أمته، فليس الخطاب له، لأنه قد زهد الحلال، فضلا عن كونه يعجبه كثرة الحرام.\rقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ (في تركه) أي ولا تتعرضوا لأخذ الحرام، فإنه يورث غضب اللّه، ولا لأخذ الشبهات أيضا، فإنها تورث قسوة القلب. قوله: (تفوزون) أي تظفرون برضا اللّه، فإن العز كل العز للمتقي. قوله: (و نزل لما أكثروا سؤاله) أي عن أمور لو أجابهم عنها لشق عليهم، وعن أمور لو أجابهم بها لساءتهم. فالأول كسؤالهم عن الحج، هل هو واجب في العمر مرة أو كل عام مرة؟ والثاني كسؤال رجل عن أبيه بعد موته أين هو؟ فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: إنه في النار.\rقوله: عَنْ أَشْياءَ أصله شياء على وزن فعلاء كحمراء استثقلت العرب النطق في كلمة يكثر استعمالها بألف بين همزتين، خصوصا قبل الهمزة الأولى ياء فقلبوها قلبا مكانيا، فقدموا الهمزة الأولى التي هي لام الكلمة قبل الشين فصار وزنه لفعاء، وهو ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة. قوله: (لما فيها من المشقة) علة لقوله: تَسُؤْكُمْ والمشقة إما لحصول التكليف بها، أو لحصول الإساءة والفضيحة بها ففي الحديث: «إن اللّه أحل لكم أشياء وحرم أشياء وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها».\rقوله: وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها إن حرف شرط، وتسألوا فعل الشرط، وعنها متعلق بتسألوا، والضمير","part":1,"page":413},{"id":415,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 414\rالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم تُبْدَ لَكُمْ المعنى إذا سألتم عن أشياء في زمنه ينزل القرآن بإبدائها ومتى أبداها ساءتكم فلا تسألوا عنها قد عَفَا اللَّهُ عَنْها عن مسألتكم فلا تعودوا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَها أي الأشياء قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ أنبياءهم فأجيبوا ببيان أحكامها ثُمَّ أَصْبَحُوا صاروا بِها كافِرِينَ (102) بتركهم العمل بها ما جَعَلَ شرع اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ كما كان أهل الجاهلية يفعلونه روى البخاري عن سعيد بن المسيب قال البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل\r______________________________\rعائد على الأشياء المتقدمة، وقوله: حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ ظرف متعلق بتسألوا، وقوله: تُبْدَ لَكُمْ جواب الشرط. قوله: (المعنى إذا سألتم الخ) حاصل ما أفاده المفسر أن هنا جملتين شرطيتين ونهي، فالأصل تأخير النهي عن الجملتين، وتأخير الجملة الأولى عن الثانية، وإنما قدم النهي ونتيجته وهي الإساءة اعتناء بزجر عباده، وهذا التقديم والتأخير باعتبار المعنى، وإلا قالوا ولا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا.\rقوله: (إذا سألتم عن أشياء) هو معنى الجملة الثانية، وقوله: (متى أبداها ساءتكم) هو معنى الجملة الأولى، وقوله: (فلا تسألوا عنها) هو معنى النهي، وما ذكره المفسر أحد احتمالات في الآية وهو أحسنها، قوله: عَفَا اللَّهُ عَنْها أي لم يؤاخذكم بذلك. قوله: (عن مسألتكم) أي عن جوابها، والمعنى لم يجبكم بالتشديد مع استحقاقكم إياه بالسؤال عما لا يعنيكم، فضلا منه ولطفا بكم. قوله: (فلا تعودوا) أي لمثل هذه الأسئلة.\rقوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ في معنى العلة لقوله عَفَا اللَّهُ عَنْها أي عفا عنها، لأنه غفور يستر الذنوب ويمحوها، حليم لا يعجل بالعقوبة على من عصاه. قوله: (قد سألها) هذا امتنان من اللّه تعالى على هذه الأمة، حيث لم يشدد عليهم كما شدد على من قبلهم، رحمة منه وزجرا لهم عن وقوع مثل ذلك منهم. قوله: (أي الأشياء) أي نوع الأشياء وهو ما فيه الإساءة، كسؤال قوم صالح أن يأتي لهم من الجبل بناقة، وكسؤال قوم عيسى المائدة، وكسؤال قوم موسى رؤية اللّه جهرة، فأجاب سؤالهم بالتشديد عليهم في التكاليف فخالفوا فحل بهم ما حل من العذاب، وإنما قال هنا قد سألها ولم يقل عنها إشارة إلى أن السؤال كما يتعدى بالحرف يتعدى بنفسه. قوله: (بيان أحكامها) أي أحكام الأشياء التي سألوها مع التشديد عليهم. قوله: (بتركهم العمل) أشار بذلك إلى أن الكفر إنما هو بترك العمل لا بنفس تلك الأشياء، فالكلام على حذف مضاف.\rقوله: ما جَعَلَ اللَّهُ رد إبطال لما كان عليه الجاهلية. قوله: (شرع) إن قلت إنه لم يرد في اللغة بمعنى شرع، فالمناسب أن يفسرها بصير، ويكون المفعول الثاني محذوفا، والتقدير مشروعا. قوله: مِنْ بَحِيرَةٍ من زائدة في المفعول، ووجد شرطها، وهو كون مدخولها نكرة في سياق نفي. قوله: (درها) أي لبنها، وقوله: (للطواغيت) أي خدمتها وهذا أحد أقوال في تفسير البحيرة وما بعدها وهو أصحها، وقيل البحيرة هي الناقة متى تنتج خمسة أبطن في آخرها ذكر، فتشق أذنها وتترك، فلا تركب ولا تحلب ولا تطرد عن مرعى ولا ماء، وإذا لقيها الضعيف لم يركبها، وقيل هي الأنثى الخامسة في النتاج، وقيل هي بنت السائبة، وسبب هذا الاختلاف اختلاف العرب في البحيرة، فبعضهم يطلقها على واحد من الأمور","part":1,"page":414},{"id":416,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 415\rعليها شيء والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل بأنثى ثم تثني بعد بأنثى وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بأخرى ليس بينهما ذكر، والحام فحل الإبل يضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل عليه فلا يحمل عليه شيء وسموه الحامي وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ في ذلك ونسبته إليه وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (103) أن ذلك افتراء لأنهم قلدوا فيه آباءهم وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ أي إلى حكمه من تحليل ما حرمتم قالُوا حَسْبُنا كافينا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا من\r______________________________\rالمتقدمة، وبعضهم على واحد آخر منها وهكذا. قوله: (و السائبة كانوا الخ) وقيل هي الناقة تنتج عشر إناث، فلا تركب ولا يشرب لبنها إلا ضعيف أو ولد، وقيل هي الناقة تترك ليحج عليها حجة. قوله:\r(و الوصيلة الناقة البكر الخ) وقيل هي الشاة التي تنتج سبعة أبطن عناقين عناقين، فإذا ولدت في آخرها عناقا وجديا قيل وصلت أخاها فجرت مجرى السائبة وقيل هي الشاة تنتج سبعة أبطن، فإذا كان السابع أنثى لم ينتفع النساء منها بشيء إلا أن تموت، فيأكلها الرجال والنساء، وإن كان ذكرا ذبحوه وأكلوه جميعا، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فيتركونها معه، فلا ينتفع بها إلا الرجال دون النساء، وقالوا خالصة لذكورنا، ومحرم على أزواجنا، وقيل هي الشاة تنتج عشر إناث متواليات في خمسة أبطن، ثم ما ولدت بعد ذلك فللذكور دون الإناث، وقيل غير ذلك. قوله: (و الحام فحل الإبل) وقيل هو الفحل ينتج له سبع أناث متواليات فيحمي ظهره، وقيل هو الفحل الذي ينتج من بين أولاده ذكورها وإناثها عشر إناث، وقيل غير ذلك، وقد علمت أن اختلاف تلك الأقوال لاختلاف اصطلاح الجاهلية فيها، ولم يجعل اللّه سبحانه وتعالى شيئا منها في دين الإسلام على جميع الأقوال. قوله: (الضراب المعدود) أي وهو عشر مرات ينشأ عن كل مرة حمل.\rقوله: وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي علماؤهم، وقوله: وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ أي عوامهم، فهم كالأنعام بل هم أضل.\rقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ الضمير عائد على قوله وأكثرهم الذين هم عوامهم، والقائل يحتمل أنه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو أصحابه. قوله: تَعالَوْا فعل أمر بمعنى أقبلوا، وأصله تعالوون، تحركت الواو الأولى وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فصار تعالاون التقى ساكنان حذفت الألف لالتقائهما، وحذفت النون لأن فعل الأمر يبنى على ما يجزم به مضارعه وهو يجزم بحذف النون، وهو بفتح اللام لكل مخاطب ولو أنثى، قال تعالى: فَتَعالَيْنَ. قوله: إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي إلى الذي أنزله اللّه وهو القرآن، وقوله:\rوَإِلَى الرَّسُولِ معطوف على ما، أي وتعالوا إلى الرسول، أي ليبين لكم أحكام اللّه. قوله: (أي إلى حكمه) أشار بذلك إلى أن قوله: وَإِلَى الرَّسُولِ على حذف مضاف، وقوله: (من تحليل ما حرمتم) بيان لحكمه، وهو البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ومثل ذلك في الحرمة ما يفعله بعض سفهاء العوام، من كونهم يرسلون عجلا أو شاة على اسم ولي من الأولياء تأكل من أموال الناس ولا يتعرض لهما أحد، فإذا نصحهم إنسان وقال لهم إن ذلك حرام، أساؤوا الظن وقالوا إنه لا يحب الأولياء، فإذا اعتقدوا أن ذلك قربة وطاعة فقد كفروا، وإلا فهو من جملة المحرمات ويحسبون أنهم على شيء إلا أنهم هم الكاذبون.","part":1,"page":415},{"id":417,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 416\rالدين والشريعة قال تعالى أَحسبهم ذلك وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (104) إلى الحق والاستفهام للأنكار يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي احفظوها وقوموا بصلاحها لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ قيل المراد لا يضركم من ضل من أهل الكتاب وقيل المراد غيرهم لحديث أبي ثعلبه الخشني سألت عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال ائتمروا\r______________________________\rقوله: قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا حسبنا مبتدأ وما وجدناه خبره. قوله: أَ(حسبهم ذلك) وَلَوْ كانَ الخ الواو في ولو للحال، وهمزة الإنكار الواقعة قبلها داخلة على محذوف قدره المفسر والمعنى أكافيهم دين آبائهم ولو كانوا الخ، ويصح أن تكون للعطف على جملة شرطية مقدرة قبلها، والتقدير أيقولون ذلك ولو كان آباؤهم يعلمون شيئا ويهتدون، بل ولو كانوا لا يعلمون الخ، نظير أحسن إلى فلان وإن أساء إليك، أي أحسن إليه في حال عدم إساءته، بل ولو في حال إساءته. قوله: لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً عبر هنا بيعملون، وفي البقرة بيعقلون، وقال هنا ما وجدنا، وهناك ما ألفينا تفننا. قوله: (للإنكار) أي والتوبيخ.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ قيل إنه مرتبط بما قبله فيكون قوله لا يضركم من ضل يعني من أهل الكتاب، والمعنى أن اللّه كلفنا بقتال الكفار حتى يسلموا أو يؤيدوا الجزية، فإذا أدوها كففنا أنفسنا عنهم ولا يضرنا كفرهم، وقيل مستأنفة نزلت في العصاة، فالمعنى عليك بحفظ نفسك ولا تتعرض لغيرك، فلا يضرك ضلال من ضل. إن قلت: إن هذا يوهم أن المدار على هدى الإنسان في نفسه، ولا يلزمه الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، وهو خلاف النصوص الشرعية من الآيات والأحاديث النبوية. وأجيب: يحمل ذلك على من عجز عن ذلك، وإلى هذين القولين أشار المفسر فيما يأتي بقوله قيل المراد الخ، وفي الحقيقة المراد ما هو أعم، فإذا امتثل العبد ما أمره اللّه به وترك ما نهاه عنه فلا يضره مخالفة من خالف.\rقوله: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ بنصب أنفسكم على الإغراء، لأن عليكم اسم فعل بمعنى الزموا، والفاعل مستتر وجوبا تقديره أنتم، والمعنى الزموا حفظ أنفسكم وهدايتها ووقايتها من النار، والكاف في عليكم ونظيره من أسماء الأفعال كإليك ولديك، قيل في محل جر بعلى بحسب الأصل، وقيل في محل نصب ولا وجه له، وقيل في محل رفع توكيد للضمير المستتر، وذهب ابن بأبشاذ إلى أنها حرف خطاب، وقرىء شذوذا برفع أنفسكم، وخرجت على أحد وجهين: الأول كونها مبتدأ وعليكم خبر مقدم، والمعنى على الإغراء على كل حال، فإن الإغراء جاء بالجملة الابتدائية، ومنه قراءة بعضهم ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها.\rوالرفع الثاني أنه توكيد للضمير المستتر في عليكم وإن كان خلاف القياس، لأن القياس لا يؤكد بالنفس الضمير المتصل إلا بعد الضمير المنفصل لقول ابن مالك:\rوإن تؤكّد الضّمير المتّصل ... بالنّفس والعين فبعد المنفصل\r\rقوله: (و قيل المراد غيرهم) أي غير أهل الكتاب من العصاة، ليس فيها دليل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ قد ورد أن الصديق قال يوما على المنبر: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية، وتضعونها في غير موضعها، ولا تدرون ما هي، وإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «إن الناس إذا","part":1,"page":416},{"id":418,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 417\rبالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك رواه الحاكم وغيره إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) فيجازيكم به يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي أسبابه حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ خبر بمعنى الأمر أي ليشهد وإضافة شهادة لبين على الإتساع وحين بدل من إذا أو ظرف لحضر أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أي غير ملتكم إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ سافرتم\r______________________________\rرأوا منكرا فلم يغيروه عمهم اللّه بعقاب، فامروا بالمعروف وأنهوا عن المنكر، ولا تغتروا بقول اللّه عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ فيقول أحدكم علي نفسي، واللّه لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليستعملن اللّه عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب، ثم ليدعون خياركم فلا يستجاب لهم» وعنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ما من قوم عمل فيهم منكر وسن فيهم قبيح فلم يغيروه ولم ينكروه إلا وحق اللّه أن يعمهم بالعقوبة جميعا ثم لا يستجاب لهم». وقال الصديق أيضا إن هذه الآية تعدونها رخصة، واللّه ما أنزل آية أشد منها. قوله: (سألت عنها) أي عن هذه الآية، وقوله: (فقال) أي في بيان معناها. قوله: (شحا مطاعا) الشح نهاية البخل، وقوله مطاعا أي يطيعه صاحبه. قوله: (و هوى) بالقصر ما تميل إليه النفس من القبائح. قوله: (متبعا) أي يتبعه صاحبه. قوله: (و دنيا مؤثرة) بهمزة ودونها، أي يقدمها صاحبها على الآخرة. قوله: (و إعجاب كل ذي رأي برأيه) أي فلا يعجبه رأي غيره، ولا يقبل نصيحته، زاد الخائن في تلك الرواية بعد قوله فعليك بنفسك: ردع العوام فإن من ورائكم أيام الصبر، فمن صبر فيهن قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم ا ه. قوله:\rإِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فيه وعد لمن أطاع ووعيد لمن اغتر وعصى.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لما بين سبحانه ما يتعلق بمصالح الدين شرع يبين ما يتعلق بمصالح الدنيا، إشارة إلى أن الإنسان ينبغي له أن يضبط مصالح دينه ودنياه لأنه مكلف بحفظهما. قوله:\rشَهادَةُ مبتدأ، وبينكم مضاف إليه، إذا ظرف بشهادة، وحضر فعل ماض، واحكم مفعول مقدم، والموت فاعل مؤخر، وحين بدل من الظرف قبله، وقوله اثنان خبره. إن قلت: إن الذات لا يخبر بها عن المعنى ولا عكسه. أجيب: بأن الكلام على حذف مضاف، أما في الأول تقديره ذوا شهادة أحدكم اثنان أو في الثاني تقديره شهادة اثنين، وقوله ذوا عدل صفة لاثنان، والعدل هو الذكر البالغ غير مرتكب كبيرة ولا صغيرة خسة وغير مصر على صغيرة غيرها. قوله: (خبر بمعنى الأمر) أي فهي جملة خبرية لفظا إنشائية معنى. قوله: (أي ليشهد) بضم الياء من أشهد الرباعي، وتلك الشهادة يحتمل أن تكون حقيقية، واشتراط العدالة ظاهرة، ويحتمل أن المراد بالشهادة الوصية، المعنى إذا حضر أحدكم الموت فليوص اثنين، وعلى هذا فاشتراط العدالة من حيث الوصية، أي كونه عدلا في الوصية، بأن يحسن التصرف فيما ولي عليه، وأما كونهما اثنين فشرط كمال، ولكون سبب النزول كذلك كما سيأتي. قوله: (على الاتساع) أي التسمح والتجوز، وكان حقها أن تضاف إلى الأموال، وإنما أضيفت إلى البين لأن الشهادة على الأموال تمنع فساد البين. قوله: (بدل من إذا) أي فكل منهما ظرف لشهادة، وقوله: (أو ظرف لحضر) أي فقوله إذا ظرف لشهادة، أي فعلى هذا تغاير متعلق الظرفين.\rقوله: أَوْ آخَرانِ معطوف على اثنان، أي فإن لم يجد العدلين لكون رفقته في السفر كفارا كما هو","part":1,"page":417},{"id":419,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 418\rفِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما توقفونهما صفة آخران مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ أي صلاة العصر فَيُقْسِمانِ يحلفان بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ شككتم فيها ويقولان لا نَشْتَرِي بِهِ باللّه ثَمَناً عوضا نأخذه بدله من الدنيا بأن نحلف به أو نشهد كذبا لأجله وَلَوْ كانَ المقسم له أو المشهود له ذا قُرْبى قرابة منه وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ التي أمرنا بها إِنَّا إِذاً إن كتمناها لَمِنَ الْآثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ اطلع بعد حلفهما عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً أي فعلا ما يوجبه من خيانة أو كذب في الشهادة بأن وجد عندهما مثلا ما اتهما به وادعيا أنهما ابتاعاه من الميت أو وصى لهما به فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما في توجه اليمين عليهما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الوصية وهم\r______________________________\rسبب النزول فليشهد أو يوص آخرين، وحاصله لأجل اتضاح المعنى، أن بزيلا السهمي مولى عمرو بن العاص وقيل بديل بالدال، وعدي بن بداء، وتميما الداري، سافروا من المدينة إلى الشام بتجارة، فحضرت بزيلا السهمي الوفاة وكان مسلما، وعدي وتميم نصرانيان، فكتب متاعه في وثيقة، ومن جملة ما كتب في الوثيقة: جام من الفضة قدره ثلثمائة مثقال مخوص بالذهب، وأمرهما أن يسلما متاعه لورثته، ثم قضي عليه، ففتشا متاعه فوجدا ذلك الجام فأخذاه وباعاه بألف درهم، فلما حضرا سلما متاعه لورثته فوجدوا فيه صحيفة مكتوبا فيها جميع المتاع، ومن جملته جام من فضة، ففتشوا عليه فلم يجدوه، فجاؤوهما فقالوا لهما صاحبنا قد تمرض وأنفق على نفسه، قالا لا، قالوا: فهل باع من متاعه شيئا، قالا: لا قالوا:\rفأين الجام؟ قالا: لا علم لنا به، فارتفع أقارب بزيل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأخبروه بالواقعة، فأحضر عديا وتميما فسألهما عنه فقالا: لا علم لنا به، فنزلت الآية، فأحضرهما بعد صلاة العصر عند المنبر وحلفهما، ثم بعد ذلك ظهر الجام، قيل بمكة مع رجل وقيل بيدهما، فأخبروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك، فنزلت الآيتان الأخيرتان، فأحضر رسول اللّه عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة وحلفهما، فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا، فأعطي الجام لهما.\rقوله: إِنْ أَنْتُمْ شرط في المعطوف، وقوله أنتم فاعل بفعل محذوف يفسره قوله: ضَرَبْتُمْ فجملة ضربتم لا محل لها من الإعراب، لأنهما مفسرة للمحذوف، وقوله: فَأَصابَتْكُمْ معطوف على ضربتم. قوله: (صفة آخران) أي وجملة الشرط، وجوابه معترضة بين الصفة والموصوف. قوله: (أي صلاة العصر) أي فأل للعهد لأن وقت العصر معظم في جميع الملل، وإنما كان معظما لأنه وقت نزول ملائكة الليل وصعود ملائكة النهار. قوله: إِنِ ارْتَبْتُمْ شرط في تحليفهما. قوله: (و يقولان) لا نَشْتَرِي الخ، بيان لكيفية يمينهما. قوله: (بأن نحلف به أو نشهد الخ) أشار بذلك إلى قولين: قيل قالوا لا علم لنا به، وقيل قالوا أوصى به لغيركم وأعطيناه له، وسياق الآية في يمينهما يشهد للثاني. قوله: (كاذبا) المناسب كذبا.\rقوله: وَلا نَكْتُمُ معطوف على لا نشتري. قوله: (بأن وجد عندهما) أي وقيل عند رجل مكي باعاه له بألف درهم كما سيأتي. قوله: (و ادعيا أنهما ابتاعاه الخ) إشارة لوجهين في دعواهما، وسيأتي الثالث في قوله ودفعه إلى شخص زعما أن الميت أوصى له به.\rقوله: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ أي لهم ونائب","part":1,"page":418},{"id":420,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 419\rالورثة ويبدل من آخران الْأَوْلَيانِ بالميت أي الأقربان إليه وفي قراءة الأولين جمع أول صفة أو بدل من الذين فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ على خيانة الشاهدين ويقولان لَشَهادَتُنا يميننا أَحَقُ أصدق مِنْ شَهادَتِهِما يمينهما وَمَا اعْتَدَيْنا تجاوزنا الحق في اليمين إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) المعنى ليشهد المحتضر على وصيته اثنين أو يوصي إليهما من أهل دينه أو غيرهم إن فقدهم لسفر ونحوه فإن ارتاب الورثة فيهما فادعوا أنهما خانا بأخذ شيء أو دفعه إلى شخص زعما أن الميت أوصى له به فليحلفا إلى آخره فإن اطلع على امارة تكذيبهما فادعيا دافعا له حلف أقرب الورثة على كذبهما وصدق ما ادعوه والحكم ثابت في الوصيين منسوخ في الشاهدين وكذا شهادة غير أهل الملة منسوخة واعتبار صلاة العصر للتغليظ وتخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها وهي ما رواه البخاري أن رجلا من بني سهم خرج مع تميم الداري وعدي ابن بداء أي وهما نصرانيان فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب فرفعا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت فأحلفهما ثم وجد الجام بمكة فقال ابتعناه من تميم وعدي فنزلت الآية الثانية فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا وفي رواية الترمذي فقام عمرو ابن العاص ورجل آخر منهم فحلفا وكانا أقرب إليه وفي رواية فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله فلما مات أخذا الجام ودفعا إلى أهله ما بقي ذلِكَ الحكم المذكور من رد\r______________________________\rالفاعل قدره المفسر بقوله الوصية أي الإيصاء. قوله: الْأَوْلَيانِ تثنية أولى بمعنى أقرب كما قال المفسر.\rقوله: (جمع أول) بمعنى أسبق وهي بمعنى أسبق، وهي بمعنى القراءة الأولى من حيث إنهم أقارب الميت.\rقوله: فَيُقْسِمانِ عطف على يَقُومانِ. قوله: (يميننا) أي فالمراد بالشهادة اليمين.\rقوله: وَمَا اعْتَدَيْنا هذا من جملة اليمين. قوله: (المعنى) أي معنى الآيتين. قوله: (أو يوصي) إشارة إلى التفسير الثاني. قوله: (إن فقدهم) أي أهل دينه. قوله: (بأخذ شيء) أي وقد ادعيا أنهما اشترياه من الميت أو أنه أوصى لهما به. قوله: (دافعا له) أي لما الشهود ادعى عليهما به من الخيانة. قوله: (منسوخ في الشاهدين) أي عند من يشترط الشاهد في الإسلام، ولو عند فقد المسلمين، وأما عند من لم يشترط ذلك عند الفقد فلا نسخ. قوله: (للتغليظ) أي لأن اليمين تغلظ بالزمان ككونها بعد العصر، والمكان ككونها في المسجد في الحقوق المهمة من الأموال وغيرها. قوله: (و تخصيص الحلف في الآية باثنين) أي مع أنه يصح من واحد أو أكثر ممن يظن به العلم من المستحقين. قوله: (أنّ رجلا) تقدم أن اسمه بزيل وقيل بديل بالزاي أو الدال. قوله: (مع تميم) أي وقد أسلم بعد ذلك، وصار من مشاهير الصحابة، وكان يحدث بالواقعة. قوله: (و عدي بن بداء) ولم يثبت إسلامه، وبداء بفتح الموحدة والدال المشددة بعدها ألف ثم همزة. قوله: (جاما) الجام في الأصل الكأس، ولكن المراد به هنا إناء كبير من فضة وزنه ثلثمائة مثقال. قوله: (مخوصا بالذهب) أي منقوشا به. قوله: (فأحلفهما) أي بعد العصر عند المنبر. قوله:\r(فقال) أي الرجل، وقوله: (ابتعناه) أي بألف درهم. قوله: (فقام رجلان) سيأتي في الرواية الأخرى","part":1,"page":419},{"id":421,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 420\rاليمين على الورثة أَدْنى أقرب إلى أَنْ يَأْتُوا أي الشهود أو الأوصياء بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها الذي تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة أَوْ أقرب إلى أن يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ على الورثة المدعين فيحلفون على خيانتهم وكذبهم فيفتضحون ويغرمون فلا يكذبوا وَاتَّقُوا اللَّهَ بترك الخيانة والكذب وَاسْمَعُوا ما تؤمرون به سماع قبول وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (108) الخارجين عن طاعته إلى سبيل الخير اذكر يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ هو يوم القيامة فَيَقُولُ لهم توبيخا لقومهم ما ذا أي الذي أُجِبْتُمْ به حين دعوتم إلى التوحيد قالُوا لا عِلْمَ لَنا بذلك إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109) ما غاب عن العباد وذهب عنهم علمه\r______________________________\rاسم أحدهما وهو عمرو بن العاص، والثاني هو المطلب بن وداعة. قوله: (من رد اليمين على الورثة) أي توجهها عليهم بعد أن حلف تميم وعدي وظهر كذبهما.\rقوله: أَنْ يَأْتُوا المقام للتثنية، وكذا قوله: أَوْ يَخافُوا أيضا وإنما جمع لأن المراد ما يعم الشاهدين المذكورين وغيرهما، وإنما ردت اليمين على الوارث، مع أن حقها أن تكون من الوصي لا غير، لأنه مدعى عليهما، إما لظهور خيانتهما فبطل تصديقهما باليمين، أو لتغير الدعوى أي انقلابها لأنه صار المدعى عليه مدعيا حيث ادعى الملك. قوله: (فلا يكذبوا) أي فلا يأتوا باليمين كاذبة، والمعنى أنه إنما شرع اللّه رد اليمين على الورثة في مثل هذه الواقعة، ليتحفظ الشاهد أو الوصي من اليمين الكاذبة أو يبنى على حصول الفضيحة. قوله: (إلى سبيل الخير) متعلق بيهدي، وفي بعض النسخ إلى سبيل الشر، فيكون متعلقا بالخارجين.\r- تنبيه- ما كتبناه في تفسير تلك الآيات الثلاث هو جهل المقل، وإلا فلم يزل العلماء يستشكلونها، إعرابا وتفسيرا وأحكاما، وقالوا إنها من أصعب آي القرآن وأشكله.\rقوله: (اذكر) قدره المفسر إشارة إلى أن يوم ظرف متعلق بمحذوف.\rقوله: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ أي الثلثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر، أو خمسة، والحق أنه لا يعلم عدتهم إلا اللّه تعالى. قوله:\rفَيَقُولُ مقتضى الآية أنه يجمعهم في سؤال واحد، ولكن يرى كل واحد منهم أنه المسؤول لا غيره، وترى كل أمة أن رسولها هو المسؤول، ولا مانع من ذلك، فإن اللّه يحول بين المرء وقلبه. قوله: (توبيخا لقومهم) دفع بذلك ما يقال: كيف يسأل اللّه الرسل مع أنه العالم بالحقيقة؟ فأجاب: بأن حكمة السؤال توبيخ الأمم على ما وقع منهم من الكفر والعصيان، وليس المقصود أن اللّه يعلم شيئا لم يكن عالما به من قبل، تنزه اللّه عن ذلك، يوضح هذا الجواب قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ إلى أن قال: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً. قوله: (أي الذي) أشار بذلك إلى أن ما اسم استفهام مبتدأ، وذا اسم موصول خبر، وأجبتم صلته، والعائد محذوف قدره المفسر بقوله به، قال ابن مالك:\rومثل ماذا بعد ما استفهام ... أو من إذا لم تلغ في الكلام\r\rقوله: (بذلك) أي بما أجبنا به. قوله: إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ علة لما قبله، أي فعلمنا في","part":1,"page":420},{"id":422,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 421\rلشدة هول يوم القيامة وفزعهم ثم يشهدون على أممهم لما يسكتون اذكر إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ بشكرها إِذْ أَيَّدْتُكَ قويتك بِرُوحِ الْقُدُسِ جبريل تُكَلِّمُ النَّاسَ حال من الكاف في أيدتك فِي الْمَهْدِ أي طفلا وَكَهْلًا يفيد نزوله قبل الساعة لأنه رفع قبل الكهولة كما سبق في آل عمران وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ\r______________________________\rجانب علمك كل شيء، لأنك تعلم ما غاب عنا وما ظهر، وأما علمنا فهو قاصر على بعض ما ظهر، قوله: (و ذهب عنهم علمه الخ) جواب عما يقال كيف يقولون لا علم لنا مع أنهم عالمون بذلك، فيلزم عليه الإخبار بخلاف الواقع. فأجاب: بأن في ذلك الوقت يتجلى اللّه بالجلال على كل أحد حتى ينسى الرسل العصمة والمغفرة، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، وأما قوله تعالى: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ أي انتهاء، وأما في ابتداء الموقف فلشدة الهول يكونون جثيا على الركب يقولون رب سلم سلم ثم يحصل لهم ذهول ونسيان لما أجيبوا به، فإذا آمنوا وسكن روعهم شهدوا على أممهم فلا منافاة، وأجيب أيضا: بأن معنى قولهم: لا عِلْمَ لَنا تفويض الحكم والعلم للّه تعالى، كأنهم يقولون: أنت الحكم العدل وهم عبيدك فلا علاقة لنا بهم، وأجيب أيضا: بأن المراد نفي العلم الحقيقي، إذ هو لا يكون إلا للّه تعالى، لأنه المطلع على السرائر والظواهر، وأما نحن فإنما نعلم منهم ما ظهر، وما ذكره المفسر من أن الأنبياء يحصل لهم الفزع ابتداء حتى يذهلوا عن جواب أممهم لهم ثم يسكنون أحد الطريقين، والطريق الثانية وعليها المحققون أن الرسل ومن كان على قدمهم آمنون ابتداء وانتهاء، وإنما الفزع والهول للكفار والفساق، وأما قول الرسل حينئذ نفسي نفسي لا أملك غيرها، فلا يقتضي حصول الفزع، وإنما معنى ذلك أنه يقول ليست الشفاعة العظمى لي وإنما هي لغيري، فلا أملك إلا نفسي، ولم يجعل اللّه لي الشفاعة العامة، وذهاب الأمم للرسل وردهم إياهم إنما هو إظهار لفضله صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك هو المقام المحمود، فالأحسن الجواب الثاني أو الثالث. قوله: (اذكر) قدره إشارة إلى أن إذ ظرف متعلق بمحذوف وليس متعلقا بما قبله، لأن هذه قصة مستقلة.\rقوله: يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يا حرف نداء، وعيسى منادى مبني على ضم مقدر على الألف منع من ظهوره التعذر في محل نصب، وابن نعت له باعتبار المحل. قوله: اذْكُرْ نِعْمَتِي المقصود من ذلك توبيخ الكفرة حيث فرطوا في حقه وأفرطوا، وليس المراد تكليفه بالشكر في ذلك اليوم لانقطاع التكليف بالموت.\rقوله: (قويتك) بِرُوحِ الْقُدُسِ أي فكان يسير معه حيث سار، يعينه على الحوادث التي تقع ويلهمه العلوم والمعارف. قوله: فِي الْمَهْدِ تقدم أن المهد فراش الصبي، ولكن المراد منه الطفولية، فتكلم بقوله إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ إلى آخر ما في سورة مريم. قوله: وَكَهْلًا إنما ذكر ذلك إشارة إلى أن كلامه على نسق واحد في ذكاء العقل وغزارة العلم. قوله: (كما سبق في آل عمران) الذي سبق له فيها أنه رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وهو سن الكهولة، لأن من الثلاثين للأربعين هو سن الكهولة، فقول اللّه تعالى:\rوَكَهْلًا صادق بكلامه قبل الرفع وبعده، فلا يصح قوله هنا لأنه رفع قبل الكهولة، ولكن الذي تقدم لنا أنه بعث على رأس الأربعين كغيره، ومكث ثمانين بعد البعثة، ورفع وهو ابن مائة وعشرين سنة، فإذا نزل عاش أربعين، فيكون مدة عمره مائة وستين سنة، فيكون معنى قوله: فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا صغيرا أو كبيرا، فعلى هذا ليس في الآية دليل على نزوله، وإنما نزوله مأخوذ من غير هذا المحل. قوله: الْكِتابَ","part":1,"page":421},{"id":423,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 422\rوَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ كصورة الطَّيْرِ والكاف اسم بمعنى مثل مفعول بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي بإرادتي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى من قبورهم أحياء بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ حين هموا بقتلك إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ المعجزات فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ ما هذا الذي جئت به إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) وفي قراءة ساحر أي عيسى وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أمرتهم على لسانه أَنْ أي بأن آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي عيسى قالُوا آمَنَّا بهما وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (111) اذكر إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ أي يفعل رَبُّكَ وفي قراءة بالفوقانية ونصب ما بعده أي تقدر أن تسأله أَنْ يُنَزِّلَ\r______________________________\rأي الكتابة، وقوله: وَالْحِكْمَةَ أي العلم النافع، وقوله: وَالتَّوْراةَ أي كتاب موسى وَالْإِنْجِيلَ كتابه هو، وهو ناسخ لبعض ما في التوراة، وهو مكلف بالعمل بما في التوراة، ما عدا ما نسخه الإنجيل منها، فيكون العمل بما في الإنجيل. قوله: كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ تقدم أنه الخفاش. قوله: الْأَكْمَهَ هو من خلق من غير بصر.\rقوله: وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى تقدم أنه أحيا سام بن نوح ورجلين وامرأة قيل وجارية، فيكون جميع من أحياهم خمسة. قوله: (حين هموا) أي اليهود بقتلك، فرفعتك إلى السماء، وألقيت شبهك على صاحبهم فقتلوه. قوله: (الذي جئت به) أي ويحتمل أن اسم الإشارة عائد على عيسى مبالغة على حد زيد عدل. قوله: (أمرتهم على لسانه) دفع بذلك ما يقال إن الإيحاء لا يكون إلا للرسل، والحواريون ليسوا رسلا، فأجاب بأن المراد بالوحي الأمر على لسان عيسى، وأجاب غيره بأن المراد بالوحي الإلهام على حد وأوحينا إلى أم موسى.\rقوله: أَنْ آمِنُوا أن تفسيرية بمعنى أي لأنه تقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه.\rقوله: إِذْ قالَ ظرف لمحذوف قدره المفسر بقوله اذكر، وهو كلام مستأنف لا ارتباط له بما قبله، لأن المقصود مما تقدم تعداد النعم على عيسى، والمقصود مما هنا إعلام هذه الأمة بما وقع لأمة عيسى من التعنّت في السؤال وما ترتّب عليه، وإن كان فيها نعمة لعيسى أيضا، لكنها غير مقصودة بالذكر. قوله:\rالْحَوارِيُّونَ هم أول من آمن بعيسى. قوله: (أي يفعل) أي فأطلق اللازم وهو الاستطاعة، وأراد الملزوم وهو الفعل، ودفع بذلك ما يقال إن الحواريين مؤمنون، فكيف يشكون في قدرة اللّه تعالى. وشذ من قال بكفرهم كالزمخشري. قوله: (و في قراءة) وهي سبعية أيضا. قوله: (و نصب ما بعده) أي على التعظيم. قوله: (أي تقدر أن تسأله) أي فالكلام على حذف مضاف في هذه القراءة الثانية، والتقدير هل تستطيع سؤال ربك، وإنما قالوا ذلك خوفا من أن تكون هذه المسألة كسؤال موسى الرؤية فلم تحصل، وكسؤال قومه الرؤية أيضا فأخذتهم الصاعقة، وهذه القراءة للكسائي وكانت عائشة رضي اللّه عنها تقرأ بها وتقول جل الحواريون عن كونهم يشكون في قدرة اللّه تعالى.\rقوله: مائِدَةً هي ما يبسط على الأرض من المناديل ونحوها، وأما الخوان فهو ما يوضع على","part":1,"page":422},{"id":424,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 423\rعَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ لهم عيسى اتَّقُوا اللَّهَ في اقتراح الآيات إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قالُوا نُرِيدُ سؤالها من أجل أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَ تسكن قُلُوبُنا بزيادة اليقين وَنَعْلَمَ نزداد علما أَنْ مخففة أي أنك قَدْ صَدَقْتَنا في ادعاء النبوة وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا أي يوم نزولها عِيداً نعظمه ونشرفه لِأَوَّلِنا بدل من لنا بإعادة الجار وَآخِرِنا ممن يأتي بعدنا وَآيَةً مِنْكَ على قدرتك ونبوتي وَارْزُقْنا إياها وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قالَ اللَّهُ مستجيبا له إِنِّي مُنَزِّلُها بالتخفيف والتشديد عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ أي بعد نزولها مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (115) فنزلت الملائكة بها من السماء عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات\r______________________________\rالأرض وله قوائم، وأما السفرة فهي ما كانت من جلد مستدير، فالخوان فعل الملوك، والمناديل فعل العجم، والسفرة فعل العرب، والمقصود هنا الطعام الذي يؤكل كل على خوان أو غيره، والمائدة إما من الميد وهو التحرك كأنها تميد بما عليها من الطعام، وعليه فهي اسم فاعل على أصلها، أو من مادة بمعنى أعطاه فهي فاعلة بمعنى مفعولة أي معطاة. قوله: اتَّقُوا أي تأدبوا في السؤال، ولا تخترعوا أمورا خارجة عن العادة، فإن الأدب في السؤال أن تسأل أمرا معتادا، ومن هنا حرم العلماء الدعاء بما تحيله العادة. قوله: (في اقتراح الآيات) أي اختراعها. قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ جواب الشرط محذوف دل عليه قوله: اتَّقُوا اللَّهَ.\rقوله: أَنْ نَأْكُلَ مِنْها قيل اقتياتا وقيل تبركا وهو المتبادر. قوله: (بزيادة اليقين) أي لأن الانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين أقوى في الإيمان. قوله: (أي أنك) قَدْ صَدَقْتَنا قدر المفسر اسم أن غير ضمير شأن وهو شاذ، فالمناسب أن يقول أي أنه أن أن إذا خففت كان اسمها ضمير شأن. قوله: عَلَيْها متعلق بالشاهدين والمعنى ونكون من الشاهدين عليها عند من لم يحضرها ليزداد من آمن بشهادتنا يقينا وطمأنينة.\rقوله: قالَ عِيسَى أي حين أبدوا هذه الأمور، فقام واغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين فطأطأ رأسه وغض بصره وقال اللهم ربنا الخ، وهذه الآداب لا تخص عيسى، بل ينبغي لكل داع فعلها، لأن إظهار الذل والفاقة في الدعاء من أسباب الإجابة. قوله: (أي يوم نزولها) أي وقد نزلت يوم الأحد فاتخذه النصارى عيدا. قوله: عِيداً هو مشتق من العود وهو الرجوع لأنه يعود، وجمعه أعياد، وتصغيره عييد، وكان قياسه أعوادا وعويدا، وإنما فعلوا ذلك فرقا بينه وبين عود الخشب. قوله: (بدل من لنا) أي بدل كل من كل. قوله: وَارْزُقْنا أي انفعنا بها، وهو مغاير لما قبله لأنه لا يلزم من الإنزال انتفاعهم بها. قوله: وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ تتميم لما قبله على وجه الاستدلال، كأنه قال وارزقنا لأنك خير الرازقين، واسم التفضيل على بابه من حيث إن أسباب الرزق كثيرة واللّه خير من يأتي بالرزق لأنه الخالق والموجد له، وأما غيره فهو رازق باعتبار أنه سبب في الرزق وجار على يديه.\rقوله: قالَ اللَّهُ أي على لسان ملك أو إلهاما له. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: بَعْدُ مبني على الضم لحذف المضاف إليه ونية معناه. قوله: (بعد نزولها) إشارة إلى تقدير المضاف إليه. قوله: لا أُعَذِّبُهُ الضمير عائد على العذاب، والمعنى لا يكون ذلك العذاب لأحد من العالمين من حيث شدته وقبحه، والجملة صفة لعذابا. قوله: مِنَ الْعالَمِينَ أي","part":1,"page":423},{"id":425,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 424\rفأكلوا منها حتى شبعوا قاله ابن عباس وفي حديث أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما فأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد فخانوا وادخروا فمسخوا قردة وخنازير وَاذكر إِذْ قالَ أي يقول اللَّهُ لعيسى في القيامة توبيخا لقومه يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ عيسى وقد أرعد سُبْحانَكَ تنزيها لك عما لا يليق بك من الشريك وغيره\r______________________________\rعالمي زمانهم أو مطلقا، والشدة في الدنيا والآخرة، لما قيل إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون. قوله: (فنزلت الملائكة) روي أنها نزلت سفرة حمراء مدورة وعليها منديل بين غمامتين: غمامة من فوقها، وغمامة من تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، ثم قام وتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال: بسم اللّه خير الرازقين كلوا مما سألتم، فقالوا يا روح اللّه كن أنت أول من يأكل منها، فقال معاذ اللّه أن آكل منها يأكل منها ما سألها، فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا لها أهل الفاقة والمرض والبرص والجذام والمقعدين فقال: كلوا من رزق اللّه، لكم الهناء ولغيركم البلاء، فأكلوا منها وهم ألف وثلثمائة رجل وامرأة، وفي رواية سبعة آلاف وثلثمائة، فلما أتموا الأكل طارت المائدة وهم ينظرون حتى توارت عنهم، ولم يأكل منها مريض أو زمن أو مبتلي إلا عوفي، ولا فقيرا إلا استغنى، وندم من لم يأكل منها، فمكثت تنزل أربعين صباحا متوالية، وقيل يوما بعد يوم. قوله: (عليها سبعة أرغفة الخ) هذه أشهر الروايات، وفي رواية خمسة أرغفة، على واحد زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد وسمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك، تسيل دسما، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، وحولها من أصناف البقول ما خلا الكراث، فقال شمعون رأس الحواريين: يا روح اللّه أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟ قال ليس منهما، ولكنه شيء اخترعه اللّه بالقدرة العالية، وفي رواية نزلت سمكة من السماء فيها طعم كل شيء. قوله: (خبزا ولحما) جمع بأن اللحم لحم سمك. قوله:\r(فخانوا وادخروا الخ) أي فسبب مسخهم خيانتهم وادخارهم أي مع كفرهم، وفي رواية إن سبب مسخهم أنه بعد تمام الأربعين يوما من نزولها، أوحى اللّه إلى عيسى أن اجعل مائدتي هذه للفقراء دون الأغنياء، فتمارى الأغنياء في ذلك وعادوا الفقراء. قوله: (فمسخوا) أي فمسخ اللّه منهم ثلثمائة وثلاثين رجلا باتوا ليلتهم مع نسائهم ثم أصبحوا خنازير، فلما أبصرت الخنازير عيسى بكت وجعل يدعوهم بأسمائهم فيشيرون برؤوسهم ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيام وقيل سبعة وقيل أربعة ثم هلكوا.\rقوله: وَإِذْ قالَ اللَّهُ معطوف على قوله: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ عطف قصة على قصة، وفي الحقيقة هو من أفراد سؤال الرسل فهو داخل تحت قوله يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ الخ، وإنما خصه بالذكر تقبيحا وتشنيعا عليهم لبشاعة عقيدتهم في نبيهم. قوله: (في القيامة) مشى المفسر والجمهور على أن ذلك القول إنما يقع يوم القيامة، وعليه فإذا بمعنى إذا، وقال بمعنى يقول، وإنما عبر بالماضي لاستواء الأزمان في علمه حالها وماضيها ومستقبلها، لأنه أحاط بكل شيء علما، فلذا أتى بالماضي الذي يدل على تحقق الحصول، وقيل إن السؤال وقع في الدنيا بعد رفعه إلى السماء، وعليه فإذ، وقال على بابهما. قوله: (توبيخا لقومه) جواب عما يقال إن اللّه تعالى عالم بكل شيء، فلم كان هذا السؤال؟ فأجاب بأن المقصود منه توبيخ من كفر، وهذا يؤيد ما قاله الجمهور، ويضعف الاحتمال الثاني. قوله: مِنْ دُونِ اللَّهِ متعلق بمحذوف صفة","part":1,"page":424},{"id":426,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 425\rما يَكُونُ ما ينبغي لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍ خبر ليس ولي للتبيين إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما أخفيه فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ أي ما تخفيه من معلوماتك إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ وهو أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً رقيبا أمنعهم مما يقولون ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي قبضتني بالرفع إلى السماء\r______________________________\rلإلهين، أي إلهين كائنين من غير اللّه، فاللّه ثالثهما، وليس المعنى أن عيسى وأمه إلهان فقط، واللّه ليس بإله، فإنهم لم يقولوا ذلك. قوله: (قد أرعد) أي أخذته الرعدة حتى خرج من كل شعرة عين دم كما في رواية. قوله: (من الشريك وغيره) أي كالصاحبة والولد. قوله: ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍ ما نافية، ويكون فعل مضارع، ولي جار ومجرور خبرها مقدم، وأن أقول في محل رفع اسمها مؤخر، وما اسم موصول وليس فعل ماض ناقص، واسمها مستتر هو عائد الموصول تقديره هو، وبحق خبرها، ولي للتبيين على حد سقيا لك ورعيا، والمعنى لا ينبغي ولا يجوز علي لأنك عصمتني أن أقول ما ليس حقا منسوبا لي، وهذا أحسن الأعاريب. قوله إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ إن قلت: إن مدخول إن لا بد من كونه مستقبلا، والقول والعلم متعلقهما ماض. أجيب: بأن الكلام على التقدير والمعنى أن يثبت أني قلته فقد تبين وظهر أن علمك متعلق به، لأنه يستحيل وقوع شيء لم يتعلق علم اللّه به، فحيث لم يتعلق علمه بما قال فلم يحصل ذلك منه، لأنه لا يقع شيء في ملكه إلا وهو عالم به. قوله: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي ليست علم هنا عرفانية، لأن المعرفة تستدعي سبق الجهل فهي هنا على بابها، ومفعولها الثاني محذوف تقديره منطويا وثابتا، والنفس بمعنى الذات، والمعنى تعلم حقيقة ذاتي وما انطوت عليه. قوله:\rوَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ أي لا أعلم حقيقة ذاتك وما احتوت عليه من الصفات، لأن من جهل ما قام بالذات فقد جهل الذات، فلا يعلم اللّه إلا اللّه، واعلم أنهم اختلفوا في إطلاق النفس على اللّه تعالى، فقيل لا يجوز إطلاقها عليه إلا في مقام المشاكلة، والحق أنه يجوز إطلاق النفس على اللّه من غير مشاكلة، إذ ورد إطلاقها في غير المشاكلة، قال تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ*. قوله:\r(أي ما تخفيه من معلوماتك) أي كذاتك وصفاتك، فإن معلومات اللّه منها ما هو ظاهر لنا كالحوادث، ومنها ما هو خفي عنا، ولا يحيط بجميع ذلك إلا اللّه تعالى. قوله: إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ دليل للدليل، لأن قوله: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ دعوى من عيسى ثم استدل عليها بقوله: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ ودليل هذا أنه علام الغيوب، وأكد هذه الجملة بأن والضمير المنفصل وصيغة المبالغة والجمع مع أل الاستغراقية.\rقوله: إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ هذا استثناء مفرغ، وما اسم موصول في محل نصب هي وصلتها بالقول. قوله: (و هو) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ أشار بذلك إلى أن قوله أن اعبدوا اللّه في محل رفع خبر لمحذوف تقديره وهو أن اعبدوا. قوله: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً الجملة حالية. قوله: (أمنعهم مما يقولون) أي فلم تقع هذه المقالة منهم وهو بينهم وإنما ابتدعوها بعد رفعه.\rقوله: ما دُمْتُ فِيهِمْ ما مصدرية ظرفية تقدر بمصدر مضاف إلى زمان وصلتها دام، ويجوز فيها التمام والنقصان، فإن كانت تامة كان معناها الإقامة، وفيهم متعلق بها وإن كانت ناقصة يكون قوله فيهم خبرها، فعلى الأول يصير المعنى وكنت عليهم شهيدا مدة إقامتي فيهم، وعلى الثاني وكنت عليهم شهيدا مدة دوامي مستقرا فيهم. قوله: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي يستعمل التوفي في أخذ الشيء وافيا أي كاملا، والموت","part":1,"page":425},{"id":427,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 426\rكُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ الحفيظ لأعمالهم وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من قولي لهم وقولهم بعدي وغير ذلك شَهِيدٌ (117) مطلع عالم به إِنْ تُعَذِّبْهُمْ أي من أقام على الكفر منهم فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وأنت مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ أي لمن آمن منهم فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الغالب على أمره الْحَكِيمُ (118) في صنعه قالَ اللَّهُ هذا أي يوم القيامة يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ في الدنيا كعيسى صِدْقُهُمْ لأنه يوم الجزاء لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بطاعته وَرَضُوا عَنْهُ بثوابه ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) ولا ينفع الكاذبين في الدنيا صدقهم فيه كالكفار لما يؤمنون عند رؤية العذاب لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خزائن المطر والنبات والرزق وغيرها وَما فِيهِنَ أتى بما تغليبا لغير\r______________________________\rنوع منه، قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها وليس المراد الموت، بل المراد الرفع كما قال المفسر. قوله: (قبضتني بالرفع إلى السماء) حاصل ما في المقام، أن هذه العقيدة، وقعت منهم بعد رفعه إلى السماء وتستمر إلى نزوله، ولم تقع منهم قبل رفعه، وأما بعد نزوله فلم يبق نصراني أبدا، بل إما الإسلام أو السيف، فتعين أن يكون معنى توفيتني رفعتني إلى السماء، ولو على القول بأن هذا السؤال واقع يوم القيامة، بل ذلك مما يؤيده تأمل. قوله: (أي لمن آمن منهم) دفع بذلك ما يقال إن المغفرة لا تكون للمشركين، فأجاب بأن المعنى وإن تغفر لمن آمن منهم، ولذا قال عيسى فيما تقدم: بأنه من يشرك باللّه فقد حرم اللّه عليه الجنة ومأواه النار.\rقوله: يَوْمُ يَنْفَعُ قرأ الجمهور برفعه من غير تنوين، وقرأ نافع بنصبه من غير تنوين، ونقل عن الأعمش النصب مع التنوين، وعن الحسن الرفع مع التنوين، فتوجيه القراءة الأولى: أن هذا مبتدأ، ويوم خبره، وجملة ينفع الصادقين صدقهم في محل جر بإضافة يوم إليها، وكذا القراءة الثانية، غير أن الظرف مبني لإضافته إلى الجملة الفعلية، وهو مذهب الكوفيين، ومذهب البصريين أنه منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف خبره تقديره يقع يوم ينفع، وأما قراءة التنوين فالرفع على الخبرية والنصب على الظرفية كما قال البصريون، والجملة في محل رفع على الأول أو نصب على الثاني صفة لما قبلها. قوله: الصَّادِقِينَ (في الدنيا) أي فالصدق في الدنيا نافع في الآخرة، وأما الصدق في الآخرة فلا يفيد شيئا، لتقدم الكذب في الدنيا كما سيأتي. قوله (بطاعته) أي بإقامته لهم في الطاعة، أو بسبب تلبسهم بامتثال مأموراته واجتناب منهياته، فالطاعة سبب لرضا اللّه ودليل عليه. قوله: وَرَضُوا عَنْهُ أي بأن شكروا على نعمائه وصبروا على بلوائه، فرضا اللّه على عبد، توفيقه لخدمته في الدنيا وإدخاله جنته في الآخرة، ورضا العبد عن ربه في الدنيا صبره على أحكام ربه، وفي الآخرة قناعته بما أعطاه له من النعيم الدائم. قوله: (بثوابه) أي برؤية ثوابه لهم في الجنة، حيث أعطاهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. قوله: ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ اسم الإشارة يعود على الجنات وما بعدها. قوله: (لما يؤمنون الخ) أي كما في قوله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ.\rقوله: مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تنبيه على فساد زعم الكفار أن للّه شريكا، فالمعنى أن اللّه مالك للسماوات والأرض وما فيهن فأين الشريك له، ولا يليق أن يكون شيء من ملكه شريكا له. قوله:","part":1,"page":426},{"id":428,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 427\rالعاقل وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120) ومنه إثابة الصادق وتعذيب الكاذب وخص العقل ذاته فليس عليها بقادر.\r______________________________\r(تغليبا لغير العاقل) أي وإشارة إلى أن ما سواه في رتبة العبودية سواء إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً) فلا فرق بين عاقل وغيره في كونه مملوكا لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا. قوله: (و خص العقل ذاته الخ) دفع بذلك ما يقال إن من جملة الأشياء ذاته فيقتضي أنه قادر على ذاته. فأجاب بذلك لأن القدرة إنما تتعلق بالممكنات لا بالواجبات ولا بالمستحيلات، فالمراد بالشيء الموجود الممكن.","part":1,"page":427},{"id":429,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 428\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الأنعام مكيّة إلا (وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ) الآيات الثلاث وإلا (قُلْ تَعالَوْا) الآيات الثلاث وهي مائة وخمس أو ست وستون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ وهو الوصف بالجميل ثابت لِلَّهِ وهل المراد\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة الأنعام\rمكية إلا (وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ) الآيات الثلاث وإلا (قُلْ تَعالَوْا) الآيات الثلاث وهي مائة وخمس أو ست وستون آية سميت بذلك لذكر الأنعام فيها، من باب تسمية الكل باسم الجزء، وهذه السورة نزلت جملة واحدة ما عدا الست آيات، ونزل معها سبعون ألف ملك، ولهم زجل بالتسبيح، ونزلت ليلا فأمر صلّى اللّه عليه وسلّم بكتابتها حينئذ، وحين نزولها صار صلّى اللّه عليه وسلّم يسبح ويسجد حينئذ وكل ذلك تعظيما لشأنها، لأن ما اشتملت عليه من التوحيد، وعدة جملة من الرسل تبين الحلال من الحرام في الأنعام لم يوجد في غيرها وورد أنها فاتحة التوراة، وخاتمتها قيل آخر هود، وقيل آخر الإسراء، وفيها آية نزلت ومعها أربعون ألف ملك وهي وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ الآية. وعن جابر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ، وكل اللّه له أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة، وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد، فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له أو يوحي في قلبه شيئا ضربه ضربة فيكون بينه وبينه سبعون حجابا، فإذا كان يوم القيامة قال اللّه: امش في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي، وكل من ثمار جنتي، واشرب من الكوثر، واغتسل من السلسبيل، فأنت عبدي وأنا ربك. قوله: (الآيات الثلاث) أي إلى قوله تَسْتَكْبِرُونَ. قوله: (و إلا) قُلْ تَعالَوْا أي إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ هكذا مشى المفسر.\rالْحَمْدُ. قوله: (و هو) أي الحمد بالمعنى اللغوي، وأما بالمعنى الاصطلاحي، فهو فعل ينبئ","part":1,"page":428},{"id":430,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 429\rالإعلام بذلك للإيمان به أو الثناء به أو هما احتمالات أفيدها الثالث قاله الشيخ في سورة الكهف الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات للناظرين وَجَعَلَ خلق الظُّلُماتِ وَالنُّورَ أي كل ظلمة ونور وجمعها دونه لكثرة أسبابها وهذا من دلائل وحدانيته ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مع قيام هذا الدليل بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) يسوون غيره في العبادة هُوَ الَّذِي\r______________________________\rعن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما على الحامد أو غيره. قوله: (الوصف بالجميل) زاد بعضهم على جهة التعظيم والتبجيل لإخراج التهكم كقوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. قوله: (ثابت) قدره إشارة إلى أن لِلَّهِ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ الذي هو الحمد. قوله: (و هل المراد به الإعلام بذلك) أي فتكون الجملة خبرية لفظا ومعنى، وقوله (أو الثناء به) أي فهي خبرية لفظا إنشائية معنى. قوله: (أو هما) أي فهي مستعملة في حقيقتها ومجازها، فالقصد إعلام العبيد للإيمان به، وإنشاء الثناء به، وهذا هو حمد القديم للقديم، وأل في الحمد يصح أن تكون للاستغراق أو الجنس أو العهد، واللام في للّه للاستحقاق. قوله: (قاله الشيخ) أي الجلال المحلي.\rقوله: الَّذِي خَلَقَ صفة للّه، وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعلية، كأنه قيل الوصف بالجميل ثابت له لأنه الخالق للسماوات والأرض، والمراد بالسماوات ما علا، فيشمل العرش، والمراد بالأرض ما سفل، فيشمل ما تحتها، وقدم السماوات لأنها أشرف من الأرض، لكونها مسكن المطهرين لا غير، والأرض وإن كان فيها الأنبياء لكنها احتوت على الأشرار والمفسدين، ولأنها سابقة على الأرض كما في سورة النازعات، قال تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها إلى أن قال: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ولا منافاة بين آية فصلت، وبين آية النازعات، فإن الأرض خلقت أولا كرة، ثم خلقت السماوات من دخان كما دلت عليه آية فصلت، ثم بنى السماء ورفعها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، والأرض بعد ذلك دحاها، وإنما جمع السماوات لاختلاف أجناسها، فإن الأولى من موج مكفوف، والثانية مرمرة بيضاء، والثالثة من حديد، والرابعة من نحاس، والخامسة من فضة، والسادسة من ذهب والسابعة من ياقوتة حمراء. وأما الأرض وإن كانت سبعا أيضا إلا أنها من جنس واحد. واختلف هل الأرض مداد وهو الصحيح، فالتعداد باعتبار أقطارها، وقيل طباق كالسماء، وأما السماء فهي طباق باتفاق. قوله: (خلق) أشار بذلك إلى أن جَعَلَ بمعنى خلق، فتنصب مفعولا واحدا. قوله: (أي كل ظلمة) أي حسية كظلمة الليل والأجرام الكثيفة أو معنوية كالشرك والمعاصي. قوله: (و نور) أي حسي كالشمس والقمر والنجوم ومعنوي كالإسلام. قوله: (لكثرة أسبابها) أي الظلمة وأما النور فسببه واحد لا يتعدد، لأنه إما معنوي وسببه الإسلام، أو حسي وسببه النار.\rقوله: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ثم للترتيب الرتبي أي فبعد أن عرفوا الحق سووا به غيره فهو استبعاد لما وقع منهم. قوله: بِرَبِّهِمْ يحتمل أنه متعلق بكفروا، وقوله يَعْدِلُونَ مفعوله محذوف قدره المفسر بقوله غيره ومعناه التسوية كما قاله المفسر، ويحتمل أن بربهم متعلق بيعدلون والياء بمعنى عن، والتقدير يميلون عن ربهم لغيره، من العدول وهو الميل عن طريق الهدى.","part":1,"page":429},{"id":431,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 430\rخَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ بخلق أبيكم آدم منه ثُمَّ قَضى أَجَلًا لكم تموتون عند انتهائه وَأَجَلٌ مُسَمًّى مضروب عِنْدَهُ لبعثكم ثُمَّ أَنْتُمْ أيها الكفار تَمْتَرُونَ (2) تشكون في البعث بعد علمكم أنه ابتدأ خلقكم ومن قدر على الإبتداء فهو على الإعادة أقدر وَهُوَ اللَّهُ مستحق للعبادة\r______________________________\rقوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ هذا من جملة الأدلة على كونه مستحقا للحمد، كأنه قيل الوصف بالجميل للّه لا لغيره، لأنه خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، ولأنه خلقكم الخ. قوله: مِنْ طِينٍ من لابتداء الغاية، أي مبتدئا نشأتكم من الطين. قوله: (بخلق أبيكم آدم منه) دفع بذلك ما يقال إنهم مخلوقون من النطفة لا من الطين، فأجاب بأن الكلام على حذف مضاف، وذلك الطين الذي خلق منه آدم فيه من كل لون، وعجن بكل ماء، فخلق اللّه أولاده مختلفة الألوان والأخلاق، فاختلاف الألوان من اختلاف ألوان طينة أبيهم، واختلاف الأخلاق من اختلاف المياه التي عجنت بها تلك الطينة، فما من أحد إلا وله جزء سرى له من أبيه، فالطبائع والأخلاق أصلها من آدم، فنسبة الطين لأولاده باعتبار نشأتها منه وسريانها فيهم، وقيل لا حذف في الآية بل كل إنسان مخلوق من الطين، لأنه ورد ما من مولود إلا ويذر على نطفته شيء من تراب تربته، فالنطفة عجنت بذلك التراب، فصدق على كل إنسان أنه مخلوق من الطين، وقيل إنه من الطين باعتبار أن النطفة ناشئة عن الغذاء، وهو ناشىء عن الطين.\rقوله: ثُمَّ قَضى يصح أن يكون بمعنى أظهر، فثم للترتيب الزماني، أي فبعد تمام خلقه يظهر أجله للملك الموكل بالرحم، أو بمعنى قدر فثم للترتيب الذكري، لأن للتقدير هو الإرادة المتعلقة بالأجل أزلا فهي متقدمة على وجوده فالترتيب في الذكر فقط، واعلم أن كل إنسان له أجلان، أجل ينقضي بموته، وأجل ينقضي ببعثه، فابتداء أجل الموت من حين وجوده، وابتداء أجل البعث من حين موته، ومجموع الأجلين محتم لا يزيد ولا ينقص، وما ورد من زيادة العمر للبار الواصل للرحم، ونقصه للعاصي القاطع للرحم، قيل محمول على البركة وعدمها، وقيل بتداخل أحدهما في الآخرة، فالطائع يزداد له في أجل الدنيا وينقص من أجل البرزخ، وبالعكس للعاصي، وبه فسر قوله تعالى وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ ويؤيد ذلك ما حكي أن داود عليه السّلام كان له صديق قد دنا أجله، فأخبره جبريل بأنه لم يبق من أجله إلا خمسون يوما، فأخبر داود صديقه بذلك، فتأهب حتى إذا جاء اليوم المتمم للخمسين، أخذ غذاءه وذهب لداود ليودعه، فمر بفقير فأعطاه غذاءه، فنزل جبريل على داود وأخبره بأن اللّه زاد في عمره خمسين سنة بسبب صدقته في ذلك اليوم، فلما ذهب إليه وجده مسرورا فأخبره بذلك.\rقوله: وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ أجل مبتدأ ومسمى صفته وعنده خبره، وأضيف له سبحانه لأنه لا يعلم انتهاءه أحد غيره، وأما أجل الدنيا فهو في علم الملك، وبانقضائه يظهر للمخلوقات أيضا. قوله:\r(لبعثكم) أي ينتهي إليه، وراء ذلك لا نهاية له. قوله: ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ أي ثم بعد ظهور تلك الآيات العظيمة، تشكون في البعث وتنكرونه، وأفاد المفسر أن هذه الآية رد لما أنكروه من البعث، وما قبلها رد للشرك الواقع من الكفار. قوله: (فهو على الإعادة أقدر) هذا بحسب العادة الجارية بأن القادر على الإبتداء قادر على الإعادة بالأولى، وإلا فالكل في قبضة قدرته سواء لا مزية للإعادة على الابتداء، لأنه إذا أراد شيئا قال له كن فيكون.","part":1,"page":430},{"id":432,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 431\rفِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ما تسرون وما تجهرون به بينكم وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (3) تعملون من خير وشر وَما تَأْتِيهِمْ أي أهل مكة مِنْ زائدة آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ من القرآن إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِ بالقرآن لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ عواقب ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (5) أَلَمْ يَرَوْا في أسفارهم إلى الشام وغيرها كَمْ خبرية بمعنى كثيرا أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ أمة من الأمم الماضية مَكَّنَّاهُمْ\r______________________________\rقوله: وَهُوَ اللَّهُ مبتدأ وخبر، والضمير عائد على المتصف بالأوصاف المتقدمة، وفِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ متعلق بوصف تضمنه ذلك العلم، لأن اللّه موضوع للذات الواجبة الوجود المستحقة لجميع المحامد، فيكون المعنى واللّه المستحق للعبادة في السموات الخ، وهذا ما درج عليه المفسر، وبذلك يجاب عن آية وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وقيل متعلق بنعت محذوف تقديره وهو اللّه المعبود في السماوات الخ، على حد قول ابن مالك: ومن المنعوت والنعت عقل.\rيجوز حذفه. وقيل متعلق بيعلم والتقدير: يعلم سركم في السماوات والأرض وقيل متعلق بسركم وجهركم، ولكن يلزم عليه تقديم معمول المصدر عليه، إلا أن يقال يغتفر في الظروف والمجرورات ما لا يغتفر في غيرها. قوله: وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ إن قلت إن الكسب لا يخرج عن السر والجهر والعطف يقتضي المغايرة أجيب: بأن المراد بالكسب ما يترتب عليه من الثواب والعقاب، والمعنى يعلم أفعالكم وأقوالكم السرية والجهرية، ويعلم جزاءها من ثواب وعقاب.\rقوله: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ كلام مستأنف بيان لزيادة قبحهم وكفرهم بعد ظهور الآيات البينات.\rقوله: مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ من تبعيضية والآيات يحتمل أن يكون المراد بها القرآن، فإتيانها نزولها على رسول اللّه وعليه اقتصر المفسر أو الكونية كالمعجزات فالمراد بإتيانها ظهورها، والأحسن أن يراد ما هو أعم. قوله: إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ الجملة حالية من الضمير في تأتيهم، وقوله معرضين ضمنه معنى غافلين فعداه بعن، وإلا فالإعراض بمعنى الترك لا يتعدى بعن.\rقوله: فَقَدْ كَذَّبُوا تفريع على ما قبله وتفصيل لبعضه. قوله (بالقرآن) أي وغيره من بقية المعجزات.\rقوله: لَمَّا جاءَهُمْ ظرف لقوله كذبوا. قوله: فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ وعيد عظيم مرتب على تكذيبهم وهو لا يتخلف، لأن وعيد الكفار وعد حسن للمؤمنين فهو وعد باعتبار، ووعيد باعتبار آخر فعدم تخلفه باعتبار كونه وعدا، قال تعالى وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ. قوله: أَنْباءُ جمع نبأ وهو الخبر العظيم المزعج، وجمعه إشارة إلى تكرر الجزاء لهم في الدنيا ويوم القيامة. قوله: ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ما اسم موصول وكانوا صلته، والمعنى فسوف يأتيهم جزاء الذي كانوا يستهزؤون به في العاجل بالقتل والأسر، والآجل بالعذاب الدائم في النار.\rقوله: أَلَمْ يَرَوْا هذا إخبار من اللّه ببذل النصح لهم، ومع ذلك فلم يهتدوا، والهمزة داخلة على محذوف تقديره أعموا ورأى إما بصرية، وعليه درج المفسر حيث قال في أسفارهم إلى الشام وغيرها، وعليه فقوله كَمْ أَهْلَكْنا سدت مسد مفعولها أو علمية فتكون الجملة سدت مسد مفعوليها، والأحسن","part":1,"page":431},{"id":433,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 432\rأعطيناهم مكانا فِي الْأَرْضِ بالقوة والسعة ما لَمْ نُمَكِّنْ نعط لَكُمْ فيه التفات عن الغيبة وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ المطر عَلَيْهِمْ مِدْراراً متتابعا وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ تحت مساكنهم فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ بتكذيبهم الأنبياء وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (6) وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً مكتوبا فِي قِرْطاسٍ رق كما اقترحوه فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ أبلغ من عاينوه لأنه أنفى للشك لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) تعنتا وعنادا وَقالُوا لَوْ لا هلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مَلَكٌ يصدقه وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً كما اقترحوا فلم يؤمنوا\r______________________________\rالأول. قوله: (و غيرها) أي كاليمن، فإنه كان لهم رحلتان: رحلة في الصيف للشام، ورحلة في الشتاء لليمن، كما يأتي في سورة قريش. قوله: (خبرية) أي وهي مفعول مقدم لأهلكنا. قوله: مِنْ قَبْلِهِمْ أي قبل وجودهم أو قبل زمانهم، فالكلام على حذف مضاف. قوله: مِنْ قَرْنٍ بيان لكم، والقرن يطلق على الأمة وعليه درج المفسر، ويطلق على الزمان، واختلف في حده، فقيل مائة سنة وهو الأشهر، وقيل مائة وعشرون، وقيل ثمانون، وقيل ستون، وقيل أربعون، وقيل غير ذلك.\rقوله: مَكَّنَّاهُمْ وصف للقرن، وجمعه باعتبار معناه، لأن القرن اسم جمع كرهط، وقوم لفظه مفرد، ومعناه جمع. قوله: (بالقوة والسعة) أي في الدنيا حتى صاروا ذوي شهامة وغنى عظيم، ومع ذلك فلم تغن عنهم أموالهم ولا أنفسهم من اللّه شيئا. قوله: (فيه التفات عن الغيبة) أي ونكتته الاعتناء بشأن المخاطبين حيث خاطبهم مشافهة. قوله: وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وصف ثان للقرن. قوله:\rوَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ وصف ثالث له، والمعنى أن من مضى من قبلكم من الأمم أعطيناهم القوة الشديدة في الجسم والسعة في الأموال والأولاد ومع ذلك فلم ينفعهم من ذلك شيء، فلا تأمنوا سطوتي بالأولى منهم.\rوقال الشاعر:\rلا يأمن الدهر ذو بغى ولو ملكا ... جنوده ضاق عنها السهل والجبل\r\rقوله: وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً كلام مستأنف دفع به ما يقال حيث هلك من هلك فقد خرب الكون، فأجاب بأنه كلما أهلك جماعة أتى بغيرهم، فإنه قادر على ذلك والقادر لا يعجزه شيء. قوله:\rقَرْناً هنا بالأفراد، وفي بعض الآيات بالجمع، والمعنى واحد، فإن المراد به الجنس وجمع آخرين باعتبار معنى القرن.\rقوله: وَلَوْ نَزَّلْنا شروع في بيان زيادة كفرهم وتسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم على عدم إيمانهم به، وهو رد لقول النضر بن الحرث، وعبد اللّه بن أبي أمية، ونوفل بن خويلد (لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابا نقرأه) ومعه أربعة من الملائكة يشهدون بأنك صادق. قوله: (مكتوبا) إشارة إلى أنه أطلق المصدر، وأراد اسم المفعول. قوله: قِرْطاسٍ القراءة بكسر القاف لا غير، ويجوز في غير القرآن فتح القاف وضمها؛ ويقال قرطس كجعفر ودرهم، ما يكتب فيه مطلقا رقا أو غيره، فتفسيره له بالرق بفتح الراء على الأفصح تفسير بالأخص. قوله: (كما اقترحوه) أي اخترعوه من الآيات. قوله: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ إن نافية بمعنى ما، وهذا مبتدأ، وسحر خبره، ومبين صفته، والجملة مقول القول.\rقوله: وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ هذا من جملة عنادهم وكفرهم. قوله: (فلم يؤمنوا) مرتب على قوله: وَلَوْ أَنْزَلْنا فهو من تتمة الشرط، والمعنى أن اللّه لو أجابهم بإنزال ملك ولم يؤمنوا لأهلكهم","part":1,"page":432},{"id":434,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 433\rلَقُضِيَ الْأَمْرُ بهلاكهم ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (8) يمهلون لتوبة أو معذرة كعادة اللّه فيمن قبلهم من إهلاكهم عند وجود مقترحهم إذا لم يؤمنوا وَلَوْ جَعَلْناهُ أي المنزل إليهم مَلَكاً لَجَعَلْناهُ أي الملك رَجُلًا أي على صورته ليتمكنوا من رؤيته إذ لا قوة للبشر على رؤية الملك وَلو أنزلناه وجعلناه رجلا لَلَبَسْنا شبهنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (9) على أنفسهم بأن يقولوا ما هذا إلا بشر مثلكم وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فيه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَحاقَ نزل بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (10) وهو العذاب فكذا يحيق بمن استهزأ بك قُلْ لهم سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) الرسل من هلاكهم بالعذاب ليعتبروا قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ إن لم يقولوه لا جواب غيره كَتَبَ قضى عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ\r______________________________\rكمن قبلهم مع أنه قال وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ فعدم إجابتهم رحمة بهم.\rقوله: وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً رد لقوله هلا كان رسولنا من الملائكة لا من البشر. قوله: (أي على صورته) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف أي صورة رجل، فالشبه في الصورة فقط. قوله: (إذ لا قوة للشر على رؤية الملك) أي ولذلك كان يأتي الأنبياء على صورة رجل، ولم ير الملك على صورته الأصلية أحد من البشر إلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مرتين: مر في الأرض عند غار حراء، ومرة في السماء عند سدرة المنتهى ليلة الإسراء.\rقوله: وَلَلَبَسْنا جعله المفسر جواب شرط محذوف والواو داخلة على فعل الشرط المحذوف قدره بقوله:\r(و لو جعلناه رجلا) والمناسب للمفسر الاقتصاد على ذلك، ويحذف قوله وَ(لو أنزلناه) ولبس بفتح الباء يلبس بكسرها، خلط يخلط والتبس اختلط واشتبه، وأما لبس بكسر الباء يلبس بفتحها سلك الثوب في العنق.\rقوله: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فلا تحزن واصبر على أذاهم، فإن اللّه كافيك شرهم.\rقوله: (فكذا يحيق بمن استهزأ بك) أي لكن لا على الوجه الذي حاق بهم من عموم العذاب، بل بأخذ المتمرد بخصوصه، وقد فعل اللّه له ذلك. قال تعالى: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ.\rقوله: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ هذا استشهاد على ما تقدم، كأنه قيل إن لم تصدقوا خبر ربكم بأنه حاق بالذين سخروا وكذبوا أنبياءهم العذاب فسيروا وعاينوا آثارهم. قوله: ثُمَّ انْظُرُوا أتى بثم لأنه لا يحسن التفكر والاستدلال، ولا بثم إلا بعد تمام السير ومعاينة الآثار. قوله: كَيْفَ اسم استفهام خبر كان وعاقبة اسمها، وإنما قدم الخبر عليها وعلى اسمها، لأن اسم الاستفهام له الصدارة. قوله: (ليعتبروا) أي يتعظوا فبالسير والتفكر يحصل الاستدلال والنور التام، ومن هنا أخذت الصوفية السياحة، لأن من جملة ما يعين على الوصول إلى اللّه والترقي إلى المعارف النظر والتفكر في مصنوعاته، قال تعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ.\rقوله: قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الجار والمجرور خبر مقدم، وما اسم موصول مبتدأ مؤخر، وفي السماوات والأرض صلة الموصول والأصل قل ما في السماوات والأرض لمن، وإنما قدم الخبر لأن اسم الاستفهام له الصدارة، وهذه حجة قاطعة لا يمكن ردها أبدا. قوله: قُلْ لِلَّهِ أي تقرير لهم وتنبيه على أنه المتعين للجواب بالإتفاق لقوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ*","part":1,"page":433},{"id":435,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 434\rفضلا منه وفيه تلطف في دعائهم إلى الإيمان لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ليجازيكم بأعمالكم لا رَيْبَ شك فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بتعريضها للعذاب مبتدأ خبره فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ تعالى ما سَكَنَ حل فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي كل شيء فهو ربه وخالقه ومالكه وَهُوَ السَّمِيعُ لما يقال الْعَلِيمُ (13) بما يفعل قُلْ لهم أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا أعبده فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبدعهما وَهُوَ يُطْعِمُ يرزق وَلا يُطْعَمُ يرزق، لا قُلْ إِنِّي\r______________________________\rاللَّهُ*. قوله: (لا جواب غيره) في معنى التفريع أو التعليل، فالمناسب أن يقول فلا، أو لأنه لا جواب غيره.\rقوله: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي ألزم الرحمة لأنه وعد بها، ووعده لا يتخلف، فهي واجبة شرعا لا عقلا والرحمة هي النعمة، وهي عامة لكل مخلوق في الدنيا، قال تعالى وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فمن رحمته إمهال العصاة والكفار، وترادف الرزق عليهم، وأما بعد استقرار الخلق في الدارين فتختص الرحمة بأهل الجنة، ويختص غضب اللّه بأهل النار. قوله: (فضلا منه) رد بذلك على المعتزلة القائلين بأن الرحمة واجبة عقلا على اللّه يستحيل تخلفها، إذ هو نقص، والنقص عليه محال. قوله: (و فيه تلطف في دعائهم إلى الإيمان) أي في ذكر الرحمة بهذا العنوان، فلا تقنطوا بل إذا تبتم قبلكم.\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 1 434\r\rله: كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي ألزم الرحمة لأنه وعد بها، ووعده لا يتخلف، فهي واجبة شرعا لا عقلا والرحمة هي النعمة، وهي عامة لكل مخلوق في الدنيا، قال تعالى وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فمن رحمته إمهال العصاة والكفار، وترادف الرزق عليهم، وأما بعد استقرار الخلق في الدارين فتختص الرحمة بأهل الجنة، ويختص غضب اللّه بأهل النار. قوله: (فضلا منه) رد بذلك على المعتزلة القائلين بأن الرحمة واجبة عقلا على اللّه يستحيل تخلفها، إذ هو نقص، والنقص عليه محال. قوله: (و فيه تلطف في دعائهم إلى الإيمان) أي في ذكر الرحمة بهذا العنوان، فلا تقنطوا بل إذا تبتم قبلكم.\rقوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ اللام موطئة لقسم محذوف، وهو كلام مستأنف مؤكد بالقسم والنون إشارة إلى أن ذلك الأمر لا بد منه. قوله: إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يحتمل أن إلى على بابها متعلقة بمحذوف تقديره ليجمعنكم في القبور ويحشرنكم إلى يوم القيامة، ويحتمل أنها بمعنى اللام أو في أو زائدة. قوله: لا رَيْبَ فِيهِ أي في الجمع يوم القيامة، أو في يوم القيامة الذي يحصل فيه الجمع. قوله: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ الذين مبتدأ، وخسروا صلته، وأنفسهم مفعول لخسروا، وقوله: فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ مبتدأ وخبر، والجملة خبر المبتدأ. إن قلت: إن ظاهر الآية أن عدم الإيمان مسبب عن الخسران، مع أن الخسران مسبب عن عدم الإيمان. أجيب: بأن المعنى الذين خسروا أنفسهم في علم اللّه أي قضى عليهم بالخسران أزلا، فهم لا يؤمنون فيما لا يزال، فالآية باعتبار ما في علم اللّه، وأما تسبب الخسران عن عدم الإيمان فبحسب ما يظهر للعباد.\rقوله: وَلَهُ ما سَكَنَ هذا أيضا من جملة أدلة التوحيد، زيادة في التشنيع على من كفر. قوله: (حل) أشار بذلك إلى أنه لا حذف في الآية، وعليه جمهور المفسرين، فمعنى حل وجد فيشمل الساكن والمتحرك، وقيل إن سكن من السكون ضد الحركة، وعليه ففي الآية حذف تقديره وما تحرك.\rقوله: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ رد لقولهم له كيف تترك دين آبائك، وغير مفعول أول لاتخذوا قدمه اعتناء بنفي الغيرية، ووليا مفعول ثان. قوله: (أعبده) تفسير لأتخذ، فالمراد بالولي هنا المعبود، ويطلق باشتراك على معان منها المعبود ولا يكون إلا اللّه، وهو قوله تعالى: فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُ، اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ويطلق على القريب والصاحب وعلى المنهمك في طاعة اللّه.\rقوله: فاطِرِ بدل من لفظ الجلالة أو نعت. إن قلت إن فاطر اسم فاعل وإضافته لفظية لا تفيده التعريف، ولفظ الجلالة أعرف المعارف، وشرط النعت موافقته لمنعوته في التعريف. أجيب بأن محل كون","part":1,"page":434},{"id":436,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 435\rأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ للّه من هذه الأمة وَقيل لي لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) به قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي بعبادة غيره عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) هو يوم القيامة مَنْ يُصْرَفْ بالبناء للمفعول أي العذاب وللفاعل أي اللّه والعائد محذوف عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ تعالى أي أراد له الخير وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) النجاة الظاهرة وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ بلاء كمرض وفقر فَلا كاشِفَ رافع لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ كصحة وغنى فَهُوَ عَلى كُلِ\r______________________________\rإضافته لفظية إن كان معناه التجدد والحدوث، وأما هنا فهو من قبيل الصفة المشبهة، فيكون وصفا ثابتا له، وهذه الجملة كالدليل لما قبلها. قوله: (مبدعهما) أي موجدهما على غير مثال سبق، ففاطر من الفطرة وهي الخلقة، وفطر خلق وأنشأ، قال ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى فطر وفاطر، حتى اختصم إلي أعرابيان في بئر، فقال أحدهما أنا فطرتها أي أنشأتها وابتدأتها. قوله: (أي يرزق) تفسير بالأعم، لأن المعنى يرزق مطعوما أو غيره، فليس المراد من الآية قصره على المطعوم.\rقوله: وَلا يُطْعَمُ أي لأن المرزوق محتاج لمن يرزقه، وتنزه اللّه عن الاحتياج. قوله: أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ يحتمل أن من نكرة موصوفة، فجملة أسلم صفة. والمعنى أن أكون أول فريق أسلم، أو اسم موصول وما بعدها صلة، والتقدير أول الفريق الذي أسلم. وقوله: أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ الخ أي أمرني ربي أن أكون أول المسلمين، لأنه يجب عليه الإيمان بأنه رسول، وبما جاء به من الشرع والأحكام، فهو أول المسلمين على الاطلاق. قوله: وَ(قيل لي الخ) أشار بذلك إلى أن قوله وَلا تَكُونَنَ معمول لقول محذوف، والجملة معطوفة على جملة أمرت، والمعنى أمرني ربي بأن أكون أول من أسلم، ونهاني بقوله وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وهذه الجملة لازمة لما قبلها. قوله: عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ معمول لأخاف،\rوجملة إِنْ عَصَيْتُ شرطية وجوابها محذوف دل عليه قوله: أَخافُ وهي معترضة بين الفعل وهو أخاف، ومعموله وهو عذاب.\rقوله: مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ من اسم شرط، ويصرف فعل الشرط، ونائب الفاعل مستتر يعود على العذاب على القراءة الأولى، والفاعل اللّه على القراءة الثانية، وعنه جار ومجرور متعلق بيصرف. وقوله:\rفَقَدْ رَحِمَهُ جواب الشرط، وهو معنى قوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ.\rقوله: (و للفاعل) أي والمفعول محذوف تقديره العذاب، والمعنى من يصرف اللّه العذاب عنه يوم القيامة فقد رحمه، في ذلك تعريض بأن الكفار لا يرحمون لأنه لا يصرف عنهم العذاب قوله: (و العائد محذوف) الأوضح أن يقول والمفعول محذوف، وهو ضمير يعود على العذاب، لأن الضمير العائد على من مذكور بقوله عنه، وأيضا لا يحتاج للعائد إلا الموصول، ومن ها شرطية لا موصولة. قوله: وَذلِكَ أي النجاة يوم القيامة.\rقوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ هذا تأييد من اللّه لرسوله، فالمعنى لا تخش لومهم بل بلغ ما انزل اليك من ربك، فإن اللّه متولي أمرك، بيده الضر والنفع والمنع والإعطاء، فهم عاجزون ولا يقدرون على إيصال ضر ولا جلب نفع. قوله: (كمرض وفقر) أي وغلبة واحتياج. قوله: فَلا كاشِفَ لَهُ جواب الشرط، وفعله قوله يمسسك، ولا نافية للجنس، وكاشف اسمها مبني معها على الفتح في محل نصب،","part":1,"page":435},{"id":437,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 436\rشَيْءٍ قَدِيرٌ (17) ومنه مسك به ولا يقدر على رده عنك غيره وَهُوَ الْقاهِرُ القادر الذي لا يعجزه شيء مستعليا فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ في خلقه الْخَبِيرُ (18) ببواطنهم كظواهرهم. ونزل لما قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم إيتنا بما يشهد لك بالنبوة فإن أهل الكتاب أنكروك قُلْ لهم أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً تمييز محول عن المبتدأ قُلِ اللَّهُ إن لم يقولوه لا جواب غيره هو شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على صدقي وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ أخوفكم يا أهل مكة بِهِ وَمَنْ بَلَغَ عطف على ضمير أنذركم أي بلغه القرآن من الإنس والجن أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى\r______________________________\rوخبرها محذوف تقديره أحد. قوله: إِلَّا هُوَ إلا أداة حصر وهو بدل من الضمير المستتر. قوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ جواب الشرط محذوف تقديره فلا راد لفضله، كما في آية يونس وإن يردك بخير فلا راد لفضله.\rقوله: فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ دليل لكل من الجملتين. قوله: (و منه مسك به) أي من النبوة وغيرها. قوله: (مستعليا) أشار بذلك إلى أن قوله فَوْقَ عِبادِهِ ظرف متعلق بمحذوف حال من القاهر.\rقوله: فَوْقَ عِبادِهِ أي فوقية مكانة لا مكان، والمعنى أن صفاته فوق صفات غيره، لأن أوصافه كمالية، وأوصاف غيره ناقصة، فوصفه العز والعلم والاقتدار، ووصف غيره الذل والجهل والعجز، فكل وصف شريف كامل فهو للّه، وكل وصف خسيس ناقص فهو لغيره. قوله: وَهُوَ الْحَكِيمُ (في خلقه) أي يضع الشيء في محله. قوله: الْخَبِيرُ أي فيعامل كل شخص بما يليق به. قوله: (و نزل لما قالوا) أي أهل مكة، فقالوا يا محمد ارنا من يشهد لك بالرسالة، فإننا سألنا اليهود والنصارى عنك فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر. قوله: (إيتنا) بقلب الهمزة الثانية ياء، قال ابن مالك:\rومدا ابدل ثاني الهمزين من ... كلمة إن يسكن كآثر وائتمن\r\rقوله: (تمييز محول عن المبتدأ) أي والأصل شهادة أي شيء ما أكبر، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وجعل مبتدأ وجعل المضاف تمييزا.\rقوله: قُلِ اللَّهُ مبتدأ خبره محذوف أي أكبر شهادة. وقوله: شَهِيدٌ خبر لمحذوف قدره المفسر فالكلام جملتان، ويحتمل أن اللّه مبتدأ خبره شهيد، فالكلام جملة واحدة. قوله: شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ المراد بشهادة اللّه إظهار المعجزات على يده، فإن المعجزات منزلة منزلة قول اللّه صدق عبدي في كل ما يبلغ عني.\rقوله: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ هذا دليل لشهادة اللّه، والمعنى أن اللّه شهيد، لأن القرآن ناطق بالحجج القاطعة، وهو من عنده فلا يرد كيف اكتفى منه عليه الصلاة والسّلام بقوله اللّه شهيد، مع أن ذلك لا يكفي من غيره والاقتصار على الانذار لأن الكلام مع الكفار، وبنى اوحي للمجهول للعلم بفاعله. قوله: (عطف على ضمير أنذركم) أي وَمَنْ موصولة، وبَلَغَ صلتها، والتقدير وأنذر الذي بلغه القرآن. (من الانس والجن) أي إلى يوم القيامة، وفيه دلالة على عموم رسالته، واستمرارها من غير ناسخ إلى يوم القيامة.","part":1,"page":436},{"id":438,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 437\rاستفهام إنكاري قُلْ لهم لا أَشْهَدُ بذلك قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) معه من الأصنام الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ أي محمدا بنعته في كتابهم كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ منهم فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) به وَمَنْ أي لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بنسبة الشريك إليه أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ القرآن إِنَّهُ أي الشأن لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) بذلك وَاذكر يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا\r______________________________\rقوله: أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ اللام لام الابتداء زحلقت الخبر. قوله: (استفهام إنكاري) أي والمعنى لا يصح منكم هذه الشهادة لأن المعبود واحد. قوله: قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ إنما أداة حصر، وما كافة، وهو مبتدأ، وإله خبره، وواحد صفته، وهو زيادة في الرد عليهم، وهو من حصر المبتدأ في الخبر.\rقوله: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ أي اليهود والنصارى، فالمراد بالكتاب التوراة والإنجيل. قوله:\r(أي محمدا) تفسير للضمير في يَعْرِفُونَهُ، ويصح أن يرجع الضمير للقرآن أو لجميع ما جاء به رسول اللّه من التوحيد وغيره. قوله: كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ أي معرفة كمعرفتهم لأبنائهم، وهذا من التنزلات الربانية، وإلا فهم يعرفونه أشد من معرفتهم لأبنائهم لما روي أن عمر بن الخطاب سأل عبد اللّه ابن سلام بعد إسلامه عن هذه المعرفة، فقال: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني، ولأنا أشد معرفة بمحمد مني بابني، فقال عمر: كيف ذلك؟ فقال أشهد أنه رسول اللّه حقا ولا أدري ما تصنع النساء. قوله: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ مبتدأ والجملة نعت للذين آتيناهم الكتاب، ويؤيده قول المفسر منهم.\rقوله: فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خبر المبتدأ وقرن بالفاء لما في المبتدأ من معنى الشرط وهو العموم، والمعنى أن من سبق في علم اللّه خسرانه، فلا يتأتى له الإيمان في الدنيا، وذلك أن اللّه جعل لكل إنسان منزلا في الجنة ومنزلا في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل اللّه للمؤمنين منازل أهل النار في الجنة، ولأهل النار منازل أهل الجنة في النار، وقد علمت مما تقدم أن المؤمن واحد من ألف، فتكون منازل الكفار التي يرثها المؤمنون في الجنة لكل واحد تسعمائة منزل وتسعة وتسعون تضم لمنزله، ومنازل المؤمنين التي تركت لأهل النار منزل من ألف يزاد لهم، فيؤخذ منه أن الجنة واسعة جدا، وأن النار ضيقة جدا لا سيما مع عظم جسم الكافر فيها، حيث يكون ضرسه كأحد. قال تعالى وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وقال تعالى: وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ. قوله: (به) أي بمحمد أو باللّه أو بالقرآن أو بما جاء به محمد.\rقوله: (أي لا أحد) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، والمعنى ليس أحد أظلم ممن فعل واحدا من الأمرين الافتراء والتكذيب، فما بالك بمن جمع بينهما كالمشركين وأهل الكتاب، فإن كلا منهما وقع منه الأمران.\rقوله: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ أي لا يفوزون بمطلوبهم. وقوله: (بذلك) أي بسبب ما ذكر وهو الافتراء أو التكذيب.\rقوله: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ ظرف متعلق بمحذوف قدره المفسر، والضمير في نحشرهم عائد على الخلق مسلمهم وكافرهم، ويصح عوده على المشركين، فقوله بعد ذلك ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا إظهار في محل الإضمار زيادة في التشنيع عليهم. قوله: جَمِيعاً حال من ضمير نحشرهم. قوله: ثُمَّ نَقُولُ أتى","part":1,"page":437},{"id":439,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 438\rتوبيخا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) أنهم شركاء للّه ثُمَّ لَمْ تَكُنْ بالتاء والياء فِتْنَتُهُمْ بالنصب والرفع أي معذرتهم إِلَّا أَنْ قالُوا أي قولهم وَاللَّهِ رَبِّنا بالجر نعت والنصب نداء ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) قال تعالى انْظُرْ يا محمد كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ بنفي الشرك عنهم وَضَلَ غاب عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (24) ه على اللّه من الشركاء وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ إذا قرأت وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أغطية ل أَنْ لا يَفْقَهُوهُ يفهموا\r______________________________\rبثم إشارة إلى أن السؤال بعد الحشر، والحشر يطول على الكفار قدر خمسين ألف سنة والمقصود من ذلك ردعهم وزجرهم لعلهم يؤمنون في الدنيا فتأمنون من ذلك اليوم وهوله، والقول إن كان على ألسنة الملائكة فظاهر، وإن كان من اللّه مباشرة ورد علينا قوله تعالى: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وقد يجاب بأن المعنى لا يكلمهم كلام رضا ورحمة. قوله: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ إن قلت: مقتضى هذه الآية أن الشركاء ليسوا حاضرين معهم، ومقتضى قوله تعالى احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنهم حاضرون معهم، فكيف الجمع بينهما؟ اجيب بأن السؤال واقع بعد التبري الكائن من الجانبين، وانقطاع ما بينهم من الأسباب والعلائق وأضيفوا لهم، لأن شركتها بتسميتهم وتقولهم. قال تعالى: ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ الآية. قوله: (أنهم شركاء للّه) قدره إشارة إلى أن مفعولي تَزْعُمُونَ محذوفان،\rوهذه الجملة سدت مسدهما. قوله: (بالتاء والياء) فعلى قراءة التاء يصح رفع فِتْنَتُهُمْ اسم تكن، وإِلَّا أَنْ قالُوا خبرها ونصبها خبر تكن مقدم، وإلا أن قالوا اسمها مؤخر، ويتعين جر رَبِّنا وعلى قراءة الياء إلا نصب فتنتهم خبر يكن مقدم، وإلا أن قالوا اسمها مؤخر، ويتعين نصب ربنا، فالقراءات ثلاث وكلها سبعية، خلافا لما توهمه المفسر. قوله: (أي معذرتهم) أي جوابهم، وسماه فتنة لأنه كذب محض لا نفع به، بل به الفضائح.\rقوله: ما كُنَّا مُشْرِكِينَ إن قلت: كيف الجمع بين ما هنا وبين قوله ولا يكتمون اللّه حديثا.\rقلت: أولا ينكرون الإشراك ويحلفون على عدم وقوعه منهم، ثم يستشهد اللّه الأعضاء فتنطق الجوارح، فحينئذ يودون لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون اللّه حديثا، فهم أولا يظنون أن إنكارهم نافع، فحين تشهد أعضاؤهم يتمنون أن لو كانوا أترابا ولم يكتموا شيئا.\rقوله: عَلى أَنْفُسِهِمْ إنما نسبه لهم وإن كان في الحقيقة كذبا على اللّه، لأن ضرره عاد إليهم. قوله: (من الشركاء) بيان لما.\rقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ سبب نزولها: أنه اجتمع أبو سفيان وأبو جهل والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف والحرث بن عامر، يستمعون القرآن فقالوا للنضر: يا أبا قتيبة ما يقول محمد؟ قال ما أدري ما يقول، غير أني أراه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون الماضية وأخبارها، فقال أبو سفيان: إني أرى بعض ما يقول حقا، فقال أبو جهل: كلا لا نقر بشيء من هذا، وفي رواية الموت أهون علينا من هذا. وأفرد يستمع مراعاة للفظ من، وسيأتي في يونس مراعاة معناها، والحكمة في مراعاة لفظها هنا، أن ما هنا في قوم قليلين، وفيما يأتي في الكفار جميعا. قوله: أَكِنَّةً جمع كنان وهو الوعاء","part":1,"page":438},{"id":440,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 439\rالقرآن وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً صمما فلا يسمعونه سماع قبول وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ ما هذا القرآن إِلَّا أَساطِيرُ أكاذيب الْأَوَّلِينَ (25) كالأضاحيك والأعاجيب جمع أسطور بالضم وَهُمْ يَنْهَوْنَ الناس عَنْهُ عن اتباع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَيَنْأَوْنَ يتباعدون عَنْهُ فلا يؤمنون به وقيل نزلت في أبي طالب كان ينهى عن أذاه ولا يؤمن به وَإِنْ ما يُهْلِكُونَ بالنأي عنه إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن ضرره عليهم وَما يَشْعُرُونَ (26) بذلك وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ وُقِفُوا عرضوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا للتنبيه لَيْتَنا نُرَدُّ إلى الدنيا وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) برفع الفعلين استئنافا\r______________________________\rالجامع الذي يحفظ فيه الشيء ويجمع على أكنان، والمراد بها هنا الغطاء الساتر. قوله: (فلا يسمعونه) أي القرآن. قوله: حَتَّى إِذا جاؤُكَ حتى ابتدائية. وقوله: يُجادِلُونَكَ حال من الواو في جاؤوك.\rوقوله: يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا جواب إذا. قوله: (كالأضاحيك) جمع أضحوكة بالضم، وكذا (الأعاجيب) أي فالمشهور أن أساطير في جمعه ومفرده كالأضاحيك والأعاجيب.\rقوله: هُمْ يَنْهَوْنَ أي الكفار ينهون عن اتباع النبي، أو عن سماع القرآن. قوله: (أي عن اتباع النبي) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله: (و قيل نزلت في أبي طالب) أي وعليه فجمع الضمير باعتبار اتباعه. قوله:\r(كان ينهى عن أذاه) أي وكان يخاطب النبي عليه الصلاة والسّلام بقوله:\rولقد علمت بأن دين محمد ... من خيز أديان البرية دينا\r\rلو لا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا\r\rفاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... حتى أوسد في التراب رهينا\r\rوهذا القول لابن عباس وعمرو بن دينار وسعيد بن جبير، والقول بأنها نزلت في المشركين لجماعة منهم الكلبي والحسن؛ والأقرب لسياق ما قبلها وما بعدها المعنى الأولى فتأمل. قوله: (بذلك) أي بإهلاكهم أنفسهم،\rقوله: وَلَوْ تَرى المقصود من ذلك حكاية ما سيقع من الكفار يوم القيامة وتسلية للنبي وأصحابه، والمعنى لو تبصر بعينك يا محمد ما يقع لهؤلاء في الآخرة، لرأيت أمرا عظيما تتسلى به عن الدنيا، فالخطاب لسيدنا محمد كما قال المفسر. إن قلت: هذا يقتضي أن رسول اللّه لم يطلع على ذلك، مع أنه لم يخرج من الدنيا حتى أحاط بوقائع الدنيا والآخرة. أجيب: بأن هذا قبل إعلام اللّه له بالآخرة.\rوأجيب أيضا بأن الخطاب له والمراد غيره، ورأى إما بصرية وهو الأقرب أو قلبية، والمعنى لو صرفت فكرك الصحيح في تدبير حالهم لازددت يقينا، ولو يحتمل أنها حرف امتناع، فيكون قوله ترى بمعنى رأيت، وإذ على بابها من المعنى، فيكون عبر بالماضي لتحقق الحصول، ويحتمل أنها بمعنى إن الشرطية وإذ بمعنى إذا، فيكون مستقبلا، والأقرب الأول. قوله: (للتنبيه) أي لدخولها على الحرف.\rقوله: لَيْتَنا نُرَدُّ ليت حرف تمن، ونا اسمها، وجملة نرد خبرها. قوله: (برفع الفعلين استئنافا) أي واقع في جواب سؤال مقدر تقديره ماذا تفعلون لو رددتم، فقوله وَلا نُكَذِّبَ خبر محذوف تقديره","part":1,"page":439},{"id":441,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 440\rونصبهما في جواب التمني ورفع الأول ونصب الثاني وجواب لو رأيت أمرا عظيما قال تعالى بَلْ للإضراب عن إرادة الإيمان المفهوم من التمني بَدا ظهر لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ يكتمون بقولهم واللّه ربنا ما كنا مشركين بشهادة جوارحهم فتمنوا ذلك وَلَوْ رُدُّوا إلى الدنيا فرضا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الشرك وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (28) في وعدهم بالإيمان وَقالُوا أي منكر والبعث إِنْ ما هِيَ أي الحياة إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عرضوا عَلى رَبِّهِمْ لرأيت أمرا عظيما قالَ لهم على لسان الملائكة توبيخا أَلَيْسَ هذا البعث والحساب بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا إنه لحق قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) به في الدنيا قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ بالبعث حَتَّى غاية للتكذيب إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ القيامة بَغْتَةً فجأة قالُوا يا حَسْرَتَنا هي شدة التألم ونداؤها مجاز أي\r______________________________\rونحن لا نكذب، وكذا قوله وَنَكُونَ. قوله: (و بنصبهما في جواب التمني) أي بأن مضمرة بعد واو المعية، أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر معطوف على مصدر مصيد من الكلام السابق، وتقدير الكلام فقالوا نتمنى على اللّه ردنا مع عدم تكذيب منا وحصول إيمان. قوله: (و رفع الأول) أي على الاستئناف.\rوقوله: (و نصب الثاني) أي بأن مضمرة وجوبا بعد واو المعية في جواب التمني، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر معطوف على مصدر مصيد من الكلام السابق، تقديره نتمنى على اللّه مع كوننا من المؤمنين، وجملة ولا نكذب معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، فهذه قراءات ثلاث وكلها سبعية، وقرىء شذوذا بنصب الأول ورفع الثاني وتوجيهه كما علمت. قوله: (للإضراب) أي الإبطالي، والمعنى ليس الأمر كما قالوا من أنهم لو ردوا لآمنوا، بل إنما حملهم على ذلك فضيحتهم بشهادة أعضائهم.\rقوله: ما كانُوا يُخْفُونَ أي وهو الشرك. قوله: (بقولهم) الباء سببية. قوله: (بشهادة جوارحهم) متعلق ببدا. قوله:\r(فتمنوا ذلك) أي فرارا من العذاب لا محبة في الإيمان.\rقوله: لَعادُوا جواب لو. قوله: (في وعدهم بالإيمان) أي الذي وقع منهم بالتمني.\rقوله:\rوَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا يحتمل أنه معطوف على لعادوا، فهو من جملة جواب له، ويحتمل أنه كلام مستأنف في خصوص منكري البعث وهذا هو المتبادر من المفسر، وإن نافية بمعنى ما، وهي مبتدأ، وحياتنا خبره والمعنى أنهم قالوا ليس لنا حياة غير هذه الحياة التي نحن فيها، وما نحن بمبعوثين بعد الموت.\rقوله: عَلى رَبِّهِمْ أي على حسابه وسؤاله، فالكلام على حذف مضاف.\rقوله: قالَ (لهم) أي لمنكري البعث الذين قالوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا. قوله: (على لسان الملائكة) دفع بذلك ما يقال إن اللّه لا ينظر اليهم ولا يكلمهم. قوله: قالُوا بَلى وَرَبِّنا جواب مؤكد باليمين. قوله: بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي بسبب الذي كنتم تكفرون به أو بسبب كفركم. قوله: (غاية للتكذيب) أي لا للخسران فإنه لا غاية له.\rقوله: السَّاعَةُ المراد بها مقدمات الموت، فالمراد أن حزنهم الدائم يحصل لهم عند خروج أرواحهم. قوله: بَغْتَةً حال من فاعل جاءتهم، والتقدير جاءتهم مباغتة، أو من مفعوله، والتقدير جاءتهم حال كونهم مبغوتين. قوله: يا حَسْرَتَنا يا حرف نداء،","part":1,"page":440},{"id":442,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 441\rهذا أوانك فاحضري عَلى ما فَرَّطْنا قصرنا فِيها أي الدنيا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ بأن تأتيهم عند البعث في أقبح صورة وأنتنه ريحا فتركبهم أَلا ساءَ بئس ما يَزِرُونَ (31) يحملون حملهم ذلك وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا أي الاشتغال بها إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وأما الطاعات وما يعين عليها فمن أمور الآخرة وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ وفي قراءة ولدار الآخرة أي الجنة خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الشرك أَفَلا تَعْقِلُونَ (32) بالياء والتاء ذلك فيؤمنون قَدْ للتحقيق نَعْلَمُ إِنَّهُ أي الشأن لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ لك من التكذيب فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ في\r______________________________\rوحسرتنا منادى منصوب بفتحة ظاهرة لأنه مضاف لنا. قوله: (هي شدة التألم) أي التلهف والتحسر على ما فات. قوله: (و نداؤها مجاز) أي تنزيلا لها منزلة العاقل، لأنه لا ينادى حقيقة إلا العاقل، والمقصود التنبيه على أن هذا الكافر من شدة هوله لم يفرق بين خطاب العاقل وغيره، ومثله، يا ويلنا فتأمل.\rقوله: عَلى ما فَرَّطْنا أي من الأعمال الصالحة في الدنيا. قوله: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ لجملة حالية من الواو في قالوا. قوله: (بأن تأتيهم الخ) ورد أن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيب ريحا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول لا، فيقول أنا عملك الصالح فاركبني فقد طال ما ركبتك في الدنيا، فذلك قوله تعالى يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً يعني ركبانا، وأما الكافر فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول لا فيقول أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك فذلك قوله تعالى وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ. قوله: (أي الاشتغال فيها) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، والمعنى أن الاشتغال في الحياة الدنيا عن خدمة اللّه وطاعته لعب ولهو، وليس المراد أن مطلق الحياة الدنيا لعب ولهو، بل ما قرب منها إلى اللّه فهو مزرعة للآخرة، وما أبعد منها عنه فهو حسرة وندامة.\rقوله: خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أي لأن منافعها خالصة من الكدورات وعزها دائم. قوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير ألا يتفكرون فلا يعقلون. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: قَدْ نَعْلَمُ المقصود من هذه الآية وما بعدها تسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ما وقع من الكفار من التكذيب وغيره، وتهديد لهم لعلهم يرجعون، وقد للتحقيق، نظير قوله تعالى قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ.\rقوله: إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ بكسر الهمزة لدخول اللام المعلقة لنعلم عن العمل في حيزها، قال ابن مالك:\rوكسروا من بعد فعل علقا ... باللام كاعلم إنه لذو تقى\r\rوإن حرف توكيد، والهاء اسمها، واللام لام الابتداء زحلقت للخبر لئلا يتوالى حرفا تأكيد، ويحزنك خبرها، والَّذِي فاعل يحزن ويَقُولُونَ صلتها، والعائد محذوف تقديره يقولونه، والجملة من إن واسمها وخبرها في محل نصب سدت مسد مفعولي نعلم، فإن التعليق إبطال العمل لفظا لا محلا كما هو مقرر. قوله: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ الفاء للتعليل، والمعنى لا تحزن من تكذيبهم لك، واصبر ولا تكن في ضيق مما يمكرون، فإنهم لا يكذبونك في الباطن، بل يعتقدون صدقك، وإنما تكذيبهم عناد","part":1,"page":441},{"id":443,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 442\rالسر لعلمهم أنك صادق وفي قراءة بالتخفيف أي لا ينسبونك إلى الكذب وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ وضعه موضع المضمر بِآياتِ اللَّهِ القرآن يَجْحَدُونَ (33) يكذبون وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فيه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا بإهلاك قومهم فاصبر حتى يأتيك النصر بإهلاك قومك وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ مواعيده وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) ما يسكن به قلبك وَإِنْ كانَ كَبُرَ عظم عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ عن الإسلام\r______________________________\rوجحود. قوله: (في السر) دفع بذلك ما يقال إن بين ما هنا وبين قوله: وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ تنافيا، وحاصل الجواب أن المنفي التكذيب في السر، والمثبت التكذيب في العلانية. قوله:\r(و في قراءة بالتخفيف) أي مع ضم الياء وسكون الكاف وهي سبعية أيضا. قوله: (أي لا ينسبونك إلى الكذب) هذا يناسب كلا من القراءتين، والمعنى لا يعتقدون تكذيبك باطنا، ولذا قال أبو جهل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب الذي جئت به. قوله: (وضعه موضع المضمر) أي زيادة في التقبيح والتشنيع عليهم. قوله: يَجْحَدُونَ الجحد الإنكار مع العلم، والمعنى أنهم أنكروا آيات اللّه مع علمهم بأن ما جاء به صدق. قوله: (يكذبونك) أي في العلانية قوله: (فيه تسلية) وذلك لأن البلوى إذا عمت هانت.\rقوله: فَصَبَرُوا الفاء سببية، وصبروا معطوف على كُذِّبَتْ. قوله: عَلى ما كُذِّبُوا متعلق بصبروا، والمعنى صبروا على تكذيبهم. قوله: وَأُوذُوا يصح عطفه على كذبت، والمعنى كذبت وأوذوا فصبروا، ويصح عطفه على صبروا، والمعنى كذبت رسل فصبروا وأوذوا مع حصول الصبر منهم، ويصح عطفه على قوله ما كذبوا، والمعنى صبروا على تكذيبهم وإيذائهم. قوله: حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا غاية في الصبر، والمعنى غاية صبرهم نصر اللّه لهم. قوله: (مواعيده) أي مواعيد اللّه بالنصر، قال تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وقال تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي.\rقوله: وَلَقَدْ جاءَكَ اللام موطئة لقسم محذوف، وجاء فعل ماض، والفاعل محذوف يعلم من السياق قدره المفسر بقوله ما يسكن به قلبك، وقوله مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ بيان للمحذوف، ويحتمل أن من زائدة على مذهب الأخفش ونبأ المرسلين فاعل، ويحتمل أن من اسم بمعنى بعض هي الفاعل، والمعنى ولقد جاءك بعض أخبار المرسلين الذين كذبوا أوذوا فصبروا، فتسل ولا تحزن فإن اللّه ناصرك كما نصرهم.\rقوله: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ سبب نزولها: أن الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في نفر من قريش، فقالوا يا محمد ائتنا بآية من عند اللّه كما كانت الأنبياء تفعل فإنا نصدقك، فأبى اللّه أن يأتيهم بآية مما اقترحوا فأعرضوا عنه، فشق ذلك عليه لما أنه شديد الحرص على إيمان قومه، فكان إذا سألوه آية يود أن ينزلها اللّه طمعا في إيمانهم فنزلت. وإن حرف شرط، وكان فعل ماض فعل الشرط، واسمها ضمير الشأن، وكبر فعل ماض، وإعراضهم فاعله، والجملة خبر كان، والأقرب أن إعراضهم اسم كان مؤخرا، وجملة كبر خبرها مقدم، وفاعل كبر ضمير يعود على إعراضهم، وهو وإن كان مؤخرا لفظا إلا أنه مقدم رتبة.","part":1,"page":442},{"id":444,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 443\rلحرصك عليهم فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً سريا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً مصعدا فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ مما اقترحوا فافعل المعنى أنك لا تستطيع ذلك فاصبر حتى يحكم اللّه وَلَوْ شاءَ اللَّهُ هدايتهم لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى ولكن لم يشأ ذلك فلم يؤمنوا فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (35) بذلك إِنَّما يَسْتَجِيبُ دعاءك إلى الإيمان الَّذِينَ يَسْمَعُونَ سماع تفهم واعتبار وَالْمَوْتى أي الكفار شبههم بهم في عدم السماع يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ في الآخرة ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) يردون\r______________________________\rقوله: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ هذه الجملة شرطية، وجوابها محذوف تقديره فافعل، والشرط وجوابه جواب الشرط الأول، والمعنى إن عظم عليك إعراضهم، ولم تكتف بالمعجزات التي ظهرت على يديك فإن استطعت أن تأتيهم بآية فافعل. قوله: (سربا) بفتحات شق في الأرض، والنفق السرب النافذ في الأرض، ومنه النافقاء أحد أبواب حجرة اليربوع، وذلك أن اليربوع يحفر في الأرض سربا ويجعل له بابين أو ثلاثة، النافقاء والقاصعاء والرامياء، ثم يدقق بالحفر ما يقارب وجه الأرض، فإذا نابه أمر، دفع تلك القشرة الدقيقة وخرج. والمعنى إن شئت أن تتحيل على إتيان آية لقومك على طبق ما اقترحوا فافعل، وهذا عتاب لرسول اللّه على التعلق بإيمانهم، وترق له إلى المقام الأكمل الذي هو التسليم له.\rقوله: فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ أي من تحت الأرض أو من فوق السماء. قوله: (هدايتهم) أي جمعهم على الهدى. قوله: (و لكن لم يشأ ذلك) هذا استثناء نقيض المقدم، فينتج نقيض التالي إن كان بينهما تساو كما هنا، نظير لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا، وقد أشار لمعنى النتيجة بقوله فلم يؤمنوا، وإلا فالنتيجة فلم يجمعهم على الهدى. قوله: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ أي الذين لا تسليم لهم، فلا تتعب نفسك في تطلب ما اقترحوه فإنهم لا يؤمنون.\rقوله: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ هذا من جملة التسلية لرسول اللّه، والمعنى لا تحزن على عدم إيمانهم، فإنما يستجيب لك ويمتثل أمرك، ويقبل المواعظ الذين يسمعون سماع قبول، والذين لا يسمعون يبعثهم اللّه فيجازيهم على ما صدر منهم، فللنار أهل، وللجنة أهل، فمن خلق اللّه فيه الهدى انتفع بالمواعظ وآمن، ومن خلق فيه الضلال فلا تزيده المواعظ والآيات إلا ضلالا، وهذه الآية في الحقيقة استدراك على قوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى. فالمعنى لم يشأ جمعهم على الهدى، بل قسم الخلق قسمين: قسم للجنة، وقسم للنار. قوله: (دعاءك إلى الإيمان) هذا هو مفعول يستجيب، والسين والتاء لتأكيد الإجابة، والمراد بالذين يسمعون من سبقت لهم السعادة في الأزل، فما يظهر منهم من الإيمان هو على طبق ما سبق. قوله: (أي الكفار) أشار بذلك إلى أن قوله وَالْمَوْتى مقابل قوله الَّذِينَ يَسْمَعُونَ.\rقوله: يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ أي يحييهم، وقوله (في الآخرة) إشارة للحشر، أن المراد بالبعث الإحياء بعد الموت، وهذا هو الأقرب، وقيل معنى يبعثهم يحيي قلوبهم بالإيمان، فهو بشارة لرسول اللّه بأن أعداءه يؤمنون، ولكن يرده الحصر المتقدم، وأيضا من آمن فهو داخل في قوله الذين يسمعون. قوله: (بأعمالهم) الباء إما سببية أو بمعنى على، والمراد بالأعمال الكفر والمعاصي، وقوله: ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ أي يوقفون","part":1,"page":443},{"id":445,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 444\rفيجازيهم بأعمالهم وَقالُوا أي كفار مكة لَوْ لا هلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ كالناقة والعصا والمائدة قُلْ لهم إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ بالتشديد والتخفيف آيَةٌ مما اقترحوا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (37) أن نزولها بلاء عليهم لوجوب هلاكهم إن جحدوها وَما مِنْ زائدة دَابَّةٍ تمشي فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ في الهواء بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ في تدبير خلقها ورزقها وأحوالها ما فَرَّطْنا تركنا فِي الْكِتابِ اللوح المحفوظ مِنْ زائدة شَيْءٍ فلم\r______________________________\rللحساب والجزاء، وأما البعث فهو الإحياء بعد الموت فتغايرا.\rقوله: وَقالُوا هذا إنكار منهم لما جاء به من المعجزات الباهرة، حيث جعلوا ما جاء به سحرا وكهانة وطلبوا غيره. قوله: (كالناقة والعصا) أي والنار لإبراهيم، وإلانة الحديد لداود، وغير ذلك من معجزات الأنبياء الظاهرة، فنزلوا معجزاته صلّى اللّه عليه وسلّم منزلة العدم، حتى طلبوا معجزة على صدقه، ولكنهم من عمى قلوبهم، لم يفرقوا بين معجزاته ومعجزات غيره، فإن معجزاته أعلى وأجل، قال العارف البرعي:\rوإن قابلت لفظه لن تراني ... بما كذب الفؤاد فهمت معنى\r\rوقال أيضا:\rوإن يك خاطب الأموات عيسى ... فان الجذع حق له وأنّ\r\rإلى آخر ما قال. قوله: (بالتشديد والتخفيف) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أن نزولها الخ) هذه الجملة في محل نصب مفعول يعلمون. قوله: (بلاء عليهم) أي لعدم إيمانهم وانتفاعهم بها. قوله:\r(لوجوب هلاكهم) أي بحسب جري عادة اللّه، بأن من اقترح آية وجاءته ولم يؤمن بها أهلكه اللّه، فعدم إجابتهم لما اقترحوا رحمة بالأمة المحمدية جميعا لأن اللّه منّ على نبيه ببقائها إلى يوم القيامة، ولو أجاب المتعنتين بعين ما طلبوا، لانقرضت الأمة كما انقرض من تعنت قبلهم.\rقوله: وَما مِنْ دَابَّةٍ كلام مستأنف مسوق لبيان كمال قدرته تعالى وسعة علمه وتدبيره. قوله:\r(تمشي) قدره خاصا لدلالة مقابلة وهو قوله يطير عليه، قال العلماء: جميع ما خلقه اللّه عز وجل لا يخرج عن المشي والطيران، وألحقوا حيوان البحر بالطير لأنه يسبح في الماء، كما أن الطير يسبح في الهواء. قوله:\rفِي الْأَرْضِ خصها بالذكر لأن المشاهد أقطع لحجة الخصم، وإلا فسكان السماء كذلك. قوله:\rبِجَناحَيْهِ صفة كاشفة، نظير قوله: نظرت بعيني وسمعت بأذني.\rقوله: إِلَّا أُمَمٌ أي طوائف وجماعات أمثالكم، أي كل نوع على صفة وطريقة وشكل كما أنكم كذلك، فمن الدواب العزيز والذليل والمرزوق بسهولة وبتعب والقوي والضعيف والكبير والصغير والمتحيل في الرزق وغير المتحيل كبني آدم. قوله: (في تدبير خلقها) أي وتصريفه فيها في كل لحظة، بجلب المنافع لها، ودفع المضار عنها، ولطفه بها، فلا يشغله شأن عن شأن، قال تعالى: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ. قوله: (و أحوالها) أي من إحيائها وإماتتها وإعزازها وإذلالها ونحو ذلك، وكذلك تعرف ربها وتوحده، كما أنتم تعرفونه وتوحدونه، ولم يوجد كافر إلا من الجن والآدميين، وإلا فجميع المخلوقات عقلاء، وغيرهم مجبولون على التوحيد، قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ","part":1,"page":444},{"id":446,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 445\rنكتبه ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) فيقضي بينهم ويقتص للجماء من القرناء ثم يقول لهم كونوا ترابا وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا القرآن صُمٌ عن سماعها سماع قبول وَبُكْمٌ عن النطق بالحق فِي الظُّلُماتِ الكفر مَنْ يَشَأِ اللَّهُ إضلاله يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ هدايته يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ طريق مُسْتَقِيمٍ (39) دين الإسلام قُلْ يا محمد لأهل مكة أَرَأَيْتَكُمْ أخبروني إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ في الدنيا أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ القيامة المشتملة عليه بغتة أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ لا إِنْ\r______________________________\rوإنما كفر من كفر من الجن والإنس عنادا. قوله: (اللوح المحفوظ) أي من الشيطان، ومن التغيير والتبديل، وهو من درة بيضاء فوق السماء السابعة، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، فحيث أريد بالكتاب اللوح المحفوظ، فالعموم ظاهر، فإن فيه تبيان كل شيء ما كان وما يكون وما هو كائن، وقيل المراد بالكتاب القرآن، وعليه فالمراد بقوله: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ أي ويحتاج إليه الخلق في أمورهم.\rقوله: ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ أي يجمعون، وهذا بيان لأحوالهم في الآخرة إثر بيان أحوالهم في الدنيا. قوله: (فيقضي بينهم) أي الأمم عقلاء أو غيرهم. قوله: (للجماء) أي وهي معدومة القرون، وهذا كله لإظهار العدل، فحيث لم يترك غير العقلاء فكيف بالعقلاء، فلا بد من الحشر والحساب والجزاء، إما بالعدل، وإما بالفضل.\rقوله: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي أعرضوا عنها ولم يؤمنوا بها.\rقوله: فِي الظُّلُماتِ هو معنى قوله في الآية الأخرى، عمي فهم صم القلوب عميها بكمها، فلا يتأتى منهم انتفاع ولا اعتبار، ولا يصل إليهم نور أبدا. قوله: (الكفر) أي فهو ظلمات معنوية، فمثل الكافر كمثل رجل أعمى أصم أبكم في ظلمات فلا يهتدي إلى مقصوده، كما أن الكافر كذلك.\rقوله: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ هذا دليل لما قبله، ومفعول يشأ في كل محذوف قدره المفسر بقوله إضلاله وبقوله هدايته، والمعنى أن الاضلال والاهتداء بتقدير اللّه، فمن أراد اللّه هدايته، سهل له أسبابها، وجعله منهمكا في طاعته، وإن وقعت منه معصية وفق للتوبة منها، ومن أراد اللّه إضلاله، حجبه عن نوره، وتعسرت عليه أسباب الطاعة، حتى لو وقعت منه طاعة، تكون معلولة غير مقبولة، وما في هذه الآية هو معنى قوله تعالى في الآية الأخرى فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ الآية.\rقُلْ (يا محمد) أي على سبيل التخويف والتوبيخ على الكفر باللّه. قوله: (أخبروني) هكذا فسرت الرؤية في هذه الآية ونظائرها بالإخبار، والأصل في الرؤية العلم أو الإبصار، فأطلق العلم أو الإبصار، وأريد لازمه وهو الإخبار، لأن الإنسان لا يخبر إلا بما علمه أو أبصره، واستعملت الهمزة التي هي. في الأصل لطلب العلم أو الإبصار في طلب الإخبار ففيه مجازان، ورأى فعل ماض، والتاء فاعل، والكاف مفعول أول على حذف مضاف، والجملة الاستفهامية في محل المفعول الثاني، والتقدير أرأيتم عبادتكم غير اللّه هل تنفعكم، والمعنى أخبروني يا أهل مكة، إن أتاكم عذاب اللّه أو أتتكم الساعة بسرعة، أتدعون إلها غير اللّه يكشف عنكم ما نزل بكم، وجواب الاستفهام لا يدعون غير اللّه، فإذا كان كذلك فهو أحق بأن يفرد بالعبادة.\rقوله: إِنْ أَتاكُمْ جواب الشرط محذوف تقديره فمن تدعون. قوله: (في الدنيا) أي كالصاعقة","part":1,"page":445},{"id":447,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 446\rكُنْتُمْ صادِقِينَ (40) في أن الأصنام تنفعكم فادعوها بَلْ إِيَّاهُ لا غيره تَدْعُونَ في الشدائد فَيَكْشِفُ اللّه ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ أن يكشفه عنكم من الضر ونحوه إِنْ شاءَ كشفه وَتَنْسَوْنَ تتركون ما تُشْرِكُونَ (41) معه من الأصنام فلا تدعونه وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ زائدة قَبْلِكَ رسلا فكذبوهم فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ شدة الفقر وَالضَّرَّاءِ المرض لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) يتذللون فيؤمنون فَلَوْ لا فهلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا عذابنا تَضَرَّعُوا أي لم يفعلوا ذلك مع قيام المقتضي له وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ فلم تلن للإيمان وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (43) من المعاصي فأصروا عليها فَلَمَّا نَسُوا تركوا ما ذُكِّرُوا وعظوا وخوفوا بِهِ من البأساء والضراء فلم يتعظوا فَتَحْنا بالتخفيف والتشديد عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من النعم استدراجا لهم حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا فرح بطر أَخَذْناهُمْ بالعذاب بَغْتَةً\r______________________________\rوالصيحة. قوله: (المشتملة عليه) أي على العذاب، لأن الكافر لا يشاهد من حين موته إلا العذاب الدائم، وأسهله خروج الروح. قوله: (بغتة) أي سرعة.\rقوله: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ الهمزة للاستفهام الإنكاري وغير معمول لتدعون وهو صفة لموصوف محذوف والتقدير أتدعون إلها غير اللّه. قوله: (فادعوها) قدره إشارة إلى أن جواب الشرط محذوف.\rقوله:\rبَلْ إِيَّاهُ اضراب انتقالي عن النفي الذي علم من الاستفهام. قوله: (في الشدائد) أي كالمرض والفقر وغير ذلك.\rقوله: إِنْ شاءَ جوابه محذوف لفهم المعنى ودلالة ما قبله عليه، أي إن شاء أن يكشفه كشفه، وإن لم يشأ كشفه فلا يكشفه، فليست إجابة الدعاء وعدا لا يخلف، وهذا مخصوص بدعاء الكفار، وأما دعاء المؤمنين فهو مجاب بالوعد الذي لا يخلف، لكن على ما يريد اللّه، إما بعين المطلوب أو بغيره، فلا منافاة بين ما هنا وبين قوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. قوله: وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ أي حين نزول الشدائد بهم لا يلتفتون إلى أصنامهم، بل لا يدعون إلا اللّه.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا هذا تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (فكذبوهم) قدره إشارة إلى أن قوله فَأَخَذْناهُمْ مرتب على محذوف. قوله: يَتَضَرَّعُونَ من التضرع وهو التذلل والخضوع. قوله:\r(فهلا) أشار بذلك إلى أن لو لا للتحضيض. قوله: (أي لم يفعلوا ذلك) أي التضرع، وأشار بذلك إلى أن التحضيض بمعنى النفي. قوله: (مع قيام المقتضى له) أي وهو البأساء والضراء.\rقوله: وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ أي لم يقع منهم تضرع ولا خضوع، بل ظهر منهم خلاف ذلك بسبب قسوة قلوبهم. قوله: (فلم تلن للإيمان) أشار إلى أن القسوة نشأ عنها الكفر، كما أن التضرع ينشأ عنه الإيمان.\rقوله: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي الذين كانوا يعملونه أو عملهم. قوله:\r(فأصروا عليها) أي على المعاصي، ولم يتعظوا بما نزل بهم من الباساء والضراء. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: حَتَّى إِذا فَرِحُوا غاية للفتح، والمعنى أن من خالف أمر اللّه وطغى يستدرجه اللّه بالنعم ويمده بالعطايا الدنيوية، فإذا فرح بذلك كان عاقبة أمره أخذه أخذ عزيز","part":1,"page":446},{"id":448,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 447\rفجأة فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) آيسون من كل خير فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي آخرهم بأن استؤصلوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (45) على نصر الرسل وإهلاك الكافرين قُلْ لأهل مكة أَرَأَيْتُمْ أخبروني إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ أصمكم وَأَبْصارَكُمْ أعماكم وَخَتَمَ طبع عَلى قُلُوبِكُمْ فلا تعرفون شيئا مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ بما أخذه منكم بزعمكم انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ نبين الْآياتِ الدلالات على وحدانيتنا ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) يعرضون عنها فلا يؤمنون قُلْ لهم أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً ليلا أو نهارا هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) الكافرون أي ما يهلك إلا هم وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ من آمن\r______________________________\rمقتدر. قوله: فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ إذا فجائية أي فاجأهم الإبلاس بمعنى اليأس من كل خير. قوله:\rفَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الدابر التابع من خلف، يقال دبر الولد، والده، ودبر فلان القوم، تبعهم، فمعنى دابرهم آخرهم، وهو كناية عن الاستئصال، فلذلك قال بأن استؤصلوا، أي فلم يبق منهم أحد.\rقوله: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هذا حمد من اللّه لنفسه على هلاك الكفار ونصر الرسل، وفيه تعليم للمؤمنين أنهم يشكرون اللّه على ذلك، إذ هو نعمة عظيمة.\rقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ هذا تنزل من اللّه سبحانه وتعالى لكفار مكة لإقامة الحجة عليهم قبل أخذهم. قوله: (أخبروني) تقدم أن استعمال رأى في الإخبار مجاز، وأصل استعمالها في العلم أو في الإبصار، وتقدم أنها تطلب مفعولين: الأول محذوف لدلالة مفعولي أخذ وهو سمعكم وأبصاركم عليه، فهو من باب التنازع أعمل الثاني وأضمر في الأول وحذف لأنه فضلة، والمفعول الثاني هو قوله مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ الخ. قوله: سَمْعَكُمْ أفرده وجمع ما بعده، لأن السمع مصدر لا يثنى ولا يجمع كما تقدم في البقرة. قوله: وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ المراد بالقلوب العقول أي أذهب عقولكم وصيركم كالبهائم فلا تعقلون شيئا. قوله: (بما أخذه) أشار بذلك إلى أنه أفرد باعتبار ما ذكر، والمعنى من إله غير اللّه بزعمكم يأتيكم بأي واحد مما أخذ منكم. قوله: (بزعمكم) متعلق بقوله من إله غير اللّه فالمناسب تقديمه.\rقوله: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ هذا تعجيب لرسول اللّه من عدم اعتبارهم بتلك الآيات الباهرة وكيف منصوب على التشبيه بالحال، والمعنى أنظر يا محمد تصريفنا الآيات على أي كيفية. قوله:\rأَرَأَيْتَكُمْ أي أخبروني، والمفعول الأول الكاف على حذف مضاف أي أنفسكم، والمفعول الثاني جملة الاستفهام.\rقوله: عَذابُ اللَّهِ أي كالصيحة والصواعق. قوله: (ليلا أو نهارا) لف ونشر مرتب، وهذا التفسير لابن عباس، وقيل البغتة الذي يأتي من غير سبق علامة، والجهر الذي يأتي مع سبق علامة كان كل بالليل أو النهار. قوله: (الكافرون) أشار بذلك إلى أن المراد هلاك سخط وغضب، فاندفع ما يقال إن المصيبة إذا أتت فلا تخص الكافر بل تعم الطائع، فالجواب أن هلاك الكفار سخط وغضب، وهلاك المؤمن إثابة ورفع درجات، والاستثناء مفرغ، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي كما أشار له المفسر.\rقوله: وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ هذا بيان لوظائف المرسلين، والمعنى أن المرسلين منصبهم البشارة لمن آمن، والنذارة لمن كفر، وليسوا قادرين على إيجاد نفع أو ضر، وإنما جعلهم اللّه سببا لذلك. قوله:","part":1,"page":447},{"id":449,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 448\rبالجنة وَمُنْذِرِينَ من كفر بالنار فَمَنْ آمَنَ بهم وَأَصْلَحَ عمله فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) في الآخرة وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (49) يخرجون عن الطاعة قُلْ لهم لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ التي منها يرزق وَلا أني أَعْلَمُ الْغَيْبَ ما غاب عني ولم يوح إلي وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ من الملائكة إِنْ ما أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى الكافر وَالْبَصِيرُ المؤمن لا أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (50) في ذلك فتؤمنون وَأَنْذِرْ خوف بِهِ أي القرآن الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ أي غيره وَلِيٌ ينصرهم وَلا شَفِيعٌ يشفع لهم وجملة النفي حال من ضمير يحشروا وهي محل الخوف والمراد بهم المؤمنون العاصون لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) اللّه بإقلاعهم عما هم فيه وعمل الطاعات وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ بعبادتهم وَجْهَهُ\r______________________________\r(في الآخرة) احتراز لبيان أن عدم الخوف والحزن هو في الآخرة فقط، وأما الدنيا فهي محل الخوف والحزن لأنها سجن المؤمن.\rقوله: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا مقابل قوله فمن آمن كأنه قال فالذين آمنوا وأصلحوا الخ، وهذا يؤيد أن من موصولة. قوله: بِما كانُوا يَفْسُقُونَ الباء سببية وما مصدرية، أي بسبب فسقهم، والفسق الخروج عن الطاعة كلا أو بعضا، فالكافر فاسق لخروجه عن طاعة اللّه بالكلية.\rقوله: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ هذا مرتب على قوله وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ كأنه قال ليس على الرسول إلا البشارة والنذارة، وليس من وظيفته إجابتهم عما سألوه عنه ولا فعل ما طلبوه منه لأنه ليس عنده خزائن اللّه الخ. قوله: خَزائِنُ اللَّهِ أي لا أدعي أن مقدرات اللّه من أرزاق وغيرها مفوضة إلي حتى تطلبوا مني قلب الجبال ذهبا وغير ذلك. قوله: وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ أي ما غاب عني من أفعال اللّه حق تسألوني عن وقت الساعة أو وقت نزول العذاب.\rقوله: وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ أي حتى تكلفوني بصفات الملائكة، كالصعود للسماء، وعدم المشي في الأسواق، وعدم الأكل والشرب. وهذه الآية نزلت حين قالوا له: إن كنت رسولا فاطلب منه أن يوسع علينا ويغني فقرنا، فأخبر أن ذلك بيد اللّه لا بيده بقوله: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ، وقالوا له أيضا: أخبرنا بمصالحنا ومضارنا في المستقبل حتى نتهيأ لذلك، فنحصل المصالح وندفع المضار، فقال لهم: ولا أعلم الغيب فأخبركم بما تريدون، وقالوا له: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويتزوج النساء، فقال لهم: ولا أقول لكم إني ملك. قوله: أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ الهمزة داخلة على المحذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير ألا تسمعون الحق فلا تتفكرون. قوله:\r(فتؤمنون) معطوف على تتفكرون وليس جوابا للنفي وإلا لنصب.\rقوله: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ محط الأمر قوله لعلهم يتقون، والمعنى أن إنذارك لا ينفع إلا المؤمن العاصي الخائف، وأما الكافر المعاند فلا ينفع فيه إلا الإنذار، فلا ينافي أنه مأمور بإنذار كل مخالف أفاد الإنذار أو لا، وإنما ذلك بيان للذين ينفع فيهم الإنذار. قوله: (و المراد بهم) أي بالذين يخافون.\rقوله: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ أي لا تبعدهم عن مجلسك ولا عن القرب منك. قوله:","part":1,"page":448},{"id":450,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 449\rتعالى لأشياء من أعراض الدنيا وهم الفقراء وكان المشركون طعنوا فيهم وطلبوا أن يطردهم ليجالسوه وأراد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك طمعا في إسلامهم ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ زائدة شَيْءٍ إن كان باطنهم غير مرضي وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ جواب النفي فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) إن فعلت ذلك وَكَذلِكَ فَتَنَّا ابتلينا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ أي الشريف\r______________________________\rيَدْعُونَ أي يعبدون. قوله: بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِ خص هذين الوقتين لأن في الأول صلاة الصبح وفي الثاني صلاة العصر، وقد قيل إن كلا هي الصلاة الوسطى. قوله: (لأشياء) مفعول لمحذوف تقديره لا يريدون شيئا. قوله: (من أعراض الدنيا) يصح ضبطه بالعين المهملة وبالغين المعجمة، والثاني أولى لشموله للأموال وغيرها. قوله: (و هم الفقراء) أي كعمار بن ياسر وبلال وصهيب. قوله: (و كان المشركون طعنوا فيهم) هذا إشارة لسبب نزولها. وحاصلة كما قال الخازن: إنه جاء الأقرع بن حابس التيمي، وعتبة بن حصن الفزاري، وعباس بن مرداس، وهم من المؤلفة قلوبهم، فوجدوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جالسا مع ناس من ضعفاء المؤمنين، كعمار بن ياسر وصهيب وبلال، فلما رأوهم حوله حقروهم وقالوا يا رسول اللّه لو جلست في صدر المسجد وأبعدت عنا هؤلاء ورائحة جبابهم، وكانت عليهم جبب من صوف ولها رائحة كريهة لمداومة لبسها لعدم غيرها، لجالسناك وأخذنا عنك، فقال النبي ما أنا بطارد المؤمنين، قالوا فإنا نحب أن تجعل لنا مجلسا تعرف به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال نعم، قالوا فاكتب لنا عليك بذلك كتابا، فأتى بالصحيفة ودعا عليا ليكتب، فنزل جبريل بقوله: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ الآية، فألقى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الصحيفة ثم دعانا وهو يقول: سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة، فكنا نقعد معه، وإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل اللّه وَاصْبِرْ نَفْسَكَ الآية، فكان يقعد معنا بعد ذلك وندنو منه، حتى كادت ركبنا تمس ركبته، فإذا بلغ الساعة التي يريد أن يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم ا ه.\rقوله: ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ هذا كالتعليل لما قبله، والمعنى لا تؤاخذ بذنوبهم ولا بما في قلوبهم إن أرادوا بصحبتك غير وجه اللّه، وهذا على فرض تسليم ما قاله المشركون، وإلا فقد شهد اللّه أولا لهم بالإخلاص، وما نافية مهملة، وعليك جار ومجرور خبر مقدم، وشيء مبتدأ مؤخر، ومن صلة، ومن حسابهم متعلق بمحذوف حال، وهذا نظير قوله في الآية الأخرى وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى. قوله:\rوَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ يقال في إعرابها ما قيل فيما قبلها، إلا أن قوله من حسابك بيان لقوله من شيء وليس حالا، وفي هاتين الجملتين من أنواع البديع رد الصدر على العجز، كقولهم: عادات السادات سادات العادات والتتميم، وإلا فأصل التعليل قد حصل بالجملة الأولى. قوله: (جواب النفي) أي المرتب على النهي، وقوله: فَتَكُونَ معطوفا على قوله: فَتَطْرُدَهُمْ. قوله: (إن فعلت ذلك) أي طردهم.\rقوله: وَكَذلِكَ الكاف في محل نصب نعت لمصدر محذوف، والتقدير ومثل ذلك الفتون المتقدم","part":1,"page":449},{"id":451,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 450\rبالوضيع والغني بالفقير بأن قدمناه بالسبق إلى الإيمان لِيَقُولُوا أي الشرفاء والأغنياء منكرين أَهؤُلاءِ الفقراء مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا بالهداية أي لو كان ما هم عليه هدى ما سبقونا إليه قال تعالى أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) له فيهديهم بلى وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ لهم سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ قضى رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ أي الشأن وفي قراءة بالفتح بدل من الرحمة مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ منه حيث ارتكبه ثُمَّ تابَ رجع مِنْ بَعْدِهِ بعد عمله عنه وَأَصْلَحَ عمله فَأَنَّهُ أي واللّه غَفُورٌ له رَحِيمٌ (54) به وفي قراءة بالفتح أي فالمغفرة له وَكَذلِكَ كما بينا ما ذكر نُفَصِّلُ نبين الْآياتِ القرآن ليظهر الحق فيعمل به وَلِتَسْتَبِينَ تظهر سَبِيلُ طريق الْمُجْرِمِينَ (55) فتجتنب وفي قراءة بالتحتانية وفي أخرى\r______________________________\rمن أخبار الأمم الماضية فتنا بعض هذه الأمة ببعض. قوله: (و الغني بالفقير) أي ففتنة الغني بالفقير لسبق الفقير إلى الإيمان، وفتنة الفقير بالغني زينة الدنيا يتمتع فيها مع كفره. قوله: (بأن قدمناه بالسبق إلى الإيمان) بيان لفتنة الأغنياء بالفقراء. قوله: لِيَقُولُوا اللام يصح أن تكون لام كي أو لام الصيرورة والعاقبة. قوله: (منكرين) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي على سبيل التهكم. قوله:\r(قال تعالى) أي ردا عليهم. قوله: (بلى) جواب الاستفهام التقريري.\rقوله: وَإِذا جاءَكَ هذا من تتمة ما نزل في الفقراء. قوله: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ وصفهم أولا بالعبادة وثانيا بالإيمان إظهارا لمزاياهم. قوله: فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ الخ، أي اذكر لهم هذه الآية إلى قوله: غَفُورٌ رَحِيمٌ في وقت مجيئهم إليك، وهذا السّلام يحتمل أنه سلام التحية أمر أن يبدأهم به إذا قدموا عليه خصوصية لهم، وإلا فسنة السّلام أن تكون أولا من القادم، وعليه فتكون الجملة إنشائية، ويحتمل أنه سلام اللّه عليهم إكراما لهم أمر بتبليغه لهم، وعليه فتكون الجملة خبرية لفظا ومعنى، وسلام مبتدأ، وعليكم خبره، وسوغ الابتداء بالنكرة كونه دعاء، والدعاء من المسوغات.\rقوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ أي ألزم نفسه تفضلا منه وإحسانا. قوله: (و في قراءة بالفتح) أي وهي سبعية أيضا، والحاصل أن القراءات ثلاث، فتحهما وكسرهما، وفتح الأولى وكسر الثانية، وكلها سبعية فأما الفتح فيهما فالأولى بدل من الرحمة، والثانية في محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، أي فغفرانه ورحمته حاصلان له، وأما الكسر فيهما فالأولى مستأنفة جيء بها كالتفسير لما قبلها، والثانية مستأنفة أيضا بمعنى أنها في صدر جملة وقعت خبرا لمن الموصولة، وأما على فتح الأولى وكسر الثانية، فالأولى بدل، والثانية استئناف، فتأمل فإنه زبدة احتمالات كثيرة. قوله: (بدل من الرحمة) أي بدل شيء من شيء. قوله:\rبِجَهالَةٍ الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل عَمِلَ، والتقدير عمل سوءا حال كونه جاهلا بما يترتب على معاصيه من العقاب غافلا عن جلال اللّه، وفيه إشارة إلى أن المؤمن لا يقع منه الذنب إلا في حال جهله وغفلته، وهذه الآية لا تخص الفقراء الذين كانوا في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم، بل هي عامة لكل من تاب إلى يوم القيامة، ولعموم بشارتها افتتح بها أبو الحسن الشاذلي حزبه.\rقوله: وَلِتَسْتَبِينَ معطوف على محذوف قدره المفسر بقوله ليظهر الحق، فطريق الهدى واضحة،","part":1,"page":450},{"id":452,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 451\rبالفوقانية ونصب سبيل خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ في عبادتها قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً إن اتبعتها وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ بيان مِنْ رَبِّي وَقد كَذَّبْتُمْ بِهِ بربي حيث أشركتم ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ من العذاب إِنِ ما الْحُكْمُ في ذلك وغيره إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُ القضاء الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (57) الحاكمين وفي قراءة يقص أي يقول قُلْ لهم لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ بأن أعجله لكم واستريح ولكنه عند اللّه وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) متى يعاقبهم وَعِنْدَهُ تعالى مَفاتِحُ الْغَيْبِ خزائنه أو الطرق الموصلة إلى\r______________________________\rوطريق الضلال واضحة، لما في الحديث «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها ونهارها كليلها لا يضل عنها إلا هالك». قوله: (و في قراءة بالتحتانية) أي ورفع سبيل، فالقراءات ثلاث وكلها سبعية، ففي الفوقانية الرفع والنصب، وفي التحتانية الرفع لا غير. قوله: (خطاب للنبي) أي والمعنى لتعلم سبيلهم فتعاملهم بما يليق بهم.\rقوله: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ هذا أمر من اللّه لنبيه أن يخاطب الكفار الذين طمعوا في دخول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في دينهم ويرد عليهم بذلك. قوله: نُهِيتُ أي نهاني ربي بواسطة الدليل العقلي والسمعي، لدلالة كل منهما على أن اللّه واحد لا شريك له، متصف بكل كمال مستحيل عليه كل نقص.\rقوله: (تعبدون) هذا أحد إطلاقات الدعاء، وبه فسر في غالب القرآن لأنه يشمل الطلب وغيره. قوله:\rقُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ جمع هوى سمي بذلك لأنه يهوى بصاحبه إلى المهالك، وهذه الجملة تأكيد لما قبلها. قوله: إِذاً حرف جواب وجزاء، ولا عمل لها لعدم وجود فعل تعمل فيه. قوله: (إن اتبعتها) أي الأهواء وهو بيان لمعنى إذا. قوله: وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ تأكيد لما قبلها.\rقوله: قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ هذا زيادة في قطع طمعهم الفاسد، والمعنى لا تطمعوا في دخولي دينكم لأني على بينة من ربي، ومن كان كذلك كيف يخدع ويتبع الضلال، وهذا نظير قوله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ قوله: (بيان) أي دليل واضح. قوله: وَكَذَّبْتُمْ بِهِ أي بوحدانيته، والجملة حالية، ويشير لذلك تقدير المفسر قد.\rقوله: ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ما الأولى نافية والثانية موصولة، وقوله: (من العذاب) بيان لما الثانية. وسبب نزولها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم، وكانوا يستعجلون به استهزاء كما في آية الأنفال وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ الآية. قوله: يَقُصُّ الْحَقَ قدر المفسر القضاء إشارة إلى أنه منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف، ويحتمل أنه ضمنه معنى ينفذ فعداه إلى المفعول به، ويحتمل أنه منصوب بنزع الخافض أي بالحق. قوله: (و في قراءة يقص) من قص الأثر تتبعه، وقص الحديث قاله.\rقوله: لَوْ أَنَّ عِنْدِي أي لو كان الأمر مفوضا إليّ. قوله: ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ أي من العذاب.\rقوله: (بأن أعجله) بيان قوله: لَقُضِيَ الْأَمْرُ والضمير عائد على ما تستعجلون. قوله: (متى يعاقبهم)","part":1,"page":451},{"id":453,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 452\rعلمه لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وهي الخمسة التي في قوله: (إن اللّه عنده علم الساعة) الآية كما رواه البخاري وَيَعْلَمُ ما يحدث فِي الْبَرِّ القفار وَالْبَحْرِ القرى التي على الأنهار وَما تَسْقُطُ\r______________________________\rأشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضافين، والتقدير واللّه أعلم بوقت عقوبة الظالمين، فلا يستعجلوا ذلك، فإنه لا حق بهم إن لم يتوبوا، وإنما تأخيره من حلم اللّه عليهم، فلو لا حلمه ما بقي أحد، قال تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَ فمن القبيح بعض العامة حلم اللّه يفتت الأكباد. إن قلت مقتضى هذه الآية أنه لو كان الأمر مفوضا له في تعذيبهم لعجله واستراح، ومقتضى ما ورد من إتيان ملك الجبال يستشيره في أنه يطبق عليهم الأخشبين أنه لم يرض وقال أرجو أن يخرج من ذريتهم من يؤمن باللّه فحصل التنافي. أجيب: بأن ما في الآية بالنظر لأصل البشرية، لأن البشر يتأثر بالضر والنفع، وما في الحديث إنما هو رحمة من اللّه ألقاها عليه فرحمهم اللّه بها، قال تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ فرجع الأمر للّه فتدبر.\rقوله: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لما بين سبحانه وتعالى أولا أنه منفرد بايجاد كل شيء خيرا كان أو شرا لقوله: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ الآية، بين ثانيا أنه منفرد بعلم الغيب بقوله: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ فهو كالدليل لما قبله كأنه قال العذاب والرحمة بقدرة اللّه، ولا يعلم وقت مجيء ذلك إلا اللّه لأن عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، وعنده خبر مقدم، ومفاتح الغيب مبتدأ مؤخر، وتقديم الظرف يؤذن بالحصر وهو منصب على الجميع، فلا ينافي أن بعض الأنبياء والأولياء يطلعه اللّه على بعض المغيبات الحادثة، قال تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ وأما من قال إن نبينا أو غيره أحاط بالمغيبات علما كما أحاط علم اللّه بها فقد كفر. قوله: (خزائنه) أشار بذلك إلى أن مفاتح جمع مفتح بفتح فكسر كمخزن وزنا ومعنى العلوم المخزونة، وقوله: (أو الطرق) أي فهو جمع مفتح بكسر ففتح بمعنى الطرق التي توصل إلى تلك العلوم المخزونة الغيبية لا يَعْلَمُها أي الخزائن أو الطرق تفصيلا إلا هو، وأما علمنا فيها فهو على سبيل الإجمال، وهو تأكيد لما علم من تقديم الظرف. قوله: (علم الساعة) أي وقت مجيئها وتفصيل ما يحصل فيها. قوله: (الآية) أي وهي: يُنَزِّلُ الْغَيْثَ* أي المطر، أي لا يعلم وقت مجيئه وعدد قطراته ونفع الناس به إلا اللّه، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ، أي من كونه ذكرا أو أنثى شقيا أو سعيدا يعيش أو يموت. وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً أي لا تعلم نفس ما يعرض لها في المستقبل من خير أو شر، وغير ذلك من الأحوال التي تطرأ على الأنفس، قال الشاعر:\rوأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عمى\r(وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ أي بأي محل يكون قبض روحها فيه أو دفنها فيه، إن اللّه عليم خبير ببواطن الأشياء كظواهرها، وهذا التفسير لابن عبّاس، وقال الضحاك ومقاتل: مفاتح الغيب خزائنه الخفية في الأرض، والأقرب والأتم أن المراد بمفاتح الغيب الأمور المغيبة الخفية جميعها كانت الخمسة أو غيرها. قوله: ما (يحدث) فِي الْبَرِّ أي من خير أو شر. قوله: (القرى التي على الأنهار) أي فيعلم رزق أهلها وعددهم وغير ذلك، وقال جمهور المفسرين: المراد البر والبحر المعروفان، لأن جميع الأرض إما بر أو بحر، وفي كل عوالم وعجائب وسعها علمه وقدرته.","part":1,"page":452},{"id":454,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 453\rمِنْ زائدة وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ عطف على ورقة إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (59) هو اللوح المحفوظ والاستثناء بدل اشتمال من الاستثناء قبله وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ يقبض أرواحكم عند النوم وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ كسبتم بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ أي النهار برد أرواحكم لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى هو أجل الحياة ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ بالبعث ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) فيجازيكم به وَهُوَ الْقاهِرُ مستعليا فَوْقَ عِبادِهِ\r______________________________\rقوله: وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ أي من الشجر إلا يعلمها، أي وقت سقوطها والأرض التي تسقط عليها. قوله: وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ أي هي والتي يضعها والزارع للنبات فيعلم موضعها وهل تنبت أو لا، وقيل المراد بالحبة التي في الصخرة التي في الأرض التي قال فيها اللّه يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها اللّه وكل صحيح. قوله: وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ عطف عام، لأن جميع الأشياء إما رطبة أو يابسة. فإن قلت: إن جميع هذه الأشياء داخل تحت قوله وعنده مفاتح الغيب، فلم أفردها بالذكر؟ أجيب: بأنه من التفصيل بعد الإجمال، وقدم ذكر البر والبحر لما فيهما من جنس العجائب ثم الورقة لأنه يراها كل أحد، لكن لا يعلم عددها إلا اللّه، ثم ما هو أضعف من الورقة وهو الحبة، ثم ذكر مثالا يجمع الكل وهو الرطب واليابس. قوله: (عطف على ورقة) أي الثلاثة معطوفة على ورقة، لكن لا يناسب تسليط السقوط عليها فيضمن السقوط بالنسبة للحبة والرطب واليابس معنى الثبوت. قوله: (بدل اشتمال من الاستثناء قبله) أي وهو قوله إلا يعلمها، وذلك لأن دائرة العلم أوسع من دائرة اللوح، فذات اللّه وصفاته أحاط بها العلم لا اللوح، والكائنات وما يتعلق بها أحاط بها اللوح والعلم، وهذا على أن المراد بالكتاب اللوح كما أفاده المفسر، وإن أريد بالكتاب علم اللّه يكون بدل كل من كل لزيادة التأكيد والإيضاح. قوله: (يقبض أرواحكم) ما ذكره المفسر بناء على أن الإنسان له روحان، روح تقبض بالنوم وتبقى روح الحياة فإذا أراد اللّه موته قبضهما جميعا وعليه جملة من المفسرين ويشهد له آية الزمر، قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها الآية، ويقرب هذا أحوال الأولياء لأن لهم حالة تسرح فيها أرواحهم وترى العجائب كالنائم، والمشهور أنها روح واحدة، ويكون معنى يتوفاكم يذهب شعوركم لأنهم عرفوا النوم بأنه فترة طبيعية تهجم على الشخص قهرا عليه، تمنع حواسه الحركة وعقله الإدراك.\rقوله: وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ أي لأنه الخالق للأفعال والحركات والسكنات، فهو المغير للأشياء ولا يتغير، قال العارف:\rولي في خيال الظل أكبر عبرة ... لمن كان في بحر الحقيقة راقي\r\rشخوص وأشكال تمر وتنقضي ... فتفنى جميعا والمحرك باقي\r\rقوله: ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ ثم في كل للترتيب الرتبي، لأن بعد النوم البعث بالإيقاظ إلى انقضاء الأجل ثم بعده البعث بالإحياء من القبور ثم الإخبار بما وقع من العباد. قوله: لِيُقْضى أَجَلٌ الجمهور على بناء يقضى للمجهول، وأجل نائب فاعل والفاعل محذوف إما عائد على اللّه أو على الشخص، ومعنى قضاء الشخص أجله استيفاؤه إياه، وقرىء بالبناء للفاعل، وأجلا مفعوله، والفاعل مستتر عائدة على اللّه.\rقوله: (فيجازيكم به) أي إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.\rقوله: وَهُوَ الْقاهِرُ أي المستعلي الغالب على","part":1,"page":453},{"id":455,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 454\rوَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ملائكة تحصي أعمالكم حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ وفي قراءة توفاه رُسُلُنا الملائكة الموكلون بقبض الأرواح وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (61) يقصرون فيما يؤمرون به\r______________________________\rأمره الحاكم فلا معقب لحكمه، يعطي ويمنع، ويصل ويقطع، ويضر وينفع، فلا راد لما قضى، ولا ملجأ منه إلا إليه، فهو المتصرف في خلقه بجميع أنواع التصرفات، من إيجاد وإعدام، وإعزاز وإذلال، وغير ذلك. قوله: فَوْقَ عِبادِهِ أي فوقية مكانة أي شرف رفعة وعلو قدر تليق به، لا فوقية مكان لاستحالة اتصافه به.\rقوله: وَيُرْسِلُ معطوف على صلة أل كأنه قال وهو الذي يقهر ويرسل، وهذا من جملة قهره سبحانه وتعالى. قوله: (ملائكة تحصي أعمالكم) أي من خير وشر، لما ورد أن كل إنسان له ملكان، ملك عن يمينه، وملك عن شماله، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين حالا، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال أصبر لعله يتوب منها، فإن لم يتب منها كتبها صاحب الشمال، قال العلماء يؤخر ست ساعات فلكية فإن تاب فيها لم تكتب هكذا، قال المفسر: وقيل المراد بالحفظة الملائكة الموكلون بحفظ ذوات العبيد من الحوادث والآفات، وهم عشرة بالليل وعشرة بالنهار، وقيل المراد ما هو أعم وهو الأتم. إن قلت: إن اللّه هو الحافظ فلم وكلت الملائكة بحفظ الشخص أجيب: بأن ذلك تكرمة لبني آدم وإظهارا لفضلهم، والحكمة في كون الملائكة تكتب على الشخص ما صدر منه أنه إذا علم ذلك، ربما كان داعيا للخوف والانزجار عن فعل القبائح والمعاصي.\rقوله: حَتَّى إِذا جاءَ حتى ابتدائية، والمعنى ينتهي حفظ الملائكة للأشخاص عند فراغ الأجل، فالملائكة مأمورون بحفظ ابن آدم حيا، فإذا فرغ أجله فقد انتهى حفظهم له. قوله: الْمَوْتُ أي أسبابه. قوله: (و في قراءة توفاه) أي بالامالة المحضة، وهي ما كانت للكسر أقرب، وهو إما ماض وحذفت التاء لأنه مجازي التأنيث، أو مضارع ويكون فيه حذف إحدى التاءين. قوله: رُسُلُنا أي أعوان ملك الموت الموكلون بقبض الأرواح. إن قلت: قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وقال في الآية الأخرى قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ فكيف الجمع بين هاتين الآيتين وهذه، أجيب:\rبأن اللّه هو المتوفى حقيقة، فإذا حضر أجل العيد، اشتغلت أعوان ملك الموت بانتزاعها من الجسد، فإذا بلغت الحلقوم قبضها ملك الموت بيده، فهو القابض لجميع الأرواح، إن قلت: ورد في بعض الأحاديث وتول قبض أرواحنا عند الأجل بيدك أجيب: بأن معناه شهود الرب واستيلاء محبته على قلبه حتى يغيب عن إحساسه، فلا يشاهد ملك الموت حين قبض الروح، وإن كان هو القابض لها، وذلك في أهل محبة اللّه، ومن يموت شهيد حرب أو غريقا أو حريقا ونحوهم.\rقوله: وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ هذه الجملة حالية من رسلنا، أي والحال أنهم لا يقصرون في ذلك.\rفقد ورد: ما من أهل بيت شعر ولا مدر، إلا وملك الموت يطوف بهم مرتين. وورد: أن الدنيا كلها بين ركبتي ملك الموت، وجميع الخلائق بين عينيه، ويداه يبلغان المشرق والمغرب، وكل من نفد أجله يعرفه بسقوط صحيفته من تحت العرش عليها اسمه، فعند ذلك يبعث أعوانه من الملائكة ويتصرفون بحسب ذلك. وورد: أن ملك الموت يقبض الروح من الجسد ويسلمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمنا، أو إلى ملائكة العذاب إن كان كافرا ويقال معه سبعة من ملائكة الرحمة، وسبعة من ملائكة العذاب، فإذا قبض","part":1,"page":454},{"id":456,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 455\rثُمَّ رُدُّوا أي الخلق إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ مالكهم الْحَقِ الثابت العدل ليجازيهم أَلا لَهُ الْحُكْمُ القضاء النافذ فيهم وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (62) يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك قُلْ يا محمد لأهل مكة مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أهوالهما في أسفاركم حين تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً علانية وَخُفْيَةً سرا تقولون لَئِنْ لام قسم أَنْجانا وفي قراءة أنجانا أي اللّه مِنْ هذِهِ الظلمات والشدائد لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) المؤمنين قُلِ لهم اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ بالتخفيف والتشديد مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ غم سواها ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) به قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ من السماء كالحجارة والصيحة أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ كالخسف أَوْ يَلْبِسَكُمْ يخلطكم شِيَعاً فرقا مختلفة الأهواء وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ بالقتال، قال صلّى اللّه عليه وسلّم لما نزلت هذا أهون وأيسر ولما نزل\r______________________________\rنفسا مؤمنة، دفعها إلى ملائكة الرحمة فيبشرونها بالثواب ويصعدن بها إلى السماء، وإذا قبض نفسا كافرة، دفعها إلى ملائكة العذاب فيبشرونها بالعذاب ويفزعونها، ثم يصعدون بها إلى السماء، ثم ترد إلى سجين، وروح المؤمن إلى عليين.\rقوله: ثُمَّ رُدُّوا معطوف على توفته، وأفرد أولا لأن التوفي يكون لكل شخص على حدة، وجمع ثانيا لأن الرد يكون للجميع. قوله: (مالكهم) دفع بذلك ما يقال إن بين هذه الآية وآية وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ تنافيا فأجاب بأن المراد بالمولى هنا المالك وبه هناك الناصر. قوله: أَلا لَهُ الْحُكْمُ أي لا لغيره. قوله: (لحديث بذلك) وفي رواية أنه تعالى يحاسب الكل في مقدار حلب شاة.\rقوله: قُلْ (يا محمد) أي توبيخا لهم وردعا. قوله: (أهوالهما) أي فالظلمات كناية عن الأهوال والشدائد التي تحصل في البر والبحر، وما مشى عليه المفسر أتم لشمولها للحقيقة وغيرها، وقيل المراد بالظلمات حقيقتها، فظلمات البر هي ما اجتمع من ظلمة الليل وظلمة السحاب، وظلمة البحر ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة الرياح العاصفة والأمواج الهائلة. قوله: وَخُفْيَةً الجمهور على ضم الخاء، وقرأ أبو بكر بكسرها، وقرأ الأعمش خيفة كالأعراف.\rقوله: لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ الجملة في محل نصب مقول القول كما قدره المفسر. قوله:\r(و الشدائد) عطف تفسير. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي وكل منهما مع قراءة أنجيتنا بالتاء، وأما من قرأ أنجانا فيقرأ بالتشديد هنا لا غير، فالقراءات ثلاث وكلها سبعية.\rقوله: قُلْ هُوَ الْقادِرُ هذا بيان لكونه قادرا على الإهلاك إثر بيان أنه المنجي من المهالك. قوله:\r(كالحجارة) أي التي نزلت على أصحاب الفيل، وقوله (و الصيحة) أي صرخة جبريل التي صرخها على ثمود قوم صالح. قوله: (كالخسف) أي الذي وقع لقارون. قوله: شِيَعاً منصوب على الحال جمع شيعة وهي من يتقوى بهم الإنسان ويجمع على أشياع. قوله: (فرقا) جمع فرقة وهي الجماعة. قوله: (لما نزلت) أي آية أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ. قوله: (أهون وأيسر) أي مما قبله وهو","part":1,"page":455},{"id":457,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 456\rما قبله أعوذ بوجهك رواه البخاري. وروى مسلم حديث سألت ربي أن لا يجعل بأس أمتي بينهم فمنعنيها. وفي حديث لما نزلت قال أما انها كائنة ولم يأت تأويلها بعد انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ نبين لهم الْآياتِ الدلالات على قدرتنا لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) يعلمون أن ما هم عليه باطل وَكَذَّبَ بِهِ بالقرآن قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُ الصدق قُلْ لهم لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) فأجازيكم إنما أنا منذر وأمركم إلى اللّه وهذا قبل الأمر بالقتال لِكُلِّ نَبَإٍ خبر مُسْتَقَرٌّ وقت يقع فيه ويستقر ومنه عذابكم وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) تهديد لهم وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ\r______________________________\rرضا بقضاء اللّه، وإلا فقد استعاذ منه أولا فلم يفد. قوله: (و لما نزل ما قبله) أي قوله: عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ الخ. قوله: (أعوذ بوجهك) أي فقال مرتين: مرة عند نزول قوله: عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ، ومرة عند نزول قوله: أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ. قوله: (فمنعنيها) أي منعني هذه المسألة، بمعنى أنه لم يجبني في هذه الدعوة لما سبق في علمه من حصولها، فكان أول ابتداء إذاقة البعض بأس البعض بعد موته صلّى اللّه عليه وسلّم بخمس وعشرين سنة في وقعة علي ومعاوية، وما زالت الفتن تتزايد إلى يوم القيامة. قوله: (لما نزلت) أي هذه الآية. قوله: (قال أما إنها) أما أداة استفتاح، وإنها بكسر الهمزة، والضمير عائد على الأمور الأربعة:\rعذابا من فوقكم، وعذابا من تحت أرجلكم، وتفريقكم شيعا، ونصب القتال بينكم، فهذه الأربعة كائنة قبل يوم القيامة، لكن الأخيران قد وقعا من منذ عصر الصحابة، والأولان تفضل اللّه بتأخير وقوعهما إلى قرب قيام الساعة، هكذا ورد، ولكن قال العلماء وإن كان الأخيران يقعان قرب قيام الساعة، لكن العذاب بهما ليس عاما كما وقع في الأمم الماضية. قوله: (و لم يأت تأويلها) الضمير يعود على الآية أو الأمور الأربعة، أي صرفها عن ظاهرها، بل هي باقية على ظاهرها، لكن بالوجه الذي علمته.\rقوله: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ أي أنكره حيث قالوا: إنه سحر أو شر أو كهانة أو غير ذلك، وما ذكره المفسر من أن الضمير عائد على القرآن هو أحد أقوال وهو أقربها، وقيل الضمير عائد على العذاب، وقيل على الحق، وقيل على النبي وهو بعيد. قوله: (الصدق) أي لأنه منزل من عند اللّه وما كان من عند اللّه فهو صدق لا محالة. قوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) أشار بذلك إلى أنه منسوخ بآيات القتال، ولكن المناسب للمفسر أن يقول فأقاتلكم بدل قوله فأجازيكم. والحاصل أن في الآية تفسيرين الأول أن الآية محكمة، والمعنى لست مجازيا على أعمالكم في الآخرة، والثانية أنها منسوخة، والمعنى لست مقاتلا لكم إن حصلت منكم المخالفة، إذا علمت ذلك فالمفسر لفق بين التفسيرين.\rقوله: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ نزلت ردا لاستعجالهم العذاب الذي كان يعدهم به، والمعنى لكل خبر من الأخبار رحمة وعذابا، زمن يقع فيه إما الدنيا أو الآخرة أو فيهما لا يعلمه إلا اللّه: قوله: (وقت يقع فيه) أشار بذلك إلى أن مستقر اسم زمان، ويصح أن يكون مصدرا أو اسم مكان.\rقوله: وَإِذا رَأَيْتَ رأى بصرية والذين مفعولها، ويبعد كونها علمية، لأنه يقتضي أن المفعول الثاني محذوف، وحذفه إما شاذ أو ممنوع. قوله: يَخُوضُونَ الخوض في الأصل الدخول في الماء فيستعار للشروع والدخول في الكلام، فشبه آيات اللّه بالبحر، وطوى ذكر المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو الخوض، فإثباته تخييل، والجامع بينهما التعرض للهلاك في كل، فإن الخائض للبحر الغريق متعرض للهلاك، فكذلك المتعرض","part":1,"page":456},{"id":458,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 457\rفِي آياتِنا القرآن بالاستهزاء فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ولا تجالسهم حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا فيه إدغام نون إن الشرطية في ما المزيدة يُنْسِيَنَّكَ بسكون النون والتخفيف وفتحها والتشديد الشَّيْطانُ فقعدت معهم فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى أي تذكره مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) فيه وضع الظاهر موضع المضمر وقال المسلمون إن قمنا كلما خاضوا لم نستطع أن نجلس في المسجد وأن نطوف فنزل وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللّه مِنْ حِسابِهِمْ أي الخائضين مِنْ زائدة شَيْءٍ إذا جالسوهم وَلكِنْ عليهم ذِكْرى تذكرة لهم وموعظة لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) الخوض وَذَرِ اترك الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ الذي كلفوه لَعِباً وَلَهْواً باستهزائهم به وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فلا تتعرض لهم وهذا قبل الأمر بالقتال وَذَكِّرْ عظ بِهِ بالقرآن الناس ل أَنْ لا تُبْسَلَ نَفْسٌ تسلم إلى الهلاك بِما كَسَبَتْ عملت لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وَلِيٌ ناصر وَلا شَفِيعٌ يمنع عنها العذاب وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ تفد كل\r______________________________\rللأباطيل في كلام اللّه.\rقوله: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ الخطاب له ولأصحابه، فالنهي عام وهو منسوخ بآية القتال. قوله: فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ الضمير عائد على الآيات وذكر باعتبار كونها حديثا. قوله: وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الخطاب له والمراد غيره، لأن إنساء الشيطان له مستحيل عليه. قوله: (بسكون النون والتخفيف) أي للسين من أنساه أوقعه في النسيان، وقوله (و فتحها) أي النون وقوله (و التشديد) أي للسين من نساه فيتعدى بالهمزة والتضعيف، وهما قراءتان سبعيتان، ومفعول ينسينك محذوف تقديره النهي أو ما أمرك اللّه به. قوله: (فيه وضع الظاهر الخ) أي زيادة في التشنيع عليهم، وأتى في جانب الرؤية بإذا المفيدة للتحقيق، وفي جانب الانساء بإن المفيدة إشارة إلى أن خوضهم في الآيات محقق، وإنساء الشيطان غير محقق، بل قد يقع وقد لا يقع. قوله: (و قال المسلمون) بيان لسبب نزول الآية.\rقوله: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ الجار والمجرور خبر مقدم؛ ومِنْ شَيْءٍ مبتدأ مؤخر. قوله:\r(إذا جالسوهم) أي فالجلوس مع الخائضين غير ممنوع لكن بشرط عدم مسايرتهم لما هم عليه وبشرط وعظهم ونهيهم عن المنكر، فهو تخصيص للنهي المتقدم. قوله: وَلكِنْ (عليهم) ذِكْرى أشار بذلك إلى أن ذكرى مبتدأ خبره محذوف، ويصح أن يكون مفعولا لمحذوف تقديره ولكن يذكرونهم ذكرى. قوله (الذي كلفوه) أي وهو دين الإسلام، ودفع بذلك ما يقال المشركون لا دين لهم من الأديان المشروعة، فكيف أضيف إليهم دين، وأخبر عنه أنهم اتخذوه لعبا ولهوا. قوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) أي فهو منسوخ بآياته، ويدخل في عموم هذه الآية، من اتخذ دين الإسلام لهوا ولعبا، وأحدث فيه ما ليس منه، كالخوارج وبعض من يدعي الانتساب إلى الصالحين، حيث جعلوا الطريقة الموصلة إلى اللّه طبلا وزمرا، وأحدثوا أمورا لا تحل في دين اللّه.\rقوله: أَنْ تُبْسَلَ علة لقوله: وَذَكِّرْ بِهِ على حذف لام العلة قدرها المفسر ولا مقدرة، والابسال هو تسليم النفس في الحرب للقتال، والباسل الشجاع الذي يلقي بنفسه للهلاك. قوله: لَيْسَ لَها إما استئناف أو حال من نفس أو صفة لها. قوله: وَلِيٌ اسم ليس، ولَها خبر مقدم ومِنْ دُونِ اللَّهِ حال من ولي. قوله: (تفد كل فداء) أي تفتد بكل فداء","part":1,"page":457},{"id":459,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 458\rفداء لا يُؤْخَذْ مِنْها ما تفدى به أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ ماء بالغ نهاية الحرارة وَعَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (70) بكفرهم قُلْ أَنَدْعُوا أنعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا بعبادته وَلا يَضُرُّنا بتركها وهو الأصنام وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا نرجع مشركين بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ إلى الإسلام كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ أضلته الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ متحيرا لا يدري أين يذهب حال من الهاء لَهُ أَصْحابٌ رفقة يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى أي ليهدوه إلى الطريق يقولون له ائْتِنا فلا يجيبهم فيهلك والاستفهام للإنكار وجملة التشبيه حال من ضمير نرد قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ الذي هو الإسلام هُوَ الْهُدى وما عداه ضلال وَأُمِرْنا\r______________________________\rقوله: (ما تفدى به) أشار بذلك إلى أن الضمير في لا يؤخذ عائد على الفداء بمعنى المفدى به، فهو مصدر أريد به اسم المفعول.\rقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ اسم الإشارة مبتدأ خبره الاسم الموصول، ولَهُمْ شَرابٌ مبتدأ وخبر والجملة إما خبر ثان أو حال من الضمير في أبسلوا، أو مستأنف بيان للإبسال. قوله: (ماء بالغ نهاية الحرارة) أي يقطع الأمعاء كما قال في الآية الأخرى وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ. قوله: (بكفرهم) أشار بذلك إلى أن ما مصدرية، والفعل في تأويل مصدر مجرور بالباء.\rقوله: قُلْ أَنَدْعُوا قيل سبب نزولها أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قبل إسلامه دعا والده إلى عبادة الأصنام، فنزلت الآية أمرا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يرد على عبد الرحمن ومن يقوله بقوله، وفيه اعتناء بشأن الصديق وإظهار لفضله، حيث وجه الأمر إلى رسول اللّه، وفي الواقع الأمر لأبي بكر، والمعنى لا يليق منا عبادة من لا ينفعنا إذا عبدناه، ولا يضرنا إذا تركناه. قوله: وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا معطوف على أندعوا، فهو داخل في حيز الاستفهام. قوله: بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ أي بعد وقت هداية اللّه لنا.\rقوله: كَالَّذِي صفة لموصوف محذوف، أي نرد ردا مثل الذي استهوته، والاستهواء من الهوى وهو السقوط من علو إلى سفل، سمى الاضلال بذلك، لأن من سقط من علو إلى سفل ولم يجد محلا يستند عليه هلك، فكذلك من ترك الدين القويم ولم يتبعه هلك ولا يجد ناصرا وقد صرح بالمراد من هذا التشبيه في قوله تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ والحاصل أن المشرك باللّه مع وجود من يدله على التوحيد، مثله مثل من اختطفته الشياطين وسارت به في المفاوز والمهالك، مع سماعه مناداة من يأخذ بيده ويخلصه منهم وهو مفرط وراض لنفسه بذلك، والمراد بالشياطين ما يشمل شياطين الإنس. قوله: فِي الْأَرْضِ متعلق باستهوته. قوله: (حال من الهاء) أي في استهوته.\rقوله لَهُ أَصْحابٌ جملة في محل نصب صفة لحيران قوله: (و الاستفهام الخ) أي وهو قوله أندعوا، والمعنى لا ينبغي غير اللّه بعد هدايته لنا، لأن من عبد غير اللّه بعد إيمانه باللّه، كان كمثل من أخذته الشياطين فصار حيران لا يدري أين يتوجه، مع كون أصحابه يدعونه إلى الطريق المستقيم فلا يجيبهم. قوله: هُوَ الْهُدى أي التوفيق والاستقامة والجملة المعرفة الطرفين تفيد الحصر، فهو بمعنى إن","part":1,"page":458},{"id":460,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 459\rلِنُسْلِمَ أي بأن نسلم لِرَبِّ الْعالَمِينَ (71) وَأَنْ أي بأن أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ تعالى وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) تجمعون يوم القيامة للحساب وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ أي محقا وَاذكر يَوْمَ يَقُولُ للشيء كُنْ فَيَكُونُ هو يوم القيامة يقول للخلق قوموا فيقوموا قَوْلُهُ الْحَقُ الصدق الواقع لا محالة وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ القرن النفخة الثانية من إسرافيل لا ملك فيه لغيره لمن الملك اليوم للّه عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ما غاب وما شوهد وَهُوَ الْحَكِيمُ في خلقه الْخَبِيرُ (73) بباطن الأشياء كظاهرها وَاذكر إِذْ\r______________________________\rالدين عند اللّه الإسلام.\rقوله: وَأُمِرْنا أي أمرنا اللّه بأن نسلم بمعنى نوحد ونتقاد لرب العالمين.\rقوله: وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ قدر المفسر الباء إشارة إلى أنه معطوف على أن نسلم، فهو داخل تحت الأمر أيضا، وفيه التفات من التكلم للخطاب، وعطف التقوى عليه من عطف العام، وخص الصلاة بعد الإسلام لأنها أعظم أركانه. قوله: وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ هذا دليل للأمر المتقدم وموجب لامتثاله، والمعنى امتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه، لأنكم تجمعون إليه ويحاسبكم. قوله: (أي محقا) أشار بذلك إلى أن الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال، أي حال كونه محقا أي موصفوفا بالحقية وهو وجوب الوجود الذي لا يقبل الزوال، ويحتمل أن يكون المعنى محقا لا هازلا ولا عابثا، بل خلقهما لحكم ومصالح لعباده، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ.\rقوله: يَوْمَ يَقُولُ معمول محذوف قدره المفسر بقوله اذكر والواو للاستئناف. قوله: يَقُولُ كُنْ هذا كناية عن سرعة الإيجاد، وهو تقريب للعقول، وإلا فلا كاف ولا نون، قال تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ. قوله: فَيَكُونُ كل من كن ويكون تام يكتفي بالمرفوع، و(هو) ضمير يعود على جميع ما يخلقه اللّه. قوله: (يقول للخلق) أي جميعهم من مبدأ الدنيا إلى منتهاها، من العالم العلوي والسفلى. قوله: الْحَقُ يصح أن يكون مبتدأ وخبرا أو مبتدأ، والحق نعته خبره قوله يوم يقول. قوله: (لا محالة) أي لا بد من وقوعه وهو بفتح الميم مصدر ميمي، وأما بضم الميم فمعناه الباطل، وليس مرادا هنا. قوله: يَوْمَ يُنْفَخُ إما ظرف لقوله: وَلَهُ الْمُلْكُ وخص بذلك وإن كان الملك للّه مطلقا، لأنه في ذلك الوقت لا يملك أحد شيئا مما كان يملكه في الدنيا، قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أو خبر عن الملك والتقدير ينفخ في الصورة له أو بدل من يوم يقول.\rقوله: فِي الصُّورِ هو نائب الفاعل. قوله: (القرن) أي المستطيل، قال مجاهد: الصور قرن كهيئة البوق، وفيه جميع الأرواح وفيه ثقب بعددها، فإذا نفخ خرجت كل روح من ثقبة ووصلت لجسدها فتحله الحياة، فالإحياء يحصل بإيجاد اللّه عند النفخ لا بالنفخ، فهو سبب عادي. قوله: (النفخة الثانية) أي وأما الأولى فعندها يموت كل ذي روح. قال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ. قوله: (و ما غاب وما شوهد) أي بالنسبة، وإلا فالكل عند اللّه شهادة ولا يغيب عليه شيء، بل ما في تخوم الأرضين والسماوات بالنسبة له كما على ظهرها سواء بسواء. قوله: وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ كالدليل لما قبله.","part":1,"page":459},{"id":461,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 460\rقالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ هو لقبه واسمه تارخ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً تعبدها استفهام توبيخ إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ باتخاذها فِي ضَلالٍ عن الحق مُبِينٍ (74) بين وَكَذلِكَ كما أريناه إضلال أبيه وقومه نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ ملك السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ليستدل به على وحدانيتنا وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) بها وجملة وكذلك وما بعدها اعتراض وعطف على قال فَلَمَّا جَنَ\r______________________________\rقوله: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ الظرف معمول لمحذوف قدره المفسر بقوله اذكر، والجملة معطوفة على جملة قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ، والمعنى قل يا محمد لكفار مكة أندعوا من دون اللّه ما ينفعنا ولا يضرنا، واحتج عليهم بما وقع لإبراهيم مع قومه حيث شنع على عبادة الأصنام. قوله: (و اسمه تاريخ) يقرأ بالخاء المعجمة والحاء المهملة، وقيل إن آزر اسمه تارخ لقبه، وهو جمع بين قولين، وتارخ بدل أو عطف بيان، وآزر من الأزر وهو العيب، لأنه قام به العيب حيث عبد الأصنام أو العوج، ولا شك أنه قام به الأمران العيب والعوج. قوله: أَصْناماً المراد بها ما صور على هيئة الإنسان وعبد من دون اللّه، كانت من خشب أو حجر أو ذهب أو فضة أو غير ذلك، وأصناما مفعول أول لتتخذ، وآلهة مفعول ثان. قوله:\r(تعبدها) أي أنت وقومك الذين هم الكنعانيون. قوله: (استفهام توبيخ) أي على سبيل الإنكار. قوله:\rإِنِّي أَراكَ أي أعلمك، فالكاف مفعول أول، وفي ضلال مبين مفعول ثان، ومقتضى هذه الآية وآية مريم، أن آزر أبا إبراهيم كان كافرا، وهو يشكل على ما قاله المحققون أن نسب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم محفوظا من الشرك، فلم يسجد أحد من آبائه من عبد اللّه إلى آدم لصنم قط، وبذلك قال المفسر في قوله تعالى:\rوَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ وقال البوصيري في الهمزية:\rوبدا للوجوه منك كريم ... من كريم آباؤه كرماء\r\rوأجيب عن ذلك بأن حفظهم من الإشراك ما دام النور المحمدي في ظهرهم، فإذا انتقل جاز أن يكفروا بعد ذلك، كذا قال المفسرون هنا، وهذا على تسليم أن آزر أبوه، وأجاب بعضهم أيضا بمنع أن آزر أبوه بل كان عمه وكان كافرا وتارخ أبوه مات في الفترة ولم يثبت سجوده لصنم، وإنما سماه أبا على عادة العرب من تسمية العم أبا، وفي التوراة اسم أبي إبراهيم تارخ. قوله: (بين) أي ظاهر لا شك فيه. قوله:\r(كما أريناه إضلال أبيه قومه) أي بسبب تعليمه التوحيد وكونه مجبولا عليه، لما ورد أنه حين نزل من بطن أمه قام على قدميه وقال: لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت، الحمد للّه الذي هدانا لهذا. قوله: (ملك) أشار بذلك إلى أن المراد بالملكوت الملك، والتاء فيه للمبالغة كالرغبوت والرهبوت والرحموت، من الرغبة والرهبة والرحمة، وعلى هذا فالملكوت والملك واحد، وللصوفية فرق بين الملك والملكوت، فالملك ما ظهر لنا، والملكوت ما خفي عنا كالسماوات وما فيها إذ علمت ذلك، فالأولى إبقاؤه على ظاهره لما ورد أنه أقيم على صخرة وكشف له من السماوات حتى العرش والكرسي وما في السموات من العجائب، وحتى رأى مكانه في الجنة، فذلك قوله تعالى: وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وكشف له عن الأرض حتى نظر إلى أسفل الأرضين ورأى ما فيها من العجائب، وهذا يفيد أن الرؤية بصرية لا علمية. قوله: (ليستدل به على وحدانيتنا) أي ليعلم قومه كيفية الاستدلال على ذلك لا لتوحيد نفسه، فإن توحيده بالمشاهدة لا بالدليل.\rقوله: وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ معطوف على محذوف قدره المفسر بقوله ليستدل الخ. قوله: (اعتراض) أي بين قوله وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ وبين الاستدلال عليهم.","part":1,"page":460},{"id":462,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 461\rأظلم عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قيل هو الزهرة قالَ لقومه وكانوا نجامين هذا رَبِّي في زعمكم فَلَمَّا أَفَلَ غاب قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) أن أتخذهم أربابا لأن الرب لا يجوز عليه التغيير والانتقال لأنهما من شأن الحوادث فلم ينجع فيهم ذلك فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً طالعا قالَ لهم هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي يثبتني على الهدى لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) تعريض لقومه بأنهم على ضلال فلم ينجع فيهم ذلك فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً\r______________________________\rقوله: فَلَمَّا جَنَ من الجنة وهي الستر، وحاصل ذلك أن نمروذ بن كنعان كان يدعو الناس إلى عبادته، وكان له كهان ومنجمون، فقالوا له إنه يولد في بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض، ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه، فأمر بذبح كل غلام يولد في تلك السنة، وأمر بعزل النساء عن الرجال، وجعل على كل عشرة رجلا يحفظهم، فإذا حاضت المرأة خلوا بينها وبين زوجها، لأنهم كانوا لا يجامعون في الحيض فإذا طهرت من الحيض حالوا بينهما، فخرج نمروذ بالرجال في البرية وعزلهم عن النساء تخوفا من ذلك المولود، فمكث بذلك ما شاء اللّه، ثم بدت له حاجة إلى المدينة فلم يأمن عليها أحدا من قومه إلا آزر، فبعث إليه فأحضره عنده وقال له: إن لي إليك حاجة أحب أوصيك بها، ولم أبعثك فيها إلا لثقتي بك، فأقسمت عليك أن لا تدنو من أهلك، فقال آزر أنا أشح على ديني من ذلك، فأوصاه بحاجته فدخل المدينة وقضى حاجة الملك، ثم دخل على أهله فلم يتمالك نفسه حتى واقع زوجته فحملت من ساعتها بإبراهيم، فلما دنت ولادتها خرجت هاربة مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها، فلما وضعته جعلته في نهر يابس، ثم لفته في خرقة وتركته، قيل أخبرت أباه به، وقيل لا، وكانت تختلف إليه لتنظر ما فعل، فتجده حيا وهو يمص من أصبع ماء، ومن أصبع لبنا، ومن أصبع سمنا، ومن أصبع عسلا، ومن أصبع تمرا، وكان إبراهيم يشب في اليوم كالشهر، وفي الشهر كالسنة، فمكث خمسة عشر شهرا، قالوا فلما شب إبراهيم وهو في السرب قال لأمه من ربي قالت أنا، قال فمن ربك قالت أبوك، قال فمن رب أبي قالت اسكت، ثم رجعت إلى زوجها فقالت أرأيت الغلام الذي كنا نحدث أنه يغير دين أهل الأرض، ثم أخبرته بما قال، فأتاه أبوه آزر فقال إبراهيم: يا أبتاه من ربي قال أمك، قال فمن رب أمي قال أنا، قال فمن ربك قال نمروذ قال فمن رب نمروذ فلطمه لطمة وقال له اسكت. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً الآية، واختلف في وقت هذا القول، هل كان قبل البلوغ والرسالة أو بعدهما، والصحيح أنه بعد البلوغ وإيتاء الرسالة، وما وقع من إبراهيم إنما هو مجاراة لقومه واستدراج لهم، لأجل أن يعرفهم جهلهم وخطأهم في عبادة غير اللّه، وليس إثباته الربوبية لهذه الأجرام على حقيقة حاشاه من ذلك، لأن الأنبياء معصومون من الجهل قبل النبوة وبعدها، لأن توحيدهم بالشهود على طبق ما جبلت عليه أرواحهم من يوم ألست بربك. قوله: (قيل هو الزهرة) خصها لأنها أضوأ الكواكب وهي في السماء الثالثة. قوله:\r(و كانوا نجامين) أي عالمين بالنجوم أو عابدين لها. قوله: (في زعمكم) أي فالجملة خبرية على حسب زعمهم، لا على حسب الواقع واعتقاد إبراهيم. قوله: (غاب) يقال أفل الشيء أفولا. قوله: (التغير والانتقال) أي لأن الأفول حركة، الحركة تقتضي حدوث المتحرك وإمكانه، فيمتنع أن يكون إلها. قوله:\r(فلم ينجع) أي لم يؤثر ويفد، وهو من باب خضع، يقال نجع نجوعا ظهر أثره.\rقوله: بازِغاً حال","part":1,"page":461},{"id":463,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 462\rقالَ هذا ذكره لتذكير خبره رَبِّي هذا أَكْبَرُ من الكوكب والقمر فَلَمَّا أَفَلَتْ وقويت عليهم الحجة ولم يرجعوا قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) باللّه من الأصنام والأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث فقالوا له ما تعبد قال إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ قصدت بعبادتي لِلَّذِي فَطَرَ خلق السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أي اللّه حَنِيفاً مائلا إلى الدين القيم وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) به وَحاجَّهُ قَوْمُهُ جادلوه في دينه وهددوه بالأصنام أن تصيبه بسوء إن تركها قالَ أَتُحاجُّونِّي بتشديد النون وتخفيفها بحذف إحدى النونين وهي نون الرفع عند النحاة ونون الوقاية عند القراء\r______________________________\rمن القمر والبزغ الطلوع.\rقوله: قالَ هذا رَبِّي أي بزعمكم كما تقدم. قوله: (يثبتني على الهدى) إنما قال ذلك لأن أصل الهدى حاصل للأنبياء بحسب الفطرة والخلقة فلا يتصور نفيه. قوله: (تعريض لقومه) إنما عرض بضلالهم في أمر القمر، لأنه أيس منهم في أمر الكوكب، ولو قاله في الأول لما أنصفوه، ولهذا صرح في الثالثة بالبراءة منهم وأنهم على شرك، أي فالتعريض هنا لاستدراج الخصم إلى الإذعان والتسليم، قوله:\r(فلم ينجع فيهم ذلك) أي الدليل المذكور. قوله: (لتذكير خبره) أي وهو ربي وهذا كالمتعين، لأن المبتدأ والخبر عبارة عن شيء واحد، والرب سبحانه وتعالى مصان عن شبهة التأنيث، ألا تراهم قالوا في صفته علام ولم يقولوا علامة، وإن كان علامة أبلغ تباعدا عن علامة التأنيث.\rقوله: هذا أَكْبَرُ أي جرما وضوءا، وسعة جرم الشمس مائة وعشرون سنة كما قاله الغزالي وفي رواية أنها قدر الأرض مائة وستين مرة، والقمر قدرها مائة وعشرين مرة. قوله: مِمَّا تُشْرِكُونَ ما مصدرية، أي بريء من إشراككم، أو موصولة أي من الذي تشركونه مع اللّه فحذف العائد. قوله:\r(و الأجرام) عطف عام لأنها تشمل الأصنام والنجوم. قوله: (قصدت بعبادتي) أي فليس المراد بالوجه الجسم المعروف، بل المراد به القلب، وإنما عبر المفسر بالقصد، لأن القصد والنية محلهما القلب، وإنما انتفى الوجه الحسي لاستحالة الجهة على اللّه.\rقوله: (خلق) السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أي وما فيهما، ومن جملته معبوداتكم العلوية والسفلية، لقد أبطل السفلية بقوله إني. أراك وقومك في ضلال مبين، والعلوية بقوله لما جن عليه الليل الخ. قوله: حَنِيفاً حال من التاء في وجهت.\rقوله: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ روي أنه لما شب إبراهيم وكبر، جعل آزر يصنع الأصنام ويعطيها له ليبيعها، فيذهب بها وينادي يا من يشتري ما يضره ولا ينفعه، فلا يشتريها أحد، فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر وضرب فيه رؤوسها وقال لها اشربي استهزاء بقومه، حتى إذا فشا فيهم استهزاؤه جادلوه، وذلك قوله تعالى: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ الخ. قوله: (و هددوه) عطف تفسير على (جادلوه) أي فمحاجتهم كانت بالتهديد لا بالبرهان لعدمه عندهم ومحاجة إبراهيم كانت بالبرهان ففرق بين المقامين. قوله: (أن تصيبه بسوء) أي كخبل وجنون.\rقوله: قالَ أَتُحاجُّونِّي الخ، استئناف وقع جوابا لسؤال نشأ من حكاية محاجتهم، كأنه قيل فماذا قال حين حاجوه. قوله: (بتشديد النون) أي لإدغام نون الرفع في نون الوقاية. وقوله: (تخفيفها) أي تخلصا من اجتماع مشددين في كلمة واحدة وهما الجيم والنون. قوله: (عند النحاة) أي كسيبويه وغيره من","part":1,"page":462},{"id":464,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 463\rأتجادلونني فِي وحدانية اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ تعالى اليها وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ ه بِهِ من الأصنام أن تصيبني بسوء لعدم قدرتها على شيء إِلَّا لكن أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً من المكروه يصيبني فيكون وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أي وسع علمه كل شيء أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (80) هذا فتؤمنون وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ باللّه وهي لا تضر ولا تنفع وَلا تَخافُونَ أنتم من اللّه أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ في العبادة ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ بعبادته عَلَيْكُمْ سُلْطاناً حجة وبرهانا وهو القادر على كل شيء فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ أنحن أم أنتم إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) من الأحق به أي وهو نحن فاتبعوه قال تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا يخلطوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أي شرك كما فسر بذلك في حديث الصحيحين أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ من العذاب وَهُمْ\r______________________________\rالبصريين، مستدلين بأنها نائبة عن الضمة، وهي قد تحذف كما في قراءة أبي عمرو ينصركم ويأمركم بالإسكان، فكذا ما ناب عنها. قوله: (عند القراء) أي مستدلين بأن الثقل إنما حصل بها. قوله: وَقَدْ هَدانِ يرسم بلاياء لأنها من ياءات الزوائد، وفي النطق يجب حذفها في الوقف، ويجوز إثباتها وحذفها في الوصل، وجملة وقد هدان في محل نصب على الحال من الياء في أتحاجوني، والمعنى أتحاجوني في اللّه حال كوني مهديا من عنده، وحجتكم لا تجدي شيئا لأنها داحضة.\rقوله: ما تُشْرِكُونَ بِهِ أشار إلى أن ما موصولة، فالهاء في به تعود على ما، والمعنى ولا أخاف الذي تشركون اللّه به أو تعود على اللّه، والمحذوف هو العائد على ما. قوله: (لكن) أشار بذلك إلى أن الاستثناء منقطع، لأن المشيئة ليست مما يشركون به. قوله: (يصيبني) صفة ليشاء وهو إشارة إلى تقدير مضاف، أي إلا أن يشاء ربي إصابة شيء لي، وقوله: (فيكون) بالنصب عطف على مدخول أن أو بالرفع استئناف، أي فهو يكون محول عن الفاعل كما يفيده المفسر نحو اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً والجملة كالتعليل.\rقوله: عِلْماً تمييز محول عن الفاعل كما يفيده المفسر نحو اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً كالتعليل للاستثناء قوله: أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ الهمزة داخلة على محذوف والفاء عاطفة عليه، أي أتعرضون عن التأمل في أن آلهتكم جمادات لا تضر ولا تنفع فلا تتذكرون بطلانها.\rقوله: وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ استئناف مسوق لنفي الخوف عنه بالطريق الإلزامي بعد نفيه بحسب الواقع في سابقا وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ والاستفهام للتعجب. قوله: ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ مفعول لأشركتم. قوله: فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أي من الموحد والمشرك. قوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إن شرطية وجوابها محذوف، قدره المفسر بقوله فاتبعوه.\rقوله: الَّذِينَ آمَنُوا الخ، يحتمل أن يكون من كلام إبراهيم، أو من كلام قومه، أو من كلام اللّه تعالى، أقوال للعلماء، فإن قلنا إنها من كلام إبراهيم، كان جوابا عن السؤال في قوله فأي الفريقين الخ وكذا قلنا إنها من كلام قومه، ويكونون أجابوا بما هو حجة عليهم، وعلى هذين الاحتمالين فهو خبر لمحذوف، وإن كان من كلام اللّه تعالى لمجرد الإخبار، كان الموصول مبتدأ، وأولئك مبتدأ ثان، والأمن مبتدأ ثالث، ولهم خبره، والجملة خبر أولئك، وأولئك وخبره خبر الأول. قوله: (في حديث الصحيحين) أي ففيهما عن ابن مسعود قال: لما نزلت الذين آمَنُوا الخ، شق ذلك على المسلمين وقالوا أينا لم يظلم","part":1,"page":463},{"id":465,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 464\rمُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ مبتدأ ويبدل منه حُجَّتُنا التي احتج بها إبراهيم على وحدانية اللّه من أفول الكواكب وما بعده والخبر آتَيْناها إِبْراهِيمَ أرشدناه لها حجة عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ بالإضافة والتنوين في العلم والحكمة إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ في صنعه عَلِيمٌ (83) بخلقه وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ابنه كُلًّا منهما هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ أي قبل\r______________________________\rنفسه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليس ذلك إنما هو للشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وهذا ما ذهب إليه أهل السنة، وذهب المعتزلة إلى أن المراد بالظلم في الآية المعصية لا الشرك، بناء على أن خلط أحد الشيئين بالآخر يقتضي اجتماعهما، ولا يتصور خلط الإيمان بالشرك، لأنهما ضدان لا يجتمعان، وأجاب أهل السنة بأن الإيمان قد يجامع الشرك، ويراد بالإيمان مطلق التصديق، سواء كان باللسان أو بغيره، وكذا إن أريد به تصديق القلب، لجواز أن يصدق المشرك بوجود الصانع دون وحدانيته، كما قال تعالى: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ أفاده زاده على البيضاوي.\rقوله: وَتِلْكَ حُجَّتُنا أعرب المفسر اسم الاشارة مبتدأ، وحجتنا بدل منه، وجملة آتَيْناها خبر المبتدأ. وقوله: عَلى قَوْمِهِ متعلق بمحذوف حال من الهاء في آتيناها، وهو أحسن الأعاريب وقيل إن تلك حجتنا مبتدأ وخبر، وآتيناها خبر ثان، وعلى قومه متعلق بحجتنا، واسم الإشارة عائد على قوله فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ إلى هنا، أو من قوله كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ إلى هنا. وقوله: (من أفول الكواكب) أي التي هي الزهرة والقمر والشمس. قوله: (و ما بعده) أي وهو قوله وَحاجَّهُ قَوْمُهُ الخ.\rقوله: آتَيْناها إِبْراهِيمَ أي بوحي أو الهام. قوله: (حجة) عَلى قَوْمِهِ قدره المفسر إشارة إلى أن الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من الهاء في آتيناها. قوله: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ مفعول نشاء محذوف تقديره رفعها. قوله: (بالإضافة والتنوين) أي فهما قراءتان سبعيتان فعلى الإضافة المفعول به هو درجات وعلى التنوين هو من نشاء، ودرجات ظرف لنرفع، والتقدير نرفع من نشاء في درجات. قوله:\r(في العلم والحكمة) قيل هي النبوة، فالعطف مغاير، وقيل العلم النافع، فالعطف خاص على عام اعتناء بشرف نفع العلم وإظهارا لفضله. قوله: إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ أي يضع الشيء في محله، وهو كالدليل لما قبله، والمعنى أن اللّه لا معقب لحكمه، فيرفع من يشاء، ويضع من يشاء، لا اعتراض عليه، فإنه حَكِيمٌ يضع الشيء في محله، عَلِيمٌ لا يخفى عليه شيء.\rقوله: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ الخ، لما أنعم اللّه على إبراهيم عليه السّلام بالنبوة والعلم، ورفع درجاته حيث جاهد في اللّه حق جهاده، أتم اللّه عليه النعمة، بأن وهب له إسحاق ويعقوب وإسماعيل وجعل في ذريته النبوة إلى يوم القيامة، واسحاق هو من سارة، وجملة وهبنا معطوفة على قوله: وَتِلْكَ حُجَّتُنا عطف فعلية على اسمية، والمقصود من تلاوة هذه النعم على محمد تشريفه، لأن شرف الوالد يسري للولد. قوله: كُلًّا هَدَيْنا أي للشرع الذي أوتيه. قوله: وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ نوح هو ابن لمك بفتح اللام وسكون الميم وبالكاف، وقيل ملكان بفتح الميم وسكون اللام، وبالنون بعد الكاف ابن","part":1,"page":464},{"id":466,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 465\rإبراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ أي نوح داوُدَ وَسُلَيْمانَ ابنه وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ بن يعقوب وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ كما جزيناهم نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى ابنه وَعِيسى ابن مريم يفيد أن الذرية تتناول أولاد البنت وَإِلْياسَ ابن أخي هارون أخي موسى كُلٌ منهم مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْماعِيلَ بن إبراهيم وَالْيَسَعَ اللام زائدة وَيُونُسَ وَلُوطاً بن هاران أخي إبراهيم وَكلًّا منهم فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (86) بالنبوة وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ عطف على كلا أو نوحا ومن للتبعيض لأن بعضهم لم يكن له ولد وبعضهم كان في ولده كافر وَاجْتَبَيْناهُمْ اخترناهم وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذلِكَ الدين الذي هدوا إليه هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا فرضا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا\r______________________________\rمتوشلخ، بضم الميم وفتح التاء الفوقية والواو، وسكون الشين المعجمة وكسر اللام، وبالخاء المعجمة ابن ادريس.\rقوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ يحتمل أن الضمير عائد على نوح، لأنه أقرب مذكور واختاره المفسر، ويحتمل أنه عائد على إبراهيم، لأنه المحدث عنه، ويبعده ذكر لوط في الذرية، مع أنه ليس ذرية إبراهيم، بل هو ابن هارون وهو أخو إبراهيم. قوله: وَأَيُّوبَ هو ابن أموص بن رازح بن عيص بن اسحاق. قوله:\rوَمُوسى هو ابن عمران بن يصهر بن لاوي بن يعقوب، وقوله: وَهارُونَ أي وهو أخو موسى وكان أسن منه بسنة. قوله: نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي المؤمنين، أي فمن اتبعهم في الإيمان ألحق بهم ورفع اللّه درجاته. قوله: (يفيد أن الذرية الخ) أي لأن عيسى لا أب له.\rقوله: وَإِلْياسَ (ابن أخي هرون) وقيل هو إدريس فله اسمان وهو خلاف الصحيح، لأن إدريس أحد أجداد نوح وليس من الذرية، والياس بهمز أوله وتركه وهو ابن ياسين بن فنحاص بن عيزار ابن هارون بن عمران، وهذا هو الصحيح، فالصواب للمفسر حذف لفظة أخي.\rقوله: وَالْيَسَعَ الجمهور على أنه بلام واحدة ساكنة وفتح الياء، وقرئ بلام مشددة وياء ساكنة، وهو ابن أخطوب ابن العجوز.\rقوله: وَيُونُسَ هو ابن متى وهي أمه. قوله: وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ أي على سائر الأولين والآخرين. قوله: (عطف على كلا) أي والعامل فيه فضلنا، وقوله: (أو نوحا) أي العامل فيه هدينا، والأقرب الأول. قوله: (و من للتبعيض) هذا ظاهر في الآباء والأبناء لا الإخوان فإنهم كلهم مهديون. قوله: (لأن بعضهم لم يكن له ولد الخ) هذا تعليل لكون من للتبعيض، وقد خصه المفسر بالذرية، ويقال مثله في الآباء. والحاصل أنه ذكر في هذه الآيات من الأنبياء الذين يجب الإيمان بهم تفصيلا ثمانية عشر، وبقي سبعة وهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وإدريس وشعيب وصالح وهود ذو الكفل وآدم، فتكون الجملة خمسة وعشرين مذكورين في القرآن يجب الإيمان بهم تفصيلا، وبقي ثلاثة مذكورون في القرآن واختلف في نبوتهم، لقمان وذو القرنين والعزيز، من أنكر وجودهم كفر، ومن أنكر نبوتهم لا يكفر. قوله:\r(الذي هدوا إليه) أي وهو التوحيد.\rقوله: وَلَوْ أَشْرَكُوا (فرضا) أشار بذلك إلى الشرك مستحيل","part":1,"page":465},{"id":467,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 466\rيَعْمَلُونَ (88) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ بمعنى الكتب وَالْحُكْمَ الحكمة وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها أي بهذه الثلاثة هؤُلاءِ أي أهل مكة فَقَدْ وَكَّلْنا بِها أرصدنا لها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (89) هم المهاجرون والأنصار أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى هم اللَّهُ فَبِهُداهُمُ طريقهم من التوحيد والصبر اقْتَدِهْ بهاء السكت وقفا ووصلا وفي قراءة بحذفها وصلا قُلْ لأهل مكة لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي القرآن أَجْراً تعطونيه إِنْ هُوَ ما القرآن إِلَّا ذِكْرى عظة لِلْعالَمِينَ (90) الإنس والجن وَما قَدَرُوا أي اليهود اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي ما عظموه حق\r______________________________\rعليهم، فلو غير مقتضيه للوقوع أو هو خطاب لهم والمراد غيرهم.\rقوله: أُولئِكَ أي الأنبياء المتقدمون وهم الثمانية عشر. قوله: (الحكمة) أي العلم النافع أي المراد بالحكم الفصل بين الناس والقضاء بينهم. قوله: فَقَدْ وَكَّلْنا أي وفقنا وأعددنا للقيام بحقوقها، وهذا التعليل لجواب الشرط محذوف تقديره فلا ضرر عليك لأننا قد وكلنا الخ، وفي هذه وعد من اللّه بنصره وإظهار دينه. قوله: لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ أي بل هم مستمرون على الإيمان بها، والمعنى لا تحزن يا محمد على كفر أهل مكة، فإن من كفر منهم وباله على نفسه، وأما آيات اللّه فقد جعل لها أهلا يؤمنون بها ويعملون إلى يوم القيامة. قوله: (من التوحيد الخ) دفع ذلك ما يقال إن هذه الآية تقتضي أن رسول اللّه تابع لغيره من الأنبياء، مع أن شرعه ناسخ لجميع الشرائع، وأن كلهم ملتمسون منه، فأجاب بأن الاقتداء في التوحيد الصبر على الأذى، لا في فروع الدين. قوله: (وقفا ووصلا) أما الوقف فظاهر، وأما الوصل فإجراء له مجرى الوقف، قال ابن مالك:\rوربما أعطى لفظ الوصل ما ... للوقف نثرا وفشا منتظما\r\rقوله: (الإنس والجن) أي ففي الآية دليل على عموم رسالته للعالمين إلى يوم القيامة، وقد احتج العلماء بهذه على أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، وبيانه أن جميع خصال الكمال وصفات الشرف كانت متفرقة فيهم، فكان نوح صاحب احتمال أذى على قومه وإبراهيم صاحب كرم وبذل ومجاهدة في سبيل اللّه عز وجل، وإسحاق ويعقوب وأيوب وأصحاب صبر على البلاء والمحن، وداود وسليمان أصحاب شكر على النعم، ويوسف جمع بين الصبر والشكر، وموسى صاحب الشريعة الظاهرة والمعجزات الباهرة، وزكريا ويحيى وعيسى والياس من أصحاب الزهد في الدنيا، واسماعيل صاحب صدق الوعد، ويونس صاحب تضرع وإخبات، ثم إن اللّه أمر نبيه أن يقتدي بهم في جميع تلك الخصال المحمودة المتفرقة فيهم، فثبت بهذا أنه أفضل الأنبياء لما اجتمع فيه من هذه الخصال واللّه أعلم ا ه من الخازن.\rلكن قد يقال إن المزية لا تقتضي الأفضلية، ولذا قال أشياخنا المحققون إنه وإن كان جامعا لجميع ما تفرق في غيره، لتفضيله من اللّه لا بتلك المزايا، فقد فاقهم فضلا ومزايا.\r- تتمة- بين آدم ونوح ألف ومائة سنة وعاش آدم تسعمائة وستين سنة وكان بين إدريس ونوح ألف سنة، وبعث نوح لأربعين سنة، ومكث في قومه ألف سنة إلا خمسين، وعاش بعد الطوفان ستين سنة،","part":1,"page":466},{"id":468,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 467\rعظمته أو ما عرفوه حق معرفته إِذْ قالُوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقد خاصموه في القرآن ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ لهم مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ بالياء والتاء في المواضع الثلاثة قَراطِيسَ أي يكتبونه في دفاتر مقطعة تُبْدُونَها أي ما يحبون إبداءه\r______________________________\rوقيل بعث نوح وهو ابن ثلاثمائة وخمس وخمسين، وإبراهيم ولد على رأس ألفي سنة من آدم، وبينه وبين نوح عشرة قرون، وعاش إبراهيم مائة وخمسا وسبعين، وولده إسماعيل عاش مائة وثلاثين سنة، وكان له حين مات أبوه تسع وثمانون سنة، وأخوه إسحاق ولد بعده بأربع عشر سنة، وعاش مائة وثمانين سنة، ويعقوب بن اسحاق عاش مائة وسبعا وأربعين، ويوسف بن يعقوب بن اسحاق عاش مائة وعشرين سنة، وبينه وبين موسى أربعمائة سنة، وبين موسى وإبراهيم خمسمائة وخمس وستون سنة، وولده سليمان عاش نيفا وخمسين سنة، وبينه وبين مولد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نحو ألف وسبعمائة سنة، وأيوب عاش ثلاثا وستين سنة، وكانت مدة بلائه سبع سنين انتهى من التحبير في علم التفسير للسيوطي.\rقوله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ استئناف مسوق لبيان أوصاف اليهود، وقدر من باب نصر، يقال قدر الشيء إذا سبره وحرزه ليعرف مقداره، والمعنى لم يعترفوا بقدر اللّه، وهذا الكلام إنما هو تنزل مع اليهود، وإلا فالخلائق لم يعظموا اللّه حق تعظيمه ولم يعرفوه حق معرفته. واعلم أن هنا معنيين: الأول أن معنى وما قدروا اللّه حق قدره، أي ما عرفوه المعرفة التي تليق به، وهذه لا يصل إليها أحدا أبدا، ففي الحديث: «سبحانك ما عرفناك حق معرفتك يا معروف لا أحصى ثنا عليك أنت كما أثنيت على نفسك» وهذا منتف في حق كل مخلوق، فلا خصوصية لليهود، الثاني أن معنى وما قدروا اللّه حق قدره، أنهم لم يعظموه ولم يعرفوه على حسب ما أمروا به، وهذا لم يقع من اليهود، وإنما هو واقع من المؤمنين وهذا هو المراد هنا.\rقوله: إِذْ قالُوا إما ظرف لقدروا أو تعليل له. قوله: (و قد خاصموه في القرآن) أي كفنحاص ابن عازوراء ومالك بن الصيف، فقد جاء يخاصم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال له النبي أنشدك اللّه الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد فيها أن اللّه تعالى يبغض الحبر السمين أي العالم الجسيم، وكان مالك المذكور كذلك، وكان فيها ما ذكر، فقال نعم، وكان يجب إخفاء ذلك، لكن أقر لإقسام النبي عليه السّلام، فقال له النبي أنت حبر سمين، فغضب وقال ما أنزل اللّه على بشر من شيء، فقال أصحابه الذين معه ويحك ولا على موسى، فقال واللّه ما أنزل اللّه على بشر من شيء، فلما سمعت اليهود تلك المقالة غضبوا عليه وقالوا أليس اللّه أنزل التوراة على موسى فلم قلت هذا، قال اغضبني محمد فقلته، فقالوا وأنت إذا غضبت تقول على اللّه غير الحق، فعزلوه من الحبرية وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف.\rقوله: نُوراً حال إما من به والعامل فيها جاء، أو من الكتاب والعامل فيه أنزل، ومعنى نورا بينا في نفسه، وهدى مبينا لغيره، وللناس متعلق بهدى. قوله: تَجْعَلُونَهُ حال ثانية، وجعل بمعنى صير، فالهاء مفعول أول، وقراطيس مفعول ثان على حذف مضاف، أي ذا قراطيس أو في قراطيس أو بولغ فيه. قوله: (بالياء والتاء) فعلى التاء يكون خطابا لليهود، وعلى الياء التفات من الخطاب للغيبة.\rقوله: (في المواضع الثلاثة) أي يجعلون ويبدون ويخفون. قوله: (مقطعة) أي مفصولا بعضها من بعض،","part":1,"page":467},{"id":469,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 468\rمنها وَتُخْفُونَ كَثِيراً مما فيها كنعت محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وَعُلِّمْتُمْ أيها اليهود في القرآن ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ من التوراة ببيان ما التبس عليكم واختلفتم فيه قُلِ اللَّهُ أنزله إن لم يقولوه لا جواب غيره ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ باطلهم يَلْعَبُونَ (91) وَهذا القرآن كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ قبله من الكتب وَلِتُنْذِرَ بالتاء والياء عطف على معنى ما قبله أي أنزلناه للبركة والتصديق ولتنذر به أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها أي أهل مكة وسائر الناس وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (92) خوفا من عقابها وَمَنْ أي لا أحد\r______________________________\rليتمكنوا من إخفاء ما أرادوا إخفاءه. قوله: وَتُخْفُونَ كَثِيراً أي لم يظهروه، بمعنى لم يكتبوه أصلا أو كتبوه وأخفوه عن ملوكهم وسفلتهم، وجعلوا ذلك سرا بينهم. قوله: (كنعت محمد) أي وكآية الرجم، وآية إن اللّه يبغض الحبر السمين.\rقوله: وَعُلِّمْتُمْ يحتمل أن الخطاب لليهود كما قال المفسر، وتكون الجملة حالية، والمعنى تبدونها وتخفون كثيرا. والحال أن محمدا أعلمكم في القرآن بأشياء في التوراة، ما لم تكونوا تعلموها أنتم ولا آباؤكم، ويحتمل أن الخطاب لقريش، وتكون الجملة مستأنفة معترضة بين السؤال والجواب. قوله: قُلِ اللَّهُ يحتمل أنه مبتدأ خبره محذوف تقديره أنزله، وعليه درج المفسر وهو الأولى، لأن السؤال جملة اسمية، فيكون الجواب كذلك، ويحتمل أنه فاعل بفعل محذوف تقديره أنزله اللّه، وقد صرح بالفعل في قوله تعالى:\rلَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ. قوله: فِي خَوْضِهِمْ إما متعلق بذرهم أو بيلعبون، ومعنى يلعبون يستهزؤون ويسخرون.\rقوله: وَهذا كِتابٌ مبتدأ وخبر، وأَنْزَلْناهُ صفة أولى، ومُبارَكٌ صفة ثانية، ومُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ صفة ثالثة. قوله: (القرآن) لغة من القرء وهو الجمع، واصطلاحا اللفظ المنزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للإعجاز بأقصر سورة منه المتعبد بتلاوته، وهذا رد عليهم حيث قالوا ما أنزل اللّه على بشر من شيء. قوله: مُبارَكٌ أي كله خير لمن آمن به، وشر على من كفر به، ومن بركته بقاء الدنيا، وإنبات الأرض، وإمطار السماء، ولذا إذا رفع القرآن تأتي ريح لينة فيموت بها كل مؤمن ويبقى الكفار، فبقاء الخير في الأرض مدة بقاء القرآن فيها.\rقوله: مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أي موافق للكتب التي قبله في التوحيد والتنزيه، والمعنى أنه دال على صدقها وأنها من عند اللّه. قوله: (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان، فعلى التاء يكون خطابا للنبي، وعلى الياء يكون الضمير عائد على القرآن. قوله: (أي أنزلناه للبركة) هذه العلة مأخوذة من الوصف بالمشتق، لأن تعليق الحكم به يؤذن بالعلية. قوله: (أي أهل مكة) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، أي أهل أم القرى وهي مكة. قوله: (و سائر الناس) أشار بذلك إلى أنه ليس المراد بمن حولها ما قال ربها من البلاد، بل المراد جميع البلاد، لأن مكة وسط الدنيا، واقتصر على الانذار لأنه هو الموجود في صدر الإسلام، إذا ليس ثم مؤمن يبشر.\rقوله: وَالَّذِينَ مبتدأ، ويُؤْمِنُونَ صلته، وبِالْآخِرَةِ متعلق بيؤمنون، وقوله: يُؤْمِنُونَ بِهِ خبره، ولم يتحد المبتدأ والخبر لتغاير متعلقيهما، والمعنى والذين يؤمنون بالآخرة إيمانا معتدا به،","part":1,"page":468},{"id":470,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 469\rأَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بادعاء النبوة ولم ينبأ أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ نزلت في مسيلمة وَمن مَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وهم المستهزئون قالوا لو نشاء لقلنا مثل هذا وَلَوْ تَرى يا محمد إِذِ الظَّالِمُونَ المذكورون فِي غَمَراتِ سكرات الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ اليهم بالضرب والتعذيب يقولون لهم تعنيفا أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ إلينا\r______________________________\rمحصورون في الذين يؤمن بالقرآن، فخرجت اليهود فلا يعتد بإيمانهم بالآخرة لعدم إيمانهم بالقرآن قوله:\rوَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ جملة حالية من فاعل يؤمنون، وخص الصلاة بالذكر لأنها أشرف العبادات. قوله: (خوفا من عقابها) أي الآخرة.\rقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ من اسم استفهام مبتدأ، وأظلم خبره، وكَذِباً تمييز، وأشار بقوله: (أي لا أحد) إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي.\rقوله: أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَ أو للتنويع والعطف مغاير، وليس من عطف الخاص على العام، ولا من عطف التفسير، لأن ذلك لا يكون بأو. قوله: وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ أي من قبل اللّه، بل استهوته الشياطين، وسلب اللّه عقله، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة حيث قال لما نزلت سورة الكوثر، أنزلت علي سورة مثلها، إنا أعطيناك العقعق فصل لربك وازعق إن شانئك هو الأبلق، وغير ذلك من الخرافات التي قالها مسيلمة الكذاب، فإن الآية نزلت فيه كما قال المفسر، وقد ورد أنه أرسل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كتابا مع رسولين يذكر فيه: من عند مسيلمة رسول اللّه، إلى محمد رسول اللّه، أما بعد، فإن الأرض بيننا نصفين، فلما وصله الكتاب قال للرسولين أتشهدان له بالرسالة؟ فقالا نعم، فقال رسول اللّه: لو لا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما، وكتب له: من عند محمد رسول اللّه، إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد، فإن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.\rقوله: وَ(من) مَنْ قالَ قدره المفسر إشارة إلى أنه معطوف على المجرور بمن. قوله: (و هم المستهزئون) أي كعقبة بن أبي معيط وأبي جهل وأضرابهما، وما ذكره المفسر هو المشهور، وقيل نزلت في عبد اللّه بن أبي سرح، كان من كتبة الوحي ثم ارتد وقال سأنزل مثل ما أنزل اللّه، ثم رجع للإسلام فأسلم قبل فتح مكة والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم نازل بمر الظهران، وقد دخل في حكم هذه الآية كل من افترى على اللّه كذبا في أي زمان إلى يوم القيامة. قوله: وَلَوْ تَرى لو حرف شرط وجوابها محذوف، قدره المفسر فيما يأتي بقوله لرأيت أمرا فظيعا، وترى بصرية ومفعولها لمحذوف تقديره الظالمين، وإذ ظرف لترى، والتقدير ولو ترى الظالمين وقت كونهم في غمرات الموات الخ. قوله: (المذكورون) أي مسيلمة الكذاب المستهزئون، والأحسن أن يراد ما هو أعم. قوله: فِي غَمَراتِ جمع غمرة من الغمر وهو الستر، يقال غمرة الماء إذا ستره، سميت السكرة بذلك لأنها تستر العقل وتدهشه.\rقوله: وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ تقدم أن الكافر موكل به سبع من الملائكة يعذبونه عند خروج روحه، لأن الكافر يكره لقاء اللّه، فتأبى روحه الخروج فيخرجونها كرها. إن قلت: إن المؤمن يكره الموت أيضا. أجيب: بأن المؤمن وإن أحب الحياة وكره الموت لكن ذلك قبل احتضاره ومعاينته ما أعد اللّه له من النعيم الدائم، وأما إذا شاهد ذلك هانت عليه الدنيا وأحب الموت ولقاء اللّه، وأما الكافر فعند خروج روحه حين يشاهد ما أعد له من العذاب الدائم يزداد كراهة في الموت، وعلى ذلك يحتمل ما ورد: من","part":1,"page":469},{"id":471,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 470\rلنقبضها الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ الهوان بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِ بدعوى النبوة والإيحاء كذبا وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) تستكبرون عن الإيمان بها وجواب لو: لرأيت أمرا فظيعا وَيقال لهم إذا بعثوا لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى منفردين عن الأهل والمال والولد كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي حفاة عراة غرلا وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ أعطيناكم من الأموال وَراءَ ظُهُورِكُمْ في الدنيا بغير اختياركم وَيقال لهم توبيخا ما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الأصنام الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ أي في استحقاق عبادتكم شُرَكاءُ للّه لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وصلكم أي تشتت جمعكم وفي قراءة بالنصب ظرف أي وصلكم بينكم وَضَلَ ذهب عَنْكُمْ\r______________________________\rأحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه، ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه. قوله: (يقولون لهم تعنيفا) أي لأن الإنسان لا يقدر على إخراج روحه، وإنما ذلك لأجل تعنيفهم، ويحتمل أن معنى أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ نحوها من العذاب الذي حل بكم تهكما بهم.\rقوله: الْيَوْمَ ظرف لقوله: تُجْزَوْنَ فالوقف ثم على قوله أنفسكم، وأل في اليوم للعهدي اليوم المعهود وهو يوم خروج أرواحهم، ويحتمل أن المراد باليوم يوم القيامة، والأحسن أن يراد ما هو أعم.\rقوله: (الهوان) أي الذل والصغار، لا عذاب التطهير كما يقع لبعض عصاة المؤمنين، لأن كل عذاب يعقبه عفو، فلا يقال له هون، وإنما يقال لعذاب الكافر. قوله: بِما كُنْتُمْ الباء سببية، وما مصدرية، أي بسبب كونكم تقولون الخ. قوله: (بدعوى النبوة الخ) هذا راجع لقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ. قوله: وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ أي وبسبب كونكم تستكبرون عن آياته، فالجار والمجرور متعلق بتستكبرون، وهو راجع لقوله ومن قال سأنزل مثل ما أنزل اللّه، ففيه لف ونشر مرتب، وهذا باعتبار سبب النزول، وإلا فكل كافر يقال له ذلك عند الموت.\rقوله: وَ(يقال لهم) اختلف في تعيين القائل، فقيل اللّه سبحانه، وقيل الملائكة ترجمانا عن اللّه وهذا مرتب على الخلاف هل اللّه يكلمهم أو لا. قوله: فُرادى جمع فردا وفريدا وفردان بمعنى منفردين خالين عن الدنيا ومتاعها. قوله: (حفاة عراة) أي وذلك عند الحساب، فلا ينفي أنهم يخرجون من القبور بالأكفان، فإذا حشروا ودنت الشمس من الرؤوس تطايرت الأكفان. قوله: (غرلا) بضم الغين المعجمة وسكون الراء المهملة، جمع أغرل كحمر جمع أحمر، أي غير مقطوعين القلفة.\rقوله: وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ الجملة حالية من فاعل جئتمونا، وقوله: وَراءَ ظُهُورِكُمْ متعلق بتركتم. قوله: (أي في استحقاق عبادتكم) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضافين. قوله:\rبَيْنَكُمْ على قراءة الرفع هو فاعل تقطع، والبين بمعنى الوصل وهو المراد هنا، ويراد منه البعد من باب تسمية الأضداد. قوله: (و في قراءة بالنصب) أي وهي سبعية أيضا، والفاعل على هذه القراءة ضمير يعود على الوصل المفهوم من قوله: شُفَعاءَكُمُ وشُرَكاءُ لأن بين الشفيع والمشفوع له إيصال، وبَيْنَكُمْ ظرف له، والتقدير تقطع الوصل فيما بينكم فقول المفسر (أي وصلكم) تفسير للضمير","part":1,"page":470},{"id":472,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 471\rما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) في الدنيا من شفاعتها إِنَّ اللَّهَ فالِقُ شاق الْحَبِ عن النبات وَالنَّوى عن النخل يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ كالإنسان والطائر من النطفة والبيضة وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ النطفة والبيضة مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ الفالق المخرج اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فكيف تصرفون عن الإيمان مع قيام البرهان فالِقُ الْإِصْباحِ مصدر بمعنى الصبح أي شاق عمود الصبح وهو أول ما يبدو من نور النهار عن ظلمة الليل وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً يسكن فيه الخلق\r______________________________\rالمستتر. قوله: ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ما اسم موصول فاعل ضَلَ، وكنتم تزعمون صلته، والعائد محذوف تقديره وضل عنكم الذي كنتم تزعمونه شفيعا ونافعا.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى لما تقدم ذكر التوحيد، وما يتعلق به أتبعه بذكر ما يدل على ذلك، والمراد بالحب ما لا نوى له يرمى، كالقمح والشعير والفول، وبالنوى ضد الحب، كالرطب والمشمش والنبق، فانحصر ما يخرج من الأرض في هذين النوعين، وإضافة فالق للحب يحتمل أنها محضة، ففالق بمعنى فلق، فهو بمعنى الصفة المشبهة وهو الأقرب، ويحتمل أنها لفظية، والمراد فالق في الحال والاستقبال. قوله: (شاق) فسر الفلق بالشق لأنه المشهور في اللغة، ولأنه أقرب عبرة وأكثر فائدة، وقال ابن عباس إن فالق بمعنى خالق. قوله: (عن النخل) مراده به كل ما له نوى.\rقوله: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ يحتمل أنه خبر ثان لأن، ويحتمل أنه كلام مستأنف كالعلة لما قبله، والمراد بالحي كل ما ينمو كان ذا روح أو لا كالحيوان والنبات، وبالميت ما لا ينمو كان أصله ذا روح أم لا كالنطفة والحبة، فتسمية النبات حيا مجاز بجامع قبول الزيادة في كل. قوله: (من النطفة والبيضة) لف ونشر مرتب، وأدخلت الكاف جميع ما يخرج من النطفة والبيضة، فجميع الحيوانات لا تخلو عن هذين الشيئين، فجميع الطيور من البيض وما عداها من النطفة.\rقوله: وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِ إنما عبر باسم الفاعل مع العطف، إشارة إلى أنه كلام آخر معطوف فالق وليس بيانا له، وإلا لأتى بالفعل. قوله: مِنَ الْحَيِ أي كالإنسان والطائر، ويشمل عموم هذه الآية المسلم والكافر، فيخرج الحي كالمسلم من الميت كالكافر وبالعكس. قوله: ذلِكُمُ اللَّهُ أتى بذلك وإن علم من قوله إن اللّه فالق لأجل الرد على من كفر بقوله فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ. قوله: (فكيف تصرفون عن الإيمان) أي لا وجه لصرفكم عن الإيمان باللّه مع اعترافكم بأنه الخالق لجميع الأشياء، فهو استفهام انكاري بمعنى النفي. قوله: (مصدر) أي لأصبح بمعنى الدخول في الصباح وليس مرادا، بل المراد الصبح نفسه، فلذا فسره حيث أطلق المصدر وهو الإصباح، وأراد أثره وهو الصبح، والإصباح بكسر الهمزة وقرىء شذوذا بفتحها، وعليه يكون جمع صبح نحو قفل وأقفال، ويرد وأبراد، وظاهر الآية مشكل، لأن الانفاق يكون للظلمة لا للصبح. وأجيب: بأن الكلام على حذف مضاف، والأصل فالق ظلمة الإصباح بمعنى الصبح، أو يراد فالق الإصباح بمعنى عمود الصبح، وهو الفجر الكاذب عن ظلمة الليل، ثم يعقبه الفجر الصادق، فهو فالق الإصباح الأول عن ظلمة آخر الليل، وعن بياض النهار أيضا، ويفيد هذا المفسر أو يفسر فالق بخالق، وسماه فلقا مشاكلة لما قبله، وكل صحيح. قوله: (و هو أول ما يبدو من النهار) أي وهو الفجر الكاذب. قوله: (عن ظلمة الليل) متعلق بشاق.","part":1,"page":471},{"id":473,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 472\rمن التعب وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بالنصب عطفا على محل الليل حُسْباناً حسابا للأوقات أو الباء محذوفة وهو حال من مقدر أي يجريان كما في آية الرحمن ذلِكَ المذكور تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ في ملكه الْعَلِيمِ (96) بخلقه وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ في الأسفار قَدْ فَصَّلْنَا بينا الْآياتِ الدلالات على قدرتنا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) يتدبرون وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ خلقكم مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ هي آدم فَمُسْتَقَرٌّ منكم في الرحم وَمُسْتَوْدَعٌ منكم في الصلب وفي قراءة بفتح القاف أي مكان قرار لكم قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) ما يقال لهم وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا فيه التفات عن الغيبة\r______________________________\rقولنا: سَكَناً أي محل واستراحة. قوله: (يسكن فيه الخلق) أي جميعها حتى الهوام والمياه.\rقوله: (عطفا على محل الليل) أي وهو النصب حسبانا معطوف على سكنا ففيه العطف على معمولي عامل واحد وهو جاعل، والتقدير: وجاعل الشمس والقمر حسبانا وذلك جائز باتفاق.\rقوله: حُسْباناً مصدر حسب وكذا الحسبان بكسر الحاء والحساب فله ثلاثة مصادر. قوله: (حسابا للأوقات) أي ضبطا لها، أي علامة ضبط، لكن الشمس يتم دورانها في سنة والقمر في شهر، وذلك لنفع العباد دنيا ودينا، قال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ.\rقوله: (أو الباء محذوفة) أي فهو منصوب بنزع الخافض. قوله: (و هو حال من مقدر) لو قال متعلق بقدر لكان أحسن، لأنك إذا تأملت تجد المحذوف هو الحال، على أن جاعل بمعنى خالق، وأما إن جعل بمعنى صير فهو مفعول ثان، وهو إشارة لتقدير ثان في الآية. قوله: الْعَزِيزِ أي الغالب على أمره. قوله:\rالْعَلِيمِ أي ذو العلم التام.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ أي خلق، ولَكُمُ متعلق بجعل، ولِتَهْتَدُوا بدل من لكم بدل اشتمال، فلم يلزم عليه تعلق جر في جر متحدي اللفظ، والمعنى بعامل واحد، ونظيره قوله تعالى لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ فلبيوتهم بدل من لمن يكفر بإعادة العامل.\rقوله: أَنْشَأَكُمْ إنما عبر به لموافقة ما يأتي في قوله (و أنشأنا من بعدهم)، وقوله وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ. قوله: (هي آدم) أي فكل أفراد النوع الإنساني منه.\rقوله: فَمُسْتَقَرٌّ بالكسر اسم فاعل وصف، والمعنى منكم من استقر في الرحم، وعبر في جانبه بالاستقرار، لأن زمن بقاء النطفة في الرحم أكثر من زمن بقائها في الصلب. قوله: (و في قراءة بفتح القاف) أي وأما مستودع فليس فيه إلا فتح الدال، لكن على قراءة الكسر يكون معنى مستودع شيء مودوع وهو النطفة، وعلى الفتح مكان استيداع وهو الصلب. قوله: يَفْقَهُونَ أي يفهمون الأسرار والدقائق، وعبر هنا يفقهون إشارة إلى أن أطوار الإنسان وما احتوى عليه الإنسان أمر خفي تتحير فيه الألباب، بخلاف النجوم فأمرها ظاهر مشاهد، فعبر فيها بيعلمون.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لما امتن سبحانه وتعالى على عباده أولا: بالإيجاد حيث قال وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ امتن ثانيا بإنزال الماء الذي به حياة كل شيء ونفعه، وهو الرزق المشار إليه بقوله تعالى وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ. قوله: (فيه التفات) أي ونكتته الاعتناء بشأن ذلك المخرج،","part":1,"page":472},{"id":474,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 473\rبِهِ بالماء نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ينبت فَأَخْرَجْنا مِنْهُ أي النبات شيئا خَضِراً بمعنى أخضر نُخْرِجُ مِنْهُ من الخضر حَبًّا مُتَراكِباً يركب بعضه بعضا كسنابل الحنطة ونحوها وَمِنَ النَّخْلِ خبر ويبدل منه مِنْ طَلْعِها أول ما يخرج منها والمبتدأ قِنْوانٌ عراجين دانِيَةٌ قريب بعضها من بعض وَأخرجنا به جَنَّاتٍ بساتين مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً ورقهما حال وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ ثمرهما انْظُرُوا يا مخاطبين نظر اعتبار إِلى ثَمَرِهِ بفتح الثاء والميم وبضمهما وهو جمع ثمرة كشجرة وشجر وخشبة وخشب إِذا أَثْمَرَ أول ما يبدو كيف هو وَإلى يَنْعِهِ نضجه إذا أدرك كيف يعود إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ دلالات على قدرته تعالى\r______________________________\rإشارة إلى أن نعمه عظيمة. قوله: بِهِ الباء للسببية. قوله: فَأَخْرَجْنا بيان لما أجمل أو لا. قوله:\rخَضِراً يقال خضر الشيء فهو خضر وأخضر، كعور فهو عور وأعور، وقدر المفسر (شيئا) إشارة إلى أن خضرا صفة لموصوف محذوف.\rقوله: وَمِنَ النَّخْلِ شروع في تفصيل حال الشجر، بعد ذكر عموم النبات، لمزيد الرغبة فيه.\rقوله: (و يبدل منه) أي بدل بعض من كل. قوله: (أول ما يخرج منها) أي قبل انفلاق الكيزان عنه، فإذا انفلقت عنه سمي عذقا. قوله: قِنْوانٌ جمع قنو كصنو وصنوان، وهذا الجمع يلتبس بالمثنى دون حالة الوقت، ويتميز المثنى بكسر نونه، والجمع بتوارد حركات الإعراب عليه وبالإضافة، فتحذف نون المثنى دون الجمع، فنقول هذا قنواك، وفي الجمع هذه قنوانك، وبالنسب فإذا نسبت إلى المثنى رددته إلى المفرد فقلت قنوي، وإذا نسبت إلى الجمع أبقيته على حاله فقلت قنواني. قوله:\r(عراجين) جمع عرجون قيل هي الشماريخ، وقيل هي السائط، ولا شك أن الشماريخ قريب بعضها من بعض، والسبائط كذلك، واعلم أن أطوار النخل سبع كالإنسان، يجمعها قولك طاب زبرت، فأولها الطلع، ثم الاغريض، ثم البلح، ثم الزهو، ثم البسر، ثم الرطب، ثم التمر، وفي الحديث «أكرموا عمتكم النخلة» ولهذه الأمور قدم على ما بعده.\rقوله: وَجَنَّاتٍ معطوف على نبات، من عطف الخاص على العام، والنكتة مزيد الشرف لكونها من أعظم النعم، وكذا قوله: الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ معطوفان على النبات. ويكون قوله: وَمِنَ النَّخْلِ الخ معترضا بين المعطوف والمعطوف عليه اعتناء بشأن النخل لعظم منته، ويصح عطف جنات على خضر، وهذا على قراءة الجمهور، وقرى شذوذا برفع جنات والزيتون والرمان، وخرج على أنه مبتدأ، والخبر محذوف تقديره ومن الكرم جنات. قوله: مُشْتَبِهاً يقال مشتبه ومتشابه بمعنى. قوله: (نظر اعتبار) أي تفكروا في مصنوعاته لتعلموا أن ربكم هو القادر المريد لما يشاء، فتفردوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئا. قوله: (و هو جمع ثمرة) أي المفتوح والمضموم، وقوله: (كشجرة وشجر) راجع للمفتوح، وقوله:\r(و خشبة وخشب) راجع للمضموم، فهو لف ونشر مرتب. قوله: وَيَنْعِهِ مصدر ينع بكسر النون يينع بفتحها كتعب يتعب ويصح العكس، وقرىء بضم الياء، والمعنى تفكروا وتأملوا ابتداء الثمر، حيث يكون بعضه مرا وبعضه ملحا لا ينتفع بشيء منه، وانتهاؤه إذا نضج فإنه يعود حلوا تسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الأكل.","part":1,"page":473},{"id":475,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 474\rعلى البعث وغيره لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها في الايمان بخلاف الكافرين وَجَعَلُوا لِلَّهِ مفعول ثان شُرَكاءَ مفعول أول ويبدل منه الْجِنَ حيث أطاعوهم في عبادة الأوثان وَقد خَلَقَهُمْ فكيف يكونون شركاءه وَخَرَقُوا بالتخفيف والتشديد أي اختلقوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ حيث قالوا عزير ابن اللّه والملائكة بنات اللّه سُبْحانَهُ تنزيها له وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بأن له ولدا هو بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبدعهما من غير مثال سبق أَنَّى كيف يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ زوجة وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ من شأنه أن يخلق وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ\r______________________________\rقوله: إِنَّ فِي ذلِكُمْ الإشارة إلى جميع ما تقدم من قوله إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى إلى هنا.\rقوله: (لأنهم المنتفعون بها) أشار بذلك إلى أن ظهور الأدلة لا تفيد ولا تنفع، إلا إذا كان العبد مؤمنا، وأما من سبق له الكفر، فلا تنفعه الآيات ولا يهتدي بها.\rقوله: وَجَعَلُوا الضمير لعبدة الأصنام، وهذا إشارة إلى أنهم قابلوا نعم اللّه العظيمة بالإشراك. قوله: (مفعول ثان) هذه طريقة في الإعراب، وهناك طريقة أخرى وهي أن لِلَّهِ متعلق بمحذوف حال، والجن مفعول أول مؤخر، و(شركاء) مفعول ثان مقدم. قوله: الْجِنَ قيل المراد بهم الشياطين، وإلى هذا يشير المفسر بقوله: (حيث أطاعوهم الخ). وقيل المراد بهم نوع من الملائكة كانوا يعبدونهم، لاعتقادهم أنهن بنات اللّه.\rقوله: وَخَلَقَهُمْ الضمير يصح أن يكون عائدا على الجن، وعليها المفسر، ويصح أن يعود على الجميع، والجملة حال من الجن، ولذا قدر المفسر (قد). قوله: وَخَرَقُوا الضمير عائد على اليهود والنصارى ومشركي العرب، فاليهود والنصارى نسبوا له البنين، ومشركو العرب نسبوا له البنات، فالكلام على التوزيع. قوله: (اختلفوا) يقال اختلق وخلق وخرق وافترى وافتعل وخرص بمعنى كذب، وقرىء شذوذا بالحاء المهملة والفاء من التحريف وهو التزوير لأن المحرف مزور مغير للحق بالباطل.\rقوله: (حيث قالوا عزير ابن اللّه) كان عليه أن يقول والمسيح ابن اللّه ليكون قد جمع مقالة الفرق الثلاثة، فاليهود قالوا عزير ابن اللّه، والنصارى قالوا المسيح ابن اللّه، والمشركون قالوا الملائكة بنات اللّه. قوله:\rبَدِيعُ السَّماواتِ خبر لمحذوف قدره المفسر بقوله هو.\rقوله: أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ أنى منصوبة على التشبيه بالحال، وله خبر يكون مقدم وولد اسمها مؤخر، ويصح أن تكون تامة وولد فاعلها، والمعنى: كيف يوجد له ولد، والحال أنه لم تكن له صاحبة، مع كونه الخالق لكل شيء. قوله: (من شأنه أن يخلق) دفع بذلك ما يقال إن من جملة الشيء ذاته وصفاته، فيقتضي أنها مخلوقة مع أن ذلك مستحيل. فأجاب المفسر: بأن ذلك عام مخصوص بما من شأنه أن يخلق، وهو ما عدا ذاته وصفاته.\rقوله: ذلِكُمُ مبتدأ، واللَّهُ خبر أول، ورَبُّكُمْ خبر ثان، ولا إِلهَ إِلَّا هُوَ خبر ثالث، وخالِقُ كُلِّ شَيْءٍ خبر رابع، وقوله: فَاعْبُدُوهُ مفرع على ما ذكر من هذه الأوصاف، فالمعنى أن المتصف بالألوهية، الخالق لكل شيء، هو أحق بالعبادة وحده. فقوله:\rخالِقُ كُلِّ شَيْءٍ توطئة لقوله: فَاعْبُدُوهُ. وأما قوله: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فهو رد لما زعموه من","part":1,"page":474},{"id":476,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 475\rوحدوه وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) حفيظ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ أي لا تراه وهذا مخصوص لرؤية المؤمنين له في الآخرة لقوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة وحديث الشيخين إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر وقيل المراد لا تحيط به وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ أي يراها ولا تراه ولا يجوز في غيره أو يدرك البصر وهو لا يدركه أو يحيط به علما وَهُوَ اللَّطِيفُ بأوليائه\r______________________________\rالولد له سبحانه وتعالى. قوله: وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ أي متصرف في خلقه ومتولي أمورهم، فالواجب قصر العبادة عليه، وتفويض الأمور إليه.\rقوله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ جمع بصر وهو حاسة النظر، أي القوة الباصرة، ويطلق على العين نفسها من إطلاق الحال وإرادة المحل. قوله: (و هذا مخصوص) أي نفي الرؤية عام مخصوص برؤية المؤمنين ربهم في الآخرة، لأن الفعل إذا دخل عليه النفي يكون من قبيل العام. قوله: (لرؤية المؤمنين) علة لقوله مخصوص، وقوله: (لقوله تعالى) علة للعلة. قوله: (ناصرة) أي قامت بها النضارة، وهي البهجة والحسن، وقوله: (ناظرة) أي باصرة للذات المقدس. قوله: (ليلة البدر) أي ليلة أربعة عشر.\rقوله: (و قيل المراد الخ) أي وعلى هذا فالنفي باق على عمومه فلا يحيط به بصر أحد أبدا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فلا ينافي أن المؤمنين يرونه في الآخرة، لكن بلا كيف ولا انحصار لوجود أدلة عقلية ونقلية، أما النقلية فالكتاب والسنة والإجماع، والعقلية منها أن اللّه علق رؤيته على استقرار الجبل وهو جائز، والمعلق على الجائز جائز، ومنها لو كانت الرؤية ممتنعة لما سألها موسى عليه السّلام، إذ لا يجوز على النبي سؤال المحال إذ هو جهل، ويستحيل على النبي الجهل، ومنها أن يقال اللّه موجود، فكل موجود يصح أن يرى، فاللّه يصح أن يرى، خلافا للمعتزلة والمرجئة والخوارج حيث أحالوا الرؤية، مستدلين بظاهر هذه الآية وبقولهم إن الرؤية تستلزم المقابلة واتصال أشعة بصر الرائي بالمرئي، فيلزم أن يكون المرئي جسما، وتعالى اللّه عن الجسمية، ورد كلامهم بما علمت، وبأن هذا التلازم عادي لا عقلي، ويجوز تخلف العادة. قوله:\r(لا تحيط به) أي لا تبلغ كنه حقيقة ذاته وصفاته أبصار ولا بصائر.\rقوله: وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ فيه تفسيران أيضا، الأول يراها، والثاني يحيط بها على أسلوب ما تقدم. قوله: (و لا يجوز في غيره الخ) أي لأن رؤية كل منهما لصاحبه غير مستحيلة، وما جاز على أحد المثلين يجوز على الآخر. قوله: (أو يحيط به علما) هذا هو التفسير الثاني. قوله: وَهُوَ اللَّطِيفُ من لطف بمعنى احتجب، فلا يحيط به بصر ولا بصيرة، فقوله راجع لقوله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، وقوله:\rالْخَبِيرُ راجع لقوله: وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ فهو لف ونشر مرتب، وهذا هو المناسب هنا، فقول المفسر (بأوليائه) يقتضي أن معنى اللَّطِيفُ الرؤوف المحسن، وهو وإن كان مناسبا في نفسه، إلا أنه غير ملائم هنا. فتحصل مما تقدم أن الرؤية بالبصر في الآخرة للمؤمنين، وقع فيها خلاف بين المعتزلة وأهل السنة، وتقدم أن الحق مذهب أهل السنة، وأما رؤية قلوب العارفين له في الدنيا بمعنى شهود القلب له في كل شيء فهو جائز، بل هو مطلبهم وغاية مقصودهم ومناهم قال العارف:\rأنلنا مع الأحباب رؤيتك التي ... إليها قلوب الأولياء تسارع","part":1,"page":475},{"id":477,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 476\rالْخَبِيرُ (103) بهم قل يا محمد قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ حجج مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ ها فآمن فَلِنَفْسِهِ أبصر لأن ثواب إبصاره له وَمَنْ عَمِيَ عنها فضل فَعَلَيْها وبال إضلاله وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) رقيب لأعمالكم إنما أنا نذير وَكَذلِكَ كما بينا ما ذكر نُصَرِّفُ نبين الْآياتِ ليعتبروا وَلِيَقُولُوا أي الكفار في عاقبة الأمر دَرَسْتَ ذاكرت أهل الكتاب وفي قراءة درست أي كتب الماضين وجئت بهذا منها وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أي القرآن لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا\r______________________________\rوكذا رؤياه في المنام.\rقوله: بَصائِرُ جمع بصيرة وهي النور الباطني الذي ينشأ عنه العلوم والمعارف. قوله: (حجج) جمع حجة وهي الأدلة، وسميت الحجج بصائر، لأنها تنشأ عنها من باب تسمية المسبب باسم السبب. قوله: فَمَنْ أَبْصَرَ (ها) قدر المفسر الضمير إشارة إلى أن المفعول محذوف.\rقوله: فَلِنَفْسِهِ (أبصر) قدر المفسر متعلق الجار والمجرور فعلا ماضيا مؤخرا، وهو غير مناسب للزوم زيادة الفاء، بل المناسب تقديره اسما مبتدأ، والجار والمجرور خبره، والتقدير فابصاره لنفسه، وكذا يقال في قوله: وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها. قوله: (لأن ثواب إبصاره) أي نفعه فلا يعود على اللّه من الطاعة نفع، ولا يصل له من المعصية ضر. قوله: وَمَنْ عَمِيَ (عنها) أي عن البصائر بمعنى الحجج.\rقوله: وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ الكاف في محل نصب نعت لمصدر محذوف تقديره نصرف الآيات في غير هذه السور تصريفا، مثل التصريف في هذه السورة. قوله: (كما بينا ما ذكر) أي الأحكام المذكورة. قوله: (نبين) الْآياتِ هذا وعد من اللّه بإكمال الدين وإظهاره، فلذا كان نزول قوله تعالى:\rالْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ من مبشرات الوفاء لرسول اللّه. قوله: (ليعتبروا) أي لتقوم بهم العبرة أي الاتعاظ، فيميزوا الحق من الباطل، وقدره المفسر لعطف قوله: وَلِيَقُولُوا عليه. قوله: (في عاقبة الأمر) أشار بذلك إلى أن اللام في وَلِيَقُولُوا لام العاقبة والصيرورة نظير قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً، وقيل إن اللام للعلة حقيقة، والمعنى نصرف الآيات ليعتبر الذين آمنوا ويزدادوا بها إيمانا، وليقول الذين كفروا درست ليزدادوا كفرا، ونظيره قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ. قوله:\r(دارست) كقاتلت، من المدارسة، والمعنى تذاكرت مع أهل الكتاب فتعلمت منهم تلك القصص.\rقوله: (و في قراءة درست) أي قرأت الكتب، وبقي قراءة ثالثة سبعية أيضا: وهي درست بفتح الدال والراء والسين، أي عفت وبليت وتكررت على الأسماع. قوله: (و جئت بهذا منها) راجع لكل من القراءتين.\rقوله: وَلِنُبَيِّنَهُ أي الآيات، وذكر باعتبار معناها وهو القرآن.\rقوله: اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ لما ذكر اللّه سبحانه وتعالى قبائح المشركين وتكذيبهم لرسول اللّه، أخذ يسلي رسوله بقوله: اتبع، أي دم على ذلك، ولا تبال بكفرهم، ولا تلتفت لقولهم، وما اسم موصول، والعائد محذوف، ونائب فاعل أوحي ضمير مستتر عائد على ما، وإليك متعلق بأوحي، ومن ربك متعلق بمحذوف حال، ومن لابتداء الغاية، والتقدير اتبع الذي أوحي إليك هو أي القرآن، حال كونه ناشئا وصادرا من ربك، ويصح أن تكون","part":1,"page":476},{"id":478,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 477\rوَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً رقيبا فنجازيهم بأعمالهم وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107) فتجبرهم على الإيمان وهذا قبل الأمر بالقتال وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ هم مِنْ دُونِ اللَّهِ أي الأصنام فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً اعتداء وظلما بِغَيْرِ عِلْمٍ أي جهلا منهم باللّه كَذلِكَ كما زينا لهؤلاء ما\r______________________________\rمصدرية، ونائب الفاعل هو الجار والمجرور، والتقدير اتبع الإيحاء الجائي إليك من ربك.\rقوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه لتأكيد التوحيد. قوله:\rوَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أي لا تتعرض لهم ولا تقاتلهم، وهذا على أنها منسوخة كما يأتي للمفسر، وقيل إن الآية محكمة، والمعنى لا تلتفت إلى رأيهم، ولا تغتظ من أقوالهم وإشراكهم، لأن ذلك بمشيئة اللّه، ومثل ذلك يقال: إذا أجمع خلق على ضلالة لا يستطاع ردها، ففي الحديث «إذا رأيتم الأمر لا تستطيعون رده فاصبروا حتى يكون اللّه هو الذي يغيره».\rقوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مفعول ثان محذوف تقديره عدم إشراكهم. قوله: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ تأكيد لما قبله، أي لست حفيظا مراقبا لهم فتجبرهم على الإيمان. قوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) أشار بذلك إلى أن الآية منسوخة، واسم الإشارة عائد على قوله: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ الخ.\rقوله: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ سبب نزولها أنه لما نزل قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ كثر سب المسلمين للأصنام، فتحزب المشركون على كونهم يسبون اللّه نظير سب المسلمين لأصنامهم، فنزلت الآية، وقيل: إن أبا طالب حضرته الوفاة، فقالت قريش انطلقوا بنا لندخل على هذا الرجل، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه، فإنا نستخي أن نقتله بعد موته فتقول العرب كان عمه يمنعه، فلما مات قتلوه. فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحرث، وأمية وأبي ابنا خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن أبي البحتري، إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمدا قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا، وندعه وإلهه، فدعاه فجاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له أبو طالب: إن هؤلاء قومك وبنو عمك، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: وما يريدون؟ قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا، وندعك وإلهك، فقال له أبو طالب: قد أنصفك قومك فاقبل منهم، فقال النبي: أرأيتم إن أعطيتم هذا، فهل أنتم معطي كلمة، إن تكلمتم بها ملكتم العرب، ودانت لكم العجم، وأدت لكم الخراج؟ قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها فما هي؟\rفقال: قولوا لا إله إلا اللّه، فأبوا ونفروا، فقال أبو طالب قل غيرها يا ابن أخي، فقال: يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها، ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها، فقالوا لتكفن عن شتمك آلهتنا أو نسبن من يأمرك فنزلت. قوله: الَّذِينَ يَدْعُونَ أي يعبدون، وقدر المفسر الضمير إشارة إلى أن مفعول يدعون محذوف. قوله: فَيَسُبُّوا اللَّهَ أي فيترتب على ذلك سب اللّه فسب الأصنام وإن كان جائزا، إلا أنه عرض له النهي بسبب ما ترتب عليه من سب اللّه، ففي الحقيقة النهي عن سب اللّه.\rقوله: (اعتداء) أشار بذلك إلى أن عَدْواً مصدر، ويصح أن يكون حالا مؤكدة، لأن السب لا يكون إلا عدوانا. قوله: (أي جهلا منهم باللّه) أي بما يجب في حقه.","part":1,"page":477},{"id":479,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 478\rهم عليه زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ من الخير والشر فأتوه ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ في الآخرة فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (108) فيجازيهم به وَأَقْسَمُوا أي كفار مكة بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ أي غاية اجتهادهم فيها لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ مما اقترحوا لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ لهم إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ينزلها كما يشاء وإنما أنا نذير وَما يُشْعِرُكُمْ يدريكم بإيمانهم إذا جاءت أي أنتم لا تدرون ذلك أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109) لما سبق في علمي وفي قراءة بالتاء خطابا للكفار وفي أخرى بفتح أن بمعنى لعل أو معمولة لما قبلها وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ نحول قلوبهم عن الحق فلا يفهمونه\r______________________________\rقوله: كَذلِكَ زَيَّنَّا نعت لمصدر محذوف، أي زينا لهؤلاء أعمالهم تزيينا مثل تزييننا لكل أمة عملهم. قوله: (من الخير والشر) أشار بذلك إلى أن الآية رد على المعتزلة الزاعمين أن اللّه لا يريد الشرور ولا القبائح. قوله: ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ مرتب على محذوف قدره المفسر بقوله:\r(فأتوه).\rقوله: وَأَقْسَمُوا أي حلفوا. قوله: (غاية اجتهادهم) أي لأنهم كانوا يحلفون بآبائهم وآلهتهم، فإذا أرادون تغليظ اليمين حلفوا باللّه. قوله: لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ حكاية عنهم، وإلا فلفظهم لئن جاءتنا آية. قوله: (مما اقترحوا) أي طلبوا، وذلك أن قريشا قالوا: يا محمد إنك تخبرنا أن موسى كان له عصا يضرب بها الحجر، فتنفجر منه اثنتا عشرة عينا، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، فائتنا بآية حتى نصدقك ونؤمن بك، فقال رسول اللّه: أي شيء تحبون: قالوا تجعل لنا الصفا ذهبا، وابعث لنا بعض موتانا نسأله عنك، أحق ما تقول أم باطل؟ وأرنا الملائكة يشهدون لك، فقال رسول اللّه: إن فعلت ما تقولون تصدقونني؟ قالوا: نعم واللّه لئن فعلت لنتبعنك أجمعين، وسأل المسلمون رسول اللّه أن ينزلها عليهم حتى يرضوا، فقام رسول اللّه يدعو أن يجعل الصفا ذهبا فقال جبريل: لك ما شئت إن شئت يصبح ذهبا، ولكن إن لم يصدقوك لنعذبنهم، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بل يتوب تائبهم، فنزلت الآية.\rقوله: لَيُؤْمِنُنَّ بِها جواب القسم، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه. قوله:\rقُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ أي لا عندي، فالقادر على إنزالها هو اللّه، وينزلها على حسب ما يريد. قوله: وَما يُشْعِرُكُمْ ما اسم استفهام مبتدأ، وجملة يشعر خبرها، والكاف مفعول أول، والثاني محذوف قدره المفسر بقوله: «بإيمانهم» والخطاب للمؤمنين، أي وما يعلمكم أيها المؤمنون بإيمانهم، وقوله: أَنَّها إِذا جاءَتْ بكسر استئناف مسوق لقطع طمع المؤمنين من إيمان المشركين، وتكذيب للمشركين في حلفهم. قوله: (أي أنتم لا تدرون) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي. قوله: (و في قراءة بالتاء) ظاهره أن هذه القراءة مع كسر إن وليس كذلك بل هي مع الفتح، فالمناسب تأخيرها عن قوله: (و في أخرى بفتح أن)، فالقراءات ثلاث: الكسر مع الياء لا غير، والفتح إما مع الياء أو التاء. قوله: (بمعنى لعل) أي ومجيء أي بمعنى لعل كثير شائع في كلام العرب، والترجي في كلام اللّه مثل التحقيق، فهي مساوية لقراءة الكسر. قوله: (أو معمولة لما قبلها) أي على أنها المفعول الثاني، ولا إما صلة أو داخلة على محذوف، والتقدير إذا جاءت لا تعلمون أنهم يؤمنون أو المقابل محذوف، والتقدير إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون، وهو إخبار عن الكفار عن قراءة الياء،","part":1,"page":478},{"id":480,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 479\rوَأَبْصارَهُمْ عنه فلا يبصرونه فلا يؤمنون كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أي بما أنزل من الآيات أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ نتركهم فِي طُغْيانِهِمْ ضلالهم يَعْمَهُونَ (110) يترددون متحيرين وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى كما اقترحوا وَحَشَرْنا جمعنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا بضمتين جمع قبيل أي فوجا فوجا وبكسر القاف وفتح الباء أي معاينة فشهدوا بصدقك ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا لما سبق في علم اللّه إِلَّا لكن أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إيمانهم فيؤمنون وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) ذلك وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا كما جعلنا هؤلاء أعداءك ويبدل منه شَياطِينَ مردة\r______________________________\rوخطاب لهم على قراءة التاء.\rقوله: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ باستئناف مسوق لبيان أن خالق الهدى والضلال هو اللّه لا غيره، فمن أراد له الهدى حول قلبه له، ومن أراد اللّه شقاوته حول قلبه لها. قوله: كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ مرتبط بمحذوف قدره المفسر بقوله فلا يؤمنون، والمعنى تحول قلوبهم عن الإيمان ثانيا، كما حولناها أولا عند نزول الآيات لو نزلت، أي فهم لا يؤمنون على كل حال. قوله: نَذَرُهُمْ عطف على لا يؤمنون. قوله:\rيَعْمَهُونَ إما حال أو مفعول ثان، لأن الترك بمعنى التصيير، وعمه من باب تعب إذا ترددت متحيرا، مأخوذ من قولهم أرض عمهاء، إذا لم يكن فيها أمارات تدل على النجاة.\rقوله: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا هذه زيادة في الرد عليهم، وتفصيل ما أجمل في قوله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون. قوله: (كما اقترحوا) أي طلبوا بقولهم: لو لا أنزل علينا الملائكة، وقولهم: فاتوا بآياتنا قوله: كُلَّ شَيْءٍ أي من أصناف المخلوقات، كالوحوش والطيور. قوله: (بضمتين جمع قبيل) أي كنصيب ونصب، وقضيب وقضب. قوله: (أي فوجا فوجا) تفسير لقبيل، وأما قبلا فمنعناه أفواجا أفواجا، وعلى هذه القراءة فنصب قبلا على الحال. قوله: (و بكسر القاف وفتح الباء) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (أي معاينة) أي فيقال فلان قبل فلان، أي مواجهه ومعاينه وهو مصدر منصوب على الحال، أي معاينين ومشافهين لكل شيء، وصاحب الحال الهاء في عليهم.\rقوله: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا جواب لو، واللام في ليؤمنوا لام الجحود، ويؤمنوا منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد لام الجهود، وخبر كان محذوف تقديره ما كانوا أهلا للإيمان. قوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ قدر المفسر (لكن) إشارة إلى أن الاستثناء منقطع كما هو عادته، وذلك لأن المشيئة ليست من جنس إرادتهم، وقال بعضهم: إن الاستثناء متصل، والمعنى ما كانوا ليؤمنوا في حال من الأحوال، إلا في حال مشيئة اللّه لهم بالإيمان. قوله: يَجْهَلُونَ (ذلك) أي يجهلون أن ظهور الآيات يوجب الإيمان، لو لم تصحبه مشيئة اللّه، وهو توبيخ لهم حيث أقسموا باللّه جهد أيمانهم، أنه إذا جاءتهم الآيات يؤمنون، مع أنه سبق في علم اللّه شقاؤهم، ومن هنا لا ينبغي ترك المشيئة والاعتماد على الأسباب، فقد يوجد السبب ولا يوجد المسبب.\rقوله: وَكَذلِكَ جَعَلْنا هذا تسلية لرسول اللّه على ما وقع منهم من العداوة، والكاف داخلة على المشبه وهي بمعنى مثل. والمعنى مثل ما جعلنا لك أعداء من قومك، جعلنا لكل نبي عدوا الخ، فتسل ولا تحزن، وجعل بمعنى صير، فتنصب مفعولين: الأول عَدُوًّا مؤخرا، والثاني لِكُلِّ نَبِيٍ مقدم،","part":1,"page":479},{"id":481,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 480\rالْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي يوسوس بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ مموهة من الباطل غُرُوراً أي ليغروهم وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ أي الايحاء المذكور فَذَرْهُمْ دع الكفار وَما يَفْتَرُونَ (112) من الكفر وغيره مما زين لهم وهذا قبل الأمر بالقتال وَلِتَصْغى عطف على غرورا أي تميل إِلَيْهِ أي الزخرف أَفْئِدَةُ قلوب الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا يكسبوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) من الذنوب فيعاقبوا عليه. ونزل لما طلبوا من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يجعل بينه وبينهم حكما قل أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي أطلب حَكَماً قاضيا بيني وبينكم\r______________________________\rوشَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِ بدل، وهذا ما درج عليه المفسر، وقيل إن عدوا مفعول ثان، وشياطين مفعول أول، ولكن نبي متعلق بمحذوف حال من عدوا. قوله: لِكُلِّ نَبِيٍ أي وإن لم يكن رسولا، ولذا ورد أن الكفار قتلوا في يوم واحد سبعين نبيا. قوله: (مردة) جمع ما رد وهو المتمرد المستعد للشر، وقدم شياطين الإنس لأنها أقوى في الإيذاء، قال ابن مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد علي من شيطان الجن، وذلك إذا تعوذت باللّه ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي. وقال الغزالي: كن من شياطين الجن في أمان، واحذر من شياطين الإنس، فإن شياطين الإنس أراحوا شياطين الجن من التعب. وهذا على أن المراد شياطين من الإنس وشياطين من الجن، وقيل إن الشياطين كلهم من إبليس، وذلك أنه فرق أولاده فرقتين. ففرقة توسوس للإنس، وتسمى شياطين الإنس، وفرقة توسوس لصلحاء الجن، وتسمى شياطين الجن، وكل صحيح.\rقوله: يُوحِي بَعْضُهُمْ أي وهو شيطان الجن، وقوله: إِلى بَعْضٍ أي وهو شيطان الإنس، قال تعالى: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ. قوله: (من الباطل) بيان لزخرف القول، وأشار به إلى أن المراد بالزخرف المموه الظاهر الفاسد الباطل. قوله: (أي ليغروهم) أشار بذلك إلى أن قوله: غُرُوراً مفعول لأجله. قوله: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ مفعول شاء محذوف تقديره عدم فعلهم.\rقوله: وَما يَفْتَرُونَ ما اسم موصول أو نكرة موصوفة، وجملة يفترون صلة أو صفة، والعائد محذوف تقديره فذرهم والذي يفترونه، أو مصدرية والتقدير فذرهم وافتراءهم. قوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) أي فهي منسوخة. قوله: (عطف على غرورا) أي فاللام للتعليل، وما بين الجملتين اعتراض، والتقدير يوحي بعضهم إلى بعض للغرور\rقوله: وَلِيَرْضَوْهُ أي يحبوه لأنفسهم. قوله: (من الذنوب) بيان لما، وقوله: (فيعاقبوا) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، والتقدير وليقترفوا عقاب ما هم مقترفون. قوله: (لما طلبوا) (أن يجعل بينه وبينهم حكما) أي من أحبار اليهود، أو من أساقفة النصارى، ليخبرهم بما في كتابهم من أوصاف النبي وأمره.\rقوله: أَفَغَيْرَ اللَّهِ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير أميل لزخارفكم التي زينها الشيطان. فغير اللّه أبتغي حكما، وغير مفعول لأبتغي، وحكما حال أو تمييز، أو حكما مفعول وغير حال، والحكم أبلغ من الحاكم لأن الحكم من تكرر منه الحكم، وأما الحاكم فيصدق ولو","part":1,"page":480},{"id":482,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 481\rوَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ القرآن مُفَصَّلًا مبينا فيه الحق من الباطل وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ التوراة كعبد اللّه بن سلام وأصحابه يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ بالتخفيف والتشديد مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) الشاكين فيه والمراد بذلك التقرير للكفار أنه حق وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ بالأحكام والمواعيد صِدْقاً وَعَدْلًا تمييز لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ بنقض أو خلف وَهُوَ السَّمِيعُ لما يقال الْعَلِيمُ (115) بما يفعل وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ أي الكفار يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دينه إِنْ ما يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ في مجادلتهم لك في أمر الميتة إذا قالوا ما قتل اللّه أحق أن تأكلوه مما قتلتم وَإِنْ ما هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) يكذبون في\r______________________________\rبمرة، أو لأن الحكم لا يجوز أصلا، والحاكم قد يجور. قوله: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ الجملة حالية كأنه قال:\rأفغير اللّه أطلب حكما، والحال أن اللّه هو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا، فالذي يشهد لي هو القرآن، وأما الكتب القديمة فإنها وإن كانت تشهد له أيضا، لكن لما غيروا وبدلوا، صارت غير معول عليها.\rقوله: (و أصحابه) أي ممن أسلم من علماء اليهود.\rقوله: يَعْلَمُونَ أَنَّهُ أي الكتاب. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان، قوله:\rبِالْحَقِ متعلق بمحذوف حال، والتقدير أنه منزل من ربك حال كونه متلبسا بالحق. قوله: (و المراد بذلك التقرير الخ) دفع بذلك ما يقال إن الشك مستحيل على النبي، فكيف ينهى عما يستحيل وصفه به، فأجاب بما ذكر، وأجيب أيضا بأنه من باب التعريض للكفار بأنهم هم الممترون، فالخطاب له والمراد غيره.\rقوله: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ أي القرآن وفيها قراءتان: الجمع والإفراد، فالجمع ظاهر، والإفراد على إرادة الجنس والماهية، وترسم بالتاء المجرورة على كل من القراءتين، وهكذا كل ما قرىء بالجمع والإفراد إلا موضعين: أحدهما في يونس في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) وثانيهما في غافر في قوله تعالى: (وَ كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) فاختلف فيها المصاحف، فبعضهم بالتاء المجرورة، وبعضهم بالتاء المربوطة.\rقوله: (بالأحكام والمواعيد) راجع لقوله: صِدْقاً وَعَدْلًا على سبيل اللف والنشر المشوش، ولو أخره لكان أحسن، والمعنى: تمت كلمات ربك من جهة الصدق، كالأخبار والمواعيد، والعدل كالأحكام فلا جور فيها، وهذا إخبار من اللّه بحفظ القرآن من التغيير والتبديل، كما وقع في الكتب المتقدمة، وذلك سر قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وقوله تعالى:\rوَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ. قوله: (تمييز) أي على التوزيع، أي صدقا في مواعيده وعدلا في أحكامه، ويصح أن يكون حالا من ربك، ويؤول المصدر باسم الفاعل، أي حال كونه صادقا وعادلا.\rقوله: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ هذا كالتوكيد لقوله: تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، وقوله: (بنقض أو خلف) راجع لقوله: صِدْقاً وَعَدْلًا على سبيل اللف والنشر المرتب. قوله: (أي الكفار) تفسير للأكثر.\rقوله: إِنْ يَتَّبِعُونَ قدر المفسر ما إشارة إلى أن إن نافية بمعنى ما. قوله: (إذ قالوا الخ) إشارة لسبب نزول هذه الآية وما بعدها، وذلك أن المشركين قالوا للنبي: أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال:","part":1,"page":481},{"id":483,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 482\rذلك إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ أي عالم مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) فيجازي كلا منهم فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أي ذبح على اسمه إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ من الذبائح وَقَدْ فَصَّلَ بالبناء للمفعول وللفاعل في الفعلين لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ في آية حرمت عليكم الميتة إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ منه فهو أيضا حلال لكم المعنى لا مانع لكم من أكل ما ذكر وقد بين لكم المحرم أكله وهذا ليس منه وَإِنَ\r______________________________\rاللّه قتلها. قالوا: أنت تزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتلها الكلب والصقر حلال، وما قتله اللّه حرام، فكيف تدعون أنكم تعبدون اللّه ولا تأكلون ما قتله ربكم؟ فما قتله اللّه أحق أن تأكلوه مما قتلتم أنتم. قوله: إِلَّا يَخْرُصُونَ الخرص في الأصل الحزر والتخمين، ومنه خرص النخلة، وقوله:\r(يكذبون) سمى الخرص كذبا لأن فيه تتبع الظنون الكاذبة. قوله: (في ذلك) أي في قولهم ما قتل اللّه أحق أن تأكلوه مما قتلتم. قوله: (أي عالم) دفع بذلك ما يقال إن أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه، فأجاب: بأن اسم التفضيل مؤول اسم الفاعل. وأجيب أيضا: بأن\rقوله: مَنْ يَضِلُ مفعول لمحذوف تقديره يعلم من يضل، أو منصوب بنزع الخافض، والتقدير بمن يضل يدل عليه قوله بعد وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.\rقوله: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ هذا رد لقولهم المتقدم، فإن الميتة لم يذكر عليها اسم اللّه، فعند مالك الوجوب مع الذكر، وعند الشافعي السنية، والمراد بذكر اسم اللّه هنا، عدم ذكر اسم غيره كالأصنام، ليدخل ما إذا نسي التسمية فإنها تؤكل، وسيأتي إيضاح ذلك.\rقوله: وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا هذا تأكيد لإباحة ما ذبح على اسم اللّه، وما اسم استفهام مبتدأ، ولكم خبره، والتقدير أي شيء ثبت لكم في عدم أكلكم الخ.\rقوله: وَقَدْ فَصَّلَ أي بين وميز، والواو للحال. قوله: (بالبناء للمفعول وللفاعل) أي فهما قراءتان سبعيتان، وبقي ثالثة، وهي بناء الأول للفاعل، والثاني للمفعول. قوله: (في الفعلين) أي فصل وحرم. قوله: (في آية حرمت عليكم الميتة) أي التي ذكرت في المائدة، وفي المقام إشكال أورده فخر الدين الرازي، وهو أن سورة الأنعام مكية، وسورة المائدة مدنية، من آخر القرآن نزولا بالمدينة. وأجيب: بأن اللّه علم أن سورة المائدة متقدمة على سورة الأنعام في الترتيب لا في النزول، فبهذا الاعتبار حسنت الحوالة عليها لسبقية علم اللّه بذلك، وقال بعضهم: الأولى أن يقال وقد فصل لكم الخ. أي في قوله: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً الآية، وهذه وإن كانت مذكورة بعد، إلا أنه لا يمنع الاستدلال بها للاتحاد في وقت النزول.\rقوله: إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ استثناء منقطع، لأن ما اضطر إليه ليس داخلا في المحرم. قوله:\r(فهو أيضا حلال لكم) أي وهل يشبع ويتزود منها، ويقتصر على ما يسد الرمق، خلال بين العلماء. قوله:\r(المعنى لا مانع الخ) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري. قوله: (و هذا ليس منه) أي من المحرم، وأما ما لم ينص على حرمته ولا حله من قبيل الحل، لأنه ذكر أشياء واستثنى الحرام منها، فالحرام معدود معروف، فمثل القهوة والدخان غير محرم، إلا أن يطرأ له ما يحرمه، كالاسراف وتغييب العقل. وحاصل","part":1,"page":482},{"id":484,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 483\rكَثِيراً لَيُضِلُّونَ بفتح الياء وضمها بِأَهْوائِهِمْ بما تهواه أنفسهم من تحليل الميتة وغيرها بِغَيْرِ عِلْمٍ يعتمدونه في ذلك إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) المتجاوزين الحلال إلى الحرام وَذَرُوا اتركوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ علانيته وسره والإثم قيل الزنا وقيل كل معصية إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ في الآخرة بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) يكتسبون وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ بأن مات أو ذبح على اسم غيره وإلا فما ذبحه المسلم ولم يسم فيه عمدا أو\r______________________________\rذلك أن يقال: إن اعتاد ذلك وصار دواء فهو جائز، ولكن بقدر الضرورة، وإن كان يضر جسمه أو يسرف فيه فهو حرام، وإن اشتغل به عن عبادة مندوبة فهو مكروه، فكثرته إما حرام أو مكروه. قوله:\r(بفتح الياء) أي من ضل اللازم، بمعنى قام به الضلال في نفسه، وقوله: (و ضمها) أي من أضل الرباعي، بمعنى أوقع غيره في الضلال. قوله: بِأَهْوائِهِمْ الباء سببية، وفي قوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ متعلق بمحذوف حال، والمعنى يضلون في أنفسهم، أو يوقعون غيرهم في الضلال، بسبب اتباعهم أهواءهم، ملتبسين بغير علم. قوله: (و غيرها) أي كالدم ولحم الخنزير، إلى آخر ما ذكر في آية المائدة. قوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ أي فيجازيهم على اعتدائهم.\rقوله: وَذَرُوا الأمر للمكلفين من الإنس والجن وهو للوجوب. قوله: (علانيته وسره) لف ونشر مرتب. قوله: (قيل الزنا) أي وكان العرب يحبونه، وكان الشريف منهم يستحي من إظهاره فيفعله سرا، وغير الشريف لا يستحي من ذلك فيظهره، فأنزل اللّه تحريمه ظاهرا وباطنا. قوله: (و قيل كل معصية) أي فالظاهر منها: كالزنا والسرقة وبقية معاصي الجوارح الظاهرية، والباطن منها: كالكبر والحقد والحسد والعجب والرياء وحب الرياسة وغير ذلك من المعاصي القلبية، وهذا التفسير هو الأقرب، وإن كان الأول موافقا لسبب النزول، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله: سَيُجْزَوْنَ (في الآخرة) أي بالعذاب الدائم إن كان مستحلا، أو بالعذاب مدة، ويخرج إن لم يكن مستحلا، ومات من غير توبة ولم يعف اللّه عنه، فإن تاب الكافر قبل قطعا، وإن تاب المسلم فقيل كذلك، وقيل تقبل ظنا. إن قلت:\rلأي شيء اختلف في توبة المسلم دون الكافر؟ وأجيب: بأن رحمة اللّه سبقت غضبه، فلو جاز عدم القبول لتوبة الكافر، لكان مخلدا في النار، مع أن رحمته غلبت غضبه. وأما المؤمن فهو مقطوع له بالجنة، فلو لم يقبل توبته وعذبه، فلا بد له من الرحمة، انتهاء غاية ما هناك عذابه تطهير له.\rقوله: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ اختلف في تفسير هذه الآية، فقال بعض المجتهدين غير الأربعة: الآية عامة في كل شيء، فأي شيء لم يذكر اسم اللّه عليه لا يجوز أكله، وقال بعضهم: الآية مخصوصة بالذبيحة، فمن ترك التسمية عمدا أو نسيانا لا تؤكل ذبيحته، وقال بعضهم: إن تركها عمدا لا تؤكل، وإن تركها نسيانا أو عجزا كخرس أكلت، وبه قال مالك وأبو حنيفة، وقال بعضهم: التسمية سنة، فإن تركها عمدا أو نسيانا أكلت، وبه قال الإمام الشافعي، وعن الإمام أحمد روايتان: الأولى يوافق فيها مالكا، والثانية يوافق فيها الشافعي، إذا علمت ذلك فمحمل الآية ما أهل به لغير اللّه فقط، لأنه المفسر به الفسق فيما يأتي في قوله تعالى: أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ). وأما حكم الميتة فمعلوم من غير هذا الموضع، وحملها المفسر عليهما معا وهما طريقتان. قوله: (أو ذبح على اسم غيره) أي","part":1,"page":483},{"id":485,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 484\rنسيانا فهو حلال قاله ابن عباس وعليه الشافعي وَإِنَّهُ أي الأكل منه لَفِسْقٌ خروج عما يحل وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ يوسوسون إِلى أَوْلِيائِهِمْ الكفار لِيُجادِلُوكُمْ في تحليل الميتة وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ فيه إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) ونزل في أبي جهل وغيره أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً بالكفر فَأَحْيَيْناهُ بالهدى وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ يتبصر به الحق من غيره وهو الإيمان كَمَنْ مَثَلُهُ مثل زائدة أي كمن هو فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها وهو الكافر لا كَذلِكَ\r______________________________\rوإن لم يذكر اسم غير اللّه، وأما الكتابي إذا لم يذكر اسم اللّه ولم يهل به لغيره، فإنها تؤكل، فإن جمع الكتابي بين اسم اللّه واسم غيره أكلت ذبيحته عند مالك، لأن اسم اللّه يعلو ولا يعلى عليه، وأما المسلم إن جمع بينهما على وجه التشريك في العبودية، فهو مرتد لا تؤكل ذبيحته. قوله: (و عليه الشافعي) أي فالتسمية عنده سنة. قوله: (أي الأكل منه) أي المفهوم من لا تأكلوا على حد (أعدلوا هو الأقرب للتقوى) أي العدل المفهوم من اعدلوا.\rقوله: وَإِنَّ الشَّياطِينَ أي إبليس وجنوده من الجن. قوله: (الكفار) أي وهم شياطين الإنس.\rقوله: لِيُجادِلُوكُمْ تعليل لَيُوحُونَ وذلك أن المشركين قالوا يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: اللّه قتلها، قال: أتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتله اللّه حرام فنزلت.\rقوله: إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ أي لأن من أحل شيئا مما حرم اللّه، أو حرم شيئا مما أحل اللّه فهو مشرك، لأنه أثبت حاكما غير اللّه، ولا شك أنه إشراك. قوله: (و غيره) أي كعمر بن الخطاب أو حمزة أو عمار بن ياسر أو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ولكن العبرة بعموم اللفظ فهذا المثل للكافر والمسلم، وسبب نزولها على القول بأنها في أبي جهل وحمزة، أن أبا جهل رمى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بفرث؛ فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل، وكان حمزة قد رجع من صيد وبيده قوس، وحمزة لم يكن مؤمنا إذ ذاك، فأقبل حمزة غضبان حتى علا أبا جهل وجعل يضربه بالقوس، وجعل أبو جهل يتضرع إلى حمزة ويقول: يا أبا يعلى ألا ترى ما جاء به؟ سفه عقولنا، وسب آلهتنا، وخالف أباءنا، فقال حمزة: ومن أسفه منكم عقولا تعبدون الحجارة من دون اللّه، أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا رسول اللّه، فأسلم حمزة يومئذ فنزلت الآية.\rقوله: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً الهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف تقديره أيستويان، ومن كان ميتا الخ، ومن اسم شرط مبتدأ، وكان فعل الشرط واسمها مستتر، وميتا خبرها وقوله: فَأَحْيَيْناهُ جواب الشرط، وقوله: كَمَنْ مَثَلُهُ خبر المبتدأ. قوله: (بالهدى) أي الإيمان.\rقوله: (مثل زائدة) أي لأن المثل هو الصفة، والمستقر في الظلمات ذواتهم لا صفاتهم. قوله: لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها هذا إخبار من اللّه بعدم إيمان أبي جهل رأسا، ولكن تقدم أن العبرة بعموم اللفظ. قوله:\r(لا) أي لا يستويان، وأشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري. قوله: (كما زين للمؤمنين الإيمان) أي لقوله تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ. قوله: زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي والمزين لهم حقيقة هو اللّه، ويصح نسبة التزيين إلى الشياطين من حيث الإغواء والوسوسة.\rقوله: وَكَذلِكَ الكاف اسم بمعنى مثل، والمعنى ومثل ما جعلنا في مكة كبراءها وعظماءها المجرمين، جعلنا في كل قرية كبراءها وعظماءها مجرميها، فذلك سنة اللّه أنه جعل أول من يقتدي بالرسل","part":1,"page":484},{"id":486,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 485\rكما زين للمؤمنين الإيمان زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (122) من الكفر والمعاصي وَكَذلِكَ كما جعلنا فساق مكة أكابرها جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها بالصد عن الإيمان وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ لأن وباله عليهم وَما يَشْعُرُونَ (123) بذلك وَإِذا جاءَتْهُمْ أي أهل مكة آيَةٌ على صدق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ به حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ من الرسالة والوحي إلينا لأنا أكثر مالا وأكبر سنا قال تعالى اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ\r______________________________\rالضعفاء والمعارضين المنكرين الكبراء، ليكون عز الرسل بربهم ظاهرا وباطنا، وكل آية وردت في ذم الكفار تجر بذيلها على عصاة المؤمنين، فإن المباشر للظلم والفجور أكابر كل قرية ومدينة كما هو مشاهد.\rقوله: (فساق مكة) هو معنى مجرميها، وحل المفسر يفيد أن مجرميها مفعول أول مؤخر، وأكابر مفعول ثان مقدم، وفي كل قرية ظرف لغو متعلق بجعلنا، وهو أحد أعاريب أربعة، الثاني: أن قوله في كل قرية مفعول ثان مقدم، وأكابر مفعول أول مؤخر وهو مضاف لمجرميها، وأخر المفعول الأول لأن فيه ضميرا يعود على المفعول الثاني، فلو قدم لعاد الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وقد أشار ابن مالك لذلك بقوله:\rكذا إذا عاد عليه مضمر ... مما به عنه مبينا يخبر\r\rفيصير المعنى وكذلك جعلنا عظماء المجرمين كائنين في كل قرية. الثالث: أن في كل مفعول ثان، وأكابر مفعول أول، ومجرميها بدل من أكابر، ولم يضف لئلا يلزم عليه إضافة الصفة للموصوف وهو لا يجوز عند البصريين. الرابع: أن أكابر مفعول أول مضاف لمجرميها، وفي كل قرية ظرف لغو متعلق بجعلنا، والمفعول الثاني محذوف تقديره فساقا، ورد بأن هذا التقدير لا فائدة فيه ولا محوج له، فالأحسن الثلاثة الأول.\rقوله: لِيَمْكُرُوا فِيها اللام إما لام العاقبة والصيرورة نظير فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً، أو لام العلة بمعنى الحكمة، وأما قولهم تنزه اللّه عن العلة، فمعناه العلة الباعثة على الفعل ليتكمل به، وأما الحكم فلا تخلو أفعال اللّه عنها، (سبحانك ما خلقت هذا عبثا) والمكر والخديعة والحيلة والغدر والفجور وترويج الباطل، وهذه الأشياء لا تقبل عادة إلا من الكبراء. قوله: (بالصد عن الإيمان) أي لما ورد أن كل طريق من طرق مكة كان يجلس عليه أربعة، يصرفون الناس عن الإيمان بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ويقولون هو كذاب ساحر كاهن. قوله: (لأن وباله عليهم) أي وبال مكرهم لاحق بهم، قال تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ وقال أيضا: سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ الآية.\rقوله: وَما يَشْعُرُونَ (بذلك) أي لم يعلموا بأن وباله عليهم.\rقوله: إِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ نزلت في الوليد بن المغيرة حيث قال للنبي: لو كانت النبوة حقا لكنت أنا أولى بها منك، لأني أكبر سنا وأكثر منك مالا، وقيل في أبي جهل حيث قال: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف، حتى صرنا كفرسي رهان، قالوا منا نبي يوحى إليه، واللّه لا نؤمن به ولا نتبعه أبدا، إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه. قوله: آيَةٌ أي معجزة، كانشقاق القمر، وحنين الجذع، ونبع الماء. قوله: لَنْ نُؤْمِنَ أي نصدق برسالته. قوله: مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ قال بعضهم: يسن الوقف عليه هنا، ويستجاب الدعاء بين هاتين الجلالتين، وذكر بعضهم له دعاء مخصوصا وهو: اللهم من الذي دعاك فلم تجبه، ومن الذي استجارك فلم تجره، ومن الذي سألك فلم تعطه، ومن الذي استعان بك فلم تعنه،","part":1,"page":485},{"id":487,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 486\rرِسالَتَهُ بالجمع والإفراد وحيث مفعول به لفعل دل عليه أعلم أي يعلم الموضع الصالح لوضعها فيه فيضعها وهؤلاء ليسوا أهلا لها سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا بقولهم ذلك صَغارٌ ذل عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (124) أي بسبب مكرهم فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ بأن يقذف في قلبه نورا فينفسح له ويقبله كما ورد في حديث وَمَنْ يُرِدْ اللّه\r______________________________\rومن الذي توكل عليك فلم تكفه، يا غوثاه يا غوثاه يا غوثاه، بك أستغيث، أغثني يا مغيث، واهدني هداية من عندك، واقض حوائجنا، واشف مرضانا، واقض ديوننا، واغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا، بحق القرآن العظيم، والرسول الكريم، برحمتك يا أرحم الراحمين اه. قوله: (قال تعالى) أي ردا عليهم. قوله:\r(لفعل دل عليه أعلم) دفع بذلك ما يقال من أن حيث مفعول به وليست ظرفا، لأنها كناية عن الذات التي قامت بها الرسالة، واسم التفضيل لا ينصب المفعول به، فأجاب بما ذكر. وأجيب أيضا: بأن اسم التفضيل ليس على بابه بل هو مؤول باسم الفاعل وهذا أولى، لأن ما لا تقدير فيه خير مما فيه تقدير، وأيضا يدفع توهم المشاركة بين علم القديم والحادث، والحاصل أن اسم التفضيل في أسماء اللّه وصفاته، كأكرم وأعلم وأعظم وأجل ليس على بابه. قوله: (و الموضع الصالح لوضعها فيه) أي الذات تستحق الرسالة وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: الَّذِينَ أَجْرَمُوا أي وماتوا على الكفر.\rقوله: صَغارٌ كسحاب مصدر صغر كتعب، معناه الذل والهوان، وأما الصغر ضد الكبر، فيقال فيه صغر بالضم فهو صغير. قوله: عِنْدَ اللَّهِ إما ظرف ليصيب أو لصغار، والعندية مجازية كناية عن الحشر، والوقوف بين يديه، والحساب والجزاء. قوله: (أي بسبب مكرهم) أشار بذلك إلى أن الياء سببية وما مصدرية.\rقوله: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ أعلم أن اللّه سبحانه وتعالى جعل خلقه في الأزل قسمين: شقي وسعيد، وجعل لكل أمة علامة تدل عليه، فعلامة السعادة شرح الصدر للإسلام، وقبوله لما يرد عليه من النور والأحكام، وعلامة الشقاوة ضيق الصدر، وعلامة قبوله لذلك، وجعل لكل قسم في الآخرة دار يسكنونها، فلأهل السعادة الجنة ونعيمها، ولأهل الشقاوة النار وعذابها، لما في الحديث «إن اللّه خلق خلقا وقال هؤلاء للجنة ولا أبالي، وخلق خلقا وقال هؤلاء للنار ولا أبالي» فذكر في هذه الآية علامة كل قسم، فإذا رزق اللّه العبد شرح الصدر وأسكنه حلاوة الإيمان، فليعلم أن اللّه أعظم عليه النعمة.\rوبضدها تتميز الأشياء. ومن اسم شرط، ويرد فعل الشرط، ويشرح جوابه. قوله: يَهْدِيَهُ أي يوصله للمقصود، وليس المراد الدلالة لأنها هي شرح الصدر.\rقوله: يَشْرَحْ صَدْرَهُ الشرح في الأصل التوسيع، والمراد هنا لازمه، وهو أن يقذف اللّه في قلب الشخص النور، حتى تكون أحواله مرضية للّه، لأنه يلزم من الوسع قبول ما يحل فيه. قوله: (كما ورد في حديث) أي وهو أنه لما نزلت هذه الآية، سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن شرح الصدر فقال: هو نور يقذفه اللّه في قلب المؤمن، فينشرح له وينفتح، قيل فهو لذلك أمارة؟ قال نعم الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت، وفي رواية قبل لقى الموت.","part":1,"page":486},{"id":488,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 487\rأَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً بالتخفيف والتشديد عن قبوله حَرَجاً شديد الضيق بكسر الراء صفة وفتحها مصدر وصف به مبالغة كَأَنَّما يَصَّعَّدُ وفي قراءة يصاعد وفيهما إدغام التاء في الأصل في الصاد في أخرى بسكونها فِي السَّماءِ إذا كلف الإيمان لشدته عليه كَذلِكَ الجعل يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ العذاب أو الشيطان أي يسلطه عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125) وَهذا الذي أنت عليه يا محمد صِراطُ طريق رَبِّكَ مُسْتَقِيماً لا عوج فيه ونصبه على الحال المؤكدة للجملة والعامل فيها معنى الإشارة قَدْ فَصَّلْنَا بينا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) فيه إدغام\r______________________________\rقوله: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ أي يمنعه عن الوصول، ويسكنه دار العقاب، ويطرده عن رحمته ومن اسم شرط، ويرد فعل الشرط، ويجعل جوابه، وجعل بمعنى صير، فصدره مفعول أول، وضيقا مفعول ثان، وحرجا صفته. والمعنى: أن من أراد اللّه شقاوته، وطرده عن رحمته، ضيق قلبه، فلا يقبل شيئا من أصول الإسلام ولا من فروعه، ولو قطع إربا إربا، وعلامة ذلك إذا ذكر التوحيد نفر قلبه واشمأز، وإن نطق بلسانه كأهل النفاق، قال تعالى: وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ الآية. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي كميت وميت قراءتان سبعيتان. قوله: (شديد الضيق) أي زائدة، فلا يقبل شيئا من الهدى أصلا. قوله: (بكسر الراء صفة) أي اسم فاعل كفرح فهو فرح. قوله:\r(وصف به مبالغة) أي أو على حذف مضاف، أي ذا حرج على حد زيد عدل.\rقوله: كَأَنَّما يَصَّعَّدُ أي يتكلف الصعود فلا يستطيعه. قوله: (و فيهما إدغام التاء في الأصل) أي بعد قلبها صادا فأصل الأولى يتصعد، وأصل الثانية يتصاعد، وهاتان القراءتان مع تشديد ضيقا، وكسر راء حرجا أو فتحها. وأما قوله: (و في أخرى بسكونها) فهي قراءة من خفف ضيقا ويفتح حرجا فالمخفف للمخفف، والمشدد للمشددة. قوله: (لشدته عليه) أي لتعسر الإيمان عليه، فإن القلب بيد اللّه يسكن فيه أي الأمرين شاء، وليس مملوكا لصاحبه، وحينئذ فلا ينبغي له أن يأمن لما هو في قلبه من الإيمان ومحبة اللّه ورسوله، ومن هنا علمنا اللّه طلب الهداية على سبيل الدوام مع كونها حاصلة بقوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) وبقوله: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا الآية، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك». ولذا خاف العارفون ولم يسكنوا إلى علم ولا عمل، لما علموا أن القلوب بيد اللّه يقلبها كيف يشاء، ولا يأمنون حتى تقبض أرواحهم على الإيمان، ولكن شأن الكريم، أن من تمم له نعمة الإيمان لا يسلبها منه، لأنه وعد منه وهو لا يخلف. قوله: (أي يسلطه) أي الشيطان وهو تفسير للجعل على التفسير الثاني، وأما تفسيره على الأول فمعناه يلقى ويصيب. قوله: (الذي أنت عليه) أي وهو الإسلام.\rقوله: صِراطُ رَبِّكَ شبه دين الإسلام بالصراط المستقيم لا اعوجاج فيه، واستعار اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية. قوله: (و نصبه على الحال المؤكدة للجملة) المناسب أن يقول المؤكدة لصراط، لأن الحال المؤكدة للجملة عاملها مضمر، قال ابن مالك:\rوإن تؤكد جملة فمضمر ... عاملها ولفظها يؤخر\r\rفينافيه قوله: (و العامل فيها معنى الإشارة). قوله: (معنى الإشارة) المناسب أن يقول: والعامل","part":1,"page":487},{"id":489,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 488\rالتاء في الأصل في الذال أي يتعظون وخصوا بالذكر لأنهم هم المنتفعون لَهُمْ دارُ السَّلامِ أي السلامة وهي الجنة عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (127) وَاذكر يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ بالنون والياء أي اللّه الخلق جَمِيعاً ويقال لهم يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ\r______________________________\rفيها اسم الإشارة، باعتبار ما فيه من معنى الفعل وهو أسير. قوله: (فيه إدغام التاء في الأصل) أي بعد قلبها ذالا. قوله: (و خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون) أي المؤتمرون بأمره، المنتهون بنهيه، وهم الصالحون المتقون، فبقاء القرآن دليل على بقاء جماعة على قدم النبي بدليل هذه الآية اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً ولا عبرة بمن يقول عدمت الصالحون، وربما قال أنا لم أر أحدا منهم. فقد قال ابن عطاء اللّه:\rأولياء اللّه عرائس مخدرة، ولا يرى العرائس المجرمون.\rقوله: لَهُمْ دارُ السَّلامِ الجار والمجرور خبر مقدم، ودار السّلام مبتدأ مؤخر، والجملة يحتمل أن تكون مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر تقديره وما جزاء من ينتفع بالذكرى، فأجاب بقوله لهم دار السّلام، ويحتمل أن يكون حالا من القوم أو صفة لهم، والتقدير قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون، حال كونهم لهم دار السّلام، أو موصوفين بكونهم لهم دار السّلام. قوله: (أي السلامة) أي من جميع المخاوف والمكاره، لأن بدخولها يحصل الأمن التام من جميع المكاره حتى الموت ويصح المراد بالسلام التحية الواقعة من اللّه والملائكة، قال تعالى: تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ* وقال: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ وقال: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً. قوله: (و هي الجنة) أشار بذلك إلى أن المراد بدار السّلام ما يعمل باقي الجنان، وليس المراد خصوص الدار المسماة بدار السّلام.\rقوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ العندية عندية شرف، بمعنى أنها منسوبة للّه خاصة وليس لأحد فيها منة، أو المعنى أن من دخلها كان في حضرة ربه، لا يشهد شيئا سواه، ولا يحجب بنعيمها عن مولاه، بل كلما ازداد من الجنة نعيما، ازداد قربا من اللّه، وزالت الحجب عن قلبه بخلاف الدنيا، إذا اشتغل بشيء من زينتها بعد عن اللّه، فلكما ازداد فيها شغلا، ازداد فيها بعدا عن اللّه، فلا يخلص منها إلا من جاهد نفسه وخرج عن هواه. قوله: وَهُوَ وَلِيُّهُمْ الجملة حالية، والمعنى ناصرهم ومتولي أمورهم، وقوله: بِما كانُوا يَعْمَلُونَ الباء سببية وما مصدرية، والتقدير بسبب عملهم السابق، تولاهم وأدخلهم حضرة قربه.\rقوله: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ يوم ظرف معمول لمحذوف قدره المفسر بقوله اذكر. قوله: (بالنون والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أي اللّه) تفسير للضمير على قراءة الياء والنون على القراءة الأخرى. قوله:\r(الخلق) أي جميع الحيوانات عقلاء وغيرهم. قوله: جَمِيعاً توكيد للضمير أو حال منه.\rقوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِ معمول المحذوف قدره المفسر بقوله: (و يقال لهم) وليس معمولا لنحشرهم بل هما جملتان، وهذا الخطاب بعد جمع الخلائق في الموقف، وتصيير غير العاقل ترابا، وقوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِ المعشر الجماعة والجمع معاشر، والمراد بالجن الشياطين. قوله: قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ السين والتاء لتأكيد الكثرة. قوله: (باغوائكم) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، والتقدير قد استكثرتم من إغواء الإنس.","part":1,"page":488},{"id":490,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 489\rباغوائكم وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ الذين أطاعوهم مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ انتفع الإنس بتزيين الجن لهم الشهوات والجن بطاعة الإنس لهم وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا وهو يوم القيامة وهذا تحسر منهم قالَ تعالى لهم على لسان الملائكة النَّارُ مَثْواكُمْ مأواكم خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ من الأوقات التي يخرجون فيها لشرب الحميم فإنه خارجها كما قال ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم وعن ابن عباس أنه فيمن علم اللّه أنهم يؤمنون فما بمعنى من إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ في صنعه عَلِيمٌ (128) بخلقه وَكَذلِكَ كما متعنا عصاة الإنس والجن بعضهم ببعض نُوَلِّي من الولاية بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً أي على بعض بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (129) من\r______________________________\rقوله: وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ لعل وجه الاقتصار على كلام الإنس، الإشارة إلى أن الجن بهتوا فلم يردوا جوابا، وقوله من الإنس في محل نصب على الحال. قوله: رَبَّنَا منادى حذف منه حرف النداء.\rقوله: (انتفع الإنس بتزيين الجن لهم الشهوات) أي التي تنوعت فيها الإنس من سحر وكهانة، ودعوى ألوهية، ودعوى نبوة، وسائر الأديان والعقائد الباطلة، ومن ذلك كان الرجل في الجاهلية، إذا سافر فنزل بأرض قفراء، خاف على نفسه من الجن فقال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه فيبيت في جوارهم. قوله: (بطاعة الإنس لهم) أي في هذه الأمور المزينة، فاستمتاع الجن بالإنس بالسلطنة التي تولوها عليهم حيث امتثلوا أوامرهم، وكانوا من حزبهم ودخلوا في جاههم. قوله: الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا أي الذي قدرته لنا. قوله: (و هذا تحسر منهم) أي ما وقع منهم من تلك المقالة تحسر وتحزن على ما سلف منهم، من طاعة الشيطان واتباع الهوى قوله: (على لسان الملائكة) مرور على القول بأن اللّه لا يكلمهم يوم القيامة أصلا.\rقوله: خالِدِينَ فِيها حال من الكاف في مثواكم. قوله: (من الأوقات التي يخرجون فيها) تبع المفسر في ذلك شيخه الجلال المحلي في تفسير سورة الصافات، وهو مخالف لظاهر قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها والأحسن أن يقال إلا ما شاء اللّه من الأوقات التي ينقلون في فيها من النار إلى الزمهرير، فينقلون من عذاب النار، ويدخلون واديا فيه الزمهرير، وهو شدة البرد، ما يقطع بعضهم من بعض، فيطلبون الرد إلى الجحيم، كما ذكر في حواشي البيضاوي. قوله: (لشرب الحميم) أي وهو ماء شديد الحرارة يقطع الأمعاء، وذلك حين يستغيثون من شر النار، يطلبون الماء ليبرد عنهم تلك الحرارة، قال تعالى: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ. وقوله: (و عن ابن عباس الخ) أي فيحمل على من مات مؤمنا وهو مصر على المعاصي، ونفذ فيه الوعيد، ويكون المراد من النار دار العذاب، وإن لم تكن دار خلود كجهنم لعصاة المؤمنين. قوله: حَكِيمٌ (في صنعه) أي يضع الشيء في محله. قوله: عَلِيمٌ (بخلقه) أي فيجازي كلا على عمله.\rقوله: نُوَلِّي أي نسلط ونؤمر. قوله: بِما كانُوا يَكْسِبُونَ الباء سببية، وما مصدرية، والمعنى كما متعنا الإنس والجن بعضهم ببعض، نسلط بعض الظالمين على بعض، بسبب كسبهم من المعاصي، فيؤخذ الظالم بالظالم، لما في الحديث «ينتقم اللّه من الظالم بالظالم ثم ينتقم من كليهما» ولما في الحديث أيضا «كما تكونوا يولى عليكم» ومن هذا المعنى قول الشاعر:","part":1,"page":489},{"id":491,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 490\rالمعاصي يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ أي من مجموعكم أي بعضكم الصادق بالإنس أو رسل الجن نذرهم، الذين يستمعون كلام الرسل فيبلغون قومهم\rيَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا أن قد بلغنا قال تعالى: وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فلم يؤمنوا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (130) ذلِكَ أي إرسال الرسل أَنْ اللام مقدره وهي مخففة أي لأنه لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى\r______________________________\rوما من يد إلا يد اللّه فوقها ... وما ظالم إلا سيبلى بظالم\rقوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ هذا زيادة في التوبيخ عليهم، لأن اللّه سبحانه وتعالى أولا وبخ الفريقين بتوجيه الخطاب للجن، وثانيا خاطبهم جميعا ووبخهم. قوله: (أي من مجموعكم) دفع بذلك ما يقال إن ظاهر الآية يقتضي أن من الجن رسلا، مع أن الرسالة مختصة بالإنس، فليس من الجن بل ولا من الملائكة رسل، فأجاب: بأن المراد من مجموعكم الصادق بالإنس، ونظير ذلك قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ أي من أحدهما وهو الملح، وقوله تعالى: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً أي في إحداهن وهي سماء الدنيا. قوله: (أو رسل الجن نذرهم) أشار بذلك إلى جواب آخر، وهو تسليم أن هناك رسلا من الجن، لكنهم رسل الرسل الذين يسمعون من النبي المواعظ والأحكام، ويبلغون قومهم ذلك، قال تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ الآية، وقال تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ الآيات، فيكون المعنى على ذلك: ألم يأتكم رسل منكم، أي من الإنس يبلغونكم عن اللّه، ومن الجن يبلغونكم عن الرسل؟ والمراد جنس الرسل الصادق بالواحد، وهو سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه لم يرسل لهم غيره، وأما حكم سليمان فيهم، فحكم سلطنة وملك لا حكم رسالة، وأما قوله تعالى حكاية عن الجن:\rيا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى فلا يلزم من علمهم بموسى وسماعهم لكتابه، أن يكونوا مكلفين به.\rقوله: يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي القص معناه الحديث، أي يحدثونكم بآياتي على وجه البيان.\rقوله: وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا أي يخوفونكم يوم القيامة، والمعنى يحذرونكم من مخالفة اللّه توجب الخوف يوم القيامة. قوله: (أن قد بلغنا) يصح بناؤه للفاعل والمفعول. قوله: وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا عطف سبب على مسبب، أو علة على معلول.\rقوله: وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ كرر شهادتهم على أنفسهم لاختلاف المشهود به، فأولا شهدوا بتبليغ الرسل لهم، وثانيا شهدوا بكفرهم زيادة في التقبيح عليهم، والمقصود من ذكر ذلك الاتعاظ به، والتحذير من فعل مثل ذلك. إن قلت: إن شهادتهم بكفرهم تدل على أنهم أقروا به، وهو مناف لقوله تعالى: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ أجيب: بأن مواقف القيامة مختلفة فأولا حين يرون المؤمنين توزن أعمالهم، ويمشون على الصراط لدخول الجنة، ينكرون الاشراك، طمعا في دخولهم في زمرة المؤمنين، فحينئذ يختم على أفواههم، وتنطق أعضاؤهم قهرا عليهم وتقر بالكفر.\rقوله: ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ اسم الاشارة مبتدأ، وأن لم يكن خبره، واللام محذوفة، وأن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن كما قال","part":1,"page":490},{"id":492,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 491\rبِظُلْمٍ منها وَأَهْلُها غافِلُونَ (131) لم يرسل إليهم رسولا يبين لهم وَلِكُلٍ من العاملين دَرَجاتٌ جزاء مِمَّا عَمِلُوا من خير وشر وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) بالياء والتاء وَرَبُّكَ الْغَنِيُ عن خلقه وعبادتهم ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ يا أهل مكة بالإهلاك وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ من الخلق كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133) أذهبهم ولكنه أبقاكم رحمة لكم إِنَّ ما تُوعَدُونَ من الساعة والعذاب لَآتٍ لا محالة وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134) فائتين عذابنا قُلْ لهم يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ حالتكم إِنِّي عامِلٌ على حالتي فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ موصولة مفعول العلم تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ أي العاقبة\r______________________________\rالمفسر، والتقدير ذلك ثابت لأنه لم يكن الخ. قوله: لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى أي لغلبة رحمته، لا ينزل العذاب على من خالف وعصى، حتى يتكرر عليهم الانذار والتخويف. قوله: بِظُلْمٍ (منها) الباء سببية، وقدر المفسر قوله منها إشارة إلى أن الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من القرى، والمعنى لم يكن مهلك أهل القرى بسبب وقوع ظلم منها، والحال أن أهلها لم يرسل لهم رسول. قوله: (من العاملين) أي طائعين أو عاصين. قوله: (جزاء) دفع بذلك ما يقال إن الدرجات بالجيم للطائعين فينا في العموم المتقدم. فأجاب بأن المراد بالدرجات الجزاء، وهو صادق بالدرجات والدركات. وأجيب أيضا: بأن في الكلام اكتفاء أي ودركات على حد سرابيل تقيكم الحر أي والبرد. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: وَرَبُّكَ الْغَنِيُ هذا مرتب على ما قبله، جواب عما يقال حيث كان لكل من الطائعين والعاصين جزاء لا مفر لهم منه، فما وجه إمهالهم وعدم تعجيل ذلك لهم؟ فأجاب: بأنه الغني، فلا ينتفع بطاعة الطائع، ولا تضره معصية العاصي، وربك مبتدأ، والغني خبره، وذُو الرَّحْمَةِ خبر ثان ويصح أن يكون الغني وذو الرحمة صفتين له، وجملة: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ خبره. قوله: ذُو الرَّحْمَةِ أي ومن أجل ذلك بقاء الخلق من غير استئصال الهلاك لهم. قوله: (بالإهلاك) أي جملة واحدة، بحيث لم يبق منهم أحد كعاد وثمود.\rقوله: وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ أي ينشىء ويوجد بعد إذهابكم ما يشاء. قوله: مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ أي وهم أهل سفينة نوح وذريتهم من بعدهم من القرون إلى زمنكم. قوله: (و لكنه أبقاكم رحمة لكم) أي لوجود نبيكم، لأنه بعث رحمة لا عذابا. قوله: (من الساعة) بيان لما. قوله:\rلَآتٍ خبر إن مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين كقاض.\rقوله: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ أي فارين من عذابنا، بل هو مدرككم لا محالة. قوله: اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ هذا أمر تهديد وزجر، نظير قوله تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ، وقوله عليه الصلاة والسّلام «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» والمكانة إما من التمكن وهو الاستطاعة فتكون الميم أصلية، أو من الكون بمعنى الحالة فتكون زائدة، والمفسر جعلها بمعنى الحالة.\rقوله: مَنْ (موصولة مفعول العلم) أي تَكُونُ صلتها، وعاقِبَةُ الدَّارِ اسمها، ولَهُ خبرها، وعلم عرفانية متعدية لواحد، ويصح أن","part":1,"page":491},{"id":493,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 492\rالمحمودة في الدار الآخرة أنحن أم أنتم إِنَّهُ لا يُفْلِحُ يسعد الظَّالِمُونَ (135) الكافرون وَجَعَلُوا أي كفار مكة لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ خلق مِنَ الْحَرْثِ الزرع وَالْأَنْعامِ نَصِيباً يصرفونه إلى الضيفان والمساكين ولشركائهم نصيبا يصرفونه إلى سدنتها فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ بالفتح والضم وَهذا لِشُرَكائِنا فكانوا إذا سقط في نصيب اللّه من نصيبها التقطوه أو في نصيبها شيء من نصيبه تركوه وقالوا إن اللّه غني عن هذا كما قال تعالى فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ أي لجهته وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ بئس ما يَحْكُمُونَ (136) حكمهم هذا وَكَذلِكَ كما زين لهم ما ذكر زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ\r______________________________\rتكون من استفهامية مبتدأ، وجملة تكون مع اسمها وخبرها المبتدأ، والمبتدأ والخبر في محل نصب سدت مسد مفعول: تَعْلَمُونَ. قوله: (أي العاقبة المحمودة في الدار) أشار بذلك إلى أن الإضافة على معنى في، والمراد بالعاقبة المحمودة الراحة التامة والسرور الكامل. قوله: (أنحن أم أنتم) هذا يناسب كون من استفهامية لا موصولة، وإلا لو جعلها موصولة لقال فسوف تعلمون الفريق الذي له عاقبة الدار. قوله:\rإِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ استئناف كأنه واقع في جواب سؤال مقدر تقديره ما عاقبتهم، فقال إنه لا يفلح الظالمون.\rقوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ هذا من جملة قبائحهم وخسران عقولهم، وجعل فعل ماض، والواو فاعل، ولِلَّهِ جار ومجرور متعلق بمحذوف مفعول ثان مقدم، نَصِيباً مفعول أول مؤخر، مِمَّا ذَرَأَ متعلق بجعلوا. قوله: مِنَ الْحَرْثِ متعلق بمحذوف حال من مما ذرأ. قوله: (الزرع) أي ما يزرع كان حبا أو غيره. قوله: وَالْأَنْعامِ أي الإبل والبقر والغنم. قوله: (و لشركائهم) متعلق بمحذوف تقديره وجعلوا لشركائهم، وأشار المفسر بذلك إلى أن في الآية اكتفاء بدليل التفصيل بعد ذلك بقوله وهذا لشركائنا. قوله: (إلى سدنتها) أي خدمتها.\rقوله: فَقالُوا هذا تفريع على الشق المذكور والشق المطوي. قوله: بِزَعْمِهِمْ الزعم الكذب ومصبه قوله بعد: وَهذا لِشُرَكائِنا فمحط الكذب التنصيف، حيث جعلوا نصف ما خلق اللّه وأنشأه من الحرث والأنعام له، ونصفه لشركائهم، وحق الجميع أن يكون للّه، ويحتمل أن الزعم من حيث ادعائهم الملك وإنشاء الجعل من عندهم، والملك في الحقيقة للّه. قوله: (بالفتح والضم) أي فهما قراءتان سبعيتان: الأولى لغة أهل الحجاز، والثانية لغة بني أسد، وفي لغة بالكسر، لكن لم يقرأ بها، والكل بمعنى واحد. قوله: (فكانوا إذا سقط في نصيب اللّه شيء من نصيبها التقطوه) أي وكانوا إذا رأوا ما عينوه للّه أزكى، بدلوه بما لآلهتهم، وإن رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه حبا لها، وإذا هلك ما جعلوه لها، أخذوا بدله مما جعلوه للّه، ولا يفعلون ذلك فيما جعلوه للّه. قوله: (أي لجهته) أي لجهة مراضيه، وإلا فيستحيل على اللّه الوصول والجهة. قوله: ساءَ ما يَحْكُمُونَ ساء فعل ماض، وما اسم موصول فاعل، ويحكمون صلته، والمخصوص بالذم محذوف قدره المفسر بقوله حكمهم، وقوله: (هذا) بدل من حكمهم، لأن حكمهم مبتدأ، والجملة قبله خبره.\rقوله: وَكَذلِكَ الجملة معطوفة على الجملة قبلها، والكاف بمعنى مثل. قوله: زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ","part":1,"page":492},{"id":494,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 493\rبالوأد شُرَكاؤُهُمْ من الجن بالرفع فاعل زين وفي قراءة ببنانه للمفعول ورفع قتل ونصب الأولاد به وجر شركائهم بإضافته وفيه الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول ولا يضر وإضافة القتل إلى الشركاء لأمرهم به لِيُرْدُوهُمْ يهلكوهم وَلِيَلْبِسُوا يخلطوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (137) وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ حرام لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ من خدمة الأوثان وغيرهم بِزَعْمِهِمْ أي لا حجة لهم فيه وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها فلا تركب كالسوائب\r______________________________\rالْمُشْرِكِينَ زين بالبناء للفاعل، ولكثير متعلق بزين، ومن المشركين صفة لكثير، وقَتْلَ بالنصب مفعول لزين، وهو مضاف لأولادهم، وشركاؤهم بالرفع فاعل زين، وقرأ ابن عامر من السبعة زين بالبناء للمفعول، وقتل بالرفع نائب فاعل زين، وأَوْلادِهِمْ بالنصب مفعول المصدر الذي هو قتل، وقتل مضاف، وشركائهم مضاف إليه، ولا يضر الفصل بين المضاف والمضاف إليه بمعمول المضاف، لأنه ليس أجنبيا، والمضر الفصل بالأجنبي، وهذه القراءة متواترة صحيحة موافقة للنحو، خلافا لمن شذ وعاب على من قرأ بها، كيف وهو أعلى القراءة سندا، وأقدمهم هجرة، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي زين مبنيا للمفعول، وقتل نائب الفاعل، وأولادهم بالجر مضاف لقتل، وشركاؤهم بالرفع فاعل، قال ابن مالك:\rوبعد جره الذي أضيف له ... كمثل بنصب أو برفع عمله\r\rوقرأ أهل الشام كقراءة ابن عامر، إلا أنهم خفضوا الأولاد أيضا، على أن شركاءهم صفة لهم، بمعنى أنهم يشركونهم في المال والنسب، وقرأ فرقة من أهل الشام، زين بكسر الزاي بعدها ياء ساكنة مبني للمفعول كقيل ربيع، وقتل نائب الفاعل، وأولادهم بالنصب، وشركائهم بالجر، وتوجيهها معلوم مما تقدم، فجملة القراءات خمس: اثنتان سبعيتان وهما اللتان مشى عليهما المفسر، وثلاثة شواذ. قوله:\r(بالوأد) هو دفن الإناث بالحياة مخافة الفقر والعار، قال تعالى وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ.\rقوله: (من الجن) أي الملابسين للأصنام. قوله: (و لا يضر) رد على من منع ذلك وعاب على ابن عامر.\rقوله: (و إضافة القتل) مبتدأ، وقوله: (لأمرهم به) خبره، ومباشر القتل هو كثير من المشركين. قوله:\rلِيُرْدُوهُمْ علة للتزيين، وقوله: وَلِيَلْبِسُوا معطوف على ليردوهم، وهو من لبس بفتح الباء يلبس بكسرها لبسا بمعنى خلط. قوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ مفعول محذوف تقديره عدم فعلهم، والمعنى لو أراد اللّه عدم التزيين والقتل ما فعلوه، لأن اللّه هو الموجد للخير والشر، وإنما الخلق أسباب ظاهرية في الخير والشر، وإلا فمرجع الكل إلى اللّه، ومن هنا قول سيدي إبراهيم الدسوقي: من نظر للخلق بعين الشريعة مقتهم، ومن نظر إليهم بعين الحقيقة عذرهم، وقال بعض العارفين:\rالكل تقديره مولانا وتأسيسه ... فاشكر لمن قد وجب حمده وتقديسه\r\rوقل لقلبك إذا زادت وساويسه ... إبليس لما طغى من مكان إبليسه\r\rقوله: فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ أي اتركهم وافتراءهم.\rقوله: وَقالُوا هذا نوع آخر من أنواع قبائحهم، وقوله: هذِهِ أَنْعامٌ الخ الإشارة إلى ما جعلوه لآلهتهم. قوله: حِجْرٌ بمعنى محجور، كذبح بمعنى مذبوح أي ممنوعة. قوله: لا يَطْعَمُها أي لا يأكلها، والضمير عائد على الأنعام والحرث.\rقوله: (و غيرهم) أي من الرجال دون النساء. قوله: بِزَعْمِهِمْ حال من فاعل قالوا. قوله:","part":1,"page":493},{"id":495,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 494\rوالحوامي وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا عند ذبحها بل يذكرون اسم أصنامهم ونسبوا ذلك إلى اللّه افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (138) عليه وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ المحرمة وهي السوائب والبحائر خالِصَةٌ حلال لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا النساء وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً بالرفع والنصب مع تأنيث الفعل وتذكيره فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ اللّه وَصْفَهُمْ ذلك بالتحليل والتحريم أي جزاءه إِنَّهُ حَكِيمٌ في صنعه عَلِيمٌ (139) بخلقه قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا بالتخفيف والتشديد أَوْلادَهُمْ بالوأد سَفَهاً جهلا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مما ذكر افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (140) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ خلق جَنَّاتٍ بساتين مَعْرُوشاتٍ مبسوطات على الأرض كالبطيخ وَغَيْرَ\r______________________________\r(كالسوائب والحوامي) أي والبحائر. قوله: (و نسبوا ذلك) أي التقسيم إلى الأقسام الثلاثة، بأن قالوا:\rقسم حجر أي ممنوع منه بالكلية، وقسم لا يركب وإن كان يجوز أخذ لبه وأولاده، وقسم لا يذكر اسم اللّه عليه عند الذبح، وإنما يذكر اسم الصنم، وقوله: افْتِراءً معمول لمحذوف قدره المفسر بقوله ونسبوا ذلك. قوله: بِما كانُوا يَفْتَرُونَ أي بسبب افترائهم.\rقوله: وَقالُوا هذا إشارة لنوع آخر من أنواع قبائحهم. قوله: ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ أي نتاج الأنعام والسوائب والبحائر، فما ولد منها حيا فهو حلال للذكور خاصة، وما ولد منها ميتا فهو حلال للذكور والإناث. قوله: خالِصَةٌ خبر عن ما باعتبار معناها، وقوله: وَمُحَرَّمٌ خبر عنها باعتبار لفظها. قوله: (مع تأنيث الفعل) أي باعتبار معنى ما وهو الأجنة، وهذا على النصب، وأما على الرفع فباعتبار تأنيث الميتة، وقوله: (و تذكيره) أي باعتبار لفظ ما على قراءة النصب، وباعتبار أن تأنيث الميتة مجازي على قراءة الرفع، فالقراءات أربع وكلها سبعية، وكان ناقصة في النصب، واسمها ضمير يعود على ما، وتامة في الرفع فاعلها ميتة. قوله: فَهُمْ فِيهِ أي ذكورهم وإناثهم يأكلون منه جميعا. قوله:\rوَصْفَهُمْ أي جزاء وصفهم، والمراد بوصفهم التحليل والتحريم الذي اخترعوه، فالباء في قوله:\r(بالتحليل والتحريم) لتصوير الوصف. قوله: إِنَّهُ حَكِيمٌ تعليل لمجازاته إياهم، أي فمن أجل حكمته وعلمه لا يترك جزاءهم.\rقوله: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أي في الدنيا باعتبار السعي في نقص عددهم وإزالة ما أنعم اللّه به عليهم، وفي الآخرة باستحقاق العذاب الأليم. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: (جهلا) روى البخاري عن ابن عباس قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من الأنعام: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ إلى قوله وَما كانُوا مُهْتَدِينَ. قوله: وَحَرَّمُوا معطوف على قتلوا، فهو صلة ثانيه. قوله: افْتِراءً معمول لحرموا. قوله: قَدْ ضَلُّوا أي عن الطريق المستقيم، وقوله: ما كانُوا مُهْتَدِينَ فيه إعلام بأن هؤلاء الذين فعلوا هذا الفعل، يموتون على الضلال، كأن اللّه يقول لنبيه: لا تعلق آمالك بهداهم.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ هذا امتنان من اللّه على عباده وبيان أن كل نعمة منه. قوله:\rجَنَّاتٍ المراد بها جميع ما ينبت أعم من أن يكون بساتين، أو لا بدليل ما بعده من باب تسمية الكل","part":1,"page":494},{"id":496,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 495\rمَعْرُوشاتٍ بأن ارتفعت على ساق كالنخل وَأنشأ النَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ ثمره وحبه في الهيئة والطعم وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً ورقهما حال وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ طعمهما كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ قبل النضج وَآتُوا حَقَّهُ زكاته يَوْمَ حَصادِهِ بالفتح والكسر من العشر أو نصفه وَلا تُسْرِفُوا بإعطاء كله فلا يبقى لعيالكم شيء إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)\r______________________________\rباسم جزئه الأشرف، أو أطلق الخاص وأراد العام، فلا مفهوم لقول المفسر: (بساتين). قوله:\r(كالبطيخ) أي والعنب إذا لم يوضع على عريش. قوله: (كالنخل) أي وغيره مما له ساق يرتفع به، كالجميز والنبق والعنب إذا وضع على عريش والحبوب، وقيل المعروشات المرتفعات على ساق، وغير المعروشات ما لا ساق له، عكس ما ذكر المفسر.\rقوله: وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ قدر المفسر: (أنشأ) إشارة إلى أنه معطوف على جنات، عطف خاص على عام، والنكتة عموم النفع بالنخل والزرع لإقامتهما بنية الآدمي، فهما يغنيان عن غيرهما، وغيرهما لا يغني عنهما، والمراد بالزرع جمع الحبوب التي يقتات بها. قوله: مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ فالمعنى أنشاء مقدرا في علمه سبحانه أن أكله مختلف، والأكل بالضم المأكول، أي مأكول لكل منهما، مختلف في الصفة والطعم واللون والرائحة. قوله: (ثمره وحبه) لف ونشر مرتب.\rقوله: وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ معطوف أيضا على جنات، وخصهما لأنهما أشرف الثمار بعد النخل.\rقوله: مُتَشابِهاً هو بمعنى مشتبها المتقدم، إلا أن القراءة سنة متبعة. قوله: (طعمهما) أي ولونهما وريحهما وجرمهما. قوله: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ هذا أمر إباحة. قوله: (قبل النضج) أي استوائه ووجوب الزكاة فيه، فلا تتوقف إباحة الأكل على الوصول إلى حد وجوب الزكاة فيه، وهو النضج أو التهيؤ له، ولا يحسب عليه شيء للفقراء، أما بعد النضج فكل ما أكله حسبت عليه زكاته. قوله: (زكاته) هذا تفسير ابن عباس وأنس بن مالك، واستشكل بأن السورة مكية، وفرض الزكاة كان المدينة في السنة الثالثة من الهجرة.\rوأجب بأن الآية مدنية، وقيل المراد بالحق إطعام من حضر، وترك ما سقط من الزرع والثمر للفقراء، وهو قول الحسن وعطاء ومجاهد، وعلى هذا القول فقيل الأمر للوجوب، ويكون منسوخا بآية الزكاة، وقيل للندب ويكون محكما.\rقوله: يَوْمَ حَصادِهِ أي زمن تيسر الاخراج منه، وهو ظاهر فيما لا يتوقف على تصفية، كالعنب والزيتون والنخل، وأما ما يحتاج إلى تصفية كالحبوب فيقال إن يوم ظرف متسع، فيشمل مدة الحصاد والدراس، أو يقال إن يوم متعلق بمحذوف تقديره وآتوا حقه الذي وجب يوم حصاده، وهو لا ينافي أن إخراج الحق بعد التصفية إن توقف عليها. قوله: (بالفتح والكسر) أي فهما قراءتان سبعيتان بمعنى واحد.\rقوله: (من العشر) أي فيما سقي بالسيح، أو نصفه أي فيما سقي بآلة.\rقوله: وَلا تُسْرِفُوا أي تتجاوزوا الحد بإخراجه كله للفقراء أو بعد الاخراج من أصله، أو بإنفاقه في المعاصي، والأقرب الأول الذي اقتصر عليه المفسر، لأن سبب نزولها: أن ثابت بن قيس صرم خمسمائة نخلة يوم أحد ففرقها ولم يترك لأهله شيئا. قوله: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ أي يعاقبهم.","part":1,"page":495},{"id":497,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 496\rالمتجاوزين ما حد لهم وَأنشأ مِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً صالحة للحمل عليها كالإبل الكبار وَفَرْشاً لا تصلح له كالإبل الصغار والغنم سميت فرشا لأنها كالفرش للأرض لدنوها منها كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ طرائقه في التحريم والتحليل إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) بين العداوة ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ أصناف بدل من حمولة وفرشا مِنَ الضَّأْنِ زوجين اثْنَيْنِ ذكر وأنثى وَمِنَ الْمَعْزِ بالفتح والسكون اثْنَيْنِ قُلْ يا محمد لمن حرم ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى ونسب ذلك إلى اللّه آلذَّكَرَيْنِ من الضأن والمعز حَرَّمَ اللّه عليكم أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ منهما أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ ذكرا كان أو أنثى نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ عن كيفية تحريم ذلك إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (143) فيه المعنى من أين جاء التحريم فإن كان من قبل الذكورة\r______________________________\rقوله: وَمِنَ الْأَنْعامِ معطوف على (جنات)، وإليه يشير المفسر حيث قدر (أنشأ)، وفي الحقيقة قوله: مِنَ الْأَنْعامِ متعلق بمحذوف حال من: حَمُولَةً، لأنه نعت نكرة تقدم عليها، وحمولة هو المعطوف على جنات. قوله: (صالحة للحمل عليها) مشى المفسر على أن المراد بالحمولة الصالح للحمل والفرش وما عداه، والأحسن تفسير الحمولة بالكبار، أعم من أن تكون إبلا أو بقرا أو غنما، والفرش بالصغار منها، ويدل عليه قوله: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ، وقيل الحمولة كل ما حمل عليه من إبل وغيرها، والفرش ما اتخذ من الصوف والوبر والشعر. قوله: (سميت) أي الإبل الصغار والغنم.\rقوله: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ أي من جمع الثمار والأنعام والحرث. قوله: (في التحريم والتحليل) أي في الحرث والأنعام، بأن تحللوا شيئا وتحرموا آخر، كما تقول المشركون. قوله: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ تعليل لما قبله. قوله: (بين العداوة) أي ظاهرها لوجود عداوته لأبينا آدم من قبل، واتصالها بأبنائه من بعده، ولذلك قيل: إن المولود في حال ولادته ينخسه الشيطان، فيصرخ عند ذلك من شدة عداوته.\rقوله: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يطلق الزوج على الشيئين المتلازمين اللذين يحصل بينهما التناسل، وعلى أحدهما، وهو المراد هنا. قوله: (بدل من حمولة وفرشا) أي بدل مفصل من مجمل. قوله: مِنَ الضَّأْنِ بدل من ثمانية أزواج على جواز الابدال من البدل. قوله: اثْنَيْنِ أي وهما الكبش والنعجة. وقوله:\rمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ أي التيس والمعز. قوله: (بالفتح والسكون) أي فهما قراءتان سبعيتان قوله: (لمن حرم ذكور الأنعام) أي بعض ذكورها. وقوله: (و إناثها) أي بعض إناثها. قوله: آلذَّكَرَيْنِ بمد الهمزة الثانية مدا لازما قدر ثلاث ألفات أو تسهيلها، وهو منصوب بالعامل الذي بعده وهو: حَرَّمَ قدم لأن مدخول الاستفهام له الصدارة. قوله: أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أم عاطفة على الذكرين، وكذلك أم الثانية عاطفة على الموصولة على ما قبلها، ومحلها نصب أيضا تقديره أم الذي اشتملت عليه، وأم في كل منهما متصلة مقابلة لهمزة الاستفهام.\rقوله: نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ أي أخبروني خبرا ملتبسا بعلم ناشىء عن إخبار من اللّه بأنه حرم ما ذكره وهي جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، قصد بها إلزام الحجة لهم. قوله: (عن كيفية تحريم ذلك) أي جهته وسببه. قوله: (فإن كان من قبل الذكورة الخ) أي فإن كان سبب التحريم الذكورة، لزمكم تحريم","part":1,"page":496},{"id":498,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 497\rفجميع الذكور حرام أو الأنوثة فجميع الإناث أو اشتمال الرحم فالزوجان فمن أين التخصيص والاستفهام للإنكار وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ بل كُنْتُمْ شُهَداءَ حضورا إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا التحريم فاعتمدتم ذلك لا بل أنتم كاذبون فيه فَمَنْ أي لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بذلك لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَ شيئا مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بالياء والتاء مَيْتَةً بالنصب وفي قراءة بالرفع مع التحتانية أَوْ دَماً مَسْفُوحاً سائلا بخلاف غيره كالكبد والطحال أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ حرام أَوْ إلا\r______________________________\rجميع الذكور، وإن كانت الأنوثة، لزمكم تحريم جميع الإناث، وإن كان ما اشتملت عليه الأرحام لزمكم تحريم الجميع، فلأي شيء خصصتم التحريم ببعض الذكور والإناث، فمن أين التخصيص، أي تخصيص تحريم البحائر والسوائب بالإبل، دون بقية النعم من البقر والغنم. قوله: (و الاستفهام للإنكار) أي في المواضع الثلاثة.\rقوله: أَمْ كُنْتُمْ أم منقطعة، فلذا فسرها ببل والهمزة، فمدخولها جملة مستقلة، والمقصود بها التهكم بهم، حيث نسبهم إلى الحضور في وقت الإبصار. قوله: (حضورا) أي حاضرين ومشاهدين تحريم البعض وتحليل البعض. قوله: (لا) أي لم تكونوا حاضرين، ولم يدل دليل على تحريم البعض وتحليل البعض. قوله: (أي لا أحد) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي.\rقوله: لِيُضِلَّ النَّاسَ متعلق بافترى. قوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ متعلق بمحذوف حال من فاعل افترى، أي افترى حال كونه ملتبسا بغير علم بل جاهلا. قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ تعليل لما قبله، والمعنى لا يرشد الذين تعدوا حدود اللّه بالتحليل والتحريم إلى الصراط المستقيم لسابق الشقاوة لهم.\rقوله: قُلْ لا أَجِدُ لما ألزمهم اللّه الحجة بأن التحريم عند أنفسهم لا من عند اللّه، أخبرهم بما ثبت تحريمه عن اللّه، فهو نتيجة ما قبله وثمرته، والمعنى قل يا محمد لكفار مكة لا أجد فيما أوحي إلي الخ. قوله: فِي ما أُوحِيَ إِلَيَ ما اسم موصول، وأوحي صلته، والعائد محذوف، والتقدير في الذي أوحاه اللّه إلي وهو القرآن. قوله: (شيئا) مُحَرَّماً قدره المفسر إشارة إلى أن محرما صفة لموصوف محذوف. قوله: عَلى طاعِمٍ متعلق بمحرما. وقوله: يَطْعَمُهُ من باب لهم، ومعنى طاعم آكل، ويطعمه يأكله. قوله: إِلَّا أَنْ يَكُونَ اسمها ضمير مستتر عائد على الشيء المحرم، ومَيْتَةً بالنصب خبرها، فذكر باعتبار ما عاد عليه الضمير، وهذا على قراءة الياء، وأما على التاء فالتأنيث باعتبار خبر يكون وهو ميتة، وهاتان قراءتان على نصب ميتة، وأما رفعها ففيه قراءة واحدة بالفوقانية فتكون تامة وميتة فاعل. إذا علمت ذلك فقول المفسر: (و في قراءة بالرفع مع التحتانية) سبق قلم، والصواب الفرقانية، وهذا الاستثناء يصح أن يكون متصلا باعتبار عموم الأحوال أو منقطعا، لأنه مستثنى من محرما وهو ذات، والمستثنى كونه ميتة، وهو معنى، قيس من جنس المستثنى منه، والأقرب كونه متصلا.\rقوله: أَوْ دَماً بالنصب عطف على ميتة في قراءة النصب، وعلى المستثنى في قراءة الرفع. قوله:\rمَسْفُوحاً من السفح هو السيلان أو الصب، والدم المسفوح نجس من سائر الحيوانات، ولو من سمك وذباب، وعند أبي حنيفة لا دم للسمك أصلا، بدليل أنه إذا نشف صار أبيض. قوله: (كالكبد","part":1,"page":497},{"id":499,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 498\rأن يكون فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ أي ذبح على اسم غيره فَمَنِ اضْطُرَّ إلى شيء مما ذكر فأكله غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ له ما أكل رَحِيمٌ (145) به ويلحق بما ذكر بالسنة كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا أي اليهود حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وهو ما لم تفرق أصابعه كالإبل والنعام وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما الثروب وشحم الكلى إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أي ما علق بها منه أَوِ حملته الْحَوايا الامعاء جمع\r______________________________\rوالطحال) أي فإنهما طاهران، لما في الحديث «أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال».\rقوله: فَإِنَّهُ أي لحم الخنزير، وخص اللحم بالذكر، وإن كان باقيه كذلك لاعتنائهم به أكثر من باقيه.\rقوله: (حرام) الأوضح أن يقول نجس، لأن التحريم علم من الاستثناء.\rقوله: أَوْ فِسْقاً عطف على ميتة، وهو على حذف مضاف، أي ذا فسق، أو جعل نفس الفسق مبالغة، على حد زيد عدل. وقوله: لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ صفة لفسقا. قوله: (أي ذبح على اسم غيره) أي قربانا كما يتقرب إلى اللّه، كان ذلك الغير صنما أو غيره. قوله: فَمَنِ اضْطُرَّ أي أصابته الضرورة.\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 1 498\r\rله: أَوْ فِسْقاً عطف على ميتة، وهو على حذف مضاف، أي ذا فسق، أو جعل نفس الفسق مبالغة، على حد زيد عدل. وقوله: لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ صفة لفسقا. قوله: (أي ذبح على اسم غيره) أي قربانا كما يتقرب إلى اللّه، كان ذلك الغير صنما أو غيره. قوله: فَمَنِ اضْطُرَّ أي أصابته الضرورة.\rقوله: (مما ذكر) أي من الميتة وما بعدها. قوله: غَيْرَ باغٍ تقدم في سورة البقرة، أنه فسر لنا الباغي بالخارج على المسلمين، والعادي بقاطع الطريق، لأن مع كل مندوحة وهي التوبة، فإذا تاب كل جاز له الأكل، وتقدم الخلاف في المضطر، هل له أن يشبع ويتزود، وهو مشهور مذهب مالك، أو يقتصر على سد الرمق، وهو مشهور مذهب الشافعي.\rقوله: فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ تعليل لجواب الشرط المحذوف تقديره فلا إثم عليه. قوله: (و يلحق بما ذكر) كان المناسب قديمه على قوله: فمن اضطر. قوله: (كل ذي ناب) أي كالسبع والضبع والثعلب والهر والذئب، وقوله: (و مخلب من الطير) كالصقر والنسر والوطواط، وهذا مذهب الإمام الشافعي، وأما عند مالك: فجميع الطيور يجوز أكلها ما عدا الوطواط فيكره أكله، وجميع السباع مكروهة ما عدا الكلب الأنسي والقرد، ففيهما قولان بالحرمة والكراهة، وأما الخيل والبغال والحمير الانسية، فمشهور مذهب مالك أنها محرمة، ومشهور مذهب الشافعي إباحة الخيل دون البغال والحمير.\rقوله: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا الجار والمجرور متعلق بحرمنا، وهادوا صلة الذين سموا بذلك، لأنهم هادوا بمعنى رجعوا عن عبادة العجل. قوله: كُلَّ ذِي ظُفُرٍ القراء السبعة على ضم الظاء والفاء، وقرىء شذوذا بسكون الفاء وبكسر الظاء والفاء وبسكون الفاء، وبقي في الظفر لغة خامسة لم يقرأ بها:\rأظفور وجمع الأولى أظفار، والأخيرة أظافير قياسا، وأظافر سماعا. قوله: (كالإبل) أدخلت الكاف الأوز والبط. قوله: وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ متعلق بحزمنا. قوله: (الثروب) جمع ثرب كفلس، شحم رقيق يغشى الكرش والامعاء، ولكن المراد بها هنا الشحم الذي على الكرش فقط، وإلا ناقض ما بعده. قوله:\r(و شحم الكلى) جمع كلوة أو كلية. قوله: إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما ما اسم موصول في محل نصب على الاستثناء أو نكرة موصولة وجملة حملت ظهورهما صلة أو صفة، والعائد محذوف.\rقوله: أَوِ الْحَوايا معطوف على ظهورهما، وسميت بذلك لأنها محتوية على الفضلات لأنها تنحل في الكرش، ثم إذا صفيت استقرت في الأمعاء، أو لأنها محتوية بمعنى ملتفة كالحلقة. قوله: (الأمعاء) أي","part":1,"page":498},{"id":500,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 499\rحاوياء أو حاوية أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ منه هو شحم الألية فإنه أحل لهم ذلِكَ التحريم جَزَيْناهُمْ به بِبَغْيِهِمْ بسبب ظلمهم بما سبق في سورة النساء وَإِنَّا لَصادِقُونَ (146) في إخبارنا ومواعيدنا فَإِنْ كَذَّبُوكَ فيما جئت به فَقُلْ لهم رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ حيث لم يعاجلكم بالعقوبة وفيه تلطف بدعائهم إلى الإيمان وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عذابه إذا جاء عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا نحن وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ فإشراكنا وتحريمنا بمشيئته فهو راض به قال تعالى كَذلِكَ كما كذب هؤلاء كَذَّبَ الَّذِينَ\r______________________________\rالمصارين، والمعنى أن الشحم الذي تعلق بالظهور، أو احتوت عليه المصارين، أو اختلط بعظم كلحم الألية جائز لهم. قوله: (جمع حاوياء) أي كقاصعاء وقواصع، وقوله: (أو حاوية) أي كزاوية وزوايا، وقيل جمع حوية كهدية. قوله: (و هو شحم الألية) بفتح الهمزة. قوله: (بما سبق في سورة النساء) أي في قوله: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ إلى أن قال: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ. قوله: (في إخبارنا ومواعيدنا) أي بأن سبب ذلك التحريم هو بغيهم، لا كما قالوا حرمها إسرائيل على نفسه فنحن مقتدون به، فقد كذبوا في ذلك، بل لم يطرأ التحريم إلا بعد موسى، ولم يكن ذلك محرما على أحد قبلهم، لا في شرع إبراهيم ولا غيره، وإنما حرم إسرائيل على نفسه بالخصوص الإبل من أجل شفائه من عرق النساء الذي كان به، وقد تقدم الرد عليهم أيضا في قوله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ.\rقوله: (حيث لم يعاجلكم بالعقوبة) أي فإمهاله للكافر من سعة رحمته، فإذا تاب خلده في الرحمة. قوله: (و فيه تلطف الخ) دفع ذلك ما يقال: إن مقتضى الظاهر فقل ربكم ذو عقاب شديد، فأجاب: بأنه تلطف بدعائهم إلى الإيمان ليطمع النائب ولا ييأس.\rقوله: وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ هذا من جملة المقول أيضا، والمعنى لا يرد عذابه عمن لم يتب ومات على الكفر، فأطمعهم في الرحمة بالجملة الأولى، وبقي الاغترار بالجملة الثانية.\rقوله: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا هذا اخبار من اللّه لنبيه بما يقع منهم في المستقبل، وقد وقع كما حكاه اللّه عنهم في سورة النحل بقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ الخ، وإنما قالوه إظهارا لكونهم على الحق، لا اعتذارا من ارتكاب هذه القبائح، مدعين أن المشيئة لازمة للرضا، فلا يشاء إلا ما يرضاه، وقد وقع الكفر بمشيئته فهو راض به، فكيف تقول يا محمد إنا نعذب على شيء أراده اللّه منا ورضيه؟\rوحاصل رد تلك الشبه، أن تقول لا يلزم من المشيئة الرضا، بل يشاء القبيح ولا يرضاه، ويشاء الحسن ويرضاه، فكل شيء بمشيئته تعالى.\rقوله: لَوْ شاءَ اللَّهُ أي عدم إشراكنا، فمفعول المشيئة محذوف، وهذه المقدمة صادقة، لكنهم توصلوا بها إلى مقدمة كاذبة قدرها المفسر بقوله: (فهو راض به) قوله: وَلا آباؤُنا معطوف على الضمير في إشراكنا، والفاصل موجود وهو لا النافية، وتقدير المفسر نحن بيان للضمير في إشراكنا لا لصحة العطف، إذ يكفي أي فاصل، قال ابن مالك:\rوإن على ضمير رفع متصل ... عطف فافصل بالضمير المنفصل\r\rأو فاصل ما. قوله: (فهو راض به) هذا هو نتيجة قولهم: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا. قوله: (قال","part":1,"page":499},{"id":501,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 500\rمِنْ قَبْلِهِمْ رسلهم حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا عذابنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ بأن اللّه راض بذلك فَتُخْرِجُوهُ لَنا أي لا علم عندكم إِنْ ما تَتَّبِعُونَ في ذلك إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ ما أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) تكذبون فيه قُلْ إن لم تكن لكم حجة فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ التامة فَلَوْ شاءَ هدايتكم لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَ أحضروا شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا الذي حرمتموه فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150) يشركون قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ أقرأ ما حَرَّمَ\r______________________________\rتعالى) أي تسلية له عليه الصلاة والسّلام. قوله: (كما كذب هؤلاء) أي مثل ما كذبوك ولم يصدقوك بما جئت به، كذب الأمم السابقة أنبياءهم. قوله: حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا غاية للتكذيب أي استمروا على التكذيب حتى ذاقوا الخ. قوله: مِنْ عِلْمٍ من زائدة، وعلم مبتدأ مؤخر، وعند ظرف خبر مقدم، والمعنى هل عندكم من شيء تحتجون به على ما زعمتم من أن اللّه راض بأفعالكم فتظهروه لنا؟. قوله:\r(أي لا علم عندكم) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي.\rقوله: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ جواب شرط مقدر، قدره المفسر بقوله: (إن لم يكن لكم حجة). قوله: (التامة) أي وهي إرسال الرسل وإنزال الكتب، ومعنى التامة الكاملة التي لا يعتريها نقص ولا خفاء. قوله: (هدايتكم) قدره إشارة إلى أن مفعول شاء محذوف. قوله: لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ أي ولكنه لم يشأ ذلك فلم يحصل، ومحط التعليق على هداية الجميع، وأما هداية البعض فقد حصلت.\rقوله: قُلْ هَلُمَ فيها لغتان: لغة أهل الحجاز عدم إلحاقها شيئا من العلامات، فهي بلفظ واحد للمذكر والمؤنث والمثنى والمجموع والقرآن جاء عليها، وعلى ذلك فهي اسم فعل بمعنى احضروا، ولغة تميم وهي إلحاقها العلامات، فتقول هلموا وهلمي وهلما وهلمن، وعليها فهي فعل أمر، وهذا الأمر لمزيد التبكيت لهم، وإقامة الحجة عليهم. قوله: فَإِنْ شَهِدُوا أي بعد مجيئهم وحضورهم. قوله: فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ أي لا تصدقهم ولا تمل لقولهم، وهذا خطاب له والمراد غيره لاستحالته عليه. قوله:\rوَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ معطوف على قوله: الَّذِينَ كَذَّبُوا. قوله: وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ الجملة حالية ومعنى يعدلون يسوون به غيره، والمعنى لا تتبع الذين يجمعون بين التكذيب بآيات اللّه، وبين الكفر بالآخرة، وبين الإشراك باللّه في أهوائهم.\rقوله: قُلْ تَعالَوْا لما أقام اللّه سبحانه وتعالى الحجة على الكفار، بأنه لا تحليل ولا تحريم إلا بما أحله اللّه أو حرمه كأن سائلا قال: وما الذي حرمه وأحله؟ فقال سبحانه: قُلْ تَعالَوْا الخ، وتعالوا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، وهو في الأصل موضوع لطلب ارتفاع من مكان سافل إلى مكان عال، ثم استعمل في الاقبال والحضور مطلقا، وآثرها إشارة إلى أنهم في أسفل الدركات، وهو يطلبهم للرفع والعلو من أخس الأوصاف إلى أكملها وأعلاها، كأنه قال اقبلوا إلى المعالي، لأن من سمع أحكام اللّه وقبلها بنصح، كان في أعلى المراتب. قوله: أَتْلُ جواب الأمر مجزوم بحذف الواو، والضمة دليل عليها، وقيل جواب لشرط محذوف تقديره إن تأتوا أتل، أي أقرأ ما حرم اللّه عليكم.","part":1,"page":500},{"id":502,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 501\rرَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا مفسرة تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَأحسنوا بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ بالوأد مِنْ أجل إِمْلاقٍ فقر تخافونه نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ الكبائر كالزنا ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ أي علانيتها وسرها وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ كالقود وحد الردة ورجم المحصن ذلِكُمْ المذكور وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ\r______________________________\rقوله: ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ ما اسم موصول، وحرم صلته، والعائد محذوف، وربكم فاعل حرم، وقوله: عَلَيْكُمْ تنازعه كل من أتل وحرم، أعمل الثاني، واضمر في الأول وحذف لأنه فضلة.\rوحاصل ما ذكر في هاتين الآيتين عشرة أشياء: خمسة بصيغ النهي، وخمسة بصيغ الأمر، وقدم المنهي عنه لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولأن المنهي عنه مأمور باجتنابه مطلقا، والمأمور به على حسب الاستطاعة لما في الحديث «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم». ووسط بينهما الأمر ببر الوالدين اعتناء بشأنه، لكونه أعظم الواجبات بعد التوحيد، وهذه العشرة لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار، بل أجمع عليها جميع أهل الأديان، قال ابن عباس: هذه آيات محكمات، لم ينسخهن شيء في جميع الكتب، وهن محرمات على بني آدم كلهم، وهن أم الكتاب، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار. قوله: «أن» (مفسرة) أي وضابطها موجود، وهو أن يتقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه، واستشكل بأن هذا يقتضي أن جميع ما يأتي محرم، مع أن بعضه مأمور بفعله على سبيل الوجوب. أجيب بأجوبة منها: أن التحريم في المنهي عنه ظاهر وفي المأمور به باعتبار أضدادها، فالمعنى حرم فعلا وهي المنهيات، أو تركا وهي المأمورات، ومنها أن في الكلام حذف الواو مع ما عطفت، والتقدير ما حرم ربكم عليكم وما أمركم به، ثم فرع بعد ذلك على المذكور والمحذوف، والأقرب الأول.\rقوله: لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً أي لا في الأقوال، ولا في الأفعال، ولا في الاعتقادات. قوله:\rإِحْساناً مفعول مطلق لفعل محذوف قدره المفسر بقوله: (أحسنوا) والمراد بالوالدين الأب والأم وإن عليا. قوله: (بالوأد) تقدم أنه الدفن بالحياة. قوله: مِنْ إِمْلاقٍ يطلق بمعنى الفقر والافلاس والإفساد، والمراد هنا الأول. قوله: نحن نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ هذا في مغنى التعليل للنهي المتقدم، والمعنى لا تقتلوا أولادكم من أجل حصول فقر، لأن رزقكم ورزقهم علينا لا على غيرنا، وقال هنا: مِنْ إِمْلاقٍ، وقال في الإسراء: خَشْيَةَ إِمْلاقٍ، لأن ما هنا في الفقر الحاصل بالفعل، وما في الإسراء في الفقر المتوقع، فهو خطاب للأغنياء، وقدم هنا خطاب الآباء، وهناك ضمير الأولاد قيل تفننا، وقيل قدم هنا خطاب الآباء تعجيلا لبشارة الآباء الفقراء بأنهم في ضمان اللّه، وقدم هناك ضمير الأولاد، لتطمئن الآباء بضمان رزق الأولاد، فهذه الآية تفيد النهي للآباء عن قتل الأولاد، وإن كانوا متلبسين بالفقر، والأخرى عن قتلهم وإن كانوا موسرين، ولكن يخافون وقوع الفقر. قوله: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ هذا أعم مما قبله، لأن من جملة الفواحش قتل الأولاد. قوله: (أي علانيتها) أي كالقتل والزنا والسرقة وجميع المعاصي الظاهرية، وقوله: (و سرها) أي كالرياء والعجب والكبر والحسد وجميع المعاصي القلبية.\rقوله: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ عطف خاص على عام، ونكتته الاستثناء بعدة. قوله: الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ مفعول حرم محذوف أي قتلها. قوله: إِلَّا بِالْحَقِ في محل نصب على الحال، أو صفة لمصدر","part":1,"page":501},{"id":503,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 502\rتَعْقِلُونَ (151) تتدبرون وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي أي بالخصلة التي هِيَ أَحْسَنُ وهي ما فيه صلاحه حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ بأن يحتلم وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ بالعدل وترك البخس لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها طاقتها في ذلك فإن أخطأ في الكيل والوزن واللّه يعلم صحة نيته فلا مؤاخذة عليه كما ورد في حديث وَإِذا قُلْتُمْ في حكم أو غيره فَاعْدِلُوا بالصدق وَلَوْ كانَ المقول له أو عليه ذا قُرْبى قرابة وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) بالتشديد تتعظون والسكون وَأَنَ بالفتح على تقدير اللام والكسر استئنافا\r______________________________\rمحذوف، والتقدير ولا تقتلوا النفس التي حرم اللّه إلا ملتبسين بالحق، أو قتلا ملتبسا بالحق، وهو استثناء مفرع، أي لا تقتلوها في حال من الأحوال، إلا في حال ملابستكم بالحق. قوله: (كالقود) أي القصاص، وقوله: (وحد الردة) أي لما في الحديث «من بدل دينه فاقتلوه». وقوله: (و رجم المحصن) أي بشروطه، وهو وما قبله المذكورة في الفروع.\rقوله: ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ مبتدأ وخبر، وقوله: (المذكور) إشارة إلى أن اسم الإشارة عائد على ما تقدم من الأمور. قوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ختم هذه الآية بذلك، لأنها اشتملت على خمسة أشياء عظام، والوصية فيها أبلغ منها في غيرها، لعموم نفعها في الدين والدنيا، فختمها بالعقل الذي هو مناط التكليف.\rقوله: (أي بالخصلة التي) هِيَ أَحْسَنُ أشار بذلك إلى أنه نعت لمصدر محذوف، والمعنى لا تقربوا مال اليتيم في حالة من الحالات، إلا في الحالة التي هي أحسن لليتيم.\rقوله: حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ غاية لما يفهم من النهي، كأنه قال: احفظوه إلى بلوغ أشده، فسلموه له حينئذ. قوله: (بأن يحتلم) هذا تفسير لبلوغ الأشد، باعتبار أول زمانه، وسيأتي في الأحقاف تفسيره باعتبار آخره وهو ثلاث وثلاثون سنة، لأن الأشد هو قوة الإنسان وشدته ومبدؤه البلوغ، وينتهي لثلاث وثلاثين سنة. قوله: بِالْقِسْطِ متعلق بمحذوف إما حال من فاعل: أَوْفُوا، أو من مفعوله أي أوفوهما حال كونكم مقسطين، أو حال كونهما تامين. قوله: (و ترك البخس) أي النقص في الكيل أو الوزن. قوله: (فلا مؤاخذة عليه) أي لا إثم، ولكنه يضمن ما أخطأ فيه، لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء.\rقوله: وَإِذا قُلْتُمْ المراد بالقول ما يعم الفعل، وقوله: فَاعْدِلُوا (بالصدق) أي لا تتركوه في القول ولا في الفعل، وإنما خص القول تنبيها بالأدنى على الأعلى. قوله: وَبِعَهْدِ اللَّهِ إما مضاف لفاعله أي ما عهده إليكم، أو لمفعوله أي ما عاهدتم اللّه عليه. قوله: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ختمها بذلك لأن هذه الأمور خفية غامضة، لا بد فيها من الاجتهاد والتذكر. قوله: (و السكون) صوابه والتخفيف، إذ لم يقرأ بسكون الذال، فمن شدد قلب التاء ذالا وأدغمها في الأخرى، ومن خفف حذف إحدى التاءين. قوله:\r(بالفتح) أي مع التشديد أو التخفيف، وقوله: (و الكسر) أي مع التشديد لا غير، فالقراءات ثلاث وكلها سبعية. قوله: (على تقدير اللام) أي على كل من الوجهين، وحينئذ تكون الواو عاطفة من عطف العلة على المعلول، والتقدير كلفتم بهذا الذي وصاكم به من أول الربع إلى هنا، أو من أول السورة إلى هنا، لأن هذا صراطي. قوله: (استئنافا) أي واقعا في جواب سؤال مقدر، ومع ذلك فيها معنى التعليل، كأن","part":1,"page":502},{"id":504,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 503\rهذا الذي وصيتكم به صِراطِي مُسْتَقِيماً حال فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ الطرق المخالفة له فَتَفَرَّقَ فيه حذف إحدى التاءين تميل بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ دينه ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة وثم لترتيب الأخبار تَماماً للنعمة عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ بالقيام به وَتَفْصِيلًا بيانا لِكُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه في الدين وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ أي بني إسرائيل بِلِقاءِ رَبِّهِمْ بالبعث يُؤْمِنُونَ (154) وَهذا القرآن كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ\r______________________________\rقائلا قال: لأي شيء كلفنا بما تقدم؟ فقيل في الجواب: أن هذا صراطي مستقيما، ثم أعلم أنه على قراءة التشديد، فاسم الإشارة اسم أن وصراطي خبرها، وعلى قراءة التخفيف فاسمها ضمير الشأن، واسم الإشارة مبتدأ، وصراطي خبره، والجملة خبر إن، ومستقيما حال من صراطي على كل حال.\rقوله: وَأَنَّ هذا يصح أن يرجع اسم الإشارة إلى ما تقدم من أول الربع أو من أول السورة. قوله: صِراطِي مُسْتَقِيماً أي ديني لا اعوجاج فيه، فشبه الدين القويم بالصراط، بمعنى الطريق بجامع أن كلا يوصل للمقصود، واستعار اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية.\rقوله: فَاتَّبِعُوهُ أي اسلكوه ولا تحودوا عنه فتقعوا في الهلاك، روى الدارقطني عن ابن مسعود قال: خط لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوما خطا ثم قال: هذا سبيل اللّه، ثم خط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن شماله ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها، ثم قرأ هذه الآية، وفي رواية أنه خط خطا وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن شماله، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: هذا سبيل اللّه ثم تلا هذه الآية. قوله: (الطرق المخالفة) أي الأديان المباينة له، فشبه الأديان الباطلة بالطرق المعوجة بجامع أن كلا يوصل صاحبه إلى المهالك، واستعير اسم المشبه به للمشبه. قوله: فَتَفَرَّقَ بالنصب بأن مضمرة في جواب النهي.\rقوله: ذلِكُمْ أي ما مر من اتباع دينه وترك غيره من الأديان. قوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي تمتثلون المأمورات، وتجتنبون المنهيات، وأتى بالتقوى هنا، لأن الصراط المستقيم جامع للتكاليف، وقد أمر باتباعه، ونهى عن الطرق المعوجة، فناسب ذكر التقوى. قوله: (و ثم لترتيب الأخبار) أي الترتيب في الذكر لا في الزمان، وهو جواب عما يقال إن إيتاء موسى الكتاب، كان قبل نزول القرآن، فكيف يعطف بثم المفيدة للترتيب والتراخي؟ وأجيب أيضا: بأن ثم لمجرد العطف كالواو، فلا ترتيب فيها ولا تراخي.\rقوله: تَماماً مفعول لأجله، أي آتيناه الكتاب لأجل تمام النعمة الخ. قوله: (للنعمة) أي الدنيوية والأخروية.\rقوله: عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ متعلق بتماما، ومعنى أحسن قام به الحسن وهو الصفات الجميلة، وقوله: (بالقيام به) سبب لكونه قام به الحسن، والمعنى تماما على المحسن منهم بسبب قيامه به، أي اتباعه له، وامتثاله مأموراته واجتنابه منهياته. قوله: وَتَفْصِيلًا عطف على: تَماماً. قوله: (أي بني إسرائيل) أي المدلول عليهم بذكر موسى والكتاب. قوله: بِلِقاءِ رَبِّهِمْ متعلق بيؤمنون، قدم عليه للفاصلة.\rقوله: وَهذا كِتابٌ مبتدأ وخبر، وجملة أَنْزَلْناهُ نعت أول لكتاب، ومُبارَكٌ نعت ثان","part":1,"page":503},{"id":505,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 504\rفَاتَّبِعُوهُ يا أهل مكة بالعمل بما فيه وَاتَّقُوا الكفر لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أنزلناه ل أَنْ لا تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ اليهود والنصارى مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ مخففة واسمها محذوف أي إنا كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ قراءتهم لَغافِلِينَ (156) لعدم معرفتنا لها إذ ليست بلغتنا أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ لجودة أذهاننا فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ بيان مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لمن اتبعه فَمَنْ أي لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ أعرض عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ أي أشده بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (157) هَلْ يَنْظُرُونَ ما ينتظر المكذبون إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ بالتاء والياء الْمَلائِكَةُ لقبض أرواحهم أَوْ يَأْتِيَ\r______________________________\rله، أي كثير الخير والمنافع دينا ودنيا، والمعنى: هذا القرآن العظيم، كتاب أنزلناه من اللوح المحفوظ ليلة القدر إلى سماء الدنيا في بيت العزة، ثم نزل مفرقا على حسب الوقائع، مبارك كثير الخير والمنافع في الدنيا بالشفاء به، والأمن من الخسف والمسخ والضلال والآخرة، بتلقي السؤال عن صاحبه وشهادته له، وكونه ظلة على رأسه في حر الموقف، والرقي به إلى الدرجات العلا. قوله: (يا أهل مكة) قصر الخطاب عليهم لأنهم هم المعاندون في ذلك الوقت. قوله: (بالعمل بما فيه) بيان لاتباعه.\rقوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي تصيبكم الرحمة في الدنيا والآخرة.\rقوله: أَنْ تَقُولُوا مفعول لأجله، والعامل محذوف قدره المفسر بقوله: (أنزلناه)، ولا يصح أن يكون العامل أنزلناه المذكور، لأنه يلزم عليه الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي، وهو لفظ مبارك، وقدر المفسر لا، لأن الإنزال علة لعدم القول لا للقول، وقال بعضهم: إن الكلام على حذف مضاف أي كراهة أن تقولوا وكل صحيح. قوله:\rإِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ أي جنسه الصادق بالتوراة والإنجيل. قوله: وَإِنْ (مخففة) أي من الثقيلة.\rقوله: (و اسمها محذوف) الخ فيه شيء، وذلك لأن إن المكسورة إذا خففت ودخلت على فعل ناسخ مثل كنا أهملت، فلا عمل لها، ووجب اقتران الخبر باللام، وذلك كما في هذه الآية. قوله: (قراءتهم) أي لكتبهم، والمعنى لا نفهم معانيها، لأنها بالعبرانية أو السريانية، ونحن عرب لا نفهم إلا اللغة العربية.\rقوله: لَغافِلِينَ أي لا نعلمها، والمقصود قطع حجتهم وعذرهم بانزال القرآن بلغتهم، والمعنى نزلنا القرآن بلغتهم، لئلا يقولوا يوم القيامة إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا بلغتهما فلم نفهم ما فيهما.\rقوله: أَوْ تَقُولُوا عطف على المنفي وهو قطع لعذرهم أيضا. قوله: لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ أي إلى الحق والطريق المستقيم. قوله: فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ أي لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم قوله: (أي لا أحد) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي. قوله: سُوءَ الْعَذابِ أي العذاب السيىء بمعنى الشديد. قوله: بِما كانُوا يَصْدِفُونَ الباء سببية، وما مصدرية، أي بسبب إعراضهم وتكذيبهم بآيات اللّه.\rقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ استفهام إنكاري بمعنى النفي، وهو مزيد تخويف وتحذير لمن بقي على الكفر. إن قلت: إن ظاهر الآية يقتضي أنهم مصدقون بهذه الأشياء حتى أثبت لهم انتظار أحدها، أجيب بأن هذه الأشياء لما كانت محتمة، عوملوا معاملة المنتظر، ولم يعول على اعتقادهم، فالمعنى لا مفر لهم من","part":1,"page":504},{"id":506,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 505\rرَبُّكَ أي أمره بمعنى عذابه أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ أي علاماته الدالة على الساعة يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ وهي طلوع الشمس من مغربها كما في حديث الصحيحين لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ الجملة صفة نفس أَوْ نفسا لم تكن كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً\r______________________________\rذلك. قوله: (ما ينتظر المكذبون) أي من أهل مكة وغيرهم. قوله: (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان، لأن جمع التكسير يجوز تأنيثه وتذكيره، تقول: قام الرجال، وقامت الرجال. قوله:\rالْمَلائِكَةُ أي عزرائيل وأعوانه، أو ملائكة العذاب، لما تقدم أن الكافر موكل بأخذ روحه سبع من ملائكة العذاب. قوله: (أي أمره) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، ودفع بذلك توهم حقيقة الإتيان، وهو الانتقال من مكان إلى آخر، إذ هو مستحيل على اللّه تعالى. قوله: (بمعنى عذابه) أي المعجل لهم، إما بالسيف أو غيره. قوله: (الدالة على الساعة) أي على قربها، والعلامات الكبرى عشرة وهي: الدجال، والدابة، وخسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر.\rقوله: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يوم معمول لينفع على الصحيح من أن ما بعد لا يعمل فيما قبلها. قوله: (و هو طلوع الشمس من مغربها) ورد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال يوما: أتدرون أين تذهب هذه الشمس إذا غربت؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: إنها تذهب إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي فارجعي من حيث جئت، فتصبح طالعة من مطلعها، وهكذا كل يوم، فإذا أراد اللّه أن يطلعها من مغربها حبسها، فتقول يا رب إن مسيري بعيد، فيقول لها اطلعي من حيث غربت، فقال الناس: يا رسول اللّه، هل لذلك من آية؟ فقال: آية تلك الليلة أن تطول قدر ثلاث ليال، فيستيقظ الذين يخشون ربهم، فيصلون ثم يقضون صلاتهم، والليل مكانه لم ينقض، ثم يأتون مضاجعهم فينامون، حتى إذا استيقظوا والليل مكانه خافوا أن يكون ذلك بين يدي أمر عظيم، فإذا أصبحوا أطال عليهم طلوع الشمس، فبينما هم ينتظرونها، إذا طلعت عليهم من قبل المغرب. قوله: (كما في حديث الصحيحين) أي وهو كما في البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها» وروي أن أول الآيات ظهور الدجال، ثم نزول عيسى، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها، وهو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي، وذلك أن الكفار يسلمون في زمن عيسى، فإذا قبض ومن معه من المسلمين، رجع أكثرهم إلى الكفر، فعند ذلك تطلع الشمس من مغربها.\rقوله: (لا يَنْفَعُ نَفْساً أي كافرة أو مؤمنة عاصية، ويكون قوله: لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ راجعا للأولى، وقوله: أَوْ كَسَبَتْ راجعا للثانية، ويكون التقدير لا ينفع نفسا كافرة لم تكن آمنت من قبل إيمانها الآن، ولا ينفع نفسا مؤمنة توبتها من المعاصي، فقوله: أَوْ كَسَبَتْ معطوف على: آمَنَتْ، وحينئذ فيكون في الكلام حذف قد علمته. قوله: (الجملة صفة نفس) أي جملة لم تكن آمنت من قبل، وجاز الفصل بين الصفة والموصوف لأنه بالفاعل وهو ليس بأجنبي. قوله: أَوْ (نفسا لم تكن) كَسَبَتْ أشار بذلك إلى","part":1,"page":505},{"id":507,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 506\rطاعة أي لا تنفعها توبتها كما في الحديث قُلِ انْتَظِرُوا أحد هذه الأشياء إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) ذلك إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ باختلافهم فيه فأخذوا بعضه وتركوا بعضه وَكانُوا شِيَعاً فرقا في\r______________________________\rأن المعطوف في الحقيقة محذوف هو معطوف على المنفي. قوله: (كما في الحديث) روي عن صفوان بن عسال المرادي قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «باب من قبل المغرب، مسيرة عرضه أربعون أو سبعون سنة، خلقه اللّه تعالى يوم خلق السماوات والأرض مفتوحا للتوبة، لا يغلق حتى تطلع الشمس منه». وورد أن من الاشراط العظام، طلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض، وهذان أيهما سبق الآخر، فالآخر على أثره». وورد «صبيحة تطلع الشمس من مغربها، يصير في هذه الأمة قردة وخنازير، وتطوى الدواوين، وتجف الأقلام، لا يزاد في حسنة، ولا ينقص من سيئة، ولا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا». وورد «لا تزال الشمس تجري من مطلعها إلى مغربها، حتى يأتي الوقت الذي جعله اللّه غاية لتوبة عباده، فتستأذن الشمس من أين تطلع، ويستأذن القمر من أين يطلع، فلا يؤذن لهما، فيحبسان مقدار ثلاث ليال للشمس، وليلتين للقمر، فلا يعرف مقدار حبسهما إلا قليل من الناس، وهم أهل الأوراد وحملة القرآن، فينادي بعضهم بعضا، فيجتمعون في مساجدهم بالتضرع والبكاء والصراخ بقية تلك الليلة، ثم يرسل اللّه جبريل إلى الشمس والقمر، فيقول إن الرب تعالى يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منه لا ضوء لكما عندنا ولا نور، فتبكي الشمس والقمر من خوف يوم القيامة وخوف الموت، فترجع الشمس والقمر فيطلعان من مغربهما، فبينما الناس كذلك يتضرعون إلى اللّه، والغافلون في غفلاتهم، إذ نادى مناد: ألا إن باب التوبة قد أغلق، والشمس والقمر قد طلعا من مغاربهما فينظر الناس وإذا بهما أسودين كالعكمين، أي الغرارتين العظميتين، لا ضوء لهما ولا نور، فذلك قوله: وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فيرتفعان مثل البعيرين المقرنين، ينازع كل منهما صاحبه استباقا، ويتصايح أهل الدنيا، وتذهل الأمهات عن أولادها، وتضع كل ذات حمل حملها، فأما الصالحون والأبرار، فإنهم ينفعهم بكاؤهم يومئذ، ويكتب لهم عبادة، وأما الفاسقون والفجار، فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ، ويكتب عليهم حسرة، فإذا بلغت الشمس والقمر وسط السماء، جاءهما جبريل فأخذ بقرونهما فردهما إلى المغرب، فيغربهما في باب التوبة، ثم يرد المصراعين فيلتئم ما بينهما وتصيران كأنهما لم يكن فيهما صدع ولا خلل، فإذا أغلق باب التوبة، لم يقبل لعبد بعد ذلك توبة، ولا تنفعه حسنة يعملها بعد ذلك إلا ما كان قبل ذلك، فإنه يجري لهم». وورد: «أن الدنيا تمكث بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة، يتمتع المؤمنون فيها أربعين سنة، لا يتمنون شيئا إلا أعطوه، ثم يعود فيهم الموت ويسرع، فلا يبقى مؤمن، ويبقى الكفار يتهارجون في الطرق كالبهائم، حتى ينكح الرجل المرأة في وسط الطريق، يقوم واحد عنها وينزل واحد، وأفضلهم من يقول لو تنحيتم عن الطريق لكان أحسن، فيكونون على مثل ذلك، حتى لا يولد لأحد من نكاح، ثم يعقم اللّه النساء ثلاثين سنة، ويكون كلهم أولاد زنا، شرار الناس عليهم تقوم الساعة. قوله: قُلِ انْتَظِرُوا أمر تهديد على حد اعملوا ما شئتم.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ الأقرب كما قال المفسر، أنها نزلت في اليهود والنصارى لما ورد:\rقام فينا رسول اللّه فقال: «ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة، وفي رواية:","part":1,"page":506},{"id":508,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 507\rذلك وفي قراءة فارقوا أي تركوا دينهم الذي أمروا به وهم اليهود والنصارى لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ فلا تتعرض لهم إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ يتولاه ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ في الآخرة بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (159) فيجازيهم به وهذا منسوخ بآية السيف مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ أي لا إله إلا اللّه فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها أي جزاء عشر حسنات وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها أي جزاءه وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (160) ينقصون من جزائهم شيئا قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ويبدل\r______________________________\r«من كان على ما أنا عليه وأصحابي». قوله: (فأخذوا بعضه) أي كما حكاه اللّه عنهم بقوله في سورة النساء: وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ أي لست مأمورا بقتالهم، وهذا ما مشى عليه المفسر من أنها منسوخة، وقيل إنها محكمة، والمعنى أنت بريء منهم ومن أفعالهم، لقطع نسبهم منك بكفرهم. قوله: (فيجازيهم به) أي بفعلهم.\rقوله: (و هذا) أي قوله: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ.\rقوله: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ أي يوم القيامة. قوله:\rفَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها هذا إخبار بأقل المضاعفة، وإلا فقد جاء مضاعفة الحسنة بسبعين وسبعمائة وبغير حساب، واعلم أن المضاعفة تابعة للإخلاص، فكل من عظم إخلاصه، كانت مضاعفة حسناته أكثر، ومن هنا قوله عليه الصلاة والسّلام: «اللّه اللّه في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا من بعدي، فو الذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». وفسر الحسنة بلا إله إلا اللّه، وهو أحد تفسيرين، والآخر أن المراد بها كل ما أمر اللّه به، فيشمل الذكر والصلاة والصدقة، وغير ذلك من أنواع البر، وهو الأولى، لأنه أراد خصوص ما ينجي من الشرك، فذلك جزاؤه دخول الجنة، وإن أراد الذكر بها فلا مفهوم لها، لأن العبرة بعموم اللفظ، وأفرد في الحسنة والسيئة، لأنه لو جمع لربما توهم أن الجزاء إجمالي، بحيث يعطي في نظير حسناته كلها عشرة أمثالها، بل الجزاء لكل فرد من أفراد الحسنات والسيئات، لأن الحسنات تتفاوت، فربما جوزي على بعضها عشرا وعلى بعضها أكثر. قوله: أَمْثالِها جمع مثل إن قلت: إنه مذكر، فكان مقتضاه تأنيث العدد، قال ابن مالك:\rثلاثة بالتاء قل للعشرة ... في عد ما آحاده مذكره\r\rفي الضدد جرد الخ.\r\rوأجيب بأنه جرد التاء مراعاة لإضافة مثل لضمير الحسنة، فكأنه اكتسب التأنيث من المضاف إليه، أو يقال إن أمثال صفة لموصوف محذوف تقديره عشر حسنات أمثالها، فجرد العدد من التاء مراعاة الموصوف المحذوف، وإلى هذا الثاني أشار المفسر بقوله: (أي جزاء عشر حسنات). قوله: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ أي الشرك على ما قال المفسر، حيث فسر الحسنة بلا إله إلا اللّه، أو ما هو أعم وهو الأولى.\rقوله: فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها أي إن مات غير تائب وجوزي، وإلا فأمره مفوض لربه، فإن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، وأما ان مات تائبا فلا سيئة له، لأنه من المحبوبين للّه والمحبوب لا سيئة له، قال تعالى:\rإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ، وقال عليه الصلاة والسّلام: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». قوله: وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي العاملون للحسنات والسيئات. قوله: (ينقصون من جزائهم) هذا بالنظر لجزاء الحسنات، أي ولا يزاد في سيئات أهل العقاب، فالظلم نقص المحسن والزيادة في المسيء، وتسميته ظلما","part":1,"page":507},{"id":509,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 508\rمن محله دِيناً قِيَماً مستقيما مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي عبادتي من حج وغيره وَمَحْيايَ حياتي وَمَماتِي موتي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ في ذلك وَبِذلِكَ أي التوحيد أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) من هذه الأمة قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا إلها أي لا أطلب غيره وَهُوَ رَبُ مالك كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ذنبا إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ تحمل نفس وازِرَةٌ آثمة وِزْرَ نفس أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ\r______________________________\rتنزل منه سبحانه وتعالى، وإلا فالظلم التصرف في ملك الغير، ولا ملك لأحد منه تبارك وتعالى، وأما الزيادة في الحسنات فليس بظلم، بل هو تفضل منه وإحسان، واعلم: أن الحسنة تتفاوت، والسيئة كذلك، فليس من تصدق بدرهم كمن تصدق بدينار وهكذا، وليس من فعل صغيرة كمن فعل كبيرة وهكذا، فعشرة أمثال الحسنة من شكلها، ومثل السيئة من شكلها، واعلم أيضا: أن هذا الجزاء لمن فعل الحسنة والسيئة، وأما من هم بحسنة ولم يعملها، كتبت له حسنة واحدة، ومن هم بسيئة ولم يعملها، فإن تركها خوف اللّه كتبت حسنة، وإن تركها لا لذلك، لم تكتب شيئا، لما في الحديث: «قال اللّه تعالى: إذا تحدث عبدي بحسنة ولم يعملها، فأنا أكتبها له حسنة حتى يعملها، فإن عملها، فأنا اكتبها له بعشر حسنات، وإذا تحدث عبدي بسيئة ولم يعملها، فأنا أغفرها له حتى يعملها، فإن عملها فأنا أكتبها له بمثلها».\rقوله: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي إن حرف توكيد ونصب، والياء اسمها، وجملة هداني ربي خبرها، وهدى فعل ماض، والياء مفعول أول، وإِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ مفعول ثان، ورَبِّي فاعل، والمعنى: قل يا محمد لكفار مكة، إنني أرشدني ربي ووصلني إلى دين مستقيم لا اعوجاج فيه. قوله:\r(و يبدل من محله) أي محل: إلى صراط مستقيم، وهو النصب، لأنه المفعول الثاني. قوله: قِيَماً نعت لدينا، أي لا اعوجاج فيه. قوله: مِلَّةَ إِبْراهِيمَ بدل دِيناً أي دينه وشريعته وما أوحي به إليه.\rقوله: حَنِيفاً حال من إبراهيم، أي مائلا عن الضلال إلى الاستقامة. قوله: وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عطف حال على أخرى، وفيه تعريض بخروج جميع من خالف دين الإسلام عن إبراهيم.\rقوله: (عبادتي) أشار بذلك إلى أن قوله: وَنُسُكِي عطف عام على خاص.\rقوله: وَمَحْيايَ وَمَماتِي قرأ نافع بسكون ياء محياي، وفتح ياء مماتي، والباقون بالعكس. قوله:\rلِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر إن، ولكن يقدر بالنسبة للعبادة خالصة، وبالنسبة للحياة والموت مخلوقة. قوله: (في ذلك) أي الصلاة والنسك والمحيا والممات.\rقوله: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ أي المنقادين للّه، واستشكل بأنه تقدمه الأنبياء وأممهم، وأجاب المفسر بأن الأولية بالنسبة لأمته. وأجيب أيضا بأن الأولية بالنسبة لعالم الذر فهي حقيقة.\rقوله: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ نزلت لما قال الكفار: يا محمد ارجع إلى ديننا، وغير منصوب بأبغي، ورَبًّا تمييز، وقوله: (إلها) تفسير لربا. قوله: (أي لا أطلب) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي. قوله: وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ الجملة حالية، والمعنى لا يليق أن أتخذ إلها غير اللّه، والحال أنه مالك كل شيء. قوله: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها رد لقولهم اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم،","part":1,"page":508},{"id":510,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 509\rمَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ جمع خليفة أي يخلف بعضكم بعضا فيها وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ بالمال والجاه وغير ذلك لِيَبْلُوَكُمْ ليختبركم فِي ما آتاكُمْ أي أعطاكم إياه ليظهر المطيع منكم والعاصي إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ لمن عصاه وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ للمؤمنين رَحِيمٌ (165) بهم.\r______________________________\rأي يكتب علينا ما عملتم من الخطايا. قوله: إِلَّا عَلَيْها أي إلا في حال كونه مكتوبا عليها لا على غيرها.\rقوله: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ أي ولا غير وازرة، وإنما قيد بالوازرة موافقة لسبب النزول، وهو أن الوليد بن المغيرة كان يقول للمؤمنين: اتبعوا سبيلي أحمل عليكم أوزاركم، وهو وازر. قوله: وِزْرَ أُخْرى إن قلت: كيف هذا مع قوله تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ، وقوله عليه الصلاة والسّلام: «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة»؟ أجيب بأن ما هنا محمول على من لم يتسبب فيه بوجه، وفي الآية الأخرى والحديث محمول على من تسبب فيه، فعليه وزر المباشرة، ووزر التسبب، ووزر الفاعل لا يفارقه. قوله: فَيُنَبِّئُكُمْ أي يخبركم ويعلمكم. قوله: بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ أي من الأديان والملل. قوله: (أي يخلف بعضكم بعضا فيها) أشار بذلك إلى أن إضافة خلائف للأرض على معنى في.\rقوله: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ أي خالف بين أحوالكم، حيث جعل منكم الحسن والقبيح، والغني والفقير، والعالم والجاهل، والقوي والضعيف، لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ وليس عجزا عن مساواتكم، فإنه منزه عنه سبحانه. قوله: (ليختبركم) أي يعاملكم معاملة المختبر، وإلا فلا يخفى عليه شيء. قوله: (أي أعطاكم إياه) أي من الغنى والفقر، ليتبين الصابر والشاكر من غيرهما. قوله: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ إن قلت: إن اللّه حليم لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، فكيف وصف بكونه سريع العقاب؟ أجيب: بأن كل آت قريب، أو المعنى سريع العقاب إذا جاء وقته، وأكد الجملة الثانية هنا باللام، وفي الأعراف الجملتين، لأن الوعيد المتقدم هنا، أخف من الوعيد المتقدم هناك، فالوعيد هنا هو قوله: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها، وأما في الأعراف فهو قوله: وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ، وقوله: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ، فالمقام هنا لغلبة الرحمة، فلذلك أكدت دون العقاب، وأما هناك فالمقام لهما، فلذلك أكدا معا. قوله: وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ جعل خبر إن في هذه الآية من الصفات الذاتية الواردة على بناء المبالغة، وأكده باللام، وجعل خبر إن السابقة، صفة جارية على غير من هي له، للتنبيه على أنه تعالى غفور رحيم بالذات مبالغ فيهما، ومعاقب بالعرض، مسامح في العقوبة، ومعنى بالذات مغفرته ورحمته لا تتوقف على تأهل من العبد، ومعنى بالعرض أن عقابه لا يكون إلا بعد صدور ذنب فتأمل.","part":1,"page":509},{"id":511,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 510\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الأعراف مكيّة إلا (وَ سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ) الثمان أو الخمس آيات وهي مائتان وخمس أو ست آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ المص (1) اللّه أعلم بمراده بذلك هذا كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ ضيق مِنْهُ أن تبلغه مخافة أن تكذب لِتُنْذِرَ متعلق بأنزل أي للانذار بِهِ وَذِكْرى تذكرة لِلْمُؤْمِنِينَ (2) به قل لهم اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة الأعراف مكية\rإلا (وَ سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ) الثمان أو الخمس آيات وهي مائة وخمس أو ست آيات سميت بذلك لذكر أهل الأعراف فيها من باب تسمية الشيء يجزئه. قوله: (مكية) تقدم أن المكي ما نزل قبل الهجرة وإن بأرض المدينة. قوله: (الثمان) أي ومنتهاها: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ، وقوله: (أو الخمس) أي ومنتهاها: إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. قوله: (اللّه أعلم بمراده بذلك) هذا أحد أقوال تقدم جملة منها، وقد ذكر هذا القول في الخازن بقوله هي حروف مقطعة استأثر اللّه بعلمها، وهي سره في كتابه العزيز.\rقوله: (هذا) كِتابٌ قدره إلى أن كتاب خبر لمحذوف، واسم الإشارة عائد على القرآن بمعنى القدر الذي نزل منه، وجملة: أُنْزِلَ إِلَيْكَ نعت لكتاب قصد به تشريف النازل والمنزل عليه.\rقوله: فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لا ناهية، ويَكُنْ مجزوم بها، وفِي صَدْرِكَ خبرها مقدم، وحَرَجٌ اسمها مؤخر، ومِنْهُ صفة لحرج، وهو نهي عن السبب، وفي الحقيقة النهي عن أسباب الحرج، والمعنى: لا تتعاط أسبابا توجب الحرج. قوله: (أن تبلغه) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، أي من تبليغه، ويصح أن الضمير عائد على المنزل أو الانزال أو الانذار.\rقوله: لِتُنْذِرَ من الإنذار، وهو التخويف من عذاب اللّه بسبب مخالفته. قوله: (متعلق بأنزل) أي واللام للتعليل، فهو مفعول لأجله، وإنما جر باللام لفقد بعض الشروط، لأنه اختلف مع عامله في الزمان والفاعل، لأن زمن الإنزال غير زمن الإنذار، فاعل الإنزال: اللّه تعالى، وفاعل الإنذار: النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: وَذِكْرى إما في محل نصب عطف على تنذر، أو في محل رفع خبر لمحذوف","part":1,"page":510},{"id":512,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 511\rمِنْ رَبِّكُمْ أي القرآن وَلا تَتَّبِعُوا تتخذوا مِنْ دُونِهِ أي اللّه أي غيره أَوْلِياءَ تطيعونهم في معصيته تعالى قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (3) بالتاء والياء تتعظون وفيه إدغام التاء في الأصل في الذال وفي قراءة بسكونها وما زائدة لتأكيد القلة وَكَمْ خبرية مفعول مِنْ قَرْيَةٍ أريد أهلها أَهْلَكْناها أردنا إهلاكها فَجاءَها بَأْسُنا عذابنا بَياتاً ليلا أَوْ هُمْ قائِلُونَ (4) نائمون بالظهيرة والقيلولة استراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم أي مرة جاءها ليلا ومرة نهارا فَما\r______________________________\rتقديره هو ذكرى، أو في محل جر عطف على المصدر المنسبك من أن المقدرة بعد اللام والفعل، والتقدير أنزل للإنذار والتذكير. ولما كان النبي مكلفا بالتبليغ للكفار، وإن لم يتعظوا به، أسند الإنذار له، ولما كانت الموعظة والتذكر قائمة بالمؤمنين عند سماعه، أسندت لهم، فالواعظ للكفار من غيرهم، والواعظ للمؤمنين من أنفسهم، وحيث كان القرآن منزلا لإنذار الكفار واتعاظ المؤمنين، فلا يحل إخراجه عما أنزل له، كأن يقرأه الشخص في الطرقات لطلب الدنيا، أو ليتغنى به حيث يكون المقصود من القرآن الدنيا أو التلذذ بالصوت الحسن كما يتلذذ بالغناء، فإن ذلك من الضلال المبين الموجب للعقوبة.\rقوله: اتَّبِعُوا أمر لجميع المكلفين أو للكافرين. قوله: مِنْ رَبِّكُمْ إما متعلق بأنزل أو بمحذوف حال من الموصول. قوله: مِنْ دُونِهِ إما متعلق بقوله: لا تَتَّبِعُوا، والمعنى لا تعدلوا عنه إلى غيره من الشياطين أو الكهان، أو حال من أَوْلِياءَ، لأنه نعت نكرة قدم عليها، والمعنى لا تتولوا من دونه أحدا من شياطين الإنس والجن، ليحملوكم على الأهواء والبدع. قوله: (بالتاء) أي مع تشديد الذال بعدها، وقوله: (و الياء) أي قبل التاء مع تخفيف الذال، وقوله: (و فيه إدغام التاء) راجع إلى القراءة الأولى، وقوله: (و في قراءة بسكونها) صوابه بتخفيفها وفيه حذف إحدى التاءين فالقراءات ثلاث، وكلها سبعية. قوله: (و ما زائدة لتأكيد القلة) أي وقليلا نعت مصدر محذوف، أي تذكرا قليلا أو نعت ظرف زمان محذوف، أي زمانا قليلا، والمصدر أو الظرف منصوب بالفعل بعده.\rقوله: وَكَمْ (خبرية) أي بمعنى كثيرا، ولم ترد في القرآن إلا هكذا، ويجب لها الصدارة لكونها على صورة الاستفهامية.\rقوله: (مفعول) أي لفعل محذوف يفسره قوله: أَهْلَكْناها من باب الاشتغال، والتقدير وكم من قرية أهلكناها، ويصح أن يكون كم مبتدأ، وجملة أَهْلَكْناها خبر ومِنْ قَرْيَةٍ تمييز لكم على كل حال.\rقوله: (أريد أهلها) أي فأطلق المحل، وأريد الحال فيه، فهو مجاز مرسل. قوله: (أردنا إهلاكها) جواب عما يقال إن الإهلاك مسبب عن البأس الذي هو العذاب، وظاهر الآية يقتضي أن العذاب مسبب عن الإهلاك، فأجاب بأن الكلام فيه حذف. قوله: بَياتاً يحتمل أنه حال، والتقدير جاءها بأسنا حال كونه بياتا أي في البيات بمعنى الليل، أو ظرف وهو المتبادر من عبارة المفسر.\rقوله: أَوْ هُمْ قائِلُونَ أو للتنويع، والجملة حالية معطوفة على ما قبلها، والواو مقدرة وإنما حذفت لدفع الثقل باجتماع حرفي عطف في الصورة، وقائلون من قال يقيل، كباع يبيع، فألفه منقلبة عن ياء، بخلاف قال من القول، فهي منقلبة عن واو. قوله: (و القيلولة استراحة نصف النهار) هذا قول ثان في تفسيرها فتحصل أن القيلولة فيها قولان: النوم وقت الظهر، أو الاستراحة في وسط النهار، وإن لم يكن معها نوم. قوله: (أي مرة جاءها ليلا) الخ هذا تفسير مراد للآية، وقوله: (جاءها) أي جاء بعضها ليلا","part":1,"page":511},{"id":513,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 512\rكانَ دَعْواهُمْ قولهم إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (5) فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ أي الأمم عن إجابتهم الرسل وعملهم فيما بلغهم وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) عن الإبلاغ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ لنخبرنهم عن علم بما فعلوه وَما كُنَّا غائِبِينَ (7) عن إبلاغ الرسل والأمم الخالية فيما عملوا وَالْوَزْنُ للأعمال أو لصحائفها بميزان له لسان وكفتان كما ورد في حديث، كائن يَوْمَئِذٍ أي يوم السؤال المذكور وهو يوم القيامة الْحَقُ العدل صفة لوزن فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بالحسنات فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) الفائزون وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ بالسيئات\r______________________________\rكقوم لوط، وقوله: (و مرة نهارا) أي كقوم شعيب.\rقوله: فَما كانَ دَعْواهُمْ أي استغاثتهم وتضرعهم، أو المراد قولهم على سبيل التحسر والتندم. قوله: إِذْ جاءَهُمْ ظرف لقوله: دَعْواهُمْ.\rقوله: إِلَّا أَنْ قالُوا أي إلا قولهم: إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ والمعنى أنهم لم يقدروا على دفع العذاب عنهم، وإنما ذلك تحسر وندامة طمعا في الخلاص.\rقوله: فَلَنَسْئَلَنَ اللام موطئه لقسم محذوف، والتقدير واللّه لنسألن، وهذا إشارة لعذابهم في الآخرة، إثر بيان عذابهم في الدنيا، والمقصود من سؤال الأمم زيادة الأمم الافتضاح لهم، ومن سؤال الرسل: رفع قدرهم، وزيادة شرفهم، وتبكيت الأمم حيث كذبوهم.\rقوله: بِعِلْمٍ متعلق بمحذوف حال من فاعل نقصن، والتقدير فلنقصن عليهم حال كوننا مصحوبين بعلم، وهذا حيث سكتت الرسل عن الجواب، (و قالوا لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت علام الغيوب). قوله: وَما كُنَّا غائِبِينَ توكيد لما قبله. قوله: (فيما عملوا) في بمعنى عن، أي عملوا.\rقوله: وَالْوَزْنُ مبتدأ، وقوله: يَوْمَئِذٍ خبره، والْحَقُ نعته، وهذا هو إعراب المفسر، ويصح أن يكون الْحَقُ خبر المبتدأ، ويَوْمَئِذٍ ظرف منصوب على الظرفية، وهذا الوزن بعد أخذ الصحف والحساب، ثم بعد الوزن يكون المرور على الصراط، وهو مختلف باختلاف أحوال العباد. قوله: (للأعمال أو لصحائفها) هذا إشارة لقولين: فعلى الأول تصور الأعمال الصالحة بصورة نيرة حسنة وتوضع في كفة الحسنات، وتصور الأعمال السيئة بصورة مظلمة قبيحة وتوضع في كفة السيئات، وبقي قول ثالث: وهو أن الوزن للذوات لما في الحديث: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند اللّه جناح بعوضة». قوله: (و كفتان) بكسر الكاف وفتحها في المثنى والمفرد والجمع، كفف بالكسر لا غير.\rقوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ الخ، اعلم أن الناس في القيامة ثلاث فرق: متقون لا كبائر لهم، ومخلطون، وكفار، فأما المتقون فإن حسناتهم توضع في الكفة النيرة، وصغائرهم إن كانت لهم في الكفة الأخرى، فلا يجعل اللّه لتلك الصغائر وزنا، وتكفر صغائرهم باجتنابهم الكبائر، ويؤمر بهم إلى الجنة، وينعم كل على حسب أعماله. وأما الكفار فإنهم يوضع كفرهم في الكفة المظلمة، ولا توجد لهم حسنة توضع في الكفة الأخرى فتبقى فارغة، فيأمر اللّه بهم إلى النار، وهذان الصنفان هما المذكوران في القرآن صراحة في آيات الوزن. وأما الذين خلطوا، فقد ثبت في السنة أن حسناتهم توضع في الكفة النيرة، وسيئاتهم في الكفة المظلمة، فإن كانت الحسنات أثقل ولو بأقل قليل أو ساوت أدخلوا الجنة، وإن كانت","part":1,"page":512},{"id":514,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 513\rفَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بتصييرها إلى النار بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (9) يجحدون وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ يا بني آدم فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ بالياء أسبابا تعيشون بها جمع معيشة قَلِيلًا ما لتأكيد القلة تَشْكُرُونَ (10) على ذلك وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ أي أباكم آدم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ أي صورناه أو أنتم في ظهره ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ سجود تحية بالإنحناء\r______________________________\rالسيئات أثقل ولو بأقل قليل أدخلوا النار إلا أن يعفو اللّه، هذا إن كانت كبائرهم فيما بينهم وبين اللّه.\rوأما إن كانت عليهم تبعات، وكانت لهم حسنات كثيرة، فإنه يؤخذ من حسناتهم فيرد على المظلوم، وإن لم يكن لهم حسنات أخذ من سيئات المظلوم، فيحمل على الظالم من أوزار من ظلمه، ثم يعذب إلا أن يرضي اللّه عنه خصماءه. قوله: (بالحسنات) أي بسبب ثقلها في الميزان، ورجحانها على السيئات. قوله:\r(بالسيئات) أي بسبب رجحانها على الحسنات.\rقوله: بِما كانُوا متعلق بخسروا، وما مصدرية، وبِآياتِنا متعلق بيظلمون قدم عليه للفاصلة، وقوله: (يجحدون) أشار بذلك إلى أنه ضمن الظلم معنى الجحد فعداه بالباء.\rقوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ الخ لما بين سبحانه وتعالى عاقبة من استمر على الكفر، ومن استمر على الإيمان، ذكر ما أفاض عليهم من النعم الموجبة للشكر. قوله: مَعايِشَ (بالياء) أي باتفاق السبعة، لأن الياء أصلية إذ هي جمع معيشة، وأصلها معيشة بسكون العين وكسر الياء أو ضمها، نقلت كسرة الياء إلى الساكن قبلها، أو قلبت ضمة الياء كسرة ثم نقلت إلى ما قبلها، وحيث كانت الياء في المفرد أصلية فإنها تبقى في الجمع، وقرىء شذوذا بالهمزة تخريجا على زيادة الياء وأصالة الميم، وأما إن كانت الياء في المفرد زائدة، فإنها تكون في الجمع همزة، كصحائف وصحيفة. قال ابن مالك:\rوالمد زيد ثالثا في الواحد ... همزا يرى في مثل كالقلائد\r\rقوله: (أسبابا تعيشون بها) أي تحيون فيها كالمأكل والمشرب وما به تكون الحياة. قوله: (لتأكيد القلة) أي زائدة لتأكيد القلة، والمعنى أن الشاكر قليل، قال تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ. قوله:\rوَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ الخ تذكير لنعمة عظيمة على آدم، سارية إلى ذريته موجبة لشكرها. قوله: (أي أباكم آدم) أي حين كان طيبا غير مصور. قوله: (أي صورناه) أي حين كان بشرا بتخطيطه وشق حواسه، وإنما جعل المفسر الكلام على حذف مضاف لأجل أن يصح الترتيب بثم، وإنما ينسب الخلق والتصوير للخاطبين إعطاء لمقام الامتنان حقه، وتأكيدا لوجوب الشكر عليهم بالرمز، إلى أن لهم حظا من خلق أبيهم وتصويره، لأنهما من الأمور السارية في الذرية جميعا. قوله: (أو أنتم في ظهره) هكذا في نسخة بأو، وفي أخرى بالواو، فعلى الأول يكون جوابا ثانيا. والحاصل أن الناس اختلفوا في ثُمَ في هذين الموضعين، فمنهم من لم يلتزم فيها ترتيبا، وجعلها بمنزلة الواو، وأبقى الآية على ظاهرها، ومنهم من قال هي للتريث الزماني، وجعل الكلام على حذف مضاف في الخلق والتصوير. قوله: (سجود تحية بالانحناء) أشار بذلك إلى أن المراد السجود اللغوي وهو الانحناء، كسجود إخوة يوسف وأبويه له، وقد كان تحية للملوك في الأمم السابقة، وعليه فلا إشكال، وقال بعضهم: إن السجود شرعي بوضع الجبهة على الأرض للّه وآدم قبلة كالكعبة، ويحتمل أن السجود على ظاهره لآدم، وقولهم إن السجود لغير اللّه كفر محله","part":1,"page":513},{"id":515,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 514\rفَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أبا الجن كان بين الملائكة لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قالَ تعالى ما مَنَعَكَ أَلَّا زائدة تَسْجُدَ إِذْ حين أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها أي من الجنة وقيل من السماوات فَما يَكُونُ ينبغي لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ منها إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) الذليلين قالَ أَنْظِرْنِي أخرني إِلى يَوْمِ\r______________________________\rإن كان من هوى النفس لا بأمر اللّه، ونظير ذلك تعظيمنا مشاعر الحج فتأمل.\rقوله: فَسَجَدُوا أي قبل دخول الجنة، وأول من سجد: جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم عزرائيل ثم الملائكة المقربون، واختلف في مدة السجود، فقيل مائة سنة، وقيل خمسمائة سنة، وقيل غير ذلك. قوله: (أبا الجن) هذا أحد قولين، والثاني هو أبو الشياطين، فرقة من الجن لم يؤمن منهم أحد.\rقوله: (كان بين الملائكة) أشار بذلك إلى أن الاستثناء منقطع، وأنه ليس من الملائكة، قال في الكشاف:\rلما اتصف بصفات الملائكة جمع معهم في الآية واحتيج إلى استثنائه، ويدل على ذلك قوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِ وقال بعضهم إنه من الملائكة، فالاستثناء متصل وقوله تعالى كان من الجن أي في الفعل، والمعول عليه الأول.\rقوله: ما مَنَعَكَ ما استفهامية للتوبيخ في محل رفع بالابتداء، والجملة بعدها خبر، و«أن» في محل نصب أو جر، لأنها على حذف حرف الجر وإِذْ منصوب بتسجد، والتقدير أي شيء منعك من السجود حين أمرتك. قوله: (زائدة) أي لتأكيد معنى النفي في منعك، فهو كما في ص بحذفها وهو الأصل، لأن القرآن يفسر بعضه بعضا. قوله: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ هذه الجملة لا محل لها من الإعراب، لأنها كالتفسير والبيان لما قبلها من دعوى الخيرية.\rفائدة: قال هنا: ما مَنَعَكَ، وفي سورة الحجر قال: يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ وفي سورة ص ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ الآية، اختلاف العبارات عند الحكاية، دل على أن اللعين قد أدرج في معصية واحدة ثلاثة معاص: مخالفة الأمر، ومفارقة الجماعة، والاستكبار مع تحقير آدم، وشبهة الخيرية أن النار جسم لطيف نوراني، والطين جسم كثيف ظلماني، وما كان لطيفا نورانيا، خير مما كان كثيفا ظلمانيا، ولما كان ما احتج به على ربه باطلا، لكون الطين فيه منافع كثيرة وفوائد جمة، ويتوقف عليه نظام العالم لاحتياجه اليه، ولما ينشأ عنه من النبات والماء اللذين هما غذاء العالم السفلي، والنار منافعها قليلة، ولا يتوقف عليها نظام العالم، لوجود كثير منه غير محتاج لها، ولا لما يسوى بها، رد عليه المولى بأشنع رد، وأجابه بجواب السائل المتعنت المتكبر بقوله: فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها الآية.\rقوله: قالَ فَاهْبِطْ مِنْها الفاء لترتيب الأمر على ما ظهر من مخالفة اللعين. قوله: (أي من الجنة) أي وعليه فبقي في السماوات خارج الجنة. قوله: (و قيل من السموات) أي فلم يبق له استقرار في العالم العلوي أصلا. قوله: أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها أي ولا في غيرها، ففي الكلام اكتفاء، لأن الكبر مذموم مطلقا.\rقوله: (الذليلين) تفسير للصاغرين من الصغار، وهو بالفتح الذل والضيم.\rقوله: قالَ أَنْظِرْنِي لما كره اللعين إذاقة الموت، طلب البقاء والخلود إلى يوم البعث، ومن المعلوم أن لا موت بعد، فقصد استمرار","part":1,"page":514},{"id":516,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 515\rيُبْعَثُونَ (14) أي الناس قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) وفي آية أخرى إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ أي وقت النفخة الأولى قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي أي باغوائك لي والباء للقسم وجوابه لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ أي لبني آدم صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) أي على الطريق الموصل إليك ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ أي من كل جهة فأمنعهم عن سلوكه قال ابن عباس ولا يستطيع أن يأتي من فوقهم لئلا يحول بين العبد وبين رحمة اللّه تعالى وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (17) مؤمنين قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً بالهمزة معيبا أو ممقونا مَدْحُوراً مبعدا عن الرحمة لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ من الناس واللام للابتداء أو موطئة للقسم وهو لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) أي منك بذريتك ومن الناس وفيه تغليب الحاضر على الغائب وفي الجملة معنى\r______________________________\rالحياة في الدنيا والآخرة، فأجابه اللّه لا على مراده، بل أمهله إلى النفخة الأولى، ولا نجاه له من الموت ولا من العذاب. قوله: (أي وقت النفخة الأولى) أي لا وقت النفخة الثانية التي طلبها اللعين.\rقوله: قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي الخ غرضه بهذا أخذ ثأره منهم، لأنه لما طرد ومقت بسببهم، أحب أن ينتقم منهم أخذا بالثأر. قوله: (و الباء للقسم) أي وما مصدرية، وما بعدها مسبوك بها، يشير له قول المفسر بإغوائك لي، ويصح أن تكون للسببية. قوله: (أي على الطريق الخ) أشار به إلى أن صراط منصوب على نزع الخافض.\rقوله: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أي من الجهات التي يعتاد الهجوم منها، وهي الجهات الأربع، ولذلك لم يذكر الفوق والتحت، وأما الفوق فلكونه لما يمكنه أن يحول بين العبد ورحمة ربه، كما قال ابن عباس، وأما التحت فلكبره لا يرضى أن يأتي من ذلك، ويكثر إتيانه من أمام وخلف، ويضعف في اليمين واليسار لحفظ الملائكة، وذكر بعضهم حكمة أخرى لعدم مجيئه من تحت، لكون الآتي من تحت إنما يريد الازعاج، وهو يريد التأليف للغاوية، والأول أقرب، وإنما عدى الفعل في الأولين بمن الابتدائية، لأن شأن التوجه منهما بخلاف الأخيرين، فالآتي منهما كالمنحرف لليسار.\rقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ يحتمل أنه من الوجدان بمعنى اللقاء فيتعدى لواحد، وشاكرين حال، ويحتمل أنه بمعنى العلم فيتعدى لاثنين.\rقوله: قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً تأكيد لما تقدم، ومذؤوم بالهمزة من ذأمه يذأمه ذأما إذا عابه ومقته، أي أخرج ممقوتا معابا عليك. قوله: (مبعدا عن الرحمة) أي لأن الدحر الطرد والإبعاد، يقال دحره يدحره دحرا ودحورا، ومنه قوله تعالى: وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وهما حالان من فاعل أخرج. قوله: (و اللام للابتداء) أي داخلة على المبتدأ، فمن اسم موصوف مبتدأ، وتَبِعَكَ صلته، ومِنْهُمْ متعلق بتبعك، وقوله: لَأَمْلَأَنَ جواب قسم محذوف بعد قوله: مِنْهُمْ والقسم وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ. قوله: (أو موطئة للقسم) والتقدير واللّه لمن تبعك، ومن اسم شرط مبتدأ، ولأملأن جواب القسم المدلول عليه بلام التوطئة، وجواب الشرط محذوف لسد جواب القسم مسده.\rقوله: (و فيه تغليب الحاضر) أي وهو إبليس، وقوله: (على الغائب) أي وهو الناس. قوله: (و في الجملة) أي وهي: لَأَمْلَأَنَ وقوله: (معنى جزاء من) أي على كونها شرطية، وتقديره أعذبه.","part":1,"page":515},{"id":517,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 516\rجزاء من الشرطية أي من تبعك أعذبه وَقال يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ تأكيد للضمير في اسكن ليعطف عليه وَزَوْجُكَ حواء بالمد الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ بالأكل منها وهي الحنطة فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ إبليس لِيُبْدِيَ يظهر\r______________________________\rقوله: وَيا آدَمُ تقدير المفسر قال يفيد أنه معطوف على: اخْرُجْ مسلط عليه عامله، عطف قصة على قصة، ويصح عطفه على قوله: ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا فيكون مسلطا عليه، قلنا وربما كان هذا أقرب من حيث المناسبة، والأول أقرب من حيث قرب المعطوف من المعطوف عليه، وهذا القول يحتمل أنه واقع من اللّه مباشرة أو على لسان ملك. قوله: (تأكيد للضمير في اسكن) أي وليس هو الفاعل، لأن فاعل فعل الأمر واجب الاستتار، وقوله: (ليعطف عليه) وَزَوْجُكَ جواب عما يقال لم أتى بالضمير المنفصل. قوله: (حواء) سميت بذلك لأنها خلقت من حي وهو آدم، وذلك أن آدم لما أسكن الجنة، مشى فيها مستوحشا، فلما نام خلقت من ضلعه القصير من شقه الأيسر، ليسكن إليها ويأنس بها، فلما استيقظ ورآها مال إليها، فقالت له الملائكة: يا آدم حتى تؤدي مهرها، فقال: وما مهرها؟ فقالوا: ثلاث صلوات أو عشرون صلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. إن قلت: إن شرط المهر أن يكون متمولا، وهذا ليس بمتمول. أجيب: بأن هذا الشرط في شرع محمد، ولم يكن في شرع آدم، وأيضا الآمر هو اللّه وهو يحكم لا معقب لحكمه، وأيضا من خصائص رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يزوج بلا مهر أصلا، فلما كان هو الواسطة في ذلك، عد كأنه هو العاقد لهما، وإنما كان خصوص الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إشارة إلى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم هو الواسطة العظمى في كل نعمة وصلت لكل أحد، حتى أبيه آدم، وأمر اللّه آدم بالسكون في الجنة، قيل قبل دخول الجنة، فتوجيه الخطاب لحواء باعتبار تعلق علم بها، فإنها لم تكن خلقت إذ ذاك، وقيل بعد الدخول وهو المعتمد، وعليه فيكون المراد من الأمر بالسكون الاستمرار.\rقوله: فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما أي في أي مكان، وفي الكلام حذف بعد من، والأصل فكلا من ثمارها حيث شئتما، وترك رغدا من هذا اكتفاء يذكره في البقرة، وأتى بالفاء هنا، وفي البقرة بالواو وتفننا وإشارة إلى أن كلا من الحرفين بمعنى الآخر، وقيل إن الواو تفيد الجمع المطلق، والفاء تفيد الجمع على سبيل التعقيب، فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من الواو فلا منافاة، وما ذكره شيخ الإسلام من الجواب بعيد، كما تقدم لنا في البقرة فانظره. بقي شيء آخر وهو أنه وجه الخطاب أولا لآدم، وثانيا لهما، وحكمة ذلك أن حواء في السكنى تابعة لآدم، فوجه الخطاب في السكنى لآدم، وأما في الأكل من حيث شاءا، والنهي عن قربان الشجرة فقد اشتركا فيه، فلذا وجه الخطاب لهما معا.\rقوله: وَلا تَقْرَبا يقال قربت الأمر أقربه من باب تعب، وفي لغة من باب قتل، قربانا بالكسر فعلته أو داينته، وحينئذ يكون النهي عن القربان، أبلغ من النهي عن الأكل بالفعل. قوله: (و هي الحنطة) وقيل الكرم، وقيل التين، وقيل البلح، وقيل الأترج، والمشهور ما قاله المفسر. قوله: مِنَ الظَّالِمِينَ أي لأنفسهما.\rقوله: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ الوسوسة: الحديث الخفي الذي يلقيه الشيطان في قلب الانسان على سبيل التكرار. إن قلت: إن الأنبياء معصومون من وسوسة الشيطان، وظاهر الآية يقتضي أن الشيطان وسوس لآدم. أجيب: بأنه لم يباشر آدم بالوسوسة، وإنما باشر حواء، وهي باشرت آدم بذلك، قال محمد بن قيس: ناداه ربه يا آدم لم أكلت منها وقد نهيتك؟ قال: أطعمتني","part":1,"page":516},{"id":518,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 517\rلَهُما ما وُورِيَ فوعل من المواراة عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا كراهة أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ وقرىء بكسر اللام أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (20) أي وذلك لازم عن الأكل منها كما في آية أخرى (هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) وَقاسَمَهُما أي أقسم لهما باللّه إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) في ذلك فَدَلَّاهُما حطهما عن منزلتهما بِغُرُورٍ منه\r______________________________\rحواء، قال لحواء: لم أطعمتيه؟ قالت: أمرتني الحية، قال للحية: لم أمرتيها؟ قالت: أمرني إبليس، قال اللّه: أما أنت يا حواء فلأدمينك كل شهر كما أدميت الشجرة، وأما أنت يا حية فأقطع رجليك فتمشين على وجهك وليشدخن رأسك كل من لقيك، وأما أنت يا إبليس فملعون. إن قلت: كيف وسوس لهما وهو خارج الجنة؟ أجيب: بأن وسوسته وإن كانت خارج الجنة، إلا أنها وصلت لهما بقوة جعلها اللّه له على ذلك، أو أنه تحيل على دخول الجنة بدخوله في جوف الحية ووسوس لهما، وقوله: الشَّيْطانُ من شاط بمعنى احترق، أو من شطن بمعنى بعد، قوله: (إبليس) أي من أبلس إبلاسا بمعنى يائس، لأنه آيس من رحمة اللّه، وقد تقدم في البقرة جملة أسمائه فانظرها.\rقوله: لِيُبْدِيَ لَهُما هذا من جملة أغراضه في الوسوسة، فتكون اللام للتعليل، ويحتمل أنها للعاقبة، وأن غرضه في الوسوسة خصوص غضب اللّه عليهما وطردهما من الجنة. قوله: ما وُورِيَ عَنْهُما أي غطى وستر عنهما، واختلف في ذلك اللباس، فقيل غطاء على الجسد من جنس الأظفار فنزع عنهما وبقيت الأظفار في اليدين والرجلين، تذكرة وزينة وانتفاعا، ولذلك قالوا إن النظر للأظفار في حال الضحك يقطعه، وقيل كان نورا، وقيل كان من ثياب الجنة. قوله: (فوعل) أشار بذلك إلى أن الواو الثانية زائدة، وحينئذ فلا يجب قلب الأولى همزة، وإنما يجب لو كانت الثانية أصلية. قوله: مِنْ سَوْآتِهِما عورتهما سميت بذلك لأن كشفها يسيء صاحبها.\rقوله: وَقالَ ما نَهاكُما معطوف على وسوس بيان له. قوله: أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ بفتح اللام أي لم ينهكما عن الأكل منها إلا كراهة أن تكونا من الملائكة، أو تكونا من الخالدين في الجنة فالمعنى الذي أدعاه لهما، أن الأكل منها سبب لأن يكونا من الملائكة وسبب للخلود فيها. قوله: (كراهة) أفاد المفسر أن الاستثناء مفرغ وهو مفعول من أجله، قدره البصريون: إِلَّا (كراهة) أَنْ تَكُونا الخ، وقدره الكوفيون أن لا تكونا، وتقدير البصريين أولى، لأن إضمار الاسم أحسن من اضمار الحرف. قوله:\r(و قرىء بكسر اللام) أي شذوذا، ويؤيده قوله تعالى في موضع آخر هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى فالملك بالضم يناسب الملك بالكسر. قوله: (أي وذلك) أي أحد الأمرين. وقوله: (لازم) أي ناشىء (عن الأكل منها)، وقضية هذه الآية على قراءة الكسر، عدم اجتماع الأمرين، وقضية الآية الأخرى وهي هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى اجتماعهما، وأجيب بأن أو بمعنى الواو، وحكمة ترغيبهما في الملكية، أن الملائكة خصوا بالقرب من العرش، ولهم المنزلة عند اللّه.\rقوله: وَقاسَمَهُما معطوف على فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ وإنما أقسم لهما لأجل تأكيد إضلاله، فهو أول من حلف كاذبا، بل هو أول من عصى اللّه مطلقا. قوله: (أي أقسم لهما باللّه) أي وقبلا منه القسم، فالمفاعلة باعتبار ذلك، وإلا فالواقع أنها ليست على بابها، لأن الحالف هو فقط. قوله: (في ذلك)","part":1,"page":517},{"id":519,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 518\rفَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ أي أكلا منها بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أي ظهر لكل منهما قبله وقبل الآخر ودبره وسمى كل منهما سوأة لأن انكشافه يسوء صاحبه وَطَفِقا يَخْصِفانِ أخذا يلزقان عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ليستترا به وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) بين العداوة والاستفهام للتقرير قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا بمعصيتنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (23) قالَ اهْبِطُوا أي آدم وحواء بما اشتملتما عليه من ذريتكما\r______________________________\rأي ما ذكر من كونهما يلحقان بالملائكة ويكونان من الخالدين.\rقوله: فَدَلَّاهُما التدلي النزول من أعلى لأسفل. قوله: (حطهما عن منزلتهما) أي الحسنة، لأن غروره تسبب عنه نزولهما من الجنة إلى الأرض لا المعنوية، بل رتبتهما عند اللّه لم تنقص بل ازدادت. قوله: بِغُرُورٍ الباء سببية، والغرور تصوير الباطل بصورة الحق.\rقوله: فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ من الذواق وهو تناول الشيء ليعرف طعمه، وفيه إشارة إلى أنهما لم يتناولا منها كثيرا، لأن شأن من ذاق الشيء أن يقتصر على ما قل منه. قوله: بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أي سقط عنهما لباسهما فبدت الخ. قوله: (و دبره) أي الآخر، وأما دبر نفسه فلا يظهر له، إلا إن التفت له وتعاناه. قوله: (يسوء صاحبه) أي يوقعه في السوء. قوله: وَطَفِقا من باب طرب، أي شرعا وأخذا.\rقوله: يَخْصِفانِ من خصف النعل خرزه والمراد يلزقان بعضه على بعض لأجل الستر. قوله:\rعَلَيْهِما أي القبل والدبر. قوله: مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ قيل ورق التين وقيل ورق الموز.\rقوله: ناداهُما رَبُّهُما يحتمل على لسان ملك أو مباشرة. قوله: أَلَمْ أَنْهَكُما إما تفسير للنداء فلا محل له من الاعراب، أو مقول لقول محذوف، والتقدير قائلا: أَلَمْ أَنْهَكُما الخ، قوله: وَأَقُلْ لَكُما أي كما في آية طه: فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ الآية. قوله: (بين العداوة) لكما حيث امتنع من السجود له، ورضي بالطرد والبعد. قوله: (استفهام للتقرير) أي وهو حمل المخاطب على الإقرار، والمعنى أقر بذلك على حد: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.\rقوله: قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا هذا إخبار من اللّه عن آدم وحواء باعترافهما وندمهما على ما وقع منهما، وإنما عاتبهما اللّه على ذلك، وإن كان ليس بمعصية حقيقة، لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وليس ذلك بقادح في عصمة آدم، لأن المستحيل على الأنبياء تعمد المخالفة، وأما الخطأ في الاجتهاد والنسيان الرحماني فهو جائز عليهم، ونظير ذلك ما وقع في قصة ذي اليدين، حيث سلم رسول اللّه من ركعتين، فقال له ذي اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول اللّه؟ فقال: كل ذلك لم يكن، فقال:\rبل بعض ذلك قد كان الحديث، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لم أنس ولكن أنسي لأسن» وحكمة الأكل من الشجرة ما ترتب على ذلك من وجود الخلق وعمارة الدنيا، فأنساه اللّه لأجل حصول تلك الحكمة البالغة، فمن نسب التعمد والتجرؤ لآدم فقد كفر، كما أن من نفى عنه اسم العصيان فقد كفر لمصادمة آية:\rوَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى فالمخلص من ذلك أن يقال إن معصيته ليست كالمعاصي، وتقدم تحقيق هذا المقام في سورة البقرة فانظره.\rقوله: وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا شرط حذف جوابه اكتفاء بجواب القسم. قوله: (بما اشتملتما عليه","part":1,"page":518},{"id":520,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 519\rبَعْضُكُمْ بعض الذرية لِبَعْضٍ عَدُوٌّ من ظلم بعضهم بعضا وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ مكان استقرار وَمَتاعٌ تمتع إِلى حِينٍ (24) تنقضي فيه آجالكم قالَ فِيها أي الأرض تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (25) بالبعث بالبناء للفاعل والمفعول يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً أي خلقناه لكم يُوارِي يستر سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً هو ما يتجمل به من الثياب وَلِباسُ التَّقْوى العمل الصالح والسمت الحسن بالنصب عطف على لباسا والرفع مبتدأ خبره جملة ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ دلائل قدرته لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) فيؤمنون فيه التفات\r______________________________\rمن ذريتكما) أي فهذا هو وجه الجمع في الآية، وقيل إن الجمع باعتبار آدم وحواء والحية وإبليس. ويكون\rقوله: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ باق على ظاهره لأن إبليس والحية عدو لآدم وحواء. قوله: (مكان استقرار) أي وهو المكان الذي يعيش فيه الإنسان، والمكان الذي يدفن فيه.\rقوله: قالَ فِيها تَحْيَوْنَ أصله تحييون كترضيون، تحركت الياء الثانية وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين.\rقوله: (بالبناء للفاعل الخ) أي في تُخْرَجُونَ وأما تَحْيَوْنَ وتَمُوتُونَ فللفاعل لا غير.\rقوله: يا بَنِي آدَمَ لما قدم قصة آدم وحواء وما أنعم به عليهما، وفتنة الشيطان لهما خاطب أولاد آدم عموما بتذكير نعمه عليهم وحذرهم من اتباع الشيطان لأنه عدو لأبيهم، والعداوة للآباء متصلة للأبناء. قوله: قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً أي أنزلنا أسبابه من السماء وهو المطر، فينشأ عنه النبات الذي يكون منه اللباس كالقطن والكتان، وتعيش به الحيوانات التي يكون منها الصوف والشعر والوبر والحرير.\rقوله: سَوْآتِكُمْ أي عوراتكم، أي فهو نعمة. قوله: وَرِيشاً معطوف على لِباساً وعبر عنه بالريش، لأن الريش زينة الطائر، كما أن اللباس زينة الآدميين، والمعنى أن اللّه تعالى منّ على بني آدم بلباسين: لباسا يواري سوآتهم، ولباسا ريشا أي زينة، ويصح أن يكون معطوفا على: يُوارِي فيكون وصف اللباس بشيئين: كونه يواري سوآتكم، وكونه زينة لكم، ويؤخذ من الآية أن لبس لباس الزينة غير مذموم، والمراد الزينة التي لم تخالف الشرع وهذا إن صح القصد بأن لم يقصد الفخر ولا العجب بها، كما أن التقشف في اللباس غير مذموم إن كان خاليا من الأغراض الفاسدة، بأن لم يقصد به دعوى الولاية أو إظهار الفقر لأجل أن يتصدق عليه، وبالجملة فالمدار على حسن القصد تجمل بالثياب أو تخشن فيها، وفي هذا المعنى قال بعضهم:\rليس التصوف لبس الصوف والخلق ... بل التصوف حسن الصمت والخلق\r\rفالبس من اللبس ما تختار أنت وقم ... جنح الظلام وأجر الدمع في الغسق\r\rقرب لابس الديباج مشغله ... حب الذي خلق الإنسان من علق\r\rوكم فتى لابس للخيش تحسبه ... تاج وذلك عند العارفين شقي\r\rفإن ذلك لم يحجبه ملبسه ... وذا مع اللبس مأسور فلم يفق\r\rقوله: وَلِباسُ التَّقْوى أي الناشىء عنها أو الناشئة عنه. قوله: (العمل الصالح) أي المنجي من العذاب، لأن الإنسان يكسى من عمله يوم القيامة. قوله: (خبره جملة) ذلِكَ خَيْرٌ أي فاسم الإشارة مبتدأ ثان، وخير خبره، والجملة من المبتدأ الثاني، وخبره خبر الأول، واسم الإشارة عائد على قوله:","part":1,"page":519},{"id":521,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 520\rعن الخطاب يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ يضلكم الشَّيْطانُ أي لا تتبعوه فتفتنوا كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ بفتنته مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ حال عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ أي الشيطان يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ جنوده مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ للطافة أجسادهم أو عدم ألوانهم إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ\r______________________________\rوَلِباسُ التَّقْوى وإنما كان خيرا لأنه يستر من فضائح الآخرة، وفي الحديث: «إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» فإذا كان كذلك، فينبغي للإنسان أن يشتغل بتحسين ظاهره بالأعمال الصالحة، وباطنه بالإخلاص، فإنه محل نظر اللّه منه، ولذلك قال العارف البكري: إلهي زين ظاهري بامتثال ما أمرتني به ونهيتني عنه، وزين سري بالأسرار وعن الأغيار فصنه.\rقوله: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ اسم الإشارة عائد على اللباس المنزل بأقسامه. قوله: (فيه التفات عن الخطاب) أي وكان مقتضى الظاهر لعلكم تذكرون، ونكتته دفع الثقل في الكلام.\rقوله: يا بَنِي آدَمَ لما ذكرهم نعمة اللباس، نبههم على أن الشيطان حسود وعدو لهم، كما أنه عدو لأبيهم.\rقوله: لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ هو نهي له صورة، وفي الحقيقة نهي لبني آدم عن الاصغاء لفتنته واتباعه، فليس المراد النهي عن تسلطه، إذ لا قدرة لمخلوق على منع ذلك، لأنه قضاء مبرم، بل المراد النهي عن الميل إليه، وإلى ذلك أشار المفسر بقوله: (أي لا تتبعوه فتفتنوا). قوله: كَما أَخْرَجَ الكاف بمعنى مثل صفة لمصدر محذوف، وما مصدرية تسبك مع ما بعدها بمصدر، والتقدير فتنة مثل فتنة إخراج أبويكم، والجامع بينهما زوال النعم في كل. قوله: أَبَوَيْكُمْ أي آدم وحواء. قوله: (بفتنته) الباء سببية. قوله: (حال) أي من أَبَوَيْكُمْ أو من ضمير أَخْرَجَ وكل صحيح، فإن الجملة مشتملة على ضمير الأبوين وعلى ضمير الشيطان، وإسناد النزع اليه باعتبار كونه سببا فيه، والنزع أخذ الشيء بسرعة وقوة، ومنه قوله تعالى: تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، وفيه إشارة إلى أن من اتبع الشيطان، تزول نعمه بسرعة وقوة. وأتى بالمضارع حكاية للحال الماضية استحضارا للصورة العجيبة.\rقوله: إِنَّهُ يَراكُمْ تعليل للتحرز من الشيطان اللازم للنهي، كأنه قيل: فاحذروه لأنه يراكم الخ. قوله: وَقَبِيلُهُ معطوف على الضمير المتصل في يَراكُمْ واتى بالضمير المنفصل، وإن كان قد حصل الفصل بالكاف زيادة في الفصاحة، والقبيل اسم لما اجتمع من شتات الخلق، ولذلك فسره بالجنود، والقبيلة الجماعة من أب واحد. قوله: مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ مِنَ ابتدائية، وحَيْثُ ظرف مكان، التقدير إنه يراكم رؤية مبتدأة من مكان لا ترونهم فيه. قوله: (للطافة أجسادهم) فأجسامهم كالهواء، نعلمه ونتحققه ولا نراه للطافته وعدم تلونه، هذا وجه عدم رؤيتنا لهم. وأما وجه رؤيتهم لنا فكثافة أجسادنا وتلوننا، وأما رؤية بعضهم لبعض فحاصلة لقوة في أبصارهم. وهذا حيث كانوا بصورتهم الأصلية، وأما إذا تصوروا بغيرها فتراهم، لأن اللّه جعل لهم قدرة على التشكيل بالصورة الجميلة أو الخسيسة، وتحكم عليهم الصورة كما في الأحاديث الصحيحة. فالآية ليست على عمومها والفرق بينهم وبين الملائكة، أن الملائكة لا يتشكلون إلا في الصور الجميلة ولا تحكم عليهم بخلاف الجن وقد ورد أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وجعلت صدر بني آدم مساكن لهم، إلا من عصمه اللّه، كما قال تعالى: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ فهم يرون بني آدم، وبنو آدم لا يرونهم. قال","part":1,"page":520},{"id":522,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 521\rأَوْلِياءَ أعوانا وقرناء لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27) وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً كالشرك وطوافهم بالبيت عراة قائلين لا نطوف في ثياب عصينا اللّه فيها فنهوا عنها قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا فاقتدينا بهم وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها أيضا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (28) أنه قاله استفهام إنكار قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ العدل وَأَقِيمُوا معطوف على معنى بالقسط أي قال أقسطوا وأقيموا أو قبله فاقبلوا مقدرا وُجُوهَكُمْ للّه عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أي أخلصوا له سجودكم وَادْعُوهُ اعبدوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ من الشرك كَما بَدَأَكُمْ خلقكم ولم تكونوا شيئا تَعُودُونَ (29) أي يعيدكم أحياء يوم القيامة فَرِيقاً منكم هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) يا\r______________________________\rمجاهد: قال إبليس جعل لنا أربع نرى ولا نرى، ونخرج من تحت الثرى، ويعود شيخنا شابا. وقال مالك ابن دينار: إن عدوا يراك ولا تراه لشديد المجاهدة، إلا من عصمه اللّه.\rقوله: إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ أي صيرناهم أعوانا لغير المؤمنين ومكناهم من إغوائهم.\rفتحرزوا منهم.\rقوله: وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً هذه الآية نزلت في كفار مكة، كانوا يطوفون عراة رجالهم بالنهار، ونساؤهم بالليل، فكان أحدهم إذا قدم حاجا أو معتمرا يقول: لا ينبغي أن أطوف في ثوب قد عصيت فيه ربي، فيقول من يعيرني إزارا. فإن وجد وإلا طاف عريانا، وإذا فرض وطاف في ثياب نفسه، ألقاها إذا قضى طوافه وحرمها على نفسه. قوله: قالُوا وَجَدْنا الخ أي محتجين بهذين الأمرين: تقليد الآباء، والافتراء على اللّه. قوله: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أي رد لمقالتهم الثانية، وترك الأولى لوضوح فسادها.\rقوله: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أي لأنكم لم تسمعوه مشافهة، ولم تأخذوه عن الأنبياء الذين هم وسائط بين اللّه وخلقه. قوله: (استفهام إنكاري) أي توبيخ وفيه معنى النهي. قوله:\r(معطوف على معنى بالقسط) دفع بذلك ما يقال إن\rقوله: أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ خبر. وقوله: وَأَقِيمُوا إنشاء ولا يصح عطف الانشاء على الخبر. فأجاب بجوابين: الأول أن أقيموا معطوف على المعنى، والتقدير قال أقسطوا وأقيموا. الثاني أن الكلام فيه حذف، والتقدير قل أمر ربي بالقسط فاقبلوا وأقيموا.\rقوله: (أي أخلصوا له سجودكم) أي صلاتكم، ففيه تسمية الكل باسم أشرف أجزائه، لأن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.\rقوله: وَادْعُوهُ عطف عام. قوله: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ كلام مستأنف مسوق للرد على منكري البعث أي يعيدكم أحياء بالأرواح والأجساد بعينها.\rقوله: فَرِيقاً هَدى فريقا معمول لهدى، وفريقا الثاني معمول لمقدر من قبيل الاشتغال موافق في المعنى، والتقدير وأضل فريقا حق عليهم الضلالة، أي ثبت في الأزل ضلالهم. قوله: إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا علة لقوله: حَقَّ عَلَيْهِمُ قوله: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ أي يظنون أنهم على هدى، والحال أنه ليسوا كذلك.","part":1,"page":521},{"id":523,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 522\rبَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ أي ما يستر عورتكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ عند الصلاة والطواف وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ما شئتم وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ إنكارا عليهم مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ من اللباس وَالطَّيِّباتِ المستلذات مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بالاستحقاق وإن شاركهم فيها غيرهم خالِصَةً خاصة بهم بالرفع والنصب حال\r______________________________\rقوله: يا بَنِي آدَمَ الخ سبب نزولها كما قال ابن عباس: أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال بالنهار والنساء بالليل، يقولون لا نطوف في ثياب عصينا اللّه فيها، وكانوا لا يأكلون في أيام حجهم إلا قوتا، ولا يأكلون لحما ولا دسما، يعظمون بذلك حجهم، فهم المسلمون أن يفعلوا كفعلهم. قوله:\r(ما يستر عورتكم) راعى في هذا المحل سبب النزول، وأصل الواجب وعموم اللفظ يفيد أن المطلوب في الصلاة والطواف ومشاهد الخير جميل الثياب كما هو المندوب شرعا تأمل. قوله: عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ المسجد في الأصل موضع السجود، ثم أطلق وأريد منه نفس الصلاة والطواف، من باب تسمية الحال باسم المحل، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالذي ينبغي للأمة التجمل بالثياب عند حضور مشاهد الخير مع القدرة.\rقوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا أي من الحلال فإنه رأس التقوى. قوله: وَلا تُسْرِفُوا أي بأن تحرموا الحلال كما كانوا يفعلون من امتناعهم من اللحم والدسم، أو تحلوا الحرام أو تتجاوزوا الحد في الأكل والشرب، كالتعمق في ذلك أو الإكثار المضر، لما في الحديث: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه» لأن ما زاد على ثلث البطن لا يعود على الشخص إلا بالضرر، لما في الحديث: «أصل كل داء البردة وهي إدخال الطعام على الطعام» فالمناسب أن لا يأكل حتى يجوع، وأن يقوم ونفسه تشتهي، فإن ملك النفس عن الإسراف في المباح، أكبر دليل على ملكها عن الحرام. قوله: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ أي يعاقبهم على ذلك ولا يرضى فعلهم. قوله: (إنكارا عليهم) أي وتوبيخا لهم، وحيث كان إنكاريا فلا جواب له.\rقوله: الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ أي التي خلقها لهم من النبات، كالقطن والكتان. ومن الحيوان كالحرير والصوف. ومن المعادن، كالدروع، وكلها جائزة للرجال والنساء، ما عدا الحرير الخالص للرجال فإنه يحرم عليهم إجماعا، وأما ما اختلط بالحرير وغيره ففي خلاف بين العلماء بالكراهة والحرمة والجواز، والمعتمد عدم الحرمة. قوله: قُلْ هِيَ أي الزينة من الثياب والطيبات من الرزق. قوله:\r(بالاستحقاق) أي الأصلي، وأما مشاركة غيرهم لهم فهو بطريق التبع، وهذا جواب عما يقال: إن المشاهد أن الكافر يستمتع بالزينة والمستلذات أكثر من المسلم، فكيف يقال إنها: لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فأجاب بما ذكر، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا الآية، ولذا لا يعاقبون عليها، لأن اللّه خلقها لهم بطريق الأصالة ليستعينوا بها على طاعاته، ولذا إذا عدمت المؤمنون في آخر الزمان تقوم القيامة، إذ لم يبق مستحق للنعم. قوله: (خاصة بهم) أي لا يشاركهم فيها غيرهم. قوله: (بالرفع) أي خبر ثان. قوله: (و النصب حال) أي من الضمير في الخبر في المحذوف، والتقدير هي كائنة: لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا حال كونها خالصة لهم يوم القيامة، وإنما كانت خالصة للمؤمنين يوم القيامة، لأن","part":1,"page":522},{"id":524,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 523\rيَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ نبينها مثل ذلك التفصيل لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) يتدبرون فإنهم المنتفعون بها قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ الكبائر كالزنا ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ أي جهرها وسرها وَالْإِثْمَ المعصية وَالْبَغْيَ على الناس بِغَيْرِ الْحَقِ هو الظلم وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ بإشراكه سُلْطاناً حجة وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (33) من تحريم ما لم يحرم وغيره وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ مدة فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ عنه ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (34) عليه يا بَنِي آدَمَ إِمَّا فيه إدغام نون إن الشرطية في ما المزيدة يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى الشرك وَأَصْلَحَ عمله فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ\r______________________________\rرحمة اللّه تنفرد بالمؤمنين، وغضبه ينفرد بالكافرين، قال تعالى: وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ. قوله: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ أي نبينها ونوضحها في غير هذا الموضع، مثل ذلك التفصيل والتوضيح في هذا الموضع.\rقوله: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي إنه مستحق للعبادة. قوله: (فإنهم المنتفعون بها) أي وغيرهم لا يعبأ به ولا يخاطب. قوله: (كالزنا) أي والقتل وسلب الأموال وسائر أنواع الفسق بالجارحة. قوله: (أي جهرها وسرها) المراد بالجهر المعاصي الظاهرية، كالقتل وشرب الخمر، وسر المعاصي الباطنية القلبية، كالعجب والكبر والرياء.\rقوله: وَالْإِثْمَ عطف عام على خاص، وما بعده عطف خاص على عام لمزيد الاعتناء بشأنه. قوله: (هو الظلم) أي للناس، إما بالقتل، أو سلب الأموال، أو التكلم في أعراضهم أو غير ذلك، وقوله: بِغَيْرِ الْحَقِ إيضاح لمعنى: الْبَغْيَ فهو صفة كاشفة. قوله: ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً ما نكرة بمعنى شيء، أي شيئا سواه تعالى. قوله: (حجة) أي دليلا، لأن دليل الوحدانية للّه أبطل الشرك لغيره. قوله: (و غيره) أي كتحليل الحرام، ويدخل في ذلك المفتي بالكذب.\rقوله: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ أي لكل فرد من أفراد الأمة. قوله: (مدة) أي وقت معين. قوله: ساعَةً أي شيئا قليلا من الزمن، فالمراد بالساعة الساعة الزمانية، وقوله: لا يَسْتَأْخِرُونَ جواب إذا، وقوله: وَلا يَسْتَقْدِمُونَ مستأنف أو معطوف على الجملة الشرطية، ولا يصح عطفه على قوله: لا يَسْتَأْخِرُونَ لأن المعطوف على الجواب جواب، وجواب إذا يشترط أن يكون مستقبلا، والاستقدام بالنسبة لمجيء الأجل ماض، فلا يصح ترتبه على الشرط.\rقوله: يا بَنِي آدَمَ هذا خطاب عام لكل من لآدم عليه ولادة من أول الزمان لآخره، ولكن المقصود من كان في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم، وفي هذه الآية دليل على عموم رسالته، لأن اللّه خاطب من أجله عموم بني آدم. قوله: (في ما المزيدة) أي للتأكيد. قوله: يَأْتِيَنَّكُمْ فعل الشرط مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم، وجملة: فَمَنِ اتَّقى إلى خالِدُونَ جواب الشرط، والرابط محذوف تقديره فمن اتقى منكم، ومن يحتمل أن تكون شرطية، واتقى فعل الشرط، وجملة: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ جوابه، ويحتمل أنها موصولة، واتقى صلتها، وجملة: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ خبرها، وقرن بالفاء لما في المبتدأ من معنى العموم. قوله: مِنْكُمْ أي من جنسكم يا بني آدم، وإنما كان من جنسهم، لأنه أقطع لعذرهم وحجتهم. قوله: يَقُصُّونَ أي يقرؤون ويتلون. قوله: آياتِي أي القرآنية وغيرها.\rقوله: فَمَنِ اتَّقى (الشرك) أشار بذلك إلى أن المراد بالتقوى هنا التقوى العامة، وهي اتقاء الشرك","part":1,"page":523},{"id":525,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 524\rيَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا تكبروا عَنْها فلم يؤمنوا بها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (36) فَمَنْ أي لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بنسبة الشريك والولد إليه أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ القرآن أُولئِكَ يَنالُهُمْ يصيبهم نَصِيبُهُمْ حظهم مِنَ الْكِتابِ مما كتب لهم في اللوح المحفوظ من الرزق والأجل وغير ذلك حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا أي الملائكة يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا لهم تبكيتا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا غابوا عَنَّا فلم نرهم وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ عند الموت أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (37) قالَ تعالى لهم يوم القيامة ادْخُلُوا فِي جملة أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ\r______________________________\rبالإيمان لقرينة. قوله: وَأَصْلَحَ وأعلى منها تقوى الخواص، وهي ترك المعاصي، وأعلى منها ترك الأغيار، وهي كل مشغل عن اللّه، ولهذه المرتبة أشار العارف بقوله:\rولو خطرت لي في سواك إرادة ... على خاطري يوما حكمت بردتي\r\rقوله: وَأَصْلَحَ (عمله) أي بأن ترك المعاصي أو كل مشغل عن اللّه فهو صادق بتقوى الخواص وخواص الخواص. قوله: (في الآخرة) أي وأما في الدنيا فلا يفارقهم الخوف ولا الحزن، لتذكرهم الموت وأحوال الآخرة، ولو جاءتهم البشرى من اللّه، فالحزن دأب الصالحين في الدنيا لزيادة درجاتهم. قوله:\r(فلم يؤمنوا بها) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، أي (تكبروا) عن الإيمان بها. قوله: (أي لا أحد) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي. قوله: (بنسبة الشريك) الباء سببية، والمعنى لا أحد أظلم ممن افترى على اللّه كذبا، بسبب نسبة الشريك للّه، ككفار مكة حيث أشركوا مع اللّه الأصنام، والنصارى واليهود حيث نسبوا له الولد.\rقوله: أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ وإن لم ينسب الشريك له، لأنه لا يلزم من التكذيب بالآيات نسبة الشريك له، وأما نسبة الشريك فيلزم معها التكذيب بالآيات.\rقوله: أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ أي في الدنيا. قوله: مِنَ الْكِتابِ من ابتدائية متعلقة بمحذوف حال من نصيبهم، وقوله: (مما كتب لهم) بيان للنصيب. قوله: (من الرزق) أي على حسبه من سعة وضيق، وكونه من حلال أو حرام، وقوله: (و الأجل) أي من قصر أو من طول، وقوله: (و غير ذلك) أي كالعمل، وكما أن ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، مكتوب في صحف الملائكة وهو في بطن أمه، فتحصل أن ما قسم له في الحياة الدنيا لا يغيره كفر ولا إسلام. قوله: حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ حتى إما ابتدائية أو جارة. قوله: (الملائكة) قيل إنهم عزرائيل وأعوانه، لقبض أرواحهم، وقيل إنهم ملائكة العذاب، وتقدم أنهم سبع موكلون بأخذ روح الكافر بعد قبضها للعذاب. قوله: (تبكيتا) أي توبيخا وتقريعا. قوله: ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدنيا فتمنعكم الآن من العذاب. قوله: (فلم نرهم) أي مع شدة احتياجنا إليهم في هذا الوقت. قوله: وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ كلام مستأنف إخبار من اللّه بإقرارهم على أنفسهم بالكفر، ولا تعارض بين هذا وبين قوله: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ لأن مواقف القيامة مختلفة.\rقوله: قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ أي لهؤلاء الذين افتروا على اللّه الكذب وكذبوا بآياته. قوله: فِي أُمَمٍ في بمعنى مع، أي ادخلوا مصاحبين لأمم، وهو حال من فاعل ادخلوا، وتسمى حالا منتظرة،","part":1,"page":524},{"id":526,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 525\rالْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ متعلق بادخلوا كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ النار لَعَنَتْ أُخْتَها التي قبلها لضلالها بها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا تلاحقوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ وهم الاتباع لِأُولاهُمْ أي لأجلهم وهم المتبوعون رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مضعفا مِنَ النَّارِ قالَ تعالى لِكُلٍ منكم ومنهم ضِعْفٌ عذاب مضعف وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (38) بالياء والتاء- ما لكل فريق وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ لأنكم لم تكفروا بسببنا فنحن وأنتم سواء، قال تعالى لهم فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا تكبروا عَنْها فلم يؤمنوا بها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ إذا عرج بأرواحهم إليها بعد الموت فيهبط بها إلى سجين بخلاف المؤمن فتفتح له ويصعد بروحه إلى السماء السابعة كما ورد\r______________________________\rلأنهم عند الدخول لم يكونوا مصاحبين للأمم، وقوله: قَدْ خَلَتْ صفة أولى لأمم، وقوله: مِنْ قَبْلِكُمْ صفة ثانية، وقوله: مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ صفة ثالثة، وقوله: فِي النَّارِ في للظرفية فاندفع ما يقال يلزم عليه تعلق حرفي جر متحدي اللفظ، والمعنى بعامل واحد. قوله: قَدْ خَلَتْ أي سبقت ومضت. قوله: فِي النَّارِ المراد بها دار العقاب بجميع طباقها.\rقوله: لَعَنَتْ أُخْتَها أي في الدين. قوله: (التي قبلها) أي في التلبس بذلك الدين، فالنصارى تلعن النصارى، واليهود تلعن اليهود، والمجوس تلعن المجوس، وهكذا كل من اقتدى بغيره في دين باطل. قوله: ادَّارَكُوا أصله تداركوا، قلبت التاء دالا وأدغمت في الدال، وأتى بهمزة الوصل توصلا للنطق بالساكن. قوله: أُخْراهُمْ أي المتأخرون عنهم في الزمن، فأخرى تأنيث آخر مقابل أول، لا تأنيث آخر الذي بمعنى غير. قوله: (و هم الأتباع) أي كانوا في زمنهم أو تأخروا بعدهم. قوله: (أي لأجلهم) أشار بذلك إلى أن اللام في: لِأُولاهُمْ للتعليل وليست للتبليغ، لأن الخطاب مع اللّه لا معهم. قوله: (و هم المتبوعون) أي الرؤساء. قوله: ضِعْفاً ضعف الشيء في الأصل أقل ما يتحقق فيه مثل ذلك الشيء، والمراد هنا الزيادة إلى غير نهاية بدليل قول المفسر مضعفا.\rقوله: لِكُلٍّ ضِعْفٌ أما المتقدمون فلضلالهم وإضلالهم، وأما المتأخرون فلكفرهم وتقليدهم.\rقوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان، فعلى التاء يكون خطابا للأخرى، أو للأحياء الذين في الدنيا، وعلى الياء يكون إخبارا عن المتقدمين والمتأخرين. قوله: (ما لكل فريق) أشار بذلك إلى أن مفعول: تَعْلَمُونَ محذوف.\rقوله: لِأُخْراهُمْ اللام هنا للتبليغ، لأن الخطاب معهم. قوله: (لأنكم لم تكفروا بسببنا) أي بل كفرتم اختيارا، لا انا حملناكم على الكفر وأكرهناكم عليه، لأنه لا يمكن الجبر على الكفر لتعلقه بالقلب. قوله: (قال تعالى لهم) هذه إحدى طريقتين، والأخرى أنه من كلام الرؤساء للأتباع. قوله: بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ أي بسبب كسبكم من الكفر والمخالفة.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي وماتوا على ذلك. قوله: (فلم يؤمنوا بها) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، والتقدير تكبروا عن الإيمان بها. قوله: لا تُفَتَّحُ بالبناء للمفعول إما بالتاء أو الياء مع التخفيف أو التشديد وكلها سبعية. قوله: (إذا عرج بأرواحهم) ومثلها دعاؤهم وأعمالهم.\rقوله: (إلى سجين) وهو واد في جهنم أسفل الأرض السابعة، تسجن به أرواح الكفار، وقيل: هو كتاب","part":1,"page":525},{"id":527,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 526\rفي حديث وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ يدخل الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ ثقب الإبرة وهو غير ممكن فكذا دخولهم وَكَذلِكَ الجزاء نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) بالكفر لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ فراش وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ أغطية من النار جمع غاشية وتنوينه عوض من الياء المحذوفة وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مبتدأ وقوله لا نُكَلِّفُ نَفْساً\r______________________________\rجامع لأعمال الشياطين والكفرة، وأما عليون فقيل: هو كتاب جامع لأعمال الخير من الملائكة ومؤمني الثقلين، وقيل: هو مكان في الجنة في السماء السابعة تحت العرش. قوله: (و يصعد بروحه إلى السماء السابعة) أي وترى مقعدها في الجنة وترجع مسرورة، فعند ذلك يرى البشر والنور على جسمها. قوله:\r(كما ورد في الحديث) أي وهو كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قبض روح الكافر، ويخرج معها ريح كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟\rفيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي يسمى بها في الدنيا، فيستفتحون فلا يفتح لهم، ثم قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا: تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ.\rقوله: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ أي بعد الموت. قوله: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ الولوج الدخول بشدة، والجمل: الذكر من الإبل، وخص بذلك لأنه أعظم جسم عند العرب، فجسم الجمل من أعظم الأجسام، وثقب الإبرة من أضيق المنافذ، وهو تعليق جائز على مستحيل، والمعلق على المستحيل مستحيل، فاستفيد من ذلك أن دخول الكفار الجنة مستحيل. قوله: فِي سَمِّ الْخِياطِ السم مثلث السين، لكن القراء السبعة على الفتح، وقرىء شذوذا بالضم والكسر وجمعه سمام، وأما ما يقتل فهو مثلث أيضا، إلا أن جمعه سموم، والخياط هو الآلة التي يخاط بها، ويقال لها مخيط أيضا. قوله:\rوَكَذلِكَ (الجزاء) أي المتقدم، وهو عدم فتح أبواب السماء لهم، وعدم دخول الجنة. قوله: نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ أي كما جزينا هؤلاء، نجزي كل من اتصف بالإجرام من مبدأ الزمان إلى منتهاه.\rقوله: لَهُمْ أي للذين كذبوا واستكبروا. قوله: مِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ الجار والمجرور خبر مقدم، وغواش مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، منع من ظهورها الثقل، والمعنى أن النار محيطة بهم من كل جانب، وقد ورد أن سقف النار من نحاس، وأرضها من رصاص، وحيطانها من كبريت، ووقودها الناس والحجارة. قوله: (و تنوينه عوض من الياء المحذوفة) هذا بناء على الصحيح من أن الإعلال مقدم على منع الصرف، فأصله غواش بالتنوين، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فاجتمع ساكنان الياء والتنوين فحذفت لالتقائهما، ثم لوحظ أن الكلمة ممنوعة من الصرف، فحذف تنوين الصرف فخيف من رجوع الياء، فأتى بالتنوين عوضا عنها، وأما تصريفها على أن منع الصرف مقدم على الإعلال، فأصلها غواشي بترك التنوين، استثقلت الضمة على الياء فحذفت ثم أتى بالتنوين عوضا عن الحركة التي هي الكلمة فالتقى ساكنان الياء والتنوين حذفت لالتقائهما. قوله:\rوَكَذلِكَ أي مثل الجزاء المتقدم. قوله: نَجْزِي الظَّالِمِينَ عبر عنهم أولا بالمجرمين، وهنا بالظالمين، إشارة إلى أنهم اتصفوا بالأمرين معا.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا لما ذكر وكيد الكافرين، أتبعه بذكر وعد المؤمنين على حكم عادته سبحانه","part":1,"page":526},{"id":528,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 527\rإِلَّا وُسْعَها طاقتها من العمل اعتراض بينه وبين خبره وهو أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (42) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ حقد كان بينهم في الدنيا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ تحت قصورهم الْأَنْهارُ وَقالُوا عند الاستقرار في منازلهم الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا العمل الذي هذا جزاؤه وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ حذف جواب لو لا لدلالة ما قبله عليه لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ مخففة أي إنه أو مفسرة في المواضع الخمسة تِلْكُمُ\r______________________________\rفي كتابه، والاسم موصول مبتدأ، وآمَنُوا صلته وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ معطوف عليه، وقوله: لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها اعتراض بين المبتدأ والخبر وهو قوله: أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ وهذا ما مشى عليه المفسر تبعا لأكثر علماء المعاني، وقال بعضهم: لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها خبر، والرابط محذوف، أي لا نكلف منهم. قوله: لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي ما يسعها من الأعمال، وما يسهل عليها ودخل في طوقها وقدرتها، وكل هذا تفضل منه سبحانه وتعالى. قوله: (اعتراض) وحكمته تبكيت الكفار وتنبيههم على أن الجنة مع عظم قدرها، يتوصل إليها بالعمل السهل من غير كلفة ولا مشقة. إن قلت ورد أن الجنة حفت بالمكاره، فكيف تقولون إن الجنة يتوصل إليها بالعمل السهل؟ أجيب بأن المراد بالمكاره مخالفة شهوات النفس، وهي في طاقة العبد، فالمراد بالعمل السهل ما كان في طاقة العبد كان فعلا أو تركا.\rقوله: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ أي خلقناكم في الجنة مطهرين منه، لا أنهم دخلوا الجنة به ثم نزع، وحكمه نزع الغل من صدور أهل الجنة، أن كل أحد منهم أعطي فوق أمانيه أضعافا مضاعفة. قوله: (حقد كان بينهم في الدنيا) الحقد هو ضيق الصدر من الغير، وهو رأس الحسد، وهو معصية قلبية تجب التوبة منه، ومجاهدة النفس لتخلص منه، ومن هنا افترق كبار الصالحين من صغارهم.\rواعلم أن الناس ثلاثة أقسام: قسم خلصت قلوبهم من الأمراض الباطنية، فهم في الدنيا كأهل الجنة في الجنة، يحبون للناس ما يحبونه لأنفسهم، وهم الأنبياء ومن كان على قدمهم، وقسم لم تخلص قلوبهم، غير أنهم لم يرضوا لأنفسهم بذلك، ويلومون أنفسهم على ما في قلوبهم، وهؤلاء المجاهدون لأنفسهم، ولا يؤاخذون بذلك حينئذ، وقسم لم تخلص قلوبهم، وهم راضون لأنفسهم بذلك، وهؤلاء فساق يجب عليهم مجاهدة نفوسهم في تخليصهم من تلك الآفات. قوله: (تحت قصورهم) أي بجانب جدارها، وليس المراد أنها تجري من تحت الجدار.\rقوله: الَّذِي هَدانا أي أرشدنا ووفقنا. قوله: (العمل الذي هذا جزاؤه) كذا في نسخة، وفي نسخة أخرى لعمل هذا جزاؤه، وفي أخرى لهذا العمل هذا جزاؤه. قوله: وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ بالواو ودونها قراءتان سبعيتان، والجملة إما مستأنفة أو حالية على كل. قوله: (لدلالة ما قبله عليه) أي وهو قوله: وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ والتقدير ولو لا هداية اللّه لنا موجودة ما اهتدينا.\rقوله: لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِ هذا إقسام من أهل الجنة شكرا لنعم اللّه وتحدثا بها، والمعنى أن ما أخبرونا به في الدنيا من الثواب حق وصدق لمشاهدتنا له عيانا. قوله: وَنُودُوا يحتمل أن المنادي هو اللّه ويحتمل أنه الملائكة. قوله: (مخففة) أي واسمها ضمير الشأن، وخبرها الجملة بعدها.\rقوله: (أو مفسرة) أي لأنه تقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه، وهو قوله: وَنُودُوا. قوله: (في","part":1,"page":527},{"id":529,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 528\rالْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ تقريرا وتبكيتا أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا من الثواب حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ كم رَبُّكُمْ من العذاب حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ نادى مناد بَيْنَهُمْ بين الفريقين أسمعهم أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دينه وَيَبْغُونَها أي يطلبون السبيل عِوَجاً معوجة وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُما أي أصحاب الجنة والنار حِجابٌ حاجز قيل هو سور الأعراف وَعَلَى الْأَعْرافِ وهو سور الجنة رِجالٌ استوت حسناتهم وسيئاتهم كما في الحديث يَعْرِفُونَ كُلًّا من أهل الجنة والنار بِسِيماهُمْ بعلامتهم\r______________________________\rالمواضع الخمسة) أي من هنا إلى قوله: أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ. قوله: تِلْكُمُ الْجَنَّةُ اسم الإشارة مبتدأ، والجنة خبر، وقوله: أُورِثْتُمُوها حال من الجنة، أو الجنة نعت لاسم الإشارة وأورثتموها خبره، وأتى باسم الإشارة البعيدة إشارة لعظم رتبتها ومكانتها على حد ذلك الكتاب.\rقوله: أُورِثْتُمُوها أي من الكفار، لأن اللّه خلق في الجنة منازل للكفار بتقدير إيمانهم، فمن لم يؤمن منهم جعل منزلة لأهل الجنة فكل واحد من أهل الجنة يأخذ منازل تسعمائة وتسعة وتسعين من أهل النار تضم لمنزله، فيجتمع له ألف منزل، فلما كان الغالب منها ميراثا أطلق على جميعها اسم الميراث، وحكمة إطلاق اسم الارث عليها، أن الكفار سماهم اللّه أمواتا بقوله: أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ المؤمنين أحياء، ومن المعلوم أن الحي يرث الميت.\rقوله: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ الباء سببية، وما مصدرية، أي بسبب عملكم. إن قلت ورد في الحديث أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «لن يدخل الجنة أحد بعمله، قيل ولا أنت يا رسول اللّه؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني اللّه برحمته». أجيب بأن الآية محمولة على العمل المصحوب بالفضل، والحديث محمول على العمل المجرد عنه.\rقوله: وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ إن قلت: إذا كانت الجنة في السماء والنار في الأرض، فكيف يسمعون النداء؟ أجيب: بأن القيامة خارقة للعادة، فلا مانع من وصول النداء لهم، وهذا النداء من كل فرد من أفرد أهل الجنة، لكل فرد من أفراد أهل النار، لأن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة على الآحاد. قوله: ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا تسميته وعدا مشاكلة، وإلا فالاخبار بالشر إيعاد لا وعد، وقدر المفسر الكاف إشارة إلى أن مفعول وعد محذوف، وقوله: (من العقاب) بيان لما.\rقوله: (نادى مناد) قيل هو إسرافيل، وقيل غيره من الملائكة. قوله: (أسمعهم) تفسير لقوله: بَيْنَهُمْ.\rقوله: الَّذِينَ يَصُدُّونَ نعت للظالمين. قوله: (معوجة) أي مائلة عن الحق، والمعنى أنهم يغيرون دين اللّه وطريقته التي شرع لعباده. قوله: (حاجز) أي يمنع وصول كل منهما للآخر. قوله: (استوت حسناتهم وسيئاتهم) هذا قول من ثلاثة عشر قولا، وقيل: أولاد المشركين الذين ماتوا صغارا، وقيل:\rأناس خرجوا للغزو في سبيل اللّه من غير إذن آبائهم ثم قتلوا، وقيل: ناس بروا آباءهم دون أمهاتهم وبالعكس، وقيل إنهم عدول القيامة يشهدون على الناس بأعمالهم وهم في كل أمة. قوله: (كما في الحديث) أي وهو أن اللّه يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر بواحدة دخل الجنة، ومن","part":1,"page":528},{"id":530,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 529\rوهي بياض الوجوه للمؤمنين وسوادها للكافرين لرؤيتهم لهم إذ موضعهم عال وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ قال تعالى لَمْ يَدْخُلُوها أي أصحاب الأعراف الجنة وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) في دخولها قال الحسن لم يطمعهم إلا لكرامة يريدها بهم، وروى الحاكم عن حذيفة قال بينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك فقال قوموا ادخلوا الجنة فقد غفرت لكم وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ أي أصحاب الأعراف تِلْقاءَ جهة أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا في النار مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا من أصحاب النار يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ من النار جَمْعُكُمْ المال أو كثرتكم وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أي واستكباركم عن الإيمان ويقولون لهم مشيرين إلى ضعفاء المسلمين أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا\r______________________________\rكانت سيئاته أكثر بواحدة دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الأعراف، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوهم: سَلامٌ عَلَيْكُمْ سلام عليكم، وإذا نظروا إلى أهل النار قالوا: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فهناك يقول اللّه تعالى: لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ فكأن الطمع دخولا.\rقوله: وَنادَوْا أي أصحاب الأعراف. قوله: (قال تعالى) أشار بذلك إلى أن الوقف على قوله:\rعَلَيْكُمْ وقوله: لَمْ يَدْخُلُوها كلام مستأنف جواب عن سؤال مقدر، كأن قائلا قال: وما صنع بأهل الأعراف؟ فأجيب بأنهم لم يدخلوها. قوله: (إذ طلع عليهم ربك) أي أزال عنهم الحجب حتى رأوه وسمعوا كلامه. قوله: (فقال قوموا ادخلوا الجنة) أي فينطلق بهم إلى نهر الحياة، حافتاه قضب الذهب مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك فيلفوا فيه، فتصلح ألوانهم وتبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، يسمون مساكين أهل الجنة.\rقوله: وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ عبر بالصرف دون النظر، إشارة إلى أن نظرهم إلى أهل النار غير مقصود، لأن رؤية العذاب وأهله تسيء للناظرين، بخلاف النظر للنعيم وأهله، ففيه مسرة للناظرين، فلذا لم يعبر في جانبه بالصرف بل قيل: وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ. قوله: تِلْقاءَ بالمد والقصر قراءتان سبعيتان، وهي ظرف مكان بمعنى جهة، ويستعمل مصدرا كالتبيان، ولم يجىء من المصادر على التفعال بالكسر غير التلقاء والتبيان والزلزال، وبعضهم ألحق التكرار بذلك. قوله: (في النار) أي لا ابتداء مع العصاة، ولا دواما مع الكفار.\rقوله: رِجالًا أي كانوا عظماء في الدنيا، كأبي جهل، والوليد ابن المغيرة، وعقبة بن أبي معيط، وأضرابهم. قوله: بِسِيماهُمْ أي علامتهم، وتقدم أنها سواد الوجه للكفار.\rقوله: ما أَغْنى عَنْكُمْ يحتمل أن ما استفهامية، أي: أي شيء أغنى عنكم جمعكم، ويحتمل أنها نافية، أي لم يغن عنكم جمعكم ولا استكباركم شيئا من عذاب اللّه. قوله: (المال) أشار بذلك إلى أن جمع مصدر مضاف لفاعله، ومفعوله محذوف قدره بقوله المال، وقوله: (أو كثرتكم) إشارة لتفسير ثان لجمعكم، فيكون معناه جماعتكم. قوله: (أي واستكباركم) سبك المصدر بما بعد كان جريا على قول من","part":1,"page":529},{"id":531,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 530\rيَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ قد قيل لهم ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) وقرىء ادخلوا بالبناء للمفعول ودخلوا فجملة النفي حال أي مقولا لهم ذلك وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من الطعام قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما منعهما عَلَى الْكافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ\r______________________________\rيقول إن كان تجردت عن معنى الحديث وصارت لمجرد الربط، ولو مشى على مقابلة المشهور لقال وكونكم مستكبرين، وإنما حمل المفسر على ذلك الاختصار. قوله: (مشيرين) أي أهل الأعراف. قوله: (إلى ضعفاء المسلمين) أي الذين كانوا يعذبون في الدنيا، وكان المشركون يسخرون بهم، كصبيب وبلال وسلمان وخباب ونحوهم.\rقوله: أَهؤُلاءِ استفهام تقرير وتوبيخ. قوله: أَقْسَمْتُمْ أي باللات والعزى، وقوله: لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ هذا هو المقسم عليه، ويؤخذ من الآية أن أهل الأعراف ناظرون لأهل الجنة وأهل النار، وأن أهل النار ناظرون لأهل الأعراف وأهل الجنة، وهذا لمزيد الحسرة لهم، فهم يعذبون بالنار والتبكيت من أهل الأعراف. قوله: (قد قيل لهم) قدره إشارة إلى أن قوله: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ مقول لذلك القول المحذوف ليصح جعلها خبرا ثانيا، لأن الجملة الطلبية لا يصح وقوعها خبرا إلا إذا أولت بخبر.\rقوله: (و قرىء ادخلوا الخ) هاتان شاذتان على عادته، حيث يعبر عن الشاذ بقرئ، وعن السبعي بوفي قراءة، وعلى هاتين القراءتين فلا يحتاج لتقدير القول، لأن الجملة خبرية. قوله: (جملة النفي) أي جنسها الصادق بالجملتين وهما: لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ. قوله: (حال) أي معمول لحال محذوفة، ففي كلامه تسمح، وهذا على القراءتين الشاذتين، وأما على القراءة السبعية فلا يحتاج لذلك.\rقوله: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة، طمع أهل النار في الفرج عنهم فقالوا: يا رب إن لنا قرابات من أهل الجنة، فائذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فيأذن لهم، فينظرون إلى قراباتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فيعرفونهم، وينظر أهل الجنة إلى قراباتهم من أهل النار فلم يعرفوهم لسواد وجوههم، فينادي أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم، فينادي الرجل أباه وأخاه فيقول: قد احترقت أفض علي من الماء، فيقال لهم: أجيبوهم، فيقولون: إن اللّه حرمهما على الكافرين. قوله: (من الطعام) أي الشامل للمشروب والمأكول، وحينئذ فيضمن: أَفِيضُوا معنى ألقوا، نظير علفتها تبنا وماء باردا، وأَوْ بمعنى الواو بدليل قوله:\rحَرَّمَهُما وإلا لو بقيت على بابها من التخيير لأعيد الضمير مفردا. قوله: (منعهما) أي فالتعبير بالتحريم مجاز لانقطاع التكليف بالموت، ويعلم من هذا أنه لا يتأثر أهل الجنة بعذاب أهل النار لتقطع الأسباب بينهم، ونزع الرحمة من قلوب أهل الجنة لأهل النار لاستحقاقهم ما هم فيه من العذاب.\rقوله: الَّذِينَ اتَّخَذُوا هذا وصف للكافرين. قوله: لَهْواً وَلَعِباً اللهو صرف الهم بما لا يحسن أن يصرف به، واللعب طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به. قوله: وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا أي شغلتهم بالطمع في طول العمر وحسن العيش. قوله: فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ ليس من كلام أهل الجنة، وإنما هو قول الرب جل جلاله، فالفاء واقعة في جواب شرط مقدر تقديره: فإذا كان حال الكافرين فاليوم","part":1,"page":530},{"id":532,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 531\rنتركهم في النار كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا بتركهم العمل له وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (51) أي وكما جحدوا وَلَقَدْ جِئْناهُمْ أي أهل مكة بِكِتابٍ قرآن فَصَّلْناهُ بيناه بالأخبار والوعد والوعيد عَلى عِلْمٍ حال أي عالمين بما فصل فيه هُدىً حال من الهاء وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) به هَلْ يَنْظُرُونَ ما ينظرون إِلَّا تَأْوِيلَهُ عاقبة ما فيه يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ هو يوم القيامة يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ تركوا الإيمان به قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ هل نُرَدُّ إلى الدنيا فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ نوحد اللّه ونترك الشرك فيقال لهم لا قال تعالى قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي صاروا إلى الهلاك وَضَلَ ذهب عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (53) من دعوى الشريك إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ من\r______________________________\rننساهم. قوله: (نتركهم في النار) أشار بذلك إلى أن النسيان مستعمل في لازمه وهو الترك، لأن حقيقته مستحيلة على اللّه، فالمعنى نعاملهم معاملة الناسي من عدم الاعتناء بهم وتركهم في النار.\rقوله: كَما نَسُوا الكاف تعليلية، وما مصدرية، أي لأجل نسيانهم. قوله: (بتركهم العمل له) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف تقديره كما نسوا العمل للقاء يومهم هذا. قوله: (أي وكما جحدوا) أشار بذلك إلى أن ما معطوف على الأولى مسلط عليه كاف التعليل، والمعنى نتركهم في النار لتركهم العمل ولجحدهم آياتنا.\rقوله: فَصَّلْناهُ القراءة السبعية بالصاد، وقرىء شذوذا بالضاد المعجمة، أي فضلناه على غيره من الكتب السماوية: (قوله بالأخبار والوعد) أي وكذا بقية الأنواع التسعة التي جمعها بعضهم في قوله:\rحلال حرام محكم متشابه ... بشير نذير قصة عظة مثل\r\rقوله: (حال) أي من الفاعل، ويصح كونه حالا من المفعول، والمعنى فصلناه حال كونه مشتملا على علم. قوله: (حال من الهاء) أي أو من كتاب، وجاز ذلك لتخصيصه بالوصف.\rقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ أي أهل مكة. قوله: (عاقبة ما فيه) أي فهذا هو المراد بتأويله بمعنى ما يؤول إليه وعيد القرآن لهم. قوله: الَّذِينَ نَسُوهُ أي التأويل. قوله: قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِ أي تبين صدقهم فيما جاؤوا به واعترفوا بذلك لمعاينة العذاب. قوله: فَيَشْفَعُوا منصوب بأن مضمرة في جواب الاستفهام، فهو عطف اسم مؤول على اسم صريح. قوله: أَوْ (هل) نُرَدُّ أشار بذلك أن جملة نُرَدُّ معطوفة على التي قبلها، والاستفهام مسلط عليها. قوله: فَنَعْمَلَ منصوب بأن مضمرة، جواب الاستفهام الثاني، والمعنى نطلب أحد أمرين: إما الشفاعة لنا فيما سبق منا، أو نرجع إلى الدنيا ونحسن العمل فيها.\rقوله: (من دعوى الشريك) أي من دعوى نفع الشريك، لأنهم كانوا يدعون أن الأصنام تنفعهم.\rقوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ أي لا غيره. قوله: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أي وأولها الأحد، وآخرها الجمعة، كما ورد أنه ابتدأ الخلق في يوم الأحد، وأنه خلق الأرض في يومين: الأحد والاثنين، والسماوات في يومين: الخميس والجمعة، وأنه خلق الجبال والوحوش والأشجار والزرع في: الثلاثاء والأربعاء، وروى مسلم والحاكم عن ابن عباس إن اللّه خلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال وما فيهن من منافع","part":1,"page":531},{"id":533,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 532\rأيام الدنيا أي في قدرها لأنه لم يكن ثم شمس ولو شاء خلقهن في لمحة والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ هو في اللغة سرير الملك استواه يليق به يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ مخففا ومشددا أي يغطي كلا منهما بالآخر يَطْلُبُهُ يطلب كل منهما الآخر طلبا حَثِيثاً سريعا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ بالنصب عطفا على السماوات والرفع مبتدأ خبره مُسَخَّراتٍ\r______________________________\rيوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الصخر والماء والطين والعمران والخراب، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين منه، فخلق اللّه في أول ساعة من هذه الثلاث ساعات الآجال، وفي الثانية ألقى اللّه الألفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وخلق في الثالثة آدم وأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة، واستشكل ذلك بأنه لم يكن ثم شمس، والجواب بأن المراد في قدرها لا يجدي نفعا إلا أن يقال: إن ذلك التقدير في علم اللّه، بحيث لو كانت الأيام موجودة لكانت كذلك، ثم اعلم أن ما هنا من الأحاديث موافق لما يأتي في سورة فصلت، من أن خلق الأرض مقدم على السماء، ولا تنافي بينه وبين ما يأتي في سورة النازعات في قوله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها المقتضى تقديم السماء على الأرض، لأن الدحي غير الخلق، فإن الأرض خلقت أولا كرة، ثم بعد خلق السماء بسطت الأرض. قوله: (أي في قدرها) جواب عن سؤال مقدر أفاده المفسر بقوله: (لأنه لم يكن ثم شمس). قوله: (التثبت) أي التمهل في الأمور وعدم العجلة.\rقوله: (هو في اللغة سرير الملك) أي وتسميته عرشا، إنما هو بالنسبة لما عدا الراكب عليه لعلوه عليهم، وأما المراد به هنا فهو الجسم النوراني المرتفع على كل الأحسام المحيط بكلها. قوله: (استواء يليق به) هذه طريقة السلف الذين يفوضون علم المتشابه للّه تعالى، وهذا نظير ما وقع لمالك بن أنس أنه سأله رجل عن قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فقال: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، أخرجوا عني هذا المبتدع، وأما طريقة الخلف فيؤولون الاستواء بالاستيلاء بمعنى الملك والتصرف، فالاستواء يطلق حقيقة على الركوب، وهو مستحيل على اللّه وعلى الاستيلاء والتصرف وهو المراد، قال الشاعر:\rقد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق\r\rوقد أشار صاحب الجوهرة للطريقتين بقوله:\rوكل نص أوهم التشبيها ... أوله أو فوض ورم تنزيها\rقوله: (مخففا ومشددا) أي فهما قراءتان سبعيتان، وعليهما فالليل فاعل والنهار مفعول لفظا ومعنى، ووجب تقديم ما هو فاعل معنى لئلا يلتبس، نحو أعطيت زيدا عمرا. قوله: (أي يغطى كلا منهما بالآخر) يشير إلى أن في الآية حذفا تقديره ويغشى النهار الليل، ويؤيده آية: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ. قوله: يَطْلُبُهُ حَثِيثاً أي ليس بينهما فاصل، والحث والحض بمعنى واحد، وهو الطلب بسرعة، وحثيثا نعت مصدر محذوف، أي طلبا حثيثا. قوله: (بالنصب عطفا على السماوات) أي ونصب:\rمُسَخَّراتٍ على الحال من: الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ. قوله: (و الرفع) أي فهما قراءتان سبعيتان.","part":1,"page":532},{"id":534,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 533\rمذللات بِأَمْرِهِ بقدرته أَلا لَهُ الْخَلْقُ جميعا وَالْأَمْرُ كله تَبارَكَ تعاظم اللَّهُ رَبُ مالك الْعالَمِينَ (54) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً حال تذللا وَخُفْيَةً سرا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) في الدعاء بالتشدق ورفع الصوت وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالشرك والمعاصي بَعْدَ إِصْلاحِها ببعث الرسل وَادْعُوهُ خَوْفاً من عقابه وَطَمَعاً في رحمته إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) المطيعين وتذكير قريب المخبر به عن رحمة لاضافتها إلى اللّه وَهُوَ الَّذِي\r______________________________\rقوله: (مذللات) أي مسيرات، فحيث سيرها سارت، وفي هذا رد على الفلاسفة القائلين بتأثير الكواكب في العالم السفلي، فهي أسباب عادية توجد الأشياء عندها لا بها.\rقوله: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ألا للاستفتاح يؤتى بها مبدأ الكلام البليغ الذي يقصد به الرد على المنكر، والمراد بالخلق الإيجاد، وبالأمر التصرف، فهو منفرد بالإيجاد والتصرف فلا شريك له فيهما، وتصرف الحادث إنما هو بتصريف اللّه له، وليس لمخلوق استقلال بتصريف أبدا، وإنما العبيد مظاهر التصريف، فمن أكرمه أجرى جلب الخير ودفع الضر على يديه، كمعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، ومن أهانه أجرى الشرور على يده.\rقوله: تَبارَكَ فعل ماض جامد لا يتصرف، ومعناه تمجد وتنزه عن صفات الحدوث. قوله:\rادْعُوا رَبَّكُمْ أمر لجميع العباد بالتوجه في الدعاء للّه سبحانه وتعالى، أي فحيث علمتم أن اللّه هو المتصرف في خلقه إيجادا وإعداما وإعطاءا ومنعا، فوجهوا إليه قلوبكم واسألوه بألسنتكم، وقد ذكر اللّه سبحانه وتعالى للدعاء أربعة شروط: التضرع والخفية والخوف والطمع.\rقوله: (حال) أي من الفاعل في: ادْعُوا أي ادعوا حال كونكم متضرعين متذللين، لأن الدعاء إذا كان مع التذلل كان للإجابة أقرب. قوله: (سرا) أي باسماع نفسه، لأن اللّه تعبدنا بالدعاء كما تعبدنا بالقراءة، فلا يكفي مرور الدعاء على قلبه. واعلم أن الإنسان إذا كان وحده، فالسر أفضل له إن كان ينشط في ذلك إلا فالجهر أفضل له كالجماعة. قوله: (بالتشدق) هو كثرة الكلام من غير حضور في القلب فهو راجع لقوله: تَضَرُّعاً وقوله: (و رفع الصوت) هو راجع لقوله: وَخُفْيَةً.\rقوله: خَوْفاً الخوف غم يحصل من أمر مكروه يقع في المستقبل.\rقوله: وَطَمَعاً الطمع توقع أمر محبوب يحصل في المستقبل، ومنه رجاء الإجابة، ففي الحديث:\r«ادعوا اللّه وأنتم موقنون بالإجابة» وفي الحديث أيضا: «ما من عبد يرفع يديه ويقول يا رب إلا ويستحي اللّه أن يردهما صفرين» فاستفيد من هذا أنه ينبغي للداعي الخوف والرجاء، فيجعلهما كجناحي الطائر، إن مال أحدهما سقط. قوله: (المطيعين) أي ولو بالتوبة، فالمطلوب تقديم التوبة على الدعاء ليقع الدعاء من قلب طاهر، فيكون أقرب للإجابة. قوله: (و تذكير قريب) جواب عما يقال إن: قَرِيبٌ في الأصل وصف في المعنى لرحمة وهي مؤنثة، فكان حقه التأنيث. فأجاب بأنه اكتسب التذكير من المضاف إليه، وهو لفظ الجلالة، أو يقال: إِنَّ رَحْمَتَ مجازي التأنيث فيوصف بالمذكر، أو يقال إن معنى الرحمة الثواب وهو مذكر فوصفه بالمذكر من حيث المعنى.","part":1,"page":533},{"id":535,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 534\rيُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي متفرقة قدام المطر وفي قراءة بسكون الشين تخفيفا وفي أخرى بسكونها وفتح النون مصدرا وفي أخرى بسكونها وضم الموحدة بدل النون أي مبشرا ومفرد الأولى نشور كرسول والأخيرة بشير حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ حملت الرياح سَحاباً ثِقالًا بالمطر سُقْناهُ أي السحاب وفيه التفات عن الغيبة لِبَلَدٍ مَيِّتٍ لا نبات به أي لإحيائها فَأَنْزَلْنا بِهِ بالبلد الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ بالماء مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ الإخراج نُخْرِجُ الْمَوْتى من قبورهم بالإحياء لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) فتؤمنون وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ العذب التراب يَخْرُجُ نَباتُهُ حسنا بِإِذْنِ رَبِّهِ هذا مثل للمؤمن يسمع الموعظة فينتفع بها وَالَّذِي خَبُثَ ترابه لا\r______________________________\rقوله: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ معطوف على قوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الآية، والرياح جمع ريح، وهي أربعة: الصبا والدبور والجنوب والشمال، فالصبا تثير السحاب وهي من مطلع الشمس، والشمال تجمعه وهي من تحت القطب، والجنوب تدره وهي من جهة القبلة، والدبور تفرقه وهي من مغرب الشمس، وفي رواية الرياح ثمانية، أربعة عذاب: العاصف والقاصف والصرصر والعقيم، وأربعة رحمة:\rالناشرات والمرسلات والنازعات والمبشرات. قوله: (متفرقة) هذا التفسير لم يوافقه عليه أحد، بل بعض المفسرين قال: إن معنى نشرا منتشرة متسعة أو ناشرة للسحاب. قوله: (قدام المطر) في الكلام استعارة مكنية، حيث شبهت الرحمة بمعنى المطر بسلطان يقدم وله مبشرات، وطوى ذكر المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه، وهو قوله: بَيْنَ يَدَيْ فإثباته تخييل. قوله: (تخفيفا) أي بحذف ضمة الشين، وهي سبعية أيضا كاللتين بعدها. قوله: (بسكونها وفتح النون) أي وإفراد الريح. قوله: (نشرا) أي إما بمعنى اسم الفاعل أو اسم المفعول، أي ناشرة للسحاب أو منشورة. قوله: (و مفرد الأولى) أي ضم الشين ومثلها سكونها، فمفرد الاثنين واحد.\rقوله: حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ غاية لإرسال الرياح. قوله: سَحاباً هو ثمر شجرة في الجنة. قوله:\r(بالمطر) متعلق بثقالا والباء للسببية. قوله: (عن الغيبة) أي إلى التكلم، إذ كان مقتضى الظاهر فساقه.\rقوله: (لا نبات فيه) أي فموت الأرض كناية عن عدم النبات بها. قوله: (بالبلد) أشار بذلك إلى أن الضمير في: (به) عائد على البلد، وتكون الباء بمعنى في، وقوله: (بالماء) يشير إلى أن الضمير عائد على الماء، والباء سببية، ويصح عوده على البلد، وتكون الباء بمعنى في. قوله: كَذلِكَ (الإخراج) أي فالتشبيه مطلق الإخراج من العدم، فمن كان قادرا على إخراج الثمار من الأرض، سيما أرض الجبال التي شأنها عدم إنبات شيء من الثمار، قادر على إحياء الموتى من قبورهم فهو رد على منكري البعث.\rقوله: وَالْبَلَدُ أي الأرض. قوله: (حسنا) أخذه من قوله: لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً. قوله:\rبِإِذْنِ رَبِّهِ أي بإرادته ولم يذكر ذلك في المقابل وإن كان بإذنه أيضا تعليما لعباده الأدب، حيث أسند لنفسه الخير دون الشر وإن كان منه أيضا لما ورد: إن اللّه جميل يحب الجمال، ولقوله تعالى: بِيَدِكَ الْخَيْرُ ولم يقل وبيدك الشر، فلا يجوز أن يقال سبحان من خلق القرد، ولا سبحان من دبب الشوك. قوله: (هذا مثل للمؤمن) أي ولعمله، فمثل المؤمن كمثل الأرض الطيبة، ومثل المواعظ والقرآن كمثل الماء، فكما أن","part":1,"page":534},{"id":536,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 535\rيَخْرُجُ نباته إِلَّا نَكِداً عسرا بمشقة وهذا مثل للكافر كَذلِكَ كما بينا ما ذكر نُصَرِّفُ نبين الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58) اللّه فيؤمنون لَقَدْ جواب قسم محذوف أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ بالجر صفة لإله والرفع بدل من محله إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ إن عبدتم غيره عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) هو يوم القيامة قالَ الْمَلَأُ الأشراف مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (60) بين قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ هي أعم من الضلال فنفيها أبلغ من نفيه وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ بالتخفيف والتشديد\r______________________________\rالماء إذا نزل على الأرض الطيبة أنبتت طيبا، كذلك المواعظ والقرآن إذا نزلت على قلب المؤمن أنبتت الطاعات والصفات الحميدة. قوله: إِلَّا نَكِداً أي إلا نباتا نكد عديم النفع، ونصب نكدا على الحال، أو نعت مصدر محذوف، أي إلا خروجا نكدا وهو من باب تعب.\rقوله: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً المقصود من ذكر تلك القصص تسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتركت الواو هنا، وذكرت في سورة هود والمؤمنون، لعدم تقدم ما يعطف عليه هنا بخلاف ما يأتي، ونوح اسمه عبد الغفار ابن ملك بفتح الميم وسكونها ابن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس، بعث على رأس أربعين سنة على الصحيح، وقيل على رأس خمسين، وقيل مائتين وخمسين، وقيل مائة سنة، ومكث في قومه تسعمائة وخمسين، وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين، فجملة عمره ألف ومائتان وأربعون، بناء على الصحيح من أنه بعث على رأس الأربعين، وكان بحارا، وصنع السفينة في عامين، ولقب بنوح لكثرة نوحه على نفسه، حيث دعا على قومه فهلكوا، وقيل لمراجعته ربه في شأن ولده كنعان، وقيل لأنه مر على كلب مجذوم فقال له: اخسأ يا قبيح، فأوحى اللّه إليه أعبتني أم عبت الكلب. وقدم قصة نوح لأن قومه أول من كفر واستحق العذاب. قوله: (جواب قسم محذوف) إنما أتى بالقسم هنا للرد على المنكرين ومما يجب التأكيد فيه. قوله: إِلى قَوْمِهِ القوم في الأصل: قبيلة الرجل وأقاربه الذين اجتمعوا معه في جد واحد، ويطلق القوم مجازا على من عاشرهم الرجل وسكن عندهم، وإن لم يكونوا أقارب له. قوله: اعْبُدُوا اللَّهَ أي وحدوه. قوله: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ استئناف مسوق لبيان وجه إفراده بالعبادة. قوله: (صفة لإله) أي مراعاة للفظه. قوله: (بدل من محله) أي لأن محله رفع بالابتداء ومن زائدة.\rقوله: إِنِّي أَخافُ علة ثانية للأمر بالعبادة، والمعنى اعبدوا اللّه لأنه ليس لكم إله غيره، ولأني أتحقق نزول عذاب الآخرة بكم إن خالفتم ذلك، إما عاجلا في الدنيا أو آجلا في الآخرة.\rقوله: قالَ الْمَلَأُ بالهمز والقصر، سموا بذلك لأنهم يملأون المجالس بأجسامهم، والقلوب بهيبتهم، والعيون بأبهتهم. قوله: مِنْ قَوْمِهِ لم يقل الذين كفروا مثل ما قيل في قوم هود، لأن ذلك كان في مبدأ رسالته ولم يكن ثم مؤمن، هكذا قيل، والأحسن أن يقال حذفه منه لعلمه مما يأتي في الآية الأخرى. قوله: فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي حيث عدل عن عبادة آلهتهم المجمعين عليها المذكورين في سورة نوح في قوله تعالى:\rوَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ الآية. قوله: (هي أعم من الضلال) أي لأن الضلال هو الخروج عن الحق من كل وجه، والضلالة هي الخروج عن الحق ولو بوجه. قوله: (فنفيها أبلغ) أي لأنها نكرة في سياق النفي فتعم.","part":1,"page":535},{"id":537,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 536\rرِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ أريد الخبر لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (62) أَكذبتم وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ موعظة مِنْ رَبِّكُمْ عَلى لسان رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ العذاب إن لم تؤمنوا وَلِتَتَّقُوا اللّه وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) بها فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ من الغرق فِي الْفُلْكِ السفينة وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا بالطوفان إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (64) عن الحق وَأرسلنا إِلى عادٍ الأولى أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحدوه ما لَكُمْ مِنْ\r______________________________\rقوله: وَلكِنِّي رَسُولٌ قد وقع الاستدراك أحسن موقع، لكونه بين ضدين: نفي الضلالة المتوهم ثبوتها، وثبوت الرسالة المتوهم نفيها. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: رِسالاتِ رَبِّي الجمع باعتبار تعدد الأزمنة، والمراد بالرسالات المرسل بها التي هي الأحكام. قوله: وَأَنْصَحُ لَكُمْ النصح يتعدى بنفسه باللام، وهو إرادة الخير للغير كما يريده لنفسه.\rقوله: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أي من الأحكام التي تأتيه عن اللّه أو من العذاب الذي يحل بهم إن لم يؤمنوا. قوله: (كذبتم) أشار بذلك إلى أن الهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف. قوله: (موعظة) أي تخوفكم من عذاب اللّه إن لم تؤمنوا.\rقوله: لِيُنْذِرَكُمْ علة للمجيء، وقوله: وَلِتَتَّقُوا مرتب على الإنذار، وقوله: وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ مرتب على التقوى، فهذا الترتيب في أحسن البلاغة، وعبر في جانب الرحمة بالترجي، إشارة إلى أن الرحمة أمرها عزيز لا تنال بالعمل، بل بفضل اللّه. قوله: (العذاب) قدره إشارة إلى أن مفعول ينذر محذوف. قوله: وَلِتَتَّقُوا (اللّه) قدره إشارة إلى أن مفعول تتقوا محذوف أيضا.\rقوله: فَكَذَّبُوهُ أي استمروا على تكذيبه. قوله: وَالَّذِينَ مَعَهُ قيل كانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة، وقيل تسعة: أولاده الثلاثة: سام وهو أبو العرب، وحام وهو أبو السودان، ويافث وهو أبو الترك، وستة من غيرهم. قوله: فِي الْفُلْكِ يطلق على المفرد والجمع والمذكر والمؤنث. ووزن المفرد قفل والجمع أسد. قوله: (السفينة) وكان طولها ثلثمائة ذراع، وسمكها ثلاثين ذراعا وعرضها خمسين، وطبقاتها ثلاث: السفلى للوحوش والدواب، والوسطى للانس، والعليا للطيور. وركبها في عاشر رجب، واسترت على الجودي في عاشر المحرم. قوله: بِآياتِنا أي الدالة على التوحيد، وهي معزات نوح.\rقوله: عَمِينَ أصله عمين حذفت الياء الأولى تخفيفا، وهو جمع عم يقال لأعمى البصيرة، وأما عميان فجمع أعمى يقال لأعمى البصر.\rقوله: وَإِلى عادٍ جرت عادة اللّه في كتابه، أنه إذا كان للمرسل اليهم اسم ذكرهم به، وإلا عبر بقوله قومه، وقدر المفسر: (أرسلنا) إشارة إلى أن: أَخاهُمْ معطوف على نوحا، والعال فيه: (أرسلنا) المتقدم، والجار والمجرور معطوف على قوله إلى قومه، فتكون الواو عاطفة عطف قصة على قصة، وهكذا يقال في باقي القصص. قوله: (الأولى) يحترز به عن عاد الثانية فإنها قوم صالح. قوله: أَخاهُمْ هُوداً سمى أخاهم لأنه من جنسهم واجتمع معهم في جد، لأن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، فسميت القبيلة باسم جدهم، وهود بن عبد اللّه بن رباج بن الخلود بن عاد بن عوض بن إرم بن سام بن نوح، وقيل ابن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح، فعلى الأول قد اجتمع معهم في عاد، وعلى الثاني لا،","part":1,"page":536},{"id":538,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 537\rإِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (65) تخافونه فتؤمنون قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ جهالة وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (66) في رسالتك قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (68) مأمون على الرسالة أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى لسان رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ في الأرض مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً قوة وطولا وكان طويلهم مائة ذراع وقصيرهم ستين فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ نعمه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) تفوزون قالُوا أَجِئْتَنا\r______________________________\rوإنما اجتمع معهم في سام، وكان بين هود ونوح ثمانمائة سنة، وبين القبيلتين مائة سنة، وعاش أربعمائة وأربع وستين سنة، وعاد يجوز صرفه باعتبار كونه اسما للحي، ومنعه باعتبار كونه اسما للقبيلة، وهذا من حيث العربية، وأما في القرآن فلم يقرأ بمنع الصرف.\rقوله: قالَ يا قَوْمِ أتى في قصة نوح بالفاء لأنه كان مسارعا في دعوتهم إلى اللّه غير متوان كما حكى في سورة نوح، قال تعالى: قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً بخلاف هود. قوله: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أي لأنه الخالق للعالم المتصرف فيه. قوله: أَفَلا تَتَّقُونَ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير أتركتم التفكر في مصنوعات اللّه أفلا تتقون.\rقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا صفة للملأ كاشفة، لأن هذه المقالة لا تقع من مؤمن، ولذا تركت من قصة نوح لعلمها مما هنا.\rقوله: إِنَّا لَنَراكَ رأى هنا علمية، فمفعولها الأول الكاف، والثاني متعلق بالجار والمجرور. قوله: فِي سَفاهَةٍ الحكمة في تعبير قوم هود بالسفاهة، وقوم نوح بالضلال، أن نوحا لما خوف قومه بالطوفان، وجعل يصنع الفلك، نسبوه للضلال، حيث أتعب نفسه في عمل سفينة في أرض لا ماء بها ولا طين، وهود لما نهاهم عن عبادة الأصنام صمودا وصمدا وهبا ونسب من يعبدها للسفه، خاطبوه بمثل ما خاطبهم به.\rقوله: وَلكِنِّي رَسُولٌ تقدم أن مثل هذا الاستدراك وقع أحسن موقع، لكنه وقع بين ضدين.\rقوله: أُبَلِّغُكُمْ بالتخفيف والتشديد قراءتان سبعيتان. قوله: وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ الحكمة في تعبير هود بالجملة الاسمية، ونوح بالجملة الفعلية، أن هودا كان نصوحا مع التراخي، ومعلوم أن ذلك يدل عليه بالجملة الاسمية، ونوح كان مكررا للنصح، وذلك يدل عليه بالجملة الفعلية، لأن الفعل للتجدد. قوله:\r(مأمون على الرسالة) أي فلا أزيد ولا أنقص.\rقوله: أَوَعَجِبْتُمْ الهمزة داخلة على محذوف تقديره أكذبتموني وعجبتم. قوله: ذِكْرٌ أي موعظة تخوفكم من عذاب اللّه. قوله: إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ إذ ظرف مفعول لا ذكروا، أي اذكروا وقت جعلكم، والمقصود ذكر النعمة لا ذكر وقتها. قوله: بَصْطَةً بالسين والصاد قراءتان سبعيتان ومعناهما واحد. قوله: (قوة وطولا) أي ومالا. قوله: (مائة ذراع الخ) الذي قاله المحلي في سورة الفجر، إن طويلهم كان أربعمائة ذراع بذراع نفسه، وفي رواية خمسمائة ذراع، وقصيرهم ثلاثمائة ذراع، وكان رأس الواحد منهم قدر القبة العظيمة، وكانت عينه بعد موته تفرخ فيها الضباع. قوله: آلاءَ اللَّهِ جمع إلى بكسر الهمزة وضمها، كحمل وقفل، أو بكسر ففتح كضلع، أو بفتحتين كقفا. قوله: (تفوزون) أي","part":1,"page":537},{"id":539,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 538\rلِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ نترك ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا به من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) في قولك قالَ قَدْ وَقَعَ وجب عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ عذاب وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أي سميتم بها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ أصناما تعبدونها ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها أي بعبادتها مِنْ سُلْطانٍ حجة وبرهان فَانْتَظِرُوا العذاب إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) ذلكم بتكذيبكم لي فأرسلت عليهم الريح العقيم فَأَنْجَيْناهُ أي هودا وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ القوم الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي استأصلناهم وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (72) عطف على كذبوا وَأرسلنا إِلى ثَمُودَ بترك الصرف مرادا به القبيلة أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ معجزة مِنْ\r______________________________\rبرضا اللّه وزيادة النعم، لأن شكر النعم مما يديمها ويزيدها.\rقوله: قالُوا أَجِئْتَنا أي جوابا بالنصحة لهم. قوله: (وجب) أي حق وثبت، والتعبير بالماضي إشارة إلى أنه واقع لا محالة.\rقوله: وَغَضَبٌ عطف سبب على مسبب. قوله: فِي أَسْماءٍ أي مسميات. قوله: (أصناما) قدره إشارة إلى مفعول سميتموها الثاني. قوله: (فأرسلت عليهم الريح العقيم) وكانت باردة ذات صوت شديد لا مطر فيها، وكانت وقت مجيئها في عجز الشتاء وابتدأتهم صبيحة الأربعاء لثمان بقين من شوال، وسخرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام، فأهلكت رجالهم ونساءهم وأولادهم وأموالهم، بأن رفعت ذلك في الجو فمزقته، وفي رواية بعث اللّه عز وجل الريح العقيم، فلما دنت منهم نظروا إلى الإبل والرجال تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فلما رأوها بادروا إلى البيوت فدخلوها وأغلقوا الأبواب، فجاءت الريح فقلعت أبوابهم ودخلت عليهم فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتهم من البيوت، فلما أهلكتهم أرسل اللّه عليهم طيرا أسود فنقلتهم إلى البحر فألقتهم فيه، وقيل إن اللّه تعالى أمر الريح فأمالت عليهم الرمال، فكانوا تحت الرمال سبع ليال وثمانية أيام يسمع لهم أنين تحت الرمل. ثم أمر الريح فكشفت عنهم الرمل ثم احتملتهم فرمت بهم في البحر.\rقوله: وَالَّذِينَ مَعَهُ أي وكانوا شرذمة قليلة يكتمون إيمانهم، وسبب نجاتهم أنهم دخلوا في حظيرة فصار يدخل عليهم من الريح ما يلتذون به، ثم بعد ذلك أتوا مكة مع هود، فعبدوا اللّه فيها حتى ماتوا. قوله: (أي استأصلناهم) أي لم نبق منهم أحدا. قوله: (عطف على كذبوا) أي وفائدته وإن علم منه الإشارة إلى أن اللّه علم عدم إيمانهم، وأنهم لو بقوا ما آمنوا، أي فلا تحزن عليهم أيها السامع.\rقوله: وَإِلى ثَمُودَ تقدم أنه معطوف على قوله: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً عطف قصة على قصة، وثمود قبيلة سموا باسم جدهم ثمود بن عابر بن سام بن نوح. قوله: (بترك الصرف) أي للعلمية والتأنيث. ولو أريد به الحي لصرف.\rقوله: أَخاهُمْ أي في النسب لأنه ابن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود المتقدم، وكان بين صالح وهود مائة سنة، وعاش صالح مائتين وثمانين سنة. قوله: صالِحاً بدل من أخاهم أو عطف بيان عليه. ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ علة لقوله: اعْبُدُوا اللَّهَ. وقوله: قَدْ جاءَتْكُمْ","part":1,"page":538},{"id":540,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 539\rرَبِّكُمْ على صدقي هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً حال عاملها معنى الإشارة وكانوا سألوه أن يخرجها لهم من صخرة عينوها فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ بعقر أو ضرب فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ في الأرض مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ أسكنكم فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً تسكنونها في الصيف وَتَنْحِتُونَ من الْجِبالَ بُيُوتاً تسكنونها في الشتاء ونصبه على الحال المقدرة فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ تكبروا عن الإيمان به لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا\r______________________________\rعلة لمحذوف، والتقدير امتثلوا ما أمرتكم به، لأنه قد جاءتكم بينة على صدقي. قوله: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً كلام مستأنف بيان للمعجزة، والإضافة للتشريف واسم الإشارة مبتدأ وناقَةُ اللَّهِ خبر ومضاف اليه ولَكُمْ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من: آيَةً لأنه نعت نكرة تقدم عليها أو خبر ثان وآيَةً حال والعامل فيها محذوف تقديره أشير، وقد أشار له المفسر بقوله: (حال عاملها معنى الإشارة) وهذا القول وقع من صالح بعد نصحهم، كما قال تعالى في سورة هود: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها الآيات. قوله: (من صخرة عينوها) وكان يقال لها الكاثبة، وكانت منفردة في ناحية الجبل، فقالوا أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة تكون على شكل البخت، وتكون عشراء جوفاء وبراء، أي ذات جوف واسع ووبر وصوف، فدعا اللّه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء كما وصفوا، لا يعلم ما بين جنبيها إلا اللّه تعالى، فعند خروجها ولدت ولدا مثلها في العظم، فمكثت الناقة مع ولدها ترعى وتشرب إلى أن عقروها.\rقوله: فَذَرُوها تَأْكُلْ مرتب على كونها آية من آيات اللّه. قوله: تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ أي وتشرب. قوله: فَيَأْخُذَكُمْ بالنصب في جواب النهي، والتعقيب ظاهر، لأنهم لم يلبثوا إلا ثلاثة أيام، رأوا فيها أمارات العذاب، كما يأتي في سورة هود. قوله: عَذابٌ أَلِيمٌ أي مؤلم.\rقوله: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ تذكير لهم بنعم اللّه التي أنعمها عليهم. قوله: (في الأرض) قدره المفسر إشارة إلى أن في الآية الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه.\rقوله: وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي أرض الحجر بكسر الحاء، مكان بين الحجاز والشام. قوله:\rتَتَّخِذُونَ أي تعملون وتصنعون، واتخذ يصح أن يكون متعديا لواحد، فمن سهولها متعلق باتخذ، أو لاثنين فمن سهولها متعلق بمحذوف مفعول ثان. قوله: مِنْ سُهُولِها جمع سهل وهو المكان المتسع الذي لا جبل به، ومن بمعنى في، أي تصنعون في الأرض السهلة القصور، ويصح أن تكون من للابتداء، أي تتخذون من السهول، أي الأراضي اللينة القصور، أي طوبها وطينها، والأقرب الأول، وسميت القصور بذلك لقصر أيدي الفقراء عن تحصيلها.\rقوله: وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً يصح أن يكون المعنى على إسقاط الخالص أي من: الْجِبالَ وبُيُوتاً مفعول تَنْحِتُونَ، ويصح أن يكون الْجِبالَ مفعولا به، وبُيُوتاً حال مقدرة كما قال المفسر، لأن الجبال لا تصير بيوتا إلا بعد نحتها، وهو إن كان جامدا، إلا أنه مؤول بالمشتق أي مساكن.\rقوله: مُفْسِدِينَ حال مؤكدة لعاملها، لأن العثو هو الفساد. قوله: (تكبروا) أشار بذلك إلى أن السين","part":1,"page":539},{"id":541,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 540\rلِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أي من قومه بدل مما قبله بإعادة الجار أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ إليكم قالُوا نعم إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (76) وكانت الناقة لها يوم في الماء ولهم يوم فملوا ذلك فَعَقَرُوا النَّاقَةَ عقرها قدار بأمرهم بأن قتلها بالسيف وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا به من العذاب على قتلها إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ الزلزلة الشديدة من الأرض والصيحة\r______________________________\rزائدة.\rقوله: (عن الإيمان به) أي بصالح. قوله: (بدل مما قبله بإعادة الجار) أي بدل كل من كل، إن كان الضمير في: مِنْهُمْ عائدا على القوم، ويكون جميع المستضعفين آمنوا وبدل بعض من كل، إن كان الضمير عائدا على المستضعفين، ويكون بعض المستضعفين آمنوا، واللّه أعلم بحقيقة الحال. قوله:\rأَتَعْلَمُونَ مفعول قول المستكبرين. قوله: قالُوا (نعم) قدره المفسر إشارة إلى أن هذا حق الجواب، وإنما عدلوا عنه مسارعة إلى تحقيق الحق وإظهار إيمانهم، وتنبيها على أن رسالته واضحة لا تخفى، فلا ينبغي السؤال عنها فهذا الجواب تبكيت لهم.\rقوله: قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إظهار في محل الإضمار تبكيتا لهم. قوله: إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ لم يقولوا إنا بما أرسل به، إظهارا لمخالفتهم إياهم تعنتا وعنادا. قوله: (و كانت الناقة لها يوم في الماء) أي فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر، فما ترفعه حتى تشرب جميع ما فيها ثم تتبجبج، فيحلبون ما شاؤوا حتى يملأوا أوانيهم فيشربون ويدخرون.\rقوله: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ أي في يوم الأربعاء، فقال لهم صالح: تصبحون غدا وجوهكم مصفرة ثم تصبحون في يوم الجمعة وجوهكم محمرة، ثم تصبحون يوم السبت وجوهكم مسودة. فأصبحوا يوم الخميس قد اصفرت وجوههم، فأيقنوا العذاب، ثم احمرت في يوم الجمعة فازداد خوفهم، ثم اسودت يوم السبت فتجهزوا للهلاك، فأصبحوا يوم الأحد وقت الضحى، فكفنوا أنفسهم تحنطوا كما يفعل بالميت وألقوا بأنفسهم إلى الأرض، فلما اشتد الضحى، أتتهم صيحة عظيمة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت في ذلك الوقت كل شيء له صوت مما في الأرض، ثم تزلزلت بهم الأرض حتى هلكوا جميعا، وأما ولد الناقة فقيل إنه فر هاربا، فانفتحت له الصخرة التي خرجت منها أمة فدخلها وانطبقت عليه، قال بعض المفسرين: إنه الدابة التي تخرج قرب القيامة، وقيل إنهم أدركوه وذبحوه. قوله: (عقرها قدار) أي ابن سالف، وكان رجلا أحمر أزرق العينين قصيرا، وكان ابن زانية، ولم يكن لسالف، وهو أشقى الأولين كما ورد في الحديث. قوله: (بأن قتلها بالسيف) أي فالمراد بالعقر النحر، ففيه إطلاق السبب على المسبب، لأن العقر ضرب قوائم البعير أو الناقة لتقع فتنحر.\rقوله: وَقالُوا يا صالِحُ أي على سبيل التهكم والاستهزاء. قوله: بِما تَعِدُنا (به) قدره إشارة إلى أن العائد محذوف، وكان الأولى أن يقدر ضمير نصب، بأن يقول تعدناه لئلا يلزم حذف العائد المجرور بالحرف من غير اتحاد متعلقهما.\rقوله: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي بعد مضي ثلاثة أيام، والتعقيب","part":1,"page":540},{"id":542,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 541\rمن السماء فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (78) باركين على الركب ميتين فَتَوَلَّى أعرض صالح عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) وَاذكر لُوطاً ويبدل منه إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ أي أدبار الرجال ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (80) الإنس والجن إِنَّكُمْ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال الألف بينهما على الوجهين لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) متجاوزون\r______________________________\rظاهر، لأن الثلاثة أيام مقدمات الهلاك. قوله: (و الصيحة من السماء) أشار بذلك إلى أن في الآية اكتفاء، لأن عذابهم كان بهما معا. قوله: فِي دارِهِمْ أي أرضهم، فالمراد بهم الجنس.\rقوله: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ أي بعد أن هلكوا وماتوا توبيخا، كما خاطب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الكفار من قتلى بدر حين ألقوا في القليب، فقال عمر: يا رسول اللّه كيف تكلم أقواما قد جيفوا؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: ما أنت بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يجيبون، وقيل: خاطبهم قبل موتهم وقت ظهور العلامات فيهم، عليه: يكون في الآية تقديم وتأخير تقديره: فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين، فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين. قوله: وَ(اذكر) خطاب لسيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وقدره ولم يقدر أرسلنا، مع أنه يكون موافقا لما قبله وما بعده، لأنه يوهم أن وقت الارسال قال لقومه ما ذكر، مع أنه ليس كذلك، بل أمرهم أولا بالتوحيد، ثم بين لهم فروع شريعته، ولوط بن هاران أخي إبراهيم الخليل عليهما السّلام، وكان إبراهيم ولوط ببابل بالعراق، فهاجر إلى الشام فنزل إبراهيم بأرض فلسطين، ونزل لوط بالأردن وهي قرية بالشام، فأرسله اللّه إلى أهل سذوم، بالذال المعجمة على وزن رسول، وهي بلد بحمص.\rقوله: أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ استفهام توبيخ وتقريع لأنها من أعظم الفواحش، ولذا كان حدها عند أبي حنيفة الرمي من شاهق جبل، وعند مالك الرجم مطلقا فاعلا أو مفعولا أحصنا أو لم يحصنا. قوله:\rما سَبَقَكُمْ الخ تأكيد للإنكار عليهم، لأن مباشرة القبح قبيحة، واختراعه أقبح. قوله: (الإنس والجن) أي وجميع البهائم، بل هذه الفعلة لم توجد في أمة إلا في قوم لوط وفساق هذه الأمة المحمدية.\rوكان قوم لوط يتباهوان بالضراط في المجالس أيضا، كما قال تعالى: وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ وهو فاحشة عظيمة أيضا. قوله: (بتحقيق الهمزتين) حاصل ما أفاده المفسر، أن القراءات أربع: تحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية من غير إدخال ألف بين الهمزتين أو بإدخالها، ولكن الحق أن إدخال الألف بين الهمزتين المحققتين غير سبعية، وإنما هي لهشام، وبقي قراءة سبعية أيضا وهي بهمزة واحدة على الخبر المستأنف بيان لتلك الفاحشة، وهي لنافع وحفص عن عاصم، فتحصل أن القراءات خمس، أربع سبعية وواحدة غير سبعية.\rقوله: شَهْوَةً أي لأجل الشهوة. قوله: مِنْ دُونِ النِّساءِ إما حال من: الرِّجالَ أو من الواو في تأتون، وحكمه التوبيخ على هذا الفعل القبيح، أن اللّه تعالى خلق الإنسان، وركب فيه شهوة النكاح لبقاء النسل وعمران الدنيا، وجعل النساء محلا للشهوة والنسل، فإذا تركهن الإنسان، فقد عدل","part":1,"page":541},{"id":543,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 542\rالحلال إلى الحرام وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ أي لوطا وأتباعه مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) من أدبار الرجال فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (83) الباقين في العذاب وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً هو حجارة السجيل فأهلكتهم فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) وَأرسلنا إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ معجزة مِنْ رَبِّكُمْ على صدقي فَأَوْفُوا أتموا الْكَيْلَ\r______________________________\rما أحل له وتجاوز الحد، لوضعه الشيء في غير محله، لأن الأدبار ليست محلا للولادة التي هي المقصودة بالذات.\rقوله: وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ القراءة على نصب جواب خبرا لكان، واسمها أن وما دخلت عليه، وقرأ الحسن بالرفع اسم كان، وأن وما دخلت عليه خبرها، وما مشى عليه الجماعة أفصح عربية، لأن الأعراف وقع اسما، والواو هنا للتعقيب لحلولها محل الفاء في النمل والعنكبوت، لأن جوابهم لم يتأخر عن نصيحته والحصر نسبي، والمراد أنه لم يقع منهم جواب عن نصح وموعظة، فلا ينافي أنهم زادوا في الجواب من الكلام القبيح. قوله: مِنْ قَرْيَتِكُمْ أي سذوم. قوله: إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ قالوا ذلك استهزاء.\rقوله: فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ أي ابنته، لأنه لم ينج من العذاب إلا وهو وابنتاه لإيمانهما به، فخرج لوط من أرضه، وطوى اللّه له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم، وسيأتي تمام القصة في سورة هود، وإنما ذكرت هنا اختصارا. قوله: (الباقين في العذاب) أي لأن الغبر من باب قعد، يستعمل بمعنى البقاء في الزمان المستقبل، وبمعنى المكث في الزمان الماضي، والمراد الأول.\rقوله: وَأَمْطَرْنا يقال غالبا في الرحمة مطر، وفي العذاب أمطر، وعلى كل هو متعد ينصب المفعول. قوله: (هو حجارة السجيل) أي وكانت معجونة بالكبريت والنار، وهلكوا أيضا بالخسف، قال تعالى: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها، ورد أن جبريل رفع مدائنهم إلى السماء، وكانت خمسة، وأسقطها مقلوبة إلى الأرض، وأمطر عليهم الحجارة متتابعة في النزول عليها اسم كل من يرمي بها، وقيل إن الحجارة لمن كان مسافرا منهم، والخسف لمن كان في المدائن.\rقوله: فَانْظُرْ لكل سامع يتأتى منه النظر والتأمل، ليحصل الاعتبار بما وقع لهؤلاء القوم.\rقوله:\rوَإِلى مَدْيَنَ معطوف على قوله: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً عطف قصة على قصة، ولذا قدر المفسر أرسلنا ومدين اسم قبيلة شعيب، واسم لقريته أيضا، بينها وبين مصر ثمانية مراحل، سميت باسم أبيهم مدين ابن إبراهيم الخليل عليه السّلام، وشعيب بن ميكائيل بن بشجر بن مدين بن إبراهيم الخليل، فشعيب أخوهم في النسب، وليس من أنبياء بني إسرائيل، وقوله: شُعَيْباً بدل من أخاهم، أو عطف بيان عليه، وأرسل شعيب أيضا إلى أصحاب الأيكة، وهي شجر ملتف بعضه ببعض بالقرب من مدين، قال تعالى: كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ. قوله: (معجزة) لم تذكر تلك المعجزة في القرآن، وقيل المراد بها نفسه، بمعنى أن أوصافه لا يمكن معارضتها، وقيل المراد بها. قوله: فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ الخ، بمعنى ما يترتب عليها من العز للمطيع، والذل والعقاب للمخالف.","part":1,"page":542},{"id":544,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 543\rوَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا تنقصوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالكفر والمعاصي بَعْدَ إِصْلاحِها ببعث الرسل ذلِكُمْ المذكور خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) مريدي الإيمان فبادروا إليه وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ طريق تُوعِدُونَ تحرفون الناس بأخذ ثيابهم أو المكس منهم وَتَصُدُّونَ تصرفون عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دينه مَنْ آمَنَ بِهِ بتوعدكم إياه بالقتل وَتَبْغُونَها تطلبون الطريق عِوَجاً معوجة وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) قبلكم بتكذيبهم رسلهم أي آخر أمرهم من الهلاك وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا به فَاصْبِرُوا انتظروا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وبينكم بإنجاء المحق وإهلاك المبطل وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (87) أعدلهم قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ\r______________________________\rقوله: فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ أي وكانت عادتهم نقص الكيل والميزان. قوله: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ هذا لازم لقوله: فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ لأن الشخص إذا لم يوف الكيل والميزان لغيره فقد نقصه من الثمن، وكذلك إذا استوفى الكيل والميزان لنفسه، فقد نقص الغير من الثمن. قوله:\rبَعْدَ إِصْلاحِها ورد أنه قبل بعث شعيب لهم، كانوا يفعلون المعاصي، ويستحلون المحارم، ويسفكون الدماء، فلما بعث شعيب أصلح اللّه به الأرض، وهكذا كل نبي بعث إلى قومه. قوله: (مريدي الإيمان) جواب عما يقال إنهم لم يكونوا مؤمنين إذ ذاك. قوله: (فبادروا اليه) جواب الشرط، وما قبله دليل الجواب.\rقوله: بِكُلِّ صِراطٍ أي محسوس بدليل ما بعده. قوله: (تخوفون الناس) قدره إشارة إلى أن مفعول: تُوعِدُونَ محذوف. قوله: (بأخذ ثيابهم) ورد أنهم كانوا يجلسون على الطريق، ويقولون لمن يريد شعيبا: إنه كذاب ارجع لا يفتنك عن دينك، فإن آمنت به قتلناك.\rقوله: مَنْ آمَنَ هذا مفعول: تَصُدُّونَ. قوله: (تطلبون الطريق) أي المعبر عنه بالسبيل، وهو الطريق المعنوي الذي هو الذين، والمعنى تعدلوا عن الصراط المستقيم إلى الاعوجاج.\rقوله: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ إِذْ ظرف معمول لقوله: وَاذْكُرُوا أي اذكروا وقت كونكم قليلا إلخ، والمراد اذكروا تلك النعمة العظيمة. قوله: قَلِيلًا أي في العدة والعدد والضعف، وقوله:\rفَكَثَّرَكُمْ أي فزاد عددكم وقوتكم، فكانوا أغنياء أقوياء ذوي عدد كثير بوجود شعيب بينهم، ولذا لما فر موسى هاربا من فرعون، نزل عند شعيب فطمأنه وأمن روعه، قال تعالى حكاية عن شعيب: قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. قوله: عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أي وأقربهم إليكم قوم لوط، فانظروا ما نزل بهم.\rقوله: وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا في الكلام الحذف من الثاني لدلالة الأول عليه، والتقدير وطائفة منكم لم يؤمنوا بالذي أرسلت به.\rقوله: فَاصْبِرُوا يجوز أن يكون الضمير للمؤمنين من قومه، وأن يكون للكافرين منهم، وأن يكون للفريقين وهذا هو الظاهر، فأمر المؤمنين بالصبر ليحصل لهم الظفر والغلبة، والكافرين بالصبر لسوء عاقبة أمرهم، وهو نظير قوله تعالى: فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ. قوله: (و بينكم) لا حاجة له، لأن الضمير عائد على شعيب وعليهم، والمعنى حتى يقضي اللّه بين الفريقين المؤمنين والكفار. قوله: وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ التعبير باسم التفضيل، باعتبار أنه الحاكم حقيقة، وغيره حاكم مجازا، ومن كان له","part":1,"page":543},{"id":545,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 544\rعن الإيمان لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَ ترجعن فِي مِلَّتِنا ديننا وغلبوا في الخطاب الجمع على الواحد لأن شعيبا لم يكن في ملتهم قط وعلى نحوه أجاب قالَ أَنعود فيها وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (88) لها استفهام إنكار قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ ينبغي لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا ذلك فيخذلنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أي وسع علمه كل شيء ومنه حالي وحالكم عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ احكم بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (89) الحاكمين وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ أي قال بعضهم لبعض لَئِنِ لام قسم اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ الزلزلة الشديدة فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (91) باركين\r______________________________\rالحكم بالأصالة والحقيقة، خير ممن كان له الحكم مجازا.\rقوله: قالَ الْمَلَأُ أي جوابا لما قاله لهم. قوله: يا شُعَيْبُ إنما وسطوا اسمه بين المعطوف والمعطوف عليه، زيادة في القباحة والشناعة منهم. قوله: (و غلبوا في الخطاب الجمع على الواحد الخ) جواب عما يقال: إن شعيبا لم يسبق له الدخول في ملتهم، وإنما حمل المفسر على هذا الجواب تفسيره العود بالرجوع، وقال بعضهم إن عاد تأتي بمعنى صار، وعلى هذا فلا إشكال ولا جواب. قوله: (و على نحوه) أي التغليب. قوله: أَ(نعود فيها) أشار بذلك إلى أن الهمزة داخلة على محذوف والواو عاطفة على ذلك المحذوف.\rقوله: وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ الهمزة لإنكار الوقوع، وكلمة: لَوْ في مثل هذا المقام، ليست لبيان انتفاء شيء في الزمن الماضي لانتفاء غيره فيه، بل هي لمجرد الربط والمبالغة في انتفاء العود، والمعنى لا تطمعوا في عودنا مختارين ولا مكرهين فتأمل.\rقوله: إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ شرط حذف جوابه لدلالة قوله قد افترينا عليه. قوله: وَما يَكُونُ لَنا أي لا يصح ولا يليق لنا أن نعود فيها في حال من الأحوال، إلا في حال مشيئة اللّه لنا. قوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا يصح أن يكون متصلا، والمستثنى منه عموم الأحوال أو منقطعا، وهذا الاستثناء محض رجوع إلى اللّه وتفويض الأمر إليه، وقد جازاهم اللّه بأن كفاهم شر أعدائهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر. قوله: (أي وسع علمه) أشار بذلك إلى أن: عِلْماً تمييز محول عن الفاعل. قوله: وَبَيْنَ قَوْمِنا أي الكفار، وإنما أعرض عن مكالمتهم ورجع للّه متضرعا لما ظهره له من شدة عنادهم وتعنتهم في كفرهم.\rقوله: وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ إنما قال بعضهم لبعض هذه المقالة، خوفا على بعضهم من الميل لشعيب، حيث توعدوه بما تقدم، فلم يبال بهم. قوله: إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ أي في الدنيا بفوات ما يحصل لكم بالبخس والتطفيف، وجملة: إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ جواب القسم، وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه.\rقوله: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ذكر هنا وفي العنكبوت الرجفة، وذكر في سورة هود: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ أي صيحة جبريل عليهم من السماء، وجمع بينهما بأن الرجفة في المبدأ، والصيحة في الاثناء فتأمل، وأما أهل الأيكة فأهلكوا بالظلة، كما سيأتي في سورة الشعراء.","part":1,"page":544},{"id":547,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 545\rعلى الركب ميتين الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً مبتدأ خبره كَأَنْ مخففة واسمها محذوف أي كأنهم لَمْ يَغْنَوْا يقيموا فِيهَا في ديارهم الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (92) التأكيد بإعادة الموصول وغيره للرد عليهم في قولهم السابق فَتَوَلَّى أعرض عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فلم تؤمنوا فَكَيْفَ آسى أحزن عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (93) استفهام بمعنى النفي وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍ فكذبوه إِلَّا أَخَذْنا عاقبنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ شدة الفقر وَالضَّرَّاءِ المرض لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) يتذللون فيؤمنون ثُمَّ بَدَّلْنا أعطيناهم مَكانَ السَّيِّئَةِ العذاب الْحَسَنَةَ الغنى والصحة حَتَّى عَفَوْا كثروا وَقالُوا كفرا للنعمة قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ كما مسنا وهذه عادة الدهر وليست بعقوبة من اللّه فكونوا على ما أنتم عليه قال تعالى فَأَخَذْناهُمْ بالعذاب بَغْتَةً فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (95) بوقت مجيئه قبله وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى المكذبين آمَنُوا باللّه ورسلهم وَاتَّقَوْا الكفر والمعاصي لَفَتَحْنا بالتخفيف والتشديد عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ بالمطر وَالْأَرْضِ بالنبات وَلكِنْ كَذَّبُوا\r______________________________\rقوله: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أي كأنهم لم يلبثوا في ديارهم أصلا لأنهم استؤصلوا بالمرة. قوله: (و غيره) أي وهو ضمير الفصل.\rقوله: وَقالَ يا قَوْمِ ما تقدم من كون القول بعد هلاكهم أو قبله في قصة صالح يجري هنا.\rقوله: فَكَيْفَ آسى أصله أأسى بهمزتين، قلبت الثانية ألفا.\rقوله: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍ جملة مستأنفة قصد بها التعميم بعد ذكر بعض الأمم بالخصوص، وإنما خص ما تقدم بالذكر لمزيد تعنتهم وكفرهم. قوله: (فكذبوه) قدره إشارة إلى أن الكلام فيه حذف لأن قوله: إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها لا يترتب على الإرسال، وإنما يترتب على التكذيب. قوله: لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ أصله يتضرعون قلبت التاء ضادا وأدغمت في الضاد، وإنما قرىء بالفك في الأنعام لأجل مناسبة الماضي في قوله تضرعوا بخلاف ما هنا، فجيء به على الأصل.\rقوله: ثُمَّ بَدَّلْنا أي استدراجا لهم. قوله: (العذاب) أي الفقر والمرض. قوله: (الغنى والصحة) لف ونشر مرتب. قوله: (كفرا للنعمة) أي تكذيبا لأنبيائهم. قوله: (و هذه عادة الدهر) هذا من جملة مقولهم. قوله: (فكونوا على ما أنتم عليه) هذا من جملة قول بعضهم لبعض. قوله: فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً مرتب على قوله: وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الخ. قوله: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أي لعدم تقدم أسبابه لهم، وهذه الآية بمعنى آية الأنعام، قال تعالى: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ الآية.\rقوله: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى جمع قرية، والمراد جميع القرى المتقدم ذكرهم وغيرهم. قوله:\r(و رسلهم) أي أهل القرى، وفي نسخة ورسله أي اللّه. قوله: وَاتَّقَوْا عطف على: آمَنُوا عطف عام على خاص، لأن التقوى امتثال المأمورات، ومن جملتها الإيمان. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: بَرَكاتٍ جمع بركة، وهي زيادة الخير في الشيء. قوله: وَلكِنْ كَذَّبُوا","part":1,"page":545},{"id":548,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 546\rالرسل فَأَخَذْناهُمْ عاقبناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى المكذبون أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا عذابنا بَياتاً ليلا وَهُمْ نائِمُونَ (97) غافلون عنه أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى نهارا وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ استدراجه إياهم بالنعمة وأخذهم بغتة فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (99) أَوَلَمْ يَهْدِ يتبين لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ بالسكنى مِنْ بَعْدِ هلاك أَهْلِها أَنْ مخففة واسمها محذوف فاعل أي أنه لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بالعذاب بِذُنُوبِهِمْ كما أصبنا من قبلهم والهمزة في المواضع الأربعة للتوبيخ والفاء والواو الداخلة عليهما للعطف وفي قراءة بسكون الواو في الموضع الأول عطفا بأو وَنحن نَطْبَعُ نختم عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (100) الموعظة سماع تدبر تِلْكَ الْقُرى التي مر ذكرها نَقُصُّ عَلَيْكَ يا محمد مِنْ أَنْبائِها أخبار أهلها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ المعجزات الظاهرات فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عند مجيئهم بِما كَذَّبُوا كفروا به مِنْ قَبْلُ قبل مجيئهم بل استمروا على الكفر كَذلِكَ الطبع يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (101) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ أي الناس مِنْ عَهْدٍ أي وفاء بعهدهم يوم أخذ الميثاق وَإِنْ مخففة\r______________________________\rأي لم يؤمنوا ولم يتقوا. قوله: بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي بسبب كسبهم من الكفر والمعاصي.\rقوله: أَفَأَمِنَ الهمزة مقدمة من تأخير والفاء عاطفة على قوله: فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وما بينهما اعتراض، وهذه طريقة الجمهور، وعند الزمخشري أن الهمزة داخلة على محذوف، وما بعدها معطوف على ذلك المحذوف، ولكنه في هذا الموضع وافق الجمهور في كشافه. قوله: بَياتاً حال من بَأْسُنا وجملة وَهُمْ نائِمُونَ حال من ضمير يَأْتِيَهُمْ.\rقوله: وَهُمْ يَلْعَبُونَ أي يشتغلون بما لا يعنيهم.\rقوله:\rمَكْرَ اللَّهِ المكر في الأصل الخديعة والحيلة، وذلك مستحيل على اللّه، وحينئذ فالمراد بالمكر أن يفعل بهم فعل الماكر، بأن يستدرجهم بالنعم أولا ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.\rقوله: لِلَّذِينَ يَرِثُونَ أي وهم كل قوم جاؤوا بعد هلاك من قبلهم، كعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين والأمة المحمدية، فإن كل فرقة من هؤلاء تبين لها الإصابة بذنوبهم، حيث شاء اللّه ذلك.\rقوله: (فاعل) أي المصدر المأخوذ منها ومن جواب لو هو الفاعل، والتقدير أو لم يتبين بالعذاب لو شئنا الإصابة. قوله: لَوْ نَشاءُ أي إصابتهم، فمفعول نشاء محذوف. قوله: (في المواضع الأربعة) أي وأولها أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى وآخرها أَوَلَمْ يَهْدِ فإنان بالفاء واثنان بالواو. قوله: (الداخلة) أي الهمزة، وقوله: (عليهما) أي الفاء والواو. قوله: (في الموضع الأول) أي من موضعي الواو، وقوله:\rوَنَطْبَعُ قدر المفسر: (نحن) إشارة إلى أنه مستأنف منقطع عما قبله.\rقوله: تِلْكَ الْقُرى نَقُصُ اسم الإشارة مبتدأ، والْقُرى بدل أو عطف بيان ونَقُصُ خبره. قوله: (التي مر ذكرها) أي وهي قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب. قوله: مِنْ أَنْبائِها أي بعض أخبارها وما وقع لها. قوله: لِيُؤْمِنُوا اللازم زائدة لتوكيد النفي. قوله: (عند مجيئهم) أي الرسل. قوله: (قبل مجيئهم) أي بالمعجزات بعد إرسالهم للخلق. قوله: (أي للناس) أشار","part":1,"page":546},{"id":549,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 547\rوَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (102) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي الرسل المذكورين مُوسى بِآياتِنا التسع إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ قومه فَظَلَمُوا كفروا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) بالكفر من إهلاكهم وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (104) إليك فكذبه فقال أنا حَقِيقٌ جدير عَلى أَنْ أي بأن لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ وفي قراءة بتشديد الياء فحقيق مبتدأ خبره أن وما بعده قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ إلى الشام بَنِي\r______________________________\rبذلك إلى أن هذه الجملة غير مرتبطة بما قبلها، ويصح أن الضمير عائد على الأمم، فيكون بينهما ارتباط.\rقوله: وَإِنْ وَجَدْنا أي علمنا، فأكثر مفعول أول، وفاسقين مفعول ثان، واللام فارقة، والمراد:\rليظهر متعلقي علمنا للخلق على حد لنعلم أي الحزبين أحصى. قوله: لَفاسِقِينَ أي خارجين عن طاعتنا بترك الوفاء بالعهد. قوله: (أي الرسل المذكورين) أي وهم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب.\rقوله: مُوسى وعاش مائة وعشرين سنة، وبينه وبين يوسف أربعمائة سنة، وبين موسى وإبراهيم سبعمائة سنة. قوله: (التسع) أي وهي: والعصا واليد البيضاء والسنون المجدبة والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس، وكلها مذكورة في هذه السورة إلا الطمس ففي سورة يونس، قال تعالى:\rرَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ. قوله: إِلى فِرْعَوْنَ هذا لقبه، واسمه الوليد بن مصعب بن الريان، ففرعون في الأصل علم شخص، ثم صار لقبا لكل من ملك مصر في الجاهلية، وعاش من العمر ستمائة وعشرين سنة، ومدة ملكه أربعمائة سنة، لم ير مكروها قط، وكنيته أبو مرة، وقيل أبو العباس، وهو فرعون الثاني، وفرعون الأول أخوه، واسمه قابوس بن مصعب ملك العمالقة، وفرعون إبراهيم النمرود، وفرعون هذه الأمة أبو جهل.\rقوله: فَظَلَمُوا ضمن ظلموا معنى كفروا فعداه بالباء ويصح أن تكون الباء سببية، والمفعول محذوف تقديره ظلموا أنفسهم بسببها، أي بسبب تكذيبهم بها. قوله: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ كيف اسم استفهام خبر كان مقدم عليها وعاقبة اسمها وإنما قدم لأن الاستفهام له الصدارة.\rقوله:\rوَقالَ مُوسى تفصيل لما أجمل أولا، لأن التفصيل بعد الإجمال أوقع في النفس، وهذا القول وما بعده، إنما وقع بعد كلام طويل، حكاه اللّه في سورة الشعراء بقوله تعالى: فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ الآيات، وقوله تعالى: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ الآيات، وفي طه أيضا. قوله: (فكذبه) قدره إشارة إلى أن جملة: حَقِيقٌ مرتبة على محذوف.\rقوله: حَقِيقٌ خبر لمحذوف قدره المفسر بقوله: (أنا). قوله: (أي بأن) أشار بذلك إلى أن:\rعَلى بمعنى الباء. قوله: إِلَّا الْحَقَ مقول القول، وهو مفرد في معنى الجملة، ويصح أن يكون صفة لمصدر محذوف مفعول مطلق تقديره إلا القول الحق. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله:\r(مبتدأ) أي وسوغ الابتداء به العمل في الجار والمجرور، فإن على متعلق بحقيق. قوله: فَأَرْسِلْ مَعِيَ (إلى الشام) أي وسبب سكناهم بمصر مع أن أصلهم من الشام، أن الأسباط أولاد يعقوب جاؤوا مصر لأخيهم يوسف، فمكثوا وتناسلوا في مصر، فلما ظهر فرعون استعبدهم واستعملهم في الأعمال الشاقة،","part":1,"page":547},{"id":550,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 548\rإِسْرائِيلَ (105) وكان استعبدهم قالَ فرعون له إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ على دعواك فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فيها فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (107) حية عظيمة وَنَزَعَ يَدَهُ أخرجها من جيبه فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ ذات شعاع لِلنَّاظِرِينَ (108) خلاف ما كانت عليه من الأدمة قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (109) فائق في علم السحر وفي الشعراء أنه من قول فرعون نفسه فكأنهم قالوه معه على سبيل التشاور يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَما ذا تَأْمُرُونَ (110) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ أخر أمرهما وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (111) جامعين يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ وفي قراءة سحار عَلِيمٍ (112) يفضل موسى في علم السحر فجمعوا وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال\r______________________________\rفأحب موسى أن يخلصهم من ذلك الأسر. قوله: (استعبدهم) أي جعلهم عبيدا بسبب استخدامه إياهم.\rقوله: إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه.\rقوله: ثُعْبانٌ مُبِينٌ الثعبان ذكر الحيات، وصفت هنا بكونها ثعبانا، وفي آية أخرى: كَأَنَّها جَانٌّ*، والجان الحية الصغيرة، ووجه الجمع أنها كانت في العظم كالثعبان العظيم، وفي خفة الحركة كالحية الصغيرة. ورد أنه لما ألقى العصا، صارت حية عظيمة صفراء شقراء، فاتحة فمها، بين لحييها ثمانون ذراعا، وارتفعت من الأرض، قدر ميل، وقامت على ذبها واضعة لحيها الأسفل في الأرض، والأعلى على سور القصر، وتوجهت نحو فرعون لتأخذه، فوثب هاربا وأحدث، أي تغوط في ثيابه بحضرة قومه في ذلك اليوم أربعمائة مرة، واستمر معه هذا المرض، وهو الإسهال إلى أن غرق، مع كونه لا يتغوط إلا في كل أربعين يوما مرة، وقيل إنها أدخلت قبة القصر بين أنيابها، وحملت على الناس فانهزموا، ومات منهم خمسة وعشرون ألفا، ودخل فرعون البيت وصاح: يا موسى أنشدك بالذي أرسلك أن تأخذها، وأنا أؤمن بربك وأرسل معك بني إسرائيل، فأمسكها بيده فعادت كما كانت.\rقوله: وَنَزَعَ يَدَهُ أي اليمنى. قوله: (ذات شعاع) أي نور يغلب على ضوء الشمس. قوله:\r(من الأدمة) أي السمرة. قوله: (و في الشعراء أنه) أي هذا القول. قوله: (فكأنهم قالوه معه) هذا بيان لوجه الجمع بين ما هنا وبين ما يأتي في الشعراء.\rقوله: فَما ذا تَأْمُرُونَ يصح أن يكون من كلام فرعون ويكون معناه تشيرون، ويصح أن يكون من كلام الملأ له، والجمع للتعظيم على عادة خطاب الملوك، والأول أقرب.\rقوله: أَرْجِهْ فيه ست قراءات سبعية، ثلاثة مع الهمز، وهي كسر الهاء من غير إشباع وضمها مع الإشباع وعدمه، وثلاث من غير همز، وهي إسكان الهاء وكسرها بإشباع وبدونه.\rقوله: وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ أي مدائن صعيد مصر، وكان رؤساء السحرة بأقصى صعيد مصر.\rقوله: (و في قراءة سحار) أي بالامالة وتركها فتكون القراءات ثلاثا وكلها سبعية. قوله: (فجمعوا) أي وكانوا اثنين وسبعين، وقيل اثنى عشر ألفا، وقيل خمسة عشر ألفا، وقيل سبعين ألفا، وقيل ثمانين ألفا، وقيل بضعا وثمانين ألفا. قوله: (بتحقيق الهمزتين الخ) كلامه يفيد أن هنا قراءتين فقط مع أنها أربع،","part":1,"page":548},{"id":551,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 549\rألف بينهما على الوجهين لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (113) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ عصاك وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) ما معنا قالَ أَلْقُوا أمر للإذن بتقديم إلقائهم توصلا به إلى إظهار الحق فَلَمَّا أَلْقَوْا حبالهم وعصيهم سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ صرفوها عن حقيقة إدراكها وَاسْتَرْهَبُوهُمْ خوفوهم حيث خيلوها حيات تسعى وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ بحذف إحدى التاءين في الأصل تبتلع ما يَأْفِكُونَ (117) يقلبون بتمويههم فَوَقَعَ الْحَقُ ثبت وظهر وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (118) من السحر فَغُلِبُوا أي فرعون وقومه هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا\r______________________________\rفكان عليه أن يقول: وإدخال ألف بينهما وتركه، وبقيت خامسة: وهي إن بهمزة واحدة.\rقوله: قالَ نَعَمْ أي لكم الأجر. قوله: وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ أي في المنزلة عندي، بحيث تكونون أول من يدخل عندي وآخر من يخرج.\rقوله: قالُوا يا مُوسى الخ، إما أن يكون ذلك تأدبا من السحرة مع موسى، وقد جوزوا عليه بالإيمان والنجاة من النار، وإما أن يكون ذلك على عادة أهل الصنائع أو عدم مبالاة بموسى، لاعتمادهم على غلبتهم. قوله: إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ الخ، أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول لمحذوف تقديره اختر إما لقاءك. قوله: (أمر للإذن) جواب عما يقال كيف أمرهم بالسحر وأقرهم عليه؟ فأجاب بأن ذلك للتوصل إلى إظهار الحق. قوله: (عن حقيقة إدراكها) أي عن إدراك حقيقتها.\rقوله: بِسِحْرٍ عَظِيمٍ أي عند السحر، وفي باب السحر، وإن كان حقيرا في نفسه، وذلك أنهم ألقوا حبالا غلاظا وأخشابا طوالا، وطلوا تلك الحبال بالزئبق، وجعلوا داخل تلك الأخشاب الزئبق أيضا. فلما أثر فيها حر الشمس تحركت والتوى بعضها على بعض، حتى تخيل للناس أنها حيات، وكانت سعة الأرض ميلا في ميل، وكانت الواقعة في اسكندرية، فلما ألقى موسى عصاه، بلغ ذنبها وراء البحر، ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا، فكانت تبتلع حبالهم وعصيهم واحدا واحدا، حتى ابتلعت الكل وقصدت القوم الذين حضروا ذلك المجتمع، ففزعوا ووقع الزحام، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، ثم أخذها موسى فصارت في يده عصا كما كانت، فلما رأى السحرة ذلك، عرفوا أنه أمر من السماء وليس بسحر، فخروا للّه ساجدين، وقالوا: لو كان ما صنع موسى سحرا لبقيت حبالنا وعصينا، وكانت حمل ثلثمائة بعير، فعدمت بقدرة اللّه تعالى.\rقوله: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أي بعد أن ألقى السحرة حبالهم وعصيهم، أوحى اللّه إلى موسى على لسان جبريل حيث قال له كما في سورة طه: قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى الآية. قوله: تَلْقَفُ أي تأخذ وتبتلع بسرعة. قوله: (في الأصل) أي وأصلها تتلقف، حذفت إحدى التاءين تخفيفا، وهذه قراءة الجمهور، وفي قراءة بإدغام التاء في التاء، وفي قراءة تلقف من لقف كعلم، فتكون القراءات ثلاثا وكلها سبعية. قوله: ما يَأْفِكُونَ أي يكذبون، فالإفك الكذب. قوله: (بتمويههم) أي تزيينهم الباطل بصورة الحق.\rقوله: وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي ظهر بطلانه.\rقوله: هُنالِكَ أي في ذلك المكان وهو","part":1,"page":549},{"id":552,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 550\rصاغِرِينَ (119) صاروا ذليلين وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (120) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (122) لعلمهم بأن ما شاهدوه من العصا لا يتأتى بالسحر قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا بِهِ بموسى قَبْلَ أَنْ آذَنَ أنا لَكُمْ إِنَّ هذا الذي صنعتموه لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) ما ينالكم مني لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ أي يد كل واحد اليمنى ورجله اليسرى ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا بعد موتنا بأي وجه كان مُنْقَلِبُونَ (125) راجعون في الآخرة وَما تَنْقِمُ تنكر مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً عند فعل ما توعده بنا لئلا نرجع كفارا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (126) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ له أَتَذَرُ تترك\r______________________________\rاسكندرية. قوله: انْقَلَبُوا صاغِرِينَ أي فرعون وقومه غير السحرة، فإنه لم يصبهم صغار، بل أصابهم العز الأبدي بإيمانهم باللّه وحده.\rقوله: ساجِدِينَ حال من السحرة،\rوقوله: قالُوا آمَنَّا في موضع الحال من الضمير في ساجدين، والتقدير قائلين في حال سجودهم: آمَنَّا الخ.\rقوله: رَبِّ مُوسى وَهارُونَ بدل من رب العالمين، أو عطف بيان، أو نعت جيء به، لدفع إيهام فرعون الناس أنه رب العالمين، حيث قال للسحرة: إياي تعنون، فدفعوا ذلك بقولهم: رَبِّ مُوسى وَهارُونَ. قوله: (بتحقيق الهمزتين) أي همزة الاستفهام والهمزة الزائدة في الفعل، وقوله: (و إبدال الثانية) أي في الفعل وإن كانت ثالثة فهي فاء الكلمة، وفي قراءة سبعية أيضا بحذف همزة الاستفهام، وفي قراءة بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، وإبدال الثالثة ألفا، وفي قراءة بقلب الأولى واوا في الوصل، وتسهيل الثانية، وقلب الثالثة ألفا، فالقراءات أربعة وكلها سبعية.\rقوله: قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ أصله أأذن، أبدلت الثانية ألفا على القاعدة المشهورة، والمعنى أحصل منكم الإيمان قبل حصول الإذن مني؟ لا يليق منكم ذلك، والفعل مضارع منصوب بأن. قوله: إِنَّ هذا لَمَكْرٌ أي حيلة وخديعة. قوله: مَكَرْتُمُوهُ أي تواطأتم عليه قبل مجيئكم إلينا، وقصد بذلك اللعين، تثبيت القبط بهاتين الشبهتين اللتين ألقاهما عليهم وهما قوله: إِنَّ هذا لَمَكْرٌ، وقوله: لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها. قوله: (ما ينالكم مني) قدره إشارة إلى أن مفعول: تَعْلَمُونَ محذوف.\rقوله: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ هذا بيان لوعيده الذي توعدهم به، وهل فعل ما توعدهم به أو لا؟ خلاف، بل قال بعضهم إنه لم يفعل بدليل قوله تعالى: أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ، قوله: مِنْ خِلافٍ الجار والمجرور في محل نصب على الحال أي مختلفة. قوله: (بأي وجه كان) أي سواء كان بقتلك أو لا، وفي آية طه: إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا.\rقوله: وَما تَنْقِمُ مِنَّا أي تكره منا فقوله: إِلَّا أَنْ آمَنَّا أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول به لتنقم، والمعنى وما تكره منا إلا إيماننا، ويصح أن يكون المعنى: وما تعذبنا بشيء من الأشياء إلا لأجل إيماننا، فيكون مفعولا لأجله. قوله: لَمَّا جاءَتْنا أي حين أتتنا من عنده. قوله: (عند فعل ما توعده بنا) أي ما توعدنا به وهو القطع من خلاف والتصليب، ففي العبارة قلب. قوله: (نرجع كفارا) علة لقوله: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً. قوله: وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ أي ثابتين على الدين الحق غير مغيرين","part":1,"page":550},{"id":553,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 551\rمُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالدعاء إلى مخالفتك وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ وكان صنع لهم أصناما صغارا يعبدونها وقال أنا ربكم وربها ولذا قال أنا ربكم الأعلى قالَ سَنُقَتِّلُ بالتشديد والتخفيف أَبْناءَهُمْ المولودين وَنَسْتَحْيِي نستبقي نِساءَهُمْ كفعلنا بهم من قبل وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (127) قادرون ففعلوا بهم ذلك فشكا بنو إسرائيل قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا على أذاهم إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها يعطيها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ المحمودة لِلْمُتَّقِينَ (128) اللّه قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) فيها وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ بالقحط وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) يتعظون فيؤمنون فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ الخصب والغنى قالُوا لَنا هذِهِ أي نستحقها ولم يشكروا عليها وَإِنْ تُصِبْهُمْ\r______________________________\rولا مبدلين.\rقوله: وَقالَ الْمَلَأُ أي المصرون على الكفر، فإنه حين آمنت به السحرة، آمن من بني إسرائيل ستمائة ألف. قوله: وَيَذَرَكَ معطوف على: لِيُفْسِدُوا والمعنى أتترك موسى وقومه ليفسدوا في الأرض وليتركك وآلهتك، والاستفهام إنكاري، والمعنى لا يليق ذلك. قوله: وَآلِهَتَكَ بالجمع في قراءة الجمهور، لأنه جعل آلهة يعبدها قومه، وجعل نفسه هو الإله الأعلى، قال تعالى: فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى وقرىء شذوذا وآلهتك بتاء التأنيث، لأنه كان يعبد الشمس. قوله: (أصناما صغارا) أي على صورة الكواكب. قوله: (بالتشديد والتخفيف) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (المولودين) أي الصغار. قوله: وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ أي للخدمة. قوله: (من قبل) أي قبل مولد موسى.\rقوله: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ أي تسلية لهم. قوله: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ أي اطلبوا الإعانة منه سبحانه. قوله: يُورِثُها الجملة حالية من لفظ الجلالة، وقوله: مَنْ يَشاءُ مفعول ثان، والمفعول الأول الهاء. قوله: لِلْمُتَّقِينَ (اللّه) قدره إشارة إلى أن مفعول المتقين محذوف.\rقوله: قالُوا أُوذِينا أي بالقتل للأولاد واستبقاء النساء للخدمة. قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا أي بالرسالة، وكان فرعون يستعملهم في الأعمال الشاقة نصف النهار، فلما بعث موسى وجرى بينهم ما جرى، استعملهم جميع النهار، وأعاد القتل فيهم. قوله: كَيْفَ تَعْمَلُونَ (فيها) أي من الإصلاح والإفساد.\rقوله: وَلَقَدْ اللام موطئة لقسم محذوف تقديره واللّه لقد أخذنا أي ابتلينا، وهذا شروع في تفصيل مبادي هلاك فرعون وقومه لتكذيبهم بالآيات البينات. قوله: بِالسِّنِينَ جمع سنة، ومن المعلوم أنه يجري مثل جمع المذكر السالم في إعرابه بالواو رفعا، وبالياء نصبا وجرا، وتحذف نونه للإضافة، ففي الحديث: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» ويقل إعرابه كحين. قوله: (بالقحط) أي احتباس المطر. قوله: وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ أي إتلافها بالآفات.\rقوله: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ أشار بذلك إلى أنهم باقون في غيهم وضلالهم، لم يتعظوا ولم","part":1,"page":551},{"id":554,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 552\rسَيِّئَةٌ جدب وبلاء يَطَّيَّرُوا يتشاءموا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ من المؤمنين أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ شؤمهم عِنْدَ اللَّهِ يأتيهم به وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (131) أن ما يصيبهم من عنده وَقالُوا لموسى مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فدعا عليهم فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وهو ماء دخل بيوتهم ووصل إلى حلوق الجالسين سبعة أيام\r______________________________\rينزجروا عما هم عليه. قوله: (أي نستحقها) أي بحولنا وقوتنا. قوله: يَطَّيَّرُوا أصله يتطيروا، أدغمت التاء في الطاء، والتطير في الأصل: أن يفرق الشيء بين القوم ويطير لكل واحد ما يخصه، فيشمل النصيب الحسن السيىء، ثم غلب على الحظ، والنصيب السيىء والحكمة في التعبير في جانب الحسنة بإذا المفيدة للتحقيق، وتعريفها في جانب السيئة بأن المفيدة للشك، وتنكيرها الإشارة إلى أن رحمة اللّه تغلب غضبه، وأنها صادرة منه سبحانه وتعالى، وإن لم يتأهل لها العبد، بخلاف السيئة فصدورها منه نادر ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون.\rقوله: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ ألا أداة استفتاح يؤتى بها اعتناء بما بعدها للرد عليهم. قوله: (شؤمهم) أي عذابهم الذي تشاءموا به. قوله: عِنْدَ اللَّهِ أي لا عند موسى، فليس له مدخل في إيجاد ذلك.\rقوله: (يأتيهم به) أي جزاء لأعمالهم السيئة. قوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ يفيد أن الأقل يعلم أن فرعون كاذب وموسى صادق، وإنما كفرهم محض عناد.\rقوله: قالُوا أي فرعون وقومه. قوله: مَهْما تَأْتِنا بِهِ الخ. مهما اسم شرط جازم، وتأت فعل الشرط مجزوم بحذف الياء والكسرة دليل عليها، ونا مفعول ومِنْ آيَةٍ بيان لمهما، وبه متعلق بتأت، وضميرها راجع لمهما، ولِتَسْحَرَنا متعلق بتأتنا وبِها متعلق لِتَسْحَرَنا، وقوله: فَما الفاء واقعة في جواب الشرط، وما نافية ونَحْنُ مبتدأ وبِمُؤْمِنِينَ خبر مرفوع بواو مقدرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بالفاء التي جلبها حرف الجر الزائد، والجملة في محل جزم جواب الشرط. قوله: (فدعا عليهم) قال سعيد بن جبير: لما آمنت السحرة ورجع فرعون مغلوبا، أبي هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي على الشر، فتابع اللّه عليهم الآيات، فأخذهم اللّه أولا بالسنين وهو القحط ونقص الثمرات، وأراهم قبل ذلك من المعجزات اليد والعصا فلم يؤمنوا، فدعا عليهم موسى وقال: يا رب إن عبدك فرعون علا في الأرض وبغى وعتا، وإن قومه قد نقضوا العهد، فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدهم آية وعبرة، ففعل اللّه بهم ما سيذكر.\rقوله: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ أي ماء من السماء، والحال أن بيوت القبط مشتبكة ببيوت بني إسرائيل، فامتلأت بيوت القبط، حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، ومن جلس منهم غرق، ولم يدخل من ذلك الماء في بيوت بني إسرائيل شيء، وركب ذلك الماء على أرضهم فلم يقدروا على الحرث، ودام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، فاستغاثوا بموسى، فأزال اللّه عنهم المطر، وأرسل الريح فجفف الأرض، وخرج من النبات ما لم ير مثله قط، فقالوا هذا الذي جزعنا منه خير لنا لكنا لم نشعر، فلا واللّه لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل، فأقاموا شهرا في عافية. قوله: (إلى حلوق الجالسين) في كلام غيره إلى حلوق القائمين، ومن جلس غرق كما علمت.","part":1,"page":552},{"id":555,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 553\rوَالْجَرادَ فأكل زرعهم وثمارهم كذلك وَالْقُمَّلَ السوس أو هو نوع من القراد فتتبع ما تركه الجراد وَالضَّفادِعَ فملأت بيوتهم وطعامهم وَالدَّمَ في مياههم آياتٍ مُفَصَّلاتٍ مبينات فَاسْتَكْبَرُوا عن الإيمان بها وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ العذاب قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ من كشف العذاب عنا إن آمنا لَئِنْ لام قسم كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنا بدعاء موسى\r______________________________\rقوله: وَالْجَرادَ أي واستمر من السبت إلى السبت، يأكل زروعهم وثمارهم وأوراق أشجارهم، وابتلى الجراد بالجوع فكانت لا تشبع ولم تصب بني إسرائيل، فعظم الأمر عليهم، فضجوا من ذلك وقالوا: يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك، لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك، ولنرسلن معك بني إسرائيل، فأشار موسى بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجعت الجراد من حيث جاءت، فأقاموا شهرا في عافية، ثم رجعوا إلى أعمالهم الخبيثة. قوله: وَالْقُمَّلَ مشى المفسر على أنه السوس أو نوع من القراد، وقيل إنه القمل المعروف بدليل قراءة الحسن، والقمل بفتح القاف وسكون الميم، وقيل هو البراغيث، فأكل ما أبقاه الجراد، وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيمصه، وكان أحدهم يأكل الطعام فيمتلىء قملا، فاستمر ذلك سبعة أيام من السبت إلى السبت، فضجوا واستغاثوا فرفع عنهم، ثم أقاموا شهرا في عافية، ثم رجعوا لأخبث ما كانوا عليه.\rقوله: وَالضَّفادِعَ جمع ضفدع كدرهم وزبرج. قوله: (فملأت بيوتهم وطعامهم) أي وكان الواحد منهم يجلس في الضفادع إلى رقبته ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه، وكان يملأ قدورهم ويطفىء نيرانهم، وكان أحدهم يضطجع فيركبه الضفدع فيكون عليه ركاما حتى لا يستطيع أن ينقلب إلى شقه الآخر، ورد أن الضفادع كانت برية، فلما أرسلها اللّه سمعت وأطاعت، فجعلت تلقي نفسها في القدور وهي تغلي، وفي التنانير وهي تفور، فأثابها اللّه بحسن طاعتها برد الماء، فصارت من حينها تسكن الماء، ثم ضجوا وشكوا لموسى وقالوا ارحمنا هذه المرة، فما بقى إلا أن نتوب ولا نعود بعد ما أقامت عليهم سبعة أيام، من السبت إلى السبت، فدعا اللّه موسى فكشف اللّه عنهم ذلك، واستمروا شهرا في عافية ثم عادوا.\rقوله: وَالدَّمَ أي وكان أحمر خالصا، فصارت مياههم كلها دما، فما يستقون من بئر ولا نهر إلا وجدوه دما، فأجهدهم العطش جدا، حتى أن القبطية تأتي للمرأة من بني إسرائيل فتقول لها استقيني من مائك، فتصب لها من قربتها فيعود في الإناء دما، حتى كانت القبطية تقول للاسرائيلية اجعليه في فيك ثم مجيه في فيّ، فتأخذه في فيها ماء، وإذا مجته فيها صار دما، واعترى فرعون العطش، حتى إنه ليضطر إلى مضغ الأحجار الرطبة، فإذا مضعها صار دما، فمكثوا على ذلك سبعة أيام، من السبت إلى السبت، فشكوا لموسى فكشف عنهم.\rقوله: آياتٍ حال من الخمسة المذكورة. قوله: مُفَصَّلاتٍ أي مفرقات، فكانت كل واحدة تمكث سبعة أيام، وبين كل واحدة وأخرى شهرا.\rقوله: وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ هذا موزع على الخمسة، فكانوا كلما ضجوا قالوا هذه المقالة. قوله: (من كشف العذاب) بيان لما.\rقوله: فَلَمَّا كَشَفْنا","part":1,"page":553},{"id":556,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 554\rعَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) ينقضون عهدهم ويصرون على كفرهم فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِ البحر الملح بِأَنَّهُمْ بسبب أنهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (136) لا يتدبرونها وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ بالاستعباد وهم بنو إسرائيل مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها بالماء والشجر صفة للأرض وهي الشام وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى وهي قوله ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض الخ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا على أذى عدوهم وَدَمَّرْنا أهلكنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ من العمارة وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (137) بكسر الراء وضمها يرفعون من البنيان وَجاوَزْنا عبرنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا فمروا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ بضم الكاف وكسرها عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ يقيمون على عبادتها قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً صنما نعبده كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ\r______________________________\rأي في كل واحدة من الخمس. قوله: إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ أي وهو وقت إغراقهم.\rقوله: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ أي أردنا الانتقام منهم، لأن الانتقام هو الإغراق، فلا يحسن دخول الفاء بينهما.\rقوله: مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا أي نواحيها وجميع جهاتها. قوله: (صفة للأرض) فيه أنه يلزم عليه الفصل بين الصفة والموصوف بالمعطوف وهو أجنبي، والأولى أن يكون صفة للمشارق والمغارب. قوله: (و هو الشام) الحامل له على هذا التفسير قوله تعالى: الَّتِي بارَكْنا فِيها وهذا الوصف لا يعين هذا المعنى، بل يمكن تفسير الأرض بأرض مصر كما هو السياق، وقد بارك اللّه فيها بالنيل وغيره، ويؤيده قوله تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إلى أن قال: كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ وكذلك آية الشعراء، وقد اختار ما قلناه جملة من المفسرين، وقال بعضهم: المراد بمشارق الأرض الشام، ومغاربها مصر، فإنهم ورثوا العمالقة في الشام، وورثوا الفراعنة في مصر. قوله: كَلِمَتُ ترسم هذه بالتاء المجرورة لا غير وما عداها في القرآن بالهاء على الأصل. قوله: بِما صَبَرُوا أي بسبب صبرهم.\rقوله: وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ أي أهلكنا وخربنا الذي كان يصنعه فرعون وقومه.\rقوله: وَما كانُوا يَعْرِشُونَ هذا آخر قصة فرعون وقومه. قوله: (بكسر الراء وضمها) قراءتان سبعيتان. قوله: (من البنيان) أي كصرح هامان وغيره من جميع ما أسسوه بأرض مصر.\rقوله:\rوَجاوَزْنا شروع في قصة بني إسرائيل، وما وقع من كفر النعمة والقبائح، والمقصود من ذلك تسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتخويف أمته من أن يفعلوا مثل فعلهم. قوله: (عبرنا) العبر هو الانتقال من جانب لآخر، لانتقالهم من الجانب الشرقي للغربي. قوله: (بضم الكاف وكسرها) أي من بابي نصر وضرب، وهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قيل هي حجارة على صور البقر، وقيل بقر حقيقة، وكان هؤلاء القوم العاكفون من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم بعد ذلك. قوله: قالُوا يا مُوسَى القائل بعضهم لا جميعهم. قوله: اجْعَلْ لَنا إِلهاً قيل إنهم مرتدون بهذه المقالة لقصدهم بذلك عبادة الصنم حقيقة، وقيل ليسوا مرتدين، بل هم جاهلون جهلا مركبا، لاعتقادهم أن عبادة الصنم بقصد التقرب إلى اللّه","part":1,"page":554},{"id":557,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 555\rتَجْهَلُونَ (138) حيث قابلتم نعمة اللّه عليكم بما قلتموه إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ هالك ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (139) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً معبودا وأصله أبغي لكم وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (140) في زمانكم بما ذكره في قوله وَاذكروا إِذْ أَنْجَيْناكُمْ وفي قراءة أنجاكم مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ يكلفونكم ويذيقونكم سُوءَ الْعَذابِ أشده وهم يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ يستبقون نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ الانجاء أو العذاب بَلاءٌ إنعام أو ابتلاء مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) أفلا تتعظون فتنتهون عما قلتم وَواعَدْنا بألف ودونها مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً نكلمه عند انتهائها بأن يصومها وهي ذو القعدة فصامها فلما تمت أنكر\r______________________________\rتعالى لا تضرهم في الدين، وعلى كل فهذه المقالة في شرعنا ردة، والجار والمجرور مفعول ثان، والهاء مفعول أول، وقوله: كَما لَهُمْ آلِهَةٌ صفة لإلها، وما اسم موصول، ولهم صلتها، وآلهة بدل الضمير المستتر في لهم، والتقدير اجعل إلها لنا كالذي استقر لهم الذي هو آلهة.\rقوله: إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ جملة مستأنفة قصد بها توبيخهم وزجرهم. قوله: ما هُمْ فِيهِ أي من الدين الباطل، وهو عبادة الأصنام.\rقوله: قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ الاستفهام للإنكار والتوبيخ. قوله: أَبْغِيكُمْ أي أطلب واقصد لكم.\rقوله: (و أصله أبغي لكم) أي فحذف الجار فاتصل الضمير. قوله: وَهُوَ فَضَّلَكُمْ الجملة حالية من لفظ الجلالة. قوله: (في زمانكم) أي بإنجائكم وإغراق عدوكم، وإنزال المن والسلوى عليكم، وليس تفضيلهم على جميع العالمين، فإن أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل من جميع الأمم.\rقوله: وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ هذا من كلام موسى، فإسناد الإتجاه إليه مجاز، لكونه على يده وسببا فيه حيث ضرب بعصاه البحر فانفلق. قوله:\r(و في قراءة أنجاكم) أي وهي ظاهرة، فإن الفاعل ضمير عائد على اللّه، وهما قراءتان سبعيتان. قوله:\rيَسُومُونَكُمْ من السوم وهو الآذاقة.\rقوله: يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ قدر المفسر (هم) إشارة إلى أن يقتلون بيان ليسومونكم. قوله:\rوَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ أي لخدمتهم. قوله: (الانجاء أو العذاب) أشار بذلك إلى اسم الإشارة يصح عوده على الإنجاء ومعنى كونه بلاء أنه يختبرهم هل يشكرون فيؤجروا، أو يكفرون فيعاقبوا، وعوده على العذاب ظاهر، فالابتلاء كما يكون في الشر، يكون في الخير، قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً فالشكر على النعمة موجب لزيادتها كما أن الصبر على البلايا، موجب لرضا اللّه، قال تعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. قوله: (بألف ودونها) أي فهما قراءتان سبعيتان، فعلى الألف من المواعدة، وهي مفاعلة من الجانبين، فمن اللّه الأمر، ومن العبد القبول، وعلى حذف الألف، فالوعد من اللّه لا غير وهو ظاهر.\rقوله: ثَلاثِينَ لَيْلَةً إنما عبر بالليالي دون الأيام، مع أن الصيام في الأيام، لأن موسى كان صائما تلك المدة ليلا ونهارا مواصلا وحرمة الوصال على غير الأنبياء، فعبر بالليالي لدفع توهم اقتصاره على صوم النهار فقط، قال المفسرون إن موسى عليه الصلاة والسّلام وعد بني إسرائيل إذا أهلك اللّه تعالى عدوهم.","part":1,"page":555},{"id":558,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 556\rخلوف فمه فاستاك فأمره اللّه بعشرة أخرى ليكلمه بخلوف فمه كما قال تعالى وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ من ذي الحجة فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ وقت وعده بكلامه إياه أَرْبَعِينَ حال لَيْلَةً تمييز وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ عند ذهابه إلى الجبل للمناجاة اخْلُفْنِي كن خليفتي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ أمرهم وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) بموافقتهم على المعاصي وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا أي للوقت الذي وعدناه بالكلام فيه وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ بلا واسطة كلاما سمعه من كل جهة قالَ رَبِّ أَرِنِي نفسك أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي أي لا تقدر على رؤيتي والتعبير به دون لن أرى يفيد\r______________________________\rفرعون، أن يأتيهم بكتاب من عند اللّه فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما أهلك اللّه فرعون، سأل موسى ربه أن ينزل عليه الكتاب الذي وعد به بني إسرائيل، فأمره أن يصوم ثلاثين يوما فصامها، فلما تمت أنكر خلوف فمه، فاستاك بعود خرنوب، وقيل أكل من ورق الشجر، فقالت الملائكة كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك، فأمره اللّه أن يصوم عشر ذي الحجة، فكان فتنة بني إسرائيل في تلك العشر قوله: (أنكر خلوف فمه) أي كره رائحة فمه من أثر الصوم، وهو بضم الخاء واللام معنا والرائحة.\rقوله: وَأَتْمَمْناها أي المواعدة المأخوذة من قوله: وَواعَدْنا. قوله: أَرْبَعِينَ (حال) أي من ميقات.\rقوله: وَقالَ مُوسى الواو لا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا، لأن تلك الوصية كانت قبل ذهابه وصيامه. قوله: وَأَصْلِحْ (أمرهم) أي أمر بني إسرائيل ولا تغفل عنهم.\rقوله: لَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا قال أهل التفسير: لما جاء موسى لميقات ربه، تطهر طهر ثيابه وصام، ثم أتى طور سيناء، فأنزل اللّه ظلة غشيت الجبل على أربع فراسخ من كل ناحية، وطرد عنه الشيطان وهو أم الأرض، ونحى عنه المكلفين، وكشط له السماء، فرأى الملائكة قياما في الهواء، ورأى العرش بارزا، وأدناه ربه حتى سمع صريف الأقلام على الألواح وكلمه وكان جبريل معه، فلم يسمع ذلك الكلام، فاستحلى موسى كلام ربه، فاشتاق إلى رؤيته، فقال: رَبِّ أَرِنِي الخ. قوله: (أي للوقت) أي وكان يوم الخميس يوم عرفة، فكلمه اللّه فيه وأعطاه التوراة صبيحة يوم الجمعة يوم النحر. قوله: وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ أي أزال الحجاب عنه، حتى سمع كلامه بجميع أجزائه من جميع جهاته، لا أن اللّه أنشأ له الكلام، لأن اللّه سبحانه وتعالى دائما متكلم يستحيل عليه السكوت والآفة، ولم يصل لنا معنى ما فهمه موسى من تلك المكالمة.\rقوله: قالَ رَبِّ أَرِنِي لما سمع الكلام هام واشتاق إلى رؤية الذات، فسأل اللّه أن يزيل عنه حجاب البصر، كما أزال اللّه عنه حجاب السمع، إذ لا فرق بين الحاستين، فقد سأل جائزا لأن كل من جاز سماع كلامه جازت رؤية ذاته. قوله: (نفسك) قدره إشارة إلى أن مفعول أرني محذوف. قوله: أَنْظُرْ إِلَيْكَ جواب الشرط، ولا يقال إن الشرط قد اتحد مع الجواب، لأن المعنى هيئني لرؤيتك ومكني منها، فإن تفعل بي ذلك أنظر إليك. قوله: لَنْ تَرانِي أي لا طاقة لك على رؤيتي في الدنيا، وهذا لا يقتضي أنها مستحيلة عقلا، وإلا لما علقت على جائز وهو استقرار الجبل.","part":1,"page":556},{"id":559,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 557\rإمكان رؤيته تعالى وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ الذي هو أقوى منك فَإِنِ اسْتَقَرَّ ثبت مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي أي تثبت لرؤيتي وإلا فلا طاقة لك فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ أي ظهر من نوره قدر نصف أنمله الخنصر كما في حديث صححه الحاكم لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا بالقصر والمد أي مدكوكا مستويا بالأرض وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً مغشيا عليه لهول ما رأى فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تنزيها لك تُبْتُ إِلَيْكَ من سؤال ما لم أومر به وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) في زماني قالَ تعالى يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ اخترتك عَلَى النَّاسِ أهل زمانك بِرِسالاتِي بالجمع والإفراد وَبِكَلامِي أي تكليمي إياك فَخُذْ ما آتَيْتُكَ من الفضل وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) لأنعمي وَكَتَبْنا\r______________________________\rقوله: وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ هذا من تنزلات الحق لموسى، وتسلية له على ما فاته من الرؤية، وهذا الجبل كان أعظم الجبال واسمه زبير. قوله: (الذي هو أقوى منك) أي فحجبه عن الرؤية رحمة به، لعدم طاقة الجبل على ذلك فضلا عن موسى. قوله: (أي ظهر من نوره) أي نور جلال عرشه، وفي رواية أمر اللّه الملائكة السماوات السبع بحمل عرشه، فلما بدا نور عرشه، انصدع الجبل من عظمة الرب سبحانه وتعالى. قوله: (نصف أنملة الخنصر) وفي رواية منخر الثور، وفي رواية قدر سم الخياط، وفي رواية قدر الدرهم. قوله: (بالقصر والمد) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (مستويا بالأرض) أي بعد أن كان عليا مرتفعا، وقيل تفرق ستة أجبل، فوقع ثلاثة بالمدينة وهي أحد وورقان ورضوى، وثلاثة بمكة:\rثبير وثور وحراء.\rقوله: وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً أي سقط مغشيا عليه ذاهبا عن حواسه، ولذا لا يصعق عند النفحة.\rقوله: فَلَمَّا أَفاقَ أي برد حواسه. قوله: (من سؤال ما لم أومر به) أي وليس المراد طلب الرؤية معصية، وإنما هو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين. قوله: (في زماني) دفع بذلك ما يقال: إن قبله من المؤمنين كثيرا من الأنبياء والأمم، وفي القصة أن موسى عليه السّلام، كان بعد ما رجع من المكالمة، لا يستطيع أحد أن ينظر إليه لما غشي وجهه من النور، ولم يزل على وجهه برقع حتى مات، وقالت له زوجته أنا لم أرك منذ كلمك ربك، فكشف لها عن وجهه، فأخذها مثل شعاع الشمس، فوضعت يدها على وجهها وخرجت ساجدة، وقالت: ادع اللّه أن يجعلني زوجتك في الجنة، قال ذلك لك إن لم تتزوجي بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها، وورد أيضا أنه مكث زمنا طويلا كلما سمع كلام الناس تقايأ.\rقوله: قالَ يا مُوسى هذا تسلية على ما قاله من الرؤية. قوله: (أهل زمانك) دفع بذلك ما يقال: إن من جملة الناس سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وإبراهيم الخليل، فيقتضي أنه مختار عليهما، فأجاب: بأن المراد بالناس أهل زمانه أنبياء أو غيرهم، ولذلك كانت أنبياء بني إسرائيل يتعبدون بالتوراة. قوله: (بالجمع) أي باعتبار تعدد الأحكام الموحى بها. قوله: (و الأفراد) أي مرادا بها المعنى المصدري أي إرسالي، وهما قراءتان سبعيتان. قوله: وَبِكَلامِي اسم مصدر بمعنى التكليم، أي تكليمي إياك مباشرة بلا واسطة، ويصح أن يراد بالكلام التوراة، كما يقال للقرآن كلام اللّه، يقال للتوراة أيضا كلام اللّه، لأنها أفضل كتاب أنزل من السماء بعد القرآن. قوله: (لأنعمي) جمع نعمة ويجمع أيضا على نعم.","part":1,"page":557},{"id":560,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 558\rلَهُ فِي الْأَلْواحِ أي ألواح التوراة وكانت من سدر الجنة أو زبرجد أو زمرد سبعة أو عشرة مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه في الدين مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا تبيينا لِكُلِّ شَيْءٍ بدل من الجار والمجرور قبله فَخُذْها قبله قلنا مقدرا بِقُوَّةٍ بجد واجتهاد وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (145) فرعون وأتباعه وهي مصر لتعتبروا بهم سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ دلائل قدرتي من\r______________________________\rقوله: وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ أي وكان طول اللوح منها اثني عشر ذراعا، وقيل عشرة على طول موسى، والكاتب لها هو اللّه بلا واسطة. قوله: (من سدر الجنة) أي خشبها المسمى بالسدر، والشاقق لها هو اللّه بلا واسطة. قوله: (أو زمرد) وقيل من ياقوته حمراء. قوله: (سبعة أو عشرة) وقيل تسعة، وقيل اثنان، ويكون المراد بالجمع ما فوق الواحدة، قال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي وقر سبعين بعيرا، يقرأ الجزء منها في سنة، ولم يحفظها إلا أربعة: موسى ويوشع بن نون وعزير وعيسى عليهم السّلام، وقال الحسن: هذه الآية في التوراة بألف آية. قوله: (بدل) أي قوله: مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا بدل من محل قوله:\rمِنْ كُلِّ شَيْءٍ وهو النصب، وقوله: لِكُلِّ شَيْءٍ متعلق بتفصيلا. قوله: (قبله قلنا مقدرا) أشار بذلك إلى أن هذا المحذوف معطوف على كَتَبْنا. قوله: (بجد واجتهاد) أي لا بتراخ وكسل، فإن العلم لا يأتي إلا للمجد المشتاق، كان كسبيا أو وهبيا فلا بد لمتعاطي العلم من الكد والتعب ومخالفة النفس، قال بعضهم:\rبقدر الكد تكسب المعالي ... ومن طلب العلا سهر الليالي\r\rتروم العز ثم تنام ليلا ... يغوص البحر من طلب اللآلي\r\rوقال بعض العارفين:\rفجد بالروح والدنيا خليلي ... كذا الأوطان كي تدرك سناه\r\rوهذا الخطاب لموسى، والمراد غيره، لأنه هو آخذ بقوة واجتهاد. قوله: بِأَحْسَنِها أي بالأحوط منها، لأن فيها عزائم ورخصا، وفاضلا ومفضولا، وجائزا ومندوبا، فأمر قومك يأخذوا بأحوطها، بأن يتبعوا العزائم، ويتركوا الرخص، وذلك كالقود والعفو الانتصار والصبر، فالأخذ بالعفو أحسن من القود، والصبر أحسن من الانتصار، أو يقال إن اسم التفضيل ليس على بابه أي بحسنها، والإضافة بيانية، والمعنى يعملون بجميع ما فيها.\rقوله: سَأُرِيكُمْ الخطاب لموسى ومن تبعه، فالكاف مفعول أول، ودارَ مفعول ثان، والمعنى أملككم إياها، بديل قراءة من قرأ سأورثكم بالثاء المثلثة. قوله: (و هي مصر) هذا هو الأقرب، وقيل المراد بدار الفاسقين، ديار عاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم نوح. قوله: (ليعتبروا بهم) أي ففي الآية إشارة إلى أنهم إن خالفوا فعل بهم كما فعل بفرعون وقومه، وهكذا كل ظالم فاجر، ولو من المسلمين، إذ بغى واعتدى وتكبر وتجبر، يمهل مدة ثم تصير دياره بلاقع، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويؤيده قوله تعالى: فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ.\rقوله: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ أي أقسي قلوبهم وأطمسها عن فهم آياتي، فلا يتفكرون ولا","part":1,"page":558},{"id":561,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 559\rالمصنوعات وغيرها الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ بأن أخذلهم فلا يتفكرون فيها وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ طريق الرُّشْدِ الهدى الذي جاء من عند اللّه لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا يسلكوه وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِ الضلال يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ الصرف بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (146) تقدم مثله وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ البعث وغيره حَبِطَتْ بطلت أَعْمالُهُمْ ما عملوه في الدنيا من خير كصلة رحم وصدقة فلا ثواب لهم لعدم شرطه هَلْ ما يُجْزَوْنَ إِلَّا جزاء ما كانُوا يَعْمَلُونَ (147) من التكذيب والمعاصي وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ أي بعد ذهابه إلى المناجاة مِنْ حُلِيِّهِمْ الذي استعاروه من قوم فرعون بعلة عرس فبقي عندهم عِجْلًا صاغه لهم منه السامري جَسَداً\r______________________________\rيتدبرون. قوله: بِغَيْرِ الْحَقِ حال من الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ أي حال كونهم متلبسين بالدين الغير الحق.\rقوله: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها أي لوجود الطبع على قلوبهم، وفي الآية إشارة إلى أن المتكبر المعترض، لا يستفيد نورا ولا خيرا من الذي اعترض وتكبر عليه. قوله: بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا أي بسبب تكذيبهم. قوله: (تقدم مثله) أي في قوله: فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِ، بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ.\rقوله: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا مبتدأ، وجملة: حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ خبره. قوله: (لعدم شرطه) أي الثواب وهو الإيمان، فالإيمان شرط في الثواب لأنه مقدار من الجزاء، يعطى للمؤمنين في مقابلة أعمالهم الحسنة، فأعمال الكفار الحسنة، لا تتوقف على نية يجازون عليها في الدنيا، أو يخفف عنهم من العذاب غير الكفر، لكنه لا يقال له ثواب، كذا قرر الأشياخ. قوله: هَلْ يُجْزَوْنَ استفهام إنكاري بمعنى النفي، ولذا أشار له المفسر بقوله: (ما).\rقوله: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى عطف قصة على قصة، والواو لا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا، لأن عبادتهم العجل كانت زمن المكالمة في مدة العشرة الأيام الزائدة فوق الثلاثين. قوله: مِنْ حُلِيِّهِمْ جمع حلي بفتح فسكون، وأصله حلوى، اجتمعت الواو والياء وسبقت أحدهما بالسكون، قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، وقلبت ضمة اللام كسرة لتصح الياء. قوله: (الذي استعاروه من قوم فرعون) أي قبل غرقهم. قوله: (فبقي عندهم) أي ملكا لبني إسرائيل، كما ملكوا غيرهم من أموالهم وديارهم، ولذا أضافه اللّه لهم، وأما قول المفسر: (استعاروه) فهو باعتبار ما كان.\rقوله: عِجْلًا وهذا العجل قد حرقه موسى عليه السّلام ونسفه في البحر، كما قصه اللّه تعالى في سورة طه. قوله: (صاغه لهم منه السامري) واسمه موسى، كان ابن زنا، وضعته أمه في جبل، فأرسل اللّه إليه جبريل فصار يرضعه من أصبعه، فكان يعرفه إذا نزل إلى الأرض، فلما نزل جبريل يوم غرق فرعون، وكان راكبا فرسا، فكان كل شيء وطئته بحافرها يخضر ويثمر، ففطن موسى السامري لذلك، وعلم أن هذا التراب له أثر، فأخذ شيئا منه وادخره، فلما توجه موسى للمناجاة صنع لهم العجل ووضع التراب في فيه فصار له خوار، فقال: هذا إلهكم وإله موسى، فنسي كما في سورة طه، وكان موسى السامري منافقا، وانظر إلى من رباه جبريل حيث كان منافقا، وإلى من رباه فرعون حيث كان مرسلا،","part":1,"page":559},{"id":562,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 560\rبدل لحما ودما لَهُ خُوارٌ أي صوت يسمع انقلب كذلك بوضع التراب الذي أخذه من حافر فرس جبريل في فمه فإن أثره الحياة فيما يوضع فيه ومفعول اتخذ الثاني محذوف أي إلها أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا فكيف يتخذ إلها اتَّخَذُوهُ إلها وَكانُوا ظالِمِينَ (148) باتخاذه وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ أي ندموا على عبادته وَرَأَوْا علموا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا بها وذلك بعد رجوع موسى قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا بالياء والتاء فيهما لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (149) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ من جهتهم أَسِفاً شديد الحزن قالَ لهم بِئْسَما أي بئس خلافة خَلَفْتُمُونِي ها مِنْ بَعْدِي خلافتكم هذه حيث أشركتم أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ\r______________________________\rفإن هذا دليل على أن السعادة والشقاوة بيد اللّه، فقد قال بعضهم:\rإذا المرء لم يخلق سعيدا من الأزل ... فقد خاب من ربى وخاب المؤمل\r\rفموسى الذي رباه جبريل كافر ... وموسى الذي رباه فرعون مرسل\r\rقوله: (بدل) أي من عِجْلًا أو عطف بيان. (لحما ودما) تفسيرا لجسدا. قوله: لَهُ خُوارٌ هذه قراءة العامة، وقرىء شذوذا له جؤار بجيم فهمزة، وهو الصوت الشديد. قوله: (فإن أثره الحياة) أي بتأثير اللّه له. قوله: أَلَمْ يَرَوْا استفهام توبيخ وتقريع. قوله: اتَّخَذُوهُ كرره لمزيد التشنيع عليهم. قوله: وَكانُوا ظالِمِينَ أي أنفسهم أشد الظلم، حيث عبدوا غير اللّه.\rقوله: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ فعل مبني للمجهول، والجار والمجرور نائب فاعل، وقرىء شذوذا بالبناء للفاعل، فالفاعل ضمير يعود على الندم، وقرىء شذوذا أيضا، أسقط بضم الهمزة، والضمير عائد على الندم، والأصل على القراءة السبعية، سقطت أفواههم على أيديهم، ففي بمعنى على، وذلك من شدة الندم، فإن العادة أن الإنسان إذا ندم على شيء عض بفمه على يده، فسقوط الفم على اليد لازم للندم، فأطلق اللازم، وأريد الملزوم على سبيل الكناية، ولم تعرف هذه الكناية في لغة العرب إلا في القرآن.\rقوله: وَرَأَوْا الجملة حالية. قوله: (و ذلك) أي الندم. قوله: (بعد رجوع موسى) أي وإنما قدم ليتصل ما قالوه بما فعلوه. قوله: لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا الخ فيها قراءتان سبعيتان بالياء والتاء، فعلى قراءة الياء يكون ربنا مرفوعا على الفاعلية، وعلى قراءة التاء يكون منصوبا على النداء.\rقوله: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى أي من المناجاة. قوله: غَضْبانَ أي لما فعلوه من عبادة العجل، وقد أخبره بذلك المولى حيث قال له كما في طه: فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ الآية. قوله: أَسِفاً حال وكذا غَضْبانَ فتكون حالا متداخلة.\rقوله: بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي بفعل ماض لإنشاء الذم، وما تمييز وقيل فاعل، وجملة خَلَفْتُمُونِي صفة لما، والمخصوص بالذم محذوف قدره المفسر بقوله خلافتكم هذه، والمعنى: بئس خلافة خلفتمونيها خلافتكم هذه. قوله: مِنْ بَعْدِي متعلق بخلفتموني. قوله: أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ أي تركتموه غير تام على تضمين عجل معنى سبق، أو المعنى: أعجلتم وعد ربكم الذي وعدنيه من الأربعين، وقدرتم","part":1,"page":560},{"id":563,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 561\rوَأَلْقَى الْأَلْواحَ ألواح التوراة غضبا لربه فتكسرت وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ أي بشعره بيمينه ولحيته بشماله يَجُرُّهُ إِلَيْهِ غضبا قالَ يا ابْنَ أُمَ بكسر الميم وفتحها أراد أمي وذكرها أعطف لقلبه إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا قاربوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ تفرح بِيَ الْأَعْداءَ بإهانتك إياي وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) بعبادة العجل في المؤاخذة قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ما صنعت بأخي وَلِأَخِي أشركه في الدعاء إرضاء له ودفعا للشماتة فيه وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إلها سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ عذاب مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فعذبوا بالأمر بقتل أنفسهم وضربت عليهم الذلة إلى يوم القيامة وَكَذلِكَ كما جزيناهم نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) على اللّه بالإشراك وغيره وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا رجعوا عنها مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا باللّه إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها أي التوبة لَغَفُورٌ لهم رَحِيمٌ (153) بهم وَلَمَّا سَكَتَ سكن عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ التي ألقاها وَفِي نُسْخَتِها أي ما نسخ فيها أي\r______________________________\rموتي وغيرتم بعدي، كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم. قوله: وَأَلْقَى الْأَلْواحَ أي وكان حاملا لها. قوله:\r(فتكسرت) هذا أحد الأقوال، وقيل إنه تكسر البعض وبقي البعض، وقيل المراد بإلقائها وضعها ليتفرغ لمكالمة أخيه، فلما فرغ أخذها بعينها ولم يذهب منها بشيء، كما حققه زاده على البيضاوي. قوله: (أي بشعره بيمينه) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف.\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 1 561\r\rفتكسرت) هذا أحد الأقوال، وقيل إنه تكسر البعض وبقي البعض، وقيل المراد بإلقائها وضعها ليتفرغ لمكالمة أخيه، فلما فرغ أخذها بعينها ولم يذهب منها بشيء، كما حققه زاده على البيضاوي. قوله: (أي بشعره بيمينه) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف.\rقوله: يَجُرُّهُ إِلَيْهِ حال من فاعل أَخَذَ. قوله: (بكسر الميم وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان، فأما قراءة الفتح، فعند البصريين مبني على الفتح لتركبه تركيب خمسة عشر، وعند الكوفيين ابْنَ منادى منصوب بفتحة ظاهرة، وهو مضاف لأم، مجرور بكسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المنقلبة ألفا المحذوفة للتخفيف، وبقيت الفتحة لتدل عليها، وأما على قراءة الكسر، فعند البصريين هو منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة تخفيفا فهو كسر بناء، وعند الكوفيين كسرة إعراب، وحذفت الياء اكتفاء بالكسرة. قوله: (و ذكرها أعطف) جواب عما يقال إن هارون شقيق موسى، فلم اقتصر في خطابه على الأم، وكان هارون كثير الحلم محببا في بني إسرائيل، وهو أكبر من موسى بثلاث سنين. قوله: وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي أي بذلت وسعي في نصيحتهم، حتى قهروني وقاربوا قتلي. قوله: فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ الشماتة فرح العدو بما ينال الشخص من المكروه.\rقوله: قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي أي لما تبين له عذر أخيه، جمعه في الدعاء استعطافا وإرضاء له.\rقوله:\rإِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ أي وكانوا ستمائة ألف وثمانية آلاف، وبقي اثنا عشر ألفا لم يعبدوه، لأن جملة من عبر البحر مع موسى ستمائة ألف وعشرون ألفا. (قوله إلها) قدره إشارة إلى أن مفعول اتخذوا محذوف. قوله: سَيَنالُهُمْ الاستقبال بالنسبة لخطاب موسى به، وأما بالنسبة لنزوله على نبينا فهو ماض.\rقوله: (رجعوا عنها) أي عن السيئات التي منها عبادة العجل.\rقوله: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أي بمراجعة هارون له، حيث ألان له الكلام واعتذر له، وفي الكلام استعارة بالكناية، حيث شبه الغضب بأمير قام على موسى، فأمره بالقاء الألواح والأخذ","part":1,"page":561},{"id":564,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 562\rكتب هُدىً من الضلالة وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) يخافون وأدخل اللام على المفعول لتقدمه وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ أي من قومه سَبْعِينَ رَجُلًا ممن لم يعبد العجل بأمره تعالى لِمِيقاتِنا أي للوقت الذي وعدناه بإتيانهم فيه ليعتذروا من عبادة أصحابهم العجل فخرج بهم فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ الزلزلة الشديدة قال ابن عباس لأنهم لم يزايلوا قومهم حين عبدوا العجل قال وهم غير\r______________________________\rبرأس أخيه، وطوى ذكر المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو السكوت، فإثباته تخييل، وفي السكوت استعارة تبعية، حيث شبه السكون بالسكوت، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من السكوت سكت بمعنى سكن، على طريق الاستعارة التصريحية التبعية، وما وقع من موسى عليه السّلام من الغضب ليس ناشئا عن سوء خلق وعدم حلم، وإنما هو غضب لانتهاك حرمات اللّه ولا ينافي الحلم، قال بعضهم:\rإذا قيل حلم قل فللحلم موضع ... وحلم الفتى في غير موضعه جهل\rوما قيل إن موسى لما كان قليل الحلم، أمره اللّه بإلانة الكلام لفرعون حيث قال له: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً، ومحمد عليه السّلام لما كان كامل الحلم، أمره اللّه بالإغلاظ على الكفار حيث قال: وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ* فهو باطل لا أصل له، وإنما الذي يقال إن كلا كامل في الحلم، وكلا إما مأمور بالإنة أو لا، فإذا تقرر الدين وثبت وأمروا بالجهاد، أمروا بالاغلاظ، هذا هو الحق، ومن نفى عن أحد منهم الحلم فقد كفر.\rقوله: وَفِي نُسْخَتِها أي كتابتها وتسميتها نسخة، باعتبار كتابتها من اللوح المحفوظ، وهذا على ما قاله، زاده من أن الألواح لم تنكسر، وأما على ما قاله ابن عباس من أنها تكسرت، فصام موسى أربعين يوما فردت عليه في لوحين، فمعنى قوله: وَفِي نُسْخَتِها أي ما نسخ من الألواح التي كسرت في ألواح أخر، فتسميتها نسخة ظاهر لأن نسخ الشيء نقله. قوله: لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ أي وأما لغيرهم فليس فيه هدى ورحمة، وإنما هو وبال وخسران، فهي نظير القرآن مع المؤمن والمنافق، قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ. قوله: (و أدخل اللازم على المفعول لتقدمه) أي فضعف عن العمل فقوي باللام، والمعنى الذين هم يخافون ربهم، أي يخافون عقابه. قوله: (أي من قومه) أشار بذلك إلى أن قوله: مِنْ قَوْمِهِ* مفعول ثان مقدم منصوب بنزع الخافض، والمفعول الأول\rقوله: سَبْعِينَ. قوله: سَبْعِينَ رَجُلًا أي من شيوخهم، روي أنه لم يجد إلا ستين شيخا، فأوحى اللّه إليه أن يختار من الشباب عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخا، فأمرهم موسى عليه السّلام أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم، ثم خرج بهم إلى الميقات هو طور سينا، فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه عامود من الغمام حتى أحاط بالجبل ودخل موسى فيه، وقال للقوم: ادنوا، فدنوا حتى دخلوا في الغمام ووقعوا سجدا، وسمعوا اللّه وهو يكلم موسى، يأمره وينهاه، فلما انكشف الغمام أقبلوا على موسى وقالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فأخذتهم الصاعقة، وهي المرادة بالرجفة هنا وماتوا يوما وليلة، وسبب أخذ الصاعقة لهم سؤالهم الرؤية، وهذا قول غير ابن عباس، وقال ابن عباس: إن السبعين الذين سألوا الرؤية، غير السبعين الذين ذهبوا للشفاعة، فالأولى: أخذتهم الصاعقة بسبب سؤالهم الرؤية، والثانية: أخذتهم الرجفة بسبب معاشرتهم لمن عبدوا العجل وسكوتهم","part":1,"page":562},{"id":565,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 563\rالذين سألوا الرؤية وأخذتهم الصاعقة قالَ موسى رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ أي قبل خروجي بهم ليعاين بنو إسرائيل ذلك ولا يتهموني وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا استفهام استعطاف أي لا تعذبنا بذنب غيرنا إِنْ ما هِيَ أي الفتنة التي وقعت فيها السفهاء إِلَّا فِتْنَتُكَ ابتلاؤك تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ إضلاله وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ هدايته أَنْتَ وَلِيُّنا متولي أمورنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (155) وَاكْتُبْ أوجب لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حسنة إِنَّا هُدْنا تبنا إِلَيْكَ قالَ تعالى عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ تعذيبه وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ عمت كُلَّ شَيْءٍ في الدنيا فَسَأَكْتُبُها في الآخرة لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَ محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم\r______________________________\rعليه، وإلى هذا القول يشير المفسر بقوله: (قال وهم غير الذين سألوا الرؤية) الخ. قوله: (و لم يزايلوا) أي لم يفارقوا قومهم. قوله: (و هم غير الذين سألوا الرؤية) أي لأنهم لم يكونوا في ذلك الميعاد، بل كانوا مع موسى حين أخذ التوراة، فلما سمعوا كلام اللّه لموسى أقبلوا عليه وقالوا: أرنا اللّه جهرة فأخذتهم الصاعقة.\rقوله: لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مفعول المشيئة محذوف تقديره إهلاكهم. قوله: (استفهام استعطاف) أي طلب العفو والرحمة من اللّه. قوله: (ابتلاؤك) أي اختبارك ليتبين المطيع من العاصي. قوله: وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ اسم التفضيل ليس على بابه أو على بابه باعتبار أن الغفر ينسب لغيره تعالى لكونه سببا، وهو الغافر الحقيقي.\rقوله: وَاكْتُبْ أي حقق وأثبت، وهذا من جملة دعاء موسى، فأوله: أَنْتَ وَلِيُّنا وآخره:\rإِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ، وحينئذ فلا ينبغي جعل قوله: وَاكْتُبْ لَنا أول الربع. قوله: فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً أي ما تحمد عاقبته، كالعافية والإيمان والمعرفة، وقوله: وَفِي الْآخِرَةِ (حسنة) أي وهي الجنة، وما احتوت عليه من اللقاء والمشاهدة. قوله: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ استئناف مسوق لتعليل الدعاء، أي لأننا هُدْنا إِلَيْكَ أي رجعنا، من هاد يهود، إذا رجع، ولذلك سميت اليهود بذلك، وكان اسم مدح قبل نسخ شريعتهم، وبعد ذلك صار ذما. قوله: قالَ عَذابِي جواب من اللّه لموسى. قوله:\rأُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ أي في الدنيا، كقتل الذين عبدوا العجل أنفسهم، وفي الآخرة بالنار لمن كفر.\rقوله: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ورد أنه لما نزلت هذه الآية، فرح إبليس وقال: قد دخلت في رحمة اللّه، فلما نزل فَسَأَكْتُبُها الخ أيس من ذلك، وفرحت اليهود وقالوا: نحن من المتقين الذين يؤتون الزكاة المؤمنين، فأخرجهم اللّه منها وأثبتها لهذه الأمة بقوله: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ الخ. قوله: (في الدنيا) أي فما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو منقلب في الرحمة. قوله: فَسَأَكْتُبُها أي أثبتها. قوله: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أي يمتثلون الأوامر ويجتنبون النواهي. قوله: وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ خصها بالذكر لمشتقها على النفوس، من حيث إن المال محبوب.\rقوله: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ أي بالإيمان به بعد بعثته، والعمل بشريعته، ورد أن اللّه قال","part":1,"page":563},{"id":566,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 564\rالَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ باسمه وصفته يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ مما حرم في شرعهم وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ من الميتة ونحوها وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ثقلهم وَالْأَغْلالَ الشدائد الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ كقتل النفس في التوبة وقطع أثر النجاسة فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ منهم وَعَزَّرُوهُ وقروه وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أي القرآن أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يا أَيُّهَا النّاس إنّى رسول اللّه إليكم جميعا الّذى له ملك السّماوات والأرض لا إله إلّا هو يحيى ويميت فآمنوا\r______________________________\rلموسى: أجعل لك الأرض مسجدا وطهورا تصلون حيث أدركتكم الصلاة، وأجعلكم تقرؤون التوراة عن ظهر قلب، يحفظها الرجل والمرأة، والحر والعبد، والصغير والكبير، فقال موسى ذلك لقومه فقالوا: لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهر قلب، ولا نقرؤها إلا نظرا، قال:\rفَسَأَكْتُبُها إلى قوله: هُمُ الْمُفْلِحُونَ فجعل هذه الأمور لهذه الأمة.\rقوله: الْأُمِّيَ أي الذي لا يقرأ ولا يكتب، نسب إما للأم لأنه باق على حالته التي ولد عليها، أو لأم القرى وهي مكة لكونه ولد بها. قوله: (باسمه وصفته) أي من كونه محمدا ولد بمكة، وهاجر إلى المدينة، يقبل الهدية، ويرد الصدقة، وهكذا من أوصافه وأخلاقه العظيمة، قال الخميس في تاريخه: إن محمدا مذكور في التوراة باللغة السريانية بلفظ المنحمنا، بضم الميم وسكون النون وفتح الحاء وكسر الميم الثانية وبعدها نون مشددة بعدها ألف، ومعناه محمد، وذكر الحسن عن كعب الأحبار، أن اسم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند أهل الجنة عبد الكريم، وعند أهل النار عبد الجبار، وعند أهل العرش عبد المجيد، وعند سائر الملائكة عبد الحميد، وعند الأنبياء عبد الوهاب، وعند الشياطين عبد القاهر، وعند الجن عبد الرحيم، وفي الجبال عبد الخالق، وفي البر عبد القادر، وفي البحر عبد المهيمن، وعند الهوام عبد الغياث، وعند الوحوش عبد الرزاق، وفي التوراة موذموذ، وفي الإنجيل طاب طاب، وفي الصحف عاقب، وفي الزبور فاروق، وعند اللّه طه ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم اه بحروفه قوله: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ الخ هذا وما بعده إلى الْمُفْلِحُونَ من جملة أوصافه المكتوبة في التوراة والإنجيل. قوله: (مما حرم في شرعهم) أي وهي لحوم الإبل وشحم الغنم والمعز والبقر. قوله: (من الميتة ونحوها) أي كالدم ولحم الخنزير. قوله: (كقتل النفس) أي وتعيين القصاص في القتل، وتحريم أخذ الدية، وترك العمل يوم السبت، وكون صلاتهم لا تجوز إلا في الكنائس، ونحو ذلك من الأمور الشاقة التي كلفوا بها، وتسميتها أغلالا، لأن التحريم يمنع من الفعل، كما أن الأغلال تمنع منه. قوله: (و قروه) أي عظموه. قوله: وَنَصَرُوهُ أي أيدوه. قوله:\rالَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أي مقارنا لزمانه ومصحوبا به. قوله: (أي القرآن) تفسير للنور، سمي القرآن بذلك، لأنه ظاهر في نفسه مظهر لغيره، يهدي من الضلال المعنوي، كما أن النور يهدي من الضلال الحسي. قوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الموصوفون بهذه الصفات، فائزون ظافرون بالنجاة من الأهوال، دنيا وأخرى.\rقوله: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ أتى بهذه الآية دفعا لما يتوهم أن الفوز مخصوص بمن تبعه من أهل الكتابين، فأفاد هنا أن الفوز ليس قاصرا عليهم، بل كل من تبعه حصل له الفوز، كان من أهل الكتابين","part":1,"page":564},{"id":567,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 565\rبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ القرآن وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) ترشدون وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ جماعة يَهْدُونَ الناس بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) في الحكم وَقَطَّعْناهُمُ فرقنا بني إسرائيل اثْنَتَيْ عَشْرَةَ حال أَسْباطاً بدل منه أي قبائل أُمَماً بدل مما قبله وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ في التيه أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فضربه فَانْبَجَسَتْ انفجرت مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً بعدد الأسباط قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ سبط منهم مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ في التيه من حر الشمس وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى هما\r______________________________\rأو لا، والنَّاسُ اسم جنس واحده إنسان. قوله: جَمِيعاً حال من ضمير إِلَيْكُمْ.\rقوله: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ يصح رفع الَّذِي ونصبه على أنه نعت مقطوع، وجره على أنه نعت متصل، وقوله: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، وقوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ بيان للصلة. وقوله: يُحيِي وَيُمِيتُ بيان لقوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، فكل واحدة من هذه الجمل، كالدليل لما قبلها، ولا محل لكل من الإعراب، لأن الصلة لا محل لها فكذا مبنيها. قوله:\rفَآمِنُوا بِاللَّهِ تفريع على ما تقدم، أي فحيث علمتم أن محمدا مرسل لجميع الناس، وأن اللّه له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت، وجب عليكم الإيمان باللّه ورسوله، وفيه التفات من التكلم للغيبة، ونكتته التوطئة للاتصاف بقوله: النَّبِيِّ الْأُمِّيِ الخ. قوله: الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ أي لأنه مرسل لنفسه. قوله: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي تفلحون، والترجي في القرآن بمنزلة التحقيق، فهو بمعنى قوله فيما سبق. قوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. قوله: (ترشدون) من باب تعب ونصر.\rقوله: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ استئناف مسوق لدفع توهم أن قوم موسى لم يحصل لهم هدى، بل استمروا على ضلالهم، فدفع ذلك بأن بعضهم آمن بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهم شرذمة قليلة، كعبد اللّه بن سلام وأضرابه.\rقوله: وَقَطَّعْناهُمُ الهاء مفعوله، واثْنَتَيْ عَشْرَةَ حال، وأَسْباطاً بدل كما قال المفسر، وتمييز العدد محذوف تقديره فرقة، ويصح أن قطع بمعنى صير، فالهاء مفعول أول، واثْنَتَيْ عَشْرَةَ مفعول ثان، وأَسْباطاً بدل، وسبب تفرقهم كذلك، أن أولاد يعقوب كانوا كذلك. فكل سبط ينتمي لواحد منهم، والأسباط جمع سبط، وهو ولد الوالد، مرادف للحفيد، هكذا في كتب اللغة، وتفرقة بعض العلماء بين السبط والحفيد، بأن السبط ولد البنت، والحفيد ولد الولد اصطلاح. قوله: (أي قبائل) أي كالقبائل في التفرق والتعدد. قوله: (بدل مما قبله) أي فهو بدل من البدل.\rقوله: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أي حيث أمر بقتال الجبارين هو ومن معه من بني إسرائيل، ونقب عليهم اثنى عشر نقيبا، وأرسلهم يأتون له بأخبار الجبارين، فاطلعوا على أوصاف مهمولة لهم، فرجعوا وأخبروا موسى عليه السّلام، فأمرهم بالكتم عن قومهم، فخانوا إلا اثنين منهم، يوشع وكالب فجبنوا، فحرم اللّه عليهم دخول القرية أربعين سنة يتيهون في الأرض، فلما طالت عليهم المدة في التيه عطشوا، فطلبوا منه السقيا، فدعا اللّه موسى، فأمره بضرب الحجر بعصاه، وهذا الحجر هو الذي فر بثوبه حين اتهموه بالإدرة خفيف مربع كرأس الرجل. قوله: (فانبجست) أي انفجرت. قوله: مَشْرَبَهُمْ أي عينهم الخاصة بهم. قوله: وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ أي السحاب، يسير بسيرهم، ويضيء لهم بالليل","part":1,"page":565},{"id":568,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 566\rالترنجبين والطير السماني بتخفيف الميم والقصر وقلنا لهم كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) وَاذكر إِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ بيت المقدس وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا أمرنا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ أي باب القرية سُجَّداً سجود انحناء نَغْفِرْ بالنون والتاء مبنيا للمفعول لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) بالطاعة ثوابا فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فقالوا حبة في شعرة ودخلوا يزحفون على أستاههم فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً عذابا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (162) وَسْئَلْهُمْ يا محمد توبيخا عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ مجاورة لبحر القلزم وهي أيلة ما وقع بأهلها\r______________________________\rيسيرون بضوئه. قوله: (الترنجبين) هو شيء حلو، كان ينزل عليهم مثل الثلج، من الفجر إلى طلوع الشمس، فيأخذ كل إنسان صاعا. قوله: (و الطير السماني) أي فكانت ريح الجنوب تسوقه إليهم، فيأخذ كل منهم ما يكفيه. قوله: ما رَزَقْناكُمْ وهو المن والسلوى. قوله: وَما ظَلَمُونا أي لم يصل لنا منهم ظلم بفعلهم ذلك، فإن ذلك مستحيل.\rقوله: وَ(اذكر) خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ أي بعد خروجهم من التيه قوله:\r(بيت المقدس) وقيل أريحاء، وقد ذكر القولين في البقرة، فعلى الأول يكون القائل اللّه على لسان موسى وهم في التيه، وعلى الثاني يكون على لسان يوشع، وهو المعتمد كما تقدم في البقرة. قوله: وَقُولُوا حِطَّةٌ قدر المفسر (أمرنا) إشارة إلى أن حطة خبر لمحذوف، ومعنى: أمرنا حطة أي طلبنا حطة الذنوب ومغفرتها. قوله: (سجود انحناء) أي فالمراد السجود اللغوي، بأن يكونوا على هيئة الراكعين. قوله:\r(بالنون والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان، ولكن على النون يقرأ: خطايا وخطيئات، وعلى التاء يقرأ:\rخطيئاتكم وخطيئتكم بالجمع والإفراد، فالقراءات أربع.\rقوله: قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ أي ما أمروا به. قوله: (فقالوا حبة الخ) يحتمل أنه مجرد هذيان قصدوا به إغاظة موسى، ويحتمل أن يكون له معنى صحيح، كأنهم قالوا مطلوبنا حبة، يعني قمح في زكائب من شعر، وقد تقدم بسطه في البقرة. قوله:\r(على أستاههم) جمع ستة وهو الدبر. قوله: (عذابا) أي وهو الطاعون، ومات منهم في وقت واحد سبعون الفا. قوله: بِما كانُوا يَظْلِمُونَ أي بسبب ظلمهم، وقد غايرت هذه القصة ما في البقرة من عشرة أوجه قد تقدمت مفصلة، فراجعه إن شئت.\rقوله: وَسْئَلْهُمْ أي اليهود الذين في المدينة، وسبب نزولها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يوبخ اليهود على كفرهم، ويقول لهم أنتم قد تبعتم أصولكم في الكفر بأنبيائهم، فكانوا يقولون إن أصولنا لم تقع منهم مخالفة لربهم، ولا كفر بأنبيائهم، وكانوا يعرفون ما وقع لهذه القرية ويخفونه، ويعتقدون أنه لا علم لأحد غيرهم به، فنزلت الآية، فقصها رسول اللّه عليهم فبهتوا. إن قلت: إن السورة مكية، وهذا خطاب لأهل المدينة، فالجواب أنها مكية ما عدا تلك الآيات الثمانية التي أولها: وَسْئَلْهُمْ الخ فإنها مدنية كما تقدم. قوله: (توبيخا) أي تقريعا وتبكيتا. قوله: عَنِ الْقَرْيَةِ أي أهلها. وقوله: (مجاورة لبحر القلزم) أي عند العقبة بجانب القلعة.","part":1,"page":566},{"id":569,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 567\rإِذْ يَعْدُونَ يعتدون فِي السَّبْتِ بصيد السمك المأمورين بتركه فيه إِذْ ظرف ليعدون تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً ظاهرة على الماء وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا يعظمون السبت أي سائر الأيام لا تَأْتِيهِمْ ابتلاء من اللّه كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (163) ولما صادوا السمك افترقت القرية أثلاثا ثلث صادوا معهم وثلث نهوهم وثلث أمسكوا عن الصيد والنهي وَإِذْ عطف على إذ قبله قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لم تصد ولم تنه لمن نهى لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا موعظتنا مَعْذِرَةً نعتذر بها إِلى رَبِّكُمْ لئلا ننسب إلى تقصير في ترك النهي وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) الصيد فَلَمَّا نَسُوا تركوا ما ذُكِّرُوا ما وعظوا بِهِ\r______________________________\rقوله: إِذْ يَعْدُونَ أي يتعدون الحدود، وكانوا في زمن داود عليه السّلام، وسبب نهيهم عن الصوم يوم السبت، أن اللّه أمرهم على لسان داود، أن يتخذوا يوم الجمعة عيدا ينقطعون فيه لعبادة اللّه، فكرهوا ذلك واختاروا السبت، ومعناه في اللغة القطع، فهو إشارة إلى أنهم منقطعون عن كل خير، فلما شددوا امتحنهم اللّه بأن حرم عليهم صيد السمك يوم السبت، وأحله لهم باقي الاسبوع، فكانوا يوم السبت يجدون السمك متراكما، وباقي الجمعة لم يجدوا منه شيئا، ثم إن إبليس علمهم أن يصنعوا جداول البحر يوم السبت، فإذا جاء العصر وملئت الجداول بالسمك سدوا عليه وأخذوه يوم الأحد فافترقت القرية ثلاث فرق، وكانوا سبعين الفا، ففرقة اصطادوا، وفرقة نهتهم وضربوا بينهم وبينهم سورا، وفرقة لم تصد ولم تنه، فبعد أيام قلائل، مسخ من اصطاد قردة وخنازير، مكثوا ثلاثة أيام وماتوا، وأنجى اللّه الفرقة الناهية، والفرقة الثالثة وقع فيها خلاف بالإنجاء والإهلاك؛ والصحيح نجاتهم. قوله:\rحِيتانُهُمْ جمع حوت، وأصل حيتان حوتان، وقعت الواو ساكنة بعد كسرة قلبت ياء. قوله: شُرَّعاً حال من فاعل تَأْتِيهِمْ، أي قريبة من الساحل.\rقوله: وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ أي لا يكون يوم سبت، والمعنى تأتيهم حيتانهم يوم السبت ظاهرة وغير يوم السبت لا تأتيهم، ولما كانت العبارة موهمة، قال المفسر أي سائر الأيام، أي باقيها. قوله: (ابتلاء من اللّه) علة لقوله: تَأْتِيهِمْ وقوله: لا تَأْتِيهِمْ. قوله: كَذلِكَ أي الابتلاء المتقدم. قوله: بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي يتجاوزون الحد. قوله: (ثلث صادوا معهم) المناسب حذف قوله معهم. قوله:\r(عطف على إذ قبله) أي وهو: إِذْ يَعْدُونَ.\rقوله: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً إنما قصدوا بذلك اللوم على الناهين، حيث وعظوهم فلم يقبلوا منهم. قوله: أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً أو مانعة خلو تجوز الجمع، والمعنى مهلكهم في الدنيا، ومعذبهم في الآخرة.\rقوله: قالُوا مَعْذِرَةً قدر المفسر موعظتنا، إشارة إلى أن مَعْذِرَةً خبر لمحذوف، وفي قراءة النصب على المفعول من أجله، أي وعظناهم لأجل المعذرة. قوله: (لئلا ننسب إلى تقصير) أشار بذلك إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عليهم، ولذا ورد أنه مجمع عليه في جميع الشرائع. قوله:\rوَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ إشارة إلى أنهم ظانون إفادة الموعظة، وهو عطف على المعنى، إذ التقدير موعظتنا للاعتذار: وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.\rقوله: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ في الكلام حذف دل عليه قوله:","part":1,"page":567},{"id":570,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 568\rفلم يرجعوا أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بالاعتداء بِعَذابٍ بَئِيسٍ شديد بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا تكبروا عَنْ ترك ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (166) صاغرين فكانوها وهذا تفصيل لما قبله قال ابن عباس ما أدري ما فعل بالفرقة الساكتة وقال عكرمة لم تهلك لأنها كرهت ما فعلوه وقالت لم تعظون الخ. وروى الحاكم عن ابن عباس أنه رجع إليه وأعجبه وَإِذْ تَأَذَّنَ أعلم رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ أي اليهود إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ بالذل وأخذ الجزية فبعث عليهم سليمان وبعده بختنصر فقتلهم وسباهم وضرب عليهم الجزية فكانوا يؤدونها إلى المجوس إلى أن بعث نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم فضربها عليهم إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ لمن عصاه وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ لأهل طاعته رَحِيمٌ (167) بهم وَقَطَّعْناهُمْ فرقناهم فِي الْأَرْضِ أُمَماً فرقا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ ناس دُونَ ذلِكَ\r______________________________\rأَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ الخ، والتقدير فلما ذكر من تذكر ونسي من نسي أنجينا الخ. قوله: بَئِيسٍ فعيل من بؤس إذا اشتد، وقرىء بيئس على وزن ضيغم، وبئس بكسر الباء وسكون الهمزة أو قلبها ياء، وبيس بفتح الباء وتشديد الياء مكسورة، وبيس بفتح الباء وسكون الياء، وبائس على وزن فاعل، هكذا في البيضاوي، وليست كلها سبعية.\rقوله: كُونُوا أمر تكوين لا قول، فهو كناية عن سرعة التصبير، إذ لا يكلف الشخص إلا بما يقدر عليه، وكونهم قردة ليس في طاقتهم. قوله: (فكانوها) أي: قِرَدَةً وقيل: إن شبابهم مسخوا قردة، وشيوخهم خنازير، وقيل: إن الذين مسخوا خنازير، هم أصحاب المائدة. قوله: (و هذا) أي قوله: فَلَمَّا عَتَوْا تفصيل لما قبله، وهو قوله: وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا الخ. قوله: (لأنها كرهت ما فعلوه) أي فهي داخلة تحت قوله: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ فهي وإن لم تنه صريحا لكنها نهت ضمنا. قوله: (إنه رجع إليه) أي إلى قول عكرمة.\rوَإِذْ تَأَذَّنَ إذ ظرف لمحذوف تقديره ذكر وقت إذ تأذن. قوله: (أعلم) مفعوله محذوف، والتقدير أعلم ربك أسلافهم. قوله: لَيَبْعَثَنَ أي ليسلطن عليهم. قوله: مَنْ يَسُومُهُمْ أي يذيقهم. قوله:\r(بختنصر) علم مركب تركيبا مزجيا كبعلبك، فإعرابه على الجزء الثاني، والأول ملازم للفتح، وهو غير منصرف للعلمية، والتركيب المزجي. وبخت معناه في الأصل ابن، ونصر اسم صنم، سمي بذلك لأنه وجد وهو صغير مطروحا عند ذلك الصنم. قوله: (و سباهم) أي سبى نساءهم وصغارهم. قوله:\r(و ضرب عليهم الجزية) أي عن من لم يقاتل منهم. قوله: (فضربها عليهم) أي لا تزال كذلك إلى نزول عيسى، فلا يقبل منهم إلا الإسلام. قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ أي إذا تعلقت إرادته به، وإلا فهو واسع الحلم.\rقوله: وَقَطَّعْناهُمْ أي بني إسرائيل الكائنين قبل زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ قدر المفسر (ناس) إشارة إلى أن دُونَ نعت لمنعوت محذوف، وهو كثير إذا كان التفصيل بمن، كقولهم: منا ظعن ومنا أقام، أي منا فريق ظعن، ومنا فريق أقام.","part":1,"page":568},{"id":571,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 569\rالكفار والفاسقون وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ بالنعم وَالسَّيِّئاتِ بالنقم لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) عن فسقهم فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ التوراة عن آبائهم يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى أي حطام هذا الشىء الدنيء أي الدنيا من حلال وحرام وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ما فعلناه وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ الجملة حال أي يرجون المغفرة وهم عائدون إلى ما فعلوه مصرون عليه وليس في التوراة وعد المغفرة مع الإصرار أَلَمْ يُؤْخَذْ استفهام تقرير عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ الإضافة بمعنى في أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا عطف على يؤخذ قرؤوا ما فِيهِ فلم كذبوا عليه بنسبة المغفرة إليه مع الإصرار وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الحرام أَفَلا تَعْقِلُونَ (169) بالياء والتاء أنها خير فيؤثرونها على الدنيا وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بالتشديد والتخفيف بِالْكِتابِ منهم وَأَقامُوا الصَّلاةَ كعبد اللّه بن سلام وأصحابه إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) الجملة خبر الذين وفيه وضع الظاهر موضع المضمر أي أجرهم وَ\r______________________________\rقوله: وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ أي اختبرناهم بالعطايا: كالنعم والعافية، والبلايا:\rكالنقم والأسقام والشدائد، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عما هم عليه من الكفر والمعاصي إلى طاعة ربهم، فلم يرجعوا.\rقوله: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ بسكون اللام للشر، وبفتحها للخير، يقال خلف سوء، وخلف صالح، وهذه صفة من كان في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إثر بيان صفات أسلافهم. قوله: (التوراة) أشار بذلك إلى أن أل في الكتاب للعهد. قوله: (عن آبائهم) أي أسلافهم سواء كانوا صلحاء أو لا. قوله:\rعَرَضَ هذَا الْأَدْنى سمي عرضا لتعرضه للزوال، ففي الكلام استعارة تصريحية، حيث شبه متاع الدنيا بالعرض الذي لا يقوم بنفسه بجامع الزوال في كل، واستعير اسم المشبه به للمشبه.\rقوله: وَيَقُولُونَ أي زيادة على طمعهم في الدنيا. قوله: سَيُغْفَرُ لَنا أي لأنا أبناء اللّه وأحباؤه، وشأن الحبيب أن لا يعذب حبيبه. قوله: (مصرون عليه) أي لم يقلعوا عنه، فقد طمعوا في المغفرة. مع فقد شروطها، إذ من أكبر شروطها الندم والإقلاع. قوله: مِيثاقُ الْكِتابِ أي التوراة، والمعنى أخذ عليهم الميثاق في التوراة، أنهم لا يكذبون على اللّه، ولا يقولون إلا الحق. قوله: إِلَّا الْحَقَ صفة لموصوف محذوف مفعول مطلق لقوله: أَنْ لا يَقُولُوا، والتقدير أن لا يقولوا على اللّه إلا القول الحق. قوله: (فلم كذبوا عليه) أي اللّه.\rقوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير أتركوا التدبر والتفكر فلا يعقلون. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان، فعلى الياء يكون إخبارا عنهم، وعلى التاء يكون خطابا لهم. قوله: (بالتشديد) أي يمسكون غيرهم بالكتاب، ويدلونه على طريق الهدى.\rقوله: (و التخفيف) أي يمسكون: بِالْكِتابِ، بمعنى يهتدون في أنفسهم. قوله: (منهم) أي من بني إسرائيل. قوله: وَأَقامُوا الصَّلاةَ خصها بالذكر لأنها أعظم أركان الدين بعد التوحيد.\rقوله: (و فيه وضع الظاهرة موضع المضمر) أشار بذلك إلى أن الرابط هو لفظ الْمُصْلِحِينَ، لقيامه","part":1,"page":569},{"id":572,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 570\rاذكر إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ رفعناه من أصله فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أيقنوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ ساقط عليهم بوعد اللّه إياهم بوقوعه إن لم يقبلوا أحكام التوراة وكانوا أبوها لثقلها فقبلوا وقلنا لهم خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ بجد واجتهاد وَاذْكُرُوا ما فِيهِ بالعمل به لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171) وَاذكر إِذْ حين أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ بدل اشتمال مما قبله بإعادة الجار ذُرِّيَّتَهُمْ بأن أخرج بعضهم من صلب آدم نسلا بعد نسل كنحو ما يتوالدون كالذر بنعمان يوم\r______________________________\rمقام الضمير على حد قول الشاعر: سعاد التي أضناك حب سعادا، ونكتة ذلك الإشارة إلى شرفهم والاعتناء بهم.\rقوله: وَإِذْ نَتَقْنَا إذ ظرف معمول لمحذوف، قدره المفسر بقوله اذكر، والمقصود من ذلك الرد على اليهود والتقبيح عليهم، حيث قالوا: إن بني إسرائيل لم تصدر عنهم مخالفة اللّه. قوله: الْجَبَلَ قيل هو الطور، وقيل هو جبل من جبال فلسطين، وقيل من جبال بيت المقدس، وفي آية النساء التصريح بالطور، وسبب رفع الجبل فوقهم، أن موسى لما جاءهم بالتوراة وقرأها عليهم، فلما سمعوا ما فيها من التغليظ، أبوا أن يقبلوا ذلك، فأمر اللّه الجبل فانقلع من أصله حتى قام على رؤوسهم مقدار عسكرهم، وكان فرسخا في فرسخ وكان ارتفاعه على قدر قامتهم محاذيا لرؤوسهم كالسقيفة، فلما نظروا إلى الجبل فوق رؤوسهم خروا سجدا، فسجد كل واحد على خده وحاجبه الأيسر وجعل ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل خوف أن يسقط عليه، ولذلك لا تسجد اليهود إلا على شق وجوههم الأيسر.\rقوله: فَوْقَهُمْ الاحتجاج بذلك مع إشهادهم على أنفسهم بالتوحيد والتذكير به على لسان صاحب المعجزة قائم مقام ذكره في النفوس، إما حال منتظرة أو ظرف لنتقنا. قوله: كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ حال من الجبل. قوله: وَظَنُّوا الجملة حالية من الجبل، والتقدير ورفعناه فوقهم، والحال أنه مظنون وقوعه عليهم، ومعنى الظن اليقين كما قال المفسر. قوله: (و قلنا) قدره إشارة إلى أن قوله: خُذُوا معمول لمحذوف، وهو معطوف على نَتَقْنَا.\rقوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي تتصفون بالتقوى، وهي امتثال المأمورات، واجتناب المنهيات، أو تجعلون بينكم وبين النار وقاية تحفظكم منها.\rقوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ عطف على قوله: وَإِذْ نَتَقْنَا عطف قصة على قصة، وقدر المفسر اذكر إشارة إلى أن إذ ظرف معمول لمحذوف، والحكمة في تخصيص بني إسرائيل بهذه القصة، الزيادة في إقامة الحجة عليهم، حيث أعلمهم اللّه بأن أعلم نبيه بمبدأ العالم، فضلا عن وقائعهم. قوله: (بدل اشتمال) أي من قوله: بَنِي آدَمَ والأوضح أنه بدل بعض من كل، لأن الظهور بعض بني آدم كضربت زيدا يده.\rقوله: (بأن أخرج بعضهم من صلب بعض) أي فأخرج أولاد آدم لصلبه من ظهره، ثم أخرج من ظهر أولاده لصلبه أولادهم، وهكذا على حسب الظهور الجسماني إلى يوم القيامة، وميز المسلم من الكافر، بأن جعل ذر المسلم أبيض، وذر الكافر أسود. روي أنهم لما اجتمعوا قال لهم: اعلموا أنه لا إله غيري، وأنا ربكم لا رب لكم غيري، فلا تشركوا بي شيئا، فإني سأنتقم ممن أشرك بي ولم يؤمن، وإني مرسل إليكم","part":1,"page":570},{"id":573,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 571\rعرفة نصب لهم دلائل على ربوبيته وركب فيهم عقلا وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ قال أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى أنت ربنا شَهِدْنا بذلك والإشهاد ل أَنْ لا تَقُولُوا بالياء والتاء في الموضعين أي الكفار يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا التوحيد غافِلِينَ (172) لا نعرفه أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ أي قبلنا وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فاقتدينا بهم أَفَتُهْلِكُنا تعذبنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) من آبائنا بتأسيس الشرك، المعنى لا يمكنهم الاحتجاج بذلك مع إشهادهم على أنفسهم بالتوحيد والتذكير به على لسان صاحب المعجزة قائم مقام ذكره في النفوس وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ نبينها مثل ما بينا الميثاق ليتدبروها وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174) عن كفرهم\r______________________________\rرسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي، ومنزل عليكم كتابا، فتكلموا جميعا وقالوا: شهدنا أنك ربنا لا رب لنا غيرك، فأخذ بذلك مواثيقهم، ثم كتب اللّه آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم، فنظر إليهم آدم عليه السّلام، فرأى الغني والفقير، وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: رب هلا سويت بينهم؟ فقال: إني أحب أن أشكر، فلما قررهم بتوحيده، وأشهد بعضهم على بعض، أعادهم ألى صلبه، فلا تقوم الساعة حتى يولد كل من أخذ منه الميثاق. قوله: (كالذر) قيل هو صغار النمار، وقيل هو الهباء الذي يطير في الشمس، وقيل غير ذلك. قوله: (بنعمان) مكان بجنب عرفة. قوله: (و ركب فيهم عقلا) أي وسمعا وروحا.\rقوله: وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أي قررهم، فإن الشهادة على النفس معناها الإقرار. قوله:\rبَلى هي جواب للنفي، ولكنها تفيد إثباته، كان مجردا أو مقرونا بالاستفهام التقريري كما هنا، ولذا قال عباس: لو قالوا نعم لكفروا، لأن نعم لتقرير ما قبلها مثبتا أو منفيا، فكأنهم أقروا بأنه ليس بربهم، وإلى ذلك أشار العارف الأجهوري رضي اللّه عنه بقوله:\rبل جواب النفي لكنه ... يصير إثباتا كذا قرروا\r\rنعم لتقرير الذي قبلها ... إثباتا أو نفيا كذا حرروا\r\rقوله: شَهِدْنا يحتمل أن يكون من كلام الملائكة الذين استشهدهم اللّه على ذلك، فيكون الوقف على قول: بَلى، ويحتمل أن يكون من كلام الذرية، ويكون المعنى أقررنا بذلك، وحينئذ فلا يصح الوقف على بَلى. قوله: (في الموضعين) أي قوله: أَنْ تَقُولُوا،\rأَوْ تَقُولُوا والمناسب تأخير قوله: (في الموضعين) فعلى الياء يكون إخبارا عنهم، وعلى التاء يكون خطابا لهم. قوله: (فاقتدينا بهم) أي فهم مؤاخذون بذلك ونحن معذورون. قوله: (المعنى لا يمكنهم) أي معنى الجملتين. قوله: (مع إشهادهم على أنفسهم) أي إقرارهم عليها. قوله: (على لسان صاحب المعجزة) أي وهم المرسلون وهو جواب عما يقال إن هذا العهد لا يذكره أحد اليوم.\rقوله: وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عطف على قدره المفسر.\r- فائدة حسنة- ذكر القطب الشعراني في رسالة سماها القواعد الكشفية في الصفات الإلهية: قد ذكر العلماء في قوله تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ الآية: اثني عشر سؤالا، ونحن نوردها عليك مع الجواب عنها بما فتح اللّه به، الأول: أين موضع أخذ اللّه تعالى هذا العهد؟ والجواب:","part":1,"page":571},{"id":574,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 572\r...........\r______________________________\rأن اللّه أخذ ذلك عليهم ببطن نعمان، وهو واد بجنب عرفة، قاله ابن عباس وغيره، وقال بعضهم: أخذه بسرنديب من أرض الهند، وهو الموضع الذي هبط آدم فيه من الجنة، وقال الكلبي: كان أخذ العهد بين مكة والطائف، وقال الإمام علي بن أبي طالب: كان أخذ العهد في الجنة، وكل هذه الأمور محتملة، ولا يضرنا الجهل بالمكان بعد صحة الاعتقاد بأخذ العهد. الثاني: كيف استخرجهم من ظهره؟ والجواب:\rورد في الصحيح أنه تعالى مسح ظهر آدم، وأخرج ذريته منه كلهم كهيئة الذر، ثم اختلف الناس، هل شق ظهره واستخرجهم منه؟ أو استخرجهم من بعض ثقوب رأسه، وكلا الوجهين بعيد، والأقرب كما قيل، انه استخرجهم من مسام شعر ظهره، إذ تحت كل شعرة ثقبة دقيقة يقال لها سم، مثل سم الخياط في النفوذ لا في السعة، فتخرج الذرة الضعيفة منها، كما يخرج الصئبان من العرق السائل، وهذا غير بعيد في العقل، فيجب اعتقاد إخراجها من ظهر آدم كما شاء اللّه، ولا يجوز اعتقاد أنه تعالى مسح ظهر آدم على وجه المماسة، إذ لا اتصال بين الحادث والقديم. الثالث: كيف أجابوه تعالى: بلى، هل كانوا أحياء عقلاء، أم أجابوه بلسان الحال؟ والجواب أنهم أجابوه بالنطق وهم أحياء عقلاء، إذ لا يستحيل في العقل، أن اللّه يعطيهم الحياة والعقل والنطق مع صغرهم، فإن بحار قدرته تعالى واسعة، وغاية وسعنا في كل مسألة أن تثبت الجواز، ونكل علم كيفيتها إلى اللّه تعالى. الرابع: فإذا قال الجميع بلى، فلم قبل قوما ورد آخرين؟ والجواب كما قال الحكيم الترمذي: أن اللّه تعالى تجلى للكفار بالهيبة فقالوا: بل: مخافة، فلم يكن ينفعهم إيمانهم، فكان إيمانهم كإيمان المنافقين، وتجلى للمؤمنين بالرحمة، فقالوا: بلى، مطيعين مختارين، فنفعهم إيمانهم. الخامس: إذا سبق لنا عهد وميثاق مثل هذا، فلأي شيء لا نذكره اليوم؟\rوالجواب: أنا لم نتذكر هذا العهد، لأن تلك البنية قد انقضت وتغيرت أحوالها، بمرور الزمان عليها في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، ثم استحال تصويرها في الأطوار الواردة عليها، من العلقة والمضغة واللحم والعظم، وهذا كله مما يوجب النسيان، وكان علي كرم اللّه وجهه يقول: إني لأذكر العهد الذي عهد إلي ربي. وكان سهل التستري يقول: إني لأعرف تلامذتي من ذلك اليوم، ولم أزل أربيهم في الأصلاب حتى وصلوا إلي، السادس: هل كانت تلك الذرات مصورة بصورة الإنسان أم لا؟ والجواب: لم يبلغا في ذلك دليل، إلا أن الأقرب للعقول، عدم الاحتياج إلى كونها بصورة الإنسان، إذ السمع والنطق لا يفتقران إلى الصورة، بل يقتضيان محلا حيا لا غير. السابع: متى تعلقت الأرواح بالذوات التي هي الذرية، هل قبل خروجها من ظهره، أم بعد خروجها منه؟ والجواب: قال بعضهم إن الظاهر أنه تعالى استخرجهم أحياء، لأنه سماهم ذرية، والذرية هم الأحياء لقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. فيحتمل أن اللّه تعالى أدخل فيهم الأرواح وهم في ظلمات ظهر أبيهم، ثم أدخلها مرة أخرى وهم في ظلمات بطون أمهاتهم، ثم أدخلها مرة ثالثة وهم في ظلمات بطون الأرض، هكذا جرت سنة اللّه فسمى ذلك خلقا. الثامن: ما الحكمة في أخذ الميثاق منهم؟ والجواب: أن الحكمة في ذلك، إقامة الحجة على من لم يوف بذلك. التاسع: هل أعادهم إلى ظهر آدم أحياء، أم استرد أرواحهم ثم أعادهم إليه أمواتا؟ والجواب أن الظاهر أنه لما ردهم إلى ظهره، قبض أرواحهم، قياسا على ما يفعله بهم إذا ردهم إلى الأرض بعد الموت، فإنه يقبض أرواحهم ويعيدهم فيها. العاشر: أين رجعت الأرواح بعد","part":1,"page":572},{"id":575,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 573\rوَاتْلُ يا محمد عَلَيْهِمْ أي اليهود نَبَأَ خبر الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها خرج بكفره\r______________________________\rرد الذرات إلى ظهره؟ والجواب: أن هذه مسألة غامضة، لا يتطرق إليها النظر العقلي عندي بأكثر من أن يقال: رجعت لما كانت عليه قبل حلولها في الذوات، فمن رأى في ذلك شيئا فليلحقه بهذا الموضع.\rالحادي عشر: قوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، والناس يقولون: إن الذرية أخذت من ظهر آدم؟ والجواب: أنه تعالى أخرج من ظهر آدم بنيه لصلبه ثم أخرج بني بنيه من ظهور بنيه، فاستغنى عن ذكر إخراج بني آدم من آدم بقوله من بني آدم، إذ من المعلوم أن بني بنيه لا يخرجون إلا من بنيه، ومثال ذلك: من أودع جوهرة في صدفة، ثم أودع الصدفة في خرقة، ثم أودع الخرقة مع الجوهرة في حقه، ثم أودع الحقة في درج، ثم أودع الدرج في صندوق، فأخرج منه تلك الأشياء بعضها من بعض، ثم أخرج الجميع من الصندوق، فهذا لا تناقض فيه. الثاني عشر: في أي مكان أودع كتاب العهد والميثاق؟ والجواب: قد جاء في الحديث، أنه مودع في باطن الحجر الأسود، وأن للحجر الأسود عينين وفما ولسانا، فإن قال قائل: هذا غير متصور في العقل، فالجواب: أن كل ما عسر على العقل تصوره يكفينا فيه الإيمان به، ورد معناه إلى اللّه تعالى ا ه ملخصا.\rقوله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ عطف على (و اسألهم) عطف قصة على قصة. قوله: آياتِنا أي وهي علوم الكتب القديمة، ومعرفة الاسم الأعظم، فكان يدعو به حيث شاء فيحصل بعينه، وكان يرى العرش وهو جالس مكانه، وكان في مجلس اثنا عشر ألف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه، وحاصل قصته على ما ذكره ابن عباس وغيره، أن موسى عليه السّلام، لما قصد قتال الجبارين، ونزل أرض الكنعانيين من أرض الشام، أتى بلعم إليه وكان عنده الاسم الاعظم، فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جند كثير، وإنه جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويخليها لبني إسرائيل، وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج فادع اللّه أن يردهم عنا، فقال: ويلكم نبي اللّه ومعه الملائكة والمؤمنون، فكيف أدعو عليهم وأنا أعلم من اللّه ما لا تعلمون، وإني إن فعلت ذهبت دنياي وآخرتي، فراجعوه وألحوا عليه، فقال: حتى أؤامر ربي، وكان لا يدعو حتى ينظر ما يؤمر به في المنام، فآمر ربه في الدعاء عليهم، فقيل له في المنام: لا تدع عليهم، فقال لقومه: إني قد آمرت ربي، وإني نهيت أن أدعو عليهم، فأهدوا إليه هدية فقبلها، وراجعوه فقال: حتى أؤامر ربي، فآمر فلم يؤمر بشيء، فقال: قد آمرت ربي فلم يأمرني بشيء، فقالوا له: ولو كره ربك أن تدعو لنهاك كما نهاك في المرة الأولى، فلم يزالوا يتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن، فركب أتانا له متوجها إلى جبل يطلعه على عسكر بني إسرائيل يقال له حسبان، فلما سار على أتانه غير بعيد ربضت، فنزل عنها وضربها، فقامت فركبها، فلم تسر به كثيرا حتى ربضت فضربها، وهكذا مرارا، فأذن اللّه تعالى لها في الكلام فأنطقها له، فكلمته حجة عليه فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي، ويحك تذهب إلى نبي اللّه والمؤمنين فتدعوا عليهم، فلم ينزجر، فخلى اللّه سبيل الأتان، فانطلقت حتى أشرف على جبل حسبان، فجعل يدعو عليهم، فلم يدع بشر إلا صرف اللّه به لسانه إلى قومه، ولا يدعو بخير لقومه إلا صرف اللّه به لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: يا بلعم أتدري ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا، فقال: هذا ما لا أملكه، هذا شيء قد غلب اللّه عليه، فاندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: الآن قد ذهب مني الدنيا والآخرة، ولم يبق إلا المكر والخديعة،","part":1,"page":573},{"id":576,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 574\rكما تخرج الحية من جلدها وهو بلعم بن باعوراء من علماء بني إسرائيل سئل أن يدعو على موسى وأهدي إليه شيء فدعا فانقلب عليه واندلع لسانه على صدره فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فأدركه فصار قرينه فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ إلى منازل العلماء بِها بأن نوفقه للعمل وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ سكن إِلَى الْأَرْضِ أي الدنيا ومال إليها وَاتَّبَعَ هَواهُ في دعائه إليها فوضعناه فَمَثَلُهُ صفته كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ بالطرد والزجر يَلْهَثْ يدلع لسانه أَوْ إن تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ وليس غيره من الحيوان كذلك وجملنا الشرط حال أي لاهثا ذليلا بكل حال والقصد التشبيه في الوضع والخسة بقرينة الفاء المشعرة بترتب ما بعدها على ما قبلها من الميل إلى الدنيا واتباع الهوى وبقرينة قوله ذلِكَ المثل مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ على اليهود لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) يتدبرون فيها فيؤمنون ساءَ بئس مَثَلًا الْقَوْمُ أي مثل القوم الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (177) بالتكذيب مَنْ يَهْدِ\r______________________________\rفسأمكر لكم واحتال، احملوا النساء وزينوهن وأعطوهن السلع، ثم أرسلوهن إلى عسكر بني إسرائيل يبعنها فيه، ومروهن أن لا تمنع امرأة نفسها من رجل راودها، فإنه إن زنى رجل بواحدة كفيتموهم، ففعلوا، فلما دخل النساء العسكر، مرت امرأة من الكنعانيين على رجل من عظماء بني إسرائيل، وكان رأس سبط شمعون بن يعقوب، فقام إلى المرأة وأخذ بيدها حين أعجبه جمالها، ثم أقبل بها حتى وقف على موسى وقال: إني أظنك أن تقول هذا حرام عليك، قال: أجل هي حرام عليك لا تقربها، قال: فو اللّه لا نطيعك، ثم دخل بها قبته فوقع عليها فأرسل اللّه عليهم الطاعون في الوقت، فهلك منهم سبعون ألفا في ساعة من النهار. قوله: (من علماء بني إسرائيل) أي بل قيل بنبوته والحق خلافه. لأن الأنبياء معصومون من كل ما يغضب اللّه تعالى. قوله: (و أهدي إليه شيء) أي في نظير الدعاء عليهم، وتسمى تلك الهدية رشوة، وهي محرمة في شرعنا، والذي ألجأه المنصب. قوله: (و اندلع لسانه) أي تدلى. قوله: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ هذا مبالغة في ذمه، حيث كان عالما عظيما، ثم صار الشيطان من أتباعه.\rقوله: وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ مفعول المشيئة محذوف تقديره رفعته. قوله: بِها أي بسبب تلك الآيات. قوله: (و لكنه أخلد) أي مال واطمأن. قوله: كَمَثَلِ الْكَلْبِ أي الذي هو أخس الحيوانات. قوله: إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ أي تشدد عليه وتجهده يلهث أي يخرج لسانه. قوله: أَوْ تَتْرُكْهُ أي من غير تشدد عليه. قوله:\r(و ليس غيره من الحيوانات كذلك) أي بل غيره يلهث في حال التعب فقط. قوله: (ما بعدها) أي وهو الانسلاخ، وقوله: (من الميل الخ) بيان لما قبلها.\rقوله: ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ أي اليهود الذين أوتوا التوراة، وفيها صفات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأخلاقه وشمائله، فغيروا وبدلوا. قوله: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ أي الذي أوحي إليك، ليعلموا أنك علمته من الوحي فيؤمنون. قوله: (على اليهود) لا مفهوم له، بل المراد اقصص القصص على أمتك ليتعظوا بذلك.\rقوله: ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ ساء فعل ماض لإنشاء الذم، ومَثَلًا تمييز الْقَوْمُ فاعل على حذف مضاف تقديره مثل القوم، والخصوص بالذم محذوف تقديره مثلهم.","part":1,"page":574},{"id":577,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 575\rاللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (178) وَلَقَدْ ذَرَأْنا خلقنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها الحق وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها دلائل قدرة اللّه بصر اعتبار وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها الآيات والمواعظ سماع تدبر واتعاظ أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ في عدم الفقه والبصر والاستماع بَلْ هُمْ أَضَلُ من الأنعام لأنها تطلب منافعها وتهرب من مضارها وهؤلاء يقدمون على النار معاندة أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (179) وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى التسعة والتسعون الوارد بها الحديث والحسنى مؤنث الأحسن فَادْعُوهُ سموه بِها وَذَرُوا اتركوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ من ألحد ولحد يميلون عن الحق فِي أَسْمائِهِ حيث اشتقوا منها أسماء لآلهتهم\r______________________________\rقوله: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ هذا رجوع للحقيقة وتسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: فَهُوَ الْمُهْتَدِي بإثبات الياء وصلا ووقفا باتفاق القراء هنا.\rقوله: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً أي بحكم القبضة الإلهية حين قبض قبضة، وقال: هذه للجنة ولا أبالي، وقبض قبضة وقال: هذه للنار ولا أبالي، وقوله: كَثِيراً يؤخذ منه أن أهل النار أكثر من أهل الجنة، وهو كذلك، لما تقدم من أن من كل ألف واحدا للجنة، والباقي للنار.\rقوله: (الحق) قدره هو، ونظيره في: يُبْصِرُونَ ويَسْمَعُونَ إشارة إلى أن مفعول كل محذوف.\rقوله: بَلْ هُمْ أَضَلُ إضراب انتقالي، ونكتة الاضراب أن الأنعام لا تدري العواقب، والعقلاء تعرفها، فقدومهم على المضار مع علمهم بعواقبها، أضل من قدوم الأنعام على مضارها. قوله: أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ أي قلبا وسمعا وبصرا، وهذه علامة أهل النار المخلدين فيها.\rقوله: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ذكرت في أربعة مواضع من القرآن: هنا، وفي آخر الإسراء، وفي أول طه، وفي آخر الحشر. قوله: (الوارد بها الحديث) أي وقد ورد بطرق مختلفة منها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن للّه تسعة وتسعين اسما، مائة غير واحد، إنه وتر يحب الوتر وما من عبد يدعو بها إلا وجبت له الجنة»، ومنها:\r«إن للّه تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة»، ومنها: «إن للّه عز وجل تسعة وتسعين اسما، مائة غير واحد، إن اللّه وتر يحب الوتر، من حفظها دخل الجنة»، ومنها: «إن للّه مائة اسم غير اسم، من دعا بها استجاب اللّه له» وكلها مذكورة في الجامع الصغير عن علي وعن أبي هريرة. والأسماء جمع اسم، وهو اللفظ الدال على المسمى، إما على الذات فقط، أو على الذات والصفات، والأخبار بأنها تسع وتسعون ليس حصرا، وإنما ذلك إخبار عن دخول الجنة بإحصائها أو استجابة الدعاء بها، وإلا فأسماء اللّه كثيرة، قال بعضهم: إن للّه ألف اسم، وقال بعضهم: إن أسماءه على عدد أنبيائه، فكل نبي يستمد من اسم، ونبينا يستمد من الجميع. قوله: (و الحسنى مؤنث الأحسن) أي ككبرى وصغرى، مؤنث الأكبر والأصغر، وإنما كانت حسنى، لأن الدال يشرف بشرف مدلوله. قوله: (سموه) بِها أي وقت دعائكم وندائكم وأذكاركم.\rقوله: وَذَرُوا أمر للمكلفين. قوله: (من ألحد ولحد) أي رباعيا وثلاثيا، وهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: (يميلون عن الحق) تفسير لكل من القراءتين، ومنه لحد الميت لأنه يمال بحفره إلى جنب القبر، بخلاف الضريح، فإنه الحفر في الوسط. قوله: (حيث اشتقوا) أي اقتطعوا، وهذا الإلحاد كفر، ويطلق الإلحاد على التسمية بما لم يرد، وهو بهذا المعنى حرام، لأن أسماءه توقيفية، فيجوز أن يقال يا جواد، ولا","part":1,"page":575},{"id":578,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 576\rكاللات من اللّه والعزى من العزيز ومناة من المنان سَيُجْزَوْنَ في الآخرة جزاء ما كانُوا يَعْمَلُونَ (180) وهذا قبل الأمر بالقتال وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) هم أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كما في الحديث وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا القرآن من أهل مكة سَنَسْتَدْرِجُهُمْ نأخذهم قليلا قليلا مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ أمهلهم إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) شديد لا يطاق أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فيعلموا ما بِصاحِبِهِمْ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مِنْ جِنَّةٍ جنون إِنْ ما هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) بين الإنذار أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ ملك السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَفي ما\r______________________________\rيجوز أن يقال يا سخي، ويقال يا عالم دون عاقل، وحكيم دون طبيب، وهكذا. قوله: (جزاء) ما كانُوا يَعْمَلُونَ أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، وقدر ليصح الكلام، إذ لا معنى لكونهم يجزون الذي كانوا يعملونه من الإلحاد، بل المراد جزاؤه. قوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) اسم الإشارة راجع لقوله: وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ فهذه الآية منسوخة بآية القتال.\rقوله: وَمِمَّنْ خَلَقْنا الجار والمجرور خبر مقدم، وأُمَّةٌ مبتدأ مؤخر. قوله: بِالْحَقِ الباء للملابسة أي يهدون الناس ويرشدونهم ملتبسين بالحق. قوله: وَبِهِ يَعْدِلُونَ أي بالحق يجعلون الأمور متعادلة مستوية، لا إفراط فيها ولا تفريط. قوله: (كما في الحديث) أي وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق إلى أن يأتي أمر اللّه» وعن معاوية وهو يخطب: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر اللّه لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر اللّه وهم على ذلك»، وهذه الطائفة لا تختص بزمان دون زمان، ولا مكان دون مكان، بل هم في كل مكان وفي كل زمان، فالإسلام دائما يعلون ولا يعلى عليه، وإن كثر الفساق وأهل الشر، فلا عبرة بهم، ولا صولة لهم، وفي هذا بشارة لهذه الأمة المحمدية، بأن الإسلام في علو وشرف، وأهله كذلك إلى قرب يوم القيامة، حتى تموت حملة القرآن والعلماء، وينزع القرآن من المصاحف، وتأتي الريح اللينة فيموت كل من كان فيه مثقال ذرة من الإيمان، ولا يكون هذا الأمر، إلا بعد وفاة عيسى عليه السّلام.\rقوله: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا مبتدأ خبره الجملة الاستقبالية بعده. قوله: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ الاستدراج هو الاستصعاد درجة فدرجة، أو الاستنزال درجة بعد درجة. قوله: (نأخذهم قليلا قليلا) أي نمدهم بالعطايا شيئا فشيئا، وهم مقيمون على المعاصي، حتى ينتهي بهم الأمر إلى الهلاك، فهم يظنون أنهم في نعم، وهم في نقم، ولذا قيل: إذا رأيت اللّه أنعم على عبده وهو مقيم على معصيته، فاعلم أنه مستدرج له.\rقوله: إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ الكيد في الأصل المكر والخديعة، وذلك مستحيل على اللّه، بل المراد الاستدراج وكان شديدا، لأن ظاهره إحسان وباطنه خذلان.\rقوله: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا الهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير أعموا ولم يتفكروا. قوله: ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ سبب نزولها ما روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم صعد على الصفا فدعاهم فخذا فخذا، يا بني فلان، يحذرهم بأس اللّه، فقال بعضهم: إن صاحبكم لمجنون بات يهوت إلى الصباح، ومعنى يهوت يصوت، وإنما نسبوه إلى الجنون لمخالفته لهم في الأقوال والأفعال، فإنه كان موحدا مقبلا على اللّه بكليته، معرضا عن الدنيا وشهواتها، وهم ليسوا كذلك.\rقوله: (ملك) السَّماواتِ","part":1,"page":576},{"id":579,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 577\rخَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ بيان لما فيستدلوا به على قدرة صانعه ووحدانيته وَفي أَنْ أي أنه عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ قرب أَجَلُهُمْ فيموتوا كفارا فيصيروا إلى النار فيبادروا إلى الإيمان فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ أي القرآن يُؤْمِنُونَ (185) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ بالياء والنون مع الرفع استئنافا والجزم عطفا على محل ما بعد الفاء فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186) يترددون تحيرا يَسْئَلُونَكَ أي أهل مكة عَنِ السَّاعَةِ القيامة أَيَّانَ متى مُرْساها قُلْ لهم\r______________________________\rوَالْأَرْضِ إنما فسر الملكوت بالملك، لأن الملكوت ما غاب عنا، كالملائكة والعرش والكرسي، والمأمور بالنظر فيه عالم الملك وهو ما ظهر لنا. قوله: وَما خَلَقَ اللَّهُ قدر المفسر في إشارة إلى أنه معطوف على:\rمَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. قوله: وَأَنْ عَسى قدر المفسر في إشارة إلى أن الجملة في محل جر عطفا على ما قبلها، وأَنْ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وجملة: عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ خبرها.\rقوله: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ الخ متعلق بيؤمنون، وهو استفهام تعجبي، والمعنى إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن الذي هو أعظم المعجزات، فبأي آية ومعجزة يؤمنون بها.\rقوله: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ تذييل لما قبله، خارج مخرج المثل. قوله: (بالياء والنون) أي مع الرفع، وبالياء لا غير مع الجزم، فالقراءات ثلاث وكلها سبعية، فعلى النون يكون التفاتا من الغيبة للتكلم، لأن الاسم الظاهر من قبيل الغيبة. قوله: (على محل ما بعد الفاء) أي وهو الجزم، لأن جملة: فَلا هادِيَ لَهُ جواب الشرط في محل جزم.\rقوله: يَسْئَلُونَكَ الضمير عائد على أهل مكة كما قال المفسر، لأن السورة مكية إلا ما تقدم من الثمان آيات، وهذا استئناف مسوق لبيان تعنتهم في كفرهم، لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يخوفهم من الساعة وأهوالها.\rقوله: (القيامة) سميت ساعة إما لسرعة مجيئها، قال تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ أو لسرعة حسابها، لأن الخلق جميعا يحاسبون في قدر نصف يوم من نهار، أو لأنها ساعة عند اللّه لخفتها، وإن كانت في نفسها طويلة، لأن الأزمان عنده مستوية، ولها أسماء كثيرة، منها القيامة القيام الناس لرب العالمين فيها، والقارعة لأنها تقرع القلوب بأهوالها، والحاقة لأنها ثابتة، والخافضة والرافعة لأنها تخفض أقواما وترفع آخرين، والطامة لأنه لا يمكن ردها، والصامة لأنها تصم الآذان، والزلزلة لتزلزل الأرض والقلوب، ويوم الفرقة لتفرقهم في الجنة والنار، واليوم الموعود لأن اللّه وعد فيه أقواما بالجنة، وأوعد أقواما بالنار، ويوم العرض لعرض الناس على ربهم، ويوم المفر لقول الإنسان يومئذ أين المفر، واليوم العسير لشدة الحساب فيه، ورحمة الناس بعضهم على بعض، حتى يكون على القدم ألف قدم، وفي رواية سبعون ألف قدم على قدم، وتدنو الشمس من الرؤوس حتى يكون بينها وبين الرؤوس قدر المرود، إلى غير ذلك من أسمائها.\rقوله: أَيَّانَ مُرْساها في الكلام استعارة بالكناية، حيث شبه الساعة بسفينة في البحر، وطوى ذكر المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو الإرساء فذكره تخييل، وهذه الجملة من المبتدأ والخبر، بدل من الجار والمجرور قبله، والمعنى يسألونك عن وقت مجيء الساعة وهو في محل نصب، لأن الجار والمجرور","part":1,"page":577},{"id":580,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 578\rإِنَّما عِلْمُها متى تكون عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها يظهرها لِوَقْتِها اللام بمعنى في إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ عظمت فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ على أهلهما لهولها لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً فجأة يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌ مبالغ في السؤال عَنْها حتى علمتها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ تأكيد وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (187) أن علمها عنده تعالى قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً أجلبه وَلا ضَرًّا أدفعه إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ ما غاب عني لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ من فقر وغيره لاحترازي عنه باجتناب المضار إِنْ ما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ بالنار للكافرين\r______________________________\rفي محل نصب معمول ليسألونك. قوله: (متى تكون) أشار بذلك إلى أن الكلام فيه حذف مضاف، والتقدير إنما علم وقتها عند اللّه. قوله: (على أهلهما) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، وفِي بمعنى على، ويصح أن تبقى الآية على ظاهرها لأنه لا يطيقها شيء من السماوات لطيها، ولا الأرض لتبدلها، فهي شاقة مفزعة لكل ما سوى اللّه.\rقوله: لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً أي على حين غفلة، والحكمة في اخفائها ليتأهب لها كل أحد، كما أخفيت ساعة الإجابة يوم الجمعة ليعتنى باليوم كله، وليلة القدر في سائر الليالي، ليعتنى بجميع الليالي، والرجل الصالح في جميع الخلق ليعتقد الجميع، والصلاة الوسطى في جميع الصلوات للمحافظة على الجميع. قوله: كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها عن بمعنى الباء، والمعنى كأنك عالم بها ومتيقن لها. قوله: (تأكيد) أي لما قبله لبيان أنها من الأمر المكتوم الذي استأثر اللّه بعلمه، فلم يطلع عليه أحد إلا من ارتضاه من الرسل، والذي يجب الإيمان به، أن رسول اللّه لم ينتقل من الدنيا حتى أعلمه اللّه بجميع المغيبات التي تحصل في الدنيا والآخرة، فهو يعلمها كما هي عين يقين، لما ورد: «رفعت لي الدنيا فأنا أنظر فيها كما أنظر إلى كفي هذه»، وورد أنه اطلع على الجنة وما فيها، والنار وما فيها، وغير ذلك مما تواترت به الأخبار، ولكن أمر بكتمان البعض.\rقوله: لِنَفْسِي معمول لا أملك. قوله: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أي تمليكه لي فأنا أملكه.\rقوله: وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ الخ إن قلت: إن هذا يشكل مع ما تقدم لنا، أنه اطلع على جميع مغيبات الدنيا والآخرة، والجواب: أنه قال ذلك تواضعا أو أن علمه بالمغيب كلا، علم من حيث إنه لا قدرة له على تغيير ما قدر اللّه وقوعه، فيكون المعنى حينئذ، لو كان لي علم حقيقي بأن أقدر على ما أريد وقوعه لاستكثرت الخ، إن قلت: إن دعاءه مستجاب لا يرد. أجيب: بأنه لا يشاء إلا ما يشاؤه اللّه، فلو اطلع على أن هذا الشيء مثلا لا يكون كذا لا يوفق للدعاء له، إذ لا يشفع ولا يدعو إلا بما فيه إذن من اللّه، واطلاع منه على أنه يحصل ما دعا به، وهو سر قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وفي ذلك المعنى قال العارف:\rوخصك بالهدى في كل أمر ... فلست تشاء إلا ما يشاء\r\rوللخواص من أمته حظ من هذا المقام، ولذا قال العارف أبو الحسن الشاذلي: إذا أراد اللّه أمرا، أمسك ألسنة أوليائه عن الدعاء سترا عليهم، لئلا يدعوا فلا يستجاب لهم فيفتضحوا. قوله: (للكافرين)","part":1,"page":578},{"id":581,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 579\rوَبَشِيرٌ بالجنة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) هُوَ أي اللّه الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أي آدم وَجَعَلَ خلق مِنْها زَوْجَها حواء لِيَسْكُنَ إِلَيْها ويألفها فَلَمَّا تَغَشَّاها جامعها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً هو النطفة فَمَرَّتْ بِهِ ذهبت وجاءت لخفته فَلَمَّا أَثْقَلَتْ بكبر الولد في بطنها وأشفقا أن يكون بهيمة دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا ولدا صالِحاً سويا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) لك عليه فَلَمَّا آتاهُما ولدا صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ وفي قراءة بكسر الشين والتنوين أي شريكا فِيما آتاهُما بتسميته عبد الحرث ولا ينبغي أن يكون عبدا إلا للّه وليس بإشراك في العبودية لعصمة آدم، وروى سمرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لما ولدت حواء طاف بها إبليس\r______________________________\rأشار بذلك إلى أن في الآية اكتفاء. قوله: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ خصوا بذلك لأنهم المنتفعون بذلك.\rقوله:\rهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ الخطاب لأهل مكة المعارضين المعاندين. قوله: مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أي لأنه المالك المتصرف، وهذا أعظم دليل على انفراده بالوحدانية. قوله: (أي آدم) أي وهو مخلوق من الماء والطين، والماء والطين موجودان من عدم، فآل الأمر إلى أن آدم وأولاده موجودان من عدم.\rقوله: وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها أي من الضلع الأيسر، فنبتت منه كما تنبت النخلة من النواة. قوله:\r(حواء) تقدم أنها سميت حواء لأنها خلقت من حي وهي آدم. قوله: لِيَسْكُنَ إِلَيْها هذا هو حكمه كون حواء من آدم، فالحكمة في كونها منه، كونه يسكن إليها ويألفها لأنها جزء منه. قوله: (و يألفها) عطف تفسير. قوله: فَلَمَّا تَغَشَّاها التغشي كناية عن الجماع، وعبر به تعليما لعباده الأدب. قوله: (هو النطفة) إن قلت: إن الجنة لا حمل فيها ولا ولادة. أجيب: بأن ذلك بعد هبوطهما إلى الأرض، وأما جماعه لها في الجنة فبغير نطفة ولا حمل منها ولا ولادة.\rقوله: فَمَرَّتْ بِهِ أي ترددت بذلك الحمل لعدم المشقة الحاصلة منه. قوله: فَلَمَّا أَثْقَلَتْ أي صارت ذات ثقل أو دخلت في الثقل، كأصبح إذا دخل في الصباح. قوله: (و أشفقا) أي خافا، ورد أنه لما جاءها إبليس وقال لها: ما هذا الذي في بطنك؟ فقالت: لا أدري، فقال لها: يحتمل أن يكون كلبا أو حمارا أو غير ذلك، ويحتمل أن يخرج من عينك أو فمك أو تشق بطنك لإخراجه فخوفها بهذا كله، فعرضت الأمر على آدم، فدعوا ربهما إلى آخر الدعاء المذكور. قوله: لَئِنْ اللام موطئة لقسم محذوف تقديره واللّه. قوله: (و لذا قدره) إشارة إلى أن صالحا صفة لموصوف محذوف مفعول ثان: لآتيتنا، لأنه بمعنى أعطيتنا. قوله: لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ أي نزيد في الشكر لأن الشكر يزيد ويعظم بزيادة النعم.\rقوله: شُرَكاءَ جمع شريك، والمراد بالجمع المفرد، بدليل القراءة الثانية. قوله: (أي شريكا) تفسير لكل من القراءتين. قوله: (بتسميته عبد الحرث) أي والحرث كان اسما لإبليس، فقصد اللعين بذلك انتسابه له وأنه عبده. قوله: (و ليس بإشراك في العبودية) المناسب أو يقول في العبادة أو في المعبودية، وإنما هو إشراك في التسمية، وهو ليس بكفر بل تعمده حرام، لعدم تعظيمه شرعا، وأما النسبة للمعظم شرعا، كعبد النبي، وعبد الرسول، فقيل بالكراهة. والحاصل أن النسبة للمعظم شرعا لا حرمة فيها، ولغيره حرام إن لم يعتقد المعبودية، وإلا كان كفرا في الجميع. قوله: (و روى سمرة) الحكمة في ذكر","part":1,"page":579},{"id":582,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 580\rوكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحرث فإنه يعيش فسمته فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره، رواه الحاكم وقال صحيح، والترمذي وقال حسن غريب فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أي أهل مكة به من الأصنام والجملة مسببة عطف على خلقكم وما بينهما اعتراض أَيُشْرِكُونَ به في العبادة ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ أي لعابديهم نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) بمنعها ممن أراد بهم سوءا من كسر أو غيره والاستفهام للتوبيخ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ أي الأصنام إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ بالتخفيف والتشديد سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ إليه أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (193) عن دعائهم ولا يتبعوه لعدم سماعهم إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ مملوكة أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ دعاءكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (194) في أنها آلهة ثم بين غاية عجزهم وفضل عابديهم عليهم فقال أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ بل ألَهُمْ أَيْدٍ جمع يد يَبْطِشُونَ بِها أَمْ بل ألَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ بل ألَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها استفهام إنكاري أي ليس لهم شيء من ذلك مما\r______________________________\rهذه الرواية، أن هذا المقام زلت فيه اقدام العلماء، فمنهم من أصاب، ومنهم من أخطأ، فذكر هذه الرواية ليتضح المقام ويظهر الغث من السمين. قوله: (كان لا يعيش لها ولد) وذلك أنها ولدت قبل ذلك، عبد اللّه وعبيد اللّه وعبيد الرحمن فأصابهم الموت، وكان يلح عليها كل مرة، فألح عليها في الأخير، فسمته عبد الحرث كما أفادته رواية المفسر. قوله: (و الجملة) أي قوله: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ.\rقوله: (مسببة) عطف على قوله: (خلقكم) أي وليس لها تعلق بقصة آدم وحواء أصلا، ويؤيد ذلك الجمع بعد التثنية، ولو كان راجعا لها لثنى الضمير وقال يشركان. وفي قوله: يُشْرِكُونَ التفات من الخطاب إلى الغيبة.\rقوله: أَيُشْرِكُونَ شروع في توبيخ أهل مكة على الاشراك.\rقوله: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ هذا بيان لعجز الأصنام عما هو أدنى من النصر المنفي عنها، والخطاب للمشركين بطريق الالتفات اعتناء بمزيد التوبيخ، وقوله: إِلَى الْهُدى أي لكم، أي إن تدعوهم إلى أن يهدوكم لا يتبعوكم إلى مرادكم، ولا يجيبوكم كما يجيبكم اللّه. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: سَواءٌ عَلَيْكُمْ استئناف مقرر لمضمون ما قبله، أي سواء عليكم في عدم الإفادة دعاؤكم لهم وسكوتكم عنه، فإنه لا يتغير حالكم في الحالين، كما لا يتغير حالهم عن حكم الجمادية. قوله:\r(مملوكة) دفع بذلك ما يقال إن الأصنام جمادات لا تعقل، فكيف توصف بأنها مثلكم؟ وأجيب: بأن المراد بكونهم أمثالكم، انهم مملوكون مقهورون، لا يملكون ضرا ولا نفعا، فالتشبيه من هذه الحقيقة لا بد من كل وجه. قوله: (و فضل عابديهم) إما بتشديد الضاد عطف على (بين) وبسكون الضاد عطف على (غاية) ومعنى فضلهم زيادتهم عليهم بهذه المنافع المذكورة.\rقوله: أَمْ لَهُمْ أشار المفسر إلى أن أَمْ منقطعة تفسر ببل، والهمزة والاضراب انتقالي من توبيخ لتوبيخ آخر. قوله: يَبْطِشُونَ من باب ضرب، وبها قرأ السبعة، وقرىء شذوذا من باب قتل، والبطش هو الأخذ بعنف. قوله: (استفهام إنكاري) أي في","part":1,"page":580},{"id":583,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 581\rهو لكم فكيف تعبدونهم وأنتم أتم حالا منهم قُلِ يا محمد ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ إلى هلاكي ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (195) تمهلون فإني لا أبالي بكم إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ متولي أموري الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ القرآن وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) بحفظه وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) فكيف أبالي بهم وَإِنْ تَدْعُوهُمْ أي الأصنام إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ أي الأصنام يا محمد يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ أي يقاتلونك كالناظر وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (198) خُذِ الْعَفْوَ أي اليسر من أخلاق الناس ولا تبحث عنها وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ المعروف وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (199) فلا تقابلهم بسفههم وَإِمَّا فيه إدغام نون إن الشرطية في ما المزيدة يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ أي إن يصرفك عما أمرت به صارف\r______________________________\rالمواضع الأربعة، أي ليس لهم شيء من المنافع المذكورة.\rقوله: قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ أي واستعينوا بهم في عداوتي. قوله: كِيدُونِ قرىء بإثبات الياء وصلا، وحذفها وقفا، وبإثباتها في الحالين، وكلها سبعية، وفي القرآن: كِيدُونِ في ثلاثة مواضع، هنا وفي هود بإثبات الياء عند السبع في الحالين، وفي المرسلات بحذفها عند السبع في الحالين.\rقوله: إِنَّ وَلِيِّيَ العامة على تشديد الولي مضافا لياء المتكلم المفتوحة، وفي بعض الطرق بياء واحدة مشددة مفتوحة.\rقوله: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ من تمام التعليل لعدم مبالاته بهم.\rقوله: وَإِنْ تَدْعُوهُمْ أي أيها المشركون، أي تدعوا أصنامكم إلى أن يهدوكم لا يسمعوا دعاءكم، فضلا عن المساعدة والإمداد، وهذا أبلغ من نفي الاتباع، وقوله: وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ الخ، بيان لعجزهم عن الأبصار بعد بيان عجزهم عن السمع، وبه يتم التعليل ورأى بصرية.\rقوله: خُذِ الْعَفْوَ هذا أمر من اللّه لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكارم الأخلاق، وحسن معاملة الكفار إثر بيان زجرهم وإفحامهم بالخطاب، ورد لما نزلت هذه الآية، سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جبريل عن معناها، فقال حتى أسأل ربي، فذهب ثم رجع فقال: يا محمد، ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك. قال جعفر الصادق: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية. قوله: (أي اليسر من أخلاق الناس) أي ما سهل منها. قوله: (و لا تبحث عنها) أي لا تفتش عن الأخلاق، بل اقبل ما ظهر، ودع ما بطن للّه.\rقوله: وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ أي ما عرف جنسه في الشرع. قوله: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ إن كان المراد بالجاهلين الكفار، وبالإعراض عدم مقاتلتهم، فالآية منسوخة بآية القتال، وإن كان المراد بالجاهلين، ضعفاء الإسلام وأجلاف العرب، وبالإعراض عدم تعنيفهم والاغلاظ عليهم، فالآية محكمة، وكلام المفسر يشهد للثاني، ومن معنى ذلك قوله تعالى: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ وهو الذي لا عتاب بعده، وفي هذه الآية تعليم مكارم الأخلاق للعباد، فليس هذا الأمر من خصوصياته صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ سبب نزولها أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما أمر بأخذ العفو، والأمر بالعرف، والإعراض عن الجاهلين، قال: وكيف بالغضب؟ فنزلت هذه الآية. والنزغ هو النخس، وهو في الأصل حث السائق","part":1,"page":581},{"id":584,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 582\rفَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ جواب الشرط وجواب الأمر محذوف يدفعه عنك إِنَّهُ سَمِيعٌ للقول عَلِيمٌ (200) بالفعل إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ أصابهم طائِفٌ وفي قراءة طائف أي شيء ألم بهم مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا عقاب اللّه وثوابه فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) المحق من غيره فيرجعون وَإِخْوانُهُمْ أي إخوان الشياطين من الكفار يَمُدُّونَهُمْ أي الشياطين فِي الغَيِّ ثُمَ هم لا يُقْصِرُونَ (202) يكفون عنه بالتبصر كما تبصر المتقون وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ أي أهل مكة بِآيَةٍ مما اقترحوا قالُوا لَوْ لا هلا اجْتَبَيْتَها أنشأتها من قبل نفسك قُلْ لهم إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي وليس لي أن آتي من عند نفسي بشيء هذا القرآن بَصائِرُ حجج مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا عن الكلام لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) نزلت في ترك الكلام في الخطبة وعبر عنها بالقرآن لاشتمالها عليه\r______________________________\rللدابة على السير، والمراد منه الوسوسة، فشبهت الوسوسة بالنزغ بمعنى الحث على السير، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من النزغ ينزغنك بمعنى يوسوس لك، والخطاب للنبي والمراد غيره، لأن الشيطان لا تسلط له عليه. قوله: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أي أطلب الاستعاذة باللّه بأن تقول: أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم. قوله: (جواب الشرط) أي وقرن بالفاء لأنه جملة طلبية. قوله: إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي فيجيبك لما طلبت.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا أي الذين اتصفوا بامتثال الأوامر واجتناب النواهي. قوله: (أي شيء ألم بهم) تفسير للقراءتين، أي خاطر قليل من الشيطان، فإذا وسوس الشيطان لهم بفعل المعاصي، أو ترك الطاعات، تذكروا عقاب اللّه وثوابه، فرجعوا لما أمر اللّه به ونهى عنه. قوله: (عقاب اللّه) أي في متابعة الشيطان، وقوله: (و ثوابه) أي في مخالفته.\rقوله: وَإِخْوانُهُمْ مبتدأ، وجملة: يَمُدُّونَهُمْ خبر.\rقوله: (أي إخوان الشياطين من الكفار) أي والفساق، أشار بذلك إلى أن المراد بالإخوان الكفار والفساق، والضمير عائد على الشياطين.\rقوله: يَمُدُّونَهُمْ الواو عائدة على الشياطين، والهاء عائدة على الكفار والفساق، فقد عاد ضمير الخبر على غير المبتدأ في المعنى. قوله: ثُمَ (هم) أي الإخوان. قوله: لا يُقْصِرُونَ أي لا يبعدون عن الغي. قوله: (بالتبصر) أي التأمل والتفكر، والمعنى أن الشياطين يمدون الكفار والفساق في الغي، حتى لا يكفون عنه ولا يتركونه، فجعل اللّه في هذه الآية للمتقين علامة، ولغيرهم علامة.\rقوله: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ رجوع لخطاب كفار مكة. قوله: (مما اقترحوا) أي طلبوا. قوله: لَوْ لا اجْتَبَيْتَها أشار المفسر إلى أن لو لا تخضيضية حيث قال هلا. قوله: (أنشأتها) أي اخترعتها واختلقها. قوله: (و ليس لي أن آتي من عند نفسي بشيء) أي لا يمكنني ذلك.\rقوله: بَصائِرُ أي سبب فيها، فسمى السبب وهو القرآن باسم المسبب وهو الحجج. قوله:\rلِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ خصوا بذلك لأنهم المنتفعون به.\rقوله: فَاسْتَمِعُوا لَهُ أي للقرآن. قوله: (نزلت في ترك الكلام في الخطبة) أي وهو واجب عند مالك والشافعي في القديم، ومذهب الشافعي في الجديد،","part":1,"page":582},{"id":585,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 583\rوقيل في قراءة القرآن مطلقا وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ أي سرا تَضَرُّعاً تذللا وَخِيفَةً خوفا منه وَفوق السر دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ أي قصدا بينهما بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ أوائل النهار وأواخره وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (205) عن ذكر اللّه إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ أي الملائكة لا يَسْتَكْبِرُونَ يتكبرون له عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ ينزهونه عما لا يليق به وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206) أي يخصونه بالخضوع والعبادة فكونوا مثلهم.\r______________________________\rالانصات سنة، والكلام مكروه. قوله: (و قيل في قراءة القرآن مطلقا) أي فيحرم الكلام في مجلس القرآن للتخليط على القارىء، بل يجب الإنصات والاستماع، فإن أمن التخليط فلا حرمة، وما ذكره المفسر قولان من أربع، وثالثها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة، لأنهم كانوا يتكلمون في الصلاة، رابعها أنها أنزلت في ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام.\rقوله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ أي بأي نوع من أنواع الذكر، كالتسبيح والتهليل والدعاء والقرآن وغير ذلك. وقوله: (سرا) أي إن لم يلزم عليه الكسل وإلا جهرا. قوله: تَضَرُّعاً وَخِيفَةً مفعولان لأجله أو حالان، أي متضرعين خائفين. قوله: وَدُونَ الْجَهْرِ معطوف على قوله: فِي نَفْسِكَ. قوله: بِالْغُدُوِّ جمع غدوة، وهي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، قوله: وَالْآصالِ جمع أصيل، وهو من العصر إلى الغروب، وإنما خص هذين الوقتين بالذكر، لأن الإنسان يقوم من النوم عند الغداة، فطلب أن يكون أول صحيفته ذكر اللّه، وأما وقت الآصال فلأن الإنسان يستقبل النوم وهو أخو الموت، فينبغي له أن يشغله بالذكر، خيفة أن يموت في نومه فيبعث على ما مات عليه، وقيل إن الأعمال تصعد في هذين الوقتين، وقيل لكراهة النفل في هذين الوقتين، فطلب بالذكر فيهما لئلا يضيع على الإنسان وقته. قوله: وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ خطاب للنبي والمراد غيره.\rقوله: عِنْدَ رَبِّكَ العندية مكانة لا مكان، أو المراد عند عرش ربك، وهذا كالدليل لما قبله، أي فإذا كان دوام الذكر دأب من لم يجعل لهم على أعمالهم جنة ولا نار، فلتكونوا كذلك بالأولى. قوله:\r(ينزهونه) أي يعتقدون تنزيهه. قوله: (أي يخصونه) أخذ هذا الحصر من تقديم المعمول. قوله:\r(بالخضوع) تفسير للسجود، أي فالمراد بالسجود مطلق العبادة، لا خصوص السجود المعروف، وإنما خص السجود، لأن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وهذه أول سجدات القرآن المأمور بها عند التلاوة، واللّه أعلم.\rتمّ الجزء الأول من كتاب حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ويليه الجزء الثاني وأوله سورة الأنفال***","part":1,"page":583},{"id":586,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 585\rالفهرس\rالمقدمة: 3\rخطبة الكتاب 6\rتفسير سورة البقرة\rالآية: 1 10\rالآية: 2 11\rالآية: 3 12\rالآيتان: 4 و5 13\rالآيتان: 6 و7 14\rالآيتان: 8 و9 15\rالآيات: 10 - 12 16\rالآيات: 13 - 15 17\rالآية: 16 18\rالآيتان: 17 و18 19\rالآيتان: 19 و20 20\rالآية: 21 21\rالآية: 22 22\rالآيتان: 23 و24 23\rالآية: 25 25\rالآية: 26 26\rالآيتان: 27 و28 27\rالآية: 29 28\rالآية: 30 29\rالآيتان: 31 و32 30\rالآية: 33 31","part":1,"page":585},{"id":587,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 586\rالآية: 34 32\rالآيتان: 35 و36 33\rالآيات: 37 - 39 35\rالآية: 40 36\rالآيات: 41 - 43 37\rالآيتان: 44 و45 38\rالآيتان: 46 و47 39\rالآية: 48 40\rالآيتان: 49 و50 41\rالآيات: 51 - 54 42\rالآيات: 55 - 57 43\rالآية: 58 44\rالآية: 59 45\rالآية: 60 47\rالآية: 61 48\rالآيات: 62 - 64 49\rالآيات: 65 - 69 50\rالآيتان: 70 و71 51\rالآيتان: 72 و73 52\rالآيتان: 74 و75 53\rالآيات: 76 - 78 54\rالآيات: 79 - 82 55\rالآيتان: 83 و84 57\rالآية: 85 58\rالآية: 86 59\rالآيات: 87 - 89 60\rالآيتان: 90 و91 61\rالآيات: 92 - 94 62\rالآيتان: 95 و96 63\rالآيتان: 97 و98 64","part":1,"page":586},{"id":588,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 587\rالآيات: 99 - 101 65\rالآيات: 102 - 104 68\rالآية: 105 69\rالآيات: 106 - 108 70\rالآيات: 109 - 111 71\rالآيتان: 112 و113 72\rالآية: 114 73\rالآيات: 115 - 117 74\rالآيتان: 118 و119 75\rالآيات: 120 - 123 76\rالآية: 124 78\rالآية: 125 79\rالآية: 126 80\rالآيات: 127 - 129 81\rالآيات: 130 - 133 82\rالآيتان: 134 و135 83\rالآيات: 136 - 138 84\rالآيتان: 139 و140 85\rالآيتان: 141 و142 86\rالآية: 143 88\rالآيات: 144 - 147 89\rالآيتان: 148 و149 90\rالآيتان: 150 و151 91\rالآية: 152 92\rالآية: 153 93\rالآيات: 154 - 156 94\rالآية: 157 95\rالآيات: 158 - 161 96\rالآيتان: 162 و163 97\rالآية: 164 99","part":1,"page":587},{"id":589,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 588\rالآية: 165 100\rالآيات: 166 - 168 101\rالآيتان: 169 و170 102\rالآيتان: 171 و172 103\rالآية: 173 104\rالآيتان: 174 و175 105\rالآية: 176 106\rالآية: 177 107\rالآيات: 178 - 181 109\rالآيتان: 182 و183 110\rالآية: 184 111\rالآية: 185 113\rالآية: 186 114\rالآية: 187 115\rالآية: 188 116\rالآيتان: 189 و190 117\rالآيات: 191 - 193 118\rالآية: 194 119\rالآية: 195 120\rالآية: 196 122\rالآيتان: 197 و198 123\rالآيات: 199 - 201 124\rالآيتان: 202 و203 125\rالآيات: 204 - 207 126\rالآيات: 208 - 210 127\rالآية: 211 128\rالآيتان: 212 و213 129\rالآية: 214 130\rالآيتان: 215 و216 131\rالآيتان: 217 و218 133","part":1,"page":588},{"id":590,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 589\rالآية: 219 134\rالآية: 220 135\rالآية: 221 136\rالآيتان: 222 و223 138\rالآيتان: 224 و225 139\rالآيتان: 226 و227 140\rالآية: 228 141\rالآية: 229 142\rالآية: 230 143\rالآيتان: 231 و232 144\rالآية: 233 145\rالآية: 234 146\rالآية: 235 147\rالآيتان: 236 و237 148\rالآيتان: 238 و239 149\rالآية: 240 - 242 150\rالآيتان: 243 و244 151\rالآية: 245 152\rالآية: 246 153\rالآيتان: 247 و248 154\rالآية: 249 155\rالآيتان: 250 و251 156\rالآية: 252 157\rالآيتان: 253 و254 158\rالآية: 255 160\rالآية: 256 161\rالآية: 257 162\rالآية: 258 163\rالآية: 259 164\rالآية: 260 165","part":1,"page":589},{"id":591,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 590\rالآيتان: 261 و262 166\rالآيتان: 263 و264 167\rالآية: 265 168\rالآيتان: 266 و267 169\rالآيات: 268 - 270 170\rالآية: 271 171\rالآيات: 272 - 274 172\rالآيات: 275 - 277 173\rالآيات: 278 - 280 174\rالآية: 281 175\rالآية: 282 178\rالآية: 283 179\rالآية: 284 180\rالآية: 285 181\rالآية: 286 182\rتفسير سورة آل عمران\rالآيتان: 1 و2 183\rالآيات: 3 - 5 184\rالآية: 6 185\rالآيات: 7 - 9 186\rالآيتان: 10 و11 187\rالآية: 12 188\rالآية: 13 189\rالآيتان: 14 و15 190\rالآيتان: 16 و17 191\rالآية: 18 192\rالآيتان: 19 و20 193\rالآيات: 21 - 23 194\rالآيتان: 24 و25 195\rالآيتان: 26 و27 196","part":1,"page":590},{"id":592,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 591\rالآيتان: 28 و29 197\rالآيات: 30 - 32 198\rالآيات: 33 - 35 199\rالآية: 36 200\rالآية: 37 201\rالآيتان: 38 و39 202\rالآيات: 40 - 42 203\rالآيتان: 43 و44 204\rالآيات: 45 - 48 205\rالآيتان: 49 و50 207\rالآيات: 51 - 53 208\rالآية: 54 209\rالآيات: 55 - 57 210\rالآيات: 58 - 60 211\rالآيات: 61 - 63 212\rالآيتان: 64 و65 213\rالآيات: 66 - 69 214\rالآيات: 70 - 72 215\rالآيتان: 73 و74 216\rالآيتان: 75 و76 217\rالآيتان: 77 و78 218\rالآية: 79 219\rالآية: 80 220\rالآيات: 81 - 83 221\rالآيات: 84 - 88 222\rالآيات: 89 - 92 223\rالآيات: 93 - 96 224\rالآيتان: 97 و98 225\rالآيات: 99 - 101 226\rالآيتان: 102 و103 227","part":1,"page":591},{"id":593,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 592\rالآيتان: 104 و105 228\rالآيات: 106 - 109 229\rالآية: 110 230\rالآيات: 111 - 113 231\rالآيات: 114 - 117 232\rالآيات: 118 - 120 233\rالآية: 121 234\rالآيات: 122 - 124 235\rالآيات: 125 - 127 236\rالآيات: 128 - 132 237\rالآيتان: 133 و134 238\rالآيات: 135 - 138 239\rالآيتان: 139 و140 240\rالآيات: 141 - 143 241\rالآيتان: 144 و145 242\rالآيات: 146 - 148 243\rالآيات: 149 - 151 244\rالآيتان: 152 و153 245\rالآيتان: 154 و155 247\rالآيتان: 156 و157 248\rالآيتان: 158 و159 249\rالآيات: 160 - 162 250\rالآيات: 163 - 165 251\rالآيات: 166 - 168 252\rالآيات: 169 - 171 253\rالآيات: 172 - 174 254\rالآيات: 175 - 178 255\rالآيتان: 179 و180 256\rالآيتان: 181 و182 257\rالآيات: 183 - 185 258","part":1,"page":592},{"id":594,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 593\rالآيتان: 186 و187 259\rالآيات: 188 - 190 260\rالآيات: 191 - 193 261\rالآية: 194 262\rالآيات: 195 - 197 263\rالآيتان: 198 و199 264\rالآية: 200 265\rتفسير سورة النساء\rالآية: 1 269\rالآية: 2 270\rالآية: 3 271\rالآيتان: 4 و5 272\rالآيات: 6 - 8 274\rالآيتان: 9 و10 275\rالآية: 11 277\rالآية: 12 278\rالآيات: 13 - 15 279\rالآية: 16 280\rالآيتان: 17 و18 281\rالآيات: 19 - 21 282\rالآية: 22 283\rالآية: 23 285\rالآية: 24 286\rالآية: 25 287\rالآيات: 26 - 29 288\rالآيتان: 30 و31 289\rالآيتان: 32 و33 290\rالآيتان: 34 و35 292\rالآيتان: 36 و37 293\rالآيات: 38 - 41 294\rالآية: 42 295\rالآيتان: 43 و44 296\rالآية: 45 297\rالآيات: 46 - 48 298\rالآيتان: 49 و50 299\rالآيات: 51 - 56 300\rالآية: 57 301","part":1,"page":593},{"id":595,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 594\rالآيتان: 58 و59 302\rالآيات: 60 - 63 303\rالآيات: 64 - 66 304\rالآيات: 67 - 70 305\rالآيات: 71 - 74 306\rالآيتان: 75 و76 307\rالآية: 77 308\rالآيتان: 78 و79 309\rالآيات: 80 - 82 310\rالآية: 83 311\rالآية: 84 312\rالآية: 85 313\rالآيتان: 86 و87 314\rالآيتان: 88 و89 315\rالآيتان: 90 و91 316\rالآيتان: 92 و93 318\rالآيتان: 94 و95 320\rالآيات: 96 - 99 321\rالآية: 100 322\rالآية: 101 323\rالآيتان: 102 و103 324\rالآيتان: 104 و105 325\rالآيات: 106 - 112 326\rالآية: 113 327\rالآيات: 114 - 117 328\rالآيات: 118 - 121 329\rالآيات: 122 - 124 330\rالآيتان: 125 و126 331\rالآية: 127 332\rالآيات: 128 - 133 334\rالآية: 134 335\rالآيتان: 135 و136 337\rالآيتان: 140 و141 338\rالآيات: 142 - 147 339\rالآيتان: 148 و149 340\rالآيات: 150 - 152 341","part":1,"page":594},{"id":596,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 595\rالآيات: 153 - 155 342\rالآيات: 156 - 158 343\rالآيات: 159 - 161 344\rالآية: 162 345\rالآيتان: 163 و164 346\rالآية: 165 347\rالآيات: 166 - 170 348\rالآية: 171 349\rالآيات: 172 - 175 350\rالآية: 176 351\rتفسير سورة المائدة\rالآية: 1 354\rالآية: 2 356\rالآية: 3 359\rالآيتان: 4 و5 361\rالآيتان: 6 و7 364\rالآيات: 8 - 10 365\rالآية: 11 366\rالآية: 12 367\rالآيتان: 13 و14 368\rالآيات: 15 - 17 369\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 1 595\r\rيات: 15 - 17 369\rالآيتان: 18 و19 370\rالآيات: 20 - 22 371\rالآيات: 23 - 26 372\rالآيات: 27 - 30 375\rالآيتان: 31 و32 376\rالآيتان: 33 و34 378\rالآيات: 35 - 37 379\rالآيات: 38 - 40 380\rالآيات: 41 - 43 382\rالآية: 44 383\rالآية: 45 384\rالآيتان: 46 و47 385\rالآية: 48 386\rالآيات: 49 - 51 387\rالآية: 52 388\rالآية: 53 389","part":1,"page":595},{"id":597,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 596\rالآيتان: 54 و55 390\rالآيات: 56 - 58 391\rالآية: 59 392\rالآيات: 60 - 62 393\rالآية: 63 394\rالآيتان: 64 و65 395\rالآية: 66 396\rالآيات: 67 و69 397\rالآية: 70 398\rالآيتان: 71 و72 399\rالآيات: 73 - 76 400\rالآيات: 77 - 79 401\rالآيات: 80 - 82 402\rالآيتان: 83 و84 404\rالآيات: 85 - 88 405\rالآية: 89 407\rالآيات: 90 - 92 408\rالآيتان: 93 و94 409\rالآيتان: 95 و96 411\rالآية: 97 412\rالآيات: 98 - 100 413\rالآيتان: 101 و102 414\rالآية: 103 415\rالآية: 104 416\rالآية: 105 417\rالآية: 106 418\rالآية: 107 419\rالآيتان: 108 و109 420\rالآيتان: 110 و111 422\rالآيات: 112 - 115 423\rالآية: 116 425\rالآيات: 117 - 119 426\rالآية: 120 427\rتفسير سورة الأنعام\rالآية: 1 429\rالآية: 2 430\rالآيات: 3 - 5 431","part":1,"page":596},{"id":598,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 597\rالآيتان: 6 و7 432\rالآيات: 8 - 11 433\rالآيتان: 12 و13 434\rالآيات: 14 - 16 435\rالآيتان: 17 و18 436\rالآيات: 19 - 21 437\rالآيات: 22 - 24 438\rالآيات: 25 - 27 439\rالآيات: 28 - 30 440\rالآيتان: 31 و32 441\rالآيتان: 33 و34 442\rالآيتان: 35 و36 443\rالآية: 37 444\rالآيتان: 38 و39 445\rالآيات: 40 - 43 446\rالآيات: 44 - 47 447\rالآيات: 48 - 51 448\rالآية: 52 449\rالآيات: 53 - 55 450\rالآيات: 56 - 58 451\rالآيتان: 59 و60 453\rالآية: 61 454\rالآيات: 62 - 64 455\rالآيات: 65 - 67 456\rالآيتان: 68 و69 457\rالآية: 70 458\rالآيتان: 71 - 73 459\rالآيتان: 74 و75 460\rالآيتان: 76 و77 461\rالآيتان: 78 و79 462\rالآيتان: 80 و81 463\rالآيتان: 82 و83 464\rالآيات: 84 - 87 465\rالآيات: 88 - 90 466\rالآيتان: 91 و92 468\rالآية: 93 470","part":1,"page":597},{"id":599,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 598\rالآيتان: 94 و95 471\rالآيات: 96 - 98 472\rالآيات: 99 - 101 474\rالآية: 102 475\rالآيات: 103 - 106 476\rالآية: 107 477\rالآيتان: 108 و109 478\rالآيتان: 110 و111 479\rالآيتان: 112 و113 480\rالآيات: 114 - 116 481\rالآيتان: 117 و118 482\rالآيتان: 119 و120 483\rالآية: 121 484\rالآيتان: 122 و123 485\rالآية: 124 486\rالآيتان: 125 و126 487\rالآية: 127 488\rالآيتان: 128 و129 489\rالآية: 130 490\rالآيات: 131 - 134 491\rالآيتان: 135 و136 492\rالآية: 137 493\rالآيات: 138 - 140 494\rالآية: 141 495\rالآيتان: 142 و143 496\rالآية: 144 497\rالآية: 145 498\rالآيتان: 146 و147 499\rالآيات: 148 - 150 500\rالآيتان: 151 و152 502\rالآيتان: 153 و154 503\rالآيات: 155 - 157 504\rالآية: 158 506\rالآيتان: 159 و160 507\rالآيات: 161 - 163 508\rالآيتان: 164 و165 509","part":1,"page":598},{"id":600,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 599\rتفسير سورة الأعراف\rالآيتان: 1 و2 510\rالآيتان: 3 و4 511\rالآيات: 5 - 8 512\rالآيتان: 9 و10 513\rالآيات: 11 - 13 514\rالآيات: 14 - 18 515\rالآية: 19 516\rالآيتان: 20 و21 517\rالآيتان: 22 و23 518\rالآيات: 24 - 26 519\rالآيات: 27 - 30 521\rالآية: 31 522\rالآيات: 32 - 34 523\rالآيات: 35 - 37 524\rالآيتان: 38 و39 525\rالآية: 40 و41 526\rالآية: 42 527\rالآيات: 43 - 45 528\rالآيات: 46 - 48 529\rالآيتان: 49 و50 530\rالآيات: 51 - 53 531\rالآيات: 54 - 56 533\rالآية: 57 534\rالآيات: 58 - 61 535\rالآيات: 62 - 64 536\rالآيات: 65 - 69 537\rالآيات: 70 - 72 538\rالآيتان: 73 و74 539\rالآيات: 75 - 77 540\rالآيات: 78 - 81 541\rالآيات: 82 - 84 542\rالآيات: 85 - 87 543\rالآيات: 88 - 91 544\rالآيات: 92 - 95 545\rالآيات: 96 - 101 546","part":1,"page":599},{"id":601,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 1، ص: 600\rالآيات: 102 - 104 547\rالآيات: 105 - 112 548\rالآيات: 113 - 118 549\rالآيات: 119 - 126 550\rالآيات: 127 - 130 551\rالآيتان: 131 و132 552\rالآيتان: 133 و134 553\rالآيات: 135 - 137 554\rالآيات: 138 - 141 555\rالآية: 142 556\rالآيتان: 143 و144 557\rالآية: 145 558\rالآيتان: 146 و147 559\rالآيتان: 148 و149 560\rالآيات: 150 - 153 561\rالآية: 154 562\rالآيتان: 155 و156 563\rالآية: 157 564\rالآيتان: 158 و159 565\rالآيات: 160 - 162 566\rالآيتان: 163 و164 567\rالآيات: 165 - 167 568\rالآيات: 168 - 170 569\rالآية: 171 570\rالآيات: 172 - 174 571\rالآيات: 175 - 177 574\rالآيتان: 178 و179 575\rالآيات: 180 - 184 576\rالآيتان: 185 و186 577\rالآية: 187 578\rالآيتان: 188 و189 578\rالآيات: 190 - 194 580\rالآيات: 195 - 199 581\rالآيات: 200 - 204 582\rالآيتان: 205 و206 583","part":1,"page":600},{"id":602,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 3\rالمجلد الثاني\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الأنفال\rمدنيّة أو إلا وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الآيات السبع فمكية. وهي خمس أو ست أو سبع وسبعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لما اختلف المسلمون في غنائم بدر فقال الشبان هي لنا لأنا باشرنا القتال وقال الشيوخ كنا ردءا لكم تحت الرايات ولو انكشفتم لفئتم إلينا فلا تستأثروا بها نزل يَسْئَلُونَكَ يا محمد عَنِ الْأَنْفالِ الغنائم لمن هي قُلِ لهم الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ يجعلانها حيث شاءا فقسمها صلّى اللّه عليه وسلّم بينهم على السواء رواه الحاكم في المستدرك فَاتَّقُوا\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الأنفال\rمدنية أو إلا وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الآيات السبع فمكية. وهي خمس أو ست أو سبع وسبعون آية قوله: (سورة الأنفال) مبتدأ مضاف إليه، و(مدنية) خبر أول و(خمس إلخ) خبر ثان. قوله: (أو إلا) أو لحكاية الخلاف، فإنه اختلف هل هى مدنية كلها وهو الصحيح، أو إلا سبع آيات أولها وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا وآخرها بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ فمكيات وهو ضعيف، ولا يلزم كونها في شأن أهل مكة أنها نزلت بها بل نزلت بالمدينة حكاية عما وقع في مكة. قوله: (في غنائم بدر) أي لأنها أول غنيمة في الإسلام. قوله: (و قال الشيوخ) أي وكانوا محدقين برسول اللّه خوفا عليه من العدو. قوله: (كنا ردءا) أي عونا لكم. قوله: (و لو انكشفتم) أي انهزمتم. قوله: (لفئتم) أي رجعتم.\rقوله: يَسْئَلُونَكَ السؤال إن كان تعيين الشيء وتبيينه، تعدى للمفعول الثاني بعن كما هنا، وإن كان بمعنى طلب الإعطاء، تعدى للمفعولين بنفسه، كسألت زيدا مالا، خلافا لمن فهم أن ما هنا من الثاني وادعى زيادة عن. قوله: عَنِ الْأَنْفالِ جمع نفل مثل سبب وأسباب، ويقال نفل بسكون الفاء أيضا وهي الزيادة، لزيادة هذه الأمة بها عن الأمم السابقة، فإنها لم تكن حلالا لهم، بل كانوا إذا غنموا غنيمة وضعوها في مكان، فإن قبلها اللّه منهم، أنزل عليها نارا أحرقتها، وإلا بقيت. قوله: لِلَّهِ وَالرَّسُولِ قيل: إن معنى ذلك، أنها مملوكة للّه، وأعطاها ملكا لرسوله يتصرف فيها كيف يشاء، وعلى هذا فقوله:\rوَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ الآية ناسخة لها، وقيل إن ما يأتي توضيح لما هنا وتفصيل له، والآية محكمة، فيكون المعنى للّه والرسول من حيث قسمتها على المجاهدين. قوله: (يجعلانها حيث شاءا) أي فامتثلوا ما يأمركم به.","part":2,"page":3},{"id":603,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 4\rاللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ أي حقيقة ما بينكم بالمودة وترك النزاع وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) حقا إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الكاملون الإيمان الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ أي وعيده وَجِلَتْ خافت قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً تصديقا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) به يثقون لا بغيره الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ يأتون بها بحقوقها وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ أعطيناهم يُنْفِقُونَ (3) في طاعة اللّه أُولئِكَ الموصوفون بما ذكر هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا صدقا بلا شك لَهُمْ دَرَجاتٌ منازل في الجنة عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) في الجنة كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ\r______________________________\rقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ أي امتثلوا أمره وأمر نبيه. قوله: وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ أي الحالة وهي الوصلة الإسلامية، فالمعنى اتركوا النزاع والشحناء، والزموا المودة والمحبة بينكم، ليحصل النصر والخير لكم. قوله: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي فيما يأمركم به. قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه. قوله: (حقا) أي كاملين في الإيمان، فعلامة كمال الإيمان، طاعة اللّه والرسول، وعدم وجود الحرج في النفس، قال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً.\rقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ استئناف مسوق لبيان صفات المؤمنين، فهو كالدليل لما قبله. قوله:\r(الكاملون الإيمان) بالنصب على نزع الخافض، أي فيه، وفي بعض النسخ بحذف النون، فيكون مضافا للإيمان. قوله: الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وصل الَّذِينَ بثلاث صلات كلها متعلقة بالقلب. قوله:\rوَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ أي فزعت لاستيلاء هيبته على قلوبهم. قوله: (تصديقا) أشار بذلك إلى أن التصديق يقبل الزيادة، إذ لا يصح أن يكون إيمان الأنبياء كإيمان الفساق، وما قبل الزيادة قبل النقص، وبذلك أخذ مالك والشافعي وجمهور أهل السنة. قوله: (به يثقون) أشار بذلك إلى أن عَلى بمعنى الباء، ويَتَوَكَّلُونَ بمعنى يتقون، وقوله: (لا بغيره) حصر أخذ من تقديم المعمول، والمعنى أن ثقتهم باللّه لا بغيره، فلا يعتمدون على عمل ولا على مال، ولا يخافون من غيره.\rقوله: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ أي يلازمونها في أوقاتها، مستوفية الشروط والأركان والآداب.\rقوله: يُنْفِقُونَ أي النفقة الواجبة كالزكاة، أو المندوبة كالصدقة.\rقوله: حَقًّا صفة لمصدر محذوف، أي إيمانا حقا. قوله: (بلا شك) أي لظهور علامة الإيمان الكامل فيهم. قوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ العندية عندية مكانة لا مكان. قوله: وَمَغْفِرَةٌ أي غفران لذنوبهم. قوله: وَرِزْقٌ كَرِيمٌ أي دائم مستمر لا نكد فيه ولا تعب، مقرون بالتعظيم والتكريم.\rقوله: كَما أَخْرَجَكَ الكاف بمعنى مثل، وما مصدرية خبر لمحذوف، والتقدير قسم الغنائم عموما، والحال أن بعض الصحابة كارهون لذلك، مثل إخراجك من بيتك، والحال أنهم كارهون لذلك، فهو تشبيه حكم بحكم، أو قصة بقصة، وهذا أحسن الأعاريب، ولذا درج عليه المفسر، فالمشبه: قسم الغنائم عموما، والمشبه به: الخروج لقتال ذي الشوكة، بجامع أن كلا كان فيه كراهة لبعض المؤمنين، بحسب الصورة الظاهرية، وفي الواقع: ونفس الأمر خير ومصلحة للعموم في كل، لأن الأول ترتب عليه إصلاح ذات البين، والثاني ترتب عليه عز الإسلام ونصره.","part":2,"page":4},{"id":604,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 5\rبِالْحَقِ متعلق بأخرج وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (5) الخروج والجملة حال من كاف أخرجك وكما خبر مبتدأ محذوف أي هذه الحال في كراهتهم لها مثل إخراجك في حال كراهتهم وقد كان خيرا لهم فكذلك أيضا وذلك أن أبا سفيان قدم بعير من الشام فخرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ليغنموها فعلمت قريش فخرج أبو جهل ومقاتلو مكة ليذبوا عنها وهم النفير وأخذ أبو سفيان بالعير طريق الساحل فنجت فقيل لأبي جهل ارجع فأبى وسار إلى بدر فشاور صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه وقال إن اللّه وعدني إحدى الطائفتين فوافقوه على قتال النفير وكره بعضهم ذلك وقالوا لم نستعد له كما قال تعالى: يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِ القتال بَعْدَ ما تَبَيَّنَ ظهر لهم كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ\r______________________________\rقوله: مِنْ بَيْتِكَ أي الكائن بالمدينة، أو المراد بالبيت نفس المدينة، قوله: (متعلق بإخراج) أي والباء سببية، والمعنى: أخرجك من بيتك بسبب الحق، أي إظهار الدين ورفع شأنه، ويصح أن تكون الباء للملابسة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من الكاف في أخرجك، أي أخرجك متلبسا بالحق أي الوحي، لا عن هوى نفسك. قوله: (و الجملة حال) أي مقدرة، لأنهم وقت الخروج لم يكونوا كارهين، وإنما طرأت الكراهة عند الأمر بقتال ذي الشوكة. قوله: (أي هذه الحال) أي وهي قسم الغنائم على العموم. قوله: (في كراهتهم لها) هذا هو وجه المماثلة والمشابهة بينهما. قوله: (فكذلك أيضا) أي قسم الغنائم كان خيرا انتهاء لما فيه من إصلاح ذات البين. قوله: (قدم بعير) أي إبل حاملة تجارة، وكان فيها أموال كثيرة ورجال قليلة نحو الأربعين. قوله: (فعلمت قريش) إي بإخبار ضمضمة بن عمرو الغفاري الذي اكتراه أبو سفيان، ليعلم قريشا بذلك. قوله: (و مقاتلو مكة) أي وكانوا ألفا إلا خمسين.\rقوله: (و أخذ أبو سفيان) أي عدل عن الطريق المعتاد للمدينة، وسار بساحل البحر. قوله: (فشاور صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه) أي في المضي إلى بدر لقتال النفير. قوله: (فوافقوه) أي آخرا، بعد أن توقف بعضهم محتجا بعدم التهيؤ، وكان إذ ذاك صلّى اللّه عليه وسلّم بوادي دقران، بدال وقاف وراء، بوزن سلمان، واد قريب من الصفراء، وعند المشاورة قام أبو بكر وعمر فأحسنا في القول، ثم قام سعد بن عبادة فقال: انظر أمرك فامض فيه، فو اللّه لو سرت إلى عدن ما تخلف عنك رجل من الأنصار، ثم قال مقداد بن عمرو: امض كما أمرك اللّه، فإنا معك حيثما أحببت، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ههنا قاعدون)، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون. فتبسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم قال: أيها الناس أشيروا علي، وهو يريد الأنصار، فقام سعد بن معاذ، فقال: كأنك تريدنا يا رسول اللّه؟ قال أجل، قال إنا قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أنا ما جئت به هو الحق، فامش يا رسول اللّه لما أردت فإنا لا نكره أن يلقى عدونا، وإنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل اللّه يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة اللّه، ثم قال رسول اللّه: سيروا على بركة اللّه وأبشروا؛ فإن اللّه وعدني إحدى الطائفتين، واللّه لكأني أنظر إلى مصارع القوم.\rقوله: يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِ أي يقيمون حجة قبالة حجة، فليس المراد بالجدال، الجدال في الباطل. قوله: (ظهر لهم) أي تحتم القتال. قوله: كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ أي كأنهم مثل من يساق","part":2,"page":5},{"id":605,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 6\rيَنْظُرُونَ (6) إليه عيانا في كراهتهم له وَاذكر إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ العير أو النفير أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ تريدون أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ أي البأس والسلاح وهي العير تَكُونُ لَكُمْ لقلة عددها وعددها بخلاف النفير وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَ يظهره بِكَلِماتِهِ السابقة بظهور الإسلام وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (7) آخرهم بالاستئصال فأمركم بقتال النفير لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ يمحق الْباطِلَ الكفر وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8) المشركون ذلك اذكر إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ تطلبون منه الغوث بالنصر عليهم فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي أي بأني مُمِدُّكُمْ معينكم بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) متتابعين يردف بعضهم بعضا وعدهم بها أولا ثم صارت ثلاثة آلاف ثم خمسة كما في آل عمران وقرىء بألف كأفلس جمع وَما جَعَلَهُ اللَّهُ أي الإمداد إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) اذكر إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً أمنا مما حصل لكم من الخوف مِنْهُ تعالى وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ\r______________________________\rإلى القتال، وهو ينظر بعينه أسبابه. قوله: (في كراهتهم له) هذا هو وجه المشابهة، وسبب تلك الكراهة قلة عددهم وعددهم، فقد ورد أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر، والكل رجال، وليس فيهم إلا فرسان.\rقوله: (بخلاف النفير) أي فإنه كثير العدد والعدد. قوله: (يظهره) جواب عما يقال إن فيه تحصيل الحاصل،\rوكذا يقال في قوله: وَيُبْطِلَ الْباطِلَ. قوله: لِيُحِقَّ الْحَقَ ليس مكررا مع ما قبله، لأن المراد بالأول، تثبيت ما وعد به في هذه الواقعة من النصرة والظفر بالأعداء، والمراد بالثاني، تقوية الدين وإظهار الشريعة مدى الأيام.\rقوله: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ إما خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقط، فيكون الجمع للتعظيم، أو خطاب للنبي وأصحابه، روي عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال، لما كان يوم بدر، نظر صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، فاستقبل نبي اللّه القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه يقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه مادا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي اللّه، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فنزلت هذه الآية. قوله: (تطلبون منه الغوث) أشار بذلك إلى أن السين والتاء للطلب.\rقوله: مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ ورد أن جبريل نزل بخمسمائة وقاتل بها في يسار الجيش وفيه علي، ولم يثبت أن الملائكة قاتلت في وقعة إلا في بدر، وأما في غيرها فكانت تنزل الملائكة لتكثير عدد المسلمين ولا تقاتل.\rقوله: (يردف بعضهم بعضا) أي يعقبه في المجيء. قوله: (وعدهم بها أولا) أشار بذلك إلى الجمع بين ما هنا وبين ما في آل عمران. وقوله: (قرئ) أي شذوذا. قوله: (كأفلس) أي فأبدلت الهمزة الثانية ألفا.\rقوله: إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي فلا يتوقف على تهيؤ بعدد ولا عدد.\rقوله: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أي دفعة واحدة فناموا كلهم، وهذا على خلاف العادة، فهي معجزة لرسول اللّه، حيث غشي الجميع النوم في وقت الخوف، وفيه ثلاث قراءات سبعية، يغشاكم","part":2,"page":6},{"id":606,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 7\rماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ من الأحداث والجنابات وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وسوسته إليكم بأنكم لو كنتم على الحق ما كنتم ظمآى محدثين والمشركون على الماء وَلِيَرْبِطَ يحبس عَلى قُلُوبِكُمْ باليقين والصبر وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (11) أن تسوخ في الرمل إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ الذين أمد بهم المسلمين أَنِّي أي بأني مَعَكُمْ بالعون والنصر فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا بالإعانة والتبشير سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ الخوف فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ أي الرؤوس وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (12) أي أطراف اليدين والرجلين فكان الرجل يقصد ضرب رقبة\r______________________________\rكيلقاكم، والنعاس مرفوع على الفاعلية، ويغشيكم بتشديد الشين وضم ياء المضارعة، ويغشيكم بتخفيف الشين وضم ياء المضارعة، والنعاس منصوب على المفعولية في هاتين القراءتين. قوله: أَمَنَةً منصوب على الحال على القراءة الأولى، أو المفعول لأجله على القراءتين الأخرتين، قال عبد اللّه بن مسعود:\rالنعاس في القتال أمنة في الصلاة من الشيطان، قيل إنهم لما خافوا على أنفسهم، لكثرة عدد العدو وعددهم، وقلة المسلمين، وعطشوا عطشا شديدا ألقى اللّه عليهم النوم، حتى حصلت لهم الراحة، وزال عنهم العطش، وتمكنوا من قتال عدوهم، فكان ذلك النوم نعمة في حقهم، لأنه كان خفيفا، بحيث لو قصدهم العدو لتنبهوا له، وقدروا على دفعه. قوله: (من الخوف) بيان لما. قوله: لِيُطَهِّرَكُمْ إلخ أي وذلك أنهم وقفوا في كثيب رمل، فشق المشي عليهم فيه من لينه ونعومته، واشتد عليهم الخوف من أن يأتيهم العدو في تلك الحالة، فألقى اللّه عليهم النعاس، فاحتلم معظمهم فاشتد احتياجهم إلى الماء، فوسوس لهم الشيطان بما ذكره المفسر، فرد اللّه كيده بإنزال المطر الكثير عليهم، فشربوا وتطهروا وملؤوا القرب، وتلبد الرمل حتى سهل المشي عليه.\rقوله: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ معمول لمحذوف أي اذكر، ولم يقدره المفسر اتكالا على تقديره فيما سبق.\rقوله: إِلَى الْمَلائِكَةِ أل للعهد الذكرى، أي المذكورين فيما سبق في قوله: أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ كما أشار إليه المفسر. قوله: أَنِّي مَعَكُمْ الجملة في محل نصب مفعول ليوحي. قوله: فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا أي قووا قلوبهم، واختلف في كيفية هذه التقوية، فقيل إن الشيطان كما أن قوة في إلقاء الوسوسة في قلب آدم بالسوء، كذلك الملك له قوة في إلقاء الإلهام في قلب ابن آدم بالخير، ويسمي ما يلقيه الملك إلهاما، وقيل إن ذلك التثبيت حضورهم القتال معهم، ومعونتهم لهم بالقتال بالفعل، وقيل معناه بشرورهم بالنصر والظفر، فكان الملك يمشي في صفة رجل أمام الصف ويقول: أبشروا فإن اللّه ناصركم عليهم.\rقوله: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ كالتفسير لقوله: أَنِّي مَعَكُمْ وقوله:\rفَاضْرِبُوا الخ. كالتفسير لقوله: فَثَبِّتُوا فهو لف ونشر مرتب. قوله: (الرؤس) تفسير للفظ فَوْقَ وقد توسع فيه حيث استعملوه مفعولا به، وإن كان أصله ظرف مكان ملازم للظرفية، وقيل إن لفظة فَوْقَ زائدة، وقد أشار له المفسر بقوله: (يقصد ضرب رقبة الكافر) إلخ، فقد أشار المفسر إلى قولين، وقيل إن فوق باقية على ظرفيتها والمفعول محذوف، أي فاضربوهم فوق الأعناق، وقيل إن فوق بمعنى على، والمفعول محذوف أيضا، أي فاضربوهم على الأعناق. قوله: (أي أطراف اليدين والرجلين)","part":2,"page":7},{"id":607,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 8\rالكافر فتسقط قبل أن يصل إليه سيفه ورماهم صلّى اللّه عليه وسلّم بقبضة من الحصى فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه منها شيء فهزموا ذلِكَ العذاب الواقع بهم بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا خالفوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (13) له ذلِكُمْ العذاب فَذُوقُوهُ أيها الكفار في الدنيا وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ في الآخرة عَذابَ النَّارِ (14) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً أي مجتمعين كأنهم لكثرتهم يزحفون فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (15) منهزمين وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ أي يوم لقائهم دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً منعطفا لِقِتالٍ بأن يريهم الفرة مكيدة وهو يريد الكرة أَوْ مُتَحَيِّزاً منضما إِلى فِئَةٍ جماعة من المسلمين يستنجد بها فَقَدْ باءَ رجع بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) المرجع هي وهذا مخصوص بما إذا لم يزد الكفار على\r______________________________\rفي المصباح: البنان الأصابع، وقيل أطرافها، والواحدة بنانة. قوله: (إلا دخل في عينيه) أي وفي فمه وأنفه.\rقوله: ذلِكَ (العذاب) أي من إلقاء الرعب والقتل والأسر، وقوله: بِأَنَّهُمْ الباء سببية.\rقوله: (خالفوا) اللَّهَ وَرَسُولَهُ أصل معناها المجانبة، لأنهم صاروا في شق، وجانب عن النبي والمؤمنين. قوله: فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ أي وما نزل بهم في هذا اليوم قليل، بالنسبة لما ادخر لهم عند اللّه.\rقوله: ذلِكُمْ (العذاب) اسم إشارة مبتدأ خبره محذوف قدره المفسر، وقوله: فَذُوقُوهُ لا تعلق له بما قبله من جهة الإعراب. قوله: وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عطف على ذلكم، أو نصب على المفعول معه.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ خطاب لكل من يحضر القتال. قوله: زَحْفاً حال من المفعول به وهو الَّذِينَ فهو مؤول بالمشتق، أي حال كونهم زاحفين. قوله: (أي مجتمعين) إلخ، أي فالمعنى على التشبيه بالزاحفين على أدبارهم في بطء السير، وذلك لأن الجيش إذا كثر والتحم بعضه ببعض، يتراءى أن سيره بطيء، وإن كان في نفس الأمر سريعا، وفي المصباح زحف القوم زحفا من باب نفع.\rقوله: فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ويطلق الدبر على مقابل القبل، ويطلق على الظهر وهو المراد هنا، والمقصود ملزوم تولية الظهر وهو الانهزام، فهذا اللفظ استعمل في ملزوم معناه كما أشار المفسر بقوله: (منهزمين) والْأَدْبارَ مفعول ثان لتولوهم.\rوكذا دُبُرَهُ مفعول ثان ليولوهم، وفي الآية تعريض، حيث ذكر لهم حالة تستهجن من فاعلها في تعبيره بلفظ الدبر دون الظهر. قوله: (أي يوم لقائهم) حل معنى، وإلا فمقتضى التنوين في إذ، أن يقول: يوم لقيتموهم، لأنه عوض عن جملة.\rقوله: إِلَّا مُتَحَرِّفاً في نصبه مع ما عطف عليه وجهان: أحدهما أنه حال، والثاني أنه مستثنى من ضمير المؤمنين. قوله: (الفرة) بفتح الفاء، وهي المرة من الفر، بمعنى الفرار، أي الهرب، وقوله:\r(مكيدة) أي خديعة ومكرا، قوله: (و هو يريد الكرة) أي الرجعة، لأن الكرة المرة من الرجوع، والكر الرجوع، وهذا أحد أبواب الحرب ومكايدها. قوله: أَوْ مُتَحَيِّزاً التحيز والتحوز الانضمام، وأصل تحيز: تحيوز، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء، وادغمت الياء في الياء قوله: (يستنجد) أي يستنصر ويستعين.\rقوله: فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ جواب الشرط وهو من، والباء للملابسة، أي ملتبسا ومصحوبا بغضب. قوله: وَمَأْواهُ أي مسكنه، وفي الآية وعيد عظيم، ولذلك قيل: إن الفرار أكبر الكبائر بعد","part":2,"page":8},{"id":608,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 9\rالضعف فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ببدر بقوتكم وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ بنصره إياكم وَما رَمَيْتَ يا محمد أعين القوم إِذْ رَمَيْتَ بالحصى لأن كفا من الحصى لا يملأ عيون الجيش الكثير برمية بشر وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى بإيصال ذلك إليهم فعل ذلك ليقهر الكافرين وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً عطاء حَسَناً هو الغنيمة إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لأقوالهم عَلِيمٌ (17) بأحوالهم ذلِكُمْ الإبلاء حق وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ مضعف كَيْدِ الْكافِرِينَ (18) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا أيها الكفار أي تطلبوا الفتح أي القضاء حيث قال أبو جهل منكم اللهم أينا كان أقطع للرحم وأتانا بما لا نعرفه فأحنه الغداة\r______________________________\rالكفر. قوله: (مخصوص) أي مقصور، أي فإن زادت عن الضعف، كما إذا كان المسلمون ربع الكفار، فلا يحرم الفرار.\rقوله: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ نزلت هذه الآية لما افتخر المسلمون بعد رجوعهم من بدر، فكان الواحد منهم يقول: أنا قتلت كذا، أسرت كذا، فعلمهم اللّه الأدب بقوله: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ إلخ، والفاء واقعة في جواب شرط مقدر، أي افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم. قوله: وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ قرىء بتشديد لكن وتخفيفها، فعلى التخفيف تكون مهملة، ولفظ الجلالة مرفوع على الابتداء، وعلى التشديد تكون عاملة عمل إن، ولفظ الجلالة منصوب على أنه اسمها، وهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ظاهره التناقض، حيث جمع بين النفي والإثبات، والجواب أن المنفي الرمي، بمعنى إيصال الحصى لأعينهم، والمثبت فعل الرمي، كما أشار لهذا الجواب المفسر بقوله:\r(بإيصال ذلك اليهم). قوله: وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى فيه القراءتان المتقدمتان، وقد علمت أن حكمة قوله تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ التأديب لبعض المؤمنين، وأما حكمة قوله تعالى: وَما رَمَيْتَ إثبات أنها معجزة من اللّه لنبيه، لتذكر من جملة معجزاته التي أمر بالتحدث بها، قال تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ، وقال البوصيري:\rورمى بالحصى فأقصد جيشا ... ما الحصا عنده وما الإلقاء\r\rقوله: (فعل) أي اللّه ذلك، أي القتل والرمي، وقوله: (ليقهر) إلخ قدره ليعطف عليه وَلِيُبْلِيَ. قوله: (عطاء) أي فالمراد من الإبلاء الإعطاء، فهو إبلاء بخير لا بشر، فإن البلاء يقع على النعمة وعلى المحنة لأن أصله الاختيار، وذلك كما يكون بالمحنة لإظهار الصبر، يكون بالنعمة لإظهار الشكر.\rقوله: ذلِكُمْ مبتدأ خبره محذوف، قدره المفسر بقوله: (حق)، وقوله: وَأَنَّ اللَّهَ يجوز أن يكون معطوفا على ذلِكُمْ فيكون في محل رفع بالابتداء، وخبره محذوف أيضا، والمعنى ذلكم الإبلاء للمؤمنين حق، وتوهين كيد الكافرين حق ومُوهِنُ بفتح الواو وتشديد الهاء والتنوين، فكيد منصوب على المفعولية به، ويقرأ بسكون الواو، وتخفيف الهاء من أوهن، كأكرم، منونا أو مضافا، إلى كيد، فالقراءات ثلاث، وكلها سبعية. قوله: (أيها الكفار) أي فهو خطاب لأهل مكة على سبيل التهكم، لأنهم الذين وقع بهم الهلاك، والفتح وقع لغيرهم. قوله: (أي القضاء) أي الحكم بينكم وبين محمد، بنصر المحق وخذلان المبطل. قوله: (حيث قال أبو جهل) أي وغيره من قريش، حين أرادوا الخروج إلى بدر، وتعلقوا بأستار الكعبة، ودعوا بما ذكره المفسر. قوله: (أينا) أي الفريقين، يعني نفسه ومن معه، ومحمدا ومن معه، وهو يزعم أن محمدا هو القاطع للرحم، حيث خرج من بلده وترك أقاربه. قوله: (فأحنه","part":2,"page":9},{"id":609,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 10\rأي أهلكه فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ القضاء بهلاك من هو كذلك وهو أبو جهل ومن قتل معه دون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين وَإِنْ تَنْتَهُوا عن الكفر والحرب فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا لقتال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نَعُدْ لنصره عليكم وَلَنْ تُغْنِيَ تدفع عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ جماعاتكم شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) بكسر إن استئنافا وفتحها على تقدير اللام يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا تعرضوا عَنْهُ بمخالفة أمره وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) القرآن والمواعظ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) سماع تدبر واتعاظ وهم المنافقون أو المشركون إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُ عن سماع الحق الْبُكْمُ عن النطق به الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً صلاحا بسماع الحق لَأَسْمَعَهُمْ سماع تفهم وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ فرضا وقد علم أن لا خير فيهم لَتَوَلَّوْا عنه وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) عن قبوله عنادا وجحودا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ بالطاعة إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ من أمر\r______________________________\rالغداة) الحين، بالفتح الهلاك، حان الرجل: هلك، وأحانه اللّه: أهلكه، والغداة ظرف للحين أي أهلكه فيما يستقبل. قوله: (و فتحها على تقدير اللام) أي فهما قراءتان سبعيتان، أي واللام المقدرة للتعليل.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ أي دوموا على طاعته وعلى عدم التولي يدم لكم العز الذي حصل ببدر.\rقوله: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِ إلخ نزلت في جماعة من بني عبد الدار بن قصي، كانوا يقولون:\rنحن صم بكم عمي عما جاء به محمد، وتوجهوا مع أبي جهل حاملين اللواء لقتال النبي وأصحابه ببدر، فقتلوا جميعا، ولم يسلم منهم إلا اثنان، مصعب بن عمير، وسبيط بن حرملة، والدواب في اللغة ما دب على وجه الأرض، عاقلا أو غيره، وفي العرف، مخصوص بالخيل والبغال والحمير، وفي الآية غاية الذم لهم، بأنهم أشر من الكلب والخنزير والحمير.\rقوله: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً هذا تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم على عدم إيمانهم، ولو حرف امتناع لامتناع، والمعنى امتنع سماعهم الخير، سماع تفهم لامتناع علم الخير فيهم.\rقوله: وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ هذا ترق في التسلية، والمعنى لو فرض أن اللّه أسمعهم سماع تفهم، لتولوا وهم معرضون عنه عنادا فلا تحزن على كفرهم، فإن كفرهم ثابت مطلقا، فهموا الحق أولا، هذا حاصل معنى الآية، واستشكل ظاهرها بأن الآية دلت على القياس، حاصله لو علم اللّه فيهم خيرا لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا، ينتج: لو علم اللّه فيهم خيرا لتولوا وهو فاسد، إذ لو علم اللّه الخير فيهم لآمنوا ولم يكفروا، وأجيب بجوابين، الأول: أن الحد المكرر لم يتحد معنى، وشرط الإنتاج اتحاده معنى، لأن المراد بالإسماع الأول الموجب للفهم والإذعان، والإسماع الثاني للفهم من غير إذعان. الثاني: أن الكلام تم عند قوله: لَأَسْمَعَهُمْ وقوله: وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ ترق في التشنيع عليهم، فالمعنى هم لم يؤمنوا ولم ينقادوا عند التفهم على فرض حصوله، فعدم إيمانهم عند عدمه أولوي، نظير لو لم يخف اللّه لم يعصه، ولكن توليهم عند ظهور الحق عناد وجحود، وعند عدمه جهل.\rقوله: اسْتَجِيبُوا السين والتاء زائدتان للتوكيد. قوله: إِذا دَعاكُمْ أفرد لأن دعوة الرسول في الحقيقة هي للّه، وذكر الرسول أولا، لأنه المبلغ عن اللّه، فعدم طاعته مخالفة للّه. قوله: لِما يُحْيِيكُمْ","part":2,"page":10},{"id":610,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 11\rالدين لأنه سبب الحياة الأبدية وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ فلا يستطيع أن يؤمن أو يكفر إلا بإرادته وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) فيجازيكم بأعمالكم وَاتَّقُوا فِتْنَةً إن أصابتكم لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً بل تعمهم وغيرهم واتقاؤها بإنكار موجبها من المنكر وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (25) لمن خالفه وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ أرض مكة تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ يأخذكم الكفار بسرعة فَآواكُمْ إلى المدينة وَأَيَّدَكُمْ قوّاكم بِنَصْرِهِ يوم بدر بالملائكة وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ الغنائم لَعَلَّكُمْ\r______________________________\rما إما نكرة وجملة يحييكم صفة، أو اسم موصول وما بعدها صلة، والمعنى لما فيه حياتكم الأبدية. قوله:\r(من أمر الدين) أي وهو الإيمان والإسلام، وقيل هو القرآن، لأنه حياة القلوب، وبه النجاة من أهوال الدنيا والآخرة، وقيل هو الحق مطلقا، وقيل الجهاد في سبيل اللّه وأتمها ما قاله المفسر.\rقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ أي يفصل بينهما بتصاريفه وأحكامه، وذلك كناية عن كونه أقرب للشخص من قلبه ومن قلبه لذاته، بل هو أقرب من السمع للأذن، ومن البصر للعين، ومن اللمس للجسد، ومن الشم للأنف، ومن الذوق للسان، فشبه القرب بالحيلولة، واستعير اسم المشبه به، وهو الحيلولة للمشبه، وو هو القرب واشتق من الحيلولة يحول بمعنى يقرب، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. قوله: (فلا يستطيع أن يؤمن أو يفكر إلا بإرادته) تقدم أنه لا مفهوم للفكر والإيمان بل السمع والبصر والشم والذوق واللمس في قبضة اللّه سبحانه، إن شاء أبقاه وإن شاء أذهبه، وإنما خص الإيمان والكفر لأن مناط السعادة والشقوة بهما. قوله: (فيجازيكم بأعمالكم) أي إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.\rقوله: وَاتَّقُوا فِتْنَةً أي سبب فتنة وهي المعاصي، فإنها سبب لنزول المصائب الدنيوية. قوله:\rتُصِيبَنَ الجملة صفة لفتنة، ولا نافية، وتُصِيبَنَ فعل مضارع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهو واقع في جواب شرط مقدر، قدره المفسر بقوله: (إن أصابتكم) وليس جوابا للأمر، لأن المرتب على تقواها عدم إصابتها أحدا لا خصوصا ولا عموميا، وإنما أكد الفعل المضارع المنفي بالنون، إجراء له مجرى النهي. قوله: (بل تعمهم وغيرهم) أي فالظالم لظلمه، وغير الظالم لإقراره وسكوته وعدم نهيه عن المنكر، وفي الحديث ما معناه «مثل الظالم كمثل جماعة في أسفل مركب، ومثل غير الظالم كمثل جماعة في أعلى المركب، فأراد أهل الأسفل أن يخرقوا خرقا يستقون منه، فإن سلم لهم أهل الأعلى هلكوا جميعا، وإن قاموا عليهم نجوا جميعا. قال ابن عباس: إن اللّه أمر المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم اللّه بالعذاب، فيصيب الظالم وغير الظالم، وفي الحديث: «إن اللّه لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك، عذب اللّه العامة والخاصة»، وورد «إذا عمت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فأنكر، كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها»، إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في ذلك، فإذا علمت ذلك، فلا تشكل هذه بقوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى *، بما علمت أن الساكت على المنكر، مؤاخذ بوزر نفسه لا بوزر المباشر.\rقوله: وَاذْكُرُوا خطاب للنبي وأصحابه، نزلت بعد غزوة بدر. قوله: مُسْتَضْعَفُونَ أي","part":2,"page":11},{"id":611,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 12\rتَشْكُرُونَ (26) نعمه. ونزل في أبي لبابة مروان بن عبد المنذر وقد بعثه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى بني قريظة لينزلوا على حكمه فاستشاروه فأشار إليهم أنه الذبح لأن عياله وماله فيهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا\r______________________________\rمظهرون الضعف لعدم أمركم بالقتال. قوله: (الغنائم) أي فلما هاجروا وأمروا بالقتال، تركوا التجارة وصار رزقهم من الغنائم، وفي الحديث: «جعل رزقي تحت ظل رمحي».\rقوله: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي فتزدادوا من النعم، لأن بالشكر تزداد النعم، قال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ. قوله: (و نزل في أبي لبابة) اسمه مروان كما في بعض النسخ، وقيل رفاعة. قوله:\r(و قد بعثه) إلخ حاصل قصته: أن رسول اللّه حاصر قريظة خمسا وعشرين ليلة، وقيل خمسة عشر، وقيل بضعة عشر يوما، فلما اشتد عليهم الأمر، قام عليهم رئيسهم كعب بن أسد، وعرض عليهم الإيمان، فقال: يا معشر اليهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني أعرض عليكم خصالا ثلاثا، فخذوا أيها شئتم، قالوا: وما هي؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه، فو اللّه لقد تبين أنه نبي مرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، فأبوا، فقال: هلم نقتل أبناءنا ونسائنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه، رجالا مجردين السيوف من أغمادها، ولم نترك وراءنا ثقلا، حتى يحكم اللّه بيننا وبين محمد، فقالوا: أي عيش لنا بعد أبنائنا ونسائنا؟ فقال: إن هذه الليلة ليلة السبت، وعسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب منهم غزوة، فقالوا: نفسد سبتنا، وقد علمت مسخ من خالف السبت، فأرسلوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن ابعث لنا أبا لبابة نستشيره في أمرنا فأرسله إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال، وفزع النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم، وقالوا: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال نعم، وأشار بيده إلى حلقه إنه الذبح، فقال أبو لبابة: فو اللّه ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني خنت اللّه ورسوله، ثم انطلق وسلك طريقا أخرى، فلم يا أت رسول اللّه حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده وقال: لا أبرح من مكاني هذا حتى يتوب اللّه علي مما صنعت، فما بلغ خبره رسول اللّه وقد استبطأه قال: أما لو جاءني لاستغفرت له، وأما إذا فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب اللّه عليه، فأقام أبو لبابة مرتبطا بالجذع ست ليال، وقيل بضعة عشر ليلة، حتى ذهب سمعه وكاد يذهب بصره، وكانت امرأته تأتيه في وقت كل صلاة، فتحله للصلاة ثم تربطه، ثم نزلت توبته في بيت أم سلمة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سحرا، فقام يضحك، فقالت أم سلمة: مم تضحك أضحك اللّه سنك؟ قال: تيب على أبي لبابة، قالت: أفلا أبشره، يا رسول اللّه؟ قال: بلى إن شئت، فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن تنزل آية الحجاب، فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب اللّه عليك، فتسارع إليه الناس ليطلقوه، فقال لا واللّه حتى يكون رسول اللّه هو الذي يطلقني بيده، فلما أصبح الصبح أطلقه فلما اشتد الحصار على بني قريظة، أطاعوا وانقادوا أن ينزلوا على حكم رسول اللّه، فحكم فيهم سعد بن معاذ وكان في خيمة في المسجد الشريف لامرأة من أسلم يقال لها رفيدة، وكانت تداوي الجرحى حسبة، فأتي به، فلما حضر قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قوموا لسيدكم، فقاموا إليه، فقالوا: إن رسول اللّه ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم، فقال سعد: إني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبي الذراري والنساء، فقال عليه الصلاة والسّلام: لقد حكمت فيهم بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعة، والرقيع السماء، ففعل بهم كما قال سعد.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنما عمم الخطاب إشارة إلى الستر عليه، وأن العبرة بعموم اللفظ لا","part":2,"page":12},{"id":612,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 13\rاللَّهَ وَالرَّسُولَ لا وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ ما ائتمنتم عليه من الدين وغيره وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ لكم صادة عن أمور الآخرة وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) فلا تفوتوه بمراعاة الأموال والأولاد والخيانة لأجلهم. ونزل في توبته يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ بالإنابة وغيرها يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً بينكم وبين ما تخافون فتنجون وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذنوبكم وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) وَاذكر يا محمد إِذْ\r______________________________\rبخصوص السبب. قوله: وَتَخُونُوا معطوف على الفعل قبله، فهو في حيز النهي، ولذا قدر المفسر لا، فهو نهي عن الخيانتين. قوله: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ الجملة حالية من فاعل تَخُونُوا. قوله: (صادة) أي مانعة. قوله: (فلا تفوتوه بمراعاة الأموال) إلخ. أي لأنها أمور زائلة فانية، وسعادة الآخرة لا نهاية لها فهي أولى بتقديمها على ما يفنى.\rقوله: فُرْقاناً أي نجاة مما تخافون، وقد أشار لهذا المفسر بقوله:\r(فتنجون) وقيل: المراد بالفرقان النور الكائن في القلب الذي يفرق به بين الحق والباطل، وهو أولى. قوله: وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي يمحها، فقوله: وَيَغْفِرْ لَكُمْ عطف مرادف عليه.\rقوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ إذ ظرف معمول لمحذوف قدره المفسر بقوله: (اذكر) وهذا تذكير لنعمة اللّه على نبيه، إثر تذكير نعمة اللّه على المؤمنين بقوله: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ، والمكر الاحتيال على إيصال الضر للغير. وحاصل ذلك: أن قريشا عرفوا لما أسلم الأنصار، أن أمر رسول اللّه يتفاخم ويظهر، فاجتمع نفر من كبار قريش في دار الندوة ليتشاوروا في أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وكان رؤساؤهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل، وأبو سفيان، وطعمة بن عدي، والنضر بن الحرث، وأبو البحتري بن هشام، وزمعة بن الأسود، فجاءهم إبليس في صورة شيخ نجدي، فلما رأوه قالوا له: من أنت؟ قال: أنا شيخ من نجد، سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا مني رأيا ونصحا، فقالوا له: ادخل فدخل، فقال أبو البحتري: أما أنا فأرى أن تأخذوا محمدا وتحبسوه في بيت مقيدا، وتسدوا باب البيت غير كوة تلقون منها طعامه وشرابه حتى يهلك، فصرخ ذلك الشيخ النجدي وقال: بئس الرأي، إن أصحابه يقاتلونكم ويخرجونه قهرا عليكم، فقالوا: صدق الشيخ النجدي، فقال هشام بن عمرو: إني أرى أن تحملوه على بعير فتخرجوه من بين أظهركم، فلا يضركم ما صنع، فقال الشيخ النجدي: ما هذا برأي، تعمدون إلى رجل قد اتبعه سفهاؤكم، فتخرجوه إلى غيركم فيفسدهم، ألم تروا إلى حلاوة منطقه وطلاقة لسانه، لئن فعلتم ذلك، يذهب ويستميل قلوب آخرين، فيسير بهم إليكم فيخرجكم من بلادكم، فقال أبو جهل: إني أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شابا نسيبا، ويعطى كل شاب سيفا صارما، ثم يضربونه به ضربة واحدة، فإذا قتل تفرق دمه في القبائل، ولا أظن أن هذا الحي من بني هاشم، يقوون على حرب قريش كلها، غايته يطلبون ديته وهو أمر سهل، فقال إبليس: إنه أجودكم رأيا فتفرقوا على ذلك، فأتى جبريل وأخبر رسول اللّه بذلك، وبأن اللّه أذن له في الخروج إلى المدينة، فلما كان الليل، اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام، فأمر رسول اللّه عليا أن يبيت بمضجعه، وقال له: تسج ببردتي، فإنه لن يخلص إليك منهم أمر تكرهه، ثم خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم، وقد أخذ أبصارهم، فلم يره منهم أحد، ونثر على رؤوسهم التراب وهو يتلو قوله تعالى يس إلى قوله:\rفَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ثم أتاهم آت فقال لهم: إن محمدا خرج عليكم ووضع التراب على","part":2,"page":13},{"id":613,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 14\rيَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا وقد اجتمعوا للمشاورة في شأنك بدار الندوة لِيُثْبِتُوكَ يوثقوك ويحسبوك أَوْ يَقْتُلُوكَ كلهم قتلة رجل واحد أَوْ يُخْرِجُوكَ من مكة وَيَمْكُرُونَ بك وَيَمْكُرُ اللَّهُ بهم بتدبير أمرك بأن أوحى إليك ما دبروه وأمرك بالخروج وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (30) أعلمهم به وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا القرآن قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا قاله النضر بن الحرث لأنه كان يا أتي الحيرة يتجر فيشتري كتب أخبار الأعاجم ويحدث بها أهل مكة إِنْ ما هذا القرآن إِلَّا أَساطِيرُ أكاذيب الْأَوَّلِينَ (31) وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا الذي يقرؤه محمد هُوَ الْحَقَ المنزل مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (32) مؤلم على إنكاره قاله النضر وغيره استهزاء وإيهاما أنه على بصيرة وجزم ببطلانه قال تعالى: وَما كانَ اللَّهُ\r______________________________\rرؤوسكم، فما من رجل منهم أصابه ذلك التراب، إلا قتل يوم بدر كافرا. قوله: (بدار الندوة) أي بالدار التي يقع فيها الحديث والاجتماع، وهي أول دار بنيت بمكة، فلما حج معاوية، اشتراها من الزبير العبدري بمائة الف درهم، ثم صارت كلها بالمسجد الحرام، وهي في جانبه الشمالي. قوله: لِيُثْبِتُوكَ هذا إشارة لرأي أبي البحتري.\rقوله: أَوْ يَقْتُلُوكَ أي شبان القبائل كلهم قتلة رجل واحد، وهو إشارة لرأي أبي جهل.\rقوله: أَوْ يُخْرِجُوكَ هو إشارة لرأي هشام بن عمرو. قوله: وَيَمْكُرُونَ (بك) أي يحتالون ويتدبرون في أمرك. قوله: (بتدبير أمرك) جواب عما يقال: إن حقيقة المكر محالة على اللّه تعالى، لأنه الاحتيال على الشيء من أجل حصول العجز عنه، وأجيب أيضا: بأن المراد يمكر اللّه، معاملته لهم معاملة الماكر، حيث خيب سعيهم وضيع أملهم، أو المراد جازاهم على مكرهم، فسمى الجزاء مكرا لأنه في مقابلته. قوله: (أعلمهم به) دفع بذلك ما يقال: إن المكر لا خير فيه، وأجيب أيضا: بأن اسم التفضيل ليس على بابه.\rقوله: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ هذا من جملة قبائح أهل مكة. قوله: مِثْلَ هذا تنازعه كل من سمعنا وقلنا. قوله: (الحيرة) بلدة بقرب الكوفة. قوله: (اخبار الأعاجم) أي كالفرس والروم قوله: إِلَّا أَساطِيرُ جمع اسطورة، كأكاذيب جمع أكذوبة وزنا ومعنى، وقد رد اللّه عليهم تلك المقالة بقوله تعالى:\rقُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ، وقال أيضا قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، فعجزوا عن ذلك وقال البوصيري:\rسور منه أشبهت صورا ... منا ومثل النظائر النظراء\r\rقوله: وَإِذْ قالُوا هذا من جملة قبائحهم الشنيعة. قوله: هُوَ الْحَقَ القراء السبعة على نصب الحق خبرا لكان، وهو ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وقرىء شذوذا برفعه على أنه خبر للضمير، والجملة خبر لكان. قوله: مِنْ عِنْدِكَ حال من الحق. قوله: حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أي من سجيل مسومة كما أرسلتها على اصحاب الفيل. قوله: بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي كالصيحة والخسف. قوله: (قاله النضر) أي ابن الحرث، وقوله: (و غيره) أي وهو أبو الجهل، ولا مانع من أن كلا قال ذلك. قوله:\r(استهزاء) أي سخرية به صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (و إيهاما أنه على بصيرة) أي لأن اصعب الأيمان الدعاء على النفس.","part":2,"page":14},{"id":614,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 15\rلِيُعَذِّبَهُمْ بما سألوه وَأَنْتَ فِيهِمْ لأن العذاب إذا نزل عم ولم تعذب أمة إلا بعد خروج نبيها والمؤمنين منها وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) حيث يقولون في طوافهم غفرانك غفرانك وقيل هم المؤمنون المستضعفون فيهم كما قال لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ بالسيف بعد خروجك والمستضعفين وعلى القول الأول هي ناسخة لما قبلها وقد عذبهم اللّه ببدر وغيره وَهُمْ يَصُدُّونَ يمنعون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمين عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أن يطوفوا به وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ كما زعموا إِنْ ما أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (34) أن لا ولاية لهم عليه وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً صفيرا وَتَصْدِيَةً\r______________________________\rقوله: (بما سألوه) أي وهو الحجارة أو العذاب الأليم، ولا بالعذاب العام، لرفعه ببركته صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله:\rوَأَنْتَ فِيهِمْ أي في بلدهم، فإن خرجت منها أنت والمؤمنون، عذبهم اللّه على أيديكم عذابا خاصا بهم.\rقوله: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ أي عذابا عاما ولا خاصا. قوله: وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ الجملة حالية من الضمير في معذبهم. والمعنى أن اللّه لا يعذبهم، والحال أنهم يستغفرون، فاستغفارهم نافع لهم، بعدم نزول العذاب عليهم. إن قلت: يشكل على هذا قوله تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً، وقوله تعالى: «و ما دعاء الكافرين إِلَّا فِي تَبابٍ»، أجيب: بأن استغفارهم نافع لهم في الدنيا فقط، وأما هاتان الآيتان فالمراد منهما ما يحصل في الآخرة، فأعمال الكفار الصالحة التي لا تفتقر إلى نية، كالصدقات وفعل المعروف والاستغفار، تنفعهم في الدنيا وتمنع عنهم العذاب فيها، ولا تنفعهم في الآخرة. قوله: (و قيل هم المؤمنون) أي فضمير معذبهم يعود إلى أهل مكة، وقوله: وَهُمْ الضمير عائد على أهل مكة باعتبار مجموعهم وهم المؤمنون. قوله: (تزيلوا) أي تميز المؤمنون على الكفار.\rقوله: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ أي: أي شيء ثبت لهم في عدم تعذيب اللّه لهم، أي لا مانع لهم منه. قوله: (و المستضعفين) أي وخروج المستضعفين أيضا. قوله: (و على القول الأول) أو وهو كون الضمير عائد على الكفار. قوله: (هي ناسخة لما قبلها) أي وهي قوله: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ لأنه اخبر أولا أنه لا يعذبهم مع استغفارهم، وأخبر ثانيا أنه يعذبهم ولا يبالي باستغفارهم، والوجه أنها ليست منسوخة لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ، وايضا استغفارهم قد انقطع بخروجهم للمقاتلة، لارتباط استغفارهم بالبيت. قوله: وَهُمْ يَصُدُّونَ الجملة حالية من ضمير يُعَذِّبَهُمُ.\rقوله: (أن يطوفوا به) أي النبي والمؤمنون.\rقوله: وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ رد لقولهم نحن ولاة البيت فنصد من نشاء، وندخل من نشاء. قوله:\rإِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ أي المجتنبون الشرك. قوله: (أو لا ولاية لهم عليه) أشار بذلك إلى أن مفعول يَعْلَمُونَ محذوف.\rقوله: إِلَّا مُكاءً استثناء من الصلاة على حسب زعمهم، حيث ادعوا أن المكاء والتصدية من جنس الصلاة، فالاستثناء زيادة في التشنيع عليهم. قوله: (صفيرا) أي فكان الواحد منهم يشبك اصابع إحدى كفيه بأصابع الأخرى ويضمها وينفخ فيهما، فيظهر من ذلك صوت. قوله:","part":2,"page":15},{"id":615,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 16\rتصفيقا أي جعلوا ذلك موضع صلاتهم التي أمروا بها فَذُوقُوا الْعَذابَ ببدر بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ في حرب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ في عاقبة الأمر عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ندامة لفواتها وفوات ما قصدوه ثُمَّ يُغْلَبُونَ في الدنيا وَالَّذِينَ كَفَرُوا منهم إِلى جَهَنَّمَ في الآخرة يُحْشَرُونَ (36) يساقون لِيَمِيزَ متعلق بتكون بالتخفيف والتشديد أي يفصل اللَّهُ الْخَبِيثَ الكافر مِنَ الطَّيِّبِ المؤمن وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً يجمعه متراكما بعضه على بعض فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (37) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا كأبي سفيان وأصحابه إِنْ يَنْتَهُوا عن الكفر وقتال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ من أعمالهم وَإِنْ يَعُودُوا إلى قتاله فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38) أي سنتنا فيهم بالاهلاك فكذا نفعل بهم وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ\r______________________________\r(تصفيقا) أي ضربا بأحدى اليدين على الأخرى. قوله: (أي جعلوا ذلك) إلخ، جواب عما يقال: إن المكاء والتصدية ليسا من جنس الصلاة، فكيف يصح استثناؤهما منها؟ فأجاب بأنهم كانوا يعتقدون أنهما من جنسها، فجرى الاستثناء على معتقدهم، كانوا يفعلون ذلك حين يشتغل النبي والمؤمنون بالصلاة وقراءة القرآن، كما حكى اللّه عنهم بقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا نزلت في كفار مكة، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإن المشاهد في الكفار ذلك إلى يوم القيامة. قوله: فَسَيُنْفِقُونَها أي يعلمون عاقبة إنفاقها. قوله: ثُمَّ تَكُونُ (في عاقبة الأمر) أي وهي عدم وصولهم لمقصودهم. قوله: ثُمَّ يُغْلَبُونَ التعبير بثم إشارة إلى أنهم يمهلون استدراجا لهم، وزيادة حسرة لهم في العاقبة. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: جَمِيعاً إما حال من الهاء في فَيَرْكُمَهُ أو توكيد لها. قوله: (يجمعه متراكما بعضه على بعض) ظاهر الآية أن هذا الجمع قبل دخولهم النار، وحينئذ فيكون بيانا لحالهم في الموقف كما تقدم أنه يكون سبعون الف قدم على قدم. قوله: أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ أي الخائبون في الدنيا وفي الآخرة.\rقوله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أمر للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبلغ الكفار ما ذكر. قوله: (كأبي سفيان وأصحابه) إنما خصهم لأنهم هم الباقون من كفار مكة، لأن الآية نزلت بعد بدر، وفيها قتل من قتل من صناديدهم، وبقي من بقي، فالخطاب لمن بقي. قوله: إِنْ يَنْتَهُوا (عن الكفر) أي بأن ينطقوا بالشهادتين صادقين مصدقين، فكلمة التوحيد سبب للانتقال من ديوان الأشقياء لديوان السعداء إذا علمت أن هذا الفضل لمن سبق له الكفر، فما بالك بمن لم يسبق له الكفر وعاش مؤمنا ومات كذلك، قال السنوسي: فعلى العاقل أن يكثر من ذكرها مستحضرا لما احتوت عليه المعاني، حتى تمتزج مع معناها بلحمه ودمه، فإنه يرى لها من الأسرار والعجائب ما لا يدخل تحت حصر. قوله: (من أعمالهم) أي السيئة وأعظمها الكفر.\rقوله: وَإِنْ يَعُودُوا وأصل العود الرجوع عن الشيء بعد التلبس به، وحينئذ فيكون المعنى وإن يرتدوا عن الإسلام بعد تلبسهم به، ويصح أن يفسر العود بالاستمرار على الكفر. قوله: فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ أي كعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ممن هلك، إن قلت: إن هؤلاء قد أصابهم الهلاك","part":2,"page":16},{"id":616,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 17\rتوجد فِتْنَةٌ شرك وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وحده ولا يعبد غيره فَإِنِ انْتَهَوْا عن الكفر فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) فيجازيهم به وَإِنْ تَوَلَّوْا عن الإيمان فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ ناصركم ومتولي أموركم نِعْمَ الْمَوْلى هو وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) أي الناصر لكم وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ أخذتم من الكفار قهرا مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ يأمر فيه بما يشاء وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى قرابة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من بني هاشم وبني المطلب وَالْيَتامى أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم وهم فقراء وَالْمَساكِينِ ذوي الحاجة من المسلمين وَابْنِ السَّبِيلِ المنقطع في سفره من\r______________________________\rالعام، وأما أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فمحفوظة منه. وأجيب: بأن التشبيه في مطلق هلاك، وإن كان ما سبق عاما وهذا خاص، والأقرب أن يراد بالأولين من سبق قبلهم من أولاد عمهم وأقاربهم ممن قتل ببدر، وجملة فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ تعليل لمحذوف ولا يصلح للجواب، وتقدير الجواب: إن يعودوا نهلكهم كما أهلكنا الأولين.\rقوله: وَقاتِلُوهُمْ أي الكفار مطلقا، مشركين أو غيرهم. قوله: حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي شوكة لأهل الشرك، أي بأن ينقرضوا رأسا، أو بدخولهم في الإسلام، أو بأن يؤدوا الجزية بدليل قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ إلى أن قال: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ فالمكلف به مأخوذ من مجموع الآيتين. قوله: (توجد) أشار بذلك إلى أن كان تامة وفِتْنَةٌ بالرفع فاعلها. قوله: وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ يَكُونَ ناقصة والدِّينُ اسمها ولِلَّهِ متعلق بمحذوف خبرها. قوله: بِما يَعْمَلُونَ القراء السبعة على الياء التحتية، وقرأ يعقوب من العشرة بالتاء الفوقية. قوله: (فيجازيهم به) أي بالذي تعملونه من خير وشر.\rقوله: وَإِنْ تَوَلَّوْا أي اعرضوا ولم يمتثلوا. قوله: نِعْمَ الْمَوْلى هذا ثناء من اللّه على نفسه، فهو حمد قديم لقديم، والمعنى أن اللّه ينصر العبد ويشكره ولا يضيعه، بخلاف الناصر من الخلق، ينصر ويمنّ بذلك النصر. قوله: (هو) أشار بذلك إلى أن المخصوص بالمدح محذوف.\rقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ تقدم أن الحق أن هذه الآية مفصلة لآية: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قوله: مِنْ شَيْءٍ بيان لما ونكرة ليشمل الجليل والحقير، والشريف والوضيع. قوله: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ بفتح الهمزة خبر لمحذوف، والتقدير فحكمه أن خمسه للّه. قوله: (يأمر فيه بما يشاء) أي فالخمس يقسم ستة أقسام: قسم للّه يصرف في الكعبة، والخمسة أقسام: للنبي، ولآله، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وبذلك قال بعض الأئمة غير الأربعة، وقال الأربعة: إنه يقسم خمسة أقسام فقط للخمسة المذكورين، وذكر اللّه للتعظيم، وهذا ما كان في زمنه، وأما بعد وفاته، فالخمس الذي كان يأخذه النبي يوضع في بيت المال، يصرف في مصالح المسلمين، وهو كواحد منهم، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك:\rالنظر فيه للإمام، وقال أبو حنيفة: سقط سهمه وسهم القربى بوفاته، وصار الكل للثلاثة فقط. قوله:\r(من بني هاشم وبني المطلب) هذا مذهب الشافعي، وعند مالك: الآل بنو هاشم فقط، وعند أبي حنيفة فرق خمسة: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، وآل الحرث.\rقوله: وَالْمَساكِينِ المراد بهم ما يشمل الفقراء. قوله: (المنقطع في سفره) أي المحتاج ولو غنيا","part":2,"page":17},{"id":617,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 18\rالمسلمين أي يستحقه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والأصناف الأربعة على ما كان يقسمه من أن لكل خمس الخمس والأخماس الأربعة الباقية للغانمين إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فاعلموا ذلك وَما عطف علي باللّه أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من الملائكة والآيات يَوْمَ الْفُرْقانِ أي يوم بدر الفارق بين الحق والباطل يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ المسلمون والكفار وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) ومنه نصركم مع قلتكم وكثرتهم إِذْ بدل من يوم أَنْتُمْ كائنون بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا القربى من المدينة وهي بضم العين وكسرها جانب الوادي وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى البعدى منها وَالرَّكْبُ العير كائنون بمكان أَسْفَلَ مِنْكُمْ مما يلي البحر وَلَوْ تَواعَدْتُمْ أنتم والنفير للقتال لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ جمعكم بغير ميعاد لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا في علمه وهو نصر الإسلام ومحق الكفر فعل ذلك لِيَهْلِكَ يكفر مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ أي بعد حجة ظاهرة قامت عليه وهي نصر المؤمنين مع قلتهم على الجيش الكثير وَيَحْيى يؤمن مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) اذكر\r______________________________\rببلده. قوله: (أي يستحقه النبي) إنما لم يقل اللّه، و(النبى) إشار إلى أن ذكر اسم اللّه للتعظيم والتبرك، كما هو التحقيق. قوله: (من أن لكل) أي من الأصناف الخمسة. قوله: (و الأخماس الأربعة) بيان لمفهوم قوله خمسة. قوله: (فاعلموا ذلك) أشار بذلك إلى أن جواب الشرط محذوف، لدلالة ما قبله عليه، والمراد علم ذلك مع العمل بمقتضاه، لأن العلم المجرد لا ثمرة له. قوله: (عطف على باللّه) أي على مدخول الباء، وهو لفظ الجلالة. قوله: (من الملائكة) إلخ بيان لما. قوله: (الفارق بين الحق) أي بظهوره واتضاحه. وقوله: (و الباطل) أي بخموده وذهابه. قوله: يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ بدل من يوم الأول.\rقوله: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كالتذييل والتدليل لما قبله. قوله: (بدل من يوم) أي الثاني بدل اشتمال. قوله: (بضم العين وكسرها) أي فهما قراءتان سبعيتان، والعدوة الشاطىء والشفير والجانب، سميت بذلك لأن السيل يعدوها ويتجاوزها لعلوها عن الوادي، والمعنى أنتم بالجانب القريب من المدينة، وهم بالجانب الآخر، وبينهما مقدار الرامي.\rقوله: (كائنون بمكان) أَسْفَلَ مِنْكُمْ أشار المفسر إلى أن الرَّكْبُ مبتدأ خبره محذوف وقوله: أَسْفَلَ ظرف صفة لمحذوف، والمعنى أن الرَّكْبُ في مكان أَسْفَلَ مِنْكُمْ بحيث لو استغاثوا بقومهم لأغاثوهم.\rقوله: وَلَوْ تَواعَدْتُمْ أي أعلم كل منكم الآخر بالخروج للقتال. قوله: لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ أي لأمكن اختلافكم في التواعد، بمعنى انكم لم توفوا بذلك، بل قد تتخلفون عن الخروج.\rقوله: لِيَهْلِكَ علة لمحذوف قدره المفسر بقوله: (فعل ذلك) وهو جمعهم بغير ميعاد، وإخراجهم بغير تأهل. قوله: (يكفر) أي يستمر على كفره. قوله: (أي بعد حجة) أشار بذلك إلى أن عَنْ بمعنى بعد، على حد قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ، والمعنى أنه لم يبق لهم عذر في عدم إيمانهم، بل صار كفرهم عنادا. قوله: وَيَحْيى أي يستمر على الحياة وهي الإيمان. قوله: مَنْ حَيَ بالفك والإدغام، قراءتان سبعيتان. قوله: وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ أي بأقوالكم عَلِيمٌ بأحوالكم فيجازيكم عليها. قوله:","part":2,"page":18},{"id":618,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 19\rإِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ أي نومك قَلِيلًا فأخبرت به أصحابك فسروا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ جبنتم وَلَتَنازَعْتُمْ اختلفتم فِي الْأَمْرِ أمر القتال وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ كم من الفشل والتنازع إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (43) بما في القلوب وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ أيها المؤمنون إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا نحو سبعين أو مائة وهم ألف لتقدموا عليهم وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ليقدموا ولا يرجعوا عن قتالكم وهذا قبل التحام الحرب فلما التحم أراهم إياهم مثيلهم كما في آل عمران لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ تصير الْأُمُورُ (44) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً جماعة كافرة فَاثْبُتُوا لقتالهم ولا تنهزموا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً ادعوه بالنصر لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) تفوزون وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا تختلفوا فيما بينكم\r______________________________\rقَلِيلًا مفعول ثالث، لأن رأي العلمية تنصب مفعولين بلا همز، فإذا دخلت عليها الهمزة نصبت ثلاثة، والمعنى اذكر يا محمد هذه النعمة العظيمة، وهي رؤيتك إياهم في المنام قليلا، تشجيعا لأصحابك وتثبيتا لهم، وإشارة إلى ضعف الكفار، وأنهم يهزمون، وبهذا اندفع ما يقال: إن رؤيا الأنبياء حق، فكيف يراهم قليلا مع كثرتهم.\rقوله: وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً أي وأخبرت أصحابك بذلك. قوله: لَتَنازَعْتُمْ عطف على فشلتم، عطف سبب على مسبب. قوله: وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ مفعوله محذوف قدره المفسر، وقوله: (من الفشل) إلخ، متعلق بسلم. قوله: (بما في القلوب) أي الخطرات والسرائر التي احتوت عليها القلوب، فالمراد بصاحبات الصدور والسرائر، والصُّدُورِ القلوب، من باب تسمية الحال باسم محله،\rقوله:\rوَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ هذه الرؤية بصرية، فتنصب مفعولا واحدا إن لم تدخل عليها الهمزة، وإلا نصبت مفعولين، فالكاف مفعول أول، والهاء مفعول ثان، وقَلِيلًا حال. قوله: (أيها المؤمنون) تفسير للكاف. قوله: (و هم ألف) أي في الواقع ونفس الأمر. قوله: (لتقدموا عليهم) علة لقوله:\rيُرِيكُمُوهُمْ إلخ. قوله: (ليقدموا) علة لقوله: وَيُقَلِّلُكُمْ قوله: (و هذا) أي تقليلكم في أعينهم.\rقوله: (أراهم) أي الكفار، (إياهم) أي المسلمين (مثليهم) أي مثلي الكفار وكانوا ألفا، فرأوا المسلمين قدر ألفين، لتضعف قلوبهم، ويتمكن المسلمون منهم، فلا تنافي بين ما هنا، وبين ما تقدم.\rقوله: لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً علة لمحذوف تقديره فعل ذلك ليقضي إلخ. قوله: تُرْجَعُ بالبناء للفاعل أو للمفعول، قراءتان سبعيتان، والْأُمُورُ فاعل على الأول، ونائب فاعل على الثاني. قوله:\r(تصير) هذا على قراءة البناء للفاعل، وأما على قراءة البناء للمفعول، فمعناه ترد.\rقوله: إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً أي حاربتم جماعة، والفئة اسم جمع لا واحد له من لفظه. قوله: فَاثْبُتُوا أمر للمؤمنين في أي زمان.\rقوله: (ادعوه بالنصر) أي فالمراد بالذكر ما يشمل الدعاء، ويصح أن يبقى الذكر على إطلاقه، فيشمل ملاحظته تعالى بالقلوب، وأنه معهم بالعون والنصر. قوله: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ الترجي بمنزلة التحقق لأنه وعد ووعد اللّه لا يخلف.\rقوله: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي فيما يأمركم به. قوله: فَتَفْشَلُوا عطف مسبب على سبب","part":2,"page":19},{"id":619,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 20\rفَتَفْشَلُوا تجبنوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ قوتكم ودولتكم وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) بالنصر والعون وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ليمنعوا عيرهم ولم يرجعوا بعد نجاتها بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ حيث قالوا لا نرجع حتى نشرب الخمور وننحر الجزور وتضرب علينا القيان ببدر فيتسامع بذلك الناس وَيَصُدُّونَ الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ بالياء والتاء مُحِيطٌ (47) علما فيجازيهم به وَاذكر إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ إبليس أَعْمالَهُمْ بأن شجعهم على لقاء المسلمين لما خافوا الخروج من أعدائهم بني بكر وَقالَ لهم لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ من كنانة وكان أتاهم في صورة سراقة بن مالك سيد تلك الناحية فَلَمَّا تَراءَتِ التقت الْفِئَتانِ المسلمة والكافرة ورأى الملائكة وكان يده في يد الحرث بن هشام نَكَصَ رجع عَلى عَقِبَيْهِ هاربا وَقالَ لما قالوا له أتخذ لنا على هذا الحال إِنِّي بَرِيءٌ\r______________________________\rقوله: (تجبنوا) أي عن الحرب. قوله: وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ عطف مسبب على سبب أيضا، وهذا على الترتيب، فالاختلاف ينشأ عنه الجبن، والجبن ينشأ عنه ذهاب الريح. قوله: (قوتكم) أي ويطلق على الغلبة والرحمة والنصرة. قوله: (و دولتكم) الدولة في الحرب بفتح الدال وجمعها دول بكسر الدال، وأما دولة المال فبضم الدال وجمعها دول بضم الدال. قوله: وَاصْبِرُوا أي على قتالهم.\rقوله: كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ أي وهم أبو جهل ومن ذلك أنهم لما بلغوا الجحفة، وافاهم رسول اللّه أبي سفيان وقال لهم: ارجعوا فقد سلمت عيركم، فقال أبو جهل: لا واللّه حتى نقدم بدرا، ونشرب الخمر، وننحر الجزور، وتضرب علينا القيان، فيتسامع بذلك الناس ويهابوننا. قوله:\r(ليمنعوا عيرهم) أي ليمنعوا المسلمين عن قافلتهم التي كانت مع أبي سفيان. قوله: (و لم يرجعوا بعد نجاتها) قدره المفسر إشارة إلا أن بَطَراً وما عطف عليه علة لمحذوف لا، لقوله: خَرَجُوا لأن خروجهم ليس للبطر، بل لمنع الناس عن العير، والبطر علة لعدم رجوعهم بعد نجاحها. قوله: بَطَراً هو وما بعده مفعول لأجله، والبطر كفران النعمة وعدم شكرها. قوله: (القيان) جمع قينة، وهي الجارية المغنية. قال ابن مالك: فعل وفعله قيام لهما. قوله: (فيتسامع بذلك الناس) أي القبائل فيها بوننا، وقد بدلهم اللّه شرب الخمور بشرب كأس الموت، وضرب القيان بنوح النائحات، ونحر الجزور بنحر رقابهم.\rقوله: وَيَصُدُّونَ عطف على بطرا، فهو في قوة المصدر أي وصدا، قال ابن مالك: واعطف على اسم شبه فعلى فعلا. قوله: (بالياء والتاء) ظاهره أنهما سبعيتان وليس كذلك، بل التاء الفوقية لم يقرأ بها السبعة ولا العشرة، فذكرها سبق قلم.\rقوله: وَإِذْ زَيَّنَ عطف على وَلا تَكُونُوا عطف قصة على قصة وَإِذْ ظرف معمول لمحذوف قدره بقوله: (اذكر). قوله: (لما خافوا الخروج) أي لما خافوا من أعدائهم حين الخروج من مكة لقتالهم. قوله: (بني بكر) أي وهم قبيلة كنانة، وكانت قريبة من قريش، وبينهم الحروب الكثيرة.\rقوله: وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ أي مجير ومعين. قوله: (و كان أتاهم) إلخ، قال ابن عباس: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين، معه راية في صورة رجل من رجال بني مدلج سراقة بن مالك، فقال المشركين: لا غالب لكم اليوم من الناس. قوله: (و رأى الملائكة) أي نازلين من السماء. قوله: (أتخذلنا)","part":2,"page":20},{"id":620,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 21\rمِنْكُمْ من جواركم إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ من الملائكة إِنِّي أَخافُ اللَّهَ أن يهلكني وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (48) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ضعف اعتقاد غَرَّ هؤُلاءِ أي المسلمين دِينُهُمْ إذ خرجوا مع قلتهم يقاتلون الجمع الكثير توهما أنهم ينصرون بسببه قال تعالى في جوابهم وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ يثق به يغلب فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب على أمره حَكِيمٌ (49) في صنعه وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ يَتَوَفَّى بالياء والتاء الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ حال وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ بمقامع من حديد وَيقولون لهم ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (50) أي النار وجواب لو لرأيت أمرا عظيما ذلِكَ التعذيب بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ عبر\r______________________________\rأي تترك نصرتنا في هذه الحالة فعلى بمعنى في. قوله: (أن يهلكني) أي بتسليط الملائكة علي. إن قلت: إنه من المنظرين، فكيف يخاف الهلاك حينئذ؟ أجيب: بأنه لشدة ما رأى من الهول، نسي الوعد بأنه من المنظرين، وما أشار له المفسر جواب عما يقال، إن الشيطان لا خوف عنده، وإلا لما كفر وأضل غيره.\rوأجيب أيضا بأن قوله: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ كذب ولا مانع من ذلك. قوله: وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ يصح أن يكون من جملة قول الشيطان واعتذاره، أو مستأنف تهديد له من كلام اللّه تعالى.\rقوله: إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ أي الكائنون بالمدينة، وقوله: وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي الكائنون بمكة، إذ لم يحضر وقعة بدر منافق، إلا عبد اللّه بن أبي فقط، ولم يكن فيها ضعيف إيمان. قوله:\r(توهما) مفعول لخرجوا والضمير في (بسببه) عائد على الدين. قوله: (يغلب) قدره إشارة إلى أن جواب الشرط محذوف، وقوله: فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ دليل عليه.\rقوله: وَلَوْ تَرى الرؤية بصرية، ومفعولها محذوف تقديره حال الكفار وقت الموت. وَلَوْ حرف شرط تقلب المضارع ماضيا عكس إن. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان، فعلى الياء الأمر ظاهر، وعلى التاء فلأن الجمع يجوز تذكيره وتأنيثه. قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا قيل المراد جمع الكفار من وجد وسيوجد، وقيل المراد الكفار الذين قتلوا ببدر، واختلف أيضا في وقت الضرب، فقيل عند الموت تعجيلا للمساءة، وقيل ذلك يوم القيامة، ولا مانع من الجميع. قوله: (حال) أي من الملائكة.\rقوله: وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ المراد أمامهم وخلفهم فيعمون جميع أجسادهم بالضرب. قوله: (بمقامع من حديد) جمع مقمعة بكسر الميم، وهي العصا من الحديد المحماة بالنار، ولو وضعت على جبال الدنيا لدكت.\rقوله: وَذُوقُوا قدر المفسر (يقولون) إشارة إلى أنه معطوف على يَضْرِبُونَ فهو حال أيضا.\rقوله: ذلِكَ اسم الإشارة مبتدأ، وقوله: بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ متعلق بمحذوف خبر، والباء سببية.\rقوله: (عبر بها) إلخ. دفع بذلك ما يقال إن إذاقة العذاب حاصلة، بسبب ما فعلوا بجميع أعضائهم، فلم خصت الأيدي؟ فأجاب بما ذكر، وبعضهم فسر الأيدي بالقدر جمع قدرة، فيكون المعنى ذلك، بسبب ما قدمته قدرتكم وكسبكم، فإن اليد تطلق ويراد بها القدرة، قال تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ.\rقوله: وَأَنَّ اللَّهَ معطوف على بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، والمعنى ذلك بسبب ما قدمت أيديكم، وبسبب","part":2,"page":21},{"id":621,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 22\rبها دون غيرها لأن أكثر الأفعال تزاول بها وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ أي بذي ظلم لِلْعَبِيدِ (51) فيعذبهم بغير ذنب دأب هؤلاء كَدَأْبِ كعادة آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بالعقاب بِذُنُوبِهِمْ جملة كفروا وما بعدها مفسرة لما قبلها إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌ على ما يريده شَدِيدُ الْعِقابِ (52) ذلِكَ أي تعذيب الكفرة بِأَنَ أي بسبب أن اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ مبدلا لها بالنقمة حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ يبدلوا نعمتهم كفرا كتبديل كفار مكة إطعامهم من جوع وأمنهم من خوف وبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم بالكفر والصد عن سبيل اللّه وقتال المؤمنين وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ قومه معه وَكُلٌ من الأمم المكذبة كانُوا\r______________________________\rأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ونفي الظلم عن اللّه كناية عن العدل، فكأنه قال ذلك بسبب الذي قدمته أيديكم، وبسبب عدل اللّه فيكم. قوله: (أي بذي ظلم) دفع بذلك ما يتوهم من ظاهر الآية، أن أصل الظلم ثابت للّه، والمنفي كثرته، فأجاب المفسر بأن هذه الصيغة ليست للمبالغة بل للنسب، قال ابن مالك:\rومع فعل وفعال فعل ... في نسب أغنى عن اليا فقبل\r\rوحينئذ فقد انتفى أصل الظلم، بل لا يريده أصلا، قال تعالى: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ لأن الإرادة لا تتعلق إلا بالجائز، والظلم من اللّه مستحيل عقلا، لأن حقيقة التصرف في ملك الغير من غير إذنه، ولا يتصور العقل ملكا لغير اللّه.\rقوله: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ الكاف متعلقة بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، قدره المفسر بقوله: (دأب هؤلاء) وهذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ تفصيل للدأب وتفسير له، كما قال المفسر. قوله: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ أي أهلكهم، لكن هلاك غير هذه الأمة بالرجفة والزلزلة والكسف والمسح من كل عذاب عام، وهلاك كفار هذه الأمة بالسيف، فالمماثلة في مطلق الهلاك. قوله: بِذُنُوبِهِمْ الباء سببية.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ كالدليل لما قبله. قوله: (أي تعذيب الكفرة) أي بسبب ما قدمت أيديهم.\rقوله: بِأَنَّ اللَّهَ الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر عن اسم الإشارة، والجملة تعليل لمجموع المعلول وعلته السابقين. قوله: لَمْ يَكُ مجزوم بسكون النون المحذوفة تخفيفا، قال ابن مالك:\rومن مضارع لكان منجزم ... تحذف نون وهو حذف ما التزم\r\rوأصله يكون دخل الجازم فسكنت النون فالتقى ساكنان، حذفت الواو لالتقائهما، ثم حذفت النون تخفيفا. قوله: (يبدلوا نعمتهم كفرا) أي يتركوا ما يجب للنعم من شكرها والقيام بحقها، ويرتكبوا عدم الشكر، وعدم القيام بحقها، والمعنى يبدولون ما بهم من الحال إلى حال أسوأ منه، فتغيرت نعمة إمهالهم بمعاجلة العذاب لهم. قوله: وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ أي لأقوالكم عليم بأحوالكم.\rقوله: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ إلخ، كرر تفصيلا لما قبله، لأنه مقام ذم وهو كالمدح، البلاغة فيه الإطناب. قوله:\rوَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي كقوم نوح وهود، وقوم صالح وغيرهم. قوله: فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ أي بسببها. قوله: (قومه معه) أشار بذلك إلى أن المراد بآل فرعون هو وآله.","part":2,"page":22},{"id":622,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 23\rظالِمِينَ (54). ونزل في قريظة إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ أن لا يعينوا المشركين ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ عاهدوا فيها وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (56) اللّه في غدرهم فَإِمَّا فيه ادغام نون إن الشرطية في ما المزيدة تَثْقَفَنَّهُمْ تجدنهم فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ فرق بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ من المحاربين بالتنكيل بهم والعقوبة لَعَلَّهُمْ أي الذين خلفهم يَذَّكَّرُونَ (57) يتعظون بهم وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ عاهدوك خِيانَةً في عهد بأمارة تلوح لك فَانْبِذْ اطرح عهدهم إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ حال أي مستويا أنت وهم في العلم بنقض العهد بأن تعلمهم به لئلا يتهموك بالغدر إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (58) ونزل فيمن أفلت يوم بدر وَلا يَحْسَبَنَ يا محمد الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا اللّه أي\r______________________________\rقوله: كانُوا ظالِمِينَ فيه مراعاة معنى كل، ولو روعي لفظها لقيل وكل كان ظالما، وكل صحيح، وإنما روعي معناها مراعاة للفواصل. قوله: (و نزل في قريظة) أي حين قدم رسول اللّه المدينة، وعاهدهم أن لا يحاربوه ولا يعاونوا عليه، فنقضوا عهده وأعانوا عليه مشركي مكة بالسلاح ثم قالوا نسينا وأخطأنا، فعاهدهم الثانية، فنقضوا ايضا، وتمالؤوا مع الكفار على قتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم الخندق.\rقوله: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِ في ذلك إشارة إلى أنهم بمعزل من جنسهم، وإنما هم من جنس الدواب ومع ذلك هم شر من جميع أفرادها، قال تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ.\rقوله: الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ بدل من الموصول قبله، أو نعت أو عطف بيان. قوله: (لا يعينوا المشركين) أي كفار مكة، فنقضوا أولا وثانيا.\rقوله: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ أي تظفرن بهم. قوله: فَشَرِّدْ بِهِمْ الباء سببية، والكلام على حذف مضاف، أي سبب عقوبتهم وتنكيلهم. قوله: مَنْ خَلْفَهُمْ مفعول لشرد، والمراد بمن خلفهم كفار مكة، والمعنى إذا ظفرت بقريظة فعاقبهم، ليتفرق كفار مكة وغيرهم بمن نقض عهدك ويتعظوا بهم، فصيرهم عبرة لغيرهم، حتى لا يكون لهم قوة على محاربتك.\rقوله: وَإِمَّا تَخافَنَ خطاب عام للمسلمين وولاة الأمور، وإن كان أصل نزولها في قريظة قوله: فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ أي أعلمهم بأن لا عهد لهم بعد اليوم فشبه العهد بالشيء الذي يرمى، وطوى ذكر المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو النبذ، فإثباته تخييل. قوله: (بأن تعلمهم به) أي لم يكن عذرهم ظاهرا طهورا بينا، وإلا فلا يحتاج للإعلان. والحاصل: أنه إذا ظهرت أمارات نقض العهد، وجب على الإمام أن ينبذ عهدهم، ويعلمهم بالحرب قبل الركوب عليهم، بحيث لا يعد الإمام غادرا لهم، وإن ظهرت الخيانة ظهورا مقطوعا به، فلا حاجة إلى نبذ العهد ولا الإعلام، بل يبادرهم بالقتال. قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ تعليل للأمر بنبذ العهد. قوله: (و نزل فيمن أفلت) أي في الكفار الذين خلصوا وهربوا، وهذا تسلية لرسول اللّه وأصحابه، حيث حزنوا على نجاة من نجا من الكفار، وكان غرضهم استئصالهم بالقتل والأسر.\rقوله: وَلا يَحْسَبَنَ الخطاب لرسول اللّه، والمعنى لا تظن يا محمد الذين كفروا فائتين اللّه وفارين من عقابه، إنهم لا يعجزونه، وهذا وإن كان في أهل بدر، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وحسب تتعدى للمفعولين: الأول الَّذِينَ كَفَرُوا، والثاني: جملة سبقوا، وهذا على قراءة التاء","part":2,"page":23},{"id":623,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 24\rفاتوه إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (59) لا يفوتونه وفي قراءة بالتحتانية فالمفعول الأول محذوف أي أنفسهم وفي أخرى بفتح أن على تقدير اللام وَأَعِدُّوا لَهُمْ لقتالهم مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ قال صلّى اللّه عليه وسلّم هي الرمي رواه مسلم وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ مصدر بمعنى حبسها في سبيل اللّه تُرْهِبُونَ تخوفون بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ أي كفار مكة وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ أي غيرهم وهم المنافقون أو اليهود لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ جزاؤه وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60) تنقصون منه شيئا وَإِنْ جَنَحُوا مالوا لِلسَّلْمِ بكسر السين وفتحها الصلح فَاجْنَحْ لَها وعاهدهم قال ابن عباس هذا منسوخ بآية السيف ومجاهد مخصوص بأهل الكتاب\r______________________________\rالفوقية، وأما على قراءة الياء التحتية، فالذين كفروا فاعل، والمفعول الأول محذوف تقديره أنفسهم كما قال المفسر، والمفعول الثاني جملة سَبَقُوا. قوله: (و في قراءة بفتح أن) أي مع الياء التحتية لا غير، فالقراءات ثلاث، خلافا لما يوهمه المفسر من أنها أربع: وحاصلها أن التاء فيها وجهان، فتح إن وكسرها، والياء فيها وجه واحد، وهو فتح أن لا غير. قوله: (تقدير اللام) أي التي للتعليل.\rقوله: وَأَعِدُّوا لَهُمْ أي للكفار مطلقا، أو لناقضي العهد. قوله: مِنْ قُوَّةٍ بيان لما. قوله:\r(هي الرمي) هذا الحديث رواه عقبة بن عامر قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو على المنبر يقول:\r«وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ألا إن القوة الرمي» ثلاثا، أخرجه مسلم وقيل: المراد بالقوة جميع ما يتقوى به في الحرب على العدو، من سلاح ورمي وخيل ورجال ودروع وغير ذلك، ولا منافاة بين هذا وبين قوله عليه الصلاة والسّلام: «ألا إن القوة الرمي»، لأن المراد معظم القوة الرمي على حد الحج عرفة، والندم توبة، وهذا هو الأحسن. قوله: (مصدر) أي سماعي، وإلا فالقياسي لما يقتضي الاشتراك، كقاتل وخاصم وضارب.\rقوله: تُرْهِبُونَ بِهِ أي بالرباط الذي هو بمعنى الربط. قوله: (أي كفار مكة) هذا باعتبار سبب نزول الآية، وإلا فالعبرة بعموم اللفظ، فالمراد جميع الكفارة في أي زمان. قوله: (و هم المنافقون) أورد عليه أن المنافقين لا يقاتلون. أجيب بأن المراد بإرهابهم، ادخال الرعب والحزن في قلوبهم، لأنهم إذا شاهدوا قوة المسلمين وشهامتهم، كان ذلك مرهبا ومخوفا لهم. قوله: (أو اليهود) أو مانعة خلو، فتجوز الجمع. قوله:\rلا تَعْلَمُونَهُمُ أي لا تعلمون بواطنهم وما انطووا عليه. قوله: وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في جهاد الكفار. قوله: يُوَفَّ إِلَيْكُمْ (جزاؤه) أي فالحسنة بسبعمائة، قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ الآية. قوله: (تنقصون منه شيئا) أي وسماه ظلما لأن وعده بالخير لا يتخلف فكأنه واجب، وضده مستحيل، وليس المراد الظلم الحقيقي، لأنه التصرف في ملك الغير، ولا ملك لأحد معه،\rقوله: وَإِنْ جَنَحُوا أي الكفار مطلقا وبنو قريظة، وعلى هذين القولين، يتخرج القول بالنسخ والقول بالتخصيص، الذي أشار له المفسر بقوله: (قال ابن عباس) الخ، وهذا مبني على أن المراد بالصلح عقد الجزية، وأما إن أريد بالصلح غيره من الهدنة والأمان فلا نسخ، إذ يصح عقد ذلك لكل كافر، وهذا التقرير مرور على مذهب الشافعي، من أن الجزية لا تضرب إلا على أهل الكتاب فقط، وقال","part":2,"page":24},{"id":624,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 25\rإذ نزلت في بني قريظة وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ثق به إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ للقول الْعَلِيمُ (61) بالفعل وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ بالصلح ليستعدوا لك فَإِنَّ حَسْبَكَ كافيك اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ جمع بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بعد الإحن لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ بقدرته إِنَّهُ عَزِيزٌ غالب على أمره حَكِيمٌ (63) لا يخرج شيء عن حكمته يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَحسبك مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ حث الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ للكفار إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ منهم وَإِنْ يَكُنْ بالياء والتاء مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ أي بسبب أنهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (65) وهذا خبر بمعنى الأمر أي ليقاتل العشرون منكم المائتين والمائة الألف ويثبتوا ثم نسخ لما كثروا بقوله الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً بضم الضاد وفتحها عن قتال عشرة أمثالكم فَإِنْ يَكُنْ بالياء والتاء مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ منهم\r______________________________\rمالك: إن الجزية تضرب على كل كافر صح سباؤه، كان من أهل الكتاب أو لا، فعلى مذهبه ليس في الآية نسخ أصلا. قوله: (بكسر السين وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي فوض أمرك له. قوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ تعليل لما قبله.\rقوله: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ شرط حذف جوابه، تقديره فصالحهم ولا تخف من عذرهم.\rقوله: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ أي قواك بأسباب باطنية، وهي نصره لك من غير واسطة، وبأسباب ظاهرية وهم المؤمنون. قوله: (بعد الإحن) جمع إحنة وهي العداوة والشحناء التي كانت بين الأوس والخزرج.\rقوله: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ أي بعد أن كان ما كان بينهم من البغضاء والعداوة والحروب العظيمة، مائة وعشرين سنة، حتى لو أن رجلا من قبيلة لطم لطمة واحدة لقاتل عنه أهل قبيلته، حتى يدركوا ثأرهم، فلما آمنوا برسول اللّه، زالت تلك الحالة، وانقلبت العداوة محبة في اللّه ورسوله، فكان معجزة عظيمة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ الخ، هذا امتنان من اللّه على نبيه بتلك النعمة العظيمة.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ قيل نزلت ببدر، فالمراد بالمؤمنين: الذين كانوا حاضرين وقعتها، فيكون في ذلك مدح عظيم لهم، ودليل على شرفهم، ويؤخذ من ذلك، أن المؤمنين إذا اجتمعت قلوبهم مع شخص لا يخذلون أبدا، وليس في ذلك اعتماد على غير اللّه، لأن المؤمنين ما التفت لهم إلا لإيمانهم وكونهم حزب اللّه، فرجع الأمر للّه، وقيل: نزلت في إسلام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، بعد إسلام ثلاثة وثلاثين رجلا وست نسوة، فيكون هو متمما للأربعين، فعلى الأول الآية مدنية كبقيتها، وعلى الثاني تكون الآية مكية، اثناء سورة مدنية، ولا مانع أنها نزلت مرتين بمكة يوم إسلام عمر، ومرة بالمدينة في أهل بدر. قوله: وَمَنِ اتَّبَعَكَ معطوف على لفظ الجلالة.\rقوله: حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ أي مرهم أمرا أكيدا، أو رغبهم فيه. قوله: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ إما تامة وفاعلها عِشْرُونَ ومِنْكُمْ حال، وإما ناقصة، فعشرون اسمها، ومنكم خبرها، وهكذا يقال فيما بعدها. ويَكُنْ وقع هنا خمس","part":2,"page":25},{"id":625,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 26\rوَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ بإرادته وهو خبر بمعنى الأمر أي لتقاتلوا مثليكم وتثبتوا لهم وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) بعونه. ونزل لما أخذوا الفداء من أسرى بدر ما كانَ لِنَبِيٍ\r______________________________\rمرات: الأول والرابع بالياء لا غير، والثاني والثالث والخامس بالياء والتاء، كما سيا أتي للمفسر، فيما سكت عنه فبالياء لا غير، وما نبه عليه ففيه الوجهان.\rقوله: صابِرُونَ أي محتسبون أجرهم عند اللّه، وهذا خبر بمعنى الأمر، لقلة المسلمين وكثرة الكافرين، وحكمة ذلك: التكليف أن المسلمين وليهم اللّه، فهم معتمدون عليه، ومتوكلون عليه، فبذلك الوصف كان الواحد مكلفا بقتال عشرة، وأما الكفار فلا ناصر لهم، وهم معتمدون على قوتهم، وذلك داع للضعف والهزيمة، وفي الآية من المحسنات البديعية الاحتباك، وهو الحذف من كل نظير ما أثبت في الآخر، فقد أثبت صابرون في الأول، وحذف الذين كفروا منه، وأثبت الذين كفروا في الثاني، وحذف لفظ الصبر منه، قوله: (و هذا خبر بمعنى الأمر) أي وقد كان هذا في صدر الإسلام، وكان فرار المائة من الألف حراما، ثم نسخ. قوله: (بضم الضاد وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان، والمراد الضعف في الأبدان، لكثرة العبادة والتعب، فرحمهم اللّه وأكرمهم، وأيضا علم اللّه ضعف ما يا أتي بعد الصدر الأول عن القتال، فخفف اللّه عن الجميع. قوله: (و هو خبر بمعنى الأمر) أي وقد استمر ذلك الأمر إلى يوم القيامة. قوله: (و نزل لما أخذوا الفداء من أسرى بدر) أي وكانوا سبعين من صناديدهم، روي أنه لما جيء بالأسارى، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما تقولون في هؤلاء؟» فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، أهلك وقومك استبقهم لعل اللّه أن يتوب عليهم، وخذ منهم فداء يكون لنا قوة على الكفار، وقال عمر: يا رسول اللّه، كذبوك وأخرجوك، قدمهم نضرب أعناقهم، مكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، ومكن حمزة من العباس يضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر، وقال ابن رواحة: انظر واديا كثير الحطب، فأدخلهم فيه ثم أضرمه عليهم نارا فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يجبهم، ثم دخل، فقال ناس يا أخذ بقول عمر، وقال ناس يا أخذ بقول ابن رواحة، ثم خرج رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام فقال: «إن اللّه ليلين قلوب رجال، حتى تكون ألين من اللبن، ويشد قلوب رجال، حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل ابراهيم. قال فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ومثل عيسى قال:\rإِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ومثلك يا عمر مثل نوح قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ومثل موسى: قال رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ الآية، ثم قال رسول: اليوم أنتم عالة، فلا يفلتن أحد منهم، إلا بفداء أو ضرب عنقه» قال عمر بن الخطاب: فهوى رسول اللّه ما قاله أبو بكر، ولم يهوه ما قلت، وأخذ منهم الفداء وهو عن كل واحد عشرون أوقية من الذهب، وقيل أربعون أوقية، إلا العباس فأخذ منه ثمانون أوقية عن نفسه، وعن ابني أخيه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث ثمانون، وأخذ منه وقت الحرب عشرون، فجملة ما أخذ منه مائة وثمانون أوقية، قال عمر: فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول اللّه وأبو بكر يبكيان، قلت: يا رسول اللّه، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد تباكيت لبكائكما، فقال رسول اللّه: ابكي للذي عرض لأصحابي من أخذهم الفداء، فقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت الآية، وهذا من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، فرسول اللّه","part":2,"page":26},{"id":626,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 27\rأَنْ يَكُونَ بالتاء والياء لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ يبالغ في قتل الكفار تُرِيدُونَ أيا المؤمنون عَرَضَ الدُّنْيا حطامها بأخذ الفداء وَاللَّهُ يُرِيدُ لكم الْآخِرَةَ أي ثوابها بقتلهم وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) وهذا منسوخ بقوله فإما منا بعد وإما فداء لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ باحلال الغنائم والأسرى لكم لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ من الفداء عَذابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى وفي قراءة الأسرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً إيمانا وإخلاصا يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا\r______________________________\rلن يعمل إلا ما أبيح له، وإنما عتابه تعليما لمن يتولى الأمور من أمته حسن السياسة، من أنه لا يقبل الفداء من الكفار، حتى يكون قادرا عليهم، وظافرا بهم. قوله: (بالتاء والياء) أي فهما سبعيتان، لكن على الفوقية تتعين الإمالة في أسرى، وعلى التحتية تجوز الإمالة وعدمها.\rقوله: حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ أي حتى تظهر شوكة الإسلام وقوته، وذل الكافرين. قوله:\rعَرَضَ الدُّنْيا أي متاعها، سمي عرضا لزواله وعدم ثباته. قوله: وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ أي يرضاها لكم. قوله: (و هذا منسوخ) أي قوله: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى هكذا مشى المفسر على هذا القول وهو ضعيف، بل ما هنا مقيد بالإثخان، أي كثرة القتال المترتب عليها عز الإسلام وقوته، وما يا أتي في سوة القتال من التخيير محله بعد ظهور شوكة الإسلام حيث قال: فإذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإذا علمت ذلك، فالايتان متوافقتان في أن كلا يدل على أنه لا بد من تقديم الإثخان ثم بعده الفداء.\rقوله: لَوْ لا كِتابٌ لَوْ لا حرف امتناع لوجود، كِتابٌ مبتدأ، وجملة مِنَ اللَّهِ صفة له، وكذا قوله: سَبَقَ والخبر محذوف تقديره موجود، والمعنى لو لا وجود حكم من اللّه مكتوب بإحلال الغنائم لمسكم إلخ، فهو عتاب على ترك الأولى، لا على فعل منهي عنه، تنزيها لرسول أي أكلا حلالا.\rقوله: طَيِّباً أي خالصا لا شبهة فيه.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى نزلت في العباس عم رسول اللّه، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا أن يطعموا الناس الذين خرجوا من مكة لبدر، وكان معه عشرون اوقية من ذهب، فلما أخذ اسيرا أخذت منه، فكلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحسبها من فدائه فأبى وقال له: شيء خرجت به لتسعين به علينا فلا نتركه لك، فقال العباس: يا محمد أتتركني اتكفف قريشا ما بقيت؟ فقال رسول اللّه: فأين الذهب الذي وضعته عند أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث بي حادث فهذا المال لك ولعبد اللّه ولعبيد اللّه وللفضل، فقال العباس: وما يدريك يا ابن أخي؟ فإني اعطيتها إياه في سواد الليل، ولم يطلع عليه أحد إلا اللّه، فقال: أخبرني به ربي، فقال: اشهد أن لا إله إلا اللّه، واشهد أنك عبده ورسوله، وأنك صادق، وامر ابني اخيه عقيلا ونوفل بن الحرث فأسلما، فنزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُ الآية، فكان العباس يقول: ابدلني اللّه خيرا مما أخذ مني، عشرين عبدا تجارا يضربون بمال كثير، ادناهم يضرب بعشرين الفا مكان العشرين اوقية، واعطاني زمزم، وما أحب أن لي بها جميع أموال اهل مكة، وأنا انتظر المغفرة من ربي. قوله: مِنَ الْأَسْرى بالإمالة لا غير .. قوله: (و في قراءة الأسارى) أي بالإمالة وتركها، فالقراءات ثلاث، وكلها سبعية.","part":2,"page":27},{"id":627,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 28\rأُخِذَ مِنْكُمْ من الفداء بأن يضعفه لكم في الدنيا ويثيبكم في الآخرة وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذنوبكم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) وَإِنْ يُرِيدُوا أي الأسرى خِيانَتَكَ بما أظهروا من القول فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ قبل بدر بالكفر فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ببدر قتلا وأسرا فليتوقعوا مثل ذلك إن عادوا وَاللَّهُ عَلِيمٌ بخلقه حَكِيمٌ (71) في صنعه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وهم المهاجرون وَالَّذِينَ آوَوْا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَنَصَرُوا وهم الأنصار أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في النصرة والإرث وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ بكسر الواو وفتحها مِنْ شَيْءٍ فلا إرث بينكم وبينهم ولا نصيب لهم في الغنيمة حَتَّى يُهاجِرُوا وهذا منسوخ بآخر السورة وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ لهم على الكفار إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ عهد فلا تنصروهم عليهم وتنقضوا عهدهم\r______________________________\rقوله: (من الفداء) بيان لما قوله: خِيانَتَكَ أي بنقض العهد الذي عاهدوك عليه، وهو أن لا يحاربوك، ولا يعاونوا عليك المشركين. قوله: (بما اظهروا من القول) أي قولهم: (رضينا بالإسلام). قوله:\r(فليتوقعوا) هذا في الحقيقة جواب الشرط الذي هو قوله: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا أي سبق لهم الإيمان والانتقال مع رسول اللّه من مكة إلى المدينة، وهم السابقون الأولون الذين حضروا الغزوات قبل الفتح، الذين قال اللّه فيهم للفقراء المهاجرين الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ: قوله: بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ متعلق بجاهدوا أي بذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه. قوله: وَالَّذِينَ آوَوْا (النبي) أي والمهاجرين، ولم يذكرهم المفسر لأنهم تبع لرسول اللّه. قوله:\r(و هم الأنصار) أي الذين قال اللّه فيهم (و الذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة). قوله: (في النصرة والإرث) أي فكان الأنصار ينصرون المهاجرين وبالعكس، وكان المهاجري يرث الأنصاري الذي آخاه معه رسول اللّه وبالعكس. قوله: وَلَمْ يُهاجِرُوا أي بأن أقاموا بمكة. قوله: (بكسر الواو وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: مِنْ شَيْءٍ (من) زائدة، وشَيْءٍ مبتدأ خبره الجار والمجرور قبله. قوله: (فلا إرث بينكم وبينهم) أي لا إرث بين المهاجرين والأنصار، وبين الذين لم يهاجروا. قوله: (و لا نصيب لهم في الغنيمة) اعترض بأن الغنيمة لا يا أخذها إلا من قاتل، وهؤلاء لم يقاتلوا، فالأولى حذف هذه العبارة.\rقوله: (و هذا منسوخ) اسم الإشارة على ما تقدم، من أن الإرث بين المهاجرين والأنصار ثابت بالإيمان والهجرة، ومنفي بين من لم يهاجر وبين الأنصار والمهاجرين. قوله: (بآخر السورة) أي وهو قوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ.\rقوله: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ أي طلبوا منكم النصرة لأجل إعزاز الدين، والضمير عائد على الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا. قوله: إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أي من الكفار، وهم","part":2,"page":28},{"id":628,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 29\rوَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في النصرة والإرث فلا إرث بينكم وبينهم إِلَّا تَفْعَلُوهُ أي تولي المسلمين وقطع الكفار تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (73) بقوة الكفر وضعف الإسلام وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) في الجنة وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ أي بعد السابقين إلى الإيمان والهجرة وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ أيها المهاجرون والأنصار وَأُولُوا الْأَرْحامِ ذوو القرابات بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ في الإرث من التوارث بالإيمان والهجرة المذكورة في الآية السابقة فِي كِتابِ اللَّهِ اللوح المحفوظ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75) ومنه حكمة الميراث.\r______________________________\rأهل مكة. قوله: (و تنقضوا عهدهم) أي الصلح الكائن با اللّه يبية سنة ست على ترك القتال عشر سنين.\rقوله: (في النصرة والإرث) أي فهما ثابتان بين الكفار بعضهم لبعض. قوله: (فلا إرث بينكم وبينهم) أي ولا نصرة.\rقوله: إِلَّا تَفْعَلُوهُ إن شرطية مدغمة في لا النافية، وتَفْعَلُوهُ فعل الشرط، وتَكُنْ جواب الشرط. والمعنى: إن لم تفعلوا ما ذكر من تولي المؤمنين وقطع الكفار، بل توليتم الكفار، وقطعتم المؤمنين، تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، لأنه يترتب على ذلك، قوة الكفار، وضعف المسلمين، وهذا ما حل به المفسر، ويحتمل أن لا زائدة والمعنى: إن تفعلوا ما نهيتم عنه من موالاة الكفار وقطع المؤمنين.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا إلخ ليس مكررا مع ما تقدم، لأن ما هنا بيان لفضلهم، وما تقدم بيان لكونهم أولياء بعض، وأيضا ما تقدم في الهجرة قبل عام الحديبية، وما هنا في الهجرة قبل الفتح، وكان قبل الحديبية أو بعدها. قوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا أي الكاملون في الإيمان بلا شك.\rقوله: (لهم مغفرة) أي لذنوبهم. قوله: وَرِزْقٌ كَرِيمٌ أي لا تعب فيه ولا مشقة، ويؤخذ من هذه الآية أن جميع المهاجرين والأنصار مبشرون بالجنة من غير سابقة عذاب، وأما ما ورد من أن المبشرين عشرة، فلأنهم جمعوا في حديث واحد.\rقوله: مِنْ بَعْدُ أي بعد الحديبية قبل الفتح، ولأنه بعد الفتح لا هجرة. قوله: فَأُولئِكَ مِنْكُمْ أي محسوبون منكم، وفي الآية دليل على أن المهاجرين الأولين أعلى وأجل من المتأخرين بالهجرة، لأن اللّه ألحقهم بهم، ومن المعلوم أن المفضول يلحق بالفاضل. قوله:\rوَأُولُوا الْأَرْحامِ هذه الآية نزلت بعد الفتح، وهي ناسخة للآية المتقدمة، وهي ميراث المهاجرين للأنصار. قوله: (من التوارث) متعلق بأولى. قوله: (أي اللوح المحفوظ) وقيل المراد بها القرآن، لأن قسمة المواريث مذكورة في سورة النساء من كتاب اللّه وهو القرآن. قوله: (و منه حكمة الميراث) أي التوارث بمقتضى الإيمان والهجرة بدون قرابة ونسخة والتوارث بالقرابة.","part":2,"page":29},{"id":629,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 30\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة التّوبة مدنيّة أو إلا الآيتين آخرها. وهي مائة وثلاثون أو إلا آية ولم تكتب فيها البسملة لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يأمر بذلك كما يؤخذ من حديث رواه الحاكم وأخرج في معناه عن علي أن البسملة أمان وهي نزلت لرفع الأمن بالسيف وعن حذيفة إنكم تسمونها سورة\r______________________________\rسورة التوبة\rمدنية أو إلا الآيتين آخرها. وهي مائة وثلاثون أو إلا آية مبتدأ، و(مدنية) خبر أول. و(مائة) إلخ، خبر ثان. قوله: (أو إلا الآيتين) إشارة إلى قول آخر.\rقوله: (آخرها) حال من آيتين، وأولهما (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ) فعلى أنهما مكيتان يكون معنى قوله: (فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ) اكتف باللّه واترك قتالهم، ويكون منسوخا بآية السيف، وعلى أنهما مدنيتان، يكون المعنى: كن مستعينا باللّه واثقا به في قتالهم ولا نسخ، وهذه السورة من آخر القرآن نزولا، لأنها نزلت بعد عزة الإسلام وانتشاره. قوله: (و لم تكتب فيها البسملة) إلخ، جواب عما يقال: إن كل سورة مبتدأ بالبسملة إلا هذه السورة، فما الحكمة في ذلك، فأجاب: بأن رسول اللّه لم يأمر بذلك، أي لكونه لم ينزل عليه وحي بها، وهذا أصح الأقوال، ولذا صدر به المفسر. وحاصل الخلاف في حكمة عدم الإتيان بالبسملة خمسة أقوال: أولها: ما قاله المفسر، الثاني: أنه سئل عثمان عن ذلك، فأجاب بأنه ظن أنها مع الأنفال سورة، لأن قصتها تشبه قصتها، فعلى هذا القول تكون مع الأنفال تمام السبع الطوال. الثالث: أنها نزلت لنقض عهد الكفار وفضيحة المنافقين، فهي سورة عذاب، والبسملة رحمة، ولا تجتمع رحمة مع عذاب، وتسمى أيضا الفاضحة، لفضيحة المنافقين بها، وسورة العذاب، وسورة التوبة، لاشتمالها على ذكرها، وغير ذلك من أسمائها. الرابع: تركت البسملة لاختلاف الصحابة في أن الأنفال وبراءة سورة واحدة أو سورتان.\rفتركت البسملة لقول من قال: هما سورة واحدة، وتركت بينهما فرجة لقول من قال: هما سورتان. الخامس: أن ذلك على عادة العرب في الجاهلية، إذا كان بينهم وبين قوم عهد فأرادوا نقضه، كتبوا إليهم كتابا، ولم يكتبوا فيه البسملة، وهذه السورة نزلت لنقض عهود المشركين فلم تكتب فيها، ثم اختلف العلماء في ابتداء تلك السورة بها، فقال ابن حجر من الشافعية بالحرمة، وقال الرملي بالكراهة، وفي الأثناء يكره عند الأول، ويجوز عند الثاني، ومذهب مالك كذلك، وقد أشار لذلك صاحب الشاطبية بقوله:\rومهما تصلها أو بدأت براءة ... لتنزيلها بالسيف لست مبسملا\r\rولا بد منها في ابتدائك سورة ... سواها وفي الأجزاء خير من تلا","part":2,"page":30},{"id":630,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 31\rالتوبة وهي سورة العذاب وروى البخاري عن البراء أنها آخر سورة نزلت. هذه بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ واصلة إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) عهدا مطلقا أو دون أربعة أشهر أو فوقها ونقض العهد بما يذكر في قوله فَسِيحُوا سيروا آمنين أيها المشركون فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أولها شوال بدليل ما سيأتي ولا أمان لكم بعدها وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ أي فائتي عذابه وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (2) مذلهم في الدنيا بالقتل والأخرى بالنار وَأَذانٌ إعلام مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يوم النحر أَنَ أي بأن اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وعهودهم وَرَسُولِهِ بريء أيضا وقد بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عليا من السنة وهي ستة تسع\r______________________________\rقوله: (إنها آخر سورة نزلت) أي من الآخر، وإلا فالمائدة متأخرة عنها، وهذه السورة نزلت كاملة، لما ورد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «ما أنزل علي القرآن إلا آية آية، وحرفا حرفا، إلا سورة براءة وسورة قل هو اللّه أحد، فإنهما نزلتا ومعهما سبعون الف صف من الملائكة».\rقوله: بَراءَةٌ أشار المفسر إلى أن قوله: بَراءَةٌ خبر لمحذوف قدره بقوله: (هذه). قوله: إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ متعلق بمحذوف صفة لبراءة قدره المفسر بقوله: (واصلة) والمعنى هذه قطع واصلة صادرة مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، واصلة إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قوله: (و نقض العهد) أي في الصورة الثلاثة.\rقوله: فَسِيحُوا أمر إباحة للمشركين، وهو مقول لقول محذوف، والتقدير فقولوا لهم سيحوا، وهذا بيان لعقد الأمان لهم أربعة أشهر، وإنما اقتصر عليها لقوة الإسلام وكثرة المسلمين، بخلاف صلح الحديبية، فكان عشر سنين، لضعف المسلمين إذ ذاك. قوله: (أولها شوال) أي آخرها المحرم، وقيل:\rأولها عشر ذي القعدة، وآخرها العاشر من ربيع الأول، لأن الحج في تلك السنة كان في العاشر من ذي القعدة بسبب النسيء، ثم صار في السنة القابلة في العاشر من ذي الحجة، وفيها حج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلقه اللّه» الحديث، وقيل: أولها عاشر ذي الحجة، وآخرها عاشر ربيع الثاني. قوله: (بدليل ما سيأتي) أي في قوله: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم).\rقوله: وَاعْلَمُوا إلخ، أي فلا تغتروا بعقد الأمان لكم. قوله: وَأَذانٌ معطوف على قوله:\rبَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عطف مفصل على مجمل. قوله: (اعلام) أي فالمراد الأذان اللغوي لا الشرعي الذي هو الإعلام بألفاظ مخصوصة. قوله: (يوم النحر) إنما سمي يوم الحج الأكبر لأن معظم أفعال الحج يكون فيه، كالطواف والرمي والنحر والحلق، واحترز بالحج الأكبر عن العمرة، فهي الحج الأصغر، لأن أعمالها أقل من أعمال الحج، لأنه يزيد عليها بأمور: كالرمي والمبيت والوقوف.\rقوله: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ إلخ، هذه الجملة خبر عن قوله: وَأَذانٌ. وقوله: يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ظرف للأذان، والمعنى وإعلام من اللّه ورسوله إلى الناس، كائن في يوم الحج الأكبر، بأن اللّه بريء إلخ.\rقوله: وَرَسُولِهِ القراءة السبعة بل العشرة، على الرفع عطف على الضمير المستتر في بريء، ووجد الفاصل وهو قوله: مِنَ الْمُشْرِكِينَ ويصح أن يكون مبتدأ خبره محذوف تقديره وبريء منهم أيضا، وقرىء شاذا بالنصب، ووجهت بوجهين: الأول أن الواو بمعنى مع، ورسوله مفعول معه، الثاني أنه","part":2,"page":31},{"id":631,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 32\rفأذن يوم النحر بمنى بهذه الآيات وأن لم يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان رواه البخاري فَإِنْ تُبْتُمْ من الكفر فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ عن الإيمان فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ أخبر الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (3) مؤلم وهو القتل والأسر في الدنيا والنار في الآخرة إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً من شروط العهد وَلَمْ يُظاهِرُوا\r______________________________\rمعطوف على اسم أن وهو لفظ الجلالة، وقرىء شاذا أيضا بالجر، ووجهت بأن الواو للقسم، واستبعدت تلك القراءة لإيهام عطفه على المشركين، حتى أن بعض الأعراب سمع رجلا يقرأ بها، فقال الأعرابي: إن كان اللّه بريئا من رسول فأنا بريء منه، فلببه القارىء إلى عمر، فحكى الأعرابي الواقعة، فأمر عمر بتعليم العربية، وتحكى هذه أيضا عن علي وأبي الأسود الدؤلي. قوله: (و قد بعث) إلخ حاصل ذلك، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عاهد قريشا يوم الحديبية على أن يضعوا الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ودخلت خزاعة في عهد رسول اللّه، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، ثم عدت بنو بكر على خزاعة، وأعانتهم قريش بالسلاح، فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة، ونقضوا عهدهم، خرج عمرو بن سلام الخزاعي، ووقف على رسول اللّه وأخبره بالخبر، فقال رسول اللّه: لا نصرت إن لم أنصرك، وتجهز إلى مكة ففتحها سنة ثمان من الهجرة، فلما كان سنة تسع، أراد رسول اللّه أن يحج، فقيل إن المشركين يحضرون ويطوفون بالبيت عراة، فقال لا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك، فبعث أبا بكر تلك السنة أميرا على الموسم ليقيم للناس الحج، وبعث معه أربعين آية من صدر براءة، آخرها وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ثم بعث بعده عليا على ناقته العضباء، ليقرأ على الناس صدر براءة، فلحق أبا بكر بالعرج- بفتح العين وسكون الراء، قرية جامعة بينها وبين المدينة ستة وسبعون ميلا- فلما تلاقيا، ظن أبو بكر أنه معزول، فرجع إلى رسول اللّه فقال: يا رسول أنزل في شأني شيء؟ فقال لا، ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي، أما ترضى أبا بكر أنك كنت معي في الغار وأنك معي على الحوض، فقال: بلى يا رسول اللّه، فسار أبو بكر أميرا على الحاج، وعلي بن أبي طالب يؤذن ببراءة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم، قام أبو بكر فخطب الناس، وحدثهم على مناسكهم، وأقام للناس الحج، حتى إذا كان يوم النحر، قام علي فأذن بما أمر به، وهو لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي عهد فهو منقوض، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا في الحج، ثم حج رسول اللّه سنة عشر حجة الوداع، إذا علمت ذلك، تعلم أن هذه الآيات نزلت بعد فتح مكة في نقض عهود ما عدا قريش، فإن قريشا تم أمرهم بفتح مكة، وفي ذلك قال المفسرون: لما خرج رسول اللّه إلى تبوك، فكان المنافقون يرجفون الأراجيف، وجعل المشركون ينقضون عهودا كانت بينهم وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأمر اللّه عز وجل بنقض عهودهم، وذلك قوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً الآية، ففعل رسول اللّه ما أمر به، ونبذ لهم عهودهم.\rقوله: (بهذه الآيات) أي وهي ثلاثون أو أربعون آية آخرها وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ قوله: (و أن لا يحج) أي وبأن لا يحج، فهو وما بعده من جملة ما أذن به.\rقوله: فَهُوَ أي التوبة المفهومة من قوله: تُبْتُمْ. قوله: خَيْرٌ لَكُمْ أي من بقائكم على الكفر الذي هو خير في زعمكم، أو اسم التفضيل ليس على بابه. قوله: (أخبر) اشار بذلك إلى أن المراد بالبشارة مطلق الإخبار، وعبر عنه بالبشارة تهكما بهم.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ استثناء من المشركين","part":2,"page":32},{"id":632,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 33\rيعاونوا عَلَيْكُمْ أَحَداً من الكفار فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى انقضاء مُدَّتِهِمْ التي عاهدتم عليها إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) بإتمام العهود فَإِذَا انْسَلَخَ خرج الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ وهو آخر مدة التأجيل فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ في حل أو حرم وَخُذُوهُمْ بالأسر وَاحْصُرُوهُمْ في القلاع والحصون حتى يضطروا إلى القتل أو الإسلام وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ طريق يسلكونه ونصب كل على نزع الخافض فَإِنْ تابُوا من الكفر وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ولا تتعرضوا لهم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) لمن تاب وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مرفوع بفعل يفسره اسْتَجارَكَ استأمنك من القتل فَأَجِرْهُ أمنه حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ القرآن ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ أي موضع أمنه وهو دار قومه إن لم يؤمن لينظر في أمره ذلِكَ المذكور بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) دين اللّه فلا بد لهم من سماع القرآن ليعلموا كَيْفَ أي لا يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ وهم كافرون بهما غادرون إِلَّا\r______________________________\rفي قوله: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وهو منقطع والتقدير لكن الذين عاهدتم فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم، وهذا أولى من جعله متصلا، لما يلزم عليه من الفصل بين المستثنى والمستثنى منه.\rقوله: ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ قرأ الجمهور بالصاد المهملة من النقصان، وهو يتعدى لواحد واثنين، فالكاف مفعول، وشَيْئاً إما مفعول ثان أو مصدر، أي لا قليلا ولا كثيرا من النقصان، وقرىء شذوذا بالضاد، والمعنى لم ينقضوا عهدكم، وهي مناسبة لذكر العهد، والقراءة الأولى مناسبة لذكر التمام في مقابلتها. قوله: وَلَمْ يُظاهِرُوا أي هؤلاء المشركون وهم بنو ضمرة حي من كنانة. قوله: إِلى مُدَّتِهِمْ أي وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر.\rقوله: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ أي انقطعت وفرغت، وتقدم للمفسر أن هذا يدل على أن أول المدة شوال، وهو أحد أقوال ثلاثة تقدمت. قوله:\rحَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ أي في أي مكان. قوله: وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ أي لئلا ينتشروا في البلاد.\rقوله: وَأَقامُوا الصَّلاةَ الخ، المراد أتوا بأركان الإسلام، وإنما اقتصر على الصلاة والزكاة، لأنهما رأس الأعمال البدنية والمالية، قوله: (و لا تتعرضوا لهم) أي لا لأنفسهم ولا لأموالهم، فلا تأخذوا منهم جزية ولا أعشارا، ولا غير ذلك.\rقوله: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إن حرف شرط جازم، وأحد فاعل بفعل محذوف يفسره قوله: اسْتَجارَكَ وهو فعل الشرط، وقوله: فَأَجِرْهُ جواب الشرط، وإنما أعرب أحد فاعلا بفعل محذوف، لأن أدوات الشرط لا يليها إلا الأفعال لفظا أو تقديرا سيما إن. قوله:\rحَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ أي فيتدبره ويعلم كيفية الدين وما انطوى عليه من المحاسن. قوله: ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ أي إن أراد الانصراف ولم يسلم وصله إلى قومه ليتدبر في أمره، ثم بعد ذلك يجوز لك قتالهم، لقيام الحجة عليهم. قوله: (المذكور) أي من الإجارة والإبلاغ. قوله: (ليعلموا) أي ما لهم من الثواب إن آمنوا، وما عليهم من العقاب إن لم يؤمنوا.\rقوله: (أي لا) يَكُونُ أشار بذلك إلى أن الاستفهام للتعجب بمعنى النفي، وهذا تأكيد لإبطال عهدهم ونقضه في الآية المتقدمة.","part":2,"page":33},{"id":633,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 34\rالَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يوم الحديبية وهم قريش المستثنون من قبل فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ أقاموا على العهد ولم ينقضوه فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ على الوفاء به وما شرطية إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) وقد استقام صلّى اللّه عليه وسلّم على عهدهم حتى نقضوا بإعانة بني بكر على خزاعة كَيْفَ يكون لهم عهد وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يظفروا بكم لا يَرْقُبُوا يراعوا فِيكُمْ إِلًّا قرابة وَلا ذِمَّةً عهدا بل يؤذوكم ما استطاعوا وجملة الشرط حال يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ بكلامهم الحسن وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ الوفاء به وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (8) ناقضون العهد اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ القرآن ثَمَناً قَلِيلًا من الدنيا أي تركوا اتباعها للشهوات والهوى فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ دينه إِنَّهُمْ ساءَ بئس ما كانُوا يَعْمَلُونَ (9) به عملهم هذا لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ أي فهم إخوانكم فِي الدِّينِ\r______________________________\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ يصح أن يكون الاستثناء منقطعا أو متصلا، فعلى الانقطاع يكون الموصول مبتدأ خبره جملة الشرط وهي قوله: فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ الخ، وعلى الاتصال يكون الموصول منصوبا على الاستثناء. قوله: (يوم الحديبية) اسم مكان بينه وبين مكة ستة فراسخ. قوله: (و هم قريش المستثنون من قبل) أي في قوله: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وقد تبع المفسر في ذلك ابن عباس وهو مشكل، لأن هذه الآيات نزلت في شوال في السنة التاسعة، وقريش إذ ذاك مسلمون، لأنها كانت نقضت في السنة السابعة، وحصل الفتح في الثامنة، فالصواب كما قال الخازن: إن ذلك محمول على بني ضمرة، الذين دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية مع جملة من القبائل، فكلهم نقضوا إلا بين ضمرة فلم ينقضوا، فلذا أمر رسول اللّه بإتمام عهدهم إلى مدتهم. قوله: (و ما شرطية) أي بمعنى إن، ويصح كونها مصدرية ظرفية، أي فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم. قوله: (حتى نقضوا بإعانة بني بكر على خزاعة) هذا مبني على ما فهمه أولا، ولو مشى على الصواب لقال: حتى فرغت مدتهم.\rقوله: كَيْفَ (يكون لهم عهد) كرر الاستفهام زيادة في التأكيد. قوله: إِلَّا مفعول ليرقبوا، وجمعه إلال كقداح. قوله: (قرابة) وقيل المراد به العهد، وقيل المراد به اللّه تعالى، وقيل الجواز وهو رفع الصوت عند المحالفة، لأنهم كانوا يفعلون ذلك عند المحالفة، والأقرب ما قاله المفسر. قوله: (عهدا) أي فالعطف للتفسير على تفسير إلال بالعهد.\rقوله: يُرْضُونَكُمْ هذا بيان لحالهم، عند عدم الظفر بالمسلمين، إثر بيان حالهم عند الظفر بهم. قوله: (و تأبى قلوبهم) أي تمتنع من الإذعان والوفاء بما أظهروه.\rقوله: اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ أي استبدلوا آيات اللّه بالأعراض الفانية والشهوات الزائلة. قوله:\rفَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ أي منعوا الناس من اتباع دين الإسلام والإيمان. قوله: إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي لضلالهم وكفرهم وإضلالهم غيرهم.\rقوله: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ كرر ذلك لمزيد التشنيع والتقبيح عليهم، لأن مقام الذم كمقام المدح، البلاغة فيه الإطناب.\rقوله: فَإِنْ تابُوا الخ ليس فيه تكرار مع ما تقدم، لاختلاف جواب","part":2,"page":34},{"id":634,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 35\rوَنُفَصِّلُ نبين الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) يتدبرون وَإِنْ نَكَثُوا نقضوا أَيْمانَهُمْ مواثيقهم مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ عابوه فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ رؤساءه فيه وضع الظاهر موضع المضمر إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ عهود لَهُمْ وفي قراءة بالكسر لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) عن الكفر أَلا للتحضيض تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا نقضوا أَيْمانَهُمْ عهودهم وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ من مكة لما تشاور وافيه بدار الندوة وَهُمْ بَدَؤُكُمْ بالقتال أَوَّلَ مَرَّةٍ حيث قاتلوا خزاعة حلفاءكم مع بني بكر فما يمنعكم أن تقاتلوهم أَتَخْشَوْنَهُمْ أتخافونهم فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ في ترك قتالهم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بقتلهم بِأَيْدِيكُمْ\r______________________________\rالشرط، لأن الأول أفاد تخليه سبيلهم، وهنا أفاد أنهم إخواننا في الدين. قوله:\r(أي فهم إخوانكم) أشار بذلك إلى أن فَإِخْوانُكُمْ خبر لمحذوف، والجملة في محل جزم جواب الشرط.\rقوله: (يتدبرون) أي يتعظون فيؤمنون، وإنما فسر العلم بالتدبر، لأن المراد به علم يحصل معه الإذعان لا مطلق علم.\rقوله: وَإِنْ نَكَثُوا النكث في الأصل الرجوع إلى خلف، ثم استعمل في النقض مجازا بجامع أن كلا متأخر. عن مطلوبه وهو مقابل قوله: (فإن تابوا) إلخ، والمعنى فإن أظهروا ما في ضمائرهم من الشر فقاتلوا إلخ. قوله: وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ عطف تفسير أو سبب على مسبب والأقرب الأول.\rقوله: فَقاتِلُوا أمر لسيدنا محمد وأمته. قوله: أَئِمَّةَ الْكُفْرِ بتحقيق الهمزتين وإدخال ألف بينهما وتركه، وتسهيل الثانية مع إدخال ألف بينهما وتركه، وبإبدال الثانية ياء، فهذه خمس قراءات غير شاذة هنا، وفي الأنبياء، وفي موضعي القصص، وفي السجدة وأصله أأئمه بوزن أفعله، أريد إدغام أحد الميمين في الأخرى، فنقلت حركة الميم الأولى للساكن قبلها، وهو الهمزة الثانية. قوله: (فيه وضع الظاهر) إلخ أي زيادة في التقبيح عليهم، حيث وصفهم بكونهم رؤساء في الكفر، وكان مقتضى الظاهر فقاتلوهم. قوله: لا أَيْمانَ لَهُمْ بفتح الهمزة جمع يمين بمعنى الحلف، والمعنى لا عهود لهم متممة.\rقوله: (و في قراءة بالكسر) أي فيكون مصدر آمن بمعنى أعطاه الأمان، أو من الإيمان وهو التصديق.\rقوله: أَلا (للتحضيض) أي وهو الطلب، بحث وإزعاج لا تصافهم بصفات ثلاثة، كل واحد منها يقتضي القتال.\rقوله: وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ إنما اقتصر على الإخراج، مع أنه وقع منهم الهم بالقتل والهم بالإيثاق أيضا، لأن أثر الإخراج ظهر عقبه، وهو خروجه منها بإذن ربه لا خوفا منهم، ولذا ورد: «اللهم كما أخرجتني من أحب البلاد إلي، فأسكني في أحب البلاد إليك». قوله: (بدار الندوة) تقدم أنها مكان اجتماع القوم للمشاورة والحديث. والباني لها قصي، وقد أدخلت الآن في المسجد، فهي في مقام الحنفي.\rقوله: (حيث قاتلوا خزاعة) أي أعانوهم بالسلاح، ثم اعلم أن صريح المفسر على ذلك على قريش، وهو مناف لما تقدم، من أن السورة نزلت سنة تسع، وقريش إذ ذاك مسلمون. قوله: (فما يمنعكم أن تقاتلوهم) أشار بذلك إلى أن المراد من التحضيض الأمر مع التوبيخ. قوله: (في ترك قتالهم) يتعلق بقوله: أَتَخْشَوْنَهُمْ. قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه.\rقوله:\rقاتِلُوهُمْ هذا أمر ذكر في جوابه خمسة أمور، قوله: (بنوا خزاعة) يؤخذ من ذلك أنهم مؤمنون إذ ذاك.","part":2,"page":35},{"id":635,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 36\rوَيُخْزِهِمْ يذلهم بالأسر والقهر وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) مما فعل بهم هم بنو خزاعة وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ كربها وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ بالرجوع إلى الإسلام كأبي سفيان وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15) أَمْ بمعنى همزة الإنكار حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا لم يَعْلَمِ اللَّهُ علم ظهور الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ بالإخلاص وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً بطانة وأولياء المعنى ولم يظهر المخلصون وهم الموصوفون بما ذكر من غيرهم وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (16) ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ بالأفراد والجمع والقعود فيه شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ بطلت أَعْمالُهُمْ لعدم شرطها وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (17) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ أحدا إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18) أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ\r______________________________\rقوله: وَيَتُوبُ اللَّهُ بالرفع استئناف، ولم يجزم لأن التوبة على من يشاء، ليست جزاء على قتال الكفار. قوله: (بمعنى همزة الإنكار) الحق أنها بمعنى بل، والهمزة معا كما تقدم له.\rقوله: أَنْ تُتْرَكُوا أي يترككم اللّه من غير قتال. قوله: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الجملة حالية. قوله: (علم ظهور) دفع بذلك ما يقال كيف ينفى علم اللّه مع أنه متعلق بكل شيء وجد أو لم يوجد. قوله: (بالإخلاص) أي مع إخلاص. قوله: وَلِيجَةً من الولوج وهو الدخول، والمعنى بل ظننتم أن تتركوا من غير قتال بمجرد قولكم آمنا، بل يظهر المجاهد منكم الإخلاص من غيره، ولم تتخذوا في اللّه ورسوله ولا المؤمنين شيئا تدخلونه في قلوبكم، غير محبة اللّه ورسوله والمؤمنين.\rقوله: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ إلخ. سبب نزول هذه الآية وما بعدها أن جماعة من رؤساء قريش أسروا يوم بدر، منهم العباس عم رسول اللّه، فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول اللّه يعيرونهم بالشرك، وجعل علي بن أبي طالب يوبخ العباس بسبب قتال رسول اللّه وقطيعة الرحم، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوينا، وتكتمون محاسننا؟ فقيل له: وهل لكم محاسن؟ قال:\rنعم، نحن أفضل منكم، نعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة أي نخدمها، ونسقي الحجيج، ونفك العاني. قوله: (بالإفراد والجمع) أي فهما قراءتان سبعيتان، فالإفراد إما على أن المراد بالمسجد الحرام، أو على أن المسجد اسم جنس، فيدخل فيه جميع المساجد، والجمع إما على أن كل بقعة من المسجد الحرام يقال لها مسجد، أو الجمع باعتبار أنه قبلة لسائر المساجد.\rقوله: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ قيل: المراد به السجود للأصنام، لأن كفار قريش كانوا قد نصبوا أصنامهم خارج البيت الحرام عند القواعد، وكانوا يطوفون بالبيت عراة، كلما طافوا طوفة سجدوا للأصنام، فلم يزدادوا بذلك إلا بعدا من اللّه. قوله: حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أي الحسنة التي افتخروا بها من خدمة المساجد، وفك الأسير، وسقاية الحاج، وغير ذلك.\rقوله: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ بالجمع باتفاق السبعة، وعمارتها تكون ببنائها من المال الحلال والصلاة فيها وغير ذلك. قوله: أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ أي أن يحشروا في زمرتهم يوم القيامة.","part":2,"page":36},{"id":636,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 37\rالْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي أهل ذلك كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ في الفضل وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الكافرين نزلت ردا على من قال ذلك هو العباس أو غيره الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً رتبة عِنْدَ اللَّهِ من غيرهم وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (20) الظافرون بالخير يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) دائم خالِدِينَ حال مقدرة فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22) ونزل فيمن ترك الهجرة لأجل أهله وتجارته يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا اختاروا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ\r______________________________\rقوله: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِ رد على العباس وغيره كما يا أتي للمفسر، حيث افتخروا بذلك وقالوا إن هذا شرف لا يضاهى، والسقاية في الأصل هي المحل الذي يجعل فيه الشراب في الموسم، كانوا ينبذون الزبيب في ماء زمزم ويسقونه الناس أيام الحج، وكان الفاعل لذلك العباس في الجاهلية، واستمرت معه السقاية في الإسلام، فهي لآل العباس أبدا. قوله: (أي أهل ذلك) أشار بذلك إلى أن في الكلام حذف مضاف، والتقدير أجعلتم أهل سقاية الحاج إلخ، وقد دفع بذلك ما يقال: كيف يشبه المعنى، وهو السقاية بالذات، وهو من آمن. قوله: لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ (في الفضل) أي الأخروي، لأن فضل أهل السقاية والعمارة دنيوي. قوله: (أو غيره) أو بمعنى الواو، لأن أهل مكة كانوا يفتخرون بذلك، ويزعمون أن هذا فخر لا يضاهى.\rقوله: الَّذِينَ آمَنُوا أي اتصفوا بالإيمان، وما عطف عليه وهو الهجرة والجهاد. قوله: (من غيرهم) يدخل فيه أهل السقاية والعمارة من الكفار، فمقتضاه أن لهم درجة لكنها ليست أعظم، والجواب: أن ذلك إما باعتبار ما يعتقدونه من أن لهم درجة ورتبة، أو اسم التفضيل باعتبار المؤمنين الذين لم يستكملوا الأوصاف الثلاثة. قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ أي الكاملون في الفوز، بالنسبة للمؤمن الذي لم يستكمل الأوصاف الثلاثة، أو المراد الذي لهم أصل الفوز بالنسبة لأهل السقاية والعمارة.\rقوله: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ إلخ. ذكر اللّه سبحانه وتعالى ثلاثة أشياء، جزاء على الصفات الثلاثة، فالرحمة في مقابلة الإيمان لتوقف الرحمة عليه، والرضوان في مقابلة الجهاد، لأنه بذل الأموال والأنفس في مرضاة اللّه، والرضوان نهاية الإحسان، فكان في مقابلته، والجنة في مقابلة الهجرة، لأن الهجرة ترك الأوطان، فبدلوا وطنا في الآخرة أعلى وأجل مما تركوه، وإنما قدمت الرحمة والرضوان، إشارة إلى أنهما يكونان في الدنيا والاخرة، وأخرت الجنة إشارة إلى أنها مختصة بالآخرة، ولأنها آخر العطايا.\rقوله: (حال مقدرة) أي لأنهم حين الدخول ليسوا خالدين، وإنما هم منتظرون. قوله: (و نزل فيمن ترك الهجرة) قال ابن عباس: لما أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الناس بالهجرة إلى المدينة، فمنهم من تعلق به أهله وأولاده يقولون: ننشدكم باللّه أن لا تضيعنا، فيرق لهم فيقيم عليهم ويدع الهجرة، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.\rقوله: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ نزلت لما قال الذين أسلموا ولم يهاجروا، نحن إن هاجرنا ضاعت أموالنا وذهبت تجارتنا، وتخربت ديارنا، وتقطعت أرحامنا، ويؤخذ من ذلك، أنه إذا تعارض أمر من أمور","part":2,"page":37},{"id":637,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 38\rيَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ أقرباؤكم وفي قراءة عشيراتكم وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها اكتسبتموها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها عدم نفاقها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فقعدتم لأجله عن الهجرة والجهاد فَتَرَبَّصُوا انتظروا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ تهديد لهم وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (24) لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ للحرب كَثِيرَةٍ كبدر وقريظة والنضير وَاذكر يَوْمَ حُنَيْنٍ واد بين مكة والطائف أي يوم قتالكم فيه هوازن وذلك في شوال سنة ثمان إِذْ بدل من يوم أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فقلتم لن نغلب اليوم من قلة وكانوا اثني عشر ألفا والكفار أربعة آلاف فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ما مصدرية أي\r______________________________\rالدين، مع مصالح الدنيا، يقدم أمر الدين، ولو لزم عليه تعطيل أمر الدنيا. قوله: وَإِخْوانُكُمْ أي حواشيكم، والمراد هنا إخوان النسب، وإن شاع جمع أخ النسب على إخوة، وأخ الدين على إخوان.\rقوله: (أقرباؤكم) وقيل هم من بينك وبينهم معاشرة مطلقا ولو غير قريب، فهو عطف عام على ما قبله على كل حال. قوله: (و في قراءة عشيراتكم) أي وهي سبعية، وقرأ الحسن عشائركم. قوله:\rتَرْضَوْنَها أي ترضون الإقامة فيها. قوله: أَحَبَّ إِلَيْكُمْ خبر كان، واسمها آباؤُكُمْ وما عطف عليه. قوله: (فقعدتم لأجله) قدره ليرتب عليه قوله: فَتَرَبَّصُوا وجملة فَتَرَبَّصُوا جواب الشرط.\rقوله: حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ قال ابن عباس هو فتح مكة. إذا علمت ذلك، تعلم أن هذا مشكل مع ما تقدم، ومع ما يا أتي من أن السورة نزلت بعد الفتح، إلا أن يقال إن بعض السورة نزل قبل الفتح، بحسب الوقائع والسورة بتمامها نزلت بعد الفتح، ولا غرابة في ذلك فتدبر. قوله: (تهديد لهم) أي تخويف. قوله: الْفاسِقِينَ عبر عنهم أولا بالظالمين. إشارة إلى أن الكفار موصوفون بكل وصف قبيح.\rقوله: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ الخطاب للنبي وأصحابه، بتعداد النعم عليهم. قوله: فِي مَواطِنَ جمع موطن كمواعد وموعد، ويرادفه الوطن وهو محل السكنى. قوله: فِي مَواطِنَ جمع موطن كمواعد وموعد، ويرادفه الوطن وهو محل السكنى. قوله: (و قريظة والنضير) الكلام على حذف مضاف، أي وموطن قريظة وموطن النضير.\rقوله: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ظرف لمحذوف قدره المفسر بقوله: (اذكر) وقيل معطوف على مَواطِنَ من عطف ظرف الزمان على ظرف المكان، ورد بأنه يقتضي أن قوله: إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ يرجع لقوله: مَواطِنَ أيضا لأنه بدل من يوم حنين، ولا يصح ذلك، لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن، بل في خصوص حنين، فتعين ما قدره المفسر. قوله: (واد بني مكة والطائف) أي وبينهما ثمانية عشر ميلا، وفي بعض العبارات ثلاث ليال. قوله (هوازن) أي وهم قبيلة حليمة السعدية. قوله: (سنة ثمان) أي من الهجرة، وهي سنة فتح مكة، لأن مكة فتحت في رمضان، وغزوة هوازن في شوال عقبه.\rقوله: (من قلة) أي من عدد قليل. قوله: (و كانوا اثني عشر ألفا) عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، وألفان من الذين أسلموا في مكة بعد فتحها. قوله: (و الكفار أربعة آلاف) الذي في شرح المواهب أنهم أكثر من عشرين ألفا.\rقوله: فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً أي لم تنفعكم ولم تدفع عنكم شيئا. قوله: (أي مع رحبها) أشار","part":2,"page":38},{"id":638,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 39\rمع رحبها أي سعتها فلم تجدوا مكانا تطمئنون إليه لشدة ما لحقكم من الخوف ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) منهزمين وثبت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على بغلته البيضاء وليس معه غير العباس وأبو سفيان آخذ بركابه ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ طمأنينته عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ فردوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما ناداهم العباس بإذنه وقاتلوا وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها ملائكة وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالقتل والأسر وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (26) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ منهم بالإسلام وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ قذر لخبث باطنهم فَلا\r______________________________\rبذلك إلى أن الباء بمعنى مع، والجملة حال أي متلبسة برحبها، والرحب بالضم السعة، وبالفتح الواسع. قوله: (و ليس معه غير العباس) أي وقد كان آخذا بلجام بغلته. قوله: (و أبو سفيان) أي ابن الحرث بن عبد المطلب. وقد أسلم هو والعباس يوم الفتح، وفي بعض السير: أن الذين ثبتوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حنين مائة وثلاثة وثلاثون من المهاجرين، وستة وستون من الأنصار، ويجمع بين ما قاله المفسر وغيره بأنه لم يبق متصلا بالبغلة إلا اثنان، والباقون مشتغلون بالحرب لم يفروا. قوله: (فردوا) أي رجعوا جميعا كالفصيل الضال عن أمه إذا وجدها. قوله: (لما ناداهم العباس) أي وكان صيتا يسمع صوته من نحو ثمانية أميال.\rقوله: لَمْ تَرَوْها قيل كانوا خمسة آلاف، وقيل ستة عشر الفا ولم يقاتلوا، بل نزلوا لتقوية قلوب المسلمين، وروي عن رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم حنين، لم يقوموا لنا حلب شاة، فما القيناهم جعلنا نسوقهم في آثارهم، حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: فتلقانا عنده رجال بيض الوجوه حسان، فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا، قال: فانهزمنا وركبوا أكتافنا، وروي أن الملائكة الذين نزلوا يوم حنين، عليهم عمائم حمر، راكبين خيلا بلقا. قوله: (بالقتل) أي لبعضهم وهم أكثر من سبعين. قوله: (و الأسر) أي للنساء والذراري وكانوا ستة الآف، ولم تقع غنيمة أعظم منها، فقد كان فيها من الإبل اثنا عشر الفا، وقيل أربعة وعشرون ألفا، ومن الغنم ما لا يحصى، وكان فيها غير ذلك، ولما هزمهم قصد إلى الطائف، وأمر بجعل الغنائم في الجعرانة حتى يأتي إليهم، فلما رجع صلّى اللّه عليه وسلّم من الطائف، انتظر هوازن بضعة عشر يوما، ليقدموا عليه مسلمين، ثم أخذ في قسمة الغنائم، وكان في السبي اخت رسول اللّه من الرضاع، وهي بنت حليمة السعدية، فأطلقها رسول اللّه واكرمها وردها لقومها، فأخبرتهم بما وقع لها من رسول اللّه من الإكرام، فكان ذلك باعثا على إسلامهم، أتى منهم جماعة وقالوا: يا رسول اللّه، أنت خير الناس وأبرهم، فاردد علينا أموالنا وأهلينا، فقال لهم: أن خير القول أصدقه، اختاروا إما أموالكم، وإما ذراريكم ونساءكم، قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، فقال لهم: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وأما ما كان لغيرهم فسأطلب فيه معروفهم، ثم قال لهم: إذا أنا صليت فتقدموا إلي وأخبروني بذلك، ففعلوا كما أمروا، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: من طابت نفسه بشيء أن يرده فليفعل، فقالوا: رضينا بذلك وسلموه الأموال والأسارى.\rقوله: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ القراءة السبعية بفتحتين، وفيه لغات أخر ككتف وعضد، والمعنى","part":2,"page":39},{"id":639,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 40\rيَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ أي لا يدخلوا الحرم بَعْدَ عامِهِمْ هذا عام تسع من الهجرة وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فقرا بانقطاع تجارتهم عنكم فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ وقد أغناهم بالفتوح والجزية إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وإلا لآمنوا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ كالخمر وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِ الثابت الناسخ\r______________________________\rانهم نجس نجاسة معنوية لا حسية، وقال ابن عباس: اعيانهم نجس كالكلاب والخنازير، وقال الحسن:\rمن صافح مشركا توضأ، وأهل المذهب على خلاف ذلك، فإنهم طاهرون لأنهم داخلون في آية (و لقد كرمنا بني آدم). قوله: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إلخ، قال العلماء: جملة بلاد الإسلام في حق الكفار ثلاثة أقسام، احدها: الحرم فلا يجوز للكافر أن يدخله بحال، وجوز أبو حنيفة دخول المعاهد، الثاني: الحجاز فلا يجوز للكافر دخوله إلا بإذن، ولا يقيم فيه أكثر من ثلاثة أيام، لما في الحديث: «لا يبقين دينان في جزيرة العرب وحدها طولا من أقصى عدن إلى ريف العراق، وعرضا من جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام» الثالث: سائر بلاد الإسلام، يجوز للكافر أن يقيم فيها بذمة أو أمان، لكن لا يدخل المساجد إلا لغرض شرعي. قوله: (عام تسع) أي وهو عام نزول جملة السورة على الصحيح، وما يوهم خلاف ذلك يجب تأويله.\rقوله: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً إلخ، سبب نزولها: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما أمر عليا أن يقرأ على المشركين أول براءة، خاف أهل مكة الفقر وضيق العيش، لامتناع المشركين من دخول الحرم واتجارهم فيه، فذكروا ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت. قوله: (فقرا) في المصباح معيلة بالفتح الفقر، وهي مصدر عال يعيل، من باب سار، فهو عائل، والجمع عالة، وفي المختار: وعيال الرجل من يعولهم، وواحد العيال، عيل كجيد، والجمع عيائل كجيائد، وأعال الرجل كثرت عياله. قوله: (و قد أغناهم بالفتوح) أي فأسلم أهل صنعاء وجدة وتبالة بفتح التاء، وجرش بضم الجيم وفتح الراء بعدها شين معجمة، قريتان من قرى اليمن وجلبوا إليهم الميرة، وصاروا في أرغد عيش.\rقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إلخ، شروع في ذكر قتال أهل الكتابين، أثر بيان قتال مشركي العرب، وهذه الآية نزلت حين أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقتال الروم، فلما نزلت توجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لغزوة تبوك. قوله: (و إلا لآمنوا بالنبي) جواب عما يقال: إن ظاهر الآية يقتضي نفي إيمانهم باللّه واليوم الآخر، مع أنهم يزعمون الإيمان باللّه واليوم الآخر، وفي كلام المفسر إشارة بالقياس استثنائي وتقريره أن يقال: لو آمن اليهود والنصارى باللّه واليوم الآخر، لآمنوا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، لكنهم لم يؤمنوا بالنبي، فلم يؤمنوا باللّه ولا باليوم الآخر، وأيضا دعواهم الإيمان باللّه باطلة، لأنهم يعتقدون التجسيم والتشبيه، ولا شك في كونه كفرا، وكذلك دعواهم الإيمان باليوم الآخر باطلة، لأنهم يعتقدون بعثة الأرواح دون الأجساد، وأن أهل الجنة لا يأكلون فيها، ولا يشربون، ولا ينكحون، فتحصل أن كفرهم بهذه الأمور، وتكذيبهم النبي، ومن كذب نبيا، فقد كفر باللّه واليوم الآخر، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا قوله: (كالخمر) أي والخنزير والربا وكل محرم في شرعنا، فإنهم مخاطبون بفروع الشريعة، ويعذبون عليها زيادة على عذاب الكفر.","part":2,"page":40},{"id":640,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 41\rلغيره من الأديان وهو دين الإسلام مِنَ بيان للذين الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي اليهود والنصارى حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ الخراج المضروب عليهم كل عام عَنْ يَدٍ حال أي منقادين أو بأيديهم لا يوكلون بها وَهُمْ صاغِرُونَ (29) أذلاء منقادون لحكم الإسلام وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ عيسى ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ لا مستند لهم عليه\r______________________________\rقوله: دِينَ الْحَقِ من إضافة الموصوف لصفته. قوله: (الناسخ لغيره) أي الماحي له، فمن اتبع غير الإسلام فهو كافر، قال تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وقال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ، ويصح أن يراد بالحق اللّه سبحانه وتعالى، لأن من أسمائه الحق، والمراد بدين اللّه الإسلام.\rقوله: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ غاية لقتالهم، وسميت جزية لأنها جزاء لكف القتال عنهم وتأمينهم.\rقوله: (الخراج المضروب عليهم) أي الذي يجعله الإمام على ذكورهم الأحرار البالغين الموسرين. قوله:\r(أي منقادين) تفسير باللازم، أي فاليد كناية عن الانقياد. قوله: (لا يوكلون بها) أي فاليد على حقيقتها، وهذا التفسير يناسب مذهب مالك، لأن عنده لا يجوز التوكيل في دفعها، بل كل واحد يدفع جزيته بيده وحين دفعها يبسط الكافر يده بها، ويأخذها المسلم من يده، لتكون يد المسلم هي العليا، ثم بعد أخذها يصفعه المسلم على قفاه، وعند الشافعي يجوز التوكيل في دفعها.\rقوله: وَقالَتِ الْيَهُودُ إلخ، هذا من تفصيل عدم إيمانهم باللّه واليوم الآخر، وعُزَيْرٌ بالصرف وعدمه قراءتان سبعيتان، فالصرف على أنه عربي فلم توجد فيه إلا علة واحدة، وعدمه على أنه أعجمي ففيه العلتان وابْنُ خبر عزير فيرسم بالألف لأنه ليس بصفة للعلم، وسبب تلك المقالة على ما قاله ابن عباس، أن عزيرا كان فيهم، وكانت التوراة عندهم، والتابوت فيهم، فأضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق، فرفع اللّه عنهم التابوت، وأنساهم التوراة، ومسحها من صدورهم، فدعا اللّه عزير وابتهل إليه أن يرد إليه التوراة، فبينما هو يصلي مبتهلا إلى اللّه نزل نور من السماء فدخل جوفه فعادت إليه، فأذن في قومه وقال: يا قوم، قد آتاني اللّه التوراة وردها علي، فعلقوا به يعلمهم، ثم مكثوا ما شاء اللّه، ثم إن التابوت نزل بعد ذهابه منهم، فلما رأوا التابوت، عرضوا ما كان يعلمهم عزير على ما في التابوت فوجدوه مثله، فقالوا: ما أوتي عزير هذا، إلا لأنه ابن اللّه.\rقوله: وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ المسيح لقب له، إما لأنه ما مسح على ذي عاهة إلا برىء، أو لأنه ممسوح بالبركة، وسبب مقالتهم، أنهم كانوا على الدين الحق، بعد رفع عيسى عليه السّلام إحدى وثمانين سنة، يصلون إلى القبلة ويصومون، حتى وقع بينهم وبين اليهود حرب، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولص، قتل جماعة من أصحاب عيسى عليه السّلام، ثم قال بولص لليهود: إن كان الحق مع عيسى، فقد كفرنا والنار مصيرنا، فنحن مغبونون إن دخلنا النار ودخلوا الجنة، فإني سأحتال وأضلهم حتى يدخلوا النار معنا، ثم إنه عمد إلى فرس كان يقاتل عليه، فعرقبه وأظهر الندامة والتوبة ووضع التراب على رأسه، ثم إنه أتى إلى النصارى فقالوا له: من أنت؟ قال: أنا عدوكم بولص، قد نوديت من السماء، أنه ليست لك توبة حتى تتنصر، وقد تبت وأتيتكم، فأدخلوه الكنيسة ونصروه، ودخل","part":2,"page":41},{"id":641,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 42\rبل يُضاهِؤُنَ يشابهون به قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ من آبائهم تقليدا لهم قاتَلَهُمُ لعنهم اللَّهُ أَنَّى كيف يُؤْفَكُونَ (30) يصرفون عن الحق مع قيام الدليل اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ علماء اليهود وَرُهْبانَهُمْ عباد النصارى أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ حيث اتبعوهم في تحليل ما حرم وتحريم ما أحل وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا في التوراة والإنجيل إِلَّا لِيَعْبُدُوا أي بأن يعبدوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ تنزيها له عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ شرعه وبراهينه بِأَفْواهِهِمْ بأقوالهم فيه وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَ يظهر نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (32) ذلك هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ يعليه عَلَى الدِّينِ\r______________________________\rبيتنا فيها، فلم يخرج منه سنة حتى تعلم الإنجيل، ثم خرج وقال: قد نوديت أن اللّه قد قبل توبتك، فصدقوه وأحبوه وعلا شأنه فيهم، ثم إنه عهد إلى ثلاثة رجال، اسم واحد نسطورا، والآخر يعقوب والآخر ملكان، فعلم نسطورا أن عيسى ومريم آلهة ثلاثة، وعلم يعقوب أن عيسى ليس بإنسان وأنه ابن اللّه، وعلم ملكان أن عيسى هو اللّه لم يزل، فلما تمكن ذلك فيهم، دعا كل واحد منهم في الخلوة وقال له:\rأنت خالصتي، وادع الناس لما علمتك، وأمره أن يذهب إلى ناحية من البلاد، ثم قال لهم: إني رأيت عيسى في المنام وقد رضي عني، وقال لكل واحد منهم إني سأذبح نفسي تقربا إلى عيسى، ثم ذهب إلى المذبح فذبح نفسه، وتفرق أولئك الثلاثة، فذهب واحد إلى الروم، وواحد إلى بيت المقدس، والآخر إلى ناحية أخرى، وأظهر كل واحد منهم مقالته، ودعا الناس إليها، فتبعه على ذلك طوائف من الناس، فتفرقوا واختلفوا.\rقوله: بِأَفْواهِهِمْ من المعلوم أن القول لا يكون إلا بالأفواه، فذكرها مبالغة في الرد عليهم، قوله: يُضاهِؤُنَ بضم الهاء بعدها واو، وبكسر الهاء بعدها همزة مضمومة، ثم واو، قراءتان سبعيتان.\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 2 42\r\rله: بِأَفْواهِهِمْ من المعلوم أن القول لا يكون إلا بالأفواه، فذكرها مبالغة في الرد عليهم، قوله: يُضاهِؤُنَ بضم الهاء بعدها واو، وبكسر الهاء بعدها همزة مضمومة، ثم واو، قراءتان سبعيتان.\rقوله: قاتَلَهُمُ اللَّهُ أي أبعدهم عن رحمته، فهو دعاء عليهم. قوله: أَنَّى يُؤْفَكُونَ استفهام تعجب، والاستفهام رجع إلى الخلق، لأن اللّه يستحيل عليه التعجب.\rقوله: اتَّخَذُوا أي اليهود والنصارى.\rقوله: أَحْبارَهُمْ جمع حبر بالفتح والكسر، والثاني أفصح، العالم الماهر. قوله: (حيث اتبعوهم) أشار بذلك إلى أنهم لم يتخذهم أربابا حقيقة، بل المعنى كالأرباب في شدة امتثالهم أمرهم.\rقوله: وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ بالنصب على عطف على أَحْبارَهُمْ والمفعول الثاني محذوف لدلالة ما قبله عليه تقديره ربا. قوله: وَما أُمِرُوا إلخ، الجملة حالية. قوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ صفة ثانية لإلها. قوله: (شرعه وبراهينه) أي الدالة على صدقه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهي ثلاثة أمور: أحدها المعجزات الظاهرات، ثانيها القرآن العظيم، ثالثها كون دينه الذي أمر باتباعه، وهو دين الإسلام، ليس فيه شيء سوى تعظيم اللّه والانقياد لأمره ونهيه، والتبري من كل معبود سواه، فهذه أمور نيرة واضحة في صحة نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم، فمن أراد إبطال ذلك فقد خاب سعيه.\rقوله: إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ أي يعليه ويرفع شأنه.\rقوله: وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه، والتقدير: ولو كره الكافرون إتمامه لأتمه ولم يبال بهم.\rقوله: بِالْهُدى أي القرآن. قوله: وَدِينِ الْحَقِ أي دين الإسلام. قوله: (جميع","part":2,"page":42},{"id":642,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 43\rكُلِّهِ جميع الأديان المخالفة له وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) ذلك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ يأخذون أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ كالرشا في الحكم وَيَصُدُّونَ الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دينه وَالَّذِينَ مبتدأ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها أي الكنوز فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي لا يؤدون منها حقه من الزكاة والخير فَبَشِّرْهُمْ أخبرهم بِعَذابٍ أَلِيمٍ (34) مؤلم يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى تحرق بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ\r______________________________\rالأديان المخالفة له) أي بنسخه لها. قوله: وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ كرر لمزيد التهكم بهم والرد عليهم، ووصفهم أولا بالكفر، وثانيا بالإشراك، إشارة إلى أنهم اتصفوا بكل منهما.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ إلخ لما بين عقائد الأتباع وصفاتهم، شرف في بيان صفات الرؤساء والأحبار علماء اليهود، والرهبان عباد النصارى. وفي قوله: كَثِيراً إشارة إلى أن الأقل من الأحبار والرهبان لم يكونوا كذلك، كعبد اللّه بن سلام وأضرابه من الأحبار، والنجاشي وأضرابه من الرهبان. قوله: (يأخذون) أشار بذلك إلى أن المراد بالأكل الأخذ، فأطلق الخاص وأريد العام، من باب تسمية الشيء باسم جزئه الأعظم، لأن معظم المقصود من أخذ الأموال أكلها.\rقوله: بِالْباطِلِ قيل هو تخفيف الشرائع والتساهل فيها لسفلتهم، وقيل هو تغيير صفات المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم الكائنة في التوراة والإنجيل، وقيل ما هو أعم وهو الأحسن، والباعث لهم على ذلك حب الرياسة وأخذ الأموال. قوله: (كالرشا) بضم الراء وكسرها، جمع رشوة، بالضم على الأول، والكسر على الثاني، وفي القاموس: الرشوة مثلثة وهي الجعل على الحكم، وهي حرام ولو على الحكم بالحق، فما بالك بأخذها على الحكم بالباطل، أما حبل الاستقاء، فيقال فيه رشاء بالكسر والمد. قوله: وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي يمنعون الناس عن الدخول في دين الإسلام. قوله: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الكنز في الأصل جمع المال ودفنه وعدم الإنفاق منه، واختلف في المراد بالذين يكنزون الذهب والفضة، فقيل المراد بهم أهل الكتاب، لأن شأنهم الحرص وكنز المال، وقال ابن عباس: نزلت في مانعي الزكاة من المسلمين والحقوق الواجبة، وقال أبو ذر: نزلت في أهل الكتاب والمسلمين، الذين يمنعون الزكاة والحقوق الواجبة.\rروي أن أبا ذر اختلف مع معاوية في هذه الآية، فقال معاوية نزلت في أهل الكتاب، وقال أبو ذر: نزلت فينا وفيهم، فكتب معاوية وكان أميرا على الشام إلى عثمان يشكوه، فكتب عثمان إلى أبي ذر أن أقدم المدينة فقدم، فازدحم عليه الناس حتى كأنهم لم يروه قبل ذلك، فأخبر عثمان بذلك، فقال له: إن شئت تنحيت، فكنت قريبا منا، فنزل بالربذة وقال: ولو أمروا علي عبدا حبشيا لسمعت وأطعت. قوله: (أي الكنوز) أي المدلول عليها بقوله: يَكْنِزُونَ ودفع بذلك ما يقال: إن المتقدم شيئان، الذهب والفضة، فكان مقتضاه تثنية الضمير، فلم أفرد؟ فأجاب: بأنه عائد على الكنوز المفهومة من السياق.\rقوله: فَبَشِّرْهُمْ إنما سمي بشارة تهكما بهم، وإشارة إلى أنه بمنزلة الوعد في عدم تخلفه.\rقوله:\rيَوْمَ يُحْمى عَلَيْها ظرف لقوله: بِعَذابٍ أَلِيمٍ ويُحْمى يجوز أن يكون من حميته وأحميته ثلاثيا ورباعيا، يقال: حميت الحديدة وأحميتها، أوقدت عليها لتحمى، والفاعل محذوف تقديره يوم تحمى النار عليها، أي تتقد على تلك الكنوز، فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ إلخ، فلما حذف الفاعل، ذهبت علامة","part":2,"page":43},{"id":643,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 44\rوَظُهُورُهُمْ وتوسع جلودهم حتى توضع عليها كلها ويقال لهم هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) أي جزاءه إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ المعتد بها للسنة عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ اللوح المحفوظ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أي الشهور أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ محرمة ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ذلِكَ أي تحريمها الدِّينُ الْقَيِّمُ المستقيم فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَ أي الأشهر الحرم أَنْفُسَكُمْ بالمعاصي فإنها فيها أعظم وزرا وقيل في الأشهر كلها وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً جميعا في كل الشهور كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ\r______________________________\rالتأنيث، ولذلك قرىء بالتاء من فوق، وأنيب الجار والمجرور منابه، ولتضمنه معنى الانقياد عدي بعلى.\rقوله: جِباهُهُمْ المراد بها جهة الإمام بدليل المقابلة. قوله: (و توسع جلودهم) أي حتى لا يوضع دينار على دينار، ولا درهم على درهم، وذلك بعد جعلها صفائح من نار. قوله: (أي جزاؤه) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، لأن الكنوز لا تذاق، وهذا عذابه في الآخرة، وورد أنه يصور ماله في قبره بصورة شجاع أقرع له زبيبتان، يا أخذ بلزمتيه أي شدقيه ويقول: أنا كنزك، أنا مالك، فلا مانع من حصول الجميع له، أجارنا اللّه من أسباب ذلك.\rقوله: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ إلخ المقصود من ذلك الرد على الجاهلية، حيث يزيدون في الأشهر، بحسب أهوائهم الفاسد، فرارا من القتال في الأشهر الحرام، فإنهم كانوا يعظمون الأشهر الحرم، فلا يقاتلون فيها، فكانوا إذا اضطروا للقتال فيها، ادعوا أنها لم تأت وقاتلوا فيها، فربما جعلوا السنة أربعة عشر شهرا أو أزيد بحسب ما تسوله عقولهم الفاسدة. قوله: عِنْدَ اللَّهِ ظرف متعلق بمحذوف صفة للشهور.\rقوله: اثْنا عَشَرَ شَهْراً وهذه شهور السنة القمرية العربية التي يعتد بها المسلمون في عباداتهم كالصيام والحج وسائر أمورهم، وأيام هذه الشهور ثلثمائة وخمسة وخمسون يوما، والسنة الشمسية وتسمى القبطية، وهي عبار عن دور الشمس في الفلك دورة تامة، وهي ثلثمائة وخمسة وستون يوما وربع، فتنقص السنة الهلالية عن السنة الشمسية، إما عشرة أيام، أو أحد عشر يوما، خمسة أيام نقص الشهور العربية، وخمسة أيام النسيء إن كانت السنة بسيطة، وستة أيام إن كانت كبيسة، فكل أربع سنين تأتي فيها سنة كبيسة، فبسبب هذا النقصان تدور السنة الهلالية، فيقع الصوم والحج تارة في الشتاء وتارة في الصيف.\rقوله: فِي كِتابِ اللَّهِ صفة لاثنا عشر. قوله: (محرمة) أي معظمة محترمة تتضاعف فيها الطاعات.\rقوله: (ذو القعدة) بفتح القاف وكسرها، والفتح أفصح عكس الحجة. قوله: (بالمعاصي) أي فظلم النفس يكون بمخالفة اللّه، لأنه بسبب ذلك تعرض لغضب اللّه الموجب لدخول النار. قوله: (فإنها فيها أعظم وزرا) أي أشد إثما منه في غيرها.\rقوله: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً هذه الآية ناسخة لآية البقرة المفيدة حرمة القتال في الأشهر الحرم، قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ الآية، وقوله: كَافَّةً مصدر في موضع الحال من فاعل قاتِلُوا أو من الْمُشْرِكِينَ ولا يثنى ولا تجمع ولا تدخل عليه أل ولا","part":2,"page":44},{"id":644,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 45\rالْمُتَّقِينَ (36) بالعون والنصر إِنَّمَا النَّسِيءُ أي التأخير لحرمة شهر إلى آخر كما كانت الجاهلية تفعله من تأخير حرمة المحرم إذا هل وهم في القتال إلى صفر زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ لكفرهم بحكم اللّه فيه يُضَلُ بضم الياء وفتحها بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ أي النسيء عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا يوافقوا بتحليل شهر وتحريم آخر بدله عِدَّةَ عدد ما حَرَّمَ اللَّهُ من الأشهر فلا\r______________________________\rيتصرف فيه بغير الحال. قوله: (بالعون والنصر) أي فمعيته مع المتقين زائدة على معيته مع الخلق أجمعين، المشار إليها بقوله تعالى: وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا لأنها معية تصريف وتدبير، وذلك لا يختص بالإنسان، بل مع كل مخلوق حيوانا وجمادا.\rقوله: إِنَّمَا النَّسِيءُ فعيل بمعنى مفعول، والمراد به تأخيرهم حرمة المحرم إلى صفر، كما في المختار، وهذه قراءة الجمهور بهمزة بعد الياء، وفي قراءة سبعية بإبدال الهمزة ياء، أو إدغام الياء فيها، وقرىء شذوذا، بسكون السين وبفتح النون وبضم السين بوزن فعول. قوله: (كما كانت الجاهلية تفعله) أي لأن الجاهلية كانت تعتقد حرمة الأشهر الحرام وتعظيمها، وكانت معائشهم من الغزو، وكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر متوالية، فأخروا تحريم شهر إلى شهر آخر، فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر، فإذا احتاجوا إلى القتال، أخروا التحريم إلى ربيع الأول، وهكذا، حتى استدار التحريم على السنة كلها، وكانوا يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في ذي الحجة عامين، والمحرم كذلك، وهكذا باقي الشهور، فوافقت حجة أبي بكر في السنة التاسعة ذا القعدة، ثم حج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حجة الوداع، فوافقت شهر الحج المشروع، وهو ذو الحجة، فوقف بعرفة في اليوم التاسع، وخطب الناس في اليوم العاشر بمنى حيث قال: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر، الذين بين جمادى وشعبان، أي شهر هذا؟ قلنا: اللّه ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى، قال: أي بلد هذا؟ قلنا: اللّه ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليست البلدة؟ قلنا: بلى. قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: اللّه ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: فإن دماؤكم وأموالكم- قال محمد وأحسبه قال:\rوأعراضكم- عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم بعضا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه، ثم قال: ألا هل بلغت؟ مرتين. قوله: (إذا هل) بالبناء للفاعل وللمفعول، ويقال استهل وهل: إذا رفع الصوت عند ذكره، وبذلك سمي الهلال. قوله: (بضم الياء) أي مع فتح الضاد مبنيا للمفعول في السبعة، ومع كسر الضاد مبنيا للفاعل في العشرة. قوله: (و فتحها) أي مع كسر الضاد لا غير، وهي سبعية أيضا، فتكون القراءات ثلاثا: واحدة عشرية، واثنتان سبعيتان. قوله: (أي النسيء) المراد به هنا اسم المفعول أي المنسوء أي المؤخر، وهو تحريم بعض الشهور.\rقوله: يُحِلُّونَهُ عاماً فيه وجهان: أحدهما: أن الجملة تفسيرية للضلال، الثاني: أنها حالية.\rقوله: لِيُواطِؤُا تنازعه كل من يحلونه ويحرمونه، فيجوز الثاني أو الأول. قوله: (إلى أعيانها) أي الأربعة التي اشتهر تحريمها، لأنهم لو التزموا أعيانها لم يضلوا. قوله: زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ بالبناء","part":2,"page":45},{"id":645,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 46\rيزيدون على تحريم أربعة ولا ينقصون ولا ينظرون إلى أعيانها فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ فظنوه حسنا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (37) ونزل لما دعا صلّى اللّه عليه وسلّم الناس إلى غزوة تبوك وكانوا في عسرة وشدة حر فشق عليهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ بادغام التاء في الأصل في المثلثة واجتلاب همزة الوصل أي تباطأتم وملتم عن\r______________________________\rللمفعول والمزين لهم الشيطان. قوله: لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ أي لا يوصلهم للسعادة. قوله:\r(و نزل لما دعا) إلخ أي من هنا إلى قوله: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ فهذه الآيات متعلقة بغزوة تبوك والمتخلفين عنها من المنافقين وغيرهم. قوله: (إلى غزوة تبوك) بالصرف على إرادة البقعة، ومنع للعلمية والتأنيث، وكانت في السنة التاسعة من الهجرة بعد رجوعه من الطائف، وسبب توجهه لها أنه بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن هرقل جمع أهل الروم وأهل الشام، وأنهم قدموا مقدماتهم إلى البلقاء، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم قليلا ما يخرج في غزوة إلا ورى عنها بغيرها، إلا ما كان من غزوة تبوك، وذلك لبعد المسافة، لأنها على طرف الشام، بينها وبين المدينة أربع عشرة مرحلة، فأمرهم بالجهاد، وبعث إلى مكة وقبائل العرب، وهي آخر غزاوته صلّى اللّه عليه وسلّم، وأنفق عثمان نفقة عظيمة، فجهز عشرة آلاف، وأنفق عليها عشرة آلاف دينار، غير تسعمائة بغير ومائة فرس وما يتعلق بذلك، وجاء أبو بكر بجميع ماله أربعة آلاف درهم، وجاء عمر بنصف ماله، وجاء ابن عوف بمائة أوقية، وجاء العباس بمال كثير، وكذا طلحة، وبعثت النساء بكل ما يقدرن عليه من حليهن، فلما تجهز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالناس، وهم ثلاثون الفا، وقيل أربعون الفا، وقيل سبعون الفا، وكانت الخيل عشرة آلاف فرس، وخلف على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، وقيل علي بن أبي طالب، وتخلف عبد اللّه بن أبيّ ومن كان معه من المنافقين، فبعد أن خرج بهم إلى ثنية الوداع متوجها إلى تبوك، عقد الألوية والرايات، فدفع لواءه الأعظم إلى أبي بكر، ورايته العظمى للزبير، وراية الأوس لأسيد بن حضير، وراية الخزرج للحباب بن المنذر، ودفع لكل بطن من الأنصار، ومن قبائل العرب، لواء وراية، ولما نزلوا تبوك، وجدوا عينها قليلة الماء، فاغترف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غرفة من مائها، فمضمض بها فاه ثم بصقه فيها، ففارت عينها حتى امتلأت وارتووهم وخيلهم وركابهم، وأقام بتبوك بضع عشرة ليلة، وقيل عشرين ليلة، فأتاه يحنة- بضم التحتية وفتح الحاء المهملة والنون المشددة ثم تاء التأنيث- ابن رؤبة- بضم الراء فهمزة ساكنة فموحدة- صاحب أيلة، وأهدى له بغلة بيضاء، فكساه النبي رداء وصالحه على إعطاء الجزية، بعد أن عرض عليه الإسلام فلم يسلم وكتب له ولأهل أيلة كتابا تركه عندهم ليعلموا، وقد استشار صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه في مجاوزة تبوك، فأشاروا عليه بعدم مجاوزتها، فانصرف وهو والمسلمون راجعين إلى المدينة، ولما دنا من المدينة، تلقاه المتخلفون، فقال لأصحابه: لا تكلموا رجلا منهم، ولا تجالسوهم، حتى آذن لكم، فصار الرجل يعرض عن أبيه وأخيه. قوله: (و كانوا في عسرة) أي قحط وضيق عيش، حتى أن الرجلين ليجتمعان على التمرة الواحدة.\rقوله: (و شدة حر) أي حتى كانوا يشربون الفرث. قوله: (فشق عليهم) أي فتخلف عنهم عشرة قبائل، ويقال لها غزوة العسرة الفاضحة، لأنها اظهرت حال المنافقين.\rقوله: ما لَكُمْ ما مبتدأ، ولَكُمْ خبره، واثَّاقَلْتُمْ حال، وإِذا ظرف لتلك الحال مقدم عليها، والتقدير أي شيء ثبت لكم من الضرر حال كونكم متثاقلين وقت قول الرسول لكم انفروا إلخ. قوله: (بادغام التاء إلخ) أي فالأصل تثاقلتم، أبدلت التاء ثاء وأدغمت فيها، وأتى بهمزة الوصل","part":2,"page":46},{"id":646,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 47\rالجهاد إِلَى الْأَرْضِ والقعود فيها والاستفهام للتوبيخ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا ولذاتها مِنَ الْآخِرَةِ أي بدل نعيمها فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي جنب متاع الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) حقير إِلَّا بادغام لا في نون إن الشرطية في الموضعين تَنْفِرُوا تخرجوا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للجهاد يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً مؤلما وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ أي يأتي بهم بدلكم وَلا تَضُرُّوهُ أي اللّه أو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شَيْئاً بترك نصره فإن اللّه ناصر دينه وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) ومنه نصر دينه ونبيه إِلَّا تَنْصُرُوهُ أي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ حين أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا من مكة أي ألجأوه إلى الخروج لما أرادوا قتله أو حبسه أو نفيه بدار الندوة ثانِيَ اثْنَيْنِ حال أي أحد اثنين والآخرة أبو بكر المعنى نصره اللّه في مثل تلك الحالة فلا يخذله في غيرها إِذْ بدل من إذ قبله هُما فِي الْغارِ نقب في جبل ثور بدل ثان إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ أبي بكر وقد قال له لما رأي أقدام المشركين لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا بنصره فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ طمأنينته عَلَيْهِ قيل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقيل على أبي بكر وَأَيَّدَهُ أي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بِجُنُودٍ\r______________________________\rتوصلا للنطق بالساكن. قوله: (و ملتم) قدره إشارة إلى أنه ضمن اثاقلتم معنى ملتم فعداه بإلى.\rقوله: أَرَضِيتُمْ الاستفهام للتوبيخ والتعجب. قوله: (حقير) أي لأن لذات الدنيا خسيسة مشوبة بالمكدرات والآفات سريعة الزوال، بخلاف لذات الآخرة، فهي شريفة منزهة عن الأقذار والأكدار، باقية لا منتهى لها. قوله: (بإدغام لا في نون إن) العبارة فيها قلب، والأصل بإدغام إن في لام لا. قوله: (في الموضعين) أي هذا وقوله: إِلَّا تَنْصُرُوهُ.\rقوله: يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً قيل: المراد في الآخرة، وقيل المراد في الدنيا باحتباس المطر، لما روي أنه سئل ابن عباس عن هذه الآية فقال: استنفر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حيا من أحياء العرب فتثاقلوا، فأمسك اللّه عنهم المطر، فكان ذلك عذابهم. قوله:\rوَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ قيل المراد بهم أبناء فارس، وقيل أهل اليمن. قوله: (و منه نصر دينه) أي ولو من غير واسطة.\rقوله: إِلَّا تَنْصُرُوهُ شرط حذف جوابه تقديره فسينصره اللّه، وأما قوله: فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ فتعليل للجواب، ولا يصلح أن يكون جوابا لأنه ماض، وقوله: إِذْ أَخْرَجَهُ ظرف لقوله: نَصَرَهُ وهذا خطاب لمن تثاقل عن تلك الغزوة. قوله: (بدار الندوة) تقدم إيضاح ذلك في سورة الأنفال في قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلخ. قوله: (حال) أي من الهاء في أَخْرَجَهُ والتقدير: إذ أخرجه الذين كفروا، حال كونه منفردا عن جميع الناس إلا أبا بكر. قوله: (بدل من إذ قبله) أي بدل بعض من كل، لأن الإخراج زمنه ممتد، فيصدق على زمن استقرارهما في الغار، وإلا فزمن الإخراج مباين لزمن حصولهما في الغار، لأن بين الغار ومكة مسيرة ساعة.\rقوله: لا تَحْزَنْ أي لا تهتم، وكان حزن الصديق على رسول اللّه لا على نفسه، ورد أنه قال له: إذا مت فأنا رجل واحد، وإذا مت أنت، هلكت الأمة والدين. قوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَنا أي معية معنوية خاصة. قوله: (قيل على النبي) أي فيكون المراد، زاده سكينة وطمأنينة حتى عمت أبا بكر، وإلا","part":2,"page":47},{"id":647,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 48\rلَمْ تَرَوْها ملائكة في الغار ومواطن قتاله وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي دعوة الشرك السُّفْلى المغلوبة وَكَلِمَةُ اللَّهِ أي كلمة الشهادة هِيَ الْعُلْيا الظاهرة الغالبة وَاللَّهُ عَزِيزٌ في ملكه حَكِيمٌ (40) في صنعه انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا نشاطا وغير نشاط وقيل أقوياء وضعفاء أو أغنياء وفقراء وهي منسوخة بآية ليس على الضعفاء وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41) أنه خير لكم فلا تثاقلوا. ونزل في المنافقين الذين تخلفوا لَوْ كانَ ما دعوتهم إليه عَرَضاً متاعا من الدنيا قَرِيباً المأخذ وَسَفَراً قاصِداً وسطا لَاتَّبَعُوكَ طلبا للغنيمة وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ المسافة فتخلفوا وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إذا رجعتم إليهم لَوِ اسْتَطَعْنا الخروج لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ بالحلف الكاذب وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (42) في قولهم ذلك وكان صلّى اللّه عليه وسلّم أذن لجماعة في التخلف باجتهاد\r______________________________\rفرسول اللّه لم يسبق له انزعاج، لمزيد ثقته بربه. قوله: (و قيل على أبي بكر) أي لأنه هو المنزعج. قوله:\r(ملائكة في الغار) أي يحرسونه من أعدائه. قوله: (و مواطن قتاله) الواو بمعنى أو، لأنه تفسير ثان. قوله:\r(أي دعوة الشرك) أي دعوة أهل الشرك الناس إليه، أو المراد عقيدة أهل الشرك. قوله: وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا القراء السبعة على الرفع مبتدأ، وهي إما ضمير فصل، أو مبتدأ ثان، والعليا إما خبر عن كلمة، أو عن الضمير، والجملة خبر كلمة وقرىء شذوذا بالنصب، معطوفا على مفعول جَعَلَ.\rقوله: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا ذكر المفسر في معنى ذلك ثلاثة أقوال، وهي من جملة أقوال كثيرة ذكرها المفسرون، فقيل الخفيف الذي لا ضيعة له، والثقيل الذي له الضيعة، وقيل الخفيف الشاب، والثقيل الشيخ، وقيل غير ذلك فالمقصود تعميم الأحوال، أي انفروا على أي حال كنتم عليه، وهذا الحكم باق، إذا تعين الجهال بأن فجأ العدو، وأما في حال كونه فرض كفاءة، فليس حكم العموم باقيا، بل منسوخ إما بآية وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً أو بآية لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى إلخ. قوله:\r(نشاطا) بكسر النون جمع نشيط، ككرام وكريم. قوله: (و هي منسوخة) أي على القولين الأخيرين، لا على الأول فهي محكمة. قوله: (أنه خير) مفعول تَعْلَمُونَ. قوله: (فلا تثاقلوا) جواب الشرط. قوله:\r(في المنافقين) أي كعبد اللّه بن أبي وأضرابه. قوله: (متاعا من الدنيا) سمي عرضا لسرعة زواله كالعرض. قوله: (المسافة) أي التي تقطع بالمشقة، فهي مشتقة من المشقة.\rقوله: وَسَيَحْلِفُونَ هذا إخبار من اللّه بالغيب، فإن هذه الآية نزلت قبل رجوعه من تبوك.\rقوله: لَخَرَجْنا مَعَكُمْ هذه الجملة سدت مسد جواب القسم والشرط. قوله: يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ هذا مرتب على قوله: وَسَيَحْلِفُونَ المعنى يزدادون بها هلاكا لأنهم هالكون بالكفر، ويزيدون هلاكا باليمين الكاذبة، لما في الحديث: «اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع». قوله: (لجماعة) أي من المنافقين.\rقوله: (باجتهاد منه) هذا أحد قولين، والآخر أنه لا يجتهد، والحاصل أنه اختلف هل يجوز على النبي الاجتهاد في غير الأحكام التكليفية الصادرة من اللّه تعالى، أو لا يجوز؟ والصحيح الأول، ولكنه في اجتهاده دائما مصيب، وعتاب اللّه له إنما هو على فعل أمر مباح له، فهو من باب حسنات الأبرار، سيئات المقربين، لا على وزر فعله، فاعتقاد ذلك كفر.","part":2,"page":48},{"id":648,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 49\rمنه فنزل عتابا له وقدم العفو تطمينا لقلبه عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ في التخلف وهلا تركتهم حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا في العذر وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (43) فيه لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ في التخلف عن أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ في التخلف الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ شكت قُلُوبُهُمْ في الدين فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) يتحيرون وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ معك لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً أهبة من الآلة والزاد وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ أي لم يرد خروجهم فَثَبَّطَهُمْ كسلهم وَقِيلَ لهم اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (46) المرضى والنساء والصبيان أي قدر اللّه تعالى ذلك لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا فسادا بتخذيل المؤمنين وَلَأَوْضَعُوا\r______________________________\rقوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ أي عن هذا الأمر الذي فعلته. قوله: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ اللام الأولى للتعليل، والثانية للتبليغ، وكلاهما متعلق بأذنت، فلم يلزم عليه تعلق حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد، والمعنى لأي شيء أذنت لهم في التخلف عن الجهاد. قوله: (و هلا تركتهم) قدره إشارة إلى أن قوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ، غاية ذلك المحذوف.\rقوله: لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ أي لا يليق منهم، وليس من عادتهم الاستئذان في الواجب عليهم، بل الخالص في الإيمان، يبادر إليه من غير توقف، فحيث وقع من هؤلاء الاستئذان، كان دليلا على نفاقهم. قوله: (في التخلف) أي من غير عذر.\rقوله:\rوَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ إنما أسند الريب للقلب، لأنه محله، كما أنه محل الإيمان والمعرفة.\rقوله: وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ إلخ، هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم على عدم خروج المنافقين معه، إذ لا فائدة فيه ولا مصلحة، وعتاب اللّه على الأذن لهم في التخلف، إنما هو لأجل إظهار حالهم وفضيحتهم، كأن اللّه يقول لنبيه: كان الأولى لك عدم الإذن لهم في التخلف ليظهر حالهم، فإن القرائن دالة على أنهم لا يريدون الخروج لعدم التأهب له.\rقوله: وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ استدارك على قوله: وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً لأنه في معنى النفي، فهو استدارك على ما يتوهم ثبوته، وهو محبة اللّه منهم الخروج، والمعنى لو أرادوا الخروج لأعدوا، ولكن لم يريدوه لكراهة اللّه انبعاثهم، لما فيه من المفاسد، فلم يعدوا له عدة، وهذا أحسن ما يقال. قوله: (أي قدر اللّه تعالى ذلك) جواب عما يقال: حيث أمرهم اللّه بالقعود، كان قعودهم محمودا لا مذموما، فأجاب بأنه ليس المراد بالقول حقيقته، بل المراد به الإرادة والتقدير. وأجيب أيضا بأن القائل الشيخان وهو يا أمر بالفحشاء والمنكر، وأجيب أيضا: بأن القائل اللّه حقيقة والقول على حقيقته، وهو أمر تهديد على حد: اعملوا ما شئتم.\rقوله: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا هذا بيان للمفاسد التي تترتب على خروجهم. إن قلت: إن مقتضى العتاب المتقدم أن خروجهم فيه مصلحة، ومقتضى ما هنا أن خروجهم مفسدة، فكيف الجمع بينهما؟ أجيب بأن خروجهم مفسدة عظيمة، وعتاب اللّه لنبيه، إنما هو على عدم التأني، حتى يظهر نفاقهم وفضيحتهم، وليس في خروجهم مصلحة أصلا، كما علمت. قوله: ما زادُوكُمْ إِلَّا","part":2,"page":49},{"id":649,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 50\rخِلالَكُمْ أي أسرعوا بينكم بالمشي بالنميمة يَبْغُونَكُمُ يطلبون لكم الْفِتْنَةَ بإلقاء العداوة وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ما يقولون سماع قبول وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) لَقَدِ ابْتَغَوُا لك الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ أول ما قدمت المدينة وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ أي أجالوا الفكر في كيدك وإبطال دينك حَتَّى جاءَ الْحَقُ النصر وَظَهَرَ عز أَمْرُ اللَّهِ دينه وَهُمْ كارِهُونَ (48) له فدخلوا فيه ظاهرا وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي في التخلف وَلا تَفْتِنِّي وهو الجد بن قيس قال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هل لك في جلاد بني الأصفر فقال إني مغرم بالنساء وأخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن فأفتتن: قال تعالى: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا بالتخلف. وقرىء سقط وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (49) لا محيص لهم عنها إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ كنصر وغنيمة تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ شدة يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا بالحزم حين تخلفنا مِنْ قَبْلُ قبل هذه\r______________________________\rخَبالًا يصح أن يكون استثناء منقطعا، والمعنى ما زادوكم قوة ولكن خبالا أو متصلا من عموم الأحوال، والمعنى ما زادوكم شيئا أصلا إلا خبالا.\rقوله: وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ الإيضاع في الأصل سرعة سير البعير، ثم استعير الإيضاع لسرعة الإفساد، ففي الكلام استعارة تبعية، حيث شبه سرعة الإفساد بسرعة سير الركائب، ثم اشتق منه أوضعوا بمعنى أسرعوا، وفي الخلال استعارة مكنية، حيث شبه الخلال بركائب تسرع في السير، وطوى ذكر المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه، وهو أوضعوا بمعنى أسرعوا فإثباته تخييل.\rقوله: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ حال من فاعل أوضعوا، والتقدير طالبين لكم الفتنة. قوله: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ يحتمل أن يكون المراد جواسيس منهم يتسمعون لهم الأخبار منكم، ويحتمل أن يكون الضمير في فيكم، عائدا على المؤمنين، والمعنى أن في المؤمنين ضعفاء قلوب، يصغون إلى قول المنافقين بالتخذيل والإفساد، لظنهم صحة إيمانهم.\rقوله: مِنْ قَبْلُ أي قبل هذه الغزوة، كالواقع من المنافقين في أحد وفي الأحزاب. قوله: حَتَّى جاءَ الْحَقُ أي استمروا على تقليب الأمور حتى إلخ. قوله: (و هو الجد بن قيس) وهو منافق عنيد، حتى أنه من قباحته امتنع من مبايعة رسول اللّه تحت الشجرة في بيعة الرضوان، واختفى تحت بطن ناقته. قوله: (في جلاد بني الأصفر) أي ضربهم بالسيوف، وفي نسخة جهاد، وهي ظاهرة، وبنو الأصفر هم ملوك الروم، أولاد الأصفر بن روم بن عيص بن إسحاق. قوله:\r(و قرىء سقط) أي بالإفراد مراعاة للفظ من، والضمير عائد على الجد بن قيس، وهي شاذة كما هي قاعدته.\rقوله: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ أي في بعض الغزوات. قوله: وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ أي في بعضها، وقابل الحسنة بالمصيبة، إشارة إلى أن الثواب مترتب على كل منهما، وإنما قابلها بالسيئة في آل عمران، لأنها خطاب للمؤمنين، وفيهم من يراها سيئة. قوله: يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ أي أدركنا ما أهمنا من","part":2,"page":50},{"id":650,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 51\rالمصيبة وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) بما أصابك قُلْ لهم لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا إصابته هُوَ مَوْلانا ناصرنا ومتولي أمورنا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ فيه حذف إحدى التاءين من الأصل أي تنتظرون أن يقع بِنا إِلَّا إِحْدَى العاقبتين الْحُسْنَيَيْنِ تثنية حسنى تأنيث أحسن النصر أو الشهادة وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ ننتظر بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ بقارعة من السماء أَوْ بِأَيْدِينا بأن يؤذن لنا في قتالكم فَتَرَبَّصُوا بنا ذلك إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52) عاقبتكم قُلْ أَنْفِقُوا في طاعة اللّه طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ما أنفقتموه إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (53) والأمر هنا بمعنى الخبر وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ بالتاء الياء مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ فاعل وأن تقبل مفعول كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى متثاقلون وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ (54) النفقة لأنهم يعدونها مغرما فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ أي لا تستحسن نعمنا عليهم فهي استدراج إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ أي أن يعذبهم بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بما يلقون في جمعها من المشقة وفيها من المصائب وَتَزْهَقَ تخرج أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (55) فيعذبهم في الآخرة أشد\r______________________________\rالأمور، وهو موالاة الكفار، واعتزال المسلمين، وغير ذلك من أنواع النفاق. قوله: وَهُمْ فَرِحُونَ الجملة حالية من فاعل يَتَوَلَّوْا.\rقوله: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا أي ردا لقولهم: قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ.\rقوله: الْحُسْنَيَيْنِ صفة لموصوف محذوف، قدره المفسر بقوله: (العاقبتين). قوله: وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أي العاقبتين السيئتين. قوله: (بقارعة) أي صاعقة. قوله: فَتَرَبَّصُوا إلخ، أي فإنا منتظرون ما يسرنا وأنتم منتظرون ما يسوؤكم.\rقوله: قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً إلخ، نزلت في الجد بن قيس، حيث قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: ائذن لي في القعود، وأنا أعطيك مالي والمعنى قل لهم اتصافكم بصفات المؤمنين في الإنفاق والصلاة لا يفيدكم شيئا. قوله: طَوْعاً أي من غير إلزام. وقوله: أَوْ كَرْهاً أي بإلزام. قوله: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ أي ولم تزالوا كذلك، فالمراد فاسقون فيما مضى وفي المستقبل. قوله: (و الأمر هنا بمعنى الخبر) أي فالمعنى نفقتكم طوعا أو كرها غير مقبولة. قوله: (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا استثناء من عموم الأشياء، كأنه قيل: ما منعهم قبول نفقتهم لشيء من الأشياء إلا لثلاثة أمور: كفرهم باللّه ورسوله، وإيتائهم الصلاة في حال كسلهم، وإنفاقهم مع الكراهة.\rقوله: (لأنهم يعدونها مغرما) أي لأنهم لا يرجون عليها ثوابا، ولا يخافون على تركها عقابا. قوله:\r(فهي استدارج) أي ظاهرها نعمة، وباطنها نقمة. قوله: (بما يلقون في جمعها من المشقة) جواب عما يقال: إن المال والولد سرور في الدنيا، فأجاب بأن المراد بكونهما عذابا، باعتبار ما يترتب عليهما من المشقة. إن قلت: إن هذا ليس مختصا بالمنافق، بل المؤمن كذلك بهذا الاعتبار. أجيب: بأن المؤمن يرجو الآخرة والراحة فيها والتنعم بسبب المشقات، فكأنها ليست مشقة، والمنافق ليس كذلك، فهي حينئذ مشقة في الدنيا والآخرة.\rقوله: أَنْفُسُهُمْ أي أرواحهم.\rقوله: يَفْرَقُونَ الفرق بالتحريك الخوف.","part":2,"page":51},{"id":651,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 52\rالعذاب وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ أي مؤمنون وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) يخافون أن تفعلوا بهم كالمشركين فيحلفون تقية لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً يلجؤون إليه أَوْ مَغاراتٍ سراديب أَوْ مُدَّخَلًا موضعا يدخلونه لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57) يسرعون في دخوله والانصراف عنكم إسراعا لا يرده شيء كالفرس الجموح وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ يعيبك فِي قسم الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ من الغنائم ونحوها وَقالُوا حَسْبُنَا كافينا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ من غنيمة أخرى ما يكفينا إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (59) أن يغنينا وجواب لو: لكان خيرا لهم إِنَّمَا الصَّدَقاتُ الزكوات مصروفة لِلْفُقَراءِ الذين لا يجدون ما يقع موقعا من كفايتهم\r______________________________\rقوله: لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً إلخ، أي لو قدروا على الهروب منكم، ولو في شر الأمكنة وأخسها لفعلوا لشدة بغضهم لكم، والمعنى أنهم وإن كانوا يحلفون لكم أنهم منكم، فهم كاذبون في ذلك، لأنهم لو وجدوا مكانا يلجؤون إليه، من رأس جبل أو قلعة أو جزيرة أو مغارات، وهي الأماكن المنخفضة في الأرض أو في الجبل أو سراديب، أي أماكن ضيقة لفروا إليها. قوله: وَهُمْ يَجْمَحُونَ في المصباح:\rجمع الفرس براكبه يجمح: استعصى حتى غلبه اه، ففيه إشارة إلى أنهم كالدابة الجموح التي لا تقبل الإنقياد بوجه من الوجوه.\rقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ هذا بيان لحال بعض المنافقين، وقوله: يَلْمِزُكَ من باب ضرب واللمز الإشارة بعين ونحوها على سبيل التنقيص، فهو أخص من الغمز، إذ هو الإشارة بعين ونحوها مطلقا، والمراد هنا الإعابة بالقول. قيل: نزلت في أبي الجواظ المنافق، بفتح الجيم وتشديد الواو وبالظاء، ومعناه الضخم المتكبر الكثير الكلام، حيث قال: ألا ترون إلى صاحبكم يقسم صدقاتكم على رعاء الغنم، ويزعم أنه يعدل. وقيل: نزلت في ذي الخويصرة التميمي، وقيل اسمه حرقوص بن زهير، وهو أصل الخوارج. قوله: فِي الصَّدَقاتِ المراد بها قيل الزكاة، وقيل الغنائم، وقيل ما هو أعم، وهو الأولى بدليل ما يأتي للمفسر. قوله: فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها أي ما يريدون. قوله: إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ إذا فجائية قامت مقام الفاء، والأصل فهم.\rقوله: ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ نسبة الإعطاء للّه حقيقة، وللرسول مجازية، وفيه إشارة إلى أن ما فعله الرسول، إنما هو على طبق ما أمر اللّه به.\rقوله: وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ أي (كافينا). قوله: (أن يغنينا) أي في أنه يغنينا، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بفي متعلقة بيغنينا، ويؤخذ من الآية تعليم العباد التعفف، والاعتماد على اللّه تعالى، وتفويض الأمور إليه، فإن الأرزاق بيده تعالى متكفل بها، لا يقطعها عن عباده ولو خالفوه.\rقوله: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ رد على المنافقين الذين يزعمون أن رسول اللّه يأخذ الصدقات لنفسه ولأهل بيته، فبين في هذه الآية المستحقة لها الأصناف الثمانية، ورسول اللّه وأهل بيته محرمة عليهم، تشريفا لهم وتطهيرا، والآية من قصر الموصوف على الصفة، أي الصدقات مقصورة على الإتصاف، بصرفها لهؤلاء الثمانية. قوله: (مصروفة) قدره ليتعلق به الجار والمجرور. قوله: (الذي لا يجدون ما يقع","part":2,"page":52},{"id":652,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 53\rوَالْمَساكِينِ الذين لا يجدون ما يكفيهم وَالْعامِلِينَ عَلَيْها أي الصدقات من جاب وقاسم وكاتب وعاشر وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ليسلموا أو يثبت إسلامهم أو يسلم نظراؤهم أو يذبوا عن المسلمين أقسام والأول والأخير لا يعطيان اليوم عند الشافعي رضي اللّه تعالى عنه لعز الإسلام بخلاف الأخيرين فيعطيان على الأصح وَفِي فك الرِّقابِ أي المكاتبين وَالْغارِمِينَ أهل الدين إن استدانوا لغير معصية أو تابوا وليس لهم وفاء أو لإصلاح ذات البين ولو أغنياء وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ أي القائمين بالجهاد ممن لا فيء لهم ولو أغنياء وَابْنِ السَّبِيلِ المنقطع في سفره\r______________________________\rموقعا من كفايتهم) صادق بأن لا يجدون شيئا أصلا، أو لا يجدون شيئا لا يقع الموقع من كفايتهم.\rقوله: وَالْمَساكِينِ (الذين لا يجدون ما يكفيهم) صادق بأن لا يجدوا شيئا أصلا، أو يجدوا شيئا لا يقع الموقع أو يقع، ولكن لا يكفيهم، فالفقير على هذا أسوأ حالا من المسكين، وهذا مذهب الإمام الشافعي، وعند مالك بالعكس، فالمسكين من لا يملك شيئا أصلا، والفقير من عنده شيء لا يكفيه، والمراد بالكفاية عند مالك كفاية سنة، وعند الشافعي كفاية العمر الغالب، وهو ستون سنة. قوله: (من جاب إلخ) أي وهو الذي يجمع الزكوات من أربابها، والقاسم الذي يقسمها على المستحقين، والكاتب الذي يكتب ما أعطاه أرباب الأموال، والعاشر الذي يجمع أرباب الأموال ليأخذ منهم الجابي الزكاة.\rقوله: (ليسلموا) أي يرجى بإعطائهم إسلامهم. بقوله: (أو يثبت إسلامهم) أي فهم حديثو عهد بالإسلام، فنعطيهم ليتمكن الإسلام من قلوبهم. قوله: (أو يسلم نظراؤهم) أي فهم كبار قبيلة أسلموا، فيعطون ليسلم نظراؤهم من الكفار. قوله: (أو يذبوا عن المسلمين) أي يدفعوا الكفار ويردوهم عن المسلمين، والحال أنهم مسلمون. قوله: (و الأول والأخير) أي الكافر ليسلم والذاب عن المسلمين. قوله: (لا يعطيان) هذا ضعيف عندهم، والمعتمد عندهم إعطاء الأول. قوله: (بخلاف الأخيرين) أي الثاني والثالث، وهذا مذهب الشافعي، وعند مالك المؤلفة قلوبهم، إما كفار يعطون ليسلموا، أو مسلمون يعطون ليثبت إسلامهم.\rقوله: وَفِي الرِّقابِ إنما أضيفت الصدقات إلى الأصناف الأربعة الأول باللام، وإلى الأربعة الأخيرة بفي، إشارة إلى أن الأربعة الأول يملكونها ويتصرفون فيها كيف شاؤوا، بخلاف الأربعة الأخيرة فيقيد بما إذا صرفت مصارفها، فإذا لم يحصل نزعت منهم. قوله: (أي المكاتبين) أي ليستعينوا بها على فك رقابهم، وهذا التفسير على مذهب الإمام الشافعي، وعند مالك وأحمد: أن معناه يشترى بها رقيق كامل الرق، ويعتق ولاؤه للمسلمين، وعند أبي حنيفة: يشترى بها بعض رقبة، ويعان بها مكاتب، لأن قوله:\rفِي الرِّقابِ يقتضي التبعيض. قوله: (لغير معصية) أي بأن استدانوا المباح، ولو صرفوه في معصية، وهذا مذهب الشافعي، وعند مالك: إذا صرفوه في معصية، لا يعطون منها إلا إذا تابوا. قوله: (أو تابوا) أي ظهرت توبتهم، لا بمجرد قولهم تبنا مثلا. قوله: (أو لإصلاح ذات البين) أي كأن خيف فتنة بين قبيلتين تنازعتا في قتيل لم يظهر قاتله، فتحملوا الدية تسكينا للفتنة. قوله: (أي القائمين بالجهاد) إلخ، أي ويشتري منها آلته من سلاح ودرع وفرس، ومذهب مالك أن طلبة العلم المنهكين فيه، لهم الأخذ من الزكاة ولو أغنياء، إذا انقطع حقهم من بيت المال، لأنهم مجاهدون.\rقوله: وَابْنِ السَّبِيلِ الإضافة لأدنى ملابسة، أي الملازم للطريق. قوله: (المنقطع في سفره) أي","part":2,"page":53},{"id":653,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 54\rفَرِيضَةً نصب بفعله المقدر مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بخلقه حَكِيمٌ (60) في صنعه فلا يجوز صرفها لغير هؤلاء ولا يمنع صنف منهم إذا وجد فيقسمها الإمام عليهم على السواء وله تفضيل بعض آحاد الصنف على بعض وأفادت اللام وجوب استغراق أفراده لكن لا يجب على صاحب المال إذا قسم لعسره بل يكفي إعطاء ثلاثة من كل صنف ولا يكفي دونها كما أفادته صيغة الجمع وبينت السنة أن شرط المعطى منها الإسلام وأن لا يكون هاشميا ولا مطلبيا وَمِنْهُمُ أي المنافقين الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَ بعيبه وبنقل حديثه وَيَقُولُونَ إذ نهوا عن ذلك لئلا يبلغه هُوَ أُذُنٌ أي يسمع كل قيل ويقبله فإذا حلفنا له أنا لم نقل صدقنا قُلْ هو أُذُنٌ مستمع خَيْرٍ لَكُمْ لا مستمع شر يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ يصدق لِلْمُؤْمِنِينَ فيما أخبروه به لا لغيرهم واللام زائدة للفرق بين إيمان التسليم وغيره وَرَحْمَةٌ بالرفع عطفا على أذن والجر عطفا\r______________________________\rإن كان سفره في غير معصية، وإلا فلا يعطى، ولو خيف عليه الموت ما لم يتب، ويعطى بشرط أن لا يجد مسلفا، وهو مليء ببلده. قوله: (فلا يجوز صرفها لغير هؤلاء) أخذ ذلك من الحصر وهو محل وفاق.\rقوله: (و لا يمنع صنف منهم) هذا مذهب الشافعي، وعند مالك: لا يلزم تعميم الأصناف، فاللام في (للفقراء) إلخ، لبيان المصرف لا للاستحقاق. قوله: (فيقسمها الإمام عليهم على السواء) هذا مذهب الشافعي، وعند مالك: لا يلزم ذلك، بل يندب إيثار المضطر. قوله: (لعسره) علة لعدم وجوب الاستغراق. قوله: (الإسلام) هذا في غير المؤلفة قلوبهم. قوله: (و أن لا يكون هاشميا ولا مطلبيا) هذا مذهب الشافعي، وعند مالك: الذين تحرم عليهم الزكاة بنوا هاشم فقط، وهذا إن كان حقهم من بيت المال جاريا، وإلا فهم أولى من غيرهم، فإعطاؤهم أسهل من تعاطيهم خدمة الذمي والفاجر.\rقوله: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَ سبب نزولها: أن جماعة من المنافقين تكلموا في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم بما لا يليق، فقال بعضهم لبعض: كفوا عن ذلك الكلام لئلا يبلغه ذلك، فيقع لنا منه الضرر، فقال الجلاس، بضم الجيم وفتح اللام المخففة، ابن سويد: نقول ما شئنا، ثم نأتيه فننكر ما قلنا ونحلف فيصدقنا فيما نقول، فإنما محمد أذن. قوله: (أي يسمع كل ما قيل) أي من غير أن يتأمل فيه، ويميزنا باطنه من ظاهره، فقصدوا بذلك وصفه صلّى اللّه عليه وسلّم بالغفلة، لأنه كان لا يقابلهم بسوء أبدا، وتحمل أذاهم ويصفح عنهم، فحملوه على عدم التنبه والغفلة، وإنما كان يفعل ذلك رفقا بهم، وتغافلا عن عيوبهم، وفي تسميته إذنا مجاز مرسل، من إطلاق الجزء على الكل للمبالغة في استماعه، حتى صار كأنه هو آلة السماع، كما يسمى الجاسوس عينا.\rقوله: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ أي يسمع الخير، ولا يسمع الشر. قوله: (يؤمن باللّه) إلخ، هذا إيضاح لكونه أذن خير. قوله: (و اللام زائدة) جواب عما يقال: لم زيدت اللام مع أن الإيمان يتعدى بالباء. فأجاب: بأنها زيدت للفرق بين إيمان التسليم وهو قوله: وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ، أي يسلم لهم قولهم ويصدقهم فيما يقولونه، وبين إيمان التصديق المقابل للكفر وهو قوله: وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ، أي يصدق باللّه ويوحده. قوله: وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا أي أظهروا الإيمان منكم، وهذه الرحمة بمعنى الرفق بهم،","part":2,"page":54},{"id":654,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 55\rعلى خير لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (61) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ أيها المؤمنون فيما بلغكم عنهم من أذى الرسول أنهم ما أتوه لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ بالطاعة إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (62) حقا، وتوحيد الضمير لتلازم الرضاءين أو خبر اللّه ورسوله محذوف أَلَمْ يَعْلَمُوا ب أَنَّهُ أي الشأن مَنْ يُحادِدِ يشاقق اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ جزاء خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63) يَحْذَرُ يخاف الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ أي المؤمنين سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق وهم مع ذلك يستهزئون قُلِ\r______________________________\rوعدم كشف أسرارهم، لا بمعنى التصديق لهم، فإن رحمته في الدنيا عامة للبر والفاجر، وفي الآخرة مختصة بالبر دون الفاجر، إذ هي تابعة لرحمة اللّه تعالى وإحسانه.\rقوله: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ أي يحلف المنافقون للمؤمنين، أنه ما وقع منهم الإيذاء للنبي، وقصدهم بذلك إرضاء للمؤمنين ليذبوا عنهم، إذا أراد رسول اللّه أن يفتك بهم، وسبب نزولها: أنه اجتمع ناس من المنافقين، منهم الجلاس بن سويد، ووديعة بن ثابت، فوقعوا في رسول اللّه قالوا: إن كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير، وكان عندهم غلام يقال له عامر بن قيس، ثم أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأخبره، فدعاهم وسألهم، فأنكروا وحلفوا أن عامرا كذاب، وحلف عامر أنهم كذبوا، فصدقهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فجعل عامر يدعو ويقول: اللهم صدق الصادق، وكذب الكاذب. قوله: (ما أتوه) أي ما فعلوه، وفي نسخة آذوه. قوله: لِيُرْضُوكُمْ علة لقوله: يَحْلِفُونَ. قوله: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ الجملة حالية من ضمير يحلفون، والمعنى يحلفون لكم لإرضائكم، والحال أن اللّه ورسوله أحق بالإرضاء.\rقوله: إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه، أي فليرضوا اللّه ورسوله.\rقوله: (و توحيد الضمير) إلخ، أشار المفسر لثلاثة أجوبة عن سؤال وارد على الآية حاصله أن لفظ الجلالة مبتدأ، ورَسُولُهُ مبتدأ ثان معطوف عليه، وجملة أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ خبر، والضمير مفرد، وما قبله مثنى، فلم أفرد الضمير؟ فأجاب المفسر: بأنه أفرده، لأن الرضاءين واحد، لأن رضا رسول اللّه تابع لرضا اللّه ولازم له، فالكلام جملة واحدة، أو الجملة خبر عن رسوله، وحذف خبر لفظ الجلالة لدلالة ما بعده عليه، أو خبر عن لفظ الجلالة، وخبر رسوله محذوف، لدلالة ما قبله عليه، ففيه: إما الحذف من الثاني لدلالة الأول عليه، أو بالعكس.\rقوله: أَلَمْ يَعْلَمُوا الإستفهام للتوبيخ. قوله: مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ من: شرطية مبتدأ، وقوله:\rفَأَنَ إلخ خبر لمحذوف أي فحق أن له الخ، والجملة جواب الشرط، وجملة فعل الشرط وجوابه خبر مَنْ، ومجموع اسم الشرط وفعله وجزائه خبر أن الأولى، وجملة أن الأولى من اسمها وخبرها، سدت مسد مفعولي يعلم. قوله: (جزاء) تمييز. قوله: خالِداً فِيها حال مقدرة.\rقوله: أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ أي المؤمنين، وقوله: تُنَبِّئُهُمْ أي تخبر المؤمنين، وقوله: بِما فِي قُلُوبِهِمْ أي المنافقين من الحقد والحسد للمؤمنين.","part":2,"page":55},{"id":655,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 56\rاسْتَهْزِؤُا أمر تهديد إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مظهر ما تَحْذَرُونَ (64) إخراجه من نفاقكم وَلَئِنْ لام قسم سَأَلْتَهُمْ عن استهزائهم بك والقرآن وهم سائرون معك إلى تبوك لَيَقُولُنَ معتذرين إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ في الحديث لنقطع به الطريق ولم نقصد ذلك قُلْ لهم أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (65) لا تَعْتَذِرُوا عنه قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ أي ظهر كفركم بعد إظهار الأيمان إِنْ نَعْفُ بالياء مبنيا للمفعول والنون مبنيا للفاعل عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ باخلاصها وتوبتها كمخشي بن حمير نُعَذِّبْ بالتاء والنون طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (66) مصريين على النفاق والاستهزاء الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أي متشابهون في الدين كأبعاض الشيء الواحد يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ المفر والمعاصي وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ الإيمان والطاعة وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ\r______________________________\rقوله: قُلِ اسْتَهْزِؤُا إلخ، نزلت هذه الآية في اثني عشر رجلا من المنافقين، وقفوا لرسول اللّه على العقبة، لما رجع من غزوة تبوك ليفتكوا به إذا علاها، وتنكروا عليه في ليلة مظلمة، فأخبر جبريل رسول اللّه بما قد أضمروا، وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم؛ وكان معه عمار بن ياسر يقود ناقة رسول اللّه، وسراقة يسوقها، فقال لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم، فضربها حذيفة حتى نحاها عن الطريق، فلما نزل قال لحذيفة: هل عرفت من القوم أحدا؟ فقال: لم أعرف منهم أحدا يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه: إنهم فلان وفلان، حتى عدهم كلهم، فقال حذيفة: هلا بعثت إليهم من يقتلهم؟\rفقال: أكره أن تقول العرب: لما ظفر بأصحابه أقبل بقتلهم، بل يكفينا اللّه بالديلة، وهي خراج من نار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم. قوله: (و هم سائرون معك) أي فكانوا يقولون: هيهات هيهات، يريد هذا الرجل أن يفتح حصون الشام وقصورها، فأطلع اللّه نبيه على ما قالوه، فقال لهم: هل قلتم كذا وكذا؟ فقالوا: لا واللّه ما كنا في شيء من أمرك ولا من أمر أصحابك، ولكن كنا في شيء مما يخوض فيه الركب ليقصر بنا السفر.\rقوله: أَبِاللَّهِ أي بفرائضه وحقوقه. قوله: وَآياتِهِ أي كلماته القرآنية. قوله: رَسُولِهِ أي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (عنه) أي الاستهزاء. قوله: (مبنيا للمفعول) إلخ، أي ونائب الفاعل عن طائفة، وهما قراءتان سبعيتان. قوله: (كمخشي بن حمير) وفي بعض النسخ كجحش بن حمير، أسلم وحسن إسلامه، كان يضحك ولا يخوص، وكان ينكر بعض ما يسمع، فلما نزلت هذه الآية تاب من نفاقه وقال: اللهم إني لا أزال أسمع آية تقرأ تقشعر منها الجلود، وتخفق منها القلوب، اللهم اجل وفاتي قتلا في سبيلك، لا يقول أحد: أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة، فلم يعرف أحد من المسلمين مصرعه.\rقوله: الْمُنافِقُونَ أي وكانوا ثلثمائة. قوله: وَالْمُنافِقاتُ أي وكن مائة وسبعين. قوله:\r(أي متشابهون في الدين) أي الذي هو النفاق فهم على أمر واحد مجتمعون عليه.\rقوله: وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ كناية عن عدم الإنفاق، لأن شأن المعطي بسط اليد، وشأن الممسك","part":2,"page":56},{"id":656,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 57\rعن الإنفاق في الطاعة نَسُوا اللَّهَ تركوا طاعته فَنَسِيَهُمْ تركهم من لطفه إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ جزاء وعقابا وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ أبعدهم عن رحمته وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (68) دائم. أنتم أيها المنافقون كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا تمتعوا بِخَلاقِهِمْ نصيبهم من الدنيا فَاسْتَمْتَعْتُمْ أيها المنافقون بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ في الباطل والطعن في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كَالَّذِي خاضُوا أي كخوضهم أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (69) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ خبر الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ قوم هود وَثَمُودَ قوم صالح وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ قوم شعيب وَالْمُؤْتَفِكاتِ قرى قوم لوط أي أهلها أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات فكذبوهم فأهلكوا فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ بأن يعذبهم بغير ذنب وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ\r______________________________\rقبضها. قوله: (تركوا) اللَّهَ جواب عما يقال: إن النسيان لا يؤاخذ به الإنسان. فأجاب: بأن المراد به الترك. قوله: (تركهم) جواب عما يقال: إن النسيان مستحيل على اللّه تعالى. فأجاب بأن المراد به الترك.\rقوله: هُمُ الْفاسِقُونَ أي الكاملون في التمرد والفسق والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقريع.\rقوله: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ يستعمل وعد في الخير والشر، وإنما يفترقان في المصدر، فمصدر الأول وعد، والثاني وعيد. قوله: وَالْكُفَّارَ أي المتجاهرين بالكفر، فهو عطف مغاير. قوله: خالِدِينَ فِيها حال مقدرة. قوله: وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ أي غير النار كالزمهرير، أو المراد عذاب في الدنيا.\rقوله: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ الجار والمجرور خبر لمحذوف، قدره المفسر بقوله أنتم، وهذا خطاب للمنافقين، ففيه التفات من الغيبة للخطاب، والمثلية في الأوصاف المتقدمة، وهي الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقبض اليد، ونسيان حقوق اللّه الآتية بقوله: فَاسْتَمْتَعُوا إلخ. قوله: فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ أي بحظوظهم الفانية، والتشاغل بها عما يرضي اللّه تعالى. قوله: (أي كخوضهم) مشى المفسر على أن الذي حرف مصدري، وهي طريقة ضعيفة لبعض النحاة، وعليه فيقدر في الكلام مفعول مطلق، ليكون مشبها بالمصدر المأخوذ من الذي، والتقدير وخضتم خوضا كخوضهم، والصحيح أن الذي اسم موصول صفة لموصوف محذوف، والعائد محذوف تقديره كالخوض الذي خاضوه.\rقوله: أَلَمْ يَأْتِهِمْ أي المنافقين والاستفهام للتقرير. قوله: قَوْمِ نُوحٍ إلخ، أي وقد أهلكوا بالطوفان، وَعادٍ أهلكوا بالريح العقيم. وَثَمُودَ أهلكوا بالرجفة، وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ أهلكوا بسلب النعمة عنهم وبالبعوض، وَأَصْحابِ مَدْيَنَ أهلكوا بالظلة. قوله: وَالْمُؤْتَفِكاتِ أي المنقلبات التي جعل اللّه عليها سافلها. قوله: فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ معطوف على مقدر قدره المفسر بقوله:\r(فكذبوهم فأهلكوا). قوله: (بأن يعذبهم بغير ذنب) تفسير للظلم المنفي أي الواقع أن اللّه لم يعذبهم بغير ذنب، بل لو فرض أنه عذبهم بغير ذنب لم يكن ظلما، لأن الظلم هو التصرف في ملك الغير من غير إذنه، ولا ملك لأحد معه سبحانه وتعالى، ولكن تفضل اللّه بأنه لا يعذب بغير ذنب، ولا يجوز عليه شرعا أن يعذب في الآخرة عبدا بغير ذنب، وإن جاز عقلا.","part":2,"page":57},{"id":657,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 58\rيَظْلِمُونَ (70) بارتكاب الذنب وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه شيء عن إنجاز وعده ووعيده حَكِيمٌ (71) لا يضع شيئا إلا في محله وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ إقامة وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ أعظم من ذلك كله ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ بالسيف وَالْمُنافِقِينَ باللسان والحجة وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ بالانتهار والمقت وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73) المرجع هي يَحْلِفُونَ أي المنافقون بِاللَّهِ ما قالُوا ما بلغك\r______________________________\rقوله: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ إلخ، لما بين حال المنافقين والمنافقات عاجلا وآجلا، ذكر حال المؤمنين والمؤمنات عاجلا وآجلا. قوله: أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي في الدين، وعبر عنهم بذلك دون المنافقين، فعبر في شأنهم بمن، إشارة إلى أن نسبة المؤمنين في الدين كنسبة القرابة، وأما المنافقون فنسبتهم طبيعية نفسانية، فهم جنس واحد. قوله: يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ أي يحبونه لأنفسهم ولإخوانهم، والمعروف كل ما عرف في الشرع وهو كل خير. قوله: وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ أي ينفرون منه ولا يرضون به، والمراد بالمنكر كل ما خالف الشرع. قوله: وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي باللسان والجنان وسائر الأعضاء.\rقوله: سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ أي في الدنيا بالإيمان والمعرفة، وفي الآخرة بالخلود في الجنة ونعيمها، ورضا اللّه عنهم، وهذه الأوصاف مقابلة لأوصاف المنافقين المتقدمة. قوله: (عن إنجاز وعده) أي للمؤمنين والمؤمنات. قوله: (و وعيده) أي للمنافقين والمنافقات، فهو لف ونشر مشوش.\rقوله: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ هذا تفصيل لما أجمل في قوله: أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ.\rقوله: جَنَّاتٍ أي بساتين، لكل مؤمن ومؤمنة ليس فيها شركة لأحد. قوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أي بأرضها. قوله: خالِدِينَ فِيها حال من المؤمنين والمؤمنات. قوله: وَمَساكِنَ طَيِّبَةً أي تستطيبها النفوس وتألفها فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. قوله: فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ أي في بساتين إقامة، لا تحول ولا تزول، روي أنه سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قوله تعالى: وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ قال: قصر من لؤلؤة، في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا، على كل سرير سبعون فراشا من كل لون، على كل فراش زوجة من الحور العين، وفي رواية: في كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لونا من الطعام.\rقوله: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ التنوين للتقليل، أي أقل رضوان يأتيهم من اللّه، أكبر من ذلك كله، فضلا عن أكثره، ورد أن اللّه تعالى يقول لأهل الجنة: رضيتم؟ فيقولون: ما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا. قوله: ذلِكَ أي الرضوان. قوله:\rهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي الظفر بالمقصود الذي لا يضاهى. قوله: (بالسيف) المراد به جميع آلات الحرب.\rقوله: (باللسان والحجة) أي لا بالسيف لنطقهم بالشهادتين، فالمراد بجهادهم بذل الجهد في نصيحتهم وتخويفهم. قوله: (بالانتهار والمقت) المراد به القتل بالنسبة للكفار، والإهانة والزجر بالنسبة للمنافقين.\rقوله: وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جملة مستأنفة بيان لعاقبة أمرهم.","part":2,"page":58},{"id":658,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 59\rعنهم من السب وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ أظهروا الكفر بعد إظهار الإسلام وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا من الفتك بالنبي ليلة العقبة عند عوده من تبوك وهم بضعة عشر رجلا فضرب عمار بن ياسر وجوه الرواحل لما غشوه فردوا وَما نَقَمُوا أنكروا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ بالغنائم بعد شدة حاجتهم. والمعنى لم ينلهم منه إلا هذا وليس مما ينقم فَإِنْ يَتُوبُوا عن النفاق ويؤمنوا بك يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا عن الإيمان يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا بالقتل وَالْآخِرَةِ بالنار وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍ يحفظهم منه وَلا نَصِيرٍ (74) يمنعهم وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَ فيه إدغام التاء في الأصل\r______________________________\rقوله: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا هذا بيان لقبحهم وخيانة باطنهم. قوله: كَلِمَةَ الْكُفْرِ قيل هي كلمة الجلاس بن سويد حيث قال: إن كان محمد صادقا فيما يقول فنحن شر من الحمير، وقيل: هي كلمة ابن أبي ابن سلول حيث قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قوله: (أظهروا الكفر) إلخ، دفع بذلك ما يقال: إن ظاهر الآية يقتضي أنهم مسلمون ثم كفروا بعد ذلك مع أنهم لم يسلموا أصلا. فأجاب: بأن المراد أظهروا الكفر بعد أن أظهروا الإسلام. قوله: (من الفتك) مثلث الفاء الأخذ على حين غفلة. قوله: (ليلة العقبة) أي التي بين تبوك والمدينة. قوله: (و هم بضعة عشر رجلا) قيل اثنا عشر، وقيل أكثر من ذلك، لكن لم يبلغوا العشرين، وقد اجمع رأيهم على أن يفتكوا بالنبي في العقبة ليقع في الوادي فيموت، فأخبره اللّه بما دبروه، فلما وصل إلى العقبة، نادى منادي رسول اللّه بأمره: إن رسول اللّه يريد أن يسلك العقبة، فلا يسلكها أحد غيره، واسلكوا يا معشر الجيش بطن الوادي، فإنه أسهل لكم وأوسع، فسلك الناس بطن الوادي، وسلك النبي العقبة، وكان ذلك في ليلة مظلمة، فجاء المنافقون وتلثموا وسلكوا العقبة، فلما ازدحموا على رسول اللّه، نفرت ناقته حتى سقط بعض متاعه، فصرخ بهم فولوا مدبرين، وأمر عمار بن ياسر، وقيل حذيفة، بضرب وجوه رواحلهم، فانحطوا من العقبة مسرعين إلى بطن الوادي واختلطوا بالناس، فقال له النبي: هل عرفت أحدا منهم؟ قال: لا، كانوا متلثمين والليلة مظلمة، قال: هم فلان وفلان حتى عدهم، قال: هل عرفت مرادهم؟ قال: لا، قال:\rإنهم مكروا وأردوا الفتك بي، وإن اللّه أخبرني بمكرهم، فلما أصبح جمعهم وأخبرهم بما مكروا، فحلفوا باللّه ما قالوا ولا أرادوا، فنزلت الآية، ويؤخذ من ذلك أنهم سافروا مع رسول اللّه إلى تبوك، وتقدم أنهم تخلفوا، ويمكن الجمع بأن البعض سافر، والبعض تخلف. قوله: (فضرب عمار بن ياسر) وقيل حذيفة.\rقوله: وَما نَقَمُوا (أنكروا) أي ما كرهوا وما عابوا، وفي الآية تأكيد المدح بما يشبه الذم كأنه قيل: ليس له صفة تكره وتعاب، إلا إغناءهم من فضله بعد أن كانوا فقراء، وهذه ليست صفة ذم، فحينئذ ليس له صفة تذم أصلا. قوله: (و ليس مما ينقم) أو يعاب ويكره. قوله: وَإِنْ يَتَوَلَّوْا أي داموا عليه.\rقوله: وَمِنْهُمْ أي المنافقين، وظاهر الآية أنه حين المعاهدة كان منافقا، وليس كذلك، بل كان مسلما صحيحا، وكان يلزم المسجد والجماعة، حتى لقب بحمامة المسجد فجعله منها باعتبار ما آل إليه أمره، ففيه مجاز الأول. قوله: لَئِنْ آتانا تفسير لقوله: عاهدوا، واللام موطئة لقسم محذوف، وإن شرطية، وآتانا فعل الشرط، وجملة لَنَصَّدَّقَنَ جواب القسم، وحذف جواب الشرط، لدلالته","part":2,"page":59},{"id":659,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 60\rفي الصاد وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) وهو ثعلبة بن حاطب سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يدعو له أن يرزقه اللّه مالا ويؤدي منه كل ذي حق حقه فدعا له فوسع عليه فانقطع عن الجمعة والجماعة ومنع الزكاة كما قال تعالى: فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا عن طاعة اللّه وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ أي فصير عاقبتهم نِفاقاً ثابتا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ أي\r______________________________\rعليه ولتأخره، على حد قول ابن مالك:\rواحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم\r\rقوله: (فيه إدغام التاء) إلخ، أي والأصل لنتصدقن، قلبت التاء صادا، ثم أدغمت في الصاد.\rقوله: وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ أي في صرف المال، بأن نصل به الأرحام، وننفقه في وجوه البر والخير.\rقوله: (و هو ثعلبة بن حاطب) كان أولا صحابيا جليلا ملازما للجمعة والجماعة والمسجد، ثم رآه النبي يسرع بالخروج إثر الصلاة، فقال له رسول اللّه: لم تفعل فعل المنافقين؟ فقال: إني افتقرت، ولي ولأمرأتي ثوب، أجيء به للصلاة، ثم أذهب فأنزعه لتلبسه وتصلي به، فادع اللّه أن يوسع في رزقي. وحاصل قصته أنه جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: يا رسول اللّه، ادع اللّه يرزقني مالا، فقال رسول اللّه: ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه. ثم أتاه بعد ذلك فقال له مثل ذلك فقال له رسول اللّه:\rأما لك فيّ أسوة حسنة، والذي نفسي بيده، لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت، ثم أتاه بعد ذلك فقال له: والذي بعثك بالحق، لئن رزقني اللّه مالا، لأعطين كل ذي حق حقه، فقال رسول اللّه:\rاللهم ارزق ثعلبة مالا، فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها، فنزل واديا من أوديتها، وهي تنمو كما ينمو الدود، فكان يصلي مع رسول اللّه الظهر والعصر، ويصلي في غنمه سائر الصلوات، ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة، فصار لا يشهد إلا الجمعة، ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة فصار لا يشهد جمعة ولا جماعة، فكان إذا كان يوم الجمعة يتلقى الناس يسألهم عن الأخبار، فذكره رسول اللّه ذات يوم فقال: ما فعل ثعلبة؟ فقالوا له: يا رسول اللّه، اتخذ ثعلبه غنما ما يسعها واد، فقال رسول اللّه: يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، فلما نزلت آية الصدقة، بعث رسول اللّه رجلا من بني سليم، ورجلا من بني جهينة، وكتب لهما أسنان الصدقة وكيف يأخذانها وقال لهما: مرا على ثعلبة بن حاطب، وعلى رجل من بني سليم، فخذا صدقاتهما، فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة، وقرآ عليه كتاب رسول اللّه، فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليّ، فانطلقا، وسمع بهما السليمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأياه قالا: ما هذا عليك؟ قال: خذاه، فإن نفسي بذلك طيبة، فمرا على الناس وأخذا الصدقات، ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما، فقرأه فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، اذهبا حتى أرى رأيي فانطلقا، فلما رآهما رسول اللّه قال قبل أن يتكلما: يا ويح ثعلبة، ثم دعا للسليمي بخير، فأخبره بالذي صنع ثعلبة، فنزلت الآية. قوله: (و يؤدي منه) الخ، الجملة حالية من فاعل سأل. قوله:\r(فدعا له) أي في المرة الثالثة. قوله: (فوسع عليه) أي بأن رزق غنما، فصارت تنمو كالدود.\rقوله: بَخِلُوا بِهِ أي حيث منع الزكاة لما جاءه السعاة لأخذها وقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية.\rقوله: فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً أي فأورثهم البخل نفاقا متمكنا في قلوبهم. قوله: إِلى يَوْمِ","part":2,"page":60},{"id":660,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 61\rاللّه، وهم يوم القيامة بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (77) فيه. فجاء بعد ذلك إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بزكاته فقال إن اللّه منعني أن أقبل منك فجعل يحثو التراب على رأسه ثم جاء بها إلى أبي بكر فلم يقبلها ثم إلى عمر فلم يقبلها ثم إلى عثمان فلم يقبلها ومات في زمانه أَلَمْ يَعْلَمُوا أي المنافقون أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ ما أسروه في أنفسهم وَنَجْواهُمْ ما تناجوا به بينهم وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) ما غاب عن العيان. ولما نزلت آية الصدقة جاء رجل فتصدق بشيء كثير فقال المنافقون مراء وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا إن اللّه غني عن صدقة هذا فنزل الَّذِينَ مبتدأ يَلْمِزُونَ يعيبون الْمُطَّوِّعِينَ المتنفلين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ طاقتهم فيا أتون به فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ والخبر سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ جازاهم على\r______________________________\rيَلْقَوْنَهُ غاية لتمكن النفاق في قلوبهم، وحكمة الجمع في هذه الضمائر، مع أن سبب نزولها في شخص واحد، الإشارة إلى أن حكم هذه الآية باق لكل من اتصف بهذا الوصف، من أول الزمان لآخره، وليس مخصوصا بثعلبة.\rقوله: بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ الباء سببية وما مصدرية، والمعنى ذلك بسبب إخلافهم اللّه الوعد، ورد:\rآية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان. قوله: (فجاء بعد ذلك) أي غير تائب في الباطن، وإنما ذلك خوفا من أن يحكم بردته، فيقتل ويؤخذ ماله كله، ففعله ذلك لأجل حفظ دمه وماله، لا توبة من ذنبه، وإلا لقبله اللّه. قوله: (يحثو التراب) أي يهيله على رأسه، قوله: (ثم جاء إلى أبي بكر) أي في خلافته، وكذا في خلافة عمر وعثمان. قوله: (أي المنافقون) أي لا بقيد كونهم الذين عاهدوا اللّه، لأن آيتهم قد انقضت بقوله: يَكْذِبُونَ. قوله: (ما أسروه) أي أخفوه. قوله: (ما غاب عن العيان) أي بالنسبة للعباد، لا بالنسبة للّه، فإن الكل عنده عيان، وليس شيء غائبا عن علمه سبحانه وتعالى. قوله: (جاء رجل) هو عبد الرحمن بن عوف، جاء بأربعة آلاف درهم، وقال كان لي ثمانية آلاف، فأقرضت ربي أربعة، فاجعلها يا رسول اللّه في سبيل اللّه، وأمسكت لعيالي أربعة، فقال له النبي: بارك اللّه لك فيما أعطيت وفيما أمسكت، فبورك له حتى صولحت إحدى زوجاته الأربع بعد وفاته عن ربع الثمن بثمانين ألفا، وأعتق من الرقاب ثلاثين ألفا، وأوصى بخمسين ألف دينار، وبألف فرس في سبيل اللّه، وأوصى لمن بقي من البدريين إذ ذاك، وكان الباقي مائة أوصى لكل منهم بأربعمائة دينار، وأوصى لأمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعمائة ألف. قوله: (و جاء رجل فتصدق بصاع) أي وهو أبو عقيل الأنصاري، جاء بصاع تمر وقال بتّ ليلتي أجر بالجرير، أي الحبل الذي يستقى به الماء، وكان أجيرا يسقي الزرع بالماء من البئر، قال: وكانت أجرتي صاعين من تمر، فتركت صاعا لعيالي وجئت بصاع، فأمره النبي أن ينثره على الصدقات. قوله: (فقالوا إن اللّه غني) الخ، أي وإنما أتى به تعريضا بفقره ليعطى من الصدقات.\rقوله: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ مبتدأ خبره سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ وعطف على الَّذِينَ الأول وقوله: فَيَسْخَرُونَ عطف على قوله: يَلْمِزُونَ. قوله: الْمُطَّوِّعِينَ أصله المتطوعين، أبدلت التاء طاء، ثم أدغمت في الطاء. قوله: إِلَّا جُهْدَهُمْ الجهد الشيء اليسير الذي يعيش به المقل.","part":2,"page":61},{"id":661,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 62\rسخريتهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (79) اسْتَغْفِرْ يا محمد لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ تخيير له في الاستغفار وتركه قال صلّى اللّه عليه وسلّم إني خيرت فاخترت يعني الاستغفار. رواه البخاري إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ قيل المراد بالسبعين المبالغة في كثرة الاستغفار وفي البخاري حديث «لو أعلم أني زدت على السبعين غفر لزدت عليها» وقيل المراد العدد المخصوص لحديثه أيضا «و سأزيد على السبعين» فبين له حسم المغفرة بآية سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (80) فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ عن تبوك بِمَقْعَدِهِمْ أي بقعودهم خِلافَ أي بعد رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا أي قال بعضهم لبعض لا تَنْفِرُوا تخرجوا إلى الجهاد فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا من تبوك فالأولى أن يتقوها بترك التخلف لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (81) يعلمون ذلك ما تخلفوا فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا في الدنيا وَلْيَبْكُوا في الآخرة كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا\r______________________________\rقوله: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ إلخ خبر جيء به في صورة الأمر، والمعنى استغفارك لهم وعدمه سواء.\rقوله: (قال: صلّى اللّه عليه وسلّم) دليل على التخيير. قوله: (قيل المراد بالسبعين) إلخ، هذا بناء على أن العدد لا مفهوم له. قوله: (غفر) جواب (لو) الثانية، وقوله: (لزدت) جواب (لو) الأولى. قوله: (و قيل المراد) إلخ، بناء على أن العدد له مفهوم. قوله: (لحديثه) أي البخاري. قوله: (حسم المغفرة) أي قطعها. قوله:\rذلِكَ أي عدم المغفرة لهم. قوله: بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا الباء سببية، وأن مصدرية، والتقدير بسبب كفرهم. قوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ أي لا يوصلهم لما فيه رضاه.\rقوله: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ جمع مخلف اسم مفعول، والفاعل الكسل، أي الذين خلفهم الكسل، وكانوا اثني عشر. قوله: (أي بعد) أشار بذلك إلى أن خِلافَ ظرف زمان أو مكان، ويصح أن يكون مصدرا بمعنى مخالفة، والمعنى على الأول: فرحوا بقعودهم في خلاف رسول اللّه، أي بعد سفره، أو بمكانه الذي سافر منه، وعلى الثاني: فرحوا بمخالفة رسول اللّه، حيث اتصفوا بالقعود، واتصف هو بالسفر.\rقوله: وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا أَنْ وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول كَرِهُوا، والمعنى كرهوا الجهاد، لأن الإنسان بطبعه ينفر من إتلاف النفس والمال، سيما من ينكر الآخرة.\rقوله: وَقالُوا أي قال بعضهم لبعض. قوله: لا تَنْفِرُوا أي إلى تبوك، لأنها كانت في شدة الحر والقحط. قوله: أَشَدُّ حَرًّا أي لأن حر الدنيا يزول ولا يبقى، وحر جهنم دائم لا يفتر عنهم، وهم فيه ملبسون، فمن آثر الشهوات على ما يرضي مولاه، كان مأواه جهنم، ومن آثر رضا ربه على شهوته، كان مأواه الجنة، ولذا ورد «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات». قوله: (ما تخلفوا) جواب لَوْ.\rقوله: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا أي بالنسبة لبكاء الآخرة، وإن كان في نفسه كثيرا.\rقوله: وَلْيَبْكُوا كَثِيراً أي على ما فاتهم من النعيم الدائم، ورد عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «يا أيها الناس ابكوا، فإن لم تستطيعوا أن تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون في النار، حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتفرغ العيون،","part":2,"page":62},{"id":662,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 63\rيَكْسِبُونَ (82) خبر عن حالهم بصيغة الأمر فَإِنْ رَجَعَكَ ردك اللَّهُ من تبوك إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ ممن تخلف بالمدينة من المنافقين فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ معك إلى غزوة أخرى فَقُلْ لهم لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (83) المتخلفين عن الغزو من النساء والصبيان وغيرهم. ولما صلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ابن أبيّ نزل وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ لدفن أو زيارة إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (84) كافرون وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ تخرج أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (85) وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أي طائفة من\r______________________________\rفلو أن سفنا أجريت فيها لجرت». قوله: جَزاءً إما مفعول لأجله، أو مصدر منصوب بفعل مقدر تقديره يجزون جزاء. قوله: (خبر عن حالهم) أي العاجل والآجل، وإنما جيء به على صورة الأمر، إشارة إلى أنه لا يتخلف، لأن الأمر المطاع ما لا يكاد يتخلف عنه المأمور.\rقوله: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعدم جمعهم معه في مشاهد الخير بعد ذلك، ويؤخذ من ذلك، أن أهل الفسوق والعصيان، لا يرافقون ولا يشاورون. قوله: (ممن تخلف) بيان للضمير في منهم. قوله: (من المنافقين) بيان للطائفة. قوله: أَوَّلَ مَرَّةٍ أي وهو الخروج لغزوة تبوك قوله:\r(و غيرهم) أي كالمرضى. قوله: (على بن أبيّ) اسمه عبد اللّه، وأبي اسم أبيه، وسلول اسم أمه، وكان رئيس الخزرج، وكان له ولد مسلم صالح، قد دعا النبي ليصلي عليه، وسأله أن يكفنه في قميصه ففعل، ويروى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كلم فيما فعل بعبد اللّه بن أبي، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: وما يغني عنه قميصي وصلاتي من اللّه، واللّه إني كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه، ويروى أنه أسلم ألف من قومه لما رأوه يتبرك بقميص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: مِنْهُمْ صفة لأحد، وكذا قوله: ماتَ أَبَداً.\rقوله: وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ أي لا تتول دفنه. قوله: إِنَّهُمْ كَفَرُوا علة لما قبله، ولما نزلت هذه الآية، ما صلى على منافق، ولا قام على قبره بعدها. قوله: (كافرون) أي وإنما عبر عنهم بالفسق، إشارة إلى أن الكافر قد يكون عدلا في دينه، بخلاف الفاسق، فأفعاله خبيثة لا ترضي أحدا، وليس له دين يقر عليه، فعبر عنهم بالفسق، بعد التعبير عنهم بالكفر، إشارة إلى أنهم جمعوا بين الوصفين: الكفر وخسة الطبع.\rقوله: وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إلخ، الحكمة في تكرارها، المبالغة في التحذير من هذا الشيء الذي وقع الاهتمام به، وعبر في الآية الأولى بالفاء، وهنا بالواو، لأن ما سبق له تعلق بما قبله، فحسن العطف بخلاف ما هنا، فلا تعلق له بما قبله، وأتى بلا فيما تقدم، وأسقط من هنا اعتناء بنفي الأولاد هناك، وبيّن هنا أنهم سواء، وأتى باللام في ليعذبهم هناك، وبأن هنا، إشارة إلى أن اللام بمعنى أن، وليس للتعليل، وأتى فيما تقدم بالحياة، وهنا باسقاطها، إشارة إلى خسة حياة الدنيا، حيث لا تستحق أن تذكر، وقال هناك كارهون، وهنا كافرون، إشارة إلى أنهم يعلمون كفرهم قبل موتهم، ويشاهدون الأماكن التي أعدت لهم في نظيره، فمن حيث تلك المشاهدة تزهق أرواحهم، وهم كافرون كارهون، بخلاف المؤمن، فإنه يشهد مقعده في الجنة، ولا تخرج روحه إلا وهو كاره للدنيا، محب للآخرة.","part":2,"page":63},{"id":663,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 64\rالقرآن أَنْ بأن آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ ذوو الغنى مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ جمع خالفة أي النساء اللائي تخلفن في البيوت وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (87) الخير لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ في الدنيا والآخرة وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أي الفائزون أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ بإدغام التاء في الأصل في الذال أي المعتذرون بمعنى المعذورين وقرىء به مِنَ الْأَعْرابِ إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لِيُؤْذَنَ لَهُمْ في القعود لعذرهم فأذن لهم وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في ادعاء الإيمان من منافقى الأعراب عن المجيء للاعتذار سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (90) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ كالشيوخ وَلا عَلَى الْمَرْضى كالعمي والزمنى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ في الجهاد حَرَجٌ إثم في التخلف عنه إِذا\r______________________________\rقوله: وَهُمْ كافِرُونَ الجملة حالية. قوله: (أي طائفة من القرآن) أي سواء كانت تلك الطائفة سورة كاملة أو بعضها. قوله: (ذوو الغنى) أي السعة من المال، وقيل الرؤساء، وخصوا بالذكر لأنهم قادرون على السفر، وتركوه نفاقا، إذ العاجز لا يحتاج لاستئذان.\rقوله: وَقالُوا عطف على استأذنك. قوله: (أي النساء) ويصح أن يراد بهم الرجال الذين لا خير فيهم من قولهم رجل خالفة، أي لا خير فيه.\rقوله: لكِنِ الرَّسُولُ استدراك على ما قد يتوهم أن كسل هؤلاء جر غيرهم. قوله: الْخَيْراتُ (في الدنيا والآخرة) أي بالنصر والغنيمة، والجنة والكرامة.\rقوله: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ أي هيا أوأحضر، ويؤخذ من ذلك أن الجنة موجودة الآن. قوله: ذلِكَ أي الجنة المستفادة من قوله: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ.\rقوله: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ أي الطالبون قبول العذر وهذا شروع في ذكر أحوال منافقي الأعراب بعد بيان أحوال منافقي المدينة. قوله: (بإدغام التاء في الأصل) أي وأصله المعتذرون، أبدلت التاء ذالا، وأدغمت في الذال، وقيل إنه لا أصل له، بل هو جمع معذر بالتشديد بمعنى متكلف العذر كذبا، وليس بمعذور. قوله: مِنَ الْأَعْرابِ أي سكان البوادي الناطقون بالعربية، والعربي من نطق بالعربية مطلقا، سكن البوادي أم لا، فهو أعم من الأعراب.\rقوله: وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي فهم فريقان: فريق جاء واعتذر لرسول اللّه كذبا وهم أسد وغطفان، اعتذروا بالجهد وكثرة العيال، وفريق لم يا أت أصلا، وكذبوا بالتخفيف باتفاق السبعة، وقرىء شذوذا بالتشديد. قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا أي استمروا عليه وأتى بمن إشارة إلى أن بعضهم أسلم، وهو كذلك. قوله: عَذابٌ أَلِيمٌ أي في الدنيا بالقتل والأسر، والآخرة بالخلود في النار.\rقوله: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ هذا تخصيص لقوله فيما تقدم انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا والضعفاء جمع ضعيف، وهو ضعيف البنية النحيف. قوله: (كالشيوخ) أي النساء والصبيان. قوله: (و الزمنى) من الزمانة، وهي العجز والابتلاء. قوله: وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ أي لفقرهم وعجزهم،","part":2,"page":64},{"id":664,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 65\rنَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ في حال قعودهم بعدم الارجاف والتثبيط والطاعة ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ بذلك مِنْ سَبِيلٍ طريق بالمؤاخذة وَاللَّهُ غَفُورٌ لهم رَحِيمٌ (91) بهم في التوسعة وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ معك إلى الغزو وهم سبعة من الأنصار وقيل بنو مقرن قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ حال تَوَلَّوْا جواب إذا أي انصرفوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ تسيل مِنَ للبيان الدَّمْعِ حَزَناً لأجل أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (92) في الجهاد إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ في التخلف وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ\r______________________________\rكجهينة ومزينة وبني عذرة. قوله: حَرَجٌ اسم لَيْسَ حذف من الأولين لدلالة الثالث عليه. قوله:\rإِذا نَصَحُوا شرط في قوله: حَرَجٌ والمعنى ليس على هؤلاء حرج، وقت نصحهم للّه ورسوله.\rقوله: (بعدم الإرجاف) أي إثارة الفتن. قوله: (و التثبيط) أي تكسيل من أراد الخروج. قوله:\r(و الطاعة) معطوف على عدم الإرجاف، والمعنى أن نصحهم كائن بالطاعة للّه ورسوله، بأن يخلصوا الإيمان، ويسعوا في إيصال الخير إلى المجاهدين، ويقوموا بمصالح بيوتهم، وبعدم إثارة الفتن، وبعدم تكسيل غيرهم، بل لينشطوا ويرغبوا في الجهاد، وينهوا من أراد التخلف.\rقوله: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ إنما أظهر في مقام الإضمار إشارة إلى انتظامهم بنصحهم في سلك المحسنين، ومِنْ زائدة للتأكيد، والجار والمجرور خبر مقدم، ومِنْ سَبِيلٍ مبتدأ مؤخر، ويصح أن يكون فاعلا بالجار والمجرور، لاعتماده على النفي.\rقوله: وَلا عَلَى الَّذِينَ أي ليس عليهم سبيل.\rقوله: إِذا ما أَتَوْكَ ما إذا وقعت بعد إذا تكون صلة. قوله: (إلى الغزو) أي وهي غزوة تبوك. قوله: (و هم سبعة من الأنصار) أي ويقال لهم البكاؤون، فحمل العباس منهم اثنين، وعثمان ثلاثة زيادة على الجيش الذي جهزه، وحمل يامين بن عمرو النضري اثنين. قوله: (و قيل بنو مقرن) أي كانوا ثلاثة إخوة، معقل وسويد والنعمان، وقيل: هم أصحاب أبي موسى الأشعري، وقد كان حلف أن لا يحملهم، ثم أتى له صلّى اللّه عليه وسلّم بإبل من السبي، فأرسلها لهم ليحملوا عليها، فقالوا: لا نركب حتى نسأل رسول اللّه، فإنه قد حلف أن لا يحملنا، فلعله نسي اليمين، فجاؤوه فقال ما معناه: لا أرى خيرا مما حلفت عليه إلا فعلته، ومثل هذه اليمين لا تكفر عند مالك، لوجود بساط اليمين حين الحلف، فكان يمينه مقيدة بعدم وجود ما يحملهم عليه، وتكفر عند الشافعي.\rقوله: قُلْتَ لا أَجِدُ أي ليس عندي ما تحملون عليه، وفي هذا التعبير مزيد لطف بهم. قوله:\r(حال) أي من الكاف في أتوك، ويصح أن تكون هي الجواب، وجملة تَوَلَّوْا مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر، وتقديره فماذا حصل لهم. قوله: وَأَعْيُنُهُمْ الجملة حالية من فاعل تَوَلَّوْا. قوله:\r(للبيان) أي لجنس الفائض. قوله: أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ أشار المفسر إلى أنه مفعول لأجله، والعامل فيه حَزَناً الواقع مفعولا له أو حالا.\rقوله: إِنَّمَا السَّبِيلُ أي طريق العقاب. قوله: وَهُمْ أَغْنِياءُ الجملة حالية من فاعل يَسْتَأْذِنُونَكَ. قوله: رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ إما مستأنف، أو","part":2,"page":65},{"id":665,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 66\rلا يَعْلَمُونَ (93) تقدم مثله يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ في التخلف إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ من الغزو قُلْ لهم لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ نصدقكم قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ أي أخبرنا بأحوالكم وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ بالبعث إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي اللّه فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94) فيجازيكم عليه سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ رجعتم إِلَيْهِمْ من تبوك وأنهم معذورون في التخلف لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ بترك المعاتبة فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ قذر لخبث باطنهم وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (96) أي عنهم ولا ينفع رضاكم مع سخط اللّه الْأَعْرابُ أهل البدو أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً من أهل المدن لجفائهم وغلظ طباعهم وبعدهم عن سماع القرآن وَأَجْدَرُ أولى أَلَّا أي بأن يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ من الأحكام والشرائع وَاللَّهُ عَلِيمٌ بخلقه حَكِيمٌ (97) في صنعه بهم وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ في سبيل اللّه مَغْرَماً غرامة وخسرانا لأنه لا يرجو ثوابه بل ينفقه خوفا وهم بنو أسد وغطفان وَيَتَرَبَّصُ ينتظر بِكُمُ الدَّوائِرَ دوائر الزمان أن تنقلب عليكم فيتخلصوا عَلَيْهِمْ\r______________________________\rحال مقدرة. قوله: (تقدم مثله) أي فأذكره هنا للتأكيد، وعبر هنا بالعلم، وهناك بالفقه، إشارة إلى أن معناهما واحد، إذ الفقه هو العلم، والعمل هو الفقه.\rقوله: يَعْتَذِرُونَ أي المتخلفون بالباطل والأكاذيب، استئناف لبيان اعتذارهم عند العود إليهم، روي أنهم كانوا بضعة وثمانين رجلا، فلما رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جاؤوا يعتذرون إليه وإلى أصحابه بالباطل. قوله: قُلْ لا تَعْتَذِرُوا أي جوابا لهم.\rقوله: لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ تعليل للنهي، وقوله: قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ علة للعلة.\rقوله: وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ أي السيىء، ومفعول يرى الثاني محذوف تقديره مستمرا، والمعنى سيظهر تعلق علمه بأعمالكم لعباده. قوله: (أي اللّه) أشار بذلك إلى أنه إظهار في موضع الإضمار، زيادة في التشديد عليهم. قوله: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي بعملكم أو بالذي كنتم تعملونه.\rقوله: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ تأكيد لعذرهم بالكذب. قوله: (إنهم معذورون في التخلف) هذا هو المحلوف عليه. قوله:\rفَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ أي غير راضين بفعلهم. قوله: إِنَّهُمْ رِجْسٌ علة لقوله: فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ.\rقوله: فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ شرط، حذف جوابه لدلالة قوله: (فإنّ اللّه لا يرضى) الخ، أشار المفسر بقوله: (و لا ينفع رضاكم) إلخ. قوله: (أي عنهم) أشار بذلك إلى أن المقام للإضمار، زيادة في التشنيع والتقبيح عليهم بحيث وصفهم بالخروج عن الطاعة.\rقوله: الْأَعْرابُ أي جنسهم، وهو اسم جمع، لا جمع عرب، لئلا يلزم عليه كون الجمع أخص من مفرده، فإن الأعراب سكان البوادي، والعرب المتكلمون باللغة العربية سكنوا البوادي أم لا. قوله:\r(لجفائهم) علة لقوله: أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً. قوله: (من الأحكام والشرائع) بيان للحدود.\rقوله: (لأنه لا يرجو ثوابه) أي لعدم إيمانه بالآخرة، وهو تعليل للاتخاذ المذكور قوله: وَيَتَرَبَّصُ عطف على يَتَّخِذُ. قوله: الدَّوائِرَ جمع دائرة، وهي ما يحيط بالإنسان من المصائب. قوله: (فيتخلصوا) أي","part":2,"page":66},{"id":666,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 67\rدائِرَةُ السَّوْءِ بالضم والفتح أي يدور العذاب والهلاك عليهم لا عليكم وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأقوال عباده عَلِيمٌ (98) بأفعالهم وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ كجهينة ومزينة وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ في سبيل اللّه قُرُباتٍ تقربه عِنْدَ اللَّهِ وَوسيلة إلى صَلَواتِ دعوات الرَّسُولِ له أَلا إِنَّها أي نفقتهم قُرْبَةٌ بضم الراء وسكونها لَهُمْ عنده سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ جنته إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لأهل طاعته رَحِيمٌ (99) بهم وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وهم من شهد بدرا أو جميع الصحابة وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ إلى يوم القيامة بِإِحْسانٍ في العمل رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بطاعته وَرَضُوا عَنْهُ بثوابه وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي\r______________________________\rمن الإنفاق. قوله: (بالضم والفتح) أي فهما قراءتان سبعيتان، وهذا دعاء عليهم بنظير ما أرادوه للمسلمين.\rقوله: وَمِنَ الْأَعْرابِ إلخ، اعلم أن الأعراب أقسام منهم المنافقون وقد تقدم ذكرهم في قوله:\r(و من الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ومنهم مؤمنون) وقد ذكروا هنا. قوله: (كجهينة ومزينة) أي وكغفار وأسلم قبائل عظام.\rقوله: وَيَتَّخِذُ فعل مضارع ينصب مفعولين: الأول الاسم الموصول، والثاني قُرُباتٍ على حذف مضاف، أي سبب قربات، وقوله: عِنْدَ اللَّهِ ظرف متعلق بمحذوف صفة لقربات، وقوله: وَصَلَواتِ الرَّسُولِ معطوف على قُرُباتٍ أي وسبب صلوات الرسول.\rقوله: قُرُباتٍ بضم الراء باتفاق السبعة، جمع قربة، بضم الراء وسكونها، فعلى الضم الأمر ظاهر، وعلى السكون فضم راء الجمع للإتباع لضم قافه، أو جمعا لمضموم الراء، وقد قرىء بهما في السبع، ومعنى كونها قربات، أنها تقرب العبد لرضا اللّه عليه، وليس معناه أن اللّه في مكان، وتلك النفقة تقربه من ذلك المكان، فإنه مستحيل، تعالى اللّه عنه. قوله: وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أي دعواته لأنه الواسطة العظمى في كل نعمة، فتجب ملاحظته في كل عمل للّه، لأن اللّه تعبدنا بالتوسل به، قال تعالى:\rقُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ فمن زعم أنه يصل إلى رضا اللّه بدون اتخاذه صلّى اللّه عليه وسلّم واسطة ووسيلة بينه وبين اللّه تعالى، ضل سعيه وخاب رأيه، قال العارف ابن مشيش: ولا شيء إلا وهو به منوط، إذ لو لا الواسطة لذهب- كما قيل- الموسوط، وقال بعضهم:\rوأنت باب اللّه أي امرىء ... أتاه من غيرك لا يدخل\r\rفهو من باب اللّه الأعظم وسره الأفخم، والوصول إليه وصول إلى اللّه، لأن الحضرتين واحدة، ومن فرق لم يذق للمعرفة طعما، قوله: أَلا إِنَّها ألا: أداة استفتاح يؤتى بها لأجل الاعتناء بما بعدها. قوله:\rقُرْبَةٌ أي تقربهم لرضا ربهم، حيث أنفقوها مخلصين فيها، متوسلين بذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله:\r(جنته) أشار بذلك إلى أن المراد بالرحمة الجنة، من إطلاق الحال وإرادة المحل، لأن الجنة محل للرحمة.\rقوله: وَالسَّابِقُونَ مبتدأ، والْأَوَّلُونَ صفته، وقوله: مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ حال وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ معطوف على السَّابِقُونَ والخبر قوله: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إلخ. قوله:\rوَالْأَنْصارِ أي وهم الأوس والخزرج. قوله: (و هم من شهد بدرا) أي لأنهم أفضل الناس بعد الأنبياء","part":2,"page":67},{"id":667,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 68\rتَحْتَهَا الْأَنْهارُ وفي قراءة بزيادة من خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ يا أهل المدينة مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ كأسلم وأشجع وغفار وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ منافقون أيضا مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لجوا فيه واستمروا لا تَعْلَمُهُمْ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ بالفضيحة أو القتل في الدنيا وعذاب القبر ثُمَّ يُرَدُّونَ في الآخرة إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (101) هو النار وَقوم آخَرُونَ مبتدأ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ من التخلف\r______________________________\rوالمرسلين، وعليه تكون (من) للتبعيض. قوله: (أو جميع الصحابة) أي فتكون (من) بيانية، وقيل المراد بهم أهل بيعة الرضوان، وكانوا ألفا وخمسمائة، وقيل المراد بهم أهل أحد، وقيل كل من دخل الإسلام قبل الفتح لقوله تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى. قوله: (إلى يوم القيامة) أي فيشمل صلحاء كل زمان.\rقوله: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أي قبل أعمالهم، وأثابهم عليها وأعطاهم ما لم يعط أحدا، من خلقه.\rقوله: وَرَضُوا عَنْهُ أي قبلوا ما أعطاهم اللّه لما في الحديث: «ما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك» فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون: وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط بعده أبدا». قوله: (و في قراءة بزيادة من) أي وهي سبعية لابن كثير، ومعلوم أنه يقرأ بالصلة، فمن قرأ بقراءته وصل اتبعوهم وعنهم ولهم بأن يشبع ضمة الميم في الجميع.\rقوله: ذلِكَ أي ما تقدم من الرضا والجنان. قوله: الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي الظفر بالمقصود الذي لا يضاهى.\rقوله: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ خبر مقدم، ومُنافِقُونَ مبتدأ مؤخر، ومِنَ الْأَعْرابِ بيان لمن وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خبر مقدم، والمبتدأ محذوف تقديره (و منافقون أيضا) وجملة مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ صفة لذلك المحذوف، فيكون من عطف الجمل، أو خبر بعد خبر، توسط بينهما المبتدأ، ويكون من عطف المفردات. قوله: (كأسلم) إلخ، أي بعض هذه القبائل، فلا ينافي ما تقدم من مدحهم في قوله: «وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قربات». قوله: مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ أي تمرنوا عليه، ولم يتوبوا منه. قوله: لا تَعْلَمُهُمْ إن قلت: كيف نفى علمه بحال المنافقين هنا، وثبته في قوله: (و لتعرفنهم في لحن القول) فالجواب: أن آية النفي نزلت قبل آية الإثبات. قوله: (بالفضيحة أو القتل) أشار بذلك إلى أنه اختلف في المرة الأولى، ولكن القول الأول هو الصحيح، لأن أحكام الإسلام في الظاهر جارية على المنافقين، فلم يقتلوا، ولم يؤسروا، والفضيحة بإخراجهم من المسجد، لما في الحديث عن ابن مسعود، خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: إن منكم منافقين، فمن سميته فليقم، ثم قال: قم يا فلان فإنك منافق، حتى سمى ستة وثلاثين. قوله: (و عذاب القبر) هذه هي المرة الثانية، وستأتي الثالثة في قوله: ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ فقد صار عذاب المنافقين ثلاث مرات.\rقوله: وَآخَرُونَ حاصله أن من تخلف عن تبوك ثلاثة أقسام: قسم منافقون استمروا على","part":2,"page":68},{"id":668,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 69\rنعته والخبر خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وهو جهادهم قبل ذلك أو اعترافهم بذنوبهم أو غير ذلك وَآخَرَ سَيِّئاً وهو تخلفهم عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) نزلت في أبي لبابة وجماعة أوثقوا أنفسهم في سواري المسجد لما بلغهم ما نزل في المتخلفين وحلفوا لا يحلهم إلا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فحلهم لما نزلت خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها من ذنوبهم فأخذ ثلث\r______________________________\rالنفاق، وقد تقدم ذكرهم في قوله: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ إلى قوله: عَظِيمٍ، وقسم تائبون، اعترفوا بذنوبهم، وبادروا بالعذر لرسول اللّه، وقد ذكرهم في قوله: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا إلى قوله: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، وقسم لم يبادروا بالعذر، وقد ذكرهم اللّه بقوله: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ إلى قوله: حَكِيمٌ. قوله: اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ أي أقروا بذنوبهم لربهم وتابوا منها، وليس المراد اعترفوا للناس وهتكوا أنفسهم، فإن ذلك أمر لا يجوز. قوله: (و هو جهادهم قبل ذلك) أي قبل هذا التخلف. قوله: وَآخَرَ سَيِّئاً الواو بمعنى الباء، والمعنى أنهم جمعوا بين العمل الصالح، والعمل السيىء. قوله: (و هو تخلفهم) أي من غير عذر واضح.\rقوله: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أي يقبل توبتهم، والترجي في القرآن بمنزلة التحقيق، لأن عَسَى ونحوها تفيد الأطماع، ومن أطمع إنسانا في شيء، ثم حرمه منه، كان عارا عليه، واللّه أكرم من أن يطمع أحدا في شيء، ثم لا يعطيه إياه، لأنه وعد، وهو لا يتخلف، وهذه الجملة مستأنفة، ويصح أن تكون خبرا، وجملة خَلَطُوا حالية وقد مقدرة. قوله: (نزلت في أبي لبابة) وهو رفاعة بن عبد المنذر، كان من أهل الصفة، ربط نفسه ثنتي عشرة ليلة، في سلسلة ثقيلة، وكانت له ابنة تحله للصلاة وقضاء الحاجة، وتقدم في سورة الأنفال، أنه أوثق نفسه مرة أخرى بسبب قريظة حتى نزلت توبته. قوله:\r(و جماعة) قيل عشرة، وقيل ثمانية، وقيل خمسة، وقيل ثلاثة، وقد كانوا تخلفوا عن تبوك، ثم ندموا بعد ذلك، فلما قدم رسول اللّه من المدينة، حلفوا ليربطن أنفسهم بالسواري، ولا يطلقونها حتى يكون رسول اللّه هو الذي يطلقها، ففعلوا، فلما رجع رسول اللّه رآهم، فقال من هؤلاء؟ فقال له: هؤلاء تخلفوا عنك، فعاهدوا اللّه أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تطلقهم أنت، وترضى عنهم، فقال: وأنا أقسم باللّه، لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتى أؤمر بإطلاقهم، فنزلت هذه الآية، فعذرهم وأطلقهم. قوله: (ما نزل في المتخلفين) أي من الوعيد الشديد، حيث قال اللّه فيهم فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ لآية. قوله:\r(فحلهم لما نزلت) أي آية وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ.\rقوله: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ (من) للتبعيض والجار والمجرور حال من صَدَقَةً ووجد المسوغ وهو وصفها بقوله: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها والمعنى خذ بعض الأموال التي خرجوا عنها للّه ورسوله، وذلك أنه لما نزلت فيهم الآية، وحلهم رسول اللّه، أتوا وقالوا: هذه أموالنا التي خلفتنا عنك، خذها فتصدق بها وطهرنا واستغفر لنا، فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا، فنزلت خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ الآية. قوله:\rتُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ الأقرب أن التاء للخطاب، وحذف قوله: بِها من الأول، لدلالة الثاني عليه، والمعنى خذ يا محمد بعض أموالهم صدقة، حال كونك مطهرا لهم بها وتزكيهم بها، ومعنى تزكيهم تنميهم وتزيدهم بسبب أخذها خيرا. قوله: (فأخذ ثلث أموالهم) أي كفارة لذنوبهم، ويؤخذ من ذلك أن ما","part":2,"page":69},{"id":669,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 70\rأموالهم وتصدق بها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أي ادع لهم إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ رحمة لَهُمْ وقيل طمأنينة بقبول توبتهم وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ يقبل الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ على عباده بقبول توبتهم الرَّحِيمُ (104) بهم والاستفهام للتقرير والقصد به تهييجهم إلى التوبة والصدقة وَقُلِ لهم أو الناس اعْمَلُوا ما شئتم فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ بالبعث إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي اللّه فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) يجازيكم به وَآخَرُونَ من المتخلفين مُرْجَوْنَ بالهمزه وتركه مؤخرون عن التوبة لِأَمْرِ اللَّهِ فيهم بما يشاء إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ بأن يميتهم بلا توبة وَإِمَّا\r______________________________\rقال: مالي صدقة في سبيل اللّه أو للفقراء، يكفيه ثلثه وهو مذهب مالك، وعموم الآية يشمل الصدقة الواجبة والمندوبة.\rقوله: إِنَّ صَلاتَكَ بالجمع والإفراد هنا، وفي هو في قوله: (أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ) قراءتان سبعيتان، والمعنى دعواتك رحمة لهم وطمأنينة، وهذا في حياة رسول اللّه، وأما بعد وفاته، فدعاء الخليفة يقوم مقام دعاء النبي، وأيضا الأعمال تعرض عليه صباحا ومساء، فإن رأى خيرا حمد اللّه، وإن رأى غير ذلك، استغفر لنا، كما ورد في الحديث «حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم، تعرض علي أعمالكم في الصباح وفي المساء، فإن وجدت خيرا، حمدت اللّه، وإن وجدت سوءا، استغفرت لكم» فدعاء رسول اللّه حاصل في حياته وبعد موته، ولا عبرة بمن ضل وزاغ عن الحق وخالف في ذلك. قوله: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي بالأقول والأفعال.\rقوله: أَلَمْ يَعْلَمُوا أي التائبون. قوله: أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ هُوَ مبتدأ وجملة يَقْبَلُ خبره، والجملة خبر أن وجملة أن واسمها وخبرها، سدت مسد مفعولي يعلم أو مفعولها. قوله: عَنْ عِبادِهِ متعلق بيقبل وعَنْ بمعنى من، ويجوز أن تكون باقية على معناها للمجاوزة، والمعنى يتجاوز عباده بقبول توبتهم. قوله: وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ أي يثيب صاحبها وعبر عن القبول بالأخذ، ترغيبا لهم في بذل الأموال.\rقوله: (و الاستفهام للتقرير) أي وهو حمل المخاطب على الإقرار بالحكم. قوله: (تهييجهم) أي حثهم وترغيبهم. قوله: (لهم أو الناس) تفسيران في الآية.\rقوله: اعْمَلُوا (ما شئتم) في ذلك وعد عظيم للطائعين، ووعيد للعاصين، والمعنى اعملوا أيها التائبون، أو أيها الناس عموما ما شئتم من خير، فيجازيكم عليه بالثواب أو شر، فيجازيكم عليه بالعقاب، أو يعفو اللّه عنكم.\rقوله: فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ أي يحصيه ويجازيكم عليه، فالاستقبال بالنظر للجزاء. قوله:\rوَرَسُولُهُ أي لأن الأعمال تعرض عليه. قوله: وَالْمُؤْمِنُونَ أي فيكون ذلك الجزاء، إما فرحا وسرورا بين أهل الموقف، أو حزنا وسوءا بينهم. قوله: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي فيحاسبكم على جميع ما قدمتموه. قوله: (بالهمز) أي المضموم (و تركه) أي مع سكون الواو، وقراءتان سبعيتان. قوله:\r(عن التوبة) أي عن قبولها، وإلا فقد وقعت منهم التوبة، غير أنهم لم يعتذروا للنبي صريحا، وإنما ندموا وحزنوا وصمموا على التوبة سرا.\rقوله: إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ إما للإبهام بالنسبة للمخاطبين. والمعنى أن اللّه","part":2,"page":70},{"id":670,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 71\rيَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بخلقه حَكِيمٌ (106) في صنعه بهم وهم الثلاثة الآتون بعد مرارة بن الربيع وكعب بن مالك وهلال بن أمية تخلفوا كسلا وميلا إلى الدعة لا نفاقا ولم يعتذروا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كغيرهم فوقف أمرهم خمسين ليلة وهجرهم الناس حتى نزلت توبتهم بعد وَمنهم الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً وهم اثنا عشر من المنافقين ضِراراً مضارة لأهل مسجد قباء وَكُفْراً لأنهم بنوه بأمر أبي عامر الراهب ليكون معقلا له يقدم فيه من يأتي من عنده وكان ذهب\r______________________________\rأبهم على المخاطبين أمرهم. قوله: وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ أي يقبل توبتهم. قوله: حَكِيمٌ (في صنعه) أي لا يسأل عما يفعل، فلا يعترض على أحكامه سبحانه وتعالى. قوله: (و هم الثلاثة) أي وكانوا من أهل المدينة. قوله: (مرارة) بضم الميم. قوله: (إلى الدعة) أي الراحة والكسل. قوله: (و لم يعتذروا) أي لشدة ما نزل بهم من الحزن والأسف على ما فرطوا. قوله: (فوقف أمرهم خمسين ليلة) أي في نظير مدة التخلف، لأنها كانت خمسين ليلة، فلما تمتعوا بالراحة فيها، مع تعب غيرهم في السفر، عوقبوا بهجرهم تلك المدة.\rقوله: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا بالواو ودونها، قراءتان سبعيتان، والأحسن إعراب الاسم الموصول مبتدأ، وعلى كل خبره محذوف قدره المفسر بقوله: (منهم) والواو إما للعطف على الجمل المتقدمة، كقوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ (و منهم الذين يؤذون النبي) (و منهم من عاهد اللّه) عطف قصة على قصة أو للاستئناف.\rقوله: ضِراراً إما مفعول لأجله، أو مفعول ثان لا تخذوا. قوله: (لأهل مسجد قباء) أشار بذلك إلى أن متعلق الضرار محذوف. قوله: (بأمر أبي عامر الراهب) أي وهو ولد حنظلة غسيل الملائكة. قوله:\r(معقلا له) أي ملجأ. قوله: (و كان ذهب) إلخ، حاصل ذلك: أن أبا عامر قد ترهب في الجاهلية، ولبس المسوح وتنصر، فلما قدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة، قال أبو عامر: ما هذا الدين الذي جئت به؟ قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم:\rجئت بالحنيفية دين إبراهيم، قال أبو عامر: فأنا عليها، قال له النبي: إنك لست عليها، قال أبو عامر:\rبلى، ولكنك أدخلت في الحنيفية ما ليس منها، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: ما فعلت، ولكن جئت بها بيضاء نقية، قال أبو عامر: أمات اللّه الكاذب منا طريدا غريبا وحيدا، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: آمين، وسماه أبا عامر الفاسق، فلما كان يوم أحد، قال أبو عامر الفاسق للنبي: لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل كذلك إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن يئس أبو عامر، فخرج هاربا إلى الشام، فأرسل إلى المنافقين، أن أعدوا ما استطعتم من قوة ومن سلاح، وابنوا لي مسجدا، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجند من الروم، فأخرج محمدا وأصحابه، فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء، فلما فرغوا من بنائه، أتوا رسول اللّه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول اللّه، إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا وتصلي لنا فيه وتدعو بالبركة، فقال رسول اللّه: إني على جناح سفر، ولو قدمنا إن شاء اللّه أتيناكم فصلينا فيه، فلما انصرف صلّى اللّه عليه وسلّم من تبوك راجعا، نزل بذي أوان، وهو موضع قريب من المدينة، فأتاه المنافقون وسألوه أن يأتي مسجدهم، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم، فنزلت هذه الآية، وأخبره جبريل خبر مسجد الضرار وما هموا به، فدعا رسول اللّه مالك بن الدخشم، ومعن بن عدي، وعامر بن","part":2,"page":71},{"id":671,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 72\rليأتي بجنود من قيصر لقتال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ الذين يصلون بقباء بصلاة بعضهم في مسجدهم وَإِرْصاداً ترقبا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ أي قبل بنائه وهو أبو عامر المذكور وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ ما أَرَدْنا ببنائه إِلَّا الفعلة الْحُسْنى من الرفق بالمسكين في المطر والحر والتوسعة على المسلمين وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (107) في ذلك وكانوا سألوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يصلي فيه فنزل لا تَقُمْ تصل فِيهِ أَبَداً فأرسل جماعة هدموه وحرقوه وجعلوا مكانه كناسة تلقى فيها الجيف لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ بنيت قواعده عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ وضع يوم حللت بدار الهجرة وهو مسجد قباء كما في البخاري أَحَقُ منه أَنْ أي بأن تَقُومَ تصلي فِيهِ رِجالٌ هم الأنصار يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أي يثيبهم وفيه إدغام التاء في الأصل في الطاء. روى ابن خزيمة في صحيحه عن عويمر بن ساعدة أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أتاهم في مسجد قباء فقال إن اللّه تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي\r______________________________\rالسكن، ووحشيا، فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدموه واحرقوه، فخرجوا مسرعين حتى أتوا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك: أنظروني حتى أخرج إليكم بنار، فدخل على أهله، فأخذ من سعف النخل فأوقده ثم خرجوا يشتدون، حتى دخلوا المسجد وفيه أهله، فأحرقوه وهدموه وتفرق أهله، وأمر رسول اللّه أن يتخذ ذلك الموضع كناسة تلقى فيه الجيف والقمامة، ومات أو عامر بالشام طريدا وحيدا غريبا.\rقوله: إِلَّا الْحُسْنى صفة لموصوف محذوف قدره المفسر بقوله: (الفعلة). قوله: يَشْهَدُ أي يعلم. قوله: (في ذلك) أي الحلف. قوله: (و كانوا سألوا النبي) إلخ، أي بعد فراغهم من بنائه، وكان متجهزا لغزوة تبوك، فوعدهم بذلك حين يقدم.\rقوله: لَمَسْجِدٌ اللام للابتداء، ومسجد مبتدأ وأُسِّسَ نعته وأَحَقُ خبره. قوله: (يوم حللت بدار الهجرة) أي وهو يوم الاثنين، فأقام فيه الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وخرج صبيحة الجمعة، فدخل المدينة وقيل صلى به الجمعة، وهي أول جمعة صلاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهذا على القول بأنه قام بقباء أربعة أيام، وقيل أقام أربعة عشر، وقيل اثنين وعشرين يوما. قوله: أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ اسم التفضيل ليس على بابه، أو باعتبار زعم المنافقين، أو باعتبار ذات المسجد، فإن الخبث في نيتهم لا في ذات المسجد.\rقوله: فِيهِ رِجالٌ هم بنو عامر بن عوف. قوله: يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا يحتمل أن المراد الطهارة: المعنوية من الذنوب والقبائح، وذلك موجب للثناء والمدح والقرب من اللّه، وقيل المراد الطهارة الحسية من النجاسات والأحداث وهو الأقرب، لأن مزيتهم التي مدحوا عليها مبالغتهم في طهارة الظاهر وأما طهارة الباطن، فأمر مشترك بين المؤمنين، وقيل المراد ما هو أعم، فقد حازوا طهارة الظاهر والباطن.\rقوله: (و فيه إدغام التاء) إلخ، أي فأصله المتطهرين، أبدلت التاء طاء، وأدغمت الطاء. قوله: (في الطهور) بضم الطاء في هذا وفيما يأتي، لأن المراد به الفعل. قوله: (فغسلنا كما غسلوا) أي بعد المسح","part":2,"page":72},{"id":672,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 73\rتطهرون به قالوا واللّه يا رسول اللّه ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا، وفي حديث رواه البزار فقالوا نتبع الحجارة بالماء فقال هو ذاك فعليكموه أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مخافة مِنَ اللَّهِ رجاء وَرِضْوانٍ منه خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا طرف جُرُفٍ بضم الراء وسكونها جانب هارٍ مشرف على السقوط فَانْهارَ بِهِ سقط مع بانيه فِي نارِ جَهَنَّمَ خبر تمثيل للبناء على ضد التقوى بما يؤول إليه والاستفهام للتقرير أي الأول خير وهو مثال مسجد قباء، والثاني مثال مسجد الضرار وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً شكا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ تنفصل قُلُوبِهِمْ بأن يموتوا وَاللَّهُ عَلِيمٌ بخلقه حَكِيمٌ (110) في صنعه بهم إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بأن يبذلوها في طاعته كالجهاد بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ\r______________________________\rبالأحجار، بديل الرواية الثانية. قوله: (نتبع الحجارة بالماء) أي وهذا هو الأكمل في الاستنجاء، فإن لم يوجد حجر، فالمدر يقوم مقامه، وإلا فالماء فقط، أو الحجرة فقط، أو المدر فقط، قوله: (فعليكموه) أي الزموه.\rقوله: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى إلخ، في الكلام استعارة مكنية، حيث شبهت التقوى والرضوان بأرض صلبة، يعتمد عليه البنيان، وطوى ذكر المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو التأسيس، فإثباته تخييل، والتأسيس كناية عن أحكام أمور الدين والأعمال الصالحة.\rقوله: أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ أي أحكم أمور دينه على ضلال وكفر ونفاق. قوله: (بضم الراء وسكونها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (جانب) الأحسن ما قاله غيره، أن المراد به البئر التي لم تطو.\rقوله: هارٍ إما أصله هاور، أو هائر، فقدمت اللام على العين فصار كقاض، فإعرابه بحركات مقدرة، أو حذفت عينه تخفيفا بعد قلبها همزة، فإعرابه بحركات ظاهرة، وإما أصله هور أو هير، تحركت الواو أو الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا مثل باب، وإعرابه بحركات ظاهرة كالذين قبله. قوله: فِي نارِ جَهَنَّمَ وورد أنهم ارأوا الدخان حين حفروا أساسه. قوله: (خبر) قدره إشارة إلى أن خبر من الثانية محذوف.\rقوله: رِيبَةً أي سبب ريبة، أو بولغ فيه حتى جعل نفس الريبة.\rقوله: إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ مستثنى من محذوف، والتقدير لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم، في كل وقت أو كل حال، إلا وقت أو حال تقطيع قلوبهم، وفيها قراءتان سبعيتان: الأولى بفتح التاء وتشديد الطاء بحذف إحدى التاءين، وقلوبهم فاعل. الثانية بضم التاء، وقلوبهم نائب فاعل، وقرىء شذوذا تقطع بالتخفيف، وقرىء أيضا إلا أن تقطع بضم التاء وكسر الطاء المشددة، وقلوبهم مفعول به، والفاعل ضمير يعود على النبي. قوله: حَكِيمٌ (في صنعه) أي يضع الأشياء في محلها، منه جريان عادة اللّه في كل حسود لأهل الدين والصلاح، أنه لا يزال الكمد به حتى يموت على أسوأ الأحوال.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ إلخ، لما ذكر قبائح المتخلفين لغير عذر، وما فاتهم من الخير العظيم، ذكر فضل المجاهدين، وما أعد لهم من الفوز الأكبر، حيث عظم أنفسهم وأموالهم،","part":2,"page":73},{"id":673,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 74\rفَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ جملة استئناف بيان للشراء وفي قراءة بتقديم المبني للمفعول أي فيقتل بعضهم ويقاتل الباقي وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا مصدران منصوبان بفعلهما المحذوف فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ أي لا أحد أوفى منه فَاسْتَبْشِرُوا فيه التفات عن الغيبة بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ البيع هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) المنيل غاية المطلوب التَّائِبُونَ رفع على المدح بتقدير مبتدأ من الشرك والنفاق الْعابِدُونَ المخلصون العبادة للّه الْحامِدُونَ له على كل حال السَّائِحُونَ الصائمون الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ أي المصلون\r______________________________\rبأن جعل الجنة ثمنا لهما، ومن المعلوم أن الثمن أغلى من الثمن، وإشارة إلى أن الجنة خلقت لهم، ولم يخلقوا لأجلها. قوله: (يبذلوها في طاعته) أي يصرفوها في مرضاته.\rقوله: بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ لم يقل بالجنة إشارة إلى أن الجنة مختصة بهم وواصلة إليهم، كأنه قيل بالجنة الثابتة لهم، ثم إن قوله: اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إلخ، كناية عن التعويض عن بذل النفوس والأموال بالجنة، وإلا فحقيقة الشراء، أخذ ما لا يملك بعوض، وهذا مستحيل في حق اللّه تعالى، بل معناه أثابهم وقبلهم في نظير خدمتهم، فشبهت الإثابة والقبول بالشراء، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من الشراء اشترى، بمعنى أثابهم وقبلهم وإنما عبر عنه بالشراء تلطفا ورفقا بهم. قوله: (بيان للشراء) الأوضح أن يقول بيان للبيع الذي يستلزمه الشراء. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا.\rقوله: (أي فيقتل بعضهم ويقاتل الباقي) أشار بذلك إلى أنه لا يتوقف الفضل على الجمع بين الأمرين معا، بل المدار على نية إعلاء كلمة اللّه حصلا، أو أحدهما أو لا ولا. قوله: (بفعلهما المحذوف) أي والتقدير وعده وعدا، وحقه حقا.\rقوله: فِي التَّوْراةِ إلخ، الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لوعدا، والمعنى وَعْداً مذكورا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وخص التوراة والإنجيل بالذكر، لإقامة الحجة على من عارض من اليهود والنصارى، وحينئذ فلا ينافي أن هذا الوعد مذكور في الكتب السماوية، قال محمد بن كعب القرظي: لما بايعت الأنصار رسول اللّه ليلة العقبة، وكانوا سبعين رجلا، قال عبد اللّه بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، قال: أشترط لربي أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم، قال: إذا فعلنا ذلك ما لنا؟ قال: الجنة، قالوا ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت هذه الآية بشارة لهم. قوله: (أي لا أحد) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي. قوله: فَاسْتَبْشِرُوا خطاب للمؤمنين لمزيد الاعتناء بهم، والسين والتاء للتصيير، أي صرتم لكم البشرى بذلك في الدنيا والآخرة.\rقوله: التَّائِبُونَ إلخ، هذه أوصاف تسعة للمؤمنين. الستة الأولى متعلقة بحقوق اللّه وحده، والاثنان بعدها متعلقان بحقوق الخلق، والأخير عام. قوله: (بتقدير مبتدأ) أي وهم التائبون. قوله: (من الشرك والنفاق) متعلق بالتائبون، والتوبة شرطها الندم على ما وقع، والعزم على عدم العود والإقلاع ورد المظالم إلى أهلها. قوله: (المخلصون العبادة للّه) أي المنهكون في طاعة اللّه سرا وجهرا. قوله:\rالْحامِدُونَ (له على كل حال) أي في السراء والضراء، قال عليه السّلام «أول من يدعى إلى الجنة يوم","part":2,"page":74},{"id":674,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 75\rالْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ لأحكامه بالعمل بها وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112) بالجنة. ونزل في استغفاره صلّى اللّه عليه وسلّم لعمه أبي طالب واستغفار بعض الصحابة لأبويه المشركين ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى ذوي قرابة مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (113) النار بأن ماتوا على الكفر وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ بقوله سأستغفر لك ربي رجاء أن يسلم فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ\r______________________________\rالقيامة، الذين يحمدون اللّه على كل حال، في السراء والضراء» أي بأن يكون عن اللّه راضيا في جميع الأحوال، كالفقر والغنى والصحة والمرض، وغير ذلك. قوله: السَّائِحُونَ من السياحة، وهي في الأصل الذهاب في الأرض للعبادة، سمي الصائمون بذلك، لأن من شأن السائح ترك اللذات كلها، من المطعم والمشرب والملبس والمنكح، ولا شك أن الصائم كذلك، والصيام عند العامة ترك ما سوى اللّه تعالى، قال العارف الجيلي:\rصيامي هو الإمساك عن رؤية السوى ... وفطري أني نحو وجهك راجع\r\rقوله: (أي المصلون) أشار بذلك إلى أنه أطلق الجزء وأراد الكل، وخص الركوع والسجود بالذكر من دون أركانها، لأن بهما التقرب إلى اللّه تعالى، لما في الحديث: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، والركوع يلي السجود في التواضع والذل». قوله: وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ إنما عطف هذا بالواو على ما قبله، لوجود المضادة بينهما، لأن الأمر طلب الفعل، والنهي طلب الترك.\rقوله: وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ هذا أعم الأوصاف المتقدمة، ولذا عطف بالواو، وهذا معنى التقوى إذ هي امتثال المأمورات، واجتناب المنهيات، ولذا حكى السري السقطي، سأل ابن أخته الجنيد عن التقوى وهو صغير فقال له: أن لا يراك حيث نهاك، وأن لا يفقدك حيث أمرك، فقال له: أخاف أن يكون حظك من اللّه لسانك. قوله: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ إظهار في مقام الإضمار، اعتناء بهم، وتشريفا لقدرهم، وحذف المبشر به، إشار إلى أنه لا يدخل تحت حصر، بل لهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. قوله: (لعمه أبي طالب) أي لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لأبي طالب حين حضرته الوفاة: يا عم، قل كلمة أحاج لك بها عند اللّه، فإني لا أزال أستغفر لك ما لم أنه عن الاستغفار فنزلت، وقصد النبي بهذا الاستغفار، وتأليفه للإسلام لعلة يهتدي، وإلا فرسول اللّه يعلم أن اللّه لا يغفر أن يشرك به.\rقوله: ما كانَ لِلنَّبِيِ أي لا ينبغي ولا يصح. قوله: (بأن ماتوا على الكفر) أي فلا يجوز لهم الاستغفار حينئذ، وأما الإستغفار للكافر الحي ففيه تفصيل، فإن كان قصده بذلك الاستغفار هدايته للإسلام جاز، وإن كان قصده أن تغفر ذنوبه مع بقائه على الكفر، فلا يجوز.\rقوله: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ إلخ. هذه الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا واقعا في جواب سؤال مقدر، تقديره إن شرعنا هو بعينه شرع إبراهيم وقد استغفر ابراهيم لأبيه. فأجاب اللّه عن ابراهيم بما ذكر. قوله: لِأَبِيهِ تقدم الخلاف في كونه أباه أو عمه، وإنما سمي أبا، لأن عادة العرب تسمي العم أبا والقرآن نزل بلغة العرب. قوله:","part":2,"page":75},{"id":675,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 76\rعَدُوٌّ لِلَّهِ بموته على الكفر تَبَرَّأَ مِنْهُ وترك الاستغفار إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ كثير التضرع والدعاء حَلِيمٌ (114) صبور على الأذى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ للإسلام حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ من العمل فلا يتقوه فيستحقوا الإضلال إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115) ومنه مستحق الإضلال والهداية إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ أيها الناس مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره مِنْ وَلِيٍ يحفظكم منه وَلا نَصِيرٍ (116) يمنعكم عن ضرره لَقَدْ تابَ اللَّهُ أي أدام توبته عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ أي وقتها وهي حالهم في غزوة تبوك كان الرجلان يقتسمان تمرة والعشرة يعتقبون البعير الواحد واشتد\r______________________________\rوَعَدَها إِيَّاهُ أي إن ابراهيم وعد أباه بالاستغفار، قيل تبين أنه لا ينفع فيه الاستغفار، لإصراره على الكفر. قوله: أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ أي أنه مصر ومستمر على الكفر والعداوة، لأن الذي تبين بالموت، إنما هو إصراره على الكفر، وإلا فأصله كان حاصلا ومتبينا من قبل.\rقوله: إِنَّ إِبْراهِيمَ هذا بيان للحامل له على الاستغفار قبل التبين. قوله: لَأَوَّاهٌ من التأوه وهو التوجع والإكثار من قول آه، واختلف في معناه، فقيل هو الخاشع المتضرع، وقيل كثير الدعاء. وقيل المؤمن التواب، وقيل الرحيم بعباد اللّه، وقيل الموقن، وقيل المسبح، وقيل المعلم للخير وقيل الراجع عما يكره اللّه، الخائف من النار. قوله: حَلِيمٌ معناه صفوح عن المسيء له، مقابل له بالعطف والرفق، وذلك كما فعل ابراهيم مع أبيه حين قال له: (لئن لم تنته لأرجمنك) إلخ. فأجابه إبراهيم بقوله: (سلام عليك سأستغفر لك ربي) وكعدم دعائه على النمرود حيث ألقاه في النار.\rقوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً سبب نزولها، أن بعض الصحابة كانوا يستغفرون لآبائهم الكفار، وماتوا قبل نزول آية النهي، فظن بعض الصحابة أن اللّه يؤاخذهم، فبين اللّه أنه لا يؤاخذ أحدا بذنب، إلا بعد أن يبين حكمه فيه. قوله: بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ أي بعد وقت هدايتهم وتوفيقهم للإيمان.\rقوله: (و منه) أي من الشيء.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ففوضوا أمركم إليه، لأنه الموجد لكل شيء الذي منه العون والنصر.\rقوله: لَقَدْ تابَ اللَّهُ اللام موطئة لقسم محذوف. قوله: (أدام توبته) جواب عما يقال: إن النبي معصوم من الذنوب، والمهاجرون والأنصار لم يفعلوا ذنبا، بل سافروا معه واتبعوه من غير امتناع. وأجيب أيضا: بأن معنى توبته على النبي، عدم مؤاخذته في إذنه للمتخلفين، حتى يظهر المؤمن من المنافق، ومعنى توبته على المهاجرين والأنصار، من أجل ما وقع في قلوبهم من الخواطر والوساوس في تلك الغزوة، فإنها كانت في شدة الحر والعسر، وقيل إن ذكر النبي تشريف لهم وإنما المقصود ذكر قبول توبتهم، لأنه لم يقع منه صلّى اللّه عليه وسلّم ذنب أصلا حتى يحتاج للتوبة منه.\rقوله: الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أي وكانوا سبعين الفا، ما بين راكب وماش، من المهاجرين والأنصار وغيرهم من سائر القبائل. قوله: (أي وقتها) أشار بذلك إلى أن المراد بالساعة الزمانية لا الفلكية والعسر الشدة والضيق، وكانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة، وجيشها يسمى جيش العسرة، لأنه كان عليهم","part":2,"page":76},{"id":676,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 77\rالحر حتى شربوا الفرث مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ بالتاء والياء تميل قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ عن اتباعه إلى التخلف لما هم فيه من الشدة ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ بالثبات إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (117) وَتاب عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا عن التوبة عليهم بقرينة حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما\r______________________________\rعسرة في المركب والزاد والماء، فكان العشرة منهم يخرجون على بعير واحد يعتقبونه. وكان زادهم التمر المسوس والشعير المتغير، وكان تمرهم يسيرا جدا حتى إن أحدهم إذا جهده الجوع، يا أخذ التمرة فيلوكها حتى يجد طعمها، ثم يعطيها لصاحبه، حتى تأتي على آخرهم ولا يبقى إلا النواة، وكانوا من شدة الحر والعطش، يشربون الفرث، ويجعلون ما يبقى على كبدهم. قال أبو بكر: يا رسول اللّه، إن اللّه قد وعدك خيرا، فادع اللّه، قال أتحب ذلك؟ قال: نعم، فرفع رسول اللّه يديه، فلم يرجعا حتى قالت السماء فأظلت ثم سكبت، فملؤوا ما معهم من الأوعية، ثم ذهبنا ننظرها، فلم نجدها جاوزت العسكر. قوله:\rمِنْ بَعْدِ ما كادَ هذا بيان لبلوغ الشدة حدها حتى إن بعضهم أشرف على الميل إلى التخلف، واسم كادَ ضمير الشأن، وجملة يَزِيغُ في محل نصب خبرها. قوله: (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ذكر التوبة أولا قبل الذنب، تفضلا منه وتطييبا لقلوبهم، ثم ذكرها بعده تعظيما لشأنهم، وتأكيدا لقبول توبتهم. قوله: إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ هذا تأكيد لما تقدم والرؤوف الرفيق بعباده، اللطيف بهم، والرحيم: المحسن المتفضل.\rقوله: وَعَلَى الثَّلاثَةِ إشارة إلى معطوف على قوله: عَلَى النَّبِيِ ويصح عطفه على الضمير في قوله: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ وهو الأقرب لإعادة الجار. قال ابن مالك:\rوعود خافض لدى عطف على ... ضمير خفض لازما قد جعلا\r\rوإن كان يمكن أن يقال، إنما أعاده تأكيدا. قوله: عَلَى الثَّلاثَةِ إنما لم يسمهم اللّه، لكونهم معلومين بين الصحابة، والتوبة هنا على حقيقتها، بمعنى أنه قبل عذرهم وسامحهم، وغفر لهم ما سلف منهم، وأما التوبة فيما تقدم، فمستعملة في مجازها بمعنى دوام العصمة للنبي، والحفظ للمهاجرين والأنصار، ففي الآية استعمال التوبة في حقيقتها ومجازها. قوله: (عن التوبة عليهم) أي عن قبولها من اللّه، وسبب تأخير القبول من اللّه، عدم إظهار توبتهم، كما فعل أبو لبابة، وقيل: المراد خلفوا عن الغزو، ولم يخرجوا مع رسول اللّه، وفي صحيح البخاري ما نصه:\rباب حديث كعب بن مالك وقول اللّه عز وجل وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا\rحدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن كعب ابن مالك أن عبد اللّه بن كعب بن مالك، وكان يقود كعبا حين عمي قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب: لم أتخلف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، وكان من خبري، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في تلك الغزوة، وغزا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تلك الغزوة، حين طابت الثمار والظلال، وهممت أن ارتحل فأدركهم وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، ولم يذكرني رسول اللّه حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بين سلمة: يا رسول اللّه، حبسه براده ونظره في عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئس","part":2,"page":77},{"id":677,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 78\r.\r______________________________\rما قلت، واللّه يا رسول اللّه ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قال كعب بن مالك، فلما بلغني أنه توجه قافلا، حضرني همي، فطفقت أتذكر الكذب وأهيئه لأعتذر به وأقول بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أظل قادما، أي قرب قدومه، انزاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت الصدق، وأصبح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قادما، وكان إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك، جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل رسول اللّه منهم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى اللّه، فجئته، فلما سلمت عليه، تبسم تبسم المغضب ثم قال: تعالى فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك ألم تكن قد ابتعت مركوبك؟ فقلت: بل إني واللّه يا رسول اللّه، لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، أي فصاحة، ولكني واللّه لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن اللّه أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد، أي تغضب علي فيه، إني لأرجو فيه عفو اللّه لا واللّه ما كان لي عذر، ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي اللّه فيك، فقمت، وبادر رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: واللّه ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن تكون اعتذرت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بما اعتذر إليه المخلفون، قد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لك، فو اللّه ما زالوا يلومونني لوما عنيفا، حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: من هما؟ قالوا:\rمرارة بن الربيع المعمري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا، لي فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الناس عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، فتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، وكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول اللّه فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السّلام عليّ أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه فاسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، فإذا التفت نحوه، أعرض عني، حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ، فسلمت عليه، فو اللّه ما رد علي السّلام، فقلت: يا أبا قتادة أنشدك باللّه، هل تعلمني أحب اللّه ورسوله، فسكت، فعدت له فنشدته، فسكت، فقال: اللّه ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يا أتيني فقال: إن رسول اللّه يا أمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم، حتى يقضي اللّه في هذا الأمر، فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت بفتح الميم لنا خمسون ليلة، من حين نهى رسول اللّه عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر، صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر اللّه، قد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى","part":2,"page":78},{"id":678,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 79\rرَحُبَتْ أي مع رحبها أي سعتها فلا يجدون مكانا يطمئنون إليه وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ قلوبهم للغم والوحشة بتأخير توبتهم فلا يسعها سرور ولا أنس وَظَنُّوا أيقنوا أَنْ مخففة لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ وفقهم للتوبة لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ بترك معاصيه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) في الإيمان والعهود بأن تلزموا الصدق ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إذا غزا وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ بأن يصونوها عما رضيه لنفسه من الشدائد وهو نهي بلفظ\r______________________________\rصوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج، وأذن رسول اللّه، أي أعلم الناس بتوبة اللّه علينا حين صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبيّ مبشرون، وركب رجل إلي فرسا وركضها، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبيّ فكسوته إياهما ببشراه، واللّه ما أملك من الثياب غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول اللّه، فتلقاني الناس وجاؤوا يهنئوني بالتوبة يقولون: لتهنك بفتح التاء توبة اللّه عليك، قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جالس حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد اللّه يهرول حتى صافحني وهنأني، واللّه ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك، قال: قلت: أمن عندك يا رسول اللّه، أم من عند اللّه؟ قال: لا، بل من عند اللّه، وكان رسول اللّه إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول اللّه، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى اللّه وإلى رسول اللّه، قال رسول اللّه: أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، وأنزل اللّه على رسول اللّه لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِ إلى قوله: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ فو اللّه ما أنعم اللّه علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول اللّه اه.\rقوله: حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الخ أي لم يطمئنوا ولم يسكنوا إلى شيء منها، وإِذا صلة أو ثم ليستقيم المعنى. قوله: (أي من رحبها) بضم الراء وأما بفتحها، فمعناه المكان المتسع. قوله: (فلا يسعها سرور) العبارة فيها قلب، أي فلا تسع سرورا. قوله: أَنْ (مخففة) أي واسمها ضمير الشأن. قوله:\rلا مَلْجَأَ إلخ، لا نافية للجنس ومَلْجَأَ اسمها، ومِنَ اللَّهِ خبرها، والجملة سدت مسد مفعولي ظَنُّوا. قوله: مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ أي من سخطه إلا بالتضرع إليه. قوله: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ أي قبل توبتهم. قوله: لِيَتُوبُوا أي ليحصلوا التوبة وينشئوها.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ خطاب عام لكل مؤمن. قوله: مَعَ الصَّادِقِينَ مَعَ بمعنى من، بدليل القراءة الشاذة المروية عن ابن مسعود.\rقوله: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ أي لا يصح ولا ينبغي ولا يجوز لهم التخلف عن رسول اللّه إلخ، والمعنى إذا خرج رسول اللّه بنفسه للغزو، فلا يجوز لأحد من المؤمنين التخلف، بل ينفرون كافة. قوله: وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ يجوز فيه النصب عطفا على يَتَخَلَّفُوا والجزم على أن لا ناهية. قوله: (بأن يصونوها) إلخ، هذا بيان لحاصل المعنى، وايضاحه","part":2,"page":79},{"id":679,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 80\rالخبر ذلِكَ أي النهي عن التخلف بِأَنَّهُمْ بسبب أنهم لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ عطش وَلا نَصَبٌ تعب وَلا مَخْمَصَةٌ جوع فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً مصدر بمعنى وطأ يَغِيظُ يغضب الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ للّه نَيْلًا قتلا أو أسرا أو نهبا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ ليجازوا عليه إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) أي أجرهم بل يثيبهم وَلا يُنْفِقُونَ فيه نَفَقَةً صَغِيرَةً ولو تمرة وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً بالسير إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ ذلك لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (121) أي جزاءه. ولما وبخوا على التخلف وأرسل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سرية نفروا جميعا فنزل وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا إلى الغزو كَافَّةً فَلَوْ لا فهلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ قبيلة مِنْهُمْ طائِفَةٌ جماعة ومكث الباقون لِيَتَفَقَّهُوا أي الماكثون فِي الدِّينِ\r______________________________\rأمروا بأن يصحبوه على البأساء والضراء، وأن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط، وأن يتلقوا الشدائد معه صلّى اللّه عليه وسلّم، علما بأنه أعز نفس وأكرمها عند اللّه، فإذا تعرضت مع عزتها وكرامتها للخوض في شدة وهول، وجب على سائر الأنفس أن تتعرض مثلها. قوله: (و هو نهي بلفظ الخبر) أي ما ذكر من قوله: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ إلخ، أي فكأنه قيل لا يتخلف واحد منهم. قوله: ظَمَأٌ أي ولو يسيرا، وكذا يقال فيما بعده.\rقوله: وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً أي لا يدوسون بأرجلهم، وحوافر خيولهم، وأخفاف رواحلهم دوسا. قوله: يَغِيظُ بفتح الياء باتفاق السبعة، وإن كان يجوز في اللغة ضمها. قوله: وَلا يَنالُونَ أي يصيبون. قوله: (قتلا أو أسرا أو نهبا) أمثلة للنيل بسبب جعله مصدرا، ويصح أن يكون بمعنى الشيء المنال، أي المأخوذ. قوله: إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ أي بكل واحد من الأمور الخمسة. قوله: (أي أجرهم) غرضة بهذا، أن المقام للإضمار والعدول عنه لأجل مدحهم، وليفيد العموم، وعدم الخصوصية للمخاطبين، بل هذا الفضل العظيم باق ومستمر إلى يوم القيامة.\rقوله: وادِياً المراد به هنا مطلق الأرض، وإن كان في الأصل، المكان المنفرج بين الجبال، قوله: (ذلك) أي ما ذكر من كل من النفقة وقطع الوادي. قوله: (أي جزاؤه) يصير بهذا إلى تقدير مضاف، أي جزاء أحسن ما كانوا إلخ. قوله:\r(و لما وبخوا على التخلف) إلخ، أي سبب نزولها: أنه لما وبخهم اللّه على التخلف، وظهرت فضيحة المنافقين، وتاب اللّه على من تاب، أجمع رأيهم وحلفوا أنهم لا يتخلفون عن رسول اللّه، ولا عن سرية بعثها، فلما رجعوا من تبوك، وبعث السرايا، تهيأ المسلمون جميعا إلى الغزو. قوله: (سرية) قيل هي اسم لما زاد على المائة إلى الخمسمائة، وما زاد عليها إلى ثمانمائة يقال له منسر، وما زاد عليها إلى أربعة آلاف يقال له جيش، وما زاد عليها يقال له جحفل، وجملة سراياه التي أرسلها رسول اللّه ولم يخرج معها سبعة وأربعون، وغزواته التي خرج فيها بنفسه، سبعة وعشرون، قاتل في ثمانية منها فقط.\rقوله: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ أي لا ينبغي، ولا يجوز لهم أن ينفروا جميعا، بل يجب عليهم أن ينقسموا قسمين، طائفة تكون مع رسول اللّه لتلقي الوحي، وطائفة تخرج للجهاد. قوله: (فهلا) أشار بذلك إلى أن فَلَوْ لا للتحضيض. قوله: (و مكث الباقون) قدره إشارة إلى أن قوله: لِيَتَفَقَّهُوا الخ،","part":2,"page":80},{"id":680,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 81\rوَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ من الغزو بتعليمهم ما تعلموه من الأحكام لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) عقاب اللّه بامتثال أمره ونهيه، قال ابن عباس: فهذه مخصوصة بالسرايا والتي قبلها بالنهي عن تخلف واحد فيما إذا خرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ أي الأقرب فالأقرب منهم وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً شدة أي أغلظوا عليهم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123) بالعون والنصر وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ من القرآن فَمِنْهُمْ أي المنافقين مَنْ يَقُولُ لأصحابه استهزاء أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً تصديقا. قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً لتصديقهم بها وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) يفرحون بها وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ضعف اعتقاد فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ كفرا إلى كفرهم لكفرهم بها وَماتُوا وَهُمْ\r______________________________\rعلة لمحذوف، ولا يصح أن يكون علة لقوله: نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ قوله: وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ عطف على قوله: لِيَتَفَقَّهُوا فيه إشارة إلى أنه ينبغي لطالب العلم تحسين مقصده، بأن يقصد بطلبه العلم تعليم غيره، واتعاظه هو في نفسه، لا الكبر على العباد، والتشدق بالكلام. قوله: إِذا رَجَعُوا أي من كان في الغزو، قوله: إِلَيْهِمْ أي إلى من مكث ليتفقه في الدين. قوله: (قال ابن عباس) إلخ، المقصود من ذلك، دفع التعارض بين هذه الآية وما قبلها. قوله: (مخصوصة بالسرايا) أي وهي التي أرسلها ولم يخرج معها. قوله: (فيما إذا خرج النبي) أي لأنه لا عذر، حينئذ لمن يتخلف، لأن صاحب الشريعة الذي يتعلمونها منه مصاحب لهم.\rقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ ليست هذه الآية ناسخة لآية: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً على التحقيق، بل هذه الآية تعليم لآداب الحرب، وهو أن يبدأوا بقتال الأقرب فالأقرب، حتى يصلوا إلى الأبعد، فبهذا يتمكنون من قتالهم كافة، لأن قتلهم دفعة واحدة لا يتصور، ولذا قاتل رسول اللّه أولا قومه، ثم انتقل إلى سائر العرب، ثم إلى قتال أهل الكتاب، ثم إلى قتال أهل الروم والشام، ثم بعد وفاته صلّى اللّه عليه وسلّم انتقل أصحابه إلى قتال العراق، ثم بعد ذلك إلى سائر الأمصار. قوله: يَلُونَكُمْ من الولي وهو الأقرب، وفي فعله لغتان: وليه يليه وهو الأكثر، والثانية من باب وعد، والآية منها وهي قليلة الاستعمال، فأصله يوليون، حذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، ثم نقلت ضمة الياء إلى اللام بعد سلب حركتها، فالتقى ساكنان، حذفت الياء لالتقائهما. قوله: (شدة) أي صبرا وتحملا. قوله: (أي أغلظوا عليهم) أشار بذلك إلى أن في الآية استعمال السبب في المسبب، لأن وجدان الكفار الغلظة، مسبب عن إغلاظ المسلمين عليهم.\rقوله: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ المعنى إذا نزلت سورة من القرآن، والحال أن المنافقين ليسوا حاضرين وقت النزول، وليس فيها فضيحة، وأما ما يأتي فيحمل على ما إذا كانوا حاضرين ذلك، والحال أن فيها بيان أحوالهم، فلا تنافي بين المحلين كما يأتي. قوله: (لأصحابه) أي أو لضعفاء المؤمنين. قوله: (يفرحون بها) أي لأنه كلما نزل شيء من القرآن، ازدادوا إيمانا، وهذا الحكم باق إلى الآن، فمن يفرح بكلام اللّه وبحامليه، فهو من المؤمنين الصادقين، ومن ينفر من سماعه ومن حامليه، فهو إما كافر أو قريب من الكفر. قوله: (كفرا إلى كفرهم) أشار بذلك إلى أنه ضمن الزيادة معنى الضم، والمعنى زادتهم كفرا","part":2,"page":81},{"id":681,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 82\rكافِرُونَ (125) أَوَلا يَرَوْنَ بالياء أي المنافقون والتاء أيها المؤمنون أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ يبتلون فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ بالقحط والأمراض ثُمَّ لا يَتُوبُونَ من نفاقهم وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) يتعظون وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فيها ذكرهم وقرأها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ يريدون الهرب يقولون هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ إذا قمتم فإن لم يرهم أحد قاموا وإلا ثبتوا ثُمَّ انْصَرَفُوا على كفرهم صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ عن الهدى بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (127) الحق لعدم تدبرهم لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي منكم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم عَزِيزٌ شديد عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ أي عنتكم مشقتكم ولقاؤكم المكروه حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أن تهتدوا بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ شديد الرحمة\r______________________________\rمضموما إلى كفرهم، لأن كفرهم يزيد بزيادة جحدهم المنزل، وسمي الكفر رجسا، لكونه أقبح الأشياء، والرجس هو الشيء المستقذر. قوله: (بالياء) أي فالاستفهام حينئذ للتوبيخ، قوله: (و التاء) أي فالاستفهام للتعجب، لأن الخطاب حينئذ للصحابة.\rقوله: ثُمَّ لا يَتُوبُونَ أي لا يرجعون عما هم عليه. قوله: (فيها ذكرهم) أي بيان أحوالهم\rقوله:\rنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ أي يتغامزون بالعيون. قوله: (يريدون الهروب) أي خوفا من الفضيحة التي تحصل لهم. قوله: (و يقولون) أشار بذلك إلى أن قوله: هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ مقول لقول محذوف.\rقوله: ثُمَّ انْصَرَفُوا (على كفرهم) عبارته تفيد أن قوله: ثُمَّ انْصَرَفُوا ليس مرتبا على كونهم (لم يرهم أحد) وليس كذلك، فكان المناسب أن يقول: (قاموا) وهو بمعنى ثُمَّ انْصَرَفُوا. قوله: صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ إخبار أو دعاء. قوله: لا يَفْقَهُونَ (الحق) أي لا يفهمونه.\rقوله: لَقَدْ جاءَكُمْ اللام موطئة لقسم محذوف، أي وعزتي وجلالي لَقَدْ جاءَكُمْ إلخ. قوله:\rمِنْ أَنْفُسِكُمْ خطاب للعرب، قال ابن عباس: ليس قبيلة من العرب إلا وقد ولدت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وله فيها نسب، وأَنْفُسِكُمْ بضم الفاء باتفاق السبعة، وقرىء مِنْ أَنْفُسِكُمْ بفتح الفاء من النفاسة، والمعنى جاءكم رسول من أشرفكم وأرفعكم قدرا، لما في الحديث: «إن اللّه اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى بين هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار من خيار».\rقوله: عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ يصح أن يكون عَزِيزٌ صفة لرسول، وما مصدرية أو بمعنى الذي، والمعنى يعز عليه عنتكم أو الذي عنتموه، ويصح أن يكون عَزِيزٌ خبرا مقدما، وما عَنِتُّمْ مبتدأ مؤخرا. قوله: حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أي يحافظ على هداكم، لتكون لكم السعادة الكاملة. قوله: (أن تهتدوا) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، أي (حريص على هدايتكم). قوله: رَؤُفٌ بالمد والقصر، قراءتان سبعيتان، والرؤوف أخص من الرحيم، قال الحسن بن المفضل: لم يجمع اللّه لأحد من أنبيائه اسمين من أسمائه تعالى، إلا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فسماه رؤوفا رحيما، وقال: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ.*","part":2,"page":82},{"id":682,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 83\rرَحِيمٌ (128) يريد لهم الخير فَإِنْ تَوَلَّوْا عن الإيمان بك فَقُلْ حَسْبِيَ كافي اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ به وثقت لا بغيره وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الكرسي الْعَظِيمِ (129) خصه بالذكر لأنه أعظم الخلوقات. وروى الحاكم في المستدرك عن أبيّ بن كعب قال: آخر آية نزلت لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ إلى آخر السورة.\r______________________________\rقوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا أي جميع الخلق، مؤمنهم ومنافقهم وكافرهم. قوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ هذا كالدليل لما قبله. قوله: (لا بغيره) أخذ هذا الحصر من تقديم المعمول. قوله: (الكرسي) مرور على القول باتحاد العرش مع الكرسي وهو خلاف الصحيح، والصحيح أن العرش غير الكرسي فالعرش جسم عظيم، محيط بجميع المخلوقات، والكرسي أقل منه. قوله: الْعَظِيمِ بالجر باتفاق السبعة، صفة للعرش، وقرىء شذوذا بالرفع، صفة للرب. وقوله: (خصه بالذكر) جواب عما يقال: إن اللّه رب كل شيء، فلم خص العرش بالذكر. قوله: (آخر آية) مراده الجنس، وإلا فهما آيتان، وهذا القول ضعيف لما تقدم أن آخر آية نزلت وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ وعلى ما قاله المفسر يكونان مدنيتين، وهو أحد قولين، حكاهما المفسر أول السورة، وهاتان الآيتان بهما الأمان من كل مكروه، وقد ورد: من قرأهما، ويكرر الآية الثانية سبعا صباحا، وسبعا مساء، أمن من كل مكروه حتى الموت، فمن أراد اللّه موته أنساه قراءتها.","part":2,"page":83},{"id":683,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 84\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة يونس مكيّة إلا فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍ الآيتين أو الثلاث. أو وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ الآيه وهي مائة وتسع أو عشر آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر اللّه أعلم بمراده بذلك تِلْكَ أي هذه الآيات آياتُ الْكِتابِ القرآن والإضافة بمعنى من الْحَكِيمِ (1) المحكم أَكانَ لِلنَّاسِ أي أهل مكة استفهام إنكاري والجار والمجرور حال من قوله عَجَباً بالنصب خبر كان بالرفع اسمها والخبر\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة يونس\rمكية إلا فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍ الآيتين أو الثلاث. أو وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ الآية:\rوهي مائة وتسع أو عشر آيات سميت بذلك لذكر اسمه فيها وقصته، وقد جرت عادة اللّه بتسمية السورة ببعض أجزائها. قوله:\r(مكية) أي لنزولها قبل الهجرة. قوله: (أو الثلاث) أو لتنويع الخلاف، وسببه: الخلاف في أن آخر الآية الثانية من الخاسرين أو الأليم. قوله: (أو ومنهم) إلخ، أي فيكون المدني، إما ثلاثا أو أربعا بزيادة (و منهم) إلخ، وقال القرطبي نقلا عن فرقة إن من أولها نحوا من أربعين آية مكي، وباقيها مدني. قوله:\r(اللّه أعلم بمراده بذلك) هو أحد أقوال تقدمت في البقرة، وهو أتمها وأسلمها. قوله: (أي هذه الآيات) يحتمل أن يكون اسم الإشارة عائد على ما تقدم من أول القرآن إلى هنا؛ ويحتمل أنه عائد إلى الآيات التي سنذكرها في هذه السورة، وأتى باسم الإشارة البعيد، إشار إلى بعد رتبته عن كلام البشر ورفعة قدره.\rقوله: آياتُ الْكِتابِ خبر اسم الإشارة. قوله: (و الإضافة) أي في قوله: آياتُ الْكِتابِ والمعنى تلك آيات من الكتاب، لأن المشار إليه بعض القرآن. قوله: (المحكم) أشار بذلك إلى أن فعيلا بمعنى مفعول، ومعناه: الذي لا يتطرق إليه الفساد، ولا تغيره الدهور، ولا يعتريه الكذب ولا التناقض، ويصح أن يكون بمعنى فاعل، أي الحاكم، أي ذو الحكم، لاشتماله على الأحكام الدينية المتعبد بها.\rقوله: (استفهام إنكاري) أي والمعنى لا يليق، ولا ينبغي لأهل مكة أن يتعجبوا من إرساله صلّى اللّه عليه وسلّم حيث قالوا: العجب أن اللّه لم يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب.\rقوله: عَجَباً العجب استعظام أمر خفي سببه. قوله: (خبر كان) أي المقدم عليها. قوله:","part":2,"page":84},{"id":684,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 85\rوهو اسمها على الأولى أَنْ أَوْحَيْنا أي إيحاؤنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أَنْ مفسرة أَنْذِرِ خوف النَّاسَ الكافرين بالعذاب وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَ أي بأن لَهُمْ قَدَمَ سلف صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي أجرا حسنا بما قدموه من الأعمال قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا القرآن المشتمل على ذلك لَساحِرٌ مُبِينٌ (2) بين وفي قراءة لساحر والمشار إليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ من أيام الدنيا في قدرها لأنه لم يكن ثم شمس ولا قمر ولو شاء لخلقهن فى لمحة، والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ استواء يليق به يُدَبِّرُ الْأَمْرَ بين الخلائق ما مِنْ زائدة شَفِيعٍ يشفع لأحد إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ رد لقولهم إن الأصنام تشفع لهم ذلِكُمُ الخالق المدبر اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ وحدوه\r______________________________\r(بالرفع اسمها) هذه القراءة شاذة، فكان المناسب للمفسر أن ينبه عليها. قوله: (و الخبر) مبتدأ، وجملة أَنْ أَوْحَيْنا خبره، وقوله: (و هو اسمها على الأولى) اعتراض من بين المبتدأ والخبر. قوله: (مفسرة) أي بمعنى (أي) وضابطها أن يتقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه. قوله: أَنْذِرِ (الناس) أي إن استمروا على الكفر. قوله: قَدَمَ صِدْقٍ من إضافة الموصوف للصفة، وسمي الأجر الحسن قَدَمَ صِدْقٍ لأن الخير قد سبق لهم عند اللّه، والشأن أن السعي يكون بالقدم، فسمي المسبب باسم السبب، كما سميت النعمة يدا، لأنها تعطى بها. قوله: (أجرا حسنا) هذا أحد أقوال في تفسير قوله: قَدَمَ صِدْقٍ وهو لابن عباس، وقيل هو الأعمال الصالحة، وقيل شفاعة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل السعادة المكتوبة لهم أزلا في اللوح المحفوظ، وقيل منزلة رفيعة في الجنة، وكل هذه التفاسير ترجع إلى ما قاله المفسر.\rقوله: قالَ الْكافِرُونَ أي حيث رد عليهم في تعجبهم بأبلغ رد. قوله: (المشتمل على ذلك) أي الإنذار والتبشير. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (المشار إليه) أي من القراءة الثانية.\rقوله: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ هذا رد عليهم في تعجبهم، والمعنى لا ينبغي لكم التعجب من إرسال الرسول.\rلأن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ إلخ، فمن كان قادرا على ذلك، فلا يستغرب عليه إرسال رسول. قوله: (أي في قدرها) جواب عن قوله: (لم يكن ثم شمس) إلخ. قوله: (لتعليم خلقه التثبت) أي التأني والتمهل في الأمور، وتخصيص الستة بذلك، ولم تكن أقل ولا أكثر مما استأثر اللّه بعلمه. قوله: (استواء يليق به) هذه طريقة السلف في تفويض علم المتشابه إلى اللّه تعالى، وطريقة الخلف، يؤولونه بالاستيلاء والقهر والتصرف، وإلى هاتين الطريقتين أشار صاحب الجوهرة بقوله:\rوكل نص أوهم التشبيها ... أوله أو فوض ورم تنزيها\r\rفالاستواء كما يطلق على الركوب، يطلق على الاستيلاء، وهو المراد هنا، ومنه قول الشاعر:\rقد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق\r\rقوله: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أي يتصرف في الخلائق بأسرها، ولا يشغله شأن عن شأن. قوله: ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ أي لا يشفع أحد عنده، إلا أن يأذن له في الشفاعة. قوله: رَبَّكُمُ أي","part":2,"page":85},{"id":685,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 86\rأَفَلا تَذَكَّرُونَ (3) بادغام التاء في الأصل في الذال إِلَيْهِ تعالى مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا مصدران منصوبان بفعلهما المقدر إِنَّهُ بالكسر استئنافا والفتح على تقدير اللام يَبْدَؤُا الْخَلْقَ أي بدأه بالإنشاء ثُمَّ يُعِيدُهُ بالبعث لِيَجْزِيَ يثيب الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ ماء بالغ نهاية الحرارة وَعَذابٌ أَلِيمٌ مؤلم بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (4) أي بسبب كفرهم هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً ذات ضياء أي نور وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ من حيث سيره مَنازِلَ ثمانية وعشرون منزلا في ثمان وعشرين ليلة من كل شهر ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما أو ليلة إن كان تسعة وعشرين يوما لِتَعْلَمُوا بذلك عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ المذكور إِلَّا بِالْحَقِ لا عبثا،\r______________________________\rخالقكم ومربيكم. قوله: (بإدغام التاء في الأصل) أي فأصله تتذكرون، قلبت التاء ذالا، وأدغمت في الذال.\rقوله: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً رد على منكري البعث قالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا، نموت ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر. قوله: (بفعلهما المقدر) أي وعدكم وعدا، وحقه حقا. قوله: (بالكسر) أي وهي القراءة السبعية. قوله: (و الفتح) أي وهي شاذة، فكان عليه أن ينبه عليها. قوله: بِالْقِسْطِ أي العدل المصحوب بالفضل، أو المراد بالقسط: عدل العبيد، بامتثالهم المأمورات، واجتنابهم المنهيات، فتكون الباء سببية.\rقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا غاير الأسلوب، إشارة إلى أنهم مستحقون العذاب بسبب أعمالهم، وأما المؤمنون فثوابهم بفضل اللّه، وإلى أن المقصود من البدء والإعادة إنما هو الثواب، وأما العقاب، فكأنه عرض للكفار من سوء اعتقادهم وأفعالهم. قوله: وَعَذابٌ أَلِيمٌ أي غير الشراب. قوله: (أي بسبب كفرهم) أشار بذلك إلى أن الباء سببية، وما مصدرية.\rقوله: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً هذا من جملة أدلة توحيده. قوله: (ذات ضياء) أشار بذلك إلى أن ضياء مصدر، ويحتمل أنه جمع ضوء، والمعنى ذات أضواء كثبرة، والضوء النور القوي العظيم، فهو أخص من مطلق نور، وقيل الضياء ما كان ذاتيا، والنور ما كان مكتسبا من غيره، فما قام بالشمس يقال له ضياء، وما قام بالقمر يقال له نور. اعلم أن الشعاع الفائض من الشمس: قيل جوهر، وقيل عرض، والحق أنه عرض لقيامه بالإجرام. قوله: وَالْقَمَرَ معطوف على الشَّمْسَ، ونُوراً على ضِياءً ففيه العطف على معمولي عامل واحد، وهو جائز بلا خلاف.\rقوله: وَقَدَّرَهُ الضمير عائد على الْقَمَرَ فقط، وخص بالذكر وإن كانت الشمس لها منازل أيضا، لأن سير القمر في المنازل أسرع، وبه يعرف انقضاء الشهور والسنين، لأن المعتبر في مثل الصيام والحج السنة القمرية، ويحتمل أن الضمير عائد على كل من الشمس والقمر، وأفرد باعتبار ما ذكر، والأقرب الأول. قوله: (ثمانية وعشرون منزلا) أي وهي منقسمة على اثني عشر برجا، وهي: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، لكل برج منزلان وثلث، فيكون إقامته في كل برج ستة وخمسين ساعة، وانتقالات الشمس في هذه الأبراج مرتبة على الشهور القبطية، لكن الشهر: نصفه الأول من آخر برج، ونصفه الآخر من أول برج آخر، فيكون نصفه الأول من نصف السنبلة الأخيرة، ونصفه الأخير من نصف الميزان الأول، وهكذا. قوله: (و يستتر","part":2,"page":86},{"id":686,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 87\rتعالى عن ذلك نفصل بالياء والنون الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) يتدبرون إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ بالذهاب والمجيء والزيادة والنقصان وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ من ملائكة وشمس وقمر ونجوم وغير ذلك وَفي الْأَرْضِ من حيوان وجبال وبحار وأنهار وأشجار وغيرها لَآياتٍ دلالات على قدرته تعالى لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6) فيؤمنون، خصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بها إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا بالبعث وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا بدل الآخرة لإنكارهم لها وَاطْمَأَنُّوا بِها سكنوا إليها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا دلائل وحدانيتنا غافِلُونَ (7) تاركون للنظر فيها أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (8) من الشرك والمعاصي إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ يرشدهم رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ به بأن يجعل لهم نورا يهتدون به يوم\r______________________________\rليلتين) أي لا يرى، وإن كان سائرا.\rقوله: لِتَعْلَمُوا هذا هو حكمة التقدير. قوله: وَالْحِسابَ معطوف على عدد مسلط عليه تعلموا، ولا يجوز جره عطفا على السنين، لأن الحساب لا يعلم عدده، ولذا سئل أبو عمرو عن الحساب، أتنصبه أم تجره؟ فقال: ومن يدري ما عدد الحساب؟ كناية عن كونه لا يجوز جره. قوله: (المذكور) أي من كونه جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً. قوله: (بالياء والنون) أي فهما قراءتان سبعيتان، وعلى النون فيه التفات من الغيبة إلى التكلم. قوله: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ خصوا بالذكر، لأنهم هو المنتفعون بذلك.\rقوله: إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي في كون أحدهما يخلف الآخر ويعقبه. قوله:\r(بالذهاب والمجيء) تصوير للاختلاف. قوله: (و الزيادة والنقصان) أي فكل واحد يزيد بقدر ما نقص من الآخر.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا أي لا يخافونه ولا يؤمنون به. قوله: وَاطْمَأَنُّوا بِها أي فعلوا فعل المخلدين فيها.\rقوله: أُولئِكَ مبتدأ، ومَأْواهُمُ مبتدأ ثان، والنَّارُ خبر الثاني، والثاني وخبره الأول، والجملة خبر إِنَ. قوله: بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي بسبب كسبهم. قوله:\r(من الشرك والمعاصي) بيان لقوله: يَكْسِبُونَ.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا هذا مقابل قوله: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا إلخ. وإِنَ حرف توكيد ونصب، والَّذِينَ اسمها، وآمَنُوا صلته، وجملة يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ خبر إِنَ قوله:\rآمَنُوا أي صدقوا باللّه ورسوله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، حلوه ومره. قوله: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي الأعمال المرضية للّه ورسوله. قوله: يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ أي يوصلهم لدار السعادة وحذف المعمول للعلم به. قوله: بِإِيمانِهِمْ أي بسبب تصديقهم باللّه ورسله، أي وبسبب أعمالهم الصالحة أيضا، فالإيمان والأعمال الصالحة، سببان موصلان لدار السعادة، أو المراد بالإيمان الكامل، ليشمل الأعمال. قوله: (بأن يجعل لهم نورا يهتدون) أي وتصور لهم الأعمال الصالحة بصورة حسنة، عند خروجهم من القبور، وتقول لصاحبها: كنت أسهرك في الدنيا، وأتعبك فيها، فاركب على ظهري، وذلك قوله تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً بخلاف الكافر، فيحشر يوم القيامة أعمى، لا يهتدي إلى مقصوده، ويأتيه عمله السيىء فيقول له: كنت متلذذا بي في الدنيا، فأنا أركبك اليوم، وذلك قوله تعالى: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ.","part":2,"page":87},{"id":687,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 88\rالقيامة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) دَعْواهُمْ فِيها طلبهم لما يشتهونه في الجنة أن يقولوا سُبْحانَكَ اللَّهُمَ أي يا اللّه فإذا ما طلبوه بين أيديهم وَتَحِيَّتُهُمْ فيما بينهم فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ مفسرة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (10) ونزل لما استعجل المشركون العذاب وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ أي كاستعجالهم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ بالبناء\r______________________________\rقوله: فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ أي بساتين التنعم، وهذا الاسم يطلق على جميع الجنات، والمعنى أن المؤمنين العاملين للصالحات يوصلهم ربهم لدار كرامته ومحل سعادته، تجري الأنهار بجانب قصورهم، ينظرون إليها من أعلى أماكنهم. قوله: (طلبهم لما يشتهونه في الجنة أن يقولوا) إلخ، أي فهذه الكلمة علامة بين أهل الجنة والخدم في جميع ما يطلبونه، فإذا أرادوا الأكل مثلا قالوا سبحانك اللهم، فيأتونهم بالطعام على الموائد، كل مائدة ميل في ميل، في كل مائدة سبعون ألف صحفة، في كل صحفة لون من الطعام، لا يشبه بعضها بعضا، فإذا فرغوا من الطعام، وحمدوا اللّه على ما أعطاهم، وذلك قوله:\r(و آخر دعواهم أن الحمد للّه رب العالمين) والمراد بما يشتهونه في الجنة، ما كان محمودا في الدنيا، فلا يقال:\rإن نفوس الفساق قد تشتهي اللواط مثلا فيفيد أنه يحصل في الجنة، لأنه يقال: المراد بما يشتهونه، ما ليس بشهوات شيطانية لأنهم عصموا منا بالموت، فلا تخطر ببالهم في الجنة، ولا يميل إليهم طبعهم، وكذلك يقال في شهوة المحارم، كالأم والبنت، وأيضا أهل الجنة، لا أدبار لهم، ولا يتغوطون فيها، لما في الحديث: «أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتمخطون، قالوا فما بال الطعام؟ قال: جشاء، ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس.\rقوله: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ التحية ما يحيا به الإنسان من الكلام الطيب. قوله: (فيما بينهم) أي أو تحية الملائكة لهم. قال تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ أو تحية اللّه لهم.\rقال تعالى: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ. قوله: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أي خاتمة تسبيحهم في كل مجلس أن يقولوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وليس معناه انقطاع الحمد، فإن أقوال أهل الجنة وأحوالها لا آخر لها. قوله: (مفسرة) اعترض بأن ضابط المفسرة مفقود هنا، إذ ضابطها أن يتقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه، وهنا تقدمها مفرد، فكان المناسب أن يقول مخففة من الثقيلة، ويكون اسمها ضمير الشأن، وجملة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ خبرها.\rقوله: أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي فأهل الجنة يبتدئون مطالبهم بالتسبيح، ويختمونها بالتحميد. فتلذذهم بالأكل والشرب وسائر النعيم لا يشغلهم عن ذكر اللّه وشكره. قوله: (و نزل لما استعجل المشركون العذاب) أي لما بين اللّه سبحانه وتعالى، أن يجيب الداعي بالخير. أدب عباده بأنهم لا يطلبون الشر، بل يطلبون الخير فيعطون، وقوله: (لما استعجل المشركون) قيل: النضر بن الحرث وغيره حيث قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء.\rقوله: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ أي الذي طلبوه لأنفسهم. قوله: (أي كاستعجالهم) أشار بذلك إلى أن استعجالهم مصدر، والأصل استعجالا مثل استعجالهم، حذف الموصوف، وأقيمت الصفة","part":2,"page":88},{"id":688,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 89\rللمفعول وللفاعل إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ بارفع والنصب بأن يهلكهم ولكن يمهلهم فَنَذَرُ نترك الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) يترددون متحيرين وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الكافر الضُّرُّ المرض والفقر دَعانا لِجَنْبِهِ أي مضطجعا أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً أي في كل حال فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ على كفره كَأَنْ مخففة واسمها محذوف أي كأنه لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ كما زين له الدعاء عند الضر والإعراض عند الرخاء زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ المشركين ما كانُوا يَعْمَلُونَ (12) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأمم مِنْ قَبْلِكُمْ يا أهل مكة لَمَّا ظَلَمُوا بالشرك وَقد جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ الدالات على صدقهم وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عطف\r______________________________\rمقامه ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. قوله: لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ أي لهلكوا جميعا، والمعنى أن الناس عند الغضب والضجر، قد يدعون على أنفسهم وأهليهم وأولادهم بالموت، وتعجيل البلاء كما يدعونه بالرزق والرحمة، فلو أجابهم اللّه إذا دعوه بالشر الذي يستعجلونه به مثل ما يجيبهم إذا دعوه بالخير، لأهلكهم، ولكنه من فضله وكرمه يستجيب للداعي بالخير، ولا يستجيب للداعي بالخير، ولا يستجيب له بالشر، فالعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، قوله: (بالبناء للمفعول وللفاعل) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله:\r(بالرفع والنصب) لف ونشر مرتب، فالرفع نائب فاعل، والنصب مفعول به. قوله: (بأن يهلكهم) أي قبل قوتهم. قوله: (و لكن يمهلهم) أي فضلا منه وكرما إلى أن يأتي أجلهم، فإذا جاء لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، فالمؤمن يلقى النعيم الدائم، والكافر يلقى العذاب الدائم.\rقوله: الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا أي الذين لا يخافون عقابنا، ولا يؤمنون بالبعث بعد الموت.\rقوله: فِي طُغْيانِهِمْ أي الذي هو انكار البعث والمقالات الشنيعة. قوله: يَعْمَهُونَ حال على فاعل يَرْجُونَ. قوله: (يترددون متحيرين) أي في الفرار من العذاب، فلا يجدون لهم مفرا.\rقوله: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ وجه مناسبة هذه الآية لما قبلها، أنه لما وبخهم على الدعاء بالشر لأنفسهم، بين هنا غاية عجزهم وضعفهم، وأنهم لا يقدرون على إيجاد شيء ولا إعدامه. قوله: (الكافر) مثله ناقص الإيمان، المنهمك في المعاصي. قوله: لِجَنْبِهِ حال من فاعل دَعانا، واللام بمعنى على. قوله: أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً يحتمل أن أو على بابها، لأن المضار، إما ثقيلة تمنعه القيام والقعود، أو خفيفة لا تمنع ذلك، أو متوسطة تمنعه القيام دون القعود. ويحتمل أن أو بمعنى الواو، فهو إشارة لتوزيع الأحوال، وإلى هذا أشار المفسر بقوله: أي في جميع الأحوال. قوله: مَرَّ (على كفره) أي استمر عليه. قوله: كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا الجملة في محل نصب حال من فاعل مَرَّ والمعنى استمر هو على كفره، مشبها بمن لم يدعنا أصلا أي رجع إلى حالته الأولى، وترك الالتجاء إلى ربه. قوله: لِلْمُسْرِفِينَ أي المتجاوزين الحد. قوله:\rما كانُوا يَعْمَلُونَ أي عملهم فالواجب على الإنسان، دوام الدعاء والتضرع والالتجاء لجانب اللّه في كل حال، سيما في حال الصحة والغنى، لأنه يشدد عليه فيهما، ما لا يشدد عليه في غيرهما.\rقوله: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. قوله: لَمَّا ظَلَمُوا أي حين ظلمهم. قوله: وَجاءَتْهُمْ قدره المفسر إشارة إلى أن الجملة حالية من فاعل ظَلَمُوا. قوله: (عطف على ظلموا) أي كأنه قيل: حين ظلموا، وحين لم يكونوا مؤمنين. والمعنى أن","part":2,"page":89},{"id":689,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 90\rعلى ظلموا كَذلِكَ كما أهلكنا أولئك نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) الكافرين ثُمَّ جَعَلْناكُمْ يا أهل مكة خَلائِفَ جمع خليفة فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) فيها وهل تعتبرون بهم فتصدقوا رسلنا وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا القرآن بَيِّناتٍ ظاهرات حال قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا لا يخافون البعث ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا ليس فيه عيب آلهتنا أَوْ بَدِّلْهُ من تلقاء نفسك قُلْ لهم ما يَكُونُ ينبغي لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ قبل نَفْسِي إِنْ ما أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي بتبديله عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) هو يوم القيامة قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ أعلمكم بِهِ ولا نافية عطف على ما قبله وفي قراءة بلام جواب لو أي لأعلمكم به على لسان غيري فَقَدْ لَبِثْتُ مكثت فِيكُمْ\r______________________________\rسبب إهلاكهم شيئان: ظلمهم وعدم إيمانهم.\rقوله: ثُمَّ جَعَلْناكُمْ عطف على أَهْلَكْنَا. قوله:\rخَلائِفَ فِي الْأَرْضِ أي متخلفين من بعد القرون، بسبب أن اللّه أورثكم أرضهم وديارهم، فمن يوم بعث اللّه محمدا فجميع الخلق الموجودون من يومئذ إلى يوم القيامة من أمته مسلمهم وكافرهم، وهم خلفاء الأرض. قوله: لِنَنْظُرَ أي ليظهر متعلق علمنا، ونعاملهم معاملة من ينظر، وفي الكلام استعارة تمثيلية، حيث شبه حال العباد مع ربهم، بحال رعية مع سلطانها في إمهالهم لنظر ماذا تفعل، واستعير الاسم الدال على المشبه به للمشبه، على سبيل التمثيل والتقريب، وللّه المثل الأعلى. قوله: كَيْفَ تَعْمَلُونَ أي فهل تصدقون رسلنا أو تكذبونهم.\rقوله: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ فيه التفات من الخطاب للغيبة. قوله: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أي من عند ربك، إن كنت صادقا في أنه من عند اللّه. قوله: أَوْ بَدِّلْهُ أي بأن تجعل مكان سب آلهتنا مدحهم، ومكان الحرام حلالا، وهذا الكلام من الكفار، يحتمل أن يكون على سبيل الاستهزاء والسخرية، ويحتمل أنه على سبيل الامتحان، ليعلموا كونه من عند اللّه فلا يقدر على تغييره ولا تبديله أو من تلقاء نفسه فيقدر على ذلك، والأول هو المتبادر من حالهم. قوله: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ إلخ.\rأي لا يليق مني ولا يصح. قوله: إِنِّي أَخافُ تعليل لما قبله.\rقوله: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ مفعول شاء محذوف، أي عدم إنزاله. قوله: وَلا أَدْراكُمْ أدرى فعل ماض، وفاعله مستتر يعود على اللّه، والكاف مفعول به. قوله: (و لا نافية) أي وجملة أَدْراكُمْ مؤكدة لما قبلها، عطف عام على خاص، والمعنى لو شاء اللّه عدم إنزاله ما تلوته عليكم ولا أعلمكم به مني ولا من غيري. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (بلام) أي وهي للتأكيد، والمعنى لو شاء اللّه عدم تلاوتي ما تلوته عليكم ولا أعلمكم به غيري، بأن ينزله على لسان نبي غيري، ونتيجة هذا القياس محذوفة، تقديره لكن شاء اللّه إنزاله علي، فأنا أتلوه عليكم، وأنا أعلمكم به.\rقوله: فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً هذا هو وجه الاحتجاج عليهم، والمعنى أن كفار مكة شاهدوا رسول اللّه قبل مبعثه، وعلموا أحواله، وأنه كان أميا لم يقرأ كتابا ولا تعلم من أحد. وذلك مدة أربعين سنة، ثم بعدها جاءهم بكتاب عظيم الشأن، مشتمل على نفائس العلوم والأحكام والآداب ومكارم الأخلاق، فكل من له عقل سليم وفهم ثابت، يعلم أن هذا القرآن من عند اللّه. لا من عند نفسه.","part":2,"page":90},{"id":690,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 91\rعُمُراً سنينا أربعين مِنْ قَبْلِهِ لا أحدثكم بشيء أَفَلا تَعْقِلُونَ (16) أنه ليس من قبلي فَمَنْ أي لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بنسبة الشريك إليه أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ القرآن إِنَّهُ أي الشأن لا يُفْلِحُ يسعد الْمُجْرِمُونَ (17) المشركون وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره ما لا يَضُرُّهُمْ إن لم يعبدوه وَلا يَنْفَعُهُمْ إن عبدوه وهو الأصنام وَيَقُولُونَ عنها هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ لهم أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ تخبرونه بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ استفهام إنكار إذ لو كان له شريك لعلمه إذ لا يخفى عليه شيء سُبْحانَهُ تنزيها له وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) معه وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً على دين واحد وهو الإسلام من لدن آدم إلى نوح وقيل من عهد إبراهيم إلى عمر بن لحي فَاخْتَلَفُوا بأن ثبت بعض وكفر\r______________________________\rقوله: (سنينا) منصوب بفتحة ظاهرة، وقد مر المفسر على طريقة من يجعله مثل حين. ومنه حديث:\r«اللهم اجعلنا عليهم سنينا كسنين يوسف» في احدى الروايتين. قوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ أي أعميتم عن الحق، فلا تعقلونه. قوله: (أي لا أحد) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي. قوله: (بنسبة الشريك إليه) أشار المفسر إلى أن الخطاب متوجه لهم. والمعنى على ذلك: أنكم افتريتم على اللّه الكذب، فزعمتم أن له شريكا واللّه منزه عنه، وثبت عندكم صدقي بالقرآن، فكذبتم بآياته.\rقوله: وَيَعْبُدُونَ عطف على ما تقدم، عطف قصة على قصة، بيان لقبائحهم، وفي الحقيقة عبادتهم غير اللّه، تسبب عنه ما تقدم من افترائهم وتكذيبهم بالآيات.\rقوله: ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ ما اسم موصول أو نكرة موصوفة، ونفي الضر والنفع هنا باعتبار ذواتهم وإثباتهما في قوله تعالى: يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ باعتبار السبب. قوله: (و هو الأصنام) بيان لما. قوله: وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قال أهل المعاني: توهموا أن عبادتها أشد في تعظيم اللّه من عبادتهم إياه. وقالوا: لسنا بأهل أن نعبد اللّه ولكن نشتغل بعبادة هذه الأصنام، فإنها تكون شافعة لنا عند اللّه، قال تعالى إخبارا عنهم ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى. إن قلت إنهم ينكرون البعث ففي أي وقت يشفعون لهم على زعمهم؟ أجيب: بأنهم يرجون شفاعتهم في الدنيا في إصلاح معايشهم. قوله: بِما لا يَعْلَمُ المقصود نفي وجود الشريك بنفي لازمه، لأن علمه تعالى محيط بكل شيء، فلو كان موجودا لعلمه اللّه، وحيث كان غير معلوم للّه وجب أن لا يكون موجودا، وهذا مثل مشهور، فإن الإنسان إذا أراد نفي شيء وقع منه، يقول ما علم اللّه ذلك مني، أي لم يحصل ذلك من قط. قوله: فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ حال من العائد المحذوف في يعلم. قوله: (استفهام انكار) أي بمعنى النفي.\rقوله: إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً أي متفقين على الحق والتوحيد من غير اختلاف. قوله: (من لدن آدم إلى نوح) إلخ. ويجمع بينهما بأن عبادة اللّه وحده، استمرت من آدم إلى نوح، فظهر في أمة نوح من يعبد غير اللّه، قال تعالى في شأنهم وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً الآية، فأخذوا بالطوفان، واستمر من يعبد اللّه وحده إلى زمن إبراهيم، فظهر في أمته من يعبد غير اللّه، فأهلكوا بالبعوض، واستمر من يعبد اللّه وحده، إلى أن ظهر عمرو بن لحي، وهو أول من بحر البحائر، وسيب السوائب في الجاهلية، إلى أن ظهر سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم.","part":2,"page":91},{"id":691,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 92\rبعض وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ بتأخير الجزاء إلى يوم القيامة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي الناس في الدنيا فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) من الدين بتعذيب الكافرين وَيَقُولُونَ أي أهل مكة لَوْ لا هلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ كما كان للأنبياء من الناقة والعصا واليد فَقُلْ لهم إِنَّمَا الْغَيْبُ ما غاب عن العباد أي أمره لِلَّهِ ومنه الآيات فلا يأتي بها إلا هو وإنما على التبليغ فَانْتَظِرُوا العذاب إن لم تؤمنوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ أي كفار مكة رَحْمَةً مطرا وخصبا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ بؤس وجدب مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا بالاستهزاء والتكذيب قُلِ لهم اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً مجازاة إِنَّ رُسُلَنا الحفظة يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (21) بالتاء والياء هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ وفي قراءة ينشركم فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ\r______________________________\rقوله: وَلَوْ لا كَلِمَةٌ المراد بها حكمه الأزلي، بتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة. قوله: فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أي في الدين الذي يختلفون بسببه. قوله: (بتعذب الكافرين) متعلق بقضى.\rقوله: (هلا) أشار بذلك إلى أن لَوْ لا تحضيضية. قوله: آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي معجزة كما كان للأنبياء، قال تعالى حكاية عنهم وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً الآية. قوله: إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ أي مختص به لا يقدر على الإتيان بشيء منه إلا اللّه، وإنما لم يجابوا بعين مطلوبهم، لعلمه بقاء هذه الأمة وهذا الدين إلى يوم القيامة، وقد جرت عادته سبحانه وتعالى، أن القوم الذين يطلبون الآيات، إذا جاءت ولم يؤمنوا بها، يعجل لهم الهلاك، فعدم إجابتهم على طبق ما طلبوا رحمة بهم. قوله: إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ أي لما يفعله بكم.\rقوله: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً هذا جواب آخر عن قول أهل مكة لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ، ذلك أنه لما اشتد من أهل مكة العناد وعدم الإذعان، ابتلاهم اللّه بالقحط سبع سنين، ثم رحمهم بعد ذلك بإنزال المطر والخصب، فجعلوا ذلك هزوا وسخرية، واضافوا المنافع إلى الأصنام. وقالوا: لو كان القحط بسبب ذنوبنا كما يقول محمد، ما حصل لنا بعد ذلك الخصب لأنا لم نتب، فإذا كان كذلك فعلى تقدير أن يعطوا ما سألوا من إنزال ما طلبوه لا يؤمنون. قوله: (بالاستهزاء) إلخ، تفسير للمكر.\rقوله: أَسْرَعُ مَكْراً أي أعجل عقوبة من سرعة مكرهم، وتسمية عقوبة اللّه مكرا مشاكلة. قوله: إِنَّ رُسُلَنا تعليل لأسرعية مكره، وتنبيه على أن ما دبروه غير خاف على الحفظة، فضلا عن العليم الخبير.\rقوله: (بالتاء والياء) أي لكن الأولى سبعية والثانية عشرية.\rقوله: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ الجملة المعرفة الطرفين تفيد الحصر، أي لا مسير لكم في البر والبحر إلا هو، وهذا من جملة أدلة توحيده. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية ايضا من النشر، وهو البث والتفريق، المعنى يفرقكم ويبثكم في البر والبحر. والرسم متقارب، لكن طولت السنة الثانية وهي النون في القراءة الثانية، وطولت السنة التي قبل الراء وهي الياء على القراءة الأولى. قوله: فِي الْبَرِّ أي مشاة وركبانا. قوله: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ غاية للسير في البحر، والفلك يستعمل مفردا وجمعا، فحركته في المفرد كحركة قفل، وحركته في الجمع كحركة بدن، وهنا مستعمل في الجمع بدليل وجرين، وفي آية في","part":2,"page":92},{"id":692,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 93\rفِي الْفُلْكِ السفن وَجَرَيْنَ بِهِمْ فيه التفات عن الخطاب بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ لينة وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ شديدة الهبوب تكسر كل شيء وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ أي أهلكوا دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الدعاء لَئِنْ لام قسم أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ الأهوال لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) الموحدين فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ بالشرك يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ ظلمكم عَلى أَنْفُسِكُمْ لأن إثمه عليها هو مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا تمتعون فيها قليلا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ بعد الموت فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23) فنجازيكم عليه وفي قراءة بنصب متاع أي تتمتعون إِنَّما مَثَلُ صفة الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ مطر أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ بسببه نَباتُ الْأَرْضِ واشتبك بعضه ببعض مِمَّا\r______________________________\rالفلك المشحون مستعمل مفردا. قوله: (فيه التفات عن الخطاب) أي إلى الغيبة، وحكمته زيادة التقبيح على الكفار، لأن شأنهم عدم شكر النعمة، وأما الخطاب أولا فهو لكل شخص مسلم أو كافر بتعداد النعم عليهم. قوله: بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ أي يحصل المقصود بلطف.\rقوله: وَفَرِحُوا بِها الجملة حالية من ضمير بِهِمْ وقد مقدرة. قوله: وَظَنُّوا أي أيقنوا.\rقوله: (أي اهلكوا) أي ظنوا الهلاك، لقيام الأسباب بهم. قوله: مُخْلِصِينَ أي غير مشركين معه شيئا من آلهتهم. قوله: لَئِنْ أَنْجَيْتَنا هذا مقول لقول محذوف بيان لمحصل الدعاء والتقدير قائلين: وعزتك وجلالك لئن أنجيتنا. قوله: مِنَ الشَّاكِرِينَ أي على نعمائك الموحدين لك.\rقوله: إِذا هُمْ يَبْغُونَ إذ للمفاجأة، والمعنى فحين انجاهم فاجؤوا الفساد وبادروا إليه. قوله: بِغَيْرِ الْحَقِ إما وصف كاشف، أو احترز به عن البغي بحق، كاستيلاء المسلمين على الكفار، وتخريب دورهم، وإتلاف أموالهم، كما فعل رسول اللّه بقريظة. قوله: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ الكلام على حذف مضاف، أي إثم بغيكم كما يشير له المفسر بقوله: (لأن إثمه عليها) والمعنى أن وبال بغيكم راجع لأنفسكم، لا يضر اللّه منه شيء، كما لا تنفعه طاعة المطيع، قال تعالى: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها وقال العارف: ماذا يضرك وهو عاص، أو يفيدك وهو طائع، فإشراك المشرك لا يثبت للّه شريكا، بل هو محض افتراء وكذب، ووباله على صاحبه، وتوحيد الموحد لا يثبت للّه وحدة، بل هي ثابتة أزلا وأبدا، بل معنى وحدت ربي، قامت وحدته بقلبي وامتزجت بلبي، وليس المعنى أنه أثبت له وحدة لم تكن، فإن هذا هو الكفر بعينه، وفي ذلك قال العارف:\rما وحد الواحد من واحد ... إذ كل من وحده جاحد\r\rقوله: مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا قدر المفسر هو إشارة إلى أنه بالرفع خبر لمحذوف. قوله: (تمتعون فيها قليلا) أي زمنا قليلا. قوله: ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ أي لا مفر لهم من ذلك، وإنما إمهالهم وتأخيرهم من حلمه سبحانه وتعالى. قوله: (فنجازيكم عليه) أي على ما عملتم من خير وشر. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (بنصب متاع) أي مفعول لفعل محذوف، قدره المفسر بقوله أي تمتعون.\rقوله:\rإِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا بيان لشأن الدنيا، وأن مدتها قصيرة، والمعنى صفتها في سرعة انقضائها، وكونكم متعززين بها كماء إلخ. قوله: كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ حكمة تشبيهها بماء السماء دون ماء","part":2,"page":93},{"id":693,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 94\rيَأْكُلُ النَّاسُ من البر والشعير وغيرهما وَالْأَنْعامُ من الكلأ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها بهجتها من النبات وَازَّيَّنَتْ بالزهر وأصله تزينت أبدلت التاء زايا وأدغمت في الزاي وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها متمكنون من تحصيل ثمارها أَتاها أَمْرُنا قضاؤنا أو عذابنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها أي زرعها حَصِيداً كالمحصود بالمناجل كَأَنْ مخففة أي كأنها لَمْ تَغْنَ تكن بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ نبين الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ أي السلامة وهي الجنة بالدعاء إلى الإيمان وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ هدايته إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (25)\r______________________________\rالأرض، إشارة إلى أن الدنيا تأتي بلا كسب من صاحبها، ولا تعان منه كماء السماء بخلاف ماء الأرض فينال بالآلات. قوله: (و غيرهما) أي كالذرة والحمص واللوبياء والفول ونحو ذلك. قوله: (من الكلأ) هو الشعب رطبا أو يابسا. قوله: حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها غاية لمحذوف أي ما زال ينمو ويزهو حتى إلخ. والمعنى استوفت واستكملت الأرض زخرفها من النبات، وتم سرور أهلها بها أتاها أمرنا إلخ. قوله: (بالزهر) أي أنواعه من أحمر وأصفر وأبيض وأخضر وغير ذلك. قوله: (و أدغمت في الزاي) أي بعد تسكينها وأتى بهمزة الوصل لأجل النطق بالساكن، فلما دخلت الواو حذفت للاستغناء عنها.\rقوله: (متمكنون من تحصيل ثمارها) أي من أخذ ما أنبتته من ثمار وزروع وبقول. قوله: أَتاها أَمْرُنا جواب إذا. قوله: (كالمحصود) أي المقطوع. قوله: كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ أي كأن لم تكن تلك الأشجار والنباتات والزروع ثابتة قائمة على ظهر الأرض، وهذا مثل للراغب في زهرة الدنيا وبهجتها، الراكن لها، المعرض عن الآخرة، فكما أن النبات الذي عظم الرجاء فيه، والانتفاع به؛ أتته المتلفات بغتة ويئس منه، كذلك المتمسك بالدنيا، إذا افتخر بها وتعزز، يأتيه الموت بغتة فيسلب ما كان فيه من نعيم الدنيا ولذتها. قوله: بِالْأَمْسِ المراد به الزمن الماضي، لا خصوص اليوم الذي قبل يومك. قوله:\rكَذلِكَ أي كما فصلنا في ضرب المثل. قوله: نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أي فليس هذا المثل قاصرا على شخص دون شخص، بل هو عبرة لمن كان له بصيرة وتدبر، فينبغي للإنسان أن ينزل القرآن في خطاباته على نفسه، ويتأمل فيها ويتدبر، ليأتمر بأوامره، وينتهي بنواهيه.\rقوله: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ لما ذكر سبحانه وتعالى صفة الدنيا، ورغب في الزهد فيها، والتجنب لزخارفها، رغب في الآخرة ونعيمها، حيث أخبر أنه بعظمته وجلاله وكبريائه، يدعو إلى دار السّلام، والسّلام اسم من اسمائه تعالى، ومعناه المنزه عن كل نقص، المتصف بكل كمال، وأضيفت الدار للسلام، لأنها سالمة من الآفات والكدرات، كما أن معنى السّلام السالم من كل نقص، وقيل المراد بالسلام السلامة من الآفات والنقائص، وعليه درج المفسر. قوله: (و هي الجنة) أشار بذلك إلى أن المراد بهذا الاسم، ما يشمل جميع الجنات، لا خصوص المسماة بهذا الاسم، من باب تسمية الكل باسم البعض، وكذا يقال في باقي دورها، كدار الجلال، وجنة النعيم، وجنة الخلد، وجنة المأوى، والفردوس، وجنة عدن، فهذه الأسماء كما تطلق على مسمياتها، يطلق كل اسم منها على جميع دورها، لصدق الاسم على المسمى في كل. قوله: (بالدعاء والإيمان) أي فهو سبب لدخول الجنة، وإن كان صاحبه عاصيا، فلدار في استحقاق الجنة على مجرد الإيمان.\rقوله: وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي يوصله إلى السعادة الكاملة. قوله: (هدايته) هذا هو مفعول يشاء.","part":2,"page":94},{"id":694,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 95\rدين الإسلام لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا بالإيمان الْحُسْنى الجنة وَزِيادَةٌ هي النظر إليه تعالى كما في حديث مسلم وَلا يَرْهَقُ يغشى وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ سواد وَلا ذِلَّةٌ كآبة أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (26) وَالَّذِينَ عطف على للذين أحسنوا أي وللذين كَسَبُوا السَّيِّئاتِ عملوا الشرك جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ زائدة عاصِمٍ\r______________________________\rقوله: إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي طريق قويم لا اعوجاج فيه، وحذف مقابل وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلخ.\rتقديره ويضل من يشاء عنه، فالضلال والهدى بيد اللّه، يعطي أيهما شاء لمن شاء.\rقوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا خبر مقدم، والْحُسْنى مبتدأ مؤخر. قوله: (بالإيمان) أي ولو صحبه ذنوب، فعصاة المؤمنين لهم الحسنى وزيادة، وإن كانت مراتب أهل الجنة متفاوتة، فليس المنهمكون في طاعة اللّه كغيرهم. قوله:\r(هي النظر إليه تعالى) هذا قول جمهور الصحابة والتابعين، وقيل المراد بالزيادة رضوان اللّه الأكبر، وقيل مضاعفة الحسنات، وقيل الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب، ولكن القول الأول هو الذي عليه المعول، لأن النظر إليه تعالى يستلزم جميع ذلك، ويدل له على ما ورد «إذ دخل أهل الجنة الجنة، يقول اللّه تعالى: تريدون شيئا أزيدكم، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما يعطون شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم تبارك وتعالى» زاد في رواية: ثم تلا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ. واعلم أن الناس جميعا في الجنة، ينظرون إليه سبحانه وتعالى، في مثل يوم الجمعة من الأسبوع، وفي مثل يوم العيد من السنة، وهذه هي الرؤية العامة لجميع أهل الجنة، وللخواص مراتب متفاوتة، فمنهم من يراه في كل صباح ومساء، ومنهم من يراه في مثل أوقات الصلوات الخمسة، ومنهم من لا يحجب عن الرؤية أبدا لما قيل: إن للّه رجالا لو حجبوا عن الرؤية طرفة عين، لتمنوا الخروج من الجنة.\rقوله: وَلا يَرْهَقُ الجملة مستأنفة. قوله: (سواد) أي وغبار، فأهل الجنة بيض الوجوه في غاية من البسط والجمال، فلا يعتريهم نكد ولا كدر، قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ.\rقوله: أُولئِكَ أي المحدث عنهم أن لهم الحسنى وزيادة. قوله: هُمْ فِيها خالِدُونَ أي لا يخرجون منها أبدا.\rقوله: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ شروع في ذكر صفات أهل النار، إثر ذكر صفات أهل الجنة. قوله: (عطف على الذين أحسنوا) أي ويكون فيه العطف على معمولي عاملين مختلفين، لأن الَّذِينَ معطوف على الَّذِينَ الأول، والعامل فيه الابتداء الذي هو الحسنى، وقوله: جَزاءُ سَيِّئَةٍ معطوف على الْحُسْنى والعامل فيه الابتداء، وهذا الوجه فيه خلاف بين النحويين، ولذا حاول بعضهم إعراب الآية، حتى ذكر فيه سبعة أوجه، أحسنها إن قوله: الَّذِينَ مبتدأ أول، وجَزاءُ سَيِّئَةٍ مبتدأ ثان، وبِمِثْلِها خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، والباء زائدة، ويدل لزيادتها قوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ. قوله: بِمِثْلِها أشار بذلك إلى الفرق بين الحسنات والسيئات فالحسنات مضاعفة بفضل اللّه والسيئات جزاؤها مثلها، عدلا منه سبحانه وتعالى، قال صاحب الجوهرة: فالسيئات عنده بالمثل، والحسنات ضوعفت بالفضل.\rقوله: وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ أي يغشاهم الذل والكآبة. قوله: ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ أي من عذابه","part":2,"page":95},{"id":695,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 96\rمانع كَأَنَّما أُغْشِيَتْ ألبست وُجُوهُهُمْ قِطَعاً بفتح الطاء جمع قطعة وإسكانها أي جزءا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (27) وَاذكر يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ أي الخلق جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ نصب بالزموا مقدرا أَنْتُمْ تأكيد للضمير المستتر في الفعل المقدر ليعطف عليه وَشُرَكاؤُكُمْ أي الأصنام فَزَيَّلْنا ميزنا بَيْنَهُمْ وبين المؤمنين كما في آية وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ قالَ لهم شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (28) ما نافية وقدم المفعول للفاصلة فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ مخففة أي إنا كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (29) هُنالِكَ أي ذلك اليوم تَبْلُوا من البلوى وفي قراءة بتاءين من التلاوة\r______________________________\rوسخطه. قوله: كَأَنَّما أُغْشِيَتْ أي غطيت. قوله: (و إسكانها) أي فهما قراءتان سبعيتان، والمعنى على الأولى، كأن أجزاء الليل غطتهم ولبستهم، وعلى الثانية: كأن جزءا من الليل غشيتهم وغطى وجوههم، وهذه الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ وما مشى عليه المفسر من أن القطع بالسكون الجزء هو أحد أقوال في تفسيره، وقيل هو سواد الليل، وقيل هو ظلمة آخر الليل. قوله: مُظْلِماً حال من الليل. قوله: أُولئِكَ أي الموصوفون بما ذكر. قوله:\rأَصْحابُ النَّارِ أي المستحقون لها. قوله: هُمْ فِيها خالِدُونَ أي ماكثون على سبيل الخلود والتأبيد.\rقوله: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ شروع في ذكر محاجة أهل الشرك مع معبوداتهم، إثر بيان أصحاب النار، ويَوْمَ ظرف معمول لمحذوف قدره المفسر بقوله: (اذكر). قوله: (نصب بالزموا) أي على أنه مفعول به، والمعنى الزموا هذا المكان ولا تبرحوا عنه، أو ظرف يجعل الزموا بعنى قفوا. قوله: (تأكيد للضمير المستتر) أي الذي هو الواو، وتسميته مستترا فيه مسامحة، إذا الواو من الضمائر البارزة، وقد يجاب بأن المراد بالاستتار عدم الذكر بالفعل. قوله: (المقدر) أي الذي هو الزموا، والإخبار بهذا الأمر للتهديد يصدر من اللّه على لسان ملك لا مباشرة. لقوله تعالى: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ.\rقوله: فَزَيَّلْنا من التزييل وهو التفريق والتمييز، يقال زيّل ضأنك من معزك أي فرق بينها وميز هذا من هذا، ووزنه فعل بالتضعيف، فهو من باب ذوات الياء، أو فعيل وأصله زيول، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء، وادغمت في الياء فهو من باب ذوات الواو. قوله:\rبَيْنَهُمْ (و بين المؤمنين) هكذا فهم المفسر، وهو بعيد من سابق الكلام ولا حقه، وقيل ميزنا بينهم وبين معبوداتهم وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا وهو الأقرب، لأن الكلام فيه.\rقوله: وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ إنما أضيفت الشركاء لهم، لأنهم اتخذوها شركاء للّه في العبادة. قوله:\rما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ قال مجاهد: تكون في القيامة ساعة فيها شدة، تنصب لهم الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون اللّه، فتقول الآلهة: واللّه ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل، ولا نعلم أنكم كنتم تعبدوننا، فيقولون: واللّه إياكم كنا نعبد،\rفتقول الآلهة لهم: فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ. قوله: (للفاصلة) أي تناسب رؤوس الآي. قوله: لَغافِلِينَ أي لا علم لنا بذلك.\rقوله: هُنالِكَ إشارة للمكان البعيد، وهو الموقف الذي يدهش العقول. قوله: تَبْلُوا أي تختبر وتعلم. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا من التلاوة، أي تقرأ ما أسلفته وقدمته، فتجده","part":2,"page":96},{"id":696,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 97\rكُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ قدمت العمل وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِ الثابت الدائم وَضَلَ غاب عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (30) عليه من الشركاء قُلْ لهم مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ بالمطر وَالْأَرْضِ بالنبات أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ بمعنى الإسماع أي خلقها وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ بين الخلائق فَسَيَقُولُونَ هو اللَّهُ فَقُلْ لهم أَفَلا تَتَّقُونَ (31) ه فتؤمنون فَذلِكُمُ الفعال لهذه الأشياء اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُ الثابت فَما ذا\r______________________________\rمسطرا في صحف الملائكة. قال تعالى: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ، أو من التلو، أي تتبع وتطلب ما أسلفته من أعمالها، وفي قراءة أيضا: نبلو بالنون بعدها باء موحدة، أم نختبر نحن، وكل بالنصب مفعول به عليها وهي شاذة. قوله: وَرُدُّوا أي المشركون. قوله: (الثابت الدائم) أي الذي لا يقبل الزوال أزلا ولا أبدا.\rقوله: وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي غاب عنهم افتراؤهم بظهور الحق، فلا ينافي أنهم معهم في النار، وهكذا كل من اعتمد على غير اللّه يقال له: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ الآية، فينبغي للإنسان أن يسعى في خلاص قلبه من الوهم الذي يلجئه إلى الاعتماد على غير اللّه، من جاه أو مال أو علم أو عمل أو غير ذلك، ليرى الحق حقا، والباطل باطلا، فيتبع الحق، ويجتنب الباطل. وبهذا الأمر يتبين الولي من العامي. فالولي يرى الأشياء كلها ظاهرا وباطنا من اللّه، فهو دائما مطمئن ساكن مسلم للّه في كل ما يفعله، والعامي يعتقد ذلك بقلبه، غير أن الوهم يخيل له أن لغير اللّه ضرا أو نفعا، فيكون دائما في تعب ونصب، وقد أشار العارف لذلك بقوله:\rوما الخلق في التمثال إلا كثلجة ... لها صورة لكن تبدت عن الماء\r\rفذو الكشف لم يشهد سوى الماء وحده ... تبدى بوصف الثلج من غير إخفاء\r\rومن حجبته صورة الثلج جاهل ... تغطى عليه الأمر من لمع أضواء\r\rقوله: قُلْ (لهم) مَنْ يَرْزُقُكُمْ إلخ، أمر اللّه سبحانه وتعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم، أن يقيم الحجة على المشركين، ويبطل ما هم عليه من الإشراك، بأسئلة ثمانية، أجاب المشركون عن الخمسة الأولى، وأجاب رسول اللّه عن الاثنين بعدها بتعليم اللّه له، وجواب الأخير لم يذكر للعلم به، وقد صرح به المفسر.\rقوله: مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي رزقا مبتدأ من السماء والأرض. قوله: (بالمطر) أي فهو سبب لإخراج نبات الأرض، فصح كون الرزق من السماء.\rقوله: أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ أي يخلقه ويحفظه من الآفات في كل لحظة، إذ هو معرض للزوال، لو لا حفظ اللّه ما ثبت. قوله: (بمعنى الإسماع) إنما قال ذلك ليوافق الأبصار. قوله: وَالْأَبْصارَ جمع بصر، والمعنى أن اللّه تعالى هو الخالق للأبصار، الواضع للنور فيها، الذي به الأبصار، وهو الحافظ له.\rقوله: وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ إلخ. تقدم أن المراد بالحي الإنسان والطير، وبالميت النطفة والبيضة. قوله: وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ عطف عام على خاص، لأن تدبير الأمر عام في كل شيء.\rقوله: فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ أي جوابا لمن تقدم. قوله: أَفَلا تَتَّقُونَ أي أدمتم على الشرك فلا","part":2,"page":97},{"id":697,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 98\rبَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ استفهام تقرير أي ليس بعده غيره فمن أخطأ الحق وهو عبادة اللّه وقع في الضلال فَأَنَّى كيف تُصْرَفُونَ (32) عن الإيمان مع قيام البرهان كَذلِكَ كما صرف هؤلاء عن الإيمان حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا كفروا وهي لأملأن جهنم الآية أو هي أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (33) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34) تصرفون عن عبادته مع قيام الدليل قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ بنصب الحجج وخلق الاهتداء قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ وهو اللّه أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي يهتدي إِلَّا أَنْ يُهْدى أحق أن يتبع استفهام تقرير وتوبيخ أي الأول أحق فَما لَكُمْ كَيْفَ\r______________________________\rتتقونه، ويؤخذ من هذا، أن المعرفة ليست هي الإيمان، إذ لو كانت هي الإيمان، لكان إقرارهم بأن اللّه هو الفعال لهذه الأشياء، توحيدا وإيمانا، بل الإيمان هو حديث للنفس التابع للمعرفة، أي قول النفس:\rآمنت وصدقت على التحقيق. قوله: (الثابت) أي الذي لا يقبل الزوال أزلا ولا أبدا. قوله: (استفهام تقرير) المناسب إنكار بدليل قوله: (أي ليس بعده غيره). قوله: (وقع في الضلال) أي الباطل وهو الشرك، لأنه لا واسطة بين الحق والباطل.\rقوله: فَأَنَّى تُصْرَفُونَ أي تمنعون، وهو استفهام تعجبي.\rقوله: كَذلِكَ الكاف في محل نصب نعت لمصدر محذوف، والتقدير مثل صرفهم عن الحق بعد الإقرار به حَقَّتْ إلخ. قوله: (و هي) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ* أي فالمراد نفذ القضاء والقدر، بأن جهنم تمتلىء من الجن والإنس، حتى تقول قط قط. قوله: (و هي) أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أو لتنويع الخلاف، أي فالمراد بكلمة اللّه على هذا القول، نفوذ قضاء اللّه وقدره بعدم إيمانهم.\rقوله: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ إلخ. هذا هو السؤال السادس. قوله: مَنْ يَبْدَؤُا أي ينشىء الخلق من العدم.\rقوله: ثُمَّ يُعِيدُهُ أي الخلق في القيامة للحساب والجزاء، وإنما لم يجيبوا عن هذا السؤال، وتولى اللّه الجواب عنه، لأنهم منكرون للبعض، فلو أجابوا لكان ذلك إقرارا منهم بالبعث، وصح أن يكون حجة عليهم، لقيام الأدلة والبراهين عليه، فلا يستطيعون أن ينازعوا في ذلك.\rقُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ هذا هو السؤال السابع. والمعنى: هل من شركائكم من يقيم الحجج، ويرسل الرسل، ويوفق العبيد لرشادهم؟ ولما لم يكونوا مسلمين ذلك تولى اللّه جوابه أيضا.\rقوله: قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِ أي فهو أحق بالإتباع، لا هذه الأصنام التي لا تهتدي بنفسها. قوله:\rأَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ هذه هو السؤال الثامن، وقد ذكر المفسر جوابه بقوله الأول (أحق). قوله:\rأَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ خبر قوله: أَفَمَنْ يَهْدِي والمعنى: أفمن يهدي إلى الحق حقيق بالإتباع، أم من لا يهدي إليه. قوله: أَمَّنْ لا يَهِدِّي أصله يهتدي، نقلت فتحة التاء إلى الهاء، وأبدلت التاء دالا، وادغمت في الدال، ويهدي بفتح الهاء وكسرها، وبكسر الياء والهاء معا، فالقراءات ثلاث وكلها سبعية، فكسر الهاء للتخلص من التقاء الساكنين، وكسر الياء اتباعا لكسر الهاء.\rقوله: إِلَّا أَنْ يُهْدى استثناء من أعم الأحوال. والمعنى لا يهتدي في حال من الأحوال، إلا في حال إهداء الغير إياه. ومعنى هداية الأصنام، كونها تنقل من مكان لآخر، فالمعنى لا تنتقل من مكان","part":2,"page":98},{"id":698,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 99\rتَحْكُمُونَ (35) هذا الحكم الفاسد من اتباع ما لا يحق اتباعه وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ في عبادة الأصنام إِلَّا ظَنًّا حيث قلدوا فيه آباءهم إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً فيما المطلوب منه العلم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (36) فيجازيهم عليه وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى أي افتراء مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وَلكِنْ أنزل تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ\r______________________________\rلآخر، إلا أن تحمل وتنقل، وهذا ظاهر في الأصنام، وأما مثل عيسى والعزيز، فمن لا يهدي لا يخلق الهدى، لا في نفسه ولا في غيره، فالخلق كلهم عاجزون، إذ لا يملكون لأنفسهم شيئا فضلا عن غيرهم.\rقوله: فَما لَكُمْ أي أي شيء ثبت لكم في هذه الحالة؟ قوله: كَيْفَ تَحْكُمُونَ أي بالباطل، وتجعلون للّه شركاء.\rقوله: وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ يفيد أن الأقل يعرفون أن اللّه منزه عن كل نقص متصف بكل كمال، غير أنهم يكفرون عنادا. قوله: (حيث قلدوا فيه آباءهم) أي فقالوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ. قوله: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً المراد بالظن خلاف التحقيق، فيشمل الشك والوهم، وهذا الكلام في حق الكفار، الذين اتبعوا غيرهم في الكفر وقلدوهم فيه، فلا عذر لهم في التقليد دنيا ولا أخرى، وأما المؤمن الخالص، الذي امتلأ قلبه بالإيمان حيث عجز عن قيام الأدلة على التوحيد، وقلد العارف فيه، فليس من هذا القبيل، بل هو مؤمن جزما لأنه ليس عنده ظن، بل جزم مطابق للواقع، وربما إن دام على الصدق، ومتابعة من يقلده، يرتقي في التوحيد إلى مقام أعلى وأجل من مقام من قلده، وأما القول بأنه كافر، فإنما يعرف لأبي هاشم الجبائي من المعتزلة، فلا يعول عليه. قوله:\rإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ هذا تهديد لهم، على ما وقع منهم من الأفعال الشنيعة والأحوال القبيحة.\rقوله: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ المقصود من هذا الكلام، الرد على من كذب القرآن، وزعم أن ليس من عند اللّه، والمعنى: لا ينبغي لهذا القرآن أن يختلق ويفتعل، لأن تراكيبه الحسنة أعجزت العالمين، وذلك لأن حسن الكلام على حسب سعة علم المتكلم واطلاعه، ولا أحد أعلم من رب العالمين فلذلك أعجز الخلائق جميعا لكونه في أعلى طبقات البلاغة، ولذلك قال صاحب الهمزية:\rأعجز الإنس آية منه ... والجن فهلا أتى به البلغاء\r\rإلى أن قال:\rسور منه أشبهت صورا ... منا ومثل النظائر النظراء\r\rقوله: (أي افتراء) أشار بذلك إلى أن خبر كان أَنْ وما دخلت عليه في تأويل مصدر. قوله:\rوَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ هذا الاستدراك وقع أحسن موقع، لأنه وقع بين نقيضين: الكذب والصدق، وتصديق بالنصب خبر لكان مقدرة، والتقدير ولكن مكان تصديق إلخ، أو مفعول لأجله بفعل محذوف، قدره المفسر بقوله: (أنزل)، وتَصْدِيقَ بمعنى مصدق، أو بولغ فيه، حتى جعل نفس التصديق على حد زيد عدل، وكذا يقال في قوله: وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ. قوله: (من الكتب) أي السماوية المنزلة على الأنبياء.\rقوله: وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ أي مفصل لما في الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، فالقرآن مفصل لما","part":2,"page":99},{"id":699,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 100\rتبيين ما كتبه اللّه من الأحكام وغيرها لا رَيْبَ شك فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (37) متعلق بتصديق أو بأنزل المحذوف وقرىء برفع تصديق وتفصيل بتقدير هو أَمْ بل أيَقُولُونَ افْتَراهُ اختلقه محمد قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ في الفصاحة والبلاغة على وجه الافتراء فإنكم عربيون فصحاء مثلي ادْعُوا للإعانة عليه مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (38) في أنه افتراء فلم يقدروا على ذلك، قال تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ أي القرآن ولم يتدبرونه وَلَمَّا لم يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ عاقبة ما فيه من الوعيد كَذلِكَ التكذيب كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ رسلهم فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39) بتكذيب الرسل أي آخر أمرهم من الهلاك فكذلك نهلك هؤلاء وَمِنْهُمْ أي أهل مكة مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لعلم اللّه\r______________________________\rكتب في اللوح المحفوظ، من علم ما كان وما يكون، وما هو كائن في الدنيا والآخرة، فمن أعطي شيئا من أسرار القرآن، فلا يحتاج للإطلاع على اللوح المحفوظ، بل يأخذ منه ما أراده. قوله: (و غيرها) أي المغيبات. قوله: لا رَيْبَ فِيهِ حال من التصديق والتفصيل، وهذا هو الأظهر. قوله: (متعلق بتصديق أو بإنزال) أي يكون قوله: لا رَيْبَ فِيهِ معترضا بين المتعلق والمتعلق. قوله: (و قرئ) أي شاذا.\rقوله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ أم منقطعة وتفسر ببل والهمزة، والمعنى أنهم أصروا على تلك المقالة، ولم يذعنوا للحق. قوله: (اختلقه محمد) أي افتعله وليس من عند اللّه.\rقوله: قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ هذا تبكيت لمقالتهم الفاسدة، وهي جواب الشرط مقدر، والتقدير إن كان الأمر كما تزعمون، فأتوا بسورة مثله. واعلم أن مراتب تحدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالقرآن أربعة. أولها:\rأنه تحداهم بجميع القرآن. قال تعالى: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ.\rثانيها: أنه تحداهم بعشر سور. قال تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ ثالثها: أنه تحداهم بسورة واحدة. قال تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ رابعها: أنه تحداهم بحديث مثله كما قال تعالى:\rفَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ. قوله: مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي من آلهتكم وغيرها من جميع المخلوقات.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه، أي فأتوا بسورة وادعوا، إلخ.\rقوله: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ أي بفهم ألفاظه ومعانيه العظيمة، فتكذيبهم لعدم فهمهم معناه، وجهلهم بفضله، ففي المثل: من جهل شيئا عاداه، وقال البوصيري:\rقد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم\r\rقوله: وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ أي لم ينزل بهم الوعيد، فيحملهم على التصديق قهرا، فتكذيبهم لأمرين جهلهم بفضله، وعدم إتيان الوعيد لهم. قوله: (من الوعيد) وهو العذاب الموعود به. قوله:\rكَذلِكَ (لتكذيب) أشار بذلك إلى أن الكاف بمعنى مثل، نعت لمصدر محذوف، أي مثل ذلك التكذيب كذبوا رسلهم. قوله: (فكذلك نهلك هؤلاء) أي بأن نسلطكم عليهم لتقتلوهم وليس المراد الهلاك العام بالخسف والمسخ مثلا، فإن ذلك مرفوع ببركته صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: وَمِنْهُمْ أي من أهل مكة المكذبين. قوله: مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ أي في المستقبل، والمعنى أن","part":2,"page":100},{"id":700,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 101\rذلك منه وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ أبدا وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40) تهديد لهم وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لهم لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أي لكل جزاء عمله أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41) وهذا منسوخ بآية السيف وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ إذا قرأت القرآن أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَ شبههم بهم في عدم الانتفاع بما يتلى عليهم وَلَوْ كانُوا مع الصم لا يَعْقِلُونَ (42) يتدبرون وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (43) شبههم بهم في عدم الاهتداء بل أعظم (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ\r______________________________\rأهل مكة المكذبين للقرآن، اقتسموا قسمين: قسم آمن بعد، وقسم لم يؤمن.\rقوله: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ أي داموا على تكذيبك. قوله: (أي لكل جزاء عمله) أي جزاء ما عمله من خير أو شر. قوله: (و هذا منسوخ بآية السيف) أي فبعد نزولها لم يقل ذلك، وفيه أن شرط الناسخ أن يكون رافعا لحكم المنسوخ، ومدلول الآية ثابت لم ترفعه آية السيف، إذ مدلول هذه الآية اختصاص كل بعمله وبراءة كل من عمل الآخر، وهذا حاصل مطلقا، فالوجه أنه لا نسخ في هذه الآية.\rقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أي من كفار مكة المكذبين للقرآن، فريق يصغون إلى قراءتك بآذانهم ولم يذعنوا بقلوبهم، فلا تطمع في إيمانهم، لوجود الختم على قلوبهم، فلا يفقهوا الحق ولا يتبعوه، وفي هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، كأن اللّه يقول له لا تحزن على عدم إيمانهم، فإنك لا تقدر أن تسمع الصم، ولو كانوا لا يعقلون.\rقوله: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَ الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، المعنى أنت لا تقدر أن تسمع من سلبه اللّه السمع. قوله: (شبههم) أي الكفار، وقوله: (بهم) أي بالصم، وقوله: (في عدم الانتفاع) هذا هو وجه الشبه، أي فكما أن معدم السمع لا ينتفع بالأصوات، فكذلك الكفار لا ينتفعون بسماع القرآن، لوجود الحجاب على قلوبهم. قوله: وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ أي لو كان مع الصمم عدم العقل، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، وجملة الشرط معطوفة على محذوف تقديره أأنت تسمع الصم إن عقلوا، بل ولو كانوا لا يعقلون، فأنت لا تسمعهم، فيكون المعنى أنت لا تسمع الصم عقلوا أو لم يعقلوا، فهم كالأنعام بل هم أضل.\rقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أي يبصرك بعينه. قوله: أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ يقال فيه ما قيل فيما قبله. قوله: وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ أي لا يتأملون ولا يتفكرون بقلوبهم، فيما جئت به من الدلائل العظيمة والشمائل الفخيمة، والمعنى أنت لا تهدي عمي القلوب، أبصروا أو لم يبصروا. قوله: (بل أعظم)\rقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً هذه الآية سيقت لدفع توهم أن اللّه حيث سلبهم العقل والسمع والبصر، فتعذيبهم على عدم الهدى ظلم، فدفع ذلك بأن الظلم هو التصرف في ملك الغير، ولا ملك لأحد معه سبحانه وتعالى، فتقديره الشقاوة على أهلها ليس بظلم منه، لأنه هو المالك الحقيقي، وهو يتصرف في ملكه كيف يشاء.\rقوله: وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ إنما قال ذلك، لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب الاختياري، فاللّه سبحانه وتعالى يعذب الشقي على ما اقترفه بالنظر للكسب الاختياري. فإن قيل: هو الخالق لذلك","part":2,"page":101},{"id":701,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 102\rكَأَنْ أي كأنهم لَمْ يَلْبَثُوا في الدنيا أو القبور إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ لهول ما رأوا وجملة التشبيه حال من الضمير يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ يعرف بعضهم بعضا إذا بعثوا ثم ينقطع التعارف لشدة الأهوال، والجملة حال مقدرة أو متعلق الظرف قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ بالبعث وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (45) وَإِمَّا فيه إدغام نون إن الشرطية في ما المزيدة نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ به من العذاب في حياتك، وجواب الشرط محذوف أي فذاك أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل تعذيبهم فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ مطلع عَلى ما يَفْعَلُونَ (46) من تكذيبهم وكفرهم فيعذبهم أشد العذاب وَلِكُلِّ أُمَّةٍ من الأمم رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ إليهم فكذبوه قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ بالعدل فيعذبون وينجى الرسول ومن صدقه وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (47) بتعذيبهم بغير جرم فكذلك نفعل بهؤلاء وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ بالعذاب إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (48) فيه\r______________________________\rالكسب، يقال: لا يسأل عما يفعل.\rقوله: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ أي نجمعهم للحساب، والضمير عائد على المشركين المنكرين للبعث، والمعنى ويوم نجمع المشركين في القيامة، ويعرف بعضهم بعضا، حال كونهم في وقت حشرهم، مشبهين بمن لم يلبثوا إلا زمنا قليلا من النهار. قوله: (لهول ما رأوا) أي فسبب ذلك، يعد الزمن السابق عليه يسيرا، إن كان في نفسه طويلا. قوله: (حال من الضمير) أي في يَحْشُرُهُمْ. قوله: (إذا بعثوا) دفع بذلك ما يقال: إن هذا معارض لقوله فلا أنساب بينهم. وحاصل الجواب: أنهم يتعارفون أولا، فإذا اشتد الهول نسي بعضهم بعضا. قوله: (و الجملة حال) أي من الواو في يَلْبَثُوا أو من الضمير في يَحْشُرُهُمْ وعلى هذا فالظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر. قوله: (أو متعلق الظرف) أي فهو معمول له، والتقدير يتعارفون وقت حشرهم. قوله: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا هذا إخبار من اللّه بحالهم الشنيع. قوله: وَما كانُوا مُهْتَدِينَ معطوف على جملة قَدْ خَسِرُوا المعنى وما كانوا واصلين للجنة أبدا.\rقوله: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ هذا تسليه له صلّى اللّه عليه وسلّم، كأن اللّه يقول له: لا تحزن، فإما نرينك عقوبتهم في حياتك، أو نؤخرهم إلى يوم القيامة، فهم لا يفلتون من عذابنا على كل حال، فاصبر ولا تضق، فإن الأمر لنا فيهم. قوله: (فذاك) أي هو المراد، وقد حصل ذلك؛ بأن بلغ اللّه نبيه الآمال فيمن عاداه، بسبب تسليمه الأمر فيهم لمالكهم، وهكذا يفعل اللّه بالظالم، إذا سلم المظلوم أمره لسيده، ولم يعترض على افعاله، وصبر على أحكامه، فبهذا ينال رضا اللّه، ويظفر بمطلوبه ممن ظلمه. وفي هذا المعنى قلت:\rأرح قلبك العاني وسلم له القضا ... تفز بالرضا فالأصل لا يتحول\r\rعلامة أهل اللّه فينا ثلاثة ... إيمان وتسليم وصبر مجمل\r\rقوله: فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ هذا هو جواب الشرط. قوله: ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ ثم لترتيب الأخبار، لا للترتيب الزماني.\rقوله: رَسُولٌ أي أرسله اللّه لهم. قوله: (فكذبوه) قدره إشارة إلى أن قوله: قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ مرتب على محذوف لا على قوله: فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ. قوله: وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي لأن تعذيبهم بسبب كسبهم، لما تقدم أن الرحمة تأتي من غير سابقة تقتضيها، وأما العذاب فلا بد وأن","part":2,"page":102},{"id":702,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 103\rقُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا أدفعه وَلا نَفْعاً أجلبه إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أن يقدرني عليه فكيف أملك لكم حلول العذاب لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ مدة معلومة لهلاكهم إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ يتأخرون عنه ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (49) يتقدمون عليه قُلْ أَرَأَيْتُمْ أخبروني إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ أي اللّه بَياتاً ليلا أَوْ نَهاراً ما ذا أي شيء يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ أي العذاب الْمُجْرِمُونَ (50) المشركون فيه، وضع الظاهر موضع المضمر، وجملة الاستفهام جواب الشرط كقولك إذا أتيتك ماذا تعطيني، والمراد به التهويل أي ما أعظم ما استعجلوه أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ حل بكم آمَنْتُمْ بِهِ أي اللّه أو العذاب عند نزوله، والهمزة لإنكار التأخير فلا يقبل منكم ويقال\r______________________________\rيكون بسبب فعل يقتضيه.\rقوله: وَيَقُولُونَ أي كفار مكة. قوله: مَتى هذَا الْوَعْدُ أي الذي تعدنا به، وهذا القول منهم على سبيل الاستهزاء والسخرية، قوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ خطاب للنبي والمؤمنين.\rقوله: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا إلخ. أي لا استطيع أن أدفع الضر، إن أراد اللّه نزوله بي، ولا أستطيع جلب نفع أراد اللّه منعه عني. قوله: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ يحتمل أن يكون متصلا، والتقدير إلا ما شاء اللّه أن أملكه وأقدر عليه، أو منقطعا، والتقدير لكن ما شاء اللّه من ذلك، فإني أملك لكم الضر وأجلب العذاب.\rقوله: لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ هذا من جملة ما أجابهم به، والمعنى حيث كان لكل أمة أجل محدود لا تتعداه، فلا معنى لاستعجالكم العذاب. قوله: (يتأخرون) إلخ. أشار بذلك إلى أن السين في يَسْتَأْخِرُونَ ويَسْتَقْدِمُونَ زائدة، والمعنى أنه إذا جاء الأجل الذي قدره اللّه لكل أمة، فلا يتأخرون عنه ولا يتقدمون عليه إن لم يجىء. إن قلت: ورد أن الصدقة تزيد في العمر، فالجواب: أن المراد بالزيادة البركة، لأن الأجل الذي سبق في علم اللّه لا يتغير.\rقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ أي قل للذين يستعجلون العذاب. قوله: (موضع المضمر) أي وهو الواو التي مع تاء المخاطب، والتقدير ماذا تستعجلون، وعدل عنه لأجل الوصف بالإجرام تبكيتا عليهم.\rقوله: (و جملة الاستفهام جواب الشرط) أي تقدير الفاء، لأن الجملة اسمية. قوله: (و المراد به) أي الاستفهام. قوله: (لإنكار التأخير) أي المستفاد من ثم، والتقدير أأخرتم ثم آمنتم به إذا وقع. والمعنى لا ينبغي هذا التأخير، لأن الإيمان في هذه الحالة غير نافع.\rقوله: آلْآنَ منصوب على الظرفية، والعامل فيه محذوف قدره المفسر بقوله: (تؤمنون) والفعل المقدر معمول على إضمار القول، وهو يقال لكم آلآن بهمزتين، الأولى همزة الاستفهام، والثانية همزة أل المعرفة، فإذا اجتمع هاتان الهمزتان وجب في الثانية، إما تسهيلها أو مدها بقدر ثلاث ألفات، وهما قراءتان سبعيتان، وقد وقع ذلك في القرآن في ستة مواضع: اثنان في الانعام آلذَّكَرَيْنِ* مرتين، وثلاثة في هذه السورة آلْآنَ* مرتين، وآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ، وواحد في النمل اللَّهُ خَيْرٌ، وأما تحقيق الهمزتين فلا","part":2,"page":103},{"id":703,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 104\rلكم آلْآنَ تؤمنون وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (51) استهزاء ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ أي الذي تخلدون فيه هَلْ ما تُجْزَوْنَ إِلَّا جزاء بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (52) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ يستخبرونك أَحَقٌّ هُوَ أي ما وعدتنا به من العذاب والبعث قُلْ إِي نعم وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53) بفائتين العذاب وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ كفرت ما فِي الْأَرْضِ جميعا من الأموال لَافْتَدَتْ بِهِ من العذاب يوم القيامة وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ على ترك الإيمان لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ أي أخفاها رؤساؤهم عن الضعفاء الذين أضلوهم مخافة التعيير\r______________________________\rيجوز. قوله: وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ الجملة حالية من فاعل آمَنْتُمْ. قوله: (استهزاء) أي تستعجلون على سبيل الاستهزاء.\rقوله: ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا إخبار عما يقع لهم في القيامة. قوله: هَلْ تُجْزَوْنَ الواو نائب الفاعل مفعول أول، وقوله: بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ مفعول ثان، وقوله: إِلَّا (جزاء) مفعول مطلق لتجزون. والمعنى لا تجزون إلا جزاء الذي كنتم تكسبونه من الكفر والتكفير. قوله: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ السين والتاء للطلب، والمعنى يسألونك أن تخبرهم عما وعدتهم به من العذاب: أحق هو؟ الخ.\rوَيَسْتَنْبِئُونَكَ فعل. مضارع، والواو فاعل، والكاف مفعول أول، وجملة أَحَقٌّ هُوَ في محل المفعول الثاني، وحق مبتدأ وهو خبر أو بالعكس، أو هو فاعل بحق أغنى عن الخبر، والشرط موجود، وهو اعتماد المبتدأ على الاستفهام.\rقوله: إِي وَرَبِّي إلخ. هذا أمر من اللّه لرسوله بأن يجيبهم بثلاثة أشياء، إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ. قوله: (نعم) أشار المفسر بذلك إلى أن إِي من أحرف الجواب، ولكنها مختصة بالقسم لا تستعمل في غيره، ومنه قول الناس إي واللّه، وقولهم إيوه، فالواو للقسم، والهاء مأخوذة من اللّه، ويحتمل أن الهاء للسكت، والمقسم به محذوف للعلم به، تقديره إي واللّه، وهذا هو الأقرب، لأن تقطيع اسم الجلالة غير لائق، قوله: إِنَّهُ لَحَقٌ جواب القسم. قوله: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ. يصح أن يكون معطوفا على إي، فيكون من جملة مقول القول، ويصح أن يكون جملة مستأنفة، خطابا من اللّه لهم، وليس من جملة مقول القول، وما يحتمل أنها حجازية، فاسمها الضمير، وبمعجزين خبرها، أو تميمية وما بعدها مبتدأ وخبر. قوله: (بفائتين العذاب) أي فارين منه، بل هو مدرككم لا محالة.\rقوله: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ إلخ. المعنى امتنع افتداء كل نفس من العذاب لامتناع ملكها لما تفتدى به، وهو جميع ما في الأرض. قوله: (كفرت) أي وماتت على كفرها. قوله: لَافْتَدَتْ بِهِ أي لجعلته فداء لها من العذاب، لكنه لا يحصل ذلك. قوله: وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ الضمير عائد على الرؤساء، والأسرار على حقيقته. والمعنى أن الرؤساء حين يرون العذاب يخفون الندامة خوف التعيير، وهذا ما مشى عليه المفسر، وقيل إن أسروا بمعنى أظهروا، من تسمية الأضداد، ولعل هذا هو الأقرب. قال تعالى: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ الآية.\rقوله: لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ ظرف لأسروا بمعنى حين، أو شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه.\rقوله: (مخافة التعيير) أي التوبيخ الواقع من الأتباع لهم. قوله: (بين الخلائق) أي فيقضى للمسلمين\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 2 105\r\rله: (مخافة التعيير) أي التوبيخ الواقع من الأتباع لهم. قوله: (بين الخلائق) أي فيقضى للمسلمين","part":2,"page":104},{"id":704,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 105\rوَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بين الخلائق بِالْقِسْطِ بالعدل وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (54) شيئا أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالبعث والجزاء حَقٌ ثابت وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ أي الناس لا يَعْلَمُونَ (55) ذلك هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (56) في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم يا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ كتاب فيه ما لكم وعليكم وهو القرآن وَشِفاءٌ دواء لِما فِي الصُّدُورِ من العقائد الفاسدة والشكوك وَهُدىً من الضلال وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) به قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ الإسلام وَبِرَحْمَتِهِ القرآن فَبِذلِكَ الفضل\r______________________________\rبالجنة، وللكفار بالنار، ويصح أن يكون المعنى بين الظالمين والمظلومين. قوله: (العدل) أي وهو عدم الجور والظلم.\rقوله: أَلا أداة تنبيه، يؤتى بها للاعتناء بما بعدها، ومناسبة هذه الآية لما قبلها، أنه لما ذكر أن كل نفس كافرة، تتمنى أنها لو تملك ما في الأرض لافتدت به، بين هنا أنه لا يملك ذلك لعدم ملكها، فإن للّه ما في السموات والأرض. قوله: أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ أي لا محيص عنه، بل هو واقع ولا بد.\rقوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي لقصور عقولهم بسبب استيلاء الغفلة عليهم فينكرون ذلك، والتعبير بأكثر، إشارة إلى أن الأقل يعلم ذلك، وهو واحد من ألف، لما تقدم في الحديث: «يا آدم أخرج بعث النار من ذريتك، فيخرج من كل ألف واحدا للجنة والباقي للنار». قوله: (فيجازيكم بأعمالكم) أي خيرها وشرها. قوله: (أي أهل مكة) أشار بذلك إلى أن الخطاب لهم، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\rقوله: مَوْعِظَةٌ مصدر وعظ بمعنى ذكر وأرشد لما ينفع من محاسن الأعمال، وزجر عما يضر من قبائحها.\rقوله: مِنْ رَبِّكُمْ صفة لموعظة، وفي هذا تنزل من اللّه لعباده، كأن اللّه يقول: الفداء في الآخرة لا ينفع، وأما في الدنيا فذلك نافع. قوله: وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ المراد بها القلوب، من باب تسمية الحال باسم المحل، والمعنى أن القرآن مذكر وواعظ، وبه الشفاء لما في القلوب من الحقد والحسد والبغض والعقائد الفاسدة. قوله: وَهُدىً أي نور يقذف في قلوب الكاملين، يميزون به الحق والباطل، وفي هذه الآية إشارة إلى الشريعة والطريقة والحقيقة، فأشار للشريعة بقوله: مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ لأن الشريعة بها تطهير الظواهر، وأشار للطريقة بقوله: وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ لأن الطريقة بها تطهير البواطن عن كل ما لا ينبغي، وأشار للحقيقة بقوله: وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لأن بالحقيقة التجلي بالأنوار الساطعة في القلوب التي يرى بها الأشياء على ما هي عليه فعند ذلك يرى اللّه في كل شيء، وأقرب إليه من كل شيء، علما ذوقيا، لا علما يقينيا، فالحقيقة ثمرة الطريقة ولا تحصل إلا بعد التخلق بالطريقة والشريعة، ولذا قيل: حقيقة بلا شريعة باطلة، وشريعة بلا حقيقة عاطلة.\rقوله: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ إلخ، متعلق بمحذوف دل عليه ما بعده، والأصل ليفرحوا، بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ثم قدم الجار والمجرور على الفعل لإفادة الحصر، ثم دخلت الفاء لإفادة السببية، والمعنى أن من اتصف بهذه الصفات المتقدمة، ينبغي له أن يفرح ويشكر ما أنعم اللّه به عليه، ويجود بروحه وجسمه في خدمة ربه ولا يتوانى، فمن قذف اللّه في قلبه نور محبته، فالواجب عليه إفناء جسمه في خدمته، كي يتم له ذلك النور ويزداد السرور، وهذه المحبة هي التي يعبر عنها العارفون بالخمرة","part":2,"page":105},{"id":705,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 106\rوالرحمة فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) من الدنيا بالياء والتاء قُلْ أَرَأَيْتُمْ أخبروني ما أَنْزَلَ اللَّهُ خلق لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا كالبحيرة والسائبة والميتة قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ في ذلك بالتحليل والتحريم لا أَمْ بل عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) تكذبون بنسبة ذلك إليه وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي أي شيء ظنهم به يَوْمَ الْقِيامَةِ أيحسبون أنه لا يعاقبهم لا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ بإمهالهم والإنعام عليهم وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا\r______________________________\rوالشراب والحميا، لأن بها السكر والفناء عما سوى اللّه تعالى، قال العارف رضي اللّه عنه:\rشربنا على ذكر الحبيب مدامة ... سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم\r\rوقال العارف:\rولا تنظر لجسمي يا عذولي ... فإن الجسم مطلوبي سلاه\r\rولا تنكر شراب حمى قلبي ... فإن القلب محبوبي سقاه\r\rوقال العارف موضحا لهذه الخمرة:\rفتلك خمر الشهود تدعى ... لا خمرة الكرم والدنان\r\rومن ذلك المعنى قوله تعالى: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ فنسأل اللّه تعالى أن يجعلنا من أهل محبته، وأن يحشرنا في زمرة أهل قربه ومودته. قوله: هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ أي من الدنيا وزخارفها وأبهمها إشارة إلى أنها خسيسة لا تساوي جناح بعوضة. قوله: (بالياء والتاء) راجع لقوله: يَجْمَعُونَ وأما فَلْيَفْرَحُوا فالتاء عشرية والياء سبعية.\rقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ أشار المفسر إلى أن أَرَأَيْتُمْ بمعنى (أخبروني) وحينئذ فتنصب مفعولين: الأول الموصول وصلته، والثاني جملة آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ وقُلْ تأكيد للأولى، وليست من جملة المفعول الثاني. قوله: (كالبحيرة والسائبة) مثالان للحرام، وتقدم أن البحائر والسوائب نعم يوقفونها على الأصنام، يحرمون ظهورها ونتاجها وألبانها ولحومها، وقوله: (و الميتة) مثال للحلال. قوله: (لا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي. قوله: أَمْ (بل) أشار المفسر إلى أنها منقطعة بمعنى (بل) ويصح أن تكون متصلة معادلة للهمزة، والمعنى أخبروني أحصل إذن من اللّه لكم، أم ذلك افتراء منكم وكذب، فهو استفهام لطلب التعيين وهو الأولى.\rقوله: وَما ظَنُّ الَّذِينَ ما اسم استفهام مبتدأ، وظَنُ خبره، ويَوْمَ ظرف متعلق بظن، والمعنى أي شيء ظنهم باللّه يوم القيامة. قوله: (أيحسبون) إلخ. قدر المفسر هذه الجملة، إشارة إلى أن مفعولي الظن محذوفان فهذه الجملة سدت مسدّهما. قوله: (لا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري أي لا ينبغي هذا الظن، ولا يليق ولا ينفع، وأما قوله في الحديث: «أنا عند ظن عبدي بي» فذلك في حق المؤمن، فظن الخير باللّه ينفع المؤمن، وأما الكافر فلا ينفعه ذلك ما دام على كفره. قوله: لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ أي الطائع منهم والعاصي، وذلك في الدنيا، فنعم الدنيا ليست تابعة للتقوى، بل هي ثابتة بالقسمة الأزلية للمؤمن والكافر. قوله: (بإمهالهم) أي تأخير عذابهم. قوله: (و الإنعام عليهم) أي بأنواع النعم، كالعقل والسمع والبصر وغير ذلك. قوله: لا يَشْكُرُونَ أي لا يصرفون النعم في مصارفها، وحينئذ فلا تنفعهم تلك النعم، إلّا إذا صحبها الإيمان والشكر، فإن عدموا الإيمان صارت النعم نقما، وقوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يفيد أن القليل هو الشاكر وهو كذلك. قال تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.","part":2,"page":106},{"id":706,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 107\rيَشْكُرُونَ (60) وَما تَكُونُ يا محمد فِي شَأْنٍ أمر وَما تَتْلُوا مِنْهُ أي من الشأن أو اللّه مِنْ قُرْآنٍ أنزله عليك وَلا تَعْمَلُونَ خاطبه وأمته مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً رقباء إِذْ تُفِيضُونَ تأخذون فِيهِ أي العمل وَما يَعْزُبُ يغيب عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ وزن ذَرَّةٍ أصغر نملة فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (61) بين هو اللوح المحفوظ أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) في الآخرة هم الَّذِينَ\r______________________________\rقوله: وَما تَتْلُوا مِنْهُ الضمير إما عائد على الشأن أو على اللّه، كما قال المفسر. فعلى الأول تكون من للتعليل، وعلى الثاني تكون ابتدائية، وقوله: مِنْ قُرْآنٍ من صلة، والمعنى وما تتلو من أجل هذا الشأن قرآنا، أو وما تتلوا قرآنا مبتدأ وصادر من اللّه. قوله: إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً استثناء من أعم الأحوال، والمعنى ما تتلبسون بشيء من هذه الثلاثة في حال من الأحوال، إلا في حال كوننا رقباء مطلعين عليه حافظين له. إذا علمت ذلك، فكان المناسب للمفسر أن يعيد الضمير في فيه لكل من الثلاثة، وقد يجاب بأنه أعاده على الفعل لعمومه وشموله لباقي الثلاثة.\rقوله: إِذْ تُفِيضُونَ ظرف لقوله شهودا. قوله: وَما يَعْزُبُ بضم الزاي وكسرها، قراءتان سبعيتان. قوله: عَنْ رَبِّكَ أي عن علمه. قوله: (أصغر نملة) وقيل هو الهباء، وقيل أصغر بعوضة.\rقوله: فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ أي في سائر الموجودات، وعبر عنه في السماء والأرض لمشاهدة الخلق لهما. واعلم أن عالم الملك ما يشاهده الخلق، كالأرض وما حوته، وما ظهر من السماء، وعالم الملكوت ما لا يشاهد، كما فوق السماء من العرش والكرسي والملائكة وغير ذلك، وعالم الجبروت هو عالم الأسرار، وعالم العزة هو ما استأثر اللّه بعلمه، كعلم ذاته وصفاته ومراداته.\rقوله: وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ بالرفع والنصب، قراءتان سبعيتان، فالرفع إما على الابتداء والخبر، أو على أن لا عاملة عمل ليس، والخبر على كلا الإعرابين. قوله: إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.\rفتكون الجملة مستأنفة منقطعة عما قبلها، والنصب على أنها عاملة عمل إن، لأن أصغر وأكبر شبيهان بالمضاف، تعلق بهما شيء من تمام معناهما، وهو العمل في الجار والمجرور، وهاتان القراءتان هنا فقط، وأما في سبأ فبالرفع باتفاق السبعة.\rقوله: إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ الاستثناء منقطع، والمعنى لكن جميع الأشياء في كتاب مبين، فهو استدراج على ما يتوهم نفيه لأن قوله لا يعزب عن ربك الخ. ربما يتوهم منه أنه لم يحط بها غير علم اللّه، فدفع ذلك بقوله: إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ أي لكن جميع الأشياء مثبتة في كتاب مبين أيضا، ولا يصح أن يكون متصلا، لأنه يصير المعنى لا يغيب عن علمه شيء في حال من الأحوال، إلا في حال كونه مثبتا في كتاب مبين فيغيب، فيفيد أن ما في الكتاب غائب عن علم اللّه وذلك باطل، وهذا الإشكال لا يرد إلا على جعل قوله ولا أصغر ولا أكبر، معطوفا على مثقال، وأما إن جعل مستأنفا كما تقرر، فلا يرد الإشكال فتأمل.\rقوله: أَلا أداة تنبيه، يؤتى بها ليتنبه السامع لما بعدها، ويعتني بها لعظمه. قوله: أَوْلِياءَ اللَّهِ جمع ولي من الولاء، وهو العز والنصر، سموا بذلك لأنهم هم المنصورون باللّه المعزوزون به، لا يطمعون في شيء سوى القرب منه، وولي فعيل، إما بمعنى فاعل، أي متولي خدمة ربه بكل ما أمكنه، بروحه","part":2,"page":107},{"id":707,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 108\rآمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (63) اللّه بامتثال أمره ونهيه لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فسرت في حديث\r______________________________\rوجسمه ودنياه، أو بمعنى مفعول، أي تولى اللّه إكرامه وعطاياه ونفحاته، فلم يكله لشيء سواه، فحيث تولى الخدمة، تولاه اللّه بالنعمة والنفحة، وهو سر قوله في الحديث: «يا دنيا من خدمني فاخدميه» فحينئذ صار معنى الولي المنهمك في طاعة ربه، الذي أفيضت عليه الأنوار والأسرار؛ لما ورد «من تقرب مني شبرا، تقربت منه ذارعا، ومن تقرب مني ذراعا، تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي، أتيته هرولة» وعلامة الولي كما في الحديث: «سئل رسول اللّه عن علامة الأولياء فقال: هم الذين ادارؤوا ذكر اللّه تعالى» وسبب ذلك ظهور أنوار المعرفة الكائنة في قلوبهم على ظواهرهم وذلك سر قوله تعالى: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ وقال أبو بكر الأصم: أولياء اللّه هم الذين تولى اللّه هدايتهم، وتولوا القيام بحق العبودية للّه تعالى والدعوة إليه، والولي من الولاء، وهو القرب والنصرة فولي اللّه هو الذي يتقرب إلى اللّه بكل ما افترض اللّه عليه، ويكون مشتغلا باللّه، مستغرق القلب في نور معرفة جلال اللّه تعالى، فإن رأى، رأى دلائل قدرة اللّه، وإن سمع، سمع آيات اللّه، وإن نطق، نطق بالثناء على اللّه، وإن تحرك، تحرك في طاعة اللّه، وإن اجتهد اجتهد فيما يقربه إلى اللّه، لا يفتر عن ذكر اللّه، ولا يرى بقلبه غير اللّه، فهذه صفات أولياء اللّه، وإذ كان العبد كذلك، كان اللّه وليه وناصره ومعينه، قال تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا. وروي عن ابن مالك الأشعري قال: «كنت عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: إن للّه عبادا، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء، بقربهم ومقعدهم من اللّه يوم القيامة، قال: وفي ناحية القوم أعرابي، فجثا على ركبته ورمى بيديه ثم قال: حدثنا يا رسول اللّه عنهم، من هم؟ قال: فرأيت في وجه رسول اللّه البشرى، فقال: هم عباد من عباد اللّه، ومن بلدان شتى، لم يكن بينهم أرحام يتواصلون بها، ولا دنيا يتباذلون بها، يتحابون بروح اللّه، يجعل اللّه وجوههم نورا، وجعل له منابر من لؤلؤة قدام الرحمن، يفزع الناس ولا يفزعون، ويخاف الناس ولا يخافون». وروي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن من عباد اللّه أناسا، ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من اللّه، قالوا: يا رسول اللّه تخبرنا بأمرهم؟ قال: هم قوم تحابوا بروح اللّه، على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فو اللّه إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ هذه الآية أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ». وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «قال اللّه تعالى: إن أوليائي من عبادي الذين يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم».\rقوله: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ لحفظ اللّه لهم في الدنيا من الأسباب التي توجب الخوف والحزن في الآخرة. قوله: (في الآخرة) أي لما في الحديث: «لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس».\rقوله: الَّذِينَ آمَنُوا قدر المفسر (هم) إشارة إلى أن الاسم الموصول خبر لمبتدأ محذوف، وهذه الجملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر تقديره ما صفات أولياء اللّه؟ فأجاب: بأنهم الذين اتصفوا بالإيمان والتقوى، والمعنى أن أولياء اللّه هم الذين اتصفوا بالإيمان، وهو الاعتقاد الصحيح المبني على الدلائل القطعية والتقوى، وهي امتثال المأمورات واجتناب المنهيات على طبق الشرع، ولذا قال القشيري: شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما، فكل من كان للشرع عليه اعتراض، فهو مغرور مخادع، وقال الإمام الشافعي وأبو حنيفة: إذا لم تكن العلماء أولياء اللّه، فليس","part":2,"page":108},{"id":708,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 109\rصححه الحاكم بالرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له وَفِي الْآخِرَةِ الجنة والثواب لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ لا خلف لمواعيده ذلِكَ المذكور هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ لك لست مرسلا وغيره إِنَ استئناف الْعِزَّةَ القوة لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ للقول الْعَلِيمُ (65) بالفعل فيجازيهم وينصرك أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ عبيدا وملكا\r______________________________\rللّه ولي، وذلك في العالم العامل بعلمه. قوله: (فسرت في حديث صححه الحاكم بالرؤيا الصالحة) إلخ.\rأي لأنه لم يبق من النبوة إلا المبشرات، وهي الرؤيا الصالحة. وفي الحديث: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» وقيل: المراد بالبشرى في الحياة الدنيا، نزول الملائكة بالبشارة من عند اللّه عند الموت، ويدل عليه قوله تعالى: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ وقيل: البشرى في الحياة الدنيا الثناء الحسن، ومحبة الخلق لهم، لما ورد عن أبي ذر: قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه، قال: «عاجل بشرى المؤمن» وورد أيضا «إذا أحب اللّه عبدا نادى جبريل فيقول له: إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن اللّه يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» قال بعض المحققين: إذا اشتغل العبد باللّه عز وجل استنار قلبه وامتلأ نورا فيفيض من ذلك النور الذي في قلبه على وجهه، فيظهر عليه آثار الخشوع والخضوع، فيحبه الناس ويثنون عليه، فتلك عاجل بشراه، بمحبة اللّه له ورضوانه عليه، وقيل: البشرى في الحياة الدنيا ظهور الكرامات وقضاء الحوائج بسهولة، فكلما توجه العبد المحبوب لشيء من أموره قضى عاجلا، والأحسن أن يراد بالبشرى في الدنيا جميع ما تقدم وأعظمها التوفيق لخدمة اللّه، وراحة الجسد في طاعة اللّه، وانشراح الصدر لذلك، وأما البشرى في الآخرة فالجنة وما فيها من النعيم الدائم، قال تعالى: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. قوله: (لا خلف لمواعيده) أي التي وعد اللّه بها أولياءه وأهل طاعته، في كتابه وعلى ألسنة رسله، والمعنى لا تغيير لذلك الوعد.\rقوله: ذلِكَ أي الوعد المتقدم من كونهم لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وكون هذا الوعد لا يتغير ولا يتبدل. قوله: هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي الظفر بالمقصود الكامل الذي لا يضاهى.\rقوله: وَلا يَحْزُنْكَ إما بفتح الياء وضم الزاي من باب نصر، أو بضم الياء وكسر الزاي من باب أكرم، قراءتان سبعيتان، والمعنى لا تهتم بأقوالهم ولا تحزن لها، فإن اللّه معزك وناصرك، وهذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم عما يلقاه من أذاهم، وتبشير له بالنصر والظفر بالمقصود. قوله: (استئناف) أشار بذلك إلى أن الوقف تم عند قوله: قَوْلُهُمْ وقوله: إِنَّ الْعِزَّةَ إلخ. كلام مستأنف من كلام اللّه تعالى في قوة التعليل لقوله: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ أو واقع في جواب سؤال مقدر تقديره: إن اللّه أمره بعدم الحزن من أجل قولهم، مع أن أقوالهم توجب الحزن، فأجاب اللّه تعالى: بأن العزة للّه يعطيها لمن يشاء، فأقوالهم لا تفيد شيئا، فحينئذ لا يبالي بهم ولا بقولهم.\rقوله: إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ أي الغلبة والسلطنة الكاملة ثابتة للّه، يخلعها على من يشاء، ولذا قال في سورة المنافقون وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ قوله: جَمِيعاً حال من العزة. قوله: (فيجازيهم) أي","part":2,"page":109},{"id":709,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 110\rوخلقا وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ يعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره أصناما شُرَكاءَ له على الحقيقة تعالى عن ذلك إِنَ ما يَتَّبِعُونَ في ذلك إِلَّا الظَّنَ أي ظنهم أنها آلهة تشفع لهم وَإِنْ ما هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66) يكذبون في ذلك هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إسناد الإبصار إليه مجاز لأنه يبصر فيه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ دلالات على وحدانيته تعالى لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) سماع تدبر واتعاظ قالُوا أي اليهود والنصارى ومن زعم\r______________________________\rعلى ما قدموا من خير وشر. قوله: (و ينصرك) أي على من عاداك، وهذا يقال لكل من سلك طريقة سيد المرسلين وعمل بمقتضاها، وتعرض له الحساد بالإيذاء، فيقال له يحزنك قولهم وعيبهم وحسدهم، لأن العزة مملوكة وثابتة للّه يعطيها لمن أراد، فلا تنزعج منهم ولا تلتفت لهم.\rقوله: أَلا أداة تنبيه. قوله: مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ من واقعة على العاقل، فالمراد بمن في السموات والملائكة، وبمن في الأرض الإنس والجن، وخصهم بالذكر لشرفهم، وليعلم أن غيرهم من باقي المخلوقات، مملوكون للّه بالطريق الأولى، وهذا هو الحكمة في تعبيره في الآية الأولى بما وفي هذه الآية بمن، أو يقال في الحكمة: إن التغاير إشارة إلى أن الخلق جميعا في قبضته، ومملوكون له سبحانه وتعالى، فإن ما مستعملة في غير العاقل كثيرا، ومن بالعكس، فأفاد أن جميع ما في السموات وما في الأرض، مملوكون له حقيقة.\rقوله: وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ ما نافية، ويَتَّبِعُ فعل مضارع، والَّذِينَ فاعل، ويَدْعُونَ صلته، ومِنْ دُونِ اللَّهِ متعلق بيدعون، وشُرَكاءَ مفعول يَتَّبِعُ ومفعول يَدْعُونَ محذوف قدره المفسر بقوله: (أصناما) والمعنى لا يتبع الذين يعبدون غير اللّه أصناما شركاء حقيقة، فالمنفي كونها شركاء حقيقة، وأما ادعاؤهم الشركة للّه فثابت، وهذا نتيجة قوله: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ فيصير المعنى حيث ثبت أن له جميع ما في السموات وما في الأرض عقلاء وغيرهم، تحقق وثبت أنه ليس له شريك أصلا، إذ ليس شيء مما جعلوه إلها خارجا عن السموات والأرض، فكيف يكون المملوك شريكا تعالى اللّه عن ذلك.\rقوله: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ أي لأنهم مقلدون لآبائهم، حيث قالوا: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ. قوله: وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ هذا من حصر الموصوف في الصفة، أي ليس لهم صفة إلا الكذب، والخرص في الأصل الحرز والتخمين، والمراد منه هنا الكذب، كما أفاده المفسر. قوله: (يكذبون في ذلك) أي اتباعهم الظن.\rقوله: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ هذا من جملة الأدلة القطعية، على أنه واحد لا شريك له، وفي هذه الآية احتباك، حيث حذف من كل نظير ما أثبته في الآخر، فحذف من الأول وصف الليل وهو مظلما وذكر حكمته، وحذف من الثاني الحكمة وذكر وصفه، والأصل هو الذي جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه، والنهار مبصرا لتبتغوا وتتحركوا فيه.\rقوله: لِتَسْكُنُوا فِيهِ أي لتستريحوا من تعب النهار. قوله: (مجاز) أي عقلي من الإسناد للظرف.\rقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ أي الجعل المذكور. قوله: لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ خصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بذلك. قوله: (أي اليهود) أي حيث قالوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقوله: (و النصارى) أي قالوا: الْمَسِيحُ ابْنُ","part":2,"page":110},{"id":710,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 111\rأن الملائكة بنات اللّه اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً قال تعالى لهم سُبْحانَهُ تنزيها له عن الولد هُوَ الْغَنِيُ عن كل أحد وإنما يطلب الولد من يحتاج إليه لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا إِنْ ما عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ حجة بِهذا الذي تقولونه أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (68) استفهام توبيخ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بنسبة الولد إليه لا يُفْلِحُونَ (69) لا يسعدون لهم مَتاعٌ قليل فِي الدُّنْيا يتمتعون به مدة حياتهم ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ بالموت ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بعد الموت بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (70) وَاتْلُ يا محمد عَلَيْهِمْ أي كفار مكة نَبَأَ خبر نُوحٍ ويبدل منه إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ شق عَلَيْكُمْ مَقامِي لبثي فيكم وَتَذْكِيرِي وعظي إياكم بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ\r______________________________\rاللَّهِ (و من زعم) أي وهم مشركو العرب.\rقوله: سُبْحانَهُ أي تقدس وتنزه عن ذلك، قال تعالى:\rتَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً الآية. قوله: هُوَ الْغَنِيُ أي المستغني عن كل ما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه، وهو دليل لما قبله.\rقوله: لَهُ ما فِي السَّماواتِ إلخ. دليل لقوله: هُوَ الْغَنِيُ. قوله: (استفهام توبيخ) أي تقريع وتهديد لهم.\rقوله: قُلْ أمر من اللّه لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم، أن ينبههم على سوء عاقبتهم، لعلهم ينزجرون عما هم عليه. قوله: (لا يسعدون) أي لا يفوزون بمطلوبهم، بل هم خائبون خاسرون، وإن تكاثرت عليهم النعم فمآلها للزوال.\rقوله: مَتاعٌ مبتدأ خبره محذوف، قدره المفسر بقوله: (لهم) وحينئذ فالوقف على قوله: لا يُفْلِحُونَ وهذا جواب عما يقال: إنا نراهم في حظوظ كثيرة، وسعة عيش وسلامة بدن، وغير ذلك من أنواع النعم الدنيوية، فدفع ذلك بقوله: مَتاعٌ (قليل) فلا يستمر، وليس بنافع في الآخرة.\rقوله: بِما كانُوا يَكْفُرُونَ أي بسبب كفرهم.\rقوله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ لما ذكر سبحانه وتعالى، أحوال كفار قريش، وما كانوا عليه من القبائح، وما وعظهم اللّه به على لسانه صلّى اللّه عليه وسلّم، شرع في ذكر ما وقع للأنبياء مع أممهم، ليكون ذلك تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، وعبرة للكفار لعلهم يؤمنون. قوله: نَبَأَ نُوحٍ أي بعض نبئه، إذ لم يذكر جميع خبره، وتقدم أن اسمه عبد الغفار بن لمك بن متوشلخ بن إدريس، ونوح لقبه، وبينه وبين إدريس ألف سنة، وقدم قصة قوم نوح، لأنهم أول الأمم هلاكا، وأشدهم كفرا. قوله: كَبُرَ بضم الباء في المعاني، وأما في الأجسام فهو بكسر الباء. قوله: مَقامِي بفتح الميم باتفاق السبعة، وقرىء شذوذا بضمها، فالأول ثلاثي، والثاني رباعي، وهو من باب الإسناد المجازي، وحق الإسناد أن يكون للذات، نظير ثقل عليّ ظله. قوله: (لبثي فيكم) أي مكثي بينكم. قوله: وَتَذْكِيرِي إلخ. الواو بمعنى مع، والمعنى إن كان عظم عليكم مكثي بينكم، مع تذكيري بآيات اللّه، فأجمعوا أمركم إلخ، وذلك لأنه مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، يدعوهم إلى توحيد اللّه، ففي الحقيقة الذي شق عليهم، إنما هو دعاؤه إلى التوحيد، ونصيحته لهم، لأن النصيحة لا يقبلها إلا الطبع السليم. قوله: فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ أي وثقت به لا بغيره، وفوضت أموري إليه.","part":2,"page":111},{"id":711,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 112\rفَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ اعزموا على أمر تفعلونه بي وَشُرَكاءَكُمْ الواو بمعنى مع ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً مستورا بل أظهروه وجاهروني به ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَ امضوا فيما أردتموه وَلا تُنْظِرُونِ (71) تمهلون فإني لست مباليا بكم فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ عن تذكيري فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ثواب عليه فتولوا إِنْ ما أَجْرِيَ ثوابي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ السفينة وَجَعَلْناهُمْ أي من معه خَلائِفَ في الأرض وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا بالطوفان فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) من إهلاكهم فكذلك نفعل بمن كذبك ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ أي نوح رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ كإبراهيم وهود\r______________________________\rقوله: فَأَجْمِعُوا هذا هو جواب الشرط، وجملة فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ اعتراض بين الشرط وجوابه، ولا يصح أن تكون جوابا، لأن لا يحسن ترتبها على الشرط، إذ هو متوكل على اللّه دائما، وأجمعوا بهمزة القطع هنا باتفاق السبعة، وهو يتعدى بنفسه وبحرف الجر، وأما ما يا أتي في طه في قوله: (فأجمعوا كيدكم) فبهمزة الوصل والقطع قراءتان سبعيتان، فأجمع بهمزة القطع، مستعمل في المعاني كثيرا، وبهمزة الوصل في الأجسام كثيرا، يقال: أجمعت أمري، وجمعت جيشي. قوله: (اعزموا) أي صمموا ولا تترددوا. قوله: (على أمر تفعلونه) أي كهلاكي. قوله: (الواو بمعنى مع) أي فشركاءكم منصوب على المعية، لا معطوف على أمركم، لأن الشركاء ذوات، لا يتسلط عليه أجمعوا إلا بقلة، ويصح النصب بإضمار فعل لائق، والتقدير فأجمعوا أمركم، واجمعوا شركاءكم، بهمزة الوصل على حد: علفتها تبنا وماء باردا، أو بقدر مضاف في المعطوف، والتقدير أمر شركائكم.\rقوله: ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً أي لا يكن أمركم مخفيا، بل أظهروا ما في ضمائركم، فإني لست مباليا بكم، لأن توكلي على ربي، فالغمة مأخوذة من قولهم: غم الهلاك إذا خفي على الناس. قوله:\rثُمَّ اقْضُوا إِلَيَ أي أدوا إلي ما اردتموه وأوصلوه لي، وقرىء شذوذا ثم أفضوا إلي بقطع الهمزة وبالفاء، من أفضى بالشيء، إذا انتهى إليه وأسرع، والمعنى ثم أسرعوا إلي بما عزمتم عليه.\rقوله: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي دمتم على التولي والكفر، وجواب الشرط محذوف تقديره فلا ضرر على، وقوله: فَما سَأَلْتُكُمْ إلخ، تعليل لذلك المحذوف. قوله: (ثواب عليه) أي على التذكير. قوله: (فتولوا) منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية، وفيه حذف إحدى التاءين، والأصل فتولوا. قوله: إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ أي ثوابي عليه لا على غيره، فأطلبه منه، قوله: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي المنقادين لامتثال أوامره واجتناب نواهيه، في نفسي وتبليغ غيري.\rقوله: فَكَذَّبُوهُ أي داموا واستمروا على تكذيبه. قوله: فَنَجَّيْناهُ أي أعقبنا تكذيبه النجاة له ولمن آمن معه. قوله: وَمَنْ مَعَهُ أي من الإنس، وكانوا أربعين رجلا، وأربعين امرأة. قوله: فِي الْفُلْكِ تقدم أنه يستعمل مفردا وجمعا. قوله: وَجَعَلْناهُمْ أي صيرناهم قوله: وَأَغْرَقْنَا إنما أخره ذكره، والإنجاء إشارة إلى أن الرحمة سابقة على الغضب، ولتعجيل المسرة لمن يمتثل الأمر. قوله: (فكذلك نفعل بمن كذبك) هذا هو المقصود من ذكر هذه القصص.\rقوله: رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ أي فكل رسول","part":2,"page":112},{"id":712,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 113\rوصالح فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ المعجزات فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أي قبل بعث الرسل إليهم كَذلِكَ نَطْبَعُ نختم عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) فلا تقبل الإيمان كما طبعنا على قلوب أولئك ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ قومه بِآياتِنا التسع فَاسْتَكْبَرُوا عن الإيمان بها وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) بين ظاهر قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ إنه لسحر أَسِحْرٌ هذا وقد أفلح من أتى به وأبطل سحر السحرة وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) والاستفهام في الموضعين للإنكار قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا لتردنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ الملك فِي\r______________________________\rبعث إلى قومه. قوله: (كإبراهيم) أي فكذبوه وآذوه، حتى رموه في النار. قوله: (و هود) أي فكذبوه وآذوه، فأهلكهم اللّه. قوله: فَجاؤُهُمْ أي جاء الأنبياء لأقوامهم ملتبسين بالآيات.\rقوله: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا أي لا يصح ولا يستقيم لهؤلاء الإيمان، فالمراد بعدم الإيمان، الإصرار على الكفر والتكذيب. قوله: كَذلِكَ أي مثل هذا الطبع. قوله: (فلا تقبل الإيمان) أي لوجود الحجاب المانع منه، ففي الحقيقة لا يمكنهم الإيمان، إن كانوا في الظاهر مختارين.\rقوله: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ هذا عطف قصة على قصة، وخاص على عام، لمزيد الغرابة في وقائع موسى مع فرعون، وكل هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: مُوسى وَهارُونَ أي فكل منهما رسول إلى فرعون وقومه، لكن هارون وزير لموسى ومعين له، قال تعالى حكاية عن موسى: وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي الآية. وهذا لا ينافي أن كلا منهما رسول من عند اللّه، فمن أنكر رسالة واحد منهما كفر.\rقوله: وَمَلَائِهِ تقدم أن الملأ بالقصر والهمز، الأشراف الذين يملؤون العيون بمهابتهم، والمجالس بأجسامهم، والقلوب بجلالهم، ولكن المفسر فسرهم هنا بالقوم، فحينئذ يكون المراد بهم ما يشمل الأتباع، وقيل المراد بالملإ خصوص الأشراف، وخصوا بالذكر لأن غيرهم تبع لهم، فإذا آمن الرؤساء آمن الأتباع، وإذا كفروا كفر الأتباع. قوله: (التسع) تقدم منها في الأعراف ثمانية: العصا واليد والسنين والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وستأتي التاسعة هنا في قوله: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ الآية.\rقوله: فَاسْتَكْبَرُوا الاستكبار ادعاء الكبر من غير استحقاق له. قوله: (عن الإيمان بها) أي بتلك الآيات التسع، وفي نسخة بهما، أي موسى وهارون.\rقوله: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُ أي الآيات التسع، ففيه إظهار في مقام الإضمار، وفي الحقيقة أصل نزاعهم ودعواهم، أن ما جاء به سحر، إنما هو في اليد والعصا. قوله: إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ هذه المقالة وقعت منهم بعد مجيء السحرة، وابتلاع العصا حبال السحرة وعصيهم.\rقوله: قالَ مُوسى أي ردا عليهم بثلاث جمل، الأولى: أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ (إنه لسحر) الثانية: أَسِحْرٌ هذا. الثالثة:\rوَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ. قوله: (إنه لسحر) مقول لقوله: أَتَقُولُونَ حذف لدلالة ما قبله عليه، ولأنه لا ينبغي أن يذكر. قوله: (و قد أفلح من أتى به) الجملة حالية. قوله: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ أي لا يفوزون بمطلوبهم، والجملة حالية من فاعل أَتَقُولُونَ. قوله: (للإنكار) أي فالمعنى لا يليق، ولا ينبغي أن يقال هذا الكلام.","part":2,"page":113},{"id":713,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 114\rالْأَرْضِ أرض مصر وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (78) مصدقين وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (79) فائق في علم السحر فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى بعد ما قالوا له إما أن تلقى وإما أن نكون نحن الملقين أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80) فَلَمَّا أَلْقَوْا حبالهم وعصيهم قالَ مُوسى ما استفهامية مبتدأ خبره جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ بدل وفي قراءة بهمزة واحدة إخبار فما موصول مبتدأ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ أي سيمحقه إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُ يثبت ويظهر اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ بمواعيده وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82) فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ\r______________________________\rقوله: قالُوا أَجِئْتَنا لما لم يجدوا حجة يعارضونه بها، رجعوا للتقليد المحض، فقالوا ما ذكر قوله: عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أي من عبادة الأصنام. قوله: وَتَكُونَ معطوف على تلفتنا، أي ولتكون. قوله: (الملك) أي وسمي بالكبرياء، لأنه أكبر ما يطلب من أمور الدنيا، ولأنه يورث الكبرياء والعز.\rقوله: وَقالَ فِرْعَوْنُ ليس هذا مرتبا على ما تقدم، فإن هذا القول وقع في ابتداء القصة، فالمقصود هنا بيان ذكر القصة لا بقيد ترتبها، فإن الواو لا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا.\rقوله: فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ عطف على محذوف تقديره فأتوا بالسحرة. قوله: (بعد ما قالوا له) إلخ. أشار بذلك إلى أنه معطوف على محذوف، وأصل الكلام، فلما جاء السحرة، وجمعوا حبالهم وعصيهم، وقالوا لموسى: إما أن تلقي، وإما أن نكون نحن الملقين، قال موسى الخ. قوله: ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ أبهمه إشارة إلى تحقيره.\rقوله: فَلَمَّا أَلْقَوْا أي السحرة، وتقدم أنهم كانوا ثمانين ألفا. قوله: (حبالهم وعصيهم) أي وتقدم أنها كانت حمل ثلاثمائة بعير. قوله: (استفهامية) أي أيّ شيء جئتم به؟ وهو للتوبيخ والتحقير. قوله:\r(بدل) أي من ما الاستفهامية، وأعيدت همزة الاستفهام، لتكشف استفهام المبدل منه، على حد قول ابن مالك:\rوبدل المضمن الهمز يلي ... همزا كمن ذا أسعيد أم علي\r\rقوله: (بهمزة واحدة إخبار) أي بإسقاط همزة الاستفهام، ووجهت هذه القراءة، بأن ما اسم موصول مبتدأ، وصلتها جِئْتُمْ بِهِ والخبر السِّحْرُ، والحاصل: أن في همزة السحر الثانية وجهين، التسهيل والمد اللازم بقدر ثلاث ألفات، وهاتان القراءتان على جعل ما استفهامية، وخبرها جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ بدل من ماء، وأما على إسقاطها فالجملة خبرية، وما اسم موصول مبتدأ، جِئْتُمْ بِهِ صلته، والسِّحْرُ خبر، وتحذف همزة أل عند الدرج. قوله: (سيمحقه) أي فلا يبقى له أثر أصلا.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ إلخ. تعليل لقوله: سَيُبْطِلُهُ.\rقوله: وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَ عطف على قوله:\rسَيُبْطِلُهُ. قوله: وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ أي الكافرون.\rقوله: فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ الذرية اسم يقع على القليل من القوم. قوله: (أي فرعون) أشار بذلك إلى أن الضمير في قومه، عائد على فرعون، والمراد بذرية قومه، ناس يسير، منهم امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون، وخازنه وأولاد خازنه، وما شطته، وقيل: إن الضمير عائد على موسى، وهم ناس من بني إسرائيل نجوا من قتل فرعون، وذلك أن فرعون لما أمر بقتل بني إسرائيل، كانت المرأة من بني إسرائيل، إذا ولدت ابنا وهبته لقبطية، خوفا عليه من القتل، فنشأوا بين القبط، فلما كان اليوم الذي غلب موسى فيه السحرة آمنوا به، وقيل: هم بنو إسرائيل وهو الأقرب.","part":2,"page":114},{"id":714,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 115\rطائفة مِنْ أولاد قَوْمِهِ أي فرعون عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ يصرفهم عن دينه بتعذيبه وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ متكبر فِي الْأَرْضِ أرض مصر وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) المتجاوزين الحد بادعاء الربوبية وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) أي لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق فيفتتنوا بنا وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (86) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا اتخذا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً مصلى تصلون فيه لتأمنوا من الخوف وكان فرعون منعهم من الصلاة وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أتموها وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) بالنصر والجنة وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا آتيتهم ذلك\r______________________________\rقوله: عَلى خَوْفٍ أي مع خوف. قوله: وَمَلَائِهِمْ أي يملأ الذرية التي نشأوا بينهم، على التفسير الثاني، وأقاربهم حقيقة، على التفسير الأول الذي ذكره المفسر. قوله: أَنْ يَفْتِنَهُمْ أي فرعون، وأفرد لأنه هو المباشر للفتنة والخوف من الملأ كان بواسطته هو.\rقوله: وَقالَ مُوسى أي تطمينا لقلوبهم، وهذا يؤيد أن الضمير في قومه عائد على موسى، وقد يجاب عن المفسر بأنه سماهم قومه من حيث إنه مرسل لهم. قوله: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ جوابه فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا وقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه، والتقدير توكلتم عليه، أو هو شرط في الشرط، لأن الشرطين متى لم يترتبا في الوجود، فالشرط الثاني شرط في الأول. قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ أي منقادين لأحكام اللّه.\rقوله: فَقالُوا أي جوابا لموسى. قوله: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا إلخ، دعاء منهم للّه سبحانه وتعالى. قوله:\r(أي لا تظهرهم علينا) أي لا تجعلهم ظاهرين علينا، وغالبين لنا.\rقوله: وَنَجِّنا أي خلصنا. قوله:\rبِرَحْمَتِكَ أي إحسانك وإنعامك. قوله: مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أي الجاحدين لآياتك. قوله: أَنْ تَبَوَّءا يحتمل أن أن تفسيرية لوجود ضابطها، وهو أن يتقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه، ويحتمل أنها مصدرية، أي أوحينا التبوء، والمعنى أن اللّه سبحانه وتعالى أوحى إلى موسى وأخيه، أن يتخذا لقومهما مساكن بأرض مصر يتوطنون بها ويعبدون اللّه فيها، رغما عن أنف عدوهم فرعون، وهذا طمأنينة للقوم، فإنهم كانوا خائفين من فرعون.\rقوله: لِقَوْمِكُما الأقرب أن اللام زائدة في المفعول الأول، وبيوتا مفعول ثان. قوله: بِمِصْرَ متعلق بتبوآ، والمراد بمصر القديمة.\rقوله: وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً أي اجعلوا مساكنكم مصلى، والمراد بالقبلة مكان التوجه للّه، لا خصوص الفجوة المعلومة، واختلف في قبلتهم، قيل: هي الكعبة، وقيل بيت المقدس. قوله: (و كان فرعون منعهم من الصلاة) أي في أول أمرهم، فأمر اللّه موسى ومن معه، أن يصلوا في بيوتهم خفية، لئلا يظهروا عليهم ويؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم، وذلك كما كان عليه المسلمون في أول الإسلام بمكة. قوله:\r(أتموها) أي بشروطها وأركانها المعلومة عندهم. قوله: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أي قومك الذين آمنوا بك، وهذا خطاب لموسى وحده، لأن البشارة على لسانه، وما قبله من قوله: واجعلوا، وأقيموا، خطاب لموسى وقومه لاشتراكهم في ذلك.\rقوله: وَقالَ مُوسى أي لما رأى فرعون وقومه، طغوا وبغوا، ولم ينقادوا للإسلام، واستمروا على","part":2,"page":115},{"id":715,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 116\rلِيُضِلُّوا في عاقبته عَنْ سَبِيلِكَ دينك رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ امسخها وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ اطبع عليها استوثق فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (88) المؤلم دعا عليهم وأمن هارون على دعائه قالَ تعالى قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فمسخت أموالهم حجارة ولم يؤمن فرعون حتى أدركه الغرق فَاسْتَقِيما على الرسالة والدعوة إلى أن يأتيهم العذاب وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (89) في استعجال قضائي، روي أنه مكث بعدها أربعين سنة وَجاوَزْنا بِبَنِي\r______________________________\rالكفر والعناد، جاءه الإذن من اللّه بالدعاء عليهم، وقدم سبب الدعاء، وهو بطر النعم، إذ هو من أعظم المعاصي الموجبة لغضب اللّه وسلب النعم. قوله: زِينَةً هي عبارة عما يتزين به من اللباس والمال والأمور الجميلة، قال ابن عباس: كان من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة، جبال فيها ذهب وفضة وزبرجد وياقوت. قوله: رَبَّنا كرره تأكيدا للأول، وتلذذا بخطاب اللّه. قوله: لِيُضِلُّوا متعلق بآتيت في كلام اللّه، وأما قول المفسر (آتيتهم ذلك) إنما هو تتميم للجملة المؤكدة، واللام للعاقبة والصيرورة، وإلى هذا أشار المفسر بقوله: (في عاقبته). قوله: عَنْ سَبِيلِكَ أي طاعتك وتوحيدك.\rقوله: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ أي أزل صورها وهيئاتها، قال قتادة: بلغنا أن أموالهم وحروثهم وزروعهم وجواهرهم صارت حجارة، ودنانيرهم ودراهمهم صارت حجارة منقوشة كهيئتها ضحاحا أو أنصافا أو أثلاثا، وهذا الطمس آخر الآيات التسع. قوله: وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ أي أربط عليها، حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان، وإنما دعا بذلك، لما علم أن سابق قضاء اللّه وقدره فيهما أنهم لا يؤمنون، فوافق دعاء موسى ما قدر وقضى عليهم، فكان ترجمانا عن اللّه، وأما الدعاء على الكافر المجهول العاقبة بموته على الكفر فلا يحل. قوله: فَلا يُؤْمِنُوا عطف على لِيُضِلُّوا فيكون منصوبا، أو هو مجزوم بجعل لا دعائية. قوله: (دعاء عليهم) الأقرب أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره هذا دعاء عليهم.\rأي قوله: فَلا يُؤْمِنُوا إلخ، ودفع بذلك ما قيل إنه خبر، وليس من جملة الدعاء فتأمل. قوله: (و أمن هارون على دعائه) أي والمؤمن أحد الداعيين،\rفصحت التثنية في قوله: دَعْوَتُكُما وهو جواب عما يقال إن الداعي موسى، فلم ثنى الضمير في دعوتكما. قوله: (فمسخت أموالهم) أي الدنانير والدراهم والنخيل والزروع والثمار والخبز البيض وغير ذلك، وقيل: مسخت صورهم أيضا، فكان الرجل مع أهله فصارا حجرين، والمرأة فائمة تخبر صارت حجرا، وهذا قول ضعيف، لأن موسى دعا على أموالهم، ولم يدع على أنفسهم بالمسخ.\rقوله: فَاسْتَقِيما أي دوما على الاستقامة. قوله: وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ خطاب لموسى وهارون، والمراد غيرهما على حد: لئن أشركت ليحبطن عملك، والمعنى لا تسلكا طريق الجاهلين، الذين يظنون أنه متى دعا الإنسان، أجيب بعين مطلوبة في الحال، لأن الإجابة على مراد اللّه، فربما يجاب الشخص بغير مطلوبه، أو تتأخر إجابته، لحكم يعلمها اللّه، وفي تَتَّبِعانِ ثلاث قراءات سبعيات، تشديد النون مع تشديد التاء فقط، وتخفيفها مع تشديد التاء وتخفيفها. فعلى الأولى: تكون النون للتوكيد الثقيلة، وكسرت تشبيها بنون المثنى، والفعل مجزوم بحذف النون. وعلى الثانية والثالثة تكون الجملة اسمية، والنون نون الرفع، والتقدير وأنتما لا تتبعان. قوله: (روي أنه) أي نزول العذاب بهم، مكث","part":2,"page":116},{"id":716,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 117\rإِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ لحقهم فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً مفعول له حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ أي بأنه وفي قراءة بالكسر استئنافا لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) كرره ليقبل منه فلم يقبل ودس جبريل في فمه من حمأة البحر مخافة أن تناله الرحمة وقال له آلْآنَ تؤمن وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) بضلالك وإضلالك عن\r______________________________\rأربعين سنة من حين الدعوة، وهذا التأخير لحكمة يعلمها اللّه.\rقوله: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ إلخ لما استجاب اللّه دعاء موسى وهارون، بالطمس على أموالهم، والربط على قلوبهم، أوحى اللّه إلى موسى وهارون، أن أسر بعبادي، واخرج بهم من أرض مصر، وورد أن يعقوب لما دخل مصر مع ذريته، لاجتماعهم بيوسف، كانوا اثنين وسبعين، فلما خرج موسى بهم، كانوا ستمائة الف، وكان فرعون غافلا عن ذلك، فلما سمع أنهم خرجوا وعزموا على مفارقة مملكته، خرج في عقبهم، فلما أدركهم قالوا لموسى: أين المخلص، والبحر أمامنا والعدو وراءنا، فلما قربوا، أوحى اللّه إليه أن أضرب بعصاك البحر، فضربه فانفلق، فقطعه موسى وبنو إسرائيل، فلحقهم فرعون وكان على حصان أدهم، وكان معه ثمانمائة الف حصان على لون حصانه، سوى سائر الألوان، وكان يقدمهم جبريل على فرس أنثى، وميكائيل يسوقهم حتى لا يبقى منهم أحد، فدنا جبريل بفرسه، فلما وجد الحصان ريح الأنثى، لم يتمالك فرعون نفسه، فنزل البحر وتبعه جنوده، حتى إذا اكتملوا جميعا في البحر، وهم أولهم بالخروج، انطبق عليهم، وحصان بوزن كتاب، وجمعه حصن ككتب، كذا في القاموس.\rقوله: وَجاوَزْنا من المجاوزة وهي التخطية والتعدية، والمعنى جعلناهم مجاوزين البحر، بأن جعلناه يبسا وحفظناهم حتى بلغوا الشط. قوله: الْبَحْرَ أي بحر السويس. قوله: (لحقهم) أي مشى خلفهم. قوله: بَغْياً أي في الأقوال وَعَدْواً، أي في الأفعال ففرعون متعد على بني إسرائيل، بالأقوال الكاذبة والأفعال الجائرة. قوله: (مفعول له) أي لأجله، ويصح نصبهما على الحال، أي باغين ومتعدين.\rقوله: حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ غاية لاتباعه. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله:\r(استئنافا) أي واقعا في جواب سؤال مقدر، أو على إضمار القول، والتقدير قائلا إنه إلخ. قوله: (كرره ليقبل منه) أي كرر الإقرار بالإيمان ثلاث مرات. قوله: آمَنْتُ، وقوله: أَنَّهُ إلخ، وقوله: وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. قوله: (فلم يقبل) أي فمات على كفره، وهذا ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما قيل من أنه مات مؤمنا، فلا يلتفت له. قوله: (ودس جبريل) أي بأمر من اللّه، وهو لا يسأل عما يفعل، وذلك نظير أمرنا بقتل الكفار، وبهذا تعلم جواب إشكال الفخر الرازي في هذا المقام. قوله: (من حمأة البحر) بسكون الميم وتحريكها، وهي الطين الأسود. قوله: (مخافة أن تناله الرحمة) أي وليس من أهلها لسابق علم اللّه بعدم إيمانه. إن قلت: ما الحكمة في عدم قبوله مع كون الإيمان وقع منه ثلاث مرات؟ أجيب بأجوبة، منها: أنه إنما آمن عند نزول العذاب، وهو حينئذ غير نافع، قال تعالى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا ومنها: أن الإيمان باللّه، من غير إقرار للرسول بالرسالة غير نافع، وفرعون لم","part":2,"page":117},{"id":717,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 118\rالإيمان فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ نخرجك من البحر بِبَدَنِكَ جسدك الذي لا روح فيه لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ بعدك آيَةً عبرة فيعرفوا عبوديتك ولا يقدموا على مثل فعلك، وعن ابن عباس أن بعض بني إسرائيل شكوا في موته فأخرج لهم ليروه وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ أي أهل مكة عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (92) لا يعتبرون بها وَلَقَدْ بَوَّأْنا أنزلنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ منزل كرامة وهو الشام ومصر وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا بأن آمن بعض وكفر بعض حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93) من أمر الدين بإنجاء المؤمنين وتعذيب الكافرين فَإِنْ كُنْتَ يا محمد فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ من القصص فرضا\r______________________________\rيقر برسالة موسى عليه السّلام، فلم يصح إيمانه. ومنها: أن قوله: آمَنْتُ ليس قاصدا به الإيمان حقيقة، بل قصد به النجاة من البحر على حكم عادته، إذا أصابته مصيبة رجع واستجار. وحكي أن جبريل عليه السّلام، أتى لفروعون بفتوى: ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته، فكفر نعمته، وجحد حقه، وادعى السيادة دونه؟ فكتب فرعون فيه. يقول أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده، الكافر نعمته، أو يغرق في البحر، فلما غرق، رفع جبريل إليه خطه. قوله: (و قال له) معطوف على قوله ودس، وقدره إشارة إلى أن قوله: آلْآنَ ظرف لمحذوف، والجملة مقول لذلك القول المقدر.\rقوله: آلْآنَ استفهام توبيخ وتقريع. قوله: وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ الجملة الحالية، والمعنى آلآن تتوب، وقد ضعيت الإيمان في وقته الذي يقبل فيه، وهو غير وقت العذاب.\rقوله: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بالتشديد والتخفيف، قراءتان سبعيتان. قوله: بِبَدَنِكَ حال من الضمير في نُنَجِّيكَ والمعنى فاليوم نخرجك من البحر، ملتبسا ببدنك فقط، لا مع روحك كما هو مطلوب، وقيل المراد بالبدن الدرع، لأن له درعا كان يعرف بها، فلما ألقي على وجه الأرض وعليه درعه عرفوه. قوله: (فيعرفوا عبوديتك) أي ويبطلوا دعوى ألوهيتك، لأن الإله لا يموت ولا يتغير. قوله: (شكوا في موته) إنما وقع منهم الشك، لشدة ما حصل في قلوبهم من الرعب منه، فأمر اللّه البحر فألقاه على الساحل أحمر قصيرا كأنه ثور، فرآه بنو إسرائيل فعرفوه، فمن ذلك الوقت لا يقبل الماء ميتا أبدا.\rقوله: وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ هذا امتنان من اللّه تعالى على بني إسرائيل بنعم عظيمة. قوله:\rمُبَوَّأَ صِدْقٍ أي أنزلناهم منزلا حميدا صالحا وإنما وصف المكان بالصدق لأن عادة العرب إذا مدحت شيئا أضافته إلى الصدق يقولون هذا قدم صدق ورجل صدق. قوله: (و هو الشام ومصر) أي وقيل مصر فقط لأنها التي كانت تحت أيدي فرعون وقومه.\rقوله: فَمَا اخْتَلَفُوا أي من فعلنا بهم هذا الفعل من بني اسرائيل وذلك أنهم قبل مبعث النبي مؤمنين به غير مختلفين في نبوته لما يجدونه مكتوبا عندهم فلما بعث اختلفوا فيه فآمن بعضهم كعبد اللّه بن سلام وأضرابه وكفر بعض. قوله: حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ أي القرآن وذلك أن اليهود كانوا يخبرون بمبعثه وصفته ويفتخرون بذلك على المشكرين فلما بعث اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر. قوله: (فرضا)","part":2,"page":118},{"id":718,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 119\rفَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ التوراة مِنْ قَبْلِكَ فإنه ثابت عندهم يخبروك بصدقه، قال صلّى اللّه عليه وسلّم لا أشك ولا أسأل لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (94) الشاكين فيه وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (95) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ وجبت عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ بالعذاب لا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (97) فلا ينفعهم حينئذ فَلَوْ لا فهلا كانَتْ قَرْيَةٌ أريد أهلها آمَنَتْ قبل نزول العذاب بها فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا لكن قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا عند رؤية العذاب ولم يؤخروا إلى\r______________________________\rجواب عما يقال إن الشك محال على رسول اللّه فأجاب بأنه على فرض المحال، وأجيب أيضا بأن الخطاب له والمراد غيره، وهذا هو الأتم في تلك الآيات.\rقوله: فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ إلخ أي فإن ذلك محقق عندهم ثابت في كتبهم. قوله: (يخبروك) محزوم في جواب الأمر وهو اسأل. قوله: لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُ أي اليقين من الخبر بأنك رسول اللّه حقا، وهذا كلام منقطع عما قبله وفيه معنى القسم تقديره واللّه لقد جاءك الحق إلخ. قوله: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ أي دم على ما أنت عليه من عدم الشك والإمتراء\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ أي ثبت حكمه وقضاؤه بموتهم على الكفر فلا يأتي منهم الإيمان أصلا إذ لا معقب لحكمه سبحانه وتعالى.\rقوله: حَتَّى يَرَوُا غاية في النفي. قوله: (فلا ينفعهم حينئذ) أي كفرعون وأضرابه.\rقوله: فَلَوْ لا أشار المفسر بقوله: (هلا) إلى أنها تحضيضية، وهو للتوبيخ مع النفي، وكان فعل ماض تام، وقَرْيَةٌ فاعلها، وآمَنَتْ صفة قرية، وقوله: فَنَفَعَها معطوف على آمَنَتْ عطف مسبب على سبب، والمعنى لم تكن قرية من تلك القرى التي تقدمت قوم يونس كقوم نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وموسى آمنت، فيتسبب على إيمانها كونه نافعا لها، والحاصل: أن الآية تضمنت تحضيضا وتوبيخا ونفيا، فالنفي راجع لمن مضى، والتوبيخ والتحضيض راجعان لمن يسمع. قوله: (أريد أهلها) أشار بذلك إلى أن في الكلمة مجازا مرسلا من باب تسمية الحال باسم المحل، لا مجازا بالحذف.\rقوله: إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ أشار المفسر إلى أن الاستثناء منقطع، حيث عبر بلكن، وضابط الاستدراك موجود، وهو رفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه، فأتى به هنا لدفع توهم أنهم كغيرهم لم يؤمنوا حتى نزل بهم العذاب، فرفع ذلك التوهم، بأن قوم يونس آمنوا قبل نزول العذاب، بل عند حضور أماراته، ولذلك نفعهم إيمانهم، وأما غيرهم، فلم يؤمن قبل نزوله، أعم من أن يكون آمن وقت نزوله، أو لم يؤمن أصلا. قوله: (و لم يؤخروا إلى حلوله) أي بل عجلوا الإيمان عند ظهور أماراته وحاصل قصتهم، على ما ذكره عبد اللّه بن مسعود وسعيد بن جبير ووهب وغيرهم، قالوا: إن قوم يونس كانوا بقرية تسمى نينوى من أرض الموصل، وكانوا أهل كفر وشرك، فأرسل اللّه عز وجل إليهم يونس عليه السّلام، يدعوهم إلى الإيمان باللّه، وترك عبادة الأصنام، فدعاهم فأبوا عليه، فقيل له أخبرهم أن العذاب يصحبهم إلى ثلاث، فأخبرهم بذلك، فقالوا: إنا لم نجرب عليه كذبا قط، فانظروا، فإن بات فيكم فليس بشيء، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم؛ فلما كان جوف الليل، خرج يونس من بين أظهرهم، فلما أصبحوا تغشاهم العذاب، فكان فوق رؤوسهم. قال ابن عباس: إن العذاب كان أهبط على قوم يونس، حتى لم","part":2,"page":119},{"id":719,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 120\rحلوله كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (98) انقضاء آجالهم وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ بما لم يشأه اللّه منهم حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) لا وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ بإرادته وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ العذاب\r______________________________\rيكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، فلما دعوا كشفه اللّه عنهم، وقال قتادة: قدر ميل، وقال سعيد بن جبير: غشى قوم يونس العذاب، كما يغشى الثوب الغبر، وقال وهب: غامت السماء غيما أسود هائلا، يدخن دخانا شديدا، فهبط حتى غشى مدينتهم واسودت أسطحتهم، فلما رأوا العذاب أيقنوا بالهلاك، فطلبوا نبيهم يونس فلم يجدوه، فقذف اللّه في قلوبهم التوبة، فخرجوا إلى الصحراء بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، ولبسوا المسوح، وأظهروا الإيمان والتوبة، وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والدواب، فحن البعض للبعض، فحنت الأولاد إلى الأمهات، والأمهات إلى الأولاد، وعلت الأصوات، ولجؤوا جميعا إلى اللّه تعالى، وتضرعوا إليه وقالوا آمنا بما جاء به يونس، وتابوا إلى اللّه وأخلصوا النية، فرحمهم ربهم واستجاب دعاءهم، وكشف ما نزل بهم من العذاب بعدما أظلهم، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء، وكان يوم الجمعة، قال ابن مسعود: بلغ من توبتهم، أنهم ردوا المظالم فيما بينهم، حتى انه كان الرجل يأتي إلى الحجر، وقد وضع عليه أساس بنائه فيقلعه فيرده، وروى الطبراني بسنده قال: لما غشي قوم يونس العذاب، مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا له: إنه قد نزل بنا العذاب فما ترى؟ قال:\rقولوا يا حي حين لا حي، ويا حي يحيي الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت. فقالوها فكشف اللّه عنهم العذاب، ومتعوا إلى حين، وقال الفضيل بن عياض: إنهم قالوا: اللهم إن ذنبونا قد عظمت وجلت، وأنت أعظم وأجل، فافعل بنا ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله، فلما خرج يونس جعل ينتظر العذاب، فلم ير شيئا، فقيل له: ارجع إلى قومك، قال: وكيف أرجع إليهم فيجدوني كذابا؟ وكان كل من كذب ولا بينة له قتل، فانصرف عنهم مغاضبا فنزل في سفينة فلما بلغت وسط البحر وقفت، وكان من عادتهم أن السفينة لا تقف إلا إذا كان فيها عبد أبق، فضربوا القرعة فخرجت على يونس، فألقوه في البحر فالتقمه الحوت، فنادى في الظلمات: أن لا إله إلا أنت سبحانك، إن كنت من الظالمين، فاستجاب اللّه نداءه، وأخرجه من بطن الحوت ضعيفا فأنبت اللّه عليه شجر القرع، ورجع إلى قومه وكانوا يزيدون عن مائة الف، ففرحوا به وأحبوه وآمنوا به، فهنيئا لمن رجع إلى مولاه، وندم على ما جناه فإن اللّه يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات. قوله: (انقضاء آجالهم) تفسير للحين، ودفع بذلك ما قيل: إن قوم يونس من المنظرين لا يموتون إلا عند النفخة الأولى، فأجاب المفسر: بأن معنى الحين انقضاء آجالهم.\rقوله: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ مفعول شاء محذوف، أي إيمان جميع الناس. قوله: كُلُّهُمْ توكيد لمن، وجَمِيعاً حال منها، والمعنى لو أراد اللّه إيمان من في الأرض لآمنوا كلهم، حال كونهم مجتمعين. قوله:\rأَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف والتقدير أتحزن على عدم إيمانهم وتتأسف عليه، أفأنت تكره إلخ. قوله: (لا) أي لست بمكره للناس على الإيمان، والمعنى ليس عليك إلا البلاغ، لا خلق الإيمان في قلوبهم وإكراههم عليه، فإن الأمر للّه لا خالق سواه.\rقوله: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ، إلخ، بيان وتعليل لما قبله، والمعنى ما ثبت لنفس من الأنفس","part":2,"page":120},{"id":720,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 121\rعَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (100) يتدبرون آيات اللّه قُلِ لكفار مكة انْظُرُوا ما ذا أي الذي فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الآيات الدالة على وحدانية اللّه تعالى وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ جمع نذير أي الرسل عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (101) في علم اللّه أي ما تنفعهم فَهَلْ فما يَنْتَظِرُونَ بتكذيبك إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم أي مثل وقائعهم من العذاب قُلْ فَانْتَظِرُوا ذلك إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102) ثُمَّ نُنَجِّي المضارع لحكاية الحال الماضية رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا من العذاب كَذلِكَ الإنجاء حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103) النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه حين تعذيب المشركين قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي أنه حق فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وهو الأصنام لشككم فيه وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ يقبض أرواحكم وَأُمِرْتُ أَنْ أي بأن أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) وَقيل لي أَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً مائلأ إليه وَلا تَكُونَنَّ مِنَ\r______________________________\rأن تؤمن في حال من الأحوال، إلا في حال إرادة اللّه الإيمان لها. قوله: وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ معطوف على محذوف، والتقدير فيريد اللّه الإيمان للبعض ويجعل الرجس، إلخ.\rقوله: قُلِ انْظُرُوا بضم اللام وكسرها، قراءتان سبعيتان، فالضم على نقل ضمة الهمزة إلى اللام، والكسر على أصل التخلص، والمعنى تفكروا وتأملوا واتعظوا. قوله: (من الآيات) بيان لما. قوله: وَما تُغْنِي الْآياتُ أي المذكورة في قوله:\rما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ففي الكلام إظهار في مقام الإضمار، والمعنى لا تنفع الآيات والنذر قوما لا يؤمنون. قوله: (أي مثل وقائعهم من العذاب) أي وهو القتل بالسيف.\rقوله: فَانْتَظِرُوا (ذلك) أي مثل وقائع الأمم السابقة.\rقوله: ثُمَّ نُنَجِّي بالتشديد باتفاق العشرة، وثبوت الياء لفظا وخطا. قوله: رُسُلَنا أي على سبق على محمد. قوله: كَذلِكَ صفة لمصدر محذوف، أي إنجاء مثل ذلك الإنجاء، والعامل فيه نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ وحَقًّا عَلَيْنا جملة معترضة بين العامل والمعمول. قوله: نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ بالتخفيف والتشديد، تحذف منه الياء لفظا وخطا. قوله: (حين تعذيب المشركين) أي في الدنيا والآخرة.\rقوله: (أي أهل مكة) أي الكفار المعارضون. قوله: مِنْ دِينِي أي الذي جئت به عن ربي قوله: (إنه حق) بدل من ديني، والمعنى إن كنتم في شك من حقية ديني وصحته، فلا أعبد الخ. قوله: (لشككم فيه) أي في دين الحق، أي فالحامل لكم على عبادة غير اللّه، شككم في حقيقة ديني، وأما أنا فليس عندي شك في حقّيته فلذلك لا أعبد غير اللّه، فكفرهم بالشك لأنه لا يا أتي منهم إنكار كون اللّه حقا، ودين الإسلام حقا، على سبيل الجزم بذلك، لقيام الأدلة العقلية على ذلك. قوله: الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ خص هذا الوصف بالذكر، تهديدا وتخويفا لهم.\rقوله: أَنْ أَكُونَ أن مصدرية مجرورة بالباء المقدرة كما قال المفسر، أي بكوني من المؤمنين المصدقين بما جاء من عند اللّه، لأنه مرسل لنفسه، فهو واجب عليه الإيمان بما أرسل به.\rقوله: أَنْ أَقِمْ قدر المفسر القول إشارة إلى أن أَنْ وما دخلت عليه، في محل نصب مقول لذلك القول. قوله:\r(مائلا إليه) أي مخلصا له العمل ظاهرا وباطنا، فعلى المكلف أن يتخلق بخلق رسول اللّه، بأن لا يميل","part":2,"page":121},{"id":721,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 122\rالْمُشْرِكِينَ (105) وَلا تَدْعُ تعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ إن عبدته وَلا يَضُرُّكَ إن لم تعبده فَإِنْ فَعَلْتَ ذلك فرضا فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ (106) يصبك اللَّهُ بِضُرٍّ كفقر ومرض فَلا كاشِفَ رافع لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ دافع لِفَضْلِهِ الذي أرادك به يُصِيبُ بِهِ أي بالخير مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ لأن ثواب اهتدائه له وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها لأن وبال ضلاله عليها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) فأجبركم على الهدى وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ على الدعوة وأذاهم حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ فيهم بأمره وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (109) أعدلهم وقد صبر حتى حكم على المشركين بالقتال وأهل الكتاب بالجزية.\r______________________________\rلغير اللّه ظاهرا وباطنا، يكون كله للّه، فلا يشرك معه غيره أصلا، لا في الظاهر، ولا في الباطن، فكما أن الخالق لا شريك له فيما خلقه، كذلك ينبغي للمخلوق أن لا يشرك في عبادته غيره.\rقوله: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره. قوله: (فرضا) جواب عما يقال: إن عبادة النبي غير اللّه مستحيلة، فكيف يخاطب بذلك، أجاب المفسر: بأن ذلك على سبيل الفرض والتقدير وأجيب أيضا: بأن الخطاب له والمراد غيره.\rقوله: فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ أي لا دافع ولا مانع له، إلا اللّه حقيقة، فنسبة النفع أو الضر لغير اللّه، باعتبار أن اللّه أجرى على أيديهم ذلك، لا باعتبار أنهم الخالقون له، فإن ذلك لهم من هذه الحيثية كفر.\rقوله: وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ عبر في جانب الخير بالإرادة دون المس، إشارة إلى أن الخير، لا يتوقف إتيانه على سبب وتهيىء من العبد، بخلاف الضرر، فلا بد من تقدم سببه، قال تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ. قوله: وَهُوَ الْغَفُورُ أي الستار للذنوب الماحي لها. قوله: الرَّحِيمُ أي المنعم الغفور المنجي من النار، بسبب محو الذنوب، والرحيم المدخل للجنة بسبب الإنعام والإحسان.\rقوله: الْحَقُ أي القرآن ومن جاء به، وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (لأن ثواب اهتدائه له) أي فلا يصل للّه ممن كفر ضر، ولا ممن آمن نفع، تنزه سبحانه وتعالى عن أن يتكمل بمخلوق. قوله: (لأن وبال ضلاله عليها) أي عذاب ضلاله على نفسه، فلا يشاركه أحد لا في هداية نفسه، ولا في ضلاله، بل كل امرىء بما كسب رهين. قوله: بِوَكِيلٍ أي بحفيظ موكول إلى أمركم، وإنما أنا بشير. قوله:\r(فأجبركم على الهدى) أي أكرهكم عليه.\rقوله: ما يُوحى إِلَيْكَ أي من القرآن. قوله: (على الدعوة) أي دعائك إياهم للإيمان. قوله:\r(و أذاهم) أي لك، فكان رسول اللّه يسمع سبه بأذنه ولا يتكلم قوله: (أعدلهم) أي فلا يخطىء في حكمه أصلا، وأما غيره فتارة يخطىء في حكمه، وتارة يعدل، فأفعاله سبحانه وتعالى دائرة بين الفضل والعدل، فإثابته المؤمن بالفضل، وتعذيبه العاصي بالعدل. قوله: (بالقتال) أي الجهاد، وأشار المفسر بذلك إلى قول ابن عباس: إن هذه الآية منسوخة بآية القتال، واللّه أعلم.","part":2,"page":122},{"id":722,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 123\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة هود مكيّة إلا أَقِمِ الصَّلاةَ الآية. أو إلا فَلَعَلَّكَ تارِكٌ الآية. وأُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ الآية وهي مائة واثنتان أو ثلاث وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر اللّه أعلم بمراده بذلك هذا كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ بعجيب النظم وبديع المعاني ثُمَّ فُصِّلَتْ بينت بالأحكام والقصص والمواعظ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة هود\rمكية إلا أَقِمِ الصَّلاةَ الآية. أو إلا فَلَعَلَّكَ تارِكٌ الآية. وأُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ الآية.\rوهي مائة واثنتان أو ثلاث وعشرون آية بالصرف وتركه، فإن لوحظ أنه اسم للسورة منع الصرف، وإن لوحظ أن المراد السورة المذكورة فيها هود صرف، ومثل ذلك يقال في سورة نوح، لأن الأسماء مصروفة، وسورة مبتدأ أخبر عنه بخبرين:\rقوله: (مكية) وقوله: (مائة). قوله: إلا أَقِمِ الصَّلاةَ التلاوة بالواو، فالصواب أن يقول إلا وأقم الصلوة إلخ، وهذا قول ابن عباس: وقوله: وإلا فَلَعَلَّكَ إلخ، هو قول مقاتل، فالحاصل أن المدني عند ابن عباس آية واحدة وهي وأقم الصلاة الآية، وعند مقاتل آيتان. قوله: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ الآية. وقوله: أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ الآية. قوله: (اللّه أعلم بمراده بذلك) تقدم أن هذا هو الأسلم في تفسير الحروف المقطعة.\rقوله: كِتابٌ خبر المحذوف قدره المفسر بقوله: (هذا) يدل عليه قوله في آية أخرى ذلِكَ الْكِتابُ واسم الإشارة يصح عوده على ما ذكر في هذه السورة فقط، أو على جميع القرآن، وتقدم ذلك.\rقوله: أُحْكِمَتْ صفة لكتاب، إما من الإحكام أي الإتقان، ففعله متعد، والمعنى أتقنت آياته لفظا ومعنى، فلا يحيط بمعنى آيات القرآن غيره تعالى، ولم يوجد تركيب بديع الصنع عديم النظير نظير القرآن، أو الهمزة للنقل من حكم بضم الكاف، بمعنى جعلت حكمية. قوله: ثُمَّ فُصِّلَتْ يحتمل أن ثم لمجرد الإخبار، والمعنى أخبرنا اللّه بأن القرآن محكم أحسن الإحكام، مفصل أحسن التفصيل، كما تقول: فلان","part":2,"page":123},{"id":723,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 124\rخَبِيرٍ (1) أي اللّه (أن) أي بأن أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ بالعذاب إن كفرتم وَبَشِيرٌ (2) بالثواب إن آمنتم وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ من الشرك ثُمَّ تُوبُوا ارجعوا إِلَيْهِ بالطاعة يُمَتِّعْكُمْ في الدنيا مَتاعاً حَسَناً بطيب عيش وسعة رزق إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو الموت وَيُؤْتِ في الآخرة كُلَّ ذِي فَضْلٍ في العمل فَضْلَهُ جزاءه وَإِنْ تَوَلَّوْا فيه حذف إحدى التاءين أي تعرضوا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) هو يوم القيامة إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4) ومنه الثواب والعذاب. ونزل كما رواه البخاري عن ابن عباس فيمن كان يستحيي أن يتخلى أو يجامع فيفضي إلى السماء، وقيل في المنافقين أَلا إِنَّهُمْ\r______________________________\rكريم الأصل، ثم كريم الفعل، ويحتمل أنها للترتيب الزماني بحسب النزول لأنها أحكمت أولا حين نزلت جملة واحدة، ثم فصلت ثانيا، بحسب الوقائع. قوله: مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ صفة ثانية لكتاب، وفيه طباق حسن، لأن حكيم يناسب أحكمت، وخبير يناسب فصلت، ويصح أن يكون من باب التنازع، أعمل الأول وهو أحكمت، وأضمر في الثاني وحذف، والأحسن الأول.\rقوله: أَلَّا تَعْبُدُوا الأحسن أن «أن» تفسيرية لوجود ضابطها، وهو تقدم جملة فيها معنى القول دون حروفه، وهو قوله: ثُمَّ فُصِّلَتْ. قوله: مِنْهُ يصح عود الضمير على اللّه، أو على الكتاب. قوله: (إن كفرتم) أي دمتم على الكفر.\rقوله: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا عطف على قوله: أَلَّا تَعْبُدُوا والسين والتاء للطلب، والمعنى اسألوه الغفران لذنوبكم فيما مضى، وقوله: ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ أي في المستقبل، لأن شرط التوبة الندم على ما فات، والإقلاع في الحال، والعزم على عدم العود في المستقبل، فلا يقال: إن الاستغفار هو التوبة، بل بينهما التغاير.\rقوله: يُمَتِّعْكُمْ جواب الأمر. قوله: (بطيب عيش) أي في أمن وراحة ورضا، فمن تاب في ذنوبه وأخلص عبادة ربه عاش في أمن وراحة ورضا، وإن ضيقت عليه الدنيا، فهي رفع درجات له، بوجود رضا اللّه عليه، ومن لم يتب وأصر على المعاصي والكفر، عاش في خوف ونصب وسخط، وإن وسعت عليه ملاذ الدنيا، ألا لا خير في عيش بعده النار، وحينئذ فلا ينافي هذا، كون الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. قوله: (فيه حذف إحدى التاءين) أي والأصل تتولوا. قوله: (أي تعرضوا) أي عن الأوامر والنواهي، وتدوموا على الكفر، وجواب الشرط محذوف، والتقدير فلا تلوموا إلا أنفسكم، وقوله:\rفَإِنِّي أَخافُ إلخ تعليل للجواب المحذوف.\rقوله: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ أي فلا مفر لكم منه. قوله: (و منه الثواب) أي من الشىء المقدور عليه. قوله: (فيمن كان يستحيي) أي من المسلمين. قوله: (أن يتخلى) أي يقضي حاجته من البول والغائط. قوله: (فيفضي) معطوف على (يتخلى) وتنزيل الآية على حكم هذا القول، باعتبار تعليم التوحيد والمراقبة، كأن اللّه يقول لهم: لا تظنوا أن تغطيتكم تحجبكم عن اللّه، بل اللّه يعلم ما تسرون وما تعلنون، فلا ينافي أن التغطية عند التخلي والجماع مندوبة، وليس المراد ذمهم على هذا الفعل، إذ هو مطلوب حياء من اللّه والجن والملائكة. قوله: (و قيل في المنافقين) قال ابن عباس: نزلت في الأخنس بن شريق في منافقي مكة، وكان رجلا طلق الكلام، حلو المنظر، وكان يلقى رسول اللّه بما يحب، وينطوي","part":2,"page":124},{"id":724,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 125\rيَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أي اللّه أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يتغطون بها يَعْلَمُ تعالى ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ فلا يغني استخفاؤهم إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (5) أي بما في القلوب وَما مِنْ زائدة دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ هي ما دب عليها إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها تكفل به فضلا منه تعالى وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها مسكنها في الدنيا أو الصلب وَمُسْتَوْدَعَها بعد الموت أو الرحم كُلٌ مما ذكر فِي كِتابٍ مُبِينٍ (6) بين هو اللوح المحفوظ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ\r______________________________\rبقلبه على ما يكره، وقيل: كان الرجل من الكفار، يدخل بيته، ويرخي ستره، ويحني ظهره، ويستغشي بثوبه، ويقول الكفر، ويظن أن اللّه لا يعلمه في تلك الحالة.\rقوله: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ من الثني وهو طي الشيء ليكون مستورا، فالمراد يعطفون صدورهم على ما فيها من الكفر ليكون مخفيا مستورا وأصله يثنيون، نقلت ضمة الياء إلى ما قبلها، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع الواو، وهذا المعنى على أن سبب النزول في المنافقين، وأما على أنه فيمن يستحي، حال قضاء الحاجة والجماع، فالمراد بثني الصدر، انحناؤه بظهره حال قضاء الحاجة، وتغطيته بثوبه حين قضاء الحاجة والجماع، فتأمل. قوله: لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ هذا هو علة ثني الصدر على ما فيه.\rقوله: أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ أي يأوون إلى فراشهم ويرتدون ثيابهم. قوله: ما يُسِرُّونَ أي في قلوبهم وقوله: وَما يُعْلِنُونَ أي بأفواههم. قوله: (أي بما في القلوب) أي فالمراد بالصدور والقلوب وما فيها هو الخواطر، فأطلق المحل وأريد الحال فيه. قوله: (و ما من دابة) النكرة في سياق النفي تعم، فدخلت جميع الدواب عاقلة وغير عاقلة. قوله: (و هي ما دب عليها) أي مشى وسار.\rقوله: إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها ليس المراد أن ذلك واجب عليه، تنزه وسبحانه وتعالى، بل المراد أنه التزم به وتكفل به التزاما لا يتخلف، ففي الحقيقة على بمعنى من، إنما التعبير بعلى، ليزداد العبد ثقة بربه توكلا عليه، وإن أخذ في الأسباب فلا يعتمد عليها، بل يثق باللّه ويعتمد عليه، وليكن أخذه في الأسباب امتثالا لأمره تعالى، لأن اللّه يكره العبد البطال، وخص دواب الأرض بالذكر، لأنهم المحتاجون للأرزاق، وأما دواب السماء، كالملائكة والحور العين، فليسوا محتاجين لذلك، بل قوتهم التسبيح والتهليل.\rقوله: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها أتى بذلك دفعا لما يتوهم من كونه متكفلا لكل دابة في الأرض برزقها، أنه ربما يخفى عليه بعض أماكن تلك الدواب، فدفع ذلك التوهم بأنه يعلم مكان كل دابة، فلا تخفى عليه خافية، والمعنى أنه أحاط علمه بمكان كل دابة وزمانها. قوله: (بعد الموت) أي وهو القبر. قوله: كُلٌ (مما ذكر) أي من الدابة ورزقها ومستقرها ومستودعها، فاللوح المحفوظ، أحاط بجميع أرزاق الدواب وأمكنتها وأزمنتها وأحوالها، وهذا من باهر قدرته تعالى، لزيادة طمأنينة العبيد، ومراجعة الملائكة الموكلين بالأرزاق، لا خوفا من نسيانه، إذ هو مستحيل عليه.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ هذا بيان لكونه قادرا على جميع الممكنات، وما تقدم بيان لكونه عالما بالمعلومات كلها.\rقوله: وَالْأَرْضَ أي وما فيها من الأقوات والحيوانات وغير ذلك، والكلام على التوزيع، إذ خلق السموات في يومين، والأرض في يومين، والأقوات في يومين، كما يأتي في سورة فصلت. قوله:","part":2,"page":125},{"id":725,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 126\rفِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أولها الأحد وآخرها الجمعة وَكانَ عَرْشُهُ قبل خلقهما عَلَى الْماءِ وهو على متن الريح لِيَبْلُوَكُمْ متعلق بخلق أي خلقهما وما فيهما منافع لكم ومصالح ليختبركم أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي أطوع للّه وَلَئِنْ قُلْتَ يا محمد لهم إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ ما هذا القرآن الناطق بالبعث والذي تقوله إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) بين، وفي قراءة ساحر، والمشار إليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى مجيء أُمَّةٍ أوقات مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَ استهزاء ما يَحْبِسُهُ ما يمنعه من النزول، قال تعالى: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً مدفوعا عَنْهُمْ وَحاقَ نزل بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (8) من العذاب وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ\r______________________________\r(أولها الأحد) تقدم أن هذا مشكل، لأنه لم يكن ثم زمان فضلا عن تفصيله أياما، فضلا عن تخصيص كل يوم باسم، وتقدم الجواب عنه، بأن ذلك باعتبار ما تعلق به علمه سبحانه وتعالى، لأن كل شيء كان أو يكون، فهو في علمه على ما هو عليه، فالمعنى أولها الأحد الذي علم اللّه أنه يكون.\rقوله: عَلَى الْماءِ أي لم يكن بينهما حائل، بل هو في مكانه الذي هو فيه الآن، وهو ما فوق السماوات السبع، والماء في المكان الذي هو فيه الآن، وهو تحت الأرضين السبع، وذلك أن أول ما خلق اللّه النور المحمدي، ثم خلق منه العرش، ونشأ الماء من عرق العرش، فخلق اللّه منه الأرضين والسماوات فالأرضون من زبده، والسماوات من دخانه. قوله: (ليختبركم) أي ليتميز المحسن من المسيء بتلك النعم، فمن شكر فهو المحسن، ومن كفر فهو المسيء، والمعنى ليظهر بين الناس المطيع فيثيبه في الآخرة على طاعته، والعاصي فيعاقبه في الآخرة على عصيانه. قوله: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب معمولة لِيَبْلُوَكُمْ علق عنها بالاستفهام. قوله: وَلَئِنْ قُلْتَ اللام موطئة لقسم محذوف، وإن حرف شرط، وقوله: لَيَقُولَنَ جواب القسم، وحذف جواب الشرط لتأخره، قال ابن مالك:\rواحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم\r\rوكذا يقال فيما بعده. قوله: إِلَّا سِحْرٌ أي كالسحر، فالكلام على التشبيه البليغ، من حيث إنه كلام مزين الظاهر، فاسد الباطن، قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا.\rقوله: وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ أي الذي استعجلوه. قوله: إِلى أُمَّةٍ أي طائفة من الأزمنة. قوله: (معدودة) أي قليلة.\rقوله: لَيَقُولُنَ الفعل مرفوع بالنون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعله، وأعرب مع وجود نون التأكيد ولم يبن، لأن نون التوكيد تباشرة، إذ الأصل ليقولونن حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فالتقى ساكنان، حذفت الواو لالتقائهما والمحذوف لعلة كالثابت، وهذا بخلاف ليقولن المتقدم، فإنه مبني لمباشرة النون في اللفظ والتقدير. قوله: ما يَحْبِسُهُ أي أي شيء يمنعه من النزول؟\rوهذا الاستفهام على سبيل السخرية.\rقوله: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ أَلا أداة افتتاح، داخلة على ليس في المعنى، ويَوْمَ معمول لخبر ليس، واسمها ضمير فيها يعود على العذاب، وكذلك فاعل يَأْتِيهِمْ ضمير يعود على العذاب،","part":2,"page":126},{"id":726,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 127\rالكافر مِنَّا رَحْمَةً غنى وصحة ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ قنوط من رحمة اللّه كَفُورٌ (9) شديد الكفر به وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ فقر وشدة مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ المصائب عَنِّي ولم يتوقع زوالها ولا شكر عليها إِنَّهُ لَفَرِحٌ بطر فَخُورٌ (10) على الناس بما أوتي إِلَّا لكن الَّذِينَ صَبَرُوا على الضراء وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ في النعماء أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11) هو الجنة فَلَعَلَّكَ يا محمد تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ فلا تبلغهم إياه لتهاونهم به وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ بتلاوته عليهم لأجل أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا هلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ يصدقه كما اقترحنا إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ فلا عليك إلا البلاغ لا الإتيان بما اقترحوه وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) حفيظ فيجازيهم أَمْ بل أيَقُولُونَ افْتَراهُ أي\r______________________________\rوالتقدير ألا ليس هو أي العذاب، مصروفا عنهم يوم يأتيهم العذاب، ففي هذه الآية تقدم معمول خبر ليس عليها. قوله: (من العذاب) بيان لما.\rقوله: ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ أي أخذناه قهرا. قوله: (قنوط) أي لقلة صبره وعدم رجائه في ربه.\rقوله: لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي أي على حسب عادة الدهر، ولا ينظر لفضل اللّه في ذلك، فهو مغضوب عليه على كل حال.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا مستثنى من قوله: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ إلخ، وقد أشار المفسر، إلى أن هذا الاستثناء منقطع، حيث عبر بلكن، ويصح أن يكون متصلا، باعتبار أن المراد بالإنسان الجنس لا واحد بعينه. قوله: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ أي لذنوبهم. قوله: وَأَجْرٌ كَبِيرٌ أي عظيم مدخولهم في الآخرة.\rقوله: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ لعل تأتي للترجي في الأمر المحبوب، كما تقول: لعل الحبيب قادم، وتأتي للتوقع في الأمر المكروه، كما تقول: لعل العدو قادم، والآية من هذا الثاني، غير أن التوقع ليس على بابه، إذ مستحيل على رسول اللّه كتم بعض ما أمر بتبليغه والعزم على ذلك، بل المقصود منه الاستفهام الإنكاري، والتحضيض على التبليغ، مع عدم المبالاة بمن عاداه، كأن اللّه يقول لنبيه: بلغ ما أمرت به، ولو كره المشركون ذلك، ولا تترك التبليغ محافظة على عدم استهزائهم، وذلك أن رسول اللّه، كان إذا قرأ آية فيها سب المشركين وآلهتهم، نفروا وقالوا: ائت بقرآن غير هذا أو بدله، ونحن نتبعك، فرد اللّه عليهم ذلك، حيث حضه على التبليغ، ونهاه عن الكتم. قوله: بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ أي وهو ما فيه سب آلهتهم.\rقوله: وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أي لا يكن منك ضيق صدر، بسبب استهزاء الكفار بك، فإن اللّه حافظك وناصرك عليهم وخاذلهم. قوله: أَنْ يَقُولُوا أي فقد قالوا: إن كنت صادقا في الرسالة من عند اللّه الذي تصفه بالقدرة التامة، وأنك حبيبه وعزيز عنده، مع أنك فقير، فهلا أنزل عليك ما تستغني به أنت وأصحابك؟ وهلا أنزل. عليك ملك يشهد لك بالرسالة؟ قوله: كَنْزٌ أي مال كثير، وسمي بذلك لأن شأنه أن يكنز. قوله: (فلا عليك إلا البلاغ) أي فلا تبال بقولهم، ولا تغنم منهم. قوله: (حفيظ) أي فيحفظك ويجازيهم.","part":2,"page":127},{"id":727,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 128\rالقرآن قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ في الفصاحة والبلاغة مُفْتَرَياتٍ فإنكم عربيون فصحاء مثلي. تحداهم بها أولا، ثم بسورة وَادْعُوا للمعاونة على ذلك مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (13) في أنه افتراء فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ أي من دعوتموهم للمعاونة فَاعْلَمُوا خطاب للمشركين أَنَّما أُنْزِلَ ملتبسا بِعِلْمِ اللَّهِ وليس افتراء عليه وَأَنْ مخففة أي أنه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14) بعد هذه الحجة القاطعة\r______________________________\rقوله: أَمْ يَقُولُونَ أَمْ منقطعة بمعنى بل والهمزة، والإضراب انتقالي، والهمزة للتوبيخ والإنكار والتعجب. قوله: افْتَراهُ أي اختلقه من عند نفسه. قوله: قُلْ فَأْتُوا إلخ رد لما قالوه، والمعنى أنكم عربيون مثلي، فائتوا بكلام مثل هذا الكلام الذي جئت به، فإنكم تقدرون على ذلك، بل أنتم أقدر مني، لممارستكم الأشعار والوقائع. قوله: مِثْلِهِ نعت لسور، وإن كان بلفظ الإفراد، فإنه يوصف به: المثنى والجمع والمذكر والمؤنث. قوله: (تحداهم بها أولا) أي بعد أن تحداهم بجميع القرآن كما في سورة الإسراء، قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ الآية، ثم تحداهم بعشر سور كما هنا، ثم بسورة كما في البقرة ويونس فالإسراء قبل هود نزولا ثم هود ثم يونس ثم البقرة. قوله: (على) أي الإتيان. قوله: (أي غيره) أي من الأصنام أو من جميع المخلوقات.\rقوله: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ أي أيها المشركون،\rوقوله: (أي من دعوتموهم) تفسير للواو في يَسْتَجِيبُوا. قوله: بِعِلْمِ اللَّهِ أي فكما أن علمه لا يشابهه علم، كذلك كلامه لا يشابه كلام، لأن الكلام على حسب علم المتكلم، فكلما كان المتكلم متسع العلم، كان كلامه فصيحا بليغا، ولا أوسع من علم اللّه، لأنه أحاط بكل شيء علما. قوله: (مخففة) أي واسمها ضمير الشأن. قوله: (أي اسلموا) أي فهو استفهام فيه معنى الطلب، لزوال العذر المانع من ذلك.\rقوله: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا اختلف في سبب نزولها، فقيل في اليهود والنصارى، وقيل في المنافقين الذين كانوا يطلبون بغزوهم مع رسول اللّه الغنائم، لأنهم كانوا لا يرجون ثواب الآخرة، وقيل في المرائين، والحمل على العموم أولى، فيندرج فيه الكافر والمنافق والمؤمن، الذي يأتي بالطاعات على وجه الرياء والسمعة. قوله: وَزِينَتَها أي ما يتزين به فيها، من الصحة والأمن والسعة والرياسة، وغير ذلك. قوله: (بأن أصروا على الشرك) هذا شامل للقولين المتقدمين.\rقوله: (و قيل هي في المرائين) أي ومعنى قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ أي ابتداء، ثم بعد استيفاء ما عليه يخرج منها، ويدل على أن له هذا الوعيد الشديد ما روي، يقول اللّه: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه، وهذا القول اختاره البيضاوي لحديث: «يقال لأهل الرياء:\rحججتم وصليتم وتصدقتم وجاهدتم وقرأتم ليقال ذلك، فقد قيل ذلك، ثم قال: إن هؤلاء أول من تسعر بهم النار» رواه أبو هريرة ثم بكى بكاء شديدا، ثم قال: صدق رسول اللّه مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا إلخ.","part":2,"page":128},{"id":728,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 129\rأسلموا مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها بأن أصر على الشرك، وقيل هي في المرائين نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ أي جزاء ما عملوه من خير كصدقة وصلة رحم فِيها بأن نوسع عليهم رزقهم وَهُمْ فِيها أي الدنيا لا يُبْخَسُونَ (15) ينقصون شيئا أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ بطل ما صَنَعُوا ه فِيها أي الآخرة فلا ثواب له وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (16) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ بيان مِنْ رَبِّهِ وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو المؤمنون وهي القرآن وَيَتْلُوهُ يتبعه شاهِدٌ له يصدقه مِنْهُ أي من اللّه وهو جبريل وَمِنْ قَبْلِهِ أي القرآن كِتابُ مُوسى التوراة شاهد له أيضا إِماماً وَرَحْمَةً حال كمن ليس كذلك لا أُولئِكَ أي\r______________________________\rقوله: نُوَفِ بالنون مبنيا للفاعل وفيه ضمير يعود على اللّه، وبالياء مبنيا للمفعول وأَعْمالَهُمْ بالرفع نائب فاعل، والفاء مشددة على كل حال قراءتان: الأولى سبعية، والثانية شاذة. قوله: (أي جزاء ما عملوه) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله: (بأن نوسع عليهم رزقهم) أي فهذا جزاء أعمالهم الحسنة في الدنيا، وأما في الآخرة فليس لهم في نظير ذلك شيء، قال تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً فجزاء الآخرة بالجنة ونعيمها مخصوص بالمؤمن. قوله: (فلا ثواب له) أي لأنهم استوفوا في الدنيا جزاء أعمالهم الحسنة، فليس لهم في الآخرة إلا العذاب، قال تعالى وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ. قوله: وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي في الدنيا من الخيرات.\rقوله: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ لما تقدم ذكر أوصاف أهل الدنيا الغافلين عن الآخرة وعاقبة أمرهم ذكر أوصاف أهل الآخرة، الذين يريدون بأعمالهم وجه ربهم، واسم الموصول مبتدأ خبره محذوف، قدره المفسر فيما يأتي بقوله: (كمن ليس كذلك) وجواب الاستفهام محذوف قدره بقوله: (لا) وقد صرح بهذين المحذوفين في قوله تعالى: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ. قوله: (بيان) أي نور واضح ودليل ظاهر، وذلك نظير قوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ. قوله: (و هو النبي) أي وعليه فالجمع للتعظيم في قوله: أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وقوله: (أو المؤمنون) والجمع فيها ظاهر، وفي نسخة والمؤمنون، وهي ظاهرة. قوله: (و هو القرآن) تفسير للبينة، وقد أخذ هذا التفسير مما يأتي في سورة البينة في قوله تعالى: حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ.\rقوله: وَيَتْلُوهُ الضمير عائد على من. قوله: (و هو جبريل) تفسير للشاهد، والمعنى من كان متمسكا بالحق، والحال أنه يتبعه شاهد من اللّه يصدقه على ذلك وهو جبريل، لأنه مقوي ومصدق للرسول، ويصح أن يكون المراد بالشاهد معجزات القرآن، والضمير في مِنْهُ إما عائد على اللّه أو على القرآن، والمعنى على هذا، ويتبعه شاهد يشهد بكونه من عند اللّه وهو الإعجاز في نظمه واشتماله على عجائب المغيبات في معناه، فلا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، كلا أو بعضا ويصح أن يراد بالشاهد، المعجزات الظاهرة على يد رسول اللّه مطلقا.\rقوله: وَمِنْ قَبْلِهِ الجار والمجرور حال من كتاب موسى، الواقع معطوفا على شاهد. قوله:\r(شاهد له أيضا) الأوضح أن يقول يتلوه أيضا، إذ هو المسلط عليه. قوله: إِماماً أي مقتدى به. قوله:","part":2,"page":129},{"id":729,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 130\rمن كان على بينة من ربه يُؤْمِنُونَ بِهِ أي القرآن فلهم الجنة وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ جميع الكفار فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ شك مِنْهُ من القرآن إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي أهل مكة لا يُؤْمِنُونَ (17) وَمَنْ أي لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بنسبة الشريك والولد إليه أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ يوم القيامة في جملة الخلق وَيَقُولُ الْأَشْهادُ جمع شاهد وهم الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ وعلى الكفار بالتكذيب هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) المشركين الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دين الإسلام وَيَبْغُونَها يطلبون السبيل عِوَجاً معوجة وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ تأكيد كافِرُونَ (19) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ اللّه فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره مِنْ أَوْلِياءَ أنصار يمنعونهم من عذابه يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ بإضلالهم غيرهم ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ للحق وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (20) أي لفرط\r______________________________\rوَرَحْمَةً أي إحسانا ولطفا لمن أنزل إليهم. قوله: (أي من كان على بينة من ربه) أشار بذلك إلى أن اسم الإشارة عائد على قوله: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ.\rقوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ اسم الموصول راجع لقوله: (كمن ليس كذلك) فهو لف ونشر مرتب.\rقوله: فَلا تَكُ أصله تكون، دخل الجازم فسكنت النون فالتقى ساكنان، حذفت الواو لالتقائهما، وحذفت النون تخفيفا. قوله: فِي مِرْيَةٍ بكسر الميم باتفاق السبعة، وقرىء شذوذا بضمها وهي لغة قليلة، وهو خطاب للنبي والمراد غيره. قوله: إِنَّهُ الْحَقُ أي الثابت والذي لا محيص عنه. قوله:\rوَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يفيد أن الأقل مؤمن، وهو كذلك في كل زمن إلى يوم القيامة، وإنما خص المفسر أهل مكة، لكون أصل الخطاب لهم. قوله: (أي لا أحد) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، وهذا شروع في ذكر أوصافهم،\rوقد ذكر منها هنا أربعة عشر وصفا أولها قوله: وَمَنْ أَظْلَمُ وآخرها قوله: لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ.\rقوله: أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ أي عرض فضيحة وهتك ستر. قوله: (و هم الملائكة) أي والنبيون والأصفياء. قوله: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ هذا من كلام اللّه تعالى بقوله لهم يوم القيامة، فيطردون بذلك عن الرحمة الصالحة في الآخرة، وليس المراد أنهم يطردون عن رحمة الدنيا.\rقوله: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي يمنعون الناس عن الدخول في دين الإسلام، والمعنى أنهم كما ضلوا في أنفسهم، يضلون غيرهم. قوله: وَيَبْغُونَها عِوَجاً أي ينسبونها للاعوجاج، والحال أنه قائم بقلوبهم.\rقوله: أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ أي فارين من عذاب اللّه، لأن اللّه وإن أمهلهم لا يهملهم.\rقوله: مِنْ أَوْلِياءَ من زائدة في اسم كان، والمعنى ليس لهم أنصار من غير اللّه، يمنعون عذاب اللّه عنهم. قوله: (بإضلالهم غيرهم) أشار بذلك إلى جواب سؤال، وأراد على الآية. وحاصله، أن المضاعفة مخصوصة بالحسنات، وأما السيئات فلا تضاعف. قال تعالى: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها فأجاب المفسر: بأن معنى المضاعفة الشدة، لأنهم يعذبون عذابين، عذابا على ضلالهم في أنفسهم، وعذابا في إضلالهم غيرهم. قوله: ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ أي لم يقبلوه لوجود الحجاب على","part":2,"page":130},{"id":730,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 131\rكراهتهم له كأنهم لم يستطيعوا ذلك أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم وَضَلَ غاب عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (21) على اللّه من دعوى الشريك لا جَرَمَ حقا أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا سكنوا واطمأنوا أو أنابوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (23) مَثَلُ صفة الْفَرِيقَيْنِ الكفار والمؤمنون كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِ هذا مثل الكافر وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هذا مثل المؤمن هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا لا أَفَلا تَذَكَّرُونَ (24) فيه إدغام التاء في الأصل في الذال تتعظون وَلَقَدْ أَرْسَلْنا\r______________________________\rقلوبهم. قوله: ما كانُوا يُبْصِرُونَ أي لم يقدروا على ذلك.\rقوله: أُولئِكَ أي الذين لا يستطيعون السمع ولا الإبصار. قوله: (من دعوى الشريك) بيان لما.\rقوله: لا جَرَمَ اختلف العلماء في معنى لا جرم، على ثلاثة أوجه، أولها: أن لا نافية لأماني الكفار، وجرم فعل ماض بمعنى حق وثبت، وقوله: أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ الجملة في محل رفع فاعل بجرم، ويصير المعنى لا عبرة بأمانيهم بل حق، وثبت خسرانهم في الآخرة، وهذا الوجه أحسنها. ثانيها:\rأن لا كذلك، وجرم بمعنى كسب، وأن وما دخلت عليه، في تأويل مصدر مفعوله، والفاعل ما دل عليه السياق، والمعنى ما كسب لهم كفرهم وأمنياتهم إلا خسرانهم في الآخرة. ثالثها: أن لا جرم بمعنى لا بد، أي لا بد أنهم في الآخرة هم الأخسرون، فلا نافية للجنس وجرم اسمها مبني معها على الفتح، وجملة أنهم في محل رفع خبرها إذا علمت ذلك، فقول المفسر حقا لم يوافق واحدا من هذه الثلاثة، إلا أن يقال إنه مر على الأول، ويكون حقا مفعولا مطلقا لفعل محذوف، والتقدير حق حقا، وقد وردت هذه اللفظة في القرآن في خمسة مواضع، ويقال في كل واحد منها ما قيل هنا.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا لما ذكر اللّه أحوال الكفار، وما آل إليه أمرهم، أتبعهم بذكر المؤمنين، وما آل إليه أمرهم. قوله: وَأَخْبَتُوا من الإخبات وهو الخشوع والخضوع، ويتعدى باللام وإلى، فإن عدى باللام، فمعناه خشع وخضع، وإن عدى بإلى، فمعناه اطمأن وسكن، وقد اقتصر المفسر على هذا الثاني.\rقوله: أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ التعبير بأصحاب، إشارة إلى أن أهل الجنة، مالكون لمنازلها ملكا لا يحول ولا يزول.\rقوله: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ لما ذكر أحوال الكفار، وما هم عليه من الصمم والعمى عن اتباع الحق، وذكر أحوال المؤمنين، وما هم عليه من التبصر وسماع الحق واتباعه، أتبع ذلك بذكر مثل لكل فريق.\rقوله: كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِ هذا كناية عن كون اللّه سلبهم الانتفاع بالحق لسبق شقاوتهم في علم اللّه، والمراد من الأعمى والأصم ذات واحدة اتصفت بهذين الوصفين، فإنه هو الذي لا يقبل الهدى لمقصوده بأي وجه كان، ومثل ذلك يقال في نظيره، وهو البصير والسميع. قوله: مَثَلًا تمييز محول عن الفاعل، والأصل هل يستوي مثلهما. قوله: (لا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري. قوله: أَفَلا تَذَكَّرُونَ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أعميتم وتركتم الهدى فلا تذكرون، فهو خطاب للمشركين الذين كانوا في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (فيه إدغام التاء) إلخ، أي والأصل تتذكرون، أبدلت التاء الثانية ذالا، وأدغمت في الذال، وفي قراءة سبعية بحذف إحدى التاءين تخفيفا.","part":2,"page":131},{"id":731,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 132\rنُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي أي بأني وفي قراءة بالكسر على حذف القول لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) بين الإنذار أَنْ أي بأن لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ إن عبدتم غيره عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) مؤلم في الدنيا والآخرة فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ وهم الأشراف ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا ولا فضل لك علينا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا أسافلنا كالحاكة والأساكفة بادِيَ الرَّأْيِ بالهمز وتركه أي ابتداء من غير تفكر فيك ونصبه على الظرف أي وقت حدوث أول رأيهم وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فتستحقون به الاتباع منا بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (27) في دعوى الرسالة، أدرجوا قومه معه في الخطاب قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ أخبروني\r______________________________\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً جرت عادة اللّه في كتابه العزيز، أنه إذا أقام الحجج على الكفار، ووبخهم وضرب لهم الأمثال، يذكر لهم بعض قصص الأنبياء المتقدمين وأممهم، لعلهم يهتدون، وفي هذه السورة سبع قصص، الأولى: قصة نوح مع قومه، الثانية: قصة هود مع قومه. الثالثة: قصة صالح مع قومه. الرابعة: قصة إبراهيم مع الملائكة. الخامسة: قصة لوط مع قومه. السادسة: قصة شعيب مع قومه. السابعة: قصة موسى مع فرعون. وذكر هذه القصص على حسب الترتيب الزماني، وتقدم أن نوحا اسمه عبد الغفار، ونوح لقبه، سمي بذلك لكثرة نوحه، لما ورد أنه رأى كلبا مجذوما فقال له: إخسأ يا قبيح، فأوحى اللّه إليه أعبتني أم عبت الكلب، فكان ذلك عتابا له، فاستمر ينوح صلّى اللّه عليه وسلّم على نفسه، فسمي بذلك. قوله: (أي بأني) أشار بذلك إلى أن قراءة الفتح، على إضمار حرف الجر. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (على حذف القول) أي ومتى وقعت إن بعد القول كسرت. قوله: مُبِينٌ أي بيّن الإنذار وواضحه.\rقوله: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ هذا في قول التعليل لقوله: أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ. قوله: أَلِيمٍ صفة لليوم، وأسنده له مبالغة على سبيل المجاز العقلي، وحق الإسناد للعذاب.\rقوله: ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا أعلم أنهم احتجوا عليه بثلاث حجج، أولها قوله: ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وآخرها قوله: بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ\rوقد أجابهم عنها إجمالا بقوله: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي إلخ. وتفصيلا بقوله: وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ الخ. قوله: إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا أي آدميا مثلنا. قوله: (و لا فضل لك علينا) أي لا مزية لك علينا، وهذا من فرط جهلهم، استبعدوا فضل اللّه على البشر، وظنوا أن الرسل لا يكونون إلا من الملائكة.\rقوله: أَراذِلُنا إما جمع الجمع فهو جمع أرذل بضم الذال جمع رذل بسكونها، ككلب وأكلب وأكالب، أو جمع المفرد وهو أرذل، كأكبر وأكابر وأبطح وأباطح. قوله: (كالحاكة) جمع حائك وهو القزاز.\rقوله: (و الأساكفة) جمع إسكاف وهو صانع النعال، وهذه عادة اللّه في الأنبياء والأولياء، أن أول من يتبعهم ضعفاء الناس لذلهم، فلا يتكبرن عن الإتباع. قوله: (بالهمز وتركه) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: (من غير تفكر فيك) أي ولو تفكروا لما اتبعوك. قوله: مِنْ فَضْلٍ أي مزية من مال وغيره.\rقوله: (في الخطاب) أي في قوله: وما نرى لكم بل نظنكم.\rقوله: قالَ يا قَوْمِ هذا خطاب في غاية التلطف بهم. قوله: (بيان) أي حجة وبرهان. قوله:","part":2,"page":132},{"id":732,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 133\rإِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ بيان مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً نبوة مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ خفيت عَلَيْكُمْ وفي قراءة بتشديد الميم والبناء للمفعول أَنُلْزِمُكُمُوها أنجبركم على قبولها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (28) لا نقدر على ذلك وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ على تبليغ الرسالة مالًا تعطونيه إِنْ ما أَجرِيَ ثوابي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا كما أمرتموني إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ بالبعث فيجازيهم ويأخذ لهم ممن ظلمهم وطردهم وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (29) عاقبة أمركم وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي يمنعني مِنَ اللَّهِ أي عذابه إِنْ طَرَدْتُهُمْ أي لا ناصر لي أَفَلا فهلا تَذَكَّرُونَ (30) بإدغام التاء الثانية في الأصل في الذال تتعظون وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا إني أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ بل أنا بشر مثلكم وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي تحتقر أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ قلوبهم إِنِّي إِذاً إن قلت ذلك لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31) قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا خاصمتنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا به من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) فيه قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ\r______________________________\rفَعُمِّيَتْ أي النبوة أي خفيت عليكم. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (و البناء للمفعول) أي والأصل أعماها اللّه عليكم أي أخفاها، فأطلق العمى وأريد لازمه وهو الخفاء، لأن الأعمى عليه الأشياء، فلا يهتدي ولا يهدي غيره، قوله: (أنجبركم على قبولها) أي لا قدرة لنا على إلزامكم إياها، والحال أنكم كارهون لها، بل الإيمان إنما هو بالرضا والتسليم الباطني، والمعنى أخبروني إن كنت على حجة ظاهرة من ربي وأعطاني نبوة من عنده، فأخفاها عليكم، أأجبركم على قبولها والإيمان بها، والحال أنكم كارهون منكرون لها، لا أستطيع ذلك، بل لا قدرة لي إلا على البلاغ.\rقوله: إِلَّا عَلَى اللَّهِ أي فهو المتكفل لي بالثواب والعطايا. قوله: (كما أمرتموني) أي فقد قالوا لي: امنع واطرد هؤلاء الأسافلة عنك ونحن نتبعك، فإنا نستحي أن نجلس معهم في مجلسك، وهذا كما قالت قريش لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم كما في سورة الأنعام، فنزل ردا عليهم وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية. قوله:\r(فيجازيهم) أي على ما قدموا من الأعمال الصالحة. قوله: تَجْهَلُونَ أي لا تحسنون خطابا. قوله: (أي لا ناصر لي) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري.\rقوله: أَفَلا تَذَكَّرُونَ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير أتأمروني بطردهم أفلا تذكرون.\rقوله: وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ هذا رد لقولهم: وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ والمراد بخزائن اللّه، مغيباته التي لا يعلمها ولا يطلع عليها إلا هو. قوله: وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ رد لقولهم: وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلخ، والمعنى ما قلت لكم إني أعلم الغيب فأطلع على بواطنكم. قوله: لا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ رد لقولهم: ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا. قوله: تَزْدَرِي أصله تزتري فقلبت تاء الافتعال دالا.\rقوله: لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً أي توفيقا وهدى. قوله: اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ أي من إيمان وكفر.\rقوله: قَدْ جادَلْتَنا أي شرعت في جدالنا. قوله: (به) قدره إشارة إلى أن عائد الموصول محذوف، ويصح أن تكون ما مصدرية، والمعنى بوعدك إيانا. قوله: (فيه) أي في الوعد. قوله: (تعجيله) إشارة","part":2,"page":133},{"id":733,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 134\rتعجيله لكم فإن أمره إليه لا إليّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) بفائتين اللّه لا وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ أي إغواءكم وجواب الشرط دل عليه ولا ينفعكم نصحي هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) قال تعالى: أَمْ بل أيَقُولُونَ أي كفار مكة افْتَراهُ اختلق محمد القرآن قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي إثمي أي عقوبته وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35) من إجرامكم في نسبة الافتراء إليّ وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ تحزن بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (36) من الشرك فدعا عليهم بقوله رب لا تذر على الأرض، الخ فأجاب اللّه دعاه وقال وَاصْنَعِ الْفُلْكَ السفينة بِأَعْيُنِنا بمرأى منا وحفظنا\r______________________________\rبذلك إلى أن مفعول شاء محذوف. قوله: (بفائتين اللّه) أي بفارين من عذابه. قوله: (و جواب الشرط) أي الأول، وهذا مرور على مذهب البصريين القائلين: إن جواب الشرط لا يتقدم عليه، وجوزه الكوفيون، وحينئذ يكون تقدير الكلام: إن كان اللّه يريد أن يغويكم، فإن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي، وذلك لأن القاعدة إذا اجتمع في الكلام شرطان، وجواب يجعل الجواب للثاني، والشرط الثاني وجوابه، جوابا عن الأول. قوله: (أي كفار مكة) هذا أحد قولين، والثاني وعليه أكثر المفسرين، أن هذه الآية من جملة قصة نوح.\rويكون الضمير في افْتَراهُ عائدا على الوحي الذي جاءهم به نوح. قوله: (أي عقوبته) أشار بذلك إلى الكلام على حذف مضاف.\rقوله: وَأُوحِيَ الجمهور على أنه مبني للمفعول، وأنه بالفتح في تأويل مصدر نائب فاعل، وقرىء شذوذا بالبناء للفاعل، وأنه بالكسر، إما على إضمار القول: أي أوحى اللّه إلى نوح قائلا له إنه إلخ، أو بتضمين الإيحاء معنى القول. قوله: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ أي لن يستمر على الإيمان إلا من ثبت إيمانه وحصل، فاندفع ما يقال إن فيه تحصيل الحاصل. قوله: (فدعاهم) عليهم أي بعد اليأس من إيمانهم، وحصول غاية المشقة له منهم، فكانوا يضربونه حتى يسقط، فيلقونه في اللبد ويلقونه في بيت يظنون موته، فيخرج في اليوم الثاني، ويدعوهم إلى اللّه تعالى، وكانوا يخنقونه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، وكان الوالد منهم يوصي أولاده بعدم اتباعه ويقول: قد كان هذا الشيخ مع آبائنا وأجدادنا هكذا مجنونا، فلا يقبلون منه شيئا. فلما أوحي إليه بعدم إيمانهم دعا عليهم كما قال المفسر.\rقوله: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ يطلق مفردا وجمعا، والمراد هنا المفرد،، وكان طولها ثمانين ذراعا، وعرضها خمسين، وطولها لجهة العلو ثلاثين ذراعا والذراع إلى المنكب، وهذا أشهر الروايات، وقيل كان طولها ألفا ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وقيل غير ذلك، جعلها ثلاث طبقات، فالسفلى للوحوش والسباع والهوام، وفي الوسطى الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه في العليا، وقيل السفلى للدواب والوحوش، والوسطى للإنس والعليا للطير، وأول ما حمله نوح الدرة، وآخر ما حمل الحمار، فلما أراد أن يدخل الحمار، أدخل صدره فتعلق إبليس بذنبه، فاستثقل رجلاه، وجعل نوح يقول: ويحك ادخل، فينهض فلا يستطيع حتى قال له: ادخل ولو كان الشيطان معك فدخل، فقال له نوح: ما أدخلك علي يا عدو اللّه؟ قال: ألم تقل أدخل وإن كان الشيطان معك؟ قال: اخرج عني يا عدو اللّه، قال: لا بد أن","part":2,"page":134},{"id":734,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 135\rوَوَحْيِنا أمرنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا كفروا بترك إهلاكهم إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ حكاية حال ماضية وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ جماعة مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ استهزؤوا به قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (38) إذا نجونا وغرقتم فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ موصولة مفعول العلم يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُ ينزل عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (39) دائم حَتَّى غاية للصنع إِذا جاءَ أَمْرُنا باهلاكهم وَفارَ التَّنُّورُ للخباز بالماء وكان ذلك علامة لنوح قُلْنَا احْمِلْ فِيها في السفينة مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ أي ذكر وأنثى أي من كل أنواعهما اثْنَيْنِ ذكر وأنثى وهو مفعول وفي القصة أن اللّه حشر لنوح السباع والطير وغيرهما فجعل يضرب بيديه في كل نوع فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيحملها في\r______________________________\rتحملني معك، هكذا قيل، وقيل إنه لم يحمله معه في السفينة وهو الصحيح، لأنه لم يثبت في حمله خبر صحيح، ومكث في صنع السفينة مائتي سنة، مائة في غرس الأشجار، ومائة في عملها وهي من خشب الساج. قوله: (بمرأى منا وحفظنا) دفع بذلك ما يقال إن ظاهره مستحيل لاستحالة الأعين، بمعنى الجارحة المعلومة على اللّه. فأجيب: بأن أطلق الملزوم وأراد اللازم، لأنه يلزم من كون الشيء بالأعين، أنه مبالغ في حفظه.\rقوله: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا أي لا تراجعني في شأنهم، فإن الهلاك لا بد لهم منه، قوله: (حكاية حال ماضية) أي فالمضارع بمعنى الماضي.\rقوله: وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ الجملة حالية، والتقدير يصنع الفلك، والحال أنه كلما مر الخ استهزؤوا به، أي فقالوا صرت نجارا بعد أن كنت نبيا، وكان يعمل السفينة في برية لا ماء فيها، واستهزاؤهم إما لكونهم لا يعرفون السفينة ولا الانتفاع بها، أو لكونهم يعرفونها، غير أنهم تعجبوا من صنعه لها في أرض لا ماء بها. قوله: فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ أي أنتم محل السخرية والاستهزاء، لأن من كان على أمر باطل فهو أحق بالاستهزاء والسخرية، ولا حاجة لكون الكلام من باب المشاكلة. قوله: (موصولة) أي وعلم عرفانية تنصب مفعولا واحدا، ويصح أن تكون استفهامية، وعلم على بابها من كونها متعدية لاثنين، ويكون الثاني محذوفا.\rقوله: عَذابٌ أي وهو الغرق. قوله: (غاية للصنع) أي في قوله ويصنع الفلك.\rقوله: وَفارَ التَّنُّورُ وكان من حجارة ورثه من أمه حواء، والأشهر أنه كان بالكوفة، على يمين الداخل مما يلي باب كندة، والتنور مما اتفق فيه لغة العرب والعجم كالصابون. قوله: (للخباز) أي وهي امرأة نوح، وكان فورانه وقت طلوع الفجر. قوله: (و كان ذلك) أي فوران التنور وغليانه. قوله: (علامة لنوح) أي على الطوفان، وكان في ثالث وعشرين من أبيب في شدة القيظ. قوله: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ المراد بالزوجين كل اثنين، لا يستغني أحدهما عن الآخر، كالذكر والأنثى وقال لكل منهما زوج، والمعنى من كل صنف زوجين ذكر وأنثى، قال الحسن: لم يحمل نوح معه إلا ما يلد أو يبيض، وأما ما سوى ذلك ما يتولد من الطين كالبق والبعوض، فلم يحمل منه شيئا، وروى بعضهم: أن الحية والعقرب أتيا نوحا وقالا: احملنا معك، فقال: إنكما سبب البلاء أحملكما، فقالا: احملنا ونحن نضمن لك أن لا نضر أحدا ذكرك، فمن قرأ حين يخاف مضرتهما: سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ، لم يضر. قوله: (و هو مفعول) أي لفظ","part":2,"page":135},{"id":735,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 136\rالسفينة وَأَهْلَكَ أي زوجته وأولاده إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ أي منهم بالاهلاك وهو زوجته وولده كنعان بخلاف سام وحام ويافث فحملهم وزوجاتهم الثلاثة وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40) قيل كانوا ستة رجال ونساءهم، وقيل جميع من كان في السفينة ثمانون نصفهم رجال ونصفهم نساء وَقالَ نوح ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها بفتح الميمين وضمهما مصدران أي جريها ورسوها أي منتهى سيرها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) حيث لم يهلكنا وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ في الارتفاع والعظم وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ كنعان وَكانَ فِي مَعْزِلٍ عن السفينة يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (42) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي\r______________________________\rاثنين، وقوله: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ حال منه مقدم عليه. قوله: (أي زوجته) أي التي أسلمت، لأنه كان له زوجتان، إحداهما آمنت فحملها، والأخرى لم تؤمن فتركها. قوله: (و أولاده) أي الثلاثة وزوجاتهم.\rقوله: إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ أي القضاء بالغرق. قوله: (أي منهم) أخذ هذا التقييد من سورة المؤمنون. قوله: (و هو زوجته) أي التي لم تؤمن واسمها واعلة، وقيل واعكة، ورد أنه قبل مجيء الطوفان بأربعين سنة أصيبوا بالعقم، فلم يلدوا في تلك المدة، كي لا تصيبهم الرحمة من أجل وجود، الصغار بينهم. قوله: (بخلاف سام) وهو أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث وهو أبو الترك. قوله:\r(ثمانون) أي اثنان وسبعون من الأمة، وهو وأولاده الثلاثة وزوجاتهم.\rقوله: وَقالَ ارْكَبُوا خطاب لمن معه. قوله: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها حال من الواو في اركبوا، والتقدير قائلين بسم اللّه إلخ. وبسم اللّه خبر مقدم، وقوله: مَجْراها وَمُرْساها مبتدأ مؤخر، روي أنه كان إذا أراد أن تجري قال: بسم اللّه، فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال: بسم اللّه فرست. قوله:\r(بفتح الميمين) سبق قلم إذ فتح مرساها شاذ، فالصواب أن يقول بضم الميمين، أو فتح الأولى مع ضم الثانية. قوله: (مصدران) راجع لكل من الفتح والضم. قوله: (أي جريها) هذا يناسب الفتح، وأما الضم فيقال في تفسيره، أي إجراؤها وإرساؤها.\rقوله: كَالْجِبالِ روي أن اللّه أرسل المطر أربعين يوما وليلة، وخرج الماء من الأرض، قال تعالى: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وارتفع الماء على أعلى جبل وأطوله أربعين ذراعا، حتى أغرق كل شيء، وروي أنه لما كثر الماء في السكك خافت أم صبي على ولدها من الغرق، وكانت تحبه حبا شديدا، فخرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه لحقها الماء، فارتفعت حتى بلغت ثلثيه، فلما لحقها الماء ذهبت حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعت الصبي بيديها حتى ذهب بهما الماء فأغرقهما، فلو رحم اللّه منهم أحدا لرحم أم الصبي، ولا ينافي ما تقدم من أنهم أصابهم العقم أربعين سنة، لجواز أن يكون هذا الولد ابن أكثر من أربعين.\rقوله: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ أي قبل سير السفينة. قوله: وَكانَ فِي مَعْزِلٍ الجملة حالية من ضمير ابنه، وقوله: يا بُنَيَ إلخ، هذه هو المنادى به بثلاث ياءات الأولى ياء التصغير، والثانية لام الكلمة، والثالثة ياء المتكلم، تحركت ياء المتكلم وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا فالتقى ساكنان، حذفت لالتقائهما، وأدغمت إحدى الياءين في الأخرى، فيقرأ بفتح الياء وكسرها قراءتان سبعيتان، وقوله:","part":2,"page":136},{"id":736,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 137\rيمنعني مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عذابه إِلَّا لكن مَنْ رَحِمَ اللّه فهو المعصوم قال تعالى: وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ الذي نبع منك فشربته دون ما نزل من السماء فصار أنهارا وبحارا وَيا سَماءُ أَقْلِعِي أمسكي عن المطر فأمسكت وَغِيضَ نقص الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ تم أمر هلاك قوم نوح وَاسْتَوَتْ وقفت السفينة عَلَى الْجُودِيِ جبل بالجزيرة بقرب الموصل وَقِيلَ بُعْداً هلاكا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)\r______________________________\rارْكَبْ مَعَنا بإظهار الياء وإدغامها في الميم سبعيتان.\rقوله: وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ أي في البعد عن الركوب معنا، إن قلت: لا يخلو الحال، إما إن يكون هذا الولد مسلما أو كافرا، فإن كان مسلما فيبعده كونه في معزل، وإن كان كافرا، فلم عطف عليه وناداه مع علمه بكفره؟ أجيب: بأنه ذكر العلماء أنه كان منافقا، يظهر الإسلام ويخفي الكفر، فعند مجيء الطوفان أظهر ما كان يخفيه، ولا مانع من كون اللّه يخرج الكافر من المؤمن وبالعكس، وهذا الولد قيل كان من صلبه وهو الراجح، وقيل ابن زوجته من نكاح غيره، وقيل كان ولد خبث، ولدته زوجته على فراشه ولم يعلم به، وهذا القول غير وجيه، لقول ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط.\rقوله: سَآوِي أي ألتجىء. قوله: مَنْ رَحِمَ عبر المفسر بلكن، إشارة إلى أن الاستثناء منقطع، لأن ما بعد إلا هو المعصوم، وما قبلها هو العاصم، ولا شك أنه غيره.\rقوله: وَحالَ بَيْنَهُمَا أي بين نوح وابنه. قوله: فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ أي الهالكين بالماء، ورد أنه أوى إلى جبل عال، فدخل في غار منه، وسد على نفسه من كل جهة، فغرق في بوله وغائطه.\rقوله:\rوَقِيلَ يا أَرْضُ إلخ، أي أمر اللّه الأرض بذلك، والمراد تعلقت قدرته بزوال الماء على حد قوله تعالى:\rإِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وهذا القول وقع يوم عاشوراء، ونزل نوح السفينة لعشر خلون من رجب، فكان مكثهم في السفينة ستة أشهر، فلما نجوا صاموا جميعا، حتى الطيور والوحوش يوم عاشوراء، شكرا للّه على النجاة، ومرت السفينة بهم بالبيت الحرام، فطافت به سبع مرات، وأودع اللّه الحجر الأسود في جبل أبي قبيس، وورد أن نوحا حمل أباه آدم معه في السفينة. قوله: (فصار أنهارا وبحارا) أي فماء السماء، بقي في أماكن من الأرض أنهارا وبحارا، وماء الأرض ابتلعته الأرض في باطنها.\rقوله: (نقص) أي ولم يذهب بالكلية، لما علمت من بقاء ماء السماء. قوله: (جبل بالجزيرة) هي مدينة العراق، روي أن اللّه أوحى إلى الجبال، أن السفينة ترسي على واحد منها، فتطاولت وبقي الجودي لم يتطاول تواضعا للّه، فاستوت السفينة عليه وبقيت على أعوادها، وفي الحديث: «بقي منها شيء أدركه أوائل هذه الأمة» ورد أنهم لما خرجوا من السفينة، بنوا قرية وسموها الثمانين، لأنهم كانوا ثمانين.\rقوله: وَقِيلَ بُعْداً منصوب على المصدر بفعل مقدر، أي بعدوا بعدا، فهو مصدر بمعنى الدعاء عليهم. قوله: لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي فهلكوا جميعا، حتى البهائم والطيور والأطفال، على القول بأنهم لم يعقموا، ولا يسأل عما يفعل، وهذا الغرق عقوبة للمكلفين لا غيرهم، قال بعضهم: هذه الآية أبلغ آية في القرآن، لاحتوائها على أحد وعشرين نوعا من أنواع البديع، والحال أن كلماتها تسعة عشر، وخوطب في الأرض أولا بالبلع، لأن الماء نبع منها أولا، قبل أن تمطر السماء.","part":2,"page":137},{"id":737,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 138\rالكافرين وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي كنعان مِنْ أَهْلِي وقد وعدتني بنجاتهم وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُ الذي لا خلف فيه وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (45) أعلمهم وأعدلهم قالَ تعالى:\rيا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ الناجين أو من أهل دينك إِنَّهُ أي سؤالك إياي سؤالك إياي بنجاته عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فإنه كافر ولا نجاة للكافرين وفي قراءة بكسر ميم عمل فعل ونصب غير فالضمير لابنه فَلا تَسْئَلْنِ بالتشديد والتخفيف ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ من إنجاء ابنك إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (46) بسؤالك ما لم تعلم قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ من أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي ما فرط مني وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (47) قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ أنزل من السفينة بِسَلامٍ بسلامة أو بتحية مِنَّا وَبَرَكاتٍ وخيرات عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ\r______________________________\rقوله: وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ أي قبل سير السفينة. قوله: فَقالَ هذا تفصيل للنداء. قوله: (و قد وعدتني بنجاتهم) أي المدلول عليها بقوله: قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ قوله: (الناجين أو من أهل دينك) أشار المفسر إلى أن الكلام، إما على حذف الصفة، أو على حذف المضاف، قوله: (أي سؤالك) أشار بذلك إلى أن الضمير في أنه عائد على نوح على حذف المضاف، والمعنى قال اللّه: يا نوح، إن سؤالك عمل غير صالح أي غير مقبول، لأن اللّه لا يقبل الشفاعة إلّا في المسلمين، فسؤالك خطأ، وذلك نظير استغفار ابراهيم لأبيه، وهذا غير قادح في منصب النبوة الأن نوحا كان يظن إسلام ولده، لأنه كان يظهره، ومن المعلوم أن الرسل يحكمون بالظاهر، وقيل إن الضمير عائد على الولد، ويقال في الإخبار عنه بعمل ما قيل في زيد عدل وهو الراجح. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (و نصب غير) أي على المفعولية لعمل. قوله:\r(بالتشديد والتخفيف) أي فعلى التخفيف تسكن اللام، وعلى التشديد تفتح اللام وفي قراءة التخفيف وجهان:\rحذف الياء وإثباتها، وفي قراءة التشديد ثلاث: فتح النون مع حذف الياء لا غير، وكسر النون مع حذف الياء وإثباتها، وكل هذا في حال الوصل، وأما عند الوقف فلا تثبت أصلا.\rقوله: ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي ما لا تعلم أنه صواب أم لا. قوله: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ هذا العتاب فيه رفق وتلطف، والمعنى كأن اللّه يقول له: إن مقامك عظيم، فشأنك أن لا تسأل ولا تشفع؛ إلا فيمن يرجى فيه النجاة، وأما فيمن تجهل قبول الشفاعة فيه، فلا يليق منك أن تقدم على السؤال فيه.\rقوله: إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أي أتحصن بك. قوله: أَنْ أَسْئَلَكَ أي بعد ذلك. قوله:\r(ما فرط مني) أي تقدم وسلف، وهو الإقدام على سؤال ما ليس به علم، وهذا لا يقتضي صدور ذنب من نوح، إذ هو معصوم من الذنوب، كبيرها وصغيرها، لأن اللّه وعد نوحا عليه السّلام، بأن ينجيه وأهله، فأخذ نوح بظاهر اللفظ واتبع التأويل، حيث ظن أن ولده من جملة اهله الناجين، فلما عاتبه ربه، رجع على نفسه باللوم والندم مما وقع منه، وسأله المغفرة والرحمة، وذلك كما وقع لآدم في الأكل من الشجرة، وليست هذه ذنوبا، بل هي من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين.\rقوله: قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ أي سلامة وأمن، ودخل في هذا السّلام، وكل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، وفيما بعده من المتاع والعذاب، كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة. قوله: (انزل من السفينة) ورد أنه لما نزل منها، أراد أن يبعث من يأتيه بخبر الأرض، فقال له الدجاج أنا، فأخذوه وختم","part":2,"page":138},{"id":738,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 139\rمَعَكَ في السفينة أي من أولادهم وذريتهم وهم المؤمنون وَأُمَمٌ بالرفع ممن معك سَنُمَتِّعُهُمْ في الدنيا ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (48) في الآخرة وهم الكفار تِلْكَ أي هذه الآيات المتضمنة قصة نوح مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ أخبار ما غاب عنك نُوحِيها إِلَيْكَ يا محمد ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا القرآن فَاصْبِرْ على التبليغ وأذى قومك كما صبر نوح إِنَّ الْعاقِبَةَ المحمودة لِلْمُتَّقِينَ (49) وَأرسلنا إِلى عادٍ أَخاهُمْ من القبيلة هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحدوه ما لَكُمْ مِنْ زائدة إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ ما أَنْتُمْ في عبادتكم الأوثان إِلَّا مُفْتَرُونَ (50) كاذبون على اللّه يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ على التوحيد أَجْراً إِنْ ما أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي خلقني أَفَلا تَعْقِلُونَ (51) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا\r______________________________\rعلى جناحه وقال لها: أنت مختومة بخاتمي لا تطيري أبدا تنتفع بك أمتي فبعث الغراب فأصاب جيفة فوقع عليها فاحتبس، فلعنه ودعا عليه بالخوف، فلذلك يقتل في الحل والحرم ولا يألف البيوت، وبعث الحمام فلم تجد قرارا، فوقفت على شجرة بأرض سبأ، فحملت ورقة زيتون، ورجعت إلى نوح، فعلم أنها لم تتمكن من الأرض، ثم بعثها بعد ذلك، فطارت حتى وقفت بوادي الحرم، فإذا الماء قد ذهب موضع الكعبة، وكانت طينتها حمراء، فاختضبت رجلاها، ثم جاءت إلى نوح فقالت: بشراي منك، أن تهب لي الطوق في عنقي، الخضاب في رجلي، وأن أسكن الحرم، فمسح يده على عنقها وطوقها ووهب لها الحمرة في رجليها، ودعا لها ولذريتها بالبركة. قوله: (أي من أولادهم) إلخ، أشار بذلك إلى أن من تبيعضية، والكلام على حذف مضاف، والمعنى وعلى أمم من ذرية من معك. قوله: وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ يقال فيه ما قيل فيما قبله، أي وامم من ذرية من معك سنمتعهم إلخ. والمعنى أن ذرية الأمم الذين معه، بعضها مؤمن فعليه السّلام، وبعضها كافر فيمتع في الدنيا، ثم يمسه العذاب الأليم في الآخرة، والذرية المذكورة لم تكن إلا من أولاده الثلاثة كما تقدم، فهو الأب الثاني للخلق بعد آدم.\rقوله: تِلْكَ مبتدأ، أخبر عنه بثلاثة أخبار. قوله: ما كُنْتَ تَعْلَمُها أي تفصيلا. قوله: فَاصْبِرْ هذا هو المقصود من ذكر تلك القصة، أي فتسل ولا تحزن على عدم إيمان المشركين، ولا تنزعج من أذاهم.\rقوله: إِلى عادٍ الجملة معطوفة على جملة وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ عطف قصة على قصة، وأخر هودا لأنه متأخر عن نوح في الزمن، إذ هو من أولاد سام بن نوح، وبين هود ونوح ثمانمائة سنة، وعاد اسم قبيلة تنسب إلى أبيها عاد، من ذرية سام بن نوح، وهود ينسب له لأنه من تلك القبيلة، لأن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وهود بن عبد اللّه بن رباح بن الخلود بن عاد، وعاش هود أربعمائة سنة وأربعا وستين سنة. قوله:\r(و حدوه) أي وسمى التوحيد عبادة، لأنه أساسها ورأسها. قوله: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ما نافية، ولكم خبر مقدم، وإله مبتدأ مؤخر، وغيره صفته، ومن زائدة كما قال المفسر. قوله: (كاذبون على اللّه) أي حيث ادعيتم أن للّه شركاء وعبدتموهم.\rقوله: لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً أي ليس مقصدي من تبليغ التوحيد، والأحكام لكم، أنكم تعطوني أجرا على ذلك من مال أو غيره؛ والمقصود من ذلك الخطاب، إراحة قلوبهم واللطف بهم، عسى أن يقبلوا ما جاء به بقلب سليم، وعبر هنا بأجر، وفي قصة نوح بما لا تفتنا .. قوله:\rإِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أي لأنه هو المعطي المانع، الضار النافع، المقدم المؤخر، أطلب من","part":2,"page":139},{"id":740,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 140\rرَبَّكُمْ من الشرك ثُمَّ تُوبُوا ارجعوا إِلَيْهِ بالطاعة يُرْسِلِ السَّماءَ المطر وكانوا قد منعوه عَلَيْكُمْ مِدْراراً كثير الدرور وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى مع قُوَّتِكُمْ بالمال والولد وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) مشركين قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ برهان على قولك وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ أي لقولك وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ ما نَقُولُ في شأنك إِلَّا اعْتَراكَ أصابك بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ فخبلك لسبك إياها فأنت تهذي قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ علي وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) به مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي احتالوا في هلاكي جَمِيعاً أنتم وأوثانكم ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (55) تمهلون إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ زائدة دَابَّةٍ نسمة تدب على الأرض إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها أي مالكها وقاهرها فلا نفع ولا ضرر إلا بإذنه وخص الناصية بالذكر لأن من أخذ بناصيته يكون في غاية الذل إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ\r______________________________\rغير. قوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير أجهلتم وعميتم فلا تعقلون.\rقوله: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ أي من كل ذنب مضى، وقوله: ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ أي أقلعوا واعزموا على عدم الرجوع في المستقبل. قوله: (و كانوا قد منعوه) أي ثلاث سنين. قوله: مِدْراراً حال من السماء، أي كثيرة النزول والتتابع. قوله: (كثير الدرور) أي فيقال: دريدر درا ودرورا، فهو مدرار. قوله: (بالمال والولد) أي وكانت قد عقمت نساؤهم ثلاثين سنة لم تلد.\rقوله: قالُوا يا هُودُ أي استهزاء وعنادا. قوله: بِبَيِّنَةٍ أي معجزة، وكانت معجزته التي قامت بها الحجة عليهم، ما يأتي في قوله: فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ فعصمته منهم هي معجزته، وكذا معجزة نوح التي قامت بها الحجة عليهم هي قوله: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً الآية، وأما الريح والطوفان، وإن كان كل معجزة فيهم هلاكهم، لا إقامة الحجة عليهم.\rقوله: (برهان) أي دليل واضح على صحته. قوله: (أي لقولك) أشار بذلك إلى أن عن بمعنى لام التعليل.\rقوله: إِنْ نَقُولُ أي في شأنك. قوله: (فخبلك) أي أفسد عقلك. قوله: (لسبك) علة لقوله فخبلك. قوله: (فأنت تهذي) أي تتكلم بالهذيان، وهو الكلام الساقط الذي لا معنى له.\rقوله: أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ أي خالص ومتبرئ من جميع ما تشركونه مع اللّه.\rقوله:\rفَكِيدُونِي بإثبات الياء وصلا ووقفا هنا لجميع القراء، والتي في المرسلات بحذفها لجميعهم، وأما التي في الأعراف فمن ياءات الزوائد، فتحذف وقفا، ويجوز حذفها وإثباتها في الوصل. قوله: ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ أي لا تؤخرون حتى آتي بشيء يحفظني من قراءة أو سلاح أو غير ذلك، وهذا من شده وثوقه بربه واعتماده عليه.\rقوله: إِنِّي تَوَكَّلْتُ أي فوضت أموري إليه واعتمذت عليه. قوله: رَبِّي وَرَبِّكُمْ هذا تبكيت عليهم. قوله: (فلا نفع ولا ضرر إلا بإذنه) أي وأنتم من جملة الدواب، فليس لكم تأثير في شيء","part":2,"page":140},{"id":741,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 141\rمُسْتَقِيمٍ (56) أي طريق الحق والعدل فَإِنْ تَوَلَّوْا فيه حذف إحدى التاءين أي تعرضوا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً بإشراككم إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) رقيب وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا عذابنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ هداية مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (58) شديد وَتِلْكَ عادٌ إشارة إلى آثارهم أي فسيحوا في الأرض وانظروا إليها ثم وصف أحوالهم فقال جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ جمع لأن من عصى رسولا عصى جميع الرسل لاشتراكهم في أصل ما جاؤوا به وهو التوحيد وَاتَّبَعُوا أي السفلة أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) معاند للحق من رؤسائهم وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً من الناس وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لعنة على رؤوس الخلائق أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا جحدوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً من رحمة اللّه لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (60) وَأرسلنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ من القبيلة صالِحاً قالَ\r______________________________\rأصلا.\rقوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا شرط حذف جوابه لدلالة قوله: فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ إلخ عليه، والتقدير فلا عذر لكم ولا مؤاخذة علي، فقد أبلغتكم إلخ. قوله: وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي إلخ، هذا وعيد شديد مترتب على إعراضهم، والمعنى فإن تعرضوا عن الإيمان، فلا مؤاخذة علي، بل يقبلني ربي ويهلككم ويستخلف غيركم، ولا تضرونه شيئا بإعراضكم، بل ما تضرّون إلا أنفسكم.\rقوله: إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ أي فلا تخفى عليه أحوالكم، بل يجازي كل أحد بعمله.\rقوله: (عذابنا) أي وهو الريح الصرصر المذكور في قوله تعالى: سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ الآية، فأصابهم صبيحة الأربعاء لثمان بقين من شوال، وكان يدخل في أنف الواحد، ويخرج من دبره، فيرفعه في الجو فيسقط على الأرض فتقطع أعضاؤه، وقد تقدم بسطها في الأعراف.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ أي وكانوا أربعة آلاف\rقوله: وَتِلْكَ عادٌ مبتدأ أو خبر على حذف مضاف، كما أشار له المفسر، أي آثار عاد. قوله: (في الأرض) أي أرضهم. قوله: (و انظروا إليها) أي لتعتبروا، وهو خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأمته، ولكن المراد الأمة. قوله: (لأن من عصى رسولا) إلخ، جواب عما يقال لم جمع الرسل، مع أنهم عصوا رسولا واحدا وهو هود. قوله: عَنِيدٍ أي معاند متجاوز في الظلم.\rقوله: لَعْنَةً أي طردا وبعدا.\rقوله: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ (لعنة) أي طردا على رحمة اللّه، وهي الجنة وما فيها، لاتصافهم بالشقاوة الدائمة الموجبة للخلود في النار. قوله: أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ هذا بيان لسبب استحقاقهم للعنتين.\rقوله: أَلا بُعْداً لِعادٍ هذا هو معنى قوله: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ وذكر تأكيدا وإشارة إلى أنهم مستحقون لذلك. قوله: قَوْمِ هُودٍ بدل من عاد، واحترز به عن عاد الثانية المسماة بثمود، وهي قوم صالح الآتية قصتهم بعد.\rقوله: وَإِلى ثَمُودَ عطف على قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً عطف قصة على قصة، وقدر المفسر (أرسلنا) إشارة إلى أن قوله أرسلنا الأول مسلّط عليه، فهو من عطف الجمل، وثمود هنا يمنع الصرف باتفاق القراء العشرة، وقرىء شاذا بالصرف، بخلاف ما يأتي في قوله: أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ فبالصرف وعدمه قراءتان سبعيتان، وثمود اسم أبي القبيلة، سميت باسمه لشهرته، وبين صالح وبينه خمسة أجداد، وبين صالح وهود مائة سنة، وعاش صالح مائتي سنة وثمانين سنة.","part":2,"page":141},{"id":742,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 142\rيا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحدوه ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ ابتدأ خلقكم مِنَ الْأَرْضِ بخلق أبيكم آدم منها وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها جعلكم عمارا تسكنون بها فَاسْتَغْفِرُوهُ من الشرك ثُمَّ تُوبُوا ارجعوا إِلَيْهِ بالطاعة إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ من خلقه بعلمه مُجِيبٌ (61) لمن سأله قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا نرجو أن تكون سيدا قَبْلَ هذا الذي صدر منك أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا من الأوثان وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ من التوحيد مُرِيبٍ (62) موقع في الريب قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ بيان مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً نبوة فَمَنْ يَنْصُرُنِي يمنعني مِنَ اللَّهِ أي عذابه إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي بأمركم لي بذلك غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) تضليل وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً حال عامله الإشارة فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي\r______________________________\rقوله: هُوَ أَنْشَأَكُمْ هذا دليل على كونه هو المستحق للعبادة دون غيره. قوله: مِنَ الْأَرْضِ أي مباشرة أو بواسطة، فالأول كخلق أبينا آدم منها، والثاني كخلق مواد النطف التي منها النوع الإنساني. قوله: (جعلكم عمارا تسكنون بها) أي خلفاء في الأرض، ويصح أن يكون المعنى جعلكم معمرين لها بعد أن خربت. قوله: فَاسْتَغْفِرُوهُ أي من الذنوب التي مضت. قوله: ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ أي أقلعوا عن الذنوب في المستقبل. قوله: (بعلمه) أي فالمراد قرب مكانة ورفعة، والمعنى أن اللّه قريب من خلقه قربا معنويا، منزها عن الإحاطة والجهة، فهو أقرب من نور العين لها، ومن سمع الأذن لها، ومن لمس الجسم له، ومن الأنف له سبحانه وتعالى. قوله: مُجِيبٌ أي فلا يخيب سائلا. قوله: (نرجو أن تكون سيدا) أي لأنه كان يعين ضعيفهم ويعطي فقيرهم، وكانوا يرجعون إليه في الأمور قبل تلك المقالة، فلما حصلت قالوا قد انقطع رجاؤنا فيك. قوله: (الذي صدر منك) أي وهو نهيهم عن عبادة الأوثان.\rقوله: أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ أي أتنهانا عن عبادة الذي كان يعبده آباؤنا، وقوله: (من الأوثان) بيان لما. قوله: وَإِنَّنا هذا هو الأصل، ويصح وإنا بنون واحدة مشددة ولذا قرىء به في سورة إبراهيم.\rقوله: مُرِيبٍ وصف لشك والإسناد مجازي، وحق الإسناد لصاحبه. قوله: (موقع في الريب) أي الدائم.\rقوله: أَرَأَيْتُمْ أي أخبروني. قوله: إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ أتى بإن مشاكلة، لاعتقادهم فيه ومسايرة لخطابهم. قوله: (بيان) أي برهان وحجة واضحة. قوله: (أي عذابه) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف.\rقوله: إِنْ عَصَيْتُهُ أي على فرض وقوع المعصية مني، وإلا فهي مستحيلة عليه، كبيرها وصغيرها، قبل النبوة وبعدها. قوله: (بأمركم لي بذلك) أي بعصيانه وموافقتكم. قوله: (تضليل) أي لي إن اتبعتكم، والمعنى أخبروني إن كنت على بينة ونبوة من ربي، فلا أحد يمنعني من عذاب اللّه إن اتبعتكم وعصيته، وحينئذ أكون خاسرا مضيعا لما أعطاني اللّه من الحق، وهل رأيتم نبيا صار كافرا، وكل هذا تنزل منه لهم.\rقوله: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ أي وقد طلبوا منه أن يخرج لهم ناقة من صخرة عينوها، حيث قالوا:\rأخرج لنا من هذه الصخرة ناقة وبراء عشراء، فدعا اللّه، فتمخضت الصخرة كما تتمخض النساء عند الولادة، فخرجت منها ناقة كما وصفوا، فولدت الناقة في الحال فصيلا، قدرها في الجثة يشبهها، وأضيفت","part":2,"page":142},{"id":743,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 143\rأَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ عقر فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (64) إن عقرتموها فَعَقَرُوها عقرها قدار بأمرهم فَقالَ صالح تَمَتَّعُوا عيشوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ثم تهلكون ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فيه فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا بإهلاكهم نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وهم أربعة آلاف بِرَحْمَةٍ مِنَّا نجيناهم وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ بكسر الميم إعرابا وفتحها بناء لإضافته إلى مبني وهو الأكثر إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) الغالب وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (67) باركين على الركب ميتين كَأَنْ مخففة واسمها محذوف أي كأنهم لَمْ يَغْنَوْا يقيموا فِيها في دارهم أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (68) بالصرف وتركه على معنى الحي والقبيلة وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى بإسحاق ويعقوب\r______________________________\rالناقة للّه تشريفا، أي لا اختصاص لأحد بها.\rقوله: تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ أي من العشب والنبات، وفي الكلام اكتفاء، أي وتشرب من ماء اللّه، على حد سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ أي والبرد. قوله: قَرِيبٌ أي عاجل لا يتأخر عنهم إلا ثلاثة أيام.\rقوله: (عقرها قدار) أي ابن سالف، حيث ضربها في رجليها، فذبحوها واقتسموا لحمها، وقدار هذا من أشقى الأشقياء.\rقوله: فِي دارِكُمْ أي أرضكم. قوله: ثَلاثَةَ أَيَّامٍ والحكمة في ذلك، بقاء الفصيل ينوح على أمه ثلاثة أيام، ثم فتحت له الصخرة، ودخل فيها، قالوا: وما العلامة؟ قال: تصبحون في اليوم الأول وجوهكم مصفرة، وفي اليوم الثاني وجوهكم محمرة، وفي اليوم الثالث وجوهكم مسودة. قوله: غَيْرُ مَكْذُوبٍ (فيه) أشار المفسر بتقدير فيه، إلى أنه من باب الحذف والإيصال.\rقوله: بِرَحْمَةٍ مِنَّا أي وهي الإيمان. قوله: مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ أي يوم إهلاكهم بالصيحة. قوله: (لإضافته إلى مبني) أي فهي من أسباب البناء. قوله: (و هو الأكثر) أي عربية، وأما في القراءة فمستويان.\rقوله: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا حذفت تاء التأنيث من الفعل، إما لكون المؤنث مجازيا كما يقال طلع الشمس، أو للفصل بالمفعول، كأتى القاضي بيت الواقف. قوله: الصَّيْحَةُ أي مع الزلزلة فتقطعت قلوبهم، والمراد صيحة جبريل عليهم من السماء، فسمعوا صوت كل شيء فماتوا جميعا.\rقوله: أَلا بُعْداً أي طردا دائما عن رحمة اللّه، فقد نزعوا من دائرة الحلم والرحمة. قوله: (بالصرف وتركه) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (على معنى الحي) راجع للصرف، وقوله: (و القبيلة) راجع لتركه، فهو لف ونشر مرتب، وقد تقدم بسط تلك القصة في الأعراف.\rقوله: وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا أتى هنا بقصة إبراهيم توطئة لقصة لوط لا استقلالا، لأن الهلاك هنا لم يكن لقوم إبراهيم، ولذا غاير الاسلوب، فلم يقل وأرسلنا إبراهيم إلى قومه مثلا، ورسلنا بضم السين وإسكانها، قراءتان سبعيتان في جميع القرآن، متى أضيفت رسل للضمير، فإن أضيفت للظاهر قرىء بضم السين لا غير، واختلف في عدة الرسل الذين جاؤوه، فعن ابن عباس ثلاثة: جبريل وميكائيل وإسرافيل، وقيل تسعة، وقيل اثنا عشر، وقيل غير ذلك، وعاش إبراهيم من العمر مائة وخمسا وسبعين","part":2,"page":143},{"id":744,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 144\rبعده قالُوا سَلاماً مصدر قالَ سَلامٌ عليكم فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) مشوي فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ بمعنى أنكرهم وَأَوْجَسَ أضمر في نفسه مِنْهُمْ خِيفَةً خوفا قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (70) لنهلكهم وَامْرَأَتُهُ أي امرأة إبراهيم سارة قائِمَةٌ تخدمهم فَضَحِكَتْ استبشارا بهلاكهم فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ بعد\r______________________________\rسنة، وبينه وبين نوح ألفا سنة وستمائة وأربعون سنة، وابنه إسحاق عاش مائة وثمانين سنة، ويعقوب بن إسحاق عاش مائة وسبعا وأربعين سنة. قوله: بِالْبُشْرى هي الخبر السار، سميت بذلك لانبساط البشرة عند حصولها. قوله: (بإسحاق ويعقوب بعده) أفاد المفسر أن المراد بالبشرى هنا هي ما يأتي في قوله: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ إلخ، ويحتمل أن المراد هنا بقوله هنا: بِالْبُشْرى ما هو أعم من ذلك، فيشمل بشراه بنجاة لوط، وهلاك الكافرين، وغير ذلك.\rقوله: قالُوا سَلاماً هذه تحيتهم الواقعة منهم، وهو منصوب بفعله المحذوف، والتقدير سلمنا عليك سلاما. قوله: (مصدر) أي نائب عن لفظ الفعل. قوله: قالَ سَلامٌ إنما أتى إبراهيم بالجملة الإسمية في الرد، لتفيد الدوام والثبوت، فيكون الرد أحسن من الابتداء، لأن الجملة الإسمية أشرف من الفعلية، وقوله: (عليكم) قدره المفسر إشارة إلى أن السّلام مبتدأ، والخبر محذوف، والمسوغ للابتداء بالنكرة التعظيم، على حد أشر هر ذا ناب، أو الدعاء. قوله: فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ ما نافية، ولبث فعل ماض، وأن جاء في تأويل مصدر فاعل، والمعنى لم يتأخر مجيئه بعجل حنيذ. قوله: (مشوي) أي على الحجارة المحماة في حفرة الأرض، وهو من فعل أهل البادية، وكان سمينا يسيل منه الودك كما في آية الذاريات، وكان عامة مال إبراهيم البقر.\rقوله: فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ هذا مرتب محذوف، كما في الآية الأخرى، فقربه إليهم فقال ألا تأكلون، فلما رأى الخ، في بعض الروايات قالوا: لا نأكل طعاما إلا بثمن، قال: فإن له ثمنا، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم اللّه على أوله، وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل قال: وحق لهذا أن يتخذه ربه خليلا. قوله: (خوفا) أي من أجل امتناعهم من طعامه فخاف منهم الخيانة، على عادة الخائن، أنه لا يأكل طعام من أراد خيانته. إن قلت: كيف يخاف إبراهيم منهم، مع كونه خليل الرحمن، وهم محصورون في بيته؟ أجيب: بأن خوفه لما رأى فيهم من جلال اللّه وهيبته، فخوفه من ربه لا من ذواتهم.\rقوله: قالُوا لا تَخَفْ أي جوابا لقوله لهم كما في سورة الحجر إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ. قوله: إِلى قَوْمِ لُوطٍ أي وهو ابن أخي إبراهيم الخليل، وهو أول من آمن به؛ وأبوه هاران أخو إبراهيم. قوله:\r(لنهلكهم) أخذ هذا المقدر من قوله في سورة الذاريات لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً الخ.\rقوله: (سارة) بالتخفيف والتشديد، وهي بنت عمه. قوله: (تخدمهم) أي على عادة نساء العرب، لا يتحاشون خدمة الضيوف.\rقوله: فَضَحِكَتْ في سبب ذلك الضحك أقوال، قيل: للبشرى بهلاك قوم لوط، كما قال المفسر، وقيل: من خوف إبراهيم، وهو في خدمه وحشمه، وقيل: سرورا بالولد، وقيل:\rتعجبا من إتيان الولد على كبر، وقيل: لموافقة مجيء الملائكة بهلاك قوم لوط لما قالته لإبراهيم، فإنها قالت","part":2,"page":144},{"id":745,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 145\rإِسْحاقَ يَعْقُوبَ (71) ولده تعيش إلى أن تراه قالَتْ يا وَيْلَتى كلمة تقال عند أمر عظيم والألف مبدلة من ياء الإضافة أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ لي تسع وتسعون سنة وَهذا بَعْلِي شَيْخاً له مائة أو وعشرون سنة ونصبه على الحال والعامل فيه ما في ذا من الإشارة إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) أن يولد ولد لهرمين قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ قدرته رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ يا أَهْلَ الْبَيْتِ بيت إبراهيم إِنَّهُ حَمِيدٌ محمود مَجِيدٌ (73) كريم فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ الخوف وَجاءَتْهُ الْبُشْرى بالولد أخذ يُجادِلُنا يجادل رسلنا فِي شأن قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ كثير الأناة أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) رجاع، فقال لهم: أتهلكون قرية فيها ثلثمائة مؤمن؟ قالوا لا قال: أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟ قالوا لا قال: أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنا؟ قالوا لا قال: أفتهلكون قرية فيها أربعة عشر مؤمنا؟ قالوا لا قال أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد قالوا لا قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها الخ فلما أطال مجادلتهم قالوا يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا الجدال إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ بهلاكهم وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ\r______________________________\rله قبل مجيء الملائكة: اضمم إليك ابن أخيك لوطا، فإن العذاب نازل بقومه، وقيل غير ذلك.\rقوله: فَبَشَّرْناها إنما نسبت البشارة لها دونه، لأنها كانت أشوق منه إلى الولد، لأنه لم يأتها ولد قط بخلافه هو، فقد أتاه إسماعيل قبل إسحاق بثلاثة عشر سنة. قوله: بِإِسْحاقَ ولد بعد البشارة بسنة، فإسماعيل أسن منه بأربعة عشر سنة. قوله: يَعْقُوبَ بالرفع والنصب، قراءتان سبعيتان. قوله:\r(كلمة تقال) أي على سبيل التعجب من مخالفة العادة لا من قدرة اللّه، فإن ذلك كفر، حاشاها منه.\rقوله: (عند أمر عظيم) أي خيرا كان أو شرا، ولكن المراد هنا الخير. قوله: (و الألف مبدلة من ياء الإضافة) أي فيقال في إعرابها ويلتي منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المنقلبة ألفا، منع من ظهورها اشتغال المحل بالفتحة النائبة عن الكسرة لمناسبة الألف وويلتى مضاف، والألف مضاف إليه مبني على السكون في محل جر وترسم بالياء وتقرأ بالألف والإمالة.\rقوله: وَهذا بَعْلِي سمي الزوج بذلك، لأن البعل هو المستعلي على غيره، ولا شك أن الزوج مستعل على المرأة، قائم بأمورها.\rقوله: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ هذا دعاء من الملائكة لهم. قوله: أَهْلَ الْبَيْتِ أشار المفسر بتقدير (يا) إلى أن أهل البيت منصوب على النداء، ويصح أن يكون منصوبا على الاختصاص. قوله: حَمِيدٌ أي كثير الحمد. قوله: مَجِيدٌ أي عظيم شريف.\rقوله: فَلَمَّا ذَهَبَ جوابها محذوف، قدره المفسر بقوله: (أخذ). قوله: وَجاءَتْهُ الْبُشْرى أي بعد الروع. قوله: (يجادل رسلنا) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف.\rقوله: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أي فالحامل له على المجادلة حلمه ورقة قلبه، فغرضه تأخير العذاب عنهم، لعلهم يؤمنون ويرجعون عما هم عليه من القبائح. قوله: (كثير الإناة) أي التأني في الأمور وعدم العجلة. قوله: أَوَّاهٌ في تفسيره أقوال كثيرة، تقدم بعضها في سورة براءة. قوله:\r(فقال لهم) هذه صورة المجادلة، والحاصل أنه سألهم خمسة أسئلة وأجابوه عنها. قوله: (إلخ) أي إلى آخر","part":2,"page":145},{"id":746,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 146\rعَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ حزن بسببهم وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً صدرا لأنهم حسان الوجوه في صورة أضياف فخاف عليهم قومه وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) شديد وَجاءَهُ قَوْمُهُ لما علموا بهم يُهْرَعُونَ يسرعون إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ قبل مجيئهم كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ وهي إتيان الرجال في الأدبار قالَ لوط يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي فتزوجوهن هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ تفضحون فِي ضَيْفِي أضيافي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ\r______________________________\rما في سورة العنكبوت.\rقوله: أَمْرُ رَبِّكَ أي قضاؤه وحكمه. قوله: (غير مردود) أي غير مصروف عنهم، فإنه قضاء مبرم لا محيص عنه.\rقوله: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا أي الملائكة الذين كانوا عند إبراهيم، والمعنى أنهم ارتحلوا من عند إبراهيم حتى أتوا قرية لوط، وتسمى سدوم بلد بحمص، وبينها وبين الخليل أربعة فراسخ، نصف النهار، فوجدوا لوطا يعمل في أرض له، وقيل كان يحتطب، وقد قال اللّه للملائكة لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فاستضافوه فانطلق بهم، فلما مشى بهم ساعة قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرها؟ قال: أشهد باللّه أنها أشر قرية في الأرض عملا، قال ذلك أربع مرات، فمضوا معه حتى دخلوا منزله، وقيل إنه مرمع الملائكة على جماعة من قومه، فتغامزوا فيما بينهم، فقال لوط: إن قومي شر خلق اللّه، فقال جبريل: هذه واحدة، فمر على جماعة أخرى فتغامزوا، فقال مثله، ثم مر على جماعة أخرى ففعلوا ذلك، فقال لوط مثل ما قال أولا، حتى قال ذلك أربع مرات، وكلما قال لوط هذا القول، قال جبريل للملائكة اشهدوا، وقيل إن الملائكة جاؤوا إلى بيت لوط، فوجدوه في داره، فدخلوا عليه ولم يعلم أحد بمجيئهم إلا أهل بيت لوط، فخرجت امرأته الخبيثة فأخبرت قومها وقالت: إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط ولا أحسن منهم.\rقوله: وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً الأصل فيه، أن البعير يذرع بيده في سيره ذرعا على قدر سعة خطوته، فإذا حمل عليه ضعف ومد عنقه وضاق ذرعه، فأطلق الذرع وأريد منه الصدر، فالمراد ضاق صدره، لعدم الخلاف من ذلك المكروه. قوله: (فخاف عليهم قومه) منصوب بنزع الخافض أي من قومه. قوله:\rعَصِيبٌ مأخوذ من العصب وهو الشدة، ومنه العصابة التي يشد بها الرأس. قوله: (لما علموا بهم) أي إما لأنهم رأوهم مع لوط في الطريق، أو أعلمتهم زوجته.\rقوله: يُهْرَعُونَ أي يسوق بعضهم بعضا. قوله: كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أي فلا حياء عندهم منها لاعتيادهم لها.\rقوله: قالَ يا قَوْمِ هذا الخطاب وقع من لوط، وهم خارج الباب. قوله: هؤُلاءِ بَناتِي (فتزوجوهن) أي وكان في شرعه يجوز تزوج الكافر بالمسلمة، وقيل: عرض بناته عليهم بشرط الإسلام، وقيل: قال ذلك لتخليص أضيافه، لا إباحة لتزويجهم بهن، لعلهم إذا رأوه قد فدى أضيافه ببناته، ينزجروا ويرتدعوا ويتركوا هذا الأمر، وقيل: المراد ببناته نساء قومه وأضافهن إليه، لأن كل نبي لقومه كالأب لأولاده، في الشفقة واللطف بهم. قوله: هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ إن قلت: إن تلك الفعلة لا طهارة فيها. أجيب: بأن أفعل التفضيل ليس على بابه، نظير قوله تعالى: أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. قوله: (تفضحون) أي تعيبوني. قوله: (في ضيفي) أي في شأنه.","part":2,"page":146},{"id":747,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 147\rرَشِيدٌ (78) يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍ حاجة وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (79) من إتيان الرجال قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً طاقة أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) عشيرة تنصرني لبطشت بكم فلما رأت الملائكة ذلك قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بسوء فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ طائفة مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم إِلَّا امْرَأَتَكَ بالرفع بدل من أحد وفي قراءة بالنصب استثناء من الأهل أي فلا تسر بها إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ فقيل لم يخرج بها وقيل خرجت والتفتت فقالت واقوماه فجاءها حجر فقتلها وسألهم عن وقت هلاكهم فقالوا إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ فقال أريد أعجل من ذلك قالوا أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا بإهلاكهم جَعَلْنا عالِيَها أي قراهم سافِلَها أي بأن رفعها جبريل إلى السماء وأسقطها مقلوبة إلى الأرض وَأَمْطَرْنا عَلَيْها\r______________________________\rقوله: أَلَيْسَ مِنْكُمْ استفهام توبيخ.\rقوله: قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أي لو ثبت أن لي بكم قوة، أو أني آوي جواب لو محذوف، قدره المفسر بقوله: (لبطشت بكم) وإنما قال ذلك، لأنه لم يكن من قومه نسبا، بل كان غريبا فيهم، لأنه كان أولا بالعراق مع إبراهيم ببابل، فهاجر إلى الشام بأمر من اللّه، فنزل إبراهيم بأرض فلسطين، ونزل لوط بالأردن، فأرسله إلى أهل سدوم، فمن ذلك الوقت، لم يرسل اللّه رسولا إلا من قومه.\rقوله: قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ أي فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب ودخلوا، فاستأذن جبريل ربه في عقوبته فأذن له، فتحول إلى صورته التي يكون فيها، ونشر جناحيه فضرب بهما وجوههم، فأعماهم وطمس أعينهم، حتى ساوت وجوههم، فصاروا لا يعرفون الطريق، فانصرفوا وهم يقولون: النجاة النجاة في بيت لوط سحرة، قد سحرونا يا لوط، سترى منا غدا ما ترى.\rقوله: فَأَسْرِ بقطع الهمزة ووصلها، وفعله أسرى وسرى، وهما قراءتان سبعيتان. قوله:\rبِأَهْلِكَ أي وهم بنتاه، فخرجوا وطوى اللّه لهم الأرض، حتى وصلوا إلى إبراهيم في وقته. قوله:\rبِقِطْعٍ الباء للمصاحبة، والمعنى نصف الليل. قوله: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ خطاب له ولبنتيه. قوله:\r(بالرفع) بدل من أحد، أي والمعنى: ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (فقيل لم يخرج بها) راجع لقراءة الرفع. قوله: (و قيل خرجت والتفتت) راجع لقراءة النصب. قوله: (بأن رفعها جبريل إلى السماء) أي بأن أدخل جناحيه تحتها، وهي خمس مدائن، أكبرها سدوم، وهي المؤتفكات المذكورة في سورة براءة، ويقال كان فيها أربعة آلاف ألف، فرجع جبريل المدن كلها، حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب، ولم ينكب لهم إناء، ولم ينتبه لهم نائم ثم قلبها.\rقوله: وَأَمْطَرْنا عَلَيْها أي على أهلها الخارجين عنها في الأسفار وغيرها، وقيل على القرى بعد قلبها، فمن جملة ما وقع، أن رجلا منهم كان في الحرم، فجاءه حجر ووقف في الهواء أربعين يوما ينتظر","part":2,"page":147},{"id":748,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 148\rحِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ طين طبخ بالنار مَنْضُودٍ (82) متتابع مُسَوَّمَةً معلمة عليها اسم من يرمى بها عِنْدَ رَبِّكَ ظرف لها وَما هِيَ الحجارة أو بلادهم مِنَ الظَّالِمِينَ أي أهل مكة بِبَعِيدٍ (83) وَأرسلنا إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحدوه ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ نعمة تغنيكم عن التطفيف وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ إن لم تؤمنوا عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) بكم يهلككم ووصف اليوم به مجاز لوقوعه فيه وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ أتموهما بِالْقِسْطِ بالعدل وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ لا تنقصوهم من حقوقهم شيئا وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بالقتل وغيره من عثي بكسر المثلثة أفسد ومفسدين حال مؤكدة لمعنى عاملها تعثوا بَقِيَّتُ اللَّهِ رزقه الباقي لكم بعد إيفاء\r______________________________\rذلك الرجل، حتى خرج من الحرم فسقط عليه فقتله. قوله: (متتابع) أي في النزول. قوله: (عليها اسم من يرمى بها) أي مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يرمى به. قوله: (الحجارة أو بلادهم) هذان تفسيران في مرجع الضمير، قيل: يعود على الحجارة لأنها أقرب مذكور، وقيل: يعود على القرى المهلكة، وعلى الأول فهو وعيد عظيم لكل ظالم من هذه الأمة، ففي الحديث: سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جبريل عن المراد بالظالمين، فقال له جبريل: يعني ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم، إلا وهو بعرض حجر، يسقط عليه من ساعة إلى ساعة.\rقوله: بِبَعِيدٍ أي بمكان بعيد، بل بمكان قريب يمرون عليها في أسفارهم.\rقوله: وَإِلى مَدْيَنَ معطوف على قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً عطف قصة على قصة، ومدين اسم قبيلة، سميت باسم جدهم مدين بن إبراهيم، ويسمى شعيب خطيب الأنبياء، لحسن مراجعته قومه.\rقوله: أَخاهُمْ شُعَيْباً أي في النسب لا الدين، لأنه ابن ميكائيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم. قوله:\rاعْبُدُوا اللَّهَ أمرهم بالتوحيد أولا لأنه أهم الأشياء وأصلها، وغيره فرع، فإذا صلح الأصل صلح الفرع. قوله: وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ نقص يتعدى لمفعولين: فالمفعول الأول قوله: الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ والمفعول الثاني محذوف تقديره شيئا، والمعنى لا تنقصوهما شيئا أصلا عند الأخذ ولا عند الدفع، فنقصهما عند الدفع ظاهر، ونقصهما عند الأخذ بأن يزيد على حقه في المبيع، وهو في الحقيقة نقص الثمن، قال تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ.\rقوله: إِنِّي أَراكُمْ أي فاقتنعوا بما أعطاكم اللّه، ولا تطففوا الكيل والميزان. قوله: (و وصف اليوم به) أي بقوله محيط. قوله: (مجاز) أي عقلي في الإسناد للزمان. قوله: وَلا تَبْخَسُوا كرر ذلك ثلاث مرات، أولها قوله: وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ،\rوثانيها قوله: وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ، وثالثها قوله: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ تأكيدا لكونهم مصرين على ذلك العمل القبيح منهمكين فيه. قوله: أَشْياءَهُمْ أي أموالهم، ودخل في ذلك من يسوم السلع ينقص قيمتها، وهو مشهور تقتدي به الناس، فالواجب إعطاء كل سلعة قيمتها، وإعطاء كل ذي حق حقه، وحينئذ فهو عطف عام على خاص.\rقوله: وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ هذا أعم مما قبله، والمعنى لا تكونوا من المفسدين في الأرض بالمعاصي، بل كونوا مصلحين لدينكم ودنياكم.\rقوله: بَقِيَّتُ اللَّهِ ترسم بالتاء المجرورة، وعند","part":2,"page":148},{"id":749,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 149\rالكيل والوزن خَيْرٌ لَكُمْ من البخس إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) رقيب أجازيكم بأعمالكم إنما بعثت نذيرا قالُوا له استهزاء يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ بتكليف أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا من الأصنام أَوْ نترك أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا المعنى هذا أمر باطل لا يدعو إليه داع بخير إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قالوا ذلك استهزاء قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً حلالا أفأشوبه بالحرام من البخس والتطفيف وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ وأذهب إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ فأرتكبه إِنْ ما أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ لكم بالعدل مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي قدرتي على ذلك وغيره من الطاعات إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) أرجع وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ يكسبنكم شِقاقِي خلافي فاعل يجرم والضمير مفعول أول والثاني أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ من العذاب وَما قَوْمُ لُوطٍ أي منازلهم أو زمن هلاكهم مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) فاعتبروا وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ بالمؤمنين وَدُودٌ (90) محب لهم قالُوا إيذانا\r______________________________\rالوقف عليها للاضطرار، يجوز بالتاء المجرورة أو المربوطة، وليس في القرآن غيرها. قوله: خَيْرٌ لَكُمْ أي لوجود البركة فيه. قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي مصدقين بما أمرتكم به ونهيتكم عنه، وهو شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه، أي فارضوا بما قسم اللّه لكم من الحلال. قوله: وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ أي حافظ لكم من القبائح، ولا حافظ عليكم النعم، إنما أنا مبلغ لكم الأحكام.\rقوله: يا شُعَيْبُ خاطبوه باسمه من غير اقتران بالتعظيم، لقباحتهم وسوء فعلهم. قوله:\rأَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أي وكان كثير الصلاة، وقيل المراد بها الدين، وخصت بالذكر لأنها أعظم الشعائر.\rقوله: (بتكليف) قدره دفعا لما يقال: إن الترك من وصفهم وفعلهم لا فعل شعيب، والإنسان يؤمر بفعل نفسه لا فعل غيره. قوله: (من الأصنام) بيان لما. قوله: أَوْ أَنْ نَفْعَلَ قدر المفسر (نترك)، إشارة إلى أنه معطوف على ما يَعْبُدُ آباؤُنا. قوله: (قالوا ذلك استهزاء) إلخ، أي أو أرادوا السفيه الغاوي، من باب تسمية الأضداد، أو المراد الحليم الرشيد في زعمك.\rقوله: أَرَأَيْتُمْ أي اخبروني. قوله: عَلى بَيِّنَةٍ أي نبوة وصدق. قوله: (أفأشوبه) أي أخلطه، قوله: (من البخس والتطفيف) بيان للحرام.\rقوله: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ أي فأنا آمركم بما آمر به نفسي، وليس قصدي أن أنهاكم عن شيء وأفعله. قوله: مَا اسْتَطَعْتُ أي مدة استطاعتي. قوله: وَما تَوْفِيقِي أي وما كوني موفقا. قوله:\rعَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أي فوضت أموري إليه. قوله: (يكسبنكم) أي فهو متعد لمفعولين: الأول للضمير، والثاني أن وما دخلت عليه، والمعنى لا يكن شقاقي مكسبا لكم إصابة مثل ما ذكر، فلا تستمروا على مخالفتي، حتى يصيبكم بسبب تلك المخالفة مثل ما أصاب إلخ. قوله: (أي منازلهم) أي لأنهم كانوا مجاورين لقوم لوط، وبلادهم قريبة من بلادهم، وقوله: (أو زمن هلاكهم) أي فقد كان زمن هلاك قوم لوط، قريبا من قوم شعيب.\rقوله: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ أي اطلبوا منه المغفرة لذنوبكم. قوله: ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ أي ارجعوا","part":2,"page":149},{"id":750,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 150\rبقلة المبالاة يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ نمفهم كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً ذليلا وَلَوْ لا رَهْطُكَ عشيرتك لَرَجَمْناكَ بالحجارة وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (91) كريم عن الرجم وإنما رهطك هم الأعزة قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ فتتركوا قتلي لأجلهم ولا تحفظوني للّه وَاتَّخَذْتُمُوهُ أي اللّه وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا منبوذا خلف ظهوركم لا تراقبونه إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) علما فيجازيكم وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ حالتكم إِنِّي عامِلٌ على حالتي سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ موصولة مفعول العلم يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا انتظروا عاقبة أمركم إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) منتظر وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا بإهلاكهم نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ صاح بهم جبريل فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (94) باركين على الركب ميتين كَأَنْ مخففة أي كأنهم لَمْ يَغْنَوْا يقيموا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (96) برهان بين ظاهر إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) سديد يَقْدُمُ يتقدم\r______________________________\rإليه بفعل الطاعات. قوله: وَدُودٌ صيغة مبالغة، إما بمعنى فاعل أي محب لهم، كما قال المفسر، أو بمعنى مفعول أي إن عباده يحبونه، ويمتثلون أوامره، ويجتنبون نواهيه.\rقوله: ضَعِيفاً أي لا قوة لك.\rقوله: لَرَجَمْناكَ أي رميناك بالحجارة، وقيل المعنى لشتمناك وأغلظنا عليك بالقول. قوله: (هم الأعزة) أي لموافقتهم لهم في الدين.\rقوله: ظِهْرِيًّا منسوب للظهر، والكسر من تغيرات النسب، والقياس فتح الظاء، والهاء مفعول أول، وظهريا مفعول ثان لاتخذوا، ووراءكم ظرف له. قوله: (منبوذا خلف ظهوركم) أي جعلتموه نسيا منسيا.\rقوله: اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ هذا وعيد عظيم وتهديد لهم. قوله: سَوْفَ تَعْلَمُونَ استئناف بياني، كأن قاتلا قال: فماذا يكون بعد ذلك؟ قوله: (موصولة) أي بمعنى الذي. قوله: وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ معطوف على قوله: مَنْ يَأْتِيهِ والمعنى سوف تعلمون الذي يأتيه عذاب يخزيه وتعلمون الكاذب. قوله: (صاح بهم جبريل) أي فخرجت أرواحهم جميعا، وهذا في أهل قريته، وأما أصحاب الأيكة، فأهلكوا بعذاب الظلمة، وهي سحابة فيها ريح طيبة باردة، فأظلتهم حتى اجتمعوا جميعا، فألهبها اللّه عليهم نارا، ورجفت الأرض من تحتهم، فاحترقوا وصاروا رمادا.\rقوله: أَلا بُعْداً أي هلاكا. قوله: كما بَعِدَتْ ثَمُودُ أي كما هلكت ثمود، والتشبيه من حيث إن هلاك كل بالصيحة.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى هذه هي القصة السابعة. قوله: بِآياتِنا أي التسع، تقدم منها ثمانية في الأعراف، والتاسعة في يونس، وتقدم الكلام عليها. قوله: وَسُلْطانٍ مُبِينٍ قيل: المراد بالعصا، وخصت بالذكر لكونها أكبرت الآيات وأعظمها، وقيل: المراد به المعجزات الباهرة والحجج الظاهرة، وسميت الحجة سلطانا، لأن بها قهر الخصم، كما أن السلطان به قهر غيره، فيكون عطف عام.\rقوله: وَمَلَائِهِ أي جماعته وأتباعه. قوله: فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ أي ما هو عليه من الكفر بتلك الآيات العظيمة. قوله: (سديد) أي صائب محمود العاقبة، بل لا يدعو إلى خير.","part":2,"page":150},{"id":751,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 151\rقَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فيتبعونه كما اتبعوه في الدنيا فَأَوْرَدَهُمُ أدخلهم النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) هي وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ أي الدنيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لعنة بِئْسَ الرِّفْدُ العون الْمَرْفُودُ (99) رفدهم ذلِكَ المذكور مبتدأ خبره مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ يا محمد مِنْها أي القرى قائِمٌ هلك أهله دونه وَمنها حَصِيدٌ (100) هلك بأهله فلا أثر له كالزرع المحصود بالمناجل وَما ظَلَمْناهُمْ بإهلاكهم بغير ذنب وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالشرك فَما أَغْنَتْ دفعت عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ يعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره مِنْ زائدة شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ عذابه وَما زادُوهُمْ بعبادتهم لها غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) تخسير وَكَذلِكَ مثل ذلك الأخذ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى أريد أهلها وَهِيَ ظالِمَةٌ بالذنوب أي فلا يغني عنهم من أخذه شيء إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن اللّه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، ثم قرأ رسول\r______________________________\rقوله: يَقْدُمُ مضارع قدم كنصر، ومصدره قدم كقفل، وقدوم بمعنى يتقدم. قوله: (كما اتبعوه في الدنيا) أي في دخول البحر والكفر والضلال. قوله: فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ الورود في الأصل يقال للمرور على الماء للاستقاء منه، فشبه النار بماء يورد، وطوى ذكر المشبه به، ورمز له بشىء من لوازمه وهو الورود، فإثباته تخييل، وشبه فرعون في تقدمه على قدمه إلى النار، ممن يتقدم على الواردين إلى الماء ليكسر العطش على سبيل التهكم. قوله: (هي) قدره إشارة إلى المخصوص بالذم محذوف.\rقوله: لَعْنَةً أي طردا وبعدا عن الرحمة. قوله: يَوْمَ الْقِيامَةِ هذا وقف نام، وقدر المفسر لعنة، إشارة إلى أن فيه الحذف من الآخر، لدلالة الأول عليه.\rقوله: بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ المراد بالرفد اللعنة الأولى، وقوله: الْمَرْفُودُ أي المعان باللعنة الثانية، والمعنى أن اللعنة الأولى، أرفدت بلعنة أخرى تقويها وتعاونها، وتسميتها رفدا تهكم.\rقوله:\rذلِكَ أي ما تقدم في هذه السورة من القصص. قوله: مِنْ أَنْباءِ الْقُرى أي أخبار أهل القرى، وهم الأمم الماضية. قوله: نَقُصُّهُ عَلَيْكَ أي لتخبر به قومك لتعتبروا. قوله: مِنْها قائِمٌ أي أثر قائم موجود. قوله: حَصِيدٌ (هلك بأهله) أي محي فلم يبق له أثر، وفيه تشبيه القائم والحصيد بالزرع، الذي بعضه قائم على ساقه، وبعضه قد حصد وذهب أثره.\rقوله: لَمَّا جاءَ أي حين جاء.\rقوله: وَما زادُوهُمْ الضمير المرفوع للأصنام، والمنصوب لعابديها، وعبر عنها بواو العقلاء لتنزيلهم منزلتهم. قوله: غَيْرَ تَتْبِيبٍ التباب الخسران، يقال تببته وتبت يده، تتب بمعنى خسرت.\rقوله: وَهِيَ ظالِمَةٌ الجملة حالية. قوله: أَلِيمٌ شَدِيدٌ أي غير مرجو الخلاص منه. قوله: (إن اللّه ليملي للظالم) أي يمده بطول العمر وسعة الرزق ونفوذ الكلمة. قوله: (ثم قرأ) الخ، أي فيؤخذ من ذلك، أن من قدم على ظلم، يجب عليه أن يتوب، ويرجع عما هو عليه، ويرد المظالم لأهلها، لئلا يقع في هذا الوعيد العظيم، فإن هذه الآية ليست مخصوصة بالأمم الماضية، بل هي عامة في كل ظالم، غير أن","part":2,"page":151},{"id":752,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 152\rاللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ الآية إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من القصص لَآيَةً لعبرة لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ أي يوم القيامة يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ فيه النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) يشهده جميع الخلائق وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) لوقت معلوم عند اللّه يَوْمَ يَأْتِ ذلك اليوم لا تَكَلَّمُ فيه حذف إحدى التاءين نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ تعالى فَمِنْهُمْ أي الخلق شَقِيٌّ وَمنهم سَعِيدٌ (105) كتب في الأزل فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا في علمه تعالى فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ صوت شديد وَشَهِيقٌ (106) صوت ضعيف خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أي مدة دوامهما في الدنيا إِلَّا غير ما شاءَ رَبُّكَ من الزيادة على مدتهما مما لا منتهى له والمعنى خالدين فيها أبدا إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا بفتح السين وضمها\r______________________________\rهذه الأمة المحمدية، لا ينزل بها عذاب على سبيل الاستئصال إكراما لنبيها صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (من القصص) أي السبع.\rقوله: لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ أي لأنه إذا تأمل ما حصل لهؤلاء في الدنيا من العذاب، كان ذلك باعثا له على الخوف من ذلك اليوم. قوله: (فيه) أشار بذلك إلى أن اللام بمعنى في، والمعنى أن يوم القيامة تجمع فيه الخلائق من الأنس والجن وغيرهما. قوله: (يشهده) أي يحضره.\rقوله: وَما نُؤَخِّرُهُ أي ذلك اليوم وهو يوم القيامة. قوله: (لوقت معلوم) أي وهو مدة الدنيا.\rقوله: يَوْمَ يَأْتِ (ذلك اليوم) إن قلت: إن اليوم لا يصلح أن يكون ظرفا لليوم، وإلا لزم تعيين الشيء بنفسه. وأجيب: بأن الكلام على حذف مضاف، أي هوله وعذابه، أو المعنى حين يأتي ذلك اليوم إلخ.\rقوله: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ أي فجميع الخلائق يسكنون في ذلك اليوم، فلا يتكلم أحد إلا بإذنه. إن قلت: كيف يجمع بين ما هنا وبين قوله تعالى: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وقوله تعالى حكاية عن الكفار: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ؟ أجيب: بأن القيامة مواطن مختلفة ففي بعضها لا يقدرون على الكلام لشدة الهول، وفي بعضها يحتاجون ويتجادلون، أو المراد لا تكلم نفس بما ينفع وينجي، بل قد يتكلم الكفار بكلام لا نفع به، بل لإظهار بطلان حججهم. قوله: (كتب كل في الأزل) أي وظهرت الخاتمة على طبق ما كتب. قوله: (في علمه) أي وهم من ماتوا كفارا وإن تقدم منهم إيمان.\rقوله: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ الزفير في الأصل ترديد النفس في الصدر، حتى تنتفخ منه الأضلاع، والشهيق رد النفس إلى الصدر، وهذا التفسير الذي ذكره المفسر لابن عباس، وقيل: الزفير أول صوت الحمار، والشهيق آخره، وقيل: الزفير صوت الحمار، والشهيق صوت البغل، وقيل غير ذلك.\rقوله: (أي مدة دوامهما) أشار بذلك إلى أن ما مصدرية ظرفية، ودام تامة لأنها بمعنى بقيت أو مقدار دوامهما. قوله: (في الدنيا) أي فالمراد سماوات الدنيا وأرضها.\rقوله: (غير) ما شاءَ رَبُّكَ أفاد أن إِلَّا معنى غير، والمعنى أنهم يخلدون في النار مقدار مكث الدنيا، غير لزيادة التي شاءها اللّه، وما شاء اللّه قد بين في آيات أخر، منها، قوله: خالِدِينَ فِيها أَبَداً*، ومنها وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ، ومنها قوله: لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ.\rقوله: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ دفع بذلك ما يتوهم من التعبير بالمشيئة أنها قد تتخلف. فأجاب","part":2,"page":152},{"id":753,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 153\rفَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا غير ما شاءَ رَبُّكَ كما تقدم ودل عليه فيهم قوله عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) مقطوع وما تقدم من التأويل هو الذي ظهر وهو خال\r______________________________\rبقوله: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ فلا تخلف لمشيئة اللّه بخلود الكافر، لأنه متى أراد شيئا حصل ولا بد، وما قيل إن وعيده قد يتخلف، فالمراد وعيد العاصي لا وعيد الكافر. قوله: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا هذا مقابل قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا وفي هذه الآية من المحسنات البديعية، الجمع والتفريق والتقسيم، فالجمع في قوله: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ والتفريق في قوله تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، والتقسيم في قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا إلخ\rوَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا إلخ. قوله: (بفتح السين وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان، فالفتح من قولهم: سعد الرجل بمعنى قامت به السعادة، والضم في قولهم: سعده اللّه أي أسعده، فالأول قاصر، والثاني متعد، والمعنى: إن الذين سبقت لهم السعادة من اللّه بموتهم على الإيمان، وإن سبق منهم الكفر في الدنيا، فهم في الجنة، والمراد بالسعادة رضا اللّه على العبد، وعلامة ذلك أن يكون العبد محبا لربه، ساعيا في مرضاته، دائم الإقبال على طاعته، راضيا بأحكامه.\rقوله: فَفِي الْجَنَّةِ المراد بها دار النعيم بجميع دورها، فشمل جنة الفردوس وغيرها. قوله: ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أي مدة دوامهما في الدنيا، والمعنى قدر مكث السماوات والأرض، من أول الدنيا إلى آخرها. قوله: (كما تقدم) أي فيقال غير ما شاء ربك من الزيادة التي لا منتهى لها، فالمعنى خالدين فيها أبدا، ويدل ذلك على قوله تعالى: خالِدِينَ فِيها أَبَداً* فالزيادة التي شاءها اللّه، فسرت في آيات أخر بالخلود المؤبد، قوله: (و دلّ عليه) أي على الخلود المؤبد، وقوله: (فيهم) أي السعداء.\rقوله: عَطاءً مفعول مطلق لفعل محذوف وتقديره أعطاهم ذلك العطاء، وعطاء اسم مصدر أعطى، والمصدر إعطاء. قوله: (مقطوع) أي ولا ممنوع، بل هو عطاء دائم، لا يزول ولا يحول. قوله:\r(هو الذي ظهر) أي من نحو عشرين وجها في تفسير تلك الآية، منها أن المراد بالسماوات والأرض سقف الجنة والنار وأرضهما، ويحتمل الاستثناء في جانب أهل الشقاوة على عصاة الأمة فيكون المعنى خالدين فيها أبدا، إلا عصاة المؤمنين الذين نفذ فيهم الوعيد، فلا يخلدون أبدا، بل يخرجون بشفاعة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، والاستثناء حينئذ، إما منقطع لعدم دخول هؤلاء في الأشقياء، أو متصل بجعل هؤلاء أشقياء باعتبار، وسعداء باعتبار آخر، وفي جانب أهل السعادة على عصاة المؤمنين أيضا، لكن باعتبار تعذيبهم أولا، فيتأخرون في الدخول مع السابقين، فتحصل أن الاستثناء في كل محمول على العصاة، لكن في جانب أهل الشقاوة مستثنون من الخلود، وفي جانب أهل السعادة مستثنون من المبدأ. كأنه قال: فأما الذين سعدوا ففي الجنة من أول الأمر، إلا ما شاء ربك من العصاة، فليسوا في الجنة من أول الأمر، بل هم في النار يعذبون ثم يخرجون. ومنها: أن المراد بالذين شقوا الكفار، وبالذين سعدوا المؤمنون، والاستثناء باعتبار أن بعض الكفار، قد ينقل من النار إلى غيرها كالزمهرير، وبعض المؤمنين قد ينقل من النعيم، فيما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، إلى أعلى منه، وهو رؤية وجه اللّه الكريم ومخاطبته، ومنها: أن الاستثناء راجع لمدة تأخرهم عن دخول الجنة والنار، كمدة الدنيا والبرزخ، لأنهم لم يدخلوها حين خلقوا سعداء وأشقياء. ومنها غير ذلك.\rوما تقدم من أن نعيم الجنان وعذاب النار دائم، هو ما دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ووراء ذلك أقوال يجب تأويلها، والأخذ بظاهرها كفر، فمنها ما قيل إن الجنة والنار ينقضيان بدليل ظاهر","part":2,"page":153},{"id":754,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 154\rمن التكلف واللّه أعلم بمراده فَلا تَكُ يا محمد فِي مِرْيَةٍ شك مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ من الأصنام أنا نعذبهم كما عذبنا من قبلهم وهذا تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ أي كعبادتهم مِنْ قَبْلُ وقد عذبناهم وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ مثلهم نَصِيبَهُمْ حظهم من العذاب غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109) أي تاما وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة فَاخْتُلِفَ فِيهِ بالتصديق والتكذيب كالقرآن وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ في الدنيا فيما اختلفوا فيه وَإِنَّهُمْ أي المكذبين به لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110) موقع في الريبة وَإِنَ بالتخفيف والتشديد كُلًّا أي كل الخلائق لَمَّا ما\r______________________________\rهذه الآية، ومنها أن أهل النار تنقلب عليهم النار نعيما، حتى لو صب عليهم ماء الجنة يتأذون، ومنها أن النار تخرب حتى لا يصير فيها أحد، ومنها غير ذلك، وهذه الأقوال باطلة، ونسبتها المحيي الدين بن العربي كذب، وعلى فرض صحة نقلها عنه يجب تأويلها.\rقوله: فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ هذا شروع في ذكر أحوال المخالفين من هذه الأمة، إثر بيان المخالفين من غيرهم، وهذا الخطاب للنبي والمراد غيره. قوله: (من الأصنام) بيان لما. قوله: ما يَعْبُدُونَ أي فليس لهم في ذلك إلا محض تقليد آبائهم. قوله: (و قد عذبناهم) أي آباءهم، وإنما قدره لتتم المشابهة.\rقوله: وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ أي هؤلاء. قوله: (أي تاما) أشار بذلك إلى أن قوله: غَيْرَ مَنْقُوصٍ حال من نصيب مبينة له.\rقوله: فَاخْتُلِفَ فِيهِ هذا تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي فلا تحزن على ما وقع لك، فإنه قد وقع لغيرك. قوله: لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي لجوزي المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته في الدنيا. قوله:\r(أي المكذبين به) أي بالقرآن.\rقوله: لَفِي شَكٍّ مِنْهُ أي من القرآن. قوله: (موقع في الريبة) أي لأنهم إذا نظروا لآبائهم وما كانوا عليه قالوا: لو كان ما هم عليه ضلالا ما اجتمعوا عليه، وإذا نظروا إلى النبي ومعجزاته الظاهرة قالوا إنه لحق، وما جاء به صدق، فهم في شك، ولا شك أنه كفر، وكل ناشىء من الطبع على قلوبهم، وإلا فالحق ظاهر لما تدبره.\rقوله: وَإِنَّ كُلًّا أي من الطائعين والعاصين، وأتى بالجملة الإسمية المؤكدة بإن، ولام القسم زيادة في تأكيد بشرى المطيع ووعيد العاصي. قوله: (بالتشديد والتخفيف) أي ولما كذلك فتكون القراءات أربعا وكلها سبعية. قوله: (أي كل الخلائق) أشار بذلك إلى أن التنوين عوض عن المضاف إليه. قوله: (ما زائدة) أي والأصل ليوفينهم، فاستثقل اجتماع اللامين فوسطت بينهما ما، لدفع ذلك الثقل. قوله: (و اللام موطئة) أي والأخرى للتأكيد. قوله: (أو فارقه) أي أتى بها فرقا بين المهملة والنافية، وفيه أن إن عاملة على كل حال، فليست حينئذ فارقة، فكان المناسب حذف قوله أو فارقة، إلا أن يقال إنها مهملة، وكُلًّا منصوب بفعل مقدر تقديره وإن يرى كلا، وفيه أن هذا تكلف، وما لا كلفة فيه خبر مما فيه كلفة، وما ذكره المفسر من الإعراب، مبني على قراءة تشديد إن وتخفيفها مع تخفيف لما، وتوضيحه أن يقال إن حرف توكيد ونصب، وكلا اسمها، واللام موطئة لقسم محذوف، وما زائدة،","part":2,"page":154},{"id":755,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 155\rزائدة واللام موطئة مقدر أو فارقة وفي قراءة بتشديد لما بمعنى إلا فإن نافية لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ أي جزاؤها إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) عالم ببواطنه كظواهره فَاسْتَقِمْ على العمل بأمر ربك والدعاء إليه كَما أُمِرْتَ وَليستقم مَنْ تابَ آمن مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا تجاوزوا حدود اللّه إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) فيجازيكم وَلا تَرْكَنُوا تميلوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا بمودة أو مداهنة أو رضا بأعمالهم فَتَمَسَّكُمُ تصيبكم النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره مِنْ\r______________________________\rواللام الثانية للتأكيد، ويوفينهم فعل مضارع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والهاء مفعول، وربك فاعل، وجملة القسم في محل رفع خبر إن. قوله: (بمعنى إلا فإن نافية) هذا ظاهر على قراءة تخفيف إن، وحينئذ فيقال إن نافية، وكلا منصوب بفعل مقدر، والتقدير إن يرى كلا إلا ليوفينهم إلخ، ولم يتكلم على تشديد هما، هذا حاصل تقرير المفسر، ولا يخفى عليك ما فيه من المناقشة والكلفة والإعراب السالم، من ذلك كله أن يقال: إن القراءات السبعية أربع، تخفيفهما وتشديدهما وتخفيف إن فقط، وتخفيف لما فقط، مع نصب كلا في الجميع، فعلى الأولى إن مخففة من الثقيلة، وكلا اسمها، واللام الأولى لام الابتداء، وما اسم موصول، واللام الثانية موطئة لقسم محذوف، ويوفينهم جواب القسم، وجملة القسم وجوابه صلة الموصول، والموصول وصلته خبر إن، وعلى الثانية إن عاملة، ولما أصله لمن ما بدخول اللام على من الجارة، قلبت النون ميما لتوالي الأمثال، حذفت إحدى الميمات، وأدغمت إحدى الميمين في الأخرى، فما اسم موصول، وجملة ليوفينهم قسمية صلة الموصول، وهو وصلته خبر إن، وعلى الثالثة فإن المخففة عاملة، وأصل لما: لمن ما، فعل بها ما تقدم، وعلى الرابعة إن المشددة عاملة، واللام لام الابتداء، وما اسم موصول في جميع الأوجه كلها. واللام الثانية موطئة للقسم، والأولى لام الابتداء فتأمل، وما قررناه زبدة كلام طويل في هذا المقام فليحفظ. قوله: (أي جزاؤها) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف.\rقوله: فَاسْتَقِمْ أي دم على الاستقامة التي أمرت بها في خاصة نفسك، كقيام الليل، وتبليغ ما أمرت بتبليغه للخلق، وعدم فرارك من قتال الكفار ولو اجتمعت أهل الدنيا، وغير ذلك من التكاليف العامة له ولغيره والخاصة به. قوله: وَمَنْ تابَ مَعَكَ قدر المفسر قوله: (ليستقم) جوابا عما يقال إن.\rقوله: مَنْ تابَ معطوف على الضمير المستتر في استقم، فيلزم عليه أن فعل الأمر قد رفع الظاهر، فأجاب المفسر: بأن ذلك من عطف الجمل، والمحذور إنما يلزم لو كان من عطف المفردات، ويجاب أيضا:\rبأنه قد يغتفر في التابع، ما لا يغتفر في المتبوع.\rقوله: وَلا تَطْغَوْا خطاب للنبي والأمة، ولكن المراد الأمة، فإن الطغيان مستحيل علي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وفي الآية صعبة التكليف، ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «شيبتني هود وأخواتها».\rقوله: إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أي بالكفر أو بالمعاصي. قوله: (بمودة) مصدر وادد كقاتل، أي محبة. قوله: (أو مداهنة) أي مصانعة، فالمداهنة بذل الدين لإصلاح الدنيا. قوله: (أو رضا بأعمالهم) أي وتزيينها لهم، ولا عذر في الاحتجاج بضرورات الدنيا، فإن اللّه هو الرزاق ذو القوة المتين. قوله: فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ أي لأن المرء","part":2,"page":155},{"id":756,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 156\rزائدة أَوْلِياءَ يحفظونكم منه ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (113) تمنعون من عذابه وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ الغداة والعشي أي الصبح والظهر والعصر وَزُلَفاً جمع زلفة أي طائفة مِنَ اللَّيْلِ أي المغرب والعشاء إِنَّ الْحَسَناتِ كالصلوات الخمس يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ الذنوب الصغائر.\rنزلت فيمن قبل أجنبية فأخبره صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: ألي هذا؟ فقال: «لجميع أمتى كلهم» رواه الشيخان ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (114) عظة للمنعظين وَاصْبِرْ يا محمد على أذى قومك أو على الصلاة فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) بالصبر على الطاعة فَلَوْ لا فهلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ الأمم الماضية مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ أصحاب دين وفضل يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ المراد به النفي أي ما كان فيهم ذلك إِلَّا لكن قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ نهوا فنجوا ومن\r______________________________\rيحشر مع من أحب. قوله: (يحفظونكم منه) أي من عذاب النار.\rقوله: طَرَفَيِ النَّهارِ منصوب على الظرفية، لإضافته إلى الظرف. قوله: (الغداة والعشي) تفسير للطرفين. قوله: (أي الصبح) راجع للغداة، وقوله: (و الظهر والعصر) راجع للعشي. قوله:\rوَزُلَفاً بضم ففتح كغرف، وقوله: (جمع زلفة) أي كغرفة.\rقوله: الْحَسَناتِ أي الواجبة أو المندوبة. قوله: (نزلت فيمن قبل أجنبية) أي وهو أبو اليسر، قال: اتتني امرأة تبتاع تمرا فقلت لها: إن في البيت تمرا أطيب من هذا، فدخلت معي البيت فقبلتها، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا، فأتيت عمر فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدا، فلم أصبر حتى أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فذكرت ذلك له فقال:\rأخنت رجلا غازيا في سبيل اللّه في أهله بمثل هذا، وأطرق طويلا حتى أوحي إليه وَأَقِمِ الصَّلاةَ إلى الذَّاكِرِينَ، فقرأها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت: ألي هذا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: بل للناس عامة.\rقوله: ذلِكَ أي المذكور من الأمر بالاستقامة وما بعده.\rقوله: وَاصْبِرْ أي ولا تنزعج من قومك.\rقوله: فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أي بل يعطيهم فوق ما يطلبون.\rقوله: فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ إلخ، لما بيّن سبحانه وتعالى ما حل بالأمم الماضية من عذاب الاستئصال، بيّن هنا أن السبب في ذلك أمران، الأول: عدم وجود من ينهى عن الفساد. الثاني: عدم رجوعهم عما هم فيه. قوله: (فهلا) أفاد المفسر أن لو لا تحضيضية، والمراد بها النفي. قوله: مِنْ قَبْلِكُمْ الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة للقرون، وأُولُوا، فاعل كان، وقوله: مِنَ الْقُرُونِ حال من فاعل كانَ. قوله: (أصحاب دين وفضل) أي وسموا أُولُوا بَقِيَّةٍ لأن أهل البقاء بربهم لا يتحولون عما هم عليه من الدين والصلاح، فلهم البقاء والنجاة من الهلاك. قوله: (و المراد به) أي بالتحضيض المستفاد من لو لا. قوله: إِلَّا قَلِيلًا هذا استثناء منقطع، ولذا عبر المفسر بلكن، فالمستثنى منه القرون المهلكة بالعذاب، لعدم نهيهم عن المنكر، والمستثنى من انجاء اللّه من العذاب، بسبب أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.","part":2,"page":156},{"id":757,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 157\rللبيان وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا بالفساد وترك النهي ما أُتْرِفُوا نعموا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ منه لها وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (117) مؤمنون وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً أهل دين واحد وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) في الدين إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ أراد لهم الخير فلا يختلفون فيه وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ أي أهل الاختلاف له وأهل الرحمة لها وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ وهي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ الجن وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) وَكُلًّا نصب بنقص وتنوينه عوض عن المضاف إليه أي كل ما يحتاج إليه نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ\r______________________________\rقوله: وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ أي داموا على شهواتهم ولم يتذكروا عذاب اللّه. قوله:\r(نعموا) أي من النعيم الذي يغضب اللّه تعالى، فالمعنى أن سبب هلاكهم انشغالهم بالشهوات المغضبة للّه تعالى وعدم رجوعهم عنها. قوله: وَكانُوا مُجْرِمِينَ الجملة حالية أي والحال أنهم فاعلون الجرائم مصرون عليها.\rقوله: وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى هذا كالدليل لما قبله، والمعنى ما صح أن يهلك القرى بظلم منه، والحال أن أهلها مصلحون، وسمي الأخذ من غير ذنب ظلما تكرما منه، وإلا فحقيقته الظلم التصرف في ملك الغير من غير إذنه، ولا ملك لأحد معه، وهو بهذا المعنى مستحيل عقلا من اللّه، وأما أخذه بغير ذنب، فهو وإن كان جائزا عقلا فمستحيل شرعا، لأنه سماه ظلما تفضلا منه، ونزه نفسه سبحانه عنه، كما ألزم نفسه بالرحمة تفضلا منه. قوله: (منه لها) ويصح أن يكون المعنى بظلم منهم، ويراد بالظلم الشرك، والمعنى أنه لا يهلك أهل القرى بمجرد شركهم، إذا كانوا مصلحين فيما بينهم، لفرط مسامحته تعالى في حقوقه، ولذلك تقدم حقوق العبادة على حقوق خالقهم.\rقوله: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً أي لكنه لم يشأ ذلك، فلم يجعلهم أمة واحدة، فلو امتناعية، والمعنى امتنع ذلك لعدم مشيئة اللّه له. قوله: (أهل دين واحد) أي وهو دين الإسلام.\rقوله: وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ أي على أديان شتى، واستفيد من هذا، أن الاختلاف كما كان حاصلا في الأمم الماضية، لا يزال مستمرا في هذه الأمة، فمنهم الكافر والمؤمن والطائع والعاصي، ولذلك ورد في الحديث: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وستفترقون ثلاثا وسبعين، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، والمراد بالفرقة الواحدة، أهل السنة والجماعة». قوله: (فلا يختلفون فيه) بل هم على دين واحد لا يتفرقون، قال تعالى: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ.\rقوله: وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ اللام للعاقبة والصيرورة، والمعنى: خلق أهل الاختلاف، لتكون عاقبة أمرهم هو الاختلاف، وخلق أهل الرحمة، لتكون عاقبة أمرهم الرحمة.\rقوله: وَتَمَّتْ أي حقت ووجبت. قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ أي حتى تقول قط قط، بمعنى يكفي يكفي كما في الحديث، وذلك بعد أن تمد أعناقها وتطلب الزيادة، فيتجلى اللّه عليها بصفة الجلال، فتخضع وتذل وتقول قط قط. قوله: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أي الكفار منهم، لأن الامتلاء على سبيل الخلود، لا يكون إلا من الكفار. قوله: (نصب بنقص) أي على أنه مفعول له.","part":2,"page":157},{"id":758,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 158\rما بدل من كلا نُثَبِّتُ نطمن بِهِ فُؤادَكَ قلبك وَجاءَكَ فِي هذِهِ الأنباء أو الآيات الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) خصوا بالذكر لانتفاعهم بها في الإيمان بخلاف الكفار وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ حالتكم إِنَّا عامِلُونَ (121) على حالتنا تهديد لهم وَانْتَظِرُوا عاقبة أمركم إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (122) ذلك وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي علم ما غاب فيهما وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ بالبناء للفاعل يعود وللمفعول يرد الْأَمْرُ كُلُّهُ فينتقم ممن عصى فَاعْبُدْهُ وحده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ثق به فإنه كافيك وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123) وإنما يؤخرهم لوقتهم وفي قراءة بالفوقانية.\r______________________________\rقوله: مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ أي أخبارهم. قوله: ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ أي القصص والأخبار التي بها يزداد فؤادك ثباتا على أداء الرسالة، وتحمل أذى قومك، وعلما بفضل أمتك وشرفها، حيث انقاد منها خلق كثير في مدة يسيرة، بخلاف الأمم الماضية. قوله: (الأنباء) أي الأخبار، وقوله: (أو الآيات) تفسير ثان، والمراد بالآيات آيات هذه السورة وخصت بالذكر، وإن كان جاءه الحق في جميع السور تشريفا لها، لكونها جمعت من قصص الأمم الماضية ما لم يكن في غيرها. قوله: وَمَوْعِظَةٌ أي اتعاظ، وقوله:\rوَذِكْرى أي تذكر وتدبر. قوله: (حالتكم) أي وهي الكفر. قوله: (على حالتنا) أي وهي الإيمان.\rقوله: (تهديد لهم) أي تخويف، وليس المراد الأمر بدوامهم على الكفر، بل هو على حد: إذا لم تستح فاصنع ما شئت.\rقوله: إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (ذلك) أي عاقبة أمركم.\rقوله: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال كعب الأحبار: خاتمة التوراة هي خاتمة سورة هود.\rقوله: (أي علم ما غاب فيهما) أي فلم يكلفنا بمعرفته. قوله: (للمفعول) أي فهما قراءتان سبعيتان والمعنى واحد. قوله: الْأَمْرُ كُلُّهُ أي أمر الخلائق كلهم في الدنيا والآخرة من خير وشر. قوله: (فينتقم ممن عصى) أي ويثيب من أطاع. قوله: فَاعْبُدْهُ هذا مفرع على قوله: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلخ، أي فحيث كان هو العالم بما غاب في السماوات والأرض، وإليه مرجع الأمور كلها، فهو حقيق بعبادته هو لا غيره، وحقيق بالتوكل عليه وتفويض الأمور إليه. قوله: (ثق به) أي اعتمد عليه ولا تلتفت لغيره؛ فإنه لا يضر ولا ينفع، بل الضار النافع، المعطي المانع، هو اللّه، وبهذا تعلم أن التوكل أمر زائد على التوحيد، فالتوحيد ينفي الشرك، والتوكل ينفي الأوهام المعطلة على مراتب الأخيار. قوله: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ما حجازية، ورَبُّكَ اسمها، وبِغافِلٍ خبرها منصوب بفتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (بالفوقانية) أي خطابا للنبي والمؤمنين.","part":2,"page":158},{"id":759,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 159\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة يوسف مكيّة وآياتها إحدى عشرة ومائة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر اللّه أعلم بمراده بذلك تِلْكَ هذه الآيات آياتُ الْكِتابِ القرآن، والإضافة بمعنى من الْمُبِينِ (1) المظهر للحق من الباطل إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا بلغة العرب لَعَلَّكُمْ يا أهل مكة تَعْقِلُونَ (2) تفهمون معانيه نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة يوسف\rمكية وهي مائة وإحدى عشرة آية مناسبة هذه السورة لما قبلها، جمع قصص الأنبياء، فإن ما قبلها ذكر فيها سبع قصص للأنبياء، وهذا من محاسن قصص الأنبياء، وأيضا ليتسلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بما وقع للأنبياء من أذى الأقارب والأباعد، على ما وقع له من أذى قومه الأقارب والأباعد، وحكمة قص القصص عليه، ليتأسى بهم ويتعلق بأخلاقهم، فيكون جامعا لكمالات الأنبياء. وسبب نزول هذه السورة، أن اليهود سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقالوا: حدثنا عن أمر يعقوب وولده وشأن يوسف، وهذه السورة فيها من الفوائد الشريفة والحكم المنيفة، ما لا يدخل تحت حصر، ولذا قال خالد بن معدان: سورة يوسف وسورة مريم، تتفكه بهما أهل الجنة في الجنة، وقال عطاء: لا يسمع سورة يوسف محزون إلا استراح إليها. قوله: (مكية) خبر أول عن سورة، وقوله: (مائة) إلخ، خبر ثان.\rقوله: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ مبتدأ وخبر، وأشير إليها بإشارة البعيد، إشارة لبعد رتبتها عن كلام الحوادث وعلو شأنها. قوله: (هذه الآيات) أي آيات هذه السورة. قوله: (المظهر للحق) أي فهو مأخوذ من أبان المتعدي، ويصح أخذه من اللازم، ويكون المعنى البين حلاله وحرامه.\rقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ أي نحن بعظمتنا وجلالنا. قوله: عَرَبِيًّا نعت للقرآن، والعربي منسوب للعرب لكونه نزل بلغتهم، والمعنى أن القرآن نزل بلغة العرب، فليس فيه شيء غير عربي. فإن قلت: قد ورد في شيء غير عربي، كسجيل ومشكاة واستبرق وغير ذلك. أجيب: بأن هذا مما توافقت فيه اللغات،","part":2,"page":159},{"id":760,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 160\rأَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا بإيحائنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ مخففة أي وإنه كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (3) اذكر إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يعقوب يا أَبَتِ بالكسر دلالة على ياء الإضافة المحذوفة والفتح دلالة على ألف محذوفة قلبت عن الياء إِنِّي رَأَيْتُ في المنام أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً\r______________________________\rوالمراد أن تراكيبه وأساليبه عربية، وإن ورد فيه غير عربي، فهو على أسلوب العرب، وعلى أسلوب غيرهم، وإنما كان عربيا، لأن تلك اللغة أفصح اللغات، ولأنها لغة أهل الجنة في الجنة. قوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ علة لكونه عربيا، والمعنى لكي تفهموا معانيه وتتأملوا فيها، فتعلموا أنه من عند اللّه.\rقوله: أَحْسَنَ الْقَصَصِ صفة لمصدر محذوف مفعول مطلق، والتقدير قصصا أحسن القصص، والقصص في اللغة من قص الأثر تتبعه، سمي الكلام الذي يحكي عن الغير بذلك، لأن المتكلم يقص الخبر شيئا فشيئا، والمعنى نحن نبين لك أخبار الأمم السابقة أحسن البيان، وقيل المراد خصوص قصة يوسف، وإنما كانت أحسن القصص، لما فيها من الحكم والنكت، وسير الملوك والمماليك والعلماء، ومكر النساء والصبر على الأذى، والتجاوز عنه أحسن التجاوز، وغير ذلك من المحاسن. قوله: (بإحيائنا) الباء سببية، وأشار بذلك إلى أن ما مصدرية، والجار والمجرور متعلق بنقص. قوله: هذَا الْقُرْآنَ اسم الإشارة مفعول لأوحينا، والقرآن بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان أو نعت. قوله: وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ الجملة حالية. قوله: لَمِنَ الْغافِلِينَ أي لم تخطر ببالك تلك القصة ولم تسمعها قط، بل كنت خالي الذهن منها، وهذا من معجزاته صلّى اللّه عليه وسلّم، حيث يخبر عن المتقدمين والمتأخرين، بأحسن تعبير وأبلغ وجه، ولذا قال البوصيري:\rكفاك بالعلم في الأميء معجزة ... في الجاهلية والتأديب في اليتم\rفأكبر دليل على فضل الإنسان، غزارة علمه وسعة اطلاعه، على ما أعطاه اللّه من العلوم اللدنية والمعارف الربانية.\rقوله: (اذكر) قدره إشارة إلى أن إِذْ ظرف لمحذوف، وقيل معمول لقوله تعالى: (يا بنيّ) وهو الأولى لما فيه من عدم الحذف. قوله: يُوسُفُ اسم عبراني ممنوع من الصرف، وعاش من العمر مائة وعشرين سنة، وعاش أبوه مائة وسبعا وأربعين سنة، وعاش جده إسحاق مائة وثمانين سنة، وعاش جده إبراهيم مائة وخمسا وسبعين سنة. قوله: (بالكسر) أي وأصلها يا أبي، حذفت الياء وعوض عنها تاء التأنيث، ونقلت كسرة ما قبلها لها، وفتحت الياء لمناسبة تاء التأنيث، وتقول في إعرابها: يا حرف نداء، وأبت منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، المعوض عنها تاء التأنيث. قوله:\r(و الفتح) أي وأصلها أبي، بكسر الباء وفتح الياء، ففتحت الباء ثم تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا، حذفت الألف وعوض عنها تاء التأنيث، وفتحت للدلالة على الألف المحذوفة، وتعويض تاء التأنيث عن ياء المتكلم مختص بلفظين: أبت وأمت، وهذان الوجهان زائدان على أوجه المنادى المضاف لياء المتكلم وهي خمس، جمعها ابن مالك في قوله:\rواجعل منادى صح إن يضف ليا ... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا\r\rفيكون في أبت وأمت سبعة أوجه، يجوز منها وجهان قراءة لا غير. قوله: إِنِّي رَأَيْتُ هذه الرؤية كانت ليلة الجمعة ليلة القدر، وكان سنه إذ ذاك اثنتي عشرة، وقيل سبع سنين، وقيل سبع عشرة سنة،","part":2,"page":160},{"id":761,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 161\rوَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ تأكيد لِي ساجِدِينَ (4) جمع بالياء والنون للوصف بالسجود الذي هو من صفات العقلاء قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً يحتالوا في هلاكك حسدا لعلمهم بتأويلها من أنهم الكواكب والشمس أمك والقمر أبوك إِنَّ الشَّيْطانَ\r______________________________\rوبين هذه الرؤية واجتماعه بأبيه وإخوته في مصر أربعون سنة، وقيل ثمانون، وقيل اثنتان وعشرون، وقيل ثمانية عشر، وسيأتي تحقيق ذلك، والمراد بالسجود هنا، قيل الخضوع والانحناء، وقيل حقيقة السجود.\rقوله: أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً أي وهو: جريان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والصروخ والفرع ووثاب وذو الكتفين، قد رأى الجميع نزلن من السماء وسجدن له، وجريان بفتح الجيم وكسر الراء وتشديد الياء التحتية، وقابس بقاف وموحدة وعين مهملة، وعمودان تثنية عمود، والفليق بفاء آخره قاف، والمصبح اسم مفعول، والفرع بفاء وراء مهملة ساكنة وعين مهملة، ووثاب بتشديد المثلثة، وذو الكتفين تثنية كتف. قوله: (تأكيد) أي هذه الجملة تأكيد للجملة الأولى، ويصح أن يكون قوله: رَأَيْتُهُمْ لِي جوابا لسؤال مقدر نشأ من قوله: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كأن قائلا قال: وما كيفية رؤياك فيهم؟ فقال: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ. قوله: (جمع بالياء والنون) أي قوله: ساجِدِينَ.\rقوله: لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ إنما نهاه أبوه عن ذلك لأنه فهم من رؤياه أن اللّه تعالى يصطفيه لرسالته ويفوق إخوانه فخاف عليه حسدهم، ويؤخذ من ذلك، أن الإنسان إذا رأى خيرا في منامه، فلا يخبر به إلا حبيبا أو لبيبا غير حسود، لما قيل: إن الرؤيا على رجل طائر متى قصت وقعت، بخلاف رؤيا المكروه، فلا يقصها، لما في الحديث: «إذا رأى أحدكم ما يحب، فلا يحدث بها إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره، فليتفل عن يساره ثلاثا، وليتعوذ باللّه من الشيطان وشرها، فإنها لن تضره».\rقوله: (و الشمس أمك والقمر أبوك) حكمة تأويل أمه بالشمس، لأنها يظهر منها الأقمار وهم الأنبياء، وأبيه بالقمر، لأن القمر يهتدى به في الظلم، فكذلك الرسل يهتدى بهم في ظلمات الجهل والشرك، والإخوة بالكواكب، لأن نورهم لا يبلغ نور أبيهم، إما لأنهم أنبياء فقط وليسوا برسل، أو أولياء فقط وليسوا بأنبياء، وما مشى عليه المفسر، من أن المراد بالشمس أمه أحد قولين، وقيل إن أمه راحيل قد ماتت، والمراد بالشمس خالته ليا.\rقوله: إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ أي فيوقع الإنسان في المعاصي لفرط عداوته له. واعلم أن ما وقع من إخوة يوسف معه مما يأتي في القصة، باق على ظاهره، ولا تأويل فيه على القول بعدم نبوتهم، لأن الولي تجوز عليه المعصية، ولكن لا يصر عليها بل يتوب، وهؤلاء آل أمرهم لحسن التوبة، وأما على القول بنبوتهم، فهو مشكل غاية الإشكال، إذ كيف يقع ذلك من الأنبياء؟ فأجاب العلماء على ذلك، بأن هذا مبني على أن النبي معصوم بعد النبوة لا قبلها، أو كانوا لم يبلغوا الحلم، وكل هذا ليس بسديد، بل الحق أن النبي معصوم ظاهرا وباطنا، قبل النبوة وبعدها، وإنما الواجب الذي يشفي الغليل ويريح العليل أن يقال: إن اللّه أطلعهم على أن يوسف يعطي النبوة والملك بمصر، ولا يتصور ذلك إلا بهذا الفعل، فهم مأمورون به باطنا مخالفون ظاهرا، إذ ليسوا مشرعين، فلا يكلمون إلا بخلوص","part":2,"page":161},{"id":762,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 162\rلِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) ظاهر العداوة وَكَذلِكَ كما رأيت يَجْتَبِيكَ يختارك رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ تعبير الرؤيا وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بالنبوة وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ أولاده كَما أَتَمَّها بالنبوة عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ لخلقه حَكِيمٌ (6) في صنعه بهم لَقَدْ كانَ فِي خبر يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ وهم أحد عشر آياتٌ عبر لِلسَّائِلِينَ (7) عن خبرهم اذكر إِذْ قالُوا أي بعض إخوة يوسف لبعضهم لَيُوسُفُ مبتدأ وَأَخُوهُ شقيقه بنيامين أَحَبُ خبر إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ جماعة إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ خطإ\r______________________________\rبواطنهم مع ربهم، ونظير ذلك قصة الخضر مع موسى، حيث قال بعد ما فعل ما فعل: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي، فهم مأمورون بحكم الباطن، مخالفون بحكم الظاهر، وقصة آدم في أكله من الشجرة، وتقدم ما يفيد ذلك في البقرة بأبلغ وجه.\rقوله: وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ أي كما رفع منزلتك بهذه الرؤيا العظيمة، يختارك ويصطفيك ربك. قوله: (تعبير الرؤيا) أي تفسيرها. قوله: وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ أي يصل نعمة الدنيا بنعمة الآخرة. قوله: وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ لم يقل بالنبوة إشارة للخلاف في نبوتهم. قوله: إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إما بدل من أبويك، أو عطف بيان عليه. قوله: عَلِيمٌ (بخلقه) أي فيصطفي من يشاء، وقوله: حَكِيمٌ (في صنعه) أي فيضع الأشياء في محلها.\rقوله: لَقَدْ كانَ اللام موطئة لقسم محذوف، والتقدير واللّه لقد كان إلخ. قوله: (و هم أحد عشر) أي وهم: يهودا وروبيل وشمعون ولاوي وريالون ويشجر، وهؤلاء الستة من بنت خال يعقوب ليا، ثم بعد موتها تزوج أختها راحيل، وقيل جمع بينهما ولم يكن لجمع بين الأختين محرما في شرعه، فولدت له بنيامين ويوسف، وأما الأربعة الباقية: دان ونفتالي وجاد وآشر، فمن سريتين زلفة وبلهة. قوله:\rآياتٌ لِلسَّائِلِينَ أي وغيرهم، ففيه اكتفاء، وذلك أن اليهود لما سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قصة يوسف، وقيل سألوا عن انتقال أولاد يعقوب، من أرض كنعان إلى أرض مصر، فذكر لهم تلك القصة، فوجدوها مطابقة لما في التوراة، وحينئذ فهي من دلائل نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم، حيث قص عليم تلك القصة بأبلغ وجه، مع كونه لم يسبق له تعلم من أحد، ولا قرأ ولا كتب.\rقوله: لَيُوسُفُ اللام موطئة لقسم محذوف. قوله:\r(بنيامين) بكسر الباء وفتحها، وهو أصغر من يوسف. قوله: أَحَبُ (خبر) أي عن يوسف وأخوه، ولم تحصل المطابقة لأنه اسم تفضيل مجرد، وهو يلزم التذكير والتوحيد، قال ابن مالك:\rوإن لمنكور يضف أو جردا ... ألزم تذكيرا وأن يوحدا\r\rوأَحَبُ مصوغ من حب المبني للمفعول وهو سماعي، ولو جاء على القياس لتوصل إليه بأشد، قال ابن مالك:\rوأشدد أو أشد أو شبههما ... يخلف ما بعض الشروط عدما\r\rواعلم أن مادة الحب والبغض، إذا بني أفعل التفضيل منها تعدى للفاعل بإلى، وللمفعول باللام، أو بفي، الآية الكريمة من الأول، فإن الأب هو فاعل المحبة، وإذا قلت: زيد أحب لي من عمرو، وأحب","part":2,"page":162},{"id":763,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 163\rمُبِينٍ (8) بين بإيثارهما علينا اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً أي بأرض بعيدة يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ بأن يتبل عليكم ولا يلتفت لغيركم وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ أي بعد قتل يوسف أو طرحه قَوْماً صالِحِينَ (9) بأن تتوبوا قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ هو يهودا لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ اطرحوه فِي غَيابَتِ الْجُبِ مظلم البئر، وفي قراءة بالجمع يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ المسافرين إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (10) ما أردتم من التفريق فاكتفوا بذلك قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (11) لقائمون بمصالحه أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً إلى الصحراء يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ بالنون والياء فيهما ننشط ونتسع وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (12) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا\r______________________________\rفي منه، كان معناه أن زيدا يحبني أكثر من عمرو. قوله: وَنَحْنُ عُصْبَةٌ الجملة حالية، والعصبة قيل من العشرة إلى الأربعين، وقيل من ثلاثة إلى عشرة، وقيل من عشرة إلى خمسة عشر، وقيل غير ذلك. قوله:\r(خطأ) أي في أمر الدنيا وما يصلحها، لأنا أشد قوة وأكبر سنا وأكثر منفعة من يوسف، فلم آثره علينا في المحبة، إن هذا الخطأ بين، وليس المراد الخطأ في الدين، فإن اعتقاده كفر. قوله: (بإيثارهما) أي تقديمهما.\rقوله: اقْتُلُوا يُوسُفَ إلخ، إنما قالوا ذلك، لأن خبر المنام بلغهم، فتشاورا في كيده بين أحد أمرين: إما قتله أو تغريبه بأرض بعيدة. قوله: (أي بأرض) أشار بذلك إلى أن قوله: أَرْضاً منصوب على نزع الخافض، ويصح نصبه على الظرفية، لأن المقصود أي أرض بعيدة. قوله: وَجْهُ أَبِيكُمْ أي قلبه، والمعنى لا يكون لكم منازع في محبته فيكم حينئذ. قوله: (بأن تتوبوا) أي تصلحوا دينكم بعد هذه الفعلة.\rقوله: قالَ قائِلٌ هذا رأي ثالث أرفق بيوسف مما تقدم على الخصلتين. قوله: (هو يهودا) بدال مهملة، وأصل بالعبرانية المعجمة، لكن لما استعملته العرب أهملته، وكان أكبرهم سنا وأحسنه رأيا، وقيل القائل روبيل.\rقوله: فِي غَيابَتِ الْجُبِ لغيابة الشيء المظلم، والجب البئر التي لم تطو والمعنى اطرحوه في قعر البئر المظلم، وكان بأرض بيت المقدس، وقيل بالأردن، وقيل على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب. قوله:\rيَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ أي لأن هذا الجب كان يرد عليه كثير من المسافرين قوله: (فاكتفوا بذلك) قدره إشارة إلى أن جواب الشرط محذوف.\rقوله: قالُوا يا أَبانا هذا مرتب على محذوف، وذلك أنهم قالوا أولا ليوسف. احرج معنا إلى الصحراء إلى مواشينا فنستبق ونصيد، وقالوا له: سل أباك أن يرسلك معنا، فسأله فتوقف يعقوب، فقالوا مالك إلخ، والمعنى أي شيء ثبت لك في عدم أمننا؟ قوله: تَأْمَنَّا اتفق القراء على إخفاء النون الساكنة عند النون المتحركة، واتفقوا أيضا على إدغامها مع الأشمام كما في الخطيب، ومن الشواذ ترك الإدغام كما في أبي السعود. قوله: (لقائمون بمصالحه) أي لعاطفون عليه حافظون له.\rقوله: غَداً منصوب على الظرفية، والغد: اليوم الذي بعد يومك. قوله: (بالنون والياء فيهما) أي في نرتع ونلعب، وهما قراءتان سبعيتان، والرتع التمتع في أكل الفواكه ونحوها، واللعب بالاستباق والانتضال تمرينا لقتال الأعداء؛ وهو","part":2,"page":163},{"id":764,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 164\rأي ذهابكم بِهِ لفراقه وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ المراد به الجنس وكانت أرضهم كثيرة الذئاب وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (13) مشغولون قالُوا لَئِنْ لام قسم أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ جماعة إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ (14) عاجزون. فأرسله معهم فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا عزموا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ وجواب لما محذوف أي فعلوا ذلك بأن نزعوا قميصه بعد ضربه وإهانته وإرادة قتله وأدلوه، فلما وصل إلى نصف البئر ألقوه ليموت فسقط في الماء ثم أوى إلى صخرة فنادوه فأجابهم يظن رحمتهم فأرادوا رضخه بصخرة فمنعهم يهودا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ في الجب وحي حقيقة وله سبع عشرة سنة أو دونها تطمينا لقلبه لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بعد اليوم بِأَمْرِهِمْ بصنيعهم\r______________________________\rغرض صحيح مباح، لما فيه من تعلم المحاربة والإقدام على العدو.\rقوله: لَيَحْزُنُنِي الحزن ألم القلب بفراق المحبوب.\rقوله: وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ بالهمز وتركه قراءتان سبعيتان، وسبب خوفه، أنه كان رأى في المنام أن ذئبا تعرض ليوسف، فكان يخاف عليه الذئب.\rقوله: قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ هذا جواب عن عذره الثاني وهو قوله: وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأما الأول وهو قوله: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي إلخ، فلا يجيبوا عنه، لأن غرضهم حصوله. قوله: وَنَحْنُ عُصْبَةٌ الجملة حالية. قوله: (عاجزون) أي فالخسران مجاز عن الضعف والعجز لأنه يشبهه.\rقوله: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ تقدم أنه كان بين ذهابهم به واجتماعه بأبيه أربعون سنة، وقيل ثمانون سنة، لم تجف فيها عين يعقوب. قوله: (بأن نزعوا قميصه) إلخ، روي أنهم لما برزوا به إلى الصحراء أخذوا يؤذونه ويضربونه، حتى كادوا يقتلونه، فصار يصيح ويستغيث، فقال يهودا: أما عاهدتموني على ألا تقتلوه؟ فأتوا به إلى البئر فدلوه فيها فتعلق بشفيرها، ونزعوا قميصه ليلطخوه بالدم ويحتالوا به على أبيهم، فقال: يا إخوتاه ردوا علي قميصي أتوارى به، فقالوا له: ادع الأحد عشر كوكبا، والشمس والقمر يلبسوك ويؤنسوك، وفي القصص، أن إبراهيم عليه السّلام حين ألقي في النار، جرد عن ثيابه، فأتاه جبريل عليه السّلام بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق، ودفعه إسحاق إلى يعقوب فجعله في قصبة من فضة، وجعلها في عنق يوسف، فألبسه الملك إياه حين ألقي في الجب، فأضاء له الجب، وسيأتي أنه القميص الذي أرسله مع البشير بأمر جبريل، وأخبره أنه لا يلقى على مبتلى إلا عوفي. قوله:\r(ثم أوى إلى الصخرة) أي جاء له بها الملك فأجلسه عليها، قال الحسن: لما ألقي يوسف في الجب عذب ماؤها، فكان يغنيه عن الطعام والشراب، ودخل عليه جبريل فأنس به، فلما أمسى نهض ليذهب فقال:\rإنك إذا خرجت استوحشت، فقال: إذا رهبت من شيء فقل: يا صريخ المستصرخين، ويا غوث المستغيثين، ويا مفرج كرب المكروبين، فقد ترى مكاني وتعلم حالي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، فلما قالها يوسف، حفته الملائكة واستأنس في الجب، وفرج اللّه عنه بخروجه من ليلته، وقيل إنه مكث في الجب ثلاثة أيام، فكان إخوته يرعون حوله، وكان يهودا يأتيه بالطعام. قوله: (أو دونها) قيل خمسة عشر، وقيل اثني عشر، وقيل سبعة.\rقوله: لَتُنَبِّئَنَّهُمْ أي كما سيأتي في قوله: وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ الآية. قوله:","part":2,"page":164},{"id":765,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 165\rهذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (15) بك حال الإنباء وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً وقت المساء يَبْكُونَ (16) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ نرمي وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا ثيابنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ بمصدق لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (17) عندك لا تهمتنا في هذه القصة لمحبة يوسف فكيف وأنت تسيء الظن بنا وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ محله نصب على الظرفية أي فوقه بِدَمٍ كَذِبٍ أي ذي كذب بأن ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها وذهلوا عن شقه وقالوا إنه دمه قالَ يعقوب لما رآه صحيحا وعلم كذبهم بَلْ سَوَّلَتْ زينت لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ففعلتموه به فَصَبْرٌ جَمِيلٌ لا جزع فيه وهو خبر مبتدأ محذوف أي أمري وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ المطلوب منه العون عَلى ما تَصِفُونَ (18) تذكرون من أمر يوسف وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ مسافرون من مدين إلى مصر فنزلوا قريبا من جب يوسف فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ الذي يرد الماء ليستقي منه فَأَدْلى أرسل دَلْوَهُ في البئر\r______________________________\rعِشاءً أي ليكونوا في الظلمة ليقبل اعتذارهم، فلما بلغوا منزل يعقوب، جعلوا يبكون ويصرخون فسمع أصواتهم ففزع من ذلك وسألهم، فأجابوه بما ذكر.\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 2 165\r______________________________\rعِشاءً أي ليكونوا في الظلمة ليقبل اعتذارهم، فلما بلغوا منزل يعقوب، جعلوا يبكون ويصرخون فسمع أصواتهم ففزع من ذلك وسألهم، فأجابوه بما ذكر.\rقوله: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا إلخ، في هذا الكلام فتح باب اتهام لهم كما لا يخفى. قوله: (لاتهمتنا) إلخ، قدره المفسر إشار إلى أن لو شرطية، وجوابها محذوف، والأسهل من هذا جعل الواو حالية، ولو زائدة، والتقدير وما أنت بمؤمن لنا، والحال أنا كنا صادقين في نفس الأمر. قوله: (محله نصب) أي فعلى ظرف بمعنى فوق. قوله: (أي ذي كذب) أشار بذلك إلى أن وصف الدم بالكذب على حذف مضاف، ويصح أن يكون مبالغة على حد زيد عدل. قوله:\r(سخلة) هي الصغيرة من الغنم. قوله: (و ذهلوا عن شقه) أي عن تمزيقه، لأن العادة أن الذئب إذا أكل الإنسان يشق قميصه، وقد ذهلوا عن هذه الحيلة كي لا تتم لهم. قوله: (لما رآه صحيحا) روي أنه قال:\rما أحلم هذا الذئب يأكل ابني ولا يقد قميصه، وقيل: إنهم أتوه بذئب وقالوا: هذا أكله، فقال يعقوب:\rأيها الذئب، أنت أكلت ولدي وثمرة فؤادي؟ فأنطقه اللّه قال: واللّه ما أكلت ولدك ولا رأيته قط، ولا يحل لنا أن نأكل لحوم الأنبياء، فقال له يعقوب: فكيف وقعت بأرض كنعان؟ فقال: جئت لصلة الرحم، فأخذوني وأتوا بي إليك، فأطلقه يعقوب.\rقوله: بَلْ سَوَّلَتْ أي سهلت لكم أنفسكم أمرا عظيما، فعلتموه بيوسف وهونتموه في أعينكم.\rقوله: (لا جزع فيه) فسر المفسر الصبر الجميل، بأنه الذي لا جزع فيه، والأولى أن يفسره كما في الحديث: «بأنه الذي لا شكوى فيه لغير اللّه، وأما الهجر الجميل، فهو الذي لا إيذاء معه، وأما الصفح الجميل، فهو الذي لا عتاب بعده، وقد تحقق بجميعها كل من يوسف ويعقوب». قوله: (المطلوب منه العون) أي فالسين والتاء للطلب. قوله: عَلى ما تَصِفُونَ أي على تحمل المكاره التي تذكرونها في أمر يوسف.\rقوله: وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ جمع سائر أي مسافر، سموا بذلك لسيرهم في الأرض. قوله: (من مدين إلى مصر) أي فأخطؤوا الطريق، ونزلوا بأرض قفراء قريبا من الجب. قوله: فَأَرْسَلُوا ذكر باعتبار المعنى، ولو راعى اللفظ لقال: فأرسلت واردها. قوله: وارِدَهُمْ وهو مالك بن ذعر الخزاعي، وهو من أهل مدين. قوله: فَأَدْلى دَلْوَهُ يقال أدلى بالهمز إذا أرسل الدلو في البئر ودلاه بالتضعيف إذا نزعه،","part":2,"page":165},{"id":766,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 166\rفتعلق بها يوسف فأخرجه فلما رآه قالَ يا بُشْرى وفي قراءة بشرى ونداؤها مجاز أي احضري فهذا وقتك هذا غُلامٌ فعلم به إخوته فأتوه وَأَسَرُّوهُ أي أخفوا أمره جاعليه بِضاعَةً بأن قالوا هذا عبدنا أبق، وسكت يوسف خوفا من أن يقتلوه وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (19)\r______________________________\rوالدلو مؤنث وقد يذكر. قوله: (فأخرجه) أي بعد أن مكث فيها ثلاثة أيام على ما قيل، ولما خرج صارت جدران البئر تبكي عليه.\rقوله: قالَ يا بُشْرى منادى مضاف لياء المتكلم. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا.\rقوله: (و نداؤها مجاز) أي لتنزيلها منزلة العاقل. قوله: هذا غُلامٌ التنكير للتعظيم، لأنه كان عليه السّلام حسن الوجه، جعد الشعر، ضخم العينين، مستوي الخلق، أبيض اللون، غليظ الساعدين والعضدين والساقين، وخميص البطن، صغير السرة، وكان إذا تبسم ظهر النور من ضواحكه وإذا تكلم ظهر من ثناياه، وبالجملة لم يكن أحسن منه إلا سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فإن يوسف أعطي شطر الحسن، ورسول اللّه أعطي الحسن كاملا، قال البوصيري:\rمنزه عن شريك في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم\r\rإن قلت: إذا كان كذلك، فلم لم تفتتن النساء بجمال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كما افتتنّ بجمال يوسف؟ أجيب:\rبأن جمال محمد قد ستره اللّه بالجلال كالشمس، لا يستطيع أحد أن يتأمل فيها إذا قرب منها، ولذا لم ترو الشمائل الشريفة، إلا عن صغار الصحابة، كالحسن والحسين وعبد اللّه بن عمر وغيرهم، لا عن كبارهم، لقيام الجلال بقلوبهم فيمنعهم من وصفه، وأما جمال يوسف فهو ظاهر، لم يستتر بجلال كالبدر، فحينئذ يتأمل فيه المتأمل ويصفه الواصف، غير أنه يعجز عن استيعاب محاسنه، ومن هذا المعنى قول ابن الفارض:\rلو أسمعوا يعقوب بعض ملاحة ... في وجهه نسي الجمال اليوسفي\r\rقوله: (فعلم به إخوته) أي حين نظروا إلى القافلة واجتماعها على البئر، فأتوهم وقد ظنوا موت يوسف، فرأوه أخرج حيا، فضربوه وقالوا: هذا عبد آبق منا، فإن أردتم بعناه لكم، ثم قالوا له بالعبرانية: لا تنكر العبودية نقتلك، فأقر بها، فاشتراه مالك بن ذعر الخزاعي. قوله: وَأَسَرُّوهُ الضمير عائد على السيارة بمعنى بعضهم، وهو مالك بن ذعر، والمعنى أن البائع والمشتري أخفوا أمره وجعلوه بضاعة أي قالوا: إنه بضاعة استبضعناه لبعض أهل الماء لنبيعه لهم بمصر، وإنما قالوا ذلك خيفة أن يطلبوا منه الشركة فيه وقوله: (جاعليه) حال من فاعل أَسَرُّوهُ، وقوله: بِضاعَةً معمول لتلك الحال، وهذا في الحقيقة، وأما بحسب الظاهر، فهو حال من الواو في أسروه، ومعنى قوله بضاعة، أنه ملك للغير أعطوه له ليبيعه لهم، ويصح أن يعود الضمير على الإخوة، ويكون معنى البضاعة الشيء المعمول الذي يباع ويشرى، وعليه درج المفسر.\rقوله: بِما يَعْمَلُونَ أي من العمل الذي ظاهره قبيح وباطنه حسن، حيث ترتب عليه من الأسرار والفوائد العظيمة، ما لا يدخل تحت حصر، وهذا تعليم من اللّه لعباده، التفويض والتسليم له في","part":2,"page":166},{"id":767,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 167\rوَشَرَوْهُ باعوه منهم بِثَمَنٍ بَخْسٍ ناقص دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ عشرين أو اثنين وعشرين وَكانُوا أي إخوته فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) فجاءت به السيارة إلى مصر فباعه الذي اشتراه بعشرين دينارا وزوجي نعل وثوبين وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ وهو قطفير العزيز لِامْرَأَتِهِ زليخا أَكْرِمِي مَثْواهُ مقامه عندنا عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وكان حصورا وَكَذلِكَ كما نجيناه من القتل والجب وعطفنا عليه قلب العزيز مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ أرض مصر حتى بلغ ما بلغ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ تعبير الرؤيا عطف على مقدر متعلق بمكنا أي لنملكه أو الواو زائدة وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ تعالى لا يعجزه شيء وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ وهم الكفار\r______________________________\rشأن إخوة يوسف، والمعنى لا تخض أيها السامع في شأنهم بسوء، فإن اللّه عليم بما يعملون. قوله:\r(باعوه) أي إخوته، وقوله: (منهم) أي السيارة، والمعنى باعه إخوته للسيارة، أي لبعضهم وهو مالك بن ذعر الخزاعي. قوله: (ناقص) أي عن قيمته لو كان رقيقا، وقيل إن البخس معناه الحرام، لأنه ثمن حر وهو حرام.\rقوله: مَعْدُودَةٍ أشار بذلك إلى أنها قليلة، لأنهم كانوا لا يزنون ما قل عن أربعين درهما، ويأخذونها عدا، ويزنون ما بلغها وهو أوقية. قوله: (أي إخوته) ويصح أن يعود الضمير على السيارة، وإنما زهدوا فيه لخوفهم منه، حيث وصف لهم بالإباق. قوله: (الذي اشتراه) أي وهو مالك بن ذعر الخزاعي. قوله: (بعشرين دينارا) إلخ، وقيل لما عرض للبيع، ترافع الناس في ثمنه حتى أبلغ وزنه ذهبا، وقيل فضة، وقيل مسكا، وقيل حريرا، وكان وزنه أربعمائة رطل. قوله: (و هو قطفير العزيز) أي وكان وزيرا للريان ملك مصر، وقد آمن بيوسف ومات في حياته، وقد اشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة، ومكث يوسف في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره الريان وهو ابن ثلاثين سنة، وآتاه اللّه الحكمة والعلم وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة. قوله: (زليخا) بفتح الزاي وكسر اللام والمد، أو بضم الزاي وفتح اللام.\rقوله: عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أي يكفينا بعض أمورنا إذا قوي وبلغ، أو يربح إذا أردنا بيعه. قوله:\rأَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً أي نتبناه، وأو مانعة خلو تجوز الجمع، وهو المقصود لهما. قوله: (و كان حصورا) أي لا يأتي النساء أو عقيما.\rقوله: وَكَذلِكَ إلى قوله: نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ معترض بين وصية العزيز، وما وقع من زوجته. قوله: (من القتل) أي الذي عزم عليه إخوته، وقوله: (و الجب) أي الذي رموه فيه. قوله:\r(و عطفنا عليه قبل العزيز) أي خلقنا فيه الميل والمحبة، حيث دفع فيه المال الكثير، وأوصى زوجته عليه.\rقوله: مَكَّنَّا لِيُوسُفَ أي أعطيناه مكانة ورتبة عالية في الأرض. قوله: (حتى بلغ ما بلغ) أي من السلطنة والعز. قوله: (لنملكه) إما من الملك بكسر الميم، أي نجعله مالكا لما فيها، أو من الملك بضمها، أي نجعله سلطانا على أهلها. قوله: (و الواو زائدة) أي والمعنى: مكنا ليوسف في الأرض لنعلمه إلخ.\rقوله: (لا يعجزه شيء) أي لأنه يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، فلا راد لما قضاه.","part":2,"page":167},{"id":768,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 168\rلا يَعْلَمُونَ (21) ذلك وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وهو ثلاثون سنة أو وثلاث آتَيْناهُ حُكْماً حكمة وَعِلْماً فقها في الدين قبل أن يبعث نبيا وَكَذلِكَ كما جزيناه نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) لأنفسهم وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها هي زليخا عَنْ نَفْسِهِ أي طلبت منه أن يواقعها وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ للبيت وَقالَتْ له هَيْتَ لَكَ أي هلم واللام للتبيين وفي قراءة بكسر الهاء وأخرى بضم التاء. قالَ مَعاذَ اللَّهِ أعوذ باللّه من ذلك إِنَّهُ أي الذي اشتراني رَبِّي سيدي أَحْسَنَ مَثْوايَ مقامي فلا أخونه في أهله إِنَّهُ أي الشأن لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) الزناة وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ قصدت منه الجماع وَهَمَّ بِها قصد ذلك لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ قال\r______________________________\rقوله: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ جمع شدة كنعمة وأنعم، ولم يقل هنا واستوى كما قال في حق موسى، لأن موسى بلغ الأربعين وهي سن النبوة، فقد استوى وتهيأ لحمل أسرار النبوة، وأما يوسف فلم يكن إذ ذاك بلغ هذه السن. قوله: (حكمة) هي العلم مع العمل. قوله: وَعِلْماً عطف عام على خاص. قوله:\r(كما جزيناه) أي بكل خير. قوله: نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي فاعلي الإحسان، والمعنى: لا خصوصية ليوسف بذلك، بل سنة اللّه في خلقه، إن كل محسن له من اللّه الجزاء الحسن.\rقوله: وَراوَدَتْهُ هذه الآية مرتبطة بقوله: وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ إلخ، وما بينهما اعتراض قصد به بيان عواقب صبر يوسف، من السيادة والخير العظيم، والمراودة مفاعلة، وهي في الأصل تكون من الجانبين، ولكنها هنا من جانب واحد، ولما كان الجانب الآخر سببا في حصول الفعل نزل منزلته، فقيل فيه مفاعلة، وذلك أن جمال يوسف سببا لميلها وطلبها له، فالمفاعلة ليست على بابها، نظير مداواة المريض، فإن سبب المداواة المرض القائم بالمريض. قوله: (هي زليخا) أي يصرح باسمها، استهجانا له وسترا وتعليما للأدب، كأن اللّه يقول: من الآداب أن لا يذكر أحد زوجته باسمها، بل يكني عنها، ولم يذكر في القرآن اسم امرأة إلا مريم، وتقدم الجواب عنه بأن النصارى زعموا أنها زوجة اللّه، فذكرها باسمها ردا عليهم، كأنه يقول: إن أحدكم يستنكف عن ذكر اسم زوجته بين الناس، فلو كانت زوجة له كما تزعمون، لكنى عنها كما يكني الرجال عن زوجته. قوله: (أي طلبت منه) أشار بذلك إلى أن المراودة من جانبها فقط.\rقوله: وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ أي وكانت سبعة. قوله: هَيْتَ لَكَ أي بفتح الهاء والتاء ككيف.\rقوله: (و في قراءة بكسر الهاء) أي مع فتح التاء كقيل، وقوله: (و أخرى) بضم التاء أي مع فتح الهاء كحيث، فهذه ثلاث قراءات، وبقي قراءتان وهما: هئت بكسر الهاء وبالهمزة الساكنة وفتح التاء وضمها وكلها سبعية. قوله: (و اللام للتبيين) أي تبيين المفعول الذي هو المخاطب، كأنها تقول: الخطاب لك نظير سقيا لك ورعيا لك. قوله: مَعاذَ اللَّهِ منصوب على أنه مصدر نائب عن الفعل، والأصل أعوذ باللّه معاذا كسبحان اللّه بمعنى أسبح اللّه.\rقوله: إِنَّهُ رَبِّي الهاء اسم إن، وربي خبرها، وأَحْسَنَ جملة حالية أو خبر ثان، وما درج عليه المفسر من أن الضمير للحال والشأن، ومراده بربه الذي اشتراه أحد تفسيرين، والآخر أن الضمير يعود على اللّه تعالى، وهو الأقرب والأظهر. قوله: أَحْسَنَ مَثْوايَ تعهدي حيث أمرك بإكرامي، فلا يليق مني أن أخونه، وفيه إرشاد لها إلى رعاية حق العزيز بلطف. قوله: (قصدت منه الجماع) أي مع العزم","part":2,"page":168},{"id":769,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 169\rابن عباس مثل له يعقوب فضرب صدره فخرجت شهوته من أنامله، وجواب لو لا لجامعها كَذلِكَ أريناه البرهان لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ الخيانة وَالْفَحْشاءَ الزنا إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) في الطاعة وفي قراءة بفتح اللام أي المختارين وَاسْتَبَقَا الْبابَ بادر إليه يوسف للفرار وهي للتشبث به فأمسكت ثوبه وجذبته إليها وَقَدَّتْ شقت قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا وجدا سَيِّدَها زوجها لَدَى الْبابِ فنزهت نفسها ثم قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً زنا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ يحبس أي سجن أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (25) مؤلم بأن يضرب قالَ\r______________________________\rوالتصميم. قوله: (قصد ذلك) أي بمقتضى الطبع البشري من غير رضا ولا تصميم، كميل الصائم للماء البارد، ولكن يمنعه دينه عنه، وهذا لا يؤاخذ به الإنسان، بل في مدافعته الثواب الجزيل والأجر الجميل، فمخالفة النفس عن شهواتها، مع وجود ميل الطبع، أعلى وأجل من تركها لعدم الميل لها، ولذا يباهي اللّه بالشاب التارك لشهواته الملائكة الكرام، قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى. قوله: (قال ابن عباس) أي وفي رواية: أنه انفرج سقف البيت، فرأى يعقوب عاضا على أصبعه، وفي رواية: إنه نودي يا يوسف أتواقعها؟ إنما مثلك ما لم تواقعها، مثل الطير في جو السماء لا يطاق عليه، وإنما مثلك إن واقعتها، مثل الطير إذا وقع على الأرض، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه شيئا، ومثلك ما لم تواقعها، مثل الثور الصعب الذي لا يطاق، ومثلك إذا واقعتها، كمثله إذا مات ودخل النمل في قرنه، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، وبالجملة فقد كثرت عليه الواردات في هذا الشأن. قوله:\r(و جواب لو لا لجامعها) أي فيكون المعنى، امتنع جماعه لها لرؤيته برهان ربه،\rوقيل: إن قوله: وَهَمَّ بِها هو الجواب، والمعنى: ولو لا أن رأى برهان ربه لهمّ بها، امتنع همه بها لرؤية برهان ربه، فلم يقع همّ أصلا، وحينئذ فالوقف على قوله: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهذا هو الأحسن في هذا المقام، لخلوه من الكلفة والشبهة.\rقوله: كَذلِكَ (أريناه) إلخ، أشار بذلك إلى أن الكاف مع مجرورها في محل نصب معمول لمحذوف، وقوله: لِنَصْرِفَ متعلق بذلك المحذوف. قوله: الْمُخْلَصِينَ (في الطاعة) أي الذين لا يشركون في طاعته غيره. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (بفتح اللام) أي اسم مفعول من أخلصه أي اجتباه واختاره.\rقوله: وَاسْتَبَقَا الْبابَ حكمة إفراد الباب هنا وجمعه فيما تقدم، أنها لم تتمكن من المراودة، إلا بعد غلق تلك الأبواب، وأما فراره وتسابقهما، فلم يكن إلا عند باب على تلك الأبواب. إن قلت:\rمقتضى قوة الرجولية أنه يسبقها ولم يعقه عائق. أجيب: بأن الذي عاقه عن السبق، إنما هو الاشتغال بفتح الأبواب. قوله: (للتشبث) أي التعلق. قوله: (فأمسكت ثوبه) أي وقطعت منه قطعة بقيت في يدها. قوله: لَدَى الْبابِ أي البراني الأقصى. قوله: (فنزهت نفسها) أي بادرت بذلك. قوله: ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ إلخ، ما يحتمل أن تكون نافية أو استفهامية، ومن موصولة أو نكرة موصوفة.\rقوله: إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ في ذلك إشارة لطيفة، إلى أن زليخا لشدة حبها ليوسف، بدأت بذكر السجن لخفته، وأخرت العذاب لشدته، لأن المحب لا يسعى في إيلام المحبوب، وأيضا فإن","part":2,"page":169},{"id":770,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 170\rيوسف متبرئا هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها ابن عمها، روي أنه كان في المهد فقال إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ قدام فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (26) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ خلف فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأى زوجها قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ أي قولك ما جزاء من أراد الخ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَ أيها النساء عَظِيمٌ (28) ثم قال يا يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا الأمر ولا تذكره لئلا يشيع وَاسْتَغْفِرِي يا زليخا لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (29) الآثمين واشتهر الخبر وشاع وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ مدينة مصر\r______________________________\rقولها: إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ فيه إشارة إلى أنها أرادت تخفيف السجن، وإلا فلو أرادت التطويل والتعذيب بالسجن لقالت: إلا جعله من المسجونين، كما قال فرعون لموسى: لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ.\rقوله:\rقالَ هِيَ راوَدَتْنِي إلخ، إنما قال ذلك لكونها اتهمته، وإلا فلو سكتت، لما كان يوسف متكلما بشيء من ذلك. قوله: مِنْ أَهْلِها أي ليكون أقوى في نفي التهمة عن يوسف، وهي منفية عنه بأمور منها: أنه خرج هاربا، والطالب لا يهرب، ومنها: كونها متزينة بأكمل الوجوه، ومنها: شقها للقميص من خلف.\rقوله: (ابن عمها) وقيل ابن خالها. قوله: (روي أنه كان في المهد) أي في الأحاديث الصحيحة وهو أحد قولين، وقيل كان كبيرا حكيما، وكان في ذلك الوقت جالسا مع الملك، فلما رآهما خارج الباب، وحصل منهما ما حصل قال: إِنْ كانَ إلخ، فكان ذلك على سبيل الفتيا.\rقوله: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ إلخ، إن قلت: إن القميص أمر ثان من قبل، فلا معنى للتعليق عليه، والجواب أن يقال: إن المعنى إن ثبت أن قميصه قد من قبل إلخ. قوله: فَصَدَقَتْ الكلام على تقدير قد لتصحيح دخول الفاء في الجواب، لأن جواب الشرط لا يقرن بالفاء، إلا إذا كان لا يصلح لمباشرة الأداة، وهذا ماض متصرف يصلح لمباشرتها.\rقوله: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ أي فيما يتعلق بأمر الجماع والشهوة، وإلا فالرجال أعظم في الحيل والمكايد، وإنما وصف كيد النساء بالعظم، وكيد الشيطان بالضعف، لأن كيد النساء أقوى، بسبب أنهن حبائل الشيطان فكيدهن مقرون بكيد الشيطان فهما كيدان، بخلاف كيد الشيطان دونهن فكيد واحد، ولذا قال بعضهم: أنا أخاف من النساء، أكثر مما أخاف من الشيطان، لأن اللّه تعالى يقول: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً وقال في حق النساء إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ.\rقوله: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إن قلت: إنهم قوم مشركون فلا يعرفون ذنبا مع خالقهم، فما الذنب الذي يطلب الاستغفار منه؟ أجيب: بأن المراد بالذنب خيانتها لزوجها، وفي هذا إشارة إلى أن العزيز قليل الغيرة، ولذا قال بعضهم: إن تربة مصر تقتضي ذلك؟ ولذا لا ينشأ فيها الأسد، ولو دخل فيها لا يبقى.\rقوله: (الآثمين) أي برمي يوسف وهو بريء. قوله: (و اشتهر الخبر) قدره إشارة إلى أن قوله: وَقالَ نِسْوَةٌ مرتب على محذوف، وهذا الاشتهار منها، وذلك أنها أخبرت بعض النساء بذلك، وأمرتهن بالكتم فلم يكتمن.\rقوله: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ اختلف في عدتهن، فقيل خمس وقيل أربعون، وجمع بينهما، بأن أصل الإشاعة كان من خمس وهن: امرأة صاحب الملك، وامرأة صاحب دوابه، وامرأة خبازه، وامرأة","part":2,"page":170},{"id":771,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 171\rامْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عبدها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا تمييز أي دخل حبه شغاف قلبها أي غلافه إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ خطإ مُبِينٍ (30) بين بحبها إياه فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَ غيبتهن لها أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ أعدت لَهُنَّ مُتَّكَأً طعاما يقطع بالسكين للاتكاء عنده وهو الأترج وَآتَتْ أعطت كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ ليوسف اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ أعظمنه وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ بالسكاكين ولم يشعرن بالألم لشغل قلبهن بيوسف وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ تنزيها له ما هذا أي يوسف بَشَراً إِنْ ما هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) لما حواه من الحسن الذي لا يكون عادة في النسمة البشرية. في الصحيح أنه أعطي\r______________________________\rساقيه، وامرأة صاحب سجنه، ونسوة اسم جمع لا واحد له من لفظه. قوله: امْرَأَتُ الْعَزِيزِ مبتدأ، وقوله: تُراوِدُ فَتاها خبر أول، وقوله: قَدْ شَغَفَها حُبًّا خبر ثان، وحبا تمييز محول عن الفاعل، والأصل قد شغف حبه قلبها. قوله: فَتاها الفتى هو الشاب القوي. قوله: (أي دخل حبه شغاف قلبها) الشغاف جلدة رقيقة على القلب، تمنع أذى الطعام والشراب عن القلب، وحينئذ يكون المعنى: أن حبه خرق تلك الجلدة، ووصل القلب وسكنه، وقيل: إن معنى شغفها صار محيطا بقلبها كما يحيط الشغاف بالقلب، حتى لا تكاد تنظر لغيره. قوله: (خطأ) مُبِينٍ أي حيث تركت ما يليق بها من العفة والستر وأحبت غير زوجها.\rقوله: بِمَكْرِهِنَ أي حديثهن، وسمي مكرا لأنهن طالبن بذلك رؤية يوسف، لأنه قد وصف لهن حسنه وجماله، فتعلقن به وأحببن أن يرينه. قوله: (غيبتهن) إنما سميت الغيبة مكرا، لإخفائها عن المغتاب كما يخفى المكر.\rقوله: أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَ أي وكن أربعين امرأة من أشراف المدينة، فصنعت لهن ضيافة عظيمة.\rقوله: وَأَعْتَدَتْ أي هيأت وأحضرت. قوله: مُتَّكَأً سمي الطعام بذلك لأنه يتكأ عنده، على عادة المتكبرين من أكل الفواكه حال الإتكاء قوله: (و هو الأترج) بضم الهمزة وسكون التاء وضم الراء وتشديد الجيم جمع أترجة، ويقال فيه ترنج، والأولى هي الفصحى. قوله: سِكِّيناً أي خنجرا، وكان من عادتهن أكل الفواكه واللحم بالسكين. قوله: وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَ أي وقد زينته بأحسن الزينة وحبسته في مكان آخر.\rقوله: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ مرتب على محذوف تقديره فخرج فلما رأينه إلخ. قوله: (أعظمنه) أي هبنه ودهشن عند رؤيته من شدة حسنه وجماله، يقال إنه ورث حسن آدم يوم خلقه اللّه عز وجل قبل أن يخرج من الجنة، وقيل: إنهن أعظمنه لأنهن رأين عليه آثار النبوة والمهابة وعدم الالتفات إليهن، فوقع الرعب في قلوبهن وتعجبن منه. قوله: وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ أي جرحنها حتى سال الدم، قال وهب: مات منهن جماعة. قوله وقلن: حاشَ بإثبات ألف بعد الشين وحذفها قراءتان سبعيتان، وهذا بالنظر للنطق، وأما في الرسم فلا تكتب فيه ألف بعد الشين.\rقوله: ما هذا بَشَراً أي معاذ اللّه أن يكون هذا بشرا، إنما هذا ملك كريم على ربه. قوله: إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ المقصود من هذا، إثبات الحسن العظيم ليوسف، لسماعهم أنه لا شيء أحسن من","part":2,"page":171},{"id":772,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 172\rشطر الحسن قالَتْ امرأة العزيز لما رأت ما حل بهن فَذلِكُنَ فهذا هو الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ في حبه، بيان لعذرها، وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ امتنع وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ به لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) الذليلين، فقلن له أطع مولاتك قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ أمل إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ أصر مِنَ الْجاهِلِينَ (33) المذنبين والقصد بذلك الدعاء، فلذا قال تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ دعاءه فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ للقول الْعَلِيمُ (34) بالفعل ثُمَّ بَدا ظهر لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ الدالات على براءة يوسف أن يسجنوه دل على هذا لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى إلى حِينٍ (35) ينقطع فيه كلام الناس فسجن وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ غلامان للملك أحدهما.\r______________________________\rالملك، ولأنه لما كان الملك مطهرا من بواعث الشهوة مهابا، لا تحكم عليه الصورة شبه به. قوله: (شطر الحسن) أي نصفه، والمعنى أن اللّه خلق حسنا، فأعطي يوسف نصفه، وقسم نصفه بين الخلائق.\rقوله:\rفَذلِكُنَ ذا اسم إشارة القريب لحضوره بالمجلس، وقرن باللام المفيدة للبعد رتبته عن غيره، ولذا فسرها المفسر بهذا التي للقريب. قوله: الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ خبر لمحذوف قدره المفسر بقوله: (هو).\rقوله: (امتنع) أشار بذلك إلى أن السين والتاء زائدتان.\rقوله: وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ اللام موطئة لقسم محذوف، وإن شرطية وقوله: لَيُسْجَنَنَ جواب القسم، وحذف جواب الشرط، لدلالة جواب القسم عليه على القاعدة في اجتماع الشرط، والقسم أنه يحذف جواب المتأخر منهما. قوله: (فقلن له أطع مولاتك) ورد أنه ما من امرأة إلا دعته لنفسها.\rقوله: قالَ رَبِ لما اشتد به الكرب، توجه لربه في الفرج. قوله: أَحَبُّ إِلَيَ اسم التفضيل ليس على بابه، إذ ليس له فيما يدعونه إليه محبة ورغبة. إن قلت: هو مجاب الدعوة، فلم طلب النجاة بالسجن، ولم يطلب النجاة العامة؟ أجيب: بأنه اطلع على أن السجن محتم عليه فدعا به، لأن النبي لا ينطق الهوى. قوله: مِمَّا يَدْعُونَنِي فعل مضارع مبني على سكون الواو، والنون الأولى للنسوة فاعل، والثانية نون الوقاية، وهو مثل النسوة يعفون، فالواو ليست ضميرا بل هي لام الكلمة. قوله: (و القصد بذلك) أي بقوله والانصراف عني إلخ، كأنه قال: اللهم اصرف عني كيدهن، لأجل أن لا أصير من الجاهلين، لأنك إن لم تصرفه عني صرت منهم، إذ لا قدرة لي على الامتناع إلا بإعانتك لي.\rقوله: ثُمَّ بَدا لَهُمْ أي للعزيز وأصحابه، وذلك أن زليخا قالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني، قد فضحني عند الناس، يخبرهم أني قد راودته عن نفسه، فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر إليهم، وإما أن تسجنه فظهر لهم سجنه، لما فيه من المصلحة بحسب رأيهم، مع علمهم ببراءته ونزاهته.\rقوله: (أن يسجنوه) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل بدا. قوله: لَيَسْجُنُنَّهُ اللام موطئة لقسم محذوف، والجملة في محل نصب لقول محذوف، والتقدير ثم ظهر لهم سجنه قائلين واللّه ليسجننه. قوله:\rحَتَّى حِينٍ أي وهو سبع سنين أو اثنتا عشرة سنة، وسيأتي ذلك.\rقوله: وَدَخَلَ مَعَهُ أي صحبته، والمعنى كانا مقارنين له في الدخول، وهذا مرتب على قول","part":2,"page":172},{"id":773,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 173\rساقيه والآخر صاحب طعامه فرأياه يعبر الرؤيا فقالا: لنختبرنه قالَ أَحَدُهُما وهو الساقي إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً أي عنبا وَقالَ الْآخَرُ صاحب الطعام إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا خبرنا بِتَأْوِيلِهِ بتعبيره إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قالَ لهما مخبرا أنه عالم بتعبير الرؤيا لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ في منامكما إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ في اليقظة قَبْلَ أَنْ\r______________________________\rالمفسر فسجن. قوله: (غلامان) تثنية غلام، وهو اسم للشخص من حين ولادته إلى أن يشب، وقوله:\r(للملك) أي ملك مصر، وهو الريان بن الوليد العمليقي. قوله: (أحدهما ساقيه) أي واسمه سرهم، وقوله: (و الآخر) صاحب طعامه أي واسمه برهم، وسبب سجنهما: أن جماعة من أهل مصر، أرادوا قتل الملك، فجعلوا لهما رشوة، على أن يسما الملك في طعامه وشرابه، فأجابا، ثم إن الساقي ندم ورجع، والخباز قبل الرشوة وسم الطعام، فلما حضر الطعام بين يدي الملك، قال الساقي: لا تأكل أيها الملك، فإن الطعام مسموم، فقال الخباز: لا تشرب أيها الملك، فإن الشراب مسموم، فقال الملك للساقي:\rاشرب من الشراب فشرب، وقال للخباز: كل من الطعام فأبى، فأطعم من ذلك الطعام دابة فهلكت، فأمر بحبسهما، فاتفق أنهما دخلا مع يوسف. قوله: (فرأياه يعبر الرؤيا) أي ينشر علمه ويقول: إني أعبر الأحلام. قوله: (لنختبرنه) أي لنمتحننه ليظهر لنا حاله.\rقوله: قالَ أَحَدُهُما أي بعد مضي خمس سنين من دخولهم السجن. قوله: إِنِّي أَرانِي أرى تنصب مفعولين، الياء مفعول أول، وجملة أَعْصِرُ خَمْراً مفعول ثان. قوله: (أي عنبا) أي فتسميته خمرا من باب مجاز الأول أي عنبا يؤول إلى كونه خمرا، وفي القصة أنه قال: رأيت في المنام كأني في بستان، وفيه شجرة وعليها ثلاثة عناقيد من العنب، وكأن كأس الملك في يدي، فعصرتها فيه وسقيت الملك.\rقوله: إِنِّي أَرانِي أي رأيتني، فالتعبير بالمضارع استحضار للحال الماضية قوله: أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً وذلك أنه قال: رأيت في المنام كأن فوق رأسي ثلاث سلال، وفيها الخبز وألوان الأطعمة، وسباع الطير تنهش منها.\rقوله: إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي العالمين بتعبير الرؤيا وإنما قالا ذلك، لأنهما رأياه في السجن يعود المرضى، ويقوم الليل ويصوم النهار، ويصبر أهل السجن ويبشرهم، ويواسي فقيرهم، فكان يقول:\rاصبروا وأبشروا، فيقولون: بارك اللّه لنا فيك يا فتى، ما أحسن وجهك وحديثك، لقد بورك لنا في جوارك، فمن أين أنت؟ قال: أنا يوسف بن صفي اللّه يعقوب، ابن ذبيح اللّه إسحاق، ابن خليل اللّه إبراهيم، فقال له صاحب السجن: يا فتى واللّه لو استطعت لخليت سبيلك، ولكن سأرفق بك وأحسن جوارك، واختر أي بيوت السجن شئت. قوله: (مخبرا أنه عالم) أي لأجل أن يقبلوا عليه ويؤمنوا به، وهكذا ينبغي للعالم العامل، أن يظهر نفسه ليقتدي به ويؤخذ عنه، وإنما أخبرهما بذلك، توطئة لدعائهما إلى الإيمان. قوله: (في منامكما) أي فالمعنى: أي طعام رأيتماه في المنام وأخبرتماني به، إلا فسرته لكما قبل أن يقع في الخارج، وخص رؤية الطعام لأنهما من أهل الطعام والشراب، والشأن أن رؤيا المنام تتعلق باشتغال الشخص في اليقظة، وقيل المراد إتيان الطعام لهما في اليقظة، والمعنى لا يأتيكما طعام ترزقانه في منازلكما، إلا أخبرتكما بقدره وكيفيته، والوقت الذي يأتي فيه قبل أن يصلكما، فهو إشارة إلى","part":2,"page":173},{"id":774,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 174\rيَأْتِيكُما تأويله ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي فيه حث على إيمانهم ثم قواه بقوله إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ دين قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ تأكيد كافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ ينبغي لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ زائدة شَيْءٍ لعصمتنا ذلِكَ التوحيد مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ وهم الكفار لا يَشْكُرُونَ (38) للّه فيشركون ثم صرح بدعائهما إلى الإيمان فقال يا صاحِبَيِ ساكني السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (39) خبر استفهام تقرير ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ أي غيره إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها سميتم بها أصناما أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها بعبادتها مِنْ سُلْطانٍ حجة وبرهان إِنِ ما الْحُكْمُ القضاء إِلَّا لِلَّهِ وحده أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ التوحيد الدِّينُ الْقَيِّمُ المستقيم وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ وهم الكفار لا يَعْلَمُونَ (40) ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما أي الساقي فيخرج بعد ثلاث فَيَسْقِي\r______________________________\rأن من معجزاته الإخبار بالمغيبات، وهذا مثل معجزة عيسى حيث قال: وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ فقالا ليوسف: هذا من علم العرافين والكهنة، فمن أين لك هذا العلم؟\rقوله: ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إلخ. قوله: (فيه حث) أي تعريض لطلب الإيمان.\rقوله: إِنِّي تَرَكْتُ المراد بالترك عدم التلبس بالشيء من أول الأمر. قوله: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي لما بين أنه ادعى النبوة وأظهر المعجزة، بين هنا أنه لا غرابة في ذلك لأنه من بيت النبوة، لأن إبراهيم وإسحاق ويعقوب، كانوا مشهورين بالرسالة، وذكر الفخر الرازي أنه نبىء في السجن، ولا مانع أنه نبىء قبل الأربعين، كيحيى وعيسى، وذلك لأن اخوته رموه في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، ومكث تحت يد العزيز ثلاث عشرة سنة، ومن جملتها مدة السجن، فتكون الجملة ثلاثين سنة.\rقوله: ما كانَ لَنا أي لا يصح ولا يليق منا معاشر الأنبياء، أن نشرك باللّه شيئا، مع اصطفائه لنا وانعامه علينا بأنواع النعم، وهذا تعريض لهم بترك ما هم عليه من الشرك كأنه قال: لا يصح للعبد الضعيف العاجز المفتقر أن يعبد غير من هو مفتقر إليه ومنعم عليه. قوله: (لعصمتنا) أي فليس المراد أنه حرم ذلك عليهم، بل المراد أنه طهرهم من الكفر. قوله: مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا أي بالوحي، وقوله:\rوَعَلَى النَّاسِ أي بإرشادهم.\rقوله: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ قدر المفسر (ساكني) إشار إلى أن الإضافة لأدنى ملابسة، ويصح أن يكون المعنى يا صاحبي في السجن، فالإضافة للظرف. قوله: مُتَفَرِّقُونَ أي من ذهب وفضة وحديد وخشب وحجارة وغير ذلك.\rقوله: ما تَعْبُدُونَ خطاب لأهل السجن جميعا. قوله: سَمَّيْتُمُوها أي فكأنكم لا تعبدون إلا الأسماء المجردة، والمعنى أنكم سميتم ما لم يدل على استحقاقه للألوهية عقل ولا نقل، ثم أخذتم تعبدونها. قوله: (المستقيم) أي الذي لا اعوجاج فيه. قوله: (ما يصيرون) قدره إشارة إلى أن مفعول يعلمون محذوف.\rقوله: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ هذا شروع في تعبير رؤياهما. قوله: (فيخرج بعد ثلاث) أي من","part":2,"page":174},{"id":775,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 175\rرَبَّهُ سيده خَمْراً على عادته وَأَمَّا الْآخَرُ فيخرج بعد ثلاث فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ هذا تأويل رؤياكما فقالا ما رأينا شيئا فقال قُضِيَ تم الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (41) سألتما عنه صدقتما أم كذبتما وَقالَ لِلَّذِي ظَنَ أيقن أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا وهو الساقي اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ سيدك فقل له إن في السجن غلاما محبوسا ظلما. فخرج فَأَنْساهُ أي الساقي الشَّيْطانُ ذِكْرَ يوسف عند رَبِّهِ فَلَبِثَ مكث يوسف فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42) قيل سبعا وقيل اثنتي عشرة وَقالَ الْمَلِكُ ملك مصر الريان بن الوليد إِنِّي أَرى أي رأيت سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ\r______________________________\rالأيام وهي العناقيد الثلاثة التي عصرها. قوله: (سيده) أي وهو الملك. قوله: وَأَمَّا الْآخَرُ (فيخرج بعد ثلاث) أي من الأيام وهي السلاسل الثلاث. قوله: (فقالا ما رأينا شيئا) هذا أحد قولين، وقيل إنهما رأيا ذلك حقيقة فرآهما مهمومين، فسألهما عن شأنهما، فذكر كل واحد رؤياه. قوله: قُضِيَ الْأَمْرُ المراد به الجنس، أي قضي أمر كل واحد، ويؤول إليه شأنه كذب أو صدق. قوله: (سألتما) تفسير لتستفتيان، فالمراد المضارع الماضي.\rقوله: وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ إن كان الظن واقعا من الساقي، فالأمر ظاهر، وإن كان من يوسف فهو بمعنى اليقين، كما قال المفسر على حده الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ. قوله: (سيدك) أي وهو الملك. قوله: (محبوسا) أي طال حبسه ظلما خمس سنين. قوله: (أي الساقي) أي والمعنى أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف عند الملك، وذلك للحكم الباهرة التي ستظهر، وهذا أحد قولين، وقيل إن الضمير عائد على يوسف، والمعنى أن الشيطان أنسى يوسف ذكر ربه عز وجل حين استغاث بمخلوق، وإسناد الإنساء للشيطان، لأنه يفرح به ويحبه، ظانا أن يوسف يطرد بذلك، وإلا فالذي أنساه ذلك ربه لا الشيطان، فإنه لا تسلط له على المرسلين، قال تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ* فلما وقع من يوسف ذلك، عوتب ببقائه في السجن تلك المدة من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين. قوله: (قيل سبعا) أي وهي مدة مكث أيوب في البلاء، وقوله: (و قيل اثنتي عشرة) هذا قول ثان في مدة السجن، وقيل خمسا ونصفا قبل قوله: اذْكُرْنِي وسبعا بعده، وقيل أربع عشرة سنة، خمس قبل القول، وتسع بعده، وحكمة مكثه تلك المدة في السجن، ليؤمن أهل السجن، وليصل أمره للملك فيخرج، والحال أنه مطلوب لا طالب، فيتحقق له العز الذي بشر به سابقا، فترتب على طلبه السجن وإبقائه فيه الزمن الطويل، من الحكم العظيمة، والأسرار الفخيمة، والعز والسؤدد، ما لا تحيط به العبارة، ولا تحصيه الإشارة، فأمور يوسف صلوات اللّه وسلامه عليه، ظاهرها ذل، وباطنها غاية العز، على حد قول البوصيري:\rلو يمس النضار هون من النا ... ر لما اختير للنضار الصلاء\r\rفبلايا الأنبياء والمقربين، لا تزيدهم، إلا رفعة وعزا.\rقوله: وَقالَ الْمَلِكُ إلخ. أي لما أراد اللّه الفرج عن يوسف، وإخراجه من السجن، رأى ملك مصر رؤيا عجيبة أهالته، فجمع سحرته وكهنته ومعبريه، وأخبرهم بما رأى في منامه، وسألهم عن تأويلها، فأعجزهم اللّه جميعا، ليكون ذلك سببا لخلاص يوسف من السجن. قوله: (أي رأيت) أشار بذلك إلى أن المضارع بمعنى الماضي، استحضارا للحال","part":2,"page":175},{"id":776,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 176\rيَأْكُلُهُنَ يبتلعهن سَبْعَ من البقر عِجافٌ جمع عجفاء وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ أي سبع سنبلات يابِساتٍ قد التوت على الخضر وعلت عليها يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ بينوا لي تعبيرها إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (43) فاعبروها قالُوا هذه أَضْغاثُ أخلاط أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (44) وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما أي من الفتيين وهو الساقي وَادَّكَرَ فيه إبدال التاء في الأصل دالا وإدغامها في الذال أي تذكر بَعْدَ أُمَّةٍ حين حال يوسف أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) فأرسلوه فأتى يوسف فقال يا يُوسُفُ أَيُّهَا\r______________________________\rالماضية، وحاصل رؤياه: أنه رأى في منامه، سبع بقرات سمان قد خرجن من البحر، ثم خرج بعدهن سبع بقرات عجاف، في غاية الهزال والضعف، فابتلعت العجاف السمان ودخلت في بطونها، ولم ير منهن شيء، ولم يتبين على العجاف شيء منها، ورأى سبع سنبلات خضرا قد انعقد حبها، وسبعا أخر يابسات قد استحصدن، فالتوت اليابسات على الخضر حتى علون عليهن، ولم يبقى من خضرتهن شيء. قوله:\r(جمع عجفاء) أي جمع سماعي والقياس عجف، قال ابن مالك: فعل لنحو أحمر وحمرا. قوله: خُضْرٍ أي انعقد حبها، قوله: وَأُخَرَ يابِساتٍ أي بلغت أوان الحصاد، وهو معطوف على سبع، ويكون قد حذف اسم العدد منه، لدلالة ما قبله عليه.\rقوله: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أي السحرة والمعبرون. قوله: تَعْبُرُونَ من عبر بالتخفيف، يقال عبر البحر جاوزه، وعبر الرؤيا فسرها، كأن المعبر لما فسر الرؤيا خلص من ورطتها، كالذي يجاوز البحر، وزيدت اللام في الرؤيا تقوية للعامل، لتأخره عن معموله. قوله: (فاعبروها لي) قدره إشارة إلى أن جواب الشرط محذوف، دل عليه ما قبله.\rقوله: أَضْغاثُ أَحْلامٍ أي تخاليطها جمع ضغث، وأصله ما جمع وحزم من النبات، كالحزمة من الحشيش، استعير للرؤيا الكاذبة، والمعنى أنهم قالوا: إن هذه الرؤيا اخلاط أحلام من الشيطان فلا تعبر، وهذا لفرط عجزهم وجهلهم بتعبيرها، على العادة أن من جهل شيئا عاداه.\rقوله: وَقالَ الَّذِي نَجا إلخ، أي بعد أن جلس بين يدي الملك وقال له إن في السجن رجلا عالما بتعبير الرؤيا. قوله: وَادَّكَرَ إما حال من الَّذِي أو عطف على نَجا. قوله: (فيه إبدال التاء) أي تاء الافتعال، والأصل إذتكر بتاء بعد الذال، قلبت التاء دالا فاجتمع متقاربان، أبدل الأول من جنس الثاني وأدغم. قوله: (و إدغامها في الذال) المناسب قلب العبارة بأن يقول: وإدغام الذال في الدال أي بعد قلبها دالا. قوله: بَعْدَ أُمَّةٍ بضم الهمزة وتشديد الميم، هي في الأصل الجماعة من الناس، ثم أطلق على الجماعة من الأيام. قوله: (حين) أي وهو سنتان أو سبع أو تسع. قوله: (حال يوسف) أي من كونه عالما بتعبير الرؤيا.\rقوله: فَأَرْسِلُونِ إنما جمع وإن كان الخطاب لواحد لأجل التعظيم. قوله: فَأَرْسِلُونِ أشار بذلك إلى أن الكلام حذف ثلاث جمل، وجملة مجيء الرسل ليوسف في السجن أربع مرات: الأولى في قوله: (فأرسلوا يوسف) إلخ. والثانية في قوله: فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ. والثالثة في قوله:","part":2,"page":176},{"id":777,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 177\rالصِّدِّيقُ الكثير الصدق أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ أي الملك وأصحابه لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) تعبيرها قالَ تَزْرَعُونَ أي ازرعوا سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً متتابعة وهي تأويل السبع السمان فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ أي اتركوه فِي سُنْبُلِهِ لئلا يفسد إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) فادرسوه ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي السبع المخصبات سَبْعٌ شِدادٌ مجدبات صعاب وهي تأويل السبع العجاف يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَ من الحب المزروع في السنين المخصبات أي تأكلونه فيهن إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) تدخرون ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي السبع المجدبات عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ بالمطر وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) الأعناب وغيرها لخصبه وَقالَ الْمَلِكُ لما جاءه الرسول وأخبره بتأويلها ائْتُونِي بِهِ أي بالذي عبرها فَلَمَّا جاءَهُ أي يوسف الرَّسُولُ وطلبه للخروج قالَ قاصدا إظهار براءته ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ أن يسأل ما بالُ حال النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي سيدي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) فرجع فأخبر الملك فجمعهن قالَ ما\r______________________________\rذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ. والرابعة في قوله: قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي إلخ. قوله: (الكثير الصدق) وصفه بذلك لأنه جربه في السجن في تعبير الرؤيا وغيره. قوله: (أي الملك) أي ومن عنده.\rقوله: (أي ازرعوا) إنما حمله على الأمر مناسبة قوله: فَذَرُوهُ وإلا فالمناسب إبقاؤه على حاله من الأخبار لأنها تفسير للرؤيا، وفيه إشارة إلى أن اللّه أمر بذلك، لتحتم حصوله في علمه تعالى. قوله: دَأَباً بفتح الهمزة وسكونها قراءتان سبعيتان، وهو مصدر وقع موقع الحال. قوله: (و هي تأويل السبع السمان) أي والسبع الخضر. قوله: (لئلا يفسد) أي يأكله السوس كما هو شأن غلال مصر ونواحيها، ومنعه من الفساد ببقائه في سنبله من خصوصيات يوسف، وإلا ففي زمننا بقاؤه في سنبله لا يدفع عنه الفساد. قوله: (و هي تأويل السبع العجاف) أي والسبع اليابسات. قوله: (أي تأكلونه فيهن) أشار بذلك إلى أن الإسناد مجازي من الإسناد للظرف، كما في: نهاره صائم. قوله: (تدخرون) أي للبذر.\rقوله: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ إلخ، هذه بشارة لهم زيادة على تعبير الرؤيا. قوله: يُغاثُ النَّاسُ إما من الغوث وهو الفرج وزوال الكرب، أو من الغيث وهو المطر. والمعنى فيه: يزول كرب الناس، ويفرج عنهم بنزول المطر، وتتاب الخير عليهم. قوله: (الأعناب) أي يعصرونها خمرا، وقوله:\r(و غيرها) أي كالزيتون والسمسم والكتان والقصب وغير ذلك.\rقوله: وَقالَ الْمَلِكُ مرتب على محذوف قدره المفسر بقوله: (لما جاءه الرسول) الخ، وذلك أن الساقي لما رجع إلى الملك، وأخبره بما عبر به يوسف رؤياه واستحسنه الملك، وعرف أن الذي قاله كائن لا محالة، قال ائتوني به حتى أبصره، فرجع الساقي وقال له أجب الملك، فقال له ارجع إلخ.\rقوله: فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ مرتب على محذوف، أي فذهب الرسول إلى طلبه، فلما جاءه إلخ.\rقوله: (إظهار براءته) أي لتظهر براءة ساحته، ويعلم أنه سجن ظلما. قوله: إِلى رَبِّكَ أي وهو الملك. قوله: إِنَّ رَبِّي (سيدي) أي فالمراد به العزيز، وهو استشهاد بكونه يعلم مكرهن وكيدهن،","part":2,"page":177},{"id":778,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 178\rخَطْبُكُنَ شأنكن إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ هل وجدتن منه ميلا إليكن قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ وضح الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) في قوله: هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي فأخبر يوسف بذلك فقال ذلِكَ أي طلب البراءة لِيَعْلَمَ العزيز أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ في أهله بِالْغَيْبِ حال وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (52) ثم تواضع للّه فقال وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي من الزلل إِنَّ النَّفْسَ الجنس لَأَمَّارَةٌ كثيرة الأمر بِالسُّوءِ إِلَّا ما بمعنى من رَحِمَ رَبِّي فعصمه إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي أجعله خالصا لي دون شريك فجاءه الرسول وقال أجب الملك فقام وودع أهل السجن ودعا لهم ثم اغتسل ولبس ثيابا حسانا ودخل عليه فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ له\r______________________________\rويصح أن يكون المراد بالرب اللّه تعالى، وحينئذ يكون في كلامه التفويض للّه تعالى وهو الأقرب. قوله:\r(فجمعهن) أي وكانت زليخا معهن، وخاطبهن جميعا ولم يخص زليخا بالخطاب سترا عليها.\rقوله: مِنْ سُوءٍ أي خيانة.\rقوله: قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ هذا إقرار منها بالحق، والحامل لها على ذلك كون يوسف راعى جانبها حيث قال ما بالُ النِّسْوَةِ إلخ، ولم يذكرها، مع أن الفتن كلها إنما نشأت من جهتها، فكافأته بأن اعترفت بأن الذنب منها. قوله: (وضح) أي اتضح. قوله: (فأخبر يوسف بذلك) أي بجواب النسوة المذكور. قوله: (فقال) أي يوسف وهذا أحد قولين، وقيل إن.\rقوله: ذلِكَ لِيَعْلَمَ من كلام زليخا، ويكون المعنى: ذلك الذي قلته ليعلم يوسف أني لم أخنه ولم أكذب عليه، وجئت بما هو الحق الواقع، وما أبرىء نفسي من الخيانة، إن النفس لإمارة بالسوء، إلا نفسا رحمها اللّه بالعصمة كنفس يوسف. قوله:\rلِيَعْلَمَ (العزيز) أي زوج زليخا. قوله: (حال) أي إما من الفاعل أي وأنا غائب عنه، أو من المفعول أي وهو غائب عني. قوله: كَيْدَ الْخائِنِينَ أي لا يسدده. قوله: (ثم تواضع للّه) أي فوقع منه هذا القول على سبيل التواضع، وإلا فيستحيل في حقه أن تأمره نفسه بالسوء لعصمته.\rقوله: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي هذه الجملة حالية من محذوف، والتقدير طلبت البراءة ليعلم إلخ، والحال أني لم أقصد بذلك تنزيه نفسي ولا براءتها إلخ. قوله: (الجنس) أي جنس النفوس. قوله: (كثيرة الأمر) أي لصاحبها، واعلم أن النفس واحدة ولها صفات، فأول أمرها تكون أمارة بالسوء، تدعو إلى الشهوات وتميل إليها ولا تبالي، وهذه نفس الكفار والعصاة المصرين، فإذا أراد اللّه لها الهدى، جعل لها واعظا يأمرها وينهاها، فحينئذ تصير لوامة، تلوم صاحبها على ارتكاب الرذائل، فينشأ عن ذلك مجاهدته وتوبته ورجوعه لخالقه، فإذا كثر عليها ذلك واستمر، صارت مطمئنة ساكنة، تحت قضاء اللّه وقدره راضية بأحكامه، فتستحق من اللّه العطايا والتحف، قال تعالى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي وهذا مقام الواصلين، وقيل ذلك يسمى مقام السائرين.\rقوله: وَقالَ الْمَلِكُ أي وهو الريان بن الوليد، وذلك أنه لما ظهر له في يوسف من المزايا التي لم توجد في غيره قال ما ذكر. قوله: (فجاءه الرسول) إلخ، قدر المفسر هذه الجمل وهي ثمانية، إشارة إلى أن قوله تعالى: فَلَمَّا كَلَّمَهُ مرتب على محذوف. قوله: (و دعا لهم) أي بقوله: اللهم عطف عليهم قلوب","part":2,"page":178},{"id":779,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 179\rإِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) ذو مكانة وأمانة على أمرنا فماذا ترى أن نفعل؟ قال أجمع الطعام وازرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة وادخر الطعام في سنبله فتأتي إليك الخلق ليمتاروا منك فقال: ومن لي بهذا؟ قالَ يوسف اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ أرض مصر\r______________________________\rالأخيار، ولا تعم عليهم الأخبار. قوله: (ثم اغتسل) أي فلما خرج من السجن كتب على بابه، هذا بيت البلوغ، وقبر الأحياء، وشماتة الأعداء، وتجربة الأصدقاء. قوله: (و لبس ثيابا حسانا) يؤخذ من هذا، أن مما ينبغي عند الدخول على السلاطين، الطهارة وتحسين الهيئة، وهذه الثياب يحتمل أنها كانت عنده، أو أرسلها له الملك. قوله: (و دخل عليه) ورد أنه لما دخل سلم عليه بالعربية، فقال الملك: ما هذا اللسان؟\rقال: لسان عمي إسماعيل، ثم دعا له بالعبرانية فقال له: ما هذا اللسان أيضا؟ فقال: هذا لسان آبائي، وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا، ولم يعرف هذين اللسانين، وكان كلما تكلم بلسان أجابه يوسف به، فتعجب الملك من أمره مع صغر سنه، لأنه كان إذ ذاك ابن ثلاثين سنة، ثلاثة عشرة منها مدة إقامته مع زليخا والسجن، وسبع عشرة قبلها، وعلى هذا فدعواه لعبادة اللّه في السجن، إما نبوة قبل الأربعين، أو نصيحة منه لدين آبائه، على عادة العلماء وتأسيسا لنبوته.\rقوله: مَكِينٌ أَمِينٌ أي قريب المنزلة رفيع الرتبة مؤتمن على سرنا. قوله: (قال فماذا ترى أن نفعل) إلخ، روي أن الملك قال ليوسف عليه السّلام: أحب أن اسمع تأويل رؤياي منك شفاها قال نعم أيها الملك، رأيت سبع بقرات سمان شهب حسان غير عجاف، كشف لك عنهن النيل فطلعن من شاطئه تشخب أخلافهن لبنا، فبينا أنت تنظر إليهن وقد أعجبك منهن حسنهن، إذ نضب النيل فغار ماؤه وبدا يبسه، فخرج من حمئه سبع بقرات عجاف شعث غير ملصقات البطون، ليس لهن ضرع ولا أحلاف، ولهن أنياب وأضراس، وأكف كأكف الكلاب، وخراطيم كخراطيم السباع، فاختلطن بالسمان فافترسن السمان افتراس السبع، فأكلن لحومهن ومزقن جلودهن وحطمن عظامهن ومشمشن مخهن، فبينا أنت تنظر وتتعجب، كيف غلبنهنّ وهن مهازيل، ثم لم يظهر فيهن سمن ولا زيادة بعد أكلهن، وإذا سبع سنبلات خضر، وسبع سنبلات أخر سود يابسات في منبت واحد، عروقهن في الثرى والماء، فبينا أنت تقول في نفسك: أي شيء هذا، هؤلاء خضر مثمرات، وهؤلاء سود يابسات، والمنبت واحد، أصولهن في الثرى والماء؟ إذ هبت ريح، فردت أوراق اليابسات السود على الخضر المثمرات، فاشتعلت فيهن النار فاحترقن فصرن سودا، فهذا ما رأيت أيها الملك، ثم انتبهت مذعورا، فقال الملك: واللّه ما أخطأت فيها شيئا، فما شأن هذه الرؤيا؟ وإن كانت عجبا فما هي بأعجب مما سمعت منك، وما ترى من تأويل رؤياي أيها الصديق؟ قال يوسف عليه السّلام: أرى أن تجمع الطعام، وتزرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة، وتجعل ما يتحصل من ذلك الطعام في الخزائن بقصبه وسنبله فإنه أبقى له، فيكون ذلك القصب والسنبل علفا للدواب، وتأمر الناس أن يدفعوا الخمس من زرعهم أيضا، فيكفيك ذلك الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها، ويأتيك الخلق من سائر النواحي للميرة، ويجتمع عندك من الكنوز والأموال، ما لم يجتمع لأحد من قبلك، فقال الملك: ومن لي بهذا؟ ومن يجمعه لي ويبيعه لي؟ ولو جمعت أهل مصر ما أطاقوا ذلك، ولم يكونوا فيه أمناء، فقال يوسف عند ذلك اجْعَلْنِي إلخ.\rقوله: قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إن قلت: إن في ذلك القول طلب التقدم والإمارة،","part":2,"page":179},{"id":780,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 180\rإِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) ذو حفظ وعلم بأمرها وقيل: كاتب حاسب وَكَذلِكَ كإنعامنا عليه بالخلاص من السجن مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ أرض مصر يَتَبَوَّأُ ينزل مِنْها حَيْثُ يَشاءُ بعد الضيق والحبس، وفي القصة: أن الملك توجه وولاه مكان العزيز وعزله ومات بعد فزوجه\r______________________________\rوهو لا يليق بالأخيار. أجيب: بأن محل هذا ما لم يتعين عليهم، وإلا فحينئذ يجب طلبها، وأيضا ذلك بوحي من اللّه، وكان بين ذلك القول وتوليته على الخزائن سنة، وإنما أخره الملك سنة قبل التولية بالفعل مع مزيد رغبته فيه، ليشتهر قبل التولية بين أهل المملكة في أطراف القطر، ويصير معروفا للخاص والعام، وأنه ذو المكانة والأمانة عند الملك.\rقوله: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ تعليل لما قبله، ومفعول اجعل الثاني محذوف، والتقدير اجعلني أمينا على خزائن الأرض فإني حفيظ عليم. إن قلت: إن في هذا تزكية للنفس، وقد نهى اللّه عن ذلك بقوله:\rفَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ. أجيب: بأن محل النهي حيث قصد بها الفخر والكبر على خلق اللّه، بخلاف ما إذا قصد بها إيصال النفع للغير والإخبار بالواقع، فلا ضرر في ذلك، بل ذلك من باب التحدث بالنعم، وهو مأمور به شرعا.\rقوله: مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ أي مكناه إياها. قوله: (بعد الضيق والحبس) أي بعد صبره على الضيق حين وضع في الجب وحين حبس. قوله: (و في القصة أن الملك) إلخ، قال ابن عباس وغيره:\rلما انقضت السنة من يوم سؤال الإمارة، دعاه الملك فتوجّه وقلده بسيفه وحلاه بخاتمه، وضع له سريرا من ذهب مكللا بالدر والياقوت، طوله ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرة أذرع، ووضع له ثلاثين فرسا وستين مأدبة، وضرب له عليه حلة من استبرق، وأمره أن يخرج، فخرج متوجا، لونه كالثلج ووجه كالقمر، يرى الناظر وجهه فيه من صفاء لونه، فانطلق حتى جلس على ذلك السرير، ودانت ليوسف الملوك، وفوض الملك الأكبر إليه ملكه، وعزل قطفير عما كان عليه، وجعل يوسف مكانه، قال الزمخشري: إن يوسف قال للملك: أما السرير فأشد به ملكك، وأما الخاتم فأدبر به أمرك، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي، فقال له الملك: قد وضعته إجلالا لك وإقرارا بفضلك، وكان لملك مصر خزائن كثيرة، فسلمها ليوسف وسلم له سلطانه كله، وجلع أمره وقضاءه نافذا حتى بمملكته، ثم هلك قطفير عزيز مصر في تلك الليالي، فزوج الملك ليوسف امرأة العزيز بعد هلاكه، فلما دخل يوسف عليها قال: أليس هذا خيرا مما كنت تريدين؟ قالت له: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة حسناء ناعمة كما ترى، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك اللّه في حسنك فغلبتني نفسي وعصمك اللّه، قالوا: فوجدها يوسف عذراء فأصابها، فولدت له ولدين ذكرين أفراثيم وميشا، وبنتا واسمها رحمة زوجة أيوب عليه السّلام، وميشا هو جد يوشع بن نون، وأقام في مصر العدل، وأحبه الرجال والنساء، فلما اطمأن يوسف في ملكه، دبر في جمع الطعام أحسن التدبير، فبنى الحصون والبيوت الكثيرة، وجمع فيها الطعام للسنين المجدبة، وأنفق المال بالمعروف، حتى خلت السنون المخصبة، ودخلت السنون المجدبة بهول وشدة، لم ير الناس مثله، وقيل: إنه دبر في طعام الملك وحاشيته كل يوم أكلة واحدة نصف النهار، فلما دخلت سنة القحط، كان أول من اصابه الجوع الملك، فجاع نصف الليل، فنادى يا يوسف الجوع الجوع، فقال يوسف: هذا أوان","part":2,"page":180},{"id":781,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 181\rامرأته فوجدها عذارء وولدت له ولدين وأقام العدل بمصر ودانت له الرقاب نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ من أجر الدنيا لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (57) ودخلت سنو القحط وأصاب أرض كنعان والشام وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ إلا بنيامين\r______________________________\rالقحط، فهلك في السنة الأولى من سني القحط، كلما أعدوه في السنين المخصبة، فجعل أهل مصره يبتاعون الطعام من يوسف، فباعهم في السنة الأولى بالنقود، حتى لم يبق بمصر درهم ولا دينار إلا أخذه منهم، وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر، حتى لم يبق بمصر في أيدي الناس منهما شيء، وباعهم في السنة الثالثة بالدواب والمواشي والأنعام، حتى لم تبق دابة ولا ماشية إلا احتوى عليها، وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والجواري، حتى لم يبق بأيدي الناس عبد ولا أمة، وباعهم في السنة الخامسة بالضياع والعقار، حتى أتى عليها كلها، وباعهم في السنة السادسة بأولادهم حتى استرقهم، وباعهم في السنة السابعة برقابهم، حتى لم يبق بمصر حر ولا حرة إلا ملكه، فصاروا جميعا عبيدا ليوسف عليه السّلام، فقال أهل مصر: ما رأينا كاليوم ملكا أجل ولا أعظم من يوسف، فقال يوسف للملك: كيف رأيت صنع اللّه بي فيما خولني، فما ترى في هؤلاء؟ قال الملك: الرأي رأيك ونحن لك تبع، قال: فإني أشهد اللّه وأشهدك، أني قد أعتقتهم عن آخرهم، ورددت عليهم أملاكهم، ولم يزل يوسف يدعو الملك إلى الإسلام ويتلطف به، حتى أسلم هو وكثير من الناس، ومات في حياة يوسف، وأما العزيز فلم يثبت إسلامه. قوله: (و مات بعد) أي مات العزيز بعد عزله. قوله: (فزوجه امرأته) أي بعد أن ذهب مالها، وعمي بصرها من بكاءها على يوسف، فصارت تتكفف الناس، وكان يوسف يركب في كل أسبوع في موكب زهاء مائة الف من عظماء قومه، فقيل لها: لو تعرضت له لعله يسعفك بشيء، فلما ركب في موكبه، قامت فنادت بأعلى صوتها: سبحان من جعل الملوك عبيدا بمعصيتهم، وجعل العبيد ملوكا بطاعتهم، فقال يوسف: ما هذه؟ فقدمت إليه فعرفها، فرق لها وبكى بكاء شديدا، ثم دعاها للزواج، وأمر بها، فهيئت ثم زفت إليه، فقام يوسف يصلي ويدعو اللّه وقامت وراءه، فسأل اللّه تعالى أن يعيد لها شبابها وجمالها وبصرها، فرد اللّه عليها ذلك، حتى عادت أحسن ما كانت يوم راودته، إكراما له عليه السّلام لما عف عن محارم اللّه، فأصابها فإذا هي عذراء فعاشا في أرغد عيش. روي أن اللّه ألقى في قلب يوسف محبتها أضعاف ما كان في قلبها، فقال لها: ما شأنك لا تحبيني كما كنت أول مرة؟ فقالت: لما ذقت محبة اللّه، شغلني ذلك عن كل شيء. قوله: (ولدين) أي وبنتا. قوله: (و دانت له الرقاب) أي خضعت له الناس.\rقوله: نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ أي نخص بنعمتنا من أردنا. قوله: وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أي بل نضاعفه لهم.\rقوله: وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ اللام موطئة لقسم محذوف. قوله:\rلِلَّذِينَ آمَنُوا أي اتصفوا بالإيمان، قوله: وَكانُوا يَتَّقُونَ أي يمتثلون الأوامر ويجتنبون النواهي.\rقوله: (و دخلت سنو القحط) إلخ، قدر ذلك إشارة إلى أن قوله: وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ مرتب على محذوف، أي سبب مجيئهم، أنه لما فرغت سنو الخصب، وأتت سنو القحط والجدب، واحتاجت الناس للطعام، فبلغ يعقوب أن بمصر ملكا يبيع الطعام للمحتاجين، فبعثهم ليبتاعوا منه.\rقوله: وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ وكانوا عشرة، وكان مسكنهم بالعربات من أرض فلسطين، وهي","part":2,"page":181},{"id":782,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 182\rليمتاروا لما بلغهم أن عزيز مصر يعطي الطعام بثمنه فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ أنهم إخوته وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) لا يعرفونه لبعد عهدهم به وظنهم هلاكه، فكلموه بالعبرانية فقال كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ فقالوا: للميرة، فقال: لعلكم عيون، قالوا: معاذا اللّه، قال: فمن أين أنتم، قالوا: من بلاد كنعان، وأبونا يعقوب نبي اللّه، قال: وله أولاد غيركم؟ قالوا: نعم، كنا اثني عشر فذهب أصغرنا هلك في البرية وكان أحبنا إليه، وبقي شقيقه فاحتبسه ليتسلى به عنه، فأمر بإنزالهم وإكرامهم وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ وفي لهم كيلهم قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أي بنيامين لأعلم صدقكم فيما قلتم أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ أتمه من غير بخس وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي أي ميرة وَلا تَقْرَبُونِ (60) نهي أو عطف على محل (فلا كيل) أي تحرموا ولا تقربوا قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ سنجتهد في طلبه منه وَإِنَّا لَفاعِلُونَ (61) ذلك وَقالَ لِفِتْيانِهِ وفي قراءة لفتيته: غلمانه اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ\r______________________________\rثغور الشام، وكانوا أهل بادية وإبل وشياه، وحكمة ذهاب العشرة جميعا، أنه بلغهم أن الملك لا يزيد الواحد عن حمل بعير، قصدا للعدل بين الناس، فغرضهم بذلك أن تكون الأحمال عشرة. قوله:\r(ليمتاروا) أي ليحملوا الميرة، وهي الطعام المجلوب من بلد آخر. قوله: (لبعد عهدهم به) قال أبو صالح عن ابن عباس: كان بين أن ألقوه في الجب، وبين دخولهم عليه، اثنتان وعشرون سنة، فلذا أنكروه لأنه كان على سرير الملك، وكان على رأسه تاج الملوك وزي الملوك. قوله: (فقالوا للميرة) أي لأخذها. قوله: (لعلكم عيون) أي جواسيس تطلعون على عوراتنا وتخبرون بها أعداءنا.\rقوله: وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ أي هيأ لهم الطعام وأكرمهم في النزول وأحسن ضيافتهم، وأعطاهم ما يحتاجون إليه في سفرهم. قوله: قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ أي إن كنتم صادقين في ذلك، فأنا أكتفي منكم بذلك، قالوا: إن أبانا يحزن لفراقه، قال: فاتركوا بعضكم عندي رهينة حتى تأتوني به، فاعترفوا فيما بينهم، فأصابت القرعة شمعون فخلفوه عنده، وقوله: بِأَخٍ لَكُمْ إنما لم يقل بأخيكم زيادة في الإبهام، وذلك للفرق بين قولك: رأيت غلامك وغلاما لك، فإن الأول يقتضي أن عندك به نوع معرفة دون الثاني.\rقوله: أَلا تَرَوْنَ الخ غرضه بذلك الترغيب في العود مرة أخرى. قوله: وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ أي خير من يكرم الضيفان.\rقوله: فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي أي إذا وعدتم مرة أخرى. قوله: (أي ميرة) أشار بذلك إلى أن المراد بالكيل المكيل. قوله: (نهي) أي والفعل مجزوم بحذف النون، وحذفت ياء المتكلم تخفيفا، وهذه النون للوقاية. قوله: (أو عطف على محل: فلا كيل) أي وهو الجزم لأنه جواب الشرط، وحينئذ فلا نافية ونون الرفع محذوفة للجازم على كل حال، وعليه فيكون المعنى: فلا كيل ولا قرب.\rقوله: وَإِنَّا لَفاعِلُونَ (ذلك) أي المراودة والاجتهاد قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا، وكل من فتيته وفتيانه جمع لفتى، لكن الأول جمع قلة، والثاني جمع كثرة.\rقوله: اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ أي فقد وكل بكل رجل واحدا من غلمانه، ويضع فيه","part":2,"page":182},{"id":783,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 183\rالتي بها ثمن الميرة وكانت دارهم فِي رِحالِهِمْ أوعيتهم لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ وفرغوا أوعيتهم لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62) إلينا لأنهم لا يستحلون إمساكها فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ إن لم ترسل أخانا إليه فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ بالنون والياء وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (63) قالَ هَلْ ما آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ يوسف مِنْ قَبْلُ وقد فعلتم به ما فعلتم فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وفي قراءة حافظا تمييز كقولهم للّه دره فارسا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) فأرجو أن يمن بحفظه وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي ما استفهامية، أي: شيء نطلب من إكرام الملك أعظم من هذا، وقرىء بالفوقانية خطابا ليعقوب وكانوا ذكروا له إكرامه لهم هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا نأتي بالميرة لهم وهي الطعام وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ لأخينا ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) سهل على الملك لسخائه قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً عهدا مِنَ اللَّهِ بأن تحلفوا لَتَأْتُنَّنِي بِهِ\r______________________________\rثمن الطعام الذي في هذا الرحل. قوله: (و كانت دراهم) وقيل كانت نعالا وجلودا، والأقرب الأول، لأن شأن الدراهم أن تخفى، ولا شك أنهم لم يعلموا بها إلا عند تفريغ أوعيتهم. قوله: (لأنهم لا يستحلون إمساكها) أي لأن ديانتهم وأمانتهم، تحملهم على رد البضاعة إليه إذا وجدوها، لأنهم مطهرون من أكل ما لم يحل لهم، وقيل قصد يوسف بذلك، مواساة أبيه وإخوته، خوفا أن لا يكون عندهم شيء من المال، وقيل أراد أن يريهم بره وكرمه، ليكون ذلك باعثا لهم على الرجوع، وقيل رأى أن أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته لؤم، وقيل أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم فيه منة ولا عيب.\rقوله: فَلَمَّا رَجَعُوا أي التسعة لما تقدم أنه أخذ شمعون رهينة على أن يأتوه ببنيامين. قوله:\rمُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ أي بعد هذه المرة. قوله: (بالنون والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان، وأصل نكتل نكتيل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا ثم حذفت لالتقاء الساكنين.\rقوله: هَلْ آمَنُكُمْ الاستفهام إنكاري، ولذا فسر هل بما، والمعنى كيف آمنكم على ولدي بنيامين، وقد فعلتم بأخيه يوسف ما فعلتم، وأنكم ذكرتم مثل هذا في شأن يوسف حيث قلتم وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ فلما لم يحصل الحفظ هناك، فكيف آمنكم هنا. قوله: إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ الكاف بمعنى مثل صفة لمصدر محذوف، والتقدير إلا ائتمانا مثل ائتماني لكم على أخيه، إلخ. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (تمييز) أي على كل من القراءتين. قوله: (فأرجو أن يمن بحفظه) أي ولا يجمع على مصيبتين، قال كعب الأحبار: لما قال اللّه له:\rلأردن عليك كليهما حيث توكلت علي واستحفظتني عليه.\rقوله: وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ أي بحضرة أبيهم. قوله: وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ أي وهي ثمن الميرة.\rقوله: (أعظم من هذا) ورد أنهم قد كانوا ذكروا ليعقوب إحسان ملك مصر إليهم، وحثوا يعقوب على إرساله بنيامين معهم، فلما وجدوا بضاعتهم ردت إليهم، قالوا أي شيء نطلب بعد هذا الإكرام، أوفى لنا الكيل ورد لنا الثمن، لو كان رجلا من أولاد يعقوب ما أكرمنا كرامته، فقال لهم يعقوب: إذا رجعتم إلى","part":2,"page":183},{"id":784,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 184\rإِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ بأن تموتوا أو تغلبوا فلا تطيقوا الإتيان به فأجابوه إلى ذلك فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ بذلك قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ نحن وأنتم وَكِيلٌ (66) شهيد وأرسله معهم وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مصر مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ لئلا تصيبكم العين وَما أُغْنِي أدفع عَنْكُمْ بقولي ذلك مِنَ اللَّهِ مِنْ زائدة شَيْءٍ قدره عليكم وإنما ذلك شفقة إِنِ ما الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ وحده عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ به وثقت وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) قال تعالى:\rوَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ أي متفرقين ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ أي قضائه مِنْ زائدة شَيْءٍ إِلَّا لكن حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وهي إرادة دفع العين شفقة\r______________________________\rمصر، فأقرئوه مني السّلام وقولوا له: إن أبانا يصلي عليك، ويدعو لك بما أوليتنا. قوله: وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ أي على أحمالنا. قوله: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ هذا هو جواب القسم. قوله: إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ استثناء من عموم الأحوال، والتقدير لتأتنني به في كل حال، إلا حال الإحاطة بكم.\rقوله: فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ أي بقولهم: باللّه رب محمد لنأتينك به، والموثق العهد المؤكد باليمين\rقوله: مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ أي وكانت أبواب مصر إذ ذاك أربعة. قوله: (لئلا تصيبكم العين) إنما خاف عليهم العين، لكمالهم وقوتهم واشتهارهم بين أهل مصر، بإكرام الملك لهم واحترامهم، فأمرهم بالتفرق ليسلموا من إصابة العين، فإنها كما قال أهل السنة، سبب عادي للضرر كالسم والسيف، يوجد الضرر عندها لا بها، وقالت الفلاسفة: إن العائن ينبعث من عينه قوة سمية نتصل بالمعيون، فيهلك أي يفسد، فأثبتوا للعين تأثيرا بنفسها، وهو كلام باطل واعتقاده كفر، وأعظم نافع في الرقى من العين سورتا المعوذتين.\rقوله: مِنَ اللَّهِ أي من قضائه. قوله: (و إنما ذلك) أي القول قوله: (شفقة) أي رأفة بكم، إن قلت: لم أمرهم بذلك في هذه المرة، ولم يأمرهم في المرة الأولى؟ أجيب بجوابين: الأول لكون معهم بنيامين وهو عزيز عليه، فخاف عليهم من أجل كونه معهم، والثاني أنهم اشتهروا في مصر بأنهم أولاد رجل واحد، وفيهم نور النبوة والشهامة والجمال، سيما وقد كانوا عند الملك بمنزلة، بخلاف المرة الأولى.\rقوله: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أي فوضت أموري واعتمدت عليه، لا على ما أمرتكم به، لأن الأخذ في الأسباب مع التوكل، أفضل من ترك الأسباب.\rقوله: وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ اختلف في جواب لما، فقيل هو قوله: ما كانَ يُغْنِي إلخ، والمعنى أن دخولهم من أبواب متفرقة لا يدفع عنهم مما قدره اللّه شيئا، بل الدخول متفرقا كالدخول مجتمعا، بالنسبة لقضاء اللّه، وقيل هو قوله: آوى إِلَيْهِ أَخاهُ وهو جواب لما الثانية أيضا، لأن المقصود بدخول المدينة الدخول على يوسف، والمقصود به إيواء الأخ، فلما الثانية مرتبة على لما الأولى، فصلح أن يكون جوابهما واحدا. قوله: مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ أي من أبواب متفرقة.\rقوله: ما كانَ يُغْنِي أي يدفع عنهم التفرق، ففاعل يغني ضمير يعود على التفرق. قوله: (إلّا حاجة) استثناء منقطع ولذا فسره بلكن، والمعنى لم يكن تفرقهم دافعا عنهم من قدر اللّه شيئا، لكن حاجة في نفس يعقوب قضاها، وهي دفع العين عنهم، التي كانت تصيبهم عند دخولهم مجتمعين، فإن التفرق في الدخول دفعها بإرادة اللّه. قوله: (لتعليمنا إياه) أشار بذلك إلى أن ما مصدية.","part":2,"page":184},{"id":785,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 185\rوَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ لتعليمنا إياه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ وهم الكفار لا يَعْلَمُونَ (68) إلهام اللّه لأصفيائه وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى ضم إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ تحزن بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (69) من الحسد لنا وأمره أن لا يخبرهم وتواطأ معه على أنه سيحتال على أن يبقيه عنده فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ هي صاع من ذهب مرصع بالجواهر فِي رَحْلِ أَخِيهِ بنيامين ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ نادى مناد بعد انفصالهم عن مجلس يوسف أَيَّتُهَا الْعِيرُ القافلة إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (70) قالُوا وَقد أَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ما ذا ما الذي تَفْقِدُونَ (71)\r______________________________\rقوله: وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ أي منزله ومحل حكمه، وهذا الدخول غير الدخول السابق، فإن المراد به دخول المدينة، قال المفسرون: لما دخلوا عليه قالوا أيها الملك، هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به فقد جئناك به، فقال أحسنتم وأصبتم، ستجدون ذلك عندي، ثم أنزلهم وأكرم نزلهم، ثم أضافهم وأجلس كل اثنين على مائدة، فبقي بنيامين وحيدا، فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه، فقال لهم يوسف: لقد بقي هذا وحده، فقالوا: كان له أخ فهلك، قال لهم: فأنا اجلسه معي، فأخذه فأجلسه معه على المائدة وجعل يؤاكله، فلما دخل الليل، أمر لهم بمثل ذلك من الفراش وقال: كل اثنين ينامان على فراش واحد، فبقي بنيامين وحده، فقال يوسف: هذا ينام عندي على فراشي، فقام بنيامين مع يوسف على فراشه، فجعل يوسف يضمه إليه ويشم ريح أبيه منه حتى أصبح، فلما أصبح قال لهم: إني أرى هذا الرجل وحيدا ليس معه ثان، فأنا أضمه إلي فيكون معي في منزلي، ثم إنه أنزلهم وأجرى لهم الطعام، فقال روبيل: ما رأينا مثل هذا، فلما خلا به قال له يوسف: ما اسمك؟\rقال: بنيامين، قال: فهل لك من ولد؟ قال: عشر بنين، قال: فهل لك من أخ لأم؟ قال: كان لي أخ فهلك، قال يوسف: أتحب أن أكون أخاك بدل من أخيك الهالك؟ قال بنيامين: ومن يجد أخا مثلك أيها الملك؟ ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف عليه السّلام، وقام إليه وعانقه وقال: إِنِّي أَنَا أَخُوكَ إلخ، وقال كعب: لما قال له يوسف: إني أنا أخوك، قال بنيامين: أنا لا أفارقك، فقال يوسف:\rقد علمت اغتمام والدي بي، فإذا حبستك عندي ازداد غمه، ولا يمكنني هذا إلا أن أشهرك بأمر فظيع، وأنسبك إلى ما لا يحمد، فقال: لا أبالي، افعل ما بدا لك فإني لا أفارقك، قال يوسف: فإني أدس صاعي في رحلك، ثم أنادي عليك بالسرقة، لأحتال في ردك بعد إطلاقك، قال: فافعل ما شئت، فذلك قوله تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ إلخ.\rقوله: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ عبر هنا بالفاء، إشارة إلى طلب سرعة سيرهم وذهابهم لبلادهم بخلاف المرة الأولى، فإن المطلوب طول إقامتهم ليتعرف حالهم. قوله: (هي صاع من ذهب) وكان يشرب فيه الملك فسمي سقاية باعتبار أول حاله، وصاعا باعتبار آخر أمره، لأن الصاع آلة للكيل. قوله: (مرصع بالجواهر) أي مزين ومحلى بها. قوله: (بعد انفصالهم عن مجلس يوسف) أي خروجهم وسيرهم، بل قيل: إنهم وصلوا إلى بلبيس وردوا من عندها.\rقوله: أَيَّتُهَا الْعِيرُ هي في الأصل كل ما يحمل عليه من إبل وحمير، ويقال أطلقت وأريد أصحابها فهو مجاز علاقته المجاورة.\rقوله: وَأَقْبَلُوا قدره المفسر (قد) إشارة إلى أن الجملة حالية،","part":2,"page":185},{"id":786,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 186\rقالُوا نَفْقِدُ صُواعَ صاع الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ من الطعام وَأَنَا بِهِ بالحمل زَعِيمٌ (72) كفيل قالُوا تَاللَّهِ قسم فيه معنى التعجب لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (73) ما سرقنا قط قالُوا أي المؤذن وأصحابه فَما جَزاؤُهُ أي السارق إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (74) في قولكم ما كنا سارقين ووجد فيكم قالُوا جَزاؤُهُ مبتدأ خبره مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ يسترق ثم أكد بقوله فَهُوَ أي السارق جَزاؤُهُ أي المسروق لا غير وكانت سنة آل يعقوب كَذلِكَ الجزاء نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) بالسرقة فصرفوا ليوسف لتفتيش أوعيتهم فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ ففتشها قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ لئلا يتهم ثُمَّ اسْتَخْرَجَها أي السقاية مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ قال تعالى: كَذلِكَ الكيد كِدْنا لِيُوسُفَ علمناه الاحتيال في أخذ أخيه ما كانَ يوسف لِيَأْخُذَ أَخاهُ رقيقا عن السرقة فِي دِينِ الْمَلِكِ حكم ملك مصر لأن جزاءه عنده الضرب\r______________________________\rوالمعنى أنهم التفتوا إليهم وخاطبوهم بما ذكر. قوله: ما ذا تَفْقِدُونَ أي أي شيء ضاع منكم.\rقوله:\rصُواعَ الْمَلِكِ أي آلة كيله، وإنما اتخذ آلة كيل لعزة ما يكال به في ذلك الوقت، وفيه قراءات كثيرة السبعية منها واحدة وهي صواع وما عداها شاذ. قوله: حِمْلُ بَعِيرٍ أي جعلا له.\rقوله: قالُوا تَاللَّهِ إلخ، إنما قالوا ذلك، لما ظهر من أحوالهم ما يدل على صدقهم، حيث كانوا مواظبين على الطاعات والخيرات، حتى بلغ من أمرهم أنهم سدوا أفواه دوابهم، لئلا تأكل شيئا من أموال الناس. قوله: لَقَدْ عَلِمْتُمْ اللام موطئة لقسم محذوف تأكيد لما قبله. قوله: (و وجد فيكم) الجملة حالية، والمعنى فما جزاؤه إن كنتم غير صادقين في قولكم، والحال أنه ظهر خلاف ما قلتم.\rقوله: (خبره) مَنْ وُجِدَ أي فمن اسم موصول ووجد صلتها، والكلام على حذف مضاف أي استرقاق من وجد، أشار المفسر بقوله يسترق. قوله: (و كانت سنة آل يعقوب) أي طريقهم وشريعتهم يسترق السارق سنة.\rقوله: كَذلِكَ (الجزاء) أي المذكور وهو استرقاق السارق. قوله: (فصرفوا) أي ردوا من المكان الذي لحقهم فيه جماعة الملك.\rقوله: فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ أي فكان يفتح وعاء وعاء ويفتشه، ثم بعد فراغه منه يستغفر اللّه مما قذفهم به، إلى أن وصل إلى رحل بنيامين فقال: ما أظن هذا أخذ شيئا، فقالوا: واللّه لا نتركك حتى تنظر في رحله، فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا، فلما فتحوا متاعه وجدوا الصواع فيه. قوله:\rثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ أي فلما أخرجها منه، نكس الأخوة رؤوسهم من الحياء، وأقبلوا على بنيامين يلومونه ويقولون له: فضحتنا وسودت وجهنا يا ابن راحيل، ما زال لنا منكم بلاء، فقال بنيامين:\rبل بنو راحيل ما زال لهم منكم بلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية، إن الذي وضع هذا الصواع في رحلي، هذا الذي وضع البضاعة في رحالكم.\rقوله: كَذلِكَ (الكيد) أي الحيلة وهي استفتاء يوسف من إخوته. قوله: كِدْنا لِيُوسُفَ أي ألهمناه أن يضع الصاع في رحل أخيه ليضمه إليه، على ما حكم به إخوته. قوله: (علمناه الاحتيال) إلخ، أي فما وقع من يوسف في تلك الواقعة بوحي من اللّه تعالى، وحينئذ فلا يقال: كيف نادى على إخوته بالسرقة واتهمهم بها مع أنهم بريئون. قوله: (لأن جزاءه عنده الضرب) إلخ، أي وهذه الطريقة لا توصله","part":2,"page":186},{"id":787,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 187\rوتغريم مثلي المسروق لا الاسترقاق إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أخذه بحكم أبيه أي لم يتمكن من أخذه إلا بمشيئة اللّه بإلهامه سؤال إخوته وجوابهم بسنتهم نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ بالإضافة والتنوين في العلم كيوسف وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ من المخلوقين عَلِيمٌ (76) أعلم منه حتى ينتهي إلى اللّه تعالى قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ أي يوسف وكان سرق لأبي أمه صنما من ذهب فكسره لئلا يعبده فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها يظهرها لَهُمْ والضمير للكلمة التي في قوله قالَ في نفسه أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً من يوسف وأخيه لسرقتكم أخاكم من أبيكم وظلمكم له\r______________________________\rإلى أخذ أخيه. قوله: (مثلي المسروق) أي مثلي قيمته.\rقوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ استثناء منقطع، والمعنى ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك، ولكن أخذ بشريعة يعقوب، لمشيئة اللّه لأخذه، إذ لو شاء عدم أخذه لما علمه تلك الحيلة قوله: (بحكم أبيه) أي شريعته. قوله: (بالإضافة والتنوين) أي فهما قراءتان سبعيتان قوله: وَفَوْقَ خبر مقدم، وعَلِيمٌ مبتدأ مؤخر، والمعنى أن إخوة يوسف وإن كانوا علماء، إلا أن اللّه جعل يوسف فوقهم في العلم، بل فضله عليهم بمزايا عظيمة منها: الرسالة والملك والإنعام عليهم وغير ذلك.\rقوله: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ إلخ، سبب هذه المقالة، أنه لما خرج الصاع من رحل بنيامين، افتضح الإخوة ونكسوا رؤوسهم، فقالوا تبرئة لساحتهم إِنْ يَسْرِقْ الخ، وأتوا بإن المفيدة للشك، لأنه ليس عندهم تحقق سرقته، بمجرد إخراج الصاع من رحله، وبالمضارع لحكاية الحال الماضية. قوله: (و كان سرق لأبي أمه صنما) إلخ، هذا أحد أقوال في السرقة التي نسبوها له، وقيل جاءه سائل يوما فأخذ بيضة من البيت فناولها للسائل، وقيل أخذ دجاجة من الطير التي كانت في بيت يعقوب فأعطاها سائلا، وقيل كان يخبىء الطعام من المائدة للفقراء، وقيل لم يسرق أصلا لا ظاهرا ولا باطنا، وإنما كانت تهمة فقط، وذلك أن عمته حضنته بعد موت أمه، فأحبته حبا شديدا، فلما ترعرع وقعت محبة يعقوب عليه فأحبه، فقال لأخته: يا أختاه سلمي إلي يوسف، فو اللّه ما أقدر أن يغيب عني ساعة واحدة، فقالت: لا أعطيكه، فقال: واللّه ما أنا بتاركه عندك، فقالت: دعه عندي أياما أنظر إليه، لعل ذلك يسليني عنه، ففعل ذلك، فعمدت إلى منطقة كانت لإسحاق، وكانوا يتوارثونها بالكبر، وكانت أكبر أولاد إسحاق، وكانت عندها، فشدت المنطقة على وسط يوسف تحت ثيابه وهو صغير ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق، ففتشوا أهل البيت فوجودها مع يوسف، فقال يعقوب: إن كان فعل ذلك فهو سلم لك فأمسكته عندها حتى ماتت. قوله: (لئلا يعبده) أي يدوم على عبادته. قوله: (و الضمير للكلمة) إلخ. أي فهو عائد على متأخر لفظا ورتبة، وحينئذ يكون في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير قال أنتم شر مكانا وأسرها في نفسه، وهذا أحد قولين، وقيل إنه عائد على قوله: فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ. قوله: فَأَسَرَّها لم يرد لها جوابا.\rقوله: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً أي منزلة، والمعنى أن ما ظهرتم به شر مما يظهر به يوسف وأخوه، فإنهما اتهما بالسرقة ظاهرا، وأنتم سرقتم يوسف من أبيه وفعلتم به ما فعلتم. قوله: (لسرقتكم أخاكم من","part":2,"page":187},{"id":788,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 188\rوَاللَّهُ أَعْلَمُ عالم بِما تَصِفُونَ (77) تذكرون في أمره قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً يحبه أكثر منا ويتسلى به عن ولده الهالك ويحزنه فراقه فَخُذْ أَحَدَنا استعبده مَكانَهُ بدلا منه إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) في أفعالك قالَ مَعاذَ اللَّهِ نصب على المصدر حذف فعله وأضيف إلى المفعول أي نعوذ باللّه من أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ لم يقل من سرق تحرزا من الكذب إِنَّا إِذاً إن أخذنا غيره لَظالِمُونَ (79) فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا يئسوا مِنْهُ خَلَصُوا اعتزلوا نَجِيًّا مصدر يصلح للواحد وغيره أي يناجي بعضهم بعضا قالَ كَبِيرُهُمْ سنا روبيل أو رأيا يهودا أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً عهدا مِنَ اللَّهِ في أخيكم وَمِنْ قَبْلُ ما زائدة فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ وقيل ما مصدرية مبتدأ خبره من قبل فَلَنْ أَبْرَحَ\r______________________________\rأبيكم) أي وهو يوسف قوله: (عالم) أشار بذلك إلى أن اسم التفضيل ليس على بابه، إذ لا مشاركة بين الحادث والقديم.\rقوله: قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إلخ سبب هذه المقالة أنه لما استخرج الصاع من رحل بنيامين، غضب روبيل لذلك، وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا، وكان روبيل إذا غضب لم يقم لغضبه شيء، وكان إذا صاح ألقت كل حامل حملها إذا سمعت صوته، وكان مع ذلك، إذا مسه أحد من ولد يعقوب يسكن غضبه، وكان أقوى الإخوة وأشدهم، وقيل كان هذا صفة شمعون بن يعقوب، فقال لإخوته: كم عدد الأسواق بمصر؟ قالوا: عشرة، قال: اكفوني أنتم الأسواق، وأنا أكفيكم الملك، أو اكفوني أنتم الملك، وأنا أكفيكم الأسواق، فدخلوا على يوسف فقال روبيل: أيها الملك لتردن علينا أخانا، أو لأصيحن صيحة لا يبقى بمصر امرأة حامل إلا وضعت حملها، وقامت كل شعرة في جسد روبيل حتى خرجت من ثيابه، فقال يوسف لابن صغير له: قم إلى جنب هذا فمسه أو خذه بيده، فأتى له فلما مسه سكن غضبه، فقال لإخوته: من مسني منكم؟ فقالوا: لم يصبك منا أحد، فقال روبيل إن هذا بذر من بذر يعقوب، فغضب ثانيا، فقام يوسف إليه فوكزه برجله، وأخذ يدا من يده فوقع على الأرض، وقال لهم: أنتم يا معشر العبرانيين، تزعمون أن لا أحد أشد منكم، فلما رأوا ما نزل بهم، ورأوا أن لا سبيل إلى الخلاص، خضعوا وذلوا، وقالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إلخ.\rقوله: كَبِيراً أي في السن أو القدر، لأنه نبي من أولاد الأنبياء. قوله: (استعبده) أي استرقه.\rقوله: مَكانَهُ منصوب على الظرفية أو ضمن خذ معنى اجعل، فمكانه مفعول ثان. قوله: مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي في أفعالك، وإلينا في توفية الكيل وحسن الضيافة وغير ذلك. قوله: إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ أي في أخذ أحدكم مكانه. قوله: (يئسوا) أشار بذلك إلى أن السين والتاء زائدتان. قوله: (اعتزلوا) أي مجلس الملك. قوله: نَجِيًّا هو حال، والمعنى خلصوا حال كونهم متناجين ومتشاورين في أمر هذه القضية. قوله: (في أخيكم) أي في رده. قوله: ما (زائدة) أي والجار والمجرور متعلق بفرطتم. قوله:\r(و قيل ما مصدرية مبتدأ) أي وهي وما دخلت عليه، في تأويل مصدر مبتدأ، فالمبتدأ في الحقيقة المصدر المنسبك، والمعنى: وتفريطكم كائن من قبل تفريطكم في بنيامين، واعترض هذا الإعراب، بأن الظروف المنقطعة عن الإضافة لا تقع خيرا، ويجاب بأن محل ذلك ما لم يتعين المضاف إليه كما هنا.","part":2,"page":188},{"id":789,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 189\rأفارق الْأَرْضَ أرض مصر حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي بالعود إليه أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بخلاص أخي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (80) أعد لهم ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا عليه إِلَّا بِما عَلِمْنا تيقنا من مشاهدة الصاع في رحله وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ لما غاب عنا حين إعطاء الموثق حافِظِينَ (81) ولو علمنا أنه يسرق لم نأخذه وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها هي مصر أي أرسل إلى أهلها فاسألهم وَالْعِيرَ أي أصحاب العير الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وهم قوم من كنعان وَإِنَّا لَصادِقُونَ (82) في قولنا فرجعوا إليه وقالوا له ذلك قالَ بَلْ سَوَّلَتْ زينت لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ففعلتموه أتهمهم لما سبق منهم من أمر يوسف فَصَبْرٌ جَمِيلٌ صبري عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ بيوسف وأخيه جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بحالي الْحَكِيمُ (83) في صنعه وَتَوَلَّى عَنْهُمْ تاركا خطابهم وَقالَ يا أَسَفى الألف بدل من ياء الإضافة أي يا حزني عَلى يُوسُفَ\r______________________________\rقوله: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ أشار بذلك إلى أن أبرح ضمنت معنى: أفارق الأرض مفعول به، وأبرح تامة. قوله: أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ إما معطوف على يأذن، أو منصوب بأن مضمرة في جواب النفي، كأنه قال: لن أبرح الأرض إلا أن يحكم اللّه، كقولهم: لألزمنك أو تقضيني حقي، أي إلا أن تقضيني حقي.\rقوله: فَقُولُوا يا أَبانا إلخ إنما أمرهم بذلك، لتزول التهمة عنهم عند أبيهم. قوله: إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ أي نسبوه للسرقة، لأنهم شاهدوا الصواع قد أخرج من متاعه، فغلب على ظنهم أنه سرق، فلذلك نسبوه إلى السرقة، وفي ظاهر الحال لا في الحقيقة. قوله: وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ أما وما كنا للعواقب عالمين، فلم ندر حين أعطيناك الموثق، أنه سيسرق وتصاب به، كما أصبت بيوسف. قوله: (أي أرسل إلى أهلها) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف،\rوكذا في قوله: وَالْعِيرَ. قوله: (و هم قوم كنعان) أي وكانوا جيرانا ليعقوب. قوله: وَإِنَّا لَصادِقُونَ أي سواء نسبتنا إلى التهمة أم لا، وليس غرضهم أن يثبتوا صدق أنفسهم بهذه المقالة، لأن دعوى الخصم لا تثبت بنفسها. قوله: (فرجعوا) أي التسعة،\rوقدره إشارة إلى أن قوله: قالَ بَلْ سَوَّلَتْ إلخ، مرتب على محذوف. قوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ خبر لمبتدأ محذوف، قدره المفسر بقوله: (صبري) وتقدم أن الصبر الجميل، هو الذي لا شكوى مع لمخلوق، ولا جزع من فعل الخالق، ولذلك فوض أمره للّه، ولم يسأل العير، ولم يرسل يستخبر من القرية التي كانوا فيها، بل استسلم للقضاء ولم يقطع الرجاء.\rقوله: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ إنما قال ذلك، لأنه لما طال حزنه واشتد كربه، علم أن اللّه سيجعل له فرجا ومخرجا، لأنه إذا اشتد الكرب، كان إلى الفرج أسرع، وقيل إن يعقوب أطلعه اللّه على باطن الأمر، وأن أولاده أحياء لم يصابوا بشيء، وأنه سيجتمع عليهم، غير أنه أمر بكتم ذلك فلوح تلك الإشارة إلى علمه. قوله: (و أخويه) أي بنيامين وكبيرهم. قوله: الْحَكِيمُ في صنعه، أي لأنه يضع الأشياء في محلها.\rقوله: وَتَوَلَّى عَنْهُمْ مرتب على ما ذكروه له. قوله: (الألف بدل من ياء الإضافة) أي والأصل","part":2,"page":189},{"id":790,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 190\rوَابْيَضَّتْ عَيْناهُ انمحق سوادهما وبدل بياضا من بكائه مِنَ الْحُزْنِ عليه فَهُوَ كَظِيمٌ (84) مغموم مكروب لا يظهر كربه قالُوا تَاللَّهِ لا تَفْتَؤُا تزال تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً مشرفا على الهلاك لطول مرضك وهو مصدر يستوي فيه الواحد وغيره أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (85) الموتى قالَ لهم إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي هو الحزن الذي لا يصبر عليه حتى يبث إلى الناس وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ لا إلى غيره فهو الذي تنفع الشكوى إليه وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا\r______________________________\rيا أسفي، بكسر الفاء وفتح الياء، قلبت الكسرة فتحة، ثم تحركت الياء، وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، فيقال في إعرابه أسفى منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المنقلبة ألفا. قوله: عَلى يُوسُفَ إنما يجدد حزنه على يوسف عند إخباره بواقعة بنيامين، لأن الحزن قديم إذا صادفه حزن آخر، كان أوجع للقلب، وأعظم لهيجان الحزن، وليس في هذا إظهار جزع، بل هو شكوى للّه لا للخلق، فمعنى يا أسفى، أشكو إلى اللّه شدة حزني، فلا ينافي قوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ.\rقوله: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ قيل معناه عمي فلم يبصر شيئا ست سنين، وهذا بناء على جواز مثل هذا على الأنبياء بعد التبليغ واشتهار الأمر، وقيل معناه ضعف بصره من كثرة البكاء، واتصال الدمع بعضه ببعض، ولم يكن عمي حقيقة، بل من كثرة البكاء صار على إنسان العين غشاوة مانعة له من النظر، ولم يذهب أصلا، وهذا هو الأقرب. قوله: فَهُوَ كَظِيمٌ أي مكظوم، ممتلىء من الحزن ممسك عليه، لا يذكره لأحد، قال قتادة: الكظيم الذي برد حزنه في جوفه، ولم يقل إلا خيرا.\rقوله: قالُوا تَاللَّهِ أي تسلية له على ما نزل به من الحزن العظيم. إن قلت: كيف حلفوا على شيء لا يعلمون حقيقته؟ أجيب: بأنهم حلفوا على غلبة الظن، وهي بمنزلة اليقين، فهو من لغو اليمين الذي لا يؤاخذ به العبد. قوله: تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ إلخ، إنما قدر المفسر (لا) لأن القسم المثبت جوابه مؤكد بالنون أو اللام عند الكوفيين، أو بهما عند البصريين، فلما رأينا الجواب هنا خاليا منهما، علمنا أن قسم على النفي بمعنى أن، جوابه منفي لا مثبت، فلو قيل: واللّه أحبك كان المراد لا أحبك، وهو من قبيل التورية، ومن ذلك إذا قال: واللّه أجيئك غدا في فيحنث في المجيء، بخلاف ما إذا قال لأجيئنك فيحنث بعدمه. قوله: حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً هو من باب تعب، يقال: حرض حرضا أشرف على الهلاك. قوله: (و غيره) أي المثنى والمجموع والمذكر والمؤنث.\rقوله: قالَ (لهم) أي جوابا لقولهم. قوله: أَشْكُوا بَثِّي البث تفريق الحزن واظهاره، لأن الإنسان إذا ستر الحزن وكتمه كان هما، وإذا ذكره لغيره كان بثا، فالبث أشد الحزن وهذه المقالة قالها لجبريل عليه السّلام، لما ورد أنه كان ليعقوب شخص مواخ له، فقال له ذات يوم: يا يعقوب ما الذي أذهب بصرك، وما الذي قوس ظهرك، قال: أما الذي أذهب بصري، فالبكاء على يوسف، وأما الذي قوس ظهري، فالحزن على بنيامين، فأتاه جبريل فقال له: يا يعقوب، إن اللّه يقرئك السّلام ويقول لك: أما تستحي أن تشكو إلى غيري؟ فقال: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ فقال جبريل: اللّه أعلم بما تشكو، وإنما عوتب يعقوب بهذا، لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، لأن العتاب على قدر المرتبة.\rقوله: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أي من رحمته وإحسانه قوله: (و هو حي) أي لما روي أن ملك","part":2,"page":190},{"id":791,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 191\rتَعْلَمُونَ (86) من أن رؤيا يوسف صدق هو حي، ثم قال يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ اطلبوا خبرهما وَلا تَيْأَسُوا تقنطوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ رحمته إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (87) فانطلقوا نحو مصر ليوسف فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ الجوع وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ مدفوعة يدفعها كل من رآها لرداءتها وكانت دراهم زيوفا أو غيرها فَأَوْفِ أتم لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا بالمسامحة عن رداءة بضاعتنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) يثيبهم، فرق عليهم وأدركته الرحمة ورفع الحجاب بينه وبينهم ثم قالَ\r______________________________\rالموت زار يعقوب، فقال له يعقوب: أيها الملك، الطيب ريحه، الحسن صورته، الكريم على ربه، هل قبضت روح ابني يوسف؟ قال: لا، فطابت نفس يعقوب وطمع في رؤيته.\rقوله: يا بَنِيَّ اذْهَبُوا إلخ، سبب تلك المقالة، أن أولاده لما أخبروه بسيرة ملك مصر، وكمال حاله في جميع أقواله وأفعاله، أحست نفس يعقوب، وطمع أن يكون هو يوسف، فعند ذلك قال: يا بَنِيَ إلخ. قوله: فَتَحَسَّسُوا هو بالحاء المهملة، طلب الخير بالحاسة والتجسس بمعناه، روي أن يعقوب حين أمر أولاده أن يذهبوا ليأتوا بخبر يوسف وأخيه، كتب لهم كتابا إلى يوسف، لما حبس عنده بنيامين، من يعقوب اسرائيل اللّه، ابن اسحاق ذبيح اللّه، ابن ابراهيم خليل اللّه، إلى ملك مصر، أما بعد، فإنا أهل بيت وكل بنا البلاء، أما جدي ابراهيم، فشدت يداه ورجلاه وألقي في النار، فصبر لأمر اللّه، وأما عمي اسماعيل فابتلي بالغربة في صغره، فصبر لأمر اللّه، وأما أبي اسحاق، فابتلي بالذبح ووضع السكين على قفاه، ففداه اللّه، وأما أنا فكان لي ابن، وكان أحب أولادي إلي، فذهب به إخوته إلى البرية، ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم وقالوا: قد أكله الذئب فذهبت عيناي، ثم كان لي ابن آخر، وكان أخاه من أمه، فكنت أتسلى به، وأنك حبسته وزعمت أنه سرق، وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا، فإن رددته إلي، وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك، فلما قرأ يوسف كتاب أبيه، اشتد بكاؤه وقل صبره، وأظهر نفسه لإخوته.\rقوله: وَأَخِيهِ لم يقل وأخويه لأنه كان يعلم أن الثالث مقيم بمصر، فلم يخف عليه حاله. قوله:\r(اطلبوا خبرهما) أي بالحاسة، كما أن التجسس طلب الخبر بالحاسة أيضا، فهما بمعنى واحد، ولذا قرىء هنا بالجيم شذوذا. قوله: مِنْ رَوْحِ اللَّهِ بالفتح مصدر بمعنى الرحمة، وهو في الأصل استراحة القلب من غمه، والمعنى لا تقنطوا من راحة تأتيكم من اللّه. قوله: (فانطلقوا نحو مصر) قدره إشارة إلى أن\rقوله: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ مرتب على محذوف. قوله: (مدفوعة) أي مردودة. قوله: (و كانت دراهم زيوفا) أي معيبة. قوله: (أو غيرها) أو لتنويع الخلاف، فقيل كانت نعالا، وقيل صوفا.\rقوله: فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ أي أعطنا ما كنت تعطينا من قبل بالثمن الجيد، فإنا نريد أن تقيم لنا الناقص مقام الزائد. قوله: (بالمسامحة) وقيل برد أخينا بنيامين. إن قلت: إن ما فعلوه خلاف ما أمرهم به أبوهم، من التحسس من يوسف وأخيه، أجيب: بأن أبواب التحسس كثيرة وهذا منها، لأن الاعتراف بالعجز، وضيق اليد وشدة الحاجة، مما يرقق القلب، فإن كان يوسف فسيظهر لهم حاله، لحصول الرقة والعطف منه لهم، وإن كان غيره فلا يرق ولا يعطف. قوله: (و رفع الحجاب) إلخ، قيل هو اللثام الذي","part":2,"page":191},{"id":792,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 192\rلهم تويبخا هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ من الضرب والبيع وغير ذلك وَأَخِيهِ من هضمكم له بعد فراق أخيه إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (89) ما يؤول إليه أمر يوسف قالُوا بعد أن عرفوه لما ظهر من شمائله متثبتين أَإِنَّكَ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَ أنعم اللَّهُ عَلَيْنا بالاجتماع إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ يخف اللّه وَيَصْبِرْ على ما يناله فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) فيه وضع الظاهر موضع المضمر قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ فضلك اللَّهُ عَلَيْنا بالملك وغيره وَإِنْ مخففة أي إنا كُنَّا لَخاطِئِينَ (91) آثمين في أمرك فأذلنا لك قالَ لا تَثْرِيبَ عتب عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ خصه بالذكر لأنه مظنة التثريب فغيره أولى يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) وسألهم عن أبيه فقالوا ذهبت عيناه فقال اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا وهو قميص ابراهيم الذي لبسه حين ألقي في النار كان\r______________________________\rكان يتلثم به، وقيل هو الستر الذي كان يكلمهم من خلفه، وقيل هو تاج الملك الذي كان يضعه على رأسه، وكان له في قرنه علامة تشبه الشامة، وكان ليعقوب مثلها، ولسارة مثلها، فعرفوه بها.\rقوله: قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ أي هل علمتم عاقبة ما فعلتم بهما، من تسليم اللّه إياهما من كل مكروه، وإنعام اللّه عليهما بتلك النعم العظيمة. قوله: (من هضمكم له) أي ظلمكم وإذايتكم له. قوله: إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ أي وقت جهلكم بعاقبة أمرهما. قوله: (من شمائله) أي أخلاقه. قوله: (و إدخال ألف بينهما) إلخ، أي فالقراءات أربع: التحقيق والتسهيل للثانية، مع الألف بينهما وبدونها، وبقي قراءة خامسة سبعية أيضا وهي إنك بهمزة واحدة.\rقوله: قالَ أَنَا يُوسُفُ إنما عرض باسمه، تعظيما لما نزل به من ظلم إخوته، ولما عوضه اللّه من النصر والملك. قوله: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ بإثبات الياء وصلا ووقفا، وبحذفها فيهما قراءتان سبعيتان فعلى الإثبات تكون من موصولة والفعل صلتها، وعلى الحذف تكون شرطية، والفعل مجزوم بحذفها. قوله:\r(فيه وضع الظاهر إلخ) أي والأصل لا يضيع أجرهم. قوله: (و غيره) أي كالصبر والصفح والحلم.\rقوله: لَخاطِئِينَ يقال خطىء إذا كان عن عمد، أو خطأ إذا لم يكن عن عمد، ولذا عبر بخاطئين دون مخطئين.\rقوله: قالَ لا تَثْرِيبَ أي لا توبيخ ولا لوم عليكم. قوله: الْيَوْمَ خبر ثان أو متعلق بالخبر فالوقف عليه وهو الأقرب، ولذا مشى عليه المفسر، وقوله: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ استئناف، ويصح أن يكون ظرفا لقوله يغفر، فالوقف على قوله عليكم. قوله: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ الجملة دعائية. قوله: وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ أي يقبل التوبة ويعفو عن المذنبين، ومن كرم يوسف عليه السّلام أنهم لما عرفوه قالوا له: إنك تدعونا بكرة وعشيا إلى الطعام، ونحن نستحي منك لما تقدم منا فقال: إن أهل مصر كانوا ينظرون إلي بعين العبودية ويقولون: سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ، ولقد شرفت بكم، وعظمت في عيونهم، حيث علموا أنكم إخوتي، وأني من حفدة إبراهيم عليه السّلام.\rقوله: (و سألهم عن أبيه) أي حين وقع التعارف وهو تمهيد لقوله: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي. قوله: (و هو قميص إبراهيم الذي لبسه حين","part":2,"page":192},{"id":793,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 193\rفي عنقه في الجب وهو من الجنة أمره جبريل بإرساله وقال إن فيه ريحا ولا يلقي على مبتلى إلا عوفي فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ يصير بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ خرجت عن عريش مصر قالَ أَبُوهُمْ لمن حضر من بنيه وأولادهم إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ أوصلته إليه الصبا بإذنه تعالى مسيرة ثلاثة أيام أو ثمانية أو أكثر لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) تسفهون\r______________________________\rألقي في النار) أي لأنه لما ألقي فيها عريانا، أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فكان ذلك القميص عند إبراهيم، فلما مات ورثه إسحاق، فلما مات ورثه يعقوب، وجعله في قصبة من فضة، وسد رأسها وعلقها في عنق يوسف حفظا من العين، فلما ألقي في الجب عريانا، أتاه جبريل، وأخرج له ذلك القميص من القصبة وألبسه إياه. قوله: (و قال) أي جبريل. قوله: يَأْتِ بَصِيراً يحتمل أن يأت بمعنى يصير، فبصيرا مفعول ثان، وهو الذي درج عليه المفسر، ويحتمل أنها بمعنى يجيء فبصيرا حال.\rقوله: بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ أي وكانوا اثنين وسبعين، ما بين رجل وامرأة، وقيل ثلاثا وسبعين، فأرسل لهم مائتي راحلة، وكانوا حين خرجوا من مصر مع موسى، ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعين رجلا، سوى الذراري والضعفاء، وكانت الذرية إذ ذاك ألف ألف ومائتي ألف، فقد بورك فيهم حتى بلغوا هذا العدد في تلك المدة اليسيرة، لأنه كان بين يعقوب وموسى أربعمائة سنة. قوله: (خرجت من عريش مصر) أي متوجهة إلى أرض كنعان، والعريش بلدة معروفة آخر بلاد مصر، وأول بلاد الشام، وما ذكره المفسر أحد قولين، والآخر أن المراد خرجت من نفس مصر. قوله: (لم حضر من بنيه وأولادهم) إلخ، مقتضى هذا أن الأولاد لم يذهبوا جميعا لمصر، بل بقي بعضهم، وقال غيره: إن الأولاد ذهبوا جميعا، وهذا الخطاب لأولادهم.\rقوله: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ أي ريح الجنة من قميص يوسف، فالإضافة لأدنى ملابسة، وهذا دليل على أن كل سهل فهو في مدة المحنة صعب، وكل صعب فهو في زمان الإقبال سهل، حيث وصل إليه ريح القميص من المكان البعيد، عند انقضاء مدة الفراق، ومنع من وصول خبره إليه، مع قرب إحدى البلدتين من الأخرى، في تلك المدة العظيمة، ومن ذلك قول العارف بن الفارض رضي اللّه عنه:\rأعوام إقباله كاليوم في قصر ... ويوم إعراضه في الطول كالحجج\r\rقوله: (أوصلته إليه الصبا) هي ريح تهب من مطلع الشمس. إن قلت: إن ريح الصبا تقابل الذاهب من مصر إلى الشام، فإذا كانت تقابله، فكيف تحمل الريح من القميص الذي معه إلى جهة الشام، فمقتضى العادة أن التي حملت هي الدبور، لأنها هي التي تذهب من جهة مصر إلى الشام؟\rأجيب: بأن هذا خرق عادة، أو يقال إن هذا ظاهر إذا كانت حملته لمقابلتها فقط، وأما ما حصل، فقد فاح شذاه على جميع الدنيا، ولذا قال مجاهد: هبت ريح فصفقت القميص، ففاحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب، فوجد ريح الجنة في ذلك القميص، وحينئذ فحمل الصبا لريحه ظاهر، لأنها لم تحمل ريحه ليعقوب فقط، بل حملته لأهل الدنيا، وقد بالغ الناس في مدح الصبا، حتى قال بعض الحكماء: لو توالت على الأرض سبعة أيام لأنبتت الزعفران، وقال بعضهم مادحا لها:","part":2,"page":193},{"id":794,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 194\rلصدقتموني قالُوا له تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ خطئك الْقَدِيمِ (95) من إفراطك في محبته ورجاء لقائه على بعد العهد فَلَمَّا أَنْ زائدة جاءَ الْبَشِيرُ يهودا بالقميص، وكان قد حمل قميص الدم فأحب أن يفرحه كما أحزنه أَلْقاهُ طرح القميص عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ رجع بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (96) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (97) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) أخر ذلك إلى السحر ليكون أقرب إلى الإجابة أو إلى ليلة الجمعة ثم توجهوا إلى مصر وخرج يوسف والأكابر لتلقيهم\r______________________________\rأيا جبلي نعمان باللّه خليا ... نسيم الصبا يخلص إليّ نسيمها\r\rفإن الصبا ريح إذا ما تنسمت ... على نفس مهموم تجلت همومها\r\rأجد بردها أو تشف مني حرارة ... على كبد لم يبق إلا رسومها\r\rقوله: (أو أكثر) قيل عشرة وقيل شهر. قوله: لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ أن وما دخلت عليه، في تأويل مصدر مبتدأ خبره محذوف وجوبا، وجواب لو لا محذوف أيضا، وتقدير الكلام: لو لا تفنيدكم لي موجود لصدقتموني، والتفنيد هو تضعيف الرأي.\rقوله: قالُوا أي من حضر عنده من أولاد بنيه. قوله:\rلَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ أي من ذكر يوسف وعدم نسيانك إياه، لأنه كان عندهم قد مات وهلك. قوله:\r(فأحب أن يفرحه) أي فقال لإخوته: إني ذهبت بالقميص ملطخا بالدم، فأنا اذهب بهذا القميص فأفرحه كما أحزنته، فحمله وخرج به حافيا حاسرا، ومعه سبعة أرغفة لم يستوف أكلها، حتى أتى أباه، وكانت المسافة ثمانين فرسخا، فلما وصل إليه علمه في نظير تلك البشارة، كلمات كان ورثها من أبيه إسحاق، وهو عن أبيه إبراهيم وهي: يا لطيفا فوق كل لطيف، الطف بي في أموري كلها كما أحب، ورضني في دنياي وآخرتي.\rقوله: فَارْتَدَّ بَصِيراً أي رجع بصره لحالته الأولى. قوله: قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أي من أمور باطنية لا تعلمونها، فأنتم تنظرون للظاهر، وأنا أنظر للباطن.\rقوله: قالُوا يا أَبانَا إلخ، أي لما ظهر الحق وتبين، اعتذروا لأبيهم مما وقع منهم. قوله:\rاسْتَغْفِرْ لَنا أي اطلب لنا من ربنا غفران ذنوبنا. قوله: إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ أي آثمين. قوله: (أخر ذلك إلى السحر) فلما انتهى إلى وقت السحر، قام إلى الصلاة متوجها إلى اللّه، فلما فرغ منها رفع يديه وقال: اللهم اغفر لي جزعي على يوسف، وقلت صبري عنه، واغفر لأولادي ما أتوا إلي وإلى أخيهم يوسف، فأوحى اللّه إليه أني قد غفرت لك ولهم أجمعين. قوله: (أو إلى ليلة الجمعة) أي وقيل إلى الاجتماع بيوسف، ليجتمع معه على الاستغفار والدعاء لهم، ويؤيده ما روي أنه استقبل القبل قائما يدعو، فقام يوسف خلفه يؤمن، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين، حتى نزل جبريل عليه السّلام وقال: إن اللّه قد أجاب دعوتك في ولدك، وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة، وهذا إن صح فهو دليل على نبوتهم، ويجاب عما وقع منهم بما مر. قوله: (ثم توجهوا إلى مصر) وقال أصحاب الأخبار: لما دنا يعقوب من مصر، كلم يوسف الملك الأكبر، وعرفه بمجيء أبيه وأهله، فخرج يوسف في أربعة آلاف من الجند، وركب أهل مصر معهم يتلقون يعقوب عليه السّلام، وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على يد ابنه يهودا، فلما نظر إلى","part":2,"page":194},{"id":795,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 195\rفَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ في مضربه آوى ضم إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ أباه وأمه أو خالته وَقالَ لهم ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) فدخلوا وجلس يوسف على سريره وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ أجلسهما معه عَلَى الْعَرْشِ السرير وَخَرُّوا أي أبواه وإخوته لَهُ سُجَّداً سجود انحناء لا وضع جبهة وكان تحيتهم في ذلك الزمان وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي\r______________________________\rالخيل والناس قال: يا يهودا هذا فرعون مصر، قال: لا، بل هذا ابنك يوسف، فلما دنا كل واحد من صاحبه، أراد يوسف أن يبدأ يعقوب بالسلام، فقال له جبريل: خل يعقوب يبدأ بالسلام، فقال يعقوب:\rالسّلام عليك يا مذهب الأحزان، وقيل إنهما نزلا وتعانقا، وفعلا كما يفعل الوالد بولده، والولد بوالده، وبكيا، وقيل إن يوسف قال لأبيه: يا أبت بكيت علي حتى ذهب بصرك، ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟\rقال: بلى، ولكن خشيت أن يسلب دينك، فيحال بيني وبينك، وخرج يوسف للقاء أبيه في أربعة آلاف من الجند، لكل واحد منهم جبة من فضة، وراية خز وقصب، فتزينت الصحراء بهم، واصطفوا صفوفا، ولما صعد يعقوب ومعه أولاده وحفدته، نظر إلى الصحراء مملوءة بالفرسان، مزينة بالألوان، فنظر إليهم متعجبا، فقال جبريل: انظر إلى الهواء، فإن الملائكة قد حضرت سرورا بحالك، كانوا باكين محزونين مدة لأجلك، وهاجت الفرسان بعضهم في بعض، وصهلت الخيول، وسبحت الملائكة، وضربت الطبول والبوقات، فصار كأنه يوم القيامة، قيل وكان دخولهم يوم عاشوراء.\rقوله: فَلَمَّا دَخَلُوا أي يعقوب وأولاده. قوله: (في مضربه) أي خيمته، وكان ذلك خارج المدينة على عادة الملوك. قوله: آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ أي قربهما منه. قوله: (و أمه) أي على القول بحياتها حينئذ، وقوله: (أو خالته) أي واسمها ليا، وهذا على القول بموت راحيل، وقيل المراد بخالته امرأة اخرى غير ليا تزوجها يعقوب بعدهما، وقيل أحيا اللّه أمه بعد موتها وسجدت له، تحقيقا لرؤياه، واللّه أعلم بحقيقة الحال.\rقوله: ادْخُلُوا مِصْرَ هذا الدخول غير الدخول الأول، لأن المراد به هنا دخول نفس المدينة، وأما الأول فالمراد دخول خيمته خارج البلد. قوله: إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ أي من كل مكروه، لأن الناس كانوا يخافون من ملوك مصر، فلا يدخلها أحد إلا بجوارهم، فقال لهم يوسف: ادخلوا مصر آمنين على أنفسكم وأهليكم، لأنكم أنتم ملوكها، فلا تخافون من أحد. قوله: (فدخلوا) إلخ، قدر ذلك إشارة إلى أن قوله: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ مرتب على محذوف.\rقوله: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً يحتمل أن يكون ذلك السجود خارج البلد عند أول اللقاء، ويحتمل أنه بعد الدخول، وجلوس يوسف وأبويه على السرير. قوله: (سجود انحناء) أي على عادة تحية الملوك، وهذا أحد قولين، وقيل المراد بالسجود حقيقته، وهو وضع الجبهة على الأرض، ولا يشكل على هذا أن حقيقة السجود لا تكون إلا اللّه، لأنه يقال: إن يوسف جعل كالقبلة لذلك السجود، وما قيل في سجود الملائكة لآدم يقال هنا. إن قلت: كيف رضي يوسف بسجود أبيه له، مع كونه أكبر منه، وكان الواجب مراعاة الأدب؟ أجيب: بأن هذا بأمر من اللّه تحقيقا لرؤيا يوسف، لأن رؤيا الأنبياء وحي. قوله: هذا","part":2,"page":195},{"id":796,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 196\rحَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إلي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ لم يقل من الجب تكرما لئلا يخجل إخوته وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ البادية مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ أفسد الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بخلقه الْحَكِيمُ (100) في صنعه وأقام عنده أبوه أربعا وعشرين سنة أو سبع عشرة سنة وكانت مدة فراقه ثماني عشرة أو أربعين أو ثمانين سنة وحضره الموت فوصى يوسف أن يحمله ويدفنه عند أبيه فمضى بنفسه ودفنه ثمة ثم عاد إلى مصر وأقام بعده ثلاثا وعشرين سنة ولما تم أمره وعلم أنه لا يدوم تاقت نفسه إلى الملك الدائم فقال رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ تعبير الرؤيا فاطِرَ خالق السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي متولي مصالحي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) من آبائي فعاش بعد ذلك أسبوعا أو أكثر ومات وله مائة وعشرون سنة وتشاح المصريون في قبره فجعلوه في\r______________________________\rأي السجود. قوله: حَقًّا أي صدقا حيث وجدت، وتحققت في الخارج على طبق ما في النوم.\rقوله: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي أي أنعم علي. قوله: (لئلا يخجل إخوته) أي ولأن نعمة اللّه عليه في الخروج من السجن، كان سببا لوصوله إلى الملك، بخلاف إخراجه من الجب، فإنه أعقبها الرق والتهمة والسجن، وليس في ذلك إدخال سرور على أبويه. قوله: وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ عطف على أخرجني، والمعنى وقد أنعم علي وقت إخراجي من السجن، ووقت مجيئكم من البدو.\rقوله: إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ ضمنه معنى مدبر فعداه باللام، واللطيف معناه الرفيق المحسن. قوله:\r(و كانت مدة فراقه ثماني عشرة) إلخ، حاصله أنه اختلف في مدة فراق يوسف لأبيه، فذكر المفسر ثلاثة أقوال، وقيل اثنان وعشرون، وقيل ست وثلاثون، وقيل خمس وثلاثون، وقيل سبعون، ولا يعلم الحقيقة إلا اللّه، واتفقوا على أن عمر يوسف مائة وعشرون سنة. قوله: (فوصى يوسف أن يحمله) إلخ، أي وقد فعل، فجعله في تابوت من ساج حتى قدم به الشام، فوافق ذلك موت عيصو أخي يعقوب، وكانا قد ولدا في بطن واحد، فدفنا في قبر واحد. قوله: (و لما تم أمره) أي في ملكه. قوله: (و علم أنه) أي الملك.\rقوله: (إلى الملك الدائم) أي وهو نعيم الآخرة. قوله: (فقال) أي طلب الملك الدائم بوفاته على الإسلام، وما قبل ذلك فهو ثناء على اللّه، قدم على الدعاء لمراعاة الأدب، إشارة إلى أن الإنسان ينبغي له إذا أراد أن يدعو، يقدم الثناء على اللّه اعترافا بالنعم، ثم بعد ذلك يسأل مطلوبه.\rقوله: مِنَ الْمُلْكِ أي بعضه وهو ملك مصر، إذ لم يملك جميع الأقطار إلا أربعة، اثنان مسلمان: اسكندر ذو القرنين وسليمان بن داود، واثنان كافران: بختنصر وشداد بن عاد.\rقوله: فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يصح أن يكون نعتا لرب، أو بدلا أو عطف بيان أو نداء ثانيا. قوله: تَوَفَّنِي مُسْلِماً إن قلت: كيف يطلب الموت مع أن تمنيه لا يجوز؟ أجيب: بأنه علم بالوحي قرب أجله، فطلب ما يكون عند الموت، وهو اللحوق بالصالحين، فمحط طلب الموت على ما بعده. إن قلت: إن كل نبي مقطوع بموته على الإسلام، فلم طلب ذلك؟ أجيب: بأن اللّه تجلى على يوسف بخوف الإجلال فطلب ذلك، لأن المعصوم عند ذلك ينسى العصمة. قوله: (من آبائي) أي","part":2,"page":196},{"id":797,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 197\rصندوق من مرمر ودفنوه في أعلى النيل لتعم البركة جانبيه فسبحان من لا انقضاء لملكه ذلِكَ المذكور من أمر يوسف مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ أخبار ما غاب عنك يا محمد نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ لدى إخوة يوسف إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ في كيده أي عزموا عليه وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) به أي لم تحضرهم فتعرف قصتهم فتخبر بها وإنما حصل لك علمها من جهة الوحي وَما أَكْثَرُ النَّاسِ أي أهل مكة وَلَوْ حَرَصْتَ على إيمانهم بِمُؤْمِنِينَ (103) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ أي القرآن مِنْ أَجْرٍ تأخذه إِنْ ما هُوَ أي القرآن إِلَّا ذِكْرٌ عظة لِلْعالَمِينَ (104) وَكَأَيِّنْ وكم مِنْ آيَةٍ دالة على وحدانية اللّه فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها يشاهدونها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (105) لا يتفكرون فيها وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ حيث يقرون\r______________________________\rابراهيم واسحاق ويعقوب، فالمراد لحوقا خاصا الذي هو أعلى المراتب. قوله: (مات) أي وقد توراث الفراعنة من العمالقة بعد يوسف، ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا من دين يوسف وآبائه، إلى أن بعث اللّه موسى عليه السّلام، وأغرق فرعون وقومه، فقطع اللّه الفراعنة منها، وأورثها اللّه بني إسرائيل. قوله: (و تشاح المصريون في قبره) أي حتى هموا أن يقتتلوا، ثم اصطلحوا على أن يدفنوه في أعلى النيل من جهة الصعيد، لتعم بركته الجميع، فجعلوه في صندوق من مرمر، وهو نوع من أجود الرخام، ودفنوه في الجانب الأيمن فأخصب، وأجدب الجانب الأيسر فنقل له فأخصب، وأجدب الجانب الأيمن، فدفنوه في وسط النيل وربطوه بسلسلة، فأخصب الجانبان، فبقي أربعمائة سنة، فلما أمر اللّه موسى بالخروج من مصر، أمره بأخذ يوسف معه ودفنه في الأرض المقدسة بقرب آبائه، فلم يهتد إلى مكانه، فدلته عليه عجوز، قيل إنها من أولاد يعقوب، وشرطت عليه أن تكون معه في الجنة، فضمن لها ذلك، وشرطت عليه أيضا أن يدعو لها أن ترجع شابة كلما هرمت فدعا لها، فكانت كلما وصلت في السن خمسين سنة، رجعت بنت ثلاثين، فعاشت ألفا وستمائة سنة، فحمله موسى ودفنه بالأرض المقدسة، فهو الآن هناك. وأما إخوته فلم يثبت في محل دفنهم شيء، وما قيل من أنهم مدفونون في المحل المعروف بالقرافة الكبرى، فهو بالظن فقط. قوله: (المذكور) أي من أمر يوسف وقصته.\rقوله: مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ أي الأخبار المغيبة التي لم تكن تعلمها قبل الوحي. قوله: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ كالعلة لقوله: مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ ولقوله: نُوحِيهِ إِلَيْكَ. قوله: وَهُمْ يَمْكُرُونَ أي يحتالون فيما دبروه. قوله: (و إنما حصل لك علمها من جهة الوحي) أي فيكون إخبار معجزة، لأنه لم يطالع الكتب القديمة، ولم يأخذ من أحد من البشر، فإتيانه بتلك القصة العظيمة على أبلغ وجه، من غير غلط ولا تحريف، غاية الإعجاز.\rقوله: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ إلخ، هذه تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: وَلَوْ حَرَصْتَ هذه الجملة معترضة بين ما وخبرها.\rقوله: وَكَأَيِّنْ مبتدأ، ومِنْ آيَةٍ تمييز، وهو تسلية أخرى له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى لا تتعجب من إعراضهم عنك، فإن إعراضهم عن الآيات الدالة على وحدانية اللّه وقدرته أغرب وأعجب. قوله: (كم) أشار بذلك إلى أن كَأَيِّنْ بمعنى (كم) الخبرية التي للتكثير. قوله: فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ صفة الآية، وقوله: يَمُرُّونَ عَلَيْها خبر المبتدأ. قوله:\rوَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ الجملة حالية.","part":2,"page":197},{"id":798,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 198\rبأنه الخالق الرازق إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) به بعبادة الأصنام ولذا كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك يعنونها أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ نقمة تغشاهم مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (107) بوقت إتيانها قبله قُلْ لهم هذِهِ سَبِيلِي وفسرها بقوله أَدْعُوا إِلَى دين اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ حجة واضحة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي آمن بي عطف على أنا المبتدأ المخبر عنه بما قبله وَسُبْحانَ اللَّهِ تنزيها له عن الشركاء وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) من جملة سبيله أيضا وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي وفي قراءة بالنون وكسر الحاء إِلَيْهِمْ لا ملائكة مِنْ أَهْلِ الْقُرى الأمصار لأنهم أعلم وأحلم بخلاف أهل البوادي لجفائهم وجهلهم أَفَلَمْ يَسِيرُوا أي أهل مكة فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي آخر أمرهم من إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم وَلَدارُ الْآخِرَةِ أي الجنة خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا اللّه أَفَلا تَعْقِلُونَ (109) بالياء والتاء أي يا أهل\r______________________________\rقوله: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ أي وما يعترف أكثرهم بالتوحيد حيث يقولون: اللّه هو الخالق الرزاق المعطي المانع وغير ذلك. قوله: (يعنونها) أي الأصنام بقولهم (إلا شريكا هو لك). قوله: (نقمة تغشاهم) أي عقوبة تشملهم وتحيط بهم.\rقوله: هذِهِ سَبِيلِي أي طريقي وشريعتي. قوله: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ أي أدل الناس على طاعته ودينه. قوله: (حجة واضحة) أي بها يتميز الحق من الباطل. قوله:\r(عطف على أنا المبتدأ) إلخ، أي فأنا مبتدأ وَمَنِ اتَّبَعَنِي عطف عليه، وقوله: عَلى بَصِيرَةٍ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، فالوقف على قوله: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ يكون في المقام جملتان: الأولى تنتهي لقوله: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ والثانية مبدؤها قوله: عَلى بَصِيرَةٍ إلخ، وهذا ما جرى عليه المفسر في الإعراب. قوله: (من جملة سبيله) راجع لقوله: وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فهما معطوفان على قوله: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ كأنه قال: شريعتي أدعو إلى اللّه وأسبح اللّه، وكوني لست من المشركين على بصيرة أنا ومن اتبعني.\rقوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا رد على أهل مكة حيث قالوا: هلا بعث اللّه لنا ملكا، والمعنى كيف يتعجبون من ذلك، مع أن جميع رسل اللّه الذين كانوا من قبلك بشر مثلك. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (لجفائهم) أي غلظ طبعهم، وهو مقابل لقوله: (و أحلم)، وقوله:\r(و جهلهم) مقابل لقوله: (أعلم) فهو لف ونشر مشوش.\rقوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير أعموا فلم يسيروا إلخ، والاستفهام للتوبيخ. قوله: فِي الْأَرْضِ أي في أسفارهم. قوله: الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي كقولهم هود وصالح ولوط وغيرهم ممن هلكوا. قوله: (من إهلاكهم) بيان لآخر أمرهم.\rقوله: وَلَدارُ الْآخِرَةِ أي الدار الآخرة.\rقوله: خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أي وأما لغيرهم فليست خيرا لهم لحرمانهم من نعيمها. قوله: (اللّه) قدره إشارة إلى أن مفعول اتَّقَوْا محذوف. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (يا","part":2,"page":198},{"id":799,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 199\rمكة هذا فتؤمنون حَتَّى غاية لما دل عليه وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا أي فتراخى نصرهم حتى إِذَا اسْتَيْأَسَ يئس الرُّسُلُ وَظَنُّوا أيقن الرسل أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا بالتشديد تكذيبا لا إيمان بعده والتخفيف أي ظن الأمم أن الرسل أخلفوا ما وعدوا به من النصر جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ بنونين مشددا ومخففا وبنون مشددا ماض مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عذابنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) المشركين لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ أي الرسل عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ أصحاب العقول ما كانَ هذا القرآن حَدِيثاً يُفْتَرى يختلق وَلكِنْ كان تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ قبله من الكتب وَتَفْصِيلَ تبيين كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه في الدين وَهُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) خصوا بالذكر لانتفاعهم به دون غيرهم.\r______________________________\rأهل مكة) راجع لقراءة التاء، فيكون خطابا لهم، وعلى الياء يكون إخبارا عنهم.\rقوله: (غاية لما دل عليه وما أرسلنا) إلخ، أي وحينئذ يكون المعنى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فكذبتهم أممهم فتراخى نصرهم حتى إلخ. قوله: (أيقن الرسل) هذا راجع لقراءة التشديد، والمعنى أيقن الرسل بالوحي من اللّه، بأن قومهم يكذبونهم تكذيبا لا إيمان بعده، وأما قراءة التخفيف فالظن على بابه. قوله:\r(و التخفيف) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (من النصر) بيان لما. قوله: (بنونين مشددا) إلخ، حاصل ما ذكره ثلاث قراءات: التشديد والتخفيف مع النونين، والتشديد مع النون الواحدة، وظاهر كلامه أن جميعها سبعي وليس كذلك، بل التشديد مع النونين قراءة شاذة قوله: (ماض) أي مبني للمفعول، ومَنْ نَشاءُ نائب فاعل.\rقوله: فِي قَصَصِهِمْ القصص بالفتح مصدر قص إذا تتبع الأثر والخبر، والمراد الأخبار. قوله:\r(الرسل) أي كهود وصالح ولوط وشعيب وغيرهم، ويحتمل أن الضمير عائد، على يوسف وإخوته بدليل قوله تعالى في أول السورة: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ والمعنى أن الذي قدر على إخراج يوسف من الجب والسجن، ومن عليه بالعز والملك، وجمع شمله بأبيه وإخوته بعد المدة الطويلة، قادر على إعزاز محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وإعلاء كلمته وإظهار دينه، رغما على أنف كل معارض. قوله: عِبْرَةٌ أي تفكر واتعاظ.\rقوله: لِأُولِي الْأَلْبابِ تعريض بأنهم ليسوا بأولي الألباب. قوله: (هذا القرآن) أي الذي تقدم ذكره في قوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا.\rقوله: تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ هذه أخبار أربعة، أخبر بها عن كان المحذوفة التي قدرها المفسر، والمعنى أن هذا القرآن مصدق لما تقدم قبله من الرسل ومن الكتب التي جاؤوا بها، فقول المفسر (من الكتب) لا مفهوم له. قوله: (في الدين) أي من الحلال والحرام والمواعظ وغير ذلك. قوله:\rوَرَحْمَةً أي إنعاما وإحسانا.","part":2,"page":199},{"id":800,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 200\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الرّعد مدنيّة إلا وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية. وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا الآية أو مدنية إلا وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً الآيتين\rوهي ثلاث أو أربع أو خمس أو ست وأربعون آية\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ المر اللّه أعلم بمراده بذلك تِلْكَ هذه الآيات آياتُ الْكِتابِ القرآن والإضافة بمعنى من وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أي القرآن مبتدأ خبره\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الرعد\rمكية إلا وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية. وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا الآية، أو مدنية إلا وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً الآيتين.\rوهي ثلاث أو أربع أو خمس أو ست وأربعون آية\rمبتدأ وقوله: (مكية) خبر أول، وقوله: (ثلاث) إلخ، خبر ثان. قوله: (مكية إلا وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية) وقيل المدني منها قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ إلى قوله: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِ قوله: (أو مدنية إلا وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً الآيتين وقيل مدنية كلها، وقيل مكية كلها، فتحصل أن فيها خمسة أقوال، وسميت بالرعد لذكره فيها، ومن فضائلها، أن قراءتها عند المحتضر تسهل خروج الروح. قوله: (ثلاث أو أربع) ألخ، حاصل ما ذكره من الخلاف في عدد آياتها أربعة أقوال. قوله: (اللّه أعلم بمراده بذلك) تقدم أن هذا القول هو الأسلم في تفسير تلك بالأحرف المقطعة. قوله: (هذه الآيات) أي آيات السورة، وأشير لها باعتبار علم اللّه بها، أو اعتبار وجودها في اللوح المحفوظ فلا يقال إن اسم الإشارة لا بد أن يكون لحاضر، وهي لم توجد في الخارج، ويصح أن يعود اسم الإشارة على ما مضى من أول القرآن إلى هنا.\rقوله: وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ اسم الموصول مبتدأ وأُنْزِلَ صلته ومِنْ رَبِّكَ متعلق به أو","part":2,"page":200},{"id":801,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 201\rالْحَقُ لا شك فيه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي أهل مكة لا يُؤْمِنُونَ (1) بأنه من عنده تعالى اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها أي العمد جمع عماد وهو الاسطوانة وهو صادق بأن لا عمد أصلا ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ استواء يليق به وَسَخَّرَ ذلل الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌ منهما يَجْرِي في فلكه لِأَجَلٍ مُسَمًّى يوم القيامة يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يقضي أمر ملكه يُفَصِّلُ يبين الْآياتِ دلالات قدرته لَعَلَّكُمْ يا أهل مكة بِلِقاءِ رَبِّكُمْ بالبعث تُوقِنُونَ (2)\r______________________________\rحال، وقوله: الْحَقُ خبر كما قال المفسر، والمعنى أن القرآن الذي أنزل عليك من ربك، هو الحق الذي لا شك فيه. قوله: (أي أهل مكة) هذا تفسير للناس باعتبار النزول، وإلا فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فأكثر الناس لا يؤمنون في كل زمان. قوله: لا يُؤْمِنُونَ أي لا يصدقون بذلك، والمعنى لا تعتبرهم، فإنهم لا يعول عليهم.\rقوله: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ إلخ هذا شروع في ذكر الأدلة على وجوب وجوده تعالى، واتصافه بالكمالات، وبدأ بأدلة من العالم العلوي، وأعقبها بأدلة من العالم السفلي قوله: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ إلخ. قوله: (جمع عماد) أي على غير قياس، وقياسه أن يجمع على عمد بضمتين، وقد قرىء به شاذا، وقيل جمع عمود. قوله: (و هو الإسطوانة) ويقال له سارية. قوله: (و هو صادق بأن لا عمد أصلا) أي وهو المراد، فالنفي منصب على المقيد بقيده، أي لم تروها لعدم وجودها، وقيل إن لها عمدا على جبل قاف، وهو جبل من زمرد محيط بالدنيا، والسماء عليه مثل القبة، فالنفي منصب على القيد دون المقيد، وعلى ذلك فجملة ترونها صفة لعمد، والضمير عائد عليها، وقيل إن ترونها حال من السموات، والتقدير رفع السموات حال كونها مرئية لكم بغير عمد، وقيل إنها جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وعلى هذين القولين، فالضمير عائد على السموات.\rقوله: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ثم لمجرد العطف لا للترتيب، إذ لا ترتيب بين رفع السموات والاستواء على العرش، والاستواء في الأصل الركوب والتمكن، وذلك مستحيل عليه تعالى، لاستلزامه الجسمية أو الجهة، والمراد به هنا القهر والغلبة والاستيلاء، لأن من شأن من ركب على شيء، أن يكون قاهرا غالبا له، ومن ذلك قول الشاعر:\rقد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق\r\rوهذه طريقة الخلف، وما مشى عليه المفسر طريقة السلف، وكل من الطريقتين صحيح. قوله:\rوَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أي لنفع العالم بهما. قوله: (يوم القيامة) أي وحينئذ فيلقيان في النار بعد ذهاب نورهما، ليعذب بهما عبادهما، وما درج عليه المفسر، من أن المراد بالأجل المسمى هو يوم القيامة، أحد تفسيرين، والآخر أن المراد به الوقت المعين لقطع الفلك، فإن الشمس تقطعه في سنة واحدة، والقمر في شهر لا يختلف جري واحد منهما، قال تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها إلخ، وكل صحيح.\rقوله: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أي أمر العالم العلوي والسفلي، وذلك بالإحياء والإماتة والإعزاز والإذلال، وغير ذلك من أنواع التصرفات. قوله: لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ أي لأن من قدر على ذلك كله،","part":2,"page":201},{"id":802,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 202\rوَهُوَ الَّذِي مَدَّ بسط الْأَرْضَ وَجَعَلَ خلق فِيها رَواسِيَ جبالا ثوابت وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ من كل نوع يُغْشِي يغطي اللَّيْلَ بظلمته النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآياتٍ دلالات على وحدانيته تعالى لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) في صنع اللّه وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ بقاع مختلفة مُتَجاوِراتٌ متلاصقات فمنها طيب وسبخ وقليل الريع وكثيره هو من دلائل قدرته تعالى وَجَنَّاتٌ بساتين مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ بالرفع عطفا على جنات والجر على أعناب وكذا قوله وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ جمع صنو وهي النخلات يجمعها أصل واحد وتتشعب فروعها وَغَيْرُ صِنْوانٍ منفردة يُسْقى بالتاء أي الجنات وما فيها والياء أي المذكور بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بالنون والياء بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ بضم الكاف وسكونها فمن حلو\r______________________________\rفهو قادر على إحياء الإنسان بعد موته.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ شروع في ذكر أدلة من العالم السفلي. قوله: (بسط) الْأَرْضَ أي طولا وعرضا ليرتاح الحيوان عليها. قوله: (ثوابت) أي لتمسكها عن الاضطراب بأهلها، وفي الحديث: «أول بقعة وضعت من الأرض موضع البيت، ثم مدت منها الأرض، وأول جبل وضعه اللّه على وجه الأرض أبو قبيس، ثم مدت منه الجبال».\rقوله: وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ متعلق بجعل، ومفعولها الثاني محذوف تقديره لكم. قوله: زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ بيان لأقل مراتب العدد، وإلا فقد يكون أكثر من نوعين كما هو بالمشاهدة، والمراد بالثمر ما يشمل الحب، وتعداد الأصناف المذكورة، إما باعتبار الألوان كالبياض والسواد، والطعوم كالحلاوة والملوحة والحموضة والمزوزة، أو القدر كالكبر والصغر، أو الكيفية كالحرارة والبرودة والنعومة والخشونة وغير ذلك.\rقوله: (يغطي) اللَّيْلَ (بظلمته) النَّهارَ أي ويزيل ظلمة الليل بضياء النهار، فيعدم كلا بوجود الآخر، ففي الآية اكتفاء.\rقوله: يَتَفَكَّرُونَ أي يتأملون، فيستدلون بتلك الصنعة على وجود صانعها، ويعرفون لها صانعا حكيما قادرا متصفا بالكمالات، وخص المتفكرون بالذكر، لأنهم هم الذين يحصل لهم الاعتبار والإيمان. قوله: (طيب) أي ينبت، وقوله: (و سبخ) أي لا ينبت شيئا. قوله: (و هو) أي هذا الاختلاف. قوله: (بالرفع) أي له وللثلاثة بعده، وقوله: (و الجر) أي كذلك، فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: (و هي النخلات) أي الصنوان. قوله: (بالتاء) أي وحينئذ فيقرأ نفضل بالنون والياء، وقوله:\r(و الياء) أي وحينئذ فيقرأ نفضل بالنون لا غير، فالقراءات ثلاث وكلها سبعية، خلافا لما يوهمه المفسر من أنها أربع.\rقوله: فِي الْأُكُلِ أي وغيره، كاللون والرائحة والقدر والحلاوة والحموضة وغير ذلك، وهذا كمثل بني آدم، منهم الصالح الهين اللين، والخبيث الغليظ الطبع، خلقوا من آدم، وفضل اللّه من شاء على من شاء، ولذا قال الحسن: هذا مثل ضربه اللّه لقلوب بني آدم، كانت الأرض طينة واحدة في يد الرحمن فسطحها، فصارت قطعا متجاورات، وأنزل على وجهها ماء السماء، فتخرج هذه زهرتها وثمرتها، وتخرج هذه نباتها، وتخرج هذه سبخها وملحها وخبيثها، وكل يسقى بماء، كذلك الناس من خلقوا من","part":2,"page":202},{"id":803,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 203\rوحامض وهو من دلائل قدرته تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) يتدبرون وَإِنْ تَعْجَبْ يا محمد من تكذيب الكفار لك فَعَجَبٌ حقيق بالعجب قَوْلُهُمْ منكرين للبعث أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ لأن القادر على إنشاء الخلق وما تقدم على غير مثال قادر على إعادتهم وفي الهمزتين في الموضعين التحقيق وتحقيق الأولى وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين وتركها وفي قراءة بالاستفهام في الأول والخبر في الثاني وأخرى عكسه أُولئِكَ\r______________________________\rآدم، فينزل اللّه عليهم من السماء تذكرة، فترق قلوب قوم وتخشع وتخضع، وتقسو قلوب قوم فتلهو ولا تسمع. قوله: (بضم الكاف وسكونها) أي فهما قراءتان سبعيتان بمضى مأكول. قوله: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ خصوا بالذكر، لأنهم الذين ينتفعون بالتفكير والاعتبار.\rقوله: وَإِنْ تَعْجَبْ بإدغام الباء في الفاء وبتحقيقها قراءتان سبعيتان، والعجب استعظام أمر خفي سببه. قوله: (من تكذيب الكفار لك) أي مع كونك كنت مشهورا بينهم بالأمانة والصدق، فلما جئت بالرسالة كذبوك. قوله: فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ لا بد هنا من صفة محذوفة لتتم الفائدة، والتقدير فعجب عظيم أو أي عجب، وعجب خبر مقدم، وقولهم مبتدأ مؤخر. قوله: (منكرين للبعث) حال من الضمير في قَوْلُهُمْ.\rقوله: أَإِذا كُنَّا تُراباً هذه الجملة في محل نصب مقول القول وهو أحسن ما يقال. قوله: (لأن القادر) إلخ، تعليل لقوله: فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ. قوله: (و ما تقدم) أي من رفع السماوات بغير عمد، وتسخير الشمس والقمر، وغير ذلك من الأمور المتقدمة. قوله: (قادر على إعادتهم) أي لأنه إذا تعلقت قدرته بشيء كان، فلا فرق بين الابتداء والإعادة، وأما قوله تعالى: وَهُوَ أَهْوَنُ، فذلك باعتبار عادة المخلوقات، أن القادر على الابتداء، تسهل عليه الإعادة بالأولى، وإلا فالكل في قدرته تعالى سواء. قوله:\r(و في الهمزتين في الموضعين) إلخ، من هنا إلى قوله: (و تركها) أربع قراءات. قوله: (و في قراءة بالاستفهام في الأول) إلخ، وفي ذلك ثلاث قراءات، تحقيق الهمزتين من غير إدخال ألف بينهما، وتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، مع إدخال ألف بينهما وبدونها، وقوله: (و أخرى عكسه) قراءتان التحقيق مع الألف ودونها، ولا يجوز تسهيل اللثانية، فتكون القراءات تسعا وكلها سبعية، واختلف القراء في هذا الاستفهام المكرر اختلافا منتشرا، وهو في أحد عشر موضعا، في تسع سور من القرآن، فأولها في هذه السورة. والثاني والثالث في الإسراء بلفظ واحد أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً*.\rوالرابع في المؤمنون: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. والخامس في النمل أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ. والسادس في العنكبوت إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ. والسابع في الم السجدة: (أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ). والثامن والتاسع في الصافات أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ.\rوالعاشر في الواقعة: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. والحادي عشر في النازعات: أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً. والوجه في الاستفهام في الموضعين، أن الأول للإنكار، والثاني تأكيد، والوجه في كونه في موضع واحد، حصول الإنكار به، وإحدى الجملتين مرتبطة بالأخرى، فإذا أنكر في إحداهما، حصل الإنكار في الأخرى.","part":2,"page":203},{"id":804,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 204\rالَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (5) ونزل في استعجالهم العذاب استهزاء وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ العذاب قَبْلَ الْحَسَنَةِ الرحمة وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ جمع المثلة بوزن السمرة أي عقوبات أمثالهم من المكذبين أفلا يعتبرون بها وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى مع ظُلْمِهِمْ وإلا لم يترك على ظهرها دابة وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (6) لمن عصاه وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا هلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على محمد آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ كالعصا واليد والناقة قال تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ مخوف للكافرين وليس عليك إتيان الآيات وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (7) نبي يدعوهم إلى ربهم بما يعطيه من الآيات لا بما يقترحون اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى من ذكر وأنثى وواحد ومتعدد وغير ذلك وَما تَغِيضُ تنقص الْأَرْحامُ من مدة الحمل وَما تَزْدادُ منه وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (8) بقدر وحد لا\r______________________________\rقوله: الْأَغْلالُ جمع غل، وهو طوق من حديد يجعل في أعناقهم. قوله: أَصْحابُ النَّارِ أي لا محيص لهم عنها، فهم ملازمون لها، كالصاحب الملازم لصاحبه. قوله: (و نزل في استعجالهم العذاب) أي وذلك أن مشركي مكة، كانوا يطلبون تعجيل العذاب استهزاء حيث يقولون: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم.\rقوله: قَبْلَ الْحَسَنَةِ أي وهو تأخير العذاب عنهم.\rقوله: وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الجملة حالية. قوله: (جمع المثلة) بفتح الميم وضم المثلثة، أي وهي النقمة تنزل بالشخص، فجعل مثلا يرتدع به غيره، قوله: (بوزن السمرة) أي وهو شجرة الطلح أي الموز. قوله: لَذُو مَغْفِرَةٍ المراد بها ستر الذنوب وعدم المؤاخذة بها حالا، بل يؤخر الأخذ بها، فإن تاب الشخص ورجع، دام ذلك الستر عليه، وإلا أخذه أخذ عزيز مقتدر. قوله: عَلى ظُلْمِهِمْ الجملة حالية، أي والحال أنهم ظالمون لأنفسهم بالمعاصي. قوله: (لمن عصاه) أي ودام على ذلك، فرحمة اللّه في الدنيا غلبت غضبه لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، وأما في الآخرة فقد انفردت رحمته للمؤمنين خاصة.\rقوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي تعنتا. قوله: (هلا) أشار بذلك إلى أن لو لا للتحضيض. قوله:\r(كالعصا واليد) أي وغير ذلك مما اقترحوا، قال تعالى حكاية عنهم: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً. الآية. قوله: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ أي ليس عليك إلا الإنذار بما أوحي اليك، لأنهم معاندون كفار، ليس قصدهم بذلك الإيمان، بل التعنت في الكفر. قوله: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ الجملة مستأنفة، وهاد بإثبات الياء وحذفها في الوقف، وبحذفها في الوصل لا غير، ثلاث قراءات سبعية، وأما في الرسم فهي محذوفة.\rقوله: اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى أي لأنه الخالق المصور، فلا تخفى عليه خافية، ويعلم عرفانية متعدية لواحد، وما اسم موصول مفعوله والعائد محذوف. قوله: (و غير ذلك) أي من أوصاف الحمل، من كونه أبيض أو أسود، قصيرا أو طويلا، سعيدا أو شقيا، قويا أو ضعيفا. قوله:\r(تنقص) الْأَرْحامُ (من مدة الحمل) أي المعتادة وهي تسعة أشهر، فهو يعلم الحمل الناقص عن تلك","part":2,"page":204},{"id":805,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 205\rيتجاوزه عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ما غاب وما شوهد الْكَبِيرُ العظيم الْمُتَعالِ (9) بالقهر بياء ودونها سَواءٌ مِنْكُمْ في علمه تعالى مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ مستتر على خلقه بِاللَّيْلِ بظلامه وَسارِبٌ ظاهر بذهابه في سربه أي طريقه بِالنَّهارِ (10) لَهُ للإنسان مُعَقِّباتٌ ملائكة تعتقبه مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ قدامه وَمِنْ خَلْفِهِ ورائه يَحْفَظُونَهُ مِنْ\r______________________________\rالمدة، وقوله: وَما تَزْدادُ أي وما تزيد، فهو يعلم الناقص عن تلك المدة والزائد عليها، لا يخفى عليه شيء من أوقات الحمل ولا من أحواله، وقيل النقصان السقط، والزيادة زيادتها على تسعة أشهر، وأقل مدة الحمل ستة أشهر، وقد يولد لهذه المدة ويعيش.\rقوله: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ هذا أعم مما قبله، فالشيء يشمل الحمل وغيره، من أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم، فقد دبر سبحانه وتعالى العالم بأسره على طبق، ما تعلقت به قدرته وإرادته، ولا يعجزه شيء، ولا يشغله شأن عن شأن قال تعالى: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ فينبغي للإنسان أن لا يدبر لنفسه شيئا، ولا يشتغل بشيء تكفل به غيره، بل يعتمد على من يدبر الأمور، ويفوض له أحواله، ويترك الأوهام التي حجبت القلوب عن مطالعة الغيوب. قوله: (بقدر وحدّ لا يتجاوزه) أي لا يتخلف شيء عن الحد الذي قدره اللّه له، من سعادة وشقاوة ورزق وغير ذلك. قوله:\r(ما غاب وما شوهد) أي ما غاب عنا وما شوهد لنا، وإلا فكل شيء بالنسبة له مشاهد، فلا فرق بين ما في أعلى السماوات وما في تخوم الأرضين.\rقوله: الْكَبِيرُ الذي يصغر كل شيء عنده ذكره، وليس المراد به كبر الجثة، إذ هو مستحيل عليه تعالى، فالمراد الكبير المتصف بكل كمال أزلا وأبدا. قوله: الْمُتَعالِ أي المنزه عن كل نقص. قوله:\r(بياء ودونها) أي فهما قراءتان سبعيتان في الوصل والوقف، وأما في الرسم فالياء محذوفة لا غير.\rقوله:\rسَواءٌ مِنْكُمْ إلخ، سَواءٌ خبر مقدم، ومَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ مبتدأ مؤخر، ولم يثن الخبر لأنه في الأصل مصدر، وهو لا يثنى ولا يجمع، ومِنْكُمْ حال من الضمير المستتر في سَواءٌ لأنه بمعنى مستو. قوله: (في علمه تعالى) أي فهو يعلم الجميع على حد سواء، لا يتفاوت من جهر على من أسر.\rقوله: مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ أي في نفسه فلم يسمعه غيره. قوله: وَمَنْ جَهَرَ بِهِ أي سمعه غيره، والمعنى سواء ما أضمرته القلوب، وما نطقت به الألسنة. قوله: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ أي وسواء من استخفى في ظلام الليل، ومن هو ظاهر في النهار، لأنه الخالق لليل وظلمته، والنهار ونوره، وما تفعله العبيد فيهما من خير وشر، وهذه الآية من تدبرها وعمل بمقتضاها أورثته الإخلاص في أعماله، فيستوي عنده إسرار العبادة وإظهارها، ليلا أو نهارا والمراقبة، لأنه إذا علم أن هذه الأشياء مستوية عنده، ولا يخفى عليه شيء منها، فلا يستطيع أن يقدم على ما نهى عنه، ولا ظاهرا ولا باطنا. قوله: (في سربه) بفتح السين وسكون الراء، يقال سرب في الأرض سروبا ذهب فيه ذهابا؛ والسرب بفتحتين بيت في الأرض لا منفذ له وهو الوكر، وليس مرادا هنا، بل المراد الطريق الظاهرة، وهي بفتح السين وسكون الراء. قوله:\r(للإنسان) أي مؤمن أو كافر، وهذا من مزيد التكرمة للنوع الإنساني، وإلا فهو الحافظ لكل شيء. قوله:\r(ملائكة) قيل: خمسة بالليل وخمسة بالنهار، واحد على اليمين يكتب الحسنات، وواحد على الشمال يكتب","part":2,"page":205},{"id":806,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 206\rأَمْرِ اللَّهِ أي بأمره من الجن وغيرهم إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ لا يسلبهم نعمته حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ من الحالة الجميلة بالمعصية وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً عذابا فَلا مَرَدَّ لَهُ من المعقبات ولا غيرها وَما لَهُمْ لمن أراد اللّه بهم سوءا مِنْ دُونِهِ أي غير اللّه مِنْ زائدة والٍ (11) يمنعه عنهم هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً للمسافرين من الصواعق وَطَمَعاً\r______________________________\rالسيئات، وواحد موكل بناصيته، فإذا تواضع رفعه، وإذا تكبر وضعه، وواحد موكل بعينيه يحفظهما من الأذى، وواحد موكل بفمه يمنع عنه الهوام، والصحيح أنهم عشرة بالليل وعشرة بالنهار، كما في شرح الجوهرة نقلا عن حديث البخاري، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين كانوا من قبل، فيسألهم اللّه ويقول: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون، ولا يفارقون الشخص أبدا إلى الممات، فإذا مات فقد فرغ حفظهم له، وهم واحد علي يمينه، وآخر على شماله، وآخر أمامه، وآخر خلفه، واثنان على عينيه، وواحد على شفتيه، واثنان على فمه يحفظان الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وواحد آخذ بناصيته، فإن تواضع رفعه، وإن تكبر خفضه، وهؤلاء العشرة غير رقيب وعتيد، كاتبي الحسنات والسيئات على المعتمد، وحكمة هذا السؤال، وإن كان اللّه عالما بكل شيء تشريف بني آدم بين أهل الملإ الأعلى، وحكمة إجابة الملائكة بقولهم: تركناهم وهم يصلون، ولم يذكروا الكافر والتارك للصلاة، أن العمل الصالح يرفع لأهل السماء، فيتشرف بنو آدم على العموم، وتنزل عليهم الرحمة، وتكثر أرزاقهم، لأن الرحمة تعم الطائع والعاصي، فأخبار الملائكة بطاعة بني آدم على العموم لاستجلاب الرحمة لهم من عالم الغيب.\rقوله: مِنْ أَمْرِ اللَّهِ اختلف المفسرون في من، فقيل بمعنى الباء والمحفوظ منه محذوف، والتقدير يحفظونه بأمر اللّه من الحوادث، وقيل إن من على حقيقتها، والمحفوظ منه مذكور بقوله: مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي يحفظونه من الجن والحوادث وغير ذلك، إذا علمت ذلك، فالمفسر قد أفاد القول الأول. قوله: (من الحالة الجميلة) أي وهي الطاعة، والمعنى أنها جرت عادة اللّه، أنه لا يقطع نعمة عن قوم، إلا إذا بدلوا أحوالهم الجميلة بأحوال قبيحة وبمعنى هذه الآية قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ.\rوقوله عليه الصلاة والسّلام: «إذا رأيت قسوة في قلبك، وحرمانا في رزقك، ووهنا في بدنك، فاعلم أنك تكلمت بما لا يعنيك». فالنعم تأتي من اللّه بلا سبب، وسلبها يكون بسبب المعاصي.\rقوله: إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً إذا شرطية وجوابها قوله: فَلا مَرَدَّ لَهُ والعامل فيها محذوف لدلالة الجواب عليه، تقديره لم يرد أو واقع، والمعنى متى سبق في علم اللّه نزول بلاء بقوم، فلا يقدر على دفعه أحد من الملائكة ولا من غيرهم، إذا علمت ذلك تعلم جهل من يقول: لو كانت الأولياء موجودين، لما نزل علينا بلاء. قوله: ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ أي ناصر يدفعه، قال تعالى: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى فلا دافع لما قضاه، ولا راد لما قدره.\rقوله: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ لما أخبر سبحانه وتعالى بقوله: وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ رتب عليه قوله: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ إلخ، إشارة إلى أنه سبحانه وتعالى منه الرحمة والعقاب. قوله: الْبَرْقَ هو لمعان يظهر من خلال السحاب، وقيل لمعان المطراق الذي يزجر به","part":2,"page":206},{"id":807,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 207\rللمقيم في المطر وَيُنْشِئُ يخلق السَّحابَ الثِّقالَ (12) بالمطر وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ هو ملك موكل بالسحاب يسوقه ملتبسا بِحَمْدِهِ أي يقول سبحان اللّه وبحمده وَيسبح الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ أي اللّه وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ وهي نار تخرج من السحاب فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ فتحرقه، نزل في رجل بعث إليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من يدعوه، فقال: من رسول اللّه؟ وما اللّه؟ أمن ذهب هو، أم فضة، أم نحاس؟ فنزلت به صاعقة فذهبت بقحف رأسه وَهُمْ أي الكفار\r______________________________\rالسحاب. قوله: خَوْفاً وَطَمَعاً منصوبان على الحال من الكاف في يريكم، وليس مفعولا لأجله، لعدم اتحاد الفاعل، فإن فاعل الإرادة اللّه، وفاعل الخوف والطمع العبيد، وبعضهم جعله مفعولا لأجله، بتأويل يريكم بيجعلكم رائين فتخافون وتطمعون. قوله: (للمسافرين) لا مفهوم له بل المقيمون الذين يضرهم المطر، كمن يجفف الثمار والحبوب، وكذلك قوله: وَطَمَعاً (للمقيم) إلخ، لا مفهوم له أيضا، بل المسافر المحتاج للمطر للشرب مثلا، كذلك فالبرق تارة يكون خيرا، وتارة يكون شرا للمسافرين والمقيمين، فينبغي للإنسان أن يكون دائما خائفا راجيا، لأن اللّه تعالى قد يأتي بالخير فيما ظاهره شر، ويأتي بالشر فيما ظاهره خير.\rقوله: وَيُنْشِئُ السَّحابَ هو ثمر شجرة في الجنة، يخلقه اللّه وينزل فيه الماء من السماء، فالسحاب من الجنة، وماؤه من الجنة، تهب الريح من تحت ساق العرش، فتخرج الحامل والمحمول من الجنة، وهذا مذهب أهل السنة، وقالت المعتزلة: إن السحاب له خراطيم كالإبل، فينزل فيشرب من البحر المالح ويرتفع في الجو، فتنسفه الرياح فيحلو، فينزله اللّه على من أراد من خلقه. قوله: (هو ملك موكل بالسحاب) إلخ، هذه هو المشهور بين المفسرين، وعليه فما نسمعه هو صوت تسبيح الملك الموكل بالسحاب، فإذا سمعته الملائكة، ضجت معه بالتسبيح، فعندها ينزل المطر، وقيل هو صوت الآلة التي يضرب بها السحاب. قوله: (أي يقول سبحان اللّه وبحمده) أي تنزيها له عن النقائص، واتصافا له بالكمالات. قوله: (ملتبسا) أشار بذلك إلى أن الباء للملابسة.\rقوله: وَالْمَلائِكَةُ قيل المراد بهم أعوان ملك السحاب، وقيل المراد جميع الملائكة. قوله: مِنْ خِيفَتِهِ أي هيبته وجلاله. قوله: (و هي نار) إلخ، وقيل هي الصوت الشديد النازل من الجو، ثم يكون فيه نار. قوله: (تخرج من السحاب) أي فإذا نزلت من السماء، فربما تغوص في البحر فتقتل الحيتان.\rقوله: (نزل في رجل) أي من طواغيت العرب، وقد اختصرها المفسر، وحاصلها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث إليه نفرا من أصحابه، يدعونه إلى اللّه تعالى ورسوله، فقال لهم: أخبرونا، من رب محمد الذي يدعوني إليه؟ فهل هو من ذهب أو فضة أم حديد أم نحاس؟ فاستعظم القوم كلامه، فانصرفوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: ما رأينا أكفر قلبا ولا أجرأ على اللّه تعالى من هذا الرجل، فقال: ارجعوا إليه فرجعوا، فلم يزدهم على مقالته الأولى شيئا بل قال أخبث منها، فرجعوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لهم: ارجعوا إليه فرجعوا، فبينما هم عنده يدعونه وينازعونه، ارتفعت سحابة فكانت فوق رؤوسهم، فرعدت وبرقت ورمت بصاعقة فأحرقت الكافر وهم جلوس عنده، فرجعوا ليخبروا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فبادرهم وقال لهم: احترق صاحبكم، فقالوا: من أين علمت؟ قال: قد أوحي إلي وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ. قوله: (بقحف","part":2,"page":207},{"id":808,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 208\rيُجادِلُونَ يخاصمون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (13) القوة أو الأخذ لَهُ تعالى دَعْوَةُ الْحَقِ أي كلمته وهي لا إله إلا اللّه وَالَّذِينَ يَدْعُونَ بالياء والتاء يعبدون مِنْ دُونِهِ أي غيره وهم الأصنام لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ مما يطلبونه إِلَّا استجابة كَباسِطِ أي كاستجابة باسط كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ على شفير البئر يدعوه لِيَبْلُغَ فاهُ بارتفاعه من البئر إليه وَما هُوَ بِبالِغِهِ أي فاه أبدا فكذلك ما هم بمستجيبين لهم وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ عبادتهم الأصنام أو حقيقة الدعاء إِلَّا فِي ضَلالٍ (14) ضياع وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً\r______________________________\rرأسه) بكسر القاف، عظم الرأس الذي فوق الدماغ. قوله: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ بكسر الميم من المماحلة وهي المكايدة، وقيل من المحل وهو القوة والأخذ وهو الأولى، ولذا مشى عليه المفسر.\rقوله: دَعْوَةُ الْحَقِ أي شرعها وأمر بها. قوله: (و هي لا إله إلا اللّه) أي مع عديلتها وهي محمد رسول اللّه، فهي كلمة الحق جعلت مفتاحا للإسلام، فلا يقبل من أحد إلا بالإقرار بها. قوله: (بالياء والتاء) أما الياء فمتواترة، وأما التاء فشاذة، وكان المناسب للمفسر التنبيه عليها. قوله: لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ أي لا يجيبونهم. قوله: إِلَّا (استجابة) أشار بذلك إلى أن الكلام على تقديره مصدر مضاف إلى المفعول، والمعنى أن الأصنام التي يعبدها الكفار، لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر، فلا تجيب عابديها بشيء أصلا، وقد ضرب اللّه مثلا لعدم إجابتها لهم بقوله: إِلَّا كَباسِطِ إلخ، والمعنى أن من بسط كفيه للماء ليدخل في فيه لا يجيبه الماء، لعدم إشعاره ببسط كفيه وعطشه وعدم قدرته على ذلك، فكذلك من يدعو الأصنام لتدفع عنه كربة أو توليه نعمة، لا تجيبه بشيء لعدم قدرتها على ذلك لنفسها فضلا عن غيرها.\rقوله: وَما هُوَ أي الماء. قوله: (عبادتهم الأصنام أو حقيقة) إلخ، هذان قولان في تفسير الدعاء، والأقرب الأول بدليل قوله أولا وَالَّذِينَ يَدْعُونَ (يعبدون). قوله: (ضياع) إنما كان دعاؤهم ضائعا، لأنه طلب ممن لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، وأما دعاؤهم للّه فليس بضائع، بل يستجيب لهم إن شاء، فإن كان بأمور الدنيا فظاهر، وإن كان بالجنة فيهديهم للإيمان، هذا هو الذي يجب المصير إليه؛ ويؤيده قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ فإنها في مشركي مكة، وجملة وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ نتيجة ما قبلها.\rقوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ أي وهم الملائكة، ولا يكون إلا طوعا، وقوله:\rوَالْأَرْضِ أي من الإنس والجن. وقوله: طَوْعاً وَكَرْهاً حالان من الفاعل أي طائعين ومكرهين، والكره في المنافقين كما قال المفسر، وأما باقي الكفار فلم يكن منهم سجود، وهذا إن حمل السجود على حقيقته، وهو وضع الجبهة على الأرض بالفعل، وإن أريد من السجود الأمر به، بقيت على عمومها، فيندرح تحتها الإنس والجن والملك، ويصح حمله على معناه المجازي، وهو الخضوع والإنقياد، والمعنى واللّه خضع وانقاد وذل من في السموات والأرض جميعا، وهو بمعنى قوله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً وعلى هذا فالمراد بمن في السموات والأرض، السماوات والأرض ومن فيهن، وغلب العاقل لشرفه، ولأنه المكلف بالسجود الحقيقي واللغوي، فالعارف بربه، المسلم لأحكامه، ولو غير عاقل، بدليل قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ، خضع طوعا إجلالا لهيبة اللّه وجلاله، والجاهل","part":2,"page":208},{"id":809,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 209\rكالمؤمنين وَكَرْهاً كالمنافقين ومن أكره بالسيف وَيسجد ظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ البكر وَالْآصالِ (15) العشايا قُلْ يا محمد لقومك مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ إن لم يقولوه لا جواب غيره قُلْ لهم أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أي غيره أَوْلِياءَ أصناما تعبدونها لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وتركتم مالكهما استفهام توبيخ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ الكافر المؤمن أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ الكفر وَالنُّورُ الإيمان؟ لا أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ أي خلق الشركاء بخلق اللّه عَلَيْهِمْ فاعتقدوا استحقاق عبادتهم بخلقهم استفهام إنكار أي ليس الأمر كذلك ولا يستحق العبادة إلا الخالق قُلِ اللَّهُ\r______________________________\rخضع كرها، بمعنى جرت المقادير عليه رغما على أنفه.\rقوله: وَظِلالُهُمْ معطوف على من مسلط عليه يسجد، كما قدره المفسر، ومعنى سجود الظل:\rسجوده حقيقة تبعا لصاحبه إن أريد بالسجود حقيقته، وخضوعه وانقياده إن أريد به المعنى المجازي، وسجود الظلال كلها طوعا، لخلوها عن النفس التي تحمل الإنسان على عدم الرضا، ففي الحقيقة الكاره إنما هو النفس التي حواها الجسم، وأما الجسم والظلم فخضوعهما طوعا، ولذا قيل: إن الكافر إذا سجد للصنم، سجد ظله للّه. قوله: (البكر) جمع بكرة وهي من أول النهار. قوله: وَالْآصالِ جميع أصيل وهو من بعد العصر إلى الغروب، فالمراد جميع الأوقات إن أريد بالسجود الخضوع والإنقياد، وأوقات الصلوات إن أريد بالسجود حقيقته.\rقوله: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ هذا مرتب على ما قبله. قوله: (لا جواب غيره) أي لتعينه عليهم لاعترافهم به، وإنما يتركون هذا الجواب عنادا. قوله: قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ إلخ، المعنى: أبعد إقراركم بأنه رب السموات والأرض واعترافكم به، يليق بكم، أن تتخذوا من دونه من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا؟ قوله: (تركتم مالكها) أي وهو اللّه. قوله: (استفهام توبيخ) أي للثاني، وأما الأول فهو للتقرير.\rقوله: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ هذا ترق في الرد عليهم. قوله: (الكافر والمؤمن) أي فالمراد بالأعمى أعمى القلب، والبصير بصيره. قوله: (الكفر) أي وعبر عنه بالظلمات جمعا لتعدد أنواعه، بخلاف الإيمان فهو متحد، فلذا عبر عنه بالنور مفردا، سمى الكفر ظلمات، لأنه موصل لدار الظلمات وهي النار، وسمى الإيمان بالنور، لأنه موصل لدار النور وهي الجنة. قوله: (لا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، وبمعنى هذه الآية قوله تعالى: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الآية، وقوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ.\rقوله: أَمْ جَعَلُوا أي بل أجعلوا، فأم منقطعة تفسر ببل والهمزة. قوله: شُرَكاءَ أي الأصنام. قوله: خَلَقُوا أي الأصنام، وقوله: كَخَلْقِهِ أي اللّه، والمعنى هل لهذه الأصنام خلق كخلق اللّه؟ فاشتبه بخلقه فاستحقت العباده لذلك، وهو إنكار عليهم، أي لم يخلقوا أصلا، بل ولا يستطيعون دفع ما ينزل بهم، فكيف العاجز يعبد؟ قوله: (أي ليس الأمر كذلك) أي لم يخلقوا كخلق اللّه","part":2,"page":209},{"id":810,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 210\rخالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا شريك له في العبادة وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (16) لعباده ثم ضرب مثلا للحق والباطل فقال أَنْزَلَ تعالى مِنَ السَّماءِ ماءً مطرا فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها بمقدار ملئها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً عاليا عليه هو ما على وجهه من قدر ونحوه وَمِمَّا يُوقِدُونَ بالتاء والياء عَلَيْهِ فِي النَّارِ من جواهر الأرض كالذهب والفضة والنحاس ابْتِغاءَ طلب حِلْيَةٍ زينة أَوْ مَتاعٍ ينتفع به كالأواني إذا أذيبث زَبَدٌ مِثْلُهُ أي مثل زبد السيل وهو خبثه الذي ينفيه الكير كَذلِكَ المذكور يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ أي مثلهما فَأَمَّا الزَّبَدُ من السيل وما أوقد عليه من الجواهر فَيَذْهَبُ جُفاءً باطلا مرميا به وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ من الماء والجواهر فَيَمْكُثُ يبقى فِي الْأَرْضِ زمانا كذلك الباطل يضمحل وينمحق وإن علا على الحق في بعض الأوقات والحق ثابت باق كَذلِكَ المذكور يَضْرِبُ يبين اللَّهُ الْأَمْثالَ (17)\r______________________________\rحتى يشتبه بخلق اللّه، بل الكفار يعلمون بالضرورة، أن هذه الأصنام لم يصدر عنها فعل ولا خلق ولا أثر أصلا، وإذا كان كذلك، فجعلهم إياها شركاء للّه في الألوهية محض جهل وعناد.\rقوله: وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ أي المنفرد بالإيجاد والإعدام، القاهر لعباده، المختار في أفعاله فلا يسأل عما يفعل. قوله: (ثم ضرب مثلا) أي بينه، والمراد بالمثل الجنس، لأن المذكور للحق مثلا وللباطل كذلك.\rقوله: فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ أي أنهار جمع واد، وهو الموضع الذي يسيل فيه المال بكثرة، وحينئذ فهو مجاز عقلي من إسناد الشيء لمكانه، والأصل فسال الماء في الأودية. قوله: بِقَدَرِها بفتح الدال باتفاق السبعة، وقرىء شذوذا بسكونها. قوله: (بمقدار ملئها) أي ما يملأ كل واحد بحسبه، صغرا وكبرا.\rقوله: زَبَداً الزبد ما يظهر على وجه الماء من الرغوة، أو على وجه القدر عند غليانه، وقد تم المثل الأول.\rقوله: وَمِمَّا يُوقِدُونَ الجار والمجرور خبر مقدم، وزَبَدٌ مثله مبتدأ مؤخر. قوله: (بالتاء والياء) أي وهما قراءتان سبعيتان. قوله: فِي النَّارِ متعلق بتوقدون، وقوله: ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ علة لتوقدون. قوله: (كالأواني) أي والمسكوك الذي ينتفع به الناس في معايشهم. قوله: زَبَدٌ مِثْلُهُ أي في كونه يصعد ويعلو على أصله. قوله: (الكير) هو منفاخ الحداد، وأما الكور فهو الموضع الذي توقد فيه النار كالكانون. قوله: (المذكور) أي من الأمور الأربعة التي للحق والباطل.\rقوله: فَأَمَّا الزَّبَدُ لف ونشر مشوش. قوله: (مرميا به) أي يرميه الماء إلى الساحل، ويرميه الكير فلا ينتفع به. قوله: (و الحق ثابت) أي ماكث، كما أن الماء والجوهر ثابتان، وإنما يرمى بزبدهما، والمعنى أن مثل الباطل، كمثل الرغوة التي تعلو على وجه الماء، وخبث الجوهر الذي يصعد على وجهه عند نفخ النار عليه، ومثل الحق، كمثل الماء الصافي والجوهر الصافي، كما أن الرغوة في كل لا قرار لها ولا ينتفع بها بل ترمى، كذلك الباطل يضمحل ولا يبقى، والحق ثابت ينتفع به، كالجوهر والماء الصافيين، وفي هذه الآية بشرى للأمة المحمدية، بأنها ثابتة على الحق، لا يضرهم من خالفهم في العقائد، بل وإن علا وارتفع لا بد من اضمحلاله وزواله. قوله: يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ أي لإرشاد عبيده باللطف والرفق،","part":2,"page":210},{"id":811,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 211\rلِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ أجابوه بالطاعة الْحُسْنى الجنة وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ وهم الكفار لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ من العذاب أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وهو المؤاخذة بكل ما عملوه لا يغفر منه شيء وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (18) الفراش هي.\rونزل في حمزة وأبي جهل أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُ فآمن به كَمَنْ هُوَ أَعْمى لا يعلمه ولا يؤمن به، لا إِنَّما يَتَذَكَّرُ يتعظ أُولُوا الْأَلْبابِ (19) أصحاب العقول الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ المأخوذ عليهم وهم في عالم الذر أو كل عهد وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (20) بترك الإيمان أو الفرائض وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ من الإيمان والرحم وغير ذلك\r______________________________\rفإن من جملة ما جاء به القرآن الأمثال.\rقوله: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا خبر مقدم، وقوله: الْحُسْنى مبتدأ مؤخر. قوله: (الجنة) أي وزيادة بدليل الآية الأخرى لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ.\rقوله: وَالَّذِينَ مبتدأ أخبر عنه بثلاثة أمور: الأول: قوله: لَوْ أَنَّ لَهُمْ. الثاني قوله: أُولئِكَ لَهُمْ الخ. الثالث: قوله: وَمَأْواهُمْ إلخ. والمعنى: أن الكفار يتمنون أن لو كان لهم قدر ما في الأرض جميعا مرتين، ويفتدون به العذاب النازل بهم يوم القيامة. قوله: سُوءُ الْحِسابِ أي السيىء، فهو من إضافة الصفة للموصوف، والمراد أنهم يناقشون الحساب، ويسألون عن النقير والقطمير، ولذا ورد في الحديث: «من نوقش الحساب هلك».\rقوله: وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي منزلهم المعد لهم. قوله: وَبِئْسَ الْمِهادُ هو ما يمهد أي يفرش، وقدر هي إشارة إلى أن المخصوص بالذم محذوف. قوله: (و نزل في حمزة وأبي جهل) أي بسبب نزول هذه الآيات، مدح حمزة بالصفات الجميلة، والوعد عليها بالخير، وذم أبي جهل بالصفات القبيحة، والوعيد عليها بالشر، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فآيات الوعد لحمزة، ومن كان على قدمه وخلقه إلى يوم القيامة، وآيات الوعيد لأبي جهل، ومن كان على قدمه وخلقه إلى يوم القيامة.\rقوله: أَفَمَنْ يَعْلَمُ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير أيستوي المؤمن والكافر فمن يعلم؟ إلخ. قوله: (لا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي.\rقوله: (أصحاب العقول) أي السليمة الكاملة.\rقوله: الَّذِينَ يُوفُونَ بدل من من، وحاصل ما ذكره من الصفات لهم ثمانية، أولها قوله: يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ، وآخرها قوله: وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ.\rقوله: (المأخوذ عليهم وهم في عالم الذر) أي بالتوحيد وهو قول اللّه لهم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ. قوله: (أو كل عهد) أي كل ميثاق أخذ عليهم، كان للخالق أو للمخلوق، ولو كان كافرا فيجب الوفاء بالعهد، ولا تجوز الخيانة، ولما كانت الأوصاف الآتية لازمة للموفي بالعهد، قدم عليها وجعل ما بعهد تفصيلا له، وحينئذ فالمراد بالوفاء بالعهد، امتثال المأمورات على حساب الطاقة واجتناب المنهيات.\rقوله: وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ تأكيد لما قبله ولازم له، لأن الوفي بالعهد غير ناقض للميثاق، فالعهد هو الميثاق، وقيل الميثاق هو التزام المخلوق بالوفاء لأمر الخالق، والعهد هو أمر اللّه. قوله: (بترك الإيمان) راجع للأول، وقوله: (أو الفرائض) راجع للثاني في تفسير العهد. قوله: (من الإيمان) بيان لما،","part":2,"page":211},{"id":812,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 212\rوَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ أي وعيده وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (21) تقدم مثله وَالَّذِينَ صَبَرُوا على الطاعة والبلاء وعن المعصية ابْتِغاءَ طلب وَجْهِ رَبِّهِمْ لا غيره من أعراض الدنيا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا في الطاعة مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ يدفعون بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ كالجهل بالحلم والأذى بالصبر أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة\r______________________________\rوالمعنى أنهم يأتون بالإيمان بشروطه وأركانه وآدابه. قوله: (و الرحم) أي القرابة، لما في الحديث: «يقول اللّه تعالى: أنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته». وقال عليه الصلاة والسّلام «الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله اللّه، ومن قطعني قطعه اللّه». وصلة الرحم تكون ببذل المعروف والإنفاق بحسب الاستطاعة. قوله: (و غير ذلك) أي كالتوادد للناس، وعيادة المريض، وغير ذلك، لما في الحديث: «التوادد مع الناس نصف العقل»، وفي الحديث: «و خالق الناس بخلق حسن، والتوادد بإعطاء من حرمك، ووصل من قطعك، والعفو عمن ظلمك». قوله: (و يخشون ربهم) أي يهابونه إجلالا وتعظيما، فلا يخشون غيره، ولا يلتفتون لما سواه.\rقوله: وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ أي يخافون الحساب السيىء المؤدي لدخول النار.\rقوله: وَالَّذِينَ صَبَرُوا (على الطاعة) إلخ، أشار المفسر إلى أن مراتب الصبر ثلاثة: أعلاها الصبر عن المعصية، وهو عدم فعلها رأسا. ويليها الصبر على الطاعات، أي دوام فعلها على حسب الطاقة. ويليها الصبر على البلاء. وأعلى الجميع الصبر عن الشهوات، لأنه مرتبة الأولياء والصديقين.\rقوله: ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ أي طلبا لمرضاته. قوله: (لا غيره من أعراض الدنيا) أي كالصبر ليقال: ما أكمل صبره وأشد قوته، أو لئلا يعاب على الجزع، أو لئلا تشمت به الأعداء، وغير ذلك من الأمور التي تكون لغير وجه اللّه، وفضل الصبر لوجه اللّه عظيم جدا. قال تعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الآية، وورد «إذا كان يوم القيامة، نادى مناد: ليقم أهل الصبر، فيقوم ناس من الناس، فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فتقول: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة، قالوا: قبل الحساب؟ قال: نعم، فيقولون: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل الصبر، قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا:\rصبرنا على أنفسنا على طاعة اللّه، وصبرناها عن معاصي اللّه، وصبرناها على البلايا والمحن في الدنيا، فتقول لهم الملائكة: سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار.\rقوله: وَأَقامُوا الصَّلاةَ أي فرضا أو نفلا، بالإتيان بها بشروطها وأركانها وآدابها. قوله:\rوَأَنْفَقُوا (في الطاعة) أي انفاقا واجبا كالزكاة والنفقات الواجبة، أو مندوبا كالتطوعات. قوله: سِرًّا وَعَلانِيَةً أي لم يعلم به أحد أو علم، فالمدار على الإخلاص في النفقة، سر بها أو أعلن. قوله: (كالجهل بالحلم) أي فيدفع السفه والتعدي بالحلم وعدم المؤاخذة. قوله: (و الأذى بالصبر) أي فلا يكافئون الشر بالشر بل يدفعون الشر بالخير والصبر. قوله: أُولئِكَ مبتدأ، وقوله: لَهُمْ خبر مقدم، وعُقْبَى الدَّارِ مبتدأ مؤخر، والجملة خبر المبتدأ الأول، وهي مستأنفة لبيان جزاء من ذكر. قوله: (أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة) أشار بذلك إلى أن النعت محذوف، والإضافة على معنى في، فالعقبى المحمودة في الجنة.","part":2,"page":212},{"id":813,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 213\rهي جَنَّاتُ عَدْنٍ إقامة يَدْخُلُونَها هم وَمَنْ صَلَحَ آمن مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وإن لم يعملوا بعملهم يكونون في درجاتهم تكرمة لهم وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (23) من أبواب الجنة أو القصور أول دخولهم للتهنئة يقولون سَلامٌ عَلَيْكُمْ هذا الثواب بِما صَبَرْتُمْ بصبركم في الدنيا فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) عقباكم وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالكفر والمعاصي أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ البعد من رحمة اللّه وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) العاقبة السيئة في الدار الآخرة وهي جهنم اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ يوسعه لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ يضيقه لمن يشاء وَفَرِحُوا أي أهل\r______________________________\rقوله: جَنَّاتُ عَدْنٍ قدر المفسر (هي) إشارة إلى أن جَنَّاتُ عَدْنٍ خبر مبتدأ محذوف، والمراد بجنات عدن، الجنة بجميع دورها، لا خصوص الدار المسماة بذلك. قوله: (هم) وَمَنْ إلخ، قدر الضمير للإيضاح، وإلا فالفصل حاصل بالضمير المنصوب. قوله: مِنْ آبائِهِمْ أي أصولهم وإن علوا ذكورا وإناثا. قوله: وَأَزْواجِهِمْ أي اللاتي متن في عصمتهم. قوله: وَذُرِّيَّاتِهِمْ أي فروعهم وإن سفلوا. قوله: (و إن لم يعملوا) أي الآباء والأزواج والذريات. قوله: (تكرمة لهم) أي لأن اللّه جعل من ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله، ولو كان دخولهم الجنة بأعمالهم الصالحة، لم تكن في ذلك كرامة للمطيع، إذ كل من كان صالحا في عمله، فله الدرجات العلية استقلالا. قوله: (أو القصور) جمع قصر، وهو كما ورد خيمة من درة مجوفة، طولها فرسخ وعرضها فرسخ، لها ألف باب، مصارعها من ذهب، يدخلون عليهم من كل باب بالتحف والهدايا،\rيقولون: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ. قوله: (أول دخولهم للتهنئة) هذا التفسير لم يره لغير، بل في كلام غيره ما يدل على خلاف ذلك، قال مقاتل: إن الملائكة يدخلون في مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات، معهم الهدايا والتحف من اللّه تعالى، يقولون: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ. قوله: (يقولون) قدره إشارة إلى أن قوله تعالى: سَلامٌ عَلَيْكُمْ في محل نصب مقول لقول محذوف.\rقوله: سَلامٌ عَلَيْكُمْ أي سلمكم اللّه من آفات الدنيا، فهو دعاء لهم وتحية. قوله: بِما صَبَرْتُمْ الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمحذوف، قدره المفسر بقوله: (هذا الثواب) إلخ. قوله:\r(بصبركم) أشار بذلك إلى أن ما مصدرية، تسبك مع ما بعدها بمصدر. قوله: فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ المراد بالدار قيل الدنيا، وقيل الآخرة. قوله: (عقباكم) قدره إشارة إلى أن المخصوص بالمدح محذوف.\rقوله:\rوَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ جرت عادة اللّه في كتابه أنه إذا ذكر أوصاف أهل السعادة، أتبعه بذكر أوصاف أهل الشقاوة، وهذه أوصاف أبي جهل ومن حذا حذوه إلى يوم القيامة. قوله: مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ أي من بعد الاعتراف والقبول.\rقوله: أُولئِكَ أي من هذه صفاته. قوله: (و هي جهنم) تفسير للعاقبة السيئة.\rقوله: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ إلخ، هذا جواب عن شبهة الكفار حيث قالوا: لو كان اللّه غضبان علينا كما زعمتم أيها المؤمنون، لما بسط لنا الأرزاق ونعمنا في الدنيا، فرد اللّه عليهم شبهتهم بذلك، والمعنى أن بسط الرزق في","part":2,"page":213},{"id":814,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 214\rمكة فرح بطر بِالْحَياةِ الدُّنْيا أي بما نالوه فيها وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي جنب حياة الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ (26) شيء قليل يتمتع به ويذهب وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة لَوْ لا هلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على محمد آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ كالعصا واليد والناقة قُلْ لهم إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ إضلاله فلا تغني عنه الآيات شيئا وَيَهْدِي يرشد إِلَيْهِ إلى دينه مَنْ أَنابَ (27) رجع إليه ويبدل من من الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُ تسكن قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أي وعده أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) أي قلوب المؤمنين الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مبتدأ خبره\r______________________________\rالدنيا ليس تابعا للإيمان، بل ذلك بتقدير اللّه في الأزل لمن يشاء، فقد يبسط الرزق للكافر استدراجا.\rويضيقه على المؤمن امتحانا. قوله: (يوسعه) لِمَنْ يَشاءُ أي مؤمن أو كافر. وقوله: (يضيقه لمن يشاء) أي مؤمن أو كافر. قوله: وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا هذا بيان لقبح أحوالهم فهو مستأنف. قوله: (فرح بطر) أي لا فرح سرور وشكر لنعم اللّه.\rقوله: فِي الْآخِرَةِ أي منسوبة للآخرة، والمعنى وما الحياة الدنيا منسوبة في جنب الحياة الآخرة إلا متاع. قوله: (يتمتع به ويذهب) أي فلا بقاء لها، قال تعالى: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ. قوله: (هلا) أشار بذلك إلى أن لو لا تحضيضية.\rقوله: آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي غير ما جاء به من نبع الماء وتسبيح الحصى وغير ذلك. قوله: (فلا تغني الآيات عنه شيئا) أي فمجيئها لا يفيدهم شيئا، إذ ما جاز على أحد المثلين يجوز على الآخر، فما قالوه في حق ما جاء به من كونه سحرا أو كهانة، يقولونه في حق ما لم يأت به على فرض إتيانه به، قال تعالى: وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ. قوله:\rوَيَهْدِي إِلَيْهِ أي يوصله لمرضاته ولما يحبه. قوله: (و يبدل من من) أي بدل كل، ويصح جعله مبتدأ خبره الموصول الثاني، وما بينهما اعتراض.\rقوله: الَّذِينَ آمَنُوا أي اتصفوا بالتصديق الباطني الناشىء عن إذعان وقبول. قوله: وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ هذه علامة المؤمن الكامل، والطمأنينة بذكر اللّه، هي ثقة القلب باللّه، والاشتغال به عمن سواه، ثم اعلم أن هذه الآية تفيد أن ذكر اللّه تطمئن به القلوب، وآية الأنفال تفيد أن ذكر اللّه يحصل به الوجل والخوف، فمقتضى ذلك أنه بين الآيتين تناف، وأجيب: بأن الطمأنينة هنا معناها السكون إلى اللّه والوثوق به، فينشأ عن ذلك، عدم خوف غيره، وعدم الرجاء في غيره، فلا ينافي حصول الخوف من اللّه والوجل منه، وهذا معنى آية الأنفال، وحينئذ فصار الغير عندها هباء منثورا ليس معدا لدفع ضر، ولا لجلب نفع، وبمعنى الآيتين قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ فتحصل أن المؤمن الكامل، هو المطمئن باللّه الواثق به، الخائف من هيبته وجلاله، فلا يشاهد غيره، لا في جلب نفع ولا دفع ضر، لأن اللّه هو المالك المتصرف في الأمور، خيرها وشرها، فحيث شاهد المؤمن وحدانية اللّه في الوجود، أعرض عما سواه واكتفى به، فلا يعرج على غيره أصلا، وهذا أتم مما ذكره المفسر، حيث دفع الشافي بأن معنى الطمأنينة، سكون القلب بذكر الوعد، والبشارات والوجل بذكر الوعيد والنذارات. قوله: تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ أي الكاملة في الإيمان.","part":2,"page":214},{"id":815,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 215\rطُوبى مصدر من الطيب أو شجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) مرجع كَذلِكَ كما أرسلنا الأنبياء قبلك أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا تقرأ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي القرآن وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ حيث قالوا لما أمروا بالسجود له وما الرحمن قُلْ لهم يا محمد هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (30). ونزل لما قالوا له إن كنت نبيا فسير عنا جبال مكة واجعل لنا فيها أنهارا وعيونا لنغرس ونزرع وابعث لنا آباءنا الموتى يكلمونا أنك نبي وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ نقلت\r______________________________\rقوله: طُوبى أصله طيبى، وقعت الياء ساكنة بعد ضمة، قلبت واوا، والمعنى عيشة طيبة لهم، وقد فسرت في آية أخرى بقوله تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ قُطُوفُها دانِيَةٌ. قوله: (أو شجرة في الجنة) أي وأصلها في دار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وفي كل دار وغرفة في الجنة، منها غصن لم يخلق اللّه لونا ولا زهرة إلا وفيها منها إلا السواد، ولم يخلق اللّه فاكهة ولا ثمرة إلا وفيها منها ينبع من أصلها عينان: الكافور والسلسبيل، كل ورقة منها تظل أمة، ثياب أهل الجنة تخرج منها أكمامها، فتنبت الحلل والحلي، ويخرج منها الخيل المسرجة الملجمة، والإبل برحالها وأزمتها، وما ذكره المفسر في تفسير طوبى قولان من أقوال كثيرة، وقيل إنه دعاء من اللّه لهم، والتقدير طيب عيشكم، وقيل غير ذلك. قوله: وَحُسْنُ مَآبٍ أي ولهم حسن مرجع ومنقلب في الآخرة وهي الجنة.\rقوله: كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، أي فلا تحزن على عدم إيمان قومك، فإننا أرسلنا الأنبياء إلى قومهم فكفروا ولم يطيعوا، فليس من كذبك بأول مكذب. قوله: فِي أُمَّةٍ أي إلى أمة.\rقوله: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ أي سبقت ومضت. قوله: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ الجملة حالية.\rقوله: (لما أمروا بالسجود له) أي كما ذكره في سورة الفرقان بقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ وهذا القول منهم على سبيل العناد، ويسمى عند أرباب المعاني تجاهل العارف، فإن الرحمن هو المنعم على عباده، وهم يشاهدون نعمه عليهم، ومع ذلك قالوا: (و ما الرحمن) وهذا كقول فرعون وَما رَبُّ الْعالَمِينَ.\rقوله: هُوَ رَبِّي أي الرحمن الذي أنكرتموه هو خالقي. قوله: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أي فوضت أموري إليه. قوله: مَتابِ أي توبتي ومرجعي. قوله: (و نزل لما قالوا) أي كفار مكة منهم: أبو جهل وعبد اللّه بن أمية، جلسوا خلف الكعبة، وأرسلوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأتاهم، وقيل إنه مر بهم وهم جلوس، فدعاهم إلى اللّه، فقال عبد اللّه بن أمية: إن سرك أن نتبعك، فسير جبال مكة بالقرآن فادفعها عنا حتى تفسح، فإنها أرض ضيقة لمزارعنا، واجعل لنا فيها أنهارا وعيونا، لنغرس الأشجار ونزرع ونتخذ البساتين، فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود، حيث سخر له الجبال تسير معه، أو سخر لنا الريح لنركبها إلى الشام لميرتنا وحوائجنا ونرجع في يومنا، كما سخرت لسليمان الريح كما زعمت، فلست أهون على ربك سليمان، وأحي لنا جدك قصيا، فإن عيسى كان يحيي الموتى، ولست بأهون على اللّه منه؛ فنزلت هذه الآية.","part":2,"page":215},{"id":816,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 216\rعن أماكنها أَوْ قُطِّعَتْ شققت بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بأن يحيوا لما آمنوا بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً لا لغيره فلا يؤمن إلا من شاء إيمانه دون غيره وإن أوتوا ما اقترحوا. ونزل لما أراد الصحابة إظهار ما اقترحوا طمعا في إيمانهم أَفَلَمْ يَيْأَسِ يعلم الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ مخففة أي أنه لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً إلى الإيمان من غير آية وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا بصنعهم أي كفرهم قارِعَةٌ داهية تقرعهم بصنوف البلاء من القتل والأسر والحرب والجدب أَوْ تَحُلُ يا محمد بجيشك قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ مكة حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ بالنصر عليهم إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (31) وقد حل بالحديبية حتى أتى فتح مكة وَلَقَدِ\r______________________________\rقوله: أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أي من خشية اللّه عند قراءته، فجعلت أنهارا وعيونا. قوله: (لما آمنوا) جواب لو، والمعنى لو فعل اللّه ما ذكر وأجابهم، لم يحصل منهم إيمان، لأن اللّه على علم عدم هداهم. قوله: بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أي القدرة على كل شيء، وهو إضراب عما تضمنته الجملة الشرطية من معنى النفي، والمعنى بل اللّه قادر على الإتيان بما اقترحوه، إلا أن إرادته لم تتعلق بذلك، لعلمه بأنهم لا يؤمنون. قوله: (و إن أوتوا ما اقترحوه) أي اعطوا ما طلبوه. قوله: (لما أراد الصحابة) إلخ، أي فقالوا: يا رسول اللّه إنك مجاب الدعوة، فاطلب لهم ما اقترحوا، عسى أن يؤمنوا. قوله:\r(يعلم) يطلق اليأس على العلم في لغة هوازن ونخع لتضمنه معناه، فإن الآيس من الشيء عالم بأنه لا يكون. قوله: أَنَ (مخففة) أي واسمها ضمير الشأن، وجملة لَوْ يَشاءُ إلخ، خبر أن.\rقوله: لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً أي ولكن لم يفعل ذلك لعدم تعلق مشيئته باهتدائهم.\rإن قلت: لم لم يجب اللّه نبيه بعين ما طلبوا، كما أجاب صالحا في الناقة، وعيسى في المائدة، مع علمه بأنهم لا يؤمنون؟ أجيب: بأنه جرت عادة اللّه في عباده الكفار، أنهم متى طلبوا شيئا من المعجزات، وعاهدوا نبيهم على الإيمان عند مجيئها ولم يؤمنوا، أنه يهلكهم ويقطع دابرهم عن آخرهم، وقد أراد اللّه إبقاء هذه الأمة المحمدية، وعدم استئصالها بالهلاك، إكراما لنبيها، فلم تحصل الإجابة بعين ما طلبوا رحمة بهم وإكراما لنبيهم.\rقوله: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا إخبار من اللّه لنبيه بالنصر المرتب على صبره، وقوله: (تصيبهم) خبر يزال. قوله: (بصنعهم) أشار بذلك إلى أن ما مصدرية تسبك ما بعدها بمصدر، والباء سببية أي بسبب صنعهم. قوله: قارِعَةٌ التنوين للتنكير، إشارة إلى أنها ليست مخصوصة بشيء معين، بل هي عامة في كل ما يهلكهم. قوله: (تقرعهم) أي تهلكهم. قوله: أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً معطوف على قارعة، والمعنى تصيبهم بما صنعوا قارعة، أو حلولك قريبا من دراهم، والعطف يقتضي المغايرة فالمراد بالقارعة غير حلوله، وإن كان من أعظم القوارع، وهذا تسليه له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى اصبر فإنك منصور ومؤيد، وهم مخذولون، فإن الدواهي مسلطة عليهم. قوله: قَرِيباً أي مكانا قريبا وهو الحديبية. قوله: (بالنصر عليهم) أي بفتح مكة. قوله: (و قد حل بالحديبية) أي مرتين: الأولى سنة ست حين أراد العمرة وبعث عثمان، وقد صدوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين عن البيت، فصالح الكفار النبي على أن يمكنوه من الدخول في السنة السابعة، فدخلها واعتمر، والثانية سنة ثمان، حين أراد فتح مكة، فإنه حل بها هو وجيشه، وأمرهم أن","part":2,"page":216},{"id":817,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 217\rاسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزىء بك وهذا تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَأَمْلَيْتُ أمهلت لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ بالعقوبة فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (32) أي هو واقع موقعه فكذلك أفعل بمن استهزأ بك أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ رقيب عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ عملت من خير وشر وهو اللّه كمن ليس كذلك من الأصنام؟ لا. دل على هذا وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ له من هم أَمْ بل أتُنَبِّئُونَهُ تخبرون اللّه بِما أي بشريك لا يَعْلَمُ ه فِي الْأَرْضِ استفهام إنكار أي لا شريك له إذ لو كان لعلمه، تعالى عن ذلك أَمْ بل تسمونهم شركاء بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بظن باطل لا حقيقة له في الباطن بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ كفرهم وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ طريق الهدى وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (33) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بالقتل\r______________________________\rيتفرقوا ويوقد كل شخص نارا على حدة إرهابا للعدو، ففي صبيحتها حصل الفتح العظيم ودخلوا مكة.\rقوله: فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هذا تنزل من اللّه سبحانه وتعالى، حيث عامل عباده معاملة ملك عدل في رعيته، حيث أمرهم بطاعته المرة بعد المرة وأغدق عليهم النعم، وكلما عصوه سترهم وأمدهم بالعطايا، فلما تكرر منهم العصيان وعدم الخوف أخذهم بالعقاب، فهل هذا ظلم منه أو عدل؟ وجواب الاستفهام أنه عدل لو كان صادرا من سلطان في رعيته، فكيف من الخالق الذي يستحيل عليه الظلم عقلا؟ قوله: (فكذلك أفعل بمن استهزأ بك) أي لا على العموم إكراما لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير أعميتم وسويتم بين اللّه وبين خلقه فمن هو قائم إلخ، والمعنى أفمن كان حافظا للنفوس ورازقها وعالما بها، كمن ليس بقائم، بل هو عاجز عن القيام بنفسه فضلا عن غيره؟ قوله: (لا) هذا هو جواب الإستفهام. قوله: (دل على هذا) أي على الجواب المحذوف، وهذا نظير قوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ أي كمن قسا قلبه، يدل عليه قوله فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ، ونظيره قوله تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ ولكنه صرح فيها بالمقابل.\rقوله: قُلْ سَمُّوهُمْ أي صفوهم، وانظروا هل بتلك الأوصاف تستحق العبادة؟ قوله: (من هم) أي بينوا حقيقتهم من أي جنس ومن أي نوع. قوله: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ إلخ، أم منقطعة، فلذا فسرها ببل والهمزة، والمعنى أتخبرون اللّه بشريك لا يعلمه في الأرض لعدم وجوده، إذ لو وجد لعلمه، وخص بالأرض لكون آلهتهم التي جعلوها شركاء كائنين فيها. قوله: أَمْ بِظاهِرٍ أم هنا للإضراب الإبطالي، ولذا فسرها ببل فقط، والمعنى أن تسميتهم شركاء، ظن باطل فاسد لا يعتبر، وإنما هو اسم من غير مسمى.\rقوله: بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إضراب عن محاججتهم كأنه قال: لا تلتفت لهم ولا تعتبر بهم، فإنهم لا فائدة فيهم، لأنهم زين لهم ما هم عليه من المكر والكفر. قوله: وَصُدُّوا بضم الصاد وفتحه قراءتان سبعيتان، والمعنى منعوا عن طريق الهدى، أو منعوا الناس عنه.","part":2,"page":217},{"id":818,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 218\rوالأسر وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُ أشد منه وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ أي من عذابه مِنْ واقٍ (34) مانع مَثَلُ صفة الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ مبتدأ خبره محذوف أي فيما نقص عليكم تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها ما يؤكل فيها دائِمٌ لا يفنى وَظِلُّها دائم لا تنسخه شمس لعدمها فيها تِلْكَ أي الجنة عُقْبَى عاقبة الَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (35) وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ كعبد اللّه بن سلام وغيره من مؤمني اليهود يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ لموافقته ما عندهم وَمِنَ الْأَحْزابِ الذين تحزبوا عليك بالمعاداة من المشركين واليهود مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ\r______________________________\rفائدة: قال الطيبي: في هذه الآية احتجاج بليغ مبني على فنون من علم البيان، أولها: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ (كمن ليس كذلك) احتجاج عليهم وتوبيخ لهم على القياس الفاسد لفقد الجهة الجامعة لهما. ثانيها: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ من وضع الظاهر موضع الضمير، للتنبيه على أنهم جعلوا شركاء لمن هو فرد واحد، لا يشاركه أحد في اسمه. ثالثها: قوله: قُلْ سَمُّوهُمْ أي عينوا أسماءهم، فقولوا فلان وفلان، فهو إنكار لوجودها على وجه برهاني كما تقول: إن كان الذي تدعيه موجودا فسمه، لأن المراد بالاسم العلم. رابعها: قوله: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ احتجاج من باب نفي الشيء بنفي لازمه، وهو المعلوم وهو كناية. خامسها: قوله: أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ احتجاج من باب الاستدراج، والهمزة للتقرير لبعثهم على التفكر، المعنى أتقولون بأفواهكم من غير رؤية، فتفكروا فيه لتقفوا على بطلانه. وسادسها: التدريج في كل من الإضرابات على ألطف وجه، وحيث كانت الآية مشتملة على هذه الأساليب البديعة مع اختصارها، كان الاحتجاج المذكور مناديا على نفسه بالإعجاز، وأنه ليس من كلام البشر، اه.\rقوله: وَما لَهُمْ خبر مقدم، وواقٍ مبتدأ مؤخر، ومِنَ اللَّهِ متعلق به، أي ليس لهم مانع من عذاب اللّه إذا جاءهم.\rقوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ مبتدأ والَّتِي صفته، ووُعِدَ الْمُتَّقُونَ صلة الموصول والخبر محذوف، والتقدير كائن فيما نقص عليك كما قال المفسر. قوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أي من تحت قصورها وغرفها. قوله: الْأَنْهارُ فسرت في آية أخرى في قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ إلخ. قوله: أُكُلُها دائِمٌ أي كل شيء يؤكل يتجدد غيره، فلا تنقطع أنواع مأكولاتها، فليست كثمار الدنيا تنقطع في بعض الأحيان. قوله: وَظِلُّها (دائم) المراد بالظل فيها عدم الشمس، فلا ينافي أنها نور، نورها حاصل من نور العرش لأنه سقفها، ومع ذلك فأنوار أهلها تغلب على ضوء العرش. قوله: عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا أي مالهم ومنتهاهم. قوله: الَّذِينَ اتَّقَوْا (الشرك) تقدم أن هذا أدنى مراتب التقوى. قوله: وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ أي مآلهم ومنتهاهم.\rقوله: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ أي التوراة والإنجيل، فأل في الكتاب للجنس. قوله: (من مؤمني اليهود) أي ومؤمني النصارى، كأهل نجران والحبشة واليمن، فإنهم كانوا إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول، فاضت أعينهم دموعا، كما تقدم في المائدة. قوله: (لموافقته ما عندهم) أي في التوراة والإنجيل.\rقوله: مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ أي فكانوا إذا سمعوا شيئا يوافق هواهم سلموه وأقروا به، وإذا خالف هواهم أنكروه، فمثل القصص لا ينكرونها، ومثل الدعاء إلى التوحيد ينكرونه. قوله: (كذكر الرحمن) أي","part":2,"page":218},{"id":819,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 219\rكذكر الرحمن وما عدا القصص قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ فيما أنزل إليّ أَنْ أي بأن أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) مرجعي وَكَذلِكَ الإنزال أَنْزَلْناهُ أي القرآن حُكْماً عَرَبِيًّا بلغة العرب تحكم به بين الناس وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ أي الكفار فيما يدعونك إليه من ملتهم فرضا بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ بالتوحيد ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ زائدة وَلِيٍ ناصر وَلا واقٍ (37) من قبلك مانع من عذابه. ونزل لما عيروه بكثرة النساء وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً أولادا وأنت مثلهم وَما كانَ لِرَسُولٍ منهم أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لأنهم عبيد مربوبون لِكُلِّ أَجَلٍ مدة كِتابٌ (38) مكتوب فيه تحديده يَمْحُوا اللَّهُ منه\r______________________________\rبالنسبة إلى مشركي العرب؛ وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما كتب لهم كتاب الصلح يوم الحديبية قال فيه:\rبسم اللّه الرحمن، قالوا: وما نعرف الرحمن، إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلة الكذاب، لقول بعضهم مادحا له:\rسميت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا ... وأنت غير الورى لا زلت رحمانا\r\rوقد هجاه بعض الصحابة بقوله:\rسميت بالخبث يا ابن الأخبثين أبا ... وأنت شر الورى لا زلت شيطانا\r\rقوله: أَعْبُدَ اللَّهَ أي أوحده. قوله: إِلَيْهِ أَدْعُوا أي إلى عبادته وشريعته. قوله: (مرجعي) أي في الآخرة.\rقوله: وَكَذلِكَ مثل إنزال الكتب السابقة. قوله: حُكْماً عَرَبِيًّا حالان من الضمير في أنزلناه، والمعنى أنزلناه حاكما بين الناس بلغة العرب، وأسند الحكم له لأنه ترجمان عن اللّه، فطاعته طاعة اللّه. قوله: (فيما يدعونك إليه من ملتهم) أي كقولهم له اعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، وكالصلاة إلى بيت المقدس بعد ما حولت عنه. قوله: (فرضا) أي على سبيل الفرض والتقدير، والمقصود تحذير من يجوز عليه اتباع الهوى، لأن المعصوم إذا خوطب بمثل ذلك، وكان المقصود غيره.\rقوله: وَلا واقٍ أصله واقي، استثقلت الكسرة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان، حذفت الياء لالتقائهما. قوله: (لما عيروه بكثرة النساء) أي حيث قالوا: لو كان مرسلا حقا، لكان مشتغلا بالزهد وترك الدنيا والنساء، فرد اللّه تعالى عليهم مقالتهم بقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إلخ، فقد كان لسليمان ثلاثمائة امرأة حرة وسبعمائة سرية، وكان لأبيه داود مائة امرأة، ومع ذلك فلم يقدح في نبوتهما، فكيف يجعلون ذلك قادحا في نبوتك، واعلم أن القوم كانوا يذكرن أنواعا من الشبهات في إبطال النبوة، فالشبهة الأولى قولهم: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وسيأتي ذكره في الفرقان. الثانية قولهم: رسول اللّه إلى الخلق، لا بد وأن يكون من جنس الملائكة، كما قالوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، وقالوا: لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ، وستأتي أيضا. الثالثة قولهم: لو كان رسولا من عند اللّه لما اشتغل بالنساء.\rفأجاب اللّه بقوله:\rوَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ الآية. الرابعة قولهم: لو كان رسولا من عند اللّه، لكان أي شيء طلبناه من المعجزات أتى به. فأجاب تعالى بقوله: وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ الآية. الخامسة قولهم: لو كان رسولا ما أوعدنا به من نزول العذاب. فأجاب اللّه تعالى بقوله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ أي لكل حادث وقت معين، لا يتأخر عنه ولا يتقدم عليه. السادسة قولهم: لو كان صادقا، ما نسخ الأحكام","part":2,"page":219},{"id":820,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 220\rما يَشاءُ وَيُثْبِتُ بالتخفيف والتشديد فيه ما يشاء من الأحكام وغيرها وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (39) أصله الذي لا يتغير منه شيء وهو ما كتبه في الأزل وَإِنْ فيه إدغام نون إن الشرطية في ما المزيدة ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ به من العذاب في حياتك وجواب الشرط محذوف أي فذاك أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل تعذيبهم فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ لا عليك إلا التبليغ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (40) إذا صاروا إلينا فنجازيهم أَوَلَمْ يَرَوْا أي أهل مكة أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نقصد أرضهم نَنْقُصُها\r______________________________\rالتي هي ثابتة في التوراة والأنجيل، وما نسخ بعض الأحكام التي جاء بها. فأجاب اللّه تعالى عنه بقوله:\rيَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ.\rقوله: وَذُرِّيَّةً أي وقد كان لرسول اللّه سبعة أولاد ثلاثة ذكور وأربع إناث، وترتيبهم في الولادة هكذا: القاسم فزينب فرقية ففاطمة فأم كلثوم فعبد اللّه فإبراهيم، وكلهم من خديجة إلا إبراهيم فمن مارية القبطية، وكلهم ماتوا في حياته إلا فاطمة فماتت بعده بستة أشهر. قوله: وَما كانَ لِرَسُولٍ إلخ، أي لم يجعل اللّه للرسول الإتيان بآية مما اقترحه قومه إلا بإرادته تعالى. قوله: (مربوبون) أي مقهورون مغلبون.\rقوله: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ردا لاستعجالهم العذاب، فإنه كان يخوفهم بذلك، فاستعجلوه عنادا. قوله: (مكتوب فيه) أي في ذلك الكتاب وهو اللوح المحفوظ. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (و هو ما كتبه في الأزل) أي قدره بمعنى تعلق به علمه وإرادته، وما مشى عليه المفسر، من أن الصحف واللوح المحفوظ، يقع فيها التغيير والتبديل، والمراد بأم الكتاب، علم اللّه المتعلق بالأشياء أزلا، هو أحد تفسيرين: إن قلت: يرد على هذا ما ورد أن اللّه لما خلق اللوح والقلم، وأمر بكتابة ما كان وما يكون وما هو كائن، قال رفعت الأقلام وجفت الصحف. أجيب: بأن المراد رفعت الأقلام عما هو مطابق لعلم اللّه والتفسير الآخر: أن المحو والإثبات، يقعان في صحف الملائكة فقط،\rوالمراد بقوله: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ اللوح المحفوظ، وهو لا يقبل التغيير ولا التبديل، والحاصل: أن ما في علم اللّه، لا يقبل التغيير جزما، وما في الصحف يقبل التغيير جزما، والخلاف في اللوح المحفوظ، والآية محتملة، واللّه أعلم بحقيقة الحال.\rقوله: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ إن شرطية مدغمة في ما الزائدة كما قال المفسر، ونُرِيَنَّكَ فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره نحن، والكاف معفول أول، وبَعْضَ الَّذِي مفعول ثان، والمفعول الثالث محذوف، قدره المفسر بقوله: (في حياتك). قوله: (أي فذاك) مبتدأ خبره محذوف تقديره شاف صدرك من أعدائك.\rقوله: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ معطوف على نُرِيَنَّكَ فهو شرط أيضا، وجوابه محذوف، والتقدير فلا لوم عليك، وقوله: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ دليل للمحذوف. قوله: (فنجازيهم) أي على أعمالهم خيرها وشرها، وقد جمع اللّه لنبيه بين تعذيبهم على يده في الدنيا،\rومجازاة اللّه لهم في الآخرة قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا الهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أينكرون ما وعدناهم به من العذاب ولم يروا، إلخ. قوله: (نقصد أرضهم) أي أرض أهل مكة، فالمقصود نصر للنبي بزوال نعمة","part":2,"page":220},{"id":821,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 221\rمِنْ أَطْرافِها بالفتح على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَاللَّهُ يَحْكُمُ في خلقه بما يشاء لا مُعَقِّبَ لا راد لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (41) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم بأنبيائهم كما مكروا بك فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً وليس مكرهم كمكره لأنه تعالى يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ فيعد لها جزاءها وهذا هو المكر كله لأنه يأتيهم به من حيث لا يشعرون وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ المراد به الجنس وفي قراءة الكفار لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة ألهم أم للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لك لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ لهم كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على صدقي وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (43) من مؤمني اليهود والنصارى.\r______________________________\rالكفار وملكه إياهم، قال تعالى: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ الآية، فالمراد بنقص أطراف الأرض ملك كبرائها وخذلانهم، وما ذكره المفسر هو أحد قولين، والآخر أن المراد بالأرض جميعها، لا خصوص أرض الكفار، وبنقص أطرافها موت العلماء والأشراف والكبراء والصلحاء، وحينئذ فوجه مناسبة هذا لما قبله، كأن اللّه يقول: ألم ينظروا إلى التغيرات الحاصلة في الدنيا، من الخراب بعد العمارة، والموت بعد الحياة، والذل بعد العز؟ فإذا كان هذا مشاهدا لهم، فما المانع من أن اللّه يصير الكفار أذلاء بعد عزهم، ومقهورين بعد قدرتهم؟ قوله: لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ أي لا مغير ولا ناقص له. قوله: وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ أي فيحاسبهم في زمن يسير.\rقوله: وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً أي لأنه الخالق لهم، العالم بأحوالهم، فهو يوصل إليهم العذاب من جهة لا يعلمون بها. قوله: (فيعد لها) أي يهيىء ويحضر. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا.\rقوله: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً أي لأنه الخالق للمعجزات على يدي. قوله: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ معطوف على لفظ الجلالة، والمعنى أن اللّه ومن عنده علم الكتاب، فيهم الكفاية في الشهادة بيني وبينكم، وأل في الكتاب للجنس، فيشمل التوراة والإنجيل والفرقان، فقوله: (من مؤمني اليهود والنصارى) أي أو مطلقا فهو نظير قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.","part":2,"page":221},{"id":822,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 222\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة إبراهيم مكيّة إلا أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا الآيتين وهي إحدى أو اثنتان أو أربع أو خمس وخمسون آية\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر اللّه أعلم بمراده بذلك هذا القرآن كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ يا محمد لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ الكفر إِلَى النُّورِ الإيمان بِإِذْنِ أمر رَبِّهِمْ ويبدل من النور إِلى صِراطِ طريق الْعَزِيزِ الغالب الْحَمِيدِ (1) المحمود اللَّهِ بالجر بدل أو عطف بيان وما بعده صفة والرفع مبتدأ خبره الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة إبراهيم\rعليه السّلام مكية إلا أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا الآيتين وهي إحدى أو اثنتان أو أربع أو خمس وخمسون آية\rسميت بذلك لذكر قصته فيها. إن قلت: إن قصة إبراهيم قد ذكرت في غير هذه السورة كالأنبياء والبقرة. أجيب: بأن علة التسمية لا تقتضي اطراد التسمية، بل التسمية أمر توقيفي. قوله: (الآيتين) أي إلى قوله تعالى: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ. قوله: (إحدى) الخ، أي ففي آياتها أربعة أقوال.\rقوله: (هذا القرآن) قدره إشارة إلى أن قوله: كِتابٌ خبر لمحذوف قوله: أَنْزَلْناهُ أي لفظا ومعنى قوله: لِتُخْرِجَ النَّاسَ هذا هو حكمة الإنزال. قوله: (الكفر) عبر عنه بالظلمات جمعا لتعدد طرقه، بخلاف الإيمان فهو متحد لا تعدد فيه، وحكمة التعبير عن الكفر بالظلمات، أنه يوصل لدار الظلمات وهي النار، وعن الإيمان بالنور، لأنه يوصل إلى دار النور وهي الجنة.\rقوله: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ فسره بالأمر، إشارة إلى أن المعنى: لنأمرهم بالخروج من الظلمات إلى النور.\rقوله: (و يبدل من إلى النور) أي بإعادة الجار، وهو بدل كل من كل. قوله: (طريق) الْعَزِيزِ أي وهو الإسلام، وسمي بذلك، لأنه الموصل لدار السعادة. قوله: (بدل أو عطف بيان) أي من العزيز، وهذا على القاعدة، من أن نعت المعرفة إذا تقدم عليها يعرب بحسب العوامل، وتعرب هي منه بدلا أو عطف بيان، وحينئذ فالأصل إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. قوله: (و الرفع مبتدأ) أي فهما قراءتان سبعيتان.","part":2,"page":222},{"id":823,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 223\rوخلقا وعبيدا وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ نعت يَسْتَحِبُّونَ يختارون الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دين الإسلام وَيَبْغُونَها أي السبيل عِوَجاً معوجة أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (3) عن الحق وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ بلغة قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ليفهمهم ما أتى به فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (4) في صنعه وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا التسع وقلنا له أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ بني إسرائيل مِنَ الظُّلُماتِ الكفر إِلَى النُّورِ الإيمان وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ بنعمه إِنَّ فِي ذلِكَ التذكير لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ على الطاعة شَكُورٍ (5) للنعم وَاذكر إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ\r______________________________\rقوله: (ملكا وخلقا وعبيدا) أي فلا شريك له في شيء من ذلك.\rقوله: وَوَيْلٌ قيل معناه دمار وهلاك للكافرين، وقيل واد في جهنم، لو وضعت في جبال الدنيا لذابت من حره، وهو مبتدأ، وسوغ الابتداء به قصد الدعاء. قوله: (نعت) أي للكافرين، وفيه الفصل بين النعت والمنعوت بأجنبي وهو قوله: مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ فالأوضح أن يكون مبتدأ خبره أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ.\rقوله: يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا أي يحبونها ويألفونها زيادة على الآخرة، والمعنى يقدمون الحياة الدنيا على الآخرة. قوله: وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي يمنعون الناس عن الدين الحق.\rقوله: وَيَبْغُونَها عِوَجاً أي يطلبون العدول والانحراف عنها، والمعنى أنهم يضلون غيرهم، ويضلون في أنفسهم. قوله: فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ أي كفر مبعد لهم عن الرحمة والخير.\rقوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ أي محمدا أو غيره فظاهر. إن قلت: إن كان المراد بقومه الذين نشأ فيهم، وإن كان المراد الذين أرسل لهم، فرسول اللّه أرسل لكافة الخلق، مع أنه لم يظهر منه إلا اللسان العربي، وهو لسان بعض قومه أجيب: بأن اللّه علمه جميع اللغات، فكان يخاطب كل قوم بلغتهم، وإن لم يثبت أنه تكلم باللغة التركية، لأنه لم يتفق أنه خاطب أحدا من أهلها، ولو خاطبه لكلمه بها. قوله: فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ استئناف مفصل لقوله: لِيُبَيِّنَ لَهُمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ أي الغالب على أمره وهو كالعلة لقوله: فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ الخ قوله: الْحَكِيمُ أي الذي يضع الشيء في محله\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى تفصيل لما أجمل في قوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ الآية قوله:\r(التسع) تقدم منها ثمانية في الأعراف، والتاسعة في يونس قوله: (و قلنا له) لا حاجة لتقديره، بل المناسب أن يفسر أن بأي التفسيرية، لأن ضابطها موجود، وهو تقدم جملة فيها معنى القول دون حروفه وهو أَرْسَلْنا، ويصح جعلها مصدرية أي بإخراج قومك، وهذه الباء للتعدية، وفي بِآياتِنا للحال قوله:\r(بنعمه) أي فالمراد بالأيام النعم، وعبر عنها بالأيام لحصولها فيها قوله: لِكُلِّ صَبَّارٍ أي كثير الصبر وقوله: شَكُورٍ أي كثير الشكر،\rوخصوا بالذكر لأنهم المنتفون بها قوله: وَ(اذكر) خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى اذكر لقومك ما وقع لموسى وقومه لعلهم يعتبرون قوله: يَسُومُونَكُمْ أي يذيقونكم قوله: سُوءَ الْعَذابِ أي العذاب السيىء وهو الشديد قوله: وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ عطفه بالواو هنا،","part":2,"page":223},{"id":824,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 224\rأَبْناءَكُمْ المولدين وَيَسْتَحْيُونَ يستبقون نِساءَكُمْ لقول بعض الكهنة إن مولودا يولد في بني إسرائيل يكون سبب ذهاب ملك فرعون وَفِي ذلِكُمْ الإنجاء أو العذاب بَلاءٌ إنعام أو ابتلاء مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) وَإِذْ تَأَذَّنَ أعلم رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ نعمتي بالتوحيد والطاعة لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ جحدتم النعمة بالكفر والمعصية لأعذبنكم دل عليه إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (7) وَقالَ مُوسى لقومه إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌ عن خلقه حَمِيدٌ (8) محمود في صنعه بهم أَلَمْ يَأْتِكُمْ استفهام تقرير نَبَؤُا خبر الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ قوم هود وَثَمُودَ قوم صالح وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ لكثرتهم جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالحجج الواضحة على صدقهم فَرَدُّوا أي الأمم أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ أي إليها ليعضوا عليها من شدة الغيظ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ على زعمكم\r______________________________\rإشارة إلى أنه غير العذاب السيىء المذكور، وأما في البقرة، فهو تفسير لسوء العذاب، فصح التغاير بهدا الاعتبار، وإن كانت الصحة واحدة\rقوله: وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ أي للخدمة، فكانوا يستخدمونهن ويمنعونهن عن أزواجهن قوله:\r(لقول بعض الكهنة) جمع كاهن وهو المخبر عن المغيبات المستقبلة، وأما العراف فهو المخبر عن الأمور الماضية قوله: وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي فاللّه سبحانه وتعالى، يختبر عباده بالخير والشر، قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً لأن النعمة أو البلية، إذا أصابت الشخص فهو معرض: إما لرضا اللّه إن شكر وصبر، أو لغضبه إن جزع وكفر\rقوله: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ من جملة كلام موسى لقومه، كأنه قيل: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، واذكروا حين تأذن ربكم قوله: (بالتوحيد والطاعة) أي بأن وحدتموني ودمتم على طاعتي قوله: لَأَزِيدَنَّكُمْ أي من خيري الدنيا والآخرة، فيحصل لكم النعم والرضا فتظفرون بالسعادتين قوله: وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ لم يصرح بالجواب في جانب الوعيد، وصرح به في جانب الوعد، إشارة إلى كرمه سبحانه وتعالى، وأن رحمته سبقت غضبه، ونظير ذلك قوله تعالى: بِيَدِكَ الْخَيْرُ ولم يقل وبيدك الشر قوله: (لأعذبنكم) هذا هو جواب القسم، وحذف جواب الشرط للقاعدة، أنه عند اجتماعهما يحذف جواب المتأخر\rقوله: وَقالَ مُوسى أي بعد أن أيس من إيمانهم. قوله: فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌ أي عن شكركم وإيمانكم قوله: حَمِيدٌ أي مستحق للحمد، والمعنى: أن كفركم باللّه أنتم وأهل الأرض جميعا، لا ينقص من ملكه شيئا، وإيمانكم لا يزيد في ملكه شيئا، بل على حد سواء، وإنما ذلك راجع إلى أنفسكم، وهو غني عنكم\rقوله: أَلَمْ يَأْتِكُمْ من كلام موسى أيضا، أو من كلام اللّه قوله: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ إما مبتدأ خبره. قوله: لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ أو معطوف على قوله: قَوْمِ نُوحٍ، وقوله: لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ اعتراض قوله: جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ مستأنف واقع في جواب سؤال مقدر تقديره ما قصتهم وما شأنهم. قوله: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ أي لكراهتهم ذلك، فإن شأن الإنسان، إذا كره شيئا واغتاظ منه، ولم يقدر على دفعه، يعض على يديه. قوله: (ليعضوا عليها) بفتح العين وضمها. قوله:\r(على زعمكم) أي وإلا فلم يعترفوا برسالة رسلهم","part":2,"page":224},{"id":825,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 225\rوَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) موقع في الريبة قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌ استفهام إنكار أي لا شك في توحيده للدلائل الظاهرة عليه فاطِرِ خالق السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ إلى طاعته لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ من زائدة فإن الإسلام يغفر به ما قبله أو تبعيضية لأخراج حقوق العباد وَيُؤَخِّرَكُمْ بلا عذاب إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أجل الموت قالُوا إِنْ ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا من الأصنام فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (10) حجة ظاهرة على صدقكم قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ ما نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ كما قلتم وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ بالنبوة وَما كانَ ما ينبغي لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ بأمره لأنا عبيد مربوبون وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) يثقوا به وَما\r______________________________\rوقوله: وَإِنَّا لَفِي شَكٍ الخ أي والشك كفر، فلا ينافي قولهم إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ.\rقوله: (في الريبة) أي وهي عدم اطمئنان النفس إلى الشيء\rقوله: قالَتْ رُسُلُهُمْ أي جوابا لقول الأمم إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ. قوله: أَفِي اللَّهِ شَكٌ الهمزة للاستفهام، والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره أثبت، وشَكٌ فاعل بالجار والمجرور لاعتماده على الاستفهام، والجار والمجرور خبر مقدم، وشَكٌ مبتدأ مؤخر، والأولى لسلامته من الفصل بين الصفة وهو فاطِرِ، والموصوف وهو لفظ الجلالة بأجنبي وهو المبتدأ. قوله: (للدلائل الظاهرة) أي العقلية والنقلية. قوله: فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ هذا من جملة أدلة توحيده.\rقوله: يَدْعُوكُمْ الجملة حالية قوله: لِيَغْفِرَ لَكُمْ أي لا ليتكمل بطاعتكم، بل ثمرة امتثالكم وطاعتكم عائدة عليكم قوله: (من زائدة) هذا مبني على مذهب الأخفش، من أنها تزاد في الإثبات، وهي طريقة ضعيفة، فلا يناسب تخريج القرآن عليها، وقوله: (أو تبعيضية) فيه أنه ظاهر في المسلم الأصلي، وأما الكافر إذا أسلم فلا يظهر، لأن الإسلام يجب ما قبله، ولو حقوق العباد، وحينئذ فالجواب الأتم، أن تجعل مِنْ بمعنى بدل، أي يغفر لكم بدل عقوبة ذنوبكم، أو ضمن يغفر معنى يخلص، ومن على بابها للتعدية، والتقدير: ليخلصكم من ذنوبكم، ولعل هذا الجواب هو الأقرب.\rقوله: وَيُؤَخِّرَكُمْ معطوف على يغفر، والمعنى يدعوكم إلى طاعته لأمرين: غفران ذنوبكم، وتأخير العذاب إلى أجل مسمى، بأن تعيشوا في الدنيا سالمين من الخزي، كالخسف والمسخ، فإذا متم على الإيمان دخلتم الجنة ففزتم بالسعادتين. قوله: قالُوا أي الأمم، جوابا لمقالة الرسل. قوله: إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا أي فلا مزية لكم علينا، فلم اختصصتم بالنبوة دوننا. قوله: أَنْ تَصُدُّونا إِنْ مصدرية، وتصدوا منصوب بأن، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، ونا مفعوله. قوله: (من الأصنام) بيان لما قوله: (حجة ظاهرة) أي غير ما جئتم به.\rقوله: قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ أي جوابا لمقالتهم. قوله: وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ أي فإننا وإن كنا بشرا مثلكم، إلا أن اللّه فضلنا عليكم بالنبوة، وأعطانا المعجزات على مراده، فإن آمنتم فهو خيير لكم، وإن كفرتم فهو شر لكم، فلا قدرة لنا على إتيان ما تطلبونه، لأننا عبيد مقهورون. قوله: (بأمره)","part":2,"page":225},{"id":826,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 226\rلَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ أي لا مانع لنا من ذلك وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا على أذاكم وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَ تصيرن فِي مِلَّتِنا ديننا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) الكافرين وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ أرضهم مِنْ بَعْدِهِمْ بعد هلاكهم ذلِكَ النصر وإيراث الأرض لِمَنْ خافَ مَقامِي أي مقامه بين يدي وَخافَ وَعِيدِ (14) بالعذاب وَاسْتَفْتَحُوا استنصر الرسل باللّه على قومهم وَخابَ خسر كُلُّ جَبَّارٍ متكبر عن طاعة اللّه عَنِيدٍ (15) معاند للحق مِنْ وَرائِهِ أي أمامه جَهَنَّمُ يدخلها وَيُسْقى فيها مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (16) هو ما يسيل من جوف أهل النار مختلطا بالقيح والدم يَتَجَرَّعُهُ يبتلعه مرة بعد مرة لمرارته وَلا يَكادُ\r______________________________\rالمناسب أن يقول بإرادته. قوله: فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي يفوضوا أمورهم إليه، ويصبروا على ما أصابهم. قوله: وَما لَنا أي أي شيء ثبت لنا. قوله: (أي لا مانع لنا من ذلك) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي.\rقوله: وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا أي أرشدنا إلى طرقنا الموصلة للسعادة العظمى. قوله: وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا أي فلا نبالي بكم ولا بإذايتكم. قوله: (على أذاكم) أشار بذلك إلى أن ما مصدرية. قوله: فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ أي يدوموا على التوكل.\rقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي المتعنتون المتمردون. قوله: لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أي فلا تخالطونا، بل أريحونا من هذا التعب. قوله: (لتصيرن) دفع بذلك ما يقال: إن العود يقتضي أنه سبق لهم التلبس بملتهم، مع أن الرسل معصومون من ذلك؛ فأجاب المفسر: بأن المراد بالعود الصيرورة، أي لتصيرن داخلين في ملتنا.\rقوله: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أي إلى الرسل بعد هذه المقالات لليأس من إيمانهم قوله: لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ أي نستأصلهم بالهلاك، فلا يبقى منهم أحد.\rقوله: ذلِكَ مبتدأ خبره قوله: لِمَنْ خافَ الخ. قوله: (أي مقامه بين يدي) أي موقفه عندي يوم القيامة. قوله: وَخافَ وَعِيدِ (بالعذاب) في هذه الآية إشارة إلى أن الخوف من اللّه غير الخوف من وعيده، لأن العطف يقتضي المغايرة.\rقوله:\rوَاسْتَفْتَحُوا أي طلب الرسل الفتح من اللّه، لما أيسوا من إيمان قومهم. قوله: (استنصر الرسل) أي طلبوا من اللّه النصر.\rقوله: وَخابَ معطوف على مقدر، والتقدير فنصروا وخاب الخ. قوله: (خسر) أي في الدنيا والآخرة. قوله: (متكبر عن طاعة اللّه) أي متعظم في نفسه، محتقر لما سواه. قوله: (أي أمامه) أي فالوراء يستعمل في الأمام والخلف، فهو من الأضداد، وقيل هو اسم لما توارى عنك، سواء كان من خلفك أو من أمامك.\rقوله: صَدِيدٍ بدل أو عطف بيان قوله: (هو ما يسيل) الخ، وقيل هو ما يسيل من فروج الزناة يسقاه الكافر.\rقوله: يَتَجَرَّعُهُ أي يكلف تجرعه ويقهر عليه.\rقوله: وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ أي لا يقرب من إساغته: قال عليه الصلاة والسّلام في قوله تعالى:\rوَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ قال «يقرب إلى فيه فيكرهه، فإذا أدني منه، شوى وجهه ووقعت فروة","part":2,"page":226},{"id":827,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 227\rيُسِيغُهُ يزدرده لقبحه وكراهته وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ أي أسبابه المقتضية له من أنواع العذاب مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ بعد ذلك العذاب عَذابٌ غَلِيظٌ (17) قوي متصل مَثَلُ صفة الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ مبتدأ ويبدل منه أَعْمالُهُمْ الصالحة كصلة وصدقة في عدم الانتفاع بها كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ شديد هبوب الريح فجعلته هباء منثورا لا يقدر عليه، والمجرور خبر المبتدإ لا يَقْدِرُونَ أي الكفار مِمَّا كَسَبُوا عملوا في الدنيا عَلى شَيْءٍ أي لا يجدون له ثوابا لعدم شرطه ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الهلاك الْبَعِيدُ (18) أَلَمْ تَرَ تنظر يا مخاطب استفهام تقرير أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ متعلق بخلق إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أيها الناس وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) بدلكم وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20) شديد وَبَرَزُوا خرجوا أي الخلائق والتعبير فيه وفيما بعده بالماضي لتحقق وقوعه لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ\r______________________________\rرأسه أي جلدتها بشعرها، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبر» كما قال وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ، وقال وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً.\rقوله: وَما هُوَ بِمَيِّتٍ أي فيستريح، قال ابن جريج: تعلق نفسه عند حنجرته، فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة. قوله: (بعد ذلك العذاب) أشار بذلك إلى أن الضمير في ورائه عائد على العذاب، وقيل عائد على كل جبار، والمعنى: ويستقبل في كل وقت عذابا أشد مما هو فيه، كالحيات والعقارب والزمهرير، وغير ذلك، أجارنا اللّه من ذلك. قوله: (متصل) أي لا ينقطع بل هو دائم مستمر. قوله: (و يبدل منه) أي من الموصول، والأصل مثل أعمال الذين كفروا. قوله: (في عدم الانتفاع بها) أي فهي وإن كانت أعمال بر، إلا أنها لا تنفع صاحبها يوم القيامة بسبب كفره ولأن كفره أحبطها وأبطلها، وإنما جزاؤها إن كانت لا تتوقف على الإسلام، يكون في الدنيا بتوسيع الرزق والعافية في البدن.\rقوله: اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ أي حملته وذهبت به. قوله: (لعدم شرطه) أي وهو الإيمان. قوله:\rالْبَعِيدُ أي الذي لا يرجى زواله.\rقوله: أَلَمْ تَرَ الخطاب لكل من يتأتى منه التأمل والنظر، فليس خاصا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (تنظر) أي تبصر وتتأمل ببصيرتك، فتستدل على أن الخالق متصف بالكمالات.\rقوله: (استفهام تقرير) أي والمعنى أقر يا مخاطب بذلك واعترف ولا تعاند، فإن القادر على خلق السموات لا يعجزه شيء، فهو حقيق بالعبادة دون غيره. قوله: بِالْحَقِ الباء إما للسببية أو الملابسة، والمعنى خلق السموات والأرض بسبب الحق أو ملتبسا بالحق، أي الحكمة الباهرة لا عبثا. قوله: (متعلق بخلق) أي أو بمحذوف حال من فاعل.\rقوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أي يعدمكم، فإن القادر لا يصعب عليه شيء، قال تعالى: إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ.\rقوله: وَما ذلِكَ أي الإذهاب والإتيان بشديد على اللّه، قال تعالى: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ.\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 2 228\r\rقوله: وَما ذلِكَ أي الإذهاب والإتيان بشديد على اللّه، قال تعالى: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ.\rقوله: وَبَرَزُوا هذا إخبار من اللّه تعالي عن محاجة الكفار، مع بعضهم ومع إبليس يوم القيامة، والبروز الظهور، والمعنى يظهرون بين الخلائق، فلا يغيب لهم شيء من أوصافهم أبدا. قوله: (خرجوا) أي من القبور، للحساب والجزاء.","part":2,"page":227},{"id":828,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 228\rالضُّعَفاءُ الأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا المتبوعين إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً جمع تابع فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ دافعون عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ من الأولى للتبيين والثانية للتبعيض قالُوا أي المتبوعين لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ لدعوناكم إلى الهدى سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ زائدة مَحِيصٍ (21) ملجأ وَقالَ الشَّيْطانُ إبليس لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار واجتمعوا عليه إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِ بالبعث والجزاء فصدقكم وَوَعَدْتُكُمْ أنه غير كائن فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ زائدة سُلْطانٍ قوة وقدرة أقهركم على متابعتي إِلَّا لكن أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ على إجابتي ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ بمغيثكم وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَ بفتح الياء وكسرها إِنِّي كَفَرْتُ بِما\r______________________________\rقوله: (و التعبير) الخ، جواب عما يقال: إن هذه الأشياء لم تحصل. فأجاب: بأن ذلك لتحقق الوقوع، أي لأن اللّه سبحانه وتعالى، عالم بما كان وما يكون وما هو كائن فالماضي والمستقبل في علمه على حد سواء.\rقوله: فَقالَ الضُّعَفاءُ أي في الرأي. قوله: إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً أي في تكذيب الرسل والدخول في دينكم. قوله: (من الأولى للتبيين) الخ، أي والكلام فيه تقديم وتأخير، والتقدير فهل أنتم مغنون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب اللّه. قوله: قالُوا أي جوابا لهم، واعتذارا عما فعلوا بهم. قوله: لَوْ هَدانَا اللَّهُ أي لو وصلنا اللّه لدار السعادة في الدنيا بالإيمان لهديناكم، لكن حصل لنا الضلال فأضللناكم، فاخترنا لكم ما لأنفسنا. قوله: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا هذا من كلام جميع الكفار الأتباع والرؤساء، ويؤيده ما روي أنهم يقولون: تعالوا نجزع، فيجزعون خمسمائة عام، فلا ينفعهم، فيقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون كذلك، فلا ينفعهم ثم يقولون سَواءٌ عَلَيْنا الخ، والجزع: القلق وعدم تحمل الشدائد. قوله: (ملجأ) أي محل هروب نلتجىء له.\rقوله: وَقالَ الشَّيْطانُ الخ، أي حين يوضع له منبر من نار في النار، فيجتمع عليه أهل النار يلومونه، فيقول لهم إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ الخ. قوله: لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ أي نفذ قضاؤه باستقرار أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. قوله: وَعْدَ الْحَقِ أي الوعد الثابت الناجز، وليس المراد الوعد بالخير، بل المراد به الجزاء والبعث. قوله: (فصدقكم) أشار بذلك إلى أن في الكلام حذفا بدليل قوله:\rفَأَخْلَفْتُكُمْ. قوله: (أنه غير كائن) قدره إشارة إلى أن مفعول وعد الثاني محذوف. قوله:\rفَأَخْلَفْتُكُمْ أي تبين خلافه. قوله: (لكن) أشار بذلك إلى الاستثناء منقطع، لأن دعوته ليست من جنس السلطان.\rقوله: فَلا تَلُومُونِي أي على وسوستي لكم. قوله: وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ أي وبخوها على اتباعي، فإني لم أكن مكرها لكم على اتباعي، بل جاءتكم البينات والرسل، وسمعتم الدلائل الظاهرة على توحيد اللّه، فتركتموها واتبعتموني. قوله: (على اجابتي) أي ومخالفة ربكم. قوله: (بمغيثكم) أي من العذاب. قوله: (بفتح الياء وكسرها) أي فهما قراءتان سبعيتان، والأصل بمصرخين لي، حذفت اللام","part":2,"page":228},{"id":829,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 229\rأَشْرَكْتُمُونِ بإشراككم إياي مع اللّه مِنْ قَبْلُ في الدنيا قال تعالى: إِنَّ الظَّالِمِينَ الكافرين لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (22) مؤلم وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ حال مقدرة فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها من اللّه ومن الملائكة وفيما بينهم سَلامٌ (23) أَلَمْ تَرَ تنظر كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ويبدل منه كَلِمَةً طَيِّبَةً أي لا إله إلا اللّه كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ هي النخلة أَصْلُها ثابِتٌ في الأرض وَفَرْعُها غصنها فِي السَّماءِ (24) تُؤْتِي تعطي أُكُلَها ثمرها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها بإرادته كذلك كلمة الإيمان ثابتة في قلب المؤمن وعمله يصعد إلى السماء ويناله بركته وثوابه في كل وقت وَيَضْرِبُ يبين اللَّهُ الْأَمْثالَ\r______________________________\rللتخفيف، والنون للإضافة، فاجتمع مثلان، أدغم أحدهما في الآخر، فحركت ياء الإضافة بالفتح طلبا للخفة على إحدى القراءتين، وكسرت على أصل التخلص من التقاء الساكنين على الأخرى.\rقوله: إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ أي تبرأت وأنكرت إشراككم إياي مع اللّه، حيث اطعتموني في وسوستي لكم بالشرك، فكأنهم أشركوه مع اللّه. قوله: (قال تعالى) أشار بذلك إلى أنه ليس من كلام إبليس، وقيل من كلامه.\rقوله: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا لما ذكر أحوال الأشقياء، شرع في ذكر أحوال السعداء. قوله: (حال مقدرة) أي مقدرين الخلود فيها وتقدير الخلود عند الدخول من تمام النعيم. قوله:\rبِإِذْنِ رَبِّهِمْ متعلق بأدخل. قوله: (من اللّه) قال تعالى: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ. قوله: (و من الملائكة) قال تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ.\rقوله: أَلَمْ تَرَ الخطاب إما للنبي، أو لكل من يتأتى منه الخطاب. قوله: مَثَلًا المثل تشبيه مجهول بمعلوم ليقاس عليه. قوله: (أي لا إله إلا اللّه) خصها بالذكر لأنها مفتاح الجنة، ولم يقبل من أحد الإيمان إلا بها، وقيل كل كلمة حسنة، كالتسبيح والتحميد والاستغفار وغير ذلك. قوله: أَصْلُها ثابِتٌ أي عروقها ثابتة في الأرض ماكثة فيها، حتى أنها لا تحتاج لسقي، بل تشرب من عروقها. قوله:\rوَفَرْعُها فِي السَّماءِ أي لجهة العلو.\rقوله: كُلَّ حِينٍ اختلف في مقداره، فقيل الحين كل سنة، لأن النخلة تثمر في كل سنة مرة، وقيل ستة أشهر، لأنه من وقت طلعها إلى طيبها كذلك، وقيل ثمانية أشهر، لأن حملها ظاهرا وباطنا كذلك، وقيل أربعة أشهر، لأنه من حين ظهورها إلى إدراكها كذلك، وقيل شهران، لأنه من وقت أكلها إلى قطع ثمرها كذلك، وقيل كل وقت، لأن ثمر النخل يؤكل دائما، فيؤكل منها الطلع والبلح والبسر الرطب والتمر، وهو الأولى. قوله: (و عمله يصعد إلى السماء) قال تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ووجه الشبه بين الإيمان والشجرة، أن الشجرة لها عرق راسخ وفرع عال وثمر يؤكل، والإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان، فإذا أكثر الإنسان من ذكر هذه الكلمة، ظهرت عليه أنوارها، ولمعت في فؤاده أسرارها، فدام نفعه بها في العاجل والآجل، ومن هنا اختص الصوفية بها، بمعنى أنهم تلقوه عن أشياخهم بالسند المتصل وتعلقوا بها، فصارت شعارهم ودثارهم، ولذا قال السنوسي: فعلى العاقل أن يكثر من ذكرها مستحضرا، لما احتوت عليه من المعاني، حتى تمتزج مع معناها بلحمه ودمه، فإنه يرى لها من الأسرار والعجائب، ما لا يدخل تحت حصر.","part":2,"page":229},{"id":830,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 230\rلِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) يتعظون فيؤمنون وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ هي كلمة الكفر كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ هي الحنظل اجْتُثَّتْ استؤصلت مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (26) مستقر وثبات كذلك كلمة الكفر لا ثبات لها ولا فرع ولا بركة يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ هي كلمة التوحيد فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ أي في القبر لما يسألهم الملكان عن ربهم ودينهم ونبيهم فيجيبون بالصواب كما في حديث الشيخين وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ الكفار فلا يهتدون للجواب بالصواب بل يقولون لا ندري كما في الحديث وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (27) أَلَمْ تَرَ تنظر إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ أي شكرها كُفْراً هم كفار قريش وَأَحَلُّوا أنزلوا قَوْمَهُمْ بإضلالهم إياهم دارَ الْبَوارِ (28) الهلاك جَهَنَّمَ عطف بيان يَصْلَوْنَها يدخلونها وَبِئْسَ\r______________________________\rقوله: (هي كلمة الكفر) أي كل ما يدل عليه. قوله: (هي الحنظل) حكمة النشبيه بها، أنها لا تغوص في الأرض، بل عروقها في وجه الأرض، ولا غصون لها تصعد إلى جهة السماء، بل ورقها يمتد على الأرض كشجر البطيخ، وثمرها رديء، وتسميتها شجرا مشاكلة، لأنها من النجم لا من الشجر، لأن الشجر ما له ساق، والنجم ما لا ساق له. قوله: اجتثت أي قلعت جثتها، والمعنى على التشبيه، أي كأنها لعدم ثبات أصلها وامتداده في الأرض، كالشيء المقلوع جثته.\rقوله: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا هذا راجح للمثل الأول. قوله: فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي فلا يتزلزلون عن الدين إذا ابتلوا بالمصائب، كالقتل، وأخذ المال، وفقد الأحباب، والفتنات عند الممات، وغير ذلك، وهذه بشرى للمؤمنين، بأن إيمانهم ثابت في قلوبهم، لا يتزلزل أبدا بل يثبتهم اللّه دنيا وأخرى. قوله: (أي في القبر) خصه بالذكر، لأنه بعد سؤاله لا يفتنون في التوحيد، وإنما يكون حسابهم في الموقف على فروع الدين. قوله: (لما يسألهم الملكان) أي حين يحيي اللّه الميت، حتى يسمع قرع من كان ماشيا في جنازته، فيقعدانه ويقولان له: من ربك؟ وما دينك؟\rومن نبيك؟ فأما المؤمن فيقول: ربي اللّه، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فيقولان له: نم نومة العروس، قد علمنا إن كنت لموقنا، وأما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري، كنت أسمع الناس يقولون شيئا فقلت مثل ما يقولون، فيضربانه بمطراق من نار، فيصيح صيحة يسمعه من في الأرض غير الثقلين، ويقولان له: لا دريت ولا تليت. قوله: وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ أي يحكم لا معقب لحكمه، وهو جواب عن سؤال مقدر تقديره: لم هدى هؤلاء، وأضل هؤلاء؟ فأجاب: بأنه يفعل ما يشاء، فلا يسأل عما يفعل.\rقوله: أَلَمْ تَرَ استفهام تعجيب، وهو خطاب لرسول اللّه ولكل عاقل. قوله: (أي شكرها) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله: (هم كفار قريش) أي فنعم اللّه التي بدلوا شكرها كفرا، كون نسبهم أشرف الأنساب، وبلدهم أشرف البلاد، وكون الخلق تسعى إليهم ولا يسعون، فبدلوا ذلك، حيث كذبوا خير الخلق، وعبدوا الأصنام. قوله: قَوْمَهُمْ أي أتباعهم. قوله: دارَ الْبَوارِ يقال باريبور بوارا بالضم هلك، وبار الشيء بوارا كسد، فأطلق اللازم وأريد الملزوم، لأنه يلزم من الكساد والهلاك.\rقوله: يَصْلَوْنَها حال من القوم.","part":2,"page":230},{"id":831,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 231\rالْقَرارُ (29) المقر هي وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً شركاء لِيُضِلُّوا بفتح الياء وضمها عَنْ سَبِيلِهِ دين الإسلام قُلْ لهم تَمَتَّعُوا بدنياكم قليلا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ مرجعكم إِلَى النَّارِ (30) قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فداء فِيهِ وَلا خِلالٌ (31) مخالة أي صداقة تنفع، هو يوم القيامة اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ\r______________________________\rقوله: وَجَعَلُوا عطف على ما بدلوا. قوله: أَنْداداً جمع ند بمعنى النظير. قوله: لِيُضِلُّوا اللام للعاقبة والصيرورة، لأن اتخاذهم الأنداد، ليس لأجل الضلال، بل لكونهم يقربونهم إلى اللّه زلفى.\rقوله: (بفتح الياء وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان، والمعنى ليضلوا في أنفسهم وهذا على الفتح، أو ليضلوا غيرهم وهذا على الضم. قوله: (بدنياكم) أي أو بعبادتكم الأصنام، لأنها من جملة الشهوات التي يتمتع بها، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإن هذا تهديد لكل ظالم. قوله: فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ أي مآلكم إليها.\rقوله: قُلْ لِعِبادِيَ بثبوت الياء مفتوحة، وبحذفها لفظا لا خطا، قراءتان سبعيتان هنا وفي أربعة مواضع من القرآن، في سورة الأنبياء في قوله: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ. وفي العنكبوت في قوله: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ. وقوله في سبأ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ. وقوله في سورة الزمر قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ. والإضافة في عبادي للتشريف، ولذا قال العارف:\rومما زادني شرفا وتيها ... وكدت بأخمصي أطأ الثريا\r\rدخولي تحت قولك يا عبادي ... وأن صيرت أحمد لي نبيا\rقوله: الَّذِينَ آمَنُوا أي اتصفوا بالإيمان، وفي ذلك إشارة إلى أن الصلاة والزكاة وغيرهما من وجوه البر، لا تكون إلا لمن اتصف بالإيمان، فلا تنفع الكافر في حال كفره، فلا ينافي أنه مخاطب بفروع الشريعة، لكن لا تصح منه إلا الإسلام، وفائدة خطابه بها، أنه يعذب عليها زيادة على عذاب الكفر، بدليل قوله تعالى: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ الآية. قوله:\rوَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ أي النفقة الواجبة كالزكاة، والمندوبة كالتطوعات، وقوله: سِرًّا وَعَلانِيَةً أي فالإنسان مخير في الاتفاق، إما سرا، أو جهرا، لكن الأفضل فى الواجبة الجهر، لئلا يتهم بقلة الدين، وفي التطوعات السر، لكونه أقرب إلى الاخلاص. قوله: (فداء) مشى المفسر على أن المراد بالبيع الفداء، مشى غيره على إبقاء البيع على ظاهره، أي لا شيء يباع فيه للفداء. قوله: (مخالة) أشار المفسر إلى أن قوله:\rخِلالٌ مصدر بمعنى المخالة، وقال غيره إن خلال جمع خلة، كقلال جمع قلة. قوله: (أي صداقة تنفع) هذا محمول على الكفر بدليل آية الزخرف الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ، فالمتقون لهم الأخلاء يوم القيامة، وفي القبور، وفي كل موطن مخوف، والكفار قد تقطعت بهم الأسباب، فليس لهم أخلاء نافعون أصلا.\rقوله: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ شروع في ذكر دلائل وحدانيته تعالى، واتصافه بالكمالات، وهذه الآية","part":2,"page":231},{"id":832,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 232\rالسَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ السفن لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بالركوب والحمل بِأَمْرِهِ بإذنه وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ جاريين في فلكهما لا يفتران وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ لتسكنوا فيه وَالنَّهارَ (33) لتبتغوا فيه من فضله وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ على حسب مصالحكم وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ بمعنى إنعامه لا تُحْصُوها لا تطيقوا عدها إِنَّ الْإِنْسانَ الكافر لَظَلُومٌ\r______________________________\rمشتملة على عشرة أدلة. قوله: مِنَ السَّماءِ ماءً أي فماء المطر من السماء، كما ذكره أهل السنة. قوله:\rمِنَ الثَّمَراتِ المراد بها ما يشمل المطعوم والملبوس. قوله: رِزْقاً لَكُمْ حال من الثمرات. قوله:\r(السفن) أي الكبار والصغار، وقوله: (بالركوب) أي على ظهرها، وقوله: (و الحمل) أي حمل الأثقال من محل إلى آخر.\rقوله: وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ جمع نهر، أي ذللها لكم في جميع الأرض على ما تشتهي أنفسكم.\rقوله: دائِبَيْنِ الدأب العادة المستمرة دائما على حال واحدة، والمعنى أن اللّه سخر الشمس والقمر يجريان من يوم خلقهما اللّه، لا يخلقان ولا يفتران عن سيرهما إلى آخر الدهر، فالشمس نعمة النهار، والقمر نعمة الليل، وهما منافع للعالم، بهما يهتدون، ويعرفون السنين والحساب، وتطيب ثمارهم وزروعاتهم، فهما سبب عادي لنفع العالم، يوجد النفع عندهما لا بهما. قوله: (لا يفتران) أي لا يضعفان ولا ينكسران. قوله: (في فلكهما) أي محلهما ومقرهما، وهو السماء الرابعة للشمس، وسماء الدنيا للقمر.\rقوله: (لتسكنوا فيه) أي تطمئنوا فيه من تعب النهار. قوله: (لتبتغوا من فضله) أي تسعوا في معايشكم ومعادكم، قال تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ.\rقوله: وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ عطف عام على خاص، ومِنْ قيل صلة على مذهب الأخفش، من زيادتها في الأثبات، أي آتاكم كل ما سألتموه، وقيل تبعيضية، أي آتاكم بعض كل ما سألتموه، أي احتجتم إليه، ولو لم يحصل سؤال بالفعل، فالمراد شأنكم تسألون عنه لاحتياجكم إليه، فإن اللّه أعطانا النعم من غير سؤال منا، والمعنى أعطى اللّه كل فرد، فرد، بعض، كل ما يحتاج إليه العالم، فأصول النعم اشترك فيها جميع العالم، عقلاء وغيرهم، مسلمين وكفارا، وما يحتمل أنها موصولة وهو الأتم، والتقدير بعض كل ما سألتموه، أو مصدرية، والتقدير بعض كل مسؤولكم. قوله: (على حسب مصالحكم) جواب عما يقال: إن الإنسان لم يعط بعض كل ما سأل، فإنه قد يسأل السلطنة مثلا ولا يعطاها، فأجاب: بأن هذه العطية ليست على حسب ما يصلح للعبد، بل على حسب مراد اللّه تعالى، فعطاياه سبحانه وتعالى، على حسب مراده في خلقه، فمنهم من جعل رزقه واسعا، ومنهم من جعل رزقه ضيقا، وهكذا.\rقوله: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ أي أفرادها فإنها غير متناهية. قوله: (بمعنى إنعامه) أشار بذلك إلى أن المراد بالنعمة الأنعام، وهو صفة فعل، ودفع بذلك ما يقال، كيف يقول اللّه وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها، مع أن كل نعمة دخلت الوجود متناهية ويمكن عدها؟ فأجاب: بأن المراد بالنعمة الإنعام، بمعنى تجددها شيئا فشيئا، قوله: (الكافر) المراد به أبو جهل، لأنها نزلت فيه، والعبرة بعموم","part":2,"page":232},{"id":833,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 233\rكَفَّارٌ (34) كثير الظلم لنفسه بالمعصية والكفر لنعمة ربه وَاذكر إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ مكة آمِناً ذا أمن وقد أجاب اللّه دعاءه فجعله حرما لا يسفك فيه دم إنسان ولا يظلم فيه أحد ولا يصاد صيده ولا يختلى خلاه وَاجْنُبْنِي بعدني وَبَنِيَ عن أَنْ نَعْبُدَ\r______________________________\rاللفظ لا بخصوص السبب.\rقوله: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ إِذْ ظرف معمول لمحذوف قدره المفسر بقوله (اذكر) وهو خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، أي اذكر لهم قصة إبراهيم، ودعواته لساكني البيت الحرام ولبنيه، لعلهم يعتبرون، فينزجروا عما هم عليه، فإن لم يعتبروا، فقد تعرضوا لما يحل بهم. قوله: هَذَا الْبَلَدَ قال الأشياخ: حكمة تعريف البلد هنا، وتنكيرها في البقرة، أن إبراهيم تكرر منه الدعاء، فما في البقرة كان قبل بنائها، فطلب من اللّه أن تجعل بلدا، وأن تكون آمنا، وما هنا بعد بنائها، فطلب من اللّه أن تكون آمنا. قوله: (لا يسفك فيه دم إنسان) أي لا يتمكن منه جبار، بقصد إهانة البيت وأهله، وما وقع من الحجاج، في مقاتلته لابن الزبير، وهدمه للبيت، إنما كان بقصد التعظيم للبيت، بسبب دعواه أن ابن الزبير كان مخطئا في بنائه البيت على قواعد إبراهيم، وقوله: (لا يسفك فيه دم إنسان) أي ولو قصاصا، وهو مذهب أبي حنيفة، وإنما يضيق عليه ليخرج، فإذا خرج اقتص منه. قوله: (و لا يظلم فيه أحد) أي ومن تجرأ وظلم فيه، فقد تعرض لعذاب اللّه، قال تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. قوله: (و لا يصاد صيده) أي يحرم صيد البر في الحرم، على كل شخص محرما أو غيره. قوله: (و لا يختلي خلاه) أي لا يقطع حشيشه النابت بنفسه، واستثنى العلماء من ذلك الاذخر والسنا والسواك والعصا وقطع الشجر للبناء محله، لأنه ينبغي توسعته. إن قلت: إن قوله: آمِناً يعارضه ما روي: أن ذا السويقتين يخرب البيت، ويخيف أهله في آخر الزمان. أجيب: بأن معنى الأمن الطمأنينة، ظاهرا وباطنا، من سطوات الخالق والمخلوق، للحيوان العاقل، وغيره غالبا، فلا ينافي حدوث النوادر من بعض الجبابرة. وأجيب أيضا: بأن المراد الأمن من الخراب إلى قرب الساعة، فإن ذا السويقتين، يخرب الكعبة قرب الساعة، بعد موت عيسى عليه السّلام.\rفائدة: قول ابراهيم رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ الخ، يقتضي أن دأبه الدعاء، وما ورد من قوله حين ألقي في النار: حسبي من سؤالي علمه بحالي، يقتضي أنه لم يكن دأبه الدعاء، فما السر في ذلك؟ أجيب:\rبأنه كان في زمن إلقائه في النار، في مقام الفناء والسكر، وهو الغيبة عن شهود الخلق بشهود الحق، فلا يشهد أثرا، وفي زمن دعائه في مقام البقاء وجمع الجمع، وهو البقاء باللّه بمعنى شهود الآثار بعد شهود مؤثرها، فمقامه في حال دعائه، أعلى وأجل من مقامه في حال تركه له، ولا يقاس بمقامات الأنبياء مقام، بل بدايتهم أعلى وأجل من نهاية غيرهم، فالأولياء وإن عظموا، لا يصلون لأدنى رتب الأنبياء، وأما قول أبي الحسن الشاذلي: واقرب مني بقدرتك قربا تمحق به عني كل حجاب محقته عن إبراهيم خليلك الخ، فمعناه قربا يليق بي، لا كقرب الخليل، فقد طلب من اللّه أن يذيقه قطرة من بحار تجلياته التي تجلى بها على الخليل حتى أسكره، فلم يشهد شيئا سواه.\rقوله: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَ المراد أولاده وأولاد أولاده، كإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط. إن","part":2,"page":233},{"id":834,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 234\rالْأَصْنامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَ أي الأصنام أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بعبادتهم لها فَمَنْ تَبِعَنِي على التوحيد فَإِنَّهُ مِنِّي من أهل ديني وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) هذا قبل علمه أنه تعالى لا يغفر الشرك رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي أي بعضها وهو إسماعيل مع أمه هاجر بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ هو مكة عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ الذي كان قبل الطوفان رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً قلوبا مِنَ النَّاسِ تَهْوِي تميل وتحن إِلَيْهِمْ قال ابن عباس: لو قال: أفئدة\r______________________________\rقلت: إن الأنبياء معصومون من الشرك، ففي دعائه تحصيل الحاصل. والجواب الأتم: أن دعاءه تشريع وتعليم وتذلل وتواضع، مع كونه يعلم عصمة نفسه، ويقال مثل هذا في دعوات باقي الأنبياء بالنجاة، مما هم معصومون منه، كعذاب النار، وغضب الجبار، ونحو ذلك.\rقوله: رَبِّ إِنَّهُنَ كرر النداء تأكيدا. قوله: (بعبادتهم لها) أشار بذلك إلى أن نسبة الإضلال للأصنام مجاز، لأنها سبب في الضلال بسبب عبادتها. قوله: فَإِنَّهُ مِنِّي أي منسوب لي وملحق بي.\rقوله: (هذا قبل علمه) الخ. جواب عما يقال: إن اللّه لا يغفر الشرك، فكيف يقول فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ؟ وأجيب أيضا: بأن قوله: وَمَنْ عَصانِي أي بغير الكفر، وبأن طلب الغفران لذريته الكفار إن ماتوا على الإسلام. قوله: (و هو إسماعيل مع أمه هاجر) وسبب ذلك الاسكان، أن هاجر كانت جارية لسارة، فوهبتها لإبراهيم، فولدت منه إسماعيل، فغارت سارة منها، لأنها لم تكن قد ولدت قط، فأنشدته باللّه أن يخرجهما من عندها، فأمره اللّه تعالى بالوحي أن ينقلها إلى أرض مكة، وأتى له بالبراق، فركب عليه هو وهاجر والطفل، فأتى من الشام ووضعهما في مكة عند البيت مكان زمزم، وليس بمكة أحد، ولا بناء ولا ماء، ثم قام إبراهيم منطلقا، فتبعته هاجر وقالت: أين تذهب وتتركني بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شيء؟ فلم يلتفت، فقالت: آللّه أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذا لا يضيعني ثم رجعت، فانطلق إبراهيم، ثم رفع يديه إلى السماء وقال\r: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ الخ. قوله: بِوادٍ أي في واد، والوادي هو المنخفض بين الجبلين. قوله: غَيْرِ ذِي زَرْعٍ أي لا يصلح للزرع به، لكونه أرضا حجرية لا تنبت شيئا. قوله: (الذي كان قبل الطوفان) أشار بذلك، إلى أن تسميته بيتا محرما، فيه مجاز باعتبار ما كان، ويصح أن يكون مجازا، باعتبار ما يؤول إليه الأمر، لأن اللّه أوحى إليه وأعلمه، أن هناك بيتا حراما، وأنه سيعمره.\rقوله: رَبَّنا كرر النداء، لأن الدعاء ينبغي فيه الأطناب وكثرة الابتهال. قوله: لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ اللام لام كي متعلقة بأسكنت، والمعنى أسكنتهم بهذا الوادي الخالي من كل مرتفق، ليشتغلوا بأشراف العبادات في أشرف الأماكن، والمراد من الدعاء بإقامة الصلاة، توفيقهم لأدائها على الوجه الأكمل. قوله: تَهْوِي القراء السبعة على كسر الواو، أي تسرع وتطير شوقا إليهم، وقرىء شذوذا بفتح الواو، وخرجت على زيادة إلى، أي تهواهم، وخص الأفئدة بالذكر، لأن القلوب سلاطين الأعضاء، فإذا حنت إليهم القلوب، سعت لهم الأجساد قهرا. قوله: (تميل وتحن) أشار بذلك إلى أنه ضمن تهوي معنى تميل، فعداه بإلى، وإلا فهو يتعدى باللام، وفي هذا دعاء للمؤمنين، بأن يرزقهم اللّه حج البيت، ودعاء لسكان مكة من ذريتهم بميل الناس إليهم، ليرتفقوا وينتفعوا بهم، فقد جمع في هذا","part":2,"page":234},{"id":835,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 235\rالناس لحنت إليه فارس والروم والناس كلهم وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) وقد فعل بنقل الطائف إليه رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي نسر وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ زائدة شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (38) يحتمل أن يكون من كلامه تعالى أو كلام إبراهيم الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي أعطاني عَلَى مع الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ ولد وله تسع وتسعون سنة وَإِسْحاقَ ولد وله مائة واثنتا عشرة سنة إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَاجعل مِنْ ذُرِّيَّتِي من يقيمها وأتى بمن لإعلام اللّه تعالى له أن منهم كفارا رَبَّنا\r______________________________\rالدعاء، بين أمر الدين والدنيا للناس ولذريته. قوله: (لو قال أفئدة الناس) الخ، أي ولكنه لم يقل ذلك، فلم يحصل لسابقة علم اللّه تعالى، أنه لا يحن إليهم جميع الناس لوجود الكفار منهم، فإبراهيم دعا بما سيحصل في الخارج، المطابق لما علمه اللّه.\rقوله: لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ أي يصرفون النعم في مصارفها. قوله: (و قد فعل بنقل الطائف إليه) أي وهو قطعة من أرض الشام، من مكان يقال له حوران، بدلت بقطعة من الحجاز، فصارت العيون والأشجار بالطائف، والحجارة والحصا والقفر بأرض حوران، يشاهده كل من رآه، وهو إجابة قوله:\rوَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ، وأما قوله: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ الخ، فقد حصل مبدأ إجابته بجرهم، وذلك أن إبراهيم لما وضع إسماعيل وأمه، تركهما ومعهما جراب من تمر وسقاء من ماء، فلما نفد الماء، عطشت هي وولدها، فصعدت على الصفا لتنظر هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، فهبطت ثم أتت المروة، فقامت عليها فنظرت، هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات، ولذلك شرع السعي بينهما سبعا فعند ذلك جاء جبريل، وضرب زمزم بجناحه فخرج الماء فجعلت تحوط عليه وتقول زمي زمي، وفي الحديث «يرحم اللّه أم إسماعيل، لو تركت زمزم لكانت عينا معينا» فجعلت تشرب منه، فمكثوا كذلك، حتى مرت بهم قبيلة من جرهم، كانوا ذاهبين إلى الشام، فعطشوا فرأوا الماء عندها فقالوا لها: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، فقالوا لها: أشركينا في مائك، نشركك في ألباننا، ففعلت، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم، فلما شب إسماعيل، تعلم منهم العربية وكان أنفسهم، فزوجوه بامرأة منهم، وماتت أمه وما تزوج.\rقوله: رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ أي تعلم ما نسره من جميع أمورنا وما نظهره منها، أو المعنى: تعلم ما نخفي من الوجد بفرقة إسماعيل وأمه حيث أسكنتهما بواد غير ذي زرع. وما نعلن، أي من قول هاجر آللّه أمرك بهذا؟ وقولي لها نعم. قوله: (يحتمل أن يكون) أي قوله: وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ الخ، فعلى الأول: هو اعتراض بين كلامي إبراهيم، وعلى الثاني: ففيه وضع الظاهر موضع المضمر.\rقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الخ، هذا قاله إبراهيم في وقت آخر بعد الدعاء، فإنه حين الدعاء، لم يكن إسحاق موجودا، بل كان إسماعيل فقط طفلا، وحين الحمد كان إسحاق موجودا، ومعلوم أن بينهما ثلاث عشرة سنة. قوله: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ مجيبه.\rقوله: مُقِيمَ الصَّلاةِ أي مواظبا عليها، بشروطها وأركانها وآدابها. قوله: وَ(اجعل) مِنْ ذُرِّيَّتِي أشار المفسر إلى أن قوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي","part":2,"page":235},{"id":836,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 236\rوَتَقَبَّلْ دُعاءِ (40) المذكور رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَ هذا قبل أن يتبين له عداوتهما للّه عز وجل، وقيل أسلمت أمه وقرىء والدي مفردا وولدي وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ يثبت الْحِسابُ (41) قال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ الكافرون من أهل مكة إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ بلا عذاب لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (42) لهول ما ترى، يقال شخص بصر فلان أي فتحه فلم يغمضه مُهْطِعِينَ مسرعين حال مُقْنِعِي رافعي رُؤُسِهِمْ إلى السماء لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ\r______________________________\rمعطوف على الياء في اجعلني، فيكون الفعل مسلطا عليه. قوله: وَتَقَبَّلْ دُعاءِ بثبوت الياء وصلا ووقفا، وحذفها كذلك قراءتان سبعيتان.\rقوله: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي إن قلت كيف يطلب المغفرة، مع أنه نبي معصوم من جميع الذنوب؟\rأجيب: بأن المغفرة لا تستدعي سبق ذنب، بل تكون من الطاعات، كما إذا ارتقى مقاما أعلى مما كان فيه، فيستغفر اللّه مما كان فيه، على حد ما قيل في قوله: صلّى اللّه عليه وسلّم «إني ليغان على قلبي فأستغفر اللّه سبعين مرة.\rقوله: (هذا قبل أن يتبين له عداوتهما للّه) جواب عما يقال: كيف ساغ لإبراهيم طلب المغفرة لأبويه وهما كافران. قوله: (و قرئ) أي شذوذا في هذه والتي بعدها، وقرىء شذوذا أيضا وولدي بضم الواو وسكون اللام، فالقراءات الشواذ ثلاث: والدي مفردا، وولدي بالتثنية، وولدي جمع ولد. قوله: (يثبت) أي يوجد ويظهر وهذا دعاء للمؤمنين بالمغفرة، واللّه لا يرد دعاء خليله إبراهيم، ففيه بشارة عظيمة لجميع المؤمنين بالمغفرة.\rقوله: ولا تحسبن بكسر السين وفتحها قراءتان سبعيتان في هذه، وفي قوله الآتي فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ وفي هذه الآية تسلية لكل مظلوم، ووعيد عظيم لكل ظالم، فإن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، فإنها وإن كان نزولها في حق كفار قريش، إلا أن المراد عمومها لكل ظالم، لأن كل آية وردت في الكفار. فإنها تجر بذيلها على عصاة المؤمنين.\rقوله: غافِلًا الغفلة في الأصل معنى يعتري الإنسان من قلة التحفظ، وقيل معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقائق الأمور، وهذا المعنى في حق اللّه مستحيل فظنه كفر، بل المراد لازم الغفلة، وهو عدم المجازاة، لأنه يلزم من الغفلة عن الشيء تركه، فالمعنى لا تحسبن اللّه يا مخاطب تاركا مجازاة الظالمين، بل مجازيهم ولا بد، وإمهالهم مدة حلم منه، وسيخرجهم منه في الآخرة لما ورد «الظلمة وأعوانهم كلاب النار». قوله: (من أهل مكة) خصهم بالذكر، وإن المراد العموم، لأن الآية نزلت فيهم.\rقوله: إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ في معنى التعليل لقوله: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا الخ، والتقدير: لا تظن أن اللّه تارك مجازاتهم، ولا تحزن بتأخير العذاب، لأن تأخيره للتشديد والتغليظ. قوله: لِيَوْمٍ أي لأجل حصول يوم، أو اللام بمعنى إلى التي للغاية. قوله: تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ أي فلا تقر في أماكنها.\rقوله: (مسرعين) أي إلى الداعي وهو إسرافيل، وقيل جبريل حيث ينادي على صخرة بيت المقدس، وهي أقرب موضع من الأرض إلى السماء يقول: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن اللّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء فعند ذلك ينفخ إسرافيل في الصور. قوله:\r(حال) أي من المضاف المحذوف، والتقدير تشخيص فيه أبصارهم، حال كون أصحاب الأبصار مهطعين الخ.","part":2,"page":236},{"id":837,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 237\rطَرْفُهُمْ بصرهم وَأَفْئِدَتُهُمْ قلوبهم هَواءٌ (43) خالية من العقل لفزعهم وَأَنْذِرِ خوف يا محمد النَّاسَ الكفار يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ هو يوم القيامة فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا كفروا رَبَّنا أَخِّرْنا بأن تردنا إلى الدنيا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ بالتوحيد وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ فيقال لهم توبيخا أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ حلفتم مِنْ قَبْلُ في الدنيا ما لَكُمْ مِنْ زائدة زَوالٍ (44) عنها إلى الآخرة وَسَكَنْتُمْ فيها فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر من الأمم السابقة وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ من العقوبة فلم تتزجروا وَضَرَبْنا بينا لَكُمُ الْأَمْثالَ (45) في القرآن فلم تعتبروا وَقَدْ مَكَرُوا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم مَكْرَهُمْ حيث أرادوا قتله أو تقييده أو إخراجه وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ أي علمه أو جزاؤه وَإِنْ ما كانَ مَكْرُهُمْ وإن عظم لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (46) المعنى لا عبأ به ولا يضر إلا أنفسهم والمراد بالجبال هنا قيل حقيقتها وقيل شرائع الإسلام المشبهة بها في القرار والثبات وفي قراءة بفتح لام لتزول ورفع الفعل فإن مخففة\r______________________________\rقوله: لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ أي لا ينطبق لهم جفن لعظم الهول، وهو تأكيد لشخوص البصر.\rقوله: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ إما مستأنف أو حال. قوله: (خالية من العقل لفزعهم) أي خالية من الفهم لشدة الحيرة والدهشة، والمعنى أن القلوب حينئذ، تكون فارغة من الإدراك والفهم، والأبصار شاخصة، والرؤوس مرفوعة إلى السماء من هول ذلك اليوم وشدته.\rقوله: يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ مفعول ثان لأنذر على حذف مضاف، أي أنذرهم هوله وشدته.\rقوله: فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا فيه إظهار في مقام الاضمار، لزيادة التشنيع عليهم. قوله: إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ أي أخر العذاب عنا، وردنا إلى الدنيا مدة من الزمان، نستدرك فيها ما فات. قوله:\rنُجِبْ دَعْوَتَكَ مجزوم في جواب الأمر. قوله: (فيقال لهم) القائل لهم الملائكة أو اللّه. قوله: (حلفتم) أي كما حكى اللّه عنهم ذلك في سورة النحل بقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ.\rقوله: وَسَكَنْتُمْ معطوف على أَقْسَمْتُمْ. قوله: فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ المراد بمساكنهم دار الدنيا، لا خصوص منازل الذين ظلموا، فإن كفار قريش لم يسكنوا ديار الكفار الذين هلكوا قبلهم.\rقوله: (السابقة) أي كقوم نوح وعاد وثمود ولوط وغيرهم. قوله: وَتَبَيَّنَ لَكُمْ أي حالهم وخبرهم.\rقوله: (من العقوبة) بيان لقوله: كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ.\rقوله: وَقَدْ مَكَرُوا أي أهل مكة. قوله: (حيث أرادوا قتله) الخ، أي حين اجتمعوا بدار الندوة يتشاورون في شأنه، وقد تقدم ذلك في الأنفال في قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ.\rقوله: (ما) كانَ فسر إن بما، لأن اللام في لتزول لام الجحود، وهي لا تقع إلا بعد كون منفي بما أو لم. قوله: (لا يعبأ به) أي لا يلتفت إليه. قوله: (و المراد بالجبال هنا) أي ففيها قولان: قيل المراد حقيقتها، وقيل شرائع الإسلام، فهي مستعملة في مجازها. قوله: (في القرار والثبات) هذا هو وجه الشبه بينهما. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (فإن مخففة) أي واللام في لتزول فارقة. قوله:","part":2,"page":237},{"id":838,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 238\rوالمراد تعظيم مكرهم وقيل المراد بالمكر كفرهم ويناسبه على الثانية تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا وعلى الأول ما قرىء وما كان فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ بالنصر إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب لا يعجره شيء ذُو انتِقامٍ (47) ممن عصاه اذكر يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ هو يوم القيامة فيحشر الناس على أرض بيضاء نقية كما في\r______________________________\r(و المراد تعظيم مكرهم) أي على هذه الثانية فتحصل أن المعنى على القراءة الأولى: ما كان مكرهم مزيلا للجبال، لضعفه وعدم العبرة به، وعلى الثانية: والحال أن مكرهم، لتزول منه الجبال لعظمه وشدته، والمكر على القراءتين، قيل تشاورهم في شأن النبي، وقيل كفرهم، ولكن القول الثاني، يوافق القراءة الثانية، بدليل آية تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً.\rقوله: (و على الأولى) أي القراءة الأولى وهي النافية. قوله: (ما قرئ) أي الذي قرىء وهي قراءة شاذة.\rقوله: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ هذا مفرع على قوله وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا وهو تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتهديد للظالمين. قوله: مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ القراءة السبعية بإضافة مخلف إلى وعده ورسله بالنصب، وقرىء شذوذا بإضافته إلى رسله ونصب وعده، فيكون قد فصل بين المتضايفين بالمفعول، وهذا نظير قراءة ابن عامر في الأنعام: قتل أولادهم شركائهم. قوله: (اذكر) قدره إشارة إلى أن قوله: يَوْمَ ظرف معمول لمحذوف، ويصح أن يكون معمولا لقوله: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ، ويصح أن يكون بدلا من يوم الأول في قوله: يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ.\rقوله: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ اختلف المفسرون في هذا التبديل، فقيل:\rالمراد تبدل صفاتهما فتسوى الجبال، وتقلع الأشجار، وتنشق الأنهار، وتذهب الكواكب من السماوات وتكسف شمسها ويخسف قمرها، وقيل: تبدل ذاتهما، فتبدل الأرض بأرض نقية بيضاء كالفضة لم يسفك عليها دم، وتبدل السماوات بسماء من ذهب، وعلى هذا القول، فالخلائق يكونون قيل: على الصراط وما زاد منهم يكون على متن جهنم، وقيل يكون في ظلمة قبل المحشر، وقيل على أكف ملائكة سماء الدنيا، وجمع بين القولين بأن تبديل الصفات، يكون أولا قبل نفخة الصعق، وتبديل الذات يكون بعد النفخة الثانية. قوله: (فيحشر الناس على أرض بيضاء نقية) أي ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس والضحاك، أن الخلائق إذا جمعوا في صعيد واحد، الأولين والآخرين، أمر الجليل جل جلاله، بملائكة سماء الدنيا أن يتولوهم، فيأخذ كل واحد منهم إنسانا وشخصا المبعوثين، إنسا وجنا، ووحشا وطيرا، وحولوهم إلى الأرض التي تبدل، وهي أرض بيضاء من فضة نورانية، وصارت الملائكة من وراء الخلق حلقة واحدة، فإذا هم أكثر من أهل الأرض بعشر مرات، ثم إن اللّه يأمر بملائكة السماء الثانية، فيحدقون بهم حلقة واحدة، وإذا هم مثلهم عشرين مرة، ثم تنزل ملائكة السماء الثالثة، فيحدقون من وراء الكل بهم حلقة واحدة، فإذا هم مثلهم ثلاثين ضعفا، ثم تنزل ملائكة السماء الرابعة، فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة، فيكونون أكثر منهم بأربعين ضعفا، ثم تنزل ملائكة السماء الخامسة، فيحدقون من ورائهم حلقة واحدة، فيكونون مثلهم خمسين مرة، ثم تنزل ملائكة السماء السادسة، فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة، وهم مثلهم ستين مرة، ثم تنزل ملائكة السماء السابعة، فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة،","part":2,"page":238},{"id":839,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 239\rحديث الصحيحين، وروى مسلم حديث «سئل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أين الناس يومئذ؟ قال: على الصراط» وَبَرَزُوا خرجوا من القبور لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى يا محمد تبصر الْمُجْرِمِينَ الكافرين يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ مشدودين مع شياطينهم فِي الْأَصْفادِ (49) القيود والأغلال سَرابِيلُهُمْ قمصهم مِنْ قَطِرانٍ لأنه أبلغ لاشتعال النار وَتَغْشى تعلو وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) لِيَجْزِيَ متعلق ببرزوا اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ من خير وشر إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (51) يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك هذا القرآن بَلاغٌ لِلنَّاسِ أي أنزل لتبليغهم وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا بما فيه من الحجج أَنَّما هُوَ أي اللّه إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ بإدغام التاء في الأصل في الذال يتعظ أُولُوا الْأَلْبابِ (52) أصحاب العقول.\r______________________________\rوهم مثلهم سبعين مرة، والخلق تتداخل وتندمج، حتى يعلو القدم ألف قدم لشدة الزحام، ويخوض الناس في العرق على أنواع مختلفة إلى الأذقان، وإلى الصدر، وإلى الحقوين، وإلى الركبتين، ومنهم يصيبه الرشح اليسير، كالقاعد في الحمام، ومنهم من يصيبه البلة، كالعاطش إذا شرب الماء، وكيف لا يكون القلق والعرق والأرق، وقد قربت الشمس من رؤوسهم، حتى لو مد أحد يده لنالها، وتضاعف حرها سبعين مرة، وقال بعض السلف: لو طلعت الشمس على الأرض كهيئتها يوم القيامة، لاحترقت الأرض وذاب الصخر، ونشفت الأنهار. قوله: وَبَرَزُوا عطف على تبدل، فهو بمعنى المضارع، أي يوم تبدل الأرض وتبرز الخلائق.\rقوله: وَتَرَى معطوف على تبدل أيضا. قوله: (مشدودين مع شياطينهم) أي فتجمع أيديهم وأرجلهم في أعناقهم، ويشد كل واحد مع شيطانه الذي كان معه في الدنيا. قوله: فِي الْأَصْفادِ جمع صفد بفتحتين وهو القيد. قوله: (و الأغلال) جمع غل بالضم، وهو طوق من حديد.\rقوله: سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ أي جلودهم تطلى بالقطران، حتى يكون الطلاء كالقميص. قوله:\rوَتَغْشى وُجُوهَهُمُ أي وقلوبهم. قوله: (متعلق ببرزوا) أي وما بينهما اعتراض. قوله: (في نصف نهار) أي وكل واحد يرى أنه يحاسب وحده.\rقوله: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ في هذه الآية من المحسنات البديعية، رد العجز على الصدر، فقد افتتحت هذه السورة بقوله كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ. قوله: (لتبليغهم) أي توصيلهم إلى ما فيه صلاحهم ورشدهم.","part":2,"page":239},{"id":840,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 240\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الحجر مدنيّة وآياتها تسع وتسعون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر اللّه أعلم بمراده بذلك تِلْكَ هذه الآيات آياتُ الْكِتابِ القرآن والإضافة بمعنى من وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (1) مظهر للحق من الباطل عطف بزيادة صفة رُبَما بالتشديد والتخفيف يَوَدُّ يتمنى الَّذِينَ كَفَرُوا يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (2) ورب للتكثير فإنه يكثر منهم تمني ذلك، وقيل للتقليل فإن\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة الحجر\rمكية وهي تسعة وتسعون آية أي بإجماع، وسميت بالحجر لذكره فيها، وهو واد بين المدينة والشام، وسيأتي قصة أصحابه.\rقوله: (اللّه أعلم بمراده) تقدم أن هذا هو التحقيق عند ذوي التحقيق. قوله: (هذه الآيات) أي آيات السورة. قوله: (و الإضافة بمعنى من) أي لأن الآيات بعض الكتاب. قوله: (عطف) أي مرادف، وإنما سوغه وحسنه تغاير اللفظ، وزيادة الصفة في المعطوف، فحينئذ يؤخذ من الآية، أنه كما يسمى كتابا، يسمى قرآنا.\rقوله: (بزيادة صفة) أي وهي قوله: مُبِينٍ. قوله: (بالتشديد والتخفيف) أي فهما قراءتان سبعيتان، ولغتان في رب.\rقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا أي من أهل مكة وغيرهم. قوله: (و إذا عاينوا حالهم) أي من العذاب. قوله: (و حال المسلمين) أي من النعيم المقيم.\rقوله: لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ يصح في لَوْ أن تكون امتناعية، وجوابها محذوف تقديره لسروا بذلك، أو مصدرية تسبك مع ما بعدها بمصدر معمول ليود، والتقدير ربما يود الذين كفروا كونهم مسلمين. قوله: (و رب للتكثير) أي وما كافة لها عن الجر. إن قلت: إن (رب) إذا دخلت عليها ما الكافة، اختصت بالفعل الماضي، وهنا قد دخلت على المضارع. أجيب: بأن المضارع بالنسبة لعلم اللّه واقع ولا شك، فلا تفاوت بين ماض ومستقبل بالنسبة لعلمه تعالى، وإنما ذلك بالنظر لعقولنا. قوله:\r(و قيل للتقليل) أي باعتبار الأوقات التي يفيقون فيها من الدهشة، فالكفار من شدة الهول يدهشون، فلا يفيقون إلا في بعض الأوقات، فإذا أفاقوا كثر منهم التمني.","part":2,"page":240},{"id":841,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 241\rالأهوال تدهشهم فلا يفيقون حتى يتمنوا ذلك إلا في أحيان قليلة ذَرْهُمْ اترك الكفار يا محمد يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا بدنياهم وَيُلْهِهِمُ يشغلهم الْأَمَلُ بطول العمر وغيره عن الإيمان فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) عاقبة أمرهم وهذا قبل الأمر بالقتال وَما أَهْلَكْنا مِنْ زائدة قَرْيَةٍ أريد أهلها إِلَّا وَلَها كِتابٌ أجل مَعْلُومٌ (4) محدود لإهلاكها ما تَسْبِقُ مِنْ زائدة أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (5) يتأخرون عنه وَقالُوا أي كفار مكة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ القرآن في زعمه إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ ما هلا تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) في قولك إنك نبي وأن هذا القرآن من عند اللّه، قال تعالى: ما نُنَزِّلُ فيه حذف إحدى التاءين الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِ بالعذاب وَما كانُوا إِذاً أي حين نزول الملائكة بالعذاب\r______________________________\rقوله: ذَرْهُمْ لم يستعمل لهذا الأمر ماض استغناء عنه بترك، بل يستعمل منه المضارع، وقد جاء منه الماضي قليلا، قال عليه الصلاة والسّلام «ذروا الحبشة ما وذرتكم». قوله: يَأْكُلُوا مجزوم بحذف النون في جواب الأمر، وكذا قوله: وَيَتَمَتَّعُوا. قوله: وَيُلْهِهِمُ مجروم أيضا بحذف الياء، وفيه ثلاث قراءات سبعية: كسر الهاء الثانية والميم وضمهما، وكسر الهاء وضم الميم، وأما الهاء الأولى فمكسورة لا غير، لأنها من بنية الكلمة. قوله: الْأَمَلُ فاعل يُلْهِهِمُ. قوله: (عاقبة أمرهم) قدره إشارة إلى أن مفعول يَعْلَمُونَ محذوف. قوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) أي قوله: ذَرْهُمْ الخ فهذه الآية منسوخة بآية القتال. قوله: (زائدة) أي في المفعول. قوله: (أريد أهلها) أي ففيه مجاز، إما بالحذف، أو مرسل من إطلاق المحل وإرادة الحال فيه.\rقوله: إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ الجملة حالية، والمعنى وما أهلكنا قرية في حال من الأحوال، إلا في حال أن يكون لها كتاب، أي أجل مؤقت لهلاكها، وجعلنا الواو حالية، أسهل من جعلها زائدة بين الصفة والموصوف.\rقوله: مِنْ أُمَّةٍ فاعل تسبق، ومِنْ لا زائدة في الفاعل للتأكيد قوله: أَجَلَها أي وهو الكتاب المتقدم. قوله: (يتأخرون عنه) أي الأجل.\rقوله: وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ نادوه صلّى اللّه عليه وسلّم على سبيل التهكم والاستهزاء، لا إقرار بأنه نزل عليه الذكر، ولذا قال المفسر (في زعمه) فدفع به ما قد يقال، إن في الآية مضاربة أولها لآخرها.\rقوله: إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ أي إنك لتقول قول المجانين، حيث تدعي أن اللّه نزل عليك الذكر، وقولهم هذا كقول فرعون إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ والحاصل أنهم قالوا مقالتين: الأولى: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، والثانية لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ وقد رد اللّه ذلك على سبيل اللف والنشر والمشوش فقوله: ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ رد للثانية، قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ رد للأولى.\rقوله: لَوْ ما تَأْتِينا تستعمل لَوْ ما حرف تحضيض، وحرف امتناع لوجود، فالتحضيضية لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا، والامتناعية لا يليها إلا الأسماء لفظا أو تقديرا، إذا علمت ذلك فهي هنا للتحضيض، ولذا فسرها بهلا. قوله: بِالْمَلائِكَةِ أي لتخبرنا بصدقك. قوله: (فيه حذف إحدى التاءين) أي والأصل تتنزل، وفي قراءة سبعية أيضا، ننزل بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الزاي المشددة، ونصب الملائكة على المفعولية، وقرىء شذوذا ما تنزل، بفتح التاء وسكون النون وكسر الزاي، والْمَلائِكَةَ فاعل.","part":2,"page":241},{"id":842,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 242\rمُنْظَرِينَ (8) مؤخرين إِنَّا نَحْنُ تأكيد لاسم إن، أو فصل نَزَّلْنَا الذِّكْرَ القرآن وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (9) من التبديل والتحريف والزيادة والنقص وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رسلا فِي شِيَعِ فرق الْأَوَّلِينَ (10) وَما كان وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (11) كاستهزاء قومك بك وهذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم كَذلِكَ نَسْلُكُهُ أي مثل إدخالنا التكذيب في قلوب أولئك ندخله فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) أي كفار مكة لا يُؤْمِنُونَ بِهِ بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13) أي سنة اللّه فيهم من تعذيبهم بتكذيبهم أنبياءهم وهؤلاء مثلهم وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ في الباب يَعْرُجُونَ (14) يصعدون لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ\r______________________________\rقوله: إِلَّا بِالْحَقِ أي إلا تنزيلا ملتبسا بالحق لا بما قلتم واقترحتم، والمعنى جرت عادة اللّه في خلقه، أنه لا يظهر الملائكة إلا لمن يريد إهلاكهم، وهو لا يريد ذلك مع أمته صلّى اللّه عليه وسلّم لعلمه بقاءها، وأنه يخرج منها من يعبد اللّه ويوحده إلى يوم القيامة، فهم لا يجابون لما اقترحوا. قوله: وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ أصل إذن إذ بمعنى حين، فضمت لها أن فصار إذ إن، فاستثقلوا الهمزة فحذفوها فصار إذن، ومجيء لفظة أن، دليل على إضمار فعل بعدها، والتقدير وما كانوا إذ كان ما طلبوه، الخ.\rقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ أي وليس إنزاله بزعمك كما اعتقدوا. قوله: (أو فصل) أي ضمير فصل، واعترض بأن ضمير الفصل لا يكون إلا ضمير غيبة، ولا يقع إلا بين اسمين، وهنا ليس كذلك، وحينئذ فالمناسب للمفسر أن يقتصر على الأول. قوله: وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ أي حيث جعله معجزا للبشر، مغايرا لكلامهم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، باق على مرّ الدهور، سيما وقد جعل اللّه له خدمة من البشر يحفظونه، فترى الكبير العظيم إذا غلط وهو يقرأ، يرده أصغر صغير في المجلس، مع عدم العيب في ذلك، بخلاف الكتب السماوية، فقد دخل فيها التبديل والتغيير، والزيادة والنقص، ومن معنى هذه الآية قوله تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ الآية.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (رسلا) قدره إشارة إلى أن مفعول أَرْسَلْنا محذوف، وعدتهم ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر، وقيل لا يعلم عدتهم إلا اللّه تعالى. قوله: فِي شِيَعِ جمع شيعة، والمراد بها هنا الفرقة المتفقة في المذهب كان حقا أو باطلا، وإضافة شيع للأولين على حذف مضاف، أي في شيع الأمم الأولين.\rقوله: وَما يَأْتِيهِمْ قدر المفسر (كان) إشارة إلى أن المضارع بمعنى الماضي، وأتى به مضارعا، استحضارا للحال الماضية للتعجب منها. قوله: يَسْتَهْزِؤُنَ أي يسخرون. قوله: (و هذا تسلية له) أي فاصبر ولا تحزن، فلست بأول من سخر به قومه، بل وقع لمن قبلك مثلك.\rقوله: كَذلِكَ نَسْلُكُهُ السلك بالفتح إدخال الخيط في اللؤلؤة، وبالكسر نفس الخيط.\rقوله: (أي مثل إدخالنا التكذيب) أي الذي دل عليه بقوله: يَسْتَهْزِؤُنَ.\rقوله: وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أي طريقتهم، والجملة مستأنفة. قوله: (و هؤلاء مثلهم) أي فانتظر ما ينزل بالمكذبين من العذاب.\rقوله: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أي على كفار مكة. قوله: فَظَلُّوا الضمير إما عائد على المشركين،","part":2,"page":242},{"id":843,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 243\rسدت أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15) يخيل إلينا ذلك وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً اثني عشر: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، وهي منازل الكواكب السبعة السيارة: المريخ وله الحمل، والعقرب والزهرة والثور والميزان، وعطارد وله الجوزاء والسنبلة، والقمر له السرطان، والشمس ولها الأسد، والمشتري وله القوس والحوت، وزحل وله الجدي والدلو وَزَيَّنَّاها بالكواكب لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْناها بالشهب مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (17) مرجوم إِلَّا لكن مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ\r______________________________\rوالمعنى فتحنا باب السماء لهؤلاء المشركين، ولو صعدوا إلى السماء ورأوا عجائبها لقالوا إلخ، أو على الملائكة، والمعنى لو كشفنا عن أبصار الكفار، فرأوا باب السماء مفتوحا، والملائكة تصعد منه، لما آمنوا.\rقوله: إِنَّما سُكِّرَتْ بالتخفيف والتشديد، قراءتان سبعيتان. قوله: (سدت) أي فيقال سكرت النهر، من باب قتل سدته، والسكر بالكسر ما يسد به، والمعنى بسد أبصارنا عن محسوساتنا المعتادة بتلك التخيلات. قوله: بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ إضراب انتقالي عما أفاده أولا من خصوص سحر العين بالحصر، والمعنى أنهم يقولون: إنما سدت أبصارنا، فخيل لها أمر لا حقيقة له، ولم يتجاوزها لقلوبنا، ثم أضربوا عن ذلك، وجعلوا السحر واصلا لقلوبهم. قوله: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً هذا من أدلة توحيده سبحانه وتعالى، والبروج جمع برج، والمراد منازل وطرق تسير فيها الكواكب السبعة. قوله: (اثني عشر برجا) أي وقد جمعها بعضهم في قوله:\rحمل الثور جوزة السرطان ... ورمى الليث سنبل الميزان\r\rورمى عقرب بقوس لجدي ... نزح الدلو بركة الحيتان\r\rقوله: (و هي منازل الكواكب) أي محل سيرها. قوله: (المريخ) بكسر الميم نجم في السماء الخامسة، وقد جمع الكواكب بعضهم في قوله:\rزحل شرى مريخه من شمسه ... فتزاهرت لعطارد الأقمار\r\rفزحل في السماء السابعة، والمشتري في السادسة، والمريخ في الخامسة، والشمس في الرابعة، والزهرة في الثالثة، وعطارد في الثانية، والقمر في الأولى، وهي سماء الدنيا. قوله: (و الشمس ولها الأسد) أي بيتها المنسوب لها، فلا ينافي أنها تسير في البروج كلها، المتقسمة لثمان وعشرين منزلة، لكل برج منزلتان وثلث، وتقطعها الشمس في سنة، والقمر في شهر، وقد جعل اللّه بهذه الكواكب، النفع في العالم السفلي، كالأكل والشرب، يوجد النفع عندها لا بها، فهي أسباب عادية.\rقوله: وَزَيَّنَّاها (بالكواكب) أي جعلنا الكواكب زينة للسماء، وهل الكواكب في السماء الدنيا، أو ثوابت في العرش، قولان للعلماء. قوله: لِلنَّاظِرِينَ أي المتأملين بأبصارهم وبصائرهم.\rقوله: وَحَفِظْناها أي السماء.\rقوله: مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ أي وذلك لأن الشياطين كانوا لا يحجبون عن السماوات، فيدخلونها ويأتون بأخبارها إلى الكهنة، فلما ولد عيسى، منعوا من ثلاث سماوات، ولما ولد سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم منعوا من السماوات كلها، ولما بعث رميت عليهم الشهب، فكانت تخطىء وتصيب، فلما عرج به صلّى اللّه عليه وسلّم صارت لا تخطئهم أبدا.","part":2,"page":243},{"id":844,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 244\rخطفه فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (18) كوكب يضيء ويحرقه أو يثبه أو يخبله وَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ جبالا ثوابت لئلا تتحرك بأهلها وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) معلوم مقدر وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ بالياء من الثمار والحبوب وَجعلنا لكم مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (20) من العبيد والدواب والأنعام فإنما يرزقهم اللّه وَإِنْ ما مِنْ زائدة شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ مفاتيح خزائنه وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) على حسب\r______________________________\rقوله: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ استثناء منقطع، لأن ما قبل الاستثناء دخولهم السماء، وما بعده استراقهم من خارجها، والمعنى أن الشياطين يركب بعضهم بعضا، يريدون الاستراق، فتكون الشهب بالمرصاد لهم، كما صرحت به سورة الجن في قوله: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها الخ. قوله: (كوكب مضيء) وقيل الشهاب، شعلة نار تنفصل من الكوكب، وهو الصحيح. قوله: (أو يخبله) أي يفسد أعضاؤه، فيصير غولا في الوادي يضل الناس.\rقوله: وَالْأَرْضَ مَدَدْناها الأرش منصوب بفعل محذوف يفسره مَدَدْناها. قوله: (بسطناها) أي على الماء. قوله: (لئلا تتحرك بأهلها) أي لأن اللّه لما خلقها وبسطها على الماء، تحركت واضطربت، فثبتها بالجبال الرواسي فسكنت. قوله: (معلوم) أي اللّه، فيعلم قدر ما يحتاج إليه الخلق في معاشهم.\rقوله: مَعايِشَ جمع معيشة، وهي ما يعيش بها الإنسان، من المأكل والمشرب والملبس وغير ذلك. قوله: (بالياء) أي بإتفاق السبعة، لأنها في المفرد أصلية، فلا تقلب في الجمع همزة، بل تبقى على حالها، بخلاف المد الزائد في المفرد، فإنه يقلب همزة في الجمع، قال ابن مالك:\rوالمد زيد ثالثا في الواحد ... همزا يرى في مثل كالقلائد\r\rوقرىء شذوذا بالهمزة على التشبيه بشمائل. قوله: وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ مشى المفسر على أنه معطوف على مَعايِشَ حيث قدر قوله جعلنا لكم. قوله: (من العبيد) أي والخدم وغيرهم، فأنتم تنتفعون بتلك الأشياء، ولستم برازقين لها، وإنما رزقها على خالقها. قوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ كالدليل لقوله: وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ ومَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فهو إعلام بسعة فضله سبحانه وتعالى،\rقوله: شَيْءٍ نكرة في سياق النفي، فتعم كل شيء كان في الدنيا أو الآخرة، جليلا أو حقيرا. قوله: إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ أي إلا يوجده اللّه، إذا تعلقت قدرته وإرادته به، ففي الكلام مجاز، حيث شبه سرعة إيجاده الأشياء بحصولها بالفعل، وجعلها في خزائن، والجامع بينهما سرعة الحصول في كل، فالمعنى بيده الأشياء كلها، خيرها وشرها، جليلها وحقيرها، فإذا أراد اللّه شيئا حصل، فلا يطلب الإنسان من غيره بل بطلب المفاتيح ممن بيده الخزائن، والمفاتيح كناية عن التسهيل، فمن أراد اللّه له شيئا أعطاه مفتاحه، بمعنى سهل أسبابه.\rقوله: إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ أي فيسعد هذا ويشقى هذا، ويفقر هذا ويغنى هذا، على حسب ما قدره اللّه، إذا علمت ذلك، فالمناسب للمفسر أن يقول على حسب تقدير اللّه، فإن اللّه تعالى ليس مراده مقيدا بمصالح عباده، بل أفعاله على حسب ما أراده وعلمه، وإلا فنجد الكافر يطول عمره، وهو في فقر ومرض، ثم يختم له بالكفر ويكون في النار، فأي مصلحة في ذلك؟","part":2,"page":244},{"id":845,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 245\rالمصالح وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ تلقح السحاب فيمتلىء ماء فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ السحاب ماءً مطرا فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (22) أي ليست خزائنه بأيديكم وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (23) الباقون نرث جميع الخلق وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ أي من تقدم من الخلق من لدن آدم وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24) المتأخرين إلى يوم القيامة وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ في صنعه عَلِيمٌ (25) بخلقه وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ آدم مِنْ صَلْصالٍ طين يابس يسمع له صلصلة أي صوت إذا نقر مِنْ حَمَإٍ طين أسود مَسْنُونٍ (26)\r______________________________\rقوله: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ جمع ريح، وهو جسم لطيف منبث في الجو سريع المرور. قوله:\rلَواقِحَ إما جمع ملقح من ألقح، وحينئذ فجمعه ملاقح، حذفت الميم تخفيفا، أو جمع لاقح من لقح، يقال لقحت الريح إذا حملت الماء إلى السحاب، وأعلم أن اللّه سبحانه وتعالى، يرسل الرياح الأربعة لخدمة المطر، فريح الصبا تثير السحاب من ثمر شجرة في الجنة، وريح الشمال تجمعه، وريح الدبور تفرقه. قوله: (تلقح السحاب) أي تمج الماء فيه. قوله: (السحاب) أي فالمراد بالسماء كل ما علا وارتفع، ويصح أن يراد بالسماء حقيقتها، لأن أصل ماء المطر من السماء. قوله: فَأَسْقَيْناكُمُوهُ الكاف مفعول أول، والهاء مفعول ثاني، والمعنى جعلناه سقيا لكم ولأرضكم ومواشيكم. قوله: (أي ليست خزائنه بأيديكم) أي بل خزائنه عند اللّه، فهو من مشمولات. قوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ.\rقوله: وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي أي جميع الخلق، وإن حرف توكيد ونصب، ونا اسمها، وجملة نُحْيِي خبرها، وقوله: لَنَحْنُ ضمير منفصل توكيد لنا، لا ضمير فصل، لما تقدم أنه مردود بأن ضمير الفصل لا يقع إلا بين اسمين، وهنا ليس كذلك. قوله: وَنَحْنُ الْوارِثُونَ الوارث في الأصل، هو الذي يأخذ المال بعد موت مورثه، ثم أطلق الإرث وأريد لازمه، وهو البقاء بعد فناء غيره، فإنه يلزم من أخذ الوراث مال الموروث بقاؤه بعد موت صاحبه، فهو سبحانه وتعالى وارث جميع الخلق بمعنى أنه يبقى بعد فنائهم.\rقوله: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ أي علما تفصيليا، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. قوله: (المتأخرين) أشار بذلك إلى أن السين والتاء في المستقدمين والمستأخرين زائدتان، والمعنى أن عمله محيط بجميع خلقه، متقدمهم ومتأخرهم، طائعهم وعاصيهم، لا يخفى عليه شيء من أحوال خلقه.\rقوله: وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ أي يجمعهم للحساب، ثم بعد ذلك ينقسمون فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير.\rقوله: مِنْ صَلْصالٍ الصلصال بمعنى المصلصل، كالزلزال بمعنى المزلزل، ووزنه فعلال بتكرار اللام، فقلبت الأولى منهما من جنس فاء الكلمة، والصلصال طور رابع من أطوار آدم الطينية، لأنه أولا كان ترابا ثم عجن بأنواع المياه فصار طينا، ثم ترك حتى أنتن واسود، فصار حما مسنونا، ثم يبس بعد تصويره فصار صلصالا، ثم نفخ فيه الروح بعد مائة وعشرين سنة، أربعين وهو طين، وأربعين وهو حما مسنون، وأربعين وهو صلصال مصور، وهكذا أطوار أولاد آدم، تمكث النطفة في الرحم أربعين يوما، ثم تصير علقة مثل ذلك، ثم تصير مضغة مثل ذلك، ثم تنفخ فيه الروح بعد مائة","part":2,"page":245},{"id":846,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 246\rمتغير وَالْجَانَ أبا الجن وهو إبليس خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ أي قبل خلق آدم مِنْ نارِ السَّمُومِ (27) هي نار لا دخان لها تنفذ في المسام وَاذكر إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذا سَوَّيْتُهُ أتمته وَنَفَخْتُ أجريت فِيهِ مِنْ رُوحِي فصار حيا وإضافة، الروح إليه تشريف لآدم فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (29) سجود تحية بالانحناء فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) فيه تأكيدان إِلَّا إِبْلِيسَ هو أبو الجن كان بين الملائكة أَبى امتنع من أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قالَ تعالى: يا إِبْلِيسُ ما لَكَ ما منعك أَلَّا زائدة تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لا ينبغي لي أن أسجد لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها أي من الجنة وقيل من\r______________________________\rوعشرين يوما. قوله: (متغير) أي من طول مكثه حتى يتخمر. قوله: (أبا الجن وهو إبليس) هذا أحد قولين، وقيل هو أبو الشياطين، فرقة من الجن لم يؤمن منهم أحد، والجان هو أبو الجن، وعلى هذا تكون الأصول ثلاثة: آدم وهو أبو البشر، وإبليس وهو أبو الشياطين، والجان وهو أبو الجن، وعلى ما مشى عليه المفسر يكونان أصلين فقط: آدم وإبليس. قوله: (هي نار لا دخان لها) أي ومنها تكون الصواعق. قوله:\r(تنفذ في المسام) أي تدخل فيها، للطف المسام وشدة حرارة النار، فإذا دخلت في الإنسان قتلته.\rقوله: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ إِذْ ظرف معمول لمحذوف، قدره المفسر بقوله: (اذكر) قوله: مِنْ صَلْصالٍ مِنْ لابتداء الغاية.\rقوله: فَإِذا سَوَّيْتُهُ أي صورته إنسانا كاملا، معتدل الأعضاء والطبائع. قوله: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي أي افضت عليه روحا من الأرواح التي خلقتها، فصار بها حيا، وليس المراد النفخ حقيقة لاستحالته على اللّه. قوله: (و إضافة الروح إليه) أي كما يقال: بيت اللّه وناقة اللّه. قوله: فَقَعُوا الفاء واقعة في جواب إذا، وقعوا فعل أمر من وقع يقع، بمعنى سقط وخر.\rقوله: (بالانحناء) أي لا بوضع الجبهة، وهذا أحد قولين، وقيل المراد بالسجود حقيقته، وآدم كالقبلة، والسجود للّه، أو يقال إن السجود لذات آدم، وقولهم السجود لغير اللّه كفر، محله في غير ما أمر اللّه به، وأما في مثل هذا، فالكفر في المخالفة. قوله: (فيه تأكيدان) أي للمبالغة وزيادة الاعتناء، فبالتأكيد الأول اندفع توهم المجاز، وبالثاني استفيد أنهم سجدوا جملة واحدة، قوله: (كان بين الملائكة) أشار بذلك إلى صحة الاستثناء، ثم هم يحتمل أن يكون منقطعا، لأنه لم يكن منهم حقيقة أو متصلا، باعتبار أنه كان متصفا بصفاتهم، وقيل إنه منهم، والتحقيق خلافه.\rقوله: أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ استئناف مبين لكيفية عدم السجود.\rقوله: قالَ (تعالى). إن قلت: إن مكالمة اللّه تعالى بدون واسطة شرف وتعظيم، وإبليس ليس من أهل ذلك. أجيب: بأن محل كونها شرفا إن كانت على سبيل الإكرام، وأما كلام اللّه تعالى لإبليس، فهو على سبيل الإهانة والطرد، فلم يكن تشريفا. قوله: (ما منعك) الخ، حمله على هذا التفسير قوله في الآية الأخرى ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ ولذا قال: «لأ» (زائدة) ويصح أن تكون غير زائدة، والمعنى أي شيء ثبت لك في عدم كونك مع الساجدين. قوله: (لا ينبغي لي) أي لا يصح ولا يليق.\rقوله: لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ الخ، أي وخلقتني من نار فأنا خير منه، لأن النار جسم لطيف نوراني، والصلصال","part":2,"page":246},{"id":847,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 247\rالسماوات فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) مطرود وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (35) الجزاء قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) أي الناس قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) وقت النفخة الأولى قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي أي بإغوائك لي والباء للقسم وجوابه لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ المعاصي وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) أي المؤمنين قالَ تعالى: هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) وهو إِنَّ عِبادِي أي المؤمنين لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ قوة إِلَّا لكن مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (42) الكافرين وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) أي من تبعك معك لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ أطباق لِكُلِّ بابٍ منها مِنْهُمْ جُزْءٌ نصيب مَقْسُومٌ (44) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ بساتين وَعُيُونٍ (45) تجري فيها ويقال\r______________________________\rجسم كثيف ظلماني، والنوراني خير من الظلماني، هذا وجه تكبره عن السجود، وادعائه الخيرية وهي مردودة، بأن آدم مركب من العناصر الأربع، بخلاف إبليس، وأيضا فالفضل بيد اللّه يعطيه لمن يشاء.\rقوله: (و قيل من السماوات) وهذا الخلاف مرتب على الخلاف في أن السجود لآدم، هل كان في الجنة أو خارجها، فمن قال بالأول، جعل الضمير في منها عائدا على الجنة، ومن قال بالثاني، جعله عائدا على السماوات.\rقوله: فَإِنَّكَ رَجِيمٌ أي مرجوم، والرجم كما في القاموس: اللعن والشتم والطرد والهجران.\rقوله: إِلى يَوْمِ الدِّينِ أي وبعد ذلك يزداد عذابا على اللعنة التي هو فيها\rوقوله: إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قصد اللعين بذلك أنه لا يموت أبدا، لأنه إذا أمهل إلى يوم البعث، الذي هو يوم النفخة الثانية، فقد أمهل إلى الأبد، لانقطاع الموت حينئذ، وقصد أيضا الفسحة في الأجل، لأجل الإغواء، فأجابه اللّه إلى الثانية دون الأولى. قوله: (وقت النفخة الأولى) أي فيموت في جملة الخلائق، ثم يبعث مع الناس، فمدة موته أربعون سنة، ولم يكن هذا الإمهال إكراما له، بل إهانة وشقاوة ليزداد عذابه. قوله: (و الباء للقسم) وقيل للسببية.\rقوله: لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ الضمير عائد على أولاد آدم، وإن لم يتقدم لهم ذكر للعلم بهم.\rقوله: الْمُخْلَصِينَ أي الذين أخلصوا في أعمالهم، فلا تسلط لي عليهم.\rقوله: قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ أي هذا دين مستقيم لا اعوجاج فيه، فعليّ حفظه تفضلا وإحسانا.\rقوله: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ حاصل ذلك، أن إبليس لما قال لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ أوهم بذلك أن له سلطانا على غير المخلصين، فبين تعالى أنه ليس له سلطان على أحد من العباد، لا من المخلصين، ولا من غيرهم، بل من اتبعه، فهو من طرد اللّه لا من سلطنة إبليس، ويؤيده قوله في الآية الأخرى إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً وتقييد المفسر بالمؤمنين نظرا للصورة. قوله: (لكن) أشار بذلك إلى أن الاستثناء منقطع.\rقوله: لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ أي وأعلاها جهنم، وهي لعصاة المؤمنين، ثم لظى لليهود، ثم الحطمة للنصارى، ثم السعير للصابئين، ثم سقر للمجوس، ثم الجحيم لعباد الوثن، ثم الهاوية للمنافقين.\rقوله: لِكُلِّ بابٍ أي طبقة من أطباقها. قوله: جُزْءٌ مَقْسُومٌ أي حزب معد لها.\rقوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ أي الذين اتقوا الشرك، وهم المؤمنون ولو عصاة، لأن المتقي هو الآتي بالتقوى ولو مرة واحدة،","part":2,"page":247},{"id":848,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 248\rلهم ادْخُلُوها بِسَلامٍ أي سالمين من كل مخوف أو مع سلام أي سلموا وادخلوا آمِنِينَ (46) من كل فزع وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ حقد إِخْواناً حال من هم عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (47) حال أيضا أي لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض لدوران الأسرة بهم لا يَمَسُّهُمْ فِيها\r______________________________\rغير أن العاصي، إذا مات مصرا على المعاصي تحت المشيئة، إن شاء اللّه عذبه مدة، ثم يعفو عنه بشفاعة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وإن شاء لم يعذبه، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وقال أبو هاشم الجبائي وجمهور المعتزلة: إن المتقين هم الذين اتقوا جميع المعاصي، فلا يثبت دخول الجنة، إلا لمن ترك جميع المعاصي، وهذا مذهب باطل، لمخالفته النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، والذي يجب الإيمان به، أن الجنة تملك بالموت على كلمة التوحيد، ولو صحبها أمثال الجبال من المعاصي، غير أن أهل الجنة مراتب.\rقوله: وَعُيُونٍ يحتمل أن المراد بها الأنهار التي قال فيها مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ الآية، ويحتمل أن تكون زيادة عليها، وهل كل مؤمن له عدة بساتين وعدة أنهار، أو كل له بستان ونهر، لمقابلة الجمع بالجمع. قوله: (و يقال لهم) أي إذا ارادوا الانتقال من محل إلى آخر، وإلا فهم مستقرون فيها، فأمرهم حينئذ بالدخول، تحصيل حاصل، والقائل يحتمل أن يكون الملائكة أو اللّه تعالى.\rقوله: بِسَلامٍ الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من الواو في ادخلوا، أي ادخلوها حال كونكم مصحوبين بسلامة من اللّه من جميع المخاوف والمكاره، وهذا على المعنى الأول الذي ذكره المفسر، ويقال على المعنى الثاني: ادخلوها مصحوبين بسلام من بعضكم لبعض، ومن الملائكة، أي يسلم بعضكم على بعض، وتسلم الملائكة عليكم. قوله: (أي سلموا) تفسير للمعنى الثاني.\rقوله: آمِنِينَ قدر المفسر (ادخلوا) إشارة إلى أنه حال ثانية، وهي مرادفة للأولى، ولا حاجة لهذا التقدير. قوله: (من كل فزع) أي ومنه زوال ما هم فيه من النعيم المقيم، وقوله: بِسَلامٍ آمِنِينَ زيادة في سرور أهل الجنة، لأن النعيم إذا لوحظ فيه عدم الانقطاع، كان في غاية السرور، ولا شك أن الجنة كذلك، بخلاف الدنيا، فإن نعيمها ملاحظ فيه الانقطاع عند حصوله، فلذلك كانت دارهم وغم.\rقوله: مِنْ غِلٍ الغل هو من أمراض القلب، كالحسد والكبر والعجب والشحناء والبغضاء، روي أن المؤمنين يوقفون على باب الجنة وقفة، فيقتص بعضهم من بعض، ثم يؤمر بهم إلى الجنة، وقد نقى اللّه قلوبهم من الغل والغش والحقد والحسد، فهم يحبون بعضهم بحبهم لربهم، وشأن المحب أن لا يكون لمحبوبه غل في قلبه، بل بينهم الصفاء والوفاء. قوله: (حال من هم) أي من ضمير صدورهم المضاف إليه، والشرط موجود، لأن المضاف جزء المضاف إليه، أو المعنى: ونزعنا ما في صدورهم من غل، حال كونهم متآخين في المودة والمحبة.\rقوله: عَلى سُرُرٍ جمع سرير وهو كما قال ابن عباس: من ذهب مكلل بالزبرجد والدر والياقوت، والسرير مثل ما بين صنعاء إلى الجابية. قوله: (حال أيضا) أي من الضمير في إِخْواناً.\rقوله: (لدوران الأسرة بهم) أي أنهم إذا اجتمعوا وتلاقوا، ثم أرادوا الانصراف، يدور سرير كل واحد منهم، بحيث يبقى مقابلا بوجهه لمن كان عنده، وقفاه إلى الجهة التي يسير لها السرير، وهذا أبلغ في الأنس والإكرام.\rقوله: لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ أي إعياء بخلاف الدنيا، ففيها الاعياء والتعب","part":2,"page":248},{"id":849,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 249\rنَصَبٌ تعب وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (48) أبدا نَبِّئْ خبر يا محمد عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ للمؤمنين الرَّحِيمُ (49) بهم وَأَنَّ عَذابِي للعصاة هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (50) المؤلم وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (51) وهم ملائكة اثنا عشر أو عشرة أو ثلاثة منهم جبريل إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً أي هذا اللفظ قالَ إبراهيم لما عرض عليهم الأكل فلم يأكلوا إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) خائفون قالُوا لا تَوْجَلْ تخف إِنَّا رسل بك نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (53) ذي\r______________________________\rوالكدرات والمشقات. قوله: وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ أي بل هم خالدون فيها، لا يزالون ولا يحولون، فالجنة بلا زوال، وبقاء بلا فناء، وكمال بلا نقصان.\rقوله: نَبِّئْ عِبادِي الخ، أي أخبر يا محمد عبادي المؤمنين العاصين، بأني أنا الغفور الرحيم فلا يقنطون من رحمتي، ولا يخافون عذابي. وهذا من اللّه تعطف لعباده واستجلابهم للتوبة. وقد أكد هذه الجملة بألفاظ ثلاثة: أولها أَنِّي وثانيها أَنَا، وثالثها تعريف الجملة بأل. ولما ذكر العذاب لم يقل وإني أنا المعذب، وهذا يدل على أن الرحمة تغلب الغضب، فلا يستبعد العاصي رحمة اللّه، بل يقبل على سيده بالتوبة والإنابة، فإنه هو الغفور الرحيم، فمتى كان في العبد أوصاف متعددة، تقتضي الغضب، ووصف واحد يقتضي الرحمة، فإن وصف الرحمة يغلب.\rقوله: وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ أي بهذه الآية لمناسبة ذكر النار أولا، فقد ذكر النار والجنة ثم ذكر ما يناسب كلا على سبيل اللف والنشر المشوش، واستفيد من هذه الآية، أن العبد يكون بين الرجاء والخوف، ففي الحديث عن عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه أنه قال: بلغنا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال «لو يعلم العبد قدر عفو اللّه، ما تورع عن حرام، ولو يعلم قدر عذابه، لجمع نفسه إلى قتله».\rوعنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه مر بنفر من أصحابه وهم يضحكون فقال: أتضحكون وبين أيديكم النار؟ فنزل نَبِّئْ عِبادِي الخ.\rقوله: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ معطوف على قوله: نَبِّئْ عِبادِي الخ، والمعنى وأخبر عبادي عن قصة ضيوف إبراهيم الخ، واعلم أنه في هذه السورة، أثبت نبوة سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أولا، ثم أتبع ذلك بذكر أدلة التوحيد، ثم خلق آدم وما يتعلق به، ثم بين أهل السعادة وأهل الشقاوة، ثم أتبع ذلك بذكر قصص بعض الأنبياء، ليكون عبرة للمعتبرين، وأوقع في نفسه المتعظين، وقد ذكر هنا أربع قصص:\rقصة إبراهيم، ثم قصة لوط، ثم قصة شعيب، ثم صالح على سبيل الاختصار وقد تقدمت في سورة هود بأبسط مما هنا. قوله: عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الضيف في الأصل الميل، سمي النازل للقرى بذلك، لميله إليك ونزوله عندك، وهو مصدر يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وقد يجمع ويثنى. قوله:\r(منهم جبريل) أي على كل من الأقوال الثلاثة.\rقوله: إِذْ دَخَلُوا إِذْ ظرف معمول لمحذوف تقديره اذكر. قوله: (أي هذا اللفظ) أي لفظ سَلاماً وهو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره سلمنا عليك، أو سلم اللّه عليك سلاما، ولم يذكر هنا رد السّلام، ولا بقية القصة اختصارا. قوله: إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ تقدم أن سبب خوفه منهم، أنه رأى فيهم جلال اللّه وهيبته.\rقوله: قالُوا لا تَوْجَلْ قرأ السبعة بفتح التاء والجيم، وفعله وجل كعلم،","part":2,"page":249},{"id":850,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 250\rعلم كثير هو إسحق كما ذكر في هود قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي بالولد عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ حال أي مع مسه إياي فَبِمَ فبأي شيء تُبَشِّرُونَ (54) استفهام تعجب قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِ بالصدق فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (55) الآيسين قالَ وَمَنْ أي لا يَقْنَطُ بكسر النون وفتحها مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) الكافرون قالَ فَما خَطْبُكُمْ شأنكم أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) كافرين أي قوم لوط لإهلاكهم إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) لإيمانهم إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (60) الباقين في العذاب لكفرها فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ أي لوط الْمُرْسَلُونَ (61) قالَ لهم إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) لا أعرفكم قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا أي قومك فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) يشكون وهو العذاب وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِ\r______________________________\rوقرىء شذوذا بالبناء للمفعول، ولا تأجل بقلب الواو ألفا، ولا تؤاجل بضم التاء وزيادة ألف بعد الواو، فالقراءات الشاذة ثلاث.\rقوله: أَبَشَّرْتُمُونِي هكذا بهمزة الاستفهام في قراءة الجمهور، وقرىء شذوذا بحذفها، فيحتمل الإخبار والاستفهام، وحذفت أداته للعلم بها. قوله: عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ أي فكان عمره إذ ذاك مائة واثنتي عشرة سنة.\rقوله: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ الجار والمجرور متعلق بتبشرون، وقدم لأن الاستفهام له صدر الكلام، وقرأ العامة بفتح النون مخففة على أنها نون الرفع، وقرأ نافع بكسرها مخففة، وابن كثير بكسرها مشددة.\rقوله: (استفهام تعجب) أي من أن يولد له ولد مع مس الكبر إياه، وتعجبه بالنظر للعادة لا بالنظر لقدرة اللّه تعالى، ولذا دفع ذلك بقوله: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ.\rقوله: قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِ أي اليقين الذي لا لبس فيه.\rقوله: (أي لا) يَقْنَطُ أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي. قوله: (بكسر النون وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان، وقرىء شذوذا بضم النون.\rقوله: قالَ فَما خَطْبُكُمْ أي الذي أرسلتم لأجله سوى البشارة فإن البشارة يكفي فيها واحد، فلا تحتاج لعدد.\rقوله: إِلَّا آلَ لُوطٍ يحتمل أن يكون مستثنى من الأرسال، والمعنى إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين، إلا آل لوط، فلم نرسل لهلاكهم، بل أرسلنا لنجاتهم، وحينئذ يكون الاستثناء متصلا، أو مستثنى من قوم مجرمين، فهو منقطع، لأنهم لم يدخلوا في القوم المجرمين، ويشير للثاني قول المفسر لإيمانهم.\rقوله: إِلَّا امْرَأَتَهُ الأقرب أنه مستثنى من ضمير منجوهم. قوله: قَدَّرْنا إسناد التقدير للملائكة مجاز، إذ المقدر حقيقة هو اللّه تعالى، وهذا كما يقول خواص الملك: أمرنا بكذا، والآمر هو الملك. قوله: (الباقين في العذاب) أي فيقال غبر الشيء بقي، ويقال أيضا مضى، فهو من الأضداد.\rقوله: فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ أي بعد أن خرجوا من عند إبراهيم، وسافروا لقرية لوط، وكان بينهما أربعة فراسخ. قوله: (أي لوطا) أشار بذلك إلى أن لفظة آل زائدة، بدليل الآية الأخرى وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً.\rقوله: مُنْكَرُونَ أي تنكركم نفسي وتجزع منكم، وإنما جزع منهم، لخوفه من قومه عليهم، بدليل آية هود وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ. قوله:\rوَأَتَيْناكَ بِالْحَقِ الباء للملابسة أي متلبسين بالحق.","part":2,"page":250},{"id":851,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 251\rوَإِنَّا لَصادِقُونَ (64) في قولنا فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ امش خلفهم وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وهو الشام وَقَضَيْنا أوحينا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ وهو أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) حال أي يتم استئصالهم في الصباح وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مدينة سذوم وهم قوم لوط لما أخبروا أن في بيت لوط مردا حسانا وهم الملائكة يَسْتَبْشِرُونَ (67) حال طمعا في فعل الفاحشة بهم قالَ لوط إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (69) بقصدكم إياهم بفعل الفاحشة بهم قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (70) عن إضافتهم قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (71) ما تريدون من قضاء الشهوة فتزوجوهن، قال تعالى: لَعَمْرُكَ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي وحياتك إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) يترددون فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ صيحة جبريل مُشْرِقِينَ (73) وقت شروق الشمس فَجَعَلْنا عالِيَها أي قراهم سافِلَها بأن رفعها جبريل إلى السماء وأسقطها مقلوبة إلى الأرض وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) طين طبخ بالنار إِنَّ فِي\r______________________________\rقوله: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ أي وهم بنتاه، فلم يخرج من قريته إلا هو وبنتاه. قوله: بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ أي جزء منه. قوله: (امش خلفهم) أي لتطمئن عليهم. قوله: (لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم) أي فينزعج من ذلك. قوله: (و هو الشام) أي فطوى اللّه لهم الأرض في الوقت حتى نجوا، ووصلوا إلى إبراهيم.\rقوله: (أوحينا) أشار بذلك إلى أن قَضَيْنا ضمن معنى (أوحينا) فعدي بما تعدى به.\rقوله: وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الواو لا تقضي ترتيبا ولا تعقيبا، فإن هذا المجيء قبل إعلام الملائكة له بأنهم رسل اللّه، فالقصة هنا على خلاف الترتيب الواقعي، بخلافها في هود. قوله: (مدينة سذوم) بالسين المهملة والذال المعجمة، وأخطأ من قال بالمهملة. قوله: يَسْتَبْشِرُونَ أي يبشر بعضهم بعضا بأضياف لوط، وتقدم أن المخبر لهم بالضيوف امرأة لوط.\rقوله: فَلا تَفْضَحُونِ أي لا تسيئوني فيهم.\rقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي خافوا عقابه.\rقوله: عَنِ الْعالَمِينَ أي عن تضييف أحد من الغرباء، وكانوا يمنعونه من مخالطة الناس وإضافتهم، خوفا من أن يؤلفهم ويستعين بهم عليهم. قوله: (فتزوجوهن) أي إن أسلمتم، ويحتمل أنه كان في شريعته، يحل تزوج الكافر بالمسلمة، وتقدم في هود أنه يحتمل أن المراد نساء أمته.\rقوله: لَعَمْرُكَ بفتح العين لغة في العمر بضمتين، وهو مدة حياة الإنسان في الدنيا، ولكن لم يرد القسم في كلام العرب إلا بالفتح. قوله: إِنَّهُمْ أي قوم لوط، وقيل المراد قريش، وعلى كل حال فهذه الجملة معترضة بين قصة قوم لوط. قوله: (أي وقت شروق الشمس) أي طلوعها، وهذا بيان لانتهاء العذاب، وابتداؤه كان وقت الصباح.\rقوله: فَجَعَلْنا عالِيَها أي وجه الأرض وما عليه. قوله: (أي قراهم) أي وكانت أربعة، فيها أربعمائة ألف مقاتل، وقيل خمسة وفيها أربعة آلاف ألف، قوله: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ تقدم في هود أنه يحتمل أن المطر كان على من كان غائبا عن القرى، ويحتمل أنه عليهم بعد قلبها بهم.\rقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ","part":2,"page":251},{"id":852,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 252\rذلِكَ المذكور لَآياتٍ دلالات على وحدانية اللّه لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) للناظرين المعتبرين وَإِنَّها أي قرى قوم لوط لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) طريق قريش إلى الشام لم تندرس، أفلا يعتبرون بهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لعبرة لِلْمُؤْمِنِينَ (77) وَإِنْ مخففة أي إنه كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ هي غيضة شجر بقرب مدين وهم قوم شعيب لَظالِمِينَ (78) بتكذيبهم شعيبا فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ بأن أهلكناهم بشدة الحر وَإِنَّهُما أي قرى قوم لوط والأيكة لَبِإِمامٍ طريق مُبِينٍ (79) واضح، أفلا تعتبرون بهم يا أهل مكة وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ واد بين المدينة والشام وهم ثمود الْمُرْسَلِينَ (80) بتكذيبهم صالحا لأنه تكذيب لباقي الرسل لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد وَآتَيْناهُمْ آياتِنا في الناقة فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (81) لا يتفكرون فيها وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) وقت الصباح فَما أَغْنى دفع\r______________________________\r(المذكور) أي من قصة إبراهيم ولوط. قوله: لِلْمُتَوَسِّمِينَ أي المتفكرين الذين يتأملون الشيء فيعرفون حقيقته. قوله: (لم تندرس) أي آثارهم.\rقوله: (لعبرة) لِلْمُؤْمِنِينَ خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بذلك.\rقوله: وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ شروع في ذكر قصة شعيب مع قومه أصحاب الأيكة، وذكرت هنا مختصرة، وسيأتي بسطها في سورة الشعراء. قوله: (مخففة) أي واسمها ضمير الشأن، وكانَ ناقصة، وأَصْحابُ الْأَيْكَةِ اسمها، ولَظالِمِينَ خبرها، واللام للتوكيد، والجملة خبر إِنْ.\rقوله: (هي غيضة شجر) الغيضة في الأصل اسم للشجر الملتف، والمراد بها هنا، المكان الذي فيه الشجر الكثير، ونسبوا لها لملازمتهم لها وإقامتهم عندها، وكان عامة شجرهم المقل أي الدوم. قوله: (بتكذيبهم شعيبا) أي وبخسهم الكيل والميزان وقطعهم الطريق. قوله: (بشدة الحر) أي فسلطها اللّه عليهم سبعة أيام، حتى قربوا من الهلاك، فبعث اللّه لهم سحابة كالظلة، فالتجؤوا إليها، واجتمعوا تحتها للتظلل بها، فبعث اللّه عليهم منها نارا فأحرقتهم جميعا، فإهلاكهم أولا بشدة الحر، ثم بالظلة، وأما أهل مدين، فأهلكوا بالصيحة، كما تقدم في سورة هود، من أنه أرسل لأهل مدين ولأصحاب الأيكة.\rقوله: (طريق) مُبِينٍ أي وسمي الطريق إماما، لأنه يؤم ويتبع، لأن الإنسان إذا أراد الانتقال من موضع لآخر، فإنه يأتم بالطريق حتى يصل إلى الموضع الذي يريده.\rقوله: وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ شروع في قصة صالح. قوله: (واد بين المدينة والشام) أي وآثاره باقية، يمر عليها الذاهب من الشام للحجاز. قوله: (لأنه تكذيب لباقي الرسل) جواب عما يقال:\rلم جمع المرسلين مع أنهم لم يكذبوا إلا رسولا واحدا.\rقوله: وَآتَيْناهُمْ أضاف الايتاء لهم، وإن كان لصالح لأنه مرسل لهم. قوله: (في الناقة) أشار بذلك إلى أن الناقة، وإن كانت آية واحدة، إلا أنها اشتملت على آيات، كخروجها من الصخرة، وعظم جثتها، وغزارة لبنها، وولادتها فصيلا قدرها. قوله:\r(لا يتفكرون) أي لا يتأملون ولا ينظرون فيها.\rقوله: وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً أي ينقرون الجبال بالمعاويل، حتى تصير بيوتا من غير","part":2,"page":252},{"id":853,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 253\rعَنْهُمْ العذاب ما كانُوا يَكْسِبُونَ (84) من بناء الحصون وجمع الأموال وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا محالة فيجازي كل أحد بعمله فَاصْفَحِ يا محمد عن قومك الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) أعرض عنهم إعراضا لا جزع فيه وهذا منسوخ بآية السيف إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ لك شيء الْعَلِيمُ (86) بكل شيء وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي قال صلّى اللّه عليه وسلّم هي الفاتحة رواه الشيخان لأنها تثنى في كل ركعة وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) لا\r______________________________\rبنيان. قوله: آمِنِينَ أي من وصول اللصوص لهم، ومن تخريب الأعداء لبيوتهم لشدة اتقانها.\rقوله:\rفَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ أي من السماء، والزلزلة من الأرض، لما عقروا الناقة، وتقدم في هود، أن صالحا قال لهم قبل نزول العذاب بهم: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام. قوله: (وقت الصباح) أي بعد مضي الثلاثة الأيام.\rقوله: ما كانُوا يَكْسِبُونَ ما اسم موصول أو مصدرية أو نكره موصوفة فاعل أغنى؛ والتقدير الذي كانو يكسبونه أو كسبهم أو شيء يكسبونه. قوله: (من بناء الحصون) الخ، بيان لما.\rقوله: إِلَّا بِالْحَقِ أي خلقا ملتبسا بالحكمة والمصلحة والمنافع للعباد، ودلائل على وحدانية اللّه. قوله: وَإِنَّ السَّاعَةَ أي القيامة. قوله: (فيجازي كل واحد بعمله) أي فينتقم من المسيء، وينعم على المحسن. قوله: (و هذا منسوخ) أي قوله: فاصفح الصفح الجميل، وهو أحد قولين، والثاني أن الآية محكمة، ولا ينافي أمره بالقتال، فإن المقصود أمره بأن يصفح عن الخلق الصفح الجميل، ويعاملهم بالخلق الحسن، فيعفو عن المسيء، ويسامح المذنب، وإن كان مأمورا بقتال المشركين، فقتاله للأمر به لا لهوى نفسه، ولذا قال البوصيري:\rولو أن انتقامه لهوى النف ... س لدامت قطيعة وجفاء\r\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي سبب نزولها أن سبع قوافل، أتت من بصرى وأذرعات في يوم واحد، ليهود قريظة والنضير، فيها أنواع من البز والطيب والجواهر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقربنا بها، وأنفقناها في سبيل اللّه فنزلت، والمعنى قد أعطيتكم سبع آيات، خير لكم من سبع قوافل. إن قلت: إن مقتضى ذلك، أن تكون الآية مدنية، مع أنه تقدم أن السورة مكية بإجماع. أجيب:\rبأنه لا مانع أن هذه الآية نزلت مرتين، مرة بمكة مرة بالمدينة. قوله: (هي الفاتحة) أي لأنها سبع آيات، فمن عد البسملة آية منها، تكون الآية الأخيرة. صِراطَ الَّذِينَ الخ، ومن لم يعدها آية، تكون السابعة قوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، وهذا القول هو الراجح، وعليه فيكون عطف قوله:\rوَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ من عطف الكل على الجزء، أو من عطف العام على الخاص، وقيل المراد بالسبع المثاني الحواميم، وقيل السبع الطوال أولها البقرة، وآخرها مجموع الأنفال مع براءة، وقيل جميع القرآن، وعليه يكون العطف مرادفا. قوله: (لأنها تثنى في كل ركعة) أي تعاد في كل ركعة، وهذا أحد الوجوه في سبب تسميتها بالمثاني، وقيل سميت بذلك، لأنها مقسومة بين العبد وبين اللّه نصفين، فنصفها الأول ثناء على اللّه، ونصفها الثاني دعاء، وقيل لأن كلماتها مثناة مثل قوله: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إلى آخرها، وقيل لأنها نزلت مرتين: مرة بمكة ومرة بالمدينة، معها سبعون ألف ملك.","part":2,"page":253},{"id":854,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 254\rتَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً أصنافا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ إن لم يؤمنوا وَاخْفِضْ جَناحَكَ ألن جانبك لِلْمُؤْمِنِينَ (88) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ من عذاب اللّه أن ينزل بكم الْمُبِينُ (89) البين الإنذار كَما أَنْزَلْنا العذاب عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) اليهود والنصارى الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ أي كتبهم المنزلة عليهم عِضِينَ (91) أجزاء حيث آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وقيل المراد بهم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإسلام، وقال بعضهم:\rفي القرآن سحر، وبعضهم: كهانة، وبعضهم: شعر فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) سؤال\r______________________________\rقوله: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي لا ترغب فيما متعنا به أصنافا من الكفار، فإنه مستحقر، وفي الحديث عن أبي بكر قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم «من أوتي القرآن، فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي، فقد صغر عظيما، وعظم صغيرا». قوله: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي لأجلهم. قوله: (ألن جانبك) أي تواضع لهم وارحمهم، كالطائر الذي يخفض جناحه على أفراخه، رحمة بها وشفقة عليها، وقد فعل صلّى اللّه عليه وسلّم ما أمر به، قال البوصيري في هذا المعنى:\rأحل أمته في حرز ملته ... كالليث حل مع الأشبال في أجم\r\rقوله: كَما أَنْزَلْنا الكاف حرف تشبيه وجر، وما اسم موصول في محل جر، والجار والمجرور متعلق بمحذوف، والتقدير: وقل: إني أنا النذير لكم بالعذاب، كالعذاب الذي أنزلناه على المقتسمين والماضي بمعنى المستقبل، إذ الذي نزل بأهل مكة لم يكن واقعا حين نزول الآية، بل وقع بعد الهجرة، وكذا ما وقع للمقتسمين طرق مكة لم يكن واقعا حينئذ، بل وقع يوم بدر. إن قلت: إن العذاب المنذر، ينبغي تشبيهه بشيء قد وقع ليحصل به الاتعاظ. أجيب: بأنه سهل ذلك تحتم نزوله، فكأنه واقع ولا بد، وقد تحقق ذلك يوم بدر. قوله: (اليهود والنصارى) أي حيث اقتسموا كتبهم، فآمنوا ببعضها الذي وافق هواهم، وكفروا بالبعض الذي خالفه.\rقوله: الَّذِينَ جَعَلُوا بيان للمقتسمين. قوله: الْقُرْآنَ المراد به على هذا التفسير معناه اللغوي، فحينئذ صح تفسير المفسر له بكتبهم المنزلة عليهم. قوله: عِضِينَ جمع عضة، وأصلها قيل عضو، وقيل عضة، فعلى الأولى يكون: من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء، أي أجزاء متفرقة. وعلى الثاني يكون: من عضه إذا كذب، والمعنى جعلوا القرآن أجزاء متفرقة، أو جعلوه أكاذيب. قوله: (و قيل المراد بهم الذين اقتسموا طرق مكة) أي وهم ستة عشر رجلا، بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا أعتاب مكة وأنقابها وفجاجها ويقولون لمن سلكها: لا تغتروا بهذا الخارج فينا يدعي النبوة، فإنه مجنون، وربما قالوا ساحر، وربما قالوا شاعر، وربما قالوا كاهن، وسموا المقتسمين لأنهم اقتسموا هذه الطرق، فأماتهم اللّه شر ميتة، وكانوا نصبوا الوليد بن المغيرة حكما على باب المسجد، فإذا سألوه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: صدق أولئك، وما ذكره المفسر قولان من سبعة ذكرها القرطبي. قوله: (و قال بعضهم) معطوف على اقتسموا، فالضمير في بعضهم عائد على الذين اقتسموا، وهو إشارة إلى أن المراد بالقرآن على هذا القول، الكتاب المنزل على سيدنا محمد فجعلوه أجزاء، وحيث اختلفت أقوالهم فيه، فقال بعضهم سحر، وبعضهم كهانة، أو المراد جعلوه أكاذيب فلم يؤمنوا به. قوله: (سؤال توبيخ) جواب عما يقال:","part":2,"page":254},{"id":855,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 255\rتوبيخ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (93) فَاصْدَعْ يا محمد بِما تُؤْمَرُ أي أجهر به وأمضه وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) هذا قبل الأمر بالجهاد إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) بك بإهلاكنا كلا منهم بآفة وهم: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ صفة وقيل مبتدأ، ولتضمنه معنى الشرط دخلت الفاء في خبره، وهو فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) عاقبة أمرهم وَلَقَدْ للتحقيق\r______________________________\rإنه أثبت سؤالهم هنا، ونفاه في سورة الرحمن حيث قال فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ فحاصل الجواب: أن المنفي هناك سؤال الإكرام والاحترام، والمثبت هنا سؤال التوبيخ والتقريع.\rقوله: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ سبب نزولها: أن رسول اللّه أول أمره، كان يدعو إلى اللّه مختفيا، ويأمر كل من آمن به بالاختفاء، فلما نزلت هذه الآية، أظهر أمره وبالغ في إظهاره. قوله: (هذا قبل الأمر بالجهاد) أي فتكون الآية منسوخة، وقيل ليست منسوخة بل هي محكمة، والمعنى لا تلتفت لهم ولا تبال بهم.\rقوله: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ أي وهم جماعة من قومه، كانوا يسخرون به ويبالغون في إيذائه، وإنما عجلت لهؤلاء العقوبة، لشدة إيذائهم لرسول اللّه وبغضهم له، وإلا فالمستهزئون كثير، كأبي لهب وزوجته وولده، وأبي جهل. قوله: (و هم الوليد بن المغيرة) أي وقد مر برجل نبال وهو يجر إزاره، فتعلقت قطعة من النبل بإزار الوليد، فمنعه الكبر أن يطاطئ رأسه وينزعها، فجعلت تضرب في ساقه فخدشته، فمرض منها فمات، وقوله: (و العاصي بن وائل) خرج على راحلته يتنزه، فدخل شعبا فدخلت شوكة في أخمص رجله، فانتفخت حتى صارت مثل عنق البعير، فمات مكانه، وقوله: (و عدي بن قيس) الصواب الحرث بن قيس بن الطلاطلة، كما ذكره في الهمزية وشراحها، والخازن وغيره من كتب التفسير، وقد هلك بأن صار القيح يجري من أنفه وعينه وفمه حتى مات، وقوله: (و الأسود بن المطلب) رماه جبريل بورقة خضراء، فذهب بصره ووجعت عينه، فجعل يضرب برأسه الجدار حتى هلك، وقوله:\r(و الأسود بن عبد يغوث) أصابه مرض الاستسقاء فمات به، وقيل إن النبي شكا هؤلاء الخمسة لجبريل عليه السّلام، فكفاه اللّه شرهم، وقد أجاد صاحب الهمزية حيث قال في حقهم:\rكفاه المستهزئين وكم سا ... ء نبيا من قومه استهزاء\r\rورماهم بدعوة من فناء ال ... بيت فيها للظالمين فناء\r\rخمسة كلهم اصيبوا بداء ... والردى من جنوده الأدواء\r\rفدهى الأسود بن المطلب ... أي عمى ميت به الأحياء\r\rودهى الأسود بن عبد يغوث ... أن سقاه كاس الردى استسقاء\r\rواصاب الوليد خدشة سهم ... قصرت عنها الحية الرقطاء\r\rوقضت شوكة على مهجة العا ... ص فلله النقعة الشوكاء\r\rوعلى الحرث القيوح وقد سا ... ل بها رأسه وساء الوعاء\r\rخمسة طهرت بقطعهم الأر ... ض فكف الأذى بهم شلاء\r\rقوله: الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ أي يشركون في عبادته غيره. قوله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ","part":2,"page":255},{"id":856,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 256\rنَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (97) من الاستهزاء والتكذيب فَسَبِّحْ متلبسا بِحَمْدِ رَبِّكَ أي قل سبحان اللّه وبحمده وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) المصلين وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) الموت.\r______________________________\rهذا تهديد ووعيد لهم.\rقوله: بِما يَقُولُونَ أي بسبب قولهم وتكلمهم في شأنك، فإن شأن ذلك، يضيق منه الصدر بحسب الطبيعة البشرية.\rقوله: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي فافزع إلى ربك والتجئ إليه، يكفك ما يهمك من أمور الدنيا والآخرة، ففي الحديث «اعمل لوجه واحد يكفك كل الأوجه».\rقوله: (أي قل سبحان اللّه وبحمده) أي تنزيها له عن كل نقص، واتصافا له بكل كمال. قوله: (المصلين) أشار بذلك إلى أن الكلام فيه مجاز، من إطلاق الجزء على الكل، وخص السجود بالذكر، لأنه أشرف أركانها.\rقوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ عطف عام على خاص، والمعنى دم على عبادته. قوله: حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ أي أعبد ربك في جميع زمن حياتك، ولا تخل لحظة من عمرك من غير عبادة، فإن العمر ساعة فاجعله طاعة، وهذا الخطاب وإن كان للنبي، إلا أن المراد منه العموم. قوله: (الموت) أي وسمي يقينا، لأنه متيقن الوقوع والنزول.","part":2,"page":256},{"id":857,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 257\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة النّحل مكيّة إلا وَإِنْ عاقَبْتُمْ إلى آخرها. وهي مائة وثمان وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لما استبطأ المشركون العذاب نزل أَتى أَمْرُ اللَّهِ أي الساعة وأتى بصيغة الماضي لتحقق وقوعه أي قرب فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ تطلبوه قبل حينه فإنه واقع لا محالة\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة النحل\rمكية إلا وَإِنْ عاقَبْتُمْ إلى آخرها. وهي مائة وثمان وعشرون آية سميت بذلك، لذكر قصة النحل فيها، على سبيل العبرة العظيمة، وتسمى أيضا سورة النعم، لكثرة تعداد النعم فيها، والمقصود من ذكر هذه السورة، الدلالة على اتصافه تعالى بكل كمال، وتنزيهه عن كل نقص، وأدل ما فيها على هذا المعنى، أمر النحلة وشأنها في دقة فهمها واتخاذها البيت، واختلاف ألوان ما يخرج منها، وجعله شفاء، مع أكلها من كل الثمرات النافعة والضارة، الحلوة والمرة، وغير ذلك.\rقوله: (إلا وإن عاقبتم) فإنها نزلت بالمدينة في قتل الحمزة، وظاهر المفسر أنه لم يكن منها مدني إلا تلك الآيات وهو المشهور، وقيل مكية إلا خمس آيات، هؤلاء الثلاثة، وقوله: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا، وقوله: (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا)، وقيل غير ذلك. قوله: (لما استبطأ المشركون العذاب) الخ، قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ قال الكفار بعضهم لبعض: إن هذا الرجل يزعم أن القيامة قد قربت، فأمسكوا عن بعض ما كنتم عليه، حتى تنظروا ما هو كائن، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء، قالوا: ما نرى شيئا، فنزل اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ فأشفقوا، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به، فنزل أَتى أَمْرُ اللَّهِ فوثب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ورفع الناس رؤوسهم، وظنوا أنها قد جاءت حقيقة فنزل فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ فاطمأنوا. قوله:\r(أي الساعة) مشى المفسر على أن المراد بأمر اللّه القيامة، وهو أحد قولين، وقيل المراد بأمر اللّه، عقوبة المكذبين في الدنيا بالسيف. قوله: (و أتى بصيغة الماضي) أي على سبيل المجاز، ففي الكلام استعارة تبعية، حيث شبه الإتيان في المستقبل، بالإتيان في الماضي، بجامع تحقق الحصول في كل، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من الإتيان في الماضي أتى بمعنى يأتي. قوله: (فإنه واقع لا محالة) أي ولا مفر لكم","part":2,"page":257},{"id":858,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 258\rسُبْحانَهُ تنزيها له وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) به غيره يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ أي جبريل بِالرُّوحِ بالوحي مِنْ أَمْرِهِ بإرادته عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وهم الأنبياء إِنَ مفسرة أَنْذِرُوا خوفوا الكافرين بالعذاب وأعلموهم أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2) خافون خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ أي محقا تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) به من الأصنام خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ مني إلى أن صيره قويا شديدا فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ شديد الخصومة مُبِينٌ (4) بينها في نفي البعث قائلا من يحيي العظام وهي رميم وَالْأَنْعامَ الإبل والبقر والغنم ونصبه بفعل مقدر يفسره خَلَقَها لَكُمْ من جملة الناس فِيها دِفْءٌ ما تستدفئون به من الأكسية والأردية من أشعارها وأصوافها وَمَنافِعُ من النسل والدر والركوب وَمِنْها تَأْكُلُونَ (5) قدم الظرف للفاصلة وَلَكُمْ\r______________________________\rمنه. قوله: عَمَّا يُشْرِكُونَ تنازعه كل من سبحانه وتعالى، وقوله: (غيره) قدره إشارة إلى أن مفعول يُشْرِكُونَ محذوف. قوله: (أي جبريل) أي وجمع تعظيما له. قوله: (بالوحي) أي وسمي روحا، لأن به حياة القلوب، الناشىء عنه السعادة الأبدية، ومن حاد عنها فهو هالك، كما أن الروح بها حياة الأجسام، وهي بدونها هالكة. قوله: (بإرادته) أشار بذلك إلى أن المراد بالأمر الإرادة، ومن بمعنى الباء.\rقوله: أَنْ (مفسرة) أي وضابطها تقدم جملة فيها معنى القول دون حروفه وهو قوله: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ. قوله: (خوّفوا الكافرين) أي بعد إعلامهم بالتوحيد. قوله: (بالعذاب) قدره إشارة إلى معمول الإنذار محذوف، وقوله: أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا معمول لمحذوف قدره المفسر بقوله: (و أعلموهم).\rقوله: فَاتَّقُونِ أي امتثلوا أوامري واجتنبوا نواهيّ، ففيه تنبيه على الأحكام الفرعية، بعد التنبيه على التوحيد. قوله: (أي محقا) أشار بذلك إلى أن الجار والمجرور، في محل نصب على الحال.\rقوله: تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ أي تنزه عن إشراكهم به غيره.\rقوله: خَلَقَ الْإِنْسانَ أي غير آدم. قوله: مِنْ نُطْفَةٍ مِنْ لابتداء الغاية، وقوله: (إلى أن صيره قويا شديدا) قدره جوابا عما يقال: إن كونه خصيما مبينا لا يكون عقب خلقه من نطفة، بل بعد قوته وشدته. قوله: (في نفي البعث) في للسببية، والمعنى أنه يخاصم ويجادل، بسبب كونه منكرا لبعث. قوله: (قائلا من يحيي العظام) الخ، أشار بذلك إلى ما روي أن أبي بن خلف، جاء بالعظم الرميم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: يا محمد أتظن أن اللّه يحيي هذا بعد ما رم؟ قال صلّى اللّه عليه وسلّم:\r«نعم»، ففي هذه الآية رد على هذا الكافر، ومن حذا حذوه.\rقوله: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها هذا من جملة أدلة توحيده وتعداد نعمه، وذلك أن اللّه تعالى لما ذكر خلق السماوات والأرض، أتبعه بذكر خلق الإنسان، ثم بذكر ما يحتاج إليه في ضروراته من أكل ولبس، فذكر الأنعام التي يكون منها ذلك. قوله: (في جملة الناس) أشار بذلك إلى أن الخطاب في لَكُمْ لقريش، ولو حمل على العموم، كما هو الواقع لاستغنى عن ذلك. قوله: فِيها دِفْءٌ هو بوزن حمل، يطلق على كل ما يستدفأ به، من ملبوس ومأكول. قوله: (و أصوافها) أي وأوبارها. قوله: وَمَنافِعُ عطف عام على خاص. قوله: (و الدر) أي اللبن، قوله: (و الركوب) أي بالنسبة للمجموع. قوله: (للفاصلة) أي لا للحصر، فإن الإنسان قد يأكل من غيرها، وليس منهيا عنه، قال تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ.","part":2,"page":258},{"id":859,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 259\rفِيها جَمالٌ زينة حِينَ تُرِيحُونَ تردونها إلى مراحها بالعشي وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) تخرجونها إلى المرعى بالغداة وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ أحمالكم إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ واصلين إليه على غير الإبل إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ بجهدها إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (7) بكم حيث خلقها لكم وَخلق الْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً مفعول له، والتعليل بهما لتعريف النعم لا ينافي خلقها لغير ذلك كالأكل في الخيل الثابت بحديث الصحيحين وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (8) من الأشياء العجيبة الغريبة وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ أي بيان الطريق المستقيم وَمِنْها أي السبيل جائِرٌ حائد عن الاستقامة وَلَوْ شاءَ هدايتكم لَهَداكُمْ إلى قصد السبيل أَجْمَعِينَ (9) فتهتدون إليه\r______________________________\rقوله: وَلَكُمْ فِيها أي الأنعام. قوله: حِينَ تُرِيحُونَ قدم الإراحة على التسريح، مع أنه خلاف الواقع، لأن الجمال في الرواح، أعظم منه في وقت التسريح، لأن النعم تقبل من المرعى، مملوءة البطون حافلة الضروع، فيفرح أهلها بها، بخلاف تسريحها إلى المرعى، فإنها تخرج جائعة البطون، ضامرة الضروع، وأكثر ما تكون هذه الإراحة أيام الربيع، لحسن النعم إذ ذاك.\rقوله: وَتَحْمِلُ أي النعم، والمراد بها خصوص الإبل. قوله: أَثْقالَكُمْ جمع ثقل، وهو ما يحتاج إليه من آلات السفر والأحمال الثقيلة. قوله: إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ الخ، المراد أي بلد بعيد، مكة أو غيرها، وقال ابن عباس: أريد بها اليمن ومصر والشام، وقال عكرمة: مكة، والظاهر أنه عام لكل بلد بعيد كما علمت. قوله: إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ أي تعبها.\rقوله: وَالْخَيْلَ معطوف على الْأَنْعامَ ولذا قدر المفسر (خلق). قوله: وَالْبِغالَ جمع بغل، وهو المتولد بين الخيل والحمير. قوله: (مفعول له) أي لأجله، وجر الأول باللام لأن الفاعل مختلف، ففاعل الخلق هو اللّه، وفاعل الركوب المخلوق. قوله: (بهما) أي الركوب والزينة. قوله: (لا ينافي خلقهما لغير ذلك) أي فلا يفيد الحصر في الركوب والزينة، بل خلقها للأكل أيضا، وبذلك أخذ الشافعي، وأما عند الأئمة الثلاثة، فأكل الخيل حرام كباقي الدواب، استدلوا بأن منفعة الأكل، أعظم من منفعة الركوب، فلو كان أكل لحوم الخيل جائزا، لكان أولى بالذكر، فلما لم يذكره اللّه علمنا تحريمه، ولأن اللّه خص الأنعام بالأكل حيث قال: وَمِنْها تَأْكُلُونَ، وخص هذه بالركوب فقال: لِتَرْكَبُوها، فعلمنا أنها مخلوقة للركوب لا للأكل، وفي الحقيقة الآية ليست صريحة، في نهي ولا جواز، وإنما مستند الأئمة السنة، فمن حرم لحم الخيل، حمل الحديث الصحيح على النسخ أو الاضطرار، ومن جوزها قال:\rالأصل عدم الاضطرار والنسخ. قوله: (بحديث الصحيحين) أي وهو ما روي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت: نحرنا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فرسا ونحن بالمدينة فأكلناه. قوله: (من الأشياء العجيبة) أي كالطيور والسباع والوحوش وغيرها من الحيوانات.\rقوله: وَعَلَى اللَّهِ أي تفضلا وإحسانا. قوله: (أي بيان الطريق المستقيم) أي طريق الهدى والحق وتبيينها، بإرسال الرسل وإنزال الكتب. قوله: وَمِنْها جائِرٌ أي سبيل جائر، وهو سبيل الضلال والكفر. والجور العدول عن الاستقامة. قوله: وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ أي وصلكم إلى","part":2,"page":259},{"id":860,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 260\rباختيار منكم هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ تشربونه وَمِنْهُ شَجَرٌ ينبت بسببه فِيهِ تُسِيمُونَ (10) ترعون دوابكم يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآيَةً دالة على وحدانيته تعالى لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) في صنعه فيؤمنون وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ بالنصب عطفا على ما قبله والرفع مبتدأ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ بالوجهين مُسَخَّراتٌ بالنصب حال والرفع خبر بِأَمْرِهِ بإرادته إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) يتدبرون وَسخر لكم ما ذَرَأَ خلق لَكُمْ فِي الْأَرْضِ من\r______________________________\rالطريق المستقيم بأجمعكم، ولكنه لم يشأ ذلك، فلم يحصل لما سبق في عمله، أن الجنة لها أهل، وأن النار لها أهل.\rقوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لما ذكر سبحانه وتعالى منته على بني آدم بخلق الحيوانات الخاصة بهم، أعقبه بذكر نعمه عامة لكل الحيوانات، آدميين وغيرهم، وهي إنزال الماء من السماء، الناشىء عنه النباتات، التي ينتفع بها جميع الحيوانات. قوله: لَكُمْ الجار والمجرور صفة لماء، وقوله:\rمِنْهُ شَرابٌ مبتدأ وخبر. إن قلت: إنه ليس خاصا ببني آدم، بل هو عام لكل حيوان. أجيب: بأن بني آدم هم المقصودون بالذات، وغيرهم بالتبع، والضمير في مِنْهُ عائد على الماء، أي تشربون من ماء السماء. إن قلت: إن غالب الشرب، يكون من السحاب والأنهار والعيون، وهي بالأرض. أجيب: بأن أصل الماء الكائن في الأرض من السماء، لقوله تعالى وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ.\rقوله: وَمِنْهُ شَجَرٌ المراد بالشجر هنا مطلق النبات، سواء كان له ساق أم لا. قوله: (ينبت بسببه) أشار بذلك إلى أن من الثانية للسببية، وأما الأولى فهي ابتدائية.\rقوله: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ المراد به الحب الذي يقتات، وقدمه لأن به قوام البدن، وثنى بالزيتون لأنه إدام ودهن، وثلث بذكر النخيل لأنه غذاء وتفكه، وأخر الأعناب لأنها تشبه النخيل في ذلك. قوله: وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ عطف عام على خاص. قوله: (المذكور) أي من إنزال الماء وإنبات النبات قوله: لَآيَةً ذكر لفظ الآية في هذه السورة سبع مرات، خمس بالأفراد، واثنتان بالجمع. والحكمة في ذلك: أن ما جاء بلفظ الأفراد. باعتبار المعلول الذي هو وحدانية الحق، وما جاء بلفظ الجمع، فباعتبار الدليل، فإن في كل شيء آية تدل على أنه الواحد.\rقوله: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لما ذكر النعم الكائنة في العالم السفلي، أعقبه بذكر النعم الكائنة في العالم العلوي، وكل ذلك لنفع العالم وتمام نظامه. قوله: (بالنصب) أي ففي الشمس والقمر والنجوم ومسخرات، قراءتان سبعيتان، الرفع والنصب. قوله: مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ أي مذللات بإرادته، فهو سبحانه وتعالى، المؤثر في العالم العلوي والسفلي، فلا تتحرك ذرة في الدنيا، ولا تسكن إلا بتأثير اللّه فيها، وإنما هذه الأشياء أسباب عادية، يوجد النفع عندها لا بها، ففي هذه الآية رد على القائلين: إن العالم العلوي، هو المؤثر في العالم السفلي، بطبع أو علة. قوله: (بالنصب حال) أي مؤكدة لعاملها، وهو سخر.\rقوله: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ عبر هنا بالعقل، إشارة إلى أن العالم العلوي مغيب عن الأبصار، فيحتاج","part":2,"page":260},{"id":861,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 261\rالحيوان والنبات وغير ذلك مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ كأحمر وأصفر وأخضر وغيرها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) يتعظون وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ ذلله لركوبه والغوص فيه لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا هو السمك وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها هي اللؤلؤ والمرجان وَتَرَى تبصر الْفُلْكَ السفن مَواخِرَ فِيهِ تمخر الماء أي تشقه بجريها فيه مقبلة ومدبرة بريح واحدة وَلِتَبْتَغُوا عطف على لتأكلوا، تطلبوا مِنْ فَضْلِهِ تعالى بالتجارة وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) اللّه على ذلك وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ جبالا ثوابت ل أَنْ لا تَمِيدَ تتحرك بِكُمْ وجعل فيها وَأَنْهاراً كالنيل وَسُبُلًا طرقا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) إلى مقاصدكم وَعَلاماتٍ تستدلون بها على الطرق كالجبال بالنهار وَبِالنَّجْمِ بمعنى النجوم هُمْ يَهْتَدُونَ (16) إلى الطرق والقبلة بالليل أَفَمَنْ يَخْلُقُ وهو اللّه كَمَنْ لا يَخْلُقُ وهو الأصنام حيث تشركونها معه في العبادة لا أَفَلا تَذَكَّرُونَ (17) هذا فتؤمنون وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها تضبطوها فضلا عن أن تطيقوا شكرها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) حيث ينعم عليكم مع تقصيركم وعصيانكم\r______________________________\rالمتأمل فيه لمزيد العقل بخلاف العالم السفلي فهو مشاهد، فيكفي فيه أدنى تأمل وتعقل، والأسلم أن يقال: إن التغاير في هذا وما قبله وما بعده، تفنن في التعبير، دفعا للثقل، وإشارة إلى أن من اتصف بواحد منها، فقد اتصف بجميعها.\rقوله: وَما ذَرَأَ معطوف على اللَّيْلَ، ولذا قدر المفسر الفعل.\rقوله: (من الحيوان والنبات) فهي مذللة لبني آدم، ينتفعون بها ولا يعجزون عنها. قوله: (و غير ذلك) أي كالأحجار والمعادن والأنهار. قوله: مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ أي وطعومه.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ أي عذبا وملحا. قوله: (لركوبه) أي بالسفن والعوم. قوله:\r(و الغوص) أي النزول فيه. قوله: لَحْماً طَرِيًّا وصف بالطراوة لأنه يسرع إليه الفساد، وحكمة ذلك، انتفاع الناس به، وعدم عزته عن الفقراء، وإلا فلو كان يمكث من غير فساد، لادّخره الأغنياء، وحرموا منه الفقراء. قوله: وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ أي البحر وهو الملح فقط. قوله: (و المرجان) هو عروق حمر تطلع من البحر كأصابع الكف. قوله: (عطف على لتأكلوا) أي وما بينهما اعتراض. قوله: (بالتجارة) أي فيسافرون لها في البحر، ويقدمون في أقل ومن.\rقوله: أَنْ تَمِيدَ قدر المفسر «لا» ليصح الكلام، لأن جعل الجبال في الأرض، لأجل عدم الميد، لا لأجل حصوله، والمراد بالميد، الميل والتحرك والاضطراب.\rقوله: (طرقا) أي في الجبال.\rقوله: وَعَلاماتٍ أي أمارات. قوله: وَبِالنَّجْمِ المراد به الثريا وبنات نعش والفرقدان والجدي، فيهتدي بها إلى الطريق والقبلة.\rقوله: أَفَمَنْ يَخْلُقُ أي أتسوون بين الخالق لتلك الأشياء العظيمة والنعم الفخيمة، وبين من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا عن غيره، والكلام على القلب، والتقدير: أفمن لا يخلق كمن يخلق؟ لأنهم يشبهون من لا يخلق بمن يخلق في العبادة، وإنما أتى العبارة مقلوبة، زيادة في التشنيع عليهم. قوله: (لا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري.\rقوله: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ هذا تذكير إجمالي، بعد تفصيل بعض النعم. قوله: (حيث ينعم","part":2,"page":261},{"id":862,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 262\rوَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (19) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ بالتاء والياء تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ وهم الأصنام لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) يصورون من الحجارة وغيرها أَمْواتٌ لا روح فيهم خبر ثان غَيْرُ أَحْياءٍ تأكيد وَما يَشْعُرُونَ أي الأصنام أَيَّانَ وقت يُبْعَثُونَ (21) أي الخلق فكيف يعبدون إذ لا يكون إلها إلا الخالق الحي العالم بالغيب إِلهُكُمْ المستحق العبادة منكم إِلهٌ واحِدٌ لا نظير له في ذاته ولا في صفاته وهو اللّه تعالى فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ جاحدة للوحدانية وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) متكبرون عن الإيمان بها لا جَرَمَ حقا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ فيجازيهم بذلك إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23) بمعنى أنه يعاقبهم. ونزل في النضر بن الحرث وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما استفهامية\r______________________________\rعليكم مع تقصيركم) أي ولم يقطع نعمة عنكم بسبب ذلك، بل وسعها عليكم.\rقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ أي ما تخفون من العقائد والأعمال، وما تظهرونه من ذلك. قوله: (بالياء والتاء) فهما قراءتان سبعيتان في قوله: تدعون فقط، وأما تُسِرُّونَ وتُعْلِنُونَ فبالتاء الفوقية سبعية، والياء التحتية شاذة.\rقوله: لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ليس تكرارا مع قوله: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ لأنه أولا أفاد أنهم لا يخلقون شيئا، وهنا أفاد أنهم مع كونهم لم يخلقوا شيئا، هم مخلوقون، ففيه زيادة فائدة. قوله: (خبر ثان) أي والأول قوله: يَخْلُقُونَ\rوقوله: وَما يَشْعُرُونَ خبر ثالث. قوله:\r(أي الخلق) ويصح أن يعود الضمير على الأصنام، والمعنى أن الأصنام لا تشعر متى يبعثها اللّه، قال ابن عباس: إن اللّه تعالى يبعث الأصنام، لها أرواح ومعها شياطينها، فتتبرأ من عابديها، فيأمر اللّه بالكل إلى النار.\rقوله: إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ هذا نتيجة ما قبله، أي فحيث ثبت أنه الخالق لتلك الأشياء المتقدم ذكرها، فقد تقرر أنه المعبود المتصف بالوحدة في الذات والصفات والأفعال، فلا شريك له فيها قوله:\rفَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي لا يصدقون بها، وما يحصل فيها من بعث وحساب وجزاء وهذا نتيجة قوله: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ وحينئذ فيكون المعنى: أتى أمر اللّه، فآمنوا وصدقوا أخبارنا ولا تنكروها، فالذين لا يؤمنون الخ. قوله: (متكبرون) أشار بذلك إلى أن السين مزيدة للتوكيد.\rقوله: لا جَرَمَ تقدم أن فيها ثلاثة أوجه، أحسنها أن لا نافية، ومنفيها محذوف، وجَرَمَ فعل ماض بمعنى حق وثبت وأن وما دخلت عليه في محل رفع فاعل، وحينئذ يصير المعنى: لا عبرة بإنكار الكفار واستكبارهم، بل حق وثبت، علم اللّه بما يسرونه وما يعلنونه، وعلى هذا فقول المفسر (حقا) مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره حق حقا. قوله: (بمعنى أنه يعاقبهم) روي عن الحسين بن علي أنه مر بمساكين قد قدموا كسرا لهم وهم يأكلون فقالوا: الغذاء يا أبا عبد اللّه، فنزل وجلس معهم وقال: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ثم أكل، فلما فرغوا قال: قد أجبتكم فأجيبوني، فقاموا معه إلى منزله، فأطعمهم وسقاهم وأعطاهم فانصرفوا، وفي الحديث «إن المتكبرين يحشرون أمثال الذر يوم القيامة، تطؤهم الناس بأقدامهم لتكبرهم». قوله: (و نزل في النضر بن الحرث) أي في شأنه وسببه. وكان عنده كتب التواريخ، ويزعم أن حديثه أحسن مما أنزل على محمد.","part":2,"page":262},{"id":863,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 263\rذا موصولة أَنْزَلَ رَبُّكُمْ على محمد قالُوا هو أَساطِيرُ أكاذيب الْأَوَّلِينَ (24) إضلالا للناس لِيَحْمِلُوا في عاقبة الأمر أَوْزارَهُمْ ذنوبهم كامِلَةً لم يكفر منها شيء يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ بعض أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ لأنهم دعوهم إلى الضلال فاتبعوهم فاشتركوا في الإثم أَلا ساءَ بئس ما يَزِرُونَ (25) يحملونه حملهم هذا قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وهو نمروذ بنى صرحا طويلا ليصعد منه إلى السماء ليقاتل أهلها فَأَتَى اللَّهُ قصد بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ الأساس فأرسل عليه الريح والزلزلة فهدمتها فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ\r______________________________\rقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ القائل يحتمل أن يكون المسلمين، أو الوافد عليهم، أو بعضهم لبعض، على سبيل التهكم، فإن الكفار لا يقرون بأنه منزل من عند اللّه. قوله: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ جمع أسطورة، كأحاديث وأكاذيب وأعاجيب، جمع أحدوثة وأكذوبة وأعجوبة. قوله: (إضلالا للناس) علة للقول.\rقوله: (في عاقبة الأمر) أشار بذلك إلى أن اللام في لِيَحْمِلُوا لام العاقبة والصيرورة، والمعنى أنهم لما وصفوا القرآن، بكونه أساطير الأولين، كان عاقبتهم بذلك حملهم ذنوبهم. قوله: كامِلَةً أي وبلاياهم التي أصابتهم في الدنيا، لا تكفر عنهم شيئا يوم القيامة، بل يعاقبون على جميع أوزارهم، بخلاف بلايا المؤمنين، فإنها تكفير لذنوبهم، أو رفع درجات لهم، فالبلايا للمجرمين عقوبات، وللأبرار مكفرات، وللعارفين درجات، فقد يكون السابق في علمه تعالى، أن العارف لا ينال تلك الدرجة إلا بمنحة، فيوصلها اللّه له لينال تلك الدرجة.\rقوله: وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ أي ويحصل للرؤساء الذين أضلوا غيرهم، بعض أوزار الأتباع، وهو السبب، هذا ما قرره المفسر تبعا للبيضاوي، وهو خلاف التحقيق، بل التحقيق أن مِنْ بمعنى مثل، والمعنى أن الرؤساء مثل أوزار الاتباع، ويشهد لذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم «من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من يتبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا».\rقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ إما حال من المفعول، أي يضلون الأتباع، حال كون الأتباع، غير عالمين بأن الرؤساء في ضلال، بل يعتقدون أنهم على خير حيث قلدوهم، أو من الفاعل، والمعنى يضلون غيرهم، حال كونهم غير عالمين بما يستحقونه من العذاب، في مقابلة ضلالهم وإضلالهم. قوله: (فاشتركوا في الإثم) أي العقوبة، فعقوبة المتبوعين بضلالهم وإضلالهم، وعقوبة التابعين بالمطاوعة والتقليد، ولا يعذرون بالجهل، قوله: أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ساءَ فعل ماض لإنشاء الذم كبئس، وما اسم موصول ويَزِرُونَ صلته أو نكرة موصوفة، ويَزِرُونَ صفة لها، والعائد على كل محذوف، والتقدير يزرونه، والمخصوص بالذم محذوف، كما أشار له المفسر بقوله: (حملهم) هذا.\rقوله: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (و هو نمروذ) بضم النون وبالذال المعجمة، وهو ابن كنعان، وكان يدعي الألوهية، وكان أعظم أهل الأرض تجبرا. قوله: (بنى صرحا طويلا) أي ببابل، وكان طوله لجهة السماء خمسة آلاف ذراع، وقيل كان طوله فرسخين قوله: (الأساس)","part":2,"page":263},{"id":864,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 264\rفَوْقِهِمْ أي وهم تحته وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (26) من جهة لا تخطر ببالهم، وقيل هذا تمثيل لإفساد ما أبرموه من المكر بالرسل ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ يذلهم وَيَقُولُ اللّه لهم على لسان الملائكة توبيخا أَيْنَ شُرَكائِيَ بزعمكم الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ تخالفون المؤمنين فِيهِمْ في شأنهم قالَ أي يقول الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ من الأنبياء والمؤمنين إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (27) يقولونه شماتة بهم الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ بالتاء والياء الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بالكفر فَأَلْقَوُا السَّلَمَ انقادوا واستسلموا عند الموت قائلين ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ شرك، فتقول الملائكة بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فيجازيكم به ويقال لهم فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى مأوى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا\r______________________________\rبكسر الهمزة جمع أس بضمها، كرماح جمع رمح، أو فتحها جمع أسس بضمتين، كعنق وأعناق. قوله:\r(فأرسل عليه الريح والزلزلة فهدمتها) أي فقصفته وألقت رأسه في البحر، وخر عليهم الباقي فأهلكهم وهم تحته.\rقوله: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ أي سقط ونزل عليهم. قوله: (أي وهم تحته) تفسير لقوله: مِنْ فَوْقِهِمْ ودفع بقوله: مِنْ فَوْقِهِمْ ما يتوهم أنهم لم يكونوا تحته. قوله: (و قيل هذا تمثيل لإفساد ما أبرموه) أي فإن الآية محمولة على العموم، وليس هناك بناء حقيقة، بل هو مثل ضربه اللّه للذين مكروا بأنبياء اللّه، فأهلكهم اللّه بمكرهم، فمثلهم بقوم بنوا بنيانا شديدا، فانهدم ذلك البنيان، وسقط عليهم فأهلكهم. قوله: (على لسان الملائكة) مرور منه على القول بأن اللّه لا يكلم الكفار، وقيل إن اللّه يكلمهم، قوله تعالى وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي كلام رحمة وتعظيم.\rقوله: أَيْنَ شُرَكائِيَ أي ما لهم لا يحضرون معكم، ليدفعوا معكم ما نزل بكم من العذاب. قوله: تُشَاقُّونَ بفتح النون وكسرها قراءتان سبعيتان، وقرىء شذوذا بكسر النون مع التشديد، والأصل تشاقونني فأدغم. قوله: (تخالفون المؤمنين) أي تنازعونهم في شأنهم.\rقوله: قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي وهم في الموقف. قوله: (شماتة بهم) أي فرحا بما حصل لهم، جزاء لاستهزائهم بالمؤمنين في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة، وظهر أهل الحق، وأكرموا بأنواع الكرامات.\rوعذب أهل الباطل بأنواع العذاب، فعند ذلك يفرح المؤمنون بذلك، ويقول رؤساء المؤمنين: إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين.\rقوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان، لكنه مع الياء يقرأ بالإمالة، والْمَلائِكَةُ فاعل، والمراد بهم عزرائيل وأعوانه، وإنما أنث الفعل على قراءة التاء، لأن لفظ الجمع مؤنث.\rقوله: ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ إنما أنكروا ذلك، رجاء أن يقبلوا. قوله: (و يقال لهم) أي عند خروج أرواحهم، وحينئذ فيكون المراد بالدخول، شهود أرواحهم دار العذاب، أو يوم القيامة؛ والدخول على حقيقته.\rقوله: أَبْوابَ جَهَنَّمَ أي طبقاتها، والمعنى ليدخل كل صنف الطبقة التي أعدت له.\rقوله: فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ أي مقامهم ومنزلهم، والمخصوص بالذم محذوف تقديره هو.","part":2,"page":264},{"id":865,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 265\rالشرك ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا بالإيمان فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ حياة طيبة وَلَدارُ الْآخِرَةِ أي الجنة خَيْرٌ من الدنيا وما فيها قال تعالى: وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (30) هي جَنَّاتُ عَدْنٍ إقامة مبتدأ خبره يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ\r______________________________\rقوله: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مقابل قوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ والقائل وفود العرب القادمين على مكة للبحث عن حال القرآن وحال محمد، فكانوا إذا صادفوا المسلمين سألوهم وقالوا لهم ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً، وإذا صادفوا الكفار سألوهم. وقالوا: ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ فكل إناء بالذي فيه ينضح. قوله: ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ما ذا بتمامها اسم استفهام مفعول مقدم لأنزل، وحينئذ فتكون الجملة فعلية، وهو أنسب ليطابق الجواب السؤال، فإن الجواب جملة فعلية أيضا، لأن خَيْراً مفعول بفعل محذوف، تقديره أنزل خيرا، بخلاف ما تقدم، فإن ما اسم استفهام، وذا اسم موصول، وأَنْزَلَ صلته، فالجملة اسمية لمطابقة الجواب، فإنه مرفوع باتفاق السبع، وما هنا منصوب باتفاق السبع، والحكمة في رفع الأول ونصب الثاني، الفرق بين جواب المقر، حيث طابق بين السؤال والجواب، فجعلهما من جنس واحد، وجواب الجاحد حيث عدل عن السؤال فقال: هو أساطير الأولين، وليس من الإنزال في شيء.\rقوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا هذا بيان لقوله: خَيْراً كأنهم قالوا: أنزل ربنا من أحسن في الدنيا بالطاعة، فله حسنة في الدنيا، وحسنة في الآخرة. قوله: (حياة طيبة) أي وهي تختلف باختلاف الاقبال على اللّه وعدمه، فكلما زاد العبد في الاقبال على ربه طابت حياته، فيزداد ترقيا في القرب والمحبة والعلوم والمعارف والمشاهدة، وغير ذلك من الكرامات التي تحصل له في الدنيا، وما خفي كان أعظم، قال تعالى لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ.\rقوله: وَلَدارُ الْآخِرَةِ اللام موطئة لقسم محذوف، أو للابتداء مؤكدة. قوله: خَيْرٌ (من الدنيا وما فيها) أي ولو حصل له في الدنيا، غاية الرفعة والعز واسم التفضيل على بابه، إن أعطي العبد النعيم في الجنة، وليس على بابه إن لم يكن من أهل الجنة، إذ لا خير في لذة بعدها النار، بل كل من عظم تنعمه في الدنيا، ولم يكن مرضيا عليه، فتنعمه زيادة في عذابه، قال تعالى: يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ. وقال تعالى: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ. قوله: (قال تعالى) إنما قال ذلك، إشارة إلى أن جواب المؤمنين تم بقوله: وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ، وقوله: وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ثناء ومدح من اللّه لدار الآخرة التي هي خير. قوله: (هي) قدره إشارة إلى أن المخصوص بالمدح محذوف.\rقوله: جَنَّاتُ عَدْنٍ أي إقامة لا يطرأ عليها زوال ولا فناء، بل هي دائمة بأهلها على سبيل التأييد. قوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي من تحت قصورها وغرفها، قال تعالى: مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أو المراد بالأنهار المذكورة في قوله تعالى: فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ الخ.\rقوله: ما يَشاؤُنَ أي يطلبون مما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. قوله: كَذلِكَ الكاف بمعنى مثل، نعت لمصدر محذوف معمول ليجزي، والتقدير يجزي اللّه المتقين جزاء مثل ذلك الجزاء. قوله:","part":2,"page":265},{"id":866,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 266\rالجزاء يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ نعت تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ طاهرين من الكفر يَقُولُونَ لهم عند الموت سَلامٌ عَلَيْكُمْ ويقال لهم في الآخرة ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32) هَلْ ما يَنْظُرُونَ ينتظر الكفار إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ بالتاء والياء الْمَلائِكَةُ لقبض أرواحهم أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ العذاب أو القيامة المشتملة عليه كَذلِكَ كما فعل هؤلاء فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم كذبوا رسلهم فأهلكوا وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بإهلاكهم بغير ذنب وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33) بالكفر فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا أي جزاؤها وَحاقَ نزل بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (34) أي العذاب وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا من أهل\r______________________________\rالْمُتَّقِينَ أي الذين اجتنبوا الشرك، وأل في المتقين للاستغراق. قوله: (نعت) أي للمتقين.\rقوله: تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ أي تقبض أرواحهم. قوله: طَيِّبِينَ حال من ضمير تَتَوَفَّاهُمُ وحينئذ تبشرهم الملائكة عند قبض أرواحهم، بالرضوان والجنة والكرامة، فيحصل لهم عند ذلك السرور والفرح، فيسهل عليهم قبض أرواحهم، ويطيب لهم الموت على هذه الحالة، فلو خير المؤمن، بين الرجوع إلى الدنيا، ويعطى جميع ما يشتهي فيها، وبين الموت، لاختار الموت، ولا يرجع إلى الدنيا، لشهوده حقارة الدنيا، بالنسبة لما رآه مهيأ له. قوله: (عند الموت) أي لما ورد «إذا أشرف العبد المؤمن على الموت، جاءه ملك فقال له: السّلام عليك يا ولي اللّه، اللّه يقرأ عليك السّلام ويبشرك بالجنة». قوله: (في الآخرة) هذا أحد قولين، وقيل إن القول المذكور يكون عند خروج الروح، ويكون الأمر بالدخول للروح دون الجسم، ويشهد له قوله تعالى يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ الآية، بناء على أن هذه المقالة، تقال للمؤمن عند خروج روحه. قوله: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ الباء سببية، وما اسم موصول، والعائد محذوف، والتقدير بسبب الذي كنتم تعملونه.\rقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، ولذا فسره بما النافية، والمعنى لا ينتظر الكفار إلا أحد أمرين: إما نزول الموت بهم، أو حلول العذاب، وأو مانعة خلو تجوز الجمع. قوله:\r(بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أو القيامة) أو لحكاية الخلاف.\rقوله: وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ مرتب على محذوف قدره المفسر بقوله: (كذبوا رسلهم فأهلكوا).\rقوله:\rفَأَصابَهُمْ معطوف على فعل الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وما بينهما اعتراض. قوله: (أي جزاؤها) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، والأصل. فأصابهم جزاء سيئات ما عملوا قوله: ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي جزاء الذي كانوا به يستهزئون.\rقوله: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا الخ، هذا كلام صحيح في حد ذاته، لكنهم توصلوا به إلى أمر باطل، وحاصل ذلك أنهم قالوا: لو شاء اللّه عدم عبادتنا لغيره لحصل، لكن وقعت منا العبادة لغيره، فهي بمشيئته، فهو راض بها، واعتقدوا أن الإرادة لازمة للرضا في حقه تعالى، وهو اعتقاد باطل، وحاصل الرد عليهم أن يقال: إن الإرادة لا تستلزم الرضا، بل قد يريد شيئا ولا يرضى به، لتنزهه عن الأغراض في الاحكام والأفعال، فلا تقاس أفعال اللّه على أفعال العباد، وذلك لأن ما يغضب اللّه، لا يصل له منه","part":2,"page":266},{"id":867,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 267\rمكة لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ من البحائر والسوائب، فإشراكنا وتحريمنا بمشيئته فهو راض به، قال تعالى: كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي كذبوا رسلهم فيما جاؤوا به فَهَلْ فما عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (35) الإبلاغ البين وليس عليهم هداية وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا كما بعثناك في هؤلاء أَنِ أي بأن اعْبُدُوا اللَّهَ وحدوه وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ الأوثان أن تعبدوها فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ فآمن وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ وجبت عَلَيْهِ الضَّلالَةُ في علم اللّه فلم يؤمن فَسِيرُوا يا كفار مكة فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) رسلهم من الهلاك إِنْ تَحْرِصْ يا محمد عَلى هُداهُمْ وقد أضلهم اللّه لا تقدر على ذلك فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي بالبناء للفاعل وللمفعول مَنْ يُضِلُ من يريد إضلاله وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (37) مانعين من عذاب اللّه وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ\r______________________________\rضرر، وما يرضيه لا يصل له منه نفع، بل معنى ذلك، أنه يعاقب على ما يغضبه، ويثيب على ما يرضيه، بخلاف العباد، فرضاهم لازم لإرادتهم، لأن ما يرضيهم يحصل لهم به النفع، فهو واقع منهم بإرادتهم، وما يغضبهم يحصل لهم به الضرر، فهو غير واقع بإرادتهم، والكفار قد سووا بين الخالق والمخلوق، فقالوا ما قالوا، والمقصود من هذه الشبهة، إبطال إرسال الرسل وجعله عبثا، تعالى اللّه عن ذلك. قوله: مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ من الأولى ابتدائية، والثانية زائدة. قوله: (فهو راض به) هذا هو محط شبهتهم التي رتبوا ما ذكر عليها. قوله: (الإبلاغ البين) أشار بذلك إلى أن البلاغ مصدر بمعنى الإبلاغ.\rقوله: وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أي فلا خصوصية لك. قوله: (أي بأن) اعْبُدُوا أشار بذلك إلى أن أن مصدرية، ويصح جعلها تفسيرية، والضابط موجود لتضمن البعث معنى القول. قوله:\rوَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ أي تباعدوا عن عبادة الطاغوت، والمراد بالطاغوت، قيل كل ما يعبد من دون اللّه، وقيل الشيطان. قوله: (فلم يؤمن) أفرد باعتبار لفظ من، وفي نسخة فلم يؤمنوا بالجمع مراعاة للمعنى.\rقوله: فَسِيرُوا أمر لأهل مكة بالسير، والنظر في أحوال من تقدمهم. قوله: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي مآلهم وآخر أمرهم على أي كيفية. قوله: (رسلهم) قدره إشارة إلى أن قوله:\rالْمُكَذِّبِينَ مفعوله محذوف. قوله: (و قد أضلهم اللّه) الجملة حالية. قوله: (لا تقدر على ذلك) هذا هو جواب الشرط،\rوقوله: فَإِنَّ اللَّهَ الخ، تعليل للجواب. قوله: لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُ الجملة خبر إن، والرابط ضمير مقدر في يضل، تقديره من يضله، والظاهر أن هذا الرابط هو فاعل يضل العائد على اللّه، وأما الضمير المفعول الذي هو الهاء، فإنه عائد على من ولا ربط فيه. قوله: (بالبناء للفاعل والمفعول) أي فهما قراءتان سبعيتان، والمعنى أن من أراد اللّه إضلاله، فلا تمكن هدايته، فلا تتعب نفسك في هداه. إن قلت: إن التكليف لمن أراد اللّه عدم هداه بالهدى تكليف بالمستحيل. أجيب: بأنه لا يسأل عما يفعل. قوله: وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ أي من يريد إضلاله، لا مانع له من عذاب اللّه إذا نزل به.\rقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ أي حلفوا به، وقوله: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ أي لأنهم كانوا يحلفون بآبائهم","part":2,"page":267},{"id":868,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 268\rأَيْمانِهِمْ أي غاية اجتهادهم فيها لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ قال تعالى: بَلى يبعثهم وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا مصدران مؤكدان منصوبان بفعلهما المقدر أي وعد ذلك وحقه حقا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي أهل مكة لا يَعْلَمُونَ (38) ذلك لِيُبَيِّنَ متعلق بيبعثهم المقدر لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ مع المؤمنين فِيهِ من أمر الدين بتعذيبهم وإثابة المؤمنين وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (39) في إنكار البعث إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أي أردنا إيجاده، وقولنا مبتدأ خبره أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40) أي فهو يكون وفي قراءة بالنصب عطفا على نقول، والآية لتقرير القدرة على البعث وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ لإقامة دينه مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا بالأذى من أهل مكة وهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ننزلهم فِي الدُّنْيا دارا حَسَنَةً هي المدينة وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أي الجنة أَكْبَرُ أعظم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (41) أي الكفار أو المتخلفون عن الهجرة ما للمهاجرين من الكرامة لوافقوهم هم الَّذِينَ صَبَرُوا على أذى المشركين والهجرة لإظهار الدين وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42) فسير زقهم من حيث لا يحتسبون وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ\r______________________________\rوآلهتهم، فإذا كان الأمر عظيما حلفوا باللّه. قوله: (أي غاية اجتهادهم) أي فالمراد بالجهد بالفتح الطاقة، فقولهم الجهد بالفتح المشقة، وبالضم الطاقة بحسب الغالب. قوله: (قال تعالى) أي ردا لمقالتهم. قوله:\r(مصدران مؤكدان) أي للجملة المقدرة بعد بَلى. قوله: (أي وعد ذلك) الخ، الأوضح أن يقول أي وعد ذلك وعدا، وحقه حقا. قوله: لا يَعْلَمُونَ (ذلك) أي أنهم يبعثون لجهلهم. قوله: (المقدر) أي بعد بَلى. قوله: (من أمر الدين) أي وهو البعث. قوله: (بتعذيبهم) إلخ، متعلق لِيُبَيِّنَ والمعنى ليميز لهم الأمر الذي يختلفون فيه، بإثابة المطيع، وتعذيب العاصي. قوله: وَلِيَعْلَمَ معطوف على لِيُبَيِّنَ.\rقوله: لِشَيْءٍ تسميته شيئا باعتبار ما يؤول إليه، وإلا فالمعدوم لا يسمى شيئا. قوله:\r(و الآية لتقرير القدرة على البعث) أي فهي رد على من قال: إن اللّه لا يبعث من يموت، والأمر كناية عن سرعة الإيجاد عند تعلق الإرادة بالإيجاد، وليس ثم كاف ولا نون، وإلا لزم إما خطاب المعدوم حال عدمه، وهو لا يعقل، أو تحصيل الحاصل إن كان الخطاب له بعد وجوده، وكلا الأمرين محال.\rقوله: وَالَّذِينَ هاجَرُوا أي انتقلوا من مكة للمدينة. قوله: (لإقامة دينه) أشار بذلك إلى أن في بمعنى اللام، والكلام على حذف مضافين. قوله: أَكْبَرُ أي من دار الدنيا. قوله: (أو المتخلفون) تفسير ثان للضمير في يَعْلَمُونَ. قوله: (لوافقوهم) جواب الشرط.\rقوله: الَّذِينَ صَبَرُوا خبر لمحذوف قدره المفسر بقوله: (هم). قوله: وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي يثقون به، ويفوضون أمورهم إليه، والتعبير بالمضارع لاستحضار الحال الماضية، إشارة إلى أن توكلهم كان أعظم توكل، وذلك أنهم خرجوا عن أموالهم وأنفسهم في مرضاة ربهم، ورضوا بالذل بدل العز، وبالفقر بدل الغنى، فجازاهم اللّه بإبدال الذل عزا والفقر غنى، فصاروا سادات الناس في الدنيا والآخرة، قال البوصيري رضي اللّه عنه:\rما لموسى ولا لعيسى حواريو ... ن في فضلهم ولا نقباء\r\rقوله: (فيرزقهم اللّه من حيث لا يحتسبون) نتيجة المتوكل، وليست معنى التوكل. قوله: وَما","part":2,"page":268},{"id":869,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 269\rإِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ لا ملائكة فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ العلماء بالتوراة والإنجيل إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (43) ذلك، فإنهم يعلمونه وأنتم إلى تصديقهم أقرب من تصديق المؤمنين بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم بِالْبَيِّناتِ متعلق بمحذوف أي أرسلناهم بالحجج الواضحة وَالزُّبُرِ الكتب وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ القرآن لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ فيه من الحلال والحرام وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) في ذلك فيعتبرون أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا المكرات السَّيِّئاتِ بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في دار الندوة من تقييده أو قتله أو إخراجه كما ذكر في الأنفال أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ كقارون أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (45) أي من جهة لا تخطر ببالهم وقد أهلكوا ببدر ولم يكونوا يقدروا ذلك أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ في أسفارهم للتجارة فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) بفائتين العذاب أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ تنقص شيئا فشيئا حتى يهلك الجميع حال من الفاعل أو المفعول فَإِنَ\r______________________________\rأَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا سبب نزولها: أن كفار مكة قالوا: ما كان اللّه أن يرسل رسولا من الرجال، بل اللائق أن يرسل ملكا. قوله: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ جواب شرط مقدر دل عليه. قوله: إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ تقديره: إن شككتم في ذلك فاسألوا. قوله: إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ أي على سبيل الفرض والتقدير، وإلا فهم عالمون بذلك، وإنما كفرهم عناد. قوله: (أقرب من تصديق المؤمنين بمحمد) أي لأن كفار مكة، كانوا يعتقدون أن أهل الكتاب عندهم علم الكتب القديمة، وقد أرسل اللّه لهم رسلا، كموسى وعيسى وداود وسليمان وغيرهم، وكانوا بشرا، فإذا سألوهم، فلا بد أن يجيبوا بأن الرسل الذين أرسلوا إليهم كانوا بشرا، فحينئذ يزول عن قلوبهم الريب والشك. قوله: (متعلق بمحذوف) أي جوابا لسؤال مقدر، كأنه قال: لم أرسلوا؟ فقيل: أرسلوا بالبينات والزبر، وهذا أحسن ما قيل هنا. قوله:\r(القرآن) إنما سمي القرآن ذكرا، لأنه مشتمل على المواعظ التي بها يتذكر العاقل، ويتنبه الغافل.\rقوله: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ أي ما أجمل من الأحكام، فبيان المجمل من القرآن، تكفل به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأحاديثه كالشرح والتفسير للقرآن.\rقوله: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره أعموا ولم يتفكروا، فأمن الذين الخ. قوله: السَّيِّئاتِ صفة لمقدر محذوف، قدره المفسر بقوله: (المكرات) بفتح الكاف جمع مكرة بسكونها المرة من المكر. قوله: أَنْ يَخْسِفَ أَنْ وما دخلت عليه في تأويل مصدر معمول لأمن، والتقدير أفأمنوا خسف اللّه بهم الأرض.\rقوله: (و قد أهلكوا ببدر) أي أهلك صناديدهم، وهم الذين اجتمعوا في دار الندوة. قوله: (يقدروا ذلك) أي الهلاك، أي يعتقدوه ويظنوه، وهو بدل من يكونوا، والمبدل من المجزوم مجزوم، أو حذفت النون تخفيفا،\rقوله: فِي تَقَلُّبِهِمْ أي حال كونهم منقلبين في أسفارهم.\rقوله: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ أي يهلكهم في حال خوفهم، أو المراد بالتخوف التنقص كما قال المفسر من تخوفته إذا انتقصته، روي أن عمر رضي اللّه عنه قال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا، فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص، فقال: هل تعرف العرب ذلك في اشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو بكر يصف ناقته:","part":2,"page":269},{"id":870,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 270\rرَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (47) حيث لم يعاجلهم بالعقوبة أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ له ظل كشجر وجبل يَتَفَيَّؤُا تتميل ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ جمع شمال أي عن جانبيهما أول النهار وآخره سُجَّداً لِلَّهِ حال أي خاضعين بما يراد منهم وَهُمْ أي الظلال داخِرُونَ (48) صاغرون، نزلوا منزلة العقلاء وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ أي نسمة تدب عليها أي يخضع له بما يراد منه، وغلب في الإتيان بما لا يعقل لكثرته وَالْمَلائِكَةُ خصهم بالذكر تفضيلا وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يتكبرون من عبادته يَخافُونَ أي الملائكة حال من ضمير يستكبرون رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ حال من هم أي عاليا عليهم بالقهر وَيَفْعَلُونَ ما\r______________________________\rتخوف الرحل منها تامكا قردا ... كما تخوف عود التبعة السفن\r\rفقال عمر: عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم، والرحل بالحاء المهملة رحل الناقة، والتامك بالفوقية السنام، والقرد بفتح القاف وكسر الراء، هو المرتفع أو المتراكم، والنبع شجر تتخذ منه القسي، والسفن بفتحتين وهو المبرد أو القدوم، والمعنى أن الرحل أثر في سنام تلك الناقة، فأكله وانتقصه كما ينقص المبرد أو القدوم العود من الشجر.\rقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا الهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير أعموا ولم يروا، والاستفهام للتوبيخ. قوله: (له ظل) خرج الملك والجن. قوله: (تتفيّأ) أي تنتقل من جانب إلى آخر، واختلف في الفيء، فقيل: هو مطلق الظل قبل الزوال أو بعده، وهو الموافق لمعنى الآية هنا، وقيل: الظل ما كان قبل الزوال، والفيء ما كان بعده، وقيل غير ذلك. قوله: عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ أي يمين المستقبل للقبلة وشماله، وذلك أن الشمس إذا طلعت من المشرق، وأنت متوجه إلى القبلة، كان ظلك عن يمينك، فإذا ارتفعت واستوت في وسط السماء، كان ظلك خلفك، فإذا مالت إلى الغروب، كان ظلك عن يسارك، وأفرد اليمين، وجمع الشمال تفننا. قوله: (أي عن جانبيهما) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله: (حال) أي من قوله: ظِلالُهُ. قوله: (بما يراد منهم) أي من طول وقصر وتحول من جانب لآخر. قوله: وَهُمْ داخِرُونَ الجملة حالية من الضمير في سُجَّداً.\rقوله: (نزلوا) أي في جمعهم بالواو والنون كالعقلاء، وذلك لاتصافها بالطاعة والانقياد للّه، وذلك من وصف العقلاء، فجمعت بالواو والنون.\rقوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي طوعا وكرها، فسجود الملائكة وغير العاقل طوعا فقط، وسجود الآدميين والجن طوعا من مؤمنهم، وكرها من كافرهم. قوله: (أي يخضع له) أشار بذلك إلى أن المراد بالسجود معناه اللغوي. قوله: وَالْمَلائِكَةُ عطف على ما في قوله: ما فِي السَّماواتِ. قوله: (تفصيلا) أي تشريفا وتعظيما. قوله: (يتكبرون عن عبادته) أي لا يتركون عبادة ربهم، ولا يتكبرون عنها. قوله: (حال من هم) صوابه من ربهم بدليل قوله: (عاليا) الخ، والمعنى يخافون اللّه حال كونه سبحانه وتعالى مستعليا عليهم وقاهرا لهم، فالمراد بالفوقية الاستعلاء والقهر لا الجهة، لأنها","part":2,"page":270},{"id":871,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 271\rيُؤْمَرُونَ (50) به وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ تأكيد إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ أتى به لإثبات الإلهية والوحدانية فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) خافون دون غيري وفيه التفات عن الغيبة وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا وَلَهُ الدِّينُ الطاعة واصِباً دائما، حال من الدين، والعامل فيه معنى الظرف أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وهو الإله الحق ولا إله غيره، والاستفهام للإنكار أو التوبيخ وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ لا يأتي بها غيره، وما شرطية أو موصولة ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ أصابكم الضُّرُّ الفقر والمرض فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (53) ترفعون أصواتكم بالاستغاثة والدعاء ولا تدعون غيره ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54)\r______________________________\rمستحيلة عليه تعالى.\rقوله: وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ أي فلا يعصون ربهم أبدا، بل هم ممتثلون لأمره مجتنبون لنهيه.\rقوله: وَقالَ اللَّهُ أي لعباده. قوله: لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ لا ناهية، وتَتَّخِذُوا مجزوم بحذف النون، والواو فاعل، وإِلهَيْنِ مفعول أول، واثْنَيْنِ تأكيد له، والمفعول الثاني محذوف تقديره معبودا، ويعلم من النهي عن اتخاذ اثنين، النهي عن اتخاذ الأكثر بالأولى. قوله: إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ أتى به لإثبات الألوهية والوحدانية، والمعنى أن المعبود لا يكون إلا واحدا، وإلا لم يوجد شيء من العالم، قال تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا وقال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ. قوله: فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ إياي مفعول لفعل محذوف، يفسره قوله ارهبون، أي ارهبوا إياي فارهبون، والمعنى لا تخافوا غيري، فإن النفع والضر بيدي، والألوهية وصفي، فلا تخشوا غيري، ولا ترجوا غيري. قوله: (و فيه التفات عن الغيبة) أي إلى التكلم، لأنه أبلغ في التخويف.\rقوله: وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فيه التفات من التكلم للغيبة، وهذا دليل على أنه المنفرد بالألوهية والوحدانية، إذ غيره لا يخلو، إما أن يكون في السماوات أو الأرض، وكل بما فيها مملوك للّه، فلا يصح ولا يليق اتخاذ غيره إلها. قوله: (ملكا وخلقا وعبيدا) أي فجميع ما في السماوات والأرض مملوكون مخلوقون له، يتصرف فيهم كيف يشاء. قوله: وَلَهُ الدِّينُ أي التدين والانقياد لا لغيره، فالطاعة لا تكون إلا اللّه وحده، وطاعة الرسول والوالدين وأولي الأمر، من طاعة اللّه لأمره بها. قوله:\r(و العامل فيه معنى الظرف) أي الاستقرار المفهوم من الجار والمجرور، والمعنى استقر الدين له حال كونه دائما، وهذا ظاهر على أن الدِّينُ فاعل بالجار والمجرور، وأما إن جعل الدين مبتدأ مؤخرا، والجار والمجرور خبرا مقدما، فلا يصح ما قاله المفسر، لأن العامل في الحال، هو العامل في صاحبها، والمبتدأ ليس معمولا للخبر، وحينئذ فالأولى أن يجعل حالا من الضمير الكائن في الظرف، والتقدير والدين ثابت له حال كونه واصبا. قوله: أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ الهمزة داخلة على محذوف تقديره أتركتم عبادة اللّه ومخافته فغير اللّه تتقون. قوله: (و الاستفهام للإنكار) أي والمعنى لا يليق منكم، أي تتقوا غيره، ولا تطيعوا غيره، إلا إذا كان الآمر بذلك هو اللّه، كطاعة الوالد والرسول، ففي الحقيقة التقوى للّه.\rقوله: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ أي دنيوية أو أخروية. قوله: (و ما شرطية) أي وفعل الشرط محذوف، والتقدير أيما نزل بكم،","part":2,"page":271},{"id":872,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 272\rلِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ من النعمة فَتَمَتَّعُوا باجتماعكم على عبادة الأصنام، أمر تهديد فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55) عاقبة ذلك وَيَجْعَلُونَ أي المشركون لِما لا يَعْلَمُونَ أنها لا تضر ولا تنفع وهي الأصنام نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الحرث والأنعام بقولهم هذا للّه وهذا لشركائنا تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَ سؤال توبيخ، وفيه التفات عن الغيبة عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56) على اللّه من أنه أمركم بذلك وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ بقولهم الملائكة بنات اللّه سُبْحانَهُ تنزيها له عما زعموا وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (57) أي البنون والجملة في محل رفع أو نصب بيجعل، المعنى يجعلون له البنات التي يكرهونها وهو منزه عن الولد ويجعلون لهم الأبناء الذين يختارونها فيختصون بالأسنى كقوله فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى تولد له ظَلَ صار وَجْهُهُ\r______________________________\rوقوله: فَمِنَ اللَّهِ جواب الشرط، وقوله: مِنْ نِعْمَةٍ بيان لما، ويرد عليه أنه لا يحذف فعل الشرط، إلا بعد إن في موضعين: الأول في باب الاشتغال نحو: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره. الثاني أن تكون لا النافية تالية، لأن مع وجود ما يدل على الشرط، كقول الشاعر:\rفطلقها فلست لها بكفء ... وإلا يعل مفرقك الحسام\r\rفإن لم توجد لا، أو كانت الأداة غير إن، لم يحذف إلا لضرورة، فالأحسن الإعراب الثاني. قوله:\r(أو موصولة) أي بمعنى الذي، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صلة ما، ومِنْ نِعْمَةٍ بيان لما وهو مبتدأ: وخبره قوله: فَمِنَ اللَّهِ والفاء زائدة في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط، والمعنى أن اللّه هو مولى النعم لا غيره، وتسمية غيره منعما، باعتبار أن النعم أجريت على يده، وهو مظهر لها. قوله: تَجْئَرُونَ من الجؤار بوزن غراب، وهو رقع الصوت بالدعاء، في كشف ما نزل من الضر.\rقوله: ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ أي أزاله بإيصال النفع لكم.\rقوله: لِيَكْفُرُوا اللام لام كي، وهي متعلقة بيشركون، أو لام العاقبة والصيرورة، أو لام الأمر للتهديد. قوله: (أمر تهديد) أي تخويف. قوله: (عاقبة ذلك) أي وهي الخلود في النار. قوله: (لأنها لا تضر ولا تنفع) أشار بذلك إلى أن مفعول «يعلمون» محذوف. قوله: (و هي الأصنام) تفسير لما، والمعنى: ويجعل المشركون للأصنام، التي لا يعلمون منها نفعا ولا ضرا نصيبا، الخ. قوله: (من الحرث) بيان لما، والمراد بالحرث الزرع. قوله:\r(بقولهم) متعلق بيجعلون. قوله: (و فيه التفات عن الغيبة) أي لزيادة التوبيخ عليهم. قوله: (بقولهم الملائكة بنات اللّه) أي وليس المراد بالبنات بناتهم التي يلدونها، لأنهم يعترفون بأنها منسوبة لهم، فلا يضيفونها للّه، وإنما البنات التي يضيفونها للّه، هي الملائكة، والقائل ذلك كنانة وخزاعة. قوله: (و الجملة في محل رفع) المناسب أن يقول مستأنفة، لأن هم خبر مقدم، وما مبتدأ مؤخر لا محل لها من الإعراب.\rقوله: (أو نصب بيجعل) أي بالعطف على معمولي يجعل،\rفإن قوله: لَهُمْ معطوف على «الله»، وما معطوفة على الْبَناتِ مسلط عليهما، ويجعل فيه العطف على معمولي عام واحد، وهو جائز باتفاق. قوله: (بالأسنى) أي الأرفع والأشرف.\rقوله: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ الجملة في محل نصب حال من الواو في يَجْعَلُونَ والمراد بالبشارة","part":2,"page":272},{"id":873,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 273\rمُسْوَدًّا متغيرا تغير مغتم وَهُوَ كَظِيمٌ (58) ممتلىء غما فكيف تنسب البنات إليه تعالى يَتَوارى يختفي مِنَ الْقَوْمِ أي قومه مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ خوفا من التعيير مترددا فيما يفعل به أَيُمْسِكُهُ يتركه بلا قتل عَلى هُونٍ هوان وذل أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ بأن يئده أَلا ساءَ بئس ما يَحْكُمُونَ (59) حكمهم هذا حيث نسبوا لخالقهم البنات اللاتي هي عندهم بهذا المحل لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي الكفار مَثَلُ السَّوْءِ أي الصفة السوأى بمعنى القبيحة وهي وأدهم البنات مع احتياجهم إليهن للنكاح وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى الصفة العليا وهو أنه لا إله إلا هو وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (60) في خلقه وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ بالمعاصي ما تَرَكَ عَلَيْها أي الأرض مِنْ دَابَّةٍ نسمة تدب عليها وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ عنه ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (61) عليه وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ\r______________________________\rالإخبار. قوله: (صار) أشار بذلك إلى أن ظَلَ ليست على بابها من أنها تدل على الإقامة على تلك الصفة نهارا، بل المراد منها الانتقال من حالة لأخرى.\rقوله: مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أي من أجل سوء الأنثى التي بشر بها، وسوءها من حيث إنه يخاف عليها الزنا ويتحمل عارها، وكونها لا تكتسب وغير ذلك. قوله: (مترددا) قدره إشارة إلى أن قوله: أَيُمْسِكُهُ الخ، معمول لحال محذوفة، ولا يصلح أن يكون حالا لأنه جملة طلبية. قوله: عَلى هُونٍ حال من المفعول، والمعنى أيمسكه مهينا له. قوله: أَمْ يَدُسُّهُ أي يخفيه. قوله: (بأن يئده) الوأد دفن البنت حية. قوله: (بهذا المحل) أي الرقبة، وهي الحقارة والذل.\rقوله: (أي الصفة السوأى) أشار بذلك إلى أن قوله: مَثَلُ السَّوْءِ من إضافة الموصوف لصفته، والسوأى بضم السين والقصر بوزن طوبى. قوله: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى أي فصفات اللّه أعلى الصفات، وصفات الكفار أخسها، حيث ينسبون للّه ما يكرهون لأنفسهم، مع كونه منزها عن صفات الحوادث. قوله: وَهُوَ الْعَزِيزُ (في ملكه) أي الغالب فلا يعجزه شيء. قوله: الْحَكِيمُ (في خلقه) أي يضع الشيء في محله.\rقوله: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ الخ. أي لو يعجل اللّه للناس العقوبة بسبب عصيانهم، لم يبق أحدا. قوله: ما تَرَكَ عَلَيْها الضمير عائد على الأرض المفهومة من السياق، لأن الدابة ما دب على وجه الأرض. قوله: مِنْ دَابَّةٍ مِنْ زائدة في المفعول، ووجه هلاك الجميع، أن اللّه تعالى يمسك السماء عن المطر، والأرض عن النبات، فإذا حصل ذلك، هلك كل مرزوق، لأن كل دابة محتاجة للقوام، فإذا أمسك قوامها هلكت عن آخرها، وهو أقرب ما يقال في ذلك.\rقوله: وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي لكن سبقت حكمة اللّه، بأن الدنيا تصير عمارا، إلى أن تنقضي المدة التي قدرها اللّه تعالى، فإذا كان كذلك، فلا يعاجلهم بالعقوبة، بل يوفيهم أرزاقهم وآجالهم، لغلبة الرحمة على الغضب، فلو عاجلهم بالعقوبة، لكان الغضب غالبا على الرحمة، وهو خلاف ما سبق علمه به. قوله: وَلا يَسْتَقْدِمُونَ أي لا يتقدمون على الأجل المعين الذي حضر. إن قلت: إنه لا يحسن ترتبه على الشرط لأن الأجل إذا جاء، لا يتوهم التقدم عليه إذ هو مستحيل، ولا ينفى إلا ما","part":2,"page":273},{"id":874,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 274\rلأنفسهم من البنات والشريك في الرياسة وإهانة الرسل وَتَصِفُ تقول أَلْسِنَتُهُمُ مع ذلك الْكَذِبَ وهو أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى عند اللّه أي الجنة لقوله: ولئن رجعت إلى ربي وإن لي عنده للحسنى قال تعالى: لا جَرَمَ حقا أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62) متروكون فيها أو مقدمون إليها، وفي قراءة بكسر الراء أي متجاوزون الحد تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ رسلا فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ السيئة فرأوها حسنة فكذبوا الرسل فَهُوَ وَلِيُّهُمُ متولي أمورهم الْيَوْمَ أي في الدنيا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (63) مؤلم في الآخرة، وقيل المراد باليوم يوم القيامة على حكاية الحال الآتية أي لا ولي لهم غيره وهو عاجز عن نصر نفسه فكيف ينصرهم وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ يا محمد الْكِتابَ القرآن إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ للناس الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ من أمر الدين\r______________________________\rيتوهم ثبوته. أجيب: بأن قوله: وَلا يَسْتَقْدِمُونَ معطوف على جملة الشرط، وجوابه كأنه قال: فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون عنه ساعة، وإذا لم يجىء لا يستقدمون عليه.\rقوله: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ هذا من جملة صفات السوء. قوله: (و الشريك في الرياسة) أي وهو الأصنام، جعلوها شركاء للّه في الألوهية التي هي أعلى أوصاف الرياسة. قوله: (و إهانة الرسل) أي كما أهانوا رسول اللّه، فهم يكرهون البنات والشريك في الرياسة وإهانة رسلهم، ويجعلون ما يكرهونه للّه، فينسبون للّه البنات، ويشركون مع اللّه في الألوهية غيره، ويهينون رسول اللّه. قوله: الْكَذِبَ مفعول به، وقوله: أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى بدل كل من كل. والمعنى: وتقول ألسنتهم زيادة على ما سبق منهم، أن لهم الحسنى. قوله: (لقوله) دليل لقوله: (عند اللّه). قوله: (قال تعالى) أي ردا عليهم وتبكيتا لهم.\rقوله: لا جَرَمَ تقدم أن لا نافية لمعنى ما قبلها، وجَرَمَ بمعنى حق وثبت، وأَنَ وما دخلت عليه في محل رفع فاعل. والمعنى: لا عبرة بقولهم الكذب، بل حق وثبت كون النار لهم وتركهم فيها. وتقدم أن قول المفسر (حقا) مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره حق حقا. قوله: (أو مقدمون إليها) أي معجلون إليها قبل غيرهم. قوله: (و في قراءة) وهي سبعية أيضا.\rقوله: تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا شروع في تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ أي جعلها حسنة ليضلهم بها. قوله: (أي في الدنيا) هذا أحد قولين ذكرهما المفسر، وعلى هذا القول فلا يحتاج لتأويل، لأن مدة الدنيا كالوقت الحاضر بالنسبة الآخرة، وقيل المراد باليوم يوم القيامة الخ، أي وعليه فاليوم مستعمل في غير معناه الأصلي، لأنه حقيقة في الزمان الحاضر المقارن للتكلم، ولذا أوله المفسر بقوله: (على حكاية الحال الآتية) أي فعبر عن الزمان الذي لم يحصل، بما هو موضوع للحاضر المقارن لتحقق حصوله، فكأنه حاضر الآن. قوله: (أي لا ولي لهم) أي لا ناصر ولا مغيث لهم غيره.\rقوله: (و هو عاجز) الخ، الجملة حالية. قوله: (فكيف ينصرهم) أشار بذلك إلى أن المراد بالولي على هذا القول الثاني الناصر، وأما على الأول، فمعناه القرين المتولي إغواءهم.\rقوله: وَما أَنْزَلْنا الخ هذا من جملة تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (من أمر الدين) أي كالتوحيد وأحكام","part":2,"page":274},{"id":875,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 275\rوَهُدىً عطف على لتبين وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) به وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بالنبات بَعْدَ مَوْتِها يبسها إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآيَةً دالة على البعث لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) سماع تدبر وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً اعتبارا نُسْقِيكُمْ بيان للعبرة مِمَّا فِي بُطُونِهِ أي الأنعام مِنْ للابتداء متعلقة بنسقيكم بَيْنِ فَرْثٍ ثفل الكرش وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً لا يشوبه شيء من الفرث والدم من طعم أو ريح أو لون وهو بينهما سائِغاً لِلشَّارِبِينَ (66) سهل المرور في حلقهم لا يغص به وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ ثمر تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً خمرا يسكر سميت بالمصدر وهذا قبل تحريمها وَرِزْقاً حَسَناً كالتمر\r______________________________\rالعبادات والمعاملات وغير ذلك. قوله: وَهُدىً أي من الضلال. قوله: وَرَحْمَةً أي إحسانا.\rقوله: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ خصهم لأنهم المنتفعون به دون غيرهم. قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً.\rقوله: وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً شروع في ذكر أدلة توحيده سبحانه وتعالى. قوله: (دالة على البعث) أي لأن القادر على إحياء الأرض بالماء بعد يبسها، قادر على إعادة الأجسام بعد تفرقها وانعدامها. قوله: (سماع تدبر) أي فالمراد بالسماع سماع القلوب، لا سماع الآذان.\rقوله: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ فِي للسببية. والمعنى: وإن لكم بسبب الأنعام لعبرة الخ.\rقوله: لَعِبْرَةً أي اتعاظا وتذكارا، يعتبر بها المعتبر ويستدل على أن اللّه هو الرحمن الرحيم الفعال لما يريد. قوله: (بيان لعبرة) أي لمتعلقها وهو المعتبر به. قوله: مِمَّا فِي بُطُونِهِ من للتبعيض، قوله: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ مِنْ ابتدائية كما قال المفسر. والمعنى: نسقيكم بعض الذي في بطونه لبنا خالصا، ناشئا من بين فرث ودم، وذكر الضمير في بطونه هنا، مراعاة للفظ الأنعام، وأنثه في سورة المؤمنون، مراعاة للمعنى الذي هو جماعة الأنعام، لأن الأنعام اسم جمع. قوله: (ثفل الكرش) بضم المثلثة وسكون الفاء، و(الكرش) بوزن الكبد. قوله: لَبَناً مفعول ثان لنسقيكم، والأول هو الكاف. قوله: (و هو بينهما) وذلك لأن البهيمة إذا أكلت العلف طبخه الكرش، فيجعل اللّه أسلفه فرثا، وأوسطه لبنا خالصا لا يشوبه شيء وأعلاه دما، وبينهما حاجز بقدرة اللّه تعالى، ثم يسلط الكبد عليه، فتجري عليه الدم في العروق، واللبن في الضروع، ويبقى الفرث في الكرش، فينزل من مخرجه روثا. قوله: (سهل المرور) أي ولذا جعل غذاء لصغار الحيوانات التي ترضعها أمهاتها، ولعظم مزيته يقال عقب أكله: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، بخلاف غيره من الأطعمة، فيقال وعوضنا خيرا منه.\rقوله: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ خبر مقدم، والمبتدأ محذوف قدره المفسر بقوله: (ثمر)، قوله:\rتَتَّخِذُونَ نعت لذلك المحذوف، والضمير في مِنْهُ عائد على ذلك المحذوف. قوله: (خمرا) أي وقيل إنه اسم للخل بلغة الحبشة، وقيل اسم للعصير ما دام حلوا، وتسميته سكرا باعتبار ما يؤول إليه، وعلى هذين التفسيرين، فالامتنان به باق لم ينسخ. قوله: (سميت بالمصدر) أي فالسكر مصدر سكر من باب فرح. قوله: (و هذا قبل تحريمها) أي لأن هذه السورة مكية، وتحريم الخمر كان بالمدينة، نزلت به","part":2,"page":275},{"id":876,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 276\rوالزبيب والخل والدبس إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآيَةً على قدرته تعالى لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) يتدبرون وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ وحي إلهام أَنِ مفسرة أو مصدرية اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً تأوين إليها وَمِنَ الشَّجَرِ بيوتا وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) أي الناس يبنون لك من الأماكن وإلا لم تأو إليها ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي ادخلي سُبُلَ رَبِّكِ طرقه في طلب المرعى ذُلُلًا جمع ذلول حال من السبل أي مسخرة لك فلا تعسر عليك وإن توعرت ولا تضلي عن العود منها وإن بعدت وقيل من الضمير في اسلكي أي منقادة لما يراد منك يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها\r______________________________\rسورة المائدة وهي مدنية. قوله: (و الدبس) هو عسل الرطب ويطلق على عسل العنب. قوله: (المذكور) أي من إخراج اللبن على هذه الكيفية، واتخاذ السكر والرزق من الثمرات.\rقوله: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ لما ذكر سبحانه وتعالى، ما يدل على باهر قدرته وعظيم حكمته، من إخراج اللبن من بين فرث ودم، وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب، ذكر إخراج العسل الذي جعله شفاء للناس من النحل، وهي دابة ضعيفة، لما فيه من العجائب البديعة والأمور الغريبة، وكل هذا يدل على وحدانية الصانع، وقدرته وعظمته. قوله: إِلَى النَّحْلِ هو اسم جنس جمعي، يفرق بينه وبين واحده بالتاء، كنمل ونملة، وشجر وشجرة، ويذكر ويؤنث، فمن التأنيث قوله هنا أَنِ اتَّخِذِي وبجوز في غير القرآن تذكيره فيقال أن اتخذ. قوله: (وحي إلهام) أي هداية ورشد، لا وحي نبوة، إذ هي مستحيلة على غير المختصين من بني آدم، فمن أثبتها لغير النوع الإنساني فقد كفر. قوله: (مفسرة) أي لتقدم جملة فيها معنى القول دون حروفه وهو قوله:\rأَوْحى. قوله: (أو مصدرية) أي فهي وما دخلت عليه، في تأويل مصدر مجرور بالباء، والتقدير أوحى ربك إلى النحل باتخاذها.\rقوله: مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً أي أماكن ومِنَ بمعنى في، أي اتخذي في الجبال أماكن تأوين إليها الخ. ومن عجيب قدرته تعالى، أن ألهمها اتخاذ بيوت على شكل مسدس، من أضلاع متساوية، لا يزيد بعضها على بعض، وليس فيه فرج خالية ولا خلل، وألهمها اللّه تعالى، أن تجعل عليها أميرا كبيرا نافذا حكمه فيها وهي تطيعه، وهذا الأمير أكبرها جثة وأعظمها خلقة، يسمى يعسوب، وألهمها سبحانه وتعالى، أن تجعل على كل باب خلية بوابا، لا يمكن غير أهلها من الدخول إليها، وألهمها أن تخرج من بيوتها فتدور وترعى، ثم ترجع إلى بيوتها ولا تضل عنها. قوله: وَمِمَّا يَعْرِشُونَ أي وفيما (يبنون لك) أي فالنحل تارة تبني بيوتها التي هي من الشمع والماء، تارة في الجبال، وتارة في الأشجار، وذلك في النحل الوحشي، وتارة تبنيه في الخلايا، وهذا في النحل الأهلي. قوله: (و إلا لم تأو إليها) أي وإلا بأن لم يلهمها اللّه اتخاذ البيوت في الأماكن الثلاثة لم تأو إليها، فيضيع عسلها ولا ينتفع به.\rقوله: مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ أي حلوها مرها، طيبها ورديئها. قوله: (و إن توعرت) أي صعبت.\rقوله: (و لا تضلي) معطوف على قوله: (فلا تعسر عليك). قوله: (أي منقادة لما يراد منك) أي ممتثلة، ولذا يقسم يعسوبها أعمالها بينها، فالبعض يعمل الشمع، والبعض يعمل العسل، والبعض يأتي بالماء ويصبه في البيت، والبعض يبني البيوت.","part":2,"page":276},{"id":877,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 277\rشَرابٌ هو العسل مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ من الأوجاع قيل لبعضها كما دل عليه تنكير شفاء أو لكلها بضميمته إلى غيره أقول وبدونها بنيته وقد أمر به صلّى اللّه عليه وسلّم من استطلق عليه بطنه، رواه الشيخان إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) في صنعه تعالى وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ولم تكونوا شيئا ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ عند انقضاء آجالكم وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أي أخسه من الهرم\r______________________________\rقوله: شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ أي ما بين أبيض وأصفر وأحمر، وغير ذلك من ألوان العسل، واختلف في سبب اختلاف ألوانه، فقيل بسبب اختلاف المرعى، وقيل بسبب اختلاف سن النحل، فالأبيض لصغيرها، والأصفر لكهلها، والأحمر لمسنها، ورد هذا بأنه لا دليل عليها. قوله: (قيل لبعضها أي الأوجاع، كالبلغم والبرودة وباقي الأمراض الباردة. قوله: (أو لكلها) أي الأوجاع جميعها، فالأمراض التي شأنها البرودة هو نافع لها بنفسه، والأمراض التي شأنها الحرارة، ينفع فيها مضموما لغيره، ولذلك تجد غالب المعاجين لا تخلو منه. قوله: (أقول وبدونها بنيته) أي بنية الشفاء الجازمة، أن اللّه يخلق الشفاء عند استعماله، لاخباره تعالى بذلك، فتحصل أن في قوله تعالى: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ أقوال ثلاثة: قيل شفاء لبعض الأوجاع التي شأنها البرودة، وقيل شفاء لجميعها، لكن في الأمراض الباردة يستعمل خالصا، والحارة يستعمل مشوبا بغيره، وقيل شفاء لجميعها بالنية في كل ولكل أحد، ولذا روي عن ابن عمر، أنه كان لا يشكو قرحة ولا شيئا، إلا جعل عليها عسلا، حتى الدمل إذا خرج، طلى عليه عسلا، وحكى النقاش عن أبي وجرة، أنه كان يكتحل بالعسل، ويتنشق بالعسل، ويتداوى بالعسل.\rقوله: (و قد أمر به صلّى اللّه عليه وسلّم) الخ قد اقتصر المفسر الحديث ونصه عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال:\rجاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: اسقه عسلا، فسقاء ثم جاءه فقال: إني سقيته عسلا، فلم يزده إلا استطلاقا، فقال له ثلاث مرات، ثم جاءه الرابعة فقال: اسقه عسلا، فقال: سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: صدق اللّه وكذب بطن أخيك، فسقاه فبرأ، ولا عبرة باعتراض الملحدين الذين في قلوبهم مرض على هذا الحديث حيث قالوا: إن الأطباء مجمعون على أن العسل مسهل، فكيف يوصف لمن به الإسهال، لأن الإسهال يكون من أنواع كثيرة، منها الإسهال الحادث من التخم والأخلاط، وقد أجمع الأطباء على أن علاجه بالمعين على الإسهال، إذ حبس الطبيعة مضر فهذا الحديث محمول على ذلك، ولذا نفعه آخرا، حين نظفت المعدة، وخلصت من الغش.\rقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أي دلالة على وحدانية الصانع الحكيم القادر.\rقوله: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ أي أنشأكم وأوجدكم. قوله: ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ أي يميتكم. قوله: وَمِنْكُمْ الخ، معطوف على محذوف، والتقدير فمنكم من يبقى على قوة جسمه وعقله إلى أن يموت، ومنكم الخ. قوله: إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أي أضعفه، قال بعض العلماء: عمر الإنسان له أربع مراتب، أولها: سن النشوء والنماء، وهو من أول العمر إلى بلوغ ثلاث وثلاثين سنة، وهو غاية سن الشباب وبلوغ الأشد. ثم المرتبة الثانية: سن الوقوف، وهو من ثلاث وثلاثين سنة إلى أربعين. وهو غاية القوة وكمال العقل. ثم المرتبة الثالثة: سن الكهولة، وهي الأربعين إلى ستين سنة، وفي هذه المرتبة يشرع الإنسان في النقص، غير أنه يكون خفيا. ثم المرتبة الرابعة: سن الشيخوخة والانحطاط، من الستين إلى آخر العمر، وفيه يتبين النقص، ويكون الهرم","part":2,"page":277},{"id":878,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 278\rوالخرف لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً قال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بتدبير خلقه قَدِيرٌ (70) على ما يريده وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فمنكم غني وفقير ومالك ومملوك فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا أي الموالي بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ أي بجاعلي ما رزقناهم من الأموال وغيرها شركة بينهم وبين مماليكهم فَهُمْ أي المماليك والموالي فِيهِ سَواءٌ شركاء، المعنى ليس لهم شركاء من مماليكهم في أموالهم فكيف يجعلون بعض مماليك اللّه شركاء له أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71) يكفرون حيث يجعلون له شركاء وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً فخلق حواء من ضلع آدم وسائر النساء من نطف الرجال والنساء وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً أولاد الأولاد وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ من\r______________________________\rوالخرف، وقد استعاذ منه صلّى اللّه عليه وسلّم حيث قال: «اللهم إني أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات».\rقوله: لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً اللام لام التعليل، وكي مصدرية، ولا نافية، وشَيْئاً تنازعه الفعل والمصدر، فأعمل في الثاني، وأضمر في الأول وحذف. والمعنى لأجل انتفاء علمه بالأشياء التي كان يعلمها قبل هذه الحالة، فيرجع إلى مبدئه في عدم المعرفة والعلم، كالطفل الذي لا يدري شيئا.\rقوله: (من قرأ القرآن) أي عاملا به، وكذلك العلماء العاملون، لا يصيرون بهذه الحالة، بل كلما ازدادوا في العمر، ازدادوا في العلم والمعرفة والعقل، كما هو مشاهد، ولذا قالوا: أعلى كلام العارفين، ما صدر منهم في آخر عمرهم، بل قالوا: الرد لأرذل العمر، يكون للكفار وللمنهمكين في الشهوات من عوام المؤمنين.\rقوله: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ المقصود من ذلك الرد على الكفار، حيث جعلوا للّه شريكا في ألوهيته، كأنه قال: اللّه جعل منكم أغنياء وفقراء، فالأغنياء لا ترضى أن تشرك الفقراء في أوصافهم، فكيف يجعلون للّه شريكا في صفاته، مع أنه الغني المطلق عما سواه، وهذا من ثمرات قوله: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ. قوله: (أي الموالي) المراد بهم السادة. قوله: (المعنى ليس لهم شركاء) أشار بذلك إلى أن قوله: فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ حذف منه أداة الاستفهام، والتقدير أفهم فيه سواء، ومعناه النفي، أي ليسوا مستوين فيه، أي لا ترضى الأغنياء بتسوية الفقراء معهم في غناهم، ولا الموالي بتسوية العبيد معهم في سيادتهم، فكيف يجعلون وصف الألوهية لغيره تعالى. قوله: أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، وهي داخلة على الفعل. والمعنى أيشركون به فيجحدون نعمته؟ قوله: (يكفرون) أشار بذلك إلى أنه ضمن قوله: يَجْحَدُونَ معنى (يكفرون) فعداه بالباء، وإلا فالجحد يتعدى بنفسه.\rقوله: مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي نوعكم وجنسكم. قوله: (فخلق حواء من ضلع آدم) أي الأيسر القصير. قوله: بَنِينَ لم يذكر البنات لكراهتهم لهن، فلم يمتنّ عليهم إلا بما يحبونه. قوله: (أولاد الأولاد) أي وسموا حفدة، لأنهم يخدمون أجدادهم، ويسارعون في طاعتهم، لأن الحافد معناه الخادم.","part":2,"page":278},{"id":879,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 279\rأنواع الثمار والحبوب والحيوان أَفَبِالْباطِلِ الصنم يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72) بإشراكهم وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ أي غيره اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ بالمطر وَالْأَرْضِ بالنبات شَيْئاً بدل من رزقا وَلا يَسْتَطِيعُونَ (73) يقدرون على شيء وهو الأصنام فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ لا تجعلوا للّه أشباها تشركونهم به إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أن لا مثل له وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (74) ذلك ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ويبدل منه عَبْداً مَمْلُوكاً صفة تميزه من الحر فإنه عبد اللّه لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لعدم ملكه وَمَنْ نكرة موصوفة أي حرا رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً أي يتصرف فيه كيف يشاء والأول مثل الأصنام والثاني مثله تعالى هَلْ يَسْتَوُونَ أي العبيد العجزة والحر المتصرف لا الْحَمْدُ لِلَّهِ وحده بَلْ أَكْثَرُهُمْ\r______________________________\rقوله: أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ يقال فيه ما قيل فيما قبله، فيكون التقدير أبعد تحقق ما ذكر من نعم اللّه يؤمنون بالباطل؟ وهو استفهام توبيخ وتقريع.\rقوله: وَيَعْبُدُونَ عطف على يَكْفُرُونَ. قوله: ما لا يَمْلِكُ الخ أي أصناما، لا تستطيع جلب نفع ولا دفع ضر. قوله: (بالمطر) أي بإنزاله. قوله: (بدل من رزقا) أي على أن الرزق اسم عين بمعنى المرزوق، وفيه أن البدل إما للتوكيد أو للبيان، وشيئا لا يصلح لذلك، وحينئذ فالمناسب جعله صفة لمصدر محذوف مفعول مطلق لقوله يملك، والتقدير ما لا يملك لهم ملكا شيئا، أي قليلا أو كثيرا، جليلا أو حقيرا. قوله: (تشركونهم به) أي فإن ضرب المثل تشبيه حال بحال، واللّه منزه عن الأحوال والكيفيات، وأما ضرب المثل، بمعنى تشبيه حال بعض المخلوقات بحال بعض، لأجل الاستدلال على اتصافه بالكمالات، فلا ينهى عنه، بل ذكره اللّه تعالى في كتابه، وعلمنا كيفية ضربه. قال تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها إلى آخره، وقال هنا ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً الخ. قوله: (أن لا مثل له) وقيل المراد أن اللّه يعلم كيفية ضرب الأمثال، وأنتم لا تعلمون كيفيتها.\rقوله: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا هذا مرتب على قوله: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ لأن المنهي عنه، الأمثال التي تفيد تشبيه اللّه بغيره، وأما المثل الذي يفيد التوحيد، فقد ضربه اللّه بقوله: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا الخ. قوله: (صفة تميزه من الحر) جواب عما يقال: إن كل شخص مملوك للّه، حرا كان أو عبدا.\rفأجاب: بأن المراد به الرفيق، إذ الحر لا يسمى مملوكا عرفا، وإن كان عبدا للّه. قوله: لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ أي من التصرفات. واختلف العلماء في العبد، هل يملك ما تحت يده من الأموال، أو لا يملكها؟\rفقال مالك: إنه يملك، غير أن ملكه غير تام. وقال الشافعي: لا يملك أصلا، وإنما الذي تحت يده ملك سيده، والآية مفروضة في عبد لا يقدر على شيء، وكون العبد يملك أو لا شيء آخر.\rقوله: وَمَنْ معطوف على عبدا. قوله: حَسَناً أي حلالا. قوله: (و الأول مثل الأصنام والثاني مثله تعالى) أي فالمقصود من ذلك التوصل إلى إبطال الشريك، والرد على الكفار، كأن اللّه يقول:\rأنتم لا تسوون العبد المملوك العاجز، بالحر الغني الذي يتصرف في ماله كيف يشاء، فكيف تشركون الأصنام التي هي أضعف من العبد المملوك، مع اللّه القادر المتصرف في خلقه. قوله: هَلْ يَسْتَوُونَ أي في الإجلال والتعظيم، ولم يقل يستويان، نظرا إلى تعدد أفراد كل قسم، وإنما لم يجمع المفسر الحر، كما","part":2,"page":279},{"id":880,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 280\rأي أهل مكة لا يَعْلَمُونَ (75) ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ويبدل منه رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ ولد أخرس لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ لأنه لا يفهم ولا يفهم وَهُوَ كَلٌ ثقيل عَلى مَوْلاهُ ولي أمره أَيْنَما يُوَجِّهْهُ يصرفه لا يَأْتِ منه بِخَيْرٍ بنجح، وهذا مثل الكافر هَلْ يَسْتَوِي هُوَ أي الأبكم المذكور وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ أي ومن هو ناطق نافع للناس حيث يأمر به ويحث عليه وَهُوَ عَلى صِراطٍ طريق مُسْتَقِيمٍ (76) وهو الثاني المؤمن؟ لا، وقيل هذا مثل للّه، والأبكم للأصنام، والذي قبله في الكافر والمؤمن وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي علم ما غاب فيهما وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ منه لأنه بلفظ كن فيكون إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً الجملة حال وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ بمعنى الأسماع وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ القلوب لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) على ذلك فتؤمنون أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ مذللات للطيران\r______________________________\rجمع العبيد، إشارة إلى أنه مثل متوصل به إلى توحيد اللّه، واللّه تعالى واحد فأفرده تأدبا. قوله: (لا) هو جواب استفهام.\rقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ هذا حمد من اللّه لنفسه، في مقام الرد على المشركين، أي هو المستحق لجميع المحامد، المنعم المتفضل الخالق الرازق، وأما هذه الأصنام فلا تستحق ذلك، لأنها جمادات عاجزة، لا تنفع ولا تضر. قوله: (فيشركون) أي يعبدون غير اللّه، مع ظهور البراهين والحجج الدالة على وحدانية اللّه تعالى.\rقوله: أَحَدُهُما أَبْكَمُ أي والآخر ناطق قادر خفيف على مولاه، أينما يوجهه يأت بخير، وقد حذف هذا المقابل لدلالة قوله: وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ الخ. قوله: (ولد أخرس) المناسب تفسيره بالذي لا يسمع ولا يبصر ليظهر قوله: (لأنه لا يفهم ولا يفهم). قوله: أَيْنَما يُوَجِّهْهُ الخ أين اسم شرط جازم، ويُوَجِّهْهُ فعل الشرط، وقوله: لا يَأْتِ جواب الشرط مجزوم بحذف الياء. قوله: (بنجح) بضم النون بوزن قفل، أي لا يأت بشيء نافع.\rقوله: وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ معطوف على الضمير في يَسْتَوِي والشرط موجود، وهو الفصل بالضمير المنفصل. قوله: (و قيل هذا) أي من يأمر بالعدل. قوله: (و الذي قبله) أي وهو قوله عَبْداً مَمْلُوكاً وَمَنْ رَزَقْناهُ وقيل كل في الكافر والمؤمن، وقيل كل في المعبود بحق، والمعبود بباطل، فتكون الأقوال أربعة. قوله: (في الكافر والمؤمن) قيل محمول على العموم، وقيل المراد بالكافر أبو جهل، والمؤمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل غير ذلك.\rقوله: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ هذا دليل على كمال علمه وقدرته. قوله: (أي علم ما غاب) أي خفي وبطن. قوله: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ أي قيام الخلق من القبور. قوله: إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أي انطباق جفن العين أو فتحه. قوله: (لأنه بلفظ كن فيكون) فيه تسامح، إذ ليس ثم كاف ولا نون، بل المراد سرعة الإيجاد، فإذا أراد شيئا أوجده سريعا.\rقوله: لا تَعْلَمُونَ أي لا تعرفون قوله: (حال) أي من الكاف في أخرجكم. قوله: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ أفرده باعتبار كونه مصدرا في الأصل.","part":2,"page":280},{"id":881,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 281\rفِي جَوِّ السَّماءِ أي الهواء بين السماء والأرض ما يُمْسِكُهُنَ عند قبض أجنحتهن وبسطها أن يقعن إِلَّا اللَّهُ بقدرته إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79) هي خلقها بحيث يمكنها الطيران وخلق الجو بحيث يمكن الطيران فيه وإمساكها وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً موضعا تسكنون فيه وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً كالخيام والقباب تَسْتَخِفُّونَها للحمل يَوْمَ ظَعْنِكُمْ سفركم وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها أي الغنم وَأَوْبارِها أي الإبل وَأَشْعارِها أي المعز أَثاثاً متاعا لبيوتكم كبسط وأكسية وَمَتاعاً تتمتعون به إِلى حِينٍ (80) يبلى فيه وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ من البيوت والشجر والغمام ظِلالًا جمع ظل تقيكم حر الشمس وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً جمع كن وهو ما يستكن فيه كالغار والسرب وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ قمصا تَقِيكُمُ الْحَرَّ أي والبرد وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ حربكم أي الطعن والضرب فيها كالدروع والجواشن كَذلِكَ كما خلق هذه الأشياء يُتِمُّ نِعْمَتَهُ في الدنيا عَلَيْكُمْ بخلق ما تحتاجون إليه لَعَلَّكُمْ يا أهل مكة تُسْلِمُونَ (81) توحدونه فَإِنْ تَوَلَّوْا أعرضوا عن الإسلام فَإِنَّما عَلَيْكَ يا محمد الْبَلاغُ الْمُبِينُ (82) الإبلاغ البين وهذا قبل الأمر\r______________________________\rقوله: أَلَمْ يَرَوْا أي ينظروا بأبصارهم. قوله: مُسَخَّراتٍ هو حال من الطَّيْرِ. قوله:\rفِي جَوِّ السَّماءِ الجو الفضاء الكائن بين السماء والأرض، قال كعب الأحبار: إن الطير يرتفع في الجو مسافة اثني عشر ميلا، ولا يترفع فوق ذلك. قوله: (عند قبض أجنحتهن) هذا يفيد أنها في حال الطيران تقبض أجنحتها، مع أنه خلاف المشاهد، فالمناسب أن يقول ما يمسكهن في حال طيرانهن إلا اللّه، فإن ثقل أجسادها يقتضي سقوطها، ولا علاقة فوقها، ولا شيء تحتها يمسكها.\rقوله: مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً أي وذلك في بعض الناس كالسودان، فإنهم يتخذون خيامهم من الجلود. قوله: (كالخيام) جمع خيمة، والقباب جمع قبة، وهي دون الخيمة. قوله: تَسْتَخِفُّونَها أي يخف عليكم حملها في رحيلكم وإقامتكم، فلا يثقل عليكم حملها في الحالين. قوله: وَمِنْ أَصْوافِها معطوف على مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ، وقوله: أَثاثاً معطوف على بُيُوتاً، ولم يذكر القطن والكتان، لأنهما لم يكونا ببلاد العرب. قوله: (كبسط) بضم الباء والسين وقد تسكن.\rقوله: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا أي ما تستظلون به، وذكر في مقام الامتنان، لأن بلاد العرب شديدة الحر، فحاجتهم للظلال، وما يدفع عنهم شدة الحر وقوته أكثر. قوله: (و الغمام) أي السحاب. قوله: (جمع كن) أي غطاء، والأكنة الأغطية، ومنه وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً* قوله: (أي والبرد) أشار بذلك إلى أن فيه حذف الواو مع ما عطفت، ويسمى عند أهل المعاني اكتفاء. قوله:\r(كالدروع) أي دروع الحديد، قوله: (و الجواشن) جمع جوشن وهو الدرع، فالعطف للتفسير.\rقوله:\rفَإِنْ تَوَلَّوْا أي داموا على التولي والاعراض. قوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) مراده أن هذه الآية منسوخة، وفيه أنه لا يظهر إلا لو قدر جواب الشرط، فلا تقاتلهم مثلا، وأما لو قدر، فلا عتب عليك ولا مؤاخذة، لأنك لا قدرة لك على خلق الإيمان في قلوبهم، فلا يظهر النسخ، لأنه لا ينافي الأمر بقتالهم.","part":2,"page":281},{"id":882,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 282\rبالقتال يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ أي يقرون بأنها من عنده ثُمَّ يُنْكِرُونَها بإشراكهم وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (83) وَاذكر يَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً هو نبيها يشهد لها وعليها وهو يوم القيامة ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا في الاعتذار وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84) لا يطلب منهم العتبى أي الرجوع إلى ما يرضي اللّه وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا كفروا الْعَذابَ النار فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ العذاب وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (85) يمهلون عنه إذا رأوه وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ من الشياطين وغيرها قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا نعبدهم مِنْ\r______________________________\rقوله: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ أي وهي ما تقدم من أول السورة إلى هنا من النعم العظيمة، بأن يقرونها من عند اللّه، ولا يصرفونها في مصارفها. قوله: ثُمَّ يُنْكِرُونَها أتى بثم إشارة إلى أن إنكارهم مستبعد بعد المعرفة، لأن من عرف النعمة، فحقه أن لا ينكرها بعد ذلك. قوله: وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ أي يموتون كفارا، وأقلهم يتهدي للإسلام، فإن أكثر صناديدهم مات كافرا والأقل منهم أسلم.\rقوله: وَيَوْمَ نَبْعَثُ يَوْمَ منصوب بفعل محذوف قدره المفسر بقوله: (اذكر)، والمعنى: اذكر يا محمد لقومك، يوم نجعل لكل أمة شهيدا، أو المراد بالبعث الإحياء، أي يوم نحيي من كل أمة شهيدا، والأول أقرب. قوله: (يشهد عليها) أي بالتكذيب والكفر، وقوله: (و لها) أي بالتصديق والإيمان. قوله:\r(و هو يوم القيامة) أي لأنه ورد: أنه يؤتى بالأمم الماضية وأنبيائهم، فيقال للأنبياء: هل بلغتم أممكم؟\rفيقولون: نعم بلغنا، فيقال للأمم: هل بلغكم رسلكم؟ فيقولون: يا ربنا ما جاءنا من نذير، فيؤتى بالأمة المحمدية، فتشهد للأنبياء بالتبليغ، وعلى الأمم بالتكذيب، فتقول الأمم: من أين أتى لكم ذلك، وأنتم آخر الأمم؟ فيقولون: أخبرنا نبينا بذلك عن ربنا، وهو صادق عن صادق، فيأتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيزكي أمته، فحين يقول: يا رب قد بلغتهم تنقطع حجتهم، فهو مخصوص بأنه مقبول الشهادة، من غير مزك له.\rقوله: ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا اختلف في متعلق الإذن المنفي، فقال المفسر في الاعتذار، ويدل له قوله تعالى وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ وقيل لا يؤذن لهم في كثرة الكلام، وقيل في الرجوع إلى الدنيا والتكليف، وقيل في التكلم وقت شهادة الشهود، بل يسكتون وقتها، ولا يقدر أحد منهم على التكلم إذ ذاك. قوله: وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أي لا تزال عتباهم، وهي ما يعتبون ويلامون عليها، يقال استعتبت فلانا، بمعنى أزلت عتباه، فالسين والتاء للسلب، نظير الهمزة في أعذر إليه على ألسنة المرسلين.\rقوله: (إلى ما يرضي اللّه) أي من الرجوع إلى الدنيا والعبادة فيها.\rقوله: فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ أي فهم لا يخفف عنهم، وإنما احتيج لتقدير المبتدأ، لصحة دخول الفاء، لأن الفعل المضارع الصالح لمباشرة الأداة لا يقرن بالفاء، فاحتيج لجعلها جملة اسمية لوجود الفاء. قوله: الْعَذابَ تفسير للضمير المستتر في الفعل.\rقوله: وَإِذا رَأَى أي أبصر.\rقوله: شُرَكاءَهُمْ مفعول به، والإضافة لأدنى ملابسة، لكون الإشراك نشأ منهم، وكذا يقال في قوله: هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا. قوله: قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا إنما","part":2,"page":282},{"id":883,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 283\rدُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ أي قالوا لهم إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (86) في قولكم إنكم عبدتمونا كما في آية أخرى ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ سيكفرون بعبادتهم وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ أي استسلموا لحكمه وَضَلَ غاب عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (87) من أن آلهتهم تشفع لهم الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دينه زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ الذي استحقوه بكفرهم، قال ابن مسعود: عقارب أنيابها كالنخل الطوال بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (88) بصدهم الناس عن الإيمان وَاذكر يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ هو نبيهم وَجِئْنا بِكَ يا محمد شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ أي قومك وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ القرآن تِبْياناً بيانا لِكُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الناس من أمر الشريعة وَهُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً وَبُشْرى بالجنة\r______________________________\rقصدوا بذلك توزيع العذاب بينهم. قوله: فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ المعنى: فيخلق اللّه الحياة والعقل والنطق في تلك الأصنام ويقولون: إنكم قد كذبتم في عبادتكم لنا، فإنكم ما عبدتمونا، بل عبدتم هواكم، وإنما كذبوهم وقد كانوا يعبدونهم، لأن الأوثان لم يكونوا راضين بذلك، فكأنهم لم يعبدوهم.\rقوله: (أي استسلموا) أي انقادوا بعد أن كانوا في الدنيا متكبرين، ولكن هذا الانقياد لا ينفعهم. قوله:\r(من أن آلهتهم تشفع لهم) أي حيث قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى.\rقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا مبتدأ خبره قوله: زِدْناهُمْ. قوله: وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي منعوا الناس عن الدخول في الإيمان، وهذه الآية تعم من يحمل الناس على الكفر، ولو كان يقول: لا إله إلا اللّه. قوله: (قال ابن مسعود) أي في تفسير العذاب الزائد. وقال سعيد بن جبير: حيات كالبخت وعقارب أمثال البغال، تلسع إحداهن اللسعة، فيجد صاحبها ألمها أربعين خريفا. وقال ابن عباس ومقاتل: يعني بزيادة العذاب خمسة أنهار، من أصفر مذاب كالنار يسيل من تحت الفرش، يعذبون بها ثلاثة على مقدار الليل، واثنان على مقدار النهار، وقيل إنهم يخرجون من حر النار إلى برد الزمهرير، فيبادرون من شدة الزمهرير إلى النار مستغيثين بها. قوله: (أنيابها كالنخل الطوال) أي وجسمها بالنسبة لأنيابها، كجسم أحدنا بالنسبة إلى نابه، فتكون عظيمة الجثة جدا، أجارنا اللّه والمسلمين منها. قوله:\rبِما كانُوا يُفْسِدُونَ الباء سببية، وما مصدرية، أي بسبب كونهم مفسدين.\rقوله: يَوْمَ نَبْعَثُ كرر لزيادة التهديد. قوله: (أي قومك) هذا أحد تفسيرين، وقيل المراد بهؤلاء الأنبياء، لاستجماع شرعه لشرائعهم، وأما كونه شهيدا على أمته، فقد علم مما تقدم، فحملها عليه فيه تكرار، إلا أن يقال: المراد بشهادته على أمته، تزكيته وتعديله لهم، حق شهدوا على تبليغ الأنبياء، وهذا لم يعلم مما مر، مع أنه الوارد في الحديث.\rقوله: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ أي في الدنيا، فهو كلام مستأنف. قوله: تِبْياناً حال أو مفعول لأجله، وهو مصدر، ولم يجىء من المصادر على وزن تفعال بالكسر، إلا تبيان وتلقاء، وفي الأسماء كثير، نحو التمساح والتمثال. قوله: تِبْياناً أي بيانا شافيا بليغا، لأن زيادة البناء، تدل على زيادة المعنى. قوله:\rلِكُلِّ شَيْءٍ محتاج إليه من أمر الشريعة. إن قلت: إنا نجد كثيرا من أحكام الشريعة، لم يعلم من","part":2,"page":283},{"id":884,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 284\rلِلْمُسْلِمِينَ (89) الموحدين إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ التوحيد أو الإنصاف وَالْإِحْسانِ أداء\r______________________________\rالقرآن تفصيلا، كعدد ركعات الصلاة، ونصاب الزكاة وغير ذلك، فكيف يقول اللّه تبيانا لكل شيء؟\rأجيب: بأن البيان، إما في ذات الكتاب، أو بإحالته على السنة، قال تعالى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا أو بإحالته على الإجماع، قال تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ الآية، أو على القياس، قال تعالى: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ والاعتبار النظر والاستدلال اللذان يحصل بهما القياس فهذه أربعة طرق، لا يخرج شيء من أحكام الشريعة عنها، وكلها مذكورة في القرآن، فكان تبيانا لكل شيء بهذا الاعتبار. قوله: لِلْمُسْلِمِينَ تنازعه كل من هدى ورحمة وبشرى. قوله: (الموحدين) أي وأما الكفار، فهو لهم خسران وعذاب وإنذار.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ هذه الآية من ثمرات قوله: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ حتى قال العلماء: إن لم يكن في القرآن غير هذه الآية، لكفت في البيان والهدى والرحمة، لأنها آمرة بكل خير، ناهية عن كل شر. قوله: (التوحيد) أي شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدا رسول اللّه، وهذا التفسير وارد عن ابن عباس، وفي رواية عنه أيضا: العدل خلع الأنداد، والإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه، وأن تحب للمرء ما تحب لنفسك، فإن كان مؤمنا، تحب أن يزداد إيمانا، وإن كان كافرا تحب أن يكون أخاك في الإسلام. وفي رواية: العدل التوحيد، والإحسان الأخلاص، وكل هذا أفاده المفسر بقوله: (التوحيد والانصاف) أي في كل أمور، فالانصاف في التوحيد، اعتقاد أن اللّه متصف بكل كمال، منزه عن كل نقص، والانصاف في الاعتقاد، نسبة الأفعال كلها للّه، ونسبة الكسب للعبيد، خلافا للجبرية والمعتزلة، فالفرقة الأولى نفت الكسب أصلا. وقالوا: العبد كالخيط المعلق في الهواء، لا فعل له أصلا، وتعذيب اللّه له ظلم، وهؤلاء كفار. والفرقة الثانية قالوا: العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية، وهؤلاء فساق، وكلا المذهبين جور، والانصاف نسبة الأفعال كلها للّه، خيرها وشرها، ظاهرها وباطنها، ولكن من الأفعال ما هو جبري، وهذه لا كسب للعبد فيها، ولذا لا يثاب عليها ولا يعاقب، ومنها ما هو اختياري، وهذه للعبد فيها نوع كسب، ولذا يثاب عليه إن كان خيرا، ويعاقب عليه إن كان شرا، وهذا مذهب أهل السنة، خرج من بين فرث ودم، لبنا خالصا سائغا للشاربين، والانصاف في العبادات، عدم التفريط والإفراط فيها، بل يكون بين ذلك قواما، والانصاف في النفقات، أن لا يسرف ولا يقتر، قال تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ والانصاف بين عباد اللّه: يقسم لزوجاته، وينصر المظلوم على الظالم، ويعامل الخلق باللطف والرفق، وغير ذلك.\rقوله: وَالْإِحْسانِ أي مع اللّه ومع عباده، فالإحسان مع اللّه، أداء فرائضه على الوجه الأكمل، والإحسان مع عباده، أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك. قوله: (كما في الحديث) أي فقد سأل جبريل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الإحسان، فقال له عليه الصلاة والسّلام: «أن تعبد اللّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، والمعنى أن تعبد اللّه ملاحظا لجلاله، كأنك تراه ببصرك، وهذا مقام المشاهدة فإن لم تصل لهذه المرتبة، فلاحظ أنه يراك وأنك في حضرته، وهذا مقام المراقبة، فمثل المشاهد كالبصير الجالس في حضرة الملك، فأدبه من جهتين؛ كونه رائيا الملك، وكون الملك رائيا له، ومثل المراقب كمثل الأعمى الجالس في حضرة الملك، فأدبه من جهة ملاحظته، كون الملك رائيا له.","part":2,"page":284},{"id":885,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 285\rالفرائض أو أن تعبد اللّه كأنك تراه كما في الحديث وَإِيتاءِ إعطاء ذِي الْقُرْبى القرابة، خصه بالذكر اهتماما به وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ الزنا وَالْمُنْكَرِ شرعا من الكفر والمعاصي وَالْبَغْيِ الظلم للناس خصه بالذكر اهتماما كما بدأ بالفحشاء كذلك يَعِظُكُمْ بالأمر والنهي لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) تتعظون وفيه إدغام التاء في الأصل في الذال، وفي المستدرك عن ابن مسعود وهذه أجمع آية في القرآن للخير والشر وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ من البيع والإيمان وغيرها إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها توثيقها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا بالوفاء حيث حلفتم به، والجملة حال إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (91) تهديد لهم وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ أفسدت غَزْلَها ما غزلته مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ إحكام له وبرم أَنْكاثاً حال جمع نكث وهو ما ينكث أي يحل إحكامه وهي امرأة حمقاء من مكة كانت تغزل طول يومها ثم تنقضه تَتَّخِذُونَ حال من\r______________________________\rقوله: وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى أي التصدق على القريب، وهو آكد من التصدق على غيره، لأن فيه صدقة وصلة، قال عليه الصلاة والسّلام: «إن أعجل الطاعة ثوابا صلة الرحم». قوله: (من الكفر والمعاصي) أي فيدخل فيه الزنا وغيره، فهو تعميم بعد تخصيص. قوله: (اهتماما به) أي لأنه أعظم المعاصي بعد الكفر، ولذا قال بعض العلماء: أعجل العقوبة على المعاصي العقوبة على البغي. وفي الحديث: «لو أن جبلين بغى أحدهما على الآخر، لانتقم اللّه من الباغي». وفيه أيضا «الظلمة وأعوانهم كلاب النار». قوله: (كما بدأ بالفحشاء كذلك) أي اهتماما به، لأن فيه ضياع الأنساب والأعراض، ويترتب عليه المقت والعقوبة من اللّه، قال تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا.\rقوله: يَعِظُكُمْ حال من فاعل يأمر وينهى، أي يأمركم وينهاكم، حال كونه واعظا لكم. قوله:\r(في الأصل) أي فأصله تتذكرون، قلبت التاء ذالا، وأدغمت في الدال. قوله: (هذه أجمع آية) الخ، روي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ هذه الآية على الوليد بن المغيرة. فقال: أعدها يا محمد، فلما قرأها قال: إن له حلاوة، وإن عليه طلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر، ولكونها أجمع آية استعملها الخطباء في آخر الخطبة.\rقوله: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ هذا من جملة المأمور به على سبيل التفصيل، وبدأ بالأمر بالوفاء بالعهد، لأنه آكد الحقوق، وهذه الآية نزلت في الذين بايعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الإسلام، ولكن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. قوله: (من البيع) بكسر الباء جمع بيعة، وهي المعاهدة على أمر شرعي.\rقوله: (و الإيمان) جمع يمين، أي وأوفوا بما حلفتم عليه، ولا تحنثوا في أيمانكم، أي إذا كان فيها صلاح، وإلا فالحنث خير، لقوله عليه الصلاة والسّلام: «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه» فهو عام مخصوص. قوله: (و غيرها) أي كالمواعيد، فالمراد من العهد كل ما يلزم الإنسان الوفاء به، سواء أوجبه اللّه على الشخص، أو التزمه الشخص من نفسه، كعهود المشايخ التي يأخذونها على المريدين، بأنهم يلازمون طاعة اللّه، ولا يخالفونه في أمرنا، فالواجب على المريدين الوفاء بها، حيث كانت المشايخ موزونين بميزان الشرع، متصفين بالأخلاق الحميدة والأفعال السديد. قوله: بَعْدَ تَوْكِيدِها أي تغليظها، والتوكيد مصدر وكد بالواو، ويقال أكد بالهمزة، فمصدره التأكيد، وهما لغتان. قوله: كَفِيلًا أي شهيدا. قوله: (و الجملة حال) أي من فاعل تنقضوا.","part":2,"page":285},{"id":886,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 286\rضمير تكونوا أي لا تكونوا مثلها في اتخاذكم أَيْمانَكُمْ دَخَلًا هو ما يدخل في الشيء وليس منه، أي فسادا وخديعة بَيْنَكُمْ بأن تنقضوها أَنْ أي لأن تَكُونَ أُمَّةٌ جماعة هِيَ أَرْبى أكثر مِنْ أُمَّةٍ وكانوا يحالفون الحلفاء فإذا وجدوا أكثر منهم وأعز نقضوا حلف أولئك وحالفوهم إِنَّما يَبْلُوكُمُ يختبركم اللَّهُ بِهِ أي بما أمر به من الوفاء بالعهد لينظر المطيع منكم والعاصي أو بكون أمة أربى لينظر أتفون أم لا وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) في الدنيا من أمر العهد وغيره بأن يعذب الناكث ويثيب الوافي وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً أهل دين واحد وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَ يوم القيامة سؤال تبكيت عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93) لتجازوا عليه وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ كرره تأكيدا فَتَزِلَّ قَدَمٌ أي\r______________________________\rقوله: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها أي لا تنقضوا العهود التي عاهدتم عليها الخالق، أو المخلوق في غير معصية، فتكونوا كالتي نقضت غزلها. قوله: (حال) أي أو منصوب على المصدرية لأن معنى نقضت نكثت، فهو مطابق لعامله في المعنى. قوله: (جمع نكث) بكسر النون. قوله: (و هي امرأة حمقاء) أي واسمها ريطة بنت سعد بن تميم قرشية، قد اتخذت مغزلا قدر ذراع، وسنارة مثل الأصبع، وفلكة عظيمة على قدرها، فكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر، ثم تأمرهن فينقضن ما غزلنه، وقوله حمقاء. أي قليلة العقل. قوله: (كانت تغزل) أي الصوف والوبر والشعر.\rقوله: تَتَّخِذُونَ أي تصيرون، وأَيْمانَكُمْ مفعول أول، ودَخَلًا مفعول ثان. قوله:\rدَخَلًا أصل الدخل العيب، فإن شأنه أن يدخل في الشيء وليس من جنسه، والمراد به هنا الفساد والخديعة، كما قال المفسر. قوله: (أي لأن) تَكُونَ أشار بذلك إلى أن النصب على وجه التعليل، أي لأجل أَنْ تَكُونَ، وأُمَّةٌ فاعل تَكُونَ على أنها تامة، أو اسمها على أنها ناقصة، وجملة هِيَ أَرْبى خبرها. قوله: (و كانوا) أي قريش، وهو مشاهد في أهل زماننا، حيث يلتجئون لأرباب المناصب ما داموا في مناصبهم، فإذا عزلوا أو نقصت مرتبتهم، تركوهم ولم يلتفتوا لهم، وكأنهم لم يعرفوهم، وليس هذا من الإيمان، بل الإيمان الوفاء بالعهد وعدم نقضه، إن لم يكن في بقائه عصيان اللّه. قوله: (فإذا وجدوا أكثر منهم) أي مالا أو جاها. قوله: (حلف أولئك) الحلف بكسر فسكون، العهد يكون بين القوم. قوله: (لينظر المطيع) أي ليظهر لكم المطيع من غيره، فإن المطيع يدوم على العهد والود، وإن ذهبت من حليفه حظوظ المظاهر، وغيره يدور مع المظاهر. قوله: (أو يكون) معطوف على قوله: (بما أمر به)، وعليه فالضمير عائد على المصدر المنسبك من أن تكون، والمعنى لا تتخذوا عهودكم حيلة وخداعا، من أجل كون تلك الأمة التي عاهدتموها ذات مال أو جاه؛ فإن انتقل المال أو الجاه لغيرهم، نقضتم عهود الأوائل، فصاحب هذه الأوصاف، خائن للّه ولعباده. قوله: فِيهِ تَخْتَلِفُونَ أي تترددون.\rقوله: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (سؤال تبكيت) أي لا تفهم، وقد أشار بذلك إلى وجه الجمع، بين هذه الآية وبين قوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ فالمثبت سؤال التبكيت، والمنفي سؤال التفهم.\rقوله: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ أي عهودكم.\rقوله: دَخَلًا بَيْنَكُمْ أي فسادا وخديعة. قوله: (كرره تأكيدا) أي كرر النهي عن اتخاذ الأيمان خديعة","part":2,"page":286},{"id":887,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 287\rأقدامكم عن محجة الإسلام بَعْدَ ثُبُوتِها استقامتها عليها وَتَذُوقُوا السُّوءَ أي العذاب بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي بصدكم عن الوفاء بالعهد أو بصدكم غيركم عنه لأنه يستن بكم وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (94) في الآخرة وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا من الدنيا بأن تنقضوه لأجله إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ من الثواب هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ مما في الدنيا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) ذلك فلا تنقضوا ما عِنْدَكُمْ من الدنيا يَنْفَدُ يفنى وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ دائم وَلَنَجْزِيَنَ بالياء والنون الَّذِينَ صَبَرُوا على الوفاء بالعهود أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (96) أحسن بمعنى\r______________________________\rوحيلة، تأكيدا للإشارة إلى أن هذا أمر فظيع جدا، فإن نقض العهد، فيه فساد الدين والدنيا والعرض، والوفاء به، خير الدنيا والآخرة.\rقوله: فَتَزِلَّ قَدَمٌ منصوب بإضمار أن في جواب النهي، وأفرد القدم ونكره، إشارة إلى أن زلة القدم ولو مرة واحدة، أو أي قدم مضرة، لأن من زل به القدم، فقد طرد عن باب اللّه. قوله: (عن محجة الإسلام) أي طريقه، ومثل من زل القدم في عهد شيخه فنقضه، فإنه مطرود عن طريقته، ومتى طرد عن طريقته، فقد سلب ما وهبه اللّه له من النور الإلهي، فلا يرجى له الفتح في طريقة أخرى، لأن غاية الطرق واحدة، وهو قد طرد عن الغاية. قوله: (العذاب) أي في الدنيا بدليل قوله: وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (في الآخرة). قوله: عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي دينه الموصل لمرضاته. قوله: (أي بصدكم عن الوفاء) هو من صد اللازم، أي امتناعكم وإعراضكم عن الوفاء. قوله: (أو بصدكم غيركم عنه) هو من صد المتعدي، أي منعكم غيركم. قوله: (لأنه) أي ذلك الغير. قوله: (يستن) أي يقتدي بكم في نقض العهود.\rقوله: وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أي لا تتركوا عهد اللّه، في نظير عرض قليل تأخذونه قوله: (بأن تنقضوه) أي العهد، وقوله: (لأجله) أي الثمن القليل، وظاهره ولو من حلال، وإذا كان نقض العهد، لأجل القليل من الحلال مذموما، فالحرام أولى بالذم، والمراد بالثمن القليل، أعراض الدنيا وإن كثرت. قوله: إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ علة لما قبله، وإن حرف توكيد ونصب، وما اسم موصول اسمها، وعِنْدَ اللَّهِ صلته، وجملة هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ خبرها، وقوله: (من الثواب) بيان لما.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شرط حذف جوابه. وقدره المفسر بقوله فلا تنقضوا.\rقوله: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ مبتدأ وخبر، والنفاذ بالفتح الفناء والذهاب، يقال نفذ بالكسر ينفد بالفتح، فني وفرغ، وأما نفذ بالفتح والمعجمة ينفذ بالضم، فمعناه مضى، يقال: نفذ حكم الأمير بمعنى مضى. قوله: باقٍ يصح الوقف عليه، بثبوت الياء وحذفها مع سكون القاف، قراءتان سبعيتان.\rقوله: (دائم) أي لا يفرغ ولا يفنى. قوله: (بالياء والنون) أي فهما قراءتان سبعيتان قوله: (على الوفاء بالعهود) أي والمراد مشاق التكاليف. قوله: أَجْرَهُمْ مفعول ثان ليجزي، قوله: بِأَحْسَنِ الباء بمعنى على. قوله: (أحسن بمعنى حسن) أشار بذلك إلى أن أفعل التفضيل ليس على بابه، ودفع بذلك ما يتوهم من قصر المجازاة على الأحسن الذي هو الواجبات، مع أنهم يجازون على الواجبات والمندوبات.\rوهناك تقرير آخر في الآية، وهو أن الأحسن صفة لموصوف محذوف، أي بثواب أحسن من عملهم، أي أكثر منه تفضلا وإحسانا، قال تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها والباء لمجرد التعدية.","part":2,"page":287},{"id":888,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 288\rحسن مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً قيل هي حياة الجنة وقيل في الدنيا بالقناعة أو الرزق الحلال وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (97) فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ أي أردت قراءته فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (98) أي قل أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ تسلط عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّما\r______________________________\rقوله: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مَنْ اسم شرط مبتدأ، وعَمِلَ فعل الشرط، قوله:\rفَلَنُحْيِيَنَّهُ جوابه. قوله: (قيل هي حياة الجنة) هذا القول لمجاهد وقتادة، ورواه عوف عن الحسن وقال: لا يطيب لأحد الحياة إلا في الجنة، لأنها حياة بلا موت، وغنى بلا فقر، وصحة بلا سقم، وملك بلا هلاك، وسعادة بلا شقاوة. قوله: (و قيل في الدنيا بالقناعة) هذا القول للحسن، قوله: (أو الرزق الحلال) هو لسعيد بن جبير وعطاء وزيد، على ما ذكره المفسر ما قيل هي حلاوة الطاعة، وقيل رزق يوم بيوم، وقيل الحياة الطيبة تحصل في القبر، لأن المؤمن يستريح بالموت من نكد الدنيا وتعبها، وقيل ما هو أعم، فالحياة الطيبة في الدنيا بالتوفيق للطاعة والرزق الحلال، وفي القبر بالراحة من النكد والتعب، وفي الجنة بالنعيم المقيم.\rقوله: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي في الجنة، واستفيد من هذا، أن الحياة الطيبة ليست هي الجزاء، لأنه قد قيل بأنها تكون في الدنيا أو القبر، وليس النعيم في ذلك بجزاء، بل الجزاء ما كان في الآخرة بالجنة وما فيها.\rقوله: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ حكمة التفريع على ما تقدم، أن قراءة القرآن من أفضل الأعمال، فطلب بالاستعاذة عند قراءته، ليحفظ من الضياع المترتب على الوساوس الشيطانية، والمعنى إذا علمت مما تقدم، أن عظم الجزاء محاسن الأعمال، فاستعذ باللّه من الشيطان الرجيم. عند قراءة القرآن، الذي هو أحسن الأعمال وأزكاها. قوله: (أي أردت قراءته) أشار بذلك إلى أن الأمر بالاستعاذة قبل القراءة، وإليه ذهب أكثر الفقهاء والمحدثين، ووجهه أن الاستعاذة تذهب الوسوسة، فتقديمها أولى، وذهب الأقل إلى إبقاء الآية على ظاهرها، وأن الأمر بالاستعاذة بعد تمام القراءة، ووجه بأن القارىء يستحق الثواب العظيم على قراءته، وربما حصلت له الوسوسة في قلبه، هل حصل له ذلك أم لا؟ فأمر بالاستعاذة لتذهب تلك الوسوسة، ويبقى الثواب خالصا، لأن التردد في صدق الوعد بالثواب من أسباب منعه.\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 2 288\r\rقوله: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ حكمة التفريع على ما تقدم، أن قراءة القرآن من أفضل الأعمال، فطلب بالاستعاذة عند قراءته، ليحفظ من الضياع المترتب على الوساوس الشيطانية، والمعنى إذا علمت مما تقدم، أن عظم الجزاء محاسن الأعمال، فاستعذ باللّه من الشيطان الرجيم. عند قراءة القرآن، الذي هو أحسن الأعمال وأزكاها. قوله: (أي أردت قراءته) أشار بذلك إلى أن الأمر بالاستعاذة قبل القراءة، وإليه ذهب أكثر الفقهاء والمحدثين، ووجهه أن الاستعاذة تذهب الوسوسة، فتقديمها أولى، وذهب الأقل إلى إبقاء الآية على ظاهرها، وأن الأمر بالاستعاذة بعد تمام القراءة، ووجه بأن القارىء يستحق الثواب العظيم على قراءته، وربما حصلت له الوسوسة في قلبه، هل حصل له ذلك أم لا؟ فأمر بالاستعاذة لتذهب تلك الوسوسة، ويبقى الثواب خالصا، لأن التردد في صدق الوعد بالثواب من أسباب منعه.\rقوله: فَاسْتَعِذْ السين والتاء للطلب، أي اطلب من اللّه التعوذ والتحصن من شره، والأمر للاستحباب، وظاهر الآية، أن الاستعاذة مطلوبة عند قراءة القرآن مطلقا في الصلاة وغيرها، وأنه أخذ الشافعي ووافقه مالك في النفل، وكره الاستعاذة في صلاة الفرض، لدليل أخذه من السنة. قوله: (أي قل أعوذ باللّه) الخ، هذا بيان للأفضل، وإلا فامتثال الأمر يحصل بأي صيغة كانت، وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه: قرأت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال: قل أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنيه جبريل عن القلم عن اللوح المحفوظ وأراد بالقلم الذي نسخ به من اللوح المحفوظ، ونزل به جبريل دفعة إلى سماء الدنيا، وليس المراد به القلم الذي كتب في اللوح المحفوظ، فإنه مقدم الرتبة على اللوح. قوله: مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ هو من شطن إذا بعد، أو من","part":2,"page":288},{"id":889,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 289\rسُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ بطاعته وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ أي اللّه مُشْرِكُونَ (100) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ بنسخها وإنزال غيرها لمصلحة العباد وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا أي الكفار للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ كذاب تقوله من عندك بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) حقيقة القرآن وفائدة النسخ قُلْ لهم نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ جبريل مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ متعلق بنزل لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا بإيمانهم به وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (102) وَلَقَدْ للتحقيق نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ القرآن بَشَرٌ وهو قين نصراني كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يدخل عليه قال تعالى: لِسانُ لغة الَّذِي يُلْحِدُونَ يميلون إِلَيْهِ أنه يعلمه أَعْجَمِيٌّ وَهذا القرآن لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)\r______________________________\rشاط إذا احترق، والرجيم بمعنى المرجوم أي المطرود عن رحمة اللّه.\rقوله: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ تعليل لمحذوف، والتقدير فإذا استعذت باللّه كفيت شره، ودخلت في أمان اللّه لأنه الخ. قوله: (تسلط) أي استيلاء وقهر.\rقوله: عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ مقابل قوله: وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. وقوله: وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ مقابل قوله: عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا. قوله: (أي اللّه) أشار بذلك إلى أن الضمير راجع لربهم والباء للتعدية، ويصح أن يعود على الشيطان، وتكون الباء سببية وهي أولى، لعدم تشتيت الضمائر.\rقوله: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً الخ، سبب نزولها، أن المشركين من أهل مكة قالوا: إن محمدا يسخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر، وينهاهم عنه غدا، ما هذا إلا مفتر يتقوله من تلقاء نفسه. قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ هذه الجملة معترضة بين الشرط وجوابه، أتى بها تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى واللّه أعلم بالناسخ والمنسوخ، فيكفيك علمه، فلا يحزنك ما قالوه. قوله: (تقوله من عندك) أي تختلقه من عند نفسك وليس بقرآن. قوله: (حقيقة القرآن) أي وهو أنه اللفظ المنزل من عند اللّه على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم للإعجاز بأقصر سورة منه المتعبد بتلاوته. قوله: (و فائدة النسخ) أي وهي المصالح التي تعود على العباد.\rقوله:\rرُوحُ الْقُدُسِ بضم الدال وسكونها، قراءتان سبعيتان، أي الروح المقدس، بمعنى المطهر المنزه على الرذائل، فهو من إضافة الموصوف للصفة. قوله: بِالْحَقِ الباء للملابسة، أي نزله تنزيلا ملتبسا بالحق. قوله: (بإيمانهم به) أي بسبب إيمانهم بالقرآن. قوله: لِلْمُسْلِمِينَ أي وأما لغيرهم فهو خسران، لا يزيدون به إلا ضلالا، فهو تعريض بحصول ضد ذلك لغير المسلمين.\rقوله: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أي علما مستمرا لا تجدد فيه. قوله: إِنَّما يُعَلِّمُهُ إِنَّما أداة حصر، أي لا يعلم محمد القرآن إلا بشر، لا جبريل كما يقول. قوله: (و هو قين) أي حداد وكان روميا وفي نسخه قن أي عبد واسمه جبر، وهو غلام عامر بن الحضرمي، وقيل يعنون جبرا ويسارا، كانا يصنعان السيوف بمكة، ويقرآن التوراة والإنجيل باللغة التي نزلا بها، وكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يمر عليهما ويسمع ما يقرآنه، ليتسلى بما وقع للأنبياء قبله، وقيل غير ذلك، وعلى كل فقد ورد أنه أسلم ذلك البشر الذي نسبوا لرسول اللّه التعلم منه. قوله: (قال تعالى) أي ردا عليهم. قوله: (يميلون) إِلَيْهِ أي ينسبون إليه أنه يتعلم منه. قوله: أَعْجَمِيٌ الأعجمي الذي لم يتكلم بالعربية. قوله: وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌ أي ولا يكون","part":2,"page":289},{"id":890,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 290\rذو بيان وفصاحة فكيف يعلمه أعجمي إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (104) مؤلم إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ القرآن بقولهم هذا من قول بشر وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (105) والتأكيد بالتكرار وإن وغيرهما رد لقولهم إنما أنت مفتر مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ على التلفظ بالكفر فتلفظ به وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ومن مبتدأ أو شرطية والخبر أو الجواب لهم وعيد شديد دل على هذا وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً له أي فتحه ووسعه بمعنى طابت به نفسه فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ\r______________________________\rالعربي متلقيا من العجمي. قوله: (فكيف يعلمه أعجمي) أي لا يصح ولا يليق ذلك لاستحالته عادة.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي في علمه، وقوله: لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ أي في الخارج.\rقوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ أي في قولهم إنما يعلمه بشر. قوله: (و التأكيد) مبتدأ، وقوله: (رد) خبر.\rقوله: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر، وذلك أنه من جملة السبعة السابقين للإسلام وهم: عمار وأبوه ياسر وأمه سمية وصهيب وبلال وخباب وأبو بكر الصديق رضي اللّه عنهم، وذلك أن الكفار، أخذوهم وعذبوهم ليرجعوا عن الإيمان، فأما سمية أم عمار، فربطوها بين بعيرين، وضربها أبو جهل بحربة في فرجها فماتت، وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين فى الإسلام، وأما عمار فإنه أعطاهم بعض ما أرادوا بلسانه، وقلبه كاره لذلك، فأخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن عمارا كفر، كلا إن عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى عمار وهو يبكي، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ما وراءك؟ فقال: شر يا رسول اللّه، نلت منك وذكرت، فقال: كيف وجدت قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، فجعل النبي يمسح عينيه وقال له: إن عادوا لك فقل لهم ما قلت. وأما بلال فكانوا يعذبونه وهو يقول: أحد أحد، حتى اشتراه أبو بكر وأعتقه، وأما خباب فقد أوقدوا له نارا، فلم يطفئها إلا ودك ظهره. وأما أبو بكر فحفظه اللّه بقومه وعشيرته. وفيما فعله عمار، دليل على جواز التلفظ بالكفر عند خوف القتل، ولكن القتل أجمل، كما وقع من أبويه، ولما روي أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما: ما تقول في محمد؟ قال: رسول اللّه، قال: ما تقول فيّ، قال: أنت أيضا فخلاه. وقال للآخر: ما تقول في محمد؟\rقال: رسول اللّه، قال: ما تقول فيّ؟ قال: أنا أصم، فأعاد عليه ثلاثا، فأعاد جوابه فقتله، فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: أما الأول فقد أخذ برخصة اللّه، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئا له. قوله: (على التلفظ بالكفر) أي أو فعله. قوله: (و الخبر أو الجواب) الخ، الأولى تقدير هذا قبل الاستثناء. قوله:\r(لهم وعيد) الأولى أن يقدره بالفاء، لأن الجواب إذا وقع جملة اسمية يقرن بالفاء، والمبتدأ الذي يشبه الشرط، يقرن خبره بالفاء أيضا لشبهة بالشرط. قوله: (دل على هذا) أي على الجواب أو الخبر.\rقوله: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ أتى بالاستدراك، لأنه ربما يتوهم من قوله إلا من أكره، أنه حين الإكراه يجوز التكلم بالكفر، ولو انشرح صدره له في بعض الأحيان، فدفع التوهم بالاستدراك. ولا يبعد الوهم قوله: مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ، ومَنْ إما شرطية أو موصولة، ويلزم تقدير مبتدأ قبل مَنْ، وما قيل إن الاستدراك لا يقع في الشروط ممنوع. قوله: (بمعنى طابت به نفسه) أي قبله ومال إليه. قوله:","part":2,"page":290},{"id":891,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 291\rعَظِيمٌ (106) ذلِكَ الوعيد لهم بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا اختاروها عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (107) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (108) عما يراد بهم لا جَرَمَ حقا أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (109) لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا إلى المدينة مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا عذبوا وتلفظوا بالكفر وفي قراءة بالبناء للفاعل أي كفروا أو فتنوا الناس عن الإيمان ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا على الطاعة إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها أي الفتنة لَغَفُورٌ لهم رَحِيمٌ (110) بهم إن الأولى دل عليه خبر الثانية اذكر يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ تحاج عَنْ نَفْسِها لا يهمها غيرها\r______________________________\rفَعَلَيْهِمْ جمع مراعاة لمعنى مَنْ.\rقوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ أي حاصل وثابت بسبب أنهم الخ، فاسم الإشارة مبتدأ، والجار والمجرور في محل رفع خبره. قوله: لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ أي لا يوصلهم إلى الإيمان، ولا يعصمهم من الزيغ.\rقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ الخ، أي جعل عليها غلافا معنويا، بحيث لا تذعن للحق، ولا تسمعه ولا تبصره.\rقوله: الْخاسِرُونَ أي لأنهم ضيعوا أعمارهم في غير منفعة تعود عليهم، والموجب لخسرانهم، أن اللّه تعالى وصفهم بست صفات تقدمت: الغضب، والعذاب العظيم، واختيار الدنيا على الآخرة، وحرمانهم من الهدى، والطبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وجعلهم من الغافلين.\rقوله: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ نزلت هذه الآية في عياش بن ربيعة، وكان أخا أبي جهل من الرضاعة، وقيل من أمه، وفي أبي جندل بن سهل بن عمرو، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام، وعبد اللّه بن أسد الثقفي، فتنهم المشركون وعذبوهم، فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم، ثم هاجروا وجاهدوا. قوله: لِلَّذِينَ هاجَرُوا متعلق بمحذوف هو خبر إن، أي لغفور رحيم للذين هاجروا، وهذا معنى قوله الآتي، وخبر إِنَ الأولى الخ. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا، وعليها فيحتمل أن الفعل لازم، فيكون معنى قوله: فُتِنُوا، افتتنوا بمعنى قامت بهم الفتنة، وقد أشار له المفسر بقوله: (أي كفروا) أو متعد كما قال: (أو فتنوا الناس عن الإيمان).\rقوله: يَوْمَ تَأْتِي يَوْمَ ظرف معمول لمحذوف قدره المفسر بقوله (اذكر)، والأمر للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، أي اذكر يا محمد لقومك، أهوال الآخرة وما يقع فيها، لعلهم يعتبرون. قوله: (تحاج) أي تخاصم وتسعى في خلاصها. قوله: عَنْ نَفْسِها إن قلت: إن ظاهر الآية مشكل، لأنه يقتضي أن النفس لها نفس وليس كذلك. أجيب: بأن المراد بالنفس الأولى، الإنسان المركب من جسم وروح وحقيقة، والمراد بالنفس الثانية، الذات المركبة من جسم وروح غير ملاحظ فيها الحقيقة فاختلفا بالاعتبار، فكأنه قال:\rيوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته ولا يهمه غيره، والمراد بالمجادلة الاعتذار بما لا يقبل منهم، كقولهم:\rواللّه ربنا ما كنا مشركين، روي عن ابن عباس أنه قال: ما تزال الخصومة بين الناس يوم القيامة، حتى يخاصم الروح الجسد، فيقول الروح: يا رب لم يكن لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها، فضعف عليه العذاب، فيقول الجسد: يا رب أنت خلقتني كالخشبة، ليس لي يد أبطش بها، ولا","part":2,"page":291},{"id":892,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 292\rوهو يوم القيامة وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ جزاء ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (111) شيئا وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ويبدل منه قَرْيَةً هي مكة والمراد أهلها كانَتْ آمِنَةً من الغارات لا تهاج مُطْمَئِنَّةً لا يحتاج إلى الانتقال عنها لضيق أخوف يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً واسعا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ بتكذيب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ فقحطوا سبع سنين وَالْخَوْفِ\r______________________________\rرجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها، فجاء هذا الروح كشعاع النور، فيه نطق لساني، وبه أبصرت عيناي، وبه مشت رجلاي، فيضرب اللّه لهم مثلا، أعمى ومقعدا دخلا حائطا أي بستانا فيه ثمار، فالأعمى لا يبصر الثمر، والمقعد لا يتناوله. فحمل الأعمى المقعد فأصابا الثمر، فعلى من يكون العذاب؟؟ قالا: عليهما، قال: عليكما جميعا العذاب. إذا علمت ذلك، تعلم أن هذا الوعيد خاص بالكافر، وأما المؤمن فهو في أمن وأمان، لا يحزنه الفزع الأكبر، وإن كان يحصل له الخوف من جلال اللّه وهيبته، لأن اللّه تعالى سبحانه وتعالى في ذلك اليوم، يتجلى بالجلال على عباده، فيخاف المسلمون والمشركون، فالمشركون يخافون من العذاب اللاحق لهم، والمسلمون يخافون من هيبته تعالى، وإن كانوا مطمئنين بالإيمان. قوله: (لا يهمها غيرها) أي لشغلها بهمها. قوله: وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (شيئا) أي لا يعذبون من غير ذنب، أو المراد لا ينقصون من أجورهم شيئا، والأول أولى، لأن نفي النقص من الأجر علم من قوله: وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ.\rقوله: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا المثل تشبيه قول بقول آخر بينهما مشابهة، ليتبين أحدهما ويظهر. قوله:\r(هي مكة) هذا هو المشهور بين المفسرين وهو الصحيح، وعليه فالآية مدنية، لأن اللّه تعالى وصف القرية بصفات ست، كانت هذه الصفات في أهل مكة، حين كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة، وعلى القول بأنها مكية، يكون إخبارا بالغيب، تنزيلا لما سيقع منزلة الواقع لتحقق الحصول. قوله: رَغَداً بفتح الراء والغين المعجمة، يقال رغد العيش بالضم رغادة اتسع. قوله: مِنْ كُلِّ مَكانٍ أي من كل جهة من البر والبحر. قوله: بِأَنْعُمِ اللَّهِ جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء، كدرع وأدرع، أو جمع نعماء، كأبؤس وبأساء. قوله: (بتكذيب النبي) الباء سببية.\rقوله: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ أي وذلك أن اللّه ابتلاهم بالجوع سبع سنين، فقطع عنهم المطر، وقطعت العرب عنهم الميرة، حتى جهدوا، فأكلوا العظام المحرقة والجيف والكلاب والميتة، وشربوا الدماء، واشتد بهم الأمر، حتى كان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان، ثم إن رؤساء مكة، كلموا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك فقالوا له: ما هذا دأبك، عاديت الرجال، فما بال النساء والصبيان، فأذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للناس في حمل الطعام إليهم، وفي رواية أنهم أرسلوا إليه أبا سفيان بن حرب في جماعة، فقدموا عليه المدينة، وقال له أبو سفيان: يا محمد إنك جئت تأمر بصلة الرحم والعفو، وإن قومك قد هلكوا، فادع اللّه لهم، فدعا لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأذن للناس بحمل الطعام إليهم وهم بعد مشركون، واعلم أن العلماء ذكروا في هذه الآية ثلاث استعارات: الأولى تصريحية أصلية في الجوع والخوف، من حيث إضافة اللباس إليهما، وتقريرهما أن يقال: شبه ما غشيهم من اصفرار اللون ونحولة البدن وسوء الحال باللباس بجامع الظهور في كل، واستعير اسم المشبه به للمشبه. الثانية مكنية،","part":2,"page":292},{"id":893,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 293\rبسرايا النبي صلّى اللّه عليه وسلم بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ الجوع والخوف وَهُمْ ظالِمُونَ (113) فَكُلُوا أيها المؤمنون مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ أي لوصف ألسنتكم الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لما لم يحله اللّه ولم يحرمه لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بنسبة ذلك إليه إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (116) لهم مَتاعٌ قَلِيلٌ في الدنيا وَلَهُمْ في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ (117) مؤلم وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا أي اليهود حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ في آية وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَ\r______________________________\rوتقريرها أن يقال: شبه ذلك اللباس من حيث الكراهية، بالطعم المر البشع، طوى ذكر المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو الإذاقة، فإثباتها تخييل: الثالثة تبعية وتقريرها أن يقال: شبه الابتلاء بالإذاقة، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق منه الإذاقة أذاقهم بمعنى ابتلاهم. قوله: (بسرايا النبي) الباء سببية، والمراد بسراياه جماعته التي كان يبعثها للإغارة عليهم، فكان أهل مكة يخافونهم. قوله: بِما كانُوا يَصْنَعُونَ أي بسبب صنعهم، أو بسبب الذي كانوا يصنعونه.\rقوله: وَلَقَدْ جاءَهُمْ أي أهل مكة. قوله: رَسُولٌ مِنْهُمْ أي من جنسهم. قوله: وَهُمْ ظالِمُونَ الجملة حالية، والمراد بالظالمين الكافرون.\rقوله: فَكُلُوا مفرع على التمثيل، أي فإذا علمتم ما حصل للكفار من الحرمان، وما حل بهم، بسبب كفر النعم، فدوموا أيها المؤمنون على حالتكم المرضية وكلوا الخ. قوله: حَلالًا طَيِّباً حالان من ما، أي كلوا مما رزقكم اللّه به حال كونه حلالا طيبا. قوله:\rتَعْبُدُونَ أي تطيعون.\rقوله: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ الخ شروع في ذكر المحرمات، ليعلم أن ما عدا ذلك حلال طيب قوله: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ أي خارج على الإمام كالبغاة، وقوله: وَلا عادٍ أي قاطع للطريق، فلا يباح لهم تعاطي الميتة إذا اضطروا ما لم يتوبوا، وأما المضطر غير ما ذكر، فيحل له الأكل منها والشبع والتزود عند مالك، وعند الشافعي لا يحل له إلا ما يسد رمقه.\rقوله: وَلا تَقُولُوا (لا) ناهية والفعل مجزوم بحذف النون، والواو فاعل، وقوله: هذا حَلالٌ الخ مقول القول، وقوله: لِما تَصِفُ اللام للتعليل، وما مصدرية والْكَذِبَ مفعول لتصف، قوله: لِتَفْتَرُوا بدل من التعليل الأول، والمعنى لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام، لأجل وصف ألسنتكم الكذب، افتراء على اللّه بنسبة ذلك إليه. قوله: (بنسبة ذلك) أي التحليل والتحريم. قوله: لا يُفْلِحُونَ أي لا يفوزون ولا يظفرون بمطلوبهم، لا في الدنيا ولا في الآخرة، والوقف هنا،\rوقوله: مَتاعٌ قَلِيلٌ كلام مستأنف. قوله: مَتاعٌ قَلِيلٌ مبتدأ خبره محذوف، قدره المفسر بقوله: (لهم) وقدره مقدما ليكون مسوغا للابتداء بالنكرة.\rقوله: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا شروع في ذكر ما يخص اليهود من التحريم، إثر بيان ما يحل لأهل الإسلام وما يحرم عليهم، وتحريم الشيء إما لضرر فيه، وإما لبغي المحرم عليهم، فأشار للأول بقوله:","part":2,"page":293},{"id":894,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 294\rذِي ظُفُرٍ إلى آخرها وَما ظَلَمْناهُمْ بتحريم ذلك وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) بارتكاب المعاصي الموجبة لذلك ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ الشرك بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا رجعوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا عملهم إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها أي الجهالة أو التوبة لَغَفُورٌ لهم رَحِيمٌ (119) بهم إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً إماما قدوة جامعا لخصال الخير قانِتاً مطيعا لِلَّهِ حَنِيفاً مائلا إلى الدين القيم وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ اصطفاه وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْناهُ فيه التفات عن الغيبة فِي الدُّنْيا حَسَنَةً هي الثناء الحسن في كل أهل الأديان وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) الذين لهم الدرجات\r______________________________\rإِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ الخ، وأشار للثاني بقوله: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا الخ. قوله: إِنَّ رَبَّكَ لما بالغ في تهديد المشركين، وبين ما حل وما حرم، ذكر أن فعل تلك القبائح، لا يمنع من التوبة والرجوع والإنابة، بل باب التوبة مفتوح لكل كافر ما لم يغرغر، فهو ترغيب للكافر في الإسلام، وللعاصي في التوبة، والإقلاع عن الذنوب. قوله: لِلَّذِينَ متعلق بمحذوف دل عليه خبر إِنَ الآتية، تقديره ثم إن ربك لغفور رحيم للذين عملوا السوء، الخ.\rقوله: بِجَهالَةٍ أي بسبب جهل العواقب وجلال اللّه، إذ لا يقع الذنب إلا من جاهل بالعواقب، أو جاهل بجلال اللّه، ولو علم قدر العقاب المدخر للعاصي، ما قدم على معصية قط. قوله: مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي الشرك. قوله: (أو التوبة) أو لتنويع الخلاف في مرجع الضمير.\rقوله: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً للمفسرين في معنى هذه اللفظة أقوال، قيل الأمة معلم الخير، أي إنه كان معلما للخير، يأتم به أهل الدنيا، وقيل إنه كان مؤمنا وحده، والناس كلهم كفار، فلهذا المعنى كان أمة وحده، وقيل الأمة الذي يقتدى ويؤتم به، لأنه كان إماما يقتدى به، وفي الأصل الأمة الجماعة، وإطلاق الأمة بمعنى الجماعة عليه، لجمعه أوصاف الكمالات التي تفرقت في الخلق، ومنه قول الشاعر:\rوليس على اللّه بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد\r\rوقد ذكر اللّه في هذه الآيات من صفات إبراهيم، عشرة أوصاف حميدة. قوله: (مائلا إلى الدين القيم) أي تاركا لما عداه من الأديان الباطلة. قوله: وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ هذا الوصف قد علم التزاما من قوله: حَنِيفاً وإنما ذكره ردا على المشركين، حيث زعموا أنهم على ملة إبراهيم.\rقوله:\rشاكِراً لِأَنْعُمِهِ أي صارفا جميع ما أنعم اللّه به عليه، إلى ما خلق لأجله فهو معصوم عن الغفلة، وعن كل شاغل يشغله عن اللّه، ظاهرا وباطنا. قوله: اجْتَباهُ أي اختاره من دون خلقه، وهذا الوصف وما بعده، ناشىء من اللّه خاصة، لم يكن له فيه كسب، إشارة إلى أن ما نشأ عنه من الأخلاق الحميدة والأفعال الجميلة، باختيار اللّه له لا بنفسه. قوله: إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي دين قويم لا اعوجاج فيه. قوله: (فيه التفات عن الغيبة) أي إلى التكلم، إشارة إلى زيادة الاعتناء بشأنه. قوله: (هي الثناء الحسن) أي الذكر بخير. قوله: (في كل أهل الأديان) أي عند كل أهل الملل، فجميعهم يترضون عنه ولا يكفرون به، ويزعمون أنهم على ملته.\rقوله: لَمِنَ الصَّالِحِينَ أي من أكملهم وأعلاهم درجة، وهذا تتميم لقوله: وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً فإن حسنة الدنيا لا تتم إلا بحسنة الآخرة.","part":2,"page":294},{"id":895,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 295\rالعلا ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا محمد أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ دين إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123) كرر ردا على زعم اليهود والنصارى أنهم على دينه إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ فرض تعظيمه عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ على نبيهم وهم اليهود أمروا أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة فقالوا لا نريده واختاروا السبت فشدد عليهم فيه وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124) من أمره بأن يثيب الطائع ويعذب العاصي بانتهاك حرمته ادْعُ الناس يا محمد إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ دينه بِالْحِكْمَةِ بالقرآن وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ مواعظه أو القول الرفيق\r______________________________\rقوله: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذا هو الوصف العاشر، ولما كان أعلى الأوصاف لإبراهيم وأجلها وأكملها، اتباع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ملته، فصله عما قبله، حيث عطفه بثم. قوله: أَنِ اتَّبِعْ يصح أن تكون أَنِ تفسيرية أو مصدرية، فتكون مع ما دخلت عليه في محل نصب مفعول لقوله: أَوْحَيْنا. قوله:\rمِلَّةَ إِبْراهِيمَ أي شريعته، ومعنى اتباع النبي فيها اتباعه في الأصول، وهي عقائد التوحيد، فرسول اللّه أمر باتباع إبراهيم، بل وباتباع من تقدمه من الأنبياء في التوحيد، لأنهم مشتركون فيه، قال تعالى:\rشَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً الآية. قوله: حَنِيفاً حال من مِلَّةَ إِبْراهِيمَ وهو وإن كان مضافا إليه، إلا أن شرطه موجود، وهو أن المضاف كالجزء من المضاف إليه، لأنه يصح الاستغناء بالثاني عن الأول. قوله: (ردا على زعم اليهود والنصارى) المناسب أن يقول ردا على المشركين، لأن اليهود والنصارى لم يكونوا مدعين الإشراك.\rقوله: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ الخ، هذا رد على اليهود، حيث كانوا يدعون أن تعظيم السبت من شريعة إبراهيم، وهم متبعون له، فرد اللّه عليهم بأنه ليس السبت من شريعة إبراهيم التي زعمتم أنكم متبعون لها، بل كان من شريعته تعظيم يوم الجمعة، ولذا اختاره اللّه للأمة المحمدية، لأنه يوم تمام النعمة، ويوم المزيد في الجنة.\rقوله: عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي خالفوا ربهم، حيث أمرهم على لسان نبيهم، أن يعظموا يوم الجمعة بالتفرغ للعبادة فيه، فأبوا واختاروا السبت، فشدد عليهم بتحريم الاصطياد فيه عليهم، وليس المراد بالاختلاف أن بعضهم رضي به والبعض لم يرض، بل المراد امتناع الجميع. قوله: (و اختاروا السبت) أي وقالوا لأنه تعالى فرغ فيه من خلق السماوات والأرض وما فيهما، فنحن نوافق ربنا في ترك الأعمال يوم السبت، واختارت النصارى يوم الأحد، وقالوا لأنه مبدأ الخلق، فنجعله عيدا لنا. قوله:\r(من أمره) أي السبت. قوله: (بأن يثيب الطائع) أي وهو من لم يصطد به ويعظمه. قوله: (و يعذب العاصي) أي وهو من صنع الحيلة، واصطاد فيه، فعذبوا في الدنيا بمسخهم قردة وخنازير، وفي الآخرة بالعذاب الدائم.\rقوله: ادْعُ فعل أمر، وفاعله مستتر وجوبا تقديره أنت، ومفعوله محذوف قدره المفسر بقوله:\r(الناس) وفي هذه إشارة إلى أن بعثته عامة، وعبر بالناس وإن كان داعيا للجن أيضا، باعتبار ما ظهر لنا فقط. قوله: (دينه) سمي الدين سبيلا، لأنه الموصل لدار السعادة الأبدية، والسعادة السرمدية. قوله:\r(بالقرآن) أي وسمي حكمة، لأنها العلم النافع.","part":2,"page":295},{"id":896,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 296\rوَجادِلْهُمْ بِالَّتِي أي بالمجادلة التي هِيَ أَحْسَنُ كالدعاء إلى اللّه بآياته والدعاء إلى حججه إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ أي عالم بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) فيجازيهم وهذا قبل الأمر بالقتال. ونزل لما قتل حمزة ومثل به فقال صلّى اللّه عليه وسلّم وقد رآه: واللّه لأمثلن بسبعين منهم مكانك\r______________________________\rقوله: وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ عطف خاص على عام، لأن القرآن مشتمل على مواعظ وغيرها، والمراد بالموعظة الحسنة الترغيب والترهيب، والحكمة في ذكر الموعظة الحسنة، التشويق للعبادة والنشاط لها، وسهولة العبد عن المخالفات، لما في الحديث «كان صلّى اللّه عليه وسلّم يتخولنا بالموعظة أحيانا، مخافة السآمة علينا» أي يخلل كلامه بالترغيب والترهيب في بعض الأحيان، لئلا يحصل لنا الملل من توالي الأمر والنهي، وتتابعهما من غير تخللهما بشيء يروح النفوس ويشوقها، ويحثها على فعل الطاعات واجتناب المنهيات.\rقوله: (أو القول الرفيق) تفسير ثان للموعظة الحسنة، والمراد بالقول الرفيق، الألفاظ التي فيها اللين والرفق كقوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وقوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ الآيات.\rقوله: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي ليترتب على ذلك حصول الفائدة لهم، والانقياد للطريق القويم.\rقوله: (بآياته) أي كقصة إبراهيم مع قومه، حيث قال لهم حين جن عليه الليل ورأى كوكبا هذا رَبِّي الخ. قوله: (و الدعاء إلى حججه) أي براهينه ودلائله، قال تعالى: قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية. قوله: (أي عالم) أشار بذلك إلى أن اسم التفضيل ليس على بابه، ودفع بذلك ما يقال إن اسم التفضيل يقتضي المشاركة، مع أن صفات اللّه قديمة، لا مشارك له فيها. قوله: بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ أي حاد وزاغ عنه.\rقوله: وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ حكمة التعبير في جانب أهل الهدى بصيغة الاسم، وفي جانب أهل الضلال بالفعل، الإشارة إلى أن أهل الهدى، استمروا على الفطرة الأصلية، وأهل الضلال غيروا تلك الفطرة وبدلوها بأحداث الضلال. إن قلت: قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا الخ، يقتضي أن الأصل في الإنسان، الضلال والهدى طارئ عليه. أجيب: بأنه محمول على العالم الجسماني، أي أن الأصل في الإنسان، باعتبار عالم الأجساد الخسران والضلال، والهدى طارئ ببعثة الرسل، وما في هذه الآية محمول على عالم الأرواح، وهو الأصل الأصيل، لأن اللّه لما خاطب الأرواح في عالم الذر وقال لهم: ألست بربكم؟ قالوا جميعا: بلى، فالمهتدي فى عالم الأجساد استصحب ذلك الأصل، ومن ضل في عالم الأجساد، فقد نسي ذلك العهد، وتبع شهوات نفسه. ثم اعلم أن مقتضى حل المفسر، يقتضي أن المدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن واحد، وقال بعضهم: الناس خلقوا ثلاثة أقسام، الأول العلماء الراسخون، فهم المشار إليهم بقوله: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ أي العلم النافع، لينتفعوا وينفعوا الناس. الثاني الذين لم يبلغوا حد الكمال، وكانوا دون الأوائل، وهم المشار إليهم بقوله: الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ. الثالث الكفار أصحاب الجدال والخصام، وهم المشار إليهم بقوله: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي لينقادوا للحق ويرجعوا إليه. قوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) أشار بذلك إلى أن الآية منسوخة، وقيل ليست منسوخة، وقيل ليست منسوخة، لأن الأمر بالمجادلة الحسنة، ليس","part":2,"page":296},{"id":897,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 297\rوَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ عن الانتقام لَهُوَ أي الصبر خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) فكف صلّى اللّه عليه وسلّم وكفر عن يمينه، رواه البزار وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ بتوفيقه وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي الكفار إن لم يؤمنوا لحرصك على إيمانهم وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) أي لا تهتم بمكرهم فأنا ناصرك عليهم إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا الكفر والمعاصي وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) بالطاعة والصبر بالعون والنصر.\r______________________________\rفيها نهي عن القتال، بل المراد ادعهم وجادلهم برفق في أول الأمر، فإن امتثلوا فواضح، وإلا فشيء آخر.\rقوله: (و نزل) أي بالمدينة. قوله: (لما قتل حمزة) أي في السنة الثانية في أحد، وحمزة عم رسول اللّه وأخوه من الرضاع، وقريبه من الأم أيضا، وكان أسن من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بسنتين. قوله: (و مثل به) أي مثل به المشركون، فقطعوا أنفه وأذنيه، وذكره وأنثييه وفجروا بطنه. قوله: (و قد رآه) الجملة حالية. قوله: (و اللّه لأمثلن) الخ في كلام المفسر اختصار للحديث، ولفظه «أما واللّه لئن ظفرني اللّه بهم لأمثلن» الخ.\rقوله:\rوَإِنْ عاقَبْتُمْ أي أردتم المعاقبة. قوله: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ أي عفوتم وتركتم القصاص. قوله: لَهُوَ بضم الهاء وسكونها، قراءتان سبعيتان. قوله: (فكف) أي عن التمثيل بهم.\rقوله: وَاصْبِرْ الخطاب للنبي، والمراد به العموم، تعليما للأمة حسن الأدب. قوله: وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ أي بإقداره لك عليه لا بنفسك، فإن الصبر كالحب والبغض قائم بالقلب، والقلب بيد اللّه يقلبه كيف يشاء، فمن خلق اللّه فيه الصبر صبر، ومن لا فلا، فليس للعبد مدخل فيه. قوله: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي لا تتأسف على إعراضهم عن الهدى. قوله: وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ بفتح الضاد وكسرها، قراءتان سبعيتان، أي لا يكن فيك ضيق، فالكلام على القلب، وإنما أتى به مقلوبا، إشارة إلى أن الضيق إذا اشتد، كان كالشيء المحيط، وأتى هنا بحذف نون تك، وفي النمل بإثباتها تفننا، لأن حذفها للتخفيف، وهو حذف غير لازم، قال ابن مالك:\rومن مضارع لكان منجزم ... تحذف نون وهو حذف ما التزم\r\rلأن أصل يك يكون، دخل الجازم فسكن النون فالتقى ساكنان، حذفت الواو لالتقائهما، حذفت النون تخفيفا. قوله: (أي لا تهتم بمكرهم) أشار بذلك إلى أن ما مصدرية، تسبك مع ما بعدها بمصدر.\rقوله: (بالعون والنصر) أشار بذلك إلى أن المعية مع المتقين، والمحسنين معية معنوية خاصة، وهذا لا ينافي قوله تعالى وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا لأن المعية خاصة وعامة، فالعامة بالتصريف والتدبير لكل مخلوق، والخاصة بالإعانة والنصر والرضا، للمتقين والمحسنين، أحياء وأمواتا، فرضا اللّه على المتقين والمحسنين دائم مستمر لا ينقطع، فإذا كان كذلك، فينبغي زيارة الصالحين وخدمتهم، لكونهم في حضرة الرضا أحياء وأمواتا، لا ينقطع عنهم مدد ربهم؛ وقوله في الحديث «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، علم ينتفع به» الخ، المراد ثواب أعمالهم المتجدد، فلا يتجدد لهم ثواب عمل، وأما ما ثبت لهم في نظير العمل السابق، فهو دائم مستمر، وإنما يتجدد لهم ثواب علم خلفوه، أو ولد صالح، إلى آخر ما في الحديث. ومن هنا زيارة الصالح الحي، أفضل من زيارة الصالح الميت، لأن الحي أعماله كلها مستمرة الصعود ما دام حيا، ويتجدد له ثوابها، ولذلك تضن روح المؤمن الصالح بالحياة، فلا تحب الموت، لأن فيه عزلها عن خدمة ربها، التي هي أشرف الأشياء وأفضلها.","part":2,"page":297},{"id":898,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 298\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الإسراء مكيّة إلا وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ الآيات الثمان. وهي مائة وعشر آيات أو وإحدى عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أي تنزيه سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لَيْلًا نصب على\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة الإسراء\rمكية إلا وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ الآيات الثمان. وهي مائة وعشر آيات أو وإحدى عشرة آية وتسمى سورة بني إسرائيل، وتسمى سورة سبحان، لأنه جرت عادة اللّه في كتابه، أنه يسمي السورة باسم بعضها، وسورة مبتدأ، ومكية خبر أول، وقوله: (مائة) الخ، خبر ثان. قوله: (إلا وإن كادوا) الخ، وقيل كلها مكية. قوله: (الآيات الثمان) أي وآخرها قوله تعالى: سُلْطاناً نَصِيراً لكن بحث البيضاوي فيه، بأن قوله تعالى وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ، نزلت بمكة حين أمر صلّى اللّه عليه وسلّم بالهجرة، وقد يجاب عن بحثه بأنها نزلت بعد الأمر بالهجرة، التحقت بالمدني خصوصا، وقد قال العلماء: المدني ما نزل بعد الهجرة. وإن بأرض مكة.\rقوله: سُبْحانَ هو في الأصل مصدر سماعي لسبح المشدد، أو اسم مصدر له، صم صار علما على التنزيه، أي وعلى كل، فهو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره أسبح، فالمقصود منه إما التنزيه فقط، أي تنزيه من هذا وصفه عن كل نقص، لأن هذه معجزة لم تسبق لغيره صلّى اللّه عليه وسلّم، أو المقصود التعجب فقط، على حد سبحان اللّه، المؤمن لا ينجس، أي عجبا لباهر قدرة فاعل هذا الفعل وكماله، أو التنزيه مع التعجب، كأنه قال: عجبا لتنزيه اللّه تعالى عن كل نقص، حيث صدر منه هذا الفعل العجيب الخارق للعادة.\rقوله: الَّذِي اسم موصول مضاف لسبحان، والموصول وإن كان مبهما، إلا أنه تميز بالصلة، فإن هذه الصلة ليست لغيره تعالى، سيما مع تصدير الجملة بالتسبيح الذي هو مختص باللّه قوله:\rأَسْرى هو وسرى فعل لازم، بمعنى سار في الليل، فالهمزة ليست للتعدية إلى المفعول. قوله:\rبِعَبْدِهِ لم يقل بنبيه ولا برسوله، إشارة إلى أن وصف العبودية، أخص الأوصاف وأشرفها، لأنه إذا صحت نسبة العبد لربه، بحيث لا يشرك به في عبادته له أحدا، فقد فاز وسعد، ولذا ذكره اللّه في","part":2,"page":298},{"id":899,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 299\rالظرف والإسراء سير الليل وفائدة ذكره الإشارة بتنكيره إلى تقليل مدته مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي مكة إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بيت المقدس لبعده منه الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ بالثمار والأنهار لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا عجائب قدرتنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) أي العالم بأقوال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأفعاله فأنعم\r______________________________\rالمقامات الشريفة كما هنا، وفي مقام الوحي قال تعالى: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى وفي مقام الدعوة قال تعالى، وأنه لما قام عبد اللّه يدعوه الخ، ولذا قال القاضي عياض:\rومما زادني شرفا وتيها ... وكدت بأخمصي أطأ الثريا\r\rدخولي تحت قولك يا عبادي ... وأن صيرت أحمد لي نبيا\r\rوهناك وجه آخر، وهو خلاف ضلال أمته به، كما ضلت أمة عيسى به حيث قالوا: ابن اللّه، وقوله: بِعَبْدِهِ أي بروحه وجسمه على الصحيح، خلافا لمن قال: إن الإسراء بالروح فقط، ونقل عن عائشة وهو مردود، بأنها كانت حديثه السن إذ ذاك، ولم تكن في عصمته صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (محمد) إنما لم يصرح به لعلمه من السياق، ومن سبب النزول. قوله: (و فائدة ذكره) أي مع علمه من ذكر الإسراء. قوله:\r(إلى تقليل مدته) أي فقيل قدر أربع ساعات، وقيل ثلاث، وقيل قدر لحظة، قال السبكي في تائيته:\rوعدت وكل الأمر في قدر لحظة.\rقوله: مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ مِنَ لابتداء الغاية. قوله: (أي مكة) إنما فسره بذلك، ليصدق بكل من القولين وهما: هل كان مضطجعا في المسجد، أو في بيت أم هانىء وفي الحقيقة لا تخالف، لأنه على القول بأنه كان في بيت أم هانىء، لقد احتملته الملائكة، وجاؤوا به إلى المسجد، وشقوا صدره هناك، ثم أتوا له بالبراق بعد ذلك، فلم يحصل الإسراء إلا من المسجد، فالأولى للمفسر، أن يبقي الآية على ظاهرها، وكان المسجد إذ ذاك بقدر المطاف، ثم وسعه الملوك. وأول من وسع فيه، عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، فكانوا يشترون دور مكة ويدخلونها فيه.\rقوله: إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى هو أول مسجد بني في الأرض بعد الكعبة، بناه آدم بعد أن بنى الكعبة بأربعين سنة، والحكمة في الإسراء به إلى بيت المقدس، ليظهر شرفه على جميع الأنبياء والمرسلين، لأنه صلى بهم إماما في مكانهم، وشأن الذي يتقدم على الإنسان في بيته، يكون هو السلطان، لأن السلطان له التقدم على غيره مطلقا، وليسهل على أمته المحشر، حيث وضع قدمه فيه، فإن الخلق يحشرون هناك. قوله: (بيت المقدس) من إضافة الموصوف لصفته، أي البيت المقدس، أي المطهر من عبادة غيره تعالى، ولذا لم يعبد فيه صنم قط.\rقوله: الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ أي بركة دنيوية بالثمار والأنهار كما قال المفسر، وأما في داخله فليست مختصة به، بل البركة في كلا المسجدين، بل هي أتم في المسجد الحرام. قوله: لِنُرِيَهُ اللام للحكمة، أي حكمة إسرائنا به رؤيته من آياتنا، وعامة القراء على قراءته بالنون، وقرأ الحسن ليريه بالياء، فعلى الأول يكون في الكلام التفاتان، الأول من الغيبة للمتكلم في قوله: بارَكْنا ولِنُرِيَهُ، الثاني في قوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وعلى الثاني يكون فيه أربع التفاتات: الأول من الغيبة في قوله:\rبِعَبْدِهِ إلى التكلم في قوله: بارَكْنا. الثاني من التكلم إلى الغيبة في لِنُرِيَهُ. الثالث من الغيبة إلى","part":2,"page":299},{"id":900,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 300\rعليه بالإسراء المشتمل على اجتماعه بالأنبياء وعروجه إلى السماء ورؤية عجائب الملكوت ومناجاته له تعالى فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند\r______________________________\rالتكلم في قوله: مِنْ آياتِنا. الرابع من التكلم إلى الغيبة في قوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ومن في قوله: مِنْ آياتِنا للتبعيض، أي لنريه بعض آياتنا، وإنما أتى بها تعظيما لآيات اللّه، أي أن محمدا، وإن ما رأى، من الآيات العظيمة والعجائب الفخيمة، فهو بعض بالنسبة لآيات اللّه، وعجائب قدرته، وجلائل حكمته. إن قلت: إن ما هنا يقتضي التبعيض، وقوله تعالى في حق إبراهيم وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أنه لا تبعيض، فظاهر هذا، أن ما رآه إبراهيم، أكثر مما رآه محمد، وهو خلاف الإجماع. أجيب: بأن ملكوت السماوات والأرض، بعض الآيات العظيمة التي رآها محمد، فإبراهيم رأى بعض البعض.\rقوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ المشهور أن الضمير عائد على اللّه تعالى، أي هو السميع للأقوال، البصير بالأحوال والأفعال، وقيل الضمير عائد على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وحكمة الإتيان بهذين الوصفين، الثناء على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، حيث شاهد ما شاهد، وسمع ما سمع، ولم يزغ بصره، ولم يدهش سمعه، فهو نظير قوله تعالى: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى إشار إلى علو مقامه ورفعة شأنه، ولذا قال العارف البرعي:\rوإن قابلت لفظة لن تراني ... بما كذب الفؤاد فهمت معنى\r\rفإن اللّه كلم ذاك وحيا ... وكلم ذا مشافهة وأدنى\r\rإلى أن قال:\rفموسى خر مغشيا عليه ... وأحمد لم يكن ليزيغ ذهنا\rقوله: (على اجتماعه بالأنبياء) أي الرسل وغيرهم وصلوا خلفه. قوله: (و عروجه إلى السماء) أي صعوده إليها محفوفا بالملائكة الكرام. قوله: (و رؤية عجائب الملكوت) أي كالملائكة والجنة والنار. واعلم أن العوالم أربع: عالم الملك وهو ما نشاهده، وعالم الملكوت وهو ما خفي عنا، وعالم الجبروت وهو العلوم والأسرار، وعالم العزة وهو ما لا يمكن التعبير عنه كذات اللّه، ويسمى سر سر السر. قال السيد البكري:\rوبسر سر سرك الذي لا تفي بالافصاح عن حقيقته الرقائق. قوله: (و مناجاته له تعالى) أي شفاها مع رفع الحجاب. قوله: (فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم) الخ، القصد على ذلك تفصيل ما أجمل في الآية الكريمة، وقد اختلفت الروايات في الإسراء والمعراج جدا، وقد اقتصر المفسر على هذه الرواية، لكونها رواية البخاري ومسلم.\rقوله: (أتيت بالبراق) أي بعد أن جاءه جبريل وميكائيل ومعهما ملك آخر، فاحتملوه حتى جاؤوا به زمزم، فأضجعوه وشقوا من ثغرة نحره إلى أسفل بطنه، وأخرجوا قلبه وغسلوه ثلاث مرات، ثم ملؤوه حلما وعلما ويقينا وإسلاما، ثم أطبقوه وختموا بين كتفيه بخاتم النبوة، ثم أتى بالبراق بضم الباء مأخوذة من البرق لسرعة سيره، أو من البريق لشدة صفاء لونه ولمعانه، وهو من جملة أربعين ألف براق، ترتع في ربض الجنة معدة له صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (دابة) أي ليست ذكرا ولا أنثى، وفي الاستعمال يجوز التذكير، باعتبار كونه مركوبا، ويؤنث باعتبار كونه دابة. قوله: (فوق الحمار ودون البغل) أي وهو متوسط بينهما، قوله:","part":2,"page":300},{"id":901,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 301\rمنتهى طرفه فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس فربطت الدابة بالحلقة التي تربط فيها الأنبياء ثم دخلت فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجائني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، قال جبريل: أصبت الفطرة. قال: ثم عرج بي إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل قيل من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل من أنت فقال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى فرحبا بي ودعوا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل من أنت قال\r______________________________\r(عند منتهى طرفه) هو بسكون الراء البصر. قوله: (فركبته) أي وكان جبريل عن يمينه آخذا بركابه، وميكائيل عن يساره آخذا بزمام البراق. قوله: (حتى أتيت بيت المقدس) في هذه الرواية اختصار، وزيد في غيرها، أنه نزل بالمدينة ومدين وطور سيناء وبيت لحم، فصلى في كل موضع ركعتين، بأمر من جبريل عن اللّه، لتحصل زيادة بركته لتلك الأماكن، وليقتدي به غيره في العبادة بالأماكن المشرفة، ورأى بين كل موضع والآخر، عجائب مذكورة في قصة النجم الغيطي. قوله: (فربطت الدابة) يقال ربط يربط من باب ضرب شده. قوله: (بالحلقة) بسكون اللام ويجوز فتحها، والربط تعليما للاحتياط في الأمور، وإشارة إلى أن الأخذ في الأسباب لا ينافي التوكل قوله: (التي تربط فيها الأنبياء) أي الذين كانوا يأتون بيت المقدس لزيارته، وفي رواية أن جبريل أخذ البراق من الباب وأدخله المسجد، وخرق الصخرة بأصبعه وربط البراق فيها. قوله: (فصليت فيه ركعتين) أي إماما بالأنبياء أجسادا وأرواحا، والملائكة وأرواح المؤمنين، وهذه الصلاة لم يعلم كونها فرضا أو نفلا، غاية ما يقال إنه أمر بها وهو مطيع، وفي الحديث اختصار، لأنه طوى ذكر صلاة الركعتين تحية المسجد، حين اجتمع جمع الأنبياء والملائكة وأرواح المؤمنين، ويحتمل أن الركعتين المذكورتين في الحديث هما تحية المسجد، وطوى ذكر الركعتين اللتين أم فيهما الناس. قوله: (فجاءني جبريل) أي حين أخذني من العطش أشد ما أخذني. قوله: (أصبت الفطرة) أي الخلقة الأصلية وهي فطرة الإسلام، وفي بعض الروايات أن جبريل قال له: ولو اخترت الخمر لغوت أمتك ولم يتبعك منهم إلا قليل، وفي رواية إن الآنية كانت ثلاثا والثالث فيه ماء، وأن جبريل قال له: ولو اخترت الماء لغرقت أمتك. قوله: (قال) أي الراوي وهو أنس بن مالك، خادم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله:\r(ثم عرج بي) أي بعد أن أتي بالمعراج، ووضع على صخرة بيت المقدس، وهو سلم له عشر مراق:\rإحداها من ذهب، والأخرى من فضة، وأحد جانبيه من ياقوتة حمراء، والآخر من ياقوتة بيضاء، وهو مكلل بالدر، سبع منها للسماوات السبع، والثامنة للسدرة، والتاسعة للكرسي، والعاشرة إلى العرش، فلما هما بالصعود، نزلت المرقاة التي عند السماء الدنيا، فركباها وصعدت بهما إلى محلها، ثم نزلت الثانية لهما وهكذا. قوله: (إلى الدنيا) أي وهي من موج مكفوف، والثانية من مرمرة بيضاء، والثالثة من حديد، والرابعة من نحاس، والخامسة من فضة، والسادسة من ذهب، والسابعة من ياقوتة حمراء، والكرسي من ياقوتة بيضاء، والعرش من ياقوتة حمراء، وأبواب السماوات كلها من ذهب، وأقفالها من نور، ومفاتيحها اسم اللّه الأعظم. قوله: (فاستفتح جبريل) أي طلب الفتح من الملك الموكل بالباب، وحكمة غلقها إذ ذاك، لزيادة الإكرام بالسؤال والترحيب له صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (قيل من أنت) الخ، فيه اختصار، وفي الرواية","part":2,"page":301},{"id":902,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 302\rجبريل فقيل ومن معك قال محمد فقيل وقد أرسل إليه قال قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بيوسف وإذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل من أنت قال جبريل فقيل ومن معك قال محمد فقيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل فقيل من أنت فقال جبريل فقيل ومن معك قال محمد فقيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بهارون فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل من أنت فقال جبريل فقيل ومن معك قال محمد فقيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل من أنت فقال جبريل فقيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم، فإذا هو مستند إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا\r______________________________\rالمشهورة قيل مرحبا به وأهلا، حياه اللّه من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء.\rقوله: (قيل وقد أرسل إليه؟) المعنى أجاء وقد أرسل إليه؟ إن قلت: إن رسالته ليست خافية عليهم حتى يسألوا عنها. أجيب: بأن المراد أرسل إليه للعروج إلى السماوات والمكالمة. قوله: (فإذا أنا بآدم) في بعض الروايات: وعن يمينه أسودة وباب يخرج منه ريح طيبة، وعن يساره أسودة وباب يخرج منه ريح خبيثة، فإذا نظر قبل يمينه ضحك واستبشر، وإذا نظر قبل شماله حزن وبكى، فسأل جبريل عن ذلك فقال: هذه الأسودة نسم بنيه، والباب الذي عن يمينه باب الجنة، والذي عن يساره باب النار، فإذا رأى من يدخل قبل يمينه ضحك، وإذا رأى من يدخل قبل يساره بكى. قوله: (فرحب بي) أي قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. قوله: (ثم عرج بنا) أي أنا مع جبريل. قوله: (بابني الخالة) فيه مسامحة، إذ عيسى اب بنت خالة يحيى، ويحيى ابن خالة أم عيسى، لأن عيسى ابن مريم وهي بنت حنة، وحنة أخت اشاع، واشاع أم يحيى، وقد اتصف عيسى بصفات الملائكة، لا يأكل ولا يشرب ولا ينام. قوله: (شطر الحسن) أي نصفه، والنصف الآخر قسم بين جميع الخلق وحسنه صلّى اللّه عليه وسلّم، غير ذلك الحسن الذي أعطي يوسف شطره، إذ هو غير منقسم، ولم يعط منه شيء لغيره، قال البوصيري:\rمنزه عن شريك في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم\r\rقوله: (بإدريس) وهو أول من خاط الثياب، وقبل ذلك كانوا يلبسون الجلود. قوله: (بهارون) في بعض الروايات: ونصف لحيته سوداء ونصف لحيته بيضاء، وذلك من مسك أخيه موسى لها، حين جاء ووجد قومه قد عبدوا العجل. قوله: (فإذا أنا بموسى) في بعض الروايات: وحوله نفر من قومه، فلما جاوزته بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث من بعدي، يدخل الجنة من أمته، أكثر ممن يدخل الجنة من أمتي، فلو أنه في نفسه لم أبال، وفي رواية أنه سأل اللّه تعالى أن يجعله من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فأجابه اللّه. قوله: (بإبراهيم) أي خليل الرحمن، فقال لي: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، ودعا لي بخير وقال: أقرىء أمتك مني السّلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأن","part":2,"page":302},{"id":903,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 303\rيعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا أوراقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلاع فلما غشيها من أمر اللّه ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق اللّه تعالى يستطيع يصفها من حسنها قال فأوحى اللّه إلي ما أوحى وفرض عليّ في كل يوم وليلة خمسين صلاة فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال ما فرض ربك على أمتك؟ قلت خمسين صلاة في كل يوم وليلة. قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال فرجعت إلى ربي\r______________________________\rغراسها: سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر. قوله: (و إذا هو) القصد من ذلك بيان أن الملائكة لا يعلم عدتهم إلا اللّه، قال تعالى: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ. قوله: (ثم ذهب بي) أي عرج بي، لأن هذا هو المعراج الثامن. قوله: (إلى سدرة المنتهى) أي إلى أعلاها، فإن السدرة أصلها في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها فوق السماء السابعة. قوله: (كآذان الفيلة) أي في الشكل، وإلا فكل ورقة تظلل هذه الأمة. قوله: (كالقلال) جمع قلة وكانت معلومة عند المخاطبين، وفي بعض الروايات كقلال هجر، وهي بلدة القلة فيها كالري الكبير. قوله: (فلما غشيها) أي قام بها من الحسن والبهاء. قوله: (قال فأوحى) فيه اختصار، أي ثم رفع إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام، وهو المعراج التاسع، ثم دلى الرفرف فزج به في النور، فعند ذلك تأخر جبريل فقال له: أهنا يفارق الخليل خليله؟ فقال له: هذا مكاني فلو فارقته لاحترقت من النور، أي ذهب نوري وتلاشيت لشدة الأنوار وظهورها، قال رسول اللّه:\rفخاطبني ربي ورأيته بعيني بصري وأوحى الخ. قوله: (ما أوحى) أبهم ذلك إشارة إلى عظم ما أوحى به إليه، وعدم إحاطة جميع الخلق به، قال البوصيري:\rفإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم\r\rقوله: (و فرض علي) الخ، عطف خاص على عام، وإنما صرح به لتعلقه بالأمة، وأما عطاياه التي تخصه فلم يعبر عنها، إذ لا تحيط بها العبارة ولا تحصيها الإشارة، وقوله: (عليّ) أي وعلى أمتي لأن الأصل عدم الخصوصية إلا لدليل يدل على التخصيص، فذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على أمته. قوله:\r(فنزلت) أي ومررت على إبراهيم فلم يقل شيئا. قوله: (إلى موسى) أي في السماء السادسة، والحكمة في أن موسى اختص بالمراجعة دون غيره من الأنبياء، أن أمته كلفت من الصلوات بما لم يكلف به غيرها فثقلت عليهم، فرفق موسى بأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لكونه طلب أن يكون منها، وأيضا فقد طلب موسى الرؤية فلم ينلها، ومحمد نالها من غير طلب، فأحب مراجعته وتردده ليزداد من نور الرؤية، فيقتبس موسى من تلك الأنوار، ليكون رائيا من رأى، قال ابن الفارض:\rأبق لي مقلة لعلي يوما ... قبل موتي أرى بها من رآك\r\rوفي هذا المعنى قال ابن وفا:\rوالسر في قول موسى إذ يردده ... ليتجلي النور فيه حيث يشهده\r\rيبدو سناه على وجه الرسول فيا ... للّه حسن جمال كان يشهده\r\rقوله: (و خبرتهم) أي جربتهم، حيث كلفهم اللّه بركعتين في الغداة، وركعتين في وقت الزوال، وركعتين في العشي، فلم يطيقوا ذلك وعجزوا عنه. قوله: (قال فرجعت إلى ربي) أي إلى المكان الذي","part":2,"page":303},{"id":904,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 304\rفقلت أي رب خفف عن أمتي فحط عن خمسا فرجعت إلى موسى قال ما فعلت؟ فقلت قد حط خمسا قال إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قال فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ويحط عني خمسا خمسا حتى قال «يا محمد هي خمس صلوات في كل يوم وليلة بكل صلاة عشرة فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب فإن عملها كتبت له سيئة واحدة. فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك فقلت قد رجعت إلى ربي حتى استحييت. رواه الشيخان واللفظ لمسلم. وروى الحاكم في\r______________________________\rناجيت فيه ربي، وليس المراد أن اللّه في ذلك المكان ورجع له، فإن اعتقاد ذلك كفر، بل المراد أن اللّه جعل هذا المكان محلا لسيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يناجيه فيه، ليجمع له بين الرفعتين الحسية والمعنوية. قوله:\r(و يحط عني) أي اللّه تعالى، فجملة المرات تسع، وكل مرة يرى فيها ربه كما رآه في المرة الأولى، فقد رأى ربه في تلك الليلة عشر مرات. قوله: (حتى قال) الخ هذا حديث قدسي من هنا إلى قوله: (كتبت سيئة واحدة). قوله: (بكل صلاة عشر) أي في المضاعفة والثواب، فقد تفضل سبحانه وتعالى بتكثير الثواب على تلك الخدمة القليلة. قوله: (و من هم بحسنة) المراد بالهم ترجيح الفعل دون عزم وتصميم، لأنه الذي يكتب في الخير ولا يكتب في الشر، وأما العزم والتصميم فيكتب في الخير والشر، وأما الهاجس والخاطر وحديث النفس، فلا يؤاخذ الإنسان بها، لا في خير ولا شر، وقد نظم بعضهم الخمسة بقوله:\rمراتب القصد خمس هاجس ذكروا ... فخاطر فحديث النفس فاستمعا\r\rيليه همّ كلها رفعت ... سوى الأخير ففيه الأخذ وقد وقعا\r\rقوله: (فنزلت) في بعض الروايات إن اللّه قال له: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي.\rقوله: (استحييت) بيائين بعد الحاء المهملة. قوله: (رواه الشيخان) أي البخاري ومسلم. والمعنى رويا معنى حديث الإسراء واتفقا عليه. قوله: (و اللفظ لمسلم) أي وأما البخاري ففيه تغيير لبعض الألفاظ.\rقوله: (رأيت ربي) أي بعيني رأسي، وأتي بهذا الحديث تتميما للقصة، ثم بعد تمام الأمر، هبط من السماوات السبع إلى بيت المقدس، فركب البراق وأتى مكة قبيل الصبح، فلما أصبح قطع، وعرف أن الناس تكذبه، فقعد حزينا، فمر أبو جهل فجلس إليه فقال له كالمستهزىء هل كان من شيء؟ قال: نعم أسري بي الليلة، قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قال: ثم أصبحت بين أظهرنا؟ قال: نعم، فقال أبو جهل: إذا دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني به؟ قال نعم، فقال: يا معشر بني كعب بن لؤي هلموا، فجاؤوا حتى جلسوا إليهما، فحدثهم صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك: بقي الناس بين مصفق، وواضع يديه على رأسه متعجبا، وضجوا لذلك وعظموه، فجاء أبو بكر فحدثه صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك فقال: صدقت صدقت، فقالوا:\rأتصدقه إنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ فقال: نعم أني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي الصديق، فقال القوم: صف لنا بيت المقدس، فشرع في وصفه، حتى إن جبريل نقله من مكانه ووضعه بين يديه صلّى اللّه عليه وسلم، وجعل ينظر إليه ويصف لهم، فقال القوم: أما النعت فو اللّه لقد أصاب، ثم قالوا: أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم عنها تفصيلا،","part":2,"page":304},{"id":905,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 305\rالمستدرك عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأيت ربي عز وجل. قال تعالى: وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) يفوضون إليه أمرهم وفي قراءة تتخذوا بالفوقانية التفاتا، فأن زائدة والقول مضمر يا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ في السفينة إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (3) كثير الشكر لنا حامدا في جميع أحواله وَقَضَيْنا أوحينا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ التوراة لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ أرض الشام بالمعاصي مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (4) تبغون بغيا عظيما فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما أولى مرتي الفساد بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ أصحاب قوة في الحرب والبطش فَجاسُوا ترددوا لطلبكم خِلالَ الدِّيارِ وسط دياركم ليقتلوكم ويسبوكم وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا (5) وقد أفسدوا الأولى بقتل زكريا\r______________________________\rفقالوا: إن هذا لسحر مبين، فأنزل اللّه تعالى وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ.\rقوله: وَآتَيْنا مُوسَى معطوف على جملة سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ ومناسبتها لما قبلها أن كلا متعلقة بعطايا نبي، فالأولى متعلقة بعطايا سيدنا محمد، وهذه متعلقة بعطايا موسى عليهما السّلام بجامع أن موسى أعطي التوراة بمسيره إلى الطور، وهو بمنزلة معراجه صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه منح ثمة التكلم، وشرف باسم الكليم. قوله: وَجَعَلْناهُ أي موسى أو الكتاب. قوله: هُدىً أي هاديا من الضلالة والشرك.\rقوله: أَلَّا تَتَّخِذُوا «أن» مصدرية و«لا» نافية، والفعل منصوب بحذف النون، ولام التعليل مقدرة كما زادها المفسر، وهذا على قراءة التحتية، وأما على قراءة التاء الفوقية، فالفعل مجزوم بلا الناهية، وأن زائدة، والقول مقدر والتقدير: وقلت لهم لا تتخذوا الخ، وقوله: مِنْ دُونِي في محل المفعول الثاني، ووَكِيلًا مفعول أول وهو مفرد في اللفظ جمع في المعنى، أي لا تتخذوا وكلاء غيري تلتجئون إليهم، وتفوضون أموركم إليهم. قوله: (فأن زائدة) المناسب أنها هنا مفسرة، لأن هذا ليس من مواضع زيادتها، وحينئذ فيقدر جملة فيها معنى القول دون حروفه، ولما كان وجه زيادتها ظاهرا بحسب الصورة، حملها المفسر عليه.\rقوله: ذُرِّيَّةَ الخ، أعربه المفسر منادى، وحرف النداء محذوف، وحينئذ فالمعنى يا ذرية من حملنا مع نوح، وحدوا اللّه واعبدوه واشكروه في جميع حالاتكم كما كان نوح، إنه كان عبدا شكورا، فقوله: إِنَّهُ كانَ الخ تعليل لمحذوف، وهذا هو الأقرب والأسهل، وبعضهم أعرب ذُرِّيَّةَ مفعولا ثانيا لتتخذوا. ووَكِيلًا مفعول أول، أو ذرية بدل من وكيلا، أو منصوب على الاختصاص، فتحصل أن في إعراب ذرية أربعة أقوال، أسهلها ما مشى عليه المفسر. قوله: (أوحينا) فسر القضاء بالوحي لتعديه بإلى، فإن قضى يتعدى بنفسه أو بعلى، وما هنا فهو مضمن معنى الإيحاء، والمراد بالكتاب التوراة، ويصح أن يبقى القضاء على بابه من أن معناه التقدير والحكم، وتكون إلى بمعنى على، أي حكمنا وقدرنا على بني إسرائيل، وحينئذ فالمراد بالكتاب اللوح المحفوظ.\rقوله: مَرَّتَيْنِ تثنية مرة وهي الواحدة من المر أي المرور. قوله: (تبغون) أي تظلمون وتطغون. قوله: وَعْدُ أُولاهُما المراد بالوعد الوعيد، أي جاء وقت العقاب الموعود به.\rقوله: بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أي جالوت وجنوده كما يأتي للمفسر، وقيل بختنصر. قوله: فَجاسُوا هو بالجيم بإتفاق الجمهور، وقرىء شذوذا بالحاء المهملة، والمعنى على كل نقبوا وفتشوا. قوله: خِلالَ الدِّيارِ إما مفرد بمعنى (وسط) كما قال المفسر، أو","part":2,"page":305},{"id":906,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 306\rفبعث عليهم جالوت وجنوده فقتلوهم وسبوا أولادهم وخربوا بيت المقدس ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ الدولة والغلبة عَلَيْهِمْ بعد مائة سنة بقتل جالوت وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (6) عشيرة وقلنا إِنْ أَحْسَنْتُمْ بالطاعة أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ لأن ثوابه لها وَإِنْ أَسَأْتُمْ بالفساد فَلَها إساءتكم فَإِذا جاءَ وَعْدُ المرة الْآخِرَةِ بعثناهم لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ يحزنوكم بالقتل والسبي حزنا يظهر في وجوهكم وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ بيت المقدس فيخربوه كَما دَخَلُوهُ وخربوه أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا يهلكوا ما عَلَوْا غلبوا عليه تَتْبِيراً (7) هلاكا وقد أفسدوا ثانيا بقتل يحيى فبعث عليهم بختنصر فقتل منهم ألوفا وسبى ذريتهم وخرب\r______________________________\rجمع خلل كجبل وجبال. قوله: وَكانَ أي البعث المذكور وتفتيش الأعداء عليهم. قوله: (بقتل زكريا) الخ، مشى المفسر على أن المرة الأولى هي قتل زكريا، والثانية هي قتل ولده يحيى، ومشى غيره على أن المرة الأولى، مخالفة أحكام التوراة، وقتل شعياء وقيل أرمياء، والثانية قتل زكرياء ويحيى، وقصد قتل عيسى قوله: (فبعث عليهم جالوت وجنوده) الصحيح أن الذي بعث عليهم في المرة الأولى بختنصر، قيل وقد كانت مدة ملكه سبعمائة سنة وأما جالوت وجنوده، فلم يقع منهم تخريب لبيت المقدس، بل جاؤوا ليغزوهم، فخرج إليهم داود وطالوت بجيوشهم، فقتل اللّه جالوت على يد داود، كما تقدم مفصلا في سورة البقرة. قوله: (الدولة) في المصباح تداول للقوم الشيء، وهو حصوله في يد هذا تارة، وفي يد هذا أخرى، والاسم الدولة بفتح الدال وضمها، وجمع المفتوح دول بالكسر كقصعة وقصع، وجمع المضموم دول كغرفة وغرف اه. قوله: (و الغلبة) تفسير.\rقوله: وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ أي بعد النهب والقتل الأول. قوله: أَكْثَرَ نَفِيراً أي أكثر الناس اجتماعا وذهابا للعدو، ونفيرا منصوب على التمييز.\rقوله: إِنْ أَحْسَنْتُمْ الخطاب لنبي إسرائيل قوله: أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ أي فلا يصل إلى شيء من طاعتكم إذ مستحيل على اللّه تعالى أن يصل له من عباده نفع أو ضر، وحينئذ فلا ينبغي للإنسان أن يفتخر بطاعته، بل يعمل الطاعة وهو راج قبولها من ربه، لأنها علامة على دوام السعادة لصاحبها وأنه من أهل النعيم، ففي الحديث «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، وإنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد اللّه، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه». وقال العارف:\rماذا يضرك وهو عا ... ص أو يفيدك وهو طائع\rفمن ظن أن اللّه ينتفع بالعبادة فقد كفر، لنسبته الافتقار له تعالى اللّه عنه. قوله: فَلَها خبر مبتدأ محذوف قدره المفسر، واللام بمعنى على، وإنما عبر بها للمشاكلة. قوله: فَإِذا جاءَ جواب الشرط محذوف قدره المفسر بقوله: (بعثناهم) دل عليه جواب إذا الأولى. قوله: الْآخِرَةِ صفة لموصوف محذوف قدره المفسر بقوله: (المرة). قوله: لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ متعلق بهذا الجواب المحذوف، وفيها ثلاث قراءات سبعية: الأولى بضمير الجماعة مع الياء، فالواو فاعل الثانية بنون العظمة وفتح الهمزة آخرا، والفاعل هو اللّه. الثالثة بالياء المفتوحة والهمزة المفتوحة، والفاعل إما للّه وإما الوعد وإما البعث وإما النفير، تأمل. قوله: (بقتل يحيى) أي وقيل بقتل زكرياء ويحيى، وقصد قتل عيسى. قوله: (فبعث عليهم بختنصر) وهو بضم الباء وسكون الخاء المعجمة والتاء المثناة معناه ابن ونصر بفتح النون وتشديد","part":2,"page":306},{"id":907,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 307\rبيت المقدس وقلنا في الكتاب عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بعد المرة الثانية إن تبتم وَإِنْ عُدْتُمْ إلى الفساد عُدْنا إلى العقوبة وقد عادوا بتكذيب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فسلط عليهم بقتل قريظة ونفي النضير وضرب الجزية عليهم وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (8) محبسا وسجنا إِنَّ هذَا\r______________________________\rالصاد والراء المهملة اسم صنم وهو علم أعجمي مركب وسمي بذلك لأنه وجد وهو صغير مطروحا عند صنم ولم يعرف له أب فنسب إليه قيل إنه ملك الأقاليم كلها، قيل المسلط عليهم في المرة الثانية خردوش ملك من ملوك بابل وسيأتي في السيرة. قوله: (ألوفا) أي نحو الأربعين. قوله: (و سبى ذريتهم) أي نحو السبعين ألفا. قوله: (و قلنا في الكتاب) أي التوراة. قوله: (و ضرب الجزية عليهم) أي على باقيهم كأهل خيبر. قوله: (و سجنا) تفسير فيكون معنى حصيرا محلا حاصرا لهم وقيل حصيرا فرشا كالحصير فيكون بمعنى قوله تعالى لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ.- تتمة- يذكر فيها تلخيص القصة التي ذكرها المفسرون في هذه الآيات، قال محمد بن إسحاق: كانت بنو إسرائيل فيهم الأحداث والذنوب، وكان اللّه متجاوزا عنهم ومحسنا إليهم، وكان أول ما نزل بهم، أن ملكا منهم كان يدعى صديقة، وكان اللّه إذا ملك عليهم الملك، بعث معه نبيا يسدده ويرشده ويتبع الأحكام التي تنزل عليه، فبعث اللّه معه شيعا بن أمضيا عليه السّلام، وذلك قبل مبعث زكريا ويحيى، ففي آخر مدة صديقة، عظمت الأحداث فيهم والمعاصي، فبعث اللّه عليهم سنحاريب ملك بابل ومعه ستمائة ألف راية، فنزل حول بيت المقدس، والملك مريض من قرحة كانت في ساقه، فجاء شعيا إليه وقال له: يا ملك بني إسرائيل، إن سنحاريب نزل بك هو وجنوده، فقال: يا نبي اللّه هل أتاك من اللّه وحي فيما حدث فتخبرنا به؟ فقال: لم يأتني وحي في ذلك، فبينما هم على ذلك، أوحى اللّه إلى شعياء، أن ائت إلى ملك إسرائيل، فمره أن يوصي وصيته، ويستخلف على ملكه من يشاء من أهل بيته فإنه ميت، فأخبره شعيا بذلك، فأقبل الملك على القبلة، وصار يصلي ويتضرع إلى اللّه بقلب مخلص، فاستجاب اللّه دعاء الملك، وأوحى إلى شعياء، أن أخبر صديقة أن ربه استجاب له ورحمه، وأخر أجله خمس عشرة سنة، وأنجاه من عدوه سنحاريب، فلما قال له ذلك، انقطع عنه الحزن، وخر ساجدا شاكرا للّه متضرعا، فلما رفع رأسه، أوحى اللّه إلى شعياء، أن قل للملك يأتي بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى، فأخبره ففعل فشفاه اللّه، فقال الملك لشعيا: سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدونا هذا، قال اللّه لشعيا: سيصبحون موتى كلهم إلا سنحاريب وخمسة نفر من كتابه، فلما أصبح وجدوا الأمر كما ذكر، فخرج الملك والتمس سنحاريب، فلم يجده في الموتى، فبعث في طلبه فأدركه ومعه خمسة نفر أحدهم بختنصر، فجعلوهم في أطواق الحديد، وقال الملك لسنحاريب: كيف رأيت فعل ربنا بكم، ونحن وأنتم غافلون؟ فقال سنحاريب: قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم، قبل أن أخرج من بلادي، فلم أطع مرشدا، وأوقعتني في الشقوة قلة العقل، فقال الملك لسنحاريب: إن ربنا لم يبقك ومن معك لكرامة بك عليه، وإنما أبقاك ومن معك، لتزدادوا شقوة في الدنيا وعذابا في الآخرة، ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا بكم، ثم إن الملك أطال عليهم العذاب، فقال سنحاريب له: القتل خير مما تفعل، فأوحى اللّه إلى شعيا، أن يرسل سنحاريب ومن معه لينذروا من وراءهم ففعل، فخرج سنحاريب ومن معه حتى قدموا بابل فأخبروهم الخبر، فقال له قومه: نهيناك فلم تطعنا، وهي أمة لا يستطيعها أحد مع ربهم، وكان أمر سنحاريب تخويفا لبني إسرائيل، ثم كفاهم اللّه","part":2,"page":307},{"id":908,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 308\r______________________________\rتعالى شرهم تذكرة وعبرة، ثم إن سنحاريب لبث سبع سنين ومات، فاستخلف على ملكه بختنصر، فعمل بعمله واستمر متباعدا عن بني إسرائيل، حتى مات ملكهم، فتنافسوا في الملك، وقتل بعضهم بعضا، وشعيا ينهاهم فلم يقبلوا، فأوحى اللّه لشعيا قم في قومك أوح على لسانك، فلما قام أنطق اللّه لسانه بالوحي فقال: يا سماء استمعي، ويا أرض أنصتي، فإن اللّه يريد أن يقضي شأن بني إسرائيل، الذين رباهم بنعمته، واصطنعهم لنفسه، وخصهم بكرامته، وفضلهم على عباده، وهم كالغنم الضائعة التي لا راعي لها، وضرب اللّه لهم مثلا ثم قال: إنه مثل ضربته لهم، يتقربون إلي بذبح البقر والغنم، وليس ينالني اللحم ولا أكله، ويدعون أن يتقربوا إلي بالتقوى، والكف عن ذبح الأنفس التي حرمتها، وأيديهم مخضوبة منها، وثيابهم متزملة بدمائها، يشيدون لي بالبيوت مساجد، ويطهرون أجوافها، وينجسون قلوبهم وأجسادهم ويدنسونها، ويزوقون لي المساجد ويزينونها، ويخربون عقولهم وأخلاقهم ويفسدونها، فأي حاجة لي إلى تشييد البيوت ولست أسكنها، وأي حاجة إلى تزويق المساجد ولست أدخلها، إنما أمرت برفعها، لأذكر وأسبح، يقولون صمنا فلم يرفع صيامنا، وصلينا فلم تنور صلاتنا، وتصدقنا فلم تزك صدقاتنا، ودعونا بمثل حنين الحمام، وبكينا بمثل عواء الذئاب، في كل ذلك لا يستجاب لنا، قال اللّه: فسلهم ما الذي يمنعني أن أستجيب لهم؟ ألست أسمع السامعين، وأبصر الناظرين، وأقرب المحبين، وأرحم الراحمين؟ فكيف أرفع صيامهم وهم يلبسونه بقول الزور، ويتقوون عليه بطعمة الحرام؟ أم كيف أنور صلاتهم، وقلوبهم صاغية إلى من يحاربني ويحادني وينتهك محارمي؟ أم كيف تزكو عندي صدقاتهم، وهم يتصدقون بأموال غيرهم؟ إنما آجر عليها أهلها المغصوبين. أم كيف أستجيب دعاءهم؟ وإنما هو قول بألسنتهم، والفعل من ذلك بعيد، إلى أن قال: وإني قد قضيت يوم خلقت السماوات والأرض، أن أجعل النبوة في الأجراء، وأن أجعل الملك في الرعاء، والعز في الأذلاء، والقوة في الضعفاء والغنى في الفقراء، والعلم في الجهلة، والحلم في الأميين، فسلهم متى هذا؟ ومن القائم بها من أعوان هذا الأمر وأنصاره إن كانوا يعلمون؟ فإني باعث نبيا أميا ليس أعجميا من عميان ضالين، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا متزين بالفحش، ولا قوال للخنا، أسدده لكل جميل، واهب له كل خلق كريم اجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة مقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، واحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة وأرفع به بعد الخمالة وأشهر به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة، أجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين قلوب مختلفة، وأهواء مشتتة، وأمم متفرقة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المكر، توحيدا لي، وإيمانا بي، وإخلاصا لي، يصلون لي قياما وقعدوا، وركعا وسجودا، يقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء رضواني، ألهمهم التكبير والتوحيد، والتسبيح والتحميد، والمدحة لي والتمجيد لي، في مسيرهم ومجالسهم ومضاجعهم ومتقلبهم ومثواهم، قربانهم دماؤهم، وأنا جيلهم في صدورهم، رهبان بالليل، ليوث بالنهار، ذلك فضلي أوتيه من أشاء، واللّه ذو الفضل العظيم. فلما فرغ شعيا من مقالته، عدوا عليه ليقتلوه، فهرب منهم فلقيته شجرة فانفلقت له فدخل فيها، فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها، واستخلف اللّه عليهم\rملكا يقال له ناشئة بن أموص، وبعث لهم أرميا بن حلقيا نبيا، ثم عظمت الأحداث وارتكاب المعاصي،","part":2,"page":308},{"id":909,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 309\r______________________________\rفأوحى اللّه إلى أرميا، أن ائت قومك من بني إسرائيل، فاقصص عليهم ما آمرك به، إلى أن قال: وإني حلفت بعزتي لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم، ولأسلطن عليهم جبارا قاسيا، البسه الهيبة، وأنزع من صدره الرحمة، فسلط اللّه عليهم بختنصر، فخرج في ستمائة الف راية، ودخل بيت المقدس بجنوده، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم، وخرب بيت المقدس، وكان من أجل البيوت، ابتناه اللّه لسليمان بن داود عليهما السّلام، سخر له الجن فأتوه بالذهب والفضة والمعادن، وأتوه بالجوهر والياقوت والزمرد، وبنوه بهذه الأصناف، فاحتمل تلك المعادن والأموال، على سبعين ألفا ومائة الف عجلة، فأودعها ببابل، وأقاموا يستخدمون بني إسرائيل بالخزي والنكال مائة عام، إلى أن قال فذلك قوله تعالى: فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يعني بختنصر وأصحابه، ثم إن بختنصر، قام في سلطانه ما شاء اللّه، ثم رأى رؤيا عجيبة، إذ رأى شيئا أصابه فأنساه الذي رأى، فدعا دانيال وحنانيا وعزازيا وميشايل، وكانوا من ذراري الأنبياء، وسألهم عنها فقالوا: أخبرنا بها نخبرك بتأويلها قال: ما أذكرها، ولئن لم تخبروني بها وبتأويلها لأنزعن أكتافكم، فخرجوا من عنده فدعوا اللّه فأعلمهم بالذي سألهم، فجاؤوا فقالوا:\rرأيت تمثالا قدماه وساقاه من فخار، وركبتاه وفخذاه من نحاس، وبطنه من فضة، وصدره من ذهب، ورأسه وعنقه من حديد، قال: صدقتم، قالوا: فبينما أنت تنظر إليه قد أعجبك، أرسل اللّه عليه صخرة فدقته، فهي التي أنستكها، قال: صدقتم فما تأويلها؟ قالوا: إنك أريت ملك الملوك، بعضهم كان ألين ملكا، وبعضهم كان أحسن ملكا، وبعضهم كان أشد ملكا، فالفخار أضعفه، ثم فوقه النحاس أشد منه، ثم فوق النحاس الفضة أحسن من ذلك، والذهب أحسن من الفضة، ثم الحديد ملكك فهو أشد مما كان قبله، والصخرة التي رأيت، أرسل اللّه من السماء فدقته نبي يبعثه اللّه فيدق ذلك أجمع، ويصير الأمر إليه، فلما تجبر بختنصر على أهل الأرض، ظن أنه بحوله وقوته، فقال لأصحابه: قد ملكت الأرض فأخبروني كيف لي أن أطلع إلى السماء العليا، فأقتل من فيها وأتخذها ملكا، فبعث اللّه عز وجل إليه بعوضة، فدخلت في منخره، حتى عضت على أم دماغه، فما كان يقر ولا يسكن حتى مات، فلما مات، شقوا رأسه فوجدوا البعوضة عاضة على أم دماغه، وارتحل من بقي من بني إسرائيل إلى الشام، وكثروا حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه، وكانت التوراة قد حرقت، وكان عزير من السبايا الذين كانوا ببابل، فلما رجع إلى الشام، جعل يبكي ليله ونهاره، وخرج عن الناس، فبينما هو كذلك، إذ جاءه ملك على صورة رجل فقال له: يا عزير ما يبكيك؟ قال: أبكي على كتاب اللّه وعهده الذي لا يصلح ديننا وآخرتنا غيره، قال: أفتحب أن يرد إليك؟ ارجع فصم وتطهر وطهر ثيابك، ثم موعدك هذا المكان غدا ففعل، فأتى ذلك الرجل بإناء فيه ماء، فسقاه من ذلك الماء، فمثلت التوراة في صدره، فرجع إلى بني إسرائيل، فأملاها لهم وعادت كما كانت، ورجعت بنو إسرائيل لكثرة الأحداث والمعاصي، يكذبون الأنبياء ويقتلونهم، وكان آخر من بعث إليهم: زكريا ويحيى وعيسى، فقتلوا زكريا ويحيى، وقصدوا إلى قتل عيسى، فرفعه اللّه، والسبب في قتل يحيى: أن ملك بني إسرائيل، كان يكرمه ويدني مجلسه، وأن الملك هوى بنت امرأته، وقيل بنت أخيه، فسأل يحيى تزويجها، فنهاه عن نكاحها، فبلغ ذلك أمها، فحقدت على يحيى، وعمدت حين جلس الملك من شرابه، فألبستها ثيابا رقاقا حمرا، وطيبتها وألبستها الحلي، وأرسلتها إلى الملك، وأمرتها أن تسقيه، فإن هو راودها عن نفسها، أبت عليه حتى يعطيها ما تسأله،","part":2,"page":309},{"id":910,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 310\rالْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي أي للطريقة التي هِيَ أَقْوَمُ أعدل وأصوب وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9) وَيخبر أَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا أعددنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (10) مؤلما هو النار وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ على نفسه وأهله إذا ضجر دُعاءَهُ أي\r______________________________\rفسألته أن يأتيها برأس يحيى في طست ففعل. وفي الحديث: لا خير في الدنيا، فإن يحيى بن زكريا قتلته امرأة، فسلط اللّه عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوش، فسار إليهم بأهل بابل، فدخل عليهم الشام، فلما ظهر عليهم، أمر رأسا من رؤساء جنوده يقال له بيروزاذن، فدخل بيت المقدس، فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم، فوجد فيها دما يغلي، فسألهم عنه فقال: يا بني إسرائيل، ما شأن هذا الدم يغلي؟ أخبروني خبره، فقالوا: هذا دم قربان لنا قربناه فلم يقبل منا فلذلك يغلي، فقال: ما صدقتموني، وقتل منهم سبعمائة وسبعين روحا، فلم يهدأ الدم، فأمر بسبعمائة غلام من غلمانهم، فذبحهم على الدم، فلم يهدأ، فقال لهم: يا بني إسرائيل، ويلكم اصدقوني قبل أن لا أترك منكم نافخ نار، من ذكر ولا أنثى إلا قتلته، فأخبروه أنه دم يحيى بن زكريا، قال: الآن صدقتموني لمثل هذا ينتقم منكم ربكم، وآمن بالتوراة وقال لمن حوله: أغلقوا أبواب المدينة، وأخرجوا من كان هنا من جيش خردوش، ثم قال: يا يحيى بن زكريا، قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم، فأهدأ بإذن ربك، قبل أن لا أبقي من قومك أحدا، فهدأ الدم بإذن اللّه، ورفع القتل عن بني إسرائيل وقال لهم: إن خردوش أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكري، وإني لا أستطيع أن أعصيه، فأمرهم فحفروا خندقا، وأتوا بالخيل والبغال والحمير والإبل والبقر والغنم، فأمر بذبحها حتى سال الدم في العسكر، وأمر بالقتلى الذين قتلوا قبل ذلك، فطرحوا على ما قتل من المواشي، فلم يظن خردوش، إلا أن ما في الخندق من دماء بني إسرائيل، فاكتفى بذلك وأمر برفع القتل، وهذه هي الواقعة الأخيرة التي أنزل اللّه فيها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ الخ. ثم انتقل الملك بالشام ونواحيها، إلى الروم واليونانيين، إلا أن بقايا بني إسرائيل كثير، وكانت لهم الرياسة ببيت المقدس ونواحيها على وجه الملك، وكانوا في نعمة، إلى أن بدلوا وأحدثوا، فسلط اللّه عليهم ططوس بن اسبيانوش الرومي، فخرب بلادهم وطردهم عنها، ونزع اللّه منهم الملك والرياسة، وضرب عليهم الذلة، فليسوا في أمة إلا وعليهم الصغار والجزية، وبقي بيت المقدس خرابا، إلى خلافة عمر بن الخطاب، فعمره المسلمون بأمره اه.\rقوله: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ أي الذي أنزل على محمد. قوله: يَهْدِي أي يرشد ويوصل. قوله:\rلِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ أي فمن تمسك به نجا، ومن حاد عنه هلك ففي الحديث «إني تارك فيكم ثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا، كتاب اللّه وعترتي». قوله: أَجْراً كَبِيراً أي لا يعلم قدره غيره اتعالى، وهذا الأجر ثابت لمن عمل الصالحات، وإن لم يكن حافظا لألفاظ القرآن، بل المدار على امتثال الأوامر واجتناب النواهي.\rقوله: وَ(يخبر) أشار بذلك إلى أن قوله: وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ الخ، معطوف على يُبَشِّرُ فهو غير داخل في حيز البشارة. قوله: (أعددنا) أي هيأنا وأحضرنا.\rقوله: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ حذفت الواو لالتقاء الساكنين، وحذفت من الخط، تبعا لحذفها من اللفظ. قوله: (إذا ضجر) أي أصابه شدة الغم والغيظ. قوله: (أي كدعائه) أشار بذلك إلى أن الكلام","part":2,"page":310},{"id":911,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 311\rكدعائه له بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ الجنس عَجُولًا (11) بالدعاء على نفسه وعدم النظر في عاقبته وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ دالتين على قدرتنا فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ طمسنا نورها بالظلام لتسكنوا فيه، والإضافة للبيان وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً أي مبصرا فيها بالضوء لِتَبْتَغُوا فيه فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ بالكسب وَلِتَعْلَمُوا بهما عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ للأوقات وَكُلَّ شَيْءٍ يحتاج إليه فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (12) بيناه تبيينا وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ عمله يحمله فِي عُنُقِهِ خص بالذكر لأن اللزوم فيه أشد، وقال مجاهد: ما من مولود يولد إلا وفي عنقه\r______________________________\rعلى التشبيه، والمعنى أن الإنسان إذا أصابه الغم، يدعو على نفسه وأهله بالشر، كما يدعو لهم بالخير، إذا كان منبسطا راضيا، وتقدم في قوله تعالى وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ الآية، إن اللّه يستجيب الدعاء بالخير، ولا يستجيب الدعاء بالشر. قوله: عَجُولًا أي لا يتأمل في عاقبة ما يريد فعله، بل يقدم على فعل كل ما خطر بباله، فإذا كان كذلك، فينبغي للإنسان التأني في الأمور، وتفويضها إلى اللّه تعالى، ليحصل له الراحة في الدنيا، والسعادة في العقبى، ولا يتعجل في الأمور، يحيث يسارع إلى الانتقام ممن ظلمه، والدعاء على من أساء إليه، بل الواجب، إما التفويض أو الدعاء للظالم بالهداية والتوفيق للخير.\rقوله: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ أي علامتين على عظيم قدرتنا وباهر حكمتنا، حيث جعلناهما على منوال واحد، ينقص هذا ويزيد هذا. قوله: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ أي خلقناه على هذه الحالة، وليس المراد أنه كان مضيئا ثم محي ضوؤه، وفي الحقيقة في الكلام حكمتان، الأولى: حكمة خلق الليل والنهار من حيث ذاتهما، وهي الدلالة على باهر قدرة صانعهما. الثانية: حكمة كون الليل خلق مظلما، والنهار خلق مضيئا، وهي لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله في النهار. قوله: (لتسكنوا فيه) قدره أخذا له من مقابله، وهو قوله في جانب النهار لتبتغوا، الخ. قوله: (و الإضافة للبيان) أي آية هي الليل، وكذا يقال في آية النهار. قوله: (أي مبصرا فيها) هو بفتح الصاد، وأشار بذلك إلى أن الكلام فيه الحذف، والإيصال حذف الجار فاتصل الضمير، فيكون فيه مجاز عقلي، من إسناد الحدث إلى زمانه.\rقوله: لِتَبْتَغُوا أي تطلبوا. قوله: وَلِتَعْلَمُوا (بهما) أي فهو متعلق بكل من محونا وجعلنا، لأن علم عدد السنين والحساب، بمرور الليل والنهار جميعا. قوله: وَالْحِسابَ هو معطوف على عَدَدَ ولا يقال هو تكرار، لأنه يقال: إن العدد موضوع الحساب. قوله: وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ الأحسن أنه من باب الاشتغال، فكل منصوب بفعل محذوف يفسره. قوله: فَصَّلْناهُ وكذا يقال في\rقوله: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ. قوله: (للأوقات) أي كآجال الديون، وأوقات الصلاة، والحج والصوم والزكاة، وغير ذلك من أمور الدين والدنيا. قوله: تَفْصِيلًا مصدر مؤكد لعامله، إشارة إلى أن اللّه لم يترك شيئا من أمور الدين والدنيا، إلا بينه نظير قوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ.\rقوله: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فسر المفسر الطائر بالعمل، وفسره غيره بالكتاب، وإليه يشير بقول مجاهد: وسمي العمل طائرا، إما لأن العرب إذا أرادوا فعل أمر، نظروا إلى الطير إذا طار، فإن طار متيامنا، قدموا على ذلك الأمر، وعرفوا أنه خير، وإن طار متياسرا، تأخروا وعرفوا أنه شر، فلما كثر ذلك","part":2,"page":311},{"id":912,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 312\rورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً مكتوبا فيه عمله يَلْقاهُ مَنْشُوراً (13) صفتان لكتابا ويقال له اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14) محاسبا مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ لأن ثواب اهتدائه لها وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها لأن إثمة عليها وَلا تَزِرُ نفس وازِرَةٌ آثمة أي لا تحمل وِزْرَ نفس أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ\r______________________________\rمنهم، سموا نفس الخير والشر بالطائر، تسمية للشيء باسم لازمه. قوله: (خص بالذكر لأن اللزوم فيه أشد) أي ولأن العنق إما محل الزينة كالقلادة ونحوها، أو للشين كالأغلال ونحوها، فإن كان عمله خيرا، كان كالقلادة في عنقه، وهو مما يزينه، وإن كان شرا، كان كالغل في عنقه، وهو مما يشينه. قوله: (مكتوب فيها شقي أو سعيد) خص مجاهد السعادة والشقاوة، وإن كان الرزق والأجل مكتوبين فيها أيضا، لأن السعادة أو الشقاوة، هما اللذان يبقيان معه في الآخرة، وأما الرزق والأجل فيقتضيان بموته. قوله:\rوَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً قال الحسن: بسطت لك صحيفة، ووكل بك ملكان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ عليك سيئاتك، حتى إذا مت، طويت صحيفتك وجعلت معك في قبرك، حتى تخرج لك يوم القيامة.\rقوله: اقْرَأْ كِتابَكَ روي أن الإنسان يقرأ كتابه، وإن لم يكن قارئا في الدنيا. قوله: كَفى بِنَفْسِكَ الباء زائدة في فاعل كفى، وحَسِيباً تمييز، وعَلَيْكَ متعلق به، وحسيبا بمعنى حاسب أو كاف أو محاسب كما قال المفسر، والمعنى أنه يكتفي بمحاسبة الشخص لنفسه، فلا يحتاج لأحد يحاسبه، بل إذا أنكر، تشهد عليه أعضاؤه بما علمت، ثم ما مشى عليه المفسر، من أن المراد بالطائر، العمل يكتب ويوضع في عنقه وهو في بطن أمه، فيلزمه ما دام في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة، يخرج له كتابا من خزانة تحت العرش، وهو الصحيفة التي كانت الملائكة تكتبها عليه في الدنيا، فيأخذها إما بيمينه إن كان مسلما، أو بشماله إن كان كافرا، فيقابله على ما في عنقه، هو أحد تفسيرين في الآية، والآخر أن الكتاب واحد، تكتبه الملائكة عليه ما دام في الدنيا، فإذا مات طوي ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة، أخرج من تلك الخزانة وألزمه في عنقه، فيكون معنى ألزمناه طائره في عنقه، أي في يوم القيامة عند تطاير الصحف، ويكون عطف قوله: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ على ما قبله من عطف السبب على المسبب.\rقوله: فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ أي فإنما تعود منفعة اهتدائه إلى نفسه لا تتعداه إلى غيره. قوله: فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها أي فإنما وبال ضلاله على نفسه، لا على من عداه ممن لم يباشر، وهذا تحقيق معنى قوله تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ.\rقوله: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أي لا تحمل نفس مذنبة، بل ولا غير مذنبة، ذنوب نفس أخرى. إن قلت: ورد في الحديث «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» فمضاه أنه يحمل وزره فيكون منافيا لهذه الآية. أجيب: بأن المراد بالوزر الذي يحمله في الحديث وزر التسبب، ولا شك أن التسبب من فعل الشخص، ومع ذلك فلا ينقص من وزر الفاعل شيء، فالمتسبب الفاعل يعاقب على فعله وتسببه، والفاعل بدون تسبب يعاقب على فعله فقط.\rقوله: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ أي ولا مثيبين على الأعمال، لأن شرط صحة العبادات ووجوبها بلوغ","part":2,"page":312},{"id":913,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 313\rأحدا حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) يبين له ما يجب عليه وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها منعميها بمعنى رؤسائها بالطاعة على لسان رسلنا فَفَسَقُوا فِيها فخرجوا عن أمرنا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ بالعذاب فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (16) أهلكناها بإهلاك أهلها وتخريبها وَكَمْ أي كثيرا أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ الأمم مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (17) عالما ببواطنها وظواهرها، وبه يتعلق بذنوب مَنْ كانَ يُرِيدُ بعمله الْعاجِلَةَ أي الدنيا عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ التعجيل له بدل من له بإعادة الجار ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ في الآخرة جَهَنَّمَ يَصْلاها يدخلها مَذْمُوماً ملوما مَدْحُوراً (18) مطرودا عن الرحمة وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها عمل عملها اللائق بها وَهُوَ مُؤْمِنٌ حال فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ\r______________________________\rالدعوة، فمن لم تبلغه الدعوة، لا تجب عليه عبادة، ولا تصح منه، لو فعلها فلا يثاب عليها، وعموم هذه الآية، يدل على أن أهل الفترة جميعا ناجون بفضل اللّه، ولو غيروا وبدلوا، وما ورد من تخصيص بعض أفراد، كحاتم الطائي وامرىء القيس بدخولهم النار، فهي أحاديث آحاد لا تعارض القطعي.\rقوله:\rمُتْرَفِيها الترفه بالضم النعمة والطعام الطيب والشيء الظريف. قوله: (منعميها) أي المنهكمين في شهواتها، الغافلين عن الآخرة. قوله: (بالطاعة) متعلق بأمرنا. قوله: (بإهلاك أهلها) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، أي دمرنا أهلها.\rقوله: وَكَمْ أَهْلَكْنا كم خبرية منصوبة بأهلكنا، ومِنَ الْقُرُونِ تمييز لكم. قوله: مِنْ بَعْدِ نُوحٍ خص بالذكر لأنه أول من كذبه قومه. قوله: وَكَفى بِرَبِّكَ الباء زائدة في الفاعل، وخَبِيراً بَصِيراً تمييزان، وبِذُنُوبِ متعلق بخبيرا بصيرا، وقوله: (عالما ببواطنها وظواهرها) لف ونشر مرتب، فالعلم بالبواطن هو معنى الخبير، وبالظواهر هو معنى البصير. قوله: (و به يتعلق بذنوب) هكذا في النسخ التي بأيدينا، ولعل فيه تحريفا، والأصل بذنوب متعلق بخبيرا بصيرا.\rقوله: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ أي من كان حظه الدنيا، فهو صادق بالكافر والمنافق، ويدخل في ذلك المراؤون بأعمالهم، إذ لو لا المدحة والثناء عليهم ما فعلوا الطاعات. قوله: عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ أي أعطينا لمن نريد في الدنيا الذي نشاؤه، من سعة رزق وعافية وغير ذلك، والمعنى لا نزيده على ما قدر له أزلا، بل ما يعطى إلا ما سبق في عمله تعالى أنه يعطاه، فمحبته في الدنيا لم تزده شيئا منها، فينبغي الإخلاص في العبادة والتوجه للّه تعالى والإقبال عليه، ليخطى بسعادة الدارين. قوله: (بدل من له) أي إن قوله: لِمَنْ نُرِيدُ بدل من قوله: لَهُ بدل بعض من كل بإعادة اللام، وقوله: عَجَّلْنا جواب الشرط وهو مَنْ وكانَ فعله ويُرِيدُ خبر كانَ واسمها ضمير مستتر.\rقوله: ثُمَّ جَعَلْنا أتى بثم إشارة إلى أن دخول النار متأخر. قوله: (ملوما) أي أن الخلق في القيامة يلومونه على ما حصل منه في الدنيا. قوله: مَدْحُوراً من دحر يدحر من باب خضع، فهو مدحور، بمعنى أن اللّه طرده وأبعده عن جنته.\rقوله: وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ أي من كان حظه ونيته ومنتهى آماله الدار الآخرة، بأن لم يجعل الدنيا قرارا له ولا وطنا، بل جعلها سفينة موصلة لمقصوده. قوله:\rسَعْيَها إما مفعول به أو مفعول مطلق، والمعنى كما قال المفسر، عمل عملها الذي يليق بها؛ كأعمال","part":2,"page":313},{"id":914,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 314\rمَشْكُوراً (19) عند اللّه مقبولا مثابا عليه كُلًّا من الفريقين نُمِدُّ نعطي هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ بدل مِنْ متعلق بنمد عَطاءِ رَبِّكَ في الدنيا وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ فيها مَحْظُوراً (20) ممنوعا عن أحد انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ في الرزق والجاه وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ أعظم دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) من الدنيا فينبغي الاعتناء بها دونها لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا (22) لا ناصر لك وَقَضى أمر رَبُّكَ أَلَّا أي بأن تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ\r______________________________\rالبر والطاعات واجتناب المنهيات. قوله: (حال) أي من ضمير سَعى.\rقوله: فَأُولئِكَ جواب الشرط، وفيه مراعاة معنى من وفيما قبله مراعاة لفظها، وهو إشارة إلى أن من جمع ثلاث خصال، فهو من أهل الجنة: الإيمان والعمل الصالح والاخلاص، ولذا قال بعضهم: من لم تكن معه ثلاث لم ينفعه علمه: إيمان ثابت، ونية صادقة، وعلم مصيب، وتلا هذه الآية، وهذا هو كمال الإيمان. قوله: (مثابا عليه) أي فشكر اللّه لعباده قبولهم وإثابتهم على أعمالهم. قوله: (كلا) مفعول لنمد. قوله: (من الفريقين) أي مريد الدنيا ومريد الآخرة.\rقوله: (بدل) أي من كُلًّا بدل من كل كأنه قال: نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ الأول للفريق الأول، والثاني للفريق الثاني، فهو لف ونشر مرتب.\rقوله: (في الدنيا) أي كسعة الرزق والجاه والعافية وغير ذلك. قوله: (ممنوعا عن أحد) أي مؤمن أو كافر.\rوأما في الآخرة، فعطاؤه ممنوع عن الكافر، وهو مختص بالمؤمن.\rقوله: كَيْفَ منصوب على الحال من فَضَّلْنا كأنه قال: انظر تفضيلنا بعضهم على بعض كائنا على أي حالة. قوله: (من الدنيا) أي من درجاتها، لأن فضل الآخرة عظيم لا ينقطع، بل هو دائم لا يفنى. قوله: (فينبغي الاعتناء بها) أي بالآخرة، وقوله: (دونها) أي الدنيا.\rقوله: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الخطاب إما للنبي والمراد غيره، أو لكل مكلف، وهو الأولى، والمعنى لا تشرك أيها المكلف غير اللّه مع اللّه، لا في ظاهرك ولا باطنك، بل خلص قلبك من التعلق بغيره والمحبة لسواه، ولا تجعل الغير في خيالك، فإنه نقص عن مراتب الأخيار، ولذا قال ابن الفارض:\rولو خطرت لي في سواك إرادة ... على خاطري يوما حكمت بردتي\r\rقوله: فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا يصح أن تكون فعد بمعنى عجز، فمذموما مخذولا حالان، ويصح أن تكون بمعنى صار، فمذموما مخذولا خبران لها. قوله: (لا ناصر لك) تفسير لمخذولا، وتقدم تفسيره مذموما بملوما، والمعنى ملوما من الخلق، مخذولا من الخلق، لم يجعل له ناصرا.\rقوله: وَقَضى رَبُّكَ ذكر اللّه سبحانه وتعالى في هذه الآيات جملة من التكاليف، نحو خمسة وعشرين حكما، بعضها أصلي، وبعضها فرعي، وابتدأ منها بالتوحيد بقوله: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا وختم به بقوله: وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً إشارة إلى أنه رأس الأمور وأساسها، وما عداه من الأحكام مبني عليه، ولما كان حق الوالدين آكد الحقوق، بعد حق اللّه ورسوله، ذكر بعد التوحيد وشدد فيه، دون بقية التكاليف، لأن أمر العقوق فظيع، وفيه الوعيد الشديد، ففي الحديث «قل لعاق والديه يفعل ما يشاء فإن مصيره إلى النار». قوله: (أمر)","part":2,"page":314},{"id":915,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 315\rوَأن تحسنوا بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً بأن تبروهما إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما فاعل أَوْ كِلاهُما وفي قراءة يبلغان فأحدهما بدل من ألفه فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ بفتح الفاء وكسرها منونا وغير منون مصدر بمعنى تبّا وقبحا وَلا تَنْهَرْهُما تزجرهما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً (23) جميلا لينا وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ ألن لهما جانبك الذليل مِنَ الرَّحْمَةِ أي لرقتك عليهما وَقُلْ رَبِ\r______________________________\rأي أمرا جازما، وقيل إن قضى بمعنى أوصى، وقيل بمعنى حكم، وقيل بمعنى ألزم، وقيل بمعنى أوجب، وكل صحيح.\rقوله: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ بأن لا تشركوا معه في العبادة غيره، فتمتثلوا أوامره وتجتنبوا نواهيه، ودخل في ذلك الاقرار لرسول اللّه بالرسالة، ومحبته وتعظيمه، لأن ذلك من حملة المأمور به، قال تعالى:\rقُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ. قوله: (أي بأن) أشار بذلك إلى أن أن مصدرية، ويكون الفعل منصوبا بحذف النون، ويصح أن أن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، ولا ناهية، والفعل مجزوم بحذف النون، والواو فاعل على كل حال. قوله: وَبِالْوالِدَيْنِ متعلق بمحذوف قدره المفسر بقوله: وَ(أن تحسنوا) والجملة معطوفة على جملة أَلَّا تَعْبُدُوا. قوله: (بأن تبروهما) أي تطيعوا أمرهما في غير معصية اللّه. قوله: إِمَّا يَبْلُغَنَ إن شرطية مدغمة في ما الزائدة، والفعل مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، في محل جزم، وأحدهما فاعل، وكلاهما معطوف عليه، وجواب الشرط هو قوله: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ وما عطف عليه من بقية الخمسة التي كلف بها الإنسان في حق والديه. قوله:\r(و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا، وعليها فالفعل مجزوم بحذف نون الرفع، والألف فاعل، والنون المشددة المكسورة للتوكيد والتقييد بحالة الكبر، خرج مخرج الغالب، لأن الولد غالبا إنما يتهاون بوالديه عند حصول الكبر لهما، ومعنى قوله: عِنْدَكَ أن يكون في منزلك وكفالتك، ومعدودا من عيالك، وهذا بحسب الغالب، وإلا فالولد مطلوب ببر والديه مطلقا، كانا عنده أو لا. قوله: (بفتح الفاء) أي من غير تنوين، قوله: (و كسرها) أي منونا وغير منون، فالتعميم راجع لقراءة الكسر، خلافا لما يوهمه المفسر، فالقراآت السبعية ثلاث، وقرىء شذوذا بالرفع مع التنوين وتركه، وبالفتح مع التنوين وسكون الفاء، فتكون الشواذ أربعا، فجملة القراآت سبع هنا، وفي الأنبياء وفي الأحقاف ولغاتها أربعون لغة، ذكرها ابن عطية في تفسيره. قوله: (مصدر بمعنى تبا) بفتح التاء وضمها أي خسرانا، قوله: (و قبحا) أي لا تقل لهما قبحا لكما ولأفعالكما، والأوضح أن يقول اسم فعل المضارع، أي لا تقل لهما أنا اتضجر من شيء يصدر منكما. قوله: (و تزجرهما) أي عما لا يعجبك منهما بإغلاظ، بأن لا تأمرهما ولا تنهاهما، ولو كان ذلك الأمر غير مناسب، بل إذا أحب أن يأمرهما أو ينهاهما، فليكن على سبيل المشاورة باللطف والرفق.\rقوله: وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً أي حسنا، كأن يقول لهما: يا أبتاه يا أماه، ولا يسميهما.\rقوله: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ في الكلام استعارة تبعية في الفعل، حيث شبهت إلانة الجانب بخفض الجناح، والجامع الرأفة في كل، واستعير اسم المشبه به للمشبه، وإضافة جناح للذل، من إضافة الموصوف للصفة، أي جانبك الذليل، وقد أشار لذلك كله المفسر. قوله: (أي لرقتك عليهما) أشار بذلك إلى أن مِنَ للتعليل، والمعنى من أجل الرحمة، لا خوفا من العار مثلا. قوله: وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما","part":2,"page":315},{"id":916,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 316\rارْحَمْهُما كَما رحماني حين رَبَّيانِي صَغِيراً (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ من إضمار البر والعقوق إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ طائعين للّه فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ الرجاعين إلى طاعته غَفُوراً (25) لما صدر منهم في حق الوالدين من بادرة وهم لا يضمرون عقوقا وَآتِ أعط ذَا الْقُرْبى القرابة حَقَّهُ من البر والصلة وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) بالإنفاق في غير طاعة اللّه إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ أي على طريقتهم وَكانَ\r______________________________\rأي ادع لهما بالرحمة، ولو في كل يوم وليلة خمس مرات، ولو كافرين إذا كانا حيين، لأن من الرحمة أن يهديهما للإسلام. قوله: كَما رَبَّيانِي صَغِيراً الكاف للتعليل، أي من أجل أنهما رحماني حين ربياني صغيرا. روي أن رجلا قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: إن أبوي بلغا مني في الكبر، أني ألي منهما ما وليا مني في الصغر، فهل قضيت حقهما؟ قال: لا، فإنهما كان يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما.\rقوله: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ هذا وعد ووعيد، والمعنى لا عبرة بادعاء البر باللسان، فإن اللّه عالم بالسرائر. قوله: (طائعين للّه) أي في حق الوالدين. قوله: فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ مرتب على محذوف، والتقدير وفعلتم معهما خلاف الأدب. قوله: (الرجاعين إلى طاعته) وقيل هم الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء ثم يستغفرون منها، وقيل غير ذلك، وفي الحقيقة الأواب هو التواب. قوله: (من بادرة) البادرة الزلة تقع خطأ. قوله: (و هم لا يضمرون عقوقا) الجملة حالية.\rقوله: وَآتِ ذَا الْقُرْبى لما قدم حق اللّه وحق الوالدين، ذكر حق الأقارب وغيرهما، وحق المساكين وأبناء السبيل الأجانب، والخطاب في هذه الآيات، إما للنبي والمراد هو وأمته، لأن الأصل عدم الخصوصية، أو للمكلف والأمر للوجوب عند أبي حنيفة، فعنده يجب على الموسر مواساة أقاربه المحارم، كالأخ والأخت، وللندب عند غيره، ومحل الخلاف في المواساة بالمال بأن ينفق عليهم، وأما صلتهم بمعنى عدم مقاطعتهم ومعاداتهم، فواجبة إجماعا، كنفقة الأصول والفروع، والآية شاملة لذلك كله. قوله:\r(من البر) أي الإحسان بالمال، وقوله: (و الصلة) أي مطلقا فهو عطف عام على خاص. قوله:\rوَالْمِسْكِينَ المراد به ما يشمل الفقير، والمعنى وآت المسكين حقه من البر والإحسان على حسب الطاقة، فإن ذلك من أوصاف المتقين، قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إلى أن قال وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ. قوله: وَابْنَ السَّبِيلِ أي الغريب، وسمي بذلك لأنه ملازم للطريق فكأنه ابن لها. قوله: (في غير طاعة اللّه) أي كالمعاصي والشهوات المستغنى عنها، بأن يزيد في الإنفاق على المباح، وهذا مذموم إذا كان المال حلالا أما إن كان حراما، فلا يجوز له الإنفاق منه أصلا، بل يجب عليه أن يرده لأربابه.\rقوله: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ إلخ، هذا غاية في الذم. قوله: كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ أي ولم يزالوا كذلك، والمعنى أن المبذرين يشبهون الشياطين، في أن كلا منهما ضل في نفسه وأضل غيره، فالشياطين صرفوا هممهم وقوتهم وما أنعم اللّه عليهم به من معاصي اللّه ولم يصلحوا، والمبذرون صرفوا أموالهم فيما يغضب اللّه تعالى وأفسدوا ولم يصلحوا. قوله: (أي على طريقتهم) أي مقتدين بهم وملازمين لأفعالهم، لأن الملازم للشيء يسمى","part":2,"page":316},{"id":917,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 317\rالشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (27) شديد الكفر لنعمه فكذلك أخوه المبذر وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أي المذكورين من ذي القربى وما بعدهم فلم تعطهم ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها أي لطلب رزق تنتظره يأتيك فتعطيهم منه فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً (28) لينا سهلا بأن تعدهم بالإعطاء عند مجيء الرزق وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ أي لا تمسكها عن الإنفاق كل المسك وَلا تَبْسُطْها في الإنفاق كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً راجع للأول مَحْسُوراً (29) منقطعا لا شيء عندك راجع للثاني إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ يوسعه لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ يضيقه لمن يشاء إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ\r______________________________\rأخا له. قوله: (شديد الكفر لنعمه) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، والتقدير وكان الشيطان لنعم ربه كفورا. قوله: (فكذلك أخوه المبذر) أي فقد كفر نعم ربه، حيث صرفها في غير طاعة اللّه.\rقوله: وَإِمَّا تُعْرِضَنَ معطوف على محذوف تقديره: وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل إن كان بيدك شيء وإما تعرضن الخ، والمعنى لا تقطع رجاء الفقير منك، بل إما أن تعطيه إن كان معك شيء، أو ترده بلطف، كما كان من خلقه صلّى اللّه عليه وسلّم، فكان إذا سئل أعطى أو وعد بالعطاء. قوله: (و ما بعده) أي المسكين وابن السبيل. قوله: ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مفعول لأجله، وهو علة مقدمة على المعلول، والمعنى:\rوإما تعرضن عنهم لأجل عسرك، فقل لهم قولا ميسورا، اعتمادا على اللّه وطلبا لرحمة من ربك ترجوها، وفي ذلك إشارة إلى أن الإنسان، لا ينبغي له قطع رجائه من اللّه بل يعتمد على اللّه دائما في عسره ويسره، فإن الغنى هو وثوق القلب باللّه، فلا يعتمد على سبب من الأسباب، بل يتوكل على اللّه، ولا يقطع رجاءه منه، ولا رجاء غيره فيه ثقة بربه. قوله: (بأن تعدهم) أي أو تدعو لهم بأن تقول: أغناكم اللّه، سهل لكم أسباب الخير، وغير ذلك.\rقوله: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ أي مضمومة ومجموعة معه في الغل، وهو بضم الغين المعجمة، طوق من حديد يجعل في العنق. قوله: (أي لا تمسكها عن الإنفاق) أي فهو نهي عن البخل على سبيل الكناية، لأن شأن من جعل يده مغلولة إلى عنقه، عدم القدرة على التصرف، وشأن البخيل عدم التصرف في المال بالانفاق وغيره. قوله: (كل المسك) المناسب الامساك لأن الفعل رباعي، وكأنه شاكل قوله: الْبَسْطِ. قوله: كُلَّ الْبَسْطِ أي بأن تنفق زيادة على ما يجب وما يندب. قوله:\rفَتَقْعُدَ أي تصير، فقوله: مَلُوماً خبر لتقعد، ومَحْسُوراً معطوف عليه. قوله: (راجع للأول) أي البخيل. قوله: (منقطعا لا شيء عندك) أي فهو من حسره السفر إذا أثر فيه، ويصح أن يكون من الحسرة بمعنى الندامة، أي نادما على ما حصل منك. قوله: (راجع للثاني) أي وهو من بسط يده كل البسط، ولا تشكل هذه الآية، على ما ورد من فعل السلف، الذين خرجوا عن أموالهم في محبة اللّه ورسوله وصاروا فقراء، لأن النهي محمول على من كان يعقبه الندم والتحسر، وأما من فعل ذلك من السلف، وأقره عليه رسول اللّه، كأبي بكر وغيره، من الذين كانوا يؤثرون على أنفسهم، ومدحهم اللّه على ذلك، فلم يوجد منهم التحسر على فوات الدنيا لفنائهم عنها وبقائهم باللّه، وخطاب تلك الآيات، إنما هو على حسب أخلاق العامة.\rقوله: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ الخ، أي فانظر لما رزقك اللّه به، وأنفق على حسبه،","part":2,"page":317},{"id":918,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 318\rخَبِيراً بَصِيراً (30) عالما ببواطنهم وظواهرهم فيرزقهم على حسب مصالحهم وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ بالوأد خَشْيَةَ مخافة إِمْلاقٍ فقر نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً إثما كَبِيراً (31) عظيما وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى أبلغ من لا تأتوه إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً قبيحا وَساءَ بئس سَبِيلًا (32) طريقا هو وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ لوارثه سُلْطاناً تسليطا على القاتل فَلا يُسْرِفْ يتجاوز الحد فِي الْقَتْلِ بأن يقتل غير قاتله أو بغير ما قتل به إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (33) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ\r______________________________\rوارض بما قسم اللّه لك، فوسع عند سعة الرزق وضيق عند ضيقه، وكن حيث أقامك اللّه. قوله:\r(ببواطنهم وظواهرهم) لف ونشر مرتب.\rقوله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ سبب ذلك: أن بعض الجاهلية كانوا يقتلون البنات خوف الفقر، وبعضهم خوف العار، فحصل النهي عن ذلك، لما فيه من سوء الظن باللّه وتخريب العالم، وكل منهما مذموم، وهو خطاب للموسرين بدليل قوله: خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ولذلك قدم الأولاد، وما تقدم في الأنعام خطاب للموسرين، ولذلك قدم ذكر الآباء، وأخر ذكر الأولاد. قوله: (بالوأد) أي الدفن بالحياة، وخص بالذكر وإن كان القتل بأن شيء حراما، لأنه الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية. قوله: كانَ خِطْأً إما بكسر الخاء وسكون الطاء بوزن حمل مصدر خطىء كعلم، وبفتحتين اسم مصدر لأخطأ رباعيا، أو بكسر الخاء وفتح الطاء ممدودا مصدر لأخطأ كقاتل، ثلاث قراءات وكلها سبعية.\rقوله: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى هو بالقصر في القراءة الشائعة، وقرىء شذوذا بالمد، وخرجت على وجهين: أحدهما أنه لغة في المقصور، والثاني أنه مصدر زانى كقاتل، لأنه يكون من اثنين. قوله: (أبلغ من لا تأتوه) أي لأنه يفيد النهي عن مقدماته، كاللمس والمباشرة والقبلة صريحا، والنهي عن الفعل بالأولى. قوله: وَساءَ سَبِيلًا أي لأنه طريق من طرق النار، وخص الزنا بالنهي، وإن كان اللواط أشنع وأقبح، لأنه كان ساريا في العرب، بخلاف اللواط، فقد كان في قوم لوط وتنوسي، ثم ظهر في هذه الأمة، بعد قرن الصحابة والتابعين.\rقوله: الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ أي حرم قتلها بأن عصمها منه، وهو المسلم أو الكافر الذي تحت ذمتنا. قوله: إِلَّا بِالْحَقِ مستثنى من النهي، والمعنى لا تقتلوا النفس المعصومة، إلا بالقتل بالحق، وهو أحد ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل مؤمن معصوم عمدا كما في الحديث.\rقوله: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً أي وهو المؤمن المعصوم. قوله: (تسليطا على القاتل) أي فحيث ثبت القتل عمدا عدوانا، وجب على الحاكم الشرعي، أن يمكن ولي المقتول من القاتل، فيفعل فيه الحاكم ما يختاره الولي من القتل أو العفو أو الدية، ولا يجوز للولي التسلط على القاتل، من غير إذن الحاكم، لأن فيه فسادا وتخريبا. قوله: (غير قاتله) أي غير قاتل المقتول. قوله: (أو بغير ما قتل به) يستثنى منه من قتل بمحرم كلواط وسحر، فإنه لا يجوز القتل بذلك بل يقتل بالسيف. قوله: إِنَّهُ كانَ أي الولي منصورا أي من اللّه ومن الحاكم.\rقوله: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي لا تقربوه بحال من الأحوال، إلا","part":2,"page":318},{"id":919,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 319\rحَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إذا عاهدتم اللّه أو الناس إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (34) عنه وَأَوْفُوا الْكَيْلَ أتموه إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ الميزان السويّ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) مآلا وَلا تَقْفُ تتبع ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ القلب كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (36) صاحبه ماذا فعل به وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً أي ذا مرح بالكبر والخيلاء إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ تثقبها حتى تبلغ آخرها بكبرك وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (37) المعنى أنك لا تبلغ هذا المبلغ فكيف تختال كُلُّ ذلِكَ المذكور كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (38) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ يا محمد رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الموعظة وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ\r______________________________\rبالخصلة التي هي أحسن من جميع الخصال، وهي تنميته له، والأنفاق عليه منه بالمعروف. قوله: حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ غاية لقوله: إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ كأنه قال: فاقربوه بالتي هي أحسن، إلى أن يبلغ أشده أي رشده، فإذا بلغ أشده فادفعوا إليه المال، ولا تصرف لكم فيه بوجه، وأشد إما مفرد بمعنى القوة، أو جمع لا واحد له من لفظه، أو جمع شدة، أو شد بكسر الشين فيهما، أو شد بفتحها، وعلى كل فالمراد به القوة، بأن يبلغ عاقلا رشيدا، وإن كان الأشد في الأصل بلوغ ثلاث وثلاثين سنة. قوله: (إن عاهدتم اللّه أو الناس) أي أو ما عاهدكم اللّه عليه من التكاليف. قوله: كانَ مَسْؤُلًا (عنه) أي هل وفى به صاحبه أم لا، وقدر المفسر عنه إشارة إلى أن المسؤول صاحب العهد لا نفس العهد، إذ لا يتأتى سؤاله.\rقوله: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ خطاب للبائعين، قال بعضهم: يؤخذ من الآية، أن أجرة الكيال على البائع، لأنها من تمام التسليم، ما لم تشترط أو يجر عرف بأنها على المشترى. قوله: بِالْقِسْطاسِ بضم القاف وكسرها قراءتان سبعيتان، ورمي استعملته العرب في لغتهم، وأجرته مجرى كلامهم في الاعراب ونحوه فصار عربيا. قوله: ذلِكَ أي المذكور من قوله: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى هنا، والمعنى امتثال المأمورات، واجتناب المنهيات، خير في الدنيا وأحسن تأويلا أي عاقبة في الآخرة، ويحتمل عود اسم الإشارة على خصوص إيفاء الكيل والميزان، فخيره في الدنيا لما فيه من إقبال المشتري على البائع، وفي الآخرة بحسن العاقبة.\rقوله: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أي لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم. قوله: كُلُّ أُولئِكَ أي الحواس الثلاثة. قوله: كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا أي في الآخرة، فلا يجوز للإنسان أن يتكلم في غيره بمجرد الظن، ومن ذلك الفتوى بغير علم، وشهادة الزور، وظن السوء بالناس، وغير ذلك\rقوله: مَرَحاً مصدر مرح كفرح وزنا. ومعنى؟ قوله: إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ أي بكبرك وفخرك، فلست أعلى من الأرض حتى تدرك حدودها وتبلغ منتهاها. قوله: (تثقبها) بالثاء المثلثة والنون. قوله: طُولًا تمييز محول عن الفاعل، أي ولن يبلغ طولك الجبال، وهذا تهكم على العبد المتكبر، كأن اللّه يقول له: شأن المتكبر أن يرى كل شيء أحقر منه، وأنت ترى كل شيء أعظم منك، لأنك بمشيك على الأرض لن تخرقها حتى تدركها، ولن يبلغ طولك الجبال حتى تكون أعلى منها، فلا يليق منك التكبر.\rقوله: كُلُّ ذلِكَ أي المذكور من الخمس والعشرين المذكورة في قوله تعالى لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ","part":2,"page":319},{"id":920,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 320\rإِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (39) مطرودا عن رحمة اللّه أَفَأَصْفاكُمْ أخلصكم يا أهل مكة رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً بنات لنفسه بزعمكم إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ بذلك قَوْلًا عَظِيماً (40) وَلَقَدْ صَرَّفْنا بينا فِي هذَا الْقُرْآنِ من الأمثال والوعد والوعيد لِيَذَّكَّرُوا يتعظوا وَما يَزِيدُهُمْ ذلك إِلَّا نُفُوراً (41) عن الحق قُلْ لهم لَوْ كانَ مَعَهُ أي اللّه آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا طلبوا إِلى ذِي الْعَرْشِ أي اللّه سَبِيلًا (42) ليقاتلوه\r______________________________\rإِلهاً آخَرَ إلى قوله: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً. قوله: كانَ سَيِّئُهُ بالتاء والهاء قراءتان سبعيتان، فعلى الأولى يكون المراد من قوله: كُلُّ ذلِكَ المنهيات وهي اثنتا عشرة خصلة، والتأنيث في سَيِّئُهُ باعتبار معنى كُلُ وتذكير مَكْرُوهاً باعتبار لفظها، وعلى الثانية يكون المراد جميع ما تقدم من المأمورات والمنهيات، وقوله: كانَ سَيِّئُهُ أي السيىء منه وهو المنهيات الاثنتا عشرة، ويكون في الآية اكتفاء، أي وكان حسنه محمودا.\rقوله: ذلِكَ مِمَّا أَوْحى أي ما تقدم من المأمورات والمنهيات بعض ما أوحى إليك.\rقوله: وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ختم به الأحكام كما ابتدأها، إشارة إلى أن التوحيد مبدأ الأمور ومنتهاها، وهو رأس الأشياء وأساسها، والأعمال بدونه باطلة لا تفيد شيئا.\rقوله: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ لما أمر بالتوحيد ونهى عن الاشراك، اتبعه بذكر التقبيح والتشنيع على من ينسب له الولد، خصوصا اخس الأولاد في زعمهم وهي البنات، فالاستفهام للتوبيخ والتقريع. قوله: (أخلصكم) بيان لمعنى الصفاء اللغوي، يقال: صفاه بمعنى خلصه، والمعنى اخصكم ربكم بالبنين الذين تدعون انهم اشرف الأولاد، وجعل لنفسه البنات اللاتي تدعون خستها عن الذكور، إن هذا الرأي شنيع من وجوه:\rاولها نسبة الولد من حيث هو للّه، ثانيها نسبة الخسيس له، ثالثها الحكم على الملائكة الكرام بالأنوثة، مع أنهم عباد مكرمون، لا يوصفون بذكورة ولا بأنوثة، وكل ذلك موجب للخلود في النار. قوله: (بنات لنفسه) في بعض النسخ بإسقاط ألف بعد التاء وهي الصحيحة، لأن من المعلوم أن بنات جمع مؤنث سالم ينصب بالكسرة، وفي بعض النسخ بثبوتها. ولعلها من سهو الناسخ، أو مخرجة على لغة قليلة تنصبه بالفتحة. قوله: قَوْلًا عَظِيماً أي كبيرا لأن نسبة الولد إليه تستلزم حدوثه، وهو محال في حقه تعالى.\rقوله: وَلَقَدْ صَرَّفْنا أي أظهرنا ووضحنا. قوله: (من الأمثال) الخ، بيان للمفعول، و«من» زائدة، والمعنى بينا في هذا القرآن الأمثال والوعد والوعيد. قوله: إِلَّا نُفُوراً أي إعراضا واستكبارا عن الهدى، قال البوصيري:\rعجبا للكفار زادوا ضلالا ... بالذي فيه للعقول ابتداء\r\rقوله: قُلْ (لهم) أي في الاستدلال على إبطال التعدد، وإثبات الوحدانية له تعالى. قوله:\rلَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ هذا إشارة إلى قياس استثنائي، يستثنى فيه نقيض التالي لينتج نقيض المقدم، وقد حذف منه الاستثنائية والنتيجة والأصل، لكنهم لم يطلبوا طريقا لقتاله، فلم يكن معه آلهة، والمعنى لو فرض أن له شريكا في الملك، لنازعه وقاتله واستعلى عليه، لكنه لم يوجد من هو بهذه المثابة، فبطل التعدد، وثبتت الوحدانية والكبرياء له سبحانه وتعالى. قوله: (ليقاتلوه) أي على عادة ملوك الدنيا عند","part":2,"page":320},{"id":921,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 321\rسُبْحانَهُ تنزيها له وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ من الشركاء عُلُوًّا كَبِيراً (43) تُسَبِّحُ لَهُ تنزهه السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ ما مِنْ شَيْءٍ من المخلوقات إِلَّا يُسَبِّحُ ملتبسا بِحَمْدِهِ أي يقول سبحان اللّه وبحمده وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تفهمون تَسْبِيحَهُمْ لأنه ليس بلغتكم إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (44) حيث لم يعاجلكم بالعقوبة وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (45) أي ساترا لك عنهم فلا يرونك، نزل فيمن أراد الفتك به صلّى اللّه عليه وسلّم وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أغطية أَنْ يَفْقَهُوهُ من أن يفهموا القرآن، أي\r______________________________\rتعددهم.\rقوله: وَتَعالى عطف على ما تضمنه قوله سبحانه كأنه قال تنزه وتعالى.\rقوله: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ الخ، القصد من ذلك التوبيخ والتقريع على من أثبت للّه شريكا، والمعنى كيف يشركون مع اللّه غيره، وكل شيء ينزهه عن كل نقص. قوله: وَالْأَرْضُ أفردها مع أنها سبع كالسماوات، لكون جنسها واحدا وهو التراب. قوله: (من المخلوقات) أي الإنس والجن والملك وسائر الحيوانات والجمادات. قوله: (أي يقول سبحان اللّه وبحمده) أي اعتقد تنزيه اللّه وأصفه بحمده، أي بكل كمال. قوله: وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ هذا يقتضي أن تسبيح الجمادات والحيوانات غير العاقلة بلسان المقال، وهو الذي اختاره جمهور السلف، وذهب الأقل إلى أنه بلسان الحال، بمعنى أنها تدل تلك المخلوقات، على أن لها صانعا متصفا بالكمالات، منزها عن النقائض، فكان ذلك تسبيحا لها، قال العارف:\rوفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد\r\rقوله: (حيث لم يعاجلكم بالعقوبة) أي مع غفلتكم، وعدم تدبركم في آياته، ونظركم في مصنوعاته\rقوله: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين أراد الكفار قتله على حين غفلة، وأل في القرآن، إما للجنس الصادق بأي آية وهو الحق، لما في الحديث «خذ من القرآن ما شئت لما شئت» وكون القرآن حجابا ساترا، ليس من خصوصياته صلّى اللّه عليه وسلّم، بل له ولأمته المؤمنين به المخلصين، كما هو مشاهد ومجرب بين العارفين، وأدلة السنة في ذلك أشهر من أن تذكر، أو للعهد، والمراد ثلاث آيات مشهورات من النحل والكهف والجاثية، وهي قوله تعالى في سورة النحل أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ. وفي سورة الكهف وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ. وفي الجاثية أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ الآية، وزاد العلماء أول سورة يس إلى قوله فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ لما ورد أنه قرأها حين اجتمعوا على بابه لإرادة قتله، وأذن اللّه له في الهجرة، فأخذ حفنة من تراب في يده، وخرج وهو يتلويس إلى قوله فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وجعل ينثر التراب على رؤوسهم، ثم انصرف، فلم يره أحد منهم، بل أخذ اللّه أبصارهم.\rقوله: وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي وهم المنكرون للبعث. قوله: (أي ساترا) أشار بذلك إلى أن اسم المفعول بمعنى اسم الفاعل. قوله: (فيمن أراد الفتك به) أي كأبي جهل، وأم جميل زوجة أبي لهب، ويهود خيبر، ويهود المدينة، والمتفقين، والفتك بتثليث الفاء هو القتل على غفلة. قوله: (أغطية) أي","part":2,"page":321},{"id":922,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 322\rفلا يفهمونه وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً تقلا فلا يسمعونه وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (46) عنه نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ بسببه من الهزء إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ قراءتك وَإِذْ هُمْ نَجْوى ينتاجون بينهم أي يتحدثون إِذْ بدل من إذ قبله يَقُولُ الظَّالِمُونَ في تناجيهم إِنْ ما تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (47) مخدوعا مغلوبا على عقله، قال تعالى:\rانْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ بالمسحور والكاهن والشاعر فَضَلُّوا بذلك عن الهدى فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48) طريقا إليه وَقالُوا منكرين للبعث أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (49) قُلْ لهم كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (50) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ يعظم عن قبول الحياة فضلا عن العظام والرفات فلا بد من إيجاد الروح فيكم فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا إلى الحياة قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ خلقكم أَوَّلَ مَرَّةٍ ولم تكونوا شيئا لأن القادر على البدء\r______________________________\rحجبا معنوية تمنعهم من إدراكه. قوله: (فلا يسمعونه) أي إما أصلا كما وقع لبعض الكفار، حيث كان النبي يقرأ القرآن وهم لا يسمعونه، أو المنفي سماع التدبر والاتعاظ، وهو موجود في جميع الكفار والمنافقين.\rقوله: وَحْدَهُ حال من قوله: رَبَّكَ بمعنى منفردا في الألوهية. قوله: وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً أي أعرضوا ولم يؤمنوا.\rقوله: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ المقصود من هذه الآية، تسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عما وقع من المشركين وتهديد لهم، حيث كانوا يجلسون عند النبي مظهرين الاستماع، وفي الواقع قاصدين الاستهزاء قوله: (من الهزء) بيان لما. قوله: إِذْ يَسْتَمِعُونَ ظرف لأعلم، وكذا قوله: وَإِذْ هُمْ نَجْوى والمعنى نحن أعلم بالذي يستمعون بسببه، وقت استماعهم إليك ووقت تناجيهم. قوله: نَجْوى إما مصدر أو جمع نجي. قوله: (بدل من إذ قبله) أي وهو قوله: وَإِذْ هُمْ نَجْوى قوله: يَقُولُ الظَّالِمُونَ أي لبعضهم، أو لمن كان قريبا منهم في المجلس من المؤمنين.\rقوله: كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ أي حيث شبهوك بالأوصاف الناقصة، كالمسحور والشاعر والكاهن. قوله: فَضَلُّوا (بذلك عن الهدى) أي لأن الهدى تابع للتسليم، وحسن العقيدة، وهؤلاء بريئون من ذلك. قوله: (طريقا إليه) أي إلى الهدى لعدم تيسير أسبابه لهم. قوله: (منكرين للبعث) أشار بذلك إلى أن الاستفهام للإنكار والاستبعاد. قوله:\rوَرُفاتاً هو ما بولغ في تفتيته ودقه حتى يصير كالتراب، وقيل هو التراب يؤيده أنه تكرر في القرآن ترابا وعظاما.\rقوله: قُلْ كُونُوا حِجارَةً أي جوابا عن إنكارهم البعث. والمعنى قل لهم: لو صرتم حجارة أو حديدا أو خلقا آخر غيرهما، كالسماوات والأرض والجبال، فلا بد من إيجاد الحياة فيكم، فإن قدرة اللّه لا تعجز عن إحيائكم، وإعادتكم للجسمية والروحية، فكيف إذا كنتم عظاما ورفاتا؟ وليس المراد الأمر، بل المراد أنكم لو كنتم كذلك، لما أعجزتم اللّه عن الإعادة. قوله: مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ أي اعتقادكم. والمعنى لو كنتم أشياء يعظم في اعتقادكم قبولها الحياة، لكونها بعيدة منها، لأحياكم اللّه، إذ القادر لا يعجزه شيء.","part":2,"page":322},{"id":923,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 323\rقادر على الإعادة بل هي أهون فَسَيُنْغِضُونَ يحركون إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ تعجبا وَيَقُولُونَ استهزاء مَتى هُوَ أي البعث قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (51) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ يناديكم من القبور على لسان إسرافيل فَتَسْتَجِيبُونَ فتجيبون دعوته من القبور بِحَمْدِهِ بأمره وقيل وله والحمد وَتَظُنُّونَ إِنْ ما لَبِثْتُمْ في الدنيا إِلَّا قَلِيلًا (52) لهول ما ترون وَقُلْ لِعِبادِي المؤمنين يَقُولُوا للكفار الكلمة الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ يفسد بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (53) بين العداوة، والكلمة التي هي أحسن هي رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ بالتوبة والإيمان أَوْ إِنْ يَشَأْ تعذيبكم يُعَذِّبْكُمْ بالموت على الكفر وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (54) فتجبرهم على الإيمان، وهذا قبل الأمر بالقتال وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي\r______________________________\rقوله: قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أي يعيدكم الذي فطركم. قوله: (بل هي أهون) أي لأن البدء لم يكن على مثال سابق بخلاف الإعادة، وذلك بالنظر لعقولنا وأفعالنا، وإلا فالبدء والإعادة بالنسبة إليه تعالى على حد سواء، فخلق الجبل العظيم عنده مساو لخلق الذرة، قال تعالى: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ. قوله: فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ يقال نغض الشيء تحرك، وأنغض رأسه حركه، كالمتعجب من الشيء. قوله: أَنْ يَكُونَ قَرِيباً هو في محل نصب خبر عسى على أنها ناقصة، واسمها ضمير يعود على البعث، أو في محل رفع فاعل بها على أنها تامة.\rقوله: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ ظرف لقوله: قَرِيباً. قوله: (على لسان إسرافيل) هو أحد قولين، والآخر أن المنادي جبريل، والنافخ إسرافيل، وصورة النداء أنه يقول: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن اللّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. قوله:\r(فتجيبون) أي تبعثون. قوله: بِحَمْدِهِ حال من الواو في تستجيبون، أي تجيبونه حال كونكم حامدين له على ذلك، لما قيل: إنهم ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون سبحانك اللهم وبحمدك. قوله:\r(بأمره) تفسير آخر لمعنى الحمد هنا وعليه فالباء سببية. قوله: (و قيل وله الحمد) أي لما ورد أنهم يقولون نعم وله الحمد، وهو إخبار عن جميع الخلق، مؤمنهم وكافرهم، فالمؤمنون يحمدون اللّه شكرا على ما أولاهم من النعم، والكفار يحمدونه رجاء أن ينفعهم ذلك الشكر، وهو لا ينفعهم، وقيل هو في خصوص المؤمنين. قوله: (في الدنيا) أي أو في القبور، لأنهما من جملة عمر الدنيا.\rقوله: يَقُولُوا مجزوم في جواب الأمر. قوله: الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. أي ولا يغلظوا عليهم؛ فإن ذلك داع إلى الشر، كأن يقولوا لهم: إنكم من أهل النار ومن الأشقياء، وغير ذلك. قوله: إِنَّ الشَّيْطانَ الخ، تعليل لمفهوم. قوله:\rيَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ كأنه قال: ولا يقولوا غيرها مما ينفر النفوس، لأن الشيطان، الخ. قوله:\rبَيْنَهُمْ أي بين المؤمنين والمشركين. قوله: (يفسد) بَيْنَهُمْ أي لأن الاغلاظ عليهم، ربما يثير العناد، ويؤدي لزيادة الفساد.\rقوله: (هي) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ الخ، أي وما بينهما اعتراض. والمعنى ربكم أعلم بعاقبة أمركم. قوله: (بالتوبة والإيمان) أي بسببهما.\rقوله: وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا أي وما جعلنا أمرهم موكولا لك، بل ليس عليك إلا البلاغ، فدارهم ومر أصحابك بتحمل أذاهم. قوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) أي فهو منسوخ بآية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ*","part":2,"page":323},{"id":925,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 324\rالسَّماواتِ وَالْأَرْضِ فيخصهم بما شاء على قدر أحوالهم وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ بتخصيص كل منهم بفضيلة كموسى بالكلام وإبراهيم بالخلة ومحمد بالإسراء وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (55) قُلِ لهم ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنهم آلهة مِنْ دُونِهِ كالملائكة وعيسى وعزير فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا (56) له إلى غيركم أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ هم آلهة\r______________________________\rجاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ* ومقتضى العلة، أنه حيث أدى الاغلاظ إلى زيادة الفساد، وجب تركه في أي زمن.\rقوله: بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي بأحوالهم، فيخص بالنبوة من شاء من خلقه، وبولايته وسعادته من شاء منهم، وفي هذه الآيات رد على المشركين، حيث استبعدوا النبوة على رسول اللّه بقولهم: كيف يكون يتيم أبي طالب نبيا؟ وكيف يكون العراة الجوع أصحابه؟ وهذه العبارة لا يجوز إطلاقها على النبي، إلا في مقام الحكاية على الكفار، ولذا أفتى بعض المالكية بقتل قائلها في مقام النقيض، والباء متعلقة بأعلم، ولا يلزم عليه قصر علمه على من في السماوات والأرض، لأنه مفهوم لقب وهو لا يعتبر، وقد رد العلماء على من اعتبره، كأبي بكر الدقاق.\rقوله: وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ أي بتفضيل من اللّه ومزايا خصهم بها، ميز بعضهم عن بعض. قوله: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً خص بالذكر، لأن اليهود زعمت أنه لا نبي بعد موسى، ولا كتاب بعد التوراة، وقصدهم بذلك إنكار نبوة محمد وإنكار كتابه، فرد اللّه عليهم بقوله: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً لأنهم يعترفون بنبوة داود، ونزل الزبور عليه، مع أنه جاء بعد موسى، والزبور كتاب أنزل على داود، مشتمل على مائة وخمسين سورة، أطولها قدر ربع من القرآن، وأقصرها قدر سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وكلها دعاء وتحميد، ليس فيها حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود ولا أحكام، وفي هذه الآية، إشارة إلى أن تفضيل الأنبياء بالفضائل النفسانية، والتخلي عن العلائق الجسمانية، والتحلي بالأخلاق الرحمانية، لا بكثرة الأموال والأتباع، حتى داود عليه السّلام، فإن شرفه بما أوحى اللّه إليه من الكتاب، لا بما أوتيه من الملك، فالعز والتفضيل فى المزايا الأخروية لا الدنيوية، فإنها تكون في المؤمن والكافر، فلا يمتن اللّه بها على أحبابه وأصفيائه.\rقوله: قُلِ (لهم) أي قل يا محمد ردا على من اعتقد مع اللّه شريكا. قوله: (أنهم آلهة) أشار بذلك إلى أن مفعولي زعم محذوفان. قوله: مِنْ دُونِهِ أي غيره، وفي الآية تقديم وتأخير، والتقدير قل ادعوا الذين من دونه زعمتم أنهم آلهة، فالمعنى أنهم يعبدونها كما يعبدون اللّه، فاندفع ما يقال: إن المشركين. إنما يعتقدون الشركة مع اللّه، لا أن الآلهة غيره، وهو ليس بإله. قوله: (كالملائكة) الخ، أي وكمريم،\rفالكلام في خصوص العقلاء بدليل قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ قوله: فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ أي لا يستطيعون إزالته لعجزهم، وحينئذ فهؤلاء ليسوا بآلهة، لأن الإله هو القادر الذي لا يعجزه شيء، والجملة جواب الأمر.\rقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ هذا من تتمة ما قبله، واسم الإشارة مبتدأ، وجملة يَبْتَغُونَ وما عطف عليه خبر، والَّذِينَ بدل من اسم الإشارة أو عطف بيان عليه ويَدْعُونَ صلته، وقدر المفسر مفعوليه والمعنى أن العقلاء الذين زعمتموهم وعبدتموهم آلهة، يطلبون من اللّه القرب بسبب","part":2,"page":324},{"id":926,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 325\rيَبْتَغُونَ يطلبون إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ القربة بالطاعة أَيُّهُمْ بدل من واو يبتغون أي يبتغيها الذي هو أَقْرَبُ إليه فكيف بغيره وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ كغيرهم فكيف تدعونهم آلهة إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (57) وَإِنْ ما مِنْ قَرْيَةٍ أريد أهلها إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ بالموت أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً بالقتل وغيره كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ اللوح المحفوظ مَسْطُوراً (58) مكتوبا وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ التي اقترحها أهل مكة إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ لما أرسلناها فأهلكناهم ولو أرسلناها إلى هؤلاء لكذبوا بها واستحقوا الإهلاك وقد حكمنا بإمهالهم لإتمام أمر محمد وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ آية مُبْصِرَةً بينة واضحة فَظَلَمُوا كفروا بِهَا فأهلكوا وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ المعجزات إِلَّا تَخْوِيفاً (59) للعبادة\r______________________________\rطاعتهم وخضوعهم وذلهم لربهم، ويرجون رحمته، ويخافون عقابه، بل كل من كان أقرب منهم في الدرجة، فهو أشد خضوعا وخوفا، ولا يرضون بكونهم معبودين من دون اللّه. قوله: (بدل من واو يبتغون) أي وأَقْرَبُ خبر مبتدأ محذوف والجملة صلة، أي كما أشار له المفسر بقوله: (يبتغيها الذي هو) أَقْرَبُ. قوله: (فكيف تدعونهم آلهة) أي مع كونهم راجين خائفين محتاجين لربهم، والإله لا يكون كذلك. قوله: كانَ مَحْذُوراً أي مخافا منه، والمعنى هو حقيق بأن يخاف منه كل أحد.\rقوله: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ أي طائعة أو عاصية، وقوله: إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها أي الطائعة، وقوله:\rأَوْ مُعَذِّبُوها أي العاصية، والمعنى أن كل أحد يفنى قبل يوم القيامة، قال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ولكن الفناء مختلف، فمنهم من يموت ميتة حسنة، ومنهم من يموت ميتة سوء. قوله: (بالموت) أي فالهلاك قد يستعمل في الموت، قال تعالى: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ. قوله: كانَ ذلِكَ أي ما ذكر من الإهلاك والتعذيب. قوله: مَسْطُوراً أي فلا يغير ولا يبدل.\rقوله: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ الخ، سبب نزول هذه الآية، أنهم قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: اقلب لنا الصفا ذهبا، وسير لنا هذه الجبال عن مكة لنزرع مكانها، وأحي لنا آباءنا الموتى، فإن فعلت ذلك آمنا بك، فشرع النبي يسأل اللّه تعالى في ذلك، فنزلت هذه الآية، والمعنى ما كان السبب في تركنا إجابتهم عجزا منا، بل السبب في ترك الإجابة غلبة رحمتنا بهم، فإنه قد جرت عادتنا، من أول الزمان إلى وقتك هذا، أن كل أمة طلبت من نبيها آية نأتيهم بها، فإذا كفروا استأصلناهم بالهلاك، وقد سبق في علمنا أن أمتك تبقى على وجه الأرض إلى يوم القيامة، ولو آتيناهم ما طلبوه ولم يؤمنوا، لاستأصلناهم بالهلاك، فلم يتم ما سبق في علمنا، فمنعهم مما طلبوه رحمة بأمتك جميعا. قوله: (التي اقترحوها) أي كقلب الصف ذهبا، وغير ذلك مما يأتي في قوله وقالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً الآيات.\rقوله: مُبْصِرَةً بكسر الصاد بإتفاق السبعة، وإسناد الإبصار لها مجاز، لأنها سبب في التبصر والاعتبار والاهتداء، وخصت معجزة صالح بالذكر هنا، لأن المكذبين لها ديارهم المهلكة قريبة منهم، يبصرونها في أسفارهم ذهابا وإيابا. قوله: (المعجزات) دفع بذلك ما يقال إن في الآية تعارضا، حيث نفى إرسال الآيات أولا، وأثبته ثانيا. وحاصل الجواب أن يقال: إن المنفي أولا الآيات المقترحة، والمثبت ثانيا المعجزات الغير المقترحة.","part":2,"page":325},{"id":927,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 326\rفيؤمنوا وَاذكر إِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ علما وقدرة فهم في قبضته فبلغهم ولا تخف أحدا فهو يعصمك منهم وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ عيانا ليلة الإسراء إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ أهل مكة إذ كذبوا بها وارتد بعضهم لما أخبرهم بها وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وهي الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم جعلناها فتنة لهم إذ قالوا النار تحرق الشجر فكيف تنبته وَنُخَوِّفُهُمْ بها فَما يَزِيدُهُمْ تخويفنا إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً (60) وَاذكر إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ سجود تحية بالانحناء فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (61) نصب بنزع الخافض أي من طين قالَ أَرَأَيْتَكَ أي أخبرني هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ فضلت\r______________________________\rقوله: وَإِذْ قُلْنا لَكَ إذ ظرف متعلق بمحذوف قدره المفسر بقوله: (اذكر). قوله: (فهو يعصمك منهم) أي قتلهم لا من أذاهم فإنه حاصل. قوله: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا المراد الرؤية بالبصر، واستعمالها بالألف قليل، والكثير استعمال البصرية بالتاء، والحلمية بالألف، وإنما عبر عنها بالألف لوقوعها بالليل، ولسرعة تقضيها كأنها منام.\rقوله: وَالشَّجَرَةَ معطوفة على الرؤيا. قوله: الْمَلْعُونَةَ إسناد اللعن لها، إما حقيقة بالاعتبار أنها مؤذية ومذمومة ومطرودة عن رحمة اللّه، لأنها تخرج في أصل الجحيم، أو مجاز والمراد ملعون آكلوها.\rقوله: فِي الْقُرْآنِ الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة الشجرة، أي المذكورة في القرآن. قوله:\r(و هي الزقوم) هي أخبث الشجر المر تنبت بتهامة، وتكون في أصل الجحيم طعام أهل النار. قوله: (إذ قالوا النار تحرق الشجر) الخ، أي فقصدوا بذلك، إنكار قدرة اللّه تعالى وإثبات العجز له، والاستهزاء بقول الرسول، وهو غفلة منهم عن قدرة اللّه، معتمدين على الأمر العادي، مع أنه شوهد تخلفه في مثل النعامة، فإنها تبتلع الجمر والحديد المحمى بالنار ولا يحرقها، وطير السمندل يتخذ من وبره مناديل، فإذا اتسخت ألقيت في النار، فيزول وسخها وتبقى بحالها.\rقوله: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ كرر قصة آدم مع إبليس في القرآن مرارا، لابتناء السعادة والشقاوة عليها، وإشارة إلى أن السعيد هو من تبع آدم، والشقي هو من تبع إبليس، ليحصل ما ترتب على ذلك من النعيم المقيم لأهل السعادة، والعذاب الأليم لأهل الشقاوة. قوله: اسْجُدُوا لِآدَمَ أي بعد أن قال لهم إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها قال لهم: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ثم علمه أسماء الأشياء كلها، ثم عرض اللّه على الملائكة المسميات؛ وأمر آدم أن يقول للملائكة: أنبئوني بأسماء هؤلاء، قالوا: لا علم لنا إلا ما علمتنا، قال اللّه: يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم صار شيخا لهم، فوجب تعظيمه واحترامه، فأمروا بالسجود له، وفاء ببعض حقوقه عليهم. قوله: (سجود تحية بالانحناء) دفع بذلك ما يقال: إن السجود لغير اللّه كفر، والملائكة بريئون منه، ويدفع أيضا بأن السجود لآدم حقيقة بوضع الجبهة، وآدم كالقبلة كالمصلين للكعبة، وأيضا محل كون السجود لغير اللّه كفرا، ما لم يكن الآمر به هو اللّه، وإلا فيجب امتثاله، وقد تقدم ذلك.\rقوله: فَسَجَدُوا أي الملائكة جميعا. قوله: إِلَّا إِبْلِيسَ أي امتنع من السجود قولا وفعلا.\rقوله: قالَ أَأَسْجُدُ إلخ، الاستفهام إنكاري فهو بمعنى النفي.\rقوله: قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَ","part":2,"page":326},{"id":928,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 327\rعَلَيَ بالأمر بالسجود له وأنا خير منه خلقتني من نار لَئِنْ لام قسم أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَ لأستأصلن ذُرِّيَّتَهُ بالإغواء إِلَّا قَلِيلًا (62) منهم ممن عصمته قالَ تعالى له اذْهَبْ منظرا إلى وقت النفخة الأولى فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ أنت وهم جَزاءً مَوْفُوراً (63) وافرا كاملا وَاسْتَفْزِزْ استخف مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ بدعائك بالغناء والمزامير وكل داع إلى معصية وَأَجْلِبْ صح عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وهم الركاب والمشاة في المعاصي وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ المحرمة كالربا والغصب وَالْأَوْلادِ من الزنا وَعِدْهُمْ بأن لا بعث ولا جزاء وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ بذلك إِلَّا غُرُوراً (64) باطلا إِنَ\r______________________________\rالهمزة للاستفهام، ورأى فعل ماض، والتاء فاعل، والكاف مؤكدة لتاء الخطاب، واسم الإشارة مفعول أول، والَّذِي بدل منه أو صفة له، وكَرَّمْتَ الموصول، والعائد محذوف تقديره كرمته، والمفعول الثاني محذوف تقديره لم كرمته عليّ؟ ولم يجبه اللّه عن هذا السؤال تحقيرا له، حيث اعترض على مولاه، وتكبر وحسد عباد اللّه، والإراءة هنا بمعنى الاخبار، ففيه مجاز مرسل، من باب إطلاق السبب على المسبب، لأن شأن من كان رائيا لشيء أن يخبر به، وأطلق الاستفهام وأريد منه الطلب، ففيه مجاز مرسل على مجاز، وتقدم نظائر هذه الآية في الأنعام، وسيأتي في القصص. قوله: (خلقتني من نار) أي وهي أفضل العناصر الأربع. قوله: (لام القسم) أي مقدرة تقديره واللّه، وقوله: لَأَحْتَنِكَنَ جواب القسم، والجملة مستأنفة مرتبة على محذوف، والتقدير فطرده اللّه، فطلب اللعين الإمهال للنفخة الثانية، فأجابه اللّه بخلاف ما طلب فقال: لَئِنْ أَخَّرْتَنِ الخ، والاحتناك في الأصل مأخوذ من حنك الدابة إذا جعل الرسن في حنكها، واحتنك الجراد الأرض أكل ما عليها، والياء في أخرتني ثابتة لبعض القراء وصلا ووقفا، ومحذوفة لبعضهم كذلك، وثابتة لبعضهم وصلا، وحذفها وقفا، فالقراءات ثلاث وكلها سبعية هنا، وأما التي تأتي في المنافقين، فالياء ثابتة للكل لثبوتها في الرسم. قوله: (ممن عصمته) أي عصمة واجبة كالأنبياء، أو جائزة كالصلحاء.\rقوله: قالَ (تعالى) اذْهَبْ هذا تهديد له، وليس الأمر في المواضع الخمسة على حقيقته، بل هو استدراج وتهديد لأنه معصية، واللّه لا يأمر بها، على حد: إذا لم تستح فاصنع ما شئت. قوله: (إلى وقت النفخة الأولى) هذا جواب له على خلاف ما طلب، فإنه طلب الانظار إلى النفخة الثانية ليفر من الموت، فإنه يعلم أن لا موت بعد النفخة الثانية. قوله: جَزاؤُكُمْ غلب المخاطب لأنه سبب في الأغواء قوله: جَزاءً منصوب بالمصدر قبله. قوله: (وافر) أشار بذلك إلى أن اسم المفعول بمعنى اسم الفاعل. قوله: (بالغناء) بكسر الغين والمد، وهو تطريب الصوت بما يهيج الشهوات المحرمة. قوله:\r(و كل داع إلى معصية) كالكلام مع الأجنبية ونحوه.\rقوله: بِخَيْلِكَ الباء للملابسة، والمعنى صح عليهم حال كونك ملتبسا بجنودك الركاب والمشاة، فالمراد بالخيل ركابها، وذلك كقطاع الطرق، الذين يركبون الخيل، ويأخذون الأموال، ويقتلون النفوس. قوله: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ أي بحملهم على كسبها وجمعها من الحرام، والتصرف فيها فيما لا ينبغي. قوله: (من الزنا) أي ومثله ما لو طلق الرجل امرأته ثلاثا، وأتى منها بالأولاد، فإن الشيطان شريكه فيهم. قوله: وَعِدْهُمْ أي احملهم على اعتقاد عدم البعث والجزاء.","part":2,"page":327},{"id":929,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 328\rعِبادِي المؤمنين لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ تسلط وقوة وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65) حافظا لهم منك رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي يجري لَكُمُ الْفُلْكَ السفن فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا تطلبوا مِنْ فَضْلِهِ تعالى بالتجارة إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (66) في تسخيرها لكم وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ الشدة فِي الْبَحْرِ خوف الغرق ضَلَ غاب عنكم مَنْ تَدْعُونَ تعبدون من الآلهة فلا تدعونه إِلَّا إِيَّاهُ تعالى فإنكم تدعونه وحده لأنكم في شدة لا يكشفها إلا هو فَلَمَّا نَجَّاكُمْ من الغرق وأوصلكم إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ عن التوحيد وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (67) جحودا للنعم أَفَأَمِنْتُمْ\r______________________________\rقوله: إِنَّ عِبادِي الإضافة للتشريف. قوله: لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ أي بل هم محفوظون منك. قوله: وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا أي إن الشيطان، وإن كان قادرا على الوسوسة بأقدار اللّه، فاللّه أرحم بعباده، فهو يدفع عنهم كيده وشره، فالمعصوم من عصمه اللّه، وليس للعبد قدرة على دفع الوساوس عنه.\r- فائدة- ذكر اليافعي عن الشاذلي، أن مما يعين على دفع وسوسة الشيطان، أنك عند وسوسته لك، تضع يدك اليمنى على جانب صدرك الأيسر بحذاء القلب وتقول: سبحان الملك القدوس والخلاق الفعال سبع مرات، ثم تقرأ قوله تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ* اه.\rقوله: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لما أخبر اللّه سبحانه وتعالى، بأن الشيطان مسلط على بني آدم، إلا من عصمه منهم، وحفظه بين أوصاف الحافظ للخلق من تسلط الشيطان، كأنه قال: ربكم الحافظ لكم هو الذي يزجي، والأزجاء الإجراء، يقال: زجاه وأزجاه بمعنى أجراه، والفلك السفينة؛ يستعمل مفردا وجمعا، ووزن المفرد قفل، والجمع بدن، ويذكر باعتبار المركب، ويؤنث باعتبار السفينة. قوله: (السفن) يشير إلى أن الفلك مستعمل في الجمع. قوله: فِي الْبَحْرِ أي عذبا وملحا.\rقوله: لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أي الوصول إلى المقاصد دنيوية وأخروية فبالسفن يتوصل إلى التجارات والمكاسب وللحج وزيارة الصالحين.\rقوله: إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً تعليل ثان لقوله: يُزْجِي. قوله: (الشدة) أي من أجل هبوب الريح. قوله: (خوف الغرق) أي من أجل خوفه.\rقوله: ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ أي ذهب عن قلوبكم وخواطركم كل معبود سواه فلا تدعون غير اللّه لكشفه. قوله: إِلَّا إِيَّاهُ يحتمل أن يكون الاستثناء متصلا بحمل قوله من تدعون على جميع المعبودات بحق أو بباطل ويحتمل أن يكون منقطعا بحمله على المعبود بباطل، وتكون على هذا إلا بمعنى لكن. قوله: (من الغرق) الجار والمجرور متعلق بنجاكم، وقوله: إِلَى الْبَرِّ متعلق بمحذوف قدره المفسر بقوله: (و أوصلكم). قوله: أَعْرَضْتُمْ (عن التوحيد) أي تركتموه، فالكافر يرجع لعبادة الأصنام، والعاصي يرجع لغفلاته وشهواته، بعد أن كان الجميع آيبين متوجهين إلى اللّه خائفين منه. قوله: وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً كالتعليل لقوله:\rأَعْرَضْتُمْ.\rقوله: أَفَأَمِنْتُمْ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير أنجوتم","part":2,"page":328},{"id":930,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 329\rأَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أي الأرض كقارون أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً أي يرميكم بالحصباء كقوم لوط ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68) حافظا منه أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ أي البحر تارَةً مرة أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ أي ريحا شديدة لا تمر بشيء إلا قصفته فتكسر فلككم فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ بكفركم ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً (69) ناصرا أو تابعا يطالبنا بما فعلنا بكم وَلَقَدْ كَرَّمْنا فضلنا بَنِي آدَمَ بالعلم والنطق واعتدال الخلق وغير ذلك، ومنه طهارتهم بعد الموت وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ على الدواب وَالْبَحْرِ على السفن وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا كالبهائم والوحوش تَفْضِيلًا (70) فمن بمعنى ما أو على بابها وتشمل الملائكة والمراد تفضيل الجنس ولا يلزم تفضيل أفراده إذ هم\r______________________________\rمن الغرق فأمنتم الخ، والاستفهام للتوبيخ. قوله: أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أي يخفيكم في باطن الأرض، والمعنى أنتم وإن أمنتم من الغرق في البحر، لا تأمنون من الخسف في البر، والأفعال الخمسة تقرأ بالنون والياء سبعيتان. قوله: (كقارون) أي فقد وقع به الخسف، قال اللّه تعالى: فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ. قوله: (أي نرميكم بالحصباء) أي بسبب ريح تأتيكم. قوله: (كقوم لوط) أي فقد نزلت عليهم حجارة من السماء أهلكتهم. قوله: (حافظا منه) أي مما ذكر من الخسف وإرسال الحصباء.\rقوله:\rتارَةً مصدر وتجمع على تيرة وتارات. قوله: (إلا قصفته) أي كسرته. قوله: فَيُغْرِقَكُمْ مرتب على محذوف قدره المفسر بقوله: (فتكسر فلككم). قوله: (بكفركم) أي بسببه، وأشار بذلك إلى أن ما مصدرية، ويصح أن تكون اسم موصول، أي بسبب الذي كفرتم به. قوله: (نصيرا) أي ناصرا لكم علينا، فيحفظكم ويمنع عنكم ما فعلناه بكم. قوله: (أو تابعا يطالبنا) الخ، تفسير ثان لتبيعا. والمعنى عليه لا تجدوا لكم مطالبا يأخذ ثأركم منا.\rقوله: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ أي شرفناهم على جميع المخلوقات، بأمور جليلة عظيمة، منها أنهم يأكلون بأيديهم لا بأفواههم، ومنها كونهم معتدلي القامة، على شكل حسن وصورة جميلة، ومنها أن اللّه خلق لهم ما في الأرض جميعا، ومنها إخدام الملائكة الكرام لهم، حتى جعل منهم حفظة وكتبة لهم، وغير ذلك. قوله: (بالعلم) أي والعقل. قوله: (و منه طهارتهم بعد الموت) أي فذوات بني آدم طاهرة بعد الموت، ونجاسة الكفار منهم معنوية لخبث باطنهم، وعليه يحمل قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ. قوله:\r(على الدواب) أي الإبل والخيل والبغال والحمير. قوله: مِنَ الطَّيِّباتِ أي المستلذات كاللحم والسمن واللبن والحبوب والفواكه في جميع الأزمان.\rقوله: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ الخ، أي ميزناهم بفضائل ليست في كثير من غيرهم. قوله: (فمن بمعنى ما) أي فهي مستعملة في غير العقلاء، ويكون المراد بالكثير، جميع ما سواهم من غير الملائكة.\rقوله: (أو على بابها) أي فهي مستعملة في العقلاء، وغلبوا على غيرهم. قوله: (و المراد تفضيل الجنس) أي فجنس الإنسان، أفضل من جنس الملائكة، وهذا جواب عما يقال: لا نسلم أن جميع البشر أفضل من جميع الملائكة، فأجاب: بأن التفضيل بالجنس، فلا ينافي أن رؤساء الملائكة، أفضل من عامة البشر.","part":2,"page":329},{"id":931,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 330\rأفضل من البشر غير الأنبياء اذكر يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ نبيهم فيقال يا أمة فلان أو بكتاب أعمالهم فيقال يا صاحب الخير، يا صاحب الشر، وهو يوم القيامة فَمَنْ أُوتِيَ منهم كِتابَهُ بِيَمِينِهِ وهم السعداء أولو البصائر في الدنيا فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ ينقصون من أعمالهم فَتِيلًا (71) قدر قشرة النواة وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أي الدنيا أَعْمى عن\r______________________________\rقوله: (إذ هم) أي الملائكة. قوله: (أفضل من البشر) ظاهره مطلقا، وهو خلاف التحقيق، والتحقيق الذي عليه الأشاعرة، أن خواص البشر كالأنبياء والرسل، أفضل من خواص الملائكة، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وعوام البشر وهم الصلحاء، أفضل من عوام الملائكة وهم ما عدا الرؤساء الأربعة.\rقوله: يَوْمَ نَدْعُوا يَوْمَ معمول لمحذوف قدره المفسر بقوله: (اذكر). والمعنى اذكر يا محمد هذا اليوم وهوله لأمتك، ليكون داعيا إلى الاتعاظ والخوف، فيحملهم على الاستعداد.\rقوله: كُلَّ أُناسٍ وزنه فعال، ويجوز حذف همزته فيقال ناس، فيصير وزنه عال. قوله: (نبيهم) أي لما روي عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فينادى يوم القيامة: يا أمة إبراهيم، يا أمة موسى، يا أمة عيسى، يا أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فيقوم أهل الحق الذين اتبعوا الأنبياء، فيأخذون كتبهم بأيمانهم، ثم ينادي الأتباع: يا أتباع نمروذ. يا أتباع فرعون، يا أتباع فلان وفلان، من رؤساء الضلال وأكابر الكفار، فيأخذون كتبهم بشمائلهم من وراء ظهرهم. قوله: (أو بكتاب أعمالهم) أي لقوله تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ وما ذكره المفسر قولان في تفسير الإمام، وبقي أقوال أخر، قيل المراد به الكتاب الذي أنزل عليهم، فينادى في القيامة: يا أهل التوراة، يا أهل الإنجيل، يا أهل القرآن، ما ذا عملتم في كتابكم؟ هل امتثلتم أوامره؟ هل اجتنبتم نواهيه؟ وقيل: المراد به المذهب الذي كانوا يعبدون اللّه عليه، فيقال: يا حنفي، يا شافعي، يا معتزلي، يا قدري، ونحو ذلك، وقيل: المراد به عمل البر الذي اشتهر به في الدنيا، فينادي أهل الصدقات، وأهل الجهاد، وأهل الصيام وغير ذلك، وقيل المراد به الأمهات، لأن الإمام جمع أم، كخفاف جمع خف، فينادي الخلق بأمهاتهم فيقال: يا ابن فلانة، سترا على ولد الزنا، ورعاية حق عيسى، وإظهار شرف الحسن والحسين، ورد هذا القول الزمخشري وقال: إنه من بدع المفسرين. قوله: (فيقال يا صاحب الخير) هو على حذف مضاف، أي يا صاحب كتاب الخير. قوله:\r(و هو يوم القيامة) وله أسماء كثيرة منها: الساعة والحاقة والقارعة والواقعة يوم الدين ويوم الجزاء ويوم الحشر، وغير ذلك.\rقوله: فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ من إما شرطية أو موصولة، ودخلت الفاء في خبرها، لشبهها بالشرط.\rقوله: فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ أي وإن لم يكونوا قارئين في الدنيا، وحين يقرؤون كتابهم يظهرون لأهل الموقف، قال تعالى حكاية عنه: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ الخ. قوله: (قدر قشرة النواة) الصواب أن يقول: قدر الخيط الذي في قلب النواة، وأما القشرة التي ذكرها فهي القطمير، وأما النقير فهو الذي في النقرة التي في ظهرها، والثلاثة مذكورة في القرآن.\rقوله: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى أي وهو الذي يعطي كتابه بشماله، فيسود وجهه حينئذ ويحصل","part":2,"page":330},{"id":932,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 331\rالحق فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى عن طريق النجاة وقراءة الكتاب وَأَضَلُّ سَبِيلًا (72) أبعد طريقا عنه ونزل في ثقيف وقد سألوه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحرم واديهم وألحوا عليه وَإِنْ مخففة كادُوا قاربوا لَيَفْتِنُونَكَ يستنزلونك عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً فعلت ذلك لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ على الحق بالعصمة لَقَدْ كِدْتَ قاربت تَرْكَنُ تميل إِلَيْهِمْ شَيْئاً ركونا قَلِيلًا (74) لشدة احتيالهم وإلحاحهم وهو صريح في أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يركن ولا قارب إِذاً لو ركنت لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ عذاب الْحَياةِ وَضِعْفَ عذاب الْمَماتِ أي مثلي ما يعذب غيرك في الدنيا والآخرة ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (75) مانعا منه ونزل لما قال له اليهود\r______________________________\rله الندم، قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ الخ. قوله: أَعْمى (عن الحق) أي فالمراد أعمى القلب لا يبصر رشده. قوله: (و قراءة الكتاب) أي قراءة سارة، وإلا فهو يقرؤه قراءة يحصل له بها الندم والحسرة والحزن. قوله: وَأَضَلُّ سَبِيلًا أي لأنهم حينئذ لا ينفعهم الإيمان. قوله: (عنه) أي عن طريق النجاة. قوله: (و نزل في ثقيف) أي وهم قبيلة يسكنون الطائف، وحاصله أنهم قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب، لا نعشر ولا نحشر ولا نجبى في صلاتنا، فالمراد بقولهم لا نعشر، لا نعطي العشر من الزكاة، وبقولهم لا نحشر، لا نؤمر بالجهاد، وبقولهم لا نجبى بضم النون وفتح الجيم وتشديد الباء الموحدة مكسورة، لا نركع ولا نسجد في صلاتنا، والمراد لا نصلي، وكل ربا لنا فهو لنا، وكل ربا علينا، فهو موضوع عنا، وأن تمتعنا باللات سنة، حتى نأخذ ما يهدى لها، فإذا أخذناه كسرناها وأسلمنا، وأن تحرم وادينا كما حرمت مكة، فإن قالت العرب: لم فعلت ذلك؟ فقل: إن اللّه أمرني، فسكت النبي وطمع القوم في سكوته أن يعطيهم ذلك،\rفأنزل اللّه وَإِنْ كادُوا الخ. قوله: (مخففة) أي واسمها ضمير الشأن. قوله: (يستنزلونك) أي يطلبون نزولك عن الحكم الذي أوحيناه إليك من الأوامر والنواهي. قوله: لِتَفْتَرِيَ أي تختلق وتكذب. قوله: غَيْرَهُ أي غير ما أوحينا إليك.\rقوله: وَإِذاً هي حرف جواب وجزاء تقدر بلو الشرطية كما قال المفسر. قوله: لَاتَّخَذُوكَ جواب قسم محذوف تقديره واللّه لا تخذوك، وهو مستقبل في المعنى، لاقتضاء المجازاة الاستقبال.\rقوله:\r(و هو صريح) أي قوله: لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ. قوله: (لم يركن) أي بالطريق الأولى، وقوله: (و لا قارب) أي بمنطوق التركيب. والمعنى امتنع قربك من الركون لوجود تثبيتنا إياك، وإذا امتنع القرب من الركون، فامتناع الركون أولى. قوله: (لو ركنت) المناسب أن يقول: لو قاربت الركون، لأن جواب لو لا هو المقاربة، ولأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فإن المقاربة من فعل القبيح لا عذاب عليها عموما، والكاملون يشدد عليهم على قدر مقامهم قال العارف:\rوإذا منحت القرب فاعرف قدره ... إن السخي لمن يحب شحيح\r\rقوله: (أي مثلي ما يعذب غيرك) أي من جميع الخلق، والمعنى لو قاربت الركون، لأنزلنا عليك عذابا في الدنيا والآخرة، مثل عذاب الخلق مرتين. قوله: (مانعا منه) أي من العذاب المضاعف. قوله:\r(لما قال له اليهود) الخ، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما قدم المدينة، كره اليهود مقامه فيها حسدا، فأتوه فقالوا: يا","part":2,"page":331},{"id":933,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 332\rإن كنت نبيا فالحق بالشام فإنها أرض الأنبياء وَإِنْ مخففة كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ أرض المدينة لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لو أخرجوك لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ فيها إِلَّا قَلِيلًا (76) ثم يهلكون سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا أي كسنتنا فيهم من إهلاك من أخرجهم وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (77) تبديلا أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ أي من قوت زوالها إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ إقبال ظلمته أي الظهر والعصر والمغرب والعشاء وَقُرْآنَ الْفَجْرِ صلاة الصبح إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (78) تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ فصل بِهِ بالقرآن\r______________________________\rأبا القاسم، لقد علمت ما هذه بأرض الأنبياء، فإن أرض الأنبياء الشام، وهي الأرض المقدسة، وكان بها إبراهيم والأنبياء، فإن كنت نبيا مثلهم فائت الشام، وإنما يمنعك من الخروج إليها مخافة الروم، وإن اللّه سيمنعك من الروم إن كنت رسوله، فسار النبي بجيشه على ثلاثة أميال من المدينة، وفي رواية إلى ذي الحليفة، حتى يجتمع إليه أصحابه، ويأتي الإذن من اللّه فيخرج، فنزلت هذه الآية، فرجع، وسلطه اللّه عليهم، فقتل منهم بني قريظة، وأجلى بني النضير بعد زمن قليل، وهذا مبني على أن الآية مدنية، وأما على أن الآية مكية، فالمراد بالأرض أرض العرب، والمعنى همّ المشركون أن يخرجوه منها، فمنعهم اللّه عنه، ولم ينالوا منه ما أملوه.\rقوله: لَيَسْتَفِزُّونَكَ أي يزعجونك بمكرهم وعداوتهم. قوله: وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ العامة على ثبوت النون، ورفع الفعل لعطفه على قوله: لَيَسْتَفِزُّونَكَ وقرىء شذوذا بحذف النون وخرجت على أنه منصوب بإذا. قوله: خَلْفَكَ وفي قراءة خلافك وهما سبعيتان والمعنى واحد. قوله: إِلَّا قَلِيلًا صفة لمصدر أو لزمان محذوف، أي إلا لبثا أو زمانا قليلا.\rقوله: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا سنة منصوب بنزع الخافض، كما أشار له المفسر بقوله: (أي كسنتنا) والمعنى يفعل باليهود من إهلاكهم لو أخرجوك، كسنتنا فيمن قد مضى من الرسل، حيث نهلك من أخرجهم، وهذا على أن الآية مدنية وعلى أنها مكية، فالمعنى نفعل بأهل مكة الذين عزموا على إخراجك، كما فعلنا بمن مضى قبلهم، وقد قطع اللّه دابرهم بسيفه صلّى اللّه عليه وسلّم في بدر وغيرها.\rقوله: أَقِمِ الصَّلاةَ أي دم على أداء الصلاة التي فرضها اللّه عليك، وهي الصلوات الخمس بشروطها وأركانها وآدابها. قوله: لِدُلُوكِ الشَّمْسِ مادة الدلوك تدل على التحول والانتقال، ومنه الدلاك لعدم استقرار يده، وفي الزوال انتقال الشمس من وسط السماء إلى ما يليه، ويستعمل في الغروب أيضا. قوله: (أي من وقت زوالها) أشار بذلك إلى أن اللام بمعنى من الابتدائية، والكلام على حذف مضاف، والدلوك بمعنى الزوال، ويصح أن تكون اللام على بابها للتعليل، ويصح أن تكون بمعنى بعد، والأسهل ما قاله المفسر.\rقوله: إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل أقم، والتقدير أقم الصلاة، مبتدئا من دلوك الشمس، منتهيا إلى غسق الليل. قوله: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ بالنصب عطف على الصلاة. قوله: (صلاة الصبح) أي وسميت قرآنا، لأنه أحد أركانها، فسميت باسم بعضها. قوله:\r(تشهده ملائكة الليل) إلخ، أي تحضره الملائكة الحفظة لما في الحديث «إن للّه ملائكة يتعاقبون فيكم،","part":2,"page":332},{"id":934,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 333\rنافِلَةً لَكَ فريضة زائدة لك دون أمتك أو فضيلة على الصلوات المفروضة عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ يقيمك رَبُّكَ في الآخرة مَقاماً مَحْمُوداً (79) يحمدك فيه الأولون والآخرون وهو مقام الشفاعة في فصل القضاء، ونزل لما أمر بالهجرة وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي المدينة مُدْخَلَ صِدْقٍ إدخالا\r______________________________\rملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، فيجتمعون عند صلاة الصبح، وعند صلاة العصر، فيصعد الذين باتوا فيكم، فيسألكم اللّه وهو أعلم بهم فيقول: ماذا تركتم عبادي؟ فيقولون تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون، وأخذ مالك من الآية، أن الصلاة الوسطى هي الصبح.\rقوله: وَمِنَ اللَّيْلِ الجار والمجرور متعلق بتهجد، ومِنَ بمعنى بعض، والتهجد في الأصل من الهجود، وهو النوم بالليل، ثم استعمل في الصلاة بالليل، بعد الانتباه من النوم، فهو من تسمية الأضداد، يستعمل في النوم وضده، والمعنى انتبه من نومك، وصل في جوف الليل والناس نيام. قوله:\r(بالقرآن) أي فالضمير عائد على القرآن، لا بالمعنى المتقدم ففيه استخدام. قوله: (فريضة زائدة لك) هذا مبني على أن قيام الليل، كان واجبا عليه دون أمته، وحينئذ فيكون معنى النافلة الزيادة اللغوية.\rقوله: (أو فضيلة) تفسير ثان، وهو مبني على أنه في حقه مندوب، فالنافلة على بابها. إن قلت: على هذا التفسير لا خصوصية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك، بل هم مندوب لأمته كذلك. أجيب: بأنها له علو درجات، وشكر للّه على نعمائه لما في الحديث «كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه» فقالت له عائشة: أتفعل ذلك وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أ فلا أكون عبدا شكورا؟» ولغيره تكفير لذنوبه وخطراته، وتهجده صلّى اللّه عليه وسلّم لم يزد في رمضان ولا في غيره على ثلاث عشرة ركعة اثنتان خفيفتان، وما بقي طوال.\rقوله: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ الخ عَسى في كلام اللّه للتحقيق، لأنه وعد كريم وهو لا يتخلف.\rقوله: مَقاماً منصوب بيبعثك لأنه مضمن معنى يقيمك، وإليه يشير المفسر بقوله: (يقيمك في الآخرة) مَقاماً. قوله: (و هو مقام الشفاعة في فصل القضاء) أي حين يجمع اللّه الناس في صعيد واحد، وتدنو الشمس، حتى يكون بينها وبين رؤوس الخلائق قدر المرود، وتحيط النار بهم، والملائكة تحدق بهم سبع صفوف، حتى يكون على القدم ألف قدم، أو مائة ألف قدم على قدم، فيشتد الكرب على الخلائق، فيذهبون إلى آدم فيسألونه الشفاعة فيقول: إني أكلت من الشجرة، ولكن ائتوا نوحا، فيأتونه فيسألونه الشفاعة فيقول: إني دعوت على قومي، ولكن ائتوا إبراهيم، فيأتونه فيقول: إني كذبت ثلاث كذبات، ولكن ائتوا موسى، فيأتونه فيقول: إن قتلت نفسا، ولكن ائتوا عيسى، فيأتونه فيقول: إن قومي عبدوني من دون اللّه، ولكن ائتوا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم، فيأتونه فيقول: أنا لها، أنا لها، فيستأذن اللّه فيؤذن له، ثم يخر ساجدا، ويثني على اللّه بثناء عظيم، فيقال: ارفع رأسك وقل تسمع، واشفع تشفع، وسل تعط، فيرفع رأسه، فحينئذ ينفض الموقف، ويدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يشفع ثانيا، فيخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وفي الحديث «أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي». قوله: (لما أمر بالهجرة) فيه أن الآية مدنية، إلا أن يقال إنا ما هنا مرور على القول بأن السورة كلها مكية، وهو ما مشى عليه البيضاوي أول السورة كما تقدم.\rقوله: أَدْخِلْنِي (المدينة) أي وتسمى طيبة وقبة الإسلام، وقد استنارت به صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله:","part":2,"page":333},{"id":935,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 334\rمرضيا لا أرى فيه ما أكره وَأَخْرِجْنِي من مكة مُخْرَجَ صِدْقٍ إخراجا لا ألتفت بقلبي إليها وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (80) قوة تنصرني بها على أعدائك وَقُلْ عند دخولك مكة جاءَ الْحَقُ الإسلام وَزَهَقَ الْباطِلُ بطل الكفر إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (81) مضمحلا زائلا، وقد دخلها صلّى اللّه عليه وسلّم وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده ويقول ذلك حتى سقطت، رواه الشيخان وَنُنَزِّلُ مِنَ للبيان الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ من الضلالة وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ به وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ الكافرين إِلَّا خَساراً (82) لكفرهم به وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى\r______________________________\rمُدْخَلَ صِدْقٍ المدخل بضم الميم، والمخرج كذلك، لأن فعلهما رباعي مصدران بمعنى الإدخال والإخراج. قوله: (مرضيا) أي تطمئن به نفسي بحيث لا يزعجني شيء. قوله: (لا ألتفت بقلبي إليها) أي إلى مكة لبلوغ الآمال بغيرها، وما تقدم من شرح تلك الآية، هو ما مشى عليه المفسر، وقيل أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة مدخل صدق، وأخرجني من الدنيا، وقد قمت بما وجب علي من حق النبوة مخرج صدق، وقيل أدخلني في طاعتك مدخل صدق، وأخرجني من المناهي مخرج صدق، وقيل أدخلني حيثما أدخلتني بالصدق، وأخرجني بالصدق، ولا تجعلني ممن يدخل بوجه، ويخرج بوجه، فإن ذا الوجهين لا يكون أمينا عند اللّه، ولورود تلك المعاني، استعملتها الصوفية على حسب مقاصدهم، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله: (قوة تنصرني بها على أعدائك) أي وقد أجاب اللّه دعاءه، فوعده بملك فارس والروم وقال له: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، وقال: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ*. قوله: (و قل عند دخولك مكة) أي يوم الفتح.\rقوله: وَزَهَقَ الْباطِلُ يقال زهق اضمحل، وزهقت روحه خرجت. قوله: (يطعنها) أي يطعن كلا منها في عينه. قوله: (حتى سقطت) أي مع أنها كانت مثبتة بالحديد والرصاص، وبقي منها صنم خزاعة فوق الكعبة، وكان من نحاس أصفر، فقال النبي: يا علي ارم به، فصعد فرمى به فكسره.\rقوله:\rمِنَ (للبيان) أي لبيان الجنس، وقدم على المبين اهتماما بشأنه، فالقرآن قليله وكثيره، شفاء من الأمراض الحسية الظاهرية، بدليل ما ورد في حديث الفاتحة: وما يدريك أنها رقية وشفاء من الأمراض المعنوية الباطنية، كالاعتقادات الباطلة، والأخلاق المذمومة، كالكبر والعجب والرياء وحب الدنيا والحرص والبخل وغير ذلك لاشتماله على التوحيد وأدلته، وعلى مكارم الأخلاق وأدلتها، وما مشى عليه المفسر من أن مِنَ (للبيان) هو التحقيق لما ورد: خذ من القرآن ما شئت لما شئت، وورد: من لم يستشف بالقرآن لا شفاه اللّه، وقيل إنها للتبعيض، والمعنى أن منه ما يشفي من الأمراض، كالفاتحة وآيات الشفاء. قوله: (من الضلالة) أي سوء الاعتقاد، وخصت بالذكر مع أنه شفاء من الأمراض الحسية أيضا، لأن الضلالة رأس الأمراض. قوله: وَرَحْمَةٌ أي بركة دنيوية وأخروية، فهو عطف عام.\rقوله: لِلْمُؤْمِنِينَ أي فهم المنتفعون به دون غيرهم، ولكن يشترط حسن النية، والاعتقاد والجزم بالإجابة. قوله: وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً أي نقصا وطغيانا، لأنهم لا يصدقون به، فحرموا من الانتفاع به.\rقوله: وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أي بأن أعطيناه الصحة والغنى. قوله: (الكافر) أي فهذه","part":2,"page":334},{"id":936,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 335\rالْإِنْسانِ الكافر أَعْرَضَ عن الشكر وَنَأى بِجانِبِهِ ثنى عطفه متبخترا وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ الفقر والشدة كانَ يَؤُساً (83) قنوطا عن رحمة اللّه قُلْ كُلٌ منا ومنكم يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ طريقته فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا (84) طريقا فيثيبه وَيَسْئَلُونَكَ أي اليهود عَنِ\r______________________________\rالأوصاف في حقه، وكل ما ورد في حق الكفار من الذم، فإنه يجر بذيله على عصاة الأمة المتصفين بتلك الأوصاف. قوله: أَعْرَضَ (عن الشكر) أي عن صرف النعم في مصارفها وتكبر وتعاظم. قوله: (ثنى عطفه) ألوى جانبه. قوله: (متبخترا) أي متكبرا. قوله: كانَ يَؤُساً أي غير راج رحمة اللّه، ولا ينافي ما هنا قوله تعالى في الآية الأخرى وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فذو دعاء عريض لأن الكفار مختلفون، فبعضهم في حال الشر يكثر الدعاء، وبعضهم يقنط من رحمة اللّه، أو يقال: إنهم وإن أكثروا الدعاء ظاهرا هم قانطون في الباطن من رحمة اللّه.\rقوله: عَلى شاكِلَتِهِ أي كل واحد منا ومنكم، ويعمل على حالته وطبيعته وروحه التي جبل عليها، فالروح السعيدة صاحبها يعمل عمل السعداء، وتظهر منه الأخلاق المرضية، والأفعال الجميلة، وصاحب الروح الشقية، يعمل عمل الأشقياء، وتظهر منه الأخلاق القبيحة، والأفعال الخبيثة، وفي هذه الآية دليل على أن الظاهر عنوان الباطن. قوله: أَهْدى يجوز أن يكون من اهتدى على حذف الزوائد، وأن يكون من هدى المتعدي، وأن يكون من هدى القاصر بمعنى اهتدى، وسَبِيلًا تمييز على كل حال، وفي الآية اكتفاء، أي بمن هو أضل سبيلا.\rقوله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ سبب نزولها كما قال ابن عباس: أن قريشا اجتمعوا وقالوا: إن محمدا نشأ فينا بالأمانة والصدق، وما اتهمناه بكذب، وقد ادعى ما ادعى، فابعثوا نفرا إلى اليهود بالمدينة واسألوهم عنه، فإنهم أهل كتاب، فبعثوا جماعة إليهم فقالت: سلوه عن ثلاثة أشياء، فإن أجاب عن كلها، أو لم يجب عن شيء منها فليس بنبي، وإن أجاب عن اثنين، ولم يجب عن واحد فهو نبي، فاسألوه عن فتية فقدوا في الزمن الأول ما كان أمرهم؟ فإنه كان لهم حديث عجيب. وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها ما خبره؟ وعن الروح. فسألوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: أخبركم بما سألتم غدا، ولم يقل إن شاء اللّه، فلبث الوحي اثني عشر، وقيل خمسة عشر، وقيل أربعين يوما، وأهل مكة يقولون: وعدنا محمد غدا، وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء، حتى حزن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مكث الوحي، وشق عليه ما يقول أهل مكة، ثم نزل جبريل عليه السّلام: بقوله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ونزل في الفتية أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ الآيات.\rونزل فيمن بلغ المشرق والمغرب وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ الآيات. ونزل في الروح قوله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ الآية، فأصل السؤال من اليهود، والناقل له قريش. قوله: عَنِ الرُّوحِ أي عن حقيقة الروح الذي به حياة البدن، وهذا هو الأصح، وقيل الروح التي سألوه عنها هو جبريل، وقيل ملك له سبعون الف وجه، لكل وجه سبعون الف لسان، يسبح اللّه تعالى بجميع ذلك، فيخلق اللّه تعالى بكل تسبيحة ملكا، وقيل إنهم جند من جنود اللّه على صورة بني آدم، لهم أيد وأرجل ورؤوس، ليسوا بملائكة ولا أناس يأكلون الطعام، وقيل ملك عظيم عن يمين العرش، لو شاء أن يبتلع السماوات السبع في","part":2,"page":335},{"id":937,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 336\rالرُّوحِ الذي يحيا به البدن قُلِ لهم الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي أي علمه لا تعلمونه وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) بالنسبة إلى علمه تعالى وَلَئِنْ لام قسم شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي القرآن بأن نمحوه من الصدور والمصاحف ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا (86) إِلَّا لكن أبقيناه رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً (87) عظيما حيث أنزله عليك وأعطاك المقام المحمود وغير ذلك من الفضائل قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا\r______________________________\rلقمة واحدة لابتلعها، ليس شيء أعظم منه إلا العرش، يشفع يوم القيامة في أهل التوحيد، متحجب عن الملائكة، لو كشف لهم عنه لاحترقوا من نوره، وقيل عيسى، وقيل القرآن.\rقوله: مِنْ أَمْرِ رَبِّي أي بما استأثر اللّه بعلمه وهذا هو الصحيح، وقيل الروح هي الدم، وقيل النفس، ونقل عن بعض أصحاب مالك أنها صورة كجسد صاحبها، وفي الآية اقتصار على وصف الروح، كما اقتصر موسى في جواب قول فرعون: وما رب العالمين، على ذكر صفاته، فإن إدراكه بالكنه على ما هو عليه لا يعلمه إلا اللّه. قوله: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا رد لقول اليهود: أوتينا التوراة وفيها العلم الكثير، بدليل القراءة الشاذة وما أوتوا، وقيل الخطاب عام لجميع الخلق، أي إن الخلق عموما، وإن أعطوا من العلم ما أعطوا، فهو قليل بالنسبة لعلمه تعالى.\rقوله: وَلَئِنْ شِئْنا هذا امتنان من اللّه تعالى على نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بالقرآن، وتحذير له عن التفريط فيه، والمقصود غيره، والمعنى حافظوا على العمل بالقرآن، واحذروا من التفريط فيه، فإننا قادرون على إذهابه من صدوركم ومصاحفكم، ولكن إبقاؤه رحمة بكم. قوله: (لام قسم) أي وجوابه قوله: لَنَذْهَبَنَ، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه. قوله: (لكن أبقيناه) أشار بذلك إلى أن الاستثناء منقطع، وقدره بلكن على طريقة البصريين، وعند الكوفيين يقدر ببل، وقوله: (أبقيناه) إلى أقرب قيام الساعة، فعند ذلك يرفع من المصاحف والصدور لما في الحديث «لا تقوم الساعة حتى يرفع القرآن من حيث نزل، له دوي حول العرش، فيقول اللّه: مالك؟ فيقول: أتلى فلا يعمل بي، ولا يرفع القرآن حتى تموت حملته العاملون به، ولا يبقى إلا لكع بن لكع، فعند ذلك يرفع من المصاحف والصدور، ويفيضون في الشعر، فتخرج الدابة، وتقوم القيامة بأثر ذلك».\rقوله: (حيث أنزله) علة لقوله: إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً. قوله: (و غير ذلك) أي ككونك خاتم المرسلين، وسيد ولد آدم، ونحو ذلك.\rقوله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُ اللام موطئة لقسم محذوف، وجوابه قوله: لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولم يقل والملائكة، مع أنه معجز لهم أيضا، لأنهم مسلمون منقادون، فلا يحتاج للرد عليهم.\rقوله: لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ أي لأنه خارج عن طوق البشر، لأن الكلام على حسب علم المتكلم، وهو قد أحاط بكل شيء علما، وقوله: بِمِثْلِهِ أي كلا أو بعضا، قال بعضهم: إن أقل الإعجاز يقع بآية، قال البوصيري:\rأعجز الجن آية منه ... والإنس فهلا تأتي به البلغاء\r\rوقال بعضهم: إن أقل الإعجاز يكون بأقصر سورة، لأنه لم يكن في القرآن آية مفردة، بل الآية","part":2,"page":336},{"id":938,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 337\rالْقُرْآنِ في الفصاحة والبلاغة لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88) معينا نزل ردا لقولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا وَلَقَدْ صَرَّفْنا بينّا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ صفة لمحذوف أي مثلا من جنس كل مثل ليتعظوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ أي أهل مكة إِلَّا كُفُوراً (89) جحودا للحق وَقالُوا عطف على أبى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (90) عينا ينبع منها الماء أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ بستان مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها وسطها تَفْجِيراً (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً قطعا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (92) مقابلة وعيانا فنراهم أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ ذهب أَوْ تَرْقى تصعد فِي السَّماءِ بسلم وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ لو رقيت فيها حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا منها كِتاباً فيه تصديقك\r______________________________\rتستلزم مناسبة لما قبلها وما بعدها، فتكون ثلاث آيات. قوله: وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ الخ، عطف على محذوف تقديره: لا يأتون بمثله، ولو لم يكن بعضهم لبعض ظهيرا، ولو كان الخ (قوله نزل ردا) الخ مرتبط بما قبله.\rقوله: وَلَقَدْ صَرَّفْنا أي كررنا وأظهرنا، ومن زائدة في المفعول، أي صرفنا للناس كل مثل، والمثل المعنى الغريب. قوله: فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ أي امتنعوا. قوله: (جحودا للحق) الجحود الإنكار مع العلم والمعاندة، فهو أخص من مطلق إنكار.\rقوله: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ الخ، لما أقام الحجة عليهم ولم يستطيعوا ردها، أخذوا يطلبون أشياء على وجه العناد فقالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ الخ، روى عكرمة عن ابن عباس، أن نفرا من قريش اجتمعوا بعد غروب الشمس عند الكعبة، وطلبوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فجاءهم، فقالوا: يا محمد، إن كنت جئت بهذا الحديث، يعنون القرآن، تطلب به مالا، جمعنا لك من أموالنا، حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد الشرف سودناك علينا؛ وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي بك رئيا من الجن تراه قد غلب عليك لا تستطيع رده، بذلنا لك أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه، وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ما بي شيء مما تقولون، ولكن اللّه بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني، فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ، أصبر لأمر اللّه عز وجل، حتى يحكم اللّه بيني وبينكم، فقالوا: يا محمد، إن كنت صادقا فيما تقول، فسل لنا ربك الذي بعثك فليسير عنا هذا الجبل الذي قد ضيق علينا، ويبسط لنا بلادا، ويفجر لنا فيها الأنهار، إلى آخر ما قص اللّه عنهم.\rقوله: حَتَّى تَفْجُرَ بضم التاء وفتح الفاء وتشديد الجيم مكسورة، وبفتح التاء وضم الجيم مخففة، قراءتان سبعيتان هنا فقط، وأما قوله فتفجر، فبالقراءة الأولى لا غير. قوله: يَنْبُوعاً أي عينا لا يغور ماؤها ولا يذهب.\rقوله: جَنَّةٌ أي بستان.\rقوله: كَما زَعَمْتَ أي قلت: إن نشأ نخسف بهم الأرض، أو نسقط عليهم كسفا من السماء. قوله: كِسَفاً بسكون السين وفتحها، قراءتان سبعيتان.\rقوله: قَبِيلًا حال من اللّه والملائكة، أي حال كونهم مرئيين لنا.\rقوله: أَوْ تَرْقى هو بفتح القاف مضارع رقي بكسرها، والمصدر رقيا ومعناه الصعود الحسي، وأما في المعاني فبفتح القاف في الماضي والمضارع، يقال رقى في الخير، وأما الرقيا للمريض فماضيها رقى كرمى. قوله: (لو رقيت) بكسر","part":2,"page":337},{"id":939,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 338\rنَقْرَؤُهُ قُلْ لهم سُبْحانَ رَبِّي تعجب هَلْ ما كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا (93) كسائر الرسل ولم يكونوا يأتون بآية إلا بإذن اللّه وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أي قولهم منكرين أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا (94) ولم يبعث ملكا قُلْ لهم لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ بدل البشر مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا (95) إذ لا يرسل إلى قوم رسول إلا من جنسهم ليمكنهم مخاطبة والفهم عنه قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على صدقي إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (96) عالما ببواطنهم وظواهرهم وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ يهدونهم مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ماشين عَلى\r______________________________\rالقاف. قوله: نَقْرَؤُهُ حال مقدره من الضمير في علينا أو نعت لكتاب. قوله: (تعجب) أي من اقتراحاتهم، وتنزيه له سبحانه وتعالى عن أن يشاركه أحد في ألوهيته. قوله: هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا أي وليس في طاقتي الإتيان بما تطلبونه.\rقوله: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول ثان لمنع، والتقدير وما منع الناس الإيمان، وقوله: إِلَّا أَنْ قالُوا في تأويل مصدر فاعل مَنَعَ. وقوله: إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى ظرف لقوله: مَنَعَ والمعنى لا يمنع الناس من الإيمان وقت مجيء الهدى لهم إلا قولهم أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا وخص بالذكر مع أن الموانع لهم كثيرة لأنه أعظمها.\rقوله: قُلْ (لهم) أي ردا لشبهتهم. قوله: لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ الخ. أي فجرت عادة اللّه في خلقه، أنه لا يرسل لخلقه رسولا إلا من جنسهم، لأنهم يألفونه ويستطيعون خطابه، بخلاف ما إذا أرسل لهم رسولا من غير جنسهم، فإنهم لا يستطيعون رؤيته ولا خطابه، لعدم الإلفة بينهم، فلو كان في الأرض ملائكة يمشون مثلكم وتألفونهم، لأنزل عليكم ملكا رسولا. قوله: مُطْمَئِنِّينَ أي مستوطنين بها، لا يعرجون إلى السماء.\rقوله: شَهِيداً أي على أني رسول اللّه إليكم، وقد بلغتكم ما أرسلت إليكم، وأنكم كذبتم وعاندتم. قوله: إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً فيه تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، ووعيد للكفار.\rقوله: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ أي من يخلق فيه الهدى، وقوله: فَهُوَ الْمُهْتَدِ أي يكون كذلك في الدنيا، بمعنى أنه يكون حاله في الدنيا مطابقا لما قدره اللّه له أزلا، وبذلك اندفع ما يقال: إن فيه اتحاد الشرط والجزاء، والمهتد بحذف الياء من الرسم هنا وفي الكهف، فإنها في الموضعين من ياآت الزوائد، وأما في النطق، فتحذف وصلا ووقفا عند بعض القراء، ووقفا لا وصلا عند بعضهم. قوله: فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ أي أنصارا. قوله: عَلى وُجُوهِهِمْ الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من الهاء في نَحْشُرُهُمْ قدره المفسر بقوله: (ماشين)، روي عن أنس، أن رجلا قال: يا رسول اللّه، قال اللّه:\rالذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم، أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أ ليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا، قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ وروي أيضا: يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفا مشاة، وصنفا راكبا، وصنفا على وجوههم، قيل يا رسول اللّه، وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: «إن الذي أمشاهم على أقدامهم، قادر أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يلقون بوجوههم كل حدب وشوك» والحدب ما ارتفع من الأرض.","part":2,"page":338},{"id":940,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 339\rوُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ سكن لهبها زِدْناهُمْ سَعِيراً (97) تلهبا واشتعالا ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا منكرين للبعث أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (98) أَوَلَمْ يَرَوْا يعلموا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مع عظمهما قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ أي الأناسي في الصغر وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا للموت والبعث لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً (99) جحودا له قُلْ لهم لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي من الرزق والمطر إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ لبخلتم خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ خوف نفادها بالإنفاق فتقتروا وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً (100) بخيلا وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ واضحات وهي: اليد والعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس والسنين ونقص الثمرات فَسْئَلْ\r______________________________\rقوله: عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا أي لا يبصرون ولا ينطقون ولا يسمعون، إن قلت: كيف وصفهم اللّه بذلك هنا، وأثبت لهم ضد تلك الأوصاف في قوله: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ، دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً، سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً؟ أجيب: بأن المعنى عميا لا يرون ما يسرهم، وبكما لا يتكلمون بحجة، وصما لا يسمعون ما يسرهم، أو المعنى يحشرون معدومي الحواس، ثم تعاد لهم. قوله: مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي مسكنهم ومقرهم. قوله: كُلَّما خَبَتْ أصله خبوت كقعدت، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، قلبت الفا، فالتقى ساكنان، حذفت الألف لالتقائهما. قوله: (سكن لهبها) أي بأن أكلت جلودهم ولحومهم.\rقوله: زِدْناهُمْ سَعِيراً أي بدلناهم جلود غيرها، فتعود ملتهبة متسعرة.\rقوله: ذلِكَ أي ما ذكر من أن مأواهم جهنم، وإعادتهم بعد فنائهم. قوله: وَقالُوا معطوف على كَفَرُوا. قوله: خَلْقاً جَدِيداً إما مصدر من معنى الفعل، أو حال أي مخلوقين.\rقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا رد لإنكارهم البعث. قوله: قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ أي فلا يستبعد عليه إعادتهم بأعيانهم.\rقوله: (أي الأناسي) جمع إنسي وهو البشر. قوله: وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا معطوف على جملة أَوَلَمْ يَرَوْا فليس داخلا في حيز الإنكار. قوله: لا رَيْبَ فِيهِ أي لا شك في ذلك الأجل.\rقوله: قُلْ لهم) أي شرحا لحالهم التي يدعون خلافها حيث قالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا الخ، أي لأجل أو ننبسط ونتسع في الرزق ونوسع على المقلين، فبين اللّه لهم، أنهم لو ملكوا خزائن اللّه، لداموا على بخلهم وشحهم. قوله: لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ يجوز أن المسألة من باب الاشتغال، وأَنْتُمْ مرفوع بفعل مقدر، يفسره الظاهر لأن لو لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا، والأصل لو تملكون، فحذف الفعل لدلالة ما بعده عليه، فانفصل الضمير وهو الواو. قوله: إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ أي منعتم حق اللّه فيها. قوله: خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ علة للإمساك. قوله: (بخيلا) أي ممسكا عن بذل ما ينبغي فيما ينبغي، فالأصل في الإنسان الشح، والخارج عنه خالف أصله كما قال تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا موطئة لقسم محذوف. قوله: بَيِّناتٍ إما منصوب بالكسرة صفة لتسع، أو مجرور بها صفة لآيات. قوله: (واضحات) أي ظاهرات دالة على صدقة. قوله: (و هي اليد) أي التي كان يضمها إليه ويخرجها، فتخرج بيضاء لها شعاع. قوله: (و العصا) أي التي يلقيها، فتصير حية عظيمة.","part":2,"page":339},{"id":941,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 340\rيا محمد بَنِي إِسْرائِيلَ عنه سؤال تقرير للمشركين على صدقك فقلنا له اسأل وفي قراءة بلفظ الماضي إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (101) مخدوعا مغلوبا على عقلك قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ الآيات إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ عبرا\r______________________________\rقوله: (و الطوفان) أي الماء حتى ملأ بيوتهم ومساكنهم، فكانوا لا يستطيعون أن يوقدوا نارا أصلا. قوله:\r(و الجراد) أي فأكل زروعهم وحبوبهم. قوله: (و القمل) تقدم أنه قيل هو السوس، وقيل هو القمل المعروف. قوله: (و الضفادع) أي فملأ بيوتهم وطعامهم وشرابهم. قوله: (و الدم) أي فانقلبت مياههم دما، حتى كادوا يموتون عطشا. قوله: (و الطمس) أي مسخ الأموال حجارة. قوله: (و السنين ونقص الثمرات) هذان شيء واحد، لأن نقص الثمرات لازم للسنين، وما ذكره المفسر في عد الآيات التسع هو المشهور، لأن هذه التسع هي التي ظهرت على يد موسى، تهديدا لفرعون وقومه رجاء إيمانهم، وقيل إن التسع هي: اليد والعصا والجراد والقمل والضفادع والدم وانفجار الماء من الحجر وانفلاق البحر ونتق الجبل وفيه بعد، لأن انفجار الماء من الحجر، وانفلاق البحر، ونتق الجبل، لم تكن مقصودة لفرعون، بل البحر كان لهلاكه، والباقي بعده، وقيل: إن يهوديا سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عنها فقال: «إن لا تشركوا باللّه شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم اللّه إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت»، فقبل اليهودي يده ورجله، وعلى هذا فالمراد بالآيات، الأحكام التي كلفوا بها، وهي عامة ثابتة في جمع الشرائع، وقوله عليكم الخ، حكم زائد مخصوص باليهود.\rقوله: فَسْئَلْ (يا محمد) بَنِي إِسْرائِيلَ أي ليكون قولهم الموافق لك حجة على المشركين، وعلى هذا، فالجملة معترضة بين قصة موسى وفرعون. قوله: (عنه) أي عن ما جرى بين موسى وفرعون. قوله:\r(سؤال تقرير) أي سؤالا يترتب عليه التقرير من بني إسرائيل، وقوله: (للمشركين) اللام للتعليل أي لأجل المشركين، والمعنى اسأل يا محمد بني إسرائيل، عما جرى بين موسى وفرعون، ليكون ذلك داعيا لإيمان المشركين وانقيادهم. قوله: (أو فقلنا له) معطوف على قوله: (يا محمد)، والمعنى أن الخطاب لموسى، وحينئذ فيكون القول مقدرا، والمفعول محذوف، والتقدير اسأل فرعون بني إسرائيل، أي اطلبهم منه لنذهب بهم إلى الشام، يدل عليه قوله في الآية الأخرى فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ. قوله: (و في قراءة) المناسب أن يقول وقرىء لأنها شاذة، وإنما القراءة السبعية بالأمر، وفيها وجهان الهمز وتركه، بنقل حركة الهمزة إلى الساكن. قوله: (بلفظ الماضي) أي بلا همز بوزن قال.\rقوله: إِذْ جاءَهُمْ ظرف لآتينا على الاحتمال الأول، وعلى الثاني فقد تنازعه كل من آتينا وقلنا.\rقوله: فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ معطوف على مقدر، والتقدير إذ جاءهم فبلغهم الرسالة، ووقع بينهم ما وقع من المحاورات، فقال الخ. قوله: (مغلوبا على عقلك) أشار بذلك إلى أن مَسْحُوراً باق على معناه الأصل، أي أنك سحرت فغلب على عقلك، ويصح أن يكون بمعنى فاعل كمشؤوم، أي أظنك ساحرا لإتيانك بالغرائب والعجائب.\rقوله: لَقَدْ عَلِمْتَ هو بفتح التاء خطاب لفرعون، أي فقال له موسى: يا فرعون واللّه لقد","part":2,"page":340},{"id":942,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 341\rولكنك تعاند وفي قراءة بضم التاء وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (102) هالكا أو مصروفا عن الخير فَأَرادَ فرعون أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ يخرج موسى وقومه مِنَ الْأَرْضِ أرض مصر فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (103) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ أي الساعة جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (104) جميعا أنتم وهم وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ أي القرآن وَبِالْحَقِ المشتمل عليه نَزَلَ كما أنزل لم يعتره تبديل وَما أَرْسَلْناكَ يا محمد إِلَّا مُبَشِّراً من آمن بالجنة وَنَذِيراً (105) من كفر بالنار وَقُرْآناً منصوب بفعل يفسره فَرَقْناهُ نزلناه مفرقا في عشرين سنة أو وثلاث لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ مهل وتؤدة ليفهموه وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (106) شيئا\r______________________________\rعلمت أن هذه الآيات، ما أنزلها إلا رب السماوات والأرض عبرا، وإنما عناد، خوفا على ضياع ملكك ورياستك. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا، وقوله: (بضم التاء) أي والضمير لموسى، ويكون المعنى: لقد أيقنت وتحققت أن هذه الآيات التي جئت بها، منزلة من عند اللّه تعالى. قوله: وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ أي أتحققك وعبر بالظن مشاكلة، فإن ظن فرعون كذب، وظن موسى حق وصدق لظهور أماراته. قوله: (أو مصروفا عن الخير) أي ممنوعا منه. قوله: (يخرج موسى وقومه) أي بقتلهم جميعا.\rقوله: فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً أي ففعلنا بهم ما أرادوه بموسى وقومه\r: مِنْ بَعْدِهِ أي بعد إغراقه. قوله: اسْكُنُوا الْأَرْضَ أي أرض مصر والشام. قوله: (أي الساعة) أي القيامة ووعدها وقتها، وهو النفخة الثانية. قوله: جِئْنا بِكُمْ أي أحييناكم وأخرجناكم من القبور. قوله: (جميعا) أشار بذلك إلى أن لَفِيفاً اسم جمع لا واحد له من لفظه، وقيل مصدر لف لفيفا، والمعنى جئنا بكم منضما بعضكم لبعض.\rقوله: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ معطوف على قوله (و لقد صرفنا) وهذا على أسلوب العرب، حيث ينتقلون مما كانوا بصدده لشيء آخر، ثم يرجعون له، واختلف المفسرون في الحق الأول والثاني، فمشى المفسر على أن المراد بهما الحكم والمواعظ والأمثال التي اشتمل عليها القرآن، وإنما التكرير للتأكيد، إشارة إلى أنه لم يتغير ولم يتبدل إلى يوم القيامة، كما تغيرت التوراة والإنجيل، وقيل المعنى وما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة المقتضية لإنزاله لا عبثا، وما نزل إلا بالحكم والمواعظ، لاشتماله على الهداية إلى سبيل الرشاد، فالحق الأول كناية عن سبب نزوله، والحق الثاني هو ما اشتمل عليه من المعاني. قوله: (المشتمل عليه) أي المحتوي عليه القرآن.\rقوله: إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً حالان من الكاف في أرسلناك. قوله: (منصوب بفعل) أي فهو من باب الاشتغال،\rوعليه فجملة فَرَقْناهُ لا محل لها من الأعراب، والتنوين للتعظيم أي قرآنا عظيما.\rقوله: فَرَقْناهُ هو بالتخفيف في القراءة المشهورة، وقرىء شذوذا بالتشديد. قوله: (نزلناه مفرقا) هذا أحد أقوال في تفسير قوله: فَرَقْناهُ، وقيل بينا حلاله وحرامه، وقيل فرقنا به بين الحق والباطل. قوله:\r(أو وثلاث) أو لحكاية الخلاف، أي أنه اختلف في مدة نزول القرآن، هل هي عشرون سنة، أو ثلاث وعشرون، وهو المبني على الخلاف في تعاقب النبوة والرسالة وتقارنهما.\rقوله: لِتَقْرَأَهُ متعلق بفرقنا، وقوله: عَلَى النَّاسِ متعلق بتقرأه، وكذا قوله: عَلى مُكْثٍ ولا يلزم عليه تعلق حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد، لأن الأول في محل المفعول به، والثاني","part":2,"page":341},{"id":943,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 342\rبعد شيء على حسب المصالح قُلْ لكفار مكة آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا تهديد لهم إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ قبل نزوله وهم مؤمنو أهل الكتاب إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (107) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا تنزيها له عن خلف الرعد إِنْ مخففة كانَ وَعْدُ رَبِّنا بنزوله وبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ عطف بزيادة صفة وَيَزِيدُهُمْ القرآن خُشُوعاً (109) تواضعا للّه وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: يا اللّه يا رحمن، فقالوا: ينهانا أن نعبد إلهين، وهو يدعو إلها آخر معه، فنزل قُلِ لهم ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أي\r______________________________\rفي محل الحال أي متمهلا فاختلف المعنى. قوله: (مهل وتؤدة) أي سكينة وتأن. قوله: (ليفهموه) أي ليسهل حفظه وفهمه. قوله: (على حسب المصالح) أي الوقائع التي تقتضي نزوله، فالحاصل أنه نزل مفرقا لحكمتين: الأولى ليسهل حفظه، والثانية اقتضاء الوقائع، لذلك قال تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً. قوله: (تهديد لهم) أي فالمعنى أن إيمانكم لا يزيد القرآن كمالا، وامتناعكم لا يورثه نقصا.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ تعليل لقوله: آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا والمعنى إن لم تؤمنوا به، فقد آمن به من هو خير منكم، وفيه تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، أي لا تحزن على إعراضهم وعدم إيمانهم، وتسل بإيمان هؤلاء العلماء. قوله: (و هم مؤمنوا أهل الكتاب) أي كعبد اللّه بن سلام، وسلمان والنجاشي وأقرانهم.\rقوله: لِلْأَذْقانِ اللام بمعنى على، أو على بابها متعلقة بيخرّون، ويكون بمعنى يدلون، وخصت الأذقان بالذكر لأنها أول جزء من الوجه تقرب من الأرض عند السجود، وسُجَّداً حال، أي ساجدين للّه على انجاز وعده الذي وعدهم به في الكتب القديمة، أنه يرسل محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم، وينزل عليه القرآن.\rقوله: وَيَقُولُونَ أي في حال جودهم. قوله: (عن خلف الوعد) أي الذي رأيناه في كتبنا، بإنزال القرآن وإرسال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (مخففة) أي واسمها ضمير الشأن، وقوله: لَمَفْعُولًا أي موفى ومنجزا. قوله: (بزيادة صفة) أي وهي البكاء، ومراده بهذا دفع التكرار، وهو معنى قوله تعالى في سورة المائدة وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ الخ.\rقوله: وَيَزِيدُهُمْ (القرآن) أي فالضمير يعود على القرآن، ويصح عوده على البكاء. قوله: (و كان صلّى اللّه عليه وسلّم) أشار بذلك إلى سبب نزولها وحاصله أنه سجد صلّى اللّه عليه وسلّم ذات ليلة، فجعل يقول في سجوده: يا اللّه، يا رحمن، فقال أبو جهل: إن محمدا ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إلهين. قوله: (إلها آخر) أي وهو الرحمن، ظنا منهم أن المراد به مسيلمة الكذاب، لأن قومه كانوا يسمونه رحمان اليمامة، قال بعضهم في حقه:\rسميت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا ... وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا\r\rوهجاه بعض المسلمين بقوله:\rسميت بالخبث يا ابن الأخبثين أبا ... وأنت شر الورى لا زلت شيطانا\rقوله: (أي سموه بأيهما) أي اذكروا في غير نداء. قوله: (أو نادوه) تفسير ثان لقوله: ادْعُوا فعلى الأول يكون ناصبا لمفعولين: أولهما محذوف تقديره معبودكم، وعلى الثاني يكون ناصبا لمفعول واحد.","part":2,"page":342},{"id":944,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 343\rسموه بأيهما أو نادوه بأن تقولوا: يا اللّه يا رحمن أَيًّا شرطية وما زائدة أي أي هذين تَدْعُوا فهو حسن دل على هذا فَلَهُ أي لمسماهما الْأَسْماءُ الْحُسْنى وهذان منها فإنها كما في الحديث. هو اللّه الذي لا إله إلا هو، الرحمن الرحيم، الملك، القدوس، السّلام، المؤمن،\r______________________________\rقوله: (بأن تقولوا يا اللّه يا رحمن) أشار بذلك إلى أن أسماء اللّه توقيفية، فلا يجوز لنا أن نسميه باسم غير وارد في الشرع، قال صاحب الجوهرة: واختبر أن أسماء توقيفية.\rقوله: أَيًّا (شرطية) أي منصوبة بتدعو، فهي عاملة ومعمولة، والمضاف إليه محذوف قدره المفسر بقوله: (أي هذين). قوله: فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى هذه الجملة جواب الشرط، وهو ما اشتهر على ألسنة المعربين، وقدر المفسر جوابه بقوله: (فهو حسن) فتكون الجملة دليل الجواب، والأسماء جمع اسم، وهو اللفظ الدال على ذات المسمى، وأسماؤه تعالى كثيرة، قيل ثلاثمائمة وقيل ألف وواحد، وقيل مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، عدد الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام، لأن كل نبي تمده حقيقة اسم خاص به، مع امداد بقية الأسماء له لتحققه بجميعها، وقيل ليس لها حد ولا نهاية لها على حسب شؤونه في خلقه، وهي لا نهاية لها، والحسنى إما مصدر وصف به، أو مؤنث أحسن، كأفضل وفضلى، فأفرد لأنه وصف جمع القلة لما لا يعقل، فيجوز فيه الإفراد والجمع، وإن كان الأحسن الجمع، قال الأجهوري:\rوجمع كثرة لما لا يعقل ... الأفصح الإفراد فيه يافل\r\rوغيره فالأفصح المطابقة ... نحو هبات وأفرات لائقة\r\rوحسن أسمائه تعالى، لدلالتها على معان شريفة هي أحسن المعاني، لأن معناها ذات اللّه أو صفاته.\rقوله: (كما في الحديث) أي ونصبه «إن للّه عز وجل تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة، هو اللّه الذي لا إله إلا هو» إلى آخر الرواية التي ذكرها المفسر واختارها، وإن كان الحديث واردا بأوجه خمسة، لكونها أصح الروايات الواردة، ومنها: «إن للّه تسعة وتسعين اسما، مائة غير واحد، إنه وتر يحب الوتر، وما من عبد يدعو بها إلا وجبت له الجنة». ومنها: إن «للّه تسعة وتسعين اسما، من احصاها كلها دخل الجنة، أسأل اللّه تعالى، الرحمن الرحيم، الإله الرب» إلى آخره. ومنها: «إن للّه عز وجل، تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، إنه وتر، يحب الوتر، من حفظها دخل الجنة، اللّه الواحد الصمد» الخ. ومنها:\r«إن للّه تعالى مائة اسم غير اسم، من دعا بها استجاب اللّه له» وكلها في الجامع الصغير، في حرف الهمزة مع النون، عن علي، وعن أبي هريرة، والحفظ والاحصاء عند أهل الظاهر، معرفة ألفاظها ومعانيها، وعند أهل اللّه، هو الاتصاف بها، والظهور بحقائقها، والعثور على مدارج نتائجها. قوله: (هو) ليس من الأسماء الحسنى، بل هو عند أهل الظاهر ضمير شأن يفسره ما بعده، وعند أهل اللّه اسم ظاهر يتعبدون بذكره، وعلى كل فهو زائد على التسعة والتسعين. قوله: (اللّه) هو أعظم الأسماء المذكورة، لكونه جامعا لجميع الأسماء والصفات، وهو علم على الذات الواجب المسمى لجميع المحامد، وأل لازمة له، لا لتعريف ولا غيره، وهو ليس بمشتق على الصحيح. قوله: (الذي لا إله إلا هو) نعت للاسم الجليل، أي الذي لا معبود غيره. قوله: (الرحمن) أي المنعم بجلائل النعم، كما وكيفا، دنيوية وأخروية، ظاهرة وباطنة. قوله: (الرحيم) أي المنعم بدقائق النعم كما وكيفا، دنيوية وأخروية، ظاهرية وباطنية، والدقائق ما تفرعت عن الجلائل، كالزيادة في الإيمان، والعلم والمعرفة والتوفيق والعافية والسمع والبصر. قوله:","part":2,"page":343},{"id":945,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 344\rالمهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارىء، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع،\r______________________________\r(الملك) أي المتصرف في خلقه بالإيجاد والإعدام وغير ذلك، وتسمية غيره تعالى به مجاز. قوله: (القدوس) أي المنزه عن صفات الحوادث، وأتى به عقب الملك، لدفع توهم يطرأ عليه نقص كالملوك. قوله:\r(السّلام) أي المؤمن من المخاوف والمهالك، أو الذي يسلم على عباده. قوله: (المؤمن) أي المصدق لرسله بالمعجزات، ولأوليائه بالكرامات، ولعباده المؤمنين على ايمانهم واخلاصهم، لأنه لا يطلع على الأخلاص نبي مرسل ولا ملك مقرب، وإنما يعلم من اللّه. قوله: (المهيمن) أي المطلع على خطرات القلوب. قوله:\r(العزيز) من عز بمعنى غلب وقهر، فهو من صفات الجلال، أو من عز بمعنى قل، فلم يوجد له مثيل ولا نظير، فهو من صفات السلوب. قوله: (الجبار) أي المنتقم القهار، فيكون من صفات الجلال أو المصلح للكسر، يقال: جبر الطبيب الكسر أصلحه، فيكون من صفات الجمال. قوله: (المتكبر) من الكبرياء وهو التعالي في العظمة، وهي مختصة به تعالى، لما في الحديث القدسي: «العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما قصمته». قوله: (الخالق) أي الموجد للمخلوقات من العدم. قوله: (البارىء) أي المبرىء من الأسقام، أو المظهر لما في الغيب، من برىء بمعنى أظهر ما كان خفيا، فيرجع لمعنى الخالق.\rقوله: (المصور) أي المبدع للأشكال على حسب إرادته، فأعطى كل شيء من المخلوقات، صورة خاصة، وهيئة منفردة، يتميز بها على اختلافها وكثرتها. قوله: (الغفار) إما مأخوذ من الغفر بمعنى الستر، لأنه يستر على عباده قبائحهم، فيحجبها في الدنيا على الآدميين، وفي الآخرة عن الملائكة، ولو كانت موجودة في الصحف، أو من الغفر بمعنى المحو من الصحف، وهو مرادف للغفور والغافر، وقيل: إن الغافر هو الذي يغفر بعض الذنوب، والغفور الذي يغفر أكثرها، والغفار الذي يغفر جميعها، والصحيح الأول، لأنه لا مبالغة في أسماء اللّه، بل صيغتها صيغة نسبة، كتمار نسبة للتمر. قوله: (القهار) أي ذو البطش الشديد، فهو من صفات الجلال. قوله: (الوهاب) أي ذو الهبات العظيمة لغير غرض ولا علة، فالطاعات لا تزيد في ملكه شيئا، وإنما رتب الثواب عليها من فضله وكرمه، وهذا الاسم من صفات الجمال. قوله: (الرزاق) أي معطي الأرزاق لعباده، دنيا وأخرى، قال تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وهو بمعنى الرازق، والرزق قسمان: ظاهر وهو الأقوات من طعام وشراب ونحو ذلك، وباطن وهو العلوم والأسرار والمعارف، فالأول رزق الأبدان، والثاني رزق الأرواح، وكل من عند ربنا.\rقوله: (الفتاح) أي ذو الفتح لما كان مغلوقا، حسيا أو معنويا، فهو المسهل لكل عسير، من خيري الدنيا والآخرة، فضلا منه واحسانا، وهذا وما قبله من صفات الجمال. قوله: (العليم) أي ذو العلم، وهو صفة أزلية قائمة بذاته تعالى، تتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات، تعلق احاطة وانكشاف، لا يوصف بنظر ولا ضرورة ولا كسب. قوله: (القابض) أي ذو القبض ضد البسط، فهو جل وعز، قابض للأرزاق والأرواح وغير ذلك، فيكون من صفات الجلال. قوله: (الباسط) أي ذو البسط ضد القبض، فهو سبحانه وتعالى باسط الأرزاق في الدنيا والآخرة والقلوب وغير ذلك، قال تعالى: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وهذان الاسمان يظهر أثرهما في العبيد. وللعارفين مقدمات في القبض والبسط، فالمبتدىء يسمون تجليه قبضا وبسطا، والمتوسط يسمونه أنسا وهيبة، والكامل يسمونه جلالا وجمالا. قوله: (الخافض) أي لمن","part":2,"page":344},{"id":946,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 345\rالبصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود،\r______________________________\rأراد خفضه، أي فهو خافض لكلمة الكفر وللظالمين ولكل متكبر وغير ذلك. قوله: (الرافع) أي ذو الرفع لأهل الإسلام والعلماء والصديقين والأولياء والسماوات والجنة وغير ذلك من الحسي والمعنوي، والأول من صفات الجلال، والثاني من صفات الجمال. قوله: (المعز) أي خالق العز لمن يشاء من خلقه. قوله:\r(المذل) أي خالق الذل لمن أراد من عباده، والأول من صفات الجمال، والثاني من صفات الجلال. قوله:\r(السميع) أي ذو السمع، وهو صفة أزلية تتعلق بجميع الموجدات، تعلق احاطة وانكشاف. قوله:\r(البصير) أي ذو البصر، وهو صفة أزلية تتعلق بجميع الموجودات، تعلق احاطة وانكشاف، فهي مساوية في التعلق لصفة السمع، ولا يعلم حقيقة اختلافهما إلا اللّه تعالى، وهما مخالفان لتعلق العلم، لأن العلم يتعلق بالمعدومات والموجودات، وهما إنما يتعلقان بالموجودات فقط، وكل منها منزه عن صفات الحوادث، قال بعض العارفين: من أراد خفاء نفسه عن أعين الناس بحيث لا يرونه، فليقرأ عند مروره عليهم لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ تسع مرات. قوله: (الحكم) أي ذو الحكم التام.\rقوله: (العدل) أي ذو العدل أو العادل، فلم يظلم مثقال ذرة، فأحكام اللّه لا جور فيها، بل دائرة بين الفضل والعدل، لأن الجور التصرف في ملك الغير بغير إذنه، ولا ملك لأحد معه، وأردف الحكم بالعدل، دفعا لتوهم أن حكمه تارة يكون بالعدل، وتارة يكون بالجور. قوله: (اللطيف) أي العالم بخفيات الأمور، أو معطي الإحسان في صورة الامتحان، كإعطاء يوسف الصديق الملك في صورة الابتلاء لرقيه، وآدم الفوز الأكبر في صورة ابتلائه بأكله من الشجرة واخراجه من الجنة، ونبينا صلّى اللّه عليه وسلّم الفتح والنصر المبين في صورة ابتلائه بإخراجه من مكة، وهي سنة اللّه في عباده الصالحين.\r- فائدة- من قرأ قوله تعالى: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ في كل يوم تسع مرات، لطف اللّه به في أموره، ويسر له رزقا حسنا، وكذلك من أكثر من ذكر اللطيف.\rقوله: (الخبير) أي المطلع على خفيات الأشياء، فيرجع لمعنى اللطيف على التفسير الأول، أو القادر على الإخبار بما عجزت عنه المخلوقات، قال بعضهم: من أراد أن يرى شيئا في منامه، فليقرأ قوله تعالى أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ تسع مرات عند نومه. قوله: (الحليم) هو الذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه وكفر به بل يمهله، فإن تاب محا عنه خطاياه، ومن أقبح ما تقول العامة: حلم ربنا يفتت الكبود، إذ معناه اعتراض على سعة حلمه، ولا يدرون أنه لو لا حلمه علينا لخسف بنا، فسعة حلمه من أجلّ النعم علينا، قال العارف: الحمد للّه على حلمه بعد علمه، وعلى عفوه بعد قدرته. قوله:\r(العظيم) أي الذي يصغر كل شيء عند ذكره، ولا يحيط به إدراك، ولا يعلم كنه حقيقته سواه، ففي الحديث: «سبحان من لا يعلم قدره غيره، ولا يبلغ الواصفون صفته»، فهو من الصفات الجامعة. قوله:\r(الغفور) تقدم معناه عند تفسير اسمه الغفار. قوله: (الشكور) أي الذي يشكر عباده، أي يثني عليهم في الدنيا والآخرة، فيعطي الثواب الجزيل على العمل القليل، ويرفع ذكرهم في الملإ الأعلى. قوله: (العلي) أي المرتفع المنزه عن كل نقص، المتصف بكل كمال، المستغني عن كل ما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه.\rقوله: (الكبير) هو والعظيم بمعنى واحد قوله: (الحفيظ) أي الحافظ للعالم العلوي والسفلي، دنيا وأخرى،","part":2,"page":345},{"id":947,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 346\rالمجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدىء، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر،\r______________________________\rقال تعالى: إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ. قوله: (المقيت) أصله المقوت، نقلت حركة الواو إلى الساكن، قبلها فقلبت الواو ياء لمناسبة ما قبلها، أي خالق القوت للأجساد والأرواح، دنيا وأخرى، وقوت الأجسام: الطعام والشراب ونفعها بذلك وتلذذها به، وقوت الأرواح: الإيمان والأسرار والمعارف وانتفاعها بها، والكافر لا قوت لروحه. قوله: (الحسيب) أي الكافي من توكل عليه، أو الشريف الذي كل من دخل حماه تشرف، أو المحاسب لعباده على النقير والفتيل والقطمير، في قدر نصف يوم من أيام الدنيا أو أقل. قوله: (الجليل) أي العظيم في الذات والصفات والأفعال، فيرجع لمعنى العظيم والكبير.\rقوله: (الكريم) أي المعطي من غير سؤال، أو الذي عم عطاؤه الطائع والعاصي. قوله: (الرقيب) أي المراقب الحاضر المشاهد لكل مخلوق المتصرف فيه، وهو أعم من المهيمن، لأنه المطلع على خطرات القلوب، والرقيب المطلع على الظاهر والباطن. قوله: (المجيب) أي لدعوة الداعي، قال تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. وفي الحديث: «ما من عبد يقول يا رب إلا قال اللّه لبيك يا عبدي». قوله: (الواسع) السعة في حقه تعالى، ترجع لنفي الأولية والآخرية والإحاطة، فهو من صفات السلوب، أو يراد منها:\rأن رحمته وسعت كل شيء، فيكون من صفات الجمال. قوله: (الحكيم) أي ذو الحكمة، وهي العلم التام والصنع المتقن. قوله: (الودود) أي المحبب لعباده الصالحين المحبين الراضي عليهم، قال تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ أو الودود بمعنى المحبوب، لأنه محب ومحبوب، فمحبته لعباده: إنعامه عليهم، أو إرادة إنعامه، فترجع لمعنى الرضا، ومحبة عباده له: ميلهم إليه، وشغلهم به عمن سواه. قوله:\r(المجيد) أي الشريف، ومثله الماجد. قوله: (الباعث) أي الذي يبعث الأموات، أي يحييهم للحساب، ويبعث الرسل لعباده، لإقامة الحجة عليهم، والأرزاق الدنيوية والأخروية. قوله: (الشهيد) أي المطلع على الظاهر والباطن، فيرجع لمعنى الرقيب، وأما قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ* فتسميته غيبا بالنسبة لنا، وإلا فالكل شهادة عنده. قوله: (الحق) أي الثابت الذي لا يقبل الزوال، أزلا ولا أبدا، فيرجع لمعنى واجب الوجود. قوله: (الوكيل) أي المتولي أمور خلقه، دنيا وأخرى. قوله: (القوي) أي ذو القدرة التامة، التي يوجد بها كل شيء ويعدمه على طبق مراده. قوله: (المتين) أي صاحب القوة العظيمة التي لا تعارض، ولا يعتريها نقص ولا خلل. قوله: (الولي) أي الموالي والمتابع للإحسان لعبيده، أو المتولي للخير والشر، بمعنى صدور الكل منه، فيرجع لمعنى الوكيل، ويشهد للأول قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا الآية، وللثاني قوله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فاللّه هو الولي، وأما الولي من الخلق، فمعناه الموالي لطاعة ربه، والمداوم عليها، أو من تولى اللّه أمره، فلم يكله لغيره، وقوله: (الحميد) أي المحمود، أي المستحق الحمد كله، والحامد لعبيده الصالحين، ولنفسه بنفسه. قوله: (المحصي) أي الضابط لعدد مخلوقاته، جليلها وحقيرها، قال تعالى: وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً. قوله: (المبدىء) بالهمزة أي المنشىء من العدم إلى الوجود، وأما بغير همزة فمعناه المظهر، وليس مرادا هنا لكون الرواية بالهمزة. قوله:\r(المعيد) أي الذي يعيد الخلق بعد انعدامهم، قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهون عليه، واختلف أهل السنة في تلك الإعادة، قيل عن عدم محض، وقيل عن تفريق أجزاء، قال صاحب الجوهرة:","part":2,"page":346},{"id":948,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 347\rالمقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم،\r______________________________\rوقل يعاد الجسم بالتحقيق ... عن عدم وقيل عن تفريق\r\rقوله: (المحيي) أي المقوم للأبدان بالأرواح للخلائق من العدم، أي الناقل لهم من حالة العدم لحالة الحياة. قوله: (المميت) أي الخالق للموت، وهو عدم الحياة عما من شأنه الحياة، قال تعالى: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ. قوله: (الحي) أي ذو الحياة، وهي في حقه تعالى، صفة أزلية قائمة بذاته يستلزمها اتصافه بالمعاني والمعنوية. قوله: (القيوم) أي القائم بذاته تعالى، المستغني عن غيره، أي المقوم لغيره بقدرته، فهو المتصرف في العالم دنيا وأخرى. قوله: (الواجد) أي الغني، من الوجدان، وهو عدم نفاد الشيء، بمعنى أنه لو أغنى الخلق جميعا، وأعطاهم سؤلهم، لم ينقص من ملكه، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر.\rقوله: (الماجد) هو بمعنى المجيد المتقدم، وهو الشريف أو واسع الكرم. قوله: (الواحد) أي الذي لا ثاني له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فهو مستلزم لنفي الكموم الخمسة: المتصل والمنفصل في الذات، والمتصل والمنفصل في الصفات، والمنفصل في الأفعال، والمتصل فيها لا ينفى، بل هو تعلق القدرة والإرادة في سائر الكائنات ايجادا واعداما، فلا غاية له، قال تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ أي كل لحظة ولمحة في شؤون يبديها ولا يبتديها، والوحدة في غيره نقص، وفي حقه كمال، كما ورد أنه واحد لا من قلة، بل وحدة تعزز وانفراد وتكبر، لانعدام الشبيه والنظير والمثيل، وفي بعض النسخ زيادة لفظ الأحد، وهو بمعنى الواحد، والصواب اسقاطه، لأنه ليس ثابتا في حديث الترمذي الذي نسب الحديث إليه. قوله:\r(الصمد) أي الذي يقصد في الحوائج، فهو كالدليل للوحدانية. قوله: (القادر) أي ذو القدرة التامة، وهي صفة أزلية قائمة بذاته تعالى، تتعلق بالممكنات ايجادا واعداما على وفق الإرادة. قوله: (المقتدر) مبالغة في القدرة التي لا شبيه لها ولا مثيل ولا نظير، فيرجع لمعنى القوي المتين. قوله: (المقدم) بكسر الدال، أي لمن أراد من عباده. قوله: (المؤخر) أي لمن أراد تأخيره، قال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ الآية. قوله: (الأول) أي الذي لا افتتاح لوجوده. قوله:\r(الآخر) أي الذي لا انتهاء لوجوده. قوله: (الظاهر) أي الذي ليس فوقه شيء، ولا يغلبه شيء، أو الظاهر بآثاره وصنعه، ومن الحكم: هذه آثارنا تدل علينا، قال تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ. قوله:\r(الباطن) أي الذي ليس أقرب منه شيء، أو الذي تحجب عنا بجلاله وهيبته، فلا تراه الأبصار في الدنيا، ولا تدرك حقيقته لأحد، دنيا ولا أخرى، وقد جمعت هذه الأسماء الأربعة في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر». قوله: (الوالي) أي المتولي على عباده، بالتصرف والقهر والإيجاد والإعدام، فيرجع لمعنى الملك. قوله: (المتعالي) أي أي المنزه عن صفات الحوادث، فيرجع لمعنى القدوس، وأتى به عقب الوالي، لدفع توهم طرو نقص عليه كالولاة. قوله: (للبر) أي المحسن لعباده، الطائعين والعاصين. قوله: (التواب) أي كثير التوبة لعباده المذنبين، أي يقبل توبتهم إن تابوا، أو الذي يخلق التوبة في العبد فتظهر فيه، قال تعالى: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ. قوله: (المنتقم) أي المرسل للنقم والعذاب على الكفار والجبابرة، الذين ماتوا مصرين على ذلك، فهو من صفات الجلال كقهار. قوله:","part":2,"page":347},{"id":949,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 348\rالعفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور. رواه الترمذي. قال تعالى:\rوَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ بقراءتك فيها فيسمعك المشركون فيسبوك ويسبوا القرآن ومن أنزله وَلا\r______________________________\r(العفو) أي الذي لا يؤاخذ المذنب بالذنوب، بل يمحوها ويبدلها بحسنات. قوله: (الرؤوف) من الرأفة وهي شدة الرحمة، ومعناها بحقه تعالى: الانعام أو إرادته. قوله: (مالك الملك) أي المتصرف فيه على ما يريد ويختار، قال تعالى: يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. قوله: (ذو الجلال) أي صاحب الهيبة والعظمة، وقوله: (و الإكرام) أي الانعام والاحسان. قوله: (المقسط) أي الذي يحكم بالانصاف بين خلقه، وضده القاسط بمعنى الجائر. قوله: (الجامع) أي لكل كمال أو للخلق يوم القيامة، قال تعالى: وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ أو ما هو أعم وهو أولى. قوله: (الغني) أي ذو الغنى المطلق، وهو المستغني عن كل ما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه. قوله: (المغني) أي المعطي الغنى لمن يشاء، دنيا وأخرى، قال تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى. قوله: (المانع) أي الرافع عن عبيده المضار الدنيوية والأخروية، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ. قوله: (الضار) أي خالق الضر ضد النفع، وهو إيصال الشر لمن شاء من عباده. قوله: (النافع) أي خالق النفع ضد الضر، وهو إيصال الخير لمن شاء من عباده، دنيا وأخرى. قوله: (النور) أي الظاهر في نفسه المظهر لغيره، أو خالق النور. قوله: (الهادي) أي خالق الهدى والرشاد، الموصل له من أحب من عباده. قوله: (البديع) أي المبدع والمحكم كل شيء صنعه، أو المخترع الأشياء على غير سابقة مثال، قال تعالى: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ* أي محكمهما ومتقنهما ومخترع لهما على غير مثال سابق. قوله: (الباقي) أي الدائم الذي لا يزول ولا يحول. قوله: (الوارث) أي الباقي بعد فناء خلقه، أو الذي يرجع إليه كل شيء، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ.\rقوله: (الرشيد) أي صاحب الرشد، وهو الذي يضع الشيء في محله، أو خالق الرشد في عباده، فيرجع لمعنى الهادي. قوله: (الصبور) أي الذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، فيرجع لمعنى الحليم، واللّه أعلم بحقيقة معاني أسمائه وأسرارها. قوله: (رواه الترمذي) أي عن أبي هريرة، وأعلم أن للعارفين في استعمال هذه الأسماء طرقا، فمنهم من يستعملها نثرا، ومنهم من يستعملها نظما، كالشيخ الدمياطي، وسيدي مصطفى البكري، وغيرهما، وأجل ما تلقيناه، منظومة أستاذنا بركة الوقت والزمان، وإمام العصر والأوان، القطب الشهير والشهاب المنير، أبو البركات، مهبط الرحمات، الذي عم فضله الكبير والصغير، شيخنا الشيخ أحمد بن محمد الدردير، فإنها عديمة النظير، لاحتوائها على الدعوات الجامعة، والأسرار اللامعة، بمظاهر تلك الأسماء، وهي آخر العلوم الإلهية التي ظهرت على لسانه، وقد ألقيت عليه في ليلة واحدة، فقام من فراشه وكتبها، وكان يقرؤها في كل سوم وليلة ثلاث مرات، فمن أراد الفوز الأكبر، والظفر بالمقصود، من خيري الدنيا والآخرة، فعليه بحفظها والمواظبة عليها، صباحا ومساء، ومن أراد الاطلاع على بعض معانيها وفوائدها، فعليه بشرحنا عليها، فإن فيه النفع التام إن شاء اللّه تعالى.\rقوله: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ سبب نزولها كما قال ابن عباس: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان مختفيا بمكة، وكان إذا صلى بأصحابه، رفع صوته بالقرآن، فإذا سمعه المشركون، سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به،","part":2,"page":348},{"id":950,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 349\rتُخافِتْ تسر بِها لينتفع أصحابك وَابْتَغِ اقصد بَيْنَ ذلِكَ الجهر والمخافتة سَبِيلًا (110) طريقا وسطا وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ في الألوهية وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌ ينصره مِنَ أجل الذُّلِ أي لم يذل فيحتاج إلى ناصر وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (111) عظمه عظمة تامة عن اتخاذ الولد والشريك والذل، وكل ما لا يليق به، وترتيب الحمد على ذلك، للدلالة على أنه المستحق لجميع المحامد، لكمال ذاته وتفرده في صفاته، روى الإمام أحمد في مسنده عن معاذ الجهني عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان يقول: آية العز الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ إلى آخر السورة، واللّه تعالى أعلم. قال مؤلفه:\rهذا آخر ما كملت به تفسير القرآن الكريم، الذي ألفه الشيخ الإمام العالم العلامة المحقق جلال الدين المحليّ الشافعي رضي اللّه عنه، وقد أفرغت فيه جهدي، وبذلت فكري فيه، في نفائس\r______________________________\rفقال اللّه لنبيه وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ أي بقراءتك، ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم، وابتغ بين ذلك سبيلا، وهذا الأمر قد زال من يوم إسلام عمر والحمزة فهو منسوخ، فللمصلي الجهر في الصلاة الجهرية، ولا يزيد على سماع المأمومين، وقيل نزلت في الدعاء، وروي ذلك عن عائشة وجماعة، ومثل الدعاء سائر الأذكار، فلا يجهر بها، ولا يخافت بها، بل يكون بين ذلك قواما، وعلى هذا القول فالآية غير منسوخة، بل العمل بها، مستمر. قوله: وَلا تُخافِتْ بِها المخافتة عدم رفع الصوت، يقال خفت الصوت إذا سكن. قوله: (لينتفع أصحابك) علة للنهي عن المخافتة.\rقوله: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أي الثناء بالجميل واجب للّه. قوله: الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً أي لم يكن له ولد لاستحالته عليه. قوله: (الألوهية) أي لم يكن له مشارك في ألوهيته، إذ لو كان معه مشارك فيها، لما وجد شيء من العالم، قال تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا وقال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ. قوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِ أي لم يكن له ناصر يمنع عنه الذل، لاستحالته عليه عقلا، واستفيد من الآية أن له أولياء، لا من أجل الذل، بمعنى أنه ينصرهم ويتولى أمورهم، مع استغنائه عنهم كاستغنائه عن الكفار، وإنما اختيارهم وتسميتهم أولياء وأحبابا، فمن فضله واحسانه، وكما أنه يستحيل عليه الولي، بمعنى الناصر له من الذل، يستحيل عليه العدو، بمعنى الموصل الأذى إليه، وأما بمعنى أنه مغضوب عليه وليس راضيا بأفعاله فهو واقع. قوله: (أي لم يذل) أي لم يجر عليه وصف الذل، لا بالفعل ولا بالقوة. قوله: (عظمة عظمة) أي نزهه عن كل نقص. قوله: (و ترتيب الحمد) الخ، دفع بذلك ما يقال: إن المقام للتنزيه لا للحمد، لأن الحمد يكون في مقابلة نعمه، وهنا ليس كذلك. أجيب: بأن اللّه كما يستحق الحمد لأوصافه، يستحقه لذاته. قوله: (آية العز) أي التي من قرأها مؤمنا بها حصل له العز والرفعة، وورد في عدة استعمالها، أنها ثلاثمائة وأحد وخمسون كل يوم، ويقول قبلها: توكلت على الحي الذي لا يموت، الحمد للّه الذي لم يتخذ ولدا إلى آخرها. قوله: (جلال الدين المحلي) كان على غاية من العلم والعمل والزهد والورع والحلم، حتى كان من أخلاقه أنه يقضي حوائج بيته بنفسه، مع كونه كان عنده الخدم والعبيد. قوله: (و قد أفرغت فيه) والضمير عائد على ما في قوله: (آخر ما كملت به) وكذا بقية الضمائر. قوله: (جهدي) بفتح الجيم","part":2,"page":349},{"id":951,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 350\rأراها إن شاء اللّه تعالى تجدي، وألفته في مدة قدر ميعاد الكليم وجعلته وسيلة للفوز بجنات النعيم، وهو في الحقيقة مستفاد من الكتاب المكمل، وعليه في الآي المتشابهة الاعتماد والمعول، فرحم اللّه امرا نظر بعين الإنصاف إليه، ووقف فيه على خطإ فأطلعني عليه وقد قلت:\rحمدت اللّه ربي إذ هداني ... لما أبديت مع عجزي وضعفي\r\rفمن لي بالخطا فأرد عنه ... ومن لي بالقبول ولو بحرف\r\rهذا ولم يكن قط في خلدي أن أتعرض لذلك، لعلمي بالعجز عن الخوض في هذه المسالك، وعسى اللّه أن ينفع به نفعا جما، ويفتح به قلوبا غلفا وأعينا عميا وآذانا صمّا، وكأني بمن\r______________________________\rوضمها أي طاقتي. قوله: (و بذلت فكري) الفكر قوة في النفس، يحصل بها التأمل. قوله: (في نفائس) أي دقائق ونكات مرضية. قوله: (أراها) بفتح الهمزة وضمها. قوله: (تجدي) أي تنفع. قوله: (قدر ميعاد الكليم) أي وهو أربعون يوما، لأنه سيأتي أنه ابتدأ فيه أول يوم رمضان، وختمه لعشرة من شوال، وفي ذلك إشارة إلى أن في هذه المدة، حصل لموسى الفتح، وإعطاء التوراة وهي كلام اللّه، فقد خلعت عليّ خلعة من خلعه، حيث فتح عليّ في تلك المدة، بخدمة كلام اللّه، والأخبار بذلك من باب التحدث بالنعمة، فإن هذا الزمن عادة، لا يسع هذا التأليف إلا بعناية من اللّه، سيما مع صغر سن الشيخ حينئذ، فإنه كان عمره أقل من ثنتين وعشرين سنة بشهور. قوله: (و هو) أي ما كملت به. قوله: (مستفاد من الكتاب المكمل) هذا تواضع من الشيخ، وإشارة إلى أنه حذا حذوه واقتفى أثره، فالشيخ المحلي قدس اللّه روحه، قد سن سنة حسنة للشيخ السيوطي، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. قوله:\r(و عليه) أي الشيخ أو الكتاب المكمل، وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم، و(الاعتماد) مبتدأ مؤخر، وقوله: (في الآي) الخ، متعلق بالاعتماد (و المعول) معطوف على الاعتماد، عطف مرادف. قوله: (بعين الانصاف) إما على حذف مضاف، أي بعين صاحب الانصاف، أو في الكلام استعارة بالكناية، حيث شبه الانصاف بإنسان ذي عين، وطوى ذكر المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو العين، فإثباته تخييل واحترز بعين الانصاف من عين الاعتساف، فإنها لا ترى محاسن أصلا كما قال العارف:\rوعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا\r\rقوله: (و وقف على خطأ) أي اطلع عليه. قوله: (فأطلعني) أي دلني عليه وعرفني به. قوله: (و قد قلت) أي شاكرا للّه سالكا سبيل الاعتذار. قوله: (إذ هداني) أي لأجل هدايته لي. قوله: (لما أبديت) متعلق بهداني. قوله: (فمن لي بالخطأ) أي من يتكفل لي بإظهار الخطأ. قوله: (فأرد عنه) أي أجيب عنه أو أصلحه. قوله: (و من لي بالقبول) أي من يبشرني بالقبول من اللّه لهذا التأليف ولو حرفا، لأن القبول من رحمة اللّه ومن رحمه لا يعذبه. قوله: (هذا) أي افهم وتأمل ما ذكرته لك. قوله: (في خلدي) بفتحتين معناه البال والقلب. قوله: (لذلك) أي لتأليف تلك التكملة. قوله: (المسالك) أي مسالك التفسير الذي هو أصعب العلوم، لاحتياجه إلى الجمع بين المعقول والمنقول. قوله: (و عسى اللّه) هذا ترج من الشيخ رضي اللّه عنه، وقد حقق اللّه رجاءه. قوله: (جما) بفتح الجيم أي كثيرا. قوله: (غلفا) أي معطاة ممنوعة من فهم علم التفسير لصعوبته قوله: (عميا) أي لا تبصر، فإذا نظرت فيه وتأملته فأرجو أن يزول عنها العمى لتبصره","part":2,"page":350},{"id":952,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 351\rاعتاد المطولات، وقد أضرب عن هذه التكملة وأصلها حسما، وعدل إلى صريح العناد، ولم يوجه إلى دقائقهما فهما، ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى، رزقنا اللّه به هداية إلى سبيل الحق ووفيقا، واطلاعا على دقائق كلماته وتحقيقا، وجعلنا به من الذين أنعم اللّه عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.- وفرغ- من تأليفه يوم الأحد عاشر شوال سنة سبعين وثمانمائة، وكان الابتداء فيه يوم الأربعاء، مستهل رمضان من السنة المذكورة، وفرغ من تبييضه يوم الأربعاء، سادس صفر، سنة إحدى وسبعين وثمانمائة، واللّه أعلم. قال الشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر الخطيب الطوخي: أخبرني صديقي الشيخ العلامة كمال الدين المحليّ، أخو شيخنا الشيخ الإمام جلال الدين المحليّ رحمهما اللّه تعالى، أنه رأى أخاه الشيخ جلال الدين المذكور في النور، وبين يديه صديقنا الشيخ العلامة المحقق جلال الدين السيوطي مصنف هذه التكملة، وقد أخذ الشيخ هذه التكملة في يده وتصفحها، ويقول لمصنفها المذكور:\rأيهما أحسن، وضعي أو ضعك؟ فقال: وضعي، فقال: انظر، وعرض عليه مواضع فيها، وكأنه\r______________________________\rوتدركه. قوله: (و آذانا صما) أي فبسماعه يزول عنها الصمم، وتصير مستمعة لدقائق التفسير. قوله: (و كأني بمن اعتاد المطولات) أي ملتبس بمن اعتاد، فالباء للملابسة، ويصح أن تكون بمعنى من، والمعنى وكأني قريب ممن اعتاد الخ. قوله: (و قد أضرب) أي أعرض. قوله: (و أصلها) أي وهي قطعة الجلال المحلي. قوله:\r(حسما) الحسم المنع والقطع، وهو مفعول مطلق مؤكد لعامله المعنوي الذي هو أعرض، كأنه قال وقد أعرض إعراضا. قوله: (و عدل) أي مال. قوله: (إلى صريح العناد) من إضافة الصفة للموصوف، أي العناد الصريح. قوله: (و من كان في هذه) أي التكملة مع أصلها، وفي بمعنى عن، وقوله: (أعمى) أي معرضا عنها، وغير واقف على دقائقها، وقوله: (فهو في الآخرة) المراد بها المطولات، وقوله: (أعمى) أي غير فاهم لها، وهو اقتباس من الآية الشريفة، والاقتباس تضمين الكلام شيئا من القرآن أو الحديث، لا على أنه منه. قوله: (رزقنا اللّه) الخ، هذا الضمير وما بعده لما كمل به. قوله: (هداية) أي وصولا للمقصود. قوله: (على دقائق كلماته) أي القرآن. قوله: (مع الذين أنعم اللّه عليهم) المراد بالمعية أنه يستمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم، وإن كان كلّ في منزلته. قوله: (فرغ من تأليفه) أي جمعه وتسويده بدليل قوله: (و فرغ من تبييضه). قوله: (سنة سبعين وثمانمائة) أي وذلك بعد وفاة الجلال المحلي بست سنين. قوله: (و فرغ من تبييضه) أي تحريره ونقله من المسودة.\rقوله: (سادس صفر) أي فكانت مدة تحريره أربعة أشهر إلا أربعة أيام. قوله: (السيوطي) بضم السين نسبة لسيوط قرية بصعيد مصر، واعلم أنه قد وجد بعد ختم هذه التكملة، مما هو منقول عن خط السيوطي ما نصه:\rقال الشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر الخطيب الطوخي، أخبرني صديقي الشيخ العلامة كمال الدين المحلي الخ، فليس من تأليف السيوطي، واللّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، قال مؤلفه: وكان الفراغ من تسويد هذا الجزء، يوم الخميس المبارك، ثالث عشر شعبان، سنة خمس وعشرين ومائتين وألف من هجرة من له العز والشرف، عليه أفضل الصلاة والسّلام بمشهد الإمام الحسين رضي اللّه تعالى عنه وعنا.","part":2,"page":351},{"id":953,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 352\rيشير إلى اعتراض فيها بلطف، ومصنف هذه التكملة كلما أورد عليه شيئا يجيبه والشيخ يبتسم ويضحك. قال شيخنا الإمام العلامة جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي مصنف هذه التكملة: الذي أعتقده وأجزم به، أن الوضع الذي وضعه الشيخ جلال الدين المحليّ رحمه اللّه تعالى في قطعته، أحسن من وضعي أنا بطبقات كثيرة، كيف وغالب ما وضعته هنا مقتبس من وضعه ومستفاد منه، لا مرية عندي في ذلك، وأما الذي رئي في المنام المكتوب اعلاه، فلعل الشيخ أشار به إلى المواضع القليلة التي خالفت وضعه فيها لنكتة وهي يسيرة جدا، ما أظنها تبلغ عشرة مواضع، منها: أن الشيخ قال في سورة ص: والروح جسم لطيف، يحيا به الإنسان بنفوذه فيه، وكنت تبعته أولا، فذكرت هذا الحد في سورة الحجر، ثم ضربت عليه لقوله تعالى:\rوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي الآية، فهي صريحة في أن الروح من علم اللّه تعالى لا نعلمه، فالإمساك عن تعريفها أولى، ولذا قال الشيخ تاج الدين بن السبكي في جميع الجوامع:\rوالروح لم يتكلم عليها محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فنمسك عنها. ومنها أن الشيخ قال في سورة الحج: الصابئون فرقة من اليهود، فذكرت ذلك في سورة البقرة وزدت أو النصارى بيانا لقول ثان، فإنه المعروف خصوصا عند أصحابنا الفقهاء، وفي المنهاج: وإن خالفت السامرة اليهود، والصابئة النصارى في أصل دينهم حرمن، وفي شروحه: أن الشافعي رضي اللّه عنه نص على أن الصابئين فرقة من النصارى، ولا أستحضر الآن موضعا ثالثا، فكأن الشيخ رحمه اللّه تعالى يشير إلى مثل هذا، واللّه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.","part":2,"page":352},{"id":954,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 353\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الكهف مكيّة إلا وَاصْبِرْ نَفْسَكَ الآية. وهي مائة وعشر آيات أو وخمس عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ هو الوصف بالجميل ثابت لِلَّهِ تعالى وهل المراد الإعلام بذلك للإيمان به أو الثناء أو هما؟ احتمالات أفيدها الثالث الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ محمد\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rالحمد للّه الأول الآخر الباطن الظاهر والصلاة والسّلام على سيدنا محمد الطاهر الفاخر وعلى آله وأصحابه ذوي العلا والمفاخر- وبعد- فلما انتهى الكلام على تكملة الجلال السيوطي فلنشرع الآن في الكلام على تأليف شيخه الجلال محمد بن أحمد المحلي نفعنا اللّه بهما وبعلومهما في الدنيا والآخرة ونسأل اللّه تعالى الإعانة على البدء والختام والموت على كمال الإيمان والإسلام. قال نفعنا اللّه به:\rسورة الكهف\rمكية إلا وَاصْبِرْ نَفْسَكَ الآية، وهي مائة وعشر آيات أو وخمس عشرة آية\rسميت بذلك، لذكر قصة أصحاب الكهف فيها، من باب تسمية الشيء باسم بعضه، و(سورة) مبتدأ، و(مكية) خبر أول، و(مائة) الخ، خبر ثان. قوله: (ثابت) قدره إشارة إلى أن الجار والمجرور في لِلَّهِ متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والمراد بالثبوت الدوام والاستمرار أزلا وأبدا، فحصل الفرق بين حمد القديم والحادث، فوصف القديم بالكمالات أزلي مستمر، وكمال الحادث عارض. قوله:\r(الإعلام بذلك) أي الإخبار بأن وصفه الكمالي أزلي، فتكون الجملة خبرية لفظا ومعنى، والمقصود منها، كونها عقيدة للعباد، وشرطا في إيمانهم، والمخبر بالحمد حامد. قوله: (أو الثناء به) أي إنشاء الثناء","part":2,"page":353},{"id":955,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 354\rالْكِتابَ القرآن وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ أي فيه عِوَجاً (1) اختلافا وتناقضا، والجملة حال من الكتاب قَيِّماً مستقيما حال ثانية مؤكدة لِيُنْذِرَ يخوف بالكتاب الكافرين بَأْساً عذابا\r______________________________\rبمضمون تلك الجملة، لا إنشاء المضمون، فإنه ثابت أزلا يستحيل إنشاؤه، فتكون على هذا خبرية لفظا إنشائية معنى، كأنه قال: أجدد وأنشىء جمدا لنفسي بنفسي، لعجز خلقي عن كنه حمدي. ولذا حكي عن أبي العباس المرسي، أنه سأل ابن النحاس النحوي عن أل في الحمد للّه، هل هي جنسية أو عهدية؟\rفقال: يقولون إنها جنسية، فقال: لا بل هي عهدية، لأن اللّه لما علم عجز خلقه عن كنه حمده، حمد نفسه بنفسه، وأبقاه لهم يحمدونه به. قوله: (أو هما) أي الإعلام والثناء، ويكون هذا من باب استعمال الجملة في الخبر والإنشاء، على سبيل الجمع بين الحقيقة والمجاز، فاستعمالها في الخبر حقيقة، واستعمالها في الإنشاء مجاز، وحينئذ فيكون المقصود من هذه الجملة أمرين: الإعلام للإيمان والتصديق، وإنشاء الثناء. قوله:\r(أفيدها الثالث) أي أكثرها فائدة، لدلالته على أمرين مقصود كل منهما بالذات. إن قلت: إن إنشاء الثناء يستلزم الإعلام، والإعلام يستلزم إنشاء الثناء. قلنا: نعم، لكن فرق بين الحاصل المقصود، والحاصل الغير المقصود، فتحصل أنه إذا جعلت الجملة خبرية فقط، كان الثناء حاصلا غير مقصود، وإن جعلت إنشائية فقط، كان الإيمان بها حاصلا غير مقصود، وإن استعملت فيهما، كان كل مقصودا لذاته.\rقوله:\rالَّذِي أَنْزَلَ تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعلية، كأنه قال: الحمد للّه لأجل إنزاله الخ، وإنما جعل الإنزال سببا في الحمد، لأنه أعظم نعمة وجدت دنيا وأخرى، إذ به تنال سعادة الدارين، إذ فيه صلاح المعاد والمعاش، قال تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ. قوله: عَلى عَبْدِهِ الإضافة لتشريف المضاف، ولذا قال القاضي عياض:\rوممّا زادني شرفا وتيها ... وكدت بأخمصي أطأ الثريّا\r\rدخولي تحت قولك يا عبادي ... وإن صيرت أحمد لي نبيّا\r\rقوله: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ الجملة إما معطوفة على قوله: أَنْزَلَ فتكون من جملة المحمود عليه، أو حال كما قال المفسر. قوله: (اختلافا) أي في اللفظ، والمعنى، والعوج بالكسر الفساد في المعاني، وبالفتح في الأجسام. قوله: (تناقضا) نعت لاختلافا على حذف مضاف، أي ذا تناقض.\rقوله: قَيِّماً إن أريد به الاستقامة في المعنى، كان حالا مؤكدة كما قال المفسر، وإن أريد به الاستقامة مطلقا، كان حالا مؤسسة. قوله: (مستقيما) أي معتدلا قائما بمصالح العباد، دنيا وأخرى، فهو مصلح لصاحبه دنياه وآخرته، من حيث إنه يؤنسه في قبره ويتلقى عنه السؤال، ويكون نورا على الصراط، ويوضع في الميزان، ويرقى به درجات الجنة، وهذا للعامل به، وقائم على غير العامل به، بمعنى أنه يكون حجة عليه، أو المعنى قيما حسن الألفاظ والمعاني، لكونه في أعلى طبقات الفصاحة والبلاغة. فإن قلت: ما فائدة التأكيد؟\rقلنا: دفع توهم أن نفي العوج عن غالبه، لأن الحكم للغالب.\rقوله: لِيُنْذِرَ متعلق بأنزل، وهو ينصب مفعولين، قدر المفسر الأول بقوله: (الكافرين) والثاني هو قوله: بَأْساً، وقوله: وَيُنْذِرَ معطوف على قوله: لِيُنْذِرَ الأول؛ وحذف مفعوله الثاني لدلالة ما هنا عليه، وذكر مفعوله الأول، ففي الكلام احتباك، حيث حذف من كل نظير ما أثبته في الآخر.","part":2,"page":354},{"id":956,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 355\rشَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ من قبل اللّه وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (2) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (3) هو الجنة وَيُنْذِرَ من جملة الكافرين الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (4) ما لَهُمْ بِهِ بهذا القول مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ من قبلهم القائلين له كَبُرَتْ عظمت كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ كلمة تمييز مفسر للضمير المبهم، والمخصوص بالذم محذوف، أي مقالتهم المذكورة إِنْ ما يَقُولُونَ في ذلك إِلَّا مقولا كَذِباً (5) فَلَعَلَّكَ باخِعٌ مهلك نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ بعدهم أي بعد توليهم عنك إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ\r______________________________\rقوله: (الكتاب) هو فاعل لِيُنْذِرَ وفي بعض النسخ (بالكتاب) وحينئذ فيكون فاعل الإنذار، إما ضمير عائد على اللّه، أو على محمد.\rقوله: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ نعت للمؤمنين، وقوله: أَنَّ لَهُمْ أي بأن لهم، وإنما ذكر المفعولين معا لعدم النظير لهم، بخلاف أهل الإنذار، فأنواعهم مختلفة.\rقوله: ماكِثِينَ أي مقيمين فيه. قوله: (هو الجنة) أي الأجر الحسن. قوله: (من جملة الكافرين) أشار بذلك إلى أن قوله: وَيُنْذِرَ معطوف على لِيُنْذِرَ الأول، عطف خاص على عام، والنكتة التشنيع والتقبيح عليهم، حيث نسبوا للّه الولد، وهو مستحيل عليه، قال تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً.\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 2 355\r\rقوله: ماكِثِينَ أي مقيمين فيه. قوله: (هو الجنة) أي الأجر الحسن. قوله: (من جملة الكافرين) أشار بذلك إلى أن قوله: وَيُنْذِرَ معطوف على لِيُنْذِرَ الأول، عطف خاص على عام، والنكتة التشنيع والتقبيح عليهم، حيث نسبوا للّه الولد، وهو مستحيل عليه، قال تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً.\rقوله: الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً أي مولودا ذكرا أو أنثى، فيشمل النصارى واليهود ومشركي العرب.\rقوله: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ أي لاستحالته عليه عقلا. قوله: (بهذا القول) هذا أحد أوجه في مرجع الضمير، والثاني أنه راجع للولد، أي أنهم نسبوا له الولد، مع عدم علمهم به لاستحالته وعدم وجوده، الثالث أنه راجع للّه، أي ليس لهم علم باللّه، إذ لو علموه لما نسبوا له الولد. قوله: (من قبلهم) بفتح الميم بدل من آبائهم، أي فالمراد بآبائهم من تقدمهم عموما، وليس المراد بهم خصوص من لهم عليها ولادة.\rقوله: كَبُرَتْ كَلِمَةً كبر فعل ماض لإنشاء الذم، والتاء علامة التأنيث، والفاعل مستتر تقديره هي، و(كلمة تمييز) له والمخصوص بالذم محذوف قدره المفسر بقوله: (مقالتهم) وهذه الجملة مستأنفة لإنشاء ذمهم، ونظيرها قوله تعالى: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ. قوله: تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ أي من غير تأمل وتدبر فيها، بل جرت على ألسنتهم من غير سند. قوله: (في ذلك) أي في هذا المقام، وهو نسبة الولد للّه. قوله: إِلَّا كَذِباً صفة لموصوف محذوف، قدره المفسر بقوله: (مقولا).\rقوله: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ الخ، لعل تأتي للترجي وللإشفاق وكل ليس مقصودا هنا، بل المراد هنا النهي، والمعنى لا تبخع نفسك، أي لا تهلكها من أجل أسفك وغمك على عدم إيمانهم. قوله: (بعدهم) تفسير لآثارهم، أي فالآثار جمع أثر، والمراد منه البعدية. قوله: إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه، والتقدير فلا تهلك، والمقصود منه تسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى لا تحزن على عدم إيمانهم حزنا يؤدي لإهلاك نفسك، وأما أصل الحزن والغم، فهو شرط في الإيمان لا ينهى عنه، لأن الرضا وشرح","part":2,"page":355},{"id":957,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 356\rالقرآن أَسَفاً (6) غيظا وحزنا منك لحرصك على إيمانهم، ونصبه على المفعول له إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ من الحيوان والنبات والشجر والأنهار وغير ذلك زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ لنختبر الناس ناظرين إلى ذلك أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) فيه أي أزهد له وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً فتاتا جُرُزاً (8) يابسا لا ينبت أَمْ حَسِبْتَ أي ظننت أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ الغار في الجبل وَالرَّقِيمِ اللوح المكتوب فيه أسماؤهم وأنسابهم وقد سئل صلّى اللّه عليه وسلّم عن قصتهم كانُوا في قصتهم\r______________________________\rالصدر بالكفر كفر. قوله: (لحرصك) علة للعلة. قوله: (و نصبه على المفعول) أي والعامل فيه باخع.\rقوله: إِنَّا جَعَلْنا كالتعليل لما قبله، فهو من جملة تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم، وجعل إن كانت بمعنى صير، فزينة مفعول ثان، وإن كانت بمعنى خلق، فزينة حال أو مفعول لأجله، وعلى كل فقوله: ما عَلَى الْأَرْضِ مفعول. قوله: (و غير ذلك) أي من باقي النعم التي خلقها اللّه للعباد، كالذهب والفضة والمعادن. قوله:\rزِينَةً لَها أي يتزين بها ويتنعم، قال تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الآية. قوله: (لنختبر الناس) أي نعاملهم معاملة المختبر. قوله: (ناظرين إلى ذلك) حال من الناس، أي لنختبر الناس في حال نظرهم إلى الزينة.\rقوله: أَيُّهُمْ مبتدأ، وأَحْسَنُ خبر وعَمَلًا تمييز، والجملة في محل نصب، سدت مسد مفعولي نبلو. قوله: (أي أزهد له) تفسير لقوله: أَحْسَنُ، والمعنى نميز بين حسن العمل وسيئه بتلك الزينة، فمن زهدها كان من أهل الحسن، ومن رغب فيها كان بضد ذلك فتدبر.\rقوله: لَجاعِلُونَ أي مصيرون، وصَعِيداً مفعول ثان. قوله: (فتاتا) بضم الفاء مصدر كالحطام والرفات أي ترابا. قوله:\rجُرُزاً نعت لصعيدا، والمعنى إنا لنعيد ما على وجه الأرض من الزينة، ترابا مستويا بالأرض، كصعيد أملس لا نبات به. إن قلت: إن قوله: ما عَلَيْها صريح في أن الأرض تستمر، فيكون منافيا لقوله في الآية الأخرى يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ أجيب: بأنه خص ما على الأرض من الزينة، لأنه الذي به الغرور والفتنة.\rقوله: أَمْ حَسِبْتَ أَمْ منقطعة وفيها ثلاثة مذاهب: مذهب الجمهور تفسر ببل والهمزة، وعند طائفة تفسر بالهمزة وحدها، وعليه درج عند طائفة أخرى تفسر ببل وحدها. قوله: (أي ظننت) الاستفهام إنكاري، أي لا تظن أن قصة أهل الكهف عجيبة دون باقي الآيات، فإن غيرها من الآيات الدالة على قدرة اللّه، كالليل والنهار والسماوات والأرض أعجب منها. قوله: الْكَهْفِ مفرد، وجمعه كهوف وأكهف. قوله: (و الغار في الجبل) أي وإن لم يكن متسعا وهو قول، وقيل إن الكهف الغار المتسع، فإن لم يتسع سمي غارا فقط. قوله: وَالرَّقِيمِ هو بمعنى مرقوم. قوله: (اللوح) أي وكان من رصاص، وقيل من حجارة، وهو مدفون عند باب الغار تحت البناء الذي عليه، وقيل: إن الرقيم اسم الوادي الذي فيه أصحاب الكهف، وقيل اسم للقرية، وقيل اسم الجبل وقيل اسم كتاب مرقوم عندهم، فيه الشرع الذي تمسكوا به من دين عيسى، وقيل دراهمهم التي كانت معهم، وقيل كلبهم. قوله: (فيه أسماؤهم) أي ففيه فلان بن فلان، من مدينة كذا، خرج في وقت كذا، من سنة كذا. قوله: (في قصتهم)","part":2,"page":356},{"id":958,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 357\rمِنْ جملة آياتِنا عَجَباً (9) خبر كان وما قبله حال أي كانوا عجبا دون باقي الآيات أو أعجبها ليس الأمر كذلك اذكر إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ جمع فتى وهو الشاب الكامل خائفين على إيمانهم من قومهم الكفار فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ من قبلك رَحْمَةً وَهَيِّئْ أصلح لَنا مِنْ\r______________________________\rأي وكانت بعد عيسى عليه السّلام. قوله: (ليس الأمر كذلك) أي ليست أعجبها، ولا هي عجب دون غيرها، بل هي من جملة الآيات العجيبة.\rقوله: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ أي نزلوه وسكنوه. وحاصل قصتهم كما قال محمد بن إسحاق: لما طغى أهل الإنجيل، وكثرت فيهم الخطايا، حتى عبدوا الأصنام وذبحوا لها، وبقي فيهم من هو على دين عيسى، مستمسكين بعبادة اللّه وتوحيده، وكان بالروم ملك يقال له دقيانوس، عبد الأصنام، وذبح للطواغيت، وكان يحمل الناس على ذلك، ويقتل من خالفه، فمر بمدينة أصحاب الكهف، وهي مدينة من الروم يقال لها أفسوس، واسمها عند العرب طرسوس، فاستخفى منه أهل الإيمان، فصار يرسل أعوانه، فيفتشون عليهم ويحضرونهم له، فيأمرهم بعبادة الأصنام، ويقتل من يخالفه، فلما عظمت هذه الفتنة، ورأى الفتية ذلك، خزنوا حزنا شديدا، وكانوا من أشراف الروم، وهم ثمانية، وكانوا على دين عيسى، فأخبر الملك بهم وبعبادتهم، فبعث إليهم، فأحضروا بين يديه يبكون، فقال: ما منعكم أن تذبحوا لآلهتنا وتجعلوا أنفسكم كأهل المدينة؟ فاختاروا إما أن تكونوا على ديننا، وإما أن نقتلكم، فقال له أكبرهم: إن لنا إلها عظمته ملء السماوات والأرض، لن ندعو من دونه إلها أبدا، اصنع ما بدا لك، وقال أصحابه مثل ذلك. فأمر الملك بنزع لباسهم، والحلية التي كانت عليهم، وكانوا مسورين ومطوقين، وكانوا غلمانا مردا حسانا جدا، وقال: سأتفرغ لكم وأعاقبكم، وما يمنعني من فعل ذلك بكم، إلا أني أراكم شبابا، فلا أحب أن أهلككم، وإني قد جعلت لكم أجلا، تدبرون فيه أمركم، وترجعون إلى عقولكم، ثم إنه سافر لغرض من أغراضه، فخافوا أنه إذا رجع من سفره، يعاقبهم أو يقتلهم، فاستشوروا فيما بينهم، واتفقوا على أن يأخذ كل واحد منهم نفقة من بيت أبيه، يتصدق ببعضها ويتزود بالباقي، ففعلوا ذلك، وانطلقوا إلى جبل قريب من مدينتهم يقال له ينجلوس فيه كهف، ومروا في طريقهم بكلب فتبعهم، فطردوه فعاد، ففعلوا ذلك مرارا، فقال لهم الكلب: أنا أحب أحباب اللّه عزّ وجل، فناموا وأنا أحرسكم فتبعهم، فدخلوا الكهف وقعدوا فيه، ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتحميد، وجعلوا نفقتهم تحت يد واحد منهم اسمه تمليخا، كان يأتي المدينة يشتري لهم الطعام سرا، ويتجسس لهم الخبر، فلبثوا في ذلك الغار ما شاء اللّه، ثم رجع الملك دقيانوس من سفره إلى المدينة، وكان تمليخا يومئذ بالمدينة يشتري لهم طعاما، فجاء وأخبرهم برجوع الملك وأنه يفتش عليهم، ففزعوا وشرعوا يذكرون اللّه عز وجل، ويتضرعون إليه في دفع شره عنهم، وذلك عند غروب الشمس، فقال لهم تمليخا: يا إخوتاه، كلوا وتوكلوا على ربكم، فأكلوا وجلسوا يتحدثون ويتواصون، فبينما هم كذلك، إذ ألقى اللّه عليهم النوم في الكهف، وألقاه أيضا على كلبهم، وهو باسط ذراعيه على باب الكهف، ففتش عليهم الملك فدل عليهم، فتحير فيما يصنع بهم، فألقى اللّه في قلبه أن يسد عليهم باب الغار، وأراد اللّه عز وجل أن يكرمهم بذلك ويجعلهم آية للناس، وأن يبين لهم أن الساعة آتية، وأنه قادر على بعث العباد من بعد الموت، فأمر الملك بسده وقال: دعوهم في كهفهم يموتون جوعا وعطشا، ويكون","part":2,"page":357},{"id":959,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 358\r______________________________\rكهفهم الذي اختاروه قبرا لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم، وقد توفى اللّه أرواحهم وفاة نوم، ثم إن رجلين مؤمنين في بيت الملك دقيانوس يكتمان ايمانهما، شرعا يكتبان قصة هؤلاء الفتية، فكتبا وقت فقدهم وعددهم وأنسابهم ودينهم، وممن فروا في لوحين من رصاص، وجعلاهما في تابوت من نحاس، وجعلا التابوت في البنيان وقالا: لعل اللّه أن يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين قبل يوم القيامة، فيعرفوا من هذه الكتابة خبرهم، ثم مات الملك دقيانوس هو وقومه؛ ومر بعده سنون وقرون، وتغايرت الملوك ثم ملك تلك المدينة رجل صالح يقال له بيطروس، واختلف الناس عليه، فمنهم المؤمن بالساعة، ومنهم الكافر بها فشق ذلك عليه، حيث كان يسمعهم يقولون: لا حياة إلا حياة الدنيا، وإنما تبعث الأرواح دون الأجساد، فجعل يتضرع ويقول: رب أنت تعلم اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آية تبين لهم أمر الساعة والبعث، فأراد اللّه أن يظهره على الفتية أصحاب الكهف، ويبين للناس شأنهم، ويجعلهم آية وحجة عليهم، ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن اللّه يبعث من في القبور، فألقى اللّه في قلب رجل من أهل تلك الناحية، أن يهدم ذلك البناء الذي على باب الكهف، ويبني بحجارته حظيرة لغنمه، فهدمه وبنى به حظيرة لغنمه، فلما انفتح باب الكهف، بعث اللّه هؤلاء الفتية، فجلسوا فرحين مسفرة وجوههم طيبة نفوسهم، وقد حفظ اللّه عليهم أبدانهم وجمالهم وهيئتهم، فلم يتغير منها شيء، فكانت هيئتهم وقت أن استيقظوا، كهيئتهم وقت أن رقدوا، ثم أرسلوا تمليخا إلى المدينة ليشتري لهم الطعام، فذهب فرأى المدينة قد تغير حالها وأهلها وملكها، وقد أخذه أهل المدينة وذهبوا به إلى ذلك الملك المؤمن، فأخبره تمليخا بقصته وقصة أصحابه، فقال بعض الحاضرين: يا قوم لعل هذه آية من آيات اللّه، جعلها اللّه لكم على يد هذا الفتى، فانطلقوا بنا حتى يرينا أصحابه، فانطلق أريوس وأسطيوس من عظماء المملكة، ومعهما جميع أهل المدينة، كبيرهم وصغيرهم، نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم، فأول من دخل عليهم، هذان العظيمان الكبيران، فوجدا في أثر البناء تابوتا من نحاس، ففتحاه فوجدوا فيه لوحين من رصاص مكتوبا فيهما قصتهم، فلما قرأوهما عجبوا وحمدوا اللّه الذي أراهم آية تدلهم على البعث، ثم أرسلوا قاصدا إلى ملكهم الصالح بيدروس، أن عجل بالحضور إلينا، لعلك ترى هذه الآية العجيبة، فإن فتية بعثهم اللّه وأحياهم، وكان قد توفاهم ثلاثمائة سنة وأكثر، فلما جاءه الخبر، ذهب همه وقال:\rأحمدك رب السماوات والأرض، تفضلت عليّ ورحمتني، ولم تطفىء النور الذي جعلته لآبائي، فركب وتوجه نحو الكهف، فدخل عليهم وفرح بهم واعتنقهم ووقف بين أيديهم، وهم جلوس على الأرض، يسبحون اللّه ويحمدونه، فقالوا له: نستودعك اللّه، والسّلام عليك ورحمة اللّه، حفظك اللّه وحفظ ملكك، ونعيذك باللّه من شر الإنس والجن، فبينما الملك قائم، إذ رجعوا إلى مضاجعهم فناموا، وتوفى اللّه أنفسهم، فقام الملك إليهم، وجعل ثيابهم عليهم، وأمر أن يجعل كل رجل منهم في تابوت من ذهب، فلما مشى ونام، أتوه في منامه فقالوا له: إنا لم نخلق من ذهب ولا فضة، ولكنا خلقنا من التراب وإلى التراب نصير، فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب، حتى يبعثنا اللّه منه، فأمر الملك عند ذلك بتابوت من ساج فجعلوا فيه، وأمر أن يبنى على باب الكهف مسجد فيه، ويسد به باب الغار فلا يراهم أحد، وجعل لهم عيدا عظيما، وأمر أن يؤتى كل سنة اه ملخصا من الخازن. قوله: (جمع فتى) أي كصبي وصبية. قوله:","part":2,"page":358},{"id":960,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 359\rأَمْرِنا رَشَداً (10) هداية فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ أي أنمناهم فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (11) معدودة ثُمَّ بَعَثْناهُمْ أيقظناهم لِنَعْلَمَ علم مشاهدة أَيُّ الْحِزْبَيْنِ الفريقين المختلفين في مدة لبثهم أَحْصى فعل بمعنى أضبط لِما لَبِثُوا للبثهم متعلق بما بعده أَمَداً (12) غاية نَحْنُ نَقُصُ نقرأ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِ بالصدق إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (13) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ قويناها على قول الحق إِذْ قامُوا بين يدي ملكهم وقد أمرهم بالسجود للأصنام فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ أي غيره إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (14) أي قولا ذا شطط أي إفراط في الكفر إن دعونا إلها غير اللّه فرضا هؤُلاءِ مبتدأ قَوْمُنَا عطف بيان اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا هلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ على عبادتهم بِسُلْطانٍ\r______________________________\r(أصلح) أي أو يسر. قوله: (هداية) أي تثبيتا على الإيمان، وتوفيقا للأعمال الصالحة.\rقوله: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ مفعوله محذوف تقديره حجابا مانعا لهم من السماع، وهذا هو المعنى الحقيقي، وليس مرادا بل المراد أنمناهم، ففي الكلام تجوز، حيث شبه إلقاء النوم بضرب الحجاب، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من الضرب ضربنا بمعنى أنمنا، استعارة تصريحية تبعية. قوله:\r(معدودة) أشار بذلك إلى أن عددا مصدر بمعنى معدود نعت لسنين، وسيأتي عدها في الآية.\rقوله: (علم مشاهدة) جواب عما يقال: كيف قال تعالى لِنَعْلَمَ مع أنه تعالى عالم بكل شيء أزلا، فأجاب بقوله:\r(علم مشاهدة) والمعنى ليظهر ويشاهد ويحصل لهم ما تعلق به علمنا أزلا من ضبط مدتهم. قوله:\r(الفريقين المختلفين) قيل المراد بالفريقين أصحاب الكهف، لافتراقهم فرقتين: فرقة تقول يوم، وفرقة تقول بعض يوم، وقيل هم أهل المدينة، افترقوا فرقتين في قدر مدتهم بالتخمين والظن. قوله: (فعل) أي ماض وليس اسم تفضيل، لأنه لا يبنى من غير الثلاثي. قوله: (للبثهم) أشار بذلك إلى أن ما مصدرية مراعى فيها اعتبار المدة، وقوله: (متعلق بما بعده) أي حال منه، وأَمَداً مفعول أَحْصى.\rقوله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ أي نفصل لك يا محمد خبرهم. قوله: بِالْحَقِ الباء للملابسة، والجار والمجرور حال من نبأ. قوله: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ أي شباب كانوا من عظماء أهل تلك المدينة، وأحدهم كان وزيرا للملك. قوله: آمَنُوا بِرَبِّهِمْ أي صدقوا به وانقادوا لأحكامه. قوله:\r(قويناها على قول الحق) أي حيث خالفوا الملك، ولم يحصل لهم منه رعب ولا خوف.\rقوله: إِذْ قامُوا ظرف لربطنا، أي ربطنا على قلوبهم وقت قيامهم. قوله: (بين يدي ملكهم) أي واسمه دقيانوس. قوله:\rفَقالُوا أي خطابا للملك ثلاث جمل، وآخرها قوله: شَطَطاً. قوله: لَنْ نَدْعُوَا أي نعبد. قوله:\r(أي قولا ذا شطط) أشار بذلك إلى أن شططا منصوب على المصدرية، صفة لمحذوف على حذف مضاف، أي إفراط في الكفر، أي مجاوزة الحد فيه.\rقوله: هؤُلاءِ قَوْمُنَا هذه جمل ثلاث، قالوها فيما بينهم بعد خروجهم من عند الملك، وآخرها قوله: كَذِباً. قوله: (عطف بيان) أي أو بدل. قوله: اتَّخَذُوا خبر المبتدأ. قوله: (هلا) أشار بذلك إلى أن لو لا للتحضيض، والمقصود من ذكر هذا الكلام فيما بينهم، تذاكر التوحيد وتقوية أنفسهم","part":2,"page":359},{"id":961,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 360\rبَيِّنٍ بحجة ظاهرة فَمَنْ أَظْلَمُ أي لا أحد أظلم مِمَّنِ افترى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (15) بنسبة الشريك إليه تعالى. قال بعض الفتية لبعض وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً (16) بكسر الميم وفتح الفاء وبالعكس ما ترتفقون به من غداء وعشاء وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ بالتشديد والتخفيف تميل عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ ناحيته وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ تتركهم وتتجاوز عنهم فلا تصيبهم البتة وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ متسع من الكهف ينالهم برد الريح ونسيمها ذلِكَ المذكور مِنْ آياتِ اللَّهِ دلائل قدرته مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (17) وَتَحْسَبُهُمْ لو رأيتهم أَيْقاظاً أي منتبهين لأن أعينهم منفتحة جمع يقظ بكسر القاف وَهُمْ رُقُودٌ نيام جمع راقد وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ لئلا تأكل الأرض لحومهم وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ يديه بِالْوَصِيدِ بفناء الكهف، وكانوا إذا انقلبوا\r______________________________\rعليه. قوله: (على عبادتهم) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله: (أي لا أحد) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي.\rقوله: (قال بعض الفتية لبعض) قدره إشارة إلى أن إِذِ ظرف منصوب بمحذوف، أي قال بعضهم لبعض وقت اعتزالهم. قوله: وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ما موصولة أو مصدرية، والمعنى وإذ اعتزلتموهم والذي يعبدونه غير اللّه، أو معبوداتهم غير اللّه. قوله:\rيَنْشُرْ لَكُمْ أي يبسط ويوسع. قوله: (و بالعكس) أي فهما قراءتان سبعيتان، وأما الجارحة فبكسر الميم فقط. قوله: (من غداء وعشاء) أي وغير ذلك.\rقوله: وَتَرَى الشَّمْسَ الخطاب للنبي أو لكل أحد، والمعنى لو كنت هناك عندهم واطلعت على كهفهم، لرأيت الشمس إذا طلعت الخ. قوله: (بالتشديد) أي فأصله تتزاور، قلبت التاء زايا وأدغمت في الزاي. قوله: (و التخفيف) أي بحذف إحدى التاءين، وهما قراءتان سبعيتان. قوله: (ناحيته) أشار بذلك إلى أن ذات اليمين وذات الشمال ظرف مكان، بمعنى جهة اليمين وجهة الشمال، والمراد يمين الداخل للكهف وشماله، وذلك أن كهفهم مستقبل بنات نعش، فتميل عنهم الشمس طالعة وغاربة لئلا تؤذيهم بحرها، ولا ينافي هذا ما تقدم في القصة أنه سد باب الكهف وبنى عليه مسجد، لأن الكهف له محل منفتح من أعلاه جهة بنات نعش. قوله: وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ أي وسطه والجملة حالية. قوله:\r(المذكور) أي من نومهم وحمايتهم من إصابة الشمس لهم.\rقوله: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ جملة معترضة في أثناء القصة لتسليته صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا أي معينا. قوله: مُرْشِداً أي هاديا. قوله: وَتَحْسَبُهُمْ خطاب للنبي أو لكل أحد. قوله:\r(بكسر القاف) أي كفخذ وأفخاذ، ويضم أيضا كعضد وأعضاد. قوله: وَنُقَلِّبُهُمْ الخ قيل يقلبون في كل سنة مرة وفي يوم عاشوراء، وقيل يقلبون مرتين، وقيل تسع سنين، والمقلب لهم قيل اللّه، وقيل ملك يأمره اللّه تعالى، قوله: وَكَلْبُهُمْ وكان أصفر اللون، وقيل أسمر، وقيل كلون السماء، اسمه قطمير،","part":2,"page":360},{"id":962,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 361\rانقلب، وهو مثلهم في النوم واليقظة لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ بالتشديد والتخفيف مِنْهُمْ رُعْباً (18) بسكون العين وضمها منعهم اللّه بالرعب من دخول أحد عليهم وَكَذلِكَ كما فعلنا بهم ما ذكرنا بَعَثْناهُمْ أيقظناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ عن حالهم ومدة لبثهم قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ لأنهم دخلوا الكهف عند طلوع الشمس وبعثوا عند غروبها فظنوا أنه غروب يوم الدخول ثم قالُوا متوقفين في ذلك رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ بسكون الراء وكسرها بفضتكم هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ يقال\r______________________________\rوقيل ريان، وهو من جملة الحيوانات التي تدخل الجنة، وبهذا تعلم أن حب الصالحين والتعلق بهم يورث الخير العظيم والفوز بجنات النعيم.\rقوله: ذِراعَيْهِ منصوب بباسط، وهو ليس بمعنى الماضي المنقطع بل المستمر، وقولهم اسم الفاعل لا يعمل إن كان بمعنى الماضي لا بمعنى المستقبل. قوله: (بفناء الكهف) أي رحبته، وقيل المراد بالوصيد العتبة، وقيل الباب، وقيل التراب.\rقوله: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ الخطاب للنبي أو لكل أحد. قوله: فِراراً منصوب على المصدر من معنى الفعل قبله أو على الحال أي فارا. قوله: رُعْباً أي فزعا. وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: غزونا مع معاوية نحو الروم، فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف، فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء نظرنا إليهم، فقال ابن عباس: قد منع من ذلك من هو خير منك لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً، فبعث معاوية ناسا فقال: اذهبوا فانظروا، فلما دخلوا الكهف، بعث اللّه عليهم ريحا فأخرجتهم. قوله: (بسكون العين وضمها) ظاهره أن القراءات أربع، وليس كذلك بل ثلاث فقط سبعيات، لأن اللام إن خففت جاز في العين السكون والضم، وإن شددت تعين في العين السكون فقط.\rقوله: (كما فعلنا بهم ما ذكرنا) أي من إلقاء النوم عليهم تلك المدة الطويلة، فيكون إيقاظهم آية أخرى يعتبر بها هم وغيرهم.\rقوله: لِيَتَساءَلُوا اللام للسببية أو للعاقبة والصيرورة.\rقوله: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ أي واحد منهم وهو كبيرهم ورئيسهم مكسلمينا. قوله: كَمْ لَبِثْتُمْ كَمْ منصوبة على الظرفية ومميزها محذوف تقديره كم يوما. قوله: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ أو للشك منهم لترددهم في غروب الشمس وعدمه. قوله: (لأنهم دخلوا الكهف) الخ، ظاهره أنهم ناموا في يوم دخولهم، وتقدم أنهم مكثوا مدة في الكهف قبل نومهم، يتعبدون ويأكلون ويشربون، فكان المناسب أن يقول: لأنهم ناموا طلوع الشمس الخ.\rقوله: قالُوا أي بعضهم لبعض. قوله: (متوقفين في ذلك) أي في قدر مدة لبثهم. قوله:\rرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ هذا تفويض منهم لأمر اللّه احتياطا وحسن أدب. قوله: فَابْعَثُوا أي أرسلوا. قوله: أَحَدَكُمْ أي وهو تمليخا. قوله: بِوَرِقِكُمْ قيل الورق الفضة المضروبة، وقيل الفضة مطلقا، وتحذف فاء الكلمة فيقال رقة. قوله: (بسكون الراء وكسرها) سبعيتان قوله: هذِهِ أي الدراهم التي كانت معهم من بيوت آبائهم، فإنهم انفقوا بعضها قبل نومهم، وبقي بعضها معهم، فوضعوه عند رؤوسهم حين ناموا، وكان عليها اسم ملكهم دقيانوس، وكان الواحد منها قدر خف ولد","part":2,"page":361},{"id":963,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 362\rإنها المسماة الآن طرسوس بفتح الراء فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً أي أيّ أطعمة المدينة أحل فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (19) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ يقتلوكم بالرجم أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أي إن عدتم في ملتهم أَبَداً (20) وَكَذلِكَ كما بعثناهم أَعْثَرْنا أطلعنا عَلَيْهِمْ قومهم والمؤمنين لِيَعْلَمُوا أي قومهم أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالبعث حَقٌ بطريق أن القادر على إنامتهم المدة الطويلة وإبقائهم على حالهم بلا غذاء قادر على إحياء الموتى وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ شك فِيها إِذْ معمول لأعثرنا يَتَنازَعُونَ أي المؤمنون والكفار بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ أمر الفتية في البناء حولهم فَقالُوا أي الكفار ابْنُوا عَلَيْهِمْ أي حولهم بُنْياناً يسترهم رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ أمر الفتية وهم المؤمنون لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ حولهم مَسْجِداً (21) يصلى فيه وفعل ذلك على باب الكهف سَيَقُولُونَ أي المتنازعون في عدد الفتية في زمن النبي أي يقول بعضهم هم ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ\r______________________________\rالناقة الصغير. قوله: (الآن) أي في الإسلام، وأما في الجاهلية فكانت تسمى أفسوس، وقيل أفسوس من أعمال طرسوس. قوله: (أحل) أي أحل ذبيحته لأنهم كان منهم من يذبح للطواغيت، وكان فيهم قوم يخفون إيمانهم، فطلبوا أن يكون طعامهم من ذبيحة المؤمنين.\rقوله: وَلْيَتَلَطَّفْ أي يترفق في ذهابه ورجوعه لئلا يعرف. قوله: وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً أي لا يفعلن ما يؤدي إلى شعور أحد بكم.\rقوله: إِنَّهُمْ أي أهل المدينة. قوله: إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ أي يغلبوكم ويطلعوا عليكم. قوله: أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ أي يصيروكم إليها. قوله: وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً أي لن تظفروا بمطلوبكم لو وقع منكم ذلك ولو كرها. إن قلت: كيف أثبتوا عدم الفلاح بالعود في ملتهم، مع الإكراه المستفاد من قوله: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ الخ، مع أن المكره غير مؤاخذ بما أكره عليه؟ أجيب: بأن هذا مخصوص بشريعتنا، وأما من قبلنا، فكانوا يؤاخذون بالإكراه بدليل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».\rقوله: وَكَذلِكَ أي كما أنمناهم وبعثناهم. قوله: (قومهم والمؤمنين) قدر ذلك إشارة إلى أن مفعول أَعْثَرْنا محذوف. قوله: (أي قومهم) أي ذرية قومهم، لأن قومهم قد انقرضوا قوله: (بلا غذاء) أي قوت. قوله: وَأَنَّ السَّاعَةَ أي القيامة. قوله: (معمول لأعثرنا) المناسب جعله ظرفا لمحذوف تقديره اذكر، أو لقوله: قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا. قوله: (أي المؤمنون والكفار) أي فقال المؤمنون:\rنبني عليهم مسجدا يصلي فيه الناس لأنهم على ديننا، وقال الكفار: نبني عليهم بيعة لأنهم من أهل ملتنا.\rقوله: رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ يحتمل أن يكون من كلام اللّه، أو من كلام المتنازعين. قوله: (و هم المؤمنون) أي الذين كانوا في زمن الملك بيدروس الرجل الصالح. قوله: (و فعل ذلك على باب الكهف) أي وبقي ظهر الكهف منفتحا كما تقدم. قوله: (أي المتنازعون) أي وهم النصارى والمؤمنون.\rقوله:\rثَلاثَةٌ خبر مبتدأ محذوف قدره المفسر بقوله: (هم). قوله: رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ مبتدأ وخبر، والجملة","part":2,"page":362},{"id":964,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 363\rكَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ أي بعضهم خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ والقولان لنصارى نجران رَجْماً بِالْغَيْبِ أي ظنا في الغيبة عنهم وهو راجع إلى القولين معا، ونصبه على المفعول له أي لظنهم ذلك وَيَقُولُونَ أي المؤمنون سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ الجملة من المبتدأ وخبره صفة سبعة بزيادة الواو، وقيل تأكيد ودلالة على لصوق الصفة بالموصوف ووصف الأولين بالرجم دون الثالث دليل على أنه مرضي وصحيح قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ قال ابن عباس: أنا من القليل وذكرهم سبعة فَلا تُمارِ تجادل فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً بما أنزل عليك وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ تطلب الفتيا مِنْهُمْ من أهل الكتاب اليهود أَحَداً (22) وسأله أهل مكة عن خبر أهل الكهف فقال: أخبركم به غدا، ولم يقل إن شاء اللّه فنزل وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ أي لأجل شيء\r______________________________\rصفة لثلاثة، وكذا يقال في قوله: وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ. قوله: (نجران) موضع بين الشام واليمن والحجاز. قوله: رَجْماً بِالْغَيْبِ أي ظنا من غير دليل ولا برهان. قوله: (أي المؤمنون) أي قالوا ذلك بإخبار الرسول لهم عن جبريل عليه السّلام. قوله: (بزيادة الواو) أي من غير ملاحظة معنى التوكيد. قوله: (و قيل تأكيد) أي زائدة، لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، وحكمة زيادتها الإشارة إلى تصحيح هذا القول دون ما قبله. قوله: (و دلالة على لصوق الصفة) الخ، العطف للتفسير على ما قبله، فهما قولان فقط.\rقوله: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ أي من غيره. قوله: ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ أي وهو النبي ومن سمع منه. قوله: (و ذكر هم سبعة) أي وهم: مكسلمينا وتمليخا ومرطونس ونينوس وساريولس وذونوانس وفليستطيونس وهو الراعي، واسم كلبهم قطمير، وقيل حمران، وقيل ريان، قال بعضهم: علموا أولادكم أسماء أهل الكهف، فإنها لو كتبت على باب دار لم تحرق، وعلى متاع لم يسرق، وعلى مركب لم تغرق. وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: خواص أسماء أهل الكهف، تنفع لتسعة أشياء: للطلب، والهرب، ولطف الحريق تكتب على خرقة وترمى في وسط النار تطفأ بإذن اللّه، ولبكاء الأطفال، والحمى المثلثة، وللصداع تشد على العضد الأيمن، ولأم الصبيان، وللركوب في البر والبحر، ولحفظ المال، ولنماء العقل، ونجاة الآثمين اه. قوله: إِلَّا مِراءً ظاهِراً أي غير متعمق فيه، بل نقص عليهم ما في القرآن، من غير تجهيل لهم وتفتيش على عقائدهم. قوله: (بما أنزل إليك) أي وهو القرآن.\rقوله: وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً أي لا تسأل عن قصتهم، فإن فيما أوحي إليك الكفاية.\rقوله: (اليهود) المناسب عدم التقييد بذلك، بل يقيد بالنصارى، لما روي أنه عليه الصلاة والسّلام سأل نصارى نجران عنهم فنهي عن ذلك. قوله: (و سأله أهل مكة) أي بتعليم اليهود لهم حيث قالوا لهم:\rسلوه عن الروح وأصحاب الكهف وعن ذي القرنين، فسألوه عنها فقال: أبقوني غدا أخبركم، ولم يقل إن شاء اللّه، فأبطأ الوحي بضعة عشر يوما وأربعين حتى شق عليه، وتمارت قريش في ذلك. قوله: (فنزل) أي بعد انقضاء تلك المدة، تعليما لأمته الأدب، وتفويض الأمور إلى اللّه تعالى، فإن الإنسان لا يدري ما يفعل به، فإذا كان هذا الخطاب لرسول اللّه وهو سيد الخلق، فما بالك بغيره؟ قوله: (أي لأجل شيء) أي","part":2,"page":363},{"id":965,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 364\rإِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (23) أي فيما يستقبل من الزمان إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أي إلا ملتبسا بمشيئة اللّه تعالى بأن تقول إن شاء اللّه وَاذْكُرْ رَبَّكَ أي مشيئته معلقا بها إِذا نَسِيتَ التعليق بها ويكون ذكرها بعد النسيان كذكرها مع القول قال الحسن وغيره ما دام في المجلس وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا من خبر أهل الكهف في الدلالة على نبوتي رَشَداً (24) هداية وقد فعل اللّه تعالى ذلك وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ بالتنوين سِنِينَ عطف بيان لثلاثمائة وهذه السنون الثلاثمائة عند أهل الكتاب شمسية وتزيد القمرية عليها عند العرب تسع سنين وقد ذكرت في قوله وَازْدَادُوا تِسْعاً (25) أي تسع سنين فالثلاثمائة الشمسية ثلاثمائة وتسع قمرية قُلِ اللَّهُ\r______________________________\rتهتم به وتريد القدوم عليه.\rقوله: إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ المراد بالفعل ما يشمل القول. قوله: (أي فيما يستقبل من الزمان) أشار بذلك إلى أن المراد بالغد ما يستقبل، كان في يومك أو بعده بقليل أو كثير، لا خصوص اليوم الذي بعد يومك.\rقوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ استثناء من عموم الأحوال، كأنه قال: لا تقولن لشيء في حال من الأحوال، إلا في حال تلبسك بالتعليق على مشيئة اللّه. قوله: (و يكون ذكرها بعد النسيان) الخ، أي لما روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما نزلت الآية قال: إن شاء اللّه. قوله: (قال الحسن وغيره ما دام في المجلس) أي ولو انفصل عن الكلام السابق، وقال ابن عباس: يجوز انفصاله إلى شهر، وقيل إلى سنة، وقيل أبدا، وقيل إلى أربعة أشهر، وقيل إلى سنتين، وقيل ما لم يأخذ في كلام آخر، وقيل يجوز بشرط أن ينوي في الكلام، وقيل يجوز انفصاله في كلام اللّه تعالى، لأنه أعلم بمراده، لا في كلام غيره، وعامة المذاهب الأربعة على خلاف ذلك كله، فإن شرط حل الأيمان بالمشيئة أن تفصل وأن يقصد بها حل اليمين، ولا يضر الفصل بتنفس أو سعال أو عطاس، ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أداه ذلك للكفر، لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر. قوله: وَقُلْ أي لأهل مكة. قوله: أَنْ يَهْدِيَنِ أي يدلني. قوله: (في الدلالة) متعلق بأقرب. قوله: رَشَداً إما مفعول مطلق ليهديني لموافقته له في المعنى وإليه يشير المفسر بقوله: (هداية)، ويصح أن يكون تمييز الأقرب، أي لأقرب هداية من هذا.\rقوله: (و قد فعل اللّه تعالى ذلك) أي هداه لما هو أعجب، وأطلعه على ما هو أغرب، حيث شاهد ما شاهد في ليلة الإسراء، وأعطاه علوم الأولين والآخرين، وفاق عليهم بعلوم لم يطلع عليها أحد سواه، وأشار المفسر بذلك، إلى أن الترجي في كلام اللّه بمنزلة التحقق.\rقوله: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ هذا رد على أهل الكتاب، حيث اختلفوا في مدة لبثهم. قوله: (عطف بيان) أي لأن تمييز المائة في الكثير مفرد مجرور، وفي قراءة بالإضافة، وعليها فتكون من القليل، قال ابن مالك:\rومائة والألف للفرد أضف ... ومائة بالجمع نزرا قد ردف\r\rقوله: (تسع سنين) أي لأن كل ثلاث وثلاثين سنة وثلث سنة شمسية تزيد سنة قمرية. قوله: (أي تسع سنين) أشار بذلك إلى أن حذف المميز من الثاني لدلالة الأول عليه.\rقوله: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا إن قلت: ما فائدة الأخبار بذلك بعد أن بين اللّه ذلك؟ أجيب بأوجه: أحدها: أن المعنى قل اللّه","part":2,"page":364},{"id":966,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 365\rأَعْلَمُ بِما لَبِثُوا ممن اختلفوا فيه وهو ما تقدم ذكره لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي علمه أَبْصِرْ بِهِ أي باللّه هي صيغة تعجب وَأَسْمِعْ به كذلك بمعنى ما أبصره وما أسمعه وهما على جهة المجاز والمراد أنه تعالى لا يغيب عن بصره وسمعه شيء ما لَهُمْ لأهل السماوات والأرض مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍ ناصر وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26) لأنه غني عن الشريك وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (27) ملجأ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ احبسها مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ بعبادتهم وَجْهَهُ تعالى لا\r______________________________\rأعلم بأن الثلاثمائة سنة والتسع، قمرية لا شمسية، خلافا لزعم بعض الكفار أنها شمسية. ثانيها: أن المعنى اللّه أعلم بحقيقة لبثهم وكيفيته. ثالثها: أن المعنى اللّه أعلم بمدة لبثهم قبل البعث وبعده. واعلم أنه اختلف في أصحاب الكهف، هل ماتوا ودفنوا، أو هم نيام وأجسامهم محفوظة؟ والصحيح أنهم نيام، ويستيقظون عند نزول عيسى، ويحجون معه، ويموتون قبل يوم القيامة، حين تأتي الريح اللينة، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «ليحجن عيسى ابن مريم ومعه أصحاب الكهف فإنهم لم يحجوا بعد» ذكره ابن عيينة، وفي رواية:\rمكتوب في التوراة والإنجيل أن عيسى ابن مريم عبد اللّه ورسوله، وأنه يمر بالروحاء حاجا ومعتمرا، ويجمع اللّه له ذلك، فيجعل اللّه حواريه أصحاب الكهف والرقيم، فيمرون حجاجا فإنهم لم يحجوا ولم يموتوا اه. قوله: (أي علمه) أي علم السماوات والأرض وما غاب فيهما. قوله: (على جهة المجاز) أي لأن التعجب استعظام أمر خفي سببه وعظم وصف اللّه ظاهر بالبرهان لا يخفى، فإحاطته بالموجودات سمعا وبصرا وعلما أمر ثابت بالبرهان، وصار كالضروري، وإنما المقصود ذكر العظمة لا حقيقة التعجب.\rقوله: مِنْ وَلِيٍ إما مبتدأ مؤخر أو فاعل بالظرف. قوله: فِي حُكْمِهِ أي قضائه.\rقوله: وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ أي ولا تعتبر بهم. قوله: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ أي لا يقدر أحد أن يغير شيئا من القرآن، فلا تخش من قراءتك عليهم تبديله، بل هو محفوظ من ذلك، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إلى يوم القيامة. قوله: (ملجأ) أي تلتجىء إليه وتستغيث به عند النوازل والشدائد غير اللّه تعالى.\rقوله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ في هذه الآية أمر للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمراعاة فقراء المسلمين والجلوس معهم، وهي أبلغ من آية الأنعام، لأن تلك إنما نهي فيها عن طردهم؛ وهذه أمر بحبس نفسه على الجلوس معهم، وكأن اللّه يقول له: احبس نفسك على ما يكرهه غيرك، من رثاثة ثياب الفقراء ورائحتهم الكريهة، ولا تلتفت لجمال الأغنياء وحسن ثيابهم، فإن حسن الظاهر مع فساد الباطن غير نافع. قال الشاعر:\rجمال الوجه مع قبح النّفوس ... كقنديل على قبر المجوس\r\rقوله: مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ أي يعبدونه. قوله: بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِ المراد بالغداة: أوائل النهار وأواخر الليل، وبالعشي: أوائل الليل وأواخر النهار، وحينئذ فقد استغرقوا أوقاتهم في العبادة.\rقوله: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي يقصدون بعبادتهم ذات ربهم ورضاه عليهم. قوله: (لا شيئا من أعراض","part":2,"page":365},{"id":967,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 366\rشيئا من أعراض الدنيا وهم الفقراء وَلا تَعْدُ تنصرف عَيْناكَ عَنْهُمْ عبر بهما عن صاحبهما تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا أي القرآن وهو عيينة بن حصن وأصحابه وَاتَّبَعَ هَواهُ في الشرك وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) إسرافا وَقُلِ له ولأصحابه هذا القرآن الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ تهديد لهم إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ أي الكافرين ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها ما أحاط بها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ كعكر الزيت\r______________________________\rالدنيا) أي ولا شيئا من نعيم الجنة، وهذا مقام الكمل، والصحابة به أحرى. قوله: (تنصرف) عَيْناكَ عَنْهُمْ هو كناية عن الإعراض عنهم، أي لا تعرض عنهم، بل أقبل عليهم، وهو جواب عما يقال كان مقتضى الظاهر، ولا تعد عينيك بالنصب، لأنه فعل متعد، مع أن التلاوة بالرفع لا غير، فأجاب المفسر بأنها وإن كانت بالرفع، إلا أنها ترجع لمعنى النصب، لأن الفعل مسند للعينين، وهو في الحقيقة مسند لصاحبهما، ولذلك عبر بتنصرف، لتصحيح رفع العينين دون تصرف.\rقوله: تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا الجملة حال من الكاف في عَيْناكَ والشرط موجود، وهو كون المضاف جزآ من المضاف إليه، والمعنى لا تنصرف عيناك عنهم، حال كونك طالبا زينة الدنيا، بمجالسة الأغنياء، وصحبة أهل الدنيا، والخطاب للنبي، والمراد هو وغيره، وإنما خوطب النبي وإن كان معصوما من ذلك، تسلية للفقراء وتطمينا لقلوبهم. قوله: (و هو عيينة بن حصن) أي الفزاري أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل أن يسلم، وعنده جماعة من الفقراء، منهم سلمان وعليه شملة صوف قد عرق فيها، وبيده خوص يشقه وينسجه، فقال عيينة للنبي: أما يؤذيك ريح هؤلاء؟ ونحن سادات مضر وأشرافها، إن أسلمنا تسلم الناس، وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء، فنحهم عنك حتى نتبعك، أو اجعل لنا مجلسا ولهم مجلسا، وقد أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وكان في حنين من المؤلفة قلوبهم، فأعطاه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم منها مائة بعير، وكذا أعطى الأقرع بن حابس، وأعطى العباس بن مرداس أربعين بعيرا. وقيل: نزلت في أصحاب الصفة، وكانوا سبعمائة رجل فقراء في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، لا يخرجون إلى تجارة ولا زرع ولا ضرع، يصلون صلاة وينتظرون أخرى، فلما نزلت قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «الحمد للّه الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم». قوله: فُرُطاً مصدر فرط سماعي، أي متجاوزا فيه الحد.\rقوله: وَقُلِ (له) أي لعيينة بن حصن. قوله: الْحَقُ خبر مبتدأ محذوف قدره المفسر بقوله:\r(هذا القرآن). قوله: (تهديد لهم) أي تخويف وردع لا تخيير وإباحة، لذكره الوعد الحسن على الإيمان، والوعيد بالنار على الكفر، فالعاقل لا يرضى بفوات النعيم واختيار العذاب. قوله: إِنَّا أَعْتَدْنا راجع لقوله: وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ، وقوله: (إن الذين آمنوا) راجع لقوله: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ فهو لف ونشر مشوش. قوله: أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها صفة لنار، أو السرادق، كناية عن الصور وهو نار أيضا، لما ورد أن أرضها من رصاص، وحيطانها من نحاس، وسقفها من كبريت، ووقودها الناس والحجارة، فإذا أوقدت فيها النار، وصار الكل نارا، أجارنا اللّه منها بمنّه وكرمه.\rقوله: يُغاثُوا فيه مشاكلة لقوله: إِنْ يَسْتَغِيثُوا وتهكم بهم إذ لا إغاثة فيه، لأنه لا ينقذ من","part":2,"page":366},{"id":968,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 367\rيَشْوِي الْوُجُوهَ من حره إذا قرب إليها بِئْسَ الشَّرابُ هو وَساءَتْ أي النار مُرْتَفَقاً (29) تمييز منقول عن الفاعل أي قبح مرتفقها وهو مقابل لقوله الآتي في الجنة (و حسنت مرتفقا) وإلا فأي ارتفاق في النار إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) الجملة خبر إن الذين وفيها إقامة الظاهر مقام المضمر والمعنى أجرهم أي نثيبهم بما تضمنه أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ إقامة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ قيل من زائدة وقيل للتبعيض وهي جمع أسورة كأحمرة جمع سوار مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ ما رقّ من الديباج وَإِسْتَبْرَقٍ ما غلظ منه، وفي آية الرحمن بطائنها من إستبرق مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ جمع أريكة وهي السرير في الحجلة وهي بيت يزين بالثياب والستور للعروس نِعْمَ الثَّوابُ الجزاء الجنة وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (31) وَاضْرِبْ اجعل لَهُمْ للكفار\r______________________________\rالمهالك. قوله: (كعكر الزيت) بفتحتين هو اسم لما يبقى في إناء الزيت بعد أخذ الصافي منه، وهو تشبيه في الصورة، وإلا فهو نار كما وصفه بقوله: يَشْوِي الْوُجُوهَ. قوله: (أي قبح مرتفقا) أي فحول الإسناد إلى النار، ونصب مُرْتَفَقاً على التمييز، لأن ذكر الشيء مبهما، ثم مفسرا أوقع في النفس. قوله: (و هو مقابل) أي ذكر على سبب المقابلة والمشاكلة لما سيأتي في الجنة. قوله: (و إلا) أي إلا نقل أنه مشاكلة بل على سبيل الحقيقة. قوله: (و فيها إقامة الظاهر مقام المضمر) أي وهو الرابط، لأنه بمعنى الموصول الذي هو اسم أن، على حد: سعاد الذي أضناك حب سعادا.\rقوله: (أي نثيبهم) تفسير لقوله: لا نُضِيعُ.\rقوله: (بما تضمنه) أي بثواب تضمنه أُولئِكَ إلى قوله: وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً، وقد اشتملت هذه الآية على خمسة أنواع من الثواب: الأول جنات عدن، الثاني تجري من تحتهم الأنهار، الثالث يحلون فيها، الرابع ويلبسون ثيابا، الخامس متكئين الخ.\rقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ أي تحت مساكنهم. قوله: (قيل من زائدة) أي بدليل آية هَلْ أَتى وَحُلُّوا أَساوِرَ. قوله: (و هي جمع أسورة) أي فأساور جمع الجمع. قوله: مِنْ ذَهَبٍ جاء في آية أخرى من فضة، وفي أخرى من ذهب ولؤلؤ، فيلبس كل واحد الأساور الثلاث، لما ورد أنه يسور المؤمن في الجنة بثلاث أسورة: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ، وفي الصحيح تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء. قوله: مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ جمع سندسة وإستبرقة، قيل ليسا جمعين.\rقوله: (من الديباج) أي الحرير. قوله: (بطائنها) أي الفرش. قوله: مُتَّكِئِينَ فِيها حال عاملها محذوف، أي يجلسون متكئين. قوله: (جمع أريكة) أي كسفينة، ولا يقال له أريكة، إلا إذا كان في داخل الحجلة وبدونها سرير، وتقدم أن السرير عليه سبعون فراشا، كل فراش عليه زوجة من الحور العين.\rقوله: (في الحجلة) بفتحين في محل نصب على الحال. قوله: (للعروس) يستعمل في الرجل والمرأة، لكن الجمع مختلف، فيقال رجال عرس ونساء عرائس. قوله: (الجنة) قدره إشارة إلى أن المخصوص بالمدح محذوف. قوله: مُرْتَفَقاً أي منتفعا ومسكنا.\rقوله: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا قيل نزلت في أخوين من أهل مكة من بني مخزوم وهما: أبو سلمة عبد اللّه بن عبد الأسود وكان مؤمنا، وأخوه الأسود بن عبد اللّه الأسود وكان كافرا، فشبههما اللّه برجلين من","part":2,"page":367},{"id":969,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 368\rمع المؤمنين مَثَلًا رَجُلَيْنِ بدل وهو وما بعده تفسير للمثل جَعَلْنا لِأَحَدِهِما الكافر جَنَّتَيْنِ بستانين مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (32) يقتات به كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ كلتا مفرد يدل على التثنية مبتدأ آتَتْ خبره أُكُلَها ثمرها وَلَمْ تَظْلِمْ تنقص مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا أي\r______________________________\rبني إسرائيل أخوين، أحدهما مؤمن واسمه يهوذا وقيل تمليخا، والآخر كافر واسمه قبطوس، وهما اللذان وصفهما اللّه في سورة الصافات بقوله: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ الآيات، وكانت قصتهما على ما ذكره عطاء الخراساني قال: كان رجلان شريكان، لهما ثمانية آلاف دينار، وقيل كانا أخوين ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فاقتسماها، فاشترى أحدهما أرضا بألف دينار، فقال صاحبه: اللهم إن فلانا قد اشترى أرضا بألف دينار، وأنا أشتري منك أرضا في الجنة بألف دينار، فتصدق بها، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار، فقال هذا: اللهم إن فلانا بنى دارا بألف دينار، وإني اشتريت منك دارا في الجنة بألف دينار، فتصدق بها، ثم إن صاحبه تزوج امرأة وأنفق عليها ألف دينار، فقال هذا: اللهم إني أخطب إليك امرأة من نساء الجنة بألف دينار، فتصدق بها، ثم إن صاحبه اشترى خدما ومتاعا بألف دينار، فقال هذا:\rاللهم إني أشتري منك خدما ومتاعا في الجنة بألف دينار، فتصدق بها، ثم أصابته حاجة شديدة فقال: لو أتيت صاحبي لعله ينالني منه معروف، فجلس على طريق حتى مر به في خدمه وحشمه فقام إليه، فنظره صاحبه فعرفه، فقال: فلان؟ قال: نعم، قال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجة بعدك، فأتيتك لتعينني بخير، قال: فما فعل بمالك، وقد اقتسمنا مالا وأخذت شطره؟ فقص عليه قصته فقال: وإنك لمن المصدقين بهذا؟ اذهب فلا أعطيك شيئا فطرده، فقضي عليهما فتوفيا فنزل فيهما فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ الخ، وليس هذا مخصوصا بأبي سلمة وأخيه، بل هو مثل لكل من أقبل على اللّه وترك زينة الدنيا، ومن اغتر بالدنيا وزينتها، وترك الإقبال على اللّه. قوله: (بدل) أي ويصح أن يكون مفعولا ثانيا لأن ضرب مع المثل يجوز أن يتعدى لاثنين.\rقوله: وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ أي جعلنا النخل حولهما ومحيطا بكل منهما. قوله: وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً أي ليكون جامعا للأقوات والفواكه. قوله: (مفرد) أي باعتبار لفظه، وقوله: (يدل على التثنية) أي باعتبار معناه، فاعتبر اللفظ تارة فأفرد. والمعنى أخرى فثنى.\rقوله: (مبتدأ) أي وهو مرفوع بضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، منع من ظهورها التعذر، وكِلْتَا مضاف، والْجَنَّتَيْنِ مضاف إليه، وهذا إعرابه إن أضيف لظاهر، فإن أضيف لضمير، كان ملحقا بالمثنى فيعرب بالحروف.\rقوله: آتَتْ أُكُلَها الخ، هذا كناية عن نموها وزيادتها، فليست كالأشجار يتم ثمرها في بعض السنين وينقص في بعض.\rقوله: وَفَجَّرْنا أي شققنا. قوله: (يجري بينهما) أي ليسقي أرضه ومواشيه بسهولة.\rقوله:\rوَكانَ لَهُ أي لأحدهما. قوله: ثَمَرٌ المراد به أمواله التي هي من غير الجنتين، كالنقد والمواشي، وسمي ثمرا لأنه يثمر أي يزيد. قوله: (بفتح الثاء والميم) الخ، القراآت الثلاث سبعية. قوله: (و هي جمع ثمرة) أي بفتحتين، وهذا على كل واحد من الأوجه الثلاثة، فالمفرد لا يختلف، وإنما الاختلاف في الجمع، فقوله: (كشجرة) الخ لف ونشر مرتب.","part":2,"page":368},{"id":970,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 369\rشققنا خِلالَهُما نَهَراً (33) يجري بينهما وَكانَ لَهُ مع الجنتين ثَمَرٌ بفتح الثاء والميم وبضمهما وبضم الأول وسكون الثاني وهو جمع ثمرة كشجرة وشجر وخشبة وخشب وبدنة وبدن فَقالَ لِصاحِبِهِ المؤمن وَهُوَ يُحاوِرُهُ يفاخره أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً (34) عشيرة وَدَخَلَ جَنَّتَهُ بصاحبه يطوف به فيها ويريه أثمارها ولم يقل جنتيه إرادة للروضة وقيل اكتفاء بالواحد وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بالكفر قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ تنعدم هذِهِ أَبَداً (35) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي في الآخرة على زعمك لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (36) مرجعا قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ يجاوبه أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ لأن آدم خلق منه ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ منيّ ثُمَّ سَوَّاكَ عدلك وصيرك رَجُلًا (37) لكِنَّا أصله لكن أنا نقلت حركة الهمزة إلى النون أو حذفت الهمزة ثم أدغمت النون في مثلها هُوَ ضمير الشأن تفسيره الجملة بعده والمعنى أنا أقول اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (38) وَلَوْ لا هلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ\r______________________________\rقوله: فَقالَ لِصاحِبِهِ حاصل مقالات الكافر لصاحبه المؤمن ثلاث، وكلها شنيعة، الأولى أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ الخ، الثانية وَدَخَلَ جَنَّتَهُ الخ. الثالثة وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً الخ. قوله: (يفاخره) أي يراجعه بالكلام الذي فيه الافتخار. قوله: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا الخ، أَنَا مبتدأ، وأَكْثَرُ خبره، ومِنْكَ متعلق بمحذوف حال من مالا ومالًا تمييز محول عن المبتدأ، والأصل مالي أكثر منك، فحذف المبتدأ، وأقيم المضاف إليه مقامه فانفصل، وجعل المبتدأ في الأصل تمييزا، ويقال في قوله:\rوَأَعَزُّ نَفَراً ما قيل هنا. قوله: (و يريه آثارها) أي بهجتها وحسنها، وفي نسخة أثمارها وهي ظاهرة.\rقوله: وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ الجملة حالية من فاعل دَخَلَ. ولِنَفْسِهِ مفعوله واللام زائدة.\rقوله:\rقائِمَةً أي كائنة وحاصلة. قوله: (على زعمك) دفع بهذا ما يقال إنه ينكر البعث، فكيف يقول ذلك؟\rفأجاب بأنه مجاراة له في زعمه. قوله: (مرجعا) أشار بذلك إلى أن مُنْقَلَباً تمييز وهو اسم مكان من انقلاب بمعنى الرجوع، والمراد عاقبة المآل.\rقوله: قالَ لَهُ صاحِبُهُ أي وهو المؤمن، وقد رد المقالات الثلاث على طريق اللف والنشر المشوش. قوله: أَكَفَرْتَ الاستفهام للتوبيخ والتقريع، والمعنى لا ينبغي ولا يليق منك الكفر بالذي خلقك الخ، وهذا رد للمقالة الأخيرة. قوله: رَجُلًا مفعول ثان لسواك لأنه بمعنى (صيرك) كما قال المفسر. قوله: لكِنَّا استدراك على قوله: أَكَفَرْتَ كأنه قال: أنت كافر باللّه، لكن أنا مؤمن، واختلف القراء في وصل لكِنَّا فبعضهم يثبت ألفا بعد النون، وبعضهم يحذفها، وفي الوقف تثبت قولا واحدا لثبوتها في الرسم.\rقوله: (أو حذفت الهمزة) أي من غير نقل، فقوله: (ثم أدغمت النون) أي بعد تسكينها بالنسبة للنقل، وعلى الثاني فهي ساكنة فتدغم حالا. قوله: (ضمير الشأن) أي فهو مبتدأ، والجملة بعده خبر، ولا تحتاج لرابط لأنها عينه في المعنى، وهو معها خبر عن (أنا) والرابط الياء من رَبِّي. قوله: وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً مراده لا أكفر به، لأن إنكار البعث كفر.\rقوله: وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ هذا رد للمقالة الثانية وَلَوْ لا تحضيضية داخلة على قلت،","part":2,"page":369},{"id":971,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 370\rعند إعجابك بها هذا ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وفي الحديث: «من أعطي خيرا من أهل أو مال فيقول عند ذلك ما شاء اللّه لا قوة إلا باللّه لم ير فيه مكروها» إِنْ تَرَنِ أَنَا ضمير فصل بين المفعولين أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً (39) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ جواب الشرط وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً جمع حسبانة أي صواعق مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (40) أرضا ملساء لا يثبت عليه قدم أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً بمعنى غائرا عطف على يرسل دون تصبح لأن غور الماء لا يتسبب عن الصواعق فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (41) حيلة تدركه بها وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ بأوجه الضبط السابقة مع جنته بالهلاك فهلكت فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ندما وتحسرا عَلى ما أَنْفَقَ فِيها في عمارة جنته وَهِيَ خاوِيَةٌ ساقطة عَلى عُرُوشِها دعائمها للكرم بأن سقطت ثم سقط الكرم وَيَقُولُ يا للتنبيه لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (42) وَلَمْ تَكُنْ بالتاء والياء لَهُ فِئَةٌ جماعة يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ عند هلاكها وَما كانَ مُنْتَصِراً (43) عند هلاكها بنفسه هُنالِكَ أي يوم القيامة الْوَلايَةُ بفتح الواو النصرة وبكسرها الملك لِلَّهِ الْحَقِ بالرفع صفة الولاية وبالجر صفة الجلالة هُوَ خَيْرٌ ثَواباً من ثواب غيره لو كان يثيب وَخَيْرٌ عُقْباً (44) بضم\r______________________________\rوإِذْ ظرف لقلت مقدم عليه، وجملة ما شاءَ اللَّهُ خبر محذوف قدره المفسر بقوله: (هذا) قوله: (لم ير فيه مكروها) أي لم يصب فيه بمصيبة. قوله: إِنْ تَرَنِ هذا رد للمقالة الأولى. قوله: (ضمير فصل) أي وأَقَلَ مفعول ثان وقرىء بالرفع، فيكون خبرا عن أنا، ومالًا وَوَلَداً تمييزان،\rوقوله:\rفَعَسى الخ، جواب الشرط. قوله: أَنْ يُؤْتِيَنِ يحتمل أن يكون في الدنيا أو الآخرة. قوله: (جمع حسبانة) أي فهو اسم جنس جمعي، يفرق بينه وبين واحده بالتاء. قوله: (بمعنى غائرا) أي ذاهبا في الأرض.\rقوله: (لأن غور الماء) الخ، أي أو يقال أنه يفسر الحسبان بالقضاء الإلهي، وهو عام يتسبب عنه: إما إصباح الجنة صَعِيداً زَلَقاً أو ماؤُها وعلى هذا فيكون معطوفا على يُصْبِحَ.\rقوله:\rوَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ أي أمواله، بدليل قول المفسر (مع جنته). قوله: (بأوجه الضبط) أي الثلاثة. قوله:\rوَهِيَ خاوِيَةٌ الجملة حالية. قوله: عَلى عُرُوشِها جمع عرش وهو بيت من جريد أو خشب، يجعل فوقه الثمار قوله: (دعائمها) جمع دعامة وهي الخشب ونحوه، الذي ينصب ليمد الكرم عليه.\rقوله: وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي أي تحسرا وندما على تلف ماله لا توبة، بدليل قوله: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ الخ.\rقوله: (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: يَنْصُرُونَهُ أي يدفعون عنه الهلاك. قوله:\rوَما كانَ مُنْتَصِراً أي قادرا على ذلك.\rقوله: هُنالِكَ يصح أن يكون خبرا مقدما والْوَلايَةُ مبتدأ مؤخر، أو تكون هذه الجملة مستقلة، أو معمولا لمنتصرا، وقوله: الْوَلايَةُ لِلَّهِ مبتدأ وخبر. قوله:\r(الملك) أي القهر والسلطنة. قوله: (بالرفع) راجع لفتح الواو وكسرها، وكذا قوله: (و بالجر) فالقراءات أربع سبعيات. قوله: خَيْرٌ ثَواباً أي إثابة قوله: (لو كان يثيب) أي فاسم التفضيل على بابه، على فرض أن غير اللّه يثيب. قوله: وَخَيْرٌ عُقْباً أي إن عاقبة طاعة المؤمن، خير من عاقبة طاعة غيره.","part":2,"page":370},{"id":972,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 371\rالقاف وسكونها عاقبة للمؤمنين ونصبهما على التمييز وَاضْرِبْ صير لَهُمْ لقومك مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا مفعول أول كَماءٍ مفعول ثان أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ تكاثف بسبب نزول الماء نَباتُ الْأَرْضِ أو امتزج الماء بالنبات فروي وحسن فَأَصْبَحَ صار النبات هَشِيماً يابسا متفرقة أجزاؤه تَذْرُوهُ تنثره وتفرقه الرِّياحُ فتذهب به المعنى: شبه الدنيا بنبات حسن فيبس فتكسر ففرقته الرياح، وفي قراءة الريح وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (45) قادرا الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا يتجمل بهما فيها وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ هي سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر زاد بعضهم ولا حول ولا قوة إلا باللّه خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) أي ما يأمله الإنسان ويرجوه عند اللّه تعالى وَاذكر يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ يذهب\r______________________________\rقوله: (بضم القاف وسكونها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (صير) أي شبه.\rقوله: مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي صفتها وحالها وهيئتها. قوله: كَماءٍ أي كصفة وحال وهيئة ماء الخ، وهذه الآية نظير قوله تعالى: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً. قوله: (تكاثف) أي غلظ والتف بعضه على بعض. قوله: (أو امتزاج الماء بالنبات) أشار بذلك إلى أنه تفسير ثان لاختلط، ومن المعلوم أن الامتزاج من الجانبين، فصح نسبته إلى النبات، وإن كان في عرف اللغة والاستعمال، أن الباء تدخل على الكثير الغير الطارىء، وقد دخلت هنا على الكثير الطارىء، مبالغة في كثرة الماء، حتى كأنه الأصل. قوله: (فروي) بفتح الراء وكسر الواو ارتوى. قوله: هَشِيماً أي مهشوما مكسورا. قوله: (و تفرقه) عطف تفسير. قوله: (المعنى) أي معنى المثل. قوله: (شبه) فعل أمر، وفاعله مستتر عائد على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، والدُّنْيا مفعوله. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا.\rقوله: وَكانَ اللَّهُ أي ولم يزل. قوله: (قادرا) المناسب أن يقول كامل القدرة كما يؤخذ من الصيغة.\rقوله: الْمالُ أي وهو الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث. قوله: زِينَةُ هو مصدر بمعنى اسم المفعول بدليل قوله: (يتجمل بهما فيها) ولذا صح الإخبار به عن الاثنين. قوله: (هي سبحان اللّه) الخ، أي وتسمى غراس الجنة، أي أن بكل واحدة من هذه الكلمات، تغرس له شجرة في الجنة، فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وقيل إن المراد بالباقيات الصالحات، الصلوات الخمس، وقيل أركان الإسلام، وقيل كل ما يثاب عليه العبد في الدار الآخرة وهو الأتم، وإنما خص المفسر (سبحان اللّه) الخ، بالباقيات الصالحات، لمزيد فضلها وثوابها، ولذا أوصى رسول اللّه عمه العباس بصلاة التسابيح، ولو في العمرة مرة، وأوصى الخليل رسول اللّه، بأن يأمر أمته أن يكثروا من غراس الجنة، كما في حديث الإسراء. قوله: خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ التفضيل ليس على بابه، لأن زينة الدنيا ليس فيها خير، ولا يرد علينا أن السعي على العيال من الخير، لأنه من حيز الباقيات الصالحات، لا من حيز الزينة، أو يقال إنه على بابه بالنسبة لزعم الجاهل. قوله: (و يرجوه) عطف تفسير.\rقوله: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ هذا كالدليل لكون الدنيا فانية ذاهبة. قوله: (هباء) أي غبارا.\rوقوله: (منبثا) أي مفرقا كما في سورة الواقعة. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: وَتَرَى","part":2,"page":371},{"id":973,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 372\rبها عن وجه الأرض فتصير هباء منبثا، وفي قراءة بالنون وكسر الياء ونصب الجبال وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً ظاهرة ليس عليها شيء من جبل ولا غيره وَحَشَرْناهُمْ المؤمنين والكافرين فَلَمْ نُغادِرْ نترك مِنْهُمْ أَحَداً (47) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا حال أي مصطفين كل أمة صف، ويقال لهم لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أي فرادى حفاة عراة غرلا، ويقال لمنكري البعث «بَلْ زَعَمْتُمْ أ» ن مخففة من الثقيلة أي أنه «لن نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً» (48) للبعث وَوُضِعَ الْكِتابُ كتاب كل امرىء في يمينه من المؤمنين وفي شماله من الكافرين فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ الكافرين مُشْفِقِينَ خائفين مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ عند معاينتهم ما فيه السيئات يا للتنبيه وَيْلَتَنا هلكتنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً\r______________________________\rالْأَرْضَ أي تبصرها. قوله: (و لا غيره) أي من بناء وشجر وبحار وغير ذلك. قوله: وَحَشَرْناهُمْ أتى به ماضيا، إشارة إلى أن الحشر مقدم على تسيير الجبال والبروز، ليعاينوا تلك الأهوال العظام، كأنه قيل وحشرناهم قبل ذلك، وعلى هذا، فتبديل الأرض يحصل وهم ناظرون لذلك، ووقت التبديل يكون الخلق على الصراط، وقيل على أجنحة الملائكة كما تقدم.\rقوله: فَلَمْ نُغادِرْ عطف على قوله: حَشَرْناهُمْ والمغادرة من جانب، ولذا فسرها بقوله:\r(نترك).\rقوله: (حال) أي من الواو في عُرِضُوا، وصَفًّا مفرد وقع موقع الجمع، فالمعنى جميعا، ونظيره قوله تعالى: ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا أي جميعا، أو المراد صفوفا، لما ورد: أهل الجنة مائة وعشرون صفا، أنتم منها ثمانون. وورد أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إن اللّه تبارك وتعالى ينادي بصوت رفيع غير فظيع: يا عبادي، أنا اللّه، لا إله إلا أنا، أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين، وأسرع الحاسبين، يا عبادي، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، أحضروا حجتكم، ويسروا جوابكم، فإنكم مسؤولون محاسبون، يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب». قوله: (و يقال لهم) أي توبيخا وتقريعا.\rقوله: (أو فرادى) أي مفردين عن المال والبنين. قوله: (غرلا) جمع أغرل أي غير مختونين.\rقوله: بَلْ زَعَمْتُمْ أي قلتم قولا كذبا. قوله: (أي أنه) أي الحال والشأن. قوله: مَوْعِداً أي مكانا تبعثون فيه.\rقوله: وَوُضِعَ الْكِتابُ هو بالبناء للمفعول في قراءة العامة، وقرىء شذوذا بالبناء للفاعل، وهو اللّه أو الملك. قوله: (في يمينه) أي فحين يقرؤه يبيض وجهه ويقول: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ، إلى آخر ما في الحاقة. قوله: (و في شماله من الكافرين) أي فحين يقرؤه يسود وجهه ويقول: يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ الخ. قوله: (هلكتنا) أي هلاكنا، والمقصود التحسر والتندم، وقيل الياء حرف نداء ووَيْلَتَنا منادى تنزيلا لها منزلة العاقل، فكأنه يقول: يا هلاكي احضر فهذا أوانك. قوله: (و هو مصدر) أي الوبل، وقوله: (لا فعل له من لفظه) أي بل من معناه وهو هلك. قوله: ما لِهذَا الْكِتابِ ما استفهامية مبتدأ، ولهذا الكتاب خبره، أي أي شيء ثبت لهذا الكتاب؟ قوله: لا يُغادِرُ الجملة حالية من الكتاب. قوله: (تعجبوا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام للتعجب. قوله: (منه) أي الكتاب. قوله: (في ذلك) أي الإحصاء المذكور.","part":2,"page":372},{"id":974,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 373\rمن ذنوبنا إِلَّا أَحْصاها عدها وأثبتها، تعجبوا منه في ذلك وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً مثبتا في كتابهم وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49) لا يعاقبه بغير جرم ولا ينقص من ثواب مؤمن وَإِذْ منصوب باذكر قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ سجود انحناء لا وضع جبهة تحية له فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِ قيل هم نوع من الملائكة فالاستثناء متصل وقيل هو منقطع وإبليس هو أبو الجن فله ذرية ذكرت معه بعد والملائكة لا ذرية لهم فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أي خرج عن طاعته بترك السجود أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ الخطاب لآدم وذريته والهاء في الموضعين لإبليس أَوْلِياءَ مِنْ\r______________________________\rقوله: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً أي لا يعامله معاملة الظالم، بحيث يعذبه من غير ذنب، أو ينقص من أجره. قوله: (منصوب باذكر) أي فإذ ظرف لذلك المقدر. والمعنى اذكر يا محمد لقومك وقت قولنا للملائكة الخ، والمراد اذكر لهم تلك القصة، وقد كررت في القرآن مرارا لأن معصية إبليس أول معصية ظهرت في الخلق. قوله: (سجود انحناء) جواب عما يقال: إن السجود لغير اللّه كفر، وتقدم الجواب بأن السجود للّه وآدم كالقبلة، أو أن محل كون السجود لغير اللّه كفرا، إن لم يكن هو الآمر به وإلا فالكفر في المخالفة.\rقوله: فَسَجَدُوا أي جميعا. قوله: (قيل هم نوع من الملائكة) أي وعلى هذا القول، فهم ليسوا معصومين كالملائكة، بل يتوالدون ويعصون. قوله: (و إبليس أبو الجن) هذا توجيه لكونه منقطعا وهو الحق، وعليه فالجن نوع آخر غير الملائكة، فالجن من نار، والملائكة من نور. قوله: (فله ذرية) تفريع على كونه أبا، إذ الأب يستلزم ابنا. قوله: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أي تكبر وحسد.\rقوله: أَفَتَتَّخِذُونَهُ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والاستفهام توبيخي. والمعنى أبعد ما حصل منه ما حصل يليق منكم اتخاذه؟ الخ. قوله: وَذُرِّيَّتَهُ عطف على الضمير في تتخذونه، قال مجاهد: من ذرية إبليس، لاقس وولهان، وهما صاحبا الطهارة والصلاة اللذان يوسوسان فيهما، ومن ذريته مرة وبه يكنى: وزلنبور وهو صاحب الأسواق، يزين اللغو والحلف الكاذب ومدح السلع. وبتر وهو صاحب المصائب، يزين خدش الوجوه ولطم الخدود وشق الجيوب. والأعور وهو صاحب الزنا، ينفخ في إحليل الرجل وعجيزة المرأة، ومطروس وهو صاحب الأخبار الكاذبة، يلقيها في أفواه الناس، لا يجدون لها أصلا. وداسم وهو الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسم ولم يذكر اللّه دخل معه اه. قال القرظي: واختلف هل لإبليس أولاد من صلبه؟ فقال الشعبي: سألني رجل فقال: هل لإبليس زوجة؟ فقلت: إن ذلك عرس لم أشهده، ثم ذكرت قوله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة، فقلت: نعم. وقال مجاهد: إن إبليس أدخل فرجه في فرج نفسه، فباض خمس بيضات، فهذه أصل ذريته. وقيل: إن اللّه خلق له في فخذه اليمنى ذكرا، وفي فخذه اليسرى فرجا، فهو ينكح هذه بهذا، فيخرج له كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة سبعون شيطانا وشيطانة، فهو يفرخ ويطير، وأعظمهم عند أبيهم منزلة، أعظمهم في بني آدم فتنة. وقال قوم: ليس له","part":2,"page":373},{"id":975,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 374\rدُونِي تطيعونهم وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ أي أعداء حال بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) إبليس وذريته في طاعتهم بدل إطاعة اللّه ما أَشْهَدْتُهُمْ أي إبليس وذريته خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ أي لم أحضر بعضهم خلق بعض وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ الشياطين عَضُداً (51) أعوانا في الخلق فكيف تطيعونهم وَيَوْمَ منصوب باذكر يَقُولُ بالياء والنون نادُوا شُرَكائِيَ الأوثان الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ليشفعوا لكم بزعمكم فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ لم يجيبوهم وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ بين الأوثان وعابديها مَوْبِقاً (52) واديا من أودية جهنم يهلكون فيه جميعا وهو من وبق بالفتح هلك وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أي أيقنوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها أي واقعون فيها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (53) معدلا وَلَقَدْ صَرَّفْنا بينا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ\r______________________________\rأولاد ولا ذرية، وإنما المراد بذريته أعوانه من الشياطين. قوله: (تطيعونهم) أي بدل طاعتي. قوله:\r(حال) أي من مفعول تتخذون. قوله: لِلظَّالِمِينَ متعلق ببدلا، الواقع تمييزا للفاعل المستتر، وقوله:\r(إبليس وذريته) بيان للمخصوص بالذم المحذوف، والأصل بئس البدل إبليس وذريته.\rقوله: (أي إبليس وذريته) تفسير للضمير في أَشْهَدْتُهُمْ فالمعنى لم أحضرهم حين خلقت السماوات والأرض، ولا حين خلقت أنفسهم، فكيف تتخذونهم أولياء تطيعونهم.\rقوله: وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ فيه وضع الظاهر موضع المضمر. قوله: عَضُداً هو في الأصل العضو الذي هو من المرفق إلى الكتف، ثم أطلق على المعين والناصر، والمراد هنا مقدما لهم في مناصب خير، بل هم مطرودون عنها، فكيف يطاعون؟ قوله: (بالياء والنون) أي وهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أي زعمتموهم شركاء، فالمفعولان محذوفان. قوله: (ليشفعوا لكم) متعلق بنادوا. قوله: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ أي مشتركا. قوله: (واديا من أودية جهنم) قال أنس بن مالك: هو واد في جهنم من قيح ودم. قوله: (من وبق بالفتح) أي كوعد.\rقوله: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ أي عاينوها من مسيرة أربعين عاما. قوله: مَصْرِفاً أي مكانا يحلون فيه غيرها. قوله: (من جنس كل مثل) أي معنى غريب بديع، يشبه المثل في غرابته. قوله:\r(خصومة في الباطل) هذا هو معنى الجدل هنا، وفيه إشارة إلى أن المؤمن ليس كثير الجدل في الباطل، بل هو شديد الخصومة في الحق.\rقوله: وَيَسْتَغْفِرُوا عطف على أَنْ يُؤْمِنُوا. قوله: إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ الكلام على حذف مضاف، أي إلا انتظارهم وطلبهم إتيان مثل سنة الأولين بقولهم: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ الآية. قوله: (و هو الإهلاك) أي الذي يستأصلهم. قوله: (المقدر) أي في الأزل، وقوله: (عليهم) أي الأولين. قوله: أَوْ يَأْتِيَهُمُ أي الناس. قوله: (مقابلة وعيانا) تفسير لقبلا بكسر ففتح. قوله: (أي أنواعا) تفسير لقبلا بضمتين، فكل من القراءتين له معنى يخصه. قوله:\r(القرآن) المناسب أن يقول: أي جميع ما جاءت به الرسل.\rقوله: آياتِي المناسب تفسيرها بمعجزات الرسل لا خصوص القرآن، لأنه في كل كافر من هذه الأمة وغيرها.","part":2,"page":374},{"id":976,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 375\rكُلِّ مَثَلٍ صفة لمحذوف أي مثلا من جنس كل مثل ليتعظوا وَكانَ الْإِنْسانُ أي الكافر أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54) خصومة في الباطل وهو تمييز منقول من اسم كان، المعنى وكان جدل الإنسان أكثر شيء فيه وَما مَنَعَ النَّاسَ أي كفار مكة أَنْ يُؤْمِنُوا مفعول ثان إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى القرآن وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ فاعل أي سنتنا فيهم وهي الإهلاك المقدر عليهم أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا (55) مقابلة وعيانا وهو القتل يوم بدر، وفي قراءة بضمتين جمع قبل أي أنواعا وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ للمؤمنين وَمُنْذِرِينَ مخوفين للكافرين وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ بقولهم أبعث اللّه بشرا رسولا ونحوه لِيُدْحِضُوا بِهِ ليبطلوا بجدالهم الْحَقَ القرآن وَاتَّخَذُوا آياتِي أي القرآن وَما أُنْذِرُوا به من النار هُزُواً (56) سخرية وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ما عمل من الكفر والمعاصي إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أغطية أَنْ يَفْقَهُوهُ أي من أن يفهموا القرآن، أي فلا يفهمونه وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ثقلا فلا يسمعونه وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أي بالجعل المذكور أَبَداً (57) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ في الدنيا بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ فيها بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ وهو يوم القيامة لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) ملجأ وَتِلْكَ الْقُرى أي أهلها كعاد وثمود وغيرهما أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا كفروا وَجَعَلْنا\r______________________________\rقوله: وَما أُنْذِرُوا ما موصولة، والعائد محذوف أي الذي أنذروا به، أو مصدرية أي إنذارهم. قوله: هُزُواً يقرأ بالهمزة والواو سبعيتان.\rقوله: فَأَعْرَضَ عَنْها أي لم يتدبرها وقت تذكيره بها. قوله: إِنَّا جَعَلْنا بمنزلة التعليل لقوله: فَأَعْرَضَ. قوله: (فلا يسمعونه) أي سماع تفهم وانتفاع.\rقوله: لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ أي المستأصل لهم. قوله: (و هو يوم القيامة) أشار بذلك إلى أن المراد بالموعد الزمان المعد لهم، ويصح أن يراد به المكان. قوله: لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ أي العذاب.\rقوله: مَوْئِلًا الموئل المرجع من وأل يئل أي رجع، ويقال للملجأ أيضا، يقال وأل فلان إلى فلان إذ لجأ إليه، والمعنى لن يجدوا غير العذاب ملجأ يلتجئون إليه، كناية عن عدم خلوصهم منه. قوله: (أهلها) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف.\rقوله: أَهْلَكْناهُمْ أي في الدنيا كما قال تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً الخ. قوله:\rوَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ أي لهلاكهم المذكور وقتا معينا نزل بهم فيه، فكذلك قومك لهم وقت ينزل بهم فيه، وهو معنى قوله: مَوْعِداً. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا، وتحتها قراءتان فتح اللام وكسرها، فمجموع القراءات السبعية ثلاثة: ضم الميم مع فتح اللام، وفتح الميم مع فتح اللام أو كسرها.\rقوله: وَ(اذكر) قدره إشارة إلى أن إذ ظرف لمحذوف، والمعنى اذكر يا محمد لقومك وقت قول موسى لفتاه الخ، والمراد اذكر لهم قصته وما وقع له مع الخضر عليهما السّلام. قوله: (هو ابن عمران) أي","part":2,"page":375},{"id":977,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 376\rلِمَهْلِكِهِمْ لإهلاكهم وفي قراءة بفتح الميم أي لهلاكهم مَوْعِداً (59) وَاذكر إِذْ قالَ مُوسى هو ابن عمران لِفَتاهُ يوشع بن نون كان يتبعه ويخدمه ويأخذ منه العلم لا أَبْرَحُ لا أزال أسير حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ ملتقى بحر الروم وبحر فارس مما يلي المشرق أي المكان الجامع لذلك أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (60) دهرا طويلا في بلوغه إن بعد فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما بين البحرين نَسِيا حُوتَهُما نسي يوشع حمله عند الرحيل ونسي موسى تذكيره فَاتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ أي جعله بجعل اللّه سَرَباً (61) أي مثل السرب وهو الشق الطويل لا نفاذ\r______________________________\rرسول بني إسرائيل، من سبط لاوى بن يعقوب، وهذا هو الصحيح الذي أجمعت عليه الآثار الصحيحة، ولا يقدح فيه كونه يتعلم من الخضر، لأن الكامل يقبل الكمال، سواء قلنا إن الخضر نبي أو ولي، فاستفادته منه لا تقدح في كونه أفضل منه، لأن تلك مزية، وهي لا تقتضي الأفضلية، يدل على ذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع كونه أعلم الناس، أمره اللّه بالاستزادة من العلم بقوله: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً خلافا لمن زعم أنه موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب، وادعى أنه نبي قبل موسى بن عمران، محتجا بأن اللّه بعد أن أنزل على موسى بن عمران التوراة، وكلمه بلا واسطة، وأعطاه المعجزات العظيمة الباهرة، يبعد أن يستفيد من مطلق نبي أو ولي، وهذا القول خلاف الصحيح. قوله: (يوشع بن نون) هو ابن أفراثيم بن يوسف، أرسله اللّه بعد موسى، فقاتل الجبارين وردّت له الشمس، وتقدمت قصته في المائدة. قوله:\r(كان يتبعه) هذا بيان وجه إضافته إلى موسى، وكان ابن أخته، وقيل كان عبدا له وهو بعيد، لأن شرط النبي الحرية.\rقوله: لا أَبْرَحُ هي من أخوات كان، اسمها مستتر وجوبا، وخبرها محذوف قدره المفسر بقوله:\r(أسير) أي لا أبرح سائرا. قوله: (ملتقى بحر الروم) الخ، أي وملتقاهما عند البحر المحيط. قوله: (مما يلي المشرق) أي وذلك بإفريقية. قوله: (دهرا طويلا) وقيل الحقب ثمانون سنة، وقيل سنة واحدة بلغة قريش، وقيل سبعون، ويجمع على أحقاب، كعنق وأعناق. قوله: (إن بعد) أي إن لم أدركه، والمعنى لا بد من سيري إلى أن أبلغ مجمع البحرين، أو أسير زمنا طويلا حتى أيأس من الوصول. قوله: (بين البحرين) أشار بذلك إلى أن (بين) ظرف وهو الموضع الذي وعد موسى أن يجتمع فيه بالخضر.\rقوله: نَسِيا حُوتَهُما قيل كان مشويا، وقيل كان مملحا، وقد أكلا منه زمنا طويلا، قبل أن يدركا الصخرة. قوله: (نسي يوشع حمله) هذا يقتضي أنه كان موجودا على البر حين نسيه يوشع، ولكن الموجود في القصة، أن موسى ويوشع لما وصلا الصخرة التي عندها عين الحياة ناما، ثم استيقظ يوشع، فتوضأ من تلك العين، فانتضح الماء عليه فعاش ووثب في الماء، فهذا يقتضي أنه نسي إخبار موسى بما رأى، فالمناسب للمفسر أن يقول: نسي يوشع أن يخبر موسى بما شاهده من الأمر العجيب. إن قلت: إن شأن الأمر العجيب عدم نسيانه. أجيب: بأنه أدهش من عظيم ما رأى من قدرة اللّه وعظمته، للحكمة التي ترتبت على ذلك.\rقوله: فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ هذا الاتخاذ قبل النسيان، فيكون في الآية تقديم وتأخير، والأصل فأدركته","part":2,"page":376},{"id":978,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 377\rله، وذلك أن اللّه تعالى أمسك عن الحوت جري الماء فانجاب عنه فبقي كالكوة لم يلتئم وجمد ما تحته منه فَلَمَّا جاوَزا ذلك المكان بالسير إلى وقت الغداء من ثاني يوم قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا هو ما يؤكل أول النهار لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (62) تعبا، وحصوله بعد المجاوزة قالَ أَرَأَيْتَ أي تنبه إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ بذلك المكان فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ يبدل من الهاء أَنْ أَذْكُرَهُ بدل اشتمال أي أنساني ذكره وَاتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (63) مفعول ثان أي يتعجب منه موسى وفتاه لما تقدم في بيانه قالَ موسى ذلِكَ أي فقدنا الحوت ما أي الذي كُنَّا نَبْغِ نطلبه فإنه علامة لنا على وجود من نطلبه فَارْتَدَّا رجعا عَلى آثارِهِما يقصانها قَصَصاً (64) فأتيا الصخرة فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا هو الخضر آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا نبوة في قول وولاية في آخر وعليه أكثر العلماء\r______________________________\rالحياة فخرج من المكتل وسقط في البحر فاتخذ سبيله. قوله: سَراباً مفعول ثان لاتخذ. قوله: (و ذلك) أي سبب ذلك. قوله: (فانجاب) أي انقطع الماء وانكشف. قوله: (فبقي) أي صار. قوله: (كالكوة) هي بالفتح نقب البيت، والجمع كوى بكسر الكاف ممدودا ومقصورا. قوله: (لم يلتئم) أي يلتصق حتى رجع إليه موسى فرأى مسلكه. قوله: (ما تحته) أي فجعل الحوت لا يمس شيئا في البحر إلا يبس. قوله:\r(ذلك المكان) أي مجمع البحرين.\rقوله: مِنْ سَفَرِنا هذا أي الذي وقع بعد مجاوزتهما الموعد. قوله:\rنَصَباً مفعول بلقينا. قوله: (و حصوله بعد المجاوزة) إنما كان حصول النصب بعد المجاوزة، لحصول السفر مع الانتظار والتشوق، وأما سفرهما قبل الوصول لمجمع البحرين، فكان مقصودا دفعة، فلا مشقة فيه. قوله: (أي تنبه) أي تذكر واستمع لما ألقيه إليك من شأن الحوت.\rقوله: فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ أي نسيت إخبارك بما شاهدته منه كما تقدم. قوله: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ إن قلت: إن الشيطان لا تسلط له على الأنبياء. أجيب: بأنه أضاف النسيان إليه هضما لنفسه.\rقوله: (أي يتعجب منه موسى وفتاه) أي حيث أكلا من الحوت شقه الأيسر، ثم حيي بعد ذلك. قوله:\r(لما تقدم في بيانه) أي وهو قوله: (و ذلك أن اللّه أمسك عن الحوت جري الماء) الخ. قوله: (من نطلبه) وهو الخضر.\rقوله: فَوَجَدا عَبْداً قيل دخل السرب مكان الحوت، فوجداه جالسا على جزيرة في البحر، وقيل وجداه عند الصخرة مغطى بثوب أبيض، طرفه تحت رأسه، والآخر تحت رجليه، فسلم عليه موسى، فرفع رأسه واستوى جالسا وقال: وعليك السّلام يا نبي بني إسرائيل، فقال له موسى: ومن أخبرك أني نبي بني إسرائيل؟ فقال: الذي أدراك بي ودلك علي، ثم قال: لقد كان لك في بني إسرائيل شغل، قال موسى: إن ربي أرسلني إليك لأتبعك وأتعلم منك.\rقوله: مِنْ عِبادِنا الإضافة لتشريف المضاف، أي من عبيدي الخصوصية. قوله: (هو الخضر) بفتح الخاء مع كسر الضاد أو سكونها، وبكسر الخاء مع سكون الضاد، ففيه ثلاث لغات، وهذا لقبه، واسمه بليا بفتح الباء وسكون اللام بعدها ياء تحتية آخره ألف مقصورة، ومعناه بالعربية أحمد بن ملكان،","part":2,"page":377},{"id":979,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 378\rوَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا من قبلنا عِلْماً (65) مفعول ثان أي معلوما من المغيبات. روى البخاري حديث: إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب اللّه عليه إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى اللّه إليه، إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى أتيا الصخرة ووضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا، وأمسك اللّه عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كانا من الغداة قال موسى لفتاه: آتِنا غَداءَنا إلى قوله وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً قال: وكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا، الخ\r______________________________\rوكنيته أبو العباس، قال بعض العارفين: من عرف اسمه واسم أبيه وكنيته ولقبه مات على الإسلام، ولقب بالخضر لأنه جلس على الأرض فاخضرت تحته، وقيل لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله، وهو من نسل نوح، وكان أبوه من الملوك. قوله: (نبوة في قول) أي وقد صححه جماعة، والجمهور على أنه حي إلى يوم القيامة لشربه من ماء الحياة، يجتمع به خواص الأولياء ويأخذون عنه، قال العارف السيد البكري صاحب ورد السحر في توسلاته:\rبنقيبهم في كلّ عصر الخضر أبي ال ... عباس من أحيا بماء وصاله\r\rحي وحقّك لم يقل بوفاته ... إلّا الّذي لم يلق نور جماله\r\rفعليه منّي كلّما هبّ الصّبا ... أزكى سلام طاب في إرساله\r\rوقد اجتمع برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأخذ عنه فهو صحابي. قوله: مِنْ لَدُنَّا أي مما يختص بنا، ولا يعلم بواسطة معلم من أهل الظاهر. قوله: (خطيبا) أي واعظا يذكر الناس، حتى فاضت العيون ورقت القلوب، وكانت تلك الخطبة بعد هلاك القبط، ورجوع موسى إلى مصر. قوله: (إذ لم يرد العلم إليه) أي فكان عليه أن يقول مثلا: اللّه أعلم، وهذا من باب عتاب الأحباب تأديبا لموسى، وإلا فالواقع أن موسى أعلم من الخضر. قوله: (هو أعلم منك) أي في خصوص علم الكشف والوقائع المخصوصة، وهو بالنسبة للعلم الذي أوحاه اللّه إلى موسى قليل، فلذلك رغب موسى في حيازته. قوله: (فكيف لي به) أي فلما سمع موسى هذا، تشوقت نفسه الزكية وهمته العلية لتحصيل علم ما لم يعلم. قوله: (قال تأخذ معك حوتا) لعل الحكمة في تخصيصه ما ظهر بعد من حياته ودخوله في البحر. قوله: (فتجعله في مكتل) هو الزنبيل بكسر الزاي من خوص النخل، ويقال له القفة تسع خمسة عشر صاعا. قوله: (فهو ثم) أي هناك. قوله: (جرية الماء) بكسر الجيم. قوله: (مثل الطاق) هو البناء المقوس كالقنطرة. قوله: (أن يخبره بالحوت) أي بما حصل من أمره. قوله: (قال موسى) أي بعد أن صليا الظهر من اليوم الثاني. قوله:\r(قال) أي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في شأن تفسير الآية.","part":2,"page":378},{"id":980,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 379\rقالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (66) أي صوابا أرشد به وفي قراءة بضم الراء وسكون الشين، وسأله ذلك لأن الزيادة في العلم مطلوبة قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (68) في الحديث السابق عقب هذه الآية: يا موسى إني على علم من اللّه علمنيه لا تعلمه وأنت على علم من اللّه علمكه اللّه لا أعلمه، وقوله خبرا مصدر بمعنى لم تحط أي لم تخبر حقيقته قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي أي وغير عاص لَكَ أَمْراً (69) تأمرني به وقيد بالمشيئة لأنه لم يكن على ثقة من نفسه فيما التزم، وهذه\r______________________________\rقوله: قالَ لَهُ مُوسى أي بعد أن تلاقيا وحصل الوصول. قوله: هَلْ أَتَّبِعُكَ استفهام تعطف رعاية للأدب في حق المعلم، وبذلك الأدب يحصل النفع والسؤدد. قوله: عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ أي ليس لي قصد في اتباعك إلا تعليمك إياي، لا شيئا من الأغراض غير التعليم. قوله: رُشْداً مفعول ثان لتعلمني، أي لتعلمني صوابا من الذي علمكه. قوله: (و في قراءة) أي وعليها فيكون من باب قتل، وقياس مصدره بفتح الراء، فيكون بضمها اسم مصدر، وعلى الأولى فيكون من باب طرب. قوله:\r(و سأله ذلك) جواب عما يقال: إن موسى من أولي العزم، ونبي ورسول جزما، وأسمعه اللّه كلامه، وأعطاه التوراة، وهو أفضل من الخضر، فكيف يسعى إليه ويتعلم منه؟ فأجاب: بأن الزيادة في العلم مطلوبة، على أن علم الخضر لا يحتاج إليه موسى في شرعه، وإنما هي مزية خص بها الخضر، وأمر اللّه موسى أن يأخذها عن الخضر ويكتمها، لتكمل له جميع المزايا، ولا يقتضي أن الخضر أعلم منه، لأن موسى كامل في علمه، لا يحتاج إلى شيء من علم الخضر، وإنما علمه من مزية خصه اللّه بها لا يقتدى به فيها.\rقوله: قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً أي لما ترى من مخالفة شرعك ظاهرا، لأن المتعلم قسمان: متعلم ليس عنده شيء من العلوم، ولم يمارس الاستدلال، وهذا تعليمه سهل، ويقبل كل ما ألقي عليه، ومتعلم مارس الاستدلال وحصل العلوم، غير أنه يريد أن يزداد علما على علمه، وهذا تعليمه شاق شديد، لأنه إذا رأى شيئا أو سمع كلاما، عرضه على ما عنده، فإن وافقه وإلا ناقش فيه.\rقوله: وَكَيْفَ تَصْبِرُ الاستفهام تعجبي. قوله: (إني على علم) أي وهو علم الكشف. قوله: (و أنت على علم) أي وهو علم ظاهر الشريعة. قوله: (مصدر) أي مفعول مطلق مؤكد لعامله في المعنى، لأن (لم تحط) بمعنى (لم تخبر) والخبر بالضم معناه العلم، والأوضح أنه تمييز نسبة، أي لم تحط به من جهة العلم.\rقوله: (أي وغير عاص) أشار بذلك إلى أن قوله: وَلا أَعْصِي معطوف على صابِراً ولا بمعنى (غير). قوله: (لأنه لم يكن على ثقة من نفسه) أي فكأنه قال: ستجدني صابرا إن وافق شرعي، أو أوحى اللّه إلي في شأنه، فأنا لا أدري ما يفعله اللّه، ولم يقل الخضر إن شاء اللّه، لأن اللّه أطلعه على أن موسى لا يصبر على أمر يخالف شرعه، فحينئذ جزم بأنه لا يستطيع معه صبرا. قوله: (أن لا يثقوا إلى أنفسهم) ضمنه معنى يميلوا ويركنوا فعداه بإلى.","part":2,"page":379},{"id":981,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 380\rعادة الأنبياء والأولياء أن لا يثقوا إلى أنفسهم طرفة عين قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي وفي قراءة بفتح اللام وتشديد النون عَنْ شَيْءٍ تنكره مني في علمك واصبر حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (70) أي اذكره لك بعلته، فقبل موسى شرطه رعاية لأدب المتعلم مع العالم فَانْطَلَقا يمشيان على ساحل البحر حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ التي مرت بهما خَرَقَها الخضر بأن اقتلع لوحا أو لوحين منها من جهة البحر بفأس لما بلغت اللج قالَ له موسى أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها وفي قراءة بفتح التحتانية والراء ورفع أهلها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (71) أي عظيما منكرا، روي أن الماء لم يدخلها قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (72) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ أي غفلت عن التسليم لك وترك الإنكار عليك وَلا تُرْهِقْنِي تكلفني مِنْ أَمْرِي عُسْراً (73) مشقة في صحبتي إياك أي عاملني فيها بالعفو واليسر فَانْطَلَقا بعد خروجهما من السفينة يمشيان حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً لم يبلغ الحنث يلعب مع الصبيان أحسنهم وجها فَقَتَلَهُ الخضر بأن ذبحه بسكين مضطجعا أو اقتلع رأسه بيده أو ضرب رأسه بالجدار أقوال، وأتى هنا\r______________________________\rقوله: فَلا تَسْئَلْنِي أي لا تبادرني بالسؤال عن حكمته، بل اصبر حتى يظهر لك ما فيه من الباطن. قوله: (بفتح اللام) أي مع الهمز، وهما قراءتان سبعيتان، وبدون الهمز مع تشديد النون لغير السبعة. قوله: (في علمك) أي بحسب ظاهر علمك. قوله: (و اصبر) قدره إشارة إلى أنه المغيا بحتى.\rقوله: (بعلته) أي حكمته وسببه. قوله: فَانْطَلَقا أي ومعهما يوشع، وإنما لم يذكر في الآية لأنه تابع، والمقصود ذكر موسى والخضر، وقيل لم يكن معهما، بل رده موسى حين التقى مع الخضر. قوله: (يمشيان على ساحل البحر) أي يطلبان سفينة، فوجدا سفينة فركباها، فقال أهلها: هؤلاء لصوص، لأنهم رأوهم نزلوا بغير زاد ولا متاع، فقال صاحب السفينة: ما هم بلصوص، ولكني أرى وجوه الأنبياء، وعن أبيّ بن كعب عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «مرت بهم سفينة، فكلموا أهلها أن يحملوهم فعرفوا الخضر بعلامة، فحملوهم بغير نول أي عوض». قوله: (بفأس) بالهمزة جمعه فؤوس أي القدوم. قوله: (لما بلغت اللج) اللج بالضم جمع لجة وهو الماء الغزير. قوله: (و في قراءة) أي وهما سبعيتان. قوله: (روي أن الماء لم يدخلها) وقيل إن موسى لما رأى ذلك، أخذ ثوبه فجعله في الخرق.\rقوله: بِما نَسِيتُ أي بالأمر الذي غفلت عنه، لقيام حمية الشرع بي، وقيل أراد بالنسيان الترك.\rقوله: عُسْراً مفعول ثان لترهقني.\rقوله: غُلاماً قيل كان اسمه شمعون. قوله: (لم يبلغ الحنث) يطلق الحنث على المعصية وعلى مخالفة اليمين، والمراد لم يبلغ حد التكليف، من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. قوله: (مع الصبيان) أي وكانوا عشرة. قوله: (أو اقتلع رأسه بيده) أي بعد أن لوى عنقه.\rقوله: (لأن القتل عقب اللقى) أي بخلاف السفينة، فإن الخرق لم يكن عقب ركوبها، فلذا لم يأت بالفاء.\rقوله: (و في قراءة) وهما سبعيتان. قوله: بِغَيْرِ نَفْسٍ أي من غير استحقاقها للقتل، والجار والمجرور متعلق بقتلت.","part":2,"page":380},{"id":982,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 381\rبالفاء العاطفة لأن القتل عقب اللقى وجواب إذا قالَ له موسى أَقَتَلْتَ نَفْساً لهم أي طاهرة لم تبلغ حد التكليف وفي قراءة زكية بتشديد الياء بلا ألف بِغَيْرِ نَفْسٍ أي لم تقتل نفسا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (74) بسكون الكاف وضمها أي منكرا قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (75) زاد لك على ما قبله لعدم العذر هنا ولهذا قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها أي بعد هذه المرة فَلا تُصاحِبْنِي لا تتركني أتبعك قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي بالتشديد والتخفيف من قبلي عُذْراً (76) في مفارقتك لي فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ هي أنطاكية اسْتَطْعَما أَهْلَها طلبا منهم الطعام بضيافة فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً ارتفاعه مائة ذراع يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ أي يقرب أن يسقط لميلانه فَأَقامَهُ الخضر بيده قالَ له موسى لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ وفي قراءة لا تخذت عَلَيْهِ أَجْراً (77) جعلا حيث لم يضيفونا مع حاجتنا إلى الطعام قالَ له الخضر هذا فِراقُ أي وقت فراق بَيْنِي وَبَيْنِكَ فيه إضافة بين إلى غير متعدد سوغها لتكريره بالعطف بالواو سَأُنَبِّئُكَ قبل فراقي لك بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (78)\r______________________________\rقوله: لَقَدْ جِئْتَ أي فعلت. قوله: نُكْراً هو أعظم من الأمر، لأن فيه القتل بالفعل، بخلاف خرق السفينة، فإنه يمكن تداركه، وقيل بالعكس، لأن الأمر قتل أنفس متعددة بسبب الخرق، فهو أعظم من قتل الغلام وحده. قوله: (بسكون الكاف وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله:\r(لعدم العذر هنا) لأنه لم يبد هنا عذرا. قوله: (بالتشديد والتخفيف) أي فهما قراءتان سبعيتان، والنون للوقاية أتى بها لتقي الفعل من الكسر، كما أتى بها في من وعن محافظة على تسكين النون.\rقوله: إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ أي وكان إتيانهم لها بعد الغروب، والليلة باردة ممطرة. قوله: (هي أنطاكية) بتخفيف الياء.\rقوله: (طلبا منهم الطعام) روي أنهما طافا في القرية فاستطعماهم فلم يطعموهما، واستضافاهم فلم يضيفوهما، فأطعمتهم امرأة من أهل بربرة، فدعوا لنسائهم، ولعنا رجالهم، وعن قتادة: شر القرى من لا تضيف الضيف. قوله: (مائة ذراع) أي عرضه خمسون، وامتداده على وجه الأرض خمسمائة ذراع. قوله:\rفَأَقامَهُ (الخضر بيده) قيل مسه بها فاستقام، وقيل أقامه بعامود، وقيل نقضه وبناه.\rقوله: قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً أي كان ينبغي لك أخذ جعل منهم على فعلك، لتقصيرهم فينا مع حاجتنا، فقد فعلت المعروف مع غير أهله. قوله: (و في قراءة) أي بإظهار الذال وإدغامها في التاء، على كل فتكون القراءات أربعا سبعيات.\rقوله: بِتَأْوِيلِ أي تفسير هذه الآيات التي وقعت لموسى مع الخضر، وحكمة تخصيص الخضر لموسى بتلك الثلاثة، وما ورد أنه لما أنكر خرق السفينة، نودي: يا موسى أين كان تدبيرك هذا، وأنت في التابوت مطروحا في اليم؟ فلما أنكر أمر الغلام قيل له: أين إنكارك هذا، من وكزك القبطي وقضائك عليه؟ فلما أنكر إقامة الجدار نودي: أين هذا من رفعك حجر البئر لبنتي شعيب دون أجر؟","part":2,"page":381},{"id":983,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 382\rأَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ عشرة يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ بها مؤاجرة لها طلبا للكسب فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ إذا رجعوا أو أمامهم الآن مَلِكٌ كافر يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالحة غَصْباً (79) نصبه على المصدر المبين لنوع الأخذ وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (80) فإنه كما في حديث مسلم طبع كافرا ولو عاش لأرهقهما ذلك لمحبتهما له يتبعانه في ذلك فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما بالتشديد والتخفيف رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً أي صلاحا وتقى وَأَقْرَبَ منه رُحْماً (81) بسكون الحاء وضمها رحمة وهي البر بوالديه فأبدلهما تعالى جارية\r______________________________\rقوله: أَمَّا السَّفِينَةُ شروع في وفاء ما وعد الخضر به موسى، على سبيل اللف والنشر المرتب، والسفينة تجمع على سفين وسفائن، ويجمع السفين على سفن بضمتين مأخوذة من السفن، كأنها تسفن الماء أي تقشره، وصاحبها سفان. قوله: لِمَساكِينَ (عشرة) أي وكانوا إخوة ورثوها عن أبيهم، خمسة زمنى، وخمسة يعملون في البحر، وقيل بكل واحد زمانة ليست بالآخر، فأما العمال منهم: فأحدهم مجذوم، والثاني أعور، والثالث أعرج، والرابع آدر، والخامس محموم لا تنقطع عنه الحمى الدهر كله وهو أصغرهم. والخمسة الذين لا يطيقون العمل: أعمى، وأصم، وأخرس، ومقعد، ومجنون، وكان البحر الذين يعملون فيه، ما بين فاس إلى الروم.\rقوله: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها أي فإذا رآها الملك معيبة تركها، فإذا جاوزوه أصلحوها وانتفعوا بها.\rقوله: وَكانَ وَراءَهُمْ الجملة حالية على إضمار قد. قوله: (إذا رجعوا) من المعلوم أنه إذا كان وراءهم وقت رجوعهم. فبالضرورة يكون في حال توجههم أمامهم، فقد اتحد هذا القول مع ما بعده. وقد يجاب: بأن قوله: وَكانَ وَراءَهُمْ أي في حال توجههم، لكنهم في حال رجوعهم يمرون عليه، وحينئذ فلا يكون أمامهم الآن، أي ووراء بمعنى أمام، قال تعالى: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ قوله: مَلِكٌ (كافر) أي وكان ملك غسان واسمه جيسور. قوله: (صالحة) أي صحيحة.\rقوله: فَخَشِينا أي أن اللّه أعلم الخضر بوقوع ذلك من الغلام إن لم يقتله. قوله: أَنْ يُرْهِقَهُما أي يكلفهما ويوقعهما في الكفر. قوله:\r(طبع كافرا) أي خلق مجبولا على الكفر، وحينئذ فيكون مستثنى من حديث «كل مولود يولد على فطرة الإسلام». قوله: (لمحبتهما له) علة لإيقاعه لهما في الكفر. قوله: (بالتشديد والتخفيف) قراءتان سبعيتان.\rقوله: خَيْراً مِنْهُ اسم التفضيل ليس على بابه، إذ لم يكن في الغلام خير أو على بابه باعتبار زعمهما. قوله: زَكاةً تمييز، وكذا قوله: رُحْماً. قوله: (جارية) أي بنتا. قوله: (فولدت نبيا) وقيل اثني عشر نبيا، وقيل ولدت سبعين نبيا، وما فعله الخضر من قتل الغلام، إنما هو جار على شرعه لا على شرعنا، فإنه لا يجوز قتل الصبيان الكفار، إلا أن يقاتلوا بالسلاح في الحرب، ولو اطلع شخص على ما اطلع عليه الخضر، فلا يجوز له قتل الغلمان، وقد أرسل بعض الخوارج لابن عياض يسأله: كيف قتل الخضر الغلام الصغير، وقد نهى النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن قتل أولاد الكفار، فضلا عن أولاد المؤمنين؟ فكتب إليه على سبيل المجاراة والتسليم لدعواه: إن علمت من حال الولدان أن ما علمه علم موسى فلك أن تقتلهم.","part":2,"page":382},{"id":984,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 383\rتزوجت نبيا فولدت نبيا فهدى اللّه تعالى به أمة وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ مال مدفون من ذهب وفضة لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فحفظا بصلاحه في أنفسهما ومالهما فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما أي إيناس رشدهما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ مفعول له عامله أراد وَما فَعَلْتُهُ أي ما ذكر من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار عَنْ أَمْرِي أي اختياري بل بأمر إلهام من اللّه ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (82) يقال اسطاع واستطاع بمعنى أطاق ففي هذا وما قبله جمع بين اللغتين ونوعت العبارة في فأردت فأردنا فأراد ربك وَيَسْئَلُونَكَ أي اليهود عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ اسمه الإسكندر ولم يكن نبيا قُلْ سَأَتْلُوا\r______________________________\rوروي أن موسى لما قال للخضر: أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً الآية؟ غضب الخضر، واقتلع كتف الصبي الأيسر وقشر اللحم عنه، وإذا فيه مكتوب: كافر لا يؤمن باللّه أبدا.\rقوله: فَكانَ لِغُلامَيْنِ اسم أحدهما أصرم والآخر صريم. قوله: فِي الْمَدِينَةِ هي المعبر عنها أولا بالقرية تحقيرا لها، لكون أهلها لم يضيفوهما، وعبر عنها بالمدينة تعظيما لها، من حيث اشتمالها على هذين الغلامين وعلى أبيهما. قوله: (مال مدفون من ذهب وفضة) هذا أحد أقوال في تفسير الكنز، وقيل كان علما في صحف مدفونة، وقيل كان لوحا من ذهب مكتوب في أحد جانبيه بسم اللّه الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن؟ عجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب؟ عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح؟ عجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل؟ عجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه. وفي الجانب الآخر مكتوب: أنا اللّه، لا إله إلا أنا وحدي، لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه.\rقوله: وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً قيل إنه أبوهما مباشرة، وقيل هو الأب السابع، وقيل العاشر، وكان يسمى كاشحا، واسم أمهما دنيا، وفيه دليل على أن تقوى الأصول تنفع الفروع. قوله: (أي إيناس رشدهما) أي حتى يبلغا أن يعلم إيناس أشدهما، أي قوتهما وكمالهما. قوله: وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما أي من تحت الجدار، ولو لا فعلا ذلك لضاع. قوله: (بل بأمر إلهام من اللّه) لم يقل بوحي، لعدم الجزم بنبوته.\rقوله: ذلِكَ أي ما ذكر من الأجوبة الثلاثة. قوله: (و نوعت العبارة) أي أن هذا التغاير تنويع في العبارة، وبعضهم أبدى حكمه في اختلاف التعبير، وهي أن الأولى لما كان ظاهرها إفسادا محضا، أضافه لنفسه حيث قال: فأردت، أدبا مع اللّه وإن كان الكل منه. والثاني لما كان فيه نوع إصلاح ونوع إفساد، عبر فيه بقوله: (فأردنا). والثالث لما كان إصلاحا محضا، أضافه للّه بقوله: (فأراد بك) قيل إن الخضر لما أراد أن يفارق موسى، قال له موسى: أوصني، قال: كن بساما ولا تكن ضحاكا، ودع اللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تعب على الخطائين خطاياهم، وابك على خطيئتك يا ابن عمران.\rقوله: وَيَسْئَلُونَكَ أي المشركون بأمر اليهود، فاليهود سبب في السؤال، وإن لم تقع منهم المباشرة له، فصح قول المفسر لليهود. قوله: عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ لقب بذلك لما قيل: إن له قرنين صغيرين في","part":2,"page":383},{"id":985,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 384\r______________________________\rرأسه، وقيل لأنه أعطي علم الظاهر والباطن، وقيل لأنه ملك فارس والروم. قوله: (اسمه الإسكندر) أي وهو الذي بنى الإسكندرية وسماها باسمه. قوله: (و لم يكن نبيا) أي على الصحيح، وإنما كان وليا فقط، وما يأتي مما يوهم نبوته، فمؤول ومحمول على الإلهام والإلقاء في القلب، وذلك غير مخصوص بالأنبياء، واسكندر هذا من أولاد سام بن نوح، وكان ابن عجوز ليس لها غيره، وكان أسود اللون، وكان على شريعة إبراهيم الخليل، فإنه أسلم على يديه ودعا له، وأوصاه بوصايا، وكان يطوف معه، وكان الخضر وزيره وابن خالته، وكان يسير معه على مقدمة جيشه، وهذا بخلاف ذي القرنين الأصغر، فإنه من ولد العيص بن إسحاق، وكان كافرا، عاش ألفا وستمائة سنة، وكان قبل المسيح بثلاثمائة سنة، وفي القرطبي قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم، ليس لها ولد غيره، وكان اسمه إسكندر، فلما بلغ كان عبدا صالحا، قال اللّه تعالى، أي على لسان نبي كان موجودا أو بإلهام: يا ذا القرنين إني باعثك، أي سلطانا إلى أمم الأرض، وهم أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض، وهم أصناف: أمتان بينهما طول الأرض كلها، وأمتان بينهما عرض الأرض كلها، وأمم في وسط الأرض منهم: الجن والإنس ويأجوج ومأجوج، فأما اللتان بينهما عرض الأرض، فأمة في قطر الأرض تحت الجنوب ويقال لها هاويل، وأمة في قطر الأرض الأيسر ويقال لها تأويل، وأما اللتان بينهما طول الأرض، فأمة عند مطلع الشمس يقال لها منسك، وأمة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، فقال ذو القرنين: إلهي لقد ندبتني لأمر عظيم، لا يقدر قدره إلا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم، بأي قوة أكاثرهم، وبأي صبر أقاسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغتهم وليس لي قوة؟ فقال اللّه تعالى:\rسأظفرك بما حملتك، أشرح لك صدرا فتسمع كل شيء، وأثبت لك فهما فتفقه كل شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخر لك النور والظلمة، فيكونان جندا من جنودك، يهديك النور من أمامك، وتحفظك الظلمة من ورائك، فلما قيل له ذلك، سار بمن اتبعه، فانطلق إلى الأمة التي عند مغرب الشمس، لأنها كانت أقرب الأمم منه، وهي ناسك، فوجد جنودا لا يحصيها إلا اللّه، وقوة وبأسا لا يطيقه إلا اللّه تعالى، وألسنة مختلفة، وأهواء مشتتة، فكاثرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاث عساكر من جنود الظلمة، قدر ما أحاط بهم من كل مكان، حتى جمعهم في مكان واحد، ثم دخل عليهم بالنور، فدعاهم إلى اللّه تعالى وإلى عبادته، فمنهم من آمن به، ومنهم من صدّ عنه، فأدخل على الذين تولوا الظلمة، فغشيتهم من كل مكان، فدخلت في أفواههم وأنوفهم وأعينهم وبيوتهم، وغشيتهم من كل مكان، فتحيروا وهاجروا وأشفقوا أن يهلكوا، فعجوا إلى اللّه بصوت واحد: إنا آمنا، فكشفها عنهم وأخذهم عنوة ودخلوا في دعوته، فجند من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا، ثم انطلق بهم يقودهم، والظلمة تسوقهم وتحرسه من خلفه والنور أمامه يقوده ويدله، وهو يسير في ناحية الأرض الأيمن، وهي هاويل، وسخر اللّه له يده وقلبه وعقله ونظره، فلا يخطىء إذا عمل عملا، فإذا أتوا مخاضة أو بحرا، بنى سقفا من ألواح صغار أمثال النعال، فيضمها في ساعة، ثم يحمل عليها من معه من تلك الأمم، فإذا قطع البحار والأنهار، فتقها ودفع إلى كل رجل لوحا فلا يكترث بحمله، فانتهى إلى هاويل، ففعل بهم كفعله بناسك فآمنوا، فأخذ جيوشا منهم، فانطلق إلى ناحية الأرض الأخرى، حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس، فعمل فيها وجند منها جنودا، كفعله في الأولى، ثم كر مقبلا، حتى أخذ","part":2,"page":384},{"id":986,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 385\rسأقص عَلَيْكُمْ مِنْهُ من حاله ذِكْراً (83) خبرا إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ بتسهيل السير فيها وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه سَبَباً (84) طريقا إلى مراده فَأَتْبَعَ سَبَباً (85) سلك طريقا نحو المغرب حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ موضع غروبها وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ذات حمأة وهي الطين الأسود وغروبها في العين في رأي العين وإلا فهي أعظم من الدنيا وَوَجَدَ عِنْدَها أي العين قَوْماً كافرين قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ بإلهام إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ القوم بالقتل وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (86) بالأسر قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ بالشرك فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (87) بسكون الكاف وضمها شديدا في النار وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى أي الجنة، والإضافة للبيان، وفي قراءة بنصب جزاء وتنوينه.\r______________________________\rبناحية الأرض اليسرى يريد تاويل، وهي الأرض التي تقابل هاويل، بينهما عرض الأرض ففعل فيها كفعله فيما قبلها، ثم عطف على الأمم التي في وسط الأرض، من الإنس والجن ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق، مما يلي منقطع الترك نحو المشرق، قالت أمة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين، إن بين هذين الجبلين خلقا من خلق اللّه كثيرين، ليس فيهم مشابهة للإنس، وهم أشباه البهائم، يأكلون العشب، ويفترسون الدواب والوحش كما تفترسها السباع، ويأكلون دواب الأرض كلها، من الحيات والعقارب والوزغ وكل ذي روح مما خلق اللّه في الأرض، وليس للّه خلق تنمى نماءهم في العام الواحد، فإذا طالت المدة، سيملأون الأرض ويخرجون أهلها منها، فهل نجعل لك خرجا، على أن تجعل بيننا وبينهم سدا، إلى آخر ما يأتي في الآية، وبالجملة فقد ملكه اللّه ومكنه ودانت له الملوك، فقد روي أن الذين ملكوا الدنيا كلها أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود، والإسكندر. والكافران:\rنمروذ، وبختنصر، وسيملكها من هذه الأمة خامس وهو المهدي.\rقوله: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أي بالتصرف فيها حيث شاء. قوله: (طريقا) أي كآلات السير وكثرة الجند.\rقوله: (إلى مراده) أي وهو جميع الأرض. قوله: فَأَتْبَعَ سَبَباً بالتشديد والتخفيف، قراءتان سبعيتان. قوله: (موضع غروبها) أي فالمراد أنه بلغ آخر العمارة من الأرض ووصل إلى ساحل البحر المحيط، فلما لم يبق قدامه شط بل مياه لا آخر لها، رأى الشمس كأنها تغرب فيه، وسماه اللّه عينا، لأنه بالنسبة إلى ما هو أعظم منه في علم اللّه كالعين، وإن كان عظيما في نفسه.\rقوله: حَمِئَةٍ بالهمز بدون ألف، وبألف بعدها ياء، قراءتان سبعيتان، فأما الأولى فهي من الحمأة، وهي الطين الأسود. وأما الثانية فهي اسم فاعل من حمى يحمي. والمعنى في عين حارة، ولا تنافي بين القراءتين، لأن العين جامعة بين الوصفين: الحرارة وكون أرضها من طين. قوله: (و غروبها في العين) الخ، جواب عما يقال: إن الشمس في السماء الرابعة، وهي قدر كرة الأرض مائة وستين مرة، فكيف تسعها عين في الأرض تغرب فيها؟ فأجاب: بأن هذا الوجدان باعتبار ما رأى لا حقيقة، كما يرى راكب البحر الشمس طالعة وغاربة فيه. قوله: (كافرين) أي وكانوا في مدينة لها اثنا عشر ألف باب، كانت على ساحل البحر المحيط، وقوتهم ما يلفظه البحر من السمك، وكان لباسهم جلود الوحوش.","part":2,"page":385},{"id":987,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 386\rقال الفراء ونصبه على التفسير أي لجهة النسبة وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (88) أي نأمره بما يسهل عليه ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (89) نحو المشرق حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ موضع طلوعها وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ هم الزنج لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها أي الشمس سِتْراً (90) من لباس ولا سقف لأن أرضهم لا تحمل بناء ولهم سروب يغيبون فيها عند طلوع الشمس ويظهرون عند ارتفاعها كَذلِكَ أي الأمر كما قلنا وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ أي عند ذي القرنين من الآلات والجند وغيرهما خُبْراً (91) علما ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (92)\r______________________________\rقوله: قُلْنا أي بإلهام. قوله: (بالأسر) أي وسمي إحسانا بالنسبة للقتل.\rقوله: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ أي استمر على ظلمه. قوله: ثُمَّ يُرَدُّ أي في الآخرة. قوله: (بسكون الكاف وضمها) أي فهما سبعيتان. قوله: (أي لجهة النسبة) أي نسبة الخبر المقدم، وهو الجار والمجرور، إلى المبتدأ المؤخر وهو الحسنى، والتقدير فالحسنى كائنة له من جهة الجزاء.\rقوله: وَسَنَقُولُ لَهُ أي لمن آمن. قوله: (موضع طلوعها) أي الموضع الذي تطلع الشمس عليه أولا، قيل بلغه في اثنتي عشرة سنة، وقيل أقل، لأنه سخر له السحاب، وطويت له الأسباب. قوله: (هم الزنج) بفتح الزاي وكسرها.\rقوله: سِتْراً هو بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، وهو في الآية بالكسر.\rقوله: (و سقف) أي ولا أشجار، لأن أرضهم رخوة لا تحمل بناء لعدم الجبال فيها، فتميد بأهلها ولا تستقر. قوله: (و يظهرون عند ارتفاعها) أي مغيبها يسعون في تحصيل مهمات معاشهم، فحالهم بالضد من أحوال الخلق، فما دامت الشمس طالعة فهم في السراديب، وإذا غربت خرجوا لتكسباتهم.\rقوله:\r(أي الأمر) أشار بذلك إلى أن قوله: كَذلِكَ خبر لمحذوف. قوله: وَقَدْ أَحَطْنا الخ، الجملة مستأنفة من كلام اللّه، وفائدة الإخبار بذلك، الاعتناء بشأن ذي القرنين، وأن اللّه معه بالنصر والعون أينما حل.\rقوله: ثُمَّ أَتْبَعَ تقدم أنه يقرأ بالتشديد والتخفيف. قوله: سَبَباً أي طريقا آخر توصله لجهة الشمال، لأن يأجوج ومأجوج، وإن كانوا في وسط الأرض، إلا أنهم لجهة الشمال، لأن أرضهم واسعة جدا تنتهي إلى البحر المحيط، قال بعضهم: مسافة الأرض بتمامها، خمسمائة عام، ثلاثمائة بحار، ومائة وتسعون مسكن يأجوج ومأجوج، تبقى عشرة، للحبشة منها سبعة، وثلاثة لجملة الخلق غيرهم. قوله:\r(هنا وبعد) أي في هذه الآية وفي قوله الآتي: عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا، وفي يس وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فهذه المواضع تقرأ بالفتح والضم سبعيتان. قوله: (جبلان) أي عاليان جدا أملسان. قوله: (بمنقطع) بفتح الطاء أي آخر بلاد الترك. قوله: (سد الاسكندر ما بينهما) أي الفتحة التي بين الجبلين، وقدرها مائة فرسخ، ومسيرة الفرسخ ساعة ونصف، فتكون مسيرته مائة وخمسين ساعة، مسيرة اثني عشر يوما ونصف، فتبلغ مسافته نحو العقبة من مصر. قوله: (أي أمامهما) أي بقربهما.\rقوله: قَوْماً أي وهم الترك والروم. قوله: لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا أي لغرابة لغتهم","part":2,"page":386},{"id":988,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 387\rحَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بفتح السين وضمها هنا وبعدهما جبلان بمنقطع بلاد الترك سد الإسكندر ما بينهما كما سيأتي وَجَدَ مِنْ دُونِهِما أي أمامهما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) أي لا يفهمونه إلا بعد بطء، وفي قراءة بضم الياء وكسر القاف قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ بالهمز وتركه هما اسمان أعجميان لقبيلتين فلم ينصرفا مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالنهب والبغي عند خروجهم إلينا فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً جعلا من المال وفي قراءة خراجا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) حاجزا فلا يصلون إلينا قالَ ما مَكَّنِّي وفي قراءة بنونين من غير إدغام فِيهِ رَبِّي من المال وغيره خَيْرٌ من خرجكم الذي تجعلونه لي فلا حاجة بي إليه وأجعل\r______________________________\rوبطء فهمهم. قوله: (و في قراءة) أي وهما سبعيتان، والمعنى لا يفهمون غيرهم لشدة عجمتهم، فكلامهم مغلق.\rقوله: قالُوا أي قال مترجمهم، لأنهم من أولاد يافث بن نوح، وذو القرنين من أولاد سام، فلا يفهم لغتهم، وإنما كان لهم مترجم يفهم كلا من اللغتين، وقيل خاطبوه بأنفسهم وفهم لغتهم، كرامة لما تقدم أن اللّه جعل له فهما يفقه به كل شيء وهو الأقرب. قال أهل التواريخ: أولاد نوح ثلاثة: سام وحام ويافث، فسام: أبو العجم والعرب والروم. وحام: أبو الحبشة والزنج والنوبة. ويافث: أبو الترك والبربر وصقالبة ويأجوج ومأجوج. قال ابن عباس: هم عشرة أجزاء، ولد آدم كلهم جزء.\rقوله: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ روي أن كلا من الجبلين اشتمل على أربعة آلاف أمة، لا يموت الواحد منهم، حتى ينظر ألف ذكر من صلبه، كلهم قد حمل السلاح، وهم أصناف: صنف منهم طوله عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم طوله وعرضه سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفترش أحدهم إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفعيل ولا وحيش ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، والجميع كفار، دعاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الإيمان ليلة الإسراء فلم يجيبوا. قوله: (بالهمز وتركه) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أعجميان) أي لا اشتقاق لهما، ومنعا من الصرف للعلمية والعجمة. قوله:\r(بالنهب والبغي) فكانوا يخرجون أيام الربيع إلى أرضهم، فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلا أكلوه، ولا يابسا إلا احتملوه وأدخلوه أرضهم. قوله: (عند خروجهم) أي من هذه الفتحة. قوله: (و في قراءة خراجا) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (و في قراءة بنونين) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (و غيره) أي كالملك. قوله: (و أجعل لكم السد تبرعا) روي أنه قال لهم: أعدوا لي الصخر والحديد والنحاس حتى أعلم علمهم، فانطلق حتى توسط بلادهم، فوجد طول الواحد منهم، مثل نصف الرجل المربوع منا، لهم مخاليب وأضراس كالسباع، ولهم شعر يواري أجسادهم، ويتقون به من الحر والبرد، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان، يفترش إحداهما، ويلتحف بالأخرى، يصيف في واحدة، ويشتي في الأخرى، يتسافدون تسافد البهائم، فلما عاين ذو القرنين ذلك، اهتم بالسد، فبنى الجدار على الماء بالصخر والحديد والنحاس المذاب، فلما وصل إلى ظاهر الأرض، بنى بقطع الحديد، وأفرغ عليه النحاس المذاب، ولا يشكل هذا على ما تقدم من أنهم أصناف، لأنه رأى صنفا من الأصناف.","part":2,"page":387},{"id":989,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 388\rلكم السد تبرعا فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ لما أطلبه منكم أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (95) حاجزا حصينا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ قطعه على قدر الحجارة التي يبنى بها، فبنى بها وجعل بينها الحطب والفحم حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ بضم الحرفين وفتحهما وضم الأول وسكون الثاني أي جانبي الجبلين بالبناء ووضع المنافخ والنار حول ذلك قالَ انْفُخُوا فنفخوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ أي الحديد ناراً أي كالنار قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (96) هو النحاس المذاب تنازع فيه الفعلان وحذف من الأول لإعمال الثاني فأفرغ النحاس المذاب على الحديد المحمى فدخل بين زبره فصار شيئا واحدا فَمَا اسْطاعُوا أي يأجوج ومأجوج أَنْ يَظْهَرُوهُ يعلوا ظهره لارتفاعه وملاسته وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (97) خرقا لصلابته وسمكه قالَ ذو القرنين هذا أي السد أي الإقدار عليه رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي نعمة لأنه مانع من خروجهم فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي بخروجهم القريب من البعث جَعَلَهُ دَكَّاءَ مدكوكا مبسوطا وَكانَ وَعْدُ رَبِّي بخروجهم وغيره حَقًّا (98) كائنا، قال تعالى وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يوم خروجهم يَمُوجُ فِي بَعْضٍ يختلط به\r______________________________\rقوله: آتُونِي بفتح الهمزة وكسرها مع المد، فيهما قراءتان سبعيتان، فزبر على الفتح منصوب على المفعولية، وعلى الكسر منصوب بنزع الخافض. قوله: زُبَرَ الْحَدِيدِ جمع زبرة كغرف وغرفة.\rقوله: (بضم الحرفين) الخ، أي فالقراءات السبعية ثلاث. قوله: (بالبناء) متعلق بساوى. قوله:\r(و وضع المنافخ) جمع منفخ كمنبر، ويقال منفاخ كمفتاح، ويجمع على منافيخ. قوله: (فنفخوا) أي وهذه كرامة لذي القرنين، حيث منع اللّه حرارة النار عن العملة الذين ينفخون ويفرغون النحاس، مع أنه أصعب من النار مع قربهم من ذلك. قوله: (و حذف من الأول) أي وهو وضميره لأنه فضلة، والأصل آتوني قطرا أفرغ عليه قطرا. قوله: (بين زبره) أي مكان الحطب والفحم الذي كان بينها، فلما أكلته النار، بقي ما بينها خاليا، فأفرغ فيه النحاس المذاب فامتزج بالحديد. قوله: (لارتفاعه) أي فكان ارتفاعه مائتي ذراع. قوله: (و ملاسته) أي فكان لا يثبت عليه قدم ولا غيره.\rقوله: وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً أي خرقا بالفعل. كما يشهد له ما روى الشيخان عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنهم يحفرونه كل يوم، حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا، قال: فيعيد اللّه كأشد مما كان، حتى إذا بلغ مدتهم، وأراد اللّه أن يبعثهم إلى الناس، قال الذي عليهم:\rارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء اللّه، قال: فيرجعون فيجدونه على هيئته حين تركوه فيخرقونه، فيخرجون منه إلى الناس فيستسقون المياه وتنفر الناس منهم.\rقوله: فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي أي وقت وعده. قوله: (بخروجهم) أي فيخرجون على الناس فينفرون منهم، فيرمون بسهام إلى السماء، فترجع مخضبة بالدماء، فيقولون: قهرنا من في الأرض ومن في السماء، فيزدادون قوة وقسوة. قوله: (قال تعالى) أشار بذلك إلى أن كلام ذي القرنين تم عند قوله:\rحَقًّا هذا من كلام اللّه.\rقوله: وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ أي لشدة الازدحام عند","part":2,"page":388},{"id":990,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 389\rلكثرتهم وَنُفِخَ فِي الصُّورِ أي القرن للبعث فَجَمَعْناهُمْ أي الخلائق في مكان واحد يوم القيامة جَمْعاً (99) وَعَرَضْنا قربنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (100) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ بدل من الكافرين فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي أي القرآن فهم عمي لا يهتدون به وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (101) أي لا يقدرون أن يسمعوا من النبي ما يتلو عليهم بغضا له فلا يؤمنون به أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي أي ملائكتي وعيسى وعزيرا مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ أربابا مفعول ثان ليتخذوا، والمفعول الثاني لحسب محذوف، المعنى أظنوا أن الاتخاذ المذكور لا يغضبني ولا أعاقبهم\r______________________________\rخروجهم، وذلك عقب موت الدجال، فينحاز عيسى بالمؤمنين إلى جبل الطور فرارا منهم، ثم يسلط اللّه عليهم دودا في أنوفهم فيموتون به، فتنتن الأرض منهم، فتأتي طيور ترميهم في البحر بدعاء عيسى عليه السّلام، ولا يدخلون مكة ولا المدينة ولا بيت المقدس، ولا يصلون إلى من تحصن بورد أو ذكر. قوله: (لكثرتهم) أي وضيق الأرض، فإن أرضنا بالنسبة لأرضهم ضيقة جدا.\rقوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ أي النفخة الثانية، بدليل التعقيب في قوله: فَجَمَعْناهُمْ وأما النفخة الأولى، فعندها تخرج روح كل ذي روح، واختلف في القدر الذي بين النفختين، والصحيح أنه أربعون عاما. قوله: (أي القرن) وهو بيد إسرافيل عليه السّلام. قوله: (قربنا) أي أظهرنا بحيث يكونون مشاهدين لها. قوله: يَوْمَئِذٍ إن كان المراد به يوم الموقف، فالعرض على حقيقته بمعنى التقريب والإظهار، وإن كان المراد بعد انفضاضه، فالمراد بالعرض امتزاجها بهم، فيكون كناية عن دخولهم فيها وتعذيبهم بها، وفائدة التأكيد على الأول، الإشارة إلى أنه لم يكن بينهم وبينها حجاب.\rقوله: أَعْيُنُهُمْ أي بصائرهم. قوله: (لا يهتدون به) أي لا يتعظون ولا يؤثر في قلوبهم. قوله: لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً أي سماع قبول وفهم، لوجود الحجاب المانع لهم من ذلك.\rقوله: أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير أكفروا فحسبوا الخ، والاستفهام للتوبيخ والتقريع. قوله: (أي ملائكتي وعيسى وعزيرا) أشار بذلك إلى تنوعهم في الكفر، فالمشركون يعبدون الملائكة، والنصارى يعبدون عيسى، واليهود يعبدون العزير. قوله: (و عزيرا) هذا لقبه، واسمه قطفير، أو أطفير. قوله: مِنْ دُونِي أي غيري وهو صادق بكونهم يشركونهم معه في العبادة، أو خصوهم بالعبادة دونه. قوله: (مفعول ثان ليتخذوا) أي والأول قوله: عِبادِي فمفعولا اتخذ مذكوران. قوله: (و المفعول الثاني لحسب محذوف) أي والأول قوله: أَنْ يَتَّخِذُوا الخ، والتقدير أظن الكافرون اتخاذهم عبادي من دوني أربابا لا يغضبني، بل هو مغضب لي وأعاقبهم عليه، وبتفسير الأولياء بالأرباب، اندفعت شبهة من يزعم أن محبة الأولياء وزيارتهم إشراك، واستدلوا بمثل هذه الآية، فيقال: إن كان اعتقاد الأولياء على سبيل أنهم يضرون الخلق وينفعونهم بذواتهم، فمسلم أنه إشراك، وأما إن كان على سبيل أنهم عباد، اختاروا خدمة ربهم وعبادته، فاختارهم وأحبهم، فهذا الاعتقاد منج من المهالك، ومورث للفوز بصحبتهم ومرافقتهم في دار السّلام لما ورد: المرء مع من أحب. قوله: (كلا) هي كلمة ردع وزجر.","part":2,"page":389},{"id":991,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 390\rعليه كلا إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ هؤلاء وغيرهم نُزُلًا (102) أي هي معدة لهم كالمنزل المعد للضيف قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (103) تمييز طابق المميز، وبينهم بقوله الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بطل عملهم وَهُمْ يَحْسَبُونَ يظنون أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) عملا يجازون عليه أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ بدلائل توحيده من القرآن وغيره وَلِقائِهِ أي وبالبعث والحساب والثواب والعقاب فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ بطلت فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (105) أي لا نجعل لهم قدرا ذلِكَ أي الأمر الذي ذكرت من حبوط أعمالهم وغيره، وابتدأ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (106) أي مهزوّا بهما إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ في علم اللّه جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ هو وسط الجنة\r______________________________\rقوله: إِنَّا أَعْتَدْنا أي هيأنا وأحضرنا. قوله: (هؤلاء) أي الذين عبدوا الملائكة وعيسى وعزيرا.\rقوله: (و غيرهم) أي من بقية الكفار. قوله: (كالمنزل المعد للضيف) أي فهو استهزاء وسخرية بهم، من حيث سمى محل عذابهم نزلا، والنزل اسم لمكان الضيف أو لما يهيأ له.\rقوله: بِالْأَخْسَرِينَ جمع أخسر، إما بمعنى أشد الناس خسرانا، أو بمعنى خاسر. قوله: (طابق المميز) جواب عما يقال: كيف جمع التمييز مع أن أصله الإفراد؟ ولم جمع المصدر مع أنه لا يثني ولا يجمع؟ فأجاب: بأنه جمع لمشاكلة مميزه.\rقوله: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ خبر مبتدأ محذوف، أي هم الذين الخ. قوله: (بطل عملهم) أي لأن شرط الثواب الإسلام، والكفر لا تنفع معه طاعة. قوله: وَهُمْ يَحْسَبُونَ الجملة حالية من فاعل ضَلَ.\rقوله: (أي وبالبعث) أي فالمراد بلقاء اللّه، لقاء بعثه وحسابه الخ.\rقوله: فَحَبِطَتْ أي فبسبب ذلك.\rقوله: (أي لا نجعل لهم قدرا) أي منزلة، وإنما قال ذلك، لأن الكفار على التحقيق توزن أعمالهم، وبعضهم أجاب: بأن الآية فيها حذف النعت، والتقدير وزنا نافعا.\rقوله: ذلِكَ (أي الأمر) أشار بذلك إلى أن قوله: ذلِكَ خبر لمحذوف. قوله: (الذي ذكرت) تفسير لاسم الإشارة. قوله: (و ابتدأ) أشار بذلك إلى أن جملة جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ مستأنفة، وهو صادق بأن يكون جَزاؤُهُمْ مبتدأ، وجَهَنَّمُ خبر، أو بالعكس، ويصح أن يكون ذلك مبتدأ أول، وجزاؤهم مبتدأ ثان، وجهنم خبر الثاني، وهو وخبره خبر الأول. قوله: بِما كَفَرُوا الباء سببية، وما مصدرية، أي بسبب كفرهم واتخاذهم. قوله: (في علم اللّه) أي قبل أن يخلقوا، وهو جواب عما يقال:\rإنهم يدخلونها في المستقبل، فلم عبر بالماضي؟ فأجاب: بأن المراد ثبتت واستقرت لهم قبل خلقهم، فهو نظير قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى الآية. قوله: (هو وسط الجنة) إما بسكون السين بمعنى أنها متوسطة بين الجنات، أو بفتحها بمعنى خيارها، قال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس، فيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، والفردوس الجنة من الكرم خاصة، أو ما غالبها كرم، واختلف فيه فقيل هو عربي، وقيل أعجمي، وقيل هو رومي، وقيل فارسي، وقيل سرياني. قوله:\r(منزلا) أي وقيل ما يهيأ للضيف.\rقوله: خالِدِينَ حال مقدرة. قوله: لا يَبْغُونَ حال أخرى.\rقوله: (تحولا) أي انتقالا عنها إلى غيرها، لأن فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.","part":2,"page":390},{"id":992,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 391\rوأعلاها والإضافة إليه للبيان نُزُلًا (107) منزلا خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ يطلبون عَنْها حِوَلًا (108) تحولا إلى غيرها قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ أي ماؤه مِداداً هو ما يكتب به لِكَلِماتِ رَبِّي الدالة على حكمه وعجائبه بأن تكتب به لَنَفِدَ الْبَحْرُ في كتابتها قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ بالتاء والياء تفرغ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ أي البحر مَدَداً (109) زيادة فيه لنفد ولم تفرغ هي، ونصبه على التمييز قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ آدمي مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ أن المكفوفة بما باقية على مصدريتها والمعنى يوحي إليّ وحدانية الإله فَمَنْ كانَ يَرْجُوا يأمل لِقاءَ رَبِّهِ بالبعث والجزاء فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أي فيها بأن يرائي أَحَداً (110).\r______________________________\rقوله: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً سبب نزولها: أن اليهود قالت: يا محمد إننا قد أوتينا التوراة، وفيها علم كثير، فكيف تقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا وقصدهم بذلك الإنكار عليه، وإثبات الفضل لهم. قوله: (أي ماؤه) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله: لِكَلِماتِ رَبِّي أي النفسية القائمة بذاته، ويصح أن يراد بها الكلمات القرآنية الحادثة، ويكون المراد بعدم تناهيها باعتبار مدلولاتها. قوله: لَنَفِدَ الْبَحْرُ أي فرغ. قوله: قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ إن قلت: إن الآية تدل على نفاد الكلمات وفراغها، لأن مقتضى قوله: قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي أنها تفرغ بعد فراغ المداد. وأجيب:\rبأن قيل بمعنى غير. قوله: (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (لنفد) قدره إشارة إلى أن لو شرطية جوابها محذوف ويوضح هذه الآية قوله تعالى في سورة لقمان وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ. قوله: (و نصبه) أي مدادا. وقوله: (على التمييز) أي لمثل. قوله: (باقية على مصدريتها) أي فما وإن كفتها عن العمل، لا تخرجها عن المصدرية. قوله:\r(و المعنى) أي المأخوذ من التركيب.\rقوله: عَمَلًا صالِحاً أي بشروطه وأركانه. قوله: (بأن يرائي) هذا قدر زائد على التوحيد والعمل، وحينئذ فيكون بيانا للإيمان الكامل، الذي يرقى به صاحبه المراتب العلية واللقى الخاص، وإلا فالمراتب ثلاث: من أراد بعمله الحظ الفاني فهو في أدنى المراتب، ومن أراد به الخوف من العذاب والفوز بجزيل الثواب فهو أعلى منه، ومن أراد وجه اللّه فهو في أعلى المراتب.\r***","part":2,"page":391},{"id":993,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 392\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة مريم مكيّة إلا سجدتها فمدنية أو إلا فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ الآيتين فمدنيتان.\rوهي ثمان أو تسع وتسعون آية\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة مريم\rمكية إلا سجدتها فمدنية أو إلا فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ الآيتين فمدنيتان.\rوهي ثمان أو تسع وتسعون آية سميت بذلك لذكر قصتها فيها، على عادته تعالى من تسمية السورة باسم بعضها، وفي بعض النسخ عليهاالسّلام ولا ضرر فيها، وإن كان المقصود ذكر اسم السورة لا العلم المشهور، ولم تذكر امرأة باسمها صريحا في القرآن إلا مريم، فذكرت فيه في ثلاثين موضعا، وحكمة ذلك التبكيت لمن يزعم من الكفار، أنها زوجة اللّه، لأن العظيم يأنف من ذكر زوجته باسمها، فكأن اللّه يقول لهم: لو كان ما تزعمون حقا ما صرحت باسمها. قوله: (أو إلا فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ الخ، تحصل أن الأقوال ثلاثة: قيل مكية بتمامها، وقيل المدني منها آية السجدة فيها، وقيل المدني منها آيتان، قوله: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ إلى قوله: شَيْئاً.","part":2,"page":392},{"id":994,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 393\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كهيعص (1) اللّه أعلم بمراده بذلك هذا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ مفعول رحمة زَكَرِيَّا (2) بيان إِذْ متعلق برحمة نادى رَبَّهُ نِداءً مشتملا على دعاء خَفِيًّا (3) سرا جوف الليل لأنه أسرع للإجابة قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ضعف الْعَظْمُ جميعه مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ مني شَيْباً تمييز محول عن الفاعل أي انتشر الشيب في شعره كما ينتشر\r______________________________\rقوله: كهيعص اعلم أن الكاف والصاد يمدان مدا لازما باتفاق السبعة، وهو قدر ثلاث ألفات، والهاء والياء يمدان مدا طبيعيا باتفاقهم وهو قدر ألف، ويجوز في العين المد اللازم المذكور والقصر بقدر ألفين قراءتان سبعيتان، ويتعين في النون من عين إخفاؤها في الصاد وغنتها وفتح العين، ويجوز في الدال الإظهار والإدغام في ذال ذكر، والقراءتان سبعيتان. قوله: (اللّه أعلم بمراده بذلك) هذا هو الحق، وللسلف أقوال أخر، منها ما قاله ابن عباس: إنه اسم من أسماء اللّه تعالى، وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن، وقيل: هو اسم اللّه الأعظم، ولذا يذكره العارفون في أحزابهم، كالسيد الدسوقي، وأبي الحسن الشاذلي، وقيل هو اسم السورة، وقيل قسم أقسم اللّه به، وعن الكلبي: هو ثناء أثنى اللّه به على نفسه، وقيل معناه كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم ببريته، صادق في وعده، فكل حرف يشير لمعنى من هذه المعاني، وقيل غير ذلك قوله: (هذا) قدره إشارة إلى أن ذكر خبر لمحذوف.\rقوله: ذِكْرُ رَحْمَتِ هو مصدر مضاف لمفعوله، والفاعل محذوف أي ذكر اللّه رحمته عبده زكريا.\rقوله: (مفعول رحمة) أي ورحمته من إضافة المصدر لفاعله، وهذه التاء لا تمنع عمل المصدر، لأنها من بنية الكلمة لا للوحدة، ومعنى ذكر الرحمة، بلوغها وإصابتها لعبده زكريا، بمعنى عامله بالرحمة والنعمة، لا بالغضب والنقمة، وليس المراد بالذكر حقيقته، وهو ضد النسيان، لأنه مستحيل. قوله: (متعلق برحمة) أي على أنه ظرف له، أي رحمة اللّه إياه وقت أن ناداه. قوله: (مشتملا على دعاء) أي وهو قوله: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ إلى قوله: وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا فجملة النداء ثمان جمل، والدعاء منه هو قوله:\rفَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ الخ. قوله: (جوف الليل) أي في جوفه. قوله: (لأنه أسرع للإجابة) أي ما ذكر من كونه خفيا حاصلا في جوف الليل، فتحصل أن إخفاء الدعاء والذل والتواضع والانكسار فيه من أسباب الإجابة، سيما إذا كان في جوف الليل.\rقوله: قالَ رَبِ أي يا مالكي ومربي. قوله: وَهَنَ من باب وعد، بفتح الهاء للسبعية، وقرىء بضمها وكسرها. قوله: (جميعه) أشار بذلك إلى أن أل في العظم للاستغراق. قوله: (أي انتشر) أشار بذلك إلى أن في اشْتَعَلَ استعارة تبعية، حيث شبه انتشار الشيب، باشتعال النار في الحطب، واستعير الاشتعال للانتشار، واشتق منه اشتعل بمعنى انتشر، والجامع أن كلا يضعف ما نزل به، وأعاد الضمير على الرأس مذكرا لأنها تذكر لا غير. قوله: (و إني أريد أن أدعوك) تمهيد لقوله: وَلَمْ أَكُنْ الخ. قوله: (أي بدعائي إياك) أشار بذلك إلى أن دعاء مصدر مضاف لمفعوله، والفاعل محذوف. قوله:\r(فيما مضى) أي أنت قد أجبتني في الزمان الماضي حال شبوبيتي، وعودتني منك بالإحسان والإجابة، فلا تخيبني فيما يأتي في حال شيخوختي.","part":2,"page":393},{"id":995,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 394\rشعاع النار في الحطب وإني أريد أن أدعوك وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ أي بدعائي إياك رَبِّ شَقِيًّا (4) أي خائبا فيما مضى فلا تخيبني فيما يأتي وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ أي الذين يلوني في النسب كبني العم مِنْ وَرائِي أي بعد موتي على الدين أن يضيعوه كما شاهدته في بني إسرائيل من تبديل الدين وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً لا تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ من عندك وَلِيًّا (5) ابنا يَرِثُنِي بالجزم جواب الأمر وبالرفع صفة وليا وَيَرِثُ بالوجهين مِنْ آلِ يَعْقُوبَ جدي العلم والنبوة وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) أي مرضيا عندك، قال تعالى في إجابة طلبه الابن والحاصل به رحمته يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ يرث كما سألت اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) أي مسمى بيحيى قالَ رَبِّ أَنَّى كيف يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8)\r______________________________\rقوله: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ جمع مولى وهو العاصب. قوله: (كبني العم) أي لأنهم كانوا شرار بني إسرائيل، فخاف أن يبدلوا دينهم. قوله: مِنْ وَرائِي متعلق بمحذوف، أي جور الموالي من ورائي. قوله: (على الدين) متعلق بخفت. قوله: (من تبديل الدين) بيان لما. قوله: وَكانَتِ امْرَأَتِي أي وهي أشاع أخت حنة، كلتاهما بنت فاقود، فولد لأشاع يحيى، ولحنة مريم. قوله: (لا تلد) أي لم تلد أصلا لا في صغرها، ولا في كبرها. قوله: (و بالرفع صفة وليا) هي سبعية أيضا، وهي أظهر معنى، لأنها تفيد أن هذا الوصف من جملة مطلوبه. قوله: (العلم والنبوة) أي لا المال، لأن الأنبياء لا يورثون درهما ولا دينارا. قوله: (قال تعالى) أشار بذلك إلى أن هذا من كلام اللّه، ولا ينافيه ما تقدم في سورة آل عمران من أنه من كلام الملائكة، لأنه يمكن أن يكون الخطاب وقع مرتين، أو المعنى على لسان الملائكة. قوله:\r(و الحاصل به) نعت للابن.\rقوله: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ بين هذه البشارة، وجود الولد في الخارج بالفعل ثلاث عشرة سنة.\rقوله: اسْمُهُ يَحْيى إنما سماه بذلك، لأن رحم أمه حيي به بعد موته بالعقم، أو لحياة القلوب به، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وتقول في تثنيته يحييان رفعا، ويحيين نصبا وجرا، وتقول في جمعه للسلامة يحييون رفعا، ويحيين نصبا وجرا. قوله: (أي مسمى بيحيى) أي لم يسم بيحيى قوله: (كيف) اسم استفهام سؤال عن جهة حصول الولد لاستبعاد ذلك، بحسب العادة لا بحسب القدرة الإلهية، أو استفهام تعجب وسرور في هذا الأمر العجيب.\rقوله: وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً أي ولم تزل. قوله: (يبس) بالياء المثناة بعدها باء موحدة من اليبس، يقال عتا العود بمعنى يبس وجف، ومعناه هنا يبس العظم والعصب والجلد. قوله: (عتوو) هو بضمتين وواوين. قوله: (كسرت التاء) الخ، اشتمل كلامه على أربع إعمالات في الكلمة، غير كسر التاء وقلب الواو الأولى ياء، وقلب الثانية كذلك لاجتماعها مع الواو، وسبق إحداهما بالسكون وإدغام الياء في الياء وهذا على غير قراءة حفص، وأما على قراءته من كسر العين إتباعا للتاء، ففيه خمس إعمالات. قوله:\r(الأمر) قدره إشارة إلى أن كذلك خبر لمحذوف.","part":2,"page":394},{"id":996,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 395\rمن عتا يبس أي نهاية السن مائة وعشرين سنة وبلغت امرأته ثمانية وتسعين سنة، وأصل عتي عتوو كسرت التاء تخفيفا وقلبت الواو الأولى ياء لمناسبة الكسرة والثانية ياء لتدغم فيها الياء قالَ الأمر كَذلِكَ من خلق غلام منكما قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ أي بأن أراد عليك قوة الجماع وافتق رحم امرأتك للعلوق وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (9) قبل خلقك ولإظهار اللّه هذه القدرة العظيمة ألهمه السؤال ليجاب بما يدل عليها ولما تاقت نفسه إلى سرعة المبشر به قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً أي علامة على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ عليه أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ أي تمنع من كلامهم بخلاف ذكر اللّه ثَلاثَ لَيالٍ أي بأيامها كما في آل عمران ثلاثة أيام سَوِيًّا (10) حال من فاعل تكلم أي بلا علة فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ أي المسجد وكانوا ينتظرون فتحه ليصلوا فيه بأمره على العادة فَأَوْحى أشار إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا صلوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) أوائل النهار وأواخره على العادة فعلم بمنعه من كلامهم حملها بيحيى وبعد\r______________________________\rقوله: قالَ رَبُّكَ أي على لسان ملك أو بإلقاء في قلب، وأما الخطاب جهرا مشافهة، فلم يكن لغير موسى وسيدنا محمد عليهما الصلاة والسّلام. قوله: (و أفتق) من باب نصر أي أشق. قوله:\r(للعلوق) بفتح العين أو المني ويصح ضمها مصدر علق. قوله: وَقَدْ خَلَقْتُكَ الجملة حالية.\rقوله:\r(و لما تاقت نفسه) أي تطلعت وتشوقت، وأشار بذلك إلى أن قوله: قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً مرتب على محذوف. قوله: (إلى سرعة المبشر به) أي بعلامة تدل على حصوله بالفعل، وليس عند زكريا شك في إجابة اللّه دعاءه، بل قصد تعجيل المسرة ليزداد فرحا وشكرا. قوله: (أي تمنع) أي قهرا بلا آفة. قوله:\r(أي بأيامها) أشار بذلك إلى وجه الجمع بين ما هنا وبين آية آل عمران. وحكمة ذكر الليالي هنا، أن الليل سابق على النهار، وهذه السورة مكية، والمكي مقدم على المدني، وآل عمران مدنية، فأعطى السابق للسابق، والمتأخر للمتأخر. قوله: (حال من فاعل تكلم) أي ينعدم منك الكلام حال كونك سليما، لم يطرأ عليك آفة ولا علة تمنعك من الكلام، ويصح أن يكون صفة لثلاث، أي ثلاثا كاملات لا نقص فيهن.\rقوله: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ أي متغير اللون، عاجزا عن الكلام، فأنكروا ذلك عليه وقالوا له: ما لك؟ فأشار إليهم أن صلوا بكرة وعشيا. قوله: مِنَ الْمِحْرابِ يطلق على الغرفة، وصدر البيت، وأكرم مواضعه، ومقام الإمام من المسجد، والموضع ينفرد به الملك وعلى المسجد جميعه، فالمحراب المعروف الآن يوافق اللغة قديما. قوله: (أي المسجد) أي موضع الصلاة. قوله: (و كانوا ينتظرون فتحه) أي فكان مقيما به، ولا يفتحه إلا وقت الصلاة، ولا يدخلونه إلا بإذنه. قوله: (أشار) إِلَيْهِمْ أي بأصبعه وقيل كتب لهم. قوله: (أوائل النهار وأواخره) أي فالمراد بالصلاة في هذين الوقتين، صلاة الصبح وصلاة العصر، والمعنى صلوا صلاتكم على عادتكم، ولا تنتظروني أكلمكم، بل دعوني وحالي.\rقوله: (فعلم) أي زكريا. قوله: (و بعد ولادته) الخ، قدر ذلك إشارة إلى أن قوله: يا يَحْيى الخ،","part":2,"page":395},{"id":997,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 396\rولادته بسنتين، قال تعالى له يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ أي التوراة بِقُوَّةٍ بجد وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ النبوة صَبِيًّا (12) ابن ثلاث سنين وَحَناناً رحمة للناس مِنْ لَدُنَّا من عندنا وَزَكاةً صدقة عليهم وَكانَ تَقِيًّا (13) روي أنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ أي محسنا إليهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً متكبرا عَصِيًّا (14) عاصيا لربه وَسَلامٌ منا عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) أي في هذه الأيام المخوفة التي يرى فيها ما لم يره قبلها فهو آمن فيها\r______________________________\rمرتب على محذوف. قوله: (قال تعالى له) أي على لسان الملك. قوله: خُذِ الْكِتابَ أي اعمل بأحكامه، وليس المراد اشتغل بحفظه في المكتب مثلا، لأن اللّه ألقاه على قلبه بمجرد قوله: خُذِ الْكِتابَ. قوله: بِقُوَّةٍ أي بجد واجتهاد، وإنما أمر بذلك، لأن كلام اللّه عظيم جليل القدر، فيحتاج للاهتمام به والاجتهاد فيه، ومن هنا ينبغي لطالب العلم الجد والاجتهاد فيه، ولا يتراخى في طلبه، فإنك إن أعطيت العلم كلك، أعطاك بعضه، وإن أعطيته بعضك، لم يعطك شيئا منه، ولذا قال الإمام الشافعي رضي اللّه عنه:\rأخي لن تنال العلم إلّا بستة ... سأنبيك عنها مخبرا ببيان\r\rذكاء وحرص واجتهاد وبلغة ... نصيحة أستاذ وطول زمان\r\rولم يأمر اللّه سيدنا محمدا بتلقي ما أوحى بقوة، لأن اللّه أعطاه عزما وقوة عظيمة، فلم يحتج للأمر، بل قيل له (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا). قوله: (ابن ثلاث سنين) أي فأحكم اللّه عقله وقوى فهمه، وقولهم النبوة على رأس الأربعين، محله في غير يحيى وعيسى على ما يأتي، وقيل المراد بالحكم فهم التوراة وقراءتها، وأما النبوة فتأخرت للأربعين كغيره.\rقوله: حَناناً أي رحمة ورقة في قلبه، وتعطفا على الناس. قوله: (صدقة عليهم) أي توفيقا للتصدق، وقيل المراد بالزكاة طهارته من الأوساخ، أو طهارة من اتبعه، أو المراد أن اللّه تصدق به على والديه. قوله: وَكانَ تَقِيًّا أي مجبولا على التقوى، ومن جملة تقواه، أنه كان يتقوت بالعشب، وكان كثير البكاء، فكان لدمعه مجار على خده. قوله: (و لم يهم بها) أي لم تخطر بباله، ولا خصوصية له بذلك، بل جميع الأنبياء كذلك. قوله: (عاصيا لربه) أشار بذلك إلى أن المبالغة ليست مرادة، بل المنفي أصل العصيان لا المبالغة فيه.\rقوله: وَسَلامٌ عَلَيْهِ أي أمان له من المخاوف ونكرهنا، وعرف في قصة عيسى، لأن ما هنا حاصل من اللّه، والقليل منه كثير، وما ذكر في قصة عيسى أل فيه للعهد أي السّلام المعهود، وهو الكائن من اللّه. قوله: يَوْمَ وُلِدَ أي من أن يناله الشيطان بمكروه. قوله: وَيَوْمَ يَمُوتُ أي من عذاب القبر. قوله: وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا أي من هول الموقف، ولا ينافي هذا ما ورد أن الأنبياء يوم القيامة يجثون على الركب ويقولون: رب سلم سلم، لأن جلال اللّه محيط بهم، فهم خائفون من هيبته وجلاله، لا من عذابه وعقابه، لصدق وعد اللّه في تأمينهم، فلا يخلف وعده. بقي شيء آخر وهو أنه ورد أن يحيى قتل في حياة والده، فكيف ذلك مع طلبه ولدا يرثه، وإجابة اللّه له بقوله: كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ. أجيب: بأن هذه الرواية ضعيفة، والحق أنه عاش بعد أبيه الزمن الطويل، وحينئذ فقد سقط السؤال والجواب.","part":2,"page":396},{"id":998,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 397\rوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ القرآن مَرْيَمَ أي خبرها إِذِ حين انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (16) أي اعتزلت في مكان نحو الشرق من الدار فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً أرسلت سترا تستتر به لتفلي رأسها أو ثيابها أو تغتسل من حيضها فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا جبريل فَتَمَثَّلَ لَها بعد لبسها ثيابها بَشَراً سَوِيًّا (17) تام الخلق قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) فتنتهي عني بتعوذي قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (19) بالنبوة\r______________________________\rقوله: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ أي قصة ولادتها لعيسى وحملها به، فإنها من الآيات الكبرى، وتقدم أن معنى مريم العابدة خادمة الرب. قوله: (القرآن) أشار بذلك إلى أن أل في الكتاب للعهد.\rقوله: إِذِ انْتَبَذَتْ ظرف لمحذوف قدره المفسر بقوله: (أي خبرها) وهو بدل اشتمال، وليس المراد خصوص الخبر الواقع في وقت الانتباذ، بل هو وما بعده إلى آخر القصة. قوله: (أي اعتزلت في مكان) أشار بذلك إلى أن مكان منصوب على الظرفية، ويصح أن يكون مفعولا به؛ على أن معنى انْتَبَذَتْ أتت مكانا. قوله: (من الدار) أي دار زوج خالتها، وهو زكريا القيم عليها، وفي بعض النسخ أو شرق بيت المقدس، أي فقوله في الآية: شَرْقِيًّا يحتمل أن يكون شرقيا من دارها، أو من بيت المقدس.\rقوله: (أو تغتسل من حيضها) أي لأنها كانت تتحول من المسجد إلى بيت خالتها إذا حاضت، وتعود إليه إذا طهرت، وقد حاضت قبل حملها بعيسى مرتين.\rقوله: رُوحَنا سمي بذلك لأن اللّه أحيا به القلوب والأديان، كما أن الروح به حياة الأجساد، أو كناية عن محبة اللّه له، كما يقول الإنسان لمن يحبه أنت روحي.\rقوله: فَتَمَثَّلَ لَها اختلف في كيفية تمثل الملك في غير صورته الأصلية، هل تنعدم بقية أجزائه الزائدة أو تنفصل، مع كونها باقية، أو لا تنفصل؟ وإنما تخفى عن الرائي، وهو الذي ندين اللّه به، لأن لهم قدرة على التشكلات بالصور الجميلة ولا تحكم عليهم. قوله: (بعد لبسها ثيابها) جواب عما يقال: إن الملك لا يدخل على امرأة مكشوفة الرأس، فضلا عن كونها مكشوفة البدن، فكيف أتى مريم وهي تغتسل؟ فأجاب المفسر: بأنه إنما تمثل لها بعد أن لبست ثيابها.\rقوله: بَشَراً سَوِيًّا أي بصورة شاب أمرد معتدل الخلقة لتأنس بكلامه، ولعله يهيج شهوتها، فتنحدر نطفتها إلى رحمها، ولا يقال إن النظر المهيج للشهوة حرام، لأن ذلك إذا كان مع اختيار، وأما الميل الطبيعي فلا يؤاخذ به الإنسان.\rقوله: بِالرَّحْمنِ خصته بالذكر ليرحم ضعفها وعجزها عن دفعه، لعدم المغيث لها من الخلق. قوله: إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا أي عاملا بمقتضى تقواك وإيمانك. قوله:\r(فتنتهي عني) هو جواب الشرط، وقدره فعلا مضارعا مقرونا بالفاء، فهو على تقدير المبتدأ، ليكون الجواب جملة اسمية، حتى يسوغ اقترانه بالفاء، أي فأنت تنتهي عني.\rقوله: رَسُولُ رَبِّكِ أي جبريل، وقولهم إن الوحي لم ينزل على امرأة قط أي برسالة، وأما بغيرها فلا مانع منه. قوله: ليهب لك بالياء والهمزة قراءتان سبعيتان، فعلى الأولى الإسناد للّه، وعلى الثانية الإسناد لجبريل، لكونه سببا فيه. قوله: غُلاماً زَكِيًّا فيه مجاز الأول، لأنه حينئذ لم يكن غلاما.","part":2,"page":397},{"id":999,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 398\rقالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ بتزوج وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) زانية قالَ الأمر كَذلِكِ من خلق غلام منك من غير أب قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ أي بأن ينفخ بأمري جبريل فيك فتحملي به، ولكون ما ذكر في معنى العلة عطف عليه وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ على قدرتنا وَرَحْمَةً مِنَّا لمن آمن به وَكانَ خلقه أَمْراً مَقْضِيًّا (21) به في علمي، فنفخ جبريل في جيب درعها فأحست بالحمل في بطنها مصورا فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ تنحت بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (22) بعيدا من أهلها فَأَجاءَهَا جاء بها الْمَخاضُ وجع الولادة إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ لتعتمد عليه فولدت، والحمل والتصوير والولادة في ساعة قالَتْ يا للتنبيه لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا الأمر\r______________________________\rقوله: (بتزوج) دفع به ما يقال إن قولها لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ يدخل تحته وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا فأجاب: بأن المس عبارة عن النكاح في الحلال، والزنا ليس كذلك، بل يقال فجر بها وما أشبه. قوله: بَغِيًّا لم يقل بغية لأن بغيا غالب في النساء، فأجروه إجراء حائض وطامث وعاقر، أو يقال إن أصله بغويا بوزن فعول، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، وكسرت الغين لتصح الياء، وحيث كان بزنة فعول فلا تلحقه التاء، كما قال ابن مالك:\rولا تلي فارقة فعولا ... أصلا ولا المفعال والمفعيلا\r\rوهذا ليس استبعادا منها لقدرة اللّه، وإنما هو تعجب من مخالفة العادة. قوله: (الأمر) قدره إشارة إلى أن كذلك خبر لمحذوف.\rقوله: قالَ رَبُّكِ بمنزلة العلة كأنه قيل: الأمر كذلك لأنه علينا هين ولنجعله الخ. قوله: (على قدرتنا) أي كمال قدرتنا على أنواع الخلق، فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى.\rقوله: أَمْراً مَقْضِيًّا أي لا يتغير ولا يتبدل. قوله: (فنفخ جبريل) أي نفخة وصلت إلى فرجها ودخلت منه جوفها، وليس المراد أنه نفخ في فرجها مباشرة.\rقوله: (درعها) أي قميصها. قوله: مَكاناً قَصِيًّا أي بعيدا من أهلها، وهو بيت لحم، فرارا من تعيير قومها بولادتها من غير زوج.\rقوله: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ أي ألجأها. قوله: (لتعتمد عليه) أي فاعتمدت عليه، وقيل حضنته وكان يابسا فاخضر وأثمر لوقته. قوله: (فولدت) أي ببيت لحم، فخافت عليه، فجاءت به إلى بيت المقدس، فوضعته على صخرة، فانخفضت الصخرة له وصارت كالمهد، وهي الآن موجودة تزار بحرم بيت المقدس، ثم بعد أيام توجهت به إلى بحر الأردن فغمسته فيه، وهو اليوم الذي يتخذه النصارى عيدا ويسمونه يوم الغطاس، وهم يظنون أن المياه في ذلك اليوم تقدست، فلذلك يغطسون في كل ماء. قوله:\r(في ساعة) هو الصحيح، وقيل حملته في ساعة، وصور في ساعة، ووضعته في ساعة، وقيل كانت مدة حملها تسعة أشهر، وقيل ثمانية أشهر، وقيل ستة أشهر، وسنها إذ ذاك عشر سنين، وقيل ثلاث عشرة سنة، وقيل ست عشرة سنة. قوله: لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا إنما تمنت الموت لئلا تقع المصيبة بمن تتكلم في","part":2,"page":398},{"id":1000,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 399\rوَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (23) شيئا متروكا لا يعرف ولا يذكر فَناداها مِنْ تَحْتِها أي جبريل وكان أسفل منها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) نهر ماء كان انقطع وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ كانت يابسة والباء زائدة تُساقِطْ أصله بتاءين قلبت الثانية سينا وأدغمت في السين وفي قراءة تركها عَلَيْكِ رُطَباً تمييز جَنِيًّا (25) صفته فَكُلِي من الرطب وَاشْرَبِي\r______________________________\rشأنها بسوء، وإلا فهي راضية بما بشرت به. قوله: وَكُنْتُ نَسْياً بكسر النون وفتحها قراءتان سبعيتان، وقوله: مَنْسِيًّا تأكيد لنسيا.\rقوله: فَناداها أي لما شق عليها الأمر وعلمت أنها تتهم، ولا بعد لعدم وجود بينة ظاهرة تشهد لها، قيل أول من علم بها يوسف النجار، وكان رفيقا لها يخدمان المسجد، ولا يعلم من أهل زمانهما أحد أشد عبادة واجتهادا منهما، فبقي متحيرا في أمرها، ثم قال لها: قد وقع في نفسي من أمرك شيء، وقد حرصت على كتمانه، فغلبني ذلك، فرأيت أن أتكلم به أشفي صدري، فقالت: قل قولا جميلا، قال:\rأخبريني يا مريم، هل ينبت زرع بغير بذر؟ فقالت: نعم، ألم تعلم أن اللّه أنبت الشجرة بالقدرة من غير بذر ولا غيث؟ أو تقول: إن اللّه تعالى لا يقدر أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء، ولو لا ذلك لم يقدر على إنباتها؟ قال يوسف: لا أقول هذا، ولكني أقول: إن اللّه يقدر على ما يشاء، يقول له كن فيكون، قالت مريم: ألم تعلم أن اللّه تعالى خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى، فعند ذلك زال ما في نفسه من التهمة، وكان ينوب عنها في خدمة المسجد مدة نفاسها.\rقوله: مِنْ تَحْتِها بفتح الميم وكسرها قراءتان سبعيتان، فعلى الأولى الفاعل هو الموصول وتحتها صلته، وعلى الثانية الفاعل ضمير مستتر، والجار والمجرور متعلق بنادي. قوله: (أي جبريل) تفسير لمن على الفتح، والضمير المستتر في نادى على الكسر، وقيل المنادي لها عيسى، ومعنى كونه تحتها أسفل ثيابها، وحينئذ فيكون قوله: أَلَّا تَحْزَنِي إلى قوله: فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا أول كلام عيسى. قوله:\r(و كان أسفل منها) أي كان جبريل في مكان أسفل من مريم.\rقوله: أَلَّا تَحْزَنِي يحتمل أن تكون «أن» مفسرة وقد وجد شرطها، وهو تقدم ما هو بمعنى القول، و«لا» ناهية وحذفت النون للجازم، أو ناصبة ولا نافية، وحذفت النون للناصب. قوله: (نهر ماء) أي وجمعه سريان كرغيف ورغفان، ويطلق السري على الشريف الرئيس، وأصله سريو، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء كسيد، ويكون المراد به عيسى، وما مسى عليه المفسر، أظهر لمناسبة قوله: فَكُلِي وَاشْرَبِي. قوله: (كان انقطع) أي ثم جرى وامتلأ ماء ببركة عيسى وأمه. قوله: (و الباء زائدة) أي ويصح أن تكون أصلية، والمفعول محذوف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لرطبا، والتقدير وهزي إليك رطبا كائنا بجذع النخلة. قوله: (و في قراءة بتركها) أي التاء مع تخفيف السين وفتح القاف وبقي قراءة سبعية أيضا وهي ضم التاء مع كسر القاف بمعنى تسقط فرطبا مفعول به. قوله: (تمييز) أي على القراءتين اللتين ذكرهما المفسر لا على الثالثة.\rقوله:\rجَنِيًّا أي تاما نضجه صالحا للاجتناء.","part":2,"page":399},{"id":1001,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 400\rمن السري وَقَرِّي عَيْناً بالولد تمييز محول من الفاعل أي لتقر عينك به أي تسكن فلا تطمح إلى غيره فَإِمَّا فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة تَرَيِنَ حذفت منه لام الفعل وعينه وألقيت حركتها على الراء وكسرت ياء الضمير لالتقاء الساكنين مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فسألك عن ولدك فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي إمساكا عن الكلام في شأنه وغيره من الأناسي بدليل فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) أي بعد ذلك فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ حال، فرأوه قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (27) عظيما حيث أتيت بولد من غير أب يا أُخْتَ هارُونَ هو رجل صالح\r______________________________\rقوله: وَقَرِّي عَيْناً العامة على فتح القاف من قر يقر، بكسر العين في الماضي، وفتحها في المضارع من باب تعب، وقرىء شذوذا بكسر القاف، وهي لغة نجد بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع من باب ضرب. قوله: (أي تسكن) أي فهو من القرار بمعنى عدم الحركة، ويصح أن يكون من القر وهو البرد، لأن العين إذا فرح صاحبها، كان دمعها باردا، وإذا حزن كان دمعها حارا، كأنه قال:\rاتركي الحزن وافرحي بما أعطاك ربك. قوله: (حذفت منه لام الفعل) أي وأصله ترأيين، بهمزه عين الكلمة وياء مكسورة، هي لامها، وأخرى ساكنة هي ياء الضمير، والنون علامة الرفع، نقلت حركة الهمزة إلى الراء فسقطت الهمزة، فتحركت الياء وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا فالتقى ساكنان حذفت لالتقائهما، ثم أكد بالنون وحرك بالكسر، ففيه ست إعمالات، نقل الحركة وسكون الهمزة وقلب الياء ألفا وحذفها وتأكيد بالنون وتحريكه بالكسر، وإن نظرت لحذف نون الرفع للجازم كانت سبعة، أفاد المفسر منها خمسا، ولم يرتبها كما يعلم بالتأمل. قوله: (فسألك عن ولدك) جواب عما يقال إن قولها فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا كلام فقد حصل التناقض، فأجاب: بأن المراد إذا رأيت أحدا من البشر، وسألك عن أمرك فقولي الخ، ويكون إنشاء النذر من حين قولها للسائل تلك المقالة. قوله: صَوْماً قيل كان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد، صام عن الكلام كما يصوم عن الطعام، فلا يتكلم حتى يمسي، وفي هذا دلالة على ترك مجادلة السفهاء والتكلم معهم فإنه أغيظ لهم. قوله: (مع الأناسي) أي لا مع اللّه كالذكر ولا مع الملائكة، لما ورد أنها كانت تكلم الملائكة، ولا تكلم الإنس، والأناسي بفتح الهمزة جمع إنسي أو إنسان، وأصله على هذا أناسين، قلبت النون ياء وأدغمت في الياء. قوله: (أي بعد ذلك) أي بعد قولها: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً.\rقوله: فَأَتَتْ بِهِ أي في يوم وضعه، وقيل بعد أربعين يوما لما طهرت من نفاسها. قوله: (فرأوه) أي أبصروه. قوله: قالُوا أي أهلها وكانوا أهل بيت صالحين، بمصدوق قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ. قوله: لَقَدْ جِئْتِ أي فعلت وأتيت. قوله: فَرِيًّا من فريت الجلد قطعته، أي شيئا قاطعا وخارقا للعادة، ومقطعا للعرض. قوله:\r(هو رجل صالح) أي في بني إسرائيل، شبهت به في عفتها وصلاحها، قيل إنه تبع جنازته يوم مات","part":2,"page":400},{"id":1002,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 401\rأي يا شبيهته في العفة ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ أي زانيا وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) زانية فمن أين لك هذا الولد؟ فَأَشارَتْ لهم إِلَيْهِ أن كلموه قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ أي وجد فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ أي الإنجيل وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ أي نفاعا للناس إخبار بما كتب له وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ أمرني بهما ما دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوالِدَتِي منصوب بجعلني مقدرا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً متعاظما شَقِيًّا (32) عاصيا لربه وَالسَّلامُ من اللّه عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) يقال فيه ما تقدم في السيد يحيى، قال تعالى ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِ بالرفع\r______________________________\rأربعون ألفا من بني إسرائيل، كلهم يسمون هارون سوى سائر الناس.\rقوله: ما كانَ أَبُوكِ أي عمران، وقوله: وَما كانَتْ أُمُّكِ أي حنة.\rقوله: فَأَشارَتْ إِلَيْهِ أي وحينئذ غضب القوم وقالوا: أتسخرين بنا؟ ثم قالوا: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا. قوله: (وجد) أشار المفسر إلى أن كانَ تامة، وحينئذ فصبيا حال، ويصح أن تكون ناقصة وصبيا خبرها. قوله: فِي الْمَهْدِ قيل المرد به حجرها، وقيل هو المهد بعينه، ورد أنه لما أشارت إليه ترك الرضاع، واتكأ على يساره، وأقبل عليهم؛ وجعل يشير بيمينه وقال: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ الخ.\rقوله: عَبْدُ اللَّهِ وصف نفسه بذلك لئلا يتخذ إلها، وكل هذه الأوصاف تقتضي براءة أمه، لأن هذه أوصاف الكاملين المطهرين من الأرجاس. قوله: وَجَعَلَنِي نَبِيًّا أي في الحال، وقيل المراد سيجعلني بعد الأربعين قولان للعلماء، واللّه أعلم بحقيقة الحال. قوله: (أي نفاعا للناس) أي لأنه يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويهدي من ضل. قوله: (إخبار بما كتب له) أي فالماضي بمعنى المستقبل، وقيل على حقيقته.\rقوله: (أمرني بهما) أي بفعلهما. قوله: وَبَرًّا العامة على فتح الباء وقرىء بكسرها، إما على حذف مضاف أي ذا بر، أو مبالغة. قوله: (متعاظما) أي بل جعلني متواضعا، ومن تواضعه أنه كان يأكل ورق الشجر، ويجلس على التراب، ولم يتخذ له مسكنا.\rقوله: وَالسَّلامُ أل فيه للعهد، أي السّلام الحاصل ليحيى حاصل لي، فلا يقال إن يحيى سلم عليه ربه، وعيسى سلم على نفسه، بل هو حاك السّلام عن اللّه. قوله: وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا هذا آخر كلامه، ثم سكت بعد ذلك، فلم يتكلم حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الأطفال. قوله: (قال تعالى) أشار بذلك إلى أن هذا من كلام اللّه تعالى، وأما كلام عيسى فقد انتهى إلى قوله: حَيًّا\rقوله: ذلِكَ أي المذكور بتلك الأوصاف، واسم الإشارة مبتدأ، وعِيسَى خبره، وابْنُ مَرْيَمَ صفته، وقَوْلَ الْحَقِ خبر مبتدأ محذوف، أي قول ابن مريم قول الحق، وهو من إضافة الموصوف للصفة، أي القول الحق، والمعنى أن الموصوف بما ذكر من الأوصاف، هو عيسى ابن مريم، وقوله: القول الحق أي الصدق المطابق للواقع. قوله: (و بالنصب) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (بتقدير قلت) أي فهو مصدر مؤكد لعامله. قوله: (و المعنى) أي على كل من القراءتين، فعلى الرفع يكون المعنى قول عيسى القول الحق، وعلى النصب يكون المعنى قلت حاكيا عن عيسى القول الحق، والقائل ذلك هو اللّه تعالى.","part":2,"page":401},{"id":1003,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 402\rخبر مبتدأ مقدر أي قول ابن مريم وبالنصب بتقدير قلت والمعنى الحق الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) من المرية أي يشكون وهم النصارى قالوا إن عيسى ابن اللّه كذبوا ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ تنزيها له عن ذلك إِذا قَضى أَمْراً أي أراد أن يحدثه فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) بالرفع بتقدير هو وبالنصب بتقدير أن ومن ذلك خلق عيسى من غير أب وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ بفتح أن بتقدير اذكر وبكسرها بتقدير قل بدليل ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا اللّه ربي وربكم هذا المذكور صِراطٌ طريق مُسْتَقِيمٌ (36) مؤد إلى الجنة فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ أي النصارى في عيسى أهو ابن اللّه أو إله معه أو ثالث ثلاثة فَوَيْلٌ فشدة\r______________________________\rقوله: الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ خبر لمحذوف أي هو عيسى الذي فيه يترددون ويتحيرون. قوله:\r(قالوا إن عيسى ابن اللّه) أي وقالوا غير هذه المقالة كما في قوله: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ وإنما اقتصر على هذه هنا، لأنها التي يتضح إبطالها بقوله: ما كانَ لِلَّهِ الخ.\rقوله: ما كانَ لِلَّهِ أي لا يمكن ولا يتأتى لأنه مستحيل، لا تتعلق به القدرة. قوله: أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ أَنْ وما دخلت عليه في تأويل مصدر اسم كان، والمعنى ما كان اتخاذ الولد من صفته بل هو محال، قال تعالى تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً. قوله: (عن ذلك) أي اتخاذ الولد.\rقوله: إِذا قَضى أَمْراً هذا كالدليل لما قبله كأنه قال: إن اتخاذ الولد والسعي في أسبابه، شأن العاجز الضعيف المحتاج الذي لا يقدر على شيء، وأما القادر الغني الذي يقول للشيء كُنْ فَيَكُونُ، فلا يحتاج في اتخاذ الولد إلى إحبال الأنثى، وحيث أوجده بقول كُنْ لا يسمى ابنا له، بل هو عبده ومخلوقه، فهو تبكيت وإلزام لهم بالحجج الباهرة. قوله: (بتقدير أن) أي بعد فاء السببية الواقعة بعد الأمر. قوله: وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ هذا من كلام عيسى، سواء قرىء بكسر إن أو فتحها، فهو من تعلقات قوله: وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ الخ. قوله: (بتقدير اذكر) أي اذكر يا عيسى أن اللّه الخ.\rقوله: (بتقدير قل) أي وإن تكسر بعد القول.\rقوله: هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ من كلام عيسى أيضا.\rقوله: (المذكور) يعني القول بالتوحيد ونفي الولد.\rقوله: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ أي أن النصارى تحزبوا وتفرقوا في شأن عيسى بعد رفعه إلى السماء أربع فرق: اليعقوبية والنسطورية والملكانية والإسلامية، لما روي أنه اجتمع بنو إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، من كل قوم عالمهم، فامتروا في شأن عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو اللّه هبط إلى الأرض، فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية، فقالت الثلاثة:\rكذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث: قل فيه، قال: هو ابن اللّه، وهم النسطورية، فقال الاثنان: كذبت.\rثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه، فقال: هو ثالث ثلاثة، اللّه إله وهو إله، وأمه إله، وهم الملكانية.\rفقال الرابع: كذبت. بل هو عبد اللّه ورسوله وكلمته، وهم المسلمون وكان لكل رجل منهم أتباع على ما قال، فاقتتلوا وظهروا على المسلمين، وكفر الفرقة الأخيرة بعدم اتباعهم لنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم من حين البعث، وأما","part":2,"page":402},{"id":1004,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 403\rعذاب لِلَّذِينَ كَفَرُوا بما ذكر وغيره مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أي حضور يوم القيامة وأهواله أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ بهم صيغتنا تعجب بمعنى ما أسمعهم وما أبصرهم يَوْمَ يَأْتُونَنا في الآخرة لكِنِ الظَّالِمُونَ من إقامة الظاهر مقام المضمر الْيَوْمَ أي في الدنيا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (38) أي بين به صموا عن سماع الحق وعموا عن إبصاره أي اعجب منهم يا مخاطب في سمعهم وإبصارهم في الآخرة بعد أن كانوا في الدنيا صما عميا وَأَنْذِرْهُمْ خوف يا محمد كفار مكة يَوْمَ الْحَسْرَةِ هو يوم القيامة يتحسر فيه المسيء على ترك الاحسان في الدنيا إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ لهم فيه بالعذاب وَهُمْ في الدنيا فِي غَفْلَةٍ عنه وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (39) به إِنَّا نَحْنُ تأكيد نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها من العقلاء وغيرهم بإهلاكهم وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (40) فيه للجزاء وَاذْكُرْ لهم فِي\r______________________________\rالذين اتبعوه منهم، فهم الذين يعطون أجرهم مرتين، كالنجاشي وأتباعه، وهم الذين قال تعالى فيهم:\rوَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الآيات. قوله: (فشدة عذاب) وقيل المراد بالويل واد في جهنم، يأكل الحجارة والحديد، قوتهم فيه الجيف. قوله: مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ يطلق المشهد على الشهادة وعلى الحضور، وهو المراد هنا، وسمي بذلك لشهادة الأعضاء عليهم بما كسبوا، قال تعالى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.\rقوله: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ هو فعل ماض جاء على صورة الأمر، ومعناه التعجب، وإعرابه:\rأسمع فعل ماض للتعجب، والباء زائدة، والضمير فاعله، وأبصر مثله، وحذف بهم من الثاني لدلالة الأول عليه، وليس المراد التعجب من المتكلم وهو اللّه لاستحالته عليه، بل المراد التعجيب، وهو حمل المخاطب على التعجب، أي اعجبوا يا عبادي، من شدة سمعهم وبصرهم في ذلك اليوم. قوله: (من إقامة الظاهر مقام المضمر) أي أشار إلى أن من اتصف بصفاتهم يسمى ظالما. قوله: فِي ضَلالٍ أي خطأ وعدم اهتداء للحق. قوله: (به صموا) أي بسبب الضلال حصل لهم الصمم الخ في الدنيا، فالعجب منهم في الحالتين، شدة الإسماع والإبصار في الآخرة؛ وضدهما في الدنيا. قوله: (يوم القيامة) أي وله أسماء كثيرة منها: يوم الدين، ويوم الجزاء، ويوم الحساب، والحاقة، والقارعة، واليوم الموعود، وغير ذلك. قوله: (يتحسر فيه المسيء) الخ، أي والمحسن على ترك الزيادة في الإحسان، كما في الحديث.\rقوله: إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ أي حكم وأمضي، وذلك أنه ورد: إذا استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، يؤتى بالموت في صورة كبش، فيذبح بين الجنة والنار، وينادي المنادي: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، فعند ذلك يزداد أهل النار حسرة على حسرتهم، وأهل الجنة فرحا على فرحهم. قوله: وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ الجملة حالية، وكذا قوله: وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وهذا الإنذار لكل مكلف، وإنما خصه المفسر بأهل مكة لأنهم سبب نزولها، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله: (بإهلاكهم) أي فلا يبقى حي سوى اللّه تعالى لما ورد: أن اللّه تعالى ينادي بعد انقراض","part":2,"page":403},{"id":1005,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 404\rالْكِتابِ إِبْراهِيمَ أي خبره إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً مبالغا في الصدق نَبِيًّا (41) ويبدل من خبره إِذْ قالَ لِأَبِيهِ آزر يا أَبَتِ التاء عوض عن ياء الإضافة ولا يجمع بينهما وكان يعبد الأصنام لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ لا يكفيك شَيْئاً (42) من نفع أو ضر يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً طريقا سَوِيًّا (43) مستقيما يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ بطاعتك إياه فى عبادة الأصنام إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (44) كثير العصيان يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ إن لم تتب فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ\r______________________________\rالدنيا بأهلها: لمن الملك اليوم؟ فيجيب نفسه بقوله: للّه الواحد القهار.\rقوله: وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ أي يردون فيجازى كل أحد بما قدمه من خير وشر.\rقوله: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ يحتمل أنه معطوف على قوله: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ والمعنى واذكر لأهل مكة قصة إبراهيم، لعلهم يعتبرون فيؤمنوا، ويحتمل أنه معطوف على قوله: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ عطف قصة على قصة، وهو الأقرب. قوله: (مبالغا في الصدق) أي في أقواله وأفعاله وأحواله. قوله: نَبِيًّا وصف خاص، لأن كل نبي صديق ولا عكس، وبين الولاية والصديقية عموم وخصوص مطلق أيضا، فكل صديق ولي ولا عكس، لأن الصديقية مرتبة تحت مرتبة النبوة. قوله:\r(و يبدل منه) أي بدل اشتمال، وحينئذ فقوله: إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا معترض بين البدل والمبدل منه. قوله:\rلِأَبِيهِ قيل حقيقة، وهو ما مشى عليه السيوطي في سورة الأنعام تبعا للمفسر هنا، ولا يضر كفر أصول الأنبياء، فإن اللّه يخرج الحي من الميت، ولا ينافيه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما زلت أنتقل من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الفاخرة» لأن المعنى الطاهرة من سفاح الجاهلية، وإن كانوا كفارا، أو يقال إن آزر لم يتحقق كفره إلا بعد بعثة إبراهيم، وحينئذ فقد انتقل منه النور المحمدي إلى ولده، وهو في حالة الفترة، وقيل هو عمه، واسم أبيه تارخ، وسمي أبا على عادة الأكابر، من تسمية العم أبا، وعليه فلا يرد الحديث المتقدم، وهما قولان للمفسرين. قوله: (التاء عوض عن ياء الإضافة) أي فأصله أبي، فيقال في إعرابه: يا حرف نداء، وأب منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة، والتاء عوض عن الياء. قوله: (و لا يجمع بينهما) أي فلا يقال يا أبتي، لأن فيه الجمع بين العوض والمعوض، ويقال يا أبتا، لأن الألف عوض عن الياء أيضا، ففيه جمع بين عوضين.\rقوله: لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ أي لأي سبب تعبد ما لا سمع فيه ولا بصر. قوله: (أو ضر) أي أو دفع ضر.\rقوله: مِنَ الْعِلْمِ أي العلم بالتوحيد والشرع. قوله: فَاتَّبِعْنِي أي امتثل أمري فيما آمرك به. قوله: (مستقيما) أي لا اعوجاج فيه. قوله: (بطاعتك إياه) أي فالمراد بعبادته امتثال أمره في عبادة الأصنام، حيث حسنها له بوسوسته. قوله: عَصِيًّا أي وطاعة العاصي عصيان. قوله: إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ أي في المستقبل إن لم ترجع، وإنما عبر بالخوف، لأنه لم يكن قاطعا بموته على الكفر، بل كان مترجيا إيمانه، وقيل المراد بالخوف العلم والأقرب الأول، لأنه لو علم عدم هدايته ما خاطبه بهذا","part":2,"page":404},{"id":1006,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 405\rوَلِيًّا (45) ناصرا وقرينا في النار قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ فتعيبها لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ عن التعرض لها لَأَرْجُمَنَّكَ بالحجارة أو بالكلام القبيح فاحذرني وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) دهرا طويلا قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ مني أي لا أصيبك بمكروه سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (47) من حفي أي بارا فيجيب دعائي وقد وفى بوعده المذكور في الشعراء واغفر لأبي. وهذا قبل أن يتبين له أنه عدو للّه كما ذكره في براءة وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا أعبد رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي بعبادته شَقِيًّا (48) كما شقيتم بعبادة الأصنام فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ بأن ذهب إلى الأرض المقدسة وَهَبْنا لَهُ ابنين يأنس بهما إِسْحاقَ\r______________________________\rالخطاب اللطيف. قوله: (ناصرا وقرينا) المناسب الاقتصار على تفسيره بالقرين، لأنه بعد الدخول في العذاب، لا يتأتى معاونة ولا مناصرة.\rقوله: أَراغِبٌ مبتدأ وأَنْتَ فاعل سد مسد الخبر، وسوغه اعتماده على الاستفهام، وهو أولى من جعله خبرا مقدما، وأَنْتَ مبتدأ مؤخر لأنه يلزم عليه الفصل بين العامل وهو أَراغِبٌ والمعمول وهو عَنْ آلِهَتِي بأجنبي وهو أنت، لأن المبتدأ غير المعمول للخبر. قوله: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ الخ قابل التعطف واللطافة في الخطاب بالفظاظة والغلظة، فناداه باسمه وصدر كلامه بالإنكار وهدده بقوله: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ. وكل إناء بالذي فيه ينضح. قوله: (بالحجارة) أي حتى تموت أو تخلي سبيلي. قوله:\r(أو بالكلام القبيح) أي الشتم والذم. قوله: (فاحذرني) قدره إشارة إلى أن قوله، وَاهْجُرْنِي معطوف على محذوف ليحصل التناسب بين المعطوف والمعطوف عليه، فإن جملة اهْجُرْنِي إنشائية، وجملة لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ الخ خبرية، ولا يصح عطف الإنشاء على الخبر. قوله: مَلِيًّا إما منصوب على الظرفية، وإليه يشير المفسر بقوله: (دهرا طويلا) أو على الحال من فاعل اهجرني، أي اعتزلني سالما لا يصيبك مني مضرة. قوله: (أي لا أصيبك بمكروه) أي فهو سلام متاركة ومقاطعة.\rقوله: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي أي أطلب غفرانه لك، المترتب على هدايتك وإسلامك. قوله:\rحَفِيًّا أي مبالغا في إكرامي، واللطف بي، والاعتناء بشأني، ويطلق الحفي على المستقصي في السؤال، ومنه قوله تعالى: كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها. قوله: (و هذا قبل أن يتبين له أنه عدو للّه) هذا جواب عما يقال:\rكيف يجوز الاستغفار للكفار؟ فأجاب: بأنه استغفر له قبل علمه أنه عدو للّه، فلما علم ذلك تبرأ منه، وبهذا تعلم أنه يجوز الدعاء بالمغفرة للكافر، إن قصد بها هدايته وإسلامه، فإن قطع بكفره فلا يجوز.\rقوله: وَأَعْتَزِلُكُمْ أي ارتحل من أرضكم وبلادكم، وقد فعل ذلك. قوله: (بأن ذهب) أي من بابل العراق إلى الأرض المقدسة. قوله: (يأنس بهما) استفيد منه أنه رأى يعقوب وهو كذلك، لما تقدم أنه بشر بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، وقد عاش إبراهيم مائة وخمسا وسبعين سنة، وبينه وبين آدم ألفا سنة، وبينه وبين نوح ألف سنة.","part":2,"page":405},{"id":1007,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 406\rوَيَعْقُوبَ وَكُلًّا منهما جَعَلْنا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنا لَهُمْ للثلاثة مِنْ رَحْمَتِنا المال والولد وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50) رفيعا هو الثناء بالحسن في جميع أهل الأديان وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً بكسر اللام وفتحها من أخلص في عبادته وخلصه اللّه من الدنس وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) وَنادَيْناهُ بقول يا موسى إني أنا اللّه مِنْ جانِبِ الطُّورِ اسم جبل الْأَيْمَنِ أي الذي يلي يمين موسى حين أقبل من مدين وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (52) مناجيا بأن أسمعه اللّه تعالى كلامه وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا نعمتنا أَخاهُ هارُونَ بدل أو عطف بيان نَبِيًّا (53)\r______________________________\rقوله: إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ خصهما لأنه سيذكر إسماعيل بمزايا تخصه. قوله: (للثلاثة) أي إبراهيم وولديه. قوله: (المال والولد) أي فبسط لهم الدنيا، ووسع لهم الأرزاق، وأكثر لهم الأولاد، فجميع الأنبياء الذين جاؤوا بعده من ذريته. قوله: (في جميع أهل الأديان) أي فكل أهل دين، يترضون عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ويذكرونهم بخير إلى يوم القيامة.\rقوله: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى معطوف على قوله: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ عطف قصة على قصة. والحاصل: أن اللّه تعالى ذكر في هذه السورة أسماء عشرة من الأنبياء: زكريا ويحيى وعيسى وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل وموسى وهارون وإدريس. وذكر لكل أوصافا ومناقب يجب الإيمان بها، تنبيها على عظيم شأنهم، وتعليما للأمة المحمدية ليقتدوا بهم، وكذا يقال في جميع قصص الأنبياء المذكورة في القرآن. قوله: (بكسر اللام وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (من أخلص في عبادته) أي لم يلتفت لغير مولاه، وهذا راجع لقراءة الكسر. قوله: (و خلصه اللّه) أي صفاه وبقاه، وهو راجع لقراءة الفتح، فيكون لفا ونشرا مرتبا، فموسى عليه السّلام صفاه مولاه، واختاره لخدمته ومحبته، فتسبب عن ذلك إخلاصه في عبادته.\rقوله: وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا أي ثبت واستقر أزلا في علمنا نبوته ورسالته، وإلا فرسالته في الخارج حين المناداة. قوله: (بقوله يا موسى) أي في سورة القصص في قوله تعالى فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ الآيات. قوله: (اسم جبل) هو معروف بين مدين ومصر. قوله: (يلي يمين موسى) هذا صريح في أن المراد به الطور الذي عند بيت المقدس، لا الطور الذي عند السويس، لأنه على يسار المتوجه من مدين إلى مصر، كما هو مشاهد، والأيمن صفة للجانب، بدليل تبعيته له في الإعراب في قوله تعالى:\rوَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ والمعنى أنه سمع النداء في ذلك المكان، بجميع أجزائه من كل جهة.\rقوله: وَقَرَّبْناهُ أي تقريب شرف ومكانة لا مكان. قوله: (من كل جهة) أي جارحة قوله:\r(بدل أو عطف بيان) أي وأَخاهُ مفعول به،\rوقوله: مِنْ رَحْمَتِنا أي من أجل رحمتنا. قوله: (هي المقصود بالهبة) جواب عما يقال: ما معنى هبته له مع كونه أسن منه، والموهوب يكون متأخرا عن الموهوب له؟ فأجاب: بأن المراد جعله نبيا يعينه ويشد عضده. قوله: (إجابة لسؤاله) تعليل لقوله: وَهَبْنا","part":2,"page":406},{"id":1008,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 407\rحال هي المقصودة بالهبة إجابة لسؤاله أن يرسل أخاه معه وكان أسن منه وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ لم يعد شيئا إلا وفى به وانتظر من وعده ثلاثة أيام أو حولا حتى رجع إليه في مكانه وَكانَ رَسُولًا إلى جرهم نَبِيًّا (54) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ أي قومه بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) أصله مرضوو قلبت الواوان ياءين والضمة كسرة وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ هو جد أبي نوح إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (56) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (57) هو حي في السماء الرابعة أو السادسة أو السابعة أو في الجنة أدخلها بعد أن أذيق الموت وأحيي ولم يخرج\r______________________________\rحيث قال: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي. قوله: (و كان أسن منه) أي بسنة، وقيل بأربع سنين.\rقوله:\rإِسْماعِيلَ أي ابن إبراهيم، وكان من هاجر جارية سارة التي وهبتها له، فلما ولدت له إسماعيل نقلها إلى الحجاز قبل بناء البيت، فتربى إسماعيل بين جرهم عرب من اليمن فزوجوه، فلما كبر أرسله اللّه إليهم، كما قال المفسر، ثم تناسلت منه العرب الذين منهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وكفاه بهذا فخرا، ولما كان أعظم مزية من أولاد إبراهيم، أفرده بالذكر والثناء. قوله: صادِقَ الْوَعْدِ خص بهذا الوصف، وإن كان موجودا في غيره من الأنبياء، لأنه المشهور بين خصاله. قوله: (و انتظر من وعده) أي شخصا وعده إسماعيل، وكان عليه إبراز الضمير، لأن الصلة جرت على غير من هي له، والمعنى أن إسماعيل وعد شخصا أن ينتظره في مكان ليذهب الرجل ويأتي له. فمكث ثلاثة أيام أو حولا.\rقوله: وَكانَ رَسُولًا أي بشريعة أبيه. قوله: (قلبت الواوان) الخ أي فوقعت الواو الثانية متطرفة، قلبت ياء فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء، وهذا الوصف جامع لكل خير، لأن من كانت أفعاله مرضية لربه، ولا يصدر عنه إلا كل بر وإحسان، ولا شك أن الأنبياء كذلك، لأن اللّه أعلم حيث يجعل رسالته.\rقوله: إِدْرِيسَ هذا لقبه، واسمه أخنوخ بن شيث بن آدم، ولقب بذلك لأنه أول من درس الكتب، لأن اللّه أنزل عليه ثلاثين صحيفة، قيل هي التي نزلت على أبيه وقيل غيرها، وهو أول من خط القلم، وخاط الثياب، واتخذ السلاح، وقاتل الكفار، ونظر في علم النجوم والحساب. قوله: (هو جد أبي نوح) أي لأن نوحا بن لمك، بفتح اللام وسكون الميم، ابن متوشلخ بن إدريس.\rقوله: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا اختلف المفسرون في المكان العلي، فقيل المراد به المكان المعنوي، وهو الرفعة وعلو المنزلة، وقيل المراد به المكان الحسي، وعليه فقيل هو السماء الرابعة، وقيل الجنة، واختلفوا في سبب رفعه، فقيل إنه كان يرفع لإدريس كل يوم من العبادة، مثل ما يرفع لجميع أهل الأرض في زمانه، فعجب منه الملائكة، واشتاق إليه ملك الموت، فاستأذن ربه في زيارته فأذن له، فأتاه في صورة بني آدم، وكان إدريس يصوم الدهر، فلما كان وقت إفطاره، دعاه إلى طعامه، فأبى أن يأكل معه، ففعل ثلاث ليال، فأنكره إدريس وقال له في الليلة الثالثة: إني أريد أن أعلم من أنت؟ قال: أنا ملك الموت، استأذنت ربي أن أصحبك، فقال إدريس: لي إليك حاجة، قال: ما هي؟\rقال: تقبض روحي، فأوحي اللّه إليه أن أقبض روحه، فقبضها وردها إليه في ساعة، فقال له ملك الموت: ما الفائدة في سؤالك قبض الروح؟ قال: لأذوق الموت وغمته، فأكون أشد استعدادا، ثم قال له","part":2,"page":407},{"id":1009,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 408\rمنها أُولئِكَ مبتدأ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صفة له مِنَ النَّبِيِّينَ بيان له وهو في معنى الصفة وما بعده إلى جملة الشرط صفة للنبيين، فقوله مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ أي إدريس وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ في السفينة أي إبراهيم ابن ابنه سام وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ أي إسماعيل وإسحق ويعقوب\r______________________________\rإدريس: إن لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال ترفعني إلى السماء، لأنظر إليها وإلى الجنة والنار، فأذن اللّه له فرفعه، فلما قرب من النار قال: لي إليك حاجة، قال: وما تريد؟ قال: تسأل مالكا حتى يفتح أبوابها ففعل، فقال له: كما أريتني النار فأرني الجنة، فذهب به إلى الجنة، فاستفتح ففتح أبوابها، فأدخله الجنة، ثم قال له ملك الموت: اخرج لتعود إلى مقرك، فتعلق بشجرة وقال: ما أخرج منها، فبعث اللّه ملكا حكما بينهما، فقال له الملك: ما لك لا تخرج؟ قال: لأن اللّه تعالى قال: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ* وقد ذقته، وقال: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها وقد وردتها، وقال: وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ ولست أخرج، فأوحى اللّه إلى ملك الموت، بإذني دخل الجنة، وبأمري لا يخرج منها، فهو حي هناك، وقيل سببه أنه نام ذات يوم، فاشتد عليه حر الشمس فقال: اللهم خفف عن ملك الشمس وأعنه، فإنه يمارس نارا حامية فأصبح ملك الشمس، وقد نصب له كرسي من نور عنده سبعون ألف ملك عن يمينه، ومثلها عن يساره، يخدمونه ويتولون عمله من تحت حكمه، فقال ملك الشمس: يا رب، من أين لي هذا؟ قال: دعا لك رجل من بني آدم يقال له إدريس فقال: يا رب اجعل بيني وبينه خلة، فأذن له في ذلك، فصار يتردد على إدريس فقال له: إنك أكرم الملائكة عند ملك الموت، فاشفع لي عنده ليؤخر أجلي فأزداد عبادة وشكرا، فقال الملك: لا يؤخر اللّه نفسا إذا جاء أجلها، فرفعه في مكانه، ثم أتى ملك الموت فقال له: صديق من بني آدم، يتشفع بي إليك لتؤخر أجله، فقال: ليس ذلك إلي، ولكن إن أحببت أعلمته متى يموت فيقدم لنفسه، قال: نعم، فنظر في ديوانه فقال: إنك كلمتني في إنسان يموت الساعة عند مطلع الشمس، قال:\rإني أتيتك وتركته هناك، فانطلق فوجده قد مات ثم أحياه اللّه، فهو يرفع في الجنة تارة، ويعبد اللّه مع الملائكة في السماء الرابعة تارة أخرى، قال العلماء: أربعة من الأنبياء أحياء، اثنان في الأرض وهما الخضر وإلياس، واثنان في السماء وهما عيسى وإدريس.\rقوله: أُولئِكَ اسم الإشارة عائد على الأنبياء المذكورين في هذه السورة وهم عشرة، أولهم زكريا وآخرهم إدريس كما تقدم. قوله: (صفة له) أي لاسم الإشارة، أي أولئك الموصوفون بإنعام اللّه عليهم، وذلك أن اللّه لما وصف كلا من الأنبياء بأوصاف تخصه أولا، ذكر ثانيا لهم صفة تعمهم. قوله: (بيان لهم) أي للمنعم عليهم. قوله: (أي إدريس) تفسير للذرية، أي إن إدريس من ذرية آدم، لأنه تقدم أنه ابن شيث بن آدم. قوله: وَمِمَّنْ حَمَلْنا أي ومن ذرية من حملنا. قوله: (أي إبراهيم) تفسير لبعض ذرية من حمل مع نوح، لأن من حمل معه أولاده الثلاثة، وإبراهيم من ذرية أحدهم وهو سام، لكن بوسائط، فإن بين إبراهيم ونوح عشرة قرون. قوله: (و عيسى) أي فأولاد البنات من الذرية، والحاصل أن من ذرية آدم لصلبه إدريس، ومن ذرية نوح بوسائط إبراهيم ومن ذريته إسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن ذرية يعقوب موسى وهارون ويحيى وعيسى.","part":2,"page":408},{"id":1010,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 409\rوَمن ذرية إِسْرائِيلَ وهو يعقوب أي موسى وهرون وزكريا ويحيى وعيسى وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا أي من جملتهم وخبر أولئك إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (58) جمع ساجد وباك أي فكونوا مثلهم، وأصل بكى بكوي قلبت الواو ياء والضمة كسرة فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ بتركها كاليهود والنصارى وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ من المعاصي فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) هو واد في جهنم أي يقعون فيه إِلَّا لكن مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ ينقصون شَيْئاً (60) من ثوابهم جَنَّاتِ عَدْنٍ إقامة بدل من الجنة الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ حال أي غائبين عنها إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ أي موعوده مَأْتِيًّا (61) بمعنى آتيا وأصله مأتوي أو موعده هنا الجنة يأتيه أهله لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً من الكلام إِلَّا لكن يسمعون سَلاماً (62) من الملائكة عليهم أو من بعضهم على بعض وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) أي على قدرهما في الدنيا، وليس في الجنة نهار ولا ليل بل ضوء ونور أبدا تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ نعطي وننزل مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (63) بطاعته،\r______________________________\rقوله: وَمِمَّنْ هَدَيْنا عطف على مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ زيادة في تمجيدهم. قوله: خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا أي أن الأنبياء إذا سمعوا آيات اللّه التي خصهم بها في الكتب المنزلة عليهم، سجدوا وبكوا خضوعا وخشوعا. قوله: (و باك) أي على غير قياس، وقياسه بكاة كقاض وقضاة. قوله: (فكونوا مثلهم) أي في السجود والخشوع والخضوع والبكاء عند تلاوة القرآن كما في الحديث: «اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا».\rقوله: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي وجد من بعد النبيين. قوله: خَلْفٌ هو بالسكون في الشر، وبالفتح في الخير، يقال خلف سوء وخلف صدق. قوله: (هو واد في جهنم) أي تستعيذ من حره أوديتها.\rقوله: إِلَّا مَنْ تابَ قدر المفسر لكن إشارة إلى أن الاستثناء منقطع، لأن المستثنى المؤمنون والمستثنى منه الكفار. قوله: (بدل من الجنة) قال بعضهم: إنه بدل كل من بعض، لأن الجنة بعض الجنات، ورد بأن أل في الجنة جنسية، فهو بدل كل من كل. قوله: (أي غائبين عنها) أي غير مشاهدين لها، لأن الوعد حاصل في الدنيا، ومن فيها لا يشاهد الجنة. قوله: (أي موعوده) أي الذي وعد به من الجنة وغيرها له. قوله: (بمعنى آتيا) أي فاسم المفعول بمعنى اسم الفاعل. قوله: (أو موعوده) الخ أشار لتفسير آخر، وعليه فاسم المفعول باق على ما هو عليه، وحينئذ فيكون المراد بالموعود خصوص الجنة.\rقوله: لَغْواً هو الكلام الزائد المستغنى عنه. قوله: (لكن يسمعون) سَلاماً أشار بذلك إلى أن الاستثناء منقطع، لأن السّلام ليس من جنس اللغو. قوله: (و ليس في الجنة نهار ولا ليل) وإنما يعرفون الليل، بارخاء الحجب وغلق الأبواب، والنهار بفتحها ورفع الحجب كما روي، وليس معرفة الليل للاستراحة فيه والنوم، إذ لا نوم ولا تعب فيها، بل ذلك على عادة الملوك في الدنيا، من تهيئة تحف في الصباح والمساء ليتم نظامهم.\rقوله: تِلْكَ الْجَنَّةُ إسم الإشارة عائد على الجنة في قوله فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً","part":2,"page":409},{"id":1011,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 410\rونزل لما تأخر الوحي أياما وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لجبريل «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا» وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا أي أمامنا من أمور الآخرة وَما خَلْفَنا من أمور الدنيا وَما بَيْنَ ذلِكَ أي ما يكون من هذا الوقت إلى قيام الساعة أي له علم ذلك جميعه وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) بمعنى ناسيا أي تاركا لك بتأخير الوحي عنك هو رَبُ مالك السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ أي اصبر عليها هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) أي مسمى بذلك؟\rلا وَيَقُولُ الْإِنْسانُ المنكر للبعث أبي بن خلف أو الوليد بن المغيرة النازل فيه الآية أَإِذا\r______________________________\rوأتى باسم الإشارة البعيد، إشارة لعلو رتبتها ورفيع منزلتها. قوله: نُورِثُ مِنْ عِبادِنا عبر بالميراث إشارة إلى أنهم يعطونها عطاء لا يرد ولا يبطل، كالميراث. قوله: مَنْ كانَ تَقِيًّا أي سعيدا، وهو من مات على كلمة الإخلاص، ولو مصرا على الكبائر فمآله للجنة، وإن أدخل النار وعذب فيها بقدر جرمه، لأن الجنة جعلت مسكنا للموحدين، والنار جعلت مسكنا للمشركين، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى في سورة فاطر: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ إلى أن قال جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها. وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «من مات لا يشرك باللّه شيئا دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر» ولكن الجنة مراتب ودرجات، على حسب التفاوت في الأعمال الصالحة. قوله: (بطاعته) أي ولا بمجرد الإسلام. قوله: (و نزل لما تأخر الوحي) أي حين سأله اليهود، عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين، فقال: أخبركم غدا، ولم يقل إن شاء اللّه، فتأخر الوحي حتى شق على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ثم نزل بعد أربعين يوما، وقيل خمسة عشر، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أبطأت علي حتى ساءني واشتقت إليك، فقال جبريل: إني كنت أشوق، ولكني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست. قوله: (أكثر مما تزورنا) هذا عتاب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لجبريل، كأنه قال له: إن شوقي إليك في ازدياد، فكان الرجاء فيك الزيارة لا الهجر.\rقوله: وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ هذا على لسان جبريل، أمره اللّه تعالى بذلك اعتذارا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وجوابا لسؤاله المذكور، والتنزل النزول شيئا فشيئا. قوله: (من أمور الآخرة) بيان لما، ويصح أن تهمل. قوله: ما بَيْنَ أَيْدِينا على ما يأتي، وقوله: وَما خَلْفَنا على ما سبق، وقوله: وَما بَيْنَ ذلِكَ على الحالة الراهنة. قوله: (له علم ذلك جميعه) أي تفصيلا، وأما علم بعضه إجمالا، فيكون لبعض الحوادث، كالأنبياء والأولياء، بإلهام من اللّه تعالى، ومع ذلك فيكتمونه، ولا يفشون منه إلا ما أذن لهم فيه، إذا علمت ذلك، فالتشدق بالتجري على المغيبات من الضلال المبين؛ لأنه لو استند لقواعد فهي كاذبة، ولو صادفت الحق بمصداق قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «كذب المنجمون ولو صدقوا» وإن استند لكشف، فصاحبه لا يطلع إلا على بعض جزئيات، ومع ذلك هو مأمور بكتمها، لأن اللّه قال لنبيه على لسان جبريل: لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ فكيف بغيره من آحاد الخلق. قوله: (أي تاركا لك) أي إن عدم التنزل لحكمة يعلمها اللّه لا تركا لك وهجرانا، وهذه الآية بمعنى قوله تعالى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى.\rقوله: (هو) قدره إشارة إلى أن رب خبر لمحذوف.","part":2,"page":410},{"id":1012,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 411\rبتحقيق الهمزة الثانية وتسهيلها وإدخال ألف بينها بوجهيها وبين الأخرى ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) من القبر كما يقول محمد، فالاستفهام بمعنى النفي أي لا أحيا بعد الموت، وما زائدة للتأكيد، وكذا اللام ورد عليه بقوله تعالى أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أصله يتذكر أبدلت التاء ذالا وأدغمت في الذال، وفي قراءة تركها وسكون الذال وضم الكاف أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (67) فيستدل بالابتداء على الإعادة فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ أي المنكرين للبعث وَالشَّياطِينَ أي نجمع كلا منهم وشيطانه في سلسلة ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ من خارجها جِثِيًّا (68) على الركب جمع جاث وأصله جثووا أو جثوى من جثا يجثو أو يجثي لغتان ثُمَ\r______________________________\rقوله: فَاعْبُدْهُ أي دم على عبادته، ولا تحزن بإبطاء الوحي واستهزاء الكفر. قوله: (أي مسمى بذلك) أي بلفظ الجلالة وبرب السماوات والأرض، وقيل معنى سميا مثلا يستحق أن يسمى إلها واحدا يسمى باللّه. فإن المشركين وإن سموا الصنم إلها، لم يسموه اللّه قط، لظهور أحديته وأنه رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ. وقد ورد أن امرأة سمت ولدها اللّه، فنزلت عليه نار فأحرقته. قوله: (المنكر للبعث) أشار بذلك إلى أن المراد بالإنسان، خصوص الكافر المنكر للبعث. قوله: (أو الوليد) أو لتنويع الخلاف في المراد بالإنسان الذي قال تلك المقالة، وفي الحقيقة كل من الشخصين قد قالها.\rقوله: أَإِذا منصوبة بقوله: أُخْرَجُ حَيًّا ولا يقال إن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبلها، لأن ذاك في لام الابتداء، وأما هذه فهي زائدة كما قال المفسر. قوله: (و إدخال ألف بينها) أي الثانية، وقوله:\r(و بين الأخرى) أي الأولى، وكان المناسب أن يقول وتركه، فتكون القراآت أربعا، وهي سبعيات.\rقوله: أَوَلا يَذْكُرُ الاستفهام للتوبيخ. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: مِنْ قَبْلُ أي من بعثه. قوله: (فيستدل بالابتداء على الإعادة) أي لأنها أهون، قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ.\rفوله: فَوَ رَبِّكَ أضاف اسمه تعالى إليه صلّى اللّه عليه وسلّم تشريفا وتعظيما. قوله:\rلَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا أي وهو الموقف. قوله: (و أصله جثووا) أي بواوين قلبت الثانية ياء لتطرفها، فاجتمعت مع الواو الساكنة، قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء. قوله: (أو جثوي) أي بياء بعد الواو، قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، وعلى كل كسرت التاء لتصح الياء.\rقوله: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أي من كل أمة. قوله: أَيُّهُمْ موصولة بمعنى الذي، بنيت على الضم لإضافتها، وحذف صدر صلتها، وقوله: أَشَدُّ خبر لمحذوف، والجملة صلتها، وهي وصلتها في محل نصب مفعول لَنَنْزِعَنَ، وعِتِيًّا تمييز محول عن المبتدأ المحذوف، أي عتوه أشد. والمعنى أنه يميز طوائف الكفار، فيطرح الأعتى فالأعتى على الترتيب، لأن عذاب الضال المضل، يكون فوق عذاب من يضل تبعا لغيره، وليس عذاب من يتمرد ويتجبر، كعذاب المقلد.\rقوله: صِلِيًّا بضم الصاد وكسرها، قراءتان سبعيتان، جمع صال، كجثيا جمع جاث. قوله: (فنبدأ بهم) أي بالذين هم أولى بها. قوله: (من صلي بكسر اللام) أي كرضي، وقوله: (و فتحها) أي كرمى.","part":2,"page":411},{"id":1013,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 412\rلَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ فرقة منهم أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (69) جرأة ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها أحق بجهنم الأشد وغيره منهم صِلِيًّا (70) دخولا واحتراقا فنبدأ بهم وأصله صلوى من صلي بكسر اللام وفتحها وَإِنْ أي ما مِنْكُمْ أحد إِلَّا وارِدُها أي داخل جهنم كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (71) حتمه وقضى به لا يتركه ثُمَّ نُنَجِّي مشددا ومخففا الَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك والكفر منها وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ بالشرك والكفر فِيها جِثِيًّا (72) على الركب وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ أي المؤمنين والكافرين آياتُنا من القرآن بَيِّناتٍ واضحات حال قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ نحن وأنتم خَيْرٌ مَقاماً منزلا ومسكنا بالفتح من قام وبالضم من أقام وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) بمعنى النادي وهو مجتمع القوم يتحدثون فيه يعنون نحن فنكون خيرا منكم. قال تعالى وَكَمْ أي كثيرا أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ أي أمة من الأمم\r______________________________\rقوله: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها أي مسلما أو كافرا. والحاصل أنه اختلف المفسرون في المراد بالورود، فقيل الدخول، وقيل الحضور معها في الموقف، والذي عول عليه الأشياخ، أن المراد به المرور على الصراط، وهو على ظهرها أحد من السيف، وأرق من الشعرة، ويتسع للمؤمن بقدر عمله، ومن هنا تقول النار للمؤمن: جز يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي، وهم في المرور مختلفون، لما في الحديث: «يرد الناس النار ثم يصدون عنها بأعمالهم، فأولهم كلمح البصر، ثم الريح، ثم كعدو الفرس، ثم كالراكب المجد، ثم كشد الرجل في مشيه». قوله: (أي داخل جهنم) أي وتكون على المؤمنين، ولو ماتوا عصاة، غير من تحقق فيهم الوعيد بردا وسلاما لدخولهم فيها وهي خامدة، فلا يشعرون بها. قوله: كانَ أي الورود. قوله: حَتْماً مَقْضِيًّا أي بمقتضى حكمته لا بإيجاب عليه.\rقوله: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا أي نخرجهم منها من غير أن يمسهم عذابها، وهم من لم ينفذ فيهم الوعيد، أو بعد العذاب، وهم من نفذ فيهم الوعيد. قوله: وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ أي نتركهم فيها على سبيل الخلود، وقوله: جِثِيًّا حال من الظالمين.\rقوله: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ الخ، أي حين نزلت على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم آيات القرآن، وتلاها على المؤمنين والكافرين، وعجزوا عن معارضتها، أخذ أغنياء الكفار في الافتخار على فقراء المؤمنين، بما لهم من حظوظ الدنيا، حيث قالوا لهم: انظروا إلى منازلنا، فتروها أحسن من منازلكم، وإلى مجالسنا، فتروها أحسن من مجالسكم، نجلس في صدر المجلس، وتجلسون في طرفه الحقير، فإذا كان ذلك لنا في الدنيا، فنحن عند اللّه خير منكم، ولو كنتم على خير لأكرمكم كما أكرمنا، وقصدهم بذلك فتنة فقراء المدينة بزينة الدنيا، قال تعالى: وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ.\rقوله: قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي أغنياؤهم. قوله: لِلَّذِينَ آمَنُوا أي الفقراء منهم. قوله: (نحن وأنتم) بيان للفريقين. قوله: (بالفتح والضم) أي فهما قراءتان سبعيتان، فالفتح على أنه من قام ثلاثيا، والضم على أنه من أقام رباعيا، وكان يحتمل أن يكون اسم مكان، أو اسم مصدر. قوله: (قال تعالى) أي ردا عليهم.\rقوله: هُمْ أَحْسَنُ مبتدأ وخبر، والجملة صفة لقرن وأَثاثاً وَرِءْياً تمييز. قوله:","part":2,"page":412},{"id":1014,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 413\rالماضية هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً مالا ومتاعا وَرِءْياً (74) منظرا من الرؤية فكما أهلكناهم لكفرهم نهلك هؤلاء قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ شرط جوابه فَلْيَمْدُدْ بمعنى الخبر أي يمد لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا في الدنيا يستدرجه حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ كالقتل والأسر وَإِمَّا السَّاعَةَ المشتملة على جهنم فيدخلونها فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (75) أعوانا أهم أم المؤمنون وجندهم الشياطين وجند المؤمنين عليهم الملائكة وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بالإيمان هُدىً بما ينزل عليهم من الآيات وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ هي الطاعات تبقى لصاحبها خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76) أي ما يرد اليه ويرجع بخلاف أعمال الكفار، والخيرية هنا في\r______________________________\rوَرِءْياً أي مرئيا كالذبح بمعنى المذبوح، وقوله: (منظرا) أي هيئة وصورة.\rقوله: قُلْ أي للكفار المفتخرين على فقراء المؤمنين. قوله: فِي الضَّلالَةِ أي الكفر والغفلة عن عواقب الأمور. قوله: (بمعنى الخبر) أي وأتى به على صورة الأمر، إعلاما بأنه يحصل ولا بد بمقتضى حكمته، كما أنه ألزم نفسه بذلك.\rقوله: (أي يمد) لَهُ الرَّحْمنُ إنما ذكر الرحمن إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه. قوله: (يستدرجه) أي بأن يطيل عمره ويكثر ماله، ويمكنه من التصرف فيه.\rقوله: حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ غاية في قوله: فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ. قوله: وَإِمَّا السَّاعَةَ إما حرف تفصيل، وهي مانعة خلو تجوز الجمع والعذاب والساعة بدلان من ما، والمعنى يستمرون في الطغيان، إلى أن يعلموا إذا رأوا العذاب أو الساعة من هو شر مكانا وأضعف جندا. قوله:\rفَسَيَعْلَمُونَ جواب إِذا، وقوله: مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً راجع لقوله: خَيْرٌ مَقاماً، وقوله:\rوَأَضْعَفُ جُنْداً راجع لقوله: وَأَحْسَنُ نَدِيًّا على طريف اللف والنشر المرتب. قوله: (أهم أم المؤمنون) أشار بذلك إلى أن من استفهامية، ويصح كونها موصولة مفعول يعلمون. قوله: (عليهم) متعلق بجندا، لتضمينه، معنى المعاونين، وذلك كما وقع لهم في بدر، فالكفار كان جندهم إبليس وأعوانه، جاءوا إليهم ليعينوهم ثم انخذلوا عنهم، والمؤمنون كان جندهم الملائكة التي قاتلت معهم، كما تقدم في الأنفال وآل عمران.\rقوله: وَيَزِيدُ اللَّهُ هذه الجملة مستأنفة أو معطوفة على جملة الشرط المحكية بالقول، وكأنه قال:\rقل لهم من كان في الضلالة، الخ، وقل لهم يزيد اللّه الذين اهتدوا، الخ. قوله: (بما ينزل عليهم من الآيات) أي فكلما نزلت عليهم آية من القرآن، ازدادوا بها هدى وإيمانا، قال تعالى: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً. قوله: (هي الطاعة) تقدم أن هذا أحد تفاسير في الباقيات الصالحات، وهو الأحسن.\rقوله: خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ أي من زينة الدنيا التي يتنعم بها الكفار. قوله: (بخلاف أعمال الكفار) أي فإنها شر مردا، لكونهم يردون إلى جهنم، فتحصل أن الأعمال كلها باقية لأصحابها، فالمؤمنون تبقى لهم الأعمال الصالحة، فيتنعمون بها في الجنة، والكفار تبقى لهم الأعمال السيئة، فيعذبون بها في الثار، فالعاقل يختار لنفسه أي العملين يبقى له؟ قوله: (و الخيرية) الخ، أي أفعل التفضيل، ذكر على سبيل المشاكلة للكلام السابق، فاندفع ما يقال: إن أعمال الكفار لا خير فيها أصلا، فكيف تصح المفاضلة؟","part":2,"page":413},{"id":1015,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 414\rمقابلة قولهم أي الفريقين خير مقاما أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا العاصي بن وائل وَقالَ لخباب بن الأرت القائل له تبعث بعد الموت والمطالب له بمال لَأُوتَيَنَ على تقدير البعث مالًا وَوَلَداً (77) فأقضيك. قال تعالى أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أي أعلمه وأن يؤتى ما قاله، واستغنى بهمزة الاستفهام عن همز الوصل فحذفت أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (78) بأن يؤتى ما قاله كَلَّا أي لا يؤتى ذلك سَنَكْتُبُ نأمر بكتب ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (79) نزيده بذلك عذابا فوق عذاب كفره وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ من المال والولد وَيَأْتِينا يوم القيامة فَرْداً (80) لا مال له ولا ولد وَاتَّخَذُوا أي كفار مكة مِنْ دُونِ اللَّهِ الأوثان آلِهَةً يعبدونهم لِيَكُونُوا لَهُمْ\r______________________________\rقوله: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا الاستفهام تعجبي، أي تعجب يا محمد من مقالة هذا الكافر الشنيعة. قوله: (العاص بن وائل) هو أبو سيدنا عمرو، الذي فتح مصر في خلافة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما، وهو والد عبد اللّه أحد العبادلة المشهورة. قوله: (لخباب بن الأرث) هو بدري من فقراء الصحابة، وذلك أن خبابا كان صائغا، فصاغ العاصي حليا، ثم طالبه بأجرته فقال له: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقال خباب: لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث، قال: وإني لمبعوث من بعد الموت، فسوف أعطيك إذا رجعت إلى مال وولد. قوله: (و استغنى بهمزة الاستفهام) الخ، أي فأصله أأطلع، حذفت همزة الوصل تخفيفا.\rقوله: كَلَّا ذكر النحويون في هذه اللفظة سته مذاهب، أحسنها أنها حرف ردع وزجر، والثاني أنها حرف تصديق بمعنى نعم، الثالث بمعنى أنها حق، الرابع أنها رد لما قبلها، الخامس أنها صلة في الكلام بمعنى أي، السادس أنها حرف استفتاح، وذكرت في القرآن في ثلاثة وثلاثين موضعا، وكلها في النصف الثاني منه، في خمس عشرة سورة، كلها مكية، ترجع إلى ثلاثة أقسام: قسم يجوز الوقف عليها وعلى ما قبلها فيبتدأ بها، وذلك في خمسة مواضع، اللتان في هذه السورة، واللتان في الشعراء، وواحدة في سبأ.\rوقسم اختلف فيه، هل يجوز الوقف عليها، أو يتعين على ما قبلها؟ وذلك في تسعة مواضع: واحدة في المؤمنون، واثنتان في سأل سائل، والأولى والثالثة في المدثر، والأولى في سورة القيامة، والثانية في سورة ويل للمطففين، والأولى في سورة الفجر، والتي في سورة ويل لكل. وقسم لا يجوز الوقف عليها باتفاق، وهو التسع عشرة الباقية. قوله: سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ أي نظهره له ونعلمه أنا كتبناه، فاندفع ما يقال: إن الكتابة لا تتأخر عن القول، قال تعالى: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ. قوله: (نزيد بذلك عذابا) الخ، أي لما تقدم أن كل من كان أشد كفرا، كان أعظم عذابا.\rقوله: وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ أي نسلبه ونأخذه منه، بأن يخرج من الدنيا خاليا من ذلك. قوله:\rفَرْداً أي منقطعا من ماله وولده بالكلية، فلا يلقى مالا ولا ولدا أصلا لا في البعث، ولا في النار، لانقطاع الأسباب بينهم وبين أولادهم، بل وبين ما يشتهون، كما قال تعالى: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ وأما المؤمنون وإن كانوا يبعثون فردا، إلا أنهم يلاقون أحبابهم وأولادهم وما يشتهونه.\rقوله:\rوَاتَّخَذُوا حكاية عما وقع للكفار عموما. قوله: (الأوثان) هو مفعول أول وآلِهَةً مفعول ثان.","part":2,"page":414},{"id":1016,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 415\rعِزًّا (81) شفعاء عند اللّه بأن لا يعذبوا كَلَّا أي لا مانع من عذابهم سَيَكْفُرُونَ أي الآلهة بِعِبادَتِهِمْ أي ينفونها كما في آية أخرى (ما كانوا إيانا يعبدون) وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) أعوانا وأعداء أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ سلطناهم عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ تهيجهم إلى المعاصي أَزًّا (83) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ بطلب العذاب إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ الأيام والليالي أو الأنفاس عَدًّا (84) إلى وقت عذابهم، اذكر يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ بإيمانهم إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (85) جمع وافد بمعنى راكب وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ بكفرهم إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (86) جمع وارد بمعنى ماش عطشان لا يَمْلِكُونَ أي الناس الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (87) أي\r______________________________\rقوله: سَيَكْفُرُونَ الخ في معنى التعليل. قوله: ضِدًّا أي أضدادا، وإنما أفرده، إما لكونه مصدرا في الأصل، أو لأنه مفرد في معنى الجمع.\rقوله: عَلَى الْكافِرِينَ أي وأما المؤمنون فليس للشياطين عليهم سبيل، قال تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ*. قوله: (تهيجهم إلى المعاصي) أي تغريهم بتزيين الشهوات لهم. قوله: أَزًّا مفعول مطلق لتؤزهم، والأز يطلق على الغليان، وعلى الحركة الشديدة، وعلى التهيج والإزعاج وهو المراد هنا.\rقوله: فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ أي لتستريح أنت والمؤمنون من شرهم، وتطهر الأرض من فسادهم، لأن لهم أياما محصورة وأنفاسا معدودة، يعيشونها ثم يردون إلى عذاب. قوله: إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا أي نضبط ما يقع منهم، ولا نهمل منه شيئا ليؤاخذوا به. قوله: (أو الأنفاس) تفسير ثان قوله: (إلى وقت عذابهم) أي وهو موتهم، لأن بموتهم تصير قبورهم حفرة من حفر النار، فيعذبون فيها إلى قيام الساعة، فيعذبون في النار.\rقوله: يَوْمَ نَحْشُرُ ظرف معمول لمحذوف، قدره المفسر بقوله: (اذكر) أي اذكر يا محمد لقومك هذا اليوم العظيم، فإنه يوم الفصل بين أهل الجنة وأهل النار. قوله: (بمعنى راكب) هذا المعنى ليس مأخوذا من معنى الوفد لأن الوفد في اللغة الجماعة الذين يقدمون على الملوك للعطايا، من غير تقييد بركوب؛ بل هو مأخوذ من قرينة مدح المتقي، لما ورد أنهم يحشرون ركبانا، على نجائب سرجها من ياقوت، وعلى نوق رحالها من ذهب، وأزمّتها من زبرجد، واختلف في وقت ركوبهم، فقيل من أول خروجهم من القبور، وقيل من منصرفهم من الموقف، وعلى كل، فيستمرون راكبين حتى يقرعوا باب الجنة، وجمع بأنهم يركبون من أول خروجهم من القبور حتى يأتوا الموقف، ثم بعد انفضاض الموقف، يركبون حتى يدخلوا الجنة، وعن ابن عباس: من كان يحب ركوب الخيل، وفد إلى اللّه تعالى على خيل لا تروث ولا تبول، لجمها من الياقوت الأحمر، ومن الزبرجد الأخضر، ومن الدر الأبيض، وسرجها السندس والاستبرق، ومن كان يحب ركوب الإبل فعلى نجائب، لا تبعر ولا تبول، أزمتها من الياقوت والزبرجد، ومن كان يحب ركوب السفن، فعلى سفن من زبرجد وياقوت، قد أمنوا الغرق، وأمنوا الأهوال، وورد أيضا: يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير. قوله: (بكفرهم) أشار بذلك إلى أن المراد بالمجرمين","part":2,"page":415},{"id":1017,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 416\rشهادة أن لا إله إلا اللّه ولا حول ولا قوة إلا باللّه وَقالُوا أي اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات اللّه اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (88) قال تعالى لهم لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (89) أي منكرا عظيما تَكادُ بالتاء والياء السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ بالنون وفي قراءة بالتاء وتشديد الطاء بالانشقاق مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (90) أي تنطبق عليهم من أجل أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (91) قال تعالى وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (92) أي ما يليق به ذلك إِنْ أي ما كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (93) ذليلا خاضعا يوم القيامة منهم عزير وعيسى لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم ولا واحد منهم وَكُلُّهُمْ\r______________________________\rالكفار.\rقوله: وِرْداً أي مشاة عطاشا، قد تقطعت أعناقهم من العطش، ومع ذلك يحملون أوزارهم على ظهورهم، لما ورد: أن المؤمن إذا خرج من قبره، استقبله عمله في أحسن صورة وأطيب ريح، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الصالح، طالما ركبتك واتبعتك في الدنيا، اركبني اليوم، وإن الكافر يستقبله عمله في أقبح صورة وأنتنها ريحا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك السيىء، طالما ركبتني واتعبتني في الدنيا، وأنا اليوم أركبك، قال تعالى: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ.\rقوله: لا يَمْلِكُونَ أي الخلق عموما، مؤمنهم وكافرهم، وقوله: الشَّفاعَةَ أي كونه يشفع لغيره أو يشفع غيره فيه. قوله: إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ مستثنى من العموم المتقدم وهو متصل. قوله: عِنْدَ الرَّحْمنِ كرر لفظ الرحمن في هذه السورة ست عشرة مرة، إشارة إلى أن رحمته غلبت غضبه. قوله: (اي شهادة أن لا إله إلا اللّه) أي مع عديلتها، وهي محمد رسول اللّه. قوله: (و لا حول ولا قوة إلا باللّه) في رواية، والتبري من الحول والقوة للّه وعدم رجاء غيره. قوله: (و من زعم أن الملائكة بنات اللّه) أي وهم مشركو العرب، وهذا رجوع لذكر قبائح الكفار، وإثر بيان عاقبتهم وعاقبة المؤمنين. قوله: (قال تعالى) أي تقريعا وتوبيخا. قوله: (منكرا عظيما) أي فظيعا شديدا.\rقوله: تَكادُ السَّماواتُ الخ بيان لكون ذلك الشيء منكرا عظيما. قوله: يَتَفَطَّرْنَ أي يتفتتن ويتقطعن. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا، وظاهره أن القراآت أربع وليس كذلك، بل هي ثلاث فقط، لأن في قراءة التاء من تكاد وجهين: التاء والنون من يتفطرن، وفي قراءة الياء وجها واحدا وهو التاء من يتفطرن، والثلاث سبعيات. قوله: وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ أي تنخسف بهم.\rقوله: (من أجل) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً المعنى أن هذه المقالة منهم، موجبة للغضب عليهم، الذي ينشأ عنه نزول السماء قطعا قطعا عليهم، وخسف الأرض بهم، وسقوط الجبال عليهم، لو لا حلمه وسبق رحمته، أو المعنى: أن هذه المقالة من عظمها وشناعتها تفزع منها السماوات والأرض والجبال، وتتمنى أنها لو أهلكت من تفوه بها، لو لا رحمة اللّه. قوله: (قال تعالى) أي ردا عليهم.\rقوله: وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أي لا يليق به ذلك ولا يتأتى، لاستحالته عليه عقلا ونقلا، لأن الولد علامة الضعف والحدوث.\rقوله: لَقَدْ أَحْصاهُمْ أي أحاط بهم علمه. قوله: وَعَدَّهُمْ عَدًّا","part":2,"page":416},{"id":1018,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 417\rآتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (95) بلا مال ولا نصير يمنعه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (96) فيما بينهم يتوادون ويتحابون ويحبهم اللّه تعالى فَإِنَّما يَسَّرْناهُ أي القرآن بِلِسانِكَ العربي لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ الفائزين بالإيمان وَتُنْذِرَ بخوف بِهِ قَوْماً لُدًّا (97) جمع ألد أي جدل بالباطل وهم كفار مكة وَكَمْ أي كثيرا أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ أي أمة من الأمم الماضية بتكذيبهم الرسل هَلْ تُحِسُ تجد مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (98) صوتا خفيا؟ لا؛ فكما أهلكنا أولئك نهلك هؤلاء.\r______________________________\rأي عد أشخاصهم وأنفاسهم وأفعالهم، فلا يخفى عليه شيء من أمورهم. قوله: (مبلغ جميعهم) راجع لقوله: وَعَدَّهُمْ وقوله: (و لا واحد منهم) راجع لقوله: أَحْصاهُمْ فكأنه قال: أحاط بهم علمه جمعا وفرادى.\rقوله: فَرْداً أي منفردا.\rقوله: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا أي في الدنيا والآخرة، والتنوين للتعظيم، أي ودا عظيما، فكلما عظمت طاعاتهم، عظم ودهم لربهم ولأحبابه، وعبر بالرحمن لعظم تلك النعمة، فإن المحبة رأس الإيمان وأساسه، لما في الحديث: «ألا لا إيمان لمن لا محبة له، فمن أعطي المحبة للّه ولأحبابه، فقد أعطي خير الدنيا والآخرة»، لأن المحبة حكمه إيجاد الخلق، لما في الحديث القدسي «فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فبي عرفوني» وبالجملة فالمحبة أمرها عظيم، ولذا كان تنافس العارفين فيها، فكل من عظمت معرفته، ازداد محبة وشغفا، وعبر بأداء الاستقبال، لأن المؤمنين كانوا بمكة في مبدأ الإسلام مفرقين، فوعد اللّه رسوله، بأن يؤلف بين قلوب المؤمنين، ويضع فيها المحبة، فهذه الآية نزلت في مبدإ الإسلام تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، ووُدًّا بضم الواو للسبعة، وقرىء بفتحها وكسرها فهو مثلث.\rقوله: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ أي أنزلناه ميسرا. قوله: (العربي) أي فالمراد باللسان اللغة العربية. قوله:\r(جمع ألد) أي شديد الخصومة.\rقوله: وَكَمْ أَهْلَكْنا الخ، تخويف لهم وتسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: هَلْ تُحِسُ بضم التاء وكسر الحاء من أحس رباعيا، والاستفهام إنكاري، كما أشار له بقوله: (لا)، وقرىء شذوذا بفتح التاء وضم الحاء أو كسرها. قوله: مِنْهُمْ حال من أَحَدٍ لأنه نعت نكرة قدم عليها.\rقوله: (صوتا خفيا) أي والمعنى استأصلناهم بالهلاك جميعا، حتى لا يرى منهم أحد، ولا يسمع له صوت خفي.\r***","part":2,"page":417},{"id":1019,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 418\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة طه مكيّة وهي مائة وخمس وثلاثون آية أو وأربعون أو واثنتان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طه (1) اللّه أعلم بمراده بذلك ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ يا محمد لِتَشْقى (2) لتتعب بما فعلت بعد نزوله من طول قيامك بصلاة الليل أي خفف عن\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة طه\rمكية وهي مائة وخمس وثلاثون آية أو وأربعون أو واثنتان أي كلها، وقيل إلا فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ الآية، وهذه السورة نزلت قبل إسلام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، وكانت سببا فيه.\rقوله: (و أربعون) الخ، أي فالخلاف في سبع آيات أو خمس. قوله:\r(اللّه أعلم بمراده بذلك) أشار بذلك إلى أن طه حروف مقطعة استأثر اللّه بعلمها، وقيل إن طه اسم من أسماء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حذف منه حرف النداء، وقيل إنه فعل أمر، وأصله طاها، والمعنى طأ الأرض بقدميك معا؛ خوطب به لما كان يشدد على نفسه في تهجده، حيث كان يقوم الليل كله، ويقف على إحدى رجليه، ويريح الأخرى من شدة التعب، فأمره اللّه بالتخفيف على نفسه، فكان يصلي وينام ويقوم على رجليه معا.\rقوله: (من طول قيامك) بيان لما، وقيل إن معنى لِتَشْقى لتتعب نفسك بتأسفك على كفر من كفر، فإنما عليك البلاغ، فأرح نفسك من هذا التعب، فإنا أنزلنا القرآن لمن يذكر ويخشى، وقيل إنه رد وتكذيب للكفرة، حيث قالوا لما رأوا كثرة عبادته وتهجداته: إنك لتشقى بترك ديننا، وإن القرآن أنزل عليك لتشقى به. قوله: (لكن) أشار بذلك إلى أن الاستثناء منقطع، لأن التذكرة ليست","part":2,"page":418},{"id":1020,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 419\rنفسك إِلَّا لكن أنزلناه تَذْكِرَةً به لِمَنْ يَخْشى (3) يخاف اللّه تَنْزِيلًا بدل من اللفظ بفعله الناصب له مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (4) جمع عليا ككبرى وكبر، هو الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ وهو في اللغة سرير الملك اسْتَوى (5) استواء يليق به لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما من المخلوقات وَما تَحْتَ الثَّرى (6) هو التراب الندي والمراد الأرضون السبع لأنها تحته وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ في ذكر أو دعاء فاللّه غني عن الجهر به فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (7) منه أي ما حدثت به النفس وما خطر ولم تحدث به، فلا تجهد نفسك بالجهر اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (8) التسعة والتسعون الوارد بها الحديث، والحسنى مؤنث الأحسن\r______________________________\rمن جنس الشقاء. قوله: تَذْكِرَةً مفعول لأجله ولتشقى كذلك، وإنما نصب الثاني دون الأول، لأن فاعل الذكرى والإنزال هو اللّه، بخلاف الأول.\rقوله: لِمَنْ يَخْشى أي لمن في قلبه رقة يتأثر بالمواعظ. قوله: (بدل من اللفظ) أي عوض من التلفظ والنطق بفعله المقدر، والأصل نزلناه تنزيلا، فحذف الفعل وجوبا، لنيابة المصدر عنه في المعنى والعمل.\rقوله: (هو) قدره إشارة إلى أن الرَّحْمنُ خبر لمحذوف، وحينئذ فيكون نعتا مقطوعا قصد به المدح. قوله: (سرير الملك) أي الذي يجلس عليه الملك، قال تعالى في حق بلقيس قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها. قوله: (استواء يليق به) هذه طريقة السلف الذين يفوضون علم المتشابه للّه تعالى، ومن ذلك جواب الإمام مالك رضي اللّه عنه، عن معنى الاستواء على العرش في حقه تعالى، حيث قال للسائل:\rالاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، أخرجوا عني هذا المبتدع، وأما الخلف وهم من بعد الخمسمائة، فيؤولونه بمعنى صحيح لائق به سبحانه وتعالى فيقولون: إن المراد بالاستواء، الاستيلاء بالتصرف والقهر، فالاستواء له معنيان، الركوب والجلوس، والاستيلاء بالقهر والتصرف، وكلا المعنيين وارد في اللغة، يقال استوى السلطان على الكرسي، بمعنى جلس واستوى على الأقطار، بمعنى ملك وقهر، ومن الثاني قول الشاعر:\rقد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق\r\rوحينئذ، فالمتعين إطلاقه عليه تعالى بهذا المعنى هو الثاني. قوله: (من المخلوقات) بيان للثلاثة.\rقوله: (هو التراب الندي) أي الذي فيه نداوة، فإن لم يكن نديا فهو تراب، ولا يقال له ثرى.\rقوله:\rوَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ المقصود منه النهي عن الجهر، لغير أمر شرعي، كأنه يقول: إن اللّه غني عن الجهر، فلا تجهد نفسك به، فالجهر بالذكر أو الدعاء أو القراءة بقصد إسماع اللّه تعالى، إما جهل أو كفر، وإما لغرض آخر، كإرشاد العباد، وحضور القلب، ودفع الشواغل والوسوسة فهو مطلوب. قوله: (فاللّه غني) الخ، قدره إشارة إلى أن جواب الشرط محذوف، وقوله: فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ الخ، تعليل لذلك المحذوف. قوله: وَأَخْفى هو أفعل تفضيل، أي والذي هو أخفى من السر. قوله: (أي ما حدثت به النفس) الخ، هذا أحد أقوال في تفسير السر وأخفى، وقال ابن عباس: السر ما أسره ابن آدم في نفسه،","part":2,"page":419},{"id":1021,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 420\rوَهَلْ قد أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (9) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ لامرأته امْكُثُوا هنا وذلك في مسيره من مدين طالبا مصر إِنِّي آنَسْتُ أبصرت ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ شعلة في رأس فتيلة أو عود أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (10) أي هاديا يدلني على الطريق وكان أخطأها\r______________________________\rوأخفى ما أخفى على ابن آدم مما هو فاعله وهو لا يعلمه، فاللّه يعلم ذلك كله، وعلمه فيما مضى من ذلك وما يستقبل علم واحد، وجميع الخلائق في علمه كنفس واحدة. قوله: (فلا تجهد) بفتح التاء والهاء، أو ضم التاء وكسر الهاء من جهد وأجهد، أي لا تتعب نفسك بالجهر، بقصد إسماع اللّه تعالى، وهذا نهي له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمراد به غيره. قوله: (و الحسنى مؤنث الأحسن) أي فهو اسم تفضيل، يوصف بها الواحد من المؤنث والجمع من المذكر الغير العاقل كما هنا.\rقوله: وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى استفهام للتشويق والتقرير في ذهن السامع، والجملة مستأنفة، خطاب لسيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، كأن اللّه يقول له: إنا أرسلناك بالتوحيد، ولا غرابة في ذلك، فإنه أمر مستمر فيما بين الأنبياء، كابرا عن كابر، وقد خوطب به موسى حيث قيل له: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وبه ختم موسى مقالته حيث قال: إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فالمقصود من الاستفهام، تشويق السامع ليتلقى ما ذكر بتطلع والتفات وحضور قلب، لا حقيقته، فإنه مستحيل عليه تعالى، أو أن هَلْ بمعنى (قد) كما قال المفسر.\rقوله: إِذْ رَأى ناراً ظرف لحديث. قوله: (امرأته) أي وهي بنت شعيب واسمها صفورا، وقيل صفوريا، وقيل صفورة واسم أختها ليا، وقيل شرفا، وقيل عبدا، واختلف في التي تزوجها، فقيل هي الصغرى، وقيل الكبرى، وتقدم ذلك.\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 2 420\r\rقوله: إِذْ رَأى ناراً ظرف لحديث. قوله: (امرأته) أي وهي بنت شعيب واسمها صفورا، وقيل صفوريا، وقيل صفورة واسم أختها ليا، وقيل شرفا، وقيل عبدا، واختلف في التي تزوجها، فقيل هي الصغرى، وقيل الكبرى، وتقدم ذلك.\rقوله: امْكُثُوا إنما أتى بجمع الذكور، وإن كان الخطاب لامرأته، تعظيما أو مراعاة لمن معها من الخدم والأولاد. قوله: (و ذلك في مسيره) الخ، روي أنه عليه السّلام، استأذن شعيبا عليه السّلام في الخروج إلى أمه وأخيه بمصر، فخرج بأهله وأخذ على غير الطريق، مخافة من ملوك الشام، فلما وافى وادي طوى، وهو الجانب الغربي من الطور الذي هو بفلسطين، لأنه هو الذي على يمين المتوجه من مدين، وقيل هو الذي بين مصر وأيلة، ورد بأنه على يسار المتوجه من مدين إلى مصر كما هو مشاهد، وقد قال تعالى:\rوَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ ولد له ولد في ليلة مظلمة شاتية باردة، وكانت ليلة الجمعة، وقد أخطأ الطريق، وتفرقت ماشيته ولا ماء عنده، وقدح زنده فلم يخرج نارا، فبينما هو في ذلك، إذ رأى عن يسار الطريق من جانب الطور نارا، فأمر أهله بالمكث، لئلا يتبعوه فيما عزم عليه من الذهاب إلى النار كما هو المعتاد، لا لئلا ينتقلوا إلى موضع آخر، فإنه مما لا يخطر بالبال، فلما وصل إلى تلك النار التي أبصرها، خاطبه اللّه وأرسله إلى فرعون، وخلف أهله في الموضع الذي تركهم فيه، فلم يزالوا مقيمين فيه، حتى مر بهم راع من أهل مدين، فعرفهم فحملهم إلى شعيب، فمكثوا عنده، حتى جاوز موسى ببني إسرائيل البحر، وغرق فرعون وقومه، فبعثهم شعيب إلى موسى بمصر.\rقوله: إِنِّي آنَسْتُ من الإيناس وهو الإبصار، ومنه إنسان العين لأنه يبصر الأشياء. قوله: أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً أو مانعة خلو يجوز الجمع، وعلى بمعنى عند، أي عند النار. قوله: (و كان أخطأها)","part":2,"page":420},{"id":1022,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 421\rلظلمة الليل، وقال لعل لعدم الجزم بوفاء الوعد فَلَمَّا أَتاها وهي شجرة عوسج نُودِيَ يا مُوسى (11) إِنِّي بكسر الهمزة بتأويل نودي بقيل وبفتحها بتقدير الباء أَنَا تأكيد لياء المتكلم رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ المطهر أو المبارك طُوىً (12) بدل أو عطف بيان بالتنوين وتركه مصروف باعتبار المكان وغير مصروف للتأنيث باعتبار البقعة مع العلمية وَأَنَا اخْتَرْتُكَ من قومك فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (13) إليك مني إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (14) فيها إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها عن الناس ويظهر لهم قربها بعلاماتها لِتُجْزى فيها كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (15) به من خير أو شر فَلا يَصُدَّنَّكَ يصرفنك عَنْها\r______________________________\rأي لأنه سار على غير الطريق، مخافة من ملوك الشام. قوله: (لعدم الجزم بوفاء الوعد) لأنه لا يدري ما يفعل اللّه به.\rقوله: فَلَمَّا أَتاها أي النار التي آنسها. قوله: (و هي شجرة عوسج) هذا أحد أقوال فيها، وقيل عليق، وقيل عناب. قوله: نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ هذا أول المكالمة بينه وبين اللّه تعالى، وآخرها قوله فيما يأتي أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى وهذا بالنسبة لهذه الواقعة، وإلا فله مكالمات أخر، وسمع الكلام بكل أجزائه من جميع جهاته، حتى أن كل جارحة منه كانت أذنا.\rقوله:\rفَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ أي تواضعا للّه، ومن ثم كان السلف يطوفون بالكعبة حفاة، وقيل أمر بخلعهما لنجاستهما، لأنهما كانا من جلد حمار ميت لم يدبغ، روي أنه خلعهما وألقاهما خلف الوادي. قوله:\r(بالتنوين وتركه) هما قراءتان سبعيتان.\rقوله: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ أي للنبوة والرسالة، وكان عمره إذ ذاك أربعين سنة، كما سيأتي عند قوله تعالى: ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى.\rقوله: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ بدل مما يوحى، وهو إشارة للعقائد العقلية، وقوله: فَاعْبُدْنِي إشارة للأعمال الفرعية، وقوله: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ إشارة للعقائد السمعية، فقد اشتمل ذلك على جملة الدين.\rقوله: وَأَقِمِ الصَّلاةَ خصها بالذكر، وإن كانت داخلة في جملة العبادات، لعظم شأنها واحتوائها على الذكر، وشغل القلب واللسان والجوارح، فهي أفضل أركان الدين بعد التوحيد. قوله: لِذِكْرِي (فيها) أي لتذكرني فيها، لأنها مشتملة على كلامي وغيره من أنواع الذكر.\rقوله: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أي حاصلة ولا بد، وسميت ساعة لأنها تأتي في ساعة، أي قطعة من الزمان. قوله: أَكادُ أُخْفِيها أي أريد إخفاء وقتها، والحكمة في إخفاء وقتها وإخفاء الموت، أن اللّه تعالى، حكم بعدم قبول التوبة عند قربها وفي الغرغرة، فلو عرف الخلق وقتهما، لاشتغلوا بالمعاصي إلى قرب ذلك الوقت، ثم يتوبون فيتخلصون من عقاب المعصية، فتعريف وقتهما كالإغراء بفعل المعاصي.\rقوله: (بعلاماتها) أي أماراتها، وأول العلامات الصغرى بعثة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وآخرها ظهور المهدي.\rقوله: لِتُجْزى إما متعلق بأخفيها أو بآتية، وقوله: أَكادُ أُخْفِيها جملة معترضة بين المتعلق والمتعلق.\rقوله: بِما تَسْعى ما موصولة، وجملة تَسْعى صلته، والعائد محذوف قدره المفسر بقوله: (به)\rوقوله: (من خير وشر) بيان لما قوله: فَلا يَصُدَّنَّكَ الخطاب لموسى، والمراد غيره، والفعل مبني على","part":2,"page":421},{"id":1023,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 422\rأي عن الإيمان بها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ في إنكارها فَتَرْدى (16) أي فتهلك إن انصددت عنها وَما تِلْكَ كائنة بِيَمِينِكَ يا مُوسى (17) الاستفهام للتقرير ليرتب عليه المعجزة فيها قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا أعتمد عَلَيْها عند الوثوب والمشي وَأَهُشُ أخبط ورق الشجر بِها ليسقط عَلى غَنَمِي فتأكله وَلِيَ فِيها مَآرِبُ جمع مأرب مثلث الراء أي حوائج أُخْرى (18) كحمل الزاد والسقاء وطرد الهوام زاد في الجواب بيان حاجاته بها قالَ أَلْقِها يا مُوسى (19) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ ثعبان عظيم تَسْعى (20) تمشي على بطنها سريعا\r______________________________\rالفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. قوله: فَتَرْدى منصوب بفتحة مقدرة على الألف، بأن مضمرة بعد فاء السببية في جواب النهي.\rقوله: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى أي بعد أن خلع عليه خلعة النبوة والرسالة، بسط له الكلام، ليزداد حبا وشغفا، ويؤيده بالمعجزات الباهرة، وما اسم استفهام مبتدأ وتِلْكَ اسم إشارة خبر، وقوله: بِيَمِينِكَ متعلق بمحذوف حال، والعامل فيه معنى الإشارة، وهذا أحسن من جعل تلك اسما موصولا بمعنى التي، وبيمينك صلتها، لأنه ليس مذهب البصريين. قوله: (الاستفهام للتقرير) أي فحكمة الاستفهام كون موسى يقر ويعترف بصفات تلك العصا، فيمنحه فوق ما يعلم منها، وليس المراد حقيقة الاستفهام الذي هو طلب الفهم، فإنه مستحيل عليه تعالى لعلمه بها.\rقوله: قالَ هِيَ عَصايَ أي وكانت من آس الجنة، نزل بها آدم منها، ثم ورثها شعيب، فلما زوجه ابنته، أمرها أن تعطيه عصا يدفع بها السباع عن غنمه، وكانت عصا الأنبياء عنده، فوقع في يدها عصا آدم، فأخذها موسى بعلم شعيب، وإنما زاد في الجواب، لأن المقام مقام مباسطة وخطاب الحبيب، ولا شك أن الزيادة في الجواب في هذا المقام، مما يريح الفؤاد، وإلا فكان يكفيه أن يقول هي عصاي.\rقوله: (عند الوثوب) أي النهوض للقيام. قوله: وَأَهُشُ بضم الهاء، من هش يهبش، بمعنى خبط الشجر ليسقط ورقه، وأما هش يهش بكسر الهاء، فيقال على اللين والاسترخاء وسرعة الكسر والبشاشة.\rقوله: وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى أجمل في هذا الجواب، إما حياء من اللّه تعالى لطول الكلام، أو اتكالا على علمه تعالى. قوله: (كحمل الزاد) أشار بالكاف إلى أن لها منافع أخرى، فكان يستقي بها الماء من البئر، فيجعلها موضع الحبل، وكل شعبة من شعبتيها تصير دلوا ممتلئا، وكانت تماشيه وتحادثه، وكان يضرب بها الأرض، فيخرج له ما يأكله يومه، ويركزها فيخرج الماء، فإذا رفعها ذهب الماء، وكان إذا اشتهى ثمرة ركزها، فتغصن غصنين، فصارت شجرة وأورقت وأثمرت، وكانت شعبتاها تضيئان بالليل كالسراج، وإذا ظهر له عدو كانت تحاربه.\rقوله: فَأَلْقاها أي طرحها على الأرض. قوله: فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى عبر عنها بالحية، وفي آية أخرى بثعبان، وفي أخرى بأنها كالجان، ووجه الجمع أشار له المفسر بقوله: (تمشي على بطنها سريعا كسرعة الثعبان) الخ. والحاصل أن تسميتها حية باعتبار كونها ثعبانا عظيما، وجانا باعتبار سرعة مشيها. قوله: (المسمى بالجان) أي وهو الثعبان الصغير، وأما الجن فهو النوع المعروف.","part":2,"page":422},{"id":1024,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 423\rكسرعة الثعبان الصغير المسمى بالجان المعبر به فيها في آية أخرى قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ منها سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا منصوب بنزع الخافض أي إلى حالتها الْأُولى (21) فأدخل يده في فمها فعادت عصا وتبين أن موضع الإدخال موضع مسكها بين شعبتيها وأرى ذلك اليد موسى لئلا يجزع إذا انقلبت حية لدى فرعون وَاضْمُمْ يَدَكَ اليمنى بمعنى الكف إِلى جَناحِكَ أي جنبك الأيسر تحت العضد إلى الإبط وأخرجها تَخْرُجْ خلاف ما كانت عليه من الأدمة بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي برص تضيء كشعاع الشمس تغشي البصر آيَةً أُخْرى (22) وهي وبيضاء حالان من ضمير تخرج لِنُرِيَكَ بها إذا إذا فعلت ذلك لإظهارها مِنْ آياتِنَا الآية الْكُبْرى (23) أي العظمى على رسالتك وإذا أراد عودها إلى حالتها الأولى ضمها إلى جناحه كما تقدم وأخرجها اذْهَبْ رسولا إِلى فِرْعَوْنَ ومن معه إِنَّهُ طَغى (24) جاوز الحد في كفره\r______________________________\rقوله: قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ إنما حصل له الخوف، لأن صورتها هائلة، فشعبتاها صارتا شدقين لها، والمحجن عنقها، وعيناها تتقدان نارا تمر بالشجرة العظيمة فتلقمها، وتقطع الشجرة العظيمة بأنيابها، ويسمع لأنيابها صوت عظيم، فظن أنها سطوة من اللّه عليه، فولى مدبرا ولم يعقب، فلما قال اللّه له: خُذْها وَلا تَخَفْ تبين له أنها نعمة لا نقمة. قوله: (فأدخل يده) أي مكشوفة، وقيل كان عليه مدرعة صوف، فلما قال له خذها، لف كم المدرعة على يده، فأمره اللّه أن يكشف يده وقال: أرأيت لو أذن اللّه لها، أكانت المدرعة تغني عنك شيئا؟ قال: لا، ولكني ضعيف، من الضعف خلقت، فكشف عن يده ثم وضعها في فم الحية. قوله: (و تبين) هو فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على موسى أي علم قوله: (أن موضع) الخ، في محل المفعول به. قوله: (موضع مسكها) أي الاتكاء عليها، والمعنى أنه لما وضع يده في فمها، وانقلبت عصا ويده بحالها، رأى محل يده هو ما بين الشعبتين، فالشعبتان صارتا شدقين، وصار ما تحتهما وهو محل مسكها بيده عنقا لها. قوله: (و رأى ذلك) أي بصر اللّه موسى قلبها حية في ذلك الوقت لئلا يجزع، الخ. قوله: (لدى فرعون) أي عنده. قوله: (بمعنى الكف) أي لا بمعنى حقيقتها، وهي من الأصابع إلى المنكب. قوله: (تحت العضد) بيان للمراد من الجنب، وقوله: (إلى الإبط) أي من المرفق منتهيا إلى الإبط. قوله: (من الأدمة) أي السمرة.\rقوله: مِنْ غَيْرِ سُوءٍ متعلق بتخرج، وهذا يسمى عند أهل البيان احتراسا وهو أن يؤتى بشيء يرفع توهم غير المراد، لأن البياض قد يراد به البرص والبهق. قوله: (تضيء كشعاع الشمس) أي فكان إذا أدخل يده اليمنى في جيبه، وأدخلها تحت إبطه الأيسر وأخرجها، كان لها نور ساطع، يضيء بالليل والنهار، كضوء الشمس والقمر وأشد ضوءا، ثم إذا ردها إلى جيبه، صارت إلى لونها الأول.\rقوله:\r(الآية) الْكُبْرى قدره إشارة إلى أن الْكُبْرى صفة لمحذوف مفعول ثان لقوله نريك، والكاف مفعول أول، والكبرى اسم تفضيل، والمعنى التي هي أكبر من غيرها، حتى من العصا، لأنها لم تعارض أصلا، وأما العصا فقد عارضها السحرة.\rقوله: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ أي بهاتين الآيتين، وهما العصا واليد، روي أن اللّه تعالى قال","part":2,"page":423},{"id":1025,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 424\rإلى ادعاء الإلهية قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وسعه لتحمل الرسالة وَيَسِّرْ سهل لِي أَمْرِي (26) لأبلغها وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (27) حدثت من احتراقه بجمرة وضعها بفيه وهو صغير يَفْقَهُوا يفهموا قَوْلِي (28) عند تبليغ الرسالة وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً معينا عليها مِنْ أَهْلِي (29) هارُونَ مفعول ثان أَخِي (30) عطف بيان اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) أي الرسالة والفعلان بصيغتي الأمر والمضارع المجزوم وهو جواب الطلب كَيْ نُسَبِّحَكَ تسبيحا كَثِيراً (33) وَنَذْكُرَكَ ذكرا كَثِيراً (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا\r______________________________\rلموسى عليه السّلام: اسمع كلامي، واحفظ وصيتي، وانطلق برسالتي، فإنك بعيني وسمعي، وإن معك يدي ونصري، وإني ألبسك جبة من سلطاني، تستكمل بها القوة في أمرك، أبعثك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا، حتى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي، أقسم بعزتي، لو لا الحجة التي وضعت بيني وبين خلقي، لبطشت به بطشة جبار، ولكن هان علي وسقط من عيني، فبلغه رسالتي، وادعه إلى عبادتي، وحذره نقمتي، وقل له قولا لينا، لا يغتر بلباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي، لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي، فسكت موسى سبعة أيام لا يتكلم، ثم جاءه الملك فقال له: أجب ربك فيما أمرك،\rفعند ذلك قال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي الخ. قوله: (وسعه لتحمل الرسالة) أي فإنك كلفتني بأمر عظيم، لا يقوى عليه إلا من شرحت صدره وقويته.\rقوله: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي أي لكنة حاصلة فيه، وقد أجيب بحلها، فعاد لفصاحته الأصلية، وهذا هو الأحسن، وقيل زال بعضها بدليل قوله هو أفصح مني لسانا، وقول فرعون ولا يكاد يبين، ورد بأن معنى هو أفصح، أنه لم يطرأ عليه لكنة، وقول فرعون باعتبار ما يعهده منه. قوله: (بجمرة وضعها) الخ، أي وذلك أن موسى لاعبه فرعون ذات يوم، فنتف لحيته ولطمه على وجهه، فاغتم وهم بقتله، فقالت له زوجته آسية بنت مزاحم: مثل هذا الغلام لا يغتم منه، لا يفرق بين الثمرة والجمرة، فأتى له بطشت فيه تمر، وقيل جوهر، وبطشت فيه جمر، فأراد أن يأخذ الثمرة أو الجوهر، فأخذ جبريل بيده ووضعها على الجمر، فأخذ جمرة ووضعها على فيه فاحترق لسانه، وصار فيه لكنة.\rقوله: يَفْقَهُوا قَوْلِي مجزوم في جواب الدعاء.\rقوله: وَزِيراً من الوزر وهو الثقل، سمي بذلك لأنه يتحمل مشاق الملك، ويعينه على أموره ويقوم بها. قوله: (مفعول ثان) أي والأول وزيرا، والأحسن عكسه، بأن يجعل وَزِيراً مفعولا ثانيا مقدما،\rوهارُونَ مفعول أول مؤخر، لأن القاعدة إذا اجتمع معرفة ونكرة، يجعل المفعول الأول هو المعرفة، لأن أصله المبتدأ، والنكرة المفعول الثاني، لأن أصله الخبر، ووزيرا نكرة، وهارون معرفة بالعلمية. قوله: (و الفعلان بصيغتي الأمر والمضارع) الخ، حاصل ما هنا، أن القراآت السبعية خمس، اثنتان عند الوقف على ياء أخي، وعما قراءة الفعلين بصيغتي الأمر، فتضم الهمزة في الأول، وتفتح في الثاني، والمضارع فتفتح في الأول، وتضم في الثاني، وثلاثة عند وصل أخي بما بعده، وهي أن تسكن الياء ممدودة قدر الفين، مع قراءة الفعلين بالمضارع أو تفتحها، والفعلان بالأمر، أو تحذفها وهما بالأمر أيضا. قوله: (و هو جواب الطلب) أي وهو اجعل لي.\rقوله:\rكَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً تعليل لكل من الأفعال الثلاثة التي هي: اجعل واشدد وأشرك.","part":2,"page":424},{"id":1026,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 425\rبَصِيراً (35) عالما فأنعمت بالرسالة قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (36) منا عليك وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (37) إِذْ للتعليل أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ مناما إو إلهاما لما ولدتك وخافت أن\r______________________________\rقوله: قالَ قَدْ أُوتِيتَ أي جوابا لمطلوباته، وقوله: سُؤْلَكَ أي مسؤولك، ففعل بمعنى مفعول، كأكل وخبز، بمعنى مأكول ومحبوز. قوله: يا مُوسى خاطبه باسمه، إشعارا بمحبته، وتعظيم شأنه، ورفعة قدره صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (منا عليك) أي تفضلا حاصلا عليك، وقدره دخولا على ما بعده.\rقوله:\rوَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ استئناف مسوق لزيادة الطمأنينة لموسى، كأن اللّه يقول له: إنا قد مننا عليك بمنن سابقة، من غير دعاء منك ولا طلب، فلأن نعطيك ما تطلبه بالأولى، وصدر الجملة بالقسم، زيادة في الاعتناء بشأنه. قوله: مَرَّةً أُخْرى تأنيث آخر بمعنى غير، أي تحققت منتنا عليك مرة أخرى، غير المنة التي تحققت لك بسؤالك، والمراد بالمنة الجنس الصادق بالمنن الكثيرة. قوله: (للتعليل) أي لقوله مننا، والمعنى لأننا أوحينا إلى أمك الخ، ويصح أن تكون للظرفية، والمعنى ولقد مننا عليك وقت إيحائنا إلى أمك الخ، وحاصل ما ذكره من المنن من غير سؤال ثمانية: الأولى قوله: إِذْ أَوْحَيْنا الثانية قوله: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ. الثالثة قوله: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي. الرابعة قوله: فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ. الخامسة قوله: وَقَتَلْتَ نَفْساً. السادسة قوله: وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً السابعة قوله: فَلَبِثْتَ سِنِينَ. الثامنة قوله: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي.\rقوله: إِلى أُمِّكَ أي واسمها يوحانذ بياء مضمومة فواو ساكنة بعدها حاء مهملة فألف فنون مكسورة فذال معجمة. قوله: (مناما أو إلهاما) أي أو يقظة، ولا ينافيه كونها ليست نبية، فإن المخصوص بالأنبياء الوحي بالشرائع والتكاليف، وأما الوحي بغير الشرع فجائز حتى للنساء، كما وقع لمريم أم عيسى. قوله: (لما ولدتك) أي في السنة التي رتب فرعون اتباعه، لذبح كل من يولد من الذكور في تلك السنة، وذلك أن فرعون رأى رؤيا هالته، فقصها على الكهنة، فعبرت له بمولود يكون زوال ملكه على يديه، فأمر أتباعه بأن يذبحوا كل من يولد من الذكور، حتى شق الأمر، فأبقى القتل في سنة ورفعه في سنة، فصادف ولادة موسى، في السنة التي فيها القتل، فلما ولد، جاء أتباع فرعون يفتشون عن المولود، فوضعته أمه في التنور، فجاءت أخته وأوقدته، ففتشوا عليه فلم يجدوه، فخرجوا من عندها، فنظرت إلى التنور فوجدته موقدا، فخافت عليه، فناداها من التنور فأخرجته سالما، فأوحى اللّه إليها أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم، فأخذت صندوقا وجعلت فيه قطنا ووضعته فيه، ثم طلت رأس التابوت بالقار، وألقته في اليم، فموجه البحر حتى أدخله في نهر كائن في بستان فرعون، وكان فرعون جالسا مع آسية زوجته، فأمر به فأخرج ففتح، فإذا هو صبي أحسن الناس وجها، فأحبه عدو اللّه حبا شديدا، حتى إنه لم يقدر على بعده عنه، وذلك قوله تعالى: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي. قوله: ما يُوحى أبهمه للتعظيم كقوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ. قوله: (في أمرك) أي شأنك. قوله: (و يبدل منه) أي بدل مفصل من مجمل. قوله: (أي شاطئه) المراد قربه، لأن الصندوق أخذ من نفس البحر قريبا من البر. قوله: (و الأمر بمعنى الخبر) أي وحكمة العدول عنه، لما كان ألقاه البحر إياه بالساحل، أمرا واجب الحصول لتعلق الإرادة به، نزل البحر منزلة شخص مطيع، أمره اللّه بأمر لا يستطيع مخالفته.","part":2,"page":425},{"id":1027,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 426\rيقتلك فرعون في جملة من يولد ما يُوحى (38) في أمرك ويبدل منه أَنِ اقْذِفِيهِ ألقيه فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ بالتابوت فِي الْيَمِ بحر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ أي شاطئه والأمر بمعنى الخبر يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وهو فرعون وَأَلْقَيْتُ بعد أن أخذوك عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي لتحب من الناس فأحبك فرعون وكل من رآك وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (39) تربى على رعايتي وحفظي لك إِذْ للتعليل تَمْشِي أُخْتُكَ مريم لتتعرف خبرك وقد أحضروا مراضع وأنت لا تقبل ثدي واحدة منها فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فأجيبت فجاءت بأمه فقبل ثديها فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وَلا تَحْزَنَ حينئذ وَقَتَلْتَ نَفْساً هو القبطي بمصر فاغتممت لقتله من جهة فرعون فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً اختبرناك بالإيقاع في غير ذلك وخلصناك منه فَلَبِثْتَ سِنِينَ عشرا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ بعد مجيئك إليها من مصر من عند شعيب النبي وتزوجك بابنته ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ في علمي بالرسالة وهو أربعون سنة من عمرك يا\r______________________________\rقوله: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي يحتمل أن المعنى ألقيت عليك محبة صادرة مني بأن أحببتك، فتسبب عن محبتي محبة الناس لك، ويحتمل أن المعنى، ألقيت عليك محبة خلقتها في قلوب الناس لك فأحبوك، والأول أحسن لعدم الكلفة فيه. قوله: وَلِتُصْنَعَ عطف على محذوف قدره المفسر بقوله:\r(لتحب من الناس). قوله: (تربى على رعايتي) الخ، أي فالعين هنا بمعنى الرعاية والحفظ، مجازا مرسلا من إطلاق السبب وهو نظر العين، على المسبب وهو الحفظ والرعاية، لأن شأن من ينظر للشيء بعينه، أن يحفظه ويرعاه.\rقوله: أُخْتُكَ (مريم) أي وكانت شقيقته، وهي غير أم عيسى. قوله: (لتعرف خبرك) أي فوجدتك وقعت في يد فرعون، فدلتهم على أمك حيث قالت: هَلْ أَدُلُّكُمْ الخ. قوله: (و أنت لا تقبل) الخ، أي لحكمة عظيمة، وهي وقوعك في يد أمك، لأنك لو رضعت غيرها، لاستغنوا عن أمك.\rقوله: عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ أي يكمل رضاعه، وقد أرضعته أمه، قيل ثلاثة أشهر، وقيل أربعة.\rقوله: فَرَجَعْناكَ معطوف على محذوف قدره المفسر بقوله: (فأجيبت) الخ. قوله: كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها أي تسكن وتبرد دمعة حزنها. قوله: وَلا تَحْزَنَ (حينئذ) أي حين إذ قبلت ثديها، والمراد نفي دوام الحزن. قوله: (هو القبطي) أي واسمه قاب قان، وكان طباخا لفرعون. قوله: (من جهة فرعون) أي لا من جهة قتله، فإنه كان كافرا. قوله: وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً أي خلصناك من محنة بعد أخرى، روي أن سعيد بن جبير سأل ابن عباس رضي اللّه عنهما عن هذه الآية فقال: خلصناك من محنة بعد محنة: ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، فهذه فتنة يا ابن جبير، والقته أمه في البحر، وهم فرعون بقتله، وقتل قبطيا، وآجر نفسه عشر سنين، وضل الطريق، وضلت غنمه في ليلة مظلمة، وكان عند كل واحدة، فهذه فتنة يا ابن جبير. قوله: سِنِينَ (عشرا) أي ولبث في مصر قبل قتل القبطي ثلاثين سنة، وقيل خرج من مصر وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فمكث بمدين لرعي الغنم عشر سنين، وبعدها ثماني عشرة سنة. قوله: عَلى قَدَرٍ أي مقدار من الزمان.","part":2,"page":426},{"id":1028,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 427\rمُوسى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ اخترتك لِنَفْسِي (41) بالرسالة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ إلى الناس بِآياتِي التسع وَلا تَنِيا تفترا فِي ذِكْرِي (42) بتسبيح وغيره اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (43) بادعائه الربوبية فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً في رجوعه عن ذلك لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ يتعظ أَوْ يَخْشى (44) اللّه فيرجع والترجي بالنسبة اليهما لعلمه تعالى بأنه لا يرجع قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أي يعجل بالعقوبة أَوْ أَنْ يَطْغى (45) علينا أي يتكبر قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بعوني أَسْمَعُ ما يقول وَأَرى (46) ما يفعل فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي\r______________________________\rقوله: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي أي لتشتغل بأوامري وتبليغ رسالتي، وأن تكون في حركاتك وسكناتك لي لا لغيري.\rقوله: اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي أي قد أجبناك فيما طلبت، وأعطينا أخاك الرسالة، فاذهب أنت وهو إلى فرعون وقومه. قوله: (إلى الناس) قدره إشارة إلى أنه حذف من هنا، لدلالة قوله فيما يأتي إِلى فِرْعَوْنَ عليه، كما أنه حذف فيما يأتي قوله: بِآياتِي لدلالة ما هنا عليه، ففي الكلام احتباك، حيث حذف من كل نظير ما أثبته في الآخر. قوله: بِآياتِي (التسع) المناسب للمفسر أن يقول العصا واليد، لأن باقي التسع لم يكن في المبدإ، بل كان في أثناء المدة، وعليه فجمع الآيات باعتبار ما اشتملت عليه العصا واليد من المعجزات المتعددة.\rقوله: وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي يقال ونى يني ونيا، كوعد يعد وعدا إذا فتر، وأصله تونيا، حذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها الفتحة والكسرة. قوله: (و غيره) أي كتبليغ الرسالة، وهو المقصود بالذات.\rقوله: اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ. إن قلت: ما حكمة جمعهما في ضمير واحد، مع أن هارون لم يكن حاضرا في محل المناجاة، بل كان في ذلك الوقت بمصر؟ أجيب: بأن اللّه كشف الحجاب في ذلك الوقت عن سمع هارون، حتى سمع الخطاب مع أخيه، لكن موسى سمعه من اللّه بلا واسطة، وهارون سمعه من جبريل عن اللّه، وهذا أحسن ما يقال.\rقوله: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً أي سهلا لطيفا، وقد قصه اللّه في سورة النازعات في قوله هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى فإنه دعوة في صورة عرض. قوله: (في رجوعه عن ذلك) أي عما هو فيه من ادعاء الربوبية والتكبر. قوله: (و الترجي بالنسبة إليهما) أي إلى موسى وهارون، والمعنى اذهبا مترجيين إيمانه وطامعين فيه، ولا تذهبا آيسين منه. قوله: (لعلمه تعالى بأنه لا يرجع) أي والفائدة في إرسالهما، إلزامه الحجة وقطع عذره، لجريان عادته سبحانه وتعالى، أنه لا يعذب أحدا، إلا بعد تبليغه الدعوة وعناده بعد ذلك.\rقوله: قالا رَبَّنا أسند القول لهما لأنه وقع من كل منهما، وإن كان مكانهما مختلفا لما تقدم، أنه لا مانع من إزالة الحجاب عن هارون، وسماعه من جبريل ما قيل لموسى وقت المناجاة.\rقوله: (أو يعجل بالعقوبة) أي فلا يصير إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة. قوله: أَوْ أَنْ يَطْغى أي يزداد تكبرا وكفرا، وأو مانعة خلو تجوز الجمع.\rقوله: قالَ لا تَخافا أي لا تنزعجا منه.\rقوله: فَأْتِياهُ أي اذهبا بأنفسكما إليه، ولا تقعدا في مكان وترسلا له. قوله: فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ أمرهما اللّه أن يقولا له ست جمل، أولها قوله: إِنَّا","part":2,"page":427},{"id":1029,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 428\rإِسْرائِيلَ إلى الشام وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي خل عنهم من استعمالك إياهم في أشغالك الشاقة كالحفر والبناء وحمل الثقيل قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ بحجة مِنْ رَبِّكَ على صدقنا بالرسالة وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (47) أي السلامة له من العذاب إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ ما جئنا به وَتَوَلَّى (48) أعرض عنه. فأتياه وقالا له جميع ما ذكر قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (49) اقتصر عليه لأنه الأصل ولإدلاله عليه بالتربية قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ من الخلق خَلْقَهُ الذي هو عليه متميز به عن غيره ثُمَّ هَدى (50) الحيوان منه إلى مطعمه ومشربه ومنكحه وغير ذلك قالَ فرعون فَما بالُ حال الْقُرُونِ الأمم الْأُولى (51) كقوم نوح وهود ولوط وصالح في عبادتهم الأوثان قالَ موسى عِلْمُها أي علم حالهم محفوظ عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ هو اللوح المحفوظ يجازيهم عليها يوم القيامة لا يَضِلُ يغيب رَبِّي عن شيء وَلا يَنْسى (52) ربي شيئا هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ في جملة الخلق الْأَرْضَ مَهْداً فراشا\r______________________________\rرَسُولا رَبِّكَ. الثانية قوله: فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ. الثالثة: وَلا تُعَذِّبْهُمْ الرابعة: قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ. الخامسة: وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى. السادسة: إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى. قوله: فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ أي أطلقهم من أسرك ولا تتول عليهم، فإنهم أولاد الأنبياء، ولا يليق أن يولى عليهم خسيس، والمعنى أن موسى وهارون أرسلا إلى فرعون، بأنه يؤمن باللّه وحده، ولا يتولى على بني إسرائيل. قوله: (بحجة) أي دليل وبرهان على ما ادعيناه من الرسالة.\rقوله: (فأتياه وقالا له جميع ما ذكر) قدر ذلك إشارة إلى أن قوله: قالَ فَمَنْ رَبُّكُما الخ، مرتب على محذوف وإشعارا بأنهما سارعا إلى امتثال الأمر من غير توان فيه.\rقوله: فَمَنْ رَبُّكُما لم يضف الرب لنفسه تكبرا وطغيانا وخوفا على قومه، إذ أضاف الرب لنفسه أن يميلوا لموسى. قوله: (اقتصر عليه) أي على توجيهه الخطاب لهما. قوله: (لأنه الأصل) أي في الرسالة، وهارون وإن كان رسولا، إلا أن المقصود منه معاونة موسى. قوله: (و لإدلاله عليه بالتربية) أي ولإقامة فرعون الدليل على موسى، بأن ذكره بتربيته له في قوله الآتي في الشعراء أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً.\rقوله:\rخَلْقَهُ أي صورته وشكله. قوله: (الحيوان منه) أي من كل شيء.\rقوله: قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى لما ظهر للعين حقية ما قال موسى وبطلان ما هو عليه، أراد أن يصرفه عليه السّلام إلى ما لا يعنيه من الأمور التي لا تعلق لها بالرسالة من الحكايات، خوفا على رياسته أن تذهب، فلم يلتفت موسى عليه السّلام إلى ذلك الحديث وقال: علمها عند ربي. قوله: (في عبادتهم الأوثان) أي أكان سببا في شقاوتهم أو سعادتهم، وإنما لم يوضح له الجواب لأنه مأمور بملاطفته، فإذا وضح له الجواب ربما نفر وتغير.\rقوله: لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يذهب شيء عن علمه. قوله: وَلا يَنْسى أي بعد علمه.\rقوله: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ هذا من جملة جواب موسى عن سؤال فرعون الأول. قوله:","part":2,"page":428},{"id":1030,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 429\rوَسَلَكَ سهل لَكُمْ فِيها سُبُلًا طرقا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً مطرا، قال تعالى تتميما لما وصفه به موسى وخطابه لأهل مكة فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً أصنافا مِنْ نَباتٍ شَتَّى (53) صفة أزواجا أي مختلفة الألوان والطعوم وغيرهما وشتى جمع شتيت كمريض ومرضى من شتّ الأمر تفرق كُلُوا منها وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ فيها جمع نعم هي الإبل والبقر والغنم، يقال رعت الأنعام ورعيتها، والأمر للإباحة وتذكير النعمة، والجملة حال من ضمير أخرجنا أي مبيحين لكم الأكل ورعي الأنعام إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور هنا لَآياتٍ لعبرا لِأُولِي النُّهى (54) لأصحاب العقول جمع نهية كغرفة وغرف سمي به العقل لأنه ينهى صاحبه عن ارتكاب القبائح مِنْها أي من الأرض خَلَقْناكُمْ بخلق أبيكم آدم منها وَفِيها نُعِيدُكُمْ مقبورين بعد الموت وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ عند البعث تارَةً مرة أُخْرى (55) كما أخرجناكم عند ابتداء خلقكم وَلَقَدْ أَرَيْناهُ أي بصرنا فرعون آياتِنا كُلَّها التسع فَكَذَّبَ بها وزعم أنها سحر وَأَبى (56) أن يوحد اللّه تعالى قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا مصر ويكون لك الملك فيها بِسِحْرِكَ يا مُوسى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ يعارضه فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لذلك لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً منصوب بنزع الخافض في سُوىً (58) بكسر أوله وضمه أي وسطا\r______________________________\rمِهاداً أي كالمهاد. قوله: (طرقا) أي تسلكونها من قطر إلى قطر لتقضوا مآربكم. قوله: (قال تعالى) أشار بذلك إلى أن قوله: فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً من كلامه تعالى، لا بطريق الحكاية عن موسى، بل خطابا لأهل مكة وامتنانا عليهم، وينتهي إلى قوله: تارَةً أُخْرى وقيل إنه من كلام موسى أيضا، وفيه التفات من الغيبة للتكلم.\rقوله: (و خطابا لأهل مكة) أي في قوله: كُلُوا وَارْعَوْا. قوله: (شتى) ألفه للتأنيث. قوله: (يقال رعت الأنعام) الخ، أي فيستعمل لازما ومتعديا. قوله: (أي مبيحين لكم) المناسب أن يقول أي قائلين لكم كلوا الخ، فهو أمر إباحة. قوله: (جمع نهية) وقيل إنه اسم مفرد فهو مصدر كالهدى والسرى. قوله: (بخلق أبيكم آدم منها) أي فجميع الخلق غير آدم، خلقوا من الأرض بواسطة، وهذا أحد قولين، وقيل كل إنسان خلق من التراب بلا واسطة، لأن كل نطفة وقعت في الرحم، يأخذ الملك الموكل بها شيئا من تراب المكان الذي يدفن فيه، فيذره على النطفة، فيخلق اللّه النسمة من النطفة والتراب.\rقوله: وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها إخبار عما وقع لموسى في مدة دعائه لفرعون، وبهذا التقرير صح قول المفسر (التسع) واندفع ما يقال إن فرعون في ابتداء الأمر، لم ير إلا العصا واليد، وعليه فتكون هذه الجملة معترضة بين القصة.\rقوله: قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى أي بعد أن رأى ما رأى من معجزة العصا واليد، قال ما ذكر تسترا وخوفا على حظ رياسته لئلا يؤمن قومه.\rقوله:\rفَلَنَأْتِيَنَّكَ اللام موطئة لقسم محذوف تقديره وعزتي وكبريائي، وقوله: بِسِحْرٍ متعلق بنأتينك.\rقوله: مِثْلِهِ أي في الغرابة. قوله: مَوْعِداً الأحسن أنه ظرف زمان مفعول أول مؤخر لقوله اجعل،","part":2,"page":429},{"id":1031,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 430\rتستوي إليه مسافة الجائي من الطرفين قالَ موسى مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ يوم عيد لهم يتزينون فيه ويجتمعون وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ يجمع أهل مصر ضُحًى (59) وقته للنظر فيما يقع فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ أدبر فَجَمَعَ كَيْدَهُ أي ذوي كيده من السحرة ثُمَّ أَتى (60) بهم الموعد قالَ لَهُمْ مُوسى وهم اثنان وسبعون مع كل واحد حبل وعصا وَيْلَكُمْ أي ألزمكم اللّه الويل لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً بإشراك أحد معه فَيُسْحِتَكُمْ بضم الياء وكسر الحاء وبفتحهما أي يهلككم بِعَذابٍ من عنده وَقَدْ خابَ خسر مَنِ افْتَرى (61) كذب على اللّه فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ في موسى وأخيه وَأَسَرُّوا النَّجْوى (62) أي الكلام بينهم فيهما قالُوا لأنفسهم إِنْ هذانِ لأبي عمرو، ولغيره هذان وهو موافق للغة من يأتي في المثنى بالألف في أحواله الثلاث\r______________________________\rوقوله: بَيْنَنا مفعول ثان مقدم، وقوله: (بنزع الخافض) أي فالمعنى عين زمانا بيننا وبينك نجتمع فيه في مكان سوى أي متوسط. قوله: (بكسر أوله وضمه) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ خصه عليه السّلام بالتعيين، لمزيد وثوقه بربه وعدم مبالاته بهم، وليكون ظهور الحق على رؤوس الأشهاد، ويشيع ذلك بين كل حاضر وباد، فيكون أعظم فخر لموسى عليه السّلام. قوله: (يوم عيد لهم) أي وكان يوم عاشوراء، واتفق أنه يوم سبت. قوله: وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر معطوف على الزينة، أي ويوم حشر الناس ضحى.\rقوله: (وقته) أي وقت الضحى، وهو ارتفاع الشمس. قوله: (ادبر) أي انصرف من المجلس. قوله:\r(أي ذوي كيده) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف.\rقوله: ثُمَّ أَتى (بهم الموعد) أي في يوم الزينة في المكان المتوسط وهو الإسكندرية. قوله: (و هم اثنان وسبعون) الاثنان من القبط، والسبعون من بني إسرائيل، وهذا أحد أقوال في عددهم، وقيل كانوا اثنين وسبعين ألفا، وهو ما في بعض النسخ، وقيل اثني عشر ألفا. قوله: (مع كل واحد حبل وعصا) تقدم أنها كانت حمل أربعمائة بعير.\rقوله: (أي ألزمكم اللّه الويل) أشار بذلك إلى أن وَيْلَكُمْ منصوب بفعل محذوف، والويل معناه الدمار والهلاك. قوله: (بإشراك أحد معه) أي بسبب إشراك أحد مع اللّه، والمعنى ألزمكم اللّه الويل إن افتريتم على اللّه الكذب بسبب إشراككم مع اللّه بدوام تصديقكم لفرعون.\rقوله: (بضم الياء) الخ، أي فهما قراءتان سبعيتان، فالضم من الرباعي، والفتح من الثلاثي.\rقوله: فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ أي تناظروا وتشاوروا في أمر موسى وأخيه سرا، واختلف فيما أسروه، فقيل هو قولهم إِنْ هذانِ لَساحِرانِ الخ، وقيل هو قول بعضهم لبعض: ما هذا ساحر، فإن غلبنا اتبعناه، وإن غلبناه بقينا على ما نحن عليه. قوله: وَأَسَرُّوا النَّجْوى أي تحدثوا سرا فيما بينهم.\rقوله: (لأبي عمرو) أي فقراءته بالياء اسم إِنْ، وساحران خبرها، واللام للابتداء زحلقت للخبر، وقوله: (و لغيره) خبر مقدم، و(هذان) مبتدأ مؤخر، وقوله: (و هو موافق) أي هذان موافق لمن يعرب المثنى بحركات مقدرة على الألف، فيبني اسم الإشارة الدال عليه على الألف، وقد أجمل المفسر في قوله:","part":2,"page":430},{"id":1032,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 431\rلَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (63) مؤنث أمثل بمعنى أشرف أي بأشرافكم بميلهم إليهما لغلبتهما فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ من السحرة بهمزة وصل وفتح الميم من جمع أي لمّ وبهمزة قطع وكسر الميم من أجمع أحكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا حال أي مصطفين وَقَدْ أَفْلَحَ فاز الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (64) غلب قالُوا يا مُوسى اختر إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ عصاك أي أولا وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (65) عصاه قالَ بَلْ أَلْقُوا فألقوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ أصله عصوو قلبت الواوان ياءين وكسرت العين والصاد يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها حيات تَسْعى (66) على بطونها فَأَوْجَسَ أحس فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (67) أي خاف من جهة أن سحرهم من جنس معجزته أن يلتبس أمره على الناس فلا يؤمنوا به قُلْنا له لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (68) عليهم بالغلبة وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ وهي عصاه تَلْقَفْ تبتلع ما\r______________________________\r(و لغيره هذان). والحاصل أن القراآت السبعيات أربع: الأولى لأبي عمرو التي ذكرها المفسر، وبقي ثلاث: الأولى تشديد نون هذان مع تخفيف نون إن، والثانية والثالثة تخفيف نون هذان، مع تشديد نون إن أو تخفيفها، فعلى تشديد نون إن، يكون هذان اسمها مبنيا على الألف، وساحران خبرها، وعلى تخفيفها يكون هذان ساحران مبتدأ وخبرا، وإن مخففة، واسمها ضمير الشأن، والجملة خبر إن. قوله:\r(أي بأشرافكم) تفسير لطريقتكم، فإن من جملة معاني الطريقة، أماثل الناس وأشرافهم، أي وذلك كفرعون وجلسائه.\rقوله: فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ أي اجعلوه مجمعا بحيث لا يتخلف عنه واحد منكم. قوله: (بهمزة وصل) الخ، أي فهما سبعيتان. قوله: ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا أي لأنه أهيب في صدور الرائين.\rقوله: إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ أَنْ وما بعدها في تأويل مصدر منصوب بفعل محذوف قدره المفسر بقوله: (اختر).\rقوله: قالَ بَلْ أَلْقُوا أي ليظهر الفرق بين المعجزة والسحر.\rقوله: فَإِذا حِبالُهُمْ إذا فجائية، وحِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ مبتدأ خبره جملة يُخَيَّلُ إِلَيْهِ الخ.\rقوله: (أصله عصوو) بوزن فلوس، وقوله: (قلبت الواو ياءين) الخ، أي قلبت الثانية ياء لوقوعها متطرفة، فاجتمعت مع الواو، وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء. قوله:\r(و كسرت العين) أي اتباعا للصاد، (و الصاد) لتصح الياء. قوله: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أي لأنهم طلوها بالزئبق، فلما اشتد حر الشمس، اضطربت واهتزت، فتخيل أنها تتحرك.\rقوله: خِيفَةً أصله خوفة قلبت الواو ياء لكسر ما قبلها. قوله: (من جهة أن سحرهم) الخ، جواب عما يقال: كيف حصل له الخوف، مع علمه بأنه على الحق، ولا يصل له سوء منهم.\rقوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى فيه إشارة إلى أن لهم علوا وغلبة بالنسبة لسائر الناس، فطمنه اللّه بأمور لا تخطر بباله، فإن ابتلاع العصا لحبالهم وعصيهم، أمر لا يخطر ببال موسى.\rقوله: تَلْقَفْ بفتح اللام وتشديد القاف، أو بسكون اللام وفتح القاف، قراءتان سبعيتان. قوله: ما صَنَعُوا أي اخترعوا","part":2,"page":431},{"id":1033,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 432\rصَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ أي جنسه وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (69) بسحره فألقى موسى عصاه فتلقفت كل ما صنعوه فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً خروا ساجدين للّه تعالى وقالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (70) قالَ فرعون آمَنْتُمْ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ أنا لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ معلمكم الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ حال بمعنى مختلفة أي الأيدي اليمنى والأرجل اليسرى وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ\r______________________________\rمما لا حقيقة له. قوله: (أي جنسه) دفع بذلك ما يقال: لم لم يقل: ولا يفلح السحرة؟ بصيغة الجمع، وفيه إشارة إلى أن الكلام موجه للعموم، فكأنه قال: لا يفلح كل ساحر، سواء كان من هؤلاء، أو من غيرهم. قوله: حَيْثُ أَتى أي في أي زمان أو مكان أقبل منه. (فألقى موسى عصاه) الخ، قدره إشارة إلى أن قوله: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً مرتب على محذوف.\rقوله: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً أي إيمانا باللّه، وكفرا بفرعون، وهذا من غرائب قدرة اللّه، حيث ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين، قيل لم يرفعوا رؤوسهم من السجود، حتى رأوا الجنة والنار والثواب والعقاب، ورأوا منازلهم في الجنة. قوله: (و) قالُوا آمَنَّا قدر المفسر الواو إشارة إلى أنه معطوف على قوله: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً وفيه إيماء إلى أنهم جمعوا في الإيمان بين القول والفعل.\rقوله: قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ أي لما شاهد فرعون من السحرة السجود والإقرار، خاف أن يقتدي الناس بهم في الإيمان باللّه وحده، فألقى شبهتين: الأولى قوله: آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ أي لم تشاوروني ولم تستعينوا بنظر غيركم، بل في الحال آمنتم له، فحينئذ دل ذلك على أن إيمانكم ليس عن بصيرة، بل بسبب آخر، الثانية قوله: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ أي فأنتم أتباعه في السحر، فتواطأتم معه على أن تظهروا العجز من أنفسكم، ترويجا لأمره وتفخيما لشأنه، لتنزعوا الملك مني، وهاتان الشبهتان لا يقبلهما إلا من عنده تردد أو شك، وأما من كشف اللّه عنه الحجاب كالسحرة، فلا يدخل عليه شيء من ذلك، لظهور شمس الهدى واتضاحها لهم. قوله: (بتحقيق الهمزتين) أي الأولى وهي للاستفهام، والثانية وهي المزيدة في الفعل الرباعي، وقوله: (و إبدال الثانية ألفا) صوابه الثالثة، وهي فاء الكلمة، فيكون في كلامه إشارة لقراءة واحدة، أو يقال إن معنى قوله: (الثانية) أي في الفعل، بقطع النظر عن همزة الاستفهام، وبقيت قراءة أخرى وهي تسهيل الثانية، والثلاث سبعيات، ولا يتأتى هنا الرابعة المتقدمة في الأعراف، وهي قلب الأولى واوا، لعدم الضمة قبلها هنا، بخلاف ما تقدم، فإنها تقدمها ضمة، ونص الآية: قال فرعون أآمنتم، وأصل الفعل أأمن كأكرم بهمزتين، الأولى زائدة، والثانية فاء الكلمة، قلبت الثانية ألفا على القاعدة، قال ابن مالك:\rومدا ابدل ثاني الهمزين من ... كلمة إن يسكن كآثر وائتمن\r\rثم دخلت همزة الاستفهام. قوله: مِنْ خِلافٍ مِنْ ابتدائية أي فالقطع ابتدىء، من مخالفة العضو للعضو. قوله: (أي عليها) أشار بذلك إلى أن في الكلام استعارة تبعية، حيث شبه الاستعلاء","part":2,"page":432},{"id":1034,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 433\rالنَّخْلِ أي عليها وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا يعني نفسه ورب موسى أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (71) أدوم على مخالفته قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ نختارك عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ الدالة على صدق موسى وَالَّذِي فَطَرَنا خلقنا قسم أو عطف على ما فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ أي اصنع ما قلته إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (72) النصب على الاتساع أي فيها وتجزى عليه في الآخرة إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا من الإشراك وغيره وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ تعلما وعملا لمعارضة موسى وَاللَّهُ خَيْرٌ منك ثوابا إذا أطيع وَأَبْقى (73) منك عذابا إذا عصى، قال تعالى إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ\r______________________________\rالمطلق بالظرفية المطلقة، فسرى التشبيه من الكليات للجزئيات، فاستعيرت لفظة في الموضوعة للظرفية الخاصة، لمعنى على الموضوعة للاستعلاء الخاص بجامع التمكن في كل. قوله: (على مخالفته) متعلق بكل من أشد وأبقى.\rقوله: قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا أي قالوا ذلك غير مكترثين بوعيده لهم. قوله: مِنَ الْبَيِّناتِ أي المعجزات الظاهرة، وجمعها باعتبار ما اشتملت عليه العصا واليد من الخوارق العادات، وإنما نسب المجيء لهم، وإن كان موسى جاء بها لفرعون وقومه أيضا، لأنهم هم المنتفعون بها. قوله:\r(قسم) أي وجوابه محذوف تقديره لا نؤثرك على الحق، ولا يجوز أن يكون. قوله: لَنْ نُؤْثِرَكَ جوابه، لأن القسم لا يجاب بلن إلا شذوذا، ولا ينبغي حمل التنزيل عليه. قوله: (أو عطف على ما) أي والتقدير لن نؤثرك على الذي جاءنا من البينات، ولا على الذي فطرنا.\rقوله: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ اقض فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وما اسم موصول مفعوله، وأنت قاض صلته، والعائد محذوف تقديره الذي أنت قاضيه، وقد أشار لهذا ابن مالك بقوله:\rكذاك حذف ما بوصف خفضا ... كأنت قاض بعد أمر من قضى\r\rوهو جواب عن تهديده المذكور، كأنهم قالوا: لا نبالي بك ولا بتهديدك، فافعل ما بدا لك، ولم يثبت في الكتاب، ولا في السنة، أنه فعل ما هددهم به. قوله: (النصب على الاتساع) أي، نصب هذه المبدلة منه الحياة الدنيا على نزع الخافض.\rقوله: وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ معطوف على خَطايانا أي ويغفر لنا الذي أكرهتنا عليه من السحر. قوله: (تعلما وعملا) أي لأن فرعون كان يخبره الكهنة، بظهور مولود من بني إسرائيل، يكون زوال ملكه على يديه، فلعلهم كانوا يصفونه له بهاتين المعجزتين، فأحب أن يتهيأ لمعارضته بإكراه الناس على تعليم السحر، وإكراههم أيضا على الإتيان بهم من المدائن البعيدة، ومما يدل على كونهم مكرهين على عمله، ما روي أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى وهو نائم، ففعل، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا ساحر، فإن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى إلا أن يعارضوه. قوله: وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى رد لقوله:\rوَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى. قوله: (قال تعالى) أشار بذلك إلى أن قوله: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ الخ، مستأنف من كلامه تعالى، وقيل إنه من كلام السحرة ألهمهم اللّه إياه.\rقوله: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ","part":2,"page":433},{"id":1035,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 434\rمُجْرِماً كافرا كفرعون فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها فيستريح وَلا يَحْيى (74) حياة تنفعه وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ الفرائض والنوافل فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (75) جمع عليا مؤنث أعلى جَنَّاتُ عَدْنٍ أي إقامة بيان له تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (76) تطهر من الذنوب وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي بهمزة قطع من أسرى وبهمزة وصل وكسر النون من سرى لغتان أي سر بهم ليلا من أرض مصر فَاضْرِبْ اجعل لَهُمْ بالضرب بعصاك طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً أي يابسا فامتثل ما أمر به وأيبس اللّه الأرض فمروا فيها لا تَخافُ دَرَكاً أي أن يدركك فرعون وَلا تَخْشى (77) غرقا فَأَتْبَعَهُمْ\r______________________________\rمُجْرِماً أي بأن يموت على كفره. قوله: (فيستريح) أي من العذاب. قوله: (حياة تنفعه) أي بأن تكون هنية مرية.\rقوله: مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي تحت قصورها. قوله: وَذلِكَ أي ما تقدم من قوله:\rجَنَّاتُ عَدْنٍ الخ. قوله: (تطهر من الذنوب) أي بعدم فعلها، أو بالتوبة النصوح منها.\rقوله: وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى عطف قصة على قصة، لأن اللّه تعالى قص علينا أولا، مبدأ رسالة موسى إلى فرعون وما وقع منه، وقص علينا ثانيا منتهى أمر فرعون وجنوده، وكل ذلك عبرة للأمة المحمدية، ليعلموا أن الظالم، وإن أمهله اللّه وأمده بالنعم لا يهمله، وقد ذكرت هذه القصة هنا مختصرة، وتقدم ذكرها في الأعراف مبسوطا. قوله: بِعِبادِي أي وكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا. قوله: (لغتان) أي وهي قراءتان سبعيتان، وكان المناسب للمفسر التنبيه على ذلك. قوله: (أي سر بهم ليلا) تفسير لكل من القراءتين. قوله: (من أرض مصر) أي إلى البحر، فهو مأمور بالسير له، فلا يقال: لم لم يسر بهم في البر في طريق الشام.\rقوله: طَرِيقاً مفعول به لتضمن اضرب معنى (اجعل) كما أشار له المفسر، والمراد بالطريق جنسه، فإن الطرق كانت اثنتي عشرة بعدد أسباط بني إسرائيل. قوله: يَبَساً أي يؤول إلى ذلك، لأنه لم يكن يابسا قبل، وإنما مرت عليه الصبا فجففته. قال ابن عباس: لما أمر اللّه موسى أن يقطع بقومه البحر، وكان يوسف عهد إليهم عند موته، أن يخرجوا بعظامه معهم من مصر، فلم يعرفوا مكانها، حتى دلتهم عليها عجوز، فأخذوها وقال لها موسى: اطلبي مني شيئا، فقالت: أكون معك في الجنة، فلما خرجوا تبعهم فرعون، فلما وصل البحر وكان على حصان، أقبل جبريل على فرس أنثى، في ثلاثة وثلاثين من الملائكة فسار جبريل بين يدي فرعون، فأبصر الحصان الفرس، فاقتحم بفرعون على أثرها، فصاحت الملائكة بالقبط: الحقوا، حتى إذا لحق آخرهم، وكاد أولهم أن يخرج، التقى البحر عليهم فغرقوا، فرجع بنو إسرائيل حتى ينظروا إليهم وقالوا: يا موسى ادع اللّه أن يخرجهم لنا حتى ننظر إليهم، فلفظهم البحر إلى الساحل، فأصابوا من أمتعتهم شيئا كثيرا. قوله: لا تَخافُ العامة ما عدا حمزة وحده على الرفع، وعليه فهو جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، أو حال من فاعل اضرب، أي اضرب لهم طريقا حال كونك غير خائف، وقرأ حمزة بالجزم على أن لا ناهية، وتخف مجزوم بها، قوله: وَلا تَخْشى هو بالألف باتفاق","part":2,"page":434},{"id":1036,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 435\rفِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ وهو معهم فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِ أي البحر ما غَشِيَهُمْ (78) فأغرقهم وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ بدعائهم إلى عبادته وَما هَدى (79) بل أوقعهم في الهلاك خلاف قوله وما أهديكم إلا سبيل الرشاد يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ فرعون بإغراقه وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ فنؤتي موسى التوراة للعمل بها وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (80) هما الترنجبين والطير السمانى بتخفيف الميم والقصر، والمنادى من وجد من اليهود زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وخوطبوا بما أنعم اللّه به على أجدادهم زمن النبي موسى توطئة لقوله تعالى لهم كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ أي المنعم به عليكم وَلا تَطْغَوْا فِيهِ بأن تكفروا النعمة به فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي بكسر الحاء أي يجب وبضمها أي ينزل وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي بكسر اللام وضمها فَقَدْ هَوى (81) سقط في النار وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ من الشرك وَآمَنَ وحد\r______________________________\rالقراء فعلى رفع لا تَخافُ العطف ظاهر، وعلى الجزم فيكون قوله: وَلا تَخْشى معطوف على لا تخف مجزوما، وعلامة جزمه حذف الألف، والألف الموجودة للإشباع أتى بها موافقة للفواصل ورؤوس الآي.\rقوله: فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ أي بعد ما أرسل حاشرين يجمعون له الجيش، فجمعوا جيوشا كثيرة، حتى كان مقدمة جيشه سبعمائة ألف، فضلا عن الجناحين والقلب والساقة. قوله: بِجُنُودِهِ الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من فِرْعَوْنُ. قوله: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ أي علاهم وغمرهم من الأمر الهائل ما لم يبلغ كنهه أحد.\rقوله: وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ إخبار عن حاله قبل الغرق.\rقوله: (خلاف قوله وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) أي إنه مخالف له، فهو تكذيب لفرعون في قوله.\rقوله: قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ الخ، قدم أولا نعمة الإنجاء، ثم النعمة الدينية، ثم الدنيوية، فهو ترتيب في غاية الحسن. قوله: (فنؤتي موسى التوراة) جواب عما يقال: إن المواعدة كانت لموسى لا لهم، فكيف أضيفت لهم؟ وأجيب أيضا: بأنه أمر موسى أن يختار منهم سبعين رجلا، فأضيفت المواعدة لهم بهذا الاعتبار. قوله: (هما الترنجبين) هو شيء حلو أبيض مثل الثلج، كان ينزل عليهم في التيه من الفجر إلى طلوع الشمس، لكل إنسان صاع. قوله: (و الطير السماني) أي فكان ريح الجنوب يأتيهم به، فيذبح الرجل منهم ما يكفيه، وشربهم من العيون التي تخرج من الحجر. قوله: (و المنادى من وجد من اليهود) الخ، هذا أحد قولين، وقيل المخاطب من كان في عهد موسى. قوله: (توطئة) أي تمهيدا.\rقوله: مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ أي لذائذه وحلالاته. قوله: (بأن تكفروا النعمة) أي بعدم شكرها وبطركم لها. قوله: (بكسر الحاء) الخ، أي ففي كل قراءتان سبعيتان. قوله: (سقط في النار) أي على سبيل الخلود. قوله: (يصدق بالفرض والنفل) أي العمل الصالح يشمل كلا منهما. قوله:\r(باستمراره على ما ذكر إلى موته) أي بأن يدوم على التوبة والإيمان والأعمال الصالحة، وهو جواب عما يقال: ما فائدة ذكر الاهتداء آخرا، مع أنه داخل في عموم قوله: وَآمَنَ فأفاد المفسر أن النجاة التامة والمغفرة الشاملة، لمن حصلت منه التوبة والإيمان والأعمال الصالحة، ثم استمر عليها إلى أن لقي مولاه.","part":2,"page":435},{"id":1037,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 436\rاللّه وَعَمِلَ صالِحاً يصدق بالفرض والنفل ثُمَّ اهْتَدى (82) باستمراره على ما ذكر إلى موته وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ لمجيء ميعاد أخذ التوراة يا مُوسى (83) قالَ هُمْ أُولاءِ أي بالقرب مني يأتون عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (84) عني أي زيادة على رضاك وقيل الجواب أتى بالاعتذار بحسب ظنه وتخلف المظنون لما قالَ تعالى فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ أي بعد فراقك لهم وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ (85) فعبدوا العجل فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ من جهتهم أَسِفاً شديد الحزن قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أي صدقا\r______________________________\rقوله: وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ما استفهامية مبتدأ، وأَعْجَلَكَ خبره، وعَنْ قَوْمِكَ متعلق بأعجلك، والمعنى أي شيء جعلك متعجلا عن قومك وسابقا لهم. وحاصل ذلك، أن اللّه سبحانه وتعالى، وعد موسى ثلاثين يوما وأتمها بعشر، بعد إغراق فرعون وقومه، يصومها ولا يأكل ولا يشرب ولا ينام فيها، وأمره تعالى أن يحضر من قومه سبعين رجلا، يختارهم من بني إسرائيل، ليذهبوا معه إلى الطور، لأجل أن يأخذوا التوراة، فخرج بهم وخلف هارون على من بقي، وفي رواية أنه أمر هارون أن لا يأتي بهم عند تمام الميقات، فسار موسى بالسبعين، ثم عجل من بينهم تشوقا، إلى ربه، وخلفهم وراءه، وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل، فقال تعالى له: وَما أَعْجَلَكَ الخ، والمقصود من سؤال اللّه تعالى لموسى، إعلامه بما حصل من قومه، وإلا فيستحيل عليه تعالى السؤال لطلب الفهم. قوله: عَنْ قَوْمِكَ سياق المفسر يقتضي أن المراد بهم جملة بني إسرائيل، وأيده جماعة من المفسرين. قوله: (لمجيء ميعاد أخذ التوراة) أي لمجيئك في ميعاد أخذ التوراة.\rقوله: قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي هُمْ مبتدأ، وأُولاءِ خبر، وقوله: عَلى أَثَرِي خبر بعد خبر. قوله: (أي زيادة على رضاك) أي فسارعت إلى امتثال أمرك، طلبا لزيادة رضاك، لا لأصل الرضا، فإنه حاصل، وطلبه لا يليق بحال الأنبياء. قوله: (و قيل الجواب) أي جواب السؤال وهو قوله:\rوَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى. قوله: (أتى بالاعتذار) أي عن سبقه لقومه، وقوله: (بحسب ظنه) متعلق بالاعتذار.\rقوله: (و تخلف المظنون لما) قالَ (تعالى) أي ظهر لموسى أن ظنه تخلف حين أخبره اللّه بأن قومه قد عبدوا العجل، وهذا يؤيد ما قلناه أولا، أن المراد بالقوم جميع بني إسرائيل. قوله: (أي بعد فراقك لهم) أي بعشرين يوما، وهذا الإخبار من اللّه تعالى عند تمام الأربعين.\rقوله: وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ اسمه موسى بن ظفر، منسوب إلى سامرة قبيلة من بني إسرائيل، كان منافقا، وكان قد رباه جبريل، لأن فرعون لما شرع في ذبح الولدان، وضعته أمه في حفرة، فتعهده جبريل، وكان يغذيه من أصابعه الثلاثة، فيخرج له من إحداها لبن، ومن الأخرى سمن، ومن الأخرى عسل. قوله: فَرَجَعَ مُوسى أي بعد أن تمم الأربعين وأخذ التوراة، روي أنه لما رجع موسى، سمع الصياح والضجيج، وكانوا يرقصون حول العجل، فقال للسبعين الذين كانوا معه: هذا صوت الفتنة.\rقوله: (أنه يعطيكم التوراة) أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول ثان لقوله: يَعِدْكُمْ والأول الكاف.","part":2,"page":436},{"id":1038,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 437\rأنه يعطيكم التوراة أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ مدة مفارقتي إياكم أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَ يجب عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ بعبادتكم العجل فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86) وتركتم المجيء بعدي قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا مثلث الميم أي بقدرتنا أو أمرنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا بفتح الحاء مخففا وبضمها وكسر الميم مشددا أَوْزاراً أثقالا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ أي حلي قوم فرعون استعارها منهم بنو إسرائيل بعلة عرس فبقيت عندهم فَقَذَفْناها طرحناها في النار بأمر السامري فَكَذلِكَ كما ألقينا أَلْقَى السَّامِرِيُ (87) ما معه من حليهم ومن التراب الذي أخذه من أثر حافر فرس جبريل على الوجه الآتي فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا صاغه من الحلي جَسَداً لحما ودما لَهُ خُوارٌ أي صوت يسمع أي انقلب كذلك بسبب التراب الذي أثره الحياة فيما يوضع فيه ووضعه بعد صوغه في فمه فَقالُوا أي السامري وأتباعه هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (88) موسى ربه هنا وذهب يطلبه. قال تعالى أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي أنه يَرْجِعُ العجل إِلَيْهِمْ قَوْلًا أي لا يرد لهم جوابا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا أي دفعه وَلا نَفْعاً (89) أي فكيف يتخذ إلها؟ وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ أي قبل أن يرجع موسى يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي في عبادته وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) فيها قالُوا لَنْ نَبْرَحَ نزال عَلَيْهِ\r______________________________\rقوله: أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ المعنى إن كان الحامل لكم على عبادة العجل والمخالفة طول العهد، فإنه لم يطل، وإن كان الحامل لكم على ذلك غضب اللّه عليكم، فلا يليق من العاقل التعرض لغضب اللّه عليه. قوله: (و تركتم المجيء بعدي) أي لأنه وعدهم أن يتبعوه على أثر للميقات، فخالفوا واشتغلوا بعبادة العجل.\rقوله: ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا أي لأنا لو خلينا وأنفسنا ما أخلفنا، ولكن السامري سول لنا وغلب على عقولنا فأطعناه. قوله: (مثلث الميم) أي وكلها قراآت سبعيات. قوله: (و بضمها وكسر الميم) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (استعارها منهم بنو إسرائيل) أي قبل مسخ أموالهم. قوله: (بعلة عرس) أي إن بني إسرائيل أظهروا أن العلة في استعارتها هو العرس، وفي الواقع ليس كذلك. قوله: (بأمر السامري) أي فقال لهم: تأخر عنكم موسى لما معكم من الأوزار، فالرأي أن تحفروا لها حفيرة، وتوقدوا فيها نارا، وتقذفوها فيها لتخلصوا من ذنبها.\rقوله: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا هذا من كلامه تعالى حكاية عن فتنة السامري، فهو معطوف على قوله (و أضلهم السامري). قوله: جَسَداً حال من العجل، ولا يقال جسد إلا للحيوان، ولا يقال لغيره جسد إلا للزعفران، والدم إذا يبس. قوله: (و أتباعه) أي الذين ضلوا وصاروا يساعدونه على من توقف من بني إسرائيل.\rقوله: أَفَلا يَرَوْنَ الاستفهام للتوبيخ والتقريع. قوله: «أن» (مخففة من الثقيلة) أي فقوله: لا يَرْجِعُ بالرفع في قراءة العامة.\rقوله: وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ الخ، أي فنصحهم هارون قبل رجوع موسى. قوله: وَإِنَ","part":2,"page":437},{"id":1039,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 438\rعاكِفِينَ على عبادته مقيمين حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (91) قالَ موسى بعد رجوعه يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) بعبادته أَلَّا تَتَّبِعَنِ لا زائدة أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) بإقامتك بين من يعبد غير اللّه تعالى قالَ هارون يَا بْنَ أُمَ بكسر الميم وفتحها أراد أمي وذكرها أعطف لقلبه لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وكان أخذها بشماله وَلا بِرَأْسِي وكان أخذ شعره بيمينه غضبا إِنِّي خَشِيتُ لو اتبعتك ولا بد أن يتبعني جمع ممن لم يعبد العجل أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وتغضب علي وَلَمْ تَرْقُبْ تنتظر قَوْلِي (94) فيما رأيته في ذلك قالَ فَما خَطْبُكَ شأنك الداعي إلى ما صنعت يا سامِرِيُ (95) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ بالياء والتاء أي علمت ما لم يعلموه فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ تراب أَثَرِ حافر فرس الرَّسُولِ جبريل فَنَبَذْتُها ألقيتها في صورة العجل المصاغ وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ زينت لِي نَفْسِي (96) وألقي فيها أن آخذ قبضة من تراب ما ذكر وألقيها على ما لا روح له يصير له روح ورأيت قومك طلبوا منك أن تجعل لهم إلها فحدثتني نفسي أن يكون ذلك العجل إلههم قالَ له موسى فَاذْهَبْ من\r______________________________\rرَبَّكُمُ الرَّحْمنُ إنما ذكر هذا الاسم، تنبيها على أنهم متى تابوا قبل اللّه توبتهم، لأنه هو الرحمن.\rقوله:\rحَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى غاية لعكوفهم بطريق التعلل والتسويف، لا بطريق الوعد وترك عبادته عند رجوعه.\rقوله: إِذْ رَأَيْتَهُمْ ظرف منصوب بمنعك. والمعنى أي شيء منعك وقت رؤيتك ضلالهم.\rقوله: (لا زائدة) أي للتأكيد. والمعنى ما منعك من اتباعي في الغضب للّه، والمقاتلة لمن كفر. قوله:\r(بإقامتك بين من يعبد غير اللّه) أي ولم يبالغ في منعهم والإنكار عليهم. قوله: (بكسر الميم) أي فحذفت الياء وبقيت الكسرة دالة عليها، وقوله: (و فتحها) أي فحذفت الألف المنقلبة عن الياء، وبقيت الفتحة دالة عليها، والقراءتان سبعيتان. قوله: (أعطف لقلبه) أي لا لكونه أخاه من أمه فقط، فإن الحق أنه شقيقه. قوله: (و كان أخذ شعره) أي الرأس.\rقوله: وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي معطوف على أَنْ تَقُولَ أي وخشيت عدم ترقبك، أي انتظارك وتأملك في قولي حتى تفهم عذري، فالياء في قَوْلِي واقعة على هارون، هذا هو المتبادر من عبارة المفسر، وقيل إنه معطوف على فَرَّقْتَ أي وخشيت أن تقول لم ترقب قولي، أي تحفظه وتعمل به، فعليه الياء واقعة على موسى.\rقوله: قالَ بَصُرْتُ بضم الصاد في قراءة العامة من باب ظرف، وقرىء بكسرها من باب تعب. قوله: (بالياء) أي بنو إسرائيل وقوله: (و التاء) أي أنت وقومك، والقراءتان سبعيتان. قوله: مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ أي وعرفه لسابق الألفة، فلما جاء جبريل ليطلب موسى إلى الميقات لأخذ التوراة، كان راكبا على فرس، كلما وضعت حافرها على شيء أخضر، فعرف السامري أن للتراب الذي تضع الفرس حافرها عليه شأنا. قوله: (في صورة العجل) أي في فمه. قوله: (المصاغ) صوابه المصوغ كما في بعض النسخ. قوله: (طلبوا منك) أي حين جاوزوا البحر كما قال تعالى: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ الآية.","part":2,"page":438},{"id":1040,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 439\rبيننا فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أي مدة حياتك أَنْ تَقُولَ لمن رأيته لا مِساسَ أي لا تقربني فكان يهيم في البرية وإذا مس أحدا أو مسه أحد حمّا جميعا وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لعذابك لَنْ تُخْلَفَهُ بكسر اللام أي لن تغيب عنه وبفتحها أي بل تبعث إليه وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ أصله ظللت بلامين أولاهما مكسورة حذفت تخفيفا أي دمت عَلَيْهِ عاكِفاً أي مقيما تعبده لَنُحَرِّقَنَّهُ بالنار ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (97) نذرينه في هواء البحر، وفعل موسى بعد ذبحه ما ذكره إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (98) تمييز محول عن الفاعل أي وسع علمه كل شيء كَذلِكَ أي كما قصننا عليك يا محمد هذه القصة نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ أخبار ما قَدْ سَبَقَ من الأمم وَقَدْ آتَيْناكَ أعطيناك مِنْ لَدُنَّا من عندنا ذِكْراً (99) قرآنا مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فلم يؤمن به فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (100) حملا ثقيلا من الإثم\r______________________________\rقوله: فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ إن حرف توكيد ونصب، والجار والمجرور خبرها مقدم، وأَنْ تَقُولَ في محل نصب اسمها مؤخر. والمعنى أن هذا القول ثابت لك ما دمت حيا، لا ينفك عنك، فكان يصيح في البرية لا مساس، وحرم موسى عليهم مكالمته ومواجهته ومبايعته، ويقال إن قومه باقية فيهم تلك الحالة إلى الآن، وهذه الآية أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وعدم مخالطتهم. قوله: (فكان يهيم في البرية) أي مع السباع والوحوش، يقال إن موسى هم بقتله، فقال اللّه له: لا تقتله فإنه سخي.\rقوله: (و بفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِ أي فلا يبقى له عين ولا أثر.\rقوله: (بعد ذبحه) أي ولما ذبحه سال منه الدم.\rقوله: إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الخ، كلام مستأنف لتحقيق الحق وإبطال الباطل، وهذا آخر قصة موسى المذكورة في هذه السورة.\rقوله: كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ جملة مستأنفة، ذكرت تسلية له صلّى اللّه عليه وسلم وتكثيرا لمعجزاته، وزيادة في علم أمته، ليعرفوا أحباب اللّه فيحبونهم، وأعداء اللّه فيبغضونهم ليزدادوا رفعة وشأنا، حيث اطلعوا على سير الأوائل. قوله: (أي كما قصصنا عليك) أشار بذلك إلى أن الكاف نعت لمصدر محذوف، تقديره كقصصنا هذا الخبر الغريب نقص عليك الخ. قوله: (هذه القصة) أل للجنس لأن المتقدم ثلاث قصص، قصة موسى مع فرعون، ومع بني إسرائيل، ومع السامري. قوله: ذِكْراً سمي بذلك لتذكيره النعم والدار الآخرة.\rقوله: مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ هذه الجملة في محل نصب صفة لذكرا. قوله: (فلم يؤمن به) أشار بذلك إلى أن المراد بالإعراض عنه الكفر به، وإنكار كونه من عند اللّه، كلا أو بعضا. قوله: (من الإثم) بيان للحمل الثقيل.\rقوله: خالِدِينَ فِيهِ الجملة في محل نصب على الحال من الضمير في يحمل العائد على من باعتبار معناها، والتقدير يحملون الوزر حال كونهم مخلدين فيه. قوله: (أي في الوزر) أي عقابه، فالكلام على حذف مضاف.","part":2,"page":439},{"id":1041,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 440\rخالِدِينَ فِيهِ أي في عذاب الوزر وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا (101) تمييز مفسر للضمير في ساء، والمخصوص بالذم محذوف تقديره وزرهم، واللام للبيان، ويبدل من يوم القيامة يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ القرن النفخة الثانية وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ الكافرين يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (102) عيونهم مع سواد وجوههم يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ يتسارون إِنْ ما لَبِثْتُمْ في الدنيا إِلَّا عَشْراً (103) من الليالي بأيامها نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ في ذلك أي ليس كما قالوا إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ أعدلهم طَرِيقَةً فيه إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً (104) يستقلون لبثهم في الدنيا جدا لما يعاينونه في الآخرة من أهوالها وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ كيف تكون يوم القيامة فَقُلْ لهم يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (105) بأن يفتتها كالرمل السائل ثم يطيرها بالرياح فَيَذَرُها قاعاً منبسطا صَفْصَفاً (106) مستويا لا تَرى فِيها عِوَجاً انخفاضا وَلا أَمْتاً (107) ارتفاعا يَوْمَئِذٍ أي يوم إذ نسفت الجبال يَتَّبِعُونَ أي الناس بعد القيام من القبور الدَّاعِيَ إلى المحشر بصوته وهو إسرافيل يقول هلموا إلى عرض الرحمن لا عِوَجَ لَهُ أي لاتباعهم أي لا يقدرون أن لا يتبعوا وَخَشَعَتِ\r______________________________\rقوله: وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا ساءَ فعل ماض لإنشاء الذم، والفاعل مستتر عائد على الحمل المفسر بقوله: حِمْلًا ولَهُمْ جار ومجرور متعلق بقول محذوف، ويَوْمَ الْقِيامَةِ ظرف لساء، وحِمْلًا تمييز، والمخصوص بالذم محذوف قدره المفسر بقوله: (وزرهم). قوله: يوم ننفخ أي نأمر بالنفخ، وفي قراءة سبعية أيضا بالياء، مع بناء الفعل للمفعول، أي ينفخ إسرافيل. قوله:\r(القرن) أي وفيه طاقات على عدد أرواح الخلائق. قوله: (النفخة الثانية) أي لحشر الخلائق.\rقوله:\rزُرْقاً حال من المجرمين. قوله: (مع سواد وجوههم) خصت بالذكر لأنها مظهر القبيح والحسن.\rقوله: يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ أي يخفضون أصواتهم ويخفونها، لما شاهدوه من الرعب والهول. قوله:\r(من الليالي بأيامها) حمل المفسر العشر على الليالي دون الأيام لتجريده من التاء، فإن المعدود إذا كان مؤنثا جرد العدد من التاء عكس المذكر.\rقوله: أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً أي أعدلهم رأيا في الدنيا. قوله: (لما عاينوه في الآخرة من الهول) أي فنسب ذلك القول لهم، لشدة ما عاينوا من الهول، لا لكونه أقرب إلى الصدق.\rقوله: وَيَسْئَلُونَكَ أي كفار مكة تعنتا واستهزاء. قوله: (ثم يطيرها بالرياح) أي فالمعنى أنها تذهب بقدرة اللّه، فلا يبقى لهم أثر.\rقوله: فَيَذَرُها أي يتركها، والضمير عائد على الأرض. قوله:\rقاعاً صَفْصَفاً حالان من الضمير في يذرها، والقاع المستوي الصلب، والصفصف الأرض الملساء، فهو قريب في المعنى من القاع، فهو توكيد له.\rقوله: عِوَجاً تقدم أن العوج بالكسر في المعاني، وبالفتح في المحسوسات، وما هنا من الثاني، لكن عبر فيه بالكسر، لأنه لشدة غرابته كأنه صار من قبيل المعاني.\rقوله: الدَّاعِيَ أي فيقبلون من كل جهة. قوله: (و هو إسرافيل) أي فيضع الصور على فيه، ويقف على صخرة بيت المقدس ويقول: يا أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، إن اللّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء فيقبلون عليه، وقيل المنادي جبريل، والنافخ إسرافيل، وصححه","part":2,"page":440},{"id":1042,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 441\rسكنت الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً (108) صوت وطء الأقدام في نقلها إلى المحشر كصوت أخفاف الإبل في مشيها يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ أحدا إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ أن يشفع له وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) بأن يقول لا إله إلا اللّه يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من أمور الآخرة وَما خَلْفَهُمْ من أمور الدنيا وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (110) لا يعلمون ذلك وَعَنَتِ الْوُجُوهُ خضعت لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ أي اللّه وَقَدْ خابَ خسر مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (111) أي شركا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ الطاعات وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً بزيادة في سيئاته وَلا هَضْماً (112) بنقص من حسناته وَكَذلِكَ معطوف على كذلك نقص أي مثل إنزال ما ذكر\r______________________________\rبعضهم. قوله: (إلى عرض الرحمن) أي العرض عليه. قوله: لا عِوَجَ لَهُ أي لا يزيغون عنه يمينا ولا شمالا، بل يأتونه سراعا. قوله: لِلرَّحْمنِ أي لجلاله وهيبته. قوله: إِلَّا هَمْساً مفعول به وهو استثناء مفرغ.\rقوله: إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ من مفعول به، وهي واقعة على المشفوع له أو على الشفيع، فقول المفسر (أن يشفع له) أي أو يشفع في غيره. قوله: (بأن يقول لا إله إلا اللّه) أي مع عديلتها وهي محمد رسول اللّه، والمعنى أن من مات على الإسلام، فقد رضي اللّه قوله، وأذن له أن يشفع في غيره، وأن يشفع غيره فيه.\rقوله: ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أي الخلق عموما. قوله: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ أي بما بين أيديهم وما خلفهم. قوله: (لا يعلمون ذلك) أي لا تفصيلا ولا إجمالا، وإنما يعلمه اللّه سبحانه وتعالى.\rقوله: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ عنا فعل ماض، والتاء للتأنيث والْوُجُوهُ فاعل وأصله عنوت، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا ثم حذفت لالتقاء الساكنين، فهو من باب سما يسمو سموا، وأما عنى كرضي يعني عنا فهو بمعنى تعب، وليس مرادا هنا، بل المراد خضعت وذلت، وأل في الوجوه للاستغراق أي كل الوجوه، والمراد أصحابها، وخصت الوجوه بالذكر، لأن الذل أول ما يظهر فيها.\rقوله: لِلْحَيِ أي الذي حياته أبدية، لا أول لها ولا آخر. قوله: الْقَيُّومِ أي القائم على كل نفس بما كسبت، فيجازيها على الخير والشر.\rقوله: وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً أشار بذلك إلى أن الخلائق تنقسم في القيامة قسمين: أهل سعادة، وأهل شقاوة، وكلاهما في خضوع وذل للّه جل جلاله، لكن أهل السعادة خضوعهم إجلالا وهيبة ورغبة في اللّه، وأهل الشقاوة خضوعهم رهبة وإشفاقا من عذاب اللّه، ويأسا من رحمة اللّه، قال تعالى:\rوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ. قوله: (خسر) أي ظهر خسرانه. قوله: مَنْ حَمَلَ ظُلْماً أي تحمله وارتكبه، وهذه الآية باعتبار ظاهرها، تدل على أن أهل الظلم خائبون خاسرون، أي معرضون لذلك، ففي الحديث: «الظلم ظلمات يوم القيامة» فإن الظالم ربما أداه ظلمه إلى الكفر والعياذ باللّه تعالى، فإذا مات على ذلك، فهو مخلد في النار، وإن مات على الإسلام، فقد نقص عن مراتب المطهرين بسبب الزيادة في سيئاته والنقص من حسناته.\rقوله: وَهُوَ مُؤْمِنٌ الجملة حالية. قوله: فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً أي وبضدها تتميز الأشياء، فالعاصي الظالم يخاف","part":2,"page":441},{"id":1043,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 442\rأَنْزَلْناهُ أي القرآن قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا كررنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الشرك أَوْ يُحْدِثُ القرآن لَهُمْ ذِكْراً (113) بهلاك من تقدمهم من الأمم فيعتبرون فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُ عما يقول المشركون وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ أي بقراءته مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ أي يفرغ جبريل من إبلاغه وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (114) أي بالقرآن، فكلما أنزل عليه شيء منه\r______________________________\rزيادة سيئاته ونقص حسناته لما ورد أنه «يؤخذ من حسناته للمظلوم، فإن لم يبق له حسنات، طرح من سيئات المظلوم عليه». قوله: (أي مثل إنزال ما ذكر) أي الآيات المشتملة على تلك القصص العجيبة الغريبة.\rقوله: أَنْزَلْناهُ أي على لسان جبريل، مفرقا في ثلاث وعشرين سنة على حسب الوقائع. قوله:\rعَرَبِيًّا أي بلغة العرب، ليعرفوا أنه في الفصاحة والبلاغة خارج عن طوق البشر. قوله: مِنَ الْوَعِيدِ أي التخويف. قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (الشرك) أي يجعلون بينهم وبين الشرك وقاية بأن يؤمنوا. قوله: أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً أي موعظة في القلوب، فينشأ عنها امتثال الأوامر واجتناب النواهي وتكرار المواعظ في القرآن من مزيد رحمته بعباده، سيما مع إمهالهم وعدم معاجلتهم بالأخذ، ولذلك يقال للكفار يوم القيامة: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ.\rقوله: الْمَلِكُ أي النافذ حكمه وأمره. قوله: الْحَقُ أي الثابت الذي لا يقبل الزوال أزلا ولا أبدا.\rقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ المعنى لا تتعجل بقراءة ما ألقاه عليك جبريل في قلبك، حتى يقرأه عليك، وسبب ذلك: أن جبريل كان يأتي للنبي بالقرآن، فيلابس جسمه ويضعه في قلبه، فيريد النبي التعجيل والنطق به، فأمره اللّه أن لا ينطق به حتى يقرأه جبريل باللسان عليه ظاهرا، وهذا معنى قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ والحكمة في تلقي رسول اللّه عن جبريل ظاهرا، أنه يكون سنة متبعة لأمته، فهم مأمورون بالتلقي من أفواه المشايخ، ولا يفلح من أخذ العلم أو القرآن من السطور، بل التلقي له سر آخر.\rقوله: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً أي سل ربك الاستزادة من العلوم بسبب توالي نزول القرآن، فإنها أفضل ما يسأل وأعز ما يطلب، ومن هنا أمر المشايخ المريدين بتلاوة القرآن والتعبد به، بعد كمالهم ونظافة قلوبهم، وما داموا لم يكملوا، يأمرونهم بالمجاهدة بالذكر ونحوه لتخلص قلوبهم، والحكمة في ذلك، أن الغفلة في الذكر أخف منها في القرآن لما في الأثر: رب قارى للقرآن والقرآن يلعنه، فجعل العارفون للتوصل للقرآن طرقا يجاهدون أنفسهم فيها، ليزدادوا بقراءتهم القرآن علوما ومعارف وأخلاقا، وحينئذ فليس تركهم القراءة في المبدإ، لكون غيره أفضل منه، بل لينظفوا أنفسهم للقراءة. قوله: (وصيناه أن لا يأكل من الشجرة) أي نهيناه عن الأكل منها، وحتمنا عليه الأكل منها، فغلب مرادنا على أمرنا. قوله:\r(ترك عهدنا) أي متأولا حيث غلطه إبليس بقوله: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى وقاسمهما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ فظن أنه لا يحلف أحد باللّه كذبا.","part":2,"page":442},{"id":1044,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 443\rزاد به علمه وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ وصينا أن لا يأكل من الشجرة مِنْ قَبْلُ أي قبل أكله منها فَنَسِيَ ترك عهدنا وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (115) حزما وصبرا عما نهيناه عنه وَاذكر إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ وهو أبو الجن كان يصحب الملائكة ويعبد اللّه معهم أَبى (116) عن السجود لآدم قال أنا خير منه فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ حواء بالمد فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (117) تتعب بالحرث والزرع والحصد والطحن والخبز وغير ذلك واقتصر على شقائه لأن الرجل يسعى على زوجته إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (118) وَأَنَّكَ بفتح الهمزة وكسرها عطف على اسم إن وجملتها لا تَظْمَؤُا فِيها تعطش وَلا تَضْحى (119) لا يحصل لك حر شمس الضحى لانتفاء الشمس في الجنة فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ أي التي يخلد من يأكل منها وَمُلْكٍ لا يَبْلى (120) لا يفنى وهو لازم الخلد فَأَكَلا أي آدم وحواء مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أي ظهر لكل منهما قبله وقبل الآخر ودبره وسمى كل منهما سوأة لأن انكشافه يسوء صاحبه وَطَفِقا يَخْصِفانِ أخذا يلزقان عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ليستترا به وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (121)\r______________________________\rقوله: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ كررت هذه القصة في سبع سور من القرآن، تعليما للعباد امتثال الأمر واجتناب النهي، وعطف هذه القصة على ما قبلها، من عطف السبب على المسبب، لأن هذه القصة سبب في عداوة إبليس لآدم. قوله: فَسَجَدُوا أي جميعا، وتقدم الجواب عن سجود الملائكة بأوضح وجه. قوله: إِلَّا إِبْلِيسَ استثناء متصل أو منقطع. قوله: (كان يصحب الملائكة) الخ، توجيه للاتصال لكونه لم يعبر بلكن.\rقوله: فَلا يُخْرِجَنَّكُما النهي لإبليس صورة، والمراد نهيهما عن تعاطي أسباب الخروج، فيتسبب عن ذلك حصول التعب له في الدنيا. قوله: (و اقتصر على شقائه) أي مع أن النهي لهما معا.\rقوله: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى الخ، قابل اللّه سبحانه وتعالى بين الجوع والعري، والظمأ والضحو، وإن كان الجوع يقابل العطش، والعري يقابل الضحو، لأن الجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر، والظمأ حر الباطن، والضحو حر الظاهر، فنفى عن ساكن الجنة، ذل الظاهر والباطن، وحر الظاهر والباطن. قوله: (بفتح الهمزة وكسرها) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: قالَ يا آدَمُ بيان لصورة الوسوسة. قوله: فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما أي بسبب تساقط حلل الجنة عنهما، لما أكلا من الشجرة. قوله: (يسوء صاحبه) أي يحزنه.\rقوله: مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أي ورق التين، فصارا يلزقان بعضه ببعض، حتى يصير طويلا عريضا يصلح للاستتار به.\rقوله: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى أي وقع فيما نهى عنه متأولا، حيث تخلف ما قصده بأكله من الشجرة، وضل عن مطلوبه وهو الخلود في الجنة، فمعصيته وقوعه في المخالفة باعتبار الواقع، لا في القصد والنية، بل قصده ونيته امتثال الأمر، وتجنب ما يوجب الخروج، وحينئذ فلا يجوز أن يطلق على آدم","part":2,"page":443},{"id":1045,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 444\rبالأكل من الشجرة ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ قربه فَتابَ عَلَيْهِ قبل توبته وَهَدى (122) أي هداه إلى المداومة على التوبة قالَ اهْبِطا أي آدم وحواء بما اشتملتما عليه من ذريتكما مِنْها من الجنة جَمِيعاً بَعْضُكُمْ بعض الذرية لِبَعْضٍ عَدُوٌّ من ظلم بعضهم بعضا فَإِمَّا فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ أي القرآن فَلا يَضِلُ فى الدنيا وَلا يَشْقى (123) في الآخرة وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي أي القرآن فلم يؤمن به فَإِنَّ لَهُ\r______________________________\rالعصيان والغواية، من غير اقتران بالتأويل، ولا نفي اسم العصيان عنه لصريح الآية، وعلى كل حال، فاللّه عنه راض، وهو معصوم قبل النبوة وبعدها، من كل ما يخالف أمر اللّه، هذا هو الحق في تقرير هذا المقام. واعلم أن الخطأ والنسيان، يقع من المعصومين للتشريع والمصالح، كما هو معهود في نصوص الشرع، وتسمية اللّه له في حقهم معصية، من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين. قوله: (بالأكل من الشجرة)، تقدم أنها الحنطة، وقيل التين، وقيل غير ذلك.\rقوله: ثُمَّ اجْتَباهُ أي اصطفاه واختاره. قوله: (قبل توبته) أي بقوله: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا الخ.\rقوله: (إلى المداومة على التوبة) أي الاستمرار عليها.\rقوله: قالَ اهْبِطا أي قال اللّه تعالى لآدم وحواء: اهبطا من الجنة، لأن مكثهما فيها كان معلقا على عدم أكلهما من الشجرة، وقد سبق في علمه تعالى أنهما يأكلان منها، فهو أمر مبرم، والمعلق على المبرم مبرم، فإخراجهما ليس للغضب عليهما، بل لمزيد شرفهما ورفعة قدرهما، لأنهما خرجا من الجنة منفردين، ويعودان إليها بمائة وعشرين صفا من أولادهما، لا يحيط بعدة تلك الصفوف إلا اللّه تعالى. إن قلت: ما الحكمة في تعليق الخروج على الأكل من الشجرة، ولم يكن بلا سبب؟ أجيب: بأن اللّه سبحانه وتعالى كريم، ومن عادة الكريم، أن لا يسلب نعمته عن المنعم إليه إلا بحجة، قال تعالى ذلك، بأن اللّه لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.\rقوله: (أي آدم وحواء) يحتمل أن (أي) حرف نداء، و(آدم) منادى مبني على الضم في محل نصب، و(حواء) معطوف على آدم، ويحتمل أن أي حرف تفسير، وآدم وحواء تفسير للضمير في اهبطا. قوله:\r(بما اشتملتما عليه) قصد بذلك التوفيق بين هذه الآية وآية الأعراف، حيث جمع فيها، وتقدم لنا وجه آخر في التوفيق بينهما، بأن الجمع باعتبار آدم وحواء وإبليس والحية، وعلى هذا فقوله: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ باعتبار أن الحية وإبليس عدو لآدم وذريته. قوله: (من ظلم بعضهم بعضا) أي من أجل ظلم بعضهم بعضا لما في الحديث: «سألت ربي أن لا يسلط على أمتي عدوا من سوى أنفسها فاستجاب لي».\rقوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً إن شرطية مدغمة في ما الزائدة ويَأْتِيَنَّكُمْ فعل الشرط مبني على الفتح في محل جزم لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة ومِنِّي متعلق بهدى وهُدىً فاعل، وقوله:\rفَمَنِ اتَّبَعَ الخ، من شرطية واتَّبَعَ فعل الشرط، وجملة فَلا يَضِلُ جوابه،\rوقوله: وَمَنْ أَعْرَضَ الخ، جملة شرطية أيضا، والجملتان في محل جزم جواب الشرط الأول. قوله: (أي القرآن) في تفسير الهدى والذكر فيما يأتي بالقرآن قصور، لأن الخطاب مع آدم وذريته، وهداهم وتذكيرهم أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره من الكتب النازلة على الرسل، فالمناسب أن يقول أي كتاب ورسول. قوله:","part":2,"page":444},{"id":1046,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 445\rمَعِيشَةً ضَنْكاً بالتنوين مصدر بمعنى ضيقة، وفسرت في حديث بعذاب الكافر في قبره وَنَحْشُرُهُ أي المعرض عن القرآن يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (124) أي أعمى البصر قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (125) في الدنيا وعند البعث قالَ الأمر كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها تركتها ولم تؤمن بها وَكَذلِكَ مثل نسيانك آياتنا الْيَوْمَ تُنْسى (126) تترك في النار وَكَذلِكَ ومثل جزائنا من أعرض عن القرآن نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ أشرك وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ من عذاب الدنيا وعذاب القبر وَأَبْقى (127) أدوم أَفَلَمْ يَهْدِ يتبين لَهُمْ لكفار مكة كَمْ خبرية مفعول أَهْلَكْنا أي كثيرا إهلاكنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أي الأمم الماضية بتكذيب الرسل يَمْشُونَ حال من ضمير لهم فِي مَساكِنِهِمْ في سفرهم إلى الشام وغيرها فيعتبروا وما ذكر من أخذ إهلاك من فعله الخالي عن حرف مصدري لرعاية المعنى لا\r______________________________\r(بالتنوين) أي وصلا وإبداله ألفا وقفا، وفي قراءة شاذة ضنكى كسكرى، بألف بدل عن التنوين، إجراء للوصل مجرى الوقف. قوله: (مصدر) أي وهو لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، بل هو بلفظ واحد للجميع، ولذلك لم يقل ضنكة. قوله: (بعذاب الكافر في قبره) أي لما ورد أنه يضغط عليه القبر حتى تختلف أضلاعه، ولا يزال في العذاب حتى يبعث، وقيل المراد بالمعيشة الضنكى، الحياة فيما يغضب اللّه تعالى، وإن كان في رخاء ونعمة، إذ لا خير في نعمة بعدها النار، لما في الحديث: «رب شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا». قوله: (أي المعرض عن القرآن) المناسب أن يقول المعرض عن الهدى لما علمت. قوله: (أي أعمى البصر) أي وذلك في المحشر، فإذا دخل النار زال عماه، ليرى مقعده في النار وعذابه بها.\rقوله:\r(الأمر) كَذلِكَ قدره إشارة إلى أن كذا خبر لمحذوف. قوله: (تركتها ولم تؤمن بها) أي فالمراد بالنسيان الإعراض وعدم الإيمان بها، وليس المراد حقيقة النسيان، وحينئذ فلا يصح الاستدلال بهذه الآية، على أن من حفظ القرآن ثم نسيه، يحشر يوم القيامة أعمى، لأنه أمر اختلف فيه العلماء، فمذهب مالك رضي اللّه عنه حفظ الزائد عما تصح به الصلاة من القرآن مستحب أكيد ابتداء ودواما فنسيانه مكروه، ومذهب الشافعي نسيان كل حرف منه كبيرة تكفر بالتوبة والرجوع لحفظه. قوله: (أدوم) أي لأنه لا ينقطع، بخلاف عذاب الدنيا والقبر.\rقوله: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير أعموا فلم يهد لهم. قوله: (يتبين) أشار بذلك إلى أن يَهْدِ فعل لازم، والمعنى أعموا فلم يظهر لهم إهلاكنا كثيرا من قبلهم من القرون. قوله: (مفعول به) أي وتمييزها محذوف أي قرنا، وقوله: مِنَ الْقُرُونِ متعلق بمحذوف صفة لذلك التمييز. قوله: (بتكذيب الرسل) الباء سببية، أي إن الإهلاك بسبب تكذيب الرسل وترك الإيمان باللّه ورسوله. قوله: (و ما ذكر) مبتدأ، وقوله: (لا مانع منه) خبره، والمعنى أن أخذ المصدر من الفعل لصحة المعنى، لا يتوقف على الحرف المصدري، بل يسبك المصدر من الفعل بدون سابك، لتوقف المعنى عليه، وأما لصحة الإعراب، فلا يكون غالبا إلا بحرف مصدري.\rقوله: (لذوي العقول) أي السليمة الصافية، وخصوا بالذكر لأنهم المنتفعون.","part":2,"page":445},{"id":1047,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 446\rمانع منه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لعبرا لِأُولِي النُّهى (128) لذوي العقول وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ بتأخير العذاب عنهم إلى الآخرة لَكانَ الإهلاك لِزاماً لازما لهم في الدنيا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) مضروب لهم معطوف على الضمير المستتر في كان وقام الفصل بخبرها مقام التأكيد فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ منسوخ بآية القتال وَسَبِّحْ صلّ بِحَمْدِ رَبِّكَ حال أي ملتبسا به قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ صلاة الصبح وَقَبْلَ غُرُوبِها صلاة العصر وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ ساعاته فَسَبِّحْ صلّ المغرب والعشاء وَأَطْرافَ النَّهارِ عطف على محل من آناء المنصوب أي صل الظهر لأن وقتها يدخل بزوال الشمس فهو طرف النصف الأول وطرف النصف الثاني لَعَلَّكَ\r______________________________\rقوله: وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً أي إن اللّه سبحانه وتعالى سبق في علمه تأخير العذاب العام لهذه الأمة، إكراما لنبيها، ولو لا ذلك، لحل بهم كما حل بمن قبلهم من القرون الماضية، فتأخيره إمهال لا إهمال، ليتدارك الكافر ما فاته بما بقي من عمره، فإن تاب قبله ربه. قوله: (معطوف على الضمير المستتر في كان) أي والمعنى لكان الإهلاك والأجل المعين له لزاما، أي لازما لهم، ولم يقل لازمين، لأن لزاما مصدر في الأصل؛ وإن كان هنا بمعنى اسم الفاعل، وقوله: (و قام الفصل) الخ، أي أن العطف على ضمير الرفع المتصل جائز إذا حصل الفاصل بالضمير المنفصل، أو فاصل ما كما هنا، قال ابن مالك:\rوإن على ضمير رفع متّصل ... عطفت فافصل بالضّمير المنفصل\r\rأو فاصل ما. وأحسن ما قرره المفسر أن يجعل قوله: وَأَجَلٌ مُسَمًّى معطوفا على كَلِمَةٌ والمعنى: ولو لا كلمة وأجل مسمى، وهو مدة معيشتهم في الدنيا التي قدرها اللّه لهم، لكان العذاب العام لازما.\rقوله: فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ أي حيث علمت أن تأخير عذابهم ليس بإهمال، بل هو لازم لهم في القيامة، فتسل واصبر ولا تنزعج. قوله: (منسوخ بآية القتال) أي وعليه فالمراد بقوله اصبر لا تعاجلهم بالقتال، وقيل إن الآية محكمة، وعليه فالمراد بالصبر عدم الاضطراب مما صدر منهم من الأذية. قوله:\r(صلّ) إنما سمى التسبيح والتحميد صلاة لاشتمالها عليهما، ولأن المقصود من الصلاة تنزيه اللّه عن كل نقص. والمعنى لا تشتغل بالدعاء عليهم، بل صلّ الصلوات الخمس، ولما كان الأصل في الأمر الوجوب حمل الأمر بالتسبيح والتحميد على الأمر بالصلاة. قوله: (حال) أي من فاعل سَبِّحْ والباء في بِحَمْدِ رَبِّكَ للملابسة كما قال المفسر.\rقوله: وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ جمع إنى بكسر الهمزة والقصر كمعى، وأصله أأناه بهمزتين، أبدلت الثانية ألفا على القاعدة المعروفة. قوله: وَأَطْرافَ النَّهارِ المراد بالجمع ما فوق الواحد، لأن المراد به الزمن الذي هو آخر النصف الأول وأول الثاني. قوله: (المنصوب) أي بسبح. والمعنى صلّ في أطراف النهار، وهو الوقت الذي يجمع الطرفين وهو الزوال. قوله: لَعَلَّكَ تَرْضى متعلق بسبح، أي سبح في هذه الأوقات لعلك ترضى بذلك، وانظر إلى هذا الخطاب اللطيف المشعر بأنه صلّى اللّه عليه وسلّم حبيب رب العالمين","part":2,"page":446},{"id":1048,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 447\rتَرْضى (130) بما تعطى من الثواب وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً أصنافا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا زينتها وبهجتها لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ بأن يطغوا وَرِزْقُ رَبِّكَ في الجنة خَيْرٌ مما أوتوه في الدنيا وَأَبْقى (131) أدوم وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ اصبر عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ نكلفك رِزْقاً لنفسك ولا لغيرك نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ الجنة لِلتَّقْوى (132) لأهلها وَقالُوا أي المشركون لَوْ لا هلا يَأْتِينا محمد بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ مما يقترحونه أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بالتاء والياء بَيِّنَةُ بيان ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (133) المشتمل عليه القرآن من أنباء الأمم الماضية وإهلاكهم بتكذيب الرسل وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ قبل محمد الرسول لَقالُوا يوم\r______________________________\rوأفضل الخلق أجمعين حيث قال له ربه لَعَلَّكَ تَرْضى ولم يقل لعلي أرضى عليك ونحو ذلك، ومن هنا قوله عليه الصلاة والسّلام: «و جعلت قرة عيني في الصلاة»، وقول السيدة عائشة رضي اللّه عنها: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك، فصلاته صلّى اللّه عليه وسلّم مأمور بها ليرضى هو، لا ليكفر اللّه عنه سيئاته، ولا ليرضى عليه، وحينئذ فلا كلفة عليه فيها، لأن فيها شهوده لربه الذي هو قرة عينه، وللعارفين الكاملين من أمته، نصيب من هذا المقام.\rقوله: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ عطف على فَاصْبِرْ أي لا تنظر بعينيك إلى زهرة الدنيا نظر رغبة، وهذا الخطاب لرسول اللّه والمراد غيره، لأن ذلك مستحيل عليه، لما ورد: أنه خير بين أن يكون نبيا ملكا، أو نبيا عبدا، فاختار أن يكون نبيا عبدا، وورد «لست من الدنيا، وليست الدنيا مني».\rقوله: (أصنافا) مِنْهُمْ أي الخلق، فالدنيا دائرة في أصناف الخلق، فتارة تكون مع الشريف، وتارة مع الوضيع، وهكذا. قوله: زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا الأحسن أنه منصوب على أنه مفعول ثان لمتعنا، بتضمينه معنى أعطينا، والأول هو قوله: أَزْواجاً. قوله: (بأن يطغوا) الباء سببية، أي نفتنهم بسبب طغيانهم فيه.\rقوله: وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى أي فعلى الإنسان أن يشتغل بما هو خير وأبقى، وهو الجنة ونعيمها، ويترك ما يفنى وهو الدنيا، وقسمته الأزلية تأتيه منها من غير تعب ولا مشقة.\rقوله: وَأْمُرْ أَهْلَكَ أي أمتك. قوله: وَاصْطَبِرْ عَلَيْها أي وأمرهم بذلك. قوله: نَحْنُ نَرْزُقُكَ أي نحن متكفلون برزقك، فتفرغ لما كلفت به، ولا تشتغل بما تكفلنا لك به، وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا أصاب أهل بيته ضيق، أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية. قوله: وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى أي الجميلة المحمودة لأهل التقوى. قوله: (أي المشركون) أي وهم كفار مكة. قوله: (مما يقترحونه) أي يطلبونه هنا كما تقدم في قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً الآيات.\rقوله: أولم تأتيهم الهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، أي أعموا ولم تأتهم الخ. قوله: (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى أي الكتب المتقدمة، والمعنى ألم يكتفوا بالقرآن المحتوي على أخبار الأمم الماضية.\rقوله: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ كلام","part":2,"page":447},{"id":1049,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 448\rالقيامة رَبَّنا لَوْ لا هلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ المرسل بها مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَ في القيامة وَنَخْزى (134) في جهنم قُلْ لهم كُلٌ منا ومنكم مُتَرَبِّصٌ منتظر ما يؤول إليه الأمر فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ في القيامة مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ الطريق السَّوِيِ المستقيم وَمَنِ اهْتَدى (135) من الضلالة أنحن أم أنتم.\r______________________________\rمستأنف لتقرير ما قبله. قوله: لَقالُوا رَبَّنا الخ أي لكان لهم أن يحتجوا يوم القيامة، ويعتذروا بهذا العذر، فقطع عذرهم بإرسال الرسول لهم، ولم يهلكهم قبل مجيئه. قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَ يحصل لنا الذل والهوان. قوله: نَخْزى أي نفضح. قوله: (ما يؤول إليه الأمر) أي أمرنا وأمركم.\rقوله:\rفَتَرَبَّصُوا أي انتظروا. قوله: مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِ مَنْ في الموضعين استفهامية، والكلام على حذف مضاف، والتقدير فستعلمون جواب من أصحاب الخ، وهو أنهم هم المؤمنون.\rقوله: وَمَنِ اهْتَدى (من الضلالة) أشار المفسر إلى وجه المغايرة بين القسمين، فأصحاب الصراط السوي، من لم يضل أصلا كالنبي، ومن أسلم صبيا. ومن اهتدى، هو من سبق له الكفر ثم أسلم بعد ذلك.\r***","part":2,"page":448},{"id":1050,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 449\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الأنبياء مكيّة وهي مائة واحدى أو اثنتا عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَ قرب لِلنَّاسِ أهل مكة منكري البعث حِسابُهُمْ يوم القيامة وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ عنه مُعْرِضُونَ (1) عن التأهب له بالإيمان ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ شيئا فشيئا أي لفظ قرآن إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) يستهزئون\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الأنبياء\rمكية وهي مائة وإحدى أو اثنتا عشرة آية سميت بذلك لذكر قصص جملة من الأنبياء فيها. قوله: (مكية) أي نزلت قبل الهجرة باتفاق.\rقوله: (أو اثنتا عشرة آية) هذا الخلاف مرتب على الخلاف في قوله تعالى: أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إلى قوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ هل هو آية واحدة أو آيتان، وأول الثانية قوله: أُفٍّ لَكُمْ الخ. قوله: (أهل مكة) أشار بذلك إلى أنه من إطلاق العام وإرادة الخاص وحاصل ذلك أن كفار قريش قالوا: محمد يهددنا بالبعث والجزاء على الأعمال وهذا بعيد، فأنزل اللّه اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وجه قرب الحساب أنه آت لا محالة، وكل آت قريب، أو يقال إن قربه باعتبار ما مضى من الزمان، فإن ما بقي أقل مما مضى.\rقوله:\rوَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ الجملة حالية أي قرب حسابهم، والحال أنهم غافلون معرضون غير متأهبين له، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذه الآية، وإن كان سببها الرد على كفار مكة، إلا أن العبرة بعمومها.\rقوله: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ هذا في معنى العلة لما قبله، كأنه قال: معرضون لأنه يأتيهم من ذكر","part":2,"page":449},{"id":1051,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 450\rلاهِيَةً غافلة قُلُوبُهُمْ عن معناه وَأَسَرُّوا النَّجْوَى أي الكلام الَّذِينَ ظَلَمُوا بدل من واو وأسروا النجوى هَلْ هذا أي محمد إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ فما يأتي به سحر أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ تتبعونه وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) تعلمون أنه سحر قالَ لهم رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ كائنا فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ لما أسروه الْعَلِيمُ (4) به بَلْ للانتقال من غرض إلى آخر في المواضع الثلاثة قالُوا فيما أتى به من القرآن هو أَضْغاثُ أَحْلامٍ أخلاط رآها في النوم بَلِ افْتَراهُ اختلقه بَلْ هُوَ شاعِرٌ فما أتى به شعر فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) كالناقة والعصا واليد\r______________________________\rالخ. قوله: مِنْ رَبِّهِمْ الجار والمجرور متعلق بيأتيهم. قوله: (أي لفظ قرآن) دفع بذلك ما يقال:\rكيف وصف الذكر بالحدوث، مع أن المراد به القرآن وهو قديم؟ فأجاب: بأن وصفه بالحدوث باعتبار ألفاظه المنزلة علينا، وأما باعتبار المدلول، وهو الوصف القائم بذاته تعالى فهو قديم، وأما ما دلت عليه الألفاظ الحادثة، فمنها ما هو قديم، كمدلول آية الكرسي والصمدية، ومنها ما هو حادث، كمدلول القصص وأخبار المتقدمين، ومنها ما هو مستحيل، كمدلول ما اتخذ اللّه من ولد.\rقوله: وَهُمْ يَلْعَبُونَ الجملة حالية من فاعل اسْتَمَعُوهُ،\rوكذا قوله: لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ والمعنى ما يقرأ عليهم القرآن، إلا استمعوه في حال استهزائهم، وكون قلوبهم غافلة عن معناه، فلا يسمعونه سماع تدبر وقبول، وكل آية وردت في الكفار، جرت بذيلها على عصاة الأمة، ففي هذه الآية، تحذير لمن يستمع القرآن في حال لهوه ولعبه، وأقبح منه من يطرب سماعه، من حيث اشتماله على الأنغام المعروفة، لا من حيث بلاغته ومواعظه وأحكامه وكونه من عند اللّه، فإنا للّه وإنا إليه راجعون. قوله:\r(بدل من واو وأسروا النجوى) أشار بذلك إلى أن أسر فعل ماض، والواو فاعله، والنَّجْوَى مفعوله، والَّذِينَ بدل، وهذه إحدى طريقتين للنحويين في الفعل الذي لحقته العلامة وأسند للظاهر، والطريقة الثانية: أن الواو حرف علامة، والَّذِينَ فاعل وتسمى بلغة أكلوني البراغيث، ولما كانت ضعيفة، لا ينبغي حمل الآية عليها، أعرض عنها المفسر.\rقوله: هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ بدل من النَّجْوَى مفسر لها، أي فكانوا يتناجون بذلك سرا بينهم، ثم يشيع كل واحد منهم مقالته ليضل غيره. قوله: أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ أي تحضرونه وتقبلونه.\rقوله: وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ الجملة حالية من فاعل تأتون.\rقوله: فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ أشار المفسر إلى أنه حال من القول، أي يعلم القول، حال كون القول كائنا في السماء والأرض. قوله: (للانتقال من غرض إلى آخر) أي فلا تقع بل في القرآن، إلا للانتقال لا للإبطال، لأنه يكون إضرابا عن الكلام السابق وإعراضا عنه، لكونه صدر على وجه الغلط، وتنزه اللّه عنه، خلافا لمن يقول: إنها تأتي للإبطال، واستدل بقوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ، وقوله: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِ ولا دليل في ذلك، لأن بل فيهما للانتقال من الإخبار بقولهم، إلى الإخبار بالواقع، فتأمل.\rقوله: أَضْغاثُ أَحْلامٍ خبر لمحذوف قدره المفسر بقوله: (هو)، والجملة مقول القول. قوله: بَلْ هُوَ شاعِرٌ أي يأتي بكلام يخيل للسامع معاني لا حقيقة لها، وليس المراد بالشعر هنا، خصوص الكلام المقفى","part":2,"page":450},{"id":1052,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 451\rقال تعالى ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أي أهلها أَهْلَكْناها بتكذيبها ما أتاها من الآيات أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6)؟ لا وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي وفي قراءة بالنون وكسر الحاء إِلَيْهِمْ لا ملائكة فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ العلماء بالتوراة والإنجيل إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7) ذلك فإنهم يعلمونه وأنتم إلى تصديقهم أقرب من تصديق المؤمنين بمحمد وَما جَعَلْناهُمْ أي الرسل جَسَداً بمعنى أجسادا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ بل يأكلونه وَما كانُوا خالِدِينَ (8) في الدنيا ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ بإنجائهم فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ أي المصدقين لهم وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9) المكذبين لهم لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ يا معشر قريش كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ لأنه بلغتكم\r______________________________\rالموزون قصدا، بل ما هو أعم. قوله: فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ جواب شراط مقدر، كأنه قيل: وإن لم يكن كما قلنا، بل كان رسولا كما يزعم فليأتنا الخ. قوله: كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ صفة لمصدر محذوف، والتقدير إتيانا كائنا مثل إرسال الأولين.\rقوله: مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ زائدة في الفاعل. قوله: (لا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي.\rقوله: وَما أَرْسَلْنا رد لقولهم هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ. قوله: يوحى إليهم أي يأتيهم الوحي بالشرائع والأحكام، والمعنى ما أرسلنا إلى الأمم قبل إرسالك لأمتك، إلا رجالا من أفراد جنسك متأهلين للإرسال. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ أي المطلعين على أحوال الرسل الماضية، فإنهم يخبرونكم بحقيقة الحال. قوله: (العلماء بالتوراة والإنجيل) إنما أحالهم عليهم، لأنهم كانوا يرسلون للمشركين، أن ابقوا على ما أنتم عليه من التكذيب ونحن معكم، فهم مشتركون في العداوة لرسول اللّه وأصحابه، فلا يكذبونهم فيما هم فيه. قوله: (من تصديق المؤمنين) المصدر مضاف لمفعوله، والفاعل محذوف، أي أقرب من تصديقكم المؤمنين. والمعنى إذا أخبركم المؤمنون بحال محمد، وحال الرسل المتقدمين، وأخبركم أهل الكتاب بذلك، صدقتم أهل الكتاب دون المؤمنين، لألفتكم أهل الكتاب وعداوتكم للمؤمنين.\rقوله: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ رد لقولهم ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ والمعنى لم نجعلهم ملائكة، بل جعلناهم بشرا يأكلون الطعام. قوله: وَما كانُوا خالِدِينَ أي ماكثين على سبيل الخلود في الدنيا، بل يموتون كغيرهم.\rقوله: صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ أي بإهلاك أعدائهم. قوله:\r(بإنجائهم) محمول على الرسل الذين أمروا بالجهاد، فلا يرد من قتل من الرسل، فإنهم لم يؤمروا بالجهاد.\rقوله: وَمَنْ نَشاءُ أي المؤمنين الذين اتبعوهم. وقد وقع ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فإن كبراء أصحابه الذين حضروا مغازيه، لم يموتوا في حروبه، بل بقوا بعده ومهدوا دينه.\rقوله: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً كلام مستأنف قصد به التبكيت عليهم. والمعنى: كيف تعرضون عن كتاب فيه شرفكم وعزكم، لأنه بلسانكم وعلى لغتكم، فكان بمقتضى الحمية والعقل، أن تعظموا هذا الكتاب، وهذا النبي الذي جاء به، وتكونوا أول مؤمن به، فإعراضكم عنه دليل على عدم عقلكم.","part":2,"page":451},{"id":1053,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 452\rأَفَلا تَعْقِلُونَ (10) فتؤمنون به وَكَمْ قَصَمْنا أهلكنا مِنْ قَرْيَةٍ أي أهلها كانَتْ ظالِمَةً كافرة وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا أي شعر أهل القرية بالإهلاك إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (12) يهربون مسرعين فقالت لهم الملائكة استهزاء لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ نعمتم فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (13) شيئا من دنياكم على العادة قالُوا يا للتنبيه وَيْلَنا هلاكنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (14) بالكفر فَما زالَتْ تِلْكَ الكلمات دَعْواهُمْ يدعون بها ويرددونها حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً أي كالزرع المحصود بالمناجل بأن قتلوا بالسيف\r______________________________\rقوله: فِيهِ ذِكْرُكُمْ أي الثناء عليكم بالجميل، أو شرفكم ومواعظكم. قوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير أجهلتم فلا تعقلون أن الأمر كذلك؟\rقوله: وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كَمْ خبرية مفعول مقدم لقصمنا، ومِنْ قَرْيَةٍ بيان لكم.\rقوله: (أي أهلها) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، والمقصود من هذه الآية، تحذير الكفار من هذه الأمة، عن عدم الإيمان والرجوع عن الكفر، بأنهم لا يغرنهم سعة الدنيا عليهم، والتفاخر بالأموال والأولاد، كأن اللّه يقول لهم: لا تغتروا بذلك، فإننا أهلكنا كثيرا من أهل القرى الكفار، وما جرى عليهم يجري عليكم، وأهل القرى: قيل المراد بهم الأمم الماضية، كقوم نوح ولوط وصالح وشعيب وغيرهم، وقيل المراد بهم أهل قرية باليمن تسمى حضور بوزن شكور، بعث اللّه عليهم موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب نبيا قبل موسى بن عمران، فكذبوه وقتلوه، فسلط اللّه عليهم بختنصر، فقتل رجالهم وسبى نساءهم، فلما استمر فيهم القتل هربوا، فقالت الملائكة لهم استهزاء: لا تركضوا وارجعوا إلى مساكنكم وأموالكم، لعلكم تسألون شيئا من دنياكم، فإنكم أهل نعمة وغنى، فاتبعهم بختنصر وأخذتهم السيوف، ونادى منادي من جو السماء: يا ثارات الأنبياء، فلما رأوا ذلك أقروا بالذنوب، حيث لم ينفعهم، فعلى القول الأول كم واقعة على القرى، وعلى الثاني واقعة على أشخاص تلك القرية. قوله:\r(أي شعر أهل القرية) بفتح العين بمعنى علم، وأما بالضم فمعناه تكلم بالشعر ضد النثر قوله: (يهربون) أي فالركض كناية عن الهرب. قوله: (استهزاء بهم) جواب عما يقال: إن الملائكة معصومون من الكذب، فكيف يقولون لهم ذلك، مع علمهم بأنهم مهلكون عن آخرهم؟ فأجاب بأن هذا القول ليس على حقيقته، بل سخرية بهم على حد: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ.\rقوله: وَمَساكِنِكُمْ بالجر عطفا على ما. قوله: (شيئا من دنياكم) أي فأنتم أهل سخاء وغنى تعطون الفقراء، وهذا توبيخ وتهكم بهم. قوله: (بالكفر) أي وقتل موسى.\rقوله: فَما زالَتْ ما نافية، وزال فعل ماض ناقص، وتِلْكَ اسمها ودَعْواهُمْ خبرها.\rقوله: (الكلمات) المراد بها قولهم يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ.\rقوله: حَتَّى جَعَلْناهُمْ أي رجالهم، وأما النساء فقد سباهم بختنصر كما تقدم، وكلام المفسر يفيد أن هذه الآية حكاية عن أهل حضور. قوله:\r(كخمود النار) أي سكون لهبها مع بقاء جمرها، وأما الهمود، فهو عبارة عن ذهاب النار بالكلية حتى تصير","part":2,"page":452},{"id":1054,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 453\rخامِدِينَ (15) ميتين كخمود النار إذا طفئت وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (16) عابثين بل دالين على قدرتنا ونافعين عبادنا لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً ما يلهى به من زوجة أو ولد لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا من عندنا من الحور العين والملائكة إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (17) ذلك لكنا لم نفعله فلم نرده بَلْ نَقْذِفُ نرمي بِالْحَقِ الإيمان عَلَى الْباطِلِ الكفر فَيَدْمَغُهُ يذهبه فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ذاهب، ودمغه في الأصل أصاب دماغه بالضرب، وهو مقتل وَلَكُمُ يا كفار مكة الْوَيْلُ العذاب الشديد مِمَّا تَصِفُونَ (18) اللّه به من الزوجة أو الولد وَلَهُ تعالى مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وَمَنْ عِنْدَهُ أي الملائكة مبتدأ خبره لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (19) لا يعيون يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20) عنه فهو منهم كالنفس منا لا يشغلنا عنه شاغل أَمِ بمعنى بل للانتقال وهمزة الإنكار اتَّخَذُوا آلِهَةً كائنة مِنَ الْأَرْضِ كحجر وذهب وفضة هُمْ أي الآلهة يُنْشِرُونَ (21) أي يحيون الموتى لا ولا يكون إلها إلا من يحيي الموتى لَوْ كانَ فِيهِما أي السماوات والأرض آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ أي غيره لَفَسَدَتا خرجتا\r______________________________\rرمادا. قوله: لاعِبِينَ حال من فاعل خَلَقْنَا وهو محط النفي. قوله: (بل دالين على قدرتنا) ويسبحوننا بدليل قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ. قوله: (و نافعين لعبادنا) أي وتفصيل جهات النفع بها، لا يعلمها إلا اللّه تعالى.\rقوله: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً رد على من أثبت الولد والزوجة للّه. قوله: لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا جواب لَوْ واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم. والمعنى لو تعلقت إرادتنا باتخاذ الزوجة والولد، لاتخذناه من عندنا، لكنا لم نتخذه، فلم تتعلق به إرادتنا لاستحالة ذلك علينا. قوله: إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ يحتمل أن تكون أَنْ نافية أي ما كنا فاعلين.\rقوله: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ أي شأننا أن نؤيد الحق ونذهب الباطل. قوله: مِمَّا تَصِفُونَ (اللّه به) أشار بذلك إلى أن ما موصولة والعائد محذوف، ويصح أن تكون مصدرية. والمعنى ولكم الويل من أجل وصفكم إياه بما لا يليق. قوله: (أي الملائكة) عبر عنهم بالعندية، إشارة إلى أنهم في مكانة وشرف ورفعة.\rقوله: لا يَسْتَكْبِرُونَ أي يتكبرون. قوله: وَلا يَسْتَحْسِرُونَ أي لا يكلون ولا يتعبون.\rقوله: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ المقصود من هذا الإخبار، تحريض المؤمنين على الطاعات وتبكيت الكفار على تركها، لأن العبادة والتسبيح، وصف أهل القرب والشرف، وتركها وصف أهل البعد والخسة. قوله: (فهو منهم كالنفس منا) أي فهو سجية وطبيعة لهم، ولا يشغلهم التسبيح عن غيره، كلعن الكفرة، ونزول الأرض، وتبليغ الأحكام، وغير ذلك، كما أن اشتغالنا بالنفس لا يمنعنا الكلام. إن قلت: إن هذا قياس مع الفارق، لأن آلة النفس غير آلة الكلام، وأما التسبيح واللعن، فهما من جنس الكلام، فاجتماعهما محال. أجيب: بأن الملائكة لهم ألسنة كثيرة، بعضها يسبحون اللّه به، وبعضها يلعنون أعداء اللّه به، فلا يقاسون على بني آدم.\rقوله: (و همزة الإنكار) أي وهو راجع لقوله: هُمْ يُنْشِرُونَ.","part":2,"page":453},{"id":1055,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 454\rعن نظامهما المشاهد لوجود التمانع بينهم على وفق العادة عند تعدد الحاكم من التمانع في الشيء\r______________________________\rقوله: هُمْ يُنْشِرُونَ أي حيث ادعوا أنها آلهة لزمهم ما ذكر ضمنا والتزاما، وإلا فهم لم يدعوا أنها تحيي الموتى.\rقوله: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا لَوْ حرف شرط، وكانَ تامة فعل الشرط وآلِهَةٌ فاعلها، وفِيهِما متعلق بكان، وإِلَّا بمعنى غير صفة لآلهة، ظهر إعرابها فيما بعدها، وقوله: لَفَسَدَتا جواب الشرط، ففعل الشرط يقال له المقدم، وجوابه يقال له التالي، واستثناء نقيض التالي، ينتح نقيض المقدم. والمعنى لكنهما لم تفسدا، فلم يكن فيهما آلهة غير اللّه، والجمع في آلِهَةٌ ليس قيدا، وكذا قوله: فِيهِما وإنما أتى بذلك، ردا على الكفار في اتخاذهم الآلهة في السماء والأرض. قوله:\r(أي غيره) أشار بذلك إلى أن إِلَّا صفة بمعنى غير، فهي اسم، لكن لم يظهر إعرابها إلا فيما بعدها، لكونها على صورة الحرف، ولا يجوز أن تكون أداة استثناء، لا من جهة المعنى، ولا من جهة اللفظ، أما الأول فلأنه يلزم منه نفي التوحيد، إذ التقدير: لو كان فيهما آلهة ليس فيهم اللّه لفسدتا، فيقتضي بمفهومه، أنه لو كان فيهما آلهة فيهم اللّه لم تفسدا وهو باطل، وأما الثاني: فلأن المستثنى منه يشترط أن يكون عاما، وآلهة جمع منكر في الإثبات، فلا عموم له، فلا يصح الاستثناء منه. قوله: (لوجود التمانع بينهم) أي التخالف بين الآلهة، ويسمى الدليل على ذلك، ببرهان التمانع والتطارد في فرض اختلافهما.\rوتقريره أن يقال: لو فرض إلهان متصفان بصفات الألوهية، وأراد أحدهما إيجاد شيء والآخر إعدامه، فإما أن يتم مرادهما معا وهو باطل، للزوم اجتماع الضدين، أو لا يتم مرادهما معا وهو باطل، للزوم عجز من لا يتم مراده، وعجز من يتم مراده أيضا، لوجود المماثلة بينهما، فبطل التعدد وثبت الوحدانية، وإذا فرض اتفاقهما، فهو باطل، لوجود برهان التوارد، وتقريره أيضا أن يقال: لو فرض إلهان، وأرادا معا إيجاد شيء، فإما أن يحصل بإرادتهما معا وذلك باطل، لأنه يلزم عليه اجتماع مؤثرين على أثر واحد، أو يسبق أحدهما إلى إيجاده، فيلزم عليه عجز الآخر، أو تحصيل الحاصل، ويلزم عجز الأول، لوجود المماثلة بينهما، واعلم أن الدليل على ثبوت الوحدانية للّه، النقل والعقل، أما النقل فآيات كثيرة جدا منها «و إلهكم إله واحد لا إله إلا هو الحي القيوم هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» إلى غير ذلك، وأما العقل فقد علمنا اللّه كيفيته بقوله تعالى مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ وكهذه الآية. إذا علمت ذلك، فالدليل في هذه الآية قطعي كما هو الحق، لكون الفساد مرتبا على فرض الاتفاق والاختلاف، وليس إقناعيا بحسب ما يفهمه المخاطب؛ خلافا لما تقتضيه عبارة المفسر، حيث أحاله على العادة، وبهذه الآية انتفت الكموم الخمسة: الكم المتصل في الذات وهو التركيب فيها، والكم المنفصل فيها وهو النظير فيها، والكم المتصل في الصفات وهو التركيب فيها، والكم المنفصل فيها وهو النظير، والكم المنفصل في الأفعال، وهو المشارك له فيها، والمتصل فيها لا ينفى، لأنه ثابت، لأن أفعاله كثيرة على حسب شؤونه في خلقه. قوله: (الكرسي) الصواب إبقاء العرش على ما هو عليه، لأن التحقيق أن العرش جسم عظيم محيط بالعالم برمته، والكرسي تحته، رخص العرش بالذكر، لأنه أعظم من غيره، فإذا كان اللّه رب العرش، كان رب غيره بالأولى.","part":2,"page":454},{"id":1056,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 455\rوعدم الاتفاق عليه فَسُبْحانَ تنزيه اللَّهِ رَبِ خالق الْعَرْشِ الكرسي عَمَّا يَصِفُونَ (22) أي الكفار اللّه به من الشريك له وغيره لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (23) عن أفعالهم أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ تعالى أي سواه آلِهَةً فيه استفهام توبيخ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ على ذلك ولا سبيل إليه ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ أي أمتي وهو القرآن وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي من الأمم وهو التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب اللّه ليس في واحد منها أن مع اللّه إلها مما قالوا تعالى عن ذلك بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَ أي توحيد اللّه فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24) عن النظر الموصل إليه وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي وفي قراءة بالنون وكسر الحاء إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) أي وحدوني وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً من الملائكة سُبْحانَهُ بَلْ هم عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26) عنده والعبودية تنافي الولادة لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ لا يأتون بقولهم إلا بعد قوله وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) أي بعده يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أي ما عملوا وما هم عاملون وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى تعالى أن يشفع له وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ تعالى\r______________________________\rقوله: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ أي لا يسأل عما يحكم في عباده، من إعزاز وإذلال، وهدى وإضلال، وإسعاد وإشقاء، لأن الرب الخالق المالك لجميع الأشياء. إذا علمت ذلك، فالاعتراض على أفعال اللّه، إما كفر أو قريب منه. قوله: وَهُمْ يُسْئَلُونَ يقال للخلق: لم فعلتم كذا؟ لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم، وتبين بهذا، أن من يسأل عن أعماله كعيسى والملائكة، لا يصلح للألوهية.\rقوله: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إضراب انتقالي، من بطلان التعدد، إلى إظهار بطلان اتخاذهم تلك الآلهة من غير دليل على ألوهيتها. قوله: (فيه استفهام توبيخ) أي من حيث إن أَمِ بمعنى الهمزة، وسكت عن كونها بمعنى بل هنا، والمناسب لما تقدم أنها بمعناها أيضا. قوله: (على ذلك) أي الاتخاذ، كأن اللّه يقول لهم: نحن قد أتينا ببراهين دالة على وحدانيتنا، فأتوا ببرهان يدل على ثبوت الشريك لنا. قوله:\rهذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ أي عظتهم ومتمسكهم على التوحيد. قوله: (ليس في واحد منها) أي فراجعوها وانظروا، هل في واحد منها غير الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك؟ قوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ إضراب انتقالي، من محاجتهم إلى بيان أنهم كالبهائم، لا يميزون بين الحق والباطل. قوله: الْحَقَ الكلام على حذف مضاف، أي توحيد الحق.\rقوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ الخ، تقرير لما قبله من كون التوحيد، نطقت به الكتب القديمة واجتمعت عليه الرسل. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا.\rقوله: وَقالُوا الضمير عائد على فرق من العرب، وهم خزاعة وجهينة وبنو سلمة حيث قالوا: الملائكة بنات اللّه. قوله: (و العبودية تنافي الولادة) أي لأن عبد الإنسان لا يكون ولده، وهذا بحسب المعتاد عندهم.\rقوله: وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ أي لا يخالفونه في القول ولا في العمل.\rقوله: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أي فهم يراقبونه في جميع أحوالهم، فلا يقدمون على قول ولا عمل بغير مراده، لعلمهم بأنه تعالى محيط بهم. قوله: إِلَّا لِمَنِ","part":2,"page":455},{"id":1057,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 456\rمُشْفِقُونَ (28) أي خائفون وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ أي اللّه أي غيره وهو إبليس دعا إلى عبادة نفسه وأمر بطاعتها فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ كما نجزيه نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29) أي المشركين أَوَلَمْ بواو وتركها يَرَ يعلم الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً أي سدا بمعنى مسدودة فَفَتَقْناهُما أي جعلنا السماء سبعا والأرض سبعا أو فتق السماء أن كانت لا تمطر فأمطرت وفتق الأرض أن كانت لا تنبت فأنبتت وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ النازل من السماء والنابع من الأرض كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ نبات وغيره أي فالماء سبب لحياته أَفَلا يُؤْمِنُونَ (30) بتوحيدي وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ جبالا ثوابت ل أَنْ لا تَمِيدَ تتحرك بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها أي\r______________________________\rارْتَضى أي إن كان مؤمنا فلا يقدمون على الشفاعة، إلا لمن علموا أن اللّه راض عنه ويقبل شفاعتهم فيه. قوله: وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ أي وجلون لا يأمنون مكره، والإشفاق الخوف مع الإجلال، ويرادفه الخشية.\rقوله: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ أي من الملائكة المحدث عنهم أولا بقوله: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ وهذا على سبيل الفرض والتقدير، لأنهم معصومون من الكفر والمعاصي، ويحتمل أن القول قد وقع من بعضهم (و هو إبليس) كما قال المفسر، وكونه من الملائكة، باعتبار أنه كان بينهم وملحقا بهم في العبادة حتى قيل:\rإنه كان أعبدهم. قوله: (دعا إلى عبادة نفسه) أي لأجل الاضلال والإغواء، ولا مانع من ذلك، كما يقع لبعض الزنادقة من تشكلاته لهم في الصور النيرة، كالقمر والشمس وغير ذلك، ودعواه أنه رب العالمين، وكما وقع لبرصيصا العابد، حيث أتى له وهو مصلوب وقال له: اسجد لي وأنا أخلصك، وإن كان في الواقع معترفا بالعبودية للّه وتعالى وآيسا من رحمته. إذا علمت ذلك، فكلام المفسر لا غبار عليه. قوله:\rكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ أي إياها.\rقوله: أَوَلَمْ يَرَ الهمزة داخله على محذوف، والواو عاطفة عليه، والتقدير ألم يتفكروا ولم يعلموا. قوله: (بواو ودونها) قراءتان سبعيتان. قوله: يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ، شروع في ذكر ستة أدلة على التوحيد، وأن ما سوى اللّه مقهور، وهو القاهر فوق عباده. قوله: كانَتا رَتْقاً أي شيئا واحدا، لما روي أن اللّه خلق السماوات والأرض بعضها على بعض، ثم خلق ريحا توسطها ففتقها بها، وقيل خلق السماوات قطعة واحدة مرتفعة، والأرض قطعة واحدة منخفضة، فجعل السماوات سبعا، والأرض سبعا، لكن السماوات طباق، والأرض مختلف فيها، قيل مجاوزة لبعضها، كناية عن الأقاليم السبعة، وتقدم الجواب عن جمع السماوات وإفراد الأرض، بأن جنس السماوات مختلف بخلاف الأرض. قوله:\r(أن كانت لا تمطر) بفتح الهمزة مصدرية، أي كونها لا تمطر فأمطرت.\rقوله: مِنَ الْماءِ الجار والمجرور متعلق بمحذوف مفعول ثان مقدم، وكُلَّ شَيْءٍ مفعول أول مؤخر، والمعنى ناشئا ومتسببا عنه. قوله: (نبات وغيره) أي فالحياة في كل شيء بحسبه، فحياة الحيوان قيام الروح به، وحياة النبات بروزه من الأرض وخضرته وإثماره.\rقوله: رَواسِيَ جمع راسية من رسا","part":2,"page":456},{"id":1058,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 457\rالرواسي فِجاجاً مسالك سُبُلًا بدل أي طرقا نافذة واسعة لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) إلى مقاصدهم في الأسفار وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً للأرض كالسقف للبيت مَحْفُوظاً عن الوقوع وَهُمْ عَنْ آياتِها من الشمس والقمر والنجوم مُعْرِضُونَ (32) لا يتفكرون فيها فيعلمون أن خالقها لا شريك له وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌ تنويه عوض عن المضاف إليه من الشمس والقمر وتابعه وهو لنجوم فِي فَلَكٍ أي مستدير كالطاحونة في السماء يَسْبَحُونَ (33) يسيرون بسرعة كالسابح في الماء وللتشبيه به أتى بضمير جمع من يعقل، ونزل لما قال الكفار إن محمدا سيموت وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أي البقاء في الدنيا أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (34) فيها؟ لا، فالجملة الأخيرة محل الاستفهام الإنكاري كُلُ\r______________________________\rالشيء إذا ثبت واستقر.\rقوله: أَنْ تَمِيدَ قدر المفسر (لا) النافية لصحة التعليل، أي لأجل عدم تحركها بهم، لأن تثبيتها بالجبال، لأجل عدم التحرك لا للتحرك. قوله: (إلى مقاصدهم) أي الدنيوية والأخروية. قوله: (كالسقف للبيت) أي وهذا ما عليه أهل السنة، وقالت الحكماء: إن السماء محيطة بالأرض، كإحاطة بياض البيضة بصفارها. إذا علمت ذلك، فلا فرار من قضاء اللّه إلا إليه. قوله:\rمَحْفُوظاً (عن الوقوع) أي أو عن الفساد والخلل. قوله: وَهُمْ عَنْ آياتِها أي الدالة على وجود الصانع وكمال صفاته وأفعاله. قوله: (من الشمس والقمر) أي وغيرهما كالنجوم، وارتفاعها من غير عمد، ونزول الماء منها. قوله: (لا يتفكرون فيها) أي مع أنهم لو سئلوا عمن خلق السماوات والأرض ليقولن اللّه.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ فيه التفات من التكلم للغيبة. قوله: (من الشمس والقمر) بيان للمضاف إليه المحذوف. قوله: (أي مستدير كالطاحونة) أي كهيئة فلك المغزل أي تقالته، وقيل الفلك السماء التي فيها تسير تلك الكواكب، كما تسير السفن في البحر، واختلف الناس في حركات الكواكب على ثلاثة أقوال: قيل إن الفلك ساكن، والسير للكواكب، وهو الذي يدل عليه لفظ القرآن. وقيل إن الفلك متحرك والكواكب متحركة، وحركة كل تدافع حركة الآخر. وقيل إن الفلك متحرك، والكواكب ساكنة، ولا يعلم الحقيقة إلا اللّه تعالى، واختلف هل الشمس والقمر يجريان من تحت الأرض، وعليه الحكماء، أو منتهى سيرهما في العالم العلوي، وعليه أهل السنة. قوله: (و للتشبيه به) جواب عما يقال: لم جمعهما بضمير العقلاء؟ فأجاب: بأنه لما أسندت لهما السباحة التي هي من أفعال العقلاء جمعا جمعهم. قوله: (نزل لما قال الكفار إن محمدا سيموت) أي شماتة به.\rقوله: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أي سبقت حكمتنا بأن كل بشر من قبلك، بل ومن بعدك، لا يخلد في الدنيا، بل يذوق الموت، واقتصر على البشر وإن كان غيره كذلك، بدليل ما بعده للرد عليهم لكونهم من البشر. قوله: (فالجملة الأخيرة) الخ، أي فالهمزة مقدمة من تأخير، لأن الاستفهام له الصدارة، والأصل أفهم الخالدون إن متّ.","part":2,"page":457},{"id":1059,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 458\rنَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ في الدنيا وَنَبْلُوكُمْ نختبركم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ كفقر وغنى وسقم وصحة فِتْنَةً مفعول له أي لننظر أتصبرون وتشكرون أو لا وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (35) فنجازيكم وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ ما يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أي مهزوءا به يقولون أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ أي يعيبها وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ لهم هُمْ تأكيد كافِرُونَ (36) به إذ قالوا ما نعرفه، ونزل في استعجالهم العذاب خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ أي إنه لكثرة عجله في أحواله كأنه خلق منه سَأُرِيكُمْ آياتِي مواعيدي بالعذاب فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (37) فيه فأراهم القتل ببدر وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ بالقيامة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (38) فيه، قال تعالى لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ يدفعون عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) يمنعون منها في القيامة وجواب لو ما قالوا ذلك بَلْ تَأْتِيهِمْ القيامة بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ تحيرهم\r______________________________\rقوله: كُلُّ نَفْسٍ أي مخلوقة فلا يرد ذات اللّه تعالى، وهو دليل لما قبله أعم منه، وليس معينا، وقوله: ذائِقَةُ الْمَوْتِ أي ذائقة مرارة مفارقة الروح للجسم، وهي في غاية الصعوبة جدا، ومثلوه بعصر القصب بالآلة المعروفة، فإنه لا يبقى فيه طراوة أصلا، بل يؤخذ للنار حالا، غير أن المؤمن يتسلى برؤية ما أعد له من النعيم الدائم، والكافر يزداد بالموت عقوبة لرؤيته ما أعد له من العذاب المقيم.\rقوله: (نختبركم) أي نعاملكم معاملة المختبر، إذ لا يخفى على اللّه شيء. قوله: (تبصرون) راجع للشر، وقوله: (و تشكرون) راجع للخير، فالمؤمن الكامل يشاهد الأشياء عن اللّه، فإذا ابتلي بالفقر والمرض مثلا، رضي به وازداد إقبالا عليه، وإذا أنعم عليه بالغنى أو الصحة مثلا، ازداد شكرا وخوفا من اللّه، فهو راض عن اللّه في الحالتين، وأما الكافر والفاسق، فيشاهد الأشياء من الخالق، فإذا ابتلي سخط، وإذا أنعم عليه بطر، فهو مغضوب عليه في الحالين. قوله: وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ أي تردون، فيظهر لكم جزاء أعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.\rقوله: وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا رأى بصرية، أي أبصرك المشركون. قوله: إِنْ يَتَّخِذُونَكَ جواب إِذا وإِنْ نافية بمعنى (ما) كما قال المفسر. قوله: (يقولون) قدره إشارة إلى أن قوله: أَهذَا الَّذِي الخ، مقول لقول محذوف، والمعنى يقول بعضهم لبعض في حال الهزء والسخرية أَهذَا الخ.\rقوله: وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ هُمْ مبتدأ، وكافِرُونَ خبره، وبِذِكْرِ متعلق به، وهُمْ الثانية، تأكيد لفظي للأولى، وحينئذ فقد فصل بين العامل والمعمول بالمؤكد، وبين المؤكد والمؤكد بالمعمول، وإضافة ذكر للرحمن، من إضافة المصدر لفاعله، كما أشار له المفسر، حيث قدر لهم، وحينئذ فالمراد بالذكر، إرشاد اللّه لعباده، بإرسال الرسل وإنزال الكتب، ويحتمل أنه مضاف لمفعوله، أي ذكرهم الرحمن بالتوحيد. قوله: (إذ قالوا ما نعرفه) أي الرحمن، وذلك أنهم كانوا يقولون: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، وهو مسيلمة الكذاب. قوله: (في استعجالهم العذاب) أي حيث قالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ الآية.","part":2,"page":458},{"id":1060,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 459\rفَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (40) يمهلون لتوبة أو معذرة وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فيه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَحاقَ نزل بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (41) وهو العذاب فكذا يحيق بمن استهزأ بك قُلْ لهم مَنْ يَكْلَؤُكُمْ يحفظكم بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ من عذابه إن نزل بكم، أي لا أحد يفعل ذلك، والمخاطبون لا يخافون عذاب اللّه لإنكارهم له بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ أي القرآن مُعْرِضُونَ (42) لا يتفكرون فيه أَمْ فيها معنى الهمزة للإنكار أي ألَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مما يسوؤهم مِنْ دُونِنا أي ألهم من يمنعهم منه غيرنا لا يَسْتَطِيعُونَ أي الآلهة نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ فلا ينصرونهم وَلا هُمْ أي الكفار مِنَّا من عذابنا يُصْحَبُونَ (43) يجارون يقال صحبك اللّه أي حفظك وأجارك بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ بما أنعمنا عليهم حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ فاغتروا بذلك أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي\r______________________________\rقوله: مِنْ عَجَلٍ هو ضد البطء، أي السرعة في الأمور. قوله: (أي إنه لكثرة عجله في أحواله) الخ، أشار بذلك إلى أن في الكلام استعارة بالكناية، حيث شبه العجل من حيث إن الإنسان طبع عليه، حتى صار كالجبلة له بالطين الذي خلق منه البشر، وطوى ذكر المشبه، ورمز له بشيء من لوازمه وهو خلق، والمعنى أن الإنسان جبل على السرعة في الأمور والعجلة فيها، حتى إنه يقع في المضرة ولا يشعر. قوله: (مواعيدي بالعذاب) المراد متعلقاتها وهو أنواع العذاب في الدنيا، كوقعة بدر وغيرها، وفي الآخرة كعذاب النار.\rقوله: وَيَقُولُونَ أي استهزاء واستعجالا للعذاب. قوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ شرط حذف جوابه، والتقدير فأتوا به، وهو خطاب منهم للنبي وأصحابه. قوله: (قال تعالى) كلام مستأنف لبيان شدة هول ما يستعجلونه لجهلهم به.\rقوله: وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ أي فهو كناية عن إحاطة النار بهم من كل ناحية. قوله: (ما قالوا ذلك) قدره إشارة إلى أن جواب (لو) محذوف.\rقوله: بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً إضراب انتقالي من قولهم إلى بيان كيفية وقوع العذاب بهم. قوله:\rرَدَّها أي دفعها. قوله: (فيه تسلية للنبي) أي حيث كان يغتم من استهزائهم وعدم انقيادهم.\rقوله:\rقُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ الخ، أي قل يا محمد للمستهزئين القائلين لا نعرف الرحمن: من يحفظكم بالليل والنهار من عذابه أن أراده بكم؟ وقدم الليل لكثرة الآفات فيه. قوله: (و المخاطبون) الخ، توطئة لقوله:\rبَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ. والمعنى ليس لهم حافظ ولا مانع غير الرحمن، غير أنهم لا يخالفونه لإعراضهم عن ذكره. قوله: (فيها معنى الهمزة) أي زيادة على بَلْ.\rقوله: لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ أي فكيف يتوهم أن ينصروا غيرهم. قوله: (يجارون) أي ينقذون.\rقوله: بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ الخ، إضراب عما توهموه من أن حفظهم وإمدادهم بالنعم من قبل آلهتهم، بل ما هم فيه من السراء والنعم والحفظ منا استدراج لهم. قوله: (بالفتح على النبي) أي وتسليط المسلمين عليهم. قوله: أَفَهُمُ الْغالِبُونَ استفهام توبيخ وتقريع، وفيه معنى الإنكار، ولذا قدر المفسر (لا)، وقوله: (بل النبي وأصحابه) أي وهم الغالبون.","part":2,"page":459},{"id":1061,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 460\rالْأَرْضَ نقصد أرضهم نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بالفتح على النبي أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (44)، لا، بل النبي وأصحابه قُلْ لهم إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ من اللّه لا من قبل نفسي وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بينها وبين الياء ما يُنْذَرُونَ (45) أي هم لتركهم العمل بما سمعوه من الإنذار كالصم وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ وقعة خفيفة مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا للتنبيه وَيْلَنا هلاكنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (46) بالإشراك وتكذيب محمد وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ ذات العدل لِيَوْمِ الْقِيامَةِ أي فيه فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً من نقص حسنة أو\r______________________________\rقوله: قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ المقصود من ذلك توبيخهم على ما وقع منهم، حيث أقام لهم الحجج والبراهين، فلم يذعنوا لها. قوله: وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ بالياء المفتوحة، ورفع الصُّمُ على الفاعلية، ونصب الدُّعاءَ على المفعولية، وفي قراءة سبعية أيضا بالتاء المضمومة وكسر الميم خطاب للنبي، والصم مفعوله الأول، والدعاء مفعوله الثاني، والمقصود من ذلك تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم، كأن اللّه يقول له:\rأرح قلبك ولا تعلقه بهم، وارض بحكم اللّه فيهم. قوله: (بتحقيق الهمزتين) أي همزة الدعاء وهمزة إذا.\rقوله: (و تسهيل الثانية) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (وقعة خفيفة) أخذ الخفة من التعبير بالمس والنفخ، والتاء الدالة على المرة، والنفخ في الأصل هبوب رائحة الشيء، والمعنى ولئن أصابهم عذاب خفيف، ليقولن تحسرا وتندما يا ويلنا الخ، وهو كناية عن كونهم في غاية الضعف والحقارة، ومن كان كذلك فلا يبالى به.\rقوله: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ هذه الآية آخر خطابات قريش في هذه السورة، والجمع في الموازين للتعظيم، فإن الصحيح أنه ميزان واحد لجميع الأمم ولجميع الأعمال، وهو جسم مخصوص له لسان وكفتان وعامود، كل كفة قدر ما بين المشرق والمغرب، ومكانه قبل الصراط، كفته اليمنى للحسنات وهي نيرة عن يمين العرش، وكفته اليسرى للسيئات، وهي مظلمة عن يساره، يأخذ جبريل بعاموده ناظرا إلى لسانه، وميكائيل أمين عليه، يحضره الجن والإنس، ووقته بعد الحساب، ولا يكون الوزن في حق كل أحد، بل هو تابع للحساب، فمن حوسب وزنت أعماله، ومن لا فلا، والحق أن الكفار توزن أعمالهم السيئة غير الكفر، ليجازوا عليها بالعقاب، زيادة على عذاب الكفر، وأعمالهم الحسنة التي لا تتوقف على نية، كالعتق وصلة الرحم والوقف، فيخفف عنهم بذلك من عذاب الكفر، فتوزن أعمالهم لأجل ذلك، لا للنجاة من عذاب الكفر، فإنه لا يخفف عنهم ولا ينقطع، وأما قوله تعالى فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً فمعناه نافعا بحيث ينجون من الخلود في النار، وقيل حسناتهم التي فعلوها، يجازون عليها في الدنيا، كصحة وعافية، ولا يجازون عليها في الآخرة أصلا، واختلف هل الوزن بصنج أو لا، واستظهر الأول تحقيقا للعدل، فتوضع السيئات في مقابلة الحسنات، فإن رجح أحدهما، وضع صنج بقدر ما رجح، فينعم بقدره، أو يعذب بقدره، فإن لم يكن له إلا حسنات فقط، أو سيئات فقط، وضعت الصنج في الكفة الأخرى. واختلف أيضا، هل الأعمال تصور وتوزن، فالحسنات تصور بصورة حسنة نورانية، ثم توضع في كفة الحسنات، والسيئات تصور بصورة قبيحة ظلمانية، ثم توضع في كفة السيئات، أو توزن","part":2,"page":460},{"id":1062,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 461\rزيادة سيئة وَإِنْ كانَ العمل مِثْقالَ زنة حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها أي بموزونها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (47) محصين في كل شيء وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ أي التوراة الفارقة بين الحق والباطل والحلال والحرام وَضِياءً بها وَذِكْراً أي عظة بها لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ عن الناس أي في الخلاء عنهم وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ أي أهوالها مُشْفِقُونَ (49) أي خائفون وَهذا أي القرآن ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50) الاستفهام فيه للتوبيخ وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ أي هداه قبل بلوغه وَكُنَّا بِهِ\r______________________________\rالصحائف، أو توزن الأشخاص؟ ولا مانع من حصول ذلك كله. قوله: الْقِسْطَ أفرد لأنه مصدر، وصف به مبالغة أو على حذف مضاف. قوله: شَيْئاً إما مفعول ثان أو مفعول مطلق.\rقوله: وَإِنْ كانَ (العمل) قدره المفسر إشارة إلى أن كانَ ناقصة اسمها مستتر يعود على (العمل) ومِثْقالَ بالنصب خبرها، وفي قراءة سبعية برفعه على أنها تامة. قوله: مِنْ خَرْدَلٍ المراد أقل قليل. قوله: وَكَفى بِنا حاسِبِينَ أي عالمين، والمقصود منه التحذير، لأن الإنسان العاقل، إذا علم أن اللّه تعالى يحاسبه مع القدرة عليه، وإحاطة علمه بجزئيات أعماله، فإنه يكون على حذر وخوف منه.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ شروع في ذكر قصص الأنبياء، تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، وزيادة في علم أمته، وذكر منها عشر قصص: الأولى قصة موسى وهارون، الثانية قصة إبراهيم، الثالثة قصة لوط، الرابعة قصة نوح، الخامسة قصة داود وسليمان، السادسة قصة أيوب، السابعة قصة إسماعيل وإدريس وذي الكفل، الثامنة قصة يونس، التاسعة قصة زكريا، العاشرة قصة مريم وعيسى صلوات اللّه وسلامه على الجميع. قوله: وَضِياءً أي يستضاء بها من ظلمات الجهل والكفر.\rقوله: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ أي عذابه. قوله: بِالْغَيْبِ حال من الفاعل في يَخْشَوْنَ أي حال كونهم غائبين ومنفردين عن الناس، والناس في ذلك مراتب، فمنهم من يعتقد أن اللّه مطلع عليه ولا يغيب عنه، ولكن قلبه غير ذائق لذلك، وهذا محجوب قد تقع منه المعاصي، ومنهم من يراقب اللّه بقلبه، بحيث يشاهد أنه في حضرة اللّه، وأنه مطلع عليه، وهذا أعلى من الأول، ويسمى ذلك المقام مقام المراقبة، ومنهم من يشاهد اللّه بعين بصيرته، وهذا أعلى المقامات، ويسمى مقام المشاهدة. قوله: وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ خصت بالذكر لكونها أعظم ما يخاف منه.\rقوله: مُبارَكٌ أي كثير الخير.\rقوله: أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ الخطاب لأهل مكة تقريعا لهم، أي إن هذا القرآن فيه تذكيركم، وفيه خير كثير، أيليق منكم إنكاره والاستهزاء به. قوله: (أي هداه قبل بلوغه) المراد بالهدى الاهتداء لصلاح الدين والدنيا، حين خرج من السرب وهو صغير، وتفكر واستدل بالكواكب على وحدانية اللّه، وليس المراد به النبوة، وقيل من قبل موسى وهارون، وعليه فالمراد بالرشد النبوة،\rفتحصل أنه وإن كان المراد بقوله: قَبْلُ قبل البلوغ، فالمراد بالرشد الاهتداء لصلاح الدين والدنيا، لأن اللّه لم يتخذ وليا جاهلا بمعرفته فضلا عن نبي، وإن كان المراد به قبل موسى وهارون، فالمراد بالرشد النبوة وإرشاد الخلق. قوله:\rوَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ أي ولم نزل كذلك.","part":2,"page":461},{"id":1063,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 462\rعالِمِينَ (51) أي بأنه أهل لذلك إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الأصنام الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (52) أي على عبادتها مقيمون قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (53) فاقتدينا بهم قالَ لهم لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ بعبادتها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (54) بين قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِ في قولك هذا أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) فيه قالَ بَلْ رَبُّكُمْ المستحق للعبادة رَبُ مالك السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَ خلقهن على غير مثال سبق وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ الذي قلته مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) به وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ بعد ذهابهم إلى مجتمعهم في يوم عيد لهم جُذاذاً بضم الجيم وكسرها فتاتا بفأس إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ علق الفأس في عنقه لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ أي إلى الكبير يَرْجِعُونَ (58) فيرون ما فعل بغيره قالُوا\r______________________________\rقوله: إِذْ قالَ لِأَبِيهِ ظرف لقوله: آتَيْنا أو لمحذوف أي اذكر. قوله: لِأَبِيهِ أي آزر.\rقوله: التَّماثِيلُ جمع تمثال، وهو الصورة المصنوعة من رخام أو نحاس أو خشب، وكانت تلك الأصنام اثنين وسبعين صنما، بعضها من ذهب، وبعضها من فضة، وبعضها من حديد، وبعضها من رصاص، وبعضها من نحاس، وبعضها من حجر، وبعضها من خشب، وكان كبيرها من ذهب مكللا بالجواهر، وفي عينيه ياقوتتان متقدتان تضيئان بالليل. قوله: عاكِفُونَ عبر بالعكوف الذي هو عبارة عن الاستمرار على الشيء لغرض ما، ولم يعبر بالعبادة تحقيرا لهم.\rقوله: قالُوا وَجَدْنا آباءَنا الخ، أجابوا بذلك، وإن كان غير موافق لسؤاله بما لأنه مآل سؤاله، إذ هو يعرف حقيقتها من كونها من ذهب أو غيره، كأنه قال: ما هي؟ لأي شيء عبدتموها، وحينئذ فلم يكن لهم جواب إلا التقليد.\rقوله: فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي لعدم استنادكم إلى دليل.\rقوله: قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِ الخ، أي لما استبعدوا تضليل آبائهم، ظنوا أن ما قاله على وجه اللعب فقالوا: أصدق ما تقوله؟ أم أنت هازل فيه؟.\rقوله: قالَ بَلْ رَبُّكُمْ الخ، إضراب عن قولهم بإقامة البرهان على صدق ما ادعاه. قوله: وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ أي على ما ذكرته من كون رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ دون ما عداه. قوله: مِنَ الشَّاهِدِينَ أي العالمين بالبرهان.\rقوله: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ انتقال من دلالة قولية إلى دلالة فعلية، فلما لم يفد فيهم الدليل القولي، عدل إلى الدليل الفعلي وهو الكسر، والمعنى لأجتهدن في كسرها، وأكيدنكم فيها. قوله: (بعد ذهابهم إلى مجتمعهم) أي وقد ذهب معهم إبراهيم، فلما كان في أثناء الطريق، ألقى نفسه وقال: إني سقيم، اشتكى رجله فتركوه ومضوا، ثم نادى في آخرهم، وقد بقي ضعفاء الناس: تاللّه لأكيدن أصنامكم، فسمعها الضعفاء، فرجع إبراهيم إلى بيت الأصنام، وقبالة الباب صنم عظيم، وإلى جنبه أصغر منه، وهكذا كل صنم أصغر من الذي يليه، وكانوا وضعوا عند الأصنام طعاما يأكلون منه، إذا رجعوا من عيدهم إليهم، فقال لهم إبراهيم: ألا تأكلون؟ فلم يجيبوه فكسرها. قوله: (بضم الجيم وكسرها) أي فهما قراءتان سبعيتان، وقرىء شذوذا بفتحها. قوله: (بفأس) هو مهموز الآلة التي يكسر بها الحجر.\rقوله: إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ أي لم يكسره بل تركه، والضمير في لَهُمْ يصح أن يعود على الأصنام","part":2,"page":462},{"id":1064,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 463\rبعد رجوعهم ورويتهم ما فعل مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) فيه قالُوا أي بعضهم لبعض سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ أي يعيبهم يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (60) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ أي ظاهرا لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) عليه أنه الفاعل قالُوا له بعد إتيانه أَأَنْتَ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (62) قالَ ساكتا عن فعله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ عن فاعله إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (63) فيه تقديم جواب الشرط وفيما قبله تعريض لهم بأن الصنم المعلوم عجزه عن الفعل لا يكون إلها فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ بالتفكر فَقالُوا لأنفسهم إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) أي بعبادتكم من لا ينطق ثُمَّ نُكِسُوا من اللّه عَلى رُؤُسِهِمْ أي ردوا إلى\r______________________________\rأو على عابديها.\rقوله: مَنْ فَعَلَ هذا أي التكسير، ومَنْ يحتمل أن تكون استفهامية مبتدأ، وفَعَلَ هذا خبره أو موصولة، وفَعَلَ صلته، وإِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ خبره.\rقوله: قالُوا سَمِعْنا فَتًى القائل هم الضعفاء من قوم إبراهيم الذين سمعوا حلفه. قوله: (أي يعيبهم) أي ينقصهم ويستهزىء بهم. قوله: يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ مرفوع على أنه نائب فاعل يقال على إرادة لفظه، أو مبتدأ خبره محذوف، أي يقال له إبراهيم فاعل ذلك، أو منادى، وحرف النداء محذوف، أو خبر لمحذوف، أي يقال له هذا ابراهيم.\rقوله: قالُوا فَأْتُوا بِهِ القائل لذلك النمروذ. قوله:\rلَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ أي لعل الناس يشهدون عليه بفعله، بأن يكون أحد من الناس رآه يكسرها. قوله:\r(بتحقيق الهمزتين) أي بإدخال ألف بينهما وتركه، فتكون القراءات السبعيات خمسا، وحاصلها أن الهمزتين إما محققتان، أو الثانية مسهلة، وفي كل إما بإدخال ألف بينهما أو لا، فهذه أربع، والخامسة إبدال الثانية ألفا.\rقوله: قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا اعلم أن هذا من التعريض، لأن القاعدة أنه إذا دار الفعل بين قادر عليه، وعاجز عنه، وأثبت للعاجز بطريق التهكم به، لزم منه انحصاره في الآخر، فهو إشارة لنفسه، مضمنا فيه الاستهزاء والتضليل. وقوله: هذا بدل من كَبِيرُهُمْ أو نعت له، ورد أن ابراهيم قال لهم: إن الكبير غضب من إشراككم معه غيره الصغار في العبادة فكسرهن، وأراد بذلك إقامة الحجة عليهم. قوله: إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ أي إن كانوا ممن يمكن أن ينطق، وخص النطق بالذكر، وإن كان غيره من السمع والعقل وبقية أوصاف العقلاء كذلك لأنه أظهر في تبكيتهم. قوله: (فيه تقديم جواب الشرط) أي وهو قوله: فَسْئَلُوهُمْ وفيه إشارة إلى أن قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا مرتبط بقوله:\rإِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ والمعنى بل فعله كبيرهم هذا، إن كانوا ينطقون فاسألوهم.\rقوله: فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ أي إلى عقولهم، وتذكروا أن من لا يقدر على دفع المضرة، أو جلب المنفعة، كيف يصلح أن يكون إلها؟\rقوله: ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ أي انقلبوا إلى المجادلة والكفر، بعد استقامتهم بالمراجعة، ونكسوا بالتخفيف مبنيا للمفعول في القراءة العامة، وفاعل النكس هو اللّه كما","part":2,"page":463},{"id":1065,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 464\rكفرهم وقالوا واللّه لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (65) أي فكيف تأمرنا بسؤالهم قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي بدله ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً من رزق وغيره وَلا يَضُرُّكُمْ (66) شيئا إذا لم تعبدوه أُفٍ بكسر الفاء وفتحها بمعنى مصدر أي نتنا وقبحا لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره أَفَلا تَعْقِلُونَ (67) أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة ولا تصلح لها وإنما يستحقها اللّه تعالى قالُوا حَرِّقُوهُ أي إبراهيم وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ أي بتحريقه إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (68)\r______________________________\rيشير له المفسر، وقرىء شذوذا بالتشديد وبالتخفيف مبنيا للفاعل. قوله: (أي ردوا إلى كفرهم) أي الاستمرار عليه. قوله: (و قالوا واللّه) أشار بذلك إلى أن قوله: لَقَدْ عَلِمْتَ الخ، جواب قسم محذوف. قوله: (بكسر الفاء) أي مع التنوين وتركه، وقوله: (و فتحها) أي بترك التنوين، فالقراءات ثلاث سبعيات.\rقوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه، والتقدير أجهلتم فلا تعقلون.\r- فائدة- ورد في الحديث أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «لم يكذب ابراهيم إلا ثلاث كذبات، ثنتان منها في ذات اللّه، قوله: إِنِّي سَقِيمٌ، وقوله: كَبِيرُهُمْ هذا، وقوله لسارة: «هذه أختي» والمعنى لم يتكلم بكلام صورته صورة الكذب، إلا هذه الكلمات الثلاث، فقوله: إِنِّي سَقِيمٌ أراد سقيم القلب من ضلالتكم، وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا تبكيت لقومه: وقوله: «هذه أختي» أي في الدين والخلقة، فهذه الألفاظ صدق في نفسها، ليس فيها كذب أصلا، ومعنى كون الأولى والثانية في ذات اللّه، أنهما من أجل غيرته على اللّه، وأما الثالثة فمن أجل غيرته على زوجته، وهذا ما فتح اللّه به.\rقوله: قالُوا حَرِّقُوهُ القائل ذلك: النمروذ بن كنعان بن سنحاريب بن نمروذ بن كوس بن حسام بن نوح عليه السّلام، وقيل رجل من أكراد فارس اسمه هينوب، خسف اللّه به الأرض. والحكمة في اختيارهم التحريق على غيره من أنواع القتل، أن إبراهيم بادأهم بالفضيحة والتشنيع عليهم، فأحبوا أن يجازوه بما فيه التشنيع والشهرة. قوله: (فجمعوا له الحطب) الخ، حاصل القصة في ذلك: أنه لما اجتمع نمروذ وقومه لإحراق إبراهيم، حبسوه في بيت، وبنوا بنيانا كالحظيرة بقرية يقال لها كوثى، ثم جمعوا له صلاب الحطب وأصناف الخشب مدة شهر، حتى كان الرجل يمرض فيقول: لئن عوفيت لأجمعن حطبا لإبراهيم، وكانت المرأة تنذر في بعض ما تطلبه، لئن أصابته لتحطبن في نار إبراهيم، وكانت المرأة تغزل وتشتري الحطب بغزلها احتسابا في دينها، وكان الرجل يوصي بشراء الحطب وإلقائه فيه، فلما جمعوا ما أرادوا، وأشعلوا في كل ناحية من الحطب نارا فاشتعلت النار واشتدت، حتى إن كان الطير ليمر بها، فيحترق من شدة وهجها وحرها، فأوقدوا عليها سبعة أيام، فلما أرادوا أن يلقوا إبراهيم، فلم يعلموا كيف يلقونه، فقيل: إن إبليس جاء وعلمهم عمل المنجنيق فعملوه، ثم عمدوا إلى إبراهيم، فقيدوه ورفعوه على رأس البنيان، ووضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا، فصاحت السماء والأرض ومن فيهما من الملائكة وجميع الخلق إلا الثقلين صيحة واحدة: أي ربنا، إبراهيم خليلك يلقى في النار، وليس في أرضك أحد يعبدك غيره، فائذن لنا في نصرته، فقال اللّه تعالى: إنه خليلي،","part":2,"page":464},{"id":1066,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 465\rنصرتها، فجمعوا له الحطب الكثير، وأضرموا النار في جميعه، وأوثقوا إبراهيم وجعلوه في منجنيق ورموه في النار، قال تعالى قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (69) فلم تحرق منه غير وثاقه وذهبت حرارتها وبقيت إضاءتها، وبقوله (و سلاما) سلم من الموت ببردها وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً وهو التحريق فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) في مردهم وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً ابن أخيه هاران\r______________________________\rليس لي خليل غيره، وأنا الإله ليس له إله غيري، فإن استغاث بأحدكم أو دعاه فلينصره، فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع غيري، فأنا وليه وأنا أعلم به، فخلوا بيني وبينه، فلما أرادوا إلقاءه في النار، أتاه خازن المياه وقال: إن أردت أخمدت النار، وأتاه خازن الهواء وقال: إن شئت طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم، حسبي اللّه ونعم الوكيل، روي أنه قال حين أوثقوه ليلقوه في النار: لا إله إلا أنت سبحانك، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. ثم رموا به في المنجنيق إلى النار، فاستقبله جبريل فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، قال جبريل: فاسأل ربك، فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي، وكان وقت إلقائه فيها ابن ست عشرة سنة، وقيل ابن ست وعشرين سنة، ولما ألقي فيها، جعل كل شيء يطفىء النار إلا الوزغ، فإنه كان ينفخ في النار، فصم بسبب ذلك، وأمر صلّى اللّه عليه وسلّم بقتله، وكان من قتل وزغة في أول ضربة كتب له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك. ذكر بعض الحكماء، أن الوزغ لا يدخل بيتا فيه زعفران. ومدة مكثه في النار سبعة أيام، وقيل أربعون يوما، وقيل خمسون يوما. قوله: (في منجنيق) آلة ترمى بها الحجارة، فارسي معرب، لأن الجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب.\rقوله: كُونِي بَرْداً وَسَلاماً أي ابردي بردا غير ضار. ورد أنه لما ألقي، أخذت الملائكة بضبعيه، فأقعدوه على الأرض، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس، وأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة وطنفسة، فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة، وجلس معه يحدثه ويقول له: يا إبراهيم إن ربك يقول لك: أما علمت أن النار لا تضر أحبائي؟ قال إبراهيم: ما كنت أياما قط، أنعم مني من الأيام التي كنت في النار، ثم نظر نمروذ، وأشرف على إبراهيم من صرح له، فرآه جالسا في روضة والملك قاعد إلى جنبه، فناداه يا إبراهيم إن إلهك الذي بلغت قدرته، أن حال بينك وبين النار لكبير، هل تستطيع أن تخرج منها؟\rقال: نعم، قال: هل تخشى إذا قمت أن تضرك؟ قال: لا، قال: قم فاخرج منها، فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها، فلما وصل إليه قال له: يا إبراهيم من الرجل الذي رأيت معك مثلك في صورتك قاعدا إلى جنبك؟ قال: ذلك ملك الظل، أرسله إلي ربي ليؤنسني فيها، قال نمروذ: يا إبراهيم إني مقرب إلى إلهك قربانا، لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك، حين أبيت إلا عبادته وتوحيده، وإني ذابح له أربعة آلاف بقرة، قال إبراهيم: إذا لا يقبل اللّه منك ما كنت على دينك حتى تفارقه وترجع إلى ديني، فقال: لا أستطيع ترك ملكي، ولكن سوف أذبحها له، فذبحها له نمروذ، وكف عن إبراهيم عليه السّلام. قوله:\r(و بقوله سلاما) الخ. أي ولو لم يقل على إبراهيم، لما أحرقت النار أحدا ولما أوقدت.\rقوله: فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ أي لأنهم خسروا السعي والنفقة، فلم يحصلوا مرادهم، ويحتمل","part":2,"page":465},{"id":1067,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 466\rمن العراق إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (71) بكثرة الأنهار والأشجار وهي الشام نزل إبراهيم بفلسطين ولوط بالمؤتفكة وبينهما يوم وَوَهَبْنا لَهُ أي لإبراهيم وكان سأل ولدا كما ذكر في الصافّات إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً أي زيادة على المسؤول أو هو ولد الولد وَكُلًّا أي هو وولداه جَعَلْنا صالِحِينَ (72) أنبياء وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ياء يقتدى بهم في الخير يَهْدُونَ الناس بِأَمْرِنا إلى ديننا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ أي أن تفعل وتقام وتؤتى منهم ومن أتباعهم وحذف هاء إقامة تخفيف وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (73) وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً فصلا بين الخصوم وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي\r______________________________\rأن المراد بالأخسرين الهالكون، لأن اللّه سلط عليهم البعوض، فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ودخلت في رأس النمروذ بعوضة فأهلكته. قوله: (ابن أخيه هاران) أي الأصغر، وكان له أخ ثالث اسمه ناخور، والثلاثة أولاد آزر، وأما هاران الأكبر فهو عم إبراهيم أبو سارة زوجته وقد آمنت به. قوله: (من العراق) أي وصحب معه لوطا وسارة، ونزل بحران فمكث بها، ثم خرج منها حتى قدم مصر، ثم خرج ورجع إلى الشام، فنزل بالسبع من أرض فلسطين، وترك لوطا بالمؤتفكة، فبعثه اللّه نبيا إلى أهلها وما قرب منها.\rقوله: (بكثرة الأنهار والأشجار) أشار بذلك إلى أن المراد بالبركة الدنيوية، وعليه يحمل ما ورد أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال لكعب: ألا تتحول إلى المدينة فيها مهاجر رسول اللّه وقبره؟ فقال كعب: إني وجدت في كتاب اللّه المنزل يا أمير المؤمنين، إن الشام كنز اللّه من أرضه، وبها كنزه من عباده، وإلا فالمدينة ومكة أفضل من الشام باتفاق. قوله: (بفلسطين) بفتح الفاء وكسرها مع فتح اللام لا غير، قرى بيت المقدس. قوله: (و لوط بالمؤتفكة) هي قرى قوم لوط، رفعها جبريل وأسقطها مقلوبة بأمر من اللّه. قوله:\r(كما ذكر في الصافات) أي في قوله: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ.\rقوله: نافِلَةً حال من يعقوب، أي أعطى يعقوب لإبراهيم زيادة على مطلوبه. قوله: (و ولداه) أي إسحاق ويعقوب. قوله: (و إبدال الثانية ياء) هو وجه من جملة خمسة أوجه، تقدمت في سورة براءة\rقوله: يَهْدُونَ بِأَمْرِنا أي يدعون الناس بوحينا. قوله: وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ عطف خاص على عام، لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، والزكاة أفضل العبادات المالية. قوله: وَكانُوا لَنا عابِدِينَ تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، أي كانوا لنا لا لغيرنا.\rقوله: وَلُوطاً منصوب بفعل مقدر يفسره قوله آتينا. قوله: (فصلا بين الخصوم) أي على وجه الحق. قوله: وَعِلْماً أي بالشرائع والأحكام. قوله: (أي أهلها) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، أو فيه مجاز عقلي. قوله: (الأعمال) قدره إشارة إلى أن الخبائث صفة لموصوف محذوف. قوله:\r(و الرمي بالبندق) أي رمي المارة بالبرام، وأما بندق الرصاص فلم يحدث إلا في هذه الأمة. قوله: (و غير ذلك) أي كالضراط في المجالس. قوله: (بأن أنجيناه من قومه) المناسب أن يقول: وأدخلناه في أهل رحمتنا أي جنتنا، وإلا فيلزم عليه التكرار.\rقوله: وَ(اذكر) قدره إشارة إلى أن نُوحاً منصوب بفعل محذوف، وبعث نوح وهو ابن أربعين سنة، ومكث في قومه ألف سنة إلا خمسين، وعاش بعد الطوفان","part":2,"page":466},{"id":1068,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 467\rكانَتْ تَعْمَلُ أي أهلها الأعمال الْخَبائِثَ من اللواط والرمي بالبندق واللعب بالطيور وغير ذلك إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ مصدر ساءه نقيض سره فاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا بأن أنجيناه من قومه إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) وَاذكر نُوحاً وما بعده بدل منه إِذْ نادى دعا على قومه بقوله رب لا تذر الخ مِنْ قَبْلُ أي قبل إبراهيم ولوط فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ الذين في سفينته مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) أي الغرق وتكذيب قومه له وَنَصَرْناهُ منعناه مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة على رسالته ألا يصلوا إليه بسوء إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (77) وَاذكر داوُدَ وَسُلَيْمانَ أي قصتهما، ويبدل منهما إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ هو زرع أو كرم إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ أي رعته ليلا بلا راع بأن انفلتت وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (78) فيه استعمال ضمير الجمع لاثنين. قال داود: لصاحب الحرث رقاب الغنم، وقال\r______________________________\rستين سنة، فجملة عمره ألف وخمسون سنة، وهذا أحد أقوال تقدمت. قوله: (بقوله رب لا تذر على الأرض) الخ، أي بعد أن أوحى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن. قوله: (الذين في سفينته) وجملتهم ستة رجال ونساؤهم، وقيل أربعون رجلا وأربعون امرأة. قوله: (منعناه) أشار بذلك إلا أنه ضمن نصر معنى منع حيث عدي بمن. قوله: (أن يصلوا إليه) أي لئلا يصلوا إليه، فهو تعليل لنصرناه.\rقوله: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ معمولان لمحذوف قدره المفسر بقوله: (اذكر)، وعاش داود مائة سنة، وبينه وبين موسى خمسمائة وتسع وستون سنة، وقيل وتسع وسبعون، وعاش ولده سليمان تسعا وخمسين، وبينه وبين مولد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نحو ألف سنة وسبعمائة سنة. قوله: (أي قصتهما) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله: (و يبدل منهما) في الحقيقة الإبدال من المضاف المحذوف. قوله: إِذْ يَحْكُمانِ عبر عنه بالمضارع، استحضارا للحال الماضية لغرابتها. قوله: (هو زرع أو كرم) هما قولان للمفسرين، وعلى كل كان قبل تمام نضجه. قوله: إِذْ نَفَشَتْ أي تفرقت وانتشرت فيه فأفسدته.\rقوله: غَنَمُ الْقَوْمِ أي بعض القوم، أي قوم داود وهم أمته.\rقوله: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ أي كان ذلك بعلمنا ومرأى منا، فخذها أيها العاقل ولا تتردد فيها. قوله: (فيه استعمال ضمير الجمع لاثنين) أي بناء على أن أقل الجمع اثنان، ويجاب أيضا بأن الجمع باعتبار الحاكمين والمحكوم عليهما. قوله: (قال داود: لصاحب الحرث رقاب الغنم) أي عوضا عن حرثه. وحاصل تلك القصة: أن رجلين دخلا على داود عليه السّلام، أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إن هذا قد انفلتت غنمه ليلا، فوقعت في حرثي فأفسدته، فلم تبق منه شيئا، فأعطاه داود رقاب الغنم في الحرث، فخرجا فمرا على سليمان، وهو ابن إحدى عشرة سنة فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه، فقال سليمان: لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا، وروي أنه قال غير هذا أرفق بالفريقين، فأخبر بذلك داود، فدعاه فقال له: بحق النبوة والأبوة، إلا ما أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين، قال: أدفع الغنم لصاحب الحرث، ينتفع بلبنها وصوفها ونسلها، ويزرع صاحب الغنم","part":2,"page":467},{"id":1069,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 468\rسليمان: ينتفع بدرها ونسلها وصوفها إلى أن يعود الحرث كما كان بإصلاح صاحبها فيردها إليه فَفَهَّمْناها أي الحكومة سُلَيْمانَ وحكمهما باجتهاد ورجع داود إلى سليمان وقيل بوحي والثاني ناسخ للأول وَكُلًّا منهما آتَيْنا ه حُكْماً نبوة وَعِلْماً بأمور الدين وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ كذلك سخرا للتسبيح معه لأمره به إذا وجد فترة لينشط له وَكُنَّا فاعِلِينَ (79) تسخير تسبيحهما معه وإن كان عجبا عندكم أي مجاوبته للسيد داود وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ وهي الدرع لأنها تلبس وهو أول من صنعها وكان قبلها صفائح لَكُمْ في جملة الناس\r______________________________\rلصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صار الحرث كهيئته يوم أكل دفع إلى صاحبه، وأخذ صاحب الغنم غنمه، فقال داود: القضاء ما قضيت، ومن أحكام داود وسليمان عليهما السّلام ما روي: كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى:\rإنما ذهب بابنك، فتحاكما إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك اللّه هو ابنها، فقضى به للصغرى.\rقوله: فَفَهَّمْناها أي فهمناه الصواب فيها. قوله: (و حكمهما باجتهاد) الخ، أي ويجوز الخطأ على الأنبياء، إذا لم يكن فيه مفسدة، ولكن لا يبقيهم اللّه عليه لعصمتهم، والمجتهد مأجور، أخطأ أو أصاب، لكن المصيب له أجران، والمخطىء له أجر واحد. قوله: (و قيل بوحي) أي لكل منهما وهذا في شريعتهم، وأما في شريعتنا فمذهب مالك ما أتلفته البهائم ليلا، وهي غير معروفة بالعداء، ولم تربط ولم يغلق عليها فعلى ربها، وإن زاد على قيمتها يقوم إن لم يبد صلاحه بين الرجاء والخوف، وإن بدا صلاحه ضمن قيمته على البت، وأما ما أتلفته نهارا وهي غير عادية، ولم يكن معها راع، وسرحت بعيدة عن المزارع، فلا ضمان على ربها، وإن كان معها راع، أو سرحها ربها قرب المزارع، أو كانت عادية، فعلى ربها ليلا أو نهارا، ومذهب أبي حنيفة، لا ضمان فيما أتلفته البهائم ليلا أو نهارا، إلا أن يكون معها سائق أو قائد، ومذهب الشافعي فيه تفصيل فانظره، ويمكن تخريج حكم داود على شريعتنا، بأنه رأى أن قيمة الغنم مثل الحرث، وصاحب الغنم مفلس، فالحكم أنها تعطى لصاحب الحرث. قوله: وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً دفع بذلك ما يتوهم من قوله: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ أن داود ناقص في العلم.\rقوله: وَسَخَّرْنا أي ذللنا. قوله: يُسَبِّحْنَ حال من الْجِبالَ، وقوله: وَالطَّيْرَ فيه قراءتان سبعيتان الرفع والنصب، فالنصب إما على أنه مفعول معه، أو معطوف على الجبال، والرفع على أنه مبتدأ، والخبر محذوف كما قدره المفسر بقوله: (كذلك) وقدم الجبال لكون تسبيحها أغرب وأعجب.\rقوله: (لأمره به إذا وجد فترة) أي فكأنه إذا وجد فترة، أمر الجبال والطير فيسبحن. قوله: (إن كان عجبا عندكم) أي مستغربا، وقد اتفق في هذه الأمة لغير واحد منها، كالسيد الدسوقي وأمثاله.\rقوله: وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ وسبب ذلك، أنه مر به ملكان على صورة رجلين، فقال أحدهما للآخر: نعم الرجل إلا أنه يأكل من بيت المال، فسأل اللّه أن يرزقه من كسبه، فألان اللّه له الحديد، فكان يعمل منه الدروع بغير نار، كأنه طين في يده. قوله: (و هي الدرع) أنث الضمير لكون درع الحديد","part":2,"page":468},{"id":1070,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 469\rلِتُحْصِنَكُمْ بالنون للّه، وبالتحتانية لداود، وبالفوقانية للبوس مِنْ بَأْسِكُمْ حربكم مع أعدائكم فَهَلْ أَنْتُمْ يا أهل مكة شاكِرُونَ (80) نعمي بتصديق الرسول أي اشكروني بذلك وَسخرنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً وفي آية أخرى رخاء أي شديدة الهبوب وخفيفته بحسب إرادته تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وهي الشام وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (81) من ذلك علمه تعالى بأن ما يعطيه سليمان يدعوه إلى الخضوع لربه ففعله تعالى على مقتضى علمه وَسخرنا مِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ يدخلون في البحر فيخرجون منه الجواهر لسليمان وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ أي سوى الغوص من البناء وغيره وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (82) من\r______________________________\rتؤنث وتذكر، وأما درع المرأة أي قميصها فهو مذكر. قوله: (و هو أول من صنعها) أي حلقا بعضها داخل في بعض، وقبل ذلك كانوا يصنعونها من صفائح متصل بعضها ببعض. قوله: لَكُمْ أي يا أهل مكة. قوله: (في جملة الناس) دفع به ما يرد، كيف تكون لأهل مكة، مع أن صنع داود لم يكن في زمنهم؟\rفأفاد أنها نعمة اتصلت بمن بعده، إلى أن كانوا من جملتهم. قوله: (و بالفوقانية للبوس) أي لأنه بمعنى الدرع وهي تؤنث.\rقوله: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عبر باللام إشارة إلى أن اللّه ملكه الريح، وجعلها ممتثلة لأمره، وعبر بمع في حق داود، لأن الجبال والطير قد صاحباه في التسبيح واشتركا معه. قوله: (أي شديدة الهبوب) الخ، لف ونشر مرتب. قوله: تَجْرِي بِأَمْرِهِ حال. قوله: إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها أي لأنها مقره، فكان ينتقل منها ويرجع إليها، قال وهب: كان سليمان عليه الصلاة والسّلام، إذا خرج إلى مجلسه، عكفت عليه الطيور، وقام له الإنس والجن حيث يجلس على سريره، وكان أمرأ غازيا، قلما كان يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حتى يذله، وقال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان بساطا فرسخا في فرسخ ذهبا في أبرسيم، وكان يوضع له منبر من الذهب وسط البساط، فيقعد عليه وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة، يقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا يقع عليه شمس، ويرفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح، وقال الحسن: لما شغلت نبي اللّه سليمان الخيل، حتى فاتته صلاة العصر، غضب للّه فعقر الخيل، فأبدله اللّه مكانها خيرا منها، وأسرعت الريح تجري بأمره كيف شاء، فكان يغدو من إيليا فيقيل باصطخر، ثم يروح منها فيكون رواحها ببابل، وهكذا غدوها شهر ورواحها شهر، حتى ملك الأرض مشرقا ومغربا، ملك سلطنة وحكم، وأما رسالته فكانت لبني إسرائيل.\rقوله: وَمِنَ الشَّياطِينِ أي الكفار منهم. قوله: (و غيره) أي كالنورة والطاحون والقوارير والصابون، فإن ذلك من استخراجاتهم. قوله: (لأنهم كانوا إذا فرغوا من عمل) الخ، قيل إذا بعث شيطانا مع إنسان ليعمل له عملا قال: إذا فرغ من عمله قبل الليل، فاشغله بعمل آخر، لئلا يفسد ما عمله ويخربه.","part":2,"page":469},{"id":1071,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 470\rأن يفسدوا ما عملوا لأنهم كانوا إذا فرغوا من عمل قبل الليل أفسدوه إن لم يشغلوا بغيره وَاذكر أَيُّوبَ ويبدل منه إِذْ نادى رَبَّهُ لما ابتلي بفقد جميع ماله وولده وتمزيق جسده وهجر جميع الناس له إلا زوجته سنين ثلاثا أو سبعا أو ثماني عشرة وضيق عيشه أَنِّي بفتح الهمزة بتقدير الباء مَسَّنِيَ\r______________________________\rقوله: وَأَيُّوبَ قدر (اذكر) إشارة إلى أن أَيُّوبَ معمول لمحذوف. قوله: (و يبدل منه) أي من أيوب، والمعنى اذكر قصة أيوب إِذْ نادى رَبَّهُ ففي الحقيقة الإبدال من المضاف المقدر كما تقدم نظيره وسيأتي. قوله: (لما ابتلي) متعلق بنادى. قوله: (بفقد جميع ماله) أي فجملة ما ابتلاه اللّه به أربعة أمور. وحاصل قصته باختصار: أن أيوب كان رجلا من الروم، وهو ابن أموص بن رازح بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم، وكانت أمة من ولد لوط بن هاران أخي ابراهيم، وكان له من أصناف المال كله من الإبل والبقر والغنم والخيل والحمر، ما لا يكون لرجل أفضل منه في العدة والكثرة، وكان له خمسمائة فدان، يتبعها خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد ومال، وكان له أهل وولد من رجال ونساء، وكان نبيا تقيا شاكرا لأنعم ربه، وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به، وكانوا كهولا، وكان إبليس لا يحجب عن شيء من السماوات، فيقف فيهن من حيث ما أراد، فسمع صلاة الملائكة على أيوب فحسده وقال:\rإلهي نظرت في عبدك أيوب، فوجدته شاكرا حامدا لك، ولو ابتليته لرجع عن شكرك وطاعتك، فقال له اللّه: انطلق فقد سلطتك على ماله، فانطلق وجمع عفاريت الشياطين والجن وقال لهم: قد سلطت على مال أيوب، فقال عفريت: أعطيت من القوة، ما إذا شئت تحولت إعصارا من نار فأحرق كل شيء آتي عليه، قال إبليس: اذهب فائت الإبل ورعاتها، فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار، فأحرق الإبل ورعاتها، حتى أتى على آخرها، ثم جاء إبليس على صورة القيم على قعود إلى أيوب، فوجده قائما يصلي فقال له: أحرقت نار إبلك ورعاتها، فقال أيوب: الحمد للّه هو أعطانيها وهو أخذها، ثم سلط عفريتا على الغنم ورعاتها، فصاح عليهم فماتوا جميعا، وعلى الحرث فتحول ريحا عاصفا فأطارها، ثم جاء إبليس وأخبر أيوب بذلك، فحمد اللّه وأثنى عليه، فلما رأى أنه قد أفنى ماله ولم ينجح منه بشيء، صعد إلى السماء وقال: يا رب سلطني على أولاده، فقال له: انطلق فقد سلطتك على أولاده، فذهب إليهم وزلزل بهم القصر وقلبه عليهم فماتوا جميعا، ثم جاء في صورة المعلم الذي يعلمهم الحكمة، وهو جريح مشدوخ الرأس يسيل دمه، فأخبره بموت أولاده، وفصل له ذلك حتى رق قلبه وبكى، وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه وقال: يا ليت أمي لم تلدني، ففرح إبليس وصعد إلى السماء سريعا لينظر ما يفعل به، فأوحى اللّه إلى أيوب إنه إبليس فاستغفر، فوقف إبليس خاسئا ذليلا فقال: يا رب سلطني على جسده، فقال له: انطلق فقد سلطتك على جسده، غير قلبه ولسانه وعقله، فانقض عدو اللّه سريعا، فأتاه فوجده ساجدا، فنفخ في منخريه نفخة اشتعل منها جسده، فخرج منها ثآليل مثل إليات الغنم، ووقعت فيه حكة، فحك بأظفاره حتى سقطت كلها، ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها، ثم حكها بالفخار والحجارة الخشنة، فلم يزل كذلك حتى تقطع جسده وأنتن، فأخرجه أهل القرية وجعلوه على كناسة، وجعلوا له عريشا، وهجره الناس كلهم إلا زوجته رحمة بنت أفراثيم بن يوسف بن يعقوب، فكانت تخدمه وتأتيه بالطعام، وهجره الثلاثة الذين آمنوا به، ولم يتركوا دينهم، ونقل أن سبب قوله:","part":2,"page":470},{"id":1072,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 471\rالضُّرُّ أي الشدة وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنا لَهُ نداءه فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ أولاده الذكور والإناث بأن أحيوا له، وكل من الصنفين ثلاث أو سبع وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ من زوجته وزيد في شبابها، وكان له أندر للقمح وأندر للشعير فبعث اللّه سحابتين أفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض رَحْمَةً مفعول له مِنْ عِنْدِنا صفة وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (84) ليصبروا فيثابوا وَاذكر إِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) على طاعة اللّه وعن معاصيه وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا من النبوة إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86) لها، وسمي ذا الكفل لأنه تكفل بصيام جميع\r______________________________\rأَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ أن الدود قصد قلبه ولسانه، فخشي أن يفتر عن الذكر، ولا ينافي صبره قوله: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ لأنه شكوى للخالق، وهي لا تنافي الصبر. إن قلت: إن الأنبياء يستحيل عليهم المنفر من الأمراض. أجيب: بأن ما نزل به ليس من المنفرات في شيء، وإنما هو حرارة وحكة، ظهرت من آثار نفخ اللعين إبليس، وأعظم اللّه ضرها لخصوص أيوب تعظيما لقدره، لأن أشد الناس بلاء، الأنبياء ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل، كما ورد بذلك الحديث. قوله: (أو ثماني عشرة) هذا هو الصحيح. قوله:\r(و ضيق) إما فعل مبني للمفعول عطف على (ابتلي) أو مصدر عطف على فقد. قوله: وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ تعريض بطلب الرحمة.\rقوله: «فَاسْتَجَبْنا لَهُ نداءه» أي الذي في ضمنه الدعاء. قوله: فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ روي أن اللّه تعالى قال له: اركض برجلك الأرض فركض، فخرجت عين ماء، فأمره أن يغتسل منها ففعل، فذهب كل داء كان بظاهره، ثم مشى أربعين خطوة، فأمره أن يضرب برجله الأرض مرة أخرى ففعل، فنبعت عين ماء بارد، فأمره أن يشرب منها فشرب، فذهب كل داء كان بباطنه، فصار كأصح ما كان، وهو معنى قوله تعالى في سورة ص ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ. قوله: (بأن أحيوا له) أي لأنهم ماتوا قبل انتهاء آجالهم، وقيل رزقه اللّه مثلهم، روي أن امرأته ولدت بعد ذلك ستة وعشرين إبنا.\rقوله: (ثلاث أو سبع) أي فجملتهم ستة أو أربعة عشر. قوله: (و كان له أندر) هو الموضع الذي يدرس فيه الطعام. قوله: (أفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب) أي لمناسبته له الحمرة، وكذا يقال فيما بعده. قوله: وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ خصهم لأنهم المنتفعون بذلك.\rقوله: وَإِسْماعِيلَ عاش مائة وثلاثين سنة، وكان له حين مات أبوه تسع وثمانون سنة، وقصة صبره على الذبح ستأتي مفصلة في سورة الصافات. قوله: وَإِدْرِيسَ هو جد نوح، ولد في حياة آدم قبل موته بمائة سنة، وبعث بعد موته بمائتي سنة، وعاش بعد نبوته مائة وخمسين سنة، فجملة عمره أربعمائة وخمسون سنة، وكان بينه وبين نوح ألف سنة. قوله: وَذَا الْكِفْلِ هذا لقبه واسمه بشر، وهو ابن أيوب.\rقوله: وَأَدْخَلْناهُمْ معطوف على محذوف تقديره فأعطيناهم ثواب الصابرين وأدخلناهم الخ.\rقوله: (لأنه تكفل بصيام جميع نهاره) الخ، أي فكان يصوم النهار ويصلي الليل ولا يفتر، وكان ينام وقت","part":2,"page":471},{"id":1073,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 472\rنهاره وقيام جميع ليله وأن يقضي بين الناس ولا يغضب فوفى بذلك، وقيل لم يكن نبيا وَاذكر ذَا النُّونِ صاحب الحوت وهو يونس بن متى، ويبدل منه إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً لقومه أي غضبان عليهم مما قاسى منهم ولم يؤذن له في ذلك فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ أي نقضي عليه بما\r______________________________\rالقيلولة، وكان لا ينام إلا تلك النومة، فامتحنه إبليس لينظر هل يغضب أم لا، فأتاه إبليس حين أخذ مضجعه، فدق عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقال: شيخ كبير مظلوم، بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني، فقام وفتح له الباب، وصار يطيل عليه الكلام حتى ذهبت القيلولة فقال له: إذا قعدت للحكم فائتني أخلص حقك، فلما جلس للحكم لم يجده، فلما رجع إلى القائلة من الغد، أتاه ودق الباب، فقال له: من هذا؟ فقال: الشيخ المظلوم، ففتح الباب فقال: ألم أقل لك إذا قعدت للحكم فائتني؟ فقال: إن خصومي أخبث قوم، إذا علموا أنك قاعد قالوا نعطيك حقك، وإذا قمت جحدوني، فلما كان اليوم الثالث قال ذو الكفل لبعض أهله: لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام، فإنه قد شق علي النعاس، فلما كانت تلك الساعة جاءه إبليس فلم يأذن له الرجل، فرأى طاقة فدخل منها ودق الباب من داخل فاستيقظ فقال له: أتنام والخصوم ببابك، فعرف أنه عدو اللّه، وقال: فعلت ما فعلت لأغضبك فعصمك اللّه. قوله: (و قيل لم يكن نبيا) أي بل كان عبدا صالحا، والصحيح أنه نبي بعث إلى رجل واحد.\rقوله: وَذَا النُّونِ لقب ليونس وجمعه أنوان ونينان، وهو اسم للحوت كبيرا أو صغيرا. قوله:\r(ابن متى) اسم أبيه وقيل اسم أمه. قوله: (و يبدل منه) أي بدل اشتمال.\rقوله: مُغاضِباً (لقومه) أي لا لربه، لأن خروجه باجتهاد منه حين وعدهم بالعذاب، فلما لم ينزل بهم ظن أنه إن بقي بينهم قتلوه، لأنهم كانوا يقتلون كل من ظهر عليه كذب. قوله: (أي غضبان عليهم) أشار بذلك إلى أن المفاعلة ليست على بابها. قوله: (أي نقضي عليه بما قضينا) أشار بذلك إلى أن معنى أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ نقضي عليه بما قضينا من القدر وهو القضاء، والمعنى فظن أننا لا نؤاخذه بخروجه. قوله: (أو نضيق عليه) أي فمعنى نقدر نضيق كما في قوله تعالى: اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ* وقوله تعالى: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ لا من القدرة بمعنى الاستطاعة التي هي ضد العجز.\rقوله: (من حبسه في بطن الحوت) أي وكانت مدة مكثه ببطن الحوت أربعين يوما، أو سبعة أيام، أو ثلاثة، أو أربع ساعات، وأوحى اللّه إلى ذلك الحوت: لا تأكل له لحما، ولا تهشم له عظما، فإنه ليس رزقا لك، وإنما جعلتك سجنا له. وحاصل ذلك: أنه حين غاضب قومه، لما لم ينزل بهم العذاب الذي توعدهم به، خرج فركب سفينة، فسارت قليلا ثم وقفت في لجة البحر، فقال الملاحون: هنا عبد آبق من سيده تظهره القرعة، فضربوها فخرجت على يونس، فألقوه في البحر، فابتلعه الحوت وهو آت بما يلام عليه من ذهابه للبحر وركوبه إياه، فدعا ربه فألقاه الحوت بالساحل ضعيفا، وكانت تأتيه غزالة صباحا ومساء، فيشرب من لبنها حتى قوي، فرجع إلى قومه فآمنوا به جميعا، قال تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ. قوله: أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ إما مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وما بعدها خبرها، أو تفسيرية لتقدم جملة فيها معنى القول دون حروفه، وهذا الدعاء عظيم","part":2,"page":472},{"id":1074,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 473\rقضينا من حبسه في بطن الحوت أو نضيق عليه بذلك فَنادى فِي الظُّلُماتِ ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت أَنْ أي بأن لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) في ذهابي من بين قومي بلا إذن فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِ بتلك الكلمات وَكَذلِكَ كما نجيناه نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) من كربهم إذا استغاثوا بنا داعين وَاذكر زَكَرِيَّا ويبدل منه إِذْ نادى رَبَّهُ بقوله رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً أي بلا ولد يرثني وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (89) الباقي بعد فناء خلقك فَاسْتَجَبْنا لَهُ نداءه وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى ولدا وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ فأتت بالولد بعد عقمها إِنَّهُمْ أي من ذكر من الأنبياء كانُوا يُسارِعُونَ يبادرون فِي الْخَيْراتِ الطاعات وَيَدْعُونَنا رَغَباً في رحمتنا وَرَهَباً من عذابنا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (90) متواضعين في عبادتهم وَاذكر مريم الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها حفظته من أن ينال فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا أي جبريل حيث نفخ في جيب درعها فحملت بعيسى وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (91) الإنس والجن والملائكة حيث ولدته من غير فحل إِنَّ هذِهِ أي ملة الإسلام أُمَّتُكُمْ دينكم أيها المخاطبون أي يجب أن تكونوا عليها أُمَّةً واحِدَةً حال لازمة وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)\r______________________________\rجدا، لاشتماله على التهليل والتسبيح والإقرار بالذنب، ولذا ورد في الحديث «ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له».\rقوله: وَزَكَرِيَّا معمول لمحذوف قدره بقوله: (اذكر). قوله: (أي بلا ولد يرثني) أي في العلم والنبوة. قوله: (بعد عقمها) المراد به انسداد الرحم عن الولادة.\rقوله: إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ علة لمحذوف، أي قالوا ما قالوا لأنهم الخ. قوله: رَغَباً وَرَهَباً إما منصوبان على المفعول من أجله، أو على أنهما واقعان موقع الحال، أي راغبين راهبين.\rقوله: الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها صفة لموصوف محذوف معمول لمحذوف قدر ذلك المفسر بقوله:\r(و اذكر مريم). قوله: (من أن ينال) أي يصل إليه أحد بحلال أو حرام. إن قلت: المزية ظاهرة في حفظه من الحرام، وأما الحلال فكيف تمدح على التعفف عنه؟ أجيب بأن الترهيب كان مشروعا لهم، أو لتكون ولادتها خارقة للعادة. قوله: (حيث نفخ في جيب درعها) أي أمرناه ففعل ذلك، أو المراد نفخنا فيها بعض الأرواح المخلوقة لنا، وهي روح عيسى. قوله: آيَةً لِلْعالَمِينَ لم يقل آيتين، لأن كلا من مريم وابنها بانضمامه للآخر صار آية واحدة، أو فيه الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه.\rقوله: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أشار المفسر إلى أن اسم الإشارة يعود على (ملة الإسلام) والأمة في الأصل الجماعة، ثم أطلقت على الملة لأنها تستلزم الاجتماع. والمعنى أن ملة الإسلام ملتكم لا اختلاف فيها من لدن آدم إلى محمد، فلا تغيير ولا تبديل في أصول الدين، وإنما التغاير في الفروع، فمن غير وبدل في الملة، فهو خارج عنها ضال مضل. وحكمة ذكر هذه الآية عقب القصص، دفع ما يتوهم أن","part":2,"page":473},{"id":1075,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 474\rوحدون وَتَقَطَّعُوا أي بعض المخاطبين أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ أي تفرقوا أمر دينهم متخالفين فيه وهم طوائف اليهود والنصارى، قال تعالى كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (93) أي فنجازيه بعمله فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ أي جحود لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (94) بأن نأمر الحفظة بكتبه فنجازيه عليه وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أريد أهلها أَنَّهُمْ لا زائدة يَرْجِعُونَ (95) أي ممتنع رجوعهم إلى الدنيا حَتَّى غاية لامتناع رجوعهم إِذا فُتِحَتْ بالتخفيف والتشديد\r______________________________\rرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث بعقائد تخالف عقائد من قبله من الرسل. قوله: (حال لازمة) أي من أمة، وقيل بدل من هذِهِ، ويكون قد فصل بين البدل والمبدل منه بخبر أن نحو إن زيدا قائم أخاك، وأُمَّتُكُمْ بالرفع خبر إِنَ وقرىء شذوذا بالنصب على أنه بدل من هذه أو عطف بيان. قوله: فَاعْبُدُونِ إن كان الخطاب للمؤمنين، فمعناه دوموا على العبادة، وإن كان الخطاب للكفار، فمعناه إنشاء العبادة والتوحيد.\rقوله: وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ أي تفرقوا في أمرهم واختلفوا في دينهم، وهذا إخبار من اللّه بأن الجميع لم يكونوا على دين واحد، لسبق حكمته البالغة بذلك. والحكمة ذكر العبادة هنا، والتقوى في المؤمنون، وذكر الواو هنا والفاء هناك، قيل تفنن، وقيل لأن الخطاب هنا للكفار، فناسبه ذكر التوحيد والخطاب هناك للرسل، فناسبه ذكر التقوى، وأتى بالواو هنا لأنها لا تقتضي الترتيب، وهو المراد هنا، فإن التفرق كان حاصلا من قبل بخلاف ما يأتي، فإن التفرق حصل بعد إرسال الرسل فناسبه الفاء. قوله: (و هم طوائف اليهود والنصارى) لا مفهوم له، بل هذه الأمة افترقت ثلاثا وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة ناجية كما في الحديث.\rقوله: كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ تهديد للكفار. والمعنى أن اللّه تعالى لا يفلت أحدا، بل كل من الثابت على الحق والزائغ عنه راجع إليه.\rقوله: مِنَ الصَّالِحاتِ أي الأعمال الحسنة من فرض ونفل. قوله:\rفَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ أي لا يمنع من ثوابه ولا يحرم منه، فالكفران مصدر بمعنى الكفر الذي هو الجحود والإنكار، فشبه منع الثواب بالكفر والجحود. قوله: وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ أي حافظون للعمل، فلا يضيع منه شيء.\rقوله: وَحَرامٌ خبر مقدم، وأَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ مبتدأ مؤخر. والمعنى رجوع أهل قرية أهلكناها ممتنع، وقوله: (إلى الدنيا) أي إلى البقاء والمعيشة فيها وقيل إلى الإيمان، يعني أن رجوعهم إلى الإيمان ممتنع لسبق الشقاء عليهم، قال تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ. قوله: (غاية لامتناع رجوعهم) أي فهي متعلقة بحرام غاية لما قبلها، ويصح أن تكون ابتدائية، وتكون الجملة مستأنفة.\rقوله: (بالتشديد والتخفيف) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (بالهمز وتركه) قراءتان سبعيتان. قوله:\r(اسم قبيلتين) أي من بني آدم، يقال إنهم تسعة أعشار بني آدم، وتقدمت قصتهم. قوله: (و ذلك قرب القيامة) أي بعد نزول عيسى وهلاك الدجال حين يأتي ويمكث أربعين يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر؛ ويوم كجمعة، وسائر أيامه كباقي الأيام، وفي الحديث فقلنا: يا رسول اللّه في اليوم الذي كسنة يكفينا فيه صلاة","part":2,"page":474},{"id":1076,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 475\rيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ بالهمز وتركه اسمان أعجميان لقبيلتين ويقدر قبله مضاف أي سدهما، وذلك قرب القيامة وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ مرتفع من الأرض يَنْسِلُونَ (96) يسرعون وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُ أي يوم القيامة فَإِذا هِيَ أي القصة شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا في ذلك اليوم لشدته يقولون يا للتنبيه وَيْلَنا هلاكنا قَدْ كُنَّا في الدنيا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا اليوم بَلْ كُنَّا\r______________________________\rيوم؟ قال: لا أقدر له قدره، قلنا: يا رسول اللّه وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح، فينزل عيسى على منارة بني أمية شرقي دمشق، عليه حلتان همصرتان فيقتله، ثم يخرج يأجوج ومأجوج من السد، فيحصل للخلق جدب عظيم، حتى تكون رأس الثور خيرا من مائة دينارا، ثم يدعو اللّه عيسى، فيرسل اللّه عز وجل النغف في رقابهم فيهلكون جميعا فتملأ رممهم وجيفهم الأرض، فيدعو اللّه عيسى، فيرسل اللّه عليهم طيرا كأعناق البخت، فتحملهم وتطرحهم حيث شاء اللّه، ثم يرسل اللّه مطرا، فيغسل الأرض من آثارهم، ثم يقول اللّه للأرض: أنبتي ثمرك، فيكثر الرزق جدا، ويستقيم الحال لعيسى والمؤمنين، فبينما هم كذلك، إذ بعث اللّه عليهم ريحا لينة، تقبض روح كل مؤمن ومسلم، وتبقي شرار الناس يتهارجون في الأرض كتهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة، وبين موت عيسى والنفخة الأولى، مائة وعشرون سنة، لكن السنة بقدر شهر كما أن الشهر بقدر جمعة، والجمعة بقدر يوم، واليوم بقدر ساعة، فيكون بين عيسى والنفخة الأولى قدر ثنتي عشرة سنة من السنين المعتادة، وفي الحديث: «لا تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم». قوله: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ أي يأجوج ومأجوج، ينتشرون في الأرض، ويسرعون فيها من كل مرتفع من الأرض.\rقوله: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ عطف على فُتِحَتْ. قوله: (أي للقصة) أشار بذلك إلى أن الضمير للقصة، وشاخِصَةٌ خبر مقدم، وأَبْصارُ مبتدأ مؤخر، والجملة خبر هِيَ والتعقيب عرفي، لأن التفاوت القليل كالعد، فاندفع ما يقال إنه رتب الشخوص على فتح السد، واقتراب الساعة مع الشخوص، لا يوجد إلا مع القيامة. قوله: (يقولون) يا وَيْلَنا أشار بذلك إلى أن يا وَيْلَنا مقول لقول محذوف. قوله:\rبَلْ كُنَّا ظالِمِينَ إضراب عن قولهم قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ لعله ينفعهم الإقرار بالذنب فلا ينفعهم. قوله: (من الأوثان) خصها بالذكر لأنها كانت معظم معبوداتهم، وإلا فالشمس والقمر يصيران ثورين عقيرين في النار.\rقوله: (وقودها) أي وسمي حصبا، لأنه يرمى بهم فيها كما ترمى الحصباء.\rقوله: لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً الخ، تبكيت عليهم.\rقوله: زَفِيرٌ أي أنين وتنفس شديد. قوله:\r(لشدة غليانها) أي فعدم سماعهم لشدة غليان النار عليهم لما ورد: إذا بقي من يخلد فيها جعلوا في توابيت من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أخرى، ثم تلك التوابيت في توابيت أخرى عليها مسامير من نار، فلا يسمعون ولا يرى أحد منهم أن في النار أحدا يعذب غيره. قوله: (و نزل لما قال ابن الزبعرى) الخ، حاصل ذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم، وحول الكعبة ثلاثمائة","part":2,"page":475},{"id":1077,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 476\rظالِمِينَ (97) أنفسنا بتكذيبنا للرسل إِنَّكُمْ يا أهل مكة وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أى غيره من الأوثان حَصَبُ جَهَنَّمَ وقودها أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (98) داخلون فيها لَوْ كانَ هؤُلاءِ الأوثان آلِهَةً كما زعمتم ما وَرَدُوها دخلوها وَكُلٌ من العابدين والمعبودين فِيها خالِدُونَ (99) لَهُمْ للعابدين فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (100) شيئا لشدة غليانها ونزل لما قال ابن الزبعرى: عبد عزير والمسيح والملائكة فهم في النار على مقتضى ما تقدم إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا المنزلة الْحُسْنى ومنهم من ذكر أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (101) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها صوتها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ من النعيم خالِدُونَ (102) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وهو أن يؤمر بالعبد إلى النار وَتَتَلَقَّاهُمُ تستقبلهم الْمَلائِكَةُ عند خروجهم من القبور\r______________________________\rوستون صنما، فعرض له النضر بن الحرث، فكلمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أفحمه، ثم تلا عليه: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ الآيات الثلاث، ثم قام فأقبل ابن الزبعرى، وهو بكسر الزاي وفتح الباء وسكون العين وفتح الراء مقصورا، وقد أسلم بعد ذلك، فأخبره الوليد بن المغيرة بما قاله رسول اللّه لهم، فقال: أما واللّه لو وجدته لخصمته، فدعوا رسول اللّه، فقال له ابن الزبعرى: أنت قلت إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ؟ قال: نعم، قال: أليست اليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد المسيح، وبنو مدلج يعبدون الملائكة؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: بل هم يعبدون الشيطان، فنزلت هذه الآية ردا عليه.\rقوله: (المنزلة) الْحُسْنى أي الدرجة والرتبة الحسنى، أو المراد الكلمة الحسنى وهي لا إله إلا اللّه، أو المراد السعادة الأبدية. قوله: (و منهم من ذكر) أي العزير وعيسى والملائكة، والمعنى أن كل من سبقت له الحسنى، سواء عبد أو لا فهو مبعد عن النار.\rقوله: أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ أي عن جهنم. إن قلت: كيف ذلك مع قوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها والورود يقتضي القرب منها؟ أجيب: بأن المراد مبعدون عن عذابها وألمها، فإن المؤمنين إذا مروا على النار تخمد وتقول جز يا مؤمن، فإن نورك قد أطفأ لهبي، وهذا لا ينافي الورود.\rقوله: لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها أي حركة تلهبها، وفي هذا تأكيد بعدهم عنها.\rقوله: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ هذا بيان لنجاتهم من الفزع إثر بيان نجاتهم من النار. قوله:\r(و هو أن يؤمر بالعبد إلى النار) أي الكافر، وقيل: هو حين تغلق النار على أهلها وييأسون من الخروج، وقيل: هو حين يذبح الموت بين الجنة والنار وينادي يا أهل النار خلود بلا موت، وقيل: هو جميع أهوال القيامة. قوله: (عند خروجهم من القبور) أي تستقبلهم بالبشرى والسرور عند ذلك، وقيل تستقبلهم على أبواب الجنة، ولا مانع أنها تستقبلهم في الحالين. قوله: (اسم ملك) أي في السماء الثالثة، وعلى هذا فالمصدر مضاف لقائله، فإن هذا الملك يطوي كتب الأعمال إذا رفعت إليه. قوله: (و اللام زائدة) أي والكتاب مفعوله. قوله: (أو السجل الصحيفة) أي والمعنى كطي الصحف على مكتوبها، وعليه فهو من إضافة المصدر لمفعوله، والفاعل محذوف تقديره كما يطوي الرجل الصحيفة على ما فيها. قوله: (و في قراءة) أي سبعية أيضا. قوله: (جمعا) أي وأما على قراءة الإفراد، فأل للجنس.\rقوله: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ","part":2,"page":476},{"id":1078,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 477\rيقولون لهم هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103) في الدنيا يَوْمَ منصوب باذكر مقدرا قبله نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِ اسم ملك لِلْكُتُبِ صحيفة ابن آدم عند موته، واللام زائدة، أو السجل الصحيفة والكتاب بمعنى المكتوب، واللام بمعنى على، وفي قراءة للكتب جمعا كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ عن عدم نُعِيدُهُ بعد إعدامه فالكاف متعلقة بنعيد وضميره عائد إلى (أول) وما مصدرية وَعْداً عَلَيْنا منصوب بوعدنا مقدرا قبله وهو مؤكد لمضمون ما قبله إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (104) ما وعدنا وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ بمعنى الكتاب أي كتب اللّه المنزلة مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ بمعنى أم الكتاب الذي عند اللّه أَنَّ الْأَرْضَ أرض الجنة يَرِثُها عِبادِيَ\r______________________________\rخَلْقٍ أي كما بدأناهم في بطون أمهاتهم، حفاة عراة غرلا، كذلك نعيدهم يوم القيامة، والخلق بمعنى المخلوق، وإضافة أَوَّلَ له من إضافة الصفة للموصوف، والمعنى كما بدأنا المخلوق الأول نعيده ثانيا.\rقوله: (بعد إعدامه) هذا أحد قولين لأهل السنة، والقول الثاني أن الإعادة بعد تفرق الأجزاء، قال في الجوهرة:\rوقل يعاد الجسم بالتحقيق ... عن عدم وقيل عن تفريق\r\rقوله: (و ما مصدرية) أي وبدأنا صلتها، والجملة في محل جر بالكاف، وأَوَّلَ خَلْقٍ مفعول به لبدأنا. قوله: وَعْداً عَلَيْنا أي فعلينا إنجازه، لتعلق علمنا بوقوعه وقدرتنا على إنفاذه. قوله: (لمضمون ما قبله) أي الجملة الخبرية. قوله: إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ توكيد لما قبله. قوله: (بمعنى الكتاب) أي فأل في الزبور للجنس، والمعنى جنس الكتب السماوية. قوله: (بمعنى أم الكتاب) أي وهو اللوح المحفوظ.\rقوله: أَنَّ الْأَرْضَ مفعول كَتَبْنا. قوله: (عام في كل صالح) أي من هذه الأمة وغيرها من الأمم، والمراد بالصلاح الموت على الإيمان، والمعنى أن المؤمنين يرثون الجنة، ويتنعمون بها على قدر أعمالهم، وعبر بالميراث لأنه ملك مستمر يأتي من غير تكسب، وأما من مات على الكفر، فليس له في الجنة نصيب، لأن الجنة عزيزة عند اللّه فلا يعطيها لأعدائه، وأما الدنيا فقد تعطى للكافر، لعدم عزتها عنده، لما في الحديث: «لو كانت الدنيا تزن عند اللّه جناح بعوضة، ما سقى الكافر منها جرعة ماء» ومعناه: لو كان للدنيا قدر عند اللّه لبقيت ببقائه، ولو كانت باقية، ما نعم الكافر فيها لهوانه عليه، فقدر اللّه في الأزل، أن الدنيا فانية زائلة لا قدر لها عنده، فنعم فيها الكفار. قوله: (كفاية في دخول الجنة) أي من حيث إنه يوصل لمراضي اللّه تعالى في الدنيا ويؤنس صاحبه في القبر، ويوضع في الميزان، ويرقى به في درجات الجنة. قوله: (عاملين به) أي ممتثلين أوامره مجتنبين نواهيه.\rقوله: (أي للرحمة) أشار بذلك إلى أن رَحْمَةً منصوب على أنه مفعول لأجله، ويصح أن يكون منصوبا على الحال، أي أنه نفس الرحمة لما ورد: أن الأنبياء خلقوا من الرحمة، ونبينا عين الرحمة، أو على حذف مضاف، أي ذا رحمة أو راحما، لما في الحديث: «إنما أنا رحمة مهداة». قوله: (الإنس والجن) أي برا وفاجرا، مؤمنا وكافرا، لأنه رفع بسببه الخسف والمسخ وعذاب الاستئصال، ورحمة أيضا، من حيث إنه جاء بما يرشد الخلق إلى السعادة العظمى، فمن آمن فهو رحمة له دنيا وأخرى، ومن كفر فهو رحمة له في الدنيا فقط.","part":2,"page":477},{"id":1079,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 478\rالصَّالِحُونَ (105) عامّ في كل صالح إِنَّ فِي هذا القرآن لَبَلاغاً كفاية في دخول الجنة لِقَوْمٍ عابِدِينَ (106) عاملين به وَما أَرْسَلْناكَ يا محمد إِلَّا رَحْمَةً أي للرحمة لِلْعالَمِينَ (107) الإنس والجن بك قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ أي ما يوحى إلي في أمر الإله إلا وحدانيته فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) منقادون لما يوحى إليّ من وحدانية الإله، والاستفهام بمعنى الأمر فَإِنْ تَوَلَّوْا عن ذلك فَقُلْ آذَنْتُكُمْ أعلمتكم بالحرب عَلى سَواءٍ حال من الفاعل والمفعول أي مستوين في علمه لا أستبد به دونكم لتتأهبوا وَإِنْ ما أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (109) من العذاب أو القيامة المشتملة عليه وإنما يعلمه اللّه إِنَّهُ تعالى يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ والفعل منكم ومن غيركم وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (110) أنتم وغيركم من السر وَإِنْ ما أَدْرِي لَعَلَّهُ أي ما أعلمتكم به وقته فِتْنَةٌ اختبار لَكُمْ ليرى كيف صنعكم وَمَتاعٌ تمتع إِلى حِينٍ (111) أي انقضاء آجالكم وهذا مقابل للأول المترجى بلعل، وليس الثاني محلا للترجي قالَ وفي قراءة قال رَبِّ احْكُمْ بيني وبين مكذبيّ بِالْحَقِ بالعذاب لهم أو النصر عليهم فعذبوا ببدر وأحد والأحزاب وحنين والخندق ونصر عليهم وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما\r______________________________\rقوله: قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ اعلم أن في هذه الآية قصرين، الأول قصر الصفة على الموصوف، والثاني بالعكس، والمعنى كما قال المفسر: (ما يوحى إلي في أمر الإله إلا اختصاصه بالوحدانية) ففيه رد على الكفرة الذين يعبدون غير اللّه. قوله: (بمعنى الأمر) أي فالمراد منه التحضيض على الإسلام، لا الاستفهام عنه. قوله: (أعلمتكم بالحرب) أي أنذرتكم به، والمراد بالحرب محاربته هو وأصحابه لهم، والمعنى أعلمتكم بأني محاربكم، والحال أني وأنتم مستوون في العلم بنقض الصلح، لئلا انسب للغدر المذموم فاعله. قوله: (لتتأهبوا) أي لتستعدوا وتتهيأوا له، وهو علة للنفي لا للمنفي، فالمعنى لا أستبد به، بل أعلمكم لتتأهبوا.\rقوله: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ أي لا أدري الوقت الذي يحل بكم العذاب فيه، وإنما علمه موكول إلى اللّه. والمراد بالعذاب تعذيبه إياهم بحربه في الدنيا.\rوقوله: (أو القيامة) أي تعذيبهم بالنار.\rقوله: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ أي ما تقولونه جهرا مما لا يليق. قوله: (و الفعل) أشار بذلك إلى أن في الآية اكتفاء. قوله: (أي ما أعلمتكم به) أي وهو تأخير العذاب عنهم في الدنيا.\rقوله: (اختبار) لَكُمْ أي معاملتكم معاملة المختبر. قوله: (و هذا مقابل للأول) الخ، حاصله أن قوله: لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ محتمل للوقوع وعدمه، وأما قوله: وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ فهو محقق الحصول، والأحسن أن يجعل قوله: وَمَتاعٌ خبر المحذوف تقديره وهذا متاع إلى حين، أي وتأخير عذابكم متاع، أي تمتع لكم إلى وقت فراغ الأجل، والجملة مستأنفة. قوله: (و في قراءة قال) أي وهي سبعية أيضا، فالأولى أمر، والثانية إخبار عن مقالته.\rقوله: احْكُمْ بِالْحَقِ أي عجل النصر لي والعذاب لأعدائي. قوله: (و الخندق) المناسب حذفه لأنه هو الأحزاب. قوله: الْمُسْتَعانُ أي الذي","part":2,"page":478},{"id":1080,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 479\rتَصِفُونَ (112) من كذبكم على اللّه في قولكم اتخذ ولدا وعليّ في قولكم ساحر وعلى القرآن في قولكم شعر.\r______________________________\rتطلب منه الإعانة. قوله: عَلى ما تَصِفُونَ أي على وصفكم لربكم ولنبيه بالنقائص. فقد أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بتفويض الأمر إلى اللّه، والصبر على المشاق، تعليما لأمته حسن الالتجاء إلى ربهم.\r***","part":2,"page":479},{"id":1081,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 480\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الحج مدنيّة إلا وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ الآيتين، وإلا هذانِ خَصْمانِ الست آيات فمدنيات.\rوهي أربع أو خمس أو ست أو سبع أو ثمان وسبعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة وغيرهم اتَّقُوا رَبَّكُمْ أي\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الحج\rمكية إلا وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ الآيتين، وإلا هذانِ خَصْمانِ الست آيات فمدنيات.\rوهي أربع أو خمس أو ست أو سبع أو ثمان وسبعون آية\rسميت بذلك لذكر الحج فيها. قوله: (إلا ومن الناس) الخ، هذا أحد قولين في المدني منها. قوله:\r(و إلا هذان خصمان) هذا قول ثان، وقوله: (الست آيات) أي وتنتهي إلى صراط الحميد، لكن أربع آيات منها متعلقات بالكفار، وآيتان متعلقتان بالمؤمنين، وقيل إن السورة كلها مدنية، وقيل إلا أربع آيات من قوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍ إلى قوله: عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ فهي مكيات، والتحقيق أنها مختلطة، منها مكي، ومنها مدني، وهي من أعاجيب السور، نزلت ليلا ونهارا، وسفرا وحضرا، مكيا ومدنيا، سلميا وحربيا، ناسخا ومنسوخا، محكما ومتشابها. قوله: (أو ثمان وسبعون آية) أي إنها سبعون آية جزما، والخلاف في النيف الزائد على خمسة أقوال. قوله: (أي أهل مكة) إما برفع (أهل) على أن (أي) حرف تفسير و(أهل) تفسير للناس، أو نصبه على أن (أي) حرف نداء و(أهل) منادى، وقوله:\r(و غيرهم) بالرفع أو بالنصب، وأشار بذلك إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله: (بأن تطيعوه) أي بفعل المأمورات واجتناب المنهيات.","part":2,"page":480},{"id":1082,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 481\rعقابه بأن تطيعوه إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ أي الحركة الشديدة للأرض التي يكون بعدها طلوع الشمس من مغربها الذي هو قرب الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) في إزعاج الناس الذي هو نوع من العقاب يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ بسببها كُلُّ مُرْضِعَةٍ بالفعل عَمَّا أَرْضَعَتْ أي تنساه وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ أي حبلى حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى من شدة الخوف وَما هُمْ بِسُكارى من الشراب وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) فهم يخافونه. ونزل في النضر بن الحرث وجماعة وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ قالوا: الملائكة بنات اللّه والقرآن أساطير الأولين، وأنكروا البعث وإحياء من صار ترابا وَيَتَّبِعُ في جداله كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (3) أي متمرد كُتِبَ عَلَيْهِ\r______________________________\rقوله: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ الخ، تعليل للأمر بالتقوى، والمعنى اتقوا ربكم لتأمنوا من المخاوف، فإن من دخل حضرته أمن من كل ما يزعج، قال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ وإضافة زلزلة للساعة، من إضافة المصدر لفاعله، والمفعول محذوف تقديره الأرض، وإسناد الزلزلة للساعة مجاز عقلي لأنها مقدمتها ومن علاماتها الكبرى، لما روي في حديث الصور: «إنه قرن عظيم، ينفخ فيه ثلاث نفخات، نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب العالمين، وإن عند نفخة الفزع، يسير اللّه الجبال وترجف الراجفة، تتبعها الرادفة، قلوب يومئذ واجفة، وتكون الأرض كالسفينة تضربها الأمواج، كالمنديل المعلق تحركه الرياح». قوله: (أي الحركة الشديدة) أي وتكون تلك الحركة في نصف رمضان. قوله: (التي يكون بعدها طلوع الشمس من مغربها) أشار المفسر بذلك، إلى أن تلك الزلزلة، تكون في الدنيا قبل طلوع الشمس من مغربها،\rويقوي هذا القول قوله تعالى: تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ الآية، والرضاع والحمل إنما هو في الدنيا، وقيل تكون مع النفخة الأولى، وقيل تكون مع قيام الساعة عند النفخة الثانية، وحينئذ يكون قوله: تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ مبالغة، أي إن الزلزلة، من شدة هولها وعظمة شأنها، أن تذهل كل مرضعة عن ولدها.\rقوله: كُلُّ مُرْضِعَةٍ (بالفعل) والمعنى مباشرة للإرضاع. قوله: عَمَّا أَرْضَعَتْ يصح أن تكون ما مصدرية، أي عن إرضاعها، ويصح أن تكون ما موصولة، أي عن الذي أرضعته. قوله: كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ هو بفتح الحاء، ما كان في بطن أو على رأس شجرة، وأما الحمل بكسر الحاء، فهو ما يحمل على الظهر. قوله: وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ استدراك على محذوف تقديره: فهذه الأحوال ليست شديدة ولكن عذاب اللّه الخ فيما بعد، لكن مخالف لما قبلها، وهاتان الآيتان قيل: نزلتا في غزوة بني المصطلق ليلا، فنادى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الناس حتى كانوا حوله، فقرأهما عليهم، فلم ير باكيا أكثر من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب، ولم يضربوا الخيام، ولم يطبخوا؛ والناس من بين باك وجالس حزين متفكر.\rقوله: مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ أي في قدرته وصفاته العظيمة. قوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ حال من فاعل يجادل. قوله: (و أنكروا البعث) أي حيث قالوا: «أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ* خلقا جديدا».\rقوله: مَرِيدٍ أي عات، والمراد: إما رؤساء الكفرة الذين يدعون من دونهم إلى الكفر، وإما إبليس","part":2,"page":481},{"id":1083,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 482\rقضي على الشيطان أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ أي اتبعه فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ يدعوه إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (4) أي النار يا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ شك مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ أي أصلكم آدم مِنْ تُرابٍ ثُمَ خلقنا ذريته مِنْ نُطْفَةٍ منّي ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ وهي الدم الجامد ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ وهي لحمة قدر ما يمضغ مُخَلَّقَةٍ مصوّرة تامة الخلق وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ أي غير تامة الخلق لِنُبَيِّنَ لَكُمْ كمال قدرتنا لتستدلوا بها في ابتداء الخلق على إعادته وَنُقِرُّ مستأنف فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وقت خروجه ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ من بطون أمهاتكم طِفْلًا بمعنى أطفالا ثُمَ نعمركم لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ أي الكمال والقوة وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين سنة وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى يموت قبل بلوغ الأشدّ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ\r______________________________\rوجنوده، وهو الأقرب لقوله في الآية الأخرى: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ.\rقوله: كُتِبَ عَلَيْهِ هو فعل مبني للمفعول، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر نائب فاعل.\rقوله: مَنْ تَوَلَّاهُ إما شرطية والفاء واقعة في جوابها، أو موصولة، والفاء زائدة في الخبر لشبه المبتدإ بالشرط. قوله: (يدعوه) أي وسمى الدعاء هداية تهكما بهم. قوله: (أي النار) أشار بذلك إلى أن المراد بالسعير النار بجميع طبقاتها، لا الطبقة المسماة بذلك.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر من يجادل في قدرة اللّه بغير علم، وكان جدالهم في البعث، ذكر دليلين على ذلك، الأول في نفس الإنسان وابتداء خلقه، والثاني في الأرض وما يخرج منها، فإذا تأمل الإنسان فيهما، ثبت عنده البعث، وأنه واقع لا محالة.\rقوله: ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ أي بأن تصير النطفة دما جامدا، وهكذا يقال فيما بعده، بدليل قوله تعالى في سورة المؤمنين ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً لما ورد: أن النطفة إذا وقعت في الرحم، وأراد اللّه أن يخلق منها بشرا، طارت في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعرة، ثم تمكث أربعين يوما ثم تصير دما في الرحم، فذلك جمعها، وهو وقت جعلها علقة، واتفقوا على أن نفخ الروح فيه، يكون بعد مائة وعشرين يوما، وذلك أربعة أشهر. قوله: (تامة الخلق) أي تامة التصوير، بأن خلق الرأس واليدان والرجلان.\rقوله: (أي غير تامة الخلق) أي غير تامة التصوير، بأن لم يخلق فيها شيء من ذلك. قوله: (كمال قدرتنا) قدره إشارة إلى أن مفعول نبين محذوف.\rقوله: وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ أي فلا تسقطه الرحم. قوله: إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي معين لإخراجه، فتارة يخرج لستة أشهر، وتارة لأكثر. قوله: طِفْلًا حال مفعوله نُخْرِجُكُمْ وأفرده لأنه مصدر في الأصل، أو لأنه يراد به الجنس، أو لأن المعنى نخرج كل واحد منكم طفلا، كقولك: القوم يشبعهم رغيف، أي كل واحد منهم، والطفل يطلق على الولد من حين الانفصال إلى البلوغ. قوله:\rإِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ قيل هو خمس وسبعون سنة، وقيل ثمانون، وقيل تسعون. قوله: (و الخرف)","part":2,"page":482},{"id":1084,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 483\rالْعُمُرِ أخسه من الهرم والخوف لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً قال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً يابسة فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ تحركت وَرَبَتْ ارتفعت وزادت وَأَنْبَتَتْ مِنْ زائدة كُلِّ زَوْجٍ صنف بَهِيجٍ (5) حسن ذلِكَ المذكور من بدء خلق الإنسان إلى آخر إحياء الأرض بِأَنَ بسبب أن اللَّهَ هُوَ الْحَقُ الثابت الدائم وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ شك فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) ونزل في أبي جهل وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً معه وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (8) له نور معه ثانِيَ عِطْفِهِ حال أي لاوي عنقه تكبرا عن الإيمان والعطف الجانب عن يمين أو شمال لِيُضِلَ بفتح الياء وضمها عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي دينه لَهُ فِي\r______________________________\rبفتحتين، هو فساد العقل من الكبر. قوله: لِكَيْلا يَعْلَمَ متعلق بيرد، أي لكيلا يعقل من بعد عقله الأول شيئا، ليعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية، من سخافة العقل وقلة الفهم، فينسى ما علمه، وينكر ما عرفه. قوله: (قال عكرمة: من قرأ القرآن) الخ، أي فهو مخصوص بغير من قرأ القرآن والعلماء، وأما هم فلا يردون إلى الأرذل، بل يزداد عقلهم كلما طال عمرهم، كما هو مشاهد.\rقوله: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً هذا هو الدليل الثاني على تمام قدرته تعالى. قوله: (تحركت) أي في رأي العين بسبب حركة النبات.\rقوله: بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُ أي هذا الصنع، بسبب أنه تعالى هو الثابت الذي لا يقبل الزوال أزلا ولا أبدا، الموجد للأشياء على طبق علمه وإرادته.\rقوله: وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ توكيد لقوله: وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى، وكذا قوله: وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ. قوله: (و نزل في أبي جهل) واسمه عمرو بن هشام، وأبو جهل كنيته، ويكنى أيضا بأبي الحكم.\rقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ عطف على قوله: وَمِنَ النَّاسِ الأول، والمعنى أن الكفار تنوعوا في كفرهم، فبعضهم كان يقلد غيره في الكفر، وقد دلت الآية الأولى على هذا القسم، وبعضهم كان قدوة يقتدي به غيره في الضلال والكفر، وقد دلت هذه الآية عليه، وبعضهم كان يدخل الإسلام باللسان، وفي قلبه الريب والشك، وهو الآتي في قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ وحينئذ فليس في الآية تكرار. قوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ أي معرفة، وقوله: وَلا هُدىً أي استدلال، وقوله: وَلا كِتابٍ أي وحي. والمعنى أنه يجادل من غير مستند أصلا.\rقوله: ثانِيَ عِطْفِهِ أي لاوي جنبه، والمراد منه الإعراض عن الحق، لأن شأن من أعرض عن شيء لوى جنبه عنه، فشبه عدم التمسك بالحق بليّ الجانب، واستعير اسم المشبه به للمشبه بجامع الإعراض في كل على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية، والعامة على كسر العين وهو الجانب، وقرىء شذوذا بفتحها، وهو مصدر بمعنى التعطف، كأنه قال: تاركا تعطفه أي رحمته وتمسك بالقسوة. قوله:\r(أي لاوي عنقه) الأوضح أن يقول جنبه، لأن العطف بالكسر الجانب، إلا أن يقال: يلزم من ليّ الجانب ليّ العنق.","part":2,"page":483},{"id":1085,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 484\rالدُّنْيا خِزْيٌ عذاب فقتل يوم بدر وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (9) أي الإحراق بالنار ويقال له ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ أي قدمته، عبر عنه بهما دون غيرهما لأن أكثر الأفعال تزاول بهما وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ أي بذي ظلم لِلْعَبِيدِ (10) فيعذبهم بغير ذنب وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ أي شك في عبادته شبه بالحال على حرف جبل في عدم ثباته فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ صحة وسلامة في نفسه وماله اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ محنة وسقم في نفسه وماله انْقَلَبَ عَلى\r______________________________\rقوله: لِيُضِلَ متعلق بيجادل، وقوله: (بفتح الياء) أي فهو فعل لازم، والمعنى ليحصل له الضلال في نفسه، وقوله: (و ضمها) أي فهو متعد، والمعنى ليوقع غيره في الضلال. وهما قراءتان سبعيتان، واللام للعاقبة والصيرورة. قوله: (عذاب) في بعض النسخ زيادة ثقيل، ومعناه عظم متكرر، وأخذ ذلك من التنوين على حد: أشر هر ذا ناب. قوله: عَذابَ الْحَرِيقِ من إضافة الموصوف لصفته، أي العذاب المحرق أو الحريق، طبقة من طباق جهنم. قوله: (و يقال له) أي من قبل اللّه على ألسنة ملائكة العذاب.\rقوله: ذلِكَ أي ما ذكر من الخزي وعذاب الحريق. قوله: (عبر عنه بهما) الخ، جواب عما يقال: لم خص اليدين بالذكر، مع أن الفاعل هو الشخص ذاته؟ قوله: (تزاول) أي تعالج. قوله: وَأَنَّ اللَّهَ عطف على قَدَّمَتْ. قوله: (أي بذي ظلم) أي فظلام صيغة نسبة كثمار ونجار، ودفع بذلك ما يقال: إن نفي الكثرة يستدعي ثبوت أصل الظلم مع أنه مستحيل، لأن الظلم التصرف في ملك الغير بغير إذنه، ولا ملك لأحد معه، لأن حكمه في ملكه دائر بين الفضل والعدل، فلا يسأل عما يفعل، وحينئذ فلا يليق من الشخص الاعتراض على أحكام اللّه تعالى، وإنما يرضى ويسلم، ليفوز بسعادة الدنيا والآخرة.\rقوله: (فيعذبهم بغير ذنب) أي وسماه ظلما، لأنه وعد الطائع بالجنة، ووعده لا يتخلف، لكن لو فرض لم يكن ظلما.\rقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ نزلت في المنافقين وأعراب البوادي، كان أحدهم إذا قدم المدينة، فصح فيها جسمه، ونتجت بها فرسه مهرا، وولدت امرأته غلاما، وكثر ماله، قال: هذا دين حسن، وقد أصبت فيه خيرا واطمأن له، وإن أصابه مرض، وولدت امرأته جارية، ولم تلد فرسه، وقل ماله: قال: ما أصبت منذ دخلت في هذا الدين إلا شرا، فينقلب عن دينه، وقوله: (على حرف) حال من فاعل يعبد أي متزلزلا، وقد صار مثلا، لكل من كان عنده شك في شيء. قوله: (أي شك في عبادته) أي ضعف يقين فيها. قوله: (شبه بالحال على حرف جبل في عدم ثباته) أشار بذلك إلى أن في الآية استعارة تمثيلية، حيث شبه حال من دخل الإسلام من غير اعتقاد وصحة قصد، بحال الجالس على طرف جبل، تحته مهاوي بجامع التزلزل وعدم الثبات في كلّ.\rقوله: اطْمَأَنَّ بِهِ أي رضي به وسكن إليه. قوله: فِتْنَةٌ المراد بها هنا، كل مكروه للطبع وثقيل على النفس، ولم يقل وإن أصابه شر ليقع في مقابلة الخير، لأن ما ينفر عنه الطبع ليس شرا في نفسه، بل قد يكون","part":2,"page":484},{"id":1086,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 485\rوَجْهِهِ أي رجع إلى الكفر خَسِرَ الدُّنْيا بفوات ما أمله منها وَالْآخِرَةَ بالكفر ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (11) البين يَدْعُوا يعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ من الصنم ما لا يَضُرُّهُ إن لم يعبده وَما لا يَنْفَعُهُ إن عبده ذلِكَ الدعاء هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (12) عن الحق يَدْعُوا لَمَنْ اللام زائدة ضَرُّهُ بعبادته أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ إن نفع بتخيله لَبِئْسَ الْمَوْلى هو أي الناصر وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13) الصاحب هو وعقب ذكر الشاك بالخسران بذكر المؤمنين بالثواب في إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الفروض والنوافل جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (14) من إكرام من يطيعه وإهانة من يعصيه مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ أي محمدا نبيه فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ بحبل إِلَى السَّماءِ أي سقف بيته يشده فيه وفي عنقه ثُمَّ لْيَقْطَعْ أي ليختنق به بأن يقطع نفسه من الأرض كما في الصحاح فَلْيَنْظُرْ\r______________________________\rخيرا، إذا حصل معه الرضا والتسليم. قوله: انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ أي ارتد للحالة التي كان عليها أولا، من الكفر والاعتراض على اللّه تعالى. قوله: (بفوات ما أمله) أي وهو كثرة ماله واجتماعه بأحبائه.\rقوله: ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ أي الذي لا خسران مثله، لفوات حظه من الدنيا والآخرة.\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 2 485\r\rله: ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ أي الذي لا خسران مثله، لفوات حظه من الدنيا والآخرة.\rقوله: (من الصنم) لا مفهوم له، بل مثله كل مخلوق، والحاصل أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذه الآية تقال أيضا لمن التجأ للمخلوق، وترك الخالق معتمدا على ذلك المخلوق، وأما الالتجاء للمخلوق، من حيث إنه مهبط الرحمات، كمواصلة آل البيت والأولياء والصالحين فهو مطلوب، وهو في الحقيقة التجاء للخالق، يقرب ذلك أن اللّه تعالى أمرنا بالجلوس في المساجد، والطواف بالبيت، وقيام ليلة القدر ونحوها، وما ذاك إلا للتعرض للرحمة النازلة في تلك الأماكن والأزمان، فلا فرق بين الأشخاص وغيرها، فهم مهبط الرحمات لا منشؤها تأمل.\rقوله: (اللام زائدة) أي ومن مفعول يدعو، ويَضُرُّهُ مبتدأ، وأَقْرَبُ خبره، والجملة صلة مِنْ إن قلت: إنه أثبت الضر والنفع هنا، ونفاهما فيما تقدم، فقد حصل التعارض والتناقض. أجيب: بأن النفي باعتبار ما في نفس الأمر، والإثبات باعتبار زعمهم الباطل. قوله: (هو) قدره إشارة إلى أن المخصوص بالذم محذوف. قوله: (و عقب ذكر الشاك بالخسران) الجار والمجرور حال من (الشاك) والباء للملابسة، وقوله: (بذكر المؤمنين) متعلق بعقب، والمعنى لما ذكر الشاك في الدين حال كونه ملتبسا بالخسران، ذكر عقبه المؤمنين، وما أعد لهم من الثواب الجزيل. قوله: (من الفروض) أي وهي ما أمر بها المكلف أمرا جازما، يترتب على فعلها الثواب وعلى تركها العقاب، وقوله: (و النوافل) هي ما أمر بها الشخص أمرا غير جازم، يترتب على فعلها الثواب، وليس في تركها عقاب.\rقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أي من تحت قصورها. قوله: إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ أي فلا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل.\rقوله: مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ هذه الآية مرتبطة بقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ وأما قوله: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ الخ، فهو معترض بين","part":2,"page":485},{"id":1087,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 486\rهَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ في عدم نصرة النبي ما يَغِيظُ (15) ه منها. المعنى: فليختنق غيظا منها فلا بد منها وَكَذلِكَ أي مثل إنزالنا الآيات السابقة أَنْزَلْناهُ أي القرآن الباقي آياتٍ بَيِّناتٍ ظاهرات حال وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16) هداه معطوف على أنزلناه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا هم اليهود وَالصَّابِئِينَ طائفة منهم وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بإدخال المؤمنين الجنة وإدخال غيرهم النار إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من عملهم شَهِيدٌ (17) عالم به علم مشاهدة أَلَمْ تَرَ تعلم أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُ أي يخضع له بما يراد منه\r______________________________\rأوصاف الشك، لجري عادة اللّه بذكر أهل الوعد إثر أهل الوعيد. والمعنى: من كان يظن من الكفار والشاكين في دينهم، أن اللّه لا ينصر محمدا في الدنيا وفي الآخرة، فليأت بحبل يشده في سقف بيته وفي عنقه، ثم يختنق به حتى يموت، فلينظر هل فعل هذا يذهب غيظه وهو نصرة محمد؟ فالإتيان بالحبل والاختناق به، كناية عن كونه يموت غيظا، فيكون بمعنى قوله تعالى: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ وهذا هو المشهور في تفسير الآية، ولذا مشى عليه المفسر. وقيل: إن المعنى من كان يظن أن لن ينصر اللّه محمدا، فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء، ثم ليقطع النصر عنه وينظر هل يذهب ما احتال به غيظه إن أمكنه ذلك؟\rقوله: (بأن يقطع نفسه) بالتحريك وهو إشارة إلى أن مفعول يقع محذوف. قوله: (كما في الصحاح) راجع لجميع ما ذكر من قوله: (بحبل) إِلَى السَّماءِ الخ، و(الصحاح) بفتح الصاد اسم كتاب في اللغة، للإمام أبي النصر إسماعيل بن حماد الجوهري.\rقوله: ما يَغِيظُ ما اسم موصول صفة لموصوف محذوف، ويَغِيظُ صلته والعائد محذوف، والتقدير الشيء الذي يغيظه. قوله: (منها) بيان لما الواقعة على نصرة النبي.\rقوله: (حال) أي من الهاء في أَنْزَلْناهُ. قوله: (على أنزلناه) أي فالمعنى وأنزلنا أن اللّه يهدي من يريد، أي ويضل من يريد، ففي الآية اكتفاء.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا الخ، أي فالأديان ستة، واحد للرحمن وأصحابه في الجنة، وخمسة للشيطان وأصحابها في النار. قوله: وَالْمَجُوسَ قيل هم قوم يعبدون النار، وقيل الشمس، ويقولون: العالم له أصلان، النور والظلمة، وقيل هم قوم يستعملون النجاسات، والأصل نجوس أبدلت النون ميما. قوله: (طائفة منهم) أي من اليهود، وقيل هم طائفة من النصارى. قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ تعليل لقوله: إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ. قوله: (عالم) أشار بذلك إلى أن الشهيد معناه الذي لا يغيب عنه شيء.\rقوله: وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ عطف خاص على قوله: مَنْ فِي السَّماواتِ ونص عليها لما ورد: أن بعضهم كان يعبدها. قوله: وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُ عطف خاص على مَنْ فِي الْأَرْضِ وخصها بالذكر لأن بعضهم كان يعبدها. قوله: (أي يخضع له) أشار إلى أن المراد بالسجود الخضوع والانقياد للّه، وهو أحد قولين، وقيل المراد بالسجود حقيقته لأنه ورد: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر، إلا يقع ساجدا حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، وقال تعالى:\rوَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ.","part":2,"page":486},{"id":1088,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 487\rوَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وهم المؤمنون بزيادة على الخضوع في سجود الصلاة وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وهم الكافرون لأنهم أبوا السجود المتوقف على الإيمان وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ يشقه فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ مسعد إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (18) من الإهانة والإكرام هذانِ خَصْمانِ أي المؤمنون خصم والكفار الخمسة خصم وهو يطلق على الواحد والجماعة اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ أي في دينه فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يلبسونها يعني أحيطت بهم النار يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) الماء البالغ نهاية الحرارة يُصْهَرُ يذاب بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ من شحوم وغيرها وَتشوى به الْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) لضرب رؤوسهم\r______________________________\rقوله: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أشار المفسر إلى أنه معطوف على فاعل يَسْجُدُ. قوله: (يشقه) أي يحتم عليه الشقاء، وهو عدم الاهتداء. قوله: إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ أي فلا حرج عليه ولا منازع له في حكمه.\rقوله: هذانِ خَصْمانِ اسم الإشارة يعود على المؤمنين والكفار كما قاله المفسر، وسبب نزولها:\rتخاصم حمزة وعلي وعبيدة بن الحرث، مع عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة، فكان كل من الفريقين يسب دين الآخر، وقيل نزلت في المسلمين وأهل الكتاب، حيث قال أهل الكتاب: نحن أولى باللّه، وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم، وقال المسلمون: نحن أحق باللّه منكم، آمنا بنبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ونبيكم وبما أنزل اللّه من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا وكفرتم حسدا. واختلف هل هذا الخصام في الدنيا والتعقيب بقوله: فَالَّذِينَ كَفَرُوا الخ، باعتبار تحقق مضمونه، أو في الآخرة بدليل التعقيب، ولذا قال علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه: أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصومة بين يدي اللّه تعالى. قوله: (و هو يطلق على الواحد والجماعة) أي لأنه مصدر في الأصل، والغالب استعماله مفردا مذكرا، وعليه قوله تعالى: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ ويثنى ويجمع كما هنا. قوله: اخْتَصَمُوا جمعه باعتبار ما احتوى عليه الفريق من الأشخاص، فالجمع باعتبار المعنى كقوله تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا. قوله:\r(أي في دينه) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله: قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ أي قدرت على قدر جثثهم، ففي الكلام استعارة تمثيلية، حيث شبه إعداد النار وإحاطتها بهم، بتفصيل ثياب لهم وسترها لأبدانهم وجمع الثياب، لأن تراكم النار عليهم، كالثياب الملبوس بعضها فوق بعض، وهو أبلغ من مقابلة الجمع بالجمع. قوله: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ لما ذكر أن الثياب تغطي الجسد غير الرأس، ذكر ما يصيب الرأس، ولما ذكر ما يصيب ظاهر الجسد، ذكر ما يصيب باطنه، وهو الحميم الذي يذيب ما في البطون من الأحشاء، لما في الحديث: «إن الحميم ليصب من فوق رؤوسهم، فينفذ من جمجمة أحدهم حتى يخلص إلى جوفه، فيسلب ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان»\rقوله: وَ(تشوى به) الْجُلُودُ أشار بذلك إلى أن الجلود مرفوع بفعل مقدر، لأن الجلود لا تذاب نظير: علفتها تبنا وماء باردا. ويصح أن يكون معطوفا على ماء، ويراد بالإذابة التقطع.\rقوله: وَلَهُمْ مَقامِعُ جمع مقمعة بكسر الميم آلة القمع أي الضرب والزجر.\rقوله: مِنْ غَمٍ أي من","part":2,"page":487},{"id":1089,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 488\rكُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أي النار مِنْ غَمٍ يلحقهم بها أُعِيدُوا فِيها ردوا إليها بالمقامع وَقيل لهم ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (22) أي البالغ نهاية الإحراق، وقال في المؤمنين إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً بالجر أي منهما بأن يرصع اللؤلؤ بالذهب وبالنصب عطفا على محل من أساور وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (23) وهو المحرم لبسه على الرجال في الدنيا وَهُدُوا في الدنيا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وهو لا إله إلا اللّه وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (24) أي طريق اللّه المحمودة\r______________________________\rأجل حصوله لهم. قوله: أُعِيدُوا فِيها أي لما ورد: أن جهنم تفور بهم، فيصعدون إلى أعلاها، فيريدون الخروج منها، فتضربهم الزبانية بمقامع الحديد، فيهوون فيها سبعين خريفا. قوله: وَ(قيل لهم) أي تقول لهم الملائكة ذلك. قوله: عَذابَ الْحَرِيقِ من إضافة الموصوف للصفة، أي العذاب المحرق. قوله: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا الخ، لم يقل في حقهم والذين آمنوا عطفا على قوله:\rفَالَّذِينَ كَفَرُوا، إشارة لتعظيم شأن المؤمنين. قوله: الْأَنْهارُ جمع نهر. والمعنى: تجري من تحت قصورهم. قوله: مِنْ أَساوِرَ مِنْ إما زائدة أو للتبعيض أو لبيان الجنس، وقوله: مِنْ ذَهَبٍ مِنْ لابتداء الغاية. قوله: (بأن يرصع اللؤلؤ بالذهب) العبارة فيها قلب، والأصل بأن يرصع الذهب باللؤلؤ، وقيل إنهم يلبسون الأساور من نوعين: الذهب واللؤلؤ وفي آية هل أتى وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ فهم يلبسونها من الأنواع الثلاثة لما ورد: أن المؤمن يسور في الجنة بثلاثة أسورة: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ. وفي الحديث: «تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء».\rقوله: وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ غاير الأسلوب حيث لم يقل ويلبسون فيها حريرا، إشارة إلى أن الحرير ثيابهم المعتادة في الجنة، فإن العدول إلى الجملة الاسمية يدل على الدوام. قوله: (و هو المحرم لبسه على الرجال في الدنيا) أي يوصلهم اللّه في الآخرة إلى ما حرمه عليهم في الدنيا، قال عليه الصلاة والسّلام: «من لبس الحرير في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة» واختلف في معنى الحديث فقيل: لم يلبسه في الآخرة إذا مات مصرا ودخل النار، فلا ينافي أنه إذا دخل الجنة يلبسه، وقيل لم يلبسه أصلا ولو دخل الجنة، بل يتنعم بغير الحرير، وأما هو فلا يشتهيه فيها، والمعتمد الأول، وكذا يقال في الأحاديث الواردة فيمن شرب الخمر ولبس الذهب. قوله: (و هو لا إله إلا اللّه) أي مع عديلتها وهي محمد رسول اللّه فهي أفضل القول، لما في الحديث: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا اللّه، فهي رأس المال لذاكرها، لا يقبل شيء من الأعمال إلا بها، فمن مات عليها حصلت له السعادة» نسأل اللّه الثبات عليها في الدنيا والآخرة بمنه وكرمه.\rقوله: إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ أي وهو دين الإسلام، وسمي صراطا لأنه طريق يوصل إلى رضا اللّه تعالى. قوله: (أي طريق اللّه المحمودة) أشار بذلك إلى أن الحميد وصف للّه تعالى، ومعناه المحمود في أفعاله.\rقوله: وَيَصُدُّونَ معطوف على كَفَرُوا ففيه عطف المستقبل على الماضي، وحينئذ فإما أن يراد بالماضي المضارع، أو يجرد المضارع عن معناه، بأن يراد به الثبوت والاستمرار لتناسب العطف، وهذا","part":2,"page":488},{"id":1090,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 489\rودينه إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ طاعته وَعن الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ منسكا ومتعبدا لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ المقيم فِيهِ وَالْبادِ الطارىء وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ الباء زائدة بِظُلْمٍ أي بسببه بأن ارتكب منهيا ولو شتم الخادم نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (25) مؤلم أي بعضه ومن هذا يؤخذ خبر إن أي نذيقهم من عذاب أليم وَاذكر إِذْ بَوَّأْنا بينا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ ليبنيه، وكان قد رفع زمن الطوفان، وأمرناه أَنْ لا تُشْرِكْ بِي\r______________________________\rهو الأحسن، ولا يصح جعل جملة وَيَصُدُّونَ حالا، لأن الجملة المضارعية المثبتة إذا وقعت حالا لا تقرن بالواو، قال ابن مالك:\rوذات بدء بمضارع ثبت ... حوت ضميرا ومن الواو خلت\r\rولا جعل الواو زائدة، لأن الأصل عدمها، وخبر إِنَ محذوف يقدر بعد قوله: وَالْبادِ لدلالة قوله: نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ والتقدير (نذيقهم من عذاب أليم) كما سيأتي للمفسر. قوله: (منسكا) قدره إشارة إلى أن مفعول جعلنا الثاني محذوف، وقوله: (و متعبدا) عطف تفسير. قوله: لِلنَّاسِ ظرف لغو، إما متعلق بمنسكا الذي قدره المفسر أو يجعلنا، وهذا التقدير إنما هو لإيضاح المعنى، وإلا فيصح جعل جملة سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ مفعولا ثانيا، وعلى ما قدره المفسر تكون حالية. قوله: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ سَواءً بالرفع خبر مقدم، والْعاكِفُ وما عطف عليه مبتدأ مؤخر، وقرأ حفص بالنصب فيعرب حالا، والعاكف مرفوع على الفاعلية لسواء، لأنه مصدر وصف به، فهو في قوة اسم الفاعل المشتق تقريره: جعلناه مستويا فيه العاكف، الخ. والمعنى أن المقيم في المسجد والطارىء سواء في النزول به، فمن سبق إلى مكان فيه فهو حقه، لا يقيمه منه غيره، وليس المراد أن دور مكة غير مملوكة لأربابها؛ فالغريب وأهل البلد سواء فيها، بل هي مملوكة لأربابها، ويجوز بيعها وإجارتها. قوله:\rوَالْبادِ بإثبات الياء وصلا ووقفا، أو حذفها فيهما، أو حذفها وقفا وإثباتها وصلا، ثلاث قراآت سبعيات، وقوله: (الطارىء) دفع به ما يتوهم من قوله البادي، أن المراد به ساكن البادية، بل المراد به الطارىء كان من البادية أو لا، وإنما سمي الطارىء باديا، لأنه لا يأتي إليها إلا من البادية.\rقوله: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ أي يقصد في المسجد الحرام. قوله: بِإِلْحادٍ أي عدول عن الاعتدال قوله: (الباء زائدة) أي في المفعول. قوله: نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ أي في الآخرة إلا أن يتوب. وأخذ منه أن السيئة في مكة أعظم من السيئة في غيرها، ومن هنا كره مالك المجاورة في مكة لغير أهلها وندبها بالمدينة. قوله: (و من هذا) أي جواب الشرط.\rقوله: (يؤخذ خبر إن) أي ويكون مقدرا بعد قوله: وَ(اذكر) قدره إشارة إلى أن قوله: بَوَّأْنا ظرف لمحذوف. قوله: (بينا) لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أي أريناه أصله ليبنيه حين أسكن ولده إسماعيل وأمه هاجر في تلك الأرض، وأنعم اللّه عليهما بزمزم، فدعا اللّه بعمارة هذا البيت، فبعث اللّه له ريحا هفافة، فكشفت عن أساس آدم، فرتب قواعده عليه، لأن أساسه في الأرض كما قيل ثلاثون ذراعا بذراع آدم، وقيل بعث اللّه تعالى سحابة بقدر البيت، فقامت بحذاء البيت وفيه رأس يتكلم يا إبراهيم ابن علي دوري فبنى عليه، وجعل طوله في السماء سبعة أذرع","part":2,"page":489},{"id":1091,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 490\rشَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ من الأوثان لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ المقيمين به وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) جمع راكع وساجد المصلين وَأَذِّنْ ناد فِي النَّاسِ بِالْحَجِ فنادى على جبل أبي قبيس: يا أيها الناس إن ربكم بنى بيتا وأوجب عليكم الحج إليه فأجيبوا ربكم، والتفت بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا، فأجابه كل من كتب له أن يحج من أصلاب الرجال وأرحام الأمهات لبيك اللهم لبيك، وجواب الأمر يَأْتُوكَ رِجالًا مشاة جمع راجل كقائم وقيام وَركبانا عَلى كُلِّ ضامِرٍ أي بعير مهزول وهو يطلق على الذكر والأنثى يَأْتِينَ أي الضوامر حملا على المعنى مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) طريق بعيد لِيَشْهَدُوا أي يحضروا مَنافِعَ لَهُمْ في الدنيا بالتجارة أو في الآخرة أو\r______________________________\rبذراعه، وأدخل الحجر في البيت، ولم يجعل له سقفا، وجعل له بابا، وحفر له بئرا يلقى فيه ما يهدى للبيت، وبناه قبله شيث، وقبل شيث آدم، وقبل آدم الملائكة، ثم بعد إبراهيم بناه العمالقة، ثم جرهم، ثم قصي، ثم قريش، ثم الزبير، ثم الحجاج، وهي باقية الآن على بنائه، ثم يهدمها في آخر الزمان ذو السويقتين، فيجددها عيسى ابن مريم عليه السّلام. قوله: (و أمرناه) قدره إشارة إلى أن قوله: أَنْ لا تُشْرِكْ معمول لمحذوف، وذلك المحذوف معطوف على بَوَّأْنا. قوله: (من الأوثان) قيل المراد بها الأصنام، لأن جرهما والعمالقة، كانت لهم أصنام في محل البيت قبل أن يبنيه إبراهيم عليه السّلام، وقيل المراد نزهه عن أن يعبد فيه غيره تعالى، فهو كناية عن إظهار التوحيد، ويصح أن يكون المراد طهره من الأقذار والأنجاس والدماء، وجميع ما تنفر منه النفوس.\rقوله: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ أي بالدعاء إليه والأمر به. قوله: (على جبل أبي قبيس) أي فلما صعد للنداء، خفضت الجبال رؤوسها ورفعت له القرى، فنادى في الناس بالحج، فأول من أجابه أهل اليمن، فليس حاج من يومئذ إلى يوم تقوم الساعة، إلا من أجاب إبراهيم عليه السّلام يومئذ، فمن لبى مرة حج مرة، ومن لبى مرتين حج مرتين، ومن لبى أكثر حج بقدر تلبيته. قوله: (لبيك اللهم لبيك) أي أجبتك إجابة بعد إجابة. قوله: يَأْتُوكَ أي يأتوا مكانك، لأن المقصود إتيان البيت لا إتيان إبراهيم، وقوله: رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ ليس فيه دليل على أن راكب البحر لا يجب عليه الحج، لأن مكة ليست على البحر، وإنما يتوصل إليها على إحدى هاتين الحالتين.\rقوله: وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ التضمير في الأصل أن تعلف الفرس حتى يسمن، ثم تقلل عنه الأكل شيئا فشيئا، حتى يصل إلى حد القوت، وحينئذ فيكون سريع الجري، وقدم الراجل لما ورد: أن له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات المحرم، كل حسنة مائة ألف حسنة، وللراكب بكل خطوة سبعون حسنة، وأخذ الشافعي من هذا الحديث، أن المشي أفضل من الركوب. وقال مالك: الركوب أفضل لأنه أقرب للشكر، ولأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حج راكبا، ولو كان المشي أفضل لفعله رسول اللّه، أجاب عن الحديث بأنه مزية، وهي لا تقتضي الأفضلية. قوله: (حملا على المعنى) أي حيث ألحق الفعل العلامة، ولو راعى اللفظ لقال يأتي. قوله: (بالتجارة) أي لأنها جائزة للحاج من غير كراهة، إذا لم تكن مقصودة بالسفر.","part":2,"page":490},{"id":1092,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 491\rفيهما أقوال وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ أي عشر ذي الحجة أو يوم عرفة أو يوم النحر إلى آخر أيام التشريق أقوال عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ الإبل والبقر والغنم التي تنحر في يوم العيد وما بعده من الهدايا والضحايا فَكُلُوا مِنْها إذا كانت مستحبة وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (28) أي الشديد الفقر ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ أي يزيلوا أوساخهم وشعثهم كطول الظفر وَلْيُوفُوا بالتخفيف والتشديد نُذُورَهُمْ من الهدايا والضحايا وَلْيَطَّوَّفُوا طواف الإفاضة بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) أي القديم لأنه أول بيت وضع للناس ذلِكَ خبر مبتدأ مقدر أي الأمر أو الشأن ذلك المذكور وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ هي ما لا يحل انتهاكه فَهُوَ أي تعظيمها خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ في الآخرة وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ أكلا بعد الذبح إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ\r______________________________\rقوله: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ أي عند إعداد الهدايا وذبحها. قوله: (عشر ذي الحجة) أي وسميت معلومات، لحرص الحجاج على علمها، لأن وقت الحج في آخرها. قوله: (إلى آخر أيام التشريق) راجع للقولين قبله. قوله: عَلى ما رَزَقَهُمْ أي لأجل ما رزقهم. قوله: فَكُلُوا مِنْها أمر إباحة لمخالفة ما كانت عليه الجاهلية من عدم الأكل من لحوم هداياهم، فأمر اللّه بمخالفتهم واتفق العلماء على أن الهدي إذا كان تطوعا جاز الأكل منه، واختلفوا في الهدي الواجب، فقال الشافعي: لا يأكل منه، وقال مالك:\rيأكل من كل هدي وجب، إلا من جزاء الصيد وفدية الأذى والنذر إذا قصد به المساكين، وقال أصحاب أبي حنيفة: يأكل من دم التمتع والقران، ولا يأكل من واجب سواهما.\rقوله: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ أي بعد تمام حجهم وتحللهم، لأن الواجب فعله يوم النحر أربعة أشياء على الترتيب: الرمي فالنحر فالحلق فطواف الإفاضة، فبعد الفراغ منها، حل له كل شيء كان محرما عليه قبل الإحرام. قوله: (بالتشديد والتخفيف) هما قراءتان سبعيتان. قوله: (لأنه أول بيت وضع) وقيل سمي عتيقا، لأن اللّه أعتقه من تسلط الجبابرة عليه، ومن الغرق لأنه رفع أيام الطوفان.\rقوله: (أي الأمر أو الشأن ذلك) أشار بذلك إلى أن قوله: ذلِكَ خبر لمحذوف، وهذا على عادة الفصحاء، إذا ذكروا جملة من الكلام، ثم أرادوا الخوض في كلام آخر، يقولون هذا وقد كان كذا، فهو يذكر للفصل بين كلامين، أو بين وجهي كلام واحد. قوله: (هي ما لا يحل انتهاكه) أي وهي التكاليف التي كلف اللّه بها عباده، من واجب وسنة ومندوب ومكروه وحرام، وتعظيمها كناية عن قبولها والخضوع لها، فتعظيمه في الواجب والسنة والمندوب فعل كل، وفي المكروه والحرام ترك كل، بل وترك ما يؤدي لذلك.\rقوله: خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ أي قربة وطاعة يثاب عليها في الآخرة، واسم التفضيل على بابه، باعتبار ما يزعمه أهل اللهو والفسوق، من أن من أطلق نفسه في الشهوات فقد أصاب حظه، فهو خير باعتبار ما عندهم، لاعتبار ما عند اللّه لما ورد: رب شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا. قوله: الْأَنْعامُ أي الإبل والبقر والغنم. قوله: (بعد الذبح) أي أو النحر أو العقر. قوله: إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ أي إلا مدلول الآية التي تتلى عليكم. قوله: (فالاستثناء منقطع) أي ووجهه أن في الآية ما ليس من جنس","part":2,"page":491},{"id":1093,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 492\rتحريمه في حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ الآية، فالاستثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلا والتحريم لما عرض من الموت ونحوه فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ من للبيان أي الذي هو الأوثان وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) أي الشرك باللّه في تلبيتكم أو شهادة الزور حُنَفاءَ لِلَّهِ مسلمين عادلين عن كل دين سوى دينه غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ تأكيد لما قبله وهما حالان من الواو وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ سقط مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أي تأخذه بسرعة أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ أي تسقطه فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (31) بعيد أي فهو لا يرجى خلاصه ذلِكَ يقدر قبله الأمر مبتدأ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها أي فإن تعظيمها وهي البدن التي تهدى للحرم بأن تستحسن وتستسمن مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) منهم وسميت شعائر لإشعارها بما تعرف به أنها هدي كطعن حديدة بسنامها لَكُمْ فِيها مَنافِعُ كركوبها والحمل عليها ما لا يضرها إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وقت نحرها ثُمَّ مَحِلُّها أي مكان حل نحرها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) أي عنده والمراد والحرم جميعه\r______________________________\rالأنعام، كالدم ولحم الخنزير. قوله: (و يجوز أن يكون متصلا) أي ووجهه العموم في قوله الأنعام، لأن ظاهره حل الأنعام مطلقا، ولو منخنقة وموقوذة ومتردية، فأفاد أن الحلال ما عدا ما في الآية.\rقوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ هو في الأصل القذر والأوساخ، وعبادة الأوثان قذر معنوي. قوله:\rقَوْلَ الزُّورِ تعميم بعد تخصيص، لأن عبادة الأوثان رأس الزور. قوله: (أي الشرك باللّه في تلبيتهم) أي فإنهم كانوا يقولون: لبيك لا شريك لك. إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. قوله: (أو شهادة الزور) أي الشهادة بما لا يعلم حقيقته.\rقوله: حُنَفاءَ لِلَّهِ أي مخلصين له. قوله: (حالان من الواو) أي في اجْتَنِبُوا لكن الأولى مؤسسة، والثانية مؤكدة.\rقوله: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ الخ، هذا مثل ضربه اللّه تعالى للمشرك، والمعنى أنه شبه حال المشرك بحال الهاوي من السماء، في أن كلا لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع، فهو هالك لا محالة، إما بتخطف الطير لحمه، أو تفرقة الرياح لأجزائه، في أمكنة بعيدة لا يرجى خلاصه. قوله: (يقدر قبله الأمر مبتدأ) أي واسم الإشارة خبر نظير ما تقدم.\rقوله: شَعائِرَ اللَّهِ جمع شعيرة أو شعارة. قوله: (و هي البدن) فسرها بذلك، وإن كانت الشعائر في الأصل أعلام الحج وأفعاله مراعاة للسياق. قوله: (بأن تستحسن) أي تختار حسنة، بأن تكون غالية الثمن، لما روي أن عمر أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار.\rقوله: مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ أي من امتثال الأوامر واجتناب النواهي، وقوله: (منهم) قدره إشارة إلى أن العائد محذوف. قوله: (بما تعرف به) أي بعلامة يعرف بها أنها هدي. قوله: (كطعن حديدة بسنامها) أي وشق الجلال وإخراج السنام من الشق، وكتعليق النعال في رقبتها. قوله: (كركوبها والحمل عليها) أي وشرب لبنها الفاضل عن ولدها.\rقوله؛ (أي عنده) أشار بذلك إلى أن إِلى بمعنى عند.\rقوله: (و المراد الحرم جميعه) أي لا خصوص الكعبة. قوله: (أي ذبحا قربانا) مفعول للمصدر الذي هو ذبحا. والمعنى أن يذبحوا القربان، وقيل معنى منسكا نوعا من التعبد والتقرب.","part":2,"page":492},{"id":1094,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 493\rوَلِكُلِّ أُمَّةٍ أي جماعة مؤمنة سلفت قبلكم جَعَلْنا مَنْسَكاً بفتح السين مصدر وبكسرها اسم مكان أي ذبحا قربانا أو مكانه لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ عند ذبحها فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا انقادوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) المطيعين المتواضعين الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ خافت قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ من البلايا وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ في أوقاتها وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (35) يتصدقون وَالْبُدْنَ جمع بدنة وهي الإبل جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ أعلام دينه لَكُمْ فِيها خَيْرٌ نفع في الدنيا كما تقدم وأجر في العقبى فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها عند نحرها صَوافَ قائمة على ثلاث معقولة اليد اليسرى فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها سقطت إلى الأرض بعد النحر وهو وقت الأكل منها فَكُلُوا مِنْها إن شئتم وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ الذي يقنع بما يعطى ولا يسأل ولا يتعرض وَالْمُعْتَرَّ السائل أو المتعرض كَذلِكَ أي\r______________________________\rقوله: لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ معناه أمرناهم عند ذبائحهم بذكر اللّه. قوله: مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ أي عند ذبحها ونحرها. قوله: (انقادوا) أي خضعوا وفوضوا أمورهم إليه ورضوا بأحكامه. قوله:\r(المتواضعين) هذا أصل معناه، لأن الإخبات نزول الخبت، وهو المكان المنخفض.\rقوله: الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ أي بأنهم سمعوا الذكر من غيرهم، أو ذكروا بأنفسهم. قوله: (من البلايا) أي المحن بأن لا يجزعوا عند نزولها بهم. قوله: (يتصدقون) أي صدقة التطوع، ويعلم منه أنهم يخرجون الزكاة الواجبة بالأولى. قوله: (و هي الإبل) أي فالبدن عند الشافعي خاصة بالإبل، وقال أبو حنيفة: البدن الإبل والبقر، وعلى كل حال، فالبقر من شعائر اللّه أيضا.\rقوله: لَكُمْ فِيها خَيْرٌ الجملة إما حالية أو مستأنفة.\rقوله: فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها أي بأن تقولوا عند ذبحها: بسم اللّه واللّه أكبر، اللهم إن هذا منك وإليك. قوله: (قائمة) المناسب أن يقول قائمات. قوله: فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها كناية عن الموت وجمع الجنوب، مع أن البعير إذا سقط عند النحر، إنما يسقط على أحد جنبيه، لأن ذلك الجمع في مقابلة جمع البدن. قوله: (سقطت إلى الأرض) أي فالوجوب السقوط، يقال وجبت الشمس أي سقطت.\rقوله: فَكُلُوا مِنْها أي إن كانت مستحبة باتفاق، وكذا إن كانت واجبة عند مالك، إلا في جزاء الصيد وفدية الأذى والنذر إذا قصد به المساكين، ولا يأكل من الواجبة عند الشافعي. قوله: وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ أي المستغني بما أعطيه، المتعفف عما في أيدي الناس، الذي لا التفات له إليهم، الذي قال اللّه في حق من اتصف بصفته يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وقال الإمام الشافعي رضي اللّه عنه:\rأمتّ مطامعي فأرحت نفسي ... فإن النفس ما طمعت تهون\r\rوأحييت القنوع وكان ميتا ... ففي إحيائه عرضي مصون\r\rإذا طمع يحل بقلب شخص ... علته مهانة وعلاه هون","part":2,"page":493},{"id":1095,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 494\rمثل ذلك التسخير سَخَّرْناها لَكُمْ بأن تنحر وتركب وإلا لم تطق لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) إنعامي عليكم لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها أي لا يرفعان إليه وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ أي يرفع إليه منكم العمل الصالح الخالص له مع الإيمان كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ أرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجه وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) أي الموحدين إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا غوائل المشركين إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ في أمانته كَفُورٍ (38) لنعمته وهم المشركون، المعنى أنه يعاقبهم أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ أي المؤمنين أن يقاتلوا وهذه أول آية نزلت في الجهاد بِأَنَّهُمْ أي بسبب أنهم ظُلِمُوا بظلم الكافرين إياهم وَإِنَّ اللَّهَ عَلى\r______________________________\rقوله: (أي في مثل التسخير) أي المفهوم من قوله صواف. قوله: (و إلا لم تطق) أي وإلا تسخرها لم يقدر على نحرها وركوبها.\rقوله: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها رد لما كانت عليه المشركون من تشريح اللحم، وجعله حول الكعبة، وتضميخها بالدم، تقربا إلى اللّه تعالى. قوله: (أي لا يرفعان إليه) أي وإنما يرفع إليه العمل الصالح ومنه التصدق. قوله: لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ أي بأن تقولوا:\rاللّه أكبر على ما هدانا، والحمد للّه على ما أولانا. قوله: وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ أي برضا اللّه والدرجات الرفيعة.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا مناسبة هذه الآية لما قبلها، أن اللّه تعالى لما ذكر جملة من أفعال الحج والترغيب فيه، وذكر أن الكفار يصدون الناس عن المسجد الحرام، كأن قائلا يقول: بأي شيء تتمكن الناس من الحج والهدايا مع وجود المانع، فأنزل اللّه هذه الآية بشارة للمؤمنين، وأنهم يتمكنون من المسجد الحرام، ويدفع عنهم أعداءهم، وهذه الآية وإن كان سبب نزولها ما ذكر، إلا أن العبرة بعموم اللفظ، ولذا حذف المعمول ليؤذن بالعموم، فالمؤمنون مآلهم للعز والنصر والفوز الأكبر، وإن امتحنوا ببلاء أو غيره، فذلك لتكفير سيئاتهم ورفع درجاتهم، فهم بخير على كل حال. قوله: (غوائل المشركين) قدره إشارة إلى أن المفعول محذوف لدلالة المقام عليه، والغوائل جمع غائلة، وهي ما يصيب الإنسان من المكروه. قوله: (في أمانته) مفرد مضاف أي أماناته، وهي الأوامر والنواهي. قوله: (و هم المشركون) أي لأنهم خائنون كافرون في كل وقت، وأما العصاة من المؤمنين فليسوا كذلك، وهذا وعيد للكفار إثر وعيد المؤمنين، لأن شأن الخائن يجازى على خيانته بالخزي والعقاب.\rقوله: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ أي يريدون القتال، والمأذون فيه محذوف قدره المفسر بقوله: (أن يقاتلوا) وفي قراءة سبعية أيضا يقاتلون بالبناء للمفعول. قوله: (و هذه أول آية نزلت في الجهاد) أي بعد أن نهي عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في نيف وسبعين آية؛ وذلك أن مشركي مكة، كانوا يؤذون أصحاب رسول اللّه ويعذبونهم، فيشكون لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيقول لهم: اصبروا فطني لم أؤمر بقتال، حتى هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأنزل اللّه هذه الآية، فحينئذ كان يوم عيد عند المسلمين. قوله: وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ جملة مستأنفة، سيقت لوعد المؤمنين بالنصر على طريق الكناية. قوله: (هم) (الذين) قدر المفسر الضمير إشارة إلى أن الموصول خبر لمحذوف، وهو أحد أوجه في إعرابه، ويصح أن يكون نعتا أو بيانا أو بدلا من الذين الأول، أو منصوبا على المدح.","part":2,"page":494},{"id":1096,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 495\rنَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) هم الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍ في الإخراج ما أخرجوا إِلَّا أَنْ يَقُولُوا أي بقولهم رَبُّنَا اللَّهُ وحده وهذا القول حق فالإخراج به إخراج بغير حق وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بدل بعض من الناس بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ بالتشديد للتكثير والتخفيف صَوامِعُ للرهبان وَبِيَعٌ كنائس للنصارى وَصَلَواتٌ كنائس لليهود بالعبرانية وَمَساجِدُ للمسلمين يُذْكَرُ فِيهَا أي في المواضع المذكورة اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وتنقطع العبادات بخرابها وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ أي ينصر دينه إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌ على خلقه عَزِيزٌ (40) منيع في سلطانه وقدرته الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ بنصرهم على عدوهم أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ جواب الشرط وهو وجوابه صلة\r______________________________\rقوله: إِلَّا أَنْ يَقُولُوا استثناء مفرغ من محذوف، قدره المفسر بقوله: (ما أخرجوا) وهو متصل، والمعنى لم يكن لهم سبب في إخراجهم، إلا تعصب المشركين عليهم من أجل مخالفتهم في الدين. إن قلت: إن سبب خروجهم أمر اللّه لنبيه. أجيب: بأن سبب الخروج باطنا، أمر اللّه لهم بالخروج، وظاهرا تعصب المشركين عليهم، ولا يصح استثناؤه من المذكور، لأنه يصير المعنى: الذين أخرجوا من ديارهم إلا أن يقولوا ربنا اللّه، وهو لا يصح.\rقوله: وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ لَوْ لا حرف امتناع لوجود، ودَفْعُ مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير موجود، وإضافة دَفْعُ لما بعده من إضافة المصدر لفاعله.\rوقوله: بَعْضَهُمْ أي للكافرين، وقوله: بِبَعْضٍ أي المؤمنين، والمعنى لو لا دفع اللّه الكافرين بالمؤمنين موجود، لهدم في زمن موسى الكنائس التي كانوا يصلون فيها في شرعه، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن نبينا المساجد، وهذا الدفع حين كانوا على الحق قبل التحريف والنسخ، وأما من يوم بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم، فقد بطل كل دين يخالف دينه، قال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ فالمعنى: لو لا عز الإسلام وقوة شوكته، ما عبد اللّه في أي زمن.\rقوله: (بالتشديد للتكثير) باعتبار المواضع. قوله: (و بالتخفيف) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: صَوامِعُ جمع صومعة وهي المحل المرتفع البناء في الأماكن الخلية. قوله: (للرهبان) أي وقيل للصابئين. قوله: وَصَلَواتٌ جمع صلاة، سميت الكنائس بذلك لأنه يصلى فيها، وقيل هي كلمة معربة، أصلها بالعبرانية صلوثا، بفتح الصاد والثاء المثلثة والقصر، ومعناه في لغتهم المصلى. قوله:\r(أي ينصر اللّه دينه)، أي وأولياءه، ومعنى نصره تعالى، هو أن يظفر أولياءه بأعدائه، ومعنى نصر العبيد لربهم، هو تجلدهم بالقتال لأعداء اللّه، أو بإيضاح الأدلة والحجج على أعداء اللّه كالعلماء. قوله: (منيع في سلطانه) المناسب أن يقول غالب على أمره، وقد أنجز اللّه وعده، بأن أذل الكفار، وأعز المسلمين، فأورثهم أرضهم وديارهم.\rقوله: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ الخ، يجوز في هذا الموصول ما جاز في الذي قبله. قوله:\r(جواب الشرط) أي قوله: أَقامُوا وما عطف عليه. قوله: (و هو وجوابه) أي الشرط وفعله وجوابه.","part":2,"page":495},{"id":1097,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 496\rالموصول، ويقدر قبله هم مبتدأ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) أي إليه مرجعها في الآخرة وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فيه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ تأنيث قوم باعتبار المعنى وَعادٌ قوم هود وَثَمُودُ (42) قوم صالح وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ قوم شعيب وَكُذِّبَ مُوسى كذبه القبط لا قومه بنو إسرائيل أي كذب هؤلاء رسلهم فلك أسوة بهم فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ أمهلتهم بتأخير العقاب لهم ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ بالعذاب فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (44) أي إنكاري عليهم بتكذيبهم بإهلاكهم، والاستفهام للتقرير، أي هو واقع موقعه فَكَأَيِّنْ أي كم مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وفي قراءة أهلكناها وَهِيَ ظالِمَةٌ أي أهلها بكفرهم فَهِيَ خاوِيَةٌ ساقطة عَلى عُرُوشِها سقوفها وَكم من بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ متروكة بموت أهلها\r______________________________\rقوله: (صلة الموصول) أي لا محل لها من الإعراب. قوله: (و يقدر قبله) الخ، أي على أحد الاحتمالات المتقدمة، وهو إخبار من اللّه عما يكون عليه المهاجرون والأنصار رضي اللّه عنهم. قوله: وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ أي آخر أمور الخلق مصيرها إليه، فيجازي كل شخص بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.\rقوله: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ أي يدوموا على تكذيبك وعدم الإيمان بك، والضمير عائد على أهل مكة، والمعنى لا تحزن وتسلّ، فلست بأول من كذبه قومه. قوله: (باعتبار المعنى) أي وهو الأمة والقبيلة. قوله:\rوَعادٌ وَثَمُودُ لم يقل قوم هود وقوم صالح، لاشتهارهما بهذين الاسمين.\rقوله: وَأَصْحابُ مَدْيَنَ خصهم بالذكر، وإن كان شعيب أرسل إلى أصحاب الأيكة وكذبوه أيضا، لأنهم سابقون عليهم في التكذيب له، فخصوا بالذكر لسبقهم بالتكذيب. قوله: (كذبه القبط لا قومه) أشار بذلك إلى وجه بناء الفعل في هذا الأخير للمفعول، والقبط بوزن القسط أهل مصر.\rقوله: فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ وضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التشنيع عليهم. قوله: (أي إنكاري عليهم) أشار بذلك إلى أن نكير مصدر بمعنى الإنكار. قوله: (بإهلاكهم) أي بعذاب الاستئصال. قوله: (للتقرير) أي والمعنى: فليقر المخاطبون بأن إهلاكي لهؤلاء كان واقعا موقعه، وفي الحقيقة هو مضمن معنى التعجب. والمعنى: ما أشدّ ما كان إنكاري عليهم.\rقوله: فَكَأَيِّنْ مبتدأ، ومِنْ قَرْيَةٍ تمييز، وقوله: أَهْلَكْناها خبره، وقوله: وَهِيَ ظالِمَةٌ الجملة حالية. والمعنى عدد كثير من القرى أهلكتها، والحال أنها ظالمة. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (أي أهلها) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله: فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها أي تهدمت حيطانها، فسقطت الحيطان فوق السقوف.\rقوله: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ قدر المفسر (كم) والجار إشارة إلى أنه معطوف على قَرْيَةٍ والمعنى عدد كثير من الآبار معطلة عن الاستقاء منها بموت أهلها، وقيل إن البئر الواحدة معهودة، وهي التي نزل عليها صالح مع أربعة آلاف نفر ممن آمن به، ونجاهم اللّه من العذاب وهم بحضرموت. وسميت بذلك، لأن صالحا حين حضرها مات، وهناك بلدة عند البئر اسمها حاضورا، بناها قوم صالح، وأمروا عليهم","part":2,"page":496},{"id":1098,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 497\rوَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) رفيع خال بموت أهله أَفَلَمْ يَسِيرُوا أي كفار مكة فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ما نزل بالمكذبين قبلهم أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها إخبارهم بالإهلاك وخراب الديار فيعتبروا فَإِنَّها أي القصة تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) تأكيد وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ بإنزال العذاب فأنجزه يوم بدر وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ من أيام الآخرة بسبب العذاب كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) بالتاء والياء في الدنيا وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها المراد أهلها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48) المرجع قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) بين الإنذار وأنا بشير للمؤمنين\r______________________________\rجلهس بن جلاس، وأقاموا بها زمانا، ثم كفروا وعبدوا صنما، وأرسل اللّه تعالى عليهم حنظلة بن صفوان نبيا فقتلوه، فأهلكهم اللّه وعطل بئرهم وخرب قصورهم، والمتبادر من الآية العموم، ولذا مشى عليه المفسر.\rقوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه تقديره: أغفلوا فلم يسيروا؟\rفهو تحريض لهم على السير، ليشاهدوا آثار من قبلهم من الكفار ليعتبروا، وهم وإن كانوا سافروا، ولم يسافروا للاعتبار والنظر، فجعلوا كأن لم يسافروا ولم يروا. قوله: فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ مفرع على قوله:\rيَسِيرُوا فهو منفي أيضا. قوله: (ما نزل بالمكذبين) مفعول يفعلون. قوله: (أي القصة) أي وما بعده تفسير له. قوله: لا تَعْمَى الْأَبْصارُ الخ، أي فالخلل ليس في حواسهم الظاهرية، وإنما هو في قلوبهم، فترتب على ذلك انهماكهم في الشهوات وعدم إذعانهم للحق، لأن عمى القلب هو الضار في الدين، لما ورد في الحديث: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». قوله: (تأكيد) أي قوله: الَّتِي فِي الصُّدُورِ تأكيد للقلوب، لأن من المعلوم أن القلوب حالة في الصدور، ومنه قولهم: سمعت بأذني ونظرت بعيني.\rقوله: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ أي يطلب كفار مكة تعجيل العذاب استهزاء حيث يقولون:\rأين ما توعدتنا به مع كوننا كذبناك كما كذبت الأمم الماضية رسلهم؟ قوله: وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ تضمن ذلك نزول العذاب بهم في الدنيا، وتضمن قوله: وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ الخ؛ عذابهم في الآخرة، فهم يعذبون مرتين: في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بدخول النار الدائم. قوله: (فأنجزه يوم بدر) أي فقتل منهم سبعون، وأسر سبعون من صناديدهم. قوله: كَأَلْفِ سَنَةٍ اقتصر على الألف، لأنه منتهى العدد بلا تكرار، وهو كناية عن طول العذاب وعدم تناهيه. قوله: (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أتى هنا بالواو لمناسبة ما قبلها في قوله: وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً الخ، بخلاف الأولى، فأتى بالفاء لمناسبة ما قبلها في قوله: فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ فأتى في كل بما يناسبه.\rقوله: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ أي الموصوفون باستعجال العذاب، وقد جرت عادة اللّه في كتابه، أنه يخاطب المؤمنين: بيا أيها الذين آمنوا، وكفار مكة: بيا أيها الناس. قوله: (و أنا بشير للمؤمنين) قدره","part":2,"page":497},{"id":1099,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 498\rفَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ من الذنوب وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) هو الجنة وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا القرآن بإبطالها مُعاجِزِينَ من اتبع النبي أي ينسبونهم إلى العجز ويثبطونهم عن الإيمان أو مقدرين عجزنا عنهم وفي قراءة معاجزين مسابقين لنا أي يظنون أن يفوتونا بإنكارهم البعث والعقاب أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (51) النار وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ\r______________________________\rإشارة إلى أن في الآية اكتفاء، بدليل التعميم المذكور بعد.\rقوله: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ أي من الذنوب الصغائر والكبائر.\rقوله: وَالَّذِينَ سَعَوْا أي اجتهدوا. قوله: (بإبطالها) الباء بمعنى في، والمعنى اجتدوا في إبطالها حيث قالوا في القرآن: (إنه أساطير الأولين) وسحر وكهانة. قوله: (من اتبع النبي) أشار به إلى أن مفعول معجزين محذوف. قوله: (يثبطونهم) أي يعوقونهم ويشغلونهم. قوله: (أو مقدرين عجزنا) أي فالمفعول محذوف تقديره اللّه. والمعنى عليه ظانين عجزنا عنهم. قوله: (و في قراءة معاجزين) أي وهي سبعية أيضا، وتقدير المفعول عليها معاجزين اللّه، أي مسابقين له، ومعنى مسابقتهم ظنهم الفرار من عذاب اللّه، ومعنى مسابقة اللّه العذاب بهم وعدم فرارهم منه. قوله: (يظنون أن يفوتونا) أي فلا يلحقهم عذابنا. قوله: أَصْحابُ الْجَحِيمِ أي مآلهم لها، وهي معدة لهم.\rقوله: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ الخ، هذه تسلية ثانية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: مِنْ رَسُولٍ مِنْ زائدة في المفعول أي رسولا. قوله: (هو نبي أمر بالتبليغ) أي إنسان ذكر حر، أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه. قوله: وَلا نَبِيٍ عطف على رَسُولٍ. إن قلت: إن تفسير النبي بكونه لم يؤمر بالتبليغ، ينافي قوله أرسلنا. أجيب: بأن الإرسال معناه البعث لنفسه، لأنه أوحي إليه بشرع يعمل به في نفسه، وليس مأمورا بتبليغه للخلق، أو يقدر قبل قوله ولا نبي ما يناسبه، كأن يقال مثلا: ولا نبأنا من نبي على حد: علفتها تبنا وماء باردا. قوله: (أي لم يؤمر بالتبليغ) أشار المفسر بهذا، إلى أن العطف في الآية مغاير، وإن كان لفظ النبي أعم. قوله: (قراءته) إنما سميت القراءة أمنية، لأن القارىء إذا وصل إلى آية رحمة تمنى حصولها، أو آية عذاب تمنى البعد عنه. قوله: (ما ليس من القرآن) مفعول ألقى. قوله:\r(مما يرضاه) بيان لما. قوله: (المرسل إليهم) أي وهم الكفار. قوله: (و قد قرأ النبي) أشار بذلك إلى أن سبب نزول هذه الآية، قراءة النبي سورة النجم، وذلك كان في رمضان سنة خمس من البعثة، وكانت الهجرة إلى الحبشة في رجب من تلك السنة، وقدوم المهاجرين إلى مكة كان في شوال من تلك السنة.\rقوله: (بالقاء الشيطان) متعلق بقرأ. قوله: (تلك الغرانيق) معمول (قرأ) والغرانيق في الأصل الذكور من طير الماء واحدها غرنوق كفردوس، أو غرنوق كعصفور، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من اللّه وتشفع لهم، فشبهت بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع. قوله: (ففرحوا بذلك) أي بما سمعوه وقالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم. قوله: (يبطل) أي يزيل، فالنسخ في اللغة معناه الإزالة، وما ذكره المفسر من قصة الغرانيق، رواية عامة المفسرين الظاهريين. قال الرازي: أما أهل التحقيق فقد قالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة، واحتجوا على البطلان بالقرآن والسنة والمعقول، أما القرآن فبوجوه: أحدها قوله تعالى:\rوَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ الآية. ثانيها قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي الآية: ثالثها قوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. وأما السنة فمنها ما روي عن محمد بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة","part":2,"page":498},{"id":1100,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 499\rرَسُولٍ هو نبي أمر بالتبليغ وَلا نَبِيٍ أي لم يؤمر بالتبليغ إِلَّا إِذا تَمَنَّى قرأ أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ قراءته ما ليس من القرآن مما يرضاه المرسل إليهم، وقد قرأ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في سورة النجم بمجلس من قريش بعد أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى بإلقاء الشيطان على لسانه من غير علمه صلّى اللّه عليه وسلّم به تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى ففرحوا بذلك ثم أخبره جبريل بما ألقاه الشيطان على لسانه من ذلك فحزن فسلي بهذه الآية ليطمئن فَيَنْسَخُ اللَّهُ يبطل ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ يثبتها وَاللَّهُ عَلِيمٌ بإلقاء الشيطان ما ذكر حَكِيمٌ (52) في تمكينه منه يفعل ما يشاء لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً محنة لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك ونفاق وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ أي المشركين عن قبول الحق وَإِنَّ الظَّالِمِينَ الكافرين لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (53) خلاف طويل مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم والمؤمنين حيث جرى على لسانه ذكر آلهتهم بما يرضيهم ثم أبطل ذلك وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ التوحيد والقرآن أَنَّهُ أي القرآن الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ تطمئن لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ طريق مُسْتَقِيمٍ (54) أي دين الإسلام وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ شك مِنْهُ أي القرآن بما\r______________________________\rفقال: هي من وضع الزنادقة، وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، فقد روى البخاري في صحيحه، أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ سورة النجم، وسجد فيها المسلمون والكفار والإنس والجن، وليس فيه حديث الغرانيق. وأما المعقول فمن أوجه: أحدها: أن من جوز على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تعظيما للأوثان فقد كفر. ثانيها:\rلو كان الإلقاء على الرسول ثم الإزالة عنه، لكانت عصمته من أول الأمر أولى، وهو الذي يجب علينا اعتقاده في كل نبي. ثالثها، وهو أقوى الأوجه: أنا لو جوزنا ذلك، لارتفع الأمان عن شرعه. ثم قال الرازي: وقد عرفنا أن هذه القصة موضوعة، وخبر الواحد لا يعارض الدلائل العقلية والنقلية المتواترة، قاله الخطيب، ثم قال: وهذا هو الذي يطمئن إليه القلب، وإن أطنب ابن حجر العسقلاني في صحتها، انتهى. ويكون معنى الآية على هذا التحقيق، ألقى الشيطان في أمنيته أي تلاوته شبها وتخيلات في قلوب الأمم، بأن يقول لهم الشيطان: هذا سحر وكهانة، فينسخ اللّه تلك الشبه من قلوب من أراد لهم الهدى، ويحكم اللّه آياته في قلوبهم، واللّه عليم بما ألقاه الشيطان في قلوبهم، حكيم في تسليطه عليهم، ليميز المفسد من المصلح.\rقوله: لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ متعلق بيحكم أي ثم يحكم اللّه آياته ليجعل، الخ. قوله:\rوَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ عطف على الذين، أي فتنة للقاسية قلوبهم. قوله: (حيث جرى على لسانه) الخ، قد علمت أن هذا خلاف الصواب، والصواب أن يقول حيث سلط الشيطان عليهم بالوسوسة والطعن في القرآن.\rقوله: وَلِيَعْلَمَ عطف على ليجعل. قوله: فَيُؤْمِنُوا بِهِ أي بالقرآن. قوله: (أي دين الإسلام) أي وسمي صراطا لأنه يوصل لمرضاة اللّه، كما أن الصراط يوصل لدار النعيم.\rقوله: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا رجوع لذكر حال الكفار وما هم عليه. قوله: (أي القرآن) أشار","part":2,"page":499},{"id":1101,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 500\rألقاه الشيطان على لسان النبي ثم أبطل حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أي ساعة موتهم أو القيامة فجأة أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) هو يوم بدر لا خير فيه للكفار كالريح العقيم التي لا تأتي بخير، أو هو يوم القيامة لا ليل له الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ أي يوم القيامة لِلَّهِ وحده وما تضمنه من الاستقرار ناصب للظروف يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بين المؤمنين والكافرين بما بين بعده فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) فضلا من اللّه وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (57) شديد بسبب كفرهم وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي طاعته من مكة إلى المدينة ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً هو رزق الجنة وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) أفضل المعطين لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا بضم الميم وفتحها أي إدخالا أو موضعا يَرْضَوْنَهُ وهو الجنة وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ بنياتهم حَلِيمٌ (59) عن عقابهم، الأمر ذلِكَ الذي قصصناه عليك وَمَنْ عاقَبَ جازى من المؤمنين بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ظلما من المشركين أي\r______________________________\rبذلك إلى أن الضمير عائد على القرآن، وقيل عائد على الرسول، أي في شك من أمر الرسول من كونه صادقا أو لا. قوله: (بما ألقاه الشيطان على لسان النبي) هذا خلاف الصواب، والصواب أن يقول بما ألقاه الشيطان في قلوب من أضلهم اللّه. قوله: يَوْمٍ عَقِيمٍ العقم في الأصل عدم الولادة، فشبه اليوم الذي لا خير فيه بمرأة عقيم، وطوى ذكر المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو العقم، فإثباته تخييل، والجامع عدم الثمرة في كل.\rقوله: يَوْمَئِذٍ التنوين عوض عن جملة أي الملك يوم تأتيهم الساعة بغتة، أو يأتيهم العذاب يوم القيامة للّه، ومعنى كونه للّه، عدم نسبة شيء في الملك لأحد سواه في ذلك اليوم. قوله: (ناصب للظرف) أي قوله: يَوْمَئِذٍ. قوله: يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ جملة مستأنفة سيقت جوابا لسؤال مقدر تقديره ماذا يصنع بهم. قوله: (فضلا من اللّه) أي لا بسبب أعمالهم.\rقوله: وَالَّذِينَ هاجَرُوا مبتدأ خبره لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ، وخصهم بالذكر وإن كانوا داخلين في جملة المؤمنين تعظيما لشأنهم. قوله: ثُمَّ قُتِلُوا أي في الحروب، وقوله: أَوْ ماتُوا أي على فراشهم من غير قتل. قوله: (هو رزق الجنة) أي التنعم فيها. قوله: (أفضل المعطين) أي فالمراد بالرزق الإعطاء، وهو ينسب للخلق كما ينسب للخالق، إلا أن نسبته للخالق حقيقة، ولغيره مجاز.\rقوله:\rلَيُدْخِلَنَّهُمْ الخ، إما مستأنف أو بدل من قوله ليرزقنهم. قوله: (بضم الميم وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: حَلِيمٌ أي فلا يعجل بالعقوبة على من عصاه، بل يمهله ليتوب فيستحق الجنة.\rقوله:\rذلِكَ (الذي قصصناه عليك) أي من وعد المؤمنين ووعيد الكافرين، واسم الإشارة خبر لمحذوف تقديره الأمر الذي قصصناه عليك، أي لا تغيير فيه ولا تبديل، فهي كلمة يؤتى بها للانتقال من كلام إلى آخر.\rقوله: وَمَنْ عاقَبَ العقاب مأخوذ من التعاقب، وهو مجيء الشيء بعد غيره، وحينئذ فقوله:","part":2,"page":500},{"id":1102,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 501\rقاتلهم كما قاتلوه في الشهر الحرام ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ منهم أي ظلم بإخراجه من منزله لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ عن المؤمنين غَفُورٌ (60) لهم عن قتالهم في الشهر الحرام ذلِكَ النصر بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ أي يدخل كلا منهما في الآخرة بأن يزيد به وذلك من أثر قدرته تعالى التي بها النصر وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ دعاء المؤمنين بَصِيرٌ (61) بهم حيث جعل فيهم الإيمان فأجاب دعاءهم ذلِكَ النصر أيضا بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُ الثابت وَأَنَّ ما يَدْعُونَ بالياء والتاء يعبدون مِنْ دُونِهِ وهو الأصنام هُوَ الْباطِلُ الزائل وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُ أي العالي على كل شيء بقدرته الْكَبِيرُ (62) الذي يصغر كل شيء سواه أَلَمْ تَرَ تعلم أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً مطرا فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً بالنبات وهذا من أثر قدرته إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ بعباده في إخراج النبات بالماء خَبِيرٌ (63) بما في قلوبهم عند تأخير المطر لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ على جهة الملك وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُ عن عباده الْحَمِيدُ (64)\r______________________________\rعاقَبَ بمعنى جازى حقيقة لغوية، وأما قوله: بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ أتى به لمشاكلة الأول للازدواج نظير فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ، والباء في بِهِ للسببية. قوله: (أي قاتلهم) أي قاتل من كان يقاتله، نزلت هذه الآية في قوم من المشركين، لقوا قوما من المسلمين، لليلتين بقيتا من المحرم، فقالوا: إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون أن لا يقاتلوهم في الشهر الحرام فأبوا، فحملوا عليهم وثبت المسلمون ونصرهم اللّه عليهم، وإلى هذا يشير المفسر بقوله: غَفُورٌ (لهم عن قتالهم في الشهر الحرام) وقيل نزلت في قوم من المشركين، مثلوا بقوم من المسلمين، قتلوهم يوم أحد، فعاقبهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمثله، وقيل إنها عامة في النبي وأصحابه، وذلك أن المشركين كذبوا نبيهم، وآذوا من آمن به، وأخرجوهم من مكة، فوعد اللّه بالنصر محمدا وأصحابه فإنهم حزب اللّه، والكفار حزب الشيطان. قوله: غَفُورٌ (لهم) أي ما فعلوه، لأنهم فعلوه دفعا عن أنفسهم، لا تجريا على المحرم.\rقوله: ذلِكَ مبتدأ، وبِأَنَّ اللَّهَ خبره. قوله: (بأن يزيد) أي الآخر، وقوله: (ذلك) أي الإيلاج، فهو إشارة إلى أن الإيلاج دليل القدرة، والقدرة دليل النصر، لأن القادر على إدخال كل منهما في الآخر، قادر على نصر أحبائه وخذلان أعدائه.\rقوله: وَأَنَّ اللَّهَ بالفتح في قراءة العامة، عطف على أن الأولى، وقرىء شذوذا بالكسر استئنافا. قوله: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مبتدأ وخبر، وقوله: هُوَ إما مبتدأ أو ضمير فصل. قوله: (الثابت) الذي لا يقبل الزوال أزلا ولا أبدا. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (الزائل) أي الفاني الذي لا بقاء له. قوله: وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ نتيجة ما قبله من الأوصاف.\rقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً شروع في ذكر ستة أدلة على كونه هو الحق، وما سواه باطل، وفي الحقيقة، كل دليل نتيجة للدليل الذي قبله ففي الأدلة الترقي في الاحتجاج والمعرفة فتأمل.","part":2,"page":501},{"id":1103,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 502\rلأوليائه أَلَمْ تَرَ تعلم أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ من البهائم وَالْفُلْكَ السفن تَجْرِي فِي الْبَحْرِ للركوب والحمل بِأَمْرِهِ بإذنه وَيُمْسِكُ السَّماءَ من أَنَ أو لئلا تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ فتهلكوا إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (65) في التسخير والإمساك وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ بالإنشاء ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انتهاء آجالكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ عند البعث إِنَّ الْإِنْسانَ أي المشرك لَكَفُورٌ (66) لنعم اللّه بتركه توحيده لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً بفتح السين وكسرها شريعة هُمْ ناسِكُوهُ عاملون به فَلا يُنازِعُنَّكَ يراد به لا تنازعهم فِي الْأَمْرِ\r______________________________\rالأول: إنزال الماء الناشىء عنه اخضرار الأرض.\rالثاني: قوله: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.\rالثالث: تسخير ما في الأرض. الرابع: تسخير الفلك. الخامس: إمساك السماء. السادس: الإحياء ثم الإماتة ثم الإحياء ثانيا. قوله: (تعلم) فسر الرؤية بالعلم دون الإبصار، لأن الماء وإن كان مرئيا، إلا أن كون اللّه منزلا له من السماء غير مرئي. قوله: (مطرا) لا مفهوم له، لأن النيل وماء الآبار من السماء، إلا أن يقال اقتصر على المطر، لأنه هو المشاهد نزوله من جهة السماء دون غيره. قوله: فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً عبر بالمضارع إشارة إلى استمرار النفع به بعد نزوله. قوله: (بما في قلوبهم عند تأخير المطر) أي من التأثر والقنوط. قوله: (على جهة الملك) أي فلا ملك لأحد معه.\rقوله: سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ أي ذلل لكم ما فيها من الدواب لتنتفعوا بها. قوله:\rوَالْفُلْكَ بالنصب في قراءة العامة، عطف على ما في قوله: ما فِي الْأَرْضِ أي وسخر لكم الفلك وأفردها بالذكر، لكون تسخيرها أعجب من سائر المسخرات، والفلك يطلق على الواحد والجمع بلفظ واحد، فوزن الواحد قفل، ووزن الجمع بدن. قوله: (من) أَنَ (أو لئلا) تَقَعَ أشار بذلك إلى أن أَنْ تَقَعَ إما في محل نصب على المفعول لأجله، أي لأجل أن لا تقع، أو في محل جر على حذف حرف الجر، والتقدير من أن تقع أي من وقوعها. قوله: إِلَّا بِإِذْنِهِ استثناء مفرغ من معنى قوله: وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ والتقدير لا يتركها تقع في حال من الأحوال، إلا في حالة كونها ملتبسة بمشيئة اللّه تعالى.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ أي أوجدكم من العدم لتسعدوا أو تشقوا، فكل من الإحياء الأول والثاني، إما نعمة أو نقمة. قوله: ثُمَّ يُحْيِيكُمْ (عند البعث) أي للثواب أو العقاب.\rقوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ أي جحود لنعم خالقه.\rقوله: لِكُلِّ أُمَّةٍ أي أهل دين، فالمراد بالأمة من له ملة وشرع. قوله: (بفتح السين وكسرها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (شريعة) أي أحكام دين لكل أمة معينة من الأمم، بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها إلى شريعة أخرى، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى منسكهم التوراة، ومن مبعث عيسى إلى مبعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم منسكهم الإنجيل، والأمة الموجودون عند مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومن بعدهم إلى يوم القيامة منسكهم القرآن لا غيره، وحينئذ فقوله: فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ أي لا ينازعنك هؤلاء الأمم في أمر دينك، زعما منهم أن شريعتهم باقية لم تنسخ، فإن التوراة والإنجيل شريعتان لمن مضى من الأمم قبل بعث محمد، ومن وقت بعثته انتسخ كل شرع سوى شرعه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا","part":2,"page":502},{"id":1104,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 503\rأي أمر الذبيحة إذ قالوا ما قتل اللّه أحق أن تأكلوه مما قتلتم وَادْعُ إِلى رَبِّكَ أي إلى دينه إِنَّكَ لَعَلى هُدىً دين مُسْتَقِيمٍ (67) وَإِنْ جادَلُوكَ أي في أمر الدين فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (68) فيجازيكم عليه وهذا قبل الأمر بالقتال اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ أيها المؤمنون والكافرون يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) بأن يقول كل من الفريقين خلاف قول الآخر أَلَمْ تَعْلَمْ الاستفهام فيه للتقرير أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ أي ما ذكر فِي كِتابٍ هو اللوح المحفوظ إِنَّ ذلِكَ أي علم ما ذكر عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70) سهل وَيَعْبُدُونَ أي المشركون مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ هو الأصنام سُلْطاناً حجة وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ أنها آلهة وَما لِلظَّالِمِينَ بالإشراك مِنْ نَصِيرٍ (71) يمنع عنهم عذاب اللّه وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا من القرآن بَيِّناتٍ ظاهرات حال تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ أي الإنكار لها أي أثره من الكراهة والعبوس يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا أي يقعون فيهم بالبطش قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ أي بأكره إليكم من القرآن المتلو عليكم هو النَّارُ وَعَدَهَا\r______________________________\rعلمت ذلك، فقول المفسر: فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ (أي أمر الذبيحة) الخ، لا يسلم لأنه يقتضي أن يكون أكل الميتة من جملة المناسك والشرائع التي جعلها اللّه لبعض الأمم، ولا شك في بطلان ذلك، فكان المناسب له أن يفسر الآية بما فسرناها به.\rقوله: وَادْعُ إِلى رَبِّكَ أي ادعهم أو ادع الناس عموما. قوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) أي فهو منسوخ بآية القتال، وهذا أحد قولين، وقيل إن الآية محكمة، وحينئذ فيكون المعنى: أترك جدالهم، وفوض الأمر إلى اللّه بقولك: اللّه أعلم بما تعملون، فيكون وعيدا لهم على أعمالهم، حيث داموا على الكفر، وهو لا ينافي قتالهم، لأن القتال يرفعه أحد أمرين: الإسلام أو الجزية، مع البقاء على الكفر.\rقوله: اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ أي يقضي ويفصل. قوله: (الاستفهام فيه للتقرير) أي وهو حمل المخاطب على الإقرار بالحكم. قوله: (أي علم ما ذكر) أي الموجود في السماء والأرض. قوله: (هو اللوح المحفوظ) هو من درة بيضاء فوق السماء السابعة معلق في الهواء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب.\rقوله: سُلْطاناً أي من جهة الوحي.\rقوله: وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ أي دليل عقلي. قوله: (حال) أي من آيات. قوله: فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وضع الظاهر موضع المضمر تبكيتا عليهم. قوله: (أي الإنكار لها) أشار بذلك إلى أن المنكر مصدر ميمي على حذف مضاف.\rقوله: يَكادُونَ يَسْطُونَ هذه الجملة حال، إما من الموصول أو من الوجوه، وضمن يسطون معنى يبطشون، فعداه بالباء، وإلا فهو متعد بعلى. قوله: النَّارُ قدر المفسر الضمير إشارة إلى أن النار خبر لمحذوف، كأنه قيل: وما الأشر؟ فقيل: هو النار. قوله: وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وعد يتعدى لمفعولين الهاء مفعول ثان مقدم، والَّذِينَ كَفَرُوا مفعول أول مؤخر، نظير قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ ويصح العكس، بأن يجعل الضمير هو","part":2,"page":503},{"id":1105,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 504\rاللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بأن مصيرهم إليها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72) هي يا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وهو إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وهم الأصنام لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً اسم جنس واحدة ذبابة يقع على المذكر والمؤنث وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ لخلقه وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً مما عليهم من الطيب والزعفران الملطخون به لا يَسْتَنْقِذُوهُ لا يستردوه مِنْهُ لعجزهم، فكيف يعبدون شركاء اللّه تعالى هذا أمر مستغرب عبر عنه بضرب المثل ضَعُفَ الطَّالِبُ العابد وَالْمَطْلُوبُ (73) المعبود ما قَدَرُوا اللَّهَ عظموه حَقَّ قَدْرِهِ\r______________________________\rالمفعول الأول، والَّذِينَ كَفَرُوا هو المفعول الثاني، وإليه يشير المفسر بقوله: (بأن مصيرهم إليها) حيث جعل الذين كفروا هو الموعود به، والنار هي الموعودة. والمعنى جعل اللّه الكفار طعاما للنار وعدها بهم، والأول أنسب من جهة العربية، لأن المفعول الأول شرطه صلاحيته للأخذ، كأعطيت زيدا درهما.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ هذه الآية مرتبطة بقوله: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً فالخطاب وإن كان لأهل مكة، إلا أن المراد به عموم من كان يعبد الأصنام، والمثل في اللغة مرادف للمثل والشبه والنظير، ثم صار حقيقة عرفية في ما شبه مضربه بمورده، كقولهم: الصيف ضيعت اللبن، وليس مرادا هنا، بل المراد به الأمر الغريب والقصة العجيبة، وإليه يشير المفسر في آخر العبارة بقوله: (هذا أمر مستغرب). قوله: فَاسْتَمِعُوا لَهُ أي اصغوا إليه لتعتبروا. قوله: (و هو) أي المثل المضروب. قوله: (واحدة ذبابة) أي ويجمع على ذبان بالكسر كغربان، وذبان بالضم كقضبان، وأذبة كأغربة، مأخوذ من ذب إذا طرد، وآب إذا رجع، لأنه يذب فيرجع، وهو أحرص الحيوانات وأجهلها، لأنه يرمي نفسه في المهلكات. ومدة عيشه أربعون يوما، وأصل خلقته من العفونات، ثم يتوالد بعضه من بعض، يقع روثه على الشيء الأبيض فيرى أسود، وعلى الأسود فيرى أبيض. قوله: وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ الجملة حالية كأنه قال: انتفى خلقهم الذباب على كل حال، ولو في حال اجتماعهم.\rقوله: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ أي يأخذ ويختطف منهم. قوله: (مما عليهم من الطيب والزعفران) الخ، أي لأنهم كانوا يطلون الأصنام بالزعفران، ورؤوسها بالعسل، ويغلقون عليها الأبواب، فيدخل الذباب من الكوى فيأكله، وكانوا يحلونها باليواقيت واللآلىء وأنواع الجواهر، ويطيبونها بأنواع الطيب، فربما سقط شيء منها، فيأخذه طائر أو ذباب، فلا تقدر الآلهة على استرداده. قوله: (الملطخون بها) المناسب أن يقول المتلطخين، لأنه نعت سببي للطيب والزعفران. قوله: لا يَسْتَنْقِذُوهُ أي لا يخلصون منه. قوله: (عبر عنه بضرب المثل) جواب عما يقال: إن الذي ضرب وبين ليس بمثل حقيقة، فكيف سماه مثلا؟ فأجاب:\rبأن القصة العجيبة تسمى مثلا، تشبيها لها ببعض الأمثال في الغرابة.\rقوله: ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ هذه الآية قيل غير مرتبطة بما قبلها، وعليه فيكون سبب نزولها كما قيل، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان جالسا وحوله أصحابه، وفي القوم مالك بن أبي الصيف من أحبار اليهود، فقال له رسول اللّه: ناشدتك اللّه، هل رأيت في التوراة أن اللّه يبغض الحبر السمين؟ فقال:\rنعم، فقال له رسول اللّه: وأنت حبر سمين، فضحك القوم، فالتفت مالك إلى عمر بن الخطاب وقال:","part":2,"page":504},{"id":1106,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 505\rعظمته إذ أشركوا به ما لم يمتنع من الذباب ولا ينتصف منه إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74) غالب اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ رسلا، نزل لما قال المشركون أأنزل عليه الذكر من بيننا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لمقالتهم بَصِيرٌ (75) بمن يتخذه رسولا كجبريل وميكائيل وإبراهيم ومحمد وغيرهم صلّى اللّه عليهم وسلم يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ أي ما قدموا وما خلفوا وما عملوا وما هم عاملون بعد وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا أي صلوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وحدوه وَافْعَلُوا الْخَيْرَ كصلة الرحم ومكارم الأخلاق لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) تفوزون بالبقاء في الجنة وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ لإقامة دينه حَقَّ جِهادِهِ باستفراغ الطاقة فيه، ونصب حق على المصدر هُوَ اجْتَباكُمْ اختاركم لدينه وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ\r______________________________\rما أنزل اللّه على بشر من شيء، وقيل سبب نزولها أن اليهود قالوا: خلق اللّه السماوات يوم الأحد، والأرض يوم الاثنين، والجبال يوم الثلاثاء، والأوراق والأشجار يوم الأربعاء، والشمس والقمر في يوم الخميس، وخلق آدم وحواء في يوم الجمعة، ثم استوى على ظهره، ووضع إحدى رجليه على الأخرى واستراح، فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل إنها من تتمة المثل، وعليه درج المفسر.\rقوله: اللَّهُ يَصْطَفِي أي يختار. قوله: مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا إن قلت إن هذا يقتضي أن يكون الرسل بعض الملائكة لا كلهم وآية فاطر تقتضي أن الكل رسل. أجيب بأن التبعيض بالنسبة لإرسالهم لبني آدم والجميع رسل بالنسبة لبعضهم بعضا. قوله: وَمِنَ النَّاسِ (رسلا) أشار بذلك إلى أن في الآية الحذف من الثاني لدلالة الأول عليه. قوله: (نزل لما قال المشركون) القائل هو الوليد بن المغيرة، ووافقه على ذلك قومه. قوله: (كجبريل) الخ، مثل باثنين من الملائكة واثنين من الإنس. قوله: (ما قدموا) أي من الأعمال. قوله: (و ما خلفوا) أي لم يعملوه بالفعل. قوله: (أو ما عملوا) أي بالفعل، وقوله: (و ما هم عاملون) أي في المستقبل.\rقوله: تُرْجَعُ الْأُمُورُ أي تصير أمور الخلائق اليه تعالى، ويجازي كلا بعمله. قوله: (أي صلوا) أي وعبر عنها بالركوع والسجود، من باب تسمية الشيء باسم أشرف أجزائه. قوله: (كصلة الرحم ومكارم الأخلاق) أي وغيرهما من الخيرات الواجبة والمندوبة.\rقوله:\rلَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ الترجي في القرآن بمنزلة التحقيق، فالفلاح محقق لمن فعل هذه الأمور.\rقوله: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ أي أعداءكم الظاهرية والباطنية، فالظاهرية فرق الضلال والكفر، ومجاهدتها معلومة، ويسمى الجهاد الأصغر، والباطنية النفس والهوى والشيطان، ومجاهدتها الامتناع من شهواتها شيئا فشيئا، ويسمى الجهاد الأكبر كما في الحديث، ووجه تسميته أكبر، أن الأعداء الظاهرية، تحضر تارة وتغيب أخرى وتصالح، وإذا قتلها الشخص أو قتلته فهو في الجنة، بخلاف الأعداء الباطنية، فلا تغيب أصلا، ولا يمكن الصلح معها، وإذا قتلت صاحبها وغلبته فهو في النار. قوله: حَقَّ جِهادِهِ من إضافة الصفة للموصوف، أي جهادا حقا. قوله: هُوَ اجْتَباكُمْ أي اصطفاكم وجعلكم أمة وسطا.","part":2,"page":505},{"id":1107,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 506\rمِنْ حَرَجٍ أي ضيق بأن سهله عند الضرورات كالقصر والتيمم وأكل الميتة والفطر للمرض والسفر مِلَّةَ أَبِيكُمْ منصوب بنزع الخافض الكاف إِبْراهِيمَ عطف بيان هُوَ أي اللّه سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ أي قبل هذا الكتاب وَفِي هذا أي القرآن لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ يوم القيامة أنه بلغكم وَتَكُونُوا أنتم شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ أن رسلهم بلغتهم فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ داوموا عليها وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ ثقوا به هُوَ مَوْلاكُمْ ناصركم ومتولي أموركم فَنِعْمَ الْمَوْلى هو وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) أي الناصر لكم.\r______________________________\rقوله: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ المراد بالدين أصوله وفروعه، حيث لم يشدد عليهم كما شدد على من قبلهم، فمن ذلك قبول توبتهم إذا ندموا وأقلعوا، ولم يجعل توبتهم قتل أنفسهم، وإذا أذنب الشخص منهم ذنبا، ستره اللّه ولم يفضحه في الدنيا، بأن يجده مكتوبا في جبهته أو على باب داره، كما كان فيمن قبلهم، وجعل النجاسة تزال بالماء دون قطع محلها وغير ذلك، إن قلت: كيف لا حرج في الدين، مع أن اليد تقطع بسرقة ربع دينار، والمحصن يرجم بزنا مرة ونحو ذلك؟ أجيب: بأن رفع الحرج لمن استقام على منهاج الشرع، وأما السراق وأصحاب الحدود، فقد انتهكوا حرمة الشرع، وانتقلوا من السهولة للصعوبة، لأن اللّه لم يحرم المال مطلقا، ولا النكاح مطلقا، بل أحل أشياء وحرم أشياء، فما جزاء من يتعدى الحدود، إلا التشديد عليه. قوله: (بنزع الخافض الكاف) أي كملة أبيكم، فالتشبيه في أصول الدين وفي سهولة الفروع.\rقوله: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ أشار المفسر إلى أن الضمير عائد على اللّه تعالى، وقيل الضمير عائد على إبراهيم. قوله: (أي قبل هذا الكتاب) أي في الكتب القديمة. قوله: وَفِي هذا أي بقوله:\rوَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً. قوله: لِيَكُونَ الرَّسُولُ متعلق بسماكم واللام للعاقبة.\rقوله: (داوموا عليها) أي بشروطها وأركانها. قوله: وَآتُوا الزَّكاةَ لمستحقيها. قوله: (ثقوا) أي في جميع أموركم. قوله: هُوَ قدره إشارة إلى أن المخصوص بالمدح محذوف، وحذفه من الثاني لدلالة هذا عليه.\rتمّ الجزء الثاني من كتاب حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ويليه الجزء الثالث وأوله سورة المؤمنون","part":2,"page":506},{"id":1108,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 507\rالفهرس\rتفسير سورة الأنفال\rالآيات: 1 - 4 4\rالآية: 5 5\rالآيات: 6 - 10 6\rالآيتان: 11 و12 7\rالآيات: 13 - 16 8\rالآيتان: 17 و18 9\rالآيات: 19 - 23 10\rالآيتان: 24 و25 11\rالآية: 26 12\rالآيات: 27 - 29 13\rالآيات: 30 - 32 14\rالآيتان: 33 و34 15\rالآيات: 35 - 38 16\rالآيتان: 39 و40 17\rالآيتان: 41 و42 18\rالآيات: 43 - 45 19\rالآيتان: 46 و47 20\rالآيات: 48 - 50 21\rالآيات: 51 - 53 22\rالآيات: 54 - 58 23\rالآيتان: 59 و60 24\rالآيات: 61 - 65 25\rالآية: 66 26\rالآيات: 67 - 69 27\rالآيتان: 70 - 71 28\rالآيات: 72 - 75 29\rتفسير سورة التوبة\rالآيتان: 1 و2 31\rالآية: 3 32\rالآيات: 4 - 6 33\rالآيات: 7 - 10 34\rالآيات: 11 - 13 35\rالآيات: 14 - 18 36\rالآيات: 19 - 22 37\rالآيتان: 23 و24 38\rالآيات: 25 - 27 39\rالآية: 28 40\rالآية: 29 41\rالآيات: 30 - 32 42\rالآيتان: 33 و34 43\rالآية: 35 44\rالآية: 36 45\rالآية: 37 46\rالآيتان: 38 و39 47\rالآيات: 40 - 42 48\rالآيات: 43 - 46 49\rالآيات: 47 - 49 50\rالآيات: 50 - 55 51\rالآيات: 56 - 59 52\rالآية: 60 54\rالآيات: 61 - 63 55\rالآيات: 64 - 66 56\rالآيات: 67 - 69 57\rالآيات: 70 - 73 58\rالآية: 74 59\rالآيتان: 75 و76 60\rالآيتان: 77 و78 61\rالآيات: 79 - 81 62\rالآيات: 82 - 85 63\rالآيات: 86 - 90 64\rالآيتان: 91 و92 65\rالآيات: 93 و97 66\rالآيتان: 98 و99 67\rالآيتان: 100 و101 68\rالآية: 102 69\rالآيات: 103 - 105 70\rالآية: 106 71\rالآيتان: 107 و108 72\rالآيتان: 109 و110 73\rالآية: 111 74\rالآيتان: 112 و113 75\rالآيات: 114 - 116 76\rالآية: 117 77\rالآيتان: 118 و119 79\rالآيتان: 120 و121 80\rالآيات: 122 و124 81","part":2,"page":507},{"id":1109,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 508\rالآيات: 125 - 127 82\rالآيتان: 128 و129 83\rتفسير سورة يونس\rالآية: 1 84\rالآية: 2 85\rالآيتان: 3 و4 86\rالآيات: 5 - 8 87\rالآيتان: 9 و10 88\rالآيتان: 11 و12 89\rالآيات: 13 - 15 90\rالآيات: 16 - 18 91\rالآيات: 19 - 21 92\rالآيتان: 22 و23 93\rالآيتان: 24 و25 94\rالآية: 26 95\rالآيات: 27 - 29 96\rالآيتان: 30 و31 97\rالآيات: 32 - 34 98\rالآيتان: 35 - 36 99\rالآيات: 37 - 39 100\rالآيات: 40 - 44 101\rالآيات: 45 - 48 102\rالآيتان: 49 و50 103\rالآيات: 51 - 53 104\rالآيات: 54 - 57 105\rالآيتان: 58 و59 106\rالآيات: 60 - 62 107\rالآية: 63 108\rالآيتان: 64 و65 109\rالآيتان: 66 و67 110\rالآيات: 68 - 70 111\rالآيتان: 72 و73 112\rالآيات: 74 - 77 113\rالآيات: 78 - 82 114\rالآيات: 83 - 87 115\rالآيتان: 88 و89 116\rالآيتان: 90 و91 117\rالآيتان: 92 و93 118\rالآيات: 94 - 97 119\rالآيتان: 98 و99 120\rالآيات: 100 - 104 121\rالآيات: 105 - 109 122\rتفسير سورة هود\rالآيات: 1 - 4 124\rالآيتان: 5 و6 125\rالآيتان: 7 و8 126\rالآيات: 9 - 12 127\rالآيتان: 13 و14 128\rالآيتان: 15 و16 129\rالآيات: 17 - 20 130\rالآيات: 21 - 24 131\rالآيات: 25 - 27 132\rالآيات: 28 - 32 133\rالآيات: 33 - 36 134\rالآيات: 37 - 39 135\rالآيات: 40 - 42 136\rالآيتان: 43 - 44 137\rالآيات: 45 - 47 138\rالآيات: 48 - 51 139\rالآيات: 52 - 55 140\rالآيات: 56 - 60 141\rالآيات: 61 - 63 142\rالآيات: 64 - 68 143\rالآيتان: 69 و70 144\rالآيات: 71 - 75 145\rالآيتان: 76 - 77 146\rالآيات: 78 - 81 147\rالآيات: 82 - 85 148\rالآيات: 86 - 90 149\rالآيات: 91 - 97 150\rالآيات: 98 - 102 151\rالآيات: 103 - 107 152\rالآية: 108 153\rالآيتان: 109 و110 154\rالآيتان: 111 و112 155\rالآيات: 113 - 115 156\rالآيات: 116 - 119 157\rالآيات: 120 - 123 158\rتفسير سورة يوسف\rالآيتان: 1 و2 159\rالآية: 3 160\rالآية: 4 161\rالآيات: 5 - 7 162","part":2,"page":508},{"id":1110,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 509\rالآيات: 8 - 12 163\rالآيتان: 13 و14 164\rالآيات: 15 - 18 165\rالآية: 19 166\rالآية: 20 167\rالآيات: 21 - 23 168\rالآيتان: 24 و25 169\rالآيات: 26 - 29 170\rالآيتان: 30 و31 171\rالآيات: 32 - 35 172\rالآية: 36 173\rالآيات: 37 - 40 174\rالآيتان: 41 و42 175\rالآيات: 43 - 45 176\rالآيات: 46 - 50 177\rالآيات: 51 - 53 178\rالآية: 54 179\rالآية: 55 180\rالآيتان: 56 و57 181\rالآيات: 58 - 61 182\rالآيات: 62 - 65 183\rالآيتان: 66 و67 184\rالآيات: 68 - 71 185\rالآيات: 72 - 75 186\rالآية: 76 187\rالآيات: 77 - 79 188\rالآيات: 80 - 83 189\rالآيتان: 84 و85 190\rالآيات: 86 - 88 191\rالآيات: 85 - 92 192\rالآيتان: 93 و94 193\rالآيتان: 95 - 98 194\rالآية: 99 195\rالآيتان: 100 و101 196\rالآيات: 102 - 109 197\rالآيات: 106 - 109 198\rالآيتان: 110 و111 199\rتفسير سورة الرعد\rالآيتان: 1 و2 201\rالآية: 3 202\rالآية: 4 203\rالآيات: 5 - 8 204\rالآيتان: 9 و10 205\rالآية: 11 206\rالآية: 12 207\rالآية: 13 و14 208\rالآية: 15 209\rالآيتان: 16 و17 210\rالآيات: 18 و20 211\rالآيتان: 21 و22 212\rالآيات: 23 - 25 213\rالآيات: 26 - 28 214\rالآيتان: 29 و30 215\rالآية: 31 216\rالآيتان: 32 و33 217\rالآيتان: 34 و35 218\rالآيات: 36 - 38 219\rالآيتان: 39 و40 220\rالآيات: 41 - 43 221\rتفسير سورة إبراهيم\rالآية: 1 222\rالآيات: 2 - 5 223\rالآيات: 6 - 8 224\rالآيات: 9 - 11 225\rالآيات: 12 - 16 226\rالآيات: 17 - 20 227\rالآية: 21 228\rالآيات: 22 - 24 229\rالآيات: 25 - 28 230\rالآيات: 29 - 31 231\rالآيتان: 32 و33 232\rالآية: 34 233\rالآيتان: 35 و36 234\rالآيات: 37 - 39 235\rالآيات: 40 - 42 236\rالآيات: 43 - 46 237\rالآية: 47 237\rالآيات: 48 - 52 239\rتفسير سورة الحجر\rالآيتان: 1 و2 240\rالآيات: 3 - 7 241\rالآيات: 8 - 14 242\rالآيات: 15 - 17 243","part":2,"page":509},{"id":1111,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 510\rالآيات: 18 - 21 244\rالآيات: 22 - 26 245\rالآيات: 27 - 33 246\rالآيات: 34 - 45 247\rالآيتان: 46 - 47 248\rالآيات: 48 - 53 249\rالآيات: 54 - 63 250\rالآيات: 64 - 74 251\rالآيات: 75 - 83 252\rالآيات: 84 - 87 253\rالآيات: 88 - 92 254\rالآيات: 93 - 96 255\rالآيات: 97 - 99 256\rتفسير سورة النحل\rالآيات: 1 - 5 258\rالآيات: 6 - 9 259\rالآيات: 10 - 12 260\rالآيات: 13 - 18 261\rالآيات: 19 - 23 262\rالآيتان: 24 و25 263\rالآيات: 26 - 29 264\rالآية: 30 265\rالآيات: 31 - 34 266\rالآيات: 35 - 37 267\rالآيات: 38 - 42 268\rالآيات: 43 - 46 269\rالآيات: 47 - 49 270\rالآيات: 50 - 54 271\rالآيات: 55 - 57 272\rالآيات: 58 - 61 273\rالآيتان: 62 و63 274\rالآيات: 64 - 66 275\rالآيتان: 67 و68 276\rالآية: 69 277\rالآيتان: 70 و71 278\rالآيات: 72 - 74 279\rالآيات: 75 - 78 280\rالآيات: 79 - 82 281\rالآيات: 83 - 85 282\rالآيات: 86 - 88 283\rالآية: 89 284\rالآيتان: 90 و91 285\rالآيتان: 92 و93 286\rالآيات: 94 - 96 287\rالآيات: 97 - 99 288\rالآيات: 100 - 103 289\rالآيتان: 104 و105 290\rالآيات: 106 - 110 291\rالآية: 111 292\rالآيات: 112 - 117 293\rالآيات: 118 - 122 294\rالآيتان: 123 و124 295\rالآية: 125 296\rالآيات: 126 - 128 297\rتفسير سورة الإسراء\rالآية: 1 299\rالآيات: 2 - 5 305\rالآيتان: 6 و7 306\rالآية: 8 307\rالآيتان: 9 و10 310\rالآيتان: 11 و12 311\rالآيتان: 13 و14 312\rالآيات: 15 - 18 313\rالآيات: 19 - 22 314\rالآية: 23 315\rالآيات: 24 - 26 316\rالآيات: 27 - 29 317\rالآيات: 30 - 33 318\rالآيات: 34 - 38 319\rالآيات: 39 - 42 320\rالآيات: 43 - 45 321\rالآيات: 46 - 50 322\rالآيات: 51 - 54 333\rالآيتان: 55 و56 324\rالآيات: 57 - 59 325\rالآيتان: 60 و61 326\rالآيات: 62 - 64 327\rالآيات: 65 - 67 328\rالآيات: 68 - 70 329\rالآية: 71 330\rالآيات: 72 - 75 331\rالآيات: 76 - 78 332\rالآية: 79 333\rالآيات: 80 - 82 334","part":2,"page":510},{"id":1112,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 511\rالآيتان: 83 و84 335\rالآيات: 85 - 87 336\rالآيات: 88 - 92 337\rالآيات: 93 - 96 338\rالآيات: 97 - 100 339\rالآية: 101 340\rالآيات: 102 - 106 341\rالآيات: 107 - 109 342\rالآيتان: 110 و111 349\rتفسير سورة الكهف\rالآية: 1 354\rالآيات: 2 - 5 355\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 2 511\r\rيات: 2 - 5 355\rالآيات: 6 - 8 356\rالآية: 9 357\rالآيات: 10 - 14 359\rالآيات: 15 - 17 360\rالآية: 18 361\rالآيات: 19 - 21 362\rالآية: 22 363\rالآيات: 23 - 25 364\rالآيتان: 26 و27 365\rالآية: 28 366\rالآيات: 29 - 31 367\rالآية: 32 368\rالآيات: 33 - 38 369\rالآيات: 39 - 44 370\rالآيتان: 45 و46 371\rالآيتان: 47 و48 372\rالآية: 49 373\rالآيات: 50 - 53 374\rالآيات: 54 - 58 375\rالآيات: 59 - 61 376\rالآيات: 62 - 64 377\rالآية: 65 378\rالآيات: 66 - 69 379\rالآيات: 70 - 73 380\rالآيات: 74 - 78 381\rالآيات: 79 - 81 382\rالآية: 82 383\rالآيات: 83 - 87 385\rالآيات: 88 - 92 386\rالآيتان: 93 و94 387\rالآيات: 95 - 98 388\rالآيات: 99 - 101 389\rالآيات: 102 - 106 390\rالآيات: 107 - 110 391\rتفسير سورة مريم\rالآيات: 1 - 3 393\rالآيات: 4 - 8 394\rالآيات: 9 - 11 395\rالآيات: 12 - 15 396\rالآيات: 16 - 19 397\rالآيات: 20 - 22 398\rالآيات: 23 - 25 399\rالآيتان: 26 و27 400\rالآيات: 28 - 33 401\rالآيات: 34 - 36 402\rالآيات: 37 - 40 403\rالآيات: 41 - 44 404\rالآيات: 45 - 48 405\rالآيات: 49 - 53 406\rالآيات: 54 - 57 407\rالآيات: 58 - 63 409\rالآيتان: 64 و65 410\rالآيات: 66 - 68 411\rالآيات: 69 - 73 412\rالآيات: 74 - 76 413\rالآيات: 77 - 80 414\rالآيات: 81 - 87 415\rالآيات: 88 - 94 416\rالآيات: 95 - 98 417\rتفسير سورة طه\rالآيتان: 1 و2 418\rالآيات: 3 - 8 419\rالآيتان: 9 و10 420\rالآيات: 11 - 15 421\rالآيات: 16 - 20 422\rالآيات: 21 - 24 423\rالآيات: 25 - 34 424\rالآيات: 35 - 37 425\rالآيتان: 38 و39 426\rالآيات: 40 - 46 427\rالآيات: 47 - 52 428","part":2,"page":511},{"id":1113,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 2، ص: 512\rالآيات: 53 - 58 429\rالآيات: 59 - 62 430\rالآيات: 63 - 68 431\rالآيتان: 69 و70 432\rالآيات: 71 - 73 433\rالآيات: 74 - 77 434\rالآيات: 78 - 81 435\rالآيات: 82 - 85 436\rالآيات: 86 - 90 437\rالآيات: 91 - 96 438\rالآيات: 97 - 100 439\rالآيات: 101 - 107 440\rالآيات: 108 - 112 441\rالآيتان: 113 و114 442\rالآيات: 115 - 121 443\rالآيتان: 122 و123 444\rالآيات: 124 - 127 445\rالآيتان: 128 و129 446\rالآيات: 130 - 133 447\rالآيتان: 134 و135 448\rتفسير سورة الأنبياء\rالآيتان: 1 و2 449\rالآيات: 3 - 5 450\rالآيات: 6 - 9 451\rالآيات: 10 - 14 452\rالآيات: 15 - 21 453\rالآيات: 22 - 27 455\rالآيات: 28 - 30 456\rالآيات: 31 - 34 457\rالآيات: 35 - 39 458\rالآيات: 40 - 43 459\rالآيات: 44 - 46 460\rالآيات: 47 - 50 461\rالآيات: 51 - 58 462\rالآيات: 59 - 64 463\rالآيات: 65 - 68 464\rالآيتان: 69 و70 465\rالآيات: 71 - 73 466\rالآيات: 74 - 78 467\rالآية: 79 468\rالآيات: 80 - 82 469\rالآيات: 83 - 86 471\rالآيات: 87 - 92 473\rالآيات: 93 - 95 474\rالآية: 96 475\rالآيات: 97 - 102 476\rالآيتان: 103 و104 477\rالآيات: 105 - 111 478\rالآية: 112 479\rتفسير سورة الحج\rالآيات: 1 - 3 481\rالآية: 4 482\rالآيات: 5 - 8 483\rالآيتان: 9 و10 484\rالآيات: 11 - 14 485\rالآيات: 15 - 17 486\rالآيات: 18 - 21 487\rالآيات: 22 - 24 488\rالآية: 25 489\rالآيتان: 26 و27 490\rالآيتان: 28 و29 491\rالآيات: 30 - 33 492\rالآيتان: 34 و35 493\rالآيات: 36 - 38 494\rالآيتان: 39 و40 495\rالآيات: 41 - 44 496\rالآيات: 45 - 49 497\rالآيتان: 50 و51 498\rالآيات: 52 - 54 499\rالآيات: 55 - 59 500\rالآيات: 60 - 64 501\rالآيتان: 65 و66 502\rالآيات: 67 - 71 503\rالآيتان: 72 و73 504\rالآيات: 74 - 77 505\rالآية: 78 506","part":2,"page":512},{"id":1114,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 3\rالمجلد الثالث\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة المؤمنون مكيّة وهي مائة وثمان أو تسع عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَدْ للتحقيق أَفْلَحَ فاز الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (2) متواضعون وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ من الكلام وغيره مُعْرِضُونَ (3)\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة المؤمنون\rمكية وهي مائة وثمان أو تسع عشرة آية (سورة) مبتدأ، و(المؤمنون) مضاف إليه مجرور بباء مقدرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بواو الحكاية، و(مكية) خبر وظاهره أن جميعها مكي، وقيل إلا ثلاث آيات وهي قوله: (و لو رحمناهم) إلى آخرها، فإنهن مدنيات. قوله: (و ثمان) هذا قول الكوفيين، وقوله: (أو تسع عشرة آية) هو قول البصريين، وسبب هذا اختلافهم في قوله تعالى ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ هل هو آية كما قاله البصريون، أو بعض آية كما قاله الكوفيون؟\rقوله: قَدْ (للتحقيق) أي لتحقيق ما يحصل في المستقبل، وتنزيله منزلة الواقع. قوله: (فاز) الْمُؤْمِنُونَ أي ظفروا بمقصودهم، ونجوا من كل مكروه، قال تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ والْمُؤْمِنُونَ جمع مؤمن وهو المصدق باللّه ورسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، حلوه ومره.\rقوله: خاشِعُونَ أي ظاهرا وباطنا فالخشوع الظاهري التمسك بآداب الصلاة، كعدم الالتفات والعبث وسبق الإمام ووضع اليد في الخاصرة وغير ذلك، والخشوع الباطني استحضار عظمة اللّه، وعدم التفكر بدنيوي. وقدم الصلاة، لأنها أعظم أركان الدين بعد الشهادتين.","part":3,"page":3},{"id":1115,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 4\rوَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (4) مؤدون وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (5) عن الحرام إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أي من زوجاتهم أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ أي السراري فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) في إتيانهن فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ من الزوجات والسراري كالاستمناء باليد في إتيانهن فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (7) المتجاوزون إلى ما لا يحل لهم وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ جمعا ومفردا وَعَهْدِهِمْ فيما بينهم أو فيما بينهم وبين اللّه من صلاة وغيرها راعُونَ (8) حافظون وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ جمعا ومفردا يُحافِظُونَ (9) يقيمونها في أوقاتها أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (10) لا غير هم الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هو جنة أعلى الجنان هُمْ فِيها خالِدُونَ (11) في ذلك إشارة إلى المعاد\r______________________________\rقوله: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ المراد به كل ما لا يعود على الشخص منه فائدة في الدين أو الدنيا، كان قولا أو فعلا أو مكروها أو مباحا، كالهزل واللعب وضياع الأوقات فيما لا يغني، والتغول في الشهوات وغير ذلك مما نهى اللّه عنه، وبالجملة فينبغي للإنسان أن يرى ساعيا في حسنة لمعاده، أو درهم لمعاشه، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.\rقوله: وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ اعلم أن الزكاة تطلق على القدر المخرج، كربع العشر من النقدين، والعشر أو نصفه من الحرث، والشاة من الأربعين، وعلى المصدر الذي هو فعل الفاعل، فعلى الأول يكون معنى فاعلون مؤدون، لأن القدر المخرج لا معنى لفعله، وعلى الثاني ففاعلون على بابه.\rقوله: حافِظُونَ أي مانعون. قوله: (عن الحرام) أي عن كل ما لا يحل وطؤه بوجه من الوجوه. قوله: (أي من زوجاتهم) أشار بذلك إلى أن على بمعنى من.\rقوله: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ عبر بما دون من إن كان المقام له، لأن الإناث ناقصات، ولا سيما الأرقاء ففيهن شبه بالبهائم، في حل البيع والشراء. قوله: (أي السراري) جمع سرية بالضم، وهي في الأصل الأمة التي بوئت ببيت، مأخوذة من السر، وهو الجماع أو الإخفاء، لأن الإنسان كثيرا ما يسرها ويسترها عن حرته، أو من السرور لأن مالكها يسر بها. قوله: فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ علة للاستثناء.\rقوله: (كالاستمناء باليد) أي فهو حرام عند مالك والشافعي وأبي حنيفة، وقال أحمد بن حنبل: يجوز بشروط ثلاثة: أن يخاف الزنا، وألا يجد مهر حرة أو ثمن أمة، وأن يفعله بيده، لا بيد أجنبي أو أجنبية.\rقوله: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ أي ما ائتمنوا عليه من حقوق الخالق، كالصلاة والصوم والحج وفعل المعروف والنهي عن المنكر وحقوق الخلق، كالودائع والصنائع وأعراض الخلق وعوراتهم. قوله: (جمعا ومفردا) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: وَعَهْدِهِمْ مرادف للأمانات. قوله: (حافِظُونَ) أي غير مضيعين لها. قوله: يُحافِظُونَ أي يحامون عليها بشروطها وأركانها وآدابها، ولكون الصلاة عماد الدين، وأعظم أركانه ابتدأ بها أوصاف المؤمنين وختمها بها. قوله: (لا غيرهم) أخذ الحصر من وجود ضمير الفصل، لأن الجملة المعرفة الطرفين تفيد الحصر، وهو إضافي لا حقيقي، لأنه ثبت أن الجنة يدخلها الأطفال والمجانين والعصاة الذين ماتوا على الإيمان بعد العفو، لقوله تعالى وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ* أو يقال: إن الحصر فيهم حقيقي بالنسبة للفردوس وباقي الجنان لمن لم يمت كافرا.\rقوله: الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ عبر بالإرث دون الاستحقاق، لأن الإرث ملك دائم. قوله:","part":3,"page":4},{"id":1116,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 5\rويناسبه ذكر المبدإ بعده وَاللّه لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ آدم مِنْ سُلالَةٍ هي من سللت الشيء من الشيء أي استخرجته منه وهو خلاصته مِنْ طِينٍ (12) متعلق بسلالة ثُمَّ جَعَلْناهُ أي الإنسان نسل آدم نُطْفَةً منيا فِي قَرارٍ مَكِينٍ (13) هو الرحم ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً دما جامدا فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً لحما قدر ما يمضغ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً وفي قراءة عظما في الموضعين وخلقنا في المواضع الثلاث بمعنى صيرنا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ بنفخ الروح فيه فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (14) أي المقدرين، ومميز أحسن محذوف للعلم به أي\r______________________________\r(و يناسبه ذكر المبدإ بعده) أشار بذلك إلى وجه المناسبة بين هذه الآية وما قبلها، والمعنى أن الآية التي سبقت، ذكر فيها المعاد وما يؤول إليه أمر من اتصف بتلك الصفات، وهذه الآية ذكر فيها بيان المبدإ، وحينئذ فبين الآيتين مناسبة، وهذا أتم مما قيل، إن هذه الآية جملة مستأنفة لا ارتباط لها بما قبلها.\rقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ الخ، ذكر اللّه سبحانه وتعالى في هذه الآيات من هنا إلى قوله:\rوَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ أربعة أنواع من دلائل قدرته تعالى، الأول: تقلب الانسان في أطوار خلقته وهي تسعة آخرها قوله: (تبعثون) الثاني: خلق السماوات. الثالث: إنزال الماء. الرابع: منافع الحيوانات.\rوذكر منها أربعة أنواع، واللام موطئة لقسم محذوف قدره المفسر بقوله: (و اللّه). قوله: مِنْ سُلالَةٍ متعلق بخلقنا. قوله: (متعلق بسلالة) أي لأنه بمعنى مسلول. قوله: (أي الإنسان نسل آدم) أشار بذلك إلى أن الضمير يعود على الانسان، لكن لا بالمعنى الأول، وحينئذ ففي الكلام استخدام، ويؤيده قوله تعالى في الآية الأخرى: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ.\rقوله:\rفِي قَرارٍ مَكِينٍ أي في مقر متمكن. وصف بذلك لأنه محفوظ، لا يطرأ عليه اختلال مع كونه ضيقا.\rقوله: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً قيل كلها، وقيل جزء منها، والباقي يوضع نصفه في موضع تربته، والنصف الثاني يوضع في السماء، فإذا أراد اللّه إحياء الخلق من القبور، أمطرت السماء منيا، فتتلاقى النطف النازلة من السماء، بالنطف الباقية في الأرض، فتوجد الخلائق بينهما، وهذا هو حكمة قوله تعالى:\rكَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ. قوله: (و في قراءة عظما) أي وهي سبعية أيضا. قوله: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ أي من غير توان، والمعنى حولنا النطفة عن صفاتها، إلى صفة لا يحيط بها وصف الواصفين. قوله: (بنفخ الروح فيه) هذا قول ابن عباس والشعبي والضحاك، وقيل الخلق الآخر هو خروجه إلى الدنيا، وقيل خروج أسنانه وشعره، وقيل كمال شبابه، والأتم أنه عام في هذا وغيره من النطق والادراك وتحصيل المعقولات، وجميع الأمور التي اشتمل عليها بنو آدم، من الكمالات الحسية: والمعنوية التي يشير لها قول بعض العارفين.\rوتحسب أنك جرم صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر\r\rقوله: فَتَبارَكَ اللَّهُ أي تعاظم وارتفع قدره. قوله: (المقدرين) أي المصورين، ودفع بذلك ما يقال: إن اسم التفضيل يقتضي المشاركة، مع أنه لا خالق غيره. فأجاب: بأن المراد بالخلق التقدير لا","part":3,"page":5},{"id":1117,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 6\rخلقا ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (16) للحساب والجزاء وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ أي سبع سماوات جمع طريقة لأنها طرق الملائكة وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ تحتها غافِلِينَ (17) أن تسقط عليهم فتهلكهم بل نمسكها كآية (و يمسك السماء أن تقع على الأرض) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ من كفايتهم فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (18) فيموتون مع دوابهم عطشا فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ هما أكثر فواكه العرب لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (19) صيفا وشتاء وَأنشأنا شَجَرَةً تَخْرُجُ\r______________________________\rالإيجاد والإبداع، والتقدير حاصل من الحوادث. قوله: (للعلم به) أي من قوله الخالقين فإنه يدل عليه.\rقوله: بَعْدَ ذلِكَ أي من الأمور العجيبة.\rقوله: يَوْمَ الْقِيامَةِ أي عند النفخة الثانية. إن قلت: ما حكمة اختلاف المتعاطفات بثم والفاء، لأنه ورد أن مدة كل طور أربعون يوما، فإن نظر لآخر المدة وأولها، اقتضى أن يعطف بثم، وإن نظر لآخرها، اقتضى أن يعطف بالفاء؟ أجيب: بأنه نزل التفاوت بين الأطوار منزلة التراخي والبعد الحسي، لأن حصول النطفة من التراب غريب جدا، وكذا جعلها دما، بخلاف جعل الدم لحما، فهو قريب لمشابهته في اللون أو الصورة، وكذا جعلها عظاما، وأما جعلها خلقا آخر فغريب، وكذا الموت والبعث، فظهر حكمة التعبير في كل موضع بما يناسبه.\rقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ المراد به جهة العلو، لأن كونها فوق، وإنما هو بعد خلق الخلق، وإلا فوقت خلق السماوات لم يكونوا مخلوقين. قوله: (لأنها طرق الملائكة) أي في العروج والهبوط والطيران، وقيل معنى طرائق مطروقات، أي موضوعا بعضها فوق بعض، فهو معنى طباقا في الآية الأخرى.\rقوله:\rوَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ الجار والمجرور متعلق بأنزلنا. قوله: بِقَدَرٍ أي تقدير بجلب منافعهم ودفع مضارهم، وقيل المعنى بقدر حاجاتهم، واليه يشير المفسر.\rقوله: فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ أي جعلناه ساكنا ثابتا مستقرا في الأرض، بعضه على ظهرها، وبعضه في بطنها. قوله: وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ الباء في بِهِ للتعدية، والمعنى وإنا لقادرون على إذهابه. روى الشيخان عن ابن عباس عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال: إن اللّه عز وجل، أنزل من الجنة خمسة أنهار: سيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل، أنزلها اللّه عز وجل من عين واحدة من عيون الجنة، من أسفل درجة من درجاتها، على جناحي جبريل، استودعها الجبال وأجراها في الأرض، وجعل فيها منافع للناس، فذلك قول تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، أرسل اللّه عز وجل جبريل، فرفع من الأرض القرآن والعلم كله، والحجر الأسود من ركن البيت، ومقام إبراهيم، وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة فيرفع ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ فإذا رفعت هذه الأشياء كلها من الأرض، فقد أهلها خير الدنيا والدين.\rقوله: لَكُمْ فِيها أي الجنات. قوله: وَمِنْها أي من ثمر الجنات، كالرطب والعنب والتمر والزبيب وغير ذلك.","part":3,"page":6},{"id":1119,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 7\rمِنْ طُورِ سَيْناءَ جبل بكسر السين وفتحها ومنع الصرف للعلمية والتأنيث للبقعة تَنْبُتُ من الرباعي والثلاثي بِالدُّهْنِ الباء زائدة على الأول ومعدية على الثاني وهي شجرة الزيتون وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20) عطف على الدهن أي إدام يصبغ اللقمة بغمسها فيه وهو الزيت وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ أي الإبل والبقر والغنم لَعِبْرَةً عظة تعتبرون بها نُسْقِيكُمْ بفتح النون وضمها مِمَّا فِي بُطُونِها أي اللبن وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ من الأصواف والأوبار والأشعار وغير ذلك وَمِنْها تَأْكُلُونَ (21) عَلَيْها أي الإبل وَعَلَى الْفُلْكِ أي السفن تُحْمَلُونَ (22) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أطيعوه ووحدوه ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ\r______________________________\rقوله: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ المراد بها شجرة الزيتون، وخصت بسيناء لأن أصلها منه ثم نقلت، وهي أول شجرة نبتت في الأرض بعد الطوفان، وتبقى في الأرض كثيرا، حتى قيل إنها تعمر ثلاثة آلاف سنة. قوله: سَيْناءَ قيل معناه المبارك أو الحسن الملتف بالأشجار، وهو الجبل الذي نودي عليه موسى. قوله: (منع الصرف للعلمية والتأنيث) أي وقيل للعلمية والعجمة، لأنه اسم أعجمي نطقت به العرب، فاختلفت فيه لغاتهم، فقالوا سيناء بكسر السين وفتحها، وسينين، فهو علم مركب كامرىء القيس ومنع من الصرف، وإن كان جزء علم، نظرا إلى أنه عومل معاملة العلم. قوله:\r(و التأنيث للبقعة) أي والهمزة فيه ليست للتأنيث بل للإلحاق بقرطاس، وهي منقلبة عن ياء أو واو، لوقوعها متطرفة بعد ألف زائدة. قوله: (من الرباعي والثلاثي) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً عبر في جانب الأنعام بالعبرة دون النبات، لأن العبرة فيها أظهر. قوله: مِمَّا فِي بُطُونِها عبر بلفظ الجمع هنا، لأن المراد هنا العموم بدليل العطف بقوله: وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ الخ، وذكر الضمير في النحل باعتبار البعض، فإن المراد خصوص الإناث، بدليل الاقتصار على اللبن. قوله: (أي الابل) خصها لأنها المحمول عليها غالبا، ويصح عوده على الأنعام، لأن منها ما يحمل عليه أيضا كالبقر.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ شروع في ذكر خمس قصص غير قصة خلق آدم، فتكون ستا: الأولى قصة نوح، الثانية قصة هود، الثالثة قصة القرون الآخرين، الرابعة قصة موسى وهارون، الخامسة قصة عيسى وأمه، والمقصود منه اطلاع الأمة المحمدية على أحوال من مضى، ليقتدوا بهم في الخصال، ويتباعدوا عن خصالهم المذمومة، ونوح لقبه واسمه قيل عبد الغفار، وقيل عبد اللّه، وقيل يشكر، وعاش من العمر ألف سنة وخمسين، لأنه أرسل على رأس الأربعين، ومكث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين، وعاش بعد الطوفان ستين سنة، وهذا أحد أقوال تقدمت. قوله: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ بمنزلة التعليل لما قبله. قوله: (و هو اسم ما) أي قوله: إِلهٍ، وأما لفظ غَيْرُهُ فيصح فيه الرفع اتباعا لمحل إله، والجر اتباعا للفظه قراءتان. قوله: (و ما قبله الخبر) أي وهو الجار والمجرور، وما مشى عليه المفسر، طريقة ضعيفة للنحاة، وهي جواز إعمال ما عند مخالفة الترتيب بين خبرها واسمها، إذا كان الخبر ظرفا، أو جارا ومجرورا، والمشهور إهمالها حينئذ، فكان المناسب أن يقول: وهو مبتدأ مؤخر وما قبله","part":3,"page":7},{"id":1120,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 8\rوهو اسم ما وما قبله الخبر ومن زائدة أَفَلا تَتَّقُونَ (23) تخافون عقوبته بعبادتكم غيره فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لأتباعهم ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ يتشرف عَلَيْكُمْ بان يكون متبوعا وأنتم أتباعه وَلَوْ شاءَ اللَّهُ أن لا يعبد غيره لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً بذلك لا بشرا ما سَمِعْنا بِهذا الذي دعا إليه نوح من التوحيد فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) أي الأمم الماضية إِنْ هُوَ أي ما نوح إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ حالة جنون فَتَرَبَّصُوا بِهِ انتظروه حَتَّى حِينٍ (25) إلى زمن موته قالَ نوح رَبِّ انْصُرْنِي عليهم بِما كَذَّبُونِ (26) أي بسبب تكذيبهم إياي بأن تهلكهم قال تعالى مجيبا دعاءه فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ السفينة بِأَعْيُنِنا بمرأى منا وحفظنا وَوَحْيِنا أمرنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا بإهلاكهم وَفارَ التَّنُّورُ للخباز بالماء وكان ذلك\r______________________________\rالخبر. قوله: أَفَلا تَتَّقُونَ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه، والتقدير أجهلتم فلا تتقون.\rقوله: فَقالَ الْمَلَأُ أي الأشراف. وحاصل ما ذكروه خمس مقالات: الأولى ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ. الثانية: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً. الثالثة: ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ.\rالرابعة: إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ. الخامسة: فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ. ولكونها ظاهرة الفساد، لم يتعرض لردها. قوله: (بأن يكون متبوعا) أي بادعاء الرسالة. قوله: (أن لا يعبد غيره) أشار بذلك إلى أن مفعول المشيئة محذوف. قوله: (بذلك) أي بأن لا يعبد غيره. قوله: (إلا بشرا) أي لأن الملائكة لشدة سطوتهم وعلو شأنهم، ينقاد الخلق اليهم من غير شك، فلما لم يفعل ذلك، علمنا أنه ما أرسل رسولا.\rقوله: (حالة جنون) أي ففعلة بالكسر للهيئة. قال ابن مالك: وفعلة لهيئة كجلسة. قوله: (إلى زمن موته) أي فكانوا يقولون لبعضهم: اصبروا فإنه إن كان نبيا حقا، فاللّه ينصره ويقوي أمره، وإن كان كاذبا، فاللّه يخذله ويبطل أمره فنستريح منه، أو المراد بالحين، الزمان الذي تظهر فيه العواقب، فالمعنى انتظروا عاقبة أمره، فإن أفاق وإلا فاقتلوه.\rقوله: قالَ رَبِّ انْصُرْنِي أي قال ذلك بعد أن أيس من إيمانهم.\rقوله: أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ أَنِ مفسرة لوقوعها بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه. قوله: بِأَعْيُنِنا حال من الضمير في اصنع، وجمع الأعين للمبالغة. قوله: (بمر أى منا وحفظنا) أشار بذلك إلى أن في الآية مجازا مرسلا، لأن شأن من نظر إلى الشيء بعينه حفظه، فأطلق اللازم وأريد الملزوم. قوله: وَوَحْيِنا أي تعليمنا، فإن اللّه أرسل إليه جبريل، فعلمه صنعتها وصنعها في عامين وجعل طولها ثمانين ذراعا، وعرضها خمسين، وارتفاعها ثلاثين، والذراع إلى المنكب، وهذا أشهر الروايات، وقيل غير ذلك، وقد تقدم في هود، وجعلها ثلاث طباق السفلى للسباع والهوام، والوسطى للدواب والأنعام، والعليا للإنس.\rقوله: فَإِذا جاءَ أَمْرُنا أي ابتداء ظهوره. قوله: وَفارَ التَّنُّورُ عطف بيان لمجيء الأمر. روي أنه قيل لنوح عليه السّلام: إذا فار الماء من التنور، فاركب أنت ومن معك، وكان تنور آدم عليه السّلام من حجر تخبز فيه حواء، فصار إلى نوح، فلما نبع منه الماء، أخبرته امرأته فركبوا، واختلف في مكانه،","part":3,"page":8},{"id":1121,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 9\rعلامة لنوح فَاسْلُكْ فِيها أي أدخل في السفينة مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ أي ذكر وأنثى من كل أنواعهما اثْنَيْنِ ذكرا وأنثى وهو مفعول ومن متعلقة باسلك، وفي القصة أن اللّه تعالى حشر لنوح السباع والطير وغيرهما فجعل يضرب بيديه في كل نوع فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيحملهما في السفينة وفي قراءة كل بالتنوين فزوجين مفعول واثنين تأكيد له وَأَهْلَكَ أي زوجته وأولاده إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ بالإهلاك وهو زوجته وولده كنعان بخلاف سام وحام ويافث فحملهم وزوجاتهم ثلاثة، وفي سورة هود وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ قيل كانوا ستة رجال ونساءهم، وقيل جميع من كانوا في السفينة ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا كفروا بترك إهلاكهم إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ اعتدلت أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) الكافرين وإهلاكهم وَقُلْ عند نزولك من الفلك رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا بضم الميم وفتح الزاي مصدر أو اسم مكان وبفتح الميم وكسر الزاي مكان النزول مُبارَكاً ذلك الإنزال أو المكان وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) ما ذكر إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من أمر نوح والسفينة وإهلاك الكفار لَآياتٍ دلالات على قدرة اللّه تعالى وَإِنْ مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) مختبرين قوم نوح بإرساله إليهم ووعظه ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ\r______________________________\rفقيل كان بمسجد الكوفة، على يمين الداخل مما يلي باب كندة اليوم، وقيل كان في عين وردة من الشام.\rقوله: (علامة لنوح) أي على ركوب السفينة.\rقوله: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ أي غير البشر، لما يأتي أنه أدخل فيها من البشر سبعين أو ثمانين. قوله:\r(و غيرهما) أي من كل ما يلد أو يبيض، بخلاف ما يتولد من العفونات كالدود والبق، فلم يحمله فيها.\rقوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (بالتنوين) أي فحذف ما أضيف إليه كل، وعوض عن التنوين. قوله: (أي زوجته) أي المؤمنة لأنه كان له زوجتان، إحداهما مؤمنة فأخذها معه في السفينة، والأخرى كافرة تركها، وهي أم ولده كنعان. قوله: (و هو زوجته) أي الكافرة. قوله: (بخلاف سام) أي وهو أبو العرب، وحام هو أبو السودان، ويافث هو أبو الترك. قوله: (ستة رجال) أي فالجملة اثنا عشر.\rقوله: (بترك إهلاكهم) متعلق بتخاطبني. قوله: إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ أي محكوم عليهم بالغرق. قوله:\r(و إهلاكهم) أي ونجانا من إهلاكهم.\rقوله: وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا الخ، العبرة بعموم اللفظ، فهذا الدعاء ينبغي قراءته لكل من نزل في محل يريد الاقامة فيه. قوله: (عند نزولك من الفلك) أي حين استوت على الجودي، وكان يوم عاشوراء، وابتداء ركوبه السفينة، كان لعشر خلون من رجب، فكان مكثهم في السفينة ستة أشهر.\rقوله: (بضم الميم) أي فهما قراءتان سبعيتان، وظاهره أن الوجهين على قراءة ضم الميم وليس كذلك، بل كل من الوجهين يتأتى على كل من القراءتين. قوله: مُبارَكاً (ذلك الانزال) تفسير للضمير في مباركا،","part":3,"page":9},{"id":1122,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 10\rبَعْدِهِمْ قَرْناً قوما آخَرِينَ (31) هم عاد فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ هودا أَنِ أي بأن اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (32) عقابه فتؤمنون وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ أي بالمصير إليها وَأَتْرَفْناهُمْ نعمناهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَاللّه لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ فيه قسم وشرط، والجواب لأوّلهما وهو مغن عن جواب الثاني إِنَّكُمْ إِذاً أي إذا أطعتموه لَخاسِرُونَ (34) أي مغبونون أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ\r______________________________\rوالوجهان لكل من الضم والفتح.\rقوله: وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ إِنَ مخففة واللام فارقة، والمعنى وإننا كنا معاملين قوم نوح معاملة المختبر لننظر، هل يتبعونه ويتعظون بوعظه.\rقوله: ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد قوم نوح. قوله: قَرْناً أي قوما سموا بذلك، لأن بعضهم مقترن ببعض في الزمان. قوله: (هم عاد) اسم قبيلة أرسل اليها هود، وما ذكره المفسر من أن المراد بالقرن عاد، وبالرسول هود، هو ما عليه أكثر المفسرين، ويشهد له مجيء قصة هود، عقب قصة نوح في الأعراف وهود والشعراء. وخير ما فسرته بالوارد. ولا يشكل على هذا قوله في آخر القصة (فأخذتهم الصيحة) الموهم أن القرن ثمود، وأن الرسول صالح، لأنه يقال: المراد بالصيحة صيحة الريح أو شدة صوته.\rقوله: فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ أي في القرن، وإنما جعل القرن موضع الإرسال، ليدل على أنه لم يأت من مكان غير مكانهم. قوله: رَسُولًا مِنْهُمْ أي من جنسهم وقبيلتهم، لأن هود بن عبد اللّه بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وهم ينسبون لعاد، وتقدم ذلك في هود. قوله: (بأن) اعْبُدُوا أشار بذلك إلى أن أَنِ مصدرية ويصح جعلها تفسيرية لمجيئها بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه لأن أرسلنا بمعنى قلنا.\rقوله: وَقالَ الْمَلَأُ عطف على ما قبله، وأتى بالواو إشارة إلى تباين الكلامين، بخلاف ما في الأعراف وهود، فإنه في جواب سؤال مقدر، ولذا تركت الواو. قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا وصف مخصص، لأن قومه بعضهم آمن وبعضهم كفر. قوله: وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي أعطيناهم ملكا عظيما، قال تعالى مذكرا لهم بهذه النعم على لسان نبيهم أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ قوله: ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ هذه شبهة أولى تنتهي لقوله: لَخاسِرُونَ والثانية إنكارهم البعث وتنتهي لقوله:\rبِمَبْعُوثِينَ وأهمل الجواب عنهما لفسادهما وركاكتهما. قوله: وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ أي منه، فحذف العائد لاستكمال الشروط التي أشار إليها ابن مالك بقوله:\rكذا الذي جر بما الموصول جر ... كمر بالذي مررت فهو بر\r\rقوله: وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ اللام موطئة لقسم محذوف قدره المفسر بقوله: (و اللّه). قوله: (و الجواب لأولهما) أي على القاعدة التي ذكرها ابن مالك بقوله:\rواحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم\r\rولا يصلح أن يكون جوابا للشرط لعدم وجود الفاء.\rقوله: أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ الخ، الكاف اسم","part":3,"page":10},{"id":1123,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 11\rوَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هو خبر إنكم الأولى، وإنكم الثانية تأكيد لها لما طال الفصل هَيْهاتَ هَيْهاتَ اسم فعل ماض بمعنى مصدر أي بعد بعد لِما تُوعَدُونَ (36) من الإخراج من القبور، واللام زائدة للبيان إِنْ هِيَ أي ما الحياة إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا بحياة أبنائنا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ أي ما الرسول إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) أي مصدقين في البعث بعد الموت قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (39) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ من الزمان، وما زائدة لَيُصْبِحُنَ ليصيرن نادِمِينَ (40) على كفرهم وتكذيبهم فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ صيحة العذاب والهلاك كائنة بِالْحَقِ فماتوا فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً وهو نبت يبس، أي صيرناهم مثله في اليبس فَبُعْداً من الرحمة لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) المكذبين ثُمَ\r______________________________\rأن، وخاسرون خبرها، واللام للابتداء زحلقت للخبر، وإِذاً لتأكيد مضمون الشرط، ولذا قال المفسر (إذا أطعتموه). قوله: أَيَعِدُكُمْ استفهام لتقرير ما قبله. قوله: أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ أي من القبور، أو من العدم إلى الوجود تارة أخرى. قوله: (تأكيد لها) أي تأكيد لفظي. قوله: (اسم فعل ماض) اختلف في اسم الفعل، فقيل معناه لفظ الفعل، وعليه فهو مبني على الفتح، لا محل له من الإعراب، والثاني توكيد له، واللام زائدة، وما اسم موصول فاعله،\rوتُوعَدُونَ صلته أو اللام للبيان والفاعل مستتر فيه، والمعنى بعد وقوع خروجنا من القبور، وقيل معناه المصدر، وعليه فهو مبتدأ في محل رفع، والثاني توكيد له، ولِما تُوعَدُونَ متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، فاللام ليست زائدة، إذا علمت ذلك، فكلام المفسر رضي اللّه عنه في غاية الإجمال، لأن قوله: (اسم فعل ماض) أحد قولين، وقوله: (بمعنى مصدر) هو القول الثاني. وقوله: (أي بعد بعد) يصح أن يقرأ بلفظ الفعل، فيكون تفسيرا للفعل الماضي أو بلفظ المصدر، فيكون تفسيرا للمصدر، وقوله: (و اللام زائدة) ظاهره على كل من القولين، وليس كذلك، بل هي زائدة على كون المراد به لفظ الفعل، والموصول فاعل، لا على كونها للبيان، ولا على كونه مصدرا، وقوله: (للبيان) هذا قول ثان، فكان المناسب أن يأتي بأو، وترك التفريع على المصدر، وتقدم أنها ليست زائدة، بل متعلقة بمحذوف خبر، وفي هذه اللفظة لغات كثيرة تزيد على الأربعين، والمشهور منها ستة عشر وهي هَيْهاتَ بفتح التاء وضمها وكسرها، وفي كل مع التنوين وبدونه، وهَيْهاتَ بإسكان التاء أو إبدالها هاء ساكنة، وفي كل من الثمان، إما بالهاء أو لا، أو إبدالها همزة، وقرىء بالجميع، لكن المتواتر القراءة الأولى، وهي الفتح من غير تنوين.\rقوله: (أي ما الحياة) أشار بذلك إلى أن إِنْ نافية، والضمير عائد على الحياة. قوله: (بحياة أبنائنا) جواب عما يقال: إن في قولهم وَنَحْيا اعترافا بالبعث، مع كونهم منكرين له. فأجاب: بأن المراد وتحيا أبناؤنا بعد موتنا.\rقوله: بِما كَذَّبُونِ أي بسبب تكذيبهم إياي. قوله: (صيحة العذاب والهلاك) جواب عما يقال: إن الصيحة كانت عذاب قوم صالح لا قوم هود.\rقوله: (كائنة) بِالْحَقِ أي العدل فيهم وأشار بذلك إلى أن الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من الصيحة. قوله: غُثاءً مفعول ثان لجعلنا. قوله:\r(و هو نبت يبس) الأوضح أن يقول: وهو العشب إذا يبس. قوله: فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ بعدا مصدر","part":3,"page":11},{"id":1124,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 12\rأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً أقواما آخَرِينَ (42) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها بأن تموت قبله وَما يَسْتَأْخِرُونَ (43) عنه ذكر الضمير بعد تأنيثه رعاية للمعنى ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا بالتنوين وعدمه أي متتابعين بين كل اثنين زمان طويل كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بينها وبين الواو رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً في الهلاك وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (44) ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (45) حجة بينة وهي اليد والعصا وغيرهما من الآيات إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا عن الإيمان بها وباللّه وَكانُوا قَوْماً عالِينَ (46) قاهرين بني إسرائيل بالظلم فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (47) مطيعون خاضعون فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة\r______________________________\rبدل من لفظ الفعل، والأصل بعدوا بعدا، واللام إما متعلقة بمحذوف للبيان أو ببعدا، وهو إخبار أو دعاء عليهم.\rقوله: ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد قوم هود ونوح، وقوله: قُرُوناً آخَرِينَ أي كقوم صالح وإبراهيم ولوط وشعيب.\rقوله: مِنْ أُمَّةٍ أي جماعة. قوله: وَما يَسْتَأْخِرُونَ أي لا يتأخرون عنه، والمقصود من هذه الآية، التقريع والتخويف لأهل مكة كأنه قال: لا تفتروا بطول الأمل، فإن للظالم وقتا يؤخذ فيه، لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه.\rقوله: (بعد تأنيثه) أي في قوله: أَجَلَها الراجع إلى أُمَّةً، وقوله: (رعاية المعنى) أي لأن أمة بمعنى قوم: تَتْرا التاء مبدلة من واو وأصله وترا، وهو مصدر على التحقيق، ومعناه المتابعة مع مهلة، وقيل المتابعة مطلقا، وإن لم تكن مهلة، ولكن الآية تفسر بالأول لأنه الواقع. قوله: (التنوين وعدمه) أي فهما قراءتان سبعيتان، فمن نون قال: إن ألفه للإلحاق بجعفر كعلقى، فلما نون ذهبت ألفه لالتقاء الساكنين، ومن لم ينون قال: إن ألفه للتأنيث كدعوى. قوله:\r(و تسهيل الثانية) الخ أي فينطق بها متوسطة بين الهمزة والواو، وهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ جمع أحدوثة كأعجوبة وأضحوكة، ما يتحدث به عجبا وتسليا، ولا يقال ذلك إلا في الشر، ولا يقال في الخير. قوله: فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بعدا منصوب بمحذوف، أي بعدوا عن رحمتنا بعدا لا يزول.\rقوله: بِآياتِنا أي التسع وهي: العصا واليد والسنون المجدبة والطمس والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. قوله: وَسُلْطانٍ مُبِينٍ عطف مرادف، إشارة إلى أن المعجزات كما تسمى بالآيات تسمى بالسلطان أيضا. قوله: (و غيرهما) أي من باقي التسع.\rقوله:\rلِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا أفرد مثل، لأنه يجري مجرى المصادر في الإفراد والتذكير، ولا يؤنث أصلا. قوله:\rوَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ الجملة حالية.\rقوله: فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ أي من جملة من هلك.\rقوله:\r(أي قومه بني اسرائيل) أشار بذلك إلى أن الضمير في لَعَلَّهُمْ راجع لقوم موسى لا لفرعون وقومه، لأن التوراة إنما جاءته بعد هلاك فرعون وقومه. (جملة واحدة) إما راجع لقوله: (و أوتيها) أو راجع لهلاك فرعون وقومه. قوله: (لأن الآية فيهما واحدة) أي لأن ولادته من غير أب أمر خارق للعادة، فيصح نسبته لها وله.","part":3,"page":12},{"id":1125,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 13\rلَعَلَّهُمْ أي قومه بني إسرائيل يَهْتَدُونَ (49) به من الضلالة، وأوتيها بعد هلاك فرعون وقومه جملة واحدة وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ عيسى وَأُمَّهُ آيَةً لم يقل آيتين لأن الآية فيهما واحدة ولادته من غير فحل وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ مكان مرتفع وهو بيت المقدس أو دمشق أو فلسطين أقوال ذاتِ قَرارٍ أي مستوية يستقر عليها ساكنوها وَمَعِينٍ (50) أي ماء جار ظاهر تراه العيون يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ الحلالات وَاعْمَلُوا صالِحاً من فرض ونفل إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) فأجازيكم عليه وَاعلموا إِنَّ هذِهِ أي ملة الإسلام أُمَّتُكُمْ دينكم أيها المخاطبون أي يجب أن تكونوا عليها أُمَّةً واحِدَةً حال لازمة، وفي قراءة بتخفيف النون، وفي أخرى بكسرها مشددة استئنافا وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فاحذرون فَتَقَطَّعُوا أي الأتباع أَمْرَهُمْ دينهم بَيْنَهُمْ زُبُراً حال من فاعل تقطعوا أي أحزابا متخالفين كاليهود والنصارى\r______________________________\rقوله: وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ سبب ذلك، أن ملك ذلك الزمان، كان أراد أن يقتل عيسى، فهربت به أمه إلى تلك الربوة ومكثت بها اثنتي عشرة سنة، حتى هلك ذلك الملك. قوله: (و هو بيت المقدس) هو أعلى مكان من الأرض، لأنه يزيد على غيره في الارتفاع ثمانية عشر ميلا، فهو أقرب البقاع إلى السماء. قوله: وَمَعِينٍ اسم مفعول من عان يعين فهو معين، وأصله معيون كمبيوع، استثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان، حذفت الواو لالتقاء الساكنين، وكسرت العين لتصح الياء.\rقوله: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ خطاب لجميع الرسل على وجه الإجمال، فليس المراد أنهم خوطبوا بذلك دفعة واحدة، بل المراد خوطب كل رسول في زمانه بذلك، بأن قيل مثلا لكل رسول:\rكل من الطيبات واعمل صالحا، إني بما تعمل عليم، وحكمة خطاب النبي بها على سبيل الإجمال، التشنيع على رهبانية النصارى، حيث يزعمون أن ترك المستلذات مقرب إلى اللّه، فرد اللّه عليهم بأن المدار على أكل الحلال وفعل الطاعات. قوله: (الحلالات) أي مستلذات أم لا.\rقوله: وَاعْمَلُوا صالِحاً أي شكرا على تلك النعم، لتزدادوا بها قربا من ربكم. قوله:\r(فأجازيكم عليه) أي إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فالآية فيها ترغيب وترهيب.\rقوله: وَ(اعلموا) إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ قدر المفسر لفظ (اعلموا) إشارة إلى أن أن بفتح الهمزة معمولة لمحذوف وهذِهِ اسمها، وأُمَّتُكُمْ خبرها، وأمة حال، وواحدة صفة له. قوله: (دينكم) أشار بذلك إلى أن المراد بالأمة الدين، والمراد به العقائد، لأنها هي التي اتحدت في جميع الشرائع، وأما الأحكام الفرعية، فقد اختلفت باختلاف الشرائع. قوله: (و في قراءة بتخفيف النون) أي والهمزة مفتوحة، والعامل مقدر كما في المشددة، واسمها ضمير الشأن، وهذِهِ أُمَّتُكُمْ مبتدأ وخبر، والجملة خبر إِنَ. قوله: (استئنافا) أي فهو إخبار من اللّه، بأن جميع الشرائع متفقة الأصول، والقراءات الثلاث سبعيات. قوله: فَاتَّقُونِ أي افعلوا ما أمرتكم به واتركوا ما نهيتكم عنه.\rقوله: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ أي جعلوا دينهم مفرقا، فلذلك صاروا فرقا مختلفة، كاليهود والنصارى","part":3,"page":13},{"id":1126,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 14\rوغيرهم كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ أي عندهم من الدين فَرِحُونَ (53) مسرورون فَذَرْهُمْ أي اترك كفار مكة فِي غَمْرَتِهِمْ ضلالتهم حَتَّى حِينٍ (54) أي حين موتهم أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ نعطيهم مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (55) في الدنيا نُسارِعُ نعجل لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ لا بَلْ لا يَشْعُرُونَ (56) أن ذلك استدراج لهم إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ خوفهم منه مُشْفِقُونَ (57) خائفون من عذابه وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ القرآن يُؤْمِنُونَ (58) يصدقون وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) معه غيره وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ يعطون ما آتَوْا أعطوا من الصدقة والأعمال الصالحة وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ خائفة أن لا تقبل منهم أَنَّهُمْ يقدر قبله لام الجر إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (60) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (61) في علم اللّه وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي طاقتها فمن لم يستطع أن يصلي قائما فليصل جالسا ومن لم يستطع أن\r______________________________\rوالمجوس، وغير ذلك من الأديان الباطلة. قوله: زُبُراً جمع زبور بمعنى فريق. قوله) فَرِحُونَ أي لاعتقادهم أنهم على الحق.\rقوله: فَذَرْهُمْ الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، والضمير لكفار مكة، كما أشار لذلك المفسر، وهو تسلية له. قوله: فِي غَمْرَتِهِمْ مفعول ثان لذرهم، أي مستقرين فيها، والغمرة في الأصل الماء الذي يغمر القامة، ثم استعير ذلك للجهالة، والغمر بالضم يقال لمن لم يجرب الأمور، والغمر بالكسر الحقد.\rقوله: مِنْ مالٍ وَبَنِينَ بيان لما. قوله: بَلْ لا يَشْعُرُونَ إضراب انتقالي، أي لا يعلمون أن توسعة الدنيا ليست ناشئة عن الرضا عليهم، بل استدراج لهم، قال تعالى: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ الَّذِينَ اسم إِنَ، وهُمْ مبتدأ، ومُشْفِقُونَ خبره ومِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ متعلق بمشفقون، وكذا يقال فيما بعده. قوله: مُشْفِقُونَ الإشفاق الخوف مع زيادة التعظيم، فهو أعلى من الخشية، وهذه الأوصاف متلازمة من اتصف بواحد منها لزم منه الاتصاف بالباقي. قوله: (القرآن) أي وغيره من باقي الكتب السماوية.\rقوله: (يعطون) أشار بذلك إلى أن قوله:\rيُؤْتُونَ من الإيتاء وهو الإعطاء. قوله: وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ الجملة حالية من فاعل يُؤْتُونَ أي والحال أن قلوبهم خائفة من عدم قبول أعمالهم الصالحة، لما قام بقلوبهم من جلال اللّه وهيبته وعزته واستغنائه، ولذا ورد عن أبي بكر الصديق أنه قال: لا آمن مكر اللّه ولو كانت إحدى قدمي داخل الجنة والأخرى خارجها، وكان كثير البكاء من خشية اللّه، حتى أثرت الدموع في خديه. قوله: (يقدر قبله لام الجر) أي فيكون تعليلا لقوله: وَجِلَةٌ.\rقوله: أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ هذه الجملة خبر عن قوله: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ وما عطف عليه، فاسم إِنَ أربع موصولات، وخبرها جملة أُولئِكَ الخ. قوله: وَهُمْ لَها سابِقُونَ الضمير قيل للخيرات وقيل للجنة وقيل للسعادة، وقوله: (في علم اللّه) أي كتبوا سابقين في علم اللّه، فظهر فيهم مقتضى سابقية العلم.\rقوله: وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي تفضلا منه سبحانه","part":3,"page":14},{"id":1127,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 15\rيصوم فليأكل وَلَدَيْنا أي عندنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِ بما عملته وهو اللوح المحفوظ تسطر فيه الأعمال وَهُمْ أي النفوس العاملة لا يُظْلَمُونَ (62) شيئا منها فلا ينقص من ثواب أعمال الخيرات ولا يزاد في السيئات بَلْ قُلُوبُهُمْ أي الكفار فِي غَمْرَةٍ جهالة مِنْ هذا القرآن وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ المذكور للمؤمنين هُمْ لَها عامِلُونَ (63) فيعذبون عليها حَتَّى ابتدائية إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ أغنياءهم ورؤساءهم بِالْعَذابِ أي السيف يوم بدر إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) يضجون يقال لهم لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (65) لا تمنعون قَدْ كانَتْ آياتِي من القرآن تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) ترجعون قهقرى مُسْتَكْبِرِينَ عن الإيمان بِهِ أي بالبيت أو الحرم بأنهم أهله في أمن بخلاف سائر الناس في\r______________________________\rوتعالى، وإلا فلا يسأل عما يفعل، وأتى بهذه الآية عقب أوصاف المؤمنين، إشارة إلى أن تلك الأوصاف في طاقة الإنسان، وكذا جميع التكاليف التي افترضها اللّه على عباده فعلا أو تركا، وهذا لمن وفقه اللّه وكشف عنه الحجب، وأما المحجوب فيرى التكاليف ثقيلة يشق عليه تعاطيها. قال بعض العارفين:\rإذا رفع الحجاب فلا ملالة ... لتكليف الإله ولا مشقة\r\rقوله: (عندنا) أي عندية رتبة ومكانة واختصاص. قوله: يَنْطِقُ بِالْحَقِ أي يبين أعمال العباد خيرها وشرها. قوله: (بما عملته) الضمير عائد على النفس المتقدم ذكرها. قوله: وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ الجمع باعتبار العموم المستفاد من لفظ نفس، لأنه نكرة في سياق النفي. قوله: (فلا ينقص من ثواب أعمال الخير) أي لأن الأعمال كلها والجزاء عليها مثبتة في اللوح المحفوظ، وهو مطابق لما في علم اللّه.\rقوله: بَلْ قُلُوبُهُمْ رجوع لأحوال الكفار. قوله: وَلَهُمْ أَعْمالٌ أي سيئة. قوله: مِنْ دُونِ ذلِكَ أي غير ما ذكر للمؤمنين. والمعنى أن الكفار لهم أعمال مضادة ومخالفة لأوصاف المؤمنين المتقدمة. قوله:\rهُمْ لَها عامِلُونَ أي مستمرون عليها. قوله: (ابتدائية) أي تبتدأ بعدها الجمل.\rقوله: إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ إِذا ظرف لما يستقبل من الزمن خافض لشرطه منصوب بجوابه وإِذا الثانية للمفاجأة قائمة مقام الفاء. قال ابن مالك:\rوتخلف الفاء إذا المفاجأة ... كأن تجد إذا لنا مكافأة\r\rقوله: (أغنياءهم ورؤساءهم) أي كأبي جهل وأضرابه من صناديدهم. قوله: يَجْأَرُونَ أي يصرخون ويبتهلون، أو يستغيثون ويلتجئون في كشف العذاب عنهم، ومع ذلك فلا ينفعهم. قوله:\r(يقال لهم) الأقرب أن ذلك عند قبض أرواحهم، حين تأتيهم الملائكة بالمطارق، من نار يضربون بها وجوههم وأدبارهم، وقيل إنه يوم القيامة حين يعذبون في النار.\rقوله: قَدْ كانَتْ آياتِي الخ، تعليل لما قبله. قوله: تَنْكِصُونَ من باب جلس ودخل، فهو بكسر الكاف وضمها. قوله: (ترجعون قهقرى) أي إلى جهة الخلف، وهو كناية عن إعراضهم عن الإيمان. قوله: بِهِ الجار والمجرور إما متعلق بمستكبرين أو بسامرا، وأشار المفسر إلى أن الضمير إما عائد على البيت أو الحرم.\rقوله: سامِراً من","part":3,"page":15},{"id":1128,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 16\rمواطنهم سامِراً حال أي جماعة يتحدثون بالليل حول البيت تَهْجُرُونَ (67) من الثلاثي تتركون القرآن، ومن الرباعي أي تقولون غير الحق في النبي والقرآن، قال تعالى أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا أصله يتدبروا فأدغمت التاء في الدال الْقَوْلَ أي القرآن الدال على صدق النبي أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ الاستفهام فيه للتقرير بالحق من صدق النبي ومجيء الرسل للأمم الماضية ومعرفة رسولهم بالصدق والأمانة وأن لا جنون به بَلْ للانتقال جاءَهُمْ بِالْحَقِ أي القرآن المشتمل على التوحيد وشرائع الإسلام وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (70) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُ أي القرآن أَهْواءَهُمْ بأن جاء بما يهوونه من الشريك والولد للّه تعالى عن ذلك لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَ أي خرجت عن نظامها المشاهد لوجود التمانع في الشيء عادة عند تعدد الحاكم بَلْ أَتَيْناهُمْ\r______________________________\rالسمر وهو الحديث ليلا. قوله: (حال) المناسب للمفسر أن يقول احوال، ويؤخره عن قوله:\rتَهْجُرُونَ لأن الأحوال ثلاثة مُسْتَكْبِرِينَ وسامِراً، وتَهْجُرُونَ. قوله: (أي جماعة) أشار بذلك إلى أن سامِراً اسم جمع واحده مسامر. قوله: (من الثلاثي) أي مأخوذ من الهجران وهو الترك، أو من هجر هجرا بالتحريك هذى وتكلم بما لا يعقله. قوله: (و من الرباعي) أي مأخوذ من الإهجار، وهو الفحش في الكلام.\rقوله: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه، والتقدير أعموا فلم يدبروا، وهذا شروع في بيان اقدامهم على هذه الضلالات، لا بد أن يكون لأحد أمور أربعة أحدها أن لا يتأملوا في دليل نبوته وهو القرآن المعجز، مع أنهم تأملوا وظهرت لهم حقيقته. ثانيها: أن يعتقدوا أن بعثة الرسول أمر غريب، لم تسمع ولم ترد عن الأمم السابقة، وليس كذلك، لأنهم عرفوا أن الرسل كانت ترسل إلى الأمم. ثالثها: أن لا يكونوا عالمين بأمانته وصدقه قبل ادعاء النبوة، وليس كذلك، بل سبقت لهم معرفة كونه في غاية الأمانة والصدق. رابعها: أن يعتقدوا فيه الجنون، وليس كذلك، لأنهم كانوا يعلمون أنه أعقل الناس. وسيأتي خامس في قوله: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً وأم في المواضع الأربعة مقدرة ببل الانتقالية، وهمزة الاستفهام التقريري، وهو حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه. قوله: (من صدق النبي) الخ، بيان للحق على طبق الآية، على سبيل اللف والنشر المرتب.\rقوله: وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِ أي القرآن وغيره فهو أعم من الحق الأول، ولذا أظهر في مقام الإضمار وأشار بقوله: وَأَكْثَرُهُمْ إلى أن الأقل لم يدم على كراهة الحق، بل رجع عن كفره وآمن. قوله: (عادة) المناسب أن يقول عقلا، لأن وجود الشريك يقضي بفساد العالم عقلا لا عادة.\rقوله: بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ اضراب انتقال، والمعنى كيف يكرهون الحق، مع أن القرآن أتاهم بتشريفهم وتعظيمهم؟\rفاللائق بهم الانقياد له وتعظيمه، والعامة على قصر أَتَيْناهُمْ وقرىء بالمد بمعنى أعطينا، وحينئذ فالباء إما زائدة وذكرهم مفعول ثان، أو المفعول محذوف، وقرىء بالقصر مع تاء المتكلم أو تاء المخاطب،","part":3,"page":16},{"id":1129,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 17\rبِذِكْرِهِمْ أي بالقرآن الذي فيه ذكرهم وشرفهم فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً أجرا على ما جئتهم به من الإيمان فَخَراجُ رَبِّكَ أجره وثوابه ورزقه خَيْرٌ وفي قراءة خرجا في الموضعين وفي قراءة أخرى خراجا فيهما وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72) أفضل من أعطى وأجر وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ طريق مُسْتَقِيمٍ (73) أي دين الإسلام وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ بالبعث والثواب والعقاب عَنِ الصِّراطِ أي الطريق لَناكِبُونَ (74) عادلون وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ أي جوع أصابهم بمكة سبع سنين لَلَجُّوا تمادوا فِي طُغْيانِهِمْ ضلالتهم يَعْمَهُونَ (75) يترددون وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ الجوع فَمَا اسْتَكانُوا تواضعوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (76) يرغبون إلى اللّه بالدعاء حَتَّى ابتدائية إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا صاحب عَذابٍ شَدِيدٍ هو يوم بدر بالقتل إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77)\r______________________________\rوقوله: بِذِكْرِهِمْ هكذا قرأ العامة، وقرىء شذوذا بذكراهم بألف التأنيث، ونذكرهم بنون العظمة.\rقوله: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً راجع لقوله: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ وما بينهما اعتراض. قوله: فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ تعليل لنفي السؤال المستفاد من الإنكار. قوله: (أجره وثوابه) أي في الآخرة، وقوله: (و رزقه) أي في الدنيا، فهذه الأمور كالخراج من حيث إن اللّه تفضل بها لعبيده فلا يتركها أبدا. قوله: (و في قراءة خرجا في الموضعين) الخ، أي فالقراءات الثلاث سبعيات، لكن الأولى أبلغ، من حيث إنه عبر في حق اللّه بالخراج المفيد للتكرار، وفي حق العبيد بالخراج المفيد عدم التكرار، والمماثلة في القراءتين الباقيتين للمشاكلة. قوله: (و أجر) بالقصر من باب ضرب ونصر، وبالمد أي أثاب.\rقوله: عَنِ الصِّراطِ متعلق بناكبون. قوله: (عادلون) أي زائغون ومنحرفون.\rقوله: وَلَوْ رَحِمْناهُمْ الخ قال الأشياخ: الأظهر أن هذه الآية واللتين بعدها إلى مُبْلِسُونَ مدنيات؛ وسبب ذلك: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لما هاجر إلى المدينة، دعا على أهل مكة بقوله: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنينا كسنين يوسف» فقحطوا حتى أكلوا العلهز، وهو بعين مكسورة ولام ساكنة وهاء وزاي معجمة، شيء كانوا يتخذونه من الدم ووبر الابل في سني المجاعة، فجاء أبو سفيان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالمدينة فقال: أنشدك اللّه والرحم، ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟\rقتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع. فنزلت الآية. قوله: لَلَجُّوا اللجاج التمادي والاستمرار على العناد في تعاطي الفعل المنهي عنه.\rقوله: وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ تأكيد لما قبله. قوله: فَمَا اسْتَكانُوا أصله استكونوا، نقلت حركة الواو إلى ما قبلها، فتحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت الفا، والمعنى لم يحصل منهم تواضع ورجوع إلى اللّه في الماضي. ولم يحصل منهم التجاء إلى اللّه في المستقبل. قوله: (ابتدائية) أي تبتدأ بعدها الجمل.\rقوله: إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ إِذا شرطية، وإِذا الثانية رابطة للجواب، قائمة مقام الفاء. قوله:\r(آيسون) أي فالإبلاس اليأس، ومنه إبليس ليأسه من رحمة اللّه.","part":3,"page":17},{"id":1130,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 18\rآيسون من كل خير وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ خلق لَكُمُ السَّمْعَ بمعنى الإسماع وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ القلوب قَلِيلًا ما تأكيد للقلة تَشْكُرُونَ (78) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ خلقكم فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) تبعثون وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي بنفخ الروح في المضغة وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ بالسواد والبياض والزيادة والنقصان أَفَلا تَعْقِلُونَ (80) صنعه تعالى فتعتبرون بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (81) قالُوا أي الأولون أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لا، وفي الهمزتين في الموضعين التحقيق وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا أي البعث بعد الموت مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا ما هذا إلا أَساطِيرُ أكاذيب الْأَوَّلِينَ (83) كالأضاحيك والأعاجيب جمع أسطورة بالضم قُلْ لهم لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها من الخلق إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) خالقها ومالكها سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ لهم أَفَلا تَذَكَّرُونَ (85) بإدغام التاء الثانية في الذال تتعظون فتعلمون أن القادر على الخلق ابتداء\r______________________________\rقوله: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ الخ، خطاب للخلق عموما، قصد به تذكير النعم للمؤمنين، والتوبيخ للكافرين، حيث لم يصرفوا النعم في مصارفها، لأن السمع خلق ليسمع به ما يرشد، والبصر ليشاهد به الآيات الدالة على كمال أوصاف اللّه، والقلوب بمعنى العقول، ليتأمل بها في مصنوعات اللّه، فمن لم يصرف تلك النعم في مصارفها، فهو بمنزلة عادمها، قال تعالى: فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ وأفرد السمع وجمع الأبصار. قوله: (تأكيد للقلة) أي لفظ ما تأكيد للقلة المستفادة من التنكير، والمعنى شكرا قليلا، وهو كناية عن عدمه. قوله: (تبعثون) أي تحيون بعد الموت.\rقوله: وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي خلقا وايجادا. قوله: (بالسواد والبياض) لف ونشر مرتب.\rقوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه، أي اغفلتم فلا تعقلون أن القادر على إنشاء الخلق، قادر على اعادتهم بعد الموت؟\rقوله: بَلْ قالُوا أي كفار مكة. قوله: مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ أي من قوم نوح وهود وصالح وغيرهم. قوله: (لا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي. قوله: (و ادخال الف بينهما) أي وترك الإدخال، فالقراءات أربع سبعيات في الثاني، وثلاث في الأول بترك الإدخال بين المحققتين.\rقوله:\rلَقَدْ وُعِدْنا وعد فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل هو الضمير المتصل ونَحْنُ توكيد له، وآباؤُنا معطوف على الضمير المتصل، فهو نائب فاعل أيضا، وقوله: هذا مفعول ثان لوعد، ونائب الفاعل مفعول أول، والأصل وعدنا الآن محمد بالبعث، ووعد غيره آباءنا من قبلنا به، وقدم المرفوع الذي هو نائب الفاعل هنا، وعكس في النمل تفننا وإشارة إلى أنه يجوز الأمران.\rقوله: قُلْ (لهم) أي لأهل مكة المنكرين للبعث. قوله: (من الخلق) أي المخلوقات عقلاء وغيرهم. قوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شرط حذف جوابه والتقدير فأخبروني بخالقهما.\rقوله: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ إخبار من اللّه بما يقع منهم في الجواب قبل وقوعه. قوله: (بإدغام التاء) أي","part":3,"page":18},{"id":1131,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 19\rقادر على الاحياء بعد الموت قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) الكرسي سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (87) تحذرون عبادة غيره قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ ملك كُلِّ شَيْءٍ والتاء للمبالغة وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ يحمي ولا يحمى عليه إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ وفي قراءة للّه بلام الجر في الموضعين: نظرا إلى أن المعنى من له ما ذكر قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) تخدعون وتصرفون عن الحق عبادة اللّه وحده أي كيف تخيل لكم أنه باطل بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِ بالصدق وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (90) في نفيه وهو مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً أي لو كان معه إله لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ أي انفرد به ومنع الآخر من الاستيلاء عليه وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ مغالبة كفعل ملوك الدنيا سُبْحانَ اللَّهِ تنزيها له عَمَّا يَصِفُونَ (91) ه به مما ذكر عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ما غاب وما شوهد بالجر صفة والرفع خبر هو\r______________________________\rبعد قلبها دالا فذالا وتسكينها. قوله: (الكرسي) المناسب إبقاؤه على ظاهره، فإن العرش على التحقيق غير الكرسي. قوله: (و التاء للمبالغة) أي وكذا الواو، فهما زائدتان، كزيادتهما في الرحموت والرهبوت من الرهبة والرحمة. قوله: (يحمي ولا يحمى عليه) الأول بفتح الياء كيرمي والثاني بضمها. والمعنى يمنع ويحفظ من أراد حفظه، ولا يمنع منه أحد، ولا ينصر من أراد خذلانه. قال تعالى: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ. قوله: (و في قراءة للّه بلام الجر) أي وهو لمعظم السبعة. قوله: (في الموضعين) أي الأخيرين، وأما جواب السؤال الأول فهو باللام باتفاق السبعة، ولم يقرأ بدونها أحد. قوله: (نظرا إلى أن المعنى) أي فلام الجر مقدرة في السؤال، فظهرت في الجواب نظرا للمعنى، وأما على قراءة إسقاطها فباعتبار مراعاة لفظ السؤال، لأنه لا فرق بين\rقوله: مَنْ رَبُّ السَّماواتِ، «و بين لمن السماوات»، كقولك: من رب هذه الدار؟ فيقال: زيد، وإن شئت قلت لزيد، لأن السؤال لا فرق فيه، بين أن يقال لمن هذه الدار، أو من ربها.\rقوله: قُلْ فَأَنَّى أي فكيف تُسْحَرُونَ. قوله: (عبادة اللّه) بدل من الحق فهو بالجر قوله:\r(أي فكيف يخيل لكم) أشار بذلك إلى أن المراد بالسحر، التخيل والوهم لا حقيقته. قوله: (في نفيه) أي الحق.\rقوله: مِنْ وَلَدٍ مِنْ زائدة في المفعول، وقوله: مِنْ إِلهٍ مِنْ زائدة في اسم كانَ.\rقوله: (أي لو كان معه إله) أشار بذلك إلى أن قوله: إِذاً لَذَهَبَ جواب لشرط محذوف وهو لو الامتناعية، علم من قوله: وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ، وتقدم تحقيق الكلام في هذا البرهان في سورة الأنبياء. قوله: (كفعل ملوك الدنيا) كلامه يقتضي أن هذا أمر عادي لا إلزام قطعي، وهو خلاف التحقيق، بل التحقيق أنه دليل عقلي قطعي.\rقوله: عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هذا دليل آخر على الوحدانية كأنه قال: اللّه عالم الغيب والشهادة، وغيره لا يعلمهما، فغيره ليس إله. قوله: (بالجر صفة) أي للفظ الجلالة أو بدل منه، وقوله: (و الرفع خبر) هو مقدرا، أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ عطف على معنى ما تقدم كأنه قال: علم الغيب فتعالى.","part":3,"page":19},{"id":1132,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 20\rمقدرا فَتَعالى تعظم عَمَّا يُشْرِكُونَ (92) ه معه قُلْ رَبِّ إِمَّا فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (93) من العذاب هو صادق بالقتل ببدر رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) فأهلك بهلاكهم وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي الخصلة من الصفح والإعراض عنهم السَّيِّئَةَ أذاهم إياك وهذا قبل الأمر بالقتال نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (96) ه أي يكذبون ويقولون فنجازيهم عليه وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ أعتصم بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (97) نزغاتهم بما يوسوسون به وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) في أموري لأنهم إنما يحضرون بسوء حَتَّى ابتدائية إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ورأى مقعده من النار\r______________________________\rقوله: قُلْ رَبِ الخ، هذا أمر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بكيفية دعاء يتخلص به من عذابهم وهو مجاب، لأن اللّه ما أمره بدعاء إلا استجاب له. قوله: (إن ما) تُرِيَنِّي (إن) شرطية، و(ما) زائدة، وتُرِيَنِّي فعل الشرط، والنون للوقاية، والياء مفعول أول، وما مفعول ثان، ويُوعَدُونَ صلة ما،\rورَبِ تأكيد للأول، وقوله: فَلا تَجْعَلْنِي الخ، جواب الشرط. قوله: (بالقتل ببدر) أي وهو الذي رآه بالفعل. قوله: (فأهلك بهلاكهم) أي لأن شؤم الظالم قد يعم غيره. إن قلت: إن رسول اللّه معصوم من جعله مع القوم الظالمين، فكيف أمره اللّه بهذا الدعاء؟ أجيب: بأنه أمر بذلك اظهارا للعبودية، وتواضعا لربه وتعظيما لأجره، وليكون في جميع الأوقات ذاكرا للّه تعالى.\rقوله: وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ الخ، إن حرف توكيد ونصب، ونا اسمها، والجار والمجرور متعلق بقادرون، وما واقعة على العذاب، وقادرون خبر إن، واللام للابتداء زحلقت للخبر، والمعنى: وإنا لقادرون على أن نريك العذاب الذي نعدهم به. قوله: (أي الخصلة) الخ، أشار بذلك إلى أن التي صفة لموصوف محذوف، وقوله: (من الصفح) الخ، بيان للخصلة التي هي أحسن.\rقوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) أي فهو منسوخ، ويحتمل أن المعنى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ولو في حال القتال، كأن اللّه يقول: إذا قدرت عليهم فاصفح عنهم، ولا تعاملهم بما كانوا يعاملونك به، حينئذ فتكون الآية محكمة، وقد حصل منه هذا الأمر عند فتح مكة.\rقوله: وَقُلْ رَبِ أي في كل وقت، لأن العصمة والحفظ من الشيطان أمرها عظيم جدا، وهو وإن كان معصوما، فالمقصود تعليم أمته، واظهار الالتجاء لربه. قوله: مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ جمع همزة وهي النخسة. قوله: (نزغاتهم) أي افساداتهم، والمعنى اتحصن بك من وساوس الشيطان.\rقوله:\rوَأَعُوذُ بِكَ رَبِ كرر ذلك للمبالغة والاعتناء بهذه الاستعاذة. قوله: (ابتدائية) أي تبتدأ بعدها الجمل، اشارة إلى أن هذا الكلام منقطع عما قبله، قصد به وصف حال الكافر بعد موته. قوله: (الجمع للتعظيم) جواب عما يقال: لم لم يقل رب ارجعني بالإفراد، مع أن المخاطب واحد؟ وأجيب أيضا: بأن الواو لتكرير الطلب كأنه قال: ارجعن ارجعن ارجعن، أو الجمع باعتبار الملائكة الذين يقبضون روحه، كأنه استغاث باللّه أولا، ثم رجع إلى طلب الرجوع إلى الدنيا من الملائكة.\rقوله: (يكون) فِيما تَرَكْتُ أي بدلا عنه. قوله: (أي لا رجوع) أشار بذلك إلى أن كَلَّا هنا معناها النفي، ومع ذلك فيها معنى","part":3,"page":20},{"id":1133,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 21\rومقعده من الجنة لو آمن قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) الجمع للتعظيم لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً بأن أشهد أن لا إله إلا اللّه يكون فِيما تَرَكْتُ ضيعت من عمري أي في مقابلته، قال تعالى كَلَّا أي لا رجوع إِنَّها أي رب ارجعون كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها أي ولا فائدة فيها وَمِنْ وَرائِهِمْ أمامهم بَرْزَخٌ حاجز يصدهم عن الرجوع إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) ولا رجوع بعده فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ القرن النفخة الأولى أو الثانية فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ يتفاخرون بها وَلا يَتَساءَلُونَ (101) عنها خلاف حالهم في الدنيا لما يشغلهم من عظم الأمر عن ذلك في بعض مواطن القيامة وفي بعضها يفيقون وفي آية فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بالحسنات فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) الفائزون وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ بالسيئات فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فهم فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ تحرقها وَهُمْ\r______________________________\rالردع والزجر. قوله: (أي رب ارجعون) أي وما بعدها.\rقوله: وَمِنْ وَرائِهِمْ الجمع باعتبار معنى أحد. قوله: بَرْزَخٌ هو المدة التي من حين الموت إلى البعث، والمعنى أن بينهم وبين الرجعة حجابا ومانعا من الرجوع وهو الموت، إذا علمت ذلك، فالأموات لا تعود أجسامهم في الدنيا بأرواحهم كما كانوا أبدا وإنما يبعثون يوم القيامة، لا فرق بين الأنبياء وغيرهم، وما ورد عن بعض الصالحين، من أنهم يجتمعون بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقظة، فالمراد أن روحه الشريفة، تشكلت بصورة جسده الشريف، وكذا يقال في الأولياء والشهداء، لأن أرواح المطيعين مطلقة غير محبوسة، وأما الكفار فأرواحهم محبوسة لا تسعى في الملكوت. قوله: (و لا رجوع بعده) أي يوم البعث.\rقوله: (النفخة الأولى) هو قول ابن عباس، وقوله: (أو الثانية) هو قول ابن مسعود. قوله: (يتفاخرون بها) جواب عما يقال: إن الأنساب ثابتة بينهم لا يصح نفيها، فأجاب: بأن المعنى لا أنساب بينهم لا يتفاخرون بأنسابهم. وأجيب أيضا: بأن معنى لا أنساب بينهم، لا أنساب تنفعهم، لزوال التراحم والتعاطف من شدة الحسرة والدهشة. قوله: (خلاف حالهم في الدنيا) أي لأنهم كانوا يسألون عن بعضهم في الدنيا.\rقوله: (لما يشغلهم من عظم) علة لقوله: وَلا يَتَساءَلُونَ ودفع بذلك ما يقال: كيف الجمع بين هذه الآية وآية وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ* فجمع المفسر بأن القيامة مواطن مختلفة، وهذا مبني على أن المراد النفخة الثانية، وأما على أن المراد النفخة الأولى، فوجه الجمع أن نفي السؤال، إنما هو عند النفخة الأولى لموتهم حينئذ وإثباته، وإنما هو بعد النفخة الثانية.\rقوله: مَوازِينُهُ الجمع إما للتعظيم أو باعتبار الموزون. قوله: (بالحسنات) الباء سببية أي بسبب ثقل الحسنات. قوله: (بالسيئات) أي بسبب ثقل السيئات، والمعنى فمن رجحت حسناته فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ،\rومن رجحت سيئاته فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا الخ. قوله: (فهم) فِي جَهَنَّمَ أشار المفسر إلى أن قوله: فِي جَهَنَّمَ أشار المفسر إلى أن\rقوله: فِي جَهَنَّمَ خبر لمحذوف. قوله: تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ اللفح الإصابة بشدة. قوله: (شمرت شفاههم) الخ، فالكلوح تشمر الشفة العليا واسترخاء السفلى لما ورد: أنه تتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي السفلى حتى تبلغ سرته.","part":3,"page":21},{"id":1134,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 22\rفِيها كالِحُونَ (104) شمرت شفاههم العليا والسفلى عن أسنانهم ويقال لهم أَلَمْ تَكُنْ آياتِي من القرآن تُتْلى عَلَيْكُمْ تخوفون بها فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (105) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وفي قراءة شقاوتنا بفتح أوله وألف وهما مصدران بمعنى وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (106) عن الهداية رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا إلى المخالفة فَإِنَّا ظالِمُونَ (107) قالَ لهم بلسان مالك بعد قدر الدنيا مرتين اخْسَؤُا فِيها ابعدوا في النار أذلاء وَلا تُكَلِّمُونِ (108) في رفع العذاب عنكم فينقطع رجاؤهم إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي هم المهاجرون يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا بضم السين وكسرها مصدر بمعنى الهزء منهم بلال وصهيب وعمار وسلمان حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي فتركتموه لاشتغالكم بالاستهزاء بهم فهم سبب الإنساء فنسب إليهم وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ النعيم المقيم بِما صَبَرُوا على استهزائكم بهم وأذاكم إياهم أَنَّهُمْ بكسر الهمزة هُمُ الْفائِزُونَ (111) بمطلوبهم استئناف وبفتحها مفعول ثان لجزيتهم قالَ تعالى لهم بلسان مالك وفي قراءة قل كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ في الدنيا وفي قبوركم عَدَدَ سِنِينَ (112) تمييز قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ\r______________________________\rقوله: تُتْلى عَلَيْكُمْ أي في الدنيا. قوله: (و في قراءة) وهي سبعية أيضا. قوله: (و هما مصدران بمعنى) أي وهو سوء العاقبة. قوله: (بعد قدر الدنيا مرتين) أي وقدرها قيل سبعة آلاف سنة بعدد الكواكب السيارة، وقيل اثنا عشر الف سنة بعدد البروج، وقيل ثلاثمائة الف سنة وستون سنة بعدد أيام السنة.\rقوله: اخْسَؤُا فِيها أي اسكتوا سكوت هوان وذل. قوله: (فينقطع رجاؤهم) أي وهذا آخر كلامهم في النار، فلا يسمع لهم بعد ذلك إلا الزفير والشهيق والنباح كنباح الكلاب. قوله: إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ تعليل لما قبله. قوله: (بضم السين وكسرها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (و سلمان) المناسب أن يقول بدله وخباب، لأن سلمان ليس من المهاجرين. قوله: (فنسب اليهم) أي وحقه أن ينسب إلى الاستهزاء.\rقوله: وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ أي وذلك غاية الاستهزاء. قوله: (بكسر الهمزة وبفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (بلسان مالك) دفع بذلك ما يقال إن\rقوله: قالَ يقتضي أن اللّه يكلمهم، مع أنه قال في آية آخرى وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ* فأجاب بأن المكلم لهم الملك عن اللّه. قوله: (و في قراءة قل) أي وهي سبعية أيضا. والحاصل أن هنا وفيما يأتي في قوله: قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ ثلاث قراءات سبعيات، الأمر فيهما والماضي فيهما، والأمر في الأول، والماضي في الثاني. قوله: كَمْ لَبِثْتُمْ كَمْ في محل نصب على الظرفية الزمانية، وقوله: عَدَدَ سِنِينَ هو مميزها، والمعنى لبثتم كم عددا من السنين، والقصد من هذا السؤال، التوبيخ والتبكيت عليهم، لأنهم كانوا يعتقدون بقاءهم في الدنيا، ويعولون على اللبث فيها، وينكرون البعث، فلما أدخلوا النار، وأيقنوا دوامها وخلودهم فيها، سألهم عن لبثهم في الدنيا، زيادة في تحسرهم على ما كانوا يعتقدونه، حيث ظهر خلافه.","part":3,"page":22},{"id":1135,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 23\rيَوْمٍ شكوا في ذلك واستقصروه لعظم ما هم فيه من العذاب فَسْئَلِ الْعادِّينَ (113) أي الملائكة المحصين أعمال الخلق قالَ تعالى بلسان مالك وفي قراءة أيضا قل إِنْ أي ما لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) مقدار لبثكم من الطول كان قليلا بالنسبة إلى لبثكم في النار أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً لا لحكمة وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (115) بالبناء للفاعل وللمفعول لا بل لنتعبدكم بالأمر والنهي وترجعوا إلينا ونجازي على ذلك وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون فَتَعالَى اللَّهُ عن العبث وغيره مما لا يليق به الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) الكرسي، هو السرير الحسن وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ صفة كاشفة لا مفهوم لها فَإِنَّما حِسابُهُ جزاؤه عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (117) لا يسعدون وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ المؤمنين في الرحمة زيادة على المغفرة وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118) أفضل راحم.\r______________________________\rقوله: فَسْئَلِ الْعادِّينَ بالتشديد جمع عاد من العدد، وهذا من جملة كلامهم، لأنه غشيهم من الهول والعذاب، ما يشغلهم عن ضبط ذلك وإحصائه.\rقوله: قالَ (تعالى) أي تقريعا وتوبيخا وتصديقا لهم. قوله: لَوْ أَنَّكُمْ لَوْ هنا امتناعية، ومفعول العلم محذوف قدره المفسر بقوله: (مقدار لبثكم)، وجواب لَوْ محذوف أيضا قدره المفسر بقوله: (كان قليلا) أي في علمكم، والمعنى لو أنكم كنتم تعلمون مقدار لبثكم من الطول، لعلمتم قلة لبثكم في الدنيا،\rقوله: أَفَحَسِبْتُمْ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه، والتقدير أجهلتم فحسبتم، وحسب بمعنى ظن، والاستفهام للتوبيخ والإنكار. قوله: عَبَثاً إما حال مؤول باسم الفاعل أي عابثين، أو مفعول لأجله، والعبث اللعب وكل ما ليس فيه غرض صحيح، فقوله: (لا لحكمة) تفسير للعبث. قوله: وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ عطف على أَنَّما خَلَقْناكُمْ فيكون حسب مسلطا عليه. قوله: (بالبناء للفاعل وللمفعول) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (لا) قدره جوابا للاستفهام. قوله: (بل لنتعبدكم) أي لنكلفكم. قوله: (على ذلك) أي على امتثال التعبد المذكور. قوله: (إلا ليعبدون) أي حكمة خلقي لهم، كونهم يمتثلون أوامري ويجتنبون نواهي.\rقوله: فَتَعالَى اللَّهُ أي تنزه. قوله: الْمَلِكُ الْحَقُ أي الذي يحق له التصرف في ملكه، بالإيجاد والإعدام والثواب والعقاب وغير ذلك، فكل ما سواه مقهور، وهو القاهر فوق عباده. قوله: الْكَرِيمِ بالجر صفة للعرش، لأن كل بركة ورحمة وخير نازلة منه، وقرىء شذوذا بالرفع على أنه نعت مقطوع للمدح. قوله: (الكرسي) تقدم أن المناسب ابقاؤه على ظاهره. قوله: (هو السرير الحسن) هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها اسقاطها. قوله: (صفة كاشفة) أي بيان للواقع، لأن كل من ادعى مع اللّه إلها آخر، لا بد أن يكون لا برهان له به.\rقوله: فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ هو جواب الشرط. قوله: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ الجمهور على كسر إن استئنافا، وفيه معنى العلة، وقرىء شذوذا بالفتح على أنه خبر حسابه، والأصل حسابه أنه لا يفلح هو، فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم. قوله: (في الرحمة زيادة على المغفرة) أي فذكر الرحمة بعد المغفرة تحلية بعد تخلية، ففي الغفران محو السيئات، وفي الرحمة رفع الدرجات. قوله: (أفضل رحمة) بالنصب على التمييز.","part":3,"page":23},{"id":1136,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 24\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة النّور مدنيّة وهي اثنتان أو أربع وستون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هذه سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها مخففا ومشددا لكثرة المفروض فيها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ واضحات الدلالات لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) بإدغام\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة النور\rمدنية وهي اثنتان أو أربع وستون آية سميت بذلك لذكر النور فيها، وفي هذه السورة ذكر أحكام العفاف والستر وغيرها من الأحكام الدينية المفصلة، ولذلك كتب عمر رضي اللّه عنه إلى الكوفة: علموا نساءكم سورة النور وقالت عائشة رضي اللّه عنها: لا تنزلوا النساء في الغرف، ولا تعلموهن الكتاب، وعلموهن سورة النور والغزل.\rقوله:\r(هذه) سُورَةٌ أشار المفسر إلى أن سُورَةٌ خبر لمحذوف قدره بقوله: (هذه) والاشارة لما في علم اللّه لكونها في حكم الحاضر المشاهد، ويصح أن تكون سُورَةٌ مبتدأ وجملة أَنْزَلْناها صفة لها والخبر قوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي والمعنى السورة المنزلة والمفروضة كذا وكذا، والخبر محذوف، والتقدير فيما يتلى عليكم، وهذا على قراءة الرفع، وهي لعامة القراء، وقرىء سورة بالنصب بفعل مضمر يفسره أَنْزَلْنا فهو من باب الاشتغال أو على الإغراء، أي دونك سورة. قوله: وَفَرَضْناها أي أوجبنا ما فيها من الأحكام ايجابا قطعيا. قوله: (مخففا ومشددا) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: وَأَنْزَلْنا كرر الإنزال لكمال الاعتناء بشأنها. قوله: آياتٍ بَيِّناتٍ أي دلائل على وحدانية اللّه تعالى، وقد ذكر في أول هذه السورة أنواع من الأحكام والحدود، وفي آخرها دلائل التوحيد،","part":3,"page":24},{"id":1137,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 25\rالتاء الثانية في الذال تتعظون الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي أي غير المحصنين لرجمهما بالسنة وأل فيما ذكر موصولة وهو مبتدأ ولشبهه بالشرط دخلت الفاء في خبره وهو فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ أي ضربة، يقال جلده ضرب جلده ويزاد على ذلك بالسنة تغريب عام، والرقيق على النصف مما ذكر وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ أي حكمه بأن تتركوا شيئا من حدهما إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي يوم البعث وفي هذا تحريض على ما قبل الشرط وهو جوابه أو دال على جوابه وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما أي الجلد طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) قيل ثلاثة وقيل أربعة عدد شهود الزنا الزَّانِي لا يَنْكِحُ يتزوج إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ أي المناسب لكل منهما ما ذكر وَحُرِّمَ ذلِكَ أي نكاح الزواني عَلَى\r______________________________\rفقوله: وَفَرَضْناها إشارة إلى الأحكام، وقوله: وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ إشارة إلى الأدلة. قوله:\r(بإدغام التاء الثانية) أي بعد قلبها دالا فذالا أي وبتسكينها، أي فهما قراءتان سبعيتان، وبقيت ثالثة سبعية أيضا وهي حذف إحدى التاءين.\rقوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي مبتدأ، والخبر محذوف تقديره فيما يتلى عليكم أو جملة فَاجْلِدُوا ودخلت الفاء لشبه المبتدأ بالشرط، وعليه درج المفسر، وقدمت المرأة في حد الزنا، وأخرت في آية حد السرقة، لأن شهوة الزنا في المرأة أقوى وأكثر، والسرقة ناشئة من الجسارة والقوة، وهي في الرجل أقوى وأكثر. قوله: (لرجمهما بالسنة) أشار بذلك إلى أن الزانية والزاني لفظ عام يشمل المحصن وغيره، فالسنة أخرجت المحصن وبينت أن حده الرجم، فصار الكلام في غيره. قوله: فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما الخ، أي بسوط لين له رأس واحدة، ويجرد الرجل من ثيابه، والمرأة مما يقيها ألم الضرب، وتوضع في قفة فيها تراب للستر. قوله: (و الرقيق على النصف مما ذكر) أي الجلد والتغريب وهذا مذهب الشافعي، وقال مالك: لا يغرب إلا الذكر الحر، وأما المرأة والرقيق فلا يغربان.\rقوله: وَلا تَأْخُذْكُمْ قرأ العامة بالتأنيث مراعاة للفظ، وقرىء شذوذا بالياء التحتية. قوله:\rرَأْفَةٌ بسكون الهمزة وفتحها قراءتان سبعيتان، وقرىء بالمد بوزن سحابة، والرأفة أشد الرحمة، ويقال رؤف بالضم والفتح والكسر ككرم وقطع وطرب. قوله: (بأن تتركوا شيئا من حدهما) أي لأن إقامة الحدود فيها رضا اللّه لما ورد: إقامة حد اللّه تعالى في الأرض، خير من أن تمطروا أربعين صباحا. قوله:\r(في هذا) أي قوله: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ الخ. قوله: (تحريض) أي حث على ما قبل الشرط وهو قوله:\rوَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فالواجب الغضب للّه واستيفاء الحدود اقتداء برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فإنه قال: «لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها». قوله: (و هو جوابه) أي كما هو رأي الكوفيين، قوله: (أو دال) أي كما هو رأي البصريين.\rقوله: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما الأمر للندب، والطائفة الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة. قوله: (قيل ثلاثة) الخ، القولان للشافعي، وعند مالك أقل ذلك أربعة. قوله: (أي المناسب لكل منهما ما ذكر) أي فهذا زجر لمن يريد نكاح الزانية، والمعنى أن الزاني يرغب في نكاح الزانية أو المشركة، والزانية ترغب في","part":3,"page":25},{"id":1138,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 26\rالْمُؤْمِنِينَ (3) الأخيار، نزل ذلك لما همّ فقراء المهاجرين أن يتزوجوا بغايا المشركين وهن موسرات لينفقن عليهم، فقيل التحريم خاص بهم وقيل عام، ونسخ بقوله تعالى (و أنكحوا الأيامى منكم) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ العفيفات بالزنا ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ على زناهن برؤيتهم فَاجْلِدُوهُمْ أي كل واحد منهم ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً في شيء أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (4) لإتيانهم كبيرة إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا عملهم فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لهم قذفهم رَحِيمٌ (5) بهم بإلهامهم التوبة، فبها ينتهي فسقهم وتقبل شهادتهم، وقيل\r______________________________\rنكاح الزاني أو المشرك.\rقوله: وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي لما فيه من المفاسد، كالطعن في النسب، والتعرض للتهم، والتشبه بالفساق، فالواجب التزوج بالعفيفات لما في الحديث: «تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس». قوله: (نزل ذلك) أي الآية، وحينئذ فالمطابق لسبب النزول هو الجملة الثانية، وإنما ذكر الأولى زيادة في التنفير. قوله: (و هن موسرات) أي غنيات. قوله: (خاص بهم) أي ولم ينسخ إلى الآن.\rقوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى جمع أيم، وهي من ليس لها زوج، بكرا أو ثيبا، ومن ليس له زوجة، وهو يشمل الزاني والزانية وغيرهما فغاية الأمر أن نكاح الفاسق والفاسقة مكروه.\rقوله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ تقدم أن الزاني والزانية، إما أن يرجما إن كانا محصنين، أو يجلدا إن لم يكونا كذلك، فتبين أن الزنا أمره عظيم شديد، لا بد وأن يثبت، إما بإقرار، أو بأربعة عدول، فإن انتفى واحد من ذلك حد المدعي، فبين هذه الآية وما قبلها شدة مناسبة، وقوله: الَّذِينَ مبتدأ، ويَرْمُونَ صلته، والخبر ثلاث جمل: الأولى فَاجْلِدُوهُمْ. الثانية قوله: وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً. الثالثة قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ، ومعنى يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ يتهمونهن، فشبه الاتهام بالرمي، بجامع التأدية للهلاك في كل، لأنه إن ثبت ذلك الأمر فقد هلك المرمي، وإن لم يثبت فقد هلك الرامي، وقوله: الْمُحْصَناتِ لا مفهوم له، بل وكذا المحصنون، وإنما خصهن بالذكر، لأن الشأن قوة شهوة النساء. قوله: (العفيفات) تفسير للمحصنات باعتبار اللغة، لأن حصان كما يطلق على العفة، يطلق على التزوج وعلى الحرية، ومفهوم قوله: (العفيفات) أنه إذا رمي غير عفيف لا يحد، ويشترط زيادة على العفة، أن يكون المرمي يتأتى منه الزنا أو اللواط بأن يكون ذا آلة، فإن رمي مجبوبا عزر ولا يحد، وأن يكون حرا مسلما مكلفا، فإن انتفى شرط منها لم يحد القاذف، إلا رامي الصبي باللواط به أو الصبية المطيقين، فعند مالك يحد، وعند الشافعي يعزر. قوله: (بالزنا) أي أو اللواط في آدمي مطيق، أو جني تشكل بآدمي. قوله: بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ أي عدول، وقوله: (برؤيتهم) متعلق بشهداء، أي يشهدون بأنهم رأوا الذكر في الفرج، ولا بد أن يتحدوا في الرؤية والأداء، فإن اختلفوا ولو في أي صفة حد الجميع. قوله: أَبَداً أي ما داموا مصرين على عدم التوبة بدليل الاستثناء، وعلى هذا درج مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تقبل شهادتهم ولو تابوا.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا استثناء متصل، لأن المستثنى منه الذين يرمون والتائبون من جملتهم.\rقوله: مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي القذف. قوله: (فبها ينتهي فسقهم) هذا مبني على رجوع الاستثناء للجملتين","part":3,"page":26},{"id":1139,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 27\rلا تقبل رجوعا بالاستثناء إلى الجملة الأخيرة وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ بالزنا وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ عليه إِلَّا أَنْفُسُهُمْ وقع ذلك لجماعة من الصحابة فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ مبتدأ أَرْبَعُ شَهاداتٍ نصب على المصدر بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) فيما رمى به زوجته من الزنا وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (7) في ذلك، وخبر المبتدإ تدفع عنه حد القذف وَيَدْرَؤُا يدفع عَنْهَا الْعَذابَ أي حد الزنا الذي ثبت بشهاداته أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (8) فيما رماها به من الزنا وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) في ذلك وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بالستر في ذلك وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ بقبوله التوبة في ذلك وغيره حَكِيمٌ (10) فيما حكم به في ذلك وغيره لبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ أسوأ الكذب على عائشة رضي اللّه عنها أم المؤمنين\r______________________________\rالأخيرتين، وهو مذهب مالك والشافعي، فعندهما أن التائب تقبل شهادته، ويزول عنه اسم الفسق.\rقوله: (و قيل لا تقبل) هذا مذهب أبي حنيفة، واتفق الجميع على أن القاذف يجلد، وإن تاب، فليس الاستثناء راجعا إلى الجملة الأولى.\rقوله: أَزْواجَهُمْ جمع زوج بمعنى الزوجة، وحذف التاء أفصح من إثباتها إلا في المواريث.\rقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ مفهومه لو كان له بينة فلا لعان بينهما عند مالك، وقال الشافعي:\rله ترك البينة ويلاعن. وأجاب عن الآية بأنها خرجت على سبب النزول، فإنه لم يكن لهم بينة. قوله:\rإِلَّا أَنْفُسُهُمْ بالرفع بدل من شهداء. قوله: (وقع ذلك) أي قذف الزوجة بالزنا. قوله: (لجماعة من الصحابة) أي وهم هلال بن أمية وعويمر العجلاني وعاصم بن عدي. قوله: (نصب على المصدر) أي والعامل شهادة، وفي قراءة سبعية أيضا بالرفع خبر المبتدأ. قوله: (من الزنا) أي أو نفي الحمل، لأن اللعان كما يكون في رؤية الزنا، يكون في نفي الحمل.\rقوله: وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ الخ، بالرفع لا غير باتفاق السبعة، وقوله: أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بالنصب لا غير باتفاق السبعة، و\rقوله:\rوَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ الخ، يجوز في السبعة رفعه ونصبه، فتحصل أن الخامسة الأولى بالرفع لا غير، وفي الثانية الوجهان، ولفظ أربع الأول فيه الوجهان، والثاني بالنصب لا غير، وحكمة تخصيص الرجل باللعنة، والمرأة بالغضب، أن اللعن معناه الطرد والبعد عن رحمة اللّه، وفي لعانه إبعاد الزوجة والولد، وفي لعانها إغضاب الرب والزوج والأهل إن كانت كاذبة. قوله: (و خبر المبتدأ) أي الذي قوله:\rفَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ. قوله: (في ذلك) أي فيما رماها به\r- فائدة- يترتب على لعانه دفع الحد عنه، وقطع الولد منه، وإيجاب الحد عليها، وعلى لعانها دفع الحد عنها، وتأبيد تحريمها، وفسخ نكاحها. قوله: (بالستر) متعلق بكل من فضل ورحمة.\rقوله: (لبين الحق في ذلك) جواب لَوْ لا.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ الخ، شروع في ذكر الآيات المتعلقة بالإفك، وهي ثماني عشرة","part":3,"page":27},{"id":1140,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 28\rبقذفها عُصْبَةٌ مِنْكُمْ جماعة من المؤمنين، قالت: حسان بن ثابت وعبد اللّه بن أبيّ ومسطح وحمنة بنت جحش لا تَحْسَبُوهُ أيها المؤمنون غير العصبة شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ يأجركم\r______________________________\rتنتهي بقوله: أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ومناسبة هذه الآيات لما قبلها أن اللّه لما ذكر ما في الزنا من الشناعة والقبح، وذكر ما يترتب على من رمى غيره به، وذكر أنه لا يليق بآحاد الأمة، فضلا عن زوجة سيد المرسلين صلّى اللّه عليه وسلّم ذكر ما يتعلق بذلك. قوله: (أسوأ الكذب) أي أقبحه وأفحشه.\rقوله: (على عائشة) متعلق بالكذب، وقد عقد عليها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة وهي بنت ست سنين أو سبع، ودخل عليها بالمدينة وهي بنت تسع، وتوفي عنها وهي بنت ثماني عشرة سنة. قوله: عُصْبَةٌ مِنْكُمْ العصبة من العشرة إلى الأربعين، وإن كان من عينتهم وذكرتهم أربعة فقط، لأنهم هم الرؤساء في هذا الأمر. قوله:\r(من المؤمنين) أي ولو ظاهرا، فإن عبد اللّه بن أبي من كبار المنافقين. قوله: (قالت) أي عائشة في تعيين أهل الإفك. قوله: (و حمنة بنت جحش) هي زوجة طلحة بن عبيد اللّه.\rقوله: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ المخاطب به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأبو بكر وعائشة وصفوان تسلية لهم. قوله:\rبَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ أي لظهور كرامتكم على اللّه وتعظيم شأنكم، وتهويل الوعيد لمن تكلم فيكم، والثناء على من ظن بكم خيرا. قوله: (يأجركم اللّه به) أي بسبب الصبر عليه. قوله: (و من جاء معها) أي يقود بها الراحلة. قوله: (و هم صفوان) أي السلمي بن المعطل. قوله: (في غزوة) قيل هي غزوة بني المصطلق، وكانت في السنة الرابعة، وقيل في السادسة. وسببها: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بلغه أن بني المصطلق يجتمعون لحربه، وقائدهم الحرث بن ضرار أبو جويرية زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فلما سمع بذلك خرج اليهم، حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع، من ناحية قديد إلى الساحل، فاقتتلوا فهزم اللّه بني المصطلق، وأمكن رسوله من أبنائهم ونسائهم وأموالهم، وردها عليهم. قوله: (بعد ما أنزل الحجاب) أي وهو قوله تعالى: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ. قوله: (و آذن) بالمد والقصر، أي أعلم. قوله: (و قضيت شأني) أي حاجتي كالبول مثلا. قوله: (فإذا عقدي انقطع) أي وكان من جزع ظفار، وهو الخرز اليماني غالي القيمة، وكان أصله لأمها، أعطته لها حين تزوجها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل لأختها أسماء. قوله: (ألتمسه) أي أفتش عليه. قوله: (فجلست في المنزل الذي كنت فيه) أي وهذا من حسن عقلها وجودة رأيها، فإن من الآداب، أن الإنسان إذا ضل عن رفقته، وعلم أنهم يفتشون عليه، أن يجلس في المكان الذي فقدوه فيه ولا ينتقل منه، فربما رجعوا فلم يجدوه. قوله: (فنمت) أي وكانت كثيرة النوم لحداثة سنها. قوله: (و كان صفوان قد عرس) أي وكان صاحب ساقة رسول اللّه لشجاعته، وكان إذا رحل الناس قام يصلي ثم اتبعهم، فما سقط منهم شيء إلا حمله، حتى يأتي به أصحابه. قوله:\r(فسار منه) أي فادلج بالتشديد سار من آخر الليل، وأما دلج سار من أوله. قوله: (في منزله) أي منزل الجيش الذي مكثت فيه عائشة. قوله: (وطىء على يدها) أي الراحلة خوف أن تقوم. قوله: (موغرين) أي اتينا الجيش في وقت القيلولة. قوله: (فهلك من هلك) أي تكلم بما كان سببا في هلاكه. قوله: (فيّ) أي بسببي. قوله: (ابن أبي ابن سلول) نسب أولا لأبيه ثم لامه. قوله: (انتهى قولها) هذا باعتبار ما اختصره، وإلا فحديثها له بقية كما في البخاري وهي: فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرا، وهم يفيضون","part":3,"page":28},{"id":1141,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 29\rاللّه به ويظهر براءة عائشة ومن جاء معها منه وهو صفوان، فإنها قالت: كنت مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة بعد ما أنزل الحجاب، ففرغ منها ورجع ودنا من المدينة، وآذن بالرحيل ليلة، فمشيت وقضيت شأني وأقبلت إلى الرحل، فإذا عقدي انقطع «هو بكسر المهملة القلادة» فرجعت\r______________________________\rمن قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي، أني لا أرى من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض، إنما يدخل فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ لا أشعر بشيء من ذلك، حتى نقهت بفتح فكسر، أي برئت من مرضي، فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع متبرزنا، لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن تتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول، في البرية أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت رهم نمشي، فعثرت في مرطها، هو بكسر الميم، كساء من صوف، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت: أتسبين رجلا شهد بدرا؟ فقالت: يا هنتاه، أي قليلة المعرفة، ألم تسمعي ما قالوا؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، دخل عليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: كيف تيكم؟ فقلت: ائذن لي إلى أبوي، قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأتيت أبوي فقلت لأمي: ما يتحدث به الناس؟ قالت: يا بنيتي هوني على نفسك الشأن، فو اللّه قلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، فقلت:\rسبحان اللّه ولقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبت تلك الليلة، حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار اليه بالذي يعلم من نفسه بالود لهم، فقال أسامة: هم أهلك يا رسول اللّه، ولا نعلم واللّه إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيق اللّه عليك والنساء سواها كثير، واسأل الجارية تصدقك، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بريرة فقال: يا بريرة هل رأيت فيها شيئا يريبك؟\rفقالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق نبيا، إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها، هو بهمزة مفتوحة فغين معجمة فصاد مهملة، أي أعيبه وأنكره، أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن العجين فيأتي الداجن، وهو بدال مهملة ثم جيم، ما يألف البيوت من الشاة والدجاج ونحو ذلك فيأكله، فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من نومه، فاستعذر من عبد اللّه بن أبي ابن سلول، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فو اللّه ما علمت في أهلي إلا خيرا، وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي، فقام سعد بن معاذ وقال: يا رسول اللّه أنا واللّه أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية فقال: كذبت لعمر اللّه لا تقتله ولا تقدر على ذلك، فقام أسيد بن حضير فقال: كذبت لعمر اللّه لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان: الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على المنبر، فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت، وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي، وقد بكيت ليلتي ويوما، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما هما جالسان وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينما نحن كذلك، إذ دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فجلس، ولم يجلس عندي من يوم قيل لي ما قيل","part":3,"page":29},{"id":1142,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 30\rألتمسه، وحملوا هودجي «هو ما يركب فيه» على بعيري يحسبونني فيه، وكانت النساء خفافا إنما يأكلن العلقة «هو بضم المهملة وسكون اللام من الطعام أي القليل» ووجدت عقدي، وجئت بعدما ساروا، فجلست في المنزل الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إلي، فغلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان قد عرس من وراء الجيش فأدلج. هما «بتشديد الراء والدال» أي نزل من آخر الليل للاستراحة، فسار منه فأصبح في منزله، فرأى سواد إنسان نائم، أي شخصه، فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، أي قوله: إنا للّه وإنا إليه راجعون، فخمرت وجهي بجلبابي، أي غطيته بالملاءة، واللّه ما كلمني بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حين أناخ راحلته ووطىء على يدها، فركبتها،\r______________________________\rقبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى اليه في شأني شيء، قالت: فتشهد ثم قال: يا عائشة إنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك اللّه، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري اللّه وتوبي اليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب، تاب اللّه عليه، فلما قصى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مقالته قلص دمعي، أي انقطع جريانه حتى ما أحس منه بقطرة وقلت لأبي: أجب عني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، قال: واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما قال: قالت: واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قالت: وأنا جارية حديثة السن لا اقرأ كثيرا من القرآن فقلت: إني واللّه لقد علمت أنكم سمعتم ما تحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قلت لكم إني بريئة، واللّه يعلم إني لبريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، واللّه يعلم إني لبريئة لتصدقنني، واللّه ما أجد لي ولكم مثلا إلى أبا يوسف إذ قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ثم تحوّلت فاضطجعت على فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني اللّه، ولكن واللّه ما ظننت أن ينزل في شأني وحي، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيّ اليوم رؤيا يبرئني اللّه بها، فو اللّه ما رام أن برح مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء أو الشدة والكرب، حتى إنه لينحدر منه مثل الجمان، أي اللؤلؤ من العرق في يوم شات، فلما سري أي كشف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: يا عائشة احمدي اللّه فقد برأك اللّه، فقالت أمي: قومي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقلت: واللّه لا أقوم اليه ولا أحمد إلا اللّه، فأنزل اللّه عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ الآيات. فلما أنزل اللّه هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق وكان ينفق على مسطح بن اثاثة لقرابته منه: واللّه لا أنفق على مسطح بشيء أبدا بعد ما قال في عائشة، فأنزل اللّه عز وجل: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ الآية إلى قوله: غَفُورٌ رَحِيمٌ فقال أبو بكر: بلى واللّه إني لأحب أن يغفر اللّه لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يسأل زينب بنت جحش عن أمري فقال: يا زينب ما علمت ما رأيت؟ فقالت: يا رسول اللّه احمي سمعي وبصري، واللّه ما علمت عليها إلا خيرا، قالت: وهي التي كانت تساميني فعصمها اللّه بالورع.\rانتهى.","part":3,"page":30},{"id":1143,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 31\rفانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش، بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، أي من أوغر، واقفين في مكان وعر من شدة الحر، فهلك من هلك فيّ، وكان الذي تولى كبره منهم، عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول، اه قولها، رواه الشيخان، قال تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أي عليه مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ في ذلك وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ أي تحمل معظمه فبدأ بالخوض فيه وأشاعه وهو عبد اللّه بن أبيّ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (11) هو النار في الآخرة لَوْ لا هلا إِذْ حين سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ أي ظن بعضهم ببعض خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) كذب بين، فيه التفات عن الخطاب، أي ظننتم أيها العصبة وقلتم لَوْ لا هلا جاؤُ أي العصبة عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ شاهدوه فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ أي في حكمه هُمُ الْكاذِبُونَ (13) فيه وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ\r______________________________\rقوله: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أي من العصبة. قوله: مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ أي جزاء ما اكتسب من الإثم في الدنيا، وهو لغير عبد اللّه بن أبيّ، فإنهم قد حدوا حد القذف، وعمي حسان وشلت يده في آخر عمره، وعمي مسطح أيضا، أو في الدنيا والآخرة وهو لابن أبيّ، فعذبه اللّه بخزي الدنيا والخلود في النار.\rقوله: لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ لما بين سبحانه وتعالى حال الخائضين في الإفك، وأنهم اكتسبوا الإثم، شرع في توبيخهم وزجرهم بتسعة زواجر: الأول هذا، والثاني لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ الخ، والثالث وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ الخ، الرابع إِذْ تَلَقَّوْنَهُ الخ، الخامس وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ الخ، السادس يَعِظُكُمُ اللَّهُ الخ، السابع إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ الخ، الثامن وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ الخ، التاسع يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ - إلى- سَمِيعٌ عَلِيمٌ ولو لا هنا للتوبيخ لدخولها على الماضي، لأن لو لا لها ثلاثة أحوال: إذا دخلت على ماض كان معناها التوبيخ، وإذا دخلت على مضارع كان معناها التحضيض، وإذا دخلت على جملة اسمية كانت امتناعية، وقد كررت هنا في ست مواضع:\rالأول والثاني والرابع توبيخية لا جواب لها، والثالث والخامس والسادس شرطية، ذكر جوابها في الثالث والسادس، وحذف في الخامس فتدبر، وإذا ظرف لظن، والمعنى كان ينبغي لكم بمجرد سماعه، أن تحسنوا الظن في أم المؤمنين، ولا تصروا على الأمر القبيح بعد سماعه. قوله: بِأَنْفُسِهِمْ أي بأبناء جنسهم في الايمان والصحبة. قوله: (فيه التفات عن الخطاب) أي إلى الغيبة، إذ كان مقتضى الظاهر ظننتم، وحكمته التسجيل عليهم والمبالغة في توبيخهم.\rقوله: لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ أي الإفك. قوله: (شاهدوه) أي عاينوا الزنا. قوله: (في حكمه) أي الشرعي لأن مداره على الشهادة والأمر الظاهر، وهذا جواب عما يقال: إنهم كاذبون عند اللّه مطلقا ولو أتوا بشهداء، فأجاب: بأنهم كاذبون باعتبار حكم الشرع، ولا شك أنهم لو أتوا ببينة معتبرة، لكان حكم اللّه أنهم صادقون في الظاهر، فأراد اللّه أن يكذبهم ظاهرا وباطنا.\rقوله: وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَوْ لا امتناعية وجوابها قوله: لَمَسَّكُمْ والمعنى","part":3,"page":31},{"id":1144,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 32\rفِيما أَفَضْتُمْ أيها العصبة أي خضتم فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (14) في الآخرة إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ أي يرويه بعضكم عن بعض، وحذف من الفعل إحدى التاءين، وإذ منصوب بمسكم أو بأفضتم وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً لا إثم فيه وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) في الإثم وَلَوْ لا هلا إِذْ حين سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ ما ينبغي لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هو للتعجب هنا هذا بُهْتانٌ كذب عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ ينهاكم أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) تتعظون بذلك وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ في الأمر والنهي وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما يأمر به وينهى عنه حَكِيمٌ (18) فيه إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ باللسان فِي الَّذِينَ آمَنُوا بنسبتها إليهم وهم العصبة لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا بحد القذف وَالْآخِرَةِ بالنار لحق اللّه وَاللَّهُ يَعْلَمُ انتفاءها عنهم وَأَنْتُمْ أيها العصبة بما قلتم من الإفك لا تَعْلَمُونَ (19) وجودها فيهم وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أيها العصبة وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (20) بكم لعاجلكم بالعقوبة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ أي طرق تزيينه وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ أي المتبع يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أي القبيح وَالْمُنْكَرِ\r______________________________\rامتنع مس العذاب لكم، لوجود فضل اللّه ورحمته عليكم. قوله: فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ أي بسببه وما اسم موصول وأَفَضْتُمْ صلته أو مصدرية، أي بسبب الذي أفضتم فيه أو بسبب إفاضتكم. قوله:\rعَذابٌ عَظِيمٌ أي لغير ابن سلول فإن عذابه محتم.\rقوله: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ أي تتلفظون به باللسان فقط، دون اعتقاده بالقلب فهم يعتقدون براءتها، وإنما تلفظهم بالإفك محض حسد وعناد.\rقوله: وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ لَوْ لا توبيخه، وإِذْ ظرف لقلتم، والمعنى كان الواجب عليكم حين سمعتم هذا الأمر، أن تقولوا سبحانك وفصل بالظرف بين لَوْ لا وقُلْتُمْ لأنه يغتفر في الظروف ما لا يغتفر في غيرها. قوله: (هو للتعجب هنا) أي مع التنزيه والمعنى تنزيها لك من انتهاك حرماتك، فإنه غير لائق بك ولا بأحبابك الذين قلت فيهم إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.\rقوله: (ينهاكم) أشار بذلك إلى أنه ضمن يَعِظُكُمُ معنى (ينهاكم) فعداه بعن. قوله: أَبَداً أي مدة حياتكم. قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه، أي فلا تعودوا لمثله. قوله: (باللسان) أي فالمراد بإشاعتها إشاعة خبرها. قوله: (بنسبتها إليهم) أشار بذلك إلى أن المراد بالذين آمنوا، خصوص عائشة وصفوان. قوله: (و هم العصبة) تفسير للذين يحبون. قوله: (لحق اللّه) أي ذنب الإقدام، وهو محمول على عبد اللّه بن أبيّ، وأما غيره فقد تاب وحسنت توبته.\rقوله: وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ عطف على فَضْلُ اللَّهِ. قوله: (لعاجلكم بالعقوبة) جواب لَوْ لا، وخبر المبتدأ محذوف، والتقدير موجودان.\rقوله: خُطُواتِ بضم الطاء وسكونها قراءتان سبعيتان.","part":3,"page":32},{"id":1145,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 33\rشرعا باتباعها وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ أيها العصبة بما قلتم من الإفك مِنْ أَحَدٍ أَبَداً أي ما صلح وطهر من هذا الذنب بالتوبة منه وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي يطهر مَنْ يَشاءُ من الذنب بقبول توبته منه وَاللَّهُ سَمِيعٌ بما قلتم عَلِيمٌ (21) بما قصدتم وَلا يَأْتَلِ يحلف أُولُوا الْفَضْلِ أي أصحاب الغنى مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ لا يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نزلت في أبي بكر حلف أن لا ينفق على مسطح وهو ابن خالته مسكين مهاجر بدري لما خاض في الإفك بعد أن كان ينفق عليه وناس من الصحابة أقسموا أن لا يتصدقوا على من تكلم بشيء من الإفك وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا عنهم في ذلك أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ\r______________________________\rقوله: وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ شرط حذف جوابه تقديره فلا يفلح أبدا، وقوله: فَإِنَّهُ يَأْمُرُ الخ، تعليل للجواب. قوله: (أي المتبع) هكذا بصيغة اسم المفعول وهو الشيطان، قوله:\r(باتباعها) متعلق بيأمر. قوله: ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً هذا يفيد أنهم تابوا وطهروا، وهو كذلك، إلا عبد اللّه بن أبيّ، فإنه استمر على النفاق حتى هلك كافرا.\rقوله: وَلا يَأْتَلِ لا ناهية، والفعل مجزوم بحذف الياء. قوله: (أي أصحاب الغنى) في تفسير الفضل بالغنى نوع تكرار مع قوله: وَالسَّعَةِ وحينئذ فالمناسب تفسير الْفَضْلِ بالعلم والدين والإحسان، وكفى به دليلا على فضل الصديق. قوله: أَنْ (لا) يُؤْتُوا أشار المفسر إلى أن الكلام على تقدير (لا) النافية. قوله: أُولِي الْقُرْبى أي القرابة، وقوله: وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ معطوف على أُولِي فهذه الأوصاف الثلاثة لموصوف واحد وهو مسطح قوله: (حلف أن لا ينفق على مسطح) أي فبعد ذلك تاب وجاء إلى أبي بكر واعتذر وقال: إنما كنت أغشى مجلس حسان واسمع منه ولا أقول، فقال له أبو بكر: لقد ضحكت وشاركت فيما قيل، وكفر عن يمينه.\rلطيفة: وقع لابن المقري، أنه وقع منه هفوة، فقطع والده ما كان يجريه له من النفقة، فكتب الولد لأبيه:\rلا تقطعن عادة بر ولا ... تجعل عقاب المرء في رزقه\r\rفإن أمر الإفك من مسطح ... يحط قدر النجم من أفقه\r\rوقد جرى منه الذي قد جرى ... وعوتب الصديق في حقه\r\rفكتب اليه والده:\rقد يمنع المضطر من ميتة ... إذا عصى بالسير في طرقه\r\rلأنه يقوى على توبة ... توجب إيصالا إلى رزقه\r\rلو لم يتب مسطح من ذنبه ... ما عوتب الصديق في حقه\r\rانتهى. قوله: (لما خاض في الأفك) ظرف لقوله: (حلف). قوله: وَلْيَعْفُوا أي أولو الفضل.\rقوله: وَلْيَصْفَحُوا أي ليعرضوا عن لومهم. قوله: (و رجع إلى مسطح ما كان ينفقه عليه) أي وحلف.","part":3,"page":33},{"id":1146,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 34\rاللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) للمؤمنين قال أبو بكر بلى أنا أحب أن يغفر اللّه لي، ورجع إلى مسطح ما كان ينفقه عليه إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ بالزنا الْمُحْصَناتِ العفائف الْغافِلاتِ عن الفواحش بأن لا يقع في قلوبهن فعلها الْمُؤْمِناتِ باللّه ورسوله لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ ناصبه الاستقرار الذي تعلق به لهم تَشْهَدُ بالفوقانية والتحتانية عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (24) من قول وفعل وهو يوم القيامة يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَ يجازيهم جزاءهم الواجب عليهم وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25) حيث حقق لهم جزاءه الذي كانوا يشكون فيه ومنهم عبد اللّه بن أبيّ. والمحصنات هنا أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يذكر في قذفهن توبة ومن ذكر في قذفهن أول السورة التوبة غيرهن. الْخَبِيثاتُ من النساء ومن الكلمات لِلْخَبِيثِينَ من الناس وَالْخَبِيثُونَ من الناس لِلْخَبِيثاتِ مما ذكر وَالطَّيِّباتُ مما ذكر لِلطَّيِّبِينَ من الناس وَالطَّيِّبُونَ منهم لِلطَّيِّباتِ مما ذكر أي اللائق\r______________________________\rأن لا ينزع نفقته منه أبدا، ومسطح هو ابن اثاثة بن عباد بن عبد المطلب بن عبد مناف، وقيل اسمه عوف، ومسطح لقبه.\rقوله: الْغافِلاتِ (عن الفواحش) أي لسلامة صدورهن، ونقاء قلوبهن، واستغراقهن في مشاهدة اللّه تعالى. قوله: لُعِنُوا فِي الدُّنْيا أي بعدوا فيها عن الثناء الحسن على ألسنة المؤمنين، وقوله: وَالْآخِرَةِ أي بالعذاب إن لم يتوبوا. قوله: (ناصبة الاستقرار) الخ أي والتقدير وعذاب عظيم كائن لهم يوم تشهد. قوله: (بالفوقانية والتحتانية) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: يَوْمَئِذٍ معمول ليوفيهم أو ليعلمون. قوله: (جزاءهم الواجب عليهم) أشار بذلك إلى أن المراد بالدين الجزاء لما في الحديث: «كما تدين تدان». قوله: هُوَ الْحَقُ أي الثابت الذي لا يقبل الزوال أزلا ولا أبدا. قوله: (و منهم عبد اللّه بن أبيّ) يأتي بهذا ليصح قوله: (كانوا يشكون فيه) فالشك من بعضهم، وأما حسان ومسطح وحمنة فهم مؤمنون لا يترددون في الجزاء. قوله: (أزواج النبي) أي لأن من قذف واحدة منهن فقد قذف الجميع، لاشتراكهن في العفة والصيانة والنسبة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله:\r(لم يذكر في قذفهن توبة) أي مثل ما ذكر فيما تقدم في قوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا. قوله: (و من ذكر) مبتدأ و(غيرهن) خبره، وهذا من باب التهويل والتعظيم لأمر الإفك، وإلا فهو كغيره من سائر المعاصي التي تمحى بالتوبة، وأما بعد نزول الآيات، فقد صار قذف عائشة رضي اللّه عنها بصفوان كفرا، لمصادمة القرآن العظيم، فاعتقاد براءتها شرط في صحة الإيمان.\rقوله: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ كلام مستأنف سيق لتأكيد البراءة لعائشة، وتقبيحا على من تكلم فيها. والمعنى أن المجانسة من دواعي الانضمام، فالخبيث لا يكاد يألف غير جنسه، والطيب كذلك، وهو بمعنى قولهم: وكل إناء بالذي فيه ينضح. قوله: وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ الإشارة بذلك لرسول اللّه وعائشة، أي فحيث كان رسول اللّه أطيب الطيبين، تبين بذلك أن عائشة من أطيب الطيبات. (من الناس ومن الكلمات) هذان قولان في تفسير الْخَبِيثاتُ وقوله: (مما ذكر) أي من الناس والكلمات.","part":3,"page":34},{"id":1147,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 35\rبالخبيث مثله وبالطيب مثله أُولئِكَ الطيبون من الرجال والطيبات من النساء ومنهم عائشة وصفوان مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ أي الخبيثون والخبيثات من الرجال والنساء فيهم لَهُمْ للطيبين والطيبات مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26) في الجنة، وقد افتخرت عائشة بأشياء منها أنها خلقت طيبة ووعدت مغفرة ورزقا كريما يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا أي\r______________________________\rقوله: (أي اللائق بالخبيث مثله) أي من نساء أو كلمات. قوله: (و قد افتخرت عائشة بأشياء) منها أن جبريل عليه السّلام، أتى بصورتها في سرقة حرير وقال: هذه زوجتك، ويروى أنه أتى بصورتها في راحته، ومنها أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يتزوج بكرا غيرها، وقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حجرها وفي يومها، ودفن في بيتها وكان ينزل الوحي عليه وهي معه في اللحاف، ونزلت براءتها من السماء، وأنها ابنة الصديق خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وخلقت طيبة، ووعدت مغفرة ورزقا كريما، وفي القرطبي قال بعض أهل التحقيق: إن يوسف عليه الصلاة والسّلام لما رمي بالفاحشة، برأه اللّه على لسان صبي في المهد، وإن مريم لما رميت بالفحشاء، برأها اللّه على لسان ولدها عيسى عليهما السّلام، وإن عائشة لما رميت بالفحشاء، برأها اللّه بالقول، فما رضي لها براءة صبي ولا نبي، حتى برأها اللّه بكلامه من القذف والبهتان، انتهى.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ الخ، لما ذكر اللّه أحكام العفاف، وكان من جملة العفاف، عدم دخول منازل الغير إلا بإذن أهلها ذكر الاستئذان عقب ذلك. وسبب نزولها أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول اللّه إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد، لا والد ولا ولد، فيأتي الأب فيدخل علي، وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحالة، فنزلت.\rقوله: غَيْرَ بُيُوتِكُمْ أي غير محل سكنكم، وحينئذ فقد خرج مالك ذات الدار إذا دخل على مكتريها، فيجب عليه الاستئذان، لأنه قد صدق عليه أنه غير بيته. قوله: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا من الاستئناس وهو ضد الاستيحاش، سمي بذلك لأن المستأذن مستوحش، فإذا أذن له فقد زال الاستيحاش. قوله:\r(فيقول الواحد السّلام عليكم أأدخل) أشار بذلك إلى أن السّلام مقدم على الاستئذان، وهو قول الأكثر والحق التفصيل، فإن وقع بصره على أحد في البيت قدم السّلام، وإلا قدم الاستئذان ثم يسلم، ويكون كل من السّلام والاستئذان ثلاث مرات، يفصل بين كل مرتين بسكوت يسير، الأول إعلام، والثاني للتهيؤ، والثالث استئذان في الدخول أو الرجوع، وإذا أتى الباب، لا يستقبله من تلقاء وجهه، بل يجيء من جهة ركنه الأيمن أو الأيسر، وإذا طلب منه التعيين فليعين نفسه بصفة تميزه، ولا يكتف بقوله أنا مثلا، لما روي عن جابر بن عبد اللّه قال: استأذنت على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: من هذا؟ فقلت: أنا فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم:\rأنا أنا، كأنه كره ذلك لعدم إفادته، فالواجب أن يفعل الشخص كما فعل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه حين أراد الدخول على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو في مشربة فقال: السّلام عليك يا رسول اللّه، السّلام عليكم، أيدخل عمر؟ قوله: (من الدخول بغير استئذان) أي ومن تحية الجاهلية، حيث كان الرجل منهم إذا أراد أن يدخل بيتا غير بيته يقول: حييتكم صباحا، حييتكم مساء، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف.\rقوله: (بإدغام التاء الثانية في الذال) أي بعد قلبها دالا فذالا.\rقوله: أَحَداً (يأذن لكم) السالبة تصدق بنفي الموضوع، فهو صادق بأن لا يكون فيها أحد أصلا، أو فيها من لا يصلح للإذن، أو فيها من","part":3,"page":35},{"id":1148,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 36\rتستأذنوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها فيقول الواحد: السّلام، عليكم، أأدخل؟ كما ورد في حديث ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ من الدخول بغير استئذان لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) بإدغام التاء الثانية في الذال خيريته فتعملون به فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً يأذن لكم فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ بعد الاستئذان ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أي الرجوع أَزْكى أي خير لَكُمْ من القعود على الباب وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من الدخول بإذن وغير إذن عَلِيمٌ (28) فيجازيكم عليه لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ أي منفعة لَكُمْ باستكنان وغيره كبيوت الربط والخانات المسبلة وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ تظهرون وَما تَكْتُمُونَ (29) تخفون في دخول غير بيوتكم من قصد صلاح أو غيره، وسيأتي أنهم إذا دخلوا بيوتهم يسلمون على أنفسهم قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ عما لا يحل لهم نظره، ومن زائدة وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ عما لا\r______________________________\rيصلح، لكن لم يأذن. قوله: حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ أي حتى يأتيكم الإذن، ولو مع خادم يوثق به. قوله:\rهُوَ أَزْكى أي أطهر للأمن من الرذائل والدناءات.\rقوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ هذا كالاستثناء من قوله: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ وسبب نزولها: أن أبا بكر رضي اللّه عنه لما نزلت آية الاستئذان قال: يا رسول اللّه كيف بالبيوت التي بين مكة والشام على ظهر الطريق والخانات، أفلا ندخلها إلا بإذن؟ فنزلت. قوله: غَيْرَ مَسْكُونَةٍ أي غير معدة لسكنى طائفة مخصوصة، كالربط والخانات والحمامات والحوانيت ونحوها. قوله: (باستكنان) أي طلب كن يستتر فيه من الحر والبرد، وقوله: (و غيره) كالبيع والشراء. قوله: (المسبلة) اقتصر عليها، لأن مورد سؤال أبي بكر في الخانات المسبلة التي بين مكة والشام. قوله: (و سيأتي) أي في آخر السورة في قوله: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ أي قولوا السّلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين، فإن الملائكة ترد عليكم، أي وإن كان بها أهل فسلموا عليهم.\rقوله: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ الخ، شروع في ذكر أحكام تعم المستأذنين وغيرهم. قوله: يَغُضُّوا أي يخفضوا. قوله: (و من زائدة) أي يغضوا أبصارهم، وحكمة دخول من في غض البصر دون حفظ الفرج، الاشارة إلى أن أمر النظر أوسع من أمر الفرج. قوله: ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ أي لأنه أبعد للريبة، ولا مفهوم للبصر والفرج، بل باقي الجوارح كذلك، وخص البصر والفرج بالذكر، لأنهما مقدمتان لغيرهما من الجوارح. قوله:\r(فيجازيهم عليه) أي فالغاض يجازى بالحسنات، وغيره يجازى بالسيئات.\rقوله: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَ هذا أمر من اللّه سبحانه وتعالى للمؤمنات، بغض الأبصار وحفظ الفروج، وبسط الكلام في شأنهن، لأن النساء شأنهن التبرج والخيلاء والعجب لما روي:\rإذا أقبلت المرأة، جلس إبليس على رأسها فزينها لمن ينظر، وإذا أدبرت جلس على عجيزتها فزينها لمن ينظر، وقد اشتملت هذه الآية على خمس وعشرين ضميرا للإناث، ما بين مرفوع ومجرور، ولم يوجد لها","part":3,"page":36},{"id":1149,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 37\rيحل لهم فعله بها ذلِكَ أَزْكى أي خير لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (30) بالأبصار والفروج فيجازيهم عليه وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَ عما لا يحل لهن نظره وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَ عما لا يحل لهن فعله بها وَلا يُبْدِينَ يظهرن زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وهو الوجه والكفان فيجوز نظره لأجنبي إن لم يخف فتنة في أحد وجهين، والثاني يحرم لأنه مظنة الفتنة، ورجح حسما للباب وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَ أي يسترن الرؤوس والأعناق والصدور بالمقانع وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَ الخفية وما عدا الوجه والكفين إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ جمع بعل أي زوج أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَ فيجوز لهم نظره إلا ما بين السرة والركبة فيحرم نظره لغير الأزواج، وخرج بنسائهن الكافرات فلا يجوز للمسلمات الكشف لهنّ، وشمل ما ملكت أيمانهن العبيد أَوِ التَّابِعِينَ في فضول الطعام غَيْرِ بالجر صفة والنصب استثناء أُولِي الْإِرْبَةِ\r______________________________\rنظير في القرآن في هذا الشأن. قوله: (عما لا يحل لهن فعله بها) أي عن الأمر الذي لا يحل فعله بالفروج، كأن تمكن المرأة من فرجها غير زوجها نظرا أو فعلا. قوله: زِينَتَهُنَ أي موضع زينتهن. قوله: (فيجوز نظره لأجنبي) الخ، هذا مذهب مالك، وأحد قولين عند الشافعي. قوله: (حسما للباب) أي سدا للذريعة.\rقوله: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَ أي يلقين خمرهن على موضع جيوبهن، وهو العنق، والجيب في الأصل طوق القميص، وكانت النساء على عادة الجاهلية، يسدلن خمرهن من خلفهن، فتبدو نحورهن وقلائدهن من جيوبهن لسعتها، فأمرن بإرسال خمرهن على جيوبهن سترا لما يبدو منها. قوله: زِينَتَهُنَ، أي موضع زينتهن. قوله: إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ حاصل هذه المستثنيات اثنا عشر نوعا آخرها أو الطفل.\rقوله: أَوْ آبائِهِنَ أي وإن علوا. قوله: أَوْ أَبْنائِهِنَ أي ولو من الرضاع وإن سفلوا. قوله:\rأَوْ إِخْوانِهِنَ جمع أخ كان من نسب أو رضاع. قوله: أَوْ نِسائِهِنَ أي نساء جنسهن اللاتي اشتركن.\rمعهن في الايمان، فيخرج الكافرات. قوله: (فيجوز لهم نظره) أي يجوز للرجال المحارم رؤية ما عدا ما بين السرة والركبة من محارمهم النساء. ويجوز لهن نظر ذلك منهم، وهذا مذهب الشافعي، وعند مالك لا يحل للرجال المحارم إلا نظر الوجه والأطراف من النساء المحارم، وأما النساء فيحل لهن نظر ما عدا ما بين السرة والركبة من الرجال المحارم. قوله: (فلا يجوز للمسلمات الكشف لهن) أي باتفاق مالك والشافعي، لئلا تصفها الكافرة لأهل دينها فتحصل المفاسد. قوله: (العبيد) أي فيجوز أن يكشفن لهم، ما عدا ما بين السرة والركبة، لكن بشرط العفة وعدم الشهوة من الجانبين، وهذا مذهب الشافعي، وعند مالك يفرق بين الوغد وغيره، فالوغد يرى من سيدته الوجه والأطراف، وغيره كالحر الأجنبي يرى منها الوجه والكفين.\rقوله: أَوِ التَّابِعِينَ الحق أن المراد بالتابع الشيخ الهرم الذي لا يشتهي النساء، أو الأبله الذي لا","part":3,"page":37},{"id":1150,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 38\rأصحاب الحاجة إلى النساء مِنَ الرِّجالِ بأن لم ينتشر ذكر كل أَوِ الطِّفْلِ بمعنى الأطفال الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا يطلعوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ للجماع فيجوز أن يبدين لهم ما عدا ما بين السرة والركبة وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَ من خلخال يتقعقع وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مما وقع لكم من النظر الممنوع منه ومن غيره لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) تنجون من ذلك لقبول التوبة منه، وفي الآية تغليب الذكور على الإناث وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ جمع أيم وهي من ليس لها زوج، بكرا كانت أو ثيبا، ومن ليس له زوج وهذا في الأحرار والحرائر وَالصَّالِحِينَ أي المؤمنين مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ وعباد من جموع عبد إِنْ يَكُونُوا\r______________________________\rيعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة. قوله: غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ بالكسر الحاجة. قوله: مِنَ الرِّجالِ حال من التابعين، أي فيجوز لمن ذكر نظر ما عدا ما بين السرة والركبة عند الشافعي، وعند مالك يحل نظر الوجه والأطراف فقط.\rقوله: الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ اعلم أن الصبي إما أن لا يبلغ أن يحكي ما رأى، وهذا غيبته كحضوره، أو أن يبلغه وليس فيه ثوران شهوة وهذا كالمحرم، أو يعرف أمر الجماع والشهوة، وهذا كالبالغ باتفاق مالك والشافعي. قوله: لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَ أي فإن ذلك يورث الرجال ميلا. إليهن، وهذا من باب سد الباب وتعليم الأحوط، وإلا فصوت الخلخال مثلا ليس بعورة. قوله:\rوَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً هذا حسن اختتام لهذه الآية، كأن اللّه يقول: لا تقنطوا من رحمتي، فمن كان قد وقع منه شيء مما نهيته عنه فليتب، فإن التوبة فيها الفلاح والظفر بالمقصود. قوله: (تغليب الذكور) أي في قوله: وَتُوبُوا الخ.\rقوله: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ الخ، الخطاب للأولياء والسادات، والإنكاح تزويج الغير.\rقوله: (جمع أيم) أي بوزن فيعل، قيل غير مقلوب، وقيل إن الأصل أيائم فقلب. قوله: (هي من ليس لها زوج) الخ، أي فلفظ الأيم يطلق على كل من الرجل والمرأة الغير المتزوجين، سواء سبق لهما تزوج أو لا، والأمر للوجوب إن خيف الزنا على المرأة أو الرجل، أو اضطرت المرأة للنفقة، لكن المرأة يزوجها وليها، والرجل يتزوج بنفسه، إن كان رشيدا أو أذن له وليه، وهذا مذهب مالك والشافعي، وعند أبي حنيفة تزوج المرأة نفسها، فإن لم تخف الزنا، أو لم تضطر المرأة، كان مباحا عند الشافعي، ومندوبا عند مالك وأبي حنيفة. واعلم أن النكاح تعتريه الأحكام الأربعة، فتارة يجب وذلك إذا خاف الزنا، ولو كان ينفق عليها من حرام، وتارة يندب إذا كان راغبا فيه ولم يخش الزنا وراجيا النسل، وتارة يحرم، كما إذا كان يقطعه عن عبادة واجبة، أن ينفق عليها من حرام مع كونه لم يخش الزنا، وتارة يكره كما إذا كان يقطعه عن عبادة مندوبة. قوله: (و هذا في الأحرار) الخ، أي بقرينة قوله: وَإِمائِكُمْ. قوله: (أي المؤمنين) أي فالعبيد المؤمنون يزوجون وجوبا، إن خيف بتركه الزنا، وهذا عند الشافعي، وعند مالك لا يجب على السيد تزويج عبده، ولو خاف العبد الزنا، وحينئذ فالأمر عنده للندب. قوله: مِنْ عِبادِكُمْ أي فيزوجه سيده ولو بحرة، وقوله: وَإِمائِكُمْ أي فيزوج السيد أمته لرقيق وكذا لحر، بشرط أن لا يجد","part":3,"page":38},{"id":1151,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 39\rأي الأحرار فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ بالتزوج مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ لخلقه عَلِيمٌ (32) بهم وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً أي ما ينكحون به من مهر ونفقة عن الزنا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ يوسع عليهم مِنْ فَضْلِهِ فينكحون وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ بمعنى المكاتبة مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من العبيد والإماء فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً أي أمانة وقدرة على الكسب لأداء مال الكتابة. وصيغتها، مثلا: كاتبتك على ألفين في شهرين كل شهر ألف، فإذا أديتهما فأنت حر، فيقول قبلت وَآتُوهُمْ أمر للسادة مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ ما يستعينون به في أداء ما التزموه لكم، وفي معنى الإيتاء حط شيء مما التزموه وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ أي إمائكم عَلَى الْبِغاءِ أي الزنا إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً تعففا عنه، وهذه الإرادة محل الإكراه فلا مفهوم للشرط\r______________________________\rللحرائر طولا، وأن يخشى الزنا، ومحل الشرطين إن لم يكن عقيما. قوله: (من جموع عبد) أي وله جموع أخر، كعبيد وأعابد وأعبد، ونحو ذلك.\rقوله: إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي فإن في فضل اللّه كفاية عن المال، لقوله عليه الصلاة والسّلام: «اطلبوا الغنى بالتزوج»، فالمهم تزوج الصالحين من عباد اللّه نساء ورجالا، وإن كانوا فقراء لما في الحديث: «تنكح المرأة لما لها وجمالها ودينها، فعليك بذات الدين تربت يداك». قوله: وَاللَّهُ واسِعٌ أي ذو العطايا العظيمة التي لا تنفد. قوله: عَلِيمٌ (بهم) أي بحالهم فيغنيهم.\rقوله:\rوَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً أي ليجتهدوا في طلب العفة وتحصيل أسبابها، وذلك يكون بالتباعد عن الغلمان والنساء، ويكون بملازمة الصوم والرياضة، لما في الحديث: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء، ويكون بترك استعمال العقاقير التي تقوي الشهوة واستعمال ضدها». قوله: (أي ما ينكحون به) أي فالمصدر بمعنى اسم المفعول ككتاب بمعنى مكتوب.\rقوله: (عن الزنا) قدرة إشارة إلى أن متعلق يستعفف محذوف.\rقوله: وَالَّذِينَ اسم موصول مبتدأ ويَبْتَغُونَ صلته والْكِتابَ معمول ليبتغون، وقوله:\rمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ حال من فاعل يَبْتَغُونَ، وقوله: فَكاتِبُوهُمْ الجملة خبر، وقرن بالفاء لما في المبتدأ من معنى الشرط. قوله: (بمعنى المكاتبة) أي وهي مفاعلة، لأن السيد كتب على نفسه العتق، والعبد كتب على نفسه النجوم. قوله: فَكاتِبُوهُمْ الأمر للندب. قوله: (أي أمانة) أي في دينه. قوله:\r(و قدرة على الكسب) أي بحرفة وغيرها. قوله: وَآتُوهُمْ الأمر قيل للندب وقيل للوجوب. قوله:\r(حط شيء) أي وهو أفضل من الإعطاء، لأنه قد يصرفه في غير جهة الكتابة، والأفضل أن يكون ذلك الحط في آخر نجم.\rقوله: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ جمع فتاة، ولا مفهوم للإكراه، بل الرضا بالزنا من الكبائر، وإنما عبر به لأنه سبب النزول. قوله: عَلَى الْبِغاءِ هو مصدر بغت المرأة تبغي بغاء، أي زنت، وهو مختص بزنا النساء. قوله: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لا مفهوم له، بل يحرم الإكراه على الزنا وإن لم يردن التحصن،","part":3,"page":39},{"id":1152,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 40\rلِتَبْتَغُوا بالإكراه عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا نزلت في عبد اللّه بن أبيّ كان يكره جواريه على الكسب بالزنا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ لهن رَحِيمٌ (33) بهن وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ بفتح الياء وكسرها في هذه السورة بين فيها ما ذكر أو بينة وَمَثَلًا خبرا عجيبا وهو خبر عائشة مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ أي من جنس أمثالهم، أي أخبارهم العجيبة كخبر يوسف ومريم وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34) في قوله تعالى: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ الخ، (لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ الخ، وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ الخ، يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا الخ، وتخصيصها بالمتقين لأنهم المنتفعون بها اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي منورهما بالشمس والقمر مَثَلُ نُورِهِ أي صفته في قلب المؤمن كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي\r______________________________\rوإنما نص على ذلك، لأنه الواقع من عبد اللّه بن أبي الذي نزلت في حقه الآية. قوله: (محل الإكراه) أي فلا يتحقق الإكراه إلا عند تلك الارادة، وأما عند ميلهن له فذلك باختيارهن فلا يتصور الإكراه حينئذ، فالتقييد لأجل صحة قوله: تُكْرِهُوا. قوله: (كان يكره جواريه) أي وكن ستا فشكا ثنتان منهن للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت الآية. قوله: غَفُورٌ (لهن) أي ما وقع منهن، لأن المكره وإن لم يكن آثما، فلربما يحصل منه بعض ميل، والإكراه المبيح للزنا هو خوف القتل أو الضرب المؤدي له أو لتلف عضو، وأما القتل فلا يباح تخوف القتل، بل يسلم نفسه ولا يقتل غيره، وأما ترك الصلاة مثلا، فالإكراه عليه يحصل بالضرب ونحوه. قوله: (بفتح الياء وكسرها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (بين فيها ما ذكر) راجع للفتح، وقوله: (أو بينة) راجع للكسر.\rقوله: وَمَثَلًا عطف على آيات. قوله: (أي من جنس أمثالهم) أشار بذلك إلى أن في الآية حذف مضافين، والأصل وَمَثَلًا من جنس أمثال الذين خلوا.\rقوله: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اعلم أن حقيقة النور كيفية تدركها الباصرة أو لا، وتدرك بواسطتها سائر المبصرات، كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لها، وهو بهذا المعنى مستحيل إطلاقه على اللّه، وحينئذ فيجاب عن الآية بأن معنى قوله: نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خالق النور في السّماوات بالشمس والقمر والنجوم والكواكب والعرش والملائكة، وفي الأرض بالمصابيح والسرج والشموع والأنبياء والعلماء والصالحين، وأفاد هذا المفسر بقوله: (أي منورهما) وقيل معنى نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مظهرهما، لأن النور كما يطلق على الكيفية، يطلق على الظاهر في نفسه المظهر لغيره، وهو بهذا المعنى يصح إطلاقه على اللّه تعالى، فهو سبحانه وتعالى نور بمعنى مظهر للأشياء من العدم إلى الوجود، قال ابن عطاء اللّه في الحكم: الكون كله ظلمة، أناره ظهور الحق فيه، فوجود العالم بوجود اللّه، إذ لو لا وجود اللّه، ما وجد شيء من العالم.\rقوله: مَثَلُ نُورِهِ مبتدأ، وقوله: كَمِشْكاةٍ خبر، والمثل بمعنى الصفة، والكلام على حذف مضاف، أي كمثل مشكاة. قوله: (أي صفته في قلب المؤمن) أشار بذلك إلى أن في الكلام شبه استخدام، حيث ذكر النور أولا بمعنى، ثم ذكره ثانيا بمعنى آخر، فتحصل أنه فسر النور أولا بالحسيّ، وثانيا بالمعنويّ. قوله: كَمِشْكاةٍ اختلف في هذه اللفظة، قيل عربية وقيل حبشية معربة. قوله: فِي","part":3,"page":40},{"id":1153,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 41\rزُجاجَةٍ هي القنديل، والمصباح السراج أي الفتيلة الموقودة، والمشكاة الطاقة غير النافذة أي الأنبوبة في القنديل الزُّجاجَةُ كَأَنَّها والنور فيها كَوْكَبٌ دُرِّيٌ أي مضيء بكسر الدال وضمها من الدرء بمعنى الدفع لدفعه الظلام، وبضمها وتشديد الياء منسوب إلى الدر: اللؤلؤ يُوقَدُ المصباح بالماضي وفي قراءة بمضارع أوقد مبنيا للمفعول بالتحتانية وفي أخرى توقد بالفوقانية أي الزجاجة مِنْ زيت شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ بل بينهما فلا يتمكن منها حر ولا برد مضرين يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ لصفاته نُورُ به عَلى نُورٍ بالنار، ونور\r______________________________\rزُجاجَةٍ واحدة الزجاج، وفيه ثلاث لغات: الضم وبه قرأ العامة، والفتح والكسر وبهما قرىء شذوذا.\rقوله: (هي القنديل) بكسر القاف. قوله: (الموقودة) صوابه الموقدة. قوله: (غير النافذة) قيد به لأنه في تلك الحالة أجمع للنور. قوله: (أي الأنبوبة) هي السنبلة التي في القنديل، وهو تفسير آخر للمشكاة، وحينئذ فكان المناسب للمفسر أن يقول أو الأنبوبة، فتحصل أنه اختلف في المشكاة، فقيل هي الطاقة الغير النافذة التي وضع فيها القنديل، وعليه فهي ظرف للقنديل، وقيل هي السنبلة التي تكون وسط القنديل توضع فيها الفتيلة وعليه فالقنديل ظرف لها. قوله: (بكسر الدال وضمها) أي مع الهمزة قراءتان سبعيتان. قوله: (و بضمها وتشديد الياء) قراءة سبعية أيضا فتكون القراءات ثلاثا. قوله: (بمعنى الدفع) أي وبابه قطع. قوله: (منسوب إلى الدر) أي لشدة صفائه. قوله: (بالماضي) الخ، حاصله أن القراءات ثلاث سبعيات بالماضي وبالمضارع بالتحتانية، ويكون الضمير عائدا على المصباح، وبالفوقانية ويكون الضمير عائدا على الزجاجة على حذف مضاف، أي فتيلة الزجاجة.\rقوله: مِنْ (زيت) شَجَرَةٍ مِنْ ابتدائية، وأشار المفسر إلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله: مُبارَكَةٍ أي لكثرة منافعها، قال ابن عباس: في الزيتون منافع، يسرج بزيته وهو إدام ودهان ودباغ ووقود، وليس فيه شيء إلا وفيه منفعة حتى الرماد يغسل به الإبريسم، وهي أول شجرة نبتت في الدنيا، وأول شجرة نبتت بعد الطوفان، ونبتت في منازل الأنبياء والأرض المقدسة، ودعا لها سبعون نبيا بالبركة، منهم إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسّلام.\rقوله: لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ بالجر صفة لشجرة، وقرىء شذوذا بالرفع خبر لمحذوف، أي لا هي شرقية ولا هي غربية، والجملة في محل جر نعت شجرة. قوله: (بل بينهما) الخ، أشار بذلك إلى أن المراد بقوله: لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ أنها متوسطة، لا شرقية فقط ولا غربية فقط بل بينهما وهي الشام، فإن زيتونه أجود الزيتون. وفي الحديث: «لا خير في شجرة ولا نبات في مقنأة، ولا خير فيهما في مضحى»، والمقنأة بقاف ونون مفتوحة أو مضمومة فهمزة المكان الذي لا تطلع عليه الشمس، والمضحى هو الذي تشرق عليه دائما فتحرقه، وهو أحد قولين، وقيل معنى لا شرقية ولا غربية، أن الشمس تبقى عليها دائما من أول النهار لآخره، لا يواريها عن الشمس شيء، كالتي تكون في الصحارى الواسعة، فإن ثمرتها تكون أنضج وزيتها أصفى، وعلى هذا فلا يتقيد بشام ولا غيرها. قوله: (مضرين) هذا هو محل النفي وهو حال. قوله: وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه والتقدير لأضاء.","part":3,"page":41},{"id":1154,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 42\rاللّه أي هداه للمؤمن نور على نور الإيمان يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ أي دين الإسلام مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ يبين اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ تقريبا لأفهامهم ليعتبروا فيؤمنوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) ومنه ضرب الأمثال فِي بُيُوتٍ متعلق بيسبح الآتي أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ تعظم وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ بتوحيده يُسَبِّحُ بفتح الموحدة وكسرها أي يصلي لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ\r______________________________\rقوله: نُورُ (به) أي الزيت، وقوله: عَلى نُورٍ أي مع نور وهو نور المصباح والزجاجة، فالأنوار المشبه بها متعددة كأنوار المشبه، فليس المقصود في الآية التثنية، بل الكثرة، وتراكم الأنوار. قوله:\r(و نور اللّه أي هداه) الخ، أي فبراهين اللّه تزداد في قلب المؤمن برهانا بعد برهان، إن قلت: لم ضرب المثل بنور الزيت، ولم يضر به بنور الشمس والقمر والشمع مثلا؟ أجيب بأن الزيت فيه منافع، ويسهل لكل أحد، كما أن المؤمن الكامل الإيمان منافعه كثيرة، واختلف في هذه التشبيه، هل هو تشبيه مركب، بأن قصد فيه تشبيه جملة بجملة، من غير نظر إلى مقابلة جزء بجزء، وذلك بأن يراد مثل نور اللّه الذي هو هداه وبراهينه الساطعة، كجملة النور الذي يتخذ من هذه الهيئة، أو تشبيه جزء بجزء، بأن يشبه صدر المؤمن بالمشكاة، وقلبه بالزجاجة، ومعارفه بالزيت، وإيمانه بالمصباح.\rقوله: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ أي من يريد هدايته، فإن الأسباب دون مشيئته لاغية، ولو لا العناية ما كان الوصول لذلك النور. قوله: (أي دين الإسلام) المراد به ما يشمل الإيمان، وهو الذي ضرب له المثل المتقدم، وأظهر في مقام الإضمار اعتناء بشأنه. قوله: وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ أي تقريبا للمعقول من المحسوس، فحيث كان نور الإيمان. والمعارف مثله هكذا، فلا تدخل شبهة على المؤمن، إلا شاهدها بعين البصيرة، كما تشاهد بعين البصر، ويشهد الحق بعين البصيرة، كما يشهده بعين البصر، وفي هذا المقام تنافس المتنافسون، فأدناهم أهل المراقبة وأعلاهم أهل المشاهدة، ومن هذا المعنى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ وقوله في الحديث:\r«اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور اللّه» وقوله في الحديث أيضا: «الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه».\rللعارفين تفننات وضرب أمثال في هذه المقامات لا يدركها إلا من كان من أهل هذا النور.\rقوله: فِي بُيُوتٍ المراد بها جميع المساجد، وقيل خصوص مساجد أربع: الكعبة ومسجد المدينة وبيت المقدس وقباء، لأنه لم يبنها إلا نبي، فالكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل، وبيت المقدس بناه داود وسليمان، ومسجد المدينة وقباء بناهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، والأقرب الأول، لأن العبرة بعموم اللفظ. قوله:\r(يتعلق بيسبح الآتي) أي سواء قرىء ببنائه للفاعل أو المفعول، وكرر الظرف وهو قوله فيها اعتناء بشأن المساجد، لما ورد: بيوت اللّه في الأرض تضيء لأهل السماء، كما تضيء النجوم لأهل الأرض، ويصح أن يكون متعلقا بمحذوف دل عليه قوله: يُسَبِّحُ والتقدير سبحوا ربكم في بيوت، وعلى هذين فالوقف على عليم، ويصح أن يكون الجار والمجرور صفة لمشكاة أو لمصباح أو لزجاجة، أو متعلق بتوقد، وعلى هذه الأربعة لا توقف على عليم.\rقوله: أَذِنَ اللَّهُ أي أمر، والجملة صفة لبيوت، وأَنْ وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور","part":3,"page":42},{"id":1155,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 43\rمصدر بمعنى الغدوات أي البكر وَالْآصالِ (36) العشايا من بعد الزوال رِجالٌ فاعل يسبح بكسر الباء وعلى فتحها نائب الفاعل له ورجال فاعل فعل مقدر جواب سؤال مقدر كأنه قيل من يسبحه لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ أي شراء وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ حذف هاء إقامة تخفيف وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ تضطرب فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (37) من الخوف،\r______________________________\rبالباء المقدرة، والتقدير أمر اللّه برفعها. قوله: (تعظم) أي حسا ومعنى، فالتعظم الحسي رفعها بالبنيان المتين الحسن، مساويا لبنيان البلد أو أعلى، ولا منافاة بين هذا، وقوله عليه الصلاة والسّلام: «إذا ساء عمل قوم زخرفوا مساجدهم» لأن المنهي عنه الزخرفة والتزويق، لا حسن البنيان واتقانه، ومن التعظيم الحسي، تطهيرها من الأقذار والنجاسات، قال القرطبي: كره بعض أصحابنا تعليم الصبيان في المساجد، لأنهم لا يتحرزون عن الأقذار والأوساخ، فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد، وقد أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بتنظيفها وتطييبها فقال: «جبنوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وسل سيوفكم وإقامة حدودكم ورفع أصواتكم وخصوماتكم، وجمروها في الجمع واجعلوا لها على أبوابها المطاهر». والتعظيم المعنوي بترك اللهو واللعب والحديث الدنيوي، وغير ذلك مما لا ينبغي.\rقوله: وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ أي بأي ذكر كان. قوله: (بفتح الموحدة وكسرها) أي فهما قراءتان سبعيتان، فعلى الفتح يكون نائب الفاعل أحد المجرورات الثلاث، والأول أولى، ولذا اقتصر عليه المفسر، ورِجالٌ فاعل فعل محذوف، أو خبر لمحذوف تقديره يحسبه أو المسبح، وعليه فالوقف على الْآصالِ وعلى الكسر، فرجال فاعله، ولا يوقف على الْآصالِ. قوله: (أي يصلي) فسر التسبيح بالصلاة لاشتمالها عليه، واختلف في المراد بالصلاة، فقيل المراد الصبح في الغدو، وباقي الخمس في الآصال، وقد أشار لهذا المفسر بقوله: (من بعد الزوال) وقيل المراد صلاة الصبح والعصر لما قيل: إنهما الصلاة الوسطى. قوله: (مصدر) أي في الأصل، وأما هنا فالمراد منه الأزمنة. قوله: (أي البكر) أي وهي أوائل النهار، وقوله: (العشايا) هي أواخر النهار.\rقوله: رِجالٌ خصوا بالذكر، لأن شأنهم حضور المساجد للجمعة والجماعة. قوله: (شراء) خص التجارة بالشراء، وإن كان لفظ التجارة يقع على البيع أيضا لذكره البيع بعده، وقيل المراد بالتجارة حقيقتها، ويكون خص البيع بالذكر، لأن الاشتغال به أعظم، لكون الربح الحاصل من البيع ناجزا محققا، والربح الحاصل من الشراء مشكوك فيه مستقبل فلا يكاد يشغله. قوله: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ أي عن حقوق اللّه صلاة أو غيرها، فقوله: وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ من ذكر الخاص بعد العام اعتناء بشأنهما، فإن المواظب عليهما كامل الايمان. قوله: وَإِقامِ الصَّلاةِ أي أدائها في أوقاتها بشروطها وأركانها وآدابها.\rقوله: يَخافُونَ يَوْماً أي هؤلاء الرجال، وإن أكثروا الذكر والطاعات، فإنهم مع ذلك وجلون خائفون من اللّه سبحانه وتعالى، لعلمهم بأنهم ما عبدوه حق عبادته. قوله: (بين النجاة والهلاك) راجع لتقلب القلوب، وقيل معنى تقلب القلوب، ارتفاعها إلى الحناجر، فلا تنزل ولا تخرج من شدة الهول.","part":3,"page":43},{"id":1156,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 44\rالقلوب بين النجاة والهلاك، والأبصار بين ناحيتي اليمين والشمال هو يوم القيامة لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا أي ثوابه وأحسن بمعنى حسن وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (38) يقال: فلان ينفق بغير حساب أي يوسع كأنه لا يحسب ما ينفقه وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ جمع قاع أي في فلاة، وهو شعاع يرى فيها نصف النهار في شدة الحر يشبه الماء الجاري يَحْسَبُهُ يظنه الظَّمْآنُ أي العطشان ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً مما حسبه\r______________________________\rقوله: (بين ناحية اليمين والشمال) وقيل تقلب الأبصار، شخوصها من هول الأمر وشدته.\rقوله:\rلِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ اللام للعاقبة والصيرورة، أي إن مآل أمرهم وعاقبته الجزاء الحسن، وليست لام العلة، لأن هذه مرتبة عامة المؤمنين، وتلك الأوصاف إنما هي لكامل الإيمان. قوله: (و أحسن بمعنى حسن) أي فالمحترز عنه المجازاة على القبيح، فالمعنى يجازون على كل عمل حسن، قال تعالى: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ولا يجازون على ما سبق من العمل القبيح.\rقوله: وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي فلا يقتصر في إعطائهم على جزاء أعمالهم، بل يعطون أشياء لم تخطر ببالهم. قوله: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ تذييل ووعد كريم، بأنه تعالى يعطيهم فوق أجور أعمالهم من الخيرات ما لا يفي به الحساب. قوله: (يقال فلان ينفق بغير حساب) الخ، أي فهو كناية عن كون اللّه يعطيهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر بغير نهاية، فوق ما وعدهم به.\rقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا الخ، لما ضرب اللّه المثل للمؤمنين بأشرف الأمثال وأعلاها، ضرب المثل للكفار بأشر الأشياء وأخسها. والحاصل أن اللّه ضرب للكفار مثلين: مثل لأعمالهم الحسنة بقوله:\rكَسَرابٍ الخ، ومثل لأعمالهم السيئة بقوله: كَظُلُماتٍ الخ، والاسم الموصول مبتدأ، وكَفَرُوا صلته، وأَعْمالُهُمْ مبتدأ ثان، وكَسَرابٍ خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، ويصح أن يكون أَعْمالُهُمْ بدل اشتمال، وكَسَرابٍ خبر الَّذِينَ. قوله: أَعْمالُهُمْ أي الصالحة، كصدقة وعتق وغير ذلك مما لا يتوقف على نية. قوله: بِقِيعَةٍ الباء بمعنى في كما يشير له المفسر بقوله: (أي في فلاة). قوله: (جمع قاع) أي كجيرة جمع جار، وقيل القيعة مفرد بمعنى القاع. قوله: (يشبه الماء الجاري) أي ويسمى آلا أيضا، قال الشاعر:\rإذا أنا كالذي يجري لورد ... إلى آل فلم يدرك بلالا\r\rويسمى سرابا لأنه يتسرب أي يجري كالماء. قوله: يَحْسَبُهُ بكسر السين وفتحها، قراءتان سبعيتان، وماضيه حسب بكسر السين، وهو من باب تعب، في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضا. قوله: الظَّمْآنُ أي وكذا كل من رآه، وإنما خص الظَّمْآنُ لأنه أحوج إليه من غيره. قوله: حَتَّى إِذا جاءَهُ أي جاء ما قصده وظنه ماء، وهو غاية في محذوف، أي يستمر سائرا اليه حَتَّى إِذا جاءَهُ الخ. قوله: (كذلك الكافر) الخ، أشار بذلك إلى وجه الشبه، فتحصل أنه شبه حال الكافر من حيث اعتقاده، أن عمله الصالح ينفعه في الآخرة، فإذا جاء يوم","part":3,"page":44},{"id":1157,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 45\rكذلك الكافر يحسب أن عمله كصدقه. ينفعه حتى إذا مات وقدم على ربه لم يجد عمله أي لم ينفعه وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ أي عند عمله فَوَفَّاهُ حِسابَهُ أي جازاه عليه في الدنيا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (39) أي المجازاة أَوْ الذين كفروا أعمالهم السيئة كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ عميق يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ أي الموج مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ أي الموج الثاني سَحابٌ أي غيم هذه ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ظلمة البحر وظلمة الموج الأول وظلمة الثاني وظلمة السحاب إِذا أَخْرَجَ الناظر يَدَهُ في هذه الظلمات لَمْ يَكَدْ يَراها أي لم يقرب من رؤيتها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (40) أي من لم يهده اللّه لم يهتد أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ\r______________________________\rالقيامة، لم يجد الثواب الذي كان يظنه، بل وجد العقاب العظيم والعذاب الأليم، فعظمت حسرته بحال الظمآن الذي اشتدت عليه حاجته إلى الماء، فإذا شاهد السراب تعلق به، فإذا جاء لم يجده شيئا. قوله:\rوَوَجَدَ اللَّهَ أي وجد وعد اللّه بالجزاء على عمله، أو المعنى وجد عذاب اللّه له. قوله: (أي جازاه عليه في الدنيا) المعنى أن الكافر يوم القيامة يعلم ويتحقق، أن اللّه جازاه على أعماله الحسنة التي لم تتوقف على نية في الدنيا، بالمال والبنين والعافية، وغير ذلك من لذات الدنيا، هكذا قال المفسر، وهو وإن كان صحيحا في نفسه، إلا أن المفسرين على خلافه، فإنهم قالوا: معنى وفاه حسابه، جازاه عليه في الآخرة بالعذاب. والحاصل أنه إن أريد مثلا أعماله الصالحة التي تتوقف على نية، فمسلم أنه لا يجد لها جزاء في الآخرة، ولا تنفعه أصلا، وإن أريد خصوص ما لا يتوقف على نية فقيل لا يجد لها نفعا أصلا، وقيل يجد نفعها، إما في الدنيا كتوسعتها عليه وعافيته وغير ذلك أو في الآخرة بتخفيف عذاب غير الكفر.\rقوله:\rأَوْ كَظُلُماتٍ أو للتقسيم، أي إن أعمال الكافر تنقسم قسمين، قسم كالسراب وهو العمل الصالح، وقسم كالظلمات وهو العمل السيىء، وقوله: أَوْ كَظُلُماتٍ معطوف على قوله: كَسَرابٍ على حذف مضاف تقديره أو كذي ظلمات يدل عليه قوله: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها. قوله: لُجِّيٍ منسوب للج أو للجة، وهو الماء الغزير. قوله: يَغْشاهُ مَوْجٌ الخ، أي يعلوه، وهو إشارة إلى كثرة الأمواج وتراكمها، والمعنى أن البحر اللجي يكون باطنه مظلما بسبب غزارة الماء، فإذا ترادفت الأمواج ازدادت الظلمة، فإذا كان مع ذلك سحاب، ازدادت الظلمة جدا، ووجه الشبه أن اللّه تعالى ذكر ثلاث ظلمات:\rظلمة البحر والأمواج والسحاب، كذلك الكافر له ثلاث ظلمات: ظلمة الاعتقاد، وظلمة القول، وظلمة الفعل. قوله: مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ أي قد غطى أنوار النجوم. قوله: (هذه) ظُلُماتٌ أشار بذلك إلى أن قوله: ظُلُماتٌ خبر لمحذوف. قوله: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ خصها لأنها أقرب الأشياء اليه. قوله:\rوَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ استفيد من هذا أن النور ليس بالحول ولا بالقوة، بل بفضل اللّه يعطيه لمن يشاء، والمعنى من لم يجعل اللّه له دينا وإيمانا، فلا دين له.\rقوله: أَلَمْ تَرَ الخطاب لكل عاقل، وهو توبيخ للكفار، كأن اللّه يقول لهم: إن تسبيحي ليس قاصرا عليكم، بل جميع من في السماوات والأرض يسبحونني. قوله: (و من التسبيح صلاة) ذكر ذلك توطئة لقوله: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ، فالصلاة مندرجة في عموم التسبيح.","part":3,"page":45},{"id":1158,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 46\rوَالْأَرْضِ ومن التسبيح صلاة وَالطَّيْرُ جمع طائر بين السماء والأرض صَافَّاتٍ حال، باسطات أجنحتهن كُلٌّ قَدْ عَلِمَ اللّه صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (41) فيه تغليب العاقل وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خزائن المطر والرزق والنبات وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42) المرجع أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً يسوقه برفق ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ يضم بعضه إلى بعض فيجعل القطع المفرقة قطعة واحدة ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً بعضه فوق بعض فَتَرَى الْوَدْقَ المطر يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ مخارجه وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ زائدة جِبالٍ فِيها في السماء بدل بإعادة الجار مِنْ\r______________________________\rقوله: وَالطَّيْرُ بالرفع عطف على مَنْ والنصب على المعية، وصَافَّاتٍ بالنصب على الحال على كل من القراءتين، وقرىء شذوذا برفعهما على الابتداء والخبر، ومفعول صَافَّاتٍ محذوف أي أجنحتها. قوله: (بين السماء والأرض) أشار بهذا إلى أن العطف مغاير، لأنه في حالة الطيران يكون بين السماء والأرض. قوله: قَدْ عَلِمَ (اللّه) صَلاتَهُ الخ، أشار بذلك إلى أن الضمير في علم على اللّه، ويصح عوده على كل، أي علم كل صلاة نفسه وتسبيحها. قوله: (فيه تغليب العاقل) أي حيث عبر بالفعل. قوله: (خزائن المطر والرزق) راجع للسماء، وقوله: (و النبات) راجع للأرض، وفي كلام المفسر إشارة إلى أن الكلام على حذف مضاف، والأصل وللّه ملك خزائن السماوات والأرض، والأصح إبقاء الآية على ظاهرها كما سلكه غيره، وعلى كل فهو من أدلة تنزيه المخلوقات له.\rقوله: وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ أي مرجع الخلائق كلها إلى اللّه، فيجازى كل أحد بعمله.\rقوله: أَلَمْ تَرَ الخطاب لكل عاقل لا خصوص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، لأن من تأمل ذلك حصل له العلم به. قوله: ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ أي بين أجزائه، لأن كل جزء سحاب، وبهذا اندفع ما قيل: إن بين لا تدخل إلا على متعدد، وإلى هذا يشير المفسر بقوله: (يضم بعضه إلى بعض) الخ، قوله: رُكاماً الركام الشيء المتراكم بعضه على بعض. قوله: فَتَرَى الْوَدْقَ أي تبصره. بقوله: (مخارجه) أي ثقبه، فالسحاب غربال المطر، قال كعب: لو لا السحاب حين ينزل المطر من السماء، لأفسد ما يقع عليه من الأرض.\rقوله: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ أشار بذلك إلى أن السماء كما ينزل منها المطر الذي هو نفع للعباد، ينزل منها بعض الجبال التي هي البرد، وهو ضر للعباد، فسبحان من جعل السماء منشأ للخير والشر. قوله: (زائدة) الحاصل أن من الأولى ابتدائية لا غير، والثانية فيها ثلاثة أوجه: قيل زائدة، وقيل ابتدائية، وقيل تبعيضية، وهو الأحسن، والثالثة فيها أربعة أوجه الثلاثة المتقدمة، وقيل بيانية، وهو الأحسن، وحينئذ فيكون المعنى على ذلك، وينزل بعض جبال كائنة في السماء التي هي البرد، إنزالا ناشئا ومبتدأ من السماء. قوله: فِيها الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لجبال. قوله: (بدل بإعادة الجار) هذا راجع لقوله: مِنْ جِبالٍ، والمناسب للمفسر أن يقول أو بدل، فيكون قولا ثانيا، لأن هذا لا يتأتى على جعلها زائدة، بل على جعلها ابتدائية.","part":3,"page":46},{"id":1160,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 47\rبَرَدٍ أي بعضه فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ يقرب سَنا بَرْقِهِ لمعانه يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (43) الناظرة له أي يخطفها يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أي يأتي بكل منهما بدل الآخر إِنَّ فِي ذلِكَ التقليب لَعِبْرَةً دلالة لِأُولِي الْأَبْصارِ (44) لأصحاب البصائر على قدرة اللّه تعالى وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ أي حيوان مِنْ ماءٍ أي نطفة فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ كالحيات والهوام وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ كالإنسان والطير وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ كالبهائم والنعام يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ أي بينات هي القرآن وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ طريق مُسْتَقِيمٍ (46) أي دين الإسلام\r______________________________\rقوله: فَيُصِيبُ بِهِ أي بالبرد. قوله: سَنا بَرْقِهِ هو بالقصر في قراءة العامة معناه الضياء، وأما بالمد فمعناه الرفعة، وليس مرادا. قوله: (أي يخطفها) أشار بذلك إلى أن الباء في الأبصار للتعدية، والمعنى يذهبها بسرعة، لأن الضوء القوي يذهب الضعيف، ومن ذلك قول الفقهاء: إذا فعل رجل بآخر فعلا أذهب بصره، وأريد أن يقتص منه بإذهاب بصره، فإنه يؤتى له بمرآة وتوضع في الشمس، ويجلس الشخص قبالتها، وتقلب المرآة يمينا وشمالا، فإن ذلك يخطف بصره. قوله: (أي ويأتي بكل منها بدل الآخر) أي ويقصر هذا ويطول هذا، وفي هذا رد على من ينسب الأمور للدهر.\rقوله: لِأُولِي الْأَبْصارِ جمع بصيرة، وخصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بذلك، حيث يتأملون فيجدون الماء والنور والنار والظلمة تخرج من شيء واحد، فسبحان القادر على كل شيء. قوله: (على قدرة اللّه) متعلق بدلالة. قوله: (أي حيوان) أشار بذلك إلى أن المراد بالدابة، ما دب على وجه الأرض، لا خصوص ذوات الأربع. قوله: (أي نطفة) هذا بحسب الغالب في الحيوانات الأرضية، وإلا فالملائكة خلقوا من النور، والجن خلقوا من النار، وآدم خلق من الطين، وعيسى خلق من النفس الذي نفخه جبريل في جيب أمه، والدود تخلق من الفاكهة والعفونات، وقيل المراد بالماء حقيقته لما ورد: أن اللّه خلق ماء، وجعل بعضه ريحا ونورا، فخلق منه الملائكة، وجعل بعضه نارا فخلق منه الجن، وجعل بعضه طينا فخلق منه آدم.\rقوله: فَمِنْهُمْ الضمير راجع لكل باعتبار معناه، وفيه تغليب العاقل على غيره، حيث أتى بضمير جماعة الذكور العقلاء في الجميع. قوله: مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ قدمه لغرابته وسماه مشيا مشاكلة لما بعده، وإلا فهو زحف. قوله: (كالحيات والهوام) بالتشديد أي خشاش الأرض، وأدخلت الكاف الدود والسمك. قوله: (كالإنسان والطير) أي والنعام. قوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ أي ومنهم من يمشي على أكثر، كالعقارب والعنكبوت والحيوان المعروف بأم أربع وأربعين، وإنما لم يصرح بهذا القسم لندوره ولدخوله في قوله: يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ. قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي مما ذكر ومما لم يذكر.\rقوله: لَقَدْ أَنْزَلْنا اللام موطئة لقسم محذوف، أي واللّه لقد أنزلنا، الخ، قوله: مُبَيِّناتٍ بكسر الياء وفتحها قراءتان سبعيتان. قوله: وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ أشار بذلك إلى أن الهدى بيد اللّه","part":3,"page":47},{"id":1161,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 48\rوَيَقُولُونَ أي المنافقون آمَنَّا صدقنا بِاللَّهِ بتوحيده وَبِالرَّسُولِ محمد وَأَطَعْنا هما فيما حكما به ثُمَّ يَتَوَلَّى يعرض فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عنه وَما أُولئِكَ المعرضون بِالْمُؤْمِنِينَ (47) المعهودين الموافق قلوبهم لألسنتهم وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ المبلغ عنه لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) عن المجيء إليه وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) مسرعين طائعين أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ كفر أَمِ ارْتابُوا أي شكوا في نبوته أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ في الحكم أي فيظلموا فيه؟ لا بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) بالإعراض عنه إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بالقول اللائق بهم أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا بالإجابة وَأُولئِكَ حينئذ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) الناجون وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ يخافه وَيَتَّقْهِ بسكون الهاء وكسرها بأن يطيعه فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (52) بالجنة وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ غايتها لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ بالجهاد\r______________________________\rوعنايته، فلا يهتدي إلا من حفه اللّه بالعناية، فليس ظهور الآيات سببا في الاهتداء دون عناية اللّه.\rقوله:\rوَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ شروع في ذكر أحوال المنافقين. قوله: وَأَطَعْنا قدر المفسر الضمير إشارة إلى أن مفعول أَطَعْنا محذوف.\rقوله: وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ تفصيل لما أجمل أولا. قوله: (المبلغ عنه) جواب عما يقال: لم افرد الضمير في لِيَحْكُمَ مع أنه تقدمه اثنان؟ فأجاب: بأن الرسول هو المباشر للحكم، وإنما ذكر اللّه معه تفخيما لشأنه وتعظيما لقدرته. قوله: إِذا فَرِيقٌ إِذا فجائية قائمة مقام الفاء في ربط الجواب بالشرط. قوله: مُعْرِضُونَ أي إن كان الحكم عليهم بدليل ما بعده. قوله: (إليه) يصح أن يكون متعلقا بيأتوا أو بمذعنين.\rقوله: أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أشار بذلك إلى أن منشأ الإعراض وسببه أحد أمور ثلاثة. قوله: أَمِ ارْتابُوا أَمِ بمعنى بل والهمزة، وكذا يقال فيما بعده، والاستفهام للتقرير. قوله:\r(لا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام في هذا الأخير بمعنى النفي. والمعنى لا محل لخوفهم لاستحالة الحيف على اللّه ورسوله. قوله: (بالإعراض عنه) أي الحكم.\rقوله: إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ العامة على نصب قول خبرا لكان، والاسم أن وما دخلت عليه، وقرىء شذوذا برفعه على أنه اسمها، وأن وما دخلت عليه خبرها. قوله: (بالإجابة) أي قولا وفعلا. قوله: (حينئذ) أي حين إذ قالوا هذا القول.\rقوله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ الخ، قال بعض الأحبار:\rهذه الآية جمعت ما في توراة موسى وإنجيل عيسى. قوله: (يخافه) هذا حل معنى، وإلا فكان حقه أن يقول يخفه. قوله: (و كسرها) أي بإشباع ودونه فهذه ثلاثة قراءات، وبسكون القاف مع كسر الهاء بدون إشباع فتكون أربعة، وكلها سبعية. قوله: هُمُ الْفائِزُونَ أي الظافرون بمقصودهم، الناجون من كل مكروه.\rقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ الضمير عائد على المنافقين، وهو معطوف على قوله: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ","part":3,"page":48},{"id":1162,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 49\rلَيَخْرُجُنَّ قُلْ لهم لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ للنبي خير من قسمكم الذي لا تصدقون فيه إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (53) من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا عن طاعته بحذف إحدى التاءين خطاب لهم فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ من التبليغ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ من طاعته وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (54) أي التبليغ البين وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ بدلا عن الكفار كَمَا اسْتَخْلَفَ بالبناء للفاعل والمفعول الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من بني إسرائيل بدلا عن الجبابرة وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وهو الإسلام بأن يظهره على جميع الأديان ويوسع\r______________________________\rوَبِالرَّسُولِ. قوله: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ جَهْدَ منصوب على المفعولية المطلقة. والمعنى جهدوا اليمين جهدا، حذف الفعل واقيم المصدر مقامه، وأضيف إلى المفعول كضرب الرقاب، وهذه الآية نزلت لما قال المنافقون لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أينما كنت نكن معك، لئن خرجت خرجنا، ولئن أقمت أقمنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا. قوله: لَيَخْرُجُنَ اللام موطئة للقسم، ويخرجن فعل مضارع مؤكد بالنون، وأصله ليخرجونن، حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، فالتقى ساكنان الواو ونون التوكيد، حذفت الواو لالتقائهما، وبقيت الضمة لتدل عليها. قوله: طاعَةٌ مبتدأ، ومَعْرُوفَةٌ صفته، والخبر محذوف قدره المفسر بقوله: (خير من قسمكم) ويصح أن يكون طاعَةٌ خبر المحذوف تقديره أمركم طاعة معروفة، أي الأمر المطلوب منكم طاعة معروفة بالصدق وموافقة الواقع، لا مجرد القول باللسان. قوله: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ تعليل لما قبله، والمعنى لا تحلفوا باللسان، مع كون قلوبكم ليس فيها الامتثال والإخلاص، فإن اللّه مطلع على بواطنكم وظواهركم، لا تخفى عليه خافية.\rقوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا شرط حذف جوابه والتقدير فلا ضرر عليه، وقوله: فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ علة لذلك المحذوف. قوله: ما حُمِّلَ أي كلف. قوله: تَهْتَدُوا أي تصلوا للرشاد والفوز برضا اللّه، وهذا راجع لقوله: وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ، وقوله: وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ راجع لقوله: فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ على سبيل اللف والنشر المشوش. قوله: (أي التبليغ البين) أي الظاهر وقد أداه، فعليكم أن تؤدوا ما حملتم من الطاعة للّه ورسوله.\rقوله: وَعَدَ اللَّهُ الخ، وَعَدَ فعل ماض، ولفظ الجلالة فاعله، والاسم الموصول مفعوله الأول، والمفعول الثاني محذوف تقديره الاستخلاف في الأرض، وتمكين دينهم وتبديل خوفهم أمنا يدل على هذا المحذوف. قوله: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ الخ، فإن اللام موطئة لقسم محذوف تقديره أقسم اللّه ليستخلفنهم. قوله: مِنْكُمْ الجار والمجرور حال من الَّذِينَ آمَنُوا والخطاب لعموم الأمة. قوله:\rفِي الْأَرْضِ أي جميعها، وقد حصل ذلك. قوله: كَمَا اسْتَخْلَفَ ما مصدرية، والمعنى استخلافا كاستخلاف الذين من قبلهم. قوله: (بالبناء للفاعل والمفعول) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ العائد محذوف أي ارتضاء لهم، والمعنى وليجعلن دينهم الذي رضيه لهم، ظاهرا وفائقا على جميع الأديان. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (بما ذكر) أي وهو ما تقدم","part":3,"page":49},{"id":1163,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 50\rلهم في البلاد فيملكوها وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ بالتخفيف والتشديد مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ من الكفار أَمْناً وقد أنجز اللّه وعده لهم بما ذكر وأنثى عليهم بقوله يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً هو مستأنف في حكم التعليل وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ الإنعام منهم به فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (55) وأول من كفر به قتلة عثمان رضي اللّه عنه فساروا يقتتلون بعد أن كانوا إخوانا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) أي رجاء الرحمة لا تَحْسَبَنَ بالفوقانية والتحتانية والفاعل الرسول الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ لنا فِي الْأَرْضِ بأن يفوتونا وَمَأْواهُمُ مرجعهم النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (57) المرجع هي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من العبيد والإماء وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ من الأحرار وعرفوا أمر النساء ثَلاثَ مَرَّاتٍ في ثلاثة أوقات مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ أي وقت الظهر وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ\r______________________________\rمن الأمور الثلاثة. قوله: يَعْبُدُونَنِي أي يوحدونني. قوله: لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً حال من فاعل يَعْبُدُونَنِي أو بدل مما قبله. قوله: (هو مستأنف) أي واقع في جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ما بالهم يستخلفون ويجعل دينهم ظاهرا على جميع الأديان ويؤمنون، فقيل: يَعْبُدُونَنِي الخ. قوله: بَعْدَ ذلِكَ (الأنعام) أي بما ذكر من الأمور الثلاثة، فالمراد بالكفر كفر النعم بدليل قوله: فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ وليس المراد به ما قابل الإيمان وإلا لقال الكافرون. قوله: (و أول من كفر به) أي بالأنعام.\rقوله: (قتلة عثمان) أي هم جماعة من الرعية أخذوه بغتة.\rقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ معطوف على قوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ. قوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ الترجي في القرآن بمنزلة التحقيق. قوله: (بالفوقانية والتحتانية) قراءتان سبعيتان. قوله:\r(و الفاعل الرسول) أي على كل من القراءتين، والاسم الموصول مفعول أول، ومعجزين مفعول ثان.\rقوله: (بأن يفوتونا) أي يفروا من عذابنا.\rقوله: وَمَأْواهُمُ النَّارُ معطوف على جملة لا تَحْسَبَنَ أو على مقدر تقديره بل هم مقهورون ومأواهم. قوله: (هي) قدره إشارة إلى أن المخصوص بالذم محذوف.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ اختلف في الأمر، فقيل للوجوب وقيل للندب، والأمر متعلق بالمخدومين لا بالخدم. وسبب نزول هذه الآية: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث غلاما من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو، إلى عمر بن الخطاب ليدعوه، فدعاه فوجده نائما وقد أغلق عليه الباب، فدق الغلام عليه الباب فناداه ودخل، فاستيقظ عمر فانكشف منه شيء، فقال عمر: وددت أن اللّه نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا علينا في هذه الساعات إلا بإذن، ثم انطلق إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فوجد هذه الآية قد نزلت، فخر ساجدا شكرا للّه تعالى. قوله: (و عرفوا أمر النساء) أي ميزوا بين العورة وغيرها. قوله: (في ثلاثة أوقات) أشار بذلك إلى أن قوله: ثَلاثَ مَرَّاتٍ منصوب على الظرفية.\rقوله: مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ أي لأنه وقت القيام من النوم، ولبس ثياب اليقظة. قوله:","part":3,"page":50},{"id":1164,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 51\rثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ بالرفع خبر مبتدإ مقدر بعده مضاف وقام المضاف إليه مقامه أي هي أوقات وبالنصب بتقدير أوقات منصوبا بدلا من محل ما قبله قام المضاف إليه مقامه وهي لإلقاء الثياب تبدو فيها العورات لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ أي المماليك والصبيان جُناحٌ في الدخول عليكم بغير استئذان بَعْدَهُنَ أي بعد الأوقات الثلاثة هم طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ للخدمة بَعْضُكُمْ طائف عَلى بَعْضٍ والجملة مؤكدة لما قبلها كَذلِكَ كما بين ما ذكر يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي الأحكام وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأمور خلقه حَكِيمٌ (58) بما دبره لهم، وآية الاستئذان قيل منسوخة وقيل لا، ولكن تهاون الناس في ترك الاستئذان وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ أيها الأحرار الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا في جميع الأوقات كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي الأحرار الكبار كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59) وَالْقَواعِدُ مِنَ\r______________________________\rوَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ أي التي تلبس في اليقظة، تضعونها لأجل القيلولة. قوله: مِنَ الظَّهِيرَةِ أي من أجل الظهيرة، وهي شدة الحر. قوله: وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ أي لأنه وقت التجرد من الثياب والنوم في الفراش. قوله: (بالرفع) أي وعليه فالوقف على قوله: الْعِشاءِ. قوله: (أي هي أوقات) الخ أي فالأصل أوقات ثلاث عورات، حذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه. قوله: (و بالنصب) أي وعليه فالوقف على لَكُمْ والقراءتان سبعيتان. قوله: (و هي لإلقاء الثياب) مبتدأ، وقوله: (تبدو فيها العورات) خبره.\rقوله: عَلَيْكُمْ أي في تمكينكم إياهم من الدخول عليكم. قوله: وَلا عَلَيْهِمْ أي في الدخول لعدم تكليفهم. قوله: (هم) طَوَّافُونَ خبر لمحذوف. قوله: عَلى بَعْضٍ الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر عن قوله: بَعْضُكُمْ قدر المفسر بقوله: (طائف). قوله: (و الجملة مؤكدة لما قبلها) وقيل ليست مؤكدة، لأن المعنى الأطفال والمماليك يطوفون عليكم للخدمة، وأنتم تطوفون عليهم للاستخدام، فلو كلفتم الاستئذان في هذه الأوقات وغيره، لضاق الأمر عليكم، فقوله: بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ فيه زيادة على ما قبله. قوله: (و آية الاستئذان) أي قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ الخ، قوله: (قيل منسوخة) أي لما روي: أن نفرا من العراق قالوا لابن عباس: كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا بها، ولا يعمل بها أحد؟ فقال ابن عباس: إن اللّه عليم رحيم بالمؤمنين يحب الستر، وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجاب، فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيم الرجل والرجل على أهله، فأمر اللّه بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم اللّه بالستور والحجب، فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد. قوله: (و قيل لا) أي كما روي عن سعيد بن جبير حيث قال: يقولون نسخت، واللّه ما نسخت ولكن مما تهاون بها الناس. قوله: (و لكن تهاون الناس في ترك الاستئذان) أي لكثرة الغطاء والوطاء، ومع ذلك فالمناسب تعليم الاستئذان في هذه الأوقات للصبيان والمماليك، ليكونوا متخلقين بالأخلاق الجميلة.\rقوله: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مقابل لقوله: وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ. قوله: الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي الذين ذكروا في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ الآية. قوله: آياتِهِ أي أحكامه. قوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ أي بأمور الخلائق، فالذي ينبغي التخلق بأخلاق الشرع، ولا","part":3,"page":51},{"id":1165,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 52\rالنِّساءِ قعدن عن الحيض والولد لكبرهن اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً لذلك فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَ من الجلباب والرداء والقناع فوق الخمار غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ مظهرات بِزِينَةٍ خفية كقلادة وسوار وخلخال وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ بأن لا يضعنها خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ لقولكم عَلِيمٌ (60) بما في قلوبكم لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ في مؤاكلة مقابليهم وَلا حرج عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أي بيوت\r______________________________\rيعول إنسان على ما يعلمه من صيانة حريمه، ويترك آداب الشرع.\rقوله: وَالْقَواعِدُ جمع قاعد بغير تاء، كحائض وطامث، فإن هذا الوصف مخصوص بالنساء، وكل وصف مخصوص بالنساء، فلا يحتاج لتمييز بتاء وهو مبتدأ، واللَّاتِي صفته، وقوله: فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ خبره، وقرن بالفاء لعموم المبتدأ، فأن أل فيه اسم موصول، أو لكونه وصف بالاسم الموصول. قوله: (قعدن عن الحيض) أي انقطع حيضهن.\rقوله: اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً أي لا يطمعن فيه، لموت شهوتهن عن الرجال. قوله: أَنْ يَضَعْنَ أي ينزعن. قوله: (من الجلباب) أي وهي الملحفة التي يغطى بها جميع البدن، كالملاءة والحبرة.\rقوله: (و القناع) أي الذي يلبس فوق الخمار، لستر الوجه والعنق. قوله: غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ أي متزينات، فحيث وجد الشرط جاز لهن كشف الوجه واليدين بين الأجانب لعدم الفتنة، وهو المفتى به عند مالك، وأحد قولين عند الشافعي. قوله: (بأن لا يضعنها) أي بأن يدمن الستر للوجه والكفين بين الأجانب. قوله: خَيْرٌ لَهُنَ أي لما فيه من سد الذرائع، فالأفضل لهن الستر للوجه واليدين، لأن كل ساقطة لها لاقطة.\rقوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ الخ، اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية فقال ابن عباس: لما نزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعمي والعرج وقالوا: الطعام أفضل الأموال، وقد نهانا اللّه تعالى عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لا يتمكن من الجلوس، ولا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض يضعف عن التناول، ولا يستوفي حقه من الطعام، فنزلت هذه الآية، وعلى هذا فتكون عَلَى بمعنى في، أي ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض حرج، وقيل سبب نزولها: أن هؤلاء الجماعة، كانوا يتحرجون عن مؤاكلة الأصحاء، خوف أن يستقذروهم، وعلى هذا فعلى على بابها، وقيل إن الآية نزلت في الجهاد، والمعنى ليس على هؤلاء حرج في التخلف عن الجهاد، وقيل كانت الصحابة إذا خرجوا للغزو، دفعوا مفاتيح بيوتهم لهؤلاء الجماعة ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون: لا ندخلها وأصحابها غائبون، مخافة أن لا يكون إذنهم عن طيب نفس، فنزلت الآية رخصة لهم، وكل صحيح. إذا علمت ذلك، فنفي الحرج عن هؤلاء في أمور مخصوصة، وليس ذلك على العموم، فإن ما كلف به الصحيح كلف به غيره. قوله: (مقابليهم) أي السالمين من هذه الثلاثة.","part":3,"page":52},{"id":1166,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 53\rأولادكم أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أي خزنتموه لغيركم أَوْ صَدِيقِكُمْ وهو من صدقكم في مودته، المعنى يجوز الأكل من بيوت من ذكر وإن لم يحضروا أي إذا علم رضاهم به لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً مجتمعين أَوْ أَشْتاتاً متفرقين جمع شت نزل فيمن تحرج أن يأكل وحده وإذا لم يجد من يؤاكله يترك الأكل فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً لكم\r______________________________\rقوله: عَلى أَنْفُسِكُمْ معطوف على الْأَعْمى والمعنى ليس عليكم حرج في الأكل من بيوتكم.\rقوله: مِنْ بُيُوتِكُمْ بضم الباء وكسرها، قراءتان سبعيتان هنا وفي جميع ما يأتي. قوله: (أي بيوت أولادكم) أي ذكورا أو إناثا، لأن بيوت الولد كبيته، لقوله عليه الصلاة والسّلام: «أنت ومالك لأبيك» وقوله عليه الصلاة والسّلام: «إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه، وإن ولده من كسبه» والحامل للمفسر على هذا التقدير، عدم توهم حرمة الأكل من بيت نفسه، وعدم ذكر الأولاد صراحة، فدل ذلك على أن المراد ببيوتكم بيوت أولادكم.\rقوله: أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أي وإن علوا. قوله: إِخْوانِكُمْ جمع أخ ويجمع على إخوة وهو المراد هنا، لأن المراد بهم أخوة النسب، وهم من شاركوك في رحم أو صلب. قوله: أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ جمع أخت أي مما تملكه، أو من ملك زوجها إن كان صديقا له أو مأذونة فيه، وكذا يقال فيما يأتي. قوله: أَوْ ما مَلَكْتُمْ بالتخفيف، وقرىء شذوذا بضم الميم وتشديد اللام مكسورة، أي ملككم غيركم. قوله:\rمَفاتِحَهُ جمع مفتح بكسر الميم في قراءة العامة، وقرىء مفاتيحه بالياء، ومفتاحه بالإفراد. قوله: (أي خزنتموه لغيركم) أي حفظتموه بأن تكونوا وكلاء عليه لقول ابن عباس: عنى بذلك وكيل الرجل وقيمه على ضيعته وماشيته، فلا بأس عليه أن يأكل من ثمرته وثمرة ضيعته، ويشرب من لبن ماشيته، ولا يحمل ولا يدخرها. قوله: (و هو من صدقكم في مودته) أي من كان خالصا لكم في المحبة. قوله: (من بيوت من ذكر) أي الأصناف الأحد عشر، وخصوا بالذكر لأن الشأن التبسط بينهم. قوله: (أي إذا علم رضاهم به) أي ولو بقرينة، وهذا أحد قولين للعلماء، وقيل يجوز الأكل من بيوت من ذكر، ولو لم يعلم رضاهم به، لأن القرابة التي بينهم تقتضي العطف والسماح. فإن قلت: على الأول حيث كان مشروطا بعلم رضاهم، فلا فرق بينهم وبين غيرهم من الأجانب. وأجيب: بأن هؤلاء يكفي فيهم أدنى قرينة، بل الشرط فيهم أن لا يعلم عدم الرضا، بخلاف غيرهم من الأجانب، فلا بد من علم الرضا بصريح الإذن أو قرينة. قوله: (مجتمعين) أشار بذلك إلى أن قوله: جَمِيعاً حال من فاعل تَأْكُلُوا، وكذا قوله:\rأَشْتاتاً. قوله: (جمع شت) هو مصدر بمعنى التفرق. قوله: (نزل فيمن تحرج) أي فهو كلام مستأنف، بيان لحكم آخر، وهم فريق من المؤمنين يقال لهم بنو ليث بن عمرو من كنانة، كان الرجل منهم لا يأكل، ويمكث يومه حتى يجد ضيفا يأكل معه، فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئا، وقيل نزلت في قوم تحرجوا عن الاجتماع على الطعام، لاختلاف الآكلين في كثرة الأكل وقلته.\rقوله: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً (لكم) أي مساكنكم. قوله: تَحِيَّةً منصوب على المصدر من معنى","part":3,"page":53},{"id":1167,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 54\rلا أهل بها فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ أي قولوا السّلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين فإن الملائكة ترد عليكم وإن كان بها أهل فسلموا عليهم تَحِيَّةً مصدر حيا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً يثاب عليها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي يفصل لكم معالم دينكم لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61) لكي تفهموا ذلك إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ أي الرسول عَلى أَمْرٍ جامِعٍ كخطبة الجمعة لَمْ يَذْهَبُوا لعروض عذر لهم حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ أمرهم فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ بالانصراف وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ\r______________________________\rفسلموا، من باب جلست قعودا وقمت وقوفا. قوله: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي ثابتة بأمره. قوله: مُبارَكَةً أي لأنه يرجى بها زيادة الخير والثواب. قوله: (و لكي تفهموا ذلك) أي معالم دينكم فهذا أمر إرشاد وأدب للعباد.\rقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الخ، المقصود من هذه الآية، مدح المؤمنين الخالصين، والتعريض بذم المنافقين، وإِنَّمَا أداة حصر، والْمُؤْمِنُونَ مبتدأ، وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا خبره. قوله: عَلى أَمْرٍ جامِعٍ إسناد الجمع للأمر مجاز عقلي، وحقه أن يسند للمؤمنين. قوله: (كخطبة الجمعة) أي والأعياد والحروب والحديث وغير ذلك، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا صعد المنبر يوم الجمعة، وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر، لم يخرج حتى يقوم تجاه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بحيث يراه، فيعرف أنه إنما قام ليستأذن، فيأذن لمن يشاء منهم. قوله: حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ أي يطلبوا منه الإذن فيأذن لهم.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ الخ، هذا توكيد لما تقدم، ذكر تفخيما وتعظيما للاستئذان. قوله:\rفَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ أي كما وقع لسيدنا عمر بن الخطاب حين خرج مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة تبوك، حيث استأذن الرسول في الرجوع إلى أهله، فأذن له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: ارجع فلست بمنافق، وكتخلف عثمان لتجهيز زوجته بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين ماتت، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم متجهز لغزوة بدر. قوله:\rفَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ في ذلك تفويض الأمر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، لأنه الواسطة العظمى بين الخلق وربهم، فإذا أذن لأحد، علم من ذلك أن رضا اللّه في إذنه، قال العارف:\rوخصك بالهدى في كل أمر ... فلست تشاء إلا ما يشاء\r\rقوله: وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ أي ليعوّضهم بدل ما فاتهم من مجالستك، من أجل العذر الذي نزل بهم.\rقوله: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ أي نداءه بمعنى لا تنادوه باسمه فتقولوا: يا محمد، ولا بكنيته فتقولوا: يا أبا القاسم، بل نادوه وخاطبوه بالتعظيم والتكريم والتوقير بأن تقولوا: يا رسول اللّه، يا إمام المرسلين، يا رسول رب العالمين، يا خاتم النبيين، وغير ذلك، واستفيد من الآية أنه لا يجوز نداء النبي بغير ما يفيد التعظيم، لا في حياته ولا بعد وفاته، فبهذا يعلم أن من استخف بجنابه صلّى اللّه عليه وسلّم فهو كافر ملعون في الدنيا والآخرة. قوله: (و خفض صوت) أي لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا","part":3,"page":54},{"id":1168,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 55\rبَعْضِكُمْ بَعْضاً بأن تقولوا يا محمد بل قولوا يا نبي اللّه يا رسول اللّه في لين وتواضع وخفض صوت قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً أي يخرجون من المسجد في الخطبة من غير استئذان خفية مستترين بشيء، وقد للتحقيق فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أي أمر اللّه أو رسوله أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ بلاء أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (63) في الآخرة أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ أيها المكلفون عَلَيْهِ من الإيمان والنفاق وَيعلم يَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فيه التفات عن الخطاب أي متى يكون فَيُنَبِّئُهُمْ فيه بِما عَمِلُوا من الخير والشر وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من أعمالهم وغيرها عَلِيمٌ (64).\r______________________________\rأصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) وهذه الآداب كما تكون في حق النبي، تكون في حق حملة شريعته، فينبغي لتلامذة الأشياخ، أن يفعلوا معهم هذه الآداب ويتخلقوا بها، ليحصل لهم الفتوح والفلاح. قوله: الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ أي يذهبون واحدا بعد واحد، لأن المنافقين كانوا يجتمعون مع الصحابة إذا رقي النبي المنبر، فإذا كثر الناس نظروا يمينا وشمالا، ويخرجون واحدا بعد واحد، إلى أن يذهبوا جميعا. قوله: لِواذاً حال من الواو في يَتَسَلَّلُونَ من التلاوذ، وهو الاستتار، بأن يغمز بعضهم بعضا بالخروج.\rقوله: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ الخ، مرتب على ما قبله، وضمن يُخالِفُونَ معنى يعرضون، فعداه بعن. قوله: أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَنْ وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول يحذر، أي إصابة فتنة. قوله: أَوْ يُصِيبَهُمْ أَوْ مانعة خلو تجوز الجمع.\rقوله: أَلا إِنَّ لِلَّهِ الخ كالدليل لما قبله.\rقوله: قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ قَدْ للتحقيق، والمعنى أن اللّه يعلم الأمر الذي في قلوب المنافقين، من المخالفة والإعراض عن أوامر اللّه تعالى. قوله: وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ معطوف على ما أي يردون إليه، وهو يوم البعث. قوله: فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أي يخبرهم بأعمالهم، فيثيبهم على الحسنات، ويعاقبهم على السيئات.","part":3,"page":55},{"id":1169,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 56\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الفرقان مكيّة إلا وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى قوله رَحِيماً فمدني وهي سبع وسبعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبارَكَ تعالى الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ القرآن لأنه فرق بين الحق والباطل عَلى عَبْدِهِ محمد لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ أي الإنس والجن دون الملائكة نَذِيراً (1)\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة الفرقان\rمكية إلا وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى قوله رَحِيماً فمدني وهي سبع وسبعون آية سميت بذلك لأن بها الفرق بين الحق والباطل، لاشتمالها على أحكام التوحيد وأدلته، ومكارم الأخلاق، وأحوال المعاد. قوله: (إلى قوله رحيما) أي وهو ثلاث آيات. قوله: (تعالى) أي تنزه في ذاته وصفاته وأفعاله عن النقائص ومماثلة ما سواه، لأنه قديم، وما سواه حادث، أو معنى تَبارَكَ تعاظم أي اتصف بكل كمال، ولا يوصف بهذا الوصف غيره تعالى، فلا يقال تبارك النبي، ولا يقال تبارك السلطان مثلا، وهو فعل ماض غير متصرف، فلا يأتي منه مضارع، ولا مصدر، ولا اسم فاعل. قوله:\rالْفُرْقانَ من الفرق فعله فرق من باب قتل، وبها قرىء قوله تعالى: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ وقرىء شذوذا من باب ضرب، وهو بالتخفيف في المعاني، وبالتشديد في الاجسام، يقال فرقت بين الكلامين، وفرقت بين العبدين، والصحيح أنهما بمعنى واحد في المعاني والاجسام. قوله: (القرآن) أي ويسمى به البعض، كما يسمى به الكل، فالسورة الواحدة تسمى فرقانا، والجميع يسمى فرقانا، لأنه","part":3,"page":56},{"id":1170,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 57\rمخوفا من عذاب اللّه الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ من شأنه أن يخلق فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (2) سوّاه تسوية وَاتَّخَذُوا أي الكفار مِنْ دُونِهِ أي اللّه أي غيره آلِهَةً هي الأصنام لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ\r______________________________\rمعجز للبشر، وفارق بين الحق والباطل، كلا أو بعضا، ويصح أن يراد به جملة القرآن، ويكون نزل مستعملا في حقيقته، بالنسبة لما نزل إذ ذاك، وبمعنى المستقبل بالنسبة لما سينزل. قوله: (لأنه فرق بين الحق والباطل) أي ميز بينهما، وقيل لأنه نزل مفرّقا في أوقات كثيرة.\rقوله: عَلى عَبْدِهِ إنما وصفه بهذا الوصف، لأنه أشرف الأوصاف وأعلاها. قوله: لِيَكُونَ علة لقوله: نَزَّلَ والضمير عائد على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، لأنه أكبر مذكور، ويصح أن يكون عائدا على الفرقان، أو المنزل، وهو اللّه تعالى، والأوضح الأول. قوله: (دون الملائكة) أشار بذلك إلى أن الإنذار خاص بالإنس والجن، لأن الملائكة لا تجوز عليهم المعاصي والمخالفة لعصمتهم من ذلك، وإن كان النبي عليه الصلاة والسّلام أرسل لهم إرسال تكليف بما يليق بهم على المعتمد. والحاصل: أن إرسال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للثقلين إرسال تكليف، وكذا للملائكة، وأما للحيوانات التي لا تعقل والجمادات فإرسال تشريف. قوله:\rنَذِيراً أي وبشيرا، وإنما اقتصر على الإنذار، لأن السورة مكية، وفي ذلك الوقت لم يصلحوا للتبشير.\rقوله: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ نعت للموصول الأول، أو بيان أو بدل أو خبر لمحذوف، أي هو الذي، أو منصوب على المدح، وما بعده من تمام الصلة، فلا يلزم عليه الفصل بأجنبي بين الموصول الأول والثاني، على جعله تابعا له. قوله: وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً رد على اليهود والنصارى.\rقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ رد على على عباد الأصنام. قوله: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ كالدليل لما قبله، لأن الخالق لكل شيء لا شريك له ولم يتخذ ولدا. قوله: (من شأنه أن يخلق) دفع بذلك ما يقال:\rإنه دخل في الشيء ذاته تعالى وصفاته. فأجاب: بأن المراد بالشيء ما شأنه أن يتعلق به الخلق، وهو المعدوم. قوله: (سواه تسوية) أي عدله تعديلا، بأن جعله على شكل حسن، ودفع بذلك ما قيل: إن الآية فيها قلب، لأن الخلق متأخر عن التقدير، لأن التقدير أزلي، لأنه تعلق العلم والارادة الأزلي، والخلق حادث لأنه تعلق القدرة التنجيزي الحادث، فأجاب: بأن التقدير معناه التصوير على شكل حسن، ولا شك أن ذلك حاصل بعد إيجاده على طبق العلم والإرادة، وهذا سر قول الغزالي: ليس في الإمكان أبدع مما كان، لأن ما أوجده اللّه من المخلوقات تعلق به العلم والإرادة أزلا، فوجد على طبق ذلك، فإذا كان كذلك، كان التغيير لذلك مستحيلا، لأنه حينئذ ينقلب علم اللّه جهلا، وهو لا تتعلق به القدرة. إن قلت: يشكل على هذا قوله تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ* وقوله تعالى: إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) فإنه يقتضي أن في قدرة اللّه إذهاب هذا العالم والإتيان بغيره. أجيب: بأن ما في الآية باعتبار التعلق الصلاحي للقدرة والتجويز العقلي، وما قاله الغزالي باعتبار التعلق التنجيزي الذي حصل متعلقه. قوله: (أي الكفار) أي المعلومون من قوله: لِلْعالَمِينَ.\rقوله: آلِهَةً وصفهم بسبعة أوصاف، أولها قوله: لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وآخرها قوله:","part":3,"page":57},{"id":1171,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 58\rضَرًّا أي دفعه وَلا نَفْعاً أي جره وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً أي إماتة لأحد وإحياء لأحد وَلا نُشُوراً (3) أي بعثا للأموات وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا أي ما القرآن إِلَّا إِفْكٌ كذب افْتَراهُ محمد وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ وهم من أهل الكتاب، قال تعالى: فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (4) كفرا وكذبا أي بهما وَقالُوا أيضا هو أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أكاذيبهم جمع أسطورة بالضم اكْتَتَبَها انتسخها من ذلك القوم فغيره فَهِيَ تُمْلى تقرأ عَلَيْهِ ليحفظها بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) غدوة وعشيا، قال تعالى ردا عليهم قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ الغيب فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً للمؤمنين رَحِيماً (6) بهم وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا هلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (7) يصدقه أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ من السماء ينفقه ولا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلب المعاش أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ بستان يَأْكُلُ مِنْها أي من ثمارها فيكتفي بها، وفي قراءة نأكل بالنون أي نحن فيكون له مزية\r______________________________\rنُشُوراً. قوله: وَهُمْ يُخْلَقُونَ أي يصورون من حجارة وغيرها بنحت عبادها. قوله:\rلِأَنْفُسِهِمْ أي فضلا عن غيرهم. قوله: ضَرًّا قدمه لأن دفعه أهم، وقدم الموت لمناسبة الضر.\rقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا شروع في ذكر أباطيلهم المتعلقة بالقرآن، إثر أكاذيبهم المتعلقة باللّه سبحانه وتعالى: قوله: افْتَراهُ أي اختلقه. قوله: (و هم من أهل الكتاب) أرادوا بهم اليهود حيث قالوا: إنهم يأتون له بالأخبار الماضية، وهو يعبر عنها بعبارات من عنده، فهذا معنى إعانتهم له. قوله:\r(قال تعالى) أي ردا لمقالتهم. قوله: (كفر وكذبا) لف ونشر مرتب. قوله: (أي بهما) أشار بذلك إلى أن ظُلْماً وَزُوراً منصوبان بنزع الخافض، ويصح نصبهما بجاء بتضمينه معنى فعل.\rقوله: وَقالُوا (أيضا) أي كما قالوا ما تقدم. قوله: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ خبر لمحذوف قدره بقوله هو. قوله: اكْتَتَبَها أي أمر بكتبها، لأنهم يعلمون أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب. قوله: (من ذلك القوم) المناسب أن يقول من أولئك القوم. قوله: (تقرأ) عَلَيْهِ أي فليس المراد بالإملاء الإلقاء على الكاتب ليكتبه. قوله: بُكْرَةً وَأَصِيلًا المراد دائما أبدا. قوله: (ردا عليهم) أي مقالتهم الشنيعة. قوله:\r(الغيب) أي ما غاب عنا. قوله: (للمؤمنين) كذا قال المفسر، ويصح أن يكون المراد الكفار، فيكون تعليلا لمحذوف تقديره وأخر عقابكم ولم يعاجلكم به لأنه الخ، و\rقوله: كانَ أي ولم يزل.\rقوله: وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ الخ، شروع في بعض قبائحهم التي قالوها في حق الرسول عليه السّلام، والمعنى أي شيء حصل لهذا الذي يدعي الرسالة، حالة كونه يأكل الطعام كما نأكل، ويمشي في الأسواق لطلب الرزق كما نفعل؟ فتسميتهم إياه رسولا بطريق الاستهزاء به. قوله: (هلا) أشار بذلك إلى أن لَوْ لا تحضيضية. قوله: فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً بالنصب في قراءة العامة على جواب التحضيض، وقرىء شذوذا بالرفع عطفا على أُنْزِلَ. قوله: (يصدقه) أي يشهد له بالرسالة والصدق.\rقوله: أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ بالتاء في قراءة العامة، وقرىء شذوذا بالياء، لأن تأنيث الجنة مجازي.","part":3,"page":58},{"id":1172,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 59\rعلينا بها وَقالَ الظَّالِمُونَ أي الكافرون للمؤمنين إِنْ ما تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (8) مخدوعا مغلوبا على عقله، قال تعالى انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ بالمسحور والمحتاج إلى ما ينفه وإلى ملك يقوم معه بالأمر فَضَلُّوا بذلك عن الهدى فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9) طريقا إليه تَبارَكَ تكاثر خير اللّه الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ الذي قالوه من الكنز والبستان جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي في الدنيا لأنه شاء أن يعطيه إياها في الآخرة وَيَجْعَلْ بالجزم لَكَ قُصُوراً (10) أيضا، وفي قراءة بالرفع استئنافا بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ القيامة وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (11) نارا مسعرة أي مشتدة إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ\r______________________________\rقوله: وَقالَ الظَّالِمُونَ إظهار في موضع الإضمار، للإشعار بوصف الظلم وتجاوز الحد فيما قالوا: قوله: (مخدوعا مغلوبا على عقله) أي فالمراد بالسحر الاختلال في العقل، من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم.\rقوله: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ خطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على سبيل الاستفهام التعجبي، أي تعجب يا محمد من وصف هؤلاء لك بتلك الأوصاف التي كانت سببا في ضلالهم. قوله: فَضَلُّوا (بذلك) أي ضرب الأمثال. قوله: (عن الهدى) أي الحق. قوله: فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا أي لا يقدرون على الوصول إلى الهدى، لما طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم.\rقوله: تَبارَكَ اعلم أن هذا الوصف جامع لكل كمال مستلزم لنفي كل نقص، وحينئذ فيحسن تفسيره في كل مقام بما يناسبه، فلما كان ما تقدم من مقام تنزيه فسره بتعالى، ولما كان ما هنا مقام إعطاء، فسره بتكاثر خيره، ولما كان ما يأتي في آخر السورة مقام عظمة وكبرياء، فسره بتعاظم، وهكذا يقال في كل مقام. قوله: خَيْراً مِنْ ذلِكَ أي مما اقترحوا بأن يعجل لك أعظم من ذلك في الدنيا.\rقوله: جَنَّاتٍ بدل من خَيْراً. قوله: (لأنه شاء أن يعطيه إياها في الآخرة) علة لقوله: (أي في الدنيا) والمعنى تكاثر خير اللّه الذي إن شاء جعل لك خيرا مما تمنوه لك في الدنيا وإنما لم تتعلق إرادة اللّه به لكونه فانيا، واللّه سبحانه وتعالى لم يجعل الفاني جزاء لأحبابه، لأن الدنيا دار ممر لا مقر، حلالها حساب، وحرامها عقاب، وحاشاه سبحانه وتعالى، أن يوقع حبيبه ومن كان على قدمه في الحساب أو العقاب. قوله: (بالجزم) أي عطفا على محل جَعَلَ لأنه جواب الشرط، والمعطوف على الجواب جواب. قوله: (بالرفع استئنافا) أي أو معطوف على جواب الشرط، بناء على أنه غير مجزوم لقول مالك:\rوبعد ماض رفعك الجزم حسن. وإنما لم يجزم لضعف تأثير إن في الشرط، لكونه ماضيا فارتفع، والقراءتان سبعيتان.\rقوله: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ إضراب انتقالي عن ذكر قبائحهم، إلى بيان ما لهم في الآخرة من أنواع العذاب. قوله: وَأَعْتَدْنا أي هيأنا وأحضرنا، وفي هذا دليل على أن النار مخلوقة الآن، كما أن الجنة كذلك، لقوله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. قوله: (نارا مسعرة) بالتشديد والتخفيف.\rقوله: إِذا رَأَتْهُمْ أي حقيقة بعينها لما في الحديث: «من كذب علي متعمدا، فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا، قيل يا رسول اللّه أو لها عينان؟ قال أما سمعتم اللّه عز وجل يقول: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ","part":3,"page":59},{"id":1173,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 60\rسَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً غليانا كالغضبان إذا غلى صدره من الغضب وَزَفِيراً (12) صوتا شديدا، أو سماع التغيظ رؤيته وعلمه وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً بالتشديد والتخفيف بأن يضيق عليه ومنها حال مكانا لأنه في الأصل صفة له مُقَرَّنِينَ مصفدين قد قرنت أي جمعت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، والتشديد للتكثير دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (13) هلاكا فيقال لهم لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (14) كعذابكم قُلْ أَذلِكَ المذكور من الوعيد وصفة النار خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ ها الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ في علمه تعالى جَزاءً ثوابا وَمَصِيراً (15) مرجعا لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ حال لازمة كانَ وعدهم ما ذكر عَلى\r______________________________\rبَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً يخرج عنق من النار له عينان يبصران، ولسان ينطق فيقول: «و كلت بمن جعل مع اللّه إلها آخر، فلهو أبصر به من الطير يحب السمسم فيلتقطه» وفي رواية: «يخرج عنق من النار يوم القيامة، له عينان يبصران، وأذنان يسمعان، ولسان ينطق يقول: إني وكلت بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع اللّه إلها آخر، وبالمصورين». وهذا مذهب أهل السنة، وقالت المعتزلة: الكلام على حذف مضاف، أي رأت زبانيتها بناء منهم على أن الرؤية مشروطة بالحياة. قوله: مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ قبل مسيرة سنة، وقيل مائة سنة، وقيل خمسمائة سنة. قوله: (أو سماع التغيظ رؤيته وعلمه) أشار بذلك إلى أن السماع ليس على حقيقته، بل المراد منه الرؤية والعلم. وأجيب أيضا: بأن المراد سماع ما يدل عليه وهو الغليان، وقد أفاده أولا، فتحصل أن المفسر أجاب بجوابين.\rقوله: وَإِذا أُلْقُوا أي طرحوا. قوله: مَكاناً منصوب على الظرفية أي في مكان. قوله:\r(بالتشديد والتخفيف) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (بأن يضيق عليهم) أي كضيق الحائط على الوتد الذي يدق فيه بعنف. قوله: (لأنه في الأصل صفة له) أي وهو نكرة، ومن المعلوم أن نعت النكرة إذا تقدم عليها يعرب حالا، كقول الشاعر:\rلمية موحشا طلل والأصل لمية طلل موحش.\rقوله: مُقَرَّنِينَ حال من الواو في أُلْقُوا والتقرين تقييد الأرجل وجمع الأيدي والأعناق في السلاسل. قوله: (مصفدين) من التصفيد وهو الشد والإيثاق بالقيود. قوله: دَعَوْا هُنالِكَ أي في ذلك المكان. قوله: ثُبُوراً أي فيقولون: يا ثبوراه، هذا أوانك فاحضر، لأنه أخف مما هم فيه. قوله:\r(فيقال لهم) أي على سبيل التهكم والسخرية بهم.\rقوله: ثُبُوراً واحِداً أي مرة واحدة. قوله:\r(كعذابكم) تشبيه في الكثرة، وفي نسخة باللام، أي لأجل دوام عذابكم وكثرته، فينبغي أن يكون دعاؤكم كذلك.\rقوله: قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ الاستفهام للتوبيخ والتقريع، وإلا فليس في النار خير. قوله:\r(في علمه تعالى) جواب عما يقال: إنها لم تكن جزاء ومصيرا الآن، فأجاب: بأن المعنى قد سبق علم اللّه، بأنها تكون لهم جزاء ومصيرا. قوله: (مرجعا) أي مستقرا.","part":3,"page":60},{"id":1174,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 61\rرَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا (16) يسأله من وعد به ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك، أو تسأله لهم الملائكة ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ بالنون والتحتانية وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره من الملائكة وعيسى وعزير والجن فَيَقُولُ تعالى بالتحتانية والنون للمعبودين إثباتا للحجة على العابدين أَأَنْتُمْ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أوقعتموهم في الضلال بأمركم إياهم بعبادتكم أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) الحق بأنفسهم قالُوا سُبْحانَكَ تنزيها لك عما لا يليق بك ما كانَ يَنْبَغِي يستقيم لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ أي غيرك مِنْ أَوْلِياءَ مفعول أول، ومن\r______________________________\rقوله: لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ أي من النعم اللائقة بهم، وأما ما لا يليق بهم فلا يخطر ببالهم، فكل إنسان يرضيه اللّه بما أعطاه، ولا يلتفت إلى عطاء من هو أشرف منه، ولا يخطر بباله سؤاله، وبهذا اندفع ما قيل: إن مقتضى الآية، أن الإنسان يتمنى مراتب الأنبياء في الجنة ويعطاها. قوله: (حال) أي من الهاء في لهم، أو من الواو في يَشاؤُنَ. قوله: كانَ (وعدهم ما ذكر) أشار بذلك إلى أن اسم كانَ يعود على الوعد المفهوم من قوله: وُعِدَ الْمُتَّقُونَ. قوله: (رَبَّنا وَآتِنا) أي كما قال تعالى حكاية عن دعائهم لأنفسهم وقوله: (رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ) أي كما قال تعالى حكاية عن دعاء الملائكة للمؤمنين.\rقوله: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ظرف مفعول لمحذوف تقديره اذكر، والضمير في نحشرهم للعابدين لغير اللّه. قوله: (بالنون) أي مع النون في نقول أو الياء، وقوله: (و التحتانية) أي مع التحتانية في يقول، فالقراءات ثلاث سبعيات، خلافا لما يوهمه المفسر من أنها أربع.\rقوله: وَما يَعْبُدُونَ معطوف على مفعول يَحْشُرُهُمْ، وأوقع ما على العقلاء وهو قليل، وهذا ما يفيده المفسر بالتمثيل، ويصح أن يراد من ما العاقل وغيره كالأصنام، وغلب غير العاقل على العقال لكثرته. قوله: (إثباتا للحجة على العابدين) أي وتبكيتا لهم، وهو جواب عما يقال: إن اللّه عالم في الأزل بما ذكر، فما فائدة هذا السؤال.\rقوله: (بتحقيق الهمزتين) أي مع ادخال ألف بينهما وتركه، فالتحقيق فيه قراءتان، والتسهيل كذلك، والإبدال واحدة، فتكون خمسا، خلافا لما يوهمه المفسر من أنها أربع وكلها سبعية، إن قلت على قراءة الإبدال، يلزم عليه التقاء الساكنين على غير حده وهو ممنوع. أجيب: بأن محل منعه ما لم يكن مسموعا، وهذا مسموع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: هؤُلاءِ نعت لعبادي، أو عطف بيان أو بدل منه.\rقوله: قالُوا أي المعبودين، وهو كلام مستأنف واقع في جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ماذا قالوا في الجواب. قوله: مِنْ أَوْلِياءَ أي أتباعا يعبدوننا، ويصح أن يراد بالأولياء المتبوعون أي معبودون لنا، لأن الولي كما يطلق على المتبوع يطلق على التابع، كالمولى يطلق على الأعلى والأسفل، وكلام المفسر يفيد المعنى الثاني، إذا علمت ذلك فالتبري حاصل في هذه الآية من الأولياء، بمعنى المعبودين أو العابدين لغير اللّه، وأما بمعنى من تولوا خدمة اللّه، أو من تولاهم اللّه، فلم يكلهم لغيره، فقد اتخذهم اللّه وأمر بالتعلق بأذيالهم. قوله: (مفعول أول) أي لنتخذ قوله: (و ما قبله) أي وهو قوله: مِنْ دُونِكَ. قوله: (فكيف نأمر بعبادتنا) أي بعبادتهم إيانا، فنحن لم نضلهم.","part":3,"page":61},{"id":1175,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 62\rزائدة لتأكيد النفي، وما قبله الثاني فكيف نأمر بعبادتنا وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ من قبلهم بإطالة العمر وسعة الرزق حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ تركوا الموعظة والإيمان بالقرآن وَكانُوا قَوْماً بُوراً (18) هلكى، قال تعالى فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ أي كذب المعبودون العابدين بِما تَقُولُونَ بالفوقانية أنهم آلهة فَما تَسْتَطِيعُونَ بالتحتانية والفوقانية أي لا هم ولا أنتم صَرْفاً دفعا للعذاب وَلا نَصْراً منعا لكم منه وَمَنْ يَظْلِمْ يشرك مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (19) شديدا في الآخرة وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ فأنت مثلهم في ذلك وقد قيل لهم مثل ما قيل لك وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً بلية ابتلي الغني بالفقير\r______________________________\rقوله: وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ الخ، استدراك لرفع ما يتوهم ثبوته، والمعنى أنت أنعمت عليهم بنعم عظيمة، فجعلوا ذلك سببا للضلال، وليس لنا مدخل في ذلك، وفي هذا الاستدراك رجوع للحقيقة.\rقوله: (تركوا الموعظة) أي غفلوا عن التذكر في آياتك، فالنسيان معناه الترك. قوله: بُوراً يحتمل أنه جمع بائرا، ومصدر من البوار وهو الهلاك.\rقوله: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ خطاب للعابدين فالواو واقعة على المعبودين، والكاف على العابدين، وقوله: بِما تَقُولُونَ أي فيما تقولون، وقوله: (بالفوقانية) أي باتفاق العشرة، وقوله: (إنهم آلهة) مقول القول. قوله: (أي لا هم) راجع للتحتانية، وقوله: (و لا أنتم) راجع للفوقانية.\rقوله: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ أي أيها المكلفون من العابدين والمعبودين، فظلم العابد بعبادته غير اللّه، وظلم المعبود برضاه بذلك. قوله: نُذِقْهُ بنون العظمة في قراءة العامة.\rقوله: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ الخ، المقصود من هذه الآية، تسليته للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والرد على المشركين حيث قالوا: ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ الخ. قوله: إِلَّا إِنَّهُمْ الجملة حالية، وإن مكسورة باتفاق القراء، واللام للابتداء زحلقت للخبر. والمعنى ما أرسلنا قبلك من المرسلين في حال من الأحوال، إلا في حالة أكلهم الطعام، ومشيهم في الأسواق، أي فهذه عادتهم ودأبهم، فإن هجوك بذلك فقد هجوا جميع الأنبياء فلا تحزن.\rقوله: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أي إن الدنيا دار بلاء وامتحان، فجعل بعض العبيد فتنة لبعض، ليظهر الصابر من غيره. قوله: (ابتلي الغني بالفقير) الخ، فالغني ممتحن بالفقير يحسده، والفقير ممتحن بالغني يسخر به ويحتقره، والصحيح ممتحن بالمريض. يقول: لم لم نعاف، ونصير مثل هذا، والمريض ممتحن بالصحيح يتكبر عليه ويغتر بصحته، والشريف كالأنبياء والعلماء والصلحاء، ممتحن بالوضيع يحسده على ما أعطاه اللّه وهكذا، والمخلص من ذلك الصبر على أحكام اللّه والرضا بها، لأن الواجب على الإنسان أن ينظر في أمور الدنيا إلى من هو دونه، ولا ينظر إلى من هو فوقه، لئلا يزدري نعمة اللّه عليه، وفي أمور الآخرة إلى من هو فوقه، ليصرف نفسه فيرجع عليها باللوم والندم، ومن هنا ينبغي صحبة الصالحين والمساكين ومرافقتهم ليقتدى بهم. قوله: (يقول الثاني) أي الفقير والمريض والوضيع، وقوله: (في كل) أي من الأقسام الثلاثة، وبالجملة فالفتنة أن يحسد المعافى المبتلى، والصبر أن يحبس كل","part":3,"page":62},{"id":1176,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 63\rوالصحيح بالمريض والشريف بالوضيع يقول الثاني في كل ما لي لا أكون كالأول في كل أَتَصْبِرُونَ على ما تسمعون ممن ابتليتم بهم؟ استفهام بمعنى الأمر أي اصبروا وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (20) بمن يصبر وبمن يجزع وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لا يخافون البعث لَوْ لا هلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ فكانوا رسلا إلينا أَوْ نَرى رَبَّنا فنخبر بأن محمدا رسوله، قال تعالى لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا تكبروا فِي شأن أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا طغوا عُتُوًّا كَبِيراً (21) بطلبهم رؤية اللّه تعالى في الدنيا، وعتوا بالواو على أصله بخلاف عتيا بالإبدال في مريم يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ في جملة الخلائق يوم القيامة، ونصبه باذكر مقدرا لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ أي الكافرين\r______________________________\rمنهما نفسه، هذا عن البطر، وهذا عن الضجر، عن أبي الدرداء أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «ويل للعالم من الجاهل، وويل للجاهل من العالم، وويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، وويل للشديد من الضعيف، وويل للضعيف من الشديد، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان، بعضكم لبعض فتنة»، وهو قوله تعالى: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ. قوله:\r(استفهام بمعنى الأمر) هذا أحد وجهين، والوجه الآخر أن الاستفهام على حقيقته، أي لينظر أيحصل منكم صبر أم لا، فيجازيكم على ذلك.\rقوله: وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً في ذلك تأنيس للعبد، أي إن اللّه بصير ومطلع على من يصبر ومن يجزع، فلا تنبغي الشكوى للخلق، ولا إظهار ما في القلوب، بل إن وجد الشخص في نفسه صبرا فليشكر اللّه، وإن وجد غير ذلك، فعليه أن يرجع إلى ربه بالندم والتوبة. قوله: (لا يخافون البعث) أي لأنهم منكرون له. فهم يزعمون أنهم آمنون منه. قوله: (هلا) أشار بذلك إلى أن لَوْ لا تحضيضية.\rقوله: (فكانوا رسلا الينا) أي بالشرائع ونحوها بدل محمد.\rقوله: أَوْ نَرى رَبَّنا أي يكشف الحجاب لنا فنراه عيانا. قوله: (فنخبر) بالبناء للمفعول أي يخبرنا هو بأن محمدا رسوله. قوله: (قال تعالى) أي ردا عليهم مقالتهم. قوله: (تكبروا) أي حيث لم يرضوا بأن يكون رسولهم من البشر، بل طمعوا أن يكون من الملائكة. قوله: فِي (شأن) أَنْفُسِهِمْ أي أنهم عدوا أنفسهم كبيرة لأمر قام بها. قوله: (بطلبهم رؤية اللّه) متعلق بعتوا والباء للسببية، ولم يذكر متعلق اسْتَكْبَرُوا وقد علمته، وفي الآية لف ونشر مرتب، فالاستكبار راجع لطلبهم نزول الملائكة، والعتق راجع لطلبهم رؤية اللّه. قوله: (على أصله) أي من غير إبدال. قوله: (بالإبدال في مريم) أي لمناسبة رؤوس الآي، وأصله عتووا، كسرت التاء فوقعت الواو ساكنة إثر كسرة قلبت ياء، ثم اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء.\rقوله: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ أي المتولين عذابهم. قوله: لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ هذه الجملة مقولة لقول محذوف حال من الملائكة، تقديره قائلين لهم لا بشرى. قوله: (فلهم البشرى بالجنة) أي لقوله تعالى: بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ. قوله: وَيَقُولُونَ معطوف على يَرَوْنَ فالضمير للكفار. قوله: حِجْراً مَحْجُوراً العامة على كسر الحاء، وقرىء شذوذا بفتحها وضمها.","part":3,"page":63},{"id":1177,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 64\rبخلاف المؤمنين فلهم البشرى بالجنة وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (22) على عادتهم في الدنيا إذا نزلت بهم شدة أي عوذا معاذا يستعيذون من الملائكة، قال تعالى وَقَدِمْنا عمدنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ من الخير كصدقة وصلة رحم وقرى ضيف وإغاثة ملهوف في الدنيا فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (23) هو ما يرى في الكوى التي عليها الشمس كالغبار المفرق أي مثله في عدم النفع به إذ لا ثواب فيه لعدم شرطه ويجازون عليه في الدنيا أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ يوم القيامة خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا من الكافرين في الدنيا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24) منهم أي موضع قائلة فيها وهي الاستراحة نصف النهار في الحر، وأخذ من ذلك انقضاء الحساب في نصف نهار كما ورد في حديث وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ أي كل سماء بِالْغَمامِ أي معه، وهو غيم أبيض وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ من كل سماء\r______________________________\rقوله: (يستعيذون من الملائكة) أي يطلبون من اللّه إنقاذهم منهم بهذه العبارة. قوله: (عمدنا) أي تعلقت إرادتنا، ودفع بذلك ما قيل إن القدوم من صفات الحوادث، وهو محال على اللّه تعالى، ففسره بلازمه وهو القصد، والمراد من القصد في حقه تعالى، تعلق إرادته بالشيء. قوله: (و قرى ضيف) بكسر القاف مع القصر، أو فتحها مع المد، ومعناه الإحسان اليه. قوله: (في الدنيا) متعلق بعملوا. قوله: (في الكوى) جمع كوة وهي الطاقة في الحائط، بفتح الكاف وضمها. قوله: (لعدم شرطه) أي وهو الإيمان. قوله:\r(و يجازون عليه في الدنيا) أي بإعطاء المال والولد والعافية وغير ذلك من ملاذ الدنيا، فأعمال الكافر الحسنة التي لا تتوقف على نية، يعطى جزاءها في الدنيا، وأما ما تتوقف على نية، فلا يجد لها جزاء أصلا لعدم صحتها.\rقوله: خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا (من الكافرين) أي أن مستقر المؤمنين في الجنة، خير من مستقر الكافرين في الدنيا، فأفعل التفضيل على بابه، وإلى هذا أشار المفسر بقوله: (في الدنيا) فهو جواب عما يقال: إن مستقر أهل النار لا خير فيه، ويصح أن يراد استقرار كل في الآخرة، والتفضيل ليس مرادا، بل المقصود التقريع والتوبيخ للكفار. قوله: (من ذلك) أي من قوله: وَأَحْسَنُ مَقِيلًا قوله: (كما ورد في الحديث) قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم القيامة، حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، والقيلولة الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن مع ذلك نوم، لأن اللّه تعالى قال: وَأَحْسَنُ مَقِيلًا والجنة لا نوم فيها، ويروى أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين، حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس.\rقوله: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ يَوْمَ ظرف معمول لمحذوف تقديره اذكر كما قاله المفسر. قوله:\r(أي كل سماء) أشار إلى أن أل في السماء استغراقية. قوله: (أي معه) أشار بذلك إلى أن الباء بمعنى مع، ويصح أن تكون للسببية أو للملابسة، أو بمعنى عن. قوله: (و هو غيم أبيض) أي سحاب فوق السماوات السبع، ثخنه كثخن السماوات السبع، وثقله كثقلها، فينزل على السماء السابعة فيخرقها بثقله، وهكذا حتى ينزل إلى الأرض، وفيه ملائكة كل سماء، فينزل أولا ملائكة سماء الدنيا، وهم مثل الأرض عشر مرات، ثم ملائكة السماء الثانية، وهم مثلهم عشرين مرة وهكذا، وإذ نزل ملائكة السماء الدنيا، اصطفوا حول العالم المجموع في الحشر صفا، وإذا نزل ملائكة السماء الثانية، اصطفوا خلف هذا الصف","part":3,"page":64},{"id":1178,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 65\rتَنْزِيلًا (25) هو يوم القيامة، ونصبه باذكر مقدرا، وفي قراءة بتشديد شين تشقق بإدغام التاء الثانية في الأصل، وفي أخرى وننزل بنونين الثانية ساكنة وضم اللام ونصب الملائكة الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ لا يشركه فيه أحد وَكانَ اليوم يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (26) بخلاف المؤمنين وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ المشرك عقبة بن أبي معيط كان نطق بالشهادتين ثم رجع إرضاء لأبي ابن خلف عَلى يَدَيْهِ ندما وتحسرا في يوم القيامة يَقُولُ يا للتنبيه لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ\r______________________________\rصفا آخر، وهكذا حتى تصير الصفوف سبعة، كلهم يحرسون أهل المحشر من الفرار، ويطردون عنهم النار، وتقدم بسط ذلك في سورة إبراهيم عند قوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ الخ، قوله:\r(و نصبه باذكر مقدرا) أي وهو معطوف على يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ وكذا قوله: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ.\rقوله: (في الأصل) أي قبل قلبها شينا وتسكينها وإدغامها في الشين. قوله: (و في أخرى وننزل بنونين) الخ، هذه القراءة إنما تأتي عند تشديد الشين، فتحصل أن القراءات ثلاث سبعيات، فعند تشديد الشين يجوز في ننزل القراءتان، وعند التخفيف يجوز في ننزل قراءة واحدة، وهي كونه ماضيا مبنيا للمفعول، خلافا لما يوهمه المفسر من أنها أربع قراءات.\rقوله: الْمُلْكُ مبتدأ، ويَوْمَئِذٍ ظرف له، والْحَقُ نعت له، ولِلرَّحْمنِ خبره.\rوالمعنى أن الملك يوم القيامة للّه وحده، وحكمة التقييد بهذا اليوم، وإن كان الملك للّه في كل زمن؛ أن ثبوت الملك له خاصة في ذلك اليوم، فليس لأحد ملك ظاهر أبدا، وأما فيما عداه من أيام الدنيا، فيكون للخلق تصرف صوري، وإلى هذا أشار المفسر بقوله: (لا يشركه فيه أحد). قوله: (بخلاف المؤمنين) أي فليس عليهم عسيرا لما ورد: أنه يهون عليهم حتى يكون أخف من صلاة مكتوبة.\rقوله: وَيَوْمَ منصوب باذكر، أو معطوف على يَوْمَ يَرَوْنَ كما تقدم. قوله: يَعَضُّ الظَّالِمُ هو من باب تعب ونفع. والمعنى أن الكافر حين يرى النار ويسمع تغيظها وزفيرها يعض على يديه، قال عطاء: يأكل الظالم يديه حتى يأكل مرفقيه، ثم ينبتان، ثم يأكلهما، وهكذا كلما نبتت يداه يأكلهما. قوله:\r(عقبة بن أبي معيط) أشار المفسر بذلك إلى أن الآية نزلت في ظالم خاص، ويقاس عليه كل ظالم، وهو أحد قولين، وقيل نزلت في الظالمين عموما. قوله: (كان نطق بالشهادتين) الخ، وذلك أنه صنع طعاما ودعا الناس اليه، ودعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فلما قدم الطعام قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ما أنا بآكل طعامك، حتى تشهد أن لا إله إلا اللّه وأني محمد رسول اللّه، ففعل، فأكل رسول اللّه من طعامه، وكان عقبة صديقا لأبي ابن خلف، فلما أخبر بذلك قال له: يا عقبة صبأت؟ قال: لا، ولكن دخل علي رجل، فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم، فشهدت له فطعم، فقال: ما أنا راض عنك حتى تأتيه فتبزق في وجهه، ففعل عقبة، فعاد بزاقه على وجهه فحرقه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لا أراك خارج مكة إلا علوت رأسك بالسيف، فأسر يوم بدر، فأمر عليا فقتله، وطعن النبي أبيا بأحد في المبازر، فرجع إلى مكة ومات، وحكم الآية عام في كل صاحبين اجتمعا على معصية اللّه تعالى لما روي: «يحشر المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل».","part":3,"page":65},{"id":1179,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 66\rالرَّسُولِ محمد سَبِيلًا (27) طريقا إلى الهدى يا وَيْلَتى ألفه عوض عن ياء الإضافة أي ويلتي ومعناه هلكتي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً أي أبيا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ أي القرآن بَعْدَ إِذْ جاءَنِي بأن ردني عن الإيمان به قال تعالى وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ الكافر خَذُولًا (29) بأن يتركه ويتبرأ منه عند البلاء وَقالَ الرَّسُولُ محمد يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي قريشا اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30) متروكا قال تعالى وَكَذلِكَ كما جعلنا لك عدوا من مشركي قومك جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍ قبلك عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ المشركين فاصبر كما صبروا وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً لك وَنَصِيراً (31) ناصرا لك على أعدائك وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا هلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كالتوراة والإنجيل والزبور، قال تعالى نزلناه كَذلِكَ أي متفرقا لِنُثَبِّتَ\r______________________________\rقوله: يَقُولُ يا لَيْتَنِي الجملة حالية من فاعل يَعَضُ. قوله: (للتنبيه) أي وليست للنداء، لأن المنادى شرطه أن يكون اسما، وليت حرف تمن أو للنداء، والمنادى محذوف أي يا قوم. قوله: (عوض عن ياء الاضافة) أي وأصله ويلتي بكسر التاء وفتح الياء، فتحت التاء فتحركت، وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، فيقال في إعرابه ويلتا مضاف، والألف مضاف اليه في محل جر، وليس لنا ألف في محل جر، إلا ما كانت عوضا عن ياء المتكلم.\rقوله: لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا فلان كناية عن علم من يعقل من الذكور، وفلانة عن علم من يعقل من الإناث.\rقوله: لَقَدْ أَضَلَّنِي علة لتمنيه، وأكده باللام القسمية، إظهارا لندمه وتحسره. قوله: (أي القرآن) أي وقيل كلمة الشهادة. قوله: (قال تعالى) أشار بذلك إلى أن قوله:\rوَكانَ الشَّيْطانُ الخ، جملة مستأنفة من كلامه تعالى، وكلام الظالم تم عند قوله: جاءَنِي. قوله:\rوَكانَ الشَّيْطانُ أي هو كل عات متمرد صد عن سبيل اللّه من الجن والإنس. قوله: (بأن يتركه) أي يترك نصره.\rقوله: وَقالَ الرَّسُولُ عطف على قوله: (و قال الذين لا يرجون لقاءنا) وما بينهما اعتراض مسوق لاستعظام ما قالوه، وبيان ما يحيق بهم في الآخرة من الأهوال، وهذا القول قيل صدر منه في الدنيا، وعليه يحمل قول المفسر (فاصبر كما صبروا) وقيل سيقع منه في الآخرة حال إقامة الحجة عليهم، ولذا ورد أنه يقول حين يشاهد نزول العذاب بهم سحقا. قوله: مَهْجُوراً أي فأعرضوا عنه ولم يؤمنوا به، فهذه الآية وردت في الكفار المعرضين عن القرآن الذين لم يؤمنوا به، لا فيمن حفظه من المؤمنين ثم نسيه، وإن كان يعاتب عليه في الآخرة لما ورد: «من تعلم القرآن وعلق مصحفه، لم يتعاهده ولم ينظر فيه، جاء يوم القيامة متعلقا به يقول: يا رب عبدك هذا اتخذني مهجورا، اقض بيني وبينه».\rقوله: وَكَذلِكَ جَعَلْنا الخ، شروع في تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى كما جعلنا قومك يعادونك ويكذبونك، جعلنا لكل نبي عدوا. قوله: بِرَبِّكَ الباء زائدة في الفاعل. قوله: هادِياً أي موصلا لك إلى الطريق القويم.\rقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ، حكاية عن بعض قبائح كفار مكة، وشبههم التي تتعلق بالقرآن، ولما كانت تلك الشبهة، ربما تدخل على بعض الضعفاء، اعتنى اللّه بردها والتوبيخ لمن أبداها. قوله: لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ نُزِّلَ بمعنى أنزل، لأن نزل بالتشديد معناه الإنزال","part":3,"page":66},{"id":1180,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 67\rبِهِ فُؤادَكَ نقوي قلبك وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (32) أي أتينا به شيئا بعد شيء بتمهل وتؤدة لتيسر فهمه وحفظه وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ في إبطال أمرك إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِ الدافع له وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (33) بيانا هم الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ أي يساقون إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً هو جهنم وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34) أخطأ طريقا من غيرهم وهو كفرهم وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة\r______________________________\rمفرقا، وأنزل معناه الإنزال جملة، فلو لم يجعل بمعنى أنزل لناقضه. قوله: جُمْلَةً يؤيده قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ حيث عبر بأنزلنا دون نزلنا، لأن المراد نزوله جملة في سماء الدنيا. قوله: (قال تعالى) أي ردا لتلك الشبهة بأمور ثلاثة، مقتضيا لنزوله مفرقا، الأول تثبيت فؤاده صلّى اللّه عليه وسلّم، الثاني ترتيله ليسهل حفظه، الثالث قوله: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً. قوله: (نزلناه) كَذلِكَ أشار بذلك إلى أن قوله: كَذلِكَ نعت لمصدر محذوف، والمعنى نزلناه تنزيلا مثل ذلك التنزيل.\rقوله: لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ علة للمحذوف الذي قدره المفسر، والمعنى أنزلناه مفرقا ليتقوى قلبك على تلقيه، فلا يحصل لك منه ثقل، لأن القرآن في نفسه ثقيل، سيما على من لم يقرأ ولم يكتب، قال تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ولذك لما نزل عليه صلّى اللّه عليه وسلّم (اقرأ) فتر الوحي ثلاث سنين ليشتاق للتلقي، فإن الشيء إذا جاء على شوق كان أثبت.\rقوله: وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا أي فرقناه آية بعد آية، وشيئا بعد شيء، في عشرين أو ثلاث وعشرين سنة. قوله: (لتيسر فهمه وحفظه) أي لك ولأمتك عن ظهر قلب، وهذه عطية لهذه الأمة المحمدية لم يعطها غيرهم، ولذا ورد: «و جعلت من أمتك أقواما قلوبهم أناجيلهم» ومن هنا كان تعليم القرآن بالتدريج سيما للأطفال، ليثبت في قلوبهم، واغتفر التنكيس في تعليمه ليسهل حفظه، فإن الطفل إذا رأى السورة قصيرة، قوي على حفظها ونشط لما بعدها.\rقوله: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ أي سؤال عجيب، يريدون به القدح في نبوتك.\rقوله: إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِ استثناء مفرغ من عموم الأحوال كأنه قيل: لا يأتونك بمثل في حال من الأحوال، إلا في حال إتياننا اليك بالحق، وبما هو أحسن بيانا له، والمعنى كلما أوردوا شبهة، أو أتوا بسؤال عجيب، أجبنا عنه بجواب حسن، يرده ويدفعه من غير كلفة عليك فيه، فلو نزل القرآن جملة، لكان النبي هو الذي يبحث في القرآن عن رد تلك الشبهة، كالعالم الذي يكشف في الكتب عن جواب المسائل التي يسأل عنها، فيكون الأمر موكولا له، فتكون الكلفة عليه، وما كان موكولا إلى اللّه، كان أتم مما هو موكول إلى العبد، وفيه قمع للمعاندين. قوله: وَأَحْسَنَ معطوف على الحق، فهو مجرور بالفتحة للوصفية ووزن الفعل.\rقوله: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ خبر لمحذوف قدره المفسر بقوله: (هم). قوله: (أي يساقون) أي يسحبون مقلوبين يطؤون الأرض برؤوسهم ووجوههم، وترتفع أقدامهم بقدرة اللّه تعالى.\rقوله: (من غيرهم) متعلق بكل من شَرٌّ وأَضَلُ، والمراد بغيرهم باقي الكفار، والمعنى أن من عانده صلّى اللّه عليه وسلّم، فهو في أسوأ الأحوال وأشرها في الآخرة. قوله: (و هو كفرهم) الضمير عائد على السبيل.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ شروع في تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم على مكائد قومه، بذكر بعض قصص","part":3,"page":67},{"id":1181,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 68\rوَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (35) معينا فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي القبط فرعون وقومه، فذهبا إليهم بالرسالة فكذبوهما فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (36) أهلكناهم إهلاكا وَاذكر قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ بتكذيبهم نوحا لطول لبثه فيهم فكأنه رسل، أو لأن تكذيبه تكذيب لباقي الرسل لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد أَغْرَقْناهُمْ جواب لما وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ بعدهم آيَةً عبرة وَأَعْتَدْنا في الآخرة لِلظَّالِمِينَ الكافرين عَذاباً أَلِيماً (37) مؤلما سوى ما يحل بهم في الدنيا وَاذكر عاداً قوم هود وَثَمُودَ قوم صالح وَأَصْحابَ الرَّسِ اسم بئر ونبيهم قيل شعب وقيل غيره كانوا قعودا حولها فانهارت بهم وبمنازلهم وَقُرُوناً\r______________________________\rالأنبياء على سبيل الإجمال، والمعنى لا تحزن يا محمد، فإن من خالفك وعاندك، يحل به الدمار، كما حل بالمخالف من الأمم المتقدمة. قوله: وَجَعَلْنا مَعَهُ معطوف على آتَيْنا والواو لا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا، فإن إتيان موسى التوراة، كان بعد رسالة هارون، وهلاك فرعون وقومه، ويمكن أن يجاب عن الآية، بأن المراد بقوله: آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ قدرنا له أن يأتيه في علمنا، فهو إخبار عما سيحصل، فالماضي بالنسبة لما سبق في علم اللّه. قوله: أَخاهُ مفعول أول لجعلنا، وهارُونَ بدل منه، ووَزِيراً مفعول ثان لجعلنا هارون معينا لموسى، بوحي مثاله في دعوى القوم إلى التوحيد وإعلاء الكلمة، فهو نبي ورسول بما جاء به موسى، بخلاف وزارة علي للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم المستفادة من قوله عليه الصلاة والسّلام له: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» فالمراد منها مطلق الإعانة لا المشاركة في الاتصاف بالرسالة، فإن من أثبتها لعلي فقد كفر.\rقوله: بِآياتِنا أي أدلة توحيدنا لا خصوص التسع.\rقوله: فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً عطف على محذوف قدره المفسر بقوله: (فذهبا) الخ.\rقوله: لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ لَمَّا شرطية، وجوابها قوله: أَغْرَقْناهُمْ كما قال المفسر. قوله: (لطول لبثه) دفع بذلك ما يقال: لم جمع الرسل مع أنه رسول واحد وهو نوح؟ فأجاب بجوابين: الأول أنه جمعه لطول مدته في قومه، فكأنه رسل متعددة. الثاني أن من كذب رسولا، فقد كذب بالرسل. قوله: وَجَعَلْناهُمْ أي جعلنا هلاكهم وما وقع منهم. قوله: لِلظَّالِمِينَ وضع الظاهر موضع المضمر، تسجيلا عليهم بوصف الظلم. قوله: (سوى ما يحل) أي ينزل بهم، وهو بهذا المعنى بضم الحاء وكسرها، بخلاف سائر معانيه، فهو بالكسر لا غير.\rقوله: وَثَمُودَ بالصرف على معنى الحي، وتركه على معنى القبيلة، قراءتان سبعيتان. قوله:\r(اسم بئر) اختلف هل هي اسم البئر التي لم تطو، أو للبئر مطلقا، وما قاله المفسر أحد أقوال في الرس، وقيل هو قرية باليمن، كان فيها بقايا ثمود، فبعث اليهم نبي فقتلوه فهلكوا، وقيل الأخدود، وقيل هم أصحاب حنظلة بن صفوان النبي، ابتلاهم اللّه بطير عظيم فيه من كل لون، فسموه العنقاء لطول عنقها، وكانت تسكن الجبال وتخطف صبيانهم، فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة، ثم إنهم قتلوه فأهلكوا.\rقوله: (و قيل غيره) أي وهو حنظلة. قوله: (فانهارت) أي انخسفت بهم.","part":3,"page":68},{"id":1182,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 69\rأقواما بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (38) أي بين عاد وأصحاب الرس وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ في إقامة الحجة عليهم فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً (39) أهلكنا إهلاكا بتكذيبهم أنبياءهم وَلَقَدْ أَتَوْا أي مرّ كفار مكة عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ مصدر ساء أي بالحجارة وهي عظمى قرى قوم لوط فأهلك اللّه أهلها لفعلهم الفاحشة أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها في سفرهم إلى الشام فيعتبرون؟ والاستفهام للتقرير بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ يخافون نُشُوراً (40) بعثا فلا يؤمنون وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ ما يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً مهزوءا به يقولون أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) في دعواه محتقرين له عن الرسالة إِنْ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي إنه كادَ لَيُضِلُّنا يصرفنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها لصرفنا عنها، قال تعالى وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ عيانا في الآخرة مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42) أخطأ طريقا أهم أم\r______________________________\rقوله: وَكُلًّا منصوب بفعل محذوف يلاقي ضَرَبْنا في معناه، تقديره وخوفنا كلا ضربنا له الأمثال، والمعنى بينا لكل القصص العجيبة فلم يؤمنوا (فتّبرناهم تتبيرا) أي فتتناهم تفتيتا فجعلناهم كالتبر، وهو قطع الذهب والفضة المفتتة. قوله: (مروا) أشار بذلك إلى أنه ضمن أتوا معنى مروا، فعدي بعلى، وإلا فأتى يتعدى بنفسه أو بإلى، والمعنى: مروا في أسفارهم إلى الشام. قوله: (مصدر ساء) أي بحسب الأصل، والمراد في الآية بالمطر السوء الرمي بالحجارة. قوله: (و هي عظمى قرى قوم لوط) أي واسمها سدوم، وتقدم أن القرى خمسة، وقيل إن أل في القرية للجنس فيشمل جميعها، لأن الخسف ونزول الأحجار عم جميعها، وقيل نجت منها واحدة كانت لا تعمل الخبائث.\rقوله: يَرَوْنَها أي يرون آثارها. قوله: (و الاستفهام للتقرير) أي وهو حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه.\rقوله: بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً أي كانوا كفارا لا يتوقعون نشورا ولا عاقبة، فهو إضراب انتقالي من توبيخهم إلى ذكر بعض قبائحهم وهو عدم إيمانهم بالبعث وعدم خوفهم منه.\rقوله: إِنْ يَتَّخِذُونَكَ جواب إِذا. قوله: إِلَّا هُزُواً مفعول ثان ليتخذون، وقوله: (مهزوءا به) أشار به إلى أن المصدر مؤول باسم المفعول، لأن المفعول الثاني في الأصل خبر، والمصدر لا يصح الإخبار به إلا بتأويل. قوله: أَهذَا الَّذِي الخ الجملة في محل نصب مقول لقول محذوف قدره المفسر. قوله: (في دعواه) رَسُولًا قدر ذلك دفعا لما يقال هم لا يعترفون برسالته، فكيف يقولون ما ذكر؟\rقوله: لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا أي بكثرة الأدلة والمعجزات. قوله: لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها أي ثبتنا واستمسكنا بعبادتها.\rقوله: (قال تعالى) أي ردا لقولهم: إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا. قوله: مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا مَنْ اسم استفهام مبتدأ، وأَضَلُ خبره، وسَبِيلًا تمييز، وقد أشار المفسر إلى ذلك بقوله: (أهم أم المؤمنون). قوله:\r(قدم المفعول الثاني) أي وقيل: لا تقديم ولا تأخير، لاستوائهما في التعريف. قوله: (و جملة من) الخ، أي بحسب الصورة، وإلا فهي وصلتها في قوة المفرد. قوله: (لا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري.\rقوله: أَمْ تَحْسَبُ أَمْ منقطعة تفسر ببل، والهمزة والاستفهام فيها إنكاري. قوله: أَنَ","part":3,"page":69},{"id":1183,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 70\rالمؤمنون أَرَأَيْتَ أخبرني مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أي مهويه قدم المفعول الثاني لأنه أهم، وجملة من اتخذ مفعول أول لرأيت، والثاني أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) حافظا تحفظه عن اتباع هواه؟ لا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ سماع تفهم أَوْ يَعْقِلُونَ ما تقول لهم أَنَ ما هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) أخطأ طريقا منها لأنها تنقاد لمن يتعهدها وهم لا يطيعون مولاهم المنعم عليهم أَلَمْ تَرَ تنظر إِلى فعل رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ من وقت الأسفار إلى وقت طلوع الشمس وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً مقيما لا يزول بطلوع الشمس ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ أي الظل دَلِيلًا (45) فلو لا الشمس ما عرف الظل ثُمَّ قَبَضْناهُ أي\r______________________________\rأَكْثَرَهُمْ استفيد منه أن الأقل سمع وعقل فآمن. قوله: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ أي في عدم انتفاعهم بالآيات. قوله: بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا أي لأن الأنعام تنقاد لمن يتعهدها، وتمييز من يحسن اليها ممن يسيء اليها، وتطلب ما ينفعها وتهرب ما يضر بها، وهؤلاء ليسوا كذلك.\rقوله: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ أقام اللّه سبحانه وتعالى، أدلة محسوسة على انفراده تعالى بالألوهية، وذكر منها خمسة: الأول هذا، والثاني قوله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً، الثالث قوله:\rوَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ، الرابع قوله: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ، الخامس قوله: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً، وهذا الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولكل عاقل، فإن من تأمل في تلك الأدلة حق التأمل، عرف أن موجدها فاعل مختار منفرد بالكمال. قوله: (تنظر) أشار بذلك إلى أن الرؤية بصرية، فقوله: كَيْفَ منصوب بمد على الحال. والمعنى ألم تنظر إلى صنع ربك مد الظل كيف؟ أي على حالة، وقدر المفسر (فعل) إشارة إلى أن المراد رؤية المصنوعات لا رؤية الذات، لأن المقصود نصب الأدلة، ليستدل بها على مؤثرها، فإن كل صنعة لا بد لها من صانع، وإن كان يلزم من التفكر في تلك الأشياء رؤية اللّه بعين القلب، لأنه لا يغيب عن مخلوقه طرفة عين، ومن هنا قيل: العارف يرى اللّه في كل شيء، فالآثار كالمرآة للناظر، فمن تأمل فيها رأى مؤثرها، ولا تحجب إلا من سبقت له الشقاوة. قوله: (من وقت الأسفار) الخ، المناسب أن يقول: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، إذ هو أحد أقوال ثلاثة للمفسرين، ثانيها من غروب الشمس إلى طلوعها، ثالثها من طلوع الشمس إلى أن تزول، ومن زوالها إلى غروبها، وأما ما قاله المفسر، فلم يوافقه عليه أحد من المفسرين، وهذا الوقت أعني من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، أطيب الأوقات وأفضلها، ولذا وصفت به الجنة، قال تعالى: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وفيه يجد المريض راحته، والمسافر وكل ذي علة، وفيه ترد أرواح الأموات منهم إلى الأجساد، وطيب نفوس الأحياء، قال أبو العالية: نهار الجنة هكذا، وأشار إلى ساعة يصلون صلاة الفجر.\rقوله: وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً أي ثابتا مستقرا لا يذهب عن وجه الأرض. قوله: (لا يزول بطلوع الشمس) أي بأن لا تطلع، فلا يزول بأن يستمر الليل مقيما، أو تطلع من غير ضوء. قوله: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا أي الشمس دليلا على الظل ليلا ونهارا، فالمراد بالظل ما قابل نور الشمس، وكل من الظل ونور الشمس عرض لقيامه بغير، وأما ذات الشمس فجوهر.\rقوله: ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً","part":3,"page":70},{"id":1184,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 71\rالظل الممدود إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (46) خفيا بطلوع الشمس وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً سائرا كاللباس وَالنَّوْمَ سُباتاً راحة للأبدان بقطع الأعمال وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (47) منشورا فيه لابتغاء الرزق وغيره وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ وفي قراءة الريح بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي متفرقة قدّام المطر، وفي قراءة بسكون الشين تخفيفا، وفي أخرى بسكونها وفتح النون مصدرا، وفي أخرى بسكونها وضم الموحدة بدل النون أي مبشرات، ومفرد الأولى نشور كرسول والأخيرة نشير وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (48) مطهرا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً بالتخفيف يستوى فيه المذكر والمؤنث، ذكره باعتبار المكان وَنُسْقِيَهُ أي الماء مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً\r______________________________\rيَسِيراً أي قليلا شيئا فشيئا، وذلك أن الشمس إذا طلعت، ظهر لكل شخص ظل إلى جهة المغرب، فكلما ارتفعت في الأفق، نقص الظل شيئا فشيئا، إلى أن تصل الشمس وسط السماء، فعند ذلك ينتهي نقص الظل، فبعض البلاد لا يبقى فيها ظل أبدا في بعض أيام السنة، كمكة وزبيد، وما عداها تبقى له بقية، وهذا على حسب الأشهر القبطية، وضبط ذلك بعضهم بقوله طزه جبا أبدوحي، فالطاء بتسعة لطوبة، فظل الزوال فيه تسعة أقدام، والزاي بسبعة لأمشير، والهاء بخمسة لبرمهات، والجيم بثلاثة لبرمودة، والباء باثنين لبشنس، والألف بواحدة لبؤنة، والألف الثانية بواحد لأبيب، والباء باثنين لمسرى، والداخل بأربعة لتوت، والواو بستة لبابة، والحاء بثمانية لهاتور، والياء بعشرة لكيهك، فإذا زالت الشمس، زاد الظل جهة المشرق شيئا فشيئا، حتى تغرب الشمس. قوله: (كاللباس) أشار بذلك إلى أنه من التشبيه البليغ بحذف الأداة، والجامع بين المشبه والمشبه به الستر في كل.\rقوله: وَالنَّوْمَ سُباتاً من السبت وهو القطع لقطع الأعمال فيه كما قال المفسر. قوله: (بقطع الأعمال) الباء سببية، والجار والمجرور متعلق براحة. قوله: (لابتغاء الرزق) أي طلبه.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ أي المبشرات وهي ثلاث: الشمال وتأتي من جهة القطب، والجنوب تقابلها، والصبا وتأتي من مطلع الشمس، والدبور تأتي من المغرب وبها أهلكت قوم عاد. قوله:\r(و في قراءة الريح) أي وهي سبعية أيضا، وأل فيها للجنس. قوله: (و في قراءة بسكون الشين) الخ، حاصل ما ذكره المفسر من القراءات أربع، وكلها سبعية، الأولى والثانية جمع نشور كرسول، والثالثة مصدر نشر، والرابعة جمع نشير. قوله: (و مفرد الأولى) أي والثانية. قوله: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ فيه التفات من الغيبة للتكلم. قوله: طَهُوراً أي طاهرا في نفسه مطهرا لغيره. قوله: بَلْدَةً أي أرضا.\rقوله: (بالتخفيف) أي لا غير، لأن المخفف لما ليس ذا روح غالبا، وأما بالتشديد لما كانت فيه الروح، قال تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ. وقال بعضهم:\rأيا سائلي تفسير ميت وميت ... فدونك قد فسرت ما عنه تسأل\r\rفما كان ذا روح فذلك ميت ... وما الميت إلا من إلى القبر يحمل\r\rقوله: (يستوي فيه المذكر) الخ، جواب عما يقال: لم ذكر ميتا، مع أنه نعت لبلدة وهي مؤنثة؟\rوقوله: (ذكره) الخ، جواب ثان، فكان المناسب أن يأتي بأو.\rقوله: أَنْعاماً خصها بالذكر لأنها عزيزة عند أهلها، لكونها سببا لحياتهم ومعاشهم. قوله: (جمع إنسان) هو الراجح، وقيل جمع إنسي وهو معترض","part":3,"page":71},{"id":1185,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 72\rإبلا وبقرا وغنما وَأَناسِيَّ كَثِيراً (49) جمع إنسان وأصله أناسين فأبدلت النون ياء وأدغمت فيها الياء أو جمع إنسي وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ أي الماء بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا أصله يتذكروا أدغمت التاء في الذال، وفي قراءة ليذكروا بسكون الذال وضم الكاف أي نعمة اللّه به فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً (50) جحودا للنعمة حيث قالوا: مطرنا بنوء كذا وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (51) يخوف أهلها ولكن بعثناك إلى أهل القرى كلها نذيرا ليعظم أجرك فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ في هواهم وَجاهِدْهُمْ بِهِ أي القرآن جِهاداً كَبِيراً (52) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ أرسلهما متجاورين هذا عَذْبٌ فُراتٌ شديد العذوبة وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ شديد الملوحة وَجَعَلَ بَيْنَهُما\r______________________________\rبأن الياء في إنسي للنسب، وهو لا يجمع على فعالي، كما قال ابن مالك: واجعل فعالي لغيري ذي نسب.\rقوله: (و أصله أناسين) أي كسرحان وسراحين.\rقوله: وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ أي فرقناه في البلاد المختلفة والأوقات المتغايرة، على حسب ما قدر في سابق علمه، روي عن ابن مسعود أنه قال: ليس من سنة بأمطر من أخرى، ولكن اللّه عز وجل قسم هذه الأرزاق، فجعلها في السماء الدنيا في هذا القطر، ينزل منه كل سنة بكيل معلوم، وإذا عمل قوم بالمعاصي، حول اللّه ذلك إلى غيرهم، وإذا عصوا جميعا، صرف اللّه ذلك المطر إلى الفيافي والبحار. قوله: (أدغمت التاء في الذال) أي بعد قلبها دالا، فذالا. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (أي نعمة اللّه به) أي فيقوموا بشكرها ليزدادوا خيرا. قوله: (جحودا للنعمة) أي حيث أضافوها لغير خالقها. قوله: (مطرنا بنوء كذا) النوء سقوط نجم من المنازل في المغرب، وطلوع رقيبه من المشرق في ساعته في عدة أيام معلومة لهم، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط، وقيل إلى الطالع، واعتقاد تأثير تلك الأشياء في المصنوعات كفر، لأنه لا أثر لشيء في شيء، بل المؤثر هو اللّه وحده، وإنما تلك الأشياء، من جملة الأسباب العادية التي توجد الأشياء عندها لا بها، ويمكن تخلفها، كالإحراق للنار، والري للماء، والشبع للأكل.\rقوله: لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أي في زمنك. قوله: (ليعظم أجرك) أي فالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم له مثل أجر من آمن به، من بعثه إلى يوم القيامة.\rقوله: فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ أي بل اصبر على أحكام ربك. قوله:\rجِهاداً كَبِيراً أي لأن مجاهدة السفهاء بالحجج، أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف. قوله: (أرسلهما متجاورين) أي أجراهما متلاصقين لا يتمازجان، ولا يبغي أحدهما على الآخر.\rقوله: هذا عَذْبٌ فُراتٌ هذه الجملة يحتمل أن تكون مستأنفة، جواب سؤال مقدر كأنه قيل: كيف مرجهما؟ ويحتمل أن تكون حالية بتقدير القول، أي مقولا فيهما هذا عذب الخ، وسمي الماء العذب فراتا، لأنه يفرت العطش أي يشقه ويقطعه. قوله: (شديد الملوحة) أي وقيل شديد الحرارة، وقيل شديد المرارة، وهذا من أحسن المقابلة حيث قال: عذب فرات، وملح أجاج. قوله: (حاجزا لا يختلط أحدهما بالآخر) أي فالماء العذب داخل في الملح وجار في خلاله، ومع ذلك لا يتغير طعمه ولا يختلطان، بل يبقى على كل ما هو عليه، بسبب منع اللّه لكل منهما عن الآخر بحاجز معنوي لا يحس بل بمحض قدرته تعالى، وهذا أكبر الأدلة على انفراد اللّه تعالى بالألوهية.","part":3,"page":72},{"id":1186,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 73\rبَرْزَخاً حاجزا لا يختلط أحدهما بالآخر وَحِجْراً مَحْجُوراً (53) أي سترا ممنوعا به اختلاطهما وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً من المني إنسانا فَجَعَلَهُ نَسَباً ذا نسب وَصِهْراً ذا صهر بأن يتزوج ذكرا كان أو أنثى طلبا للتناسل وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (54) قادرا على ما يشاء وَيَعْبُدُونَ أي الكفار مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ بعبادته وَلا يَضُرُّهُمْ بتركها وهو الأصنام وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (55) معينا للشيطان بطاعته وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً بالجنة وَنَذِيراً (56) مخوفا من النار قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي على تبليغ ما أرسلت به مِنْ أَجْرٍ إِلَّا لكن مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (57) طريقا بإنفاق ماله في مرضاته تعالى فلا أمنعه من ذلك وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ متلبسا بِحَمْدِهِ أي قل سبحان اللّه\r______________________________\rقوله: وَحِجْراً مَحْجُوراً تقدم أن معناه تعوذنا تعوذا، والمراد هنا الستر المانع، فشبه البحرين بطائفتين متعاديتين، كل منهما تتحصن من الأخرى، وطوى ذكر المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو قوله: حِجْراً مَحْجُوراً على طريق الاستعارة المكنية.\rقوله: بَشَراً أي خلقا كاملا مركبا من لحم وعظم وعصب وعروق ودم على شكل حسن، قال تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. قوله:\r(ذا نسب) الخ، أي فقسمه قسمين، ذوي نسب أي ذكورا ينسب إليهم وذوات صهر، أي أناسا يصاهر بهن، وأخر الصهر لأنه لا يحصل إلا بعد الكبر والتزوج. قوله: (ذا صهر) صهر الرجل أقارب زوجته، وصهر المرأة أقارب زوجها. قوله: وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً أي حيث خلق من مادة واحدة، إنسانا ذا أعضاء مختلفة، وطباع متباعدة، وأخلاق متعددة، وجعله قسمين متقابلين، فمن كان قادرا على ذلك وأمثاله، فهو حقيق بأن لا يعبد غيره.\rقوله: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شروع في ذكر قبائح المشركين، مع ظهور تلك الأدلة. قوله: ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ قدم النفع في بعض الآيات وأخره في بعضها تفننا. قوله: وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً أي يعاون الشيطان ويتابعه بالعداوة والشرك، وأل في الكافر للجنس، فالمراد كل كافر، وقيل معنى ظهيرا مهينا لا يعبأ به، فعلى بمعنى عند، والمعنى: وكان الكافر عند ربه مهانا لا حرمة له، مأخوذ من قولهم ظهرت به إذا نبذته خلف ظهرك. قوله: (بطاعته) أي الشيطان، والباء سببية، والمعنى صار الكافر معينا للشيطان على معصية اللّه، بسبب طاعته إياه، والخروج عن طاعة اللّه.\rقوله: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً أي لم نرسلك في حال من الأحوال، إلا في حال كونك مبشرا ونذيرا، فمن آمن فقد تحقق بالبشارة، ومن استمر على الكفر فله النذارة. قوله: (على تبليغ ما أرسلت به) أي المفهوم من قوله: أَرْسَلْناكَ.\rقوله: (لكن) مَنْ شاءَ الخ، أشار بذلك إلى أن الاستثناء منقطع، والمعنى لا أطلب من أموالكم جعلا لنفسي، لكن من شاء أن ينفق أمواله لوجه اللّه تعالى طلبا لمرضاته فليفعل. قوله: (في مرضاته تعالى) أي كالصدقة والنفقة في سبيل اللّه تعالى.\rقوله:\rوَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ لما قدم أن الكافر خارج عن طاعة ربه، وعن طاعة رسوله، وأمر","part":3,"page":73},{"id":1187,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 74\rوالحمد للّه وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً (58) عالما تعلق به بذنوب هو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ من أيام الدنيا أي في قدرها لأنه لم يكن ثم شمس، ولو شاء لخلقهن في لمحة، والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ هو في اللغة سرير\r______________________________\rالرسول أن لا يسألهم أجرا على تبليغه، أمره بالاعتماد عليه تعالى، ليكفيه شرورهم ويغنيه عن أجورهم، فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه دون الأحياء الذين يموتون، فإنهم إذا ماتوا، ضاع من توكل عليهم، والتوكل هو وثوق القلب باللّه تعالى في جميع الأمور، من غير اعتماد على الأسباب وإن تعاطاها. قوله: الَّذِي لا يَمُوتُ صفة كاشفة، لأن معنى الحي في حقه تعالى، ذو الحياة الأبدية التي يستحيل عليها الموت والفناء، ووصفه بالحياة بهذا المعنى مستلزم، لاتصافه بوجوب الوجود والقدم والبقاء وجميع الصفات الوجودية والسلبية.\rقوله: وَسَبِّحْ أي نزهه عن كل نقص. قوله: بِحَمْدِهِ الباء للملابسة كما قال المفسر، أي وصفه بالكمالات. قوله: (أي قل سبحان اللّه والحمد للّه) أي فذلك بجمع التسبيح والتحميد، لأن معنى تسبيح اللّه، تنزيه اللّه عن كل نقص، ومعنى الحمد للّه، كل كمال ثابت للّه، فهاتان الكلمتان من جوامع الكلم التي أوتيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهما من جملة الباقيات الصالحات وغراس الجنة التي بقيتها لا إله إلا اللّه واللّه أكبر، وحكمة تأخير لا إله إلا اللّه عن هاتين الجملتين، ليكون النطق بها عن معرفة ويقين، فهي نتيجة ما قبلها، واللّه أكبر نتيجة الثلاث فيها، لأنه إذا تنزه عن النقائص، واتصف بالكمالات، وثبت أنه لا إله غيره، فقد انفرد بالكبرياء والعظمة. وحكمة الاقتصار هنا على التسبيح والتحميد، لأنهما مستلزمتان للجملتين بعدهما. قوله: وَكَفى بِهِ الباء زائدة في الفاعل. قوله: (عالما) أي بالمذنب والطائع. قوله:\r(تعلق به) أي بخبيرا. قوله: (بذنوب) أي لفظ بذنوب وقدم لرعاية الفاصلة، والمعنى أن اللّه قادر على مجازاة الخلق في كل وقت، فلا ينظر الإنسان لعيوب الناس ولا طاعاتهم، بل عليه بنفسه، ويفوض أمره اليه.\rقوله: (هو) الَّذِي أشار بذلك إلى أن الموصول خبر لمحذوف، وهذه الجملة سيقت تحريضا للتوكل عليه تعالى، فإن من كان قادرا على ذلك، فهو حقيق بالتوكل عليه.\rقوله: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أي فالأرض في يومين الأحد والاثنين، وما عليهما في يومين الثلاثاء والأربعاء، والسماوات في يومين الخميس والجمعة، وفرغ من آخر ساعة من يوم الجمعة. قوله: (أي في قدرها) دفع بذلك ما يقال: إن الأيام لم تكن موجودة إذ ذاك. قوله: (و العدول عنه) أي عن الخلق في لمحة. قوله: (التثبت) أي التأني والتؤدة في الأمور، وعدم العجلة فيها، لما ورد: أن العجلة من الشيطان، واستثنى العلماء من ذلك مسائل اقراء الضيف، وتزويج البكر، وتجهيز الميت، والصلاة في أول وقتها، وقضاء الدين، وتعجيل الأوبة للمسافر بعد قضاء حاجته، والتوبة من الذنب. قوله: (هو في اللغة سرير الملك) أي ومنه قوله: (أيكم يأتيني بعرشها) والمراد هو جسم عظيم محيط بالعالم فوق السماوات السبع.\rقوله: (بدل من ضمير استوى) ويصح أن يكون خبر المحذوف، أو خبر الذي خلق. قوله: (أي استواء يليق به) هذا إشارة لمذهب السلف وهم من كانوا قبل الخمسمائة، ومذهب الخلف تفسير الاستواء بالاستيلاء عليه والتصرف فيه، وهو أحد معاني الاستواء، واستدلوا لذلك بقول الشاعر:","part":3,"page":74},{"id":1188,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 75\rالملك الرَّحْمنُ بدل من ضمير استوى أي استواء يليق به فَسْئَلْ أيها الإنسان بِهِ بالرحمن خَبِيراً (59) يخبرك بصفاته وَإِذا قِيلَ لَهُمُ لكفار مكة اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا بالفوقانية والتحتانية، والآمر محمد ولا نعرفه؟ لا وَزادَهُمْ هذا القول لهم نُفُوراً (60) عن الإيمان. قال تعالى تَبارَكَ تعاظم الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً\r______________________________\rقد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق\r\rوفي قوله: الرَّحْمنُ إشارة إلى أن اللّه تعالى استوى على العرش بوصف الرحمة فوسع العالمين، وكان سقف الجنة لا بوصف الجلال، وإلا لذاب ولم يبق له أثر. قوله: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً بِهِ متعلق بخبيرا، قدم لرعاية الفاصلة. والمعنى اسأل يا محمد خبيرا بصفاته تعالى، وليس خبيرا بصفاته إلا هو سبحانه وتعالى، ويصح أن يكون الجار والمجرور متعلقا باسأل، والباء بمعنى عن. والمعنى اسأل عنه خبيرا، أي عالما بصفاته، يطلعك على ما خفي عليك، والخبير يختلف باختلاف السائل، فإن كان السائل النبي عليه الصلاة والسّلام، فالخبير هو اللّه، وإن كان السائل أصحابه، فالخبير النبي، وإن كان السائل التابعين فالخبير الصحابة عن اللّه وهكذا، فآل الأمر إلى أن المشايخ العارفين، يفيدون الطالب عن اللّه، وفيه دليل على وجوب معرفة التوحيد.\rقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ أي لكفار مكة. قوله: قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أي ظنا منهم أن المراد به غيره تعالى، لأنهم كانوا يطلقون الرحمن على مسيلمة الكذاب. قوله: (و بالفوقانية والتحتانية) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (و الآمر محمد) أي على كل من القراءتين. قوله: (و لا نعرفه) راجع لقوله:\rلِما تَأْمُرُنا فكان المناسب ذكره بلصقه. قوله: (لا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري. قوله:\r(تعاظم) أي انفرد بالعظمة، لأن من كانت هذه أوصافه، فهو منفرد بالكبرياء والعظمة، وتقدم أن لفظة تبارك من الصفات الجامعة، تفسر في كل مقام بما يناسبه.\rقوله: بُرُوجاً جمع برج وهو في الأصل القصر العالي، سميت هذه المنازل بروجا، لأنها للكواكب السبعة السيارة، كالمنازل الرفيعة التي هي كالقصور لسكانها، فالمراد بالبروج الطرق والمنازل للكواكب السيارة. قوله: (الحمل) أي ويسمى بالكبش. قوله: (و الأسد) أي ويسمى بالليث أيضا، وقوله: (و الدلو) ويسمى الدلى أيضا. قوله: (المريخ) بكسر الميم. قوله: (و له) أي من البروج المذكورة، والحاصل أن خمسة من الكواكب السبعة أخذت عشر بروج، كل واحد اثنين واثنان من السبعة وهما الشمس والقمر، كل واحد منهما أخذ واحدا من البروج، وتقدم في سورة الحجر نظم الكواكب والبروج، وتقدم أن زحل نجم في السّماء السابعة، والمشتري في السادسة، والمريخ في الخامسة، والشمس في الرابعة، والزهرة في الثالثة، وعطار في الثانية، والقمر في الأولى، وتخصيص الشمس بالأسد لكونه بيتها المنسوب لها، فلا ينافي سيرها في البروج كلها، وكذا غيرها من باقي الكواكب السبعة، وذلك لأن البروج أصلها في سماء الدنيا وتمتد للسماء السابعة، فالبروج كلها طرق للكواكب السبعة كلها. قوله: (و الزهرة) بفتح الهاء. قوله: (و عطارد) بضم العين ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع. قوله: (و زحل) ممنوع.","part":3,"page":75},{"id":1189,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 76\rاثني عشر الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، وهي منازل الكواكب السبعة السيارة: المريخ وله الحمل والعقرب، والزهرة ولها الثور والميزان، وعطارد وله الجوزاء والسنبلة، والقمر وله السرطان، والشمس ولها الأسد، والمشتري وله القوس والحوت، وزحل وله الجدي والدلو وَجَعَلَ فِيها أيضا سِراجاً هو الشمس وَقَمَراً مُنِيراً (61) وفي قراءة سرجا بالجمع أي نيرات، وخص القمر منها بالذكر لنوع فضيلة وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً أي يخلف كل منهما الآخر لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ بالتشديد والتخفيف كما تقدم ما فاته في أحدهما من خير فيفعله في الآخر أَوْ أَرادَ شُكُوراً (62) أي شكرا لنعمة ربه عليه فيهما وَعِبادُ الرَّحْمنِ مبتدأ وما بعده صفات له إلى: أولئك يجزون غير المعترض\r______________________________\rمن الصرف للعلمية والعدل كعمر، وقد جعل اللّه تعالى بهذه الكواكب النفع في العالم السفلي كالأكل والشرب، يوجد النفع عندها لا بها، فهي من جملة الأسباب العادية، فمن اعتقد تأثيرها بطبعها فقد كفر، أو بقوة جعلها اللّه فيها فقد فسق.\rقوله: وَجَعَلَ فِيها أي السماء. قوله: (أي نيرات) صفة لموصوف محذوف، أي كواكب نيرات ودخل فيها القمر، فلذلك قال: (و خص القمر) الخ. قوله: (لنوع فضيلة) أي لأن مواقيت العبادة تبنى على الشهور القمرية قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ. قوله: (أي يخلف كل منهما الآخر) أي بأن يقوم مقامه، فكل واحد من الليل والنهار يخلف صاحبه. قوله: (بالتشديد) أي فأصله يتذكر قلبت التاء دالا وأدغمت في الذال. قوله: (و التخفيف) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله:\r(كما تقدم) أي في قوله: لَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا. قوله: (ما فاته في أحدهما من خير) الخ، أي فمن فاته شيء من الخير بالليل أدركه بالنهار ومن فاته بالنهار أدركه بالليل من فرائض وسنن وغيرها.\rقوله:\rأَوْ أَرادَ شُكُوراً أو مانعة خلو تجوز الجمع.\rقوله: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الخ، لما ذكر أحوال المنافقين والكفار وما آل اليه أمرهم، ذكر هنا أوصاف المؤمنين الكاملين، ووصفهم بأوصاف ثمانية، بها تنال المراتب العالية، وإضافتهم اليه تعالى للتشريف، وإلا فكل المخلوقات عباد اللّه، ويقال إضافتهم له من حيث كونه رحمانا، لكونهم مظهر الرحمة، وستختص بهم في الآخرة. قوله: (و ما بعده) أي من الموصولات الثمانية التي أولها. قوله:\rالَّذِينَ يَمْشُونَ وآخرها قوله: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا. قوله: (إلى أولئك) أي وهي الخبر كما سيذكره هناك. قوله: (غير المعترض فيه) أي وهو قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً إلى قوله: مَتاباً وهو ثلاث آيات. وحاصل ما ذكره من الأوصاف، أن بعضها متعلق بالخلق، وبعضها متعلق بالخالق.\rقوله: هَوْناً هو مصدر هان كقال. قوله: (أي بسكينة) أي تؤدة وتأن. قوله: الْجاهِلُونَ أي السفهاء. قوله: قالُوا سَلاماً أي مع القدرة على الانتقام، فالمراد الإغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم في الكلام، وهذا الخلق من أعظم الأخلاق لما في الحديث: «كاد الحليم أن يكون نبيا». وفي الحديث: «يبلغ الحليم بحلمه ما لا يبلغه الصائم القائم». والآثار في ذلك كثيرة.","part":3,"page":76},{"id":1190,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 77\rفيه الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً أي بسكينة وتواضع وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ بما يكرهونه قالُوا سَلاماً (63) أي قولا يسلمون فيه من الإثم وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً جمع ساجد وَقِياماً (64) بمعنى قائمين أي يصلون بالليل وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (65) أي لازما إِنَّها ساءَتْ بئست مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (66) هي، أي موضع استقرار وإقامة وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا على عيالهم لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا بفتح أوله وضمه أي يضيقوا وَكانَ إنفاقهم بَيْنَ ذلِكَ الإسراف والإقتار قَواماً (67) وسطا وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قتلها إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أي واحدا من الثلاثة يَلْقَ أَثاماً (68) أي عقوبة يُضاعَفْ وفي قراءة يضعف بالتشديد لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ بجزم الفعلين بدلا وبرفعهما استئنافا مُهاناً (69) حال إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً منهم فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ المذكورة حَسَناتٍ في\r______________________________\rقوله: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ شروع في ذكر معاملتهم للخالق اثر معاملتهم للخلق، وخص البيتوتة بالذكر، لأن العبادة بالليل أبعد عن الرياء، وفي الحديث: «لا زال جبريل يوصيني بقيام الليل، حتى علمت أن أمتي لا ينامون»، وأخر الليل مراعاة للفواصل. قوله: (أي يصلون بالليل) هذا صادق بصلاة العشاء والصبح في جماعة، ولكن كلما كثرت الصلاة بالليل كان خيرا.\rقوله: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ الخ، أي فهم مع حسن المعاملة للخالق وللخلق، ليس عندهم غرور ولا أمن من مكر اللّه، بل هم خائفون من عذابه، وجلون من هيبته. قوله: إِنَّ عَذابَها الخ، تعليل لقولهم: رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ. قوله: كانَ غَراماً أي في علمه تعالى. قوله: (أي لازما) أي لزوما كليا في حق الكفار، ولزوما بعده خروج في حق عصاة المؤمنين.\rقوله: إِنَّها ساءَتْ الفاعل ضمير مستتر يفسره التمييز المذكور، والمخصوص بالذم محذوف قدره بقوله قوله: مُسْتَقَرًّا هما بمعنى واحد، وهو الذي يشير اليه المفسر، وقيل مستقرا، لعصاة المؤمنين ومقاما للكافرين. قوله: (بفتح أوله) أي مع كسر التاء وضمها، من باب ضرب ونصر، وقوله: (و ضمه) أي مع كسر التاء لا غير، فالقراءات ثلاث سبعيات. قوله: (أي يضيقوا) أي على عيالهم مع يسارهم.\rقوله: وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً هو بمعنى قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ الآية.\rقوله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً الخ، شروع في بيان اجتنابهم للمعاصي، اثر بيان إتيانهم الطاعات. قوله: إِلَّا بِالْحَقِ أي لا يقتلون النفس المحرمة بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، بأن تكون مستحقة للقتل، كالمرتد والزاني المحصن والقاتل. قوله: (أي واحدا من الثلاثة) في بعض النسخ أي ما ذكر، وهو المناسب ل\rقوله: يُضاعَفْ لأن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك تضاعف له العقوبة. قوله: (و في قراءة يضعف) أي فهما قراءتان سبعيتان، وكل منهما مع جزم الفعل ورفعه، فالقراءات أربع سبعيات. قوله: (بدلا) أي من يلق بدل اشتمال. قوله: مُهاناً أي ذليلا حقيرا.","part":3,"page":77},{"id":1191,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 78\rالآخرة وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70) أي لم يزل متصفا بذلك وَمَنْ تابَ من ذنوبه غير من ذكر وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً (71) أي يرجع إليه رجوعا فيجازيه خيرا وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ أي الكذب والباطل وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ من الكلام القبيح وغيره مَرُّوا كِراماً (72) معرضين عنه وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا وعظوا بِآياتِ رَبِّهِمْ أي القرآن لَمْ يَخِرُّوا يسقطوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (73) بل خروا سامعين ناظرين منتفعين وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا بالجمع والإفراد قُرَّةَ أَعْيُنٍ لنا بأن نراهم مطيعين لك وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (74) في الخير أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ الدرجة العليا في الجنة بِما صَبَرُوا على طاعة اللّه وَيُلَقَّوْنَ بالتشديد والتخفيف مع فتح الياء فِيها في الغرفة تَحِيَّةً وَسَلاماً (75) من\r______________________________\rقوله: إِلَّا مَنْ تابَ استثناء متصل من الضمير في يلق. قوله: فَأُوْلئِكَ اسم الإشارة راجع لقوله من تاب. قوله: يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ أي يمحو ما سبق منهم من المعاصي بسبب التوبة، ويثبت مكانها الطاعات أو نيتها، وفي القرطبي: ولا يبعد في كلام اللّه تعالى إذا صحت توبة العبد، أن يصنع مكان كل سيئة حسنة.\rقوله: وَمَنْ تابَ أي عن المعاصي بتركها والندم عليها. قوله: وَعَمِلَ صالِحاً أي فعل الطاعات ولو بالنية، كمن فجأه الموت عقب التوبة. قوله: (فيجازيه خيرا) دفع بذلك ما يتوهم اتحاد الشرط والجزاء كأنه قال: من تاب وعمل صالحا، فإنه يرجع إلى جزاء اللّه في الآخرة الجزاء الحسن.\rقوله: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ أي لا يحضرونه أو لا يشهدون به. قوله: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ أي من غير تقصد منهم له. قوله: (و غيره) أي وهو الفعل القبيح. قوله: مَرُّوا كِراماً أي مكرمين أنفسهم بالغض عن الفواحش. قوله: (بل خروا سامعين) الخ، أشار بذلك إلى أن النفي مسلط على القيد فقط وهو\rقوله: صُمًّا وَعُمْياناً والمعنى إذا قرىء عليهم القرآن، ذكروا آخرتهم ومعادهم ولم يتغافلوا، حتى يكونوا بمنزلة من لا يسمع ولا يبصر.\rقوله: مِنْ أَزْواجِنا مِنْ للبيان. قوله: (بالجمع والإفراد) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: قُرَّةَ أَعْيُنٍ أي ما يحصل به سرورها. قوله: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً أي اجعلنا هداة يقتدى بنا في مواسم الخيرات والطاعات، بأن تصفي بواطننا من غيرك، حتى يكون حالنا سببا في هداية الخلق، ولذا قيل: حال رجل في ألف رجل، أنفع من وعظ ألف رجل في رجل ولفظ إمام يستوي فيه الجمع وغيره، فالمطابقة حاصلة.\rقوله: أُوْلئِكَ اسم الإشارة عائد على المتصفين بالأوصاف الثمانية. قوله: الْغُرْفَةَ اسم جنس أريد به الجمع، والغرفة أعلى منازل الجنة وأفضلها، كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا. قوله:\r(بالتشديد) أي ومعناه يعطون، والفاعل اللّه، وقوله: (و التخفيف) أي فمعناه يجدون، والقراءتان سبعيتان. قوله: تَحِيَّةً وَسَلاماً جمع بينهما لأن المراد بالتحية الإكرام بالهدايا والتحف، وبالسلام سلامه","part":3,"page":78},{"id":1192,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 79\rالملائكة خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (76) موضع إقامة لهم، وأولئك وما بعده خبر عباد الرحمن المبتدأ قُلْ يا محمد لأهل مكة ما نافية يَعْبَؤُا يكترث بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ إياه في الشدائد فيكشفها فَقَدْ أي فكيف يعبأ بكم وقد كَذَّبْتُمْ الرسول والقرآن فَسَوْفَ يَكُونُ العذاب لِزاماً (77) ملازما لكم في الآخرة بعد ما يحل بكم في الدنيا فقتل منم يوم بدر سبعون، وجواب لو لا دل عليه ما قبلها.\r______________________________\rتعالى عليهم بالقول، أو سلام الملائكة، أو سلام بعضهم على بعض. قوله: (الملائكة) أي أو من اللّه أو من بعضهم لبعض، والمعنى تحييهم الملائكة ويدعون لهم بطول الحياة والسلامة من الآفات، فتحصل أن قوله: تَحِيَّةً وَسَلاماً قيل هما بمعنى واحد، وجمع بينهما لاختلاف لفظهما، وقيل متخالفان، فالتحية الإكرام بالهدايا والتحف، والسّلام الدعاء، إما من الملائكة، أو من اللّه، أو من بعضهم لبعض.\rقوله:\rخالِدِينَ فِيها أي لا يموتون ولا يخرجون. قوله: (و أولئك) أي الواقع مبتدأ، وقوله: (و ما بعده) أي قوله: يُجْزَوْنَ الواقع خبره.\rقوله: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي الخ، لما ذكر أوصاف المؤمنين الكاملين، أفاد أن المدار على تلك الأوصاف التي بها العبادة للّه، فلو لا العبادة الواقعة من الخلق، لم يكترث بهم ولم يعتد بهم عنده، فإن الإنسان خلق ليعرف ربه ويعبده، وإلا فهو شبيه بالبهائم، قال تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ففي العبادة يتنافس المتنافسون، وبها يفوز الفائزون. قوله: لَوْ لا دُعاؤُكُمْ (إياه) أشار بذلك إلى أن المصدر مضاف لفاعله.\rقوله: فَسَوْفَ يَكُونُ (العذاب) أي الذي دل عليه قوله: فَقَدْ كَذَّبْتُمْ. قوله: لِزاماً مصدر لازم كقاتل قتالا، والمراد هنا اسم الفاعل، وفي الآية تهديد لكفار مكة. قوله: (فقتل منهم يوم بدر سبعون) الخ، روى الشيخان عن عبد اللّه بن مسعود قال: خمس قد مضين، الدخان واللزام والروم والبطشة والقمر، وقوله خمس أي خمس علامات دالة على قيام الساعة قد وقعن بالفعل، فالدخان هو قوله تعالى: يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ والمراد به شيء يشبه الدخان، وقد نزل بقريش من شدة الجوع، صار الواحد يرى كأن بينه وبين السماء دخانا، والقمر في قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ والروم في قوله تعالى: غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ والبطشة في قوله تعالى: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى وهي القتل يوم بدر، واللزام هو الأسر يومها. قوله: (دل عليه ما قبلها) أي وهو قوله: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي والتقدير لو لا دعاؤكم، أي طلبكم من اللّه رفع الشدائد، وأنتم تتعلقون بأستار الكعبة، ما يعبأ بكم، أي ما يكترث بكم فلا يرفعها عنكم، وقوله: فَقَدْ كَذَّبْتُمْ أي دمتم على تكذيبه بعد إخراجه من بينكم، فسوف يكون العذاب لازما لكم، لا يرد عنكم، ولا يقبل منكم دعاء فتدبر.","part":3,"page":79},{"id":1193,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 80\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الشّعراء مكيّة الا وَالشُّعَراءُ الى آخرها- فمدني وهي مائتان وسبع وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم (1) اللّه أعلم بمراده بذلك تِلْكَ أي هذه الآيات آياتُ الْكِتابِ القرآن، والإضافة بمعنى من الْمُبِينِ (2) المظهر الحق من الباطل لَعَلَّكَ يا محمد\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة الشعراء\rمكية إلا وَالشُّعَراءُ إلى آخرها- فمدني وهي مائتان وسبع وعشرون آية أي السورة التي ذكر فيها الشعراء، سميت باسم بعضها على عادته تعالى، وقد ورد في فضل الطواسين أحاديث منها ما روي عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «إن اللّه أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المص مكان الإنجيل، وأعطاني الطواسين مكان الزبور، وفضلني بالحواميم والمفصل ما قرأهن نبي قبلي.\rقوله: (إلا والشعراء إلى آخرها) أي وجملته أربع آيات.\rقوله: طسم هكذا كتبت متصلة بعضها ببعض، وفي مصحف ابن مسعود: ط س م مفصولة من بعضها وبها قرئ، فيقف على كل حرف وقفة يميز بها كل حرف، وقرىء هنا وفي القصص بكسر الميم على البناء، وأمال الطاء بعض القراء. قوله: (اللّه أعلم بمراده بذلك) تقدم أن هذا القول أصح وأسلم.\rقوله: تِلْكَ مبتدأ، وآياتُ الْكِتابِ خبره، واسم الإشارة عائد على آيات هذه السورة. قوله:\r(بالإضافة بمعنى من) أي والمعنى آيات من الكتاب. قوله: (المظهر الحق من الباطل) أشار بذلك إلى أن المبين من أبان بمعنى أظهر، ويصح أن يكون من باب اللازم بمعنى ظهر، أي الظاهر إعجازه.","part":3,"page":80},{"id":1194,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 81\rباخِعٌ نَفْسَكَ قاتلها غما من أجل أَلَّا يَكُونُوا أي أهل مكة مُؤْمِنِينَ (3) ولعل هنا للإشفاق، أي أشفق عليها بتخفيف هذا الغم إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ بمعنى المضارع أي تظل أي تدوم أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (4) فيؤمنون، ولما وصفت الأعناق بالخضوع الذي هو لأربابها جمعت الصفة منه جمع العقلاء وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ قرآن مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ صفة كاشفة إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا به فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا عواقب ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا ينظروا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها أي كثيرا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) نوع حسن إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً دلالة على كمال قدرته تعالى وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ\r______________________________\rقوله: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، والباخع من بخع من باب نفع: قتل نفسه من وجد أو غيظ. قوله: (و لعل هنا للاشفاق) أي فالترجي بمعنى الأمر، والمعنى ارحم نفسك وارأف بها.\rقوله: (أي أشفق عليها) بقطع الهمزة من الرباعي وبوصلها من الثلاثى، والأول إن تعدى بمن كان بمعنى الخوف، وإن تعدى بعلى كان بمعنى الرحمة والرفق.\rقوله: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ الخ، هذا تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ببيان حقيقة أمرهم، والمعنى لا تحزن على عدم إيمانهم، فإننا لو شئنا إيمانهم لأنزلنا عليهم معجزة تأخذ بقلوبهم، فيؤمنون قهرا عليهم، ولكن سبق في علمنا شقاؤهم، فعدم إيمانهم منا لا منهم، فأرح نفسك من التعب القائم بها، وإِنْ حرف شرط، ونَشَأْ فعل الشرط، ونُنَزِّلْ جوابه.\rقوله: آيَةً أي معجزة تخوفهم، كرفع الجبل فوق رؤوسهم، كما وقع لبني إسرائيل. قوله:\r(بمعنى المضارع) أشار بذلك إلى أن قوله: فَظَلَّتْ مستأنف، ويصح أن يكون معطوفا على نُنَزِّلْ، فهو في محل جزم. قوله: (و لما وصفت الأعناق بالخضوع) الخ، دفع بذلك ما يقال: كيف جمع الأعناق بجمع العقلاء؟ فأجاب: بأنه لما ناسب الخضوع لها، وهو وصف العقلاء، جميعها بالياء والنون كقوله تعالى: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ، وإلا فكان مقتضى الظاهر أن يقول خاضعة، وهناك أجوبة أخر، منها أن المراد بالأعناق الرؤساء، ومنها أن لفظ الأعناق مقحم والأصل فظلوا لها خاضعين، ومنها غير ذلك.\rقوله: مِنْ ذِكْرٍ مِنْ زائدة، وقوله: مِنَ الرَّحْمنِ مِنْ ابتدائية. قوله:\r(صفة كاشفة) أي لأنه فهم من قوله: يَأْتِيهِمْ، لأن التعبير بالفعل يفيد التجدد والحدوث. قوله: إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ أي غير متأملين. قوله: (عواقب) أي وعبر عنها بالأنباء، لأن القرآن أخبر عنها، والمراد ننزل بهم مثل ما نزل بمن قبلهم.\rقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ أي إلى عجائبها، والهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة عليه، والتقدير أغفلوا ولم ينظروا إلى الأرض الخ، وهذا بيان للأدلة التي تحدث في الأرض وقتا بعد وقت، تدل على أنه منفرد بالألوهية، ومع ذلك استمر أكثرهم على الكفر. قوله: كَمْ أَنْبَتْنا فِيها كَمْ في محل نصب مفعول لأنبتنا، ومِنْ كُلِّ زَوْجٍ تمييز لها. قوله: (نوع حسن) أي كثير النفع.\rقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً الخ، قد ذكرت هذه الآية في هذه السورة ثمان مرات. قوله: (في علم اللّه) هذا مبني على أصالة كانَ، وقوله: (و كان قال سيبويه) الخ، توجيه ثان فكان المناسب أن يقول: وقال","part":3,"page":81},{"id":1195,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 82\rمُؤْمِنِينَ (8) في علم اللّه، وكان قال سيبويه زائدة وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ ذو العزة ينتقم من الكافرين الرَّحِيمُ (9) يرحم المؤمنين وَاذكر يا محمد لقومك إِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى ليلة رأى النار والشجرة أَنِ أي بأن ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) رسولا قَوْمَ فِرْعَوْنَ معه ظلموا أنفسهم بالكفر باللّه وبني إسرائيل باستعبادهم أَلا الهمزة للاستفهام الإنكاري يَتَّقُونَ (11) اللّه بطاعته فيوحدونه قالَ موسى رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي من\r______________________________\rسيبويه كان زائدة. قوله: (ذو العزة) أي الهيبة والجلال. قوله: (ينتقم من الكافرين) أي بمظهر عزته الذي هو القهر والغلبة، وقوله: (يرحم المؤمنين) أي بمظهر رحمته.\rقوله: وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى الخ، ذكر اللّه سبحانه وتعالى في هذه السورة سبع قصص: أولها قصة موسى وهارون، ثانيها قصة إبراهيم، ثالثها قصة نوح، رابعها قصة هود، خامسها قصة صالح، سادسها قصة لوط، سابعها قصة شعيب، وتقدم حكمة ذكر تلك القصص، أن بها تكون الحجة على الكافرين، والزيادة في علم المؤمنين، ولذا كان المؤمن من هذه الأمة أسعد السعداء، وكافرها أشقى الأشقياء، وحكمة التكرار الزيادة في إيمان المؤمن، وقطع حجة الكافر، والظرف معمول لمحذوف قدره المفسر بقوله: (اذكر)، وليس المراد به ذكر وقت المناداة، بل المراد ذكر القصة الواقعة في ذلك الوقت.\rقوله: (ليلة رأى النار والشجرة) أي رأى النار موقدة في الشجرة الخضراء، وليس هذا مبدأ ما وقع في المناداة، وإنما هو ما فصل في سورة طه من قوله تعالى: إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً إلى قوله:\rلِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى.\rقوله: أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يصح أن تكون أَنِ مصدرية كما مشى عليه المفسر، أو مفسرة لتقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه، وكان النداء بكلام نفسي، سمعه من جميع جهاته بجميع أجزائه من غير واسطة. قوله: (رسولا) حال من فاعل ائْتِ.\rقوله: قَوْمَ فِرْعَوْنَ بدل من القوم الظالمين، وقوله: (معه) أي فرعون، وهذا قد فهم بالأولى لأنه رأس الضلال. قوله: (و بني إسرائيل) معطوف على (أنفسهم)، والتقدير وظلموا بني إسرائيل. قوله: (باستعبادهم) أي معاملتهم إياهم معاملة العبيد في استخدامهم في الأعمال الشاقة والصنائع الخسيسة نحو أربعمائة سنة، وكانوا في ذلك الوقت ستمائة ألف وثلاثين. قوله: (للاستفهام الإنكاري) المناسب أن يقول للاستفهام التعجبي، لأن المعنى على الإنكار فاسد، لأنه للنفي، ومدخولها نفي، ونفي النفي إثبات، فيصير المعنى أنهم اتقوا اللّه وليس كذلك، ويصح أن تكون ألا للعرض.\rقوله: قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ الخ، اعتذار من موسى لإظهار العجز عن الأمر الذي كلفه، وقد أتى بثلاثة أعذار، كل واحد منها مرتب على ما قبله.\rقوله: وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي هما بالرفع على الاستئناف، أو عطف على خبر إن عند السبع، وقرىء شذوذا بنصهما عطفا على مدخول أن، والمقصود من هذا الاعتذار، الإعانة على هذا الأمر المهم، بشرح الصدر، وطلق اللسان، وإرسال أخيه، والأمن من القتل، وقد دل على ذلك قوله في سورة طه رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً","part":3,"page":82},{"id":1196,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 83\rتكذيبهم لي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي بأداء الرسالة للعقدة التي فيه فَأَرْسِلْ إِلى أخي هارُونَ (13) معي وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ بقتل القبطي منهم فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) به قالَ تعالى كَلَّا أي لا يقتلونك فَاذْهَبا أي أنت وأخوك، ففيه تغليب الحاضر على الغائب بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) ما تقولون وما يقال لكم، أجريا مجرى الجماعة فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا أي كلّا منا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (16) إليك أَنْ أي بأن أَرْسِلْ مَعَنا إلى الشام بَنِي إِسْرائِيلَ (17) فأتياه فقالا له ما ذكر قالَ فرعون لموسى أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا في منازلنا وَلِيداً صغيرا قريبا من الولادة بعد فطامه وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) ثلاثين سنة\r______________________________\rمِنْ لِسانِي الآيات. قوله: (للعقدة التي فيه) أي الثقل الحاصل بسبب وضع الجمرة عليه وهو صغير، حين نتف لحية فرعون، فاغتم لذلك وهم بقتله، فأشارت عليه زوجته أن يمتحنه، فقدم له تمرة وجمرة، فأخذ الجمرة بتحويل جبريل يده فوضعها على لسانه، فحصل فيه ثقل في النطق.\rقوله: فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ أي وكان في مصر، فأتاه جبريل بالرسالة على حين غفلة، فموسى جاءته الرسالة من ربه بلا واسطة جبريل، وإن كان حاضرا، وهارون جاءته الرسالة في ذلك الوقت أيضا بواسطة جبريل. قوله: (معي) أي ليكون معينا لي، وهو بمعنى قوله في سورة القصص فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي.\rقوله: وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ أي في زعمهم. قوله: فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ أي فيفوت المقصود من الإرسال. قوله: (فيه تغليب الحاضر على الغائب) أي بالنسبة لموسى، وإلا فهما حاضران بالنسبة للّه تعالى، لكن سمع موسى الخطاب من اللّه بلا واسطة، وهارون سمعه بواسطة جبريل.\rقوله: بِآياتِنا جمع الآيات مع أنهما اثنان العصا واليد، باعتبار ما اشتملت العصا عليه من الآيات له. قوله: إِنَّا مَعَكُمْ أي معية خاصة بالعون والنصر. قوله: (أجريا مجرى الجماعة) أي تعظيما لهما. قوله: (أي كلا منا) قدر ذلك لتحصل المطابقة بين اسم إن وخبرها، الذي هو الرسول حيث أفرده.\rقوله: أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ أي خلصهم وأطلقهم. قوله: (فأتياه) الخ، أشار بذلك إلى أن\rقوله: قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ الخ، مرتب على محذوف، روي أنهما لما انطلقا إلى فرعون، لم يؤذن لهما سنة في الدخول عليه، فدخل البواب على فرعون وقال له: ههنا إنسان يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال له فرعون: ائذن له لعلنا نضحك معه، فدخلا عليه فوجداه قد أخرج سباعا من أسد ونمور وفهود يتفرج عليها، فخاف خدامها أن تبطش بموسى وهارون، فأسرعوا اليهما وأسرعت السباع إلى موسى وهارون، فأقبلت تلحس أقدامهما، وتلصق خدودها بفخذيهما فعجب فرعون من ذلك فقال: ما أنتما؟ قالا: إنا رسول رب العالمين، فعرف موسى، لأنه نشأ في بيته فقال: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً الخ، فامتن عليه أولا بنعمة التربية، وثانيا بعدم مؤخذاته بما وقع منه من قتل القبطي. قوله: (قريبا من الولادة) قصده بذلك دفع ما ورد على الآية، بأن الوليد يطلق على المولود حال ولادته، وليس مرادا هنا، فإنه كان زمن الرضاع عند أمه، ثم أخذه فرعون بعد الفطام، والأولى إبقاء الآية على ظاهرها، لأن موسى وإن كان عند أمه، إلا أنه تحت نظر فرعون، فهو في تربيته من حين ولادته.","part":3,"page":83},{"id":1197,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 84\rيلبس من ملابس فرعون ويركب من مراكبه وكان يسمى ابنه وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ هي قتله القبطي وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (19) الجاحدين لنعمتي عليك بالتربية وعدم الاستعباد قالَ موسى فَعَلْتُها إِذاً أي حينئذ وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) عما آتاني بعدها من العلم والرسالة فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً علما وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَ أصله تمن بها عليّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (22) بيان لتلك، أي اتخذتهم عبيدا ولم تستعبدني، لا نعمة لك بذلك لظلمك باستعبادهم، وقدر بعضهم أول الكلام همزة استفهام للإنكار قالَ فِرْعَوْنُ لموسى وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23) الذي قلت إنك رسوله، أي أيّ شيء هو؟\rولما لم يكن سبيل للخلق إلى معرفة حقيقته تعالى وإنما يعرفونه بصفاته أجابه موسى عليه الصلاة والسّلام ببعضها قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا أي خالق ذلك إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) بأنه تعالى خالقه فآمنوا به وحده قالَ فرعون لِمَنْ حَوْلَهُ من أشراف قومه أَلا\r______________________________\rقوله: مِنْ عُمُرِكَ حال من سنين، لأنه نعت نكرة قدم عليها. قوله: (و عدم الاستعباد) أي اتخاذك لي عبدا مثل بني إسرائيل. قوله: (حينئذ) هذا حل معنى لا حل اعراب، وهي حرف جواب فقط، وقيل حرف جواب وجزاء. قوله: (عما آتاني اللّه بعدها) الخ، أي فليس عليّ فيما فعلته في تلك الحالة لوم؛ لعدم التكليف حينئذ، أو المعنى من المخطئين لا من المتعمدين.\rقوله: وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ في ذلك رد لما وبخه به فرعون، وهو القتل بغير حق، فكأنه قال: فكيف تدعي الرسالة، وقد حصل منك ما يقدح في تلك الدعوى؟ فأجابه موسى بأنه قتله قبل أن تأتيه الرسالة، ثم أتته بعد ذلك.\rقوله: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ مبتدأ وخبر، وقوله: تَمُنُّها صفة لنعمة، وأَنْ عَبَّدْتَ الخ، عطف بيان موضح للمبتدأ، كما قاله المفسر. قوله: (أصله تمن بها علي) أي فحذف الجار فاتصل الضمير، فهو من باب الحذف والايصال. قوله: (و لم تستعبدني) أي فلا منة لك علي في عدم استعبادك إياي، لأن استعبادك غيري ظلم، وقد نجاني اللّه منه. قوله: (و قدر بعضهم) أي وهو الأخفش. قوله: (أول الكلام) أي والأصل أو تلك نعمة، الخ. قوله: (للإنكار) أي وهو بمعنى النفي. قوله: (أي أي شيء هو) أي وذلك لأن ما يسأل بها عن الحقيقة. والمعنى أي جنس هو من أجناس الموجودات.\rقوله: وَما بَيْنَهُمَا أي جنس السماوات والأرض، فاندفع ما قيل: لم ثني الضمير مع أن مرجعه جمع؟.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أي محققين أن اللّه تعالى هو الخالق لها. قوله: (من أشراف قومه) أي وكانوا خمسمائة لابسين الأساور، ولم يكن يلبسها إلا السلاطين على عادة الملوك. قوله: (الذي لم يطابق السؤال) أي لأن ما يسأل بها عن الحقيقة، وقد أجابه بالصفات التي يسأل عنها بأي، والعدول عن المطابقة، لأن السؤال عن الحقيقة عبث وسفه لاستحالته.\rقوله: قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ إنما ذكر ذلك لأن نفوسهم أقرب الأشياء اليهم. قوله: (و هذا) أي الجواب. قوله: (و لذلك) أي لشدة غيظه.\rقوله: قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ سماه رسولا استهزاء، وأضافه إلى المخاطبين استنكافا من نسبته له.","part":3,"page":84},{"id":1198,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 85\rتَسْتَمِعُونَ (25) جوابه الذي لم يطابق السؤال قالَ موسى رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) وهذا وإن كان داخلا فيما قبله يغيظ فرعون ولذلك قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قالَ موسى رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) أنه كذلك فآمنوا به وحده قالَ فرعون لموسى لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) كان سجنه شديدا يحبس الشخص في مكان تحت الأرض وحده لا يبصر ولا يسمع فيه أحدا قالَ له موسى أَوَلَوْ أي أتفعل ذلك ولو جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) أي برهان بين على رسالتي قالَ فرعون له فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فيه فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (32) حية عظيمة وَنَزَعَ يَدَهُ أخرجها من جيبه فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ ذات شعاع لِلنَّاظِرِينَ (33) خلاف ما كانت عليه من الأدمة قالَ فرعون لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (34) فائق في علم السحر يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ (35) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ أخر أمرهما وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (36) جامعين يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) يفضل موسى في علم السحر فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وهو وقت الضحى من يوم الزينة وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (40) الاستفهام للحث على الاجتماع، والترجي على تقدير غلبتهم ليستمروا على دينهم فلا يتبعوا موسى فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ\r______________________________\rقوله: قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما أي فتشاهدون في كل يوم أنه يأتي بالشمس من المشرق، ويذهب بها من المغرب. قوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أي إن كان لكم عقل، وفيه رد لقوله: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ.\rقوله: قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي الخ، عدول عن الحاجة إلى التهديد، لقصر حجته وجهله وعدم استقامته، روي أنه فزع من موسى فزعا شديدا، حتى كان اللعين لا يمسك بوله. قوله: (أي أتفعل ذلك) أشار إلى أن الهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف.\rقوله: قالَ فَأْتِ بِهِ إنما أمر فرعون بالإتيان به، لظنه أنه يقدر على معارضته.\rقوله: وَنَزَعَ يَدَهُ أي من جيبه، قيل لما رأى فرعون الآية الأولى قال: هل لك غيرها؟ فأخرج يده فأدخلها في إبطه ثم نزعها ولها شعاع يكاد يغشي الأبصار ويسد الأفق.\rقوله: (من الأدمة) أي السمرة. قوله: حَوْلَهُ ظرف في محل الحال.\rقوله: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ لما رأى تلك الآيات الباهرة، خاف على قومه أن يتبعوه، فتنزل إلى مشاورتهم بعد أن كان مستقلا بالرأي والتدبير، وأراد تنفيرهم عن موسى عليه السّلام. قوله: فَما ذا تَأْمُرُونَ أي أي شيء تأمرونني به.\rقوله:\rيَأْتُوكَ مجزوم في جواب الأمر. قوله: (يفضل موسى) أي يفوقه ويزيد عليه. قوله: (من يوم الزينة)","part":3,"page":85},{"id":1199,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 86\rالْغالِبِينَ (41) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً أي حينئذ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قالَ لَهُمْ مُوسى بعد ما قالوا له إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فالأمر فيه للإذن بتقديم إلقائهم توسلا به إلى إظهار الحق فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (44) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ بحذف إحدى التاءين من الأصل تبتلغ ما يَأْفِكُونَ (45) يقلبونه بتمويههم فيخيلون حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (46) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (48) لعلمهم بأن ما شاهدوه من العصا لا يتأتى بالسحر قالَ فرعون آمَنْتُمْ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا لَهُ لموسى قَبْلَ أَنْ آذَنَ أنا لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فعلمكم شيئا منه وغلبكم بآخر فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ما ينالكم مني لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ أي يد كل واحد اليمنى ورجله اليسرى وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قالُوا لا ضَيْرَ لا ضرر علينا في ذلك\r______________________________\rكان يوم عيد لهم، وقيل كان يوم سوق. قوله: (و الترجي على تقدير غلبتهم) أي الترجي على فرض الغلبة المقتضية للاتباع. قوله: (على الوجهين) أي تحقيقها وتسهيل الثانية، وكان عليه أن يقول وتركه، أي ترك الإدخال على الوجهين، فتكون القراءات أربعا.\rقوله: لَأَجْراً أي أجرة وجعلا.\rقوله: قالَ نَعَمْ أي لكم الأجرة على عملكم السحر. وزادهم بقوله: وَإِنَّكُمْ إِذاً الخ قوله:\r(فالأمر فيه) جواب عما يقال: كيف يأمرهم بفعل السحر، مع أنه لا يجوز الأمر به، لأن الأمر به رضا، والرضا بالكفر كفر، وحاصل الجواب: أن الممتنع الأمر به في حال كونه مستحسنا له، وأما الأمر به للتوسل لإبطاله، فليس فيه استحسان ولا رضا، بل هو الممدوح شرعا.\rقوله: وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ أي نقسم ونحلف بعزة فرعون، وأقسموا لفرط اعتقادهم في أنفسهم أنهم غالبون. قوله: (من الأصل) أي أصل الصيغة. قوله: (يقلبونه) أي يغيرونه عن حاله الأول من الجمادية، إلى كونه حية تسعى. قوله:\r(بتمويههم) الباء سببية.\rقوله: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ أي خروا وسقطوا ساجدين لما رأوا من باهر المعجزة، فلم يتمالكوا أنفسهم.\rقوله: رَبِّ مُوسى وَهارُونَ بدل مما قبله للتوضيح وللإشعار، بأن سبب إيمانهم، ما أجراه اللّه على يد موسى وهارون. قوله: (و إبدال الثانية ألفا) صوابه الثالثة لأنها هي المنقلبة ألفا، وترك قراءة أخرى، وهي حذف الأولى من الهمزتين وقلب الثانية ألفا. قوله: (فعلمكم شيئا منه وغلبكم بآخر) أي أخفاه منكم، وأراد فرعون بهذا الكلام التلبيس على قومه، لئلا يعتقدوا أن السحرة آمنوا على بصيرة وظهور حق.\rقوله: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ حاصله أنهم لما آمنوا بأجمعهم، اشتد خوف فرعون على باقي قومه من دخولهم في الايمان، فنفر الباقي بقوله: لَأُقَطِّعَنَ الخ.\rقوله: إِنَّا إِلى رَبِّنا","part":3,"page":86},{"id":1200,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 87\rإِنَّا إِلى رَبِّنا بعد موتنا بأي وجه كان مُنْقَلِبُونَ (50) راجعون في الآخرة إِنَّا نَطْمَعُ نرجو أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ أي بأن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51) في زماننا وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى بعد سنين أقامها بينهم يدعوهم بآيات اللّه إلى الحق فلم يزيدوا إلا عتوّا أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي بني إسرائيل، وفي قراءة بكسر النون ووصل همزة أسرى من سرى لغة في أسرى أي سر بهم ليلا إلى البحر إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) يتبعكم فرعون وجنوده فيلجون وراءكم البحر فأنجيكم وأغرقهم فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ حين أخبر بسيرهم فِي الْمَدائِنِ قيل كان له ألف مدينة واثنا عشر ألف قرية حاشِرِينَ (53) جامعين الجيش قائلا إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ طائفة قَلِيلُونَ (54) قيل كانوا\r______________________________\rمُنْقَلِبُونَ تعليل لنفي الضمير، وهل فعل بهم ما توعدهم به خلاف، ولم يرد في القرآن ما يدل على أنه فعل. قوله: (في زماننا) أي من أتباع فرعون، فلا ينافي أن بني إسرائيل سبقوهم بالايمان.\rقوله: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى يحتمل أن يكون بتكليم اللّه له، أو على لسان جبريل. قوله: (بعد سنين) أي ثلاثين، وذلك أن موسى مكث في مصر أولا ثلاثين، وفي مدين عشر سنين، ثم لما رجع إلى مصر ثانيا، مكث يدعوهم إلى اللّه ثلاثين سنة، ثم أغرق اللّه فرعون وقومه، وعاش بعد ذلك خمسين سنة، فجملة عمره مائة وعشرون سنة. قوله: (بآيات اللّه) أي باقي التسع، لأن موسى افتتحهم أولا بالعصا واليد فلم يؤمنوا، فجاءهم بالسنين المجدبة، ثم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس على أموالهم، فلم يفد فيهم ذلك، وقد سبق ذلك مفصلا في الأعراف.\rقوله: بِعِبادِي الإضافة للتشريف، والمعنى سر بعبادي المختصين برحمتي، وإلا فالكل من حيث الخلق عباده. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (أي سر بهم ليلا) تفسير لكل من القراءتين. قوله: (إلى البحر) أي بحر القلزم، فخرج موسى عليه السّلام ببني إسرائيل في آخر الليل، فترك طريق الشام على يساره وتوجه جهة البحر، فكان الرجل من بني إسرائيل يراجعه في ذلك فيقول:\rهكذا أمرني ربي، فلما أصبح فرعون، وعلم بسير موسى ببني إسرائيل، خرج في أثرهم، وبعث إلى مدائن مصر لتلحقه الجيوش.\rقوله: إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ علة للأمر بالسير. قوله: (حين أخبر بسيرهم) روي أن قوم موسى قالوا لجماعة فرعون: إن لنا في هذه الليلة عيدا، ثم استعاروا منهم حليهم بهذا السبب، ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر، فلما سمع فرعون ذلك جمع قومه وتبعهم. قوله: (و مقدمة جيشه) الخ، أي وجملة جيشه ألف ألف وستمائة. قوله: (فاعلون ما يغيظنا) أي حيث خالفوا ديننا، وطمسوا على أموالنا، وقتلوا أبكارنا، لما روي أن اللّه أمر الملائكة أن يقتلوا أبكار القبط، وأوحى إلى موسى أن يجمع بني إسرائيل، كل أربعة أبيات في بيت، ثم يذبحوا أولاد الضأن، ويلطخوا أبوابهم بدمائها لتميز الملائكة بيوت بني إسرائيل من بيوت القبط، فدخلت الملائكة فقتلت أبكارهم، فأصبحوا مشغولين بموتاهم، وهذا هو سبب تأخر فرعون وقومه عن موسى وقومه.","part":3,"page":87},{"id":1201,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 88\rستمائة ألف وسبعين ألفا ومقدمة جيشه سبعمائة ألف فقللهم بالنظر إلى كثرة جيشه وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (55) فاعلون ما يغيظنا وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (56) متيقظون وفي قراءة حاذرون مستعدون، قال تعالى فَأَخْرَجْناهُمْ أي فرعون وقومه من مصر ليلحقوا موسى وقومه مِنْ جَنَّاتٍ بساتين كانت على جانبي النيل وَعُيُونٍ (57) أنهار جارية في الدور من النيل وَكُنُوزٍ أموال ظاهرة من الذهب والفضة وسميت كنوزا لأنه لم يعط حق اللّه منها وَمَقامٍ كَرِيمٍ (58) مجلس حسن للأمراء والوزراء يحفه أتباعهم كَذلِكَ أي إخراجنا كما وصفنا وَأَوْرَثْناها بَنِي\r______________________________\rقوله: وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ أي من عادتنا الحذر والحزم في الأمور. قوله: (و في قراءة) الخ، أي وهي سبعية أيضا بمعنى الأولى، وقيل الحذر المتيقظ، والحاذر الخائف. قوله: (كانت على جانبي النيل) أي من أسوان إلى رشيد، قال كعب الأحبار: أربعة أنهار من الجنة وضعها اللّه تعالى في الدنيا: سيحان وجيجان والنيل والفرات، فسيحان نهر الماء في الجنة، وجيجان نهر اللبن في الجنة، والنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة. قوله: (أموال ظاهرة) هذا أحد قولين، وقيل المراد بالكنوز الأموال التي تحت الأرض وخصها بالذكر، لأن ما فوق الأرض انطمس، وحينئذ فتسميتها كنوزا ظاهرا. قوله:\r(مجلس حسن للأمراء والوزراء) قيل كان إذا قعد على سريره، وضع بين يديه ثلاثمائة كرسي من ذهب، يجلس عليها الاشراف من قومه والامراء وعليهم قبة الديباج مرصعة بالذهب، وقيل المقام الكريم المنابر، وكانت ألف منبر لألف جبار، يعظمون عليها فرعون وملكه. قوله: (إخراجنا كما وصفنا) أشار بذلك إلى أن\rقوله: كَذلِكَ خبر لمحذوف.\rقوله: وَأَوْرَثْناها أي الجنات والعيون والكنوز، وقيل المراد أورثنا بني إسرائيل ما استعاروه من حلي آل فرعون، والأحسن أن يراد ما هو أعم، فإن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر بعد هلاك فرعون وقومه، وملكوا مشارق الأرض ومغاربها. قوله: (وقت شروق الشمس) أي يوم الملاقاة، وليس المراد أنهم أدركوا بني إسرائيل يوم خروجهم، لأنهم تأخروا عنهم، حتى جمعوا جيوشهم ودفنوا موتاهم. قوله:\r(أي لن يدركونا) أشار بذلك إلى أن كلا للنفي. والمعنى لا سبيل لهم علينا، لأن اللّه وعدنا بالخلاص منهم.\rقوله: فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى الخ، قيل لما انتهى موسى ومن معه إلى البحر، هاج البحر فصار يرمي بموج كالجبال، فصار بنو إسرائيل يقولون: أين أمرت، فرعون من خلفنا والبحر أمامنا، وموسى يقول: ههنا، فأوحى اللّه اليه أن اضرب بعصاك البحر، فإذا الرجال واقف على فرسه، ولم يبتل سرجه ولا لبده. قوله: (اثني عشر فرقا) أي قطعة بعدد أسباط بني إسرائيل. قوله: (بينها مسالك) أي بين الاثني عشر فرقا. قوله: (على هيئته) أي وهي انفلاقه اثنتي عشرة فرقة. قوله: (و حزقيل) المذكور في قوله تعالى: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ الخ، وقوله: (و مريم بنت ناموسي) أي كانت عجوزا تعيش من العمر نحو سبعمائة سنة. قوله: (التي دلت على عظام يوسف عليه السّلام) أي وسبب ذلك: أن اللّه أمر","part":3,"page":88},{"id":1202,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 89\rإِسْرائِيلَ (59) بعد إغراق فرعون وقومه فَأَتْبَعُوهُمْ لحقوهم مُشْرِقِينَ (60) وقت شروق الشمس فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ أي رأى كل منهما الآخر قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) يدركنا جمع فرعون ولا طاقة لنا به قالَ موسى كَلَّا أي لن يدركونا إِنَّ مَعِي رَبِّي بنصره سَيَهْدِينِ (62) طريق النجاة قال تعالى فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فضربه فَانْفَلَقَ فانشق اثني عشر فرقا فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) الجبل الضخم بينها مسالك سلكوها لم يبتل منها سرج الراكب ولا لبده وَأَزْلَفْنا قربنا ثَمَ هناك الْآخَرِينَ (64) فرعون وقومه حتى سلكوا مسالكهم وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) بإخراجهم من البحر على هيئته المذكورة ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) فرعون وقومه بإطباق البحر عليهم لما تم دخولهم في البحر وخروج بني إسرائيل منه إِنَّ فِي ذلِكَ أي إغراق فرعون وقومه لَآيَةً عبرة لمن بعدهم وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) باللّه لم يؤمن منهم غير آسية امرأة فرعون وحزقيل مؤمن آل فرعون ومريم بنت ناموسي التي دلت على عظام يوسف عليه السّلام وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ فانتقم من الكافرين بإغراقهم الرَّحِيمُ (68) بالمؤمنين فأنجاهم من الغرق وَاتْلُ عَلَيْهِمْ أي كفار مكة نَبَأَ خبر إِبْراهِيمَ (69) ويبدل منه إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما\r______________________________\rموسى بأخذ يوسف معه إلى الشام حين خروجه من مصر، فسأل عن قبره فلم يعرف إذ ذاك، فدلته عليه هذه العجوز، بعد أن ضمن لها موسى على اللّه الجنة، وكان يوسف قد دفن في قعر بحر النيل، فحفر عليه موسى وأخرجه وذهب به إلى الشام.\r- فائدة- قال قيس بن حجاج: لما فتحت مصر، أتى أهلها إلى سيدنا عمرو بن العاص حين دخل بؤونة من أشهر القبط، فقالوا: أيها الأمير، إن لنيلنا هذا سنة وعادة لا يجري إلا بها، فقال لهم: وما ذاك؟\rفقالوا: إذا كان لثنتي عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها، أرضينا أبويها وحملنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: هذا لا يكون في الإسلام، وإن الإسلام ليهدم ما قبله، فأقاموا بؤونة وأبيب ومسرى، لا يجري قليلا ولا كثيرا وهموا بالجلاء، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص، كتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فأعلمه بالقصة، فكتب إليه عمر بن الخطاب: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وإني بعثت اليك بطاقة في داخل كتابي، فألقها في النيل إذا أتاك كتابي، فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص، أخذ البطاقة ففتحها، فإذا فيها من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد، فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان اللّه الواحد القهار هو الذي يجريك، فنسأل اللّه الواحد القهار أن يجريك، فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم، فأصبحوا وقد زاد في تلك الليلة ستة عشر ذراعا، وقطع اللّه تلك السيرة من تلك السنة.\rقوله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ عطف على (اذكر) العامل في قوله: وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى الخ، عطف قصة على قصة. قوله: (أي كفار مكة) خصهم بالذكر لأنهم الحاضرون وقت نزول الآية،","part":3,"page":89},{"id":1203,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 90\rتَعْبُدُونَ (70) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً صرحوا بالفعل ليعطفوا عليه فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (71) أي نقيم نهارا على عبادتها، زادوه في الجواب افتخارا به قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ حين تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ إن عبدتموهم أَوْ يَضُرُّونَ (73) كم إن لم تعبدوهم قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (74) أي مثل فعلنا قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي لا أعبدهم إِلَّا لكن رَبَّ الْعالَمِينَ. (77) فإني أعبده الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) إلى الدين وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذا\r______________________________\rوإلا فهو خطاب لهم ولمن بعدهم إلى يوم القيامة. قوله: (و يبدل منه) أي بدل مفصل من مجمل.\rقوله:\rما تَعْبُدُونَ ما اسم استفهام معمول لتعبدون، والمعنى ما هذا الذي تعبدونه، أي ما حقيقته.\rقوله: (صرحوا بالفعل) الخ، جواب عما يقال: كان القياس أن يقولوا أصناما كقوله: وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ فأجاب بأنهم صرحوا بالفعل، ليعطفوا عليه ما فيه الافتخار. قوله: (أي نقيم نهارا على عبادتها) هذا معنى نظل الأصلي، ولكن مقتضى الافتخار، أن يكون معناها ندوم على عبادتها ليلا ونهارا.\rقوله: (زادوه) أي قوله: فَنَظَلُ الخ.\rقوله: قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ أتى بالمضارع إشارة إلى أن هذا الوصف مستمر وثابت في الأصنام في الماضي والحال والاستقبال، ولا بد من محذوف هنا، دل عليه قوله: إِذْ تَدْعُونَ تقديره هل يسمعون دعاءكم؟ قوله: إِذْ تَدْعُونَ إِذْ هنا بمعنى إذا، استحضارا للحال الماضية وحكاية لها تبكيتا عليهم.\rقوله: قالُوا بَلْ وَجَدْنا الخ، هذا الجواب يفيد تسليم ما قاله إبراهيم، وإنما اعتذروا عن ذلك بالتقليد، فلما لم يجدوا مخلصا غيره احتجوا به.\rقوله: قالَ أَفَرَأَيْتُمْ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه، والتقدير أتأملتم فعلكم أو أبصرتم ما كنتم تعبدونه.\rقوله: وَآباؤُكُمُ عطف على الضمير في تَعْبُدُونَ وهو ضمير رفع متصل، فلذا فصل بالضمير المنفصل، قال ابن مالك:\rوإن على ضمير رفع متصل ... عطفت فافصل بالضمير المنفصل\r\rقوله: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي أسند العداوة لنفسه تعريضا بهم، وهو أبلغ في النصيحة من التصريح بأن يقول فإنهم عدو لكم، إن قلت: كيف وصف الأصنام بالعداوة وهي لا تعقل؟ أجيب بأجوبة منها: أن المعنى عدو لي يوم القيامة إن عبدتهم في الدنيا، ومنها أن الكلام على حذف مضاف؛ أي فإن أصحابهم عدو لي، ومنها أن الكلام على القلب أي فإني عدو لهم. قوله: إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ أشار المفسر بقوله:\r(لكن) إلى أن الاستثناء منقطع، والمعنى لكن رب العالمين ليس بعدوي، بل هو وليي في الدنيا والآخرة.\rقوله: الَّذِي خَلَقَنِي نعت لرب العالمين، أو بدل أو عطف بيان أو خبر لمحذوف، وما بعده عطف عليه. قوله: فَهُوَ يَهْدِينِ أتى بالفاء هنا، وفي قوله: يَشْفِينِ لترتب الهداية على الخلق والشفاء على المرض، بخلاف الإطعام والإسقاء، فليس بينهما ترتب، وأتى بثم في جانب الاحياء، لبعد زمنه عن زمن الموت، لأن المراد به الاحياء في الآخرة. قوله: (إلى الدين) أي وغيره من مصالح دنياي وآخرتي، وإنما خص الدين، لأن المقام للرد ولأنه أهم.","part":3,"page":90},{"id":1204,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 91\rمَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أرجو أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) أي الجزاء رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً علما وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) النبيين وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ ثناء حسنا فِي الْآخِرِينَ (84) الذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) أي ممن يعطاها وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) بأن تتوب عليه فتغفر له وهذا قبل أن يتبين له أنه عدو للّه كما ذكر في سورة براءة وَلا تُخْزِنِي تفضحني يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) أي الناس، قال تعالى فيه يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (88) أحدا\r______________________________\rقوله: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ أي في الدنيا والآخرة.\rقوله: وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ أسند المرض لنفسه، وإن كان الكل من اللّه تأدبا كما قال تعالى: (بيدك الخير) ولم يقل الشر، وقال الخضر: (فأردت أن أعيبها)، وقال: فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما.\rقوله: وَالَّذِي أَطْمَعُ عبر بالطمع المفيد عدم الأخذ في الأسباب، مع أنها حاصلة منه لعدم اعتماده عليها. قوله: أَنْ يَغْفِرَ لِي ذكر ذلك تواضعا وتعليما للأمة، وإلا فهو معصوم من الخطايا.\rقوله: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً لما ذكر تلك الأوصاف قوي رجاؤه في ربه، فطلب منه معالي الأمور، وخير الدنيا والآخرة. قوله: (علما) أي زيادة فيه. قوله:\rوَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ أي في العمل أو في درجات الجنة.\rقوله: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ من اضافة الموصوف للصفة، أي ذكرا حسنا، من باب تسمية الشيء باسم آلته. قوله: (الذين يأتون بعدي) وقد أجابه اللّه تعالى، فما من أمة من الأمم، إلا وهي تحييه وتثني عليه بخير، سيما هذه الأمة المحمدية خصوصا في المؤمنين منهم، فإنهم يذكرونه بخير في كل تشهد، وإنما طلب ذلك لينتفع به هو، وينتفع به المثني، لكن بشرط الإيمان، وأما حديث: «من أحب قوما حشر معهم وإن لم يعمل بعملهم» فمعناه: إذا اشتركوا معهم في الإيمان وإن لم يصلوا لمقامهم.\rقوله: مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ أي مندرجا فيهم ومن جملتهم، واضافة جنة للنعيم من اضافة المحل إلى الحال فيه، فالمراد مطلق الجنة لا خصوص الدار المسماة بذلك، وقد أجابه اللّه في جميع دعواته، سوى الدعاء بالغفران لأبيه. قوله: (بأن تتوب عليه) الخ، ظاهره أن هذا الدعاء صدر من إبراهيم وأبوه حي، ولكن ينافيه قوله: (و هذا قبل أن يتبين له) فإن التبين المذكور، إنما حصل بموته كافرا، وحينئذ فلا يصح جعله قيدا للدعاء له في حياته بالتوفيق للإيمان، وإنما يصح لو كان المراد الدعاء له بمغفرة الذنوب على حالته التي هو عليها. وأجيب: بأنه لا مانع أن اللّه أعلم إبراهيم بموت أبيه كافرا وهو حي، فقد صح ما قاله المفسر. قوله: (و هذا) أي الدعاء له بما ذكر. قوله: (كما ذكر في سورة براءة) أي قوله: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ. لآية. قوله: (تفضحني) أي تكشف عيوبي بين خلقك، وهذا تواضع منه أو بالنظر للتجويز العقلي، فإن تعذيب المطيع جائز عقلا لا شرعا. قوله: (قال تعالى) أشار بذلك إلى أن\rقوله: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ الخ، من كلام اللّه تعالى، ويصح أن يكون من كلام إبراهيم، فيكون بدلا من يوم قبله.\rقوله: (لكن) مَنْ أَتَى اللَّهَ الخ؛ أشار المفسر بذلك إلى أن الاستثناء منقطع، ولكن ينافيه تقديره أحدا، فتحصل أن الاستثناء، إما منقطع إن جعل من قوله: مالٌ وَلا بَنُونَ ويكون","part":3,"page":91},{"id":1205,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 92\rإِلَّا لكن مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) من الشرك والنفاق وهو قلب المؤمن فإنه ينفعه ذلك وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ قربت لِلْمُتَّقِينَ (90) فيرونها وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ أظهرت لِلْغاوِينَ (91) الكافرين وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره من الأصنام هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ بدفع العذاب عنكم أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) بدفعه عن أنفسهم لا فَكُبْكِبُوا ألقوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس أَجْمَعُونَ (95) قالُوا أي الغاوون وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (96) مع معبوديهم تَاللَّهِ إِنْ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي إنه كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97) بيّن إِذْ حيث نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (98) في العبادة وَما أَضَلَّنا عن الهدى إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) أي الشياطين أو أولونا الذين اقتدينا بهم فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (100) كما للمؤمنين من الملائكة والنبيين والمؤمنين وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) أي يهمه أمرنا فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً رجعة إلى الدنيا فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102)\r______________________________\rالمعنى (لكن) مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ فإنه ينتفع، أو متصل أن جعل من المفعول الذي قدره المفسر، والتقدير لا ينفع المال والبنون أحدا إلا الذي أتى اللّه بقلب سليم، فإنه ينفعه المال والبنون. قوله: (و هو قلب المؤمن) أي فينتفع بالمال الذي أنفقه في الخير والولد الصالح بدعائه له لما في الحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».\rقوله: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ أي بحيث يشاهدونها في الموقف ويعرفون ما فيها، فتحصل لهم البهجة والسرور، وعبر بالماضي لتحقق الحصول.\rقوله: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ أي جعلت لهم بارزة ظاهرة، بحيث يرونها مع ما فيها من أنواع العذاب، فتحصل لهم المساءة والأحزان، ويوقنون بأنهم مواقعوها، ولا يجدون عنها مصرفا.\rقوله: وَقِيلَ لَهُمْ أي على سبيل التوبيخ. قوله: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَيْنَ خبر مقدم، وما مبتدأ مؤخر، وكُنْتُمْ تَعْبُدُونَ صلة ما والعائد محذوف تقديره تعبدونه، و\rقوله: مِنْ دُونِ اللَّهِ حال. قوله: (ألقوا) أي مرة بعد أخرى، لأن الكبكبة تكرير الكب، وهو الإلقاء على الوجه، كأن من ألقي في النار، ينكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها.\rقوله: الْغاوُونَ عطف على ضمير كبكبوا، وسوغه الفصل بالجار والمجرور وضمير الفصل. قوله: (و من أطاعه) عطف تفسير.\rقوله:\rوَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ الجملة حالية، ومقول القول تَاللَّهِ الخ. قوله: (و اسمها محذوف) الخ، قد يقال إنها في الآية مهملة، فلا اسم لها ولا خبر لوجود اللام، قال ابن مالك: وخففت إن فقل العمل الخ.\rقوله: إِذْ نُسَوِّيكُمْ ظرف لكونهم في ضلال مبين. قوله: (أو أولونا) أي السابقون علينا، وهو جمع أول. قوله: (من الملائكة والنبيين) الخ، فالشفعاء تكثر للمؤمنين لما ورد: لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة.\rقوله: وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ أفرد الصديق وجمع الشفعاء، لكثرة الشفعاء في العادة، وقلة","part":3,"page":92},{"id":1206,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 93\rلو هنا للتمني، ونكون جوابه إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من قصة إبراهيم وقومه لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) بتكذيبهم له لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد أو لأنه لطول لبثه فيهم كأنه رسل وتأنيث قوم باعتبار معناه وتذكيره باعتبار لفظه إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نسبا نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (106) اللّه إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) على تبليغ ما أرسلت به فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) فيما آمركم به من توحيد اللّه وطاعته وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ على تبليغه مِنْ أَجْرٍ إِنْ ما أَجْرِيَ أي ثوابي إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) كرره تأكيدا قالُوا أَنُؤْمِنُ نصدّق لَكَ لقولك وَاتَّبَعَكَ وفي قراءة وأتباعك جمع تابع مبتدأ الْأَرْذَلُونَ (111) السفلة كالحاكة والأساكفة قالَ وَما عِلْمِي أي علم لي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (112)\r______________________________\rالصديق والحميم القريب من قولهم حامة فلان أي خاصته أو الخالص، ويؤيده قول المفسر (أي يهمه أمرنا)، وقوله: (يهمه) بضم أوله وكسر ثانية، وبفتح أوله وضم ثانيه. قوله: (و نكون جوابه) أي فهو منصوب في جواب التمني.\rقوله: لَآيَةً أي عظة لمن أراد أن يستبصر بها ويعتبر، فإنها على أحسن ترتيب.\rقوله: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ أي بل لم يؤمن منهم إلا لوط ابن أخيه، وسارة زوجته، كما تقدم في سورة الأنبياء. قوله: (بتكذيبهم له) جواب عما يقال: لم جمع المرسلين، مع أنهم إنما كذبوا رسولا واحدا وهو نوح؟ فأجاب: بأن تكذيبهم له تكذيب للباقي، فالجمع على حقيقته، وقوله: (أو لأنه) الخ، جواب ثان، وعليه فالجمع مجاز. قوله: (و تأنيث قوم) أي تأنيث الفعل المسند اليه، وقوله: (باعتبار) معناه أي وهو الأمة والجماعة. قوله: (و تذكيره) أي تذكير الضمير العائد عليه في قوله: إِذْ قالَ لَهُمْ ولا مفهوم لقوم، بل كل اسم جمع أو جمع تكسير لمذكر أو لمؤنث كذلك. قوله: (نسبا) أي لا في الدين.\rقوله:\rنُوحٌ تقدم أن اسمه عبد الغفار أو يشكر، ونوح لقبه. قوله: أَلا تَتَّقُونَ أَلا للعرض.\rقوله:\rإِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ إنما أخبر بذلك ليتبع، وليس قصده الافتخار.\rقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ أي امتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه.\rقوله: مِنْ أَجْرٍ مِنْ زائدة في المفعول، أي أجرة وجعلا. قوله: (كرره تأكيدا) أي وحسن ذلك كون الأول مرتبا على الرسالة والأمانة، والثاني على عدم سؤاله أجرا منهم.\rقوله: قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ الخ، هذا من سخافة عقولهم وفساد رأيهم، حيث جعلوا اتباع الفقراء مانعا من ايمانهم، وأشاروا بذلك إلى أن اتباعهم ليس خالصا لوجه اللّه، بل هو طمع في أن ينالهم شيء من الدنيا. قوله: (و في قراءة) ظاهرة أنها سبعية وليس كذلك بل هي عشرية، والمعتمد جواز القراءة بها. قوله: (و أتباعك) مبتدأ، وخبره الْأَرْذَلُونَ جمع أرذل، كالأكبرون جمع أكبر. قوله: (السفلة) المراد بهم الفقراء والضعفاء، وسبب مبادرتهم للإيمان قلة عوائقهم، كالرياسة والغنى، فإن ذلك موجب للأنفة عن الاتباع.\rقوله: قالَ وَما عِلْمِي يحتمل أن تكون ما استفهامية، واليه يشير المفسر بقوله: (أي علم لي)","part":3,"page":93},{"id":1207,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 94\rإِنْ ما حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي فيجازيهم لَوْ تَشْعُرُونَ (113) تعلمون ذلك ما عبّدتموهم وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ ما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) بيّن الإنذار قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ عما تقول لنا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) بالحجارة أو بالشتم قالَ نوح رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً أي احكم وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) قال تعالى فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) المملوء من الناس والحيوان ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ أي بعد إنجائهم الْباقِينَ (120) من قومه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122) كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَما\r______________________________\rويحتمل أن تكون نافية. قوله: بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي لم أكلف العلم بعقائدهم الباطنية، وإنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان.\rقوله: إِنْ حِسابُهُمْ أي حساب بواطنهم. قوله: (ما عبدتموهم) قدره إشارة إلى أن لَوْ شرطية حذف جوابها.\rقوله: وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ جواب لما فهمه من طلبهم طرد الضعفاء، وهذا كما سألت قريش النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يطرد الموالي والفقراء، كما تقدم في سبب نزول قوله تعالى:\rوَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِ.\rقوله: إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ أي للمكلفين أعزاء وغيرهم، فكيف يليق مني طرد الفقراء؟.\rقوله: قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ أي تترك ما أنت عليه من معارضتنا.\rقوله: قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ إنما قال ذلك تمهيدا للدعاء عليهم كأنه قال: إنهم أعرضوا عن دينك وتوحيدك، فأنا أدعو عليهم لأجل ذلك، والمعنى أنهم استمروا على تكذيبي وأصروا عليه، بعد ما كررت عليهم الدعوة، وسيأتي تفصيل ذلك في سورة نوح في قوله: قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً الخ،\rقوله: فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً من الفتاحة بالضم والكسر وهي الحكومة، أي احكم بيننا بما يستحقه كل منا. قوله:\rوَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آثر الإيمان إشارة إلى أنهم خالصون في الاتباع، وكان من معه من المؤمنين ثمانين، أربعون من الرجال وأربعون من النساء، على أحد أقوال تقدمت.\rقوله: ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ أي بالطوفان، حيث التقى ماء السماء على ماء الأرض. قوله: الْباقِينَ (من قومه) أي صغارا وكبارا، فالهلاك الدنيوي عمّ الكبار والصغار والبهائم، وأما في الآخرة فالخلود في النار مخصوص بمن مات كافرا بعد البلوغ، وأما صبيانهم بل وصبيان المشركين، من أول الدنيا إلى آخرها، فيدخلون الجنة بشفاعة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: كَذَّبَتْ عادٌ اسم أبي قبيلة هود الأعلى، سميت القبيلة باسمه، فالمراد كذبت القبيلة المنسوبة لعاد، وقوله: الْمُرْسَلِينَ المراد هود، وإنما جمع لأن من كذب رسولا واحدا فقد كذب الجميع، لاشتراك الكل في المجيء بالتوحيد.\rقوله: أَخُوهُمْ أي من النسب لما تقدم أنه من ذرية عاد، وكان هود تاجرا جميل الصورة يشبه آدم، وعاش من العمر أربعمائة وأربعا وستين سنة. قوله: أَلا","part":3,"page":94},{"id":1208,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 95\rأَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ ما أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ مكان مرتفع آيَةً بناء علما للمارّة تَعْبَثُونَ (128) بمن يمر بكم وتسخرون منهم، والجملة حال من ضمير تبنون وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ للماء تحت الأرض لَعَلَّكُمْ كأنكم تَخْلُدُونَ (129) فيها لا تموتون وَإِذا بَطَشْتُمْ بضرب أو قتل بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) من غير رأفة فَاتَّقُوا اللَّهَ في ذلك وَأَطِيعُونِ (131) فيما أمرتكم به وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ أنعم عليكم بِما تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ بساتين وَعُيُونٍ (134) أنهار إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) في الدنيا والآخرة إن عصيتموني قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا مستو عندنا\r______________________________\rتَتَّقُونَ أَلا أداة عرض، وهو الطلب بلين ورفق، تأليفا لقلوب المجرمين لعلهم يهتدون.\rقوله: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ تعليل لعرضه التقوى عليهم، والمعنى إني لكم رسول أبلغكم ما أرسلت به إليكم أمين، لا أزيد ولا أنقص.\rقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ تقريع على قوله: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فحيث كنت رسولا أمينا، فالواجب عليكم تقوى اللّه وطاعتي، فطاعته من حيث كونه رسولا من عند اللّه لا من حيث ذاته، ولذا لم يقل: ألا تتقون وتطيعوني.\rقوله: مِنْ أَجْرٍ أي جعل وأجرة على رسالتي. قوله: إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ أي لأنه المرسل لي الغني المغني.\rقوله: أَتَبْنُونَ الاستفهام للتقريع والتوبيخ، وهو شروع في توبيخهم على أمور ثلاثة، كل واحد منها مناف للتقوى: البناء للبعث، واتخاذ المصانع، والتجبر. قوله: بِكُلِّ رِيعٍ بكسر الراء ويقال بفتحها، هو المكان المرتفع. قوله: (علما للمارة) أي كالعلم في الارتفاع. قوله: (بمن يمر بكم) الخ، هذا أحد أوجه في تفسير متعلق البعث، وقيل: تَعْبَثُونَ بالبناء لظنهم أن المارة يحتاجون إلى البناء ليهتدوا به في الأسفار، مع أنهم يستغنون عنه بالنجوم، وقيل المعنى تبنون بروج الحمام لتعبثوا بها، وقيل المعنى تبنون بنيانا يجتمعون فيه للعبث، وكل صحيح واقع منهم.\rقوله: مَصانِعَ جمع مصنعة بفتح الميم مع فتح النون أو ضمها، وهو الحوض والبركة تحت الأرض كالصهاريج. قوله: (كأنكم) فسر لعل بكان بدليل القراءة الشاذة كأنكم تخلدون، والأولى إبقاء لعل على بابها من الترجي، ويكون المعنى: راجين أن تخلدوا في الدنيا بسبب عملكم عمل من يرجو ذلك، لأن مجيء لعل بمعنى كأن لم يرد.\rقوله: وَإِذا بَطَشْتُمْ أي فعلتم فعل الجبارين من الضرب بالسياط والقتل بالسيف.\rقوله:\rفَاتَّقُوا اللَّهَ (في ذلك) أي فيما تقدم من الأمور الثلاثة.\rقوله: الَّذِي أَمَدَّكُمْ أي أعطاكم المدد وهو النعم.\rقوله: أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ بدل مما قبله بدل مفصل من مجمل. قوله: وَبَنِينَ أي ذرية.\rقوله:\rوَجَنَّاتٍ جمع جنة.\rقوله: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ أي إن دمتم على مخالفتي، ولم تشكروا هذه النعم بعد بعثني. قوله:\r(في الدنيا) أي بالريح العقيم، وقوله: (و في الآخرة) أي بالخلود في النار.\rقوله: أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ","part":3,"page":95},{"id":1209,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 96\rأَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (136) أصلا أي لا نرعوي لوعظك إِنْ ما هذا الذي خوّفتنا به إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) أي اختلاقهم وكذبهم، وفي قراءة بضم الخاء واللام، أي ما هذا الذي نحن عليه من أن لا بعث إلا خلق الأولين أي طبيعتهم وعادتهم وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ بالعذاب فَأَهْلَكْناهُمْ في الدنيا بالريح إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ ما أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا من الخير آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها\r______________________________\rالْواعِظِينَ هذا أبلغ من أن يقولوا أو لم تعظ، لأن المعنى سواء علينا أوعظت، بأن كنت من أهل الوعظ، أم لم تكن أصلا من أهله، بأن كنت أميا مثلنا ولست نبيا. قوله: (أي لا نرعوي لوعظك) أي لا نرتدع ولا ننكف له.\rقوله: إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ أي من تقدموا قبلك كشيث ونوح، فإنهم كانوا يختلقون أمورا فاقتديت بهم، فاسم الإشارة على هذه القراءة، راجع لما خوفهم به. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا، وعليها فاسم الإشارة عائد على معتقدهم، وهو عدم البعث. قوله: (أي طبيعتهم وعادتهم) أي عادة الأولين من قبلنا، أنهم يعيشون ما عاشوا ثم يموتون، ولا بعث ولا حساب.\rقوله: وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ أي على ما فعلناه من الأعمال.\rقوله: فَكَذَّبُوهُ أي استمروا على تكذيبه. قوله: (بالريح) أي الصرصر، وكانت باردة شديدة الصوت لا ماء فيها، وسلطت عليهم سبع ليال وثمانية أيام، أولها من صبح يوم الأربعاء لثمان بقين من شوال، وكانت في أواخر الشتاء، وسيأتي بسطها في سورة الحاقة. قوله: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ أي بل أقلهم كانوا مع هود في حظيرة تنسم عليهم ريح لينة، حتى مضت تلك المدة، فأخذهم وهاجروا من تلك الأرض إلى مكة.\rقوله: الْعَزِيزُ أي الغالب على أمره. قوله: الرَّحِيمُ أي المنعم على عباده بدقائق النعم.\rقوله: كَذَّبَتْ ثَمُودُ اسم أبي قبيلة صالح الأعلى، سميت القبيلة باسمه، وتسمى أيضا عادا الثانية، وهم ذرية من آمن من قوم هود. قوله: الْمُرْسَلِينَ المراد بهم صالح، وتقدم وجه التعبير بالجمع.\rقوله: أَخُوهُمْ أي في النسب، لاجتماعهم معه في الأب الأعلى، وعاش صالح من العمر مائتين وثمانين سنة، وبينه وبين هود مائة سنة. قوله: أَلا تَتَّقُونَ تقدم أن أَلا أداة عرض كما في قول الشاعر:\rيا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ما ... قد حدثوك فما راء كمن سمعا\r\rوحكمة التعبير أولا بالعرض، تأليف قلوبهم للتوحيد بالكلام اللين، لقصر عقلهم وجهلهم.\rقوله: أَتُتْرَكُونَ الاستفهام إنكاري توبيخي، وما اسم موصول بيّنها المفسر بقوله: (من الخيرات) وهنا اسم إشارة للمكان القريب، والمراد دار الدنيا، والمعنى أتظنون أنكم تتركون في الدنيا متمتعين بأنواع النعم والشهوات، آمنين من كل مكروه، ولا تمتحنون بأوامر ونواه، ولا تحاسبون على شيء فيها؟ لا تظنوا","part":3,"page":96},{"id":1210,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 97\rهَضِيمٌ (148) لطيف لين وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (149) بطرين وفي قراءة فارهين حاذقين فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) فيما أمرتكم به وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالمعاصي وَلا يُصْلِحُونَ (152) بطاعة اللّه قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) الذين سحروا كثيرا حتى غلب على عقلهم ما أَنْتَ أيضا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) في رسالتك قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ نصيب من الماء وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) بعظم العذاب فَعَقَرُوها أي عقرها بعضهم برضاهم فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (157) على عقرها فَأَخَذَهُمُ\r______________________________\rذلك، بل الواجب عليكم ترك الفاني والاشتغال بالباقي.\rقوله: فِي جَنَّاتٍ بدل من قوله: هاهُنا بإعادة الجار.\rقوله: وَنَخْلٍ هو اسم جنس جمعي، واحده نخلة، يذكر ويؤنث، وأما النخيل بالياء فمؤنثة اتفاقا. قوله: طَلْعُها هو ثمرها في أول ما يطلع كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو، وبعده الا غريض، ويسمى خلالا ثم البلح ثم الزهو ثم البسر ثم الرطب ثم التمر، يجمعها قولك: طاب زبرت، فأطوار النخيل سبعة كأطوار الإنسان، ولذا ورد في الحديث: «أكرموا عماتكم النخل»، وأفرد النخل بالذكر لفضله على سائر الأشجار.\rقوله: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً أي لطول أعماركم، فإن السقوف والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم، لأن الواحد منهم كان يعيش ثلاثمائة سنة إلى ألف. قوله: (بطرين) أي لنعم ربكم. قوله:\r(و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (حاذقين) أي ماهرين في العمل.\rقوله: وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الإسناد مجازي في النسبة، والأصل لا تطيعوا المسرفين في أمرهم.\rقوله: الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ صفة للمسرفين. قوله: وَلا يُصْلِحُونَ دفع بذلك ما يتوهم أنه يقع منهم الاصلاح في بعض الأوقات.\rقوله: ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا أي فكيف تدعي أنك رسول إلينا.\rقوله: قالَ هذِهِ ناقَةٌ الإشارة اليها بعد أن خرجت من الصخرة بدعائه كما طلبوا، عن أبي موسى الأشعري قال: رأيت مبركها فإذا هو ستون ذراعا في ستين ذراعا.\rقوله: لَها شِرْبٌ الخ، أمرهم صالح بأمرين: الأول قوله: لَها شِرْبٌ والثاني قوله: وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ. قوله: (نصيب من الماء) أي فهي تشرب منه يوما، وأنتم تشربون منه يوما، لا تزاحمكم ولا تزاحموها، وفي يومها تشربون من لبنها.\rقوله: فَعَقَرُوها أي يوم الثلاثاء، وأخذهم العذاب يوم السبت، وقد جعل لهم علامة على نزول العذاب بهم، وهو أنهم في اليوم الأول تصفر وجوههم، ثم تحمر في اليوم الثاني، ثم تسود في اليوم الثالث. قوله: (أي عقرها بعضهم) أي وهو قدار، وكان قصيرا أزرق، وكان ابن زنا، ضربها في ساقيها بالسيف. قال السدي وغيره: أوحى اللّه إلى صالح، أن قومك سيعقرون ناقتك، فقال لهم ذلك، فقالوا:\rما كنا لنفعل، فقال لهم صالح: إنه سيولد في شهركم هذا غلام يعقرها، ويكون هلاككم على يديه، فقالوا: لا يولد في هذا الشهر ذكر إلا قتلناه، فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر، فذبحوا أبناءهم، ثم للعاشر فأبى أن يذبح ابنه، وكان لم يولد له قبل ذلك، فكان ابن العاشر أزرق أحمر، فنبت نباتا سريعا،","part":3,"page":97},{"id":1211,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 98\rالْعَذابُ الموعود به فهلكوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ ما أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (165) أي من الناس وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ أي أقبالهن بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (166) متجاوزون الحلال إلى الحرام قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ عن إنكارك علينا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) من بلدتنا قالَ لوط إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (168) المبغضين رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) أي من عذابه فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزاً امرأته فِي\r______________________________\rفكان إذا مر بالتسعة فرأوه قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا، وغضب التسعة على صالح، لأنه كان سببا لقتلهم أبناءهم، فتعصبوا وتقاسموا باللّه لنبيتنه وأهله، فقالوا: نخرج إلى سفر فيرى الناس سفرنا، فنكمن في غار، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى مسجده، أتيناه فقتلناه ثم قلنا ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون، فيصدقون ويعلمون أنا قد خرجنا إلى سفر، وكان صالح لا ينام في القرية، بل كان ينام في المسجد، فإذا أصبح أتاهم فوعظهم، فلما دخلوا الغار، أرادوا أن يخرجوا، فسقط عليهم الغار فقتلهم، فرأى ذلك ناس ممن كان قد اطلع على ذلك، فصاحوا في القرية: يا عباد اللّه، أما رضي صالح أنه أمر بقتل أولادهم حتى قتلهم، فاجتمع أهل القرية على عقر الناقة.\rقوله: نادِمِينَ (على عقرها) إن قلت: لم لم يرفع عنهم العذاب بسبب ندمهم؟ أجيب: بأن ندمهم لخوف نزول العذاب فقط، لا توبة منهم.\rقوله: الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ حكمة ختم كل قصة في هذه السورة بهذين الاسمين، إشارة إلى أن العذاب النازل بالكفار، لا يغادر منهم أحدا، والرحمة الحاصلة للمؤمنين، لا تغادر منهم أحدا، فكل من مظهر الاسمين ظهر في مستحقه.\rقوله: أَخُوهُمْ لُوطٌ أي في البلد بسبب السكنى والمجاورة لا في النسب، لأنه ابن أخي إبراهيم عليهما السّلام، وهما من بلاد المشرق من أرض بابل، فنزل إبراهيم الخليل من أرض الشام، ولوط بسدوم وقراها.\rقوله: الذُّكْرانَ جمع ذكر، أي أدبارهم. قوله: (أي الناس) وكذا غيرهم من الحيوانات الغير العاقلة، فهذه الخصلة القبيحة، لم تكن في أحد قبل قوم لوط، ثم لما خسف بهم تنوسيت، حتى ظهرت في هذه الأمة المحمدية، فإنا للّه وإنا إليه راجعون.\rقوله: ما خَلَقَ لَكُمْ أي أحل وأباح. قوله: (أي أقبالهن) أي لأنه محل نبات البذر، قال تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. قوله:\rعادُونَ أي متعدون.\rقوله: مِنَ الْقالِينَ متعلق المحذوف خبر إن أي لقال من القالين، والْقالِينَ صفته، ولِعَمَلِكُمْ متعلق بالخبر المحذوف، ولا يصح أن يجعل قوله: مِنَ الْقالِينَ خبر إن، فيكون عاملا في لِعَمَلِكُمْ يلزم عليه تقديم معمول الصلة على الموصول وهو أل، مع أنه لا يجوز. قوله: (أي من عذابه) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، لأن بقاءه على ظاهره بعيد لعصمته منه، فطلب النجاة منه تحصيل للحاصل.\rقوله: وَأَهْلَهُ أي بنتيه وزوجته المؤمنة قوله:","part":3,"page":98},{"id":1212,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 99\rالْغابِرِينَ (171) الباقين أهلكناها ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (172) أهلكناهم وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً حجارة من جملة الإهلاك فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) مطرهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175) كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ وفي قراءة بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وفتح الهاء هي غيضة شجر قرب مدين الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ لم يقل أخوهم لأنه لم يكن منهم أَلا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ ما أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ أتموه وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) الناقصين وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) الميزان السوي وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ لا تنقصوهم من\r______________________________\r(الباقين) أي في العذاب، قيل تبعت لوطا ثم التفتت لقومها فنزل عليها حجر، وقيل لم تتبعه بل بقيت فخسف بها مع قومها. قوله: (أهلكناهم) أي بقلب قراهم حتى جعل عاليها سافلها.\rقوله: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ أي على من منهم خارج القرى، لسفر أو غيره. قوله: (مطرهم) هذا هو المخصوص بالذم.\rقوله: كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ هذه آخر القصص التي ذكرت في هذه السورة على سبيل الاختصار، وقد وقع لفظ الأيكة في أربع مواضع في القرآن، في الحجر، وق، وهنا، وص، فالأوليان بأل مع الجر لا غير، والأخريان يقرآن بالوجهين. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (بحذف الهمزة) أي الثانية، وقوله: (على اللام) أي لام التعريف، وأما الهمزة الأولى فقد حذفت للاستغناء عنها، بتحريك اللام لأنها همزة وصل، أتى بها للتوصل للنطق بالساكن، وفي كلام المفسر نظر، لأنه يقتضي أن اللام الموجودة لام التعريف وحينئذ فلا يصح قوله: (و فتح الهاء) لأن المقرون بأل يجر بالكسرة وقع فيه نقل أم لا، قال ابن مالك:\rوجر بالفتحة ما لا ينصرف ... ما لم يضف أويك بعد أل ردف\r\rفالمناسب أن يقول: وفي قراءة بوزن ليلة، ليفيد أن اللام من بنية الكلمة وحركتها أصلية، وحينئذ فجره بالفتحة ظاهر للعلمية والتأنيث باعتبار البقعة إن كان هذا اللفظ عربيا، وللعلمية والعجمة إن كان أعجميا. قوله: (و فتح الهاء) في بعض النسخ وفتح التاء وهي أوضح. قوله: (هي غيضة شجر) بفتح الغين وبالضاد المعجمة، أي مكان فيه شجر ملتف بعضه على بعض، وكان شجرهم الدوم. قوله:\r(قرب مدين) هي قرية شعيب، سميت باسم بانيها مدين بن إبراهيم، وبينها وبين مصر مسيرة ثمانية أيام. قوله: الْمُرْسَلِينَ المراد به شعيب، وفي جمعه ما علمت، وقد أرسل شعيب أيضا لأهل مدين، لكن أهل مدين اهلكوا بالصيحة، وأصحاب الأيكة اهلكوا بعذاب يوم الظلة. قوله: (لأنه لم يكن منهم) أي بل كان من مدين، قال تعالى: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً*. قوله: (الناقصين) أي لحقوق الناس.\rقوله: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ أي فكانوا إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، ومن جملة بخسهم أنهم ينقصون الدراهم والدنانير. قوله: (و غيره) أي كقطع","part":3,"page":99},{"id":1213,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 100\rحقهم شيئا وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) بالقتل وغيره من عثي بكسر المثلثة أفسد، ومفسدين حال مؤكدة لمعنى عاملها وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الخليقة الْأَوَّلِينَ (184) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي إنه نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً بسكون السين وفتحها قطعة مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) في رسالتك قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (188) فيجازيكم به فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ هي سحابة أظلتهم بعد حر شديد أصابهم فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191) وَإِنَّهُ أي القرآن لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) جبريل عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) بيّن وفي قراءة بتشديد نزل ونصب الروح والفاعل اللّه وَإِنَّهُ أي ذكر القرآن المنزل على محمد\r______________________________\rالطريق. قوله: (لمعنى عاملها) أي ولفظهما مختلف.\rقوله: وَالْجِبِلَّةَ بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، أي الجماعة والأمم المتقدمة الذين كانوا على خلقة وطبيعة عظيمة، كأنها الجبال قوة وصلابة، وهذه قراءة العامة، وقرىء شذوذا بضم الجيم والباء وتشديد اللام، وبفتح الجيم أو كسرها مع سكون الباء.\rقوله:\rوَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا أتى بالواو هنا دون قصة صالح مبالغة في تكذيبه، لأنه عند دخول الواو، يكون كل من الأمرين التسحير والبشرية مقصودا بخلاف تركها، فلم يقصد إلا التسحير والثاني دليل له. قوله:\r(مخففة من الثقيلة) المناسب أن يقول مهملة لا عمل لها، لأن المكسورة إذا خففت قل عملها، والأولى حمل القرآن على الكثير. قوله: (بسكون السين وفتحها) قراءتان سبعيتان.\rقوله: فَكَذَّبُوهُ استمروا على تكذيبه. قوله: عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ روي أن اللّه تعالى فتح عليهم بابا من أبواب جهنم، وأرسل عليهم حرا شديدا، فأخذ بأنفاسهم، فدخلوا بيوتهم فلم ينفعهم ظل ولا ماء، فأنضجهم الحر فخرجوا، فأرسل اللّه تعالى سحابة فأظلتهم، فوجدوا لها بردا وروحا وريحا طيبة، فنادى بعضهم بعضا، فلما اجتمعوا تحت سحابة، ألهبها اللّه عليهم نارا، ورجفت بهم الأرض، فاحترقوا كما يحترق الجراد المقلي، فصاروا رمادا، وهذا العذاب الذي حل بهم، هو الذي طلبوه تهكما بشعيب بقولهم: فأسقط علينا كسفا من السماء. قوله: (أصابهم) أي سبعة أيام، ثم لجوا إلى السحابة بعد السبعة الأيام.\rقوله: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ شروع في مدح القرآن ومن أنزله والمنزل عليه، والمعنى أن هذا القرآن منزل من عند اللّه تعالى، ليس بشعر ولا بسحر ولا كهانة كما يزعمون.\rقوله: نَزَلَ بِهِ الباء للملابسة، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال كأنه قال: نزل في حال ملابسة له على حد خرج زيد بثيابه.\rقوله: عَلى قَلْبِكَ خصه بالذكر لأنه سلطان الأعضاء، فكل شيء وصل للقلب وصل لسائر الأعضاء، ففي الحديث: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، ألا وهي القلب»، فحيث نزل على قلبه، فقد تمكن من سائر بدنه، فلا يطرأ عليه بعد ذلك نسيان،","part":3,"page":100},{"id":1214,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 101\rلَفِي زُبُرِ كتب الْأَوَّلِينَ (196) كالتوراة والإنجيل أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ لكفار مكة آيَةً على ذلك أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (197) كعبد اللّه بن سلام وأصحابه ممن آمنوا فإنهم يخبرون بذلك، ويكن بالتحتانية ونصب آية، وبالفوقانية ورفع آية وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) جمع أعجم فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ أي كفار مكة ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) أنفة من اتباعه كَذلِكَ أي مثل إدخالنا التكذيب به بقراءة الأعجمي سَلَكْناهُ أدخلنا التكذيب به فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) أي كفار مكة بقراءة النبي لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) لنؤمن فيقال لهم لا، قالوا متى هذا العذاب، قال تعالى أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ أخبرني إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (206) من العذاب ما استفهامية بمعنى\r______________________________\rولذا ورد: أنه كان إذا نزل عليه جبريل بالآية، يريد أن يقرأها بلسانه قبل أن يتلوها جبريل عليه ظاهرا، حتى أمر بعدم الاستعجال بالقراءة، قال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ.\rقوله: لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ أي ومن المبشرين.\rقوله: بِلِسانٍ يصح أن يكون بدلا من قوله به بإعادة الجار، ويصح أن يكون متعلقا بالمنذرين، والمعنى لتكون من الذين انذروا بهذا اللسان العربي وهم: هود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم الصلاة والسّلام. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية.\rقوله: (أي ذكر القرآن) دفع بذلك ما يقال: إن ظاهر الآية أن القرآن نفسه ثابت في سائر الكتب، مع أنه ليس كذلك، والمراد بذكره نعته والإخبار عنه، بأنه ينزل على محمد، وأنه صدق وحق.\rقوله: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً الاستفهام للتوبيخ والتقريع. قوله: (و أصحابه) أي وكانوا أربعة غيره: أسد وأسيد وثعلبة وابن يامين، فالخمسة من علماء اليهود، وقد حسن إسلامهم. قوله: (و يكن بالتحتانية ونصب آية) أي على أنه خبر يَكُنْ مقدم، واسمها قوله: أَنْ يَعْلَمَهُ الخ. قوله: (و رفع آية) أي على أنه فاعل بتكن، وقوله: أَنْ يَعْلَمَهُ بدل من آيَةً قوله: (جمع أعجم) أصله أعجمي بياء النسب خفف بحذفها، وبه اندفع ما يقال: إن أفعل فعلاء لا يجمع جمع المذكر السالم. قوله: (أنفة من اتباعه) أي تكبرا.\rقوله: كَذلِكَ معمول لسلكناه، والضمير في سَلَكْناهُ للقرآن على حذف مضاف أفاده المفسر.\rقوله: لا يُؤْمِنُونَ بِهِ الخ، الجملة مستأنفة أو حال من الهاء في سَلَكْناهُ، وقوله: حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ مقدم من تأخير، وأصل الكلام حتى يأتيهم العذاب بغتة وهم لا يشعرون فيرونه فيقولوا: هل نحن منظرون أي مؤخرون عن الإهلاك ولو طرفة عين لنؤمن، فيقال لهم:\rلا أي لا تأخير ولا إمهال.\rقوله: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ استفهام توبيخ وتهكم، حيث استعجلوا ما فيه هلاكهم، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، تقديره أيعقلون ما ينزل بهم؟\rقوله: أَفَرَأَيْتَ معطوف على فَيَقُولُوا وما بينهما اعتراض، و\rقوله: ما كانُوا يُوعَدُونَ تنازعه رأيت يطلبه مفعولا أول، وجاءَهُمْ يطلبه فاعلا، فأعملنا الأول وأضمرنا في الثاني ضميرا يعود","part":3,"page":101},{"id":1215,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 102\rأي شيء أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (207) في دفع العذاب أو تخفيفه أي لم يغن وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ (208) رسل تنذر أهلها ذِكْرى عظة لهم وَما كُنَّا ظالِمِينَ (209) في إهلاكهم بعد إنذارهم. ونزل ردا لقول المشركين وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ بالقرآن الشَّياطِينُ (210) وَما يَنْبَغِي يصلح لَهُمْ أن ينزلوا به وَما يَسْتَطِيعُونَ (211) ذلك إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لكلام الملائكة لَمَعْزُولُونَ (212) بالشهب فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)\r______________________________\rعليه، أي ثُمَّ جاءَهُمْ هو أي الذي كانوا يوعدونه، وجملة ما أَغْنى عَنْهُمْ الخ، في محل نصب سدت مسد المفعول الثاني لرأيت. قوله: ما كانُوا يُوعَدُونَ أي به، وما، اسم موصول. قوله:\r(استفهامية) أي استفهام انكار كما أشار له بقوله: (أي لم يغن) فهذا مساو في المعنى لقول بعضهم إنها نافية، وهي على صنيع المفسر مفعول مقدم لأغنى، و\rقوله: ما كانُوا يُمَتَّعُونَ فاعل بأغنى، وما مصدرية.\rقوله: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ الخ، أي إنه جرت عادته سبحانه وتعالى، أنه لا يهلك أهل قرية إلا بعد إرسال الرسول اليهم وعصيانهم، وذلك تفضل منه سبحانه وتعالى، وإلا فلو أهلكهم من أول الأمر لا يعد ظالما، لأنه متصرف في ملكه يحكم لا معقب لحكمه، ففعله دائر بين الفضل والعدل. قوله: إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ الجملة صفة لقرية. فإن قلت: لم تركت الواو هنا وذكرت في قوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ؟ أجيب: بأن الأصل ترك الواو، وإذا زيدت كانت لتأكيد وصل الصفة بالموصوف كما في قوله: سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ.\rقوله: ذِكْرى مفعول لأجله، أي لأجل تذكيرهم العواقب. قوله: وَما كُنَّا ظالِمِينَ أي لا نفعل فعل الظالمين بأن نهلكهم قبل الإنذار، بل لا نهلكهم إلا بعد إتيان الرسول وإمهالهم الزمن الطويل حتى يتبين لهم الحق من الباطل. قوله: (ردا لقول المشركين) مقول لقول محذوف، تقديره إن الشياطين يلقون القرآن على لسانه، فهو من جملة الكهنة.\rقوله: وَما يَنْبَغِي لَهُمْ أي لا يمكنهم. قوله: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ الخ، علة لقوله: وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ. قوله: (لكلام الملائكة) إن كان المراد كلامهم بالوحي الذي يبلغونه للأنبياء، فالشياطين معزولون عنه لا يصلون اليه أصلا، وإن كان المراد به المغيبات التي ستقع في العالم، فكانوا أولا يسترقونها، فلما ولد صلّى اللّه عليه وسلّم منعوا من السماوات، فلما بعث سلط عليهم الشهب، وحينئذ فقد انسد باب السماء على الشياطين، وانقطع نزولهم على الكهنة، فبطل قول المشركين إن القرآن تنزلت به الشياطين على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ نزل ردا لقول المشركين: اعبد آلهتنا سنة ونحن نعبد إلهك سنة، والخطاب له صلّى اللّه عليه وسلّم والمراد غيره. قوله: (رواه البخاري ومسلم) أي فقد ورد أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال في إنذاره:\r«يا معشر قريش اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من اللّه شيئا، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من اللّه شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من اللّه شيئا، يا صفية عمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا أغني عنك من اللّه شيئا، يا فاطمة بنت رسول اللّه سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من اللّه شيئا». وفي رواية أنه صلّى اللّه عليه وسلّم","part":3,"page":102},{"id":1216,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 103\rإن فعلت ذلك الذي دعوك إليه وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وهم بنو هاشم وبنو المطلب، وقد أنذرهم جهارا، رواه البخاري ومسلم وَاخْفِضْ جَناحَكَ ألن جانبك لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) الموحدين فَإِنْ عَصَوْكَ أي عشيرتك فَقُلْ لهم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) من عبادة غير اللّه وَتَوَكَّلْ بالواو والفاء عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) أي فوض إليه جميع أمورك الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (218) إلى الصلاة وَتَقَلُّبَكَ في أركان الصلاة قائما وقاعدا وراكعا وساجدا فِي السَّاجِدِينَ (219) أي المصلين إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220) هَلْ أُنَبِّئُكُمْ أي كفار مكة عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (221) بحذف إحدى التاءين في الأصل تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ كذاب أَثِيمٍ (222) فاجر مثل مسيلمة\r______________________________\rصعد على الصفا فجعل ينادي: يا بني عدي، لبطون من قريش قد اجتمعوا، فجعل الذي لا يستطيع أن يخرج، يرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ إلى آخر السورة.\rقوله: وَاخْفِضْ جَناحَكَ أي فبعد الإنذار تواضع لمن آمن منهم، وتبرأ ممن بقي على كفره، ولا تخف من تحزبهم واجتماعهم وكثرتهم، فإن اللّه حافظك وناصرك عليهم فتوكل عليه. قوله: (بالواو والفاء) أي فهما قراءتان سبعيتان، فعلى الواو هو معطوف على قوله: وَأَنْذِرْ، وعلى الفاء هو بدل من قوله: فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ.\rقوله: عَلَى الْعَزِيزِ أي الغالب على أمره، القاهر لكل معارض لأمره.\rقوله: الرَّحِيمِ أي بالمؤمن الممتثل لأمره.\rقوله: حِينَ تَقُومُ أي منفردا،\rقوله: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ أي مع الجماعة. قوله: (إلى الصلاة) لا مفهوم لها، بل يراه حين يقوم للجهاد وللخطبة وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من سائر تنقلاته، وإنما خص الصلاة، لأنها أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، ولأن قرة عينه فيها لما في الحديث: «و جعلت قرة عيني في الصلاة»، والمراد برؤيته إياه، زياد تجلي الرحمة عليه، وإلا فرؤيه اللّه حاصلة لكل مخلوق.\rقوله: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ فِي على كلام المفسر بمعنى مع وقيل إن فِي على بابها، والمراد بالساجدين المؤمنون. والمعنى: يراك متقلبا في أصلاب وأرحام المؤمنين، من آدم إلى عبد اللّه فأصوله جميعا مؤمنون، وأورد على هذا آزر أبو إبراهيم فإنه كان كافرا. وأجيب بجوابين الأول أنه كان عمه واسم أبيه تارح، الثاني أنه كان أباه حقيقة، وقولهم إن أصوله صلّى اللّه عليه وسلّم ليسوا كفارا محله ما دام النور المحمدي في الواحد منهم، فإذا انتقل لمن بعده، فلا مانع من أن يعبد غير اللّه، وحينئذ فآزر ما كفر، إلا بعد انتقال النور منه إلى إبراهيم ولده.\rقوله: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ الخ، هذا رد لقولهم إنه كاهن.\rقوله: عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ الجار والمجرور متعلق بتنزل، والجملة في محل نصب، سادة مسد المفعول الثاني والثالث إن جعل أُنَبِّئُكُمْ متعديا لثلاثة، ومسد الثاني فقط إن جعل متعديا لاثنين. قوله: (و غيره) أي كالسطيح. قوله: (من الكهنة) جمع كاهن، وهو الذي يخبر عن الأمور المستقبلة، والعراف هو الذي يخبر عن الأمور الماضية.","part":3,"page":103},{"id":1217,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 104\rوغيره من الكهنة يُلْقُونَ أي الشياطين السَّمْعَ أي ما سمعوه من الملائكة إلى الكهنة وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (223) يضمون إلى المسموع كذبا كثيرا، وكان هذا قبل أن حجبت الشياطين عن السماء وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (224) في شعرهم فيقولون به ويروونه عنهم فهم مذمومون أَلَمْ تَرَ تعلم أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ من أودية الكلام وفنونه يَهِيمُونَ (225) يمضون فيجاوزون الحد مدحا وهجاء وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ فعلنا ما لا يَفْعَلُونَ (226) أي يكذبون إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الشعراء وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً أي لم يشغلهم عن الذكر وَانْتَصَرُوا\r______________________________\rقوله: يُلْقُونَ السَّمْعَ يحتمل أن الضمير عائد على الشياطين، والمعنى يلقون ما سمعوه إلى الكهنة، ويحتمل أنه عائد عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ، والمعنى يلقون ما سمعوه من الشياطين إلى عوام الخلق، أو المعنى يصغون إلى الشياطين بكليتهم حين يسمعون منهم.\rقوله: وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ الضمير إما عائد على الشياطين أو الكهنة، والأكثرية باعتبار الأقوال، أي أكثر أقوالهم كاذبون فيها، والأقل فيها صدق، وليس المراد أن الأقل فيهم صادق، بل الكل طبعوا على الكذب، وأكثر الكلمات كذب وأقلها صدق. قوله: (و كان هذا قبل أن حجبت الشياطين عن السماء) دفع بذلك التناقض بين ما هنا وما تقدم في قوله: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ. وحاصل ذلك: أن هذه الآية إخبار من اللّه عن الشياطين قبل عزلهم عن السماوات، وتمثيله بمسيلمة باعتبار ما كان قبل وجوده صلّى اللّه عليه وسلّم، وأما بعد وجوده فلم يصل لمسيلمة ولا غيره شيء من الشياطين.\rقوله: وَالشُّعَراءُ أي الذين يستعملون الشعر، وهو الكلام الموزون بأوزان عربية المقفى قصدا، والمراد شعراء الكفار الذين كانوا يهجون رسول صلّى اللّه عليه وسلّم منهم: عبد اللّه بن الزبعرى السهمي، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومسافع بن عبد مناف، وأبو عزة عمرو بن عبد اللّه الجمحي، وأمية بن أبي الصلت الثقفي، تكلموا بالكذب والباطل وقالوا نحن نقول مثل ما يقول محمد، وقالوا الشعر، واجتمع إليهم غواة قومهم يسمعون أشعارهم. قوله: (من أودية الكلام وفنونه) أشار بذلك إلى أن الشعراء يخوضون في كل كلام، فهم مشبهون بالهائم في الأودية الذي لا يدري أين يتوجه. قوله: (يمضون) أي يخوضون.\rقوله: (أي يكذبون) أي لأنهم يمدحون الكرم والشجاعة ويحثون عليهما، ولا يفعلون ما ذكر، ويذمون ضدهما ويصرون عليه، ويهجون الناس بأدنى شيء صدر منهم.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سبب نزولها: أن كعب بن مالك قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: قد أنزل في الشعر، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده، لكأن ما ترمونهم به نضح النبل». وقوله: قد أنزل في الشعر، أي أنزل القرآن في ذم الشعر وأهله. قوله: (من الشعراء) أي ومنهم حسان بن ثابت، وعبد اللّه بن رواحة، وكعب بن مالك وغيرهم. واعلم أن الشعر منه مذموم، وهو مدح من لا يجوز مدحه، وذم من لا يجوز ذمه، وعليه تتخرج الآية الأولى، وقوله عليه السّلام: «لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا ودما، خير له من أن يمتلىء شعرا». ومنه ممدوح، وهو مدح من يجوز مدحه، وذم من يجوز ذمه، وعليه تتخرج الآية الثانية. وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن من الشعر لحكمة» وقال الشعبي: كان أبو","part":3,"page":104},{"id":1218,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 105\rبهجوهم الكفار مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا بهجو الكفار لهم في جملة المؤمنين فليسوا مذمومين، قال اللّه تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ، فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ\r______________________________\rبكر يقول الشعر، وكان عمر يقول الشعر، وكان عثمان يقول الشعر وكان علي أشعر من الثلاثة، وروي عن ابن عباس أنه كان ينشد الشعر في المسجد ويستنشده، فروي أنه دعا عمر بن أبي ربيعة المخزومي، فاستنشده قصيدة فأنشده اياها، وهي قريب من تسعين بيتا، ثم إن ابن عباس أعاد القصيدة جميعها، وكان حفظها من مرة واحدة، وروي أنه عليه السّلام قال يوم قريظة لحسان: «اهج المشركين فإن جبريل معك». وكان يضع له منبرا في المسجد، يقوم عليه قائما، يفاخر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وينافح، ويقول رسول اللّه: «إن اللّه يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول اللّه». وروي عن عائشة رضي اللّه عنها، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «اهجوا قريشا فإنه أشد عليها من رشق النبل» فأرسل ابن رواحة فقال: اهجهم فهجاهم فلم يرض، وأرسل كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه حسان قال:\rقد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسود الضارب بذنبه، ثم أدلع بلسانه فجعل يحركه فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبا حتى يخلص لك نسبي، فأتاه حسان ثم رجع فقال: والذي بعثك بالحق نبيا، لأسلنك منهم كما تسل الشعر من العجين، قالت عائشة: فسمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول لحسان: إن اللّه يؤيدك بروح القدس، لا يزال يؤيدك ما نافحت عن رسوله، قالت: وسمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «هجاهم حسان فشفى واشتفى»، فقال حسان:\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 3 105\r\rآن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسود الضارب بذنبه، ثم أدلع بلسانه فجعل يحركه فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبا حتى يخلص لك نسبي، فأتاه حسان ثم رجع فقال: والذي بعثك بالحق نبيا، لأسلنك منهم كما تسل الشعر من العجين، قالت عائشة: فسمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول لحسان: إن اللّه يؤيدك بروح القدس، لا يزال يؤيدك ما نافحت عن رسوله، قالت: وسمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: «هجاهم حسان فشفى واشتفى»، فقال حسان:\rهجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند اللّه في ذاك الجزاء\r\rهجوت محمدا برا تقيا ... رسول اللّه شيمته الوفاء\r\rفإن أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء\r\rثكلت بنيتي ان لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء\r\rينازعن الأعنة مصعدات ... على أكتافها الأسل الظماء\r\rتظل جيادنا متمطرات ... تلطمهن بالخمر النساء\r\rفإن اعرضتمو عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء\r\rوإلا فاصبروا لضراب يوم ... يعز اللّه فيه من يشاء\r\rوقال اللّه قد أرسلت عبدا ... يقول الحق ليس به خفاء\r\rوقال اللّه قد سيرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء\r\rتلاقى كل يوم من معد ... سباب أو قتال أو هجاء\r\rفمن يهجو رسول اللّه منكم ... ويمدحه وينصره سواء\r\rوجبريل رسول اللّه فينا ... وروح القدس ليس له خفاء\r\rقوله: (قال اللّه تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ استدلال على جواز هجوهم للكفار في مقابلة هجو الكفار لهم، وقوله: (فمن اعتدى عليكم) الخ، استدلال على شرط المماثلة","part":3,"page":105},{"id":1219,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 106\rبِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا من الشعراء وغيرهم أَيَّ مُنْقَلَبٍ مرجع يَنْقَلِبُونَ (227) يرجعون بعد الموت.\r______________________________\rفي المقابلة، فلا يجوز للمظلوم أن يزيد في الذم على ما ظلم به من الهجو. قوله: أَيَّ مُنْقَلَبٍ معمول لينقلبون الذي بعده لا لما قبله، لأن الاستفهام له الصدر، وهو مفعول مطلق، أي ينقلبون، أي انقلاب، والجملة سادة مسد مفعولي يعلم، والمعنى يرجعون مرجعا سيئا، لأن مصيرهم إلى النار، وهو أقبح مرجع وأشره.","part":3,"page":106},{"id":1220,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 107\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة النّمل مكيّة وهي ثلاث أو أربع أو خمس وتسعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طس اللّه أعلم بمراده بذلك تِلْكَ أي هذه الآيات آياتُ الْقُرْآنِ آيات منه وَكِتابٍ مُبِينٍ (1) مظهر للحق من الباطل عطف بزيادة صفة هو\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة النمل\rمكية وهي ثلاث أو أربع أو خمس وتسعون آية أي كلها، وقد اشتملت هذه السورة على خمس قصص: الأولى قصة موسى مع فرعون. الثانية قصة النمل. الثالثة قصة بلقيس. الرابعة قصة صالح مع قومه. الخامسة قصة لوط مع قومه. وما بقي منها حكم ومواعظ. قوله: (ثلاث أو أربع) الخ، أي إنه اختلف في النيف الزائد على التسعين على ثلاثة أقوال. قوله: (اللّه أعلم بمراده بذلك) تقدم أن هذا القول أسلم، وعليه فليس لهذا اللفظ محل من الإعراب، لأنه فرع معرفة المعنى، والموضوع أنه لم يعرف.\rقوله: تِلْكَ مبتدأ، وآياتُ الْقُرْآنِ خبره، واسم الإشارة عائد على ما في هذه السورة. قوله: (آيات منه) أشار بذلك إلى أن الإضافة على معنى من كما تقول: جلست مع زيد ساعة الليل، تريد ساعة منه. قوله: (مظهر الحق من الباطل) أي فالحق صار بالقرآن ظاهرا واضحا، والباطل كذلك. قوله: (عطف بزيادة صفة) جواب عما يقال: لم عطف الكتاب على القرآن مع أنهما متحدان معنى؟ فأجاب: بأنه سوغ ذلك وصف الكتاب بصفة لم تكن في القرآن.\rقوله: هُدىً خبر لمحذوف قدره المفسر بقوله: (هو) فالجملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال","part":3,"page":107},{"id":1221,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 108\rهُدىً أي هاد من الضلالة وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) المصدقين به بالجنة الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ يأتون بها على وجهها وَيُؤْتُونَ يعطون الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) يعلمونها باستدلال وأعيد هم لما فصل بينه وبين الخبر إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ القبيحة بتركيب الشهوة حتى رأوها حسنة فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) يتحيرون لقبحها عندنا أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ أشده في الدنيا القتل والأسر وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم وَإِنَّكَ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ أي يلقى عليك\r______________________________\rمقدر تقديره: ما فائدة الإتيان به؟ وما الثمرة المترتبة عليه؟ فأجاب بأنه هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ.\rقوله: (أي هاد من الضلالة) هذا أحد احتمالات في تفسير الهدى، ويحتمل أن المراد ذو هدى، أو بولغ فيه، حتى جعل نفس الهدى على حد ما قيل في زيد عدل. قوله: لِلْمُؤْمِنِينَ حذف من الأول لدلالة الثاني عليه، فالقرآن هدى للمؤمنين وبشرى لهم لا للكافرين بدليل قوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى وخص المؤمنين بالذكر لأنهم المعتنى بهم، المشرفون بخدمته تعالى. قوله:\r(يأتون بها على وجهها) أي بشروطها وأركانها على الوجه الأكمل.\rقوله: وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ أي الواجبة للأصناف الثمانية. قوله: وَهُمْ مبتدأ، ويُوقِنُونَ خبره، وبِالْآخِرَةِ متعلق بيوقنون. قوله: (يعلمونها بالاستدلال) أي من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فمن شك في ذلك فقد كفر. قوله: (لما فصل بينه وبين الخبر) أي بمتعلق الخبر وهو\rقوله:\rبِالْآخِرَةِ. قوله: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مقابل قوله: هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ الخ، على عادته سبحانه وتعالى، متى ذكر وصف المؤمنين، يعقبه بذكر ضدهم قوله: زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ أي حسناها لهم بأن جعلناها محبوبة لأنفسهم، وهي في الواقع ليست حسنة، وإنما ذلك ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا، قال الشاعر:\rيقضى على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن\r\rقوله: (يتحيرون فيها) أي لتعارض تزيين الشيطان وإخبار الرحمن، ولم تكن لهم بصيرة يميزون بها الحسن من القبح، فأهل الكفر متحيرون في كفرهم لكونهم في ظلمات، ومن المعلوم أن السائر في الظلمات، متحير بخلاف السائر في النور، فأهل الإيمان مصدقون مصممون على اعتقادهم، وأهل الكفر متشككون متحيرون.\rقوله: هُمُ الْأَخْسَرُونَ أي إن خسرانهم في الآخرة أشد من خسرانهم في الدنيا، لدوام العذاب في الآخرة. قوله: (بشدة) أخذ ذلك من تشديد الفعل.\rقوله: مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ أي من عند من يضع الشيء في محله، العالم بالكليات والجزئيات، فذكر وصف العلم بعد الحكمة، من ذكر العام بعد الخاص. قوله: (اذكر) قدره إشارة إلى أن\rقوله: إِذْ قالَ ظرف لمحذوف، والمعنى اذكر يا محمد لقومك قصة موسى وما وقع له. قوله: (زوجته) أي بنت شعيب، أي وولده وخادمه. قوله: (عند مسيره من مدين) أي ليجتمع بأمه وأخيه بمصر، وكان في ليلة مظلمة باردة مثلجة، وقد ضل عن الطريق، وأخذ زوجته الطلق. قوله: (و كان قد ضلها) أي تاه عنها.","part":3,"page":108},{"id":1222,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 109\rبشدة مِنْ لَدُنْ من عند حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) في ذلك اذكر إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ زوجته عند مسيره من مدين إلى مصر إِنِّي آنَسْتُ أبصرت من بعيد ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ عن حال الطريق وكان قد ضلها أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ بالإضافة للبيان وتركها أي شعلة نار في رأس فتيلة أو عود لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) والطاء بدل من تاء الافتعال من صلي بالنار بكسر اللام وفتحها تستدفئون من البرد فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ أي بأن بُورِكَ أي بارك اللّه مَنْ فِي النَّارِ أي موسى وَمَنْ حَوْلَها أي الملائكة أو العكس، وبارك يتعدى بنفسه وبالحرف ويقدر بعد في مكان وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (8) من جملة ما نودي ومعناه تنزيه اللّه من السوء يا مُوسى إِنَّهُ أي الشأن أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصاكَ فألقاها فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ تتحرك كَأَنَّها جَانٌ حية خفيفة وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يرجع، قال تعالى يا مُوسى لا\r______________________________\rقوله) أَوْ آتِيكُمْ أو مانعة خلو تجوز الجمع. قوله: (أي شعلة نار) أي شعلة مقتبسة من النار، فالإضافة لبيان الجنس كما قال المفسر، لأن الشهاب يكون من النار وغيرها كالكواكب. قوله: (بدل من تاء الافتعال) أي لأنها وقعت بعد الصاد، وهي من حروف الأطباق، فقلبت طاء على القاعدة المعلومة.\rقوله: (بكسر اللام) أي من باب تعب، وقوله: (و فتحها) أي من باب رمى. قوله: نُودِيَ أي ناداه اللّه. قوله: (أي بأن) أشار بذلك إلى أن أن مصدرية، وما بعدها في تأويل مصدر، وحرف الجر مقدر قبلها، أي نودي ببركة مَنْ فِي النَّارِ الخ، أي بتقديسه وتطهيره مما يشغل قلبه عن غير اللّه وتخليصه للنبوة والرسالة، أي ناداه اللّه، بأننا قدسناك وطهرناك واخترناك للرسالة، كما تقدم في طه حيث قال:\rوَأَنَا اخْتَرْتُكَ الخ.\rقوله: مَنْ فِي النَّارِ هو نائب فاعل بُورِكَ، وهذه تحية لموسى وتكرمة له. قوله: (أو العكس) أي فتفسر من الأولى بالملائكة، والثانية بموسى، وعلى هذا التفسير فلا يحتاج لتقدير مضاف.\rقوله: (يتعدى بنفسه) أي فيقال باركك اللّه. قوله: (و بالحرف) أي اللام وفي وعلى. قوله: (و يقدر بعد في مكان) أي على التفسير الأول، فيقال أن بورك من في مكان النار، وإنما احتيج لهذا التقدير، لأن موسى إذ ذاك لم يكن في النار حقيقة، بل كان في المكان القريب منها. قوله: (من جملة ما نودي) أي أتى به، وإنما أتى بالتنزيه هنا، لدفع ما يتوهم أن الكلام الذي سمعه في ذلك المكان، بحرف وصوت، أو كون اللّه في مكان أو جهة.\rقوله: وَأَلْقِ عَصاكَ لم يقل هنا وأن كما في القصص، لأنه هنا ذكر بعد أن فعل، فحسن عطف ألق عليه، وما يأتي لم يذكر، فقد عطف وأن أطلق، على قوله أن يا موسى إني أنا اللّه. قوله: تَهْتَزُّ حال من ضمير رَآها. قوله: (حية خفيفة) أي في سرعة الحركة، فلا ينافي عظم جثتها. قوله: (يرجع) أي لم يرجع على عقبه. قوله: لا تَخَفْ (منها) أي لأنك في حضرتي، ومن كان فيها فهو آمن، لا يخطر بباله خوف من شيء.\rقوله: (لكن) مَنْ ظَلَمَ الخ، أشار إلى أن الاستثناء منقطع، ومَنْ ظَلَمَ مبتدأ، وقوله: فَإِنِّي غَفُورٌ خبره. قوله: (أتاه) أي عمله. قوله: (طوق القميص) إنما لم يأمره بإدخالها","part":3,"page":109},{"id":1223,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 110\rتَخَفْ منها إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَ عندي الْمُرْسَلُونَ (10) من حية وغيرها إِلَّا لكن مَنْ ظَلَمَ نفسه ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً أتاه بَعْدَ سُوءٍ أي تاب فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) أقبل التوبة وأغفر له وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ طوق القميص تَخْرُجْ خلاف لونها من الأدمة بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ برص لها شعاع يغشى البصر آية فِي تِسْعِ آياتٍ مرسلا بها إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً أي مضيئة واضحة قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) بين ظاهر وَجَحَدُوا بِها أي لم يقروا وَقد اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ أي تيقنوا أنها من عند اللّه ظُلْماً وَعُلُوًّا تكبرا عن الإيمان بما جاء به موسى راجع إلى الجحد فَانْظُرْ يا محمد كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) التي علمتها من إهلاكهم وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ ابنه عِلْماً بالقضاء بين الناس ومنطق الطير وغير ذلك وَقالا شكرا للّه الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا\r______________________________\rفي كمه، لأنه كان عليه مدرعة قصيرة من صوف لا كم لها، وقيل: لها كم قصيرة.\rقوله: تَخْرُجْ بَيْضاءَ جواب لقوله: أَدْخِلْ قوله: (لها شعاع) أي لمعان وإشراق. قوله: (آية) أشار بذلك إلى أن فِي تِسْعِ آياتٍ في محل نصب متعلق بمحذوف حال أخرى من ضمير تَخْرُجْ، وقد صرح بهذا المحذوف في سورة طه حيث قال هناك: تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى، فالمعنى هنا حال كونها آية مندرجة في جملة الآيات التسع.\rقوله: إِلى فِرْعَوْنَ متعلق بما قدره المفسر، وقوله: إِنَّهُمْ كانُوا الخ، تعليل لذلك المقدر.\rقوله: فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا أي جاءهم موسى بها، وقوله: مُبْصِرَةً اسم فاعل والمراد به المفعول، أطلق اسم الفاعل على المفعول، إشعارا بأنها لفرط وضوحها وإناراتها كأنها تبصر نفسها. قوله: (أي مضيئة) أي إضاءة معنوية في جميعها، وحسية في بعضها وهو اليد. قوله: قالُوا هذا أي ما نشاهده من الخوارق التي أتى بها موسى.\rقوله: وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ حال من الواو في جَحَدُوا ولذا قدر فيه (قد). قوله: (أي تيقنوا) الخ، أشار به إلى أن السين زائدة. قوله: (راجع إلى الجحد) أي على أنه علة له. قوله: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ كَيْفَ خبر مقدم لكان، وعاقِبَةُ اسمها مؤخر، والجملة في محل نصب على إسقاط الخافض. قوله: (من إهلاكهم) أي بالإغراق على الوجه الهائل الذي هو عبرة للعالمين.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ هو بالمد بمعنى أعطينا، وهو شروع في ذكر القصة الثانية، وكان لداود تسعة عشر ولدا أجلهم سليمان، وعاش داود مائة سنة، وسليمان ابنه نيفا وخمسين سنة، وبين داود وموسى خمسمائة سنة وتسع وستون سنة، وبين سليمان ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ألف وسبعمائة سنة. قوله: (بالقضاء بين الناس) أي وهو علم الشرائع. قوله: (و منطق الطير) أي تصويته. قوله: (و غير ذلك) أي كتسبيح الجبال.\rقوله: وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ أي شكر كل منهما ربه على ما أنعم عليه به. قوله: الَّذِي فَضَّلَنا أي أعطانا هذا الفضل العظيم. قوله: (و تسخير الجن والإنس) الخ، ظاهره أن هذا كان لكل من داود","part":3,"page":110},{"id":1224,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 111\rبالنبوة وتسخير الجن والإنس والشياطين عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ النبوة والعلم دون باقي أولاده وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ أي فهم أصواته وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ تؤتاه الأنبياء والملوك إِنَّ هذا المؤتى لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) البين الظاهر\r______________________________\rوسليمان وهو كذلك، إلا أن سليمان فاق أباه، وكانت له السلطنة الظاهرة. قوله: عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أي الذين لم يؤتوا مثلنا، وهذه مزية، وهي لا تقتضي الأفضلية، فداود وسليمان وإن أعطيا تلك المزايا، فأولو العزم أفضل منهما، لأن التفضيل من اللّه لا بالمزايا.\rقوله: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ أي قام مقامه في ذلك دون سائر بنيه التسعة عشر، مع كون النبوة والعطايا التي مع داود مستمرة معه، وليس المراد أن نبوة داود وعطاياه انتقلت منه لسليمان وصار داود بلا شيء.\rقوله: وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ أي قال سليمان لبني إسرائيل: شكرا للّه على نعمه. قوله: عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ أي فهمنا اللّه أصوات الطير، ولا مفهوم للطير، بل كان الزرع والنبات يكلمه ويفهم كلامه، ورد أن سليمان كان جالسا، إذ مر به طائر يطوف، فقال لجلسائه: أتدرون ما يقول هذا الطائر؟\rإنه قال لي: السّلام عليك أيها الملك المسلط، والنبي لبني إسرائيل، أعطاك اللّه الكرامة، وأظهرك على عدوك، إني منطلق إلى أفراخي، ثم أمر بك الثانية، وإنه سيرجع إلينا الثانية، ثم رجع فقال لهم: يقول السّلام عليك أيها الملك المسلط، إن شئت أن تأذن لي كيما أكتسب على أفراخي حتى يثبوا ثم آتيك، فافعل بي ما شئت، فأخبرهم سليمان بما قال، وأذن له فانطلق. ومر سليمان على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا لا يا نبي اللّه، قال إنه يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء. ومر بهدهد فوق شجرة وقد نصب له صبي فخا، فخاف، فقال له سليمان احذر، فقال الهدهد: يا نبي اللّه هذا صبي ولا عقل له فأنا أسخر به، ثم رجع سليمان فوجده قد وقع في حبالة الصبي وهو في يده فقال له: ما هذا؟ قال ما رأيتها حتى وقعت بها يا نبي اللّه، قال: ويحك فأنت ترى الماء تحت الأرض، أما ترى الفخ؟ فقال يا نبي اللّه إذا نزل القضاء عمي البصر. وصاح ورشان عند سليمان بن داود فقال سليمان: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: إنه يقول: لدوا للموت وابنوا للخراب.\rوصاحت فاختة فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا، قال: إنها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا، وليتهم إذ خلقوا علموا ما خلقوا له. وصاح عنده طاووس فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: إنه يقول: كما تدين تدان. وصاح عنده هدهد فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا، قال: إنه يقول: إن من لا يرحم لا يرحم. وصاح عنده صرد فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: إنه يقول: استغفروا اللّه يا مذنبون. فمن ثم نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتله. وقيل: إن الصرد هو الذي دل آدم على مكان البيت، ولذلك يقال له الصرد الصرام.\rوصاحت عنده طيطرجى فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا، قال: إنها تقول: كل حي ميت، وكل جديد بال.\rوصاحت عنده خطافة فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا، قال: إنها تقول: قدموا خيرا تجدوه. فمن ثم نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتلها. وقيل: إن آدم خرج من الجنة فاشتكى إلى اللّه تعالى الوحشة، فآنسه اللّه بالخطاف وألزمها البيوت، فهي لا تفارق بني آدم أنسا لهم، قال: ومعها أربع آيات من كتاب اللّه لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ إلى آخرها، وتمد صوتها بقوله: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وهدرت حمامة عند سليمان فقال: أتدرون ما","part":3,"page":111},{"id":1225,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 112\rوَحُشِرَ جمع لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ في مسير له فَهُمْ يُوزَعُونَ (17)\r______________________________\rتقول؟ قالوا: لا، قال: إنها تقول: سبحان ربي الأعلى، عدد ما في السماوات والأرض. وصاح قمري عند سليمان فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال إنه يقول: سبحان ربي العظيم المهيمن. قال كعب: وحدثهم سليمان فقال: الغراب يقول: اللهم العن العشار، والحدأ يقول: كل شيء هالك إلا وجهه، والقطاة تقول: من سكت سلم، والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه، والضفدع تقول: سبحان ربي القدوس، والبازي يقول:\rسبحان ربي وبحمده، والسرطان يقول: سبحان المذكور بكل مكان، وصاح دراج عند سليمان فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال إنه يقول: الرحمن على العرش استوى. وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: الديك إذا صاح قال: اذكروا اللّه يا غافلون. وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «النسر إذا صاح قال: يا ابن آدم عش ما شئت فآخرك الموت، وإذا صاح العقاب قال: في البعد من الناس راحة. وإذا صاح القنبر قال: إلهي العن مبغض آل محمد. وإذا صاح الخطاف قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ إلى آخرها فيقول وَلَا الضَّالِّينَ فيمد بها صوته كما يمد القارئ».\rقوله: وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قال ذلك تحدثا بنعمة اللّه، وشكرا على ما أعطاه.\rقوله: وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أي من الأماكن البعيدة، وكان له نقباء ترد أول العسكر على آخره، لئلا يتقدموا في السير، قال محمد بن كعب القرظي: كان عسكر سليمان عليه السّلام، مائة فرسخ في مائة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وقيل نسجت له الجن بساطا من ذهب وحرير فرسخا في فرسخ، وكان يوضع كرسيه في وسطه فيقعد، وحوله كراسي من ذهب وفضة، فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، والناس حوله، والجن والشياطين حول الناس، والوحش حولهم، وتظلله الطير بأجنحتها حتى لا يقع عليه شمس، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة منكوحة يعني حرة، وسبعمائة سرية، فيأمر الريح العاصف فترفعه، ثم يأمر الرخاء فتسير به. وروي عن كعب الأحبار أنه قال: كان سليمان إذا ركب، حمل أهله وخدمه وحشمه، وقد اتخذ مطابخ ومخابز فيها تنانير الحديد والقدور العظام، تسع كل قدر عشرة من الإبل، فيطبخ الطباخون، ويخبز الخبازون، وهو بين السماء والأرض، واتخذ ميادين للدواب، فتجري بين يديه، والريح تهوي، فسار من إصطخر يريد اليمن، فسلك على مدينة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فلما وصل اليها قال سليمان: هذه دار هجرة نبي يكون آخر الزمان، طوبى لمن آمن به، وطوبى لمن اتبعه، ولما وصل مكة، رأى حول البيت أصناما تعبد فجاوزه سليمان، فلما جاوزه بكى البيت، فأوحى اللّه اليه ما يبكيك؟ قال: يا رب أبكاني أن هذا نبي من أنبيائك، ومعه قوم من أوليائك، مروا علي ولم يصلوا عندي، والأصنام تعبد حولي من دونك، فأوحى اللّه اليه لا تبك، فإني سوف أملؤك وجوها سجدا، وأنزل فيك قرآنا جديدا، وأبعث منك نبيا في آخر الزمان، أحب أنبيائي إلي، وأجعل فيك عمارا من خلقي يعبدونني، أفرض عليهم فريضة، يحنون اليك حنين الناقة إلى ولدها، والحمامة إلى بيضها، وأطهرك من الأوثان والأصنام وعبدة الشيطان، ثم مضى سليمان حتى مروا بوادي النمل. قوله: (يجمعون ثم يساقون) أي يمنعون من التقدم حتى يجتمعوا ثم يؤمرون.","part":3,"page":112},{"id":1226,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 113\rيجمعون ثم يساقون حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ هو بالطائف أو بالشام نمله صغار أو كبار قالَتْ نَمْلَةٌ ملكة النمل وقد رأت جند سليمان يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ لا يكسرنكم سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (18) نزل النمل منزلة العقلاء في الخطاب\r______________________________\rقوله: حَتَّى إِذا أَتَوْا غاية لمحذوف، أي فساروا مشاة على الأرض وركبانا حتى إذا أتوا، الخ.\rقوله: (نمله صغار) أي وهو المعروف، وقوله: (أو كبارا): أي كالبخاتي أو الذئاب. قوله: قالَتْ نَمْلَةٌ) قيل اسمها طاخية وقيل جرمى، وحكى الزمخشري عن أبي حنيفة رضي اللّه عنه أنه وقف على قتادة وهو يقول: سلوني، فأمر أبو حنيفة شخصا سأل قتادة عن نملة سليمان، هل كانت ذكرا أو أنثى؟ فلم يجب، فقيل لأبي حنيفة في ذلك فقال: كانت أنثى واستدل بلحاق العلامة، قال بعضهم: وفيه نظر لأن لحاق التاء في قالت، لا يدل على أنها مؤنثة، لأن تاءه للوحدة لا للتأنيث، وحينئذ فيصح أن يقال: قال نملة، وقالت نملة، وما استدل به أبو حنيفة يفيد الظن لا التحقيق. قوله: (و قد رأت جند سليمان) أي من ثلاثة أميال بدليل قوله الآتي، وقد سمعه من ثلاثة أميال.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّمْلُ الخ، اشتمل هذا القول على أحد عشر نوعا من البلاغة، أولها النداء بيا، ثانيها لفظ أي، ثالثها التنبيه، رابعها التسمية بقولها: النَّمْلِ، خامسها الأمر بقولها: ادْخُلُوا سادسها التنصيص بقولها: مَساكِنَكُمْ، سابعها التحذير بقولها: لا يَحْطِمَنَّكُمْ ثامنها التخصيص بقولها: سُلَيْمانُ، تاسعها التعميم بقولها: وَجُنُودُهُ عاشرها الإشارة بقولها: وَهُمْ، حادي عشرها العذر بقولها: لا يَشْعُرُونَ. وكانت تلك النملة عرجاء ذات جناحين، وهي من جملة الحيوانات العشرة التي تدخل الجنة وهي: براق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهدهد بلقيس، ونملة سليمان، وعجل إبراهيم، وكبش ولده، وبقرة بني إسرائيل، وكلب أهل الكهف، وحمار العزير، وناقة صالح، وحوت يونس، روي أن سليمان قال لها: لم حذرت النمل، أخفت من ظلمي؟ أما علمت أني نبي عدل، فلم قلت: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ، فقالت النملة: أما سمعت قولي: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ مع أني لم أرد حطم النفوس، وإنما أردت حطم القلوب، خشية أن يتمنين مثل ما أعطيت، ويفتنن في الدنيا، ويشتغلن بالنظر إلى ملكك عن التسبيح والذكر، فلما تكلمت مع سليمان، مضت مسرعة إلى قومها فقالت: هل عندكم من شيء نهديه إلى نبي اللّه؟ قالوا: وما قدر ما نهدي له؟ واللّه ما عندنا إلا نبقة واحدة، فقالت: حسنة ائتوني بها، فأتوها بها فحملتها بفيها وانطلقت تجرها، وأمر اللّه الريح فحملتها وأقبلت تشق الجن والإنس والعلماء والأنبياء على البساط، حتى وقفت بين يديه، ووضعت تلك النبقة من فيها في فيه، وأنشأت تقول:\rألم تر أنا نهدي إلى اللّه ماله ... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله\r\rولو كان يهدى للجليل بقدره ... لأقصر البحر عنه يوما وساحله\r\rولكننا نهدي إلى من نحبه ... فيرضى بها عنا ويشكر فاعله\r\rوما ذاك إلا من كريم فعاله ... وإلا فما في ملكنا من يشاكله\r\rفقال لها: بارك اللّه فيكم، فهم بتلك الدعوة أشكر خلق اللّه، وأكثر خلق اللّه، والنمل حيوان","part":3,"page":113},{"id":1227,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 114\rبخطابهم فَتَبَسَّمَ سليمان ابتداء ضاحِكاً انتهاء مِنْ قَوْلِها وقد سمعه من ثلاثة أميال حملته إليه الريح فحبس جنده حين أشرف على واديهم حتى دخلوا بيوتهم، وكان جنده ركبانا ومشاة في هذا السير وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي ألهمني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ بها عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (19) الأنبياء والأولياء وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ ليرى الهدهد الذي يرى الماء تحت الأرض ويدل عليه بنقره فيها فتستخرجه الشياطين لاحتياج سليمان إليه للصلاة فلم يره فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أي أعرض لي ما\r______________________________\rمعروف شديد الإحساس والشم، حتى إنه يشم الشيء من بعيد ويدخر قوته، ومن شدة إدراكه أنه يفلق الحبة فلقتين خوفا من الإنبات، ويفلق حبة الكزبرة أربع فلق، لأنها إذا فلقت فلقتين نبتت، ويأكل في عامه نصف ما جمع، ويستبقي باقيه عدة. قوله: لا يَحْطِمَنَّكُمْ فيه وجهان، أحدهما أنه نهي، والثاني أنه جواب الأمر. قوله: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ جملة حالية.\rقوله: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مفرع على محذوف تقديره فسمع قولها المذكور فتبسم، وكان سبب ضحكه شيئين: أحدهما ما دل على ظهور رحمته ورحمة جنوده وشفقتهم من قولها وهم لا يشعرون. الثاني سروره بما آتاه اللّه ما لم يؤت أحدا، من ادراك سمعه ما قالته النملة. قوله: (ابتداء) الخ، فالتبسم انفتاح الفم من غير صوت، والضحك انفتاحه مع صوت خفيف، والقهقهة انفتاحه مع صوت قوي، وهي لا تكون من الأنبياء. قوله: (في هذا السير) أي في خصوص سيره على وادي النمل، وكان هو وجنوده في غير هذا المكان راكبين على البساط وتسير بهم الريح. قوله: وَعَلى والِدَيَ إنما ذكر نعمة والديه تكثيرا للنعمة، ليزداد في الشكر عليها. قوله: فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ على حذف مضاف أي في جملة عِبادِكَ وفي بمعنى مع، والمراد الكاملون في الصلاح، لأن الصلاح مقول بالتشكيك، فما من مقام إلا وفوقه أعلى منه، والكامل يقبل الكمال.\rقوله: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ شروع في القصة الثالثة، والمعنى نظر في الطير فلم ير الهدهد، وكان سبب سؤاله عن الهدهد، أنه كان دليل سليمان على الماء، وكان يعرف موضع الماء، ويرى الماء تحت الأرض كما يرى في الزجاجة، ويعرف قربه وبعده، فينقر في الأرض، ثم تجيء الشياطين فيحفرونه ويستخرجون الماء في ساعة يسيرة، قيل لما ذكر ذلك ابن عباس قيل له: إن الصبي يضع له فخا ويحثو عليه التراب، فيجيء الهدهد وهو لا يبصر الفخ حتى يقع في عنقه، فقال ابن عباس: إذا نزل القضاء والقدر، ذهب اللب وعمي البصر، قيل ولم يكن له في مسيره إلا هدهد واحد. قوله: (فتستخرجه الشياطين) أي بأن تسلخ وجه الأرض عن الماء، كما تسلخ الشاة.\rقوله: ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ استفهام استخبار. قوله: أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ أَمْ منقطعة تفسر ببل والهمزة، كأنه لما يره ظن أنه حاضر ولا يراه لساتر أو غيره، فقال: ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ ثم احتاط فظهر له أنه غائب فأضرب عن ذلك، وهو إضراب انتقالي.\rقوله: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً الحلف على أحد الأولين بتقدير عدم الثالث، فأو بين الكلمتين الأوليين للتخيير، وفي الثالث للترديد بينه وبينهما، فهي في الأخير بمعنى إلا. قوله: (بنتف ريشه) هذا أحد أقوال في معنى التعذيب، وقيل هو أن","part":3,"page":114},{"id":1228,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 115\rمنعني من رؤيته أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (20) فلم أره لغيبته، فلما تحققها قال لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً تعذيبا شَدِيداً بنتف ريشه وذنبه ورميه في الشمس فلا يمتنع من الهوامّ أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ بقطع حلقومه أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بنون مشددة مكسورة أو مفتوحة يليها نون مكسورة بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (21)\r______________________________\rيحشره مع غير أبناء جنسه، وقيل هو أن يطلى بالقطران ويوضع في الشمس. قوله: (بنون مشددة) الخ، أي والقراءتان سبعيتان.\rقوله: بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي حجة ظاهرة على غيبته، والسبب في غيبة الهدهد، أن سليمان عليه السّلام، لما فرغ من بناء بيت المقدس، عزم على الخروج إلى أرض الحرم، فتجهز للمسير واستصحب جنوده من الجن والإنس والطير والوحش فحملتهم الريح، فلما وافى الحرم، أقام ما شاء اللّه أن يقيم، أي من غير صلاة بالكعبة كراهة في الأصنام، ولم يكن مأمورا بتكسيرها، فاندفع التعارض بين ما هنا وما تقدم، وكان ينحر في كل يوم طول مقامه خمسة آلاف ناقة، ويذبح خمسة آلاف ثور، وعشرين ألف شاة، وقال لمن حضره من أشراف قومه: إن هذا المكان يخرج منه نبي عربي، صفته كذا وكذا، ويعطى النصر على جميع من عاداه، وتبلغ هيبته مسافة شهر، القريب والبعيد عنده في الحق سواء، لا تأخذه في اللّه لومة لائم، قالوا: فبأي دين يدين يا نبي اللّه؟ قال يدين اللّه الحنيفية، فطوبى لمن أدركه وآمن به، قالوا: كم بيننا وبين خروجه يا نبي اللّه؟ قال مقدار ألف سنة، فليبلغ الشاهد الغائب، فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل، قال: فأقام بمكة حتى قضى نسكه، ثم خرج من مكة صباحا وسار نحو اليمن، فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا حسناء تزهو خضرتها، فأحب النزول بها ليصلي ويتغدى، فلما نزل قال الهدهد: قد اشتغل سليمان بالنزول، فارتفع نحو السماء ينظر إلى طول الدنيا وعرضها ففعل ذلك، فبينما هو ينظر يمينا وشمالا، رأى بستانا لبلقيس، فنزل اليه فإذا هو بهدهد آخر، وكان اسم هدهد سليمان يعفور، وهدهد اليمن عفير، فقال عفير ليعفور: من أين أقبلت؟ قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود، قال ومن سليمان؟ قال: ملك الإنس والجن والشياطين والطير والوحش والرياح، فمن أين أنت؟ قال عفير: أنا من هذه البلاد، قال: ومن ملكها؟ قال: امرأة يقال لها بلقيس، وإن لصاحبك ملكا عظيما، ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها تملك اليمن، وتحت يدها أربعمائة ملك، كل ملك على كورة، مع كل ملك أربعة آلاف مقاتل، ولها ثلاثمائة وزير يدبرون ملكها، ولها اثنا عشر قائدا، مع كل قائد اثنا عشر ألف مقاتل، فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ قال: أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج الماء، قال الهدهد اليماني: إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة، فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها، وأما سليمان فإنه نزل على غير ماء، فسأل عن الماء الجن والإنس فلم يعلموا، فتفقد الهدهد فلم يره، فدعا بعريف الطير وهو النسر، فسأله عن الهدهد فقال: أصلح اللّه الملك، ما أدري أين هو، وما أرسلته إلى مكان، فغضب سليمان وقال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً الآية، ثم دعا بالعقاب وهو أشد الطير طيرانا، فقال له: علي بالهدهد الساعة، فارتفع العقاب في الهواء حتى نظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، ثم التفت يمينا وشمالا، فرأى الهدهد مقبلا من نحو اليمن، فانقض العقاب يريده، وعلم الهدهد أن العقاب يقصده بسوء، فقال: بحق الذي قواك وأقدرك علي، إلا","part":3,"page":115},{"id":1229,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 116\rببرهان بيّن ظاهر على عذره فَمَكَثَ بضم الكاف وفتحها غَيْرَ بَعِيدٍ أي يسيرا من الزمان، وحضر لسليمان متواضعا برفع رأسه وإرخاء ذنبه وجناحيه فعفا عنه وسأله عما لقي في غيبته فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ أي اطلعت على ما لم تطلع عليه وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بالصرف وتركه قبيلة باليمن سميت باسم جد لهم باعتباره صرف بِنَبَإٍ خبر يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ أي هي ملكة لهم اسمها بلقيس وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الملوك من الآلة والعدة وَلَها عَرْشٌ سرير عَظِيمٌ (23) طوله ثمانون ذراعا، وعرضه أربعون ذراعا، وارتفاعه\r______________________________\rما رحمتني ولم تتعرض لي بسوء، فتركه العقاب وقال: ويلك ثكلتك أمك، إن نبي اللّه قد حلف أن يعذبك أو يذبحك، فصارا متوجهين نحو سليمان عليه السّلام، فلما انتهيا إلى العسكر تلقاه النسر والطير وقالا له:\rويلك أين غبت في يومك هذا؟ فلقد توعدك نبي اللّه، وأخبراه بما قال سليمان، فقال الهدهد: أو ما استثنى نبي اللّه؟ فقالوا: بلى إنه قال: أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ فقال نجوت إذا، وكانت غيبته من الزوال، ولم يرجع إلا بعد العصر، فانطلق به العقاب حتى أتيا سليمان، وكان قاعدا على كرسيه، فقال العقاب: قد أتيتك به يا نبي اللّه، فلما قرب منه الهدهد، رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض، تواضعا لسليمان عليه الصلاة والسّلام، فلما دنا منه أخذ برأسه فمده اليه وقال له: أين كنت؟ لأعذبنك عذابا شديدا، فقال: يا نبي اللّه اذكر وقوفك بين يدي اللّه عز وجل، فلما سمع سليمان عليه الصلاة والسّلام ذلك، ارتعد وعفا عنه ثم سأله: ما الذي أبطأك عني؟ فقال الهدهد: أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ إلى آخره.\rقوله: فَمَكَثَ أي الهدهد. قوله: (بضم الكاف وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان والأول من باب قرب والثاني من باب نصر. قوله: (أي يسيرا من الزمان) أي وهو من الزوال إلى العصر. قوله:\r(فعفا عنه) أي من أول الأمر قبل أن يذكر العذر. قوله: (و سأله عما لقي في غيبته) قدره إشارة إلى أن قوله: فَقالَ أَحَطْتُ الخ، مفرع على محذوف. قوله: فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ أي علمت ما لم تعلمه أنت ولا جنودك وفي هذا تنبيه على أن اللّه تعالى أرى سليمان عجزه لكونه لم يعلم ذلك مع كون المسافة قريبة وهي ثلاث مراحل. قوله: (بالصرف وتركه) أي فهما قراءتان سبعيتان فالصرف نظرا إلى أنه اسم رجل وتركه نظرا إلى أنه اسم القبيلة للعلمية والتأنيث. قوله: (اسمها بلقيس) بالكسر بنت شراحيل من نسل يعرب بن قحطان، وكان أبوها ملكا عظيم الشأن، قد ولد له أربعون ملكا هي آخرهم، وكان الملك يملك أرض اليمن كلها، وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفؤا لي، وأبى أن يتزوج منهم، فخطب إلى الجن فزوجوه امرأة يقال لها ريحانة بنت السكن، قيل في سبب وصوله إلى الجن حتى خطب اليهم، أنه كان كثير الصيد، فربما اصطاد من الجن وهم على صورة الظباء فيخلي عنهم، فظهر له ملك الجن وشكره على ذلك واتخذه صديقا، فخطب ابنته فزوجه إياها.\rقوله: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عطف على قوله: تَمْلِكُهُمْ لأنه بمعنى ملكتهم، قال ابن عباس: كان يخدمها ستمائة امرأة. قوله: (يحتاج اليه الملوك) أشار بذلك إلى أن قوله: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ","part":3,"page":116},{"id":1230,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 117\rثلاثون ذراعا، مضروب من الذهب والفضة، مكلل بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر والزمرد وقوائمه من الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر والزمرد، عليه سبعة أبواب على كل بيت باب مغلق وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ طريق الحق فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ أي أن يسجدوا له فزيدت لا وأدغم فيها نون أن، كما في قوله تعالى لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ والجملة في محل مفعول يهتدون بإسقاط إلى الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ مصدر بمعنى المخبوء من المطر والنبات فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ في قلوبهم وَما تُعْلِنُونَ (25) بألسنتهم لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ\r______________________________\rعام أريد به الخصوص. قوله: وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ أي تجلس عليه، أو وصفه بالعظم بالنسبة إلى ملوك الدنيا، وأما وصف عرش اللّه بالعظم، فهو بالنسبة إلى جميع المخلوقات من السماوات والأرض وما بينهما فحصل الفرق. قوله: (طوله ثمانون ذراعا) الخ، وقيل طوله ثمانون وعرضه كذلك، وارتفاعه في الهواء كذلك. قوله: (عليه سبعة أبواب) صوابه أبيات بدليل قوله: (على كل بيت باب مغلق).\rقوله:\rيَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ أي فهم مجوس.\rقوله: فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الخ، ذكر ذلك ردا على من يعبد الشمس وغيرها من دون اللّه، لأنه لا يستحق العبادة إلا من هو قادر على من في السماوات والأرض، عالم بجميع المعلومات.\rقوله: (أي أن يسجدوا له) أشار بذلك إلى أنه على هذه القراءة تكون «أن» ناصبة، و«لا» زائدة، ويَسْجُدُوا فعل مضارع منصوب بأن، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، وعليها فلا يجوز الوقف على يَهْتَدُونَ لأنه من تتمته، كأنه قال: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا الخ، وقرأ الكسائي بتخفيف ألا، وتوجيهها أن يقال إن لا للافتتاح، ويا حرف تنبيه، واسجدوا فعل أمر، لكن سقطت ألف يا وهمزة الوصل من اسجدوا خطأ، ووصلت الياء بسين اسجدوا، فاتحدت القراءتان لفظا وخطا، وهناك وجه آخر في هذه القراءة، وهو أن يا حرف نداء والمنادى محذوف، والتقدير ألا يا هؤلاء وهو ضعيف، لئلا يؤدي إلى حذف كثير من غير ما يدل على المحذوف. قوله: (من المطر والنبات) لف ونشر مرتب، فالمطر هو المخبوء في السماوات، والنبات هو المخبوء في الأرض.\rقوله: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ اعلم أن ما ذكره الهدهد من قوله: الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ إلى هنا، إنما هو بيان لحقيقة عقيدته وعلومه التي اقتبسها من سليمان، وليس داخلا تحت قوله: أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وإنما ذكر الهدهد ذلك، ليغري سليمان على قتالهم، وليبين أنه لم يكن عنده ميل لهم، بل إنما غرضه وصف ملكها. قوله: (و بينهما بون) أي فضل ومزية.\rقوله: قالَ سَنَنْظُرُ هذه الجملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر تقديره: فما ذا قال سليمان للهدهد حين أخبره بالخبر؟ قوله:\r(فهو أبلغ من أم كذبت) أي لأنه يفيد أنه إن كان كاذبا في هذه الحادثة، كان معدودا من الكاذبين ومحسوبا منهم، والكذب له عادة وليست فلتة يعفى عنه فيها، لأن الكذب على الأنبياء أمره عظيم. قوله: (من عبد اللّه) خص هذا الوصف لأنه أشرف الأوصاف، وقدم اسمه على البسملة، لأنها كانت في ذلك الوقت","part":3,"page":117},{"id":1231,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 118\rالْعَظِيمِ (26) استئناف جملة ثناء مشتمل على عرش الرحمن في مقابلة عرش بلقيس، وبينهما بون عظيم قالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرتنا به أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (27) أي من هذا النوع، فهو أبلغ من أم كذبت فيه، ثم دلهم على الماء فاستخرج وارتووا وتوضؤوا وصلوا، ثم كتب سليمان كتابا صورته: من عبد اللّه سليمان بن داود، إلى بلقيس ملكة سبأ، بسم اللّه الرحمن الرحيم، السّلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا عليّ وائتوني مسلمين. ثم طبعه بالمسك وختمه بخاتمه، ثم قال للهدهد: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ أي بلقيس وقومها ثُمَّ تَوَلَ انصرف عَنْهُمْ وقف قريبا منهم فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ (28) يردّون من الجواب، فأخذه وأتاها وحولها جندها وألقاه في حجرها فلما رأته ارتعدت وخضعت خوفا ثم وقفت على ما فيه ثم قالَتْ لأشراف قومها يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بقلبها واوا مكسورة أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (29) مختوم إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ أي مضمونه بِسْمِ اللَّهِ\r______________________________\rكافرة، فخاف أن تستخف باسم اللّه، فجعل اسمه وقاية لاسم اللّه تعالى. قوله: (السّلام على من اتبع الهدى) أي أمان اللّه على من اتبع طريق الحق وترك الضلال. قوله: (فلا تعلوا علي) أي لا تتكبروا.\rقوله: (مسلمين) أي منقادين لدين اللّه، وفي هذا الخطاب، إشعار بأنه رسول من عند اللّه، يدعوهم إلى دين اللّه وليس مطلق سلطان، وإلا لقال وائتوني طائعين. قوله: (ثم طبعه بالمسك) أي جعل عليه قطعة مسك كالشمع.\rقوله: فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ إما بسكون الهاء أو كسرها من غير إشباع أو بإشباع، ثلاث قراءات سبعيات. قوله: ما ذا يَرْجِعُونَ إن جعل انظر بمعنى انتظر فماذا بمعنى الذي، ويَرْجِعُونَ صلته، والعائد محذوف، ويكون ما مفعول يرجعون. والمعنى انتظر الذي يرجعونه، وإن جعل بمعنى تأمل وتفكر، كانت ما استفهامية، وذا بمعنى الذي، ويرجعون صلتها، والعائد محذوف، والتقدير أي شيء الذي يرجعونه، والموصول هو خبر ما استفهامية، أو ما ذا كلها اسم واحد مفعول ليرجعون، تقديره أي شيء يرجعون. قوله: (من الجواب) بيان لما. قوله: (و أتاها وحولها جندها) الخ، وقيل أتاها فوجدها نائمة، وقد غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها، وكذلك كانت تفعل إذا رقدت، فألقى الكتاب على نحرها، وقيل كانت لها كوة مستقبلة الشمس تقع فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد فسد الكوة بجناحيه، فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلما استبطأت الشمس قامت تنظر، فرمى بالصحيفة إليها. قوله: (فلما رأته ارتعدت) أي حين وجدت الكتاب مختوما ارتعدت، لأن ملك سليمان كان في خاتمه، وعرفت أن الذي أرسل الكتاب أعظم ملكا منها، فقرأت الكتاب، وتأخر الهدهد غير بعيد، وجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت أشراف قومها. قوله: (بقلبها واوا مكسورة) المناسب أن يقول وتسهيل الثانية بين الهمزة والياء وقلبها واوا الخ، فالقراءات ثلاث سبعيات.\rقوله: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَ الخ، لم تذكر صورة الكتاب، بل اقتصرت على ما فيه الفائدة، لشدة","part":3,"page":118},{"id":1232,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 119\rالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بقلبها واوا، أي أشيروا عليّ فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً قاضيته حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) تحضرون قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ أي أصحاب شدة في الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ (33) نا نطعك قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها بالتخريب وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (34) أي مرسلو الكتاب\r______________________________\rمعرفتها وبلاغة لفظها. قوله: كَرِيمٌ مكرم معظم. قوله: (مختوم) أي لأن الكتاب المختوم، يشعر بالاعتناء بالمرسل إليه، لما ورد: من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخف به.\rقوله: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ جملة مستأنفة وقعت جوابا لسؤال مقدر تقديره: ما ذا مضمونه. قوله: قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أي الأشراف، سموا بذلك لأنهم يملؤون العين بمهابتهم، وكانوا ثلاثمائة واثني عشر، لكل واحد منهم عشرة آلاف من الأتباع.\rقوله: ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً أي إن عادتي معكم لا أفعل أمرا حتى أشاوركم.\rقوله: أُولُوا قُوَّةٍ الخ، استفيد من ذلك أنهم أشاروا عليها بالقتال أولا، ثم ردوا الأمر إليها. قوله:\r(نطعك) مجزوم في جواب الأمر.\rقوله: قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ الخ، أي فلم ترض بالحرب الذي أشاروا عليها به، بل اختارت الصلح وبينت سببه. قوله: إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أي عنوة.\rقوله: بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ أي منتظرة رجوع الرسل وعودهم إلي. قوله: (إن كان ملكا قبلها) أي وقاتلناه. قوله: (أو نبيا لم يقبلها) أي واتبعناه، لأنها كانت لبيبة عاقلة تعرف سياسة الأمور. قوله: (ألفا بالسوية) أي خمسمائة ذكر، وخمسمائة أنثى. قوله: (فأمر أن تضرب لبنات الذهب والفضة) أي كما يضرب الطين. قوله: (و أن تبسط من موضعه) أي توضع في الأرض كالبلاط. قوله: (إلى تسعة فراسخ) أي وهو مسيرة يوم وثمن يوم. قوله:\r(و أن يبنوا) أي الجن. قوله: (عن يمين الميدان وشماله) أي وقصد بذلك إظهار البأس والشدة. وحاصل تفصيل تلك القصة: أن بلقيس عمدت إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية، فألبست الجواري لباس الغلمان الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في أيديهم أساور الذهب، وفي أعناقهم أطواق الذهب، وفي آذانهم أقرطة وشنوفا، مرصعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة فرس، والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس سرج من ذهب مرصع بالجواهر وأغشية الديباج، بعثت إليه لبنات من فضة، وتاجا مكللا بالدر والياقوت، وأرسلت بالمسك والعنبر والعود، وعمدت إلى حقة، جعلت فيها درة ثمينة غير مثقوبة، وخرزة جزع معوجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو، وضمت إليه رجالا من قومها أصحاب عقل ورأي، وكتبت مع المنذر كتابا تذكر فيه الهدية وقالت: إن كنت نبيا فميز الوصفاء والوصائف، وأخبرنا بما في الحقة قبل أن تفتحها، واثقب الدرة ثقبا مستويا، وأدخل في الخرزة خيطا من غير علاج أنس ولا جن، وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلمكم سليمان، فكلموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث يشبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلموه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثم قالت للرسول: انظر إلى الرجل إذا دخلت عليه، فإن","part":3,"page":119},{"id":1233,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 120\rوَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) من قبول الهدية أو ردها، إن كان ملكا قبلها، أو نبيا لم يقبلها، فأرسلت خدما ذكورا وإناثا ألفا بالسوية، وخمسمائة لبنة من الذهب، وتاجا مكللا بالجواهر، ومسكا وعنبرا وغير ذلك مع رسول بكتاب، فأسرع الهدهد إلى سليمان يخبره الخبر، فأمر أن تضرب لبنات الذهب والفضة، وأن تبسط من موضعه إلى تسعة فراسخ ميدانا، وأن يبنوا حوله حائطا مشرفا من الذهب والفضة، وأن يؤتى بأحسن دواب البر والبحر مع\r______________________________\rنظر إليك نظرا فيه غضب، فاعلم أنه ملك فلا يهولنك منظره فأنا أعز منه، وإن رأيت الرجل بشاشا لطيفا فاعلم أنه نبي، فتفهم قوله ورد الجواب، فانطلق الرسول بالهدايا، وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان فأخبره الخبر، فأمر سليمان الجن أن يضربوا لبنا من الذهب والفضة ففعلوا، وأمرهم بعمل ميدان مقدار تسع فراسخ، وأن يفرش فيه لبن الذهب والفضة، وأن يخلوا قدر تلك اللبنات التي معهم، وأن يعملوا حول الميدان حائطا مشرفا من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال سليمان: أي دواب البر والبحر أحسن؟\rفقالوا: يا نبي اللّه رأينا في بحر كذا دواب مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواص، قال: عليّ بها، فأتوه بها، قال: شدوها عن يمين الميدان وشماله، وقال للجن: عليّ بأولادكم، فاجتمع منهم خلق كثير، فأقامهم على يمين الميدان وشماله، ثم قعد سليمان في مجلسه على سريره، ووضع أربعة آلاف كرسي على يمينه وعلى شماله، وأمر الجن والإنس والشياطين والوحوش والسباع والطير، فاصطفوا فراسخ عن يمينه وشماله، فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان، رأوا الدواب التي لم يروا مثلها تروث على لبن الذهب والفضة تقاصرت إليهم أنفسهم، ووضعوا ما معهم من الهدايا، وقيل إن سليمان لما فرش الميدان بلبنات الذهب والفضة، ترك من طريقهم موضعا على قدر ما معهم من اللبنات، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا، خافوا أن يتهموا بذلك، فوضعوا ما معهم من اللبن في ذلك الموضع، ولما نظروا إلى الشياطين ها لهم ما رأوا وفزعوا، فقالت لهم الشياطين: جوزوا لا بأس عليكم، وكانوا يمرون على كراديس الإنس والجن والوحش والطير، حتى وقفوا بين يدي سليمان، فأقبل عليهم بوجه طلق، وتلقاهم ملقى حسنا وسألهم عن حالهم، فأخبره رئيس القوم بما جاءوا به وأعطاه كتاب الملكة، فنظر فيه وقال: أين الحقة؟ فأتى بها وحركها، فجاء جبريل عليه السّلام فأخبره بما فيها، فقال لهم: إن فيها درة ثمينة غير مثقوبة وجزعة، فقال الرسول: صدقت، فأثقب الدرة وأدخل الخيط في الجزعة، فقال سليمان: من لي بثقبها؟ وسأل الإنس والجن فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا: ترسل إلى الأرضة، فلما جاءت الأرضة أخذت شعرة في فمها ودخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال لها سليمان:\rما حاجتك؟ قالت: تصيّر رزقي في الشجر، فقال لها: ذلك لك، ثم قال: من لهذه الخرزة؟ فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا نبي اللّه، فأخذت الدودة خيطا في فمها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ قالت: يكون رزقي في الفواكه، فقال: لك ذلك، ثم ميز بين الغلمان والجواري بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم، فجعلت الجارية تأخذ الماء بيدها وتضرب بها الأخرى وتغسل وجهها، والغلام يأخذ الماء بيديه ويضرب به وجهه، وكانت الجارية تصب الماء على باطن","part":3,"page":120},{"id":1234,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 121\rأولاد الجن، عن يمين الميدان وشماله فَلَمَّا جاءَ الرسول بالهدية ومعه أتباعه سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ من النبوة والملك خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ من الدنيا بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) لفخركم بزخارف الدنيا ارْجِعْ إِلَيْهِمْ بما أتيت به من الهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها من بلدهم سبأ، سميت باسم أبي قبيلتهم أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (37) أي إن لم يأتوني مسلمين، فلما رجع إليها الرسول بالهدية، جعلت سريرها داخل سبعة أبواب داخل قصرها، وقصرها داخل سبعة قصور، وأغلقت الأبواب، وجعلت عليها حرسا، وتجهزت إلى المسير إلى سليمان لتنظر ما يأمرها به فارتحلت في اثني عشر ألف قيل، مع كل قيل ألوف كثيرة، إلى أن قربت منه على فرسخ شعر بها قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ في الهمزتين ما تقدم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) منقادين طائعين فلي أخذه قبل ذلك لا بعده قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِ هو القوي الشديد أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ الذي تجلس\r______________________________\rساعدها، والغلام يصبه على ظاهره، فميّز بين الغلمان والجواري، ثم رد سليمان الهدية كما أخبر اللّه عنه ب\rقوله: فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ الخ.\rقوله: قالَ أَتُمِدُّونَنِ الخ، استفهام إنكاري وتوبيخ، أي لا ينبغي لكم ذلك. قوله: وَهُمْ صاغِرُونَ حال ثانية مؤكدة للأولى. قوله: (أي إن لم يأتوني مسلمين) أفاد بذلك أن يمين سليمان معلق على عدم إتيانهم مسلمين. قوله: (داخل سبعة أبواب) صوابه أبيات، وقد تقدم أنه داخل سبعة أبيات، فيكون حينئذ في داخل أربعة عشر نبيا. قوله: (حرسا) بفتحتين جمع حارس. قوله: (قيل) بفتح القاف أي ملك، سمي بذلك لأنه ينفذ ما يقول. قوله: (إلى أن قربت منه) أي من سليمان. قوله: (شعر بها) أي علم، وذلك أنه خرج يوما فجلس على سريره فسمع وهجا قريبا منه فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس قد نزلت هنا بهذا المكان، وكانت على مسيرة فرسخ من سليمان.\rقوله: يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا الخطاب لكل من عنده من الجن والإنس وغيرهما. قوله: (ما تقدم) أي من التحقيق أو قلب الثانية واوا. قوله: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها أي وكان سليمان إذ ذاك في بيت المقدس، وعرشها في سبإ، وبينها وبين بيت المقدس مسيرة شهرين. قوله: (فلي أخذه قبل ذلك) أي قبل إتيانهم مسلمين، لأنهم حربيون حينئذ. قوله: (لا بعده) أي لأن إسلامهم يعصم ما لهم، وهذا بحسب الظاهر، وأما باطن الأمر فقصده أن يبهر عقلها بالأمور المستغربة لتزيد إيمانا.\rقوله: عِفْرِيتٌ بكسر العين وقرىء شذوذا بفتحها. قوله: (و هو القوي) أي وكان مثل الجبل، يضع قدمه عند منتهى طرفه، وكان اسمه ذكوان وقيل صخر.\rقوله: أَنَا آتِيكَ بِهِ يحتمل أنه فعل مضارع، أصله أأتى بهمزتين أبدلت الثانية ألفا، ويحتمل أنه إسم فاعل كضارب وقائم. قوله: مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك. قوله: (أسرع من ذلك) أي لأن المقصود الإتيان به قبل أن تقدم هي، والحال أن بين قدومها مسيرة ساعة ونصف، ومجلسه من الغداة إلى نصف","part":3,"page":121},{"id":1235,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 122\rفيه للقضاء، وهو من الغداة إلى نصف النهار وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌ أي على حمله أَمِينٌ (39) أي على ما فيه من الجواهر وغيرها، قال سليمان: أريد أسرع من ذلك قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ المنزل وهو آصف بن برخيا كان صديقا يعلم اسم اللّه الأعظم الذي إذا دعا به أجاب أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ إذا نظرت به إلى شيء فقال له انظر إلى السماء فنظر إليها ثم رد بطرفه فوجده موضوعا بين يديه، ففي نظره إلى السماء دعا آصف بالاسم الأعظم أن يأتي اللّه به فحصل بأن جرى تحت الأرض حتى نبع تحت كرسي سليمان فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا أي ساكنا عِنْدَهُ قالَ هذا أي الإتيان لي به مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي ليختبرني أَأَشْكُرُ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه أَمْ أَكْفُرُ النعمة وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ أي لأجلها لأن ثواب شكره له وَمَنْ كَفَرَ النعمة فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌ عن شكره كَرِيمٌ (40) بالإفضال على من يكفرها قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها أي غيروه إلى\r______________________________\rالنهار.\rقوله: عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أي وهو التوراة. قوله: (و هو آصف بن برخيا) بالمد والقصر، وكان وزير سليمان وقيل كاتبه، وكان من أولياء اللّه تعالى، وقيل الذي عنده علم من الكتاب هو جبريل، وقيل الخضر، وقيل ملك آخر، وقيل سليمان نفسه، وعلى هذا فالخطاب في قوله أنا آتيك للعفريت، وما مشى عليه المفسر هو المشهور. قوله: (كان صديقا) أي مبالغا في الصدق مع اللّه ومع عباده. قوله: طَرْفُكَ هو بالسكون البصر. قوله: (قال) أي آصف، وقوله أي لسليمان. قوله: (دعا بالاسم الأعظم) قيل كان الدعاء الذي دعا به: يا ذا الجلال والإكرام، وقيل يا حي يا قيوم، وقيل يا إلهنا وإله كل شيء، إلها واحدا، لا إله إلا أنت ائتني بعرشها. قوله: (بأن جرى تحت الأرض) أي بحمل الملائكة له لأمر اللّه لهم بذلك. قوله: (أي ساكنا) أي غير متحرك، كأنه وضع من قبل بزمن متسع، وليس المراد مطلق الاستقرار والحصول، وإلا كان واجب الحذف، لأن الظرف يكون مستقرا، وعلى ما ذكره المفسر فالظرف لغو عامله خاص مذكور فتدبر.\rقوله: مِنْ فَضْلِ رَبِّي أي إحسانه إليّ. قوله: (و إدخال ألف) الخ، أي فالقراءات أربع سبعيات، وبقيت خامسة وهي إدخال ألف بين المحققين. قوله: (لأن ثواب شكره له) أي لأن الشكر سبب في زيادة النعم، قال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ. قوله: (بالإفضال على من يكفرها) أي فلا يقطع نعمه بسبب إعراضه عن الشكر وكفران النعمة.\rقوله: قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها معطوف في المعنى على قوله: قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي وكلاهما مرتب على قوله: فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ. قوله: (إلى حالة تنكره إذا رأته) أي فالتنكير إبهام الشيء، بحيث لا يعرف ضد التعريف، ومنه النكرة والمعرفة في اصطلاح النحويين. قوله: نَنْظُرْ هو جواب الأمر. قوله: (قصد بذلك) الخ، أشار بذلك إلى حكمة التغيير. قوله: (لما قيل إن فيه شيئا) أي نقصا، والقائل له: ما ذكر الجن، وقالوا له: إن رجليها كرجلي حمار، وقالوا له أيضا: إن في ساقيها شعرا لأنهم ظنوا أنه يتزوجها، فكرهوا ذلك لئلا تفشي له أسرار الجن، ولئلا يأتي منها أولا فيخلفوه في استخدام الجن فيدوم عليهم الذل.","part":3,"page":122},{"id":1236,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 123\rحال تنكره إذا رأته نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي إلى معرفته أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (41) إلى معرفة ما يغير عليهم، قصد بذلك اختبار عقلها لما قيل له إن فيه شيئا فغيروه بزيادة أو نقص أو غير ذلك فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ أي أمثل هذا عرشك قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ أي فعرفته وشبهت عليهم كما شبهوا عليها إذ لم يقل أهذا عرشك، ولو قيل هذا، قالت نعم، قال سليمان لما رأى لها معرفة وعلما وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّها عن عبادة اللّه ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (43) قِيلَ لَهَا أيضا ادْخُلِي الصَّرْحَ هو سطح من زجاج أبيض شفاف تحته ماء عذب جار فيه سمك اصطنعه سليمان لما قيل له إن ساقيها وقدميها كقدمي الحمار فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً من الماء وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها\r______________________________\rقوله: قِيلَ (لها) القائل سليمان أو مأموره.\rقوله: أَهكَذا عَرْشُكِ الهمزة للاستفهام، والهاء للتنبيه، والكاف حرف جر، وذا اسم إشارة مجرور بها والجار والمجرور خبر مقدم، وعَرْشُكِ مبتدأ مؤخر، وفصل بين ها للتنبيه واسم الإشارة بحرف الجر وهو الكاف اعتناء بالتنبيه، وكان مقتضاه أن يقال: أكهذا عرشك. قوله: (أي أمثل هذا) أشار بذلك إلى أن الكاف اسم بمعنى مثل، وقولهم لا يفصل بين ها للتنبيه واسم الإشارة بشيء من حروف الجر إلا بالكاف معناه ولو صورة، وإن كانت في المعنى اسما بمعنى مثل. قوله: (و شبهت عليهم) الخ، أي فأتت بهذه العبارة مشاكلة لكلام سليمان، والمشاكلة الإتيان بمثل الكلام السابق وإن لم يتحد الكلامان كقوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ. قوله: (قال سليمان) أي تحدثا بنعمة اللّه.\rقوله: وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها أي العلم باللّه وصفاته من قبل أن تؤتى هي العلم بما ذكر، وكنا مسلمين من قبل أن تسلم، فنحن أسبق منها علما وإسلاما.\rقوله: وَصَدَّها أي منعها، وقوله: ما كانَتْ فاعل صد، والمعنى منعها عن عبادة اللّه الذي كانت تعبد من دون اللّه وهو الشمس. قوله: إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ بكسر إن في قراءة العامة استئناف، وقرىء شذوذا بفتحها على إسقاط حرف التعليل.\rقوله: قِيلَ لَهَا (أيضا) أي كما قيل نكروا لها عرشها. قوله: (هو سطح) وقيل الصرح القصر أو صحن الدار. قوله: (من زجاج أبيض) أي وهو المسمى بالبلور. قوله: (اصطنعه سليمان) أي أمر الشياطين به، فحفروا حفيرة كالصهريج، وأجروا فيها الماء، ووضعوا فيها سمكا وضفدعا وغيرهما من حيوانات البحر، وجعلوا سقفها زجاجا شفافا، فصار الماء وما فيه يرى من هذا الزجاج، فمن لم يكن عالما به، يظن أنه ماء مكشوف يخاض فيه مع أنه ليس كذلك. قوله: (لما قيل له) القائل ذلك الجن. قوله:\rفَلَمَّا رَأَتْهُ أي أبصرته. قوله: وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها أي على عادة من أراد خوض الماء، قيل لما رأت اللجة فزعت وظنت أنه قصد بها الغرق، فلما لم يكن لها بد من امتثال الأمر، سلمت وكشفت عن ساقيها. قوله: (لتخوضه) أي لأجل أن تصل إلى سليمان. قوله: (فرأى ساقيها) إلخ، أي فلما علم ذلك صرف بصره عنها. قوله: مُمَرَّدٌ صفة أولى لصرح، وقوله: مِنْ قَوارِيرَ صفة ثانية جمع","part":3,"page":123},{"id":1237,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 124\rلتخوضه وكان سليمان على سريره في صدر الصرح فرأى ساقيها وقدميها حسانا قالَ لها إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مملس مِنْ قَوارِيرَ أي زجاج ودعاها إلى الإسلام قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بعبادة غيرك وَأَسْلَمْتُ كائنة مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (44) وأراد تزوجها فكره شعر ساقيها فعملت له الشياطين النورة فأزالته بها، فتزوجها وأحبها وأقرها على ملكها، وكان يزورها في كل شهر مرة؛ ويقيم عندها ثلاثة أيام، وانقضى ملكها بانقضاء ملك سليمان، روي أنه ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، فسبحان من لا انقضاء لدوام\r______________________________\rقارورة. قوله: (مملس) ومنه الأمرد لملاسة وجهه أي نعومته لعدم الشعر به. قوله: (بعبادة غيرك) أي وهو الشمس. قوله: مَعَ سُلَيْمانَ حال من التاء في أَسْلَمْتُ كما أشار لذلك بقوله: (كائنة) والمعنى أسلمت حالة كوني مصاحبة له في الدين، ولا يصح أن يكون متعلقا بأسلمت، لأنه يوهم أنها متحدة معه في الإسلام في زمن واحد. قوله: (فعملت له الشياطين النورة) أي بعد أن سأل الإنس عما يزيل الشعر، فقالوا له: يحلق بالموسى، فقالت: لم يمس الحديد جسمي، فكره سليمان الموسى وقال إنها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا لا ندري، فسأل الشياطين فقالوا: نحتال لك حتى يكون جسدها كالفضة البيضاء، فاتخذوا النورة والحمام، فكانت النورة والحمام من يومئذ. قوله: (فتزوجها) أي وولدت منه ولدا وسمته داود، ومات في حياة أبيه، وبقيت معه إلى أن مات وهذا أحد قولين، وقيل إنها لما أسلمت قال لها سليمان: اختاري رجلا من قومك حتى أزوجك إياه، فقالت: ومثلي يا نبي اللّه ينكح الرجال، وقد كان لي من قومي الملك والسلطان؟ قال: نعم إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك، ولا ينبغي لك أن تحرمي ما أحل اللّه، قالت: إن كان ولا بد، فزوجني ذا تبع ملك همدان، فزوجها إياه وذهب بها إلى اليمن، وملك زوجها ذا تبع على اليمن، ودعا سليمان زوبعة ملك الجن وقال له: اعمل لذي تبع ما استعملك فيه، فلم يزل يعمل له ما أراد، إلى أن مات سليمان، وحال الحول ولم يعلم الجن موته، فأقبل رجل منهم حتى بلغ جوف اليمن وقال بأعلى صوته: يا معشر الجن، إن سليمان قد مات فارفعوا أيديكم، فرفعوا أيديهم وتفرقوا. قوله: (و أقرها على ملكها) أي وأمر الجن فبنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها في الارتفاع والحسن. قوله: (و يقيم عندها ثلاثة أيام) أي وكان يبكر من الشام إلى اليمن، ومن اليمن إلى الشام. قوله: (روي أنه ملك) أي أعطي الملك. قوله: (فسبحان من لا انقضاء لدوام ملكه) أي فما سواه يفنى، وهو الباقي بلا زوال، قال العارف:\rما آدم في الكون وما إبليس ... ما ملك سليمان وما بلقيس\r\rالكل إشارة وأنت المعنى ... يا من هو للقلوب مغناطيس\r\rفالأكوان جميعها إشارات دالة على المقصود بالذات وهو الواحد القهار.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ شروع في القصة الرابعة من هذه السورة، وثمود اسم لقبيلة صالح سميت باسم أبي القبيلة، فهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، وتسمى عاد الثانية، وأما عاد الأولى فهم قوم هود. قوله: أَخاهُمْ صالِحاً أي في النسب لأنه من أولاد ثمود الذي هو أبو القبيلة، وعاش صالح مائتين وثمانين سنة. قوله:","part":3,"page":124},{"id":1238,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 125\rملكه وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ من القبيلة صالِحاً أَنِ أي بأن اعْبُدُوا اللَّهَ وحدوه فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (45) في الدين فريق مؤمنون من حين إرساله إليهم وفريق كافرون قالَ للمكذبين يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ أي بالعذاب قبل الرحمة حيث قلتم إن كان ما أتيتنا به حقا فائتنا بالعذاب لَوْ لا هلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ من الشرك لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) فلا تعذبون قالُوا اطَّيَّرْنا أصله تطيرنا أدغمت التاء في الطاء واجتلبت همزة الوصل، أي تشاءمنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ أي المؤمنين حيث قحطوا المطر وجاعوا قالَ طائِرُكُمْ شؤمكم عِنْدَ اللَّهِ أتاكم به بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) تختبرون بالخير والشر وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ مدينة ثمود تِسْعَةُ رَهْطٍ أي رجال يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالمعاصي منها قرضهم\r______________________________\r(أي بأن) اعْبُدُوا اللَّهَ أشار بذلك إلى أن أن مصدرية، وحرف الجر محذوف، ويصح أن تكون مفسرة لوجود ضابطها، وهو تقدم جملة فيها القول دون حروفه. قوله: (و حدوه) أي اعتقدوا أنه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، لا شريك له في شيء منها. قوله: فَإِذا هُمْ إذا فجائية، والمعنى فتفاجأ إرساله تفرقهم واختصامهم، فآمن فريق وكفر فريق، وتقدم حكاية اختصام الفريقين في سورة الأعراف في قوله تعالى:\rقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ الخ. قوله: (فريق مؤمنون) جمع وصف الفريق مراعاة لمعناه. قوله: (من حين إرساله) أي وبعد ظهور المعجزات.\rقوله: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ أي لأي شيء تستعجلون بالعذاب وتطلبونه لأنفسكم ولا تطلبون الرحمة؟ ويصح أن يراد بالسيئة والحسنة أسباب العذاب وأسباب الرحمة، والمعنى لم تؤخرون الإيمان الذي هو سبب في الرحمة، وتقدمون الكفر الذي هو سبب العذاب؟ قوله: (هلا) أشار بذلك إلى أن لو لا تحضيضية. قوله: (من الشرك) أي بأن تتركوا الشرك وتؤمنوا. قوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ الترجي في كلام اللّه بمنزلة التحقيق، لأنه صادر من قادر عالم بالعواقب لا يخلف وعده. قوله: (أدغمت التاء في الطاء) أي بعد قلبها طاء. قوله: (و اجتلبت همزة الوصل)، أي للتوصل للنطق بالساكن. قوله: (أي تشاء منا) أي أصابنا الشؤم وهو الضيق والشدة. قوله: (حيث قحطوا المطر) أي حبس عنهم.\rقوله: قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أي جزاء عملكم من عند اللّه عاملكم به، فالشؤم وصفكم لا وصفي، وسمي طائرا لأنه يأتي الظالم بغتة وسرعة كنزول الطائر. قوله: تُفْتَنُونَ أتى بالخطاب مراعاة لتقدم الضمير وهو الراجح، ويجوز مراعاة الاسم الظاهر فيؤتى بالغيبة فيقال مثلا: نحن قوم نقرأ ويقرأون. قوله: (تختبرون بالخير والشر) أي لتعلموا أن ما أصابكم من خير فمن اللّه، وما أصابكم من شر فبما كسبت أيديكم. قوله: (مدينة ثمود) أي وهو الحجر، وتقدم أنه واد بين الشام والمدينة.\rقوله: تِسْعَةُ رَهْطٍ الرهط ما دون العشرة من الرجال، والنفر ما دون السبعة إلى الثلاثة. قوله:\r(أي رجال) دفع بذلك ما يقال: إن تمييز التسعة جمع مجرور، فكيف يؤتى به مفردا؟ فأجاب بأنه وإن كان مفردا في اللفظ فهو جمع في المعنى، وهؤلاء التسعة هم الذين قتلوا أولادهم حين أخبرهم صالح أن مولودا","part":3,"page":125},{"id":1239,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 126\rالدنانير والدراهم وَلا يُصْلِحُونَ (48) بالطاعة قالُوا أي بعضهم لبعض تَقاسَمُوا أي احلفوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ بالنون والتاء وضم التاء الثانية وَأَهْلَهُ أي من آمن به أي نقتلهم ليلا ثُمَّ لَنَقُولَنَ بالنون والتاء وضم اللام الثانية لِوَلِيِّهِ أي ولي دمه ما شَهِدْنا حضرنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ بضم الميم وفتحها أي إهلاكهم أو هلاكهم فلا ندري من قتلهم وَإِنَّا لَصادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا في ذلك مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً أي جازيناهم بتعجيل عقوبتهم وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ أهلكناهم وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51)\r______________________________\rيولد في شهرهم هذا، يكون عقر الناقة على يديه، فقتل التسعة أولادهم وأبى العاشر أن يقتل ابنه، فعاش ذلك الولد ونبت نباتا سريعا، فكان إذا مر بالتسعة حزنوا على قتل أولادهم، فسول لهم الشيطان أن يجتمعوا في غار، فإذا جاء الليل خرجوا إلى صالح وقتلوه، وتقدم أنهم اجتمعوا في الغار، فأرادوا أن يخرجوا منه، فسقط عليهم الغار فقتلهم، وعقر الناقة ولد العاشر وهو قدار بن سالف، وقيل إنهم جاءوا ليلا لقتله شاهرين سيوفهم، فرمتهم الملائكة بالأحجار كما أفاده المفسر. قوله: (أي احلفوا) أشار بذلك إلى أن\rقوله: تَقاسَمُوا فعل أمر، أي قال بعضهم لبعض: احلفوا على كذا. قوله: (بالنون) مع فتح التاء وقوله: (و التاء) كان المناسب أن يقول بالتاء، لأن ضم التاء لا يكون إلا على قراءة التاء، فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أي من آمن به) أي وسيأتي أنهم أربعة آلاف. قوله: (بالنون) أي مع فتح اللام، وقوله: (و التاء) أي فقراءة النون هنا، مع قراءة النون في الذي قبله، وقراءة التاء مع التاء، فهما قراءتان فقط. قوله: (أي ولي دمه) أي دم من قتل صالح ومن معه. قوله: مَهْلِكَ أَهْلِهِ أي أهل ولي الدم الذي يقوم عند موت صالح وأقار به المؤمنين به. قوله: (بضم الميم) أي مع فتح اللام، وقوله:\r(و فتحها) أي مع فتح اللام وكسرها، فالقراءات ثلاث سبعيات. قوله: (أي إهلاكهم) راجع للضم لأنه من الرباعي. قوله: (و هلاكهم) راجع للفتح بوجهيه لأنه من الثلاثي. قوله: وَإِنَّا لَصادِقُونَ أي ونحلف إنا لصادقون، أو المعنى والحال وإنا لصادقون فيما قلنا.\rقوله: وَمَكَرُوا مَكْراً أي أرادوا إخفاء ما بيتوا عليه من قبل صالح وأهله. قوله: وَمَكَرْنا مَكْراً أي أهلكناهم من حيث لا يشعرون، وهو من باب المشاكلة، نظير قول الشاعر:\rقالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا\r\rوإلا فحقيقة المكر مستحيلة على اللّه تعالى، لأنه التحيل على الغدر، وهو من صفات العاجز، والعجز على اللّه محال.\rقوله: فَانْظُرْ أي تأمل وتفكر. قوله: أَنَّا دَمَّرْناهُمْ بكسر إن على الاستئناف، وفتحها على أنه خبر لمحذوف، أي وهي تدميرنا إياهم، والقراءتان سبعيتان. قوله: (أو برمي الملائكة) أو للتنويع، أي أن عذابه نوعان موزعان عليهم، رمي الحجارة على التسعة بسبب تبييتهم على قتل صالح وأهله، والصيحة على غيرهم بسبب عقر الناقة، ولو قال المفسر: أهلكناهم برمي الملائكة الحجارة وقومهم أجمعين بصيحة جبريل لكان أوضح.\rقوله: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ مبتدأ وخبر أي ديارهم.","part":3,"page":126},{"id":1240,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 127\rبصيحة جبريل أو برمي الملائكة بحجارة يرونها ولا يرونهم فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً أي خالية ونصبه على الحال والعامل فيها معنى الإشارة بِما ظَلَمُوا بظلمهم، أي كفرهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لعبرة لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) قدرتنا فيتعظون وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا بصالح وهم أربعة آلاف وَكانُوا يَتَّقُونَ (53) الشرك وَلُوطاً منصوبا باذكر مقدرا قبله ويبدل منه إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ أي اللواط وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أي يبصر بعضكم بعضا انهما كافي المعصية أَإِنَّكُمْ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) عاقبة فعلكم فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ أهله مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) من أدبار الرجال فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها جعلناها بتقديرنا مِنَ الْغابِرِينَ (57) الباقين في العذاب وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً هو حجارة السجيل أهلكتهم فَساءَ بئس مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58) بالعذاب\r______________________________\rقوله: (بظلمهم) أشار بذلك إلى أن ما مصدرية والباء سببية. قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ أي المذكور من إهلاكهم.\rقوله: وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا أي من الهلاك، فخرج صالح بهم إلى حضرموت، فلما دخلها مات صالح، فسميت تلك البلدة بذلك، ثم بنى الأربعة الآلاف مدينة يقال لها حاضوراء. قوله: وَكانُوا يَتَّقُونَ أي يدومون على اتقاء الشرك بأن لم يرتدوا. قوله: (و يبدل منه) أي بدل اشتمال، والمراد ذكر القول لا ذكر وقته.\rقوله: لِقَوْمِهِ أي من حيث إرساله إليهم وإقامته عندهم وإلا فهو في الأصل أرض بابل، فلما قدم مع عمه إبراهيم إلى الشام، نزل إبراهيم بفلسطين، ونزل لوط بسذوم. قوله: (يبصر بعضكم بعضا) أشار بذلك إلى أن المراد الإبصار بالعين، وقيل المراد إبصار القلب، ويكون المعنى وتعلمون أنها قبيحة. قوله: (و إدخال ألف بينهما) أي وتركه فالقراءات أربع سبعيات.\rقوله: لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ أشار بذلك إلى أنهم أساءوا من الطرفين في الفعل والترك، وقوله: شَهْوَةً مفعول لأجله. قوله: (عاقبة فعلكم) أي وهي العذاب الذي نزل بهم.\rقوله:\rفَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ خبر كانَ مقدم، وقوله: إِلَّا أَنْ قالُوا اسمها مؤخر. قوله: آلَ لُوطٍ المراد هو وأهله وهم بنتاه وزوجته المؤمنة. قوله: مِنْ قَرْيَتِكُمْ الإضافة للجنس، لأنه تقدم أن قراهم كانت خمسة وأعظمها سذوم. قوله: يَتَطَهَّرُونَ أي يتنزهون وقالوا ذلك على سبيل الاستهزاء.\rقوله:\rفَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ أي فخرج لوط بأهله من أرضهم، وطوى اللّه له الأرض حتى نجا، ووصل إلى إبراهيم. قوله: (الباقين في العذاب) أي الذي حل بهم، وهو أن جبريل اقتلع مدائنهم ثم قلبها فهلك جميع من فيها، قيل كان فيها أربعة آلاف ألف.\rقوله: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ أي على من كان في ذلك الوقت خارجا عن المدائن لسفر أو غيره. قوله:\r(هو حجارة السجيل) أي الطين المحروق. قوله: (مطرهم) هو المخصوص بالذم.\rقوله: قُلِ الْحَمْدُ","part":3,"page":127},{"id":1241,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 128\rمطرهم قُلِ يا محمد الْحَمْدُ لِلَّهِ على هلاك كفار الأمم الخالية وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى هم آللَّهُ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه خَيْرٌ لمن يعبده أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) بالتاء والياء أي أهل مكة به أي الآلهة خير لعابديها أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فيه التفات من الغيبة إلى التكلم بِهِ حَدائِقَ جمع حديقة، وهو البستان المحوط ذاتَ بَهْجَةٍ حسن ما كانَ\r______________________________\rلِلَّهِ لما تمم سبحانه وتعالى القصص، أمر رسوله بحمده والسّلام على المصطفين، شكرا له على نصرة أهل الحق والإيمان، وقطع دابر أهل الكفر والطغيان، وتمهيدا لما يذكر من أدلة التوحيد التي أقامها ردا على المشركين، والسر في ذلك، إنصات العاقل وإصغاؤه ليدخل في زمرة من سلم اللّه عليهم.\rقوله: وَسَلامٌ أي أمان. قوله: الَّذِينَ اصْطَفى قيل هم الأنبياء والرسل، وقيل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل مؤمنو هذه الأمة، وقيل كان مؤمن من مبدإ الدنيا إلى منتهاها، ومعنى اصطفى اختارهم أزلا لخدمته وطاعته في الدنيا، ولجنته ونعيمه في الآخرة، فالأصل اصطفاه اللّه للعبد، فلولا اصطفاؤه له، ما وفق العبد لخدمة ربه، ومن هذا قولهم: لو لا السابقة ما كانت اللاحقة. قوله: (بتحقيق الهمزتين) الخ، ظاهر المفسر أن القراءات أربع وهو سبق قلم، والصواب أن هنا قراءتين فقط، تسهيل الثانية مقصورة، وإبدالها ألفا ممدودة مدا لازما، وتقدم أن هذين الوجهين يجريان في خمسة مواضع في القرآن غير هذا، اثنان في الأنعام آلذَّكَرَيْنِ في الموضعين، وثلاثة في يونس آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ آلْآنَ* في الموضعين.\rقوله: خَيْرٌ خبر لفظ الجلالة، وهو إما اسم تفضيل باعتبار زعم الكفار، أو صفة لا تفضيل فيها، والكلام على حذف مضاف، والتقدير أتوحيد اللّه خير لمن عبده، أم الأصنام خير لمن عبدها، فهو تهكم بالمشركين، لأنهم اختاروا عبادة الأصنام على عبادة اللّه، والاختيار للشيء لا يكون إلا لخير ومنفعة، ولا خير في عبادتها. وكان صلّى اللّه عليه وسلّم إذا قرأها يقول: «بل اللّه خير وأبقى وأجل وأكرم». قوله: أَمَّا يُشْرِكُونَ أم هذه متصلة عاطفة على لفظ الجلالة لوجود المعادل، وهو تقدم همزة الاستفهام بخلاف أم الآتية، فهي منقطعة تفسر ببل وهمزة الاستفهام إنكاري. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: (أي أهل مكة) تفسير للواو في يشركون. قوله: (أي الآلهة) تفسير لما، والمعنى أم الآلهة التي يشركونها به خير لعابديها.\rقوله: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ القراءة السبعية بإدغام إحدى الميمين في الأخرى، وأم منقطعة، ومن خلق مبتدأ خبره محذوف تقديره خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ وقرىء شذوذا بتخفيف، فتكون من موصولة دخلت عليها همزة الاستفهام. قوله: (فيه الالتفات) أي وحكمته اختصاصه سبحانه وتعالى هو المنبت للأشجار والزرع لا غيره، وخلقها مختلفة الألوان والطعوم، مع كونها تسقى بماء واحد. قوله:\r(و هو البستان المحوط) أي المجعول عليه حائط لعزته. قوله: ذاتَ بَهْجَةٍ صفة لحدائق، وأفرد لكونه جمع كثرة لما لا يعقل.","part":3,"page":128},{"id":1242,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 129\rلَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها لعدم قدرتكم عليه أَإِلهٌ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين في مواضعه السبعة مَعَ اللَّهِ أعانه على ذلك، أي ليس معه إله بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) يشركون باللّه غيره أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً لا تميد بأهلها وَجَعَلَ خِلالَها فيما بينهما أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ جبالا أثبت بها الأرض وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً بين العذب والملح لا يختلط أحدهما بالآخر أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (61) توحيده أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ المكروب الذي مسه الضر إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ عنه وعن غيره وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ الإضافة بمعنى في، أي يخلف كل قرن القرن الذي قبله أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (62) تتعظون بالفوقانية والتحتانية وفيه إدغام التاء في الذال وما زائدة لتقليل القليل أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ يرشدكم إلى مقاصدكم فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وبالنجوم ليلا وبعلامات الأرض نهارا\r______________________________\rقوله: ما كانَ لَكُمْ أي لا ينبغي لأنكم عاجزون عن إخراج النبات، وإن كنتم قادرين على السقي والغرس ظاهرا. قوله: أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أي فضلا عن ثمارها وأشكالها. قوله: (و إدخال ألف بينهما) أي وتركه، فالقراءات أربع سبعيات. قوله: (في مواضعه السبعة) أي مواضع اجتماع الهمزتين المفتوحة ثم المكسورة، وهي لفظ إله خمس مرات، وأئذا، وأئنا. قوله: (أي ليس معه إله) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري، وكذا يقال فيما بعده. قوله: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ إضراب انتقالي من تبكيتهم إلى بيان سوء حالهم.\rقوله: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً أي مستقرا للإنسان والدواب، لا تتحرك بما على ظهرها.\rقوله: (فيما بينها) أشار بذلك إلى أن قوله: خِلالَها ظرف لجعل وتكون بمعنى خلق، ويصح أن تكون بمعنى صير، وخِلالَها مفعول ثان. قوله: حاجِزاً أي معنويا غير مشاهد. قوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي وكفرهم تقليد، والأقل يعلم الأدلة، وكفرهم عناد.\rقوله: الْمُضْطَرَّ هو اسم مفعول، وهذه الطاء أصلها تاء الافتعال، قلبت طاء لوقوعها إثر حرف الإطباق وهو الضاد.\rقوله: إِذا دَعاهُ أشار بذلك إلى أن إجابة المضطر متوقفة على دعائه، فلا ينبغي لمن كان مضطرا ترك الدعاء، بل يدعو، واللّه يجيبه على حسب ما أراد سبحانه وتعالى، لأن اللّه أرأف على العبد من نفسه، فالعاقل إذا دعا اللّه يسلم في الإجابة لمراد اللّه. قوله: (الإضافة بمعنى في) أي فالمعنى يجعلكم خلفاء في الأرض. قوله: (و فيه إدغام التاء في الذال) أي بعد قلبها دالا فذالا، وهذا على كل من القراءتين. قوله:\r(و ما زائدة لتقليل القليل) أي فالمراد تأكيد القلة. قوله: (و بعلامات الأرض) أي كالجبال. قوله: (أي قدام المطر) أي أمامه.\rقوله: (و إن لم يعترفوا بالإعادة) أشار بذلك إلى سؤال وارد حاصله: كيف يقال لهم أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ مع أنهم منكرون للإعادة؟ وأشار إلى جوابه بقوله: لقيام البراهين عليها وإيضاحه، أن يقال إنهم معترفون بالابتداء، ودلالة الابتداء على الإعادة ظاهرة قوية، وحينئذ فصاروا كأنهم لم يبق لهم عذر في إنكار الإعادة، بل ذلك محض جحود.","part":3,"page":129},{"id":1243,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 130\rوَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي قدام المطر أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) به غيره أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ في الأرحام من نطفة ثُمَّ يُعِيدُهُ بعد الموت وإن لم تعترفوا بالإعادة لقيام البراهين عليها وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ بالمطر وَالْأَرْضِ بالنبات أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ أي لا يفعل شيئا مما ذكر إلا اللّه ولا إله معه قُلْ يا محمد هاتُوا بُرْهانَكُمْ حجتكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (64) أن معي إلها فعل شيئا مما ذكر. وسألوه عن وقت قيام الساعة فنزل قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الملائكة والناس الْغَيْبَ أي ما غاب عنهم إِلَّا لكن اللَّهُ يعلمه وَما يَشْعُرُونَ أي كفار مكة كغيرهم أَيَّانَ وقت يُبْعَثُونَ (65) بَلِ بمعنى هل ادَّارَكَ بوزن أكرم، وفي قراءة أخرى ادارك بتشديد الدال وأصله تدارك أبدلت التاء دالا وأدغمت في الدال واجتلبت همزة الوصل، أي بلغ ولحق أو تتابع وتلاحق عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي بها حتى سألوا عن وقت مجيئها ليس الأمر كذلك بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (66) من عمى القلب وهو أبلغ مما قبله، والأصل عميون استثقلت الضمة\r______________________________\rقوله: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ أمره صلّى اللّه عليه وسلّم بتبكيتهم، إثر قيام الأدلة على أنه لا يستحق العبادة غيره.\rقوله: (أن معي إلها) الأوضح أن يقول: أن مع اللّه إلها لأن النبي مأمور بهذا القول، وهو لا يقول لهم:\rإن كنتم صادقين أن معي إلها. قوله: (و سألوه) أي المشركون.\rقوله: مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَنْ فاعل يَعْلَمُ والجار والمجرور صلتها، والْغَيْبَ مفعول به، وإِلَّا أداة استثناء، ولفظ الجلالة مبتدأ خبره محذوف قدره المفسر بقوله: (يعلمه) والتقدير لا يعلم الذي ثبت في السماوات كالملائكة، والأرض كالإنس، الغيب لكن اللّه هو الذي يعلمه. قوله: (من الملائكة والناس) بيان لمن في السماوات والأرض على سبيل اللف والنشر المرتب. قوله: (لكن) اللَّهُ الخ، أشار بذلك إلى أن الاستثناء منقطع، ولا يصح جعله متصلا لإيهامه أن اللّه من جملة من في السماوات والأرض وهو محال.\rقوله: (وقت) يُبْعَثُونَ تفسير لأيان، والمناسب تفسيرها بمتى، لأن أَيَّانَ ظرف متضمن معنى همزة الاستفهام ومتى كذلك بخلاف لفظ وقت. قوله: (بمعنى هل) أي التي للاستفهام الإنكاري. قوله: (أي بلغ ولحق) راجع للقراءة الأولى، وقوله: (أو تتابع) راجع للثانية، والمعنى هل بلغ علمهم في الآخرة، أو تتابع علمهم الآخرة، حتى سألوا عن وقت مجيء السّاعة؟ ليس عندهم علم بذلك، بل ولا إثبات، حتى يسألوا عن وقت السّاعة، فسؤالهم محض تعنت وعناد.\rقوله: فِي شَكٍّ مِنْها أي الآخرة. قوله: بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ أي عندهم جزم بعدمها لعدم إدراكهم دلائلها. قوله: (بعد حذف كسرتها) أي وسقطت الياء لوقوعها ساكنة إثر ضمة. قوله: (أيضا) أي كما قالوا ما تقدم.\rقوله: أَإِذا كُنَّا تُراباً كان فعل ماض ناقص وأنا اسمها، وتُراباً خبرها، وآباؤُنا معطوف على اسم كان، وسوغه الفصل بخبرها،\rقوله: لَقَدْ وُعِدْنا هذا وعد فعل ماض، ونا نائب الفاعل مفعول أول، وهذا مفعول ثان، ونَحْنُ تأكيد لنا، وآباؤُنا عطف على","part":3,"page":130},{"id":1244,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 131\rعلى الياء فنقلت إلى الميم بعد حذف كسرتها وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أيضا في إنكار البعث أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) من القبور لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68) جمع أسطورة بالضم أي ما سطر من الكذب قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) بإنكارهم وهي هلاكهم بالعذاب وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي لا تهتم بمكرهم عليك فأنا ناصرك عليهم وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ بالعذاب إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (71) فيه قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ قرب لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72) فحصل لهم القتل ببدر وباقي العذاب يأتيهم بعد الموت وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ومنه تأخير العذاب عن الكفار وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (73) فالكفار لا يشكرون تأخير العذاب لإنكارهم وقوعه وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ تخفيه وَما يُعْلِنُونَ (74) بألسنتهم وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ الهاء للمبالغة أي شيء في غاية الخفاء على الناس إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (75) بيّن هو اللوح المحفوظ ومكنون علمه تعالى ومنه تعذيب الكفار إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ الموجودين في زمان نبينا\r______________________________\rالمفعول الأول، وسوغه الفصل بالمفعول الثاني والضمير المنفصل، والمعنى لقد وعدنا محمد بالبعث، كما وعد من قبله آباءنا به، فلو كان حقا لحصل.\rقوله: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ أمر تهديد لهم، إشارة إلى أنهم إن لم يرجعوا، نزل بهم ما نزل بمن قبلهم. قوله: فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ أي لتعتبروا بهم فتنزجروا عن قبائحكم.\rقوله: (بإنكارهم) أي المجرمين. قوله: (بالعذاب) أي الدنيوي، لأنه هو المشاهد آثاره.\rقوله: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي لا تغتم على عدم إيمانهم فيما مضى، ولا تخف من مكرهم في المستقبل، فالحزن غم لما مضى، والخوف غم لما يستقبل. قوله: وَلا تَكُنْ بثبوت النون هنا وهو الأصل، وقد حذفت من هذا المضارع في القرآن في عشرين موضعا، تسعة مبدوءة بالتاء، وثمانية بالياء، واثنان بالنون، وواحد بالهمزة وهو حذف غير لازم، قال ابن مالك:\rومن مضارع لكان منجزم ... تحذف نون وهو حذف ما التزم\r\rقوله: فِي ضَيْقٍ بفتح الصاد وكسرها، قراءتان سبعيتان أي حرج.\rقوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ خطاب للنبي ومن معه من المؤمنين.\rقوله: قُلْ عَسى الخ، الترجي في القرآن بمنزلة التحقيق. قوله:\r(القتل ببدر) أي وغيره، وهذا هو العذاب المعجل. قوله: (و باقي العذاب) الخ، أي هو العذاب المؤجل. قوله: (و منه) أي الفضل.\rقوله: لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ أي فالتأخير ليس لخفاء حالهم عليهم. قوله: (الهاء للمبالغة) أي كرواية وعلامة، وسماها هاء باعتبار الوقف، ولو قال التاء لكان أسهل، وقيل إنها كالتاء الداخلة على المصادر، ونحو العاقبة والعافية، ونظيرها الذبيحة والنطيحة في أنها أسماء غير صفات. قوله: (و مكنون علمه) الواو بمعنى أو، لأنه تفسير ثان، فتسميته كتابا على سبيل","part":3,"page":131},{"id":1245,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 132\rأَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) أي ببيان ما ذكر على وجهه الرافع للاختلاف بينهم لو أخذوا به وأسلموا وَإِنَّهُ لَهُدىً من الضلالة وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) من العذاب إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ كغيرهم يوم القيامة بِحُكْمِهِ أي عدله وَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب الْعَلِيمُ (78) بما يحكم به فلا يمكن أحدا مخالفته كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ثق به إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) أي الدين البيّن، فالعاقبة لك بالنصر على الكفار، ثم ضرب أمثالا لهم بالموتى وبالصم وبالعمي فقال إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بينها وبين الياء وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ ما تُسْمِعُ سماع إفهام وقبول إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا القرآن فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) مخلصون بتوحيد اللّه وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ حق العذاب أن ينزل بهم في جملة الكفار أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أي تكلم الموجودين حين خروجها بالعربية تقول لهم من جملة كلامها عنا\r______________________________\rالاستعارة التصريحية، حيث شبه بالكتاب كالسجل الذي يضبط الحوادث ويحصيها ولا يشذ عنه شيء منها.\rقوله: أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أي فقد نص بالتصريح على الأكثر، فلا ينافي قوله: ما فرطنا في الكتاب من شيء، ومن جملته اختلافهم في شأن المسيح، وتفرقهم فيه فرقا كثيرة، فوقع بينهم التباغض، حتى لعن بعضهم بعضا. قوله: (أي عدله) دفع بذلك ما يقال إن القضاء مرادف للحكم فينحل، المعنى يقضي بقضائه أو يحكم بحكمه فأجاب بأن المراد بالحكم العدل. قوله: (فلا يمكن أحدا مخالفته) الخ، تفريع على العزيز، فكان المناسب تقديمه بلصقه.\rقوله: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ الخ، تفريع على كونه عزيزا عليما، أي فإذا ثبتت له هذه الأوصاف فالواجب على كل شخص تفويض الأمور إليه والثقة به. قوله: إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ علة للتوكل وكذا\rقوله: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى. قوله:\r(بينها وبين الياء) أي فتقرأ متوسطة بين الهمزة والياء والقراءتان سبعيتان. قوله: مُدْبِرِينَ أي معرضين.\rقوله: بِهادِي الْعُمْيِ ضمنه معنى الصرف فعداه بعن. قوله: إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا أي من سبق في علم اللّه أنه يكون مؤمنا ومن هنا قولهم لو لا السابقة ما كانت اللاحقة.\rقوله: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ أي قرب وقوعه، وإنما عبر بالماضي لحصوله في علم اللّه، لأن الماضي والحال والاستقبال في علم اللّه واحد لإحاطته بها، والمراد بالقول: مواعيد القرآن بالفضائح والخزي والعذاب الدائم وغير ذلك للكفار. قوله: (حق العذاب) تفسير لوقع والمعنى قرب نزوله بهم. قوله: أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ أي وهي الجساسة، ورد في الحديث: «أن طولها ستون ذراعا بذراع آدم عليه السّلام، لا يدركها طالب، ولا يفوتها هارب» وروي أن لها أربع قوائم، ولها زغب وريش وجناحان، وعن ابن جريج في وصفها: رأس ثور، وعين خنزير، وأذن فيل، وقرن إبل، وعنق نعامة، وصدر أسد، ولون نمر، وخاصرة هرة، وذنب كبش، وخف بعير، وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعا بذراع آدم عليه السّلام. وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه: فيها كل لون ما بين قرنيها فرسخ للراكب وعن علي رضي اللّه عنه: أنها تخرج بعد ثلاثة أيام والناس ينظرون، فلا يخرج كل يوم إلا ثلثها. وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه سئل من أين تخرج","part":3,"page":132},{"id":1246,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 133\rأَنَّ النَّاسَ أي كفار مكة، وعلى قراءة فتح همزة أن تقدر الباء بعد تكلمهم كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (82) أي لا يؤمنون بالقرآن المشتمل على البعث والحساب والعقاب، وبخروجها ينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يؤمن كافر كما أوحى اللّه إلى نوح أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ وَاذكر يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً جماعة مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا وهم رؤساؤهم المتبوعون فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) أي يجمعون يرد آخرهم إلى أولهم ثم يساقون حَتَّى إِذا\r______________________________\rالدابة، فقال: من أعظم المساجد حرمة على اللّه تعالى، يعني المسجد الحرام. وروي أنها تخرج ثلاث خرجات، تخرج بأقصى اليمن ثم تكمن ثم تخرج بالبادية ثم تكمن دهرا طويلا، فبينما الناس في أعظم المساجد حرمة على اللّه تعالى وأكرمها، فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن، حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد. وقيل تخرج من الصفا لما روي: بينما عيسى عليه السّلام يطوف بالبيت معه المسلمون، إذ تضطرب الأرض تحتهم، أي تتحرك تحرك القنديل، وتنشق الصفا مما يلي المسعى، فتخرج الدابة من الصفا، ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما الصلاة والسّلام، فتضرب المؤمن في مسجده بالعصا، فتنكت نكتة بيضاء، فتفشو حتى يضيء بها وجهه، وتكتب بين عينيه مؤمن، وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه، فتفشو النكتة حتى يسود بها وجهه، وتكتب بين عينيه كافر، ثم تقول لهم: أنت يا فلان من أهل الجنة وأنت يا فلان من أهل النار، وروي أن أول الآيات خروجا، طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيتهما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على أثرها، واختلف أيضا في تعيين هذه الدابة فقيل: هي فصيل ناقة صالح، وهو أصح الأقوال، فإنه لما عقرت أمه هرب، فانفتح له حجر فدخل في جوفه، ثم انطبق عليه الحجر، فهو فيه حتى يخرج بإذن اللّه عز وجل، وقيل غير ذلك.\rقوله: (تقول لهم) تفسير لتكلمهم. قوله: (عنا) متعلق بمحذوف، أي حال كونها حاكية وناقلة لما تقول:\r(عنا) بأن تقول: قال اللّه: أَنَّ النَّاسَ الخ. قوله: (أي كفار مكة) المناسب حمل الناس على الموجودين وقت خروجها من الكفار. قوله: (و على قراءة فتح همزة أن تقدر الباء) أي للتعددية أو للسببية، وأما على قراءة الكسر، فهو مستأنف من كلامه تعالى تقوله الدابة على سبيل الحكاية والنقل، والقراءتان سبعيتان.\rقوله: (ينقطع الأمر بالمعروف الخ) أي لعدم إفادة ذلك، لأنه في ذات الوقت يظهر المؤمن والكافر عيانا بوسم الدابة، فمن وسمته بالكفر لا يمكن تغييره، فحينئذ لا ينفع أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، ووجد في بعض النسخ، ولا يبقى منيب ولا تائب ولا يؤمن كافر، أي لا يوجد في هذا الوقت من يتوب إلى اللّه أي يرجع إليه، ولا تقبل توبة تائب من العصاة ولا إيمان كافر.\rقوله: وَيَوْمَ نَحْشُرُ أي الحشر الخاص بهم للعذاب، بعد انفضاض الحشر العام لجميع الخلق.\rقوله: مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ مِنْ تبعيضية، وقوله: مِمَّنْ يُكَذِّبُ بيانية للفوج. قوله: فَوْجاً الفوج في الأصل الجماعة المارة المسرعة، ثم أطلق على الجماعة مطلقا. قوله: (رؤساؤهم) أي كأبي جهل وأبيّ بن خلف وفرعون وقارون والنمروذ وغيرهم من رؤساء الضلال، فكل رؤساء زمن نحشرهم على حدة.\rقوله: (يرد آخرهم إلى أولهم) المناسب أن يقول: يرد أولهم على آخرهم، أي يحبس أولهم ويوقف حتى يأتي آخرهم، ويجتمعون حتى يساقون.","part":3,"page":133},{"id":1247,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 134\rجاؤُ مكان الحساب قالَ تعالى لهم أَكَذَّبْتُمْ أنبيائي بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا من جهة تكذيبكم بِها عِلْماً أَمَّا فيه إدغام ما الاستفهامية ذا موصول أي ما الذي كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) بما أمرتم به وَوَقَعَ الْقَوْلُ حق العذاب عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا أي أشركوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (85) إذ لا حجة لهم أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا خلقنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ كغيرهم وَالنَّهارَ مُبْصِراً بمعنى يبصر فيه ليتصرفوا فيه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ دلالات على قدرته تعالى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86) خصوا بالذكر لانتفاعهم بها في الإيمان بخلاف الكافرين وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ القرن النفخة الأولى من إسرافيل فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أي خافوا\r______________________________\rقوله: أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي الاستفهام للتوبيخ والتقريع، والمعنى أنكرتموها وجحدتموها. قوله: وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً الجملة حالية مؤكدة للإنكار والتوبيخ، والمعنى أنكرتموها من غير فهمها وتأملها، فهم مؤاخذون بالجهل والكفر. قوله: أَمَّا ذا أم منقطعة بمعنى بل، وما اسم استفهام أدغمت ميم أم في ما، فقوله: (فيه إدغام ما الاستفهامية) أي الإدغام فيها. قوله: (حق العذاب) أي نزل بهم وهو كنهم في النار.\rقوله: فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ أي بحجة واعتذار.\rقوله: أَلَمْ يَرَوْا أي يعلموا. قوله: أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ أي مظلما بدلالة قوله: وَالنَّهارَ مُبْصِراً عليه كما حذف ليتصرفوا فيه من قوله: وَالنَّهارَ مُبْصِراً بدلالة قوله: لِيَسْكُنُوا فِيهِ عليه، ففي الآية احتباك. قوله: (بمعنى يبصر فيه) أي فالإسناد مجازي من الإسناد إلى الزمان. قوله: (ليتصرفوا فيه) أي بالسعي في مصالحهم. قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ أي الجعل المذكور. قوله: (دلالات على قدرته تعالى) أي من حيث اختلاف الليل والنهار والظلمة.\rقوله: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ معطوف على قوله: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً. قوله:\r(النفخة الأولى) أي وتسمى نفخة الصعق، ونفخة الفزع فعبر عنها بالفزع، وفي سورة الزمر بالصعق، قال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ الخ، فعند حصولها يموت كل حي ما عدا ما استثنى، وأما النفخة الثانية فعندها يحيا كل من كان ميتا، فالنفخة اثنتان وبينهما أربعون سنة، وقيل إنها ثلاث: نفخة الزلزلة وذلك حين تسير الجبال وترتج الأرض بأهلها، ونفخة الموت، ونفخة الإحياء، والقول الأول هو المشهور، والصحيح في الصور أنه قرن من نور خلقه اللّه وأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخص ببصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر بالنفخة، وعظم كل دائرة فيه كعرض السماء والأرض، ويسمى بالبوق في لغة اليمن. قوله: (من إسرافيل) أي وهو أحد الرؤساء الأربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.\rقوله: مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أي من كل من كان حيا في ذلك الوقت. قوله: (أي خافوا الخوف المفضي إلى الموت) أي استمر بهم الخوف إلى أن ماتوا به. قوله: (و التعبير بالماضي) الخ، جواب عما يقال: إن الفزع مستقبل فلم عبر بالماضي؟ فأجاب بأنه لتحققه نزل منزلة الواقع، لأن الماضي والحال والاستقبال بالنسبة لعلمه تعالى واحد، لتعلق العلم به. قوله: (أي جبريل) الخ، أي فهؤلاء الأربعة لا يموتون عند النفخة الأولى، بخلاف باقي الملائكة، وإنما يموتون بين النفختين، ويحيون قبل","part":3,"page":134},{"id":1248,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 135\rالخوف المفضي إلى الموت، كما في آية أخرى فَصَعِقَ أو التعبير فيه بالماضي لتحقق وقوعه إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أي جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وعن ابن عباس: هم الشهداء إذ هم أحياء عند ربهم يرزقون وَكُلٌ تنوينه عوض عن المضاف إليه أي وكلهم بعد إحيائهم يوم القيامة أَتَوْهُ بصيغة الفعل واسم الفاعل داخِرِينَ (87) صاغرين والتعبير في الإتيان بالماضي لتحقق وقوعه وَتَرَى الْجِبالَ تبصرها وقت النفخة تَحْسَبُها تظنها جامِدَةً واقفة مكانها وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ المطر إذا ضربته الريح، أي تسير سيره حتى تقع على الأرض فتستوي بها مبسوسة، ثم تصير كالعهن، ثم تصير هباء منثورا صُنْعَ اللَّهِ مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله أضيف إلى فاعله بعد حذف عامله، أي صنع اللّه ذلك صنعا الَّذِي أَتْقَنَ أحكم كُلَّ شَيْءٍ صنعه إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (88) بالياء والتاء أي أعداؤه من المعصية وأولياؤه من الطاعة مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ\r______________________________\rالثانية. قوله: (و عن ابن عباس هم الشهداء) وقيل أهل الجنة من الحور العين والولدان وخزنة الجنة والنار، وقيل: موسى، وقيل جميع الأنبياء. قوله: (إذ هم أحياء) أي حياة برزخية لا تزول ولا تحول، ولكن ليست كحياة الدنيا. قوله: (أي كلهم) أي المخلوقات من صعق ومن لم يصعق. قوله: (بصيغة الفعل) أي الماضي، فيقرأ بفتح الهمزة مقصورة وتاء مفتوحة وواو ساكنة. قوله: (و اسم الفاعل) أي فيقرأ بعد الهمزة وضم التاء وسكون الواو، وأصله آتون له، حذفت باللام للتخفيف والنون للإضافة، والقراءتان سبعيتان. قوله: (صاغرين) أي أذلاء لهيبة اللّه تعالى، فيشمل الطائع والعاصي، وليس المراد ذل المعاصي، والمعنى أن إسرافيل حين ينفخ في الصور النفخة الثانية التي بها يكون إحياء الخلق، يأتي كل إنسان ذليلا لهيبة اللّه تعالى.\rقوله: وَتَرَى الْجِبالَ عطف على قوله: يُنْفَخُ. قوله: (وقت النفخة) أي الثانية، لأن تبديل الأرض وتسيير الجبال وتسوية الأرض، إنما يكون بعد النفخة الثانية، كما يشهد به قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً الآية، وقوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ الآية. قوله:\r(لعظمها) أي وذلك لأن الأجرام الكبار، إذا تحركت مرة واحدة، لا تكاد تبصر حركتها. قوله: (المطر) الصواب إبقاء اللفظ على ظاهره، لأن تفسير السحاب بالمطر لم يقله أحد، ولعل الباء سقطت من قلم المصنف، والأصل من السحاب بالمطر. قوله: (حتى تقع) أي الجبال على الأرض. قوله: (مبسوسة) أي مفتتة كالرمل السائل. قوله: (كالعهن) أي الصوف المنفوش. قوله: (مؤكد لمضمون الجملة قبله) أي لأن ما تقدم من نفخ الصور وتسيير الجبال وغير ذلك، إنما هو من صنع اللّه لا غيره.\rقوله: الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي وضعه في محله على أكمل حالاته. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أي لا إله إلا اللّه) إنما حمله على هذا التفسير ذكر المقابل، لأن الكب في النار ليس بمطلق سيئة، بل إنما يكون بالكفر وهو يقابل الإيمان، وحينئذ فأل في الحسنة للعهد، أي الحسنة المعهودة وهي كلمة التوحيد، وقيل الحسنة كل عمل خير من صلاة وزكاة وصدقة وغير ذلك من وجوه البر.","part":3,"page":135},{"id":1249,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 136\rأي لا إله إلا اللّه يوم القيامة فَلَهُ خَيْرٌ ثواب مِنْها أي بسببها وليس للتفضيل إذ لا فعل خير منها، وفي آية أخرى عشر أمثالها وَهُمْ أي الجاءون بها مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ بالإضافة وكسر الميم وفتحها وفزع منونا وفتح الميم آمِنُونَ (89) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ أي الشرك فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ بأن وليتها وذكرت الوجوه لأنها موضع الشرف من الحواس فغيرها من باب أولى، ويقال لهم تبكيتا هَلْ أي ما تُجْزَوْنَ إِلَّا جزاء ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90) من الشرك والمعاصي قل لهم إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ أي مكة الَّذِي حَرَّمَها أي جعلها حرما آمنا لا يسفك فيها دم إنسان ولا يظلم فيها أحد ولا يصطاد صيدها ولا يختلى خلاها، وذلك من النعم على قريش أهلها في رفع اللّه عن بلدهم العذاب والفتن الشائعة في جميع بلاد العرب وَلَهُ تعالى كُلُّ شَيْءٍ فهو ربه وخالقه ومالكه وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) للّه بتوحيده وَأَنْ\r______________________________\rقوله: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي وهو الخلود في الجنة. قوله: (أي بسببها) أشار بذلك إلى أن مَنْ للسببية، ويصح أن تكون للتعليل، أي من أجل مجيئه بها. قوله: (و ليس للتفضيل) أي ليس خيرا فعل تفضيل، لأنه ليس عبادة أفضل من لا إله إلا اللّه، ويؤيد ما قاله المفسر، ما روي عن ابن عباس أنه قال له من تلك الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب، أما من يكون له شيء من خير من الإيمان فلا، لأنه لا شيء خير من لا إله إلا اللّه. قوله: (بالإضافة) أي إضافة فزع لليوم. قوله: (و كسر الميم) أي للإعراب، وقوله: (و فتحها) أي فتحة بناء وهي قراءة ثانية في الإضافة، وقوله: (فزع منونا) معطوف على قوله: (بالإضافة) فتكون القراءات ثلاثا سبعيات، فكان الأوضح أن يعبر بأو بدل الواو في الأخير.\rقوله: آمِنُونَ أي لا يصيبهم منه شيء، والمراد بالفزع هنا الخوف من العذاب والفزع المتقدم الهيبة والانزعاج من الشدة الحاصلة في ذلك اليوم، فلا تنافي بين أثباته فيما تقدم ونفيه هنا.\rقوله: فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ أي ألقوا عليها في النار. قوله: (و يقال لهم) أي وقت كبهم على وجوههم في النار، والقائل لهم خزنتها. قوله: (أي ما) تُجْزَوْنَ الخ، أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي. قوله:\r(قل لهم) إِنَّما أُمِرْتُ الخ، أمر صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يقول لهم ما ذكر، بعد بيان ما يحصل في المعاد، إشارة إلى أن عبادة اللّه هي المقصودة بالذات له، آمنوا أو كفروا، فيتسبب عن ذلك اهتمامهم بأمر أنفسهم، ورجوعهم عما يوجب نقصانهم.\rقوله: الَّذِي حَرَّمَها صفة للرب ولا يعارضه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة» لأن إسناد التحريم للّه، باعتبار حكمه وقضائه، وإسناد التحريم لإبراهيم، باعتبار إخباره بذلك وإظهاره. قوله: (و لا يختلى خلاها) أي لا يقطع حشيشها الرطب. قوله: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي أثبت على ما كنت عليه.\rقوله: وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ أي أواظب عليه لتكشف لي حقائقه ودقائقه، لأن علوم القرآن كثيرة، فبتكرار التلاوة ازداد علوما ومعارف، وفي هذه الآية إشعار أن تلاوة القرآن أعظم العبادات قدرا عند اللّه.","part":3,"page":136},{"id":1250,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 137\rأَتْلُوَا الْقُرْآنَ عليكم تلاوة الدعوة إلى الإيمان فَمَنِ اهْتَدى له فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ أي لأجلها فإن ثواب اهتدائه له وَمَنْ ضَلَ عن الإيمان وأخطأ طريق الهدى فَقُلْ له إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) المخوفين فليس علي إلا التبليغ، وهذا قبل الأمر بالقتال وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها فأراهم اللّه يوم بدر القتل والسبي، وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، وعجلهم اللّه إلى النار وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93) بالياء والتاء، وإنما يمهلهم لوقتهم.\r______________________________\rقوله: فَمَنِ اهْتَدى (له) أي للإيمان. قوله: فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ هو جواب الشرط، والرابط محذوف قدره المفسر بقوله له. قوله: (و هذا قبل الأمر بالقتال) أي فهو منسوخ.\rقوله: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ أي على ما أعطاني من النعم العظيمة التي أجلها النبوة التي بها إرشاد الخلق لصلاحهم.\rقوله: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ أي في الدنيا. قوله: (و ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم) أي وجوه الذين قتلوا وأدبارهم. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان، فعلى الأولى هو وعيد محض، وعلى الثانية فيه وعد للطائعين ووعيد للعاصين.","part":3,"page":137},{"id":1251,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 138\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة القصص مكيّة إلا إِنَّ الَّذِي فَرَضَ الآية نزلت بالجحفة. وإلا الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ إلى قوله (لا نبتغي الجاهلين) وهي سبع أو ثمان وثمانون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم (1) اللّه أعلم بمراده بذلك تِلْكَ أي هذه الآيات آياتُ الْكِتابِ الإضافة بمعنى من الْمُبِينِ (2) المظهر الحق من الباطل نَتْلُوا نقص عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة القصص\rمكية إلا إِنَّ الَّذِي فَرَضَ الآية نزلت بالجحفة. وإلا الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ إلى قوله لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ وهي سبع أو ثمان وثمانون آية سميت بذلك لاشتمالها على الحكايات والأخبار المروية عن اللّه، لأن القصص مصدر بمعنى الإخبار، وتسمى أيضا سورة موسى. قوله: (نزلت بالجحفة) أي حين خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الغار ليلا مهاجرا في غير الطريق مخافة الطلب، فلما رجع إلى الطريق ونزل بالجحفة، عرف الطريق إلى مكة فاشتاق إليها، فنزلت تلك الآية تسلية وتبشيرا له، بأنه يرجع إلى مكان عوده وهو مكة أحسن مرجع، ومن هنا صح استعمال هذه الآية للعارفين عند توديع المسافر، وقيل المعاد الموت، وقيل الآخرة، وكل صحيح، وهذه الآية ليست مكية ولا مدنية، لأنها لم تنزل قبل الهجرة، ولم تنزل بعد استقرارها، بل نزلت بالطريق. قوله: (إلى قوله: لا نبتغي الجاهلين) أي وهو أربع آيات. قوله: (أي هذه الآيات) أي آيات هذه السورة والإشارة لمحقق حاضر في علم اللّه تعالى.\rقوله: نَتْلُوا عَلَيْكَ مفعوله محذوف أي شيئا، وقوله: مِنْ نَبَإِ صفة لذلك المحذوف، ويصح","part":3,"page":138},{"id":1252,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 139\rخبر مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِ الصدق لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) لأجلهم لأنهم المنتفعون به إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا تعظم فِي الْأَرْضِ أرض مصر وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً فرقا في خدمته يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ هم بنو إسرائيل يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ المولودين وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ يستبقيهن أحياء لقول بعض الكهنة له إن مولودا يولد في بني إسرائيل يكون سبب زوال ملكك إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) بالقتل وغيره وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ياء يقتدى بهم في الخير وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (5) ملك فرعون وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أرض مصر والشام وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما وفي قراءة ويرى بفتح التحتانية والراء ورفع الأسماء الثلاثة مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (6) يخافون من المولود الذي يذهب ملكهم على يديه وَأَوْحَيْنا وحي إلهام أو منام إِلى أُمِّ مُوسى وهو المولود المذكور ولم\r______________________________\rأن تكون مِنْ اسم بمعنى بعض هي المفعول، أو زائدة على مذهب الأخفش، ونَبَإِ هو المفعول.\rقوله: بِالْحَقِ حال إما من فاعل نَتْلُوا أو من مفعوله، والمعنى حال كوننا ملتبسين بالصدق، أو كون الخبر ملتبسا بالصدق. قوله: (لأجلهم) أشار بذلك إلى أن اللام للتعليل، أي إن المقصود بالذكر المؤمنون، لأنهم هم المنتفعون بذلك، قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.\rقوله: إِنَّ فِرْعَوْنَ كلام مستأنف بيان للنبأ. قوله: (تعظم) أي تكبر وافتخر. قوله: وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً أي أصنافا، فجعل الصنائع الشريفة والإمارة للقبط، وجعل الصنائع الخسيسة لبني إسرائيل، من بناء وحرث وحفر وغير ذلك، ومن لم يستعمله ضرب عليه جزية. قوله: يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ بدل اشتمال من قوله: يَسْتَضْعِفُ الخ، وذلك أن بني إسرائيل لما كثروا بمصر، استطالوا على الناس وعملوا المعاصي، فسلط اللّه عليهم القبط، فاستضعفوهم وذبحوا أبناءهم بأمر فرعون، قيل إنه ذبح سبعين ألفا، إلى أن أنجاهم اللّه على يد موسى عليه السّلام. قوله: إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ أي الراسخين في الفساد. قوله: (بالقتل وغيره) أي كدعوى الألوهية.\rقوله: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَ أي نتفضل عليهم بإنجائهم من بأسه. قوله: (يقتدى بهم) أي بعد أن كانوا أذلاء مسخرين.\rقوله: وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أي نملكهم مصر والشام يتصرفون فيها كيف يشاءون. قوله: وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ أي نبصره، وفِرْعَوْنَ وما عطف عليه مفعول أول، وما كانُوا يَحْذَرُونَ مفعول ثان. قوله: (و في قراءة) أي وعليها فلها مفعول واحد فقط وهو قوله: ما كانُوا يَحْذَرُونَ وعلى هذه فتجب إمالة الراء إمالة محضة. قوله: (و رفع الأسماء الثلاثة) أي على الفاعلية. قوله: مِنْهُمْ أي المستضعفين. قوله:\r(يخافون من الموت) الخ، أي وقد حصل ما خافوه، حين أتتهم معجزات موسى عليه السّلام، وحين أدركهم الغرق. قوله: (و حي إلهام أو منام) هذان قولان للمفسرين، وقيل كان بملك تمثل لها، واعترض بأنها ليست بنبية، وأجيب: بأن الممنوع نزول الملائكة على غير الأنبياء بالشرائع، وأما بغيرها فجائز، كنزول الملك على البار بأمه التي تقدمت قصته في البقرة.\rقوله: إِلى أُمِّ مُوسى أي واسمها يوحانذ","part":3,"page":139},{"id":1253,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 140\rيشعر بولادته غير أخته أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِ البحر أي النيل وَلا تَخافِي غرقه وَلا تَحْزَنِي لفراقه إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فأرضعته ثلاثة أشهر لا يبكي وخافت عليه فوضعته في تابوت مطلي بالقار من داخل ممهد له فيه وأغلقته وألقته في بحر\r______________________________\rبضم الياء وكسر النون وبالذال المعجمة، وقيل: لوخا بنت هاند بن لاوى بن يعقوب، وقد اشتملت هذه الآية على أمرين وهما أَرْضِعِيهِ وأَلْقاهُ، ونهيين وهما لا تَخافِي ولا تَحْزَنِي، وخبرين وبشارتين وهما إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فهما خبران تضمنا بشارتين. قوله: أَنْ أَرْضِعِيهِ يصح أن تكون مفسرة أو مصدرية. قوله: فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ أي من الذبح. قوله: وَلا تَخافِي (غرقه) دفع بذلك التناقض بين إثبات الخوف ونفيه، فالمثبت هو خوف الذبح، والمنفي هو خوف الغرق. قوله: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ أي لتأمني عليه، وهو علة للنهي عن الخوف والحزن. قوله: (فوضعته في تابوت) أي وكان طوله خمسة أشبار وعرضه كذلك، وجعلت المفتاح في التابوت. قوله: (مطلي بالقار) أي الزفت. قوله: (ممهد) أي مفرش له فيه، ففرشت فيه قطنا محلوجا. قوله: (و أغلقته) أي وقيرت رأسه. وحاصله: أن أم موسى لما تقاربت ولادتها، وكانت قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل، مصافية لأم موسى ومصاحبة لها، فلما ضربها الطلق، أرسلت إليها فقالت: قد نزل بي ما نزل، فليسعفني حبك إياي اليوم فعالجتها، فلما أن وقع موسى بالأرض، هالها نور بين عيني موسى، فارتعش كل مفصل فيها، ودخل حب موسى قلبها، ثم قالت القابلة لها: يا هذه ما جئت إليك حين دعوتني، إلا ومرادي قتل مولودك، ولكن وجدت لابنك هذا حبا، ما وجدت حب شيء مثل حبه، فاحفظي ابنك، فلما خرجت القابلة من عندها، أبصرها بعض العيون فجاءوا على بابها ليدخلوا على أم موسى، فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس بالباب، فلفت موسى بخرقة وألقته في التنور وهو مسجور، وطاش عقلها فلم تعقل ما تصنع، قال: فدخلوا فإذا التنور مسجور، ورأوا أم موسى ولم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن، فقالوا: ما أدخل عليك القابلة؟ فقالت: هي مصافية لي، فدخلت علي زائرة. فخرجوا من عندها، فرجع لها عقلها فقالت لأخت موسى: فأين الصبي؟ فقالت: لا أدري، فسمعت بكاء الصبي من التنور، فانطلقت إليه وقد جعل اللّه عليه النار بردا وسلاما فاحتملته، ثم إن أم موسى لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان، خافت على ابنها، وقذف اللّه في نفسها أن تتخذ تابوتا، ثم تقذف التابوت في النيل، فانطلقت إلى رجل نجار من قوم فرعون، فاشترت منه تابوتا صغيرا، فقال النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ فقالت: لي ابن أخبئه في التابوت، وكرهت الكذب ولم تقل أخشى عليه كيد فرعون، فلما اشترت التابوت وحملته وانطلقت به، انطلق النجار إلى الذباحين ليخبرهم بأمر أم موسى، فلما همّ بالكلام، أمسك اللّه لسانه فلم يطق الكلام، وجعل يشير بيده، فلم يدر الأمناء ما يقول، فأعياهم أمره، قال كبيرهم: اضربوه. فضربوه وأخرجوه، فلما انتهى النجار إلى موضعه، رد اللّه عليه لسانه فتكلم، فانطلق أيضا يريد الأمناء، فأتاهم ليخبرهم، فأخذ لسانه وبصره، فلم يطق الكلام ولم يبصر شيئا، فضربوه وأخرجوه، فبقي حيران، فجعل للّه عليه إن رد لسانه وبصره، أن لا يدل عليه، وأن يكون معه ويحفظه حيثما كانوا، وعرف اللّه منه الصدق، فرد عليه لسانه وبصره، فخر للّه ساجدا وقال: يا رب دلني","part":3,"page":140},{"id":1254,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 141\rالنيل ليلا فَالْتَقَطَهُ بالتابوت صبيحة الليل آلُ أعوان فِرْعَوْنَ فوضعوه بين يديه وفتح\r______________________________\rعلى هذا العبد الصالح، فدل اللّه عليه، فآمن به وصدقه. وقيل: لما حملت أم موسى به، كتمت أمرها عن جميع الناس، فلم يطلع على حبلها أحد من خلق اللّه، وذلك شيء ستره اللّه تعالى، لما أراد أن يمن به على بني إسرائيل، فلما كانت السنة التي ولد فيها، بعث فرعون القوابل إليهن، ففتشن النساء تفتيشا، لم يفتشن قبل ذلك مثله، وحملت أم موسى. فلم يتغير لونها ولم تكبر بطنها، وكانت القوابل لا يتعرضن لها، فلما كانت الليلة التي ولد فيها، ولدته ولا رقيب لها ولا قابلة، ولم يطلع عليها أحد إلا أخته مريم، وأوحى اللّه إليها أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِ وهو البحر ليلا، وكان لفرعون يومئذ بنت، وكان بها برص شديد، وكان لفرعون يومئذ بنت، لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إليه، وكان بها برص شديد، وكان فرعون قد جمع لها الأطباء والسحرة، فنظروا في أمرها فقالوا: أيها الملك لا تبرأ إلا من قبل البحر، فيوجد فيه شبه الإنسان، فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا، في شهر كذا، حين تشرق الشمس، فلما كان ذلك اليوم، غدا فرعون إلى مجلس له كان على شفير النيل، وكانت معه امرأته آسية بنت مزاحم، وأقبلت بنت فرعون في جواريها، حتى جلست على شاطىء النيل مع جواريها، تلاعبهن وتنضح الماء على وجوههن، إذ أقبل النيل بالتابوت تضر به الأمواج، فقال فرعون: إن هذا لشيء في البحر قد تعلق بشجرة ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كل ناحية حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها، فعالجته ففتحت الباب، فإذا هي بصبي صغير في التابوت، وإذا النور بين عينيه، وقد جعل اللّه رزقه في إبهامه يمص منها لبنا، فألقى اللّه محبته في قلب آسية، وأحبه فرعون وعطف عليه، وأقبلت بنت فرعون، فلما أخرجوا الصبي من التابوت، عمدت إلى ما يسيل من ريقه، فلطخت به برصها، فبرئت في الحال بإذن اللّه تعالى، فقبلته وضمته إلى صدرها، فقال الغواة من قوم فرعون: أيها الملك، إنّا نظن أن ذلك المولود الذي تحذر منه من بني إسرائيل هو هذا، رمي به في البحر خوفا منك، فهمّ فرعون بقتله فقالت آسية: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أي فنصيب منه خيرا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً، وكانت آسية لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون فوهبه لها، وقال فرعون: أما أنا فلا حاجة لي فيه، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لو قال فرعون يومئذ قرة عين لي كما هو لك لهداه اللّه كما هداها، فقيل لآسية سميه: فقالت: سميته موسى، لأنّا وجدناه في الماء والشجر، لأن مو هو الماء، وشا هو الشجر، فأصل موسى بالمهملة موشى بالمعجمة.\rقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ عطف على ما قدره المفسر بقوله: (فأرضعته) الخ. قوله: (صبيحة الليل) أي وكان يوم الاثنين. قوله: (و فتح) أي فتحته آسية بعد أن عالجوه بالفتح والكسر فلم يقدروا.\rقوله: (في عاقبة الأمر) أشار بذلك إلى أن اللام للعاقبة والصيرورة لا للعلة، لأن علة التقاطهم أن يكون حبيبا وابنا، ففي الآية استعارة تبعية في متعلق معنى الحرف، يقدر تشبيه ترتب نحو العداوة والحزن، على نحو الالتقاط بترتب العلة الغائية في المحبة والتبني بجامع مطلق الترتب الأعم من الطرفين، فالترتب الثاني متعلق معنى اللام، فقدر استعارة الترتب الكلي المشبه به بالترتب الكلي المشبه، فسرى التشبيه لمعنى","part":3,"page":141},{"id":1255,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 142\rوأخرج موسى منه وهو يمص من إبهامه لبنا لِيَكُونَ لَهُمْ في عاقبة الأمر عَدُوًّا يقتل رجالهم وَحَزَناً يستعبد نساءهم، وفي قراءة بضم الحاء وسكون الزاي لغتان في المصدر، وهو هنا بمعنى اسم الفاعل من حزنه كأحزنه إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وزيره وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (8) من الخطيئة أي عاصين فعوقبوا على يديه وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ وقد همّ مع أعوانه بقتله هو قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً فأطاعوها وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (9) بعاقبة أمرهم معه وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى لما علمت بالتقاطه فارِغاً مما سواه إِنْ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي إنها كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أي بأنه ابنها لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها بالصبر أي سكناه لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) المصدقين بوعد اللّه، وجواب لو لا دل عليه ما قبلها وَقالَتْ لِأُخْتِهِ مريم قُصِّيهِ أي اتبعي أثره حتى تعلمي خبره فَبَصُرَتْ بِهِ أبصرته عَنْ جُنُبٍ من مكان بعيد اختلاسا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (11) أنها أخته وأنها ترقبه وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ\r______________________________\rاللام الذي هو الترتب مع الجزئي، فاستعير لفظ اللام واستعمل في الترتب الجزئي، والعداوة والحزن قرينة، أفاده الملوي. قوله: (و في قراءة) الخ، أي وهي سبعية أيضا. قوله: (من حزنه) هو من باب ضرب ونصر. قوله: (فعوقبوا على يديه) أي إنه تربى على أيديهم، فهو أبلغ في إذلالهم.\rقوله: وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ أي وهي آسية بنت مزاحم، وكانت من خيار النساء، قيل كانت من ذرية الريان بن الوليد الذي كان في زمن يوسف الصديق عليه السّلام، وقيل من بنات الأنبياء من بني إسرائيل من سبط موسى عليه السّلام، وقيل كانت عمته فقالت لفرعون وهي قاعدة إلى جنبه: هذا الولد أكبر من ابن سنة، وأنت تذبح ولدان هذه السنة فدعه يكون عندي، وقيل إنها قالت له: إنه أتى من أرض أخرى، وليس هو من بني إسرائيل. قوله: (هو) قُرَّتُ عَيْنٍ أشار المفسر إلى أنه خبر لمحذوف. قوله:\rعَسى أَنْ يَنْفَعَنا الخ، أي لما رأت فيه من العلامات الدالة على النجابة والبركة. قوله: (فأطاعوها) أي على عادة أمراء مصر، من كونهم يطيعون النساء فيما يقلنه. قوله: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ حال من آل فرعون.\rقوله: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى يصح أن يبقى أصبح على ظاهره إن ثبت أنه ألقته ليلا أو يجعل بمعنى صار إن كانت ألقته نهارا. قوله: فارِغاً (مما سواه) أي من التفكير في غيره، لما ورد أنه أتاها الشيطان وقال: كرهت أن يقتل فرعون ابنك، فيكون لك أجره وثوابه، وتوليت أنت قتله فأغرقته في البحر، فحزنت لذلك وانحصرت فكرتها فيه ونسيت ما أوحى به إليها. قوله: لَتُبْدِي بِهِ ضمنه معنى تصرح فعداه بالباء، ويصح أن يبقى على ظاهره، وتكون الباء زائدة أي تظهره.\rقوله: لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها جوابها محذوف أي لأبدت به كما أشار له المفسر. قوله: (بوعد اللّه) أي المدلول عليه بقوله إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ الخ.\rقوله: لِأُخْتِهِ أي شقيقته. قوله: (مريم) هو أحد أقوال، وقيل اسمها كلثمة وقيل كلثوم. قوله: عَنْ جُنُبٍ حال إما من الفاعل أو من الضمير المجرور","part":3,"page":142},{"id":1256,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 143\rالْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ أي قبل رده إلى أمه، أي منعناه من قبول ثدي مرضعة غير أمه فلم يقبل ثدي واحدة من المراضع المحضرة له فَقالَتْ أخته هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ لما رأت حنوّهم عليه يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ بالارضاع وغيره وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (12) وفسرت ضمير له بالملك جوابا لهم، فأجيبت، فجاءت بأمه، فقبل ثديها، وأجابتهم عن قبوله بأنها طيبة الريح طيبة اللبن، فأذن لها في إرضاعه في بيتها، فرجعت به كما قال تعالى فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائه وَلا تَحْزَنَ حينئذ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ برده إليها حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ أي الناس لا\r______________________________\rبالياء، أي أبصرته مستخفية كائنة عن جنب وأبصرته بعيدا منها. قوله: (اختلاسا) أي اختفاء. قوله:\r(و أنها ترقبه) أي تنظره.\rقوله: وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ أي على موسى. قوله: مِنْ قَبْلُ هو ظرف مبني على الضم لحذف المضاف إليه ونية معناه. قوله: (أي منعناه) أشار بذلك إلى أن المراد من التحريم لازمه وهو المنع، لأن الصبي ليس من أهل التكليف. قوله: (من المراضع المحضرة) أي التي أحضرها فرعون. قوله: وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ أي مخلصون في العمل من شوائب الفساد. قوله: (حنوهم عليه) أي عطفهم وميلهم إليه.\rقوله: (و غيره) أي كالتربية وإصلاح الحال. قوله: (فقبل ثديها) أي بعد أن مكث عندهم ثمانية أيام لا يقبل ثدي مرضعة أصلا، قيل إن هامان لما سمع قولها وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ قال إنها لتعرفه وأهله، فخذوها واحبسوها حتى تخبر بحاله، فقالت: إنما أردت وهم له أي للملك ناصحون، فأمرها فرعون بأن تأتي بمن يكفله، فأتت بأم موسى وهو على يد فرعون يبكي طالبا للرضاع، وهو يعلله شفقة عليه، فلما وجد ريحها استأنس والتقم ثديها، فقال لها: من أنت منه، فقد أبى كل ثدي إلا ثديك؟ فقالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن، لا أكاد أوتى بصبي إلا قبلني، فدفعه إليها وقال لها: أقيمي عندنا لإرضاعه، فقالت: لا أقدر على فراق بيتي، فإن رضيتم أرضعته في بيتي، وإلا فلا حاجة لي فيه، وأظهرت الزهد فيه نفيا للتهمة عنها، فرضوا بذلك، فرجعت إلى بيتها من يومها، ولم يبق أحد من آل فرعون إلا أهدى إليها وأتحفها بالذهب والجواهر.\rقوله: كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها أي تبرد وتسكن من ألم الفراق. قوله: وَلا تَحْزَنَ عطف على تَقَرَّ منصوب بأن مضمرة بعد كَيْ. قوله: (فمكث عندها إلى أن فطمته) أي وهو سنتان. قوله: (و أخذتها لأنها مال حربي) جواب عما يقال: كيف جاز لها أن تأخذ أجرة منه على إرضاع ولدها؟ قوله: (أو ثلاث) أو لتنويع الخلاف. قوله: (أي بلغ أربعين سنة) المناسب أن يقول أي كمل عقله وانتهى شبابه، لأن موسى أقام في مصر ثلاثين سنة، ثم ذهب إلى مدين وأقام فيها عشر سنين، ووقعة قتل القبطي كانت قبل ذهابه لمدين، فهي السبب فيه. قوله: (كما جزيناه) أي مثل ذلك الذي فعلناه بموسى وأمه، نجزي المحسنين على إحسانهم. قوله (منف) بضم فسكون ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث أو العجمة، وهي من أعمال مصر، وقيل هي قرية يقال لها أم خنان على فرسخين من مصر، وقيل هي مدينة عين الشمس، وقيل هي مصر. قوله: (وقت القيلولة) وقيل بين المغرب والعشاء، وسبب دخوله المدينة في ذلك الوقت،","part":3,"page":143},{"id":1257,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 144\rيَعْلَمُونَ (13) بهذا الوعد ولا بأن هذه أخته وهذه أمه فمكث عندها إلى أن فطمته وأجرى عليها أجرتها لكل يوم دينار وأخذتها لأنها مال حربي فأتت به فرعون فتربى عنده كما قال تعالى حكاية عنه في سورة الشعراء أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وهو ثلاثون سنة أو وثلاث وَاسْتَوى أي بلغ أربعين سنة آتَيْناهُ حُكْماً حكمة وَعِلْماً فقها في الدين قبل أن يبعث نبيا وَكَذلِكَ كما جزيناه نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) لأنفسهم وَدَخَلَ موسى الْمَدِينَةَ مدينة فرعون وهي منف بعد أن غاب عنه مدة عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها وقت القيلولة فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ أي إسرائيلي وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ أي قبطي يسخر الإسرائيلي ليحمل حطبا إلى مطبخ فرعون فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فقال له موسى خلّ سبيله فقيل إنه قال لموسى: لقد هممت أن أحمله عليك فَوَكَزَهُ مُوسى أي ضربه بجمع كفه وكان شديد القوّة والبطش فَقَضى عَلَيْهِ أي قتله ولم يكن قصد قتله ودفنه في الرمل قالَ هذا أي قتله مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ المهيج غضبي إِنَّهُ عَدُوٌّ لابن\r______________________________\rأن موسى كان يسمى ابن فرعون، وكان يركب مراكبه، ويلبس لباسه، فركب فرعون يوما وكان موسى غائبا، فلما قدم قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب موسى في أثره، فأدركه المقيل في أرض منف، فدخلها ليس في طرقها أحد.\rقوله: وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ أي وكان طباخا لفرعون واسمه فليثون، وأراد أن يسخر الإسرائيلي لحمل الحطب.\rقوله: فَاسْتَغاثَهُ أي طلب غوثه ونصره. قوله: (أن أحمله) أي الحطب. قوله: فَوَكَزَهُ مُوسى أي دفعه بجمع كفه، وأما اللكز فهو الضرب بأطراف الأصابع. قوله: (بجمع كفه) أي بكفه مجموعة، فهو من إضافة الصفة للموصوف. قوله: فَقَضى عَلَيْهِ أي أوقع عليه القضاء وهو الموت.\rقوله: (و لم يكن قصد قتله) جواب عما يقال: كيف تجرأ على قتل القبطي؟ وحاصل إيضاح الجواب: أن قتله كان خطأ، وقد يقال: قتله من باب دفع الصائل وهو واجب، والاستغفار من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين. قوله: قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ نسبته للشيطان من حيث إنه لم يؤمر بقتل القبطي، وظهر له أن قتله خلاف الأولى، لما يترتب عليه من الفتن، والشيطان تفرحه الفتن.\rقوله: إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي الحق أن هذا تواضع منه، وحسنات الأبرار سيئات المقربين.\rقوله:\r(بحق إنعامك) عَلَيَ أشار بهذا إلى أن ما مصدرية، والكلام على حذف مضاف، وأشار بقوله:\r(اعصمني) إلى أن الباء متعلقة بمقدر هو هذا، وقوله: فَلَنْ أَكُونَ جواب شرط قدره بقوله: (إن عصمتني) وأراد بمظاهرة المجرمين صحبة فرعون وانتظامه في جماعته وتكثير سواده.\rقوله: فَإِذَا الَّذِي إذا فجائية، والَّذِي مبتدأ نعت لمحذوف أي فإذا الإسرائيلي الذي. واسْتَنْصَرَهُ صلته، ويَسْتَصْرِخُهُ خبر المبتدإ. قوله: (على قبطي آخر) أي يريد أن يستخدمه، والاستصراخ الاستغاثة، وسميت بذلك لأن المستغيث يصوت ويصرخ في طلب الغوث. قوله: قالَ لَهُ مُوسى قال ابن عباس:\rإن القبط قالوا لفرعون: إن بني إسرائيل قتلوا منا رجلا فخذ لنا بحقنا، فقال: اطلبوا قاتله ومن يشهد","part":3,"page":144},{"id":1258,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 145\rآدم مُضِلٌ له مُبِينٌ (15) بيّن الإضلال قالَ نادما رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بقتله فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) أي المتصف بهما أزلا وأبدا قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ بحق إنعامك عَلَيَ بالمغفرة اعصمني فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً عونا لِلْمُجْرِمِينَ (17) الكافرين بعد هذه إن عصمتني فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ ينتظر ما يناله من جهة القتيل فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ يستغيث به على قبطي آخر قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) بيّن الغواية لما فعلته أمس واليوم فَلَمَّا أَنْ زائدة أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما لموسى والمستغيث به قالَ المستغيث ظانّا أنه يبطش به لما قال له يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ ما تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) فسمع القبطي ذلك فعلم أن القاتل موسى، فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك، فأمر فرعون الذباحين بقتل موسى، فأخذوا في الطريق إليه وَجاءَ رَجُلٌ هو مؤمن آل فرعون مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ آخرها يَسْعى يسرع في مشيه من طريق أقرب من طريقهم قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ من قوم فرعون يَأْتَمِرُونَ بِكَ يتشاورون فيك لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ من المدينة إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) في الأمر بالخروج فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ لحوق طالب أو\r______________________________\rعليه، فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة، إذ مر موسى من الغد، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا آخر، فاستغاثه على الفرعوني، وكان موسى قد ندم على ما كان منه بالأمس من قتل القبطي، فقال للإسرائيلي:\rإِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ. قوله: (لما فعلته أمس واليوم) أي حيث قاتلت بالأمس رجلا، فقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني عليه.\rقوله: فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ الخ، وذلك أن موسى أخذته الغيرة والرقة على الإسرائيلي، فمد يده ليبطش بالقبطي، فظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به هو، لما رأى من غضبه وسمع من قوله:\rإِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ فقال يا مُوسى أَتُرِيدُ الخ. قوله: جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ الجبار هو الذي يقتل ويضرب ويتعاظم، ولا ينظر في العواقب. قوله: مِنَ الْمُصْلِحِينَ أي بين الناس. قوله: (هو مؤمن آل فرعون) هو ابن عم فرعون واسمه حزقيل، وقيل شمعون، وقيل سمعان، وهو الذي ذكر في قوله تعالى وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ.\rقوله: يَسْعى صفة لرجل أو حال منه، لوجود المخصص قبله. قوله: (يتشاورون فيك) أي يأمر بعضهم بعضا بقتلك. قوله: (أو غوث اللّه إياه) أو مانعة خلو تجوز الجمع.\rقوله: قالَ رَبِّ نَجِّنِي الخ، أي خلصني منهم واحفظني من لحوقهم،\rقوله: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ أي بإلهام من اللّه، لعلمه بأن أرض مدين لا تسلط لفرعون عليها، وأن بينه وبين أهل مدين قرابة، لكونهم من ذرية إبراهيم وهو كذلك. قوله: (ابن ابراهيم) أي الخليل عليه السّلام، وله ولد آخر اسمه مداين، فأولاده أربعة إسماعيل وإسحاق ومدين ومداين، وإنما لم يصرح في القرآن بمدين ومداين، لأنهما لم يكونا نبيين. قوله: (و لم يكن يعرف طريقها) وخرج بلا زاد ولا رفيق، ولم يكن له طعام إلا ورق","part":3,"page":145},{"id":1259,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 146\rغوث اللّه إياه قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) قوم فرعون وَلَمَّا تَوَجَّهَ قصد بوجهه تِلْقاءَ مَدْيَنَ جهتها، وهي قرية شعيب مسيرة ثمانية أيام من مصر، سميت بمدين بن إبراهيم، ولم يكن يعرف طريقها قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (22) أي قصد الطريق، أي الطريق الوسط إليها، فأرسل اللّه له ملكا بيده عنزة فانطلق به إليها وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ بئر فيها أي وصل إليها وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً جماعة مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ مواشيهم وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ أي سواهم امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ تمنعان أغنامهما عن الماء قالَ موسى لهما ما خَطْبُكُما أي ما شأنكما لا تسقيان قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ جمع راع أي يرجعون عن سقيهم خوف الزحام فنسقي، وفي قراءة يصدر من الرباعي أي يصرفون مواشيهم عن الماء وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) لا يقدر أن يسقي فَسَقى لَهُما من بئر أخرى بقربهما رفع حجرا عنها لا يرفعه إلا عشرة أنفس ثُمَّ تَوَلَّى انصرف إِلَى الظِّلِ لسمرة من شدة حر الشمس وهو جائع فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ طعام فَقِيرٌ (24) محتاج فرجعتا إلى أبيهما في زمن أقل مما كانتا ترجعان فيه فسألهما عن ذلك فأخبرتاه بمن سقى لهما، فقال لإحداهما: ادعيه لى، قال تعالى\r______________________________\rالشجر ونبات الأرض، حتى ريئت خضرته في باطنه من خارج، وما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه، وهو أول ابتلاء من اللّه لموسى.\rقوله: سَواءَ السَّبِيلِ من إضافة الصفة للموصوف، أي السبيل السوي. قوله: (أي الطريق الوسط) أي وكان لها ثلاث طرق، فأخذ موسى يمشي في الوسطى، وجاء الطلاب في أثره، فساروا في الأخريين ولم يعرفوا محله. قوله: (ملكا) أي وكان راكبا على فرس قيل هو جبريل. قوله: (بيده عنزة) هي فوق العصا دون الرمح، في طرفها حربة كحربة الرمح. قوله: (بئر فيها) أشار بذلك إلى أنه أطلق الحال وأراد المحل، فأطلق الماء وأريد البئر. قوله: (أي وصل إليها) أشار بذلك إلى أن المراد بالورود هنا الوصول، لأن الورود يطلق على الدخول في الشيء، وعلى الاطلاع على الشيء والوصول إليه، ومنه قوله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها على مشهور التفاسير. قوله: (جماعة) أي كثيرة.\rقوله: يَسْقُونَ الجملة حال من فاعل وَجَدَ، لأنها بمعنى لقي، فتنصب مفعولا واحدا. قوله: (مواشيهم) هو معمول يَسْقُونَ وقد حذف في هذه الآية معمول يَسْقُونَ وتَذُودانِ ولا نَسْقِي لأن المقصود الفعل لا المفعول. قوله: (جمع راع) أي على غير قياس، وقياسه بضم الراء كقاض وقضاة. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ أي فهذا وجه مباشرتنا للسقي بأنفسنا، قال الأجهوري في شرح خطبة الشيخ خليل.- تتمة- عاش شعيب نبي اللّه ثلاثة آلاف سنة، ذكره الشيخ زروق، وفي رواية وكان في غنمه اثنا عشر ألف كلب، وفي رواية أنه عاش ثلاثة آلاف سنة وستمائة سنة ا ه ملخصا من حاشية شيخنا الشيخ سليمان الجمل على فضائل رمضان للأجهوري. قوله: (لا يقدر أن يسقي) أي فيرسلنا اضطرارا.\rقوله: فَسَقى لَهُما أي سقى أغنامهما لأجلهما. قوله: (إلا عشرة أنفس) وقيل سبعة وقيل ثلاثون وقيل أربعون وقيل مائة. قوله: (لسمرة) بضم الميم، وهي شجرة عظيمة من شجر الطلح، وهي التي أمر صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة الإسراء بالنزول والصلاة عندها. قوله: إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَ إن","part":3,"page":146},{"id":1260,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 147\rفَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ أي واضعة. كمّ درعها على وجهها حياء منه قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فأجابها منكرا في نفسه أخذ الأجرة، كأنها قصدت المكافأة إن كان ممن يريدها، فمشت بين يديه فجعلت الريح تضرب ثوبها فتكشف ساقيها، فقال لها: امشي خلفي ودليني على الطريق ففعلت، إلى أن جاء أباها وهو شعيب عليه السّلام وعنده عشاء، فقال له: اجلس فتعشّ، قال: أخاف أن يكون عوضا مما سقيت لهما، وإنا أهل بيت لا نطلب على عمل خير عوضا، قال: لا، عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام، فأكل وأخبره بحاله، قال تعالى فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ مصدر بمعنى المقصوص من قتله القبطي، وقصدهم قتله وخوفه من فرعون قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) إذ لا سلطان لفرعون على مدين قالَتْ إِحْداهُما وهي المرسلة الكبرى أو الصغرى يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ اتخذه أجيرا يرعى غنمنا أي بدلنا إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) أي استأجره لقوته وأمانته، فسألها عنهما فأخبرته بما تقدم من رفعه حجر البئر ومن قوله لها امشي خلفي، وزيادة أنها لما جاءته وعلم بها صوب رأسه فلم يرفعه فرغب في إنكاحه قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ وهي الكبرى أو الصغرى عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي تكون أجيرا لي في رعي غنمي ثَمانِيَ حِجَجٍ أي سنين فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً أي رعي عشر سنين فَمِنْ عِنْدِكَ التمام وَما أُرِيدُ أَنْ\r______________________________\rحرف توكيد والياء اسمها، ولِما أَنْزَلْتَ متعلق بفقير وهو خبر إن، وأَنْزَلْتَ بمعنى تنزل، والمعنى إني فقير ومحتاج لما تنزله إلي من أي شيء، كان قليلا أو كثيرا. قوله: (ادعيه لي) أي اطلبيه ليحضر عندي.\rقوله: فَجاءَتْهُ الخ، عطف على ما قدره المفسر بقوله: (فرجعتا) الخ. قوله: تَمْشِي حال من فاعل جاء، وقوله: عَلَى اسْتِحْياءٍ حال من الضمير في تَمْشِي، والاستحياء هو الحياء بالمد، وهو حالة تعتري الشخص، تحمله على تجنب الرذائل. قوله: (كمّ درعها) أي قميصها. قوله: (منكرا في نفسه أخذ الأجرة) أي فلم يكن قصده بالإجابة أخذ الأجرة، بل للتبرك بأبيها. قوله: (و هو شعيب) هذا هو الصحيح، وقيل هو يثرون ابن أخي شعيب، وكان شعيب قد مات، وقيل هو رجل ممن آمن بشعيب، وشعيب هو ابن متبعون بن عنفاش بن مدين بن إبراهيم عليه السّلام. قوله: (و هي المرسلة) أي وهي التي تزوجها موسى عليه السّلام.\rقوله: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ تعليل للأمر بالاستئجار. قوله: (فسألها عنهما) أي بأن قال لها:\rوما أعلمك قوته وأمانته. قوله: (و زيادة) أي على ما ذكرته من القوة والأمانة، وقد يقال إن هذا من جملة الأمانة فلا زيادة. قوله: (صوب رأسه) أي خفضه. قوله: (فرغب في إنكاحه) أي رغب شعيب في إنكاحه ابنته.\rقوله: هاتَيْنِ استفيد منه أنه كان له غيرهما، قيل كان له سبع بنات. قوله: عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي حال من الفاعل أو المفعول، ومفعول تَأْجُرَنِي محذوف، والمعنى تأجرني نفسك، وقوله:\rثَمانِيَ حِجَجٍ ظرف له. قوله: فَمِنْ عِنْدِكَ (التمام) قدره إشارة إلى أن قوله: فَمِنْ عِنْدِكَ خبر","part":3,"page":147},{"id":1261,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 148\rأَشُقَّ عَلَيْكَ باشتراط العشر سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ للتبرك مِنَ الصَّالِحِينَ (27) الوافين بالعهد قالَ موسى ذلِكَ الذي قلته بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ الثمان أو العشر وما زائدة أي رعيه قَضَيْتُ به أي فرغت منه فَلا عُدْوانَ عَلَيَ بطلب الزيادة عليه وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ أنا وأنت وَكِيلٌ (28) حفيظ أو شهيد، فتم العقد بذلك وأمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، وكانت عصا الأنبياء عنده، فوقع في يدها عصا آدم من آس الجنة، فأخذها موسى بعلم شعبب فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ أي رعيه وهو ثمان أو عشر سنين وهو المظنون به وَسارَ بِأَهْلِهِ زوجته بإذن أبيها نحو مصر آنَسَ أبصر من بعيد مِنْ جانِبِ الطُّورِ اسم جبل ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا هنا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ\r______________________________\rلمحذوف والتقدير فالتمام من عندك تفضلا، لا إلزاما. قوله: (للتبرك) أي فالاستثناء للتبرك والتفويض إلى توفيقه تعالى لا للتعليق، لأن صلاحه محقق.\rقوله: ذلِكَ اسم الإشارة مبتدأ، وبَيْنِي وَبَيْنَكَ خبره، والمعنى ذلك الذي وقع منك وعاهدتني عليه، ثابت بيننا جميعا، لا يخرج عنه واحد منا، ويصح أن يكون ذلك مفعول لمحذوف أي قبلت ذلك، وقوله: بَيْنِي وَبَيْنَكَ الخ، حال من اسم الإشارة، والمعنى قبلت ذلك العقد حال كونه كائنا بيني وبينك، لم يكن علينا شهيد إلا اللّه.\rقوله: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ أي شرطية، وجوابها فلا عدوان علي، وما زائدة كما قال المفسر. قوله:\r(الثمان أو العشر) بالنصب تفسير لأي. قوله: (فتم العقد) أي عقد النكاح والإجارة. إن قلت: إن الذي وقع من شعيب وعد، والنكاح لا يكون إلا بصيغة إبرام، وأيضا لم يبين المنكوحة، وأيضا الصداق ليست ثمرته عائدة عليها. وأجيب بجوابين: الأول أن هذا كان في شرعه جائز. الثاني أنه يمكن تنزيله على شرعنا، بأنه قصد بالوعد إنشاء الصيغة، وقد وقع من موسى القبول بقوله: ذلِكَ وبأنه يمكن أنه بيّن المنكوحة بإشارة مثلا، وأن الغنم يمكن أن يكون بعضها مملوكا لها، فثمرة الرعي عائدة عليها. قوله:\r(فوقع في يدها عصا آدم) قيل إنه أودعها ملك في صورة رجل عند شعيب، فأمر ابنته أن تأتيه بعصا، فأتته بها فردها سبع مرات، فلم يقع في يدها غيرها، فدفعها إليه ثم ندم لأنها وديعة عنده، فتبعه فاختصما فيها ورضيا أن يحكم بينهما أول طالع، فأتاهما الملك فقال ألقياها، فمن رفعها فهي له، فعالجها الشيخ فلم يطقها، فرفعها موسى عليه السّلام فكانت له. قوله: (من آس الجنة) أي وتوارثها الأنبياء بعد آدم، فصارت منه إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، حتى وصلت لشعيب، وكان لا يأخذها غير نبي إلا أكلته. قوله:\r(و هو المظنون به) أي وإن لم يصرح القرآن به لكمال مروءته، فالمعول عليه أنه وفى العشر.\rقوله:\rبِأَهْلِهِ أي زوجته وولده وخادمه. قوله: (نحو مصر) أي لصلة رحمه وزيارة أمه وأخيه. ورد أنه لما عزم على السير قال لزوجته: اطلبي من أبيك أن يعطينا بعض الغنم، فطلبت من أبيها ذلك فقال: لكما كل ما ولدت هذا العام على غير شبهها، من كل أبلق وبلقاء، فأوحى اللّه إلى موسى أن اضرب بعصاك الماء واسق منه الغنم، ففعل ذلك، فما أخطأت واحدة إلا وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء، فعلم شعيب أن ذلك رزق ساقه إلى موسى وابنته، فوفى له بشرطه وأعطاه الأغنام.","part":3,"page":148},{"id":1262,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 149\rعن الطريق وكان قد أخطأها أَوْ جَذْوَةٍ بتثليث الجيم قطعة وشعلة مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) تستدفئون، والطاء بدل من تاء الافتعال من صلي بالنار بكسر اللام وفتحها فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ جانب الْوادِ الْأَيْمَنِ لموسى فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ لموسى لسماعه كلام اللّه فيها مِنَ الشَّجَرَةِ بدل من شاطىء بإعادة الجار لنباتها فيه، وهي شجرة عناب أو عليق أو عوسج أَنْ مفسرة لا مخففة يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فألقاها فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ تتحرك كَأَنَّها جَانٌ وهي الحية الصغيرة من سرعة حركتها وَلَّى\r______________________________\rقوله: مِنْ جانِبِ الطُّورِ أي الأيمن بدليل ما يأتي. قوله: (عن الطريق) أي لنستدل عليها.\rقوله: (بتثليث الجيم) أي وكلها سبعية فالكسر قراءة الجمهور، والضم قراءة حمزة، والفتح قراءة عاصم.\rقوله: (قطعة وشعلة) أي عود غليظ كأن في رأسه نارا أو لا، قيل وهو ما رأسه نار، فقوله: مِنَ النَّارِ وصف مخصص على الأول وكاشف على الثاني. قوله: (و الطاء بدل من تاء الافتعال) أي فأصله تصتلون، وقعت التاء بعد أحد حروف الإطباق فقلبت طاء. قوله: (بكسر اللام) أي من باب رضي، وقوله:\r(و فتحها) أي من باب رمى.\rقوله: نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الخ، قيل إن موسى لما رأى النار مشتعلة في الشجرة الخضراء، علم أن ذلك لا يقدر عليه إلا اللّه، فلما نودي علم أن اللّه هو المتكلم بذلك النداء. قوله: الْأَيْمَنِ صفة للشاطىء أو للوادي، من اليمن وهو البركة، أو اليمين مقابل اليسار، والمعنى الشاطىء الذي يلي يمين موسى. قوله: فِي الْبُقْعَةِ متعلق بنودي. قوله: الْمُبارَكَةِ (لموسى) أي لأنه في ذلك المحل حصلت له البركة التامة، فتلك الليلة أسعد لياليه، كليلة الإسراء لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: مِنَ الشَّجَرَةِ حال من الضمير في نودي، والتقدير نودي موسى، والحال أنه كائن في وجهة الشجرة، وليس المراد أنه سمع الكلام من جهة الشجرة فقط، بل المحققون على أنه سمع الكلام بجميع أجزائه، بلا حرف ولا صوت من جميع جهاته، كما يكون لنا في الآخرة عند رؤية ذاته تعالى، بلا كيف ولا انحصار.\rقوله: (بدل) أي بدل اشتمال. قوله: (أو عوسج) أي شوك. قوله: (مفسرة) أي لأنه تقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه. قوله: (لا مخففة) أي لعدم إفادتها المعنى المقصود.\rقوله: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ هكذا قال هنا، وفي سورة طه: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ. وقال في النمل: نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها ولا تنافي بل الكل قال اللّه له.\rقوله: وَأَنْ أَلْقِ عطف على قوله: أَنْ يا مُوسى. قوله: (من سرعة حركتها) أي فهو وجه شبهها بالجان، وقوله في الآية الأخرى فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ* أي في عظم الجثة، فتحصل أنها باعتبار الجثة كالثعبان العظيم، وباعتبار الخفة وسرعة الحركة كالحية الصغيرة. قوله: وَلَّى مُدْبِراً أي باعتبار الطبع البشري حين رآها بهذه الصفة، ورد أنها لم تدع شجرة ولا صخرة إلا ابتلعتها، حتى إن موسى سمع صرير أسنانها، وقعقعة الشجر والصخر في جوفها، فحينئذ ولى مدبرا. قوله: (من الأدمة) أي الحمرة. قوله: (تغشى البصر) أي تغطيه.","part":3,"page":149},{"id":1263,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 150\rمُدْبِراً هاربا منها وَلَمْ يُعَقِّبْ أي يرجع فنودي يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31) اسْلُكْ أدخل يَدَكَ اليمنى بمعنى الكف فِي جَيْبِكَ هو طوق القميص وأخرجها تَخْرُجْ خلاف ما كانت عليه من الأدمة بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي برص فأدخلها وأخرجها تضيء كشعاع الشمس تغشى البصر وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ بفتح الحرفين وسكون الثاني مع فتح الأول وضمه، أي الخوف الحاصل من إضاءة اليد بأن تدخلها في جيبك فتعود إلى حالتها الأولى، وعبر عنها بالجناح لأنها للإنسان كالجناح للطائر فَذانِكَ بالتشديد والتخفيف أي العصا واليد وهما مؤنثان وإنما ذكر المشار به إليهما المبتدأ لتذكير خبره بُرْهانانِ مرسلان مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (32) قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً هو القبطي السابق فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) به وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً أبين فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً معينا وفي قراءة بفتح الدال بلا همزة يُصَدِّقُنِي بالجزم جواب الدعاء وفي قراءة بالرفع، وجملته صفة ردءا إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ نقويك بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً غلبة فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بسوء اذهبا بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (35) لهم\r______________________________\rقوله: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ جعل الجناح هنا مضموما، وفي آية طه مضموما إليه حيث قال:\rوَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ لأن المراد بالجناح المضموم اليد اليمنى، وبالجناح المضموم إليه اليد اليسرى، وكل من اليدين جناح. قوله: مِنَ الرَّهْبِ متعلق باضمم. قوله: (بفتح الحرفين) الخ، أي فالقراءات ثلاث سبعيات. قوله: (بأن تدخلها) أي تدخل اليد اليمنى التي حصل فيها البياض في جيبك، فتعود لحالتها الأولى، فيزول عنك الخوف والفزع الذي حصل لك. قوله: (كالجناح للطائر) أي لأن الطائر إذا خاف نشر جناحيه، وإذا أمن واطمأن ضمهما إليه. قوله: (بالتشديد والتخفيف) أي فهما قراءتان سبعيتان، فالمشددة تثنية ذلك بلام البعد، والمخفف تثنية ذاك، فالتشديد عوض عن اللام في المفرد. قوله: (و إنما ذكر المشار به) الخ، جواب عما يقال: إن العصا واليد مؤنثتان، فكان اللائق الإشارة إليهما بتان، فأجاب بأنه روعي الخبر قوله: (مرسلان) أشار بذلك إلى أن قوله: مِنْ رَبِّكَ متعلق بمحذوف صفة ل بُرْهانانِ. قوله: وَمَلَائِهِ أي جماعته. قوله: لِساناً أي كلاما. قوله: (ردءا) حال من ضمير أرسله. قوله: (بفتح الدال) أي مع التنوين وهي سبعية أيضا.\rقوله: يُصَدِّقُنِي أي يقويني في الصدق عند الخصم، بتوضيح الحجج والبراهين. قوله: (جواب الدعاء) أي الذي هو قوله: فَأَرْسِلْهُ مَعِي لأن طلب الأدنى من الأعلى دعاء. قوله: أَنْ يُكَذِّبُونِ أي بسبب العقدة التي كانت في فيه، بسبب الجمرة التي وضعها وهو صغير في فيه. قوله: (نقويك) أي فشد العضد كناية عن التقوية من إطلاق السبب وإرادة المسبب، لأن شد العضد يستلزم شد اليد، وشد اليد مستلزم للقوة. قوله: (بسوء) متعلق بيصلون، و\rقوله: بِآياتِنا متعلق بمحذوف قدره بقوله:\r(اذهبا) بدليل الآية الأخرى اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ وجمعهما في ضمير واحد، مع أن هارون لم يكن حاضرا","part":3,"page":150},{"id":1264,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 151\rفَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ واضحات حال قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً مختلق وَما سَمِعْنا بِهذا كائنا فِي أيام آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (36) وَقالَ بواو وبدونها مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ أي عالم بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ الضمير للرب وَمَنْ عطف على من قبلها تَكُونُ بالفوقانية والتحتانية لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة أي هو أنا في الشقين فأنا محق فيما جئت به إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37) الكافرون وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فاطبخ لي الآجر فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً قصرا عاليا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى أنظر إليه وأقف عليه وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (38) في ادعائه\r______________________________\rمجلس المناجاة، بل كان في ذلك الوقت بمصر، لأن اللّه أرسل جبريل إلى هارون بالرسالة وهو بمصر في ذلك الوقت، فموسى سمع الخطاب من اللّه بلا واسطة، وهارون سمعه بواسطة جبريل.\rقوله: فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا المراد بها العصا واليد، وجمعهما لأن كل واحدة اشتملت على آيات متعددة، وتقدم ذلك في سورة طه. قوله: قالُوا أي فرعون وقومه. قوله: (مختلق) أي مخترع من قبل نفسه. قوله: وَما سَمِعْنا بِهذا الخ، هذا محض عناد وكذب، إذ هم يعرفون أن قبله الرسل، كإبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم. قوله: (بواو وبدونها) أي فهما قراءتان سبعيتان، فعلى الواو يكون تابعا لما قبله، وعلى حذفها يكون الكلام مستأنفا في جواب سؤال. قوله: (أي عالم) أشار بذلك إلى أنه لا مفاضلة في أوصاف اللّه تعالى، لأن التفاضل من مقتضيات الحدوث وهو مستحيل عليه، فلا تفاضل بين صفاته مع بعضها، ولا مع صفات خلقه. قوله: (عطف على من قبلها) أي فهي في محل جر، والعلم مسلط عليها.\rقوله: (بالفوقانية والتحتانية) أي فهما قراءتان سبعيتان، فله خبر تَكُونُ مقدم، وعاقِبَةُ اسمها مؤخر على كلا الوجهين، وذكر الفعل على قراءة التحتانية للفصل، ولأنه مجازي التأنيث. قوله: (أي العاقبة المحمودة) الخ، أشار بذلك إلى أن المراد بالدار، الدار الآخرة، وأن الإضافة على معنى في، ويصح أن المراد بالدار دار الدنيا، والمراد بالعاقبة المحمودة الجنة، إذ العاقبة قسمان:\rمذمومة ومحمودة، فالجنة عاقبة محمودة، والنار عاقبة مذمومة. قوله: (و هو أنا في الشقين) تفسير للموصول كأنه قال: إن لم تشهدوا لي بالصدق وبأن العاقبة المحمودة لي، فاللّه عالم بأني جئت بالهدى، وبأن العاقبة المحمودة لي. قوله: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ تعليل لقوله: رَبِّي أَعْلَمُ الخ.\rقوله: وَقالَ فِرْعَوْنُ الخ، أي بعد أن شاهد إيمان السحرة وما وقع منهم. قوله: ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي أي ليس لي علم بوجود إله غيري، وليس مراده بإلهية نفسه، كونه خالقا للسماوات والأرض وما فيهما، إذ لا يشك عاقل في أن اللّه هو الخالق لكل شيء، وكان اعتقاده أن العالم العلوي أثر في العالم السفلي، فلا حاجة للصانع. قوله: عَلَى الطِّينِ أي بعد اتخاذه لبنا، وقيل إنه أول من اتخذ الآجر وبنى به، وهو الذي علم صنعته لهامان، ولما أمر وزيره هامان ببناء الصرح، جمع هامان العمال والفعلة، حتى اجتمع عنده خمسون ألف بناء، سوى الأتباع والأجراء، فطبخ الآجر والجبس، ونشر الخشب، وسبك المسامير، فبنوه ورفعوه، حتى ارتفع ارتفاعا، لم يبلغه بناء أحد من الخلق، فلما فرغوا،","part":3,"page":151},{"id":1265,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 152\rإلها آخر وأنه رسوله وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ أرض مصر بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (39) بالبناء للفاعل والمفعول فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ طرحناهم فِي الْيَمِ البحر المالح فغرقوا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) حين صاروا إلى الهلاك وَجَعَلْناهُمْ في الدنيا أَئِمَّةً بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ياء: رؤساء في الشرك يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ بدعائهم إلى الشرك وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (41) بدفع العذاب عنهم وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً خزيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42) المبعدين وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم بَصائِرَ لِلنَّاسِ حال من الكتاب جمع بصيرة وهي نور القلب أي أنوارا للقلوب وَهُدىً من الضلالة لمن عمل به وَرَحْمَةً لمن آمن به لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43) يتعظون بما فيه من المواعظ وَما كُنْتَ يا محمد\r______________________________\rارتقى فرعون فوقه، وأمر بنشابة فضربها نحو السماء، فردت إليه وهي ملطخة دما فقال: قد قتلت إله موسى، وكان فرعون يصعد هذا الصرح راكبا على البراذين، فبعث اللّه جبريل عليه السّلام عند غروب الشمس، فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع، قطعة وقعت على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف ألف، وقطعة وقعت في البحر، وقطعة وقعت في المغرب، ولم يبق أحد عمل في الصرح عملا إلا هلك. قوله:\rلَعَلِّي أَطَّلِعُ كأنه من قبحه توهم أن إله موسى في السماء يمكن الرقي إليه. قوله: (و أنه رسوله) أي أن موسى رسول الإله.\rقوله: وَاسْتَكْبَرَ أي تكبر. قوله: فِي الْأَرْضِ أي أرض مصر. قوله: (بالبناء للفاعل والمفعول) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: فَأَخَذْناهُ أي عقب تكبره وعناده. قوله: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليخبر به المشركين، فيرجعوا عن كفرهم وعنادهم. قوله:\r(و إبدال الثانية ياء) أي فهما قراءتان سبعيتان، لكن قراءة الإبدال من طريق الطيبة لا من طريق الشاطبية. قوله: (بدعائهم إلى الشرك) أي المؤدي للنار.\rقوله: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ أي المطرودين أو الموسومين بعلامة منكرة، كزرقة العيون وسواد الوجه.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ إخبار من اللّه لقريش بامتنانه على بني إسرائيل، حين أهلك الأمم الماضية، لما عاندوا وكذبوا رسلهم، وساروا في زمن فترة بإنزال التوراة ليتعبدوا بها، والمقصود من ذلك تعداد النعم على هذه الأمة المحمدية، والمعنى كما أنزل على موسى التوراة وقومه في فترة وجهل، أنزل على محمد القرآن وقومه في فترة وجهل ليهتدوا به. قوله: (و عاد وثمود) عطف على (قوم نوح) ولم ينونه لأنه علم على القبيلة، وهو بهذا الاعتبار ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. قوله: (و غيرهم) أي كفرعون. قوله: (حال من الكتاب) أي إما على حذف مضاف أي ذا بصائر، أو مبالغة على حد ما قيل في زيد عدل، وكذا يقال في قوله: هُدىً وَرَحْمَةً. قوله: (أي أنوارا للقلوب) أي تبصر به القلوب، كما أن إنسان العين تبصر به العين. قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي فالعاقل إذا علم أن كتاب اللّه، من","part":3,"page":152},{"id":1266,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 153\rبِجانِبِ الجبل أو الوادي أو المكان الْغَرْبِيِ من موسى حين المناجاة إِذْ قَضَيْنا أوحينا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ بالرسالة إلى فرعون وقومه وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) لذلك فتعلمه فتخبر به وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً أمما بعد موسى فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أي طالت أعمارهم فنسوا العهود واندرست العلوم وانقطع الوحي فجئنا بك رسولا وأوحينا إليك خبر موسى وغيره وَما كُنْتَ ثاوِياً مقيما فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا خبر ثان فتعرف قصتهم فتخبر بها وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) لك وإليك بأخبار المتقدمين وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ الجبل إِذْ حين نادَيْنا موسى أن خذ الكتاب بقوة وَلكِنْ أرسلناك رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ وهم أهل مكة لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) يتعظون وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ\r______________________________\rأوصافه أنه منور للقلوب، وهاد من الضلالة، ورحمة لمن صدق به، بادر إلى امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ولا يرضى لنفسه بالتواني والكسل والعناد.\rقوله: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِ الخ، المقصود من ذلك إقامة الحجة على من كذبه صلّى اللّه عليه وسلّم، يعني كيف تكذبونه بعد إتيانه بتفاصيل ما حصل للأمم السابقة وأنبيائهم؟ والحال أنكم تعلمون أنه لم يكن حاضرا ذلك ولا مشاهدا له .. قوله: وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ إن قلت: إن هذا معلوم نفيه من قوله:\rوَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِ فما ثمرة ذكره عقبه؟ أجيب بأنه لا يلزم من كونه هناك على فرض حصول مشاهدته لذلك، ولذلك قال ابن عباس: لم تحضر ذلك الموضع، ولو حضرته ما شاهدت ما وقع فيه.\rقوله: (بعد موسى) أي لأن أنبياء بني إسرائيل الذين يتعبدون بالتوراة كداود وسليمان وزكريا ويحيى وذا الكفل. كائنون بعد موسى. قوله: (و اندرست العلوم) أي فكيف يأتيك الخبر من غير وحي. قوله:\r(و أوحينا إليك خبر موسى وغيره) أي ليكون معجزة لك وتذكيرا لقومك.\rقوله: وَما كُنْتَ ثاوِياً إن قلت: إن قصة مدين متقدمة على قصة الإرسال، فكان مقتضى الترتيب ذكرها قبلها. أجيب: بأن المقصود تعداد العجائب من غير نظر للترتيب، إشارة إلى أن أي واحدة تكفي في إثبات صدقه فيما يخبر به عن ربه. قوله: (مقيما) أي إقامة طويلة تشعر بمعرفتك قصتهم. قوله:\rفِي أَهْلِ مَدْيَنَ متعلق بثاويا. قوله: وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ أي أنزلنا عليك كتابا فيه هذه الأخبار تتلوها عليهم، ولو لا ذلك ما علمتها ولم تخبرهم بها.\rقوله: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا أي كما لم تحضر يا محمد جانب المكان الغربي، إذ أرسل اللّه موسى إلى فرعون، فكذلك لم تحضر جانب الطور، إذ نادينا موسى لما أتى الميقات مع السبعين لأخذ التوراة، وبين الإرسال وإيتاء التوراة نحو ثلاثين سنة، وهذا بالنظر للعالم الجسماني لإقامة الحجة على الخصم، وأما بالنظر للعالم الروحاني، فهو حاضر رسالة كل رسول، وما وقع له من لدن آدم إلى أن ظهر بجسمه الشريف، ولكن لا يخاطب به أهل العناد قوله: ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ أي لوجودهم في فترة بينك وبين عيسى وهي ستمائة سنة.","part":3,"page":153},{"id":1267,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 154\rعقوبة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الكفر وغيره فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا هلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ المرسل بها وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) وجواب لو لا محذوف وما بعدها مبتدأ. والمعنى لو لا الإصابة المسبب عنها قولهم أو لو لا قولهم المسبب عنها أي لعاجلناهم بالعقوبة ولما أرسلنا إليهم رسولا فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُ محمد مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْ لا هلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى من الآيات كاليد البيضاء والعصا وغيرهما أو الكتاب جملة واحدة، قال تعالى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ حيث قالُوا فيه وفي محمد سِحْرانِ وفي قراءة سحران أي القرآن والتوراة تَظاهَرا تعاونا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍ من النبيين والكتابين كافِرُونَ (48) قُلْ لهم فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما من الكتابين أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (49) في قولكم فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ دعاءك بالإتيان بكتاب فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ في كفرهم وَمَنْ أَضَلُ\r______________________________\rقوله: وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ الخ، لَوْ لا حرف امتناع لوجود، وأَنْ وما بعدها في تأويل مصدر مبتدأ، وخبره محذوف وجوبا تقديره موجود كما قال المفسر. قوله: فَيَقُولُوا عطف على تُصِيبَهُمْ والفاء للسببية. قوله: (و جواب لو لا) أي الأولى، وأما الثانية فهي تحضيضية. قوله: (أو لو لا قولهم) الخ، أي فالمعنى الأول فيه انتفاء الجواب، وهو عدم الإرسال بثبوت ضده وهو الإرسال، لوجود السبب والمسبب معا. والمعنى الثاني لوجود المسبب الناشىء عن السبب فتدبر. قوله: (لما أرسلناك إليهم رسولا) أي فالحامل على ذلك تعللهم بهذا القول، فالمعنى امتنع عدم إرسالنا لك، لوجود المصائب المسبب عنها قولهم رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ الخ، إن قلت: إن الآية تقتضي وجود إصابتهم بالمصائب وقولهم المذكور، والواقع أنهم حين نزول تلك الآيات، لم يصابوا ولم يقولوا. أجيب: بأن الآية على سبيل الفرض والتقدير، فالمعنى لو لا إصابة المصائب لهم، واحتجاجهم على سبيل الفرض والتقدير، لما أرسلناك إليهم، فهو بمعنى قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا الآية.\rقوله:\rقالُوا أي تعنتا. قوله: (أو الكتاب جملة) أشار بذلك إلى قول آخر في تفسير المثل. قوله: مِنْ قَبْلُ أي قبل ظهورك.\rقوله: لَساحِرانِ خبر لمحذوف أي هما. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله:\r(تعاونا) أي بتصديق كل منهما الآخر، وذلك أن كفار مكة، بعثوا رهطا منهم إلى رؤساء اليهود بالمدينة في عيد لهم، فسألوهم عن شأنه عليه السّلام فقالوا: إنا نجده في التوراة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط وأخبروهم بما قالت اليهود قالوا ما ذكر. قوله: (و الكتابين) الواو بمعنى أو. قوله: (قل فأتوا بكتاب) الخ، أي إذا لم تؤمنوا بهذين الكتابين، فائتوا بكتاب من عند اللّه واضح في هداية الخلق، فإن أتيتم به اتبعته، وهذا تنزل للخصم زيادة في إقامة الحجة عليهم.\rقوله: أَتَّبِعْهُ مجزوم في جواب شرط مقدر تقديره إن أتيتم به أتبعه.\rقوله: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ أي لم يفعلوا ما أمرتهم به. قوله: أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ أي","part":3,"page":154},{"id":1268,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 155\rمِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ أي لا أضل منه إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) الكافرين وَلَقَدْ وَصَّلْنا بينا لَهُمُ الْقَوْلَ القرآن لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) يتعظون فيؤمنون الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ أي القرآن هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) أيضا نزلت في جماعة أسلموا من اليهود كعبد اللّه بن سلام وغيره ومن النصارى قدموا من الحبشة ومن الشام وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ القرآن قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) موحدين أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بإيمانهم بالكتابين بِما صَبَرُوا بصبرهم على العمل بهما وَيَدْرَؤُنَ يدفعون بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ منهم وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (54) يتصدقون وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ الشتم والأذى من الكفار أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ سلام\r______________________________\rليس لهم مستند إلا اتباع هواهم الفاسد. قوله: (لا أضل منه) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي.\rقوله: وَلَقَدْ وَصَّلْنا العامة على تشديد الصاد، وهو مأخوذ إما من وصل الشيء بالشيء، بمعنى جعله تابعا له، لأن القرآن تابع بعضه بعضا، قال تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً أو من وصل الحبل جعله أوصالا أي أنواعا، لأن القرآن أنواع، كالوعد والوعيد، والقصص والعبر والمواعظ.\rقوله: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ الاسم الموصول مبتدأ، وآتَيْناهُمُ صلته، وهم مبتدأ ثان وبه متعلق بيؤمنون، ويُؤْمِنُونَ خبر الثاني، وهو وخبره خبر الأول. قوله: (أيضا) أي كما آمنوا بكتابهم.\rقوله: (نزلت في جماعة أسلموا من اليهود) الخ، قال ابن عباس: نزلت في ثمانين من أهل الكتاب، أربعون من نجران، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام، وقيل إنها نزلت في أربعين رجلا قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة آمنوا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فلما رأوا ما بالمسلمين من الحاجة والخصاصة قالوا: يا رسول اللّه إن لنا أموالا، فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا بها المسلمين، فأذن لهم فانصرفوا، فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين، والمقصود من قصد هؤلاء الثناء عليهم والفخر بهم على المشركين.\rقوله: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أي فإسلامنا ليس بمتجدد، بل هو موافق لما عندنا، لأن في كتبهم صفة النبي ونعته، فتمسكوا بكتابهم ولم يغيروا ولم يبدلوا إلى أن بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فنظروا في صفاته وأحواله، فلما وجدوها مطابقة لما عندهم، أظهروا ما كان عندهم من الإسلام. قوله: (بصبرهم) أشار بذلك إلى أن ما مصدرية، وقوله: (على العمل بهما) أي أو على أذى المشركين ومن عاداهم من أهل دينهم.\rقوله: وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أي يدفعون الكلام القبيح، كالسب والشتم الحاصل لهم من أعدائهم بالحسنة، أي الكلمة الطيبة الجميلة، أو المعنى إذا وقعت منهم معصية أتبعوها بطاعة كالتوبة.\rقوله: وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ الخ، وذلك أن المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب ويقولون: تبّا لكم، أعرضتم عن دينكم وتركتموه، فيعرضون عنهم ويقولون لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ قوله:","part":3,"page":155},{"id":1269,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 156\rمتاركة أي سلمتم منا من الشتم وغيره لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (55) لا نصحبهم. ونزل في حرصه صلّى اللّه عليه وسلّم على إيمان عمه أبي طالب إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ هدايته وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ أي عالم بِالْمُهْتَدِينَ (56) وَقالُوا أي قومه إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أي ننتزع منها بسرعة قال تعالى أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يأمنون فيه من الإغارة والقتل الواقعين من بعض العرب على بعض يُجْبى بالفوقانية والتحتانية إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ من كل أوب رِزْقاً لهم مِنْ لَدُنَّا أي عندنا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57) أن ما\r______________________________\r(سلام متاركة) أي إعراض وفراق لا سلام تحية. قوله: (لا نصحبهم) الأوضح أن يقول: لا نطلب صحبتهم. قوله: (و نزل في حرصه) الخ، وذلك أنه لما احتضرته الوفاة، جاءه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: «يا عم قل لا إله إلا اللّه، كلمة أحاج لك بها عند اللّه، فقال: يا ابن أخي، قد علمت أنك لصادق، ولكني أكره أن يقال جزع عند الموت، ولو لا أن يكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة بعدي لقلتها، ولأقررت بها عينك عند الفراق، لما أرى من شدة وجدك ونصيحتك، ثم أنشد:\rولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا\r\rلو لا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا\r\rولكني سوف أموت على ملة الأشياخ: عبد المطلب وهاشم وبني عبد مناف ثم مات، فأتى علي ابنه للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال له: عمك الضال قد مات، فقال له: اذهب فواره» وما تقدم من أنه لم يؤمن حتى مات هو الصحيح، وقيل: إنه أحيي وأسلم ثم مات، ونقل هذا القول عن بعض الصوفية.\rقوله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أي لا تقدر على هدايته. إن قلت: إن بين هذه الآية وآية إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تناف. أجيب: بأن المنفي هنا خلق الاهتداء، والمثبت هناك الدلالة على الدين القويم. قوله:\rوَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي فسلم أمرك للّه، فإنه أعلم بأهل السعادة وأهل الشقاوة، ولا يبالي بأحد. قوله: (أي قومه) أي وهم بعض أهل مكة، كالحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف، فإنه أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له: إنا نعلم أنك على الحق، ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب، أن يتخطفونا من أرضنا.\rقوله: الْهُدى أي وهو دين الإسلام.\rقوله: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً أي نجعل مكانهم حرما ذا أمن، وعدي بنفسه لأنه بمعنى جعل، يدل عليه الآية الأخرى وهي: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً. قوله: (يأمنون فيه) أشار بذلك إلى أن في الكلام مجازا عقليا. قوله: (تجبى) أي تحمل وتساق. قوله: (بالفوقانية والتحتانية) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ مجاز عن الكثرة كقوله: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قال بعض العارفين: من يتعلق ببيت اللّه الحرام ويسعى إليه، فهو من خيار الخلق، لقوله في الآية: يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ. قوله: (من كل أوب) أي ناحية وطريق وجهة. قوله: رِزْقاً إما بمعنى مرزوقا، فيكون منصوبا على الحال من ثمرات، أو باق على مصدريته، فيكون مفعولا مطلقا مؤكدا لمعنى يجبى، أي نرزقهم رزقا. قوله: (أن ما نقوله حق) قدره إشارة إلى أن مفعول يَعْلَمُونَ محذوف.","part":3,"page":156},{"id":1270,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 157\rنقوله حق وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها أي عيشها وأريد بالقرية أهلها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا للمارّة يوما أو بعضه وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (58) منهم وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بظلم منها حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها أي أعظمها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ (59) بتكذيب الرسل وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها أي تتمتعون وتتزينون به أيام حياتكم ثم يفنى وَما عِنْدَ اللَّهِ أي ثوابه خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (60) بالتاء والياء أن الباقي خير من الفاني أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً\r______________________________\rقوله: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ رد بذلك على الكفار، وبيّن لهم أن العبارة بالعكس، وأن خوف التخطف يكون بالكفر لا بالإيمان، وأنهم ما داموا مصرين على كفرهم، يحل بهم وبال بطرهم كما حصل لمن قبلهم. قوله: بَطِرَتْ مَعِيشَتَها أي كفرت نعمة ربها في زمن معيشتها أي حياتها. قوله: فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ أي خربة بسبب ظلمهم، والإشارة إلى قوم لوط وصالح وشعيب وهود، فإن السفار تمر على تلك المساكن، وتنزل بها في بعض الأوقات. قوله: (للمارة يوما أو بعضه) أي لأن المار في الطريق، إذا نزل للاستراحة، إنما يستمر في الغالب يوما أو بعضه.\rقوله: وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى الخ، بيان للحكمة الإلهية التي سبقت بها مشيئته تعالى، والمعنى ما ثبت في حكمه أن يهلك قرية قبل الإنذار. قوله: (أي أعظمها) أي وهي المدن بالنسبة لما حواليها، فجرت عادة اللّه أن يبعث الرسول من أهل المدائن، لأنهم أعقل وأفطن، ويتبعهم غيرهم، ولما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مبعوثا لجميع الخلق، كانت بلده أفضل البلاد على الإطلاق، وقبيلته أشرف القبائل على الإطلاق. قوله: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا أي لقطع الحجج والمعاذير. قوله: إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ استثناء من عموم الأحوال، كأنه قال: ما كنا نهلكهم في حال من الأحوال، إلا في حال كونهم ظالمين.\rقوله:\rوَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ الخ ما اسم موصول مبتدأ، وأُوتِيتُمْ صلته، ومِنْ شَيْءٍ بيان لما، وقوله: فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا خبره، وقرن بالفاء لما في المبتدإ من معنى العموم، ويصح أن تكون ما شرطية، وقوله: فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا خبر مبتدأ محذوف، والجملة جواب الشرط. قوله: (ثم يفنى) أي يذهب بفنائكم، فجميع ما في الدنيا عرض زائل، يذهب بذهاب أهله، ولا يبقى إلا جزاؤه، فحلال الدنيا حساب، وحرامها عقاب. قوله: (و هو ثوابه) أي ثواب الأعمال التي قصد بها وجهه سبحانه وتعالى. قوله: خَيْرٌ وَأَبْقى أي دائم بدوام اللّه. قوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير أتركتم التدبر في أحوالكم فلا تعقلون، فمن آثر الفاني على الباقي، فلا عقل عنده، لما في الحديث: «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له»، وللّه در الشافعي حيث قال:\rإن للّه عبادا فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا\r\rنظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجة واتخذوا\r\rصالح الأعمال فيها سفنا","part":3,"page":157},{"id":1271,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 158\rحَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ مصيبه وهو الجنة كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا فيزول عن قريب ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) النار، الأول المؤمن، والثاني الكافر، أي لا تساوي بينهما وَاذكر يَوْمَ يُنادِيهِمْ اللّه فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62) هم شركائي قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ بدخول النار وهم رؤساء الضلالة رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا هم مبتدأ وصفة أَغْوَيْناهُمْ خبره فغووا كَما غَوَيْنا لم نكرههم على الغي تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم\r______________________________\rوليس المراد من ذلك ترك الدنيا رأسا والخروج عنها بالمرة، بل المراد لا يجعلها أكبر همه ولا مبلغ علمه، وإنما يطلب الدنيا ليستعين بها على خدمة ربه، لتكون مزرعة لآخرته، لما في الحديث: «نعم المال الصالح في يد الرجل الصالح» فالمضر شغل القلب والنية السوء. قوله: (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أن الباقي خير من الفاني) قدره إشارة إلى أن مفعول يفعلون محذوف، واستفيد منه أن عقل الناس المشتغلون بطاعة اللّه، الذين اختاروا الباقي على الفاني، ومن هنا قال الإمام الشافعي رضي اللّه عنه: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس، صرف إلى المشتغلين بطاعة اللّه تعالى.\rقوله: أَفَمَنْ وَعَدْناهُ الخ، من مبتدأ، وجملة وَعَدْناهُ صلتها، وقوله كمن وعدناه الخ، خبر المبتدأ، والمعنى أيستوي من وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه، بمن انهمك في طلب الفاني، حتى صار يوم القيامة من المحضرين للعذاب، فهو نظير قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ. قوله: (مصيبة) أي مدركه لا محالة، لأن وعده لا يتخلف. قوله: مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي المشوب بالأكدار. قوله: (الأول) أي وهو من وَعَدْناهُ والثاني وهو من مَتَّعْناهُ. قوله: (أي لا تساوي بينهما) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي.\rقوله: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أي المشركين الذين عبدوا غير اللّه على لسان ملائكة العذاب، أو النداء من اللّه لهم والمنفي في آية وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كلام الرضا والرحمة، فلا ينافي أنه يكلمهم كلام غضب وسخط. قوله: فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ تفسير للنداء. قوله: تَزْعُمُونَ (شركائي) أشار بذلك إلى أن مفعولي تزعمون محذوفان.\rقوله: قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ كلام مستأنف واقع في جواب سؤال مقدر تقديره ما ذا قالوا؟ وجواب هذا السؤال: أنه حصل التنازع والتخاصم بين الرؤساء والأتباع فقال الأتباع: إنهم أضلونا، وقال الرؤساء رَبَّنا هؤُلاءِ الخ، فهو بمعنى قوله تعالى: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً الخ، وبمعنى وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ الخ. قوله: حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي ثبت وتحقق وهو قوله لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ*. قوله: (و هم رؤساء الضلال) أي الذين أطاعوهم في كل ما أمروهم به ونهوهم عنه.\rقوله: رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا الخ، اسم الإشارة مبتدأ، والموصول نعته، وأَغْوَيْنا صلته، والعائد محذوف قدره المفسر، وأَغْوَيْناهُمْ خبره، وصح الإخبار به لتقييده بقوله: كَما غَوَيْنا ففيه زيادة فائدة على الصلة، والمعنى تسببنا لهم في الغي، فقبلوا منا ولم يتبعوا الرسل وما أنزل","part":3,"page":158},{"id":1272,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 159\rما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (63) ما نافية وقدم المفعول للفاصلة وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ أي الأصنام الذين كنتم تزعمون أنهم شركاء اللّه فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ دعاءهم وَرَأَوُا هم الْعَذابَ أبصروه لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (64) في الدنيا لما رأوه في الآخرة وَاذكر يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) إليكم فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ الأخبار المنجية في الجواب يَوْمَئِذٍ أي لم يجدوا خبرا لهم فيه نجاة فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (66) عنه فيسكتون فَأَمَّا مَنْ تابَ من الشرك وَآمَنَ صدق بتوحيد اللّه وَعَمِلَ صالِحاً أدّى الفرائض فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) الناجين بوعد اللّه وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما يشاء ما كانَ لَهُمُ للمشركين الْخِيَرَةُ الاختيار في شيء سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) عن إشراكهم\r______________________________\rعليهم من الكتب التي فيها المواعظ والأوامر والنواهي، فلم نخيرهم عن أنفسنا، بل اخترنا لهم ما اخترناه لأنفسنا، فاتبعونا بهواهم. قوله: تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ (منهم) هذا تقرير لما قبله. قوله: (و قدم المفعول) أي وهو قوله: إِيَّانا.\rقوله: وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ أي استغيثوا بآلهتكم متى عبدتموها لتنصركم وتدفع عنكم ما نزل بكم، وهذا القول للتهكم والتبكيت لهم. قوله: وَرَأَوُا الْعَذابَ أي نازلا بهم. قوله:\r(ما رأوه) هو جواب لَوْ.\rقوله: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ معطوف على ما قبله فتحصل أنهم يسألون عن إشراكهم وجوابهم للرسل.\rقوله: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ أي خفيت عليهم فلم يهتدوا لجواب فيه راحة لهم، أو الكلام على القلب، والأصل فعموا عن الأنباء، أي ضلوا وتحيروا في ذلك، فلم يهتدوا إلى جواب به نجاتهم. قوله:\rفَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (عنه) أي عن الخبر المنجي لحصول الدهشة لهم ولقنوطهم من رحمة اللّه حينئذ.\rقوله: فَأَمَّا مَنْ تابَ الخ، أي رجع عن كفره في حال الحياة. قوله: فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ الترجي في القرآن بمنزلة التحقق لأنه وعد كريم، ومن شأنه لا يخلف وعده.\rقوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ سبب نزولها أن الوليد بن المغيرة، استعظم النبوة ونزول القرآن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، فنزلت هذه الآية ردا عليه، واختلف المفسرون في تفسير هذه الآية على أقوال كثيرة، فقيل يخلق ما يشاء من خلقه ويختار ما يشاء منهم لطاعته، وقيل يخلق ما يشاء من خلقه، ويختار ما يشاء لنبوته، وقيل يخلق ما يشاء محمدا، ويختار الأنصار لدينه، وقيل يخلق ما يشاء محمدا، ويختار ما يشاء أصحابه وأمته لما روي: «إن اللّه اختار أصحابي على العالمين، سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليا، فجعلهم أصحابي، وفي أصحابي كلهم خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون» ا ه، فقد اختار محمدا على سائر المخلوقات، واختار أمته على سائر الأمم، فكما هو أفضل الخلق على الإطلاق، أمته أفضل الأمم على الإطلاق.\rقوله: ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ بالتحريك والإسكان معناهما واحد وهو الاختيار، وما نافية،","part":3,"page":159},{"id":1273,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 160\rوَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ تسر قلوبهم من الكفر وغيره وَما يُعْلِنُونَ (69) بألسنتهم من ذلك وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى الدنيا وَالْآخِرَةِ الجنة وَلَهُ الْحُكْمُ القضاء\r______________________________\rوكانَ فعل ناقص، والجار والمجرور خبرها مقدم، والْخِيَرَةُ اسمها مؤخر، والجملة مستأنفة، فالوقف على بختار، والمعنى ليس للخلق جميعا الاختيار في شيء، لا ظاهرا ولا باطنا، بل الخيرة للّه تعالى في أفعاله، لما في الحديث القدسي: «يا عبدي أنت تريد، وأنا أريد، ولا يكون إلا ما أريد، فإن سلمت لي ما أريد أعطيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي ما أريد أتعبتك فيما تريد، ولا يكون إلا ما أريد» وإنما خص المفسر المشركين بذلك مراعاة لسبب النزول، ويصح أن تكون ما مصدرية، وما بعدها مؤول بمصدر، والمعنى يختار اختيارهم فيه، ويصح أن تكون موصولة والعائد محذوف، والتقدير ويختار الذي لهم فيه الاختيار، وحينئذ فلا يصح الوقف على يختار، والأول أظهر، فالواجب على الإنسان، أن يعتقد أنه لا تأثير لشيء من الكائنات في شيء أبدا، وإنما يظهر على أيدي الخلق أسباب عادية يمكن تخلفها.\rقوله: سُبْحانَ اللَّهِ أي تنزيها له عما لا يليق به. قوله: (من الكفر وغيره) أي كالإيمان، فيجازي الكافر بالخلود في الجنة.\rقوله: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ أي هو مستحق للثناء بالجميل في الدنيا والجنة، لأنه لا معطي للنعم فيهما، إلا هو سبحانه تعالى، فالمؤمنون يحمدونه في الجنة بقولهم:\rالحمد للّه الذي صدقنا وعده، الحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن، كما حمدوه في الدنيا، لكن الحمد للّه في الدنيا مكلفون به، وأما في الآخرة فهو تلذذ لانقطاع التكليف بالموت. قال العلماء: لا ينبغي لأحد أن يقدم على أمر من أمور الدنيا والآخرة، حتى يسأل اللّه تعالى الخيرة في ذلك، وذلك بأن يصلي ركعتين صلاة الاستخارة، يقرأ في الركعة الأولى بعد أم القرآن وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ الآية، وفي الثانية ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ الآية، ثم يدعو بالدعاء الوارد في صحيح البخاري عن جابر بن عبد اللّه قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علّام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال في عاجل أمري وآجله، فاقدره لي ويسره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال في عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به، قال: ويسمي حاجته». وروي عن أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال له: «يا أنس إذا هممت بأمر، فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى ما يسبق إلى قلبك واعمله، فإن الخير فيه» انتهى، فإن لم يكن يحفظ الشخص هاتين الآيتين فليقرأ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ والإخلاص، فإن لم يكن يحفظ هذا الدعاء فليقرأ: اللهم خر لي، واختر لي، كما روي عن عائشة عن أبي بكر رضي اللّه عنهما.\rواعلم أن هذه الكيفية هي الواردة في الحديث الصحيح، وأما الاستخارة بالمنام أو بالمصحف أو السبحة، فليس واردا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ولذا كرهه العلماء وقالوا: إنه نوع من الطيرة.\rقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ الخ أَرَأَيْتُمْ، وجَعَلَ تنازعا في الليل، أعمل الثاني","part":3,"page":160},{"id":1274,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 161\rالنافذ في كل شيء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70) بالنشور قُلْ لأهل مكة أَرَأَيْتُمْ أي أخبروني إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً دائما إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ بزعمكم يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ نهار تطلبون فيه المعيشة أَفَلا تَسْمَعُونَ (71) ذلك سماع تفهم فترجعون عن الإشراك قُلْ لهم أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ بزعمكم يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ تستريحون فِيهِ من التعب أَفَلا تُبْصِرُونَ (72) ما أنتم عليه من الخطأ في الإشراك فترجعون عنه وَمِنْ رَحْمَتِهِ تعالى جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ في الليل وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ في النهار بالكسب وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) النعمة فيهما وَاذكر يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) ذكر ثانيا ليبنى عليه وَنَزَعْنا أخرجنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً وهو نبيهم يشهد عليهم بما قالوا فَقُلْنا لهم هاتُوا بُرْهانَكُمْ على ما قلتم من الإشراك فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَ في الإلهية لِلَّهِ لا يشاركه فيه أحد وَضَلَ غاب عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (75) في الدنيا من أن معه شريكا، تعالى عن ذلك إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى ابن عمه وابن خالته وآمن به فَبَغى عَلَيْهِمْ بالكبر والعلو وكثرة المال وَآتَيْناهُ مِنَ\r______________________________\rوأضمر في الأول وحذف، وهو مفعوله الأول، ومفعوله الثاني جملة الاستفهام بعده، وإِنْ حرف شرط، وجَعَلَ فعل الشرط، واللَّهُ فاعله، واللَّيْلَ مفعول أول، وسَرْمَداً مفعول ثان، وجواب الشرط محذوف تقديره ما ذا تفعلون، وتقدم الكلام على نظيرتها في الأنعام. قوله: سَرْمَداً من السرد وهو المتابعة والاطراد. قوله: (دائما) أي بأن يسكن الشمس تحت الأرض. قوله: إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ متعلق بجعل. قوله: مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ (بزعمكم) دفع بذلك ما يقال: إن المقام لهل لأنها لطلب التصديق، لا من التي لطلب التعيين، لأنه يوهم وجود آلهة غيره تعالى، فأجاب: بأنه مجاراة للمشركين في زعمهم وجود آلهة معه. قوله: (سماع تفهم) أي تدبر واعتبار، لأن مجرد الإبصار لا يفيد.\rقوله: إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً أي بأن يسكن الشمس في وسط السماء.\rقوله: وَمِنْ رَحْمَتِهِ أي تفضله وإحسانه. قوله: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ الخ، أي لأن المرء في الدنيا، لا بد وأن يحصل له التعب، ليحصل ما يحتاج إليه في معاشه، فجعل اللّه له محل تكسب وهو النهار، ومحل راحة وسكون ليستريح من ذلك التعب وهو الليل. قوله: وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ استفيد من الآية مدح السعي في طلب الرزق لما ورد: الكاسب حبيب اللّه.\rقوله: (ذكر ثانيا ليبنى عليه) وَنَزَعْنا الخ، أي وإشارة إلى أن الشرك أمره عظيم، لا شيء أجلب منه لغضب اللّه، كما أن التوحيد عظيم، لا شيء أجلب منه لرضا اللّه. قوله: (يشهد عليهم بما قالوا) أي وأمة محمد يشهدون للأنبياء بالتبليغ، وعلى الأمم بالتكذيب. قوله: أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ أي التوحيد للّه خاصة لا لغيره. قوله:\r(من أن معه شريكا) بيان لما.\rقوله: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى هو اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.","part":3,"page":161},{"id":1275,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 162\rالْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ تثقل بِالْعُصْبَةِ الجماعة أُولِي أصحاب الْقُوَّةِ أي تثقلهم، فالباء للتعدية، وعدتهم قيل سبعون وقيل أربعون وقيل عشرة وقيل غير ذلك، اذكر إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ المؤمنون من بني إسرائيل لا تَفْرَحْ بكثرة المال فرح بطر إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) بذلك وَابْتَغِ اطلب فِيما آتاكَ اللَّهُ من المال الدَّارَ الْآخِرَةَ بأن تنفقه في طاعة اللّه وَلا تَنْسَ تترك نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا أي أن تعمل فيها للآخرة وَأَحْسِنْ للناس بالصدقة كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ تطلب الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ بعمل المعاصي إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُ\r______________________________\rقوله: (ابن عمه) أي واسم ذلك العم يصهر، بياء تحتية مفتوحة وصاد مهملة ساكنة وهاء مضمومة، ابن قاهث بقاف وهاء مفتوحة وثاء مثلثة، ويصهر أبو قارون، وعمران أبو موسى أخوان، ولدا قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السّلام، وقيل إن قارون عم موسى. قوله: (و آمن به) أي وكان من السبعين الذين اختارهم موسى للمناجاة، فسمع كلام اللّه ثم حسد موسى على رسالته، وهارون على إمامته. قوله: (بالكبر) أي احتقار ما سواه، ومن جملة تكبره أن زاد في ثيابه شبرا، ومن جملة بغيه بالكبر حسده لموسى عليه السّلام على النبوة، وكان يسمى المنور لحسن صورته.\rقوله: مِنَ الْكُنُوزِ سميت كنوزا لما قيل إنه وجد كنزا من كنوز يوسف عليه السّلام، وقيل لامتناعه من أداء الزكاة. قوله: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ الخ، ما اسم موصول صفة لموصوف محذوف، وإِنَ حرف توكيد ونصب، ومَفاتِحَهُ اسمها، وجملة لَتَنُوأُ خبرها، والجملة صلة الموصول، والتقدير وآتيناه من الكنوز الشيء الذي مفاتحه تثقل العصبة أولي القوة، وكانت مفاتحه أولا من حديد، فلما كثرت جعلها من خشب فثقلت فجعلها من جلود البقر، وقيل من جلود الإبل، كل مفتاح على قدر الأصبع، وكانت تحمل معه على أربعين وقيل على ستين بغلا. قوله: لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ الباء للتعدية، والمعنى لتثقل المفاتح العصبة. قوله: (فرح بطر) أي لأنه هو المذموم، وأما الفرح بالدنيا من حيث إنها تعينه على أمور الآخرة، كقضاء الدين والصدقة وإطعام الجائع وغير ذلك فلا بأس به. قوله: (بأن تنفقه في طاعة اللّه) أي كصلة الرحم والصدقة وغير ذلك.\rقوله: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا أي بأن تصرف عمرك في مرضاة ربك، ولا تدع نفسك من غير خير، فتصير يوم القيامة مفلسا، لما في الحديث: «اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك وحياتك قبل موتك». وقيل المراد بالنصيب الكفن ومؤن التجهيز، قال الشاعر:\rنصيبك مما تجمع الدهر كله ... رداءان تدرج فيهما وحنوط\rقوله: وَأَحْسِنْ (للناس بالصدقة) المناسب حمله على العموم، ويكون تفسيرا لقوله: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وقوله: كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ الكاف للتشبيه، وما مصدرية، والمعنى وأحسن إحسانا كإحسان اللّه إليك، أو للتعليل.","part":3,"page":162},{"id":1276,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 163\rالْمُفْسِدِينَ (77) بمعنى أنه يعاقبهم قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ أي المال عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أي في مقابلته، وكان أعلم بني إسرائيل بالتوراة بعد موسى وهرون، قال تعالى أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ الأمم مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً للمال أي وهو عالم بذلك ويهلكهم اللّه وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) لعلمه تعالى بها فيدخلون النار بلا حساب فَخَرَجَ قارون عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ بأتباعه الكثيرين ركبانا، متحلين بملابس الذهب والحرير، على خيول وبغال متحلية قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا للتنبيه لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ في الدنيا إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ نصيب عَظِيمٍ (79) واف فيها وَقالَ لهم الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بما وعد اللّه في الآخرة وَيْلَكُمْ كلمة زجر ثَوابُ اللَّهِ في الآخرة بالجنة خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ\r______________________________\rقوله: قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي جواب لما قالوه من الجمل الخمس، كأنه ينكر محض الفضل، والمعنى إنما أوتيته حال كوني متصفا بالعلم الذي عندي، فأعطاني اللّه تلك الأموال لكوني مستحقا لها لفضلي وعلمي. قوله: (و كان أعلم بني إسرائيل بالتوراة) وقيل العلم الذي فضل به هو علم الكيمياء، فإن موسى علمه ثلثه، ويوشع ثلثه، وكالب ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف ما عندهما إلى ما عنده، فكان يأخذ الرصاص فيجعله فضة، ومن النحاس فيجعله ذهبا، فكثر بذلك ماله وتكبر، وعلى هذا فقوله: عَلى عِلْمٍ عِنْدِي المراد به علم الكيمياء، ويكون المعنى اكتسبته بعلمي الذي عندي، لا من فضل اللّه كما تقولون. قوله: أَوَلَمْ يَعْلَمْ الهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة عليه، والتقدير أيدعي ولم يعلم أن اللّه الخ، والاستفهام للتوبيخ، والمعنى أنه إذا أراد إهلاكه لم ينفعه ذلك.\rقوله: وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ أي لا يسألهم اللّه عن ذنوبهم إذا أراد عقابهم. إن قلت: كيف الجمع بين هذا وبين قوله تعالى فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ؟ أجيب: بأن السؤال قسمان: سؤال استعتاب، وسؤال توبيخ وتقريع، فالمنفي سؤال الاستعتاب الذي يعقبه العفو والغفران، كسؤال المسلم العاصي، والمثبت سؤال التوبيخ الذي لا يعقبه إلا النار.\rقوله: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ عطف على قوله: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ وما بينهما اعتراض، وكان خروجه يوم السبت، وقوله: (بأتباعه) قيل كانوا أربعة آلاف، وقيل تسعين ألفا عليهم المعصفرات، وهو أول يوم ريء فيه المعصفرات، وكان عن يمينه ثلاثمائة غلام، وعن يساره ثلاثمائة جارية بيض عليهن الحلي والديباج، وكانت خيولهم وبغالهم متحلية بالديباج الأحمر، وكانت بغلته شهباء بياضها أكثر من سوادها، سرجها من ذهب، وكان على سرجها الأرجوان، بضم الهمزة والجيم وهو قطيفة حمراء.\rقوله: قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا أي وكانوا مؤمنين غير أنهم محجوبون. قوله: (كلمة زجر) أي وهي منصوبة بمقدر، أي ألزمكم اللّه ويلكم، والأصل في الويل الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والردع. قوله: (مما أوتي قارون في الدنيا) أي لأن الثواب منافعه عظيمة.\rقوله: وَلا يُلَقَّاها أي يوفق للعمل بها. قوله: (على الطاعة وعن المعصية) أي وعلى الرضا بأحكامه تعالى.","part":3,"page":163},{"id":1277,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 164\rصالِحاً مما أوتي قارون في الدنيا وَلا يُلَقَّاها أي الجنة المثاب بها إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) على\r______________________________\rقوله: فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ قال أهل العلم بالأخبار والسير: كان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون، وأقرأهم للتوراة، وأجملهم وأغناهم، وكان حسن الصوت، فبغى وطغى واعتزل بأتباعه، وجعل موسى يداريه للقرابة التي بينهما، وهو يؤذيه في كل وقت، ولا يزيد إلا عتوا وتجبرا ومعاداة لموسى، حتى بنى دارا، وجعل بابها من الذهب، وضرب على جدرانها صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون، ويطعمهم الطعام، ويحدثونه ويضاحكونه، قال ابن عباس: فلما نزلت الزكاة على موسى، أتاه قارون فصالحه عن كل ألف دينار على دينار واحد، وعن كل ألف درهم على درهم، وعن كل ألف شاة على شاة، وكذلك سائر الأشياء ثم رجع إلى بيته فحسبه، فوجده شيئا كثيرا فلم تسمح نفسه بذلك، فجمع بني إسرائيل وقال لهم: إن موسى قد أمركم بكل شيء، فأطعتموه وهو يريد أن يأخذ أموالكم، قالت بنو إسرائيل: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت، قال: آمركم أن تأتونا بفلانة الزانية، فنجعل لها جعلا، على أن تقذف موسى بنفسها، فإذا فعلت ذلك، خرج عليه بنو إسرائيل ورفضوه، فدعوها فجعل لها قارون ألف دينار وألف درهم، وقيل جعل لها طشتا من ذهب، وقيل قال لها قارون: أموّلك وأخلطك بنسائي، على أن تقذفي موسى بنفسك غدا، إذا حضر بنو إسرائيل، فلما كان من الغد، جمع قارون بني إسرائيل، ثم أتى إلى موسى فقال له: إن بني إسرائيل ينتظرون خروجك لتأمرهم وتنهاهم، فخرج إليهم موسى، وهم في براح من الأرض، فقام فيهم فقال: يا بني إسرائيل، من سرق قطعنا يده، ومن افترى جلدناه ثمانين، ومن زنى وليست له امرأة جلدناه مائة، ومن زنى وله امرأة رجمناه حتى يموت. قال قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا. قال: فإن بني إسرائيل، يزعمون أنك فجرت بفلانة الزانية، قال موسى: ادعوها، فلما جاءت قال لها موسى: يا فلانة، أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ وعظم عليها وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة إلا صدقت، فتداركها اللّه بالتوفيق فقالت في نفسها: أحدث توبة أفضل من أن أؤذي رسول اللّه، فقالت: لا واللّه، ولكن جعل لي قارون جعلا، على أن أقذفك بنفسي، فخر موسى ساجدا يبكي، وقال: اللهم إن كنت رسولك فاغضب لي، فأوحى اللّه إليه إني أمرت الأرض أن تطيعك، فمرها بما شئت، فقال موسى: يا بني إسرائيل، إن اللّه بعثني إلى قارون، كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه فليثبت مكانه، ومن كان معي فليعتزل، فاعتزلوا، فلم يبق مع قارون إلا رجلان، قال موسى: يا أرض خذيهم، فأخذتهم الأرض بأقدامهم، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم الأرض إلى أوساطهم، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الأعناق، وأصحابه في كل ذلك يتضرعون إلى موسى، ويناشده قارون اللّه والرحم، حتى قيل إنه ناشده سبعين مرة، وموسى في ذلك لا يلتفت إليه لشدة غضبه، ثم قال:\rيا أرض خذيهم، فانطبقت عليهم. قال قتادة: خسفت به، فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل، لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة. وفي الخبر: إذا وصل قارون إلى قرار الأرض السابعة، نفخ إسرافيل في الصور، وأصبحت بنو إسرائيل يتحدثون فيما بينهم: إن موسى إنما دعا على قارون، ليستبد بداره وكنوزه وأمواله، فدعا اللّه موسى حتى خسف بداره وكنوزه وأمواله الأرض، قال بعضهم: مقتضى هذا الحديث، أن الأرض لا تأكل جسمه، فيمكن أن يلغز ويقال لنا: كافر لا يبلى جسده بعد الموت وهو قارون. قوله:","part":3,"page":164},{"id":1278,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 165\rالطاعة وعن المعصية فَخَسَفْنا بِهِ بقارون وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره بأن يمنعوا عنه الهلاك وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (81) منه وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ أي من قريب يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يوسع الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ يضيق على من يشاء، ووي اسم فعل بمعنى أعجب، أي أنا، والكاف بمعنى اللام لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا بالبناء للفاعل والمفعول وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (82) لنعمة اللّه كقارون تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ الجنة نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ بالبغي وَلا فَساداً بعمل المعاصي وَالْعاقِبَةُ المحمودة لِلْمُتَّقِينَ (83) عقاب اللّه بعمل الطاعات مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها ثواب بسببها وهو عشر أمثالها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ\r______________________________\rمِنْ فِئَةٍ مِنْ زائدة، وفِئَةٍ اسم كانَ إن كانت ناقصة، والجار والمجرور خبرها، أو فاعل بها إن كانت تامة. قوله: مِنَ المُنْتَصِرِينَ أي الممتنعين بأنفسهم قوله: (أي من قريب) أشار بذلك إلى أن المراد بالأمس الوقت الماضي القريب لا اليوم الذي قبل يومك.\rقوله: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ الخ، وَيْكَأَنَ فيها خمسة مذاهب، الأول: أن وي كلمة برأسها اسم فعل بمعنى أعجب، والكاف للتعليل، وأن وما دخلت عليه مجرور بها أي أعجب، لأن اللّه يبسط الرزق الخ، فالوقف على وي، وهو قراءة الكسائي. الثاني: إن كأن للتشبيه، غير أنه ذهب معناه منها وصارت لليقين، وحينئذ فالوقف على وي كالذي قبله. الثالث: إن ويك كلمة برأسها، والكاف حرف خطاب، ان معمولة لمحذوف، أي أعلم أن اللّه يبسط الرزق الخ، وحينئذ فالوقف على ويك، وهو قراءة أبي عمرو. الرابع: أن أصلها ويلك حذفت اللام، وحينئذ فالوقف على الكاف أيضا. الخامس: أن ويكأن كلها كلمة بسيطة، ومعناها ألم تر أن اللّه يبسط الرزق الخ، وحينئذ فالوقف على النون.\rقوله: لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا أي بالإيمان والرحمة. قوله: (بالبناء للفاعل والمفعول) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: وَيْكَأَنَّهُ تأكيد لما قبله، ويجري فيها ما يجري في التي قبلها.\rقوله: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، فإن فرعون وقارون تكبرا وتجبرا واختارا العلو، فآل أمرهما للخسران والوبال والدمار، وموسى وهارون اختارا التواضع، فآل أمرهما للعز الدائم الذي لا يزول ولا يحول. قوله: (أي الجنة) أي وما فيها من النعيم الدائم، ورؤية وجه اللّه الكريم، وسماع كلامه القديم. قوله: لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا التعبير بالإرادة أبلغ في النفي، لأنه نفي وزيادة. قوله: نَجْعَلُها أي نصيرها. قوله: (بالبغي) أي الظلم والكبر كما وقع لفرعون وقارون وجنودهما. قوله: (بعمل المعاصي) أي كالقتل والزنا والسرقة وغير ذلك من الأمور التي تخالف أوامره تعالى. قوله: لِلْمُتَّقِينَ أظهر في مقام الإضمار، إظهارا لشأنهم ومدحا لهم بنسبتهم للتقوى وتسجيلا على ضدهم.\rقوله: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ تقدم أنه إن أريد بِالْحَسَنَةِ لا إله إلا اللّه، فالمراد بالخير الجنة، ومَنْ للتعليل، وليس في الصيغة تفضيل، وإن أريد بها مطلق طاعة، فالمراد بالخير منها عشر أمثالها،","part":3,"page":165},{"id":1279,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 166\rعَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا جزاء ما كانُوا يَعْمَلُونَ (84) أي مثله إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ أنزله لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ إلى مكة وكان قد اشتاقها قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (85) نزل جوابا لقول كفار مكة له: إنك في ضلال، أي فهو الجائي بالهدى، وهم في الضلال، وأعلم بمعنى عالم وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ القرآن إِلَّا لكن ألقي إليك رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً معينا لِلْكافِرِينَ (86) على دينهم الذي دعوك\r______________________________\rكما جاء مفسرا به في الآية الأخرى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها فقول المفسر (ثواب بسببها) الخ، إشارة للمعنى الثاني. قوله: (و هو عشر أمثالها) هذا أقل المضاعفة، وتضاعف لسبعين ولسبعمائة، واللّه يضاعف لمن يشاء، وهذا في الحسنة التي فعلها بنفسه أو فعلت من أجله، كالقراءة والذكر، إذا فعل وأهدى ثوابه للميت مثلا، وأما الحسنة التي تؤخذ في نظير الظلامة فلا تضاعف، بل تؤخذ الحسنة للمظلوم، وأما المضاعفة فتكتب للظالم، لأنها محض فضل من اللّه تعالى، ليس للعبد فيه فعل، والمضاعفة مخصوصة بهذه الأمة، وأما غيرهم فلا مضاعفة له.\rقوله: فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ الخ، أظهر في مقام الإضمار تسجيلا وتقبيحا على فاعل السيئات، لينزجر عن فعلها. قوله: (أي مثله) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله:\r(أنزله) أي أو فرضه، بمعنى أوجب عليك تبليغه للعباد والتمسك به. قوله: (إلى مكة وكان قد اشتاقها) تقدم أن سبب نزول هذه الآية، أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما أذن له في الهجرة إلى المدينة، وخرج من الغار مع أبي بكر ليلا، سار في غير الطريق، فلما نزل بالجحفة بين مكة والمدينة، وعرف طريق مكة، اشتاق إليها، وذكر مولده ومولد أبيه، فنزل عليه جبريل وقال له: أتشتاق إلى بلدك ومولدك، فقال عليه السّلام: نعم، فقال جبريل: إن اللّه تعالى يقول: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ يعني إلى مكة ظاهرا عليهم، وسميت البلد معادا، لأن شأن الإنسان أن ينصرف من بلده ويعود إليها، وتقدم أن هذه الآية ينبغي قراءتها للمسافر، تفاؤلا بعوده لوطنه، ولا يقال: إن الآية قيلت للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فكيف تقال لغيره؟ لأنه لا يقال: إن القرآن نزل للتعبد والاقتداء به، فكأنه قال: كما صدقت وعد نبيك فاصدق وعدي. قوله:\r(جوابا لقول كفار مكة) الخ، أي كما قالت بنو إسرائيل لموسى مثل ذلك، فرد اللّه عليهم بقوله: وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ. قوله: (و أعلم بمعنى عالم) إنما احتيج إلى تحويله لتعديته للمفعول بنفسه، وإلا فكان مقتضى الظاهر تعديته بمن.\rقوله: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أي قبل مجيء الرسالة إليك. قوله: أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ أي فإنزاله عليك ليس عن ميعاد، ولا بطلب منك، ومن هنا قال العلماء: إن النبوة ليست مكتسبة لأحد، قال في الجوهرة:\rولم تكن نبوّة مكتسبه ... ولو رقى في الخير أعلى عقبه. الخ\r\rقوله: (لكن ألقي إليك) أشار بذلك إلى أن الاستثناء منقطع. قوله: فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ الخطاب له، والمراد غيره، لاستحالة ذلك عليه. قوله: (حذفت نون الرفع للجازم) أي وهو لا النافية. قوله: (لالتقائها مع النون الساكنة) أي ووجود دليل يدل عليها وهو الضمة، وما مشى عليه المفسر في تصريف الفعل، وإنما يأتي على ندور، وهو تأكيد الفعل الخالي عن الطلب، فالأولى أن يقول:","part":3,"page":166},{"id":1280,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 167\rإليه وَلا يَصُدُّنَّكَ أصله يصدوننك حذفت نون الرفع للجازم، والواو الفاعل، لالتقائها مع النون الساكنة عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ أي لا ترجع إليهم في ذلك وَادْعُ الناس إِلى رَبِّكَ بتوحيده وعبادته وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) بإعانتهم، ولم يؤثر الجازم في الفعل لبنائه وَلا تَدْعُ تعبد مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ إلا إياه لَهُ الْحُكْمُ القضاء النافذ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88) بالنشور من قبوركم.\r______________________________\rوأصله يصدونك، دخل الجازم فحذف النون ثم أكد فالتقى ساكنان، حذفت الواو لالتقائهما، ووجود الضمة دليلا عليها.\rقوله: بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ أي بعد وقت إنزالها عليك. قوله: (أي لا ترجع إليهم) أي لا تركن إلى أقوالهم.\rقوله: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الخطاب له والمراد غيره. قوله: (و لم يؤثر الجازم في الفعل) أي لفظا وإن كان مؤثرا محلا. قوله: (لبنائه) أي بسبب مباشرة نون التوكيد له، بخلاف قوله: وَلا يَصُدُّنَّكَ فتأثر بالجازم، وإن كان مؤكدا بالنون لعدم مباشرتها للفعل، فإنه فصل بينهما بواو الجماعة، قال ابن مالك: وأعربوا مضارعا إن عربا. من نون توكيد مباشر. قوله: (تعبد) أشار بذلك إلى أن المراد بالدعاء العبادة، وحينئذ فليس في الآية دليل على ما زعمه الخوارج، من أن الطلب من الغير حيا أو ميتا شرك، فإنه جهل مركب، لأن سؤال الغير من حيث إجراء اللّه النفع أو الضر على يده قد يكون واجبا، لأنه من التمسك بالأسباب، ولا ينكر الأسباب إلا جحود أو جهول.\rقوله: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ أي وكل ما سوى اللّه تعالى قابل للهلاك وجائز عليه، لأن وجوده ليس ذاتيا له، قال بعض العارفين:\rاللّه قل وذر الوجود وما حوى ... إن كنت مرتادا بلوغ كمال\r\rفالكل دون اللّه إن حققته ... عدم على التفصيل والإجمال\r\rمن لا وجود لذاته من ذاته ... فوجوده لو لاه عين محال\r\rوالعارفون فنوا به لم يشهدوا ... شيئا سوى المتكبر المتعال\r\rورأوا سواه على الحقيقة هالكا ... في الحال والماضي والاستقبال\r\rقيل: المراد بالهلاك الانعدام بالفعل، ويستثنى منه ثمانية أشياء نظمها السيوطي في قوله:\rثمانية حكم البقاء يعمها ... من الخلق والباقون في حيز العدم\r\rهي العرش والكرسي ونار وجنة ... وعجب وأرواح كذا اللوح والقلم\r\rوهو معنى قول صاحب الجوهرة:\rوكل شيء هالك قد خصصوا ... عمومه فاطلب لما قد لخصوا\r\rولا مفهوم لما عده السيوطي، بل منها أجساد الأنبياء والشهداء ومن في حكمهم والحور والولدان.\rقوله: (إلا إياه) أشار بذلك إلى أن المراد بالوجه الذات، ويصح أن المراد به ما عمل لأجله سبحانه وتعالى، فإن ثوابه باق. قوله: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي في جميع أحوالكم.","part":3,"page":167},{"id":1281,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 168\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة العنكبوت مكيّة وآياتها تسع وستون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) اللّه أعلم بمراده بذلك أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا أي بقولهم آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) يختبرون بما يتبين به حقيقة إيمانهم، نزل في جماعة\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة العنكبوت\rمكية وهي تسع وستون آية مبتدأ وخبر، وفي بعض النسخ سورة العنكبوت وهي تسع وستون آية مكية، ففيه الفصل بين المبتدإ والخبر بالجملة الحالية، وسميت بذلك لذكر العنكبوت فيها، من باب تسمية الكل باسم الجزء، وتقدم أن أسماء السور توقيفي، وقوله: (مكية) أي كلها، وقيل مدنية كلها، وقيل مكية إلا عشر آيات من أولها إلى قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً الخ، فإنها مدنية. قوله: (اللّه أعلم بمراده) تقدم غير مرة أن هذا القول أسلم، لأنه من المتشابه الذي يفوض علمه للّه تعالى.\rقوله: أَحَسِبَ النَّاسُ الاستفهام يصح أن يكون للتقرير، وحينئذ فيكون المعنى: يجب على الناس أن يعترفوا بأنهم لا يتركون سدى، بل يمتحنون ويبتلون، لأن الدنيا دار بلاء وامتحان، أو التوبيخ، وعليه فالمعنى لا يليق منهم هذا الحسبان، أي الظن والتخمين، بل الواجب عليهم علمهم بأنهم لا يتركون، وحسب فعل ماض، والنَّاسُ فاعله، وأَنْ وما دخلت عليه في تأويل مصدر سدت مسد مفعولي حسب، وأَنْ يَقُولُوا علة للحسبان، وقوله: وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ الجملة حالية مقيدة لقوله: أَحَسِبَ النَّاسُ ويكون المعنى: أحسب الناس أن يتركوا من غير افتتان بمجرد نطقهم بالشهادتين، أو من أجل نطقهم بالشهادتين، بل لا بد من امتحانهم بعد النطق بالشهادتين، ليتميز الراسخ من غيره. قوله: (بما يتبين به حقيقة إيمانهم) أي من المشاق كالهجرة والجهاد، وأنواع المصائب في الأنفس والأموال. قوله: (نزل في جماعة) أي كعمار بن ياسر، وعياش بن أبي ربيعة،","part":3,"page":168},{"id":1282,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 169\rآمنوا فآذاهم المشركون وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا في إيمانهم مشاهدة وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (3) فيه أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الشرك والمعاصي أَنْ يَسْبِقُونا يفوتونا فلا ننتقم منهم ساءَ بئس ما الذي يَحْكُمُونَ (4) ه حكمهم هذا مَنْ كانَ يَرْجُوا يخاف لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ به لَآتٍ فليستعد له وَهُوَ السَّمِيعُ\r______________________________\rوالوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وكانوا يعذبون بمكة، والمقصود من الآية تسلية هؤلاء، وتعليم من يأتي بعدهم.\rقوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الخ، إما حال من الناس، وحينئذ فالمعنى أحسبوا ذلك، والحال أنهم علموا أن ذلك ليس سنة اللّه وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا* أو من فاعل يفتنون، والمعنى أحسبوا أن لا يكونوا كغيرهم، ولا يسلكوا بهم مسالك الأمم السابقة، روى البخاري عن خباب بن الأرت قال:\r«شكونا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقال: ألا تستنصر، ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصرفه ذلك عن دينه، واللّه ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللّه، والذئب على غنمه، ولكنكم كنتم تستعجلون». قوله: الَّذِينَ صَدَقُوا الخ، عبر في جانب الصدق بالفعل الماضي، وفي جانب الكذب باسم الفاعل، إشارة إلى أن الكاذبين وصفهم مستمر، لم يظهر منهم إلا ما كان مخبأ، وأما الصادقون فقد زال وصف الكذب عنهم، وتجدد لهم الصدق، فناسبه التعبير بالفعل. قوله: (علم مشاهدة) جواب عما يقال:\rإن علم اللّه لا تجدد فيه، والجواب أن المراد ليظهر متعلق علم اللّه للناس ببيان الصادق من الكاذب.\rقوله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ الخ، انتقال من توبيخ إلى توبيخ، فالأول توبيخ للناس على ظنهم بلوغ الدرجات بمجرد الإيمان، من غير مشقة ولا تعب، والثاني أشد منه، وهو توبيخهم على ظنه أنهم يفوتون عذاب اللّه ويفرون منه، مع دوامهم على الكفر. قوله: (الذي) يَحْكُمُونَ (ه) الخ، أشار بذلك إلى أن ما اسم موصول فاعل ساءَ ويَحْكُمُونَ صلته، والعائد محذوف، والمخصوص بالذم محذوف قدره بقوله: (حكمهم) وهذا يصح أن تكون ما مميزا، والفاعل ضمير مفسر بما قال ابن مالك:\rوما مميز وقيل فاعل ... في نحو نعم ما يقول الفاضل\r\rقوله: مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ أي يعتقد ويجزم بأنه يلاقي اللّه، فيرجو رحمته، ويخاف عقابه، وهذا التفسير أتم مما قاله المفسر، لأن المؤمن المصدق بلقاء اللّه، لا بد له من الرجاء والخوف معا، ويؤيد ما قلناه جواب الشرط الذي قدره بقوله: (فليستعد له) أي يتهيأ ويستحضر للرحمة والنجاة من العذاب.\rقوله: فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ليس هذا هو جواب الشرط، وإلا لزم أن من لا يرجو لقاء اللّه، لا يكون أجل اللّه آتيا له، بل الجواب ما قدره المفسر. قوله: (بأفعالهم) أي وعقائدهم قوله: (جهاد حرب) أي وهو الجهاد الأصغر، وقوله: (أو نفس) أي وهو الجهاد الأكبر، وذلك لأن الشيطان يجري من ابن آدم","part":3,"page":169},{"id":1283,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 170\rلأقوال العباد الْعَلِيمُ (5) بأفعالهم وَمَنْ جاهَدَ جهاد حرب أو نفس فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ فإن منفعة جهاده له لا للّه إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (6) الإنس والجن والملائكة وعن عبادتهم وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ بعمل الصالحات وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ بمعنى حسن نصبه بنزع الخافض الباء الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (7) وهو الصالحات وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً أي إيصاء ذا حسن بأن يبرهما وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما\r______________________________\rمجرى الدم والنفس أخته، ولا تغيب عن الإنسان أبدا، وهي خفية تظهر المحبة لصاحبها، بخلاف العدو من الكفار، وأيضا إذا قتله الكافر كان شهيدا، وأما إذا قتلته نفسه، فإما عاص أو كافر، فلا شك أن جهاد النفس، أكبر من جهاد الكفار، ولذا ورد في الحديث أنه قال بعد رجوعه من الجهاد: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» قيل: يا رسول اللّه، وأي جهاد أكبر من هذا؟ قال: «جهاد النفس والشيطان».\rقوله: فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ أي فلا تمنوا بطاعتكم وخدمتكم على ربكم فالفضل له في توفيقكم لعبادته، فالحصر إضافي فلا ينافي أنه ينتفع غيره بجهاده، كما ينتفع الآباء بصلاح الأولاد، فالمقصود نفي النفع عن اللّه لاستحالته عليه. قوله: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ أي فلا يصل منهم نفع ولا ضر لما في الحديث القدسي: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا».\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا الخ، مبتدأ خبره الجملة القسمية، وهذا وعد حسن للمتصفين بالإيمان.\rقوله: لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي لا نؤاخذهم بها، وهذا ظاهر في غير المعصومين، وأما المعصومون فلا سيئات لهم، فما معنى تكفيرها؟ أجيب: بأن الكلام على الفرض والتقدير، يعني لو وجدت منهم سيئات تكفر، أو المراد بالسيئات خلاف الأولى على حسب مقامهم، ومن هنا قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. قوله: (بمعنى حسن) أي فاسم التفضيل ليس على بابه، لأنه يوهم أنهم يجازون على الأحسن لا على الحسن، وقد يقال: المراد بالأحسن الثواب الواقع في مقابلة الأعمال الصالحة، فالمعنى عليه حينئذ نضاعف لهم الثواب في نظير أعمالهم الصالحة فتأمل.\rقوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً سبب نزولها هي وآية لقمان والأحقاف، أن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه، أحد العشرة المبشرين بالجنة، والسابقين إلى الإسلام، لما أسلم آلت أمه حمنة بنت أبي سفيان، أن لا تأكل ولا تشرب ولا تستظل بسقف، حتى تموت أو يكفر سعد بمحمد، فأبى سعد أن يطيعها، فصبرت ثلاثة أيام، لا تأكل ولا تشرب ولا تستظل، حتى غشي عليها، فأتاها وقال لها: واللّه لو كان لك مائة نفس، فخرجت نفسا نفسا، ما كفرت بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فإن شئت فكلي، وإن شئت فلا تأكلي، فلما رأت ذلك أكلت، فنزلت الآية بالوصية عليها، وإنما أمر اللّه الأولاد ببر والديهم دون العكس، لأن الأولاد جبلوا على القسوة وعدم طاعة الوالدين، فكلفهم اللّه بما يخالف طبعهم، والآباء مجبولون على الرحمة والشفقة بالأولاد، فوكلهم لما جبلوا عليه. قوله: (أي إيصاء ذا حسن) أشار بذلك إلى أن حسنا","part":3,"page":170},{"id":1284,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 171\rلَيْسَ لَكَ بِهِ بإشراكه عِلْمٌ موافقة للواقع فلا مفهوم له فَلا تُطِعْهُما في الإشراك إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) فأجازيكم به وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) الأنبياء والأولياء بأن نحشرهم معهم وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ أي أذاهم له كَعَذابِ اللَّهِ في الخوف منه فيطيعهم فينافق وَلَئِنْ\r______________________________\rصفة لمصدر محذوف على حذف مضاف، ويصح أن يبقى على مصدريته مبالغة على حد: زيد عدل.\rقوله: (بأن يبرهما) أي يحسن إليهما، وأوجه البر كثيرة جدا منها: لين الجانب والخدمة وبذل المال لهما وطاعتهما في غير معاصي اللّه وغير ذلك.\rقوله: وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي أتى هنا باللام، وفي لقمان بعلى حيث قال: وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي لأن ما هنا موافق لما قبله في قوله: وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ وما في لقمان ضمن جاهَداكَ معنى حملاك. قوله: ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ما مفعول تشرك، أي إلها لا علم لك به.\rقوله: (موافقة للواقع) علة لمحذوف تقديره ذكر هذا القيد موافقة للواقع، أي أن الواقع أن الإله واحد، فليس إله لك به علم، وإله لا علم لك به، وأما الأصنام فإشراكها مع اللّه في العبادة هزؤ وسخافة عقل، إذ لو تأمل الكافر أدنى تأمل، ما علم إلها غير اللّه ولا ظنه ولا توهمه. قوله: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فيه وعد حسن لمن بر بوالديه واتبع الهدى، ووعيد لمن عق والديه واتبع سبيل الردى. قوله: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي بالصالح والسيىء، فيترتب على كل جزاؤه.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا الخ، الَّذِينَ اسم موصول مبتدأ، وآمَنُوا صلته، وقوله:\rلَنُدْخِلَنَّهُمْ الخ، خبره. قوله: (بأن نحشرهم معهم) أي يوم القيامة، بل ويجتمعون بهم في البرزخ، فإذا مات المؤمن الصالح، اجتمعت روحه بمن أحب من الأنبياء والأولياء حتى تقوم القيامة، فحينئذ يكون مرافقا لهم في الدرجات العالية، قال تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً.\rقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ الخ، لما بين حال المؤمنين والكافرين فيما تقدم، بيّن هنا حال المنافقين وهم من أظهروا الإسلام وأخفوا الكفر، ومِنَ النَّاسِ خبر مقدم، ومَنْ يَقُولُ مبتدأ مؤخر، وقوله: آمَنَّا بِاللَّهِ الخ، مقول القول. قوله: فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ أي آذاه الكفار على إظهار الإيمان. قوله: جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ أي لم يصبر على الأذى، بل ترك الدين الحق، والتشبيه من حيث إن عذاب اللّه مانع للمؤمنين من الكفر، فكذلك المنافقون جعلوا أذاهم مانعا من الإيمان، وكان يمكنهم الصبر على الأذى إلى حد الإكراه، وتكون قلوبهم مطمئنة بالإيمان. قوله: (فيطيعهم) أي ظاهرا وباطنا، وأما المكره فقد أطاع ظاهرا لا باطنا، والمؤاخذة مرجعها للقلب. قوله: (و الواو) الخ، عطف على نون الرفع مسلط عليه قوله: (حذف منه). قوله: (لالتقاء الساكنين) أي ولوجود الضمة دليلا عليها. قوله: إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ (في الإيمان) أي وإن الذي وقع منا، إنما هو على سبيل الإكراه. قوله:\r(أي بعالم) أشار بذلك إلى أن التفضيل في صفات اللّه وأسمائه ليس مرادا.","part":3,"page":171},{"id":1285,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 172\rلام قسم جاءَ نَصْرٌ للمؤمنين مِنْ رَبِّكَ فغنموا لَيَقُولُنَ حذف منه نون الرفع لتوالي النونات، والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ في الإيمان فأشركونا في الغنيمة، قال تعالى أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ أي بعالم بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (10) قلوبهم من الإيمان والنفاق؟\rبلى وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بقلوبهم وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (11) فيجازي الفريقين، واللام في الفعلين لام قسم وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ديننا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ في اتباعنا إن كانت، والأمر بمعنى الخبر، قال تعالى وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (12) في ذلك وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ أوزارهم وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ بقولهم للمؤمنين اتبعوا سبيلنا، وإضلالهم مقلديهم وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (13) يكذبون على\r______________________________\rقوله: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا الخ، أي ليظهر متعلق علمه للناس، فيفتضح المنافق، ويظهر شرف المؤمنين الخالص. قوله: (إن كانت) أي فرض حصولها، وإلا فهم ليسوا مسلمين أن في اتباعهم خطايا. قوله: (و الأمر بمعنى الخبر) أي فالمعنى ليكن منكم الاتباع ومنا الحمل.\rقوله: وَأَثْقالًا أي لأن الدال على الشركين كفاعله، من غير أن ينقص من وزر الاتباع شيء قوله: عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ أي يختلفون من الأباطيل التي من جملتها قولهم: (اتبعوا سبيلنا) الخ.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً الخ، لما قدم سبحانه وتعالى تكاليف هذه الأمة، وبين أن من أطاع فله الجنة، ومن عصى فله النار، بين هنا أن هذه التكاليف ليست مختصة بهذه الأمة، بل من قبلهم كانوا كذلك، وتقدم أن نوحا اسمه عبد الغفار، وقيل يشكر، وكان يسمى السكن، لأن الناس بعد آدم سكنوا اليه فهو أبوهم، ولقب بنوح لكثرة نوحه على قومه، وقيل على خطيئته لما روي أنه مر بكلب فقال في نفسه ما أقبحه، فأوحى اللّه اليه أعبتني أم عبت الكلب؟ اخلق أنت أحسن منه، ونوح هو ابن لمك بن متوشلخ ابن إدريس بن برد بن أهاليل بن قينان بن نوش بن شيث بن آدم عليه السّلام. قوله: (و عمره أربعون سنة أو أكثر) تقدم أنه اختلف في الأكثر، فقيل بعث على رأس خمسين، وقيل مائتين وخمسين، وقيل مائة سنة، وقيل غير ذلك.\rقوله: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ الخ، الحكمة في ذكر لبثه هذه المدة، تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم على عدم دخول الكفار في الإسلام، فكأن اللّه يقول لنبيه: لا تحزن فإن نوحا لبث هذا العدد الكثير، ولم يؤمن من قومه إلا القليل، فصبر وما ضجر، فأنت أولى بالصبر، لقلة مدة مكثك وكثرة من آمن من قومك، والحكمة في المغايرة بين العام والسنة التفنن، وخص لفظ العام بالخمسين، إشارة إلى أن نوحا لما غرقوا استراح وبقي في زمن حسن، والعرب تعبر عن الخصب بالعام، وعن الجدب بالسنة. قوله: (طاف بهم وعلاهم) أي أحاط بهم وارتفع فوق أعلى جبل أربعين ذراعا. قوله: (الذين كانوا معه فيها) قيل كانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة، وقيل تسعة أولاده الثلاثة وستة من غيرهم وقيل غير ذلك. قوله: (ستين أو أكثر) قيل عاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة.","part":3,"page":172},{"id":1286,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 173\rاللّه، سؤال توبيخ، واللام في الفعلين لام قسم، وحذف فاعلهما الواو ونون الرفع وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ وعمره أربعون سنة أو أكثر فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً يدعوهم إلى توحيد اللّه فكذبوه فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ أي الماء الكثير، طاف بهم وعلاهم فغرقوا وَهُمْ ظالِمُونَ (14) مشركون فَأَنْجَيْناهُ أي نوحا وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ أي الذين كانوا معه فيها وَجَعَلْناها آيَةً عبرة لِلْعالَمِينَ (15) لمن بعدهم من الناس إن عصوا رسلهم، وعاش نوح بعد الطوفان ستين سنة أو أكثر، حتى كثر الناس وَاذكر إِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ خافوا عقابه ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ مما أنتم عليه من عبادة الأصنام إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) الخير من غيره إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً تقولون كذبا إن الأوثان شركاء للّه إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً لا يقدرون أن يرزقوكم فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ اطلبوه منه وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) وَإِنْ تُكَذِّبُوا أي تكذبوني يا أهل مكة فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ من قبلي وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (18) الإبلاغ البين، في هاتين القصتين تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال تعالى في قومه أَوَلَمْ يَرَوْا بالياء والتاء ينظروا\r______________________________\rقوله: وَإِبْراهِيمَ قرأ العامة بالنصب عطف على نُوحاً أو معمول لمحذوف، كما درج عليه المفسر حيث قدر (اذكر) وقرىء شذوذا بالرفع على أنه مبتدأ، والخبر محذوف تقديره ومن المرسلين ابراهيم. قوله: اعْبُدُوا اللَّهَ أي امتثلوا ما يأمركم به على لسان نبيكم. قوله: وَاتَّقُوهُ أي اجتنبوا نواهيه. قوله: ذلِكُمْ أي ما ذكر من العبادة والتقوى. قوله: خَيْرٌ لَكُمْ (مما أنتم عليه) الخ، أي في زعمكم أن فيه خيرا، والأحسن أن يقال: ذلكم خير لكم من جميع الحظوظات المعجلة. قوله: (الخير) أي وهو عبادة اللّه، وقوله: (من غيره) أي وهو عبادة غيره.\rقوله: أَوْثاناً جمع وثن، وهو ما يصنع من حجر وغيره ليتخذ معبودا. قوله: وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً أي تختلقونه وتخترعونه. قوله: لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً أي لا يستطيعون ذلك، لعجزهم وعدم قدرتهم عليه. قوله: (فاطلبوه منه) أي ولا تطلبوه من غيره، لأنه تكفل لكل دابة برزقها، قال تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها.\rقوله: وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ أي لأن بالشكر تزداد النعم، قال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ. قوله: إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي تردون فيثيب الطائع ويعذب العاصي.\rقوله: وَإِنْ تُكَذِّبُوا شرط حذف جوابه تقديره: فلا يضرني تكذيبكم، وإنما تضرون أنفسكم، وقوله: فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ دليل الجواب، ومن هنا قوله: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ جمل معترضة كلام إبراهيم، وجواب قومه له، إشارة إلى أن المقصود بالخطاب أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (من قبلي) مِنْ اسم موصول مفعول كذب، والمعنى فلم يضر الرسل تكذيب قومهم لهم. قوله: (في هاتين القصتين) أي قصة نوح وإبراهيم. قوله:\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 3 173\r\rقوله: وَإِنْ تُكَذِّبُوا شرط حذف جوابه تقديره: فلا يضرني تكذيبكم، وإنما تضرون أنفسكم، وقوله: فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ دليل الجواب، ومن هنا قوله: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ جمل معترضة كلام إبراهيم، وجواب قومه له، إشارة إلى أن المقصود بالخطاب أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (من قبلي) مِنْ اسم موصول مفعول كذب، والمعنى فلم يضر الرسل تكذيب قومهم لهم. قوله: (في هاتين القصتين) أي قصة نوح وإبراهيم. قوله:\r(و قد قال تعالى) أي ردا على منكري البعث. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان.","part":3,"page":173},{"id":1287,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 174\rكَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ هو بضم أوله، وقرىء بفتحه من بدأ وأبدأ، بمعنى أي يخلقهم ابتداء ثُمَ هو يُعِيدُهُ الخلق كما بدأهم إِنَّ ذلِكَ المذكور من الخلق الأول والثاني عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) فكيف ينكرون الثاني قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ لمن كان قبلكم وأماتهم ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ مدّا وقصرا مع سكون الشين إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) ومنه البدء والإعادة يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ رحمته وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) تردّون وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ربكم عن إدراككم فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ لو كنتم فيها أي لا تفوتونه وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره مِنْ وَلِيٍ يمنعكم منه وَلا نَصِيرٍ (22) ينصركم من عذابه وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أي القرآن والبعث أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي أي جنتي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (23) مؤلم، قال تعالى في قصة إبراهيم فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ التي قذفوه\r______________________________\rقوله: كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ لما تقدم ذكر التوحيد والرسالة ذكر الحشر، وهذه الأصول الثلاثة يجب الإيمان بها، ولا ينفك بعضها عن بعض. قوله: (و قرىء بفتحه) أي شذوذا. قوله: (من بدأ وأبدأ) لف ونشر مشوش. قوله: ثُمَ (هو) يُعِيدُهُ قدر الضمير إشارة إلى أن الجملة ليست معطوفة على ما قبلها، بل هي مستأنفة.\rقوله: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ أمر من اللّه لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يقول لمنكري البعث ما ذكر، ليشاهدوا كيف أنشأ اللّه جميع الكائنات، ومن قدر على إنشائها بدءا يقدر على إعادتها. قوله: (مع سكون الشين) راجع للقصر، والقراءتان سبعيتان.\rقوله: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ أي في الدنيا والآخرة، وقوله:\rوَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ أي فيهما فلا يسأل عما يفعل. قوله: (لو كنتم فيها) أشار بذلك إلى أن المراد بالأرض والسماء حقيقتهما، ويصح أن يراد بهما جهة السفل والعلو. قوله: (أي القرآن والبعث) لف ونشر مرتب، فالأول راجع للآيات، والثاني للفاء.\rقوله: أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي أي يوم القيامة، وعبر بالماضي لتحقق وقوعه.\rقوله: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ الخ، أي لم يكن جواب قوم إبراهيم له، حين أمرهم بعبادة اللّه، وترك ما هم عليه من عبادة الأوثان، جزاء لما صدر منه من النصيحة إلا ذلك، فإن النفس الخبيثة أبت أن لا تخرج من الدنيا حتى تسيء إلى من أحسن إليها، وهذا الكلام واقع من كبارهم لصغارهم، لأن الشأن أن الأمر بالقتل أو التحريق يكون من الكبار، والذي يتولى ذلك الصغار، وإنما أجابوا بذلك عنادا بعد ظهور الحجة منه. قوله: أَوْ حَرِّقُوهُ أتى هنا بالترديد، واقتصر في الأنبياء على أحد الأمرين، وهو الذي فعلوه، إلى أن ما هنا حكاية عن أصل تشاورهم، وما في الأنبياء عن عزمهم.\rوتصميمهم على ما فعلوه. قوله: فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ في الكلام حذف، والتقدير فقذفوه في النار فأنجاه اللّه الخ، وإلى هذا أشار المفسر بقوله: (التي قذفوه فيها). قوله: (هي) أي الآيات. قوله:\r(و إخمادها) أي سكون لهبها مع بقاء جمرها، وأما الإهماد فهو طفء النار بالمرة. قوله: (في زمن يسير) أي مقدار طرفة عين. قوله: (لأنهم المنتفعون) علة لمحذوف، والتقدير خصوا بالذكر لأنهم الخ.","part":3,"page":174},{"id":1288,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 175\rفيها، بأن جعلها بردا وسلاما إِنَّ فِي ذلِكَ أي إنجائه منها لَآياتٍ هي عدم تأثيرها فيه، مع عظمها وإخمادها وإنشاء روض مكانها في زمن يسير لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) يصدقون بتوحيد اللّه وقدرته لأنهم المنتفعون بها وَقالَ إبراهيم إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً تعبدونها وما مصدرية مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ خبر إن، وعلى قراءة النصب مفعول له، وما كافة، المعنى تواددتم على عبادتها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ يتبرأ القادة من الأتباع وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً يلعن الأتباع القادة وَمَأْواكُمُ مصيركم جميعا النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (25) مانعين منها فَآمَنَ لَهُ صدق بإبراهيم لُوطٌ وهو ابن أخيه هاران وَقالَ إبراهيم إِنِّي مُهاجِرٌ من قومي إِلى رَبِّي أي إلى حيث أمرني ربي، وهجر قومه وهاجر من سواد العراق إلى الشام إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (26) في صنعه وَوَهَبْنا لَهُ بعد إسماعيل إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ بعد إسحاق وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ فكل الأنبياء بعد إبراهيم من\r______________________________\rقوله: وَقالَ (إبراهيم) عطف على قوله: فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ. قوله: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً إن حرف توكيد ونصب، وما مصدرية، واتَّخَذْتُمْ صلتها مسبوكة بمصدر اسم إن، وأَوْثاناً مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف قدره المفسر بقوله: (تعبدونها) ومَوَدَّةَ خبر إن، ومِنْ دُونِ اللَّهِ حال من أَوْثاناً وهذا على قراءة الرفع، وقوله: (و على قراءة النصب) مفعول (و ما كافة) أي سواء قرىء بتنوين مَوَدَّةَ ونصب بَيْنِكُمْ أو بعدم التنوين، وخفض بينكم واتخذ إما متعد لواحد أو لاثنين، والثاني هو قوله: مِنْ دُونِ اللَّهِ ويصح أن تكون ما اسما موصولا، واتَّخَذْتُمْ صلته والعائد محذوف، والتقدير إن الذي اتخذتموه من دون اللّه أوثانا تعبدونها لأجل المودة بينكم، ونقل عن عاصم أنه رفع مودة غير منونة ونصب بينكم، وخرجت على إضافة مودة للظرف، وبنى لاضافته لغير متمكن كقراءة: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ بالفتح إذا جعل بينكم فاعلا، فتحصل أن القراءات أربع: الرفع مع جر بين وفتحها، والنصب مع جر بين وفتحها، وكلها سبعي. قوله: (المعنى) أي الحاصل من تلك القراءات. قوله: (يتبرأ القادة) أي ينكرونهم ويقولون لهم لا نعرفكم. قوله: (صدق بإبراهيم) أي نبوته وإن كان مؤمنا قبل ذلك، ويجب الوقف على لوط لأن\rقوله: وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ من كلام إبراهيم، فلو وصل لتوهم أنه من كلام لوط. قوله: (أي إلى حيث أمرني ربي) دفع بذلك ما يتوهم من ظاهر اللفظ إثبات الجهة له سبحانه وتعالى. قوله: (و هاجر من سواد العراق) أي فنزل بحران هو وزوجته سارة ولوط ابن أخيه، ثم انتقل منها فنزل بفلسطين ونزل لوط بسذوم، وكان عمر إبراهيم إذ ذاك خمسا وسبعين سنة.\rقوله: وَوَهَبْنا لَهُ أي بعد هجرته. قوله: (بعد إسماعيل) أي بأربع عشرة سنة. قوله: فِي ذُرِّيَّتِهِ أي إبراهيم. قوله: (فكل الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته) أي لانحصار الأنبياء في إسماعيل وإسحاق ومدين جد شعيب. قوله: (و هو الثناء الحسن في كل أهل الأديان) أي فجميع أهل الأديان يحبونه ويذكرونه بخير وينتمون إليه. قوله: لَمِنَ الصَّالِحِينَ أي الكاملين في الصلاح\rقوله: وَلُوطاً","part":3,"page":175},{"id":1289,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 176\rذريته وَالْكِتابَ بمعنى الكتب، أي التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وهو الثناء الحسن في كل أهل الأديان وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27) الذين لهم الدرجات العلا وَاذكر لُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين في الموضعين لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ أي أدبار الرجال ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (28) الإنس والجن أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ طريق المارة بفعلكم الفاحشة بمن يمر بكم، فترك الناس الممرّ بكم وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ أي متحدثكم الْمُنْكَرَ فعل الفاحشة بعضكم ببعض فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) في استقباح ذلك، وأن العذاب نازل بفاعليه قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بتحقيق قولك في إنزال العذاب عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) العاصين بإتيان الرجال فاستجاب اللّه دعاءه وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى بإسحاق ويعقوب بعده قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ أي قرية لوط إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (31) كافرين قالَ إبراهيم إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا أي الرسل نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ بالتخفيف والتشديد وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (32) الباقين في العذاب وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ حزن بسببهم\r______________________________\rمعمول لمحذوف قدره المفسر بقوله: (اذكر). قوله: لِقَوْمِهِ أي أهل سذوم وتوابعها. قوله: (و إدخال ألف بينهما) أي وعدمه، فالقراءات أربع سبعيات. قوله: (الإنس والجن) أي من عهد آدم إلى قوم لوط.\rقوله: (بفعلكم الفاحشة بمن يمر بكم) قيل إنهم كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصا، فإذا مر بهم عابر سبيل حذفوه، فأيهم أصابه كان أولى به، فيأخذ ما معه وينكحه ويغرمه ثلاثة دراهم، ولهم قاض بذلك. قوله: (فعل الفاحشة) أي والضراط وكشف العورات وغير ذلك من القبائح.\rقوله: إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا الخ، أي على سبيل الاستهزاء. قوله: (بإتيان الرجال) أي وفعل بقية الفواحش. قوله: (فاستجاب) اللّه دعاءه) أي فأمر الملائكة بإهلاكهم، وأرسلهم مبشرين ومنذرين، فبشروا إبراهيم بالذرية الطيبة، وانذروا قوم لوط بالعذاب. قوله: (بإسحاق ويعقوب) أي وبهلاك قوم لوط.\rقوله: قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً هذا بعد المجادلة التي تقدمت في قوله: يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ حيث قال لهم: أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن قالوا: لا، إلى أن قال: أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد قالوا: لا، قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: (الباقين في العذاب) أي لم يخلصوا منه، لأن الدال على الشر كفاعله، وهي قد دلت القوم على أضياف لوط، فصارت واحدة منهم بسبب ذلك.\rقوله: وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ أَنْ زائدة للتوكيد. قوله: (حزن بسببهم) أشار بذلك إلى أن الباء في بهم سببية. قوله: ذَرْعاً تمييز محول عن الفاعل أي ضاق ذرعه، وقوله: (صدرا) تفسير لحاصل المعنى، وإلا فالذرع معناه الطاقة والقوة. قوله: (بالتشديد والتخفيف) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله:","part":3,"page":176},{"id":1290,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 177\rوَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً صدرا لأنهم حسان الوجوه في صورة أضياف، فخاف عليهم قومه، فأعلموه أنهم رسل به وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ بالتشديد والتخفيف وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (33) ونصب أهلك عطف على محل الكاف إِنَّا مُنْزِلُونَ بالتخفيف والتشديد عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً عذابا مِنَ السَّماءِ بِما بالفعل الذي كانُوا يَفْسُقُونَ (34) به أي بسبب فسقهم وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً ظاهرة هي آثار خرابها لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35) يتدبرون وَأرسلنا إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ اخشوه هو يوم القيامة وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) حال مؤكدة لعاملها من عثي بكسر المثلثة أفسد فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ الزلزلة الشديدة فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (37) باركين على الركب متين وَأهلكنا عاداً وَثَمُودَ بالصرف وتركه بمعنى الحي\r______________________________\r(على محل الكاف) أي وهو النصب على أنها مفعول منجو. قوله: (عذابا) قيل هو حجارة، وقيل نار، وقيل خسف، وعليه فالمراد بكونه من السماء أن الحكم به من السماء. قوله: (هي آثار خرابها) وقيل هي الحجارة التي أهلكوا بها، أبقاها اللّه عز وجل حتى أدركتها أوائل هذه الأمة، وقيل هي ظهور الماء الأسود على وجه الأرض.\rقوله: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ متعلق بتركنا أو ببينة، وخصهم لأنهم المنتفعون بالاتعاظ بها.\rقوله: إِلى مَدْيَنَ متعلق بمحذوف معطوف على (أرسلنا) في قصة نوح. قوله: أَخاهُمْ شُعَيْباً أي لأنه من ذرية مدين بن إبراهيم الذي هو أبو القبيلة، فكما هو منسوب لمدين هم كذلك. قوله:\rاعْبُدُوا اللَّهَ أي وحدوه. قوله: وَارْجُوا الْيَوْمَ يصح أن يبقى الرجاء على معناه، ويكون المعنى ارجوا رحمة اللّه في اليوم الآخر، ويصح أن يكون بمعنى خافوا، والمعنى خافوا عقاب اللّه في اليوم الآخر، واليه يشير المفسر بقوله: (اخشوه). قوله: (من عثي بكسر المثلثة) أي من باب تعب، ويصح أن يكون من باب قال.\rقوله: فَكَذَّبُوهُ. إن قلت: مقتضى الظاهر أن يقال: فلم يمتثلوا أوامره، لأن التكذيب إنما يكون في الإخبار. أجيب: بأن ما ذكره من الأمر والنهي متضمن للخبر، كأنه قيل: اللّه واحد فاعبدوه، والحشر كائن فارجوه، والفساد محرم فاجتنبوه، فالتكذيب راجع إلى الإخبار.\rقوله: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي الزلزلة التي نشأت من صيحة جبريل عليهم، وتقدم في هود:\rفَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ* ولا منافاة بين الموضعين، فإن سبب الرجفة الصيحة، والرجفة سبب في هلاكهم، فتارة يضاف الأخذ للسبب، وتارة لسبب السبب. قوله: (بالصرف وتركه) راجع لثمود فقط، وقوله:\r(بمعنى الحي والقبيلة) لف ونشر مرتب، لكونه بمعنى الحي يكون اسم جنس، لم توجد فيه العلمية التي هي إحدى علتي منع الصرف، وكونه بمعنى القبيلة يكون علم شخص على أبي القبيلة، فقد وجدت فيه العلتان. قوله: (إهلاكهم) أشار بذلك إلى أن فاعل تبين، ضمير عائد على الإهلاك. قوله: (بالحجر) راجع لثمود، وهو واد بين الشام والمدينة، وقوله: (و اليمن) راجع لعاد.\rقوله: وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ أي بواسطة الرسل، فلم يكن لهم عذر في ذلك، لأن الرسل بينوا طريق الحق بالحجج الواضحة له.\rقوله: (ذوي بصائر) أي عقلاء متمكنين من النظر والاستبصار، لكنهم لم يفعلوا تكبرا وعنادا.","part":3,"page":177},{"id":1291,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 178\rوالقبيلة وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ إهلاكهم مِنْ مَساكِنِهِمْ بالحجر واليمن وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ من الكفر والمعاصي فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ سبيل الحق وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) ذوي بصائر وَأهلكنا قارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ من قبل مُوسى بِالْبَيِّناتِ الحجج الظاهرات فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (39) فائتين عذابنا فَكُلًّا من المذكورين أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً ريحا عاصفة فيها حصباء كقوم لوط وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ كثمود وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ كقارون وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا كقوم نوح وفرعون وقومه وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ فيعذبهم بغير ذنب وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) بارتكاب الذنب مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ أي أصناما يرجون نفعها كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً لنفسها تأوي إليه وَإِنَّ أَوْهَنَ أضعف الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لا يدفع عنها حرا ولا بردا، كذلك الأصنام لا تنفع عابديها لَوْ كانُوا\r______________________________\rقوله: وَقارُونَ قدمه على فِرْعَوْنَ لشرفه عليه لكونه ابن عم موسى. قوله: وَهامانَ هو وزير فرعون. قوله: فَاسْتَكْبَرُوا أي تكبروا عن عبادة اللّه.\rقوله: بِذَنْبِهِ الباء سببية أي بسبب ذنبه. قوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ أي يعاملهم معاملة ملك ظالم في رعيته، وعلى فرض لو عذبهم بغير ذنب لا يكون ظالما، لأنه الخالق المتصرف في ملكه على ما يريد. قوله: (يرجون نفعها) هذا هو وجه الشبه، أي فمثل الذين اتخذوا من دون اللّه أصناما يعبدونها، في اعتمادهم عليها ورجائهم نفعا، كمثل العنكبوت في اتخاذها بيتا، لا يغني عنها في حر ولا برد ولا مطر ولا أذى، وحمل المفسر الأولياء على الأصنام مخرج للأولياء بمعنى المتولين في خدمة ربهم، فإن اتخاذهم بمعنى التبرك بهم والالتجاء لهم والتعلق بأذيالهم مأمور به، وهم أسباب عادية تنزل الرحمات والبركات عندهم لا بهم، خلافا لمن جهل وعاند وزعم أن التبرك بهم شرك.\rقوله: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ هو حيوان معروف، له ثمانية أرجل وستة أعين، يقال إنه أقنع الحيوانات، جعل اللّه رزقه أحرص الحيوان وهو الذباب والبق، ونونه أصلية، والواو والتاء زائدتان، بدليل قولهم في الجمع عناكب، وفي التصغير عنيكيب.\rقوله: وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ الجملة حالية. قوله: (كذلك الأصنام لا تنفع عابديها) أي فمن التجأ لغير اللّه فلا ينفعه شيء، ومن التجأ للّه وقاه بغير سبب وبسبب ضعيف، ومن هنا وقاية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الكفار حين نزل الغار، بالعنكبوت وبيض الحمام، مع كونهما أضعف الأشياء. قوله:\r(ما عبدوها) قدره إشارة إلى أن جواب لو محذوف.\rقوله: (بمعنى الذي) أشار بذلك إلى أن ما اسم موصول، وجملة يَدْعُونَ صلتها، والموصول وصلته معمول ليعلم. قوله: (أي يفهمها) أي يفهم صحتها وفائدتها.\rقوله: إِلَّا الْعالِمُونَ خصهم لأنهم المنتفعون بذلك، وأما الكافرون فيزدادون طغيانا وعتوا.\rقوله: (محقّا) أشار بذلك إلى أن الباء في بِالْحَقِ للملابسة، والجار والمجرور حال. قوله:\r(خصوا بالذكر) جواب عما يقال إن في خلق السماوات والأرض آية لكل عاقل.","part":3,"page":178},{"id":1292,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 179\rيَعْلَمُونَ (41) ذلك ما عبدوها إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما بمعنى الذي يَدْعُونَ يعبدون بالياء والتاء مِنْ دُونِهِ غيره مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (42) في صنعه وَتِلْكَ الْأَمْثالُ في القرآن نَضْرِبُها نجعلها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها أي يفهمها إِلَّا الْعالِمُونَ (43) المتدبرون خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ أي محقّا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً دالة على قدرته تعالى لِلْمُؤْمِنِينَ (44) خصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها في الإيمان بخلاف الكافرين اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ القرآن وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ شرعا أي من شأنها ذلك ما دام المرء فيها وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ من غيره من الطاعات وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما\r______________________________\rقوله: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ أي ما أوحاه اللّه اليك بنزول جبريل، والمعنى تقرب إلى اللّه بتلاوته وترداده أنت وأمتك، لأن فيه محاسن الآداب ومكارم الأخلاق. قوله: مِنَ الْكِتابِ بيان لما. قوله:\rوَأَقِمِ الصَّلاةَ أي دم على إقامتها، بأركانها وشروطها وآدابها، فإنها عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها هدم الدين، والخطاب للنبي والمراد هو وأمته، بدليل مدحهم في آية: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ الآية.\rقوله: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ أي المواظبة عليها، تكون سببا في تطهيره عن الفحشاء والمنكر، إذا استوفيت شروطها وآدابها، لأن الواجب حين الاقبال على الصلاة، التطهير من الحدث الحسي والمعنوي وتجديد التوبة، فإذا وقف بين يدي اللّه، وخشع وتذكر أنه واقف بين يدي مولاه، وأنه مطلع عليه يراه، فحينئذ يظهر على جوارحه هيئتها، وقوله: (ما دام المرء فيها) هذا أحد قولين، والقول الصحيح أنها تنهى عنها في سائر الأوقات، لما روي أن فتى من الأنصار كان يصلي مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ثم لا يدع شيئا من الفواحش إلا ارتكبه، فوصف للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حاله فقال: إن صلاته ستنهاه، فلم يلبث أن تاب وحسن حاله. وروي عن بعض السلف، أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه، فكلم في ذلك فقال: إني واقف بين يدي اللّه تعالى، وحق لي هذا مع ملوك الدنيا، فكيف مع ملك الملوك، وأما من صلاته بخلاف ذلك، بأن كانت لا خشوع فيها ولا تذكر، فإنها لا تكون سببا في نهيه عن الفحشاء والمنكر، بل يستمر على ما هو عليه من البعد، لما ورد: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم تزده من اللّه إلا بعدا.\rقوله: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أي بسائر أنواعه أكبر، أي أفضل الطاعات على الإطلاق، لما روي عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: ذكر اللّه. وروي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل أي العباد أفضل درجة عند اللّه يوم القيامة؟ قال: الذاكرون اللّه كثيرا، قالوا: يا رسول اللّه ومن الغازي في سبيل اللّه؟ فقال: لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دما لكان الذاكرون اللّه كثيرا أفضل منه درجة. فالذكر أفضل الأعمال، وهو المقصود من تلاوة القرآن ومن الصلاة، ولذا ورد عن الجنيد أنه","part":3,"page":179},{"id":1293,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 180\rتَصْنَعُونَ (45) فيجازيكم به وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي أي المجادلة التي هِيَ أَحْسَنُ كالدعاء إلى اللّه بآياته والتنبيه على حججه إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ بأن حاربوا وأبوا أن يقروا بالجزية، فجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية وَقُولُوا لمن قبل الإقرار بالجزية إذا أخبروكم بشيء مما في كتبهم آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم في ذلك وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) مطيعون وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ القرآن كما أنزلنا إليهم التوراة وغيرها فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ التوراة كعبد اللّه بن سلام وغيره يُؤْمِنُونَ بِهِ بالقرآن وَمِنْ هؤُلاءِ أي أهل مكة مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا بعد ظهورها إِلَّا الْكافِرُونَ (47) أي اليهود، وظهر لهم أن القرآن حق، والجائي به محق، وجحدوا ذلك وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ القرآن مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً أي لو كنت قارئا كاتبا\r______________________________\rكان يأتيه العصاة يريدون التوبة على يديه، فيلقنهم الذكر ويأمرهم بالإكثار منه فتنور قلوبهم. قوله:\rوَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ أي من خير وشر فيجازيكم عليه.\rقوله: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي لا تدعوهم إلى دين اللّه إلا بالكلام اللين المعروف والإحسان لعلهم يهتدون، وقوله: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا أي فادعوهم إلى دين اللّه بالإغلاظ والشدة، وقاتلوا حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فهذه الآية بمعنى قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية، وعلى هذا التقدير فالآية محكمة وهو التحقيق. قوله: (بأن حاربوا) الخ، أشار بذلك إلى أن المراد بالظلم الامتناع مما يلزمهم شرعا فلا يقال إن الكل ظالمون لأنهم كفار. قوله: يُعْطُوا الْجِزْيَةَ أي يلتزموا بإعطائها.\rقوله: وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ أي لما روي أنه كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ الآية»، وفي رواية: «و قولوا آمنا باللّه وبكتبه وبرسله فإن قالوا باطلا لم تصدقوهم وإن قالوا حقا لم تكذبوهم». ومحل ذلك ما لم يتعرضوا لأمور توجب نقض عهدهم، كأن يظهروا أن شرعهم غير منسوخ، وأن نبينا غير صادق فيما جاء به، وغير ذلك، فحينئذ نقاتلهم، ومحله أيضا ما لم يخبرونا بخبر موافق لما في كتابنا، وإلا فيجب تصديقهم من حيث إن اللّه أخبرنا به.\rقوله: فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ أي نفعناهم به، بأن أعطيناهم نوره، وظهرت ثمرته عليهم، وهم الذي يؤمنون به، وإلا فجميع علمائهم أوتوا الكتاب، ولم يسلم منهم إلا القليل، ويصح أن يكون المراد: (ففريق من أهل الكتاب) الخ. قوله: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا أي ينكرها بعد معرفتها. قوله: (أي اليهود) لا مفهوم له بل النصارى والمشركون، كذلك فالمناسب أن يقول: إلا الكافرون كاليهود.\rقوله: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ شروع في اثبات الدليل على أن القرآن من عند اللّه وأنه معجز","part":3,"page":180},{"id":1294,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 181\rلَارْتابَ شكّ الْمُبْطِلُونَ (48) اليهود فيك وقالوا الذي في التوراة أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب بَلْ هُوَ أي القرآن الذي جئت به آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي المؤمنون يحفظونه وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49) أي اليهود وجحدوها بعد ظهورها لهم وَقالُوا أي كفار مكة لَوْ لا هلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ أي محمد آياتٌ مِنْ رَبِّهِ وفي قراءة آيات كناقة صالح، وعصا موسى، ومائدة عيسى قُلْ لهم إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ينزلها كيف يشاء وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) مظهر إنذاري بالنار أهل المعصية أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ فيما طلبوا أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ القرآن يُتْلى عَلَيْهِمْ فهو آية مستمرة لا انقضاء لها، بخلاف ما ذكر من الآيات إِنَّ فِي ذلِكَ الكتاب لَرَحْمَةً وَذِكْرى عظة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً بصدقي يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ومنه حالي وحالكم وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وهو ما يعبد من دون اللّه وَكَفَرُوا بِاللَّهِ منكم أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (52) في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى له لَجاءَهُمُ الْعَذابُ عاجلا\r______________________________\rللبشر، كأن اللّه يقول لأهل الكتاب: أنتم لا عذر لكم في إنكار القرآن، ولا في تكذيب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، لأن من جملة صفاته في كتبهم، أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، ووجد بهذه الصفة، فلو فرض أنه كان يكتب أو يقرأ، لحصل لكم الشك في نبوته، وفي القرآن، لوجوده على خلاف الصفة التي في كتبهم. قوله: مِنْ كِتابٍ مفعول تَتْلُوا ومِنْ زائدة. قوله: (أي لو كنت قارئا كاتبا) لف ونشر مرتب. قوله:\r(اليهود) لا مفهوم له.\rقوله: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ إضراب عما تقدم من الارتياب. قوله: (أي المؤمنين يحفظونه) أي لفظا ومعنى لما ورد: «و جعلت من أمتك أقواما قلوبهم أناجيلهم أي كالأناجيل»، والمعنى أن القرآن محفوظ في صدورهم وثابت فيها، كما كان كتاب النصارى ثابتا في أناجيلهم. قوله: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا أي القرآن. قوله: (اليهود) تقدم ما فيه. قوله: (و في قراءة آيات) أي وهما سبعيتان. قوله:\r(ينزلها كيف يشاء) أي على ما يريد، ولا دخل لأحد في ذلك لأن المعجزة أمر خارق للعادة يأتي بفضل اللّه.\rقوله: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ الهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة عليه، التقدير أجهلوا ولم يكفهم الخ، والاستفهام للتوبيخ. قوله: أَنَّا أَنْزَلْنا أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل يكف، والتقدير أو لم يكفهم إنزالنا. قوله: (مستمرة لا انقضاء لها) أخذ ذلك من قوله: يُتْلى عَلَيْهِمْ. قوله: (بخلاف) ما ذكر من الآيات) أي فانقضت بموت الرسل. قوله: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ خصوا بالذكر لأنهم هم المنتفعون بذلك. قوله: (و منه حالي وحالكم) أي من جملة ما في السماوات والأرض.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ أي خضعوا له وعبدوه. قوله: (حيث اشتروا الكفر بالإيمان) أي أخذوا الكفر وتركوا الإيمان.\rقوله: وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى (له) أي للعذاب. قوله: وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً أي كوقعة بدر، فإنها أتتهم على حين غفلة. قوله: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أي لا يظنون أن العذاب يأتيهم أصلا.","part":3,"page":181},{"id":1295,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 182\rوَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (53) بوقت إتيانه يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ في الدنيا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (54) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ فيه بالنون أي نأمر بالقول، وبالياء أي يقول الموكل بالعذاب ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55) أي جزاءه فلا تفوتونا يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) في أي أرض تيسرت فيها العبادة، بأن تهاجروا إليها من أرض لم تتيسر فيها. نزل في ضعفاء مسلمي مكة كانوا في ضيق من أظهار الإسلام بها كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (57) بالتاء والياء بعد البعث وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ ننزلهم وفي قراءة بالمثلثة بعد النون من الثواء\r______________________________\rقوله) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ تعجب من قلة فطنتهم ومن تعنتهم، والمعنى: كيف يستعجلون العذاب، والحال أن جهنم محيطة بهم يوم القيامة لا مفر لهم منها؟\rقوله: يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ ظرف لقوله محيطة، والمعنى على الاستقبال، أي ستحيط بهم في ذلك اليوم. قوله: مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ تفسير للاحاطة وهو بمعنى قوله تعالى: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ. قوله: (أي نأمر بالقول) إنما أوله جمعا بين ما هنا، وبين قوله في الأخرى لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ. قوله: (أي جزاءه) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف.\rقوله: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا خطاب لفقراء الصحابة الذين كانوا يخافون من إظهار الإسلام في مكة كما قال المفسر، والإضافة لتشريف المضاف. قوله: فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ إياي منصوب بفعل محذوف دل عليه المذكور. قوله: (كانوا في ضيق) الخ، أي فوسع اللّه لهم الأمر، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فمن تعسرت عليه العبادة في بلده، فعليه أن يهاجر منها لبلد تتيسر له فيها لقوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فالمهم العبادة في أي مكان تيسر، ولا يعول على مكان في الدنيا، لأنها دار ممر لا مقر، والمار في طريق لا يعول على مسكن ولا قرار في طريقه.\rقوله: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ أي لا تقيموا بدار الشرك خوفا من الموت فإن كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ فالحكمة في تخويفهم من الموت، كون مفارقة الأوطان تهون عليهم، فإن من أيقن بالموت هان عليه كل شيء في الدنيا.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لما ذكر أحوال الكفار، وما آل اليه أمرهم، أتبعه بذكر أحوال المؤمنين، وما آل اليه أمرهم. قوله: (و في قراءة بالمثلثة) أي الساكنة بعد النون، وبعدها واو مكسورة ثم ياء مفتوحة، و(غرفا) على هذه القراءة، إما منصوب بنزع الخافض كما قال المفسر، أو مفعول به بتضمين مثوى معنى نزل فيتعدى لاثنين. قوله:\rتَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أي الغرف. قوله: (مقدرين الخلود) فِيها أشار بذلك إلى أن قوله: خالِدِينَ فِيها حال مقدرة، أي أنهم حين الدخول يقدرون الخلود لأنه أتم في النعيم، لسماعهم النداء من قبل اللّه: يا أهل الجنة خلود بلا موت. قوله: (هذا الأجر) أشار بذلك إلى أن المخصوص بالمدح محذوف.\rقوله: الَّذِينَ صَبَرُوا نعت للعالمين، أو خبر لمحذوف كما قال المفسر. قوله: (لإظهار الدين) متعلق بالهجرة.\rقوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا سبب نزولها: أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما أمر المؤمنين بالهجرة قالوا:\rكيف نخرج إلى المدينة، وليس بها دار ولا مال، فمن يطعمنا بها ويسقينا. وقوله: لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا أي","part":3,"page":182},{"id":1296,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 183\rالإقامة وتعديته إلى غرفا بحذف في مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ مقدرين الخلود فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (58) هذا الأجرهم الَّذِينَ صَبَرُوا أي على أذى المشركين والهجرة لإظهار الدين وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59) فيرزقهم من حيث لا يحتسبون وَكَأَيِّنْ كم مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا لضعفها اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ أيها المهاجرون وإن لم يكن معكم زاد ولا نفقة وَهُوَ السَّمِيعُ لأقوالكم الْعَلِيمُ (60) بضمائركم وَلَئِنْ لام قسم سَأَلْتَهُمْ أي الكفار مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) يصرفون عن توحيده بعد إقرارهم بذلك اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ يوسعه لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ امتحانا وَيَقْدِرُ يضيق لَهُ بعد البسط، أي لمن يشاء ابتلاء إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62) ومنه محل البسط والتضييق وَلَئِنْ لام القسم سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فكيف يشركون به قُلِ لهم الْحَمْدُ لِلَّهِ على ثبوت الحجة عليكم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (63) تناقضهم في ذلك وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وأما القرب فمن أمور الآخرة لظهور ثمرتها فيها وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ بمعنى الحياة لَوْ\r______________________________\rلا تدخره لغد كالبهائم والطير، قال سفيان بن عيينة: ليس شيء من الخلق يخبأ إلا الإنسان والفأرة والنملة. قوله: اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ أي فلا فرق بين الحريص والمتوكل والضعيف والقوي في أمر الرزق، بل ذلك بتقدير اللّه سبحانه وتعالى، قال اللّه تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ فينبغي للإنسان أن يفوض أمر الرزق له تعالى، ولا ينافي هذا أخذه في الأسباب، لأن اللّه تعالى أوجد الأشياء عند أسبابها لا بها، فالأسباب لا تنكر، ومن أنكرها فقد ضل وخسر. قوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ أي كفار مكة. قوله: مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الخ، أتى في جانب السماوات والأرض بالخلق، وفي جانب الشمس والقمر بالتسخير، إشارة إلى أن الحكمة في خلقهما التسخير الذي ينشأ عنه الليل والنهار، اللذان بهما قوام العالم بخلاف السماوات والأرض، فالنفع في مجرد خلقهما.\rقوله: فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ الاستفهام للتوبيخ.\rقوله: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ أي فلا تركن لغيره، فليس مالكا لضر ولا نفع.\rقوله: فَأَحْيا بِهِ أي النبات الناشىء عن الماء. قوله: مِنْ بَعْدِ مَوْتِها أي جدبها وقحط أهلها. قوله: (فكيف يشركون به) أي بعد إقرارهم.\rقوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ أي والأقل يعقل، ومن عقل منهم اهتدى وآمن.\rقوله: وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا أشار بذلك إلى أن الدنيا حقيرة لا تزن جناح بعوضة، فينبغي للعاقل التجافي عنها، ويأخذ منها بقدر ما يوصله للآخرة، قال بعض العارفين:\rتأمل في الوجود بعين فكر ... ترى الدنيا الدنية كالخيال\r\rومن فيها جميعا سوف يفنى ... ويبقى وجه ربك ذو الجلال\r\rقوله: إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ اللهو الاشتغال بما فيه نفع عاجل، واللعب الاشتغال بما لا نفع فيه","part":3,"page":183},{"id":1297,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 184\rكانُوا يَعْلَمُونَ (64) ذلك ما آثروا الدنيا عليها فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي الدعاء، أي لا يدعون معه غيره لأنهم في شدة لا يكشفها إلا هو فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) به لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ من النعمة وَلِيَتَمَتَّعُوا باجتماعهم على عبادة الأصنام، وفي قراءة بسكون اللام أمر تهديد فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (66) عاقبة ذلك أَوَلَمْ يَرَوْا يعلموا أَنَّا جَعَلْنا بلدهم مكة حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ قتلا وسبيا دونهم أَفَبِالْباطِلِ الصنم يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) بإشراكهم وَمَنْ أي لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بأن أشرك به أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِ النبي أو الكتاب لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً مأوى لِلْكافِرِينَ (68) أي فيها ذلك وهو منهم وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا في حقنا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا أي طرق السير إلينا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) المؤمنين بالنصر والعون.\r______________________________\rأصلا. قوله: (و أما القرب) أي كالتوحيد والذكر والعبادة. قوله: (بمعنى الحياة) أي الدائمة الخالدة التي لا زوال فيها. قوله: (ما آثروا الدنيا عليها) جواب لو، أي ما قدموا لذة الدنيا على الآخرة.\rقوله: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ الخ، أي وذلك لأن الكفار كانوا إذا ركبوا البحر حملوا معهم الأصنام، فإذا اشتدت الريح، ألقوها في البحر وقالوا: يا رب يا رب، ودعوا اللّه مخلصين حالة الكرب. قوله: إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ جواب لما، والمعنى عادوا إلى شركهم لأجل كفرهم بما أعطاهم اللّه، وتلذذهم بأعراض الدنيا، فلم يقابلوا النعم بالشكر بخلاف المؤمنين.\rقوله: لِيَكْفُرُوا اللام لام العاقبة والصيرورة، وقوله:\rوَلِيَتَمَتَّعُوا عطف عليه. قوله: (و في قراءة بسكون اللام) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أمر تهديد) أي في الفعلين، بدليل الوعيد المرتب عليهما بقوله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ فالحاصل أنه إذا سكنت اللام في الثاني، تعين كونها للأمر في الفعلين، وإن لم تسكن كانت في الفعلين للعاقبة والصيرورة.\rقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا الهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة عليه، والتقدير أعموا ولم يروا، الخ. قوله: وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ الجملة حالية على تقدير المبتدأ، أي وهم يتخطف، الخ. قوله: (أي لا أحد) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي.\rقوله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا قال المفسرون: إن هذه الآية نزلت قبل الأمر بالجهاد لكونها مكية، وحينئذ فالمراد بالجهاد فيها جهاد النفس، قال الحسن: الجهاد مخالفة الهوى، وقال الفضيل بن عياض: والذين جاهدوا في طلب العلم، لنهدينهم سبل العمل به، وقال سهل بن عبد اللّه: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا. وقيل:\rالذين جاهدوا فيما علموا، لنهدينّهم إلى ما لم يعلموا، لما في الحديث: «من عمل بما علم علمه اللّه علم ما لم يعلم»، قوله: لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا أي طرق الموصول إلى مرضاتنا، فالطريق هي العمل بالأحكام الشرعية، وثمرتها الحقيقة وهي العلوم والمعارف المشار اليها بقوله تعالى: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً. قوله: لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ فيه إقامة الظاهر مقام المضمر، لإظهار شرفهم بوصف الإحسان، والمعنى وإن اللّه لمعهم بالعون والنصر والمحبة، فهي معية خاصة، واليها الاشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث القدسي: «فإذا أجبته كنت سمعه الذي يسمع به» الحديث.","part":3,"page":184},{"id":1298,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 185\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الرّوم مكيّة وهي ستون أو تسع وخمسون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) اللّه أعلم بمراده بذلك غُلِبَتِ الرُّومُ (2) وهم أهل كتاب، غلبتها فارس وليسوا أهل كتاب بل يعبدون الأوثان، ففرح كفار مكة بذلك وقالوا\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة الروم\rمكية وهي ستون أو تسع وخمسون آية مبتدأ، و(ستون) خبر أول، و(مكية) خبر ثان، وظاهر المفسر أن كلها مكي، وقيل إلا قوله تعالى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ الآية. قوله: (اللّه أعلم بمراده بذلك) تقدم أن هذا أصح التفاسير.\rقوله: غُلِبَتِ الرُّومُ الرُّومُ اسم قبيلة سميت باسم جدها، وهو روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم، وسمي عيصو لأنه كان مع يعقوب في بطن، فعند خروجهما تزاحما، وأراد كل منهما أن يخرج قبل الآخر، فقال عيصو ليعقوب: إن لم أخرج قبلك، وإلا خرجت من جنبها، فتأخر يعقوب شفقة منه، فلهذا كان أبا الأنبياء، وعيصو أبا الجبارين، وسبب نزول هذه الآية، أنه كان بين فارس والروم قتال، وكان المشركون يودون أن تغلب فارس الروم، لأن فارس كانوا مجوسا أميين، والمسلمون يودون غلبة الروم على فارس لكونهم أهل كتاب، فبعث كسرى جيشا إلى الروم، واستعمل عليهم رجلا يقال له شهر يزان، وبعث قيصر جيشا، وأمر عليهم رجلا يدعى بخنس، فالتقيا بأذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم، فغلبت فارس الروم، فبلغ ذلك المسلمين بمكة، فشق عليهم، وفرح به كفار مكة وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون، وفارس أميون، وقد","part":3,"page":185},{"id":1299,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 186\rللمسلمين: نحن نغلبكم كما غلبت فارس الروم فِي أَدْنَى الْأَرْضِ أي أقرب أرض الروم إلى فارس بالجزيرة، التقى فيها الجيشان، والبادىء بالغزو الفرس وَهُمْ أي الروم مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ أضيف المصدر إلى المفعول، أي غلبة فارس إياهم سَيَغْلِبُونَ (3) فارس فِي بِضْعِ سِنِينَ هو ما بين الثلاث إلى التسع أو العشر، فالتقى الجيشان في السنة السابعة من الالتقاء\r______________________________\rظهر اخواننا من أهل فارس على اخوانكم من الروم، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، فأنزل اللّه هذه الآيات، فخرج أبو بكر الصديق إلى كفار مكة فقال: فرحتم بظهور إخوانكم فلا تفرحوا، فو اللّه لتظهرن الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم، فقام إليه أبي بن خلف الجمحي، وقال: كذبت، فقال له الصديق: أنت أكذب يا عدو اللّه، فقال: اجعل أجلا أنا حبك، أي أقامرك وأراهنك عليه، فراهنه على عشر قلائص منه، وعشر قلائص من الآخر فقال أبي: إن ظهرت الروم على فارس غرمت ذلك، وإن ظهرت فارس على الروم غرمت لي، ففعلوا، وجعلوا الأجل ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره بذلك، وكان ذلك قبل تحريم القمار، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر، ومادده في الأجل، فخرج أبو بكر فلقي أبيا فقال: لعلك ندمت؟ فقال: لا، قال: فتعال أزايدك في الخطر، وأماددك في الأجل، فأجعلها مائة قلوص، ومائة قلوص إلى تسع سنين، وقيل إلى سبع سنين، فقال: قد علمت، فلما خشي أبي بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة، أتاه ولزمه وقال: إني أخاف أن تخرج من مكة فأقم لي كفيلا، فكفله ابنه عبد اللّه بن أبي بكر، فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى أحد، أتاه عبد اللّه بن أبي بكر فلزمه وقال: لا واللّه، لا ادعك حتى تعطيني كفيلا، فأعطاه كفيلا ثم خرج إلى أحد، ثم رجع أبي بن خلف إلى مكة ومات بها من جراحته التي جرحه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إياها حين بارزه، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك على رأس سبع سنين من مناحبتهم، وقيل يوم بدر، وربطت الروم خيولهم بالمدائن، وبنوا بالعراق مدينة وسموها رومية، فأخذ أبو بكر مال الخطر من ورثته وجاء به إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وذلك قبل أن يحرم القمار، فقال له النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم: تصدق به. قوله: (و هم من أهل كتاب) أي نصارى، فنصرتهم علامة على نصرة النبي وأصحابه، وقوله: (و ليسوا أهل الكتاب) أي بل هم مجوس، فنصرتهم علامة على نصر كفار مكة، فكل حزب بما لديهم فرحون. قوله: (بل يعبدون الأوثان) أي التي من جملتها النار. قوله: (و قالوا للمسلمين) الخ، هذا هو حكمة ذكر تلك الواقعة. قوله: (أقرب أرض الروم) أي فأدنى أفعل تفضيل، وأل عوض عن المضاف اليه. قوله: (بالجزيرة) المراد بها ما بين دجلة والفرات، وليس المراد بها جزيرة العرب.\rقوله: وَهُمْ مبتدأ، وجملة سَيَغْلِبُونَ خبره.\rقوله: فِي بِضْعِ سِنِينَ متعلق بيغلبون وهو على حذف مضاف، أي في انتهاء بضع سنين، وأبهم البضع لإدخال الرعب والخوف عليهم في كل وقت.\rقوله: (فالتقى الجيشان في السنة السابعة من الالتقاء الأول) أي يوم بدر، وإن كانت الواقعة الأولى قبل الهجرة بخمس سنين، أو يوم الحديبية إن كانت الأولى قبل الهجرة بسنة، والمراد بالجيشين جيش كسرى","part":3,"page":186},{"id":1300,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 187\rالأول، وغلبت الروم فارس لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ أي من قبل غلب الروم ومن بعده، المعنى أن غلبة فارس أولا وغلبة الروم ثانيا، بأمر اللّه أي إرادته وَيَوْمَئِذٍ أي يوم تغلب الروم يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ إياهم على فارس، وقد فرحوا بذلك وعلموا به يوم وقوعه يوم بدر بنزول جبريل بذلك فيه، مع فرحهم بنصرهم على المشركين فيه يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب الرَّحِيمُ (5) بالمؤمنين وَعْدَ اللَّهِ مصدر بدل من اللفظ بفعله، والأصل وعدهم اللّه النصر لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ به وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي كفار مكة لا يَعْلَمُونَ (6) وعده تعالى بنصرهم يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي معايشها من التجارة والزراعة والبناء والغراس وغير ذلك وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (7) إعادة هم تأكيد أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ليرجعوا عن غفلتهم ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِ\r______________________________\rوجيش قيصر ملك الروم، فأقبل في خمسمائة ألف رومي إلى الفرس وغلبوهم، ومات كسرى ملك الفرس. قوله: لِلَّهِ الْأَمْرُ أي لا لغيره. قوله: مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ القراءة المشهورة ببناء قَبْلُ وبَعْدُ على الضم لحذف المضاف اليه ونية معناه. قوله: (أي من قبل غلب الروم) أي من قبل كونهم غالبين، وقوله: (و من بعده) أي من بعد كونهم مغلوبين. قوله: (المعنى أن غلبة فارس) الخ، جواب عما يقال: ما فائدة قوله: غَلَبِهِمْ بعد قوله: غُلِبَتِ الرُّومُ؟ وحاصل الجواب: أن فائدته إظهار أن ذلك بأمر اللّه، لأن شأن من غلب بعد كونه مغلوبا أن يكون ضعيفا، فلو كانت الغلبة بحولهم وقوتهم لما غلبوا أولا. قوله: (أي يوم تغلب الروم) أشار بذلك إلى أن تنوين يَوْمَئِذٍ عوض عن جملة.\rقوله: يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ أي فاستبشر المؤمنون بنصر الروم على فارس؛ وعلموا أن الغلبة لهم على كفار مكة. قوله: (يوم بدر) هذا أحد قولين، وهو مبني على أن الواقعة الأولى كانت قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل يوم الحديبية، بناء على أن الأولى قبل الهجرة بسنة. قوله: (مصدر) أي مؤكد لمضمون الجملة التي تقدمت، وعامله محذوف أي وعدهم اللّه وعدا. قوله: (به) أي النصر. قوله: لا يَعْلَمُونَ أي لجهلهم وعدم تفكرهم واعتبارهم.\rقوله: يَعْلَمُونَ أي الأكثر.\rقوله: ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي وإما باطنا منها، وهو كونها مجازا إلى الآخرة، يتزود فيها بالأعمال الصالحة فليس لهم به علم. قوله: (إعادة) أي لفظ (هم).\rقوله: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا الهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة عليه، والتقدير اعموا ولم يتفكروا. قوله: إِلَّا بِالْحَقِ أي بالحكمة لا عبثا. قوله: (تفنى عند انتهائه) أي تنعدم السماوات والأرض وما بينهما عند انقضاء ذلك الأجل. قوله: بِلِقاءِ رَبِّهِمْ متعلق بكافرون، واللام غير مانعة من ذلك لوقوعها في غير محلها وهو خبر إِنَ.\rقوله: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ الهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة عليه، والتقدير: اقعدوا ولم يسيروا؟ والاستفهام للتوبيخ، والجملة معطوفة على جملة أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا عطف سبب على مسبب، لأن السير سبب للتفكر.\rقوله: وَأَثارُوا الْأَرْضَ","part":3,"page":187},{"id":1301,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 188\rوَأَجَلٍ مُسَمًّى لذلك تفنى عند انتهائه وبعد البعث وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ أي كفار مكة بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (8) أي لا يؤمنون بالبعث بعد الموت أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم وهي إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً كعاد وثمود وَأَثارُوا الْأَرْضَ حرثوها وقلبوها للزرع والغرس وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها أي كفار مكة وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالحجج الظاهرات فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ بإهلاكهم بغير جرم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) بتكذيبهم رسلهم ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى تأنيث الأسوأ الأقبح، خبر كان على رفع عاقبة، واسم كان على نصب عاقبة، والمراد بها جهنم وإساءتهم أَنْ أي بأن كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ القرآن وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (10) اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ أي ينشىء خلق الناس ثُمَّ يُعِيدُهُ أي خلقهم بعد موتهم ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11) بالياء والتاء وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12) يسكت المشركون لانقطاع حجتهم وَلَمْ يَكُنْ أي لا يكون لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ ممن أشركوهم باللّه وهم الأصنام ليشفعوا لهم شُفَعاءُ وَكانُوا أي يكونون بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (13) أي متبرئين منهم وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ\r______________________________\rبالقصر لعامة القراء وقرىء شذوذا، وآثار بألف بعد الهمزة. قوله: أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها نعت لمصدر محذوف، أي عمارة أكثر من عمارتهم.\rقوله: وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي فلم يذعنوا لها، بل كذبوا بها. قوله: فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ أي يعاملهم معاملة ملك ظالم جبار، بل معاملة ملك عدل رحيم، وعلى فرض أخذهم من غير جرم لا يكون ظالما، إذ لا مشارك له في خلقه، ولكن من فضله تعالى ألزم نفسه ما لا يلزمه\rقوله:\rثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى بيان لعاقبة أمرهم إثر بيان حالهم في الدنيا. قوله: (خبر كان على رفع عاقبة) أي وعاقِبَةَ اسمها، وهي مضافة للموصول، وأَساؤُا صلته، والسُّواى صفة لموصوف محذوف، أي المجازاة السوآى وهي جهنم خبر كانَ، وقوله: (و اسم كان على نصب عاقبة) أي فالسوآى اسم كانَ مؤخر، وعاقِبَةَ خبر كانَ مقدم، وعلى كل فقوله: أَنْ كَذَّبُوا خبر لمحذوف تقديره وإساءتهم أن كذبوا، فهي جملة مستأنفة بيان لصلة الموصول، فيصح الوقف على السوآى، وهذا ما اختاره المفسر من أوجه شتى وهو أنورها، وذكر الفعل لأن الاسم كان على كل مجازي التأنيث. قوله: (و المراد بها) أي السوآى قوله: (أي بأن) كَذَّبُوا أشار بذلك إلى أن الكلام على تقدير الباء وهي للسببية.\rقوله: اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ عبر بالمضارع إشارة إلى أن البدء متجدد شيئا فشيئا ما دامت الدنيا.\rقوله: (أي ينشىء خلق الناس) أي يظهرهم من العدم. قوله: (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أي وهو يوم الإعادة. قوله: (يسكت المشركون) أي عن جواب يدفع عنهم العذاب. قوله: (أي لا يكون) أشار بذلك إلى أن الماضي بمعنى المضارع، لأن المنفي بلم ماضي المعنى.","part":3,"page":188},{"id":1302,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 189\rتأكيد يَتَفَرَّقُونَ (14) أي المؤمنون والكافرون فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ جنة يُحْبَرُونَ (15) يسرّون وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا القرآن وَلِقاءِ الْآخِرَةِ البعث وغيره فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (16) فَسُبْحانَ اللَّهِ أي سبحوا اللّه بمعنى صلّوا حِينَ تُمْسُونَ أي تدخلون في المساء، وفيه صلاتان: المغرب والعشاء وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) تدخلون في الصباح، وفيه صلاة الصبح وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اعتراض ومعناه يحمده أهلهما وَعَشِيًّا عطف على حين، وفيه صلاة العصر وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) تدخلون في الظهيرة، وفيه صلاة الظهر يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ كالإنسان من النطفة، والطائر من البيضة وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ النطفة والبيضة مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بالنبات بَعْدَ مَوْتِها أي يبسها وَكَذلِكَ الإخراج تُخْرَجُونَ (19) من القبور بالبناء للفاعل والمفعول وَمِنْ آياتِهِ تعالى الدالة على قدرته أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ أي أصلكم آدم ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ من دم ولحم\r______________________________\rقوله: بِشُرَكائِهِمْ متعلق بكافرين. قوله: (تأكيد) أي لفظي. قوله: (أي المؤمنون والكافرون) أخذ هذا التعميم من قوله أولا، اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ.\rقوله: فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ الروضة كل أرض ذات نبات وماء ورونق ونضارة. قوله: يُحْبَرُونَ أي يكرمون وينعمون بما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. روي أن في الجنة أشجارا عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع، بعث اللّه ريحا من تحت العرش، فتقع في تلك الأشجار، فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا.\rقوله: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا مقابل قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا قوله: (و غيره) أي كالجنة والنار. قوله:\rمُحْضَرُونَ أي حاضرون.\rقوله: فَسُبْحانَ اللَّهِ الخ، وجه مناسبة هذه الآية لما قبلها، أنه لما ذكر أولا أنه يبدأ الخلق ويعيده، وأن الخلق يكونون فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير، ذكر هنا أنه منزه عن النقائص، إشارة إلى أن تسبيحه وتحميده، وسيلتان للنجاة من العذاب وحلول دار الثواب. قوله: (بمعنى صلوا) إنما فسر التسبيح بالصلاة، لأن التنزيه يكون باللسان والجنان والأركان، ولا شيء أجمع لذلك كله من الصلاة.\rقوله: (أي تدخلون في المساء) أشار بذلك إلى أن تُمْسُونَ وتُصْبِحُونَ فعلان تامان. قوله: (و فيه صلاتان) الخ، أشار بذلك إلى أن هذه الآية جمعت الصلوات الخمس، وخصها بالذكر دون سائر العبادات، لأنها عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين. قوله: (اعتراض) أي بين المعطوف والمعطوف عليه. والحكمة في ذلك، الإشارة إلى أن التوفيق للعبادة نعمة ينبغي أن يحمد عليها.\rقوله: وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ أي فالقادر على إخراج الحي من الميت وعكسه، وإحياء الأرض قادر على إحياء الخلق بعد موتهم، ففي ذلك ردّ على منكري البعث. قوله: (للفاعل والمفعول) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله:\rوَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ شروع في ذكر جملة من الآيات الدالة على وحدانيته سبحانه وتعالى، وذكر لفظ من آيات ست مرات تنتهي عند قوله إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ وابتدأها بذكر خلق الإنسان، ثم بخلق العالم علويا وسفليا، إشارة إلى أن الإنسان هو المنتفع بها. والحكمة في ذكر تلك الآيات ليهتدي بها","part":3,"page":189},{"id":1303,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 190\rتَنْتَشِرُونَ (20) في الأرض وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً تخلقت حوّاء من ضلع آدم وسائر النساء من نطف الرجال والنساء لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وتألفوها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ جميعا مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) في صنع اللّه تعالى وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ أي لغاتكم من عربية وعجمية وغيرها وَأَلْوانِكُمْ من بياض وسواد وغيرهما، وأنتم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ دلالات على قدرته تعالى لِلْعالِمِينَ (22) بفتح اللام وكسرها أي ذوي العقول وأولي\r______________________________\rمن أراد اللّه هدايته، وتقوم الحجة على من لم يهتد. قوله: (أي أصلكم آدم) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، ويصح أن يبقى الكلام على ظاهره، لأن النطفة ناشئة من الغذاء، وهو ناشىء من التراب. قوله: ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ عبر بثم إشارة إلى تراخي أطواره، لكونه أولا نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى آخر أطواره، وأتى بعدها بإذا الفجائية، إشارة إلى أنه لم يفصل بين تلك الأطوار وبين البشرية فاصل، وإن كان الكثير الإتيان بها بعد الفاء.\rقوله: أَزْواجاً أي زوجات. قوله: (من ضلع آدم) أي الأيسر القصير وهو نائم، فلما استيقظ ورآها مال إليها، فقالت له الملائكة: مه يا آدم حتى تؤدي مهرها، فقال:\rوما مهرها؟ فقيل له: أن تصلي على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (و سائر النساء) أي باقيهن. قوله: مَوَدَّةً وَرَحْمَةً قيل المراد بالمودة الجماع، والرحمة الولد، وقيل المودة المحبة، والرحمة الشفقة، فإذا تخلف هذا الأمر، بأن لم توجد بينهما محبة ولا مودة، فالمناسب المفارقة. قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ أي فيما ذكر من خلقهم من تراب، وخلق أزواجهم من أنفسهم، وإلقاء المودة والرحمة بينهم. قوله: لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أي يتأملون في تلك الأشياء، ليحصل لهم الاعتبار وزيادة الإيمان، سيما إذا تأمل في خلق اللّه إياه من نطفة، ثم جعله بشرا سويا، ثم جعل له زوجة من جنسه، ولم تكن جنية ولا بهيمية، وأسكن بينهما المحبة والشفقة، فإذا أراد جماعها زينها له، وجعل بينهما اللذة، فإذا نزلت النطفة منه، جعلها راحة له، وخلق منها بشرا سويا، وغير ذلك من أنواع التفكرات، فإذا تأمل الانسان في ذلك، كان سببا في زيادة معارفه وأدبه مع ربه، ولذا قال بعض العارفين: لذة الجماع ربما كانت من أبواب الوصول إلى اللّه تعالى، ومنه ما روي: «حبب إلي من دنياكم ثلاث: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة».\rقوله: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي إنشاؤهما من العدم إلى الوجود. قوله: (أي لغاتكم) أي بأن خلق فيكم علما ضروريا، تفهمون به لغاتكم ولغات بعضكم على اختلافها. قوله: وَأَلْوانِكُمْ أي فجعلكم ألوانا مختلفة، منكم الأبيض والأسود والمتوسط، وغاير بين أشكالكم، حتى إن التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما يختلفان في شيء من ذلك، وإن كانا في غاية التشابه، وإنما قرن هذا بخلق السماوات والأرض، وإن كان من جملة خلق الإنسان، إشارة إلى أنه آية مستقلة دالة على وحدانية الصانع. قوله: (بفتح اللام وكسرها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أي ذوي العقول وأولي العلم) أي وهم أهل المعرفة الذين لا تحجبهم المصنوعات عن صانعها، بل يشهدون الصانع في المصنوعات، قال العارف:\rوفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد","part":3,"page":190},{"id":1304,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 191\rالعلم وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ بإرادته راحة لكم وَابْتِغاؤُكُمْ بالنهار مِنْ فَضْلِهِ أي تصرفكم في طلب المعيشة بإرادته إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) سماع تدبر واعتبار وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ أي إراءتكم الْبَرْقَ خَوْفاً للمسافر من الصواعق وَطَمَعاً للمقيم في المطر وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي يبسها بأن تنبت إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) يتدبرون وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ بإرادته من غير عمد ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ بأن ينفخ إسرافيل في الصور للبعث من القبور إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) منها أحياء فخروجكم منها بدعوة من آياته تعالى وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (26) مطيعون وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ للناس ثُمَّ يُعِيدُهُ بعد هلاكهم وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ من البدء بالنظر إلى ما عند المخاطبين من أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه، وإلا فهما عند اللّه تعالى سواء في السهولة وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ\r______________________________\rقوله: مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ قيل في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار، حذف حرف الجر لاتصاله بالليل، والأحسن أن يبقى على حاله، والنوم بالنهار من جملة النعم، لا سيما أوقات القيلولة في البلاد الحارة. قوله: (بإرادته) أي فلا قدرة لأحد على اجتلابه. قوله: (راحة لكم) أي من آثار التعب الحاصل لكم. قوله: لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ غاير بين رؤوس الآي تفننا، فإن أهل العقل هم أهل الكفر والسمع.\rقوله: وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ الجار والمجرور خبر مقدم، ويُرِيكُمُ مؤول بمصدر مبتدأ مؤخر، وحذفت أن من الفعل لدلالة ما قبله وما بعده عليه، وهكذا يقال فيما تقدم وما يأتي.\rقوله: أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ أي تثبت وتستقر. قوله: (من غير عمد) بفتحتين اسم جمع لعمود وقيل جمع له، أو ضمتين جمع عمود كرسل ورسول. قوله: مِنَ الْأَرْضِ متعلق بدعاكم. قوله: (في الصور) أي نفخة البعث فتخرج منه الأرواح إلى أجسادها، لأن فيه طاقات بعدد الأرواح، فتجتمع فيه ثم تخرج بالنفخة دفعة واحدة، فلا تخطىء روح جسدها. قوله: إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ عبر في ابتداء خلق الإنسان بثم حيث قال: ثم إذا أنتم بشر تنتشرون، وتركها هنا لأنه من ابتداء الخلق تحصل المهلة والتراخي، لكونه على أطوار مختلفة، بخلاف الإعادة فلا تدريج فيها، بل يحصل دفعة واحدة. قوله: (مطيعون) أي لأفعاله طاعة انقياد لا طاعة عبادة؛ وقيل المعنى قائمون للحساب، وقيل مقرون بالعبودية إما باللسان أو الحال.\rقوله: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ الضمير عائد على الاعادة المفهومة من قوله: يُعِيدُهُ وذكر الضمير مراعاة للخبر. قوله: (بالنظر إلى ما عند المخاطبين) أي فهو مبني على ما يقتضيه عقولهم، لأن من أعاد منهم شيئا، كان أهون عليه وأسهل من إنشائه، وهو جواب عما يقال: إن أفعال اللّه كلها متساوية بالنسبة إلى قدرته تعالى، وأجيب أيضا: بأن اسم التفضيل ليس على بابه، فأهون بمعنى هين. قوله: (أي الصفة العليا) أشار بذلك إلى أن المثل بمعنى الصفة، والأعلى بمعنى العليا، أي المرتفعة المنزهة عن كل نقص.","part":3,"page":191},{"id":1305,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 192\rوَالْأَرْضِ أي الصفة العليا وهي أنه لا إله إلا اللّه وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (27) في خلقه ضَرَبَ جعل لَكُمْ أيها المشركون مَثَلًا كائنا مِنْ أَنْفُسِكُمْ وهو هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي من مماليككم مِنْ شُرَكاءَ لكم فِي ما رَزَقْناكُمْ من الأموال وغيرها فَأَنْتُمْ وهم فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ أي أمثالكم من الأحرار، والاستفهام بمعنى النفي، المعنى ليس مماليككم شركاء لكم إلى آخره عندكم، فكيف تجعلون بعض مماليك اللّه شركاء له كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ نبيّنها مثل ذلك التفصيل لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) يتدبرون بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا بالإشراك أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ أي لا هادي له وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (29) مانعين من عذاب اللّه فَأَقِمْ يا محمد وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً مائلا إليه، أي أخلص دينك للّه أنت ومن تبعك فِطْرَتَ اللَّهِ خلقته الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها\r______________________________\rقوله: (و هي أنه لا إله إلا اللّه) أي فالمراد بها الوصف بالوحدانية ولوازمها من كل كمال، والتنزيه عن كل نقص.\rقوله: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا أي صفة وشكلا تقيسون عليه. قوله: (كائنا) مِنْ أَنْفُسِكُمْ أشار بذلك إلى أن مِنْ ابتدائية متعلقة بمحذوف صفة لمثلا.\rقوله: هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ الخ، هَلْ حرف استفهام، ولَكُمْ خبر مقدم، وشُرَكاءَ مبتدأ مؤخر، ومِنْ زائدة، ومِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ حال من شُرَكاءَ لكونه نعت نكرة قدم عليها، ومِنْ تبعيضية فتحصل أن مِنْ الأولى ابتدائية، والثانية تبعيضية، والثالثة زائدة. قوله: فِي ما رَزَقْناكُمْ أي ملكناكم، وأشار بذلك إلى أن الرزق حقيقة للّه تعالى، وإيضاح هذا المثل أن يقال: إذا لم يصح أن تكون مماليككم شركاء فيما بأيديكم من رزق اللّه، فلا يصح بالأولى جعل بعض مماليك اللّه شركاء فيما هو له حقيقة. قوله: فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ أي مستوون معهم في التصرف على حكم عادة الشركاء.\rقوله: تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ من جملة المنفي، فهو مرتب عليه، فالمراد نفي الثلاثة الشركة والاستواء مع العبيد وخوفهم كخوف أنفسكم، والمعنى أنتم تنفون عنهم تلك الأوصاف الثلاثة، من أجل كونهم مماليك لكم، فكيف تثبتون تلك الأوصاف لبعض مماليك اللّه؟ قوله: (بمعنى النفي) أي فهو استفهام إنكاري. قوله: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي فهذا المثل إنما ينفع العاقل الذي يتدبر الأمور.\rقوله:\rبَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الخ، إضراب عما ذكر أولا، إشارة إلى أنهم لا حجة لهم في الإشراك، ولا دليل لهم سوى اتباع هواهم. قوله: (هادي له) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي.\rقوله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ شروع في تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم، والمراد بإقامة الوجه، بذل الهمة ظاهرا وباطنا في الدين. قوله: (أنت ومن تبعك) أشار بذلك إلى أن الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، والمراد هو وأمته. قوله:\rفِطْرَتَ اللَّهِ منصوب بفعل محذوف قدره المفسر بقوله: (الزموها) وهي ترسم بالتاء المجرورة، وليس في القرآن غيرها، وقوله: (و هي دينه) أي دين الإسلام، وعلى هذا فالخلق جميعا مجبولون على توحيد يوم","part":3,"page":192},{"id":1306,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 193\rوهي دينه أي الزموها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ لدينه أي لا تبدلوه بأن تشركوا ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ المستقيم توحيد اللّه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي كفار مكة لا يَعْلَمُونَ (30) توحيد اللّه مُنِيبِينَ راجعين إِلَيْهِ تعالى فيما أمر به ونهى عنه، حال من فاعل أقم وما أريد به أي أقيموا وَاتَّقُوهُ خافوه وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ بدل بإعادة الجار فَرَّقُوا دِينَهُمْ باختلافهم فيما يعبدونه وَكانُوا شِيَعاً فرقا في ذلك كُلُّ حِزْبٍ منهم بِما لَدَيْهِمْ عندهم فَرِحُونَ (32) مسرورون، وفي قراءة فارقوا أي تركوا دينهم الذي أمروا به وَإِذا مَسَّ النَّاسَ أي كفار مكة ضُرٌّ شدة دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ راجعين إِلَيْهِ دون غيره ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً بالمطر إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ أريد به التهديد فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) عاقبة تمتعكم، فيه التفات عن الغيبة أَمْ بمعنى همزة\r______________________________\rألست بربكم، ولذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه» وهذا غير ما سبق في علم اللّه، وأما هو فعلم أن قوما يكفرون وقوما يؤمنون، فمن سبق في علم اللّه إيمانه، فقد استمر على فطرته الأصلية، ومن سبق في علم اللّه كفره، فقد رجع عن فطرته، وإن كان سبق منه التوحيد، وحينئذ يكون معنى الآية: الزم أنت ومن اتبعك الفطرة التي فطرك ربك عليها وهي التوحيد، وهذا أحد أقوال ثلاثة في معنى الفطرة، وقيل المراد بها: الخلقة الأصلية التي ابتدأهم اللّه عليها من سعادة وشقاوة، وإلى ما يصيرون اليه عند البلوغ، فمن ابتدأ اللّه خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة وإن عمل بأعمال الهدى، ومن ابتدأ اللّه خلقه للهدى صيره إلى الهدى وإن عمل بأعمال أهل الضلالة، وقيل إنها الخلقة والطبيعة التي في نفس الطفل يكون بها مهيأ لمعرفة ربه، ليس بين قلوبهم ومعرفة ربهم حجاب، كما خلق أسماعهم وأبصارهم قابلة للمسموعات والمبصرات، فما دامت باقية على تلك الهيئة أدركت الحق ودين الإسلام، ولا يحجبها عنه إلا وساوس الشياطين بعد البلوغ، ولذا كان كل من مات من بني آدم قبل بلوغه في الجنة، وإن كان من أولاد المشركين، وهذا القول قريب من معنى القول الأول. قوله: (أي لا تبدلوه) أشار بذلك إلى أن قوله: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ خبر، والمراد منه الأمر. قوله: (توحيد اللّه) تفسير لقوله: ذلِكَ.\rقوله: يَعْلَمُونَ (توحيد اللّه) أي بل جهلوا ذلك، فعبدوا غير اللّه. قوله: (حال من فاعل أقم) أي وما بينهما اعتراض. قوله: (و ما أريد به) أي بالخطاب فإنه أريد به محمد ومن تبعه. قوله: (أي أقيموا) أشار بذلك إلى أن\rقوله: وَاتَّقُوهُ عطف على محذوف مأخوذ من الحال قبله.\rقوله: كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ أي فأهل السعادة فرحون بسعادتهم، وأهل الشقاوة فرحون بما زينه لهم الشيطان لظنهم أنهم على حق. قوله: (و في قراءة فارقوا) أي وهي سبعية أيضا.\rقوله: وَإِذا مَسَّ النَّاسَ إِذا شرطية وجوابها قوله: دَعَوْا رَبَّهُمْ، وقوله: (أي كفار مكة) خص ذلك بهم لأنه سبب النزول، وإلا فالعبرة بعموم اللفظ. قوله: إِذا فَرِيقٌ إِذا فجائية قائمة مقام الفاء، فهي رابطة للشرط. قوله: (أريد به التهديد) أي فاللام لام الأمر للتوبيخ والتقرير، على","part":3,"page":193},{"id":1307,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 194\rالإنكار أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً حجة وكتابا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ تكلم دلالة بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) أي يأمرهم بالإشراك؟ لا وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ كفار مكة وغيرهم رَحْمَةً نعمة فَرِحُوا بِها فرح بطر وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ شدة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) ييأسون من الرحمة، ومن شأن المؤمن أن يشكر عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدّة أَوَلَمْ يَرَوْا يعلموا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ يوسعه لِمَنْ يَشاءُ امتحانا وَيَقْدِرُ يضيقه لمن يشاء ابتلاء إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) بها فَآتِ ذَا الْقُرْبى القرابة حَقَّهُ من البر والصلة وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ المسافر من الصدقة، وأمّة النبي تبع له في ذلك ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ أي ثوابه بما يعملون وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) الفائزون وَما آتَيْتُمْ مِنْ\r______________________________\rحد: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ.\rقوله: (عاقبة تمتعكم) قدره إشارة إلى أن مفعول تَعْلَمُونَ محذوف. قوله:\r(فيه التفات عن الغيبة) أي إلى الخطاب لأجل المبالغة في زجرهم. قوله: (بمعنى همزة الإنكار) أي فهي منقطعة، تفسر تارة بالهمزة وحدها، وتارة بالهمزة وبل.\rقوله: فَهُوَ يَتَكَلَّمُ داخل في حيز النفي. قوله:\r(أي يأمركم بالإشراك) أشار بذلك إلى أن ما مصدرية، والأحسن أن يجعلها موصولة، أي بالأمر الذي كانوا يشركون بسببه. قوله: (فرح بطر) أي عجب وكبر، فيصرفونها فيما يغضبه تعالى، ولو فرحوا بها فرح سرور لصرفوها فيما يرضيه.\rقوله: يَقْنَطُونَ بفتح النون وكسرها سبعيتان. قوله: (و من شأن المؤمن) أي من خصلته وهيئته. قوله: (و يرجو ربه عند الشدة) أي لأنه يشهد أنه لا كاشف لها غيره ولا رحيم سواه. قوله: (امتحانا) أي اختبارا لينظر أيشكر أم يطغى. قوله: (ابتلاء) أي فينظر هل يصبر ويرضى، أم يضجر ويشكو.\rقوله: فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ هذه الآية في صدقة التطوع لا في الزكاة الواجبة، لأن السورة مكية، والزكاة فرضت في السنة الثانية من الهجرة بالمدينة. قوله: (القرابة) أخذ أبو حنيفة من الآية، أن النفقة على الأرحام عموما واجبة على القادر، وعند مالك والشافعي النفقة على الأصول والفروع واجبة، وما عدا ذلك مندوب. قوله: (و أمة النبي) الخ، أشار بذلك إلى أن الأمر وإن كان للنبي، فالمراد هو وأمته. قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الظافرون بمقصودهم.\rقوله: وَما آتَيْتُمْ بالمد والقصر قراءتان سبعيتان. قوله: (بأن يعطى شيئا) الخ، أشار بذلك إلى أن هذه الآية نزلت في هبة الثواب، وهي أن يريد الرجل بهديته أكثر منها، وهي مكروهة في حقنا، وأما في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم فمحرمة لقوله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ والحكم فيها إذا وقعت أنه إذا شرط عليه الثواب لزمه الدفع، وإن لم يشترط عليه، فلا يلزمه إلا دفع قيمتها إن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له لأمر غني لفقير. قوله: (فسمي) أي المعطى وهو الهدية.\rقوله: (باسم المطلوب) أي الذي يأخذ من المهدى اليه مقابلة ما أعطاه. قوله: فِي أَمْوالِ النَّاسِ أي في تحصيلها. قوله: (المعطين) أي الآخذين للهبة والهدية. قوله: (أي لا ثواب فيه","part":3,"page":194},{"id":1308,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 195","part":3,"page":195},{"id":1309,"text":"رِباً بأن يعطى شيئا هبة أو هدية ليطلب أكثر منه، فسمي باسم المطلوب من الزيادة في المعاملة لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ المعطين أي يزيد فَلا يَرْبُوا يزكو عِنْدَ اللَّهِ أي لا ثواب فيه للمعطين وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ صدقة تُرِيدُونَ بها وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) ثوابهم بما أرادوه، فيه التفات عن الخطاب اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ ممن أشركتم باللّه مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْء؟ لا سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40) به ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ أي القفار بقحط المطر وقلة النبات وَالْبَحْرِ أي البلاد التي على الأنهار بقلة مائها بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ من المعاصي لِيُذِيقَهُمْ بالياء والنون\r______________________________\rللمعطين) أي الدافعين لما ذكر، فالأول اسم مفعول، والثاني اسم فاعل. قوله: (صدقة) أي صدقة تطوع، وعبر عنها بالزكاة إشارة إلى أنها مطهرة للأموال والأبدان والأخلاق. قوله: هُمُ الْمُضْعِفُونَ أي الذين تضاعف لهم الحسنات. قوله: (فيه التفات عن الخطاب) أي تعظيما لحالهم أو قصدا للعموم كأنه قيل: من فعل ذلك فأولئك هم المضعفون.\rقوله: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ جملة من مبتدأ وخبر، وهي تفيد الحصر لكونها معرفة الطرفين قوله:\rهَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ الخ، خبر مقدم، ومِنْ للتبعيض، ومَنْ يَفْعَلُ مبتدأ مؤخر، وقوله: مِنْ ذلِكُمْ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من شيء، لكونه نعت نكرة تقدم عليها، ومِنْ شَيْءٍ مفعول يفعل، ومِنْ زائدة، والتقدير من الذي يفعل شيئا من ذلكم من شركائكم، واسم الإشارة يعود على ما ذكر من الأمور الأربعة، وهي الخلق والرزق والأمانة والاحياء. قوله: (لا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري. قوله: سُبْحانَهُ وَتَعالى هذا نتيجة ما قبله، أي فإذا ثبت أنه تعالى هو الفاعل لذلك كله، ولا شريك له في شيء عنها، فالواجب تسبيحه وتنزيهه عن كل نقص. قوله: (أي القفار) بكسر القاف جمع قفر وهي الأرض التي لا ماء بها ولا نبات، وأما القفار بفتح القاف فهو الخبز الذي لا أدم معه. قوله: (بقحط المطر) أي منعه من النزول. قوله: (أي البلاد التي على الأنهار) وقيل إن قلة المطر، كما تؤثر في البر تؤثر في البحر، فتخلو أجواف الأصداف وتعمو دوابه، فإذا أمطرت السماء تفتحت الأصداف في البحر، فما وقع فيها من السماء فهو لؤلؤ، وتكثر دواب البحر.\rقوله: بِما كَسَبَتْ الباء سببية وما مصدرية أي بسبب كسبهم. قوله: (من العاصي) أي ومبدؤها قتل قابيل هابيل، لأن الأرض كانت قبل ذلك نضرة مثمرة، لا يأتي ابن آدم شجرة إلا وجد عليها الثمر، وكان البحر عذبا، وكان الأسد لا يصول على الغنم ونحوها، فلما قتله اقشعرت الأرض، ونبت الشوك في الأشجار، وصار ماء البحر ملحا، وتسلطت الحيوانات بعضها على بعض. قوله:\rلِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا اللام للعاقبة والصيرورة متعلق بقوله: ظَهَرَ الْفَسادُ الخ، وهذا فيمن أظهر الفساد وتكبر وتجبر وكفر، وإلا فالمصائب للصالحين رفع درجات، ولعصاة المؤمنين تكفير سيئات.\rقوله: (أي عقوبته) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف.\rقوله: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ","part":3,"page":196},{"id":1310,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 196\rبَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا أي عقوبته لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) يتوبون قُلْ لكفار مكة سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) فأهلكوا بإشراكهم، ومساكنهم ومنازلهم خاوية فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ دين الإسلام مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ هو يوم القيامة يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد، يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة والنار مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وبال كفره وهو النار وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) يوطئون منازلهم في الجنة لِيَجْزِيَ متعلق بيصدعون الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ يثيبهم إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (45) أي يعاقبهم وَمِنْ آياتِهِ تعالى أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ بمعنى لتبشركم بالمطر وَلِيُذِيقَكُمْ بها مِنْ رَحْمَتِهِ المطر والخصب وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ السفن بها بِأَمْرِهِ بإرادته وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ تطلبوا الرزق بالتجارة في البحر وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) هذه النعم يا أهل مكة فتوحدونه وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالحجج الواضحات على صدقهم في رسالتهم إليهم فكذبوهم فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا أهلكنا الذين كذبوهم وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ\r______________________________\rقَبْلُ أي وهي الدمار والهلاك إن لم يتوبوا، وكذلك يحل بكفار مكة إن لم يتوبوا، قال تعالى: كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ*.\rقوله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، والمراد هو وأمته، والمعنى ابذل همتك في دين الإسلام واشتغل به ولا تحزن عليهم. قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ أي وأما بعد مجيئه فلا ينفع العامل عمله، بل كل إنسان يلقى جزاء ما عمله قبل ذلك، قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ. قوله: مِنَ اللَّهِ متعلق بيأتي. قوله: يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ التنوين عوض عن جملة أي يوم إذ يأتي هذا اليوم. قوله: (فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد) أي فأصله يتصدعون، أبدلت التاء صادا وأدغمت في الصاد. قوله: (يتفرقون بعد الحساب) أي عند سماع قوله تعالى: وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ. قوله: (و بال كفره) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله: (يوطئون منازلهم) أي فالأعمال الصالحة في الدنيا بها تهيؤ المنازل في الجنة. قوله:\r(متعلق بيصدعون) أي والتقدير يتفرقون ليجزي الذين آمنوا من فضله، والذين كفروا بعدله.\rقوله:\rالرِّياحَ أي الشمال والصبا والجنوب، فإنها رياح الرحمة، وأما الدبور فهي ريح العذاب، يدل على ذلك قوله عليه الصلاة والسّلام: «اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا». قوله: وَلِيُذِيقَكُمْ عطف على مُبَشِّراتٍ كأنه قال: لتبشركم وليذيقكم. قوله: مِنْ رَحْمَتِهِ مِنْ تبعيضية أي بعض رحمته.\rقوله: (يا أهل مكة) خصهم لأنهم سبب نزول الآية، وأما فالعبرة بعموم اللفظ.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا هذه الآيات معترضة بين الآيات المنفصلة والمفصلة، لأن قوله: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ تفصيل لقوله: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ وحكمة ذلك","part":3,"page":197},{"id":1311,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 197\rالْمُؤْمِنِينَ (47) على الكافرين بإهلاكهم وإنجاء المؤمنين اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً تزعجه فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ من قلة وكثرة وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً بفتح السين وسكونها قطعا متفرقة فَتَرَى الْوَدْقَ المطر يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ أي وسطه فَإِذا أَصابَ بِهِ بالودق مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) بفرحون بالمطر وَإِنْ وقد كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ تأكيد لَمُبْلِسِينَ (49) آيسين من إنزاله فَانْظُرْ إِلى آثارِ وفي قراءة آثار رَحْمَتِ اللَّهِ أي نعمته بالمطر كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي يبسها بأن تنبت إِنَّ ذلِكَ المحيي الأرض لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) وَلَئِنْ لام قسم أَرْسَلْنا رِيحاً مضرة على نبات فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا صاروا جواب القسم مِنْ بَعْدِهِ أي بعد اصفراره يَكْفُرُونَ (51) يجحدون النعمة بالمطر فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بينها وبين الياء وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ ما\r______________________________\rتسليته صلّى اللّه عليه وسلّم وتأنيسه، حيث وعده بنصر المؤمنين عموما. قوله: فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا عطف على محذوف قدره بقوله: (فكذبوهم). قوله: وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ كانَ فعل ماض ناقص، ونَصْرُ اسمها مؤخر، وحَقًّا خبرها مقدم، وعَلَيْنا متعلق بحقا أو بمحذوف صفة، وهذا وعد حسن من اللّه للمؤمنين، بنصرهم على أعدائهم في الدنيا والآخرة وهو لا يتخلف.\rقوله: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ مبتدأ وخبر، وهو تفصيل لما اجمل أولا كما تقدم التنبيه عليه.\rقوله: (تزعجه) أي تهيجه وتحركه. قوله: فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ أي ينشره في جهتها متصلا بعضه ببعض. قوله: (بفتح السين وسكونها) أي فهما قراءتان سبعيتان، فالمفتوح جمع كسفة والمسكن مخفف المفتوح، فقوله: (قطعا) تفسير للوجهين. قوله: إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ إِذا فجائية، والمعنى فاجأهم الفرح.\rقوله: وَإِنْ كانُوا فسر إِنْ بقد تبعا لغيره، فالواو للحال، و(قد) للتحقيق، وبعضهم جعلها مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والجملة خبرها بدليل اللام لمبلسين، فإنها اللام الفارقة، وكل صحيح. قوله: (تأكيد) أي إشارة إلى أنه أتاهم الفرج بعد تمادي يأسهم.\rقوله: فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ أي ما ينشأ عن المطر من خضرة الأشجار وأثمارها وبهجتها ونضارتها. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (مضرة) أي وهي ريح الدبور.\rقوله: فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا أي بعد خضرته. قوله: (جواب القسم) أي وقد سد مسد جواب الشرط للقاعدة المعلومة، من أنه عند اجتماع الشرط والقسم يحذف جواب المتأخر منهما. قوله: (يجحدون النعمة) أي فشأنهم يفرحون عند الخصب، فإذا جاءتهم مصيبة في زرعهم، جحدوا سابق نعمة اللّه عليهم.\rقوله: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى تعليل لمحذوف، والمعنى لا تحزن على عدم إيمانهم، فهم موتى صم عمي، وأنت لا تسمع من كان كذلك. قوله: (بتحقيق الهمزتين) الخ، أي وهما قراءتان سبعيتان.","part":3,"page":198},{"id":1312,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 198\rتُسْمِعُ سماع إلهام وقبول إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا القرآن فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53) مخلصون بتوحيد اللّه اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ماء مهين ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ آخر وهو ضعف الطفولية قُوَّةً أي قوة الشباب ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً ضعف الكبر وشيب الهرم، والضعف في الثلاثة بضم أوله وفتحه يَخْلُقُ ما يَشاءُ من الضعف والقوة والشباب والشيبة وَهُوَ الْعَلِيمُ بتدبير خلقه الْقَدِيرُ (54) على ما يشاء وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ يحلف الْمُجْرِمُونَ الكافرون ما لَبِثُوا مكثوا في القبور غَيْرَ ساعَةٍ قال تعالى كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (55) يصرفون عن الحق البعث، كما صرفوا عن الحق الصدق في مدة اللبث وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ من الملائكة وغيرهم لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ فيما كتبه في سابق علمه إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ الذي أنكرتموه وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (56) وقوعه فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ بالياء والتاء الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ في إنكارهم له وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57) لا يطلب منهم العتبى، أي الرجوع إلى ما يرضي اللّه وَلَقَدْ ضَرَبْنا جعلنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ تنبيها لهم وَلَئِنْ لام قسم جِئْتَهُمْ يا محمد\r______________________________\rقوله: إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا أي يصدق بها.\rقوله: مِنْ ضَعْفٍ أي أصل ضعيف. قوله:\r(ماء مهين) أي حقير ضعيف قليل. قوله: وَشَيْبَةً أي وهو بياض الشعر الأسود، ويحصل أوله غالبا في السنة الثالثة والأربعين، وهو أول سن الكهولة، والأخذ في النقص بعد الخمسين لثلاث وستين، فيزيد وهو أول سن الشيخوخة، فيزيد الضعف في الجسم والعقل إلى آخر العمر، وهذا في غير أهل التقوى والصلاح، وأما هم فيزيد عقلهم لآخر عمرهم. قوله: (بضم أوله وفتحه) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: تَقُومُ السَّاعَةُ أي تحصل وتوجد. والمراد بها القيامة، سميت بذلك لحصولها في آخر ساعة من ساعات الدنيا. قوله: (الكافرون) أي المنكرون للبعث. قوله: (مكثوا في القبور) إنما استقلوا تلك المدة، لأن عذاب القبر خفيف بالنسبة لما شاهدوه من عذاب النار، وقيل المراد مكثوا في الدنيا، فاستقلوا أجل الدنيا لما عاينوا الآخرة. قوله: (يصرفون عن الحق) أي الإقرار والاعتراف به في الدنيا.\rقوله: وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أي ردا عليهم وتكذيبا لهم. قوله: (و غيرهم) أي كالأنبياء والمؤمنين. قوله: (أنكرتموه) أي في الدنيا.\rقوله: فَيَوْمَئِذٍ التنوين عوض عن جمل محذوفة، أي يوم إذ قامت الساعة وحلف المشركون كاذبين، ورد عليهم الملائكة وغيرهم وبينوا كذبهم لا تنفع، الخ. قوله:\r(بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: مَعْذِرَتُهُمْ أي اعتذارهم. قوله: (العتبى) كالرجعى وزنى ومعنى، ولا يجابون لما طلبوه من الرجوع إلى الدنيا.\rقوله: مِنْ كُلِّ مَثَلٍ مِنْ للتبعيض أي بعض كل صفة لأجل إرشادهم.\rقوله: وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ أي مما اقترحوا. قوله: (حذف منه نون الرفع) الخ، هذا سبق قلم من","part":3,"page":199},{"id":1313,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 199\rبِآيَةٍ مثل العصا واليد لموسى لَيَقُولَنَ حذف منه نون الرفع لتوالي النونات، والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين الَّذِينَ كَفَرُوا منهم إِنْ ما أَنْتُمْ أي محمد وأصحابه إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) أصحاب أباطيل كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (59) التوحيد كما طبع على قلوب هؤلاء فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بنصرك عليهم حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (60) بالبعث، أي لا يحملنك على الخفة والطيش بترك الصبر، أي لا تتركنه.\r______________________________\rالمفسر، فالصواب أن يقول: هو فعل مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والَّذِينَ فاعله، لأن اللام مفتوحة باتفاق القراء. قوله: (منهم) حال من الكافرين.\rقوله: فَاصْبِرْ أي إذا علمت حالهم، وأنهم لا يؤمنون لوجود الطبع على قلوبهم فاصبر، الخ. قوله: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ تعليل للأمر بالصبر. قوله: (و الطيش) عطف مرادف على (الخفة). قوله: (أي لا تتركنه) أي لا تترك الصبر بسبب تكذيبهم وإيذائهم.","part":3,"page":200},{"id":1314,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 201\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة لقمان مكيّة إلا وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ الآيتان فمدنيتان.\rوهي أربع وثلاثون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) اللّه أعلم بمراده به تِلْكَ أي هذه الآيات آياتُ الْكِتابِ القرآن الْحَكِيمِ (2) ذي الحكمة والإضافة بمعنى من هو هُدىً وَرَحْمَةً بالرفع لِلْمُحْسِنِينَ (3) وفي قراءة العامة بالنصب حالا من الآيات العامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ بيان للمحسنين وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) هم\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة لقمان\rمكية إلا وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ الآيتان فمدنيتان.\rوهي أربعة وثلاثون آية مبتدأ وخبر، سميت بذلك لذكر قصة لقمان فيها. قوله: (إلا) وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ إلخ، هذا أحد أقوال ثلاثة، وقيل مكية كلها، وقيل إلا ثلاث آيات من قوله: وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ إلى خَبِيرٌ وهذا القول الثالث للبيضاوي. قوله: (أي هذه الآيات) أي آيات السورة، وأشير إليها بإشارة البعيد لعلو رتبتها ورفعة قدرها عند اللّه، وإن كانت قريبة من الأذهان.\rقوله: (ذي الحكمة) أي المشتمل على الحكمة، وهي العلم النافع، ويصح أن يراد بالحكيم المحكم، أي المتقن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويصح أن يراد الْحَكِيمِ قائله، حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه، وهو الضمير المجرور، فبانقلابه مرفوعا استكن في الصفة المشبهة. قوله: (بالرفع) أي لحمزة على أنه خبر لمحذوف قدره بقوله: (هو). قوله: (و في قراءة العامة) أي وهم السبعة ما عدا حمزة. قوله: (حالا من الآيات) أي حال كون كل منهما حالا. قوله: (من معنى الإشارة) أي كأنه قال: أشير إلى تلك الآيات، حال كونها هدى ورحمة.\rقوله: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ أي يؤدونها بأركانها وآدابها. قوله: وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ أي","part":3,"page":201},{"id":1315,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 202\rالثاني تأكيد أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) الفائزون وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ أي ما يلهي منه عما يعني لِيُضِلَ بفتح الياء وضمها عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ طريق الإسلام بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها بالنصب عطفا على يضل وبالرفع عطفا على يشتري هُزُواً مهزوءا بها أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (6) ذو إهانة وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا أي القرآن وَلَّى مُسْتَكْبِراً متكبرا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً صمما، وجملتا التشبيه حالان من ضمير ولي، أو الثانية بيان للأولى فَبَشِّرْهُ أعلمه بِعَذابٍ أَلِيمٍ (7) مؤلم، وذكر البشارة تهكم به وهو النضر بن الحرث، كان يأتي الحيرة يتجر، فيشتري كتب أخبار الأعاجم ويحدث بها أهل مكة ويقول: إن محمدا يحدثكم أحاديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم أحاديث فارس والروم، فيستملحون حديثه، ويتركون استماع القرآن إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خالِدِينَ فِيها حال مقدرة أي مقدرا خلودهم فيها إذا دخلوها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أي\r______________________________\rيعطونها لمستحقيها. قوله: وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أي يؤمنون بلقاء اللّه والبعث. قوله: (الفائزون) أي بما أعد لهم من النعيم المقيم.\rقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي إلخ، شروع في ذكر مقابل الفريق الأول على حكم عادته تعالى في كتابه، والجار والمجرور خبر مقدم، والاسم الموصول مبتدأ مؤخر، واعلم أن من لفظها مفرد، ومعناها جمع، فروعي لفظها في جميع الضمائر الآتية، وروعي معناها في أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ. قوله: لَهْوَ الْحَدِيثِ إما من إضافة الصفة للموصوف، أي الحديث اللهو، أي المشتغل عما يعني، أو الإضافة على معنى من، وإليه يشير المفسر بقوله: (أي ما يلهي عنه). قوله: (بفتح الياء) أي ليستمر على الضلال، وقوله: (و ضمها) أي ليوقع غيره في الضلال، فهو ضال مضل، والقراءتان سبعيتان. قوله: (طريق الإسلام) أي الأمور الموصلة للإسلام، فاللهو كل ما يشغل عن عبادة اللّه، وذكره من الأضاحيك والخرافات والمغاني والمزامير، وغيرها من الأمور الباطلة.\rقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ حال من فاعل يَشْتَرِي أي حالة كونه جاهل القلب، وإن كان عليم اللسان. قوله: وَيَتَّخِذَها أي الآيات. قوله: (بالنصب) إلخ، أي والقراءتان سبعيتان. قوله:\r(مهزوءا بها) أي لمحاكاته لها بالخرافات. قوله: (أعلمه) أشار بذلك إلى أن المراد بالبشارة مطلق الإعلام بالخبر، وإن لم يكن فيه بشارة، ودفع بذلك ما يقال: إن الأخبار بالعذاب الأليم، ليس بشارة بل هو نذارة، وقوله: (و ذكر البشارة) إلخ، جواب آخر، فكان المناسب أن يذكره بأو. قوله: (النضر بن الحرث) أي ابن كلدة كان صديقا لقريش. قوله: (فيستملحون حديثه) أي يعدونه مليحا فيصغون له.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بيان لحال المؤمنين وبالقرآن، بعد بيان حال الكافرين به. قوله: جَنَّاتُ النَّعِيمِ المراد بها جميع الجنان، لا خصوص المسماة بهذا الاسم. قوله: (أي مقدرا خلودهم) أي فهم عند دخولهم يقدرون الخلود، لسماعهم النداء من قبل اللّه، يا أهل الجنة خلود بلا موت.\rقوله: وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا مصدران مؤكدان لمضمون الجملة الأولى، والعامل مختلف، والتقدير وعد","part":3,"page":202},{"id":1316,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 203\rوعدهم اللّه ذلك وحقه حقا وَهُوَ الْعَزِيزُ الذي لا يغلبه شيء فيمنعه من إنجاز وعده ووعيده الْحَكِيمُ (9) الذي لا يضع شيئا إلا في محله خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها أي العمد جمع عماد وهو الأسطوانة، وهو صادق بأن لا عمد أصلا وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ جبالا مرتفعة أَنْ لا تَمِيدَ تتحرك بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا فيه التفات عن الغيبة مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) صنف حسن هذا خَلْقُ اللَّهِ أي مخلوقه فَأَرُونِي أخبروني يا أهل مكة ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ غيره أي آلهتكم حتى أشركتموها به تعالى، وما استفهام إنكار مبتدأ، وذا بمعنى الذي بصلته خبره، وأروني معلق عن العمل، وما بعده سد مسد المفعولين بَلِ للانتقال الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (11) بيّن بإشراكهم وأنتم منهم وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ منها: العلم والديانة والإصابة في القول، وحكمه كثيرة مأثورة،\r______________________________\rاللّه ذلك وعدا وحقه حقا. قوله: (الذي لا يغلبه شيء) أي لا يقهره أحد.\rقوله: خَلَقَ السَّماواتِ إلخ، هذا دليل على أنه عزيز حكيم، لا يمنعه أحد عن إنجاز وعده ووعيده. قوله: (أي العمد) أشار بذلك إلى أن جملة تَرَوْنَها صفة لعمد. قوله: (جمع عماد) أي كأهب جمع إهاب. قوله: (الإسطوانة) بضم الهمزة وهي السارية. قوله: (و هو صادق) إلخ، أي لأن السالبة تصدق بنفي الموضوع وهو المراد هنا، ويصح أن يراد الشق الثاني، وهو أن يكون لها عمد لا ترى، وهي قدرة اللّه تعالى. قوله: رَواسِيَ أي ثوابت. قوله: (جبالا مرتفعة) قال ابن عباس: هي سبعة عشر جبلا منها: ق وأبو قبيس والجودي ولبنان وطور سينين. قوله: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ قدر المفسر لام التعليل ولا النافية، إشارة إلى أن حكمة تثبيت الأرض بالجبال، عدم تحركها بأهلها. قوله: وَبَثَّ فِيها أي نشر، وقوله: مِنْ كُلِّ دابَّةٍ مِنْ زائدة. قوله: (فيه التفات) أي من الغيبة إلى التكلم، زيادة في التبكيت وإلزام الحجة.\rقوله: هذا خَلْقُ اللَّهِ أي ما ذكر من السماوات والأرض وما فيهما. قوله: (استفهام إنكار) وتوبيخ وتقريع. قوله: (معلق على العمل) أي في اللفظ، وأما في المحل فهو عامل النصب. قوله: (سد مسد المفعولين) ظاهره أن أروني تنصب ثلاثة مفاعيل، الياء وجملة الاستفهام التي سدت مسد الثاني والثالث، وهذا غير ما ذكروه من أن أرى إن كان بمعنى أخبر، فإنها تتعدى لمفعولين: الأول مفرد صريح، والثاني جملة الاستفهام، فالمناسب للمفسر أن يقول: سدت مسد الثاني. قوله: (للانتقال) أي من تبكيتهم إلى الإخبار بتقبيح الظالمين عموما.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ اختلف في لقمان، فقيل اسم عجمي ممنوع الصرف للعلمية والعجمة، وقيل عربي ومنع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون، واختلف فيه أيضا، فقيل هو لقمان بن فاغور بن ناخور بن تارخ وهو آزر، فعلى هذا هو ابن ابن أخي ابراهيم الخليل عليه السّلام، وقيل كان ابن أخت أيوب، وقيل كان ابن خالته، يقال إنه عاش ألف سنة حتى أدرك داود، واتفق العلماء على أنه كان حكيما ولم يكن نبيا، إلا عكرمة والشعبي فقالا بنبوته، وقيل خيّر بين النبوة والحكمة فاختار","part":3,"page":203},{"id":1317,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 204\rكان يفتي قبل بعثة داود، وأدرك بعثته وأخذ عنه العلم وترك الفتيا، وقال في ذلك: ألا أكتفي إذا كفيت؟ وقيل له: أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي إن رآه الناس مسيئا أَنِ أي وقلنا له أن اشْكُرْ لِلَّهِ على ما أعطاك من الحكمة وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لأن ثواب شكره له وَمَنْ كَفَرَ النعمة فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌ عن خلقه حَمِيدٌ (12) محمود في صنعه وَاذكر إِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَ تصغير إشفاق لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ باللّه لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)\r______________________________\rالحكمة، وروي أنه كان نائما في وسط النهار، فنودي يا لقمان، هل لك أن نجعلك خليفة في الأرض، فتحكم بين الناس بالحق؟ فأجاب الصوت فقال: إن خيرني ربي قبلت العافية ولم أقبل البلاء، وإن عزم علي فسمعا وطاعة، فإني أعلم أن اللّه تعالى، إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني، فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا لقمان؟ قال: إن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاه المظلوم من كل مكان، إن عدل نجا، وإن أخطأ الطريق أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلا، خير من أن يكون شريفا، ومن يختر الدنيا على الآخرة، تفتنه الدنيا ولم يصب الآخرة، فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومه فأعطي الحكمة، فانتبه وهو يتكلم بها، ثم نودي بها داود بعده فقبلها، وكان لقمان يؤازر داود لحكمته، وقيل كان خياطا، وقيل كان راعي غنم، فروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة فقال: ألست فلانا الراعي؟\rقال: بلى، قال: فيم بلغت ما بلغت؟ قال: بصدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما يعنيني. قوله: (منها العمل والديانة) أي فالحكمة هي العلم والعمل، ولا يسمى الرجل حكيما حتى يجمعها، وقيل الحكمة المعرفة والأمانة، وقيل هي نور في القلب، يدرك به الأشياء كما تدرك بالبصر. قوله: (و حكمه كثيرة) قال وهب: تكلم لقمان باثني عشر ألف باب من الحكمة، أدخلها الناس في كلامهم. قوله: (و قال في ذلك) أي في شأن الاعتذار عن ترك الفتيا. قوله: (و قلنا له أن) اشْكُرْ إلخ، أشار بذلك إلى أن أن زائدة، وجملة أَنِ اشْكُرْ مقول القول، والأنسب (أن) تفسيرية لتقدم جملة فيها معنى القول دون حروفه. قوله:\r(ما أعطاك من الحكمة) أي فهي نعمة يجب الشكر عليها بصرفها في مصارفها. قوله: وَمَنْ يَشْكُرْ إلخ، تعليل للأمر بالشكر. قوله: (محمود في صنعه) أي فهو حقيق بأن يحمد من دون المخلوقات.\rقوله: وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ أي واسمه ثاران وقيل مشكم وقيل أنعم، قيل كان ابنه وامرأته كافرين، فما زال يعظهما حتى أسلما، قيل وضع لقمان جرابا من خردل إلى جنبه، وجعل يعظ ابنه موعظة موعظة، ويخرج خردلة خردلة، فنفد الخردل فقال: يا بني وعظتك موعظة لو وعظتها جبلا لتفطر، فتفطر ابنه ومات. قوله: وَهُوَ يَعِظُهُ الجملة حالية. قوله: يا بُنَيَ بكسر الياء وفتحها قراءتان سبيعتان.\rقوله: (اشفاق) أي محبة. قوله: (فرجع إليه) أي إلى دين أبيه وهو الإسلام، وقال أيضا: يا بني اتخذ تقوى اللّه تعالى تجارة، يأتك الربح من غير بضاعة، يا بني احضر الجنائز ولا تحضر العرس، فإن الجنائز تذكرك الآخرة، والعرس يشهيك الدنيا. يا بني لا تكن أعجز من هذا الديك الذي يصوت بالأسحار، وأنت نائم على فراشك. يا بني لا تؤخر التوبة، فإن الموت يأتي بغتة. يا بني لا ترغب في ود الجاهل، فيرى أنك ترضى عمله. يا بني اتق اللّه ولا تر الناس أنك تخشى، ليكرموك بذلك وقلبك فاجر، يا بني ما ندمت على الصمت قط، فإن الكلام إذا كان من فضة، كان السكوت من ذهب. يا بني اعتزل الشر كما يعتزلك، فإن الشر للشر خلق. يا بني عليك بمجالس العلماء، واستمع كلام الحكماء، فإن اللّه تعالى يحيي","part":3,"page":204},{"id":1318,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 205\rفرجع إليه وأسلم وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ أمرنا أن يبرهما حَمَلَتْهُ أُمُّهُ فوهنت وَهْناً عَلى وَهْنٍ أي ضعفت للحمل، وضعفت للطلق، وضعفت للولادة وَفِصالُهُ أي فطامه فِي عامَيْنِ وقلنا له أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) أي المرجع وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ موافقة للواقع فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً أي\r______________________________\rالقلب الميت بنور الحكمة، كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر، فإن من كذب ذهب ماء وجه، ومن ساء خلقه كثر غمه، ونقل الصخور من موضعها أيسر من إفهام من لا يفهم، يا بني لا ترسل رسولك جاهلا، فإن لم تجد حكيما فكن رسول نفسك. يا بني لا تنكح أمة غيرك، فتورث بنيك حزنا طويلا. يا بني يأتي على الناس زمان لا تقر فيه عين حليم. يا بني اختر المجالس على عينك، فإذا رأيت المجلس يذكر فيه اللّه عز وجل فاجلس معهم، فإنك إن تك عالما ينفعك علمك، وإن تك غبيا يعلموك، وإن يطلع اللّه عز وجل عليهم برحمة تصبك معهم. يا بني لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر فيه اللّه عز وجل، فإنك إن تكن عالما لا ينفعك علمك، وإن تك غبيا يزيدوك غباوة، وإن يطلع اللّه عليهم بعد ذلك بسخط يصبك معهم. يا بني لا يأكل طعامك إلا الأتقياء، وشاور في أمرك العلماء. يا بني إن الدنيا بحر عميق، وقد غرق فيه ناس كثير، فاجعل سفينتك فيها تقوى اللّه، وحشوها الإيمان بها، وشراعها التوكل على اللّه، لعلك أن تنجو. يا بني إني حملت الجندل والحديد، فلم أحمل شيئا أثقل من جار السوء، وذقت المرارة كلها، فلم أذق أشد من الفقر، يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك. يا بني لا تتعلم ما لا تعلم، حتى تعمل بما تعلم. يا بني إذا أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره. يا بني إنك منذ نزلت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة، فدار أنت إليها تسير، أقرب من دار أنت عنها ترحل. يا بني عود لسانك أن يقول: اللهم اغفر لي، فإن للّه ساعات لا ترد. يا بني إياك والدين، فإنه ذل النهار وهم الليل. يا بني أرج اللّه رجاء لا يجرئك على معصيته، وخف اللّه خوفا لا يؤيسك من رحمته. إلى غير ذلك من المواعظ المأثورة عنه عليه السّلام.\rقوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ إلخ، هاتان الآيتان نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص كما تقدم، فهما معترضتان بين كلامي لقمان، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فأل في الإنسان للجنس. قوله:\r(أن يبرهما) أي يحسن إليهما. قوله: (فوهنت) قدر الفعل اشارة إلى أن وَهْناً مفعول مطلق، والأحسن جعله حالا من أمة أي ذات وهن. قوله: عَلى وَهْنٍ صفة لوهنا أي ضعفا كائنا على ضعف، والمراد التوالي لا خصوص وهنين بدليل قول المفسر (أي ضعفت للحمل) إلخ. قوله: (أي فطامه) أي ترك رضاعه. قوله: فِي عامَيْنِ أي في انقضائهما.\rقوله: أَنِ اشْكُرْ لِي أن يحتمل أنها مفسرة لجملة وَصَّيْنَا أو مصدرية. قوله: (أي المرجع) أي فأجازي المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته. قوله: (موافقة للواقع) أي فلا مفهوم له، وهو جواب عما يقال: إن الشريك مستحيل على اللّه تعالى، فربما يتوهم وجود الشريك له به علم.\rقوله:\rوَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا أي أمورها التي لا تتعلق بالدين. قوله: (أي بالمعروف) أشار بذلك إلى أنه منصوب بنزع الخافض.","part":3,"page":205},{"id":1319,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 206\rبالمعروف البر والصلة وَاتَّبِعْ سَبِيلَ طريق مَنْ أَنابَ رجع إِلَيَ بالطاعة ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) فأجازيكم عليه، وجملة الوصية وما بعدها اعتراض يا بُنَيَّ إِنَّها أي الخصلة السيئة إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ أي في أخفى مكان من ذلك يَأْتِ بِهَا اللَّهُ فيحاسب عليها إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ باستخراجها خَبِيرٌ (16) بمكانها يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ بسبب الأمر والنهي إِنَّ ذلِكَ المذكور مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) أي معزوماتها التي\r______________________________\rقوله: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَ قيل إن الخطاب للمكلفين عموما، ويراد بمن أناب النبي وأصحابه ومن على قدمهم، وقيل الخطاب لسعد بن أبي وقاص، والمراد بمن أناب أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه، وذلك أنه حين أسلم، أتاه عثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف فقالوا له: قد صدقت هذا الرجل وآمنت به؟ قال: نعم هو صادق فآمنوا، ثم جاء بهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أسلموا، فهؤلاء سابقون للإسلام بإرشاد أبي بكر رضي اللّه عنه. قوله: (فأجازيكم عليه) أي على العمل الحسن والسيئ. قوله: (و جملة الوصية) أي وهي قوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ إلخ. وقوله: (و ما بعدها) أي وهو قوله: (و إن جاهداك) إلخ، وقوله: (اعتراض) أي بين كلامي لقمان.\rقوله: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ إلخ، رجوع لذكر وصايا لقمان لولده، وسبب تلك المقالة أنه قال له ولده: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد، كيف يعلمها اللّه؟ فقال له تلك المقالة وهذا السؤال، ليس عن اعتقاد لمضمونه، إذ هو مسلم لا يعتقد أن اللّه تخفى عليه خافية، وإنما مقصوده الإنتقال من العلم بالدليل إلى المعرفة والمشاهدة، ولذا مات من استيلاء الهيبة على قلبه. قوله: مِنْ خَرْدَلٍ هو حب الكبر وهو أصغر حب، والمراد أصغر شيء، بدليل ضرب المثل بالذرة في الآية. قوله:\rفِي صَخْرَةٍ قيل المراد بها التي تحت الأرضين السبع، وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار، وخضرة السماء منها لما قيل: خلق الأرض على حوت، والحوت في الماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، وقيل على ظهر ثور وهو على الصخرة، وهي التي ذكرها لقمان، فليست في السماء ولا في الأرض. قوله:\r(أي في أخفى مكان من ذلك) أي من الصخرة والسماوات والأرض، فأخفى الصخرة باطنها، وأخفى السماوات أعلاها، وأخفى الأرض أسفلها. قوله: يَأْتِ بِهَا اللَّهُ جواب الشرط. قوله: إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ أي عالم بخفيات الأمور. قوله: خَبِيرٌ أي عالم ببواطن الأشياء كظواهرها، قيل إن هذه الكلمة آخر كلمة تكلم بها لقمان، فانشقت مرارة ابنه من هيبتها وعظمها، فمات مسلما شهيدا رضي اللّه عنه.\rقوله: يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ أي بشروطها وأركانها وآدابها، لكونها عماد الدين ومناجاة اللّه تعالى.\rقوله: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ أي بكل ما عرف شرعا، لأن الدال على الخير كفاعله. قوله: وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ أي باليد أو اللسان أو القلب على حسب الطاقة، فإن لم يفد، فالهجر أولى بالمعروف. قوله:\r(بسبب الأمر والنهي) المناسب حمله على العموم، فالصبر على المصائب، سواء كانت من الخلق أو الخالق أمره عظيم، لأن الكل في الحقيقة من اللّه، والمراد بالصبر التسليم لأحكام اللّه والرجوع إليه، قال تعالى:","part":3,"page":206},{"id":1320,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 207\rيعزم عليها لوجوبها وَلا تُصَعِّرْ وفي قراءة تصاعر خَدَّكَ لِلنَّاسِ لا تمل وجهك عنهم تكبرا وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً أي خيلاء إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ متبختر في مشيه فَخُورٍ (18) على الناس وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ توسط فيه بين الدبيب والإسراع، وعليك السكينة والوقار وَاغْضُضْ اخفض مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ أقبحها لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) أوله زفير، وآخره شهيق أَلَمْ تَرَوْا تعلموا يا مخاطبين أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ من الشمس والقمر والنجوم لتنتفعوا بها وَما فِي الْأَرْضِ من الثمار والأنهار والدواب وَأَسْبَغَ أوسع وأتم عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً هي حسن الصورة وتسوية الأعضاء وغير ذلك\r______________________________\rوَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. قوله: (التي يعزم عليها لوجوبها) أي تحتمها على المكلفين، فلا ترخيص في تركها.\rقوله: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ الصعر بفتحتين في الأصل، داء يصيب البعير يلوي عنقه، ثم استعمل في ميل العنق وانقلاب الوجه إلى أحد الشدقين، لأجل الفخر على الناس، والمراد لا تتكبر فتحتقر الناس، ولا تعرض عنهم بوجهك إذا كلموك. قوله: (و في قراءة تصاعر) أي وهما سبعيتان ومعناهما واحد. قوله: (أي خيلاء) أي عجبا وتكبرا، قال تعالى: إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا. قوله: فَخُورٍ (على الناس) أي لظنه أن نعمة اللّه أسبغت عليه لاستحقاقه إياها، فتكبر بها على الناس.\rقوله: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ لما أمره أولا بحسن الباطن، أمره ثانيا بحسن الظاهر، ليجمع له في وصيته بين كمال الظاهر والباطن. قوله: (بين الدبيب) أي وهو ضعيف المشي جدا، قال الشاعر:\rزعمتني شيخا ولست بشيخ ... إنما الشيخ من يدب دبيبا\rقوله: (و الإسراع) أي وهي قوة المشي وهي مذمومة لما ورد: سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن. إن قلت: ورد في الحديث: كنا نجهد أنفسنا خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فيقتضي أنه كان يسرع في مشيه. أجيب بأنه صلّى اللّه عليه وسلّم في نفسه مشية متوسطة، وبالنسبة للصحابة هو أعلى مشيا منهم، لما في الحديث المقتدم: وهو غير مكترث كأن الأرض تطوى له. قوله: مِنْ صَوْتِكَ يحتمل أن مِنْ تبعيضية، أو الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لمحذوف، أي شيئا من صوتك. قوله: لَصَوْتُ الْحَمِيرِ أي هذا الجنس لما فيه من العلو المفرط من غير حاجة، فإن كل حيوان يصيح من ثقل أو تعب أو غير ذلك، والحمار يصيح لغير سبب، وصياح كل شيء تسبيح للّه تعالى، إلا الحمار. إن قلت: إن دق النحاس بالحديد أشد صوتا من الحمير. أجيب: بأن الصوت الشديد لحاجة يتحمله العقلاء، بخلاف الصوت الخالي عن الثمرة والفائدة، وهو صوت الحمار. قوله: (أوله زفير) أي صوت قوي، وقوله: (و آخره شهيق) أي صوت ضعيف، وهما صفة أهل النار.\rقوله: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ إلخ، رجوع لما سبق من خطاب المشركين والرد عليهم.\rقوله: (يا مخاطبين) القياس بالواو لأنه منادى مفرد، وهو مبني على ما يرفع به، إلا أن يقال: إنه نكرة غير مقصودة فهو منصوب. قوله: نِعَمَهُ إما بالجمع فظاهرة وباطنة حالان، أو الإفراد بتاء التأنيث نكرة فهما نعتان لها، وهما قراءتان سبعيتان. قوله: (هي حسن الصورة) إلخ، وقيل الظاهرة نعمة الدنيا،","part":3,"page":207},{"id":1321,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 208\rوَباطِنَةً هي المعرفة وغيرها وَمِنَ النَّاسِ أي أهل مكة مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً من رسول وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (20) أنزله اللّه بل بالتقليد وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا قال تعالى: أَيتبعونه وَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (21) أي موجباته؟ لا وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ أي يقبل على طاعته وَهُوَ مُحْسِنٌ موحد فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى بالطرف الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (22) مرجعها وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ يا محمد كُفْرُهُ لا تهتم بكفره إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (23) أي بما فيها كغيره فمجاز عليه نُمَتِّعُهُمْ في الدنيا قَلِيلًا أيام حياتهم ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ في الآخرة إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (24) وهو عذاب النار لا يجدون عنه محيصا وَلَئِنْ لام قسم سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ حذف منه نون الرفع لتوالي الأمثال، وواو الضمير لالتقاء الساكنين قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ\r______________________________\rوالباطنة نعمة العقبى، وقيل الظاهرة ما ترى الأبصار، كالمال والجاه والجمال في الناس، والباطنة ما يجده الإنسان في نفسه من حسن اليقين والعلم باللّه تعالى، وكل صحيح. قوله: (و تسوية الأعضاء) أي تناسبها.\rقوله: وَمِنَ النَّاسِ نزلت في النضر بن الحارث وأبي بن خلف ومن حذا حذوهما، كانوا يجادلون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في اللّه وصفاته من غير علم. قوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ أي بل بالجهل وعدم المعرفة. قوله:\rوَلا هُدىً أي مع رسول جاءهم به. قوله: وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ أي نير واضح الدلالة.\rقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ الجمع باعتبار المعنى. قوله: أَ(يتبعونه) أشار بذلك إلى أن الشرط للحال والتقدير أيتبعونه، والحال أن الشيطان يدعوهم إلى العذاب، وحينئذ فلا جواب للو. قوله:\rيَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ أي يدعو آباءهم، لأن مدار إنكار الإتباع، كون الرؤساء تابعين للشيطان. قوله: (لا) أي لا يليق منهم ذلك. قوله: (أي يقبل على طاعته) أشار بذلك إلى أن المراد بالوجه الذات، والمعنى من يبذل ذاته في طاعة ربه، والحال أنه موحد، فقد استمسك إلخ، وهذا هو حقيقة الشكر، فالإقبال على اللّه ظاهرا وباطنا، موجب للأمن من عذاب اللّه، ومن زوال تلك النعمة، وهذه الآية معنى قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ. قوله:\r(موحد) إنما فسره بذلك ليشمل الإسلام في حق العامة وهو التوحيد، وإلا فالإحسان الكامل أن تعبد اللّه كأنك تراه. قوله: (بالطرف الأوثق) أي الموصل إلى اللّه بلا انقطاع، فقد مثل المؤمن المتمسك بطاعة اللّه، بمن أراد أن يرقى إلى شاهق جبل، فتمسك بأوثق حبل، فهو تشبيه تمثيلي بذكر طرفي التشبيه. قوله:\r(مرجعها) أي فيجازي عليها.\rقوله: وَمَنْ كَفَرَ إلخ، هذا مقابل الفريق الأول. قوله: فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ بفتح الياء وضم الزاي، وبضم الياء وكسر الزاي قراءتان سبعيتان، أي فتسل ولا تغتم على ذلك. قوله: فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أي نخبرهم بأعمالهم التي عملوها في الدنيا، كما أن المؤمن إذا نعم في الدنيا بأنواع النعم، فليس ذلك جزاء لأعماله الصالحة. قوله: (لا يجدون عنها محيصا) أي ملجأ.\rقوله: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ الجملة جواب","part":3,"page":208},{"id":1322,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 209\rعلى ظهور الحجة عليهم بالتوحيد بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (25) وجوبه عليهم لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا، فلا يستحق العبادة فيهما غيره إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُ عن خلقه الْحَمِيدُ (26) المحمود في صنعه وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ عطف على اسم أن يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مداد ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ المعبر بها عن معلوماته بكتبها بتلك الأقلام بذلك المداد ولا بأكثر من ذلك، لأن معلوماته تعالى غير متناهية إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه شيء حَكِيمٌ (27) لا يخرج شيء من علمه وحكمته ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ خلقا وبعثا، لأنه بكلمة كن فيكون إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ يسمع كل مسموع بَصِيرٌ (28) يبصر كل مبصر لا يشغله شيء عن شيء أَلَمْ تَرَ تعلم يا مخاطبا أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ\r______________________________\rالقسم، وحذف جواب الشرط للقاعدة، ولفظ الجلالة مرفوع، إما على أنه فاعل بفعل محذوف تقديره خلقهن اللّه، بدليل آية خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ، أو خبر لمحذوف تقديره الخالق لهن. قوله: (و واو الضمير) أي لالتقائها ساكنة مع نون التوكيد، وبقيت الضمة دليلا عليها. قوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (وجوبه عليهم) أي بل يعتقدون أن الإشراك يقرب إلى اللّه، مع كونهم ينسبون الخلق للّه وحده.\rقوله: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ هذا نتيجة ما قبله، أي فحيث ثبت أنه الخالق لها، تحقق أنه المالك لها. (المحمود في صنعه) أي المتصف بالكمالات أزلا وأبدا، لا يستحق الحمد غيره.\rقوله:\rوَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ أَنَ حرف توكيد ونصب وما اسم موصول في محل نصب اسمها، وجمل الجار والمجرور مع متعلقة صلة الموصول، ومِنْ شَجَرَةٍ بيان لما، وتوحيد شجرة إشارة إلى استغراق الأفراد كأنه قال: لو أن كل شجرة تجعل أقلاما إلخ، وقوله: أَقْلامٌ خبر أَنَ. قوله: وَالْبَحْرُ أي المحيط، لأن الحقيقة إذا أطلقت تنصرف للفرد الكامل. قوله: (عطف على اسم أن) أشار بذلك إلى توجيه قراءة النصب، وترك توجيه قراءة الرفع، وتوجيهها أن يقال: إما عطف على جملة أَنَ واسمها وخبرها، لأن موضعها رفع على الفاعلية لفعل محذوف، والتقدير لو ثبت أن ما في الأرض إلخ، أو مبتدأ خبره يَمُدُّهُ والجملة حالية. قوله: (مداد) خبر لمحذوف تقديره والجميع مداد، وهو جملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر تقديره ما تجعل تلك الأبحر؟ فأجاب بقوله: (مداد) يدل على ذلك قوله في الآية الأخرى: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي إلخ. قوله: كَلِماتُ اللَّهِ أي مدلولات كلامه النفسي القديم القائم بذاته تعالى، بدليل قوله المعبر بها، فإن مدلول الكلام القديم، هو ما أحاط به العلم القديم، وأما الكلام المنزل للقراءة والتعبد به كالكتب السماوية، فهو دال على بعض مدلول الكلام القديم، فلذلك كان له مبدأ وغاية.\rقوله: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ سبب نزولها: أن أبي بن خلف وجماعة قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: أن اللّه خلقنا أطوارا، نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم تقول: إنا نبعث خلقا جديدا جميعا في ساعة واحدة فنزلت، والمعنى أن اللّه لا يصعب عليه شيء، بل خلق العالم وبعثه برمته، كخلق نفس واحدة وبعثها. قوله: (خلقا وبعثا) لف ونشر مرتب. قوله: (يا مخاطبا) نصبه لكونه قصد أنه نكرة","part":3,"page":209},{"id":1323,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 210\rيدخل اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ يدخله فِي اللَّيْلِ فيزيد كل منهما بما نقص من الآخر وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌ منهما يَجْرِي في فلكه إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو يوم القيامة وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29) ذلِكَ المذكور بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُ الثابت وَأَنَّ ما يَدْعُونَ بالياء والتاء يعبدون مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ الزائل وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُ على خلقه بالقهر الْكَبِيرُ (30) العظيم أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ السفن تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ يا مخاطبين بذلك مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ عبرا لِكُلِّ صَبَّارٍ عن معاصي اللّه شَكُورٍ (31) لنعمته وَإِذا غَشِيَهُمْ أي علا الكفار مَوْجٌ كَالظُّلَلِ كالجبال التي تظل من تحتها دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي الدعاء بأن ينجيهم، أي لا يدعون معه غيره فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ متوسط بين الكفر والإيمان، ومنهم باق على كفره وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا ومنها الإنجاء من الموج إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ غدار كَفُورٍ (32) لنعم اللّه تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي يغني والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ فيه شيئا وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ فيه\r______________________________\rغير مقصودة. قوله: (بما نقص) أي بالجزاء الذي نقص من الأجر، وهو أربع ساعات دائرة بين الليل والنهار، زائدة على الأثني عشر، فتارة يزيدها الليل، وتارة يزيدها النهار.\rقوله: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ عطف على يُولِجُ وعبر في الأولى بالمضارع، لأن الإيلاج متجدد بخلاف التسخير. قوله: إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى عبر هنا بإلى، وفي فاطر والزمر باللام تفننا، لأن اللام وإلى للإنتهاء.\rقوله: ذلِكَ (المذكور) أي من الآيات الكريمة، وهو مبتدأ خبره قوله: بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُ. قوله: (الثابت) أي الذي لا يقبل الزوال ولا أبدا. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ إلخ، هذا دليل آخر على إثبات الأولوهية للّه وحده. قوله: بِنِعْمَتِ اللَّهِ أي إحسانه. قوله: (أي علا الكفار) أي أحاط بهم، فعلا فعل ماض لا حرف جر. قوله: (أي لا يدعون معه غيره) أي كالأصنام لأنهم في ذلك الوقت في غاية الشدة والهول، فلا يجدون ملجأ لكشف ما نزل بهم غيره تعالى. قوله: (متوسط بين الكفر والإيمان) المناسب تفسير المقتصد بالعدل الموفي، بما عاهد اللّه عليه من التوحيد، ليكون موافقا لسبب النزول، فإنها نزلت في عكرمة بن أبي جهل، وذلك أنه هرب عام الفتح إلى البحر، فجاءتهم ريح عاصف فقال عكرمة: لئن أنجانا اللّه من هذا، لأرجعن إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، ولأضعن يدي في يده فسكن الريح، فرجع عكرمة إلى مكة فأسلم وحسن اسلامه. قوله:\r(و منهم باق على كفره) أي وهو المشار إليه ب\rقوله: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلخ. قوله: (غدار) أي لأنه نقص العهد، ورجع إلى ما كان عليه.\rقوله: اتَّقُوا رَبَّكُمْ أي امتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه. قوله: لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ إلخ، كل من الجملتين نعت ليوما، والمعنى أن يوم القيامة يقول كل إنسان، نفسي نفسي لا أملك غيرها، ولا يهتم بقريب ولا بعيد، وهذه الآية مخصوصة بالكفار، وأما المسلمون فينتفعون من بعضهم، فالأولاد تنفع","part":3,"page":210},{"id":1324,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 211\rشَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ بالبعث فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا عن الإسلام وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ في حلمه وإمهاله الْغَرُورُ (33) الشيطان إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ متى تقوم وَيُنَزِّلُ بالتخفيف والتشديد الْغَيْثَ بوقت يعلمه وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ أذكر أم أنثى، ولا يعلم واحدا من الثلاثة غير اللّه تعالى وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً من خير أو شر، ويعلمه اللّه تعالى وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ويعلمه اللّه تعالى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بكل شيء خَبِيرٌ (34) بباطنه كظاهره، روى البخاري عن ابن عمر حديث مفاتح الغيب خمسة إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ إلى آخر السورة.\r______________________________\rالآباء، والآباء تنفع الأولاد، قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأما ما ورد من قوله عليه الصلاة والسّلام لفاطمة ابنته: «أنا لا أغني عنك من اللّه شيئا» فهو تحذير لها من الكفر الذي به تنقطع الأنساب. قوله: وَلا مَوْلُودٌ مبتدأ، وهو مبتدأ ثان، وجازٍ خبر الثاني، وهو وخبره خبر الأول، أو معطوف على والد. قوله: (في حلمه وإمهاله) أشار بذلك أن الباء سببية، والكلام على حذف مضاف، والأصل لا يغرنكم بسبب حلم اللّه وامهاله الغرور.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ إلخ، نزلت لما قال الحرث بن عمرو للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: متى الساعة؟\rوأنا قد ألقيت الحب في الأرض فمتى السماء تمطر؟ وامرأتي حامل فهل حملها ذكر أم أنثى؟ وأي شيء أعمله غدا؟ ولقد علمت بأي أرض ولدت، فبأي أرض أموت؟ قوله: (متى تقوم) أي وقت قيامها. قوله:\r(بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (بوقت يعلمه) أي وفي أي مكان ينزله.\rقوله: وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً أي من حيث ذاتها، وأما بإعلام اللّه للعبد فلا مانع منه، كالأنبياء وبعض الأولياء، قال تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ وقال تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ قال العلماء: وكذا ولي، فلا مانع من كون يطلع بعض عباده الصالحين على بعض هذه المغيبات، فتكون معجزة للنبي وكرامة للولي، ولذلك قال العلماء:\rالحق أنه لم يخرج نبينا من الدنيا، حتى أطلعه اللّه على تلك الخمس، ولكنه أمر بكتمها، والحكمة في كونه تعالى، أضاف العلم إلى نفسه في الثلاثة الأول: ونفى العلم عن العباد في الأخيرتين منها، مع أن الخمسة سواء في اختصاص اللّه تعالى بعلمها، ونفي علم العباد بها، أن الثلاثة الأول أمرها عظيم، لا يتوهم في الخلق علمها، بخلاف الأخيرتين فهما من صفات العباد، فربما يتوهمون علمها، فإذا انتفى عنهم علمهما، كان انتفاء علمهم بغيرهما أولى. قوله: بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ لم يقل بأي وقت تموت فيه، لأن انتقال الإنسان من مكان إلى آخر في وسعه واختياره، فتوهمه علم مكان موته أقرب بخلاف الزمان، ففيه تنبيه على انتقاء علم الأقرب، ليفهم منه علم الأبعد بالأولى. قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ أشار بذلك إلى أن علمه تعالى، ليس مختصا بهذه الأشياء المتقدمة، بل هو عليم ببواطن الأشياء كظواهرها.","part":3,"page":211},{"id":1325,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 212\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة السّجدة مكيّة وآياتها ثلاثون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) اللّه أعلم بمراده به تَنْزِيلُ الْكِتابِ القرآن مبتدأ لا رَيْبَ شك فِيهِ خبر أول مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) خبر ثان أَمْ بل يَقُولُونَ افْتَراهُ محمد؟ لا بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ به قَوْماً ما نافية أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة السجدة\rمكية وهي ثلاثون آية أي التي ذكر فيها السجدة. قوله: (مكية) ظاهره أن جميعها مكي، وقال غيره: إلا ثلاث آيات، وقيل إلا خمس آيات أولها قوله تَتَجافى جُنُوبُهُمْ وآخرها قوله: الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ وورد في فضلها أحاديث، منها ما في الصحيح عن ابن عباس، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ السجدة، وهَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ وقد أخذ بهذا الحديث الإمام الشافعي رضي اللّه عنه، ولم يأخذ به مالك، لعدم استمرار العمل عليه، ومنها أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان لا ينام حتى يقرأ الم تَنْزِيلُ السجدة وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وتسمى أيضا المنجية، لأنها إحدى المنجيات السبع وهي: هذه السورة، ويس، والدخان، والواقعة، وهل أتى، والملك، والبروج. ولما ورد عن خالد بن معدان أنه قال: اقرؤوا المنجية وهي الم تَنْزِيلُ فإنه بلغني أن رجلا كان يقرؤها، ما يقرأ شيئا غيرها، وكان كثير الخطايا، فنشرت جناحها عليه وقالت: رب اغفر لي فإنه كان يكثر قراءتي، فشفعها الرب فيه، وقال: اكتبوا له بكل خطيئة حسنة، وارفعوا له درجة.\rقوله: تَنْزِيلُ الْكِتابِ أي نزوله ومجيئه. قوله: مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أي لفظا ومعنى. (خبر ثان) هذا أحسن الأعاريب في هذا الموضع، ويصح أن يكون حالا من ضمير الخبر.\rقوله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ أم: منقطعة تفسر ببل، والهمزة عند البصريين، والمفسر قدرها ببل فقط، وهو غير مناسب بدليل قوله: (لا) فإنه إشارة إلى أن الاستفهام إنكاري، مع أنه لم يذكر الهمزة، ولعلها سقطت من قلم ناسخ المبيضة. قوله: بَلْ هُوَ الْحَقُ اضراب انتقالي من نفي الافتراء عنه إلى إثبات حقيقته، ويصح أن يكون","part":3,"page":212},{"id":1326,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 213\rيَهْتَدُونَ (3) بإنذارك اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أولها الأحد، وآخرها الجمعة ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وهو في اللغة سرير الملك، استواء يليق به ما لَكُمْ يا كفار مكة مِنْ دُونِهِ أي غيره مِنْ وَلِيٍ اسم ما بزيادة من أي ناصر وَلا شَفِيعٍ يدفع عذابه عنكم أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (4) هذا فتؤمنون يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ مدة الدنيا\r______________________________\rابطاليا لقوله، كأنه قيل ليس هو كما قالوا، بل هو الحق، وقولهم كل ما في القرآن من الإضراب انتقالي يحمل على غير هذا، والمعنى أن القرآن محصور في الحق، لا يخرج عنه لغيره، واستفيد الحصر من الجملة المعرفة الطرفين.\rقوله: لِتُنْذِرَ قَوْماً هو فعل بنصب مفعولين، الأول قوما، والثاني محذوف قدره المفسر بقوله:\r(به) وقدره غيره العقاب. قوله: ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ جعل المفسر الجملة منفية صفة لقوما، واختلف في القوم فقيل: المراد بهم العرب، لأنهم أمة لم يأتهم نذير قبل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وتكون هذه الآية بمعنى قوله تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ وقيل المراد بهم أهل الفترة، الذين كانوا قبل عيسى ومحمد عليهما السّلام، فيشمل بني آدم برمتهم. قوله: لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ الترجي بالنسبة له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى لتنذر قوما راجيا لاهدائهم لا آيسا منه.\rقوله: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مبتدأ وخبر، وهو شروع في ذكر أدلة توحيده سبحانه وتعالى. قوله: (أولها الأحد وآخرها الجمعة) أي على سبيل التوزيع، فخلق الأرض أولا في الأحد والاثنين وخلق ما فيها في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السماوات في الخميس والجمعة، وفي ذلك إشكال، وهو أن الأيام لم تكن معروفة إذ ذاك، فضلا عن تسميتها، لعدم وجود الشمس والأفلاك التي بها تعرف الأيام. وأجيب: بأن المراد في مقدار ستة أيام، كائنة في علمه تعالى، بحيث تكون عند ظهورها لنا، أولها الأحد، وآخرها الجمعة، ومقتضى هذا، أنها كأيام الدنيا وبه قال الحسن، وقال ابن عباس والضحاك: اليوم منها مقداره ألف سنة. قوله: (سرير الملك) أي ومنه قال نكروا لها عرشها، والمراد به هنا الجسم النوراني المحيط بالعالم كله. قوله: (استواء يليق به) هذه إشارة لطريق السلف الذين يؤمنون بالمتشابه، ويفوضون علمه للّه تعالى، وهو أسلم، ولذا سلكه المفسر، وطريقة الخلف يؤولون الاستواء بالاستيلاء والقهر، إذ هو أحد معنى الاستواء، ومنه قول الشاعر:\rقد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق\r\rوتقدم الكلام في هذا غير مرة. قوله: ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍ هذا نتيجة ما قبله، أي فحيث ثبت أنه الخالق للسماوات والأرض وما بينهما، وهو المالك للعرش وما حوى، فلا ولي ولا شفيع غيره.\rقوله: (يا كفار مكة) خصهم لأنهم سبب نزول الآية، وإلا فالعبرة بعموم اللفظ. قوله: (اسم ما) أشار بذلك إلى أن ما حجازية، ووَلِيٍ اسمها مؤخر، ومِنْ دُونِهِ خبرها مقدم، وفيه أن شرط أعمالها الترتيب وهو مفقود هنا، إلا أن يقال: إنه مشى على قول ضعيف للنحويين من عدم اشتراطه في عملها، والأحسن جعلها تميمية، ومِنْ دُونِهِ خبر مقدم، ووَلِيٍ مبتدأ مؤخر، لأن القرآن لا ينبغي حمله على ضعيف. قوله: أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه، والتقدير أغفلتم فلا تتذكرون.\rقوله: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أي الشأن، والحال والمعنى يتصرف على طبق علمه وإرادته، وهو القضاء والقدر المشار إليهما بقول الأجهوري:\rإرادة اللّه مع التعلق ... في أزل قضاؤه فحقق","part":3,"page":213},{"id":1327,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 214\rثُمَّ يَعْرُجُ يرجع الأمر والتدبير إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) في الدنيا، وفي سورة سأل خمسين ألف سنة، وهو يوم القيامة لشدة أهواله بالنسبة إلى الكافر، وأما المؤمن فيكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا، كما جاء في الحديث ذلِكَ الخالق المدبر عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أي ما غاب عن الخلق وما حضر الْعَزِيزُ المنيع في ملكه الرَّحِيمُ (6) بأهل طاعته الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ بفتح اللام فعلا ماضيا صفة،\r______________________________\rوالقدر الإيجاد للأشياء على ... وجه معين أراده علا\r\rوبعضهم قد قال معنى الأول:\rالعلم مع تعلق في الأزل\rوالقدر الإيجاد للأمور ... على وفاق علمه المذكور\rوهذه الآية بمعنى قوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فالتصرف الذي يظهر في الخلق، من حيث وجوده على طبق العلم والإرادة قدر، ومن حيث تعلق علم اللّه وإرادته به قضاء، فكل شيء بقضاء وقدر. قوله: مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ قال ابن عباس: معناه ينزل القضاء والقدر، وقيل ينزل الوحي مع جبريل، وروي أنه يدبر أمر الدنيا أربعة: جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل صلوات اللّه عليهم أجمعين، فأما جبريل فموكل بالأرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والماء، وأما ملك الموت فموكل بقبض الأرواح، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم، وقد قيل: إن العرض موضع التدبير، كما أن ما دون العرش موضع التفصيل قال تعالى: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يفصل الآيات وما دون السماوات موضع التصريف. قوله: (مدة الدنيا) أي وهي كما ورد سبعة آلاف سنة، بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الألف السادس، ومدة أمته تزيد على الألف سنة، ولا تبلغ الزيادة عليها خمسمائة سنة، كما ذكره السيوطي في الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف، وهذا أحد أقوال تقدمت. قوله: (يرجع الأمر والتدبير) إِلَيْهِ أي ينتقل التصريف الظاهري من أيدي العبيد يوم القيامة، ويكون للّه وحده ظاهرا وباطنا، قال تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ. قوله: (لشدة أهواله) إلخ، هذا إشارة لوجه الجمع بين الآيتين، أي فالمراد من ذكر الألف وذكر الخمسين، التنبيه على طوله والتخويف منه، لا العدد المذكور بخصوصه، وجمع أيضا بأن موقف القيامة خمسون موقفا، كل موقف ألف فهذه الآية بينت أحد المواقف، وآية سأل بينت المواقف كلها، وهذا هو الأقرب، وجمع أيضا بأن العذاب مختلف، فيعذب الكافر بجنس من العذاب ألف سنة، ثم ينقل إلى جنس آخر مدته خمسون ألف سنة. قوله: (من صلاة مكتوبة) صادق بصلاة الصبح، فهو في حق المؤمنين قصير جدا.\rقوله: ذلِكَ مبتدأ، وعالِمُ خبر أول، والْعَزِيزُ خبر ثان، والرَّحِيمُ خبر ثالث، والَّذِي أَحْسَنَ خبر رابع، وهذه قراءة العامة، وقرىء شذوذا برفع عالِمُ وخفض الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ على أنهما بدلان من الهاء في إليه، وقرىء أيضا بجر عالِمُ وما بعده، وخرجت على جعل اسم الإشارة فاعلا ليعرج، وعالِمُ وما بعده بدل من الضمير في إليه.\rقوله: الَّذِي أَحْسَنَ أي","part":3,"page":214},{"id":1328,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 215\rوبسكونها بدل اشتمال وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ آدم مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ذريته مِنْ سُلالَةٍ علقة مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (8) ضعيف هو النطفة ثُمَّ سَوَّاهُ أي خلق آدم وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ أي جعله حيا حساسا، بعد أن كان جمادا وَجَعَلَ لَكُمُ أي لذريته السَّمْعَ بمعنى الأسماع وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ القلوب قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (9) ما زائدة مؤكدة للقلة وَقالُوا أي منكرو البعث أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ غبنا فيها، بأن صرنا ترابا مختلطا بترابها أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ استفهام إنكاري، بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين في الموضعين، قال تعالى: بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ بالبعث كافِرُونَ (10) قُلْ لهم يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ أي بقبض أرواحكم ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) أحياء فيجازيكم بأعمالكم وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ الكافرون ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ مطأطئوها\r______________________________\rأحكم وأتقن. قوله: (صفة) أي لكل أو لشيء. قوله: (و بسكونها) أي وهما قراءتان سبعيتان. قوله:\r(بدل اشتمال) أي من كل شيء. قوله: (ذريته) سميت نسلا لأنها تنسل أي تنفصل. قوله: (أي خلق آدم) أشار بذلك إلى أن الضمير في سَوَّاهُ عائد على (آدم) ويصح أن يكون عائدا على النسل، ويكون المعنى سوى أعضاءه في الرحم وصورها بعد أن كان يشبه الجماد، حيث كان نطفة ثم علقة ثم مضغة.\rقوله: مِنْ رُوحِهِ الإضافة للتشريف. قوله: (أي لذريته) فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، والنكتة أن الخطاب إنما يكون مع الحي، فلما نفخ فيه الروح حسن خطابه.\rقوله: قالُوا أَإِذا ضَلَلْنا حكاية لبعض قبائحهم وأباطيلهم، وقرأ العامة ضللنا بضاد معجمة ولام مفتوحة بمعنى ذهبنا، وقرىء شذوذا بكسر اللام وبضم الضاد وكسر اللام مشددة. قوله: (و إدخال ألف بينهما) أي وتركه، فتكون القراءات أربعا سبعيات. قوله: (في الموضعين) أي وهما ائذا ضللنا أئنا.\rقوله: بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ انتقال من جحدهم البعث إلى جحدهم لقاء اللّه بالمرة.\rقوله: قُلْ (لهم) أي للكفار، وخصهم بالذكر لوجود التشنيع بعد ذلك. قوله: يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ أسند التوفي في هذه الآية لملك الموت، وفي آية الانعام للرسل، وفي الزمر للّه تعالى، ولا منافاة بينها، فما هنا محمول على مباشرة أخذها حتى تصل للحلقوم، وما في الأنعام محمول على معالجة أعوان عزرائيل لمن أمر بقبض روحه، فإن المباشر لإخراجها من الظفر إلى الحلقوم أعوانه، وما في الزمر محمول على الحقيقة، فإن المتوفى حقيقة هو اللّه تعالى، روي أن الدنيا جعلت لملك الموت مثل راحة اليد، فيأخذ منها من شاء أخذه من غير مشقة، فهو يقبض أرواح الخلق من مشارق الأرض ومغاربها، وله أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وروي أن خطوته ما بين المشرق والمغرب، وروي أنه جعلت له الأرض مثل الطشت يتناول منه حيث يشاء، وقيل إنه على معراج بين السماء والأرض، وقيل إن له حربة تبلغ ما بين المشرق، وهو يتصفح وجوه الناس، فما من أهل بيت إلا وملك الموت يتصفحهم في كل يوم مرتين، فإذا رأى إنسانا قد انقضى أجله، ضرب رأسه بتلك الحربة وقال له: الآن ينزل بك عسكر الموت. قوله:\r(فيجازيكم بأعمالكم) أي عليها من خير وشر.\rحاشية الصاوي على تفسير الجلالين/ ج 5/ م 2)","part":3,"page":215},{"id":1329,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 216\rحياء يقولون رَبَّنا أَبْصَرْنا ما أنكرنا من البعث وَسَمِعْنا منك تصديق الرسل فيما كذبناهم فيه فَارْجِعْنا إلى الدنيا نَعْمَلْ صالِحاً فيها إِنَّا مُوقِنُونَ (12) الآن فما ينفعهم ذلك ولا يرجعون، وجواب لو رأيت أمرا فظيعا، قال تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها فتهتدي بالإيمان والطاعة باختيار منها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي وهو لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ الجن وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) وتقول لهم الخزنة إذا دخلوها فَذُوقُوا العذاب بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا أي بترككم الإيمان به إِنَّا نَسِيناكُمْ تركناكم في العذاب وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ الدائم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14) من الكفر والتكذيب إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا القرآن الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا وعظوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا متلبسين بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أي قالوا: سبحان اللّه وبحمده وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (15) عن الإيمان والطاعة تَتَجافى جُنُوبُهُمْ ترتفع عَنِ الْمَضاجِعِ\r______________________________\rقوله: وَلَوْ تَرى الخطاب لكل أحد ممن يصلح. قوله: ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ أي خافضوها قوله:\rوَسَمِعْنا (منك تصديق الرسل) أي فيما أخبرونا به من الوعد والوعيد. قوله: إِنَّا مُوقِنُونَ (الآن) أي آمنا في الحال، ويحتمل أن المعنى لم يقع منا الشرك كقولهم: واللّه ربنا ما كنا مشركين. قوله: (لرأيت أمرا فظيعا) أي شنيعا عجيبا.\rقوله: هُداها أي إيمانها. والمعنى لو أردنا خلق كل نفس على الإيمان والطاعة لفعلنا ذلك. قوله: وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي أي ثبت وتقرر وعيدي. قوله: مِنَ الْجِنَّةِ قدمهم لأن دخول الجن النار أكثر من الإنس. قوله: (أي بترككم الإيمان) أشار بذلك إلى أن المراد بالنسيان الترك.\rقوله: وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ كرره لبيان مفعول ذوقوا الأول. قوله: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي بسب عملكم.\rقوله: إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا إلخ، هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم على بقاء من كفر على كفره، كأن اللّه يقول لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم: لا تحزن فإن أهل الإيمان مجبولون على الاتعاظ بالقرآن، وأهل الكفر مجبولون على عدم الاتعاظ به، فالخلق فريقان في علم اللّه. قوله: (القرآن) استشكل ظاهر تلك الآية، بأنه يقتضي مدح كل من سمع القرآن واتعظ به، ويسجد له وإن لم يكن له موضع سجود. وأجيب: بأن السنة بينت مواضع السجود في القرآن، فمدح المتعظين بالقرآن، في كل آية الساجدين في مواضع السجود. قوله: خَرُّوا سُجَّداً أي على وجوههم تعظيما لآياته وامتثالا لأمره، وخص السجود بالذكر، لأنه غاية الذل والخضوع، وهو لا يكون إلا للّه، وفعله لغيره كفر، لأنه روح الصلاة وأعظم أركانها، ولأنه يقرب العبد من اللّه تعالى لما في الحديث: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». قوله: (متلبسين) بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أي جمعوا في سجودهم، بين التنزيه والحمد، فالتنزيه حاصل بوضع الأعضاء على الأرض، وبقولهم سبحان اللّه والحمد للّه حاصل بقولهم وبحمده، فالسجود يطلب فيه التسبيح والتحميد، ويطلب فيه أيضا الدعاء، وما ورد فيما يقال في سجدات القرآن: اللهم اكتب لي بها أجرا، وضع عني بها وزرا، واجعلها لي عندك ذخرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود عليه السّلام. قوله: وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ أي لا يتكبرون ولا يأنفون.\rقوله: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ أسند التجافي للجنوب، لأن الواعظ الذي يكون سببا في القيام للصلاة","part":3,"page":216},{"id":1330,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 217\rمواضع الاضطجاع بفرشها لصلاتهم بالليل تهجدا يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً من عقابه وَطَمَعاً في رحمته وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (16) يتصدقون فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ خبىء لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ما تقرّ به أعينهم، وفي قراءة بسكون الياء مضارع جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (17) أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (18) أي المؤمنون والفاسقون أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا هو ما يعدّ للضيف بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا بالكفر والتكذيب فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا\r______________________________\rونحوها من جهة الجنوب وهو القلب، فالإنسان إذا كان مشغولا بربه، سلط عليه واعظ في قلبه يقلقه، فيكون قليل النوم والهجوع، قال تعالى: كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ فإذا اضطجع قصد بذلك التقوى على القيام والخدمة، وبالجملة فتكون جميع أفعاله دائرة بين الواجب والمندوب. قوله: (لصلاتهم بالليل) أي لما فيها من نور القلب ورضا الرب، لما في الحديث: «ما زال جبريل يوصيني بقيام الليل، حتى علمت أن خيار أمتي لا ينامون».\rقوله: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ أي لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلا عن غيرهم. والمعنى لا تعلم ذلك تفصيلا، وإلا فنحن نعلمه إجمالا، كالأشجار والأنهار والغرف والحور والولدان وغير ذلك، لأن عطاء الجنة لا تحيط به العقول، ففي الحديث: «لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها». قوله: مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ أي سرورها وفرحها، فلا يلتفتون لغيره. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (مضارع) أي والفاعل مستتر تقديره أنا، ففي الحديث: «أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». قوله: جَزاءً مفعول مطلق أو مفعول لأجله.\rقوله: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً إلخ، سبب نزولها: أنه كان بين علي بن أبي طالب وعقبة بن أبي معيط تنازع، فقال الوليد بن عقبة لعلي: اسكت فإنك صبي، وأنا واللّه أبسط منك لسانا، وأشجع منك جنانا، وأملأ منك حشوا في الكتيبة، فقال علي: اسكت فإنك فاسق. وهذه الآية بمعنى قوله تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ.\rقوله: كَمَنْ كانَ فاسِقاً أي كافرا. قوله: لا يَسْتَوُونَ أي في المآل، وقد راعى المعنى فجمع، لأن المراد الفريق في كل، وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يعتمد الوقف على قوله: فاسِقاً ويبتدىء بقوله: لا يَسْتَوُونَ\rقوله: أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ تفصيل لما أجمل أولا. قوله: نُزُلًا أي مهيأة ومعدة لاكرامهم، كما تهيأ التحف للضيف النازل بالكرام. قوله: بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي بسبب كونهم يعملون الصالحات.\rقوله: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا لم يقل وعملوا السيئات، إشارة إلى أن مجرد الكفر كاف في الخلود في النار، فلا التفات إلى الأعمال معه، وأما العمل الصالح، فله مع الإيمان تأثير، فلذا قرنه به. قوله:\rفَمَأْواهُمُ النَّارُ أي مسكنهم ومنزلهم. قوله: كُلَّما أَرادُوا إلخ، بيان لكون النار مأواهم. روي أن النار تضربهم فيرتفعون إلى طبقاتها، حتى إذا قربوا من بابها، وأرادوا أن يخرجوا منها، يضربهم لهبها","part":3,"page":217},{"id":1331,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 218\rعَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى عذاب الدنيا بالقتل والأسر والجدب سنين والأمراض دُونَ قبل الْعَذابِ الْأَكْبَرِ عذاب الآخرة لَعَلَّهُمْ أي من بقي منهم يَرْجِعُونَ (21) إلى الإيمان وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ القرآن ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها أي لا أحد أظلم منه إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ أي المشركين مُنْتَقِمُونَ (22) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ شك مِنْ لِقائِهِ وقد التقيا ليلة الإسراء وَجَعَلْناهُ أي موسى أو الكتاب هُدىً هاديا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (23) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً بتحقيق الهمزتين، وإبدال الثانية ياء، قادة يَهْدُونَ الناس بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا على دينهم وعلى البلاء من عدوهم وَكانُوا بِآياتِنا الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا يُوقِنُونَ (24) وفي قراءة بكسر اللام وتخفيف الميم إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) من أمر الدين أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ أي يتبين لكفار مكة إهلاكنا كثيرا مِنَ الْقُرُونِ الأمم بكفرهم\r______________________________\rفيهوون إلى قعرها، وهكذا يفعل بهم أبدا. قوله: وَقِيلَ لَهُمْ عطف على أُعِيدُوا والقائل لهم الخزنة. قوله: الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ صفة لعذاب، وعبر هنا بالتذكير، نظرا للمضاف وهو العذاب، وفي سبأ بالتأنيث، نظرا إلى المضاف إليه وهو النار. قوله: (و الجدب سنين) أي بمكة سبع سنين، حتى أكلوا فيها الجيف والعظام والكلاب. قوله: (أي من بقي منهم) أي بعد القحط وبعد يوم بدر، والترجي في القرآن بمنزلة التحقيق، وقد تحقق ذلك عند الفتح.\rقوله: وَمَنْ أَظْلَمُ إلخ، هذا بيان إجمالي لحال المكذب أثر بيانه تفصيلا. قوله: ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها أي ترك الإيمان بها. قوله: (أي لا أحد) إلخ، أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري.\rقوله:\rوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ الحكمة في ذكر موسى، قربه من النبي ووجود من كان على دينه، لتقوم الحجة عليهم. قوله: (و قد التقيا ليلة الإسراء) أي في الأرض عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره، وفي السماء السادسة، كما ورد بذلك الحديث، وفي كلامه إشارة إلى أن الضمير في لقائه عائد على موسى، والمصدر مضاف لمفعوله، أي من لقائك موسى ليلة الإسراء، وهو أقوى الاحتمالات في هذا الموضع.\rقوله: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً أي وهم الأنبياء الذين كانوا في بني إسرائيل، أو اتباع الأنبياء.\rقوله: (و ابدال الثانية ياء) تقدم أنها سبعية، لكن من طريق الطيبة، لا من طريق الشاطبية. قوله: لَمَّا صَبَرُوا أي تحملوا المشاق، فالصبر عواقبه خير كما قيل:\rالصبر كالصبر مر في مذاقته ... لكن عواقبه أحلى من العسل\r\rوالمعنى جعلنا منهم أئمة حق صبرهم. قوله: وَكانُوا عطف على صَبَرُوا. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا، وخرجت على جعل اللام للتعليل وما مصدرية، أي جعلناهم أئمة لأجل صبرهم. قوله: (بينهم) أي المؤمنين والمشركين، أو بين الأنبياء وأممهم.\rقوله: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ الهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة عليه، والتقدير أغفلوا ولم يتبين لهم، إلخ. قوله: مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بيانية لكم، ومِنْ قَبْلِهِمْ حال من الْقُرُونِ. قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ أي المذكورة من كثرة","part":3,"page":218},{"id":1332,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 219\rيَمْشُونَ حال من ضمير لهم فِي مَسْكَنِهِمْ في أسفارهم إلى الشام وغيرها فيعتبروا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ دلالات على قدرتنا أَفَلا يَسْمَعُونَ (26) سماع تدبر واتعاظ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ اليابسة التي لا نبات فيها فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (27) هذا فيعلمون أنا نقدر على إعادتهم وَيَقُولُونَ للمؤمنين مَتى هذَا الْفَتْحُ بيننا وبينكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ بإنزال العذاب بهم لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) يمهلون لتوبة أو معذرة فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ أنزال العذاب بهم إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30) بك حادث موت أو قتل فيستريحون منك، وهذا قبل الأمر بقتالهم.\r______________________________\rإهلاك الأمم الخالية. قوله: (اليابسة التي لا نبات فيها) أي التي قطع وأزيل بالمرة، فالجزر معناه القطع، سميت الأرض اليابسة بذلك لقطع النبات منها، وقيل المراد بالجزر موضع باليمن.\rقوله: تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ قدم الأنعام لأن أكلها مقدم، لكونها تأكله قبل أن يثمر.\rقوله: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ سبب نزولها: أن المسلمين كانوا يقولون: إن اللّه سيفتح لنا على المشركين، ويفصل بيننا وبينهم، وكان أهل مكة إذا سمعوهم يقولون بطريق الاستعجال تكذيبا واستهزاءا: متى الفتح؟\rقوله: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ المراد به يوم القيامة، لأنه يوم الفصل بين المؤمنين والكافرين. قوله: لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ أي لأن الإيمان المقبول، هو الذي يكون في الدنيا، ولا يقبل بعد خروجهم منها. قوله: وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي يؤخرون، وقوله: (أو معذرة) أي اعتذار.\rقوله: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي اتركهم ولا تتعرض لهم. قوله: (و هذا قبل الأمر بقتالهم) أي فهو منسوخ بآية الجهاد، ويحتمل أن الآية محكمة، ومعنى فأعرض عنهم، أي اقبل عذر من أسلم منهم، واترك ما هو عليه، وقد وقع منه ذلك، فقد، عفا عن وحشي حين أسلم بعد قتله حمزة عمه صلّى اللّه عليه وسلّم، وعن جميع من دخل عليهم مكة عام الفتح.","part":3,"page":219},{"id":1333,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 220\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الأحزاب مدنيّة وآياتها ثلاث وسبعون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ دم على تقواه وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ فيما يخالف شريعتك إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بما يكون قبل كونه حَكِيماً (1) فيما يخلقه وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أي القرآن إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (2) وفي قراءة\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الأحزاب\rمدنية وهي ثلاث وسبعون آية أي التي ذكر فيها قصة الأحزاب، وهذه السورة اشتملت على مدح النبي والصادقين من أصحابه والتشنيع على المنافقين وذمهم، وكانت هذه السورة قدر سورة البقرة، وكانت فيها آية الرجم «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من اللّه واللّه عزيز حكيم» فألقى اللّه منها ما هو بأيدينا ورفع الزائدة، خلافا للروافض حيث كانوا زعموا أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة فأكلها الداجن. قوله: (مدنية) أي بإجماع.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُ لم يخاطبه اللّه كما خاطب غيره من الأنبياء حيث قال: يا موسى، يا عيسى، يا داود، لكونه صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل الخلق على الإطلاق، فخاطبه بما يشعر بالتعظيم والإجلال حيث قال: يا أيها النبي، يا أيها الرسول، وإن ذكر اسمه صريحا، أردفه بما يشعر بالتعظيم حيث قال: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ إلى غير ذلك. قوله: (أي دم على تقواه) دفع بذلك ما يقال: إن في الآية تحصيل الحاصل، وسبب نزول هذه الآية، أن أبا سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور عمرو بن سفيان السلمي، قدموا المدينة، فنزلوا على عبد اللّه بن أبي رأس المنافقين بعد قتال أحد، وقد أعطاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعنده عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة، وقل إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك، فشق ذلك على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال عمر: يا رسول اللّه، ائذن لنا في قتلهم، فقال: إني أعطيتهم الأمان، فقال عمر: اخرجوا في لعنة اللّه وغضبه، فأمر النبي عمر أن يخرجهم من المدينة.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً تعليل للأمر والنهي.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً","part":3,"page":220},{"id":1334,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 221\rبالفوقانية وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في أمرك وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (3) حافظا لك، وأمته تبع له في ذلك كله ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ردا على من قال من الكفار: إن له قلبين يعقل بكل منهما أفضل من عقل محمد وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي بهمزة وياء وبلا ياء تُظاهِرُونَ بلا ألف قبل الهاء وبها، والتاء الثانية في الأصل مدغمة في الظاء مِنْهُنَ بقول الواحد مثلا لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي أُمَّهاتِكُمْ أي كالأمهات في تحريمها بذلك، لعد ذلك في الجاهلية طلاقا، وإنما تجب به الكفارة بشرطه كما ذكر في سورة المجادلة وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ جمع دعيّ وهو من يدعي\r______________________________\rالواو ضمير الكفرة والمنافقين على قراءة التحتانية، وضمير النبي وأمته على قراءة الفوقانية، وهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي اعتمد عليه وفوض أمورك إليه. قوله: وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا الباء زائدة في فاعل كفى ووَكِيلًا حال. قوله: (تبع له في ذلك) أي فيما ذكر من قوله: اتَّقِ اللَّهَ إلى هنا.\rقوله: مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ أي لأن القلب عليه مدار قوى الجسد فيمتنع تعدده، لأنه يؤدي للتناقض، وهو أن يكون كل منهما أصلا لكل قوى الجسد وغير أصل له. قوله: (ردا على من قال) إلخ، أي وهو أبو معمر، جميل بن معمر الفهري، كان رجلا لبيبا حافظا لما يسمع، فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء، إلا من أجل أن له قلبين، وكان يقول: لي قلبان أعقل بكل منهما أفضل من عقل محمد. فلما هزم اللّه المشركين يوم بدر، انهزم أبو معمر، لقيه أبو سفيان وإحدى نعليه بيده والأخرى برجله، فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس؟ قال: انهزموا، فقال: ما بال إحدى نعليك في يدك، والأخرى في رجلك، فقال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان، لما نسي نعله في يده. قوله: (بهمزة وياء بلا ياء) أي فهما قراءتان سبعيتان وهو جمع التي، قال ابن مالك:\rباللات واللاء التي قد جمعا. قوله: (بلا ألف قبل الهاء) أي فأصله تتظهرون بتاءين، سكنت الثانية وقلبت ظاء وأدغمت في الظاء. قوله: (و بها والتاء الثانية في الأصل مدغمة في الظاء) أي فهما قراءتان سبعيتان، وبقي قراءتان سبعيتان أيضا، وهما فتح التاء والهاء مع تخفيف الظاء وأصلها بتاءين، حذفت احداهما وضم التاء وكسر الهاء وتخفيف الظاء أيضا مضارع ظاهر، وهذه القراءات واردة في قد سمع أيضا، غير فتح التاء وتخفيف الظاء، لأن المضارع هناك مبدوء بالياء فلا تتأتى فيه، وفي الماضي ثلاث لغات: تظهر كتكلم، وتظاهر كتقاتل، وظاهر كقاتل. قوله: (بقول الواحد مثلا لزوجته) إلخ، أي وضابطه أن يشبه زوجته كلا أو بعضا بظهر مؤيدة التحريم. قوله: أُمَّهاتِكُمْ مفعول ثان لجعل. قوله:\r(بشرطه) أي وهو العزم على العود، فإن لم يعزم على العود، فلا تجب عليه الكفارة ما لم يمسها، وإلا تحتمت عليه، ولو طلقها بعد ذلك.\rقوله: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ نزلت في حق زيد بن حارثة، وهو كما روي كان من سبايا الشام، فاشتراه حكيم بن حزام بن خويلد، فوهبه لعمته خديجة بنت خويلد، فوهبته خديجة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأعتقه وتبناه، فأقام عنده مدة، ثم جاء عنده أبوه وعمه في فدائه، فقال لهما النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: خيراه، فاختار الرق مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على حريته وقومه، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند ذلك: يا معشر قريش، اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه، وكان يطوف على خلق قريش يشهدهم على ذلك، فرضي ذلك عمه وأبوه وانصرفا، فزوجة رسول","part":3,"page":221},{"id":1335,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 222\rلغير أبيه ابنا له أَبْناءَكُمْ حقيقة ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ أي اليهود والمنافقين قالوا لما تزوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم زينب بنت جحش التي كانت امرأة زيد بن حارثة الذي تبناه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا: تزوج محمد امرأة ابنه، فأكذبهم اللّه تعالى في ذلك وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَ في ذلك وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) سبيل الحق لكن ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ أعدل عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ بنو عمكم وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ في ذلك وَلكِنْ في ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ فيه وهو بعد النهي وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما كان من قولكم قبل النهي رَحِيماً (5) بكم في ذلك النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فيما دعاهم إليه ودعتهم أنفسهم إلى خلافه وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ في حرمة نكاحهن عليهم وَأُولُوا الْأَرْحامِ ذوو القرابات بَعْضُهُمْ\r______________________________\rاللّه صلّى اللّه عليه وسلّم زينب بن جحش، فمكثت معه مدة، ثم أخبر اللّه نبيه أنه زوجه زينب، فلما طلقها زيد، تزوجها رسول اللّه، فتكلم المنافقون وقالوا: تزوج محمد حليلة ابنه وهو يحرمها، فنزلت هذه الآية ردا عليهم، وستأتي هذه القصة في أثناء السورة. قوله: (جمع دعيّ) أي بمعنى مدعو وأصله دعيو، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء. قوله: (أي اليهود) تفسير للكاف في أفواهكم.\rقوله: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ روي عن عمر بن الخطاب قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة، إلا زيد ابن محمد، حتى نزلت ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ. قوله: هُوَ أَقْسَطُ أي دعاؤهم لآبائهم أبلغ في العدل والصدق. قوله: فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ أي فادعوهم بمادة الأخوة، بأن تقولوا له يا أخي مثلا. قوله:\r(بنو عمكم) تفسير للموالي، فإنه يطلق على معان من جملتها ابن العم، والمعنى إذا لم تعرفوا نسب شخص، وأردتم خطابه، فقولوا له: يا ابن عمي مثلا. قوله: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أي إثم قوله:\rوَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ أي ولكن الجناح فيما تعمدته قلوبكم.\rقوله: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أحق بكل مؤمن من نفسه كان في زمنه أولا، فطاعة النبي مقدمة على طاعة النفس، في كل شيء من أمور الدين والدنيا، لأنها طاعة للّه، قال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وإذا كان أولى بهم من أنفسهم، فهو أولى بمالهم وأولادهم وأزواجهم من أنفسهم بالأولى، فحقه صلّى اللّه عليه وسلّم على أمته أعظم من حق السيد على عبده، وهذه الآية أعظم دليل على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم هو الواسطة العظمى في كل نعمة وصلت للخلق. قوله: (فيما دعاهم إليه) أي من أمور الدين أو الدنيا أو الآخرة، فإذا طلب النبي شيئا من أمر الدنيا أو الدين، وطلبت النفس خلافه، فالحق في الطاعة للنبي، وحينئذ فلا يتأتى من النبي الغصب ولا السرقة، ولكن من كمال أخلاقه، أنه كان يتداين مع اليهود، ويشتري الشيء بالثمن، وإنما جعله اللّه أولى بالمؤمنين، لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يفعل شيئا عن هوى نفسه، بل عن وحي، فجميع أفعاله وأقواله عن ربه.\rقوله: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ أي من عقد عليهن، سواء دخل بهن أو لا، مات عنهن أو طلقهن، وسراريه اللاتي تمتع بهن كذلك. قوله: (في حرمة نكاحهن عليهم) أي والتعظيم والاحترام والبر، لا في","part":3,"page":222},{"id":1336,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 223\rأَوْلى بِبَعْضٍ في الإرث فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ أي من الإرث بالإيمان والهجرة الذي كان أول الإسلام فنسخ إِلَّا لكن أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً بوصية فجائز كانَ ذلِكَ أي نسخ الإرث بالإيمان والهجرة، بإرث ذوي الأرحام فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (6) وأريد بالكتاب في الموضعين اللوح المحفوظ وَاذكر إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ حين أخرجوا من صلب آدم كالذر جمع ذرة وهي أصغر النمل وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ بأن يعبدوا اللّه ويدعوا إلى عبادته، وذكر الخمسة من عطف الخاص على العام وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (7) شديدا بالوفاء بما حملوه وهو اليمين باللّه تعالى، ثم أخذ الميثاق لِيَسْئَلَ اللّه الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ في تبليغ الرسالة تبكيتا للكافرين بهم وَأَعَدَّ تعالى لِلْكافِرِينَ\r______________________________\rغير ذلك من النظر والخلوة، فإنهن في ذلك كالأجانب. قوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ مبتدأ، وبَعْضُهُمْ بدل أو مبتدأ ثان، وأَوْلى خبر. قوله: (في الإرث) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، والتقدير الأقارب، أولى بإرث بعضهم، من أن يرثهم المؤمنون والمهاجرون الأجانب. قوله: (أي من الإرث بالإيمان والهجرة) أشار بذلك إلى أن قوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ متعلق بأولى. يعني أن الأقارب أولى بإرث بعضهم، من الإرث بسبب الإيمان والهجرة الذي كان في صدر الإسلام، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يؤاخي بين الرجلين، فإذا مات أحدهما ورثه الآخر دون عصبته، حتى نزلت وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ.\rقوله: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا استثناء منقطع، ولذا فسره بلكن. قوله: إِلى أَوْلِيائِكُمْ أي من توالونه من الأجانب. قوله: (بوصية) أي فلما نسخ الإرث بالإيمان والهجرة، توصل إلى نفع الأجانب بالوصية، وهي خارجة من ثلث المال. قوله: مَسْطُوراً أي مكتوبا.\rقوله: وَإِذْ أَخَذْنا ظرف لمحذوف قدره بقوله: (اذكر). قوله: (و هي أصغر النمل) أي فكل أربعين منها أصغر من جناح بعوضة. قوله: (بأن يعبدوا اللّه) أي يوحدوه، وهو تفسير للميثاق. قوله: (و يدعوا إلى عبادته) أي يبلغوا شرائعه للخلق، فعهد الأنبياء ليس كعهد مطلق الخلق. قوله: (من عطف الخاص على العام) أي والنكتة كونهم أولي العزم ومشاهير الرسل، وقدمه صلّى اللّه عليه وسلّم لمزيد شرفه وتعظيمه قوله: (بما حملوه) أي وهو عبادة اللّه والدعاء إليها.\rقوله: (و هو اليمين) أي الحلف باللّه على أن يعبدوا اللّه ويدعوا إلى عبادته، فالميثاق الثاني غير الأول، لأن الأول إيصاء على التوحيد، والدعوى إليه من غير يمين، والثاني مغلظ باليمين، والشيء مع غيره غيره في نفسه.\rقوله: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ متعلق بأخذنا، وفي الكلام التفات من التكلم للغيبة، كما أشار له المفسر بقوله: (ثم أخذ الميثاق) والمراد بالصادقين الرسل. قوله: (تبكيتا للكافرين) أي تقبيحا عليهم، أي فالحكمة في سؤال الرسل عن صدقهم، وهو تبليغهم ما أمروا به، مع علمه تعالى أنهم صادقون التقبيح على الكفار يوم القيامة. قوله: (هو عطف على أخذنا) ويصح أن يكون في الكلام احتباك، وهو الحذف من الثاني، نظير ما أثبت الأول، والتقدير ليسأل الصادقين عن صدقهم، فأعد لهم نعيما مقيما، ويسأل الكافرين عما أجابوا به رسلهم، وأعد لهم عذابا أليما.","part":3,"page":223},{"id":1337,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 224\rبهم عَذاباً أَلِيماً (8) مؤلما هو عطف على أخذنا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ\r______________________________\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هذا شروع في ذكر قصة غزوة الأحزاب، وكانت في شوال سنة أربع وقيل خمس، وسببها أنه لما وقع إجلاء بني النضير من أماكنهم، سار منهم جمع أكابرهم، منهم حيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع، وأبو عمار الواثلي، في نفر من بني النضير، إلى أن قدموا مكة على قريش، فحرضوهم على حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقال أبو سفيان: مرحبا وأهلا، وأحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد، ثم قالت قريش لأولئك اليهود: يا معشر اليهود، إنكم أهل الكتاب الأول، فأخبرونا أنحن على الحق أم محمد؟\rفقالوا: بل أنتم على الحق، فأنزل اللّه أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ إلى قوله: وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً فلما قالوا ذلك لقريش، سرهم ونشطوا لحرب محمد، ثم خرج أولئك اليهود، حتى جاؤوا غطفان وقيس غيلان فاجتمعوا على ذلك، وخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن، ولما تهيأ الكل للخروج، أتى ركب من خزاعة في أربع ليال، حتى أخبروا محمدا بما اجتمعوا عليه، فشرع في حفر الخندق، بإشارة سلمان الفارسي فقال له: يا رسول اللّه، إنا كنا بفارس إذا حاصرونا خندقنا علينا، فعمل فيه النبي والمسلمون حتى احكموه، وكان النبي يقطع لكل عشرة أربعين ذراعا، ومكثوا في حفره ستة أيام، وقيل خمسة عشر، وقيل أربعة وعشرين، وقيل شهرا. قال عمرو بن عوف: كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني وستة من الأنصار في أربعين ذراعا، فحفرنا وإذا ببطن الخندق صخرة كسرت حديدنا وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان ارق إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأخبره بخبر هذه الصخرة، فأتى سلمان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: يا رسول اللّه خرجت لنا صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق، فكسرت حديدنا وشقت علينا، فمرنا فيها بأمرك، فإنا لا نحب أن نجاوز خطتك، فهبط رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع سلمان إلى الخندق، وأخذ المعول مع سلمان، وضربها به ضربة صدعها، وبرق منها برق أضاء ما بين لا بتيها، يعني المدينة، حتى كأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكبر المسلمون معه، ثم ضربها الثانية، فبرق منها مثل الأول، فكبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكبر المسلمون معه، ثم ضربها الثالثة فكسرها، فبرق منها برق مثل الأول، وأخذ بيد سلمان ورقي، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه، لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط، فالتفت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى القوم وقال: «أرأيتم ما يقول سلمان»؟ قالوا: نعم، قال: ضربت ضربتي الأولى، فبرق البرق الذي رأيتم، فأضاء لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت الثانية، فبرق لي الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور قيصر من أرض الروم، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت الثالثة، فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور صنعاء، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا، فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد للّه موعد صدق، وعدنا النصر بعد الحصر، فقال المنافقون: ألا تعجبون؟ يمنيكم ويعدكم الباطل، ويخبر أنه ينظر من يثرب، قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا؟ فنزل قوله تعالى: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً وقوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ الآية فلما فرغوا من حفره، أقبلت قريش والقبائل وجملتهم اثنا عشر ألفا، فنزلوا حول","part":3,"page":224},{"id":1338,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 225\r.......\r______________________________\rالمدينة، والخندق بينهم وبين المسلمين، فلما رأته قريش قالوا: هذه مكيدة لم تكن العرب تعرفها، وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمون معه، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره والخندق بينهم وبين القوم، وخرج عدو اللّه حيي بن أخطب رئيس بني النضير، حتى أتى كعب بن أسد القرظي سيد بني قريظة، فلما سمع كعب حييا، أغلق دونه حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له وقال له: ويحك يا حيي إنك امرؤ ميشوم، إني عاهدت محمدا فلست بناقض، فإني لم أر منه إلا وفاء وصدقا، فما زال حيي به ويقول له: جئتك بعز الدهر، حتى فتح له ونقض عهد رسول اللّه، فلما انتهى الخبر إلى رسول اللّه، بعث لهم سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج، وعبد اللّه بن رواحة، فوجدوهم نقضوا عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فشاتموهم وقالوا لهم: لا عهد بيننا وبينكم، ورجعوا وأخبروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: اللّه أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين، فشرعوا يترامون مع المسلمين بالنبل، ومكثوا في ذلك الحصار خمسة عشر يوما، وقيل أربعة وعشرين يوما فاشتد على المسلمين الخوف، ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعي من غطفان، جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له: إني أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ «أخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة»، فخرج نعيم حتى أتى بني قريظة، وكان نديما لهم في الجاهلية، فقال لهم:\rقد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشا وغطفان جاؤوا لحرب محمد، وقد ظاهرتموهم عليه، وإن قريشا وغطفان ليسوا كهيئتكم، البلد بلدكم، به أموالكم وأولادكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان أموالهم وابناؤهم ونساؤهم بغيره، وإن رأوا نهزة وغنيمة أصابوا، وإن كان غير ذلك، لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين هذا الرجل، ولا طاقة لكم عليه إن خلا بكم، فلا تقاتلوه مع القوم حتى تأخذوا رهنا من أشرافهم، يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدا، حتى لا يتأخروا، قالوا: لقد أشرت برأي ونصح، ثم خرج حتى أتى قريشا، فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه: قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمدا، فقد بلغني أمر، رأيت حقا علي أن أبلغكم نصحا لكم فاكتموا علي، قالوا: نفعل، قال:\rتعلمون أن معشر يهود، قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أن قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك منا أن نأخذ من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم، فنعطيكم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم، فأرسل إليهم أن نعم، فإن بعث إليكم يهود يلتمسون رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا، ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان، أنتم أهلي وعشيرتي وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني، قالوا: صدقت، قال: فاكتموا علي، قالوا: نفعل، فقال لهم مثل ما قال لقريش، وحذرهم مثل ما حذرهم، فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان مما صنع اللّه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا، ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم أن اليوم السبت، لا وهو يوم نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا، فأصابهم ما لم يخف عليكم، ولسنا من الذين نقاتل معكم، حتى تعطونا رهنا من رجالكم، يكون بأيدينا ثقة لنا، حتى نناجز معكم محمدا، فإنا نخشى إن ضرمتكم الحرب، واشتد عليكم القتال، أن تسيروا إلى بلادكم وتتركونا، والرجل","part":3,"page":225},{"id":1339,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 226\rجاءَتْكُمْ جُنُودٌ من الكفار متحزبون أيام حفر الخندق فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها من الملائكة وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بالتاء من حفر الخندق، وبالياء من تحزيب المشركين\r______________________________\rفي بلادنا، ولا طاقة لنا بذلك من محمد، فلما رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: تعلمون واللّه أن الذي حدثكم به نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة إنا واللّه لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن وجدوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انتهزوا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل في بلادكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان، إنا واللّه لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا، فأبوا عليهم، وخذل اللّه عز وجل بينهم، وبعث اللّه عليهم ريحا عاصفا، وهي ريح الصبا، في ليلة شديدة البرد والظلمة، فقلعت بيوتهم، وقطعت أطنابهم، وكفأت قدورهم، وصارت تلقي الرجل على الأرض، وأرسل اللّه الملائكة فزلزلتهم ولم تقاتل، بل نفثت في قلوبهم الرعب، ثم إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من يقوم فيذهب إلى هؤلاء القوم فيأتينا بخبرهم»، أدخله اللّه الجنة، فما قام منا رجل، ثم صلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هويا من الليل، ثم التفت الينا فقال مثله، فسكت القوم، وما قام منا أحد، ثم صلى هويا من الليل، ثم التفت الينا فقال مثله، فسكت القوم، وما قام منا أحد من شدة الخوف والجوع والبرد، ثم قال: يا حذيفة، فقلت: لبيك يا رسول اللّه وقمت حتى أتيته، فأخذ بيدي ومسح رأسي ووجهي ثم قال: ائت هؤلاء القوم حتى تأتيني بخبرهم، ولا تحدثن شيئا حتى ترجع إلي، ثم قال: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته، فأخذت سهمي ثم انطلقت أمشي نحوهم، كأنما أمشي في حمام، فذهبت فدخلت في القوم، وقد أرسل اللّه عليهم ريحا وجنودا للّه تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء، وأبو سفيان قاعد يصطلي، فأخذت سهما فوضعته في كبد قوسي، فأردت أن أرميه، ولو رميته لأصبته، فذكرت قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا تحدثن حدثا حتى ترجع، فرددت سهمي في كنانتي، فلما رأى أبو سفيان ما تفعل الريح وجنود اللّه بهم، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء، فقال يا معشر قريش، ليأخذ كل منكم بيد جليسه فلينظر من هو، فأخذت بيد جليسي فقلت: من أنت؟ فقال: سبحان اللّه ما تعرفني؟ أنا فلان بن فلان رجل من هوزان، فقال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم واللّه ما أصبحتم بدار مقام، فقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه ثم ضربه فوثب على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم، وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فاستمروا راجعين إلى بلادهم، قال: فرجعت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كأني أمشي في حمام، فأتيته وهو قائم يصلي، فلما سلم أخبرته، فضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل، فلما أخبرته وفرغت قررت وذهب عني الدفأ، فأتاني النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأنامني عند رجليه، وألقى علي طرف ثوبه، وألصق صدري ببطن قدميه، فلم أزل نائما حتى أصبحت، فلما أصبحت قال: قم يا نومان.\rقوله: إِذْ جاؤُكُمْ بدل من نِعْمَةَ والعامل اذْكُرُوا. قوله: (متحزبون) أي مجتمعون، وتقدم أنهم كانوا اثني عشر ألفا، وكان المسلمون إذ ذاك ثلاثة آلاف، والمنافقون من جملتهم. قوله:\rرِيحاً أي من الصبا التي تهب من المشرق ولم تتجاوزهم. قوله: (ملائكة) أي وكانوا ألفا ولم يقاتلوا،","part":3,"page":226},{"id":1340,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 227\rبَصِيراً (9) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ من أعلى الوادي وأسفله، من المشرق والمغرب وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ مالت عن كل شيء إلى عدوها من كل جانب وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ جمع حنجرة وهي منتهى الحلقوم من شدة الخوف وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) المختلفة بالنصر واليأس هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ اختبروا ليتبين المخلص من غيره وَزُلْزِلُوا حركوا زِلْزالًا شَدِيداً (11) من شدة الفزع وَاذكر إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ضعف اعتقاد ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ بالنصر إِلَّا غُرُوراً (12) باطلا وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي المنافقين يا أَهْلَ يَثْرِبَ هي أرض المدينة ولم تصرف للعلمية ووزن الفعل لا مُقامَ لَكُمْ بضم الميم وفتحها، أي لا إقامة ولا مكانة فَارْجِعُوا إلى منازلكم من المدينة، وكانوا خرجوا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى سلع، جبل خارج المدينة للقتال وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَ في الرجوع يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ غير حصينة يخشى عليها، قال تعالى: وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ ما يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً (13) من القتال وَلَوْ دُخِلَتْ أي المدينة عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها نواحيها\r______________________________\rوإنما ألقوا الرعب في قلوبهم. قوله: (و بالياء) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: إِذْ جاؤُكُمْ بدل من إذا جاءتكم. قوله: (من أعلى الوادي) أي وهم أسد وغطفان.\rقوله: (و أسفله) أي وهم قريش وكنانة. قوله: (من المشرق والمغرب) لف ونشر مرتب. قوله: (من كل جانب) أي المحيط من كل جانب. قوله: (و هي منتهى الحلقوم) أي من أسفله. قوله: الظُّنُونَا بألف بعد النون وصلا ووقفا، وبدونها في الحالين، وبإثباتها وقفا، وحذفها وصلا، ثلاث قراءات سبعيات، وتجري في قوله أيضا السَّبِيلَا والرَّسُولَا في آخر السورة. قوله: (بالنصر) أي من المؤمنين، وقوله:\r(و اليأس) أي من المنافقين وبعض الضعفاء.\rقوله: هُنالِكَ ظرف مكان أي في ذلك المكان وهو الخندق. قوله: زِلْزالًا بكسر الزاي في قراءة العامة، وقرىء شذوذا بفتح الزاي، وهما لغتان في مصدر الفعل المضعف إذا جاء على فعلال، كصلصال وقلقال.\rقوله: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ إلخ، القائل معتب بن بشير، وقال أيضا: يعدنا محمد بفتح فارس والروم، وأحدنا لا يقدر أن يتبرز فرقا وخوفا، ما هذا إلا وعد غرور.\rقوله: وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ القائل وهو أوس بن قيظي، بكسر الظاء المعجمة من رؤساء المنافقين. قوله: (هي أرض المدينة) أي فسميت باسم رجل من العمالقة كان نزلها قديما، وقد نهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن تسميتها بذلك، وسماها طيبة وطابة وقبة الإسلام ودار الهجرة. قوله: (و وزن الفعل) أي فهي على وزن يضرب. قوله: (بضم الميم وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (و لا مكانة) أي تمكنا فهو بمعنى الإقامة. قوله: (جبل خارج المدينة) أي بينها وبين الخندق، فجعل المسلمون ظهورهم إليه ووجوهم للعدو.\rقوله: وَيَسْتَأْذِنُ عطف على قالَتْ طائِفَةٌ وعبر بالمضارع استحضارا للصورة. قوله: (يخشى عليها) أي من السراق لكونها قصيرة البناء. قوله: (قال تعالى) أي تكذيبا لهم.\rقوله: وَلَوْ دُخِلَتْ","part":3,"page":227},{"id":1341,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 228\rثُمَّ سُئِلُوا أي سألهم الداخلون الْفِتْنَةَ الشرك لَآتَوْها بالمد والقصر، أي أعطوها وفعلوها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً (14) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا (15) عن الوفاء به قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً إن فررتم لا تُمَتَّعُونَ في الدنيا بعد فراركم إِلَّا قَلِيلًا (16) بقية آجالكم قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ يجيركم مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً هلاكا وهزيمة أَوْ يصيبكم بسوء إن أَرادَ اللّه بِكُمْ رَحْمَةً خيرا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وَلِيًّا ينفعهم وَلا نَصِيراً (17) يدفع الضر عنهم قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ المثبطين مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَ تعالوا إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ القتال إِلَّا قَلِيلًا (18) رياء وسمعة أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ بالمعاونة جمع شحيح، وهو حال من ضمير يأتون فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ\r______________________________\rعَلَيْهِمْ أي دخلها الأحزاب. قوله: (الشرك) أي ومقاتلة المسلمين. قوله: (بالمد والقصر) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أي أعطوها وفعلوها) لف ونشر مرتب. قوله: وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً أي أقاموا بالمدينة بعد نقض العهد وإظهار الكفر وقتال المسلمين إلا زمنا قليلا ويهلكون، فالعزة للّه ورسوله والمسلمين، فالمعنى لو دخل الكفار المدينة، وارتد هؤلاء المنافقون، وقاتلوكم مع الكفار، لأخذ اللّه بأيديكم سريعا بقطع دابرهم، فلا تخشوا منهم داخل المدينة أو خارجها.\rقوله: مِنْ قَبْلُ أي قبل غزوة الخندق. قوله: لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ أي بل يثبتون على القتال حتى يموتوا شهداء. قوله: مَسْؤُلًا (عن الوفاء به) أي مسؤولا صاحبه هل وفى به أم لا.\rقوله: إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ أي لأنه مصيبكم لا محالة. قوله: وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي وإن نفعكم الفرار وتمتعتم بالتأخير، لم يكن ذلك التمتع إلا زمنا قليلا.\rقوله: أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً قدر له المفسر عاملا يناسبه وهو قوله: أَوْ (يصيبكم بسوء) لأنه لا يصلح لتساقط العامل السابق وهو يَعْصِمُكُمْ على حد: علفتها تبنا وماء باردا. قوله: (المثبطين) أي المكسلين غيرهم من القتال في سبيل اللّه وهم المنافقون.\rقوله: وَالْقائِلِينَ عطف على الْمُعَوِّقِينَ وقوله: لِإِخْوانِهِمْ أي في الكفر والعداوة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، والمراد بالقائلين اليهود من بين قريظة. قوله: هَلُمَّ إِلَيْنا اسم فعل، ويلزم صيغة واحدة للواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، وهذه لغة أهل الحجاز، وعند تميم هو فعل أمر، تلحقه العلامات الدالة على التثنية والجمع والتأنيث، ومقتضى عبارة المفسر أنه لازم حيث فسره بتعالوا، ويصح جعله متعديا بمعنى قربوا، ومفعوله محذوف، والتقدير أنفسكم إلينا. قوله: (رياء وسمعة) أي لأن شأن من يكسل غيره عن الحرب لا يفعله إلا قليلا لغرض خبيث.\rقوله: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ أي مانعين للخير عنكم. قوله: (جمع شحيح) هذا هو المسموع فيه وقياسه أفعلاء، كخليل وأخلاء، والشح البخل. قوله: رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ إلخ، هذا وصف لهم بالجبن،","part":3,"page":228},{"id":1342,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 229\rكَالَّذِي كنظر أو كدوران الذي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ أي سكراته فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ وحيزت الغنائم سَلَقُوكُمْ آذوكم أو ضربوكم بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أي الغنيمة يطلبونها أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا حقيقة فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ الإحباط عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (19) بإرادته يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ من الكفار لَمْ يَذْهَبُوا إلى مكة لخوفهم منهم وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ كرة أخرى يَوَدُّوا يتمنوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ أي كائنون في البادية يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ أخباركم مع الكفار وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ هذه الكرة ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (20) رياء وخوفا من التعيير لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ بكسر الهمزة وضمها حَسَنَةٌ اقتداء به في القتال والثبات في مواطنه لِمَنْ بدل من لكم كانَ يَرْجُوا اللَّهَ يخافه وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21) بخلاف من ليس كذلك وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ من\r______________________________\rلأن شأن الجبان الخائف ينظر يمينا وشمالا، شاخصا ببصره. قوله: (كنظر أو كدوران) أشار بذلك إلى أن قوله: كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ نعت لمصدر محذوف من يَنْظُرُونَ أو من تَدُورُ. قوله: كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ أي لأنه يشخص ببصره ويذهب عقله. قوله: سَلَقُوكُمْ السلق بسط العضو ومده للقهر، كان يدا أو لسانا، ففي الآية استعارة بالكناية، حيث شبه اللسان بالسيف، وطوى ذكر المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو السلق بمعنى الضرب، فإثباته تخييل والحداد ترشيح. قوله:\rأَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أي مانعين له، فلا نفع في أنفسهم ولا في مالهم. قوله: لَمْ يُؤْمِنُوا (حقيقة) أي بقلوبهم وإن أسلموا ظاهرا.\rقوله: فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ أي أظهر بطلانها.\rقوله: يَحْسَبُونَ أي المنافقون لشدة جبنهم.\rقوله: الْأَحْزابَ أي قريشا وغطفان واليهود. قوله: لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ أي ساكنون في البادية خارج المدينة، ليكونوا في بعد عن الأحزاب. قوله: يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ يصح أن يكون حالا من الواو في بادُونَ أو جملة مستأنفة، والمعنى يسألون كل قادم من جانب المدينة، عما جرى بينكم وبين الكفار، وقائلين فيما بينهم: إن غلب المسلمون قاسمناهم في الغنيمة، وإن غلب الكفار فنحن معهم.\rقوله: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ هذه الآية وما بعدها إلى قوله: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ من تمام قصة الأحزاب، وفيها عتاب للمتخلفين عن القتال مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المؤمنين والمنافقين. قوله: (بكسر الهمزة وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (اقتداء) أشار بذلك إلى أن الأسوة اسم بمعنى المصدر وهو الائتساء، يقال ائتسى فلان بفلان أي اقتدى به. قوله:\r(في القتال) لا مفهوم له، بل الاقتداء برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واجب في الأقوال والأفعال والأحوال، لأنه لا ينطق ولا يفعل عن هوى، بل جميع أفعاله وأقواله وأحواله عن ربه، ولذا قال العارف:\rوخصك بالهدى في كل أمر ... فلست تشاء إلا ما يشاء\r\rوإنما خص القتال بالذكر لأنه معرض السبب. قوله: لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ أي فالمتصف بهذه الأوصاف، ثبتت له الأسوة الحسنة في رسول اللّه، وأما من لم يكن متصفا بتلك الأوصاف،","part":3,"page":229},{"id":1343,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 230\rالكفار قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ من الابتلاء والنصر وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ في الوعد وَما زادَهُمْ ذلك إِلَّا إِيماناً تصديقا بوعد اللّه وَتَسْلِيماً (22) لأمره مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ من الثبات مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ مات أو قتل في سبيل اللّه وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ذلك وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) في العهد وهم بخلاف حال المنافقين لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ بأن يميتهم على نفاقهم أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً لمن تاب رَحِيماً (24) به وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي الأحزاب بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً مرادهم من الظفر بالمؤمنين وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ بالريح والملائكة وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا على إيجاد ما يريده عَزِيزاً غالبا على أمره وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أي قريظة مِنْ صَياصِيهِمْ حصونهم جمع صيصية وهو ما يتحصن به\r______________________________\rفليس كذلك. قوله: وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً أي بلسانه أو جنانه أو ما هو أعم.\rقوله: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ أي أبصروهم محدقين حول المدينة. قوله: قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ أي بقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ. وقوله: وَرَسُولُهُ أي بقوله: إن الأحزاب سائرون إليكم بعد تسع ليال أو عشر، والعاقبة لكم عليهم. قوله: وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أي ظهر صدق خبر اللّه ورسوله في الوعد بالنصر، فاستبشروا بالنصر قبل حصوله، وأظهر في محل الإضمار، وزيادة في تعظيم اسم اللّه، ولأنه لو أضمر الجمع بين اسم اللّه واسم رسوله في ضمير واحد، مع أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عاب على من قال: من يطع اللّه ورسوله فقد رشد ومن يعصمهما فقد غوى، فقال له: بئس خطيب القوم أنت، قل: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قوله: وَما زادَهُمْ (ذلك) أي والوعد أو الصدق.\rقوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا إلخ، هم جماعة من الصحابة نذروا أنهم إذا أدركوا حربا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا. قوله: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ أي وفى نذره بموته في القتال، يقال: نحب ينحب، من باب قتل نذر، ومن باب ضرب بكى. قوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ (ذلك) أي قضاء النحب بالموت في سبيل اللّه. قوله: (بخلاف حال المنافقين) أي فقد بدلوا وغيروا، فكان الواحد منهم إذا أراد القتال، إنما يقاتل خوفا على نفسه وماله، لا طمعا في رضا اللّه.\rقوله:\rلِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ متعلق بمحذوف تقديره خلق المؤمنين والمنافقين وفرق بين نياتهم ليجزي اللّه، إلخ. قوله: (بأن يميتهم على نفاقهم) أشار بذلك إلى أن مفعول شاءَ محذوف، ودفع بذلك ما يقال:\rإن عذابهم متحتم، فكيف علق على المشيئة؟ فالتعليق بحسب علمنا، وأما في علم اللّه فالأمر محتم، إما بالسعادة أو الشقاوة، وسيظهر ذلك للعباد.\rقوله: بِغَيْظِهِمْ الجملة حالية أي ملتبسين بالغيظ. قوله:\rلَمْ يَنالُوا خَيْراً حال ثانية. قوله: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ أي لم يحصل بينهم اختلاط في الحرب، وإنما كان بينهم ضرب بالسهام والخندق بينهم. قوله: (بالريح) أي فكفأت قدورهم وقطعت خيامهم. قوله: (و الملائكة) أي بإلقاء الرعب في قلوبهم، وتقدم بسط ذلك في القصة.\rقوله: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إلخ، شروع في ذكر قصة بني قريظة، وذكرت","part":3,"page":230},{"id":1344,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 231\rوَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ الخوف فَرِيقاً تَقْتُلُونَ منهم وهم المقاتلة وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (26) منهم أي الذراري وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها بعد وهي خيبر أخذت بعد قريظة وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (27) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وهن تسع وطلبن\r______________________________\rعقب الأحزاب، لكون بني قريظة كانوا من جملة الذين تحزبوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ونقضوا عهده وحاربوه، قال العلماء بالسير: لما أصبح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الليلة التي انصرف فيها الأحزاب راجعين إلى بلادهم، انصرف هو والمؤمنون إلى المدينة ووضعوا السلاح، فلما كان الظهر، أتى جبريل وعليه عمامة من إستبرق، راكبا على بغلة بيضاء، عليها قطيفة من ديباج، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند زينب بنت جحش وهي تغسل رأسه، وقد غسلت شقه الأيمن، فقال: يا رسول اللّه قد وضعت السلاح؟ قال: نعم، قال جبريل:\rعفا اللّه عنك، وما وضعت الملائكة السلاح منذ أربعين ليلة، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، فقال: إن اللّه يأمرك بالسير إلى بني قريظة فانهض اليهم، فإني قد قطعت أوتارهم، وفتحت أبوابهم، وتركتهم في زلزال، وألقيت الرعب في قلوبهم، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مناديا ينادي: إن من كان مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة، فحاصرهم المسلمون خمسا وعشرين ليلة، حتى جهدهم الحصار، وقذف اللّه في قلوبهم الرعب، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أتنزلون على حكمي؟ فأبوا فقال: أتنزلون على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس؟ فرضوا به، فحكمه فيهم، فقال سعد: إني أحكم فيهم، أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذراري- النساء- فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «لقد حكمت فيهم بحكم اللّه من فوق سبع سماوات»، فحبسهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في دار بنت الحرث، من نساء بني النجار، ثم خرج إلى سوق المدينة الذي هو سوقها اليوم، فخندق فيه خندقا، ثم بعث إليهم، فأتى بهم اليه وفيهم حيي بن أخطب رئيس بني النضير، وكعب بن أسد رئيس بني قريظة، وكانوا ستمائة أو سبعمائة، فأمر عليا والزبير بضرب أعناقهم، وطرحهم في ذلك الخندق، فلما فرغ من قتلهم وانقضى في شأنهم، توفي سعد المذكور بالجرح الذي أصابه في وقعة الأحزاب، وحضره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأبو بكر وعمر، قالت عائشة: فو الذي نفس محمد بيده. إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي، قالت: وكانوا كما قال اللّه تعالى رُحَماءُ بَيْنَهُمْ. قوله:\r(و هو ما يتحصن به) أي سواء كان من الحصون أو لا، حتى الشوكة والقرن وباب الدار ونحو ذلك، تسمى صيصية.\rقوله: فَرِيقاً تَقْتُلُونَ بيان لما فعل بهم. قوله: (و هم المقاتلة) أي وكانوا ستمائة وقيل سبعمائة.\rقوله: (أي الذراري) أي وكانوا سبعمائة وقيل وخمسين. قوله: (بعد) أي الآن وعبر بالماضي لتحقق الحصول. قوله: (و هي خيبر) أي وغيرها من كل أرض ظهر عليها المسلمون بعد ذلك إلى يوم القيامة.\rقوله: (أخذت بعد قريظة) أي بسنتين أو ثلاث، على الخلاف المتقدم في قريظة، هل هي في الرابعة أو الخامسة، وخيبر كانت في السابعة في أول محرم، هي مدينة كبيرة ذات حصون ثمانية، وذات مزارع ونخل كثير، بينها وبين المدينة الشريفة أربع مراحل، فأقبل عليها صبيحة النهار، وفي تلك الليلة لم يصح لهم ديك ولم يتحركوا، وكان فيها عشرة آلاف مقاتل، فنزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليها وحاصرها، وبنى هناك مسجدا صلى به طول مقامه عندها، وقطع من نخلها أربعمائة نخلة، وسبى أهلها، وأصاب من سبيها صفية بنت حيي بن أخطب رئيس بني النضير، وكانت وقعت في سهم دحية الكلبي، فتنازع بعض حاشية الصاوي على تفسير الجلالين/ ج 5/ م 3","part":3,"page":231},{"id":1345,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 232\rمنه من زينة الدنيا ما ليس عنده إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَ أي متعة الطلاق وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (28) أطلقكن من غير ضرار وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ أي الجنة فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَ بإرادة الآخرة أَجْراً عَظِيماً (29)\r______________________________\rالصحابة في شأن ذلك، فأخذها رسول اللّه وأرضاه، وكانت من سبط هارون أخي موسى، فأسلمت ثم أعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ اختلف المفسرون في هذا التخيير، هل كان تفويضا في الطلاق إليهن، فيقع بنفس الاختيار، أم لا؟ فذهب الحسن وقتادة وأكثر أهل العلم، إلى أنه لم يكن تفويضا في الطلاق، وإنما خيرهن على أنهن إن اخترن الدنيا فارقهن، لقوله تعالى: فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَ وذهب قوم إلى أنه كان تفويضا، وأنهن لو اخترن الدنيا لكان طلاقا، فلا يحتاج لإنشاء صيغة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (و هن تسع) أي وهن اللاتي مات عنهن، وقد جمعهن بعض العلماء بقوله:\rنوفي رسول اللّه عن تسع نسوة ... إليهن تعزى المكرمات وتنسب\r\rفعائشة ميمونة وصفية ... وحفصة تتلوهن هند وزينب\r\rجويرية مع رملة ثم سودة ... ثلاث وست نظمهن مهذب\r\rفعائشة هي بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وميمونة بنت الحرث الهلالية، وصفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير، وهند هي أم سلمة بنت أبي أمية، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحرث الخزاعية المصطلقية، ورملة هي أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرث، وسودة هي بنت زمعة.\rقوله: إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا أي التنعم فيها. قوله: وَزِينَتَها أي زخارفها، روي أن أبا بكر جاء ليستأذن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له فدخل فوجد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جالسا واجما ساكتا وحوله نساؤه، قال عمر:\rفقلت: واللّه لأقولن شيئا أضحك به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت: يا رسول اللّه، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول اللّه ما ليس عنده، فقلن: واللّه لا نسأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا أبدا ما ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرا، ثم نزلت هذه الآية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ حتى بلغ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً قال: فبدأ بعائشة فقال: يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمرا، أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك، قالت: وما هو يا رسول اللّه؟ فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول اللّه أستشير أبوي، بل أختار اللّه ورسوله والدار الآخرة، وكلهن قلن كما قالت عائشة، فشكر لهن ذلك، فأنزل اللّه لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ ثم رفع ذلك الحرج بقوله تعالى: ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ وبقوله: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ.\rقوله: فَتَعالَيْنَ فعل أمر مبني على السكون، ونون النسوة فاعل. قوله: أُمَتِّعْكُنَ جواب الشرط وما بينهما اعتراض، ويصح أن يكون مجزوما في جواب الأمر، والجواب فَتَعالَيْنَ قوله:","part":3,"page":232},{"id":1346,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 233\rأي الجنة فاخترن الآخرة على الدنيا يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ بفتح الياء وكسرها أي بينت أو هي بينة يُضاعَفْ وفي قراءة يضعف بالتشديد، وفي أخرى نضعف بالنون معه ونصب العذاب لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ ضعفي عذاب غيرهن أي مثليه وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30) وَمَنْ يَقْنُتْ يطع مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ أي مثلي ثواب غيرهن من النساء، وفي قراءة بالتحتية في تعمل ونؤتها وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (31) في الجنة زيادة يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ كجماعة مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَ اللّه\r______________________________\r(أطلقكن من غير ضرار) أي من غير تعب ومشقة. قوله: (فاخترن الآخرة على الدنيا) أي ودمن على ذلك، فكن زاهدات في الدنيا، حتى ورد أن عائشة دخل عليها ثمانون ألف درهم من بيت المال، فأمرت جاريتها بتفرقتها ففرقتها في مجلس واحد، فلما فرغت طلبت عائشة منها شيئا تفطر به وكانت صائمة، فلم تجد منها شيئا.\rقوله: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ إلخ، هذه الآيات خطاب من اللّه لأزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إظهارا لفضلهن وعظم قدرهن عند اللّه تعالى، لأن العتاب والتشديد في الخطاب، مشعر برفعة رتبتهن لشدة قربهن من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، لأنهن ضجيعاته في الجنة، فبقدر القرب من رسول اللّه يكون القرب من اللّه، خلافا لمن شذ وزعم أن حب النبي والقرب منه والتعلق به شرك. قوله: بِفاحِشَةٍ قيل المراد بها الزنا، والمعنى لو وقع من واحدة منكن هذا الفعل، لحدت حدين، لعظم قدرها، كالحر بالنسبة للأمة، وعلى هذا القول فلا خصوصية لنساء النبي، بل جميع نساء الأنبياء مصونات من الزنا، ولذا قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط، وإنما خانت امرأة نوح ولوط في الإيمان والطاعة، وقيل المراد بها النشوز وسوء الخلق، وقيل الفاحشة إذا وردت معرفة فهي الزنا واللواط، وإن وردت منكرة فهي سائر المعاصي، وإن وردت منعوتة كما هنا، فهي عقوق الزوج وسوء عشرته، وقيل المراد بها جميع المعاصي وهو الأظهر، وهذا على سبيل الفرض والتقدير على حد: لئن أشركت ليحبطن عملك، وإلا فنساء النبي مطهرات مصونات من الفواحش. قوله: (بفتح الباء وكسرها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أي بينت) إلخ، لف ونشر مرتب. قوله: (و في قراءة يضعف) أي والثلاث سبعيات. قوله: (العذاب) أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. قوله: (أي مثليه) أي فضعف الشيء مثله، وضعفاه مثلاه، وأضعافه أمثاله.\rقوله: وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً أي سهلا، فلا يبالي اللّه بأحد وإن عظمت رتبته، فليس أمر اللّه كأمر الخلق بترك تعذيب الأعزة حيث أذنبوا، لكثرة أوليائهم وأعوانهم، بل المكرم عند اللّه هو التقي.\rقوله: وَتَعْمَلْ صالِحاً أي تدم عليه، وفيه مراعاة معنى من على قراءة التاء، ومراعاة لفظها على قراءة الياء. قوله: مَرَّتَيْنِ أي مرة على الطاعة والتقوى، ومرة أخرى على خدمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الخدمة الباطنية التي لا تتيسر من غيرهن.\rقوله: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ تقدم أن حكمة التشديد عليهن، شدة قربهن من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهو دليل على رفعة قدرهن وعظم رتبتهن، فلا يليق منهن التوغل في الشهوات وتطلب زينة الدنيا، لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «لست من الدنيا وليست الدنيا مني». والمقربون منه كذلك، والمعنى","part":3,"page":233},{"id":1347,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 234\rفإنكن أعظم فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ للرجال فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ نفاق وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً (32) من غير خضوع وَقَرْنَ بكسر القاف وفتحها فِي بُيُوتِكُنَ من القرار وأصله اقررن بكسر الراء وفتحها من قررت بفتح الراء وكسرها، نقلت حركة الراء إلى القاف وحذفت مع همزة الوصل وَلا تَبَرَّجْنَ بترك إحدى التاءين من أصله تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى أي ما قبل الإسلام من إظهار النساء محاسنهن للرجال، والإظهار بعد الإسلام مذكور في آية وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ\r______________________________\rليست الواحدة منكن كالواحدة من آحاد النساء، فالتفاضل في الأفراد. قوله: إِنِ اتَّقَيْتُنَ شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه، كما يشير له المفسر بقوله: (فإنكن أعظم) والمعنى أن اتقيتن اللّه، فلا يقاس بالواحدة منكن واحدة من سائر النساء. قوله: فَلا تَخْضَعْنَ كلام مستأنف مفرع على التقوى. قوله:\rبِالْقَوْلِ أي بأن تتكلمن بكلام رقيق يميل قلوب الرجال إليكن، إذ لا يليق منكن ذلك، لكونكن أعظم النساء.\rقوله: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ في ذلك احتراس عما يقال: إنهن أمهات المؤمنين، والإنسان لا يطمع في أمه، فأجاب: بأن الذي يقع منه الطمع إنما هو النفاق، لأن شهوته حاصلة معه، وهو منزوع الخشية والخوف من اللّه، ولكن نهين عموما سدا للذريعة. قوله: قَوْلًا مَعْرُوفاً أي حسنا، فيه تعظيم الكبير ورحمة الصغير لا ريبة فيه. قوله: (بكسر القاف وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (من القرار) أي الثبات بيان لمعنى القراءتين. قوله: (و أصله اقررن بكسر الراء) أي من باب ضرب، وقوله:\r(و فتحها) أي من باب علم، فماضي الأول مفتوح، والأمر مكسور، والثاني بالعكس. قوله: (نقلت حركة الراء) أي الأولى، وحركتها إما كسرة على الأول، أو فتحة على الثاني. قوله: (مع همزة الوصل) أي الاستغناء عنها بتحريك القاف، والمعنى اثبتن في بيوتكن ولا تخرجن إلا لضرورة.\rقوله: تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى اختلف في زمنها، فقيل هي ما قبل بعثة إبراهيم، وقيل ما بين آدم ونوح، وقيل ما بين نوح وإدريس، وقيل ما بين نوح وابراهيم، وقيل ما بين موسى وعيسى، وقيل ما بين عيسى ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل هي ما قبل الإسلام مطلقا، وعليه اقتصر المفسر، وجعلها أولى بالنسبة إلى ما كن عليه، وليس المعنى أن ثم جاهلية أخرى. قوله: (من اظهار محاسنهن للرجال) أي فكانت المرأة تلبس القميص من الدر غير مخيط الجانبين، وكانت النساء يظهرن ما يقبح اظهاره، حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخلها، فينفرد خلها بما فوق الإزار، وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى أسفل، وربما سأل أحدهما صاحبه البدل. قوله: (و الإظهار بعد الإسلام) إلخ، جواب عما يقال: إن اظهار الزينة واقع من فسقة النساء بعد الإسلام، فلا حاجة لذكر الجاهلية الأولى، فأجاب: بأنه تقدم النهي عنه في قوله: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَ.\rقوله: وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ أي بشروطها وآدابها. قوله: وَآتِينَ الزَّكاةَ أي لمستحقيها. قوله:\rوَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي في جميع الأوامر والنواهي، فلا تليق منكن المخالفة فيما أمر اللّه ورسوله به.","part":3,"page":234},{"id":1348,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 235\rعَنْكُمُ الرِّجْسَ الإثم يا أَهْلَ الْبَيْتِ أي نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَيُطَهِّرَكُمْ منه تَطْهِيراً (33) وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ القرآن وَالْحِكْمَةِ السنة إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً بأوليائه خَبِيراً (34) بجميع خلقه إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ المطيعات وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ في الإيمان وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ على الطاعات وَالْخاشِعِينَ المتواضعين وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ عن الحرام وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً للمعاصي وَأَجْراً عَظِيماً (35) على الطاعات وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى\r______________________________\rقوله: الرِّجْسَ أي الذنب المدنس لعرضكن. قوله: أَهْلَ الْبَيْتِ منصوب على أنه منادى، وحرف النداء محذوف قدره المفسر. قوله: (أي نساء النبي) قصره عليهن لمراعاة السياق، وإلا فقد قيل: الآية عامة في أهل بيت سكنه وهن أزواجه، وأهل بيت نسبه وهن ذريته. قوله: وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً أكده اشارة إلى الزيادة في التطهير بسبب التكاليف، فالعبادة والتقوى سبب للطهارة، وهي الخلوص من دنس المعاصي، فمن ادعى الطهارة مع ارتكابه المعاصي، فهو ضال كذاب.\rقوله: وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَ أي لتذكرن به أنفسكن أو غيركن، وفيه تذكير لهن بهذه النعمة العظيمة، حيث جعلن من أهل بيت النبوة، وشاهدن نزول الوحي، وكل ذلك موجب للزوم التقوى. قوله: مِنْ آياتِ اللَّهِ بيان لما.\rقوله: لَطِيفاً أي عالما بخفيات الأمور. قوله: خَبِيراً أي مطلعا على كل شيء.\rقوله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ إلخ، سبب نزولها: أن أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جلسن يتذاكرن فيما بينهن ويقلن: إن اللّه ذكر الرجال في القرآن، ولم يذكر النساء بخير، فما فينا خير نذكر به، إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة، فسألت أم سلمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكانت كثيرة السؤال له فقالت: يا رسول اللّه، ما بال ربنا يذكر الرجال في كتابه ولا يذكر النساء؟ فنخشى أن لا يكون فيهن خير، فنزلت جبرا لخاطرهن. قوله:\rوَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ إنما عطف وصفهم بالإيمان على وصفهم بالإسلام، وإن كانا متحدين شرعا، نظرا إلى أنهما مختلفان مفهوما، إذ الإسلام التلفظ بالشهادتين، بشرط تصديق القلب بما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، والإيمان الإذعان القلبي بشرط النطق باللسان، ويكفي في العطف أدنى تغاير.\rقوله: وَالْحافِظاتِ حذف المفعول لدلالة ما قبله عليه والتقدير والحافظات فروجهن. قوله:\rوَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً أي بأي ذكر كان، من تسبيح أو تهليل أو تحميد أو صلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، والكثرة مختلفة باختلاف الأشخاص، فالكثرة في حق العامة أقلها ثلاثمائة، وفي حق المريدين اثنا عشر ألفا، وفي حق العارفين عدم خطور الغير على قلوبهم، ومنه قول العارف ابن الفارض:\rولو خطرت لي في سواك إرادة ... على خاطري يوما حكمت بردتي\rقوله: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ أي لا ينبغي ولا يصلح ولا يليق، وهذا اللفظ يستعمل تارة في الحظر والمنع كما هنا، وتارة في الامتناع عقلا كما في قوله تعالى: ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها وتارة","part":3,"page":235},{"id":1349,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 236\rاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ بالتاء والياء لَهُمُ الْخِيَرَةُ أي الاختيار مِنْ أَمْرِهِمْ خلاف أمر اللّه ورسوله؛ نزلت في عبد اللّه بن جحش وأخته زينب، خطبها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعنى لزيد بن حارثة فكرها ذلك حين علما بظنهما قبل، أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خطبها لنفسه، ثم رضيا للآية وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً (36) بينا، فزوجها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لزيد ثم وقع بصره عليها بعد حين، فوقع في نفس زيد كراهتها، ثم قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: أريد فراقها فقال: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ كما قال تعالى:\rوَإِذْ منصوب باذكر تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بالإسلام وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ بالإعتاق وهو زيد بن حارثة كان من سبي الجاهلية اشتراه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل البعثة وأعتقه وتبناه أَمْسِكْ\r______________________________\rفي الامتناع شرعا كقوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً. قوله: إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً ذكر اسم اللّه للتعظيم، وإشارة إلى أن قضاء رسول اللّه هو قضاء اللّه، لكونه لا ينطق عن الهوى، وإذا يصح أن تكون ظرفا معمولا لما تعلق به خبر كان، والتقدير وما كان مستقرا لمؤمن ولا مؤمنة وقت قضاء اللّه ورسوله أمرا كون الخيرة لهم، ويصح أن تكون شرطية، وجوابها محذوف دل عليه ما قبله.\rقوله: (اين تكون) اسم كان مؤخر، والجار والمجرور خبر مقدم. قوله: (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان، فالتاء ظاهرة والياء نظرا إلى أن الخيرة مجازي التأنيث، أو للفصل بين العامل والمعمول. قوله:\rالْخِيَرَةُ بفتح الياء وقرىء شذوذا بإسكانها، ومعناهما واحد وهو الاختيار. قوله: (أي الاختيار) أشار بذلك إلى أن الخيرة مصدر.\rقوله: مِنْ أَمْرِهِمْ حال من الخيرة. قوله: (و أخته زينب) أي بنت جحش، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (خطبها النبي وعنى لزيد) أي بعد أن كان زوجه أولا أم أيمن بركة الحبشية بنت ثعلبة بن حصن، كان لعبد اللّه أبي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأعتقها، وقيل أعتقها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وعاشت بعده صلّى اللّه عليه وسلّم خمسة أشهر وقيل سنة، وولدت لزيد أسامة، وكانت ولادته بعد البعثة بثلاث سنين وقيل بخمس. قوله: (فكرها ذلك) أي كون الخطبة لزيد، وقالت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أنا بنت عمتك، فلا أرضاه لنفسي، وكانت بيضاء جميلة، وزيد أسود. قوله: (ثم رضيا للآية) أي حين نزلت الآية توبيخا لهما.\rقوله: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إلخ، هذا من تمام ما نزل في شأنهما، فكان المناسب للمفسر تأخير ذكر سبب النزول عن هذه الآية. قوله: فَقَدْ ضَلَ أي أخطأ طريق الصواب. قوله: (فزوجها النبي لزيد) أي وأعطاها رسول اللّه عشرة دنانير وستين درهما وخمارا ودرعا وملحفة وخمسين مدا من طعام وثلاثين صاعا من تمر.\rقوله: (ثم وقع بصره عليها) هذا بناء على أن معنى قوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ هو حبها الذي درج عليه المفسر تبعا لغيره، وهذا التفسير غير لائق بمنصب النبوة لا سيما بجنابه الشريف، وأيضا يبعد أن النبي يخفى عليه حالها، مع كونها بنت عمته وفي حجره. قوله:\r(فقال: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) أي لا تفارقها. قوله: (منصوب باذكر) أي فهو معمول لمحذوف.\rقوله: (اشتراه رسول اللّه) فيه تسمح، بل الذي في السير، أن خديجة اشترته بأربعمائة درهم، ثم وهبته لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهذا الشراء صوري، وإلا فهو كان حرا، لأنه لم يكن الرق بالسبي مشروعا، لكونهم","part":3,"page":236},{"id":1350,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 237\rعَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ في أمر طلاقها وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ مظهره من محبتها، وأن لو فارقها زيد تزوجتها وَتَخْشَى النَّاسَ أن يقولوا: تزوج زوجة ابنه وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ في كل شيء، وتزوجها ولا عليك من قول الناس، ثم طلقها زيد، وانقضت عدتها، قال تعالى:\rفَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً حاجة زَوَّجْناكَها فدخل عليها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بغير إذن، وأشبع المسلمين خبزا ولحما لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً\r______________________________\rأهل فترة، وهم ناجون ليس فيهم حربي، والعلماء عرفوا الرق بأنه عجز حكمي سببه الكفر، روي أن عمه لقيه يوما بمكة، فعرفه وضمه إلى صدره وقال له: لمن أنت؟ قال: لمحمد بن عبد اللّه، فأتوه وقالوا:\rهذا ابننا فرده علينا، فقال اعرضوا عليه، فإن اختاركم فخذوه، فبعث إلى زيد وخيره فقال: يا رسول اللّه ما أختار عليك أحدا، فجذبه عمه وقال: يا زيد اخترت العبودية على أبيك وعمك؟ قال: نعم هي أحب إلي من أن أكون عندكم، فتبناه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (من محبتها) بيان لما أبداه، وهذا القول مردود لما تقدم أنه تنزه عنه رسول اللّه، والصواب أن يقول: إن الذي أخفاه في نفسه، هو ما أخبره اللّه به، من أنها ستصير إحدى زوجاته بعد طلاق زيد لها، لما روي عن علي بن الحسين رضي اللّه عنهما، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان قد أوحى اللّه إليه أن زيدا يطلق زينب، وأنه يتزوجها بتزويج اللّه إياها، فلما شكا للنبي خلق زينب وأنها لا تطيعه، وأعلمه بأنها تريد طلاقها، قال له رسول اللّه على جهة الأدب والوصية: اتق اللّه في قولك وأمسك عليك زوجك، وهذا هو الذي أخفى في نفسه، وخشي رسول أن يلحقه قول الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد وهو متبنيه، فعاتبه اللّه على الكتم لأجل هذا العذر، والحكمة في تزوج رسول اللّه بزينب، إبطال حكم التبني، والتفرقة بين ولد الصلب وولد التبني، من حيث إن ولد الصلب يحرم التزوج بزوجته، وولد التبني لا يحرم. قوله: (و تزوجها) هكذا في بعض النسخ بصيغة الأمر، وفي نسخة ويزوجكها فعل مضارع.\rقوله: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً أي بأن لم يبق له فيها أرب وطلقها وانقضت عدتها، وفي ذكر اسمه صريحا دون غيره من الصحابة جبر وتأنيس له، وعوض من الفخر بأبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فكان اسمه قرآنا يتلى في الدنيا والآخرة على ألسنة البشر والملائكة، وزاد في الآية أن قال: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أي بالإيمان، فدل على أنه من أهل الجنة، فعلم ذلك قبل موته، فهذ فضيلة أخرى. قوله: (فدخل عليها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بغير إذن) أي ولا عقد ولا صداق، وهذا من خصوصياته التي لم يشاركه فيها أحد بالإجماع، وكان تزوجه بها سنة خمس من الهجرة، وقيل سنة ثلاث، وهي أول من مات بعده من زوجاته، ماتت بعده بعشر سنين، ولها من العمر ثلاث وخمسون سنة، وكانت تفتخر على أزواج النبي وتقول:\rزوجكن أهاليكن، وزوجني اللّه من فوق سبع سماوات، وكانت تقول للنبي: جدي وجدك واحد، وليس من نسائك من هي كذلك غيري، وقد أنكحنيك اللّه، والسفير في ذلك جبريل. قوله: (و أشبع المسلمين خبزا ولحما) أي فذبح شاة وأطعم الناس خبزا ولحما حتى تركوه، ولم يولم النبي على أحد من نسائه، كما أو لم على زينب.\rقوله: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ إلخ، أي فهو دليل على أن هذا الأمر ليس مخصوصا","part":3,"page":237},{"id":1351,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 238\rوَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مقضيه مَفْعُولًا (37) ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ أحل اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ أي كسنة اللّه فنصب بنزع الخافض فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ من الأنبياء أن لا حرج عليهم في ذلك توسعة لهم في النكاح وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ فعله قَدَراً مَقْدُوراً (38) مقضيا الَّذِينَ نعت للذين قبله يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ فلا يخشون مقالة الناس فيما أحل اللّه لهم وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (39) حافظا لأعمال خلقه ومحاسبتهم ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ فليس أبا زيد أي والده، فلا يحرم عليه التزوج بزوجته زينب وَلكِنْ كان رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ فلا يكون له ابن رجل بعده يكون نبيا، وفي قراءة بفتح التاء كآلة الختم أي به ختموا وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (40) منه بأن لا نبي بعده، وإذا نزل السيد عيسى يحكم بشريعته يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً\r______________________________\rبه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا أي موجودا لا محالة. قوله: مِنْ حَرَجٍ أي إثم. قوله:\r(فنصب بنزع الخافض) ويصح نصبه على المصدرية، وفي هذه الآية رد على اليهود حيث عابوا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كثرة النساء. قوله: (توسعة لهم في النكاح) أي فقد كان لداود مائة امرأة، ولسليمان ولده سبعمائة امرأة وثلاثمائة سرية.\rقوله: قَدَراً مَقْدُوراً هو من التأكيد كظل ظليل وليل أليل.\rقوله: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ أي أبوة حقيقية، فلا ينافي أنه أبوهم من حيث إنه شفيق عليهم وناصح لهم، يجب عليهم تعظيمه وتوقيره. قوله: وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ العامة على تخفيف لكن، ونصب رسول على أنه خبر لكان المحذوفة، وقرىء شذوذا بتشديد لكِنْ، ورَسُولَ اسمها، وخبرها محذوف تقديره أب من غير وراثة، إذ لم يعش له ولد ذكر، وقرىء أيضا بتخفيفها، ورفع رسول على الابتداء، والخبر مقدر أي هو أو بالعكس، ووجه الاستدارك رفع ما يتوهم من نفي الأبوة عنه، أن حقه ليس أكيدا، فأفاد أن حقه آكد من حق الأب الحقيقي بوصف الرسالة. قوله: (فلا يكون له ابن رجل بعده يكون نبيا) النفي في الحقيقة متوجه للوصف، أي كون ابنه رجلا، وكونه نبيا بعده، وإلا فقد كان له من الذكر أولاد، ثلاث، إبراهيم والقاسم والطيب، ولكنهم ماتوا قبل البلوغ، لم يبلغوا مبلغ الرجال، فكونه خاتم النبيين، يلزم منه عدم وجود ولد بالغ له، وأورد عليه بمنع الملازمة، إذ كثير من الأنبياء، وجد لهم أولاد بالغون وليسوا بأنبياء، وأجيب: بأن الملازمة، ليست عقلية، بل على مقتضى الحكمة الإلهية، وهي أن اللّه أكرم بعض الرسل بجعل أولادهم أنبياء كالخليل، ونبينا أكرمهم وأفضلهم، فلو عاش أولاده، اقتضى تشريف اللّه له جعلهم أنبياء، لجمعه المزايا المتفرقة في غيره فتدبر. قوله: (و إذا نزل السيد عيسى) إلخ، جواب عما يقال: كيف قال تعالى: وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وعيسى ينزل بعده وهو نبي؟ ولا يرد على هذا، وضع الجزية، وعدم قبول غير الإسلام، ونحو ذلك مما جاء في الأحاديث مما يخالف شرعنا، لأن ذلك شرع نبينا عند نزول عيسى عليه الصلاة والسّلام.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً في هذا إشارة إلى تشريف المؤمنين عموما، حيث ناداهم وأمرهم بذكره وتسبيحه، وصلى عليهم هو وملائكته، وأفاض عليهم الأنوار وحياهم،","part":3,"page":238},{"id":1352,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 239\rوَأَصِيلًا (42) أول النهار وآخره هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ أي يرحمكم وَمَلائِكَتُهُ أي يستغفرون لكم لِيُخْرِجَكُمْ ليديم إخراجه إياكم مِنَ الظُّلُماتِ أي الكفر إِلَى النُّورِ أي الإيمان وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (43) تَحِيَّتُهُمْ منه تعالى يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ بلسان الملائكة وَأَعَدَّ لَهُمْ\r______________________________\rوالمقصود من ذكر العباد ربهم كون اللّه يذكرهم، قال تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وليس المقصود منه انتفاعه تعالى بذلك، تنزه اللّه عن أن يصل له من عباده نفع أو ضر، قال تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ فذكرنا لأنفسنا، لأنه لا غنى لنا عن ربنا طرفة عين، وإذا كان كذلك، فلا تليق الغفلة عنه أبدا، بل المطلوب ذكره دائما وأبدا، واعلم أن اللّه تعالى لم يفرض فريضة على عباده، إلا جعل لها حدا معلوما، وعذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فلم يجعل له حدا، ولم يعذر أحدا في تركه، إلا من كان مغلوبا على عقله، ولذا أمرهم به في جميع الأحوال، قال تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ ففيه إشارة إلى أن الذكر أمره عظيم وفضله جسيم.\rقوله: وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا خص التسبيح بالذكر وإن كان داخلا فيه، لكونه أعلى مراتبه، وحكمة تخصيص التسبيح بهذين الوقتين، لكونهما أشرف الأوقات، بسبب تنزل الملائكة فيهما.\rقوله: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ استئناف في معنى التعليل للأمر بالذكر والتسبيح. قوله:\rوَمَلائِكَتُهُ عطف على الضمير المستتر في يُصَلِّي والفاصل موجود. قوله: (أي يستغفرون لكم) أي يطلبون لكم من اللّه المغفرة، قال تعالى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ الآيات. قوله: (ليديم إخراجه إياكم) جواب عما يقال: إن إخراجه إيانا من الظلمات حاصل بمجرد الإيمان، وإيضاح الجواب: أن المراد دوام هذا الإخراج، لأن الغفلة عن الخالق إذا دامت، ربما أخرجت العبد من النور والعياذ باللّه. قوله: مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ جمع الأول لتعداد أنواع الكفر، وأفرد الثاني لأن الإيمان شيء واحد لا تعدد فيه، فمن ادعى الإيمان، وأثبت التعدد والمخالفة، فهو ضال مضل، خارج عن السنة والجماعة.\rقوله: وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً أي يقبل القليل من أعمالهم، ويعفو عن الكثير من ذنوبهم، حيث أخلصوا في إيمانهم.\rقوله: تَحِيَّتُهُمْ (منه تعالى) أي التحية الصادرة منه تعالى، زيادة في الاعتناء بهم، وتعظيما لقدرهم. قوله: يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ اختلف في وقت اللقى، فقيل: عند الموت، وقيل: عند الخروج من القبور، وقيل: عند دخول الجنة. قوله: (بلسان الملائكة) أي لما ورد: إذا جاء ملك الموت يقبض روح المؤمن يقول له: ربك يقرئك السّلام، وفي الحقيقة هم يسمعون السّلام من اللّه ومن الملائكة ومن الخلق غيرهم، قال تعالى: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ وقال تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ. وقال تعالى: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً.\rقوله: (هو الجنة) أي وما فيها من النعيم المقيم. قوله: (على من أرسلت إليهم) أي لتترقب أحوالهم، وتكون مشاهدا لما صدر منهم من الأعمال الحسنة والقبيحة، فالأعمال تعرض عليه حيا وميتا، ويصح أن يكون المراد شاهدا يوم القيامة للمؤمنين وعلى الكافرين، فهو مقبول الدعوى، لا يحتاج في دعواه إلى شهادة أحد، فيشهد للأنبياء بالتبليغ، وعلى الأمم إما بالتصديق أو بالتكذيب. قوله: (بأمره) دفع بذلك","part":3,"page":239},{"id":1353,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 240\rأَجْراً كَرِيماً (44) هو الجنة يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً على من أرسلت إليهم وَمُبَشِّراً من صدقك بالجنة وَنَذِيراً (45) منذرا من كذبك بالنار وَداعِياً إِلَى اللَّهِ إلى طاعته بِإِذْنِهِ بأمره وَسِراجاً مُنِيراً (46) أي مثله في الاهتداء به وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً (47) هو الجنة وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ فيما يخالف شريعتك وَدَعْ اترك أَذاهُمْ لا تجازهم عليه إلى أن تؤمر فيهم بأمر وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فهو كافيك وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48) مفوّضا إليه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ وفي قراءة تماسوهن أي تجامعوهن فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها تحصونها بالأقراء وغيرها فَمَتِّعُوهُنَ أعطوهن ما يستمتعن به، أي إن لم يسم لهنّ أصدقه، وإلا فلهنّ نصف المسمى فقط، قاله ابن عباس وعليه الشافعي وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (49) خلوا سبيلهن من غير إضرار يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا\r______________________________\rما يقال: الأذن حاصل ب\rقوله: أَرْسَلْناكَ، فأجاب: بأن المراد بالإذن الأمر والحكمة في الاذن تسهيل الأمر وتيسيره، لأن الدخول في الشيء من غير إذن متعذر، فإذا حصل الإذن سهل وتيسر، ومن هنا أخذ الأشياخ استعمال الإجازة للمريدين، فمن أجاز أشياخه بشيء من العلم والإرشاد، فقد سهلت له الطريق وتيسرت، ومن لم تحصل له الإجازة وتصدر بنفسه، فقد عطل نفسه وغيره، وانسدت عليه الطرق.\rقوله:\rوَسِراجاً مُنِيراً يحتمل أن المراد بالسراج الشمس وهو ظاهر، ويحتمل أن المراد به المصباح، وحينئذ فيقال إنما شبه بالسراج، ولم يشبه بالشمس مع أن نورها أتم، لأن السراج يسهل اقتباس الأنوار منه، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم تقتبس منه الأنوار الحسية والمعنوية.\rقوله: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أي حيث كنت متصفا بالصفات الخمسة فبشر المؤمنين.\rقوله: وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ أي لا تدار الكفار، ولا تلن لهم جانبك في أمر الدين، بل اثبت على ما أوحي إليك وبلغه، ولا تكتم منه شيئا. قوله: وَدَعْ أَذاهُمْ إما من إضافة المصدر لفاعله، أي أذيتهم إياك، فلا تقاتلهم جزاء على ما صدر منهم، أو لمفعوله أي اترك اذيتك لهم في نظير كفرهم، واصفح عنهم واصبر، ولا تعاجلهم بالعقوبة، وهذا منسوخ بآية القتال. قوله: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي ثق به في أمورك واعتمد عليه، يكفك أمور الدين والدنيا. قوله: وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا الباء زائدة في الفاعل، أي إن اللّه تعالى كاف من توكل عليه أمور الدنيا والآخرة، وفي الآية إشارة إلى أن التوكل أمره عظيم، فإذا عجز الإنسان عن أمر، فعليه بالتوكل على اللّه والتفويض إليه، فإن اللّه يكفيه ما أهمه من أمور الدنيا والآخرة.\rقوله: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ المراد بالنكاح العقد بدليل قوله: ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ وذكر المؤمنات خرج مخرج الغالب، إذ الكتابيات كذلك، وإنما خص المؤمنات بالذكر، إشارة إلى أن الأولى للمؤمن أن ينكح المؤمنات، وأما نكاح الكتابيات فمكروه، أو خلاف الأولى. قوله: ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ أي ولو طال زمن العقد. قوله: (و في قراءة) أي وهما سبعيتان. قوله:\r(أي تجامعوهن) تفسير لكل من القراءتين. قوله: تَعْتَدُّونَها إما من العدد أو من الاعتداد أي تحسبونها أو تستوفون عددها من قولهم: عد الدراهم فاعتدها أي استوفى عددها. قوله: (عليه الشافعي) أي\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 3 241\r\rأي تجامعوهن) تفسير لكل من القراءتين. قوله: تَعْتَدُّونَها إما من العدد أو من الاعتداد أي تحسبونها أو تستوفون عددها من قولهم: عد الدراهم فاعتدها أي استوفى عددها. قوله: (عليه الشافعي) أي","part":3,"page":240},{"id":1354,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 241\rلَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَ مهورهن وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ من الكفار بالسبي، كصفية وجويرية وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ\r______________________________\rومالك، فالمطلقة قبل الدخول إن سمي لها صداق، فلا متعة لها ولا عدة عليها، وإن لم يسم لها صداق بأن نكحت تفويضا، فلا عدة عليها ولها المتعة، إما وجوبا كما هو عند الشافعي، أو ندبا كما هو عند مالك. قوله: (خلوا سبيلهن) أي اتركوهن. قوله: (من غير ضرار) أي بأن تمسكوهن تعنتا حتى يفتدين منكم، أو تؤذوهن وتتكلموا في أعراضهن.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ إلخ، اختلف المفسرون في المراد بهذه الآية فقيل: المعنى أن اللّه أحل له أن يتزوج بكل امرأة دفع مهرها إلخ، فعلى هذا تكون الآية ناسخة للتحريم الكائن بعد التخيير المدلول عليه بقوله: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ فهذه الآية وإن كانت متقدمة في التلاوة، فهي متأخرة في النزول عن الآية المنسوخة بها، كآية الوفاة في البقرة، وقيل المراد أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ الكائنات عندك، لأنهن اخترنك على الدنيا، ويؤيده قول ابن عباس: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتزوج من أي النساء شاء، وكان يشق على نسائه، فلما نزلت هذه الآية، وحرم عليه بها النساء إلا من سمى، سر نساؤه بذلك، والقول الأول أصح. قوله: اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَ بيان لما كان يفعله من مكارم الاخلاق، وإلا فاللّه أحل له أن يتزوج بلا مهر.\rقوله: مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ بيان لما ملكت يمينك، وهذا القيد خرج مخرج الغالب، بل الملك بالشراء كذلك. قوله: (كصفية) هي بنت حيي بن أخطب من نسل هارون أخي موسى، وتقدم أنها كانت من سبي خيبر، أذن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لدحية الكلبي في أخذ جارية فأخذها، فقيل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أعطيته سيدة بني قريظة والنضير، وهي لا تصلح إلا لك، فخشي عليها الفتنة، فأعطاه غيرها ثم أعتقها وتزوجها وبنى بها وهو راجع إلى المدينة، وفي رواية: أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لها: هل لك فيّ؟ قالت: نعم يا رسول اللّه، إني كنت أتمنى ذلك في الشرك، وكان بعينها خضرة، فسألها عنها فقالت: إنها كانت نائمة، ورأس زوجها ملكهم في حجرها، فرأت قمرا وقع في حجرها، فلما استيقظ أخبرته فلطمها وقال: تتمنين ملك يثرب، ماتت في رمضان سنة خمسين ودفنت في البقيع. قوله: (و جويرية) أي وهي بنت الحرث الخزاعية، وكانت وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري، فكاتبها فجاءت تسأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعرفته بنفسها فقال: هل لك إلى ما هو خير من ذلك، أودي عنك كتابتك وأتزوجك؟ فقالت: نعم، فسمع الناس بذلك، فأعتقوا ما بأيديهم من قومها وقالوا: أصهار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قالت عائشة: فما رأينا امرأة كانت أعظم في قومها بركة منها، أعتق بسببها مائة أهل بيت من بني المصطلق، وقسم لها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وكانت بنت عشرين سنة، وتوفيت سنة خمسين.\rقوله: وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ أي نساء قريش المنسوبات لأبيك، وقوله: وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ أي نساء بني زهرة المنسوبات لأمك، وحكمة إفراد العم والخال دون العمة والخالة، أن العم والخال يعمان إذا أضيفا، لكونهما مفردين خاليين من تاء الوحدة، والعمة والخالة لا يعمان لوجود","part":3,"page":241},{"id":1355,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 242\rمَعَكَ بخلاف من لم يهاجرن وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها يطلب نكاحها بغير صداق خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ النكاح بلفظ الهبة من غير صداق قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ أي المؤمنين فِي أَزْواجِهِمْ من الأحكام بألا يزيدوا على أربع نسوة، ولا يتزوجوا إلا بولي وشهود ومهر وَفي ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ من الإماء بشراء وغيره، بأن تكون الأمة ممن نحل لمالكها كالكتابية، بخلاف المجوسية والوثنية، وأن تستبرأ قبل الوطء لِكَيْلا متعلق بما قبل ذلك يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ضيق في النكاح وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما يعسر التحرز عنه رَحِيماً (50) بالتوسعة في ذلك تُرْجِي بالهمزة والياء بدله تؤخر مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَ أيّ أزواجك عن نوبتها وَتُؤْوِي تضم إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ منهن فتأتيها وَمَنِ\r______________________________\rالتاء. قوله: (بخلاف من لم يهاجرن) أي فلا يحللن له، وهذا الحكم كان قبل الفتح، حين كانت الهجرة شرطا في الإسلام، فلما نسخ حكم الهجرة، نسخ هذا الحكم.\rقوله: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً معطوف على مفعول أَحْلَلْنا أي وأما غير المؤمنة فلا تحل له، وظاهر الآية أن النكاح ينعقد في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم بالهبة، وحينئذ فيكون من خصوصياته، والنساء اللاتي وهبن أنفسهن أربع: ميمونة بنت الحرث، وزينب بنت خزيمة أم المساكين الأنصارية، وأم شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم. واعلم أنه يحرم على النبي تزوج الحرة الكتابية لما في الحديث: «سألت ربي أن لا أزوج إلا من كان معي في الجنة فأعطاني». ولقوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ ولا يليق أن تكون المشركة أم المؤمنين، ويحرم عليه أيضا نكاح الأمة ولو مسلمة، لأن نكاحها مشروط بأمرين: خوف العنت، وعدم وجود مهر الحرة، وكلا الأمرين مفقود منه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأما تسريه بالأمة الكتابية ففيه خلاف. قوله: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِ أظهر في محل الإضمار، تشريفا لهذا الوصف، وإظهارا لعظمة قدره عليه.\rقوله: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها هذا الشرط في الشرط الأول، فإن هبتها نفسها لا توجب حلها، إلا إذا أراد نكاحها، بأن يحصل منه القبول بعد الهبة، أو يسألها في ذلك قبل الهبة فتدبر. قوله:\rخالِصَةً مصدر معمول لمحذوف، أي خلصت لك خالصة، ومجيء المصدر على هذا الوزن كثير، كالعاقبة والعافية والكاذبة. قوله: (من غير صداق) أي ومن غير ولي وشهود. قوله: (و غيره) أي كهبة.\rقوله: (بخلاف المجوسية) إلخ، فلا تحل لمالكها إلا إذا استسلمها، وذلك كجواري السودان والحبشة والمغرب، لأنهن يجبرن على الإسلام، ولذا لا يجوز للكفار شراؤهن كما هو مقرر في الفقه. قوله: (و أن تستبرأ قبل الوطء) أي كتابية كانت أو مجوسية. قوله: (متعلق بما قبل ذلك) أي وهو قوله: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ والمعنى: أحللنا لك أزواجك، وما ملكت يمينك، والموهوبة لك، لئلا يكون عليك ضيق. قوله: (لما يعسر التحرز عنه) أي لقولهم إذا ضاق الأمر اتسع.\rقوله: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَ إلخ، اتفق المفسرون على أن المقصود من هذه الآية، التوسعة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في معاشرته لنسائه، واختلفوا في تأويله، وأصح ما قيل فيها: التوسعة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ترك القسم، فكان لا يجب عليه القسم بين زوجاته، لما روي عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: كنت","part":3,"page":242},{"id":1356,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 243\rابْتَغَيْتَ طلبت مِمَّنْ عَزَلْتَ من القسمة فَلا جُناحَ عَلَيْكَ في طلبها وضمها إليك، خير في ذلك بعد أن كان القسم واجبا عليه ذلِكَ التخيير أَدْنى أقرب إلى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَ ما ذكر المخير فيه كُلُّهُنَ تأكيد للفاعل في يرضين وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ من أمر النساء والميل إلى بعضهن، وإنما خيرناك فيهن تيسيرا عليك في كل ما أردت وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَلِيماً (51) عن عقابهم لا يَحِلُ بالتاء والياء لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ بعد التسع اللاتي اخترنك وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بترك إحدى التاءين في الأصل بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ بأن\r______________________________\rأغار على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأقول: أوتهب المرأة نفسها لرجل، فلما أنزل اللّه عز وجل تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ قالت:\rقلت: واللّه ما أرى ربك إلا يسارع في هواك، وقيل: إن ذلك في الواهبات أنفسهن، وحينئذ فيكون المعنى تأخذ من شئت منهن، وتترك من شئت، وقيل: إن ذلك في الطلاق فالمعنى لك طلاق من شئت منهن، وإمساك من شئت، وعلى كل حال، فالآية معناها التوسعة عليه في أمر النساء. قوله: (و الياء بدله) أي بدل الهمزة، وحينئذ فهو مرفوع بضمة مقدرة على الياء، منع من ظهورها الثقل. قوله: (عن نوبتها) أي من القسم.\rقوله: وَمَنِ ابْتَغَيْتَ إلخ أي التي طلبت ردها إلى فراشك، بعد أن عزلتها وأسقطتها من القسمة، فلا جناح عليك. قوله: (بعد أن كان القسم واجبا عليه) هذا أحد قولين، وقيل: كان مخيرا من أول الأمر، ولم يكن واجبا عليه ابتداء. قوله: ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَ هذا إشارة إلى حكمة تخييره في القسم وعدم وجوبه عليه، والمعنى لم يجب عليه القسم بين نسائه مع أنه عدل، لأن التخيير، أقرب إلى سكون أعينهن وعدم حزنهن، وأقرب إلى رضاهن بما حصل لهن، لأنهن إذا علمن أن اللّه لم يوجب على النبي شيئا من القسم، وحصل منه القسم سررن بذلك وقنعن به. قوله: (تأكيد للفاعل) أي فهو بالرفع، وهذه قراءة العامة، وقرىء شذوذا بالنصب توكيد للمفعول.\rقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ خطاب للنبي على جهة التعظيم، ويحتمل أن يراد العموم.\rقوله: (و الميل إلى بعضهن) أي بالطبع، فكان يميل إلى بعضهن أكثر، وكان يقول: اللهم إن هذا حظي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك، واتفق العلماء على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يعدل بينهن في القسمة حتى مات، غير سوده رضي اللّه عنها، فإنها وهبت ليلتها لعائشة رضي اللّه عنها. قوله: حَلِيماً (على عقابهم) أي يعلم العيب ويستره، فينبغي للإنسان أن لا يفرط في حقوقه، لأن انتقام الحليم وغضبه أمر عظيم لما في الحديث: «اتقوا غيظ الحليم». ففي الآية ترغيب وترهيب. قوله: (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (بعد التسع) أي بعد اجتماعهن في عصمتك، فهن بمنزلة الأربع لآحاد الأمة، فقد قصر اللّه نبيه عليهن، جزاء لهن على اختيارهن اللّه ورسوله، وهن التسع اللاتي توفي عنهن وهن: عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، وصفية بنت حيي، وميمونة بنت الحرث الهلالية، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحرث المصطلقية، وقيل المراد بعد التخيير.\rقوله: وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ البدل في","part":3,"page":243},{"id":1357,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 244\rتطلقهن أو بعضهن وتنكح بدل من طلقت وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ من الإماء فتحل لك وقد ملك صلّى اللّه عليه وسلّم بعدهن مارية وولدت له إبراهيم ومات في حياته وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (52) حفيظا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ في الدخول\r______________________________\rالجاهلية أن يقول الرجل للرجل تنزل لي عن امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي وأزيدك، والمراد هنا نهيه عن المفارقة والإبدال بأي وجه. قوله: مِنْ أَزْواجٍ مِنْ زائدة في المفعول.\rقوله: وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَ حال من فاعل تَبَدَّلَ. قوله: إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ استثناء متصل من النساء، لأنه يتناول الأزواج والإماء، وقيل منقطع لإخراجه من الأزواج. قوله: (و قد ملك بعدهن مارية) أي القبطية، أهداها له المقوقس ملك القبط، وهم أهل مصر والاسكندرية، وذلك أنه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث له حاطب بن أبي بلتعة بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام صورته: بسم اللّه الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد اللّه إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، أسلم بؤتك اللّه أجرك مرتين، فإن توليت، فإنما عليك إثم القبط، ويا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ، الآية. فلما جاء حاطب بالكتاب إلى المقوقس، وجده في الإسكندرية، فدفعه إليه فقرأه، ثم جعله في حق من عاج وختم عليه ودفعه إلى جارية، ثم كتب جوابه في كتاب صورته: بسم اللّه الرحمن الرحيم، لمحمد بن عبد اللّه من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه، وعلمت أن نبيا قد بقي، وما كنت أظن إلا أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، أي فإنه قد دفع له مائة دينار وخمسة أثواب، وبعثت لك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، أي وهما مارية وسيرين، وعشرين ثوبا من قباطي مصر، وطيبا وعودا وندا ومسكا، مع ألف مثقال من الذهب، ومع قدح من قوارير، وبغلة للركوب، وأهدى إليه جارية أخرى زيادة على الجاريتين، وخصيا يقال له مابور، والبغلة هي دلدل وكانت شهباء، وفرسا وهو اللزاز، فإنه سأل حاطبا: ما الذي يحب صاحبك من الخيل؟ فقال له: الأشقر، وقد تركت عنده فرسا يقال لها المرتجز، فانتخب له فرسا من خيل مصر الموصوفة، فأسرج وألجم، وهو فرسه الميمون، وأهدى إليه عسلا من عسل بنها، قرية من قرى مصر، فأعجب به صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: إن كان هذا عسلكم، فهذا أحلى، ثم دعا فيه بالبركة. قوله: (و ولدت له إبراهيم) أي في ذي الحجة سنة ثمان، وعاش سبعين يوما، وقيل: سنة وعشرة أشهر، وقوله: (و مات في حياته) أي ولم يصلّ عليه بنفسه، بل أمرهم فصلوا عليه.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِ إلخ، هذه الآية نزلت في شأن وليمة زينب بنت جحش، حين بنى بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، عن أنس بن مالك قال: كنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، وكان أول ما أنزل في بناء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بزينب بنت جحش، حين أصبح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بها عروسا، فدعا القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا، وبقي رهط عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأطالوا المكث، فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فخرج، وخرجت معه لكي يخرجوا، فمشى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومشيت، حتى جاء عتبة حجرة عائشة، ثم ظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، حتى إذا دخل على زينب، فإذا هم جلوس لم يقوموا، فرجع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ورجعت، حتى إذا بلغ حجرة عائشة، وظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا، فضرب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بيني وبينه الستر، وأنزل الحجاب. قوله: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ","part":3,"page":244},{"id":1358,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 245\rبالدعاء إِلى طَعامٍ فتدخلوا غَيْرَ ناظِرِينَ منتظرين إِناهُ نضجه مصدر أنى يأني وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا تمكثوا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ من بعضكم لبعض إِنَّ ذلِكُمْ المكث كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ أن يخرجكم وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ أن يخرجكم أي لا يترك بيانه، وقرىء يستحي بياء واحدة وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَ أي أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ستر ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَ من الخواطر المريبة وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ بشيء وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ\r______________________________\rلَكُمْ أي إلا بسبب الإذن لكم. قوله: إِلى طَعامٍ متعلق بيؤذن لتضمينه معنى يدعى كما قدره المفسر. قوله: (فتدخلوا) غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ هذا التقدير غير مناسب، لأنه يقتضي أن الدخول مع الإذن، لا يجوز معه انتظار نضج الطعام، مع أنه يجوز، فالمناسب حذف هذا التقدير، إذ هذه الآية نزلت في قوم كانوا يدخلون من غير إذن، وينتظرون نضج الطعام، فنهاهم اللّه عن كل من الأمرين. والحاصل:\rأن أسباب النزول في هذه الآيات تعددت، منها: أن قوما كانوا يدخلون بيوت النبي بغير دعوى وينتظرون نضج الطعام، ومنها: أن قوما كانوا يدخلون بإذن ويتخلفون بعد ما طعموا مستأنسين لحديث، ومنها:\rمؤاكلة الأجانب مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بحضور زوجاته، فنزلت آية الحجاب، ونهى عن ذلك كله، وهذه آيات الحجاب الخصوص أمهات المؤمنين، وأما لعموم الأمة، فقد تقدم في سورة النور تأمل. قوله:\r(مصدر أنى يأني) أي من باب رمى، وقياس مصدر أنى، لكن لم يسمع، وإنما المسموع إنى بالكسر والقصر.\rقوله: فَإِذا طَعِمْتُمْ أي أكلتم الطعام. قوله: فَانْتَشِرُوا أي اذهبوا حيث شئتم في الحال، ولا تمكثوا بعد الأكل والشرب. قوله: وَلا (تمكثوا) مُسْتَأْنِسِينَ أشار بذلك إلى أن مُسْتَأْنِسِينَ حال من محذوف، وذلك المحذوف معطوف على انتشروا. قوله: كانَ يُؤْذِي النَّبِيَ أي لتضيقه عليه.\rقوله: فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ أي من إخراجكم. قوله: وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ المراد بالحق إخراجكم من منزله، وأطلق الاستحياء في حق اللّه، وأريد لازمه وهو ترك البيان. قوله: (بياء واحدة) أي قراءة شاذة في الثاني. قوله: فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ روي أن عمر قال: يا رسول اللّه، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فنزلت، وروي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يأكل ومعه بعض أصحابه، فأصابت يد رجل منهم عائشة، وهي تأكل معهم، فكره النبي ذلك، فنزلت هذه الآية. قوله: ذلِكُمْ أي ما ذكر من عدم الدخول بغير إذن، وعدم الاستئناس للحديث، وسؤال المتاع من وراء الحجاب. قوله: (من الخواطر المريبة) أي أنفى وأبعد لدفع الريبة والتهمة، وهو يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يثق بنفسه في الخلوة، مع من لا تحل له، فإن مجانبة ذلك أحسن لحاله وأحصن لنفسه.\rقوله: وَما كانَ لَكُمْ أي ما صح وما استقام لكم، وقوله: أَنْ تُؤْذُوا وهو اسم كانَ، ولَكُمْ خبرها، وأَنْ تَنْكِحُوا عطف على اسم كانَ نزلت هذه الآية في رجل من الصحابة يقال له طلحة بن عبيد اللّه، قال في سره: إذا قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نكحت عائشة، ثم ندم هذا الرجل، ومشى على رجليه، وحمل على عشرة أفراس في سبيل اللّه، وأعتق رقبة، فكفر اللّه عنه. قوله: مِنْ بَعْدِهِ أي","part":3,"page":245},{"id":1359,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 246\rعِنْدَ اللَّهِ ذنبا عَظِيماً (53) إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ في نكاحهن بعده فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (54) فيجازيكم عليه لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَ أي المؤمنات وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَ من الإماء والعبيد أن يروهن ويكلموهن من غير حجاب وَاتَّقِينَ اللَّهَ فيما أمرتن به إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (55) لا يخفى عليه شيء إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56) أي قولوا: اللهم صل على محمد وسلم إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ\r______________________________\rبعد وفاته أو فراقه، ولو قبل الدخول بها، لأن كل من عقد عليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتأبد تحريمها على أمته، وأما إماؤه فلا يحرمن على غيره إلا بمسه لهن. قوله: إِنَّ ذلِكُمْ أي ما ذكر من إيذائه ونكاح أزواجه من بعده.\rقوله: إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أي تظهروه على ألسنتكم، وقوله: أَوْ تُخْفُوهُ أي في صدوركم، وقوله: (فيجازيكم عليه) جواب الشرط، وقوله: فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً تعليل للجواب وهو بمعنى قوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ.\rقوله: لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَ إلخ، هذا في المعنى مستثنى من قوله: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً الآية، روي أنه لما نزلت آية الحجاب قال آباؤهنّ وأبناؤهن: يا رسول اللّه أو نكلمهن أيضا من وراء حجاب، فنزلت هذه الآية. وقوله: فِي آبائِهِنَ أي أصولهن وإن علوا، وقوله: وَلا أَبْنائِهِنَ المراد فروعهن وإن سفلوا. قوله: وَلا نِسائِهِنَ الإضافة من حيث المشاركة في الوصف وهو الإسلام، فقول المفسر (أي المؤمنات) تفسير للمضاف، ومفهومه أن النساء الكافرات، لا يجوز لهن النظر لأزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو كذلك، ولا مفهوم لأزواج النبي، بل جميع النساء المسلمات كذلك، فلا يحل للمسلمة أن تبدي شيئا منها للكافرة، لئلا تصفها لزوجها الكافر. قوله: وَاتَّقِينَ اللَّهَ عطف على محذوف، والتقدير امتثلن ما أمرتن به، واتقين اللّه، وحكمة تخصيص الحجاب هنا بأمهات المؤمنين، وإن تقدم في سورة النور عموما دفع توهم أن أزواج النبي كالأمهات من كل وجه، فأفاد هنا أنهن كالأمهات في التعظيم والتوقير، لا في الخلوة والنظر، فإنهن كالأجانب بل هن أشد، فذكر لهن حجابا مخصوصا، فلا يقال إنه مكرر مع ما تقدم في النور. قوله: (لا يخفى عليه شيء) أي من الطاعات والمعاصي الظاهرة والخفية.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ إلخ، هذه الآية فيها أعظم دليل على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم مهبط الرحمات، وأفضل الخلق على الإطلاق، إذ الصلاة من اللّه على نبيه، ورحمته المقرونة بالتعظيم، ومن اللّه على غير النبي مطلق الرحمة، لقوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ فانظر الفرق بين الصلاتين، والفضل بين المقامين. قوله: وَمَلائِكَتَهُ بالنصب معطوف على اسم إِنَ، وقوله: يُصَلُّونَ خبر عن الملائكة، وخبر لفظ الجلالة محذوف تقديره: إن اللّه يصلي وملائكته يصلون، وهذا هو الأتم لتغاير الصلاتين، والمراد بالملائكة جميعهم، والصلاة من الملائكة الدعاء للنبي بما يليق به، وهو الرحمة المقرونة بالتعظيم، وحينئذ فقد وسعت رحمة النبي كل شيء، تبعا لرحمة اللّه، فصار بذلك مهبط الرحمات، ومنبع التجليات.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ أي ادعوا له بما يليق به، وحكمة صلاة الملائكة والمؤمنين","part":3,"page":246},{"id":1360,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 247\rاللَّهَ وَرَسُولَهُ وهم الكفار، يصفون اللّه بما هو منزه عنه من الولد والشريك، ويكذبون رسوله لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أبعدهم وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (57) ذا إهانة وهو النار وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا يرمونهم بغير ما عملوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً تحملوا\r______________________________\rعلى النبي تشريفهم بذلك، حيث اقتدوا باللّه في مطلق الصلاة، وإظهار تعظيمه صلّى اللّه عليه وسلّم، ومكافأة لبعض حقوقه على الخلق، لأنه الواسطة العظمى في كل نعمة وصلت لهم، وحق على من وصل له نعمة من شخص أن يكافئه، فصلاة جميع الخلق عليه، مكافأة لبعض ما يجب عليهم من حقوقه. إن قلت: إن صلاتهم طلب من اللّه أن يصلي عليه، وهو مصل عليه مطلقا طلبوا أو لا؟ أجيب: بأن الخلق لما كانوا عاجزين عن مكافأته صلّى اللّه عليه وسلّم؛ طلبوا من القادر المالك أن يكافئه، ولا شك أن الصلاة الواصلة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم من اللّه لا تقف عند حد، فكلما طلبت من اللّه، زادت على نبيه، فهي دائمة بدوام اللّه.\rقوله: وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً إن قلت: خص السّلام بالمؤمنين، دون اللّه والملائكة. أجيب بأن هذه الآية لما ذكرت عقب ذكر ما يؤذي النبي، والأذية إنما هي من البشر، فناسب للتخصيص بهم، لأن في السّلام سلامة من الآفات، وأكد السّلام دون الصلاة، لأنها لما أسندت للّه وملائكته، كانت غنية عن التأكيد. واعلم أن العلماء اتفقوا على وجوب الصلاة والسّلام على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ثم اختلفوا في تعيين الواجب، فعند مالك تجب الصلاة والسّلام في العمر مرة، وعند الشافعي تجب في التشهد الأخير من كل فرض، وعند غيرهما تجب في كل مجلس مرة، وقيل: تجب عند ذكره، وقيل: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد، وبالجملة فالصلاة على النبي أمرها عظيم، وفضلها جسيم، وهي من أفضل الطاعات، وأجل القربات، حتى قال بعض العارفين: إنها توصل إلى اللّه تعالى من غير شيخ، لأن الشيخ والسند فيها صاحبها، لأن تعرض عليه، ويصلى على المصلي بخلاف غيرها من الأذكار، فلا بد فيها من الشيخ العارف، وإلا دخلها الشيطان، ولم ينتفع صاحبها بها. قوله: (أي قولوا اللهم صلّ على محمد وسلم) أي اجمعوا بين الصلاة والسّلام، وصيغ الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كثيرة لا تحصى وأفضلها ما ذكره فيه لفظ الآل والصحب، فمن تمسك بأي صيغة منها، حصل له الخير العظيم.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الإيذاء في حق اللّه معناه تعدي حدوده، وفي حق الرسول ظاهر. قوله: (و هم الكفار) أي اليهود والنصارى والمشركون. قوله: لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا أي حجبهم عن الطاعة والتوحيد. قوله: وَالْآخِرَةِ أي بتخليدهم في العذاب الدائم. قوله: (أبعدهم) أي عن رحمته. قوله: (ذا إهانة) أي هوان واستخفاف.\rقوله: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ إلخ، قيل: نزلت في علي بن أبي طالب، كانوا يؤذونه ويسمعونه، وقيل: نزلت في شأن عائشة رضي اللّه عنها، وقيل: نزلت في شأن المنافقين الذين كانوا يمشون في طرق المدينة يطلبون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن، فإن سكتت المرأة اتبعوها، وإن زجرتهم انتهوا عنها، وفي هذه الآية زجر لمن يسيء الظن بالمؤمنين والمؤمنات، ويتكلم فيهم من غير علم، وهي بمعنى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ.\rحاشية الصاوي على تفسير الجلالين/ ج 5/ م 4","part":3,"page":247},{"id":1361,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 248\rكذبا وَإِثْماً مُبِيناً (58) بينا يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَ جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة، أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن، إلا عينا واحدة ذلِكَ أَدْنى أقرب إلى أَنْ يُعْرَفْنَ بأنهن حرائر فَلا يُؤْذَيْنَ بالتعرض لهن، بخلاف الإماء فلا يغطين وجوههن، فكان المنافقون يتعرضون لهن وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما سلف منهن من ترك الستر رَحِيماً (59) بهن إذ سترهن لَئِنْ لام قسم لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ عن نفاقهم وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ بالزنا وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ المؤمنين بقولهم: قد أتاكم العدو، وسراياكم قتلوا أو هزموا لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ لنسلطنك عليهم ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ يساكنونك فِيها إِلَّا قَلِيلًا (60) ثم يخرجون مَلْعُونِينَ مبعدين عن الرحمة أَيْنَما ثُقِفُوا وجدوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) أي الحكم فيهم هذا على جهة الأمر به سُنَّةَ اللَّهِ أي سن اللّه ذلك فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ من الأمم الماضية في منافقيهم المرجفين المؤمنين وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62) منه يَسْئَلُكَ النَّاسُ أي أهل مكة عَنِ السَّاعَةِ متى تكون قُلْ\r______________________________\rقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إلخ، سبب نزولها: أن المنافقين كانوا يتعرضون للنساء بالأذية، يريدون منهن الزنا، ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء، ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة، لأن زي الكل واحد، تخرج الحرة والأمة في درع وخمار، فتكون ذلك لأزواجهن، فذكروا ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت. قوله: يُدْنِينَ أي يرخين ويغطين. قوله: (التي تشتمل بها) أي تتغطى وتتستر بها المرأة من فوق الدرع والخمار. قوله: (فلا يغطين وجوههن) أي فكن لا يغطين وجوههن، وهذا فيما مضى، وأما الآن فالواجب على الحرة والأمة الستر بثياب غير مزينة خوف الفتنة. قوله: (لما سلف منهن من ترك الستر) ورد أن عمر بن الخطاب مر بجارية متقنعة، فعلاها بالدرة وقال لها أتتشبهين بالحرائر يا لكاع، ألقي القناع.\rقوله: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ أي كعبد اللّه بن أبي وأصحابه. قوله: وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي فجور وهم الزناة، وهم من جملة المنافقين. قوله: وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ أي بالكذب، وذلك أن ناسا منهم كانوا إذا خرجت سراياه صلّى اللّه عليه وسلّم يوقعون في الناس أنهم قد قتلوا وهزموا ويقولون: قد أتاكم العدو. قوله: (لنسلطنك عليهم) أي فتخرجهم من مجلسك وتقتلهم، وقد فعل بهم صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك، فإنه لما نزلت في سورة براءة، جمعهم وصعد على المنبر فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: يا فلان قم فاخرج فإنك منافق، ويا فلان قم، فقام إخوانهم من المسلمين، وتولوا إخراجهم من المسجد.\rقوله: مَلْعُونِينَ حال من محذوف قدره المفسر بقوله: (ثم يخرجون). قوله: (أي الحكم فيهم هذا) أي الأخذ والقتل. قوله: (على جهة الأمر به) أي أن الآية خبر بمعنى الأمر. (أي سن اللّه ذلك) أشار بذلك إلى أن سنة مصدر مؤكد، وفيه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، أي فلا تحزن على وجود المنافقين في قومك، فإنه سنة قديمة، كما كان في قوم موسى، منهم موسى السامري وأتباعه، وقارون وأتباعه.\rقوله: وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا أي تغييرا ونسخا، لكونها بنيت على أساس متين، فليست مثل الأحكام التي تتبدل وتنسخ.\rقوله: يَسْئَلُكَ النَّاسُ أي على سبيل الاستهزاء والسخرية، لأنهم ينكرونها. واعلم أن السائل للنبي","part":3,"page":248},{"id":1362,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 249\rإِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ يعلمك بها أي أنت لا تعلمها لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ توجد قَرِيباً (63) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ أبعدهم وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (64) نارا شديدة يدخلونها خالِدِينَ مقدرا خلودهم فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا يحفظهم عنها وَلا نَصِيراً (65) يدفعها عنهم يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ للتنبيه يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقالُوا أي الأتباع منهم رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وفي قراءة ساداتنا جمع الجمع وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) طريق الهدى رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ أي مثلي عذابنا وَالْعَنْهُمْ عذبهم لَعْناً كَبِيراً (68) عدده وفي قراءة بالموحدة أي عظيما يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا مع نبيكم كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى بقولهم مثلا: ما يمنعه أن يغتسل معنا إلا أنه آدر فَبَرَّأَهُ اللَّهُ\r______________________________\rعن الساعة أهل مكة واليهود، فسؤال أهل مكة استهزاء، وسؤال اليهود امتحان، لأن اللّه أخفى علمها في التوراة، فإن أجابهم بالتعيين ثبت عندهم كذبه، وإن أجابهم بقوله: علمها عند ربي مثلا، ثبتت نبوته وصدقه، فقول المفسر (أي أهل مكة) أي واليهود. قوله: عَنِ السَّاعَةِ أي عن أصل ثبوتها، وعن وقت قيامها. قوله: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ أي لم يطلع عليها أحد، وهذا إنما هو وقت السؤال، وإلا فلم يخرج نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم من الدنيا، حتى أطلعه اللّه على جميع المغيبات ومن جملتها الساعة، لكن أمر بكتم ذلك.\rقوله: وَما يُدْرِيكَ ما استفهامية مبتدأ، وجملة يُدْرِيكَ خبره، والاستفهام إنكاري.\rقوله: لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً لَعَلَ حرف ترج ونصب، والسَّاعَةِ اسمها، وجملة تَكُونُ خبرها، وقَرِيباً حال وتكون تامة، ولذا فسرها بتوجد، والمعنى قل أترجى وجود الساعة عن قريب، فكل منهما جملة مستقلة لما ورد: أن الدنيا سبعة آلاف سنة، بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الألف السابع، فلم يبق من الدنيا إلا القليل. قوله: (أبعدهم) أي عن رحمته. قوله: (مقدرا خلودهم) أشار بذلك إلى أن\rقوله: خالِدِينَ حال مقدرة. قوله: فِيها أي من السعير، وأنثه مراعاة لمعناه. قوله: أَبَداً تأكيد لما استفيد من قوله: خالِدِينَ.\rقوله: يَوْمَ تُقَلَّبُ إما ظرف لخالدين، أو ليقولون مقدم عليه، والمعنى تصرف من جهة إلى جهة، كاللحم يشوى بالنار. قوله: يَقُولُونَ يا لَيْتَنا كلام مستأنف واقع في جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ما ذا صنعوا عند ذلك؟ فقيل: يقولون متحسرين على ما فاتهم يا لَيْتَنا إلخ. قوله: وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا بألف بعد اللام، وبدونها هنا، وفي\rقوله: السَّبِيلَا قراءتان سبعيتان، وتقدم التنبيه على ذلك. قوله:\rسادَتَنا جمع إما لسيد أو لسائد على غير قياس. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (جمع الجمع) أي جمع تصحيح بالألف والتاء لسادة، الذي مفرده إما سيد أو سائد. قوله: (أي مثلي عذابنا) أي لأنهم ضلوا وأضلوا. قوله: (و في قراءة بالموحدة) أي وهما سبعيتان. قوله: (ما يمنعه أن يغتسل معنا) إلخ، أي لما روي أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فقالوا: واللّه ما يمنع موسى أن يغتسل معنا، إلا أنه آدر، فذهب يوما يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فجلع موسى عليه السّلام يعدو إثره يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى","part":3,"page":249},{"id":1363,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 250\rمِمَّا قالُوا بأن وضع ثوبه على حجر ليغتسل، فقرّ الحجر به حتى وقف بين ملإ من بني إسرائيل، فأدركه موسى فأخذ ثوبه فاستتر به، فرأوه لا أدرة به وهي نفخة في الخصية وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (69) ذا جاه. ووما أوذي به نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قسم قسما، فقال رجل: هذه قسمة ما أريد بها وجه اللّه تعالى، فغضب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك وقال: يرحم اللّه موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر، رواه البخاري. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (70) صوابا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ يتقبلها وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (71) نال غاية مطلوبه إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ الصلوات وغيرها مما في فعلها من الثواب وتركها من العقاب عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ بأن خلق فيها فهما ونطقا فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ خفن مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ آدم بعد عرضها عليه إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً\r______________________________\rنظرت بنو إسرائيل سوأة موسى فقالوا: واللّه ما بموسى من بأس، فقام الحجر حتى نظروا إليه، فأخذ ثوبه فاستتر به، وطفق بالحجر ضربا، قال أبو هريرة: واللّه إن به ندبا، أي اثرا، ستة أو سبعة من ضرب موسى.\rقوله: فَبَرَّأَهُ اللَّهُ أي أظهر له براءته لهم. قوله: (و هي نفخة في الخصية) أي بسبب انصباب مادة أو ريح غليظ فيها. قوله: وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً المراد عندية مكانه وقدر لا مكان. قوله:\r(فغضب النبي من ذلك) أي وقال كما في رواية: «إن لم أعدل من يعدل، خسرت وندمت إن لم أعدل».\rقوله: قَوْلًا سَدِيداً المراد قولا فيه رضا اللّه، بأن يكون ما يعني الإنسان، فدخل في ذلك جميع الطاعات القولية، وهذا التفسير أتم من غيره. قوله: (يتقبلها) أي يثبكم عليها.\rقوله: وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ أي يمحها من الصحف، أو يسترها عن الملائكة.\rقوله: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ اختلف في المراد بالأمانة، فأحسن ما قيل فيها: إنها التكاليف الشرعية، وقيل: إنها قواعد الدين الخمس، وقيل: هي الودائع، وقيل:\rالفرج، وقيل: غير ذلك، روي أن اللّه تعالى قال للسماوات والأرض والجبال: أتحملن هذه الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قال: إن أحسنتن جوزيتن، وإن عصيتن عوقبتن، قلن: لا يا رب نحن مسخرات لأمرك، لا نريد ثوابا ولا عقابا، وقلن ذلك خوفا وخشية وتعظيما لدين اللّه لئلا يقمن بها، لا معصية ولا مخالفة لأمره، وكان العرض عليهن تخييرا لا إلزاما، ولو ألزمهن لم يمتنعن من حملها. قوله: (من الثواب) بيان لما، أي عرضناها مع الثواب والعقاب على السموات إلخ. قوله: (بأن خلق فيها فهما) أي حتى عقلت الخطاب، وقوله: (و نطقا) أي حتى ردت الجواب.\rقوله: فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها أي استصغارا أو خوفا من عدم الوفاء بها، فليس إباؤهن كإباء إبليس من السجود لآدم، لأن السجود كان فرضا، والأمانة كانت عرضا، وإباؤه استكبارا، وإباؤهن استصغارا.\rقوله: وَأَشْفَقْنَ مِنْها أي خفن من عدم القيام بها وعدم أدائها. قوله: وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ عطف على محذوف تقديره فعرضناها على الإنسان فحملها. قوله: (بعد عرضها عليه) روي أن اللّه عز وجل قال","part":3,"page":250},{"id":1364,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 251\rلنفسه بما حمله جَهُولًا (72) به لِيُعَذِّبَ اللَّهُ اللام متعلقة بعرضنا المترتب عليه حمل آدم الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ المضيعين الأمانة وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ المؤدين الأمانة وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً للمؤمنين رَحِيماً (73) بهم.\r______________________________\rلآدم: إن عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم تطقها. فهل أنت آخذها بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن أحسنت جوزيت، وإن أسأت عوقبت، فحملها آدم فقال:\rبين أذني وعاتقي، قال اللّه تعالى: أما إذا تحملت فسأعينك، وأجعل لبصرك حجابا، فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل، فأرخ عليه حجابه، وأجعل للسانك لحيين وغلاقا، فإذا خشيت فأغلق عليه، وأجعل لفرجك لباسا، فلا تكشفه على ما حرمت عليك، قال مجاهد: فما كان بين أن تحملها، وبين أن أخرج من الجنة، إلا مقدار ما بين الظهر إلى العصر.\rقوله: إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً (لنفسه) أي حيث حملها ما لا تطيقه، وقوله: جَهُولًا (به) أي بما حمله، وقيل جهولا بقدر ربه، لأنه لا يعلم قدره غيره، وهذا يناسب تفسير الإنسان بآدم، وعود الضمير عليه، وإن أريد بالضمير ما يشمله وأولاده، فيكون في الكلام استخدام، فيقال في الأنبياء والصالحين منهم كذلك، وفي غيرهم الظلم والجهل، من حيث خيانته في الأمانة ومجاوزته حد الشرع.\rقوله: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ اللام للعاقبة والصيرورة على حد وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. قوله: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً (للمؤمنين) أي حيث عفا عما سلف منهم. قوله: رَحِيماً (بهم) أي حيث أثابهم وأكرمهم بأنواع الكرامات، وحكمة اخبار الأمة بما حصل من تحمل آدم الأمانة ليكونوا على أهبة، ويعرفوا أنهم متحملون أمرا عظيما لم تقدر على حمله الأرض والسموات والجبال، وقيل في حق المعصوم: إنه كان ظلوما جهولا.","part":3,"page":251},{"id":1365,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 252\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة سبإ مكيّة إلا وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الآية. وهي أربع أو خمس وخمسون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ حمد تعالى نفسه بذلك، والمراد به الثناء بمضمونه من ثبوت الحمد، وهو الوصف بالجميل للّه تعالى الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ كالدنيا يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة وَهُوَ\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة سبأ\rمكية إلا وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الآية. وهي أربع أو خمس وخمسون آية بالصرف وتركه كما سيأتي، سميت بذلك لذكر قصة سبأ فيها، من باب تسمية الشيء باسم بعضه.\rقوله: (حمد تعالى) من باب فهم. قوله: (المراد به) بالجر نعت لاسم الإشارة. قوله: (الثناء بمضمونه) أي انشاء الثناء بمضمونه، وهو الوصف بالجميل، وليس المراد انشاء المضمون، لأن اتصافه بالجميل أزلي ثابت له سبحانه وتعالى، وإنما تعبدنا اللّه تعالى، بتجديد حمد موافق للحمد الأزلي، وهذا يؤيد قول بعض العلماء: إن أل في الحمد عهدية، لأن اللّه لما علم عجز خلقه في كنهه، حمد نفسه بنفسه أزلا، وأمرهم أن يحمدوه بحمد موافق لحمده، فتحصل أن الوصف بالجميل ثابت للّه أزلا، وإنشاء الثناء به حادث،\rفقول اللّه تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ اللفظ والتلفظ حادثان دالان على معنى قديم، وهو اتصاف اللّه بالجميل. إن قلت: الحمد مدح، ومدح النفس مذموم بين الخلق، فما وجه ذلك؟ أجيب: بأن أوصاف الرب لا تقاس على أوصاف العبيد، ألا ترى الاتصاف بالعظمة والكبرياء، فإنها نقص في الخلق، كمال في الخالق، وبهذا انهدم قول المعتزلة: إن كل ما حسنه العقل يوصف به الرب، وكل ما قبحه العقل ينزه عنه، وبنوا على ذلك أمورا فاسدة منها: وجوب الصلاح والأصلح، وغير ذلك. قوله: (ملكا وخلقا) أي إن كل ما في السماوات وما في الأرض، مملوك ومخلوق له سبحانه وتعالى.\rقوله: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ أي في نظير النعم التي تعطى لأهل الإيمان، فالحمد في الآخرة مخصوص بمن آمن، وأما الكفار فليسوا من أهله. قوله: (كالدنيا) أشار بذلك إلى أن في الآية اكتفاء. قوله:\r(يحمده أولياؤه) المراد بهم المؤمنون. قوله: (إذا دخلوا الجنة) أي فيقولون: الحمد للّه الذي أذهب عنا","part":3,"page":252},{"id":1366,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 253\rالْحَكِيمُ في فعله الْخَبِيرُ (1) بخلقه يَعْلَمُ ما يَلِجُ يدخل فِي الْأَرْضِ كماء وغيره وَما يَخْرُجُ مِنْها كنبات وغيره وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ من رزق وغيره وَما يَعْرُجُ يصعد فِيها من عمل وغيره وَهُوَ الرَّحِيمُ بأوليائه الْغَفُورُ (2) لهم وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ القيامة قُلْ لهم بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ بالجر صفة، والرفع خبر مبتدإ، وعلام بالجر لا يَعْزُبُ يغيب عَنْهُ مِثْقالُ وزن ذَرَّةٍ أصغر نملة فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (3) بيّن هو اللوح المحفوظ لِيَجْزِيَ فيها الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) حسن في\r______________________________\rالحزن، الحمد للّه الذي صدقنا وعده. قوله: وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ أي فلا اعتراض عليه في فعل من الأفعال.\rقوله: يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ تفصيل لبعض معلوماته التي تعلق بها مصالح الدين والدنيا.\rقوله: (كماء وغيره) أي كالكنوز والأموات. قوله: (كنبات وغيره) أي كالكنوز والأموات إذا اخرجت من القبور. قوله: (من رزق وغيره) أي كالبركات والملائكة والصواعق. قوله: وَما يَعْرُجُ فِيها ضمن العروج معنى الاستقرار، فعداه بفي دون إلى. قوله: (من عمل وغيره) أي كالملائكة، فهو سبحانه وتعالى محيط بجميع ذلك. قوله: الْغَفُورُ (لهم) أي إذا عصوه أو فرطوا في بعض حقوقه، وفي ذلك إشارة إلى أن رحمة اللّه وغفرانه، مختصان بمن يدخل الجنة، وهذا في الآخرة، وأما في الدنيا، فرحمته وسعت كل شيء.\rقوله: لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ أراد الكفار بضمير التكلم جميع الخلق لا خصوص أنفسهم، وأرادوا أيضا ينفي اتيانها، نفي وجودها لا عدم حضورها، مع كونها في نفس الأمر.\rقوله: قُلْ بَلى رد لكلامهم، لأن كلامهم نفي. فأجيب بالنفي، ونفي النفي اثبات. قوله:\rوَرَبِّي أتى بالقسم تأكيدا للرد، وقوله: عالِمِ الْغَيْبِ تقوية للتأكيد، والحكمة في وصفه تعالى بهذا الوصف، الإهتمام بشأن المقسم عليه. قوله: (بالجر) إلخ، أي فالقراءات الثلاث سبعيات وجهان في صيغة اسم الفاعل، ووجه واحد في صيغة المبالغة. قوله: لا يَعْزُبُ بضم الزاي في قراءة الجمهور، وكسرها في قراءة الكسائي. قوله: وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ إلخ، قرأ العامة بضم الراء في أصغر وأكبر على أنه مبتدأ، وخبره قوله: إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وقرىء بفتح الراء، على أن لا نافية للجنس، وأَصْغَرُ اسمها، وقوله: إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ خبرها، والمعنى على كل من القراءتين واحد، وهو أن كل ما كان، وما يكون، وما هو كائن من سائر المخلوقات، ثابت في اللوح المحفوظ ومبين فيه زيادة على تعلق علم اللّه به وإثباتها في اللوح، لا لاحتياج تنزه اللّه عنه. إن قلت: أي حاجة إلى ذكر الأكبر بعد الأصغر، إذ هو مفهوم بالأولى؟ أجيب: بأنه لرفع توهم أن اثبات الأصغر خوف توهم النسيان، وأما الأكبر فلا ينسى، فلا حاجة إلى إثباته، فأفاد أن كلا مرسوم في اللوح المحفوظ لا لاحتياج.\rقوله: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إلخ، علة لقوله: لَتَأْتِيَنَّكُمْ كأنه قال: لتأتينكم لأجل جزاء المؤمنين والكافرين، واللام للعاقبة والصيرورة. قوله: (حسن في الجنة) أي محمود العاقبة، وأعظمه رؤية","part":3,"page":253},{"id":1367,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 254\rالجنة وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي إبطال آياتِنا القرآن مُعاجِزِينَ وفي قراءة هنا وفيما يأتي معاجزين، أي مقدرين عجزنا أو مسابقين لنا فيفوتونا لظنهم أن لا بعث ولا عقاب أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ سيىء العذاب أَلِيمٌ (5) مؤلم بالجر والرفع، صفة لرجز وعذاب وَيَرَى يعلم الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مؤمنو أهل الكتاب، كعبد اللّه بن سلام وأصحابه الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ أي القرآن هُوَ فصل الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ طريق الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6) أي اللّه ذي العزة المحمود وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي قال بعضهم على وجهة التعجيب لبعض هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ هو محمد يُنَبِّئُكُمْ يخبركم أنكم إِذا مُزِّقْتُمْ قطعتم كُلَّ مُمَزَّقٍ بمعنى تمزيق إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَفْتَرى بفتح الهمزة للاستفهام، واستغنى بها عن\r______________________________\rاللّه تعالى.\rقوله: وَالَّذِينَ سَعَوْا عطف على قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وما بينهما اعتراض سيق لبيان جزاء المؤمنين، وهذا أحسن من جعله مبتدأ خبره أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ إلخ. قوله: (في ابطال) آياتِنا أي بالطعن فيها ونسبتها إلى الأكاذيب. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (مقدرين عجزنا) إلخ، لف ونشر مرتب، والمعنى مؤملين أنهم يعجزون رسولنا، بسبب سعيهم في إبطال القرآن. قوله: (أو مسابقين لنا) أي مغالبين لنا بسبب طعنهم في القرآن، ظانين أن مغالبتم تمنع عنهم العذاب، وذلك أن القرآن يثبت البعث والعذاب لمن كفر، فيطعنون فيه ويريدون ابطاله، لظنهم أن ذلك الإبطال ينفعهم، فيفروا من البعث والعذاب، لاعتقادهم بطلانه. قوله: (لظنهم أن لا بعث) إلخ، علة لقوله: سَعَوْا.\rقوله: (بالجر والرفع) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: وَيَرَى إما بالرفع بضمة مقدرة على الاستئناف، أو بالنصب على أنه معطوف على يجزي، فقول المفسر (يعلم) يصح قراءته بالوجهين، والَّذِينَ فاعل، والَّذِي أُنْزِلَ مفعول أول وهو ضمير فصل، والْحَقَ مفعول ثان، وقوله: وَيَهْدِي إما عطف على الْحَقَ من باب عطف الفعل على الاسم الخالص، كأنه قيل: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الحق وهاديا، أو مستأنف، أو حال بتقدير وهو يهدي. قوله: (مؤمنو أهل الكتاب) هذا أحد أقوال، وقيل: المراد بهم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل: جميع المسلمين. قوله: الْعَزِيزِ أي عديم النظير والشبيه والمثيل، أو من عز بمعنى قهر وغلب. قوله: الْحَمِيدِ فعيل بمعنى مفعول، أي محمود في ذاته وصفاته وأفعاله.\rقوله: (هو محمد) نكروه تجاهلا وسخرية، كأنهم لم يعرفوا منه إلا أنه رجل، مع أنه عندهم أشهر من الشمس في رائعة النهار.\rقوله: إِذا مُزِّقْتُمْ يتعين أن عامل الظرف محذوف تقديره تبعثون وتحشرون إذا مزقتم إلخ، يدل عليه قوله: إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ولا يصح أن يكون عامله يُنَبِّئُكُمْ لأن الإخبار لم يقع في ذلك الوقت، ولا قوله: مُزِّقْتُمْ لأنه مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولا خَلْقٍ جَدِيدٍ لأن ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها، وعبارة المفسر غير وافية بالمراد، فلو قال: يخبركم أنكم تبعثون إذا مزقتم لوفى بالمقصود. قوله: (بمعنى تمزيق) أشار بذلك إلى أن ممزق اسم مصدر، لأن كل ما زاد على الثلاث يجيء بالميم، مصدره وزمانه ومكانه، على زنة اسم مفعول. قوله: إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أي تنشؤون","part":3,"page":254},{"id":1368,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 255\rهمزة الوصل عَلَى اللَّهِ كَذِباً في ذلك أَمْ بِهِ جِنَّةٌ جنون تخيل به ذلك، قال تعالى: بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ المشتملة على البعث والعذاب فِي الْعَذابِ فيها وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (8) من الحق في الدنيا أَفَلَمْ يَرَوْا ينظروا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ما فوقهم وما تحتهم مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً بسكون السين وفتحها قطعة مِنَ السَّماءِ وفي قراءة في الأفعال الثلاثة بالياء إِنَّ فِي ذلِكَ المرئي لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9) راجع إلى ربه، تدل على قدرة اللّه على البعث وما يشاء وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا نبوة وكتابا وقلنا يا جِبالُ أَوِّبِي ارجعي مَعَهُ بالتسبيح وَالطَّيْرَ بالنصب عطفا على محل الجبال، أي ودعوناها تسبح معه وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) فكان في يده كالعجين\r______________________________\rخلقا جديدا بعد تمزيق أجسامكم.\rقوله: أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يحتمل أن يكون من تمام قول الكافرين هَلْ نَدُلُّكُمْ إلخ، ويحتمل أن يكون من كلام السامع جوابا للقائل. قوله: (و استغنى بها) أي بهمزة الاستفهام، لأنها كافية في التوصل للنطق بالساكن. قوله: (في ذلك) أي الإخبار بالبعث. قوله: (جنون) أي خبل في عقله.\rقوله: (قال تعالى) أشار بذلك إلى أنه هذا إنشاء كلام من اللّه ردا عليهم، وما تقدم وإن كان كلامه، إلا أنه حكاية عنهم. قوله: الْعَذابِ أي في الآخرة، وذكره إشارة إلى أنه متحتم الوقوع، فنزل المتوقع منزلة الواقع، وقدمه على الضَّلالِ وإن كان الضلال حاصلا لهم بالفعل، لأن التسلية بحصول العذاب لهم، أتم من الأخبار بكونهم في الضلال.\rقوله: أَفَلَمْ يَرَوْا الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه، والتقدير أعموا فلم يروا، إلخ. قوله: إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ المراد به ما ينظر له من غير التفات، وقوله: وَما خَلْفَهُمْ المراد به ما ينظر له بالتفات، فالمراد جميع الجهات. قوله: مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ بيان لما، والمعنى أفلم يتفكروا في أحوال السماء والأرض، فيستدلوا على باهر قدرته تعالى؟ وقد علمنا اللّه كيفية النظر بقوله: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ الآية. قوله: إِنْ نَشَأْ هذا تحذير للكفار كأنه قيل: لم يبق من أسباب وقوع العذاب بكم، إلا تعلق مشيئتنا به. قوله: نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أي كما خسفناها بقارون. قوله: أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً أي كما أسقطناها على أصحاب الأيكة. قوله:\r(بسكون السين وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان، وكل منهما جمع كسفة، فقول المفسر (قطعة) المناسب قطعا. قوله: (في الأفعال الثلاثة) أي نشأ ونخسف ونسقط. قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ (المرئي) أي من السماء والأرض.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا اللام موطئة لقسم محذوف تقديره وعزتنا وجلالنا. قوله: (و كتابا) أي وهو الزبور. قوله: (و قلنا) قدره اشارة إلى أن قوله: يا جِبالُ مقول لقول محذوف معطوف على قوله:\rآتَيْنا فهو زيادة على الفضل. قوله: أَوِّبِي بفتح الهمزة وتشديد الواو أمر من التأويب وهو الترجيع، وهو قراءة العامة، وقرىء شذوذا أوبي بضم الهمزة وسكون الواو، أمر من آب بمعنى رجع أي ارجعي وعودي معه في التسبيح كلما سبح، فكان داود إذا سبح اجابته الجبال وعطفت عليه الطَّيْرَ من فوقه،","part":3,"page":255},{"id":1369,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 256\rوقلنا أَنِ اعْمَلْ منه سابِغاتٍ دروعا كوامل يجرها لابسها على الأرض وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ أي نسج الدروع، قيل لصانعها سرّاد، أي اجعله بحيث تتناسب حلقه وَاعْمَلُوا أي آل داود معه صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) فأجازيكم به وَسخرنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ وقراءة الرفع بتقدير تسخير غُدُوُّها مسيرها من الغدوة بمعنى الصباح إلى الزوال شَهْرٌ وَرَواحُها سيرها من الزوال إلى الغروب شَهْرٌ أي مسيرته وَأَسَلْنا أذبنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ أي\r______________________________\rوقيل: كان إذا أدركه فتور، أسمعه اللّه تسبيح الجبال فينشط له. قوله: (عطفا على محل الجبال) أي لأن محله نصب، لكونه منادى مفردا، أو مفعولا معه، وقرىء بالرفع عطف على لفظ الجبال، تشبيها للحركة البنائية بالحركة الإعرابية، قال ابن مالك:\rوإن يكن مصحوب أل ما نسقا ... ففيه وجهان ورفع ينتقى\r\rقوله: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ سبب ذلك: أن اللّه تعالى أرسل ملكا في صورة رجل، فسأله داود عن حال نفسه فقال له: ما تقول في داود؟ فقال: نعم هو لو لا خصلة فيه، فقال داود: ما هي؟ قال: إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال، فسأل داود ربه أن يسبب له سببا يستغني به عن بيت المال، فألان اللّه له الحديد، وعلمه صنعة الدروع، فهو أول من اتخذها، وكانت قبل ذلك صفائح، قيل: كان يعمل كل يوم درعا ويبيعها بأربعة آلاف درهم، وينفق ويتصدق منها، فلذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «كان داود لا يأكل إلا من عمل يده». قوله: (فكان في يده كالعجين) أي من غير نار ولا آلة.\rقوله: (دروعا كوامل) أشار بذلك إلى أن سابِغاتٍ صفة لموصوف محذوف.\rقوله: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ اختلف في معنى الآية فقيل: اجعله على سبيل الحاجة ولا تنهمك فيه، بل اشتغل بعبادة ربك، وقيل: قدر المسامير في حلق الدروع، لا غلاظا ولا دقاقا، ورد ذلك بأنه لم يكن في حلقها مسامير لعدم الحاجة إليها بسبب إلانة الحديد، وحينئذ فالأظهر ما قاله المفسر من أن السرد الدروع، والتقدير اجعل كل حلقة مساوية لأختها ضيقة، لا ينفذ منها السهم في الغلظ، لا تقبل الكسر، ولا تثقل حاملها، والكل نسبة واحدة. قوله: (بحيث تتناسب حلقه) بفتحتين أو بكسر ففتح جمع حلقة بفتح فسكون أو بفتحتين. قوله: (أي آل داود) تفسير للواو في اعْمَلُوا. قوله: صالِحاً أي عملا صالحا، ولا تتكلوا على عز أبيكم وجاهه. قوله: (فأجازيكم عليه) أي إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.\rقوله: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ الجار والمجرور متعلق بمحذوف قدره المفسر بقوله: (سخرنا) بدليل التصريح به في قوله تعالى: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ. قوله: (بتقدير تسخير) أي فالجار والمجرور خبر مقدم، والرِّيحَ مبتدأ مؤخر على حذف مضاف، والأصل وتسخير الريح كائن لسليمان، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. قوله: غُدُوُّها شَهْرٌ مبتدأ وخبر، والمعنى سيرها من الغداة إلى الزوال، مسيرة شهر للسائر المجد، ومن الزوال للغروب مسيرة شهر، عن الحسن: كان سليمان يغدو من دمشق فيقيل في اصطخر، وبينهما مسيرة شهر، ثم يروح من اصطخر فيبيت ببابل، وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع، وتقدم أن الريح تحمل البساط بجيوشه لأي جهة توجه إليها، فالعاصف تقلع البساط، والرخاء تسيره.","part":3,"page":256},{"id":1370,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 257\rالنحاس فأجريت ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، وعمل الناس إلى اليوم مما أعطي سليمان وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ بأمر رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ يعدل مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا له بطاعته نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (12) النار في الآخرة، وقيل في الدنيا بأن يضربه ملك بسوط منها ضربة تحرقه يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ أبنية مرتفعة يصعد إليها بدرج وَتَماثِيلَ جمع تمثال، وهو كل شيء مثلته بشيء، أي صور من نحاس وزجاج ورخام ولم يكن اتخاذ الصور حراما في شريعته وَجِفانٍ جمع جفنة كَالْجَوابِ جمع جابية، وهي حوض كبير، يجتمع على الجفنة ألف رجل يأكلون منها وَقُدُورٍ راسِياتٍ ثابتات لها قوائم لا تتحرك عن أماكنها، تتخذ من الجبال باليمن، يصعد إليها بالسلالم، وقلنا اعْمَلُوا يا آلَ داوُدَ بطاعة اللّه شُكْراً له على ما آتاكم وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (13) العامل بطاعتي شكرا لنعمتي\r______________________________\rقوله: وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ أي جعلنا النحاس في معدنه جاريا كالعين النابعة من الأرض، وكانت تلك العين باليمن. قوله: (فأجريت له ثلاثة أيام) قيل: مرة واحدة، وقيل: كان يسيل في كل شهر ثلاثة أيام. قوله: (و عمل الناس) إلخ، مبتدأ خبره قوله: (مما أعطي سليمان) أي صنع الناس النحاس، وإذابته بالنار من آثار كرامة سليمان، لأنه قبل ذلك لم يكن يلين بنار ولا غيرها. قوله: مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ يصح أن يكون مبتدأ خبره الجار والمجرور قبله، ويصح أن يكون مفعولا لمحذوف تقديره: وسخرنا من الجن من يعمل، ومن على كل حال واقعة على فريق. قوله: (بطاعته) أي بطاعة سليمان.\rقوله: (بأن يضربه ملك) إلخ، أي فقد وكل اللّه ملكا بالجن المسخرين لسليمان، وجعل في يده سوطا من نار، فمن زاغ منهم عن طاعة سليمان، ضربه بذلك السوط ضربة أحرقته. قوله: (أبنية مرتفعة) أي مساجد وغيرها، وسميت بذلك لأن صاحبها يحارب فيها غيره لحمايتها، وقيل: المراد بالمحاريب خصوص المساجد، والأقرب ما قاله المفسر، وليس المراد بها الطاقات التي تقف فيها الأئمة في المساجد، إذ هي حادثة في المساجد بعد زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وسميت بالمحاريب تشبيها لها بالأبنية المرتفعة، لأنها رفيعة القدر، ولذا خصوها بالأئمة.\rقوله: وَتَماثِيلَ قال بعضهم: إنها صور الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام والعلماء، كانت تصور في المساجد ليراها الناس، فيزدادوا عبادة واجتهادا، يدل على ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصورة» أي ليذكروا عبادتهم، فيجتهدوا في العبادة. قوله: (و لم يكن اتخاذ الصور حراما) إلخ، جواب عما يقال: إن اتخاذ الصور حرام، فكيف يليق اتخاذها من سليمان؟ واعلم أن اتخاذ الصور أولا، كان لمقصد حسن، فلما ساء المقصد بسبب اتخاذها آلهة تعبد من دون اللّه، حرم اللّه، اتخاذها على العباد. قوله: (و هي حوض كبير) أي وسمي جابية، لأن الماء يجبى فيه أي يجمع. قوله: آلَ داوُدَ المراد سليمان وأهل بيته. قوله: شُكْراً مفعول لأجله، أي اعملوا لأجل الشكر للّه، على ما أعطاكم من تلك النعم العظيمة التي لا تضاهى، وهذا أعظم المقاصد، وهو العمل لأجل شكر اللّه على نعمه، فالواجب على العباد خدمة اللّه وطاعته لذاته وسابق نعمه عليهم حيث أوجدهم من العدم، وجعل لهم السمع والبصر والأفئدة والعافية، وغير ذلك من أنواع النعم التي لا","part":3,"page":257},{"id":1371,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 258\rفَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ على سليمان الْمَوْتَ أي مات ومكث قائما على عصاه حولا ميتا، والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة على عادتها، لا تشعر بموته، حتى أكلت الأرضة عصاه،\r______________________________\rتحصى. قوله: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ أي لكون هذا المقصد عزيزا، لم يوفق له إلا القليل من الناس، وغالب الناس عبادتهم وطاعتهم، إما لأجل طلب الدنيا، أو خوفا من النار وطمعا في الجنة.\rفائدة- من جملة عمل الجن لسليمان بيت المقدس، وذلك أن داود ابتدأ بناءه في موضع فسطاط موسى التي كان ينزل فيها، فرفعه قدر قامة، فأوحى اللّه إليه لم يكن تمامه على يديك، بل على يد ابن لك اسمه سليمان، فلما قضى على داود، واستخلف سليمان وأحب إتمامه، جمع الجن والشياطين وقسم عليهم الأعمال، فأرسل بعضهم في تحصيل الرخام، وبعضهم في تحصيل البلور من معادنه، وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفائح، فلما فرغ منها، ابتدأ في بناء المسجد، فوجه الشياطين فرقا منهم من يستخرج الجواهر واليواقيت والدر الصافي في أماكنها، ومنهم من يأتيه بالمسك والطيب والعنبر من أماكنه، فأتي من ذلك بشيء كثير، ثم أحضر الصناع لنحت تلك الأحجار، واصلاح تلك الجواهر، وثقب تلك اليواقيت واللآلىء، فبناه بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر، وجعل عمده من البلور الصافي، وسقفه بأنواع الجواهر، وبسط أرضه بالعنبر، فلم يكن على وجه الأرض يومئذ بيت أبهى ولا أنور منه، فكان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر، فلم يزل على هذا البناء حتى غزاه بختنصر، فخرب المدينة وهدمه، وأخذ ما فيه من الذهب والفضة وسائر أنواع الجواهر، وحمله إلى ملكه بالعراق حين بطرت بنوا إسرائيل النعم، وقتلوا زكريا ويحيى، وكان ابتداء بيت المقدس في السنة الرابعة من ملك سليمان، وكان عمره سبعا وستين سنة، وملك وهو ابن سبع عشرة، وكان ملكه خمسين سنة، وقرب بعد فراغه منه، اثني عشر ألف ثور، ومائة وعشرين ألف شاة، واتخذ اليوم الذي فرغ فيه من بنائه عيدا، وقام على الصخرة رافعا يديه إلى اللّه تعالى بالدعاء وقال: اللهم أنت وهبت لي هذا السلطان، وقويتني على بناء هذا المسجد، اللهم فاوزعني شكرك على ما أنعمت علي، وتوفني على ملتك، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، اللهم إني اسألك لمن دخل هذا المسجد خمس خصال: لا يدخله مذنب دخل للتوبة إلا غفرت له وتبت عليه، ولا خائف إلا أمنته، ولا سقيم إلا شفتيه، ولا فقير إلا أغنيته والخامسة أن لا تصرف نظرك عمن دخله حتى يخرج منه، إلا من أراد إلحادا، أو ظلما يا رب العالمين، وروي أن سليمان لما بنى بيت المقدس، سأل اللّه تعالى خلالا ثلاثا:\rحكما يصادف حكمه فأوتيه، وسأل اللّه تعالى ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل اللّه حين فرغ من بنائه، أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه إلا خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه، إذا علمت ذلك، فبيت المقدس تم بناؤه وهو حي، وهو الصحيح.\rقوله: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ إلخ، روي أن سليمان كان يتجرد للعبادة في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، فيدخل فيه ومعه طعامه وشرابه، فلما أعلمه اللّه بوقت موته قال: اللهم أخف على الجن موتي، حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون في الغيب أشياء، وأنهم يعلمون ما في غد، ثم لبس كفنه وتحنط ودخل المحراب وقام يصلي، واتكأ على عصاه على كرسيه فمات، فكان الجن ينظرون إليه ويحسبون أنه حي، ولا ينكرون احتباسه على الخروج إلى الناس، لتكرره منه قبل ذلك، فالحكمة في إخفاء موته، ظهور أن الجن لا يعلمون الغيب، لا","part":3,"page":258},{"id":1372,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 259\rفخرّ ميتا ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ مصدر أرضت الخشبة بالبناء للمفعول، أكلتها الأرضة تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ بالهمز وتركه بألف، عصاه، لأنها ينسأ ويطرد ويزجر بها فَلَمَّا خَرَّ ميتا تَبَيَّنَتِ الْجِنُ انكشف لهم أَنْ مخففة أي أنهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ومنه ما غاب عنهم من موت سليمان ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (14) العمل الشاق لهم، لظنهم حياته خلاف ظنهم علم الغيب، وعلم كونه سنة، بحساب ما أكلته الأرضية من العصا بعد موته يوما وليلة مثلا لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ بالصرف وعدمه، قبيلة سميت باسم جد لهم من العرب فِي مَسْكَنِهِمْ باليمن آيَةٌ دالة على قدرة اللّه تعالى جَنَّتانِ بدل عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ عن يمين واديهم وشماله، وقيل لهم كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ على ما رزقكم من النعمة\r______________________________\rتتميم بناء بيت المقدس كما قيل، فإن الصحيح أنه تم قبل موته بالزمن الطويل. قوله: (حتى أكلت الأرضة عصاه) فلما أكلتها أحبها الجن وشكروا لها، فهم يأتونها بالماء والطين في خروق الخشب وقالوا: لو كنت تأكلين الطعام والشراب لأتيناك بهما. قوله: (مصدر أرضت الخشبة) أي أكلت، فمعنى دابة الأرض دابة الأكل، وهذا أحد وجهين، والوجه الآخر أن المراد بالأرض المعروفة، ونسبت لها لخروجها منها.\rقوله: (بالهمز) أي الساكن أو المفتوح، فتكون القراءات ثلاثا سبعيات. قوله: (الشاق لهم) اللام بمعنى على، وفي نسخة له أي لسليمان. قوله: (لظنهم حياته) علة لقوله: ما لَبِثُوا. قوله: (و علم كونه) إلخ، إما بالبناء للمفعول، أو مصدر مبتدأ خبره قوله: (بحساب) إلخ، فتحصل أن الجن أرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت في يوم وليلة مقدارا؛ فحسبوا على ذلك، فوجدوه قد مات منذ سنة.\rقوله: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ اللام موطئة لقسم محذوف، أي واللّه لقد كان إلخ. ولِسَبَإٍ خبر كانَ مقدم، وآيَةٌ اسمها مؤخر، ومَسْكَنِهِمْ حال. قوله: (بالصرف وعدمه) أي وفي عدم الصرف قراءتان، فتح الهمز وسكونها، فالقراءات ثلاث. قوله: (سميت باسم جد لهم) أي وهو سبأ بن يشجب بجيم مضمومة ابن يعرب بن قحطان، روي أن رجلا قال: يا رسول اللّه، وما سبأ، أرض أو امرأة قال: ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرا من العرب، فتيامن منهم ستة، أي سكنوا اليمن، وتشاءم منهم أربعة أي سكنوا الشام، فأما الذين تشاءموا، فلخم وجذام وغسان وعاملة، وأما الذين تيامنوا: فالأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار، فقال رجل:\rيا رسول اللّه، وما أنمار؟ قال: الذين منهم خثعم وبجيلة، والمقصود من تلك القصة، اتعاظ هذه الأمة المحمدية، ليعتبروا ويشكروا نعمة اللّه عليهم، وإلا يحل بهم ما حل بمن قبلهم. قوله: فِي مَسْكَنِهِمْ بالجمع كمساجد، والإفراد إما بكسر الكاف أو فتحها، ففيه ثلاث قراءات سبعيات. قوله: (باليمن) أي وكان بينها وبين صنعاء ثلاثة أيام. قوله: (دالة على قدرة اللّه) أي فإذا تأمل العاقل فيها، استدل على باهر قدرته، وأنه الخالق لجميع المخلوقات. قوله: (بدل) أي من آية التي هي اسم كان، وصح إبدال المثنى من المفرد، لأنه في قوة المتعدد، وذلك أن الجنتين لما كانتا متماثلتين، وكانت كل واحدة دالة على قدرة اللّه، من غير انضمام غيرها لها، صح جعلهما أي واحدة، نظير قوله تعالى: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً. قوله:","part":3,"page":259},{"id":1373,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 260\rفي أرض سبأ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ليس بها سباخ، ولا بعوضة، ولا ذبابة، ولا برغوث، ولا عقرب، ولا حية، ويمر الغريب فيها وفي ثيابه قمل فيموت لطيب هوائها وَاللّه رَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا عن شكره وكفروا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ جمع عرمة، وهو ما يمسك الماء من بناء وغيره إلى وقت حاجته، أي سيل واديهم الممسوك بما ذكر، فأغرق جنتيهم وأموالهم وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ تثنية ذوات مفرد على الأصل أُكُلٍ خَمْطٍ مرّ بشع، بإضافة أكل بمعنى مأكول وتركها ويعطف عليه وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذلِكَ التبديل جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا بكفرهم وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) بالياء والنون مع كسر\r______________________________\r(عن يمين واديهم وشماله) هذا أحد قولين، وقيل: عن يمين الذاهب وشماله. قوله: (و قيل لهم) أي على لسان أنبيائهم، لأنه بعث لهم ثلاثة عشر نبيا، فدعوهم إلى اللّه وذكروهم بنعمه، وهذا الأمر للإذن والإباحة. قوله: وَاشْكُرُوا لَهُ أي اصرفوا نعمه في مصارفها. قوله: (أرض سبأ) إلخ، أشار بذلك إلى أن قوله: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ خبر لمحذوف، فهو كلام مستأنف. قوله: (ليس بها سباخ) جمع سبخة وهي الأرض ذات الملح. قوله: (و لا بعوضة) البعوض البق، وقوله: (و لا برغوث) بضم الباء. قوله:\r(فيموت) أي القمل ومثله باقي الهوام. قوله: وَرَبٌّ غَفُورٌ أي يستر ذنبوكم. قوله:\rفَأَعْرَضُوا (عن شكره) أي عن أمره واتباع رسله، لما روي أنه أرسل الرسل لهم ثلاثة عشر نبيا، فدعوهم إلى اللّه وذكروهم بنعمه وأنذروهم عقابه، فكذبوهم وقالوا: ما نعرف للّه علينا نعمة فقولوا له، فليحبس عنا هذه النعم إن استطاع وكان لهم رئيس يلقب بالحمار، وكان له ولد فمات، فرفعه رأسه إلى السماء فبزق وكفر، فلا يمر بأرضه أحد إلا دعاه للكفر، فإن أجابه وإلا قتله. قوله: (و هو ما يمسك الماء من بناء وغيره) أي فكان واديهم أرضا متسعة بين جبال شامخة، فبنت بلقيس سدا حول ذلك الوادي بالصخر والقار، وجعلت له أبوابا ثلاثة، بعضها فوق بعض، وصار ماء يتساقط من الجبال خلف السد من كل جهة، فكانوا يسقون من الأعلى، ثم من الأوسط، ثم من الأدنى؛ على حسب علو الماء وهبوطه، فالعرم هو هذا السد، وقيل: العرم اسم للفأر الذي نقب السد لما ورد أنهم كانوا يزعمون أنهم يجدون في كهانتهم أنه يخرب سدهم فأرة، فلم يتركوا فرجة بين صخرتين، إلا ربطوا إلى جانبها هرة، فلما جاء ما أراده بهم، أقبلت فأرة حمراء إلى بعض تلك الهررة، فثاورتها حتى استأخرت على الحجر، ثم وثبت ودخلت في الفرجة التي عندها، ونقبت السد حتى وهنته للسيل وهم لا يدرون، فلما جاء السيل، دخل تلك الفرجة حتى بلغ السد، وفاض الماء على أموالهم فأغرقها ودفن بيوتهم.\rقوله: جَنَّتَيْنِ تسميتها بذلك تهكم بهم لمشاكله الأول. قوله: (مفرد في الأصل) أي لأن أصلها ذوية، تحركت الياء وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا فصار ذوات، ثم حذفت الواو تخفيفا، ففي تثنيته وجهان:\rاعتبار الأصل، واعتبار العارض، فالأول ذواتان، والثاني ذاتان. قوله: (مر بشع) قيل: هو شجر الأراك. وقيل: كل شجر له شوك. قوله: (بإضافة أكل) أي بضم الكاف لا غير، وقوله: (و تركها) أي بضم الكاف وسكونها، فالقراءات ثلاث سبعيات. قوله: (و يعطف عليه) أي على أكل. قوله: مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ الصحيح أن السدر وهو النبق نوعان: نوع يؤكل ثمره وينتفع بورقه، وهو له ثمر غض، لا","part":3,"page":260},{"id":1374,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 261\rالزاي ونصب الكفور، أي ما يناقش إلا هو وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ بين سبأ وهم باليمن وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها بالماء والشجر، وهي قرى الشام التي يسيرون إليها للتجارة قُرىً ظاهِرَةً متواصلة من اليمن إلى الشام وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ بحيث يقيلون في واحدة، ويبيتون في أخرى، إلى انتهاء سفرهم، ولا يحتاجون فيه إلى حمل زاد وماء، أي وقلنا سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ (18) لا تخافون في ليل ولا في نهار فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ وفي قراءة باعد بَيْنَ أَسْفارِنا إلى الشام اجعلها مفاوز ليتطاولوا على الفقراء بركوب الرواحل وحمل الزاد والماء، فبطروا النعمة وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ لمن بعدهم في ذلك وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ فرقناهم في البلاد كل التفريق إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآياتٍ عبرا لِكُلِّ صَبَّارٍ عن المعاصي شَكُورٍ (19) على النعم وَلَقَدْ صَدَّقَ بالتخفيف والتشديد عَلَيْهِمْ أي الكفار منهم سبأ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ أنهم بإغوائه يتبعونه فَاتَّبَعُوهُ فصدق بالتخفيف في ظنه، أو صدق بالتشديد ظنه، أي وجده صادقا إِلَّا بمعنى لكن فَرِيقاً مِنَ\r______________________________\rيؤكل أصلا، ولا ينتفع بورقه، وهو المسمى بالضال، وهو المراد هنا.\rقوله: ذلِكَ مفعول ثان لجزينا مقدم عليه. قوله: (بكفرهم) أشار بذلك إلى أن ما مصدرية. قوله: (بالياء والنون) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أي ما يناقش إلا هو) أشار بذلك إلى أن الحصر منصب على المناقشة والتدقيق في الحساب والمؤاخذة بكل الذنوب، وإلا فمطلق المجازاة تكون للمؤمن والكافر، لكن المؤمن يعامل بالفضل والكافر يعامل بالعدل.\rقوله: وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ عطف على ما تقدم، عطف قصة على قصة. قوله: قُرىً ظاهِرَةً قيل:\rكانت قراهم أربعة آلاف وسبعمائة قرية، متصلة من سبأ إلى الشام. قوله: وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ أي جعلنا السير بين قراهم، وبين القرى المباركة، سيرا مقدرا، من منزل إلى منزل، ومن قرية إلى قرية.\rقوله: (و لا يحتاجون فيه إلى حمل زاد وماء) أي فكانوا يسيرون غير جائعين ولا ظامئين ولا خائفين، مسيرة أربعة أشهر في أماكن لا يحرك بعضهم بعضا، ولو لقي الرجل قاتل أبيه لا يحركه.\rقوله: فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا أي لما بطروا وطغوا وكرهوا الراحة، تمنوا طول السفر والتعب في المعايش، نظير قول بني إسرائيل فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ الآية، وكتمني أهل مكة العذاب بقولهم: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ الآية. قوله: (مفاوز) جمع مفازة وهو الموضع المهلك، مأخوذ من فوز بالتشديد إذا مات، وقيل: من فاز إذا نجا وسلم، سمي بذلك تفاؤلا بالسلامة. قوله: أَحادِيثَ أي يتحدث بأخبارهم. قوله: (فرقناهم في البلاد) أي لضيق عيشهم وخراب أماكنهم، وهي سنة باقية في كل من بطر النعمة وظلم، فقد أفادنا اللّه في تلك الآيات، أنه أصابهم بنعمتين، وابتلاهم بنقمتين. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله:\rظَنَّهُ أي وسبب ظنه، إما رؤيته إنهماكهم في الشهوات، أو قول الملائكة أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها أو وسوسته لآدم في الجنة فأخرج منها، فظن ضعف أولاده بالنسبة له، وإن كان لم تؤثر وسوسته لآدم. قوله:","part":3,"page":261},{"id":1375,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 262\rالْمُؤْمِنِينَ (20) للبيان أي وهم المؤمنون لم يتبعوه وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ تسليطا منا إِلَّا لِنَعْلَمَ علم ظهور مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍ فنجازي كلا منهما وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) رقيب قُلِ يا محمد لكفار مكة ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أي زعمتموهم آلهة مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره لينفعوكم بزعمكم قال تعالى فيهم لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ وزن ذَرَّةٍ من خير أو شر فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ شركة وَما لَهُ تعالى مِنْهُمْ من الآلهة مِنْ ظَهِيرٍ (22) معين وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ تعالى ردا لقولهم: إن آلهتهم تشفع عنده إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ بفتح الهمزة وضمها لَهُ فيها\r______________________________\r(فصدق بالتخفيف في ظنه) أشار بذلك إلى أن قوله: (ظنه) على قراءة التخفيف منصوب على نزع الخافض، والمعنى صار فيما ظنه أولا من إغوائهم على يقين، وقوله: (أو صدق) بالتشديد إلخ. أي فظنه مفعول لصدق، والمعنى حقق ظنه ووجده صادقا. قوله: (بمعنى لكن) أشار بذلك إلى أن الاستثناء منقطع، وحمله على ذلك تفسيره الضمير بالكفار، ويصح أن يكون متصلا، لأن بعض المؤمنين يذنب ويتبع ابليس في بعض المعاصي، ويكون قوله: إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المراد بهم من لم يتبعه أصلا، والأقرب الأول، لأن المعصومين استثناهم من حين طرده بقوله: لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ*. قوله: (تسليطا منا) أي فالشيطان سبب في الإغواء، لا خالق الإغواء، فمن أراد اللّه حفظه، منع الشيطان عنه، ومن أراد اللّه إغواءه، سلط عليه الشيطان، والكل فعل اللّه تعالى. قوله: (علم ظهور) أي فالمعنى ليظهر متعلق علمنا، فاللام للعاقبة لا للتعليل، ومعنى الآية: ما كان له عليهم ايجاد اضلال، بل خالق الهدى والضلال هو نحن، وإنما سبقت حكمتنا بتسليطه، ليتميز بين عبادنا، من خلقنا فيه الكفر، ومن خلقنا فيه الإيمان، فاتباعه وعدمه، علامة على ما تعلق به علمه تعالى فتدبر. قوله:\r(رقيب) أي فهو تعالى قادر على منع ابليس منهم، عالم بما سيقع.\rقوله: قُلِ ادْعُوا بكسر اللام على أصل التخلص، وبالضم اتباعا، قراءتان سبعيتان. قوله:\r(أي زعمتموهم آلهة) أي فالمفعولان محذوفان، الأول لطوله بصلته، والثاني لقيام صفته- أعني قوله من دون اللّه- مقامه. قوله: (لينفعوكم) متعلق بادعوا، أي ادعوهم ليكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم في سني الجوع، ويجلبوا لكم سعة العيش. قوله: مِثْقالَ ذَرَّةٍ أي لا يملكون أمرا من الأمور في العالم، وذكر السماوات والأرض للتعميم عرفا. قوله: (معين) أي على خلق شيء. بل اللّه تعالى المنفرد بالايجاد والإعدام.\rقوله: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ أي إن الشفاعة لا يكون من هؤلاء المعبودين من دون اللّه، من الملائكة والأنبياء والأصنام، إلا أن يأذن اللّه للملائكة والأنبياء في الشفاعة لغير الكفار، وأما الكفار فلا شفاعة فيهم لقوله تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ. قوله: (ردا لقولهم) إلخ، أي حيث قالوا: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى، وايضاحه أن الشفاعة لا تكون ولا تحصل إلا بالإذن والرضا، وهم قد ارتكبوا ما يقتضي للغضب وهو","part":3,"page":262},{"id":1376,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 263\rحَتَّى إِذا فُزِّعَ بالبناء للفاعل وللمفعول عَنْ قُلُوبِهِمْ كشف عنها الفزع بالإذن فيها\r______________________________\rالكفر، فكيف يطلبون الشفاعة بالكفر المقتضي للغضب، وعدم الإذن في الشافعة؟ إن هذا الزعم باطل.\rقوله: إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ يصح وقوع من على الشافعين، والمعنى إلا لشافع أذن له في الشفاعة، ويصح وقوعها على المشفوع لهم، والمعنى لا تنفع الشفاعة إلا لمشفوع أذن أن يشفع له، فاللام على كل حال متعلقة بأذن، والضمير عائد على الموصول وفيه الوجهان. قوله: (بفتح الهمزة) أي والضمير عائد على اللّه تعالى لذكره أولا، وقوله: (و ضمها) أي بالبناء للمفعول، والآذن هو اللّه تعالى، والقراءتان سبعيتان.\rقوله: حَتَّى إِذا فُزِّعَ غاية في محذوف تقديره يتربصون ويتوقعون مدة من الزمان، فزعين حتى إذا فزع إلى آخره، والتضعيف للسلب كالهمزة، كما أشار له بقوله: (كشف عنها الفزع) والمعنى: حتى إذا أزيل الفزع من قلوب الشافعين والمشفوع لهم، بكلمة يتكلم بها رب العزة في الإذن بالشفاعة سأل بعضهم بعضا. قوله: (بالبناء للفاعل) أي والفاعل ضمير يعود على اللّه، وقوله: (و المفعول) أي والجار والمجرور نائب الفاعل، والقراءتان سبعيتان. قوله: (استبشارا) أي لزوال الكرب والحزن عن القلوب، واختلف هل هذا الأمر في الآخرة أو الدنيا؟ فقيل في الآخرة، ويؤيده ما في سورة النبأ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً وعلى هذا فيكون في الكلام حذف، والتقدير لا تنفع الشفاعة عنده يوم القيامة، إلا لمن أذن له، ففزع ما ورد على القلوب من المهابة، حتى إذا ذهب الفزع عن قلوبهم، سأل بعضهم بعضا، وقيل: في الدنيا، ويؤيده ما ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم «إن اللّه تعالى إذا أراد أن يوحي بأمر وتكلم بالوحي، أخذت السماوات والأرض منه رجفة أو رعدة شديدة خوفا من اللّه تعالى، فإذا سمع أهل السماوات بذلك، صعقوا وخروا للّه سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه اللّه تعالى ويقول له من وحيه ما أراد، ثم يمر جبريل بالملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها ما ذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، قال: فيقول كلهم كما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي حيث أمر اللّه تعالى». وعن ابن عباس قال: كان لكل قبيلة من الجن مقعد من السماء يستمعون منه الوحي، وكان إذا نزل الوحي، سمع له صوت كإمرار السلسلة على الصفوان، فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ما ذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير، ثم يقول: يكون في هذا العام كذا ويكون كذا، فتسمعه الجن فيخبرون الكهنة، والكهنة تخبر الناس، فيجدونه كذلك، فلما بعث اللّه سيدنا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم، دحروا ومنعوا بالشهب، فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن بذلك؟ هلك من في السماء، فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرا، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة، وصاحب الغنم يذبح كل يوم شاة، حتى أسرعوا في أموالهم، فقالت ثقيف وكانت أعقل العرب: أيها الناس أمسكوا على أموالكم، فإنه لم يمت من في السماء، أما ترون معالمكم من النجوم كما هي، والشمس والقمر والليل والنهار؟ فقال إبليس: لقد حدث في الأرض اليوم حدث، فائتوني من كل تربة أرض فأتوه بها، فلما شم تربة مكة قال: من ههنا جاء الحدث، فانصتوا فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد بعث، فتحصل أن الفزع على القول بأنه في الآخرة يكون من جميع الخلق، وعلى القول بأنه في الدنيا يكون من الملائكة خاصة، والآية محتملة للأمرين، والعموم أولى، لأن الكفار زعموا أن حاشية الصاوي على تفسير الجلالين/ ج 5/ م 5","part":3,"page":263},{"id":1377,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 264\rقالُوا قال بعضهم لبعض استبشارا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ فيها قالُوا القول الْحَقَ أي قد أذن فيها وَهُوَ الْعَلِيُ فوق خلقه بالقهر الْكَبِيرُ (23) العظيم قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ المطر وَالْأَرْضِ النبات قُلِ اللَّهُ إن لم يقولوه لا جواب غيره وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ أي أحد الفريقين لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) بيّن الإبهام، تلطف بهم داع إلى الإيمان إذا وفقوا له قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا أذنبنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) لأنا بريئون منكم قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا يوم القيامة ثُمَّ يَفْتَحُ يحكم بَيْنَنا بِالْحَقِ فيدخل المحقين الجنة والمبطلين النار وَهُوَ الْفَتَّاحُ الحاكم الْعَلِيمُ (26) بما يحكم به قُلْ أَرُونِيَ أعلموني الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ في العبادة كَلَّا ردع لهم عن اعتقاد شريك له بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الغالب على أمره الْحَكِيمُ (27) في تدبيره لخلقه، فلا يكون له شريك في ملكه وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً حال من الناس قدم للاهتمام لِلنَّاسِ بَشِيراً مبشرا\r______________________________\rآلهتهم تنفعهم في الدنيا والآخرة، فرد اللّه عليهم بهذه الآية الشاملة للأمرين فتدبر. قوله: (القول) الْحَقَ أشار بذلك إلى أن الحق صفة لمصدر محذوف مقول القول. قوله: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ هذا من تمام كلام الشفعاء، اعترافا بعظمة اللّه وكبريائه.\rقوله: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ إلخ، هذا السؤال تبكيت للمشركين، وإشارة إلى أن آلهتهم لا تملك لهم ضرا ولا نفعا، وهذه الآية بمعنى قوله تعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى قوله:\rفَسَيَقُولُونَ اللَّهُ. قوله: لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ غاير بين الحرفين، إشارة إلى أن المؤمنين مستعلون على الهدى، كراكب الجواد يسير به حيث يشاء، والكفار محبوسون في الضلال، كالمنغمس في الظلمات الذي لا يبصر شيئا. قوله: (في الإبهام) خبر مقدم، و(تلطف) مبتدأ مؤخر، و(داع) صفة لتلطف.\rقوله: لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا إلخ، فيه تلطف بهم وتواضع، حيث أسند الإجرام لأنفسهم والعمل للمخاطبين. قوله: (يوم القيامة) أي في الموقف. قوله: (أعلموني) أشار بذلك إلى أن أرى علمية، فتتعدى إلى ثلاثة مفاعيل: أولها ياء المتكلم، وثانيها الموصول، وثالثها شركاء، ويصح أن تكون بصرية فتتعدى إلى مفعولين: الأول المتكلم، والثاني الموصول، وشركاء حال من عائد الموصول، والقصد من ذلك تبكيتهم وإظهار خطئهم بعد إقامة الحجة عليهم.\rقوله: بَلْ هُوَ الضمير إما عائد على اللّه، أو ضمير الشأن، وما بعده مبتدأ وخبره، والجملة خبره.\rقوله: إِلَّا كَافَّةً الحصر إضافي، جيء به للرد على المشركين الذين يعتقدون أن رسالته غير عامة لجميع بني آدم. قوله: (حال من الناس) تبع فيه ابن عطية، واعترضه الزمخشري بأن تقدم الحال على صاحبها المجرور خطأ، بمنزلة تقدم المجرور على الجار، ورد بأن الصحيح جواز تقديم الحال على صاحبها المجرور وما يتعلق به، وإذا جاز تقديمها على صاحبها وعاملها، فتقديمها على صاحبها وحده أجوز، لتقدم عاملها وهو أرسلنا، وهذا أحد وجهين في الآية، ويصح جعل كَافَّةً حالا من الكاف في أَرْسَلْناكَ والتاء للمبالغة كهي في علامة وراوية، والمعنى إلا جامعا للناس في التبليغ، يخرج عن تبليغك أحد، فكافة","part":3,"page":264},{"id":1378,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 265\rللمؤمنين بالجنة وَنَذِيراً منذرا للكافرين بالعذاب وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي كفار مكة لا يَعْلَمُونَ (28) ذلك وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ بالعذاب إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (29) فيه قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (30) عليه وهو يوم القيامة وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أي تقدمه كالتوراة والإنجيل الدالين على البعث لإنكارهم له، قال تعالى فيهم وَلَوْ تَرى يا محمد إِذِ الظَّالِمُونَ الكافرون مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا الأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا الرؤساء لَوْ لا أَنْتُمْ صددتمونا عن الإيمان لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) بالنبي قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا\r______________________________\rاسم فاعل من كف بمعنى جمع، أو مصدر كالعاقبة، والعاقبة إما مبالغة أو على حذف مضاف، أي ذا كافة للناس، أو صفة لمصدر محذوف تقديره إلا ارساله كافة، أي محيطه بهم وشاملة لهم، فلا يخرج منها، أحد والأوجه الثلاثة على أنه حال من الكاف وهي متقاربة، فتحصل أن هذه الآيات دلت على أنه مرسل لجميع الإنس بشيرا ونذيرا، وأما ارساله لغيرهم، فمأخوذ من آيات أخر منها وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ لكن ارساله للإنس والجن، ارسال تكليف وللملائكة: قيل، ارسال تكليف، وقيل تشريف، وللحيوانات الغير العاقلة والجمادات ارسال تشريف. قوله: لا يَعْلَمُونَ (ذلك) أي ما ذكر من عموم رسالته، وكونه بشيرا ونذيرا.\rقوله: وَيَقُولُونَ أي على سبيل الاستهزاء والسخرية. قوله: إِنْ كُنْتُمْ الخطاب للنبي والمؤمنين.\rقوله: لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ أي إن أردتم التأخر. قوله: وَلا تَسْتَقْدِمُونَ أي إن أردتم التقدم والاستعجال كما هو مطلوبكم. إن قلت: إن الجواب ليس مطابقا للسؤال، لأن السؤال عن طلب تعيين الوقت، والجواب يقتضي أنهم منكرون للوقت من أصله. وأجيب: بأن الجواب مطابق بالنظر لحالهم لا لسؤالهم، لأن سؤالهم وإن كان على صورة الاستفهام عن الوقت، إلا أن مرادهم الإنكار والتعنت، والجواب المطابق أن يكون بالتهديد على تعنتهم.\rقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ إلخ، سبب ذلك أن أهل الكتاب قالوا لهم: إن صفة محمد في كتبنا، فلما سألوهم ووافق ما قال أهل الكتاب، قال المشركون: لن نؤمن بهذا القرآن، ولا بالذي بين يديه. قوله: (الدالين على البعث) أي وعلى صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فإنهم يكفرون بها أيضا. قوله: (قال تعالى فيهم) أي في بيان أحوالهم في الآخرة.\rقوله: وَلَوْ تَرى مفعول تَرى وجواب لَوْ محذوف، والتقدير: ولو ترى حال الظالمين وقت وقوفهم عند ربهم، حال كونهم يرجع بعضهم إلى بعض القول لرأيت أمرا فظيعا. قوله: إِذِ الظَّالِمُونَ إِذِ ظرف لترى بمعنى وقت. قوله: مَوْقُوفُونَ أي محبوسون في الموقف للحساب.\rقوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ العندية للمكانة والعظمة لا المكان. قوله: يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ حال من ضمير مَوْقُوفُونَ والقول منصوب بيرجع. قوله: يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا تفسير لقوله: يَرْجِعُ فالجملة لا محل لها من الإعراب. قوله: لَوْ لا أَنْتُمْ ما بعد لَوْ لا مبتدأ خبره محذوف، قدره المفسر بقوله:\r(صددتمونا) إلخ، وقوله: لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ جواب لَوْ لا.\rقوله: قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أي جوابا","part":3,"page":265},{"id":1379,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 266\rلِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ؟ لا بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) في أنفسكم وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي فيهما منكم بنا إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً شركاء وَأَسَرُّوا أي الفريقان النَّدامَةَ على ترك الإيمان به لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ أي أخفاها كل عن رفيقة مخافة التعبير وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا في النار هَلْ ما يُجْزَوْنَ إِلَّا جزاء ما كانُوا يَعْمَلُونَ (33) في الدنيا وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها رؤساؤها المتنعمون إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (34) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً ممن آمن وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ يوسعه لِمَنْ يَشاءُ امتحانا وَيَقْدِرُ يضيقه لمن يشاء ابتلاء وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي كفار مكة لا يَعْلَمُونَ (36) ذلك وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى قربى أي تقريبا إِلَّا\r______________________________\rللمستضعفين. قوله: أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ أي منعناكم. قوله: (لا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام انكاري.\rقوله: وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ترك العاطف فيما سبق لأنه مر أولا كلامهم، فأتى بالجواب مستأنفا من غير عاطف، ثم أتى بكلام آخر للمستضعفين معطوفا على كلامهم الأول. قوله: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ردّ وإبطال لكلام المستكبرين، ومكر فاعل بفعل محذوف، أي صددنا مكركم بنا في الليل والنهار، فحذف المضاف إليه، وأقيم الظرف مقامه على الاتساع، والإسناد مجازي. قوله: إِذْ تَأْمُرُونَنا ظرف للمكر، أي مكركم وقت أمركم لنا، إلخ. قوله: وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ جملة حالية، أو مستأنفة.\rقوله: (أي أخفاها كل عن رفيقه) أي فكل أخفى الندم على فعله في الدنيا من الكفر والمعاصي مخافة أن يعيره الآخر. قوله: وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا أي زيادة على تعذيبهم بالنار.\rقوله: وَما أَرْسَلْنا إلخ، هذا تسليه له صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها حال من قرية وإن كانت نكرة، لوقوعها في سياق النفي، فنعم فقد وجد المسوغ. قوله: بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ متعلق بكافرون، قدم للاهتمام ورعاية للفواصل.\rقوله: وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً أي فلو لم يكن راضيا بما نحن عليه، لما أعطانا الأموال والأولاد، في الدنيا، وإذا كان كذلك، فلا يعذبنا في الآخرة. قوله: وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ أي لأنه لما أكرمنا في الدنيا، فلا يهيننا في الآخرة على فرض وجودها.\rقوله: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ إلخ أي فبسط الرزق وضيقه في الدنيا، ليس دليلا على رضا اللّه، فقد يبسط الرزق للكافر، ويضيقه على المؤمن الخالص، وقد يكون بالعكس، وإنما هو تابع للقسمة الأزلية، قال تعالى: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ قوله: لا يَعْلَمُونَ (ذلك) أي فيظنون أن بسط الرزق وتضييقه، تابع لرضا اللّه وغضبه.\rقوله: وَما أَمْوالُكُمْ إلخ، كلام مستأنف سيق لتقرير ما سبق تحقيقه. قوله: بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ صفة للأموال والأولاد، لأن جمع التكسير للعاقل يعامل معاملة المؤنثة الواحدة، ويصح أن تكون التي صفة لموصف محذوف تقديره بالأحوال التي. قوله: (قربى) أشار بذلك إلى زُلْفى مصدر من معنى","part":3,"page":266},{"id":1380,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 267\rلكن مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا أي جزاء العمل: الحسنة مثلا بعشر فأكثر وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ من الجنة آمِنُونَ (37) من الموت وغيره، وفي قراءة الغرفة بمعنى الجمع وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا القرآن بلإبطال مُعاجِزِينَ لنا مقدرين عجزنا وأنهم يفوتونا أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (38) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ يوسعه لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ امتحانا وَيَقْدِرُ يضيقه لَهُ بعد البسط أو لمن يشاء ابتلاء وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ في الخير فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) يقال كل إنسان يرزق عائلته أي من رزق اللّه وَاذكر يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً أي المشركين ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ بتحقيق الهمزتين وإبدال\r______________________________\rالفعل. قوله: (لكن) مَنْ آمَنَ أشار بذلك إلى أن الاستثناء منقطع، وحمله على ذلك جعل الخطاب للكفار، ويصح أن يكون متصلا، والخطاب الأول عام، كأنه قيل: وما الأموال والأولاد تقرب أحدا، إلا المؤمن الصالح الذي أنفق أمواله في سبيل اللّه، وعلم أولاده الخير ورباهم على الصلاح، فَأُولئِكَ إلخ. قوله: فَأُولئِكَ مبتدأ، ولَهُمْ خبر مقدم، وجَزاءُ مبتدأ مؤخر، والجملة خبر أولئك، وهو استئناف لبيان جزاء أعمالهم. قوله: جَزاءُ الضِّعْفِ من إضافة الموصوف لصفته، أي الجزاء المضاعف. قوله: (مثلا) أي أو الحسنة بسبعين أو بسبعمائة أو أكثر. قوله: (و غيره) أي من سائر المكاره، فلا يفنى شبابهم. ولا تبلى ثيابهم. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (مقدرين عجزنا) أي معتقدين أننا عاجزون فلا نقدر عليهم.\rقوله: إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ إلخ، اختلف في هذه الآية، فقيل: مكررة مع التي قبلها للتأكيد، وقيل: مغايرة لها، فالأولى محمولة على أشخاص متعددين، وهذه محمولة على شخص واحد باعتبار وقتين، فوقت البسط غير وقت القبض، وهو الاحتمال الأول في قول المفسر، أو الأولى محمولة على الكفار، وهذه في حق المؤمنين، وكل صحيح. قوله: (ابتلاء) علة لقوله: وَيَقْدِرُ لَهُ أي يختبر هل يصبر أو لا.\rقوله: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ أي على أنفسكم وعيالكم أو تصدقتم به. قوله: فَهُوَ يُخْلِفُهُ أي بالمال أو بالقناعة التي هي كنز لا ينفد، أو بالثواب في الآخرة، وفي الحديث: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الاخر: اللهم أعط ممسكا تلفا».\rويؤيد هذا الحديث قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى الآيات، وأتى بهذه الآية عقب التي قبلها، إشارة إلى أن الإنفاق لا يضيق الرزق، بل ربما كان سببا في توسعته، فالحيلة في توسعة الرزق، الإنفاق في وجوه الخير، والثقة باللّه والتوكل عليه.\rقوله: وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ أي أحسنهم وأجلهم، لكونه خالق السبب والمسبب. قوله: (يقال كل إنسان) إلخ، أي لغة، ودفع بذلك ما قيل: إن الرزاق في الحقيقة واحد وهو اللّه. فأجاب: بأن الجمع باعتبار الصورة، فاللّه خالق الرزق، والعبيد متسببون فيه. إن قلت: أي مشاركة بين المفضل والمفضل عليه؟ أجيب: بأن الرزاق يطلق على الموصل للرزق والخالق له، والرب يوصف بالأمرين، والعبد يوصف بالإيصال فقط، فخيرية اللّه من حيث إنه خالق وموصل، فعلم أن العبد يقال له رازق بهذا، ولا يقال له رزاق، لأنه من الأسماء المختصة به تعالى. قوله: (يرزق عائلته) أي عياله، وعيال","part":3,"page":267},{"id":1381,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 268\rالأولى ياء وإسقاطها كانُوا يَعْبُدُونَ (40) قالُوا سُبْحانَكَ تنزيها عن الشريك أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ أي لا موالاة بيننا وبينهم من جهتنا بَلْ للانتقال كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَ الشياطين أي يطيعونهم في عبادتهم إيانا أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) مصدقون فيما يقولون لهم، قال تعالى:\rفَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ أي بعض المعبودين لبعض العابدين نَفْعاً شفاعة وَلا ضَرًّا تعذيبا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا كفروا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (42) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا القرآن بَيِّناتٍ واضحات بلسان نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ من الأصنام وَقالُوا ما هذا أي القرآن إِلَّا إِفْكٌ كذب مُفْتَرىً على اللّه وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِ القرآن لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (43) بيّن، قال تعالى: وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ\r______________________________\rالرجل من يعولهم، واحده عيل كجيد. قوله: (و ابدال الأولى ياء) هذا سبق قلم من المفسر، إذ لم يقرأ بهذه أحد من القراء، وأما تحقيقهما وإسقاط الأولى فقراءتان سبعيتان، وبقي ثلاث قراءات سبعيات:\rتحقيق الأولى، وتسهيل الثانية وعكسه، وابدال الثانية ياء ساكنة ممدودة مع تحقيق الأولى، فتكون الجملة خمسا.\rقوله: كانُوا يَعْبُدُونَ خطاب للملائكة وتقريع للكفار، وذلك كقوله تعالى لعيسى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ مع كون اللّه تعالى عالما بأن الملائكة وعيسى بريئون من ذلك.\rقوله: أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ أي أنت الذي نواليك ونتقرب اليك بالعبادة، فلم يكن لنا دخل في عبادتهم لنا. قوله: (أي يطيعونهم) أي فالمراد بعبادة الجن طاعتهم فيما يوسوسون لهم، وقيل كانوا يتمثلون لهم، ويخيلون إليهم أنهم الملائكة، كما وقع لجماعة من خزاعة كانوا يعبدون الجن، ويزعمون أن الجن تتراءى لهم، وأنهم ملائكة، وأنهم بنات اللّه. قوله: أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ إن قلت: حيث أثبت أولا أنهم كانوا يعبدون الجن، لزم منه أن جميعهم مؤمنون بهم، فكيف قال أكثرهم؟ أجيب: بأن قول الملائكة أكثرهم من باب الاحتياط تحرزا عن ادعاء الإحاطة بهم، كأنهم قالوا: إن الذين رأيناهم واطلعنا على أحوالهم كانوا يعبدون الجن، ولعل في الوجود من يطلع عليه من الكفار وأجيب أيضا: بأن العبادة عمل ظاهر، والإيمان عمل باطن، والظاهر عنوان الباطل غالبا، فقالوا: بل كانوا يعبدون الجن لاطلاعهم على أعمالهم، وقالوا أكثرهم بهم مؤمنون، لعدم اطلاعهم على ما في القلوب. قوله: (أي بعض المعبودين) أي وهم الملائكة، وقوله: (لبعض العابدين) أي وهم الكفار.\rقوله: وَنَقُولُ عطف على لا يَمْلِكُ.\rقوله: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا أي دلائل توحيدنا.\rقوله: إِلَّا إِفْكٌ أي كذب غير مطابق للواقع، ومع كونه كذلك هو مُفْتَرىً أي مختلق من حيث نسبته إلى اللّه، فقوله: مُفْتَرىً تأسيس لا تأكيد. قوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا التصريح بالفاعل انكار عظيم وتعجيب بليغ. قوله: (قال تعالى) أي ردا عليهم.\rقوله: وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها أي فالمعنى لا عذر لهم في عدم تصديقك، بخلاف أهل الكتاب، فإن لهم كتابا ودينا، ويحتجون بأن نبيهم حذرهم من ترك دينه، وإن كان عذرا باطلا وحجة واهية.","part":3,"page":268},{"id":1382,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 269\rنَذِيرٍ (44) فمن أين كذبوك وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا أي هؤلاء مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ من القوّة وطول العمر، وكثرة المال فَكَذَّبُوا رُسُلِي إليهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (45) إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك، أي هو واقع موقعه قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ هي أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ أي لأجله مَثْنى اثنين اثنين وَفُرادى واحدا واحدا ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا فتعلموا ما بِصاحِبِكُمْ محمد مِنْ جِنَّةٍ جنون أَنْ ما هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ أي قبل عَذابٍ شَدِيدٍ (46) في الآخرة إن عصيتموه قُلْ لهم ما سَأَلْتُكُمْ على الإنذار والتبليغ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ أي\r______________________________\rقوله: وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ أي نبي يخوفهم ويحذرهم من عقاب اللّه.\rقوله:\rمِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ قيل: المعشار لغة في العشر، وقيل: المعشار هو عشر العشير، والعشير هو عشر العشر، فيكون جزءا من ألف وهو الأظهر، لأن المراد به المبالغة في القليل. قوله: (من القوة) إلخ، أي ومع ذلك، فلم ينفعهم شيء من ذلك في دفع الهلاك. قوله: فَكَذَّبُوا رُسُلِي عطف على قوله:\rوَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ عطف مسبب على سبب. قوله: فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ عطف على محذوف تقديره: فحين كذبوا رسلي، جاءهم إنكاري بالتدمير، فكيف كان نكيري لهم؟ قوله: (واقع موقعه) أي فهو غاية العدل، وعدم الجور والظلم.\rقوله: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ أي آمركم وأوصيكم، وقوله: بِواحِدَةٍ صفة لموصوف محذوف تقديره بخصلة واحدة. قوله: أَنْ تَقُومُوا أَنْ وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر لمحذوف، قدره المفسر بقوله: (هي) وليس المراد بالقيام حقيقة، وهو الانتصاب على القدمين، بل المراد صرف الهمة، والاشتغال والتفكر في أمر محمد وما جاء به، لأن أول واجب على المكلف، النظر المؤدي للمعرفة. قوله: مَثْنى وَفُرادى حالان من فاعل تَقُومُوا وإنما أمرهم بذلك لأن الجماعة ربما يكون في اجتماعها تشويش الخاطر ومنع التفكر، بسبب الأغراض والتعصب، وأما الاثنان فيتفكران، ويعرض كل واحد منهما على صاحبه ما استفاده بفكرته، وأما الواحد فيفكر في نفسه ويقول: هل رأينا من هذا الرجل جنونا، أو جربنا عليه كذبا قط، وقد علمتم أن محمدا ما به جنون، بل علمتوه أرجح قريش عقلا، وأوزنهم حلما، وأحدهم ذهنا، وأرضاهم رأيا، وأصدقهم قولا، وأزكاهم نفسا، وإذا علمتم ذلك، كفاكم أن تطلبوا منه آية على صدقه، وإذا جاءبها، تبين أنه صادق فيما جاء به، وإذا كان كذلك، فالواجب اتباعه وتصديقه.\rقوله: (فتعلموا) أشار بذلك إلى أن نتيجة الفكر والعلم، ومعمول التفكر محذوف، والتقدير فتفكروا في أحوال محمد، فينتج لكم العلم بأن ما بصاحبكم جنون ولا نقص.\rقوله: ما بِصاحِبِكُمْ أضافه لهم اشارة إلى أنه كان مشهورا بينهم، وحاله معروف عندهم، فكانوا يدعونه بالصادق الأمين، فإذا تفكروا وقاسوا حاله بعد النبوة، على حاله قبلها، فيفيدهم العلم بكمال أوصافه. قوله: إِنْ هُوَ أي المحدث عنه وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ أي هو مقدمة عذاب لكم في الدنيا والآخرة، إن لم تؤمنوا وتصدقوه فيما جاء به فيخبركم به قبل وقوعه.\rقوله:\rقُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ يحتمل أن ما شرطية مفعول لسألتكم، ومِنْ أَجْرٍ بيان، وقوله: فَهُوَ لَكُمْ جواب للشرط، ويحتمل أنها موصولة مبتدأ، وقوله: فَهُوَ لَكُمْ خبرها، وقرن الخبر بالفاء لما في","part":3,"page":269},{"id":1383,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 270\rلا أسألكم عليه أجرا إِنْ أَجْرِيَ ما ثوابي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) مطلع يعلم صدقي قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِ يلقيه إلى أنبيائه عَلَّامُ الْغُيُوبِ (48) ما غاب عن خلقه في السماوات والأرض قُلْ جاءَ الْحَقُ الإسلام وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ الكفر وَما يُعِيدُ (49) أي لم يبق له أثر قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ عن الحق فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي أي إثم ضلالي عليها وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي من القرآن والحكمة إِنَّهُ سَمِيعٌ الدعاء قَرِيبٌ (50) وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ فَزِعُوا عند البعث لرأيت أمرا عظيما فَلا فَوْتَ لهم منا، أي لا يفوتونا\r______________________________\rالموصول من العموم، وعلى كل فيحتمل أن المعنى: ما أسألكم أجرا البتة، فيكون كقولك لمن لم يعطك شيئا أصلا: إن أعطيتني شيئا فخذه، ويؤيده قوله: إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ، وقول المفسر: (أي لا أسألكم عليه أجرا) ويحتمل أن المعنى: لم أسألكم شيئا يعود نفعه علي، فهو كقوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى، وقوله: ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا.\rقوله: قُلْ إِنَّ رَبِّي أي مالكي وسيدي. قوله: يَقْذِفُ بِالْحَقِ مفعول يَقْذِفُ محذوف تقديره يقذف الباطل بالحق، ويؤيده قوله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ أي ندفع الباطل بالحق ونصرفه به، ويصح أن تكون الباء للملابسة، والمفعول محذوف أيضا، والتقدير: يقذف الوحي إلى أنبيائه ملتبسا بالحق، أو ضمن يقذف معنى يقضي ويحكم، والأقرب الأول، لأن خير ما فسرته بالوارد. قوله:\rعَلَّامُ الْغُيُوبِ خبر ثان لأن، أو خبر مبتدأ محذوف. قوله: (ما غاب عن خلقه) أي فتسميته غيبا بالنسبة للخلق، وإلا فالكل شهادة عنده تعالى.\rقوله: قُلْ جاءَ الْحَقُ أفاد بذلك أن الوعد منجز ومتحقق بالفعل، فليس مجرد وعد. قوله:\rوَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ أي لم يبق له بداية ولا إعادة ولا نهاية، فهو كناية عن ذهابه بالمرة، وهذا بمعنى قوله تعالى: قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إن قلت: إن السورة مكية، والكفر في ذلك الوقت، كان له شوكة قوية، والإسلام كان ضعيفا، فكيف قال قُلْ جاءَ الْحَقُ إلخ؟ أجيب بأنه لتحقق وقوعه نزله منزلة الواقع، فعبر عنه بالماضي كقوله: أَتى أَمْرُ اللَّهِ.\rقوله: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي سبب نزولها: أن الكفار قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: تركت دين آبائك فضللت، والمعنى: فقل لهم يا محمد: إن حصل لي ضلال كما زعمتم، فإن وبال ضلالي على نفسي، لا يضر غيري، وقراءة العامة بفتح اللام من باب ضرب، وقرىء شذوذا بكسر اللام من باب علم. قوله: وَإِنِ اهْتَدَيْتُ إلخ، أي لأن الاهتداء لا يكون إلا بهدايته وتوفيقه. قوله: فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي أي بسبب إيحاء ربي إلي، أو بسبب الذي يوحيه إلي، فما مصدرية أو موصولة، والمعنى فهداي بفضل اللّه تعالى، فحاصل المعنى المراد، أنه إن كان بي ضلال، فمن نفسي لنفسي، وإن كان بي هدى، فمن فضل اللّه بالوحي إلي، على حد قوله تعالى: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ. قوله: إِنَّهُ سَمِيعٌ أي يسمع كل ما خفي وما ظهر، وقوله: قَرِيبٌ أي قرب مكانة لا مكان.\rقوله: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ يحتمل أن مفعول تَرى محذوف تقديره: ولو ترى حالهم وقت فزعهم، ويحتمل أن إِذْ مفعول تَرى أي ولو ترى وقت فزعهم؛ واسناد الرؤية للوقت","part":3,"page":270},{"id":1384,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 271\rوَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (51) أي القبور وَقالُوا آمَنَّا بِهِ بمحمد أو القرآن وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ بالواو وبالهمزة بدلها أي تناول الإيمان مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (52) عن محله إذ هم في الآخرة ومحله الدنيا وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ في الدنيا وَيَقْذِفُونَ يرمون بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (53) أي بما غاب علمه عنهم غيبة بعيدة حيث قالوا في النبي ساحر شاعر كاهن، وفي القرآن سحر شعر كهانة وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ من الإيمان أي قبوله كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ أشباههم في الكفر مِنْ قَبْلُ أي قبلهم إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54) موقع في الريبة لهم فيما آمنوا به الآن ولم يعتدوا بدلائله في الدنيا.\r______________________________\rمجاز، وحقه أن يسند لهم، وقوله: (عند البعث) أحد أقوال في وقت الفزع، وقيل: في الدنيا يوم بدر، حين ضربت أعناقهم بسيوف الملائكة، فلم يستطيعوا الفرار إلى التوبة، وقيل: نزلت في ثمانين ألفا، يأتون في آخر الزمان، يغزون الكعبة ليخربوها، فلما يدخلون البيداء يخسف بهم، فهو الأخذ من مكان قريب. قوله: (لرأيت أمرا عظيما) أشار بذلك إلى أن جواب لو محذوف. قوله: فَلا فَوْتَ أي لا مخلص ولا مهرب. قوله: (أي القبور) أي وهي قريبة من مساكنها في الدنيا، أو المعنى قبضت أرواحهم في أماكنها فلم يمكنهم الفرار، وقيل: أخذوا من مكان قريب، وهي القبور لجهنم، فيخرجون من قبورهم لها.\rقوله: وَقالُوا آمَنَّا بِهِ أي قالوا ذلك وقت حصول الفزع، وهو وقت نزول العذاب بهم. قوله:\rوَأَنَّى لَهُمُ أي كيف يمكنهم الخلاص والظفر بمطلوبهم وهم في الآخرة، مع أن ذلك لا يحصل ولا يكون إلا في الدنيا، وهي بعيدة في الآخرة؟ فالماضي بعيد إذ لا يعود، والمستقبل قريب لأنه آت، وكل آت قريب. قوله: التَّناوُشُ أي الرجوع إلى الدنيا للإيمان وقبول التوبة قوله: (بالواو وبالهمزة) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: وَقَدْ كَفَرُوا إلخ، الجملة حالية، أي يستبعد تناولهم الإيمان في الآخرة، والحال أنهم كفروا في الدنيا. قوله: وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ أي يتكلمون في الرسول بالمطاعن والنقص من جانب بعيد من أمره، وهو الشبه التي اقترحوها في جانب الرسول، ويتكلمون في العذاب، ويحلفون على نفيه من جانب بعيد عنهم، من حيث إنهم لم يعلموا ذلك، فالمكان البعيد هو ظنهم الفاسد، فهو بعيد عن رتبة العلم. قوله: (غيبة بعيدة) أي عن الصدق.\rقوله: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ أي في الآخرة. قوله: (أي قبوله) أي بحيث يخلصهم في الآخرة. قوله: بِأَشْياعِهِمْ جمع شيع، وشيع جمع شيعة، فالأشياع جمع الجمع، وهم قوم الرجل وأنصاره وأتباعه، المراد بهم هنا أشبهاههم في الكفر كما قال المفسر. قوله: مِنْ قَبْلُ صفة للأشياع. قوله: (أي قبلهم) أي الذين كانوا سابقين عليهم في الزمان لا في العذاب، فإن زمن عذابهم في القيامة متحد. قوله: (موقع في الريبة لهم) أي فهو من أراد به إذا أوقعه في الريبة وهي الشك، فهو كقولهم: عجب عجيب، وشعر شاعر، من باب التأكيد. قوله: (و لم يعتدوا بدلائله) حال من الواو في (آمنوا) أي آمنوا به في الآخرة، والحال أنهم لم يعتدوا في الدنيا بدلائله.","part":3,"page":271},{"id":1385,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 272\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة فاطر مكيّة وهي خمس أو ست وأربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ حمد اللّه تعالى نفسه بذلك، كما بين في أول سبأ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خالقهما على غير مثال سبق جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا إلى الأنبياء\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة فاطر\rمكية وهي خمس أو ست وأربعون آية أي تسمى سورة الملائكة أيضا. قوله: (حمد اللّه تعالى نفسه) أي تعظيما لنفسه، وتعليما لخلقه كيفية الثناء عليه، فأل في الحمد الصادر منه تعالى، يحتمل أن تكون للاستغراق أو للجنس، ولا يصح أن تكون عهدية، لأنه لم يكن ثم شيء معهود غير الحاصل بهذه الجملة، وأما في كلام العباد، فالأولى أن تكون عهدية، والمعهود هو الحمد الصادر منه تعالى لنفسه. قوله: (كما بين في أول سورة سبأ) أي حيث قال هناك: حمد تعالى نفسه بذلك، المراد به الثناء بمضمونه من ثبوت الحمد، وهو الوصف الجميل، وعلم أن السور المفتتحة بالحمد أربع: الأنعام والكهف وسبأ وفاطر، وحكمة افتتاحها بذلك، أن فيها تفصيل النعم الدينية والدنيوية التي احتوت عليها الفاتحة. قوله: (على غير مثال ذلك) أي وإن كان لهما مادة، وهو النور المحمدي، فالمنفي المثال السابق فقط.\rقوله: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ نعت ثاني للفظ الجلالة، وجاعِلِ وإن كان بمعنى المضي، إلا أنه للاستمرار، فباعتبار دلالته على المضي، تكون إضافته محضة، فيصلح لوصف المعرفة به، وباعتبار دلالته على الحال والاستقبال، يصلح للعمل في رُسُلًا. قوله: (إلى الأنبياء) أي بالوحي، وحينئذ فيراد بعض الملائكة لا كلهم، وعبارة البيضاوي أوضح من هذه وأولى، ونصها: جاعل الملائكة رسلا وسائط بين اللّه تعالى، وبين أنبيائه والصالحين من عباده، يبلغون إليهم رسالاته بالوحي والإلهام والرؤيا الصالحة، أو بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار صنعه.","part":3,"page":272},{"id":1386,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 273\rأُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ في الملائكة وغيرها ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ كرزق ومطر فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ من ذلك فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ إي بعد إمساكه وَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب على أمره الْحَكِيمُ (2) في فعله يا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بإسكانكم الحرم ومنع الغارات\r______________________________\rقوله: أُولِي أَجْنِحَةٍ يصح أن يكون صفة لرسلا، وهو إن كان صحيحا من جهة اللفظ لتوافقهما تنكير، إلا أنه يوهم أن الأجنحة لخصوص الرسل، مع أنها لكل الملائكة، فالأحسن جعله صفة أو حالا من الملائكة، نظرا لأل الجنسية. قوله: مَثْنى بدل من أَجْنِحَةٍ مجرور بفتح مقدرة، نيابة عن الكسرة المقدرة، لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف الوصفية والعدل، لكونه معدولا عن اثنين اثنين. قوله: وَثُلاثَ وَرُباعَ إن قلت: في أي محل يكون الجناح الثالث لذي الثلاثة؟ قلت: لعله يكون في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بالقوة.\rقوله: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ جملة مستأنفة سيقت لبيان باهر قدرته تعالى. قوله: (في الملائكة) أي في صورهم، فقد قال الزمخشري: رأيت في بعض الكتب، أن صنفا من الملائكة لهم ستة أجنحة، فجناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان للطير يسيرون بهما في الأمر من أمور اللّه، وجناحان على وجوههم حياء من اللّه تعالى، وفي الحديث: «رأيت جبريل عند سدرة المنتهى، وله ستمائة جناح، يتناثر من رأسه الدر والياقوت». وروى أنه سأل جبريل أن يتراءى له في صورته فقال: إنك لن تطيق ذلك. فقال: إني أحب أن تفعل، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ليلة مقمرة، فأتاه جبريل في صورته، فغشي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ثم أفاق وجبريل عليه السّلام مسنده، وإحدى يديه على صدره، والأخرى بين كتفيه، فقال: سبحان اللّه ما كنت أرى شيئا من الخلق هكذا، فقال جبريل: فكيف لو رأيت اسرافيل، له اثنا عشر ألف جناح، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله، وإنه ليتضاءل الأحايين، أي يتصاغر الأزمان لعظمة اللّه، حتى يعود مثل الوصع، وهو العصفور الصغير. قوله: (و غيرها) أي من جميع الخلق، كطول القامة، واعتدال الصورة، وتمام الأعضاء، وقوة البطش، وحسن الصوت، والشعر، والخط، وغير ذلك من الكمالات التي أعطاها اللّه لخلقه. قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كالتعليل لما قبله.\rقوله: ما يَفْتَحِ اللَّهُ ما إما شرطية، ويَفْتَحِ فعل الشرط، وقوله: فَلا مُمْسِكَ لَها جواب الشرط، أو موصولة مبتدأ، وقوله: يَفْتَحِ صلتها، وقوله: فَلا مُمْسِكَ لَها خبر المبتدأ، وقرن بالفاء لما في المبتدأ من العموم، وقوله: مِنْ رَحْمَةٍ بيان لما. قوله: (كرزق) أي دنيوي أو أخروي، وعبر في جانب الرحمة بالفتح، إشارة إلى أنها شيء عزيز نفيس، شأنه أن يوضع في خزائن، وأتى بها منكرة، لتعم كل رحمة دنيوية أو أخروية. قوله: فَلا مُمْسِكَ لَها أنث مراعاة لمعنى ما وهو الرحمة. قوله: وَما يُمْسِكْ يصح أن يبقى على عمومه، فالتذكير في قوله ظاهر، ويصح أن يكون قد حذف من الثاني، لدلالة الأول عليه، والتذكير مراعاة اللفظ، وقد أشار المفسر لهذا الثاني بقوله: (من ذلك) يعني من الرحمة. قوله: (أي أهل مكة) تفسير للناس باعتبار سبب النزول، وإلا فالعبرة بعموم اللفظ.","part":3,"page":273},{"id":1387,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 274\rعنكم هَلْ مِنْ خالِقٍ من زائدة وخالق مبتدأ غَيْرُ اللَّهِ بالرفع والجر، نعت لخالق لفظا ومحلا وخبر المبتدأ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ المطر وَمن الْأَرْضِ النبات والاستفهام للتقرير، أي لا خالق رازق غيره لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3) من أين تصرفون عن توحيده، مع إقراركم بأنه الخالق الرازق؟ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ يا محمد في مجيئك بالتوحيد والبعث والحساب والعقاب فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ في ذلك فاصبر كما صبروا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4) في الآخرة، فيجازي المكذبين، وينصر المرسلين يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالبعث وغيره حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا عن الإيمان بذلك وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ في حلمه وإمهاله الْغَرُورُ (5) الشيطان إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا بطاعة اللّه ولا تطيعوه إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ أتباعه في الكفر\r______________________________\rقوله: اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أي اشكروه على تلك النعم التي اسداها إليكم. قوله:\r(بإسكانكم) إلخ، أشار بذلك إلى أن النعمة بمعنى الإنعام، ويصح أن تكون بمعنى المنعم به. قوله:\r(و خالق مبتدأ) أي مرفوع بضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. قوله: (بالجر والرفع) أي فهما قراءتان سبعيتان، وقوله: (لفظا أو محلا) لف ونشر مرتب، وفي بعض النسخ بتقديم الرفع، فيكون لفا ونشرا مشوشا، وقرىء شذوذا بالنصب على الاستثناء. قوله:\r(و الاستفهام للتقرير) أي والتوبيخ. قوله: (أي لا خالق رازق غيره) هذا حل معنى لا حل إعراب، وإلا لقال: لا خالق غيره رازق لكم. قوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كلام مستأنف لتقرير النفي المتقدم. قوله:\rفَأَنَّى تُؤْفَكُونَ من الإفك بالفتح وهو الصرف، وبابه ضرب، ومنه قوله تعالى: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا وأما الإفك بالكسر فهو الكذب. قوله: (من أين تصرفون عن توحيده) أي كيف تعبدون غيره. مع أنه ليس في ذلك الغير وصف يقتضي عبادته من دون اللّه.\rقوله: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ أي يدوموا على تكذيبك، وهذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (فاصبر كما صبروا) قدره إشارة إلى أن جواب الشرط محذوف، والمعنى فتأسى بمن قبلك ولا تحزن. قوله: (فيجازي المكذبين) أي بإدخالهم النار، وقوله: (و ينصر المرسلين) أي بقبول شفاعتهم وإدخالهم دار الكرامة. قوله: (و غيره) أي كالحساب والعقاب.\rقوله: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا المراد نهيهم عن الاغترار بها، والمعنى فلا تغتروا بالدنيا، فيذهلكم التمتع بها عن طلب الآخرة والسعي لها. قوله: (في حلمه) أي بسببه، والمعنى لا تجعلوا حلمه وامهاله سببا في اتباعكم الشيطان. قوله: الْغَرُورُ هو بالفتح في قراءة العامة كالصبور والشكور، وقرىء شذوذا بضمها، إما جمع غار كقاعد وقعود، أو مصدر كالجلوس.\rقوله: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ أي عظيم، فإن عداوته قديمة مؤسسة من عهد آدم، قوله: فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا أي فكونوا منه على حذر في جميع أحوالكم، ولا تأمنوا له في السر والعلانية، ولا تقبلوا منه صرفا ولا عدلا، قال البوصيري:\rوخالف النفس والشيطان واعصهما ... وإن هما محضاك النصح فاتهم\r\rولا تطع منهما خصما ولا حكما ... فأنت تعرف كيد الخصم والحكم","part":3,"page":274},{"id":1388,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 275\rلِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (6) النار الشديد الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) هذا بيان ما لموافقي الشيطان وما لمخالفيه. ونزل في أبي جهل وغيره أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ بالتمويه فَرَآهُ حَسَناً من مبتدأ خبره كمن هداه اللّه لا، دل عليه فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ على المزين لهم حَسَراتٍ باغتمامك أن لا يؤمنوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (8) فيجازيهم عليه وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ وفي قراءة الريح فَتُثِيرُ سَحاباً المضارع لحكاية الحال الماضية أي تزعجه فَسُقْناهُ فيه التفات عن الغيبة إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ بالتشديد والتخفيف لا نبات بها فَأَحْيَيْنا بِهِ\r______________________________\rقوله: إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ إلخ بيان لوجه عداوته وتحذير من طاعته. قوله: (هذا) أي\rقوله:\rالَّذِينَ كَفَرُوا إلى آخره، والمعنى من كفر من أول الزمان إلى آخره، فله العذاب الشديد، ومن آمن من أول الزمان إلى آخره، فله المغفرة والأجر الكبير. قوله: (و نزل في أبي جهل وغيره) أي من مشركي مكة، كالعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وعقبة بن أبي معيط وأضرابهم، ويؤيد هذا القول آيات منها:\rلَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ. ومنها: وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ. ومنها: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً وغير ذلك. ففي هذه الآيات تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم على كفر قومه، وقيل:\rهذه الآية نزلت في الخوارج الذين يحرفون تأويل الكتاب والسنة، ويستحلون بذلك دماء المسلمين وأموالهم، استحوذ عليهم الشيطان، فأنساهم ذكر اللّه، أولئك حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون، نسأل اللّه الكريم أن يقطع دابرهم. وقيل: نزلت في اليهود والنصارى. وقيل: نزلت في الشيطان، حيث زين له أنه العابد التقي، وآدم العاصي، فخالف ربه لاعتقاده أنه على كل شيء.\rقوله: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ أي زين له الشيطان ونفسه الأمارة عمله السيىء، فهو من اضافة الصفة للموصوف. قوله: (بالتمويه) أي التحسين ظاهرا بأن غلب وهمه على عقله، فرأى الحق باطلا، والباطل حقا، وأما من هداه اللّه، فقد رأى الحق حقا فاتبعه، ورأى الباطل باطلا فاجتنبه. قوله: (لا) اشار بذلك إلى أن الاستفهام انكاري. قوله: (دل عليه) أي على تقدير الخبر، والمعنى حذف الخبر لدلالة قوله: فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ إلخ عليه، وفي هذه الآية رد على المعتزلة الذين يزعمون أن العبد يخلق أفعال نفسه، فلو كان كذلك، ما أسند الاضلال والهدى للّه تعالى.\rقوله: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ عامة القراء على فتح التاء والهاء، ورفع نفس على الفاعلية، ويكون المعنى: لا تتعاط أسباب ذلك، وقرىء شذوذا بضم التاء وكسر الهاء، ونَفْسُكَ مفعول به، ويكون المعنى: لا تهلكها على عدم إيمانهم. قوله: حَسَراتٍ مفعول لأجله، جمع حسرة، وهي شدة التلهف على الشيء الفائت. قوله: (فيجازيهم عليه) أي إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. قوله: (و في قراءة التلهف على الشيء الفائت. قوله: (فيجازيهم عليه) أي إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. قوله: (و في قراءة الريح) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (لحكاية الحال الماضية) أي استحضارا لتلك الصورة العجيبة التي تدل على كمال قدرته تعالى. قوله: (أي تزعجه) أي تحركه وتثيره. قوله: (فيه التفات عن الغيبة) أي","part":3,"page":275},{"id":1389,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 276\rالْأَرْضَ من البلد بَعْدَ مَوْتِها يبسها أي أنبتنا به الزرع والكلأ كَذلِكَ النُّشُورُ (9) أي البعث والإحياء مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً أي في الدنيا والآخرة، فلا تنال منه إلا بطاعته فليطعه إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ يعلمه وهو: لا إله إلا اللّه، ونحوها وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ يقبله وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ المكرات السَّيِّئاتِ بالنبي في دار الندوة من تقييده أو قتله أو إخراجه، كما ذكر في الأنفال لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (10) يهلك وَاللَّهُ\r______________________________\rالكائنة في\rقوله: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ. قوله: إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ البلد يذكر ويؤنث، يطلق على القطعة من الأرض، عامرة أو خالية. قوله: (بالتشديد) والتخفيف) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (لا نبات بها) أي فالمراد بالموت وعدم النبات والمرعى، وبالحياة وجودهما. قوله: (من البلد) (من) بيانية. قوله:\rكَذلِكَ النُّشُورُ أي كمثل احياء الأرض بالنبات احياء الأموات، ووجه الشبه، أن الأرض الميتة لما قبلت الحياة اللائقة بها، كذلك الأعضاء تقبل الحياة اللائقة بها، فإن البلد الميت تساق إليها المياه فتحيا بها، والأجساد تساق إليها الأرواح فتحيا بها.\rقوله: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً مَنْ شرطية مبتدأ، وجوابها محذوف، قدره المفسر بقوله: (فليطعه) وقوله: فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ تعليل للجواب، واختلف في هذه الآية فقيل: المراد من كان يريد أن يسأل عن العزة لمن هي؟ فقل له: للّه العزة جميعا. وقيل: المراد من أراد العزة لنفسه فليطلبها من اللّه، فإن له لا لغيره، وطلبها يكون بطاعته والالتجاء إليه، والوقوف على بابه، لما ورد في الحديث:\r«من أراد عز الدارين فليطع العزيز، ومن طلب العزة من غيره تعالى كسي من وصفه» وهو الذل، لأن وصف العبد الذل، ووصف اللّه العز، فمن التجأ إلى اللّه، كساه اللّه من وصفه، ومن التجأ إلى العبد كساه اللّه من وصف ذلك العبد، لما ورد: من استعز بقوم أورثه اللّه ذلهم، وقال الشاعر:\rوإذا تذللت الرقاب تواضعا ... منا إليك فعزها في ذلها\r\rقوله: (يعلمه) أشار بذلك إلى أن في الكلام مجازا، فالصعود مجاز عن العلم، كما يقال: ارتفع الأمر إلى القاضي، يعني علمه، وعبر عنه بالصعود، إشارة لقبوله؛ لأن موضع الثواب فوق، وموضع العذاب أسفل، وقيل: المعنى يصعد إلى سمائه، وقيل: يحتمل الكتاب الذي كتب فيه طاعة العبد إلى السماء. قوله: (و نحوها) أي من الأذكار والتسبيح وقراءة القرآن. قوله: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ أي كالصلاة والصوم، وغير ذلك من الطاعات. قوله: وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ بيان لحال الكلم الخبيث والعمل السيىء، بعد بيان حال الكلم الطيب والعمل الصالح. قوله: (المكرات) قدره اشارة إلى أن السيئات، صفة لموصوف محذوف مفعول مطلق ليمكرون، لأن مكر لازم لا ينصب المفعول، والمكر: الحيلة والخديعة. قوله: (في دار الندوة) أي وهي التي بناها قصي بن كلاب للتحدث والمشاورة. قوله: (كما ذكر في الأنفال) أي في قوله تعالى: إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا الآيات، وقد فصلت هناك. قوله: وَمَكْرُ أُولئِكَ أتى باسم الاشارة البعيد، اشارة لبعدهم عن الرحمة واشتهارهم بالبغي والفساد. قوله: هُوَ يَبُورُ هُوَ مبتدأ ثان، ويَبُورُ خبره، والجملة خبر الأول، ويصح أن يكون ضمير فصل لا محل","part":3,"page":276},{"id":1390,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 277\rخَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ بخلق أبيكم آدم منه ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ أي منّي بخلق ذرّيته منها ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً ذكورا وإناثا وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ حال أي معلومة له وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ أي ما يزاد في عمر طويل العمر وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ أي ذلك المعمر أو معمر آخر إِلَّا فِي كِتابٍ هو اللوح المحفوظ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11) هين وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ شديد العذوبة سائِغٌ شَرابُهُ شربه وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ شديد الملوحة وَمِنْ كُلٍ منهما تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا هو السمك وَتَسْتَخْرِجُونَ من الملح وقيل منهما حِلْيَةً تَلْبَسُونَها هي اللؤلؤ والمرجان وَتَرَى تبصر الْفُلْكَ السفن فِيهِ في كل منهما مَواخِرَ\r______________________________\rله من الاعراب، وقولهم: إن الفصل لا يقع قبل الخبر إذا كان فعلا مردود بجواز ذلك.\rقوله: (بخلق أبيكم آدم منه) ويصح أن يراد خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ بواسطة أن النطفة من الغذاء وهو من التراب.\rقوله: أَزْواجاً أي أصنافا. قوله: مِنْ أُنْثى مِنْ زائدة في الفاعل. قوله: (حال) أي من أنثى.\rقوله: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ بفتح الميم في قراءة العامة. قال ابن عباس: ما يعمر من معمر، إلا كتب عمره، كم هو سنة؟ وكم هو شهرا؟ وكم هو يوما؟ وكم هو ساعة؟ ثم يكتب في كتاب آخر: نقص من عمره يوم، نقص شهر، نقص سنة، حتى يستوفي أجله، فما مضى من أجله فهو النقصان، وما يستقبله فهو الذي يعمره، وهذا هو الأحسن، وقيل: إن اللّه كتب عمر الإنسان مائة سنة إن أطاع، وتسعين إن عصى، فأيهما بلغ فهو كتاب، وهذا مثل قوله عليه السّلام: «من أحب أن يبسط اللّه له في رزقه، وينسأ له في أثره، أي يؤخر في عمره، فليصل رحمه» أي إنه يكتب في اللوح المحفوظ: عمر فلان كذا سنة، فإن وصل رحمه يزيد في عمره كذا سنة، فبين ذلك في موضع آخر من اللوح المحفوظ، أنه سيصل رحمه، فمن أطلع على الأول دون الثاني، ظن أنه زيادة أو نقصان. قوله: (أو معمر آخر) أي على حد: عندي درهم ونصفه، أي فالمعنى: ما يزاد في عمر شخص بأن يكون أجله طويلا، ولا ينقص من عمر آخر بأن يكون عمره قصيرا إلا في كتاب. قوله: إِنَّ ذلِكَ أي كتابة الأعمار والآجال، قوله: عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أي سهل غير متعذر.\rقوله: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا مثل المؤمن والكافر، وقوله: (شديد العذوبة) أي يكسر وهج العطش، وقوله: سائِغٌ أي يسهل الحرارة. قوله: (شربه) إنما فسر الشراب بالشرب، لأن الشراب هو المشروب، فيلزم إضافة الشيء لنفسه. قوله: أُجاجٌ أي يحرق الحلق بملوحته. قوله: وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ إلخ، يحتمل أنه استطراد لبيان صفة البحرين وما فيهما من المنافع، والمثل قد تم بما قبله وهو الأظهر، وقيل: هو من تمام التمثيل، يعني أنهما وإن اشتركا في بعض الأوصاف، لا يستويان في جميعها كالبحرين، فإنهما وإن اشتركا في بعض المنافع، لا يستويان في جميعها. قوله: (هو السمك) المراد به حيوانات البحر كلها، فيجوز أكلها. قوله: (و قيل منهما) أي ووجهه أن في البحر الملح عيونا عذبة تمتزج بالملح، فيخرج اللؤلؤ منهما عند الامتزاج. قوله: (و المرجان) هو عروق حمر، تطلع من البحر كأصابع الكف، وقيل: هو صغار اللؤلؤ.","part":3,"page":277},{"id":1391,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 278\rتمخر الماء أي تشقه بجريها فيه مقبلة ومدبرة بريح واحدة لِتَبْتَغُوا تطلبوا مِنْ فَضْلِهِ تعالى بالتجارة وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) اللّه على ذلك يُولِجُ يدخل اللّه اللَّيْلَ فِي النَّهارِ فيزيد وَيُولِجُ النَّهارَ يدخله فِي اللَّيْلِ فيزيد وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌ منهما يَجْرِي في فلكه لِأَجَلٍ مُسَمًّى يوم القيامة ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ تعبدون مِنْ دُونِهِ أي غيره وهم الأصنام ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) لفافة النواة إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا فرضا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ ما أجابوكم وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ بإشراككم إياهم مع اللّه، أي يتبرؤون منكم ومن عبادتكم إياهم وَلا يُنَبِّئُكَ بأحوال الدارين مِثْلُ خَبِيرٍ (14) عالم وهو اللّه تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ بكل حال وَاللَّهُ هُوَ\r______________________________\rقوله: لِتَبْتَغُوا متعلق بمواخر. قوله: (بالتجارة) أي وغيرها كالغزو والحج. قوله: (على ذلك) أي على ما أسداه إليك من تلك النعم.\rقوله: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ أي فيطول النهار، حتى يصير من طلوع الشمس لغروبها، أربع عشرة ساعة كأيام الصيف، وقوله: وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ أي فيطول الليل، حتى يكون من الغروب للطلوع أربع عشرة ساعة كأيام الشتاء، فالدائر بين الليل والنهار أربع ساعات، تارة تكون في الليل وتارة تكون في النهار.\rقوله: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ معطوف على يُولِجُ وعبر بالمضارع في جانب الليل والنهار، لأن إيلاج أحدها في الآخر يتجدد كل عام، وأما الشمس والقمر، فتسخيرهما من يوم خلقهما اللّه، فلا تجدد فيه، وإنما التجدد في آثارهما، فلذا عبر في جانبهما بالماضي. قوله: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلخ، هذا من جملة الأدلة على انفراده تعالى بالألوهية. قوله: (لفافة النواة) بكسر اللام، وهي القشرة الرقيقة الملتفة على النواة. واعلم أن النواة أربعة أشياء، ويضرب بها المثل في القلة: الفتيل: وهو ما في شق النواة، والقطمير: وهو اللفافة، والنقير: وهو ما في ظهرها، والثفروق: وهو ما بين القمع والنواة. قوله:\r(ما أجابوكم) أي بجلب نفع، ولا دفع ضر. قوله: (بإشراككم إياهم) أشار بذلك إلى أن المصدر مضاف للفاعل قوله: (أي يتبرؤون منكم) أي بقولهم: ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ.\rقوله: وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ أي لا يخبرك أحد مثلي، لأني عالم بالأشياء وغيري لا يعلمها، وهذا الخطاب يحتمل أن يكون عاما غير مختص بأحد، ويحتمل أن يكون خطابا له صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ إنما خاطب الناس بذلك، وإن كان كل ما سوى اللّه فقيرا، لأن الناس هم الذين يدعون الغنى وينسبونه لأنفسهم. والمعنى: يا أيها الناس، أنتم أشد الخلق افتقارا واحتياجا إلى اللّه، في أنفسكم وعيالكم وأموالكم، وفيما يعرض لكم من سائر الأمور، فلا غنى لكم عنه طرفة عين، ولا أقل من ذلك، ومن هنا قول الصديق رضي اللّه عنه: من عرف نفسه عرف ربه، أي من عرف نفسه، بالفقر والذل والعجز والمسكنة، عرف ربه بالغنى والعز والقدرة والكمال. قوله:\r(بكل حال) أي في حالة الفقر والغنى والضعف والقوة والذل والعز، فالعبد مفتقر لربه في أي حاله كان بها","part":3,"page":278},{"id":1392,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 279\rالْغَنِيُ عن خلقه الْحَمِيدُ (15) المحمود في صنعه بهم إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) بدلكم وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17) شديد وَلا تَزِرُ نفس وازِرَةٌ آثمة أي لا تحمل وِزْرَ نفس أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ نفس مُثْقَلَةٌ بالوزر إِلى حِمْلِها منه أحد ليحمل بعضه لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ المدعو ذا قُرْبى قرابة كالأب والابن وعدم الحمل في الشقين حكم من اللّه تعالى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ أي يخافونه وما رأوه لأنهم\r______________________________\rذلك العبد. قوله: الْحَمِيدُ إنما ذكره بعد الغنى، لدفع توهم أن غناه تعالى تارة ينفع وتارة لا، فأفاد أنه كما أنه غني، وهو منعم جواد محمود على إنعامه، لكونه يعطي النوال قبل السؤال، للبر والفاجر.\rقوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ هذا بيان لغناه المطلق، يعني أن إذهابكم ليس متوقفا على شيء، إلا على مشيئته، فإبقاؤكم من محض فضله. قوله: بِخَلْقٍ جَدِيدٍ أي بعالم آخر غير ما تعرفونه. قوله: (شديد) أي متعذر ومتعسر.\rقوله: وازِرَةٌ فاعل تَزِرُ وهو صفة لموصوف محذوف قدره المفسر بقوله:\r(نفس) والمعنى لا تحمل نفس وازرة وزر نفس أخرى، وأما غير الوازرة، فتحصل وزر الوازرة، بمعنى تشفع لها في غفرانه، لا بمعنى أنه ينتقل من الوازرة لغيرها. إن قلت: ما الجمع بين هذه الآية، وبين قوله تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ الآية؟ أجيب: بأن تلك الآية محمولة على من ضل، وتسبب في الضلال لغيره، فعليه وزر ضلاله، ووزر تسببه، لأن تسببه من فعله، فلم يحمل إلا أثقال نفسه، فرجع الأمر إلى أن الإنسان لا يحمل وزر غيره أصلا، بل كل نفس بما كسبت رهينة.\rقوله: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها أي وإن تدع نفس مثقلة بالذنوب نفسا إلى حملها، وهو بالكسر ما يحمل على ظهر أو رأس، وبالفتح ما كان في البطن أو على رأس شجرة. قوله: لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ العامة على قراءة يحمل مبنيا للمفعول، وشَيْءٌ نائب الفاعل، وقرىء شذوذا تحمل، بفتح التاء وكسر الميم، مسندا إلى ضمير النفس المحذوفة، وشيئا مفعول تحمل. قوله: وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى العامة على قراءة ذا بالنصب خبر كانَ واسمها ضمير يعود على (المدعو) كما قدره المفسر، وقرىء شذوذا بالرفع على أن كانَ تامة، والمعنى وإن تدع نفس مذنبة نفسا أخرى، إلى حمل شيء من ذنبها، لا يحمل منه شيء، ولو كانت تلك النفس الأخرى قريبة للداعية، كابنها أو أبيها، لما ورد: يلقى الأب والأم الابن فيقولان له: يا بني احمل عنا بعض، فيقول: لا أستطيع حسبي ما علي. قوله: (و في الشقين) أي الحمل القهري والاختياري. قوله: (حكم من اللّه تعالى) أي وهو لا يخلو عن حكمة عظيمة.\rقوله: إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ إِنَّما أداة حصر، والمعنى إن إنذارك مقصور على الذين يخشون ربهم، وقوله: بِالْغَيْبِ حال من فاعل قوله: يَخْشَوْنَ أي يخشونه، حال كونهم غائبين عنه، فالغيبة وصف العبيد لا وصف الرب، فإن وصف الرب القرب، قال تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ووصف العبيد الغيبة والحجاب، فالعبيد محجوبون عن ربهم بصفات جلاله، ويصح أن يكون حالا من المفعول، أي يخشونه، والحال أنه غائب عنهم، أي محتجب بجلاله فلا يرونه، وإلى هذا أشار المفسر بقوله: (و ما رأوه) فعدم رؤية اللّه تعالى، إنما هو من تحجبه بصفات الجلال، فإذا حاشية الصاوي على تفسير الجلالين/ ج 5/ م 6","part":3,"page":279},{"id":1393,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 280\rالمنتفعون بالإنذار وَأَقامُوا الصَّلاةَ أداموها وَمَنْ تَزَكَّى تطهر من الشرك وغيره فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ فصلاحه مختص به وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18) المرجع فيجزي بالعمل في الآخرة وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (19) الكافر والمؤمن وَلَا الظُّلُماتُ الكفر وَلَا النُّورُ (20) الإيمان وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) الجنة والنار وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ المؤمنون ولا الكفار، وزيادة لا في الثلاثة تأكيد إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ هدايته فيجيبه بالإيمان وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) أي الكفار، شبههم بالموتى فيجيبون إِنْ ما أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23) منذر لهم إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِ بالهدى بَشِيراً من أجاب إليه وَنَذِيراً من لم يجب إليه وَإِنْ ما مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا سلف فِيها نَذِيرٌ (24) نبي ينذرها وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ أي أهل مكة فَقَدْ كَذَّبَ\r______________________________\rتجلى بالجمال رأته الأبصار، وذلك يحصل في الآخرة لأهل الإيمان، وقد حصل في الدنيا لسيد الخلق على الإطلاق، وقد يتجلى بالجمال للقلوب في الدنيا فتراه، وهي الجنة المعجلة لأهل اللّه المقربين. قوله: (لأنهم المنتفعون بالإنذار) جواب عما يقال: كيف قصر الإنذار على أهل الخشية، مع أنه لجميع المكلفين.\rفأجاب: بأن وجه قصره عليهم انتفاعهم به، فكأنه قال: إنما ينفع إنذارك أهل الخشية. قوله: (أداموها) أي واظبوا عليها، بأركانها وشروطها وآدابها، وفي نسخة أدوها. قوله: (و غيره) أي كالمعاصي. قوله:\r(فصلاحه مختص به) أي فهو قاصر عليه لا يتعداه، فيجزى بالعمل في الآخرة، أي الخير والشر.\rقوله: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ إلخ، مثل ضربه اللّه المؤمن والكافر، وأفاد أولا الفرق بين ذاتيهما، وثانيا بين وصفيهما، وثالثا بين داريهما في الآخرة، وأما قوله: وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ إلخ، فهو مثل آخر على أبلغ وجه، لأن الأعمى ربما يكون فيه بعض نفع، بخلاف الميت.\rقوله: وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ جمع الظُّلُماتُ باعتبار أنواع الكفر، فإن أنواعه كثيرة، بخلاف الإيمان، فهو نوع واحد.\rقوله: وَلَا الْحَرُورُ هي الريح الحارة، خلاف السموم، فالحرور تكون بالنهار، والسموم بالليل، وقيل: الحرور والسموم: الليل والنهار. قوله: (و زيادة لا في الثلاثة) أي في الجمل الثلاث التي أولها وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وثانيها وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وثالثها وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ وإنما زيدت للتأكيد في الجميع، لأن نفي المساواة معلوم من ما النافية.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ من هنا إلى قوله: نَكِيرِ تسليه له. قوله: (شبههم بالموتى) أي في عدم التأثر بدعوته.\rقوله: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ أي فليس عليك إلا التبليغ، والهدى بيد اللّه يؤتيه من يشاء.\rقوله:\rبِالْحَقِ حال من الكاف، بدليل قول المفسر (بالهدى) كأنه قال: أرسلناك حال كونك هاديا. وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ أي تعلمها، وقوله: (نبي ينذرها) أي يخوفها من عقاب اللّه، وتنقضي شريعته بموته، فما بين الرسولين من أهل الفترة، وهم ناجون من أهل الجنة، وإن غيروا وبدلوا وعبدوا غير اللّه، بنص قوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وأما ما ورد من تعذيب بعض أهل الفترة، كعمرو بن لحي، وامرىء القيس، وحاتم الطائي، فقيل: إن ذلك لحكمة يعلمها اللّه لا لكفرهم، والتحقيق أنه خبر آحاد، وهو لا يعارض النص القطعي، وتقدم الكلام في ذلك عند قوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى","part":3,"page":280},{"id":1394,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 281\rالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ المعجزات وَبِالزُّبُرِ كصحف إبراهيم وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (25) هو التوراة والإنجيل، فاصبر كما صبروا ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا بتكذيبهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (26) إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك، أي هو واقع موقعه أَلَمْ تَرَ تعلم أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا فيه التفات عن الغيبة بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها كأخضر وأحمر وأصفر وغيرها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ جمع جدة طريق في الجبل وغيره بِيضٌ وَحُمْرٌ وصفر مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها بالشدّة والضعف وَغَرابِيبُ سُودٌ (27) عطف على جدد، أي صخور شديدة السواد، يقال كثيرا: أسود غربيب، وقليلا، غربيب أسود وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ كاختلاف الثمار والجبال إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ بخلاف الجهال ككفار مكة إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ في ملكه غَفُورٌ (28) لذنوب عباده المؤمنين إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ يقرؤون\r______________________________\rنَبْعَثَ رَسُولًا.\rقوله: وَبِالزُّبُرِ اسم لكل ما يكتب. قوله: (كصحف إبراهيم) أي وهي ثلاثون، وكصحف موسى قبل التوراة وهي عشرة، وكصحف شيث وهي ستون، فجملة الصحف مائة، تضم لها الكتب الأربعة، فجملة الكتب السماوية مائة وأربعة. قوله: (فاصبروا كما صبروا) قدره إشارة إلى أن جواب الشرط محذوف. قوله: (أي هو واقع موقعه) أشار بذلك إلى أن الاستفهام تقريري.\rقوله: أَلَمْ تَرَ خطاب لكل من تتأتى منه الرؤية، وهو كلام مستأنف، سيق لبيان باهر قدرته تعالى وكمال حكمته. قوله: (فيه التفات) أي وحكمته أن المنة في الإخراج، أبلغ من إنزال الماء، ولما في الإخراج من الصنع البديع الدال على كمال القدرة الإلهية. قوله: ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها أي في أصل اللون، كالأخضر والأصفر والأحمر، وفي شدة اللون الواحد وضعفه. قوله: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ قرأ العام بضم الجيم وفتح الدال، جمع جدة وهي الطريق، وقرىء شذوذا بضم الجيم والدال جمع جديدة، وبفتحهما. قوله: مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها مختلف صفة لجدود، وأَلْوانُها فاعل به، ومُخْتَلِفٌ خبر مقدم، وأَلْوانُها مبتدأ مؤخر، والجملة صفة لجدد. قوله: وَغَرابِيبُ سُودٌ الغربيب تأكيد للأسود، كالقاني تأكيد للأحمر، وإنما قدمه عليه للمبالغة. قوله: (يقال كثيرا) أي بتقديم الموصوف على الصفة، وهذا هو الأصل، وقوله: (و قليلا) أي بتقديم الصفة على الموصوف، وهذا خلاف الأصل، ويرتكب للمبالغة.\rقوله: وَمِنَ النَّاسِ خبر مقدم، وقوله: مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ صفة لموصوف محذوف هو المبتدأ، أي صنف مختلف ألوانه من الناس، وقوله: كَذلِكَ صفة لمصدر محذوف، أي اختلافا كذلك. قوله:\rإِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ أي أن خشية اللّه، شرطها العلم والمعرفة به، فمن اشتدت معرفته لربه، كان أخشاهم له، ولذا ورد في الحديث: «أنا أخشاكم للّه وأتقاكم له». وقرىء شذوذا برفع الجلالة ونصب العلماء، والمعنى إنما يعظم اللّه من العباد العلماء، وإنما كان كذلك، لكونهم أعرف الناس بربهم وأتقاهم له، فالواجب على الناس تعظيمهم واحترامهم، اقتداء باللّه تعالى، فإن اللّه أخبر أنه يعظمهم ويجلهم. قوله: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ تعليل لوجوب الخشية كأن قيل: يجب على كل انسان، أن يخشى اللّه تعالى، لأنه عزيز قاهر لما سواه، غفور للمذنبين.","part":3,"page":281},{"id":1395,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 282\rكِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ أداموها وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً زكاة أو غيرها يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (29) تهلك لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ ثواب أعمالهم المذكورة وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ لذنوبهم شَكُورٌ (30) لطاعتهم وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ القرآن هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ تقدمه من الكتب إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) عالم بالبواطن والظواهر ثُمَّ أَوْرَثْنَا أعطينا الْكِتابَ القرآن الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا وهم أمّتك فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بالتقصير في العمل به وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ يعمل به أغلب الأوقات وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ يضم إلى العمل التعليم والإرشاد إلى العمل بِإِذْنِ اللَّهِ بإرادته ذلِكَ أي إيراثهم الكتاب هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ إقامة يَدْخُلُونَها الثلاثة بالبناء للفاعل وللمفعول خبر جنات المبتدأ يُحَلَّوْنَ خبر ثان فِيها مِنْ بعض أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً\r______________________________\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ أي يقرؤونه على طهارة أو لا، على ظهر قلب أو في المصحف، وفضل اللّه واسع. قوله: (زكاة أو غيرها) لف ونشر مشوش، وهو تحضيض على الإنفاق كيفما تيسر.\rقوله: يَرْجُونَ تِجارَةً خبر إِنَ أي يرجون ثواب تجارة. قوله: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ اللام للعاقبة والصيرورة.\rقوله: شَكُورٌ أي يثيبهم على طاعتهم.\rقوله: مِنَ الْكِتابِ مِنَ لبيان الجنس أو للتبعيض. قوله: هُوَ الْحَقُ هو إما ضمير فصل أو مبتدأ، والْحَقُ خبر، والجملة خبر الَّذِي ومُصَدِّقاً حال مؤكدة. قوله: (عالم بالبواطن والظواهر) لف ونشر مرتب.\rقوله: ثُمَّ أَوْرَثْنَا أتى بثم إشارة لبعد رتبتهم عن رتبة غيرهم من الأمة. قوله: (أعطينا) أشار بذلك إلى أن المراد بالتوريث الإعطاء، ووجه تسميته ميراثا، أن الميراث يحصل للوارث بلا تعب ولا نصب، وكذلك إعطاء الكتاب حاصل بلا تعب ولا نصب، قوله: مِنْ عِبادِنا بيان للمصطفين.\rقوله: (و هم أمتك) أي أمة الإجابة، سواء حفظوه كلا أو بعضا، أو لا، وإلا فليس المراد بإعطاء الكتاب حفظه، بل الاهتداء بهديه والاقتداء به. قوله: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ إلخ، أي من غلبت سيئاته على حسناته، والمقتصد من غلبت حسناته على سيئاته، والسابق من لا تقع منه سيئة أصلا، ولذا ورد في الحديث في تفسير هذه الآية: «سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له». وقيل: الظالم هو راجح السيئات، والمقتصد هو الذي تساوت سيئاته وحسناته، والسابق هو الذي رجحت حسناته، وقيل الظالم هو الذي ظاهره خير من باطنه، والمقتصد من تساوى ظاهره وباطنه، والسابق من باطنه خير من ظاهره، وقدم الظالم على من بعده، ليقوى رجاؤه في ربه، ولئلا يعجب الطائع بعمله فيهلك، وهذا على حد ما قيل في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ.\rقوله: بِإِذْنِ اللَّهِ متعلق بقوله سابق، وإنما خص مع أن الكل بإذن اللّه، تنبيها على عزة هذه المرتبة، فأضيفت للّه.\rقوله: يَدْخُلُونَها إلخ، أتى بضمير جماعة الذكور في تلك الآيات، تغليبا للمذكر على المؤنث، وإلا فلا خصوصية للذكور. قوله: (بالبناء للفاعل وللمفعول) أي فهما قراءتان سبعيتان.","part":3,"page":282},{"id":1396,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 283\rمرصع بالذهب وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (33) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ جميعه إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ للذنوب شَكُورٌ (34) للطاعات الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ أي الإقامة مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ تعب وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (35) إعياء من التعب لعدم التكليف فيها، وذكر الثاني التابع للأول للتصريح بنفيه وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ بالموت فَيَمُوتُوا يستريحوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها طرفة عين كَذلِكَ كما جزيناهم نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) كافر بالياء والنون والمفتوحة مع كسر الزاي ونصب كل وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها يستغيثون بشدة وعويل يقولون رَبَّنا أَخْرِجْنا منها نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ فيقال\r______________________________\rقوله: (مرصع بالذهب) تقدم أنه أحد قولين، وقيل: إنهم يحلون فيها أسورة من ذهب، وأسورة من فضة، وأسورة من لؤلؤ.\rقوله: وَقالُوا عبر بالماضي لتحقق وقوعه. قوله: (جميعه) أي كخوف الأمراض والفقر والموت وزوال النعم، وغير ذلك من آفات الدنيا وهمومها.\rقوله: الَّذِي أَحَلَّنا أي أدخلنا وأسكننا. قوله: دارَ الْمُقامَةِ مفعول ثان لأحلنا، والمراد بها الجنة التي تقدم ذكرها. قوله: لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ حال من ضمير أحلنا البارز. قوله: (تعب) أي فلا نوم في الجنة لعدم التعب بها.\rقوله: (إعياء من التعب) أي فإذا اشتهى الشخص من أهل الجنة، أين يسير وينظر ويتمتع بجميع ما أعطاه اللّه، من الحور والغرف والقصور، في أقل زمن فعل، ولا يحصل له إعياء ولا مشقة، وبالجملة فأحوال الجنة، لا تقاس على أحوال الدنيا، وهذه الآية فيها أعظم بشرى لهذه الأمة المحمدية. قوله:\r(و ذكر الثاني) جواب عما يقال: ما الفائدة في نفي اللغوب، مع أن انتفاءه يعلم من انتفاء النصب، لأن انتفاء السبب، يستلزم انتفاء المسبب.\rقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا إلخ، هذا مقابل قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ على حكم عادته سبحانه وتعالى في كتابه، إذا ذكر أوصاف المؤمنين، أعقبه بذكر أوصاف الكفار. قوله: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ أي لا يحكم عليهم بالموت، وقوله: فَيَمُوتُوا مسبب على قوله: لا يُقْضى وهو منفي أيضا، لأنه يلزم من انتفاء السبب انتفاء المسبب. إن قلت: إن في هذه الآية دليلا على أن أهل النار لا يموتون، وفي آية أخرى لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى * فيقتضي أن أهل النار حالة بين الحالتين، مع أنه لا واسطة. وأجيب: بأن المعنى لا يموتون فيستريحون من العذاب، ولا يحيون حياة طيبة.\rقوله: وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها أي بحيث ينقطع عنهم زمنا ما، وبهذا اندفع ما قيل: إن بعض أهل النار يخفف عنه، كأبي طالب، وأبي لهب، لما ورد: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تشفع في أبي طالب، فتقل من ضحضاح من نار، ينتعل بنعلين يغلي منهما دماغه، وورد: أن أبا لهب يسقى في نقرة إبهامه ماء، كل ليلة اثنين، لعتقه جاريته ثويبة حين بشرته بولادته صلّى اللّه عليه وسلّم، فتحصل أن المراد بعدم التخفيف، عدم انقطاعه عنهم، وإن كان يحصل لبعضهم بعض تخفيف فيه. قوله: (بالياء) أي المضمومة مع فتح الزاي ورفع كُلَ، وقوله: (و النون المفتوحة) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: يَصْطَرِخُونَ فِيها. أي يصيحون فيها. قوله: (و عويل) العويل رفع الصوت بالبكاء. قوله: (يقولون) قدره إشارة إلى أن\rقوله:\rرَبَّنا أَخْرِجْنا إلخ. مقول لقول محذوف معطوف على قوله: يَصْطَرِخُونَ. قوله: (منها) قدره هنا","part":3,"page":283},{"id":1397,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 284\rلهم أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما وقتا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ الرسول فما أجبتم فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ الكافرين مِنْ نَصِيرٍ (37) يدفع العذاب عنهم إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (38) بما في القلوب، فعلمه بغيره أولى بالنظر إلى حال الناس هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ جمع خليفة، أي يخلف بعضكم بعضا فَمَنْ كَفَرَ منكم فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ أي وبال كفره وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً غضبا وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً (39) للآخرة قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وهم الأصنام الذين زعمتم أنهم شركاء اللّه تعالى أَرُونِي أخبروني ما ذا خَلَقُوا مِنَ\r______________________________\rلدلالة الآية الأخرى عليه. قوله: صالِحاً صفة لموصوف محذوف تقديره عملا صالحا. قوله: (فيقال لهم) أي على سبيل التوبيخ والتبكيت.\rقوله: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ الهمزة داخلة على محذوف تقديره: أتعتذرون وتقولون رَبَّنا أَخْرِجْنا إلخ، ولم نؤخركم ونمهلكم ونعطكم عمرا، يتمكن فيه مريد التذكر من التذكر والتفكر قوله: ما يَتَذَكَّرُ ما نكرة موصوفة بمعنى وقت، ولذا قدره المفسر. قوله: وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ عطف على معنى الجملة الاستفهامية، كأنه قال: قروا بأننا عمرناكم وجاءكم النذير. قوله: (الرسول) أي رسول كان، لأن هذا الكلام مع عموم الكفار، من أول الزمان لآخره.\rقوله: فَذُوقُوا مرتب على محذوف قدره المفسر بقوله: (فما أجبتم) فاندفع ما يقال: إن ظاهر الآية، ربما يوهم أن إذاقتهم العذاب، مرتبة على مجيء الرسول، مع أنه ليس كذلك. قوله: مِنْ نَصِيرٍ مَنْ زائدة ونَصِيرٍ مبتدأ خبره الجار والمجرور قبله.\rقوله: غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ما غاب عنا فيهما. قوله: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ تعليل لما قبله، كأنه قيل: إذا علم ما خفي في الصدور، كأن أعلم بغيرها، من باب أولى، وقوله: (بالنظر إلى حال الناس) جواب عما يقال: علم اللّه لا تفاوت فيه، بل جميع الأشياء مستوية في علمه، لا فرق بين ما خفي منها على الخالق، وما ظهر لهم، فأجاب بما ذكر، أي أن الأولوية من حيث عادة الناس الجارية، أن من علم الخفي، يعلم الظاهر بالأولى.\rقوله: هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ أي رعاة مسؤولين عن رعاياكم، من أنفسكم وأزواجكم وأولادكم وخدمكم، فكل إنسان خليفة في الأرض وهو راع، وكل راع مسؤول عن رعيته.\rقوله: (جمع خليفة) كذا في بعض النسخ بالتاء، وفي بعض النسخ بلا تاء، والأولى أولى، لأن خليفا جمعه خلفاء، وأما خليفة فجمعه خلائف. قوله: (أي وبال كفره) أي فلا يضر إلا نفسه. قوله: وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ، بيان لوبال كفرهم وعاقبته.\rقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إلخ، رأى بصرية تتعدى لمفعول واحد إن كانت بلا همز، وبالهمز كما هنا تتعدى لمفعولين: الأول قوله: شُرَكاءَكُمُ والثاني قوله: ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ على سبيل التنازع، لأن كلا من أرأيتم وأروني، طالب ما ذا خلقوا من الأرض على أنه مفعول له قوله: شُرَكاءَكُمُ أضافهم لهم من حيث إنهم جعلوهم شركاء، أو من حيث إنهم أشركوهم في أموالهم فإنهم كانوا يعينون","part":3,"page":284},{"id":1398,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 285\rالْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ شركة مع اللّه فِي خلق السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ حجة مِنْهُ بأن لهم معي شركة لا شيء من ذلك بَلْ إِنْ ما يَعِدُ الظَّالِمُونَ الكافرون بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً (40) باطلا بقولهم: الأصنام تشفع لهم إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا أي يمنعهما من الزوال وَلَئِنْ لام قسم زالَتا إِنْ ما أَمْسَكَهُما يمسكهما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ أي سواه إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (41) في تأخير عقاب الكفار وَأَقْسَمُوا أي كفار مكة بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ غاية اجتهادهم فيها لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ رسول لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ اليهود والنصارى وغيرهم، أي أيّ واحدة منها، لما رأوا من تكذيب بعضهم بعضا، إذ قالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست\r______________________________\rشيئا من أموالهم لآلهتهم، وينفقونه على خدمتها، ويذبحون عندها. قوله: ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أي أي شيء خلقه من الأمور التي في الأرض، كالحيوانات والنباتات والأشجار وغير ذلك. قوله: أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ أَمْ في الموضعين منقطعة تفسير ببل والهمزة. قوله: آتَيْناهُمْ أي الشركاء. قوله: عَلى بَيِّنَةٍ بالإفراد والجمع، قراءتان سبعيتان. قوله: (لا شيء من ذلك) جواب الاستفهام في الجمل الثلاث وهو انكاري.\rقوله: بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ لما ذكر نفي الحجج، أضرب عنه بذكر الأمر الحامل للرؤساء على الشرك وإضلال الأتباع، وهو قولهم لهم إنهم شفعاء عند اللّه. قوله: بَعْضُهُمْ بدل من الظَّالِمُونَ قوله: (بقولهم) أي الرؤساء للأتباع. قوله: (أي يمنعهما من الزوال) أشار بذلك إلى أن الإمساك بمعنى المنع، و\rقوله: أَنْ تَزُولا إِنَ وما دخلت عليه، في تأويل مصدر مفعول ثان على اسقاط من. قوله:\rوَلَئِنْ زالَتا اجتمع قسم وشرط، فقوله: إِنْ أَمْسَكَهُما جواب الأول، وحذف جواب الثاني على القاعدة المعروفة. قوله: مِنْ أَحَدٍ مِنْ زائدة في الفاعل، وقوله: مِنْ بَعْدِهِ مِنْ ابتدائية، والتقدير: ما أمسكهما أحد مبتدأ وناشئا من غيره.\rقوله: إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً تعليل لقوله: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أي فإمساكهما حاصل بحلمه وغفرانه، وإلا فكانتا جديرتين بأن تزولا، كما قال تعالى تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ الآية، فحلم اللّه تعالى من أكبر النعم على العباد، إذ لو لاه لما بقي شيء من العالم، فقول العامة: حلم اللّه يفتت الكبود، إساءة أدب. قوله: (أي كفار مكة) أي قبل أن يبعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم حين بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم، فلعنوا من كذب نبيه منهم، وأقسموا باللّه تعالى، لئن جاءهم نبي ينذرهم، لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ.\rقوله: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ الجهد بالفتح بلوغ الغاية في الاجتهاد، وأما بالضم فهو الطاقة، وإنما كان الحلف باللّه غاية أيمانهم، لأنهم كانوا يحلفون بآبائهم وأصنامهم، فإذا أرادوا التأكيد والتشديد حلفوا باللّه.\rقوله: لَيَكُونُنَ هذه حكاية لكلامهم بالمعنى، وإلا فلفظه لنكونن إلخ. قوله: مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ المراد من احدى الأحد الدائرة، فالمعنى من كل الأمم، فقول المفسر (أي أي واحدة منها) الأوضح أن","part":3,"page":285},{"id":1399,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 286\rاليهود على شيء فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ما زادَهُمْ مجيئه إِلَّا نُفُوراً (42) تباعدا عن الهدى اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ عن الإيمان مفعول له وَمَكْرَ العمل السَّيِّئِ من الشرك وغيره وَلا يَحِيقُ يحيط الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ وهو الماكر، ووصف المكر بالسيئ أصل، وإضافته إليه قبل استعمال آخر قدر فيه مضاف حذرا من الإضافة إلى الصفة فَهَلْ يَنْظُرُونَ ينتظرون إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ سنة اللّه فيهم من تعذيبهم بتكذيبهم رسلهم فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43) أي لا يبدل بالعذاب غيره، ولا يحول إلى غير مستحقه أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً فأهلكهم اللّه بتكذيبهم رسلهم وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ يسبقه ويفوته فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً أي بالأشياء كلها قَدِيراً (44) عليها وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما\r______________________________\rيقول: أي كل واحدة منها. قوله: ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً جواب لما، وفيه اشعار بأن فيهم أصل النفور، لكونهم جاهلية لم يأتهم نذير من عهد اسماعيل. قوله: (مفعول له) أي لأجل الاستكبار، وصح أن يكون بدلا من نفورا، أو حالا من ضمير زادهم، أي حال كونهم مستكبرين. قوله: (و وصف المكر بالسيئ) أي في\rقوله: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ وقوله: (أصل) أي جاء على الأصل من استعمال الصفة تابعة للموصوف. قوله: (و إضافته إليه قبل) أي في قوله: وَمَكْرَ السَّيِّئِ. قوله: (استعمال آخر) أي جاء على خلاف الأصل حيث أضيف فيه الموصوف للصفة. قوله: (قدر فيه مضاف) أي مضاف إليه، وقوله:\r(حذرا من الإضافة إلى الصفة) أي من اضافة المكر، الذي هو الموصوف إلى السيئ، الذي هو الصفة، فيجعل المكر مضافا لمحذوف، والسيئ صفة لذلك المحذوف، وتلك الإضافة من اضافة العام للخاص، لأن المكر يشمل الاعتقاد والعمل، فإضافته للعمل تخصيص له.\rقوله: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ إلا فلا ينتظرون إلا تعذيبهم كمن قبلها. قوله: (سنة اللّه فيهم) أشار بذلك إلى أن قوله: سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ مصدر مضاف لمفعوله، وسيأتي اضافته لفاعله في قوله:\rلِسُنَّتِ اللَّهِ. قوله: فَلَنْ تَجِدَ الفاء للتعليل كأنه قيل: لا ينتظرون إلا تعذيبهم كمن قبلهم، لأنك أيها العاقل لن تجد إلخ. قوله: (أي لا يبدل بالعذاب غيره ولا يحول إلى غير مستحقه) أشار بذلك إلى أن المراد بالتبديل، تغيير العذاب يغيره، والتحويل نقله لغير مستحقه، وجمع بينهما للتهديد والتقريع.\rقوله:\rأَوَلَمْ يَسِيرُوا الهمزة داخلة على محذوف، والتقدير أتركوا السفر ولم يسيروا، وهو استشهاد على أن سنة اللّه لا تبديل لها ولا تحويل، والاستفهام انكاري بمعنى النفي، ونفي النفي إثبات. والمعنى: بل ساروا في الأرض، ومروا على ديار قوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب وغيرهم، فنظروا آثار ديارهم. قوله:\rكَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي على أي حالة كانت، ليعلموا أنهم ما أخذوا إلا بتكذيب رسلهم، فيخافوا أن يفعل بهم مثل ذلك. قوله: وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً أي أطول أعمارا، والجملة حالية أو معطوفة على قوله: مِنْ قَبْلِهِمْ.\rقوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ إلخ، تقرير لما فهم من استئصال الأمم السابقة. قوله: إِنَّهُ كانَ عَلِيماً","part":3,"page":286},{"id":1400,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 287\rكَسَبُوا من المعاصي ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها أي الأرض مِنْ دَابَّةٍ نسمة تدب عليها وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي يوم القيامة فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (45) فيجازيهم على أعمالهم بإثابة المؤمنين وعقاب الكافرين.\r______________________________\rقَدِيراً تعليل لما قبله\rقوله: بِما كَسَبُوا الباء سببية، وما مصدرية أو موصولة، أي بسبب كسبهم أو الذي كسبوه. قوله: (من المعاصي) بيان لما. قوله: ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ أي من جميع ما دب على وجهها من الحيوانات العاقلة وغيرها، وذلك بأن يمسك عنها ماء السماء مثلا، فينقطع عنهم النبات، فيموتون جوعا، فالظالم لظلمه، وغيره لشؤم الظالم، وعبر بالظهر تشبيها للأرض بالدابة من حيث التمكن عليها، ويعبر تارة بوجه الأرض، من حيث أن ظاهرها كالوجه للحيوان، وغيره كالبطن، وهو الباطن منها، فتحصل أنه يقال لما عليه الخلق من الأرض وجه الأرض وظهرها، فهو من قبيل اطلاق الضدين على شيء واحد. قوله: (نسمة) من التنسم وهو التنفس، أي ذوي روح. قوله: (فيجازيهم بأعمالهم) أشار بذلك إلى أن جواب الشرط محذوف، وقوله: فَإِنَّ اللَّهَ إلخ، تعليل له.","part":3,"page":287},{"id":1401,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 288\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة يس مكيّة أو إلا قوله وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا الآية أو مدنية وهي اثنتان وثمانون آية\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة يس\rمكية أو إلا قوله وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا الآية أو مدنية وهي اثنتان وثمانون آية أي كلها، وقوله: أو إلا قوله وَإِذا قِيلَ إلخ، قول ثان، وقوله: (أو مدنية) أي كلها، وهو قول ثالث، وورد في فضل سورة يس أحاديث كثيرة منها: قوله صلّى اللّه عليه وسلّم اقرؤوا يس على موتاكم ومنها: ما من ميت يقرأ عليه يس إلا هوّن اللّه عليه. ومنها: من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه اللّه، غفر اللّه له في تلك الليلة.\rومنها: إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس، كتب اللّه له بها قراءة القرآن عشر مرات، ومنها: إن في القرآن لسورة تشفع لقارئها وتغفر لمستمعها، ألا وهي سورة يس، تدعى في التورة المعمة، قيل: يا رسول اللّه وما المعمة؟ قال: تعم صاحبها بخير الدنيا، وتدفع عنه أهوال الآخرة، وتدعى أيضا الدافعة والقاضية، قيل: يا رسول اللّه وكيف ذلك؟ قال: تدفع عن صاحبها كل سوء، وتقضي له كل حاجة. ومنها: من قرأ يس حين يصبح، أعطي يسر يومه حتى يمسي، ومن قرأها في صدر ليلته، أعطي يسر ليلته حتى يصبح. ومنها عن أبي جعفر: من وجد في قلبه قسوة، فليكتب سورة يس في جام أي إناء بزعفران ثم يشربه. ومنها: من قرأ سورة يس ليلة الجمعة أصبح مغفورا له. ومنها: من دخل المقبرة فقرأ سورة يس، خفف العذاب عن أهلها ذلك اليوم، وكان له بعدد من فيها حسنات، ومنها عن يحيى بن أبي كثير: بلغني أن من قرأ سورة يس ليلا، لم يزل في فرح حتى يصبح، ومن قرأها حين يصبح، لم يزل في فرح حتى يمسي وقد حدثني بهذا من جربها. ومنها: إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس، من قرأها يريد بها وجه اللّه، غفر اللّه له وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن عشر مرات، وأيما مسلم قرىء عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس، نزل بكل حرف منها عشرة أملاك، يقومون بين يديه صفوفا، يصلون عليه، ويستغفرون له، ويشهدون غسله، ويتبعون جنازته، ويصلون عليه، ويشهدون دفنه. وأيما مسلم قرأ سورة يس، وهو في سكرات الموت، لم يقبض ملك الموت روحه، حتى يجيئه رضوان بشربة من الجنة فيشربها وهو على فراشه، فيقبض روحه وهو ريان، ويمكث في قبره وهو ريان، ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء، حتى يدخل الجنة وهو ريان. ومنها: يس لما قرئت له. وحكمة","part":3,"page":288},{"id":1402,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 289\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يس (1) اللّه أعلم بمراده به وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) المحكم بعجيب النظم وبديع المعاني إِنَّكَ يا محمد لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلى متعلق بما قبله صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) أي طريق الأنبياء قبلك، التوحيد والهدى والتأكيد بالقسم وغيره، رد لقول الكفار له: لست مرسلا تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ في ملكه الرَّحِيمِ (5) بخلقه خبر مبتدأ مقدر، أي القرآن لِتُنْذِرَ به قَوْماً متعلق بتنزيل ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ أي لم ينذروا في زمن الفترة فَهُمْ أي القوم غافِلُونَ (6) عن الإيمان والرشد لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ وجب عَلى أَكْثَرِهِمْ بالعذاب\r______________________________\rاختيار الصالحين في استعمالها التكرار، كأربع أو سبع أو إحدى وأربعين وغير ذلك شدة الحجاب والغفلة على القلب، فبالتكرار تصفو مرآته وترق طبيعته، وإن كان الفضل المذكور لا يتوقف على تكرار، كما يشهد له هذه الأحاديث.\rقوله: يس القراء السبعة على تسكين النون، بإدغامها في الواو بعدها، أو بإظهارها، وقرىء شذوذا بضم النون وفتحها وكسرها، فالأول خبر لمبتدأ محذوف أي هذه، ومنع من الصرف للعلمية والتأنيث، والثاني إما على البناء على الفتح تخفيفا، كأين وكيف، أو مفعول به لفعل محذوف تقديره اتل، أو مجرور بحرف قسم محذوف وهو ممنوع من الصرف، والثالث مبني على الكسر، على أصل التخلص من التقاء. الساكنين. قوله: (اللّه أعلم بمراده به) هذا أحد أقوال في تفسير الحروف المقطعة، كحم وطس، وتقدم أن هذا القول أسلم، وقيل: معناه يا إنسان، وأصله يا أنيسين، فاقتصر على شطره لكثرة النداء به: وقيل هو اسم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل: اسم القرآن.\rقوله: وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ كلام مستأنف لا محل له من الإعراب، وهو قسم، وجوابه\rقوله:\rإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. قوله: (المحكم) أي المتقن الذي هو في أعلى طبقات البلاغة. قوله: (متعلق بما قبله) أي بالمرسلين، ويصح أن يكون خبرا ثانيا لأن، كأنه قيل: إنك لمن المرسلين، إنك على صراط مستقيم.\rقوله: (أي طريق الأنبياء قبلك) أي وقولهم: إن شرع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ناسخ لجميع الشرائع، فهو باعتبار الفروع، وأما الأصول فالكل مستوون فيها، ولا يتعلق بها نسخ. قال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً الآية، وقال تعالى: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ. قوله: (و غيره) أي إن واللام والجملة الاسمية. قوله: (خبر، مبتدأ مقدر) هذا أحد وجهين في الآية، والآخر النصب على أنه مفعول لمحذوف أي امدح، أو مفعول مطلق لنزل، القراءتان سبعيتان.\rقوله: لِتُنْذِرَ قَوْماً أي العرب وغيرهم. قوله: (في زمن الفترة) هو بالنسبة للعرب، ما بين اسماعيل ومحمد عليهما الصلاة والسّلام، وبالنسبة لغيرهم، ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسّلام. قوله: فَهُمْ غافِلُونَ مرتب على نفي الإنذار، وقوله: (أي القوم) تفسير للضمير، ويصح أن يكون الضمير راجعا للفريقين هم وآباؤهم.\rقوله: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ أي وهو قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ*. قوله: عَلى أَكْثَرِهِمْ أي أكثر المكلفين من كل زمن، فالأقل متحتم إيمانه، والأكثر متحتم كفره، وتقدم لنا في سورة","part":3,"page":289},{"id":1403,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 290\rفَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (7) أي الأكثر إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا بأن تضم إليها الأيدي، لأن الغل يجمع اليد إلى العنق فَهِيَ أي الأيدي مجموعة إِلَى الْأَذْقانِ جمع ذقن وهي مجتمع اللحيين فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) رافعون رؤوسهم لا يستطيعون خفضها، وهذا تمثيل، والمراد أنهم لا يذعنون للإيمان ولا يخفضون رؤوسهم له وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا بفتح السين وضمها في الموضعين فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9) تمثيل أيضا لسدّ طرق الإيمان\r______________________________\rالأنعام، أن الأقل واحد من ألف. قوله: فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ تفريع على ما قبله، وأشار بذلك إلى أن الإيمان والكفر بتقدير اللّه، فمن طبعه على أحدهما، فلا يستطيع التحول عنه، وإنما الأمر بالإيمان، باعتبار التكليف الظاهري والنوع الاختياري، ومن هنا قول بعض العارفين:\rالكل تقدير مولانا وتأسيسه ... فاشكر لمن قد وجب حمده وتقديسه\r\rوقل لقلبك إذا زادت وساوسه ... إبليس لما طغى من كان إبليسه\rقوله: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا قيل: نزلت في أبي جهل بن هشام وصاحبيه المخزوميين، وذلك أن أبا جهل حلف، لئن رأى محمدا يصلي، ليرضخن رأسه بحجر، فلما رآه ذهب فرفع حجرا ليرميه، فلما أومأ إليه، رجعت يداه إلى عنقه، والتصق الحجر بيديه، فلما عاد إلى أصحابه، أخبرهم بما رأى، فقال الرجل الثاني، وهو الوليد بن المغيرة: أنا أرضخ رأسه، فأتاه وهو يصلي على حالته ليرميه بالحجر، فأعمى اللّه بصره، فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه، فقال الثالث: واللّه لأشدخن رأسه، ثم أخذ الحجر وانطلق، فرجع القهقرى ينكص على عقبيه، حتى خر على قفاه مغشيا عليه، فقيل له: ما شأنك؟ قال شأني عظيم، رأيت الرجل فلما دنوت منه، فإذا فحل يخطر بذنبيه، ما رأيت قط فحلا أعظم منه حال بيني وبينه، فو اللات والعزى لو دنوت منه لأكلني، فأنزل اللّه تعالى تلك الآية، وفيها إشارة إلى ما يحصل لهم في جهنم من السلاسل والأغلال وعمى أبصارهم، وفيها أيضا استعارة تمثيلية، حيث شبه حالهم في امتناعهم من الهدى والإيمان، بحال من غلت يده في عنقه وعمي بصره، بجامع أن كلا ممنوع من الوصول إلى المقصود، فتحصل أن الآية دالة على الأمور الثلاثة:\rسبب النزول، وما يحصل لهم في الآخرة، وتمثيل لمنعهم من الهدى. قوله: (بأن تضم إليها الأيدي) جعل المفسر هذا، توطئة لإرجاع الضمير للأيدي في قوله: فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ كأنه قال: الأيدي، وإن لم يتقدم لها ذكر صراحة، فهي مذكورة ضمنا في قوله الأغلال، لأن الغل يدل عليها. قوله: (مجموعة) قدره إشارة إلى أن قوله: إِلَى الْأَذْقانِ متعلق بمحذوف، ولو قدره مرفوعة لكان أظهر، وذلك أن اليد ترفع تحت الذقن، ويلبس الغل في العنق، فتضم اليد إليها تحت الذقن، فحينئذ لا يستطيعون خفض رأس ولا التفاتا. قوله: (و هذا تمثيل) أي استعارة تمثيلية للمعنى المذكور، وفيه إشارة إلى سبب النزول، وإلى ما يحصل لهم في الآخرة كما علمت. قوله: (بفتح السين وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: فَأَغْشَيْناهُمْ هو بالغين المعجمة في قراءة العامة، أي غطينا أبصارهم، وقرىء شذوذا بالعين المهملة من العشا، وهو عدم الإبصار ليلا. والمعنى: أضعفنا أبصارهم عن الهدى كعين الأعشى.\rقوله: (تمثيل) أي استعارة تمثيلية، حيث شبه حالهم في سد طرق الإيمان عليهم ومنعهم منه، بحال من","part":3,"page":290},{"id":1404,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 291\rعليهم وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا وتسهيلها، وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّما تُنْذِرُ ينفع إنذارك مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ القرآن وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ خافه ولم يره فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) هو الجنة إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى للبعث وَنَكْتُبُ في اللوح المحفوظ ما قَدَّمُوا في حياتهم من خير وشر ليجازوا عليه وَآثارَهُمْ ما استنّ به بعدهم وَكُلَّ شَيْءٍ نصبه بفعل يفسره أَحْصَيْناهُ ضبطناه فِي إِمامٍ مُبِينٍ (12) كتاب بيّن هو اللوح المحفوظ وَاضْرِبْ اجعل لَهُمْ مَثَلًا مفعول أول أَصْحابَ مفعول ثان الْقَرْيَةِ أنطاكية إِذْ جاءَهَا إلى آخره، بدل\r______________________________\rسدت عليه الطرق، وأخذ بصره بجامع أن كلا لا يهتدي لمقصوده.\rقوله: وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ إلخ، هذا نتيجة ما قبله، وقوله: لا يُؤْمِنُونَ بيان للاستواء، والمعنى إنذارك وعدمه سواء في عدم إيمانهم، وهو تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، وكشف لحقيقة أمرهم وعاقبتها. قوله: (بتحقيق الهمزتين) أي مع ادخال ألف بينهما وتركه، فالقراءات خمس لا أربع كما توهمه عبارته، فالتحقيق فيه قراءتان، والتسهيل كذلك، والإبدال فيه قراءة واحدة وهي سبعيات.\rقوله: (ينفع إنذارك) جواب عما يقال: إن ظاهر الآية يقتضي إن رسالته صلّى اللّه عليه وسلّم غير عامة، بل هي لقوم مخصوصين، وهم مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ ويخالف قوله سابقا لِتُنْذِرَ قَوْماً، إلخ فأجاب المفسر عن ذلك، بأن محط الحصر الإنذار النافع، فلا ينافي وجود غيره لمن لم ينتفع به. قوله: بِالْغَيْبِ يصح أن يكون حالا من الفاعل أو المفعول، وتقدم نظيره. قوله: فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ إلخ، تفريع على ما قبله، إشارة لبيان عاقبة أمرهم.\rقوله: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى أي نبعثهم في الآخرة للمجازاة على أعمالهم. قوله: وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا. إن قلت: إن الكتابة متقدمة قبل الإحياء، إذ هي في الدنيا والإحياء يكون في الآخرة. أجيب بأنه قدم الإحياء اعتناء بشأنه، إذ لو لاه لما ظهرت ثمرة الكتابة. قوله: (في اللوح المحفوظ) المناسب أن يقول في صحف الملائكة، لأن الكتابة التي تكون في حياة العباد، إنما هي في صحف الملائكة، وأما اللوح، فقد كتب فيه ذلك قبل وجود الخلق. قوله: (ما استن به بعدهم) أي من خير: كعلم علموه، أو كتاب صنفوه، أو نخل غرسوه، أو وقف حبسوه، أو غير ذلك، أو شر: كمكس رتبوه، أو ضلالة أحدثوها، أو غير ذلك، لما في الحديث: «من سن سنة حسنة فعمل بها من بعده، كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من وزرهم شيء». قوله: (نصبه بفعل يفسره) إلخ، أي فهو من باب الاشتغال.\rقوله: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا هذا خطاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يضرب لقومه مثلا، لعلهم يتعظون فيؤمنوا. قوله: أَصْحابَ (مفعول ثان) الأوضح أن يجعله مفعول أولا. قوله: (أنطاكية) بالفتح والكسر وسكون النون وكسر الكاف وتخفيف الياء المفتوحة، وهي مدينة بأرض الروم، ذات سور عظيم من صخر، وهي بين خمسة جبال، دورها اثنا عشر ميلا. وحاصل تلك القصة. أن عيسى عليه السّلام، بعث رسولين من الحواريين إلى أهل انطاكية، اسم أحدهما صادق، والثاني مصدوق، فلما قربا من","part":3,"page":291},{"id":1405,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 292\r.......\r______________________________\rالمدينة، رأيا شيخا يرعى غنيمات له، وهو حبيب النجار صاحب يس، فسلما عليه، فقال الشيخ لهما: من أنتما؟ فقالا: رسولا عيسى صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن، فقال: أمعكما آية؟ قالا: نعم، نشفي المريض، ونبرىء الأكمه والأبرص بإذن اللّه تعالى، وذلك كرامة لهما، ومعجزة لنبيهما، لأنه لما أرسلهما أيدهما بمعجزاته، فقال الشيخ: إن لي ابنا مريضا منذ سنين، قالا: فانطلق بنا ننظر حاله، فأتى به، فمسحا ابنه، فقام في الوقت باذن اللّه تعالى صحيحا، ففشا الخبر في المدينة، وشفى اللّه على أيديهما كثيرا من المرضى. وكان لهم ملك يعبد الأصنام اسمه انطيخا، فدعا بهما وقال: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى عليه السّلام، قال: وفيم جئتما؟ قالا: ندعوك من عبادة من لا يسمع ولا يبصر، إلا عبادة من يسمع ويبصر، قال: وهل لنا إله دون آلهتنا؟ قالا: نعم، الذي أوجدك وآلهتك، قال لهما: قوما حتى أنظر في أمركما، فتبعهما الناس، فأخذوهما وجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ووضعوهما في السجن، فلما كذبا وضربا، بعث عيسى عليه السّلام رأس الحواريين شمعون الصفي على أثرهما ليبصرهما، فدخل شمعون البلد متنكرا، فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به، فرفعوا خبره إلى الملك، فدعاه وأنس به وأكرمه ورضي عشرته، قال للملك ذات يوم: بلغني أنك حبست رجلين في السجن، وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك، فهل كلمتهما وسمعت قولهما؟ فقال: حال الغضب بيني وبين ذلك، قال: فإني أرى أيها الملك، أن تدعوهما حتى نطلع على ما عندهما، فدعاهما الملك، فقال شمعون: من أرسلكما إلى ههنا؟ قالا: اللّه الذي خلق كل شيء وليس له شريك، فقال شمعون: فصفاه وأوجزا، قالا: إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فقال شمعون: وما آيتكما؟ قالا: ما تتمناه، فأمر الملك حتى جاؤوا بغلام مطموس العينين، وموضع عينيه كالجبهة، فما زالا يدعوان ربهما، حتى انشق موضع البصر، فأخذا بندقتين من طين، فوضعاهما في حدقتيه، فصارتا مقلتين يبصر بهما، فتعجب الملك، فقال شمعون للملك: إن أنت سألت آلهتك حتى يصنعوا مثل هذا، كان لك الشرف ولآلهتك، فقال له الملك: ليس لي عنك سر مكتوم، فإن آلهنا الذي نعبده، لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع، وكان شمعون يدخل مع الملك على الصنم، ويصلي ويتضرع، حتى ظنوا أنه على ملتهم، فقال الملك للرسولين: إن قدر إلهكما الذي تعبدانه، على احياء ميت آمنا به وبكما، قالا: إلهنا قادر على كل شيء، فقال الملك: إن ههنا ميتا قد مات منذ سبعة أيام، وهو ابن دهقان، وأنا أخرته فلم أدفنه حتى يرجع أبوه وكان غائبا وقد تغير، فجعلا يدعوان ربهما علانية، وشمعون يدعو ربه سرا، فقام الميت وقال: إني ميت منذر سبعة أيام، وكنت مشركا، فأدخلت في سبعة أودية من النار، وأنا أحذركم ما أنتم عليه، فآمنوا باللّه، ثم قال: فتحت أبواب السماء، فنظرت شابا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة: شمعون وهذين، وأشار بيده إلى صاحبيه، وأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن عيسى روح اللّه وكلمته، فعجب الملك من ذلك، فلما علم شمعون أن قوله قد أثر في الملك، أخبره بالحال وأنه رسول عيسى، ودعاه فآمن الملك، وآمن معه قوم وكفر آخرون، وقيل بل كفر الملك، وأجمع على قتل الرسل هو وقومه، فبلغ ذلك حبيبا وهو على باب المدينة، فجاء يسعى إليهم ويذكرهم ويدعوهم إلى طاعة المرسلين.\rقوله: (إلى آخره) أي آخر القصة وهو قوله: إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.\rقوله: لَمُرْسَلُونَ جمع باعتبار الثالث. قوله: (أي رسل عيسى) هذا هو المشهور، وقيل: إنهم","part":3,"page":292},{"id":1406,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 293\rاشتمال من أصحاب القرية الْمُرْسَلُونَ (13) أي رسل عيسى إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما إلى آخره بدل من إذ الأولى فَعَزَّزْنا بالتخفيف والتشديد قوّينا الاثنين بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ ما أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ جار مجرى القسم، وزيد التأكيد به وباللام على ما قبله لزيادة الإنكار في إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (17) التبليغ البيّن الظاهر بالأدلة الواضحة، وهي: إبراء الأكمه والأبرص والمريض، وإحياء الميت قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا تشاءمنا بِكُمْ لانقطاع المطر عنا بسببكم لَئِنْ لام قسم لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ بالحجارة وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (18) مؤلم قالُوا طائِرُكُمْ شؤمكم مَعَكُمْ بكفركم أَإِنْ همزة استفهام دخلت على إن الشرطية، وفي همزتها التحقيق والتسهيل وإدخال ألف بينها بوجهيها وبين الأخرى ذُكِّرْتُمْ وعظتم وخوفتم، وجواب الشرط محذوف، أي تطيرتم وكفرتم وهو محل الاستفهام، والمراد به التوبيخ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) متجاوزون الحد بشرككم وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ\r______________________________\rرسل من اللّه من غير واسطة عيسى؛ أرسلوا إلى أصحاب هذه القرية. قوله: (بدل من إذ الأولى) أي بدل مفصل من مجمل. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ أكدوا كلامهم بأن التقدم انكارهم بتكذيب الاثنين، وتكذيبهما تكذيب للثالث لاتحاد مقالتهم.\rقوله: قالوا: ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا أي فلا مزية لكم علينا. قوله: (جار ومجرى القسم) أي فيؤكد به كالقسم، ويجاب كما يجاب به القسم. قوله: لزيادة الإنكار أي حيث تعددت ثلاث مرات.\rقوله: (و هي إبراء الأكمه) أي الأعمى.\rقوله: قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ التطير التفاؤل، سمي بذلك لأنهم كانوا يتفاءلون بالطير، إذا أرادوا سفرا أو غيره، فإن ذهب ميمنة قالوا خير، وإن ذهب ميسرة قالوا شر. قوله: (لانقطاع المطر عنا بسببكم) قيل: حبس عنهم المطر ثلاث سنين فقالوا: هذا بشؤمكم. قوله: (لام قسم) أي وقد حنثوا فيه، لأن اللّه أهلكهم، قبل أن يفعلوا بهم ما حلفوا عليه. قوله: (بكفركم) الباء سببية أي طائركم حاصل معكم، بسبب كفركم وعنادكم. قوله: (و إدخال ألف) أي وتركه، فالقراءات أربع سبعيات. قوله: (و جواب الشرط محذوف) أي على القاعدة، وهي أنه إذا اجتمع استفهام وشرط، أتى بجواب الاستفهام، وحذف جواب الشرط، وهو مذهب سيبويه، وعند يونس بالعكس. قوله: (و هو محل الاستفهام) أي وهو المستفهم عنه، والمعنى لا ينبغي ولا يليق بكم التطاير والكفر حيث وعظتم، بل آمنوا وانقادوا.\rقوله: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ اضراب عما تقتضيه الشرطية، من كون التذكير سببا للشؤم، أي ليس الأمر كذلك، بل أنتم قوم عادتكم الإسراف في العصيان، فشؤمكم لذلك. قوله: (متجاوزون الحد بشرككم) أي بعد ظهور المعجزات، وهذا الخطاب لمن بقي على الكفر منهم، وهم الذين رجموا حبيبا النجار، وأهلكهم اللّه كما يأتي.","part":3,"page":293},{"id":1407,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 294\rرَجُلٌ هو حبيب النجار كان قد آمن بالرسل، ومنزله بأقصى البلد يَسْعى يشتد عدوا لما سمع بتكذيب القوم الرسل قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا تأكيد للأول مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً على رسالته وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) فقيل له: أنت على دينهم فقال وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي خلقني، أي لا مانع لي من عبادته الموجود مقتضيها وأنتم كذلك وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) بعد الموت فيجازيكم بكفركم أَأَتَّخِذُ في الهمزتين منه ما تقدم في (أأنذرتهم) وهو استفهام بمعنى النفي مِنْ دُونِهِ أي غيره آلِهَةً أصناما إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ\r______________________________\rقوله: وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ هي انطاكية المعبر عنها أولا بالقرية، وعبر عنها بالمدينة، إشارة إلى عظمها وكبرها. قوله: (هو حبيب النجار) أي ابن اسرائيل، كان يصنع لهم الأصنام، وهو ممن آمن بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل وجوده، كما آمن به تبع الأكبر، وورقة بن نوفل وغيرهما، وفي الحقيقة: كل نبي آمن بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل ظهوره، بمصداق قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ الآية، وهذا من خصوصياته صلّى اللّه عليه وسلّم، وأما غيره من الأنبياء، فلم يؤمن به أحد إلا بعد ظهوره. قوله: (كان قد آمن بالرسل) أي رسل عيسى، وسبب إيمانه ما تقدم من شفاء ولده المريض، وقيل: إنه هو كان مجذوما، وعبد الأصنام سبعين سنة لكشف ضره فلم يكشف، فلما دعاه الرسل إلى عبادة اللّه قال لهم: هل من آية؟ قالوا له:\rندعو ربنا القادر، يفرج عنك ما بك، فقال: إن هذا عجيب، قد عبدت هذه الأصنام سبعين سنة، فلم تستطع تفريجه، فهل يستطيع ربكم تفريجه في غداة واحدة؟ قالوا: نعم، ربنا على كل شيء قدير، فدعوا ربهم فكشف ما به فآمن. قوله: (يشتد عدوا) أي يسرع في مشيته، حرصا على نصح قومه، والدفع على الرسل. قوله: (تأكيد للأول) أي تأكيد لفظي، فلفظ اتبعوا، تأكيد للفظ اتبعوا الأول، من توكيد الفعل بالفعل.\rقوله: مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً بدل من المرسلين، والمعنى: اتبعوا الصادقين المخلصين، الذين لم يريدوا منكم العرض الفاني، إذا لو كانوا غير مخلصين، لطلبوا منكم المال، ونازعوكم على الرياسة. قوله:\rوَهُمْ مُهْتَدُونَ الجملة حالية، وهو تعريض لهم بالإتباع، أي فاهتدوا أنتم تبعا لهم. قوله: (أنت على دينهم) فيه حذف همزة الاستفهام.\rقوله: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي تلطف في ارشادهم، وفيه نوع تقريع على ترك عبادة خالقهم، والأحسن أن في الآية احتباكا، حيث حذف من الأول، نظير ما أثبته في الآخر، والأصل: وما لي لا أعبد الذي فطرني وفطركم، واليه ترجعون وأرجع. قوله: (الموجود مقتضيها) أي وهو كون اللّه فطره وخلقه. قوله: (في الهمزتين منه ما تقدم) أي من القراءات الأربع، وتقدم أنها خمسة: التحقيق، وتسهيل الثانية بألف، ودونها، وإبدال الثانية ألفا، وهي سبعيات. قوله: (هو استفهام بمعنى النفي) أي وهو انكاري.\rقوله: مِنْ دُونِهِ يصح أن يكون مفعولا ثانيا مقدما لاتخذوا، على أنها متعدية لاثنين، وآلِهَةً مفعول أول مؤخر، ويصح أن يكون حالا من آلهة، أو متعلقا باتخذوا، على أنها متعدية لواحد.\rقوله: لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ أي لا تنفعني شفاعتهم، فهو من الغناء بالفتح وهو النفع، ومنه قول البوصيري: قلن ما في اليتيم عنا غناء. قوله: (صفة آلهة) أي جملة إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ إلخ، فهو في","part":3,"page":294},{"id":1408,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 295\rالتي زعمتموها شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (23) صفة آلهة إِنِّي إِذاً أي إن عبدت غير اللّه لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) بيّن إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) أي اسمعوا قولي، فرجموه فمات قِيلَ له عند موته ادْخُلِ الْجَنَّةَ وقيل دخلها حيا قالَ حرف تنبيه يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي بغفرانه وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) وَما نافية أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ أي حبيب مِنْ بَعْدِهِ بعد موته مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ أي ملائكة لإهلاكهم وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) ملائكة لإهلاك أحد إِنْ ما كانَتْ عقوبتهم إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً صاح بهم جبريل فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (29) ساكنون ميتون يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ هؤلاء ونحوهم ممن كذبوا الرسل فأهلكوا وهي\r______________________________\rمحل نصب، والأوضح أن تكون مستأنفة، سيقت لتعليل النفي المذكور، لأن جعلها صفة، يوهم أن هناك آلهة ليست كذلك. قوله: (إن عبدت غير اللّه) أشار بذلك إلى أن التنوين عوض عن جملة.\rقوله: لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي لثبوت الأدلة على بطلان ذلك.\rقوله: فَاسْمَعُونِ بكسر النون في قراءة العامة وهي نون الوقاية، حذفت بعدها ياء الإضافة، وقرىء شذوذا بفتحها، ولا وجه له في العربية، لأن فعل الأمر يبنى على حذف النون. قوله: (أي اسمعوا قولي) أي ما قلته لكم وهو اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ إلخ. قوله: (فرجموه فمات) أي وهو يقول: اللهم اهد قومي، وقيل: حرقوه وجعلوه في سور المدينة، وقبره في سورة انطاكية، وقيل: نشروه بالمنشار حتى خرج من بين رجليه، فو اللّه ما خرجت روحه إلا في الجنة، وفي رواية: أنهم قتلوا معه الرسل الثلاثة، ووضعوهم في بئر وهو الرس.\rقوله: قِيلَ (له عند موته) هذا أحد أقوال ثلاثة، اقتصر المفسر على اثنين منها، والثالث: إن هذا القول، كناية عن البشرى بأنه يدخل الجنة. قوله: (و قيل دخلها حيا) أي فحين هموا بقتله، رفعه اللّه من بينهم وأدخله الجنة حيا إكراما له، كما وقع لعيسى أنه رفع إلى السماء.\rقوله: قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي أي وهم الذين نصحهم أولا، وقد نصحهم حيا وميتا، قوله:\r(بغفرانه) أشار بذلك إلى أن ما مصدرية، ويصح أن تكون موصولة والعائد محذوف، أي بالذي غفره لي، ويصح أن تكون استفهامية، أي بأي شيء غفر لي، أي بأمر عظيم، وهو توحيدي وصدعي بالحق.\rقوله: وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ إلخ، هذا تحقير لهم وتصغير لشأنهم، والمعنى: لم يحتج في إهلاكهم إلى إرسال جنود من الملائكة، بل نهلكهم بصيحة واحدة مثلا، وقوله: وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ أي لم يكن شأننا وعادتنا، ارسال جنود لإهلاك أحد من الأمم قبلهم، بل إذا أردنا إهلاكا عاما، يكون بغير الملائكة، كصيحة أو رجفة أو غير ذلك. إن قلت: إن الملائكة قد نزلت من السماء يوم بدر للقتال مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه. أجيب: بأن انزالهم تكرمة للنبي وأصحابه لا للإهلاك العام، وقيل: نزول الملائكة والاستنصار بهم من خصوصياته صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (بعد موته) أي أو بعد رفعه حيا على القول الآخر. قوله:\r(لإهلاك أحد) أي من الأمم السابقة. قوله: (صاح بهم جبريل) أي صاح عليهم. قوله: (ميتون) أي فشبهوا بالنار الخامدة، لانقطاع النفع في كل.\rقوله: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ يحتمل أن يكون من كلام اللّه، أو الملائكة، أو المؤمنين، والمراد بالعباد جميع الكفار، فأل للجنس، وقيل: المراد بالعباد نفس الرسل، وعَلَى بمعنى من، والقائل ذلك","part":3,"page":295},{"id":1409,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 296\rشدة التألم ونداؤها مجاز أي هذا أو إنك فاحضري ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (30) مسوق لبيان سببها، لاشتماله على استهزائهم المؤدي إلى إهلاكهم المسبب عنه الحسرة أَلَمْ يَرَوْا أي أهل مكة القائلون للنبي: لست مرسلا، والاستفهام للتقرير أي علموا كَمْ خبرية بمعنى كثيرا معمولة لما بعدها، معلقة لما قبلها عن العمل، والمعنى أنا أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ كثيرا مِنَ الْقُرُونِ الأمم أَنَّهُمْ أي المهلكين إِلَيْهِمْ أي المكذبين لا يَرْجِعُونَ (31) أفلا يعتبرون بهم؟ وأنهم الخ، بدل مما قبله برعاية المعنى المذكور وَإِنْ نافية أو مخففة كُلٌ أي كل الخلائق مبتدأ لَمَّا بالتشديد بمعنى إلا، أو بالتخفيف، فاللام فارقة، وما زائدة جَمِيعٌ خبر المبتدأ، أي مجموعون لَدَيْنا عندنا في الموقف بعد بعثهم مُحْضَرُونَ (32)\r______________________________\rالكفار، والتقدير: يا حسرة علينا من مخالفة العباد، والأوجه الأول الذي مشى عليه المفسر. قوله: إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ الجملة حالية من مفعول يَأْتِيهِمْ. قوله: (مسوق) إلخ. أي فهو استئناف واقع في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ما وجه التحسر عليهم؟ قيل: ما يَأْتِيهِمْ إلخ. قوله: (لبيان سببها) أي بواسطة، فإن الاستهزاء سبب لأهلاكهم، وهو سبب للحسرة. قوله: (لاشتماله) أي دلالته.\rقوله: أَلَمْ يَرَوْا إلخ، رأى علمية، وكَمْ خبرية مفعول لأهلكنا مقدم، وقَبْلَهُمْ ظرف لأهلكنا، ومِنَ الْقُرُونِ بيان لكم. قوله: (و الاستفهام للتقرير) أي وهو حمل المخاطب على الإقرار بما بعد النفي. قوله: (معمولة لما بعدها) أي وليست معمولة ليروا، لأن كَمْ الخبرية لها الصدارة، فلا يعمل ما قبلها فيها. قوله: (معلقة ما قبلها عن العمل). إن قلت: إن كَمْ الخبرية لا تعلق، وإنما التعلق للاستفهامية، قال ابن مالك:\rوإن ولا لام ابتداء أو قسم ... كذا والاستفهام ذا له انحتم\r\rأجيب: بأن الخبرية أجريت مجرى الاستفهامية في التعليق. قوله: (و المعنى أنا) أَهْلَكْنا أي وقد علموا ذلك. قوله: (بدل مما قبله) أي بدل اشتمال، لأن إهلاكهم مشتمل ومستلزم لعدم رجوعهم، أو بدل كل من كل، بناء على تنزيل التلازم منزلة التماثل، كأن إهلاكهم غير رجوعهم. قوله: (برعاية المعنى المذكور) أي وهو قوله: (أنا) أَهْلَكْنا إلخ، والمعنى: قد علموا إهلاكنا كثيرا من القرون السابقة، المشتمل على عدم عودهم إلى هؤلاء الباقين وهم أهل مكة، فينبغي أن يعتبروا بهم.\rقوله: (نافية) أي ولَمَّا بالتشديد بمعنى إلا، وقوله: (أو مخففة) أي مهملة، ولما بالتخفيف واللام فارقة. قوله: (و ما زائدة) للتأكيد، فقد أغنت عن الحصر المستفاد من قراءة التشديد، فتحصل أن من شدد لَمَّا جعلها بمعنى إلا، وإِنْ نافية، وهذا باتفاق البصريين والكوفيين، ومن خفف لَمَّا فالبصريون على أن إِنْ مخففة، واللام فارقة، وما زائدة، وجوز الكوفيون جعل لَمَّا بمعنى إلا، وإِنْ نافية، والقراءتان سبعيتان. قوله: (أي كل الخلائق) أشار بذلك إلى أن التنوين عوض عن المضاف إليه. قوله:\r(أي مجموعون) دفع بذلك ما يتوهم من ذكر كل الاستغناء بها عن الجميع، فأجاب: بأن كُلٌ أشير بها لاستغراق الأفراد، وجَمِيعٌ أشير بها لاجتماع الكل في مكان واحد للحشر.","part":3,"page":296},{"id":1410,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 297\rللحساب خبر ثان وَآيَةٌ لَهُمُ على البعث خبر مقدم الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ بالتشديد والتخفيف أَحْيَيْناها بالماء مبتدأ وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا كالحنطة فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ بساتين مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (34) أي بعضها لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ بفتحتين وبضمتين، أي ثمر المذكور من النخيل وغيره وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أي لم تعمل الثمر أَفَلا يَشْكُرُونَ (35) أنعمه تعالى عليهم؟ سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ الأصناف كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ من الحبوب وغيرها وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ من الذكور والإناث وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (36) من المخلوقات العجيبة الغريبة وَآيَةٌ لَهُمُ على القدرة العظيمة اللَّيْلُ نَسْلَخُ نفصل مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) داخلون في الظلام وَالشَّمْسُ تَجْرِي إلى آخره من جملة الآية\r______________________________\rقوله: وَآيَةٌ لَهُمُ أي علامة ظاهرة ودالة على الإحياء بعد الموت. قوله: (بالتشديد والتخفيف) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (مبتدأ) أخره بعد قوله: أَحْيَيْناها اشارة إلى أنه صفة للأرض، والصفة مع الموصوف كالشيء الواحد.\rقوله: وَجَعَلْنا عطف على أَحْيَيْناها قوله: مِنْ نَخِيلٍ هو النخل بمعنى واحد، لكل النخل اسم جمع واحدة نخلة يؤنث عند أهل الحجاز، ويذكر عن تميم ونجد، والنخيل مؤنث بلا خلاف، وإذا علمت ذلك، فقول المفسر فيما يأتي (من النخيل وغيره) ليس بجيد، بل المناسب وغيرها.\rقوله: وَفَجَّرْنا بالتشديد في قراءة العامة، وقرىء شذوذا بالتخفيف. قوله: (أي بعضها) أشار بذلك إلى أن مِنْ تبعيضية، ويصح أن تكون زائدة. قوله: (بفتحتين وبضمتين) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أي ثمر المذكور) دفع بذلك ما يقال: إن الضمير عائد على شيئين فحقه التثنية، فأجاب: بأنه أفرد باعتبار ما ذكر.\rقوله: (أي لم تعمل الثمر) أشار بذلك إلى أنه ما نافية، والمعنى: أنه ليس لهم ايجاد شيء، بل الفاعل والمثبت هو اللّه تعالى، كما قال في الآية الأخرى: ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ويصح أن تكون موصولة، أي ومن الذي عملته أيديهم، أو نكرة موصوفة، أو مصدرية، أي ومن عمل أيديهم، وإثبات العمل للأيدي من حيث الكسب. قوله: أَفَلا يَشْكُرُونَ الهمزة داخلة على محذوف، والتقدير: أيتنعمون بهذه النعم فلا يشكرونها؟ أي بحيث لا يصرفونها في مصارفها. قوله:\r(أنعمه) جمع نعمة بالكسر، ونعماء بالمد والفتح.\rقوله: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ أي تنزه في ذاته وصفاته وأفعاله عما لا يليق به. قوله:\r(الأصناف) كُلَّها أي فكل زوج صنف، لأنه مختلف في الألوان والطعوم والأشكال، والصغر والكبر، فاختلافها هو ازدواجها. قوله: مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ بيان للأزواج، وكذا ما بعده، فتحصل أن هذه الأمور الثلاثة، لا يخرج عنها شيء من أصناف المخلوقات. قوله: (الغريبة) أي كالتي في السماوات والتي تحت الأرضين، وكل ما لم يكن مشاهدا لنا عادة.\rقوله: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ ذكر اللّه تعالى في هذه الآية، ما يتضمن علم الميقات الذي تجب معرفته، وقد ذكر أستاذنا الشيخ الدردير رضي اللّه عنه، مقدمة لطيفة في هذا الشأن، كافية من","part":3,"page":297},{"id":1411,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 298\r.......\r______________________________\rاقتصر عليها فيما فرض اللّه تعالى. وحاصلها بحروفها: فائدة: أسماء الشهور القبطية: توت، بابه، هاتور، كيهك، طوبه، أمشير، برمهات، برموده، بشنس، بؤنه، أبيب، مسرى. أسماء البروج: ميزان؛ عقرب، قوس، جدي، دلو، حوت، حمل، ثور، جوزاء، سرطان، أسد، سنبلة. ولا يدخل توت، الذي هو أول السنة القبطية، إلا بعد خمسة أيام أو ستة، بعد مسرى، وتسمى أيام النسيء. وفصول السنة أربعة: فصل الخريف، وفصل الشتاء، وفصل الربيع، وفصل الصيف. وأول فصل الخريف:\rانتقال الشمس إلى برج الميزان، وذلك في نصف توت، وفي تلك الليلة يستوي الليل والنهار، ثم كل ليلة يزيد الليل نصف درجة، ثلاثين ليلة بخمس عشرة درجة، إلى نصف بابه، تنتقل الشمس إلى برج العقرب، فنزيد الليل كل ليلة ثلث درجة إلى نصف هاتور، تنتقل الشمس إلى برج القوس، فيزيد الليل كل ليلة سدس درجة بخمس درج، فقد تمت زيادة الليل ثلاثين درجة بعد الاعتدال بساعتين، فيصير الليل من غروب الشمس إلى طلوعها، أربع عشرة ساعة، فيصلى الفجر على اثنتي عشرة ساعة وست درج، ومن طلوعه إلى الشمس أربع وعشرون درجة، وذلك في آخر يوم من فصل الخريف، منتصف كيهك، ثم تنتقل الشمس إلى برج الجدي، وهو أول فصل الشتاء، فيأخذ الليل في النقص، والنهار في الزيادة، فيزيد النهار كل يوم سدس درجة، ثلاثين يوما بخمس درج إلى نصف طوبه، فتنتقل الشمس إلى برج الدلو، فيزيد النهار كل يوم ثلث درجة بعشرة إلى نصف أمشير، فتنتقل إلى برج الحوت، فتسميها العامة بالشمس الصغيرة، فيزيد النهار كل يوم نصف درجة بخمس عشرة درجة إلى نصف برمهات، فتنتقل الشمس إلى برج الحمل، ويسميها العامة بالشمس الكبيرة، وهو أول فصل الربيع، وفيه الاعتدال الربيعي، يستوي الليل في تلك الليلة والنهار، يزيد كل يوم نصف درجة، كما في برج الحوت الذي قبله إلى منتصف برموده، فتنتقل الشمس إلى برج الثور، فيزيد النهار كل يوم ثلث درجة بعشرة إلى منتصف بشنس، فتنتقل الشمس للجوزاء، ويزيد النهار كل يوم سدس درجة بخمسة إلى نصف بؤنة، فتنتقل إلى برج السرطان، وهو أول فصل الصيف، وبه ينتهي طول النهار، فيكون النهار من طلوع الشمس إلى غروبها أربع عشرة ساعة، وينتهي قصر الليل، فيكون من الغروب إلى طلوع الشمس عشرة، وحصة المغرب للعشاء، اثنتان وعشرون درجة، ومن المغرب للفجر، ثمان ساعات وخمس درج، ومنه للشمس خمس وعشرون درجة، ثم ينقص النهار، ويأخذ الليل في الزيادة، فيزيد الليل كل ليلة سدس درجة إلى خامس عشر أبيب، فتنتقل الشمس إلى برج الأسد، فيزيد كل يوم ثلث درجة إلى نصف مسرى، فتنتقل إلى السنبلة، فيزيد النهار كل يوم نصف درجة إلى نصف توت أول السنة، فقد علمت أن الدرج الذي يأخذها النهار من الليل، والليل من النهار، ستون درجة بأربع ساعات، وأن الاعتدال يكون في السنة مرتين، مرة في نصف توت، الذي هو أول السنة القبطية، وهو فصل الخريف، والمرة الثانية في نصف برمهات، أو فصل الربيع، وأن مبدأ زيادة النهار من الفصل الذي قبله، وهو فصل الشتاء، ثلاثين يوما بالأسداس، ثم ثلاثين بالأثلاث، ثم ثلاثين بالأنصاف، لأول فصل الربيع، فيحصل الاعتدال، ثم ثلاثين بالأنصاف أيضا إلى نصف برمودة، ودخول الشمس في الثور، فمدة زيادة الأنصاف ستون من نصف أمشير، ودخول الشمس في الحوت إلى نصف برموده، ثم ثلاثين بالأثلاث إلى نصف بشنس، ودخول الشمس في الجوزاء، ثم ثلاثين بالأسداس إلى نصف بؤنة، ودخول الشمس في السرطان، فيأخذ","part":3,"page":298},{"id":1412,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 299\rلهم، أو آية أخرى، والقمر كذلك لِمُسْتَقَرٍّ لَها إليه أي لا تتجاوزه ذلِكَ أي جريها تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ في ملكه الْعَلِيمِ (38) بخلقه وَالْقَمَرَ بالرفع والنصب وهو منصوب بفعل يفسره ما\r______________________________\rالليل في الزيادة بالأسداس، ثلاثين ليلة إلى نصف أبيب ودخولها في الأسد، ثم ثلاثين بالأثلاث إلى نصف مسرى، ثم بالأصناف إلى نصف توت، ثم بالأصناف أيضا إلى نصف بابه، ثم بالأثلاث إلى نصف هاتور، ثم بالأسداس إلى نصف كهيك، ثم يعدو النهار على الليل، فسبحان اللّه المقدر للأمور، القادر على كل شيء، العليم الحكيم.\rقوله: وَآيَةٌ خبر مقدم، واللَّيْلُ مبتدأ مؤخر كما تقدم نظيره. قوله: نَسْلَخُ إلخ، بيان لكيفية كونه آية. قوله: (نفصل) مِنْهُ النَّهارَ أي نزيله عنه لكونه كالساتر له، فإذا زال الساتر ظهر الأصل، فالليل أصل، فالليل أصل متقدم في الوجود، والنهار طارىء عليه بدليل قوله: فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ هذا لا ينافي ما يأتي في قوله: وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ لأن معناه لا يأتي الليل قبل وقته المقدر له، بأن يأتي في وقت الظهر مثلا، وهذا غير ما هنا، فتحصل أن معنى السلخ الفصل والإزالة، وليس المراد به الكشف، وإلا لقال فإذا هم مبصرون، لأنه يصير المعنى: وآية لهم الليل نكشف ونظهر منه النهار. قوله: (داخلون في الظلام) أي فيقال: أظلم القوم إذا دخلوا في الظلام، وأصبحوا إذا دخلوا في الصباح. قوله: (من جملة الآية) أي فهو عطف مفردات على قوله: الْأَرْضُ، وقوله: (أو آية أخرى) أي فيكون عطف جمل.\rقوله: لِمُسْتَقَرٍّ لَها أي مكان تستقر فيه، وهو مكانها تحت العرش، فتسجد فيه كل ليلة عند غروبها، فتستمر ساجدة فيه طول الليل، فعند ظهور النهار، يؤذن لها في أن تطلع من مطلعها، فإذا كان آخر الزمان لا يؤذن لها في الطلوع من المشرق، بل يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من المغرب، وهذا هو الصحيح عند أهل السنة، ويؤيده قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لأبي ذر غربت الشمس أتدري أين ذهبت الشمس؟\rقال: اللّه ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد، فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وقيل: إن الشمس في الليل، تسير وتشرق على عالم آخر من أهل الأرض، وإن كنا لا نعرفه، وهذا قول الحكماء، ويؤيده ما قاله الفقهاء: إن الأوقات الخمسة، تختلف باختلاف الجهات والنواحي، فقد يكون المغرب عندنا، عصرا عند آخرين، وقد يكون الليل عندهم ساعة فقط، واختلف في العشاء حينئذ، فقالت الحنفية بسقوطها، وقالت الشافعية ووافقهم المالكية: يقدر لهم بأقرب البلاد إليهم، ويصلونها ولو بعد طلوع الشمس عندهم، وتسمى أداء، ولا حرمة عليهم، في ذلك، وعلى ما قالته الحكماء، فاختلف في مستقر الشمس، فقيل: هو انقضاء الدنيا وقيام الساعة، وقيل: مستقرها هو سيرها في منازلها، حتى تنتهي إلى مستقرها التي لا تجازوه، ثم ترجع إلى أول منازلها، وقيل: مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في الصيف، ونهاية هبوطها في الشتاء.\rقوله: وَالْقَمَرَ اختلف فيه، هل لكل شهر قمر جديد؟ أو هو قمر واحد لكل شهر؟ فقال الرملي من أئمة الشافعية: إن لكل شهر قمرا جديدا، ولكن المتبادر من كلام الحكماء ومن غالب الأحاديث أنه","part":3,"page":299},{"id":1413,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 300\rبعده قَدَّرْناهُ من حيث سيره مَنازِلَ ثمانية وعشرين منزلا في ثمان وعشرين ليلة من كل شهر ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما وليلة وإن كان تسعة وعشرين يوما حَتَّى عادَ في آخر منازله في رأي العين كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) أي كعود الشماريخ إذا عتق فإنه يرق ويتقوس ويصغر لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي يسهل ويصح لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ فتجتمع معه في الليل وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ فلا يأتي قبل انقضائه وَكُلٌ تنوينه عوض عن المضاف إليه من الشمس والقمر والنجوم فِي فَلَكٍ مستدير يَسْبَحُونَ (40) يسيرون نزلوا منزلة العقلاء وَآيَةٌ لَهُمْ على قدرتنا أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ وفي قراءة ذرياتهم أي آباءهم الأصول فِي الْفُلْكِ أي سفينة نوح الْمَشْحُونِ (41) المملوء وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ أي مثل فلك نوح، وهو ما عملوه على\r______________________________\rمتحد. قوله: (بالرفع) أي على مبتدأ خبره قَدَّرْناهُ. قوله: (و النصب يفسره ما بعده) أي فهو من باب الاشتغال. قوله: (من حيث سيره) أشار بذلك إلى أن قوله: مَنازِلَ ظرف لقوله: قَدَّرْناهُ والتقدير قدرنا سيره في منازل، ويصح جعله حالا على حذف مضاف، والتقدير ذا منازل. قوله: (أي كعود الشماريخ) جمع شمراخ، وهو عيدان العنقود الذي عليه الرطب. قوله: (إذا عتق) من باب ظرف وقعد. قوله: (فإنه يدق ويتقوس ويصغر) أي فوجه الشبه فيه مركب من ثلاثة أشياء.\rقوله: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ أي بحيث تأتي في وسط الليل، لأن ذلك يخل بتلوين النبات ونفع الحيوان، ويفسد النظام، ولم يقل سحبانه وتعالى: ولا القمر يدرك الشمس، لأن سير القمر أسرع، لأنه يقطع الفلك في شهر، والشمس لا تقطع فلكها في سنة، فالشمس قطعا لا تدرك القمر، والقمر قد يدرك الشمس في سيرها، ولكن لا سلطنة له. قوله: وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ أي لا يأتي الليل في أثناء النهار قبل أن ينقضي، كأن يأتي في وقت الظهر مثلا. قوله: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ قال ابن عباس: يدورون في فلكة كفلكة المغزل. قوله: (و النجوم) أي المدلول عليها بذكر الشمس والقمر. قوله: (نزلوا منزلة العقلاء) أي حيث عبر عنهم بضمير جمع الذكور، والذي سوغ ذلك، وصفهم بالسباحة التي هي من أوصاف العقلاء.\rقوله: وَآيَةٌ لَهُمْ خبر مقدم أَنَّا حَمَلْنا في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر، أي حملنا ذريتهم في الفلك، آية دالة على باهر قدرتنا. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (أي آباءهم الأصول) أشار بذلك إلى أن لفظ الذرية، كما يطلق على الفروع، يطلق على الأصول، لأنه من الذرء وهو الخلق، فاندفع ما يقال: إن الذي حمل في سفينة نوح، أصول أهل مكة لا فروعهم، وهذا أوضح ما قررت به هذه الآية. قوله: (المملوء) أي لأن نوحا جعله ثلاث طبقات: السفلى وضع فيها السباع والهوام، والوسطى فيها الدواب والأنعام، والعليا وضع فيها الآدميين والطير.\rقوله: وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ هذا امتنان آخر مرتب على ما قبله، والمعنى: جعلنا سفينة نوح آية عظيمة على قدرتنا، ونعمة للخلق، وعلمناهم صنعة السفينة، فعملوا سفنا كبارا وصغارا لينتفعوا بها.","part":3,"page":300},{"id":1414,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 301\rشكله من السفن الصغار والكبار بتعليم اللّه تعالى ما يَرْكَبُونَ (42) فيه وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ مع إيجاد السفن فَلا صَرِيخَ مغيث لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) ينجون إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (44) أي لا ينجيهم إلا رحمتنا لهم وتمتيعنا إياهم بلذاتهم إلى انقضاء آجالهم وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ من عذاب الدنيا كغيرهم وَما خَلْفَكُمْ من عذاب الآخرة لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) أعرضوا وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (46) وَإِذا قِيلَ أي قال فقراء الصحابة لَهُمْ أَنْفِقُوا علينا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من الأموال قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا استهزاء بهم أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ في معتقدكم هذا إِنْ ما أَنْتُمْ في قولكم لنا ذلك مع معتقدكم هذا إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (47) بيّن، وللتصريح بكفرهم\r______________________________\rقوله: مِنْ مِثْلِهِ مِنْ إما زائدة أو تبعيضية، وعلى كل فمدخولها حال من قوله: ما يَرْكَبُونَ.\rقوله: (و هو ما عملوه) هذا أحد أقوال ثلاثة في تفسير المثل، الثاني: إنه خصوص الإبل، والثالث: إنه مطلق الدواب التي تركب. قوله: (بتعليم اللّه) دفع بهذا ما يقال: عادة اللّه تعالى اضافة صفة العبيد لأنفسهم، وإن كان هو الخالق لها حقيقة، فلم أضافها لنفسه؟ فأجاب: بأن التعليم والهداية لما كانتا منه، أضاف الخلق له، لأن سفينة نوح التي هي أصل السفن، كانت بمحض تعليم اللّه وإلهامه له. قوله: (مع ايجاد السفن) أي ومع ركوبهم لها.\rقوله: فَلا صَرِيخَ لَهُمْ الصريخ بمعنى الصارخ، يطلق على المستغيث وعلى المغيث، فهو من تسمية الأضداد، والمراد الثاني.\rقوله: إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا إِلَّا أداة استثناء، ورَحْمَةً مفعول لأجله، وهو استثناء مفرغ من عموم الأحوال، والمعنى: لا ننجيهم لشيء من الأشياء، إلا لأجل رحمتنا بهم وتمتيعهم الأمد الذي سبق في علمنا. قوله: (كغيركم) أي وهم المؤمنون. قوله: (من عذاب الآخرة) أشار بذلك إلى أن لفظ الخلف، كما يطلق على ما مضى، يطلق على ما يأتي، فهو من تسمية الأضداد، وسمى ما يأتي خلفا لغيبته عنا.\rقوله: (أعرضوا) قدره إشارة إلى أن جواب الشرط محذوف، دل عليه\rقوله: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إلخ.\rقوله: مِنْ آيَةٍ مِنْ زائدة، وقوله: مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ مِنْ تبعيضية. قوله: إِلَّا كانُوا إلخ، الجملة حالية.\rقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا إلخ. أشار بذلك إلى أنهم كما تركوا حقوق الخالق، وهذه الآية نزلت حكاية عن بعض جبابرة مكة، كالعاص بن وائل السهمي وغيره، كان إذا سأله المسكين قال له:\rاذهب إلى ربك فهو أولى مني بك، قد منعك اللّه، أفأطعمك أنا؟ وقد تمسك بهذا بعض بخلاء المسلمين حيث يقولون: لا نعطي من حرمه اللّه، ولم يعلموا أن الفقراء يحملون زاد الأغنياء للآخرة، ولو لا الفقراء ما انتفع الغني بغناه.\rقوله: قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي بالصانع، أن ينكرون وجوده، وهم فرقة من جبابرة مكة. قوله:\rمَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ مفعول أَنُطْعِمُ وقوله: أَطْعَمَهُ جواب لَوْ. قوله: (في معتقدكم) أي أيها الفقراء المؤمنون، لا في معتقد الكفار الأغنياء، فإنهم ينكرون الصانع كما علمت. قوله: (في قولكم لنا ذلك) أشار بذلك إلى أن هذا من كلام الكفار للمؤمنين. ويؤيده ما روي: أن أبا بكر الصديق رضي","part":3,"page":301},{"id":1415,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 302\rموقع عظيم وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ بالبعث إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (48) فيه، قال تعالى: ما يَنْظُرُونَ أي ما ينتظرون إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً وهي نفخة إسرافيل الأولى تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) بالتشديد أصله يختصمون نقلت حركة التاء إلى الخاء وأدغمت في الصاد أي وهم في غفلة عنها بتخاصم وتبايع وأكل وشرب وغير ذلك، وفي قراءة يخصمون كيضربون أي يخصم بعضهم بعضا فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً أي أن يوصوا وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) من أسواقهم وأشغالهم بل يموتون فيها وَنُفِخَ فِي الصُّورِ هو قرن النفخة الثانية للبعث، وبين النفختين أربعون سنة فَإِذا هُمْ أي المقبورون مِنَ الْأَجْداثِ القبور إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) يخرجون بسرعة قالُوا أي الكفار منهم يا للتنبيه يا وَيْلَنا هلاكنا وهو مصدر\r______________________________\rاللّه عنه، كان يطعم مساكين المسلمين، فلقيه أبو جهل فقال: يا أبا بكر، أتزعم أن اللّه قادر على إطعام هؤلاء؟ قال: نعم، قال: فما باله لم يطعمهم؟ قال: ابتلى قوما بالفقر، وقوما بالغنى، وأمر الفقراء بالصوم، والأغنياء بالإعطاء، فقال أبو جهل: واللّه يا أبا بكر، إن أنت إلا في ضلال، أتزعم أن اللّه قادر على إطعام هؤلاء، وهو لا يطعمهم، ثم تطعمهم أنت؟ وقيل: إنه من كلام المؤمنين للكفار، وقيل: من كلام اللّه تعالى ردا عليهم. قوله: (موقع عظيم) أي وهو التبكيت والتقبيح عليهم.\rقوله: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ رجوع للكلام مع الكفار المعترفين بوجوده تعالى قوله: (أي ما ينتظرون) هذا مجاراة لأول كلامهم، لأن شأن من يسأل عن الشيء، أن يكون معترفا بوجوده، وإلا فهم جازمون بعدمها. قوله: (الأولى) أي وهي التي يموت عندها من كان موجودا على وجه الأرض. قوله:\r(نقلت حركة التاء إلى الخاء) أي بتمامها أو بعضها، فهما قراءتان. قوله: (و أدغمت) أي بعد قلبها صادا، وحذفت همزة الوصل للاستغناء عنها بتحريك الخاء، وقوله: (و في قراءة) إلخ، تلخص من كلامه أن القراءات هنا ثلاث، وبقي رابعة وهي فتح الياء وكسر الخاء وكسر الصاد المشددة، وعلى هذه القراءة، فحركة الخاء ليست حركة نقل، وإنما هي لما حذفت حركة التاء صارت ساكنة، فالتقت ساكنة مع الخاء، فحركت الخاء بالكسر على أصل التخلص من التقاء الساكنين، وكل تلك القراءات سبعية. قوله: (أي وهم في غفلة عنها) أشار بهذا، إلى أن المراد من الاختصام لازمه، وهو الغفلة التي ينشأ عنها الاختصام وغيره، وفي الحديث: «لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبا بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمها، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» أخرجه البخاري. قوله: (أي يخصم بعضهم بعضا) بيان لحاصل المعنى، والمفعول محذوف على القراءة الأخيرة. قوله: (أن يوصوا) أي على أولادهم وأموالهم.\rقوله: وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ معطوف على يَسْتَطِيعُونَ. قوله: (و بين النفختين أربعون سنة) هذا هو الصحيح، وقيل: أربعون يوما، وقيل: غير ذلك. قوله: (أي المقبورون) أي من شأنه أن يقبر، وقبر كل ميت بحسبه، فيشمل من أكلته السباع ونحوه.\rقوله: مِنَ الْأَجْداثِ جمع جدث كفرس وأفراس، وقرىء شذوذا الأجواف بالفاء، وهي لغة في الأجداث. قوله: (يخرجون بسرعة) أي يسرعون في مشيهم قهرا ولا اختيارا. قوله: (أي الكفار) أي لا كل الخلائق، إذ المؤمنون يفرحون","part":3,"page":302},{"id":1416,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 303\rلا فعل له من لفظه مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا لأنهم كانوا بين النفختين نائمين لم يعذبوا هذا أي البعث ما أي الذي وَعَدَ به الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) أقروا حين لا ينفعهم الإقرار، وقيل يقال لهم ذلك إِنْ ما كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا عندنا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا جزاء ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54) إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ بسكون الغين وضمها عما فيه أهل النار مما يتلذذون به، كافتضاض الأبكار، لا شغل يتعبون فيه، لأن الجنة لا نصب فيها فاكِهُونَ (55) ناعمون خبر\r______________________________\rبالقيامة، ليذهبوا للنعيم الدائم، ورؤية وجه اللّه الكريم.\rقوله: (للتنبيه) دفع بذلك ما يقال: إن النداء مختص بالعقلاء، فكيف ينادى الويل وهو لا يعقل فأجاب: بأن يا للتنبيه، والمعنى: تنبهوا فإن الويل قد حضر.\rقوله: وَيْلَنا قرأ العامة بإضافته إلى ضمير المتكلم، ومعه غيره دون تأنيث، وقرىء شذوذا يا ويلتنا بتاء التأنيث، ويا ويلتي بإبدال الياء ألفا، وعلى قراءة الإفراد، يكون حكاية عن مقالة كل واحد.\rقوله: (لا فعل له من لفظه) أي بل معناه وهو هلك. قوله: مَنْ بَعَثَنا قرأ العامة بفتح ميم مَنْ على أنها استفهامية مبتدأ، وجملة بَعَثَنا خبره؛ وقرىء شذوذا بكسر الميم على أنها حرف جر، وبَعَثَنا مصدر مجرور بمن؛ والجار والمجرور متعلق بويلنا، وقوله: مِنْ مَرْقَدِنا متعلق بالبعث، والمرقد يصح أن يكون مصدرا أو اسم مكان، أي من رقادنا أو من مكان رقادنا. قوله: (لأنهم كانوا بين النفختين نائمين) أي حين يرفع اللّه عنهم العذاب، فيرقدون قبيل النفخة الثانية، فيذوقون طعم النوم، فإذا بعثوا وعاينوا أهوال يوم القيامة، دعوا بالويل. قوله: ما وَعَدَ الرَّحْمنُ إلخ، مفعول وَعَدَ وصَدَقَ محذوف والتقدير: ما وعدنا به الرحمن وصدقنا فيه المرسلون. قوله: (أقروا) إلخ، أشار بذلك إلى أن هذه الجملة من كلام الكفار، فهي في محل نصب مقول القول، كأنهم لما سألوا فلم يجابوا، أجابوا أنفسهم. قوله:\r(و قيل يقال لهم ذلك) أي من جانب المؤمنين، أو الملائكة، أو اللّه تعالى، وإنما عدلوا عن جواب سؤالهم، لأن الباعث لهم معلوم، وإنما لهم السؤال عن البعث.\rقوله: إِنْ كانَتْ أي النفخة الثانية. قوله: إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً أي وهو قول إسرافيل أيتها العظام النخرة، والأوصال المتقطعة، والعظام المتفرقة، والشعور المتمزقة، وإن اللّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. قوله: فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ أي مجموعون في موقف الحساب.\rقوله: فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً هذا حكاية عما يقال لهم حين يرون العذاب.\rقوله: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ إلخ، جرت عادة اللّه سبحانه وتعالى في كتابه، إذا ذكر أحوال أهل النار، أتبعه بذكر أحوال أهل الجنة. قوله:\rفِي شُغُلٍ أبهمه ونكره، إشارة إلى تعظيمه ورفعة شأنه، والمراد به ما هم فيه من أنواع الملاذ التي تلهيهم عما عداها بالكلية، كالتفكه بالأكل والشرب والسماع وضرب الأوتار والتزاور، وأعظم ذلك سماع كلام اللّه تعالى ورؤية ذاته. قوله: (بسكون الغين وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (كافتضاض الأبكار) أي لما روى: أن أهل الجنة، كلما أرادوا القرب من نسائهم وجدوهن أبكارا، فيفتضون من غير قذر ولا ألم. قوله: فاكِهُونَ من الفكاهة بفتح الفاء، وهي التنعم والتلذذ.","part":3,"page":303},{"id":1417,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 304\rثان ل «إن»، والأول في شغل هُمْ مبتدأ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ جمع ظلة أو ظل خبر، أي لا تصيبهم الشمس عَلَى الْأَرائِكِ جمع أريكة وهو السرير في الحجلة أو الفرش فيها مُتَّكِؤُنَ (56) خبر ثان متعلق على لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ فيها ما يَدَّعُونَ (57) يتمنون سَلامٌ مبتدأ قَوْلًا أي بالقول خبره مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) بهم أي يقول لهم سلام عليكم وَيقول امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) أي انفردوا عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم أَلَمْ\r______________________________\rقوله: هُمْ وَأَزْواجُهُمْ هذا بيان لكيفية شغلهم وتفكههم. قوله: (جمع ظلة) أي كقباب جمع قبة، وزنا ومعنى. قوله: (أو ظل) أي كشعاب جمع شعب. قوله: (أي لا تصيبهم الشمس) أي لعدم وجودها .. قوله: (في الحجلة) بفتحتين أو بسكون الجيم مع ضم الحاء أو كسرها، وهي قبة تعلق على السرير وتزين به العروس. قوله: (أو الفرش فيها) أي في الحجلة، فالأريكة فيها قولان: قيل هي السرير الكائن في الحجلة، أو الفرش الكائن فيها. قوله: (متعلق على) أي قوله: عَلَى الْأَرائِكِ فتحصل أن هُمْ مبتدأ، وأَزْواجُهُمْ عطف عليه، وفِي ظِلالٍ خبر أول، ومُتَّكِؤُنَ خبر ثان، وعَلَى الْأَرائِكِ متعلق بمتكئون، قدم عليه رعاية للفاصلة.\rقوله: لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ أي من كل نوع من أنواع الفواكه، لا مقطوع ولا ممنوع، قال تعالى:\rوَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ. قوله: وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ أصله يدتعيون بوزن يفتعلون، استثقلت الضمة على الياء، فنقلت إلى ما قبلها، فالتقى ساكنان، حذفت الياء لالتقائهما، ثم أبدلت التاء دالا وأدغمت في الدال، والمعنى: يعطى أهل الجنة، جميع ما يتمنونه ويشتهونه حالا من غير بطء.\rقوله: سَلامٌ (مبتدأ) إلخ، هذا أحسن الأعاريب؛ وقيل: إنه بدل من قوله: ما يَدَّعُونَ، أو صفة لما، أو خبر لمبتدأ محذوف. قوله: (أي بالقول) أشار بذلك إلى أن قَوْلًا منصوب بنزع الخافض، ويصح أن يكون مصدرا مؤكدا لمضمون الجملة، وهو مع عامله معترض بين المبتدأ والخبر. قوله: (أي يقول لهم سلام عليكم) أشار بذلك إلى أن الجملة معمولة لمحذوف، والمعنى أن اللّه يتجلى لأهل الجنة ويقرئهم السّلام لما في الحديث: «بينما أهل الجنة في نعيم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب عز وجل قد أشرف عليهم من فوقهم، السّلام عليكم يا أهل الجنة، فلذلك قوله تعالى: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم؛ فيبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم».\rقوله: وَ(يقول) امْتازُوا إلخ، أشار بذلك إلى أن هذه الجملة معمولة لمحذوف أيضا. قوله: (عند اختلاطهم بهم) أي حين يسار بهم إلى الجنة؛ لما ورد في الحديث ما معناه: «إذا كان يوم القيامة، ينادي مناد: كل أمة تتبع معبودها؛ فتبقى هذه الأمة وفيها منافقوها يقولون: لا نذهب حتى ننظر معبودنا؛ فيظهر لهم عن يمين العرش ملك؛ لو وضعت البحار السبع وجميع الخلائق ومثلهم معهم في نقرة إبهامه لوسعهم؛ فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ باللّه منك لست ربنا، ثم يأتي عن يسار العرش فيقول مثل ذلك؛ فيقولون: نعوذ باللّه منك لست ربنا، ثم يتجلى اللّه تعالى لهم فيخرون سجدا، فيريد المنافقون أن يسجدوا؛ فيصير ظهرهم طبقا، فلا يستطيعون السجود، فعند ذلك يقال: وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ».","part":3,"page":304},{"id":1418,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 305\rأَعْهَدْ إِلَيْكُمْ آمركم يا بَنِي آدَمَ على لسان رسلي أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ لا تطيعوه إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) بيّن العدواة وَأَنِ اعْبُدُونِي وحدوني وأطيعوني هذا صِراطٌ طريق مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا خلقا جمع جبيل كقديم، وفي قراءة بضم الباء كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) عدواته وإضلاله، أو ما حل بهم من العذاب فتؤمنون، ويقال لهم في الآخرة هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) بها اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ أي الكفار لقولهم: واللّه ربنا ما كنا مشركين وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ وغيرها بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (65) فكل عضو ينطق بما صدر منه وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ لأعميناها طمسا فَاسْتَبَقُوا ابتدروا الصِّراطَ الطريق ذاهبين كعادتهم فَأَنَّى فكيف يُبْصِرُونَ (66) حينئذ أي لا يبصرون وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ قردة وخنازير أو حجارة عَلى مَكانَتِهِمْ وفي قراءة مكاناتهم جمع مكانة بمعنى مكان، أي في منازلهم فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا\r______________________________\rقوله: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ الاستفهام للتوبيخ والتقريع، والمراد بالعهد، ما كلفهم اللّه به على ألسنة رسله من الأوامر والنواهي. قوله: (آمركم) أي وأنهاكم؛ ففيه اكتفاء. قوله: أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ أَنْ تفسيرية لتقدم جملة فيها معنى القول دون حروفه، ولا ناهية؛ والفعل مجزوم بها. قوله: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ تعليل لوجوب الانتهاء.\rقوله: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ تأكيد للتعليل. قوله: جِبِلًّا بضم الجيم وسكون الباء وتخفيف اللام. قوله: (و في قراءة بضم الباء) أي مع ضم الجيم، وبقي قراءة ثالثة سبعية أيضا، وهي بكسر الجيم والباء وتشديد اللام كسجل.\rقوله: هذِهِ جَهَنَّمُ هذا خطاب لهم وهم على شفير جهنم، والمقصود منه زيادة التبكيت والتقريع.\rقوله: اصْلَوْهَا أي ذوقوا حرارتها. قوله:\rبِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي بسبب كفركم.\rقوله: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ أي ختما يمنعها عن الكلام النافع، فلا ينافي قوله تعالى في الآية الأخرى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وهذا مرتبط بقوله: اصْلَوْهَا الْيَوْمَ روي أنهم حين يقال لهم ذلك، يجحدون ما صدر عنهم في الدنيا ويتخاصمون، فتشهد عليهم جيرانهم وأهاليهم وعشائرهم، فيحلفون أنهم ما كانوا مشركين ويقولون: لا نجيز علينا شاهدا إلا من أنفسنا؛ فيختم على أفواههم، ويقال لأركانهم: انطقوا فتنطق بما صدر منهم، وحكمة إسناد الختم لنفسه، والشهادة للأيدي والأرجل، دفع توهم أن نطقها جبر، والمجبور غير مقبول الشهادة، فأفاد أن نطقها اختياري.\rقوله: وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ إلخ مفعول المشيئة محذوف، أي لو نشاء طمسها لفعلنا، وقوله: فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ أي أرادوا أن يستبقوا الطريق المحسوس ذاهبين في حوائجهم، وهو عطف على قوله:\rلَطَمَسْنا، وقوله: فَأَنَّى يُبْصِرُونَ استفهام إنكاري مرتب على ما قبله، أي فلا يبصرونه.\rقوله: وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ إلخ، يقال فيها ما قيل فيما قبلها، والمسخ تغيير الصور، وعَلى بمعنى في، والمقصود من هاتين الآيتين، تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم، وتوبيخ الكفار واعلامهم بأن اللّه قادر على إذهاب ما بهم من النعم في الدنيا، وأنهم مستحقون ذلك لو لا حلمه تعالى، فهاتان الآيتان بمعنى قوله تعالى: قُلْ","part":3,"page":305},{"id":1419,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 306\rوَلا يَرْجِعُونَ (67) أي لم يقدروا على ذهاب ولا مجىء وَمَنْ نُعَمِّرْهُ بإطالة أجله نُنَكِّسْهُ وفي قراءة بالتشديد من التنكيس فِي الْخَلْقِ أي خلقه فيكون بعد قوته وشبابه ضعيفا وهرما أَفَلا يَعْقِلُونَ (68) أن القادر على ذلك المعلوم عندهم قادر على البعث فيؤمنون، وفي قراءة بالتاء وَما عَلَّمْناهُ أي النبي الشِّعْرَ رد لقولهم أن ما أتى به من القرآن شعر وَما يَنْبَغِي يسهل لَهُ الشعر إِنْ هُوَ ليس الذي أتى به إِلَّا ذِكْرٌ عظة وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) مظهر للأحكام وغيرها لِيُنْذِرَ بالياء والتاء به مَنْ كانَ حَيًّا يعقل ما يخاطب به وهم المؤمنون وَيَحِقَّ الْقَوْلُ\r______________________________\rأَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ الآية.\rقوله: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ أي من يكون في سابق علمنا طويل العمر. قوله: (و في قراءة بالتشديد) أي وهما قراءتان سبعيتان ومعناهما واحد، والمعنى نقلبه، فلا يزال يتزايد ضعفه وتنقص قواه؛ عكس ما كان عليه أول أمره. قوله: (أي خلقه) أي خلق جسده وقواه.\rقوله: (ضعفا) مقابل قوته؛ وقوله: (و هرما) مقابل شبابه، فهو لف ونشر مرتب، وهذا في غير الأنبياء عليهم السّلام، وأما هم فلا يعتريهم الضعف في العقل والبدن، وإن طال عمرهم جدا، واستعاذته صلّى اللّه عليه وسلّم من الرد لأرذل العمر تعليم لأمته، ويلحق بالأنبياء العلماء العاملون، فلا يهرمون ولا يضعفون بطول العمر، بل يكونون على أحسن ما كانوا عليه. قوله: أَفَلا يَعْقِلُونَ الهمزة داخلة على محذوف، والتقدير أتركوا التفكر فلا يعقلون. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا.\rقوله: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ هذا تنزيه من اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم عن آلهتهم فيما أوحاه اللّه إليه، إذ لو كان للعقل فيه بعض اتهام، لبطل الاحتجاج به. قوله: (رد لقولهم أن ما أتى به من القرآن شعر) أي وحينئذ فيصير المعنى: ليس القرآن بشعر، لأن الشعر كلام مزخرف موزون مقفى قصدا مبني على خيالات وأوهام واهية، وأين ذلك من القرآن العزيز، الذي تنزه عن مماثلة كلام البشر. قوله: وَما يَنْبَغِي لَهُ أي لا يصح ولا يليق منه، لأن الشعر شأنه الأكاذيب، وهي عليه مستحيلة، ولذا قيل: أعذبه أكذبه، فتحصل أن النبي لا ينبغي له الشعر، ولا يليق منه. إن قلت: إنه تمثل بقول ابن رواحة:\rستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود\r\rوأنشأ من نفسه قوله:\rأنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب\r\rوقوله:\rهل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل اللّه ما لقيت\r\rقلت: أحسن ما أجيب به: أن انشاده بيت ابن رواحة، وإنشاء البيتين المقدمين، لم يكن عن قصد، وإنما وافق وزن الشعر، كما في بعض الآيات القرآنية، فليس كل من قال قولا موزونا، لا يقصد به الشعر شاعرا، وإنما وافق وزن الشعر.\rقوله: لِيُنْذِرَ متعلق بمحذوف دل عليه ما قبله قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (و هم المؤمنون) أي وخصوا بالذكر، لأنهم هم المنتفعون به.","part":3,"page":306},{"id":1420,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 307\rبالعذاب عَلَى الْكافِرِينَ (70) وهم كالميتين لا يعقلون ما يخاطبون به أَوَلَمْ يَرَوْا يعلموا، والاستفهام للتقرير، والواو الداخلة عليها للعطف أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ في جملة الناس مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أي عملناه بلا شريك ولا معين أَنْعاماً هي الإبل والبقر والغنم فَهُمْ لَها مالِكُونَ (71) ضابطون وَذَلَّلْناها سخرناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ مركوبهم وَمِنْها يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ كأصوافها وأوبارها وأشعارها وَمَشارِبُ من لبنها جمع مشرب بمعنى شرب أو موضعه أَفَلا يَشْكُرُونَ (73) المنعم عليهم بها فيؤمنون، أي ما فعلوا ذلك وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره آلِهَةً أصناما يعبدونها لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) يمنعون من عذاب اللّه تعالى بشفاعة آلهتهم بزعمهم لا يَسْتَطِيعُونَ أي آلهتهم، نزلوا منزلة العقلاء نَصْرَهُمْ وَهُمْ أي آلهتهم من الأصنام لَهُمْ جُنْدٌ بزعمهم نصرهم مُحْضَرُونَ (75) في النار معهم فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ لك لست مرسلا وغير ذلك إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (76)\r______________________________\rقوله: (و هم كالميتين) أخذ هذا من المقابلة في قوله: مَنْ كانَ حَيًّا. قوله: (و الاستفهام للتقرير) أي وهو حمل المخاطب على الإقرار بالحكم. قوله: (و الواو الداخلة عليها للعطف) هذه العبارة تحتمل التقريرين السابقين في نظير هذه الآية، وهما أن الهمزة إما مقدمة من تأخير، لأن لها الصدارة، والواو عاطفة على قوله فيما تقدم أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أو داخلة على محذوف، والواو عاطفة عليه، والتقدير: ألم يتفكروا ولم يروا.\rقوله: أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ اللام للحكمة، أي حكمة خلقنا ذلك انتفاعهم. قوله: (في جملة الناس) أشار بذلك إلى أن هذه النعم ليست مقصورة عليهم، بل لهم ولغيرهم. قوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا هذا كناية عن الحصر فيه سبحانه وتعالى، وهذا كقول الإنسان: كتبته بيدي مثلا، بمعنى أني انفردت به ولم يشاركني فيه غيري، فهو كناية عرفية. قوله: أَنْعاماً خصها بالذكر، لأن منافعها أكثر من غيرها.\rقوله: (ضابطون) أي قاهرون مذللون، والأحسن أن يفسر قوله: مالِكُونَ بالملك الشرعي، أي يتصرفون فيها بسائر وجوه التصرفات الشرعية ليكون\rقوله: وَذَلَّلْناها لَهُمْ تأسيسا لنعمة أخرى، لا تتميما لما قبله. قوله: (كأصوافها) أي وجلودها ونسلها وغير ذلك. قوله: (أو موضعه) أي وهو الضروع.\rقوله: (أي ما فعلوا ذلك) أشار بذلك إلى أن الاستفهام انكاري، وأن\rقوله: وَاتَّخَذُوا إلخ، عطف على محذوف قوله: (يعبدونها) تفسير للاتخاذ.\rقوله: لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ الجملة حالية، والمعنى حال كونهم راجين النصرة منهم. قوله: (نزلوا منزلة العقلاء) أي لمشاكلة عبادتهم، فعبر عنهم بصيغة جمع الذكور.\rقوله: وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ إلخ، هُمْ مبتدأ، وجُنْدٌ خبر أول، ولَهُمْ متعلق بجند، ومُحْضَرُونَ خبر ثان. قوله: (أي آلهتهم من الأصنام) هذا أحد وجهين، والآخر أنه عائد على الكفار، والمعنى: يقومون بمصالحها، فهم لها بمنزلة الجند، وهي لا تستطيع أن تنصرهم. قوله: مُحْضَرُونَ (في النار) أي ليعذبوا بها.\rقوله: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى: لا تحزن من قولهم، بل اتركه ولا تلتفت له. قوله: إِنَّا","part":3,"page":307},{"id":1421,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 308\rمن ذلك وغيره فنجازيهم عليه أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ يعلم وهو العاصي بن وائل أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ منّي إلى أن صيرناه شديدا قويا فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ شديد الخصومة لنا مُبِينٌ (77) بينها في نفي البعث وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا في ذلك وَنَسِيَ خَلْقَهُ من المنّي وهو أغرب من مثله قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) أي بالية، ولم يقل بالتاء لأنه اسم لا صفة، وروي أنه أخذ عظما رميما ففتته وقال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: أترى يحيي اللّه هذا بعد ما بلي ورمّ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «و يدخلك النار» قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ مخلوق عَلِيمٌ (79) مجملا ومفصلا، قبل خلقه وبعد خلقه الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ في جملة الناس مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ المرخ والعفار أو كل شجر إلا العناب ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) تقدحون، وهذا دال على القدرة على البعث،\r______________________________\rنَعْلَمُ إلخ، تعليل للنهي قبله. قوله: (فيجازيهم عليه) أي على ما صدر منهم سرا وعلانية، خيرا أو شرا.\rقوله: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ في الهمزة التقريران السابقان، وهما كونها مقدمة من تأخير، أو عاطفة على محذوف؛ والتقدير: أعمي ولم ير؟ قوله: (و هو العاصي بن وائل) وقيل: نزلت في أبي بن خلف الجمحي، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله: أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ أي قذرة خسيسة؛ والمقصود التعجب من جهله، حيث تصدى لمخاصمة العزيز الجبار، ولم يتفكر في بدء خلقه، وانه من نطفة. قوله: فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ عطف على جملة النفي. قوله: (في نفي البعث) متعلق بخصيم.\rقوله: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا أي أورد كلاما عجيبا في الغرابة كالمثل، حيث قاس قدرتنا على قدرة الخلق. قوله: وَنَسِيَ خَلْقَهُ أي ذهل عنه، وهذا عطف على ضَرَبَ داخل حيز الإنكار، وإضافة خلق للضمير، من إضافة المصدر لمفعوله، أي خلق اللّه إياه. قوله: قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ إلخ بيان لضرب المثل. قوله: (و لم يقل بالتاء) إلخ، أشار بذلك إلى سؤال حاصله أن فعيلا بمعنى فاعل، يفرق بين المذكر والمؤنث بالتاء، فكان مقتضى القاعدة أن يقال رميمة، فأجاب المفسر: بأن محل ذلك إذا لم تغلب عليه الاسمية، فإذا صار اسما بالغلبة لما بلي من العظام، فلا تلحقه التاء في مؤنثه. قوله: (فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: نعم ويدخلك النار) أخذ من هذا، أنه مقطوع بكفره وخلوده في النار، وزيادة ذلك في الجواب، لأنه متعنت لا متفهم، وجزاء المتعنت المنكر، أن يجاب بما يكره، وبضد ما يترقب، ويسمى عند علماء البلاغة الأسلوب الحكيم.\rقوله: الَّذِي أَنْشَأَها أي أوجدها من العدم. قوله: وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ أي بكيفية خلقها، وبأجزاء الأشخاص تفصيلا.\rقوله: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ إلخ، بدل من الموصول قبله. قوله: (في جملة الناس) أشار بذلك إلى أنه مخصصا بالكفار، بل لجميع الخلق. قوله: (المرخ) بفتح الميم وسكون الراء وبالخاء المعجمة، شجر سريع القدح، وقوله: (و العفار) بفتح العين المهملة، بعدها فاء مفتوحة فألف فراء، وكيفية إيقاد النار منهما، أن يجعل العفار كالزند، يضرب به على المرخ، وقيل: يؤخذ منهما غصنان خضر اوان، ويسحق المرخ على العفار، فتخرج منهما النار بإذن اللّه. قوله: (أو كل شجر) أي وقد شوهد في بعضه كالبرسيم، إذا وضع","part":3,"page":308},{"id":1422,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 309\rفإنه جمع فيه بين الماء والنار والخشب، فلا الماء يطفىء النار، ولا النار تحرق الخشب أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مع عظمهما بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ أي الأناسي في الصغر؟ بَلى أي هو القادر على ذلك، أجاب نفسه وَهُوَ الْخَلَّاقُ الكثير الخلق الْعَلِيمُ (81) بكل شيء إِنَّما أَمْرُهُ شأنه إِذا أَرادَ شَيْئاً أي خلق شيء أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) أي فهو يكون، وفي قراءة بالنصب عطفا على يقول فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ ملك، زيدت الواو والتاء للمبالغة أي القدرة على كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83) تردون في الآخرة.\r______________________________\rبعضه على بعض وهو أخضر مدة، فإنه يحرق نفسه وما حوله. قوله: (إلا العناب) أي ولذلك تؤخذ منه مطارق القصارين. قوله: (و الخشب) بفتحتين وضمتين أو ضم فسكون.\rقوله: أَوَلَيْسَ الَّذِي الهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة عليه، تقديره: أليس الذي أنشأها أول مرة، وليس الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا، وليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر؟ قوله: (أي الأناسي) تفسير للضمير. قوله: بَلى جواب تقرير النفي، وهو صادر منه تعالى، إشارة إلى تعيينه قالوا أولا. قوله: وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ عطف على مقدر تقديره بلى هو قادر وهو الخلاق العليم.\rقوله: أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ في الكلام استعارة تمثيلية، وتقريرها أن يقال: شبه سرعة تأثير قدرته ونفاذها فيما يريده، بأمر المطاع للمطيع، في حصول المأمور به، من غير امتناع ولا توقف، وحينئذ فمعنى أن يقول له كن، أن تتعلق به قدرته تعلقا تنجيزيا.\rقوله: فَسُبْحانَ الَّذِي إلخ، أي تنزيهه عما يليق به. قوله: (و إليه ترجعون) قرأ العامة ببنائه للمفعول، وقرىء شذوذا ببنائه للفاعل.\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 3 310\r\rقوله: فَسُبْحانَ الَّذِي إلخ، أي تنزيهه عما يليق به. قوله: (و إليه ترجعون) قرأ العامة ببنائه للمفعول، وقرىء شذوذا ببنائه للفاعل.\rتتمة: تقدم في فضل يس أنها قلب القرآن، ووجه ذلك: أنها اشتملت على الوحدانية والرسالة والحشر، والإيمان بذلك متعلق بالقلب، فلذلك سميت قلبا، ومن هنا امر بقراءتها عند المحتضر وعلى الميت، ليكون القلب قد اقبل على اللّه تعالى، ورجع عما سواه، فيقرأ عنده ما يزداد به قوة ويقينا.","part":3,"page":309},{"id":1423,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 310\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الصّافّات مكيّة وآياتها اثنتان وثمانون ومائة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) الملائكة تصف نفوسها في العبادة أو أجنحتها في الهواء، تنتظر ما تؤمر به فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (2) الملائكة تزجر السحاب أي تسوقه فَالتَّالِياتِ أي قراءة القرآن يتلونه ذِكْراً (3) مصدر من معنى التاليات إِنَّ إِلهَكُمْ يا أهل\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الصافات\rمكية وهي مائة واثنتان وثمانون آية أي بالإجماع، وسميت باسم اول كلمة منها، من باب تسمية الشيء باسم بعضه، على حكم عادته سبحانه وتعالى في كتابه.\rقوله: وَالصَّافَّاتِ إلخ، والواو حرف قسم وجر، الصَّافَّاتِ مقسم به مجرور، وما بعده عطف عليه، وقوله: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ جواب القسم، وهو المقسم عليه، والمعنى:\rوحق الصافات، وحق الزاجرات، وحق التاليات، وإنما خص ما ذكر، لعظم قدرها عنده، ولا يعكر عليه ما ورد من النهي عن الحلف بغير اللّه، لأن النهي للمخلوق، حذرا من تعظيم غير اللّه، وأما هو سبحانه وتعالى، فيقسم ببعض مخلوقاته للتعظيم، كقوله: والشمس، والليل، والضحى، والنجم وغير ذلك. قوله: (الملائكة تصف نفوسها) إلخ، اشار بذلك إلى أن المفعول محذوف، إن قلت: إن التاء في الصافات وما بعدها للتأنيث، والملائكة منزهون عن الاتصاف بالأنوثة كالذكورة. أجيب: بأنها للتأنيث اللفظي، والمنزهون عنه التأنيث المعنوي، وقوله: (الملائكة) هو أحد أقوال في تفسير الصافات، وقيل:\rالمراد المجاهدون، أو المصلون، أو الطير تصف أجنحتها. قوله: (في العبادة) أي في مقاماتها المعلومة.\rقوله: (و أجنحتها في الهواء) أي ومعنى صفها بسطها. قوله: (تنتظر ما تؤمر به) أي من صعود وهبوط.\rقوله: فَالزَّاجِراتِ زَجْراً الفاء للترتيب باعتبار الوجود الخارجي، لأن مبدأ الصلاة الاصطفاف، ثم يعقبه زجر النفس، ثم يعقبه التلاوة، وهكذا ويحتمل أنها للترتيب في المزايا، ثم هو إما باعتبار الترقي: فالصافات ذوات فضل، فالزاجرات أفضل، فالتاليات أكثر فضلا. أو باعتبار التدلي:\rفالصافات أعلى، ثم الزاجرات، ثم التاليات، وكل صحيح. قوله: (الملائكة تزجر السحاب) وقيل:\rالمراد بهم العلماء تزجر العصاة. قوله: (مصدر من معنى التاليات) ويصح أن يكون مفعولا للتاليات،","part":3,"page":310},{"id":1424,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 311\rمكة لَواحِدٌ (4) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (5) أي والمغارب للشمس، لها كل يوم مشرق ومغرب إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (6) أي بضوئها أو بها، والإضافة للبيان كقراءة تنوين زينة المبينة بالكواكب وَحِفْظاً منصوب بفعل مقدر، أي حفظناها بالشهب مِنْ كُلِ متعلق بالمقدر شَيْطانٍ مارِدٍ (7) عات خارج عن الطاعة لا يَسَّمَّعُونَ أي الشياطين مستأنف، وسماعهم هو في المعنى المحفوظ عنه إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى الملائكة في السماء،\r______________________________\rوالمراد بالذكر: القرآن وغيره من تسبيح وتحميد، والمراد بهم هنا، كل ذاكر من ملائكة وغيرهم.\rقوله: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ إن قلت: ما حكمة ذكر القسم هنا، لأنه إن كان المقصود المؤمنين فلا حاجة له، لأنهم مصدقون ولو من غير قسم، وإن كان المقصود الكفار، فلا حاجة له أيضا، لأنهم غير مصدقين على كل حال؟ أجيب: بأن المقصود منه، تأكيد الأدلة التي تقدم تفصيلها في سورة يس، ليزداد الذين آمنوا إيمانا، ويزداد الكافر طردا وبعدا.\rقوله: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إما بدل من واحد، أو خبر ثان، أو خبر لمحذوف. قوله: (أي والمغارب) أشار بذلك إلى أن في الآية اكتفاء على حد: سرابيل تقيكم الحر، وإنما اقتصر على المشارق، لأن نفعه أعم من الغروب، إن قلت: إنه تعالى جمع المشارق هنا، وحذف مقابله، وجمعهما في سأل، وثناهما في الرحمن، وأفرهما في المزمل، فما وجه الجمع بين هذه الآيات؟ أجيب: بأن الجمع باعتبار مشرق كل يوم ومغربه، لأن الشمس لها في السنة ثلاثمائة وستون مشرقا، وثلاثمائة وستون مغربا، فتشرق كل يوم من مشرق منها، وتغرب كل يوم في مقابله من تلك المغارب، والتثنية باعتبار مشرق الصيف ومشرق الشتاء ومغربهما، والإفراد باعتبار مشرق كل سنة ومغربها، وخص الجمع بهذه السور، لمناسبة جموع أولها.\rقوله: السَّماءَ الدُّنْيا أي القربى من الأرض. قوله: بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ اختلف العلماء، هل الكواكب في سماء الدنيا، أو ثوابت في العرش وضوؤها يصل لسماء الدنيا، لأن السماوات شفافة لا تحجب ما وراءها؟ قوله: (بضوئها) أي نورها، ولو لاه لكانت السماء شديدة الظلمة عند غروب الشمس، وقوله: (أو بها) أي أن ذات الكواكب زينة لسماء الدنيا، فإن الإنسان إذا نظر إلى الليلة المظلمة إلى السماء، ورأى هذه الكواكب مشرقة على سطح أزرق، وجدها في غاية الزينة. قوله: (المبينة بالكواكب) أي فعلى قراءة التنوين مع جر الكواكب، تكون الكواكب عطفا عليها، وبقي قراءة ثالثة سبعية وهي تنوين، ونصب الكواكب على أنه مفعول لمحذوف تقديره أعني الكواكب. قوله: (بفعل مقدر) أي معطوف على زَيَّنَّا.\rقوله: مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ وكانوا لا يحجبون عن السماوات، وكانوا يدخلونها ويأتون بأخبارها، فيلقونها على الكهنة، فلما ولد عيسى عليه الصلاة والسّلام، منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد عليه الصلاة والسّلام، منعوا من السموات كلها، فما منهم أحد يريد استراق السمع، إلا رمي بشهاب، وهو الشعلة من النار، فلا يخطئه أبدا، فمنهم من يقتله، ومنهم من يحرق وجهه، ومنهم من يخبله فيصير غولا يضل الناس في البراري. قوله: (مستأنف) أي لبيان حالهم بعد حفظ السماء منهم وما","part":3,"page":311},{"id":1425,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 312\rوعدى السماع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء، وفي قراءة بتشديد الميم والسين، أصله يتسمعون، أدغمت التاء في السين وَيُقْذَفُونَ أي الشياطين بالشهب مِنْ كُلِّ جانِبٍ (8) من آفاق السماء دُحُوراً مصدر دحره أي طرده وأبعده، وهو مفعول له وَلَهُمْ في الآخرة عَذابٌ واصِبٌ (9) دائم إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ مصدر أي المرّة والاستثناء من ضمير يسمعون، أي لا يسمع إلا الشيطان الذي سمع الكلمة من الملائكة فأخذها بسرعة فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ كوكب مضيء ثاقِبٌ (10) يثقبه أو يحرقه أو يخبله فَاسْتَفْتِهِمْ استخبر كفار مكة تقريرا أو توبيخا أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا من الملائكة والسماوات والأرضين وما فيهما، وفي الإتيان بمن تغليب العقلاء إِنَّا خَلَقْناهُمْ أي أصلهم آدم مِنْ طِينٍ لازِبٍ (11) لازم يلصق باليد، المعنى\r______________________________\rيعتريهم من العذاب. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (أدغمت التاء في السين) أي بعد قلبها سينا وإسكانها. قوله: (من آفاق السماء) أي نواحيها وجهاتها. قوله: (و الاستثناء من ضمير يسمعون) أي و(من) في محل رفع بدل من الواو، أو في محل نصب على الاستثناء، والاستثناء على كل متصل، ويجوز أن تكون (من) شرطية، وجوابها فَأَتْبَعَهُ أو موصولة مبتدأ، وخبرها فَأَتْبَعَهُ وهو استثناء منقطع كقوله تعالى: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ.\rفَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ إن قلت: تقدم أن الكواكب ثابتة في السماء أو في العرش زينة، ومقتضى كونها رجوما للشياطين، أنها تنفصل وتزول، فكيف الجمع بين ذلك؟ أجيب: بأنه ليس المراد أن الشياطين يرجمون بذات الكواكب، بل تنفصل منها شهب تنزل على الشياطين، والكواكب باقية بحالها.\rإن قلت: إن الشياطين خلقوا من النار، فكيف يحترقون؟ أجيب: بأن الأقوى يحرق الأضعف، كالحديد يقطع بعضه بعضا. إن قلت: إذا كان الشيطان يعلم أنه لا يصل لمقصوده بل يصاب، فكيف يعود مرة أخرى؟ أجيب: بأنه يرجو وصوله لمقصوده وسلامته، كراكب البحر، فإنه يشاهد الغرق، المرة بعد المرة، ويعود طمعا في السلامة. قوله: (يثقبه) أي بحيث يموت من ثقبه، وقوله: (أو يحرقه) أي ويموت أيضا، وأو في كلام المفسر للتنويع، وهو لا ينافي وصف الشهاب بالثاقب، لأن معنى الثاقب المضيء، أي الذي يثقب الظلام، خلافا لما يوهمه المفسر. قوله: (أو يخبله) الخبل بسكون الباء وفتحها، الجنون والبله، ويطلق أيضا على من فسدت أعضاؤه.\rقوله: فَاسْتَفْتِهِمْ إلخ، المقصود من هذا الكلام، الرد على منكري البعث، حيث ادعوا أنه مستحيل، وحاصل الرد، أن يقال لهم: إن استحالته التي تدعونها، إما لعدم المادة، وهو مردود بأن غاية الأمر تصير الأجزاء ترابا، وهو قادر على أن ينزل عليه ماء فيصير طينا، وقد خلق آباهم آدم من طين، أو لعدم القدرة وهو مردود، بأن القادر على هذه الأشياء العظام من السموات الأرض وغيرهما، قادر على اعادتهم ثانيا، وقدرته ذاتية لا تتغير، فهذه الآية نظير قوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها إلخ.\rقوله: أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أي أقوى خلقا، أو أصعب أو أشق إيجادا. قوله: أَمْ مَنْ خَلَقْنا قرأ العامة بتشديد الميم، وقرىء شذوذا بفتحها، وهو استفهام ثان، ومَنْ مبتدأ خبر محذوف دل عليه ما قبله أي أَشَدُّ خَلْقاً. قوله: لازِبٍ من باب دخل، وقوله: (يلصق باليد) أي أنه لضعفه لا قوام له","part":3,"page":312},{"id":1426,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 313\rأن خلقهم ضعيف فلا يتكبروا، بإنكار النبي والقرآن المؤدّي إلى هلاكهم اليسير بَلْ للانتقال من غرض إلى آخر، وهو الإخبار بحاله وحالهم عَجِبْتَ بفتح التاء خطابا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، أي من تكذيبهم إياك وَهم يَسْخَرُونَ (12) من تعجبك وَإِذا ذُكِّرُوا وعظوا بالقرآن لا يَذْكُرُونَ (13) لا يتعظون وَإِذا رَأَوْا آيَةً كانشقاق القمر يَسْتَسْخِرُونَ (14) يستهزئون بها وَقالُوا فيها إِنْ ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (15) بيّن، وقالوا منكرين البعث أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) في الهمزتين في الموضعين التحقيق وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17) بسكون الواو عطفا بأو، وبفتحها والهمزة للاستفهام، والعطف بالواو والمعطوف عليه محل إن واسمها أو الضمير في لمبعوثون، والفاصل همزة الاستفهام قُلْ نَعَمْ تبعثون وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (18) صاغرون فَإِنَّما هِيَ ضميره مبهم\r______________________________\rبنفسه. قوله: (المعنى أن خلقهم) إلخ، التفت المفسر إلى أنه توبيخ لهم على التكبر والعناد الذي منه إنكار البعث.\rقوله: بَلْ عَجِبْتَ إضراب عن الأمر بالاستفتاء كأنه قال: لا تستفتهم فإنهم جاهلون معاندون، لا منفعة في استفتائهم، بل انظر إلى حالك وحالهم، والمقصود منه تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم قوله: (بفتح التاء) أي وبضمها، قراءتان سبعيتان، وعلى الضم فالمتعجب اللّه تعالى، ومعناه في حقه الغضب والمؤاخذة على حد وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ والمعنى يجازيهم على تكذيبهم إياك، وقد يطلق التعجب في حق اللّه تعالى على الرضا والمحبة كما في الحديث: «عجب ربك من شاب ليس له صبوة».\rقوله: (و) (هم) يَسْتَسْخِرُونَ (من تعجبك) أي أو من تعجبي، أي غضبي عليهم ومجازاتي لهم على كفرهم. قوله: (لا يتعظون) أي لقيام الغفلة بهم.\rقوله: أَإِذا مِتْنا إلخ، أصل الكلام: أنبعث إذا متنا، وكنا ترابا وعظاما؟ قدموا الظرف، وكرروا الهمزة، وأخروا العامل، وعدلوا به إلى الجملة الاسمية، لقصد الدوام والاستمرار، إشعارا بأنهم مبالغون في الإنكار. قوله: (و ادخال ألف بينهما) أي وتركه، فالقراءات أربع في كل موضع، وبقي قراءتان سبعيتان أيضا: الأولى بألفين، والثانية بواحدة، والعكس، وبسط تلك القراءات يعلم من كتبها.\rقوله: (و بفتحها) أي والقراءتان سبعيتان هنا، وفي الواقعة، وتقدم في الأعراف أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى.\rقوله: (للاستفهام) أي الإنكاري. قوله: (أو الضمير في لمبعوثون) أي على القراءة الثانية، فيكون مبعوثون عاملا فيه أيضا، إن قلت: إن ما بعد همزة الاستفهام، لا يعمل فيه ما قبلها، فكان الأولى أن يجعل مبتدأ خبره محذوف تقديره أو آباؤنا يبعثون. أجيب: بأنها مؤكدة للأولى، لا مقصودة بالاستقبال، فالعبرة بتقديم المؤكد لا المؤكد.\rقوله: (و الفاصل) أي بين المعطوف عليه، وهو ضمير الرفع المستتر، وبين المعطوف وهو آباؤُنَا، فتحصل أنه على قراءة سكون الواو، ويتعين العطف على محل إن واسمها لا غير، وعلى قراءة فتحها يجوز هذا الوجه، ويجوز كونه معطوفا على الضمير المستتر في لَمَبْعُوثُونَ ويكفي الفصل بهمزة الاستفهام، على حد قول ابن مالك، أو فاصل ما.\rقوله: وَأَنْتُمْ داخِرُونَ الجملة","part":3,"page":313},{"id":1427,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 314\rيفسره زَجْرَةٌ أي صيحة واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ أي الخلائق أحياء يَنْظُرُونَ (19) ما يفعل بهم وَقالُوا أي الكفار يا للتنبيه وَيْلَنا هلاكنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه، وتقول لهم الملائكة هذا يَوْمُ الدِّينِ (20) أي الحساب والجزاء هذا يَوْمُ الْفَصْلِ بين الخلائق الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21) ويقال للملائكة احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالشرك وَأَزْواجَهُمْ قرناءهم من الشياطين وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره من الأوثان فَاهْدُوهُمْ دلوهم وسوقوهم إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (23) طريق النار وَقِفُوهُمْ احبسوهم عند الصراط إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (24) عن جميع أقوالهم وأفعالهم، ويقال لهم توبيخا ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (25) لا ينصر بعضكم بعضا كحالكم في الدنيا، ويقال عنهم بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26) منقادون أذلاء وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (27) يتلاومون ويتخاصمون قالُوا أي الأتباع منهم للمتبوعين إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (28) عن الجهة\r______________________________\rحالية، والعامل فيها معنى نَعَمْ كأنه قيل (تبعثون) والحال أنكم صاغرون لخروجهم من قبورهم، حاملين أوزارهم على ظهورهم.\rقوله: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ إلخ، هذه الجملة جواب شرط مقدر، أو تعليل لنهي مقدر تقديره إذا كان الأمر كذلك فإنما هي إلخ، أو لا تستصعبوه فإنما هي إلخ. قوله: (أي صيحة) واحِدَةٌ أي وهي النفخة الثانية. قوله: فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ أي ينتظرون. قوله: (لا فعل له من لفظه) أي بل من معناه وهو هلك. قوله: (و تقول لهم الملائكة) أشار بذلك إلى أن الوقف تم عند\rقوله: يا وَيْلَنا وما بعده كلام مستقبل، وهذا أحد احتمالات، ويحتمل أنه من كلام بعضهم لبعض، ويحتمل أنه من كلام اللّه تعالى تبكيتا لهم، ويحتمل أنه من كلام المؤمنين لهم.\rقوله: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا أي من مقامهم إلى الموقف، أو من الموقف إلى النار. قوله:\r(قرناءهم من الشياطين) هذا أحد أقوال، وقيل: المراد أزواجهم نساؤهم اللاتي على دينهم، وقيل:\rأشباههم وأخلاؤهم من الإنس، لأن زوج الشيء على مقاربه ومجانسه، فيقال لمجموع فردتي الخف، ولإحداهما زوج. قوله: (من الأوثان) أي كالأصنام والشمس والقمر.\rقوله: إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ بكسر الهمزة في قراءة العام على الاستئناف، وفي معنى التعليل، وقرىء بفتحها على حذف لام العلة، والمعنى قفوهم لأجل سؤال اللّه إياهم. قوله: (عن جميع أقوالهم وأفعالهم) أي لما في الحديث: «لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ما ذا عمل به». قوله: (و يقال لهم) أي والقائل خزنة جهنم. قوله: (كحالكم في الدنيا) تشبيه في المنفي. قوله: (و يقال عنهم) أي في شأنهم على سبيل التوبيخ.\rقوله: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ أي بعض الكفار يوم القيامة؛ وهذا بمعنى ما تقدم في سورة سبأ في قوله:\rوَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ. قوله: (يتلاومون ويتخاصمون) أي يلوم بعضهم بعضا، ويخاصم بعضهم بعضا، كما قال تعالى في شأنهم كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ","part":3,"page":314},{"id":1428,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 315\rالتي كنا نأمنكم منها، لحلفكم أنكم على الحق فصدقناكم واتبعناكم، المعنى إنكم أضللتمونا قالُوا أي المتبوعون لهم بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وإنما يصدق الأضلال منا أن لو كنتم مؤمنين فرجعتم عن الإيمان إلينا وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ قوّة وقدرة نقهركم على متابعتنا بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (30) ضالين مثلنا فَحَقَ وجب عَلَيْنا جميعا قَوْلُ رَبِّنا بالعذاب أي قوله (لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) إِنَّا جميعا لَذائِقُونَ (31) العذاب بذلك القول ونشأ عنه قولهم فَأَغْوَيْناكُمْ المعلل بقولهم إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (32) قال تعالى: فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ يوم القيامة فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (33) أي لاشتراكهم في الغواية إِنَّا كَذلِكَ كما نفعل بهؤلاء نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) غير هؤلاء، أي نعذبهم التابع منهم والمتبوع إِنَّهُمْ أي هؤلاء بقرينة ما بعده كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا في همزتيه ما تقدم لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) أي لأجل قول محمد، قال تعالى: بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ\r______________________________\rلَعَنَتْ أُخْتَها بخلاف تساؤل المؤمنين في الجنة، فهو شكر وتحدث بنعم اللّه عليهم.\rقوله: عَنِ الْيَمِينِ يطلق على الحلف والجارحة المعلومة والقوة والدين والخير، والآية محتملة لتلك المعاني، والمفسر اختار الأول، وعليه فعن بمعنى من، والمعنى: كنتم تأتوننا من الجهة التي كنا نأمنكم منها؛ فتلك الجهة مصورة بحلفكم أنكم على الحق؛ إلخ. قوله: (المعنى أنكم أضللتمونا) هذا المعنى هو المراد على جميع الاحتمالات، لا على ما قاله المفسر فقط.\rقوله: قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ إلخ، أجابوا بأجوبة خمسة آخرها فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ والمعنى إنكم لم تتصفوا بالإيمان في حال من الأحوال. قوله: (إن لو كنتم مؤمنين) أي إن لو اتصفتم بالإيمان. قوله: (فرجعتم عن الإيمان إلينا) أي بإضلالنا وإغوائنا، كأنهم قالوا لهم: إن من آمن لا يطيعنا لثبات الإيمان في قلبه، فلو حصل منكم الإيمان لما أطعتمونا.\rقوله: قَوْلُ رَبِّنا أي وعيده، ومفعول القول محذوف قدره بقوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ* إلخ. قوله: إِنَّا لَذائِقُونَ إخبار منهم عن جميع الرؤساء والأتباع بإذاقة العذاب.\rقوله: فَأَغْوَيْناكُمْ أي تسببنا لكم في الغواية من غير إكراه، فلا ينافي ما قبله. قوله: إِنَّا كُنَّا غاوِينَ أي فأحببنا لكم ما قام بأنفسنا، لأن من كان متصفا بصفة شنيعة، يجب أن يتصف بها غيره، لتهون المصيبة عليه. قوله: (يوم القيامة) أي حين التحاور والتخاصم. قوله: (كما يفعل بهؤلاء) أي عبدة الأصنام، وقوله: (غير هؤلاء) أي كالنصارى واليهود.\rقوله: إِنَّهُمْ كانُوا إلخ، أي عبدة الأصنام، وسبب ذلك: أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دخل على أبي طالب عند موته، وقريش مجتمعون عنده فقال: قولوا لا إله إلا اللّه، تملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، فأبوا وأنفوا من ذلك وقالوا: أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا إلخ. قوله: يَسْتَكْبِرُونَ أي يتكبرون عن قولها، وعن من يدعوهم إليها. قوله: (في همزتيه ما تقدم) أي من التحقيق فيهما، وتسهيل الثانية، بألف ودونها، فالقراءات أربع.\rقوله: لَتارِكُوا آلِهَتِنا من اضافة اسم الفاعل لمفعوله، أي لتاركون آلهتنا، والمعنى لتاركون عبادتها.\rقوله: بَلْ جاءَ بِالْحَقِ إلخ،","part":3,"page":315},{"id":1429,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 316\rالْمُرْسَلِينَ (37) الجائين به وهو أن لا إله إلا اللّه إِنَّكُمْ فيه التفات لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (38) وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا جزاء ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39) إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) أي المؤمنين استثناء منقطع أي ذكر جزاؤهم في قوله أُولئِكَ الخ لَهُمْ في الجنة رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) بكرة وعشيا فَواكِهُ بدل أو بيان للرزق، وهو ما يؤكل تلذذا لا لحفظ صحة، لأن أهل الجنة مستغنون عن حفظها بخلق أجسادهم للأبد وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) بثواب اللّه سبحانه وتعالى فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (44) لا يرى بعضهم قفا بعض يُطافُ عَلَيْهِمْ على كل منهم بِكَأْسٍ هو الإناء بشرابه مِنْ مَعِينٍ (45) من خمر يجري على وجه الأرض كأنهار الماء بَيْضاءَ أشد بياضا من اللبن لَذَّةٍ لذيذة لِلشَّارِبِينَ (46) بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند الشرب لا فِيها غَوْلٌ ما يغتال عقولهم وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (47) بفتح الزاي وكسرها\r______________________________\rرد عليهم بأن ما جاء به من التوحيد حق، موافق فيه المرسلين قبله. قوله: (فيه التفات) أي من الغيبة إلى الخطاب، زيادة في التقبيح عليهم.\rقوله: إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي فالشر يكون جزاؤه بقدره، بخلاف الخير، فجزاؤه بأضعاف مضاعفة. قوله: (استثناء منقطع) أي من الواو في تُجْزَوْنَ.\rقوله: أُولئِكَ أي عباد اللّه المخلصين. قوله: (إلى آخره) أي وهو قوله: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ. قوله: لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ أي أوقاته وصفاته، فلا ينافي آية يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ فإن المراد غير معلوم المقدار. قوله: (بدل) أي كل من كل، لأن جميع ما يؤكل في الجنة، إنما هو على سبيل التفكه والتلذذ، فلا فرق بين الرزق والفواكه. قوله: (لا لحفظ صحة) المناسب أن يقول: لا لحفظ بنية.\rقوله: (بخلق أجسادهم للأبد) أي فهم يدومون بدوام اللّه، لا يفنون أبدا.\rقوله: وَهُمْ مُكْرَمُونَ أي معظمون مبجلون بالتحية وبالكلام اللين.\rقوله: فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ إما متعلق بمكرمون، أو خبر ثان، أو حال.\rقوله: عَلى سُرُرٍ قال ابن عباس: على سرر مكللة بالدر والياقوت والزبرجد، والسرير ما بين صنعاء إلى الجابية، وما بين عدن إلى إيليا. قوله: مُتَقابِلِينَ أي تواصلا وتحابيا، وقيل: الأسرة تدور كيف شاؤوا، فلا يرى أحدا قفا أحد.\rقوله: يُطافُ عَلَيْهِمْ أي والطائف الولدان كما في آية يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. قوله: (هو الإناء بشرابه) أي فإن لم يكن فيه شراب، فإنه يسمى قدحا، ويطلق الكأس على الخمر نفسه، من باب تسمية الشيء باسم محله. قوله: مِنْ مَعِينٍ أي ظاهر العيون، أو خارج من العيون، فعلى الأول اسم مفعول كمبيع، وعلى الثاني اسم فاعل من عان بمعنى نبع، وصف به خمر الجنة، لأنه يجري كالماء النابع.\rقوله: بَيْضاءَ إما صفة لكأس أو للخمر. قوله: لَذَّةٍ إما صفة مشبهة، كصعب وسهل، فتكون مشتقة، فالوصف بها ظاهر، أو مصدر فالوصف بها مبالغة، أو على حذف مضاف أي ذات لذة.\rقوله: (ما يغتال عقولهم) أي يفسدها، وقيل: الغول صداع في الرأس، وعليه فيكون ما بعده تأسيسا.\rقوله: وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ عن سببية، أي ولا هم ينزفون بسببها. قوله: (بفتح الزاي) أي مع ضم","part":3,"page":316},{"id":1430,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 317\rمن نزف الشارب وأنزف أي يسكرون، بخلاف خمر الدنيا وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ حابسات الأعين على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم لحسنهم عندهنّ عِينٌ (48) ضخام الأعين حسانها كَأَنَّهُنَ في اللون بَيْضٌ للنعام مَكْنُونٌ (49) مستور بريشه، لا يصل إليه غبار ولونه وهو البياض في صفرة أحسن ألوان النساء فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ بعض أهل الجنة عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (50) عما مر بهم في الدنيا قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (51) صاحب ينكر البعث يَقُولُ لي تبكيتا أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) بالبعث أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا في الهمزتين في الثلاثة مواضع ما تقدم لَمَدِينُونَ (53) مجزيون ومحاسبون؟ أنكر ذلك أيضا قالَ ذلك القائل لإخوانه هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) معي إلى النار لننظر حاله؟ فيقولون: لا فَاطَّلَعَ ذلك القائل من بعض كوى الجنة فَرَآهُ أي رأى قرينه فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (55) أي وسط النار قالَ له تشميتا تَاللَّهِ إِنْ مخففة من الثقيلة كِدْتَ قاربت لَتُرْدِينِ (56) لتهلكني بإغوائك وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي عليّ بالإيمان لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) معك في النار. ويقول أهل الجنة أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى أي التي في الدنيا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59)\r______________________________\rالياء، فهو مبني للمفعول، وقوله: (و كسرها) أي مع ضم الياء أيضا، فهو مبني للفاعل قراءتان سبعيتان، وقرىء شذوذا بالفتح والكسر وبالفتح والضم. قوله: (من نزف الشارب) إلخ، أي فهو مأخوذ من الثلاثي أو الرباعي، والقراءتان السبعيتان على مقتضى أخذه من الرباعي فتدبر.\rقوله: عِينٌ جمع عيناء، وهي الواسعة العين اتساعا غير مفرط، بل مع الحسن والجمال\rقوله: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ شبهن هنا ببيض النعام، وفي سورة الواقعة باللؤلؤ المكنون لصفائه، وكون بياضه مشوبا ببعض صفرة مع لمعان، لأن هذه الأوصاف جمال أهل الجنة. قوله: (عما مر بهم في الدنيا) أي من الفضائل والمعارف، وما عملوه في الدنيا.\rقوله: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ أي من أهل الجنة لإخوانه في الجنة، وهذا من جملة ما يتحدثون به.\rقوله: (تبكيتا) أي توبيخا على عدم إنكار البعث. قوله: (ما تقدم) أي من القراءات الأربع، وهي تحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية بإدخال ألف وتركه. قوله: (مجزيون) أي فهو من الدين بمعنى الجزاء. قوله:\r(أنكر ذلك) أي الجزاء والحساب، وقوله: (أيضا) أي كما أنكر البعث. قوله: (لإخوانه) أي من أهل الجنة. قوله: (من بعض كوى الجنة) بضم الكاف مع القصر، وبكسرها مع القصر والمد، جمع كوة بفتح الكاف وضمها أي طبقاتها. قوله: (تشميتا) أي فرحا بمصيبته، لأن اللّه نزع رحمة الكفار من قلوب المؤمنين. قوله: (مخففة من الثقيلة) أي واللام فارقة، ويصح أن تكون نافية، واللام بمعنى إلا، وعلى كل، فهي جواب القسم.\rقوله: أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه تقديره: أنحن مخلدون ومنعمون؟ فما نحن بميتين، إلخ.\rقوله: إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى إِلَّا أداة حصر، ومَوْتَتَنَا منصوب على المصدر، والعامل فيه قوله ميتين، ويكون استثناء مفرغا، وهو بمعنى قوله تعالى: لا يَذُوقُونَ فِيهَا*","part":3,"page":317},{"id":1431,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 318\rهو استفهام تلذذ وتحدث بنعمة اللّه تعالى من تأبيد الحياة وعدم التعذيب إِنَّ هذا الذي ذكر لأهل الجنة لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (61) قيل يقال لهم ذلك، وقيل هم يقولونه أَذلِكَ المذكور لهم خَيْرٌ نُزُلًا وهو ما يعد للنازل من ضيف وغيره أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) المعدة لأهل النار، وهي من أخبث الشجر المرّ بتهامة، ينبتها اللّه في الجحيم كما سيأتي إِنَّا جَعَلْناها بذلك فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) أي الكافرين من أهل مكة إذ قالوا: النار تحرق الشجر فكيف تنبته؟ إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) أي قعر جهنم وأغصانها\r______________________________\rالْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى. قوله: (هو استفهام تلذذ) أي فهو من كلام بعضهم لبعض، وقيل: من كلام المؤمنين للملائكة حين يذبح الموت، ويقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت.\rقوله: (من تأبيد الحياة) إلخ، لف ونشر مرتب. قوله: (الذي ذكر لأهل الجنة) أي من قوله: أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ إلخ. قوله: لِمِثْلِ هذا أي لا للحظوظ الدنيوية الفانية التي تزول ولا تبقى.\rقوله:\rفَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ أي ليجتهد المجتهدون في الأعمال الصالحة، فإن جزاءها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فإذا كان كذلك، فلو أفنى الإنسان عمره في خدمة ربه، ولم يشتغل بشيء سواها، لكان ذلك قليلا بالنسبة لما يلقاه من النعيم الدائم، جعلنا اللّه من أهله بمنه وكرمه. قوله:\r(قيل يقال لهم ذلك) أي ما ذكر من الجملتين من قبل اللّه تعالى، وقوله: (و قيل هم يقولونه) أي يقول بعضهم لبعض، ويبعد كلا من الاحتمالين. قوله: فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ فإن العمل والترغيب فيه، إنما يكون في الدنيا، فالأولى أنه جملة مستأنفة من كلام اللّه تعالى، ترغيبا للمكلفين في عمل الطاعات.\rقوله: أَذلِكَ معمول لمحذوف تقديره: قل يا محمد لقومك، على سبيل التوبيخ والتبكيت أَذلِكَ خَيْرٌ إلخ. قوله: (المذكور لهم) أي لأهل الجنة من قوله: أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ إلخ. قوله:\rنُزُلًا تمييز لخير، وقوله: أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ أَمْ حرف عطف، وشَجَرَةُ الزَّقُّومِ معطوف على اسم الإشارة، وهو مبتدأ حذف خبره لدلالة ما قبله عليه، والتقدير أم شجرة الزقوم خير نزلا.\rوالتعبير بخير، ونُزُلًا تهكم بهم وللمشاكلة. قوله: (من ضيف وغيره) الضيف من يأتي بدعوة، وغيره من يأتي زائرا للمحبة والألفة، وربما كان أعز من الضيف. قوله: أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ من التزقم، وهو البلع بشدة وإكراه للأشياء الكريهة، سميت بذلك، لان أهل النار يكرهون على الأكل منها، وهي شجرة مسمومة، متى مست جسد أحد تورم فمات، وهي خبيثة مرة كريهة الطعم. قوله: (و هي من أخبث الشجر) أي وهي صغيرة الورق منتنة.\rقوله: إِنَّا جَعَلْناها (بذلك) أي بسبب إخبار اللّه تعالى بذلك. قوله: فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ أي امتحانا واختبارا، هل يصدقون أم لا؟ قوله: (إذ قالوا النار تحرق الشجر فكيف تنبته) أي ولم يعلموا أن القادر لا يعجزه شيء.\rقوله: تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ أي تنبت في أسفلها. قوله: (إلى دركاتها) أي منازلها، وذلك نظير شجرة طوبى لأهل الجنة، فإن أصلها في عليين، وما من بيت في الجنة إلا وفيه غصن منها.","part":3,"page":318},{"id":1432,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 319\rترتفع إلى دركاتها طَلْعُها المشبه بطلع النخل كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (65) أي الحيات القبيحة المنظر فَإِنَّهُمْ أي الكفار لَآكِلُونَ مِنْها مع قبحها لشدّة جوعهم فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ (67) أي ماء حار يشربونه فيختلط بالمأكول منها فيصير شوبا له ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68) يفيد أنهم يخرجون منها لشرب الحميم وأنه خارجها إِنَّهُمْ أَلْفَوْا وجدوا آباءَهُمْ ضالِّينَ (69) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) يزعجون إلى اتباعهم فيسرعون إليه وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) من الأمم الماضية وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) من الرسل مخوفين فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) الكافرين، أي عاقبتهم العذاب إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74) أي المؤمنين، فإنهم نجوا من العذاب لإخلاصهم في العبادة، أو لأن اللّه أخلصهم لها على قراءة فتح اللام وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ بقوله: رب إني\r______________________________\rقوله: طَلْعُها الطلع في الأصل، اسم لثمر النخل أول بروزه، فتسميته طلعا تهكم بهم. قوله:\r(أي الحياة القبيحة المنظر) أي ووجه الشبه الشناعة والسم في كل، وما مشى عليه المفسر أحد أقوالثلاثة، وقيل: شبه طلعها برؤوس الشياطين حقيقة، ووجه الشبه القباحة ونفور النفس من كل، لكن يرد عليه أنه تشبيه بغير معلوم للمخاطبين، وأجيب: بأن الشيطان وإن كان غير معلوم في الخارج، فهو معروف في الأذهان والخيالات، كالغول فإنه مرسوم في خيال كل أحد بصورة قبيحة، وقيل: الشياطين شجر في البادية معروف للمخاطبين. قوله: (لشدة جوعهم) أي ولقهرهم على الأكل منها زيادة في عذابهم.\rقوله: ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها أي على ما يأكلونه منها، إذا شبعوا وغلبهم العطش. قوله: لَشَوْباً بفتح الشين في قراءة العامة مصدر على أصله، وقرىء شذوذا بضم الشين اسم بمعنى المشوب. قوله:\r(يفيد أنهم يخرجون منها) هذا أحد قولين، والآخر وهو قول الجمهور، أنهم لا يخرجون أصلا، لقوله تعالى: وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وحينئذ فالمعنى أنه ينوع عذابهم وهم في النار، فتارة يكون عذابهم بأكل الزقوم، وتارة بشرب الحميم، وتارة بالزمهرير، وغير ذلك من أنواع العذاب، فإذا كانوا مشغولين بأكل الزقوم وفرغوا منه، يردون إلى الاشتغال بعذاب غيره، والحال أنهم في النار لا يخرجون منها، ويمكن التوفيق بين القولين، بأن يحمل القول بأنه خارجها، وعلى أنه في محل خارج عن المحل الذي يعذبون فيه، وليس المراد أنه خارج النار بالكلية، لمعارضته صريح النص؛ فيخرجون إلى ذلك المحل للأكل والشرب، ثم يردون إلى محل العذاب الذي كانوا فيه أولا.\rقوله: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ هذا تعليل لاستحقاقهم العذاب، والمعنى: أن سبب استحقاقهم للعذاب، تقليد آبائهم في الضلال، في غير شيء يتمسكون به سوى التقليد.\rقوله: يُهْرَعُونَ أي من غير تأمل ولا تدبر.\rقوله: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ إلخ اللام فيه وفيما بعده موطئة لقسم حذوف، وكل من الجملتين سبق لتسليته صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: فَانْظُرْ خطاب للنبي أو لكل من يتأتى منه النظر.\rقوله: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ استثناء منقطع، لأن ما قبله وعيد، وهم لم يدخلوا فيه. قوله: (لاخلاصهم في العبادة) أي على قراءة كسر اللام. قوله: (على قراءة فتح اللام) أي والقراءتان سبعيتان.","part":3,"page":319},{"id":1433,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 320\rمغلوب فانتصر فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) له نحن، أي دعانا على قومه فأهلكناهم بالغرق وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) أي الغرق وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (77) فالناس كلهم من نسله عليه السّلام، وكان له ثلاثة أولاد: سام وهو أبو العرب وفارس والروم، وحام وهو أبو السودان، ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وما هنالك وَتَرَكْنا أبقينا عَلَيْهِ ثناء حسنا فِي الْآخِرِينَ (78) من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة سَلامٌ منا عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (79) إِنَّا كَذلِكَ كما جزيناهم نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (82) كفار قومه وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ أي ممن تبعه في أصل الدين\r______________________________\rقوله: وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ شروع في تفصيل ما أجمله في قوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ وقد ذكر في هذه السورة سبع قصص: قصة نوح، وقصة إبراهيم، وقصة الذبيح، وقصة موسى وهرون، وقصة الياس، وقصة لوط، وقصة يونس، وذلك تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم وتحذير لمن كفر من أمته. قوله: (ربي إني مغلوب) أي مقهور، وقوله: (فانتصر) أي انتقم منهم. قوله: فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ الواو للتعظيم، وقوله: (نحن) هو المخصوص بالمدح.\rقوله: وَأَهْلَهُ أي من آمن به، ومنهم زوجته المؤمنة وأولاده الثلاثة وزوجاتهم. قوله: (فالناس كلهم من نسله) هذا هو المعتمد، وقيل كان لغير ولد نوح أيضا نسل.\rقوله: (سام) إلخ، الثلاثة بمنع الصرف للعلمية والعجمة وفارس، كذلك للعلمية والتأنيث، لأنه علم على قبيلة. قوله: (و الخزر) بفتح الخاء والزاي بعدهما راء مهملة، وهكذا في النسخ الصحيحة وهو الصواب، وفي بعض النسخ: والخزرج، وهو تحريف فاحش، لأن الخزرج من جملة العرب، والخزر صنف من الترك صغار الأعين، يعرفون الآن بالططر. قوله: (و ما هنالك) أي وهم قوم عند يأجوج ومأجوج، إذا طلعت عليهم الشمس، دخلوا في أسراب لهم تحت الأرض، فإذا زالت عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم، وقيل: هم قوم عراة، يفرش بعضهم إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى. قوله: (ثناء حسنا) قدره إشارة إلى أن مفعول تَرَكْنا محذوف، و\rقوله: سَلامٌ عَلى نُوحٍ كلام مستقل انشاء، ثناء من اللّه تعالى على نوح، فالأول ثناء الخلق، والثاني ثناء الخالق، وفي الحديث أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من قال حين يمسي: سلام على نوح في العالمين، لم تلدغه عقرب». قوله: الْعالَمِينَ متعلق بما تعلق به الجار قبله، والمراد بالعالمين الملائكة والثقلان.\rقوله: إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ تعليل لما فعل بنوح من الكرامة، في إجابة دعائه، وإبقاء ذريته، وذكر الجميل، وتسليم اللّه عليه في العالمين، أي فهذا الجزاء سنتنا في كل من اتصف بالإحسان كنوح.\rقوله: إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ علة لكونه محسنا، وفيه إجلال لشأن الإيمان، وإظهار لفضله، وترغيب في تحصيله والثبات عليه والازدياد منه.\rقوله: ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ معطوف على نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ فالترتيب حقيقي، لأن نجاتهم بركوب السفينة، حصلت قبل غرق الباقين فتدبر.\rقوله: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ إلخ عطف على قوله: وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ عطف قصة على قصة. قوله:\r(أي ممن اتبعه) إلخ، أي فالشيعة الأتباع والحزب. قوله: (في أصل الدين) أي وإن اختلفت فروع","part":3,"page":320},{"id":1434,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 321\rلَإِبْراهِيمَ (83) وإن طال الزمان بينهما، وهو ألفان وستمائة وأربعون سنة، وكان بينهما هود وصالح إِذْ جاءَ أي تابعه وقت مجيئه رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) من الشك وغيره إِذْ قالَ في هذه الحالة المستمرة له لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ موبخا ما ذا الذي تَعْبُدُونَ (85) أَإِفْكاً في همزتيه ما تقدم آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) وإفكا مفعول له، وآلهة مفعول به لتريدون، والإفك أسوأ الكذب أي أتعبدون غير اللّه فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (87) إذ عبدتم غيره أنه يترككم بلا عقاب؟ لا، وكانوا نجّامين، فخرجوا إلى عيد لهم، وتركوا طعامهم عند أصنامهم زعموا التبرك عليه، فإذا رجعوا أكلوه، وقالوا للسيد إبراهيم اخرج معنا فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) إيهاما لهم\r______________________________\rشرائعهما، فالأتباع في أصول الدين وهو التوحيد، لا في الفروع كالصلاة مثلا. قوله: (و إن طال الزمان) إلخ، الجملة حالية، والمعنى أنه من أتباعه على عهده، والحال أن الزمان طال بينهما، فطول المدة لم ينسه العهد. قوله: (و هو ألفان) إلخ، هذا أحد قولين، والآخر أن بينهما ألف سنة ومائة واثنتين وأربعين سنة.\rقوله: (و كان بينهما هود وصالح) أي وكان قبل نوح ثلاثة: إدريس وشيت وآدم، فجملة من قبل إبراهيم من الأنبياء ستة.\rقوله: إِذْ جاءَ رَبَّهُ إلخ، معنى مجيئه توجهه بقلبه مخلصا لربه، وفي الكلام استعارة تبعية تقريرها أن تقول: شبه اقباله على ربه مخلصا قلبه بمجيئه بتحفة جميلة، والجامع بينهما طلب الفوز بالرضا، واشتق من المجيء جاء بمعنى أقبل بقلبه. قوله: (أي تابعه وقت مجيئه) أشار بذلك إلى أن الظرف متعلق بمحذوف دل عليه قوله: شِيعَتِهِ ويصح جعله متعلقا بشيعته، لما فيها من معنى المشايعة، لكن فيه أنه يلزم عليه الفصل بينه وبين معموله بأجنبي وهو قوله: لَإِبْراهِيمَ وأيضا يلزم عليه عمل ما قبل اللام الابتدائية فيما بعدها، وأجيب: بأنه يتوسع في الظروف، ما لا يتوسع في غيرها. قوله: (من الشك وغيره) أي من الآفات والعلائق التي تشغل القلب عن شهود الرب تعالى.\rقوله: لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ تقدم الخلاف في كونه أباه حقيقة أو عمه، وإنما عبر بالأب، لأن العم أب، والمراد بقومه النمروذ وجماعته. قوله: (في همزتيه ما تقدم) أي وهو تحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية بألف بينهما وتركها. قوله: (و إفكا مفعول له) أي وقدم على المفعول به، لأجل التقبيح عليهم بأنهم على إفك وباطل. قوله: (أي تعبدون غير اللّه) كان عليه أن يزيد قوله لأجل الافك، ليوفي بالمفعول لأجله. قوله:\r(إذ عبدتم غيره) أي وقت عبادتكم غيره. قوله: (أنه يترككم بلا عقاب) معمول للظن، والمعنى: أي سبب حملكم على ظنكم أنه تعالى يترككم بلا عقاب حين عبدتم غيره، وأشار بقوله: (لا) إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، أي ليس لكم سبب ولا عذر، يحملكم على الظن المذكور، إذا انتفى السبب، انتفى المسبب بالأولى.\rقوله: (و كانوا نجّامين) ذكر هذا توطئة لقوه تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ. قوله: (فخرجوا إلى عيد لهم) أي وكانوا في قرية بين البصرة والكوفة يقال لها هرمز. قوله:\r(زعموا التبرك عليه) أي أنها تنزل عليه البركة.\rقوله: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ أي في علم النجوم، متفكرا في أمر يعذرونه بسببه فيتركونه قوله:","part":3,"page":321},{"id":1435,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 322\rأنه يعتمد عليها ليعتمدوه فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) عليل أي سأسقم فَتَوَلَّوْا عَنْهُ إلى عيدهم مُدْبِرِينَ (90) فَراغَ مال في خفية إِلى آلِهَتِهِمْ وهي الأصنام وعندها الطعام فَقالَ استهزاء أَلا تَأْكُلُونَ (91) فلم ينطقوا فقال ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (92) فلم تجب فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ (93) بالقوة فكسرها، فبلغ قومه ممن رآه فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) أي يسرعون المشي، فقالوا له: نحن نعبدها وأنت تكسرها قالَ لهم موبخا أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (95) من الحجارة وغيرها أصناما وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (96) من نحتكم ومنحوتكم فاعبدوه وحده، وما مصدرية، وقيل موصولة، وقيل موصوفة قالُوا بينهم ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فاملؤوه حطبا وأضرموه بالنار، فإذا التهب فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) النار الشديدة فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً بإلقائه في النار لتهلكه فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) المقهورين فخرج من النار سالما وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى\r______________________________\r(أي سأسقم) جواب عما يقال: كيف قال: إِنِّي سَقِيمٌ والحال أنه لم يكن سقيما؟ وأجيب أيضا: بأن المعنى سقيم القلب، من عبادتكم ما لا يضر ولا ينفع، وقد أشار ب\rقوله: إِنِّي سَقِيمٌ إلى سقم مخصوص وهو الطاعون، وكان الطاعون أغلب الأسقام عليهم، وكانوا يخافون منه العدوى، فتفرقوا عن ابراهيم خوفا منها، فهربوا إلى عيدهم، وتركوه في بيت الأصنام، قوله: (و هي الأصنام) أي وكانت اثنين وسبعين صنما، بعضها من حجر، وبعضها من خشب، وبعضها من ذهب، وبعضها من فضة، وبعضها من نحاس، وبعضها من حديد، وبعضها من رصاص، وكان كبيرها من ذهب مكللا بالجواهر، وكان في عينيه ياقوتتان تتقدان نورا. قوله: (و عندها الطعام) الجملة حالية.\rقوله: فَقالَ (استهزاء بهم) إن قلت: أي فائدة في خطاب ما لا يعقل؟ أجيب: بأنه لعل عنده من يسمع كلامه من خدمتها أو غيرهم.\rقوله: فَراغَ عَلَيْهِمْ أي مال في خفية، من قولهم: راغ الثعلب روغانا: تردد وأخذ الشيء خفية. قوله: (بالقوة) أي القدرة.\rقوله: فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ مرتب على محذوف قدره المفسر بقوله: (فبلغ قومه) إلخ. قوله: يَزِفُّونَ بكسر الزاي مع فتح الياء أو ضمها قراءتان سبعيتان. قوله: (فقالوا نحن نعبدها) إلخ، أي بعد أن سألوه وأجابهم، فلما تحققوا أنه هو الذي كسرها قالوا: (نحن نعبدها) إلخ، وقد تقدم بسط ذلك في الأنبياء. قوله: (موبخا) أي على ما وقع منهم، حيث يأتون للخشب مثلا، فيصنعون منه صورة ويتخذونها إلها، مع أنها قبل ذلك لم تكن معبودة لهم، ولا تضر ولا تنفع. قوله: (و ما مصدرية) إلخ، ذكر فيها ثلاثة أوجه، وبقي اثنان كونها استفهامية، والمعنى: وأي شيء تعلمونه وكونها نافية؟ والمعنى: ليس العمل في الحقيقة لكم، وإنما هو للّه تعالى.\rقوله:\rبُنْياناً قيل بنوا له حائطا من الحجر، طوله في السماء ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، وملأوه من الحطب، وأوقدوا عليه النار، ثم تحيروا في كيفية رميه، فعلمهم إبليس المنجنيق، فصنعوه ووضعوه فيه ورموه فيها، فصارت عليه بردا وسلاما. قوله: (و أضرموه بالنار) أي أوقدوه بها. قوله: (النار الشديدة) أي فكل نار بعضها فوق بعض تسمى جحيما من الجحمة، وهي شدة التأجج. قوله: (المقهورين) أي بإبطال كيدهم، حيث جعلت عليه بردا وسلاما.\rقوله: وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إلخ، عطف على محذوف قدره بقوله: (فخرج) إلخ، والمعنى: لما خرج","part":3,"page":322},{"id":1436,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 323\rرَبِّي مهاجر إليه من دار الكفر سَيَهْدِينِ (99) إلى حيث أمرني ربي بالمصير إليه وهو الشام، فلما وصل إلى الأرض المقدسة قال: رَبِّ هَبْ لِي ولدا مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (101) أي ذي حلم كثير فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أي أن يسعى معه ويعينه، قيل بلغ سبع سنين، وقيل ثلاث عشرة سنة قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى أي رأيت فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ورؤيا الأنبياء حق وأفعالهم بأمر اللّه تعالى فَانْظُرْ ما ذا تَرى من الرأي، شاوره ليأنس بالذبح وينقاد\r______________________________\rمن النار سالما، ولم يهتد من قومه أحد، هاجر هو ولوط ابن اخيه، وسارة زوجته إلى أرض الشام، وهو أول من هاجر من الخلق في طاعة اللّه، وقوله: إِلى رَبِّي أي إلى عبادة ربي وطاعته. قوله:\rسَيَهْدِينِ أي إلى ما فيه صلاح ديني وبلوغ مطالبي. قوله: (إلى حيث أمرني ربي) أي إلى مكان أمرني إلخ، وهذا متعلق بكل من ذاهِبٌ ويهدين.\rقوله: (فلما وصل إلى الأرض المقدسة) قدره توطئة لقوله:\rرَبِّ هَبْ لِي إلخ. قوله: مِنَ الصَّالِحِينَ أي بعض الصالحين، يكون خليفة لي ويرث حالي.\rقوله: فَبَشَّرْناهُ مرتب على محذوف تقديره فاستجبنا له فبشرناه، وتلك البشارة على لسان الملائكة الذين جاؤوا له في صورة أضياف، فبشروه بالغلام، ثم انتقلوا من قريته وهي فلسطين، إلى قرية لوط وهي سذوم، لإهلاك قومه، كما تقدم ذلك في سورة هود، ويأتي في الذاريات.\rقوله: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أشار المفسر إلى أن قوله: (معه) ظرف متعلق بالسعي، وفيه أنه يلزم عليه تقدم صلة المصدر المؤول من (أن) والفعل عليه وهو لا يجوز، وأجيب: بأنه يغتفر في الظروف ما لا يغتفر في غيرها، ويصح جعله متعلقا بمحذوف على سبيل البيان، كأن قائلا قال: مع من بلغ السعي؟ فقيل: بلغ معه، ولا يصح جعله متعلقا ببلغ، ولا حالا من ضميره، لأنه يوهم اقترانهما في بلوغ السعي، لأن المصاحبة تقتضي المشاركة، مع أن المقصود، وصف الصغير بذلك فقط.\rقوله: قالَ يا بُنَيَ جواب لما، والحكمة في ذلك: أن ابراهيم اتخذه اللّه تعالى خليلا، والخلة هي صفاء المودة، ومن شأنها عدم مشاركة الغير مع الخليل، وكان قد سأل ربه الولد، فلما وهبه له، تعلقت شعبة من قلبه بمحبته، فجاءت غيرة الخلة تنزعها من قلب الخليل، فأمر بذبح المحبوب، لتظهر صفاء الخلة وعدم المشاركة فيها، حيث امتثل أمر ربه، وقدم محبته على محبة ولده. قوله: (أي رأيت) أشار بذلك إلى أن الرؤيا وقعت بالفعل، لما روى: أنه رأى ليلة التروية، أن قائلا يقول له: إن اللّه يأمرك بذبح ابنك، فلما أصبح فكر في نفسه أنه من اللّه، فلما أمسى رأى مثل ذلك في الليلة الثانية، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره فقال له: يا بُنَيَ إلخ، ولذلك سميت الأيام الثلاثة: بالتروية، وعرفة، والنحر، لأنه في اليوم الأول تروى، وفي الثاني عرف، وفي الثالث نحر.\rقوله: أَنِّي أَذْبَحُكَ أي أفعل الذبح، أو أمرت، به، احتمالان: ويشير للأول قوله: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، وللثاني. قوله: افْعَلْ ما تُؤْمَرُ. قوله: ما ذا تَرى يصح أن تكون ما ذا مركبة، وحينئذ فهي منصوبة بترى، وما بعدها في محل نصب بالنظر، لأنها معلقة له، ويصح أن تكون ما استفهامية، وذا موصولة، فتكون ما ذا مبتدأ وخبرا، وقوله: تَرى بفتحتين من الرأي، وفي قراءة سبعية ترى بالضم والكسر، والمفعولان محذوفان، أي تريني إياه من صبرك واحتمالك، وقرىء شذوذا","part":3,"page":323},{"id":1437,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 324\rللأمر به قالَ يا أَبَتِ التاء عوض عن ياء الإضافة افْعَلْ ما تُؤْمَرُ به سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) على ذلك فَلَمَّا أَسْلَما خضعا وانقادا لأمر اللّه تعالى وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) صرعه عليه، ولكل إنسان جبينان بينهما الجبهة، وكان ذلك بمنى، وأمرّ السكين على حلقه فلم تعمل شيئا بمانع من القدرة الإلهية وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا بما أتيت به مما أمكنك من أمر الذبح، أي يكفيك ذلك، فجملة ناديناه جواب لما بزيادة الواو إِنَّا كَذلِكَ كما جزيناك نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) لأنفسهم بامتثال الأمر بإفراج الشدة عنهم إِنَّ هذا الذبح المأمور به لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (106) أي الاختبار الظاهر\r______________________________\rبضم ففتح، أي ما يخيل لك. قوله: (شاوره ليأنس) إلخ، أي وليعلم صبره وعزيمته على طاعة اللّه.\rقوله: قالَ يا أَبَتِ أي بفتح التاء وكسرها، قراءتان سبعيتان. قوله: (التاء عوض عن ياء الإضافة) أي فهي في محل جر، كما كانت الياء في محل جر. قوله: افْعَلْ ما تُؤْمَرُ قال ابن اسحاق وغيره: لما أمر إبراهيم بذلك قال لابنه: يا بني، خذ هذا الحبل والمدية، وانطلق بنا إلى هذا الشعب لنحتطب، فلما خلا بابنه في الشعب، أخبره بما أمره اللّه به، فقال: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ. قوله: إِنْ شاءَ اللَّهُ أتى بها تبركا وإشارة إلى أنه لا حول عن المعصية إلا بعصمة اللّه، ولا قوة على الطاعة إلا بمعونة اللّه.\rقوله: فَلَمَّا أَسْلَما أي الوالد والولد. قوله: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أي صرعه ورماه على شقه فوق التل الذي هو المكان المرتفع، قال ابن عباس: لما فعل ذلك الابن قال: يا أبت اسدد رباطي كي لا أضطرب، واكفف ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء، فينقص أجري، وتراه أمي فتحزن، واستحد شفرتك، وأسرع بها على حلقي، ليكون أهون علي، وإذا أتيت أمي فاقرأ عليهاالسّلام مني، وأن رأيت أن ترد قميصي عليها فافعل، فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني، فقال إبراهيم: نعم العون أنت يا بني على أمر اللّه، ففعل ابراهيم ما أمر به ابنه، ثم أقبل عليه وهو يبكي، والابن يبكي، فلما وضع السكين على حلقه فلم تؤثر شيئا، فاشتدها بالحجر مرتين أو ثلاثا، كل ذلك لا تستطيع أن تقطع شيئا، فمنعت بقدرة اللّه تعالى، وقيل: ضرب اللّه صفيحة من نحاس على حلقه، والأول أبلغ في القدرة الإلهية، وهو منع الحديد عن اللحم، فعند ذلك قال الابن: يا أبت كبني لوجهي على جبيني، فإنك إذا نظرت في وجهي رحمتني، فأدركتك رأفة تحول بينك وبين أمر اللّه، وأنا أنظر إلى الشفرة فأجزع منها، ففعل ذلك إبراهيم، ثم وضع السكين على قفاه فانقلبت، فنودي يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إلخ. قوله: (بمعنى) يذكر ويؤنث وبصرف ويمنع من الصرف باعتبار المكان والبقعة. قوله: (و أمرّ السكين) هذا أحد قولين مشهورين، وهو ما تقدم عن ابن عباس، والآخر: أنه لم يمرّ السكين، بل لما أضجعه وأراد أن يمرّ السكين جاءه النداء، وبالأول استدل أهل السنة، على أن الأمور العادية لا تؤثر شيئا، لا بنفسها، ولا بقوة أودعها اللّه فيها، وإنما المؤثر هو اللّه تعالى، فتخلف القطع في ولد إبراهيم، وتخلف الاحراق في إبراهيم. قوله:\r(فجملة ناديناه جواب لما) إلخ، هذا أحد أوجه ثلاثة، والثاني أنه محذوف تقديره ظهر صبرهما، أو أجز لنا لهما الأجر، والثالث أن قوله: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ بزيادة الواو. قوله: (بإفراج الشدة) المناسب أن يقول:","part":3,"page":324},{"id":1438,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 325\rوَفَدَيْناهُ أي المأمور بذبحه وهو إسماعيل أو إسحق قولان بِذِبْحٍ بكبش عَظِيمٍ (107) من الجنة هو الذي قربه هابيل، جاء به جبريل عليه السّلام فذبحه السيد إبراهيم مكبرا وَتَرَكْنا أبقينا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) ثناء حسنا سَلامٌ منا عَلى إِبْراهِيمَ (109) كَذلِكَ كما جزيناه نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) لأنفسهم إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ استدل بذلك على أن الذبيح غيره نَبِيًّا حال مقدرة، أي يوجد مقدرا نبوّته مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبارَكْنا عَلَيْهِ بتكثير ذريته وَعَلى إِسْحاقَ ولده، بجعلنا أكثر الأنبياء من نسله وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ مؤمن وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ كافر مُبِينٌ (113) بيّن الكفر وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (114) بالنبوّة وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما بني إسرائيل مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) أي\r______________________________\rبتفريج الشدة أو بفرجها، لأن الفعل فرج بالتخفيف والتشديد، فمصدره إما التفريج أو الفرج.\rقوله: وَفَدَيْناهُ عطف على قوله: وَنادَيْناهُ. قوله: (قولان) أي وهما مبنيان على قولين آخرين: هل اسماعيل أكبر أو اسحاق؟ فمن قال بالأول، قال إن الذبيح اسماعيل، ومن قال بالثاني، قال إن الذبيح اسحاق، واعلم أن كلا من القولين، قال به جماعة من الصحابة والتابعين، لكن القول بأن الذبيح اسحاق، أقوى في النقل عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والصحابة والتابعين، حتى قال سعيد بن جبير: أرى إبراهيم ذبح اسحاق في المنام، فسار به مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى به المنحر بمنى، فلما صرف اللّه عنه الذبح، أمره أن يذبح به الكبش فذبحه، وسار إلى الشام مسيرة شهر في روحة واحدة، وطويت له الأودية والجبال. وبقي قول ثالث، وهو الوقف عن الجزم بأحد القولين، وتفويض علم ذلك إلى اللّه تعالى. قوله: (كبش) عَظِيمٍ وقيل: إنه كان تيسا جبليا أهبط عليه من ثبير. قوله: (و هو الذي قربه هابيل) أي ووصفه بالعظم، لكونه تقبل مرتين. قوله: (فذبحه السيد ابراهيم) أي وبقي قرناه معلقين على الكعبة، إلى أن احترق البيت في زمن ابن الزبير، وما بقي من الكبش أكلته السباع والطيور، لأن النار لا تؤثر فيما هو من الجنة. قوله: (مكبرا) روي أنه لما ذبحه قال جبريل: اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا اللّه واللّه أكبر، فقال إبراهيم: اللّه أكبر وللّه الحمد، فصار سنة. قوله:\r(استدل بذلك) إلخ، أي وهو مذهب الشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: لا دليل فيها، لأن اسحاق وقعت البشارة به مرتين، مرة بوجوده، ومرة بنبوته، فمعنى\rقوله: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا بشرنا بنبوة اسحاق بعد البشارة بوجوده. قوله: مِنَ الصَّالِحِينَ إما صفة لنبيا، أو حال من ضميره.\rقوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما خبر مقدم، وقوله: مُحْسِنٌ إلخ، مبتدأ مؤخر، وفيه اشارة إلى أن النسب، لا مدخل له في الهدى ولا في الضلال.\rقوله: وَلَقَدْ مَنَنَّا معطوف على ما قبله، عطف قصة على قصة، واللام موطئة لقسم محذوف تقديره: وعزتنا وجلالنا لقد أنعمنا إلخ؛ وتحدث اللّه بالامتنان على عباده من عظيم الشرف لهم، وقوله:\r(بالنبوة) أي المصاحبة للرسالة، لأنهما كانا رسولين، ولا مفهوم للنبوة، بل أعطاهما اللّه تعالى نعما جمة دينية ودنيوية، وإنما خصها لأنها أشرف النعم. قوله: (بني إسرائيل) أي أولاد يعقوب. قوله: (أي استعباد","part":3,"page":325},{"id":1439,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 326\rاستعباد فرعون إياهم وَنَصَرْناهُمْ على القبط فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (116) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (117) البليغ البيان فيما أتى به من الحدود والأحكام وغيرهما، وهو التوراة وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الطريق الْمُسْتَقِيمَ (118) وَتَرَكْنا أبقينا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (119) ثناء حسنا سَلامٌ منا عَلى مُوسى وَهارُونَ (120) إِنَّا كَذلِكَ كما جزيناهما نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122) وَإِنَّ إِلْياسَ بالهمز أوّله وتركه لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) قيل هو ابن أخي هرون أخي موسى، وقيل غيره، أرسل إلى قوم ببعلبك ونواحيها إِذْ منصوب باذكر\r______________________________\rفرعون إياهما) وسبب استيلائه عليهم: أن أصولهم قدموا مصر مع أبيهم يعقوب ليوسف حين كان ملكا، فاستمروا بها، فلما ظهر فرعون وتكبر، استعبد ذريتهم وجعلهم خدما للقبط.\rقوله: وَنَصَرْناهُمْ الضمير عائد على موسى وهارون وقومهما. قوله: فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ يصح أن يكون هُمُ ضمير فصل أول بدلا من الواو في كانوا، والأول أظهر. قوله: (و غيرهما) أي كالقصص والمواعظ.\rقوله: وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أي وصلناهما للدين الحق.\rقوله:\rسَلامٌ مبتدأ خبره محذوف قدره بقوله: (منا) وقوله: عَلى مُوسى وَهارُونَ متعلق بسلام، والمسوغ للابتداء بالنكرة قصد التعظيم، وعملها في الجار والمجرور بعدها. قوله: (كما جزيناهما) أي ما تقدم، من الإنجاء والنصر وإيتاء الكتاب وإبقاء الثناء.\rقوله: نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ في مثل هذه الآيات، ترغيب للمؤمنين، وإشعار بأن كل مؤمن، قابل لكل خير وصالح له.\rقوله: إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ أي الكاملين في الإيمان، البالغين الغاية فيه.\rقوله: وَإِنَّ إِلْياسَ معطوف على ما قبله، عطف قصة على قصة. قوله: (بالهمز أوله وتركه) أي بناء على أنها همزة قطع أو وصل، قراءتان سبعيتان، وسبب جواز الأمرين، أنه اسم أعجمي استعملته العرب، فلم تضبط فيه همزة قطع ولا وصل. قوله: لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ خبر إِنَ. قوله: (قيل هو ابن أخي هارون) إلخ، الصحيح أنه من ذرية هارون، لقول محمد بن اسحاق: هو الياس بن ياسين بن فنحاص بن معيزار بن هارون بن عمران وإلياس ابن عم اليسع. قوله: (و قيل غيره) من جملة ذلك، أنه هو ادريس، وقيل هو اليسع. قوله: (أرسل إلى قوم ببعلبك) حاصل قصته كما قال محمد بن اسحاق وعلماء السير والأخبار: لما قبض اللّه عز وجل حزقيل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، عظمت الأحداث في بني اسرائيل، وظهر فيهم الفساد والشرك، ونصبوا الأصنام وعبدوها من دون اللّه عز وجل، فبعث اللّه إليهم إلياس نبيا، وكانت الأنبياء يبعثون من بعد موسى عليه الصلاة والسّلام في بني إسرائيل، بتجديد ما نسوا من أحكام التوراة، وكان يوشع لما فتح الشام، قسمها على بني اسرائيل، وإن سبطا منهم حصل في قسمته بعلبك ونواحيها، وهم الذين بعث إليهم الياس، وعليهم يومئذ ملك اسمه أرحب، وكان قد أضل قومه، وجبرهم على عبادة الأصنام، وكان له صنم من ذهب، طوله عشرون ذراعا، وله أربعة وجوه، وكان اسمه بعلا، وكانوا قد فتنوا به وعظموه، وجعلوا له أربعمائة سادن، وجعلوهم أبناءه، وكان الشيطان يدخل في جوف بعل، ويتكلم بشريعة الضلال، والسدنة، يحفظونها عنه ويبلغونها الناس، وهم أهل بعلبك، وكان الياس يدعوهم إلى عبادة اللّه عز وجل، وهم لا يسمعون له ولا يؤمنون به، إلا ما كان من","part":3,"page":326},{"id":1440,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 327\rمقدرا قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (124) اللّه أَتَدْعُونَ بَعْلًا اسم صنم لهم من ذهب، وبه سمي البلد أيضا، مضافا إلى بك أي أتعبدونه وَتَذَرُونَ تتركون أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (125) فلا\r______________________________\rأمر الملك، فإنه آمن به وصدقه، فكان الياس يقوم بأمره ويسدده ويرشده؛ ثم إن الملك ارتد واشتد غضبه على إلياس وقال: يا إلياس ما أرى ما تدعونا إليه إلا باطلا، وهم بتعذيب إلياس وقتله، فلما أحس إلياس بالشر، رفضه وخرج عنه هاربا، ورجع الملك إلى عبادة بعل، ولحق إلياس بشواهق الجبال، فكان يأوي إلى الشعاب والكهوف، فبقي سبع سنين على ذلك خائفا مستخفيا، يأكل من نبات الأرض وثمار الشجر، وهم في طلبه قد وضعوا عليه العيون، واللّه يستره منهم، فلما طال الأمر على الياس، وسئم الكمون في الجبال، وطال عصيان قومه، وضاق بذلك ذرعا، دعا ربه عز وجل أن يريحه منهم، فقيل:\rانظر يوم كذا وكذا، فاخرج إلى موضع كذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج الياس ومعه اليسع، حتى إذا كان بالموضع الذي أمر به، إذا أقبل فرس من نار، وقيل لونه كالنار، حتى وقف بين يدي الياس، فوثب عليه، فانطلق به الفرس، فناداه اليسع: يا الياس ما تأمرني؟ فقذف اليه الياس بكسائه من الجو الأعلى، فكان ذلك علامة استخلافه إياه على بني اسرائيل، وكان ذلك آخر العهد به، ورفع اللّه الياس من بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، وكساه الريش، فصار إنسيا ملكيا أرضيا، سماويا، ونبأ اللّه تعالى اليسع، وبعثه رسولا إلى بني إسرائيل، وأوحى اللّه إليه وأيده، فآمنت به بنو اسرائيل، وكانوا يعظمونه وحكم اللّه تعالى فيهم قائم، إلى أن فارقهم اليسع، وقد أعطى اللّه الياس معجزات جمة منها: تسخير الجبال له، والأسود وغيرهما، وأعطاه اللّه قوة سبعين نبيا، وكان على صفة موسى في الغضب والقوة. روي أن الياس والخضر يصومان رمضان كل عام ببيت المقدس، ويحضران موسم الحج كل عام، ويفترقان على أربع كلمات: بسم اللّه ما شاء اللّه لا يسوق الخير إلا اللّه، بسم اللّه ما شاء اللّه لا يصرف السوء إلا اللّه، بسم اللّه ما شاء اللّه ما كان من نعمة فمن اللّه، بسم اللّه ما شاء اللّه لا حول ولا قوة إلا باللّه، وقيل في الرواية غير ذلك، والياس موكل بالفيافي والقفار، والخضر موكل بالبحار، ولا يموتان إلا في آخر الزمان حين يرفع القرآن. وعن أنس قال: غزونا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، حتى إذا كنا عند فج الناقة، فسمعت صوتا يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد، المرحومة، المغفور لها، المستجاب لها، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا أنس انظر ما هذا الصوت؟ فدخلت الجبل، فإذا رجل عليه ثياب بيض، أبيض الرأس واللحية، طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع، فلما رآني قال: أنت صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ فقلت: نعم، قال:\rفارجع إليه فأقرأه السّلام وقل له: هذا أخوك الياس يريد أن يلقاك، فرجعت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبرته، فجاء يمشي وأنا معه، حتى إذا كنا قريبا منه، تقدم النبي وتأخرت أنا، فتحدثا طويلا، فنزل عليهما من السماء شيء يشبه السفرة، ودعواني فأكلت معهما، وإذا فيها كمأة ورمان وحوت وكرسف، فلما أكلت قمت فتنحيت، فجاءت سحابة فحملته، وأنا أنظر إلى بياض ثيابه فيها تهوي قبل السماء. انتهى.\rقوله: (أَلا تَتَّقُونَ اللّه) أي تتمثلون أوامره وتجتنبون نواهيه. قوله: (و به سمي البلد) أي ثانيا، وأما أولا فاسمها بك فقط، فلما عبد بعل سميت بعلبك. قوله: (مضافا إلى بك) أي مضموما إليه، فالتركيب مزجي لا إضافي.\rقوله: وَتَذَرُونَ عطف على تَدْعُونَ فهو داخل في حيز الإنكار. قوله:\rأَحْسَنَ الْخالِقِينَ أي المصورين، لأنه سبحانه وتعالى يصور الصورة ويلبسها الروح، وغيره يصور من","part":3,"page":327},{"id":1441,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 328\rتعبدونه اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126) برفع الثلاثة على إضمار هو، وبنصبها على البدل من أحسن فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) في النار إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) أي المؤمنين منهم فإنهم نجوا منها وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (129) ثناء حسنا سَلامٌ منا عَلى إِلْ ياسِينَ (130) قيل هو إلياس المتقدم ذكره، وقيل هو ومن آمن معه، فجمعوا معه تغليبا، كقولهم للملهب وقومه المهلبون، وعلى قراءة آل ياسين بالمد أي أهله، المراد به إلياس أيضا إِنَّا كَذلِكَ كما جزيناه نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132) وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) اذكر إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (135) أي الباقين في العذاب ثُمَّ دَمَّرْنَا أهلكنا الْآخَرِينَ (136) كفار قومه وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ على آثارهم ومنازلهم في أسفاركم مُصْبِحِينَ (137) أي وقت الصباح يعني بالنهار وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (138) يا أهل مكة ما حل بهم فتعتبرون به وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ\r______________________________\rغير روح. قوله: (برفع الثلاثة) إلخ، أي والقراءتان سبعيتان.\rقوله: (فإنهم نجوا منها) أشار بذلك إلى أن الاستثناء من الواو في لَمُحْضَرُونَ كأنه قال: فكذبوه فإنهم لمحضرون، إلا الذين تابوا من تكذيبهم وأخلصوا، فإنهم غير محضرين. قوله: (قيل هو الياس المتقدم) أي وعليه فهو مفرد مجرور بالفتحة للعلمية والعجمة، وهي لغة ثانية فيه. قوله: (و قيل هو) إلخ، أي وعليه، فهو مجرور بالياء لكونه جمع مذكر سالما. قوله: (المراد به الياس) أي فأطلق الأول وأراد به ما يشمله وفومه المؤمنين به، فتحصل أن في الآية ثلاث عبارات: الياس أولها، وإلياسين وآل ياسين في آخرها، وكلها سبعية.\rقوله: وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عطف على ما قبله ايضا، عطف قصة على قصة. قوله:\r(اذكر) إِذْ نَجَّيْناهُ إلخ، قدر المفسر (اذكر) إشار إلى أن الظرف متعلق بمحذوف، ولم يجعله متعلقا بقوله: الْمُرْسَلِينَ لأنه يوهم أنه قبل النجاة لم يكن رسولا، مع أنه رسول قبل النجاة وبعدها.\rقوله:\rوَأَهْلَهُ المراد بهم بنتاه.\rقوله: إِلَّا عَجُوزاً هي امرأته. قوله: (أي وقت الصباح) بيان لمعناه في الأصل، وقوله: (يعني بالنهار) بيان للمراد منه، و\rقوله: بِاللَّيْلِ عطف على مُصْبِحِينَ وهو حال أخرى. قوله: أَفَلا تَعْقِلُونَ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه، والتقدير: أتشاهدون ذلك فلا تعقلون؟.\rقوله: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ هو ابن متى، وهو ابن العجوز التي نزل عليها الياس، فاستخفى عندها من قومه ستة أشهر، ويونس صبي يرضع، وكانت أم يونس تخدمه بنفسها وتؤانسه، ولا تدخر عنه كرامة تقدر عليها، ثم إن الياس أذن له في السياحة فلحق بالجبال، ومات يونس ابن المرأة، فخرجت في أثر الياس، تطوف وراءه في الجبال حتى وجدته، فسألته أن يدعو اللّه لها، لعله يحيي لها ولدها، فجاء الياس إلى الصبي بعد أربعة عشر يوما مضت من موته، فتوضأ وصلى ودعا اللّه، فأحيا اللّه تعالى يونس بن متى بدعوة الياس عليه السّلام، وأرسل اللّه يونس إلى أهل نينوى من أرض الموصل، وكانوا يعبدون الأصنام.","part":3,"page":328},{"id":1442,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 329\rهرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) السفينة المملوءة حين غاضب قومه لما لم ينزل بهم العذاب الذي وعدهم به، فركب السفينة فوقفت في لجة البحر، فقال الملاحون: هنا عبد أبق من سيده تظهره القرعة فَساهَمَ قارع أهل السفينة فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) المغلوبين بالقرعة فألقوه في البحر فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ ابتعله وَهُوَ مُلِيمٌ (142) أي آت بما يلام عليه، من ذهابه إلى البحر وركوبه السفينة بلا إذن من ربه فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) الذاكرين بقوله كثيرا في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة فَنَبَذْناهُ ألقيناه من بطن الحوت بِالْعَراءِ بوجه الأرض أي بالساحل من يومه أو بعد ثلاثة أو سبعة أيام، أو عشرين أو أربعين يوما وَهُوَ سَقِيمٌ (145) عليل كالفرخ الممعط وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وهي القرع تظله بساق على خلاف العادة في القرع، معجزة له، وكانت تأتيه وعلة صباحا ومساء، يشرب من لبنها حتى قوي وَأَرْسَلْناهُ بعد ذلك كقبله إلى قوم بنينوى من أرض الموصل إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ\r______________________________\rقوله: إِذْ أَبَقَ ظرف لمحذوف تقديره اذكر، كما تقدم نظيره، وقوله: أبق: بابه فتح، والإباق في الأصل: الهروب من السيد، وإطلاقه على هروب يونس، استعارة تصريحية، فشبه خروجه بغير إذن ربه، بإباق العبد من سيده. قوله: (حين غاضب قومه) المفاعلة على بابها، لأنهم غاضبوه بعدم الانقياد له والإيمان به، وهو غضب عليهم. قوله: (فركب السفينة) أي باجتهاد منه، لظنه أنه إن بقي بينهم قتلوه، لأنهم كانوا يقتلون كل من ظهر عليه كذب، فركوب السفينة ليس معصية لربه، لا صغيرة ولا كبيرة، ومؤاخذته بحبسه في بطن الحوت على مخالفته الأولى، فإن الأولى له انتظار الإذن من اللّه تعالى، هذا هو الصواب في تحقيق المقام، وهناك أقوال أخر، اعتقادها يضر في العقيدة، والعياذ باللّه تعالى. قوله: (فوقفت) أي من غير سبب، وقوله: (في لجة البحر) المراد به الدجلة.\rقوله: (فقال الملاحون) إلخ، أي وكان من عادتهم أن السفينة إذا كان فيها آبق أو مذنب لم تسر.\rقوله: (قارع أهل السفينة) أي غالبهم، قيل مرة واحدة، وقيل ثلاثا. قوله: (فألقوه في البحر) قدره إشارة إلى أن\rقوله: فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ مرتب على محذوف قوله: (أي آت بما لا يلام عليه) أي أو المعنى وهو مليم نفسه. قوله: (بقوله كثيرا) استفيدت الكثرة من جعله من المسبحين. قوله: (قبرا له) أي بأن يموت فيبقى في بطنه ميتا، وقيل: بأن يبقى على حياته.\rقوله: فَنَبَذْناهُ أي أمرنا الحوت بنبذه فنبذه. قوله: بِالْعَراءِ أي بالأرض المتسعة التي لا نبات بها. قوله: (من يومه) أي فالتقمه ضحى ونبذه عشية، وما ذكره المفسر خمسة أقوال: الأول للشعبي، والثاني لمقاتل، والثالث لعطاء، والرابع للضحاك، والخامس للسدي. قوله: (الممعط) بضم الميم الأولى، وتشديد الثانية مفتوحة، بعدها عين مهملة، بعدها طاء مهملة أيضا أي المنتوف الشعر. قوله: (و هي القرع) خص بذلك، لأنه بارد الظل، لين الملمس، كبير الورق، لا يعلوه الذباب، وما ذكره المفسر أحد أقوال في تفسير اليقطين، وقيل: كانت شجرة التين، وقيل: شجرة الموز، تغطى بورقه، واستظل بأغصانه، وأفطر على ثماره. قوله: (و علة) إما بفتح الواو والعين، أو بكسر الواو وسكون العين، هي","part":3,"page":329},{"id":1443,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 330\rبل يَزِيدُونَ (147) عشرين أو ثلاثين أو سبعين ألفا فَآمَنُوا عند معاينة العذاب الموعودين به فَمَتَّعْناهُمْ أبقيناهم ممتعين بما لهم إِلى حِينٍ (148) تنقضي آجالهم فيه فَاسْتَفْتِهِمْ استخبر كفار مكة توبيخا لهم أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ بزعمهم أن الملائكة بنات اللّه وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) فيختصون بالأسنى أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (150) خلقنا، فيقولون ذلك؟ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ كذبهم لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ (151) بقولهم: الملائكة بنات اللّه وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (152) فيه أَصْطَفَى بفتح الهمزة للاستفهام واستغنى بها عن همزة الوصل فحذفت، أي اختار الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) هذا الحكم الفاسد أَفَلا\r______________________________\rالغزالة. قوله: (كقبله) جواب عما توهم أنه قبل خروجه لم يكن مرسلا. قوله: (بنينوى) بكسر النون الأولى، وياء ساكنة، ونون مضمومة، وألف مقصورة بعد الواو.\rقوله: أَوْ يَزِيدُونَ جعل المفسر أَوْ للإضراب بمعنى بل، ويصح أن تكون للشك بالنسبة للمخاطبين، أي أن الرائي يشك عند رؤيتهم، أو للإبهام بمعنى أن اللّه أبهم أمرهم، أو الإباحة، أو التخيير بمعنى أن الناظر يباح له، أو بخير بين أن يحذرهم بكذا أو كذا. قوله: (عند معاينة العذاب) أي عند حضور أمارته، ولذا نفعهم إيمانهم، وأما مثل فرعون، فلم يؤمن إلا بعد حصول العذاب بالفعل، وأيضا قوم يونس، أخلصوا في إيمانهم، وفرعون لم يخلص، وإنما ايمانه عند الغرغرة لدفع الشدة، ولو ردوا لعادوا. قوله: (بما لهم) بفتح اللام، أي بالذي ثبت لهم من النعم، وتقدم بسط قصة يونس في سورة يونس، فراجعها إن شئت.\rقوله: فَاسْتَفْتِهِمْ الفاء واقعة في جواب شرط مقدر تقديره: إذا علمت ما تقدم للأمم من شركهم ومخالفتهم لأنبيائهم فاستفتهم، أي اطلب من أهل مكة الخبر، لأجل توبيخهم وإقامة الحجة عليهم. قوله: (توبيخا لهم) أي فليس الاستفتاء على سبيل الاستعلام والإفادة، بل هو على سبيل التقريع والتوبيخ لهم. قوله: أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أي ألهذه القسمة الجائرة وجه؟ فإنهم كفروا من وجهين: الأول: نسبة الولد للّه سبحانه وتعالى من حيث هو. الثاني: كونه خصوص الأنثى فإنهم لا يرضون بنسبتها لأنفسهم، بل إما أن يمسكوها على الهوان، أو يدفنوها حية، فكيف يرضونها للّه عز وجل، ويختصون بالبنين؟ قوله: (فيختصون بالأسنى) أي الأشرف وهو الذكور وفي نسخة بالأبناء.\rقوله: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً أَمْ منقطعة تفسر ببل والهمزة، فهو اضراب عما زعموا، ورد عليهم، وهذا بمعنى قوله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ الآية.\rقوله: وَهُمْ شاهِدُونَ الجملة حالية، أي والحال أنهم معاينون لخلقهم. قوله: أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ استئناف لبيان إبطال ما هم عليه، كأنه قيل: ليس لهم مستند، إلا الكذب الصريح والافتراء القبيح.\rقوله: (وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فيه) أي في قولهم: الملائكة بنات اللّه. قوله: (و استغنى بها) أي بهمزة الاستفهام في التوصل للنطق بالساكن، والاستفهام للتوبيخ والتقريع.\rقوله: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أي أي شيء ثبت واستقر لكم، من حكمكم بهذا الحكم الجائر، حيث تثبتون أخس الجنسين في زعمكم للّه","part":3,"page":330},{"id":1444,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 331\rتَذَكَّرُونَ (155) بإدغام التاء في الذال أنه سبحانه وتعالى منزه عن الولد أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (156) حجة واضحة أن للّه ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ التوراة فأروني ذلك فيه إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (157) في قولكم ذلك وَجَعَلُوا أي المشركون بَيْنَهُ تعالى وَبَيْنَ الْجِنَّةِ أي الملائكة لاجتنانهم عن الأبصار نَسَباً بقولهم إنها بنات اللّه وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ أي قائلي ذلك لَمُحْضَرُونَ (158) للنار يعذبون فيها سُبْحانَ اللَّهِ تنزيها له عَمَّا يَصِفُونَ (159) بأن للّه ولدا إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160) أي المؤمنين، استثناء منقطع، أي فإنهم ينزهون اللّه تعالى عما يصفه هولاء فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (161) من الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي على معبودكم، وعليه متعلق بقوله بِفاتِنِينَ (162) أي أحدا إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (163) في علم اللّه تعالى، قال جبريل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَما مِنَّا معشر الملائكة أحد إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (164) في\r______________________________\rسبحانه وتعالى؟ قوله: (بإدغام التاء في الذال) أي أو بتاء واحدة من غير إدغام، قراءتان سبعيتان.\rقوله: أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ انتقال من توبيخهم إلى إلزامهم الحجة بما لا وجود له، ولا يقدرون على اثباته. قوله: (التوراة) الصواب اسقاطه لأن الخطاب مع المشركين، والتوراة ليس لهم.\rقوله:\rوَجَعَلُوا بَيْنَهُ التفات من الخطاب للغيبة، اشارة إلى أنهم بعيدون من رحمة اللّه، وليسوا أهلا لخطابه.\rقوله: (لاجتنانهم عن الأبصار) أي استتارهم عنها.\rقوله: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ هذا زيادة في تبكيتهم وتكذيبهم كأنه قيل: هؤلاء الملائكة الذين عظمتموهم وجعلتموهم بنات اللّه أعلم بحالكم، وما يؤول اليه أمركم ويحكمون بتعذيبكم، على سبيل التأبيد.\rقوله: سُبْحانَ إلخ، هذا من كلام الملائكة، تنزيه للّه تعالى عما وصفه به المشركون بعد تكذيبهم له، فكأنه قيل: ولقد علمت الملائكة أن المشركين لمعذبون بقولهم ذلك، وقالوا سبحان اللّه عما يصفونه به، ولكن عباد اللّه المخلصين الذين نحن من جملتهم، برآء من هذا الوصف، و\rقوله: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ تعليل وتحقيق لبراءة المخلصين، ببيان عجزهم عن اغوائهم. قوله: (استثناء منقطع) أي من الواو في يَصِفُونَ وهو في قوة والاستدراك، دفع به ما يتوهم ثبوته أو نفيه، كأنه قال: تنزه اللّه عن وصف الكفار له تعالى، وأما وصف المؤمنين المخلصين له فلا يتنزه عنه، لأنهم لا يصفونه تعالى إلا بالكمالات. قوله: (أي على معبودكم) أشار بذلك إلى أن الضمير في (عليه) عائد على ما وعلى هذا، فالواو للمعية، وما مفعول معه ساد مسد خبر إن.\rقوله: بِفاتِنِينَ مفعوله محذوف قدره المفسر بقوله: (أحدا) والمعنى: إنكم مع معبودكم، لستم بمفسدين أحدا، إلا من سبقت له الشقاوة في علم اللّه.\rقوله: (إلا من هو صال الجحيم) استثناء من المفعول الذي قدره المفسر، و(صال) مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوف لالتقاء الساكنين، فهو معتل كقاض. قوله: (في علم اللّه تعالى) أي من علم اللّه أنه من أهل الجحيم، فإنه يميل إلى الكفر وأهله.\rقوله: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ هذا حكاية عن اعتراف الملائكة بالعبودية ردا على عبدتهم والمعنى: ليس منا أحد، إلا له مقام معلوم في المعرفة والعبادة، وامتثال ما يأمرنا اللّه تعالى به. قال ابن","part":3,"page":331},{"id":1445,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 332\rالسماوات يعبد اللّه فيه لا يتجاوزه وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) أقدامنا في الصلاة وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166) المنزهون اللّه عما لا يليق به وَإِنْ مخففة من الثقيلة كانُوا أي كفار مكة لَيَقُولُونَ (167) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً كتابا مِنَ الْأَوَّلِينَ (168) أي من كتب الأمم الماضية لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169) العبادة له، قال تعالى فَكَفَرُوا بِهِ أي الكتاب الذي جاءهم وهو القرآن الأشرف من تلك الكتب فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170) عاقبة كفرهم وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا بالنصر لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) وهي لأغلبن أنا ورسلي؛ أو هي قوله إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنا أي المؤمنين لَهُمُ الْغالِبُونَ (173) الكفار بالحجة والنصرة عليهم في الدنيا، وإن لم ينتصر بعض منهم في الدنيا ففي الآخرة فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي أعرض عن\r______________________________\rعباس: ما في السماوات موضع شبر، إلا وعليه ملك يصلي ويسبح، وقيل: إن هذه الثلاث آيات، نزلت ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند سدرة المنتهى، فتأخر جبريل، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: أهنا تفارقني؟ فقال جبريل: ما أستطيع أن أتقدم عن مكاني هذا، وأنزل اللّه تعالى حكاية عن الملائكة وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ الآيات، وفي الحديث: «ما في السماوات موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم». قوله: (أحد) قدره إشارة إلى أن في الآية حذف الموصوف وابقاء صفته وهو مبتدأ، والخبر جملة قوله: إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ والتقدير: ما أحد منا إلا له مقام معلوم. قوله: (أقدامنا في الصلاة) أشار بذلك إلى أن المفعول محذوف.\rقوله: (مخففة من الثقيلة) أي واللام فارقة، والمعنى: أن قريشا كانت تقول قبل بعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: لو أن لنا كتابا مثل كتاب الأولين، لأخلصنا العبادة للّه تعالى، وهذا نظير قوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ.\rقوله: فَكَفَرُوا بِهِ الفاء للفصيحة مرتب على ما قبله. قوله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ أي في الدنيا والآخرة، والتعبير بسوف تهديد لهم، كقولك لمن تريد ضربه مثلا: سوف ترى ما توعد به وأنت شارع فيه، فَسَوْفَ للوعيد لا للتعبير.\rقوله: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا إلخ، هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، وإنما صدرت هذه الجملة بالقسم، لتأكيد الاعتناء بتحقيق مضمونها. قوله: كَلِمَتُنا (بالنصر) إنما سمى الوعد بالنصر كلمة، مع أنه كلمات، لكون معنى الكل واحدا. قوله: (و هي لأغلبن أنا ورسلي) أي فيكون\rقوله: إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ جملة مستأنفة، وقوله: (أو هي قوله) إِنَّهُمْ إلخ، أي وعليه فيكون بدلا من كَلِمَتُنا أو تفسيرا لها.\rقوله: وَإِنَّ جُنْدَنا الجند في الأصل الأنصار والأعوان، والمراد منه أنصار دين اللّه، وهم المؤمنون، كما قال المفسر. قوله: (و إن لم ينتصر بعض منهم) إلخ، دفع بهذا ما يقال: قد شوهدت غلبة الكفار على المؤمنين في بعض الأزمان، فأجاب: بأن النصر إما في الآخرة للجميع، أو في الدنيا للبعض، فالمؤمنون منصورون على كل حال. أجيب أيضا: بأن الأنبياء المأذون لهم في القتال، لا بد لهم من النصر في الدنيا، ولا تقع لهم هزيمة أبدا، وإنما إن وقع للكفار بعض غلبة، كما في أحد، فهو لحكم عظيمة، ولا تبيت على المؤمنين، بل ينصرون عليهم بصريح قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الآية، وأما غيرهم، فتارة ينصرون في الدنيا، وتارة لا، وإنما ينصرون في الآخرة. قوله: (تؤمر فيه","part":3,"page":332},{"id":1446,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 333\rكفار مكة حَتَّى حِينٍ (174) تؤمر فيه بقتالهم وَأَبْصِرْهُمْ إذا نزل بهم العذاب فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175) عاقبة كفرهم فقالوا استهزاء: متى نزول هذا العذاب؟ قال تعالى تهديدا لهم:\rأَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ بفنائهم، قال الفراء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم فَساءَ بئس صباحا صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (177) فيه إقامة الظاهر مقام المضمر وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179) كرر تأكيدا لتهديدهم وتسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ الغلبة عَمَّا يَصِفُونَ (180) بأن له ولدا وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) المبلغين عن اللّه التوحيد والشرائع وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (182) على نصرهم وهلاك الكافرين.\r______________________________\rبقتالهم) أي فكان أولا مأمورا بالتبليغ والصبر، ثم لما كان في السنة الثانية من الهجرة، أمر صلّى اللّه عليه وسلّم بالجهاد، وغزواته سبع وعشرون غزوة، قاتل في ثمان منها بنفسه: بدر وأحد والمصطلق والخندق وقريظة وخيبر وحنين والطائف.\rقوله: وَأَبْصِرْهُمْ (إذا نزل بهم العذاب) أي من القتل والأسر، والمراد بالأمر: الدلالة على أن ذلك قريب كأنه واقع مشاهدة. قوله: (عاقبة كفرهم) أي من نزول العذاب بساحتهم. قوله: (تهديدا لهم) أي فليس الاستفهام على حقيقته، بل المقصود تهديدهم. قوله: (تكتفي بذكر الساحة) أي تستغني على سبيل الكفاية، فالمعنى: فإذا نزل بهم العذاب، فشبه العذاب بجيش هجم عليهم، فأناخ بفنائهم بغتة وهم في ديارهم، ففي ضمير العذاب استعارة بالكناية، والنزول تخييل. قوله: (بئس صباحا) أشار بهذا إلى أن الفاعل ضمير، والتمييز محذوف، والمذكور مخصوص، والأوضح ما قاله غيره، من أن المذكور هو الفاعل، والمخصوص محذوف، وعليه فالتقدير: بئس صباح المنذرين صباحهم. قوله: (فيه اقامة الظاهر مقام المضمر) أي في التعبير بالمنذرين، وكان مقتضى الظاهر أن يقال صباحهم.\rقوله: سُبْحانَ رَبِّكَ إلخ، الغرض منه تعليم المؤمنين أن يقولوه ولا يغفلوا عنه، لما روي عن علي كرم اللّه وجهه قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ إلخ، وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غير مرة ولا مرتين يقول في آخر صلاته أو حين ينصرف: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. قوله: رَبِّ الْعِزَّةِ أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها، كأنه قيل: ذي العزة، وقيل: المراد العزة المخلوقة الكائنة بين خلقه، ويترتب على كل من القولين مسألة اليمين، فعلى الأول ينعقد بها اليمين، لأنها من صفات اللّه تعالى، وعلى الثاني لا ينعقد، لأنها من صفات المخلوق.\rقوله: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ تعميم للرسل بالتسليم بعد تخصيص بعضهم.","part":3,"page":333},{"id":1447,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 334\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة ص مكيّة وهي ست أو ثمان وثمانون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ص اللّه أعلم بمراده به وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) أي البيان أو الشرف، وجواب هذا القسم محذوف، أي ما الأمر، كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة فِي عِزَّةٍ حمية وتكبر عن الإيمان وَشِقاقٍ (2) خلاف وعداوة\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة ص\rمكية وهي ست أو ثمان وثمانون آية أي ويقال لها سورة داود. قوله: (مكية) أي كلها. قوله: (أو ثمان) أو لحكاية الخلاف. قوله: (اللّه أعلم به) تقدم غير مرة أن هذا القول أسلم، لأن تفويض الأمر المتشابه لعلم اللّه تعالى هو غاية الأدب، واعلم أن في لفظ ص قراءات خمسة السبعة على السكون لا غير، والباقي شاذ، وهو الضم والفتح من غير تنوين، والكسر بتنوين وبدونه، فالضم على أنه خبر لمحذوف، على أنه اسم للسورة، أي هذه ص، ومنع من الصرف للعلمية والتأنيث، والفتح إما على أنه مفعول لمحذوف تقديره اقرأ ونحوه، أو مبني على الفتح كأين وكيف، والأول أقرب، والكسر بغير تنوين للتخلص من التقاء الساكنين، وبالتنوين مجرور بحرف قسم محذوف، وصرف بالنظر إلى اللفظ. قوله: (أي البيان) أي لما يحتاج إليه أمر الدين، وقوله: (أو الشرف) أي أن من آمن به، كان شريفا في الدنيا والآخرة؛ قال تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أي شرفكم، وأيضا القرآن شريف في ذاته، من حيث اشتماله على المواعظ والأحكام وغيرهما، فهو شريف في نفسه مشرف لغيره، وقيل: المراد بالذكر، ذكر أسماء اللّه تعالى وتمجيده، وقيل: المراد به الموعظة، وقيل: غير ذلك. قوله: (و جواب هذا القسم محذوف) إلخ، هذا أحد أقوال وهو أحسنها، وقيل: تقديره (إنك لمن المرسلين) كما في يس، وقيل: هو قوله: كَمْ أَهْلَكْنا وفيه حذف اللام، والأصل لكم أهلكنا، وإنما حذفت لطول الكلام، نظير حذفها في قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها بعد قوله: وَالشَّمْسِ، وقيل: غير ذلك.\rقوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا اضراب وانتقال من قصة إلى قصة. قوله: (من أهل مكة) خصهم","part":3,"page":334},{"id":1448,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 335\rللنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كَمْ أي كثيرا أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ أي أمة من الأمم الماضية فَنادَوْا حين نزول العذاب بهم وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (3) أي ليس الحين حين قرار، والتاء زائدة، والجملة حال من فاعل نادوا، أي استغاثوا، والحال أن لا مهرب ولا منجى وما اعتبر بهم كفار مكة وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ رسول من أنفسهم ينذرهم ويخوّفهم النار بعد البعث، وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَقالَ الْكافِرُونَ فيه وضع الظاهر موضع المضمر هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً حيث قال لهم: قولوا: لا إله إلا اللّه، أي كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟\rإِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (5) أي عجيب وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ من مجلس اجتماعهم عند أبي\r______________________________\rبالذكر لأنهم سبب النزول، وإلا فالمراد كل كافر.\rقوله: (أي كثيرا) أشار بذلك إلى أن كَمْ خبرية بمعنى كثيرا مفعول أَهْلَكْنا ومِنْ قَرْنٍ تمييز لها. قوله: وَلاتَ حِينَ اختلفت المصاحف في رسم التاء، فبعضهم رسمها مفصولة، وبعضهم رسمها متصلة بحين، وينبني على هذا الاختلاف الوقف، فبعضهم يقف على التاء، وبعضهم على لا، ومن يقف على التاء، فجمهور السبعة يقفون على التاء المجرورة، اتباعا لمرسوم الخط الشريف، والأقل منهم يقف بالهاء، وهذا الوقف للاختيار، لا أنه من جملة الأوقاف الجائزة. قوله: مَناصٍ المناص يطلق على المنجي والمفر والتقدم والتأخر، وكل هنا يناسب المقام. قوله: (أي ليس الحين) إلخ، أشار بذلك إلى مذهب الخليل وسيبويه في لات، من حيث إنها تعمل عمل ليس، وان اسمها محذوف، وهو وخبرها لفظ الحين، وإلى ذلك أشار ابن مالك بقوله:\rوما للات في سوى حين عمل ... وحذف ذي الرفع فشا والعكس قل\rقوله: (و التاء زائدة) أي لتأكيد النفي. قوله: (من فاعل نادوا) أي وهو الواو. قوله: (و ما اعتبر) معطوف على كَمْ أَهْلَكْنا.\rقوله: وَعَجِبُوا إلخ أي جعلوا مجيء رسول من جنسهم أمرا خارجا عن طوق العقل فيتعجب منه. قوله: (من أنفسهم) أي من جنسهم. قوله: (فيه وضع الظاهر) إلخ زيادة في التقبيح عليهم، وإشعارا بأن كفرهم جسرهم على هذا القول. قوله: ساحِرٌ أي فيما يظهره من الخوارق. قوله: كَذَّابٌ، أي فيما يسنده إلى اللّه من الإرسال والإنزال.\rقوله: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إلخ، الاستفهام تعجبي، أي كيف يعلم الجميع، ويقدر على التصرف فيهم إله واحد؟ وسبب هذا التعجب، قياسهم للقديم على الحادث، ولم يعلموا أنه واحد لا من قلة، بل وحدته تعزز وانفراد، تنزه اللّه عن مماثلة الحوادث له. قوله: (عجيب) أشار بذلك إلى أن عُجابٌ مبالغة في (عجيب). قوله: (عند أبي طالب) روي أنه لما أسلم عمر، شق ذلك على قريش، فاجتمع خمسة وعشرون من صناديدهم، فأتوا أبا طالب فقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وجئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فأحضره وقال له: يا ابن أخي، هؤلاء قومك يسألونك السواء والإنصاف، فلا تمل كل الميل على قومك، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: ما ذا تسألونني؟ فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا، وندعك وإلهك، فقال: أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم، أمعطي أنتم كلمة واحدة تملكون بها رقاب العرب، وتدين لكم العجم، فقالوا: نعم وعشر أمثالها، فقال: قولوا لا إله إلا اللّه،","part":3,"page":335},{"id":1449,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 336\rطالب، وسماعهم فيه من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قولوا: لا إله إلا اللّه أَنِ امْشُوا أي يقول بعضهم لبعض:\rامشوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ اثبتوا على عبادتها إِنَّ هذا المذكور من التوحيد لَشَيْءٌ يُرادُ (6) منا ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ أي ملة عيسى إِنْ ما هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ (7) كذب أَأُنْزِلَ بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين وتركه عَلَيْهِ على محمد الذِّكْرُ القرآن مِنْ بَيْنِنا وليس بأكبرنا ولا أشرفنا؟ أي لم ينزل عليه، قال تعالى بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي وحيي، أي القرآن حيث كذبوا الجائي به بَلْ لَمَّا لم يَذُوقُوا عَذابِ (8) ولو ذاقوه لصدقوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما جاء به ولا ينفعهم التصديق حينئذ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الغالب الْوَهَّابِ (9) من النبوّة وغيرها، فيعطونها من شاؤوا أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إن زعموا ذلك فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (10) الموصلة إلى السماء فيأتوا بالوحي فيخصوا به من شاؤوا، وأم في الموضعين بمعنى همزة الإنكار جُنْدٌ ما أي هم جند حقير هُنالِكَ أي في تكذيبهم لك مَهْزُومٌ صفة جند مِنَ الْأَحْزابِ (11)\r______________________________\rفقاموا وانطلقوا قائلين: امشوا واصبروا على آلهتكم.\rقوله: (أي يقول بعضهم) إلخ، أشار بذلك إلى أن أَنِ تفسيرية، وضابطها موجود، وهو تقدم جملة فيها معنى القول دون حروفه.\rقوله: وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ أي استمروا على عبادتها. قوله: إِنَّ هذا تعليل للأمر بالصبر. قوله: يُرادُ (منا) أي يقصد منا تنفيذه، فلا انفكاك لنا عنه. قوله: (ما سمعنا بذلك) إلخ، أي وإنما سمعنا فيها التثليث. قوله: (بتحقيق الهمزتين) أي فالقراءات أربع سبعيات. قوله: (أي لم ينزل عليه) أشار بذلك إلى أن الاستفهام انكاري بمعنى النفي.\rقوله: بَلْ هُمْ فِي شَكٍ اضراب عن مقدر تقديره انكارهم للذكر ليس عن علم، بل هم في شك منه. قوله: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ اضراب انتقالي لبيان سبب الشك، والمعنى سببه أنهم لم يذوقوا العذاب إلى الآن، ولو ذاقوه لأيقنوا بالقرآن وآمنوا به. قوله:\rيَذُوقُوا أشار بذلك إلى أن لَمَّا بمعنى لم، فالمعنى لم يذوقوه إلى الآن، وذوقهم له متوقع، فإذا ذاقوه زال عنهم الشك وصدقوا، وتصديقهم حينئذ لا ينفعهم. قوله: (حينئذ) أي حين ذاقوه.\rقوله: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ المعنى أن النبوة عطية من اللّه يتفضل بها على من يشاء من عباده فلا مانع له. قوله: (الغالب) أي الذي لا يغلبه شيء، بل هو الغالب لكل شيء. قوله:\rالْوَهَّابِ أي الذي يهب من يشاء لمن يشاء.\rقوله: أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ المعنى: ليس لهم تصرف في العالم الذي هو من جملة خزائن رحمته، فمن أين لهم التصرف فيها. قوله: فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ الفاء واقعة في جواب شرط مقدر قدره بقوله: (إن زعموا ذلك) أي المذكور من العندية والملكية، والمعنى: فليصعدوا في المعاريج التي يتوصل بها العرش، حتى يستووا عليه، ويدبروا أمر العالم، وينزلوا الوحي على من يختارون. قوله: (بمعنى همزة الإنكار) أي وبعضها قدرها ببل والهمزة.\rقوله: (أي وهم جند) أشار بذلك إلى أن جُنْدٌ خبر لمحذوف، والتنوين للتقليل، والتحقير، وما لتأكيد القلة. قوله: هُنالِكَ ظرف لجند أو لمهزوم. قوله: مَهْزُومٌ أي مقهور ومغلوب، والمعنى: إن قريشا","part":3,"page":336},{"id":1450,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 337\rصفة جند أيضا، أي كالأجناد، من جنس الأحزاب المتحزبين على الأنبياء قبلك، وأولئك قد قهروا وأهلكوا، فكذا نهلك هؤلاء كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ تأنيث قوم باعتبار المعنى وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (12) كان يتد لكل من يغضب عليه أربعة أوتاد يشد إليها يديه ورجليه ويعذبه وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أي الغيضة، وهم قوم شعيب عليه السّلام أُولئِكَ الْأَحْزابُ (13) إِنْ ما كُلٌ من الأحزاب إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ لأنهم إذا كذبوا واحدا منهم فقد كذبوا جميعهم، لأن دعوتهم واحدة وهي دعوة التوحيد فَحَقَ وجب عِقابِ (14) وَما يَنْظُرُ ينتظر هؤُلاءِ أي كفار مكة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً هي نفخة القيامة تحل بهم العذاب ما لَها مِنْ فَواقٍ (15) بفتح الفاء وضمها: رجوع وَقالُوا لما نزل فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ* الخ رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا أي كتاب أعمالنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (16) قالوا ذلك استهزاء، قال\r______________________________\rجند حقير قليل من الكفار المتحزبين على الرسل مهزوم مكسور عن قريب، فلا تكترث بهم، وتسلّ عنهم. قوله: (صفة جند أيضا) أي فقد وصف جُنْدٌ بصفات ثلاث: الأولى ما والثانية مَهْزُومٌ والثالثة مِنَ الْأَحْزابِ. قوله: (و أولئك) أي الأحزاب.\rقوله: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ إلخ، استئناف مقرر لمضمون ما قبله ببيان تفاصيل الأحزاب.\rقوله: (باعتبار المعنى) أي وهو أنهم أمة. قوله: (كان يتد) من باب وعد، أي يدق ويغرز، والْأَوْتادِ جمع وتد، بفتح الواو وكسر التاء على الأفصح. قوله: (يشد إليها يديه) إلخ، أي ويضجعه مستلقيا على ظهره. قوله: (و يعذبه) قيل: يتركه حتى يموت، وقيل: يرسل عليه العقارب والحيات، وقيل: معنى ذو الأوتاد: ذو الملك الثابت، أو ذو الجموع الكثيرة، وفي الْأَوْتادِ استعارة بليغة، حيث شبه الملك ببيت الشعر، وهو لا يثبت إلا بأوتاد. قوله: (أي الغيضة) أي الأشجار الملتفة المجتمعة، وتقدم أنهم أهلكوا بالظلة.\rقوله: أُولئِكَ الْأَحْزابُ بدل من الطوائف المذكورة، و\rقوله: إِنْ كُلٌ إلخ، استئناف جيء به تقريرا لتكذيبهم، وبيانا لكيفيته، وتمهيدا لما يعقبه، وإِنْ نافية لا عمل لها لانتقاض النفي بإلا. قوله:\r(لأنهم) إلخ، جواب سؤال كيف يقال: إن كلا كذب الرسل، مع أن كل أمة كذبت رسولا واحدا.\rقوله: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ شروع في بيان عقاب كفار مكة، إثر بيان عقاب إخوانهم الأحزاب. قوله:\r(هي نفخة القيامة) أي الثانية. قوله: ما لَها مِنْ فَواقٍ الجملة في محل صفة لصيحة، ومِنْ مزيدة في المبتدأ. قوله: (بفتح الفاء وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان بمعنى واحد، هو الزمان الذي بين حلبتي الحالب ورضعتي الراضع، والمعنى: ما لها من توقف قدر فواق ناقة، وقال ابن عباس: ما لها من رجوع، من أفاق المريض إذا رجع إلى صحته، وقد مشى عليه المفسر، وكل صحيح. قوله: (لما نزل فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ إلخ، أي الذي في سورة الحاقة.\rقوله: قِطَّنا أي نصيبنا وحظنا، وأصله من قط الشيء أي قطعه. قوله: (أي كتاب أعمالنا) سمي قطا لأنه مقطوط أي مقطوع، لأن صحيفة الأعمال قطعة ورق مقطوعة من غيرها. قوله: قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ أي في الدنيا.","part":3,"page":337},{"id":1451,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 338\rتعالى اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ أي القوة في العبادة، كان يصوم يوما ويفطر يوما، ويقوم نصف الليل وينام ثلثه ويقوم سدسه إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) رجاع إلى مرضاة اللّه إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بتسبيحه بِالْعَشِيِ وقت صلاة العشاء وَالْإِشْراقِ (18) وقت صلاة الضحى، وهو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوؤها وَسخرنا الطَّيْرَ مَحْشُورَةً مجموعة إليه تسبح معه كُلٌ من الجبال والطير لَهُ أَوَّابٌ (19) رجاع إلى طاعته بالتسبيح وَشَدَدْنا مُلْكَهُ قوّيناه بالحرس والجنود، وكان يحرس محرابه في كل ليلة ثلاثون ألف رجل وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ النبوة والإصابة في الأمور وَفَصْلَ الْخِطابِ (20) البيان الشافي في كل قصد\r______________________________\rقوله: اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ فيه تهديد للكفار، وتسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ إلخ، والمقصود من ذكر تلك القصص، إظهار فضل المتقدمين، وتسليته له صلّى اللّه عليه وسلّم على أذى قومه، فيقتدي بمن قبله لكونه سيد الجميع، فهو أولى بالصبر، والإضافة في عبدنا لتشريف المضاف. قوله: ذَا الْأَيْدِ مصدر مفرد بوزن البيع، من آد يئيد، إذا قوي واشتد، وليس جمع يد. قوله: (كان يصوم يوما ويفطر يوما) أي وهو جهاد للنفس، دليل على قوة داود، لأن النفس كالطفل، فإذا فطمها عن شهوتها بالصوم يوما، أطلقها في اليوم الثاني، ثم يعود لفطمها، ولا شك أنه جهاد عظيم. قوله: (و يقوم نصف الليل) إلخ، هكذا في بعض النسخ موافقة لما في القرطبي والبيضاوي وأبي السعود، وفي بعض النسخ:\rكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وهو الموافق لما في الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسّلام: «إن أحب الصيام إلى اللّه صيام داود، وأحب الصلاة إلى اللّه صلاة داود، كان يصوم يوما، ويفطر يوما، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه». ولما في الجامع الصغير من قوله عليه الصلاة والسّلام: «أحب الصيام إلى اللّه صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما، وأحب الصلاة إلى اللّه صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه» ولعله كان أحيانا هكذا، وأحيانا هكذا. قوله: إِنَّهُ أَوَّابٌ تعليل لكونه ذا قوة في الدين. قوله: (إلى مرضاة اللّه) المرضاة بمعنى الرضا.\rقوله: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ تعليل آخر لقوته في الدين. قوله: يُسَبِّحْنَ أي بلسان المقال ويسرن معه في السياحة، والجملة حالية من مفعول سخرنا. قوله: (وقت صلاة العشاء) ظاهره أن المراد بها العشاء الآخرة، والذي يفهم من كلام غيره، أنها المغرب حيث قال: فكان داود يسبح إثر صلاته، عند طلوع الشمس وعند غروبها. قوله: (و يتناهى ضوؤها) أي وهو ربع النهار.\rقوله: وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً بالنصب في قراءة العامة معطوف على الجبال، وقرىء شذوذا بالرفع مبتدأ وخبر.\rقوله: كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ أشار المفسر إلى أن الضمير في لَهُ عائد على داوُدَ، وحينئذ فالمعنى:\rكل من الجبال والطير مطيع لداود في تسبيحه إن رفع رفعوا، وإن خفض خفضوا، وهو أحد قولين، والآخر أنه عائد على اللّه تعالى، والمعنى: كل من داود والجبال والطير مطيع للّه تعالى. قوله: (بالحرس) بفتحتين اسم جمع كخدم، أو بضم الحاء وفتح الراء المشددة جمع حارس. قوله: (ثلاثون ألف رجل) في رواية ابن عباس ستة وثلاثون ألفا. قوله: (النبوة والإصابة في الأمور) هذا أحد أقوال تفسير الحكمة، وقيل هي العلم بكتاب اللّه تعالى، وقيل: العلم والفقه، وقيل: السنة. قوله: (البيان الشافي) أي","part":3,"page":338},{"id":1452,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 339\rوَهَلْ معنى الاستفهام هنا التعجب والتشويق إلى استماع ما بعده أَتاكَ يا محمد نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (21) محراب داود أي مسجده حيث منعوا الدخول عليه من الباب لشغله بالعبادة، أي خبرهم وقصتهم إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ نحن خَصْمانِ قيل فريقان ليطابق ما قبله من ضمير الجمع، وقيل اثنان والضمير بمعناها، والخصم على الواحد وأكثر، وهما ملكان جاءا في صورة وقع لهما ما ذكر على سبيل الفرض، لتنبيه داود عليه السّلام على ما وقع منه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وطلب امرأة شخص ليس له غيرها وتزوجها ودخل بها بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ تجر وَاهْدِنا أرشدنا إِلى سَواءِ\r______________________________\rالإظهار المنبه للمخاطب من غير التباس، وهو أحد أقوال في تفسير فصل المخاطب، وقيل الفصل في الفضاء، وقيل: هو البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وقيل: هو أما بعد، وقيل: غير ذلك. قوله:\r(التعجيب) أي حمل المخاطب على التعجب، أو إيقاعه في العجب. قوله: (إلى استماع ما بعده) أي لكونه أمرا غريبا، كقولك لجليسك: هل تعلم ما وقع اليوم؟ تريد أن يستمع لكلامك، ثم تذكر له ما وقع.\rقوله: إِذْ تَسَوَّرُوا ظرف لمضاف محذوف تقديره نبأ تخاصم الخصم، ولا يصح إن يكون ظرفا لأتاك، لأن إتيان النبأ كائن في عهد رسول اللّه، لا في عهد داود، ولا لنبأ، لأن النبأ واقع في عهد داود، فلا يصح إتيانه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (أي مسجده) أي الذي كان يدخله للاشتغال بالعبادة والطاعة.\rقوله: (حيث منعوا الدخول عليه من الباب) أي لكونهم أتوه في اليوم الذي كان يشتغل فيه بالعبادة، فمنعهم الحرس الدخول عليه من الباب.\rقوله: فَفَزِعَ مِنْهُمْ أي لأنهم نزلوا من أعلى، على خلاف العادة والحرس حوله.\rقوله: قالُوا لا تَخَفْ جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ما ذا قالوا لما شاهدوا فزعه؟ فقال: قالوا:\rلا تخف. قوله: (قيل: فريقان) هذا مبني على أن الداخل فيه كان أزيد من اثنين، فكان المتخاصمين والشاهدين والمزكيين. قوله: (و قيل: اثنان) أي شخصان، وهو مبني على أن الداخل المتداعيان فقط.\rقوله: (و الخصم يطلق) إلخ، أي لأنه في الأصل مصدر. قوله: (و هما ملكان) قيل هما جبريل وميكائيل.\rقوله: (على سبيل العرض) بالعين المهملة أي التعريض، وهو جواب عما يقال: إن الملائكة معصومون، فكيف يتصور منهم البغي أو الكذب؟ فأجاب: بأن هذا على سبيل التعريض للمخاطب، فلا بغي فيه ولا كذب. قوله: (لتنبيه داود) أي ايقاظه على ما صدر منه. قوله: (و كان له تسع) إلخ، بيان لما وقع منه. قوله: (و طلب امرأة شخص) هو وزيره أوريا بن حان لسر عظيم، وهو كما قيل: إنها أم سليمان عليه السّلام. قوله: (و تزوجها ودخل بها) مشى المفسر على أن داود سأل أوريا طلاق زوجته، ثم بعد وفاء عدتها، تزوجها داود ودخل بها، وهو أحد أقوال ثلاثة، والثاني: أن داود لما تعلق بها قلبه، أمر أوريا ليذهب للجهاد ليقتل فيتزوجها ففعل، فلما قتل في الجهاد تزوجها داود، والثالث أن أوريا لم يكن متزوجا بها، وإنما خطبها فقط، فخطبها داود على خطبته وتزوجها، وكان ذلك كله جائزا في شرعه، وإنما عاتبه اللّه لرفعة قدره، وللسيد أن يعاقب عبده على ما يقع منه، وإن كان جائزا، من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين. قوله: وَلا تُشْطِطْ العام على ضم التاء من أشطط إذا تجاوز الحد،","part":3,"page":339},{"id":1453,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 340\rالصِّراطِ (22) وسط الطريق الصواب إِنَّ هذا أَخِي أي على ديني لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً يعبر بها عن المرأة وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها أي اجعلني كافلها وَعَزَّنِي غلبني فِي الْخِطابِ (23) أي الجدال وأقره الآخر على ذلك قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ ليضمها إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ الشركاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ ما لتأكيد القلة فقال الملكان صاعدين في صورتيهما إلى السماء قضى الرجل على نفسه، فتنبه داود، قال تعالى: وَظَنَ أي أيقن داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ أوقعناه في فتنة أي بلية بمحبته تلك المرأة فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً أي ساجدا وَأَنابَ (24) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَ\r______________________________\rوقرىء شذوذا تشطط بفتح التاء وضم الطاء، وتشط من أشط رباعيا، إلا أنه أدغم، وتشطط من شطط وتشاطط.\rقوله: إِنَّ هذا أَخِي إلخ، مرتب على مقدر تقديره: فقال لهما داود تكلما، فقال أحدهما: إن هذا أخي، إلخ. قوله: (أي على ديني) أي فليس المراد أخوة النسب، لأن الملائكة لا يلدون، ولا يوصفون بذكورة ولا أنوثة. قوله: (يعبر بها عن المرأة) أي يكنى بها عن المرأة لسكونها وعجزها، وقد يكنى عنها بالبقرة والناقة. قوله: (أي اجعلني كافلها) هذا هو معناه الأصلي، والمراد هنا ملكنيها وانزل لي عنها.\rقوله: وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ أي فهو أصح مني في الكلام، فالغلبة له علي لضعفي. قوله: (و أقره الآخر) أي المدعى عليه، وهو جواب عما يقال: كيف حكم داود، ولم يسمع شيئا من المدعى عليه؟\rفأجيب: بأنه سمع منه الإقرار والاعتراف.\rقوله: بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ من أضافة المصدر لمفعوله والفاعل محذوف، أي بأن سألك نعجتك. قوله: (ليضمها) أشار بذلك إلى أنه ضمن السؤال معنى الإضافة والضم. قوله: الْخُلَطاءِ (الشركاء) أي الذين خلطوا أموالهم، وفيه اشارة إلى أن داود ساير ظاهر دعواهم.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا استثناء متصل. قوله: (فتنبه داود) أي علم أنهما يريدانه بهذا التعريض.\rقوله: أَنَّما فَتَنَّاهُ ما زائدة، والمعنى وظن داود أنا فتناه فتنبه ولاحظ، والظن هنا بمعنى اليقين كما أشار له المفسر. قوله: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ أي طلب منه المغفرة، وتقدم أنه ليس بذنب، وإنما هو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين. قوله: (أي ساجدا) عبر بالركوع عنه، لأن كلا منهما فيه انحناء.\rقوله: وَأَنابَ أي رجع إلى مولاه، قال المفسرون: سجد داود أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا لحاجة، أو لوقت صلاة مكتوبة، ثم يعود ساجدا إلى تمام الأربعين يوما، لا يأكل ولا يشرب وهو يبكي، حتى نبت العشب حول رأسه، وهو ينادي ربه عز وجل ويسأله التوبة، وكان من دعائه في سجوده:\rسبحان الملك الأعظم الذي يبتلي الخلق بما يشاء، سبحان خالق النور، سبحان الحائل بين القلوب، سبحان خالق النور، إليه خليت بيني وبين عدوي إبليس فلم أقم لفتنته إذ نزلت بي، سبحان خالق النور، إلهي أنت خلقتني وكان في سابق علمك ما أنا إليه صائر، سبحان خالق النور، إلهي الويل لداود إذا كشف عنه الغطاء فيقال هذا داود الخاطىء، سبحان خالق النور، إلهي بأي عين أنظر إليك يوم القيامة، وإنما ينظر الظالمون من طرف خفي، سبحان خالق النور، إلهي بأي قدم أقدم أمامك يوم القيامة يوم تزل أقدام الخاطئين، سبحان خالق النور، إلهي من أين يطلب العبد المغفرة إلا من عند سيده،","part":3,"page":340},{"id":1454,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 341\rلَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى أي زيادة خير في الدنيا وَحُسْنَ مَآبٍ (25) مرجع في الآخرة يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ تدبر أمر الناس فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى أي هوى\r______________________________\rسبحان خالق النور، إلهي أنا لا أطيق حر شمسك فكيف أطيق حر نارك، سبحان خالق النور، إلهي أنا لا أطيق صوت رعدك فكيف أطيق صوت جهنم، سبحان خالق النور، إلهي الويل لداود من الذنب العظيم الذي أصابه، سبحان خالق النور، إلهي كيف يستتر الخاطئون بخطاياهم دونك وأنت تشاهدهم حيث كانوا، سبحان خالق النور، إلهي قد تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، سبحان خالق النور، إلهي اغفر لي ذنوبي ولا تباعدني من رحمتك لهواني، سبحان خالق النور، إلهي أعوذ بك بوجهك الكريم من ذنوبي التي أو بقتني، سبحان خالق النور، إلهي ففررت إليك بذنوبي واعترفت بخطيئتي فلا تجعلني من القانطين ولا تحزني يوم الدين، سبحان خالق النور. قيل: مكث داود أربعين يوما، لا يرفع رأسه حتى نبت المرعى من دموع عينيه حتى غطى رأسه، فنودي يا داود أجائع أنت فتطعم؟ أظمآن أنت فتسقى؟\rأمظلوم أنت فتنصر؟ فأجيب في غير ما طلب، ولم يجبه في ذكر خطيئته بشيء، فحزن حتى هاج ما حوله من العشب فاحترق من حرارة جوفه، ثم أنزل اللّه تعالى له التوبة والمغفرة ب\rقوله: فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ وقد ورد أنه لما قبل اللّه توبته، بكى على خطيئته ثلاثين سنة، لا يرقأ دمعه ليلا ولا نهارا، وكان سنه إذ ذاك سبعين سنة، فقسم الدهر على أربعة: يوم للقضاء، ويوم لنسائه، ويوم يسيح في الجبال والفيافي والسياحة، ويوم يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب، فيجتمع إليه الرهبان، ينوح معهم على نفسه، فإذا كان يوم سياحته، خرج إلى الفيافي ويرفع صوته بالبكاء، فتبكي معه الأشجار والرمال والطيور والوحوش، حتى يسيل من دموعهم مثل الأنهار، ثم يجيء إلى الساحل فيرفع صوته بالبكاء، فتبكي معه دواب البحر وطير الماء، فإذا كان يوم من نوحه على نفسه نادى مناديه: إن اليوم يوم نوح داود على نفسه، فليحضره من يساعد ويدخل الدار التي فيها المحاريب، فيبسط فيها ثلاثة فرش من مسوح حشوها ليف فيجلس عليها، ويجيء أربعة آلاف راهب فيجلسون في تلك المحاريب، ثم يرفع داود عليه السّلام صوته بالبكاء والرهبان معه فلا يزال يبكي حتى يغرق الفرش من دموعه، ويقع داود فيها مثل الفرخ يضطرب، فيجيء ابنه سليمان فيحمله، وقد ورد أيضا أنه لما تاب اللّه على داود قال: يا رب غفرت لي فكيف لي أن أنسى خطيئتي فاستغفر منها وللخاطئين إلى يوم القيامة، فوسم اللّه خطيئته في يده اليمنى، فما رفع فيها طعاما ولا شرابا إلا بكى إذا رآها، وما قام خطيبا في الناس إلا وبسط راحته فاستقبل بها الناس ليروا وسم خطيئته، وكان يبدأ إذا دعا واستغفر للخاطئين قبل نفسه، وكان قبل الخطيئة يقوم نصف الليل، ويصوم نصف الدهر، فلما كان من خطيئته ما كان، صام الدهر كله وقام الليل كله، وكان إذا ذكر عقاب اللّه تعالى انخلعت أوصاله، وإذا ذكر رحمة اللّه تراجعت ا. ه ملخصا.\rقوله: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ يحتمل أنه كلام مستأنف، بيان للزلفى في قوله:\rوَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى يحتمل أن مقول القول محذوف معطوف على قوله: فَغَفَرْنا لَهُ كأنه قيل:\rفغفرنا له وقلنا يا داود إلخ، وفي هذه الآية دليل على أن خلافته التي كانت قبل الفتنة، باقية مستمرة بعد التوبة. قوله: (تدبر أمر الناس) أي لكونك ملكا وسلطانا عليهم، فقد جمع لداود بين النبوة والسلطنة، وكان فيمن قبله النبوة مع شخص والسلطنة مع آخر، فيحكم للسلطان بما يأمره به النبي. قوله:","part":3,"page":341},{"id":1455,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 342\rالنفس فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي عن الدلائل الدالة على توحيده إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي عن الإيمان باللّه لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا بنسيانهم يَوْمَ الْحِسابِ (26) المرتب عليه تركهم الإيمان، ولو أيقنوا بيوم الحساب لآمنوا في الدنيا وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا أي عبثا ذلِكَ أي خلق ما ذكر لا لشيء ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة فَوَيْلٌ واد لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) نزل لما قال كفار مكة للمؤمنين: إنا نعطي في الآخرة مثل ما تعطون، وأم بمعنى همزة الإنكار كِتابٌ خبر مبتدأ محذوف، أي هذا أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا أصله يتدبروا أدغمت التاء في الدال آياتِهِ ينظروا في معانيها فيؤمنوا\r______________________________\rبِالْحَقِ أي العدل، لأن الأحكام إذا كانت موافقة لما أمر اللّه به، صلحت الخلق واستقام نظامهم، بخلاف ما إذا كانت موافقة لهوى النفس، فإن ذلك يؤدي إلى فساد النظام، ووقوع الهرج والمرج المؤدي للهلاك، وهو معنى قولهم: العدل إن دام عمر، والظلم إن دام دمر.\rقوله: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى المقصود من نهيه اعلام أمته بأنه معصوم، ولتتبعه فيما أمر به، لأنه إذا كان هذا الخطاب للمعصوم فيغيره أولى. قوله: فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بالنصب في جواب النهي، وهو أولى من جعله مجزوما عطفا على النهي، وفتح للتخلص من التقاء الساكنين. قوله: (أي عن الدلائل الدالة على توحيده) إنما فسر السبيل بذلك وإن كان شاملا لفروع الدين الموصلة إلى اللّه تعالى، ليوافق قوله: لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ إلخ. قوله: (بنسيانهم) أشار بذلك إلى أن ما مصدرية والباء سببية، وقوله:\rيَوْمَ الْحِسابِ إما ظرف لقوله: لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ أو مفعول لنسوا. قوله: (المرتب عليه) إلخ، أي فالسبب الحقيقي في حصول العذاب لهم، هو ترك الإيمان، ونسيان يوم الحساب سبب في ترك الإيمان، فاكتفى بذكر السبب.\rقوله: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ إلخ، استئناف لتقرير ما قبله من البعث والحساب. قوله:\rباطِلًا نعت لمصدر محذوف، أي خلقنا باطلا، أو حال من ضمير الخلق. قوله: ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي مظنونهم. قوله: فَوَيْلٌ هو في الأصل معناه الهلاك، أي هلاك ودمار للذين كفروا، وعبر بالظاهر تقبيحا عليهم، واشارة إلى أن ظنهم إنما نشأ من أجل كفرهم.\rقوله: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إلخ أَمْ منقطعة تفسر ببل والهمزة، وهو إضراب انتقالي من أمر البعث والحساب، إلى بيان عدم استواء المؤمنين والكافرين في العواقب، وهو نظير قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ الآية.\rقوله: أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ إلخ، تنويع آخر في الإضراب، والمعنى واحد. قوله: (بمعنى همزة الإنكار) أي مع بل التي للإضراب.\rقوله: (خبر مبتدأ محذوف) أي وأَنْزَلْناهُ صفة كِتابٌ ومُبارَكٌ خبر مبتدأ محذوف، أو خبر ثان لا صفة ثانية للكتاب، لأنه يلزم عليه الوصف بالجملة قبل الوصف بالمفرد، وفيه خلاف. قوله: (ينظروا في معانيها) أي يتأملوا فيها، فيزدادوا معرفة ونورا على","part":3,"page":342},{"id":1456,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 343\rوَلِيَتَذَكَّرَ يتعظ أُولُوا الْأَلْبابِ (29) أصحاب العقول وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ ابنه نِعْمَ الْعَبْدُ أي سليمان إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) رجاع في التسبيح والذكر في جميع الأوقات إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِ هو ما بعد الزوال الصَّافِناتُ الخيل جمع صافنة، وهي القائمة على ثلاث وإقامة الأخرى على طرف الحافر وهو من صفن يصفن صفونا الْجِيادُ (31) جمع جواد وهو السابق، المعنى: أنها إذا استوقفت سكنت وإن ركضت سبقت وكانت ألف فرس عرضت عليه بعد أن صلى الظهر، لإرادته الجهاد عليها لعدو، فعند بلوغ العرض منها تسعمائة غربت الشمس ولم يكن صلى العصر فاغتمّ فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ أي أردت حُبَّ الْخَيْرِ أي الخيل عَنْ ذِكْرِ رَبِّي أي صلاة العصر حَتَّى تَوارَتْ أي الشمس بِالْحِجابِ (32) أي استترت بما يحجبها عن الأبصار رُدُّوها عَلَيَ أي الخيل المعروضة فردّوها فَطَفِقَ مَسْحاً بالسيف بِالسُّوقِ جمع ساق\r______________________________\rحسب مشاربهم، فإن التالين للقرآن على مراتب، فالعامة يقرؤونه مرتلا مجودا مراعي بعض معانيه على حسب الطاقة، والخاصة يقرؤونه ملاحظين أنهم في حضرة اللّه تعالى يقرؤون كلامه عليه، وخاصة الخاصة يقرؤون فانين عن أنفسهم مشاهدين أن لسانهم ترجمان عن اللّه تعالى، رضي اللّه عنهم وعنا بهم. قوله:\rأُولُوا الْأَلْبابِ خصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بالذكر.\rقوله: وَوَهَبْنا لِداوُدَ أي من المرأة التي أخذها من أوريا، وكان سنه إذ ذاك سبعين سنة. قوله:\r(أي سليمان) تفسير للمخصوص بالمدح.\rقوله: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ ظرف لمحذوف تقديره: اذكر يا محمد لقومك وقت أن عرض إلخ، والمعنى اذكر القصة الواقعة في ذلك الوقت. قوله: (ما بعد الزوال) أي إلى الغروب. قوله: (و هي القائمة) أي الواقفة على ثلاثة قوائم. قوله: (على طرف الحافر) أي من رجل أو يد. قوله: (و هو من صفن) أي مأخوذ منه، والصافن من الآدميين الذي يصف قدميه ويقرن بينهما، وجمعه صفون. قوله: (جمع جواد) وقيل: جمع جيد يطلق على كل من الذكر والأنثى، مأخوذ من الجودة أو الجيد وهو العنق، والمعنى طويلة العنق لفراهتها. قوله: (المعنى) أي معنى الصافنات الجياد. قوله: (و كان ألف فرس) روي أنه غزا أهل دمشق ونصيبين وأصاب منهم ألف فرس، وقيل: أصابها أبوه من العمالقة فوضع يده عليها لبيت المال، وقيل: خرجت له من البحر ولها أجنحة. قوله: (لإرادة الجهاد) أي ليختبرها.\rقوله: فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ إلخ، أي على وجه الاعتذار عما صدر منه وندما عليه، وضمن أحببت معنى آثرت فعداه بعن. قوله: (أي الخيل) إنما سماها خيرا لتعلق الخير بها لما في الحديث: «الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة». قوله: بِالْحِجابِ أي وهو جبل دون جبل ق بمسيرة سنة تغرب من ورائه.\rقوله: رُدُّوها عَلَيَ الخطاب لأتباعه المتولين أمر الخيل، والضمير عائد على التي شغلته وهي التسعمائة، وأما المائة الأخرى فلم يذبحها، وما في أيدي الناس من الخيل الجياد فمن نسل تلك المائة.\rقوله: (أي ذبحها وقطع أرجلها) أي وكان مباحا له، ولذا لم يعاتبه اللّه عليه، وهذا قول ابن عباس وأكثر المفسرين، وقيل: الضمير في قوله: رُدُّوها عائد على الشمس، والخطاب للملائكة الموكلين بها","part":3,"page":343},{"id":1457,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 344\rوَالْأَعْناقِ (33) أي ذبحها وقطع أرجلها تقربا إلى اللّه تعالى، حيث اشتغل بها عن الصلاة وتصدق بلحمها فعوّضه اللّه تعالى خيرا منها وأسرع وهي الريح تجري بأمره كيف شاء وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ ابتليناه بسلب ملكه، وذلك لتزوجه بامرأة هواها، وكانت تعبد الصنم في داره من غير\r______________________________\rفردوها، فصلى العصر في وقتها، وقال الفخر الرازي: معنى قوله: فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ أي يمسحها حقيقة بيده ليختبر عيوبهأ وأمراضها، لكونه كان أعلم بأحوال الخيل، وإشارة إلى أنه بلغ من التواضع، إلى أنه يباشر الأمور بنفسه، ولم يحصل منه ذبح ولا عقر، ولم تفوت عليه صلاة، ومعنى إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي أي لأجل طاعة ربي لا لهوى نفسي، ومعنى تَوارَتْ بِالْحِجابِ أي الخيل غابت عن بصره حين أمر بإجرائها ليختبرها للغزو فقال: ردّوها علي، فردوها، فصار يمسح في أعناقها وسوقها كما تقدم، وليس في الآية ما يدل على ثبوت ذبح ولا عقر ولا فوات صلاة ا. ه بالمعنى.\rقوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ إلخ، أجمل المفسر في القصة. وحاصل تفصيلها على ما رواه وهب بن منبه قال: سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون، وبها ملك عظيم الشأن، ولم يكن للناس اليه سبيل لمكانه في البحر، وكان اللّه تعالى قد آتى سليمان في ملكه سلطانا لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر، وإنما يركب إليه الريح، فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء، حتى نزل بجنوده من الجن والإنس، فقتل ملكها وسبى ما فيها، وأصاب فيما أصاب بنتا لذلك الملك يقال لها جرادة، لم ير مثلها حسنا ولا جمالا، فاصطفاها لنفسه ودعاها إلى الإسلام، فأسلمت على جفاء منها وقلة فقه، وأحبها حبا لم يحب مثله أحدا من نسائه، وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها قالت: إن أبي فشق ذلك على سليمان فقال لها: ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب والدمع الذي لا يرقأ؟ قالت: إن أبي أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ذلك، فقال سليمان، فقد أبدلك اللّه به ملكا هو أعظم من ذلك؟ قالت: إن ذلك كذلك، ولكنني إذا ذكرته أصابني ما ترى من الحزن، فلو أنك أمرت الشياطين، فصوروا لي صورته في داري التي أنا فيها، أراها بكرة وعشية، لرجوت أن يذهب ذلك حزني، وأن يسلي عن بعض ما أجد في نفسي، فأمر سليمان الشياطين فقال: مثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى لا تنكر منه شيئا، فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه، إلا أنه لا روح فيه، فعمدت إليه حين صنعوه، فألبسته ثيبا مثل ثيابه التي كان يلبسها، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها، تغدو إليه في ولائدها أي جواريها، فتسجد له ويسجدن له، كما كانت تصنع في ملكه أي أبيها، وتروح في كل عشية بمثل ذلك، وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحا، وبلغ ذلك إلى آصف بن برخيا، وكان صديقا له، وكان لا يرد عن أبواب سليمان أية ساعة أراد دخول شيء من بيوته دخل سواء، كان سليمان حاضرا أو غائبا، فأتاه وقال: يا نبي اللّه، إن غير اللّه يعبد في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امرأة، فقال سليمان: في داري؟ قال في دارك، قيل: فإنا للّه وإنا اليه راجعون، ثم رجع سليمان إلى داره، فكسر ذلك الصنم وعاتب تلك المرأة وولائدها، ثم أمر بثياب الظهيرة فأتى بها، وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار، ولا ينسجها إلا الأبكار، ولا يغسلها إلا الأبكار، لم تمسها يد امرأة قد رأت الدم، فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده، وأمر برماد ففرش له، ثم أقبل تائبا إلى اللّه تعالى، حتى جلس على ذلك الرماد، وتمعك به في ثيابه تذللا إلى اللّه تعالى، وتضرعا اليه يبكي ويدعو ويستغفر مما كان في داره، فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى،","part":3,"page":344},{"id":1458,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 345\rعلمه، وكان ملكه في خاتمه، فنزعه مرة عند إرادة الخلاء، ووضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته، فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً هو ذلك الجني،\r______________________________\rثم رجع إلى داره، وكانت له أم ولد يقال لها الأمينة، كان إذا دخل الخلاء، أو أراد إصابة امرأة من نسائه، وضع خاتمه عندها حتى يتطهر، وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر، وكان ملكه في خاتمه، فوضعه يوما عندها ثم دخل مذهبه، فأتاها شيطان اسمه صخر المارد ابن عمير في صورة سليمان، لا تنكر منه شيئا، فقال: هات خاتمي يا أمينة، فناولته إياه فجعله في يده، ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان، وعكفت عليه الطير والوحش والجن والإنس، وخرج سليمان فأتى أمينة، وقد تغيرت حالته وهيئته عند كل من رآه فقال: يا أمينة خاتمي، قالت: من أنت؟ قال: سليمان بن داود، فقالت: كذبت قد جاء سليمان وأخذ خاتمه، وهو جالس على سرير ملكه، فعرف سليمان أن خطيئته أدركته، فخرج وجعل يقف على الدار من دور بني اسرائيل ويقول: أنا سليمان بن داود، فيحثون عليه التراب ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون يزعم أنه سليمان، فلما رأى سليمان، فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب السوق ويعطونه كل يوم سمكتين، فإذا أمسى باع احدى سمكتيه بأرغفة، ويشوي الأخرى فيأكلها، فمكث على ذلك أربعين صباحا، عدة ما كان يعبد بعد الوثن في داره، ثم إن آصف وعظماء بني اسرائيل، أنكروا حكم عدو اللّه الشيطان في تلك المدة، فقال آصف: يا معشر بني اسرائيل، هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيتم؟ فقالوا: نعم، فلما مضى أربعون صباحا، طار الشيطان عن مجلسه، ثم مر بالبحر فقذف الخاتم فيه، فأخذته سمكة فأخذها بعض الصيادين، وقد عمل له سليمان صدر يومه، فلما أمسى أعطاه سمكتيه، فباع سليمان أحدهما بأرغفة، وبقر بطن الأخرى ليشويها، فاستقبله خاتمه في جوفها، فأخذه وجعله في يده وخر اللّه ساجدا، وعكفت عليه الطير والجن، وأقبل الناس عليه، وعرف أن الذي دخل عليه من أجل ما حدث في داره، فرجع إلى ملكه، وأظهر التوبة من ذنبه، وأمر الشياطين أن يأتوه بصخر المارد، فأتى به فأدخله في جوف صخرة وسد عليه بأخرى، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، ثم أمر به فقذف به في البحر، فهو باق فيها إلى النفخة، وسيأتي رد تلك القصة، وأنها من موضوعات الأخباريين. قوله: (لتزوجه بامرأة) أي واسمها جرادة. قوله: (هواها) هويها قياسه بمعنى أحبها من باب صدى، وأما هوى كرمى فهو بمعنى سقط، وفي نسخة يهواها وهي ظاهرة. قوله: (و كانت تعبد الصنم) أي وهو صورة أبيها، ومدة ذلك أربعون يوما. قوله: (و كان ملكه في خاتمه) أي كان ملكا مرتبا على لبسه إياه، فإذا لبسه سخرت له الريح والجن والشياطين وغيرها، وإذا نزعه زال عنه وكان خاتمه من الجن، وهو من جملة الأشياء التي نزل بها آدم من الجنة، وقد نظمها بعضهم بقوله:\rوآدم معه أنزل العود والعصا ... لموسى من الآس النبات المكرم\r\rوأوراق تين واليمين بمكة ... وختم سليمان النبي المعظم\r\rوقوله العود: المراد به عود البخور، وقوله واليمين بمكة: المراد بالحجر الأسود، وورد في الحديث:\r«أن نقش خاتم سليمان: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه». قوله: (و وضعه عند امرأته) في عبارة غيره أم ولده المسماة بالأمينة. قوله: (هو ذلك الجني) أي وسمي جسدا، لأنه ليس فيه روح سليمان، وإن كان فيه","part":3,"page":345},{"id":1459,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 346\rوهو صخر أو غيره، جلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير وغيرها، فخرج سليمان في غير هيئته، فرآه على كرسيه وقال للناس: أنا سليمان فأنكروه ثُمَّ أَنابَ (34) رجع سليمان إلى ملكه بعد أيام، بأن وصل إلى الخاتم فلبسه وجلس على كرسيه قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لا يكون لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أي سواي، نحو فمن يهديه من بعد اللّه أي سوى اللّه إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً لينة حَيْثُ أَصابَ (36) أراد\r______________________________\rروحه هو، لأن الجسد هو الجسم الذي لا روح فيه. قوله: (و هو صخر) أي ابن عمير المارد. قوله: (في غير هيئته) أي المعتادة التي كانوا يعرفونه بها. قوله: (رجع سليمان إلى ملكه) هذا التفسير مبني على أن قوله: ثُمَّ أَنابَ مرتبط بقوله: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً وقال غيره: إنه مرتبط بقوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ ومعنى إنابته: رجوعه إلى اللّه تعالى وتوبته. قوله: (بعد أيام) أي أربعين، قال القاضي عياض وغيره من المحققين: لا يصح ما نقله الإخباريون، من تشبه الشيطان بسليمان، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، وإن الشياطين لا يتسلطون على مثل هذا، وقد عصم اللّه تعالى الأنبياء من مثل هذا، والذي ذهب إليه المحققون، أن سبب فتنته، ما أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «قال سليمان:\rلأطوفن الليلة على تسعين امرأة، وفي رواية على مائة امرأة، كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل اللّه تعالى، فقال له صاحبه: قل إن شاء اللّه، فلم يقل إن شاء اللّه، فطاف عليهن جميعا، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، وايم اللّه الذي نفسي بيده، لو قال إن شاء اللّه، لجاهدوا في سبيل اللّه فرسانا أجمعون» قال العلماء: والشق هو الجسد الذي ألقي على كرسيه، وفتنته من نسيان المشيئة، فامتحن بهذا، فتاب ورجع، وقيل: إن المراد بالجسد الذي ألقي على كرسيه، أنه ولد له ولد، فاجتمعت الشياطين وقال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد لم ننفك من البلاء، فسبيلنا أن نقتل ولده أو نخيله، فعلم بذلك سليمان فأمر السحاب فحمله، فكان يربيه في السحاب خوفا من الشياطين، فبينما هو مشتغل في بعض مهماته، إذ ألقي ذلك الولد ميتا على كرسيه، فعاتبه اللّه على خوفه من الشياطين، حيث لم يتوكل عليه في ذلك، فتنبه واستغفر ربه. إذا علمت ذلك، فالمناسب أن يعرج على ما في الصحيحين، ويترك تلك القصة البشعة.\rقوله: قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي إنما قال ذلك تواضعا واظهارا للخضوع للمولى عز وجل، وإلا فهو لم يحصل منه ذنب، وإنما هو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين. قوله: وَهَبْ لِي مُلْكاً إلخ، قدم طلب المغفرة اهتماما بأمر الدين. قوله: لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أي ليكون معجزة لي، فليس طلبه للمفاخرة بأمور الدنيا، وإنما كان هو من بيت النبوة والملك، وكان في زمن الجبارين وتفاخرهم بالملك، فطلب ما يكون معجزة لقوله، ومعجزة كل نبي ما اشتهر في عصره. قوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ تعليل للدعاء بالمغفرة والهبة.\rقوله: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ أي أعدنا له تسخير الريح، بعد ما كان قد ذهب بزوال ملكه، وهذا على ما مشى عليه المفسر، وعلى ما مشى عليه المحققون، فيقال: أدمنا تسخيرها. قوله: تَجْرِي بِأَمْرِهِ بيان لتسخيرها له. قوله: رُخاءً حال من قوله: الرِّيحَ. قوله: (لينة) أي غير عاصفة، وهذا في","part":3,"page":346},{"id":1460,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 347\rوَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ يبني الأبنية العجيبة وَغَوَّاصٍ (37) في البحر يستخرج اللؤلؤ وَآخَرِينَ منهم مُقَرَّنِينَ مشدودين فِي الْأَصْفادِ (38) القيود بجمع أيديهم إلى أعناقهم وقلنا له هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أعط منه من شئت أَوْ أَمْسِكْ عن الأعطاء بِغَيْرِ حِسابٍ (39) أي لا حساب عليك في ذلك وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (40) تقدم مثله وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي أي بأني مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ ضر وَعَذابٍ (41) ألم، ونسب ذلك إلى الشيطان، وإن كانت الأشياء كلها من اللّه تأدبا معه تعالى، وقيل له ارْكُضْ أضرب بِرِجْلِكَ الأرض فضرب فنبعت عين ماء فقيل هذا مُغْتَسَلٌ ماء تغتسل به بارِدٌ\r______________________________\rأثناء سيرها وأما في أوله فهي عاصفة، فكانت العاصفة تقلع البساط والرخاء تسيره. قوله: بِأَمْرِهِ أي اياها، فالمصدر مضاف لفاعله.\rقوله: كُلَّ بَنَّاءٍ بدل من الشياطين.\rوَآخَرِينَ عطف على كُلَّ بَنَّاءٍ وذلك أن سليمان قسم الشياطين إلى عملة، استخدمهم في الأعمال الشاقة من البناء والغوص ونحو ذلك، وإلى مقرنين في السلاسل كالمردة والعتاة. قوله: (القيود) من المعلوم أن القيد يكون في الرجل، فلا يلتئم مع قوله: (بجمع أيديهم) إلخ، فلو فسر الأصفاد بالأغلال لكان أولى، لأنها تطلق عليها، كما تطلق على القيود.\rقوله: (و قلنا له) هذا أي هذا الملك عطاؤنا. قوله: بِغَيْرِ حِسابٍ فيه ثلاثة أوجه: أحدها أنه متعلق بعطاؤنا، أي أعطيناك بغير حساب وبغير حصر. الثاني أنه حال من عطاؤنا، أي في حال كون عطائنا غير محاسب عليه. والثالث أنه متعلق بامنن أو أمسك، والمعنى أعط من شئت، وامنع من شئت، لا حساب عليك في اعطاء ولا منع. قال الحسن: ما أنعم اللّه نعمة على أحد، إلا عليه فيها تبعة، إلا سليمان، فإنه إن أعطى أجر، وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة.\rقوله: وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ أي زيادة خير في الدنيا والآخرة.\rقوله: وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ عطف على قوله: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ عطف قصة على قصة، وليس معطوفة على قصة سليمان، لأن لكمال الاتصال بينه وبين أبيه، لم يصدر في قصته بقوله واذكر عبدنا سليمان مثلا، بل كانا كأنهما قصة واحدة، وتقدم لنا في الأنبياء، أن أيوب بن أموص بن رازح بن روم بن عيص بن اسحاق بن ابراهيم عليه السّلام، وقيل: إنه ابن عيصو بن اسحاق، وقيل: وهو ابن أموص بن رعيل بن عيص بن اسحاق، وتقدمت قصته مفصلة في سورة الأنبياء.\rقوله: إِذْ نادى رَبَّهُ بدل من عَبْدَنا أو عطف بيان له. قوله: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ أي حين ابتلي بفقد ماله وولده وتمزيق جسده، وهجر جميع الناس له إلا زوجته، وكانت مدة بلائه ثلاث سنين، وقيل سبعا، وقيل عشرا، وقيل ثماني عشرة. قوله: بِنُصْبٍ بضم فسكون، التعب والمشقة، وقوله: وَعَذابٍ عطف سبب على مسبب. قوله: (تأدبا معه تعالى) أي لأن الشيطان هو السبب في ذلك، لأنه نفخ في أنفه، فمرض جسده ظاهرا وباطنا، إلا قلبه ولسانه. قوله: (و قيل له) أي حين رجا وقت شفائه. قوله: (فنبعت عين ماء) ظاهره أنها عين واحدة، وهو أحد قولين، وقيل: كانتا عينين بأرض الشام في أرض الجابية، فاغتسل من احداهما، فأذهب اللّه تعالى ظاهر دائه، وشرب من الأخرى، فأذهب اللّه باطن دائه، وكانت احدى العينين حارة، والأخرى باردة، فاغتسل من الحارة، وشرب من الأخرى.","part":3,"page":347},{"id":1461,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 348\rوَشَرابٌ (42) تشرب منه، فاغتسل وشرب فذهب عنه كل داء كان بباطنه وظاهره وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ أي أحيى اللّه له من مات من أولاده ورزقه مثلهم رَحْمَةً نعمة مِنَّا وَذِكْرى عظة لِأُولِي الْأَلْبابِ (43) لأصحاب العقول وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً هو حزمة من حشيش أو قضبان فَاضْرِبْ بِهِ زوجتك، وكان قد حلف ليضربنها مائة ضربة لإبطائها عليه يوما وَلا تَحْنَثْ بترك ضربها، فأخذ مائة عود من الإذخر أو غيره فضربها به ضربة واحدة إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ أيوب إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) رجاع إلى اللّه تعالى وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي أصحاب القوى في العبادة وَالْأَبْصارِ (45) البصائر في الدين، وفي قراءة عبدنا، وإبراهيم بيان له، وما بعده عطف على عبدنا إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ هي ذِكْرَى الدَّارِ (46) الآخرة أي ذكرها والعمل لها، وفي قراءة بالإضافة وهي للبيان وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا\r______________________________\rقوله: وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ عطف على محذوف قدره المفسر بقوله: (فاغتسل) إلخ. قوله: (من مات من أولاده) أي وكانوا ثلاثة ذكور وثلاث اناث، وقيل كل صنف سبع. قوله: (و رزقه مثلهم) أي من زوجته وزيد في شبابها، واسمها، قيل رحمة بنت أفراثيم بن يوسف، وقيل ليا بنت يعقوب. قوله:\rرَحْمَةً إلخ، مفعول لأجله، أي لأجل رحمتنا إياه، وليتذكر بحاله أولوا الألباب.\rقوله: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً عطف على محذوف قدره المفسر بعد بقوله: (و كان قد حلف) إلخ، قوله: (هو حزمة) أي ملء الكف. قوله: (لإبطائها عليه يوما) واختلف في سبب بطئها المتسبب عنه حلفه، فقيل: إن الشيطان تمثل في طريقها في صورة حكيم يداوي المرضى، فمرت عليه فوجدت الناس منكبين عليه، فقالت له: عندي مريض، فقال: أداويه على أنه إذا برىء قال أنت شفيتني، ولا أريد جزاء سواه، قالت: نعم، فأشارت على أيوب بذلك، فحلف ليضربنها وقال: ويحك ذلك الشيطان، وقيل: إنها باعت ذوائبها برغيفين، حين لم تجد شيئا تحمله إلى أيوب، وكان أيوب يتعلق بها إذا أردا القيام، فلهذا حلف ليضربنها، وقيل غير ذلك.\rقوله: وَلا تَحْنَثْ أي لا تقع في يمينك بحيث تلزمك كفارته، وهذا الحكم من خصوصيات أيوب رفقا بزوجته، وأما في شرعنا فلا يبر إلا بضرب المائة، وضربه بأعواد مجتمعة لا يعد واحدة منها، إلا إذا حصل منه ألم الضربة المنفردة. قوله: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً أي علمناه، والمعنى أظهرنا صبره للناس.\rقوله: (أيوب) تفسير للمخصوص بالمدح.\rقوله: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ إلخ، اذكر صبرهم على ما امتحنوا به. قوله: أُولِي الْأَيْدِي العامة على ثبوت الياء، وهو جمع يد، فكنى بذلك عن الأعمال، لأن أكثر الأعمال إنما يزاول بها، وقيل:\rالمراد بالأيدي النعم، وفسرها المفسر بالقوة في العبادة، وكلها معان متقاربة، وقرىء شذوذا بحذف الياء تخفيفا.\rقوله: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ تعليل لما وصفوا به من شرف العبودية وعلو الرتبة بالعلم والعمل. قوله:\rبِخالِصَةٍ صفة لموصوف محذوف تقديره بخصلة خالصة. قوله: (هي) ذِكْرَى الدَّارِ جعلها المفسر","part":3,"page":348},{"id":1462,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 349\rلَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ المختارين الْأَخْيارِ (47) جمع خيّر بالتشديد وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ هو نبي واللام زائدة وَذَا الْكِفْلِ اختلف في نبوته، قيل: كفل مائة نبي فروا إليه من القتل وَكُلٌ أي كلهم مِنَ الْأَخْيارِ (48) جمع خير بالتثقيل هذا ذِكْرٌ لهم بالثناء الجميل هنا وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ الشاملين لهم لَحُسْنَ مَآبٍ (49) مرجع في الآخرة جَنَّاتِ عَدْنٍ بدل أو عطف بيان لحسن مآب مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (50) منها مُتَّكِئِينَ فِيها على الأرائك يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ حابسات الأعين على أزواجهن أَتْرابٌ (52) أسنانهن واحدة وهن بنات ثلاث وثلاثين سنة جمع ترب هذا المذكور ما تُوعَدُونَ بالغيبة وبالخطاب التفاتا لِيَوْمِ الْحِسابِ (53) أي لأجله إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (54) أي انقطاع، والجملة حال من رزقنا، أو خبر ثان لأن، أي دائما أو دائم هذا المذكور للمؤمنين وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ مستأنف\r______________________________\rخبر المحذوف. قوله: (و في قراءة) إلخ، مقابل لما قدره المفسر، وهما قراءتان سبعيتان، فعلى القراءة الأولى يكون ذِكْرَى مرفوعا على اضمار مبتدأ، وعلى الثاني يكون مجرورا بالإضافة، وعلامة جره كسرة مقدرة على الألف المحذوفة، والإضافة بيانية كما قال المفسر.\rقوله: وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ فصل ذكره عن أبيه وأخيه، للإشعار بعراقته في الصبر الذي هو المقصود بذكر مناقبهم. قوله: وَالْيَسَعَ هو ابن أخطوب بن العجوز، استخلفه الياس على بني اسرائيل، ثم نبأه اللّه عليهم كما تقدم. قوله: (اختلف في نبوته) روى الحاكم عن وهب، أن اللّه بعث بعد أيوب ابنه بشرا وسماه ذا الكفل، فهو بشر بن أيوب، اختلف في نبوته ولقبه، والصحيح أنه نبي، وسمي ذا الكفل، إما لما قاله المفسر، أو لأنه تكفل بصيام النهار وقيام الليل، وأن يقضي بين الناس ولا يغضب، فوفى بما التزم، وتقدمت قصته في الأنبياء. قوله: (أي كلهم) أي المتقدمين من داود إلى هنا.\rقوله: هذا ذِكْرٌ جملة من مبتدأ وخبر، قصد بها الفصل بين ما قبلها وما بعدها، فهي للانتقال من غرض إلى آخر، ففيها تخلص من قصة، وكذا يقال في قوله هذا: وإن للطاغين إلخ. قوله: وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ إلخ، شروع في بيان أجرهم الجزيل بعد ذكرهم الجميل. قوله: (الشاملين لهم) أي فالمتقين يشملهم وغيرهم.\rقوله:\rمُفَتَّحَةً حال من جنات عدن، والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل، والْأَبْوابُ مرفوعة باسم المفعول، وأل عوض عن الضمير.\rقوله: مُتَّكِئِينَ حال من الهاء في لهم، والاقتصار على دعاء الفاكهة للإيذان بأن مطاعمهم لمحض التفكه والتلذذ دون التغذي، لأنه لا جوع فيها. قوله: (حابسات الأعين) أي لا ينظرن إلى غيرهم نظر شهوة وميل.\rقوله: (أسنانهن واحدة) أي فقد استوين في السن والجمال، وقيل: أَتْرابٌ متآخيات لا يتباغضن ولا يتغايرن ولا يتحاسدن، وكل صحيح. قوله: (لأجله) أي لأجل وقوعه فيه، فوقوعه وانجازه فيه علة للوعد به في الدنيا.\rقوله: إِنَّ هذا لَرِزْقُنا من كلام اللّه تعالى، والمعنى أن هذا أي ما ذكر من الجنات وأوصافها لرزقنا، أي لهو الرزق الذي نتفضل به على عبادنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ أي انقطاع أبدا. قوله: (أي دائما) إلخ، لف ونشر مرتب. قوله: هذا مبتدأ حذف خبره قدره بقوله:\r(المذكور) وهو تخلص من مآل المتقين لمآل المجرمين، فهو بمنزلة أما بعد.","part":3,"page":349},{"id":1463,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 350\rلَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها يدخلونها فَبِئْسَ الْمِهادُ (56) الفراش هذا أي العذاب المفهوم مما بعده فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ أي ماء حار محرق وَغَسَّاقٌ (57) بالتخفيف والتشديد ما يسيل من صديد أهل النار وَآخَرُ بالجمع والإفراد مِنْ شَكْلِهِ أي مثل المذكور من الحميم والغساق أَزْواجٌ (58) أصناف، أي عذابهم من أنواع مختلفة، ويقال لهم عند دخولهم النار بأتباعهم هذا فَوْجٌ جمع مُقْتَحِمٌ داخل مَعَكُمْ النار بشدة، فيقول المتبوعون لا مَرْحَباً بِهِمْ أي لا سعة عليهم إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (59) قالُوا أي الأتباع بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ أي الكفر لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (60) لنا ولكم النار قالُوا أيضا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً أي مثل عذابه على كفره فِي النَّارِ (61) وَقالُوا أي كفار مكة وهم في النار ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ في الدنيا مِنَ الْأَشْرارِ (62) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا بضم\r______________________________\rقوله: وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ أي الكافرين. قوله: لَشَرَّ مَآبٍ مقابل قوله في حق المتقين لَحُسْنَ مَآبٍ.\rقوله: يَصْلَوْنَها أي يكوون بها على سبيل التأبيد، وهو لازم للدخول. قوله: (الفراش) أي الغطاء والوطاء.\rقوله: هذا مبتدأ، وحَمِيمٌ وغَسَّاقٌ وآخَرُ خبره،\rومِنْ شَكْلِهِ صفة أولى لآخر، وأَزْواجٌ صفة ثانية له، وقوله: فَلْيَذُوقُوهُ جملة معترضة بين المبتدأ والخبر، وهذا أحسن ما يقال. قوله: (محرق) أي للإمعاء لقوله في الآية الأخرى: وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ.\rقوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (من صديد) إلخ بيان لما، كأنه قال: وهو صديد أهل النار الذي يسيل من جلودهم وفزوجهم. قوله: (بالجمع والإفراد) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أي مثل المذكور) أي في كونه حارا يقطع الامعاء. قوله: (من أنواع مختلفة) أي كالحيات والعقارب والضرب بالمطارق والزمهرير، وغير ذلك من أنواع العذاب، أجارنا اللّه منه. قوله:\r(و يقال لهم) أي من خزنة النار.\rقوله: مُقْتَحِمٌ الاقتحام: الإلقاء في الشيء بشدة، فإنهم يضربون بمقامع من حديد، حتى يقتحموها بأنفسهم خوفا من تلك المقامع، قوله: (فيقول المتبعون) أي جوابا للخزنة كأنهم يقولون: أنحسد على كثرة أتباعنا، مع كوننا واياهم في النار؟\rقوله: لا مَرْحَباً بِهِمْ مفعول لفعل محذوف تقديره لا أتيتم مرحبا، أي مكانا واسعا. قوله:\rإِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ هو من كلام الرؤساء، أي إنهم صالوا النار كما صليناها.\rقوله: قالُوا أي الأتباع، أي جوابا للرؤساء. قوله: بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أي أنتم أحق بما قلتم لنا، فدأبهم أنه كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها. قوله: أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا أي دللتمونا عليه، بتزيين الأعمال السيئة لنا واغوائنا عليها. قوله: (النار) هذا هو المخصوص بالذم.\rقوله: قالُوا (أيضا) أشار بذلك إلى أن هذا من كلام.\rالأتباع. قوله: (أي مثل عذابه وكفره) أي وهو عذاب الدلالة على الكفر، فإن الدال على الشر كفاعله.\rقوله: (أي كفار مكة) أي كأبي جهل وأبي بن خلف وغيرهما. قوله: (و هم في النار) الجملة حالية.\rقوله: ما لَنا لا نَرى رِجالًا أي أي شيء ثبت لنا لا نبصر رجالا، إلخ. قوله: مِنَ الْأَشْرارِ إنما سموهم أشرارا لأنهم خالفوا دينهم.\rقوله: أَتَّخَذْناهُمْ إما بوصل الهمز مكسورة، أو قطعها","part":3,"page":350},{"id":1464,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 351\rالسين وكسرها، أي كنا نسخر بهم في الدنيا، والياء للنسب، أي أمفقودون هم؟ أَمْ زاغَتْ مالت عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (63) فلم نرهم، وهم فقراء المسلمين: كعمار وبلال وصهيب وسلمان إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌ واجب وقوعه وهو تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64) كما تقدم قُلْ يا محمد لكفار مكة إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ مخوّف بالنار وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (65) لخلقه رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الغالب على أمره الْغَفَّارُ (66) لأوليائه قُلْ لهم هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) أي القرآن الذي أنبأتكم به وجئتكم فيه بما لا يعلم إلا بوحي وهو قوله: ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى أي الملائكة إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) في شأن آدم\r______________________________\rمفتوحة، قراءتان سبعيتان، فعلى الأولى تكون الجملة صفة لرجالا، أي رجالا موصوفين بكوننا عددناهم من الأشرار، وبكوننا نسخر بهم في الدنيا، وعلى الثانية فالجملة استفهامية، حذفت همزة الوصل استغناء بهمزة الاستفهام عنها، والمعنى: ما لنا لا نرى رجالا موصوفين، بكوننا عددناهم من الأشرار أتخذناهم سخريا، فهم مفقودون من النار، أم زاغت عنهم الأبصار، أي هم معنا في النار، لكن زاغت أبصارنا عنهم فلم نرهم. قوله: (بضم السين وكسرها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أي كنا نسخر بهم) راجع لقراءة الوصل. قوله: (و الياء للنسب) أي على كل من القراءتين.\rقوله: أَمْ زاغَتْ على قراءة الوصل تكون أَمْ بمعنى بل، وعلى قراءة القطع تكون معادلة للهمزة. قوله: (و هم فقراء المسلمين) تفسير لقوله: رِجالًا. قوله: (و سلمان) المناسب اسقاطه، لأن الكلام في أهل مكة، وهو إنما أسلم في المدينة.\rقوله: إِنَّ ذلِكَ أي المحكي عنهم من أقوالهم وأحوالهم. قوله: (و هو) تَخاصُمُ أشار بذلك إلى أن تَخاصُمُ خبر لمحذوف، والجملة بيان لاسم الإشارة\rقوله: إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ أي لا ساحر ولا شاعر ولا كاهن، واقتصر على الإنذار لأن كلامه مع الكفار، وهم إنما يناسبهم الإنذار فقط، وإن كان مبشرا أيضا. قوله: الْواحِدُ أي المعدوم المثيل في ذاته وصفاته وأفعاله، وقد ذكر أوصافا خمسة، كل واحد منها يدل على انفراده تعالى بالألوهية.\rقوله: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مالكهما.\rقوله: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ كرر الأمر إشارة إلى الاهتمام به. قوله: (أي القرآن) تفسير لهو. قوله: (بما يعلم) أي من القصص والأخبار وغيرهما. قوله:\r(و هو) أي ما لا يعلم إلا بوحي، وفيه أن ما لا يعلم إلا بوحي، وهو قوله: إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إلخ، لا قوله: ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ إلخ، إلا أن يقال إنه ذكر توطئة وتمهيدا لما لا يعلم إلا بالوحي.\rقوله: (أي الملائكة) أي وابليس.\rقوله: إِذْ يَخْتَصِمُونَ منصوب إما بعلم أو بمحذوف، والتقدير: ما كان لي من علم بالملأ الأعلى وقت اختصامهم، أو ما كان لي من علم بكلام الملأ الأعلى وقت اختصامهم.\rقوله: إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ إِلَّا أداة حصر، وإن وما دخلت عليه في تأويل مصدر نائب فاعل يوحى، والتقدير: ما يوحى إلي إلا كوني نذيرا مبينا، والحصر فيه وفي قوله: إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ اضافي، والمعنى لا ساحر ولا كذاب كما زعمتم.\rقوله: إِذْ قالَ رَبُّكَ ظرف معمول لمحذوف قدره المفسر بقوله: (اذكر) ويصح أن يكون بدلا من قوله: إِذْ يَخْتَصِمُونَ إن حمل الاختصام على ما حصل في شأن آدم فقط، وأما إن جعل عاما، فلا","part":3,"page":351},{"id":1465,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 352\rحين قال اللّه تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً الخ إِنْ ما يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا أي أني نَذِيرٌ مُبِينٌ (70) بيّن الإنذار اذكر إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (71) هو آدم فَإِذا سَوَّيْتُهُ أتممته وَنَفَخْتُ أجريت فِيهِ مِنْ رُوحِي فصار حيا، وإضافة الروح إليه تشريف لآدم، والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (72) سجود تحية بالانحناء فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) فيه تأكيدان إِلَّا إِبْلِيسَ هو أبو الجن كان بين الملائكة اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (74) في علم اللّه تعالى قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ أي توليت خلقه، وهذا تشريف لآدم، فإن كل مخلوق تولى اللّه خلقه أَسْتَكْبَرْتَ الآن عن السجود، استفهام توبيخ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (75) المتكبرين فتكبرت عن السجود لكونك منهم قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) قالَ فَاخْرُجْ\r______________________________\rيصح جعله بدلا منه، بل ظرف لمحذوف. قوله: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً أي انسانا ظاهر البشر أي الجلد، ليس على جلده صوف ولا شعر ولا وبر ولا ريش ولا قشر.\rقوله: (أجريت) فِيهِ مِنْ رُوحِي أشار بذلك إلى أنه ليس المراد بالنفخ حقيقته لاستحالته على اللّه تعالى، وإنما هو تمثيل لإفاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها. قوله: (و الروح جسم لطيف) إلخ، هذا هو قول جمهور المتكلمين وهو الأصح، وقيل: إن الروح عرض، وهي الحياة التي صار الجسم بها حيا، وقيل: إنها ليست بجسم ولا عرض، بل هي جوهر مجرد قائم بنفسه، له تعلق بالبدن للتدبير والتحريك، غير داخل فيه ولا خارج عنه، وهو قول بعض الفلاسفة. قوله: (بنفوذه فيه) أي سريانه فيه؛ كسريان الماء في العود الأخضر.\rقوله: فَقَعُوا الفاء واقعة في جواب إذا. قوله: (سجود تحية بالانحناء) جواب عما يقال: كيف جاز السجود لغير اللّه تعالى؟ وتقدم قول بأنه كان سجودا حقيقة بالجباه. وتقدم الجواب عنه، بأن محل كون السجود لغير اللّه غير جائز، ما لم يأمر به المولى تعالى، أو يقال: إن السجود للّه تعالى، وآدم جعل كالقبلة.\rقوله: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ إلخ، قيل: أول من سجد لآدم جبريل ثم ميكائيل ثم اسرافيل ثم عزرائيل ثم الملائكة المقربون، وكان السجود يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر، وقيل مائة سنة، وقيل خمسمائة سنة. قوله: (فيه تأكيدان) أي فكل منهما يفيد ما أفاد الآخر، وقيل: إن كل للإحاطة، وأَجْمَعُونَ للاجتماع، فأفاد أنهم سجدوا عن آخرهم، وأنهم سجدوا جميعا في وقت واحد غير متفرقين في أوقات. قوله: (كان بين الملائكة) أشار بذلك إلى أن الاستثناء منقطع وهو الحق، وتقدم تحقيق ذلك.\rقوله: (في علم اللّه) أي أن اللّه تعالى علم في الأزل أنه يكفر فيما لا يزال، وكان مسلما عابدا، طاف بالبيت أربعة عشرة ألف عام، وعبد اللّه ثمانين ألف عام. قوله: (أي توليت خلقه) أي بذاتي من غير واسطة أب وأم، وتثنية اليد إظهارا لكمال الاعتناء بخلقه عليه السّلام.\rقوله: أَسْتَكْبَرْتَ (الآن) إلخ، أشار المفسر إلى جواب سؤال وارد وهو أن قوله: مِنَ الْعالِينَ معناه المتكبرين، فيلزم عليه التكرار، فأجاب:\rبأن المعنى أتركت السجود لاستكبارك الحادث، أم لاستكبارك القديم.\rقوله: قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ هذا جواب من إبليس لم يطابق الاستفهام السابق، لأنه أجاب بأنه إنما","part":3,"page":352},{"id":1466,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 353\rمِنْها أي من الجنة وقيل من السماوات فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) مطرود وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (78) الجزاء قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) أي الناس قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) وقت النفخة الأولى قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) أي المؤمنين قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) بنصبهما ورفع الأول ونصب الثاني فنصبه بالفعل بعده ونصب الأول، قيل: بالفعل المذكور،\r______________________________\rترك السجود، لكونه خيرا منه، وبين ذلك بأن أصله من النار، وأصل آدم من الطين، والنار أشرف من الطين، لكون النار نورانية، والطين من الأرض وهي ظلمانية، والنوراني أشرف من الظلماني، وهذه شبهته، وقد أخطأ فيها، لأن مآل النار إلى الرماد الذي لا ينتفع به، والطين أصل لكل نام نابت، كالإنسان والشجرة، ومن المعلوم أن الإنسان والشجرة خير من الرماد، وزيادة على ذلك، أن النوع الإنساني تشرف بأمور: الأول من جهة الفاعل المشار إليه بقوله: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ والثاني من جهة الصورة المشار إليها بقوله: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ومن جهة الغاية المشار إليها بقوله: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ*؛ ولم يحصل ذلك غير النوع الإنساني، فدل على أفضليته. قوله: (أي من الجنة) إلخ، هذا الخلاف مبني على الخلاف الواقع في أمر الملائكة بالسجود لآدم، هل كان بعد دخوله الجنة أو قبله؟ فقوله: (أي من الجنة) مبني على الأول، وقوله: (أو من السماوات) مبني على الثاني، وقيل: المعنى اخرج من الخلقة التي كنت عليها أولا، لما ورد: أن ابليس كان يفتخر بخلقته، فغير اللّه خلقته فاسود بعد ما كان أبيض، وقبح بعد ما كان حسنا، وأظلم بعد ما كان نورانيا، وروي أن ابليس كان رئيسا على اثني عشر ألف ملك، وكان له جناحان من زمرد أخضر، فلما طرد غيرت صورته، وجعله اللّه معكوسا على مثال الخنازير، ووجهه كالقردة، وهو شيخ أعور، وفي لحيته سبع شعرات مثل شعر الفرس، وعيناه مشقوقتان في طول وجهه، وأنيابه خارجة كأنياب الخنازير، ورأسه كرأس البعير، وصدره كسنام الجمل الكبير، وشفتاه كشفتي الثور، ومنخراه مفتوحتان مثل كوز الحجام.\rقوله: فَإِنَّكَ رَجِيمٌ إلخ، فإن قلت: إذا كان الرجم بمعنى الطرد، فاللعنة بمعناه ولزم التكرار. أجيب: بأن الرجم الطرد من الجنة أو السماء، واللعنة والطرد من الرحمة وهو أبلغ.\rقوله: وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي ذكرها هنا بالإضافة وفي غيرها بالتعريف تفننا. قوله: إِلى يَوْمِ الدِّينِ فإن قلت: كلمة إِلى لانتهاء الغاية، فتقتضي انقضاء اللعنة عند مجيء يوم الدين، مع أنها لا تنقطع. أجيب: أن اللعنة قبل يوم الدين من اللّه وعيد بخلوده في العذاب، ومن العبيد طلب ذلك، وفي يوم الدين تحقق الوعيد والمطلوب.\rقوله: قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي أي أمهلني وأخرني، والفاء متعلقة بمحذوف تقديرها إذ جعلتني رجيما فأمهلني ولا تمتني إلى يوم يبعثون، أي آدم وذريته، وأراد بذلك أن يجد فسحة لإغوائهم، ويأخذ منهم ثأره، وينجو من من الموت بالكلية، إذ لا موت بعد البعث. فأجابه اللّه تعالى بالإمهال مدة الدنيا لأجل الإغواء، لا بالنجاة من الموت.\rقوله: قالَ فَبِعِزَّتِكَ الباء للقسم، ولا ينافيه قوله تعالى في الآية الأخرى قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي فإن إغواء اللّه تعالى له من آثار عزته التي أقسم بها هنا. قوله: (بنصبهما ورفع الأول) إلخ، أي فالقراءتان","part":3,"page":353},{"id":1467,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 354\rوقيل: على المصدر، أي أحق الحق، وقيل: على نزع حرف القسم ورفعه على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي فالحق مني، وقيل: فالحق قسمي، وجواب القسم لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ بذريتك وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أي الناس أَجْمَعِينَ (85) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ على تبليغ الرسالة مِنْ أَجْرٍ جعل وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) المتقوّلين القرآن من تلقاء نفسي إِنْ هُوَ أي ما القرآن إِلَّا ذِكْرٌ عظة لِلْعالَمِينَ (87) للإنس والجن والعقلاء دون الملائكة وَلَتَعْلَمُنَ يا كفار مكة نَبَأَهُ خبر صدقه بَعْدَ حِينٍ (88) أي يوم القيامة، وعلم بمعنى عرف، واللام قبلها لام قسم مقدر أي واللّه.\r______________________________\rسبعيتان. قوله: (و جواب القسم) أي المذكور في بعض الأعاريب المتقدمة أو المحذوفة.\rقوله:\rأَجْمَعِينَ توكيد للضمير في مِنْكَ وما عطف عليه. قوله: (دون الملائكة) إنما أخرجهم من العالمين، وإن كان لفظ العالمين يشملهم لأجل\rقوله: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ والذكر معناه الموعظة والتخويف، وهو لا يناسب إلا الإنس والجن. قوله: (خبر صدقه) أي من ذكره الوعد والوعيد.\rقوله: (أي يوم القيامة) تفسير ل بَعْدَ حِينٍ والحين مدة الدنيا، وقال ابن عباس: بعد الموت، وقيل من طال عمره علم ذلك إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. قوله: (بمعنى عرف) أي فهو متعد لمفعول واحد وهو نبأه، وقيل: إن علم على بابها فتنصب مفعولين، والثاني قوله: بَعْدَ حِينٍ.","part":3,"page":354},{"id":1468,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 355\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الزّمر مكيّة إلا قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ الآية مدنية وهي خمس وسبعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَنْزِيلُ الْكِتابِ القرآن مبتدأ مِنَ اللَّهِ خبره الْعَزِيزِ في ملكه الْحَكِيمِ (1) في صنعه إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يا محمد الْكِتابَ بِالْحَقِ متعلق بأنزل فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2) من الشرك أي موحدا له أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ لا يستحقه غيره\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الزمر\rمكية إلا قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ الآية مدنية وهي خمس وسبعون آية سميت بذلك لذكر لفظ الزمر فيها في قوله: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً وسيأتي أن الزمر جمع زمرة وهي الطائفة، وتسمى أيضا سورة الغرف، لذكر الغرف فيها، قال تعالى: لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ وروي من أراد أن يعرف قضاء اللّه في خلقه، فليقرأ في سورة الغرف، وورد أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان لا ينام حتى يقرأ الزمر وبني اسرائيل. قوله: (إلا قل يا عبادي) إلخ، أي فإنها نزلت في وحشي قاتل حمزة عم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فإنه اسلم بالمدينة، وظاهره أنها آية واحدة، وقيل: إن الذي نزل بالمدينة سبع آيات، هذه الآية وست بعدها، وقيل: إنهما آيتان، هذه الآية، وقوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ الآية، فتحصل أن فيها ثلاثة أقوال: قيل مكية إلا آية، وقيل إلا آيتين، وقيل ألا سبعا. قوله: (و هي خمس وسبعون) وقيل: اثنتان وسبعون.\rقوله: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ أي انزال القرآن كائن وحاصل من اللّه لا من غيره، نزل ردا لقول المشركين إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ولقولهم (إن به جنة).\rقوله: إِنَّا أَنْزَلْنا إلخ، شروع في بيان تشريف المنزل عليه، إثر بيان شأن المنزل، من حيث كونه من عند اللّه. قوله: الْكِتابَ هو عين الكتاب الأول، لأن المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت عينا. قوله: (متعلق بأنزل) أي والباء سببية، والمعنى: بسبب الحق الذي أنت عليه واثباته واظهاره. قوله: فَاعْبُدِ اللَّهَ تفريع على قوله: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ إلخ، والخطاب له، والمراد ما يشمل جمع أمته. قوله: مُخْلِصاً حال من فاعل اعبد، والدِّينَ مفعول لاسم فاعل. قوله:\r(أي موحدا له) أي مفردا له بالعبادة والإخلاص، بأن لا تقصد بعملك ونيتك غير ربك.\rقوله: أَلا لِلَّهِ","part":3,"page":355},{"id":1469,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 356\rوَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ الأصنام أَوْلِياءَ وهم كفار مكة قالوا ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى قربى مصدر بمعنى تقريبا إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ وبين المسلمين فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين، فيدخل المؤمنين الجنة، والكافرين النار إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ في نسبة الولد إليه كَفَّارٌ (3) بعبادته غير اللّه لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً كما قالوا: اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً* لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ واتخذه ولدا، غير من قالوا: الملائكة بنات اللّه، وعزير ابن اللّه، والمسيح ابن اللّه سُبْحانَهُ تنزيها له عن اتخاذ الولد هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (4) لخلقه خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ متعلق بخلق يُكَوِّرُ يدخل اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ فيزيد وَيُكَوِّرُ\r______________________________\rالدِّينَ إلخ، أَلا أداة استفتاح، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها من الأمر بالإخلاص.\rقوله: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا إلخ، اسم الموصول مبتدأ، اتَّخَذُوا صلته، والخبر محذوف قدره المفسر بقوله: (قالوا) وقوله: ما نَعْبُدُهُمْ إلخ، مقول لذلك القول، وقوله: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ إلخ، استئناف بياني واقع في جواب سؤال مقدر تقديره ما ذا يحصل لهم؟ وهذا هو الأحسن، وقيل: إن خبر المبتدأ وهو قوله: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ إلخ، وقوله: ما نَعْبُدُهُمْ حال من فاعل اتَّخَذُوا على تقدير القول، أي قائلين ما نَعْبُدُهُمْ الخ. قوله: (الأصنام) قدره اشارة إلى أن اتَّخَذُوا تنصب مفعولين، الأول محذوف. قوله: (و هم كفار مكة) تفسير للموصول. قوله: (قالوا) ما نَعْبُدُهُمْ إلخ، أي فكانوا إذا قيل لهم: من خلقكم، ومن خلق السماوات والأرض، ومن ربكم؟ فيقولون: اللّه، فيقال لهم: وما معنى عبادتكم الأصنام؟ فيقولون لتقربنا إلى اللّه زلفى، تشفع لنا عنده. قوله: (مصدر) أي مؤكد ملاق لعامله في المعنى، والتقدير ليزلفونا زلفى، أو ليقربونا قربى، قوله: (و بين المسلمين) أشار بذلك إلى أن المقابل محذوف. قوله: (فيدخل المؤمنين الجنة) أي فالمراد بالحكم تمييز كل فريق عن الآخر. قوله:\rإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي أي لا يوفق للهدي من هو كاذب كفار، أي مجبول على الكذب والكفر في علمه تعالى. قوله: (في نسبة الولد إليه) أشار بذلك إلى أن قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي إلخ، توطئة لقوله: لَوْ أَرادَ اللَّهُ إلخ، ويصح أن يكون من تتمة ما قبله، وحينئذ فيقال كاذب في نسبة الألوهية لغيره تعالى.\rقوله: لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً أي لو تعلقت ارادته باتخاذ ولد على سبيل الفرض والتقدير، والآية اشارة إلى قياس استثنائي حذفت صغراه، ونتيجته وتقريره أن يقال: لو أراد اللّه أن يتخذ ولدا، لاصطفى مما يخلق ما يشاء، لكنه لم يصطف من خلقه شيئا، فلم يرد أن يتخذ ولدا. قوله: (غير من قالوا) أي غير المخلوق الذي قالوا في شأنه انه ابن اللّه. قوله: (تنزيها عن اتخاذ الولد) أي لأنه امتنع عقلا ونقلا، أما عقلا فلأنه يلزم أن يكون الولد من جنس خالقه، وكونه جنسا منه، يستلزم حدوث الخالق وهو باطل، وأما نقلا فقد تواترت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والكتب السماوية، على أن اللّه تعالى لم يتخذ ولدا.\rقوله: هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ هذا بيان لتنزه في الصفات، اثر بيان تنزهه في الذات، لأن الوحدة تنافي المماثلة فضلا عن الولد، والقهارية تنافي قبول الزوال المحوج إلى الولد، وإلا لكان مقهورا، تعالى اللّه عن ذلك.\rقوله: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ تفصيل لبعض أفعاله الدالة على انفراده بالألوهية،","part":3,"page":356},{"id":1470,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 357\rالنَّهارِ يدخله عَلَى اللَّيْلِ فيزيد وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي في فلكه لِأَجَلٍ مُسَمًّى ليوم القيامة أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الغالب على أمره، المنتقم من أعدائه الْغَفَّارُ (5) لأوليائه خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أي آدم ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها حواء وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ الإبل والبقر والغنم والضأن والمعز ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ من كلّ زوجان ذكر وأنثى كما بين في سورة الأنعام يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ أي نطفا ثم علقا ثم مضغا فِي ظُلُماتٍ\r______________________________\rواتصافه بالصفات الجليلة. قوله: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ من التكوير، وهو في الأصل اللف واللّي، يقال كور العمامة على رأسه، أي لفها ولواها، ثم استعمل في الإدخال والإغشاء، فكان الليل يغشى النهار، والنهار يغشى الليل. قوله: (فيزيد) تقدم أن منتهى الزيادة أربع عشرة ساعة، ومنتهى النقص عشر ساعات، فالزيادة أربع ساعات، تارة تكون في الليل، وتارة تكون في النهار. قوله: (ليوم القيامة) أي ثم ينقطع جريانه لانتقال العالم من الدنيا، فإن تسخير الشمس والقمر، إنما كان في الدنيا لمصالح العالم، فلما انتقل العالم، فقد فرغت مصالحه. قوله: أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ إنما صدرت الجملة بحرف التنبيه، للدلالة على كمال الاعتناء بمضمونها، كأنه قال: تنبهوا يا عبادي، فإني الغالب على أمري، الستار لذنوب خلقي، فلا تشركوا بي شيئا وأخلصوا عبادتكم لي.\rقوله: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ هذا من جملة أدلة توحيده وانفراده بالعزة والقهر، وجميع صفات الألوهية. قوله: ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها إن قلت: إن ثُمَ للترتيب، فيقتضي أن خلق الذرية قبل خلق حواء، هو خلاف المعروف المشاهد. وأجيب بثلاثة أجوبة، الأول، أن ثُمَ لمجرد الإخبار، لا لترتيب الإيجاد. الثاني: أن المعطوف متعلق بمعنى واحدة، وثُمَ عاطفة عليه، كأنه قال: خلقكم من نفس كانت متوحدة لم يخلق نظيرها، ثم شفعت بزوج. الثالث: أن معنى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أخرجكم منها يوم أخذ الميثاق في دفعة واحدة، لأن اللّه تعالى خلق آدم، وأؤدع في صلبه أولاده كالذر، ثم أخرجهم وأخذ عليهم الميثاق، ثم ردهم إلى ظهره، ثم خلق منهم حواء.\rقوله: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ إلخ إنما عبر عنها بالنزول، لأنها تكونت بالنبات، وهو غذاء لها، والنبات بالماء المنزل، فهو يسمى عندهم بالتدريج، ومنه قوله تعالى: قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً الآية، وقيل: إن الإنزال حقيقة لما روي أن اللّه خلق الأنعام في الجنة، ثم أنزلها في الأرض، كما قيل في قوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ فإن آدم لما هبط إلى الأرض نزل معه الحديد. قوله: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ الزوج ما معه آخر من جنسه، ولا يستغنى بأحدهما عن الآخر. قوله: (كما بين في سورة الأنعام) أي في قوله: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ الآيات.\rقوله: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ هذا بيان لكيفية الخلق الدالة على باهر قدرته تعالى. قوله:\rخَلْقاً مصدر ليخلقكم، وقوله: مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ صفة لخلقا. قوله: (أي نطفا) إلخ، فيه قصور، وعكس ترتيب الإيجاد، فالمناسب أن يقول: أي حيوانا سويا، من بعد عظام مكسوة لحما، من بعد عظام عارية، من بعد مضغ، من بعد علق، من بعد نطف. قوله: فِي ظُلُماتٍ بدل اشتمال من بطون أمهاتكم بإعادة الجار، ولا يضر الفصل بين البدل والمبدل منه المصدر، لأنه من تتمة العامل فليس","part":3,"page":357},{"id":1471,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 358\rثَلاثٍ هي ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6) عن عبادته إلى عبادة غيره إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وإن أراده من بعضهم وَإِنْ تَشْكُرُوا اللّه فتؤمنوا يَرْضَهُ لَكُمْ بسكون الهاء وضمها مع إشباع ودونه أي الشكر لَكُمْ وَلا تَزِرُ نفس وازِرَةٌ وِزْرَ نفس أُخْرى أي لا تحمله ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (7) بما في القلوب وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ أي الكافر ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ تضرع مُنِيباً راجعا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً أعطاه\r______________________________\rبأجنبي. قوله: (و ظلمة المشيمة) أي فهي داخل الرحم، وهو داخل البطن، و(المشيمة) بوزن كريمة، وأصلها مشيمة بسكون الشين وكسر الياء، نقلت كسرة الياء إلى الساكن قبلها، وهي غشاء ولد الإنسان، ويقال لها الغلاف والكيس، ويقال لها من غير ولد الإنسان السلا.\rقوله: ذلِكُمُ مبتدأ، واللَّهُ رَبُّكُمْ خبران له وجملة لَهُ الْمُلْكُ خبر ثالث. قوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ جملة مستأنفة نتيجة ما قبله، أي فحيث ثبت أنه ربنا وله الملك، نتج منه لا إله إلا هو. قوله:\rفَأَنَّى تُصْرَفُونَ أي تمنعون.\rقوله: فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ أي له الغنى المطلق، فلا يفتقر إلى ما سواه.\rقوله: وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ أي لا يفعل فعل الراضي، بأن يثيب فاعله ويمدحه، بل يفعل فعل الساخط، بأن ينهى عنه، ويعاقب فاعله ويذمه عليه. قوله: (و إن أراده من بعضهم) أشار بهذا إلى أنه لا تلازم بين الرضا والإرادة، بل قد يرضى ولا يريد، وقد يريد ولا يرضى، وإنما التلازم بين الأمر والرضا، خلافا للمعتزلة القائلين بالتلازم بين الرضا والإرادة، وبنوا على ذلك أمورا فاسدة، ومن هنا قال العلماء:\rإن الأمور أربعة: تارة يأمر ويريد وهو الإيمان من المؤمنين، وتارة لا يأمر ولا يريد وهو الكفر منهم، وتارة يأمر ولا يريد وهو الإيمان من الكفار، وتارة يريد ولا يأمر وهو الكفر من الكفار. وحكي أن رجلا من المعتزلة، تناظر مع رجل من أهل السنة، فقال المعتزلي: سبحان من تنزه عن الفحشاء، فقال السني:\rسبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، فقال المعتزلي: أيريد ربك أن يعصى؟ فقال السني: أيعصى ربنا قهرا؟ فقال المعتزلي: أرأيت إن منعني الهدى، وحكم عليّ بالردى، أحسن إلي أم أساء؟ فقال: إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له، فالمالك يفعل في ملكه كيف يشاء، فبهت المعتزلي. قوله:\rيَرْضَهُ لَكُمْ أي لأنه سبب لفوزكم بسعادة الدارين، لا لانتفاعه به، تعالى اللّه عن ذلك. قوله:\r(بسكون الهاء) إلخ، أي فالقراءات ثلاث سبعيات.\rقوله: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى أي لا يحمل شخص إثم كفر شخص آخر، وما ورد من أن الدال على الشر كفاعله، فمعناه أن عليه إثم فعله وإثم دلالته، ولا شك أن دلالته من فعله، فآل الأمر إلى عقابه على فعله، لا على فعل غيره، وقوله: وازِرَةٌ أي وأما غير الوازرة فتحمل وزر غيرها، بمعنى أن من كان ناجيا، وأذن له في الشفاعة يشفع في غيره، فينتفع المشفوع له بتلك الشفاعة إن كان مسلما، وأما الكافر فلا ينتفع بشفاعة مسلم ولا كافر. قوله: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ علة لقوله: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي يخبركم بأعمالكم، لأنه عليم بما في القلوب، فضلا عن غيرها. قوله: (أي الكافر) أشار بهذا إلى أن أل في الإنسان للعهد.\rقوله: ضُرٌّ المراد به جميع المكاره، كانت في نفسه أو ماله أو أهله. قوله: مُنِيباً إِلَيْهِ أي تاركا عبادة الأصنام، لعلمه بأنها لا تقدر على كشف ما نزل به. قوله:","part":3,"page":358},{"id":1472,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 359\rإنعاما مِنْهُ نَسِيَ ترك ما كانَ يَدْعُوا يتضرع إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وهو اللّه، فما في موضع من وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً شركاء لِيُضِلَ بفتح الياء وضمها عَنْ سَبِيلِهِ دين الإسلام قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا بقية أجلك إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (8) أَمَّنْ بتخفيف الميم هُوَ قانِتٌ قائم بوظائف الطاعات آناءَ اللَّيْلِ ساعاته ساجِداً وَقائِماً في الصلاة يَحْذَرُ الْآخِرَةَ أي يخاف عذابها وَيَرْجُوا رَحْمَةَ جنة رَبِّهِ كمن هو عاص بالكفر أو غيره، وفي قراءة أم من، فأم بمعنى بل والهمزة قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أي لا يستويان، كما لا يستوي العالم والجاهل إِنَّما يَتَذَكَّرُ يتعظ أُولُوا الْأَلْبابِ (9) أصحاب العقول قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ أي عذابه بأن تطيعوه لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا بالطاعة\r______________________________\r(أعطاه إنعاما) أي اعطاء على سبيل الإنعام والإحسان، فإنعاما مفعول لأجله، لأن التحويل هو اعطاء النعم على سبيل التفضل والإحسان من غير مقتض لها. قوله: (و هو اللّه) أشار بذلك إلى أن ما موصولة، بمعنى الذي مرادا بها اللّه تعالى، ويصح أن يراد بها الضر، والمعنى نسي الضر الذي كان يدعو لكشفه، ويصح أن يكون ما مصدرية، والمعنى نسي كونه داعيا من قبل تخويل النعمة، والأظهر ما قاله المفسر. قوله: لِيُضِلَ اللام للعاقبة والصيرورة. قوله: (بفتح الياء وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ الأمر للتهديد، وفيه إشعار بقنوطه من التمتع في الآخرة. قوله: (بقية أجلك) أشار بذلك إلى أن قَلِيلًا صفة لموصوف محذوف، أي زمانا قليلا. قوله: إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ أي ملازمها ومعدود من أهلها على الدوام.\rقوله: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ هذا من تمام الكلام المأمور بقوله، وحينئذ فالمعنى قل للكافر أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ إلخ. قوله: (بتخفيف الميم) أي والهمزة للاستفهام الأنكاري و(من) موصولة مبتدأ، خبره محذوف قدره بقوله: (كمن هو عاص). قوله: آناءَ اللَّيْلِ جمع إنى بالكسر والقصر، كمعى وامعاء. قوله: (ساعاته) أي أوله وأوسطه وآخره، وفي الآية دليل على أفضلية قيام الليل على النهار، لما في الحديث: «ما زال جبريل يوصيني بقيام الليل حتى علمت أن خيار أمتي لا ينامون». قال ابن عباس: من أحب أن يهون اللّه عليه الوقوف يوم القيامة، فليره اللّه في ظلمة الليل. قوله: (و في قراءة أمن) أي بالتشديد، وعليها فأم داخلة على من الموصولة، فأدغمت الميم في الميم، وترسم على هذه القراءة ميما واحدة متصلة بالنون كقراءة التخفيف، اتباعا لرسم المصحف والإعراب على كل من القراءتين واحد لا يتغير، وقوله: (بمعنى بل) أي التي للإضراب الانتقالي، وقوله (و الهمزة) أي التي للاستفهام الإنكاري، والقراءتان سبعيتان. قوله: الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أي وهم المؤمنون بربهم، وقوله: وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أي وهم الكفار. قوله: (أي لا يستويان) أشار به إلى أن الاستفهام انكاري بمعنى النفي. قوله: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ أي أصحاب القلوب الصافية والآراء السديدة، وخصهم لأنهم المنتفعون بالتذكر.\rقوله: قُلْ يا عِبادِ إلخ، أمر اللّه سبحانه وتعالى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأوامر لنفسه ولأمته، زيادة في الحث لهم على التجرد لطاعة اللّه تعالى، واجتناب الشكوك والأوهام. قوله: (بأن تطيعوه) أي تتمثلوا أوامره وتجتنبوا نواهيه، وهو تفسير للتقوى التي هي جعل العبد بينه وبين العذاب وقاية. قوله: لِلَّذِينَ خبر","part":3,"page":359},{"id":1473,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 360\rحَسَنَةٌ هى الجنة وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ فهاجروا إليها من بين الكفار ومشاهدة المنكرات إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ عن الطاعة وما يبتلون به أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (10) بغير مكيال ولا ميزان قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (11) من الشرك وَأُمِرْتُ لِأَنْ أي بأن أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) من هذه الأمة قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (14) من الشرك فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ غيره؛ فيه تهديد لهم وإيذان بأنهم لا يعبدون اللّه تعالى قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بتخليد\r______________________________\rمقدم وأَحْسَنُوا صلته، وفِي هذِهِ الدُّنْيا متعلق بأحسنوا، حَسَنَةٌ مبتدأ مؤخر. قوله: (هي الجنة) أي بجميع ما فيها من النعيم المقيم، فهي بمعنى قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ.\rقوله: وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ جملة من مبتدأ وخبر، وهي حالية. قوله: (فهاجروا إليها) إلخ، أشار بذلك إلى أن المراد بالأرض أرض الدنيا، والمعنى: من تعسرت عليه التقوى في محل، فليهاجر إلى محل آخر يتمكن فيه من ذلك، إذ لا عذر في التفريط أصلا، وكانت الهجرة قبل فتح مكة شرطا في صحة الإسلام، فلما فتحت مكة نسخ كونه شرطا، وصارت تعتريها الأحكام، فتارة تكون واجبة، كما إذ هاجر من أرض لا يتيسر له فيها اقامة دينه، لأرض يتعلم فيها دينه ويقيم شعائره، وتارة تكون مندوبة، كما إذا هاجر من أرض لا أخيار بها، لأرض بها أخيار، يجتمع عليهم للإرشاد، وتكون مكروهة، كما إذا هاجر من أرض بها الأخيار وأهل العلم والصلاح، لأرض لا أخيار بها ولا علم ولا عمل، وتارة تكون محرمة، كما إذا هاجر من أرض يأمن فيها على دينه، لأرض لا يأمن فيها عليه.\rقوله: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ هذا ترغيب في التقوى المأمور بها. قوله: (على الطاعات) أي أو عن المعاصي. قوله: (و ما يبتلون) أي ومن جملته مفارقة الوطن المأمور بها في قوله: وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ.\rقوله: بِغَيْرِ حِسابٍ أي لما ورد: «تنصب الموازين يوم القيامة لأهل الصلاة والصدقة والحج؛ فيوفون بها أجورهم، ولا تنصب لأهل البلاء، بل يصب عليهم الأجر صبا حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا، أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل».\rقوله: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ إلخ، الحكمة في هذا الأخبار، اعلام الأمة بأن يتصفوا به ويلزموه، فإن العادة أن المتصف بخلق، ثم يأمر به، أو يعرض بالأمر به ويؤثر في غيره كما قيل: حال رجل في ألف رجل، أنفع من حال ألف رجل في رجل. قوله: (من هذه الأمة) جواب عما يقال: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليس أول المسلمين مطلقا، فأجاب: بأن الأولية بحسب سبق الدعوة.\rقوله: قُلْ إِنِّي أَخافُ سبب نزولها: أن كفار قريش قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: ما حملك على هذا الذي أتيتنا به، ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وقومك فتأخذ بها؟ فنزلت، فالمقصود منها زجر الغير عن المعاصي، لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا كان خائفا مع كمال طهارته وعصمته، فغيره أولى، وذلك سنة الأنبياء والصالحين، حيث يخبرون غيرهم بما هم متصفون به ليكونوا مثلهم، لا الملوك والمتجبرين، حيث يأمرون غيرهم بما لم يتصفوا به. قوله: (فيه تهديد لهم) أي من حيث الأمر. قوله: (و إيذان) أي اعلام.\rقوله: الَّذِينَ خَسِرُوا خبر إِنَ. قوله: وَأَهْلِيهِمْ أي أزواجهم وخدمهم يوم القيامة، لما","part":3,"page":360},{"id":1474,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 361\rالأنفس في النار، وبعدم وصولهم إلى الحور المعدّة لهم في الجنة لو آمنوا أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (15) البيّن لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ طباق مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ من النار ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ أي المؤمنين ليتقوه، يدل عليه يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (16) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ الأوثان أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا أقبلوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى بالجنة فَبَشِّرْ عِبادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وهو ما فيه صلاحهم أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ\r______________________________\rورد: أن اللّه تعالى جعل لكل انسان منزلا وأهلا في الجنة، فمن عمل بطاعة اللّه، كان ذلك المنزل والأهل له، ومن عمل بمعصية اللّه دخل النار، وكان ذلك المنزل والأهل لغيره ممن عمل بطاعة اللّه، فخسر نفسه وأهله ومنزله، وقيل: المراد أهلهم في الدنيا، لأنهم إن كانوا من أهل النار، فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم، وإن كانوا من أهل الجنة، فقد ذهبوا عنهم ذهابا لا رجوع بعده. قوله: يَوْمَ الْقِيامَةِ أي حين يدخلون النار. قوله: (بتخليد الأنفس) راجع لقوله: أَنْفُسَهُمْ. قوله: (بعد وصولهم إلى الحور العين) إلخ، راجع لقوله: وَأَهْلِيهِمْ على سبيل اللف والنشر المرتب. قوله: أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ أي الذي لا خفاء فيه، وتصدير الجملة بأداة التنبيه، إشارة إلى فظاعته وشناعته.\rقوله: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ لَهُمْ خبر مقدم، وظُلَلٌ مبتدأ مؤخر، ومِنْ فَوْقِهِمْ حال. قوله: (طباق) أي قطع كبار، وإطلاق الظلل عليها تهكم، وإلا فهي محرقة، والظلة تقي من الحر. قوله: وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ أي لغيرهم وإن كان فراشا لهم، لأن النار دركات، فما كان فراشا لجماعة، يكون ظلة لآخرين. قوله: ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ أي فالحكمة في ذكر أحوال أهل النار، تخويف المؤمنين منها ليتقوها بطاعة ربهم. قوله: (يدل عليه) أي على الوصف المقدر وهو قوله:\r(المؤمنين).\rقوله: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ إلخ، قيل: نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان وعبد الرحمن ابن عوف وسعد وسعيد وطلحة والزبير رضي اللّه عنهم، سألوا أبا بكر رضي اللّه عنه، فأخبرهم بإيمانه فآمنوا. قوله: (الأوثان) هذا أحد أقوال في تفسيره، وقيل هو الشيطان، وقيل: كل ما عبد من دون اللّه تعالى، وقيل: غير ذلك. قوله: لَهُمُ الْبُشْرى (بالجنة) أي على ألسنة الرسل، أو على ألسنة الملائكة، عند حضور الموت، وفي الحقيقة البشرى تحصل لهم في الدنيا، بالثناء عليهم بصالح أعمالهم، وعند الموت وعند الوضع في القبر، وعند الخروج من القبور، وعند الوقوف للحساب، وعند المرور على الصراط، ففي كل موقف من هذه المواقف، تحصل لهم البشارة بالروح والريحان.\rقوله: فَبَشِّرْ عِبادِ أي الموصوفين باجتناب الأوثان، والإثابة إلى اللّه تعالى، والإضافة لتشريف المضاف.\rقوله: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ قيل: المراد يسمعون الحسن والقبيح، فيتحدثون بالحسن ويكفون عن القبيح، وقيل: يسمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن، وقيل: يسمعون القرآن وأقوال الرسول، فيتبعون المحكم ويعملون به، ويتركون المتشابه ويفوضون علمه للّه تعالى، وقيل:\rيسمعون العزيمة والرخصة، فيأخذون العزيمة ويتركون الرخصة، وكل صحيح. قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ أي الموصوفون بتلك الأوصاف.","part":3,"page":361},{"id":1475,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 362\rوَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (18) أصحاب العقول أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ* الآية أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ تخرج مَنْ فِي النَّارِ (19) جواب الشرط، وأقيم فيه الظاهر مقام المضمر، والهمزة للإنكار، والمعنى: لا تقدر على هدايته فتنقذه من النار لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ بأن أطاعوه لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي من تحت الغرف الفوقانية والتحتانية وَعْدَ اللَّهِ منصوب بفعله المقدر لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (20) وعده أَلَمْ تَرَ تعلم أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ أدخله أمكنة نبع فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ ييبس فَتَراهُ بعد الخضرة مثلا مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً فتاتا إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى تذكيرا لِأُولِي الْأَلْبابِ (21) يتذكرون به، لدلالته على وحدانية اللّه تعالى وقدرته\r______________________________\rقوله: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ إلخ، يحتمل أن ما شرطية، وجوابها قوله: أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ كما قال المفسر، وأعيدت الهمزة لتأكيد معنى الإنكار ولطول الكلام، وأقيم الظاهر مقام المضمر، أي أفأنت تنقذه، ويحتمل أنها موصولة مبتدأ، والخبر محذوف تقديره أنت لا تنفعه فجملة قوله:\rأَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ مستقلة مؤكدة لما قبلها، وهذه الآية نزلت في حق أبي لهب وولده، ومن تخلف من عشيرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الإيمان، وقد كان حريصا على إيمانهم. قوله: (و الهمزة) أي الأولى والثانية توكيد لها. قوله: (للإنكار) أي الاستفهام الإنكاري. قوله: (و المعنى لا تقدر على هدايته) إلخ، أشار بهذه إلى أن قوله: أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ مجاز مرسل، حيث أطلق المسبب وأراد السبب، لأن الإدخال في النار، مسبب عن الضلال وترك الهدى، كأنه قال: أنت تهدي من أضله اللّه، وجعل له النار بسبب ضلاله، وجعلها السمرقندي في حواشي رسالته استعارة بالكناية، حيث شبه استحقاقهم العذاب بالدخول في النار، على طريق المكنية في المركب، وحذف المركب الدال على المشبه به، ورمز له بذكر شيء من لوازمه وهو الإنقاذ، وفيه إشكال، انظر بسطه في حاشيتنا على رسالة البيان، لأستاذنا الشيخ الدردير.\rقوله: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا أي وهم الموصوفون بالصفات الجميلة السابقة المخاطبون بقوله: يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ الآية، ولكن ليست للاستدراك، وإنما هي للإضراب عن قصة إلى قصة مخالفة للأولى. قوله: لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مقابل قوله في حق أهل النار لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ قوله: (بفعله المقدر) أي وتقديره وعدهم اللّه وعدا.\rقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً إلخ، استئناف مسوق لبيان تمثيل الحياة الدنيا في سرعة زوالها وقرب اضمحلالها، بما ذكر من أحوال الزرع، تحذيرا عن زخارفها والاغترار بها. قوله: (أدخله أمكنة نبع) أي فمراده بالينابيع الأمكنة التي أودعت فيها المياه السماوية لمنافع العباد، بحيث تكون قريبة من وجه الأرض، وتطلق الينابيع على نفس الماء الجاري على وجه الأرض، وكل صحيح. قوله: ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً صيغة المضارع لاستحضار الصورة واستمرارها. قوله: مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ أي من أحمر وأخضر وأصفر وأبيض، واختلاف تلك الألوان، إما ثماره أو عوده، ومراده بالزرع كل ما يستنبت. قوله: (فتاتا) أي متفتتا ومتمزقا.\rقوله: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ إلخ، الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه، والتقدير:","part":3,"page":362},{"id":1476,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 363\rأَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فاهتدى فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ كمن طبع على قلبه دل على هذا فَوَيْلٌ كلمة عذاب لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أي عن قبول القرآن أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (22) بيّن اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً بدل من أحسن أي قرآنا مُتَشابِهاً أي يشبه بعضه بعضا في النظم وغيره مَثانِيَ ثنى فيه الوعد والوعيد وغيرهما تَقْشَعِرُّ مِنْهُ ترتعد عند ذكر وعيده جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ يخافون رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ تطمئن جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى\r______________________________\rأكل الناس سواء؟ فمن شرح اللّه صدره إلخ، والاستفهام إنكاري، ومن اسم موصول مبتدأ خبره محذف قدره المفسر بقوله: (كمن طبع) الخ، وهذه الآية مرتبة على قوله: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ.\rقوله: فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ أي نور المعرفة والاهتداء، وفي الحديث: «إذا دخل النور القلب انشرح وانفسخ، فقيل: ما علامة ذلك؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل نزوله». قوله: (دل على هذا) أي المقدر. قوله: (كلمة العذاب) أي كلمة تقيد العذاب للمخاطب بها. قوله: (أي عن قبول القرآن) أشار بذلك إلى أن مِنْ بمعنى عن، وفي الكلام مضاف محذوف، ويصح أن تبقى من على بابها للتعليل، أي قست قلوبهم من أجل ذكر اللّه، لفساد قلوبهم وخسرانها.\rومن المعلوم المشاهد، أن الأطعمة الفاخرة، تكون داء لبعض المرضى، ومن هنا قول بعض العارفين: ألا بذكر اللّه تزداد الذنوب وتنطمس البصائر والقلوب.\rقوله: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ إلخ، سبب نزولها: أن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حصل لهم بعض ملل، فقالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: حدثنا حديثا حسنا، فنزلت. قوله: (في النظم) أي اللفظ، وقوله:\r(و غيره) أي المعنى كالبلاغة والدلالة على المنافع. قال البوصيري رضي اللّه عنه في هذا المعنى:\rردت بلاغتها دعوى معارضها ... رد الغيور يد الجاني عن الحرم\r\rفما تعد ولا تحصى عجائبها ... ولا تسام من الإكثار بالسأم\rواعلم أنه في هذه الآية أثبت أن القرآن متشابه، وفي آية أخرى أثبت أنه محكم، وفي آية أخرى أن بعضه محكم وبعضه متشابه، ووجه الجمع بينها، أن المراد بالمتشابه في آية الاقتصار عليه، ما أشبه بعضه بعضا في اللفظ، والمعنى من حيث البلاغة وحسن الترتيب، وبالمحكم في آية الاقتصار عليه، ما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبالمتشابه في آية الجمع ما خفي معناه، وبالمحكم ما ظهر معناه، وتقدم هذا الجمع. قوله: مَثانِيَ جمع مثنى من التثنية بمعنى التكرير، ووصف به المفرد وهو الكتاب، لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل تثنى وتكرر، نظير قولك: الإنسان عروق وعظام وأعصاب. قوله:\r(و غيرهما) أي كالقصص والأحكام.\rقوله: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ أي تنقبض وتتجمع من الخوف. قوله: (عند ذكر وعيده) أشار بهذا إلى أن إِلى بمعنى عند. قوله: (تطمئن) أي تسكن وتستقر. قوله: (أي عند ذكر وعده) أشار إلى أن إِلى بمعنى عند، فالتضمين في الحرف وهو أحد وجهين، والآخر أنه ضمن تَلِينُ معنى تسكن، فعداه بإلى، والمفسر قد جمع بينهما. والحاصل: أن اللّه تعالى بين حال المؤمن عند سماع القرآن، ففي حال ذكر الوعيد يغلب عليه الخوف فيتصاغر، وفي حال ذكر الوعد، يغلب عليه الرجاء، فيتسع صدره، وتطمئن","part":3,"page":363},{"id":1477,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 364\rذِكْرِ اللَّهِ أي عند ذكر وعده ذلِكَ أي الكتاب هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (23) أَفَمَنْ يَتَّقِي يلقى بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي أشده بأن يلقى في النار مغلولة يداه إلى عنقه، كمن أمن منه بدخول الجنة وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ أي كفار مكة ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (24) أي جزاءه كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ رسلهم في إتيان العذاب فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (25) من جهة لا تخطر ببالهم فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ الذل والهوان من المسخ والقتل وغيره فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا أي المكذبون يَعْلَمُونَ (26) عذابها ما كذبوا وَلَقَدْ ضَرَبْنا جعلنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) يتعظون قُرْآناً عَرَبِيًّا حال مؤكدة غَيْرَ ذِي عِوَجٍ أي لبس واختلاف لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) الكفر ضَرَبَ اللَّهُ للمشرك والموحد مَثَلًا رَجُلًا بدل من مثلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ متنازعون سيئة أخلاقهم وَرَجُلًا سَلَماً خالصا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا\r______________________________\rنفسه، لأن الخوف والرجاء مصحوبان للعبد، كجناحي الطائر إن عدم أحدهما سقط. قوله: (أي الكتاب) أي الموصوف بتلك الصفات. قوله: هُدَى اللَّهِ أي سبب في الهدى أو بولغ فيه، حتى جعل نفس الهدى.\rقوله: أَفَمَنْ يَتَّقِي الهمزة داخل على محذوف، والفاء عاطفة عليه، والتقدير أكل الناس سواء فمن يتقي إلخ، ومن اسم موصول مبتدأ خبره محذوف، قدره المفسر بقوله كمن أمن منه. قوله: (مغلولة يداه) أي وفي عنقه صخرة من كبريت مثل الجبال العظيمة، فتشتعل النار فيها، وهي في عنقه، فحرها ووهجها على وجه، لا يطيق دفعها عنه للأغلال التي في يده وعنقه. قوله: وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ التعبير بالماضي لتحقق الحصول. قوله: (أي كفار مكة) الأوضح أن يقول: أي الكفار من هذه الأمة. قوله:\r(أي جزاؤه) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف.\rقوله: كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ بيان لحال المكذبين قبلهم، وما حصل لهم في الدنيا من العذاب.\rقوله: (لا تخطر ببالهم) المراد بالجهة السبب، أي أتاهم العذاب بسبب لا يخطر ببالهم، كاللواط في قوم لوط مثلا.\rقوله: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أي يصدقون ويوقنون، وقوله: (ما كذبوا) جواب لَوْ.\rقوله:\rوَلَقَدْ ضَرَبْنا اللام موطئة لقسم محذوف، ومعنى ضَرَبْنا بينا ووضحنا. قوله: (حال مؤكدة) أي لفظ قرآنا، وكما تسمى (مؤكدة) بالنسبة لما قبلها، تسمى موطئة بالنسبة لما بعدها، كما تقول: جاء زيد رجلا صالحا.\rقوله: غَيْرَ ذِي عِوَجٍ نعت لقرآنا أو حال أخرى. قوله: (أي لبس واختلاف) أي فمعناه صحيح لا لبس ولا تناقض فيه. قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ علة لقوله: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.\rقوله: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا إلخ، والمعنى: اضرب يا محمد لقومك هذا المثل، واذكره لهم لعلهم يؤمنون قوله: مُتَشاكِسُونَ التشاكس التخالف والتشاجر مع سوء الخلق، ومثل التشاخس بخاء معجمة بدل الكاف. قوله: وَرَجُلًا سَلَماً بألف بعد السين مع كسر اللام، وتركها مع فتح السين واللام، قراءتان سبعيتان، فالأولى اسم فاعل، والثانية مصدر وصف به على سبيل المبالغة، وقرئ","part":3,"page":364},{"id":1478,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 365\rتمييز، أي لا يستوي العبد لجماعة، والعبد لواحد، فإن الأول إذا طلب منه كل من مالكيه خدمته في وقت واحد، تحير فيمن يخدمه منهم، وهذا مثل للمشرك، والثاني مثل للواحد الْحَمْدُ لِلَّهِ وحده بَلْ أَكْثَرُهُمْ أي أهل مكة لا يَعْلَمُونَ (29) ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون إِنَّكَ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ستموت ويموتون فلا شماتة بالموت، نزلت لما استبطؤوا موته صلّى اللّه عليه وسلّم ثُمَّ إِنَّكُمْ أيها الناس فيما بينكم من المظالم يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) فَمَنْ أي لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ بنسبة الشريك والولد إليه وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ بالقرآن إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً مأوى لِلْكافِرِينَ (32) بلى وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَصَدَّقَ بِهِ هم المؤمنون، فالذي بمعنى الذين أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) الشرك لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لأنفسهم بإيمانهم\r______________________________\rشذوذا بكسر السين وسكون اللام. قوله: هَلْ يَسْتَوِيانِ الاستفهام إنكاري بمعنى النفي. قوله:\r(تمييز) أي محول عن الفاعل، والمعنى لا يستوي مثلهما وصفتهما. قوله: (أي لا يستوي العبد لجماعة) هذا هو المثل المحسوس للمشرك الذي يعبد غير اللّه، فقوله: (لجماعة) أي سيئة اخلاقهم، وقوله: (و العبد لواحد) هذا هو المثل المحسوس للموحد الذي يعبد اللّه وحده، وقوله: (فإن الأول) إلخ، تقرير للمثل الأول، ولم يتعرض للثاني لوضوحه.\rقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ أي على عدم استواء هذين الرجلين. قوله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي مع بيان ظهوره، وهو اضراب انتقالي من بيان عد الاستواء على الوجه المذكور، إلى بيان أن أكثر الناس لا يعلمون ذلك.\rقوله: إِنَّكَ مَيِّتٌ العامة على التشديد وهو من سيموت، وأما الميت بالتخفيف فهو من فارقته الروح بالفعل. قوله: (فلا شماتة بالموت) الشماتة الفرح ببلية العدو. قوله: (نزلت لما استبطؤوا موته) إلخ، أي وذلك أنهم كانوا ينتظرون موته، فأخبر اللّه تعالى بأن الموت يعمهم، فلا معنى لشماتة الفاني بالفاني. قوله: (أيها الناس) أي مؤمنكم وكافركم، و\rقوله: تَخْتَصِمُونَ أي يخاصم بعضكم بعضا، فيقتص للمظلوم من الظالم، لما روي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم ولا متاع له، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: إن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا؛ وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار». قوله: (أي لا أحد) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي.\rقوله: مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ أي ومن جملة الكذب على اللّه، الكذب على رسوله، بأن يقول مثلا: قال رسول اللّه كذا، أو هذا شرعه، والحال أنه لم يكن قاله، ولم يكن شرعه.\rقوله: إِذْ جاءَهُ ظرف لكذب بالصدق، والمعنى كذب بالصدق وقت مجيئه. قوله: (بلى) أشار بذلك إلى أن الاستفهام تقريري، والمعنى فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ لأن (بلى) يجاب بها النفي ويصيره إثباتا كما تقدم. قوله: (فالذي بمعنى الذين) أي بالنسبة للصلة الثانية، ولذا روعي معناه، فجمع في\rقوله:\rأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ وروعي لفظه في قوله: جاءَ وصَدَّقَ قوله: لَهُمْ ما يَشاؤُنَ أي كل ما","part":3,"page":365},{"id":1479,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 366\rلِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (35) أسوأ وأحسن، بمعنى السيّىء والحسن أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ أي النبي بلى وَيُخَوِّفُونَكَ الخطاب له بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ أي الأصنام أن تقتله أو تخبله وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (36) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ غالب على أمره ذِي انْتِقامٍ (37) من أعدائه؟ بلى وَلَئِنْ لام قسم سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ أي الأصنام إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ لا أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ؟ لا، وفي قراءة بالإضافة فيهما قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38) يثق الواثقون قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ حالتكم إِنِّي عامِلٌ على حالتي\r______________________________\rيشتهون من وقت حضور الموت، كالأمن من الفتانات عنده، ومن فتنة القبر وعذابه، ومن هول الموقف إلى غير ذلك. قوله: (لأنفسهم) متعلق بالمحسنين، وفيه إشارة إلى أن إحسان الإنسان لنفسه، وثمرته عائدة عليها، فلا يعود على اللّه نفع محسن، ولا ضر مسيء، تعالى اللّه عنه، والإحسان للنفس، يكون بطاعة اللّه والالتجاء إليه وبذل المعروف للخلق محبة في الخالق، وبهذا تكون النفس عزيزة: ومن أعز نفسه أعزه اللّه.\rوبضدها تتميز الأشياء.\rقوله: لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ متعلق بمحذوف، أي يسر اللّه لهم ذلك ليكفر إلخ، واللام للعاقبة والصيرورة، وهو تفصيل لقوله: لَهُمْ ما يَشاؤُنَ. قوله: (بمعنى السيىء والحسن) أي فافعل التفضيل ليس على بابه، وهو جواب عما يقال: مقتضاه أنه يكفر عنهم الأسوأ فقط، ويجازون على الأحسن فقط، ولا يكفر عنهم السيىء، ولا يجازون على الحسن.\rقوله: عَبْدَهُ أي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل: المراد به الخالص في العبودية للّه وهو الأتم، ويؤيده قراءة عباده بالجمع، وهي سبعية أيضا، والمعنى أنه من أخلص للّه في عبادته، كفاه ما أهمه في دينه ودنياه وآخرته.\rقوله: وَيُخَوِّفُونَكَ يصح أن تكون الجملة حالية، والمعنى أن اللّه كافيك في كل حال تخويفهم لك، ويصح أن تكون مستأنفة. قوله: (أو تخبله) أي تفسد أعضاءه وتذهب عقله.\rقوله: ذِي انْتِقامٍ أي ينتقم من أعدائه لأوليائه، وتأخير قوله: (بلى) للإشارة إلى أنه راجع لقوله: ذِي انْتِقامٍ أيضا.\rقوله: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ أي فلا جواب لهم غيره، لقيام البراهين الواضحة على أنه المنفرد بالخلق والإيجاد.\rقوله: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ إلخ، رأى متعدية لمفعولين: الأول قوله: ما تَدْعُونَ، والثاني قوله: هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ إلخ، وقوله: إِنْ أَرادَنِيَ إلخ، جملة شرطية معترضة بين المفعول الأول والثاني، وجوابها محذوف لدلالة المفعول الثاني عليه، وتقديره لا كاشف له غيره. قوله: إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ قدمه لأن دفعه أهم وخص نفسه لأنه جواب لتخويفه من الأصنام. قوله: هَلْ هُنَ عبر عنها بضمير الإناث تحقيرا لها، ولأنهم كانوا يسمونها بأسماء الإناث، كاللات والعزى ومناة. قوله: (و في قراءة بالإضافة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ أي كافيّ فلا ألتفت لغيره. قوله: (يثق الواثقون) أي يعتمد المعتمدون.","part":3,"page":366},{"id":1480,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 367\rفَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39) مَنْ موصولة مفعولة العلم يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُ ينزل عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (40) دائم هو عذاب النار، وقد أخزاهم اللّه ببدر إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِ متعلق بأنزل فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ اهتداؤه وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41) فتجبرهم على الهدي اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَيتوفى الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها أي يتوفاها وقت النوم فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي وقت موتها، والمرسلة نفس التمييز تبقى بدونها نفس الحياة بخلاف العكس إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَآياتٍ دلالات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) فيعلمون أن القادر على ذلك قادر على\r______________________________\rقوله: قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا إلخ، هذا الأمر للتهديد. قوله: (حالتكم) أي وهي الكفر والعناد، وفيه تشبيه الحال بالمكان، بجامع الثبوت والاستقرار في كل. قوله: (مفعولة العلم) أي لأنها بمعنى عرف، فتنصب مفعولا واحدا.\rقوله: يُخْزِيهِ أي يهينه ويذله. قوله: لِلنَّاسِ أي لمصالح الناس في معاشهم ومعادهم. قوله: (متعلق بأنزل) ويصح أن يكون متعلقا بمحذوف حال، إما من فاعل أنزل، أو من مفعوله.\rقوله: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى ليس هداهم بيدك ولا في ضمانتك، حتى تقهرهم وتجبرهم عليه، وإنما هو بيدنا، فإن شئنا أبقيناهم على ما هم عليه من الضلال.\rقوله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها أي يقبض الأرواح عند حضور آجالها، فالنفس والروح شيء واحد على التحقيق، وذلك القبض ظاهر، بحيث ينعدم التمييز والإحساس، وباطنا بحيث تنعدم الحياة والنفس والحركة. قوله: وَ(يتوفى) الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها أشار بذلك إلى أن الموصول معطوف على الْأَنْفُسَ مسلط عليه يَتَوَفَّى والمعنى يقبض الأرواح التي لم تحضر آجالها عند نومها ظاهرا، بحيث ينعدم التمييز والإحساس لا باطنا، فإن الحياة والنفس والحركة باقية، ولذا عرفوا النوم بأنه فترة طبيعية، تهجم على الشخص قهرا عليه، تمنع حواسه الحركة، وعقله الإدراك، وأما في حالة اليقظة، فالروح سارية في الجسد ظاهرا وباطنا، لأنها جسم لطيف شفاف، مشتبك بالاجسام الكثيفة، اشتبكاك الماء بالعود الأخضر على هيئة جسد صاحبها، وقيل مقرها القلب، وشعاعها مقوم للجسد، كالشمعة الكائنة وسط آنية من زجاج، فأصلها في وسطه، ونورها سار في جميع أجزائه.\rقوله: فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ أي لا يردها إلى جسدها، وتحيا حياة دنيوية. قوله:\r(أي وقت موتها) ظاهره أن قوله: إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى راجع لقوله: وَيُرْسِلُ الْأُخْرى فقط، ويصح رجوعه له وللذي قبله، ويراد بالأجل المسمى في الممسوكة النفخة الثانية. قوله: (نفس التمييز) أي والإحساس. قوله: (نفس الحياة) أي والحركة والنفس. قوله: (بخلاف العكس) أي فمتى ذهبت نفس الحياة، لا تبقى نفس التمييز والإحساس، واعلم أنه اختلف، هل في الإنسان روح واحدة والتعدد باعتبار أوصافها وهو التحقيق، أو روحان: إحداهما روح اليقظة، التي أجرى اللّه العادة بأنها إذا كانت في الجسد كان الإنسان متيقظا، فإذا خرجت منه، نام الإنسان ورأت تلك الروح المنامات، والأخرى:\rروح الحياة، التي أجرى اللّه العادة بأنها إذا كانت في الجسد كان حيا، فإذا فارقته مات، فإذا رجعت إليه حيي، وكلام المفسر محتمل للقولين. قوله: (المذكور) أي من التوفي والإمساك والإرسال. قوله:","part":3,"page":367},{"id":1481,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 368\rالبعث، وقريش لم يتفكروا في ذلك أَمِ بل اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أي الأصنام آلهة شُفَعاءَ عند اللّه بزعمهم قُلْ لهم أَيشفعون وَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً من الشفاعة وغيرها وَلا يَعْقِلُونَ (43) أنكم تعبدونهم ولا غير ذلك؟ لا قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً أي هو مختص بها، فلا يشفع أحد إلا بإذنه لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أي دون آلهتهم اشْمَأَزَّتْ نفرت وانقبضت قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ أي الأصنام إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45) قُلِ اللَّهُمَ بمعنى يا اللّه فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبدعهما عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ما غاب وما شوهد أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) من أمر الدين اهدني لما اختلفوا فيه من الحق وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا ظهر لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) يظنون وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ نزل بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (48) أي العذاب فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الجنس ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ أعطيناه نِعْمَةً إنعاما مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ من اللّه بأني له أهل بَلْ هِيَ أي القولة فِتْنَةٌ\r______________________________\r(و قريش لم يتفكروا) قدره ليكون\rقوله: أَمِ اتَّخَذُوا إضرابا انتقاليا. قوله: (أي الأصنام) بيان للمفعول الأولى. قوله: أَ(يشفعون) أشار بهذا إلى أن الهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة عليه.\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 3 368\r\rقوله: أَمِ اتَّخَذُوا إضرابا انتقاليا. قوله: (أي الأصنام) بيان للمفعول الأولى. قوله: أَ(يشفعون) أشار بهذا إلى أن الهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة عليه.\rقوله: لا أشار به إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي. قوله: (أي وهو مختص بها) جواب عما يقال:\rمقتضى الآية نفي الشفاعة عن غيره تعالى، مع أنه قد جاء في الأخبار: إن للأنبياء والعلماء والشهداء شفاعات فأجاب: بأن المعنى لا يملك الشفاعة إلا اللّه، وشفاعات بإذن اللّه ورضاه، قال تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى.\rقوله: ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي تردون فيجازيكم بأعمالكم.\rقوله: وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ إِذا معمولة لقوله: اشْمَأَزَّتْ قوله: إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ أي لنسيانهم حق اللّه تعالى، وهذه الآية تجر بذيلها على أهل اللهو والفسوق، الذين يختارون مجالس اللهو ويفرحون بها، على مجالس الطاعات.\rقوله: قُلِ اللَّهُمَ أي التجىء إلى ربك بالدعاء والتضرع، فإنه القادر على كل شيء. قوله: (أي يا اللّه) أي فحذفت يا النداء، وعوض عنها الميم وشددت، لتكون على حرفين كالمعوض عنه. قوله: (اهدني) هذا هو المقصود بالدعاء، وتمام تلك الدعوة النبوية على ما ورد:\rاهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.\rقوله: وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا إلخ، بيان لغاية شدة ما ينزل بهم. قوله: لَافْتَدَوْا بِهِ أي بالمذكور من الأمرين. قوله: يَوْمَ الْقِيامَةِ ظرف لَافْتَدَوْا. قوله: وَبَدا لَهُمْ إلخ، كلام مستأنف أو معطوف على قوله: وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا إلخ.\rقوله: سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا أي الأعمال السيئة حين تعرض عليهم صحائفهم. قوله: (الجنس) أي فهو إخبار عن الجنس بما يفعله غالب أفراده. قوله:\r(إنعاما) أي تفضلا وإحسانا.\rقوله: عَلى عِلْمٍ (من اللّه) إلخ أي أو مني بوجود سببه، أو أني أعطيته بسبب محبة اللّه لي وفلاحي. قوله: (أي القولة) أشار بذلك إلى أن الضمير عائد على (القولة) وقيل عائد","part":3,"page":368},{"id":1482,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 369\rبلية يبتلى بها العبد وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (49) أن التخويل استدراج وامتحان قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم، كقارون وقومه الراضين بها فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (50) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا أي جزاؤها وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ أي قريش سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (51) بفائتين عذابنا، فقحطوا سبع سنين ثم وسع عليهم أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ يوسعه لِمَنْ يَشاءُ امتحانا وَيَقْدِرُ يضيقه لمن يشاء ابتلاء إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) به قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا بكسر النون وفتحها، وقرىء بضمها تيأسوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لمن تاب من\r______________________________\rعلى النعمة، والمعنى أن النعمة فتنة، أي امتحان واختبار، هل يشكر عليها أو يكفرها. قوله: (أن التخويل) أي إعطاء النعم تفضلا وإحسانا. قوله: (الراضين بها) أشار بذلك إلى أن قومه لم يقولوها بالفعل، وإنما نسبت لهم من حيث رضاهم بها.\rقوله: سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا أي جزاء أعمالهم السيئة.\rقوله: مِنْ هؤُلاءِ بيان للذين ظلموا. قوله: (فقحطوا سبع سنين) أي أوائل سني الهجرة، حتى أكلوا الجيف والعظم المحرق. قوله: (ثم وسع عليهم) أي استدراجا لهم، لا رضا عليهم.\rقوله: أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أي القائلون: إنما أوتيته على علم عندي. قوله: يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ أي وإن كان لا حيلة له ولا قوة، طائعا أو عاصيا، وقوله: وَيَقْدِرُ أي لمن يشاء، وإن كان قويا شديدا، طائعا أو عاصيا، فليس لبسط الرزق الدنيوي ولا لقبضه، مدخل في محبة اللّه ولا بغضه، بل بحكمته تعالى. قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ أي المذكور.\rقوله: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا الخ، سبب نزولها: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث إلى وحشي قاتل حمزة يدعوه إلى الإسلام، فأرسل إليه: كيف تدعوني إلى دينك، وأنت تزعم أنه من قتل أو اشرك أو زنى يلق أثاما يضاعف له العذاب، وأنا فعلت ذلك كله؟ فأنزل اللّه إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فقال وحشي: هذا شرط شديد، لعلي لا أقدر عليه، فهل غير ذلك؟ فأنزل اللّه إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ* قال وحشي: اراني بعد في شبهة، أيغفر لي أم لا؟ فنزلت هذه الآية، فقال وحشي: نعم، الآن لا أرى شرطا، فأسلم، وهذه الآية عامة لكل كافر وعاص، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومن ثم قيل: إنها أرجى آية في كتاب اللّه تعالى، وفيها من أنواع المعاني والبيان أمور حسان، منها: إقباله تعالى على خلقه ونداؤه إياهم. ومنها: إضافتهم إليه إضافة تشريف، ومنها:\rالتفات من التكلم إلى الغيبة في قوله: مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ. ومنها: إضافة الرحمة لأجل اسمائه، الجامع لجميع الأسماء والصفات، وهو لفظ الجلالة. ومنها: الاتيان بالجملة المعرفة الطرفين المؤكدة بأن وضمير الفصل في قوله: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ للإشارة إلى أنه تعالى لا وصف له مع عباده إلا الغفران والرحمة، ومناسبة هذه الآية لما قبلها، أن اللّه تعالى لما شدد على الكفار التشديد العظيم في قوله وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً الآية، أتبعها بذكر عظيم غفرانه ورحمته لمن آمن، ليجمع العبد بين الرجاء والخوف. قوله: الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أي فرطوا في الأعمال الصالحة، وارتكبوا سيىء الأعمال، واكثروا منه. قوله: لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إن قلت: إن في هذا إغراء بالمعاصي، واتكالا","part":3,"page":369},{"id":1483,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 370\rالشرك إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا ارجعوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا أخلصوا العمل لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (54) بمنعه إن لم تتوبوا وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ هو القرآن مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (55) قبل إتيانه\r______________________________\rعلى غفرانه تعالى، وهو لا يليق. اجيب: بأن المقصود تنبيه العاصي على إنه ينبغي له أن يقدم على التوبة، ولا يقنط من رحمة اللّه، وليس ذلك إغراء بالمعاصي، بل هو تطمين للعصاة، وترغيب لهم في الإقبال على ربهم. قوله: (بكسر النون وفتحها) أي من باب جلس وسلم وهما سبعيتان. قوله: (و قرىء بضمها) أي من باب دخل، وهي شاذة.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً أي إشراكا أو غيره، وهو مقيد بالتوبة كما قال المفسر، لأن بها يخرج العاصي من ذنوبه كيوم ولدته أمه لما في الحديث: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» وأما من مات مسلما ولم يتب من ذنوبه فأمره مفوض لربه، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بقدر جرمه، ثم يدخله الجنة، وأما من مات مشركا، فلا يغفر له بنص قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ* ومن هنا قيل:\rرحمة اللّه غلبت غضبه، لأن دار الغضب مخصوصة بمن مات مشركا، بخلاف دار الرحمة، فهي لمن عدا ذلك. قوله: (لمن تاب من الشرك) إنما خص الشرك، لأن التوبة منه مقبولة قطعا بنص قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ بخلاف التوبة من غير الشرك، ففيها قولان: قيل مقبولة ظنا، وقيل قطعا، والفرق أن تعذيب العاصي تطهير، وتعذيب الكافر غضب، فمآل العاصي للجنة، وإن طالت مدته في النار، لأن معاملته بالفضل والرحمة بخلاف الكافر، فمعاملته بالعدل. قوله: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ تعليل لما قبله، وهذان الوصفان يكونان لمن تاب، فالغفران له دخوله الجنة.\rقوله: وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ أتى بهذه الآية عقب التي قبلها لئلا يتكل العاصي على الغفران، ويترك التوبة والرجوع إلى اللّه، فأفاد أن الرجوع إلى اللّه والإقبال عليه مطلوب، ومن ترك ذلك فله الوعيد العظيم. قوله: (إن لم يتوبوا) راجع لقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ.\rقوله: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أي على لسان أحسن نبي وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وهذا معطوف على قوله: وَأَنِيبُوا والمعنى: ارجعوا إلى ربكم، والزموا أوامر أحسن كتاب أنزل إليكم ونواهيه، وهذا الخطاب عام للأولين والآخرين من لدن آدم إلى يوم القيامة، ولكن من أدركه التكليف كلف بإتباعه، ومن لم يدركه بأن كان متقدما عليه، يلزمه اتباعه لو فرض أنه أدركه، ومن هنا أخذ الميثاق على الأنبياء وأممهم، إن ظهر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأحدهم حي يلزمه اتباعه، وفي الحديث: «لو أدركني موسى ما وسعه إلا اتباعي». وحينئذ فالمعنى: اتبعوا يا عبادي من أول الزمان لآخره، أحسن كتاب أنزل إليكم من ربكم، فالمكلف بهذا الخطاب من أدركه ومن لم يدركه، لكن من لم يدركه مكلف به لو لا مانع الموت، ولذا كلف به من بقي حيا حتى أدركه، كالخضر وإلياس وعيسى عليهم السّلام. قوله: (القرآن) تفسير لأحسن، فإن ما أنزل إلينا من ربنا كتب كثيرة، وأحسنها القرآن، وهذا كله على ما فهم المفسر، وقيل: معنى أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ الخ، أي من القرآن وهو أوامره دون نواهيه، أو عزائمه دون رخصه، أو ناسخه دون منسوخه، أو ما هو أعم، والخطاب لخصوص هذه الأمة فتدبر.","part":3,"page":370},{"id":1484,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 371\rبوقته، فبادروا قبل أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى أصله يا حسرتي أي ندامتي عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ أي طاعته وَإِنْ مخففة من الثقيلة أي وإني كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) بدينه وكتابه أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي بالطاعة فاهتديت لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) عذابه أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً رجعة إلى الدنيا فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) المؤمنين، فيقال له من قبل اللّه بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي القرآن وهو سبب الهداية فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ تكبرت عن الإيمان بها وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (59) وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ بنسبة الشريك والولد إليه وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً مأوى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) عن الإيمان؟ بلى\r______________________________\rقوله: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ معمول لمحذوف قدره المفسر بقوله: (بادروا قبل) أَنْ تَقُولَ الخ، وقدره غيره، كراهة أو مخافة أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ الخ، وحينئذ فيكون مفعولا لأجله، وهو أسهل مما قدره المفسر، والمراد نفس الكافر، ونكرها للتحقير. قوله: (أصله يا حسرتي) أي فقلبت الياء الفا، فهي في محل جر ونداؤها مجاز، أي هذا أوانك فاحضري. قوله: (أي طاعته) أشار بذلك إلى أن المراد بالجنب الطاعة مجازا، لأن الجنب في الأصل الجهة المحسوسة، ويرادفه الجانب، فشبهت الطاعة بالجهة بجامع تعلق كل بصاحبه، لأن الطاعة لها تعلق باللّه تعالى، والجهة لها تعلق بصاحبها. قوله: وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ الجملة حالية، والمعنى فرطت في جنب اللّه وأنا ساخر.\rقوله: أَوْ تَقُولَ الخ، أَوْ للتنويع في مقالة الكافر. قوله: (بالطاعة) وفي نسخة بإلطافه أي إسعافه، ولو قال بآياته لكان أظهر.\rقوله: فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ إما معطوف على كَرَّةً فيكون من جملة التمني، والفاء عاطفة للفعل على الاسم الخالص، نظير قول الشاعر:\rلو لا توقع معتر فأرضيه ... ما كنت أوثر أترابا على ترب\r\rويكون إضمار أَنَ جائزا لا واجبا، قال ابن مالك:\rوإن على اسم خالص فعل عطف ... تنصبه إن ثابتا أو منحذف\r\rأو منصوب في جواب التمني، ويكون مرتبا على التمني، والفاء للسببية، وإضمار أَنَ واجب. قوله:\r(فيقال له) الخ، أي جوابا لمقالته الثانية، وأخر عن الثانية، ليتصل كلام الكافر بعضه ببعض، ولم تؤخر المقالة الثانية عن الثالثة، لئلا يكون مخالفا للترتيب الوجودي، فإن الكافر أولا يتحسر، ثم يحتج بحجج واهية، ثم يتمنى الرجوع إلى الدنيا، إن قلت: إن بَلى يجاب بها النفي ولا نفي في الآية، أجيب: بأن الآية متضمنة للنفي، لأن معنى قوله: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لم يهدني. قوله: (و هي سبب الهداية) أشار بذلك إلى أن المراد بالهداية الوصول بالفعل، وأما إن أريد بها مطلق الدلالة، فالآيات نفسها دالة. قوله:\r(بنسبة الشريك) الخ، أشار بذلك إلى أن المراد كذب يؤدي للكفر، وإلا فظاهر الآية يعم كل كذب على اللّه تعالى، وحينئذ ففيها تحذير وتخويف لمن يتعمد الكذب على اللّه تعالى، كالافتاء بغير الشرع، ورواية الحديث بالكذب.\rقوله: وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ الجملة حالية إن جعلت الرؤية بصرية، أو مفعول ثان إن جعلت","part":3,"page":371},{"id":1485,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 372\rوَيُنَجِّي اللَّهُ من جهنم الَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك بِمَفازَتِهِمْ أي بمكان فوزهم من الجنة بأن يجعلوا فيه لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (61) اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) متصرف فيه كيف يشاء لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مفاتيح خزائنهما من المطر والنبات وغيرهما وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ القرآن أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (63) متصل بقوله وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا الخ، وما بينهما اعتراض قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (64) غير منصوب بأعبد المعمول لتأمروني بتقدير أن بنون واحدة وبنونين بإدغام وفك وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ واللّه لَئِنْ أَشْرَكْتَ يا محمد فرضا لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ\r______________________________\rعلمية. قوله: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ الخ، هذا تقرير لا سوداد وجوههم. قوله: اتَّقَوْا (الشرك) أي جعلوا بينهم وبينه وقاية وهو الإيمان، وهذه تقوى العامة، وتقوى الخواص فعل الطاعات وترك المعاصي، وتقوى خواص الخواص عدم خطور الغير ببالهم.\rقوله: بِمَفازَتِهِمْ الباء سببية متعلقة بينجي، وفي قراءة سبعية أيضا بمفازاتهم جمعا باعتبار الأشخاص. قوله: (أي بمكان فوزهم) أي بمكان ظفرهم بمقصودهم، والمعنى ينجي اللّه المتقين بسبب دخولهم في مكان ظفرهم بمقصودهم وهو الجنة. قوله: لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ يحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة مفسرة لمفازتهم، فلا محل لها من الإعراب، ويحتمل أن تكون حالية من قوله: الَّذِينَ اتَّقَوْا.\rقوله: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ هذا دليل لما قبله، ودخل في الشيء الجنة وما فيها، والنار وما فيها، وحينئذ فلا مشارك للّه في خلقه.\rقوله: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ المقاليد جمع مقلاد أو مقليد، والكلام كناية عن شدة التمكن والتصرف في كل شيء في السماوات أو الأرض، وروي عن عثمان رضي اللّه عنه أنه سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن المقاليد فقال: تفسيرها لا إله إلا اللّه واللّه أكبر وسبحان اللّه وبحمده واستغفر اللّه ولا حول ولا قوة إلا باللّه، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، فهذه الكلمات مفاتيح خزائن السماوات والأرض، من تكلم بها فتحت له.\rقوله: (من المطر) الخ، بيان للخزائن. قوله: (متصل بقوله وينجي) أي فهو معطوف عليه، من عطف جملة اسمية على فعلية ولا مانع منه.\rقوله: (المعمول لتأمروني) أي والأصل أتأمرونني بأن أعبد غير اللّه، قدم مفعول أَعْبُدُ على تأمرونني العامل في عامله وحذفت. قوله: (بنون واحدة) أي مخففة مع فتح الياء لا غير، وهذه النون الرفع، كسرت للمناسبة، واستغني بها عن نون الوقاية. قوله: (بإدغام) أي مع فتح الياء وسكونها وقوله: (و فك) أي مع سكون الياء لا غير، فالقراءات أربع سبعيات.\rقوله: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ الخ، اللام موطئة لقسم محذوف، أي واللّه لقد أوحي الخ، ونائب الفاعل قوله: لَئِنْ أَشْرَكْتَ الخ، والمعنى أوحي اليك هذا الكلام. قوله: (فرضا) أي على سبيل التقدير وفرض المحال، وهو وجواب عن سؤال مقدر: كيف يقع الشرك من الأنبياء مع عصمتهم؟ وقيل:\rالمقصود بالخطاب أممهم لعصمتهم من ذلك، إن قلت: كان مقتضى الظاهر لئن أشركتم، فما وجه إفراد الخطاب؟ أجيب: بأن المعنى أوحي إلى كل واحد منهم لئن أشركت الخ، كما يقال: كسانا الأمير حلة، أي كسا كل واحد منا حلة. قوله: لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ من باب تعب، وقرىء شذوذا من باب ضرب.","part":3,"page":372},{"id":1486,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 373\rوَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ وحده فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) إنعامه وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ما عرفوه حق معرفته، أو ما عظموه حق عظمته، حين أشركوا به غيره وَالْأَرْضُ جَمِيعاً حال أي السبع قَبْضَتُهُ أي مقبوضة له، أي في ملكه وتصرفه يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ مجموعات بِيَمِينِهِ بقدرته سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) معه وَنُفِخَ فِي الصُّورِ النفخة الأولى فَصَعِقَ مات مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ\r______________________________\rقوله: وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ عطف مسبب على سبب وجملة المعطوف والمعطوف عليه جواب القسم الثاني وهو لَئِنْ أَشْرَكْتَ، والقسم الثاني وجوابه جواب عن القسم الأول وَلَقَدْ أُوحِيَ وحذف جواب الشرط وهو إن أشركت للقاعدة.\rقوله: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ عطف على محذوف، والتقدير فلا تشرك بل اللّه الخ. قوله: وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ أي على ما أعطاك من التوفيق لطاعته وعبادته، لأن الشكر على ذلك، أفضل من الشكر على باقي النعم.\rقوله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إن قلت: إن مفهوم الآية يقتضي أن المؤمنين يعرفون اللّه حق معرفته، ومقتضى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «سبحانك ما عرفناك حق معرفتك». وقوله: «سبحان من لا يعلم قدره غيره، ولا يبلغ الواصفون صفته، إنه لا يعلم اللّه إلا اللّه» فكيف الجمع بينهما؟ أجيب: بأن الآية محمولة على المعرفة المأمور بها المكلف بتحصيلها، ولا شك أن المؤمنين عرفوه حق معرفته التي فرضت عليهم، وهي تنزيهه عن النقائص، ووصفه بالكمالات، والحديث محمول على المعرفة التي لم تفرض على العباد، وهي معرفة الحقيقة والكنه فتدبر، فتحصل أن العجز عن الإدراك ادراك، والبحث عن الذات اشراك، ولم يكلفنا اللّه إلا بأن ننزهه عما سواه سبحانه وتعالى. قوله: (أو ما عظموه حق عظمته) مفهومه أنهم عظموه ولا حق تعظيمه وهو كذلك، لأنهم معترفون بأنه الإله الأكبر، الخالق لكل شيء.\rقوله: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً الخ، الجملة حالية من لفظ الجلالة والمعنى ما عظموه حق تعظيمه، والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة، وقدم الأرض لمباشرتهم لها ومعرفتهم بحقيقتها. قوله: (أي في ملكه وتصرفه) أشار بذلك إلى أنه ليس المراد حقيقة القبض، بل المراد التصرف والملك، ظاهرا وباطنا، بخلاف أمور الدنيا، فإن للعبيد فيها أملاكا ظاهرية، وقيل: إنه كناية عن انعدامها بالمرة وهو ظاهر، ويقال في الطي مثل ذلك له.\rقوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ الخ، التعبير في هذا وما بعده بالماضي لتحقق وقوعه، أي لكونه واقعا في علم اللّه تعالى أزلا، لأن كل ما ظهر فهو جار في سابق علمه تعالى، والنافخ اسرافيل وجبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره عليهم السّلام، والصور بسكون الواو في قراءة العامة وهو القرن، فيه ثقب بعدد جميع الأرواح، وله ثلاث شعب: شعبة تحت الثرى تخرج منها الأرواح وتتصل بأجسادها، وشعبة تحت العرش منها يرسل اللّه الأرواح إلى الموتى، وشعبة في فم اسرافيل وهو ملك عظيم له جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، والعرش على كاهله، وقدماه قد نزلتا عن الأرض السفلى مسيرة مائة عام. قوله: (النفخة الأولى) ظاهر المفسر أن النفخ مرتان: نفخة الصعق، ونفخة البعث، وهو ظاهر الآية، وقيل: إن النفخ ثلاث مرات: فالنفخة الأولى تطول وتكون بها الزلزلة وتسيير الجبال وتكوير الشمس وانكدار النجوم","part":3,"page":373},{"id":1487,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 374\rاللَّهُ من الحور والولدان وغيرهما ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ أي جميع الخلائق الموتى قِيامٌ يَنْظُرُونَ (68) ينتظرون ما يفعل بهم وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ أضاءت بِنُورِ رَبِّها حين يتجلى\r______________________________\rوتسخير البحار، والناس أحياء والهون ينظرون إليها، فتذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هو بسكارى وهي المعنية بقوله: تعالى: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ والنفخة الثانية يكون بها الصعق، وعندها يموت كل من كان حيا حياة دنيوية، وأما من كان حيا حياة برزخية فإنه يغشى عليه، والنفخة الثالثة نفخة القيام، وبين هاتين النفختين أربعون سنة على الصحيح، لتستريح الأرض من الهول الذي حصل لها، وفي تلك المدة تمطر السماء وتنبت الأرض، ولا حي على ظهرها من سائر المخلوقات. قوله: (مات) أي ما كان حيا في الدنيا، ويغشى على من كان ميتا من قبل، لكنه حي في قبره، كالأنبياء والشهداء. قوله: (من الحور) الخ، أي فهو استثناء من الصعق بمعنى الموت، ويستثنى منه بمعنى الغشي والدهش موسى عليه السّلام، فإنه لا يغشى عليه، بل يبقى متيقظا ثابتا، لأنه صعق في الدنيا في قصة الجبل، فلا يصعق مرة أخرى. قوله: (و غيرهما) أي كجبريل وميكائيل واسرافيل وملك الموت، فإنهم لا يموتون بالنفخة الأولى، وإنما يموتون بين النفختين، لما روي: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تلا وَنُفِخَ فِي الصُّورِ الآية فقالوا: يا نبي اللّه من هم الذين استثنى اللّه تعالى؟ قال:\r«هم جبريل وميكائيل واسرافيل وملك الموت، فيقول اللّه لملك الموت: يا ملك الموت من بقي من خلقي وهو أعلم، فيقول: يا رب بقي جبريل وميكائيل واسرافيل وعبدك الضعيف ملك الموت، فيقول اللّه تعالى: خذ نفس اسرافيل وميكائيل، فيخران ميتين كالطودين العظيمين، فيقول: مت يا ملك الموت، فيموت، فيقول اللّه لجبريل: يا جبريل من بقي؟ فيقول: تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، وجهك الباقي الدائم، وجبريل الميت الفاني، فيقول اللّه تعالى: يا جبريل لا بد من موتك، فيقع ساجدا يخفق بجناحيه يقول: سبحانك ربي تباركت وتعاليت، يا ذا الجلال والإكرام».\rقوله: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى أي بعد أربعين سنة على الصحيح، وقرب نفخة القيام، تأتي سحابة من تحت العرش، فتمطر ماء خاثرا كالمني، فتنبت أجسام الخلائق كما تنبت البقل فتتكامل أجسامهم، وكل ابن آدم تأكله الأرض، إلا عجب الذنب، فإنه يبقى مثل عين الجرادة لا يدركه الطرف، فتركب عليه أجزاؤه، فإذا تم وتكامل، نفخ فيه الروح، ثم انشق عنه القبر، ثم قام خلقا سويا، وفي النفخة الثانية يقول: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، والأعضاء المتمزقة، والشعور المنتثرة، إن اللّه المصور الخالق يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء، فيجتمعن، ثم ينادي: قوموا للعرض على الجبار فيقومون، كما قال تعالى: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ الآية، فإذا خرجوا من قبورهم تتلقى المؤمنون بمراكب من رحمة اللّه، كما قال تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ويمشي المجرمون على أقدامهم حاملين أوزارهم، كما قال تعالى: وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً وفي الآية الأخرى يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ. قوله: فَإِذا هُمْ قِيامٌ بالرفع في قراءة العامة خبر عن الضمير، وقرىء شذوذا بالنصب على الحال، وخبر الضمير.\rقوله: يَنْظُرُونَ. قوله: (ما يفعل بهم) أي من الحساب والمرور على الصراط، وإدخالهم الجنة أو النار.","part":3,"page":374},{"id":1488,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 375\rلفصل القضاء وَوُضِعَ الْكِتابُ كتاب الأعمال للحساب وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ أي بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأمته يشهدون للرسل بالبلاغ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِ أي العدل وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (69) شيئا وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ أي جزاءه وَهُوَ أَعْلَمُ أي عالم بِما يَفْعَلُونَ (70) فلا يحتاج إلى شاهد وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بعنف إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً جماعات متفرقة حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها جواب إذا وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ\r______________________________\rقوله: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها المراد بالأرض: الأرض الجديدة المبدلة التي يحشر الناس عليها. قوله: (حين يتجلى) أي حين يكشف الحجاب عن الخلائق فيرونه حقيقة لما في الحديث: «سترون ربكم لا تمارون فيه كما لا تمارون في الشمس في اليوم الصحو». وهذا النور يخلقه اللّه تعالى فتضيء به الأرض، وليس من نور الشمس والقمر، وهو مخصوص بمن يرى اللّه تعالى في القيامة وهم المؤمنون.\rقوله: وَوُضِعَ الْكِتابُ أي أعطي كل واحد من الخلائق كتابه بيمينه أو شماله.\rقوله: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ أي وذلك أن اللّه تعالى يجمع الخلائق الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثم يقول لكفار الأمم: ألم يأتكم نذير؟ فينكرون ويقولون: ما جاءنا من نذير، فيسأل اللّه تعالى الأنبياء عن ذلك فيقولون: كذبوا قد بلغناهم، فيسألهم البينة وهو أعلم بهم إقامة للحجة فيقولون:\rأمة محمد تشهد لنا، فيؤتى بأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيشهدون لهم أنهم قد بلغوا، فتقول الأمم الماضية: من أين علموا، وإنما كانوا بعدنا؟ فيسأل هذه الأمة فيقولون: أرسلت إلينا رسولا، وأنزلت علينا كتابا، أخبرتنا فيه بتبليغ الرسل، وأنت صادق فيما أخبرت، ثم يؤتى بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم فيسأله اللّه تعالى عن أمته، فيزكيهم ويشهد بصدقهم. قوله: (أي العدل) أي بالنسبة للكافرين، وأما المؤمنون فحكمه فيهم بالفضل. قوله:\r(أي جزاءه) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله: (أي عالم) أشار بذلك إلى أن اسم التفضيل ليس على بابه، إذ لا مشاركة بين القديم والحادث. قوله: (فلا يحتاج إلى شاهد) أي لأنه عالم بمقادير أفعالهم وكيفياتها، وإنما الشهود وكتابة الأعمال لحكم عظيمة، منها إقامة الحجة على من عائد، وقد أشار صاحب الجوهرة لهذا بقوله:\rوالعرش والكرسي ثم القلم ... والكاتبون اللوح كل حكم\r\rلا لاحتياج وبها الإيمان ... يجب عليك أيها الإنسان\r\rقوله: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ، هذه الآية وما بعدها تفصيل لما أجمل في قوله: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ. قوله: (بعنف) أي شدة، لأنهم يضربون من خلف بالمقامع، ويسبحون من أمام بالسلاسل والأغلال. قوله: إِلى جَهَنَّمَ المراد دار العذاب بجميع طبقاتها. قوله: زُمَراً جمع زمرة من الزمر وهو الصوت، سموا بذلك لأن الجماعة لا تخلو غالبا عنه. قوله: (جماعات متفرقة) أي فوجا فوجا كما في آية كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ والمعنى كل أمة على حدة. قوله: حَتَّى إِذا جاؤُها حَتَّى ابتدائية تبتدأ بعدها الجمل. قوله: فُتِحَتْ أَبْوابُها أي ليتلقوا حرارتها بأنفسهم. قوله: (جواب إذا) أي بإتفاق. قوله: رُسُلٌ مِنْكُمْ أي من جنسكم. قوله: (القرآن) أي بالنسبة لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وقوله:","part":3,"page":375},{"id":1489,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 376\rعَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ القرآن وغيره وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ أي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ* الآية عَلَى الْكافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها مقدرين الخلود فَبِئْسَ مَثْوَى مأوى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) جهنم وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ بلطف إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها الواو فيه للحال بتقدير قد وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ حال فَادْخُلُوها خالِدِينَ (73)\r______________________________\r(و غيره) أي بالنسبة لبقية الأمم. قوله: لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا أضاف اليوم لهم باعتبار انحصار شدته فيهم، وليس المراد به يوم القيامة جميعه، فإنه مختلف باعتبار الأشخاص، فيكون نعيما وسرورا للمؤمنين، وشدة وعذابا للكافرين.\rقوله: قالُوا بَلى إقرار بما وقع منهم، وإنما أنكروا حين سألهم اللّه تعالى طمعا في النجاة، فلما قامت الحجج عليهم، وتحتم الأمر بعذابهم، رأوا أن الإنكار لا فائدة فيه فأقروا، وبالجملة فالقيامة مواطن، تارة ينكرون وتارة تقر أعضاؤهم، وتارة يقرون بألسنتهم. قوله: عَلَى الْكافِرِينَ أظهر في محل الإضمار، اشارة لسبب استحقاقهم العذاب وهو الكفر. قوله: (مقدرين الخلود) أشار بذلك إلى أن\rقوله: خالِدِينَ حال مقدرة، وذلك لأنهم عند الدخول ليسوا خالدين، وإنما هم منتظرون ومقدرون الخلود. قوله: فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ أظهر في محل الإضمار، إشارة إلى بيان سبب كفرهم الذي استحقوا به العذاب، وقوله: (جهنم) هو المخصوص بالذم.\rقوله: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ أخر وعد المؤمنين ليحسن اختتام السورة به، ليكون آخر الكلام بشرى المؤمنين. قوله: (بلطف) أشار بذلك إلى أن السوق في الموضعين مختلف، فسوق الكفار سوق إهانة وانتقام، وسوق المؤمنين سوق تشريف وإكرام، وفي المعنى: سوق المؤمنين سوق مراكبهم، لأنهم يذهبون راكبين، فيسرع بهم إلى دار الكرامة والرضوان، فشتان ما بين السوقين، وهذا من بديع الكلام، وهو أن يؤتى بكلمة واحدة تدل على الهوان في حق جماعة، وعلى العز والرضوان في حق آخرين.\rقوله: زُمَراً أي جماعات على حساب قربهم ومراتبهم.\rقوله: حَتَّى إِذا جاؤُها حَتَّى ابتدائية. قوله: (الواو فيه للحال) والحكمة في زيادة الواو هنا دون التي قبلها، أن أبواب السجن مغلقة، إلى أن يجيئها صاحب الجريمة، فتفتح له ثم تغلق عليه، فناسب ذلك عدم الواو فيها، بخلاف أبواب السرور والفرح، فإنها تفتح انتظارا لمن يدخلها. قوله:\rوَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها عطف على قوله: جاؤُها. قوله: سَلامٌ عَلَيْكُمْ أي سلمتم من كل مكروه، وقوله: طِبْتُمْ أي طهرتم من دنس المعاصي، لما ورد: أنه على باب الجنة شجرة ينبع من ساقها عينان، يشرب المؤمنون من احداهما، فتطهر أجوافهم، وذلك قوله تعالى وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ثم يغتسلون من الأخرى فتطيب أجسادهم، فعندها يقول لهم خزنتها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ. قوله: (و جواب إذا مقدر) هذا أحد أقوال ثلاثة، وقيل: إن جوابها قوله: وَفُتِحَتْ والواو زائدة، وقيل: هو قوله: وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها والواو زائدة. قوله: (و سوقهم) مبتدأ و(تكرمة) خبره، وكذا ما بعده.","part":3,"page":376},{"id":1490,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 377\rمقدرين الخلود فيها، وجواب إذا مقدر أي دخلوها وسوقهم وفتح الأبواب قبل مجيئهم تكرمة لهم، وسوق الكفار، وفتح أبواب جهنم عند مجيئهم ليبقى حرها إليهم إهانة لهم وَقالُوا عطف على دخلوها المقدر الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ بالجنة وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ أي أرض الجنة نَتَبَوَّأُ ننزل مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ لأنها كلها لا يختار فيها مكان على مكان فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (74) الجنة وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ حال مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ من كل جانب منه يُسَبِّحُونَ حال من ضمير حافّين بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ملابسين للحمد، أي يقولون: سبحان اللّه وبحمده وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بين جميع الخلائق بِالْحَقِ أي العدل، فيدخل المؤمنون الجنة، والكافرون النار وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (75) ختم استقرار الفريقين بالحمد من الملائكة.\rواللّه سبحانه وتعالى أعلم.\r______________________________\rقوله: وَقالُوا أي بعد استقرارهم في الجنة. قوله: الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ أي حققه لنا في قوله: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا. قوله: وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ أي ملكها لنا نتصرف فيها تصرف الوارث فيما يرثه، وقد كانت لآدم وحده، فأخذها أولاده إرثا لها منه، وقيل: المراد أورثنا أرض الجنة التي كانت للكفار لو آمنوا، والأقرب أن المراد ملكنا إياها كالميراث، فإنه ملك بلا ثمن، ولا شبهة لأحد فيه، فكذلك منازل الجنة. قوله: (لا يختار فيها مكان على مكان) أي بل يرى كل إنسان بمكانه الذي أعد له، بحيث لو أطلق الاختيار لا يختار غيره، لزوال الحقد والحسد، من القلوب، وهذا جواب عما قيل: كيف ذلك، مع أن كل إنسان له محل معد لا سبيل له إلى غيره؟ وأجيب أيضا: بأن المعنى يختار من منازله من يشاء، لما ورد: أن كل واحد له جنة لا توصف سعة ولا حسنا، فيتبوأ من جنته حيث يشاء، ولا يخطر بباله غيرها. قوله: فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ هذا من كلام اللّه تعالى، زيادة في سرور أهل الجنة، وقوله: (الجنة) هو المخصوص بالمدح.\rقوله: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، بل ولكل مؤمن زيادة في السرور، لأن رؤية الملائكة في الآخرة من النعيم، لاتحاد روحانيتهم مع الإنس، وأما في الدنيا فمفزع، لأن النوع الإنساني في الدنيا ضعيف مكبل بأنواع الشهوات والحجب، فلا يستطيع رؤية المقربين. قوله: (حافين) أي محيطين مصطفين بحافته وجوانبه. قوله: (أي يقولون سبحان اللّه وبحمده) أي تلذذا، لأن منتهى درجاتهم الاستغراق في تسبيحه تعالى وتقديسه. قوله: (ختم استقرار الفريقين) الخ، أي كما ابتدأ ذكر الخلق بالحمد في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ففيه تنبيه على أنه تعالى ينبغي حمده في مبدأ كل أمر ونهايته. قوله: (من الملائكة) أي بل ومن جميع الخلق، فإن جميع أهل الجنة، يحمدون اللّه تعالى على ما أعطاهم وأولاهم من تلك النعم العظيمة ويجدون لذلك الحمد لذة عظيمة لزوال الحجاب عنهم.\rواللّه سبحانه وتعالى أعلم.","part":3,"page":377},{"id":1491,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 378\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة غافر مكيّة وآياتها خمس وثمانون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم (1) اللّه أعلم بمراده به تَنْزِيلُ الْكِتابِ القرآن مبتدأ\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة غافر\rمكيّة إلا الَّذِينَ يُجادِلُونَ الآيتين. وهي خمس وثمانون آية وتسمى سورة المؤمن، لقوله في أثنائها وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ وسورة الطول، لافتتاحها به في أوصاف الباري تعالى، واعلم أنه ورد في فضل الحواميم أحاديث كثيرة منها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم «الحواميم ديباج القرآن».\rومنها: «لكل شيء ثمرة، وإن ثمرة القرآن ذوات حم، هن روضات حسان مخصبات متجاورات، من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم». ومنها: «مثل الحواميم في القرآن، كمثل الحبرات في الثياب». ومنها: «لكل شيء لباب، ولباب القرآن الحواميم». ومنها: «الحواميم سبع، وأبواب النار سبع، جهنم والحطمة ولظى والسعير وسقر والهاوية والجحيم، فكل حم تقف يوم القيامة على باب من هذه الأبواب فتقول: لا يدخل النار من كان يؤمن بي ويقرؤني». فتحصل أنه يقال: حواميم، وآل حم، وذوات حم، خلافا لمن أنكر الأول. قوله: (مكية) أي وكذا بقية الحواميم. قوله: (إلا الذين يجادلون) الخ، الصواب أن يقول: إلا إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ الآيتين، وأول الآية الثانية لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية، لأن هاتين الآيتين هما المدنيتان، خلافا لما يوهمه المفسر. قوله: (خمس وثمانون) وقيل: اثنتان وثمانون.\rقوله: حم بسكون الميم في قراءة العامة، وقرىء شذوذا بضم الميم وفتحها وكسرها. فالأول على أنه خبر لمحذوف. والثاني على أنه مفعول محذوف، ومنع من الصرف للعلمية والتأنيث، أو شبه العجمة.\rوالثالث على أنه مبني على الكسر مبتدأ خبره محذوف، أي هذا محله مثلا. قوله: (اللّه أعلم بمراده) تقدم أن هذا القول في مثل هذا الموضع أسلم، وقيل: اسم من اسماء اللّه تعالى، وقيل: مفاتيح خزائنه، وقيل:\rاسم اللّه الأعظم، وقيل: مفاتح السور، وقيل: كل حرف منه يشير إلى كل اسم من اسمائه تعالى مبدوء بذلك الحرف، فالحاء افتتاح اسمه: حميد وحليم وحكيم وهكذا، والميم افتتاح اسمه: مالك ومجيد ومنان وهكذا، لما روي: أن أعرابيا سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما حم، فإنا لا نعرفها في لساننا؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «بدء","part":3,"page":378},{"id":1492,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 379\rمِنَ اللَّهِ خبره الْعَزِيزِ في ملكه الْعَلِيمِ (2) بخلقه غافِرِ الذَّنْبِ للمؤمنين وَقابِلِ التَّوْبِ لهم مصدر شَدِيدِ الْعِقابِ للكافرين أي مشدّدة ذِي الطَّوْلِ أي الإنعام الواسع، وهو موصوف على الدوام بكل من هذه الصفات، فإضافة المشتق منها للتعريف كالأخيرة لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) المرجع ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ القرآن إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (4) للمعاش سالمين فإن عاقبتهم النار كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ كعاد وثمود وغيرهما مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ يقتلوه وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا يزيلوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ بالعقاب فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (5) لهم؟ أي هو واقع موقعه وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ* الآية عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ\r______________________________\rأسماء وفواتح سور».\rقوله: الْعَزِيزِ (في خلقه) أشار إلى أنه من عز، بمعنى قهر وغلب.\rقوله: غافِرِ الذَّنْبِ أي ماحيه من الصحف. واعلم أن غافر وغفار وغفور، صيغ نسب على الصحيح، لأن أوصافه تعالى لا تفاوت فيها، بخلاف أوصاف الحوادث. قوله: وَقابِلِ التَّوْبِ أتى بالواو إشارة إلى أنه تعالى يجمع للمؤمنين بين محو الذنوب وقبول التوبة، فلا تلازم بين الوصفين بل بينهما تغاير، إذ يمكن محو الذنوب من غير توبة، ويمكن قبول التوبة في بعض الذنوب دون بعض. قوله:\r(مصدر) وقيل جمع توبة كدوم ودومة. قوله: (للكافرين) أي وأما العصاة وإن عوقبوا، فلا يعاملهم اللّه بالشدة. قوله: (أي الإنعام الواسع) وقيل: الطَّوْلِ بالفتح المن، وقيل: هو الغنى والسعة، وكلها ترجع لما قال المفسر. قوله: (و هو موصوف على الدوام) الخ، هذه العبارة جواب عما يقال: إن الصفات الثلاث التي هي غافر وقابل وشديد مشتقات، وإضافة المشتق لا تفيده تعريفا، فكيف وقعت صفات للمعرفة التي هي لفظ الجلالة؟ فأجاب المفسر: بأن محل ذلك ما لم يقصد بالمشتق الدوام. وإلا تعرف بالإضافة نظيره ما قيل في مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. وأجيب أيضا بأن الكل إبدال وهو لا يشترط فيه التبعية في التعريف.\rقوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يصح أن يكون حالا، لأن الجمل بعد المعارف أحوال، ويصح أن يكون مستأنفا. قوله: إِلَيْهِ الْمَصِيرُ أي فيجازي كل واحد بعمله.\rقوله: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ أي في إبطالها والطعن فيها، وهذا هو الجدال المذموم، وأما الجدال في نصر آيات اللّه بالحجج القاطعة الذي هو وظيفة الأنبياء ومن على قدمهم فهو ممدوح، ومنه قوله تعالى وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. قوله: فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ الخ، الفاء واقعة في جواب شرط مقدر تقديره: إذا علمت أنهم كفار فلا تحزن، ولا يغررك إمهالهم، فإنهم مأخوذون عن قريب، وهذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ أي قبل أهل مكة، وهو تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم أيضا. قوله: مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد قوم نوح. قوله: لِيَأْخُذُوهُ أي يتمكنوا من إصابته بما أرادوه به. قوله: (أي هو واقع موقعه) أي فهو عدل منه سبحانه وتعالى.\rقوله: وَكَذلِكَ أي كما وقع للأمم السابقة. قوله: حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أي وجبت وثبتت.\rوالمعنى: مثل ما وقع وحصل للمكذبين قبل هؤلاء، يحصل لهؤلاء في الآخرة، وإكرامهم في الدنيا بالنعم،","part":3,"page":379},{"id":1493,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 380\rالنَّارِ (6) بدل من كلمة الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ مبتدأ وَمَنْ حَوْلَهُ عطف عليه يُسَبِّحُونَ خبره بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ملابسين للحمد، أي يقولون: سبحان اللّه وبحمده وَيُؤْمِنُونَ بِهِ تعالى ببصائرهم، أي يصدقون بوحدانيته وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا يقولون رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ\r______________________________\rإنما هو ببركتك يا محمد. قوله: (بدل من كلمة) أي بدل كل من كل، إن أريد بلفظ الكلمة خصوص قوله: أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ أو بدل اشتمال إن فسرت الكلمة بقوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ* الخ، ولا شك أن الكلمة بهذا المعنى مشتملة على قوله: أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ.\rقوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ مبتدأ، أي الاسم الموصول مبتدأ، ويَحْمِلُونَ صلته، وقوله: وَمَنْ حَوْلَهُ اسم الموصول معطوف على الموصول قبله، وحَوْلَهُ صلته، والتقدير والذين حوله، وليس معطوفا على الضمير في يَحْمِلُونَ لإيهامه أن من حوله حامل أيضا. واعلم أن حملة العرش أعلى طبقات الملائكة، وأولهم وجودا، وهم في الدنيا أربعة، وفي يوم القيامة ثمانية، ورد: أن لكل ملك منهم وجه رجل، ووجه أسد، ووجه ثور، ووجه نسر، وكل وجه من الأربعة يسأل اللّه الرزق لذلك الجنس، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة، جناحان على وجهه مخافة أن ينظر إلى العرش فيتصدع، وجناحان يصفق بهما بالهواء، يروى أن أقدامهم في تخوم الأرض السفلى والأرضون والسماوات إلى حجزهم، ورؤوسهم خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون أطرافهم، وهم أشد خوفا من أهل السابعة، وأهلها أشد خوفا من أهل السادسة وهكذا، والعرش جوهرة خضراء، وهو أعظم من المخلوقات خلقا، ويكسى كل يوم ألف لون من النور.\rقوله: وَمَنْ حَوْلَهُ أي وهم الكروبيون سادات الملائكة، قال وهب: إن حول العرش سبعين ألف صف من الملائكة، صف خلف صف، يطوفون بالعرش، يقبل هؤلاء ويدبر هؤلاء، يكبر فريق ويهلل فريق، ومن وراء هؤلاء سبعون ألف صف قيام، أيديهم إلى أعناقهم، واضعين لها على عواتقهم، فإذا سمعوا تكبير أولئك وتهليلهم، رفعوا أصواتهم فقالوا: سبحانك اللهم وبحمدك، ما أعظمك وأجلك، أنت اللّه لا إله غيرك، والخلق كلهم إليك راجعون، ومن وراء هؤلاء مائة صف من الملائكة، قد وضعوا اليمنى على اليسرى، ليس منهم أحد إلا يسبح بتسبيح لا يسبحه الآخر، ما بين جناحي أحدهم ثلاثمائة عام، وما بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه أربعمائة. قوله: (أي يقولون سبحان اللّه وبحمده) أي لما ورد: أن حملة العرش، يكونون يوم القيامة ثمانية، أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على علمك وحلمك، وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك. قوله: (ببصائرهم) جواب عما يقال: إن وصفهم بالتسبيح، يغني عن وصفهم بالإيمان، فما فائدة ذكره عقبه؟ فأجاب: بأن التسبيح من وظائف اللسان، والإيمان من وظائف القلب، فأفاد فائدة لم تكن في الأول، فذكره للاعتناء بشأنه.\rقوله: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا أي يطلبون المغفرة لهم. وحكمة طلبهم المغفرة لهم، أنهم تكلموا في بني آدم حيث قالوا: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ؟ فلما وقع منهم ذلك، أمرهم اللّه بالاستغفار لهم جبرا لما وقع عنهم، ففيه تنبيه على أن من تكلم في غيره، ينبغي له أن يستغفر ربه.\rقوله: (و يقولون) أي في كيفية الاستغفار لهم، وهذه الجملة المقدرة، حال من ضمير يَسْتَغْفِرُونَ.","part":3,"page":380},{"id":1495,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 381\rرَحْمَةً وَعِلْماً أي وسع رحمتك كل شيء، وعلمك كل شيء فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا من الشرك وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ دين الإسلام وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (7) النار رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ إقامة الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ عطف على هم في وأدخلهم، أو في وعدتهم مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) في صنعه وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ أي عذابها وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ يوم القيامة فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ من قبل الملائكة وهم يمقتون أنفسهم عند دخولهم النار لَمَقْتُ اللَّهِ إياكم أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ في الدنيا إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (10) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ إماتتين وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ إحياءتين لأنهم نطفا أموات، فأحيوا ثم أميتوا ثم أحيوا للبعث فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا بكفرنا بالبعث فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ من النار والرجوع إلى الدنيا لنطيع ربنا\r______________________________\rقوله: رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ الخ، قدم هذا بين يدي الدعاء، توطئة له للإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يدعو اللّه تعالى، وهو موقن بالإجابة، ولا يتردد في الدعاء، فإنه مانع من الإجابة قوله:\rرَحْمَةً وَعِلْماً قدم الرحمة على العلم، لأن المقام للدعاء، والرحمة مقصودة فيه بالذات، وإلا فالعلم سابق عليها. قوله: (من الشرك) أي إن كان عليهم ذنوب. قوله: وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ أي بأن آمنوا.\rقوله: وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ أي اجعل بينهم وبينه وقاية تمنعهم منه، بأن توقفهم لصالح الأعمال.\rقوله: وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ الخ، أي بأن مات على غير الكفر، فيدخل فيه أهل الفترة والجنون. قوله: وَأَزْواجِهِمْ أي زوجاتهم لما ورد: إذا دخل المؤمن الجنة قال: أين أبي؟ أين أمي؟ أين ولدي؟ أي زوجتي؟ فيقال: إنهم لم يعملوا عملك، فيقول: إني كنت أعمل لي ولهم، فيقال: أدخولهم، فإذا اجتمع بأهله في الجنة، كان أكمل لسروره ولذاته. قوله: (في وأدخلهم) أي وهو أولى، لأنه يسير الدعاء لهم بالدخول صريحا بخلافه على (وعدتهم) فإنه ضمني.\rقوله: وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ الضمير راجع للآباء والأزواج والذرية. قوله: يَوْمَئِذٍ التنوين عوض عن جملة مأخوذة من السياق، والتقدير: يوم إذ تدخل من تشاء الجنة، ومن تشاء النار، وهو يوم القيامة. قوله: وَذلِكَ أي ما ذكر من الرحمة ووقاية السيئات.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا شروع في ذكر أحوال الكفار بعد دخولهم النار؛ إثر بيان أنهم من أصحاب النار. قوله: (و هم يمقتون أنفسهم) أي يبغضونها ويظهرون ذلك على رؤوس الأشهاد فيقول الواحد منهم لنفسه: مقتّك يا نفسي، فتقول الملائكة لهم وهم في النار: لمقت اللّه إياكم، إذ أنتم في الدنيا، وقد بعث إليكم الرسل فلم تؤمنوا، أشد من مقتكم أنفسكم اليوم. قوله: لَمَقْتُ اللَّهِ أي بغضه، والمراد لازمه وهو الانتقام والتعذيب، لأن حقيقته محالة في حق اللّه تعالى. قوله: (لأنهم نطفا أموات) كذا في بعض النسخ بنصب نطفا على الحال، والمناسب أن يقول: لأنهم كانوا أو خلقوا نطفا، فإن الإمانة إعدام الحياة، ابتداء أو بعد سبق الحياة.","part":3,"page":381},{"id":1496,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 382\rمِنْ سَبِيلٍ (11) طريق؟ وجوابهم: لا ذلِكُمْ أي العذاب الذي أنتم فيه بِأَنَّهُ أي بسبب أنه في الدنيا إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ بتوحيده وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ يجعل له شريك تُؤْمِنُوا تصدّقوا بالإشراك فَالْحُكْمُ في تعذيبكم لِلَّهِ الْعَلِيِ على خلقه الْكَبِيرِ (12) العظيم هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ دلائل توحيده وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً بالمطر وَما يَتَذَكَّرُ يتعظ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13) يرجع عن الشرك فَادْعُوا اللَّهَ اعبدوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ من الشرك وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (14) إخلاصكم منه رَفِيعُ الدَّرَجاتِ أي اللّه عظيم الصفات أو رافع درجات المؤمنين في الجنة ذُو الْعَرْشِ خالقه يُلْقِي الرُّوحَ الوحي مِنْ أَمْرِهِ أي قوله عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يخوّف الملقى عليه الناس يَوْمَ التَّلاقِ (15) بحذف الياء وإثباتها يوم\r______________________________\rقوله: ذلِكُمْ مبتدأ، وبِأَنَّهُ خبره، والضمير للشأن. قوله: فَالْحُكْمُ لِلَّهِ هذا من جملة ما يقال لهم في الآخرة بدليل قوله: (في تعذيبكم)، وأما قوله: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ فكلام مستأنف منقطع عما قبله، ويصح أن يكون الكلام تم بقوله: وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا وقوله: فَالْحُكْمُ لِلَّهِ تفريع على ما تقدم، كأنه قال: إذا علمتم أن الخلق فريقان، مؤمنون وكفار، فلا تعترضوا فإن الحكم للّه، أي القضاء بأن هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار، للّه وحده الموصوف بكون يرينا آياته، فيعتبر بها من يشاء فيهدى، ويكذب بها من يشاء فيضل.\rقوله: وَيُنَزِّلُ لَكُمْ أي من أجلكم. قوله: (بالمطر) أي بسببه، فإن الماء سبب في جميع الأرزاق، كما هو مشاهد.\rقوله: فَادْعُوا اللَّهَ يطلق الدعاء على الطلب حقيقة، وليس مرادا هنا بإجماع، بقرينة ما قبله وما بعده، وعلى العبادة مجازا كما هنا، من باب تسمية الكل باسم جزئه، لأن الدعاء جزء من اجزاء العبادة، وسميت العبادة دعاء، لأنه أعظم أجزائها، لما في الحديث: «الدعاء مخ العبادة». قوله: مُخْلِصِينَ حال من فاعل ادعوا، وأشار بذلك إلى أن الإنسان مأمور بالعبادة ظاهرا، وبإخلاص قلبه من أنواع الشك، والشرك الأكبر والأصغر، فقوله: (من الشرك) عام في الشرك الأكبر وهو الكفر، والأصغر وهو الرياء.\rقوله: وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ مبالغة فيما قبله، أي اعبدوه وأخلصوا له قلوبكم، هذا إذا رضي الكافرون بذلك، بل ولو كرهوا، أو قاتلوكم ومانعوكم من عبادته.\rقوله: (أي اللّه عظيم الصفات) أشار بذلك إلى أن رَفِيعُ صفة مشبهة خبر لمحذوف، أي هو منزه صفاته عن كل نقص، وقوله: (أو رافع) أشار به إلى أن فعيل صيغة مبالغة محولة عن اسم الفاعل.\rقوله: يُلْقِي الرُّوحَ أي الوحي، سمي بذلك لأنه يسري في القلوب كسريان الروح في الجسد، ولذا كان لا يطرأ على النبي النسيان. قوله: مِنْ أَمْرِهِ بيان للروح أو حال منه (أي قوله) وقيل المراد بالأمر القضاء. قوله: (الملقى عليه) هو فاعل الأنذار، وهو كناية عن الموصول في قوله: عَلى مَنْ يَشاءُ والمفعول الأول محذوف قدره المفسر بقوله: (الناس) والمفعول الثاني هو قوله: يَوْمَ التَّلاقِ. قوله:\r(بحذف الياء) أي وصلا ووقفا، وقوله: (و إثباتها) أي وصلا ووقفا، أو وصلا فقط، فالقراءات ثلاث","part":3,"page":382},{"id":1497,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 383\rالقيامة، لتلاقي أهل السماء والأرض، والعابد والمعبود، والظالم والمظلوم فيه يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ خارجون من قبورهم لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ يقوله تعالى ويجيب نفسه لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (16) أي لخلقه الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (17) يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ يوم القيامة من أزف الرحيل قرب إِذِ الْقُلُوبُ ترتفع خوفا لَدَى عند الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ممتلئين غما حال من القلوب عوملت بالجمع بالياء والنون معاملة أصحابها ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ محب وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (18) لا مفهوم للوصف إذ لا شفيع لهم أصلا، فما لنا من شافعين أو له مفهوم بناء على زعمهم أن لهم شفعاء أي لو شفعوا فرضا لم يقبلوا يَعْلَمُ أي اللّه\r______________________________\rسبعيات. قوله: (لتلاقي أهل السماء) علة لتسمية يَوْمَ التَّلاقِ. قوله: يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ بدل من يَوْمَ التَّلاقِ بدل كل من كل، ويكتب يَوْمَ هنا وفي الذاريات في قوله: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ منفصلا، لأن هُمْ مرفوع بالابتداء فيهما، فالمناسب القطع، وأما في غير هذين المحلين نحو يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ* يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ فيكتب موصولا، لأن هم مجرور، فالمناسب وصله. قوله:\r(خارجون من قبورهم) أي ظاهرون لا يستترون بشيء، لكون الأرض إذ ذاك قاعا صفصفا، لما في الحديث: «يحشرون حفاة عراة غرلا».\rقوله: لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ الحكمة في تخصيص ذلك اليوم، مع أن اللّه لا يخفى عليه شيء في سائر الأيام، أنهم كانوا يتوهمون في الدنيا، أنهم إذا استتروا بالحيطان مثلا، لا يراهم اللّه، وفي هذا اليوم لا يتوهمون هذا التوهم. قوله: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ هذا حكاية لما يقع من السؤال والجواب حينئذ، وهو كلام مستأنف واقع في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ما ذا يكون حينئذ؟ فقيل: يقال لِمَنِ الْمُلْكُ الخ. قوله: (يقول اللّه تعالى) قيل في القيامة كما ورد: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة، لم يعص اللّه عليها، فيؤمر مناد ينادي: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ فيقول له العباد مؤمنهم وكافرهم لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا، ويقول الكافرون غما وانقيادا وخضوعا، وقيل: بين النفختين حين تفنى جميع الخلائق ويبقى اللّه وحده، فلا يرى غير نفسه، فيقول لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ فيجيب نفسه بعد أربعين سنة لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ لأنه بقي وحده قهر خلقه.\rقوله: الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ الخ، إما من تتمة الجواب، أو لحكاية ما يقوله اللّه تعالى عقب جواب الخلق. قوله: لا ظُلْمَ الْيَوْمَ لا نافية، للجنس، وظُلْمَ اسمها، والْيَوْمَ خبرها.\rقوله: (في قدر نصف النهار) أي ولا يشغله حساب أحد عن أحد، بل كل إنسان يرى أنه هو المحاسب.\rقوله: (من أزف الرحيل) من باب تعب أي دنا وقرب.\rقوله: إِذِ الْقُلُوبُ بدل من يَوْمَ الْآزِفَةِ والْقُلُوبُ مبتدأ خبره لَدَى الْحَناجِرِ وهو متعلق بمحذوف قدره بقوله: (ترتفع). قوله:\rالْحَناجِرِ جمع حنجور كحلقرم وزنا ومعنى، أو جمع حنجرة. قوله: مِنْ حَمِيمٍ مِنْ زائدة في المبتدأ. قوله: وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ أي يؤذن له في الشفاعة فيقبل. قوله: (إذ لا شفيع لهم أصلا) أي لا مطاع ولا غيره. قوله: (أي لو شفعوا) الخ، تفسير للمفهوم على الوجه الثاني.","part":3,"page":383},{"id":1498,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 384\rخائِنَةَ الْأَعْيُنِ بمسارقتها النظر إلى محرّم وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (19) القلوب وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ يعبدون أي كفار مكة بالياء والتاء مِنْ دُونِهِ وهم الأصنام لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ فكيف يكونون شركاء للّه إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم الْبَصِيرُ (20) بأفعالهم أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ وفي قراءة منكم قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ من مصانع وقصور فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ أهلكهم بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (21) عذابه ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات الظاهرات فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (22) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (23) برهان بيّن ظاهر إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا هو ساحِرٌ\r______________________________\rقوله: يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ خبر رابع عن المبتدأ الذي أخبر عنه برفيع وما بعده، والإضافة على معنى من، أي الخائنة من الأعين. قوله: (بمسارقتها النظر إلى محرم) ومن جملة ذلك: الرجل ينظر إلى المرأة، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره، فإذا رأى منهم غفلة تدسس بالنظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره. قوله: وَما تُخْفِي الصُّدُورُ أي عن العبادة من خير وشر.\rقوله: (أي كفار مكة) تفسير للواو في يَدْعُونَ. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ من باب التهكم بهم، إذ الجماد لا يوصف بقضاء ولا بغيره. قوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وعيد لهم على أفعالهم وأقوالهم، أي فيجازيكم بها.\rقوله: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ لما بالغ في تخويف الكفار بأحوال الآخرة، أردفه بتخويفهم بأحوال الدنيا فقال أَوَلَمْ يَسِيرُوا الخ، وقوله: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الخ كَيْفَ خبر كانَ مقدم، وعاقِبَةُ اسمها، والجملة في محل نصب على المفعولية، وقوله: كانُوا الخ جواب كَيْفَ والواو اسم كانَ والضمير للفصل، وأَشَدَّ خبرها. قوله: فَيَنْظُرُوا يجوز أن يكون منصوبا في جواب الاستفهام، وأن يكون مجزوما نسقا على ما قبله. قوله: عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ أي حال من قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم، كعاد وثمود وأضرابهم. قوله: (و في قراءة منكم) أي بالالتفات من الغيبة إلى الخطاب. قوله: وَآثاراً فِي الْأَرْضِ عطف على قُوَّةً. قوله: (من مصانع) أي أماكن في الأرض تخزن فيها المياه كالصهاريج. قوله: وَما كانَ لَهُمْ الخ. لَهُمْ خبر كانَ مقدم، وواقٍ اسمها مؤخر على زيادة مِنَ اللَّهِ متعلق بواق، ومِنْ فيه ابتدائية، ومفعول واقٍ محذوف قدره بقوله: (عذابه) وكان للاستمرار، أي ليس لهم واق أبدا.\rقوله: ذلِكَ أي أخذهم بسبب أنهم كانت، الخ.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى الخ، شروع في ذكر قصة موسى مع فرعون، وحكمة تكرارها وغيرها، تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم وزيادة في الاحتجاج على من كفر من أمته. قوله: وَسُلْطانٍ مُبِينٍ قيل: المراد به نفس الآيات، فالعطف مرادف، وإنما التغاير باعتبار العنوانين، وقيل: المراد به بعض الآيات وهو العصا واليد، وحينئذ فيكون من عطف الخاص على العام، والنكتة الاعتناء بهما.\rقوله: إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ خصهم بالذكر لأنهم الرؤساء، فإن فرعون كان ملكا،","part":3,"page":384},{"id":1499,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 385\rكَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِ بالصدق مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا استبقوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (25) هلاك وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى لأنهم كانوا يكفون عن قتله وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ليمنعه مني إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ من عبادتكم إياي فتتبعونه أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (26) من قتل وغيره، وفي قراءة أو، وفي أخرى بفتح الياء والهاء وضم الدال وَقالَ مُوسى لقومه وقد سمع ذلك إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (27) وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ قيل هو ابن عمه يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ أي لأن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ المعجزات\r______________________________\rوهامان وزيره، وقارون صاحب الأموال والكنوز، إنما جمعه اللّه معهما لأنه شاركهما، في الكفر والتكذيب في آخر الأمر، وإن آمن أولا، فإن فعله آخرا، دل على أنه مطبوع على الكفر كإبليس. قوله: فَقالُوا نسبة القول لقارون باعتبار آخر الأمر. قوله: (هو) ساحِرٌ أشار بذلك إلى أن ساحِرٌ خبر لمحذوف، وكَذَّابٌ عطف على ساحِرٌ والمعنى ساحر فيما أظهر من المعجزات، كذاب فيما ادعاه أنه من عند اللّه.\rقوله: قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا الخ، أي أعيدوا عليهم ما كنتم تفعلونه بهم، فهذا القتل غير القتل الأول، لأن فرعون بعد ولادة موسى، أمسك عن قتل الأولاد، فلما بعث اللّه موسى، وعجز عن معارضته، أعاد القتل في الأولاد، ليمتنع الناس من الإيمان، ولئلا يكثر جمعهم فيكيدوه، فأرسل اللّه عليهم أنواع العذاب، كالضفادع والقمل والدم والطوفان، إلى أن خرجوا من مصر، فأغرقهم اللّه تعالى، وجعل كيدهم في نحورهم. قوله: (استبقوا) نِساءَهُمْ أي بناتهم للخدمة. قوله: (هلاك) أي ضياع وبطلان لا يغني عنهم شيئا. قوله: (لأنهم كانوا يكفونه عن قتله) في حكمة منعهم له عن قتله وجوه، أولها: أن المانع له من قتله الرجل المؤمن الآتي ذكره، فكان صاحب سر فرعون، وكان يتحيل في منع فرعون من قتله. ثانيها: أنهم منعوه من قتله احتقارا له، فكانوا يقولون: إنه ساحر ضعيف، فإن قتلته قالت الناس: إنهم قتلوه لعجزهم عن معارضته. ثالثها: خوفهم على فرعون، لأنهم كانوا يعلمون أنه إن تعرض لموسى بسوء أخذ حالا. رابعها: ليشتغل عنهم بمخاصمة موسى، لأن شأن الملوك إذا لم يجدوا من يشتغلوا به، تعرضوا لرعاياهم.\rقوله: وَلْيَدْعُ رَبَّهُ اللام للأمر، وهو أمر تعجيز في زعم فرعون.\rقوله: (فتتبعونه) المناسب أن يحذف النون. قوله: (و في قراءة أو) الخ، تحصل أن القراءات أربع سبعيات:\rرفع الفساد، ونصبه مع الواو، أو أو.\rقوله: وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بإدغام الذال في التاء وإظهارها، قراءتان سبعيتان. قوله: مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لم يسم فرعون، بل ذكره في ضمن المتكبرين، لتعميم الاستعاذة والتقبيح على فرعون أنه متكبر متجبر.\rقوله: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ لما التجأ موسى إلى مولاه تعالى، قيض له من يخاصم عنه هذا اللعين، قال ابن عباس: لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره، وغير امرأة فرعون، وغير المؤمن الذي قال لموسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ الخ، وفي الحديث: «الصديقون: حبيب النجار من آل يس، ومؤمن آل فرعون الذي قال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ، والثالث أبو بكر الصديق وهو","part":3,"page":385},{"id":1500,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 386\rالظاهرات مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ أي ضرر كذبه وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ به من العذاب عاجلا إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مشرك كَذَّابٌ (28) مفتر يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ غالبين حال فِي الْأَرْضِ أرض مصر فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ عذابه إن قتلتم أولياءه إِنْ جاءَنا أي لا ناصر لنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى أي ما أشير عليكم إلا بما أشير به على نفسي، وهو قتل موسى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ (29) طريق الصواب وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (30) أي يوم حزب بعد حزب مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مثل بدل من مثل قبله، أي مثل جزاء عادة من كفر قبلكم من تعذيبهم في الدنيا وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (31) وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (32) بحذف الياء وإثباتها، أي يوم القيامة، يكثر فيه نداء أصحاب الجنة أصحاب النار وبالعكس، والنداء بالسعادة لأهلها،\r______________________________\rأفضلهم». وكان اسم الرجل حزقيل، وقيل شمعان بفتح المعجمة بوزن سلمان. قوله: (قيل هو ابن عمه) وقيل: كان من بني اسرائيل يكتم إيمانه من آل فرعون. قوله: (أي لأن) يَقُولَ الخ، أي لأجل هذا القول، من غير تأمل وتفكر. قوله: وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ الجملة حالية من فاعل يَقُولَ.\rقوله: بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ أي إن لم يصبكم كله، فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، إن تعرضتم له بسوء.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ هذا من الكلام الموجه إلى موسى وفرعون، فالأول معناه: أن اللّه هدى موسى إلى الإتيان بالمعجزات، ومن كان كذلك فلا يكون مسرفا كذابا، فموسى ليس بمسرف ولا كذاب، والثاني معنا: أن فرعون مسرف في عزمه على قتل موسى، كذاب في ادعائه الألوهية، وحينئذ فاللّه لا يهدي من هذا وصفه.\rقوله: يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الخ، أي فلا تفسدوا أمركم، ولا تتعرضوا لبأس اللّه بقتل هذا الرجل قوله: (حال) أي من الضمير في لَكُمُ. قوله: قالَ فِرْعَوْنُ أي بعد أن سمع تلك النصيحة ولم يقبلها. قوله: (أي ما أشير عليكم بما أشير به على نفسي) أي فلا أظهر لكم أمرا وأكتم عنكم غيره.\rقوله: وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ أي ما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى. قوله: (أي يوم حزب بعد حزب) أشار بذلك إلى أن\rقوله: يَوْمِ الْأَحْزابِ مفرد في معنى الجمع، أي أيامها. قوله: (أي مثل جزاء)، أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله: (عادة) تفسير للدأب. والمعنى جزاء الأمر الذي اعتادوه واستمروا عليه وهو كفرهم.\rقوله: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ أي فلا يعاقبهم بغير ذنب.\rقوله: وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ الخ، لما خوفهم بالعذاب الدنيوي، شرع يخوفهم بالعذاب الأخروي. قوله: (بحذف الياء) أي في الوصل والوقف، وقوله: (و إثباتها) أي في الوصل والوقف، فالقراءات أربع سبعيات، وهذا في","part":3,"page":386},{"id":1501,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 387\rوبالشقاوة لأهلها، وغير ذلك يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ عن موقف الحساب إلى النار ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ أي من عذابه مِنْ عاصِمٍ مانع وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (33) وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ أي من قبل موسى، وهو يوسف بن يعقوب في قول عمر إلى زمن موسى، أو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب في قوله بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات الظاهرات فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ من غير برهان لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا أي فلن تزالوا كافرين بيوسف وغيره كَذلِكَ أي مثل إضلالكم يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مشرك مُرْتابٌ (34) شاكّ فيما شهدت به البينات الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ معجزاته مبتدأ بِغَيْرِ سُلْطانٍ برهان أَتاهُمْ كَبُرَ جدالهم خبر المبتدأ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ أي مثل إضلالهم يَطْبَعُ يختم اللَّهِ بالضلال عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) بتنوين قلب ودونه، ومتى تكبر القلب تكبر صاحبه وبالعكس، وكل على القراءتين لعموم الضلال جميع القلب\r______________________________\rاللفظ، وأما في الخط فمحذوفة لا غير. قوله: (و غير ذلك) من جملته أن ينادي: ألا إن فلانا سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وفلانا شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا، وأن ينادي حين يذبح الموت: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، وأن ينادي المؤمن: هاؤم اقرؤوا كتابيه، وينادي الكافر: يا ليتني لم أوت كتابيه، وأن ينادي بعض الظالمين بعضا بالويل والثبور، فهذه الأمور كلها تقع في هذا اليوم.\rقوله: مُدْبِرِينَ (عن موقف الحساب إلى النار) أي لأنهم إذا سمعوا زفير النار أدبروا هاربين، فلا يأتوا قطرا من الأقطار، إلا وجدوا الملائكة صفوفا، فيرجعوا إلى مكانهم. قوله: ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ الجملة حالية، وقوله: مِنْ عاصِمٍ مبتدأ، ومِنَ زائدة، ومِنَ اللَّهِ متعلق بعاصم. قوله: فَما لَهُ مِنْ هادٍ بإثبات الياء وحذفها في الوقف وبحذفها في الوصل مع حذفها في الخط على كل شيء.\rقوله: وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ الخ، المتبادر أنه من كلام الرجل المؤمن، وقيل من كلام موسى.\rقوله: (عمر إلى زمن موسى) هذا القول لم يوافقه عليه أحد من المفسرين، لأن بين يوسف وموسى أربعمائة سنة، فالصواب أن يقول: عمر إلى زمن فرعون، فإن فرعون أدركه، وعمر إلى أن أدرك موسى، وعمر بوزن فرح ونصر وضرب وهو لازم، ويتعدى بالتضعيف. قوله: (أو يوسف بن إبراهيم) أي فيوسف هذا سبط يوسف بن يعقوب، أرسله اللّه إلى القبط، فأقام فيهم عشرين سنة نبيا. قوله: فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍ أي فما زالت أصولكم. قوله: (فلن تزالوا كافرين بيوسف وغيره) أتى بهذا دفعا لما يتبادر من ظاهر الآية، أنهم كانوا مؤمنين بيوسف، وندموا على فراقه، بل كانوا كفارا به، وانقيادهم له خوفا من سطوته بهم، وطمعا في جاهه الدنيوي.\rقوله: الَّذِينَ يُجادِلُونَ الخ، من كلام الرجل المؤمن، وقيل ابتداء كلام من اللّه تعالى. قوله:\rأَتاهُمْ صفة لسلطان. قوله: (خبر المبتدأ)، هذا أحسن الأعاريب في هذا المقام، وقوله: مَقْتاً تمييز محول عن الفاعل، أي كبر مقت جدالهم، وعِنْدَ ظرف لكبر، مقت اللّه أياهم سخطه وانزال العذاب بهم. قوله: (مثل إضلالهم) المناسب أن يقول: مثل ذلك الطبع. قوله: (بتنوين قلب ودونه) أي فهما","part":3,"page":387},{"id":1502,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 388\rلا لعموم القلوب وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً بناء عاليا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (36) أَسْبابَ السَّماواتِ طرقها الموصلة إليها فَأَطَّلِعَ بالرفع عطفا على أبلغ، وبالنصب جوابا لابن إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ أي موسى كاذِباً في أن له إلها غيري، قال فرعون ذلك تمويها وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ طريق الهدى بفتح الصاد وضمها وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ (37) خسار وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ بإثبات الياء وحذفها أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (38) تقدم يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ تمتع يزول وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بضم الياء وفتح الخاء وبالعكس يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (40) رزقا واسعا بلا\r______________________________\rقراءتان سبعيتان. قوله: (و متى تكبر القلب) الخ أشار بذلك إلى التوفيق بين القراءتين، لأنه يلزم من اتصاف القلب بالكبر، اتصاف الشخص به، لأن القلب سلطان الأعضاء، فمتى فسد فسدت. قوله:\r(لعموم الضلال جميع القلب) أي جميع أجزائه، فلم يبق فيه محل يقبل الهدى، وهذا على خلاف القاعدة في كُلِ فإن قاعدتها أنها إذا دخلت على نكرة مفردة، أو مجموعة، أو معرفة مجموعة، تكون لعموم الأفراد، وإذا دخلت على معرفة مفردة، تكون لعموم الأجزاء، وهنا قد دخلت على النكرة المفردة، فكان حقها أن تكون لعموم الأفراد، وإنما أريد هذا المعنى، وإن كان مخالفا للقاعدة، للمبالغة في وصول الضلال لقلوبهم وتمكنه منها.\rقوله: وَقالَ فِرْعَوْنُ أي معرضا عن كلام المؤمن. قوله: (بناء عاليا) أي مفردا طويلا ضخما، وتقدمت قصته في سورة القصص. قوله: (طرقها) أي أبوابها الموصلة إليها، وحكمة التكرار في أسباب التفخيم والتعظيم، أن الشيء إذا أبهم ثم وضح، كان أدخل في تعظيم شأنه. قوله: (عطفا على أبلغ) أي فيكون داخلا في حيز الترجي. قوله: (فبالنصب جوابا لابن) أي فهو منصوب بأن مضمرة بعد الفاء كقوله:\rيا ناق سيري عنقا فسيحا ... إلى سليمان فنستريحا\rوقيل: إنه منصوب في جواب الترجي، والقراءتان سبعيتان.\rقوله: إِلى إِلهِ مُوسى أي انظر إليه واطلع على حاله. قوله: (تمويها) أي تلبيسا وتخليطا على قومه، وإلا فهو يعرف ويعتقد أن موسى صادق في جميع ما قاله. قوله: وَكَذلِكَ أي مثل ذلك التزيين. قوله: (بفتح الصاد وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: وَقالَ الَّذِي آمَنَ هو الرجل المؤمن، وقيل المراد به موسى عليه السّلام. قوله:\rاتَّبِعُونِ أي امتثلوا ما آمركم به. قوله: (بإثبات الياء وحذفها) أي وهما سبعيتان، وهذا في اللفظ، وأما في الخط، فهي محذوفة لا غير، لأنها من ياءات الزوائد. قوله: (تمتع يزول) أي تمتع قليل يسير لا بقاء له.\rقوله: دارُ الْقَرارِ أي الثبات فلا تحول عنها. قوله: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً أي ولم يتب عنها.\rقوله: وَهُوَ مُؤْمِنٌ الجملة حالية. قوله: (بضم الياء) الخ، أي وهما سبعيتان. قوله: يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ أي وما ورد من أن الحسنة بعشر أمثالها، فهذا في ابتداء الأمر عند المحاسبة على الأعمال،","part":3,"page":388},{"id":1503,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 389\rتبعة وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الغالب على أمره الْغَفَّارِ (42) لمن تاب لا جَرَمَ حقا أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لأعبده لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ أي استجابة دعوة فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا مرجعنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ الكافرين هُمْ أَصْحابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ إذا عاينتم العذاب ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (44) قال ذلك لما توعدوه بمخالفته دينهم فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا به من القتل وَحاقَ نزل بِآلِ فِرْعَوْنَ قومه معه سُوءُ الْعَذابِ (45) الغرق ثم النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها يحرقون بها غُدُوًّا وَعَشِيًّا\r______________________________\rفإذا تم الحساب، تفضل اللّه على عباده، بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\rقوله: (بلا تبعة) أي فرزق أهل الجنة لا يتوقف على دفع ثمن، بل يتنعمون نعيما خاليا من العلل، صافيا من الكدر، جعلنا اللّه من أهل الجنة بمنه وكرمه.\rقوله: وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ الخ، أتى بالواو في النداء الأول والثالث، لأنه كلام مستقل مستأنف، وتركها من الثاني لأنه من تعلقات الكلام الأول، والعطف يقتضي المغايرة، وقوله: ما لِي أي أي شيء ثبت لي، فما مبتدأ، والجار والمجرور خبر عنه، وقوله: أَدْعُوكُمْ حال، والاستفهام للتعجب، ومحط العجب هو قوله: وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ كأنه قال: أعجب من هذه الحال، أدعوكم إلى النجاة والخير، وتدعونني إلى النار والشر.\rقوله: تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ الخ، هذا بدل من قوله:\rتَدْعُونَنِي الأول، بدل مفصل من مجمل. قوله: ما لَيْسَ لِي بِهِ أي بوجوده، والمراد نفي المعلوم من أصله. قوله: وَأَنَا أَدْعُوكُمْ راجع لقوله: أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ. قوله: إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ أي إلى عبادته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.\rقوله: لا جَرَمَ لا نافية، وجَرَمَ فعل ماض بمعنى حق، وقوله: أَنَّما تَدْعُونَنِي فاعله، والمعنى حق ووجب عدم استجابة دعوة آلهتكم. قوله: (حقا) مفعول لمحذوف دل عليه لا جَرَمَ والمعنى حق ما تدعونني إليه حقا، وهي كلمة في الأصل بمنزلة لا بد، ثم تحولت إلى معنى القسم.\rقوله: أَنَّما تَدْعُونَنِي ما اسم موصول، فحقها أن تفصل من النون، وإنما وصلت بها تبعا للمصحف.\rقوله: (أي استجابة دعوة) أي لا شفاعة لها دنيا ولا أخرى، وقيل: المعنى ليست له دعوة إلى عبادته، لأن الأصنام لا تدعي الربوبية، ولا تدعو إلى عبادة نفسها، وفي الآخرة تتبرأ من عبادها.\rقوله: ما أَقُولُ لَكُمْ أي من النصيحة. قوله: (توعدوه) أي ففر هاربا إلى جبل، فأرسل فرعون خلفه ألفا ليقتلوه، فوجدوه يصلي والوحوش صفوف حوله، فأكلت السباع بعضهم، ورجع بعضهم هاربا، فقتله فرعون.\rقوله: فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا أي شدائد مكرهم، وقد نجى اللّه تعالى ذلك الرجل مع موسى من الغرق أيضا. قوله: (قومه معه) أي ولم يصرح به، لأنه أولى منهم بذلك.\rقوله: (ثم) النَّارُ أتى بثم إشارة إلى أنه كلام مستأنف، والنَّارُ مبتدأ، وجملة يُعْرَضُونَ عَلَيْها خبره، والمعنى: تعرض أرواحهم من حين موتهم إلى قيام الساعة على النار، لما روي: أن أرواح الكفار في جوف طير سود، تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين، فذلك عرضها.","part":3,"page":389},{"id":1504,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 390\rصاحبا ومساء وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يقال أَدْخِلُوا يا آلَ فِرْعَوْنَ وفي قراءة بفتح الهمزة وكسر الخاء أمر للملائكة أَشَدَّ الْعَذابِ (46) عذاب جهنم وَاذكر إِذْ يَتَحاجُّونَ يتخاصم الكفار فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً جمع تابع فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ دافعون عَنَّا نَصِيباً جزءا مِنَ النَّارِ (47) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (48) فأدخل المؤمنين الجنة والكافرين النار وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً أي قدر يوم مِنَ الْعَذابِ (49) قالُوا أي الخزنة تهكما أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات الظاهرات قالُوا بَلى أي فكفروا بهم قالُوا فَادْعُوا أنتم فإنا لا نشفع لكافر، قال تعالى وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (50) انعدام إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (51) جمع شاهد وهم الملائكة يشهدون للرسل بالبلاغ وعلى الكفار بالتكذيب يَوْمَ لا يَنْفَعُ بالياء والتاء الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ عذرهم لو\r______________________________\rقوله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ إما معمول لا دخلوا، أو لمحذوف تقديره يقال لهم يوم تقوم الساعة أَدْخِلُوا وعليه درج المفسر. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا، فعلى القراءة الأولى، يكون المنادي على حذف ياء النداء، وعلى الثانية يكون مفعولا لادخلوا. قوله: (عذاب جهنم) تفسير للأشد، فإنه أشد مما كانوا فيه، لأن ذاك عرض، وهذا دخول واستيطان.\rقوله: فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ تفصيل للتخاصم. قوله: (جمع تابع) كخدم وخادم. قوله: (دافعون) أشار بذلك إلى أن مُغْنُونَ مضمن معنى (دافعون) فنصب نصيبا، ويصح أن يضمن معنى حاملون، ومِنَ النَّارِ صفة لنصيبا.\rقوله:\rإِنَّا كُلٌّ فِيها أي فلو استطعنا لدفعنا عن أنفسنا فكيف ندفع عنكم. قوله: إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ أي فلا يغني أحد عن أحد شيئا.\rقوله: وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ أي من الضعفاء والمستكبرين جميعا، حين حصل لهم اليأس، من تحمل بعضهم عن بعض. قوله: لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ أتى بالظاهر في محل الضمير تقبيحا عليهم، أو لبيان محلهم فيها. قوله: يَوْماً مِنَ الْعَذابِ أي يخفف عنا شيئا من العذاب في يوم، وقوله: (أي قدر يوم) أشار بذلك إلى أنه ليس في الآخرة ليل ولا نهار.\rقوله: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ الخ، المقصود من ذلك، إلزامهم الحجة والتوبيخ على تفريطهم. قوله: قالُوا بَلى أتونا فكذبناهم، وتقدم أنهم قبل الدخول ينكرون، وبعده يقرون. قوله: (فإنا لا نشفع لكافر) أي لتحتم خلوده في النّار، فالشفاعة لا تفيد شيئا، قوله: (انعدام) أي من الإجابة.\rقوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا أي بالحجة والظفر على الأعداء، وإن وقع لهم بعض امتحان، فالعبرة بالعواقب وغالب الأمر. قوله: وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ معطوف على قوله: فِي الْحَياةِ الدُّنْيا والمعنى ننصرهم في الدنيا والآخرة. قوله: (جمع شاهد) أي ويصح أن يكون جمع شهيد، قال تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ. قوله: (و هم الملائكة) أي والأنبياء والمؤمنون، أما الملائكة فهم الكرام الكاتبون، يشهدون بما شاهدوا وأما الأنبياء، فإنهم يحضرون يوم القيامة يشهدون على أممهم، وأما المؤمنون من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فتشهد على باقي الأمم يوم القيامة.\rقوله: يَوْمَ لا يَنْفَعُ بدل من يوم","part":3,"page":390},{"id":1505,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 391\rاعتذروا وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ أي البعد من الرحمة وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) الآخرة أي شدة عذابها وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى التوراة والمعجزات وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ (53) من بعد موسى الْكِتابَ التوراة هُدىً هاديا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (54) تذكرة لأصحاب العقول فَاصْبِرْ يا محمد إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بنصر أوليائه حَقٌ وأنت ومن اتبعك منهم وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ليستن بك وَسَبِّحْ صلّ متلبسا بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِ وهو من بعد الزوال وَالْإِبْكارِ (55) الصلوات الخمس إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ القرآن بِغَيْرِ سُلْطانٍ برهان أَتاهُمْ إِنْ ما فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ تكبر وطمع أن يعلوا عليك ما هُمْ بِبالِغِيهِ\r______________________________\rالأول. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما سبعيتان. قوله: (لو اعتذروا) جواب عما يقال: مقتضى الآية أنهم يذكرون أعذارهم، إلا أنها لا تنفعهم، وحينئذ يكون بينها وبين الآية الأخرى وهي وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ تناف، فأجاب: بأن معنى (لو اعتذروا) فرضا لا تنفعهم معذرتهم، فهذه الآية على سبيل الفرض والتقدير.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى هذا مرتب على قوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ فهذا من النصر الدنيوي الموصل لنصر الأخروي. قوله: (من بعد موسى) أي إلى نزول عيسى، فآتاه اللّه الإنجيل، ناسخة لبعض احكام التوراة. قوله: الْكِتابَ لم يعبر عنه في جانب بني إسرائيل بالهدى، كما عبر في جانب موسى، إشارة إلى أنه لم يكن هدى لجميعهم، بل هدى لمن آمن وصدق، ووبال لمن طغى وكفر.\rقوله: (هاديا) أشار بذلك إلى أن هُدىً حال من الْكِتابَ، وكذا قوله: وَذِكْرى. قوله: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ هذا نتيجة ما قبله، أي إذا علمت أن اللّه ناصر لرسله في الدنيا والآخرة، فاصبر حتى يأتيك النصر من ربك.\rقوله: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ أي اطلب المغفرة من ربك لذنبك، والمقصود من هذا الأمر، تعليم الأمة ذلك، وإلا فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معصوم من الذنوب جميعا، صغائر وكبائر، قبل النبوة وبعدها على التحقيق كجميع الأنبياء، وإلى هذا أشار المفسر بقوله: (ليستن بك) أي يقتدى بك، وأجيب أيضا: بأن الكلام على حذف مضاف، والتقدير: واستغفر لذنب أمتك، وإنما أضيف الذنب له، لأنه شفيع لهم، وأمرهم متعلق به، فإذا لم يسع في غفرانه في الدنيا، اتبعه في الآخرة، قال تعالى عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ وكل هذا تشريف لهذه الأمة المحمدية، فقد تشرفت بأمور: منها أن نبيها مأمور بالاستغفار لها، ومنها صلاة اللّه وملائكته عليها، وغير ذلك. وأجيب أيضا: بأن المراد بالذنب خلاف الأولى، وسمي ذنبا بالنسبة لمقامه، من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين. قوله: (صلّ) إنما فسر التسبيح بالصلاة لقرينة قوله: (بعد) بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ. قوله: (و هو من بعد الزوال) أي وفيه أربع صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقوله: وَالْإِبْكارِ أي وهو من الفجر إلى الزوال، وفيه صلاة واحدة وهي الصبح، فلذلك قال: الصلوات الخمس.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ الخ، بيان لتفصيل أن جدالهم ناشىء من الحقد الذي في صدورهم، وفيما تقدم بين عاقبة جدالهم، وما أعد لهم في نظيره. قوله: بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ","part":3,"page":391},{"id":1506,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 392\rفَاسْتَعِذْ من شرهم بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم الْبَصِيرُ (56) بأحوالهم، ونزل في منكري البعث لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ابتداء أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ مرة ثانية وهي الإعادة وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي كفار مكة لا يَعْلَمُونَ (57) ذلك، فهم كالأعمى ومن يعلمه كالبصير وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ لا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وهو المحسن وَلَا الْمُسِيءُ فيه زيادة لا قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ (58) يتعظون بالياء والتاء، أي تذكرهم قليل جدا إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ شك فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (59) بها وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ أي اعبدوني أثبكم بقرينة ما بعده إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ\r______________________________\rوصف كاشف، إذ يستحيل المجادلة في آيات اللّه بسلطان. قوله: إِنْ فِي صُدُورِهِمْ خبر إِنَ.\rقوله: ما هُمْ بِبالِغِيهِ هذا وعد حسن من اللّه تعالى، بأن المتكبر لا يبلغ ما أمله بكبره، وإنما يجعل كيده في نحره. قوله: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أي تحصن باللّه من كيدهم، والتجئ إليه في دفع مكرهم. قوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ تعليل لما قبله.\rقوله: لَخَلْقُ السَّماواتِ الخ، أي سبعا طباقا على هذا الوجه المشاهد. قوله: (ابتداء) أي من غير سبق مثال. قوله: أَكْبَرُ أعظم بحسب العادة، وإلا فالكل بالنسبة إليه تعالى، لا تفاوت فيها بين الصغير والكبير، بدءا وإعادة. قوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي والأقل يعلمه وهو من آمن.\rقوله: (فهم كالأعمى) الخ. هذا نتيجة ما قبله، وهو دخول على\rقوله: وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى الخ.\rقوله: وَ(لا) الَّذِينَ آمَنُوا الخ، راجع للبصير، وقوله: وَلَا الْمُسِيءُ راجع لقوله:\rالْأَعْمى على سبيل اللف والنشر المشوش، وهو من أنواع البلاغة. قوله: (فيه زيادة لا) أي للتوكيد لطول الكلام بالصلة.\rقوله: قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ قَلِيلًا صفة لموصوف محذوف مفعول مطلق، أي يتذكرون تذكرا قليلا، وما زائدة لتوكيد القلة. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أي تذكرهم قليلا) هكذا بالنصب على الحال، والخبر محذوف، والتقدير يحصل حال كونه قليلا.\rقوله: لا رَيْبَ فِيها أي لوضوح الأدلة على حصولها. قوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (بها) أي جحدا وعنادا، والأقل يؤمنون لقيام الدليل العقلي والشرعي، على أنه تعالى قادر على كل شيء، وأخبر على ألسنة رسله أنه كما بدأنا يعيدنا، فلو جوز تخلفه للزم، إما كذب خبره تعالى أو عجزه، وكلاهما محال تنزه اللّه عنه.\rقوله: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ الدعاء في الأصل، السؤال والتضرع إلى اللّه تعالى في الحوائج الدنيوية والأخروية الجليلة والحقيرة، ومنه ما ورد: ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى في شسع نعله إذا انقطع، وقوله: أَسْتَجِبْ لَكُمْ أي أجبكم فيما طلبتم، لما ورد: إذا قال العبد: يا رب، قال اللّه: لبيك يا عبدي. إن قلت: قوله: أَسْتَجِبْ لَكُمْ وعد بالإجابة، ووعده لا يتخلف، مع أنه مشاهد أن الإنسان قد يدعو ولا يستجاب له. أجيب: بأن الدعاء له شروط، فإذا تخلف بعضها تخلفت الإجابة، منها: إقبال العبد بكليته على اللّه وقت الدعاء، بحيث لا يحصل في قلبه غير ربه، وأن لا يكون","part":3,"page":392},{"id":1507,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 393\rبفتح الياء وضم الخاء وبالعكس جَهَنَّمَ داخِرِينَ (60) صاغرين اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إسناد الإبصار إليه مجازي لأنه يبصر فيه إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (61) اللّه فلا يؤمنون ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) فكيف تصرفون عن الإيمان مع قيام البرهان كَذلِكَ يُؤْفَكُ أي مثل إفك هؤلاء إفك الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ معجزاته يَجْحَدُونَ (63) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ\r______________________________\rلمفاسد، وأن لا يكون فيه قطيعة رحم، وأن لا يستعجل الإجابة، وأن يكون موقنا بها، فإذا كان الدعاء بهذه الشروط، كان حقيقا بالإجابة، فإما أن يعجلها له، وإما أن يؤخرها له، فالإجابة على مراده تعالى، وحينئذ فالذي ينبغي للإنسان أن يدعو اللّه تعالى، ويفوض له الأمر في الإجابة، ولذا ورد: «ما من رجل يدعو اللّه تعالى بدعاء إلا استجيب له، فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يؤخر له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، أو يستعجل، قالوا: يا رسول اللّه وكيف يستعجل؟ قال: يقول: دعوت فما استجاب لي» والدعاء من خصائص هذه الأمة، لما حكي عن كعب الأحبار قال: أعطيت هذه الأمة ثلاثا، لم يعطهن أمة قبلهم إلا نبي، كان إذا أرسل نبي، قيل له: أنت شاهد على أمتك، وقال تعالى لهذه الأمة لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وكان يقال للنبي: ليس عليك في الدين من حرج، وقال تعالى لهذه الأمة وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وكان يقال للنبي: ادعني أستجب لك، وقال لهذه الأمة ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وقد يطلق الدعاء على مطلق العبادة مجازا، من اطلاق الخاص وارادة العام، وهما تفسيران للدعاء هنا مشى على المفسر على الثاني، وعبر عنها بالدعاء إشارة إلى أن المقصود من العبادة، الذل والخضوع والفقر والمسكنة، والدعاء مشعر بذلك. قوله: (بقرينة ما بعده) أي وهو قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي الخ، فتحصل أن في الآية تفسيرين:\rأحدهما حقيقة، والثاني مجاز، اختار المفسر الثاني لوجود القرينة، ويصح ارادة الحقيقة لأنها الأصل. قوله:\r(بفتح الياء وضم الخاء) أي والقراءتان سبعيتان. قوله: (صاغرين) أي أذلاء، فمن أنف واستكبر في الدنيا، ألبس ثوب الذل في الآخرة، ومن تواضع وتذلل في الدنيا، ألبس ثواب العز والفخر في الآخرة، فباب الذل والانكسار من أعظم الأبواب الموصلة إلى اللّه تعالى، لما حكي عن سيدي أحمد الرفاعي أنه قال: طرقت الأبواب الموصلة إلى اللّه تعالى فوجدتها مزدحمة، إلا باب الذل والإنكسار، وورد أن داود سأل ربه فقال: يا ربنا كيف الوصول إليك؟ قال: يا داود خلّ نفسك وتعال.\rقوله: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ الخ، هذا من جملة الأدلة على باهر قدرته تعالى كأنه قال: لا يليق منكم أن تتركوا عبادة من هذه أفعاله. قوله: (مجازي) أي عقلي من اسناد الفيء إلى زمانه. قوله:\rلَذُو فَضْلٍ أي جود وإحسان. قوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي وهم الكفار، وكان حقا على الناس جميعهم أن يشكروا اللّه تعالى ويوحدوه.\rقوله: ذلِكُمُ الإشارة مبتدأ، واللَّهُ ورَبُّكُمْ، وخالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ولا إِلهَ إِلَّا هُوَ أخبار أربعة له. قوله: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ من الأفك بفتح الهمزة وهو الصرف، وأما الإفك بالكسر فهو الكذب.\rقوله: كَذلِكَ يُؤْفَكُ الخ، هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى لا تحزن يا محمد فلا خصوصية لأمتك، بل من قبلهم كذلك. قوله: (أفك) الَّذِينَ بضم الهمزة فعل","part":3,"page":393},{"id":1508,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 394\rالْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً سقفا وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ اعبدوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ من الشرك الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (65) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ دلائل التوحيد مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (66) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ بخلق أبيكم آدم منه ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ مني ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ دم غليظ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا بمعنى أطفالا ثُمَ يبقيكم لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ تكامل\r______________________________\rماض مبني للمجهول، وأشار بذلك إلى أن المضارع بمعنى الماضي، وأتى به مضارعا استحضارا للصورة الغريبة.\rقوله: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً هذا من جملة أدلة توحيده، وقوله: قَراراً أي محل قرار، أي سكون مع كونها في غاية الثقل، لا ممسك لها إلا قدرة اللّه تعالى. فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ أي صوركم أحسن تصوير، حيث جعلكم منتصبي القامة، بادي البشرة، متناسبي الأعضاء، تمشون على رجلين، وجعل محل المواجهة من أعلى ومحل الاقتذار من أسفل، فسبحان الحكيم العليم. قوله:\rوَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي المستلذات ملبسا ومطعما ومركبا. قوله: ذلِكُمُ أي الفاعل لذلك كله، واسم الإشارة مبتدأ، واللَّهُ رَبُّكُمْ خبران له.\rقوله: هُوَ الْحَيُ أي الحياة الذاتية التي لا فناء لها ولا انقضاء. قوله: (اعبدوه) تقدم أنه أحد تفسيرين، ويصح ارادة الآخر، وهو السؤال والتضرع، والمعنى إذا علمتم أن اللّه مالك الملك، المتصرف فيه دون غيره، فاسألوه في جميع ما تحتاجون، لأن خير الدنيا والآخرة عنده دون غيره. قوله: مُخْلِصِينَ حال، وقوله: الَّذِينَ مفعول للمخلصين، والمعنى غير مشركين غيره، لا ظاهرا ولا باطنا.\rقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يحتمل أنه من كلام العباد، فهو مقول لقول محذوف حال، والمعنى قائلين ذلك لما ورد عن ابن عباس: من قال لا إله إلا اللّه فليقل على أثرها الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فهو إشارة إلى أن العبد لا يؤجر على الحمد، ولا يعد به شكورا، إلا إذا كان موحدا، وأما الكافر فعمله يذهب هباء منثورا، ويحتمل أنه مستأنف من كلامه تعالى تعليما لعباده كيفية الحمد.\rقوله: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ الخ، أمر اللّه تعالى نبيه أن يخاطب قومه بذلك زجرا لهم، حيث استمروا على عبادة غير اللّه، بعد ظهور الأدلة العقلية والنقلية. قوله: لَمَّا جاءَنِي أي حين جاءني. قوله:\r(دلائل التوحيد) الأدلة العقلية والنقلية. قوله: وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ الخ، إما من الإسلام بمعنى الانقياد، أو بمعنى الخلوص، وعلى كل فالمفعول محذوف تقديره على الأول أسلم أمري له، وعلى الثاني أخلص قلبي من عبادة غيره تعالى.\rقوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ الخ، لما ذكر فيما تقدم من جملة أدلة توحيده أربعة أشياء من دلائل الآفاق وهي: الليل والنهار والأرض والسماء، وثلاثة من دلائل الأنفس وهي: التصوير وحسن الصورة ورزق الطيبات، ذكر هنا كيفية خلق الأنفس ابتداء وانتهاء. قوله:\r(بخلق أبيكم آدم) الخ، أي فالكلام على حذف مضاف، ويصح ابقاء الكلام على ظاهره، باعتبار أن أصل النطفة الغذاء، وهو ناشىء من التراب. قوله: ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ أي بعد مضي أربعين يوما.","part":3,"page":394},{"id":1509,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 395\rقوتكم من الثلاثين سنة إلى الأربعين ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً بضم الشين وكسرها وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ أي قبل الأشد والشيخوخة، فعل ذلك بكم لتعيشوا وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وقتا محدودا وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67) دلائل التوحيد فتؤمنون هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً أراد إيجاد شيء فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (68) بضم النون وفتحها بتقدير أن، أي يوجد عقب الإرادة التي هي معنى القول المذكور أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ القرآن أَنَّى كيف يُصْرَفُونَ (69) عن الإيمان الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ القرآن وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا من التوحيد والبعث وهم كفار مكة فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) عقوبة تكذيبهم إِذِ الْأَغْلالُ\r______________________________\rقوله: ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا أجمل هنا في المراتب، وفصلها في سورة المؤمنون في قوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ الخ، أي فهنا حذف مرتبتين المضغة والعظم العاري عن اللحم.\rقوله: (بمعنى أطفالا) إنما أوله بالجمع، لتحصل المطابقة بين الحال وصاحبها، فإن طِفْلًا حال من الكاف في يُخْرِجُكُمْ فالحال مفردة لفظا جمع معنى، لأن لفظ الطفل يقع على المذكر والمؤنث، والمفرد والجمع، ومن ذلك قوله تعالى: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا. قوله: ثُمَ (يبقيكم) لِتَبْلُغُوا أشار بذلك إلى أن قوله: لِتَبْلُغُوا متعلق بمحذوف وهو معطوف على قوله: يُخْرِجُكُمْ. قوله: ثُمَّ لِتَكُونُوا معطوف على لِتَبْلُغُوا. قوله: (بضم الشين وكسرها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (فعل ذلك بكم لتعيشوا) قدره إشارة إلى أن قوله: وَلِتَبْلُغُوا معطوف على محذوف وهما علتان، والمعلول ما تقدم من الأفعال الصادرة منه تعالى. قوله: (وقتا محدودا) أي وهو وقت الموت. قوله: وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ معطوف على قوله: لِتَبْلُغُوا ويصح أن يكون معطوفا على محذوف تقديره فعل ذلك لتتدبروا وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.\rقوله: هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ هذا نتيجة ما قبله، وقوله: فَإِذا قَضى أَمْراً مرتب على ما تقدم، والمعنى: من ثبت أن هذه أفعاله، علم أنه لا يعسر عليه شيء ولا يتوقف إلا على تعلق إرادته به.\rقوله: (بضم النون) أي على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي فهو يكون. قوله: (و فتحها) أي فهو منصوب بأن مضمرة وجوبا، بعد فاء السببية الواقعة في جواب الأمر، والقراءتان سبعيتان. قوله: (عقب الإرادة التي هي معنى القول المذكور) والأوضح أن يقول وهذا القول المذكور، كناية عن سرعة الإيجاد، فالمعنى: أن المراد ايجاد شيء وجد سريعا من غير توقف على شيء، وإلا فكلام المفسر يقتضي أن معنى الآية: فإذا أراد إيجاد شيء، فإنما يريد إيجاده فيوجد، وهذا لا معنى له.\rقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ الخ، هذا تعجب من أحوالهم الشنيعة، وبيان لعاقبة أمرهم.\rقوله: الَّذِينَ كَذَّبُوا إما بدل من الموصول قبله فهو في محل جر، أو في محل نصب أو رفع على الذم. قوله: (من التوحيد) أي وسائر الكتب والشرائع. قوله: (إذ بمعنى إذا) جواب عما يقال: إن سوف للاستقبال، وإِذِ للماضي؛ وحينئذ فلا يصح تعلق الماضي بالمستقبل، فأجاب: بأنها مستعملة في","part":3,"page":395},{"id":1510,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 396\rفِي أَعْناقِهِمْ إذ بمعنى إذا وَالسَّلاسِلُ عطف على الأغلال فتكون في الأعناق، أو مبتدأ خبره محذوف أي في أرجلهم أو خبر يُسْحَبُونَ (71) أي يجرّون بها فِي الْحَمِيمِ أي جهنم ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) يوقدون ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ تبكيتا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ معه وهي الأصنام قالُوا ضَلُّوا غابوا عَنَّا فلا نراهم بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً أنكروا عبادتهم إياها ثم أحضرت، قال تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أي وقودها كَذلِكَ أي مثل إضلال هؤلاء المكذبين يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (74) ويقال لهم أيضا ذلِكُمْ العذاب بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ من الإشراك وإنكار البعث وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75) تتوسعون في الفرح ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى مأوى الْمُتَكَبِّرِينَ (76) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بعذابهم حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ فيه إن الشرطية مدغمة،\r______________________________\rالاستقبال مجازا، والمسوغ الإشارة إلى أن هذا الأمر محقق وواقع.\rقوله: (عطف على الأغلال) أي وقوله:\rفِي أَعْناقِهِمْ خبر عنهما. قوله: (أو مبتدأ) الخ، أي وجملة يُسْحَبُونَ حال من الضمير المستكن في الظرف، أو مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا حالهم؟ فقيل يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ. قوله: (أو خبره) يُسْحَبُونَ أي وعليه فالرابط محذوف قدره بقوله: (بها) فتحصل أن المعنى: الأغلال والسلاسل تكون في أعناقهم، ويسحبون في جهنم على وجوههم؛ وهذا على الاعرابين الأولين؛ وعلى الثالث فالمعنى: أن الأغلال في أعناقهم، والسلاسل في أرجلهم، ويسحبون في جهنم، وكل صحيح.\rقوله: (أي جهنم) وقيل الْحَمِيمِ الماء الحار. قوله: يُسْجَرُونَ أي يعذبون بأنواع العذاب.\rقوله: ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ التعبير بالماضي لتحقق الوقوع. قوله: أَيْنَ ما كُنْتُمْ ترسم أَيْنَ مفصولة من ما. قوله: (و هي الأصنام) تفسير لما.\rقوله: بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً هذا في أول الأمر يتبرؤون من عبادة الأصنام لرجاء أنه ينفعهم، فهو إضراب عن قوله: ضَلُّوا عَنَّا وهذا قبل أن تقرن بهم آلهتهم. قوله: (ثم أحضرت) جواب عما يقال: إن حمل الآية على هذا الوجه؛ يخالف قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ فأجاب: بأنهم أولا تضل عنهم آلهتهم ويتبرؤون؛ ثم تحضر وتقرن بهم. قوله: (و يقال لهم أيضا) أي توبيخا. قوله: (تتوسعون في المعاصي) أي تظهرون السرور في الدنيا؛ بالمعصية وكثرة المال وضياعه في المحرمات، فالمرح شدة الفرح، وهو إن كان ذما في الكفار؛ يجر بذيله على كل من توسع في معاصي اللّه، فله من هذا الوعيد نصيب.\rقوله: ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ عطف على قوله: ذلِكُمْ الخ، داخل في حيز القول المقدر.\rقوله: فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ لم يقل فبئس مدخل المتكبرين، لأن الدخول لا يدوم، وإنما يدوم المثوى، ولذا خصه بالذم.\rقوله: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ هذا تسلية من اللّه لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم، ووعد حسن بالنصر له على أعدائه. قوله: (بعذابهم) أي وسمي وعدا، بالنظر لكونه نصرا للنبي، فهو في الحقيقة وعد ووعيد. قوله: (فيه) خبر مقدم و(إن الشرطية) مبتدأ مؤخر، وقوله: (مدغمة) حال من (إن) ولم يذكر","part":3,"page":396},{"id":1511,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 397\rوما زائدة تؤكد معنى الشرط أول الفعل، والنون تؤكد آخره بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ به من العذاب في حياتك، وجواب الشرط محذوف أي فذاك أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل تعذيبهم فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (77) فنعذبهم أشد العذاب، فالجواب المذكور للمعطوف فقط وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ روي أنه تعالى بعث ثمانية آلاف نبي، أربعة آلاف من بني إسرائيل، وأربعة آلاف من سائر الناس وَما كانَ لِرَسُولٍ منهم أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لأنهم عبيد مربوبون فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ بنزول العذاب على الكفار قُضِيَ بين الرسل ومكذبيهم بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78) أي ظهر القضاء والخسران\r______________________________\rالمدغم فيه وهو (ما) الزائدة، وقوله: (تؤكد معنى الشرط) أي التعليق، وقوله: (أول الفعل) حال من (ما) الزائدة، والمعنى: حال كونها واقعة في أول فعل الشرط، وقوله: (و النون تؤكد) أي تؤكد الفعل، فحذف المؤكد بالفتح، وقوله: (آخره) حال من النون، أي حال كونها واقعة في آخر الفعل فتحصل أن هنا مؤكدين بالكسر وهما: ما والنون، ومؤكدين بالفتح وهما: التعليق وفعل الشرط. قوله: بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ مفعول نُرِيَنَّكَ الثاني؛ والكاف مفعول أول. قوله: (و جواب الشرط) أي الأول.\rقوله: أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ عطف على قوله: نُرِيَنَّكَ. قوله: (فالجواب المذكور للمعطوف فقط) أي ولا يصح أن يكون جوابا عن الأول، لأن من المعلوم أن جواب الشرط مسبب عن فعله، ولا يحسن أن يكون انتقام اللّه منهم في الآخرة، مسببا عن رؤية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تعذبهم في الدنيا، وفي الحقيقة قوله: فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ دليل الجواب، والجواب محذوف أيضا، والتقدير فلا يفوتهم.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ الخ، هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، كأن اللّه تعالى يقول له: إنا قد أرسلنا رسلا؛ وآتيناهم معجزات؛ وجادلهم قومهم، وصبروا على أذاهم، فتأسّ بهم، وقوله: رُسُلًا المراد بهم ما يشمل الأنبياء. قوله: مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ أي ذكرنا لك قصصهم وأخبارهم في القرآن، وهم خمسة وعشرون. قوله: وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ أي لم نذكر لك قصصهم في القرآن، تخفيفا ورحمة بأمتك، لئلا يعجزوا عن حفظه، وبهذا التقدير اندفع ما قد يتوهم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مساو لأمته في عدم علم ما عدا الخمسة والعشرين، فتحصل أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يخرج من الدنيا، حتى علم جميع الأنبياء تفصيلا، كيف لا، وهم مخلوقون منه، وصلوا خلفه ليلة الإسراء في بيت المقدس؟ ولكنه من العلم المكتوم، وإنما ترك بيان قصصهم للأمة رحمة بهم، فلم يكلفهم إلا بما يطيقون. قوله: (روي) في عبارة غيره، قيل: والصحيح ما روي عن أبي ذر قال: «قلت يا رسول اللّه، كم عدة الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا».\rقوله: وَما كانَ لِرَسُولٍ أي ما صح وما استقام. قوله: إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أب بإرادته. قوله:\r(مربوبون) أي مملوكون، والمملوك لا يستطيع أن يأتي بأمر إلا بإذن سيده، وهذا رد على قريش حيث قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: اجعل لنا الصفا ذهبا، وغير ذلك مما تقدم تفصيله في سورة الإسراء. قوله: فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ أي حكمه وقضاؤه، والمعنى ظهر وبرز حكمه بنزول العذاب بهم. قوله: وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ الحكمة في ختم هذه الآية بالمبطلون، وختم السورة بالكافرون، أنه ذكر هنا الحق، فكان","part":3,"page":397},{"id":1512,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 398\rللناس، وهم خاسرون في كل وقت قبل ذلك اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ قيل الإبل خاصة هنا، والظاهر والبقر والغنم لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ من الدر والنسل والوبر والصوف وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ هي حمل الأثقال إلى البلاد وَعَلَيْها في البر وَعَلَى الْفُلْكِ السفن في البحر تُحْمَلُونَ (80) وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ الدالة على وحدانيته تُنْكِرُونَ (81) استفهام توبيخ وتذكير أي أشهر من تأنيثه أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ من مصانع وقصور فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ المعجزات الظاهرات فَرِحُوا أي الكفار بِما عِنْدَهُمْ أي الرسل مِنَ الْعِلْمِ فرح استهزاء وضحك منكرين له وَحاقَ نزل بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (83) أي العذاب فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا أي شدة عذابنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ\r______________________________\rمقابلته بالباطل أنسب، وهناك ذكر الإيمان، فكان مقابلته بالكفر أنسب. قوله: (أي ظهر القضاء) الخ، دفع بذلك ما يقال: إنهم خاسرون من قبل يوم القيامة، فأجاب: بأن المراد ظهر الأمر الذي كان مخفيا.\rقوله: (قيل الإبل خاصة) أي لأنها هي التي يوجد فيها جميع المنافع الآتية.\rقوله: لِتَرْكَبُوا مِنْها الخ، هذه الآية نظير قوله تعالى في النحل وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ الآية.\rقوله: وَعَلَيْها (في البر) الخ، أفرد الحمل عما قبله لكونه مزية عظيمة، وقرن بينها وبين الفلك، لما بينهما من شدة المناسبة، حتى سميت الإبل سفائن البر، وعبر بالاستعلاء هنا في جانب الفلك، وفي قصة نوح عبر بالظرفية حيث قال تعالى: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها ما قيل: إن سفينة نوح كانت مغطاة، فظاهرها كباطنها، فالخلق مظروفون فيها، وما عداها فالشأن فيها أنها غير مغطاة، فالخلق على ظاهرها.\rقوله: فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ الخ، أي منصوب بتنكرون، قدم لكونه له صدر الكلام. قوله: (و تذكيره أشهر من تأنيثه) أي فلم يقل أية آيات اللّه، وذلك لأن التفرقة في الأسماء الجامدة بين المؤنث والمذكر غريب، وهي في أي أغرب لإبهامها.\rقوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه، والتقدير أعجزوا فلم يسيروا الخ، والاستفهام إنكاري؛ وتقدم نظيره غير مرة. قوله: كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ كلام مستأنف مبين لمبدأ أحوالهم وعواقبها. قوله: وَآثاراً عطف على قُوَّةً. قوله: (من مصانع) أي أماكن تخزن فيها المياه كالصهاريج. قوله: (و القصور) أي الأماكن المرتفعة. قوله: فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ما الأولى نافية أو استفهامية، والثانية موصولة أو مصدرية. قوله: (فرح استهزاء) أي سخرية؛ حيث لم يأخذوه بالقبول، ويمتثلوا أمر اللّه، ويجتنبوا نواهيه يدل على هذا المعنى.\rقوله: وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. قوله: (أي العذاب) أي فكانوا يعدونهم به لو لم يؤمنوا فيستهزئون بالعذاب الموعود به، قال تعالى حكاية عن أهل مكة وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ الآية.\rقوله: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا أي في الدنيا. قوله: (بفعل مقدر من لفظه) أي والتقدير سن اللّه تعالى بهم سنة من قبلهم.\rقوله:","part":3,"page":398},{"id":1513,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 399\rيَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ نصبه على المصدر بفعل مقدر من لفظه الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ في الأمم أن لا ينفعهم الإيمان وقت نزول العذاب وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (85) تبين خسرانهم لكل أحد وهم خاسرون في كل وقت قبل ذلك.\r______________________________\rالَّتِي قَدْ خَلَتْ أي مضت وسبقت. قوله: وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ أي وقت رؤيتهم العذاب.\rقوله: (تبين خسرانهم) أي ظهر ما كان خافيا، وهو جواب عن سؤال مقدر كالذي قبله.","part":3,"page":399},{"id":1514,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 400\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة فصّلت مكيّة وآياتها اربع وخمسون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم (1) اللّه أعلم بمراده به تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (2) مبتدأ كِتابٌ خبره فُصِّلَتْ آياتُهُ بينت بالأحكام والقصص والمواعظ قُرْآناً عَرَبِيًّا حال من كتاب بصفته لِقَوْمٍ متعلق يفصلت يَعْلَمُونَ (3) يفهمون ذلك وهم العرب بَشِيراً\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة فصلت\rمكيّة وهي ثلاث وخمسون آية مبتدأ، و(ثلاث وخمسون آية) خبر أول، و(مكية) خبر ثان، وتسمى أيضا سورة حم السجدة، وسورة المصابيح، وسورة السجدة. قوله: (اللّه أعلم بمراده) تقدم غير مرة أن هذا القول أسلم.\rقوله: مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ خص هذين الاسمين، إشارة إلى أن نزول القرآن من أكبر النعم، ولا شك أن النعم من مظهر تجلي الرحمة، فالقرآن نعمة باقية إلى يوم القيامة. قوله: (مبتدأ) أي وسوغ الابتداء به، عمله في الجار والمجرور بعده على حد: ورغبة في الخير خير.\rقوله: كِتابٌ (خبره) أي وفُصِّلَتْ آياتُهُ نعت للخبر.\rقوله: (بينت بالأحكام) أي ميزت ووضحت لفظا ومعنى، فاللفظ في أعلى طبقات البلاغة معجز لجميع الخلق، والمعنى: كالوعد والوعيد والقصص والأحكام، وغير ذلك من المعاني المختلفة، فإذا تأملت في القرآن، تجد بعض آياته متعلقا بذات اللّه وصفاته، وبعضها متعلقا بعجائب خلقه، من السماوات والأرض وما فيهما، وبعضها متعلقا بالمواعظ والنصائح، وغير ذلك، قال البوصيري في ذلك المعنى:\rفلا تعد ولا تحصى عجائبها ... ولا تسام من الإكثار بالسأم\rقوله: (حال من كتاب) أي كل من قُرْآناً وعَرَبِيًّا فتكون حالا مؤسسة، ويصح أن يكون الحال لفظ قُرْآناً وعَرَبِيًّا صفته. قوله: (بصفته) أي الكتاب، والمعنى أن المسوغ لمجيء الحال منه مع كونه نكرة، وصفه بما بعده. قوله: (متعلق بفصلت) أي والمعنى بينت ووضحت لهؤلاء. قوله: (يفهمون ذلك) أي تفاصيل آياته. قوله: (و هم العرب) أي وإنما خصوا بالذكر، لأنهم يفهمونها بلا واسطة، لكون القرآن","part":3,"page":400},{"id":1515,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 401\rصفة قرآنا وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (4) سماع قبول وَقالُوا للنبي قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ أغطية مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ ثقل وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ خلاف في الدين فَاعْمَلْ على دينك إِنَّنا عامِلُونَ (5) على ديننا قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ بالإيمان والطاعة وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ كلمة عذاب لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ تأكيد كافِرُونَ (7) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا\r______________________________\rنزل بلغتهم، وأما غيرهم فلا يفهم القرآن إلا بواسطتهم.\rقوله: (صفة قرآنا) ويصح أن يكونا حالين من كتاب، وهذا على قراءة الجمهور، وقرىء شذوذا على أنه خبر لمحذوف، أي بَشِيراً وَنَذِيراً، ونعت لكتاب. قوله: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ أي تكبرا وعنادا، واستفيد منه أن الأقل لم يعرض، بل خضع وانقاد وآمن، وذلك كأبي بكر وأضرابه.\rقوله: وَقالُوا معطوف على فَأَعْرَضَ وقوله: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ جمع كنان، وهو ما تجعل فيه السهام، ويسمى جعبة بفتح الجيم، ويجمع على جعاب. قوله: مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ ما واقعة على التوحيد، والفعل مرفوع بضمة مقدرة على الواو، والفاعل مستتر تقديره أنت، ونا مفعوله. قوله: وَفِي آذانِنا وَقْرٌ شبهوا أسماعهم بآذان فيها صمم، من حيث إنها تمج الحق، ولا تميل إلى استماعه. قوله:\rوَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ مِنْ لابتداء الغاية، والمعنى: أن الحجاب ناشىء من جهتنا، فلا نستطيع التوصل لما عندك، والحجاب ناشىء من جهتم، فلا تستطيع التوصل لما عندنا، فنحن معذورون في عدم اتباعك، لوجود المانع من جهتنا وجهتك. قوله: (خلاف) أي مخالفة في الدين. قوله: فَاعْمَلْ (على دينك) أي استمر عليه، وقوله: إِنَّنا عامِلُونَ أي مستمرون على ديننا.\rقوله: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ هذا رد لما زعموا من الحجاب كأنه قال: دعواكم الحجاب باطلة لا أصل لها، لأني بشر من جنسكم، تعرفون حالي وطبعي، وأعرف حالكم وطبعكم، فلست مغايرا لكم، حتى يكون بيني وبينكم حجاب وتباين، ولست بداع لكم إلى شيء لا تقبله العقول والأسماع بل أنا داع لكم إلى توحيد خالقكم وموجدكم، الذي قامت عليه الأدلة العقلية والنقلية. قوله: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ ضمنه معنى توجهوا، فعداه بإلى. قوله: وَاسْتَغْفِرُوهُ أي مما أنتم عليه من سوء العقيدة، وفيه اشارة إلى أن الاستقامة لا تتم، إلا بالاستغفار والندم على ما مضى، بحيث يكره أن يعود الكفر، كما يكره الوقوع في النار.\rقوله: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ مبتدأ وخبر، وسوغ الابتداء به قصد الدعاء.\rقوله: الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ إنما خص منع الزكاة، وقرنه بالكفر في الآخرة، لأن المال أخو الروح، فإذا بذله الإنسان في سبيل اللّه، كان دليلا على قوته وثباته في الدين، قال تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ إلخ، أي يثبتون أنفسهم، ولذا كان صلّى اللّه عليه وسلّم يؤلف حديث العهد بالإيمان بالمال، وقاتل أبو بكر مانعي الزكاة بعد وفاته صلّى اللّه عليه وسلّم، ففي هذه الآية تخويف وتحذير للمؤمنين من منع الزكاة، وتحضيض على أدائها، وقال ابن عباس: هم الذين لا يقولون لا إله إلا اللّه، وهي زكاة الأنفس، والمعنى: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد. فإن قلت: على تفسير الجمهور يشكل بأن الآية مكية، والزكاة فرضت","part":3,"page":401},{"id":1516,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 402\rالصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8) مقطوع قُلْ أَإِنَّكُمْ بتحقيق الهمزة الثانية وتسهيلها، وإدخال ألف بينها بوجهيها وبين الأولى لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ الأحد والاثنين وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً شركاء ذلِكَ رَبُ مالك الْعالَمِينَ (9) جمع عالم وهو ما سوى اللّه، وجمع لاختلاف أنواعه بالياء والنون تغليبا للعقلاء وَجَعَلَ مستأنف ولا يجوز عطفه على صلة\r______________________________\rبالمدينة، فلم يكن هناك أمر بالزكاة حتى يذم مانعها. والجواب: أن المراد بالزكاة، صرف المال في مراضي اللّه تعالى.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إلخ، ذكر تعالى وعد المؤمنين إثر وعيد المشركين، جريا على عادته سبحانه وتعالى في كتابه. قوله: غَيْرُ مَمْنُونٍ (مقطوع) أي بل هو دائم مستمر بدوام اللّه، وهذا أحد تفاسير في هذه الآية، وقيل غير منقوص، وقيل غير ممنون به عليهم، فلا يعدد اللّه ولا ملائكته عليهم النعم في الجنة ويطلبهم بشكرها، لانقطاع التكليف بالموت، وأيضا نفوس أهل الجنة مطهرة، فلا تزال تشكر اللّه تعالى، وإن كان غير مطلوب منهم تلذذا وفرحا بنعم اللّه تعالى، ولأن الجنة دار ضيافة مولانا تعالى، والكريم لا يعدد نعمه على أضيافه.\rقوله: قُلْ أَإِنَّكُمْ قدم الاستفهام على التأكيد، لأن له صدر الكلام، وهو استفهام انكار وتشنيع، وأن اللام لتأكيد الإنكار، والمعنى: أنتم تعلمون أنه لا شريك له في العالم العلوي والسفلي، فكيف تجعلون له شريكا؟ قوله: (و إدخال ألف) إلخ، المناسب أن يقول وتركه، لأن القراءات السبعية هنا أربع لا اثنتان كما يوهمه كلامه. قوله: فِي يَوْمَيْنِ قال ابن عباس: إن اللّه خلق يوما فسماه يوم الأحد، ثم خلق ثانيا فسماه الاثنين، ثم خلق ثالثا فسماه الثلاثاء، ثم خلق رابعا فسماه الأربعاء، ثم خلق خامسا فسماه الخميس، فخلق الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق مواضع الأنهار والشجر والقرى يوم الأربعاء، وخلق الطير والوحوش والسباع والهوام والآفات يوم الخميس، وخلق الإنسان يوم الجمعة، وفرغ من الخلق يوم السبت، وهذا هو الصحيح، وقد مشى عليه المفسر، وقيل إن مبدأ الخلق السبت.\rقوله: وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً عطف على (تكفرون) عطف سبب على مسبب. قوله: ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ اسم الإشارة عائد على الموصول، وأتى بالخطاب مفردا، اشارة إلى أن المخاطب فرد غير معين. قوله: (و جمع) إلخ جواب عما يقال: إنه اسم جنس يصدق على كل ما سوى اللّه، والجمع لا بد أن يكون له أفراد ثلاثة فأكثر. فأجاب: بأنه جمع باعتبار أنواعه. قوله: (بالياء والنون) اشارة لسؤال آخر، فلو أتى بالواو لكان أوضح. وحاصل هذا السؤال: أن هذا الجمع خاص بالعقلاء، والعالم غالبه غير عاقل. فأجاب بقوله: (تغليبا) إلخ. قوله: (مستأنف) إلخ، هذه العبارة في بعض النسخ، وهي معترضة بأنه لا محذور في الفصل بين المتعاطفين بالجمل المعترضة، ولا يقال إنه وقع بين أجزاء صلة الموصول؛ لأنه يقال: الموصول قد استوفى صلته، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، فالأولى اسقاط هذه العبارة، كما هو في بعض النسخ، وقوله: (للفاصل) أي وهو قوله: وَتَجْعَلُونَ إلخ، فإنه معطوف","part":3,"page":402},{"id":1517,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 403\rالذي للفاصل الأجنبي فِيها رَواسِيَ جبالا ثوابت مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها بكثرة المياه والزروع والضروع وَقَدَّرَ قسم فِيها أَقْواتَها للناس والبهائم فِي تمام أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أي الجعل وما ذكر معه في يوم الثلاثاء والأربعاء سَواءً منصوب على المصدر أي استوت الأربعة استواء لا تزيد ولا تنقص لِلسَّائِلِينَ (10) عن خلق الأرض بما فيها ثُمَّ اسْتَوى قصد إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ بخار مرتفع فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا إلى مرادي منكما طَوْعاً أَوْ كَرْهاً في موضع الحال أي طائعين أو مكرهتين قالَتا أَتَيْنا بمن فينا طائِعِينَ (11) فيه تغليب المذكر العاقل، أو\r______________________________\rعلى لَتَكْفُرُونَ فليس من أجزاء الصلة.\rقوله: مِنْ فَوْقِها الحكمة في قوله: مِنْ فَوْقِها أنه تعالى لو جعل لها رواسي من تحتها، لتوهم أنها هي التي أمسكتها عن النزول، فجعل اللّه الجبال فوقها، ليعلم الإنسان أن الأرض وما عليها ممسكة بقدرة اللّه تعالى.\rقوله: وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها قال محمد بن كعب: قدر الأقوات قبل أن يخلق الخلق والأبدان، فخص كل قوت بقطر من الأقطار، وأضاف القوت إلى الأرض، لكونه متولدا منها، وناشئا فيها، وذلك أنه تعالى جعل كل بلدة معدة لنوع من الأشياء المطلوبة، حتى أن أهل هذه البلدة، يحتاجون إلى الأشياء الموجودة في تلك البلدة، وهكذا، فصار ذلك سببا لرغبة الناس في التجارة واكتساب الأموال؛ وجميع ما خلقه اللّه لا ينقص عن حاجة المحتاجين، ولو زادت الخلق أضعافا، وإنما ينقص توصل بعضهم إليه، فلا يجد له ما يكفيه، وفي الأرض أضعاف كفايته. قوله: فِي (تمام) أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، دفعا لما يتوهم أن الأيام ثمانية: يومان في خلق الأرض، وأربعة في خلق الأقوات، ويومان في خلق السماوات، لينافي في قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ والحكمة في تقديره هذه المدة، مع أنه تعالى قادر على خلق كل في قدر لمحة تعليم العباد التمهل والتأني في الأمور، والبعد من العجلة. قوله: (في يوم الثلاثاء) بفتح الثاء وضمها.\rقوله: لِلسَّائِلِينَ متعلق بسواء، والمعنى مستوية للسائلين، أي جواب السائلين فيها سواء، لا يتغير لسائل بزيادة ولا نقص.\rقوله: (قصد) إِلَى السَّماءِ أي أراد، والمعنى تعلقت ارادته بخلق السماوات. قوله: وَهِيَ دُخانٌ المراد بخار الماء؛ وذلك أن العرش كان على الماء، قبل خلق السماوات والأرض، ثم أحدث اللّه في ذلك الماء اضطرابا، فأزبد وارتفع، فخرج منه دخان فارتقع وعلا، فخلق منه السماوات، وأما الزبد فبقي على وجه الماء، فخلق منه اليبوسة، وأحدث منه الأرض. قوله: فَقالَ لَها إلخ، اختلف في قول اللّه للأرض والسماوات وجوابهما له، فقيل: هو حقيقة وأجابتاه بلسان المقال ولا مانع منه، لأن القادر لا يعجزه شيء، فخلق فيهما الحياة والعقل والكلام وتكلمتا، ويؤيده ما روي أنه نطق من الأرض موضع الكعبة، ونطق من السماء بحذائها، فوضع اللّه فيهما حرمه، وقيل: إن معنى القول في حق اللّه تعالى، ظهور تأثير قدرته، وكلاهما كناية عن الطاعة والانقياد. قوله: (فيه تغليب المذكر العاقل) أي حيث جمعوا جمعه.","part":3,"page":403},{"id":1518,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 404\rنزلتا لخطابهما منزلته فَقَضاهُنَ الضمير يرجع إلى السماء، لأنها في معنى الجمع الآيلة إليه، أي صيرها سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ الخميس والجمعة، فرغ منها في آخر ساعة منه، وفيها خلق آدم ولذلك لم يقل هنا سواء ووافق ما هنا آيات خلق السموات والأرض في ستة أيام وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها الذي أمر به من فيها من الطاعة والعبادة وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ بنجوم وَحِفْظاً منصوب بفعله المقدر، أي حفظناها من استراق الشياطين السمع بالشهب ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ في ملكه الْعَلِيمِ (12) بخلقه فَإِنْ أَعْرَضُوا أي كفار مكة عن الإيمان بعد هذا البيان فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ خوفتكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (13) أي عذابا يهلككم مثل\r______________________________\rقوله: فَقَضاهُنَ تفصيل لتكوين السماء. قوله: (أي صير) سَبْعَ سَماواتٍ أشار بذلك إلى أن قضى مضمن معنى صير، فسبع مفعول به. قوله: (و فيها خلق آدم) ظاهره أن آدم خلق في نفس اليوم الذي خلقت فيه السماوات، وهو خلاف المشهور من أن بين خلق آدم وخلقها ألوفا من السنين. وأجيب:\rبأن المراد أنه خلق في مثل ذلك اليوم، كما تقول: ولد محمد يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين. قوله:\r(و وافق ما هنا) إلخ، أي بتقدير المضاف السابق، والمشهور أن الأيام الستة بقدر أيام الدنيا؛ وقيل: كل يوم منها بقدر ألف سنة من أيام الدنيا، فتكون الستة أيام، بقدر الستة آلاف سنة. إن قلت: إن اليوم عبارة عن الليل والنهار، وذلك يحصل بطلوع الشمس وغروبها، وقبل خلق السماوات لا يعقل حصول اليوم، فضلا عن تسميته بالأحد ونحوه. أجيب: بأن اللّه تعالى، قدر مقدارا خلق فيه الأرض وسماه الأحد والاثنين، ومقدارا خلق فيه الأقوات وسماه الثلاثاء والأربعاء، وهكذا، فالتسمية للمقادير التي خلقت فيها تلك الأشياء. بقي شيء آخر وهو: أن ما هنا يقتضي أن الأرض خلقت قبل السماوات، فيخالف آية النازعات المفيدة أن الأرض خلقت بعد السماوات، قال تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها إلى أن قال: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها. وأجيب: بأن اللّه تعالى خلق الأرض أولا في يومين كروية، ثم خلق بعدها السماء، ثم بعد خلق السماء دحا الأرض وبسطها، فخلق الجميع في ستة أيام، والدحي بعد ذلك، فلا تناقض، واستشكل ذلك الرازي وأجاب عنه بما لا طائل تحته. قوله: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها الوحي كناية عن التكوين. قوله: (الذي أمر به من فيها) إلخ، وقيل: المعنى خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها، وخلق في كل سماء خلقها من الملائكة، والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد والثلج. قوله: (بفعله المقدر) أي وهو معطوف على زَيَّنَّا. قوله: ذلِكَ أي المذكور بتفاصيله.\rقوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا مرتب على قوله فيما تقدم قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ إلخ، والمعنى: بين يا محمد لقومك طريق الرشاد، وأظهر لهم الحجج القاطعة الدالة على ذلك، فإن أعرضوا بعد إقامة الحجج وبيان الهدى، فخوفهم بعذاب مثل عذاب من تقدمهم من الأمم، لأنه جرت عادة اللّه تعالى، أن لا يعذب أمة إلا بعد طلوع شمس الحق لهم وإعراضهم عنه، وفي قوله: أَعْرَضُوا التفات من خطابهم بقوله: (أَإِنَّكُمْ إلى الغيبة، إشارة إلى أنهم كما أعرضوا جوزوا بالإعراض والالتفات من خطابهم، لأن الخطاب شأن من يرجى إقباله، وهو ليسوا كذلك.\rقوله: فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ عبر بالماضي اشارة إلى تحققه وحصوله. قوله: صاعِقَةً هي في الأصل","part":3,"page":404},{"id":1519,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 405\rالذي أهلكهم إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أي مقبلين عليهم ومدبرين عنهم فكفروا كما سيأتي، والإهلاك في زمنه فقط «أن» أي بأن أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ علينا مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ على زعمكم كافِرُونَ (14) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا لما خوفوا بالعذاب مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أي لا أحد، كان واحدهم يقلع الصخرة العظيمة من الجبل يجعلها حيث يشاء أَوَلَمْ يَرَوْا يعلموا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا المعجزات يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً\r______________________________\rالصيحة التي يحصل بها الهلاك، أو قطعة نار تنزل من السماء معها رعد شديد، والمراد هنا العذاب المهلك، وقرىء شذوذا صعقة بغير ألف مع سكون العين في الموضعين، وقوله: مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ التشبيه في مطلق الهلاك، وإن كان هلاك عاد وثمود عاما، وهلاك هذه الأمة خاص ببعض أفرادهم، فهو تشبيه جزئي بكلي، وبهذا اندفع ما قد يقال: إن العذاب العام لا يأتي لهذه الأمة، لما ورد في الأحاديث الصحيحة من أمن الأمة من ذلك. وأجيب أيضا: بأنه لا يلزم من التخويف الحصول بالفعل، وحينئذ فالمعنى: أنتم ارتكبتم أمورا تستحقون عليها ما نزل بعاد وثمود.\rقوله: إِذْ جاءَتْهُمُ ظرف لصاعقة الثانية، والمعنى: صعقتهم وقت مجيء رسلهم إليهم، والضمير في جاءَتْهُمُ عائد على عادٍ وَثَمُودَ وقوله: الرُّسُلُ المراد بهم هود وصالح ومن قبلهما من الرسل وهم نوح وادريس وشيث وآدم، لكن مجيء هود وصالح لهاتين القبيلتين حقيقي، ومجيء من قبلهما لهاتين القبيلتين باعتبار اللازم، لأن كل رسول قد جاء بالتوحيد، وتكذيب واحد تكذيب للجميع. قوله:\r(أي مقبلين عليهم) أي وهم هود وصالح، وقوله: (و مدبرين عنهم) أي وهم الرسل الذين تقدموا على هود وصالح، وهو لف ونشر مرتب.\rقوله: أَلَّا تَعْبُدُوا إلخ، يصح أن تكون «أن» مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن أو مصدرية أو تفسيرية، وكلام المفسر يشير للمعنيين الأولين، حيث قدر الياء و«لا» ناهية في الأوجة الثلاثة، ويصح أن تكون نافية أيضا في الوجه الثاني، والفعل منصوب بأن، حذفت منه النون للناصب، و«لا» النافية لا تمنع عمل «أن» في الفعل. قوله: قالُوا أي عاد وثمود لهود وصالح. قوله: لَوْ شاءَ رَبُّنا أي انزال ملائكته بالرسالة، فمفعول شاءَ محذوف. والمعنى: لو شاء ربنا ارسال رسول، لجعله ملكا لا بشرا، وهذا توصل منهم لإنكار الرسالة، لزعمهم أنها لا تكون للبشر. قوله: (على زعمكم) أي وإلا فهم ينكرون رسالتهما.\rقوله: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ أي تعظموا على أهلها واستعلوا فيها، وهذا شروع في حكاية ما يخص كل طائفة من القبائح والعذاب، بعد الإجمال في كفرهم. قوله: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أي فنحن نقدر على دفع العذاب على أنفسنا بقوتنا. قال ابن عباس: إن أطولهم كان مائة ذارع، وأقصرهم كان ستين ذراعا. قوله: (يجعلها) أي يضعها حيث شاء. قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا إلخ، هذا الجملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، خوطب بها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للتعجيب من مقالتهم الشنيعة، والهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة عليه، والتقدير: أيقولون ذلك ولم يروا؟ قوله: وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ضمنه","part":3,"page":405},{"id":1520,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 406\rباردة شديدة الصوت بلا مطر فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ بكسر الحاء وسكونها مشؤومات عليهم لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ الذل فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى أشد وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (16) بمنعه عنهم وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ بينا لهم طريق الهدى فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى اختاروا الكفر عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ المهين بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا منها الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (18) اللّه وَاذكر يَوْمَ يُحْشَرُ بالياء والنون المفتوحة، وضم الشين وفتح الهمزة أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) يساقون حَتَّى إِذا ما زائدة جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقالُوا\r______________________________\rمعنى يكفرون، فعداه بالباء وهو معطوف على قوله: فَاسْتَكْبَرُوا.\rقوله: صَرْصَراً من الصر وهو البرد، أو من الصرير، وهو التصويت بشدة، والمفسر جمع بينهما.\rقوله: (بكسر الحاء وسكونها) أي فهما قراءتان سبعيتان، وقيل: هما صفة مشبهة، والسكون للتخفيف، كأشر وفرح، وقيل: إنه بالسكون مصدر وصف به. قوله: (مشؤومات) أي غير مباركات من الشؤم ضد اليمن. وهو تفسير لكل من القراءتين، وكان آخر شوال صبح الأربعاء، إلى غروب الأربعاء التي يليها، وذلك سبع ليال وثمانية أيام حسوما. قال ابن عباس: ما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء. قوله: عَذابَ الْخِزْيِ أي العذاب الخزي، فهو من اضافة الموصوف لصفته، وقوله: (الذل) وصف به العذاب مبالغة، وإلا فحقه ان يوصف به أصحاب العذاب.\rقوله: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ شروع في ذكر أحوال الطائفة الثانية. قوله: (بينا لهم طريق الهدى) أي فالمراد بالهداية الدلالة، لا الوصول بالفعل. قوله: عَلَى الْهُدى أي الإيمان. قوله: (المهين) أي الموقع في الإهانة والذل. قوله: بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي من الكفر وتكذيب نبيهم. قوله: وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا أي مع صالح وكانوا أربعة آلاف، وتقدم في الأعراف أنه نجا من كان مع هود، قال تعالى:\rفَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وكانوا أربعة آلاف أيضا، كما تقدم لنا في سورة هود.\rقوله:\rوَ(اذكر) يَوْمَ يُحْشَرُ يَوْمَ ظرف معمول لمحذوف قدره المفسر بقوله: (اذكر). قوله: (بالياء) أي مع فتح الشين ورفع أَعْداءُ على أنه نائب فاعل. قوله: (و فتح الهمزة) أي من أَعْداءُ على أنه مفعول، والفاعل على كل هو اللّه تعالى، والقراءتان سبعيتان.\rقوله: أَعْداءُ اللَّهِ المراد بهم كل من كان من أهل الخلود في النار مطلقا، من أول الزمان لآخره.\rقوله: إِلَى النَّارِ المراد موقف الحساب، وإنما عبر بالنار لأنها عاقبة حشرهم. قوله: (يساقون) وفسره البيضاوي بحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا، ولا ينافي ما قاله المفسر، فإن المراد يساق آخرهم ليلحق أولهم، فيحصل الاجتماع والازدحام، حتى يكون على ألف قدم. قوله: (زائدة) أي للتأكيد، وإنما أكده لأنهم ينكرون مضمون الكلام.\rقوله: شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ إلخ، أي بأن يخلق اللّه فيها النطق والفهم والادراك كاللسان، فتقر بما فعلته من المعاصي حقيقة وهو التحقيق، وقيل: النطق كناية عن ظهور المعاصي على تلك الجوارح، كظهور النتونة على فروج الزناة، ونحو ذلك، وقيل: النطق من غير فهم ولا ادراك. عن أنس بن مالك","part":3,"page":406},{"id":1521,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 407\rلِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ أي أراد نطقه وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام اللّه تعالى كالذي بعده، وموقعه قريب مما قبله، بأن القادر على إنشائكم ابتداء، وإعادتكم بعد الموت أحياء، قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ عن ارتكابكم الفواحش من أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ لأنكم لم توقنوا بالبعث وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ عند استتاركم أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذلِكُمْ مبتدأ ظَنُّكُمُ بدل منه الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ نعت والخبر أَرْداكُمْ أي أهلككم فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا على العذاب فَالنَّارُ مَثْوىً مأوى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا يطلبوا العتبى أي الرضا فَما\r______________________________\rقال: كنا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فضحك فقال: «أتدرون مم أضحك؟ قلنا: اللّه ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه فيقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز اليوم على نفسي إلا شاهدا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وبالكرام الكاتبين البررة عليك شهودا، قال: فيختم علي فيه ويقال لأركانه انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبينها فيقول: بعدا لكن وسحقا، فعنكن كنت أناضل»: قوله: وَجُلُودُهُمْ المراد بها مطلق الجوارح، فيكون من عطف العام على الخاص، وقيل: المراد بالجلود خصوص الفروج، ويكون التعبير عنها بالجلود من باب الكناية، ويكون هذا في شهادة الزنا، وحينئذ فالآية فيها الوعيد الشديد على إتيان الزنا، والأقرب الأول.\rقوله: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ أي توبيخا وتعجبا من هذا الأمر. قوله: قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ إلخ، أي جوابا لهم واعتذارا عما صدر منهم. قوله: تُرْجَعُونَ أي تردون إليه بالبعث، وعبر بالمضارع مع أن المقالة بعد الرجوع بالفعل، لأن المراد بالرجوع البعث، وما يترتب عليه من العذاب الدائم، والعذاب مستقبل بالنسبة لمقالتهم. قوله: (قيل هو) أي قوله: وَهُوَ خَلَقَكُمْ إلخ. قوله: (كالذي بعده) أي وهو\rقوله: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أي تستخفون من هؤلاء الشهود، وهو لا يكون إلا بترك الفعل بالكلية، لأنها ملازمة للإنسان في حركاته وسكناته. قوله: (من) أَنْ يَشْهَدَ أشار بذلك إلى أن قوله:\rأَنْ يَشْهَدَ في محل نصب بنزع الخافض، ويصح أن يكون مفعولا لأجله، والتقدير مخالفة إن يشهد، إلخ. قوله: (عند استتاركم) أي من الناس. قوله: أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً المراد به ما اخفوه عن الناس من الأعمال، فظنوا أن علم اللّه مساو لعلم الخلق، فكل ما ستروه عن الناس لا يعلمه اللّه.\rقوله: وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ إلخ، اعلم أن الظن قسمان: حسن وقبيح، فالحسن أن يظن العبد المؤمن باللّه عز وجل الرحمة والإحسان والخير، ففي الحديث: «أنا عند ظن عبدي بي» والقبيح أن يظن اللّه نقصا في ذاته أو صفاته أو أفعاله. قوله: فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ نتيجة ما قبله.\rقوله: فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ إن قلت: إن النار مأوى لهم صبروا أو لا، فما وجه التقييد بالصبر؟ وأجيب: بأن في الآية حذفا، والتقدير: فإن يصبروا أو لا يصبروا، فالنار مثوى لهم، وإنما حذف","part":3,"page":407},{"id":1522,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 408\rهُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24) المرضيين وَقَيَّضْنا سببنا لَهُمْ قُرَناءَ من الشياطين فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من أمر الدنيا واتباع الشهوات وَما خَلْفَهُمْ من أمر الآخرة بقولهم: لا بعث ولا حساب وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ بالعذاب وهو لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ* الآية فِي جملة أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ هلكت مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (25) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا عند قراءة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ائتوا باللغط ونحوه، وصيحوا في زمن قراءته لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فيسكت عن القراءة، قال اللّه تعالى فيهم فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (27) أي أقبح جزاء عملهم ذلِكَ العذاب\r______________________________\rالمقابل للعلم به، لأنه إذا كانت لهم النار مع الصبر، فهي لهم مع عدمه بالأولى، بخلاف الدنيا، فإن الإنسان مع الصبر، ربما تخف مصيبته أو يعوض خيرا ومع عدمه يزاد فيها ويغضب اللّه عليه. قوله: (أي الرضا) وقيل العتبى الرجوع إلى ما يحبون. قوله: (المرضيين) أي المرضي عليهم.\rقوله: وَقَيَّضْنا لَهُمْ أي لكفار مكة ومعنى (سببنا) هيأنا وبعثنا والمعنى سببنا لهم قرناء يلازمونهم ويستولون عليهم استيلاء القيض وهو قشر البيض على البيض. قوله: فَزَيَّنُوا لَهُمْ أي من القبائح.\rقوله: ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ (من أمر الدنيا) إلخ، وقيل: ما بين أيديهم من أمر الآخرة، وما خلفهم من أمر الدنيا، قال القشيري: إذا أراد اللّه بعبد سوءا، قيض له إخوان سوء، وقرناء سوء، يحملونه على المخالفات، ويدعونه إليها، ومن ذلك الشيطان، وأشر منه النفس وبئس القرين، يدعوه اليوم إلى ما فيه الهلاك، ويشهد عليه غدا؛ وإذا أراد اللّه بعبد خيرا، قيض له قرناء خير يعينونه على الطاعة، ويحملونه عليها، ويدعونه إليها، وفي الحديث: «إذا أراد اللّه بعبد شرا، قيض له قبل موته شيطانا، فلا يرى حسنا إلا قبحه عنده، ولا قبيحا إلا حسنه عنده». وعن عائشة قالت: إذا أراد اللّه بالوالي خيرا؛ جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد غير ذلك، جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما بعث اللّه نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه اللّه تعالى».\rقوله: وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي ثبت وتحقق. قوله: فِي أُمَمٍ حال من الضمير في عَلَيْهِمُ والمعنى كائنين في جملة أمم. قوله: قَدْ خَلَتْ صفة لأمم. قوله: (هلكت) المناسب أن يقول مضت.\rقوله: إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ تعليل لاستحقاقهم العذاب.\rقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي من كفار مكة، وإنما قالوا ذلك، لأنه لما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقرأ، يستميل القلوب بقراءته، فيصغي إليها المؤمن والكافر، فخافوا أن يتبعه الناس. قوله: وَالْغَوْا فِيهِ اللغو الكلام الذي لا فائدة فيه، وهو بفتح الغين في قراءة العامة من لغي كفرح وقرىء شذوذا بضم الغين من لغا يلغو كدعا يدعو ومنه حديث أنصت فقد لغوت. قوله: (باللغط) بسكون الغين وفتحها، وهو كلام فيه جلبة واختلاط.\rقوله: لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ أي في القول فإذا غلبتموه وسكت، لأنه لم يكن مأمورا حينئذ بقتالهم.\rقوله: (قال تعالى فيهم) أي في شأنهم. قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا أي استمروا على الكفر وماتوا عليه.","part":3,"page":408},{"id":1523,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 409\rالشديد وأسوأ الجزاء جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ بتحقيق الهمزة الثانية وإبدالها واوا النَّارُ عطف بيان للجزاء المخبر به عن ذلك لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ إي إقامة الانتقال منها جَزاءُ منصوب على المصدر بفعله المقدر بِما كانُوا بِآياتِنا القرآن يَجْحَدُونَ (28) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا في النار رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أي إبليس وقابيل سنّا الكفر والقتل نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا في النار لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29) أي أشد عذابا منا إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا على التوحيد وغيره مما وجب عليهم تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ عند الموت أَلَّا بأن لا\r______________________________\rقوله: (أي أقبح جزاء عملهم) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، دفعا لما قد يتوهم، أنهم يجزون بنفس عملهم الذي عملوه في الدنيا كالكفر مثلا، والمعنى أن المستهزئين برسول اللّه يجازون بأقبح جزاء أعمالهم، وفي هذه الآية وعيد لكل من يفعل اللغط في حال قراءة القرآن، ويشوش على القارىء ويخلط عليه، فإنه حرام بإجماع، إن لم يقصد إبطال النفع بالقرآن كراهة فيه، وإلا فهو كافر.\rقوله: ذلِكَ أي المذكور من الأمرين كما قال المفسر. قوله: (بتحقيق الهمزة الثانية) أي الكائنة أول أعداء، والقراءتان سبعيتان. قوله: (عطف بيان) هذا أحد أوجه في إعرابها، ويصح أن يكون بدلا من جَزاءُ ورد بأن البدل يصح حلول المبدل منه محله، وهنا لا يصح لأنه يصير التقدير ذلك النار، ويصح أن يكون مبتدأ، ولَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ خبره، ويصح أن يكون خبر مبتدأ محذوف. قوله:\rلَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ في الكلام تجريد، وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة، أمرا آخر موافقا له في تلك الصفة على سبيل المبالغة، فقد انتزع من النار دارا أخرى سماها دار الخلد، والمعنى أن الدار نفسها هو الخلد.\rقوله: (منصوب على المصدر بفعله المقدر) والتقدير يجزون جزاء. قوله: بِآياتِنا الباء إما زائدة أو ضمن يَجْحَدُونَ معنى يكفرون، فعداه بالباء.\rقوله: (في النار) حال من فاعل قالَ.\rقوله: أَرِنَا أصله أرأينا، فالراء فاء الكلمة، والهمزة الثانية عينها، والياء لامها، حذفت الياء لبناء الفاعل على حذفها، ونقلت حركة الهمزة للساكن قبلها، فسقطت الهمزة وصار وزنه أفنا وهي بصرية، تعدت بالهمزة للمفعول الثاني الذي هو الاسم الموصول، ومفعولها الأول الضمير. والمعنى صيرنا رائين بأبصارنا. قوله: مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أي لأن الشيطان على قسمين: جني وإنسي، كما قال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِ وقدم الجن لأنهم أصل الضلال. قوله:\r(سنا الكفر والقتل) لف ونشر مرتب، فقابيل أخو هابيل، فهو أول من سن القتل، وإبليس أول من كفر باللّه. قوله: نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا أي إما حقيقة فيكونان أشد عذابا منا، أو هو كناية عن كونهم في الدرك الأسفل. قوله: لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ أي في دركات النار.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ إلخ، شروع في بيان حال المؤمنين، إثر بيان وعيد الكفارين.\rوالمعنى: قالوا ربنا اللّه اعترافا بربوبيته وإقرارا بوحدانيته. قوله: ثُمَّ اسْتَقامُوا أي ظاهرا أو باطنا، بأن فعلوا المأمورات، واجتنبوا المنهيات، وداموا على ذلك إلى الممات، قال عمر بن الخطاب: الاستقامة إن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تزوغ زوغان الثعلب. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق. قوله: (عند الموت) أي أو عند الخروج من القبر، ولا مانع من الجمع، والمراد ملائكة الرحمة","part":3,"page":409},{"id":1524,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 410\rتَخافُوا من الموت وما بعده وَلا تَحْزَنُوا على ما خلفتم من أهل وولد، فنحن نخلفكم فيه وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي نحفظكم فيها وَفِي الْآخِرَةِ أي نكون معكم فيها حتى تدخلوا الجنة وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (31) تطلبون نُزُلًا رزقا مهيأ منصوب بجعل مقدرا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) أي اللّه وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا أي لا أحد أحسن قولا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ بالتوحيد وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ\r______________________________\rتأتيهم بما يشرح صدورهم، ويدفع عنهم الخوف والحزن. قوله: أَلَّا تَخافُوا (أن) مخففة من الثقيلة، أو مصدرية، أو مفسرة، وكلام المفسر يحتمل المعنيين الأولين، والخوف غم يلحق النفس، لتوقع مكروه في المستقبل، والحزن غم يلحقها لفوات نفع في الماضي.\rقوله: وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ أي وهي دار الكرامة التي فيها من النعيم الدائم والسرور، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. قوله: الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ أي في الكتب المنزلة وعلى ألسنة الرسل.\rقوله: نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا إلخ، يحتمل أن يكون هذا من كلام اللّه تعالى، وهو ولي المؤمنين ومولاهم، ويحتمل أن يكون من كلام الملائكة. والمعنى: كنا أولياءكم في الدنيا، ونكون معكم في الآخرة، فلا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة. قوله: ما تَدَّعُونَ من الدعاء بمعنى الطلب، وهو أعم من الأول. والمعنى: لكم كل ما تشتهون وكل ما تطلبون، ولو لم يكن مشتهى، كالرتب العلية والفضائل السنية. قوله: (منصوب بجعل مقدرا) ويصح أن يكون حالا من قوله: ما تَدَّعُونَ.\rقوله:\rمِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ متعلق بتدعون أو صفة لنزلا، وخص هذين الوصفين دون شديد العقاب مثلا، إشارة إلى مزيد السرور لهم وإكرمهم، وأنه تعالى يعاملهم بالمغفرة والرحمة، ويتجلى لهم بأوصاف الجمال، دون أوصاف الجلال.\rقوله: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا إلخ، وقيل: نزلت هذه الآية في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، لأنه هو الذي جمع تلك الأصاف، لأن الداعين إلى اللّه تعالى أقسام، فمنهم الداعون إلى اللّه بالتوحيد قولا، كالأشعري والماتريدي ومن تبعهما إلى يوم القيامة، وفعلا كالمجاهدين، ومنهم الداعون إلى اللّه بالأحكام الشرعية، كالأئمة الأربعة ومن على قدمهم، ومنهم الداعون إلى اللّه تعالى، بزوال الحجب الكائنة على القلوب لمشاهدة علام الغيوب، بحيث يكون دائما في حضرة اللّه، ليس في قلبه سواه، كالجنيد وأضرابه من الصوفية أهل الحقيقة، ومنهم من يدعو إلى اللّه تعالى بالإعلام بأداء الفرائض، كالمؤذنين، وهذه الأقسام مجموعة في النبي عليه الصلاة والسّلام، متفرقة في أصحابه، ثم انتقلت منهم إلى من بعدهم، وهكذا إلى يوم القيامة، لقوله في الحديث الشريف: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، ولا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر اللّه وهم على ذلك». قوله: (بالتوحيد) أي وفروعه وإنما خصه لأنه رأس الأمور وأساسها.\rقوله: وَعَمِلَ صالِحاً أي امتثل أمر ربه واجتنب نواهيه، وحيث كان داعيا إلى اللّه، مع اتصافه بالعمل الصالح، كان قوله مقبولا، ويؤثر في القلوب، وأما من كان بخلاف ذلك، فلا يكون قوله مقبولا، ولا يؤثر في القلوب، ولا تنبغي صحبته، قال العارف: لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك","part":3,"page":410},{"id":1525,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 411\rإِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ في جزئياتهما لأن بعضهما فوق بعض ادْفَعْ السيئة بِالَّتِي أي بالخصلة التي هِيَ أَحْسَنُ كالغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإساءة بالعفو فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) أي فصير عدوك كالصديق القريب في محبته إذا فعلت ذلك، فالذي مبتدأ، وكأنه الخبر، وإذا ظرف لمعنى التشبيه وَما\r______________________________\rعلى اللّه مقاله، وقال بعضهم:\rأتنهي الناس ولا تنتهي ... متى تلحق القوم يا لكع\r\rويا حجر السن ما تستحي ... تسن الحديد ولا تقطع\r\rفمن لم يؤثر كلامه في نفسه، فلا يؤثر في غيره بالأولى. قال بعضهم:\rيا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم\r\rتصف الدواء لذي السقام وذي الضنا ... كيما يصح به وأنت سقيم\r\rابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا أنتهت عنه فأنت حكيم\r\rفهناك يسمع ما تقول ويشتفى ... بالقول منك وينفع التعليم\r\rلا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم\r\rوبالجملة، فالدعوة إلى اللّه لا تنفع إلا من قلب ناصح، وأعظم الداعين إلى اللّه تعالى الأولياء المسلكون، الذين يوصلون الخلق إلى طريق الحق، وهم موجودون في كل زمن، غير أنه لا يجتمع بهم ولا يعرفهم، إلا من لحظه اللّه تعالى بفضله، كما قال بعض العارفين: الأولياء عرائس مخدرة، ولا يرى العرائس المجرمون، نفعنا اللّه بهم أجمعين. قوله: وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي تحدثا بنعمة ربه، وفرحا بالإسلام.\rقوله: وَلَا السَّيِّئَةُ يحتمل أن لا زائدة للتوكيد، لأن الاستواء لا يكون من واحد، بل من اثنين، كأنه قال: لا تستوي الحسنة مع السيئة، بل الحسنة خير، والسيئة شر، ويحتمل أن لا أصلية، والمعنى: لا تستوي مراتب الحسنات، بل بعضها أعلى من بعض، ولا تستوي مراتب السيئات، بل بعضها أعلى من بعض، فأعلى الناس من ارتكب أعلى الحسنات، وأدنى الناس من ارتكب أعلى السيئات، وهذا ما مشى عليه المفسر. قوله: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي حيث فعلت معك سيئة، ادفعها بخصلة هي أحسن. قوله: (كالغضب بالصبر) إلخ، أي أعلى مراتب أن تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وقد كان هذا خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ إلخ. (إذا) فجائية ظرف لمعنى التشبيه، فعاملها معنوي مؤخر، واغتفر تأخير عاملها المعنوي، لأنه يغتفر في الظروف ما لا يغتفر في غيرها؛ والَّذِي مبتدأ وبَيْنَكَ خبر مقدم، وعَداوَةٌ مبتدأ مؤخر، والجملة صلة الموصول، وكَأَنَّهُ إلخ، خبر الموصول، والمعنى: فإذا فعلت مع عدوك ما ذكر، فاجأك في الحضرة انقلابه وصيرورته مشابها في المحبة للصديق الذي لم تسبق منه عداوة. قوله: كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ الحميم يطلق على الماء الحار، وعلى القريب الذي تهتم لأمره، وهو المراد هنا. قوله: (فيصير عدوك كالصديق القريب) هذا تفسير لمعنى الولي الحميم، فالولي القريب والحميم القريب الصديق فهو أخص من الولي، قال بعضهم في وصفه:","part":3,"page":411},{"id":1526,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 412\rيُلَقَّاها أي يؤتي الخصلة التي هي أحسن إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ ثواب عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ أي يصرفك عن الخصلة وغيرها من الخير صارف فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ جواب الشرط، وجواب الأمر محذوف، أي يدفعه عنك إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ للقول الْعَلِيمُ (36) بالفعل وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَ أي الآيات الأربع إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا عن السجود للّه وحده فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ أي فالملائكة يُسَبِّحُونَ يصلون لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (38) لا يملون\r______________________________\rإن أخاك الحق من كان معك ... ومن يضر نفسه لينفعك\r\rومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتت فيه شمله ليجمعك\r\rقوله: (في محبته) هذا هو وجه الشبه. قوله: (إذ فعلت ذلك) أي الإحسان للعدو. قوله: (التي هي أحسن) الأوضح أن يقول: وهي مقابلة الإساءة بالإحسان.\rقوله: (ثواب) عَظِيمٍ وقيل: المراد بالحظ الخلق الحسن وكمال النفس.\rقوله: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ إلخ، المراد بالنزغ الوسوسة، والمعنى: وإن يوسوس الشيطان بترك ما أمرت به فاستعذ باللّه، أي اطلب التحصن من شره، ومن جملة وسوسته الغضب، فإنه ربما يحمله على ارتكاب منهي عنه، فإذا حصل عنده فليدفعه باستعاذة، فإن لم يزل فليدفعه بالسكون، ثم بالجلوس إن كان قائما، ثم بالاضطجاع إن كان جالسا، فإن لم يزل بعد ذلك، ذهب من المكان الذي هو به. قوله:\rإِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ تعليل لما قبله، وفي هذه الآية دليل على استعمال التعوذات في الصباح والمساء، لأن الإنسان بينهما لا يخلو من نزغات شيطانية، فلذلك ورد في الأحاديث وفي كلام العارفين، كثرة التعوذ في هذين الوقتين، فتدبر.\rقوله: وَمِنْ آياتِهِ خبر مقدم، واللَّيْلُ وما عطف عليه مبتدأ مؤخر، والمعنى: ومن دلائل قدرته وانفراده بالألوهية الليل إلخ، أي ظهور كل من هذه الأربع. قوله: لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ خصهما بالذكر، لأن الكفار عبدوهما من دون اللّه. قوله: (أي الآيات الأربع) وإنما عبر عنها بضمير الإناث، مع أن غالبها مذكر، والعادة تغليب المذكر لا العكس، نظرا للفظ الآيات، فإن مفرده آية وهو مؤنث. قوله: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ أي تفردونه بالعبادة، فاتركوا عبادة غيره.\rقوله: فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا أي تكبروا وعاندوا، حيث جعلوا ما به الهدى والدلالة على توحيد اللّه إلها معبودا.\rقوله: فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ علة لجواب الشرط المحذوف، والتقدير فلا تنعدم العبادة لأن الذين إلخ، والعندية عندية مكانة وشرف لا مكان، فهو كما تقول: عند الملك من الجند كذا وكذا. قوله:\rيُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ هذا من مجاراة الكفار، وإلا فلو ترك جميع الخلق عبادته، لم ينقص ملكه شيء، لما في الحديث: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل","part":3,"page":412},{"id":1527,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 413\rوَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً يابسة لا نبات فيها فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ تحركت وَرَبَتْ انتفخت وعلت إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ من ألحد ولحد فِي آياتِنا القرآن بالتكذيب لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا فنجازيهم أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) تهديد لهم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ القرآن لَمَّا جاءَهُمْ نجازيهم وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (41) منيع لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ أي ليس قبله كتاب يكذبه ولا بعده تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) أي اللّه المحمود في أمره ما يُقالُ لَكَ من التكذيب إِلَّا مثل ما قَدْ\r______________________________\rواحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئا».\rقوله: وَمِنْ آياتِهِ خبر مقدم وإِنَ وما دخلت عليه، في تأويل مصدر مبتدأ مؤخر، والتقدير: ومن آياته رؤيتك الأرض، إلخ. قوله: (يابسة) أي فالأرض الخاشعة هي الغبراء التي ليس بها نبات، استعير لها حال الخاشع، وهو الذل والتقاصر. قوله: اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ أي تحركت حركة عظيمة شديدة بسرعة، وارتفع ترابها وعلا، فالآية باقية على أصلها خلافا لمن قال: إن فيها قلبا، والتقدير ربت واهتزت. قوله: لَمُحْيِ الْمَوْتى أي يبعثهم.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا أي يميلون عن الاستقامة في الدين، ويطعنون في آياتنا بالتحريف واللغو والأكاذيب. قوله: (من ألحد ولحد) أشار بذلك إلى أن هنا قراءتين سبعيتين وهما ضم الياء وكسر الحاء من ألحد رباعيا، وفتح الياء والحاء من لحد ثلاثيا، من باب نفع، والإلحاد الميل والعدول، ومنه اللحد في القبر، لأنه أميل إلى ناحية منه. قوله: (فنجازيهم) أي بأعمالهم. قوله: أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً عدل عن مقتضى الظاهر حيث لم يقل: أم من يدخل الجنة، تصريحا بحصول الأمن لهم؛ وانتفاء الخوف عنهم. قوله: (تهديد لهم) أي للكفار، وزيادة مسرة للمؤمنين.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إلخ، خبر إِنَ محذوف قدره المفسر بقوله: (نجازيهم) وهو أحد أعاريب وهو أسهلها، وقيل: إنه جملة لا يأتيه الباطل، إلخ، والعائد محذوف، والتقدير: لا يأتيه الباطل منهم، والمعنى لا يبلغون مرادهم فيه، بل هو محفوظ منهم، وقيل: إن الخبر قوله ما يقال لك، إلخ، والعائد محذوف ما يقال لك في شأنهم، وقيل غير ذلك. قوله: لَمَّا جاءَهُمْ ظرف لقوله: كَفَرُوا.\rقوله: لَكِتابٌ عَزِيزٌ الجملة حالية من الذكر والمعنى، والتقدير: كفروا بالقرآن حين جاءهم، والحال أنه كتاب يرد المعارض ويقهره، قال البوصيري:\rكم جدلت كلمات اللّه من جدل ... فيه وكم خصم البرهان من خصم\r\rقوله: (منيع) فعيل بمعنى فاعل، أي مانع المعارض عن الخوض فيه، ويصح أن يفسر العزيز بعديم المثال. قوله: (أي ليس قبله كتاب يكذبه) إلخ، أي لا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات، بل جميع ما فيه صدق مطابق للواقع، ليس بعده كتاب أصلا، وليس قبله ما تقدح فيه، وفي كلام المفسر لف ونشر مشوش، فقوله: (ليس قبله) راجع للخلق، وقوله: (و لا بعده) راجع لما بين يديه.\rقوله: مِنْ حَكِيمٍ الحكيم هو الذي يضع الشيء في محله.\rقوله: ما يُقالُ لَكَ إلخ، شروع في تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم على ما يصيبه من","part":3,"page":413},{"id":1528,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 414\rقِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ للمؤمنين وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (43) للكافرين وَلَوْ جَعَلْناهُ أي الذكر قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا هلا فُصِّلَتْ بينت آياتُهُ حتى نفهمها «أ» قرآن «عجمى و» نبي عَرَبِيٌ استفهام إنكار منهم بتحقيق الهمزة الثانية وقبلها ألفا بإشباع ودونه قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً من الضلالة وَشِفاءٌ من الجهل وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ ثقل فلا يسمعونه وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى فلا يفهمونه أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (44) أي هم كالمنادى من مكان بعيد لا يسمع ولا يفهم ما ينادى به وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة فَاخْتُلِفَ فِيهِ بالتصديق والتكذيب كالقرآن وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ في الدنيا فيما اختلفوا فيه وَإِنَّهُمْ أي المكذبين به لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45) موقع في الريبة مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ\r______________________________\rأذى الكفار. قوله: (من التكذيب) أي من أجل حصوله ووقوعه. قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ إلخ، هذا هو المقول، والمعنى: ما يقال لك من أجل حصول التكذيب ووقوعه منهم، إلا قولا مثل ما قيل للرسل من قبلك وهو إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ إلخ.\rقوله: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لقولهم هلا نزل القرآن بلغة العجم. قوله: لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ أي بلسان نفهمه وهو لسان العرب، وقوله: ءَأَعْجَمِيٌ إلخ، جملة مستقلة عن جملة مقولهم، والمعنى: أنهم طلبوا أولا نزوله بلغة العجم، فرد اللّه عليهم بقوله: لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ أي جاءت بلغة العرب، وأخبر اللّه تعالى أنه لو جاءهم بلغة العجم، لادعوا التنافي بين كونه بلغة العجم، وكون الجائي به عربيا، وغرضهم بذلك إنكار كون القرآن من عند اللّه على أي حال، والأعجمي يقال للكلام الذي لا يفهم وللمتكلم به، والياء للمبالغة في الوصف، كأحمري وأعجمي، خبر لمحذوف قدره المفسر بقوله: (أقرآن) إلخ، وكذا قوله: وَعَرَبِيٌ. قوله: (بتحقيق الهمزة الثانية) أي من غير ألف بينهما، وقوله: (و قلبها ألفا) أي ممدودا مدا لازما، وهاتان قراءتان، وقوله: (بإشباع ودونه) سبق قلم منه، والصواب أن يقول: وتسهيل الثانية بإشباع ودونه، فالإشباع هو إدخال ألف بين المحققة والمسهلة، وعدمه هو ترك الإشباع، وبقيت قراءة خامسة سبعية أيضا وهي اسقاط الهمزة الأولى.\rقوله: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا أي صدقوا به وأذعنوا له. قوله: وَشِفاءٌ (من الجهل) أي ومن الأمراض الحسية والمعنوية الظاهرية والباطنية. قوله: وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ مبتدأ، وفِي آذانِهِمْ خبر مقدم، ووَقْرٌ مبتدأ مؤخر، والجملة خبر المبتدأ الأول. قوله: (فلا يسمعونه) أي لوجود الحجاب على قلوبهم، فلا يوفقون لاتباعه. قوله: (أي هم كالمنادي) إلخ، أي فالكلام فيه استعارة تمثيلية، حيث شبه حالهم في عدم قبول المواعظ، وإعراضهم عن القرآن وما فيه بحال من ينادي من مكان بعيد، والجامع عدم الفهم في كل.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ كلام مستأنف سيق لبيان أن الاختلاف في شأن الكتب عادة قديمة غير مختص بقومك، وهو تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى لا تحزن على اختلاف قومك في كتابك فقد اختلف من قبلهم في كتابه. قوله: لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي عجل لهم العذاب. قوله: لَفِي شَكٍّ مِنْهُ أي من أجل","part":3,"page":414},{"id":1529,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 415\rعمل وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها أي فضرر إساءته على نفسه وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46) أي بذي ظلم، لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ متى تكون لا يعلمه غيره وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ وفي قراءة ثمرات مِنْ أَكْمامِها أوعيتها جمع كم بكسر الكاف إلا بعلمه وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ أعلمناك الآن\r______________________________\rالمخالفة، وقوله: مُرِيبٍ أي مورث شكا آخر.\rقوله: فَلِنَفْسِهِ (عمل) أشار بذلك إلى أن الجار والمجرور متعلق محذوف ويصح أن يكون خبر المحذوف، أي فعمله الصالح لنفسه، والجملة على كل حال جواب الشرط، إن جعلت شرطية، أو خبر لها إن جعلت موصولة، وكذا يقال في الجملة بعدها.\rقوله: (أي بذي ظلم) جواب عما يقال: إن الآية لم تنف أصل الظلم. فأجيب: بأن ظلام صيغة نسبة لا مبالغة، والمعنى ليس بمنسوب للظلم كتمار وخباز، أي منسوب للتمر والخبز. إن قلت: إن الظلم مستحيل على اللّه تعالى، لأن التصرف في ملك الغير، ولا ملك لأحد معه، فكيف يتصور اثباته حتى يحتاج لنفيه؟\rأجيب: بأن المراد الظلم المنفي في الآية تعذيب المطيع لا حقيقة الظلم، وإنما سماه ظلما تفضلا منه واحسانا، كأن اللّه تعالى يقول: لا أدخل أحدا النار من غير ذنب، فإن فعلت ذلك كنت ظالما وهو مستحيل، على حد كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ فتدبر.\rقوله: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ أي للّه يرد علم جواب السؤال عن الساعة، وهذه الآية بمعنى قوله تعالى: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يجليها لوقتها إلا هو فالمعنى تعيين وقت مجيئها لا يعلمه إلا اللّه تعالى وتقدم ذلك عند قوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ. قوله: (لا يعلمه غيره) أخذ الحصر من تقديم الجار والمجرور، والمعنى: لا يفيد علمه غيره تعالى، فلا ينافي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يخرج من الدنيا، حتى اطلع على ما كان وما يكون وما هو كائن، ومن جملته وقت الساعة، ولكن أمر بكتمانه، فلا يفيد السائل عنه شيئا. قوله: مِنْ ثَمَراتٍ المراد الجنس، وقوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا والجمع ظاهر. قوله:\r(جمع كم بكسر الكاف) أي وهو ما يغطي الثمرة من النوار والزهر، ويجمع أيضا على أكمة وكمام، وأما ما يغطي اليد من القميص فبالضم، وجمعه أكمام، وقيل: ما يغطي الثمرة بالضم والكسر، وما يغطي اليد بالضم فقط.\rقوله: وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إلخ، أي يعلم قدر أيام الحمل وساعاته، وكونه ذكرا أو أنثى، واحدا أو متعددا، غير ذلك، ويعلم وقت وضعه ومكانه. قوله: إِلَّا بِعِلْمِهِ استثناء مفرغ من عموم الأحوال، والتقدير: وما يحدث شيء، من خروج ثمرة، أو حمل حامل أو وضعها، إلا ملتبسا بعلمه، فقد حذف من الأولين، لدلالة الثالث عليه. إن قلت: قد يعلم ذلك بعض الخلق من أصحاب الكشف، وبعض الكهنة والمنجمين. أجيب: بأن صاحب الكشف عليه بإلهام من اللّه تعالى لبعض جزئيات فقط، وأما الكهنة والمنجمون، فعلمهم مستند لأمور ظنية قد تصيب، والغالب عليها الخطأ.\rقوله: أَيْنَ شُرَكائِي أي بزعمكم وفيه تقريع وتهكم بهم. قوله: قالُوا أي يقولون، وعبر بالماضي لتحقق الوقوع. قوله: (الآن) أشار بذلك إلى أن المراد الإنشاء لا الإخبار عما سبق، فالجملة خبرية لفظا إنشائية معنى، ويصح أن يراد الإخبار لتنزيلهم علمه تعالى بحالهم منزلة إعلامهم به، فأخبروا وقالوا آذناك.","part":3,"page":415},{"id":1530,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 416\rما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47) أي شاهد بأنّ لك شريكا وَضَلَ غاب عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ يعبدون مِنْ قَبْلُ في الدنيا من الأصنام وَظَنُّوا أيقنوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48) مهرب من العذاب، والنفي في الموضعين معلق عن العمل، وجملة النفي سدّت مسد المفعولين لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ أي لا يزال يسأل ربه المال والصحة وغيرهما وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ الفقر والشدة فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (49) من رحمة اللّه، وهذا وما بعده في الكافرين وَلَئِنْ لام قسم أَذَقْناهُ آتيناه رَحْمَةً غنى وصحة مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ شدة وبلاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي أي بعملي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ لام قسم رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى أي الجنة فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (50) شديد، واللام في الفعلين لام قسم وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ الجنس أَعْرَضَ عن الشكر وَنَأى بِجانِبِهِ ثنى عطفه\r______________________________\rقوله: وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ أي غالب نفعهم عنهم، فلا يشفعون لهم، ولا ينصرونهم، وهذا في المحشر، وأما في النار فيجمعون معهم. قوله: مِنْ مَحِيصٍ أي فرار ومهرب من النار. قوله:\r(و النفي) أي وهو ما وقوله: (في الموضعين) أي وهما: ما منا، وما لهم. (معلق عن العمل) التعليق إبطال العمل لفظا لا محلا، والعامل المعلق هو آذن وظن. قوله: (و جملة النفي) أي في الموضعين. قوله:\r(سدت مسد المفعولين) أي الأول والثاني لظنوا، والثالث لآذنا، فإنه يتعدى لثلاثة، كأعلم وأرى، والمفعول الأول الكاف.\rقوله: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ المراد به جنس الكافر كما يأتي في المفسر. قوله: مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ المصدر مضاف لمفعوله. قوله: (و غيرهما) أي كالولد ونحوه من خير الدنيا. قوله: فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ خبران لمبتدأ محذوف، أي فهو قبل اليأس والقنوط مترادفان، وجمع بينهما للتأكيد، وقيل: اليأس قطع الرجاء من رحمة اللّه، والقنوط إظهار اثاره على ظاهر البدن، ويطلق اليأس على العلم كما في قوله تعالى:\rأَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا ويئس من باب فهم، وقنط من باب جلس ودخل وطرف. قوله: (و ما بعده) أي وهو\rقوله: وَلَئِنْ أَذَقْناهُ إلى قوله: لَلْحُسْنى وأما قوله: فَلَنُنَبِّئَنَ إلخ، تصريح في الكافرين لا يحتاج للتنبيه عليه. قوله: لَيَقُولَنَّ هذا لِي جواب القسم، وجواب الشرط محذوف، لسد جواب القسم مسده، للقاعدة المذكورة في قول ابن مالك:\rواحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم\r\rقوله: (أي بعملي) أي بما لي من الفضل والعمل والشجاعة والتدبير. قوله: وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً أي تقوم. قوله: وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي أي كما تقول الرسل على فرض صدقهم، وقد أكدت هذه الجملة بأمور زيادة في التعنت منها: القسم وإن، وتقديم الظرف والجار والمجرور. قوله: فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا جواب لقول الكافر وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلخ. قوله: (الجنس) أي من حيث هو مسلما أو كافرا، ولكنه مشكل بالنسبة للكافر، فإنه تقدم عند مس الشر، كان يؤوسا قنوطا، وهنا أفاد أنه ذو دعاء عريض، فيقتضي أنه راج، فحصل بين الآيتين التناقض. وأجيب: بأنه يمكن حمل ما تقدم على أناس دون","part":3,"page":416},{"id":1531,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 417\rمتبخترا، وفي قراءة بتقديم الهمزة وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (51) كثير قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ أي القرآن مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أي لا أحد أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ خلاف بَعِيدٍ (52) عن الحق، أوقع هذا موقع منكم بيانا لحالهم سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ أقطار السماوات والأرض من النيرات والنبات والأشجار وَفِي أَنْفُسِهِمْ من لطيف الصنعة وبديع الحكمة حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ أي القرآن الْحَقُ المنزل من اللّه بالبعث والحساب\r______________________________\rآخرين أو على الكل، لكن الأوقات مختلفة، فبعض الأوقات يكونون آيسين، وبعض الأوقات يكونون راجين.\rقوله: وَنَأى بِجانِبِهِ بتقديم الألف على الهمزة بوزن قال، وقوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا وقوله: (بتقديم الهمزة) أي على الألف بوزن رمى، والنون مقدمة على كليهما. قوله: فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ أي فهو ذو دعاء. قوله: (كثير) أشار بذلك إلى أن العرض يطلق على الكثرة كالطول يقال:\rأطال فلان الكلام، وأعرض في الدعاء إذا أكثر.\rقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ رأى في الأصل علمية أو بصرية، أطلق العلم أو الإبصار، وأريد ما ينشأ عنه وهو الخير، ثم أطلق الاستفهام عن العلم أو الإبصار، وأريد منه طلب الإخبار، ففيه مجازان. قوله: (كما قال النبي) المناسب إسقاطه. قوله: (أي لا أحد) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري. قوله: (أوقع هذا) أي قوله: مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ.\rقوله: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ الضمير عائد على كفار مكة، والمعنى: سنري كفار مكة دلائل قدرتنا حال كونها في الآفاق، جمع أفق كأعناق وعنق، ويقال أفق بفتحتين، كعلم وأعلام. قوله: (من النيرات) أي الشمس والقمر والنجوم، وقوله: (و الأشجار والنبات) أي والرياح والأمطار والجبال والبحار، وغير ذلك من العجائب العلوية والسفلية.\rقوله: وَفِي أَنْفُسِهِمْ أي كخلقهم أولا، نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما، ثم بعد تمام مدتهم في البطون، يخرجهم إلى فضاء الدنيا ضعافا، ثم يعطيهم القوة شيئا فشيئا وهكذا، واستشكل ظاهر الآية، بأن السين تدل على تخليص المضارع للاستقبال، مع أنهم مشاهدون هذه الآيات في الحال. أجيب:\rبأن الكلام على حذف مضاف، والتقدير سنريهم عواقب آياتنا وأسرارها، ففيه وعد للمعتبر، ووعيد لغيره، لأن حكمة هذه الآيات، النظر والتأمل والاعتبار، فمن اعتبر بهذه الآيات فقد سعد، ومن تركه فقد شقي. قوله: (من لطيف الصنعة وبديع الحكمة) من ذلك ما خلقه وأبدعه في نفس الإنسان، كالأكل والشرب، يدخل من مكان واحد، ويتميز ذلك خارجا من مكانين مختلفين، لا يختلط أحدهما بالآخر، وبالبصر فإنه ينظر به السماء من الأرض مسيرة خمسمائة عام، والسمع فإنه يفرق به بين الأصوات المختلفة، وغير ذلك، وهذا ما قرر به المفسر الآية. وهناك احتمالات أخر منها: أن المراد بالآيات ما أخبرهم به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الحوادث الآنية، والمراد بالآفاق فتح القرى له ولخلفائه من بعده، الذي لم يتيسر مثله لأحد من خلفاء الأرض قبلهم، والمراد بأنفسهم فتح مكة وملكهم، وقد تحقق ذلك لرسول اللّه وخلفائه من بعده، ومنها: أن المراد بالآيات وقائع الأمم السابقة، والمراد بأنفسهم ما حصل لهم يوم بدر من القتل والأسر، ومنها غير ذلك.","part":3,"page":417},{"id":1532,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 418\rوالعقاب، فيعاقبون على كفرهم به، وبالجائي به أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ فاعل يكف أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) بدل منه، أي أو لم يكفهم في صدقك أن ربك لا يغيب عنه شيء ما أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ شك مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ لإنكارهم البعث أَلا إِنَّهُ تعالى بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) علما وقدرة، فيجازيهم بكفرهم.\r______________________________\rقوله: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ إلخ، الهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة عليه، والتقدير:\rأتحزن على إنكارهم ومعارضتهم لك، ولم يكفك ربك؟ والاستفهام انكاري، والباء زائدة في الفاعل، والمفعول محذوف تقديره يكفك، وإن وما دخلت عليه في تأويل مصدر بدل من الفاعل، بدل كل من كل، والمعنى: أتحزن على كفرهم، ولم يكفك شهادة ربك لك وعليهم؟ والمفسر قرر الآية بتقرير آخر، والمؤدى واحد، حيث جعل الآية إخبارا عن حالهم، وعليه فالمعنى: ألم يعتبروا؟ أو لم يكفهم شهادة ربك لك بالصدق، وعليهم بالتكذيب؟ قوله: (لأنكارهم البعث) أي بألسنتهم، والمعنى: أن الدليل لنا على كونهم في شك من لقاء ربهم، إنكارهم بألسنتهم للبعث، ولا يقال: إن عندهم جزما في قلوبهم بعدم البعث، لأننا نقول: لا دليل لهم عليه، حتى يحصل الجزم بالأوهام، أو وساوس شيطانه، والحجة القطعية إنما هي على البعث، وهكذا سائر عقائد الكفر فتدبر.\rقوله: أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم والمعنى:\rلا تحزن على كفرهم، فإن اللّه محيط بكل شيء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ومن لازمه أنه يجازيهم، فلذلك قال المفسر: (فيجازيهم).","part":3,"page":418},{"id":1533,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 419\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الشّورى مكيّة وآياتها ثلاث وخمسون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم (1) عسق (2) اللّه أعلم بمراده به كَذلِكَ أي مثل ذلك الإيحاء يُوحِي إِلَيْكَ وَأوحى إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ فاعل الإيحاء الْعَزِيزُ في\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الشورى\rمكية إلا قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ الآيات الأربع. وهي ثلاث وخمسون آية بالتعريف، وتسمى أيضا سورة شورى من غير تعريف، وسورة حم عسق، وسورة عسق، وسورة حم سق. قوله: (إلا قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً) إلخ، وقيل: أول المدني ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ وينتهي إلى عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ وقيل: فيها من المدني أيضا. قوله: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ إلى قوله: مِنْ سَبِيلٍ.\rقوله: حم عسق أجمع القراء على أن حم مفصولة من عسق في الخط، وعلى أن كهيعص متصلة ببعضها، والحكمة في ذلك أن حم عسق فصلت لما قيل: إنهما اسمان للسورة، وأيضا ليطابق سائر الحواميم. قوله: (أي مثل ذلك الإيحاء) أشار بذلك إلى أن الكاف في محل نصب على المفعولية المطلقة، والمعنى: يوحي إليك وإلى الذين من قبلك ايحاء مثل ذلك الإيحاء في المعنى، لما ورد عن ابن عباس: ليس من نبي صاحب كتاب، إلا وقد أوحي إليه حم عسق ووجه المشابهة أن الوحي به في الكل، يرجع لأمور ثلاثة: التوحيد، والنبوة، والبعث، فهذا القدر مشترك بين القرآن وغيره من الكتب.\rقوله: يُوحِي إِلَيْكَ جمهور القراء على أنه بالياء مبنيا للفاعل واللّه فاعله، وقرأ ابن كثير بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل إما ضمير عائد على كَذلِكَ أو الجار والمجرور، وقوله: اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فاعل بفعل محذوف كأنه قيل من يوحيه؟ فقيل: يوحيه اللّه، نظير يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ وقرىء شذوذا بالنون مبنيا للفاعل، ولفظ الجلالة بدل من الضمير في نوحي الواقع فاعلا. قوله:\rوَ(أوحى) إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ أشار بذلك إلى أن يوحي مستعمل في حقيقته ومجازه، فهو مستعمل في المستقبل، بالنظر لما لم ينزل عليه من القرآن حينئذ، وفي الماضي بالنظر لما أنزل عليه بالفعل،","part":3,"page":419},{"id":1534,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 420\rملكه الْحَكِيمُ (3) في صنعه لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا وَهُوَ الْعَلِيُ على خلقه الْعَظِيمُ (4) الكبير تَكادُ بالتاء والياء السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ بالنون، وفي قراءة بالتاء والتشديد مِنْ فَوْقِهِنَ أي تنشق كل واحدة فوق التي تليها، من عظمة اللّه تعالى وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أي ملابسين للحمد وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ من المؤمنين أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ لأوليائه الرَّحِيمُ (5) بهم وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أي الأصنام أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ محص عَلَيْهِمْ ليجازيهم وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6) تحصل\r______________________________\rوبالنظر لما أنزل على الرسل السابقين. قوله: (فاعل الإيحاء) أي على قراءة الجمهور، وأما على قراءة البناء للمفعول، فهو فاعل بفعل محذوف، وعلى قراءة النون، فهو بدل من ضمير نوحي.\rقوله: وَهُوَ الْعَلِيُ (على خلقه) أي المنزه عن صفات خلقه. قوله: الْعَظِيمُ أي المنفرد بالكبرياء والعظمة.\rقوله: (بالنون) إلخ، ظاهره أن القراءات أربع، من ضرب اثنتين في اثنتين، وليس كذلك، بل هي ثلاثة فقط سبعيات، لأن من قرأ تَكادُ بالتاء الفوقية، يجوز في يَتَفَطَّرْنَ الوجهين، ومن قرأ (يكاد) بالياء التحتية لا يقرأ يتفطرن إلا بالتاء مع التشديد. قوله: (أي تنشق كل واحدة) أي تسقط السابعة فوق السادسة، والسادسة فوق الخامسة، وهكذا، إلى أن يسقط الجميع فوق الأرض وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا والتقييد بالفوقية أبلغ، في مزيد الهيبة والجلال. قوله: (فوق التي تليها) أشار بذلك إلى أن الضمير في فَوْقِهِنَ عائد على السَّماواتُ ويصح عوده على فوق الكفار والمشركين، أو على الأرضين لتقدم ذكر الأرض. قوله: (من عظمته تعالى) أي فالسماوات تكاد تنشق وتخر، خوفا من الجلال الناشىء على قولهم اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً* يدل على ذلك ما تقدم في سورة مريم.\rقوله: وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ إلخ، هذا كلام مستأنف سيق لبيان فضل بني آدم. قوله: (من المؤمنين) أي والمراد بالملائكة حملة العرش ومن حوله، بدليل ما تقدم في غافر، فحمل المطلق على المقيد، وقيل: المراد مطلق الملائكة وبمن في الأرض العموم، فيشمل جميع الحيوانات، والمراد بالاستغفار طلب الأرزاق ودفع البلاء، وكل صحيح، ولذلك قال بعض العارفين: أنصح عباد اللّه لعباد الملائكة، وأغش عباد اللّه لعباد اللّه الشياطين.\rقوله: أَلا إِنَّ اللَّهَ إلخ أَلا أداة استفتاح يؤتى بها لتأكيد ما بعدها، وقد وصف سبحانه وتعالى نفسه بالمغفرة والرحمة، وأكد بألا الاستفتاحية، وإِنَ والجملة الاسمية تفضلا منه وإحسانا، للإشارة إلى أن رحمته غلبت غضبه.\rقوله: (أي الأصنام) تفسير للمفعول الأول فهو محذوف، والثاني هو قوله:\rأَوْلِياءَ والمعنى: والذين اتخذوا الأصنام آلهة معبودة قائلين ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى يدل عليه الآية الأخرى، وأما الأولياء بمعنى المتولين خدمة ربهم، وتولاهم بمحبته ومعرفته، فمحبتهم والتعلق بهم من جملة طاعة اللّه، لأنهم الوسيلة لنا إلى اللّه ورسوله، وليست محبتنا لهم، وتوسلنا بهم شركا، إلا إذا كانت على وجه العبادة كالسجود مثلا، واعتقاد أنهم يؤثرون بذواتهم في نفع أو ضر، خلافا للخوارج الضالين المضلين، حيث زعموا أن كل من توسل إلى اللّه بأحد سواه فهو مشرك. قوله: اللَّهُ حَفِيظٌ أي ضابط لهم ولأعمالهم، فلا يغيب عنه شيء منها، ولا يفلتون منه، فهذه الآية توبيخ للكفار، وتسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم.","part":3,"page":420},{"id":1535,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 421\rالمطلوب منهم، ما عليك إلا البلاغ وَكَذلِكَ مثل ذلك الإيحاء أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ تخوّف أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها أي أهل مكة وسائر الناس وَتُنْذِرَ الناس يَوْمَ الْجَمْعِ أي يوم القيامة، تجمع فيه الخلائق لا رَيْبَ شك فِيهِ فَرِيقٌ منهم فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7) النار وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً أي على دين واحد وهو الإسلام وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ الكافرون ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (8) يدفع عنهم العذاب أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أي الأصنام أَوْلِياءَ أم منقطعة بمعنى بل التي للانتقال، والهمزة\r______________________________\rقوله: وَكَذلِكَ يصح أن يكون مفعولا مطلقا لأوحينا، وقُرْآناً مفعول به، والتقدير:\rوأوحينا اليك قرآنا عربيا إيحاء كذلك، واسم الإشارة عائد على الإيحاء المتقدم في قوله: كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ إلخ، ويصح أن يكون مفعولا به، وقُرْآناً حال، والتقدير: وأوحينا إليك ذلك الإيحاء، حال كونه قرآنا عربيا. قوله: أُمَّ الْقُرى سميت بذلك لأنها أول بلد خلقها اللّه وشرفها، ولذا بعث لها أصل الخلق وأشرفهم، وهو سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: وَمَنْ حَوْلَها أي من كل جهة، فهو مبعوث لسائر أهل الأرض، بل وأهل السماء، وإنما اقتصر على الإنذار، وإن كان مبعوثا بالبشارة أيضا، لأنه في ذلك الوقت لم يكن محل للبشرى، لأن الخلق في ذلك الوقت كفار.\rقوله: يَوْمَ الْجَمْعِ هو المفعول الثاني، والأول محذوف قدره المفسر بقوله: (الناس) عكس الفعل الأول، فإنه قد ذكر المفعول الأول، وحذف الثاني تقديره العذاب، ففي الآية احتباك، حيث حذف من كل نظير ما أثبته في الآخر. قوله: لا رَيْبَ فِيهِ حال من يَوْمَ الْجَمْعِ قوله: فَرِيقٌ إما مبتدأ في كل خبره الجار والمجرور بعده، والمسوغ للابتداء بالنكرة وقوعها في معرض التفصيل وهو الأولى، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره منهم، أو خبر لمبتدأ محذوف أي هم. قوله: فِي الْجَنَّةِ المراد بها دار الثواب، فنعم جميع الجنان، وقوله: وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ المراد به دار العذاب بجميع طباقها، فالجنة لمن لم يتصف بالكفر من الثقلين إنسا وجنا، والنار لمن اتصف بالكفر من المكلفين إنسا وجنا.\rقوله: لَوْ شاءَ اللَّهُ مفعول شاءَ محذوف تقديره جعلهم أمة واحدة، والمعنى: أن الأمر كله للّه، فلا يسأل عما يفعل لحكمة سبقت، بأن خلق الجنة وخلق لها أهلا، وخلق نارا وخلق لها أهلا. قوله:\r(و هو الإسلام) أي أو الكفر. قوله: وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ أي بفضله وإحسانه، وهم فريق الجنة. قوله: وَالظَّالِمُونَ أي وهم فريق النار، وهو مقابل قوله: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ كان مقتضى الظاهر أن يقال: ويدخل من يشاء في غضبه، وعدل عنه إلى ما ذكر، إشارة إلى دفع توهم، أن لهم شفيعا ونصيرا في الآخرة، وأما دخولهم في الغضب، فأمر معلوم لا يحتاج للنص عليه. قوله:\r(الكافرون) تفسير للظالمون، فالمراد بالظلم الكفر، وأما الظالمون بمعنى العاصين بغير الكفر، فلهم نصير يدفع عنهم العذاب، لما في الحديث: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». قوله: (التي للانتقال) أي من بيان المسبب لبيان السبب، فاتخاذهم الأصنام آلهة سبب في دخولهم النار.\rقوله: (و الهمزة للإنكار) هذا أحد أوجه في أَمِ المنقطعة، وهو أنها تقدر ببل والهمزة، ويصح تقديرها ببل وحدها، أو الهمزة","part":3,"page":421},{"id":1536,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 422\rللإنكار، أي ليس المحذوف أولياء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُ أي الناصر للمؤمنين، والفاء لمجرد العطف وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ مع الكفار فِيهِ مِنْ شَيْءٍ من الدين وغيره فَحُكْمُهُ مردود إِلَى اللَّهِ يوم القيامة يفصل بينكم، قل لهم ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) أرجع فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبدعهما جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً حيث خلق حوّاء من ضلع آدم وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً ذكورا وإناثا يَذْرَؤُكُمْ بالمعجمة يخلقكم فِيهِ في الجعل المذكور، أي يكثركم بسببه بالتوالد، والضمير للأناسي، والأنعام بالتغليب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الكاف زائدة لأنه تعالى لا مثل له وَهُوَ\r______________________________\rوحدها. قوله: (أي ليس المتخذون أولياء) أي فالنفي منصب على المفعول الثاني.\rقوله: فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُ أي المعبود بحق المتولي أمور الخلق، والجملة المعرفة الطرفين تفيد الحصر فلا معبود بحق اللّه تعالى، إن قلت: مقتضى الحصر هنا أن لفظ الولي لا يتصف به المخلوق، ومقتضى آية أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أنه يتصف به المخلوق، فكيف الجمع بينهما؟ أجيب:\rبأن معنى الولي هنا المعبود بحق، وذلك لا يتصف به غيره تعالى، وأما الولي في تلك الآية، فمعناه المنهمك في طاعة اللّه تعالى، المتولي اللّه أموره، وتقدم ذلك. قوله: (و الفاء لمجرد العطف) أي عطف ما بعدها على ما قبلها، ورد بذلك على الزمخشري القائل: إن الفاء واقعة في جواب الشرط مقدر، أي إن أرادوا وليا بحق، فاللّه هو الولي، قال أبو حيان: لا حاجة إلى هذا التقدير، لتمام الكلام بدونه.\rقوله: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ مَا مبتدأ شرطية أو موصولة، ومِنْ شَيْءٍ بيان لما، وقوله: فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ خبر المبتدأ. قوله: (و غيره) أي كأمور الدنيا. قوله: (يفصل بينكم) أي فيدخل المحق الجنة والمبطل النار. قوله: ذلِكُمُ اسم الإشارة مبتدأ، أخبر عنه بأخبار، أولها لفظ الجلالة، وآخرها شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ. قوله: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أي فوضت أموري. قوله: (مبدعهما) أي على غير مثال سابق.\rقوله: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي من جنسكم، وقوله: أَزْواجاً أي نساء. قوله: (حيث خلق حواء من ضلع آدم) أي اليسرى وهو نائم، فلما استيقظ ورآها، سكن ومال إليها، ومد يده إليها، فقالت الملائكة: مه يا آدم، قال: لم وقد خلقها اللّه لي؟ فقالوا: حتى تؤدي مهرها، قال: وما مهرها؟\rقالوا: حتى تصلي على محمد ثلاث مرات، وفي رواية: لما رام آدم القرب منها، طلبت منه المهر، فقال: يا رب وما أعطيها؟ فقال: يا آدم صلى على حبيبي محمد بن عبد اللّه عشرين مرة، فلما فعل ما أمر به، خطب اللّه له خطبة النكاح ثم قال: اشهدوا يا ملائكتي وحملة عرشي، أني زوجت أمتي حواء من عبدي آدم، والضلع بوزن عنب وحمل، فالضاد مكسورة، واللام إما مفتوحة أو ساكنة، وفعله ضلع من باب تعب اعوج، ومن باب نفع مال عن الحق.\rقوله: وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً أي أصنافا. قوله: (أي يكثركم بسببه) أشار بذلك إلى أن في السببية، والضمير في فِيهِ عائد على (الجعل) المأخوذ من جعل. قوله: (و الضمير للأناسي) أي وهو الكاف في يَذْرَؤُكُمْ. قوله: (بالتغليب) جواب عما يقال: كيف جمع بين العاقل وغيره في ضمير واحد؟","part":3,"page":422},{"id":1537,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 423\rالسَّمِيعُ لما يقال الْبَصِيرُ (11) لما يفعل لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مفاتيح خزائنهما من المطر والنبات وغيرهما يَبْسُطُ الرِّزْقَ يوسعه لِمَنْ يَشاءُ امتحانا وَيَقْدِرُ يضيقه لمن يشاء ابتلاء إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12) شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً هو أول أنبياء الشريعة وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا\r______________________________\rفكان مقتضى الظاهر أن يقال: يذرؤكم ويذرؤها. قوله: (الكاف زائدة) أي للتأكيد، وهذا أحد أجوبة عن سؤال مقدر، وهو أن ظاهر الآية يوهم ثبوت المثل له تعالى وهو محال، لأنه يصير التقدير: ليس مثل مثله شيء، فنفى المماثلة عن مثله، فثبت أن له مثلا، ولا مثل له، وأيضا يلزم عليه التناقض، لأنه إذا كان له مثل، فلمثله مثل، وهو هو، مع أن إثبات المثل له تعالى محال، فأجاب المفسر بأن الكاف زائدة، والتقدير: ليس مثله شيء، وهذا الجواب أسهل الأجوبة في هذا المقام. وأجيب أيضا: بأن مثل زائدة، ورد بأن زيادة الأسماء غير جائزة أيضا، يلزم عليه دخول الكاف على الضمير، وهو لا يجوز إلا في الشعر.\rوأجيب أيضا: بأن المثل بمعنى الصفة، وحينئذ فالتقدير ليس مثل صفته شيء. وأجيب أيضا: بأن الكاف أصلية، والكلام من قبيل الكناية كقولهم: مثلك لا يبخل، وليس لأخي زيد أخ، ففي المماثلة عن المثل مبالغة في نفيها عنه، لأن العرب تقيم المثل مقام النفس.\rقوله: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جمع مقلاد، أو مقليد، أو أقليد. قوله: (من المطر) إلخ، بيان للخزائن، وقوله: (و غيرهما) أي كالجواهر المستخرجة من الأرض. قوله: إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تعليل ما قبله.\rقوله: شَرَعَ لَكُمْ الخطاب لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى بين لكم وجعل لكم دينا قويا واضحا، تطابقت على صحته الأنبياء والرسل من قبل، وهو تفصيل لما أجمل أولا في قوله: كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ.\rقوله: ما وَصَّى بِهِ نُوحاً إلخ، خص هؤلاء بالذكر، لأنهم أكابر الأنبياء، وأولي العزم وأصحاب الشرائع المعظمة المستقلة المتجددة، فكان كل من هؤلاء الرسل له شرع جديد، وأما من عداهم من الرسل، إنما كان يبعث بتبليغ شرع ما قبله، فمن بين نوح وإبراهيم، وهما هود وصالح، بعثا بتبليغ شرع نوح، ومن بين إبراهيم وموسى، بعثوا بتبليغ شرع إبراهيم، وكذا من بين موسى وعيسى، بعثوا بتبليغ شرع موسى، وإنما يذكر من قبلهم، لأنه لم يكن قبل نوح أحكام مشروعة، لأن آدم كان شرعه التوحيد، ومصالح المعاش، واستمر ذلك الأمر إلى نوح، فبعثه اللّه تعالى بتحريم الأمهات والبنات والأخوات، ووظف عليه الواجبات، وأوضح له الآداب والديانات، ولم يزل ذلك الأمر يتأكد بالرسل، ويتناصر بالأنبياء، واحدا بعد واحد وشريعة إثر شريعة، حتى ختمها اللّه بخير الملل ملتنا، على لسان أكرم الرسل نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم، فتبين بهذا أن شرعنا معشر الأمة المحمدية، قد جمع جميع الشرائع المتقدمة. قوله: (هو أول أنبياء الشريعة) أي فهذا حكمة بدئه بنوح، وأيضا لتقدمه في الزمان.\rقوله: وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أتى بالاسم الموصول الذي هو أصل الموصولات، وعبر في جانبه صلّى اللّه عليه وسلّم بالإيحاء، تعظيما لشأنه، وردا على المشركين المنكرين بعثته صلّى اللّه عليه وسلّم حيث قالوا: لست مرسلا. قوله: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ الأوضح أن أَنْ تفسيرية بمعنى أي، ويصح أن تكون مصدرية، إما في محل رفع خبر","part":3,"page":423},{"id":1538,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 424\rفِيهِ هذا هو المشروع الموصى به والموحى إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو التوحيد كَبُرَ عظم عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من التوحيد اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ إلى التوحيد مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) يقبل إلى طاعته وَما تَفَرَّقُوا أي أهل الأديان في الدين، بأن وحد بعض وكفر بعض إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بالتوحيد بَغْياً من الكافرين بَيْنَهُمْ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ بتأخير الجزاء إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يوم القيامة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بتعذيب الكافرين في الدنيا وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ وهم اليهود والنصارى لَفِي شَكٍّ مِنْهُ من محمد صلّى اللّه عليه وسلّم مُرِيبٍ (14) موقع في الريبة فَلِذلِكَ التوحيد فَادْعُ يا محمد الناس وَاسْتَقِمْ عليه كَما\r______________________________\rلمحذوف تقديره هو إقامة الدين، أو في محل نصب بدل من مفعول شَرَعَ والمراد بإقامة الدين، تعديل أركانه وحفظه والمواظبة عليه. قوله: (و هو التوحيد) بيان للمراد من الدين الذي اشترك فيه هؤلاء الرسل، وأما قوله: وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ فهو أعم من ذلك، فإن المراد به جميع الشريعة أصولا وفروعا، وإنما اقتصر على التوحيد، لأنه رأس الدين وأساسه.\rقوله: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أي شق عليهم. قوله: (من التوحيد) اقتصر عليه لأنه عماد الدين، وإلا فما يدعوهم إليه عام، يشمل جميع الأصول والفروع. قوله: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ من الاجتباء وهو اصطفاء اللّه العبد وتوفيقه لما يرضاه، وتخصيصه بالفيوضات الربانية. قوله: مَنْ يُنِيبُ ضمنه معنى يقبل أو يميل، فعداه بإلى.\rقوله: وَما تَفَرَّقُوا الضمير عائد على أهل الأديان المتقدمين، من أول الزمان إلى آخره، كما قال المفسر، والمراد بأهل الأديان أمم الأنبياء المتقدمين، كأمة نوح، وأمة هود، وأمة صالح وغيرهم، وأخذ المفسر العموم من مجموع روايات عن ابن عباس وغيره، ففي رواية عنه أن المراد بهم قريش، والمراد بالعلم محمد، دليله قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ وقوله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً وفي رواية عنه: أن المراد بهم أهل الكتاب بدليل قوله: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وفي رواية غيره، أن المراد أمم الأنبياء المتقدمين. قوله:\rالْعِلْمُ (و التوحيد) أي بأن قامت عليهم الحجج والبراهين من النبي المرسل إليهم.\rقوله: بَغْياً مفعول لأجله، أي تفرقوا من أجل حصول البغي بينهم الذي هو الحسد والعناد في الكفر. قوله: (بتأخير الجزاء) أي إلى يوم القيامة، وأما الدنيا فليست دار جزاء لشقي ولا سعيد. إن قلت: إن كفار الأمم الماضية، قد نزل بهم أنواع العذاب كالصيحة والخسف والمسخ وغير ذلك. أجيب:\rبأنه ليس بجزاء، بل هو علامة الجزاء والخزي. قوله: أُورِثُوا فعل مبني للمفعول والفاعل اللّه تعالى.\rقوله: (و هم اليهود والنصارى) تفسير للذين أورثوا الكتاب، وحينئذ فالمراد بالكتاب التوراة والإنجيل، والضمير في بَعْدِهِمْ عائد على أصولهم المتفرقين في الحق، وقيل: معنى مِنْ بَعْدِهِمْ من قبلهم، ويكون الضمير حينئذ عائدا على مشركي مكة، وقيل: المراد بالذين أورثوا الكتاب مشركي العرب، والمراد بالكتاب القرآن، والضمير في مِنْ بَعْدِهِمْ عائد على اليهود والنصارى. قوله: لَفِي شَكٍ المراد به هنا مطلق التردد والتحير. قوله: (موقع في الريبة) أي الشبهات والضلالات.\rقوله: فَلِذلِكَ الجار والمجرور متعلق بادع، والتقدير: فادع الناس لذلك التوحيد الذي تقدم","part":3,"page":424},{"id":1539,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 425\rأُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ في تركه وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ أي بأن أعدل بَيْنَكُمُ في الحكم اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ فكل يجازى بعمله لا حُجَّةَ خصومة بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ هذا قبل أن يؤمر بالجهاد اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا في المعاد لفصل القضاء وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) المرجع وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي دين اللَّهِ نبيه مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ بالإيمان لظهور معجزته وهم اليهود حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ باطلة عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (16) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ القرآن بِالْحَقِ متعلق بأنزل وَالْمِيزانَ العدل وَما يُدْرِيكَ يعلمك لَعَلَّ السَّاعَةَ أي إتيانها قَرِيبٌ (17) ولعل معلق للفعل عن العمل أو ما بعده، سد مسد المفعولين يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها يقولون\r______________________________\rذكره في قوله: (شرع لكم في الدّين). قوله: وَاسْتَقِمْ الاستقامة لزوم المنهج القويم. قوله: كَما أُمِرْتَ أي من تقوى اللّه حق تقاته، وعبادته حق العبادة، ومن هنا شاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: شيبتني هود وأخواتها، فسبب شبيه خوفه من عدم قيامه بما أمر به، ولكن خفف اللّه عنه وعن أمته بقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقوله: كَما أُمِرْتَ الكاف بمعنى مثل، والمعنى استقم استقامة مثل الذي أمرت به، أي موافقة له.\rقوله: وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ أي حيث قالوا: اعبد آلهتنا سنة، ونحن نعبد إلهك سنة. قوله: مِنْ كِتابٍ بيان لما، والمعنى: آمنت بكل كتاب أنزله اللّه تعالى، وهذه الآية بمعنى قوله تعالى: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ إلخ. قوله: (أي بأن أعدل) أشار بذلك إلى أن اللام بمعنى الباء، وأن المصدرية مقدرة، والفعل منصوب بها. قوله: (فكل يجازى بعمله) أي من خير وشر. قوله: (هذا قبل أن يؤمر بالجهاد) أشار بذلك إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية، وقيل:\rليست منسوخة، بل المراد من الآية أن الحق قد ظهر والحجج قامت، فلم يبق إلا العناد، وبعد العناد لا حجة ولا جدال. قوله: وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ أي فيجازي كل أحد بعمله من خير وشر.\rقوله: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ الكلام على حذف مضاف، والمفعول محذوف كما أشار لذلك المفسر. قوله: مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ أي من بعد دخول الناس في دينه، وأجابوا دعوته، فالسين والتاء زائدتان. قوله: (و هم اليهود) تفسير للموصول. قوله: داحِضَةٌ من الأدحاض وهو الازلاق، يقال: دحضت رجله أي زلقت، والمراد هنا الإبطال. قوله: وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ أي في الآخرة.\rقوله: (متعلق بأنزل) أي والباء للملابسة.\rقوله: وَالْمِيزانَ (العدل) أي وسمى العدل ميزانا، لأن الميزان يحصل به الإنصاف والعدل، فهو من تسمية المسبب باسم السبب، وإنزاله الأمر به، وقيل: المراد بالميزان نفسه الذي يوزن به، والمراد بإنزاله إنزال الإلهام بعمله والأمر بالوزن به، وقيل: الميزان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يقضي بينكم بكتاب اللّه.\rقوله: وَما يُدْرِيكَ استفهام إنكاري، والمعنى: لا سبب يوصلك للعلم بقربها، إلا الوحي الذي ينزل عليك. قوله: (أي إتيانها) قَرِيبٌ قدر المضاف ليصح الإخبار بالمذكر عن المؤنث. قوله:\r(و لعل معلق للفعل عن العمل) التعليق إبطال العمل لفظا، لا محلا، بسبب توسط أداة لها صدر الكلام.","part":3,"page":425},{"id":1540,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 426\rمتى تأتي؟ ظنا منهم أنها غير آتية وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ خائفون مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ يجادلون فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (18) اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ برّهم وفاجرهم حيث لم يهلكهم جوعا بمعاصيهم يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ من كل منهم ما يشاء وَهُوَ الْقَوِيُ على مراده الْعَزِيزُ (19) الغالب على أمره مَنْ كانَ يُرِيدُ بعمله حَرْثَ الْآخِرَةِ أي\r______________________________\rقوله: (أو ما بعده سد مسد المفعولين) أي الثاني والثالث، وأما الأول فهو الكاف، ويتعين جعل (أو) بمعنى الواو.\rقوله: الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها أي فلا يشفقون منها، وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها أي فلا يستعجلون بها، ففي الآية احتباك حيث حذف من كل نظير ما أثبته في الآخر. قوله: أَنَّهَا الْحَقُ أي كائنة وحاصلة لا محالة. قوله: فِي السَّاعَةِ أي في إتيانها. قوله: لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ أي عن الاهتداء.\rقوله: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ أي حفيّ بهم، وقيل: بارّ بهم، وقيل: رفيق بهم، وقيل: معناه لطيف بهم في العرض والمحاسبة، وقيل: يلطف بهم في الرزق من وجهين: أحدهما أنه جعل رزقك من الطيبات، والثاني أنه لم يدفعه اليك مرة واحدة فتبذره، وقيل اللطيف من إذا لجأ إليه أحد من عباده قبله وأقبل عليه، وفي الحديث: «إن اللّه تعالى يطلع على القبور الدوارس، فيقول اللّه عز وجل: انمحقت آثارهم، واضمحلت صورهم، وبقي عليهم العذاب، وأنا اللطيف، وأنا أرحم الراحمين خففوا عنهم» وقيل: اللطيف الذي ينشر من عباده المناقب، ويستر عليهم المثالب، ومنه حديث: «يا من أظهر الجميل وستر القبيح»، وقيل: هو الذي يقبل القليل، ويبذل الجزيل، وقيل: هو الذي يجبر الكسير وييسر العسير، وقيل: هو الذي لا يخاف إلا عدله، ولا يرجى إلا فضله، وقيل: هو الذي يعين على الخدمة، ويكثر المدحة، وقيل: هو الذي لا يعاجل من عصاه، ولا يخيب من رجاه، وقيل: هو الذي لا يرد سائله، ولا يؤيس آمله، وقيل: هو الذي يعفو عمن يهفو، وقيل: هو الذي يرحم من لا يرحم نفسه، وقيل: هو الذي أوقد في أسرار العارفين من المشاهدة سراجا، وجعل لهم الصراط المستقيم منهاجا، وأجزل لهم من سحائب بره ماء ثجاجا، وبالجملة فهذا الاسم جامع لمعاني الأسماء الجمالية، فينبغي للعاقل الإكثار من ذكره، سيما إذا قصد بذكره رضا ربه، فإن له السعادة دنيا وأخرى، ويكفي همومهما لما ورد: اعمل لوجه واحد، يكفك كل الأوجه. قوله: (من كل منهم) بيان لمن، والمعنى: أن الذي يشاء رزقه هو كل منهم.\rقوله: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ إلخ، الحرث في الأصل إلقاء البذر في الأرض، ويطلق على الزرع الحاصل منه، ثم استعمل في ثمرات الأعمال ونتائجها، على سبيل الاستعارة، حيث شبهت ثمرات الأعمال بالغلال الحاصلة من البذر، بجامع حصول العمل والتعب في كل، فإن من أتعب نفسه أيام البذر، واشتغل بالحرث والزرع أراحها ووجد الثمرات أيام الحصاد، فكذلك من أتعب نفسه في الدنيا، وعمل ابتغاء وجه ربه، فإنه يجد ثمرات أعماله في الآخرة، ومنها هنا حديث: «الدنيا مزرعة للاخرة»، وهذه الآية عامة، لبيان حال المخلص في عمله لوجه اللّه، والذي يطلب بعمله أعراض الدنيا ذكرا أو أنثى، لأن مَنْ من صيغ العموم، وقوله: (بعمله) المراد به خدمته في الدنيا، صلاة أو صوما أو غيرهما، كالسعي على العيال، وحينئذ فالمدار على النية الحسنة، إذ بها تصير العادات عبادات. قوله:","part":3,"page":426},{"id":1541,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 427\rكسبها وهو الثواب نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ بالتضعيف فيه الحسنة إلى العشرة وأكثر وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها بلا تضعيف ما قسم له وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) أَمْ بل لَهُمْ لكفار مكة شُرَكاءُ هم شياطينهم شَرَعُوا أي الشركاء لَهُمْ للكفار مِنَ الدِّينِ الفاسد ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ كالشرك وإنكار البعث وَلَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ أي القضاء السابق بأن الجزاء في يوم القيامة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وبين المؤمنين بالتعذيب لهم في الدنيا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ الكافرين لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (21) مؤلم تَرَى الظَّالِمِينَ يوم القيامة مُشْفِقِينَ خائفين مِمَّا كَسَبُوا في الدنيا من السيئات أن يجازوا عليها وَهُوَ أي الجزاء عليها واقِعٌ بِهِمْ يوم القيامة لا محالة وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ أنزهها بالنسبة إلى من\r______________________________\r(الحسنة) منصوب بالمصدر الذي هو التضعيف.\rقوله: وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا إلخ، أي بعمله وخدمته، والمعنى: من صرف نيته للدنيا، وجعل عمله وخدمته لها، نعطيه ما قسم له منها، وبعد ذلك ليس له في الآخرة حظ ولا نصيب، فالذي ينبغي للشخص أن يسعى فيما يرضي ربه، ويقصد بعمله وجه خالقه وسيده، يحصل له غنى الدنيا والآخرة، ومن معنى هذه الآية حديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله، فهجرته إلى اللّه ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه». وحديث: «أوحى اللّه إلى الدنيا: يا دنيا، من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه». قوله: (ما قسم له) مفعول نُؤْتِهِ.\rقوله: وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ أي حظ من النعيم، واعلم أن المقام فيه تفصيل، فإن تجرد عمله للدنيا، وقدم السعي فيها على الإيمان، فهو مخلد في النار، وليس له في الآخرة نعيم أصلا، وأما إن كان التفريط فيما عدا الإيمان، كأن يرائي بعمله قصدا لطلب الدنيا، فهو مسلم عاص، له نعيم في الآخرة غير كامل.\rقوله: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ قدرها المفسر ببل التي للانتقال من قصة إلى قصة، وقدرها غيره ببل، والهمزة التي للتوبيخ والتقريع، وهو متصل بقوله: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً. قوله:\r(شياطينهم) أي الذين شاركوكم في الكفر والعصيان.\rقوله: شَرَعُوا لَهُمْ إسناد الشرع إلى الشياطين مجاز من الإسناد للسبب، لأنها سبب إضلالهم.\rقوله: لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أي حكم بين الكفار والمؤمنين، بأن يعذب الكفار، ويثيب المؤمنين، ولكن حكم اللّه وقضى في سابق أزله، أن الثواب والعقاب يكونان يوم القيامة.\rقوله: تَرَى الظَّالِمِينَ خطاب لكل من تتأتى منه الرؤية. قوله: مُشْفِقِينَ (حال) أي حال كونهم خائفين في ذلك اليوم، وهذا الخوف زيادة عذاب لهم، وأما المنجي فهو الخوف في الدنيا من عذاب اللّه. قوله: (أن يجازوا عليها) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، أي من جزاء ما كسبوا. قوله: (لا محالة) أي أشفقوا أو لم يشفقوا.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا مبتدأ خبره فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ. قوله: (أنزهها بالنسبة إلى من","part":3,"page":427},{"id":1542,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 428\rدونهم لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22) ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ من البشارة مخففا ومثقلا به اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي على تبليغ الرسالة أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى استثناء منقطع، أي لكن أسألكم أن تودوا قرابتي التي\r______________________________\rدونهم) أي فروضة الجنة، أي أعلاها وأطيبها، وفيه إشارة إلى أن الذين آمنوا ولم يعملوا الصالحات في الجنة، غير أنهم ليسوا في الأعلى، ولا في الأطيب. قوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ ظرف ليشاؤون، والعندية مجازية. قوله: الْفَضْلُ الْكَبِيرُ أي الذي لا يوصف، لأن اللّه تعالى بجلاله وعظمته وصفه بالكبر، فمن ذا الذي يستطيع أن يصفه من الحوادث.\rقوله: ذلِكَ مبتدأ، والَّذِي يُبَشِّرُ خبره، والعائد محذوف قدره المفسر بقوله: (به) حذف الجار فاتصل الضمير، وهذا على الصحيح من أنها اسم موصول، وأما على رأي يونس من أنها مصدرية، فلا تحتاج إلى عائد، والتقدير عنده ذلك تبشير اللّه إلى عباده. قوله: (من البشارة) أي وهي الخبر السار. قوله: (مخففا ومثقلا) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً أي قل يا محمد لأمتك: لا أطلب منكم أجرا في نظير تبليغ الرسالة وتبشيري اياكم؛ ولا خصوصية له صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك، بل جميع الأنبياء لا يسألون الأجرة، لأن سؤال الأجرة على الأمور الأخروية، نقص في حق غير الأنبياء فأولى الأنبياء. قوله: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى اختلف المفسرون في معنى هذه الآية على ثلاثة أقوال، الأول عن ابن عباس: أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان وسط النسب من قريش، ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده، وكان له فيهم قرابة، فقال اللّه عز وجل: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى أي ما بيني وبينكم من القرابة، والمعنى: إن لم تتبعوني، فاحفظوا حق القربى، وصلوا رحمي، ولا تؤذوني، يعد عليكم نفعها، لما في الحديث: «الرحم معلقة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني، واقطع من قطعني» فثمرته عائدة عليهم لا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. الثاني عنه أيضا: أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما قدم المدينة، لم يكن في يده سعة فقالت الأنصار: إن هذا الرجل هداكم، وهو ابن أختكم، وأجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم، ففعلوا ثم أتوه بها فردها عليهم، ونزلت الآية، وحينئذ فالخطاب للأنصار. الثالث عن الحسن: أن معناه إلا أن تجعلوا محبتكم ومودتكم محصورة في التقرب إلى اللّه بطاعته وخدمته لا لغرض دنيوي، فالقربى على الأول القرابة بمعنى الرحم، وعلى الثاني بمعنى الأقارب، على الثالث بمعنى القرب والتقرب، واعلم أن طلب الأجر على التبليغ لا يجوز لوجوه، الأول: تبري الأنبياء جميعا منه. الثاني: أن التبليغ واجب، وطلب الأجرة على أداء الواجب لا يليق بأفراد الأمة فضلا عن الأنبياء. الثالث: أن النبوة أمر عظيم، والدنيا وإن عظمت حقيرة، لا تزن جناح بعوضة، ولا يليق طلب الخسيس في دفع الشريف، وغير ذلك، إن قلت: حيث كان الأمر كذلك، فما معنى الاستثناء في الآية؟ أجيب بجوابين، الأول: أن هذا من تأكيد المدح بما يشبه الذم، على حد قول الشاعر:\rولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب\rفالمعنى: لا أطلب إلا هذا، وهو في الحقيقة ليس بأجر، لأن المودة بين المسلمين واجبة، خصوصا في حق أشرافهم، وحينئذ فيكون الاستثناء متصلا بالنظر للظاهر. الثاني: أن الاستثناء منقطع كما قال المفسر، وحينئذ فالكلام تم عند قوله: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ثم قال: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى أي أذكركم قرابتي، والمراد بقرابته قيل: فاطمة وعلي وابناهما، وقيل: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر","part":3,"page":428},{"id":1543,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 429\rهي قرابتكم أيضا، فإن له في كل بطن من قريش قرابة وَمَنْ يَقْتَرِفْ يكتسب حَسَنَةً طاعة نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً بتضعيفها إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ للذنوب شَكُورٌ (23) للقليل فيضاعفه أَمْ بل يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بنسبة القرآن إلى اللّه تعالى فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ يربط عَلى قَلْبِكَ بالصبر على أذاهم بهذا القول وغيره وقد فعل وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ الذي قالوه وَيُحِقُّ الْحَقَ يثبته بِكَلِماتِهِ المنزلة على نبيه إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (24) بما في القلوب وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ منهم وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ المتاب عنها وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (25) بالياء والتاء وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يجيبهم إلى ما يسألون وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (26) وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ جميعهم لَبَغَوْا جميعهم،\r______________________________\rوآل عباس، لما روي عن زيد بن أرقم عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «إني تارك فيكم ثقلين: كتاب اللّه، وأهل بيتي، أذكركم اللّه في أهل بيتي» قيل لزيد بن أرقم: فمن أهل بيته؟ فقال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، وقيل: هم الذين تحرم عليهم الزكاة، وقيل: غير ذلك، فتحصل أن الخطاب على القول الأول لقريش، وعلى الثاني للأنصار، والعبرة بعموم اللفظ، لأن رحم النبي، رحم لكل مؤمن، لقوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ فمحبة أهل البيت، فيها السعادة والسيادة، دنيا وأخرى، والمرء يحشر مع من أحب، وقوله: فِي الْقُرْبى الظرفية مجازية. والمعنى: إلا المودة العظيمة المحصورة في القربى، وإنما لم يعدها باللام لئلا يتوهم زيادة اللام، فيكون الكلام خاليا من البلاغة، فالتعبير بفي للمبالغة، إشارة إلى أنهم جعلوا محلا للمودة، وهم لها أهل. قوله: (فإنّ له في كل بطن) أي قبيلة .. قوله: (من قريش) أي وهم أولاد النضر بن كنانة أحد أجداده صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: حَسَنَةً فسرها ابن عباس بالمودة لآل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (بتضعيفها) أي من عشرة إلى سبعين إلى سبعمائة إلى غير ذلك. قوله: شَكُورٌ (للقليل) أي يقبله ويثيب عليه. قوله: (و قد فعل) أي وقد ختم على قلبه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن صيره على ما ذكر، فدل كلامه على أن مشيئة الختم هنا مقطوع بوقوعها.\rقوله: وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ كلام مستأنف غير داخل في حيز الشرط، لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقا. قوله: بِكَلِماتِهِ أي القرآن. قوله:\r(بما في القلوب) أشار بذلك إلى أنه أطلق المحل وأراد الحال.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحول المحمودة، ولها شروط ثلاثة: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على ألا يعود إليها أبدا فإن كانت المعصية بحق آدمي، فيزاد على هذه الثلاثة رابع، وهو استسماح صاحب الحق، ويكفي عند مالك براءة المجهول، فلا يشترط عنده أن يعين له ذلك الحق، فإذا تاب بالشروط، وقدر اللّه عليه الوقوع في الذنب مرة أخرى، فإنه يتوب، ولا يقنط من رحمة اللّه تعالى، ولا ترجع عليه ذنوبه التي تاب منها.\rقوله: (منهم) أشار بذلك إلى أن عَنْ بمعنى من، والقبول بمعنى الأخذ. قوله: (المتاب منها) أي ويصح أن المراد ولو لم يتب، فمن صفاته تعالى أنه يقبل توبة التائب، ويعفو عن سيئات من لم يتب، إذ لا يسأل عما يفعل. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (يجيبهم إلى ما يسألون) أشار بذلك إلى أن السين والتاء زائدتان، والموصول مفعول به، والفاعل ضمير يعود على اللّه تعالى.\rقوله: لَبَغَوْا (جميعهم) دفع بذلك ما يقال: إن البغي حاصل بالفعل فكيف يصح انتفاؤه؟","part":3,"page":429},{"id":1544,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 430\rأي طغوا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بالتخفيف والتشديد من الأرزاق بِقَدَرٍ ما يَشاءُ فيبسطها لبعض عباده دون بعض وينشأ عن البسط البغي إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ المطر مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا يئسوا من نزوله وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ يبسط مطره وَهُوَ الْوَلِيُ المحسن للمؤمنين الْحَمِيدُ (28) المحمود عندهم وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَخلق ما بَثَ فرق ونشر فِيهِما مِنْ دابَّةٍ هي ما يدب على الأرض من الناس وغيرهم وَهُوَ عَلى\r______________________________\rفأجاب: بأن اللازم المنتفي هو بغي جميعهم، والملزوم بسط الرزق للجميع وإلا فبغي البعض، وبسط الرزق للبعض، حاصل في كل زمن. قوله: (أي طغوا) فِي الْأَرْضِ أي لأن اللّه تعالى لو سوى في الرزق بين جميع عباده، لامتنع كون البعض محتاجا للبعض، وذلك يوجب خراب العالم وفساد نظامه، فأفعال اللّه تعالى لا تخلو عن مصالح، وإن لم يجب على اللّه فعلها، فقد يعلم من حال عبد، أنه لو يبسط عليه الرزق، قاده ذلك إلى الفساد، فيزوي عنه الدنيا مصلحة له، ففي حديث أنس عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: «إن من عبادي المؤمنين من يسألني الباب من العبادة، وإني عليم أني لو أعطيته إياه لدخله العجب فأفسده، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده الفقر، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده الغنى، وإني لأدبر عبادي لعلمي بقلوبهم، فإني عليم خبير» ثم قال أنس: اللهم إني من عبادك المؤمنين الذي لا يصلحهم إلا الغنى، فلا تفقرني برحمتك. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (فيبسطها لبعض دون بعض) أي ويبسطها للبعض أحيانا، ويضيقها عليه أحيانا، فلا يسأل عما يفعل. قوله: إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ تعليل لما قبله. والمعنى عليم بالبواطن والظواهر.\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 3 430\r______________________________\rفأجاب: بأن اللازم المنتفي هو بغي جميعهم، والملزوم بسط الرزق للجميع وإلا فبغي البعض، وبسط الرزق للبعض، حاصل في كل زمن. قوله: (أي طغوا) فِي الْأَرْضِ أي لأن اللّه تعالى لو سوى في الرزق بين جميع عباده، لامتنع كون البعض محتاجا للبعض، وذلك يوجب خراب العالم وفساد نظامه، فأفعال اللّه تعالى لا تخلو عن مصالح، وإن لم يجب على اللّه فعلها، فقد يعلم من حال عبد، أنه لو يبسط عليه الرزق، قاده ذلك إلى الفساد، فيزوي عنه الدنيا مصلحة له، ففي حديث أنس عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: «إن من عبادي المؤمنين من يسألني الباب من العبادة، وإني عليم أني لو أعطيته إياه لدخله العجب فأفسده، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده الفقر، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده الغنى، وإني لأدبر عبادي لعلمي بقلوبهم، فإني عليم خبير» ثم قال أنس: اللهم إني من عبادك المؤمنين الذي لا يصلحهم إلا الغنى، فلا تفقرني برحمتك. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (فيبسطها لبعض دون بعض) أي ويبسطها للبعض أحيانا، ويضيقها عليه أحيانا، فلا يسأل عما يفعل. قوله: إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ تعليل لما قبله. والمعنى عليم بالبواطن والظواهر.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ بالتخفيف والتشديد، قراءتان سبعيتان. قوله: مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا العامة على فتح النون، وقرىء شذوذا بكسر النون، ومضارعها بفتح النون، وبه قرىء في المتواتر، فتحصل أنه في المضارع قرىء بالوجهين قراءة سبعية، وفي الماضي لم يقرأ في السبع إلا بالفتح، والكسر قراءة شاذة، وإن كان لغة فيه. قوله: (يبسط مطره) أشار بذلك إلى أن المطر سمي باسمين: الغيث لأنه يغيث من الشدائد، والرحمة لأنه رحمة وإحسان للخلق، ويصح أن يراد بالرحمة البراكات؛ أي بركات الغيث، ومنافعه في كل شيء، ومن السهل والجبل والنبات والحيوان وحينئذ فيكون عطفه على ما قبله، من عطف المسبب على السبب. قوله: (المحمود عندهم) أي وعند جميع المخلوقات، وإنما خص المؤمنين تشريفا لهم.\rقوله: وَمِنْ آياتِهِ أي دلائل قدرته وعجائب وحدانيته. قوله: خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي فإنهما بذاتهما وصفاتهما، يدلان على اتصاف خالقهما بالكمالات، قال تعالى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها الآية. قوله: وَ(خلق) ما بَثَ أشار بذلك إلى أن قوله: وَما بَثَ معطوف على السَّماواتِ مسلط عليه خَلْقُ ويصح أن يكون في محل رفع عطف على خَلْقُ.\rقوله: (هي ما يدب على الأرض) أشار بذلك إلى أن المراد في أحدهما، فهو من اطلاق المثنى على المفرد، كما في قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ وإنما يخرجان من أحدهما وهو الملح، وهذا أسلم وأحسن مما","part":3,"page":430},{"id":1545,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 431\rجَمْعِهِمْ للحشر إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (29) في الضمير تغليب العاقل على غيره وَما أَصابَكُمْ خطاب للمؤمنين مِنْ مُصِيبَةٍ بلية وشدة فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ أي كسبتم من الذنوب، وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (30) منها فلا يجازي عليها وهو تعالى أكرم من أن يثني الجزاء في الآخرة، وأما غير المذنبين فما يصيبهم في الدنيا لرفع درجاتهم في الآخرة وَما\r______________________________\rقيل: إن الآية باقية على ظاهرها، ولا مانع من أن اللّه تعالى خلق حيوانات في السماوات، يمشون فيها كمشي الأناسي على الأرض، لأن ذلك بعيد من الافهام، لكونه على خلاف العرف العام.\rقوله: إِذا يَشاءُ متعلق بجمعهم، وقَدِيرٌ خبر الضمير، وعَلى جَمْعِهِمْ متعلق بقدير، والمعنى: وهو قدير على جمعهم في أي وقت شاء، وهو معنى قوله تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فمتى أراد اللّه شيئا أبرزه بقدرته. قوله: (في الضمير) أي وهو قوله: عَلى جَمْعِهِمْ ولو لم يرد التغليب لقال على جمعها. قوله: (خطاب المؤمنين) أي وأما مصائب الكفار في الدنيا، فتعجيل لبعض العقاب لهم.\rقوله: مِنْ مُصِيبَةٍ بيان لما، وقوله: فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ جواب الشرط إن جعلت ما شرطية، أو خبر المبتدأ إن جعلت موصولة، وقرنت بالفاء لما في المبتدأ على معنى الشرط، وهذا على ثبوت الفاء، وأما على حد قراءة حذفها، فالأولى جعلها خبرا وما موصولة، وجعلها شرطية يلزم عليه حذف الفاء في جوابه هو شاذ والقراءتان سبعيتان.\rقوله: وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ من تتمة قوله: فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ والمعنى: أن الذنوب قسمان، قسم تعجل العقوبة عليه في الدنيا بالمصائب، وقسم يعفو عنه فلا يعاقب عليه بها، وما يعفو عنه أكثر، قال علي بن أبي طالب: هذه الآية أرجى آية في كتاب اللّه عز وجل، وإذا كان يكفر عني بالمصائب ويعفو عن كثير؛ فأي شيء يبقى بعد كفارته وعفوه؟ وقد روي هذا المعنى مرفوعا عنه رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال علي بن أبي طالب: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب اللّه حدثنا بها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ الآية؟ «يا علي، ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا، فبما كسبت أيديكم، واللّه أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا عنه في الدنيا، فاللّه أحلم من أن يعاقب به بعد عفوه». وقال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما من اختلاف عرق، ولا خدش عود، ولا نكتة حجر، إلا بذنب، وما يعفو اللّه عنه أكثر». وقال الحسن: دخلنا على عمران بن حصين، فقال رجل: لا بد أن أسألك عما أرى بك من الوجع، فقال عمران: يا أخي لا تفعل، فو اللّه إني لأحب الوجع، ومن أحبه كان أحب الناس إلى اللّه، قال تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ فهذا مما كسبت يدي، وعفو ربي عما بقي أكثر. وقال عكرمة: ما من نكبة أصابت عبدا فما فوقها، إلا بذنب لم يكن اللّه ليغفره إلا بها، أو لنيل درجة لم يكن ليوصله إليها إلا بها.\rوروي أن رجلا قال لموسى: يا موسى سل اللّه لي في حاجة يقضيها لي هو أعلم بها، ففعل موسى، فلما ترك إذا هو بالرجل قد مزق السبع لحمه وقتله، فقال موسى: يا رب ما بال هذا؟ فقال اللّه تعالى: يا موسى إنه سألني درجة علمت أنه لا يبلغها بعمله، فأصبته بما ترى، لأجعله وسيلة له في نيل تلك الدرجة. قوله:\r(و هو تعالى أكرم) إلخ، متعلق بقوله: فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ فكان المناسب تقديمه بلصقه. قوله: (من أن يثني الجزاء في الآخرة) أي من أن يعيد الجزاء بالعقوبة في الآخرة، لأن الكريم لا يعاقب مرتين. قوله:","part":3,"page":431},{"id":1546,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 432\rأَنْتُمْ يا مشركين بِمُعْجِزِينَ اللّه هربا فِي الْأَرْضِ فتفوتونه وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (31) يدفع عذابه عنكم وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ السفن فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (32) كالجبال في العظم إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ يصرن رَواكِدَ ثوابت لا تجري عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) هو المؤمن يصبر في الشدة ويشكر في الرخاء أَوْ يُوبِقْهُنَ عطف على يسكن، أي يغرقهن بعصف الريح بأهلهن بِما كَسَبُوا أي أهلهن من الذنوب وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34) منها فلا يغرق أهله وَيَعْلَمَ بالرفع مستأنف\r______________________________\r(و أما غير المذنبين) أي كالأنبياء والأطفال والمجانين. قوله: (لرفع درجاتهم) وقيل في الأطفال: إن مصائبهم لتكفير سيئات أبويهم، وفي الحقيقة رفع درجات لهم، وتكفير لآبائهم. قوله: (يا مشركين) كذا في النسخ التي بأيدينا، والصواب يا مشركون، لأن المنادى يبنى على ما يرفع به، وهو يرفع بالواو.\rقوله:\rبِمُعْجِزِينَ (اللّه) أي فارين من عذابه.\rقوله: وَمِنْ آياتِهِ أي أدلة توحيده وعجائب قدرته. قوله: الْجَوارِ بحذف الياء خطأ، لأنها من ياءات الزوائد، واثباتها في اللفظ وصلا ووقفا، وحذفها كذلك أربع قراءات سبعيات. قوله:\r(السفن) استشكل بأن الظاهر الآية، يوهم حذف الموصوف وإبقاء صفته، مع أن الجري ليس من الصفات الخاصة بالموصوف وهو (السفن) وحينئذ فلا يجوز حذفه لعدم علمه. قال ابن مالك:\rوما من المنعوت والنعت عقل ... يجوز حذفه وفي النعت يقل\r\rأجيب: بأن محل الإمتناع، إذا لم تجر الصفة مجرى الجوامد، بأن تغلب عليها الاسمية، كالأبطح والأبرق والأجرع، وإلا جاز حذف الموصوف، ولذلك فسر الْجَوارِ بالسفن، ولم يقل أي السفن الجارية.\rقوله: فَيَظْلَلْنَ بفتح اللام وفي قراءة العامة، من ظلل بكسرها كعلم، وقرىء شذوذا فيظللن بكسر اللام من ظل بفتحها كضرب. قوله: (أي يصرن) أشار بذلك إلى أن المراد من ظل الصيرورة في ليل أو نهار، وليس المراد معناها، وهو اتصاف المخبر عنه بالخبر نهارا. قوله: رَواكِدَ جمع راكد، يقال: ركد الماء ركودا، من باب قعد سكن، ويوصف به الريح والسفينة وكل شيء سكن بعد تحركه.\rقوله: لِكُلِّ صَبَّارٍ أي كثير الصبر على البلايا، عظيم الشكر على العطايا. قوله: (عطف على يسكن) أي فالمعنى: إن يشأ يسكن الريح فيركدن، أو يعصفها فيغرقن، ولا مفهوم له، بل قد يغرقها اللّه بسبب آخر، كقلع لوح أو غير ذلك. قوله: (بعصف الريح بأهلهن) أي اشتدادها، وإنما قيد به، وإن كانت أسباب الغرق كثيرة، نظرا للشأن والغالب.\rقوله: (أي أهلهن) تفسير للواو في كَسَبُوا العائد على أهل السفن المعلوم من السياق.\rقوله: وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ قرأ العامة بالجزم، عطفا على جواب الشرط، واستشكل بأنه يلزم عليه دخول العفو في حيز المشيئة، مع أنه إخبار عن العفو، من غير شرط المشيئة، وأجيب: بأن الجزم من حيث الصورة الظاهرية، لا من حيث المعنى، وقرىء شذوذا ويعفو بالرفع والنصب، أما قراءة الرفع فهي محتملة لوجهين: الأول الاستئناف، الثاني الجزم، وزيدت الواو للإشباع، كزيادتها في من يتقي ويصبر، وأما قراءة النصب، فهي على إضمار أن بعد الواو، وقال ابن مالك:","part":3,"page":432},{"id":1547,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 433\rوبالنصب معطوف على تعليل مقدر، أي يغرقهم لينتقم منهم ويعلم الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (35) مهرب من العذاب، وجملة النفي سدت مسد مفعولي يعلم، والنفي معلق عن العمل فَما أُوتِيتُمْ خطاب للمؤمنين وغيرهم مِنْ شَيْءٍ من أثاث الدنيا فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا يتمتع به فيها ثم يزول وَما عِنْدَ اللَّهِ من الثواب خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) ويعطف عليه وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ موجبات الحدود، من عطف البعض على الكل وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) يتجاوزون وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا\r______________________________\rوالفعل من بعد الجزا إن يقترن ... بالفا أو الواو بتثليث قمن\r\rوهذا نظير ما قي في قوله تعالى: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ. قوله: (منها) أي الذنوب أو السفن. قوله:\r(بالرفع مستأنف) أي وهو يعلم، وقوله: (و بالنصب) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (لينتقم منهم) أي بالغرق، وهو تعليل للإغراق.\rقوله: فَما أُوتِيتُمْ ما الشرطية مفعول ثان لأوتيتم، والأول ضمير المخاطبين به نائب الفاعل، ومِنْ شَيْءٍ بيان لما، وقوله: فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا جملة من مبتدأ وخبر جواب الشرط. قوله: (من أثاث الدنيا) أي منافعها من مأكل ومشرب وملبس ومنكح ومركب وغير ذلك، واحدة أثاثة، وقيل: لا واحد له من لفظه. قوله: (ثم يزول) أخذ من قوله: (متاع) لأن المتاع هو ما يتمتع به تمتعا ينقضي. قوله: لِلَّذِينَ آمَنُوا أي اتصفوا بالإيمان وماتوا عليه.\rقوله: وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي يعتقدون أن لا ملجأ لهم من اللّه إلا إليه، ولا ضار ولا نافع سواه، والتوكل بهذا المعنى شرط في صحة الإيمان، وأما إن أريد به تفويض الأمور إليه، والاعتماد عليه في جميع ما ينزل بالشخص، فليس شرطا في صحته، بل هو وصف كامل الإيمان، وليس مرادا هنا، لأن ما عند اللّه من الثواب، يكون لعموم المؤمنين. قوله: (و يعطف عليه) أي على قوله: لِلَّذِينَ آمَنُوا.\rقوله: يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ هي كل ما ورد فيها حد أو وعيد. قوله: (من عطف البعض على الكل) مراده عطف الخاص على العام، لأن من الكبائر ما فيه الوعيد، ولا حد فيه، كالغيبة والنميمة والعجب والرياء.\rقوله: وَإِذا ما غَضِبُوا إلخ إِذا ظرف منصوب بيغفرون مجرد عن معنى الشرط، وما صلة، وهُمْ مبتدأ، ويَغْفِرُونَ خبره، والجملة معطوفة على الصلة، والتقدير: والذين يجتنبون وهم يغفرون، عطف جملة اسمية على فعلية، ويصح أن تكون إِذا شرطية، وما صلة، وغَضِبُوا فعل الشرط وهُمْ تأكيد للواو، ويَغْفِرُونَ جواب الشرط، وأما جعل هُمْ يَغْفِرُونَ جملة من مبتدأ وخبر جواب الشرط فشاذ، لخلوه من الفاء، ولا ينبغي حمل التنزيل عليه، والمعنى: أن مكارم الأخلاق التجاوز والحلم عند حصول الغضب، ولكن يشترط أن يكون الحلم، غير مخل بالمروءة ولا واجبا، وإلا فالغضب مطلوب، كما إذا انتهكت حرمات اللّه، فالواجب الغضب لا الحلم، وعليه قول الإمام الشافعي: من استغضب ولم يغضب فهو حمار، وقال الشاعر:\rإذ قيل حلم قل فللحلم موضع ... وحلم الفتى في غير موضعه جهل","part":3,"page":433},{"id":1548,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 434\rلِرَبِّهِمْ أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعبادة وَأَقامُوا الصَّلاةَ أداموها وَأَمْرُهُمْ الذي يبدو لهم شُورى بَيْنَهُمْ يتشاورون فيه ولا يعجلون وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ أعطيناهم يُنْفِقُونَ (38) في طاعة اللّه ومن ذكر صنف وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ الظلم هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) صنف أي ينتقمون ممن ظلمهم بمثل ظلمه كما قال تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها سميت الثانية سيئة لمشابهتها للأولى في الصورة، وهذا ظاهر فيما يقتص فيه من الجراحات، قال بعضهم: وإذا قال له: أخزاك اللّه، فيجيبه: أخزاك اللّه فَمَنْ عَفا عن\r______________________________\rوبالجملة فكل مقام له مقال.\rقوله: وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ معطوف على الموصول المتقدم، وهذه الآية نزلت في الأنصار، دعاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الإيمان فاستجابوا له، ونقب عليهم اثني عشر نقيبا قبل الهجرة. قوله: (أجابوه إلى ما دعاهم) إلخ، أي على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأشار المفسر إلى أن السين والتاء زائدتان. قوله: وَأَقامُوا الصَّلاةَ أي أدوها بشروطها وآدابها.\rقوله: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ والشورى مصدر شاورته أي شاركته في الرأي كالبشرى، وكانت الأنصار قبل قدوم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أرادوا أمرا، تشاوروا فيه ثم عملوا عليه، فمدحهم اللّه تعالى به وأمر صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك، قال تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ تأليفا لقلوب أصحابه، وذلك في الأمور الاجتهادية، كالحروب ونحوها، ولم يكن يشاورهم في الأحكام، لأنها منزلة من عند اللّه تعالى، وكانت الصحابة بعده صلّى اللّه عليه وسلّم يتشاورون في المهمات من أمور الدين والدنيا، وأول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة، لأن النبي لم ينص عليها، فوقع بينهم اختلاف، ثم اجتمعوا وتشاوروا فيه، فقال عمر: نرضى لدنيانا ما رضيه النبي لديننا، فوافقوه على ذلك، وبالجملة فالشورى أمرها عظيم، قال الحسن: ما تشاور قوم قط، إلا هدوا إلى أرشد أمورهم، وفي الحديث: «إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من باطنها، وإن كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها».\rقوله: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أي في وجوه البر، وكانوا يقدمون غيرهم عليهم، قال تعالى في وصفهم: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ. قوله: (و من ذكر صنف) أي المؤمنون المتقدمون، فتحصل أن اللّه تعالى جعل المؤمنين صنفين، صنفا يعفون عمن ظلمهم، وقد ذكرهم اللّه تعالى في قوله: وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وصنفا ينتقمون ممن ظلمهم، وقد ذكرهم اللّه في\rقوله:\rوَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ. قوله: يَنْتَصِرُونَ هذا في الإعراب كقوله: وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ سواء بسواء، ويزيد هنا: أنه يصح أن يكون هُمْ توكيدا للضمير المنصوب في أَصابَهُمُ وحينئذ ففيه الفصل بين المؤكد والمؤكد بالفاعل. قوله: (و هذا) أي قوله مثلها، وقوله: (من الجراحات) أي وغيرها من سائر الحقوق التي يمكن استيفاؤها. قوله: (قال بعضهم) هو مجاهد والسدي.\rقوله: فَمَنْ عَفا الفاء للتفريع، أي إذا كان الواجب في الجزاء رعاية المماثلة، فالأولى العفو والإصلاح لتعذر المماثلة غالبا. قوله: وَأَصْلَحَ (الود بينه وبين المعفوّ عنه) أشار بذلك إلى أن الإصلاح من تمام العفو، وفيه تحريض وحث على العفو، فإن أمره عظيم، وفيه تفويض الأمر إلى اللّه تعالى، واللّه لا","part":3,"page":434},{"id":1549,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 435\rظالمه وَأَصْلَحَ الودّ بينه وبين المعفوّ عنه فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ أي إن اللّه يأجره لا محالة إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) أي البادئين بالظلم فيترتب عليهم عقابه وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ أي ظلم إياه فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) مؤاخذة إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ يعملون فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ بالمعاصي أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (42) مؤلم وَلَمَنْ صَبَرَ فلم ينتصر وَغَفَرَ تجاوز إِنَّ ذلِكَ الصبر والتجاوز لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) أي معزوماتها بمعنى المطلوبات شرعا وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ أي أحد يلي هدايته بعد إضلال اللّه إياه وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ إلى الدنيا مِنْ سَبِيلٍ (44) طريق وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها أي النار خاشِعِينَ خائفين متواضعين مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ إليها مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ ضعيف النظر مسارقة، ومن ابتدائية أو بمعنى الباء وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بتخليدهم في النار وعدم وصولهم إلى الحور المعدة لهم في الجنة لو آمنوا، والموصول خبر إن أَلا إِنَ\r______________________________\rيخيب من فوض الأمر إليه. قوله: (أي البادئين بالظلم) أي الذين فعلوا الظلم ابتداء.\rقوله: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ اللام للابتداء، ومن شرطية، وجملة فَأُولئِكَ إلخ، جواب الشرط أو موصولة مبتدأ، وقوله: فَأُولئِكَ خبره، ودخلت الفاء لشبه الموصول بالشرط. قوله: (أي ظلم الظالم إياه) أشار بذلك إلى أن المصدر مضاف للمفعول، وفي هذه الآية إشارة إلى أن للمظلوم أن يأخذ حقه ممن ظلمه بنفسه، وهو جائز بشرط أن لا يزيد على حقه، وأن يأمن من ولاة الأمور، وأن يكون حقه ثابتا. قوله: فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ أي لأنهم فعلوا ما هو جائز لهم.\rقوله: بِغَيْرِ الْحَقِ قيد به اشارة إلى أن البغي قد يكون مصحوبا بالحق، كما إذا أخذ حقه من التجاوز فيه.\rقوله: وَلَمَنْ صَبَرَ إلخ عطف على قوله: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ وجملة إِنَّمَا السَّبِيلُ إلخ اعتراض، وكرر الصبر اهتماما به وترغيبا فيه، واشارة إلى أنه محمود العاقبة وهو أولى، إن لم يترتب عليه مفسدة، وإلا كان الانتصار أولى. قوله: لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي من الأمور التي أمر اللّه بها وأكد عليها.\rقوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ أي يمنعه عن الهدى.\rقوله: وَتَرَى الظَّالِمِينَ خطاب لكل من تتأتى منه الرؤية وهي بصرية، والجملة بعدها حال.\rقوله: لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ عبر عنه بالماضي اشارة لتحقق الوقوع.\rقوله: يُعْرَضُونَ عَلَيْها حال، وكذا قوله: خاشِعِينَ. قوله: (أي النار) أي المعلومة من دلالة العذاب عليها. قوله: مِنَ الذُّلِ متعلق بخاشعين أي من أجل الذل. قوله: (مسارقة) أي يسارقون النظر إليها، خوفا منها وذلا في أنفسهم.\rقوله: يَوْمَ الْقِيامَةِ ظرف لخسروا، والقول واقع في الدنيا، أو ظرف لقال، فهو واقع يوم القيامة، وعبر بالماضي لتحقق الوقوع. قوله: (بتخليدهم في النار) إلخ، لف ونشر مرتب.\rقوله: وَما كانَ لَهُمْ لَهُمْ خبر مقدم، ومِنْ أَوْلِياءَ اسمها مؤخر، ومِنْ زائدة، ويَنْصُرُونَهُمْ صفة لأولياء.","part":3,"page":435},{"id":1550,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 436\rالظَّالِمِينَ الكافرين فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (45) دائم هو من مقول اللّه تعالى وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره يدفع عذابه عنهم وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (46) طريق إلى الحق في الدنيا، وإلى الجنة في الآخرة اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ أجيبوه بالتوحيد والعبادة مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ هو يوم القيامة لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ أي أنه إذا أتي به لا يرد ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ تلجؤون إليه يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47) إنكار لذنوبكم فَإِنْ أَعْرَضُوا عن الإجابة فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً تحفط أعمالهم بأن توافق المطلوب منهم إِنْ ما عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ وهذا قبل الأمر بالجهاد وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً نعمة كالغنى والصحة فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ الضمير للإنسان باعتبار الجنس سَيِّئَةٌ بلاء بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي قدموه، وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (48)\r______________________________\rقوله: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ السين والتاء زائدتان كما أشار له المفسر بقوله: (أجيبوه) والمعنى:\rأجيبوا داعي ربكم وأطيعوه فيما يأمركم به من التوحيد والعبادة. قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ إلخ، أي أطيعوا في الدنيا هي ظرف للأعمال والإيمان، قبل أن يأتي يوم الحسرة والندامة، فإنه إذا جاء لا يرده اللّه، ففيه وعيد للكافرين. قوله: (لا يرده) أشار بذلك إلى أن قوله: مِنَ اللَّهِ متعلق بمرد. قوله: مِنْ مَلْجَإٍ أي مفر ومهرب. قوله: (إنكار لذنوبكم) أي لأنها مكتوبة في صحائفكم، تشهد بها الملائكة والجوارح، والمراد إنكار نافع، وإلا فالكفار أولا ينكرون الذنوب طمعا في العفو، ثم لما لم يجدوا مخلصا يقرون، وما قاله المفسر أوضح ما قاله غيره، إن المراد بالنكير الناصر الذي ينصرهم لإغناء قوله من ملجأ عنه.\rقوله: فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً هذه الجملة تعليل للجواب المحذوف، والتقدير: فلا تحزن، أو لا عتاب عليك، أو لا تكلف بشيء، لأننا ما أرسلناك إلخ. قوله: (بأن توافق) أي أعمالهم الصادرة منهم، وقوله: (المطلوب منهم) أي الأعمال المطلوبة منهم كالإيمان والطاعة. والمعنى: لم نرسلك لتخلق الهدى في قلوبهم، وتجعل أعمالهم موافقة للوجه الذي طلبناه منهم. قوله: (و هذا قبل الأمر بالجهاد) اسم الإشارة عائد على الحصر. والمعنى: أن هذا الحصر منسوخ، لأنه بعد الأمر بالجهاد عليه البلاغ والقتال.\rقوله: وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ إلخ، الحكمة في تصدير النعمة بإذا، والبلاء بإن، الإشارة إلى أن النعمة محققة الحصول بخلاف البلاء، لأن رحمة اللّه تغلب غضبه. قوله: فَرِحَ بِها أي فرح بطر وتكبر. قوله: (الضمير) أي في تُصِبْهُمْ. قوله: (باعتبار الجنس) أي الاستغراق فجمعه باعتبار المعنى. قوله: بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ في ذلك اشارة إلى أن المصيبة تكون بسبب كسب المعاصي، والنعمة تكون بمحض فضل اللّه، قال تعالى: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ فالواجب على الإنسان، إذا أعطاه اللّه نعمة، أن يشكره عليها ويصرفها فيما يرضيه، وإذا أصيب بمصيبة، فليصبر عليها ويحمده عليها، فلعلها تكون كفارة لما اقترفه.\rقوله: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي يتصرف فيهما كيف يشاء. قوله: يَخْلُقُ ما يَشاءُ","part":3,"page":436},{"id":1551,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 437\rللنعمة لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ من الأولاد إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ بجعلهم ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً فلا يلد، ولا يولد له إِنَّهُ عَلِيمٌ بما يخلق قَدِيرٌ (50) على ما يشاء وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا أن يوحى إليه وَحْياً في المنام أو بالإلهام أَوْ إلا مِنْ وَراءِ حِجابٍ بأن يسمعه كلامه ولا يراه، كما وقع لموسى عليه السّلام أَوْ إلا أن يُرْسِلَ رَسُولًا ملكا كجبريل\r______________________________\rأي من حيوانات وغيرها. قوله: يَهَبُ من وهب كوضع، والمصدر وهبا بسكون الهاء، وفتحها وهبة، والاسم الموهب والموهبة بكسر الهاء، وهو العطاء من غير مقابل ولا عوض. قوله: لِمَنْ يَشاءُ أي الآباء والأمهات. قوله: (من الأولاد) متعلق بيهب لا بيان لمن، لأنها عبارة عن الآباء والأمهات. قوله:\rإِناثاً قدمهن اشارة إلى أنه يفعل ما يشاء، لا ما يشاؤه عباده، فالإناث مما يشاؤه هو، ونكرهن لانحطاط رتبتهن عن الذكور، ولذا عرف الذكور وقدمهم آخرا.\rقوله: (أي يجعلهم) ذُكْراناً وَإِناثاً أشار بذلك إلى أن ذُكْراناً وَإِناثاً مفعول ثان ليزوج، والمعنى: يجعل الأولاد ذكرانا وإناثا حال كونهم مزدوجين.\rقوله: وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً مَنْ واقعة على الرجل والمرأة، فقوله: (فلا يلد) أي إذا كان امرأة، وقوله: (و لا يولد له) أي إذا كان رجلا، فالعقيم هو الذي لا يولد له ذكرا أو أنثى، وفعله من باب فرح ونصر، وكرم، وقال ابن عباس: يهب لمن يشاء إناثا، يريد لوطا وشعيبا عليهما السّلام، لأنهما لم يكن لهما إلا البنات، ويهب لمن يشاء الذكور، يريد ابراهيم عليه السّلام، لأنه لم يكن له إلا الذكور، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا، يريد محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم، فإنه كان له من البنين ثلاثة على الصحيح: القاسم وعبد اللّه وإبراهيم، ومن البنات أربع: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، ويجعل من يشاء عقيما، يريد يحيى وعيسى عليهما السّلام انتهى، ولكن حمل الآية على العموم أولى، لأن المراد بيان نفاذ قدرته تعالى في الكائنات كيف يشاء.\rقوله: أَنْ يُكَلِّمَهُ أَنْ وما دخلت عليه في تأويل مصدر اسم كانَ. قوله: إِلَّا (أن يوحى إليه) أشار بذلك إلى أن وَحْياً منصوب على الاستثناء المفرغ، خلافا لمن قال إنه منقطع نظرا لظاهر اللفظ، فإن الوحي ليس بتكليم، والوحي الإشارة والرسالة والكتابة، ولك ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه، ثم غلب استعماله فيما يلقى إلى الأنبياء. قوله: (في المنام) أي فرؤيا الأنبياء حق، وذلك لما وقع للخليل حين أمر بذبح ولده في المنام، ولرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين رأى أنه يدخل مكة فصدق اللّه رؤياهما، وقوله: (أو بالإلهام) أي الإلقاء في القلوب لا بواسطة ملك، وقد يقع الإلهام لغير الأنبياء كالأولياء، غير أن إلهام الأولياء، لا مانع من اختلاط الشيطان به، لأنهم غير معصومين، بخلاف الأنبياء فإلهامهم محفوظ منه. قوله: أَوْ (إلّا) مِنْ وَراءِ حِجابٍ أشار بذلك إلى أن مِنْ وَراءِ حِجابٍ معطوف على وَحْياً باعتبار متعلقة تقديره إلا أن يوحي إليه أو يكلمه. قوله: (و لا يراه) أشار بذلك إلى أن المراد من الحجاب لازمه وهو عدم الرؤية، والحجاب وصف العبد لا وصف الرب. قوله: (كما وقع لموسى عليه السّلام) أي في جميع مناجاته كما تقدم مفصلا. قوله: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا برفع اللام وكذا يوحي ونصبهما قراءتان سبعيتان، فالرفع خبر لمحذوف أي هو يرسل، والنصب على وَحْياً بإضمار أن، قال ابن مالك:","part":3,"page":437},{"id":1552,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 438\rفَيُوحِيَ الرسول إلى المرسل إليه، أي يكلمه بِإِذْنِهِ أي اللّه ما يَشاءُ اللّه إِنَّهُ عَلِيٌ عن صفات المحدثين حَكِيمٌ (51) في صنعه وَكَذلِكَ أي مثل إيحائنا إلى غيرك من الرسل أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يا محمد رُوحاً هو القرآن به تحيا القلوب مِنْ أَمْرِنا الذي نوحيه إليك ما كُنْتَ تَدْرِي تعرف من قبل الوحي إليك مَا الْكِتابُ القرآن وَلَا الْإِيمانُ أي شرائعه ومعالمه، والنفي معلق للفعل عن العمل، وما بعده سد مسد المفعولين وَلكِنْ جَعَلْناهُ أي الروح أو الكتاب نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي تدعو بالوحي إليك إِلى\r______________________________\rوإن على اسم خالص فعل عطف ... تنصبه إن ثابتا أو منحذف\r\rقوله: (كجبريل) أدخلت الكاف غيره كإسرافيل وملك الجبال، فإن اللّه تعالى أرسل كلا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: إِنَّهُ عَلِيٌ (عن صفات المحدثين) أي منزه ومقدس عنها. قوله: حَكِيمٌ (في صنعه) أي يضع الشيء في محله. قوله: (أي مثل ايحائنا إلى غيرك) إلخ، التشبيه في مطلق الإيحاء والإرسال، لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم وقع له الكلام والرؤية، بخلاف باقي الأنبياء، فهو من تشبيه الأكمل بالكامل، بسابقية الكامل في الوجود، فالحصر المتقدم بالنسبة للأنبياء غير نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم فلا يقال: إن الآية تدل على أن الوحي منحصر في هذه الثلاثة، ولا يشمل الكلام مشافهة، مع أنه وقع لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (هو القرآن) هذا أحد تفاسير في الروح، وقيل هو الرحمة، وقيل هو الوحي، وقيل الكتاب، وقيل جبريل. قوله: (به تحيا القلوب) أي فشبه بالقرآن بالروح من حيث إن كلا به الحياة، فالقرآن به حياة الأرواح، والروح بها حياة الأشباح.\rقوله: مِنْ أَمْرِنا مِنْ تبعيضية حال. والمعنى: حال كون هذا القرآن بعض ما نوحيه إليك، لأنه ورد أنه أعطي القرآن ومثله معه. قوله: مَا الْكِتابُ الكلام على حذف مضاف أي جواب مَا الْكِتابُ والمعنى جواب هذا الاستفهام.\rقوله: وَلَا الْإِيمانُ إن قلت: إن الأنبياء لم تحجب أرواحهم بدخولها في الأشباح، عن التوحيد الأصلي الكائن في يوم ألست بربكم، بل بعض الأولياء كذلك، فكيف يقال في حق نبينا عليه الصلاة والسّلام وَلَا الْإِيمانُ مع أنه كان يتعبد قبل البعثة، وحاشاه أن يعبد اللّه مع جهله بمعبوده؟ أجاب المفسر: بأن الكلام على حذف مضاف، أي شرائع الإيمان ومعالمه، كالصلاة والصوم والزكاة والطلاق والغسل من الجنابة وتحريم المحارم بالقرابة والصهر، والمراد بالإيمان الإسلام. قوله: (و النفي معلق) صوابه الاستفهام لأنه متأخر عن النفي، وهو المعلق للفعل عن العمل لفظا. قوله: (أو ما بعده) (أو) بمعنى الواو. قوله: نَهْدِي بِهِ صفة لنور، أو سمي نورا لأن بالنور الاهتداء في الظلمات الحسية، فكذا القرآن يهتدى به في الظلمات المعنوية، والمراد الهداية الموصلة بدليل قوله: مَنْ نَشاءُ. قوله: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي أي تدل، والمفعول محذوف أي كل مكلف فتحصل أن المعنى أنت يا محمد، عليك البلاغ والدلالة وإقامة الحجج، ونحن نخلق الهداية والتوفيق في قلب من نختاره من عبادنا. قوله: (دين الإسلام) أي وسمي طريقا، لأنه يحصل به الوصول إلى المقصود كالطريق الحسي.\rقوله: صِراطِ اللَّهِ بدل من صِراطِ الأول بدل معرفة من نكرة.","part":3,"page":438},{"id":1553,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 439\rصِراطٍ طريق مُسْتَقِيمٍ (52) دين الإسلام صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53) ترجع.\r______________________________\rقوله: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ أَلا أداة استفتاح يؤتى بها للاهتمام بما بعدها، والجار والمجرور متعلق بتصير، قدم للحصر، وأتى بهذه الجملة عقب التي قبلها، اشارة إلى أن كل شيء من اللّه وإلى اللّه، فأفاد بالجملة الأولى، أن جميع ما في السماوات وما في الأرض، مملوك وناشىء منه، وأفاد بالجملة الثانية، أن جميع هذه الأشياء مرجعها إليه في كل ذرة ولمحة، فلا غنى لها عنه تعالى، والمراد من المضارع الدوام. والمعنى: شأنه رجوع الأمور إليه تعالى، وليس المراد حقيقته لأن الأمور متعلقة به في كل وقت، فإذا علمت ذلك، فكل شيء لا يستغني عن اللّه تعالى طرفة عين، قال العارف الشاذلي: ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أقل من ذلك، فإذا شاهد الإنسان ذلك أورثه مقام المراقبة، ورؤية عجز نفسه واضطرارها وافتقارها إلى مالكها، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.\rفائدة: قال سهل بن أبي الجعد: احترق مصحف فلم يبق إلا قوله: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ وغرق مصحف فانمحى كله إلا قوله: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ انتهى.","part":3,"page":439},{"id":1554,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 440\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الزّخرف مكيّة وآياتها تسع وثمانون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم (1) اللّه أعلم بمراده به وَالْكِتابِ القرآن الْمُبِينِ (2) المظهر طريق الهدى وما يحتاج إليه من الشريعة إِنَّا جَعَلْناهُ أوجدنا الكتاب قُرْآناً عَرَبِيًّا بلغة العرب لَعَلَّكُمْ يا أهل مكة تَعْقِلُونَ (3) تفهمون معانيه وَإِنَّهُ مثبت فِي أُمِ\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الزخرف\rمكية وقيل إلا وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا الآية. وهي تسع وثمانون آية سميت باسم كلمة منها وهي قوله تعالى: وَزُخْرُفاً. قوله: (مكية) أي كلها حتى هذه الآية، بناء على أن المراد سؤال نفس الرسل، وكان ذلك ليلة الإسراء لبيت المقدس، فتكون مكية لكونها قبل الهجرة. قوله: (و قيل إلا قوله تعالى وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا إلخ، أي بناء على أن المعنى: واسأل من أمم رسلنا، والمراد بهم اليهود والنصارى.\rقوله: وَالْكِتابِ الْمُبِينِ هذا هو القسم به، والمقسم عليه هو\rقوله: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وهو من أنواع البلاغة، حيث جعل المقسم والمقسم عليه من واد واحد، كأن اللّه تعالى يقول: ليس عندي أعظم من كلامي حتى أقسم به. قوله: (أوجدنا الكتاب) أي صيرناه مقروءا، أي مجموعا سورا، موصوفة بكونها عربية، رحمة منا وتنزلا لعبادنا، لعجزهم عن شهود الوصف القائم بنا، فحدوثه من حيث قيامه بالمخلوقات، وقدمه من حيث وصف اللّه به، وقد تنزه وصفه عن الحروف والأصوات والجمع والتفرق فتدبر، ودفع بذلك ما قيل: إن ظاهر الآية يدل على حدوث القرآن من وجوه ثلاثة: الأول أنها تدل على أن القرآن مجعول، والمجعول هو المصنوع والمخلوق، والثاني أنه وصفه بكونه قرآنا، والمجموع بعضه لبعض مصنوع، والثالث وصفه بكونه عربيا، والعربي ما كان بلغة العرب، وذلك يدل على أنه مجعول. وأجاب الرازي أيضا على ذلك: بأن هذا الذي ذكرتموه حق، لأنكم استدللتم بهذه الوجوه، على كون الحروف المتواليات والكلمات المتعاقبة محدثة، وذلك معلوم بالضرورة، وليس لكم منازع فيه.\rقوله: وَإِنَّهُ (مثبت) إلخ، أشار بذلك إلى أن الجار والمجرور خبر إن، ولعل خبر ثان، واعتراض بأنه يلزم عليه تقديم الخبر الغير المقرون باللام على المقرون بها، وفي جوازه خلاف، فالأحسن أن الجار","part":3,"page":440},{"id":1555,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 441\rالْكِتابِ أصل الكتب، أي اللوح المحفوظ لَدَيْنا بدل عندنا لَعَلِيٌ على الكتب قبله حَكِيمٌ (4) ذو حكمة بالغة أَفَنَضْرِبُ نمسك عَنْكُمُ الذِّكْرَ القرآن صَفْحاً إمساكا، فلا تؤمرون ولا تنهون لأجل أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (5) مشركين؟ لا وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَما كان يَأْتِيهِمْ أتاهم مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (7) كاستهزاء قومك بك، وهذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ من قومك بَطْشاً قوة وَمَضى سبق في الآيات مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8) صفتهم في الإهلاك، فعاقبة قومك كذلك وَلَئِنْ لام قسم سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَ حذف منه نون الرفع لتوالي النونات وواو الضمير لالتقاء\r______________________________\rوالمجرور متعلق بعليّ، ولا يقال إن لام الابتداء لها صدر الكلام، لأنه يقال محل ذلك في غير باب إن كما قال ابن هشام في مغنيه، لأنها فيه مؤخرة من تقديم، ولهذا تسمى المزحلقة. قوله: (بدل) أي من الجار والمجرور، وقوله: (عندنا) تفسير للدنيا. قوله: لَعَلِيٌ أي رفيع الشأن على غيره من الكتب.\rقوله:\rأَفَنَضْرِبُ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه تقديره أنهملكم فنضرب إلخ، والاستفهام انكاري بدليل قول المفسر في آخر العبارة (لا) والمعنى: لا نهملكم برفع الوحي ومنع إنزال القرآن، ونعجل الهلاك من أجل كونكم قوما مسرفين، بل نتم نورنا بتمام الإنزال لعبدنا، فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ. قوله: (نمسك) أي عن إنزاله لكم. قوله: صَفْحاً أشار المفسر إلى أنه مفعول مطلق ملاق لعامله، وهو نضرب، في المعنى. قوله: (فلا تؤمرون ولا تنهون) أي بل تصيرون كالبهائم. قوله: أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ بكسر الهمزة على أنها شرطية، وفتحها على أنها تعليلية، قراءتان سبعيتان، لكن يرد على القراءة الأولى أن أَنْ تفيد الشك، مع إن إسرافهم محقق، ويجاب: بأنه يؤتى بها في مقام التحقق قصدا لتجهيل المخاطب، بجعله متردد في ثبوت الشرط شاك فيه.\rقوله: وَكَمْ أَرْسَلْنا كَمْ خبرية بمعنى عددا كثيرا، مفعول مقدم لأرسلنا، ومِنْ نَبِيٍ تمييز لها، وفِي الْأَوَّلِينَ متعلق بأرسلنا أي في الأمم الأولين. قوله: (أتاهم) أشار بذلك إلى أن المضارع بمعنى الماضي، وعبر عنه بالمضارع استحضارا للصورة العجيبة. قوله: مِنْ نَبِيٍ أي رسول بدليل قوله:\rأَرْسَلْنا والمعنى تسل يا محمد ولا تحزن، فإنه وقع للرسل قبلك ما وقع لك.\rقوله: أَشَدَّ مِنْهُمْ صفة لموصوف محذوف مفعول لأهلكنا. قوله: بَطْشاً تمييز أي أهلكنا قوما أشد من قومك من جهة البطش، وهو شدة الأخذ. قوله: (سبق في الآيات) أي في القرآن غير مرة. قوله: (صفتهم في الهلاك) وإنما سمي مثلا لغرابته، فإن المثل في الأصل كلام شبه مضربه بمورده لغرابته. قوله: (و عاقبة قومك كذلك) أي الهلاك، فاصبر على أذى قومك، كما صبر من قبلك من الرسل على أذى قومهم، وفي هذه الآيات تعليم للأمة، أن يصبروا على من آذاهم، لينالوا العز الأكبر تأسيا بنبيهم. قوله: (لام قسم) أي و\rقوله:\rلَيَقُولُنَ جوابه، وجواب الشرط محذوف، لدلالة جواب القسم عليه، وهذا على القاعدة في اجتماع الشرط والقسم من حذف جواب المتأخر. قوله: (حذف منه نون الرفع) أي لتوالي النونات، ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين، ووجود الدليل عليها وهو الضمة.","part":3,"page":441},{"id":1556,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 442\rالساكنين خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) آخر جوابهم أي اللّه ذو العزة والعلم، زاد تعالى الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً فراشا كالمهد للصبي وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا طرقا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) إلى مقاصدكم في أسفاركم وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ أي بقدر حاجتكم إليه، ولم ينزله طوفانا فَأَنْشَرْنا أحيينا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ أي مثل هذا الإحياء تُخْرَجُونَ (11) من قبوركم أحياء وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ الأصناف كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ السفن وَالْأَنْعامِ كالإبل ما تَرْكَبُونَ (12) حذف العائد اختصارا، وهو مجرور في الأوّل، أي فيه منصوب في الثاني لِتَسْتَوُوا لتستقرّوا عَلى ظُهُورِهِ ذكر الضمير وجمع الظهر نظرا للفظ ما ومعناها ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا\r______________________________\rقوله: خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ كرر الفعل للتوكيد، وإلا فيكفي أن يقال العزيز العليم، وهذا الجواب مطابق للسؤال من حيث عجزه، ولو روعي صدره لجيء بجملة ابتدائية بأن يقال: هو العزيز العليم مثلا. قوله: (آخر جوابهم) أي أن ما ذكر آخر جواب الكفار، وأما\rقوله: الَّذِي جَعَلَ إلى قوله: (المنقلبون) فهو من كلامه تعالى زيادة في توبيخهم على عدم التوحيد. قوله: (كالمهد للصبي) أي الفرش له، أي ولو شاء لجعلها متحركة، لا يثبت عليها شيء، ولا يمكن الانتفاع بها، فمن رحمته أن جعل الأرض قارة مسطحة ساكنة. قوله: وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا أي بحيث تسلكون فيها إلى مقاصدكم، ولو شاء لجعلها سدا ليس فيها طرق، بحيث لا يمكنكم السير فيها كما في بعض الجبال.\rقوله: (أي بقدر حاجتكم) أي فليس بقليل فلا تنتفعون به، ولا كثير فيضركم.\rقوله: فَأَنْشَرْنا في الكلام التفات من الغيبة للتكلم. قوله: تُخْرَجُونَ أي فالقادر على إحياء الأرض بعد موتها بالماء، قادر على احياء الخلق بعد موتهم. قوله: (الأصناف) أي الأشكال والأنواع، كالحلو والحامض والأبيض والأسود والذكر والأنثى.\rقوله: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ أي خلق لكم مواد السفن كالخشب وغيره، وألهمكم صنعتها، وسيرها لكم في البحر لتنتفعوا بها. قوله: (كالإبل) إن قلت: إنه لم يبق شيء من الأنعام يركب سوى الإبل، فالكاف استقصائية إلا أن يقال: المراد بالأنعام ما يركب من الحيوان، وهو الإبل والخيل والبغال والحمير، لأن المقام للامتنان بالركوب. قوله: ما تَرْكَبُونَ مفعول لجعل، ومِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ بيان له. قوله: (حذف العائد اختصارا) إلخ، أي والمعنى: جعل لكم من الفلك ما تركبون فيه، ومن الأنعام ما تركبونها، فهو مجرور في الأول بفي، منصوب في الثاني بالفعل.\rقوله: لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ اللام للتعليل أو للعاقبة، والصيرورة متعلقة بجعل. قوله: (ذكر الضمير) أي المضاف إليه، وقوله: (و جمع الظهر) أي الذي هو المضاف، وقوله: (نظرا للفظ ما) إلخ، لف ونشر مرتب، والمناسب أن يقول: أفرد الضمير وجمع الظهر إلخ، ولو روعي معناها، فيهما لقيل على ظهورها، ولو روعي لفظها لقيل على ظهره. قوله: ثُمَّ تَذْكُرُوا أي بقلوبكم. قوله: إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ أي على ما تركبون، ففيه مراعاة للفظ ما وكذا في قوله: سَخَّرَ لَنا هذا.\rقوله: وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي إلخ، أي تقولوا بألسنتكم لتجمعوا بين القلب واللسان. قوله:","part":3,"page":442},{"id":1557,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 443\rهذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) مطيقين وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (14) لمنصرفون وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً حيث قالوا: الملائكة بنات اللّه تعالى لأن الولد جزء الوالد، والملائكة من عباد اللّه إِنَّ الْإِنْسانَ القائل ما تقدم لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) بين ظاهر الكفر أَمِ بمعنى همزة الإنكار، والقول مقدر أي أتقولون اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ لنفسه وَأَصْفاكُمْ أخلصكم بِالْبَنِينَ (16) اللازم من قولكم السابق، فهو من جملة المنكر وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا جعل\r______________________________\rهذا أي المركوب من سفينة ودابة، وظاهر الآية أنه يقول ذلك عند ركوب السفينة أو الدابة وهو الأولى، وقال بعضهم: إن هذا مخصوص بالدابة، وأما السفينة فيقول فيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ* الآية، وفي الحديث: «كان صلّى اللّه عليه وسلّم إذا وضع رجله في الركاب قال:\rبسم اللّه، فإذا استوى على الدابة قال: الحمد للّه على كل حال»، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا إلى\rقوله: وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ فإذا كان الإنسان يريد السفر زاد: اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، والمال، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، والحور بعد الكور، وسوء المنظر في الأهل والمال. ومعنى الحور بعد الكور: الفرقة بعد الاجتماع، وورد: أن الإنسان إذا قرأ هذه الآية عند ركوب الدابة تقول الدابة: بارك اللّه فيك من مؤمن، خففت عن ظهري، وأطعت ربك، أنجح اللّه حاجتك، فالذي ينبغي للإنسان، أن لا يدع ذكر اللّه خصوصا في هذه المواطن، فإنه معرض فيها للتلف، فكم من راكب دابة، عثرت به أو طاح عن ظهرها فهلك، وكم من راكب سفينة انكسرت به فغرق، وحينئذ فمنقلبه إلى اللّه، غير منفلت من قضائه، فيكون مستعدا لقضاء اللّه بإصلاح نفسه.\rقوله: وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ الجملة حالية وهو من الإقران أو المقارنة. قوله: (لمنصرفون) أي من الدنيا إلى دار البقاء، فتذكر بالحمل على السفينة والدابة الحمل على الجنازة، فالآية منبهة بالسير الدنيوي على السير الأخروي، ففيه اشارة للردّ على منكري البعث.\rقوله: وَجَعَلُوا لَهُ الخ هذا مرتبط بقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ الخ، والمعنى: أنهم ينسبون الخلق للّه تعالى، ومع ذلك يعتقدون أن له شريكا، فالمقصود التأمل في عقول هؤلاء الكفرة، حيث لم يضبطوا أحوالهم. قوله: (لأن الولد جزء الوالد) أي لأنه خارج من مخه وعظامه، وهذا مناف لقولهم خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ لأن من شأن الوالد أن يكون مركبا، والإله ليس بمركب، بل هو واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، وشأن الخالق أن يكون مخالفا لما خلقه، والولد لا بد وأن يكون مماثلا لوالده لأنه جزء منه، فتبين أن الولد على اللّه محال، وتبين أن هؤلاء الكفرة حالهم متناقض غير مضبوط. قوله: (بين) أشار بهذا إلى أن مُبِينٌ من أبان اللازم، ويصح أن يقدر من أبان المتعدي، بمعنى مظهر الكفر. قوله: (بمعنى همزة الإنكار) أي والتوبيخ والتقريع، وتقدر ببل أو بها والهمزة، ففيها ثلاثة أوجه كما تقدم غير مرة. قوله:\r(لنفسه) متعلق باتخذ. قوله: (أخلصكم) أي خصكم.\rقوله: (اللازم) بالنصب نعت لقوله:\rوَأَصْفاكُمْ المعطوف على اتَّخَذَ الواقع مقولا لقول محذوف، فالمعنى أنهم قالوا (الملائكة بنات اللّه) مع كراهة نسبتها لأنفسهم، ومحبة نسبة البنين لهم، فلزم منه أنهم قالوا: والبنون لنا. قوله: (فهو من جملة المنكر) أي لعطفه على اتَّخَذَ الداخل عليه أم التي هي بمعنى همزة الإنكار.\rقوله: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ إلخ كلام مستأنف تقرير لما قبله، وزيادة توبيخ لهم، وترقّ في الرد","part":3,"page":443},{"id":1558,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 444\rله شبها بنسبة البنات إليه لأن الولد، يشبه الوالد، المعنى: إذا أخبر أحدهم بالبنت تولد له ظَلَ صار وَجْهُهُ مُسْوَدًّا متغيرا تغير مغتم وَهُوَ كَظِيمٌ (17) ممتلىء غما، فكيف ينسب البنات إليه؟\rتعالى عن ذلك أَوَهمزة الإنكار، وواو العطف بجملة أي يجعلون للّه مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ الزينة وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) مظهر الحجة لضعفه عنها بالأنوثة وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا حضروا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ بأنهم إناث وَيُسْئَلُونَ (19) عنها في الآخرة فيترتب عليها العقاب وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ أي الملائكة، فعبادتنا إياهم بمشيئته فهو راض بها، قال تعالى: ما لَهُمْ بِذلِكَ المقول من الرضا بعبادتها مِنْ عِلْمٍ إِنْ ما هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20) يكذبون فيه، فيترتب عليهم العقاب به أَمْ\r______________________________\rعليهم. قوله: بِما ضَرَبَ ما موصولة واقعة على الأنثى بدليل الآية الأخرى وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى وضَرَبَ بمعنى جعل، والمفعول الأول محذوف هو العائد أي ضربه، ومَثَلًا هو المفعول الثاني. قوله: (شبها) أشار بذلك إلى أن المثل بمعنى الشبه أي المشابه، وليس بمعنى الصفة الغريبة. قوله:\rوَهُوَ كَظِيمٌ الجملة حالية.\rقوله: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا قرأ العام بفتح الياء وسكون النون من نشأ، وبضم الياء وفتح النون وتشديد الشين مبنيا للمفعول، أي يربى قراءتان سبعيتان، وقرىء شذوذا ينشأ بضم الياء مخففا، ويناشأ كيقاتل مبنيا للمفعول. قوله: (همزة الإنكار) إلخ، أي إنهما كلمتان لا كلمة واحدة هي أو التي للعطف، فتحل أن مَنْ معمولة لمحذوف معطوف بواو العطف على محذوف، والتقدير: أيجترئون، ويسيئون الأدب ويجعلون من ينشأ إلخ؟ وقوله: (الزينة) أي إن الأنثى تتزين في الزينة لنقصها، إذ لو كملت في نفسها لما احتاجت للزينة. قوله: وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ الجملة حالية، والمعنى غير قادر على تقرير دعواه وإقامة الحجة، لنقصان عقله وضعف رأيه، فقلّما تكلمت امرأة تريد أن تتكلم بحجة لها، إلا تكلمت بالحجة عليها. قوله: (مظهر الحجة) أشار بذلك إلى أن من بان المتعدي، وسابقا أفاد أنه من أبان اللازم، وهما استعمالان.\rقوله: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ إلخ، المراد بالجعل القول والحكم، وهو بيان أنواع أخر من كفرياتهم لأن نسبة الملائكة الذين هم أكمل العباد وأكرمهم على اللّه للأنوثة التي هي وصف خسة كفر، ورد أنهم لما قالوا ذلك، سألهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: «ما يدريكم أنها إناث؟» قالوا سمعنا من أبائنا، ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا، فنزل سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ.\rقوله: وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ إلخ، مفعول شاءَ محذوف، أي عدم عبادة الملائكة ما عبدناهم، وهذا استدلال منهم بنفي مشيئة عدم العبادة، على امتناع النهي عنها، لزعمهم أن المشيئة متحدة مع الرضا وهو فاسد، لأن اللّه تعالى قد يريد ما لا يرضاه، فهو بيان لنوع آخر من كفرياتهم، فتحصل أنهم كفروا بمقالات ثلاث: هذه، وقولهم: الملائكة إناث، وقولهم: الملائكة بنات اللّه.\rقوله: إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ قاله هنا بلفظ يَخْرُصُونَ وفي الجاثية بلفظ (يظنون) لأن ما هنا متصل بقوله: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الآية، أي قالوا: الملائكة بنات اللّه وإن اللّه قد شاء عبادتنا إياهم وهذا كذب فناسبه يَخْرُصُونَ وما هناك متصل بخلطهم الصدق بالكذب، لأن قولهم نَمُوتُ وَنَحْيا*","part":3,"page":444},{"id":1559,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 445\rآتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ أي القرآن بعبادة غير اللّه فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21)؟ أي لم يقع ذلك بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ ملة وَإِنَّا ماشون عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) بهم وكانوا يعبدون غير اللّه وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها متنعموها مثل قول قومك إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ ملة وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) متبعون قالَ لهم أَتتبعون ذلك وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ أنت ومن قبلك كافِرُونَ (24) قال تعالى تخويفا لهم فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ أي من المكذبين للرسل قبلك فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25) اذكر وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ أي بريء مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي خلقني فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) يرشدني وَجَعَلَها أي\r______________________________\rصدق، وإنكارهم البعث وقولهم ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ كذب فناسبه يظنون.\rقوله: أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ تنويع في الإنكار عليهم مرتبط بقوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ. قوله: (أي لم يقع ذلك) أشار به إلى أن الهمزة للإنكار.\rقوله: بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا إلخ، أي لم يأتوا بحجة عقلية ولا نقلية، بل اعترفوا بأنه لا مستند لهم سوى تقليد آبائهم. قوله: أُمَّةٍ قرأ العام بضم الهمزة بمعنى الطريقة والملة، وقرىء شذوذا بكسرها بمعنى الطريقة أيضا، وبالفتح المرة من الأم وهو القصد. قوله: (ماشون) أشار بتقدير هذا، إلى أن الجار والمجرور خبر إن، وعليه فيكون مُهْتَدُونَ خبرا ثانيا. قوله: مُهْتَدُونَ قاله هنا بلفظ مُهْتَدُونَ وفيما يأتي بلفظ مُقْتَدُونَ تفننا.\rقوله: وَكَذلِكَ أي والأمر كما ذكر من عجزهم عن الحجة وتمسكهم بالتقليد، وقوله: ما أَرْسَلْنا استئناف مبين لذلك، دال على أن التقليد فيما بينهم ضلال قديم، ليس لأسلافهم أيضا مستند غيره، وفيه تسلية لرسول اللّه.\rقوله: إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها جمع مترف اسم مفعول، وتفسير المفسر له باسم الفاعل تفسير باللازم.\rقوله: (مثل قول قومك) مفعول مطلق نعت مصدر محذوف، أي قولا مثل قول قومك وقوله: إِنَّا وَجَدْنا مقول القول.\rقوله: قالَ (لهم) خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أي قل لقومك يا محمد إلخ. قوله:\rبِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ إلخ، أي بدين أهدى وأصوب مما وجدتم إلخ، أي من الضلالة التي ليست من الهداية في شيء، والتعبير بالتفصيل لأجل التنزل معهم وإرخاء العذاب.\rقوله: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي فلا تكثرت بتكذيب قومك لك، فإن عاقبتهم كغيرهم من المكذبين. قوله: (و اذكر) قدره إشارة إلى أن الظرف معمول لمحذوف، وسيأتي أن قوله:\rلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ متعلق بذلك المحذوف.\rقوله: لِأَبِيهِ تقدم الخلاف في كونه أباه حقيقة أو عمه، وتوجيه كل من القولين مفصلا. قوله: بَراءٌ العام على فتح الباء والراء، بعدها ألف فهمزة، مصدر وقع موقع الصفة وهي بريء، فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، وقرىء شذوذا بضم الباء وكسرها، بوزن طوال وكرام.\rقوله: إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي يحتمل أن الاستثناء منقطع، بناء على أنهم كانوا يشركون مع اللّه غيره، وذلك أنهم كانوا يعبدون النمروذ، ويحتمل أن إلا صفة بمعنى غير. قوله: (يرشدني لدينه) أي يدلني على","part":3,"page":445},{"id":1560,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 446\rكلمة التوحيد المفهومة من قوله إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ ذرّيته فلا يزال فيهم من يوحد اللّه لَعَلَّهُمْ أي أهل مكة يَرْجِعُونَ (28) عما هم عليه إلى دين إبراهيم أبيهم بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ المشركين وَآباءَهُمْ ولم أعاجلهم بالعقوبة حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُ القرآن وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29) مظهر لهم الأحكام الشرعية وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُ القرآن قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (30) وَقالُوا لَوْ لا هلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ من أية منهما عَظِيمٍ (31) أي الوليد بن المغيرة بمكة أو عروة بن مسعود الثقفي بالطائف أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ النبوة؟ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا\r______________________________\rأحكامه من صلاة وغيرها، ودفع بذلك ما يقال: إن الهداية حاصلة، لكونه مجبولا على التوحيد من أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ فكيف يعبر بالمضارع فضلا عن اقترابه بالسين، فأجاب بما ذكر، نظير ما أجاب به عن قوله: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وأجيب أيضا: بأن السين زائدة، والمضارع للدلالة على الاستمرار، والمعنى يديمني على الهدى، وأجيب أيضا: بأن المعنى سيثبتني على الهداية. قوله: (أي كلمة التوحيد) إلخ، تفسير للضمير البارز، والضمير المستتر يعود على إبراهيم، والمعنى: أن إبراهيم وصى بهذه الكلمة عقبه، قال تعالى: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ الآية. قوله: (أي أهل مكة) أشار بذلك إلى أن\rقوله: لَعَلَّهُمْ إلخ، متعلق باذكر الذي قدره، والمعنى: اذكر يا محمد لقومك ما ذكر، ليحصل عندهم رجوع إلى دين إبراهيم.\rقوله: بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ إضراب انتقالي للتوبيخ والتقريع على ما حصل منهم من عدم الاتباع، واسم الإشارة عائد على المشركين الكائنين في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (و لم أعاجلهم بالعقوبة) أي بل أعطيتهم نعما عظيمة وحرما آمنا، يجبى إليه ثمرات كل شيء، فلم يشكروا بل ازدادوا طغيانا، فأمهلتهم ولم أعجل لهم الانتقام. قوله: حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُ غاية لمحذوف، والتقدير بل متعت هؤلاء، فاشتغلوا بذلك التمتع حتى جاءهم.\rقوله: وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ إلخ هذا من جملة شبههم الفاسدة التي بنوا عليها إنكار نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم، وذلك أنهم قالوا: إن الرسالة منصب شريف، لا يليق إلا برجل شريف، وهذا صدق، غير أنهم غلطوا في دعواهم أن الرجل الشريف هو الذي يكون كثير المال والجاه، ومحمد ليس كذلك، فلا تليق به رسالة اللّه، وليس كذلك، بل العبرة بتعظيم اللّه، لا بالمال والجاه، فليس كل عظيم المال والجاه معظما عند اللّه تعالى. قوله: (من أية منهما) أي من أحدى القريتين. قوله: (أي الوليد بن المغيرة) أي وقد استمر كافرا حتى هلك. قوله: (و عروة بن مسعود) أي وقد هداه اللّه الإسلام، فأسلم وحسن إسلامه، وكان النبي عليه الصلاة والسّلام، يشبه عيسى ابن مريم عليه السّلام، به رضى اللّه تعالى عنه.\rقوله: أَهُمْ يَقْسِمُونَ الاستفهام انكاري وتعجب من حالهم وتحكمهم. قوله: رَحْمَتَ رَبِّكَ ترسم بالتاء المجرورة هنا، وفي قوله تعالى فيما يأتي وَرَحْمَتُ رَبِّكَ اتباعا لرسم المصحف وهذا موضعان ترسم فيهما بالتاء المجرورة. ثالثها في البقرة أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ رابعها في الأعراف إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ خامسها في هود رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ سادسها في مريم رَحْمَتِ","part":3,"page":446},{"id":1561,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 447\rفجعلنا بعضهم غنيا وبعضهم فقيرا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ بالغنى فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ الغني بَعْضاً الفقير سُخْرِيًّا مسخرا في العمل له بالأجرة، والياء للنسب، وقرىء بكسر السين وَرَحْمَتُ رَبِّكَ أي الجنة خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) في الدنيا وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً على الكفر لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ بدل من لمن سُقُفاً بفتح السين وسكون القاف وبضمهما جمعا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ كالدرج من فضة عَلَيْها يَظْهَرُونَ (33) يعلون إلى السطح وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً من فضة وَجعلنا لهم سُرُراً من فضة جمع سرير عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (34) وَزُخْرُفاً ذهبا، المعنى: لو لا خوف الكفر على المؤمن من إعطاء الكافر ما ذكر، لأعطيناه ذلك، لقلة حظ الدنيا عندنا، وعدم حظه في الآخرة في النعيم وَإِنْ مخففة من الثقيلة كُلُّ ذلِكَ لَمَّا بالتخفيف فما زائدة، وبالتشديد بمعنى إلا فإن نافية مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا\r______________________________\rرَبِّكَ سابعها في الروم فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ وما عداها يرسم، بالهاء، وللقراء في تلك المواضع السبعة في الوقف طريقان: فمنهم من يقف بالهاء، كسائر الهاءات الداخلة على الأسماء، كفاطمة وقائمة، ومنهم من يقف بالتاء تغليبا لجانب الرسم.\rقوله: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي فجعلنا هذا غنيا، وهذا فقيرا، وهذا مالكا، وهذا مملوكا، وهذا قويا، وهذا ضعيفا، لاستقامة نظام العالم، لا للدلالة على سعادة وشقاوة.\rقوله: لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا اللام للتعليل، أي إن القصد من جعل الناس متفاوتين في الرزق، لينتفع بعضهم ببعض، ولو كانوا سواء في جميع الأحوال، لم يخدم أحد أحدا، فيفضي إلى خراب العالم وفساد نظامه. قوله: (و الياء للنسب) أي نسبته للسخرة وهي العمل بلا أجرة. إذا علمت ذلك، فقول المفسر (بالأجرة) تقييد بالنظر لصحة التعليل، ويصح أن يكون من السخرية التي هي بمعنى الاستهزاء، والمعنى ليستهزىء الغني بالفقير، وعليه فتكون اللام للعاقبة والصيرورة. قوله: (و قرىء بكسر السين) أي قراءة شاذة هنا، جريا على عادته في التعبير عن الشاذ بقرئ، وعن السبعي بوفي قراءة، وأما ما في المؤمنين وص فكسر السين فيهما قراءة سبعية، ففرق بين ما هنا وما في السورتين المتقدمتين.\rقوله: خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ أي والعظيم من حازها وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومن تبعه، لا من حاز الكثير من المال.\rقوله: وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ إلخ، الكلام على حذف مضاف، أي ولو لا خوف أن يكون الناس إلخ، كما أشار له المفسر فيما يأتي، والأوضح أن يقول: لو لا رغبة الناس في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة وتنعم لجعلنا إلخ، لأنه تعالى لا يوصف بالخوف، ففرق اللّه الدنيا بين المؤمنين والكافر، على حسب ما قدره لهم في الأزل. إن قلت: لم لم يوسع الدنيا على المسلمين، حيث يصير ذلك سببا لاجتماع الناس على الإسلام، فالجواب: لأن الناس حينئذ يجتمعون على الإسلام لطلب الدنيا، وهو إيمان المنافقين، فما قدره اللّه تعالى خير، لأن كل من دخل الإيمان، فإنما يقصد رضا اللّه فقط. قوله: (بدل من لمن) أي بدل اشتمال. قوله: (و بضمهما جمعا) أي على وزن رهن جمع رهن، فهما قراءتان سبعيتان. قوله: وَمَعارِجَ جمع معرج بفتح الميم وكسرها وهو السلم.\rقوله: وَ(و جعلنا لهم) سُرُراً أشار بذلك إلى أن","part":3,"page":447},{"id":1562,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 448\rيتمتع به فيها ثم يزول وَالْآخِرَةُ الجنة عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) وَمَنْ يَعْشُ يعرض عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ أي القرآن نُقَيِّضْ نسبب لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) لا يفارقه وَإِنَّهُمْ أي الشياطين لَيَصُدُّونَهُمْ أي العاشين عَنِ السَّبِيلِ أي طريق الهدى وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) في الجمع رعاية معنى من حَتَّى إِذا جاءَنا العاشي بقرينة يوم القيامة قالَ له يا للتنبيه لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ أي مثل بعد ما بين المشرق والمغرب فَبِئْسَ\r______________________________\rسُرُراً معمول لمحذوف معطوف على قوله: لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ عطف جمل.\rقوله: وَزُخْرُفاً ذهبا، وقيل الزخرف الزينة. قوله: (مخففة من الثقيلة) أي مهملة لوجود اللام في خبرها. قوله: وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ أي إن الجنة تكون لكل موحد، قال كعب: وجدت في بعض كتب اللّه المنزلة: لولا أن يحزن عبدي المؤمن، لكللت رأس عبدي الكافر بالإكليل، ولا يتصدع ولا ينبض منه عرق لوجع، أي لا يتحرك، وفي الحديث: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». وورد: «لو كانت الدنيا تزن عند اللّه جناح بعوضة، ما سقى الكافر منها شربة ماء» قال البقاعي: ولا يبعد أن يكون ما صار إليه الفسقة والجبابرة، من زخرفة الأبنية، وتذهيب السقوف وغيرها. من مبادىء الفتنة، بأن يكون الناس أمة واحدة في الكفر قرب الساعة، حتى لا تقوم الساعة على من يقول اللّه أو في زمن الدجال، لأن من يبقى إذ ذاك على الحق في غاية القلة، بحيث إنه لا عداد له في جانب الكفرة، لأن كلام الملوك لا يخلو عن حقيقة، وإن خرج مخرج الشرط، فكيف يملك الملوك سبحانه ا. ه.\rقوله: وَمَنْ يَعْشُ من العشاء وهو الإعراض والتغافل، ويطلق على ضعف البصر، وفعله عشا يعشو، كدعا يدعو. قوله: (يعرض) أي يتعام ويتغافل، وهذه الآية بمعنى قوله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً. قوله: عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ أضاف الذكر إلى هذا الاسم إشارة إلى أن الكافر بإعراضه عن القرآن، سد على نفسه باب الرحمة، ولو اتبعه لعمته الرحمة. قوله: نُقَيِّضْ جواب الشرط، وفعله قوله: يَعْشُ مجزوم بحذف الواو، والضمة دليل عليها. قوله: فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ أي في الدنيا، بأن يمنعه من الحلال، ويحمله على فعل الحرام، وينهاه عن الطاعة، ويأمره بالمعصية، أو في الآخرة إذا قام من قبره، لما ورد: إذا مقام من قبره، شفع بشيطان لا يزال معه حتى يدخله النار، وإن المؤمن ليشفع بملك حتى يقضي اللّه بين خلقه، والأولى العموم.\rقوله: وَإِنَّهُمْ جمع الضمير مراعاة لمعنى شيطان، كما أفرد أولا في قوله: فَهُوَ مراعاة للفظه.\rقوله: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ الجملة حالية، أي يعتقدون أنهم على هدى، وهو بمعنى قوله تعالى:\rوَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ. قوله: (في الجمع) أي في المواضع الثلاثة الأول، أي ليصدونهم ويحسبون أنهم، وقوله: (رعاية معنى من) أي بعد أن روعي لفظها في ثلاثة أيضا: الضمير المستتر في يَعْشُ والضميران المجروران باللام في نقيض له فَهُوَ لَهُ وسيأتي مراعاة لفظها في موضعين المستتر في «جاء» وقالَ ثم مراعاة معناها في ثلاثة مواضع وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ.\rقوله: حَتَّى إِذا جاءَنا بالإفراد والتثنية قراءتان سبعيتان، فعلى الأولى فاعل جاء ضمير مستتر يعود على العاشي، وعلى الثانية ضمير التثنية. قوله: (بقرينه) أي مع قرينه. قوله: يا (للتنبيه) ويصح","part":3,"page":448},{"id":1563,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 449\rالْقَرِينُ (38) أنت لي، قال تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ أي العاشين تمنيكم وندمكم الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أي تبين لكم ظلمكم بالإشراك في الدنيا أَنَّكُمْ مع قرنائكم فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (39) علة بتقدير اللام لعدم النفع، وإذا بدل من اليوم أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (40) بيّن؟ أي فهم لا يؤمنون فَإِمَّا فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة نَذْهَبَنَّ بِكَ بأن نميتك قبل تعذيبهم فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) في الآخرة أَوْ نُرِيَنَّكَ في حياتك الَّذِي وَعَدْناهُمْ به من العذاب فَإِنَّا عَلَيْهِمْ على عذابهم مُقْتَدِرُونَ (42) قادرون فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ أي القرآن إِنَّكَ عَلى صِراطٍ طريق مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لشرف لَكَ وَلِقَوْمِكَ لنزوله بلغتهم وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (44) عن القيام بحقه وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ أي غيره آلِهَةً\r______________________________\rأن تكون للنداء، والمنادى محذوف تقديره قريني. قوله: بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ اسم لَيْتَ مؤخر، وفيه تغليب (المشرق والمغرب). قوله: (أي مثل ما بين المشرق والمغرب) أي في أنهما لا يجتمعان ولا يقربان منه، لأنهما ضدان. قوله: (أنت) هو المخصوص بالذم. قوله: (قال تعالى) الماضي بمعنى المضارع، لأن هذا القول يحصل في الآخرة. (أي العاشقين) تفسير للكاف، وقوله: (و تمنيكم وندمكم) للضمير المستتر، فهو اشارة إلى أنه فاعل ينفع، وهو معلوم من السياق دل عليه قوله: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ إلخ، وبعضهم قال: إن الفاعل هو أَنَّكُمْ وما في حيزها، والتقدير: ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب، وأتى بهذا دفعا لما قد يتوهم من أن عموم المصيبة يهونها، كمصائب الدنيا، فإنها إذا عمت هانت، بل في الآخرة عمومها موجب لعظمها وهولها.\rقوله: (أي تبين لكم) أي الآن في الآخرة، ودفع بذلك ما يقال: إن الظلم وقع في الدنيا، والْيَوْمَ عبارة عن يوم القيامة، وإِذْ بدل من الْيَوْمَ فكيف يدل الماضي من الحال؟ فأجاب: بأن المراد تبين الظلم وظهوره، وذلك يكون يوم القيامة. قوله:\r(و إذ بدل من اليوم) أي بدل كل، إن قلت: لن ينفعكم عامل في اليوم، وإذ مع أنه مستقبل، واليوم ظرف حالي، وإذ ظرف ماض، فكيف يعمل المستقبل في الحال والماضي؟ أجيب: بأن عمله في الحال، من حيث إنه فريق من الاستقبال، وتقدم أن الماضي مؤول بالحال.\rقوله: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَ الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، أي أنت لا تسمعهم، كما أشار له المفسر، وهذه الآية نزلت لما كان يجتهد في دعائهم، وهم لا يزدادون إلا تصميما على الكفر. قوله: وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ عطف على الْعُمْيَ ويكفي في العطف تغاير العنوان، وإلا فالأوصاف الثلاثة مجتمعة في كل كافر. قوله: (بأن نميتك قبل تعذيبهم) أي نقبضك الينا قبل انتقامنا منهم.\rقوله: فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ أي فلا يعجزوننا، وقد وقع بهم العذاب على يده في الدنيا، وعلى أيدي أتباعه بعد موته إلى يوم القيامة، ولعذاب الآخرة أشد.\rقوله: فَاسْتَمْسِكْ أي دم على الاستمساك.\rقوله: إِنَّكَ إلخ تعليل للأمر بالاستمساك.\rقوله: وَلِقَوْمِكَ أي قريش خصوصا ولغيرهم عموما، فهو شرف لكل من تبعه، وهذه الآية نظير قوله تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ.\rقوله: مِنْ رُسُلِنا بيان لمن. قوله: أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إلخ، أي حكمنا بعبادة الأوثان،","part":3,"page":449},{"id":1564,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 450\rيُعْبَدُونَ (45) قيل هو على ظاهره بأن جمع له الرسل ليلة الإسراء، وقيل: المراد أمم من أي أهل الكتابين، ولم يسأل على واحد من القولين، لأن المراد من الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول من اللّه ولا كتاب بعبادة غير اللّه وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ أي القبط فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (46) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا الدالة على رسالته إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (47) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ من آيات العذاب كالطوفان وهو ماء دخل بيوتهم ووصل إلى حلوق الجالسين سبعة أيام والجراد إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها قرينتها التي قبلها وَأَخَذْناهُمْ\r______________________________\rوأنزلنا ذلك في كتبنا. قوله: (قيل هو على ظاهره) أي من غير تقدير، فهو مأمور بسؤال المرسلين أنفسهم، وهذا على أن الآية مكية. قوله: (بأن جمع له الرسل) إلخ، جواب عما يقال: إنه متأخر في البعث عن الرسل، فكيف يؤمر بسؤال من لم يلقه؟ قوله: (و قيل المراد أمم) إلخ، أي فالكلام على حذف مضاف، والمعنى: اسأل أمم من أرسلنا، وقوله: (أي أهل الكتابين) تفسير لأمم، وهذا على أن الآية مدنية، لأن أهل الكتابين إنما كانوا في المدينة. قوله: (و لم يسأل على واحد من القولين) هذا أحد قولين، قال ابن عباس وابن زيد: لما أسري برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو مسجد بيت المقدس، بعث اللّه له آدم ومن دونه من المرسلين، وجبريل مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فأذن جبريل عليه الصلاة والسّلام وأقام الصلاة ثم قال يا محمد تقدم فصل بهم فلما فرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال له جبريل: سل يا محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا، أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: قد اكتفيت: والقول الآخر لغير ابن عباس: أنهم صلوا خلفه صلّى اللّه عليه وسلّم سبعة صفوف: المرسلون ثلاثة صفوف، والنبيون أربعة صفوف، وكان يلي ظهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إبراهيم الخليل، وعلى يمينه إسماعيل، وعلى يساره إسحاق، ثم موسى، ثم سائر المرسلين، فصلى بهم ركعتين، فلما انتقل قام فقال: إن ربي أوحى إلي أن أسألكم: هل أرسل أحدا منكم بدعوة إلى عبادة غير اللّه تعالى؟ فقالوا: يا محمد إنا نشهد إنا أرسلنا أجمعين بدعوة واحدة، أن لا إله إلا اللّه، وأن ما يعبدون من دونه باطل، وأنك خاتم النبيين وسيد المرسلين، وقد استبان ذلك بإمامتك إيانا، وأنه لا نبي بعدك إلى يوم القيامة إلا عيسى ابن مريم، فإنه مأمور أن يتبع أثرك.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى إلخ، الحكمة في ذكر تلك القصة والتي بعدها، عقب ما تقدم من مقالات الكفار تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم، فإن موسى وعيسى وقع لهما من قومهما ما وقع لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم من قومه، من التعيير بقلة المال والجاه. قوله: بِآياتِنا أي معجزاتنا التسع، والباء للملابسة. قوله: فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ في القصة اختصار قد بين في سورة طه والقصص، والمعنى: فقال إني رسول رب العالمين، لتؤمن به وترسل معه بني اسرائيل.\rقوله: فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا مرتب على مقدر، أي فطلبوا منه آية تدل على صدقه، يدل عليه ما تقدم في الأعراف قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إلخ، قوله: إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ إِذا فجائية، والمعنى: حين جاءهم بالآيات فاجؤوا المجيء بها بالضحك والسخرية، من غير تأمل ولا تفكر.\rقوله: (و الجراد) أي والقمل والضفادع والدم، كل واحدة تمكث سبعة أيام عليهم، فيستجيروا بموسى،","part":3,"page":450},{"id":1565,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 451\rبِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) عن الكفر وَقالُوا لموسى لما رأوا العذاب يا أَيُّهَا السَّاحِرُ أي العالم الكامل، لأن السحر عندهم علم عظيم ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ من كشف العذاب عنا إن آمنا إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (49) أي مؤمنون فَلَمَّا كَشَفْنا بدعاء موسى عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (50) ينقضون عهدهم ويصرون على كفرهم وَنادى فِرْعَوْنُ افتخارا فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ أي من النيل تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أي تحت قصوري أَفَلا تُبْصِرُونَ (51) عظمتي أَمْ تبصرون؟ وحينئذ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا أي موسى الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ضعيف حقير وَلا يَكادُ يُبِينُ (52) يظهر كلامه للثغته بالجمرة التي تناولها في صغره فَلَوْ لا هلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ إن كان صادقا أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ جمع أسورة كأغربة جمع سوار\r______________________________\rفيدعو اللّه تعالى فيكشفه عنهم، فيمكثون بين كل واحدة والأخرى شهرا ويعودون لما كانوا عليه من الطغيان، ثم أرسل اللّه عليهم السنين المجدبة، فاستجاروا ثم عادوا للطغيان، ثم دعا اللّه فكشفت عنهم، ثم دعا عليهم بالطمس فطمست أموالهم، فعزموا على قتل موسى وقومه، فانتقم اللّه منهم بالغرق.\rقوله: إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها الجملة صفة لآية، والمعنى إلا هي بالغة الغاية في الإعجاز بحيث يظن الناظر فيها أنا أكبر من غيرها. قوله: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي عما هم عليه من الكفر. قوله: (لأن السحر عندهم علم عظيم) أي فقصدوا بذلك تعظيمه لا نقصه. إن قلت: إن اللّه تعالى قال في سورة الأعراف حكاية عنهم قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ إلخ، فهذا يقتضي أنهم نادوه باسمه، وهذا صريح في أنهم نادوه بيا أيها الساحر، فكيف الجمع بينهما؟ أجيب: بأن الخطاب تعدد، وإنما لم يلمهم على ذلك، رجاء أن يؤمنوا واستقصارا لعقولهم. قوله: (من كشف العذاب) بيان لما.\rقوله: إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ أي إن كشف العذاب عنا.\rقوله: إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ أي في كل مرة من مرات العذاب.\rقوله: وَنادى فِرْعَوْنُ أي بنفسه وبمناديه. قوله: وَهذِهِ الْأَنْهارُ إلخ، معطوف على مُلْكُ مِصْرَ وجملة تَجْرِي حال من اسم الإشارة. قوله: أَفَلا تُبْصِرُونَ مفعوله محذوف قدره المفسر بقوله: (عظمتي).\rقوله: أَمْ (تبصرون) أشار بذلك إلى أن أَمْ متصلة معادلة للهمزة مطلوب بها التعيين، والمعادل محذوف، واعترض بأن المعادل لا يحذف بعد أَمْ إلا إن كان بعدها لا، نحو: أتقوم أم لا؟ أي أم لا تقوم. وأجيب: بأن هذا غالب لا مطرد. قوله: (و حينئذ) أشار بذلك إلى أن قوله: أَنَا خَيْرٌ إلخ، مسبب عن المعادل المحذوف. قوله: (حقير) أي لأنه يخدم نفسه، وليس له ملك ولا نفاذ أمر.\rقوله: وَلا يَكادُ يُبِينُ الجملة إما عطف على جملة هُوَ مَهِينٌ أو حال أو مستأنفة. قوله:\r(للثغته) بضم اللام وهي تصيير الراء غينا أو لاما، أو السين تاء. قوله: (التي تناولها في صغره) أي حين لطم فرعون على وجهه، فاغتم لذلك وأراد قتله، فمنعته زوجته وقالت له: إنه صغير لا يعرف التمرة من الجمرة، فأتى له بتمر وجمر، فأراد أخذ التمرة، فحول جبريل يده فأخذ الجمرة، فأثرت في لسانه، وقد حلها اللّه حين أرسله، وإنما وصفه فرعون بها الآن، استصحابا لما كان يعرف منه.\rقوله: فَلَوْ لا أُلْقِيَ","part":3,"page":451},{"id":1566,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 452\rكعادتهم فيمن يسودونه أن يلبسوه أسورة ذهب ويطوقوه طوق ذهب أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) متتابعين يشهدون بصدقه فَاسْتَخَفَ استفز فرعون قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ فيما يريد من تكذيب موسى إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونا أغضبونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً جمع سالف كخادم وخدم أي سابقين عبرة وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (56) بعدهم يتمثلون بحالهم فلا يقدمون على مثل أفعالهم وَلَمَّا ضُرِبَ جعل ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا حين نزل قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ فقال المشركون: رضينا أن تكون آلهتنا مع عيسى، لأنه عبد من دون اللّه إِذا قَوْمُكَ أي المشركون مِنْهُ من المثل يَصِدُّونَ (57) يضحكون فرحا بما سمعوا وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ أي عيسى فنرضى أن تكون آلهتنا معه ما ضَرَبُوهُ أي المثل لَكَ إِلَّا جَدَلًا خصومة بالباطل لعلمهم أن ما لغير العاقل فلا يتناول عيسى عليه السّلام بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) شديد والخصومة إِنْ ما هُوَ عيسى إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ بالنبوة وَجَعَلْناهُ بوجوده من غير أب\r______________________________\rعَلَيْهِ أي من عند مرسله الذي يدعي أنه الملك حقيقة.\rقوله: (استفز فرعون) قَوْمَهُ المعنى:\rاستخف فرعون عقول قومه، فألقي عليهم تلك الشبه الواهية التي أثبت بها ألوهية نفسه وكذب موسى فأطاعوه.\rقوله: فَلَمَّا آسَفُونا أصله أأسفونا بهمزتين، أبدلت الثانية ألفا. قوله: (أغضبونا) أي حيث بالغوا في العناد والعصيان. قوله: انْتَقَمْنا مِنْهُمْ أي عاقبناهم. قوله: فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ تفسير للانتقام، وقد أهلكوا بجنس ما تكبروا به، ففيه اشارة إلى أن من افتخر بشيء وتعزز به غير اللّه أهلكه به.\rقوله: وَمَثَلًا معطوف على سَلَفاً والمراد بالآخرين المتأخرون في الزمان، وهي الأمة المحمدية.\rقوله: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا سبب نزولها أنه لما نزل قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية، قال عبد اللّه بن الزبعري وكان قبل أن يسلم: أهذا لنا ولآلهتنا، أم لجميع الأمم؟ فقال رسول اللّه: هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم، فقال: قد خصمتك ورب الكعبة، أليست النصارى يعبدون المسيح؟ واليهود يعبدون عزيرا؟ وبنو مليح يعبدون الملائكة؟ فإن كان هؤلاء في النار، فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، فسكت انتظارا للوحي، فظنوا أنه ألزم الحجة، فضحكوا وارتفعت أصواتهم، إذ علمت ذلك تعلم الاقتصار الواقع من المفسر في القصة. قوله: إِذا قَوْمُكَ فجائية، والمعنى: فاجأ ضرب المثل صدودهم وفرحهم. قوله: يَصِدُّونَ بضم الصاد وكسرها من باب ضرب ورد قراءتان سبعيتان. قوله: (فرحا بما سمعوا) أي إن محمدا صار مغلوبا بهذا الجدال.\rقوله: وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ إلخ، تفصيل لجدالهم، والمعنى أنهم قالوا: أآلهتنا خير عندك أم عيسى؟ فإن كان في النار فلتكن آلهتنا معه، وقوله: أَآلِهَتُنا بتحقيق الهمزتين أو تسهيل الثانية، بغير ادخال ألف بينهما، فهما قراءتان سبعيتان فقط، وقرىء شذوذا بهمزة واحدة بعدها ألف على لفظ الخبر.\rقوله: (فترضى أن تكون) إلخ، هذا تفريع على الشق الثاني. قوله: إِلَّا جَدَلًا مفعول من أجله، أي لأجل الجدل والمراء. قوله: (لعلمهم أن ما) أي الوقعة في قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ وعلمهم ذلك لكون القرآن نزل بلغتهم ولغة العرب، أن ما تكون لغير العاقل، ومن للعاقل.\rقوله: إِنْ هُوَ إِلَّا","part":3,"page":452},{"id":1567,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 453\rمَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (59) أي كالمثل لغرابته، يستدل به على قدرة اللّه تعالى على ما يشاء وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ بدلكم مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) بأن نهلككم وَإِنَّهُ أي عيسى لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ تعلم بنزوله فَلا تَمْتَرُنَّ بِها أي تشكن فيها حذف منه نون الرفع للجزم، وواو الضمير لالتقاء الساكنين وَقل لهم اتَّبِعُونِ على التوحيد هذا الذي آمركم به صِراطٌ طريق مُسْتَقِيمٌ (61) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ يصرفنكم عن دين اللّه الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62) بين العداوة وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات والشرائع قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ بالنبوة وشرائع الإنجيل وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ من أحكام التوراة من أمر الدين وغيره، فبيّن لهم أمر الدين فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ طريق مُسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ في عيسى، أهو اللّه، أو ابن اللّه، أو ثالث ثلاثة؟ فَوَيْلٌ كلمة عذاب لِلَّذِينَ ظَلَمُوا كفروا بما قالوه في عيسى\r______________________________\rعَبْدٌ رد عليهم، والمعنى: ما عيسى إلا عبد مكرم منعم عليه بالنبوة، لا إله ولا ابن إله. قوله: (بوجوده من غير أب) أي فهو نظير آدم في خلقه من غير أبوين.\rقوله: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ خطاب لقريش، والمعنى: أننا أغنياء عنكم وعن عبادتكم، فلو نشاء لأهلكناكم، وجعلنا بدلكم ملائكة يعبدوني في الأرض. قوله: (بدلكم) أي فهو نظير قوله تعالى: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ وقول الشاعر:\rجارية لم تأكل المرققا ... ولم تذق من البقول الفستقا\r\rويصح أن تكون من تبعيضية، والمعنى: لو نشاء لجعلنا بعضكم ملائكة يخلفونكم فيها، بأن يحول بعضكم إلى صورة الملائكة، أو يلد بعضكم ملائكة.\rقوله: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ أي نزوله علامة على قرب الساعة، فالكلام على حذف مضاف، واللام بمعنى على. قوله: وَاتَّبِعُونِ أي امتثلوا ما آمركم به.\rقوله: وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ معطوف على اتَّبِعُونِ فهو مقول القول، وقيل: من كلام اللّه تعالى: والمعنى: اتبعوا يا عبادي هديي أو رسولي وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إلخ.\rقوله: وَلَمَّا جاءَ عِيسى أي أرسل لبني إسرائيل. قوله: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ معطوف على قوله: بِالْحِكْمَةِ أي وجئتكم لأبين، ولم يترك العاطف، اشارة إلى أنه متعلق بما قبله، اشعارا بالاهتمام بالقلة، حتى جعل كأنه كلام برأسه. قوله: بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ أي فبين لهم أمر الدين، وهو بعض ما يختلفون فيه، لأن اختلافهم في أمر الدين وتكسبات الدنيا، والأنبياء بعثوا لبيان الدين، لا لصنائع الدنيا، فإنها تؤخذ عن أهلها، وفي الحديث: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ أي فيما أبلغه عنه.\rقوله: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ أي تفرقوا من بين من بعث إليهم من اليهود والنصارى.\rقوله: (أهو اللّه) هذه مقالة فرقة من النصارى تسمى اليعقوبية. قوله: (أو ابن اللّه) هذا قول فرقة منهم أيضا تسمى المرقوسية. قوله: (أو ثالث ثلاثة) هذا قول فرقة منهم أيضا تسمى الملكانية، وقالت فرقة:\rإنه عبد اللّه ورسوله، وإنا كفرت ببعثة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وقالت اليهود: إنه ليس بنبي فإنه ابن زنا؛ لعنهم اللّه.\rقوله: (كلمة عذاب) أي كلمة معناها العذاب وهو مبتدأ، وقوله: لِلَّذِينَ ظَلَمُوا خبره. قوله: (أي","part":3,"page":453},{"id":1568,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 454\rمِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65) مؤلم هَلْ يَنْظُرُونَ أي كفار مكة أي ما ينتظرون إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بدل من الساعة بَغْتَةً فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (66) بوقت مجيئها قبله الْأَخِلَّاءُ على المعصية في الدنيا يَوْمَئِذٍ يوم القيامة متعلق بقوله بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) المتحابين في اللّه على طاعته فإنهم أصدقاء ويقال لهم يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آمَنُوا نعت لعبادي بِآياتِنا القرآن وَكانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ مبتدأ وَأَزْواجُكُمْ زوجاتكم تُحْبَرُونَ (70) تسرون وتكرمون خبر المبتدأ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ بقصاع مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ جمع كوب وهو إناء لا عروة له، ليشرب الشارب من حيث شاء وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ تلذذا وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ نظرا وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (71)\r______________________________\rكفار مكة) هذا توعد لهم بالعذاب، إثر بيان فرحهم بجعل المسيح مثلا.\rقوله: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ الجملة حالية. قوله: (على المعصية) أي وعليه فيكون الاستثناء منقطعا، ويصح أن المراد بالاخلاء الأحباب مطلقا، فيكون الاستثناء متصلا.\rقوله: (متعلق بقوله) بَعْضُهُمْ أي والفصل بالمبتدأ لا يضر. قوله: (فإنهم أصدقاء) أي ويشفعون لبعضهم ويتوددون، كما كانوا في الدنيا.\rقوله: (و يقال لهم) أي تشريفا وتطييبا لقلوبهم، ورد أنه ينادي مناد في العرصات يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، فيرفع أهل العرصة رؤوسهم، فيقول المنادي: الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ، فينكس أهل الأديان رؤوسهم غير المسلمين.\rقوله: يا عبادي الإضافة للتشريف والتكريم، والياء إما ساكنة أو مفتوحة أو محذوفة، ثلاث قراءات سبعيات، وقد ناداهم اللّه تعالى بأربعة أمور: الأول نفي الخوف، والثاني نفي الحزن، والثالث الأمر بدخول الجنة، والرابع البشارة بالسرور في قوله: تُحْبَرُونَ. قوله: لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ بالرفع والتنوين في قراءة العامة، وهو مبتدأ، وعَلَيْكُمُ خبره، وقرىء شذوذا بالضم والفتح دون تنوين.\rقوله: وَكانُوا مُسْلِمِينَ أي مخلصين في أمر الدين. قوله: (زوجاتكم) أي المؤمنات. قوله: (تسرون) أي يظهر أثره على وجوهكم. قوله: (بقصاع) جمع قصعة وهي الإناء الذي يشبع العشرة، وأكبر منها الجفنة، والصحفة ما يشبع الخمسة، والمأكلة ما يشبع الرجلين أو الثلاثة، ورد أنه يطوف على أدنى أهل الجنة، منزلة سبعون ألف غلام، بسبعين ألف صحفة من ذهب، يغدى عليه بها في كل واحدة منها لون ليس في صاحبتها، يأكل من آخرها كما يأكل من أولها، ويجد طعم آخرها كما يجد طعم أولها، لا يشبه بعضه بعضا، ويراح عليه بمثلها، ويطوف على أرفعهم درجة، كل يوم سبعمائة ألف غلام، مع كل غلام صحفة من ذهب، فيها لون من الطعام ليس في صاحبتها، يأكل من آخرها كما يأكل من أولها، ويجد طعم آخرها كما يجد طعم أولها، لا يشبه بعضه بعضا. قوله: (جمع كوب) أي كعود وأعواد. قوله: (لا عروة له) أي ليس له محل يمسك منه. قوله: (ليشرب الشارب من حيث شاء) أي لأن العروة تمنع من بعض الجهات، وروي أنهم يؤتون بالطعام والشراب، فإذا كان في آخر ذلك، أتوا بالشراب الطهور، فتنضمر لذلك بطونهم، وتفيض عرقا من جلودهم أطيب من ريح المسك، قال تعالى: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً.","part":3,"page":454},{"id":1569,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 455\rوَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها أي بعضها تَأْكُلُونَ (73) وكل ما يؤكل يخلف بدله إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (74) لا يُفَتَّرُ يخفف عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) ساكتون سكوت يأس وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76) وَنادَوْا يا مالِكُ هو خازن النار لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ ليمتنا قالَ بعد ألف سنة إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (77) مقيمون في العذاب دائما، قال تعالى: لَقَدْ جِئْناكُمْ أي أهل مكة\r______________________________\rقوله: وَفِيها أي الجنة. قوله: ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ أي من الأشياء المعقولة والمسموعة والمنظورة والملموسة والمذوقة والمشمومة، روي «أن رجلا قال: يا رسول اللّه أفي الجنة خيل؟ فإني أحب الخيل. فقال: إن يدخلك اللّه الجنة، فلا تشاء أن تركب فرسا من ياقوتة حمراء، فتعلير بك في أي الجنة شئت إلا فعلت، فقال أعرابي: يا رسول اللّه في الجنة إبل؟ فإني أحب الإبل. فقال: يا أعرابي إن أدخلك اللّه الجنة، أصبت فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك». وتشتهي: بهاء واحدة اثنتين بينهما الياء، قراءتان سبعيتان. قوله: (تلذذا) أي بطعامها وشرابها، لا عن عطش. قوله: (نظرا) أي وأعظمه النظر إلى وجه اللّه الكريم.\rقوله: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ مبتدأ وخبر، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب تشريفا لها وتعظيما لقدرها، ولم يقل: وتلكمو الجنة، ليكون مناسبا لقوله: أُورِثْتُمُوها إشارة إلى أن كل واحد من أهل الجنة مخاطب بالاستقلال. قوله: أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي أعطيتموها بسبب عملكم، وهذا زيادة في الإكرام لأهل الجنة، وحيث لم يقل أورثتموها من فضلي، وإن كانت في الحقيقة من فضله تعالى، قال ابن عباس: خلق اللّه لكل نفس جنة ونارا، فالكافر يرث نار المسلم، يرث جنة الكافر. قوله:\r(يخلف بدله) أي لأنها على صفة الماء النابع، لا يؤخذ منها شيء، إلا خلف مكانه في الحال مثله.\rقوله: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ إلخ، لما ذكر وعد المؤمنين الحسن بالجنة وما فيها، شرع في ذكر وعيد الكافرين السيىء بالنار وما فيها، على حكم عادته سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، والمراد بالمجرمين الكفار لذكرهم في مقابلة المؤمنين.\rقوله: لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ الجملة حالية، وكذا ما بعدها والفتور السكون، يقال من فتر الماء سكن حره. قوله: (ساكتون) أي فالإبلاس السكوت، ويطلق على السكون، يقال أبلس سكت وسكن. قوله: (سكوت يأس) أي من رحمة اللّه تعالى. إن قلت: إن مقتضى ما هنا أنهم يسكتون في النار، ومتقضى ما يأتي في قوله: وَنادَوْا يا مالِكُ الآية، أنهم يستغيثون ويتكلمون، فحصل التنافي بين الموضعين. أجيب: بأنهم يسكتون تارة ويستغيثون أخرى، فأحوالهم مختلفة.\rقوله: وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ العامة على نصب الظَّالِمِينَ خبرا لكان، وهُمُ ضمير فصل، وقرىء شذوذا الظالمون بالرفع، على أن هُمُ ضمير منفصل مبتدأ، والظالمون خبره، والجملة خبر كان.\rقوله: وَنادَوْا التعبير بالماضي لتحقق الحصول. قوله: (هو خازن النار) أي كير خزنتها، ومجلسه وسط النار، وفيها جسور تمر عليها ملائكة العذاب، فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها. قوله:\rلِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ اللام للدعاء، ويقض مجزوم بحذف الياء، والمعنى: سل ربك أن يميتنا، فهو من قضى عليه إذا أماته. قوله: (ليمتنا) أي لنستريح مما نحن فيه. قوله: (بعد ألف سنة) هذا أحد أقوال،","part":3,"page":455},{"id":1570,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 456\rبِالْحَقِ على لسان الرسول وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (78) أَمْ أَبْرَمُوا أي كفار مكة أحكموا أَمْراً في كيد محمد النبي فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) محكمون كيدنا في إهلاكهم أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ ما يسرون إلى غيرهم وما يجهرون به بينهم بَلى نسمع ذلك وَرُسُلُنا الحفظة لَدَيْهِمْ عندهم يَكْتُبُونَ (80) ذلك قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فرضا فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (81) للولد لكن ثبت أن لا ولد له تعالى، فانتفت عبادته سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ الكرسي عَمَّا يَصِفُونَ (82) يقولون من الكذب بنسبة الولد إليه فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا في باطلهم وَيَلْعَبُوا في دنياهم حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) فيه العذاب وهو يوم القيامة وَهُوَ الَّذِي هو فِي السَّماءِ إِلهٌ بتحقيق الهمزتين\r______________________________\rوقيل بعد مائة سنة، وقيل بعد أربعين سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، واليوم كألف سنة مما تعدون.\rقوله: (مقيمون في العذاب دائما) أي لا مفر لكم منه بموت ولا غيره.\rقوله: لَقَدْ جِئْناكُمْ إلخ، يحتمل أنه من كلام اللّه تعالى، خطاب لأهل مكة عموما، مبين لسبب مكث الكفار في النار، وهو ما مشى عليه المفسر، وقوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ وأما قلتكم فهو مؤمن يحب الحق، ويحتمل أنه من كلام مالك لأهل النار، جار مجرى العلة كأنه قال: إنكم ماكثون لأنا جئناكم إلخ، ويكون معنى أكثركم كلكم. قوله: كارِهُونَ أي لما فيه من منع الشهوات، فكراهتكم له من أجل كونه مخالفا لهواكم وشهواتكم.\rقوله: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً الإبرام في الأصل الفتل المحكم، يقال: أبرم الحبل إذا أتقن فتله ثانيا، وأما فتله أولا فيسمى سحلا، ثم أطلق على مطلق الإتقان والإحكام، وأَمْ منقطعة تفسر ببل والهمزة، وهو انتقال من توبيخ أهل النار إلى توبيخ الكفار، على بعض ما حصل منهم في الدنيا. قوله:\r(في كيد محمد) أي كما ذكره في قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ الآية ..\rقوله: أَمْ يَحْسَبُونَ أَمْ منقطعة تفسر ببل وهمزة الإنكار. قوله: وَرُسُلُنا إلخ، الجملة حالية، وقوله: يَكْتُبُونَ (ذلك) أي سرهم ونجواهم.\rقوله: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ أي إن صح وثبت ذلك ببرهان صحيح، فأنا أول من يعظم ذلك الولد ويعبده. قوله: (لكن ثبت أن لا ولد له) أشار بذلك إلى أن قياس استثنائي، وقد استثنى فيه نقيض المقدم بقوله: (لكن ثبت) إلخ، فأنتج نقيض التالي وهو قوله: (فانتفت عبادته) وإيضاحه: أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محالة في نفسها، فكان المعلق بها محالا مثلها، فحصل نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها.\rقوله: (الكرسي) المناسب إبقاء الآية على ظاهرها، لأن من المعلوم أن الْعَرْشِ غير (الكرسي). قوله: (العذاب) مفعول ثان ليوعدون وفيه متعلق بالعذاب. قوله: (و هو يوم القيامة) المناسب أن يقول: يوم موتهم، لأن خوضهم ولعبهم إنما ينتهي بيوم الموت.\rقوله: وَهُوَ الَّذِي (هو) فِي السَّماءِ إلخ، قدر الضمير إشارة إلى أن العائد محذوف وهو مبتدأ، وإِلهٌ خبره، وفِي السَّماءِ متعلق بإله، وإنما حذف المبتدأ لدلالة المعنى عليه، ولطول","part":3,"page":456},{"id":1571,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 457\rوإسقاط الأولى وتسهيلها كالياء أي معبود وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وكل من الظرفين متعلق بما بعده وَهُوَ الْحَكِيمُ في تدبير خلقه الْعَلِيمُ (84) بمصالحهم وَتَبارَكَ تعظم الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ متى تقوم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85) بالياء والتاء وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ يعبدون أي الكفار مِنْ دُونِهِ أي اللّه الشَّفاعَةَ لأحد إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِ أي قال لا إله إلا اللّه وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86) بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم وهو:\rعيسى وعزير والملائكة، فإنهم يشفعون للمؤمنين وَلَئِنْ لام قسم سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ حذف منه نون الرفع وواو الضمير فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) يصرفون عن عبادة اللّه وَقِيلِهِ أي قول محمد النبي، ونصبه على المصدر بفعله المقدر أي وقال يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (88) قال تعالى: فَاصْفَحْ فأعرض عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ منكم، وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89) بالياء والتاء، تهديد لهم.\r______________________________\rالصلة بالمعمول، نظير قولك: ما أنا بالذي قائل لك سوءا، ولا يصح أن يكون الجار والمجرور خبرا مقدما، وإِلهٌ مبتدأ مؤخرا، لئلا تعرى الجملة عن رابط نظير: جاء الذي في الدار زيد. قوله:\r(بتحقيق الهمزتين) إلخ، أي همزة سماء، وهمزة إله، وذكر المفسر هنا ثلاث قراءات، وفي الحقيقة هي سبع سبعيات: التحقيق وهي قراءة واحدة، وإسقاط الهمزة الأولى وتسهيلها مع القصر في سماء بقدر ألف والمد بقدر ألفين، وتسهيل الثانية وابدالها ياء مع القصر لا غير. قوله: (متعلق بما بعده) أي وهو إله لأنه بمعنى معبود، والتقدير: وهو معبود في السماء ومعبود في الأرض، ولا شك أن العابد في السماء غير العابد في الأرض، والمعبود واحد، ودفع ما يتوهم من ظاهر الآية أن الإله متعدد، لأن النكرة إذا أعيدت كانت غيرا.\rقوله: وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ أي علم وقت قيامها. قوله: (و التاء) أي فهو التفات من الغيبة للخطاب للتهديد والتقريع.\rقوله: وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ إلخ، الاسم الموصول فاعل يَمْلِكُ وهو إما عبارة عن مطلق المعبودات غير اللّه ليكون الاستثناء متصلا، وهو ما تقتضيه عبارة المفسر، أو عن خصوص الأصنام فيكون منقطعا. قوله: (أي الكفار) تفسير للواو في يَدْعُونَ. قوله: (لأحد) قدره اشارة إلى أن مفعول الشَّفاعَةَ محذوف. قوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ الضمير عائد على مَنْ والجمع باعتبار معناها.\rقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ أي العابدين مع ادعاء الشريك. قوله: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ جواب القسم، وجواب الشرط محذوف على القاعدة. قوله: (أي قول محمد النبي) تفسير لكل من المضاف والمضاف إليه، وقوله: (و نصبه على المصدر) أي فالقول والقيل المقالة كلها مصادر بمعنى واحد، وفي قراءة سبعية أيضا بالجر، إما عطفا على السَّاعَةِ أو أن الواو للقسم، والجواب: إما محذوف والتقدير لأفعلن بهم ما أريد، أو مذكور وهو قوله: إن هؤلاء قوم لا يؤمنون.\rقوله: وَقُلْ سَلامٌ خبر لمحذوف أي شأني سلام، أي ذو سلامة منكم ومني، فهو تباعد وتبرؤ منهم، فليس في الآية مشروعية السّلام على الكفار. قوله: (و هذا قبل أن يؤمر بقتالهم) أي فالآية منسوخة، ويحتمل أن المراد الكف عن مقابلتهم بالكلام فلا نسخ فيها.","part":3,"page":457},{"id":1572,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 458\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الدّخان مكيّة وآياتها تسع وخمسون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم (1) اللّه أعلم بمراده به وَالْكِتابِ القرآن الْمُبِينِ (2) المظهر الحلال من الحرام إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ هي ليلة القدر، أو ليلة النصف\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الدخان\rمكية وقيل إلا إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ الآية. وهي ست أو سبع أو تسع وخمسون آية أي كلها وهو المعتمد. قوله: (الآية) أي إلى قوله: عائِدُونَ وورد في فضل هذه السورة أحاديث منها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قرأ الدخان ليلة الجمعة، أصبح مغفورا له، وزوج من الحور العين». ومنها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم:\r«من قرأ الدخان ليلة الجمعة، أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك». ومنها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة أو يوم الجمعة، بنى اللّه له بيتا في الجنة». قال بعض العلماء ما ذكره البيضاوي من الواردة في فضل السورة متكلم فيها إلا أحاديث سورة الدخان، وحديث يس الذي تقدم لنا وهو: «إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس، من قرأها يريد وجه اللّه تعالى غفر اللّه له» إلى آخره، وحديث سورة الواقعة وهو: «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا».\rقوله: وَالْكِتابِ الواو للقسم، والْكِتابِ مقسم به، وجواب القسم هو قوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ إلخ،\rوأما قوله: إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فهو تعليل للجواب، وهو أحسن من جعل الجواب قوله: إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ وقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ جملة معترضة بين القسم وجوابه. قوله: (القرآن) هذا أحد أقوال في تفسير الكتاب وهو أقواها، وعليه فقد أقسم بالقرآن أنه أنزل القرآن في ليلة مباركة، وهذا من أبلغ الكلام الدال على غاية تعظيم القرآن، كما تقول للعظيم: أتشفع بك لك، وفي الحديث: «أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك». وقيل المراد بالكتاب الكتب المنزلة على الأنبياء، والضمير في أَنْزَلْناهُ عائد على القرآن المفهوم من السياق، وقيل المراد به في اللوح المحفوظ، وقوله: أَنْزَلْناهُ أي أنزلنا بعض ما فيه وهو القرآن. قوله: (هي ليلة القدر) هذا قول قتادة وابن زيد وأكثر المفسرين، ووجه بأمور منها قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فيجب أن تكون الليلة المباركة، هي المسماة بليلة القدر، لأن خير ما فسرته بالوارد، ومنها قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ فقوله تعالى","part":3,"page":458},{"id":1573,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 459\rمن شعبان، نزل فيها من أم الكتاب من السماء السابعة إلى السماء الدنيا إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) مخوّفين به فِيها أي في ليلة القدر أو ليلة النصف من شعبان يُفْرَقُ يفصل كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) محكم من الأرزاق والآجال وغيرهما التي تكون في السنة إلى مثل تلك الليلة أَمْراً فرقا\r______________________________\rهنا: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ يجب أن تكون هذه الليلة المباركة في رمضان، فثبت أنها ليلة القدر، ومنها قوله تعالى في صفة ليلة القدر: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ وقال هنا فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ وقال هنا: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وقال في ليلة القدر: سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ وإذا تقاربت الأوصاف، وجب القول بأن احدى الليلتين هي الأخرى، وهذه أدلة ظاهرة واضحة على أنها ليلة القدر وهو المعتمد، وسميت ليلة القدر، لأن اللّه تعالى يقدر فيها ما يشاء من أمره، إلى مثلها من السنة القابلة، من أمر الموت والأجل والرزق، ويسلم ذلك إلى مدبرات الأمور وهم: اسرافيل وميكائيل وعزرائيل وجبريل عليهم السّلام، وقيل: يبدأ في استنساخ ذلك من اللوح المحفوظ، من ليلة نصف من شعبان، ويقع الفراغ في لية القدر، فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبريل، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف، ونسخة الأعمال إلى اسماعيل صاحب سماء الدنيا، وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت. قوله: (أو ليلة النصف من شعبان) هو قول عكرمة وطائفة، ووجه بأمور منها أن ليلة النصف من شعبان لها أربعة أسماء: الليلة المباركة، وليلة البراءة، وليلة الرحمة، وليلة الصك. ومنها فضل العبادة فيها لما ورد: من صلى فيها مائة ركعة، أرسل اللّه تعالى إليه مائة ملك، ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكائد الشيطان، ومنها نزول الرحمة فيها لما في الحديث: «إن اللّه يرحم أمتي هذه الليلة، بعدد شعر أغنام بني كلب». ومنها حصول المغفرة فيها لما في الحديث: «إن اللّه يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة، إلا الكاهن، والساحر، ومدمن الخمر، وعاق والديه، والمصر على الزنا». ومنها أن اللّه تعالى أعطى رسول في تلك الليلة تمام الشفاعة في أمته، وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطي الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع عشر فأعطي الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطي الجميع، إلا من شرد عن اللّه شرود البعير. قوله: (نزل فيها) أي جملة، ومعنى إنزاله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، أن جبريل أملاه منه على ملائكة سماء الدنيا، فكتبوه في صحف وكانت عندهم في محل من تلك السماء يسمى بيت العزة، ثم نجمته الملائكة المذكورون على جبريل في عشرين سنة، ينزل بها على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بحسب الوقائع والحوادث. قوله: إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ المراد من كان الاستمرار والدوام، أي شأننا وعادتنا الإنذار والتخويف، وهذه الجملة علة للإنزال، وكونه في ليل مباركة. والمعنى: إنما أنزلناه في ليلة مباركة، لأن شأننا الإنذار، وهذا القرآن عظيم أنزل في ليلة مباركة، شأنه أن يخاف منه.\rقوله: فِيها يُفْرَقُ هذه الجملة إما مستأنفة أو صفة لليلة، وما بينهما اعتراض. قوله: (يفصل) أي يبين ويظهر للملائكة الموكلين بالتصرف. قوله: (محكم) أي مبرم لا تغيير فيه ولا تبديل.\rقوله:\r(فرقا) أشار بذلك إلى أن أَمْراً منصوب على المصدرية بفعل ملاق له في المعنى: كقمت وقوفا، وجلست قعودا، ويصح أن يكون حالا من فاعل أَنْزَلْناهُ والتقدير أنزلناه حال كوننا آمرين، أو من مفعوله والتقدير أنزلناه حال كونه مأمورا به، ويصح أن يكون مفعولا لأجله وعامله أنزلناه، والتقدير","part":3,"page":459},{"id":1574,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 460\rمِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) الرسل محمدا ومن قبله رَحْمَةً رأفة بالمرسل إليهم مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم الْعَلِيمُ (6) لأفعالهم رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما برفع رب خبر ثالث، وبجره بدل من ربك إِنْ كُنْتُمْ يا أهل مكة مُوقِنِينَ (7) بأنه تعالى رب السماوات والأرض، فأيقنوا بأن محمدا رسوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8) بَلْ هُمْ فِي شَكٍ من البعث يَلْعَبُونَ (9) استهزاء بك يا محمد، فقال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف، قال تعالى: فَارْتَقِبْ لهم يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (10) فأجدبت\r______________________________\rأنزلناه لأمر الخلق أي شأنهم، بمعنى أن فيه مصالح دينهم ودنياهم. قال تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ. قوله: مِنْ عِنْدِنا صفة لأمرا. قوله: إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ جملة مستأنفة قصد بها بيان حكمة الإنزال في ليلة مباركة وكونه آمرا.\rقوله: رَحْمَةً مفعول لأجله، والعامل فيه: إما أَنْزَلْناهُ وإما أَمْراً وإما مُنْذِرِينَ وإما يُفْرَقُ وإما مُرْسِلِينَ وهو الأقرب، ويصح أن يكون منصوبا بفعل محذوف، أي رحمناهم رحمة، ويصح أن يكون حالا من ضمير مُرْسِلِينَ أي ذوي رحمة، ويصح أن يكون بدلا من أَمْراً. قوله:\rمِنْ رَبِّكَ متعلق برحمة، وفيه التفات من التكلم للغيبة، لمزيد الإرهاب والترغيب، فالإرهاب للكفار، والترغيب للمؤمنين. قوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ تعليل لما قبله، وإن حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها، وهو ضمير فصل، والسَّمِيعُ خبر أول، والْعَلِيمُ خبر ثان، و\rقوله: رَبِ خبر ثالث كما قال المفسر، ففيه إشارة لهذا الإعراب. قوله: (فأيقنوا) قدره إشارة إلى أن جواب الشرط محذوف، والجملة الشرطية معترضة بين الأخبار، فإن\rقوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خبر رابع. قوله: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ بالرفع في قراءة العامة، على أنه بدل أو بيان أو نعت لرب السماوات والأرض فيمن رفعه، وقرئ شذوذا بالجر والنصب، فالأول على أنه نعت لرب السماوات في قراءة من جره؛ والثاني على المدح.\rقوله: بَلْ هُمْ فِي شَكٍ إضراب عن محذوف، والمعنى: فليسوا موقنين بَلْ هُمْ فِي شَكٍ وقوله: يَلْعَبُونَ حال، أي حال كونهم يلعبون بظواهرهم، من الأقوال والأفعال، والمراد بلعبهم انهماكهم في الفاني واعراضهم عن الباقي، قال تعالى إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ*. قوله: (فقال اللهم أعني عليهم بسبع) أي سنين، هذا مفرغ على محذوف، أشار له المفسر بقوله: (استهزاء) أي فلما استهزؤوا به وكثر عنادهم، دعا عليهم بقوله: (اللهم أعني عليهم) أي على هداهم، وفي الحقيقة هو دعاء لهم، لأن من شأن النفوس، أنها إذا شبعت وكثر عليها الخير، تكبرت وطغت وبغت، فإذا جاعت واشتد بها الألم، ذلت وصغرت ورجعت للحق، لما ورد: أن اللّه تعالى لما خلق النفس قال لها: من أنا؟ قالت له: أنت أنت، وأنا أنا، فألقاها في بحر الجوع، فذلت وقالت أنت اللّه لا إله غيرك، ومن هنا كانت تربية العارفين نفوسهم بالجوع. قوله: (قال تعالى) أي إجابة لدعوته، واختلف هل حصل ذلك والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في مكة، أو بعد هجرته إلى المدينة، وهو الراجح.\rقوله: يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ مفعول به، وعامله فَارْتَقِبْ. قوله: بِدُخانٍ الدخان بوزن غراب وجبل ورمان الغبار، والجمع أدخنه ودواخن ودواخين، والتلاوة بوزن غراب. قوله: (فأجدبت","part":3,"page":460},{"id":1575,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 461\rالأرض واشتد بهم الجوع إلى أن رأوا من شدته كهيئة الدخان بين السماء والأرض يَغْشَى النَّاسَ فقالوا هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) مصدقون نبيك، قال تعالى: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى أي لا ينفعهم الإيمان عند نزول العذاب وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) بين الرسالة ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ أي يعلمه القرآن بشر مَجْنُونٌ (14) إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ أي الجوع عنكم زمنا قَلِيلًا فكشف عنهم إِنَّكُمْ عائِدُونَ (15) إلى كفركم فعادوا إليه، اذكر يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى هو يوم بدر إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16) منهم والبطش الاخذ بقوة وَلَقَدْ فَتَنَّا بلونا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ معه وَجاءَهُمْ رَسُولٌ هو موسى\r______________________________\rالأرض) أشار بذلك إلى أن حصول مطلوبه فيهم بالفعل. قوله: (كهيئة الدخان) أشار بذلك إلى أنه ليس المراد حقيقة الدخان، بل رأوا شيئا يشبهه من ضعف أبصارهم، وهو قول ابن عباس ومقاتل ومجاهد وابن مسعود، فلما اشتد الأمر عليهم، جاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع اللّه أن يكشف عنهم، فدعا لهم بالمطر فنزل واستمر عليهم سبعة أيام، حتى تضرروا من كثرته، فجاء أبو سفيان وطلب منه أن يدعو برفعه، فدعا فارتفع، وقال ابن عمر وأبو هريرة وزيد بن علي والحسن: إنه دخان حقيقة، يظهر في العالم في آخر الزمان، يكون علامة على قرب الساعة، يملأ ما بين المشرق والمغرب، وما بين السماء والأرض، يمكث أربعين يوما وليلة، وأما المؤمن فيصيبه كالزكام، وأما الكافر فيصير كالسكران، فيملأ جوفه ويخرج من منخريه وأذنيه ودبره، وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه للنار.\rقوله: يَغْشَى النَّاسَ صفة ثانية للدخان، والمراد بهم قريش وأمثالهم على ما قاله المفسر، وعلى القول الآخر يكون المراد بالناس جميع الموجودين في ذلك الوقت من المؤمنين والكفار.\rقوله: إِنَّا مُؤْمِنُونَ هذا وعد منهم بالإيمان وقد أخلفوه، وليس المراد أنهم آمنوا حقيقة ثم ارتدوا. قوله: (أي لا ينفعهم الإيمان) إلخ، الأوضح أن يقول: أي لا يوفون بما وعدوا من الإيمان عند كشف العذاب عنهم، فهو استبعاد لإيمانهم.\rقوله: وَقالُوا مُعَلَّمٌ أي قالوا في حق النبي عليه السّلام تارة إنه يعلمه غلام أعجمي، وقالوا تارة إنه مجنون، وتقدم في سورة النحل في قوله: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ أن رجلا اسمه جبر، وهو غلام عامر بن الحضرمي، ورجلا اسمه يسار، كانا يصنعان السيوف بمكة، ويقرآن التوراة والإنجيل، فكان النبي عليه السّلام يدخل عليهما ويسمع ما يقرآنه، فقال الكفار إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ فرد اللّه تعالى عليهم بقوله: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌ الآية.\rقوله: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ جواب عن قوله: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ. قوله: قَلِيلًا قيل إلى يوم بدر، وقيل إلى ما بقي من أعمارهم. قوله: (فعادوا إليه) أي استمروا عليه، لأنه لم يوجد منهم إيمان بالفعل.\rقوله: (اذكر) يَوْمَ نَبْطِشُ أشار بذلك إلى أن يَوْمَ منصوب بمحذوف، ويصح أن يكون بدلا من يَوْمَ تَأْتِي. قوله: (بلونا) أي امتحنا. والمعنى: فعلنا بهم فعل الممتحن، بإقبال النعم عليهم منا، ومقابلتهم لها بالكفر والطغيان.\rقوله: قَبْلَهُمْ أي قبل قريش. قوله: (معه) أشار بذلك دفعا لما يتوهم من ظاهر الآية؛ أن الابتلاء لخصوص قوم فرعون، فأجاب: بأن المراد هو وقومه.","part":3,"page":461},{"id":1576,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 462\rعليه السّلام كَرِيمٌ (17) على اللّه تعالى أَنْ أي بأن أَدُّوا إِلَيَ ما أدعوكم إليه من الإيمان، أي أظهروا إيمانكم بالطاعة لي يا عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) على ما أرسلت به وَأَنْ لا تَعْلُوا تتجبروا عَلَى اللَّهِ بترك طاعته إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ برهان مُبِينٍ (19) بين على رسالتي، فتوعدوه بالرجم فقال: وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) بالحجارة وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي تصدقوني فَاعْتَزِلُونِ (21) فاتركوا أذاي، فلم يتركوه فَدَعا رَبَّهُ أَنَ أي بأن هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22) مشركون، فقال تعالى: فَأَسْرِ بقطع الهمزة ووصلها بِعِبادِي بني\r______________________________\rقوله: وَجاءَهُمْ هو من جملة الممتحن به. قوله: كَرِيمٌ (على اللّه) أي عزيز عليه، حيث اختصه بالرسالة والكلام، وهذا رد لقول فرعون أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ كأنه قال: حاشا موسى من المهانة، بل هو كريم عزيز على ربه.\rقوله: (أي بأن) أشار بذلك إلى أن أَنْ مصدرية، ويصح أن تكون مفسرة، وأن تكون مخففة من الثقيلة. قوله: عِبادَ اللَّهِ مشى المفسر على أن مفعول أَدُّوا محذوف، وعِبادَ اللَّهِ منادى، وعليه فالمراد بعباد اللّه فرعون وقومه، وقيل: إن عِبادَ اللَّهِ مفعول لأدوا، والمراد بهم بنو إسرائيل: ومعنى تأديتهم إياهم اطلاقهم من الأسر، يشير إلى هذا قوله تعالى في سورة الشعراء أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وعلى كلا القولين فالخطاب في أَدُّوا لفرعون وقومه.\rقوله: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ تعليل للأمر، وقوله: (على ما أرسلت به) متعلق بأمين. والمعنى: مأمون على ما أرسلني اللّه به، فلا أزيد ولا أنقص، وذكر الأمانة بعد الرسالة، وإن كانت تستلزمها، اشارة إلى أنها وصف شريف ينبغي الاعتناء به.\rقوله: وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ عطف على قوله: أَنْ أَدُّوا. قوله: (تتجبروا) عَلَى اللَّهِ فسر العلو بالتجبر، وفسره غيره بالتكبر والبغي والافتراء والتعاظم والاستكبار، وكلها معان متقاربة. قوله:\rإِنِّي آتِيكُمْ تعليل للنهي. قوله: (فتوعدوه بالرجم) ظاهره أنه حين قال إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ توعدوه بالرجم ولم يتمهلوا، مع أنه تقدم أن فرعون قال له: فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ومكث بينهم مدة عظيمة، وهو يأتيهم بالمعجزات الباهرة، ثم لما توعدوه دعا عليهم، وحينئذ فيكون بين ما هنا وبين ما تقدم تناف، فالجواب: أن القصة ذكرت هنا مجملة، وما تقدم ذكرت مبسوطة، وذكر الشيء مفصلا ثم مجملا أثبت في النفس.\rقوله: أَنْ تَرْجُمُونِ الباء فيه وفي قوله: فَاعْتَزِلُونِ من ياءات الزوائد لا تثبت في الرسم، وأما في اللفظ فيجوز إثباتها وحذفها حالة الوصل فقط، وأما في الوقف فيتعين حذفها.\rقوله: وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي اللام بمعنى الباء، ويصح أن تكون لام العلة. والمعنى: إن لم تصدقوني ولم تؤمنوا باللّه لأجل برهاني، إلخ. قوله: (فاتركوا أذاي) أي لا تتعرضوا لي بسوء.\rقوله: فَدَعا رَبَّهُ عطف على مقدر قدره بقوله: (فلم يتركوه) وقوله: أَنَّ هؤُلاءِ إلخ، تعريض بالدعاء كأنه قال: فافعل ما يليق بهم، وأَنَ بفتح الهمزة في قراءة العامة، وقرىء شذوذا بكسرها على اضمار القول. قوله: (بقطع الهمزة ووصلها) أي فهما قراءتان سبعيتان ولغتان جيدتان:\rالأولى من أسرى، والثانية من سرى، قال تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ وقال تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا","part":3,"page":462},{"id":1577,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 463\rإسرائيل لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) يتبعكم فرعون وقومه وَاتْرُكِ الْبَحْرَ إذا قطعته أنت وأصحابك رَهْواً ساكنا منفرجا حتى يدخله القبط إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) فاطمأن بذلك، فأغرقوا كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ بساتين وَعُيُونٍ (25) تجري وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (26) مجلس حسن وَنَعْمَةٍ متعة كانُوا فِيها فاكِهِينَ (27) ناعمين كَذلِكَ خبر مبتدأ، أي الأمر وَأَوْرَثْناها أي أموالهم قَوْماً آخَرِينَ (28) أي بني إسرائيل فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بخلاف المؤمنين يبكي عليهم بموتهم مصلاهم من الأرض ومصعد عملهم من السماء\r______________________________\rيَسْرِ والإسراء السير ليلا، وحينئذ فذكر الليل تأكيد بغير اللفظ. قوله: (إذا قطعته أنت وأصحابك) هذا تعليم لموسى بما يفعله في سيره قبل أن يسير، والمعنى: إذا سرت بهم، وتبعك العدو، ووصلت إلى البحر، وأمرناك بضربه، ودخلتم فيه ونجوتم منه، فاتركه بحاله ولا تضربه بعصاك فيلتئم، بل أبقه على حاله ليدخله فرعون وقومه فينطبق عليهم.\rقوله: رَهْواً حال من البحر، وهو في الأصل مصدر رها يرهو رهوا، إما بمعنى سكن، وإما بمعنى انفرج، والمفسر جمع بينهما. قوله: (فاطمأن بذلك) أي بقوله: إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ والضمير في اطمأن عائد على موسى.\rقوله: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ كَمْ مفعول لتركوا، والمعنى: تركوا أمورا كثيرة بينها بقوله: مِنْ جَنَّاتٍ إلخ. قوله: (مجلس حسن) أي محافل مزينة ومنازل حسنة، كما هو مشاهد في منازل الملوك الآن. قوله: (متعة) أي أمور يتمتعون بها وينتفعون بها، كالملابس والمراكب.\rقوله: فاكِهِينَ العامة بالألف، وقرىء شذوذا بغير ألف، ومعنى الأولى (ناعمين) كما قال المفسر أي متنعمين، ومعنى الثانية مستخفين ومستهزئين بنعمة اللّه. قوله: (خبر مبتدأ) أي والوقف على كذلك، والجملة معترضة لتوكيد ما قبلها. قوله: (أي الأمر) أي وهو هلاك فرعون وقومه.\rقوله: وَأَوْرَثْناها معطوف على كَمْ تَرَكُوا والمعنى: تركوا أمورا كثيرة، وأورثنا تلك الأمور بني اسرائيل. قوله: (أي بني اسرائيل) فقد رجعوا إلى مصر بعد هلاك فرعون إن قلت: كيف قال تعالى:\rوَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ مع أنه تقدم أن أموالهم طمست ومسخت حجارة؟ قلت: لعل الجواب أنها بعد غرقهم، أعيدت كما كانت، اكراما لبني اسرائيل، فحين رجعوا وجدوها كما كانت قبل الطمس.\rقوله: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ اختلف في البكاء، فقيل حقيقة وعليه فقيل هو واقع من ذات السماوات والأرض، ويؤيده ما ورد: ما من مؤمن إلا وله في السماء بابان: باب ينزل منه رزقه، وباب يدخل منه كلامه وعمله، فإذا مات فقداه فيبكيان عليه، وتلا فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ ويؤيده أيضا قول مجاهد: إن السماء والأرض ليبكيان على المؤمن أربعين صباحا، قال أبو يحيى: فعجبت من قوله، فقال: أتعجب! وما للأرض لا تبكي على عبد يعمرها بالركوع والسجود، وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدويّ النحل؟ وقيل: الكلام على حذف مضاف أي أهل السماوات والأرض، وقيل: إن بكاهما حمرة أطرافهما، ويؤيده قول السدي لما قتل الحسين بن علي رضي اللّه تعالى عنهما: بكت عليه السماء، وبكاها حمرتها، وقول محمد بن سيرين: أخبرونا أن الحمرة التي تكون مع الشفق لم تكن حتى قتل الحسين بن علي رضي اللّه تعالى عنه، وقال سليمان القاضي: مطرنا دما يوم قتل","part":3,"page":463},{"id":1578,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 464\rوَما كانُوا مُنْظَرِينَ (29) مؤخرين للتوبة وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (30) قتل الأبناء واستخدام النساء مِنْ فِرْعَوْنَ قيل: بدل من العذاب بتقدير مضاف أي عذاب، وقيل:\rحال من العذاب إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ أي بني إسرائيل عَلى عِلْمٍ منا بحالهم عَلَى الْعالَمِينَ (32) أي عالمي زمانهم أي العقلاء وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (33) نعمة ظاهرة، من فلق البحر، والمن والسلوى وغيرها إِنَّ هؤُلاءِ أي كفار مكة لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ ما الموتة التي بعدها الحياة إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى أي وهم نطف وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) بمبعوثين أحياء بعد الثانية فَأْتُوا بِآبائِنا أحياء إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (36) أنا نبعث بعد موتتنا، أي نحيا، قال تعالى: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ هو نبي أو رجل صالح وَالَّذِينَ\r______________________________\rالحسين، وقيل: إن البكاء كناية عن عدم الاكتراث وعدم المبالاة بهم.\rقوله: وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ هذا من جملة تعداد النعم على بني اسرائيل، والمقصود من ذلك تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم وتبشيره بأنه سينجيه وقومه المؤمنين من أيدي المشركين، فإنهم لم يبلغوا في التجبر مثل فرعون وقومه. قوله: (و قيل حال من العذاب) أي متعلق بمحذوف، والمعنى واقعا من جهة فرعون.\rقوله: مِنَ الْمُسْرِفِينَ خبر ثان لكان، والمعنى من المتجاوزين الحد.\rقوله: عَلى عِلْمٍ عَلى بمعنى مع، وقوله: عَلَى الْعالَمِينَ عَلى على بابه للاستعلاء، فاختلف معناهما، وحينئذ فجاز تعلقهما بعامل واحد وهو اخترنا. قوله: (بحالهم) أي بكونهم أهلا للاصطفاء، لكون أكثر الأنبياء منهم. قوله: (أي عالمي زمانهم) دفع بذلك ما يقال: إن ظاهر الآية، يدل على كون بني اسرائيل، أفضل من كل العالمين، مع أن أمة محمد أفضل منهم، فدفع ذلك بأن المراد بالعالمين عالمو زمانهم، فلا ينافي في أمة محمد أفضل منهم. قوله: (العقلاء) المناسب أن يقول الثقلين، فإن من جملة العقلاء الملائكة، وبنو اسرائيل ليسوا أفضل منهم.\rقوله: مِنَ الْآياتِ بيان مقدم على المبين. قوله: (نعمة ظاهرة) هذا تفسير للبلاء، فإن البلاء معناه الاختبار، وهو يكون بالمحن وبالنعم، هل يصبر أو لا؟ وهل يشكر أو لا؟ قوله: (أي كفار مكة) إنما أشار إليهم بإشارة القريب، تحقيرا لهم وازدراء بهم.\rقوله: لَيَقُولُونَ أي جوابا لما قيل لهم: إنكم تموتون موته تعقبها حياة، دل عليه قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ كأنهم قالوا: مسلم أن لنا موتة تعقبها حياة، لكن المراد بها الأولى، وهي حال النطفة، لا الثانية التي ينقضي بها العمر، فإنها لا تعقبها حياة.\rقوله: وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ هذه الآية نظير قوله تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ.\rقوله: فَأْتُوا بِآبائِنا أي أحيوهم لنا ليخبرونا بصدقكم.\rقوله: أَهُمْ خَيْرٌ أي أمور الدنيا. قوله: أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ هو تبع الحميري أبو كرب واسمه أسعد، وإليه تنسب الأنصار، بنى الحيرة بكسر الحاء بعدها مثناة تحتية فراء مهملة، مدينة بقرب الكوفة، وبني سمرقند، وأراد غزو البيت وتخريب المدينة، فأخبر بأنها مهاجر نبي اسمه أحمد، فكف عنهما، وكسا البيت بالحبرة، وكتب كتابا وأودعه عند أهل المدينة، وكانوا يتوارثونه كابرا عن كابر، إلى أن هاجر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فدفعوه إليه، يقال: إن الكتاب عند أبي أيوب خالد بن زيد وفيه:\rشهدت على أحمد أنه ... رسول اللّه بارىء النسم","part":3,"page":464},{"id":1579,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 465\rمِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم أَهْلَكْناهُمْ بكفرهم، والمعنى: ليسوا أقوى منهم وأهلكوا إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (37) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (38) بخلق ذلك، حال ما خَلَقْناهُما وما بينهما إِلَّا بِالْحَقِ أي محقين في ذلك، ليستدل به على قدرتنا ووحدانيتنا، وغير ذلك وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ أي كفار مكة لا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ يوم القيامة يفصل اللّه فيه بين العباد مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) للعذاب الدائم يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى بقرابة أو صداقة، أي لا يدفع شَيْئاً من العذاب وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) يمنعون منه، ويوم بدل من يوم الفصل إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ وهم المؤمنون فإنه يشفع بعضهم لبعض بإذن اللّه إِنَّهُ هُوَ\r______________________________\rفلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم\r\rأما بعد: فإني آمنت بك وبكتابك الذي ينزل عليك، وأنا على دينك وسنتك، وآمنت بربك ورب كل شيء، وآمنت بكل ما جاء من ربك من شرائع الإسلام، فإن أدركتك فيها ونعمت، وإن لم أدركك فاشفع لي، ولا تنسني يوم القيامة، فإني من أمتك الأولين، وبايعتك قبل مجيئك، وأنا على ملتك وملة أبيك ابراهيم عليه السّلام، ثم ختم الكتاب ونقش عليه: للّه الأمر من قبل ومن بعد، وكتب على عنوانه:\rإلى محمد بن عبد اللّه، نبي اللّه ورسوله، خاتم النبيين ورسول رب العالمين صلّى اللّه عليه وسلّم، من تبع الأول. وكان من اليوم الذي مات فيه تبع، إلى اليوم الذي بعث فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ألف سنة، لا يزيد ولا ينقص. قوله: (هو نبي أو رجل صالح) أو لحكاية الخلاف، فالقول الأول لابن عباس، والثاني لعائشة رضي اللّه عنهما، وكان ملكا من الملوك، وكان قومه كهانا، وكان معهم قوم من أهل الكتاب، فأمر الفريقين أن يقرب كل فريق منهم قربانا ففعلوا، فتقبل قربان أهل الكتاب فأسلم. قوله: وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ عطف على قَوْمُ تُبَّعٍ وقوله: أَهْلَكْناهُمْ حال من المعطوف والمعطوف عليه. قوله: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ إلخ، هذا دليل على صحة الحشر ووقوعه، وذلك أن اللّه تعالى خلق النوع الإنساني، وخلق له ما في الأرض جميعا، وكلفه بالإيمان والطاعة، فآمن البعض وكفر البعض، وختم اللّه في سابق أزله، أن النعيم للمؤمن، والعقاب للكافر، وذلك لا يكون في الدنيا لعدم الاعتداد بها، فحينئذ لا بد من البعث، لتجزى كل نفس بما كسبت.\rقوله: وَما بَيْنَهُما أي بين الجنسين. قوله: (حال) أي وهي لا يستغنى عنها.\rقوله: (أي محقين في ذلك) أي لنا فيه حكمة، وقد بينها المفسر بقوله: (ليستدل به) إلخ.\rقوله: لا يَعْلَمُونَ أي ليس عندهم علم بالكلية.\rقوله: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ الإضافة على معنى اللام. قوله:\rمِيقاتُهُمْ أي موعدهم، والمراد جميع الخلق. قوله: (للعذاب الدائم) أي للكفار والنعيم الدائم للمؤمنين.\rقوله: يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى المولى يطلق على المعتق بالكسر والفتح، وابن العم والناصر والجار والحليف. قوله: (بقرابة) أي بسببها. قوله: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ الضمير للمولى، وجمع باعتبار المعنى، وهذه الجملة توكيد لما قبلها، والمعنى: لا ينصر الكافر، ولو كان بينهما علقة من قرابة أو صداقة أو غيرهما.\rقوله: إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ يصح أن يكون الاستثناء متصلا، والمعنى: لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين، فإنه يؤذن لهم في الشفاعة فيشفعون لبعضهم، وهو ما مشى عليه المفسر، ويصح أن يكون منقطعا، أي ولكن من رحم اللّه لا ينالهم ما يحتاجون فيه إلى من ينفعهم من المخلوقين. قوله: إِنَّهُ هُوَ","part":3,"page":465},{"id":1580,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 466\rالْعَزِيزُ الغالب في انتقامه من الكفار الرَّحِيمُ (42) بالمؤمنين إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) هي من أخبث الشجر المرّ بتهامة ينبتها اللّه تعالى في الجحيم طَعامُ الْأَثِيمِ (44) أبي جهل وأصحابه ذوي الإثم الكبير كَالْمُهْلِ أي كدردي الزيت الأسود خبر ثان يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) بالفوقانية خبر ثالث، وبالتحتانية حال من المهل كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) الماء الشديد الحرارة خُذُوهُ يقال للزبانية خذوا الأثيم فَاعْتِلُوهُ بكسر التاء وضمها جرّوه بغلظة وشدة إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (47) وسط النار ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (48) أي من الحميم الذي لا يفارقه العذاب، فهو أبلغ مما في آية يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ ويقال له ذُقْ أي العذاب إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) بزعمك وقولك: ما بين جبليها أعز وأكرم مني، ويقال لهم إِنَّ هذا الذي ترون من العذاب ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50) فيه تشكون إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ مجلس أَمِينٍ (51) يؤمن فيه الخوف فِي جَنَّاتٍ بساتين وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ\r______________________________\rالْعَزِيزُ الخ تعليل لما قبله.\rقوله: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ترسم شجرت بالتاء المجرورة في هذا الموضع دون غيره من القرآن، ويوقف عليه بالهاء والتاء؛ وأما غير هذا الموضع، فيرسم بالهاء، ويوقف عليه بالهاء لا غير، والزقوم يطلق على نبات بالبادية، له زهر ياسميني الشكل، طعام أهل النار، ويطلق على شجر له ثمر كالتمر، وله دهن عظيم المنافع، عجيب الفعل في تحليل الرياح الباردة، وأمراض البلغم، وأوجاع المفاصل وعرق النساء، والريح الساقطة في الورق، يشرب زنة سبعة دراهم ثلاثة أيام، وربما أقام الزمنى والمقعدين، ويقال أصله الأهليلج الكابلي. قوله: (أي كدردي الزيت الأسود) هذا أحد معاني المهل، ويطلق على القبيح والصديد والنحاس المذاب. قوله: (و بالتحتانية) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (حال من المهل) الأظهر أنه حال من طعام، لأن المراد وصف الطعام المشبه بالمهل بالغليان، لا وصف المهل لأنه لا يتصف بذلك.\rقوله: كَغَلْيِ الْحَمِيمِ صفة لمصدر محذوف، أي تغلى غليا مثل غلي الحميم. قوله: (بكسر التاء وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان، من باب ضرب ونصر. قوله: (جروه بغلظة) أي أو اضربوه بالعتلة، وهي بفتحتين، العصا الضخمة من الحديد لها رأس.\rقوله: ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ أي ليكون محيطا بجميع جسده. قوله: (من الحميم الذي) إلخ، أي فإذا صب عليه الحميم، فقد صب عليه عذابه وشدته.\rقوله: (و يقال له) ذُقْ الأمر للإهانة والتحقير. قوله: إِنَّكَ بفتح الهمزة على معنى التعليل، وكسرها على الاستئناف المفيد للعلة، قراءتان سبعيتان، ووصفه بهذين الوصفين للتهكم والاستهزاء. قوله: (و قولك) تفسير بقوله: (بزعمك) وقوله: (ما بين جبليها) أي مكة.\rقوله: ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ الجمع باعتبار المعنى، لأن المراد جنس الأثيم.\rقوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ مقابل: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ لأنه جرت عادة اللّه تعالى في كتابه، أنه إذا ذكر أحوال أهل النار، أتبعه بذكر أحوال أهل الجنة، وقوله: الْمُتَّقِينَ أي","part":3,"page":466},{"id":1581,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 467\rوَإِسْتَبْرَقٍ أي ما رقّ من الديباج وما غلظ منه مُتَقابِلِينَ (53) حال أي لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض لدوران الأسرة بهم كَذلِكَ يقدر قبله الأمر وَزَوَّجْناهُمْ من التزويج أو قرناهم بِحُورٍ عِينٍ (54) بنساء بيض واسعات الأعين حسانها يَدْعُونَ يطلبون الخدم فِيها أي الجنة أن يأتوا بِكُلِّ فاكِهَةٍ منها آمِنِينَ (55) من انقطاعها ومضرتها ومن كل مخوف. حال لا\r______________________________\rالشرك بأن ماتوا على التوحيد، وهذا أعم من أن يكونوا في أعلى مراتب التقوى، وهي تقوى الأغيار، بأن لا يخطر الغير ببالهم، أو أوسطها وهي تقوى المعاصي بفعل الطاعات، أو أدناها وهي تقوى مجرد الشرك بالإيمان. قوله: فِي مَقامٍ بفتح الميم وضمها، قراءتان سبعيتان، فالفتح هو موضع القيام ومكانه، والضم موضع الإقامة والمكث. قوله: (يؤمن فيه الخوف) أي من الخلق والخالق، والمعنى: تطمئن فيه النفس لا تنزعج من شيء أصلا، فأهل الجنة آمنون من غضب اللّه، ومن جميع ما يؤذي في البدن والأهل والمال، وآمنون من خطور الأكدار ببالهم.\rقوله: فِي جَنَّاتٍ إلخ، بدل من مقام، وتقديمه عليه من باب تقديم التخلية على التحلية، لأن الأمن من المخاوف تحلية، وكونهم فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إلخ تخلية. قوله: وَعُيُونٍ أي أنهار تجري تحت القصور.\rقوله: يَلْبَسُونَ خبر آخر لأن أو مستأنف. قوله: (أي ما رق من الديباج) إلخ لف ونشر مرتب، والديباج هو الحرير، إن قلت: كيف يكون لبس الغليظ من الحرير نعيما من الجنة، مع أنه في الدنيا ربما كان غير نعيم؟ أجيب: بأن غليظ حرير الجنة، ليس كغليظ حرير الدنيا، بل هو أعلى، على أن من غليظ حرير الدنيا ما يؤلف وينعم به كالقطيفة مثلا.\rقوله: مُتَقابِلِينَ أي يواجه بعضهم بعضا ليحصل الانس لبعضهم بعضا، وهذا في غير وقت النظر إلى وجه اللّه الكريم، وأما عنده فينسون النعيم، بل ومقابلة اخوانهم، لكونه أعلى نعيم الجنة رتبة، ومن هنا قيل: إن حكمة المقابلة في حلق العلم والذكر في الدنيا، التشبه بمجالس الجنة والإنس بمقابلة الإخوان، وحكمة الاصطفاف وبالصلاة وعدم المقابلة فيها، التشبه بالنظر لوجه اللّه الكريم في الجنة، لأن في الصلاة إقبالا بالكلية على اللّه تعالى، وقطعا للشواغل. قوله: (أي لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض) أي لأن النظر للقفا مما يحزن، ولا حزن في الجنة. قوله: (يقدر قبله الأمر) أي فهو مبتدأ، وقوله: كَذلِكَ خبره، والجملة معترضة لتقدير ما قبلها.\rقوله: وَزَوَّجْناهُمْ عطف على قوله: يَلْبَسُونَ. قوله: (من التزويج) أي وهو جعل الشيء زوجا، والمعنى جعلناهم اثنين اثنين، فقوله: (أو قرناهم) مرادف له، وليس المراد بالتزويج الإنكاح بالعقد، فإنه لا قابل به. قوله: عِينٍ جمع عيناء، وأصله عين بضم العين وسكون الياء، فكسرت العين لتصح الياء. قوله: (بنساء بيض) تفسير للحور، وقوله: (واسعات الأعين) تفسير لعين، وهذا على أن المراد بالحور البياض مطلقا، وقيل: الحور شدة بياض العين وشدة سوادها، واختلف هل الأفضل في الجنة نساء الدنيا، أو الحور العين؟ والحق أن نساء الدنيا أفضل، لما روي: أن الآدميات أفضل من الحور بسبعين ضعف.\rقوله: يَدْعُونَ حال من الهاء في زَوَّجْناهُمْ.","part":3,"page":467},{"id":1582,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 468\rيَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى أي التي في الدنيا بعد حياتهم فيها قال بعضهم: إلا بمعنى بعد وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلًا مصدر بمعنى تفضلا منصوب بتفضل مقدرا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ سهلنا القرآن بِلِسانِكَ بلغتك لتفهمه العرب منك لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) يتعظون فيؤمنون، لكنهم لا يؤمنون فَارْتَقِبْ انتظر هلاكهم إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59) هلاكك، وهذا قبل نزول الأمر بجهادهم.\r______________________________\rقوله: لا يَذُوقُونَ حال من الضمير في آمِنِينَ. قوله: (قال بعضهم) هو الطبري، وبهذا اندفع ما قيل: كيف قال صفة أهل الجنة ذلك، مع أنهم لم يذوقوه فيها أصلا؟ وهذا القول وإن كان يدفع الإشكال، إلا أن مجيء إِلَّا بمعنى بعد لم يرد، وبعضهم يجعل الاستثناء منقطعا، والمعنى: لكن الموتة الأولى قد ذاقوها. قوله: (منصوب بتفضل) أي على أنه مفعول مطلق.\rقوله: الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي لأنه خلوص من المكاره وظفر بالمطلوب.\rقوله: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ هذا إجمال لما فصل في السورة كأنه قال: ذكر قومك بهذا الكتاب المبين، فإننا سهلنا عليك تلاوته وتبليغه إليهم.\rقوله: (لكنهم لا يؤمنون) دخول على قوله: فَارْتَقِبْ قوله: فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ أشار المفسر إلى أن مفعول (كل) محذوف قدر الأول بقوله: (هلاكهم) والثاني بقوله: (هلاكك). قوله: (و هذا قبل الأمر بالجهاد) أي فهو منسوخ، لأن معنى ارتقب أمهلهم من غير قتال، حتى يحكم اللّه بينك وبينهم.\r*** تمّ الجزء الثالث من كتاب حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ويليه الجزء الرابع وأوله سورة الجاثية","part":3,"page":468},{"id":1583,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 469\rالفهرس\rتفسير سورة المؤمنون\rالآيات: 1 - 3 3\rالآيات: 4 - 11 4\rالآيات: 12 - 14 5\rالآيات: 15 - 19 6\rالآيات: 20 - 22 7\rالآيات: 23 - 26 8\rالآيات: 27 - 30 9\rالآيات: 31 - 34 10\rالآيات: 35 - 41 11\rالآيات: 42 - 48 12\rالآيات: 49 - 52 13\rالآيات: 53 - 61 14\rالآيات: 62 - 66 15\rالآيات: 67 - 70 16\rالآيات: 71 - 77 17\rالآيات: 78 - 85 18\rالآيات: 86 - 91 19\rالآيات: 92 - 98 20\rالآيات: 99 - 103 21\rالآيات: 104 - 112 22\rالآيات: 113 - 118 23\rتفسير سورة النور\rالآية 24\rالآية: 2 25\rالآيات: 3 - 5 26\rالآيات: 6 - 10 27\rالآيات: 11 - 13 31\rالآيات: 14 - 20 32\rالآيات: 21 33\rالآيات: 22 - 25 34\rالآية: 26 35\rالآيات: 27 - 29 36\rالآية: 30 37\rالآية: 31 38\rالآية: 32 39\rالآيتان: 33 و34 40\rالآية: 35 42\rالآيتان: 36 و37 43\rالآية: 38 44\rالآيتان: 39 و40 45\rالآيتان: 41 و42 46\rالآيات: 43 - 46 47\rالآيات: 47 - 52 48","part":3,"page":469},{"id":1584,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 470\rالآيتان: 53 و54 49\rالآيات: 55 - 57 50\rالآيتان: 58 و59 51\rالآية: 60 52\rالآيتان: 61 و62 54\rالآيتان: 63 و64 55\rتفسير سورة الفرقان\rالآية: 1 56\rالآية: 2 57\rالآيات: 3 - 7 58\rالآيات: 8 - 11 59\rالآيات: 12 - 15 60\rالآيتان: 16 و17 61\rالآيتان: 18 و19 62\rالآيتان: 20 و21 63\rالآيات: 22 - 24 64\rالآيتان: 25 و26 65\rالآيات: 27 - 31 66\rالآيات: 32 - 34 67\rالآيات: 35 - 37 68\rالآيات: 38 - 42 69\rالآيات: 43 - 45 70\rالآيات: 46 - 48 71\rالآيات: 49 - 52 72\rالآيات: 53 - 57 73\rالآية: 58 74\rالآيتان: 59 و60 75\rالآيتان: 61 و62 76\rالآيات: 63 - 69 77\rالآيات: 70 - 75 78\rالآيتان: 76 و77 79\rتفسير سورة الشعراء\rالآيتان: 1 و2 80\rالآيات: 3 - 7 81\rالآيات: 8 - 12 82\rالآيات: 13 - 18 83\rالآيات: 19 - 24 84\rالآيات: 25 - 40 85\rالآيات: 41 - 49 86\rالآيات: 50 - 54 87\rالآيات: 55 - 58 88\rالآيات: 59 - 69 89\rالآيات: 70 - 79 90\rالآيات: 80 - 88 91\rالآيات: 89 - 102 92\rالآيات: 103 - 112 93\rالآيات: 113 - 126 94\rالآيات: 127 - 135 95\rالآيات: 136 - 147 96\rالآيات: 148 - 157 97","part":3,"page":470},{"id":1585,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 471\rالآيات: 158 - 170 98\rالآيات: 171 - 182 99\rالآيات: 183 - 195 100\rالآيات: 196 - 206 101\rالآيات: 207 - 213 102\rالآيات: 214 - 222 103\rالآيات: 223 - 226 104\rالآية: 227 106\rتفسير سورة النمل\rالآية: 1 107\rالآيات: 2 - 5 108\rالآيات: 6 - 9 109\rالآيات: 10 - 14 110\rالآيتان: 15 و16 111\rالآية: 17 112\rالآية: 18 113\rالآية: 19 114\rالآيتان: 20 و21 115\rالآيتان: 22 و23 116\rالآيتان: 24 و25 117\rالآيات: 26 - 29 118\rالآيات: 30 - 34 119\rالآية: 35 120\rالآيات: 36 - 38 121\rالآيتان: 39 و40 122\rالآيات: 41 - 43 123\rالآية: 44 124\rالآيات: 45 - 47 125\rالآيات: 48 - 51 126\rالآيات: 52 - 58 127\rالآية: 59 128\rالآيات: 60 - 62 129\rالآيات: 63 - 66 130\rالآيات: 67 - 75 131\rالآيات: 76 - 81 132\rالآيتان: 82 و83 133\rالآيات: 84 - 86 134\rالآيتان: 87 و88 135\rالآيات: 89 - 91 136\rالآيتان: 92 و93 137\rتفسير سورة القصص\rالآيتان: 1 و2 138\rالآيات: 3 - 6 139\rالآية: 7 140\rالآيات: 8 - 11 142\rالآية: 12 143\rالآيتان: 13 و14 144\rالآيات: 15 - 20 145\rالآيات: 21 - 24 146\rالآيتان: 25 - 26 147","part":3,"page":471},{"id":1586,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 472\rالآيتان: 27 و28 148\rالآيات: 29 و30 149\rالآيات: 31 - 35 150\rالآيات: 36 - 38 151\rالآيات: 39 - 43 152\rالآيات: 44 - 46 153\rالآيات: 47 - 49 154\rالآيات: 50 - 54 155\rالآيات: 55 - 57 156\rالآيات: 58 - 60 157\rالآيتان: 61 و62 158\rالآيات: 63 - 68 159\rالآية: 69 160\rالآيات: 70 - 75 161\rالآية: 76 162\rالآيات: 77 - 79 163\rالآية: 80 164\rالآيات: 81 - 83 165\rالآيات: 84 - 86 166\rالآيتان: 87 و88 167\rتفسير سورة العنكبوت\rالآيتان: 1 و2 168\rالآيتان: 3 و4 169\rالآيات: 5 - 7 170\rالآيتان: 8 و9 171\rالآيات: 10 - 13 172\rالآيات: 14 - 18 174\rالآيات: 19 - 23 174\rالآيات: 24 - 26 175\rالآيات: 27 - 32 176\rالآيات: 33 - 37 177\rالآيات: 38 - 40 178\rالآيات: 41 - 44 179\rالآيات: 45 - 47 180\rالآيات: 48 - 52 181 الآيات: 53 - 57 182\rالآيات: 58 - 63 183\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 3 472\r\rيات: 58 - 63 183\rالآيات: 64 - 69 184\rتفسير سورة الروم\rالآيتان: 1 و2 185\rالآية: 3 186\rالآيات: 4 - 7 187\rالآيات: 8 - 13 188\rالآيات: 14 - 19 189\rالآيات: 20 - 22 190\rالآيات: 23 - 26 191\rالآيات: 27 - 29 192\rالآيات: 30 - 34 193\rالآيات: 35 - 38 194\rالآيتان: 39 و40 195","part":3,"page":472},{"id":1587,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 473\rالآيات: 41 - 46 196\rالآيات: 47 - 52 197\rالآيات: 53 - 57 198\rالآيتان: 59 و60 199\rتفسير سورة لقمان\rالآيات: 1 - 4 201\rالآيات: 5 - 8 202\rالآيات: 9 - 11 203\rالآيتان: 12 و13 204\rالآية: 14 205\rالآيات: 15 - 17 206\rالآيتان: 18 و19 207\rالآيات: 20 - 24 208\rالآيات: 25 - 28 209\rالآيات: 29 - 32 210\rالآيتان: 33 و34 211\rتفسير سورة السجدة\rالآيتان: 1 و2 212\rالآيتان: 3 و4 213\rالآيتان: 5 و6 214\rالآيات: 7 - 11 215\rالآيات: 12 - 15 216\rالآيات: 16 - 19 217\rالآيات: 20 - 25 218\rالآيات: 26 - 30 219\rتفسير سورة الأحزاب\rالآيتان: 1 و2 220\rالآية: 3 221\rالآيتان: 4 و5 222\rالآيتان: 6 و7 223\rالآية: 8 224 الآيات: 9 - 13 227\rالآيات: 14 - 18 228\rالآيات: 19 - 21 229\rالآيات: 22 - 24 230\rالآيتان: 26 و27 231\rالآيتان: 28 و29 232\rالآيتان: 30 و31 233\rالآية: 32 234\rالآيات: 33 - 35 235\rالآية: 36 236\rالآيات: 37 - 41 238\rالآيتان: 42 و43 239\rالآيات: 44 - 49 240\rالآية: 50 242\rالآية: 51 243\rالآية: 52 244\rالآيات: 53 - 56 246\rالآية: 57 247","part":3,"page":473},{"id":1588,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 474\rالآيات: 58 - 62 248\rالآيات: 63 - 68 249\rالآيات: 69 - 71 250\rالآيتان: 72 و73 251\rتفسير سورة سبأ\rالآيات: 1 - 4 253\rالآيات: 5 - 7 254\rالآيات: 8 - 10 255\rالآية: 11 256\rالآيتان: 12 و13 257\rالآية: 14 259\rالآيات: 15 - 17 260\rالآيتان: 18 و19 261\rالآيات: 20 - 22 262\rالآيات: 23 - 27 264\rالآيات: 28 - 31 265\rالآيات: 32 - 35 266\rالآيات: 37 - 39 267\rالآيات: 40 - 43 268\rالآيات: 44 - 46 269\rالآيات: 47 - 50 270\rالآيات: 51 - 54 271\rتفسير سورة فاطر\rالآيتان: 1 و2 273\rالآيات: 3 - 5 274\rالآيات: 6 - 8 275\rالآيتان: 9 و10 276\rالآية: 11 277\rالآيات: 12 - 14 278\rالآيات: 15 - 17 279\rالآيات: 18 - 24 280\rالآيات: 25 - 28 281\rالآيات: 29 - 32 282\rالآيات: 33 - 36 283\rالآيات: 37 - 39 284\rالآيتان: 40 و41 285\rالآيات: 42 - 44 286\rالآية: 45 287\rتفسير سورة يس\rالآيات: 1 - 6 289\rالآيات: 7 - 9 290\rالآيات: 10 - 12 291\rالآيات: 13 - 19 293\rالآيات: 20 - 22 294\rالآيات: 23 - 29 295\rالآيات: 30 - 32 296\rالآيات: 33 - 37 297\rالآية: 38 299\rالآيات: 39 - 41 300","part":3,"page":474},{"id":1589,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 475\rالآيات: 42 - 47 301\rالآيات: 48 - 51 302\rالآيات: 52 - 55 303\rالآيات: 56 - 59 304\rالآيات: 60 - 66 305\rالآيات: 67 - 69 306\rالآيات: 70 - 76 307\rالآيات: 77 - 80 308\rالآيات: 81 - 83 309\rتفسير سورة الصّافات\rالآيات: 1 - 3 310\rالآيات: 4 - 7 311\rالآيات: 8 - 11 312\rالآيات: 12 - 18 313\rالآيات: 19 - 28 314\rالآيات: 29 - 36 315\rالآيات: 37 - 47 316\rالآيات: 48 - 59 317\rالآيات: 60 - 64 318\rالآيات: 65 - 74 319\rالآيات: 75 - 82 320\rالآيات: 83 - 88 321\rالآيات: 89 - 98 322\rالآيات: 99 - 101 323\rالآيات: 102 - 106 324\rالآيات: 107 - 115 325\rالآيات: 116 - 123 326\rالآيتان: 124 و125 327\rالآيات: 126 - 139 328\rالآيات: 140 - 146 329\rالآيات: 147 - 154 330\rالآيات: 155 - 164 331\rالآيات: 165 - 173 332\rالآيات: 174 - 182 333\rتفسير سورة ص\rالآيتان: 1 و2 334\rالآيات: 3 - 5 335\rالآيات: 6 - 11 336\rالآيات: 12 - 16 337\rالآيات: 17 - 20 338\rالآية: 21 339\rالآيات: 22 - 24 340\rالآية: 25 341\rالآيات: 26 - 28 342\rالآيات: 29 - 32 343\rالآية: 33 344\rالآيات: 34 - 36 346\rالآيات: 37 - 41 347\rالآيات: 42 - 46 348\rالآيات: 47 - 54 349","part":3,"page":475},{"id":1590,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 476\rالآيات: 55 - 62 350\rالآيات: 63 - 69 351\rالآيات: 70 - 76 352\rالآيات: 77 - 84 353\rالآيات: 85 - 88 354\rتفسير سورة الزمر\rالآيتان: 1 و2 355\rالآيتان: 3 و4 356\rالآية: 5 357\rالآيتان: 6 و7 358\rالآيتان: 8 و9 359\rالآيات: 10 - 14 360\rالآيات: 15 - 17 361\rالآيات: 18 - 21 362\rالآية: 22 363\rالآيات: 23 - 28 364\rالآيات: 29 - 34 365\rالآيات: 35 - 38 366\rالآيات: 39 - 42 367\rالآيات: 43 - 48 368\rالآيات: 49 - 52 369\rالآيات: 53 - 55 370\rالآيات: 56 - 60 371\rالآيات: 61 - 64 372\rالآيات: 65 - 67 373\rالآية: 68 374\rالآيتان: 69 و70 375\rالآيات: 71 - 73 376\rالآيتان: 74 و75 377\rتفسير سورة غافر\rالآية: 1 378\rالآيات: 2 - 5 379\rالآية: 6 380\rالآيات: 7 - 10 381\rالآيات: 11 - 15 382\rالآيات: 16 - 18 383\rالآيات: 19 - 23 384\rالآيات: 24 - 27 385\rالآيات: 28 - 32 386\rالآيات: 33 - 35 387\rالآيات: 36 - 40 388\rالآيات: 41 - 45 389\rالآيات: 46 - 51 390\rالآيات: 52 - 55 391\rالآيات: 56 - 59 392\rالآيات: 60 - 63 393\rالآيات: 64 - 66 394\rالآيات: 67 - 70 395\rالآيات: 71 - 76 396\rالآيتان: 77 و78 397","part":3,"page":476},{"id":1591,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 477\rالآيات: 79 - 84 398\rالآية: 85 399\rتفسير سورة فصلت\rالآيات: 1 - 3 400\rالآيات: 4 - 7 401\rالآيتان: 8 و9 402\rالآيتان: 10 و11 403\rالآيتان: 12 و13 404\rالآيتان: 14 و15 405\rالآيات: 16 - 20 406\rالآيات: 21 - 23 407\rالآيات: 24 - 27 408\rالآيتان: 28 و29 409\rالآيات: 30 - 32 410\rالآيتان: 33 و34 411\rالآيات: 35 - 38 412\rالآيات: 39 - 42 413\rالآيات: 43 - 45 414\rالآية: 46 415\rالآيات: 47 - 50 416\rالآيتان: 51 و52 417\rالآيتان: 53 و54 418\rتفسير سورة الشورى\rالآيتان: 1 و2 419\rالآيات: 3 - 6 420\rالآيتان: 7 و8 421\rالآيتان: 9 و10 422\rالآيتان: 11 و12 423\rالآيتان: 13 و14 424\rالآيات: 15 - 17 425\rالآيتان: 18 و19 426\rالآيتان: 20 و21 427\rالآية: 22 428\rالآيات: 23 - 26 429\rالآيتان: 27 و28 430\rالآيتان: 29 و30 431\rالآيات: 31 - 34 432\rالآيات: 35 - 37 433\rالآيتان: 38 و39 434\rالآيات: 40 - 44 435\rالآيات: 45 - 48 436\rالآيتان: 49 و50 437\rالآية: 51 438\rالآيتان: 52 و53 439\rتفسير سورة الزخرف\rالآيات: 1 - 3 440\rالآيات: 4 - 8 441\rالآيات: 9 - 12 442\rالآيات: 13 - 16 443","part":3,"page":477},{"id":1592,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 3، ص: 478\rالآيات: 17 - 20 444\rالآيات: 21 - 27 445\rالآيات: 28 - 31 446\rالآيات: 32 - 34 447\rالآيات: 35 - 37 448\rالآيات: 38 - 44 449\rالآيات: 45 - 47 450\rالآيات: 48 - 52 451\rالآيات: 53 - 58 452\rالآيات: 59 - 64 453\rالآيات: 65 - 71 454\rالآيات: 72 - 77 455\rالآيات: 78 - 83 456\rالآيات: 84 - 89 457\rتفسير سورة الدخان\rالآيتان: 1 و2 458\rالآيتان: 3 و4 459\rالآيات: 5 - 10 460\rالآيات: 11 - 16 461\rالآيات: 17 - 22 462\rالآيات: 23 - 28 463\rالآيات: 29 - 36 464\rالآيات: 37 - 41 465\rالآيات: 42 - 52 466\rالآيات: 53 - 55 467\rالآيات: 56 - 59 468","part":3,"page":478},{"id":1593,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 3\r[المجلد الرابع]\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الجاثية مكيّة وآياتها سبع وثلاثون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم (1) اللّه أعلم بمراده به تَنْزِيلُ الْكِتابِ القرآن مبتدأ مِنَ اللَّهِ خبره الْعَزِيزِ في ملكه الْحَكِيمِ (2) في صنعه إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي في خلقهما لَآياتٍ دالة على قدرة اللّه تعالى ووحدانيته لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ أي في\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الجاثية\rمكية إلا قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا الآية. وهي ست أو سبع وثلاثون آية سميت باسم كلمة منها وهي قوله: وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً وتسمى سورة الشريعة لقوله فيها: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ. قوله: (مكية إلا قوله: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا إلخ، أي إلى قوله: أَيَّامَ اللَّهِ وهو قول ابن عباس وقتادة قالا: إنها نزلت بالمدينة في عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، عابه عبد اللّه ابن أبي، فأراد عمر قتله فنزلت، وقيل: مكية كلها حتى هذه الآية فإنها نزلت في عمر أيضا، شتمه رجل في مكة من الكفار، فأراد قتله فنزلت، ثم نسخت بآية الجهاد.\rقوله: مِنَ اللَّهِ (خبره) أي متعلق بمحذوف تقديره كائن. قوله: الْعَزِيزِ (في ملكه) أي الغالب على أمره. قوله: الْحَكِيمِ (في صنعه) أي الذي يضع الشيء في محله، فاقتضت حكمته تعالى إنزال أشرف الكتب وهو القرآن، على أشرف العبيد وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلخ، ذكر اللّه سبحانه وتعالى هنا من الدلائل ستة في ثلاثة فواصل، وختم الأولى بالمؤمنين، والثانية بيوقنون، والثالثة بيعقلون، ووجه التغاير، أن الإنسان إذا تأمل في السماوات والأرض، وأنه لا بد لهما من صانع آمن، وإذا نظر في خلق نفسه ونحوها ازداد يقينا، وإذا نظر في سائر الحوادث، كمل عقله واستحكم علمه. قوله: (أي في خلقهما) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، يدل عليه التصريح به في سورة البقرة في قوله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وما في سورة آل عمران إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.\rقوله: لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ بالنّصب بالكسرة باتفاق القراء، لأنه اسم إن، وأما ما يأتي في قوله:","part":4,"page":3},{"id":1594,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 4\rخلق كل منكم من نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن صار إنسانا وَخلق ما يَبُثُ يفرق في الأرض مِنْ دابَّةٍ هي ما يدب على الأرض من الناس وغيرهم آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) بالبعث وَفي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ذهابهما ومجيئهما وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ مطر لأنه سبب الرزق فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ تقليبها مرة جنوبا ومرة شمالا وباردة وحارة آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) الدليل فيؤمنون تِلْكَ الآيات المذكورة آياتُ اللَّهِ حججه الدالة على وحدانيته نَتْلُوها نقصها عَلَيْكَ بِالْحَقِ متعلق بنتلو فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ أي حديثه وهو القرآن وَآياتِهِ حججه يُؤْمِنُونَ (6) أي كفار مكة أي لا يؤمنون، وفي قراءة بالتاء وَيْلٌ كلمة عذاب لِكُلِّ أَفَّاكٍ كذاب أَثِيمٍ (7) كثير الإثم يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ القرآن تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ على كفره مُسْتَكْبِراً متكبرا عن الإيمان كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (8) مؤلم وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا أي القرآن شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أي مهزوءا\r______________________________\rآياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وآياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ففيه قراءتان سبعيتان، الرفع والنصب بالكسرة، فالرفع على أن قوله: فِي خَلْقِكُمْ خبر مقدم، وآياتٌ مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة إِنَّ فِي السَّماواتِ والنصب على أن آياتٌ معطوف على آيات الأول، الذي هو اسم إِنَ وقوله:\rوَفِي خَلْقِكُمْ معطوف على قوله: فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الواقع خبرا لأن، ففيه العطف على معمولي عامل واحد، وهو جائز باتفاق.\rقوله: وَ(خلق) ما يَبُثُ أشار بذلك إلى أنه معطوف على خَلْقِكُمْ المجرور بفي على حذف مضاف.\rقوله: (هي ما يدب) أي يتحرك. قوله: وَ(في) اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أشار المفسر إلى أن حرف الجر مقدر، يؤيده القراءة الشاذة بإثباته. قوله:\rبَعْدَ مَوْتِها أي يبسها. قوله: (و باردة وحارة) لف ونشر مشوش وترك الصبا والدبور، فالرياح أربع.\rقوله: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ مبتدأ وخبر، وجملة نَتْلُوها حال. قوله: (الآيات المذكورة) أي وهي السماوات والأرض وما بعدهما. قوله: (متعلق بنتلو) أي على أنه عامل فيه مع كونه حالا، والياء للملابسة. قوله: (أي لا يؤمنون) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (كلمة عذاب) أي فيطلق على العذاب، ويطلق على واد في جهنم. قوله: (كذاب) أي كثير الكذب على اللّه وخلقه. قوله: (كثير الإثم) أي المعاصي.\rقوله: يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ إما مستأنف أو حال من الضمير في أَثِيمٍ. قوله: تُتْلى عَلَيْهِ حال من آياتِ اللَّهِ. قوله: ثُمَّ يُصِرُّ (على كفره) ثُمَ للترتيب الرتبي، والمعنى: أن إصراره على الكفر، حاصل بعد تقدير الأدلة المذكورة وسماعه إياها.\rقوله: كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنْ مخففة على حذف منها ضمير الشأن، والجملة إما مستأنفة أو حال. قوله: فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ سماه بشارة تهكما بهم، لأن البشارة هي الخبر السار.\rقوله: وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً أي إذا بلغه شيء وعلم أنه من آياتنا اتخذها هزوا، إلخ، وذلك نحو قوله في الزقوم: إنه الزبد والتمر، وقوله في خزنة جهنم: إن كانوا تسعة عشر فأنا ألقاهم وحدي.","part":4,"page":4},{"id":1595,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 5\rبها أُولئِكَ أي الأفاكون لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (9) ذو إهانة مِنْ وَرائِهِمْ أي أمامهم لأنهم في الدنيا جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا من المال والفعال شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أي الأصنام أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (10) هذا أي القرآن هُدىً من الضلالة وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ حظ مِنْ رِجْزٍ 11 أي عذاب أَلِيمٌ (11) موجع اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ السفن فِيهِ بِأَمْرِهِ بإذنه وَلِتَبْتَغُوا تطلبوا بالتجارة مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ من شمس وقمر ونجوم وماء وغيره وَما فِي الْأَرْضِ من دابة وشجر ونبات وأنهار وغيره أي خلق ذلك لمنافعكم جَمِيعاً تأكيد مِنْهُ حال أي سخرها كائنة منه تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) فيها فيؤمنون قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ يخافون أَيَّامَ اللَّهِ وقائعه أي اغفروا للكفار ما وقع\r______________________________\rقوله: اتَّخَذَها هُزُواً أنث الضمير مع أنه عائد على شَيْئاً وهو مذكر مراعاة لمعناه وهو الآية، ويصح عوده على آياتِنا. قوله: (أي الأفاكون) جمع باعتبار معنى الأفاك، وراعى أولا لفظه فأفرد. قوله:\r(أي أمامهم) أشار بذلك إلى أن الوراء، كما يطلق على الخلف، يطلق على الأمام، كالجون يستعمل في الأبيض والأسود على سبيل الاشتراك.\rقوله: ما كَسَبُوا ما إما مصدرية كسبهم، أو موصولة أي الذي كسبوه، وهذان الوجهان يجريان في قوله: وَلا مَا اتَّخَذُوا ومقتض عبارة المفسر أنها فيهما موصولة، حيث قال في الأول (من المال والفعال) وقال في الثاني (أي الأصنام).\rقوله: هذا هُدىً أي لمن اذعن له واتبعه وهم المؤمنون، ووبال وخسران على الكفار، قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً.\rقوله: اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ أي حلوا وملحا، والمعنى: ذلله وسهل لكم السير فيه، بأن جعله أملس الظاهر مستويا شفافا، يحمل السفن ولا يمنع الغوص فيه. قوله: (بإذنه) أي إرادته ومشيئته، ولو شاء لم تجر. قوله: (بالتجارة) أي والحج والغزو، وغير ذلك من المصالح الدينية والدنيوية. قوله:\rوَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي تصرفون النعم في مصارفها. قوله: (و غيره) أي كالملائكة فإنهم مسخرون لأهل الأرض، يدبرون معاشهم، وهذا سر قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ الآية. قوله: (تأكيد) أي حال مؤكدة. قوله: (حال) أي من ما، ويصح أن يكون صفة لجميعا، والمعنى الأول: سخر لكم هذه الأشياء كائنة منه أي مخلوقة له، وعلى الثاني: جميعا كائنا منه تعالى.\rقوله: يَتَفَكَّرُونَ أي يتأملون في تلك الآيات.\rقوله: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا إلخ، المراد بالغفر لهم، تحمل أذاهم وعدم مقابلتهم بمثل ما فعلوا، واختلف في هذه الآية، فقيل مدنية، وعليه فسبب نزولها كما قال ابن عباس: أنهم كانوا في غزوة بني المصطلق، نزلوا على بئر يقال له: المريسيع، فأرسل عبد اللّه بن أبي غلامه يستقي الماء، فأبطأ عليه فلما أتاه قال له: ما حبسك؟ قال: غلام عمر، قعد على طرف البئر، فما ترك أحدا يتسقي حتى ملأ قرب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقرب أبي بكر، فقال عبد اللّه: ما مثلنا ومثل هؤلاء، إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك، فبلغ","part":4,"page":5},{"id":1596,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 6\rمنهم من الأذى لكم، وهذا قبل الأمر بجهادهم لِيَجْزِيَ أي اللّه وفي قراءة بالنون قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (14) من الغفر للكفار أذاهم مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ عمل وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها أساء ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) تصيرون فيجازي المصلح والمسيء وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ التوراة وَالْحُكْمَ به بين الناس وَالنُّبُوَّةَ لموسى وهارون منهم وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ الحالات كالمن والسلوى وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (16) عالمي زمانهم العقلاء وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ أمر الدين من الحلال والحرام، وبعثة محمد عليه أفضل الصلاة والسّلام فَمَا اخْتَلَفُوا في بعثته إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ أي لبغي حدث بينهم\r______________________________\rذلك عمر، فاشتمل بسيفه يريد التوجه له، فنزلت هذه الآية، وقيل مكية، وعليه فسبب نزولها كما قال مقاتل: أن رجلا من بني غفار شتم عمر بمكة، فهم عمر أن يبطش به، فنزلت، أو كما قال السدي: أن ناسا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أهل مكة، كانوا في أذى كثير من المشركين، قبل أن يؤمروا بالجهاد، فشكوا ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت، وما ذكره المفسر، فيه إشارة إلى هذا الأخير.\rقوله: لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ أي لا يتوقعون وقائعه من قولهم أيام العرب، أي وقائعهم، وهذا ما مشى عليه المفسر، وقيل: إن الرجاء باق على معناه الأصلي، والمراد بالأيام مطلق الأوقات، والمعنى لا يؤملون الأوقات التي جعل اللّه فيها نصر المؤمنين وثوابهم. قوله: (أي اغفروا للكفار) أشار بذلك إلى أن مقول القول محذوف دل عليه قوله: يَغْفِرُوا فهو مجزوم لكونه جواب أمر محذوف، والتقدير: قل لهم اغفروا يغفروا. قوله: (و هذا قبل الأمر بجهادهم) أي فهو منسوخ بآية القتال، وهذا على أنها مكية، وأما على أنها مدنية، فالكف عن المنافقين خوف أن يقول المشركون: إن محمدا يقتل أصحابه، حتى جاء الإذن بتمييزهم، وقيل: إنها ليست منسوخة، بل هي محمول على ترك المنازعة، والتجاوز فيما يصدر عنهم من الكلام المؤذي، قوله: لِيَجْزِيَ قَوْماً علة لما قبله، والقوم هم المؤمنون، وهو ما مشى عليه المفسر، وقيل الكافرون، وقيل كل منهما، فالتنكير إما للتعظيم، أو التحقير، أو التنويع. قوله: (و في قراءة بالنون) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (أذاهم) مفعول للغفر الواقع مصدرا.\rقوله: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ جملة مستأنفة لبيان كيفية الجزاء.\rقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ إلخ، المقصود من ذلك تسليته له صلّى اللّه عليه وسلّم كأنه قال: لا تحزن على كفر قومك، فإننا آتينا بني اسرائيل الكتاب والنعم العظيمة، فلم يشكروا بل أصروا على الكفر. قوله:\r(التوراة) إنما اقتصر عليها لكونها تغني عن غيرها من كتبهم، ولا يغني غيرها عنها، فإن فيها أحكام شرعهم، وإلا ففي الحقيقة كتب بني اسرائيل: التوراة والإنجيل والزبور. قوله: وَالْحُكْمَ أي الفصل بين الخصوم، وهذه نعم دينية، وقوله: وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ نعم دنيوية فلم يشكروا عليها. قوله:\r(كالمن والسلوى) أي في أيام التيه. قوله: (العقلاء) تقدم ما فيه، وأن الأولى التعبير بالثقلين.\rقوله: وَآتَيْناهُمْ أي بني اسرائيل في التوراة، والمعنى: بينا لهم فيه أمر الشريعة، وأمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وأنهم يؤمنون به إن ظهر بينهم، كما أشار له المفسر. قوله: وَاخْتَلَفُوا (في بعثته) إلخ، أي وقد كانوا قبل ذلك متفقين، فلما جاءهم العلم والشرع في كتابهم اختلفوا، وكان مقتضاه أن يدوم لهم","part":4,"page":6},{"id":1597,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 7\rحسدا له إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْناكَ يا محمد عَلى شَرِيعَةٍ طريقة مِنَ الْأَمْرِ أمر الدين فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (18) في عبادة غير اللّه إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا يدفعوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ من عذابه شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ الكافرين بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) المؤمنين هذا القرآن بَصائِرُ لِلنَّاسِ معالم يتبصرون بها في الأحكام والحدود وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20) بالبعث أَمْ بمعنى همزة الأنكار حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا اكتسبوا السَّيِّئاتِ الكفر والمعاصي أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً خبر مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ مبتدأ ومعطوف، والجملة بدل من\r______________________________\rالاتفاق. قوله: يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي بالمؤاخذة والمجازاة.\rقوله: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ الكاف مفعول أول لجعلنا، وعَلى شَرِيعَةٍ هو المفعول الثاني، والشريعة تطلق على مورد الناس من الماء على المذهب والملة، والمراد هنا ما شرعه اللّه لعباده من الدين، سمي شريعة لأنه يقصد ويلجأ إليه، كما يلجأ إلى الماء من العطش. قوله: مِنَ الْأَمْرِ يطلق على مقابل النهي وعلى الشأن، ويصح إرادة كل منهما هنا، والمعنى: ثم جعلناك على طريقة من الدين، وهي ملة الإسلام التي كان عليها إبراهيم، ولا شك أن اللّه تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح، وإنما التغاير في الفروع. قوله: أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أي وهم رؤساء قريش حيث قالوا: ارجع إلى دين آبائك، فإنهم كانوا أفضل منك وأسن.\rقوله: إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ تعليل لما قبله، وقوله: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ عطف على ما قبله من تتمة التعليل. قوله: أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي في الدنيا، والأولى لهم في الآخرة يزيل عنهم العقاب. قوله:\rوَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ أي في الدنيا والآخرة، لأنهم اتقوا الشرك.\rقوله: هذا بَصائِرُ مبتدأ وخبر، وجمع الخبر باعتبار أن المبتدأ مشار به إلى ما تقدم من الآيات، ولا شك أنه جمع. قوله: (معالم) جمع معلم، وهو في الأصل الأثر الذي يتسدل به على الطريق، والمراد هنا أن تلك الآيات تبصر الناس في الأحكام وتدلهم عليها.\rقوله: وَهُدىً أي من الضلالة. قوله: وَرَحْمَةٌ أي إحسان. قوله: لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أي يطلبون اليقين، وأما الكفار فهو وبال وخسران عليهم.\rقوله: أَمْ (بمعنى همزة الإنكار) أي فهي منقطعة، تقدر تارة بالهمزة وحدها، أو ببل وحدها، أو بهما معا، والمراد انكار الحسبان أي الظن، والمعنى: لا ينبغي أن يكون، وإلا فالظن قد وقع بالفعل. قوله: الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ فاعل حسب، وجملة أَنْ نَجْعَلَهُمْ إلخ سادة مسد المفعولين، والمراد بالاجتراح الاكتساب كما قال المفسر، ومنه الجوارح، قال الكلبي الذين اجترحوا السيئات عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، والذين آمنوا وعملوا الصالحات، علي وحمزة وعبيدة بن الحرث رضي اللّه عنهم، حين برزوا إليهم يوم بدر فقتلوهم، وقيل: نزلت في قوم من المشركين قالوا إنهم يعطون في الآخرة خيرا مما يعطاه المؤمن، كما أخبر اللّه عنهم في قوله: وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى.\rقوله: سَواءً (خبر) أي على قراءة الرفع، وقرأ بعض السبعة بالنصب على الحال. قوله:","part":4,"page":7},{"id":1598,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 8\rالكاف والضميران للكفار، المعنى: أحسبوا أن نجعلهم في الآخرة في خير كالمؤمنين أي في رغد من العيش مساو لعيشهم في الدنيا حيث قالوا للمؤمنين: لئن بعثنا لنعطي من الخير مثل ما تعطون، قال تعالى على وفق إنكار بالهمزة ساءَ ما يَحْكُمُونَ (21) أي ليس الأمر كذلك فهم في الآخرة في العذاب، على خلاف عيشهم في الدنيا، والمؤمنون في الآخرة في الثواب بعملهم الصالحات في الدنيا، من الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك، وما مصدرية أي بئس حكما حكمهم هذا وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَخلق الْأَرْضَ بِالْحَقِ متعلق بخلق ليدل على قدرته ووحدانيته وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ من المعاصي والطاعات، فلا يساوي الكافر المؤمن وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (22) أَفَرَأَيْتَ أخبرني مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ما يهواه من حجر بعد حجر يراه أحسن\r______________________________\r(و الجملة) أي من المبتدأ والخبر. قوله: (بدل من الكاف) أي الداخلة على الموصول. قوله: (أي ليس الأمر كذلك) أشار بذلك إلى أن همزة الإنكار للنفي، وكان المناسب للمفسر تقديم هذا على قوله: ساءَ ما يَحْكُمُونَ فإنه مرتبط بما قبله، والمعنى: أم حسبوا أن نجعلهم كائنين مثلهم مستويا، محياهم ومماتهم؟\rكلا لا يستوون في شيء منها، فإن هؤلاء في عز الإيمان والطاعة، وشرفهما في المحيا، وفي رحمة اللّه ورضوانه في الممات، وأولئك في ظل الكفر والمعاصي، وهو أنهما في المحيا، وفي لعنة اللّه والعذاب المخلد في الممات، ولا يعتبر توسعة العيش في الدنيا، فإنها بحسب القسمة الأزلية، للمؤمن والكافر ولكل دابة. قوله: (أي بئس حكما) إلخ، مقتضى هذا الحل أن ما مميزة، وحينئذ فالفاعل مستتر، وهو ينافي كونها مصدرية، لأنها في تلك الحالة تكون فاعلا، فالمناسب لجعلها مصدرية أن يقول: ساء الحكم حكمهم.\rقوله: وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ إلخ، من تتمة قوله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ إلخ وهو كالدليل له، كأنه قال: لا يستوي المؤمن والكافر، بدليل أن اللّه خلق السماوات والأرض بالحق، أي للعبر والاستدلال، ولم يترك العباد سدى، وجازى كل نفس بما كسبت، فلا يستوي جزاء المؤمن بجزاء الكافر. قوله: (متعلق بخلق) أي على أنه حال من الفاعل أو المفعول. قوله: (ليدل على قدرته) إلخ، قدره إشارة إلى أن قوله: وَلِتُجْزى عطف على علة محذوفة. قوله: وَهُمْ أي النفوس المدلول عليها بقوله: كُلُّ نَفْسٍ. قوله: لا يُظْلَمُونَ أي لا ينقص من ثواب المؤمن، ولا يزاد في العذاب على ما يستحقه الكافر. قوله: (أخبرني) تقدم أن فيه مجازين، حيث أطلق الرؤية وأراد الإخبار، ثم أطلق الاستفهام على الإخبار وأراد الأمر به، و\rقوله: مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ إلخ، مفعول أول لرأيت، والمعنى: ترك متابعة الهدى إلى مطاوعة الهوى، فكأنه يعبده. قوله: (من حجر) أي وغيره كالشمس والقمر من كل معبود غير اللّه، عاقلا أو غير عاقل، فالكفر هو العبادة، بأن يتقرب إلى غيره كما يتقرب إليه، وأما زيارة الصالحين والأنبياء، فليس من قبيل العبادة لهم، بل هي من باب التسبب في نفع الغير، لأن الترضي عن الأولياء، والصلاة والسّلام على الأنبياء، دعا للغير بذلك، ولا شك أن ذلك الغير ينتفع به، والمتسبب له مثله، لما ورد: أن الملك يقول له ولك مثل ذلك، فآل الأمر إلى أن زيارة الصالحين والتوسل بهم، من جملة طاعة اللّه، وصاحبها محبوب للّه، لأن أحب عباد اللّه إلى اللّه أنفعهم لعباده، وصدق عليهم أنهم يصلون ما أمر اللّه به أن يوصل، فليست معصية فضلا عن كونها شركا، كما اعتقده ذوو الجهل المركب والعقيدة","part":4,"page":8},{"id":1599,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 9\rوَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ منه تعالى، أي عالما بأنه من أهل الضلالة قبل خلقه وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ فلم يسمع الهدي ولم يعقله وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً ظلمة فلم يبصر الهدي ويقدر هنا المفعول الثاني لرأيت أيهتدي فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ بعد إضلاله إياه لا يهتدي أَفَلا تَذَكَّرُونَ (23) تتعظون فيه إدغام إحدى التاءين في الذال وَقالُوا أي منكرو البعث ما هِيَ أي الحياة إِلَّا حَياتُنَا التي في الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا أي يموت بعض ويحيا بعض بأن يولدوا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ أي مرور الزمان، قالت تعالى: وَما لَهُمْ بِذلِكَ المقول مِنْ عِلْمٍ إِنْ ما هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا من القرآن الدالة على قدرتنا على البعث بَيِّناتٍ واضحات حال ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا أحياء إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (25) أنا نبعث قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ حين كنتم نطفا ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ أحياء إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ شك فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ وهم القائلون ما ذكر لا يَعْلَمُونَ (26)\r______________________________\rالزائغة. قوله: (أي عالما بأنه من أهل الضلالة) أشار بذلك إلى أن قوله: عَلى عِلْمٍ من الفاعل، ويصح أن يكون حالا من المفعول، والمعنى أضله في حال كونه عالما بالحق غير جاهل به، فهو أشد قبحا.\rقوله: غِشاوَةً بكسر الغين أو بفتحها، مع سكون الشين وحذف الألف، قراءتان سبعيتان، وقرىء شذوذا بفتح الغين وضمها، وإثبات الألف أو بكسر الغين وحذف الألف، أو بالعين المهملة.\rقوله: (و بقدر هنا المفعول الثاني) أي وإنما حذف لدلالة فَمَنْ يَهْدِيهِ عليه، ولا حاجة للتقدير، إذ يصح أن تكون هي المفعول الثاني، وقد وصفهم اللّه تعالى بأربعة أوصاف: الأول قوله: اتَّخَذَ إلخ، الثاني قوله: وَأَضَلَّهُ إلخ، الثالث قوله: وَخَتَمَ إلخ، الرابع قوله: وَجَعَلَ إلخ، فكل وصف منها مقتض للضلالة، فلا يمكن إيصال الهدى إليه بوجه من الوجوه. قوله: (إحدى التاءين) أي الثانية.\rقوله: (أي الحياة) بيان لمرجع الضمير، ويقال لهذا الضمير ضمير قصة.\rقوله: (أي يموت بعض) إلخ، دفع بذلك ما يقال إن قولهم نَمُوتُ وَنَحْيا فيه اعتراف بالحياة بعد الموت، مع أنهم ينكرونها، ويجاب أيضا: بأن الآية فيها تقديم وتأخير، أي نحيا ونموت. قوله: (أي مرور الزمان) أي فكان الجاهلية يقولون: الدهر هو الذي يهلكنا، وهو الذي يحيينا ويميتنا، ولذلك رد عليهم بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «كان أهل الجاهلية يقولون: وما يهلكنا إلا الليل والنهار، وهو الذي يحيينا ويميتنا، فيسبون الدهر، فقال تعالى:\rيؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار». والحاصل أن فرقة من الكفار يسمون الدهرية، ينسبون الفعل ضرا أو نفعا للزمان، فرد عليهم بما تقدم. قوله: (المقول) أي وهو قولهم ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا إلخ. قوله: (واضحات) أي ظاهرات.\rقوله: (حال) أي من آياتُنا.\rقوله: ما كانَ حُجَّتَهُمْ بالنصب خبر كانَ وقوله: إِلَّا أَنْ قالُوا اسمها، أي إلا قولهم، وتسميتها حجة على سبيل التهكم، أو على حسب زعمهم. قوله: ائْتُوا بِآبائِنا أي الذين ماتوا قبلنا.\rقوله: قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ رد لقولهم: ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ. قوله: (و هم) أي الأكثر، وجمع باعتبار","part":4,"page":9},{"id":1600,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 10\rوَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يبدل منه يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27) الكافرون أي يظهر خسرانهم بأن يصيروا إلى النار وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ أي أهل دين جاثِيَةً على الركب أو مجتمعة كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا كتاب أعمالها ويقال لهم الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) أي جزاؤه هذا كِتابُنا ديوان الحفظة يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ نثبت ونحفظ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ جنته ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) البين الظاهر وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فيقال لهم أَفَلَمْ\r______________________________\rالمعنى.\rقوله: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تعميم بعد تخصيص. قوله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ظرف لقوله: يَخْسَرُ وقوله: يَوْمَئِذٍ بدل من يَوْمَ قبله للتوكيد، والتنوين في يَوْمَئِذٍ عوض عن جملة مقدرة، والتقدير: يومئذ تقوم الساعة، فهو بدل توكيدي. قوله: (أي يظهر خسرانهم) جواب عما يقال: إن خسرانهم متحتم في الأزل.\rقوله: وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً رأى بصرية وكُلَ مفعولها وجاثِيَةً حال، واختلف هل الجثي خاص بالكفار، وبه قال يحيى بن سلام، وقيل عام للمؤمن والكافر انتظارا للحساب، ويؤيده ما ورد: إن في القيامة لساعة هي عشر سنين، يخرّ الناس فيها جثاة على ركبهم، حتى إن إبراهيم عليه السّلام ينادي: لا أسألك اليوم إلا نفسي، وذلك لأن الحضرة في ذلك اليوم حضرة جلال، فالجميع يعطونه حقه من الخوف والهيبة، إلى أن يحصل التمييز، والجثو وضع الركبتين بالأرض، مع رفع الألية ونصب القدمين، ويطلق على الجلوس على أطراف القدمين مع وضع الركب بالأرض، وكل من المعنيين يدل على كونه مستوفزا غير مطمئن، وقوله: (أو مجتمعة) أو لحكاية الخلاف، وقيل معناه متميزة، وقيل خاضعة. قوله: كُلَّ أُمَّةٍ بالرفع في قراءة العامة مبتدأ، وتُدْعى خبرها. قوله: تُدْعى إِلى كِتابِهَا أضيف لهم الكتاب باعتبار أنه مشتمل على أعمالهم. قوله: (و يقال لهم) قدره إشارة إلى أن الجملة مقولة لقول محذوف، والْيَوْمَ معمول لتجزون، وما كُنْتُمْ مفعوله الثاني، ونائب الفاعل مفعول أول.\rقوله: هذا كِتابُنا قيل من قول اللّه لهم، وقيل من قول الملائكة لهم. قوله: يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ أي يدل عليه لأنهم يقرؤونه، فيذكرهم بما فعلوه لقوله تعالى: وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها قوله: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قيل معناه أن للّه ملائكة مطهرين، ينسخون من أم الكتاب في رمضان كل يوم ما يكون من أعمال بني آدم في العام كله، ويعرضونه على الحفظة كل خميس، فيجدون ما كتبه الحفظة على بني آدم موافقا لما في أيديهم، وقيل إن الملائكة الحفظة، إذا رفعت أعمال العباد إلى اللّه عز وجل، أمر بأن يثبت عنده منها ما فيه ثواب أو عقاب، ويسقط ما لا ثواب فيه ولا عقاب. قوله: (نثبت ونحفظ) أي فالمراد بالنسخ الإثبات والنقل، إما من اللوح المحفوظ، أو من صحف الكتبة كما علمت.\rقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا إلخ، تفصيل لما أجمل في قوله: الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قوله: فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ أي مع السابقين، فلا ينافي أن المؤمن، وإن لم يعمل الصالحات","part":4,"page":10},{"id":1601,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 11\rتَكُنْ آياتِي أي القرآن تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ تكبرتم وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (31) كافرين وَإِذا قِيلَ لكم أيها الكفار إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بالبعث حَقٌّ وَالسَّاعَةُ بالرفع والنصب لا رَيْبَ شك فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ ما نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا قال المبرد: أصله إن نحن إلا نظن ظنا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) أنها آتية وَبَدا ظهر لَهُمْ في الآخرة سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا في الدنيا أي جزاؤها وَحاقَ نزل بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (33) أي العذاب وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ نترككم في النار كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا أي تركتم العمل للقائه\r______________________________\rيدخل الجنة، لكن لا مع السابقين، بل إما بعد الحساب، أو بعد الشفاعة، فلا يقال: إن التقييد بالعمل الصالح، يخرج من مات على الإيمان ولم يعمل صالحا. قوله: (جنته) إنما فسر العام بالخاص، لأن الجنة أثر الرحمة التي تستقر الخلائق فيها، وتوصف بالدخول فيها دون غيرها من آثار الرحمة. قوله: الْفَوْزُ أي بلوغ الآمال والظفر بالمقصود. قوله: الْمُبِينُ أي الخالص من الشوائب. قوله: (فيقال لهم) قدره إشارة إلى أن جواب إما محذوف.\rقوله: أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي إلخ، الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه، أي أتركتم الإيمان بالرسل فلم تكن إلخ.\rقوله: وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ هذا من جملة ما يقال لهم، وحينئذ فيصير المعنى: وكنتم إذا قيل لكم إن وعد اللّه حق، إلخ. قوله: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ بكسر إِنَ في قراءة العامة لحكايتها بالقول، وقرىء شذوذا بفتحها، إجراء للقول مجرى الظن في لغة سليم. قوله: (بالرفع والنصب) أي فهما قراءتان سبعيتان، فالرفع على الابتداء، وجملة لا رَيْبَ فِيها خبره، والنصب عطفا على اسم إِنَّ.\rقوله: ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ هذا على سبيل الاستغراب والاستبعاد. قوله: (إن نظن إلا ظنا) إن قلت: ما الجمع بين ما هنا وما تقدم في قوله: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا* فإن ما تقدم أثبت أنهم جازمون بعدم البعث، وهنا أفاد أنهم شاكون فيه، ويمكن الجواب بأن الكفار لعلهم افترفوا فرقتين: فرقة جازمة بنفي البعث وفرقة متحيرة فيه. قوله: (قال المبرد) إلخ، جواب عما يقال: إن ظاهر الآية وقوع المفعول المطلق استثناء مفرغا، مع أن المقرر في النحو، أنه يجوز تفريغ العامل لما بعده من جميع المعمولات، إلا المفعول المطلق، فلا يقال: ما ضربت إلا ضربا لاتحاد مورد النفي والإثبات، لأنه يصير في قوة ما ضربت إلا ضربت، ولا فائدة في ذلك، فأجاب المفسر: بأن الآية مؤولة بأن مورد النفي محذوف تقديره نَحْنُ، ومورد الإثبات كونه نظن ظنا، فكلمة إِلَّا مؤخر من تقديم، والمعنى حصر أنفسهم في الظن ونفي ما عداه.\rقوله: وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ مبالغة في نفي ما عدا الظن عنهم. قوله: (أي جزاؤها) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله: (نترككم في النار) أشار بذلك إلى أن المراد من النسيان الترك مجازا، لأن الترك مسبب عن النسيان، فإن من نسي شيئا تركه، فسمي السبب باسم المسبب، لاستحالة حقيقة النسيان عليه تعالى. قوله: (أي تركتم العمل للقائه) أشار بذلك إلى أنه من اضافة المصدر إلى ظرفه على حد مكر الليل، وفي الكلام حذف قدره المفسر بقوله: (العمل) والمعنى: تركتم العمل للقاء اللّه","part":4,"page":11},{"id":1602,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 12\rوَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (34) مانعين منها ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ القرآن هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا حتى قلتم: لا بعث ولا حساب فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ بالبناء للفاعل وللمفعول مِنْها من النار وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35) أي لا يطلب منهم أن يرضوا ربهم بالتوبة والطاعة، لأنها لا تنفع يومئذ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ الوصف بالجميل على وفاء وعده في المكذبين رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (36) خالق ما ذكر، والعالم ما سوى اللّه، وجمع لاختلاف أنواعه، ورب بدل وَلَهُ الْكِبْرِياءُ العظمة فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ حال أي كائنة فيهما وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37) تقدم.\r______________________________\rفي يومكم هذا، ولا يصح أن يكون من اضافة المصدر لمفعوله، لأن التوبيخ على نسيان ما في اليوم من الجزاء، لا على نفس اليوم.\rقوله: ذلِكُمْ أي العذاب الدائم. قوله: بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ إلخ، أي بسبب اتخاذكم.\rقوله: فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ إلخ، فيه التفات من الخطاب للغيبة، ونكتته الإشارة إلى أنهم ساقطون عن رتبة الخطاب لهوانهم. قوله: (بالبناء للفاعل وللمفعول) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله:\r(لأنها لا تنفع يومئذ) أي وأما في الدنيا فالتوبة والطاعة نافعان، فالذي ينبغي للعاقل المبادرة لذلك قبل الفوات. قوله: (على وفاء وعده في المكذبين) أي وللمؤمنين، وإنما اقتصر على المكذبين، دفعا لما يتوهم أنه تعالى إنما يحمد على الفضل، فأفاد أنه كما يحمد على الفضل، يحمد على العدل، لأن أوصافه تعالى جميلة. قوله: (و رب بدل) أي في المواضع الثلاثة، ويصح أن يكون نعتا للفظ الجلالة.\rقوله: وَلَهُ الْكِبْرِياءُ أي آثارها، لأن وصف الكبرياء قائم بذاته تعالى، وإنما تظهر آثارها في السماوات والأرض من التصرف والقهر، فتصرفه سبحانه وتعالى في السماوات والأرض وما فيهما من آثار كبريائه سبحانه وتعالى، لا يعلم قدره غيره، ولا يبلغ الواصفون صفته. قوله: (حال) ويصح أن يتعلق بنفس الكبرياء لأنه مصدر. قوله: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أي الغالب الذي يضع الشيء في محله.","part":4,"page":12},{"id":1603,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 13\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الأحقاف مكيّة وآياتها خمس وثلاثون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم (1) اللّه أعلم بمراده به تَنْزِيلُ الْكِتابِ القرآن مبتدأ مِنَ اللَّهِ خبره الْعَزِيزِ في ملكه الْحَكِيمِ (2) في صنعه ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا خلقا بِالْحَقِ ليدل على قدرتنا ووحدانيتنا وَأَجَلٍ مُسَمًّى إلى فنائهما يوم القيامة وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا خوّفوا به من العذاب مُعْرِضُونَ (3) قُلْ أَرَأَيْتُمْ أخبروني ما\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الأحقاف\rمكية إلا قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الآية. وإلا فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ الآية. وإلا وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ الثلاث آيات. وهي أربع أو خمس وثلاثون آية.\rسيأتي أن الأحقاف واد باليمن، كانت فيه منازل عاد، وقيل: إنه جمع حقف وهو التل من الرمل، ولا منافاة بين القولين، إذ لا مانع من كون التلال في منازل عاد. قوله: (إلا قوله تعالى قُلْ أَرَأَيْتُمْ الخ) أي بناء على أن الشاهد عبد اللّه بن سلام، إذ لم يظهر منه التصديق بالقرآن إلا بالمدينة، وأما على أن المراد به موسى عليه السّلام، فلا تكون مدنية. قوله: (الثلاث آيات) أي وآخرها قوله: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ وحينئذ فجملة الآيات المستثنيات خمس.\rقوله: (و هي أربع أو خمس) الخ، هذا الخلاف مبني على أن حم تعد آية مستقلة أولا. قوله: (اللّه أعلم بمراده به) تقدم غير مرة، أن هذا القول هو الأسلم، وهو طريقة السلف في تفويض علم المتشابه للّه تعالى.\rقوله: مِنَ اللَّهِ أي لم يخترعه من نفسه، ولم ينقله من بشر، ولا من جني كما قال الكفار. قوله:\rالْحَكِيمِ (في صنعه) أي الذي أتقن كل شيء.\rقوله: إِلَّا بِالْحَقِ هذا هو مصب النفي، وهو صفة لمصدر محذوف كما قدره المفسر. قوله: (ليدل على قدرتنا ووحدانيتنا) أي وباقي الصفات الكمالية، وتنزهه عن النقائص، لأن بالخلق يعرف الحق، لأن كل صنعة تدل على وجود صانعها، واتصافه بصفات الكمال.\rقوله: وَأَجَلٍ مُسَمًّى عطف على الحق والكمال على حذف مضاف، أي وإلا بتقدير أجل مسمى، لأن الأجل نفسه متأخر عن الخلق، وفيه رد على الفلاسفة القائلين بقدم العالم.\rقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا مبتدأ، ومُعْرِضُونَ خبره، وقوله: عَمَّا أُنْذِرُوا متعلق بمعرضون،","part":4,"page":13},{"id":1604,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 14\rتَدْعُونَ تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ أي الأصنام مفعول أول أَرُونِي أخبروني تأكيد ما ذا خَلَقُوا مفعول ثان مِنَ الْأَرْضِ بيان ما أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ مشاركة فِي خلق السَّماواتِ مع اللّه، وأم بمعنى همزة الإنكار ائْتُونِي بِكِتابٍ منزل مِنْ قَبْلِ هذا القرآن أَوْ أَثارَةٍ بقية مِنْ عِلْمٍ يؤثر عن الأولين بصحة دعواكم في عبادة الأصنام أنها تقربكم إلى اللّه إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (4) في دعواكم وَمَنْ استفهام بمعنى النفي أي لا أحد أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا يعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وهم الأصنام لا يجيبون عابديهم إلى شيء يسألونه أبدا وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ عبادتهم غافِلُونَ (5) لأنهم جماد لا يعقلون وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا أي الأصنام لَهُمْ لعابديهم أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ بعبادة عابديهم كافِرِينَ (6) جاحدين وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ أي أهل مكة آياتُنا القرآن بَيِّناتٍ ظاهرات حال قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا منهم لِلْحَقِ أي القرآن لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) بين ظاهر\r______________________________\rوما اسم موصول، والعائد محذوف قدره المفسر بقوله: والأولى أن يقدر منصوبا لاختلاف الجار للموصول وللعائد بأن يقول خوفوه.\rقوله: (تأكيد) أي لقوله: أَرَأَيْتُمْ. قوله: (مفعول ثان) أي أن الجملة الاستفهامية سدت مسد المفعول الثاني. قوله: (بيان ما) أشار بذلك إلى أن ما اسم استفهام، وذا اسم موصول خبرها، وخَلَقُوا صلة الموصول، ويصح أن ما ذا اسم استفهام مفعول لخلقوا. قوله: (بمعنى همزة الإنكار) أي وبل الإضرابية فهي منقطعة.\rقوله: ائْتُونِي بِكِتابٍ الأمر للتبكيت، وفيه إشارة إلى نفي الدليل النقلي، بعد الإشارة إلى نفي الدليل العقلي. قوله: مِنْ قَبْلِ هذا صفة لكتاب، والجار والمجرور متعلق بمحذوف قدره المفسر خاصا بقوله: (منزل) والمناسب أن يقدره عاما من مادة الكون. قوله: أَوْ أَثارَةٍ مصدر على وزن كفالة، وقوله: مِنْ عِلْمٍ صفة لأثارة، وهي مشتقة من الأثر الذي هو الرواية والعلامة، أو من أثرت الشيء أثيره أثارة، استخرجت بقيته، والمعنى: ائتوني برواية أو علامة أو بقية من علم يؤثر عن الأنبياء والصلحاء. قوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه، أي فائتوني.\rقوله: وَمَنْ أَضَلُ الخ، مبتدأ وخبر. قوله: مَنْ لا يَسْتَجِيبُ مَنْ نكرة موصوفة بالجملة بعدها؛ أو اسم موصول ما بعدها صلتها، وهي معمولة ل يَدْعُوا والمعنى لا أحد أضل من شخص يعبد شيئا لا يجيبه، أو الشيء الذي لا يجيبه، ولا ينفعه في الدنيا والآخرة. قوله: إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ الغاية داخلة في المغيا، وهو كناية عن عدم الاستجابة في الدنيا والآخرة. قوله: (و هم الأصنام) عبر عنهم بضمير العقلاء، مجاراة لما يزعمه الكفار. قوله: (لأنهم جماد) أشار بذلك إلى أن المراد بالغفلة عدم الفهم.\rقوله: وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ أي جمعوا بعد إخراجهم من القبور. قوله: (جاحدين) أي منكرين، وهذا نظير قوله تعالى: وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ\rقوله: (حال) أي من آياتنا. قوله: قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أظهر في مقام الإضمار، لبيان وصفهم بالكفر، ووصف الآيات بالحق، وإلا فمقتضى الظاهر:\rقالوا لها. قوله: لَمَّا جاءَهُمْ أي حين جاءهم. قوله: (ظاهر) أي باهر لا يعارض إلا بمثله.","part":4,"page":14},{"id":1605,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 15\rأَمْ بمعنى بل وهمزة الإنكار يَقُولُونَ افْتَراهُ أي القرآن قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فرضا فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ أي من عذابه شَيْئاً أي لا تقدرون على دفعه عني إذا عذبني اللّه هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ تقولون في القرآن كَفى بِهِ تعالى شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ لمن تاب الرَّحِيمُ (8) به فلم يعاجلكم بالعقوبة قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً بديعا مِنَ الرُّسُلِ أي أول مرسل، قد سبق قبلي كثير منهم فكيف تكذبوني وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ في الدنيا أأخرج من بلدي أم أقتل كما فعل بالأنبياء قبلي أم ترموني بالحجارة أم يخسف بكم كالمكذبين قبلكم إِنْ ما أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ أي القرآن ولا أبتدع من عندي شيئا وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) بين الإنذار قُلْ أَرَأَيْتُمْ أخبروني ماذا حالكم إِنْ كانَ أي القرآن مِنْ عِنْدِ اللَّهِ\r______________________________\rقوله: أَمْ يَقُولُونَ الخ، ترق في الانكار، وانتقال إلى ما هو أشنع. قوله: (فرضا) أي على سبيل الفرض والتقدير. قوله: فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي فهو المتولي أموري، لا أحد يقدر على دفع ما أصابني منه غيره. قوله: هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ أي تخوضون وتقدحون في القرآن بقولكم: هو شعر، هو سحر، وغير ذلك. قوله: كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي فيشهد لي بالصدق والبلاغ، وعليكم بالتكذيب والأنكار. قوله: الرَّحِيمُ (به) المناسب أن يقول: الرحيم بعباده، ليحسن ترتيب قوله: (فلم يعاجلكم) الخ، عليه. قوله: (فلم يعاجلكم بالعقوبة) أي بل أمهلكم لتتوبوا وترجعوا، عما أنتم عليه، ففيه وعد حسن بالمغفرة للتائبين، والرحمة بجميع العباد، إشارة إلى أن حلم اللّه ورحمته شاملة لهم، مع عظم خوفهم.\rقوله: (بديعا) أشار بذلك إلى أن بِدْعاً صفة كحق وحقيق، وهو من الابتداع والاختراع، ويصح أن يكون مصدرا على حذف مضاف، أي ذا بدع، وقرىء شذوذا بكسر الباء وفتح الدال جمع بدعة، أي ما كنت صاحب بدع، وبفتح الباء وكسر الدال، وصف كحذر.\rقوله: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ ما استفهامية مبتدأ، والجملة بعدها خبرها، وهي معلقة لأدري عن العمل، فهي سادة مسد مفعوليها، ولما نزلت هذه الآية، فرح المشركون والمنافقون وقالوا: كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به ولا بنا؟ وإنه لا فضل له علينا، ولو لا أنه ابتدع الذي يقوله من تلقاء نفسه، لأخبره الذي بعثه بما يفعله به، فنسخت هذه الآية، وأرغم اللّه أنف الكفار بنزول قوله تعالى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ الآيات، فقالت الصحابة: هنيئا لك يا رسول اللّه، لقد بين اللّه لك ما يفعل بك، فليت شعرنا ما هو فاعل بنا؟ فنزلت لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ الآية. ونزلت وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً فهذه الآية نزلت في أوائل الإسلام، قبل بيان مآل النبي والمؤمنين والكافرين، وإلا فما خرج صلّى اللّه عليه وسلّم من الدنيا، حتى أعلمه اللّه في القرآن، ما يحصل له وللمؤمنين والكافرين في الدنيا والآخرة، إجمالا وتفصيلا.\rقوله: وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ الحصر إضافي، أي منذر عن اللّه، لا مخترع من تلقاء نفسي، فلا ينافي أنه بشير أيضا.\rقوله: (ما ذا حالكم) أشار بذلك إلى أن مفعولي أَرَأَيْتُمْ محذوفان دلت عليهما","part":4,"page":15},{"id":1606,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 16\rوَكَفَرْتُمْ بِهِ جملة حالية وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ هو عبد اللّه بن سلام عَلى مِثْلِهِ أي عليه أنه من عند اللّه فَآمَنَ الشاهد وَاسْتَكْبَرْتُمْ تكبرتم عن الإيمان، وجواب الشرط بما عطف عليه ألستم ظالمين؟ دل عليه إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أي في حقهم لَوْ كانَ الإيمان خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا أي القائلون بِهِ أي بالقرآن فَسَيَقُولُونَ هذا أي القرآن إِفْكٌ كذب قَدِيمٌ (11) وَمِنْ قَبْلِهِ أي القرآن كِتابُ مُوسى أي التوراة إِماماً وَرَحْمَةً للمؤمنين به حالان وَهذا أي القرآن كِتابٌ مُصَدِّقٌ للكتب قبله لِساناً عَرَبِيًّا حال من الضمير في مصدق لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مشركي مكة وَهو بُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (12) المؤمنين إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا\r______________________________\rالجملة. قوله: (جملة حالية) أي وكذا ما بعدها من الجمل الثلاث، ويصح جعل الجمل الأربعة معطوفات على فعل الشرط، فقول المفسر فيما يأتي بما عطف عليه، يعني من الجمل الأربع فيه تلفيق، ويمكن أن يجاب بأن المراد العطف اللغوي. قوله: (هو عبد اللّه بن سلام) وقيل: الشاهد موسى، وشهادته ما في التوراة من نعته صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (أي عليه) أشار بذلك إلى أن مثل صلة. قوله: (ألستم ظالمين) المناسب للمفسر تقدير الفاء، لأن الجملة التي فعلها جامدة، إذا وقعت جوابا للشرط، لزمت الفاء.\rقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ، هذا من جملة قبائح الكفار، وزعما منهم أن عز الآخرة تابع لعز الدنيا، ولم يعلموا أن رحمة اللّه يخص بها من يشاء، ولا سيما من لم تكن الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه، ورد أن القائل ذلك جملة من العرب وهم: بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع، ولما أسلم جهينة ومزينة أو أسلم وغفار. قوله: (أي في حقهم) أشار بذلك إلى أن اللام بمعنى في، ويصح أن تبقى على بابها. قوله: لَوْ كانَ (الإيمان) الخ، أشار بذلك إلى أن الضمير في كانَ عائد على (الإيمان) ويصح عوده على القرآن أو على الرسول، وكلها معان متلازمة. قوله: ما سَبَقُونا إِلَيْهِ التفات من الخطاب إلى الغيبة، وكان مقتضى الظاهر ما سبقتمونا إليه، والضمير في إِلَيْهِ عائد على ما عاد عليه ضمير كانَ.\rقوله: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ظرف لمحذوف تقديره زادوا طغيانا، وليس قوله: فَسَيَقُولُونَ عاملا فيه لأمرين: وجود الفاء. وكون الفعل مستقبلا، لأن ما بعد الفاء، لا يعمل فيما قبلها وبين الماضي، والاستقبال تضاد، فإن الفعل مستقبل وإِذْ للماضي. قوله: إِفْكٌ قَدِيمٌ أي من قول الأقدمين: أتى به هو ونسبة إلى اللّه تعالى، فهو كقولهم أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ.\rقوله: وَمِنْ قَبْلِهِ خبر مقدم، وكِتابُ مبتدأ مؤخر، والجملة حالية أو مستأنفة، وهو رد لقولهم هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ والمعنى: لا يصح كونه إفكا قديما، مع كونكم سلمتم كتاب موسى ورجعتم إلى حكمه، فإن القرآن مصدق لكتاب موسى وغيره، وفيه قصص المتقدمين من الرسل وغيرهم والمتأخرين. قوله: (حالان) أي من كتاب موسى. قوله: مُصَدِّقٌ (للكتب قبله) أي كتاب موسى وغيره من باقي الكتب السماوية. قوله: (حال من الضمير في مصدق) ويصح أن يكون حالا من كِتابُ، وعَرَبِيًّا صفة ل لِساناً. قوله: لِيُنْذِرَ متعلق ب مُصَدِّقٌ قوله: وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ أشار المفسر بتقدير الضمير إلى أنه خبر لمبتدأ محذوف، والجملة حالية، ويصح أن يكون معطوفا على مُصَدِّقٌ فهو مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها","part":4,"page":16},{"id":1607,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 17\rعلى الطاعة فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها حال جَزاءً منصوب على المصدر بفعله المقدر أي يجزون بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (14) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً وفي قراءة إحسانا أى أمرناه أن يحسن إليهما، فنصب إحسانا على المصدر بفعله المقدر، ومثله حسنا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً أي على مشقة وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ من الرضاع ثَلاثُونَ شَهْراً ستة أشهر أقل مدة الحمل، والباقي مدة الرضاع، وقيل: إن حملت به ستة أو تسعة أرضعته الباقي حَتَّى غاية لجملة مقدرة أي وعاش حتى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ هو كمال\r______________________________\rالتعذر، أو منصوب عطف على محل قوله: لِيُنْذِرَ كأنه قال للإنذار والبشارة.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ أي وحدوا ربهم، وقوله: ثُمَّ اسْتَقامُوا الاستقامة هي العلم والعمل، وأتى بثم اشارة إلى أن اعتبار العلم والعمل، إنما يكون بعد التوحيد، وللدلالة على الاستمرار على الاستقامة، فليس المراد حصول الاستقامة مدة، ثم يرجع للمخالفات. قوله: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي من وقت حضور الموت، إلى ما لا نهاية له، فيأمنون من الفتانات، وسؤال الملكين، وعذاب القبر، وهو الموقف والنار. قوله: وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أي على ما فاتهم في الدنيا.\rقوله: أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ أي هي لهم بالأصالة. قوله: (حال) أي من ضمير أصحاب الجنة.\rقوله: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ لما كان حق الوالدين مطلوبا، بعد حق اللّه تعالى، ذكر الوصية بهما، ثم ما يتعلق بحقوقه تعالى، ومناسبة ذكر الوصية بالوالدين،، عقب ذكر صفات أهل الجنة وأهل النار، لأن الإنسان يختلف حاله مع أبويه، فقد يبرهما فيكون ملحقا بأهل الجنة، وقد يعقهما فيكون ملحقا بأهل النار. قوله: (و في قراءة) أي سبعية أيضا. قوله: (أي أمرناه) الخ، تفسير لكل من القراءتين.\rقوله: (فنصب إحسانا) الخ، بيان لإعراب القراءتين، على اللف والنشر المشوش، والحسن والإحسان بمعنى واحد، وهو جمال القول والفعل، بأن يعظمها ويوقرهما قولا وفعلا. قوله: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ الخ، علة لقوله: وَصَّيْنَا واقتضر على ذكر الأم، لأن حقها أعظم، ولذلك قيل: إن لها ثلثي الأجر. قوله:\rكُرْهاً بفتح الكاف وضمها، قراءتان سبعيتان، ومعناهما واحد. قوله: (أي على مشقة) أي في أثناء الحمل، إذ لا مشقة في أوله.\rقوله: وَحَمْلُهُ أي مدة حمله، وقوله: ثَلاثُونَ شَهْراً خبر قوله: حَمْلُهُ على حذف مضاف. قوله: (إن حملت به ستة) أي من الشهور، وقوله: (أرضعته الباقي) أي من الثلاثين، وهو أربعة وعشرون، أو أحد وعشرون، قيل: إن الآية عامة في كل إنسان، وقيل: إنها خاصة بمن نزلت في حقه، وهو أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه، لما روي أن أمه حملت به تسعة أشهر، وأرضعته إحدى وعشرين شهرا. قوله: (غاية لجملة مقدرة) أي معطوفة على قوله: وَوَضَعَتْهُ أو مستأنفة. قوله: (أقله ثلاث وثلاثون سنة) أي لأن هذا الوقت هو الوقت الذي يكمل فيه بدن الإنسان. قوله: (الخ) أي وآخرها قوله: وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. قوله: (نزل) أي المذكور من قوله تعالى وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ الخ. وحاصل ذلك: أن أبا بكر صحب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو ابن ثمان عشرة سنة، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ابن عشرين سنة، في تجارة إلى الشام، فنزلوا منزلا فيه سدرة، فقعد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب هناك، فسأله عن","part":4,"page":17},{"id":1608,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 18\rقوّته وعقله ورأيه أقله ثلاث وثلاثون سنة أو ثلاثون وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً أي تمامها وهو أكثر الأشد قالَ رَبِ الخ، نزل في أبي بكر الصديق لما بلغ أربعين سنة بعد سنتين من مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم آمن به ثم آمن أبواه ثم ابنه عبد الرحمن وابن عبد الرحمن أبو عتيق أَوْزِعْنِي ألهمني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ بها عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَ وهو التوحيد وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في اللّه وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي فكلهم مؤمنون إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) أُولئِكَ أي قائلوا هذا القول أبو بكر وغيره الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ بمعنى حسن ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ حال أي كائنين في جملتهم وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (16) في قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ وفي قراءة بالإدغام أريد به الجنس أُفٍ بكسر الفاء وفتحها بمعنى مصدر أي نتنا وقبحا لَكُما أتضجر منكما أَتَعِدانِنِي وفي قراءة بالإدغام أَنْ أُخْرَجَ من القبر وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ الأمم مِنْ قَبْلِي ولم تخرج من القبور وَهُما\r______________________________\rالدين فقال له الراهب: من الرجل الذي في ظل السدرة؟ فقال: هو محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، فقال الراهب: هذا واللّه نبي، وما استظل تحتها بعد عيسى أحد إلا هذا، وهو نبي آخر الزمان، فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق وكان لا يفارق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في سفر ولا حضر، فلما بلغ رسول اللّه أربعين سنة، وأكرمه اللّه تعالى بنبوته، واختصه برسالته، آمن به أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه وصدقه، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، فلما بلغ أربعين سنة، دعا ربه عز وجل فقال: رَبِّ أَوْزِعْنِي الآية. قوله: (ثم آمن أبواه) أي أبوه عثمان بن عامر بن عمرو، وكنيته أبو قحافة، وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو.\rقوله: (و ابن عبد الرحمن) أي واسمه محمد، وكلهم أدركوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ولم يجتمع هذا لأحد من الصحابة غير أبي بكر، وامرأة أبي بكر اسمها قتيلة بنت عبد العزى، وامرأة أبيه اسمها قيلة. قوله: (ألهمني) أي رغبني ووفقني. قوله: (فأعتق تسعة) أي افتداهم من أيدي الكفار، وخلصهم من أذاهم، فهو عتق صوري، ولم يرد شيئا من الخير إلا أعانه اللّه عليه.\rقوله: وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي أي أجعل الصلاح ساريا فيهم، وعبر بفي اشارة إلى أنهم كالظرف للصلاح لتمكنه منهم. قوله: (فكلهم مؤمنون) أي فالصلاح مقول بالتشكيك، يتحقق بأصل الإيمان، ويتزايدون فيه على حسب مراتبهم. قوله: (أي قائل القول) أشار بذلك إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قوله: الّذين يتقبّل هو، ويتجاوز بالياء مبنيا للمفعول، أو بالنون مبنيا للفاعل، قراءتان سبعيتان، وقرىء شذوذا بالياء مبنيا للفاعل. قوله: (بمعنى حسن) أشار بذلك إلى أن اسم التفضيل ليس على بابه.\rقوله: (حال) أي من ضمير عَنْهُمْ. قوله: وَعْدَ الصِّدْقِ مصدر منصوب بفعله المقدر، أي وعد اللّه وعد الصدق. قوله: الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ أي في الدنيا على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ الخ، اسم الموصول معمول لمحذوف تقديره: اذكر يا محمد لقومك","part":4,"page":18},{"id":1609,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 19\rيَسْتَغِيثانِ اللَّهَ يسألانه الغوث برجوعه ويقولون إن لم ترجع وَيْلَكَ أي هلاكك بمعنى هلكت آمِنْ بالبعث إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا أي القول بالبعث إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17) أكاذيبهم أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَ وجب عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ بالعذاب فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (18) وَلِكُلٍ من جنس المؤمن والكافر دَرَجاتٌ فدرجات المؤمنين في الجنة عالية، ودرجات الكافرين في النار سافلة مِمَّا عَمِلُوا أي المؤمنون من الطاعات والكافرون من المعاصي وَلِيُوَفِّيَهُمْ أي اللّه، وفي قراءة بالنون أَعْمالَهُمْ أي جزاءها وَهُمْ لا\r______________________________\rالشخص الذي قال لوالديه الخ، ويحتمل أنه مبتدأ خبره قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ الخ، والمراد منه الجنس لا شخص معين، ولذا أخبر عنه بالجمع مراعاة لمعناه، فهي واردة في كل شخص كافر عاق لوالديه المسلمين، وهذا هو الصحيح، خلافا لمن شذ وقال: إن هذه الآية نزلت في حق عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قبل إسلامه، فإنه كان من أفاضل الصحابة وخيارهم، وقد كذبت الصديقة من قال ذلك، ويرده أيضا قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ الخ. قوله: (و في قراءة بالادغام) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (بكسر الفاء) أي مع التنوين وتركه، قوله: (و فتحها) أي من غير تنوين، فالقراءات ثلاث سبعيات، وهو مصدر أف يؤف أفا، بمعنى نتنا وقبحا، أو هو اسم صوت يدل على تضجر، أو اسم فعل أتضجر، والمفسر أشار لاثنين منها بقوله: (بمعنى مصدر) وبقوله: (أتضجر منكما). قوله: (أي نتنا) النتن القذارة والرائحة الكريهة، وهو كناية عن عدم الرضا بفعلهما والتضجر منهما. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا.\rقوله: أَنْ أُخْرَجَ هذا هو الموعود به، والباء محذوفة أي بأن أخرج، وحذف الجار مع أن مطرد.\rقوله: وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي الجملة حالية. قوله: (و لم تخرج من القبور) أي زعما منه أن الخروج من القبور لو كان صدقا، لحصل قبل انقضاء الدنيا. قوله: وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ اعلم أن مادة الاستغاثة تتعدى بنفسها تارة، وبالباء أخرى، لكن لم ترد في القرآن إلا متعدية بنفسها. قال تعالى إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ. قوله: (يسألانه الغيث) أي اغاثة ذلك الولد بتوفيقه للإسلام. قوله: وَيْلَكَ معمول لمحذوف قدره المفسر بقوله: (و يقولون) الخ، وذلك المحذوف حال من فاعل يستغيثان. والمعنى: يستغيثان اللّه حال كونهما قائلين وَيْلَكَ فهو فعل أمر. قوله: آمِنْ أي صدق واعترف.\rقوله: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ جملة مستأنفة أو تعليل لما قبلها. قوله: (أكاذيبهم) أي اخترعوها من غير أن يكون لها أصل.\rقوله: فِي أُمَمٍ حال من ضمير عَلَيْهِمُ، والمعنى ثبت عليهم القول في عداد أمم، الخ. قوله: إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ أي كافرين ابتداء وانتهاء.\rقوله: وَلِكُلٍ خبر مقدم، ودَرَجاتٌ مبتدأ مؤخر. والمعنى لكل شخص من المؤمنين والكفار. قوله: دَرَجاتٌ في الكلام تغليب، لأن مراتب أهل النار يقال لها دركات بالكاف لا بالجيم، أو تسمح حيث أطلق الدرجات، وأراد المنازل مطلقا، علوية أو سفلية، قوله: مِمَّا عَمِلُوا أي من أجل ما عملوا من خير وشر. قوله:\rوَلِيُوَفِّيَهُمْ عطف علة على معلول، والمعنى جازاهم بذلك ليوفيهم. قوله: (أي جزاءها) أشار بذلك","part":4,"page":19},{"id":1610,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 20\rيُظْلَمُونَ (19) شيئا، ينقص للمؤمنين ويزاد للكفار وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ بأن تكشف لهم يقال لهم أَذْهَبْتُمْ بهمزة وبهمزتين، وبهمزة ومدة، وبهما، وتسهيل الثانية طَيِّباتِكُمْ باشتغالكم بلذتكم فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ تمتعتم بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ أي الهوان بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ تتكبرون فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20) به وتعذبون بها وَاذْكُرْ أَخا عادٍ هو هود عليه السّلام إِذْ الخ بدل اشتمال أَنْذَرَ قَوْمَهُ خوّفهم بِالْأَحْقافِ واد باليمن به منازلهم وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مضت الرسل\r______________________________\rإلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله: (بنقص للمؤمنين) أي من درجاتهم، بل قد يزاد لهم فيها.\rقوله: (و يزاد للكفار) أي في دركاتهم، بل قد يخفف عن بعضهم، كأبي طالب وأبي لهب.\rقوله: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الخ يَوْمَ معمول لمحذوف قدره المفسر بقوله: (يقال لهم) الخ، والمعنى يقال لهم أذهبتم الخ، وقت عرضهم على النار. قوله: (بأن تكشف لهم) أشار بذلك إلى أن الكلام فيه قلب، والأصل ويوم تعرض النار على الذين كفروا، أي يكشف لهم عنها، وأتى به كذلك، لأن عرض الشخص على النار، أشد في إهانته من عرض النار عليه لأن عرضه عليها يفيد أنه كالحطب المجعول للإحراق، وإنما كان فيه قلب، لأن المعروض عليه شأنه العلم والإطلاع، والنار ليست كذلك، وقيل:\rالمراد بالعرض العذاب، وحينئذ فليس فيه قلب، وقد أفاد هذا المعنى المفسر آخرا بقوله: (يعذبون بها).\rقوله: (يقال لهم) هذا المقدر عامل في جملة أَذْهَبْتُمْ وناصب ل يَوْمَ على الظرفية.\rقوله: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ أي ما قدر لكم من المستلذات، فقد استوفيتموه في الدنيا، فلم يبق لكم حظ تأخذونه في الآخرة. قوله: (بهمزة) الخ، أشار المفسر لخمس قراءات: تحقيق الهمزتين:\rوتسهيل الثانية بألف بينهما على الوجهين، وتركه، وهمزة واحدة وأجمل في ذلك، فقوله: (بهمزة) وهي إحدى القراءات الخمس، وقوله: (و بهمزتين) أي محققتين بغير مدّ بينهما، ثانيتها قوله: (و بهمزة ومدة) المناسب وبهمزتين محققتين ومدة وهي ثالثها، وقوله: (و بهما وتسهيل الثانية) أي بمدة ودونها فقد تمت الخمس. قوله: (أي الهوان) أشار بذلك إلى أنه من اضافة الموصوف لصفته. قوله: بِغَيْرِ الْحَقِ وصف كاشف، لأن الاستكبار لا يكون إلا بغير الحق، فإن الكبرياء وصف للّه وحده. قوله: (به) متعلق ب تَسْتَكْبِرُونَ وتَفْسُقُونَ وقدره إشارة إلى أن العائد محذوف ويصح أن تكون مصدرية، أي بكونهم مستكبرين فاسقين، والمراد بالاستكبار الفواحش الباطنية، وبالفسق الفواحش الظاهرية. قوله:\r(و يعذبون بها) عطف على يُعْرَضُ عطف تفسير، فهو تفسير آخر للعرض، فالمناسب تقديمه وعَلَى بمعنى الباء.\rقوله: وَاذْكُرْ أَخا عادٍ أي في النسب لا في الدين، لأن هودا هو وقومه ينتسبون لعاد. قوله:\r(هو هود) أي ابن عبد اللّه بن رباح، وتقدم ذكره تفصيلا في سورة هود. قوله: (بدل اشتمال) أي فالمقصود ذكر قصته مع قومه للاعتبار بها. قوله: بِالْأَحْقافِ حال من قَوْمَهُ أي أنذرهم، والحال أنهم مقيمون بالأحقاف. قوله: (واد باليمن) أي فهو علم على الوادي لا جمع، وقوله: (و منازلهم) تفسير آخر، وعليه فهو جمع حقف وهو الرمل المستطيل، وتقدم القولان في أول السورة، وقيل: إن الأحقاف جبل بالشام.","part":4,"page":20},{"id":1611,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 21\rمِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أي من قبل هود ومن بعده إلى أقوامهم «أن» أي بأن قال أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ وجملة وقد خلت معترضة إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ إن عبدتم غير اللّه عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا لتصرفنا عن عبادتها فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب على عبادتها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) في أنه يأتينا قالَ هود إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ هو الذي يعلم متى يأتيكم العذاب وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إليكم وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (23) باستعجالكم العذاب فَلَمَّا رَأَوْهُ أي ما هو العذاب عارِضاً سحابا عرض في أفق السماء مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا أي ممطر إيانا، قال تعالى بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ من العذاب رِيحٌ يدل من ما فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (24) مؤلم تُدَمِّرُ تهلك كُلَّ شَيْءٍ مرت عليه بِأَمْرِ رَبِّها بإرادته أي كل شيء أراد إهلاكه بها، فأهلكت رجالهم\r______________________________\rقوله: وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ الواو اعتراضية، والخلو بالنسبة لزمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأتى بهذه الجملة لبيان أن إنذار هود لعاد وقع مثله للرسل المتقدمين عليه والمتأخرين عنه، فلم يكن مختصا بهود، ويحتمل أن معنى قوله: وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ الخ، أي مضى لك ذكرهم في القرآن مرارا، فلا حاجة للإعادة، فهو ذكر لباقي القصص إجمالا، نظير قوله تقدم وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ فتدبر. قوله: (أي من قبل هود) الخ، لف ونشر مرتب، والذين قبله أربعة: آدم وشيث وإدريس ونوح، والذين بعده: كصالح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق وسائر بني اسرائيل. قوله: (إلى أقوامهم) متعلق بمضت لتضمنه معنى مرسلين. قوله:\r(أي بأن) أشار بذلك إلى أن «أن» مصدرية ومخففة من الثقيلة، والباء المقدرة للتصوير. قوله:\r(معترضة) أي بين الإنذار ومعموله.\rقوله: إِنِّي أَخافُ علة لقوله: لا تَعْبُدُوا. قوله: عَظِيمٍ بالجر صفة ل يَوْمٍ ووصف اليوم بالعظم لشدة هوله.\rقوله: قالُوا أَجِئْتَنا أي جوابا لإنذاره. قوله: إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه.\rقوله: إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ أي علم وقت إتيان العذاب عند اللّه، فلا علم لي بوقته، ولا مدخل لي في استعجاله. قوله: (وَ أُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إليكم) أي أن وظيفتي تبليغكم لا الإتيان بالعذاب، إذ ليس في طاقتي، وأُبَلِّغُكُمْ بسكون الباء وتخفيف اللام، وبفتحها وتشديد اللام مكسورة، قراءتان سبعيتان. قوله: وَلكِنِّي بسكون الياء وفتحها قراءتان سبعيتان.\rقوله: (أي ما هو العذاب) أشار بذلك إلى أن الضمير في رَأَوْهُ عائد على ما في قوله: بِما تَعِدُنا. قوله: (سحابا عرض) أي فالعارض هو السحاب الذي يعرض في الأفق.\rقوله: مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ أي متوجها إليها، والإضافة لفظية للتخفيف، وكذا هي في قوله:\rمُمْطِرُنا ولذا وقع المضاف في الموضعين صفة للنكرة، وهي عارضا وعارض. قوله: (أي ممطر إيانا) أي يأتينا بالمطر. قوله: (قال تعالى) أشار بذلك إلى أن قوله: بَلْ هُوَ الخ من كلامه تعالى، ويصح أن يكون من كلام هود، ردا لقولهم هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا وهو الأولى. قوله: (بدل من ما) أي أو خبر لمحذوف أي هي ريح. قوله: فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ الجملة صفة ل رِيحٌ\rوكذا قوله: تُدَمِّرُ. قوله:","part":4,"page":21},{"id":1612,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 22\rونساءهم وصغارهم وأموالهم، بأن طارت بذلك بين السماء والأرض ومزقته، وبقي هود ومن آمن معه فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ كما جزيناهم نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) غيرهم وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما في الذي إِنْ نافية أو زائدة مَكَّنَّاكُمْ يا أهل مكة فِيهِ من القوة والمال وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً بمعنى أسماعا وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً قلوبا فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ أي شيئا من الإغناء، ومن زائدة إِذْ معمولة لأغنى وأشربت معنى التعليل كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ حججه البينة وَحاقَ نزل بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (26) أي العذاب وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى أي من أهلها، كثمود وعاد وقوم لوط وَصَرَّفْنَا الْآياتِ كررنا الحجج البينات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27) فَلَوْ لا هلا نَصَرَهُمُ بدفع العذاب عنهم الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره قُرْباناً متقربا بهم إلى اللّه آلِهَةً معه وهم الأصنام، ومفعول اتخذ الأول ضمير محذوف يعود على الموصول أي هم وقربانا الثاني وآلهة بدل منه بَلْ ضَلُّوا غابوا عَنْهُمْ عند نزول العذاب وَذلِكَ أي\r______________________________\r(أي كل شيء أراد إهلاكه بها) تفسير لقوله: بِأَمْرِ رَبِّها. قوله: (فأهلكت رجالهم) قدر هذا ليعطف عليه قوله: فَأَصْبَحُوا الخ، روي أن هودا لما أحس بالريح، أخذ المؤمنين ووضعهم في حظيرة، وقيل خط حولهم خطا، فكانت الريح لا تعدو الخط، وجاءت الريح فأمالت الأحقاف على الكفرة، فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام، يسمع لهم أنين، ثم كشفت عنهم الرمل، واحتملتهم فقذفتهم في البحر.\rقوله: (و بقي هود ومن آمن معه) أي وهم آلاف، وكانت الريح تأتيهم لينة باردة طيبة، والريح التي تصيب قومه، شديدة عاصفة مهلكة، وهي معجزة عظيم لهود عليه السّلام. قوله: فَأَصْبَحُوا أي صاروا. قوله: لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ بتاء الخطاب ونصب المساكن وبياء الغيبة، مبنيا للمفعول، ورفع مساكن على أنه نائب الفاعل، قراءتان سبعيتان، والمعنى: فصاروا لا يرى إلا أثر مساكنهم، لأن الريح لم تبق منها إلا الآثار، والمساكن معطلة .. قوله: (كما جزيناهم) أي عادا.\rقوله: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ أي عادا. قوله: (في الذي) أشار به إلى أن ما موصوله. قوله: (نافية) أي بمعنى ما، ولم يؤت بلفظها دفعا لثقل التكرار، ويكون المعنى: ولقد مكنا عادا في الذي لم نمكنكم يا أهل مكة فيه. قوله: (أو زائدة) أي والمعنى: ولقد مكنا عادا في مثل الذي مكناكم فيه، ويصح أن تكون شرطية، وجوابها محذوف، والتقدير: ولقد مكناهم في الذي إن مكناكم فيه طغيتم وبغيتم، وأوضحها أولها. قوله: وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً الخ، أفرد السمع لأن ما يدرك به متحد وهو الصوت، بخلاف ما بعده من الأبصار والأفئدة، فإنه يدرك بهما أشياء كثيرة. قوله: (أي شيئا) أشار بذلك إلى أن مِنْ شَيْءٍ مفعول مطلق منصوب بفتحة مقدرة، منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد. قوله: (معمولة لأغنى) أي لنفيه، فإن التعليل للنفي، والمعنى: انتفى نفع هذه الحواس عنهم، لأنهم كانوا يجحدون، الخ.\rقوله: وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ الخطاب لأهل مكة. قوله: مِنَ الْقُرى أي أهلها. قوله:\r(هلا) أشار بذلك إلى أن (لو لا) تحضيضية. قوله: (و مفعول اتخذوا) الخ، أي والمعنى: فلا تدفع عنهم العذاب الأصنام الذين اتخذوهم قربانا آلهة، والمقصود توبيخهم. قوله: (و آلهة بدل منه) هذا أحد","part":4,"page":22},{"id":1613,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 23\rاتخاذهم الأصنام آلهة قربانا إِفْكُهُمْ كذبهم وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (28) يكذبون، وما مصدرية أو موصولة، والعائد محذوف أي فيه وَاذكر إِذْ صَرَفْنا أملنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ جن نصيبين باليمن أو جن نينوى، وكانوا سبعة أو تسعة، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم ببطن نخل يصلي بأصحابه الفجر\r______________________________\rأعاريب،\rويصح أن يكون آلِهَةً الثاني وقُرْباناً حال أو مفعول من أجله. قوله: بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ إضراب انتقالي من نفي الدفع عنهم، إلى غيبتها عنهم بالكلية، والمعنى: لم يحضروا عندهم فضلا عن كونهم يدفعون عنهم العذاب. قوله: إِفْكُهُمْ قرأ العامة بكسر الهمزة وسكون الفاء، مصدر أفك يأفك إفكا، وقرىء شذوذا بفتح الهمزة، وهو مصدر له أيضا، وبفتحات فعلا ماضيا. قوله: (و ما مصدرية) أي وافتراؤهم وهو الأحسن لتناسب المعطوفين. قوله: (أي فيه) أي فحذف الجار فاتصل الضمير ثم حذف، لو قال: أي يفترونه لكان أوضح.\rقوله: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ أي اذكر يا محمد لقومك قصة صرفنا إليك نفرا من الجن، ليعتبروا بأن رسالتك عامة، للإنس والجن والملائكة وجميع الخلق، لكن إرساله للإنس والجن إرسال تكليف إجماعا، وإرساله للملائكة قيل إرسال تكليف بما يليق بهم، وقيل إرسال تشريف، وارساله لما عداهم من الحيوانات الغير العاقلة والجمادات ارسال تشريف ورحمة. قوله: نَفَراً النفر بفتحتين، والنفر والنفير من ثلاثة رجال إلى عشرة. قوله: (نصيبين) أي وهي قرية باليمن. قوله: (أو جن نينوى) بنون مكسورة فياء ساكنة، فنون مضمومة أو مفتوحة، فواو فألف مقصورة، هي قرية يونس عليه السّلام قرب الموصل. قوله: (و كان صلّى اللّه عليه وسلّم ببطن نخل) الصواب أن يقول: وكان ببطن نخلة لأنه هو الذي في طريق الطائف، وأما بطن نخل، فهو المكان الذي صلى فيه صلاة الخوف، وهو على مرحلتين من المدينة. قوله:\r(يصلي بأصحابه الفجر) فيه شيء، إذ لم يثبت أنه كان معه من الصحابة إلا زيد بن حارثة، وهذه الواقعة كانت قبل فرض الصلوات، فالصواب أن يقول: كان يصلي في جوف الليل، وعبارة المواهب: ثم خرج عليه السّلام إلى الطائف، بعد موت خديجة بثلاثة أشهر، في ليال بقين من شوال سنة عشر من النبوة، لما ناله من قريش بعد موت أبي طالب، وكان معه زيد بن حارثة، فأقام به شهرا يدعو أشراف ثقيف إلى اللّه تعالى، فلم يجيبوه وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه، ولما انصرف عليه السّلام عن أهل الطائف راجعا إلى مكة، نزل نخلة وهو موضع على ليلة من مكة، صرف إليه سبعة من جن نصيبين، وكان عليه السّلام قد قام في جوف الليل يصلي الخ. واعلم أن العلماء ذكروا في سبب هذه الواقعة قولين: أحدهما:\rأن الجن كانت تسترق السمع، فلما رجموا ومنعوا من السماء حين بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا: ما هذا إلا شيء حدث في الأرض، فذهبوا فيها يطلبون السبب، وكان قد اتفق أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الحادية عشرة من النبوة، لما أيس من أهل مكة، خرج إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه، فانصرف راجعا إلى مكة، فقام ببطن نخل يقرأ القرآن، فمر به نفر من جن نصيبين، كان إبليس قد بعثهم يطلبون السبب الذي أوجب حراسة السماء بالرجم بالشهب، فسمعوا القرآن فعرفوا أن ذلك هو السبب، وعليه فلم يكن اجتماعه بالجن مقصودا للإرسال. ثانيهما: أن اللّه أمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن ينذر الجن، ويدعوهم إلى اللّه، ويقرأ عليهم القرآن، فصرف اللّه إليه نفرا منهم يستمعون القرآن وينذرون قومهم، وذلك لأن الجن مكلفون، لهم الثواب، وعليهم العقاب، ويدخلون الجنة، ويأكلون فيها ويشربون كالانس، فانتهض النبي صلّى اللّه عليه وسلّم","part":4,"page":23},{"id":1614,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 24\rرواه الشيخان يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أي قال بعضهم لبعض أَنْصِتُوا أصغوا لاستماعه فَلَمَّا قُضِيَ فرغ من قراءته وَلَّوْا رجعوا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) مخوّفين قومهم العذاب إن لم يؤمنوا، وكانوا يهودا وقد أسلموا قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً هو القرآن أُنْزِلَ\r______________________________\rذات ليلة وقال: إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة القرآن، فأيكم يتبعني؟ فأطرقوا، فتبعه عبد اللّه بن مسعود، قال عبد اللّه بن مسعود: ولم يحضر معه أحد غيري، قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة، دخل النبي شعبا يقال له شعب الحجون، وخط لي خطا، وأمرني أن أجلس فيه وقال لي: لا تخرج حتى أعود إليك، فانطلق حتى وصل إليهم، فافتتح القرآن، فجعلت أرى أمثال النسور تهوي، وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبي اللّه، وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه، حتى لم أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، ففرغ النبي منهم مع الفجر، فانطلق إليّ فقال لي: قد نمت؟ فقلت:\rلا واللّه، ولكني هممت أن آتي اليك لخوفي عليك، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم له: لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطفك بعضهم، فأولئك جن نصيبين، فقلت: يا رسول اللّه سمعت لغطا شديدا، فقال: إن الجن اختصموا في قتيل قتل بينهم، فتحاكموا إليّ، فقضيت بينهم بالحق، وكان عدة هؤلاء اثني عشر ألفا، وروي عن أنس قال: كنت عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو بظاهر المدينة، إذ أقبل شيخ يتوكأ على عكازه، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: إنها لنغمة جني، فقال الشيخ: أجل يا رسول اللّه، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: من أي الجن أنت؟ قال: إني هام بن هيم بن لا قيس بن إبليس، فقال له النبي: كم أتى عليك من العمر؟ فقال: أكلت عمر الدنيا إلا القليل، كنت حين قتل هابيل غلاما ابن أعوام، فكنت أشرف على الآكام، وأصطاد الهام، وأجعله بين الأنام، فقال النبي: بئس العمل، فقال: يا رسول اللّه، دعني من العتب، فإني ممن آمن مع نوح عليه السّلام، وعاتبته في دعوته فبكى وأبكاني وقال: واللّه إني لمن النادمين، وأعوذ باللّه أن أكون من الجاهلين، وأتيت هودا فعاتبته في دعوته فبكى وأبكاني وقال: واللّه إني لمن النادمين، وأعوذ باللّه أن أكون من الجاهلين، ولقيت إبراهيم وآمنت به، وكنت بينه وبين الأرض إذ رمي به في المنجنيق، وكنت معه في النار إذ ألقي فيها، وكنت مع يوسف إذ ألقي في الجب، فسبقته إلى قعره، ولقيت موسى بن عمران، وكنت مع عيسى ابن مريم عليهما السّلام، فقال لي: إن لقيت محمدا فاقرأ عليه السّلام، قال أنس: فقال النبي: وعليه السّلام، وعليك السّلام يا هام، ما حاجتك؟ فقال: إن موسى علمني التوراة، وإن عيسى علمني الأنجيل، فعلمني القرآن قال أنس: فعلمه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: سورة الواقعة، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت، وقل يا أيها الكافرون، وسورة الأخلاص، والمعوذتين. ولا منافاة بين هذه القصص، فلعل الواقعة تعددت، فإحداها كان بها زيد بن حارثة، والأخرى كان فيها عبد اللّه بن مسعود، والأخرى كان فيها أنس بن مالك، كما أن قراءة القرآن عليهم تعددت.\rقوله: يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ جمعه مراعاة لمعنى النفر، ولو راعى لفظه لقال يستمع. قوله: فَلَمَّا حَضَرُوهُ أي القرآن والرسول. قوله: (اصغوا) بكسر الهمزة وفتح الغين؛ من باب رمى، أو بفتح الهمزة وضم الغين من الرباعي. قوله: فَلَمَّا قُضِيَ بالبناء للمفعول في قراءة العامة، وقرىء شذوذا بالبناء للفاعل، فالأولى تؤيد عود الضمير على القرآن، والثانية تؤيد عوده على الرسول.\rقوله: وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ أي بأمر الرسول عليه السّلام، لأنه جعلهم رسلا إلى قومهم.","part":4,"page":24},{"id":1615,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 25\rمِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي تقدمه كالتوراة يَهْدِي إِلَى الْحَقِ الإسلام وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) أي طريقه يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الإيمان وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ اللّه لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ أي بعضها، لأن منها المظالم، ولا تغفر إلا برضا أصحابها وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (31) مؤلم وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ أي لا يعجز اللّه بالهرب منه فيفوته وَلَيْسَ لَهُ لمن لا يجب مِنْ دُونِهِ أي اللّه أَوْلِياءُ أنصار يدفعون عنه العذاب أُولئِكَ الذين لم يجيبوا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (32) بيّن ظاهر أَوَلَمْ يَرَوْا يعلموا، أي منكر والبعث أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَ لم يعجز عنه بِقادِرٍ خبر أن، وزيدت الباء فيه لأن الكلام في قوة أليس اللّه بقادر عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى هو قادر على إحياء الموتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ بأن يعذبوا بها يقال لهم أَلَيْسَ هذا التعذيب بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34)\r______________________________\rقوله: (و كانوا يهودا) أي وقد أسلموا في هذه الواقعة، وأسلم من قومهم حين رجعوا إليهم وأنذروهم وهم سبعون، وقال العلماء: إن الجن فيهم اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام، وفي مسلميهم مبتدعة ومن يقول بالقدر وخلق القرآن ونحو ذلك من المذاهب والبدع. وروي أنهم أصناف ثلاثة: صنف لهم أجنحة يطيرون بها، وصنف على صورة الحيات والكلاب، وصنف يحلون ويظعنون، واختلف في مؤمني الجن، فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار؛ وعليه أبو حنيفة والليث؛ وبعد نجاتهم من النار يقال لهم: كونوا ترابا. وقال الأئمة الثلاثة: هم يدخلون الجنة، ويأكلون ويشربون ويتنعمون. وقيل: إنهم يكونون حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها. قوله: (كالتوراة) أي والإنجيل والزبور وغيرهما.\rقوله: (أي طريقه) أي الإسلام وهو الانقياد وطريقه الأعمال الصالحة، كالصلاة والصوم.\rقوله: يَغْفِرْ لَكُمْ جواب الأمر. قوله: وَيُجِرْكُمْ أي يخلصكم وينجيكم.\rقوله: وَمَنْ لا يُجِبْ الخ، مَنْ شرطية وجوابها قوله: فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ الخ. قوله:\rأَوْلِياءُ أُولئِكَ هنا همزتان مضمومتان من كلمة، وليس في القرآن محل لاجتماعهما غير هذا. قوله:\rأُولئِكَ الخ، هذا آخر كلام الجن الذين سمعوا القرآن. قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا الخ، رجوع لتوجيه الكلام إلى أهل مكة وغيرهم بعد تقرير قصة الجن، والهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة عليه تقديره: أتركوا التفكر ولم يروا. قوله: (لم يعجز عنه) أي لم يضعف ولم يتعب. قوله: (و زيدت الباء فيه) الخ، جواب عما يقال: إن الباء لا تزاد إلا في خبر ليس وما، كما قال ابن مالك: وبعد ما وليس جر الباء الخبر: وإن للإثبات. قوله: (لأن الكلام) الخ، حاصل الجواب أنها واقعة في خبر ليس تأويلا.\rقوله:\rبَلى هي جواب النفي ويصير بها إثباتا؛ بخلاف نعم فإنها تقرر ما قبلها نفيا أو إثباتا.\rقوله: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ، هذا إشارة لبعض ما يحصل في يوم البعث من الأهوال، إثر بيان إثباته وتقرره. قوله: (يقال لهم) قدره إشارة إلى أن يَوْمَ ظرف لمحذوف، وإلى أن قوله: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِ مقول لقول محذوف. قوله: وَرَبِّنا الواو للقسم، وإنما أكدوا كلامهم بالقسم طمعا في الخلاص، حيث اعترفوا بالحق. قوله: بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي بسبب كفركم.\rقوله:","part":4,"page":25},{"id":1616,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 26\rفَاصْبِرْ على أذى قومك كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ ذوو الثبات والصبر على الشدائد مِنَ الرُّسُلِ قبلك فتكون ذا عزم، ومن للبيان، فكلهم ذوو عزم، وقيل للتبعيض فليس منهم آدم لقوله تعالى: وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ولا يونس لقوله تعالى: وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ لقومك نزول العذاب بهم: قيل: كأنه ضجر منهم فأحب نزول العذاب بهم، فأمر بالصبر وترك الاستعجال للعذاب فإنه نازل بهم لا محالة كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ من العذاب في الآخرة لطوله لَمْ يَلْبَثُوا في الدنيا في ظنهم إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ هذا القرآن\r______________________________\rفَاصْبِرْ الخ، هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، والصبر: تلقي الشدائد بالرضا والتسليم. قوله: كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ الكاف بمعنى مثل، صفة لمصدر محذوف، وما مصدرية، والتقدير: صبر أولي العزم. قوله:\r(فكلهم ذو عرم) أي حزم وكمال وثبات وصبر على الشدائد، قوله: (و قيل) هي للتبعيض في كلامه؛ اشارة لقولين في تفسير أولي العزم، من جملة أقوال شتى، وقيل: هم نجباء الرسل المذكورون في سورة الأنعام ثمانية عشر: إبراهيم واسحاق ويعقوب ونوح وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكرياء ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوط. وقيل: هم اثنا عشر نبيا، أرسلوا إلى بني اسرائيل بالشام فعصوهم، فأوحى اللّه إلى الأنبياء: إني مرسل عذابي إلى عصاة بني اسرائيل، فشق ذلك على المرسلين، فأوحى اللّه إليهم: اختاروا لأنفسكم، إن شئتم أنزلت بكم العذاب وأنجيت بني اسرائيل، وإن شئتم أنجيتم وأنزلت العذاب ببني اسرائيل، فتشاوروا بينهم فاجتمع رأيهم على أن ينزل بهم العذاب، وينجي اللّه بني اسرائيل، فأنجى اللّه بني اسرائيل، وأنزل العذاب بأولئك الرسل، وذلك أنه سلط عليهم ملوك الأرض، فمنهم من نشر بالمناشير، ومنهم من سلخ جلدة رأسه ووجهه، ومنهم من صلب على الخشب حتى مات، ومنهم من أحرق بالنار. وقيل: أولو العزم أربعة: إبراهيم صبر على فقد نفسه وذبح ولده. وموسى صبر على أذى قومه، ووثق بربه حين قال له قومه: إنا لمدركون، فقال: كلا إن معي ربي سيهدين. وداود صبر على البكاء من أجل خطيئته، حتى نبت من دموعه الشجر؛ فقعد تحت ظله. وعيسى لم يضع لبنة على لبنة وقال: إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها. فكأن اللّه تعالى يقول لنبيه:\rكن صادقا واثقا بربك، مهتما بما سلف منك، زاهدا في الدنيا، وقيل: أولو العزم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو المعتمد، لأنهم أصحاب الشرائع. قوله: (و لم نجد له عزما) أي تاما، لأن ارادتنا أكله من الشجرة؛ غلبت ارادته عدم الأكل منها؛ وإلا فكل نبي صاحب عزم؛ غير أنهم يتفاوتون فيه على حساب مراتبهم، قال تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ.\rقوله: وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ أي لأجلهم، والمفعول محذوف قدره المفسر بقوله: (نزول العذاب). قوله: (قيل كأنه ضجر) الخ، المناسب حذف كان كما في عبارة غيره. قوله: (فإنه نازل بهم) أي ولو في الآخرة. قوله: يَوْمَ يَرَوْنَ ظرف لقوله: لَمْ يَلْبَثُوا الخ. قوله: (لطوله) تعليل لقوله:\rلَمْ يَلْبَثُوا مقدم عليه. قوله: إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ أي لأن ما مضى عليهم من الزمان، كأنهم لم يروه","part":4,"page":26},{"id":1617,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 27\rبَلاغٌ تبليغ من اللّه إليكم فَهَلْ أي لا يُهْلَكُ عند رؤية العذاب إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (35) أي الكافرون.\r______________________________\rلانقضائه. قوله: (هذا القرآن): بَلاغٌ أشار بذلك إلى أن قوله: بَلاغٌ خبر لمحذوف. قوله:\r(تبليغ من اللّه إليكم) أي بلغكم إياه فآمنوا به، أو المعنى موصل من عمل به وآمن إلى الدرجات العلى، لما ورد: يقال له: اقرأ وارق ويؤنسه في قبره، وموصل من لم يعمل به إلى الدركات السفلى.\rقوله: فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ أي لا يكون الهلاك والدمار إلا للكافرين، وأما من مات على الإيمان ولو عاصيا فهو فائز، ولا يقال له هالك، وهذه الآية أرجى آية في القرآن، إذ فيها تطميع في سعة فضل اللّه ورحمته.\r- فائدة- نقل القرطبي عن ابن عباس، أن المرأة إذا تعسر وضعها، تكتب هاتان الآيتان والكلمتان في صحفة، ثم تغسل وتسقى منها، فإنها تلد سريعا، وهي: بسم اللّه الرحمن الرحيم، لا إله إلا اللّه العظيم الحليم الكريم، سبحان اللّه رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ ا ه.\r***","part":4,"page":27},{"id":1618,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 28\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة محمّد مدنيّة وآياتها ثمان وثلاثون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة وَصَدُّوا غيرهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي الإيمان أَضَلَ أحبط أَعْمالَهُمْ (1) كإطعام الطعام وصلة الأرحام، فلا يرون لها في الآخرة ثوابا، ويجزون بها في الدنيا من فضله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا أي الأنصار وغيرهم\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة القتال\rمدنية إلا وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ الآية. أو مكية. وهي ثمان أو تسع وثلاثون آية وتسمى سورة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لذكر هذا الاسم فيها، وسورة الذين كفروا لبدئها بهذا اللفظ. قوله:\r(مدنية) الخ، هذا القول منقول عن ابن عباس، وقوله: (إلا وكأين) الخ؛ أي فإنها نزلت بعد حجة الوداع، حين حرج من مكة وجعل ينظر إلى البيت، وهو يبكي حزنا على فراقه، وهذا مبني على أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، وهو ضعيف، والصحيح أن المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها ولو بأرض مكة، ورد أيضا بأنه في حجة الوداع خرج منها مختارا، ولم يكن عنده حزن، لكونها صارت دار إسلام، وحينئذ في يظهر الوعيد الذي في الآية، وقيل: إنها نزلت لما خرج من مكة إلى الغار مهاجرا، وعليه فكونها مكية ظاهر وهو الصحيح، وسيأتي ايضاحه في تفسيرها. قوله: (أو مكية) هذا القول بالنظر لغالبها، وهو ضعيف. قوله: (و ثمان أو تسع) الخ، وقيل أربعون آية، والخلاف في قوله حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها وقوله: (لذة للشاربين) هل كل آية مستقلة؟ أو من تتمة ما قبلها.\rقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا مبتدأ، وقوله: أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ خبره، ومناسبة هذه الآية لآخر الأحقاف ظاهرة، وذلك كأن قائلا قال: كيف يهلك القوم الفاسقون، ولهم أعمال صالحة، كإطعام الطعام ونحوه، واللّه لا يضيع أجر المحسنين؟ فأجاب: بأن الفاسقين هم الذين كفروا وصدوا عن سبيل اللّه، أضل أعمالهم وأبطلها. قوله: (فلا يرون لها في الآخرة ثوابا) أي لقوله تعالى وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً. قوله: (يجزون بها في الدنيا) أي بأن يوسع لهم في المال، ويزاد لهم في الولد والعافية، وغير ذلك، حيث لم يقصدوا بها فخرا ولا رياء.","part":4,"page":28},{"id":1619,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 29\rوَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ أي القرآن وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ غفر لهم سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (2) أي حالهم فلا يعصونه ذلِكَ أي إضلال الأعمال وتكفير السيئات بِأَنَ بسبب أن الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ الشيطان وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَ القرآن مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ أي مثل ذلك البيان يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (3) يبين أحوالهم، أي فالكافر يحبط عمله، والمؤمن يغفر زلله فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ مصدر بدل من اللفظ بفعله، أي فاضربوا رقابهم أي اقتلوهم، وعبر بضرب الرقاب لأن الغالب\r______________________________\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا أي صدقوا بقلوبهم ونطقوا بألسنتهم. وقوله: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ العطف يقتضي المغايرة، فاستفيد منه أن العمل الصالح، ليس داخلا في حقيقة الإيمان، بل هو شرط كمال، كما هو مختار الأشاعرة. قوله: وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ الخ، عطف خاص على عام، والنكتة تعظيمه والاعتناء بشأنه، إشارة إلى أن الإيمان لا يتم بدونه، ولذا أكده بقوله: وَهُوَ الْحَقُ أي الثابت الذي ينسخ غيره، وهو لا ينسخ. قوله: وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ جملة معترضة سيقت لبيان المنزل. قوله:\r(غفر لهم) سَيِّئاتِهِمْ أي محاها من صحف الملائكة. قوله: وَأَصْلَحَ بالَهُمْ البال يطلق على الحال والشأن والأمر، وكلها بمعنى واحد، والمعنى: أصلح أحوالهم الدنيوية، بتوفيقهم للأعمال الصالحة والأخروية، بنجاتهم من النار؛ وإدخالهم الجنة. قوله: (فلا يعصونه) أي لا يصرون على معصيته، أعم من أن لا تقع منهم أصلا أو تقع، ولكن لا يصرون عليها.\rقوله: ذلِكَ مبتدأ، وقوله: بِأَنَّ الَّذِينَ الخ، خبر. قوله: (الشيطان) وقيل الْباطِلَ الكفر. قوله: الْحَقَ (القرآن) وقيل: الْحَقَ الإيمان. قوله: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ المثل في الأصل القول السائر المشبه مضربه بمورد، كقولهم: الصيف ضيعت اللبن، والكلام على البقر، وليس مرادا هنا، بل المراد الأمور العجيبة، تشبيها لها بالمثل في الغرابة المؤدية إلى التعجب، واسم الإشارة عائد على ما بين في أحوال المؤمنين والكافرين.\rقوله: فَإِذا لَقِيتُمُ الخ، الفاء للفصيحة، لكونها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذ علمتم أحوال المؤمنين، وأنهم أحباب اللّه، وأحوال الكافرين، وأنهم أعداء اللّه، فالواجب على أحباب اللّه، أن يقاتلوا أعداء اللّه. قوله: (بدل من اللفظ بفعله) أي فهو نائب عن الفعل في المعنى، والعمل على الصحيح، وقيل في المعنى دون العمل والأصل: فاضربوا الرقاب ضربا، حذف الفعل، وأتى بالمصدر محله، وأضيف إلى مفعول الفعل وهو الرقاب، وهو عامل في الظرف أيضا. قوله: (أي اقتلوهم) أي فأراد بضرب الرقاب، مطلق القتل على أي حالة كانت، لا خصوص ضرب الرقاب.\rقوله: حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ حَتَّى ابتدائية، والمعنى: فإذا عجزتموهم بأي وجه من الوجوه، إما بكثرة القتل وهو الغالب، أو بقطع الماء عنهم، أو بأخذ أسلحتهم، أو غير ذلك فأسروهم. قوله: (أي فأمسكوا) أشار بذلك إلى أن في الكلام تقدير جملتين: الإمساك عن القتل والأسر. قوله: (بدل من اللفظ بفعله) أي وجيء به لتفصيل جملة، فوجب إضمار عامله، والتقدير: فإما أن تمنوا منا، وإما أن تفدوا","part":4,"page":29},{"id":1620,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 30\rفي القتل أن يكون بضرب الرقبة حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ أكثرتم فيهم القتل فَشُدُّوا أي فأمسكوا عنهم وأسروهم وشدّوا الْوَثاقَ ما يوثق به الأسرى فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ مصدر بدل من اللفظ بفعله، أي تمنون عليهم بإطلاقهم من غير شيء وَإِمَّا فِداءً أي تفادونهم بمال أو أسرى مسلمين حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أي أهلها أَوْزارَها أثقالها من السلاح وغيره، بأن يسلم الكفار أو يدخلوا في العهد وهذه غاية للقتل والأسر ذلِكَ خبر مبتدأ مقدر، أي الأمر فيهم ما ذكر وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ بغير قتال وَلكِنْ أمركم به لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ منهم في القتال، فيصير من قتل منكم إلى الجنة ومنهم إلى النار وَالَّذِينَ قُتِلُوا وفي قراءة قاتلوا، الآية نزلت يوم أحد، وقد فشا في المسلمين القتل والجراحات فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَ يحبط\r______________________________\rفداء. قوله: بَعْدُ أي بعد أسرهم وشد وثاقهم، والمعنى: أن المسلمين بعد القدرة على الكفار، يخيرون فيهم بين أمور أربعة: القتل والمن والفداء والاسترقاق، وهذا في الرجال المقاتلين، وأما النساء والصبيان، فليس فيهم إلا المن والفداء والاسترقاق، وهذا التفصيل للإمام الشافعي، وعند مالك يزاد في حق الرجال الجزية، وعند أبي حنيفة ليس إلا القتل أو الاسترقاق، وأما المن والفداء فمنسوخان بعد بدر. قوله: (أو أسارى) بالضم والفتح، أو بفتح فسكون فراء مفتوحة. قوله: (أي أهلها) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله: (بأن يسلم الكفار) أي فالمراد بوضع آلة القتال، ترك القتال لانفضاض شوكة الكفر، ففي الكلام استعارة تبعية، حيث شبه ترك القتال بوضع آلته، واشتق من الوضع تضع بمعنى تترك. قوله: (و هذه غاية للقتل) أي المذكور في قوله: (فضرب الرقاب) وقوله: (و الأسر) أي المذكور في قوله: فَشُدُّوا الْوَثاقَ. قوله: (ما ذكر) أي من القتل والأسر وما بعدهما. قوله: (بغير قتال) أي كالخسف. قوله: لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ أي ليظهر لعباده حال الصادق في الإيمان من غيره، قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ.\rقوله: وَالَّذِينَ قُتِلُوا مبتدأ، وقوله: فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ خبره. قوله: (و في قراءة قاتلوا) أي وهي سبعية أيضا مفسرة للقراءة الأولى، وحينئذ فليس المراد قتلوا بالفعل، بل المراد قاتلوا قتلوا أو لا.\rقوله: (و قد فشا) الخ، الجملة حالية، وقوله: (القتل) ورد أنهم سبعون، وقوله: (و الجراحات) أي الكثير، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذا الوعد الحسن، لكل من قاتل في سبيل اللّه، لنصر دينه إلى يوم القيامة، قتل أو جرح أو سلم. قوله: فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ أي سواء نشأت منهم أو تسببوا فيها. قوله: (إلى ما ينفعهم) أي فالذي ينفعهم في الدنيا، العمل الصالح والإخلاص فيه، والذي ينفعهم في الآخرة، الجنة وما فيها، وحينئذ فلا يقع منهم ما يخالف أمر اللّه، لحفظ اللّه إياهم من المخالفات، ومنه حديث: «اطلع اللّه على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» وليس فيه توهم إباحة المعاصي لأهل بدر، بل المعنى: كما أفنيتم نفوسكم في محبتي، وخرجتم عن شهواتكم في رضاي، جازيتكم بالحفظ مما يوجب سخطى، فاشتريت نفوسكم، فصارت لي راضية مرضية، قال تعالى: اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ الآيات، ولهذا أشار العارف ابن وفا بقوله:\rوبعد الفنا في اللّه كن كيفما تشا ... فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر","part":4,"page":30},{"id":1621,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 31\rأَعْمالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ في الدنيا والآخرة إلى ما ينفعهم وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (5) حالهم فيهما وما في الدنيا لمن لم يقتل، وأدرجوا في قتلوا تغليبا وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها بينها لَهُمْ (6) فيهتدون إلى مساكنهم منها وأزواجهم وخدمهم من غير استدلال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ أي دينه ورسوله يَنْصُرْكُمْ على عدوّكم وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (7) يثبتكم في المعترك وَالَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة مبتدأ خبره تعسوا يدل عليه فَتَعْساً لَهُمْ أي هلاكا وخيبة من اللّه وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (8) عطف على تعسوا ذلِكَ أي التعس والإضلال بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ من القرآن المشتمل على التكاليف فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (9) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ\r______________________________\rقوله: (و ما في الدنيا) أي من الهداية وإصلاح الحال، وقوله: (إن لم يقتل) جواب عما يقال: كيف قال سيهديهم ويصلح بالهم، يعني في الدنيا، مع أن الفرض أنهم قتلوا بالفعل؟ وأجيب: بأن ذلك يحصل في الدنيا إن لم يقتل، وعبر بالذين قتلوا تغليبا لهم، أو لأنهم قتلوا حكما بالنية. وأجيب أيضا: بأن المراد بالذين قتلوا، الذين وقع منهم القتال، أعم من أن يقتلوا بالفعل أو لا، بدليل القراءة الأخرى. قوله:\r(فيهتدون إلى مساكنهم) الخ أي إذا دخلوها يتفرقون إلى منازلهم، فهم أعرف بها من أهل الجمعة، إذا انصرفوا إلى منازلهم ويؤيد هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسّلام: «يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة، فو الذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة، من منزله الذي كان في الدنيا» وما ورد: إن العبد المؤمن، لا يخرج من الدنيا، حتى يشاهد مسكنه في الجنة، وما أعده اللّه له من النعيم، ويفتح له طاقة في قبره، يشاهد ذلك ما دام في البرزخ، وأن ارواح الشهداء في حواصل طيور خضر في الجنة، وأرواح الأنبياء في قناديل من ذهب معلقة في العرش، تسرح وتأوي إليها. وقيل: معنى عرفها لهم، طيبها من العرف، وهو طيب الرائحة.\rقوله: (يثبتكم) أشار بذلك إلى أن المراد بالأقدام الذوات بتمامها، وعبر عنها بالأقدام، لأن الثبات والتزلزل يظهران فيها.\rقوله: (خبره تعسوا) الخ، أشار بذلك إلى أن الفاء في قوله: فَتَعْساً داخلة على محذوف هو الخبر، وفَتَعْساً مفعول مطلق لذلك المحذوف، وحينئذ فالمناسب للمفسر أن يقدر الخبر بعد الفاء. قوله: (أي هلاكا وخيبة لهم) هذان قولان من عشرة أقوال في معنى التعس، وقيل خزيا لهم، وقيل شقاء لهم، وقيل شتما لهم من اللّه، وقيل قبحا لهم، وقيل رغما لهم، وقيل شرا لهم، وقيل شقوة لهم، وقيل التعس الانحطاط والعثار، وكلها معان متقاربة، وهو في الأصل أن يخر لوجهه، والنكس أن لا يستقل بعد سقطته، حتى يسقط هو ثانية، وهو أشد من الأولى، وضده الانتعاش، وهو قيام من سقط.\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 4 31\r\rقوله: (خبره تعسوا) الخ، أشار بذلك إلى أن الفاء في قوله: فَتَعْساً داخلة على محذوف هو الخبر، وفَتَعْساً مفعول مطلق لذلك المحذوف، وحينئذ فالمناسب للمفسر أن يقدر الخبر بعد الفاء. قوله: (أي هلاكا وخيبة لهم) هذان قولان من عشرة أقوال في معنى التعس، وقيل خزيا لهم، وقيل شقاء لهم، وقيل شتما لهم من اللّه، وقيل قبحا لهم، وقيل رغما لهم، وقيل شرا لهم، وقيل شقوة لهم، وقيل التعس الانحطاط والعثار، وكلها معان متقاربة، وهو في الأصل أن يخر لوجهه، والنكس أن لا يستقل بعد سقطته، حتى يسقط هو ثانية، وهو أشد من الأولى، وضده الانتعاش، وهو قيام من سقط.\rقوله: ذلِكَ مبتدأ خبره الجار والمجرور بعده، ويصح أن يكون اسم الإشارة خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر ذلك. قوله: (المشتمل على التكاليف) أي فهذا وجه كراهتهم له، وذلك لأن في التكاليف ترك الملاذ والشهوات، والنفوس الخبيثة تكره ذلك، وتحب إرخاء العنان لها في الشهوات، فمن تبع نفسه من كل وجه كفر، فعلى الإنسان أن يجاهد نفسه، حتى تصير معتادة ما يرضاه اللّه تعالى، ففي الحديث: «لا يكمل إيمان أحدكم، حتى يكون هواه تابعا لما جئت به» فالأصل في النفوس الخسة، لا تجر لصاحبها خيرا، ولا تسعى إلا فيما يغضب اللّه، فإذا شمر الإنسان عن ساعد الجد والاجتهاد، وخالف هوى نفسه،","part":4,"page":31},{"id":1622,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 32\rعاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أهلك أنفسهم وأولادهم وأموالهم وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (10) أي أمثال عاقبة من قبلهم ذلِكَ أي نصر المؤمنين وقهر الكافرين بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى وليّ ناصر الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (11) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ في الدنيا وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ أي ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم ولا يلتفتون إلى الآخرة وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (12) أي منزل ومقام ومصير وَكَأَيِّنْ وكم مِنْ قَرْيَةٍ أريد بها أهلها هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ مكة أي أهلها الَّتِي أَخْرَجَتْكَ روعي لفظ قرية أَهْلَكْناهُمْ روعي معنى قرية الأولى فَلا\r______________________________\rسكن وهجها واضمحلت شهوتها، فإذا دام ذلك، حسن حالها، وصارت جميلة الأخلاق مطمئنة بخالقها، نسأل اللّه أن يملكنا نفوسنا، ولا يسلطها علينا.\rقوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه، والتقدير: أجبنوا وتركوا السير فلم يسيروا. قوله: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ المفعول محذوف قدره المفسر بقوله: (أنفسهم) الخ. قوله:\rوَلِلْكافِرِينَ أي السائرين على قدم من قبلهم من الكفار، وقوله: أَمْثالُها مقابلة الجمع تقتضي القسمة على الآحاد، أي إن لكل واحد من هؤلاء الكفار، عاقبة كعاقبة من تقدمه من الكفار أو أشد، وذلك لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل من جمع الأنبياء، وشرعه جامع لجميع الشرائع، فالكفر به وبشرعه، كفر بجميع الشرائع، فيسبب ذلك عظم عذاب الكافر به.\rقوله: وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ أي لا ناصر لهم ولا معين ولا مغيث، وأما قوله تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِ فالمراد بالمولى المالك، فلم يحصل تناف.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا الخ، بيان لثمرة ولايته تعالى للمؤمنين في الآخرة. قوله:\rكَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ الكاف في محل نصب، إما نعت لمصدر محذوف، أي أكلا مثل أكل الأنعام، أو حال، أي أكلا حال كونه مثل أكل الأنعام. قوله: وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ مبتدأ أو خبر.\rقوله: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ الخ، كَأَيِّنْ مركبة من الكاف، وأين بمعنى كم الخبرية، وهي في محل رفع مبتدأ، ومِنْ قَرْيَةٍ تمييز لها، وقوله: هِيَ أَشَدُّ صفة لقرية، وقوله: الَّتِي أَخْرَجَتْكَ صفة ل قَرْيَتِكَ وقوله: أَهْلَكْناهُمْ خبر المبتدأ، وسبب نزول هذه الآية، أنه لما خرج صلّى اللّه عليه وسلّم من مكة إلى الغار، التفت إلى مكة وقال: «أنت أحب بلاد اللّه إلى اللّه، وأحب بلاد اللّه إليّ، ولو أن المشركين لم يخرجوني، لم أخرج منك» فنزلت هذه الآية تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى: لا تحزن على خروجك من بلدك، فإن اللّه يعزك ويذلهم، فليس خروجك من مكة، إلا كخروج آدم من الجنة، من حيث إنه حصل له العز العظيم، وحصل لإبليس الذي تسبب في إخراجه الخزي العظيم. قوله: (أريد أهلها) أي فهو مجاز في الظرف، حيث أطلق المحل، وأريد الحال فيه، لا مجاز بالحذف. قوله: الَّتِي أَخْرَجَتْكَ هذا الوصف للاحتراز عن قريته التي تكون وطنه فيما يستقبل وهي المدينة. قوله: أَهْلَكْناهُمْ أي فكذلك نفعل بأهل قريتك، فاصبر كما صبر رسل أهل تلك القرى. قوله: فَلا ناصِرَ لَهُمْ تفريع على قوله:\rأَهْلَكْناهُمْ.","part":4,"page":32},{"id":1623,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 33\rناصِرَ لَهُمْ (13) من إهلاكنا أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ حجة وبرهان مِنْ رَبِّهِ وهم المؤمنون كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فرآه حسنا وهم كفار مكة وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (14) في عبادة الأوثان، أي لا مماثلة بينهما مَثَلُ أي صفة الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ المشتركة بين داخليها مبتدأ خبره فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ بالمد والقصر كضارب وحذر، أي غير متغير، بخلاف ماء الدنيا فيتغير بعارض وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ بخلاف لبن الدنيا لخروجه من الضروع وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لذيذ لِلشَّارِبِينَ بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند الشرب وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ\r______________________________\rقوله: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ الخ، شروع في بيان أحوال المؤمنين والكافرين، والهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه، والتقدير: أليس الأمر كما ذكر فمن كان على بينة، الخ، والتعبير بعلى إشارة إلى تمكنهم من الحجج والراهين، تمكن المستعلي من المستعلى عليه. قوله: وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ فيه مراعاة معنى من، كما روعي لفظها فيما سبق.\rقوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ تفصيل لبيان محاسن الجنة، وكيفية أنهارها المتقدمة في قوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ. قوله: (أي صفة) الْجَنَّةِ أشار بذلك إلى أن المراد بالمثل الصفة، فكأنه قال: وصف الجنة كذا وكذا، فليس في الكلام مشبه ومشبه به. قوله: الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ المراد من لم يحكم الشرع بكفره، فيشمل عصاة المؤمنين، وأهل الفترة، وأولاد الكفار، الذين ماتوا قبل البلوغ. قوله: (المشتركة بين داخليها) أي فهو بيان لمطلق نعيم الجنة، المشترك بين أعلى أهل الجنة وأدناهم، وأما تفصيل ما لكل فريق، فسيأتي في سورة الواقعة. قوله: (خبره) فِيها أَنْهارٌ الخ، فيه أن الخبر جملة حالية من رابط يعود على المبتدأ. وأجيب: بأن الخبر عين المبتدأ في المعنى، وحينئذ فلا يحتاج لرابط، وهذا أسهل الأعاريب، وقيل: إن مَثَلُ الْجَنَّةِ مبتدأ، خبره كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وفي الكلام حذف مضاف وهمزة الإنكار، والتقدير: أمثل أهل الجنة، كمن هو خالد في النار، وقوله: فِيها أَنْهارٌ إما حال من الْجَنَّةِ، أو خبر لمبتدأ محذوف، أي هي فِيها أَنْهارٌ وقيل غير ذلك. قوله: غَيْرِ آسِنٍ (بالمد والقصر) أي وهما قراءتان سبعيتان. قوله: (كضارب) أي ففعله أسن يأسن، كضرب يضرب، وقوله:\r(و حذر) أي ففعله أسن يأسن، كحذر يحذر.\rقوله: لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ أي فلا يعود حامضا، ولا مكروه الطعم. قوله: لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ أي ليس فيها حموضة ولا مرارة، ولم تدنسها الأرجل بالدوس، ولا الأيدي بالعصر، وليس في شربها ذاهب عقل، بل هي لمجرد الالتذاذ. إن قلت: لم لم يقل في جانب اللبن لم يتغير طعمه للطاعمين، وفي العسل مصفى للناظرين؟ أجيب: بأن اللذة تختلف باختلاف الأشخاص، فرب طعام يلتذ به شخص ويعافه الآخر، فلذا قال لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ بأسرهم، ولأن الخمر كريهة الطعم في الدنيا فقال لَذَّةٍ أي ليس في خمر الآخرة كراهة طعم، وأما الطعم واللون فلا يختلفان باختلاف الناس، فلم يكن للتصريح بالتعميم مزيد فائدة. قوله: (لذيذة) أشار بذلك لدفع ما قيل إن لَذَّةٍ مصدر بمعنى الالتذاذ، فلا يصح وصف الخمر به، لكونها اسم عين. فأجاب المفسر بأنها تؤول بالمشتق على حد: زيد عدل. قوله: مِنْ عَسَلٍ","part":4,"page":33},{"id":1624,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 34\rمُصَفًّى بخلاف عسل الدنيا، فإنه بخروجه من بطون النحل يخالطه الشمع وغيره وَلَهُمْ فِيها أصناف مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ فهو راض عنهم مع إحسانه إليهم بما ذكر بخلاف سيد العبيد في الدنيا فإنه قد يكون مع إحسانه إليهم ساخطا عليهم كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ خبر مبتدأ مقدر، أي أمن هو في هذا النعيم وَسُقُوا ماءً حَمِيماً أي شديد الحرارة فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (15) أي مصارينهم فخرجت من أدبارهم، وهو جمع معى بالقصر وألفه عن ياء لقولهم معيان وَمِنْهُمْ أي الكفار مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ في خطبة الجمعة وهم المنافقون حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ لعلماء الصحابة منهم ابن مسعود وابن عباس استهزاء وسخرية ما ذا قالَ آنِفاً بالمد والقصر، أي الساعة، أي لا نرجع إليه أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ بالكفر وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (16) في النفاق وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا وهم المؤمنون زادَهُمْ اللّه هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (17) ألهمهم ما يتقون به النار فَهَلْ يَنْظُرُونَ ما\r______________________________\rمُصَفًّى يجوز في العسل التذكير والتأنيث، والقرآن جاء على التذكير قوله: (يخالطه الشمع وغيره) أي كفضلات النحل.\rقوله: وَلَهُمْ خبر مقدم، وقوله: فِيها متعلق بما تعلق به الخبر، والمبتدأ محذوف قدره بقوله:\r(أصناف) وقوله: مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ نعت للمبتدأ المحذوف، والمعنى: لهم في الجنة أنواع متعددة من كل الثمرات، فالتفاح أنواع، والرمان أنواع، وهكذا. قوله: (فهو راض عنهم) الخ، دفع بذلك ما يقال: إن المغفرة تكون قبل دخول الجنة، والآية تقتضي أنها فيها. فأجاب المفسر: بأن المراد بالمغفرة الرضا، وهو يكون في الجنة، وايضاحه أنه يرفع عنهم التكاليف فيما يأكلونه ويشربونه، بخلاف الدنيا، فإن مأكولها ومشروبها يترتب عليه الحساب والعقاب؛ ونعيم الجنة لا حساب عليه، ولا عقاب فيه. قوله:\r(خبر مبتدأ مقدر) أي أن قوله: كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ خبر لمحذوف، والاستفهام للإنكار، أي لا يستوي من هو في هذا النعيم المقيم، بمن هو خالد في النار.\rقوله: وَسُقُوا معطوف على خالِدٌ عطف صلة فعلية على صلة اسمية. قوله: (في خطبة الجمعة) أي فهذه الآيات مدنيات، وحينئذ فتكون مستثنيات من القول بأن السورة مكية. قوله: (و هم المنافقون) تفسير لمن. قوله: (استهزاء) علة لقالوا، فالاستفهام انكاري، والمعنى: لم يقل شيئا يعتد به، فلا عبرة بقوله.\rقوله: آنِفاً حال، والمعنى: ماذا قال مؤتنفا؟ أي مبتدئا ومخترعا. قوله: (بالمد والقصر) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أي الساعة) أي فآنفا ظرف حالي بمعنى الآن، وهو أحد استعمالين فيه، والثاني اسم فاعل بمعنى مؤتنفا كما تقدم. قوله: (أي لا يرجع إليه) أي إلى قوله الذي قاله آنفا، أي لا نعمل به. قوله: أُولئِكَ مبتدأ، وقوله: الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ الخ، خبره.\rقوله: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا الخ، لما بين اللّه حال المنافقين، وأنهم لا ينتفعون بما يسمعون بين حال المؤمنين، وأنهم ينتفعون بما يسمعون. قوله: (ألهمهم ما يتقون به النار) أي خلق فيهم التقوى والخاصة، وهي ترك متابعة الهوى، والتنزه عما سوى اللّه تعالى؛ وصرف القلب إلى ما يرضي اللّه.\rقوله: فَهَلْ يَنْظُرُونَ أي ينتظرون جزاء أعمالهم، فالمراد انتظار الجزاء لا انتظار الموت،، فإنه يأتيهم قبل مجيئها.","part":4,"page":34},{"id":1625,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 35\rينتظرون أى كفار مكة إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بدل اشتمال من الساعة، أي ليس الأمر إلا أن تأتيهم بَغْتَةً فجأة فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها علاماتها، منها بعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وانشقاق القمر، والدخان فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ الساعة ذِكْراهُمْ (18) تذكرهم؟ أي لا ينفعهم فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ أي دم يا محمد على علمك بذلك النافع في القيامة وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ لأجله، قيل له ذلك مع عصمته لتستن به أمته، وقد فعله، قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «إني لأستغفر اللّه في كل يوم مائة\r______________________________\rقوله: (أن تأتيهم) بَغْتَةً أي فقد قرب قيامها.\rقوله: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها كالعلة لقوله: فَهَلْ يَنْظُرُونَ الخ، لأن ظهور أشراط الشيء موجب لانتظاره، ورد عن حذيفة والبراء بن عازب: «كنا نتذاكر الساعة، إذ أشرف علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: ما تتذاكرون؟ قلنا نتذاكر الساعة، قال: إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان، ودابة الأرض، وخسفا بالمشرق، وخسفا بالمغرب، وخسفا بجزيرة العرب، والدجال، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، ونارا تخرج من عدن» انتهى. قوله: (منها بعثة النبي) الخ، أي من علاماتها الصغرى بعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقد حصل بالفعل، وأما العلامات الكبرى فستأتي، وإنما عبر عن الجميع بالماضي لتحقق الوقوع، على حد: أتى أمر اللّه. قوله: فَأَنَّى لَهُمْ خبر مقدم، وذِكْراهُمْ مبتدأ مؤخر، وإِذا وما بعدها معترض، وجوابها محذوف دل عليه ما قبله، والمعنى:\rكيف لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة فكيف يتذكرون؟\rقوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ مرتب على ما قبله، كأنه قال: إذا علمت أنه لا ينفع التذكر إذا حضرت الساعة، فدم على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية، فإنه النافع يوم القيامة، وعبر بالعلم إشارة إلى أن غيره لا يكفي في التوحيد، كالظن والشك والوهم؛ واعلم أن العلم مراتب: الأولى: العلم بالدليل ولو جمليا، ويسمى علم يقين، وهذا هو المطلوب في التوحيد الذي يخرج به المكلف من ورطة التقليد، وهو الجزم من غير دليل وفيه خلاف. الثانية: العلم مع مراقبة اللّه، ويسمى عين يقين. الثالثة:\rالعلم مع المشاهدة، ويسمى حق يقين؛ وفي هذه المراتب فليتنافس المتنافسون. قوله: (أي دم يا محمد) الخ، أي فالخطاب له صلّى اللّه عليه وسلّم، بل ولكل مؤمن، وقوله: (على علمك بذلك) أي بأن لا إله إلا اللّه، أي لا معبود بحق إلا اللّه. قوله: (النافع في القيامة) أي لما ورد: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا اللّه دخل الجنة». قوله: (لتستن به أمته) أي تقتدي به، وهذا أحد أوجه في تأويل الآية وهو أحسنها، وقيل معناه:\rاسأل اللّه العصمة من الذنوب، ومن المعلوم أن دعاءه مستجاب، ففي استغفاره تحدث بنعمة اللّه عليه، وهي عصمته من الذنوب، وتعليم للأمة أن يقتدوا به، وقيل: المراد بذنبه خلاف الأولى، مثل ما وقع منه في أسارى بدر، وفي إذنه للمنافقين بالتخلف عن الجهاد، فهو ذنب بحسب مقامه ورتبته، وقيل المراد بذنبه ذنب أهل بيته ففي هذه الآية بشرى للأمة حيث أمر صلّى اللّه عليه وسلّم أن يستغفر لذنوبهم وهو الشفيع المجاب فيهم. قوله: (و قد فعله) أي الاستغفار لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، ورد في الحديث: «إنه ليغان على قلبي، حتى استغفر اللّه في اليوم مائة مرة». وفي رواية: «توبوا إلى ربكم، فو اللّه إني لأتوب إلى ربي عز وجل في اليوم مائة مرة». وفي رواية: «إني لأستغفر اللّه وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة». وفي رواية أكثر من ذلك، قوله في الحديث: «إنه ليغان على قلبي» الغين التغطية والستر، ويسمى به الغيم الرقيق الذي","part":4,"page":35},{"id":1626,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 36\rمرة» وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ فيه إكرام لهم بأمر نبيهم بالاستغفار لهم وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ متصرفكم لأشغالكم بالنهار وَمَثْواكُمْ (19) مأواكم إلى مضاجعكم بالليل، أي هو عالم بجميع أحوالكم لا يخفي عليه شيء منها فاحذروه، والخطاب للمؤمنين وغيرهم وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا طلبا للجهاد لَوْ لا هلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فيها ذكر الجهاد فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ أي لم ينسخ منها شيء وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ أي طلبه رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي شك وهم المنافقون يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ خوفا منه وكراهية له، أي فهم يخافون من القتال ويكرهونه فَأَوْلى لَهُمْ (20) مبتدأ خبره طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أي حسن لك فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ أي فرض القتال فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ في الإيمان والطاعة لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (21) وجملة لو\r______________________________\rيغشى السماء، والمراد به أنوار تغشى قلبه صلّى اللّه عليه وسلّم، وسبب استغفاره منها، أنه صلّى اللّه عليه وسلّم دائما يترقى في الكمالات، فكلما ارتقى إلى مقام، رأى أن الذي فيه بالنسبة للذي ارتقى إليه ذنبا، فيستغفر اللّه منه.\rقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ أشار المفسر إلى أن معنى مُتَقَلَّبَكُمْ متصرفكم لاشتغالكم بالنهار، ومعنى مَثْواكُمْ مأواكم إلى مضاجعكم بالليل، وهو أحد تفاسير في هذه الآية، وقيل مُتَقَلَّبَكُمْ من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات وبطونهن، ومَثْواكُمْ في الدنيا وفي القبور، وقيل مُتَقَلَّبَكُمْ في الدنيا، وَمَثْواكُمْ مصيركم في الآخرة إلى الجنة والنار. قوله: (و الخطاب للمؤمنين وغيرهم) أي ولكن خطاب المؤمنين، ارشاد لهم إلى مقام المراقبة للّه تعالى، وهي أن يشاهد الإنسان، أن اللّه مطلع عليه في كل لمحة وطرفة وحركة وسكون، وهذا سر، وهو معكم أينما كنتم، وهو مطلب العارفين، وكنز الراسخين، قال العارف ابن الفارض:\rأنلنا مع الأحباب رؤيتك التي ... إليها قلوب الأولياء تسارع\r\rوقال العارف الدسوقي:\rقد كان في القلب أهواء مفرقة ... فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي\r\rتركت للناس دنياهم ودينهم ... شغلا بحبك يا ديني ودنيائي\r\rوفيه فليتنافس المتنافسون، وخطاب غيرهم تخويف وتحذير.\rقوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا الخ، أي حين اشتد كرب المسلمين من أذى المشركين، تمنوا الأمر بالجهاد، ووافقهم في الظاهر على هذا التمني المنافقون، فهذه الآيات من هنا إلى آخر السورة مدنيات قطعا، ولو على القول بأن السورة مكية، لأن القتال لم يشرع إلا بها، وكذا النفاق لم يظهر إلا بها. قوله: (أي طلبه) أي ذكر فيها الأمر به والحث عليه.\rقوله: (أي شك) وقيل ضعف في الدين. قوله: نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ أي نظرا مثل نظر المغشي عليه، والمعنى: تشخص أبصارهم كالشخص الذي حضره الموت. قوله: (خوفا منه) أي الموت.\rقوله: فَأَوْلى لَهُمْ أي الحق والواجب لهم، أي عليهم الطاعة الخ، هذا ما مشى عليه المفسر، وهو أوضح ما قيل في هذا المقام.\rقوله: (أي حسن) تفسير لمعروف، وقوله: (لك) متعلق بكل من طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ والمعنى: الواجب عليهم أن يطيعوك ويخاطبوك بالقول الحسن. قوله: (و جملة لو)","part":4,"page":36},{"id":1627,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 37\rجواب إذا فَهَلْ عَسَيْتُمْ بكسر السين وفتحها، وفيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب أي لعلكم إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم عن الإيمان أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (22) أي تعودوا إلى أمر الجاهلية من البغي والقتال أُولئِكَ أي المفسدون الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ عن استماع الحق وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (23) عن طريق الهدى أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ فيعرفون الحق أَمْ بل عَلى قُلُوبٍ لهم أَقْفالُها (24) فلا يفهمونه إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا بالنفاق عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ أي زين لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (25) بضم أوّله وبفتحه واللام، والمملي الشيطان بإرادته تعالى فهو المضل لهم ذلِكَ أي إضلالهم بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ أي للمشركين سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ أي المعاونة على عداوة\r______________________________\rأي مع جوابها. قوله: (بكسر السين وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (و فيه التفات) أي لتأكيد التوبيخ. قوله: (أي لعلكم) الخ، تفسير لعسى، ولم يذكر تفسير الاستفهام وهو التقرير، والمعنى: قروا بأنه يتوقع منكم إن توليتم الخ، والتوقع في الآية جار على لسان من يشاهد حرصهم على الدنيا وتفريطهم في الدين، لا للّه لأنه هو الخالق لهم، العالم بأحوالهم. قوله: (أعرضتم عن الإيمان) تفسير للتولي، وقيل:\rمعناه تأمرتم وتوليتم أمر الأمة.\rقوله: أَنْ تُفْسِدُوا خبر عسى، والشرط معترض بينهما، وجوابه محذوف لدلالة فَهَلْ عَسَيْتُمْ عليه.\rقوله: أُولئِكَ مبتدأ خبره. قوله: الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. قوله: فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ أي فلا يهتدون إلى سبيل الرشاد.\rقوله: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أي يتفكرون في معانيه فيهتدون؛ وهذه الآية لتقرير ما قبلها كأنه قال: أولئك الذين لعنهم اللّه، أي أبعدهم عنه، فجعلهم لا يسمعون النصيحة، ولا يبصرون طريقة الإسلام، فتسبب عن ذلك كونهم لا يتدبرون القرآن. قوله:\rأَمْ عَلى قُلُوبٍ الخ أَمْ منقطعة بمعنى بل، وهو انتقال من توبيخهم على عدم التدبر إلى توبيخهم، بكون قلوبهم مقفلة، لا تقبل التدبر والتفكر. قوله: (لهم) صفة لقلوب.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ أي رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، وهم المنافقون الموصوفون بما تقدم، دل عليه قوله: (بالنفاق) وقيل هم اليهود، وقيل أهل الكتابين، داموا على الكفر به عليه السّلام، بعد ما وجدوا نعته في كتابهم. قوله: مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى أي الطريق القويم بالأدلة والحجج الظاهرة. قوله: (بضم أوله) أي وكسر ثالثه وفتح الياء، والجار والمجرور نائب الفاعل، وقوله: (و بفتحه واللام) أي مبنيا للفاعل، والفاعل ضمير يعود على الشَّيْطانُ وهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: (و المملي الشيطان) الخ، جواب عن سؤال مقدر تقديره الإملاء، معناه الإمهال. وهو لا يكون إلا من اللّه، لأنه الفاعل المختار، فكيف ينسب للشيطان؟ فأجاب: بأن المملي حقيقة اللّه، وأسند للشيطان باعتبار أنه جار على يديه، لأنه يوسوس لهم سعة الأجل. قوله: (أي للمشركين) أي والقائل هم اليهود أو المنافقون، كما حكى اللّه عنهم ذلك في سورة الحشر بقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا الآيات.\rقوله: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ أي في بعض ما تأمروننا به، كالقعود عن الجهاد، وتثبيط","part":4,"page":37},{"id":1628,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 38\rالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتثبيط الناس عن الجهاد معه، قالوا ذلك سرا فأظهره اللّه تعالى وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (26) بفتح الهمزة جمع سر، وبكسرها مصدر فَكَيْفَ حالهم إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ حال من الملائكة وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (27) ظهورهم بمقامع من حديد ذلِكَ أي التوفي على الحالة المذكورة بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ أي العمل بما يرضيه فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (28) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (29) يظهر أحقادهم على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ عرّفناكهم وكررت اللام في فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ علامتهم وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ الواو لقسم محذوف وما بعدها جوابه فِي لَحْنِ الْقَوْلِ أي معناه: إذا تكلموا عندك بأن يعرضوا بما فيه تهجين أمر المسلمين وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (30) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ نختبركم بالجهاد وغيره حَتَّى نَعْلَمَ علم ظهور الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ في الجهاد وغيره وَنَبْلُوَا نظهر أَخْبارَكُمْ (31) من طاعتكم وعصيانكم في الجهاد وغيره بالياء\r______________________________\rالمسلمين عنه، ونحو ذلك، لا في كله، لأنهم لا يوافقونهم في إظهار الكفر. قوله: (و بكسرها) أي وهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: فَكَيْفَ خبر لمحذوف قدره بقوله: (حالهم). قوله: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ أي فملائكة العذاب تأتيهم عند قبض أرواحهم بمقامع من حديد، يضربون بها وجوههم وأدبارهم. قوله: (على الحالة المذكورة) أي وهي التوفي مع ضرب الوجوه والأدبار.\rقوله: بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا الخ، راجع لضرب الوجوه، وقوله: وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ راجع لضرب الأدبار. قوله: ما أَسْخَطَ اللَّهَ أي من الكفر وغيره. قوله: (بما يرضيه) أي من الإيمان وغيره من الطاعات.\rقوله: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ الخ، أي وهم المنافقون المتقدم ذكرهم. قوله: (أحقادهم) جمع حقد وهو الانطواء على العداوة والبغضاء. قوله: (عرفناكهم) أي فالإرادة علمية لا بصرية.\rقوله: (و كررت اللام) أي في قوله: فَلَعَرَفْتَهُمْ للتأكيد، والمعنى: لو أردنا لدللناك على المنافقين فعرفتهم بسيماهم، ورد عن ابن مسعود قال: خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: ان منكم منافقين، فمن سميته فليقم، ثم قال: قم يا فلان، قم يا فلان: حتى ستة وثلاثين. قوله: فِي لَحْنِ الْقَوْلِ اللحن يقال على معنيين: أحدهما صرف الكلام عن الاعراب إلى الخطأ، والثاني الكناية بالكلام، بحيث يكون للكلام ظاهر وباطن، فيكون ظاهره تعظيما، وباطنه تحقيرا، وهو المراد هنا، ومعنى الآية: وإنك يا محمد، لتعرفن المنافقين فيما يعرضونه بك من القول، الذي ظاهره إيمان وإسلام، وباطنه كفر وسب. قوله: (بما فيه تهجين أمر المسلمين) التهجين التقبيح والتعييب، فكانوا يصطلحون فيما بينهم على ألفاظ يخاطبون بها الرسول، ظاهرها حسن، ويعنون بها القبيح، كقولهم: راعنا، وتقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة.\rقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ أي فيجازيكم بحسب قصدكم، ففيه وعد ووعيد. قوله: (بالجهاد وغيره) أي من سائر المشاق كما قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ الآية. قوله: (علم ظهور) أي علما يشاهده خلقنا، مطابقا لما هو في علمنا الأزلي، أي فتظهر سرائرهم بين عبادنا. قوله: (في","part":4,"page":38},{"id":1629,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 39\rوالنون في الأفعال الثلاثة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ طريق الحق وَشَاقُّوا الرَّسُولَ خالفوه مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى هو معنى سبيل اللّه لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (32) يبطلها من صدقة ونحوها، فلا يرون لها في الآخرة ثوابا، نزلت في المطعمين من أصحاب بدر أو في قريظة والنضير يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (33) بالمعاصي مثلا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ طريقه وهو\r______________________________\rثلاثتها) وفي نسخة (في الأفعال الثلاثة) وهي لنبلونكم ونعلم ونبلو، وهما قراءتان سبعيتان. قوله: (طريق الحق) أي وهو دين الإسلام. قوله: (خالفوه) أي خرجوا عن طاعته.\rقوله: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً هذه الجملة خبر إِنَ والكلام إما على ظاهره والمعنى: إن كفرهم لا يضر إلا أنفسهم، وتعالى اللّه عن أن يصل له من خلقه ضر أو نفع، لما في الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم لن تقدروا على ضري فتضروني» إلى آخره، أو على حذف مضاف، أي لن يضروا رسول اللّه لعصمته منهم. قوله: (المطعمين من أصحاب بدر) أي في المطعمين الطعام للكفار يوم بدر، وذلك أن أغنياء الكفار كانوا يعينون فقراءهم على حرب رسول اللّه وأصحابه، كأبي جهل وأضرابه، وهذه الآية بمعنى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها الآية، وسبب ذلك: أن قريشا خرجت لغزوة بدر بأجمعها، وكان العام عام قحط وجدب، وكان أغنياؤهم يطعمون الجيش، فأول من نحر لهم حين خروجهم من مكة أبو جهل، نحر لهم عشر جزر، ثم صفوان تسعا بعسفان، ثم سهل عشرا بقديد، ومالوا منه إلى نحو البحر فضلوا، فأقاموا يوما، فنحر لهم شيبة تسعا، ثم أصبحوا بالأبواء، فنحر مقيس الجمحي تسعا، ونحر العباس عشرا، ونحر الحرث تسعا، ونحر أبو البحتري على ماء بدر عشرا، ونحر مقيس عليه تسعا، ثم شغلهم الحرب فأكلوا من أزوادهم. قوله: (أو في قريظة والنضير) أي فكانوا ينفقون على قريش، ليستعينوا بهم على عداوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؛ فآل أمرهم إلى أن أخرج بني النضير من ديارهم، وغزا قريظة، فقتل كبارهم وأسر نساءهم وذراريهم، ولم تنفعهم قريش بشيء.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ؛ لما ذكر أحوال الكفار ومخالفتهم لرسول اللّه، أمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله؛ وبالجملة فهذه السورة اشتملت على ذكر أوصاف المؤمنين والكافرين على أحسن ترتيب.\rقوله: (بالمعاصي مثلا) أي كالردة فإنها تبطل جميع الأعمال الصالحة من أصلها، والعجب والرياء، فإنهما يبطلان ثواب الأعمال، والمن والأذى فإنهما يبطلان ثواب الصدقات، والمن مذموم إلا من اللّه على عباده، والرسول على أمته، والشيخ على تلميذه، والوالد على ولده، فليس بمذموم، وأما باقي المعاصي فلا تبطل ثواب الأعمال الصالحة، خلافا للمعتزلة القائلين بأن الكبائر تحبط الأعمال كالردة، ورد كلامهم بقوله تعالى: وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ* وأخذ بعض الأئمة من هذه الآية، أنه يحرم على الشخص قطع الأعمال الصالحة ولو نفلا، كالصلاة والصوم. والحاصل: أن الأصل في النوافل، أنها لا تلزم بالشروع عند جميع الأئمة، واستثنى مالك وأبو حنيفة سبعا منها تلزم بالشروع نظمها ابن عرفة من المالكية بقوله:\rصلاة وصوم ثم حج وعمرة ... طواف عكوف والتمام تحتما","part":4,"page":39},{"id":1630,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 40\rالهدى ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) نزلت في أصحاب القليب فَلا تَهِنُوا تضعفوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ بفتح السين وكسرها، أي الصلح مع الكفار إذا لقيتموهم وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ حذف منه واو لام الفعل الأغلبون القاهرون وَاللَّهُ مَعَكُمْ بالعون والنصر وَلَنْ يَتِرَكُمْ ينقصكم أَعْمالَكُمْ (35) أي ثوابها إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا أي الاشتغال فيها لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا اللّه وذلك من أمور الآخرة يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (36) جميعا بل الزكاة المفروضة فيها إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ يبالغ في طلبها تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ البخل أَضْغانَكُمْ (37) لدين الإسلام ها أَنْتُمْ يا هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ما فرض\r______________________________\rوفي غيرها كالوقف والطهر خيرن ... فمن شاء فليقطع ومن شاء تمما\r\rولابن كمال باشا من الحنفية:\rمن النوافل سبع تلزم الشارع ... أخذا لذلك مما قاله الشارع\r\rصوم صلاة عكوف حجه الرابع ... طوافه عمرة إحرامه السابع\r\rقوله: وَهُمْ كُفَّارٌ الجملة حالية. قوله: فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ خبر إِنَّ. قوله: (في أصحاب القليب) هو بئر في بدر، ألقيت فيه القتلى من الكفار، لكن حكمها عام في كل كافر مات على كفره.\rقوله: فَلا تَهِنُوا الفاء فصيحة وقعت في جواب شرط مقدر، أي إذا تبين لكم بالأدلة القطعية عن الإسلام، وذل الكفر في الدنيا والآخرة فَلا تَهِنُوا. قوله: (بفتح السين وكسرها) أي فهما قراءتان سبعيتان، وهذه الآية قيل ناسخة لآية وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها لأن اللّه منع من الميل إلى الصلح، إذ لم يكن بالمسلمين حاجة إليه، وقيل إنهما نزلتا في وقتين مختلفين فيجوز الصلح عند الضرورة والاحتياج إليه، ولا يجوز عند القدرة والاستعداد، فهذه الآية مخصصة للآية المتقدمة. قوله: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ الجملة حالية، وكذا قوله: وَاللَّهُ مَعَكُمْ. قوله: (لام الفعل) أي وأصله الأعلوون بواوين، الأولى لام الفعل، والثانية واو الجمع، تحركت الواو الأولى وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا فالتقى ساكنان فحذفت الألف. قوله: (بالعون والنصر) أي فالمراد معية معنوية. قوله: (ينقصكم) أي أو يفردكم عنها، لأن الترة تطلق بالمعنيين، يقال: وتره حقه بتره وترا نقصه، وأوتر أرضه بمعنى أفرده.\rقوله: إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ اللعب ما يشغل الإنسان، وليس فيه منفعة في الحال ولا في المآل، واللهو ما يشغل الإنسان عن مهمات نفسه. قوله: وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ أي لا يأمركم بإخراج جميع أموالكم في الزكاة، بل يأمركم بإخراج بعضها.\rقوله: فَيُحْفِكُمْ عطف على الشرط وتَبْخَلُوا جوابه. قوله: (يبالغ في طلبها) أي حتى يستأصلها. قوله: وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (لدين الإسلام) أي أحقادكم وبغضكم لدين الإسلام، وذلك لأن الإنسان جبل على محبة الأموال، ومن نوزع في حبيبه ظهرت سرائره، فمن رحمته على عباده، عدم التشديد عليهم في التكاليف.\rقوله: ها أَنْتُمْ ها للتنبيه، وأَنْتُمْ مبتدأ، وهؤُلاءِ منادى، وحرف النداء محذوف قدره المفسر، وتُدْعَوْنَ خبره، وجملة النداء معترضة بين المبتدأ والخبر.","part":4,"page":40},{"id":1631,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 41\rعليكم فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ يقال بخل عليه وعنه وَاللَّهُ الْغَنِيُ عن نفقتكم وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ إليه وَإِنْ تَتَوَلَّوْا عن طاعته يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ أي يجعلهم بدلكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (38) في التولي عن طاعته، بل مطيعين له عز وجل.\r______________________________\rقوله: فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ أي ومنكم من يجود، وحذف هذا المقابل لأن المراد الاستدلال على البخل. قوله: (يقال بخل عليه وعنه) أي فيتعدى بعلى إذا ضمن معنى شح، وبعن إذا ضمن معنى أمسك. قوله: وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ (إليه) أي وفي جميع الأحوال. قوله: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا إما خطاب للصحابة، والمقصود منه التخويف، لأنه لم يصل أحد من بعدهم لرتبتهم، والشرطية لا تقتضي الوقوع، أو خطاب للمنافقين، والتبديل حاصل بالفعل، واختلف في القوم المستبدلين، فروي عن أبي هريرة قال:\r«تلا رسول اللّه هذه الآية وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ قالوا: ومن يستبدل بنا؟ وكان سلمان جنب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: فضرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فخذ سلمان فقال: هذا وأصحابه، والذي نفس محمد بيده، لو كان الإيمان منوطا بالثريا، لتناوله رجال من فارس» وقيل هم العجم، وقيل هم فارس والروم، وقيل الأنصار، وقيل الملائكة، وقيل التابعون، وقيل من شاء من سائر الناس، ورد أنه لما نزلت هذه الآية فرح بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: «هي أحب إلي من الدنيا».","part":4,"page":41},{"id":1632,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 42\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الفتح مدنيّة وآياتها تسع وعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ قضينا بفتح مكة وغيرها في المستقبل عنوة\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الفتح\rمدنية وهي تسع وعشرون آية سبب نزولها: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خرج في السنة السادسة، بألف وأربعمائة من أصحابه، قاصدين مكة للاعتمار، فأحرموا بالعمرة من ذي الحليفة، وساق صلّى اللّه عليه وسلّم سبعين بدنة هديا للحرم، وساق القوم سبعمائة، فلما وصلوا للحديبية، وهي قرية بينها وبين مكة مرحلة، أرسل عثمان إلى مكة ليخبر أهلها بأن رسول اللّه يريد زيارة بيت اللّه الحرام، ولم يكن قاصدا حربا، فلما ذهب عثمان حبسوه عندهم، فأشاع إبليس في الصحابة أن عثمان قتل، فبايع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه على أنهم يدخلون مكة حربا، فلما بلغ المشركين ذلك، أخذهم الرعب وأطلقوا عثمان، وطلبوا الصلح من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أن يأتي في العام القابل ويدخلها، ويقيم فيها ثلاثة أيام، فتحلل هو وأصحابه هناك بالحلق، وذبح ما ساقوه من الهدي ثم رجعوا يعلوهم الحزن والكآبة، فأراد اللّه تسليتهم وإذهاب الحزن عنهم، فأنزل اللّه عليه وهو سائر ليلا في رجوعه، وهو بكراع الغميم، وهو واد أمام عسفان بين مكة والمدينة إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً إلى آخر السورة، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «لقد أنزلت علي الليلة سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً» فقال المسلمون: هنيئا مريئا لك يا رسول اللّه، لقد بين اللّه لك ما يفعل بك، فما ذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ حتى بلغ فَوْزاً عَظِيماً.\rقوله: (مدنية) أي لكونها نزلت بعد الهجرة.\rقوله: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ الخ، الفتح هو الظفر بالبلاد عنوة أو صلحا، فشبه الظفر بالبلاد، بفتح الباب المغلق بجامع التمكن في كل، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من الفتح فتحنا بمعنى ظفرنا، أي مكناك من البلاد، وحذف المعمول ليؤذن بالعموم، وأسند إلى نون العظمة اعتناء بشأن الفتح، وإشارة إلى أن هذا الأمر لا يتيسر إلا بإرادة اللّه وتوفيقه. قوله: (قضينا بفتح مكة وغيرها) أي كخيبر وحنين والطائف ونحوها، وهو جواب عما يقال: إن الآية نزلت في رجوعه من الحديبية عام ست، ومكة لم","part":4,"page":42},{"id":1633,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 43\rبجهادك فَتْحاً مُبِيناً (1) بينا ظاهرا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ بجهادك ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ منه لترغيب أمتك في الجهاد، وهو مؤول لعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام بالدليل العقلي القاطع من الذنوب، واللام للعلة الغائية، فمدخولها مسبب لا سبب وَيُتِمَ بالفتح المذكور نِعْمَتَهُ إنعامه عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ به صِراطاً طريقا مُسْتَقِيماً (2) يثبتك عليه وهو دين الإسلام وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ به نَصْراً عَزِيزاً (3) ذا عز لا ذل معه هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ\r______________________________\rتفتح إلا في السنة الثامنة، فكيف عبر بالماضي؟ فأجاب: بأن التعبير بالماضي بالنسبة للقضاء الأزلي، والمعنى: حكمنا لك في الأزل بالفتح المبين، وحينئذ فالتعبير بالماضي حقيقة. وأجيب أيضا بأن التعبير بالماضي مجاز لتحقق الوقوع، نظير وَنُفِخَ فِي الصُّورِ.* وأجيب أيضا: بأن الفتح على حقيقته، وأن المراد به صلح الحديبية، لأنه أصاب فيه ما لم يصب في غيره، قال الزهري: لقد كان فتح الحديبية أعظم الفتوح، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جاء إليها في ألف وأربعمائة، فلما وقع الصلح، مشى الناس بعضهم على بعض، وعلموا وسمعوا من اللّه، فما أراد أحد الإسلام إلا تمكن منه، فما مضت تلك السنتان، إلا والمسلمون قد جاؤوا إلى مكة في عشرة آلاف، وقال الشعبي في قوله: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً هو فتح الحديبية، لقد أصاب فيها ما لم يصب في غزوة غيرها، غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبويع بيعة الرضوان، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محله، وظهرت الروم على فارس، وفرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس ا ه. قوله: (عنوة) هذا مذهب مالك وأبي حنيفة، نظرا لكون النبي وأصحابه دخلوها قهرا، ووقوع القتال من بعض الصحابة لخالد بن الوليد وأصحابه في جهة وأسفلها، مذهب الشافعي أنها فتحت صلحا نظرا للظاهر، وهو عدم حصول القتال من النبي، وتأمينه أبا سفيان، وهذا الخلاف يكاد أن يكون لفظيا. قوله: (بجهادك) متعلق بقوله: (بفح مكة) وهو جواب عما يقال: إن الفتح ناشىء من اللّه، والمغفرة تكون للشخص، فكيف تترتب عليه، وإنما الشأن أن تترتب على ما يكون من الشخص؟\rفأجاب: بأن الفتح وإن كان من اللّه، لكنه ترتب على فعل النبي وهو الجهاد، فصح أنه يترتب على الفتح المغفرة بهذا الاعتبار. قوله: (لترغب أمتك) علة لترتب الغفران على الفتح. قوله: (و هو مؤول) أي أن اسناد الذنب له صلّى اللّه عليه وسلّم مؤول، إما بأن المراد ذنوب أمتك، أو هو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، أو بأن المراد بالغفران، الإحالة بينه وبين الذنوب، فلا تصدر منه، لأن الغفر هو الستر، والستر إما بين العبد والذنب، أو بين الذنب وعذابه، فاللائق بالأنبياء الأول، وبالأمم الثاني، إن قلت: إن عصمة النبي عليه السّلام من الذنوب، حاصلة بالفعل قبل النبوة وبعدها، فكيف تكون مرتبة على جهاده؟ أجيب:\rبأن المرتب اظهارها للخلق لا هي نفسها. قوله: (من الذنوب) أي صغيرها وكبيرها، عمدها وسهوها، قبل النبوة وبعدها. قوله: (للعلة الغائية) أي وهي المترتبة على آخر الفعل، وليست العلة باعثة لاستحالة الأغراض على اللّه تعالى في الأفعال والأحكام. قوله: (لا سبب) أي لأن السبب ما يضاف إليه الحكم، كالزوال لوجوب الظهر، والمغفرة ليست كذلك. قوله: (بالفتح المذكور) أي وهو فتح مكة وغيرها بجهادك. قوله: (يثبتك عليه) أي يديمك ويقويك عليه، أو المراد يزيدك في الهداية باتباع الشريعة وأحكام الدين. قوله: (ذا عز) جواب عما يقال: إن العزيز وصف للمنصور لا للنصر، وتوضيح جوابه أن فعيلا صيغة نسبة، أي نصرا منسوبا للعز. قوله: (لا ذل معه) أي لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأما مطلق","part":4,"page":43},{"id":1634,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 44\rالطمأنينة فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ بشرائع الدين كلما نزل واحدة منها آمنوا بها، منها الجهاد وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فلو أراد نصر دينه بغيركم لفعل وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً (4) في صنعه، أي لم يزل متصفا بذلك لِيُدْخِلَ متعلق بمحذوف أي أمر بالجهاد الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً (5) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ\r______________________________\rالنصر، فيكون حتى لبعض الكفار في الدنيا.\rقوله: فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ أي وهم أهل الحديبية، حين بايعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على مناجزة الحرب مع أهل مكة، بعد أن حصل لهم ما شأنه أن يزعج النفوس ويزيغ القلوب، من صد الكفار، ورجوع الصحابة دون بلوغ مقصود، فلم يرجع أحد منهم عن الإيمان، بعد أن هاج الناس وزلزلوا، حتى عمر بن الخطاب لما روي أنه قال: «أتيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت: ألست نبي اللّه حقا؟ قال: بلى قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعط الدنية في ديننا إذا؟ قال: إني رسول اللّه ولست أعصيه وهو ناصري، قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى أنا أخبرتك أنا نأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي اللّه حقا؟ قال: بلى، فقلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، فقلت: فلم نعط الدنية في ديننا؟ إذا؟ قال: أيها الرجل، إنه رسول اللّه، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بأمره ولا تخالفه، فو اللّه إنه على الحق، قلت: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، افأخبرك أنا نأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه فنطوف به». قال العلماء: لم يكن سؤال عمر شكا، بل طلبا لكشف ما خفي عليه، وحثا على إذلال الكفار، وظهور الإسلام، كما هو معروف من شدته وصلابته في الدين، وأما جواب أبي بكر المطابق لجواب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فهو من الدلائل الظاهرة على عظيم فضله، وبارع علمه، وزيادة عرفانه ورسوخه، رضي اللّه عنهما وعنا بهما. قوله: (بشرائع الدين) متعلق ب إِيماناً،، وقوله: مَعَ إِيمانِهِمْ متعلق بمحذوف، أي باللّه ورسوله.\rقوله: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اختلف في المراد بجنود السماوات والأرض، فقيل: هم ملائكة السماوات والأرض، وقيل: إن جنود السماوات الملائكة، وجنود الأرض الحيوانات، وقيل: إن جنود السماوات مثل الصواعق والصيحة والحجارة، وجنود الأرض مثل الزلازل والخسف والغرق، ونحو ذلك، وكل صحيح. قوله: (لفعل) أي لكنه لم يفعل، بل أنزل السكينة على المؤمنين، ليكون إهلاك الأعداء بأيديهم، ليحصل لهم الشرف والعز دنيا وأخرى. قوله: (متعلق بمحذوف) أي لا بفتحنا، أي لئلا يلزم عليه عمل الفعل في حرفي جر متحدي اللفظ، والمعنى: من غير عطف ولا بدل ولا توكيد.\rقوله: وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي يمحوها، وهو معطوف على قوله: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ الخ، عطف سبب على مسبب، فدخول الجنة مسبب عن تكفير السيئات، وقدم الإدخال في الذكر على التكفير، مسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى. قوله: وَكانَ ذلِكَ أي المذكور من الإدخال والتكفير. قوله:\rعِنْدَ اللَّهِ حال من فَوْزاً لأنه صفة له في الأصل، فلما قدم عليه صار حالا، أي كائنا عند اللّه، أي","part":4,"page":44},{"id":1635,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 45\rبِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ بفتح السين وضمها في المواضع الثلاثة، ظنوا أنه لا ينصر محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ بالذل والعذاب وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ أبعدهم وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (6) أي مرجعا وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً في ملكه حَكِيماً (7) في صنعه، أي لم يزل متصفا بذلك إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً على أمتك في القيامة وَمُبَشِّراً في الدنيا بالجنة وَنَذِيراً (8) منذرا مخوفا فيها من عمل سوءا بالنار لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ بالياء والتاء فيه وفي الثلاثة بعده وَتُعَزِّرُوهُ ينصروه وقرىء بزاءين مع الفوقانية وَتُوَقِّرُوهُ يعظموه وضميرهما للّه أو لرسوله وَتُسَبِّحُوهُ أي اللّه بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9) بالغداة\r______________________________\rفي علمه وقضائه.\rقوله: وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ قدمهم على المشركين، لأنهم أشد ضررا من الكفار المتجاهرين، وذلك لأن المؤمن كان يتوقى المجاهر، ويخالط المنافق، لظنه إيمانه. قوله: ظَنَّ السَّوْءِ إما من إضافة الموصوف لصفته على مذهب الكوفيين، أو أن السَّوْءِ صفة لموصوف محذوف، أي ظن الأمر السوء، فحذف المضاف اليه، وأقيمت صفته مقامه. قوله: (بفتح السين وضمها) أي فالفتح الذم، والضم العذاب، والهزيمة والشر. قوله: (في المواضع الثلاثة) أي هذين والثالث قوله فيما يأتي وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وهو سبق قلم، والصواب أن يقول: في الموضع الثاني، وأما الأول والثالث فليس فيهما إلا الفتح بإتفاق السبعة.\rقوله: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ إما اخبار عن وقوعه بهم أو دعاء عليهم، كأن اللّه يقول: سلوني بقلوبكم عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ والدائرة عبارة عن الخط المحيط بالمركز، ثم استعملت في الحادثة المحيطة بمن وقعت عليه، والجامع الإحاطة في كل. قوله: وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عطف على قوله: عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ.\rقوله: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الخ، ذكر هذه الآية أولا في معرض الخلق والتدبير، فذيلها بقوله: عَلِيماً حَكِيماً وذكرها ثانيا في معرض الانتقام فذيلها بقوله: عَزِيزاً حَكِيماً فلا تكرار. قوله: (أي لم يزل) الخ، أشار بذلك إلى أن كانَ في أوصاف اللّه معناها الاستمرار.\rقوله: إِنَّا أَرْسَلْناكَ الخ، امتنان منه تعالى عليه صلّى اللّه عليه وسلّم حيث شرفه بالرسالة، وبعثه إلى كافة الخلق، شاهدا على أعمال أمته. قوله: شاهِداً (على أمتك) أي بالطاعة والعصيان. قوله: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ متعلق ب أَرْسَلْناكَ. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (و قرئ) أي شذوذا. قوله: (و ضميرهما للّه) الخ، أي فهما احتمالان، أي فإذا أردت الجري على وتيرة واحدة، جعلتها كأنها عائدة على اللّه تعالى، وأما\rقوله: وَتُسَبِّحُوهُ فهو عائد على اللّه قولا واحدا، ويؤخذ من هذه الآية، أن من اقتصر على تعظيم اللّه وحده، أو على تعظيم الرسول وحده، فليس بمؤمن، بل المؤمن من جمع بين تعظيم اللّه تعالى، وتعظيم رسوله، ولكن التعظيم في كل بحسبه، فتعظيم اللّه تنزيهه عن صفات الحوادث، ووصفه بالكمالات، وتعظيم رسوله اعتقاد أنه رسول اللّه حقا وصدقا لكافة الخلق، بشيرا ونذيرا، إلى غير ذلك من أوصافه السنية وشمائله المرضية.","part":4,"page":45},{"id":1636,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 46\rوالعشي إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ بيعة الرضوان بالحديبية إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ هو نحو: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ التي بايعوا بها النبي، أي هو تعالى مطلع على مبايعتهم فيجازيهم عليها فَمَنْ نَكَثَ نقض البيعة فَإِنَّما يَنْكُثُ يرجع وبال نقضه عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ بالياء والنون أَجْراً عَظِيماً (10) سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ حول المدينة، أي الذين خلفهم اللّه عن صحبتك لما طلبتهم ليخرجوا معك إلى مكة خوفا من تعرّض قريش لك عام الحديبية إذا رجعت منها شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا عن الخروج معك فَاسْتَغْفِرْ لَنا اللّه من ترك الخروج معك، قال تعالى: مكذبا لهم يَقُولُونَ\r______________________________\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ الخ، لما ذكر سبحانه وتعالى أنه أرسله بشيرا ونذيرا، بين أن متابعته متابعة له، وطاعته له، وذلك يشعر بعظيم منزلته وقدره عند ربه، والبيعة في الأصل العقد الذي يعقده الإنسان على نفسه، من بذل الطاعة للإمام، والوفاء بالعهد الذي التزمه له، والمراد بها هنا، بيعة الرضوان بالحديبية، وهي قرية ليست كبيرة، بينها وبين مكة أقل من مرحلة أو مرحلة، سميت ببئر هناك، واختلف فيها، فقيل من الحرم، وقيل بعضها من الحل، يجوز فيها التخفيف والتشديد.\rقوله: إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ اعلم أن في هذا المقام، استعارة تصريحية تبعية ومكنية وتخييلية ومشاكلة، فالتبعية في الفعل هو يُبايِعُونَ وذلك لأن المبايعة معناها مبادلة المال بالمال، فشبه المعاهدة على دفع الأنفس في سبيل اللّه، طلبا لمرضاة اللّه بدفع السلع في نظير الأموال، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من البيع يُبايِعُونَ بمعنى يعاهدون على دفع أنفسهم في سبيل اللّه والمكنية في لفظ الجلالة، وذلك لأن المتعاهدين إذا كان هناك ثالث، يضع يده فوق يديهما ليحفظهما، فشبه اطلاع اللّه ومجازاته على فعلهم، بملك وضع يده على يد أميره ورعيته، وطوى ذكر المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو اليد، فإثباتها تخييل، والمشاكلة لذكر الأيدي بعده. قوله: (هو نحو من يطع الرسول) الخ، أي من حيث إنه في المعنى يرجع له، وفيه إشارة إلى أنه تعالى منزه عن الجوارح. قوله: (يرجع وبال نقضه) أشار بذلك إلى أن في الكلام حذف مضافين. قوله: (بالياء والنون) أي وهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: أَجْراً عَظِيماً أي وهو الجنة، وهذه الآية وإن كان سبب نزولها بيعة الرضوان، إلا أن العبرة بعموم اللفظ، فيشمل مبايعة الإمام على الطاعة والوفاء بالعهد، ومبايعة الشيخ العارف على محبة اللّه ورسوله، والتزام شروطه وآدابه، ومن هنا استعمل مشايخ الصوفية هذه الآية عند أخذ العهد على المريد.\rقوله: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ الخ، أي وهم غفار ومزينة وجهينة وأشجع، وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا، طلب من الأعراب وأهل البوادي حول المدينة، أن يخرجوا معه، حذرا من قريش أن يتعرضوا له بحرب، ويصدوه عن البيت، فأحرم بالعمرة، وساق الهدي، ليعلم الناس أنه لا يريد حربا، فتثاقل عنه كثير من الأعراب، وتخلفوا عنه وقالوا: يذهب إلى قوم قد غزوه في قعر داره بالمدينة وقتلوا أصحابه. قوله: (حول المدينة) حال من الأعراب أو صفة لهم.\rقوله: (إذا رجعت منها) ظرف ليقول. قوله: وَأَهْلُونا أي النساء والصبيان، فإنا لو تركناهم لضاعوا،","part":4,"page":46},{"id":1637,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 47\rبِأَلْسِنَتِهِمْ أي من طلب الاستغفار وما قبله ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ فهم كاذبون في اعتذارهم قُلْ فَمَنْ استفهام بمعنى النفي، أي لا أحد يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا بفتح الضاد وضمها أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (11) أي لم يزل متصفا بذلك بَلْ في الموضعين للانتقال من غرض إلى آخر ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ أي إنهم يستأصلون بالقتل فلا يرجعون وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ هذا وغيره وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (12) جمع بائر، أي هالكين عند اللّه بهذا الظن وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (13) نارا شديدة وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (14) أي لم يزل متصفا بما ذكر سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ المذكورون إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ هي مغانم خيبر لِتَأْخُذُوها ذَرُونا اتركونا\r______________________________\rلأنه لم يكن لنا من يقوم بهم، وأنت قد نهيت عن ضياع المال والتفريط في العيال. قوله: (فهم كاذبون في اعتذارهم) أي وطلب الاستغفار.\rقوله: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ الخ، أي فمن يمنعكم من مشيئته وقضائه؟ قوله: إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أي كقتل وهزيمة ونحوهما. قوله: (بفتح الضاد وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ترق في الرد عليهم. قوله: (للانتقال من غرض إلى آخر) أي فأضرب عن تكذيبهم في اعتذارهم، إلى ايعادهم بجزاء أعمالهم، ومن التخلف والاعتذار الباطل، ثم أضرب عن بيان بطلان اعتذارهم، إلى بيان ما حملهم على التخلف، وهذا على سبيل الترقي في الرد عليهم.\rقوله: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ أي لا يرجع إلى المدينة، وسبب ظنهم ذلك، اعتقادهم عظمة المشركين، وحقارة المؤمنين، حتى قالوا: ما هم في قريش إلا أكلة رجل. قوله: (جمع بائر) أي كحائل وحول، وقيل: البور مصدر بمعنى الهلاك.\rقوله: وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ لما بين حال المتخلفين عن رسول اللّه، وبين حال ظنهم الفاسد، وأنه يفضي بصاحبه إلى الكفر، حرضهم على الإيمان والتوبة على سبيل العموم، ومَنْ إما شرطية أو موصولة، والاسم الظاهر قائم مقام العائد، وقوله: فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً دليل الجواب أو الخبر. قوله: (نارا شديدة) أي فالمراد جميع طبقات النار، لا الطبقة المسماة بذلك.\rقوله:\rوَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي يتصرف فيهما كيف يشاء. قوله: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ هذا قطع لطمعهم في استغفاره صلّى اللّه عليه وسلّم لهم، كأن اللّه يقول لهم: لا يستحق أحد عندي شيئا، وإنما أغفر لمن أريد، وأعذب من أريد، وقد سبقت حكمتي، أن المغفرة للمؤمنين، والتعذيب للكافرين، فلا تطمعوا في المغفرة ما دمتم كفارا.\rقوله: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ الخ، هذا من جملة الإخبار عما يحصل منهم. قوله: إِذَا انْطَلَقْتُمْ ظرف لما قبله، والمعنى يقولون عند انطلاقكم الخ. قوله: (هي مغانم خيبر) أي وذلك أن المؤمنين لما انصرفوا من الحديبية على صلح من غير قتال، ولم يصيبوا من المغانم شيئا، وعدهم اللّه عز وجل فتح","part":4,"page":47},{"id":1638,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 48\rنَتَّبِعْكُمْ لنأخذ منها يُرِيدُونَ بذلك أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ وفي قراءة كلم اللّه بكسر اللام أي مواعيده بغنائم خيبر أهل الحديبية خاصة قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ أي قبل عودنا فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا أن نصيب معكم من الغنائم فقلتم ذلك بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ من الدين إِلَّا قَلِيلًا (15) منهم قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ المذكورين اختبارا سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي أصحاب بَأْسٍ شَدِيدٍ قيل: هم بنو حنيفة أصحاب اليمامة، وقيل:\rفارس والروم تُقاتِلُونَهُمْ حال مقدرة هي المدعو إليها في المعنى أَوْ هم يُسْلِمُونَ فلا\r______________________________\rخيبر، وجعل مغانمها لمن شهد الحديبية خاصة، عوضا عن غنائم أهل مكة، حيث انصرفوا عنهم، ولم يصيبوا منهم شيئا، وكان المتولي للقسمة بخيبر، جبار بن صخر الأنصاري من بني سلمة، وزيد بن ثابت من بني النجار، كانا حاسبين قاسمين، وأمر صلّى اللّه عليه وسلّم بالقسم لمن حضر من أهل الحديبية ومن غاب، ولم يغب منهم عنها غير جابر بن عبد اللّه، فقسم له صلّى اللّه عليه وسلّم كسهم من حضر. قوله: ذَرُونا أي دعونا، وهذا الفعل هجر مصدره وماضيه واسم فاعله استغناء بمادة ترك، وأصل مادته: وذر يذر وذرا، فهو واذر، والأمر منه ذر، وهذه الجملة مقول القول.\rقوله: يُرِيدُونَ إما مستأنف أو حال من الْمُخَلَّفُونَ. قوله: أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ أي يغيروا وعد اللّه الذي وعد أهل الحديبية به، من جعل غنائم خيبر لهم، عوضا عن فتح مكة في ذلك العام. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: لَنْ تَتَّبِعُونا نفي في معنى النهي للمبالغة.\rقوله: كَذلِكُمْ أي مثل هذا القول وهو لن تتبعونا. قوله: قالَ اللَّهُ أي حكم بأن غنيمة خيبر، لمن شهد الحديبية، ليس لغيرهم فيها نصيب. قوله: فَسَيَقُولُونَ أي عند سماعهم النهي. قوله: بَلْ تَحْسُدُونَنا أي فليس هذا النهي حكما من اللّه تعالى، بل هو حسد منكم لنا على مشاركتكم في الغنائم.\rقوله: (من الدين) أشار بذلك إلى أن الإضراب الأول معناه رد منهم أن يكون حكم اللّه أن يتبعوهم وإثبات الحسد، والثاني إضراب عن وصفهم، بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم بما هو أهم، وهو الجهل وقلة الفهم.\rقوله: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ كرر وصفهم بهذا الاسم، إشعارا بشناعته، ومبالغة في ذمهم. قوله:\r(قيل هم بنو حنيفة) أي وهم جماعة مسيلمة الكذاب، والداعي للمخلفين على قتالهم حينئذ أبو بكر بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (أصحاب اليمامة) اسم لبلاد في اليمن، ولامرأة كانت بها ويقال لها زرقاء، كانت تبصر الركب من مسيرة ثلاثة أيام. قوله: (و قيل فارس والروم) أي والداعي لهم عمر بن الخطاب، وقيل: إن ذلك في هوازن وغطفان يوم حنين، والداعي لهم رسول اللّه، إن قلت: إن اللّه تعالى أمر رسوله أن لا يدعو المخلفين إلى الجهاد في قوله: فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا وحينئذ فيبعد أن ذلك في غزوة حنين، والداعي لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. وأجيب: بأنه لا بعد، إذ قوله: لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً الخ، إنما نزلت بعد الفتح في غزوة تبوك، فتحصل أن الأقوال ثلاثة، وكل صحيح. قوله: أَوْ يُسْلِمُونَ أشار بذلك إلى أن الجملة مستأنفة، وليست أو بمعنى إلى، أو إلا، وإلا لنصب الفعل بحذف النون، ومعنى يُسْلِمُونَ ينقادون ولو بعقد الجزية، فإن الروم نصارى، وفارس مجوس، وكل منهما يقر","part":4,"page":48},{"id":1639,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 49\rتقاتلون فَإِنْ تُطِيعُوا إلى قتالهم يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (16) مؤلما لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ في ترك الجهاد وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ بالياء والنون جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ بالياء والنون عَذاباً أَلِيماً (17) لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ\r______________________________\rبالجزية، وأما بالنسبة لبني حنيفة، فمعناه يسلمون بالفعل، لأنهم كانوا مرتدين، والمرتد لا يقر بالجزية، بل إما السيف أو الإسلام. قوله: كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ أي في الحديبية.\rقوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ نزلت لما قال أهل الزمانة والعاهة والآفة: كيف بنا يا رسول اللّه؟ حين سمعوا قوله تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا الخ. قوله: (في ترك الجهاد) أي في التخلف عن الجهاد، وهذه أعذار ظاهرة، وذلك لأن الأعمى لا يمكنه الكر ولا الفر، وكذلك الأعراج والمريض، ومثل هذه الأعذار الفقر الذي لا يمكن صاحبه أن يقضي مصالحه وأشغاله التي تعوق عن الجهاد، وكل هذا ما لم يفجأ العدو، وإلا وجب على كل بما يمكنه. قوله: (بالياء والنون) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ أي فعل بهم فعل الراضي من الثواب والفتح المبين؛ وفي ذلك تلميح إلى أن الكافرين غير راض عنهم، فلهم الخذلان في الدنيا والآخرة، وكان سبب هذه البيعة على ما ذكره محمد بن إسحاق عن أهل العلم، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دعا خراش بن أمية الخزاعي حين نزل الحديبية، فبعثه إلى قريش بمكة، وحمله على جمله صلّى اللّه عليه وسلّم ليبلغ أشرافهم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم جاء معتمرا، ولم يجىء محاربا، فعقروا جمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأرادوا قتله، فمنعتهم الأحابيش فخلوا سبيله، فأتى لرسول اللّه فأخبره، فدعا رسول اللّه عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فقال: يا رسول اللّه إني أخاف على نفسي قريشا، وليس في مكة من بني عدي بن كعب أحد، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أقربها مني، لوجود عشيرته فيها، وهو عثمان بن عفان، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عثمان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا لهذا البيت، معظما لحرمته، وكتب له كتابا بعثه معه، وأمره أن يبشر المستضعفين بمكة بالفتح قريبا، وأن اللّه سيظهر دينه، فخرج عثمان وتوجه إلى مكة، فوجد قريشا قد اتفقوا على منعه صلّى اللّه عليه وسلّم من دخول مكة، ولقيه أبان بن سعيد بن العاصي حين دخل مكة، وقبل أن يدخلها، فنزل عن فرسه وحمله بين يديه، ثم أردفه وأجاره، حتى بلغ رسالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقرأ عليهم الكتاب واحدا واحدا، فصمموا على أنه لا يدخلها هذا العام، وقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، قال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد كان المسلمون قالوا: هنيئا لعثمان خلص إلى البيت وطاف به دوننا، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: إن ظني به أن لا يطوف حتى يطوف معنا، وبشر عثمان المستضعفين، واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول اللّه والمسلمين أن عثمان قد قتل، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لا نبرح حتى نناجز القوم، ودعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وضع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم شماله في يمينه وقال: هذه عن عثمان، وهذا يشعر بأن النبي قد علم بنور النبوة، أن عثمان لم يقتل حتى بايع عنه. وفي الحديث أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لما بايع الناس: «اللهم إن عثمان في حاجتك وحاجة رسولك» فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يده لعثمان، خيرا من أيديهم","part":4,"page":49},{"id":1640,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 50\rبالحديبية تَحْتَ الشَّجَرَةِ هي سمرة، وهم ألف وثلثمائة أو أكثر، ثم بايعهم على أن يناجزوا قريشا وأن لا يفرّوا من الموت فَعَلِمَ اللّه ما فِي قُلُوبِهِمْ من الصدق والوفاء فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18) هو فتح خيبر بعد انصرافهم من الحديبية وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها من خيبر وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (19) أي لم يزل متصفا بذلك وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها من الفتوحات فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ غنيمة خيبر وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ في عيالكم لما خرجتم وهمت بهم اليهود، فقذف اللّه في قلوبهم الرعب وَلِتَكُونَ أي المعجلة عطف على مقدر أي تشكروه آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ في نصرهم وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (20) أي طريق التوكل عليه، وتفويض الأمر إليه تعالى وَأُخْرى صفة مغانم مقدرا مبتدأ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها\r______________________________\rلأنفسهم، ولما سمع المشركون بهذه البيعة، خافوا وبعثوا بعثمان وجماعة من المسلمين وكانوا عشرة، دخلوا مكة بإذنه صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: إِذْ يُبايِعُونَكَ ظرف لرضي، وعبر بصيغة المضارع استحضارا لصورة المبايعة. قوله:\rتَحْتَ الشَّجَرَةِ معمول ليبايعونك. قوله: (هي سمرة) بضم الميم من شجر الطلح وهو الموز، كما عليه جمهور المفسرين في قوله تعالى: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وهذه الشجرة قد أخفيت، لئلا يحصل الافتتان بها، وروي أن عمر بلغه أن قوما يأتون الشجرة ويصلون عندها فتوعدهم، ثم أمر بقطعها فقطعت. قوله: (أو أكثر) وقيل أربعمائة وهو الصحيح، وقيل خمسمائة. قوله: (أن يناجزوا قريشا) أي يقاتلوهم. قوله: ما فِي قُلُوبِهِمْ معطوف على يُبايِعُونَكَ. قوله: (بعد انصرافهم من الحديبية) أي في ذي الحجة، فأقام صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة بقيته وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر في بقية المحرم سنة سبع.\rقوله: وَمَغانِمَ معطوف على فَتْحاً ويَأْخُذُونَها صفة لمغانم أو حال منها.\rقوله: وَعَدَكُمُ اللَّهُ الالتفات إلى الخطاب لتشريفهم في مقام الامتنان، وهو لأهل الحديبية.\rقوله: (من الفتوحات) أي غير خيبر، مما استقبلهم بعد، كفتح مكة وهوازن وبلاد كسرى والروم. قوله:\r(غنيمة خيبر) مقتضى ما تقدم، من أن السورة نزلت كلها في رجوعه من الحديبية أن يكون قوله: فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ من التعبير بالماضي عن المستقبل، لتحقق وقوعه من الإخبار بالغيب. قوله: (في عيالكم) أي عن عيالكم، والجار والمجرور بدل من قوله: عَنْكُمْ والمراد بالناس، أهل خيبر وحلفاؤهم من بني أسد وغطفان. قوله: (لما خرجتم) أي للحديبية، وقوله: (و همت بهم اليهود) أي يهود خيبر، هموا بأخذ عيال النبي والصحابة من المدينة، في غيبة النبي للحديبية، وكان هو السبب في أخذ خيبر. قوله: (عطف على مقدر) هذا أحد قولين، والآخر أنها زائدة، وعليه فيكون تعليلا لقوله: كَفَّ. قوله: آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أي أمارة يعرفون بها صدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في وعده إياهم، عند الرجوع من الحديبية بتلك الغنائم. قوله: (أي طريق التوكل عليه) فسر الصراط المستقيم بما ذكر، لأن الحاصل من الكف ليس إلا ذلك، ولأن أصل الهدى حاصل قبله.\r- تنبيه- ملخص غزوة خيبر: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما رجع من الحديبية، أقام بالمدينة بقية ذي الحجة","part":4,"page":50},{"id":1641,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 51\r.......\r______________________________\rوبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر في بقية المحرم سنة سبع، وكان إذا غزا قوما ينتظر الصباح، فإن سمع أذانا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم، فلما أصبح ولم يسمع أذانا ركب عليهم، فخرجوا بمكاتلهم ومساحييهم، فلما رأوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا محمد والخميس أي الجيش، فلما رآهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: اللّه أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين، وعن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا إلى خيبر مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم:\rتاللّه لو لا اللّه ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا\r\rونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبت الأقدام إن لاقينا\r\rوأنزلن سكينة علينا\rفقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من هذا؟ قال: أنا عامر، قال: غفر لك ربك، قال: وما استغفر رسول صلّى اللّه عليه وسلّم لإنسان يخصه إلا استشهد، قال: فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له: يا نبي اللّه، لو لا متعتنا بعامر، قال: فلما قدمنا خيبر، قدم ملكهم مرحب يخطر بسيفه يقول:\rقد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب\r\rإذا الحروب أقبلت تلهب\r\rقال: وبرز له عمي عامر فقال:\rقد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر\r\rقال: فاختلفا بضربتيهما، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يسفل، فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله، فكانت فيها نفسه رضي اللّه عنه، قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقولون: بطل عمل عامر، قتل نفسه، فأتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأنا أبكي فقلت: يا رسول اللّه، بطل عمل عمي عامر، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: من قال ذلك؟ قلت: ناس من أصحابك، قال: كذب من قال ذلك، بل له أجره مرتين، ثم أرسلني إلى علي وهو أرمد فقال: لأعطين الراية رجلا يحب اللّه ورسوله، أو يحبه اللّه ورسوله؛ قال: فأتيت عليا فجئت به أقوده وهو أرمد، حتى أتيت به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فبصق في عينيه فبرىء وأعطاه الراية، فخرج مرحب فقال:\rقد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب\r\rإذا الحروب أقبلت تلهب\r\rفقال على رضى اللّه عنه:\rأنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره\r\rأو فيهم بالصاع كيل السندره\r\rقال: فضرب مرحبا فقتله، ثم كان الفتح على يده، أخرجه مسلم بهذا اللفظ، وفي رواية أخرى:\rأنه خرج بعد مرحب أخوه ياسر وهو يرتجز، فخرج إليه الزبير بن العوام، فقالت أمه صفية بنت عبد","part":4,"page":51},{"id":1642,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 52\rهي من فارس والروم قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها علم أنها ستكون لكم وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (21) أي لم يزل متصفا بذلك وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بالحديبية لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا\r______________________________\rالمطلب: أيقتل ابني يا رسول اللّه؟ قال: بل ابنك يقتله إن شاء اللّه، ثم التقيا فقتله الزبير، ثم لم يزل رسول اللّه يفتح الحصون، ويقتل المقاتلة، ويسبي الذرية، ويحوز الأموال، فجمع السبي فجاء دحية فقال: يا رسول اللّه أعطني جارية من السبي، قال: اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية بنت حيي، فجاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: يا رسول اللّه، أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير، لا تصلح إلا لك، قال: ادعوه فجاء بها، فلما نظر إليها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: خذ جارية من السبي غيرها، فأعتقها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتزوجها، فلما دخل بها، رأى في عينها أثر خضرة، فسألها عن سببها فقالت: إني رأيت في المنام وأنا عروس بكنانة بن الربيع، أن قمرا وقع في حجري، فقصصت رؤياي على زوجي فقال: ما هذا إلا أنك تمنيت ملك الحجاز محمدا، ثم لطم وجهي لطمة اخضرت منها عيني، فلما ظهر رسول اللّه على خيبر، أراد اخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقرهم بها، على أن يكفوهم العمل، ولهم نصف الثمر، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: نقركم بها على ذلك ما شئنا، فقروا بها حتى أجلاهم عمر في إمارته إلى تيماء وأريحاء. قال محمد بن إسحاق: لما سمع أهل فدك بما فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بخيبر، بعثوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يسألونه أن يحقن دماءهم وأن يسيرهم، ويخلوا له الأموال، ففعلوا بهم، ثم سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يعاملهم على النصف كأهل خيبر ففعل، فكانت خيبر للمسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب، فلما اطمأن رسول اللّه، أهدت له زينب بنت الحرث، امرأة سلام بن مشكم اليهودية شاة مصلية- يعني مشوية- وسألت: أي عضو من الشاة أحب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قيل لها: الذراع، فأكثرت فيها السم، وسمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول اللّه، تناول الذراع، فأخذها فلاك منها قطعة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور، فأخذ منها كما أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأما بشر فأساغها، يعني ابتلعها، وأما رسول اللّه فلفظها ثم قال: إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم، ثم دعا بها فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك، فقالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت: إن كان ملكا استرحنا منه، وإن كان نبيا فسيخبر، فتجاوز عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ومات بشر على مرضه الذي توفي فيه، فقال: يا أم بشر، ما زالت أكلة خيبر التي أكلت مع ابنك تعاودني، فهذا أوان قطع أبهري؛ فكان المسلمون يرون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مات شهيدا، مع ما أكرمه اللّه به من النبوة.\rقوله: (مبتدأ) أي وخبره قوله: قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها قوله: لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها صفة لمغانم المقدر، وسوغ الابتداء بالنكرة الوصف، وهذا أسهل الأعاريب، ولذا اختاره المفسر. قوله: (هي فارس والروم) أي وباقي الأقطار. قوله: قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها أي أعدها لكم في قضائه وقدره، فهي محصورة لا تفوتكم. قوله: (أي لم يزل متصفا) أشار بذلك إلى أن المراد من كانَ الاستمرار.\rقوله: وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي وهم أهل مكة ومن وافقهم، وقد كانوا اجتمعوا وجمعوا الجيوش، وقدموا خالد بن الوليد إلى كراع الغميم، ولم يكن أسلم حينئذ، فما شعر بهم خالد، حتى إذا هم بفترة الجيش، أي بغبار أثرهم، فانطلق يركض نذيرا لقريش. قوله: لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ أي مضوا","part":4,"page":52},{"id":1643,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 53\rيَجِدُونَ وَلِيًّا يحرسهم وَلا نَصِيراً (22) سُنَّةَ اللَّهِ مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله من هزيمة الكافرين ونصر المؤمنين، أي سن اللّه ذلك سنة الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (23) منه وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ بالحديبية مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ فإن ثمانين منهم طافوا بعسكركم ليصيبوا منكم فأخذوا وأتي بهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فعفا عنهم وخلى سبيلهم، فكان ذلك سبب الصلح وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (24) بالياء والتاء، أي لم يزل متصفا بذلك هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي عن الوصول إليه وَالْهَدْيَ معطوف على كم مَعْكُوفاً محبوسا حال أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ أي مكانه الذي ينحر فيه عادة وهو الحرم بدل اشتمال وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ موجودون بمكة مع الكفار لَمْ تَعْلَمُوهُمْ بصفة الإيمان أَنْ تَطَؤُهُمْ أي تقتلوهم مع الكفار لو أذن لكم في الفتح بدل اشتمال من هم فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ أي إثم بِغَيْرِ عِلْمٍ منكم به، وضمائر الغيبة للصنفين بتغليب الذكور، وجواب لو لا محذوف أي لأذن لكم في الفتح، لكن لم يؤذن فيه حينئذ\r______________________________\rمنهزمين.\rقوله: (من هزيمة الكافرين) (من) بيانية. قوله: الَّتِي قَدْ خَلَتْ أي مضت، وقوله: مِنْ قَبْلُ أي فيمن مضى من الأمم. قوله: تَبْدِيلًا (منه) أي من اللّه تعالى، والمعنى: أن اللّه لا يبدل ولا يغير سنته وطريقته، من نصر المؤمنين، وخذلان الكافرين. قوله: (بالحديبية) بيان لبطن مكة، والمراد بمكة الحرم، والحديبية تقدم فيها الخلاف، هل هي منه أو بعضها؟ فعلى الأول التعبير بالبطن ظاهر، وعلى الثاني فالمراد بالبطن الملاصق والمجاور.\rقوله: مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ أي أظهركم فتعديته بعلى ظاهرة. قوله: (فكان ذلك) أي العفو عنهم وتخلية سبيلهم. قوله: (سبب الصلح) أي لعلمهم أن هذا الأمر لا يقع إلا من قادر على قتالهم، غير مكترث بهم. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (معطوف على كم) أي الضمير المنصوب في صدوركم، وهو أحسن الأعاريب. قوله: (محبوسا) أي فالعكوف الاحتباس، ومنه الاعتكاف المشهور، وهو حبس النفس على ما تكره، مع ملازمة المسجد. قوله: (أي مكانه) أي المعهود، وهو منى للمحرم بالحج، والمروة للمحرم بالعمرة، وهو الأفضل، وإلا فالحرم كله محل النحر. قوله:\r(بدل اشتمال) أي من الهدي، والمعنى: صدوا بلوغ الهدي محله، ويصح أن يكون على اسقاط الخافض، أي عن أن يبلغ الهدي محله، والجار والمجرور إما متعلق بصدوكم، أو بمعكوفا. قوله: (موجودون) هو خبر المبتدأ. قوله: (بدل اشتمال من هم) أي والمعنى: لم تعلموا وطأهم، ويصح أن يكون بدلا من رجال ونساء، والمعنى: ولو لا وطء رجال ونساء قوله: (إثم) أي مكروه كالتأسف عليهم، أو المراد بالإثم حقيقته بسبب ترك التحفط.\rقوله: بِغَيْرِ عِلْمٍ (منكم به) أي بالقتل. قوله: (و جواب لو لا محذوف) أي والمعنى: لو لا كراهة أن تهلكوا ناسا مؤمنين بين أظهر الكفار، حال كونكم جاهلين بهم، فيصيبكم بإهلاكهم مكروه، لما كف أيديكم عنهم. قوله: (حينئذ) أي عام الحديبية.","part":4,"page":53},{"id":1644,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 54\rلِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ كالمؤمنين المذكورين لَوْ تَزَيَّلُوا تميزوا عن الكفار لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ من أهل مكة حينئذ بأن نأذن لكم في فتحها عَذاباً أَلِيماً (25) مؤلما إِذْ جَعَلَ متعلق بعذبنا الَّذِينَ كَفَرُوا فاعل فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ الأنفة من الشيء حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ بدل من الحمية وهي صدهم النبي وأصحابه عن المسجد الحرام فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ فصالحوهم على أن يعدوا من قابل، ولم يلحقهم من الحمية ما لحق\r______________________________\rقوله: لِيُدْخِلَ اللَّهُ الخ، علة لما قدره المفسر بقوله: (لكن لم يؤذن). قوله: (كالمؤمنين المذكورين) أي وكالمشركين، لأنه آل أمر أهل مكة إلى الإسلام إلا ما قل. قوله: (تميزوا) أي تفرقوا وانفردوا، ولكن لم يتميزوا، بل اختلط المستضعفون بالمشركين، والأصول المشركون بالفروع المسلمين، كالذراري الّذين علم اللّه إسلامهم، فلم يحصل العذاب. قوله: (الأنفة) بفتحتين أي الكبر.\rقوله:\rحَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ بدل من الحمية قبلها، وهي فعيلة مصدر يقال: حميت من كذا حمية، وحمية الجاهلية عدم الإذعان للحق ونصرة الباطل.\rقوله: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ معطوف على شيء مقدر، أي فضاقت صدور المسلمين، واشتد الكرب عليهم، فَأَنْزَلَ الخ، روي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما نزل الحديبية، بعثت قريش سهل بن عمرو القرشي وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص بن الأحنف، على أن يعرضوا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يرجع من عامه ذلك، على أن تخلي له قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام، ففعل ذلك، وكتبوا بينهم كتابا، فقال عليه الصلاة والسّلام لعلي رضي اللّه عنه: اكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم، فقالوا: ما نعرف هذا، اكتب باسمك اللهم، ثم قال اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أهل مكة، فقالوا: لو كنا نعلم أنك رسول اللّه ما صددناك عن البيت وما قاتلناك، اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللّه أهل مكة، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم اكتب ما يريدون، فهم المؤمنون أن يأبوا ذلك ويبطشوا بهم، فأنزل اللّه السكينة عليهم، فتوقروا وحلموا. قوله: (على أن يعودوا من قابل) أي وعلى وضع الحرب عشر سنين، قال البراء:\rصالحوهم على ثلاثة أشياء: على أن من أتاهم من المشركين مسلما ردوه إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه، وعلى أن يدخلها من قابل، ويقيم فيها ثلاثة أيام، ولا يدخلها بسلاح، فكتب بذلك كتابا، فلما فرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه: قوموا وانحروا ثم احلقوا، فو اللّه ما قام منهم أحد، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، لما حصل لهم من الغم، قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت له: يا نبي اللّه، اخرج ولا تكلم أحدا منهم حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج ففعل، فلما رأوا ذلك منه قاموا فنحروا، وجعل يحلق بعضهم بعضا وروى ثابت عن أنس، أن قريشا صالحوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم واشترطوا أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاء منا ردوه علينا، فقالوا: يا رسول اللّه أتكتب هذا؟ قال: نعم، إن من ذهب منا إليهم فأبعده اللّه، ومن جاءنا منهم، فسيجعل اللّه له فرجا ومخرجا. روي أنه بعد عقد الصلح، جاء جندل بن سهل بن عمرو بقيوده قد انفلت، وخرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال له سهل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إليّ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: إنا لم نقض الكتاب بعد، قال: فو اللّه إذا لا أصالحك على","part":4,"page":54},{"id":1645,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 55\rالكفار حتى يقاتلوهم وَأَلْزَمَهُمْ أي المؤمنين كَلِمَةَ التَّقْوى لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه، وأضيفت إلى التقوى لأنها سببها وَكانُوا أَحَقَّ بِها بالكلمة من الكفار وَأَهْلَها عطف تفسيري وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (26) أي لم يزل متصفا بذلك، ومن معلومه تعالى أنهم أهلها لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِ رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في النوم عام الحديبية قبل خروجه أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين، ويحلقون ويقصرون، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا، فلما خرجوا معه وصدهم الكفار بالحديبية ورجعوا، وشق عليهم ذلك، وراب بعض المنافقين نزلت، وقوله بالحق متعلق بصدق أو حال من الرؤيا، وما بعدها تفسيرها لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ للتبرك آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ أي جميع شعورها وَمُقَصِّرِينَ بعض شعورها وهما حالان\r______________________________\rشيء أبدا، قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: فأجره لي، قال: ما أنا بمجيره لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، ثم جعل سهل يجره ليرده إلى قريش، فقال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عذب في اللّه عذابا شديدا. وفي الحديث إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: يا أبا جندل احتسب، فإن اللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وعقدا، وإنا لا نغدر، فقام عمر وتكلم طويل منه ما تقدم لنا عند قوله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ثم بعد رجوع رسول اللّه وأصحابه إلى المدينة، جاءه أبو بصير عتبة بن أسد من قريش مسلما، فأرسلوا في طلبه رجلين، فسلمه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فقتل أحدهما، وفر عنه الآخر، فأتى أبو بصير سيف البحر وجلس هناك، فبلغ ذلك أبا جندل وأصحابه من المستضعفين، فلحقوا به حتى تكاملوا نحوا من سبعين رجلا، فما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا تعرضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم تناشده اللّه والرحم، بأنه لا يرسل إليهم من أتاه منهم مسلما، وأبطلوا هذا الشرط، فأرسل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أبي بصير وأبي جندل ومن معهما فأحضرهم المدينة. قوله: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى أي اختار لهم، فهو إلزام إكرام وتشريف، والمراد تقوى الشرك. قوله: (لا إله إلا اللّه) هذه رواية أبي بن كعب، وقيل إنها: لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وقيل إنها: بسم اللّه الرحمن الرحيم. قوله: وَكانُوا أَحَقَّ بِها أي في علم اللّه، لأنه اختارهم لدينه. قوله: (تفسيري) أي لاحق بها، أو الضمير في بِها لكلمة التوحيد، وفي أهلها للتقوى.\rقوله: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا أي رؤياه صادقة محققة، لم يدخلها الشيطان، لأنه معصوم منه هو وجميع الأنبياء، وتأخيرها لا ينافي كونها حقا وصدقا، نظير رؤيا يوسف الصديق، أن أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدون له، فتأخرت الزمن الطويل، وبعد ذلك تحققت. قوله: (و راب بعض المنافقين) أي ارتاب، حيث قال عبد اللّه بن أبي وعبد اللّه بن نفيل ورفاعة بن الحرث: واللّه ما حلقنا ولا قصرنا، ولا رأينا المسجد الحرام. قوله: (أو حال من الرؤيا) أي فهو متعلق بمحذوف، والتقدير ملتبسة بالحق، ويصح أن يكون صفة لمصدر محذوف، والتقدير صدقا ملتبسا بالحق، ويصح أن يكون بِالْحَقِ قسما وجوابه قوله: لَتَدْخُلُنَ الخ، وعليه فالوقف على قوله: (الحق) وقوله: لَتَدْخُلُنَ اللام موطئة لقسم محذوف. قوله: (للتبرك) أي مع تعليم العباد الأدب، وتفويض الأمر إليه، وهو جواب عما","part":4,"page":55},{"id":1646,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 56\rمقدرتان لا تَخافُونَ أبدا فَعَلِمَ في الصلح ما لَمْ تَعْلَمُوا من الصلاح فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ أي الدخول فَتْحاً قَرِيباً (27) هو فتح خيبر، وتحققت الرؤيا في العام القابل هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ أي دين الحق عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ على جميع باقي الأديان وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (28) أنك مرسل بما ذكر كما قال اللّه تعالى مُحَمَّدٌ مبتدأ رَسُولُ اللَّهِ خبره وَالَّذِينَ مَعَهُ أي أصحابه من المؤمنين مبتدأ خبره أَشِدَّاءُ غلاظ عَلَى الْكُفَّارِ لا يرحمونهم رُحَماءُ بَيْنَهُمْ خبر ثان، أي متعاطفون متوادون كالوالد مع الولد تَراهُمْ تبصرهم رُكَّعاً سُجَّداً حالان يَبْتَغُونَ مستأنف يطلبون فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ علامتهم مبتدأ فِي وُجُوهِهِمْ خبره، وهو نور وبياض يعرفون به في الآخرة أنهم سجدوا في الدنيا مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ متعلق بما تعلق به الخبر أي كائنة، وأعرب حالا من ضميره المنتقل إلى الخبر\r______________________________\rيقال: إن اللّه تعالى خالق للأشياء كلها، وهو عالم بها قبل وقوعها، فكيف وقع منه التعليق بالمشيئة، مع أن التعليق إنما يكون من المخبر المتردد، أو الشاك في وقوع المعلق، واللّه منزه عن ذلك؟ فأجاب: بأن المقصود التبرك لا التعليق، ويجاب أيضا: بأن المشيئة باعتبار جميع الجيش، فإن الذين حضروا عمرة القضاء كانوا سبعمائة، وأما باعتبار المجموع، فالقضاء مبرم لا تعليق فيه، ويجاب أيضا: بأنه حكاية عن كلام الملك المبلغ للرسول كلام اللّه، أو حكاية عن كلام الرسول عليه السّلام.\rقوله: آمِنِينَ حال مقارنة للدخول، والجملة شرطية معترضة. قوله: (مقدرتان) دفع بذلك ما قد يقال: إن حال الدخول هو حال الإحرام، وهو لا يتأتى معه حلق ولا تقصير. قوله: لا تَخافُونَ (أبدا) أشار بذلك إلى أنه غير مكرر مع قوله: آمِنِينَ والمعنى: آمنون في حال الدخول، وحال المكث، وحال الخروج، وقد كان عند أهل مكة، أنه يحرم قتال من أحرم ومن دخل المحرم، فأفاد أنه يبقى أمنهم بعد خروجهم من الإحرام. قوله: (من الصلاح) أي وهو حفظ دماء المسلمين المستضعفين. قوله: مِنْ دُونِ ذلِكَ أي قبله. قوله: (هو فتح خيبر) وقيل هو صلح الحديبية، وقيل هو فتح مكة.\rقوله: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ تأكيد لتصديق اللّه رؤياه، والمعنى: حيث جعله رسولا، فلا يريه خلاف الحق. قوله: بِالْهُدى أي القرآن أو المعجزات. قوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ أي ليعليه على جميع الأديان، فينسخ ما كان حقا، ويظهر فساد ما كان باطلا. قوله: (بما ذكر) أي بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ.\rقوله: (كما قال) أشار بذلك إلى أن قوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مؤكد لقوله: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ. قوله: (لا يرحمونهم) أي لا يرأفون بهم، وذلك لأن اللّه أمرهم بالغلظة عليهم، وقد بلغ من تشديدهم على الكفار، أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تمس أبدانهم. قوله: رُحَماءُ بَيْنَهُمْ أي فكان الواحد منهم إذا رأى أخاه في الدين صافحه وعانقه.\rقوله: تَراهُمْ رُكَّعاً إما خبر آخر أو مستأنف، والمعنى: أنهم في النهار على الأعداء أسود، وفي الليل ركع سجود. قوله: (حالان) أي من مفعول تَراهُمْ. قوله: (مستأنف) أي واقع في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ماذا يريدون بركوعهم وسجودهم؟ فقيل يَبْتَغُونَ الخ. قوله: سِيماهُمْ فِي","part":4,"page":56},{"id":1647,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 57\rذلِكَ أي الوصف المذكور مَثَلُهُمْ صفتهم فِي التَّوْراةِ مبتدأ وخبره وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ مبتدأ خبره كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ بسكون الطاء وفتحها فراخه فَآزَرَهُ بالمد والقصر، قوّاه وأعانه فَاسْتَغْلَظَ غلظ فَاسْتَوى قوي واستقام عَلى سُوقِهِ أصوله جمع ساق يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ أي زراعه لحسنه مثل الصحابة رضي اللّه عنهم بذلك، لأنهم بدؤوا في قلة وضعف، فكثروا وقووا على أحسن الوجوه لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ متعلق بمحذوف دل عليه ما قبله، أي شبهوا بذلك وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ أي الصحابة ومن لبيان الجنس لا للتبعيض، لأنهم كلهم بالصفة المذكورة مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (29) الجنة، وهما لمن بعدهم أيضا في آيات.\r______________________________\rوُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ اختلف في تلك السيما، فقيل: إن مواضع سجودهم يوم القيامة ترى كالقمر ليلة البدر، وقيل: هو صفرة الوجوه من سهر الليل، وقيل: الخشوع الذي يظهر على الأعضاء، حتى يتراءى أنهم مرضى وليسوا بمرضى، وليس المراد به ما يصنعه بعض الجهلة المرائين من العلامة في الجبهة، فإنه من فعل الخوارج، وفي الحديث: «إني لأبغض الرجل وأكرهه إذا رأيت بين عينيه أثر السجود». قوله: (من ضميره) أي من ضمير ما تعلق به الخبر وهو كائنة. قوله: (المنتقل إلى الخبر) أي وهو الجار والمجرور.\rقوله: (أي الوصف المذكور) أي وهو كونهم أَشِدَّاءُ رُحَماءُ تَراهُمْ رُكَّعاً الخ، سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ الخ. قوله: مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ أي وصفهم العجيب الجاري في الغرابة مجرى الأمثال.\rقوله: (مبتدأ وخبره) أي أن قوله: مَثَلُهُمْ مبتدأ خبره قوله: فِي التَّوْراةِ والجملة خبر عن ذلك.\rقوله: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ الخ، ويصح أن يكون مبتدأ خبره قوله: كَزَرْعٍ وحينئذ فيوقف على قوله: فِي التَّوْراةِ ويكونان مثلين، وعليه مشى المفسر، ويصح أنه معطوف على مَثَلُهُمْ الأول، وحينئذ فيوقف على قوله: الْإِنْجِيلِ ويكونان مثلا واحدا في الكتابين، وقوله: كَزَرْعٍ خبر لمحذوف أي مثلهم كزرع الخ، وهو كلام مستأنف. قوله: (بسكون الطاء وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان، والشطء أفراخ النخل، والزرع أوراقه. قوله: (فراخه) بكسر الفاء جمع فرخ كفرع، لفظا ومعنى. قوله: (بالمد) أي وأصله أأزره بوزن أكرمه، قلبت الهمزة الثانية ألفا للقاعدة المعلومة، وقوله:\r(و القصر) أي فهو من باب ضرب، وهما قراءتان سبعيتان. قوله: (غلظ) أي فهو من باب استحجر الطير. قوله: عَلى سُوقِهِ متعلق باستوى. قوله: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ الجملة حالية، والمعنى حال كونه معجبا. قوله: (فكثروا) هو مأخوذ من قوله: أَخْرَجَ شَطْأَهُ وقوله: فَآزَرَهُ مأخوذ من قوله:\rفَاسْتَغْلَظَ وقوله: (على أحسن الوجوه) مأخوذ من قوله: فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ.\rقوله: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ تعليل لما دل عليه التشبيه كأنه قال: إنما قواهم وكثرهم ليغيظ الخ. قوله:\r(لبيان) أي لا للتبعيض كما زعمه بعضهم. قوله: (لمن بعدهم) أي كالتابعين وأتباعهم إلى يوم القيامة.\rقوله: (في آيات) متعلق بما تعلق به قوله: (لمن بعدهم) والمعنى: وهما ثابتان لمن بعد الصحابة في آيات كقوله تعالى سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ - إلى قوله- أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ.","part":4,"page":57},{"id":1648,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 58\r.......\r______________________________\r- خاتمة- قد جمعت هذه الآية، وهي قوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ إلى آخر السورة، جميع حروف المعجم، وفي ذلك بشارة تلويحية مع ما فيها من البشائر التصريحية، باجتماع أمرهم، وعلو نصرهم رضي اللّه عنهم، وحشرنا معهم، نحن ووالدينا ومحبينا وجميع المسلمين بمنه وكرمه. وهذا آخر القسم الأول من القرآن وهو المطول، وقد ختم كما ترى بسورتين هما في الحقيقة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وحاصلهما: الفتح بالسيف والنصر على من قاتله ظاهرا، كما ختم القسم الثاني المفصل بسورتين هما نصره له صلّى اللّه عليه وسلّم بالحال على من قصده بالضر باطنا، ومن أجل ذلك اتخذ العارفون هذه الآية، وردا وحصنا منيعا.\r***","part":4,"page":58},{"id":1649,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 59\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الحجرات مدنيّة وآياتها ثماني عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا من قدم بمعنى تقدم أي لا تتقدموا بقول ولا فعل بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ المبلغ عنه أي بغير إذنهما وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الحجرات\rمدنية وهي ثمان عشرة آية أي بالإجماع، وهذه أوائل السور المسماة بالمفصل، واختلف في تسميته بذلك، فقيل: لكثرة الفصل فيه بين السور، وقيل: لكون جميعه محكما لا نسخ فيه،\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ذكر هذه اللفظة في هذه السورة خمس مرات، اعتناء بشأن المؤمنين في الأوامر والنواهي، نظير خطابات لقمان لابنه في قوله:\rيا بَنِي* ولئلا يتوهم أن المخاطب ثانيا غير المخاطب أولا، وذكر يا أَيُّهَا النَّاسُ مرة خطابا لما يعم المؤمن والكافر، لمناسبة ما يترتب عليه من قوله تعالى إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وهذه السورة جمعت آدابا ظاهرية وباطنية، وأوامر ونواهي ظاهرية وباطنية، عامة وخاصة، فهي متضمنة طريقة الصوفية التي من تمسك بها وصل. قوله: (من قدم بمعنى تقدم) العامة على ضم التاء وفتح القاف وتشديد الدال مكسورة، وفيها وجهان أحدهما: إنه متعد حذف مفعوله اقتصارا كقولهم: هو يعطي ويمنع، وكلوا واشربوا، والأصل لا تقدموا ما لا يصلح. والثاني: أنه لازم نحو وجه وتوجه، ويعضده قراءة ابن عباس والضحاك لا تُقَدِّمُوا بالفتح في الثلاثة، والأصل لا تتقدموا، فحذفت إحدى التاءين، وفي الآية استعارة تمثيلية، حيث شبه تجري الصحابة على الحكم، في أمر من أمور الدين، بغير إذن من اللّه ورسوله، بحالة من تقدم بين يدي متبوعه إذا سار في طريقه من غير إذن، فإنه في العادة مستهجن، ثم استعمل في جانب المشبه ما كان في جانب المشبه به من الألفاظ، والغرض التنفير من التجري بغير إذن اللّه ورسوله، ومثله قوله تعالى في حق الملائكة لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ أصله لا يسبق قولهم قوله، فمدحهم بنفي السبق، تنبيها على استهجان السبق، أو المراد بين يدي رسول اللّه، وذكر لفظ اللّه تعظيما للرسول، وإشعارا بأنه من اللّه بمكان يوجب إجلاله، وعلى هذا فلا استعارة. قوله: (بقول أو فعل) مثال القول ما ذكره المفسر في سبب النزول أيضا، من أنهم ذبحوا يوم النحر قبل رسول اللّه، فأمرهم أن يعيدوا الذبح. وقال: من ذبح قبل","part":4,"page":59},{"id":1650,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 60\rسَمِيعٌ لقولكم عَلِيمٌ (1) بفعلكم، نزلت في مجادلة أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في تأمير الأقرع بن حابس أو القعقاع بن معبد. ونزل فيمن رفع صوته عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ إذا نطقتم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ إذا نطق وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ إذا ناجيتموه كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ بل دون ذلك إجلالا له أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (2) أي خشية ذلك بالرفع والجهر المذكورين، ونزل فيمن كان يخفض صوته\r______________________________\rالصلاة، فإنما هو لحم عجله لأهله، ليس من النسك في شيء، وما ورد عن عائشة أنه في النهي عن صوم يوم الشك، أي لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم، وقال الضحاك: وهو عام في القتال وشرائع الدين، أي لا تقطعوا أمرا دون اللّه ورسوله، وهو الأولى.\rقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ أي في التقدم الذي نهاكم عنه. قوله: (على النبي) الأولى أن يقول عند النبي، ففي الحديث، أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وطلبوا أن يؤمر عليهم واحدا منهم، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا أي تخاصما، حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت تلك الآيات الخمس إلى قوله غَفُورٌ رَحِيمٌ ومعنى قول عمر: ما أردت خلافك، أي ما أردت مخالفتك تعنتا، وإنما أردت أن تولية الأقرع أصلح بهم، ولم يظهر لك ذلك. قوله: (و نزل فى من رفع صوته) الخ، كأبي بكر وعمر في القصة المذكورة، كما أن قوله: (و نزل فيمن كان يخفض صوته عند النبي) أي كأبي بكر وعمر، حين بلغهما النهي عن رفع الصوت، فصارا يخفضان صوتهما عند النبي، كما أن قوله: (و نزل في) الخ، هم بنو تميم الذين تكلم في شأنهم أبو بكر وعمر، فتلخص أنه لما اختلف أبو بكر وعمر في تأمير الأمير على الوفد المذكور، ولم يصبرا حتى يكون رسول اللّه هو الذي يشير بذلك، نزل قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الآية، ولما رفعا أصواتهما في تلك القضية، نزل قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ الآية، ولما خفضا أصواتهما بعد ذلك نزل إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ الآية، ولما نادى الركب المذكور النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من وراء الحجرات نزل إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ الآيتين. قوله: (إذا نطقتم) أي تكلمتم، وقوله: (إذا نطق) أي تكلم.\rقوله: وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ لما كانت هذه الجملة كالمكررة مع ما قبلها، مع أن العطف يأباه، أشار المفسر إلى أن المراد بالأول، إذا نطق ونطقتم، فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم حدا يبلغه صوته، بل يكون كلامكم دون كلامه، والمراد بالثاني أنكم إذا كلمتموه وهو صامت، فلا ترفعوا أصواتكم، كما ترفعونها فيما بينكم. قوله: (ناجيتموه) أي كلمتموه وهو صامت. قوله: (بل دون ذلك) راجع لكل من النهيين، أي بل اجعلوا أصواتكم دون صوته، ودون جهر بعضكم لبعض، وقوله: (إجلالا له) تعليل لما تضمنه قوله: (بل دون ذلك).\rقوله: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ أي يبطل ثوابها، وقوله: وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أي بحبوطها. قوله:\r(أي خشية ذلك) أشار إلى أَنْ تَحْبَطَ على حذف مضاف، أي خشية الحبوط، والخشية منهم وقد تنازعه، لا ترفعوا ولا تجهروا، فيكون مفعولا لأجله، والعامل فيه الثاني أو الأول. قوله: (بالرفع والجهر)","part":4,"page":60},{"id":1651,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 61\rعند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كأبي بكر وعمر وغيرهما رضي اللّه عنهم إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اختبر اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى أي لتظهر منهم لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) الجنة، ونزل في قوم جاؤوا وقت الظهر والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في منزله فنادوه إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ\r______________________________\rالباء سببية متعلقة باسم الإشارة، لأنه واقع على الحبوط، فكأنه قال: أي خشية الحبوط بسبب الرفع والجهر، لأن في الرفع والجهر استخفافا بجانبه، فيؤدي إلى الكفر المحبط، وذلك إذا انضم له قصد الإهانة وعدم المبالاة. روي أنه لما نزلت هذه الآية، قعد ثابت في الطريق يبكي، فمر به ابن عدي فقال:\rما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت في، وأنا رفيع الصوت على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، أخاف أن يحبط عملي، وأن أكون من أهل النار، فمضى عاصم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وغلب ثابتا البكاء، فأتى امرأته جميلة بنت عبد اللّه بن أبي ابن سلول فقال لها: إذا دخلت بيت فرشي، فسدي علي الضبة بمسمار، فضربته بمسمار، فأتى عاصم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره خبره قال: اذهب فادعه لي، فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فيه فلم يجده، فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفرش فقال له: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدعوك، فقال: اكسر الضبة، فأتيا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ما يبكيك؟ فقال: أنا صيّت، وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أما ترضى أن تعيش حميدا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنة؟\rفقال: رضيت ببشرى اللّه ورسوله، لا أرفع صوتي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبدا، فأنزل اللّه إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ الآية، قال أنس: فكنا ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين أيدينا، فلما كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة، رأى ثابت من المسلمين بعض انكسار، وانهزمت طائفة منهم، قال: أف لهؤلاء، ثم قال ثابت لسالم مولى حذيفة: ما كنا نقاتل أعداء اللّه مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مثل هذا، ثم ثبتا وقاتلا حتى قتلا، واستشهد ثابت وعليه درع، فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام وأنه قال له:\rاعلم أن فلانا رجل من المسلمين، نزع درعي فذهب بها، وهي في ناحية من العسكر، عند فرس يستن في طيله، وقد وضع على درعي برمة، فائت خالد بن الوليد فأخبره حتى يسترد درعي، وائت أبا بكر خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قل له: إن علي دينا حتى يقضي عني، وفلان من رقيقي عتيق، فأخبر الرجل خالدا، فوجد الدرع والفرس على ما وصفه، فاسترد الدرع، وأخبر خالد أبا بكر بتلك الرؤيا، فأجاز أبو بكر وصيته، قال مالك بن أنس: لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه. قوله: (فيمن كان يخفض صوته) أي مخافة من مخالفة النهي السابق، وإجلالا وتعظيما. قوله: (كأبي بكر وعمر) الخ، أي فكان الجميع يخفضون أصواتهم عند رسول اللّه، إجلالا له وتعظيما.\rقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ الخ، اسم الإشارة مبتدأ، والموصول بعد خبره، والجملة خبر إِنَ وجملة لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ مستأنفة لبيان ما أعد لهم. قوله: امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ الامتحان افتعال، من محنت الأديم محنا أوسعته، ومعنى امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى وسعها. قوله: (أي لتظهر منهم) أي فإنها لا تظهر، إلا بالاصطبار على أنواع المحن والتكاليف الشاقة، فالاختبار سبب لظهور التقوى، لا سبب للتقوى نفسها، فهو من إطلاق السبب على المسبب، أي فالاختبار يظهر ما كان كامنا في النفس من التقوى، كما أن سماع الألحان، يظهر ما كان كامنا في النفس من الحب فتدبر. قوله: (و نزل في قوم) أي وهم وفد بني تميم.","part":4,"page":61},{"id":1652,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 62\rمِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ حجرات نسائه صلّى اللّه عليه وسلّم جمع حجرة وهي ما يحجر عليه من الأرض بحائط ونحوه، كأن كل واحد منهم نادى خلف حجرة، لأنهم لم يعلموه في أي حجرة، ومناداة الأعراب بغلظة وجفاء أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (4) فيما فعلوه محلك الرفيع وما يناسبه من التعظيم وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا أنهم في محل رفع بالابتداء، وقيل: فاعل بفعل مقدر أي ثبت حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) لمن تاب منهم ونزل في الوليد بن عقبة، وقد بعثه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى بني\r______________________________\rقوله: مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أي من خارجها، خلفها أو قدامها، لأن وَراءِ من الأضداد تكون بمعنى خلف، وبمعنى قدام، قال مجاهد وغيره: نزلت في أعراب بني تميم، قدم وفد منهم على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فدخلوا المسجد ونادوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من وراء الحجرات، أن أخرج الينا، فإن مدحنا زين، وذمنا شين، وكانوا سبعين رجلا، قدموا لفداء ذراري لهم، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نائما للقائلة، وسئل صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: هم جفاة بني تميم، لولا أنهم من أشد الناس قتالا للأعور الدجال، لدعوت اللّه عليهم أن يهلكهم، وقيل:\rكانوا جاؤوا شفعاء في أسارى بني عنبر، فأعتق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نصفهم، وفادى نصفهم، ولو صبروا لأعتق جميعهم بغير فداء. قوله: (و هي ما يحجر عليه) أي يحوط عليه للمنع من الدخول. قوله: (كأن كل واحد منهم) الخ، أتى بصيغة لا جزم فيها، لأن المقام مقام احتمال، وذلك لأن مناداتهم، يحتمل أن تكون كما قال المفسر، أو الكل وقفوا على كل حجرة ونادوه منها. قوله: (مناداة الأعراب) معمول لينادونك.\rقوله: أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ المراد بالأكثر الكل، لأن العرب قد تعبر بالأكثر وتريد الكل. قوله:\r(محلك الرفيع) معمول ليعقلون، وفي نسخة بمحلك، فيكون معمولا لفعلوه، فالمحل على الأول المكانة والرتبة، وعلى الثاني الدار المحسوسة، ومعنى الرفيع على الأول العلي القدر، وعلى الثاني المحفوظ من إساءة الأدب لحلولك فيه، فإن الظرف يعظم بالمظروف، قال الشاعر:\rوما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا\rقوله: (أنهم في محل رفع بالابتداء) هو قول سيبويه، ولا يحتاج إلى خبر، لاشتمال صلتها على المسند والمسند إليه، وقيل: الخبر محذوف وجوبا لوقوعه بعد لَوْ. قوله: (أي ثبت) بيان للفعل المقدر، والمعنى ثبت صبرهم وانتظارهم، وهذا قول المبرد والزجاج والكوفيين، ورجح بأن فيه إبقاء له على الاختصاص بالفعل. قوله: لَكانَ خَيْراً لَهُمْ أي لكان الصبر خيرا لهم من الاستعجال، لما فيه من حفظ الأدب وتعظيم الرسول، الموجبين للثناء والثواب، قال العارفون: الأدب عند الأكابر، يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلى، وسعادة الدنيا والآخرة. قوله: (و نزل في الوليد بن عقبة) بن أبي معيط، أخو عثمان بن عفان لأمه، وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعثه إلى بني المصطلق بعد الوقعة معهم، واليا يجبي الزكاة، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول اللّه، فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، فهابهم، فرجع من الطريق إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال: إنهم منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهم أن يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: يا رسول اللّه، سمعنا برسولك، فخرجنا نتلقاه ونكرمه، ونؤدي إليه ما قبلنا من حق اللّه، فبدا له الرجوع، فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك، لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ باللّه من غضبه وغضب رسوله،","part":4,"page":62},{"id":1653,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 63\rالمصطلق مصدقا فخافهم لترة كانت بينه وبينهم في الجاهلية، فرجع وقال: إنهم منعوا الصدقة وهموا بقتله، فهمّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بغزوهم، فجاؤوا منكرين ما قاله عنهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ خبر فَتَبَيَّنُوا صدقه من كذبه، وفي قراءة فتثبتوا من الثبات أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً مفعول له أي خشية ذلك بِجَهالَةٍ حال من الفاعل أي جاهل فَتُصْبِحُوا تصيروا عَلى ما فَعَلْتُمْ من الخطأ بالقوم نادِمِينَ (6) وأرسل صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم بعد عودهم إلى بلادهم خالدا، فلم ير فيهم إلا الطاعة والخير، فأخبر النبي بذلك وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ فلا تقولوا الباطل، فإن اللّه يخبره بالحال لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ الذي تخبرون به على خلاف الواقع فيرتب على ذلك مقتضاه لَعَنِتُّمْ لأثمتم دونه إثم التسبب إلى المرتب وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ حسنه فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ استدراك من حيث المعنى دون اللفظ، لأن من حبب إليه الإيمان الخ، غايرت صفته صفة من تقدم ذكره\r______________________________\rفاتهمهم رسول اللّه، وبعث خالد بن الوليد في عسكره خفية، وأمره أن يخفي عليهم قدومه وقال: انظر، فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم، فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر ذلك، فافعل فيهم ما تفعل في الكفار، ففعل ذلك خالد، ووافاهم عند الغروب، فسمع منهم أذان صلاة المغرب والعشاء، ووجدهم مجتهدين في امتثال أمر اللّه، فأخذ منهم صدقات أموالهم، ولم ير منهم إلا الطاعة والخير، وانصرف إلى رسول اللّه وأخبره الخبر، فنزلت الآية، واستشكل بأن الوليد صحابي جليل، ولا يليق إطلاق لفظ الفاسق عليه، فإن المراد به الكافر، قال تعالى: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ إلى غير ذلك. وأجيب: بأن الذي وقع من الوليد توهم وظن، فترتب عليه الخطأ، وإنما سماه اللّه فسقا، تنفيرا عن هذا الفعل، وزجرا عليه، ويؤخذ من الآية حرمة النميمة، وتعظيم كيفية ردها على صاحبها. قوله:\r(مصدقا) بتخفيف الصاد، أي يأخذ الصدقات. قوله: (لترة) بكسر التاء وفتح الراء، أي عداوة.\rقوله: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ المقصود من الآية أي نمام، فإن النمام فاسق، وليس المقصود عين الوليد، فإنه ليس بفاسق، بل هو صحابي جليل، وإن كان سبب النزول واقعته. قوله: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً أي بالقتل والسبي. قوله: نادِمِينَ أي مغتمين لما وقع منكم.\rقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ أي فلا تكذبوا عليه، فإن اللّه يعلمه ببواطنكم فتفتضحوا. قوله: لَوْ يُطِيعُكُمْ الخ، حال من الضمير المجرور في فِيكُمْ والمعنى: أنه فيكم كائنا على حالة منكم يجب تغييرها، وهي أنكم تودون أن يتبعكم في كثير من الحوادث، ولو فعل ذلك لوقعتم في الجهل، لكن عصمه اللّه رحمة بكم. قوله:\r(لأثمتم دونه) أي فلا يأثم لعذره، وقوله: (إثم التسبب) أي لا إثم الفعل، لأنكم لم تفعلوا، قوله: (إلى المرتب) أي الذي يرتبه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على أخباركم ويفعله، كقتال بني المصطلق.\rقوله: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ أي الكامل، وهو التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان، وإذا حبب إليهم الإيمان، الجامع للخصال الثلاث، لزم كراهتهم لأضدادها، فلذلك قال:\rوَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ الذي هو مقابله التصديق بالجنان، والفسوق الذي هو مقابله الإقرار باللسان، والعصيان الذي هو مقابله العمل بالأركان. قوله: (استدراك من حيث المعنى) الخ، أشار بذلك لدفع ما","part":4,"page":63},{"id":1654,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 64\rأُولئِكَ هُمُ فيه التفات عن الخطاب الرَّاشِدُونَ (7) الثابتون على دينهم فَضْلًا مِنَ اللَّهِ مصدر منصوب بفعله المقدر أي أفضل وَنِعْمَةً منه وَاللَّهُ عَلِيمٌ بهم حَكِيمٌ (8) في إنعامه عليهم وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الآية، نزلت في قضية هي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ركب حمارا ومرّ على ابن أبيّ فبال الحمار، فسد ابن أبيّ أنفه، فقال ابن رواحة: واللّه لبول حماره أطيب من مسكك، فكان بين قوميهما ضرب بالأيدي والنعال والسعف اقْتَتَلُوا جمع نظرا إلى المعنى، لأن كل طائفة جماعة، وقرىء اقتتلتا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ثني نظرا إلى اللفظ فَإِنْ بَغَتْ تعدت إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ ترجع إِلى أَمْرِ اللَّهِ الحق فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ بالإنصاف وَأَقْسِطُوا اعدلوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ في\r______________________________\rقيل إن، لكن يشترط أن يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها، نفيا وإثباتا، وتوضيح الجواب: أن الذين حبب إليهم الإيمان، قد غايرت صفتهم صفة المتقدم ذكرهم، فإن ما قيل: لكن يوهم أنهم على غير استقامة مع اللّه ومع رسوله، فهو استدراك بحسب المعنى. قوله: (مصدر منصوب) الخ، فيه مسامحة، إذ هو اسم مصدر، والمصدر إفضال، ويصح أن يكون مفعولا لأجله عامله حبب، وما بينهما اعتراض، وفي هذه الآية تنبيه على أن السعادة العظمى، محبة اللّه ورسوله، وكراهة أهل الكفر والفسوق. قوله: (هي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ركب حمارا) الخ، ذكر القصة مختصرة، ورواها الشيخان بطولها وحاصلها: أنه روي عن أسامة بن زيد، أنه صلّى اللّه عليه وسلّم ركب على حمار عليه إكاف، تحته قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن الخزرج قبل وقعة بدر، قال: فسار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى مر على مجلس فيه عبد اللّه بن أبي ابن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد اللّه بن أبي، وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المسلمين عبد اللّه بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد اللّه بن أبي أنفه بردائه ثم قال: لا تغيروا علينا، فسلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم وقف فنزل، فدعاهم إلى اللّه تعالى، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد اللّه بن أبي ابن سلول: أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول، أي لا شيء أحسن منه إن كان حقا، فلا تؤذنا به في مجالسنا وارجع إلى رحلك، فمن جاء فاقصص عليه، فقال عبد اللّه بن رواحة:\rبلى يا رسول اللّه، فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، فما لبث المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتحاربون، فلم يزل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يخفضهم حتى سكتوا. ا ه. قوله: (و مر على ابن أبي) أي وكان من الخزرج، وقوله: (فقال ابن رواحة) أي وكان من الأوس. قوله: (وسد ابن أبي أنفه) أي وقال: إليك عني، واللّه لقد آذاني نتن حمارك. قوله: (فكان بين قوميهما) أي وهما الأوس والخزرج. قوله: (و السعف) أي وهو جريدة النخل، إذا كان عليه الخوص، فإن جرد منه قيل له عسيب. قوله: (و قرئ) أي شذوذا.\rقوله: فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما أي أبت النصيحة والإجابة إلى حكم اللّه. قوله: حَتَّى تَفِيءَ حَتَّى هنا للغاية، والنصب بأن المضمرة بعدها، أي إلى أن ترجع الخ. قوله: فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ أي بالنصح والدعاء إلى حكم اللّه. قوله: (بالإنصاف) أي فلا تجوروا على إحدى الطائفتين، بل احكموا بينهما بالإنصاف. قوله: (اعدلوا) أشار به إلى أن أقسط معناه عدل، فهمزته للسلب، بخلاف","part":4,"page":64},{"id":1655,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 65\rالدين فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ إذا تنازعا وقرىء إخوتكم بالفوقانية وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ الآية، نزلت في وفد تميم حين سخروا من فقراء المسلمين، كعمار وصهيب، والسخرية الازدراء والاحتقار قَوْمٌ أي رجال منكم مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ عند اللّه وَلا نِساءٌ منكم مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا\r______________________________\rقسط، فمعناه جار، قال تعالى وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً.\rقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ كالتعليل لما قبله. قوله: إِخْوَةٌ (في الدين) أي من حيث إنهم ينتسبون إلى أصل واحد وهو الإيمان.\rقوله: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ خص الاثنين بالذكر، لأنهما أقل من يقع بينهما النزاع، فإذا ألزمت المصالحة بين الأقل، كانت بين الأكثر أولى. قوله: (و قرئ) أي شذوذا، وهذه القراءة تدل على أن قراءة التثنية معناها الجماعة. قوله: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي على تقواكم، وفي هذا الترجي إطماع من الكريم الرحيم.\rقوله: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ الخ، يقال: سخر منه سخرا، من باب تعب، والاسم السخرية بضم السين وكسرها، والسخرة بوزن غرفة، ما سخرته من خادم أو دابة بلا أجرة أو ثمن. قوله: (سخروا من فقراء المسلمين) أي لما رأوا من رثاثة حالهم وتقشفهم، وهذا كان في أول إسلامهم قبل تمكنهم منه، وإلا فقد صاروا بعد ذلك إخوانا متحابين في اللّه. قوله: (كعمار) الخ، أي وهم أهل الصفة، الذين قال اللّه فيهم لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية. قوله: (أي رجال منكم) أشار بذلك إلى أن القوم اسم جمع، بمعنى الرجال خاصة، واحده في المعنى رجل، وقيل: جمع لا واحد له، من لفظه يدل على تخصيصه بالرجال، مقابلته بقوله: وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ وهذا هو الموافق لأصل اللغة، قال الشاعر:\rوما أدري ولست أخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء\r\rوأما قوله تعالى كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ* ونحوه، فالمراد ما يشمل النساء، لكن بطريق التبع، لأن قوم كل نبي رجال ونساء، وسمي الرجال قوما، لأنهم قوامون على النساء. قوله: (منكم) قيد به قوم المرفوع، وتركه في المجرور، ويصح تقييده بكل، ويقال نظيره في قوله: وَلا نِساءٌ الخ. قوله:\rعَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ الجملة مستأنفة لبيان العلة الموجبة للنهي، ولا خبر لعسى، لأنه يغني عنه فاعلها، والمعنى: لا يحتقر أحدا أحدا، فلعل من يحتقر، يكون عند اللّه أعلى وأجل ممن احتقره، وبالجملة فينبغي للإنسان أن لا يسخر بأخيه في الدين، بل ولا بأحد من خلق اللّه، فلعله يكون أخلص ضميرا، وأتقى قلبا ممن سخر به، ولقد بلغ بالسلف الصالح هذا الأمر، حتى قال بعضهم: لو رأيت رجلا يرضع عنزا فضحكت منه، لخشيت أن أصنع مثل ما صنع، وقال عبد اللّه بن مسعود: البلاء موكل بالقول، لو سخرت من كلب، لخشيت أن أحول كلبا. قوله: وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ قال أنس: نزلت في صفية بنت حيي، بلغها أن حفصة قالت: بنت يهودي فبكت، فدخل عليها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهي تبكي فقال: ما يبكيك؟\rقالت: قالت لي حفصة إني بنت يهودي، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: إنك لابنة نبي، وعمك نبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفتخر عليك؟ ثم قال: اتقي اللّه يا حفصة. وذكر النساء لمزيد الإيضاح والتبيين، ولدفع توهم","part":4,"page":65},{"id":1656,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 66\rتَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ لا تعيبوا فتعابوا، أي لا يعب بعضكم بعضا وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ لا يدع بعضكم بعضا بلقب يكرهه، ومنه يا فاسق يا كافر بِئْسَ الِاسْمُ أي المذكور من السخرية واللمز والتنابز الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ بدل من الاسم، لإفادة أنه فسق لتكرره عادة وَمَنْ لَمْ يَتُبْ من ذلك فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ أي مؤثم وهو كثير، كظن السوء بأهل الخير من المؤمنين وهم كثير بخلافه\r______________________________\rأن هذا النهي خاص بالرجال. قوله: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ اللمز في الأصل الإشارة بالعين ونحوها.\rقوله: (و لا تعيبوا فتعابوا) أشار بذلك إلى توجيه قوله: أَنْفُسَكُمْ وذلك لأن الإنسان إذا عاب غيره، عابه ذلك الغير، فقد عاب الشخص نفسه بتسببه. قوله: (أي لا يعب بعضكم بعضا) هذا توجيه آخر، فكان الأولى للمفسر أن يأتي بأو، والمعنى: أن المؤمنين كشخص واحد، فمن عاب غيره، كأنه عاب نفسه، ومن هذا المعنى قول العارف:\rإذا شئت أن تحيا سعيدا من الردى ... وحظك موفور وعرضك صين\r\rلسانك لا تذكر به عورة امرىء ... فكلك عورات وللناس ألسن\r\rوعينك إن أبدت إليك معايبا ... فدعها وقل يا عين للناس أعين\r\rفعاشر بمعروف وسامح من اعتدى ... وفارق ولكن بالتي هي أحسن\r\rقوله: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ النبز بفتح الباء اللقب مطلقا، حسنا أو قبيحا، ثم صار مخصوصا بما يكرهه الشخص، وسبب نزول هذه الآية كما قال جبيرة بن الضحاك الأنصاري: قدم علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وليس منا رجل إلا له اسمان أو ثلاثة، فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: يا فلان، فيقولون: مه يا رسول اللّه، إنه يغضب من هذا الاسم، فأنزل اللّه هذه الآية، ومن ذلك الشتم كقولك لأخيك: يا كلب يا حمار ونحو ذلك، والمراد بهذه الألقاب ما يكرهه المخاطب، وأما الألقاب التي صارت كالأعلام لأصحابها، كالأعمش والأعرج، وما أشبه ذلك، فلا بأس بها، إذا لم يكرهه المدعو بها، وأما الألقاب التي تشعر بالمدح فلا تكره، كما قيل لأبي بكر: عتيق، ولعمر فاروق، ولعثمان: ذو النورين، ولعلي: أبو تراب، ولخالد: سيف اللّه، ونحو ذلك. قوله: بِئْسَ الِاسْمُ بِئْسَ فعل ماض، والاسم فاعل، وقوله: الْفُسُوقُ بدل من الاسم كما قال المفسر، وعليه فالمخصوص بالذم محذوف تقديره هو، والأوضح إعرابه مخصوصا بالذم، والمراد بالاسم الذكر المرتفع. قوله: الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ أي الاتصاف بالفسوق، بعد الاتصاف بالإيمان، والمراد بالفسوق: الخروج عن الطاعة. قوله: (لإفادة أنه) أي ما ذكر من السخرية، الخ. قوله: (لتكرره عادة) أي إنه وإن كان المذكور صغيرة لا يفسق بها، لكنه في العادة يتكرر، فيصير كبيرة يفسق بها. قوله: فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي الضارون لأنفسهم بمعاصيهم ومخالفاتهم، ففي هذه الآيات وصف المؤمنين بالفسق والظلم، وإن كان في غالب الآيات، إطلاق الفسق والظلم على أهل الكفر.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِ قيل: نزلت في رجلين اغتابا رفيقهما، وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا غزا أو سافر، ضم الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين، يخدمهما ويتقدمهما إلى المنزل، فيهيىء لهما ما يصلحهما من الطعام والشراب، فضم سلمان إلى","part":4,"page":66},{"id":1657,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 67\rبالفساق منهم فلا إثم فيه في نحو ما يظهر منهم وَلا تَجَسَّسُوا حذف منه إحدى التاءين، لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم بالبحث عنها وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً لا يذكره بشيء\r______________________________\rرجلين في بعض أسفاره، فتقدم سلمان إلى المنزل، فغلبته عيناه فنام، ولم يهيئ لهما شيئا، فلما قدما قالا له: ما صنعت شيئا؟ قال: لا، غلبتني عيناي، قالا له: انطلق إلى رسول اللّه فاطلب لنا منه طعاما، فجاء سلمان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسأله طعاما، فقال رسول اللّه: انطلق إلى أسامة بن زيد وقل له: إن كان عنده فضل طعام وإدام فليعطك، وكان إسامة خازن طعام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى رحله، فأتاه فقال: ما عندي شيء، فرجع سلمان إليهما فأخبرهما فقالا: كان عند أسامة ولكن بخل، فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة، فلم يجد عندهم شيئا، فلما رجع قالوا: لو بعثناك إلى بئر سمحة لغار ماؤها، ثم انطلقا يتجسسان، هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول اللّه، فلما جاءا إلى رسول اللّه قال لهما: ما لى أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟ قال: واللّه يا رسول اللّه، ما تناولنا يومنا هذا لحما، قال: ظلمتما بأكل لحم سلمان وأسامة، فنزلت الآية، والمعنى: أن اللّه تعالى نهى المؤمن أن يظن بأخيه المؤمن شرا، كأن يسمع من أخيه المسلم كلاما لا يريد به سوءا، أو يدخل مدخلا لا يريد به سوءا، فيراه أخوه المسلم فيظن به سوءا، لأن بعض الفعل قد يكون في الصورة قبيحا، وفي نفس الأمر لا يكون كذلك، لجواز أن يكون فاعله ساهيا، ويكون الرائي مخطئا، فأما أهل السوء والفسق المتجاهرين بذلك، فلنا أن نظن فيهم مثل الذي يظهر منهم.\rقوله: كَثِيراً مِنَ الظَّنِ أبهم الكثير إشارة إلى أنه ينبغي الاحتياط والتأمل في كل ظن، خوف أن يقع في منهي عنه، قال سفيان الثوري: الظن ظنان: أحدهما إثم، وهو أن يظن ويتكلم به، والآخرة ليس بإثم، وهو أن يظن ولا يتكلم به. قوله: (و هو) أي بعض الظن كثير، وقوله: (و هم) أي أهل الخير.\rقوله: (بخلافه بالفساق منهم) أي المؤمنين، وقوله: (في نحو ما يظهر منهم) أي نحو المعاصي التي تظهر منهم، بأن يتجاهروا بها.\rقوله: وَلا تَجَسَّسُوا العامة على قراءته بالجيم، وقرئ شذوذا بالحاء، واختلف فقيل معناهما واحد، وقيل التجسس بالجيم البحث عما يكتم عنك، والتحسس بالحاء طلب الأخبار والبحث عنها، والمعنى: خذوا ما ظهر، ولا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عوراتهم، تتبع اللّه عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته. قوله: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً اعلم أن الغيبة ثلاثة أوجه في كتاب اللّه تعالى:\rالغيبة والإفك والبهتان، فأما الغيبة فهي أن تقول في أخيك ما هو فيه، وأما الإفك فهو أن تقول فيه ما بلغك عنه، وأما البهتان فهو أن تقول فيه ما ليس فيه، وقيل: إن كلا يطلق على كل وهو المشهور.\r- واعلم- أن هذه الأمور المتقدم ذكرها كبائر تحتاج لتوبة، وهل تفتقر لاستحلال المغتاب ونحوه أو لا؟ فقال جماعة: ليس عليه الاستحلال، بل يكفيه التوبة بينه وبين اللّه، لأن المظلمة ما تكون في النفس والمال، ولم يأخذ من ماله ولا أصاب من بدنه ما ينقصه، وقال جماعة: يجب عليه أن يستغفر لصاحبها، لما ورد عن الحسن: كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته، وقال جماعة: عليه الاستحلال منها ولو اجمالا، ويستثنى من الغيبة المحرمة سبعة أمور نظمها بعضهم بقوله:","part":4,"page":67},{"id":1658,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 68\rيكرهه وإن كان فيه أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً بالتخفيف والتشديد، أي لا يحسن به لا فَكَرِهْتُمُوهُ أي فاغتيابه في حياته كأكل لحمه بعد مماته، وقد عرض عليكم الثاني فكرهتموه فاكرهوا الأول وَاتَّقُوا اللَّهَ أي عقابه في الاغتياب بأن تتوبوا منه إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ قابل توبة التائبين رَحِيمٌ (12) بهم يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى آدم وحواء وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً جمع شعب بفتح الشين، هو أعلى طبقات النسب وَقَبائِلَ هي دون\r______________________________\rتظلم واستغث واستفت حذر ... وعرف بدعة فسق المجاهر\r\rقوله: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ الخ، تمثيل لما يناله المغتاب من عرض من اغتابه على أقبح وجه، وإنما مثله بهذا، لأن أكل لحم الميت حرام في الدين، وقبيح في النفوس. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (لا يحسن به) تفسير لميتا، وقوله: (لا) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري.\rقوله: فَكَرِهْتُمُوهُ الضمير عائد على الأكل المفهوم من يَأْكُلَ. قوله: (أي فاغتيابه في حياته) الخ، في هذا التمثيل اشارة إلى أن عرض الإنسان كلحمه ودمه، لأن الإنسان يتألم قلبه من قرض عرضه، كما يتألم جسمه من قطع لحمه، فإذا لم يحسن من العاقل أكل لحوم الإنسان، لم يحسن منه قرض عرضه بالأولى. قوله: (قابل توبة التائبين) يشير به إلى أن المبالغة في تواب، للدلالة على كثرة من يتوب عليه من عباده، لأنه ما من ذنب إلا ويعفو اللّه عنه بالتوبة إذا استوفيت شروطها. واعلم أنه تعالى ختم الآيتين بذكر التوبة فقال وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وقال هنا إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ لكن لما كان الابتداء في الآية الأولى بالنهي في قوله: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ذكر النفي الذي هو قريب من النهي، وفي الثانية كان الابتداء بالأمر في قوله: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِ ذكر الاثبات الذي هو قريب من الأمر تأمل.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى اختلف في سبب نزول هذه الآية، فقال ابن عباس: لما كان يوم فتح مكة، أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بلالا حتى علا ظهر الكعبة فأذن، فقال عتاب بن أسيد بن أبي الفيض: الحمد للّه الذي قبض أبي حتى لا يرى هذا اليوم، وقال الحرث بن هشام: ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا، وقال سهل بن عمرو: وإن يرد اللّه شيئا يغيره، وقال أبو سفيان: أنا لا أقول شيئا أخاف أن يخبره رب السماوات، فأتى جبريل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأخبره بما قالوا، فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، زجرا لهم عن التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء بالفقراء، وأن المدار على التقوى، لأن الجميع من آدم وحواء، وإنما الفضل بالتقوى، وقيل: نزلت في أبي هند، حين أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بني بياضة أن يزوجوه امرأة منهم، فقالوا لرسول اللّه: نزوج بناتنا موالينا؟\rوقيل: نزلت في قيس بن ثابت حين قال له رجل: افسح لي، فقال: إن ابن فلانة يقول: افسح لي، كناية عن استخفافه به، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: من الذاكر فلانة؟ قال ثابت: أنا يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: انظر في وجوه القوم، فنظر فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: ما رأيت؟ قال ثابت: رأيت أبيض وأسود وأحمر، فقال: إنك لا تفضلهم إلا بالتقوى، ونزل فيه أيضا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ الآية. قوله: (آدم وحواء) لف ونشر مرتب. قوله: (هو أعلى طبقات النسب) أي فالشعوب","part":4,"page":68},{"id":1659,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 69\rالشعوب وبعدها العمائر ثم البطون ثم الأفخاذ ثم الفصائل آخرها مثاله خزيمة شعب كنانة قبيلة قريش عمارة بكسر العين قصي بطن هاشم فخذ العباس فصيلة لِتَعارَفُوا حذف منه إحدى التاءين ليعرف بعضكم بعضا لا لتفاخروا بعلو النسب، وإنما الفخر بالتقوى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بكم خَبِيرٌ (13) ببواطنكم قالَتِ الْأَعْرابُ نفر من بني أسد آمَنَّا صدقنا بقلوبنا قُلْ لهم لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا انقدنا ظاهرا وَلَمَّا أي لم يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ إلى الآن لكنه يتوقع منكم وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ بالإيمان وغيره لا يَلِتْكُمْ بالهمز وتركه وبإبداله ألفا لا ينقصكم مِنْ أَعْمالِكُمْ أي من ثوابها شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ\r______________________________\rرؤوس القبائل، وسمي شعبا لتشعب القبائل منه. قوله: (ثم الفصائل آخرها) أي فالمراتب ست، وزاد بعضهم سابعة وهي العشيرة، وكل واحدة تدخل فيما قبلها، فالقبائل تحت الشعوب، والعمائر تحت القبائل؛ والبطون تحت العمائر، والأفخاذ تحت البطون، والفصائل تحت الأفخاذ، والعشائر تحت الفصائل. قوله: (بكسر العين) أي وفتحها، ففيها لغتان، لكن الأفصح الفتح. قوله: (ليعرف بعضكم بعضا) أي فتصلوا أرحامكم وتنتسبوا لآبائكم. قوله: (و إنما الفخر بالتقوى) أي الافتخار المحمود، إنما يكون على أهل الكفر بترك الشرك والتمسك بالإسلام وشعائره.\rقوله: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ أي أعزكم عند اللّه أكثركم تقوى، فهي سبب رفعة القدر في الدنيا والآخرة، وانظر إلى قوله: أَتْقاكُمْ ولم يقل أكثركم مالا ولا جاها، ولا احسنكم صورة، ولا غير ذلك من الأمور التي تفتى. قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ أي يعلم ظواهركم خبير يعلم بواطنكم، فلا يخفى عليه شيء. قوله: (نفر من بني أسد) أشار بذلك إلى سبب نزول هذه الآية، وذلك أنهم قدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في سنة مجدبة فأظهروا الإسلام، ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأفسدوا طريق المدينة بالعذرات وأعلوا اسعارها، وكانوا يغدون ويروحون إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، ونحن جئناك بالأطفال والعيال والذراري، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، يمنون على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويريدون الصدقة ويقولون أعطنا، فنزلت هذه الآية. قوله: (صدقنا بقلوبنا) جواب عما يقال: إن الإسلام والإيمان متلازمان، فأجاب: بأن المنفي هنا الإيمان بالقلب، والمثبت الانقياد ظاهرا، فهما متغايران بهذا الاعتبار، وأما الإسلام والإيمان الشرعيان المعتبران متحدان ما صدقا، وإن كان مفهومهما مختلفا، إذ الإيمان هو التصديق القلبي بشرط التعلق بالشهادتين، والإسلام الانقياد الظاهري الناشىء عن التصديق القلبي.\rقوله: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا أي فلا تقولوا آمنا، وقوله: وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا أي فحصل منكم الإسلام ظاهرا، ففي الآية احتباك، حذف من كل نظير ما أثبت في الآخر. قوله: (إلى الآن) أخذه من لما، لأن نفيها مختص بالحال، وقوله: (لكنه يتوقع منكم) أشار إلى أن منفي لما متوقع الحصول، ففيه بشارة لهم بأنهم سيؤمنون وقد حصل، وبهذا اندفع ما قد يتوهم من أن هذه الجملة مكررة مع قوله: لَمْ تُؤْمِنُوا وإيضاح الجواب أن هذه الجملة أفادت معنى زائدا، وهو نفي الإيمان مع توقع حصوله، بخلاف الأولى فإنها أفادت نفيه فقط، قوله: (بالهمز) أي من ألت من بابي ضرب ونصر. قوله: (و تركه) أي من","part":4,"page":69},{"id":1660,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 70\rغَفُورٌ للمؤمنين رَحِيمٌ (14) بهم إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أي الصادقون في إيمانهم كما صرح به بعد الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا لم يشكوا في الإيمان وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فجهادهم يظهر صدق إيمانهم أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) في إيمانهم لا من قالوا آمنا ولم يوجد منهم غير الإسلام قُلْ لهم أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ مضعف علم بمعنى شعر أي أتشعرونه بما أنتم عليه في قولكم آمنا وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا من غير قتال بخلاف غيرهم ممن أسلم بعد قتاله منهم قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ منصوب بنزع الخافض الباء ويقدر قبل أن في الموضعين بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (17) في قولكم آمنا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ما غاب فيهما وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (18) بالياء والتاء لا يخفى عليه شيء منه.\r______________________________\rلات يليت كباع يبيع، فحذفت منه عين الكلمة وهي الياء، وقيل: هو من ولت يلت، كوعد يعد، فحذفت منه فاء الكلمة وهي الواو قوله: (و بإبداله ألفا) أي فالقراءات ثلاثة سبعيات.\rقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ مبتدأ خبره قوله: الَّذِينَ آمَنُوا. قوله: ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا أتى بثم إشارة إلى أن نفي الريب لم يكن وقت حصول الإيمان، بل هو حاصل فيما يستقبل فكأنه قال: ثم داموا على ذلك. قوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي طاعته. قوله: (فجهادهم يظهر صدق إيمانهم) أي أن الجهاد في سبيل اللّه، دل على أنهم صادقون في الإيمان وليسوا منافقين، وهو جواب عن سؤال وهو أن العمل ليس من الإيمان، فكيف ذكر أنه منه في هذه الآية؟ وإيضاح الجواب عنه: أن المراد من الآية الإيمان الكامل.\rقوله: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ فيه تعريض بكذب الأعراب في ادعائهم الإيمان، فلما نزلت هاتان الآيتان، أتت الأعراب رسول اللّه يحلفون أنهم مؤمنون صادقون، وعلم اللّه منهم غير ذلك، فأنزل اللّه\rقُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ الخ. قوله: (مضعف علم بمعنى شعر) أي وهو بهذا المعنى متعد لواحد فقط، وبواسطة التضعيف يتعدى لاثنين، أولهما بنفسه، والثاني بحرف الجر. قوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ الخ، الجملة حالية.\rقوله: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا أي يعطون إسلامهم منه عليك. قوله: (من غير قتال) أي لك ولأصحابك. قوله: (و يقدر) أي الخافض الذي هو الباء. والحاصل أنه مقدر في ثلاثة مواضع: الأول منها قوله: أَنْ أَسْلَمُوا. الثاني قوله: قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ. الثالث قوله: أَنْ هَداكُمْ فموضعان فيهما أَنْ وموضع خال عنها. قوله: أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ أي على حسب زعمكم، كأنه قال: إن إيمانكم على فرض حصوله منه من اللّه عليكم. قوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي فلا يخفى عليه شيء فيهما.\rقوله: بالياء) أي نظرا لقوله: يَمُنُّونَ وما بعده، وقوله: (و التاء) أي نظرا لقوله: لا تَمُنُّوا وهما قراءتان سبعيتان.","part":4,"page":70},{"id":1661,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 71\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة ق مكيّة وآياتها خمس وأربعون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق اللّه أعلم بمراده به وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) الكريم ما آمن كفار مكة بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ رسول من أنفسهم يخوّفهم بالنار بعد\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة ق\rمكية إلا وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية فمدنية. وهي خمس وأربعون آية.\rأي كلها على أحد القولين، وقوله: (إلا ولقد خلقنا) على القول الآخر، فكان المناسب للمفسر أن يقول أو إلا وَلَقَدْ خَلَقْنَا ليكون مشيرا للقولين.\rقوله: ق العامة على قراءته بالسكون وقرىء شذوذا بالبناء على الكسر والفتح والضم. قوله: (اللّه أعلم بمراده) تقدم غير مرة أن هذا القول أصح وأسلم، وقيل: هو حبل محيط بالأرض، من زمردة خضراء اخضرت السماء منه، وعليه طرفا السماء، والسماء عليه مقبية، وما أصاب الناس من زمرد، كان مما تساقط من ذلك الجبل، وقال وهب: أشرف ذو القرنين على جبل ق، فرأى تحته جبالا صغارا فقال له: ما أنت؟ قال: أناق، قال: فما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وما مدينة إلا وفيها عرق من عروقي، فإذا أراد اللّه أن يزلزل مدينة أمرني فحركت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض. فقال له: يا ق أخبرني بشيء من عظمة اللّه، قال: إن شأن ربنا لعظيم، وإن ورائي أرضا مسيرة خمسمائة عام، في خمسمائة من جبال ثلج، بعضها يحطم بعضا، لولا هي لاحترقت من حر جهنم، ثم قال: زدني، قال: إن جبريل عليه السّلام واقف بين يدي اللّه ترتعد فرائصه، يخلق اللّه من كل رعدة مائة ألف ملك، فهؤلاء الملائكة واقفون بين يدي اللّه منكسون رؤوسهم، فإذا أذن اللّه لهم في الكلام قالوا: لا إله إلا اللّه، وهو قوله تعالى يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً وقيل: معنى ق قضي الأمر، كما قيل في حم: حم الأمر، وقيل: هو اسم من أسمائه تعالى أقسم به، وقيل هو اسم من أسماء القرآن، وقيل: هو افتتاح كل اسم من أسمائه تعالى في أوله ق، كقادر وقهار وقوي، ولعظم فضل تلك السورة، كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقرأ في الأضحى والفطر بها، وباقتربت الساعة، وكان يقرؤها على المنبر يوم الجمعة إذا خطب الناس. قوله: (الكريم) أي فكل من طلب منه مقصوده وجده فيه. قوله: (ما آمن كفار مكة) الخ، قدره إشارة إلى أن جواب القسم محذوف،","part":4,"page":71},{"id":1662,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 72\rالبعث فَقالَ الْكافِرُونَ هذا الإنذار شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَإِذا بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين مِتْنا وَكُنَّا تُراباً نرجع ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) في غاية البعد قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ تأكل مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (4) هو اللوح المحفوظ، فيه جميع الأشياء المقدرة بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِ بالقرآن لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ في شأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) مضطرب قالوا مرّة ساحر وسحر، ومرّة شاعر وشعر، ومرّة كاهن وكهانة أَفَلَمْ يَنْظُرُوا بعيونهم، معتبرين بعقولهم حين أنكروا البعث إِلَى السَّماءِ كائنة فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها بلا عمد وَزَيَّنَّاها بالكواكب وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (6) شقوق تعيبها وَالْأَرْضَ معطوف على موضع إلى السماء كيف مَدَدْناها دحوناها على وجه الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ جبالا تثبتها وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ صنف بَهِيجٍ (7) يبهج به لحسنه تَبْصِرَةً مفعول له، أي فعلنا ذلك تبصيرا منا وَذِكْرى تذكيرا لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) رجاع إلى طاعتنا وَنَزَّلْنا مِنَ\r______________________________\rوهو أسهل الأعاريب.\rقوله: بَلْ عَجِبُوا اضراب عن جواب القسم المحذوف، لبيان أحوالهم الشنيعة، والعجب استعظام أمر خفي سببه، وهذا بالنسبة لعقولهم القاصرة حيث قالوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. قوله: فَقالَ الْكافِرُونَ حكاية لبعض تعجبهم وأقاويلهم الباطلة. قوله: هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أي يتعجب منه، لأنه خارج عن طور عقولنا.\rقوله: أَإِذا مِتْنا معمول لمحذوف قدره المفسر بقوله: (نرجع). قوله: (و إدخال ألف بينهما) أي وتركه فالقراءات أربع سبعيات لا اثنتان كما توهمه عبارته. قوله: بَعِيدٌ أي عن العادة.\rقوله: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ رد لاستبعادهم وتعجبهم. قوله: وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ الجملة حالية، والكلام على تشبيه علمه بتفاصيل الأشياء، بعلم من عنده كتاب حاو محفوظ يطلع عليه. قوله: (هو اللوح المحفوظ) أي وهو من درة بيضاء، مستقرة على الهواء، فوق السماء السابعة، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب. قوله: (فيه جميع الأشياء) يحتمل أن الجار والمجرور متعلق بالمحفوظ و(جميع) نائب فاعل متعلق به، ويحتمل أنه خبر مقدم و(جميع) مبتدأ مؤخر.\rقوله: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِ انتقال من شناعتهم إلى ما هو أشنع، وهو تكذيبهم للنبوة الثابتة بالمعجزات الظاهرة. قوله: مَرِيجٍ (مضطرب) أي مختلط يقال: مرج الأمر، ومرج الدين اختلط.\rقوله: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه، والتقدير: أغفلوا وعموا فلم ينظروا إلى السماء، الخ. قوله: (كائنة) فَوْقَهُمْ أشار به إلى أن فَوْقَهُمْ حال من السَّماءِ. قوله:\rكَيْفَ بَنَيْناها كَيْفَ مفعول مقدم، وجملة بَنَيْناها بدل من السَّماءِ. قوله: وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ الجملة حالية. قوله: (معطوف على موضع إلى السماء) أي المنصوب بينظروا. قوله: (يبهج به) أي يسر، وفيه إشارة إلى أن فعيل بمعنى فاعل، أي يحصل السرور به. قوله: (مفعول له) أي لأجله، ويصح أن يكونا منصوبين على المصدرية، والتقدير: بصرناهم تبصرة، وذكرناهم تذكرة. قوله: (تبصيرا منا) أي تعليما وتفهيما، والتبصرة والتذكرة إما عائدان على كل من السَّماءِ والْأَرْضَ والمعنى خلقنا السماوات تبصرة وذكرى،","part":4,"page":72},{"id":1663,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 73\rالسَّماءِ ماءً مُبارَكاً كثير البركة فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ بساتين وَحَبَ الزرع الْحَصِيدِ (9) المحصود وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ طوالا حالا مقدرة لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) متراكب بعضه فوق بعض رِزْقاً لِلْعِبادِ مفعول له وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً يستوي فيه المذكر والمؤنث كَذلِكَ أي مثل هذا الأحياء الْخُرُوجُ (11) من القبور فكيف تنكرونه والاستفهام للتقرير، والمعنى أنهم نظروا وعلموا ما ذكر كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ تأنيث الفعل لمعنى قوم وَأَصْحابُ الرَّسِ هي بئر كانوا مقيمين عليها بمواشيهم يعبدون الأصنام، ونبيهم قيل حنظلة بن صفوان، وقيل غيره وَثَمُودُ (12) قوم صالح وَعادٌ قوم هود وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ\r______________________________\rوالأرض تبصرة وذكرى، ويحتمل أنه لف ونشر مرتب، فالسماء تبصرة، والأرض تذكرة، والفرق بينهما أن التبصرة تكون فيما آياته مستمرة، والتذكرة فيما آياته متجددة. قوله: (رجاع إلى طاعتنا) أي ذا رجوع وإقبال عليه، فالصيغة للنسبة لا للمبالغة.\rقوله: وَحَبَّ الْحَصِيدِ قدر المفسر الزرع إشارة إلى أنه حذف الموصوف، وأقيمت صفته مقامه.\rقوله: (المحصود) أي الذي شأنه أن يحصد كالبر والشعير، وفيه مجاز الأول، أي الزرع الذي يؤول إلى كونه محصودا.\rقوله: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ يقال: بسقت النخلة بسوقا من باب قعد طالت، فهي باسقة، والجمع باسقات وبواسق، وبسق الرجل بهر في علمه. قوله: (حال مقدرة) أي لأنها وقت الإنبات لم تكن طوالا، وأفردها بالذكر لكثرة منافعها وزيادة ارتفاعها. قوله: لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ الجملة حال من النخل مترادفة، أو من الضمير في باسِقاتٍ.\rقوله: رِزْقاً لِلْعِبادِ منصوب على الحال، ولم يقيد العباد هنا بالانابة، وقيد به في قوله: تَبْصِرَةً وَذِكْرى لأن التذكرة لا تكون إلا لمنيب، والرزق يعم كل أحد.\rقوله: وَأَحْيَيْنا بِهِ أي بذلك الماء، وقوله: بَلْدَةً مَيْتاً أي أرضا جدبة يابسة، فاهتزت وربت بذلك الماء، وأنبتت من كل زوج بهيج. قوله: (يستوي فيه المذكر والمؤنث) جواب عن سؤال مقدر تقديره الأرض مؤنثة، فكيف وصفها بالمذكر؟ وفي هذا الجواب نظر، لأن استواء المذكر والمؤنث في فعيل وليس هنا، والصواب أن التذكير باعتبار كونه مكانا. قوله: كَذلِكَ الْخُرُوجُ جملة قدم فيها الخبر لقصد الحصر، والمعنى خروجهم من قبورهم، مثل ما تقدم من عجائب خلق السماء وما بعدها. قوله:\r(و الاستفهام للتقرير) الخ، الأولى أن يقول للإنكار والتوبيخ، قوله: (و المعنى) الخ، غير صحيح، إذ لو نظروا وعلموا لآمنوا.\rقوله: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ الخ، كلام مستأنف قصد به تقرير حقيقة البعث والوعيد لقريش، والتسلية لرسول اللّه. قوله: (لمعنى قوم) أي لأنه بمعنى أمة. قوله: (هي بئر) أي فخسفت تلك البئر مع ما حولها، فذهبت بهم وبأموالهم. قوله: (و قيل غيره) هو شعيب أو نبي آخر أرسل بعد صالح لبقية من ثمود. قوله: وَثَمُودُ ذكرهم بعد أصحاب الرس، لأن الرجفة التي أخذتهم مبدأ الخسف لأصحاب الرس، وأتبع ثمود بعاد، لأن الريح التي أهلكتهم أثر صيحة ثمود.\rقوله: وَإِخْوانُ لُوطٍ تقدم أنه ابن أخي إبراهيم، وأنه هاجر معه من العراق إلى الشام، فنزل إبراهيم بفلسطين، ونزل لوط بسذوم، وأرسله اللّه إلى أهلها وهو أجنبي منهم، فكيف يقال إخوانه! أجيب: بأنه تزوج فصار صهرا","part":4,"page":73},{"id":1664,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 74\rأي الغيضة قوم شعيب وَقَوْمُ تُبَّعٍ هو ملك باليمن أسلم ودعا قومه إلى الإسلام فكذبوه كُلٌ من المذكورين كَذَّبَ الرُّسُلَ كقريش فَحَقَّ وَعِيدِ (14) وجب نزول العذاب على الجميع، فلا يضق صدرك من كفر قريش بك أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي لم نعي به فلا نعيا بالإعادة بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ شك مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) وهو البعث وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ حال بتقدير نحن ما مصدرية تُوَسْوِسُ تحدث بِهِ الباء زائدة أو للتعدية، والضمير للإنسان نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ بالعلم مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) الإضافة للبيان،\r______________________________\rلهم، فالأخوة من حيث ذلك.\rقوله: وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ تقدم الكلام عليهم في الشعراء. قوله: (أي الغيضة) أي وهي الشجر الملتف، وهي هنا بأل المعرفة، وفي ص والشعراء بأل ودونها قراءتان سبعيتان. قوله: (هو ملك كان باليمن) وقيل نبي وهو تبع الحميري، واسمه اسعد، وكنيته أبو قرن.\rقوله: كُلٌ التنوين عوض عن المضاف، أي كل أمة، والمراد بالكل الكل المجموعي. قوله: كَذَّبَ الرُّسُلَ أي ولو بالواسطة كتبع. قوله: فَحَقَّ وَعِيدِ مضاف لياء المتكلم، حذفت الياء وبقيت الكسرة دليلا عليها. قوله: (فلا يضيق صدرك) أي لما تقدم أنه تسلية لرسول اللّه وتهديد لهم.\rقوله: أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه، والأصل أقصدنا الخلق الأول فعجزنا عنه حتى يحكموا بعجزنا عن الاعادة؟ وفيه إلزام لمنكري البعث، والعي العجز.\rقوله: بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ الباء سببية أو بمعنى عن، والاستفهام انكاري بمعنى النفي. قوله: بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ عطف على مقدر يقتضيه السياق، كأنه قيل هم غير منكرين لقدرتنا على الخلق الأول، بل هم في خلط وشبهة من خلق جديد، لما فيه من مخالفة العادة، وتنكير خلق لتفخيم شأنه والإشعار بخروجه عن حدود العادات.\rقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ المراد به الجنس الصادق بآدم وأولاده. قوله: (حال بتقدير نحن) أي لأن الجملة المضارعية المثبتة إذا وقعت حالا، لا تقترن بالواو، بل تحوي الضمير فقط، فإن اقترنت بالواو، أعربت خبر المحذوف، وتكون الجملة الاسمية حالا، قال ابن مالك:\rوذات بدء بمضارع ثبت ... حوت ضميرا ومن الواو خلت\r\rوذات واو بعدها انو مبتدا ... له المضارع اجعلن مسندا\r\rقوله: (ما مصدرية) أي والتقدير: ونعلم وسوسة نفسه إياه، ويصح أن تكون موصولة والضمير عائد عليها، والتقدير: ونعلم الأمر الذي تحدث نفسه به. قوله: (الباء زائدة) أي فهو نظير صوت بكذا، وقوله: (أو للتعدية) أي فالنفس تجعل الإنسان قائما به الوسوسة. قوله: (و الضمير للإنسان) أي فجعل الإنسان مع نفسه شخصين، تجري بينهما مكالمة ومحادثة، تارة يحدثها وتارة تحدثه، وهذه الوسوسة لا يؤاخذ بها الإنسان خيرا أو شرا، ومثلها الخاطر والهاجس، وأما الهم فيكتب في الخير لا في الشر، وأما العزم فيكتب خيرا أو شرا، وقد تقدم ذلك. قوله: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ أي لأن اللّه لا يحجبه شيء، بل هو القائم على كل نفس، لا تخفى عليه خافية، فقربه تعالى من عبده اتصال تصاريفه فيه، بحيث لا يغيب عنه طرفة عين، قال تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ.","part":4,"page":74},{"id":1665,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 75\rوالوريدان عرقان بصفحتي العنق إِذْ ناصبه اذكر مقدرا يَتَلَقَّى يأخذ ويثبت الْمُتَلَقِّيانِ الملكان الموكلان بالإنسان ما يعمله عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ منه قَعِيدٌ (17) أي قاعدان، وهو مبتدأ خبره ما قبله ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ حافظ عَتِيدٌ (18) حاضر، وكل منهما بمعنى المثنى وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ غمرته وشدته بِالْحَقِ من أمر الآخرة حتى يراه المنكر لها عيانا، وهو نفس الشدة ذلِكَ أي الموت ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) تهرب وتفزع وَنُفِخَ فِي الصُّورِ للبعث ذلِكَ أي يوم النفخ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) للكفار بالعذاب وَجاءَتْ فيه كُلُّ نَفْسٍ إلى المحشر مَعَها سائِقٌ ملك يسوقها إليه وَشَهِيدٌ (21) يشهد عليها بعملها،\r______________________________\rقوله: مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ هذا مثل في شدة القرب، والحبل العرق. قوله: (و الوريدان عرقان بصفحتي العنق) أي مكتنفان صفحتي العنق في مقدمهما يتصلان بالوتين وهو عرق متصل بالقلب، وبالأبهر وهو عرق في الظهر، وبالأكحل وهو عرق في الذراع، وبالنسا وهو عرق في الفخذ، وبالأسلم وهو عرق في الخنصر متى قطع من أي جهة مات صاحبه، قال القشيري: في هذه الآية هيبة وفزع وخوف لقوم، وروح وأنس وسكون قلب لقوم، أي بحسب تجلي اللّه تعالى وشهوده، فإذا شهد الإنسان جلال اللّه وهيبته وشدة بطشه وسرعة انتقامه، مع شدة تمكنه منه واتصال تصاريفه به، ذاب من خشية اللّه، وإذا شهد جمال اللّه ورحمته وإحسانه أنس وفرح. قوله: (يأخذ ويثبت) أي يكتبان في صحيفتي الحسنات والسيئات، وقلبهما لسانه، ومدادهما ريقه، ومحلهما من الإنسان نواجذه.\rقوله: (ما يعمله) مفعول يَتَلَقَّى. قوله:\r(أي قاعدان) أشار بذلك إلى أن قَعِيدٌ مفرد أقيم مقام المثنى، لأن فعيلا يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع.\rقوله: (و هو مبتدأ خبره ما قبله) أي والجملة في محل نصب على الحال من المتلقيان.\rقوله: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الخ ما نافية ومِنْ زائدة في المفعول، وقوله: لَدَيْهِ خبر مقدم، ورَقِيبٌ مبتدأ مؤخر، والجملة حالية. قوله: (و كل منهما بمعنى المثنى) أي فالمعنى إلا لديه ملكان موصوفان بأنهما رقيبان وعتيدان، فكل منهما موصوف بأنه رقيب وعتيد، وقوله: (حاضر) أي فلا يفارقه إلا في مواضع ثلاثة: في الخلاء، وعند الجماع، وفي حال الجنابة، فإذا فعل العبد في تلك الحالات حسنة أو سيئة، عرفاها برائحتها وكتباها.\rقوله: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ أي حضرت إما بالموت فرادى وهو ظاهر واقع، أو دفعة عند النفخة الأولى، وإنما عبر عنها بالماضي لتحقق وقوعها، وإشارة إلى أنها في غاية القرب. قوله: بِالْحَقِ الباء للتعدية، أي أتت بالأمر الحق أي أظهرته، والمراد به ما بعد الموت من أهوال الآخرة، ومعنى كونه حقا أنه واقع لا محالة. قوله: (و هو نفس الشدة) المناسب حذف هذه العبارة للاستغناء بما قبلها عنها، إلا أن يقال إن الضمير في (هو) عائد على أمر الآخرة، والمراد بالشدة الأمر الشديد، وهو أهوال الآخرة. قوله: (تهرب) بضم الراء من باب طلب.\rقوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ عطف على قوله: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ والصُّورِ هو القرن الذي ينفخ فيه اسرافيل، لا يعلم قدره إلا اللّه تعالى، وقد التقمه اسرافيل من حيث بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منتظرا للأذن بالنفخ. قوله: (إلى يوم النفخ) أي فالإشارة إلى الزمان المفهوم من قوله: نُفِخَ لأن الفعل كما يدل على الحدث يدل على الزمان.\rقوله: مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ اختلف في معنى السائق","part":4,"page":75},{"id":1666,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 76\rوهو الأيدي والأرجل وغيرها، ويقال للكافر لَقَدْ كُنْتَ في الدنيا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا النازل بك اليوم فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ أزلنا غفلتك بما تشاهده اليوم فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) حادّ تدرك به ما أنكرته في الدنيا وَقالَ قَرِينُهُ الملك الموكل به هذا ما أي الذي لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) حاضر فيقال لمالك أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ أي ألق ألق، أو ألقين، وبه قرأ الحسن، فأبدلت النون ألفا كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) معاند مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ كالزكاة مُعْتَدٍ ظالم مُرِيبٍ (25) شاكّ في دينه الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ مبتدأ ضمن معنى الشرط خبره فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (26) تفسيره مثل ما تقدم قالَ قَرِينُهُ الشيطان رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ أضللته وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (27) فدعوته فاستجاب لي وقال هو أطغاني بدعائه لي قالَ تعالى لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَ أي ما ينفع الخصام هنا وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ في الدنيا\r______________________________\rوالشهيد على أقوال: أشهرها ما قاله المفسر، وقيل سائق كاتب السيئات، والشهيد كاتب الحسنات، وقيل السائق نفسه أو قرينه، والشهيد جوارحه أو أعماله، وقيل غير ذلك.\rقوله: (و يقال للكافر) هذا أحد قولين، وقيل إن القول يقع للمسلم أيضا، لكن على سبيل التهنئة، ومعنى كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ كنت في حجاب لم تشاهده بالبصر، إذ ليس راء كمن سمع، فكشفنا عنك غطاءك، فاهنأ بما رأيت، وتمل بما أعطيت من النعيم المقيم.\rقوله: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ أي حجابك، وهو الغفلة والانهماك في الشهوات. قوله: (حاد) أي نافذ لزوال المانع للإبصار. قوله: (الملك الموكل به) أي في الدنيا لكتابة أعماله، وهو الرقيب العتيد المتقدم ذكره، والمعنى أن الملك يقول: هذا عمله المكتوب عندي حاضر لدي، وقيل: المراد بقرينه الشيطان المقيض له، واسم الإشارة عائد على ذات الشخص الكافر، والمعنى يقول الشيطان: هذا الشخص الذي عندي حاضر معد ومهيأ للنار.\rقوله: هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ يصح أن تكون ما نكرة موصوفة، وعَتِيدٌ صفتها، ولَدَيَ متعلق بعتيد، أي هذا شيء حاضر عندي، ويصح أن تكون ما موصولة بمعنى الذي ولَدَيَ صلتها، وعَتِيدٌ خبر الموصول، والموصول وصلته خبر اسم الإشارة. قوله: (أي ألق ألق) الخ، لما جعل المفسر الخطاب للواحد، احتاج للجواب عن التثنية في\rقوله: أَلْقِيا فأجاب بجوابين، الأول: أنه تثنية بحسب الصورة، والأصل أن الفعل مكرر للتوحيد، فحذف الثاني وعبر عنهما بضمير التثنية، فعلى هذا يعرب بحذف النون، والألف فاعل. الثاني: أن الألف ليست للتثنية، بل هي منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة، وأجرى الوصل هنا مجرى الوقف. قوله: (و به قرأ الحسن) أي وهي قراءة شاذة. قوله:\r(معاند) أي معرض عن الحق مخالف له. قوله: (مبتدأ ضمن معنى الشرط) المناسب أن يقول: مبتدأ يشبه الشرط. قوله: (تفسيره) أي تخريجه مثل ما تقدم، من حيث الاعتذار عن التثنية.\rقوله: قالَ قَرِينُهُ الخ، أي جوابا عما ادعاء الكافر عليه بقوله: هو أطغاني، فالكافر أولا:\rيقول: الشيطان أطغاني. فيجيبه الشيطان بقوله: رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وكان الأولى للمفسر أن يقدم قوله:\r(هو أطغاني) بأن يقول: وقال قرينه، جوابا لقوله: (هو أطغاني) رَبَّنا الخ.\rقوله: لا تَخْتَصِمُوا","part":4,"page":76},{"id":1667,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 77\rبِالْوَعِيدِ (28) بالعذاب في الآخرة لو لم تؤمنوا ولا بد منه ما يُبَدَّلُ يغير الْقَوْلُ لَدَيَ في ذلك وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29) فأعذبهم بغير جرم، وظلام بمعنى ذي ظلم لقوله لا ظُلْمَ الْيَوْمَ يَوْمَ ناصبه ظلام نَقُولُ بالنون والياء لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ استفهام تحقيق لوعده بملئها وَتَقُولُ بصورة الاستفهام كالسؤال هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) أي فيّ لا أسع غير ما امتلأت به أي قد\r______________________________\rخطاب للكافرين وقرنائهم. قوله: (أي ما ينفع الخصام هنا) أي في موقف الحساب. قوله: وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ظاهره أن الجملة حال من قوله: لا تَخْتَصِمُوا وهو مشكل بأن التقديم بالوعيد في الدنيا، والاختصام في الآخرة. وأجيب: بأن الكلام على حذف، والأصل وقد ثبت الآن أني قد تقدمت اليكم الخ. قوله: (و لا بد) أي لا تطمعوا أني أبدل وعيدي، فإن وعيدي للكافرين محتم كوعدي للمؤمنين.\rقوله: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ المراد بالقول الوعيد بتخليد الكافر في النار. قوله: (في ذلك) أي في ذلك اليوم، فاسم الإشارة عائد على يوم الحساب. قوله: (لا ظلم اليوم) أي وإذا انتفى الظلم عنه في هذا اليوم، فنفي الظلم عنه في غيره أحرى، سبحان من تنزه عن الظلم عقلا ونقلا. قوله: (ناصبه ظلام) أي والمعنى: ما أنا بظلام يوم قولي لجهنم الخ. قوله: (استفهام تحقيق لوعده بمثلها) خاطب اللّه سبحانه وتعالى جهنم خطاب العقلاء، وأجابته جواب العقلاء، ولا مانع من ذلك عقلا ولا شرعا لما ورد:\rتحاجت الجنة والنار، واشتكت النار إلى ربها، فلا حاجة إلى تكلف المجاز، مع التمكن من الحقيقة في هذا ونظائره مما ورد في السنة من نطق الجمادات، والمراد باستفهام التحقق التقرير، فاللّه تعالى يقررها بأنها قد امتلأت.\rقوله: وَتَقُولُ (بصورة الاستفهام كالسؤال) أي أجابته جوابا صورته استفهام، ومعناه الخبر، كما أشار له المفسر بقوله: أي امْتَلَأْتِ وإنما أجابته بصورة الاستفهام، ليكون طبق السؤال، لكن استفهام السؤال تقريري، واستفهام جوابها إنكاري، هذا ما مشى عليه المفسر، وقيل: إن الاستفهام لطلب الزيادة فهو بمعنى زدني، ويدل عليه ما جاء في الحديث من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول: قط قط وعزتك، فينزوي بعضها على بعض وتقول: قط قط وعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل، حتى ينشىء اللّه لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة» وفي رواية «فأما النار فلا تمتلىء حتى يضع اللّه عليها رجله، يقول لها: قط قط، فهنالك تمتلىء وينزوي بعضها إلى بعض، فلا يظلم اللّه من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن اللّه ينشىء لها خلقا» ا ه. ولفظ القدم والرجل في الحديث من المتشابه، يأتي فيه مذهب السلف والخلف، فالسلف ينزهونه عن الجارحة، ويفوضون علمه إلى اللّه تعالى، والخلف لهم فيه تأويل منها: أن المراد بالقدم والرجل قوم من أهل النار في علم اللّه، لأن القدم والرجل يطلقان في اللغة على العدد الكثير من الناس، فكأنه قال: حتى يضع رب العزة فيها العدد الكثير من الناس الموعودين بها، ويؤيده ما ورد عن ابن مسعود، أن ما في النار بيت ولا سلسلة ولا مقمع ولا تابوت، إلا وعليه اسم صاحبه، فكل واحد من الخزنة، ينتظر صاحبه الذي قد عرف اسمه وصفته؛ فإذا استوفى ما أمر به وما ينتظره، ولم يبق أحد منهم قالت الخزنة: قط قط، حسبنا حسبنا، اكتفينا اكتفينا، وحينئذ فتنزوي جهنم على من فيها وتنطق،","part":4,"page":77},{"id":1668,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 78\rامتلأت وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ قربت لِلْمُتَّقِينَ مكانا غَيْرَ بَعِيدٍ (31) منهم فيرونها ويقال لهم هذا المرئي ما تُوعَدُونَ بالتاء والياء في الدنيا، ويبدل من المتقين قوله لِكُلِّ أَوَّابٍ رجاع إلى طاعة اللّه حَفِيظٍ (32) حافظ لحدوده مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ خافه ولم يره وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) مقبل على طاعته، ويقال للمتقين أيضا ادْخُلُوها بِسَلامٍ أي سالمين من كل مخوف أو مع سلام أي سلموا وادخلوا ذلِكَ اليوم الذي حصل فيه الدخول يَوْمُ الْخُلُودِ (34) الدوام في الجنة لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (35) زيادة على ما عملوا وطلبوا وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ أي أهلكنا قبل كفار قريش قرونا كثيرة من الكفار هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً قوّة\r______________________________\rإذ لم يبق أحد ينتظر. ومنها أن وضع القدم والرجل كناية عن تجلي الجلال عليها، فتتصاغر وتضيق وتنزوي فتقول: قط قط، وهذا هو الأقرب.\rقوله: لِلْمُتَّقِينَ المراد بهم من ماتوا على التوحيد. قوله: (مكانا) قدره المفسر إشارة إلى أن قوله:\rغَيْرَ بَعِيدٍ صفة لموصوف محذوف، فهو منصوب على الظرفية لقيامة مقام الظرف، ولم يقل بعيدة، إما لأنه صفة لمذكر محذوف، أو لأن فعيلا يستوي فيه المذكر والمؤنث، وأتى بهذه الجملة عقب قوله:\rوَأُزْلِفَتِ للتأكيد، كقولهم: هو قريب غير بعيد، وعزيز غير ذليل، إن قلت: إن الجنة مكان، والشأن انتقال الشخص للمكان، لا انتقال المكان للشخص. أجيب: بأنه أضاف القرب لها إكراما للمؤمنين، كأن الإكرام ينقل لهم، وهو كناية عن سهولة وصولهم إليها.\rقوله: (و يبدل من المتقين) أي بإعادة الجار، وجملة هذا ما تُوعَدُونَ معترضة بين البدل والمبدل منه. قوله: (حافظ لحدوده) أي فحفيظ بمعنى حافظ لا بمعنى محفوظ.\rقوله: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ إما بدل من كل، أو مستأنف خبر لمحذوف. قوله: (خافه ولم يره) أشار بذلك إلى أن قوله: بِالْغَيْبِ حال من المفعول، والمعنى خشيه، والحال أن اللّه غائب عنه، أي متحجب بصفة جلاله وكبريائه، ويصح أن يكون حالا من الفاعل، والمعنى خشي الرحمن، والحال أن الشخص غائب عن اللّه أي محجوب عنه.\rقوله: (أي سالمين من كل مخوف) أشار بذلك إلى أن قوله:\rبِسَلامٍ حال من فاعل ادْخُلُوها وهي حال مقارنة. قوله: (أو مع سلام) أي إن دخولهم مصحوب بالسلام من بعضهم على بعض، أو من اللّه وملائكته عليهم، وحينئذ فالمعنى ادخلوها مسلما عليكم.\rقوله: ذلِكَ (اليوم الذي حصل فيه الدخول) الخ، فائدة هذا القول، بشرى للمؤمنين وطمأنينة قلوبهم.\rقوله: لَهُمْ ما يَشاؤُنَ أي ما يشتهونه ويريدونه يحصل لهم عاجلا، وقوله: فِيها إما متعلق ب يَشاؤُنَ أو حال من ما. قوله: (زيادة على ما عملوا وطلبوا) أي وهو النظر إلى وجه اللّه الكريم لما قيل: يتجلى لهم الرب تبارك وتعالى كل ليلة جمعة في دار كرامته، فهذا هو المزيد، وقيل: إن السحابة ثمر شجرة تمر بأهل الجنة، فتمطرهم الحور فيقلن: نحن المزيد الذي قال اللّه فيه وَلَدَيْنا مَزِيدٌ.\rقوله: وَكَمْ أَهْلَكْنا الخ، كَمْ خبرية معمولة لأهلكنا، ومِنْ قَرْنٍ تمييز لكم، وقوله:\rهُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ مبتدأ، وخبر الجملة صفة إما لكم أو لقرن، بَطْشاً تمييز، المعنى: أننا أهلكنا قرونا كثيرة أشد بأسا وبطشا من قريش، ففتشوا في البلاد عند نزول العذاب بهم، فلم يجدوا مخلصا. قوله:","part":4,"page":78},{"id":1669,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 79\rفَنَقَّبُوا فتشوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) لهم أو لغيرهم من الموت فلم يجدوا إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَذِكْرى لعظة لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ عقل أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ استمع الوعظ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) حاضر وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أولها الأحد، وآخرها الجمعة وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (38) تعب، نزل ردا على اليهود في قولهم: إن اللّه استراح يوم السبت، وانتفاء التعب عنه لتنزهه تعالى عن صفات المخلوقين، ولعدم المماسة بينه وبين غيره إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَاصْبِرْ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم عَلى ما يَقُولُونَ أي اليهود وغيرهم من التشبيه والتكذيب وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ صل حامدا قَبْلَ طُلُوعِ\r______________________________\rفَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ أي ساروا فيها طالبين الهرب. قوله: (لهم أو لغيرهم) هذا يقتضي أن جملة هَلْ مِنْ مَحِيصٍ استثنائية من كلامه تعالى، وحينئذ فالوقف على قوله: فِي الْبِلادِ ويكون في الكلام حذف، والتقدير: ففتشوا في البلاد هاربين، فلم يجدوا مخلصا، فهل من قرار لهم أو لغيرهم؟ وقيل: إنها من كلامهم، والتقدير: قائلين هل من محيص لنا.\rقوله: إِنَّ فِي ذلِكَ (المذكور) أي من أول السورة إلى هنا. قوله: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ أَوْ مانعة خلو تجوز الجمع وهو المطلوب، فإن الموعظة لا تفيد ولا ينتفع بها صاحبها، إلا إذا كان ذا عقل، وأصغى بسمعه وأحضر قلبه، فإن لم يكن كذلك فلا ينتفع بها. قوله: (استمع الوعظ) أي بكليته حتى كأنه يلقي شيئا من علو إلى أسفل. قوله: وَهُوَ شَهِيدٌ الجملة حالية أي ألقى السمع، والحال أنه حاضر القلب، غير مشتغل بشيء غير ما هو فيه، وحضور القلب على مراتب، مرتبة العامة أن يشهد الأوامر والنواهي من القارىء، ومرتبة الخاصة أن يشاهد الشخص منهم أنه في حضرة اللّه تعالى يأمره وينهاه، ومرتبة خاصة الخاصة أن يفنوا عن حسهم ويشاهدوا أن القارىء هو اللّه تعالى، وإنما ترجمان عن اللّه تعالى.\rقوله: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أي تعليما لعباده التمهل والتأني في الأمور، وإلا فلو شاء لخلق الكل في أقل من لمح البصر. قوله: مِنْ لُغُوبٍ مِنْ زائدة في الفاعل، واللغوب مصدر لغب من باب دخل وتعب الإعياء والتعب، والعامة على ضم اللام وقرىء شذوذا بفتحها، والجملة إما حالية أو مستأنفة.\rقوله: (نزل ردا على اليهود) الخ، أي فقالوا: خلق السماوات والأرض في ستة أيام، أولها الأحد، وآخرها الجمعة، ثم استراح يوم السبت واستلقى على العرش، فلذلك تركوا العمل فيه، فنزلت هذه الآية ردا عليهم وتكذيبا لهم في قولهم: استراح يوم السبت بقوله: وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ. قوله: (و لعدم المماسة بينه وبين غيره) أي من الموجودات التي يوجدها، والتعب والإعياء إنما يحصل من العلاج ومماسة الفاعل لمفعوله، كالنجار والحداد وغير ذلك، وهذا إنما يكون في أفعال المخلوقين. قوله: (إنما أمره) أي شأنه. قوله: (إذا أراد شيئا) أي إيجاد شيء أو إعدامه. قوله: (أن يقول له كن فيكون) أي من غير فعل ولا معالجة عمل، وهذا على حسب التقريب للعقول، وإلا ففي الحقيقة، لا قول ولا كاف ولا نون.\rقوله: (من التشبيه) أي تشبيه اللّه بغيره، إذ نسبوا له الإعياء والاستراحة وغير ذلك من كفرياتهم.\rقوله: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ الخ، أي حيث لم يهتدوا ولم يتبعوك، فاشتغل بعبادة ربك، ولا","part":4,"page":79},{"id":1670,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 80\rالشَّمْسِ أي صلاة الصبح وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) أي صلاة الظهر والعصر وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ أي صلّ العشاءين وَأَدْبارَ السُّجُودِ (40) بفتح الهمزة جمع دبر وبكسرها مصدر أدبر أي صلّ النوافل المسنونة عقب الفرائض، وقيل المراد حقيقة التسبيح في هذه الأوقات ملابسا للحمد وَاسْتَمِعْ يا مخاطب مقولي يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ هو إسرافيل مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (41) من السماء وهو صخرة بيت المقدس أقرب موضع من الأرض إلى السماء يقول: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن اللّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء يَوْمَ بدل من يوم قبله يَسْمَعُونَ أي الخلق كلهم الصَّيْحَةَ بِالْحَقِ بالبعث وهي النفخة الثانية من إسرافيل، ويحتمل أن تكون قبل ندائه أو بعده ذلِكَ أي يوم النداء والسماع يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) من القبور، وناصب يوم ينادي مقدرا أي يعلمون عاقبة تكذيبهم إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43) يَوْمَ بدل من يوم قبله وما بينهما اعتراض تَشَقَّقُ بتخفيف\r______________________________\rتتركها حزنا على عدم إيمانهم، وذلك أن اللّه تعالى أمره بشيئين: هداية الخلق وعبادة ربه، فحيث فاته هدايتهم فلا نترك العبادة، لأنه ليس مأمورا بجهادهم حينئذ. قوله: (صلّ حامدا) أشار بذلك إلى أن سَبِّحْ معناه صلّ، إما مجاز من إطلاق الجزء على الكل أو حقيقة، لأن من جملة معاني الصلاة التسبيح، لما ورد عن عائشة: كنت أصلي سبحة الضحى الخ. قوله: (بفتح الهمزة جمع دبر) أي أعقاب الصلاة، من أدبرت الصلاة إذا انقضت. قوله: (و بكسرها مصدر أدبر) أي والمعنى وقت إدبار الصلاة، أي انقضائها وتمامها، والقراءتان سبعيتان. قوله: (و قيل المراد حقيقة التسبيح) أي لما ورد: من سبح اللّه دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد اللّه ثلاثا وثلاثين، وكبر ثلاثا وثلاثين، فلذلك تسعة وتسعون، وتمام المائة لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر.\rقوله: (مقول) أشار بذلك إلى أن مفعول اسْتَمِعْ محذوف، أي استمع ما أقول لك في شأن أحوال يوم القيامة، قوله: يَوْمَ يُنادِ كلام مستأنف مبين للمفعول المحذوف.\rقوله: يَوْمَ يُنادِ الوقف عليها إما بالياء أو بدونها قراءتان سبعيتان، والمناد إما بالياء وصلا ووقفا، أو بإثباتها وصلا لا وقفا، أو بحذفها وصلا ووقفا، ثلاث قراءات. قوله: (هو إسرافيل) هذا أحد قولين، وقيل: المنادي جبريل، والنافخ إسرافيل. قوله: (أقرب موضع من الأرض إلى السماء) أي باثني عشر ميلا. قوله: (و الأوصال) أي العروق.\rقوله: بِالْحَقِ حال من الواو، أي يسمعون ملتبسين بالحق، أو من الصيحة أي ملتبسة بالحق، وعبارة المفسر تقتضي أن الباء للتعدية. قوله: (و يحتمل أن تكون قبل ندائه أو بعده) هذا يقتضي أنها غير النداء المذكور، ومع أن النداء المذكور هو ما يسمع من النفخة، فهذا الصنيع غير مستقيم، إلا على القول بأن المنادي جبريل والنافخ إسرافيل. قوله: (أي يعلمون عاقبة تكذيبهم) بيان للناصب المقدر، ولو قدره بلصقه لكان أولى.\rقوله: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي أي في الدنيا، وقوله: وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ أي في الآخرة. قوله: (و ما بينهما) أي وهو قوله: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ. قوله: (بتخفيف الشين) الخ، أي فهما","part":4,"page":80},{"id":1671,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 81\rالشين وتشديدها، بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً جمع سريع، حال من مقدر، أي فيخرجون مسرعين ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (44) فيه فصل بين الموصوف والصفة بمتعلقها للاختصاص، وهو لا يضر، وذلك إشارة إلى معنى الحشر المخبر به عنه، وهو الإحياء بعد الفناء، والجمع للعرض والحساب نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ أي كفار قريش وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ تجبرهم على الإيمان، وهذا قبل الأمر بالجهاد فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (45) وهم المؤمنون.\r______________________________\rقراءتان سبعيتان. قوله: (حال من مقدر) أي ويصح أن يكون حالا من ضمير عنهم. قوله:\r(للاختصاص) أي الحصر، والمعنى لا يتيسر ذلك إلا على اللّه وحده.\rقوله: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ فيه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: بِجَبَّارٍ صيغة مبالغة من جبر الثلاثي، ويقال أيضا: أجبر رباعيا، فهما لغتان فيه. قوله: (و هذا قبل الأمر بالجهاد) أي فهو منسوخ. قوله: مَنْ يَخافُ وَعِيدِ يرسم بدون ياء، وفي اللفظ يقرأ بإثباتها وصلا لا وقفا، وبحذفها وصلا ووقفا، قراءتان سبعيتان. قوله: (و هم المؤمنون) خصهم لأنهم المنتفعون به، ويؤخذ من الآية أنه ينبغي للشخص أن لا يعظ إلا من يسمع وعظه ويقبله.\r***","part":4,"page":81},{"id":1672,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 82\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الذّاريات مكيّة وآياتها ستون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالذَّارِياتِ الرياح تذر والتراب وغيره ذَرْواً (1) مصدر، ويقال تذريه ذريا: تهب به فَالْحامِلاتِ السحب تحمل الماء وِقْراً (2) ثقلا مفعول الحاملات فَالْجارِياتِ السفن تجري على وجه الماء يُسْراً (3) بسهولة، مصدر في موضع الحال، أي ميسرة فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (4) الملائكة تقسم الأرزاق والأمطار وغيرها بين العباد والبلاد إِنَّما تُوعَدُونَ ما مصدرية، أي إن وعدهم بالبعث وغيره لَصادِقٌ (5) لوعد صادق وَإِنَّ الدِّينَ\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الذاريات\rمكية وهي ستون آية وفي بعض النسخ والذاريات بالواو.\rقوله: وَالذَّارِياتِ الواو للقسم، والذَّارِياتِ مقسم به،\rوفَالْحامِلاتِ عطف عليه، وفَالْجارِياتِ عطف على فَالْحامِلاتِ وفَالْمُقَسِّماتِ عطف على فَالْجارِياتِ والمقسم عليه هو قوله: إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ وإنما أقسم بهذه الأشياء تعظيما لها، ولكونها دلائل على باهر قدرة اللّه، ويصح أن يكون الكلام على حذف مضاف، أي ورب هذه الأشياء، فالقسم باللّه لا بتلك الأشياء. قوله: (و تذور التراب) أي ففعله واوي من باب عدا، وأشار به إلى أن مفعول الذَّارِياتِ محذوف. قوله: (مصدر) أي مؤكد وناصبه اسم الفاعل. قوله: (و يقال تذريه) أي ففعله يأتي من باب رمى. قوله: (تهب به) راجع لكل من الواوي واليائي. قوله: وِقْراً الوقر والثقل والحمل كلها ألفاظ متحدة الوزن والمعنى. قوله: (مفعول الحاملات) أي مفعول به للحاملات.\rقوله: أَمْراً إما مفعول به أو حال أي مأمورة، وعليه فيحتاج إلى حذف مفعول فَالْمُقَسِّماتِ. قوله:\r(الملائكة تقسم الأرزاق) الخ، أي ورؤساء ذلك أربعة، جبريل وهو صاحب الوحي إلى الأنبياء، وميكائيل صاحب الرزق، وإسرافيل صاحب الصور، وعزرائيل صاحب قبض الأرواح، وما مشى عليه المفسر في تفسير هذه الأشياء هو المشهور، وقيل: هذه الأوصاف الأربعة للرياح، لأنها تثير السحاب ثم تحمله وتنقله، ثم تجري جريا سهلا، ثم تقسم الأمطار بتصريف السحاب. قوله: (أي إن وعدهم) صوابه","part":4,"page":82},{"id":1673,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 83\rالجزاء بعد الحساب لَواقِعٌ (6) لا محالة وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (7) جمع حبيكة كطريقة وطرق، أي صاحبة الطرق في الخلقة كالطرق في الرمل إِنَّكُمْ يا أهل مكة في شأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) قيل: شاعر ساحر كاهن، شعر سحر كهانة يُؤْفَكُ يصرف عَنْهُ عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن، أي عن الإيمان به مَنْ أُفِكَ (9) صرف عن الهداية في علم اللّه تعالى قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) لعن الكذابون أصحاب القول المختلف الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ جهل يغمرهم ساهُونَ (11) غافلون عن أمر الآخرة يَسْئَلُونَ النبي استفهام استهزاء أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) أي متى مجيئه، وجوابهم يجيء يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) أي يعذبون فيها، ويقال لهم حين التعذيب ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ تعذيبكم هذَا التعذيب الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14) في الدنيا استهزاء إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ بساتين وَعُيُونٍ (15) تجري فيها آخِذِينَ حال من الضمير في خبر إن ما آتاهُمْ أعطاهم رَبُّهُمْ من الثواب إِنَّهُمْ كانُوا\r______________________________\rبكاف الخطاب.\rقوله: لَواقِعٌ أي حاصل.\rقوله: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ بضمتين في قراءة العامة، وقرىء بوزن إبل وسلك وجبل ونعم وبرق. قوله: (في الخلقة) أشار به إلى أن المراد بها الطرق المحسوسة التي هي مسيرة الكواكب، ويصح أن المراد بها الطرق المعنوية للناظرين الذين يستدلون بها على توحيد اللّه تعالى.\rقوله: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ جواب القسم. قوله: (قيل شاعر) الخ، المناسب أن يقول قلتم. قوله: (عن النبي والقرآن) أي فالضمير عائد على أحدهما، وفيه تسلية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، أي فما من عبد كفر بك إلا لسابق كفره أزلا، ويصح أن يكون الضمير عائدا على القول المذكور، والمعنى يصرف عن هذا القول المختلق من صرف عنه، وهو من أراد اللّه هدايته كالمؤمنين.\rقوله: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ هذا التركيب في الأصل، مستعمل في القتل حقيقة، ثم استعمل في اللعن على سبيل الاستعارة، حيث شبه من فاتته السعادة بالمقتول الذي فاتته الحياة، وطوي ذكر المشبه به، ورمز له من لوازمه وهو القتل، فإثباته تخييل.\rقوله: يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ أَيَّانَ خبر مقدم، ويَوْمُ الدِّينِ مبتدأ مؤخر. قوله: (أي متى مجيئه) جواب عن سؤال مقدر تقديره: إن الزمان لا يخبر به عن الزمان، وإنما يخبر به عن الحدث.\rفأجاب: بأن الكلام على حذف مضاف. قوله: (و جوابهم) أي جواب سؤالهم، وإنما أجيبوا بما لا تعيين فيه، لأنهم مستهزئون لا متعلمون.\rقوله: عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ عداه بعلى لتضمنه معنى يعرضون.\rقوله:\rهذَا مبتدأ، وقوله: الَّذِي كُنْتُمْ الخ خبره.\rقوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ الخ، لما بين حال الكفار، وما أعد لهم في الآخرة، أخذ يبين أحوال المتقين، وما أعد لهم. قوله: (تجري فيها) جواب عما يقال: إن المتقين لم يكونوا في العيون، فكيف قال في جنات وعيون؟ فأجاب: بأن المراد أن العيون تجري في الجنة، وتكون في جهاتهم وأمكنتهم. قوله: (حال من الضمير في خبر إن) أي كائنون في جنات وعيون، حال كونهم آخذين ما آتاهم ربهم، أي راضين به.","part":4,"page":83},{"id":1674,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 84\rقَبْلَ ذلِكَ أي دخولهم الجنة مُحْسِنِينَ (16) في الدنيا كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (17) ينامون، وما زائدة، ويهجعون خبر كان، وقليلا ظرف، أي ينامون في زمن يسير من الليل ويصلون أكثره وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) يقولون: اللهم أغفر لنا وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) الذي لا يسأل لتعففه وَفِي الْأَرْضِ من الجبال والبحار والأشجار والثمار والنبات وغيرها آياتٌ دلالات على قدرة اللّه سبحانه وتعالى ووحدانيته لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ آيات أيضا، من مبدأ خلقكم إلى منتهاه، وما في تركيب خلقكم من العجائب أَفَلا تُبْصِرُونَ (21) ذلك فتستدلون به على صانعه وقدرته وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ أي المطر المسبب عنه النبات الذي هو رزق وَما تُوعَدُونَ (22) من المآب والثواب والعقاب أي مكتوب ذلك في السماء فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ أي ما توعدون لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) برفع مثل صفة،\r______________________________\rقوله: (من الثواب) بيان لما. قوله: كانُوا قَلِيلًا الخ، تفسير للاحسان.\rقوله: وَبِالْأَسْحارِ متعلق ب يَسْتَغْفِرُونَ المعطوف على (يهجعون) والباء بمعنى في وبِالْأَسْحارِ جمع سحر وهو سدس الليل الأخير. قوله: (يقولون اللهم اغفر لنا) أي تقصيرنا في حقك، فإنه لا يقدرك أحد حق قدرك.\rقوله: وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌ أي بمقتضى كرمهم، جعلوه كالواجب عليهم، كصلة الأرحام ومواساة الفقراء والمساكين، والمعنى: أنهم بذلوا نفوسهم وأموالهم في طاعة ربهم. قوله: (لتعففه) أي فيظن غنيا فيحرم الصدقة، وهذا على حد تفسير القانع والمعتر.\rقوله: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ الخ، الجار والمجرور خبر مقدم، وآياتٌ مبتدأ مؤخر، و\rقوله: وَفِي أَنْفُسِكُمْ خبر حذف مبتدؤه لدلالة ما قبله عليه، وهو كلام مستأنف قصد به الاستدلال على قدرته تعالى ووحدانيته، وقد اشتمل على دليلين: الأرض والأنفس. قوله: (من الجبال) الخ، بيان للأرض، فالمراد بها ما قابل السماء. قوله: (دلالات على قدرة اللّه تعالى) الخ، أي وجميع صفاته الكمالية. قوله: (من مبدأ خلقكم إلى منتهاه) أي كالأطوار المذكورة في قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ إلخ. قوله: (و ما في تركيب خلقكم) إلخ، أي كحسن القامة وحسن الشكل ونحو ذلك. قوله: أَفَلا تُبْصِرُونَ جملة مستأنفة قصد بها الحث على النظر والتأمل.\rقوله: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ كلام آخر قصد به الامتنان والوعد والوعيد. قوله: (أي المطر المسبب عنه النبات) أي فالكلام على حذف مضاف، والتقدير وفي السماء سبب رزقكم. قوله: وَما تُوعَدُونَ عطف عام على قوله: (أي مكتوب ذلك) أي ما تُوعَدُونَ فهو تفسير لظرفية ما توعدون في السماء، وأما ظرفية الرزق فيها فظاهرة، إذا المطر فيها حقيقة، والمعنى: أن جميع ما توعدون به من خير وشر، مكتوب في السماء، تنزل به الملائكة الموكلون بتدبير العالم على طبق ما أمروا به.\rقوله: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ الخ، هذا قسم من اللّه تعالى، على ما ذكره من الرزق وغيره، وأنه مثل النطق في كونه حقا، لا يفارق الشخص في حال من أحواله. قوله: (أي ما توعدون) أي رزقكم أيضا. قوله: (برفع مثل صفة) أي لحق. قوله: (و بفتح اللام) أي والقراءتان سبعيتان. قوله: (مركبة مع ما) أي حال كونها مركبة مع ما تركيب مزج ككلما وطالما، فيقال في إعرابها مِثْلَ ما صفة لَحَقٌ","part":4,"page":84},{"id":1675,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 85\rوما مزيدة، وبفتح اللام مركبة مع ما، المعنى: مثل نطقكم في حقيته أي معلوميته عندكم، ضرورة صدوره عنكم هَلْ أَتاكَ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) وهم ملائكة، اثنا عشر، أو عشرة، أو ثلاثة، منهم جبريل إِذْ ظرف لحديث ضيف دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً أي هذا اللفظ قالَ سَلامٌ أي هذا اللفظ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) لا نعرفهم، قال ذلك في نفسه، وهو خبر مبتدأ مقدر أي هؤلاء فَراغَ مال إِلى أَهْلِهِ سرا فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) وفي سورة هود بعجل حينئذ أي مشوي فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (27) عرض عليهم الأكل فلم يجيبوا فَأَوْجَسَ أضمر في نفسه مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنا رسل ربك\r______________________________\rمبني على السكون في محل رفع، ومِثْلَ ما مضاف، وجملة أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ مضاف إليه في محل جر قوله: (المعنى) أي معنى القراءتين. قوله: (مثل نطقكم في حقيقته) أي فكما أنه لا شك لكم في أنكم تنطقون، ينبغي لكم ألا تشكوا في حقيقته. حكي أن رجلا جاع في مكان، وليس فيه شيء، فقال: اللهم رزقك الذي وعدتني فائتني به، فشبع وروي من غير طعام ولا شراب.\rقوله: هَلْ أَتاكَ الخ، استفهام تشويق وتفخيم لشأن تلك القصة، وقيل: إن هَلْ بمعنى قد، كما في قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ. قوله: ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الضيف في الأصل مصدر مضاف، ولذلك يطلق على الواحد والجماعة. قوله: الْمُكْرَمِينَ أي المعظمين. قوله:\r(مكنهم جبريل) أي على جميع الأقوال. قوله: (ظرف لحديث ضيف) هذا أحد أوجه في عامل الظرف، الثاني: أنه منصوب بما في ضَيْفِ من معنى الفعل، لكونه في الأصل مصدرا، الثالث: أنه منصوب بالمكرمين، الرابع: منصوب بفعل محذوف تقديره اذكر، ولا يصح نصبه بأتاك لاختلاف الزمانين.\rقوله: فَقالُوا سَلاماً أي نسلم عليكم سلاما، وقوله: قالَ سَلامٌ أي عليكم سلام، وعدل إلى الرفع قصدا للإثبات، فتحيته أحسن من تحيتهم. قوله: قَوْمٌ مُنْكَرُونَ أي لا نعرف من أي بلدة قدموا، وفي هود فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ فمقتضاه أن إنكارهم إنما حصل بعد مجيئه لهم بالعجل، وامتناعهم من الأكل، ومقتضى ما هنا أنه قبل ذلك، وحاصل الجمع بين الموضعين، أن الإنكار هنا غيره فيما تقدم، فما هنا محمول على عدم العلم بأنهم دخلوا عليه لقصد الخير أو الشر.\rقوله: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ أي خدمه، وكان عامة ماله البقر. قوله: (سرا) أي في خفية من ضيفه، فإن من دأب رب المنزل الكريم، أن يبادر بالقرى في خفية، حذرا من أن يمنعه الضيف.\rقوله: فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ عطف على محذوف، والتقدير فشواه. قوله: (عرض عليهم الأكل) أشار بذلك إلى أن أَلا للعرض، وهو الطلب بلين ورفق، كما قال الشاعر:\rيا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ما ... قد حدثوك فما راء كمن سمعا\r\rقوله: فَأَوْجَسَ عطف على ما قدره المفسر. قوله: خِيفَةً أي من عدم اكلهم، فإن الضيف إذا لم يأكل من طعام رب المنزل يخاف منه. قوله: قالُوا لا تَخَفْ أي لما ظهر لهم أمارات خوفه. قوله:\r(إنا رسل ربك) أي إلى قوم لوط، وقيل: مسح جبريل العجل بجناحه، فقام يمشي حتى لحق بأمه،","part":4,"page":85},{"id":1676,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 86\rوَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (28) ذي علم كثير، هو إسحق كما ذكر في هود فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ سارة فِي صَرَّةٍ صيحة حال أي جاءت صائحة فَصَكَّتْ وَجْهَها لطمته وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) لم تلد قط، وعمرها تسع وتسعون سنة، وعمر إبراهيم مائة سنة أو عمره مائة وعشرون سنة وعمرها تسعون سنة قالُوا كَذلِكَ أي مثل قولنا في البشارة قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ في صنعه الْعَلِيمُ (30) بخلقه قالَ فَما خَطْبُكُمْ شأنكم أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) كافرين أي قوم لوط لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (33) مطبوخ بالنار مُسَوَّمَةً معلمة عليها اسم من يرمى بها عِنْدَ رَبِّكَ ظرف لها لِلْمُسْرِفِينَ (34) بإتيانهم الذكور مع كفرهم فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها أي قرى قوم لوط مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) لإهلاك الكافرين فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وهم لوط وبنتاه، وصفوا بالإيمان والإسلام، أي هم مصدقون بقلوبهم، عاملون بجوارحهم الطاعات وَتَرَكْنا فِيها بعد إهلاك الكافرين آيَةً علامة على إهلاكهم لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (37) فلا يفعلون مثل فعلهم وَفِي مُوسى معطوف على فيها، المعنى: وجعلنا في قصة موسى آية إِذْ\r______________________________\rفعرفهم وأمن منهم.\rقوله: فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ أي لما سمعت البشارة المذكورة، وكانت في زاوية من زوايا البيت، فجاءت وقالت ما ذكر. قوله: (سارة) بالتخفيف والتشديد لغتان. قوله: (صيحة) تفسير لصرة، وتقدم في هود أنها ضحكت أي حاضت، فلم يكن بين البشارة والولادة إلا سنة. قوله: فَصَكَّتْ وَجْهَها أي ضربته بيدها مبسوطة أو بأطراف اصابعها مثل المتعجب، وهي عادة النساء إذا انكرن شيئا.\rقوله: وَقالَتْ عَجُوزٌ أي أنا عجوز.\rقوله: قالُوا كَذلِكَ منصوب على المصدر بقال الثانية، أي مثل ذلك القول الذي أخبرناك به قالَ رَبُّكِ أي قضى وحكم في الأزل، فلا تعجبي منه.\rقوله: قالَ فَما خَطْبُكُمْ أي لما رأى من حالهم، وأن اجتماعهم لم يكن لهذه البشارة.\rقوله: لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً استدل به على أن اللائط يرجم بالأحجار، وكان في تلك المدائن ستمائة الف، فأدخل جبريل جناحه تحت الأرض فاقتلعها ورفعها، حتى سمع أهل السماء اصواتهم، ثم قلبها، ثم ارسل الحجارة على من كان منهم خارجا عنها.\rقوله:\rمُسَوَّمَةً إما حال من حِجارَةً أو صفة ثانية لها.\rقوله: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها الخ، حكاية من جهته تعالى لما جرى على قوم لوط بطريق الإجمال، بعد حكاية ما جرى بين الملائكة مع إبراهيم. قوله: (أي قرى قوم لوط) أي وهي وإن لم تذكر، دل عليها السياق.\rقوله: غَيْرَ بَيْتٍ أي غير أهل بيت. قوله: (و هم لوط وابنتاه) أي وقيل: كانوا ثلاثة عشر منهم ابنتاه. قوله: (وصفوا بالإيمان والإسلام) أي لأن المسلم قد يكون مؤمنا وقد لا يكون.\rقوله: وَتَرَكْنا أي ابقينا في القرى. قوله: (علامة) أي وهي تلك الأحجار والصخر المتراكم والماء الأسود المنتن، يشاهدها من يمر بأرضهم. قوله: (معطوف على فيها) أي على الضمير المجرور بفي.\rقوله: (المعنى وجعلنا) الخ، أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، والمفعول محذوف.","part":4,"page":86},{"id":1677,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 87\rأَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ ملتبسا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (38) بحجة واضحة فَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان بِرُكْنِهِ مع جنوده لأنهم له كالركن وَقالَ لموسى هو ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ طرحناهم فِي الْيَمِ البحر فغرقوا وَهُوَ أي فرعون مُلِيمٌ (40) آت بما يلام عليه، من تكذيب الرسل ودعوى الربوبية وَفِي إهلاك عادٍ آية إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) هي التي لا خير فيها، لأنها لا تحمل المطر ولا تلقح الشجر وهي الدبور ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ نفس أو مال أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) كالبالي المتفتت وَفِي إهلاك ثَمُودَ آية إِذْ قِيلَ لَهُمْ بعد عقر الناقة تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) أي إلى انقضاء آجالكم كما في آية تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَعَتَوْا تكبروا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ أي عن امتثاله فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بعد مضي الثلاثة أيام أي الصيحة المهلكة وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) أي بالنهار فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ أي ما قدروا على النهوض حين نزول العذاب وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (45)\r______________________________\rقوله: إِذْ أَرْسَلْناهُ الظرف متعلق بآية المحذوف، والمعنى: تركنا في قصة موسى علامة في وقت إرسالنا إياه. قوله: (ملتبسا) بِسُلْطانٍ الخ، أشار بذلك إلى أن الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال، والباء للملابسة. قوله: (بحجة واضحة) أي وهي الآيات التسع. قوله: (كالركن) أي كركن البيت الذي يعتمد عليه، فسمى الجنود ركنا، لأنه يحصل بهم التقوى والاعتماد، كما يعتمد على الركن.\rقوله:\rوَقالَ (لموسى) أي شأن موسى. قوله: ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ يحتمل أن أَوْ على بابها من الإبهام على السامع أو للشك، نزل نفسه منزلة الشك تمويها على قومه، ويحتمل أنها بمعنى الواو وهو الأحسن لأنه قالهما، قال تعالى: إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ* وقال في موضع آخر إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ.\rقوله: وَجُنُودَهُ معطوف على مفعول (أخذناه). قوله: وَهُوَ مُلِيمٌ الجملة حالية من مفعول (أخذناه). قوله: (آت بما يلام عليه) أشار بذلك إلى أن اسناد الإيلام مجاز عقلي على حد عيشة راضية.\rقوله: (من تكذيب الرسول) الخ، اشار بذلك إلى أن الفعل الذي يحصل اللوم عليه مختلف باعتبار من وصف به، فاندفع بذلك ما يقال: كيف وصف فرعون بما وصف به ذو النون.\rقوله: وَفِي (إهلاك) عادٍ الخ، أي فما تقدم من تقدير المضاف، والمفعول يأتي هنا. قوله:\r(التي لا خير فيها) أي فالعقم في الأصل وصف للمرأة التي لا تلد، وصفت به الريح من حيث إنها لا تأتي بخير. قوله: (و هي الدبور) وقيل هي الجنوب، وقيل هي النكباء، وهي كل ريح هبت بين ريحين، والأظهر ما قاله المفسر لما في الحديث: «نصرت بالصبا واهلكت عاد بالدبور».\rقوله: إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ هذه الجملة في محل المفعول الثاني لتذر، كأنه قال: ما تترك شيئا إلا مجعولا كالرميم. قوله:\r(البالي المتفتت) وقيل: الرميم الرماد، وقيل: التراب المدقوق، والمعاني متقاربة.\rقوله: فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ هذا الترتيب في الذكر فقط، وإلا فقول اللّه لهم تَمَتَّعُوا متأخر عن العتو. قوله: عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ أي المذكور في سورة هود بقوله: وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً الخ. قوله: (أي الصيحة المهلكة) أي فصاح عليهم جبريل فهلكوا جميعا، والصاعقة تطلق على النار تنزل من المساء، وعلى الصيحة وهو المراد هنا. قوله: (أي بالنهار) أشار بذلك إلى أن قوله: وَهُمْ يَنْظُرُونَ","part":4,"page":87},{"id":1678,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 88\rعلى من أهلكهم وَقَوْمَ نُوحٍ بالجر عطف على ثمود، أي وفي إهلاكهم بما في السماء والأرض آية وبالنصب أي وأهلكنا قوم نوح مِنْ قَبْلُ أي قبل إهلاك هؤلاء المذكورين إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (46) وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ بقوة وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) قادرون، يقال: آد الرجل يئيد قوي، وأوسع الرجل صار ذا سعة وقوة وَالْأَرْضَ فَرَشْناها مهدناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (48) نحن وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ متعلق بقوله خَلَقْنا زَوْجَيْنِ صنفين كالذكر والأنثى، والسماء والأرض، والشمس والقمر، والسهل والجبل، والصيف والشتاء، والحلو والحامض، والنور والظلمة لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) بحذف إحدى التاءين من الأصل، فتعلمون أن خالق الأزواج فرد فتعبدونه فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ أي إلى ثوابه من عقابه، بأن تطيعوه ولا تعصوه إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ\r______________________________\rمن النظر، وقيل هو من الانتظار، والمعنى ينتظرون ما وعدوه من العذاب. قوله: (على من أهلكهم) المناسب أن يقول: وما كانوا دافعين عن أنفسهم العذاب، إذ لا يتوهم انتصارهم على اللّه، وإنما يتوهم الفرار منه. قوله: (بالجر عطف على ثمود) هذا احد أوجه وهو أقربها. قوله: (و بالنصب) أي على أنه معمول لمحذوف قدره المفسر بقوله: (و أهلكنا) وفيه أوجه أخر، وهذا أحسنها، وقيل منصوب باذكر مقدرا، والقراءتان سبعيتان، وقرىء شذوذا بالرفع على أنه مبتدأ، والخبر محذوف أي أهلكناهم.\rقوله: وَالسَّماءَ بَنَيْناها قرأ العامة بنصب السماء على الاشتغال،\rوكذا قوله: وَالْأَرْضَ فَرَشْناها وقرىء شذوذا برفعهما على الابتداء، والخبر ما بعدهما، والأفصح في النحو قراءة العامة، لعطف الفعلية على الفعلية. قوله: بِأَيْدٍ حال من فاعل بَنَيْناها والمعنى بنيناها حال كوننا ملبسين بقوة وبطش، لا بواسطة شيء، بل بقول كن. قوله: (قادرون) فسر الإيساع بالقادرية، إشارة إلى أن قوله: إِنَّا لَمُوسِعُونَ حال مؤكدة، وهو من أوسع اللازم، كأوراق الشجر إذا صار ذا ورق، ويستعمل متعديا، والمفعول محذوف أي لموسعون السماء، أي جاعلوها واسعة، وعليه فتكون حالا مؤسسة، إذا علمت ذلك، تعلم أن النسخ التي فيها لفظة لها بعد موسعون غير صحيحة، لأنها لا تناسب إلا استعماله متعديا، والمفسر استعمله لازما حيث قال: (و أوسع الرجل) الخ. قوله: (يقال آد الرجل) أي اشتد وقوي كما في المختار، وبابه باع. قوله: (مهدناها) أي فالفرش كناية عن البسط والتسوية. قوله: (نحن) أي فالمخصوص بالذم محذوف.\rقوله: (متعلق بقوله) خَلَقْنا ويصح أن يكون متعلقا بمحذوف حال من زَوْجَيْنِ لأنه نعت نكرة قدم عليها. قوله: (صنفين) أي امرين متقابلين. قوله: (كالذكر والأنثى) أشار بتعداد الأمثلة إلى ما نشاهده، فلا يرد العرش والكرسي واللوح والقلم، فإنه لم يخلق من كل إلا واحد. قوله: (بحذف إحدى التاءين) أي وهذه إحدى القراءتين السبعيتين، والأخرى ادغام التاء الثانية في الذال.\rقوله: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ مفرع على ما علم من توحيد اللّه، والمعنى: حيث علمتم أن اللّه واحد لا شريك له، وأنه الضار النافع، المعطي المانع، فالجأوا إليه واهرعوا إلى طاعته، والفرار مراتب، ففرار العامة من الكفر والمعاصي إلى الإيمان والطاعة، وفرار الخاصة من كل شاغل عن اللّه، كالمال والولد، إلى شهود اللّه والانهماك في طاعته، فلا يصرف جزءا من اجزائه لغير اللّه، فكما أن اللّه في خلق العبد واحد،","part":4,"page":88},{"id":1679,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 89\rمُبِينٌ (50) بين الإنذار وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51) يقدر قبل ففروا قل لهم كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا هو ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أي مثل تكذيبهم لك بقولهم: إنك ساحر أو مجنون، تكذيب الأمم قبلهم رسلهم بقولهم ذلك أَتَواصَوْا كلهم بِهِ استفهام بمعنى النفي بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (53) جمعهم على هذا القول طغيانهم فَتَوَلَ أعرض عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) لأنك بلغتهم الرسالة وَذَكِّرْ عظ بالقرآن فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) من علم اللّه تعالى أنه يؤمن وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا\r______________________________\rفليكن العبد في إقباله على ربه واحدا، بحيث لا يجعل في قلبه غير حب ربه، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. قوله: (أي إلى ثوابه من عقابه) الخ، حمله على الفرار العام، لأن اوامر القرآن ونواهيه لعامة الخلق التي من امتثلها فقد زحزح عن النار وادخل الجنة. قوله: إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ تعليل لما قبله، والضمير في مِنْهُ عائد على اللّه، والمعنى فروا إليه لأني مخوف لكم منه.\rقوله: وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الخ، أشار بذلك إلى أن الطاعة لا تنفع مع الإشراك، ولذا كرر قوله: إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ فالفائز من جمع بين الطاعة والتوحيد، والمعنى لا تنسبوا وصف الألوهية لغير اللّه، فإنه لا يستحقه غيره. قوله: (يقدر قبل ففروا قل لهم) أي فهو مقول لقول محذوف وليس بمتعين، إذ يصح أن تكون الفاء فصيحة، والتقدير: إذا علمتم ما تقدم من صفات اللّه الكمالية فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ كما تقدم.\rقوله: كَذلِكَ خبر مقدم، وقوله: ما أَتَى الخ، مبتدأ مؤخر، والمعنى تكذيب الأمم السابقة لأنبيائهم كائن كذلك، أي كتكذيب أمتك لك كما افاده المفسر. قوله: إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ تقدم أن أَوْ بمعنى الواو، وحكمة جمعهم بين الوصفين، أن خروجه عن عوائدهم وعما عليه آباؤهم، وعدم مبالاته بالجم الغفير، اقتضى تسميته مجنونا، وإتيانه بالمعجزات التي بهرت عقولهم، اقتضت تسميته ساحرا.\rقوله: أَتَواصَوْا بِهِ أي اوصى بعضهم بعضا بهذه المقالة واجتمعوا عليها. قوله: (استفهام بمعنى النفي) أي فهو إنكار تعجبي، والمعنى ما وقع منهم تواص بذلك، لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد. قوله:\rبَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ إضراب عن الاستفهام المتقدم، وبيان لحقية الباعث لهم على تلك المقالة.\rقوله: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي اعرض عن خطابهم وجدالهم. قوله: فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ أي لا لوم عليك في الإعراض عنهم، فإنك قد بلغت الغاية في النصح وبذل الجهد، ولما نزلت هذه الآية، حزن رسول اللّه، واشتد الأمر على أصحابه، وظنوا أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد حضر، إذ أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتولى عنهم، وجرت عادة اللّه في الأمم السابقة، متى امر رسولهم بالإعراض عنهم، حل بهم العذاب فأنزل اللّه\rوَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ فسروا بذلك، ولذلك قيل إنها ناسخة لما قبلها، ولكن الحق أن ما قبلها منسوخ بآية السيف قوله: فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ تعليل لقوله: ذَكِّرْ والمعنى لا تترك التذكير، فربما انتفع به من علم اللّه إيمانه، ويؤخذ من الآية أن البلاء لا ينزل بقوم وفيهم المتذكرون لما ورد: إن اللّه يطلع على عمار المساجد، فيرفع العذاب عن مستحقيه.","part":4,"page":89},{"id":1680,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 90\rلِيَعْبُدُونِ (56) ولا ينافي ذلك عدم عبادة الكافرين لأن الغاية لا يلزم وجودها، كما في قولك:\rبريت هذا القلم لأكتب له، فإنك قد لا تكتب به ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ لي ولا لأنفسهم وغيرهم وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) ولا أنفسهم ولا غيرهم إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) الشديد فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالكفر من أهل مكة وغيرهم ذَنُوباً نصيبا من العذاب مِثْلَ ذَنُوبِ نصيب أَصْحابِهِمْ الهالكين قبلهم فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (59) بالعذاب\r______________________________\rقوله: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أي لا لطلب الدنيا والانهماك فيها. قوله: (و لا ينافي ذلك) أي الحصر المذكور، وهو جواب عن سؤال مقدر حاصله: أن اللّه تعالى حصر الجن والإنس في العبادة، فمقتضاه أنه لا يخرج أحد عنها، مع أنه شوهد كثير من الخلف كفر وترك العبادة، فأجاب المفسر، بأن اللام للغاية والعاقبة لا للعلة الباعثة، لأن اللّه لا يبعثه شيء على شيء، وقوله: (فإنك قد لا تكتب به) اعترض بأن هذا مسلم في أفعال المخلوقين، لجهلهم بعواقب الأمور، وأما في حق اللّه تعالى، فلا يصح التخلف في فعله، بل مقتضاه أنه عالم بأنهم سيعبدونه ولا بد، ولا يمكن تخلفه في البعض، فالجواب الصحيح أن يقال: إن اللّه تعالى خلق الخلق، وجعلهم مهيئين صالحين للعبادة، بأن ركب فيهم عقلا وحواس، وجعلهم قابلين للعبادة والطاعة،. وبعد ذلك اختار لعبادته وطاعته من أحب منهم، فلا يلزم من الصلاحية للعبادة وقوعها منهم بالفعل، وقيل: معنى ليعبدون لآمرهم وأكلفهم بعبادتي، لا ليهتموا بالرزق وينهمكوا في خدمة الدنيا، وهذا على حد وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وقيل: معناه إلا ليوحدون، فالمؤمن يوحده طوعا، والكافر يوحده كرها، وقيل: إنه عام أريد به الخصوص، والمعنى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ بدليل القراءة الشاذة: وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين.\rقوله: ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ (لي ولا لأنفسهم) دفع المفسر بقوله: (لي) ما يتوهم من عادة سادات العبيد في احتياجهم لمكاسب عبيدهم، فالمعنى: أن عادة اللّه سبحانه وتعالى، ليست كعادة السادات مع عبيدهم، فإنهم يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم. قوله: وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إن قلت: إن هذا يغني عنه ما قبله. أجيب: بأنه أتى به لدفع توهم ما عليه سادات العبيد الأغنياء، من احتياجهم للاستعانة بهم في صنع الطعام مثلا وتهيئته، ونحو ذلك، فكأنه قال: شأن ربنا ليس كشأن السادات مع عبيدهم، فليس محتاجا لعبيده في تحصيل رزق ولا في صنعه، لا له، ولا لغيره، وهذا من تنزلات الحق سبحانه وتعالى لضعفاء العقول، وإلا فيستحيل على اللّه عقلا تلك الأوصاف، ولا ينفي في نفس الأمر إلا ما جوزه العقل.\rقوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ أتى بالاسم الظاهر للتفخيم والتعظيم، وأكد الجملة بإن، والضمير المنفصل، لقطع أوهام الخلق في أمور الرزق، وليقوى اعتمادهم عليه. قوله: الْمَتِينُ العامة على رفعه، وهو إما نعت للرزق، أو لذو، أو خبر بعد خبر، وقرىء شذوذا بالجر. قوله: (الشديد) أي الذي لا يطرأ عليه ضعف ولا عجز.\rقوله: فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا الخ، أي فلا تحزن على كفر قومك، وتسل عنهم، فلا بد لهم من العذاب. قوله: ذَنُوباً هو في الأصل الدلو العظيم، شبه به النصيب من العذاب، اشارة إلى أنه يصب عليهم كما يصب الذنوب، قال تعالى يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ.\rقوله: أَصْحابِهِمْ أي نظائرهم من الأمم السابقة.\rقوله: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وضع الموصول","part":4,"page":90},{"id":1681,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 91\rإن أخرتهم إلى يوم القيامة فَوَيْلٌ شدّة عذاب لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ في يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60) أي يوم القيامة.\r______________________________\rموضع ضميره، تسجيلا عليهم بالكفر، واشعارا بعلة الحكم. قوله: (شدة عذاب) وقيل واد في جهنم.\rقوله: الَّذِي يُوعَدُونَ هو مرتبط بقوله تعالى فيما تقدم إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ الخ.\r- فائدة- قد تلقينا عن الصالحين فوائد في استعمال هذه السورة العظيمة، كلها مجربة، منها:\rاستعمالها إحدى وأربعين مرة على وضوء في مجلس واحد، لتفريج السجن، وقضاء الدين، وتيسير الرزق، والانتصار على الخصم، والأمن من كل هول دنيا وأخرى. واستعمالها ستين مرة عدة آياتها أبلغ في تلك المطالب.\r***","part":4,"page":91},{"id":1682,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 93\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الطّور مكيّة وآياتها تسع وأربعون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالطُّورِ (1) أي الجبل الذي كلم اللّه عليه موسى وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) أي التوراة أو القرآن وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) هو في السماء الثالثة أو السادسة أو السابعة بحيال الكعبة، يزوره كل يوم سبعون ألف ملك بالطواف والصلاة لا يعودون إليه أبدا وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) أي السماء وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) أي المملوء إِنَ\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الطور\rمكية وهي تسع وأربعون آية وفي نسخة والطور.\rقوله: وَالطُّورِ الخ. أقسم اللّه سبحانه وتعالى بخمسة أقسام تعظيما للمقسم عليه، وهو قوله: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ وتعظيما به أيضا، فإن تلك الأشياء الخمسة عظيمة، والواو في كل إما للقسم أو للعطف، فيما عدا الأول. قوله: (أي الجبل الذي كلم اللّه عليه موسى) أي والمراد به طور سيناء، وهو أحد جبال الجنة، وأقسم اللّه به تشريفا له وتكريما.\rقوله: وَكِتابٍ مَسْطُورٍ أي متفق الكتابة بسطور مصفوفة في حروف مترتبة جامعة لكلمات متفقة.\rقوله: فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ الرق الجلد الرقيق الذي يكتب فيه، وقيل: ما يكتب فيه جلدا كان أو غيره، وهو بفتح الراء في قراءة العامة، وقرىء شذوذا بكسرها، ومعنى المنشور المبسوط، أي أنه غير مطوي وغير محجور عليه. قوله: (أي التوراة أو القرآن) هذان قولان من جملة أقوال كثيرة في تفسير الكتاب المسطور، وقيل: هو صحائف الأعمال، قال تعالى: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً وقيل: سائر الكتب المنزلّة على الأنبياء، وقيل غير ذلك. قوله: (هو في السماء الثالثة) وقيل هو في الأولى، وقيل هو في الرابعة، وقيل هو تحت العرش فوق السابعة، وقيل هو الكعبة نفسها، وعمارتها بالحجاج والزائرين لها، لما ورد: أن اللّه يعمره كل سنة بستمائة ألف، فإن عجز الناس عن ذلك، أتمه اللّه بالملائكة. قوله: (بحيال الكعبة) أي مقابلا لها بإزائها على كل قول. قوله: (يزوره) الخ، بيان لتسميته معمورا. قوله: (أي السماء) أي لأنها كالسقف للأرض، وقيل هو العرش، وهو سقف الجنة.\rقوله: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ أي وهو البحر المحيط، ومعنى المسجور:","part":4,"page":92},{"id":1683,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 94\rعَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (7) لنازل بمستحقه ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (8) عنه يَوْمَ معمول لواقع تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (9) تتحرك وتدور وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (10) تصير هباء منثورا وذلك في يوم القيامة فَوَيْلٌ شدة عذاب يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) الرسل الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ باطل يَلْعَبُونَ (12) أي يتشاغلون بكفرهم يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) يدفعون بعنف، بدل من يوم تمور، ويقال لهم تبكيتا هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هذا العذاب الذي ترون كما كنتم تقولون في الوحي: هذا سحر أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا عليها أَوْ لا تَصْبِرُوا صبركم وجزعكم سَواءٌ عَلَيْكُمْ لأن صبركم لا ينفعكم إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ\r______________________________\rالممتلىء ماء، وقيل البحر المسجور هو الممتلىء نارا، لما ورد: أن اللّه تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة نارا فيزاد بها في نار جهنم، وقيل هو بحر تحت العرش عمقه كما بين سبع سماوات إلى سبع أرضين، فيه ماء غليظ يقال له بحر الحيوان، يمطر العباد بعد النفخة الأولى منه أربعين صباحا، فينبتون من قبورهم.\rقوله: (معمول لواقع) أي والجملة المنفية معترضة بين العامل ومعموله. قوله: (تتحرك وتدور) أي كدوران الرحى، وتذهب ويدخل بعضها في بعض، وتختلف أجزاؤها، وتتكفأ بأهلها تكفؤ السفينة.\rقوله: (تصير هباء منثورا) ليس تفسيرا لتسير كما توهمه عبارته، بل معناه أنها تنتقل عن مكانها، وتطير في الهواء، ثم تقع على الأرض متفتتة كالرمل، ثم تصير كالعهن، أي الصوف المندوف، ثم تطيرها الرياح فتصير هباء منثورا، والحكمة في مور السماء وسير الجبال، الإعلام بأنه لا رجوع ولا عود إلى الدنيا، وذلك لأن الأرض والسماء وما بينهما، إنما خلقت لعمارة الدنيا، وانتفاع بني آدم ذلك، فلما لم يبق لهم عود إليها، أزالها اللّه لخراب الدنيا وعمارة الآخرة، فيحصل للمؤمنين مزيد السرور وطمأنينته، وللكافرين غاية الحزن والكرب.\rقوله: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ أي يوم تمور السماء مورا، وتسير الجبال سيرا، وهو يوم القيامة.\rقوله:\rفِي خَوْضٍ هو في الأصل الدخول في كل شيء، ثم غلب على الدخول في الباطل، فلذا فسره به.\rقوله: يُدَعُّونَ العامة على فتح الدال وتشديد العين من دعّه، دفعه في صدره بعنف وشدة، وقرىء شذوذا بسكون الدال وتخفيف العين المفتوحة من الدعاء، أي يقال لهم: هلموا فادخلوا النار. قوله:\r(يدفعون بعنف) أي وذلك بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم، فيدفعون إلى النار. قوله: (كما كنتم تقولون في الوحي) أي القرآن الجاثي بالعذاب.\rقوله: أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ يصح أن تكون أَمْ متصلة معادلة للهمزة. والمعنى: هل في أمرنا سحر؟ أم هل في بصركم خلل؟\rوالاستفهام إنكاري وتهكم، أي ليس واحد منهما ثابتا، ويصح أن تكون أَمْ منقطعة تفسر ببل والهمزة، والمعنى: أبل أنتم عمي من العذاب المخبر، كما كنتم عميا عن الخبر.\rقوله: اصْلَوْها أي ذوقوا حرارتها. قوله: (صبركم وجزعكم) سَواءٌ أشار بذلك إلى أن سَواءٌ خبر لمحذوف، ويصح أن يكون مبتدأ خبره محذوف، والتقدير سواء الصبر والجزع، والأول أولى، لأن جعل النكرة خبرا أولى من جعلها مبتدأ. قوله: (لأن صبركم لا ينفعكم) أي لا ينزعكم من ديوان الرحمة، بخلاف الدنيا، فإن الصبر فيها على المكاره، من أعظم موجبات الرحمة. قوله: إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تعليل لاستواء الصبر وعدمه. قوله: (أي جزاءه) أشار بذلك إلى أن الكلام","part":4,"page":93},{"id":1684,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 95\rتَعْمَلُونَ (16) أي جزاءه إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17) فاكِهِينَ متلذذين بِما مصدرية آتاهُمْ أعطاهم رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (18) عطفا على آتاهم، أي بإتيانهم ووقايتهم، ويقال لهم كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً حال أي مهنئين بِما الباء سببية كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (19) مُتَّكِئِينَ حال من الضمير المستكن في قوله تعالى فِي جَنَّاتٍ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ بعضها إلى جنب بعض وَزَوَّجْناهُمْ عطف على في جنات أي قرناهم بِحُورٍ عِينٍ (20) عظام الأعين حسانها وَالَّذِينَ آمَنُوا مبتدأ وَاتَّبَعَتْهُمْ معطوف على آمنوا ذُرِّيَّتُهُمْ الصغار والكبار بِإِيمانٍ من الكبار ومن الآباء في الصغار، والخبر أَلْحَقْنا بِهِمْ\r______________________________\rعلى حذف مضاف.\rقوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ الخ، مقابل قوله وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ* إنما أتى بأوصاف المتقين عقب أوصاف المكذبين، ليحصل الترغيب والترهيب، كما هو عادته سبحانه وتعالى. قوله: وَنَعِيمٍ أي تنعم بتلك الجنات، إذ لا يلزم من كونه في جنات أنه يتنعم بها، فأفاد أنهم مع كونهم في جنات يتنعمون ويتفكهون بها.\rقوله: فاكِهِينَ العامة على قراءته بالألف، أي ذوي فاكهة كثيرة، كما يقال لابن وتامر، أي ذو لبن وذو تمر، وقرىء شذوذا فكهين بغير ألف، أي متنعمين متلذذين، إذا علمت ذلك، فالمناسب للمفسر تفسيره بذوي فاكهة لا بمتلذذين. قوله: (أي بإتيانهم ووقايتهم) إنما جعلها مصدرية في المعطوف والمعطوف عليه، لما يلزم عليه من خلو الصلة في المعطوف عن العائد لو جعلت موصولة، والأحسن أن تجعل موصولة، ويجعل قوله: وَقاهُمْ معطوفا على قوله: فِي جَنَّاتٍ.\rقوله: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ما مصدرية والباء سببية. والمعنى: أن الملائكة تقول لأهل الجنة: كلوا واشربوا متهنئين بسبب عملكم، وهذا من مزيد السرور والتكرمة، على حسب عادة الكرام في منازلهم، وإلا فذلك من فضل اللّه وإحسانه.\rقوله: عَلى سُرُرٍ جمع سرير، قال ابن عباس: هي سرر من ذهب، مكللة بالدر والزبرجد والياقوت، والسرير كما بين مكة وأيلة، وورد أن ارتفاع السرر خمسمائة عام، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها قربت منه، فإذا جلس عليها عادت إلى حالها، وفي الكلام حذف تقديره على نمارق على سرر. قوله: (أي قرناهم) أي جعلناهم مقارنين لهن، وفي ذلك إشارة إلى جواب سؤال مقدر تقديره: إن الحور العين في الجنات مملوكات بملك اليمين لا بعقد النكاح، فأجاب: بأن التزويج ليس بمعنى عقد النكاح، بل بمعنى المقارنة. قوله: (عظام الأعين) تفسير لعين جمع عيناء، وأما الحور فهو من الحور، وهو شدة البياض.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا مبتدأ خبره قوله: أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ والذرية تطلق على الأصول والفروع، قال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ والمعنى: أن المؤمن إذا كان عمله أكثر، ألحق به من دونه في العمل إبنا كان أو أبا، ويلحق بالذرية من النسب الذرية بالسبب وهو المحبة، فإن حصل مع المحبة تعليم علم أو عمل، كان أحق باللحوق كالتلامذة، فإنهم يلحقون بأشياخهم، وأشياخ الأشياخ يلحقون بالأشياخ، إن كانوا دونهم في العمل، والأصل في ذلك عموم قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «إذا دخل أهل الجنة الجنة سأل أحدهم عن أبويه وعن زوجته وولده فيقال: إنهم لم يدركوا ما أدركت،","part":4,"page":94},{"id":1685,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 96\rذُرِّيَّتُهُمْ المذكورين في الجنة، فيكونون في درجتهم وإن لم يعملوا بعملهم تكرمة للآباء باجتماع الأولاد إليهم وَما أَلَتْناهُمْ بفتح اللام وكسرها نقصناهم مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ زائدة شَيْءٍ يزاد في عمل الأولاد كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ عمل من خير أو شر رَهِينٌ (21) مرهون يؤاخذ بالشر، ويجازى بالخير وَأَمْدَدْناهُمْ زدناهم في وقت بعد وقت بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (22) وإن لم يصرحوا بطلبه يَتَنازَعُونَ يتعاطون بينهم فِيها أي الجنة كَأْساً خمرا لا لَغْوٌ فِيها أي بسبب شربها يقع بينهم وَلا تَأْثِيمٌ (23) به يلحقهم بخلاف خمر الدنيا وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة غِلْمانٌ أرقاء لَهُمْ كَأَنَّهُمْ حسنا ولطافة لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ مصون في الصدف لأنه فيها أحسن منه في غيرها وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (25) يسأل بعضهم بعضا عما كانوا عليه وما وصلوا إليه تلذذا واعترافا بالنعمة قالُوا إيماء إلى علة الوصول إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي\r______________________________\rفيقول: يا رب إني عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به». قوله: (بفتح اللام وكسرها) أي فهما قراءتان سبعيتان، فالأولى من باب علم، والثانية من باب ضرب. قوله: مِنْ (زائدة) أي في المفعول الثاني.\rقوله: (يزداد في عمل الأولاد) أي لم نأخذ من عمل الآباء شيئا نجعله للأولاد، فيستحقون به هذا الإكرام، بل عمل الآباء باق لهم بتمامه، وإلحاق الذرية بهم بمحض الفضل والكرم.\rقوله: رَهِينٌ أي مرهون عند اللّه تعالى، كأن نفس العبد مرهونة عند اللّه بعمله الذي هو مطالب به، فإن عمل صالحا فكها من الرهن وإلا أهلكها، كما يرهن الرجل رقبة عبده بدين عليه، فإن وفى ما عليه، خلص رقبته من الرهن، وإلا استمر مرهونا. قوله: (في وقت بعد وقت) أخذه من لفظ الإمداد. قوله: (و إن لم يصرحوا بطلبه) أي بل بمجرد ما يخطر ببالهم يقدم إليهم، لما ورد: أن الرجل يشتهي الطير في الجنة، فيخر مثل البختي حتى يقع على خوانه، لم يصبه دخان، ولم تمسه نار، فيأكل منه حتى يشبع ثم يطير. قوله: (يتعاطون بينهم) أي يتجاذب بعضهم الكأس من بعض، ويناول بعضهم بعضا تلذذا وتأنسا، وهو المؤمن وزوجاته وخدمه في الجنة.\rقوله: كَأْساً الكأس هو إناء الخمر، وكل كأس مملوء بشراب أو غيره، فإذا فرغ لم يسم كأسا.\rقوله: غِلْمانٌ (أرقاء) لَهُمْ أي كالأرقاء في الحيازة والاستيلاء، وهؤلاء الغلمان يخلقهم اللّه في الجنة كالحور، وقيل: هم الأولاد من أطفالهم الذين سبقوهم، فأقر اللّه تعالى أعينهم بهم، وقيل: هم أولاد المشركين، وليس في الجنة نصب ولا حاجة إلى خدمة، بل هو من مزيد التنعم، قال عبد اللّه بن عمر: ما من أحد من أهل الجنة، إلا يسعى عليه ألف غلام، وكل غلام على عمل غير ما عليه صاحبه، وروي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما تلا هذه الآية قالوا: يا رسول اللّه، الخادم كاللؤلؤ المكنون فكيف المخدوم؟ قال: فضل المخدوم على الخادم، كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب. وروي أن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه، فيجيبه ألف ببابه: لبيك لبيك، وطواف الغلمان عليهم بالفواكه والتحف والشراب، قال تعالى: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ قوله: (مصون في الصدف) جمع صدفة وهي غشاء الدر. قوله: (عمّا كانوا عليه) أي في الدنيا. قوله:","part":4,"page":95},{"id":1686,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 97\rأَهْلِنا في الدنيا مُشْفِقِينَ (26) خائفين من عذاب اللّه فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بالمغفرة وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (27) أي النار لدخولها في المسام وقالوا إيماء أيضا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ أي في الدنيا نَدْعُوهُ أي نعبده موحدين إِنَّهُ بالكسر استئنافا وإن كان تعليلا معنى، وبالفتح تعليلا لفظا هُوَ الْبَرُّ المحسن الصادق في وعده الرَّحِيمُ (28) العظيم الرحمة فَذَكِّرْ دم على تذكير المشركين ولا ترجع عنه لقولهم لك: كاهن مجنون فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ أي بإنعامه عليك بِكاهِنٍ خبر ما وَلا مَجْنُونٍ (29) معطوف عليه أَمْ بل يَقُولُونَ هو شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) حوادث الدهر، فيهلك كغيره من الشعراء قُلْ تَرَبَّصُوا هلاكي فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) هلاككم، فعذبوا بالسيف يوم بدر، والتربص الانتظار أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ عقولهم بِهذا أي قولهم له: ساحر كاهن شاعر مجنون، أي لا تأمرهم بذلك أَمْ بل هُمْ\r______________________________\r(و ما وصلوا إليه) أي من نعيم الجنة.\rقوله: قالُوا أي قال المسؤول للسائل. قوله: (إيماء) أي إشارة.\rوقوله: (إلى علة الوصول) أي محطها.\rقوله: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا.\rقوله: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا الخ، أي وشأن من كان في أهله وعزوته أن يكون آمنا، فخوفهم من اللّه في تلك الحالة، دليل على خوفهم في غيرها بالأولى، فهم دائما خائفون، ويحتمل أن قوله:\rمُشْفِقِينَ من الشفقة وهي الرفق، أي نرفق بأهلنا وغيرهم. قوله: (لدخولها في المسام) هذا بيان لوجه تسميتها سموما، فالسموم من أسماء جهنم، وهي في الأصل الريح الحارة التي تتخلل المسام. قوله:\r(و قالوا إيماء أيضا) أي إلى علة وصولهم إلى النعيم، ومحط العلة\rقوله: إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ. قوله:\r(أي نعبده) أي أو نسأله الوقاية من النار، ودخول دار القرار. قوله: (و بالفتح تعليلا لفظا) أي والقراءتان سبعيتان.\rقوله: بِنِعْمَةِ رَبِّكَ الباء سببية مرتبطة بالنفي المستفاد من ما، والمعنى: انتفى كونك كاهنا أو مجنونا، بسبب إنعام اللّه عليك، بكمال العقل وعلو الهمة والعصمة. قوله: بِكاهِنٍ أي مخبر بالأمور المغيبة من غير وحي. قوله: (خبر ما) أي فهي حجازية، والباء زائدة في خبرها.\rقوله: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ اعلم أن أَمْ ذكرت في هذه الآيات خمس عشرة مرة، وكلها تقدر ببل والهمزة، فهي للاستفهام الإنكاري التوبيخي، إذا علمت ذلك، فالمناسب للمفسر أن يقدرها في الجميع ببل والهمزة. قوله: (حوادث الدهر) في الكلام استعارة تصريحية، حيث شبهت حوادث الدهر بالريب الذي هو الشك بجامع التحير، وعدم البقاء على حالة واحدة في كل، وقيل: المنون المنية لأنها تنقص العدد وتقطع المدد.\rحاشية الصاوى على تفسير الجلالين ج 4 97\r\rقوله: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ اعلم أن أَمْ ذكرت في هذه الآيات خمس عشرة مرة، وكلها تقدر ببل والهمزة، فهي للاستفهام الإنكاري التوبيخي، إذا علمت ذلك، فالمناسب للمفسر أن يقدرها في الجميع ببل والهمزة. قوله: (حوادث الدهر) في الكلام استعارة تصريحية، حيث شبهت حوادث الدهر بالريب الذي هو الشك بجامع التحير، وعدم البقاء على حالة واحدة في كل، وقيل: المنون المنية لأنها تنقص العدد وتقطع المدد.\rقوله: قُلْ تَرَبَّصُوا أمر تهديد على حد اعملوا ما شئتم.\rقوله: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ جمع حلم، يطلق على الأناة وعلى العقل، وهو المراد هنا. قوله: (أي قولهم له ساحر كاهن شاعر مجنون) أي وهذا تناقض، فإن شأن الكاهن أن يكون ذا فطنة ورأي، وشأن الشاعر والساحر كذلك، ونسبتهم الجنون له بعد ذلك مناقضة. قوله: (أي لا تأمرهم) أشار بذلك إلى أن الاستفهام المستفاد من أَمْ إنكاري، وفيه توبيخ أيضا.","part":4,"page":96},{"id":1687,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 98\rقَوْمٌ طاغُونَ (32) بعنادهم أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ اختلق القرآن، لم يختلقه بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (33) استكبارا، فإن قالوا اختلقه فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مختلق مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (34) في قولهم أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أي خالق أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (35) أنفسهم، ولا يعقل مخلوق بدون خالق، ولا معدوم يخلق، فلا بد لهم من خالق هو اللّه الواحد، فلم لا يوحدونه ويؤمنون برسوله وكتابه؟ أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ولا يقدر على خلقها إلا اللّه الخالق، فلم لا يعبدونه؟ بَلْ لا يُوقِنُونَ (36) به، وإلا لآمنوا بنبيه أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصوا من شاؤوا بما شاؤوا أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37) المتسلطون الجبارون، وفعله سيطر ومثله بيطر وبيقر أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ مرقى إلى السماء يَسْتَمِعُونَ فِيهِ أي عليه كلام الملائكة حتى يمكنهم منازعة النبي بزعمهم إن ادّعوا ذلك فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ أي مدّعي الاستماع عليه بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (38) بحجة بينة واضحة، ولشبه هذا الزعم بزعمهم أن\r______________________________\rقوله: أَمْ (بل) هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ المناسب للمفسر أن يقدر أَمْ ببل والهمزة، ليوافق قوله فيما يأتي، والاستفهام بأم في مواضعها الخ، والمعنى: لا ينبغي منهم هذا الطغيان. قوله: (لم يختلقه) أشار به إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي.\rقوله: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ جواب شرط مقدر قدره المفسر بقوله: (فإن قالوا اختلقه) والأمر للتعجيز.\r(و لا يعقل مخلوق بدون خالق) راجع لقوله: خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ وقوله: (و لا معدوم يخلق) راجع لقوله: أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ والمعنى: أنهم لو كانوا هم الخالقين لأنفسهم، وأنفسهم كانت معدومة أولا، لزم أن يكونوا في حالة العدم، وجدوا أنفسهم أو أخرجوها من العدم، فيكون المعدوم خالقا، وهذا لا يعقل. قوله: (و إلا لآمنوا بنبيه) أي فحيث لم يترتب على إيقافهم باللّه، إقبال على توحيد وتصديق نبيه، جعل إيقانهم كالعدم، وفيه تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم.","part":4,"page":97},{"id":1688,"text":"قوله: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ لم يبين أن الاستفهام إنكاري، مع أنه كذلك. والمعنى: ليس عندهم خزائن ربك، والمراد بخزائنه مقدوراته، شبهت بها لأن خزانة الملوك بيت مهيؤ لجمع أنواع مختلفة من الذخائر التي يحتاج إليها. قوله: أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ اعلم أنه لم يأت على وزن مفيعل إلا خمسة ألفاظ، أربعة صفة اسم فاعل: مهيمن ومبيقر ومبيطر ومسيطر، وواحد اسم جبل وهو محيمر. قوله:\r(المتسلطون) أي الغالبون على الأشياء، يدبرونها كيف شاؤوا. قوله: (و مثله بيطر) أي عالج الدواب ومنه البيطار، وقوله: (و بيقر) أي أفسد وأهلك، فالحاصل أن معنى المهيمن الرقيب والمبيقر المفسد، والمسيطر المتسلط الجبار، والمبيطر المعالج للدواب.\rقوله: (أي عليه كلام الملائكة) أشار بذلك إلى أن مفعول يَسْتَمِعُونَ محذوف، وفي بمعنى على. قوله: (بزعمهم) متعلق بقوله: يَسْتَمِعُونَ فِيهِ. قوله: (إن ادعوا ذلك) أي الاستماع من الملائكة، والمعنى: إن فرض أنهم ادعوه فليأت مستمعهم الخ. قوله:\r(و لشبه هذا الرغم) الخ، أشار بذلك إلى وجه المناسبة بين الآيتين، ووجه الشبه بين الزعمين، أن كلا منهما فاسد، وإن كان الزعم الأول فرضيا، والثاني تحقيقيا لوقوعه منهم. قوله: (أي بزعمكم) أي دعواكم واعتقادكم.","part":4,"page":98},{"id":1689,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 99\rالملائكة بنات اللّه، قال تعالى أَمْ لَهُ الْبَناتُ أي بزعمكم وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39) تعالى اللّه عما زعموه أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً على ما جئتهم به من الدين فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ غرم ذلك مُثْقَلُونَ (40) فلا يسلمون أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ أي علمه فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41) ذلك حتى يمكنهم منازعة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في البعث وأمور الآخرة بزعمهم أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً بك ليهلوك في دار الندوة فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42) المغلوبون المهلكون، فحفظه اللّه منهم، ثم أهلكهم ببدر أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43) به من الآلهة، والاستفهام بأم في مواضعها للتقبيح والتوبيخ وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً بعضا مِنَ السَّماءِ ساقِطاً عليهم كما قالوا فأسقط علينا كسفا من السماء، أي تعذيبا لهم يَقُولُوا هذا سَحابٌ مَرْكُومٌ (44) متراكب نروى به ولا يؤمنوا فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يموتون يَوْمَ لا يُغْنِي بدل من يومهم عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (46) يمنعون من العذاب في الآخرة وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا بكفرهم\r______________________________\rقوله: وَلَكُمُ الْبَنُونَ أي لتكونوا أقوى منه، فإذا كذبتم رسله، تكونون آمنين لقوتكم بالبنين، وزعمكم ضعفه بالبنات. قوله: (تعالى اللّه عما زعموه) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري.\rقوله:\rمُثْقَلُونَ أي متعبون ومغتمون، لأن العادة أن من غرم شخصا ما، لا يكون المأخوذ منه كارها للآخذ ومغتما منه.\rقوله: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ جواب لقولهم نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ والمعنى: أعندهم علم الغيب بأن الرسول يموت قبلهم؟ فهم يكتبون ذلك.\rقوله: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً أي مكرا وتحيلا في هلاكك. قوله: (في دار الندوة) إن قلت: السورة مكية، والاجتماع بدار الندوة كان ليلة الهجرة، فالتقييد بها مشكل، فالأوضح حذف قوله في دار الندوة، لأن إرادة الكيد حاصلة منهم من يوم بعثته صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: فَالَّذِينَ كَفَرُوا أوقع الظاهر موقع المضمر، تشنيعا وتقبيحا عليهم بصفة الكفر. قوله: (ثم أهلكهم ببدر) أي أهلك رؤساءهم وهم سبعون.\rقوله:\rسُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ أي تنزه اللّه عما ينسبونه له من الشركة في الألوهية. قوله: (و الاستفهام بأم) أي المقدرة ببل والهمزة أو بالهمزة وحدها، وقوله: (في مواضعها) أي وهي خمسة عشر. قوله: (للتقبيح والتوبيخ) أي والإنكار.\rقوله: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً أي على فرض حصوله، فإنه لم يحصل لقوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ والمعنى: لو عذبناهم بسقوط قطع من السماء عليهم، لم ينتهوا ولم يرجعوا، ويقولون في هذا النازل عنادا واستهزاء وإغاظة لمحمد إنه سحاب مركوم. قوله: (فأسقط علينا كسفا) هذه الآية إنما وردت في قوم شعيب، كما ذكر في سورة الشعراء، فكان الأولى للمفسر أن يستدل بما نزل في قريش في سورة الإسراء وهو قوله: أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً.\rقوله: فَذَرْهُمْ جواب شرط مقدر، والمعنى: إذا بلغوا في العناد إلى هذا الحد، وتبيّن أنهم لا يرجعون عن الكفر، فدعهم ولا تلتفت لهم. قوله: يُصْعَقُونَ هكذا ببنائه للفاعل والمفعول، قراءتان سبعيتان. قوله: (و يموتون) أي بانقضاء آجالهم في بدر أو غيرها، هذا هو الأحسن. قوله: (من العذاب في الآخرة) المراد به العذاب الذي يأتي","part":4,"page":99},{"id":1690,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 100\rعَذاباً دُونَ ذلِكَ أي في الدنيا قبل موتهم، فعذبوا بالجوع والقحط سبع سنين، وبالقتل يوم بدر وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (47) أن العذاب ينزل بهم وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ بإمهالهم، ولا يضق صدرك فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا بمرأى منا، نراك ونحفظك وَسَبِّحْ متلبسا بِحَمْدِ رَبِّكَ أي قل: سبحان اللّه وبحمده حِينَ تَقُومُ (48) من منامك أو من مجلسك وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ حقيقة أيضا وَإِدْبارَ النُّجُومِ (49) مصدر، أي عقب غروبها سبحه أيضا، أو صلّ في الأوّل العشاءين، وفي الثاني الفجر، وقيل: الصبح.\r______________________________\rبعد الموت.\rقوله: دُونَ ذلِكَ أي قبل العذاب الذي يأتيهم بعد الموت، وذلك صادق كما قال المفسر:\rبالجوع والقحط والقتل يوم بدر.\rقوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي لتزيين الشيطان لهم ما هم عليه، والمراد بالأكثر من سبق في علم اللّه شقاؤه. قوله: (بمرأى منا) أي فأطلقت الأعين وأريد لازمها، وهو إبصار الشيء والإحاطة به علما وقربا، فيلزم منه مزيد الحفظ للمرئي الذي هو المراد، وعبر هنا بالجمع لمناسبة نون العظمة، بخلاف ما ذكر في سورة طه في قوله: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي. قوله: (من منامك) أي فقد ورد عن عائشة قالت:\rكان إذا قام أي استيقظ من منامه، كبر عشرا، وحمد اللّه عشرا، وسبّح عشرا، وهلّل عشرا، واستغفر عشرا، وقال: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني، وكان يتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة، وفي رواية كان صلّى اللّه عليه وسلّم إذا استيقظ من منامه قرأ العشر الآيات من آخر آل عمران. قوله: (أو من مجلسك) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من جلس مجلسا فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم:\rسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، كان كفارة لما بينهما» وفي رواية: كان كفارة له. قوله: (أي عقب غروبها) المراد بغروبها ذهاب ضوئها لغلبة ضوء الصبح عليه، وإن كانت باقية في السماء، وذلك بطلوع الفجر.\rقوله: (أو صلّ في الأول) أي الليل، فهذا راجع لقوله:\rوَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ وأما وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ فالمراد به حقيقة التسبيح على كل حال. قوله: (و في الثاني الفجر) أي الركعتين اللتين هما سنة الصبح، وقوله: (و قيل الصبح) أي فريضة صلاة الصبح.","part":4,"page":100},{"id":1691,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 101\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة النجم مكيّة وآياتها ثنتان وستون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالنَّجْمِ الثريا إِذا هَوى (1) غاب ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ محمد عليه الصلاة والسّلام عن طريق الهدى وَما غَوى (2) ما لابس الغي، وهو جهل من\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة النجم\rمكية وهي ثنتان وستون آية أي كلها، وقيل: إلا قوله تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ الآية، وقيل: كلها مدني، وردّ بما روي أنها أول سورة أعلن بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة، وسجد فيها وسجد معه المسلمون والمشركون زعما منهم أنه يمدح آلهتهم، واعلم أن بين أول هذه السورة وآخر ما قبلها مناسبة، فإن تعالى قال في آخر تلك: وَإِدْبارَ النُّجُومِ\rوقال في أول هذه وَالنَّجْمِ إِذا هَوى. قوله: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى اختلف تفسير النَّجْمِ فمشى المفسر على أنه الثريا، وهي عدة نجوم، بعضها ظاهر، وبعضها خفي، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يراها أحد عشر نجما، ومعنى هويه غيبوبته عند طلوع الفجر، وقيل: المراد به أي نجم، وقيل:\rالمراد به جميع النجوم، وقيل: هو الزهرة، وقيل: الشعرى، وقيل: القرآن، ومعنى هَوى نزل، لأنه نزل منجما على ثلاث وعشرين سنة، وقيل: هو محمد، ومعنى هَوى نزل من المعراج، وقيل: جبريل، ومعنى هَوى نزل بالوحي، واختلف في عامل الظرف فقيل: معمول لمحذوف تقديره أقسم بالنجم وقت هويه، واستشكل بأن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال، وإِذا لما يستقبل من الزمان، فكيف يعمل الإنشاء في المستقبل؟ وأجيب: بأنه يتوسع في الظروف، ما لا يتوسع في غيرها، أو قصد منها مجرد الظرفية، الصادق بالماضي والحال والاستقبال، لأنها قد تأتي للحال والماضي، وقيل: عامله حال من النجم محذوفة، والتقدير: أقسم بالنجم حال كونه مستقرا في زمان هويه، ويأتي فيه الإشكال والجواب المتقدمان، ويجاب أيضا: بأن تجعل الحال مقدرة.\rقوله: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ هذا هو جواب القسم، وعبر بلفظ الصحبة تبكيتا لهم، وإشعارا بأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فلا يليق منهم نسبته للنقص. قوله: (عن طريق الهدى) أشار بذلك إلى أن","part":4,"page":101},{"id":1692,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 102\rاعتقاد فاسد وَما يَنْطِقُ بما يأتيكم به عَنِ الْهَوى (3) هوى نفسه إِنْ ما هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (4) إليه عَلَّمَهُ إياه ملك شَدِيدُ الْقُوى (5) ذُو مِرَّةٍ قوة وشدة، أو منظر حسن، أي جبريل عليه السّلام فَاسْتَوى (6) استقر وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (7) أفق الشمس أي عند مطلعها على صورته التي خلق عليها، فرآه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكان بحراء قد سد الأفق إلى المغرب، فخرّ مغشيا عليه، وكان قد سأله أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها، فواعده بحراء، فنزل جبريل له في صورة الآدميين ثُمَّ دَنا قرب منه فَتَدَلَّى (8) زاد في القرب فَكانَ منه قابَ قدر قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (9) من ذلك حتى أفاق وسكن روعه فَأَوْحى تعالى إِلى عَبْدِهِ جبريل ما\r______________________________\rالضلال مخالف للغي، فالضلال فعل المعاصي، والغي هو الجهل المركب، وقيل: الضلال في العلم، والغي في الأفعال، وقيل: هما مترادفان. قوله: (من اعتقاد فاسد) أي ناشىء وحاصل.\rقوله: عَنِ الْهَوى متعلق بينطق، والمعنى ما يصدر نطقه عن هوى نفسه، ومثله الفعل بل جميع أحواله، وهو مفرع على ما قبله، لأنه إذا علم تنزهه عن الضلال والغواية، تفرع عليه أنه لا ينطق عن هواه قرآنه أو غيره.\rقوله: إِنْ هُوَ الضمير عائد على النطق المأخوذ من ينطق، والمعنى: ما يتكلم به من القرآن وغيره، ومثل النطق الفعل وجميع أحواله، فهو صلّى اللّه عليه وسلّم لا ينطق ولا يفعل إلا بوحي من اللّه تعالى، لا عن هوى نفسه. قوله: يُوحى الجملة صفة لوحي، أتى بها لرفع توهم المجاز، كأنه قال: هو وحي حقيقة، لا مجرد تسمية.\rقوله: عَلَّمَهُ (إياه) الضمير المذكور هو المفعول الأول عائد على النبي، والثاني الذي قدره المفسر عائد على الوحي. قوله: شَدِيدُ الْقُوى صفة لموصوف محذوف قدره المفسر بقوله:\r(ملك) وهو جبريل عليه السّلام، ومن شدة قوته اقتلاعه مدائن قوم لوط، ورفعها إلى السماء وقلبها، وصياحه على قوم ثمود، ونتقه الجبل على بني إسرائيل، وهذه الشدة حاصلة فيه، ولو تشكل بصورة الآدميين، لأنها لا تحكم عليهم الصورة، وهذا قول الجمهور، وقيل: المراد به الرب سبحانه وتعالى، والمراد بالقوى في حقه تعالى، صفات الاقتدار كالكبرياء والعظمة.\rقوله: ذُو مِرَّةٍ أي قوة باطنية وعزم وسرعة وحركة، فغاير ما قبله، فجبريل أعطاه اللّه قوة ظاهرية وقوة باطنية، وقيل: المرة وفور العلم، وقيل: الجمال. قوله: فَاسْتَوى عطف على قوله: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى.\rقوله: وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى الجملة حالية. قوله: (و كان) أي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (و كان قد سأله) الخ، تعليل لقوله: فَاسْتَوى وذلك أن جبريل كان يأتي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في صورة الآدميين، كما يأتي إلى الأنبياء، فسأله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يريه نفسه التي جعله اللّه عليها، فأراه نفسه مرتين، مرة بالأرض ومرة بالسماء، ولم يره أحد من الأنبياء على صورته التي خلق عليها إلا نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (فنزل جبريل) عطف على قوله: (فخر مغشيا عليه). قوله: (زاد في القرب) أي فالكلام باق على ظاهره، وقيل: في الكلام قلب، والأصل فتدلى ثم دنا، ومعنى تدلى رجع لصورته الأصلية.\rقوله: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ في الكلام حذف، والأصل فكان مقدار مسافة قربه منه، مثل مقدار مسافة قاب قوسين، والقاب القدر، وقيل: هو ما بين المقبض والطرف، ولكل قوس قابان، فأصل الكلام فكان قابي قوسين، فحصل في الكلام قلب. قوله: أَوْ أَدْنى أو بمعنى بل، نظير قوله تعالى: أَوْ","part":4,"page":102},{"id":1693,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 103\rأَوْحى (10) جبريل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يذكر الموحى به تفخيما لشأنه ما كَذَبَ بالتخفيف والتشديد أنكر الْفُؤادُ فؤاد النبي ما رَأى (11) ببصره من صورة جبريل أَفَتُمارُونَهُ\r______________________________\rيَزِيدُونَ أو على بابها، والشك بالنسبة للرائي، والمعنى: إذا نظرت إليه وهو في تلك الحالة، تتردد بين المقدارين. قوله: (حتى أفاق) غاية لمحذوف أو ضمه إليه حتى أفاق، روي أنه لما أفاق قال: يا جبريل ما ظننت أن اللّه خلق أحدا على مثل هذه الصورة، فقال: يا محمد إنما نشرت جناحين من أجنحتي، وإن لي ستمائة جناح، سعة كل جناح ما بين المشرق والمغرب، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: إن هذا لعظيم، فقال جبريل: وما أنا في جنب خلق اللّه إلا يسيرا، ولقد خلق اللّه إسرافيل، له ستمائة جناح، كل جناح منها قدر جميع أجنحتي، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة اللّه تعالى، حتى يكون بقدر الوصع، أي العصفور الصغير، وهذا على كلام الجمهور، وأما على أن المراد به الرب سبحانه وتعالى، فمعنى الاستواء: الاستعلاء والقهر، ومعنى الدنو والتدلي: تجليه بصفة الجمال والمحبة لعبده، على حد ما قيل في ينزل ربنا كل ليلة.\rقوله: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى هذا مفرع على قوله: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ومشى المفسر على أن الضمير في أَوْحى الأول عائد على اللّه تعالى، والمراد بالعبد جبريل، والضمير في أَوْحى الثاني عائد على جبريل، وهو احتمال من ثمانية، أفادها العلامة الأجهوري وحاصلها أن يقال: الضمير في أوحى الأول، إما عائد على اللّه أو جبريل، والثاني كذلك، فهذه أربع، وفي كل منها إما أن يراد بالعبد جبريل أو محمد، فهذه ثمان اثنان منها فاسدان وهما أن يجعل الضمير في أوحى الأول عائدا على جبريل، ويراد بالعبد جبريل، سواء جعل الضمير في أوحى الثاني عائدا على اللّه أو جبريل وباقيها صحيح، والأنسب بمقام المدح أن يعود الضمير في أوحى الأول والثاني على اللّه، والمراد بالعبد محمد عليه الصلاة والسّلام، والمعنى: أوحى اللّه إلى عبده محمد ما أوحاه اللّه إليه، من العلوم والأسرار والمعارف التي لا يحصيها إلا معطيها، بواسطة جبريل وبغير واسطته، حين فارقه عند الرفرف. قوله: (و لم يذكر الموحى به تفخيما لشأنه) أي وإشارة إلى عمومه، واختلف في هذا الموحى به، فقيل مبهم لا نطلع عليه، وإنما يجب علينا الإيمان به إجمالا، وقيل هو معلوم، وفي تفسيره خلاف، فقيل أوحى اللّه إليه: ألم أجدك يتيما فآويتك؟ ألم أجدك ضالا فهديتك؟ ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك، الذي أنقض ظهرك، ورفعنا لك ذكرك؟ وقيل: أوحى اللّه إليه أن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها يا محمد، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان. فالمعنى على التشديد أن ما رآه محمد بعينه صدقه قلبه ولم ينكره، والتخفيف قيل كذلك، وقيل هو على إسقاط الخافض، والمعنى ما كذب الفؤاد فيما رآه. قوله: (من صورة جبريل) بيان لما رأى؛ وهذا أحد قولين، وقيل هو اللّه عز وجل، وعليه فقد رأى ربه مرتين، مرة في مبادىء البعثة، ومرة ليلة الإسراء، واختلف في تلك الرواية فقيل: رآه بعينه حقيقة، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين منهم: ابن عباس، وأنس بن مالك، والحسن وغيرهم، وعليه قول العارف البرعي:\rوإن قابلت لفظة لن تراني ... بما كذب الفؤاد فهمت معنى\r\rفموسى خر مغشيا عليه ... وأحمد لم يكن ليزيغ ذهنا\r\rوقيل: لم يره بعينه، وهو قول عائشة رضي اللّه عنها، والصحيح الأول لأن المثبت مقدم على النافي،","part":4,"page":103},{"id":1694,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 104\rتجادلونه وتغلبونه عَلى ما يَرى (12) خطاب للمشركين المنكرين رؤية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لجبريل وَلَقَدْ رَآهُ على صورته نَزْلَةً مرّة أُخْرى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (14) لما أسري به فى السماوات، وهي شجرة نبق عن يمين العرش لا يتجاوزها أحد من الملائكة وغيرهم عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (15) تأوي إليها الملائكة وأرواح الشهداء والمتقين إِذْ حين يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (16) من طير وغيره، وإذ معمولة لرآه ما زاغَ الْبَصَرُ من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَما طَغى (17) أي ما مال بصره عن\r______________________________\rأو لأن عائشة لم يبلغها حديث الرؤية، لكونها كانت حديثة السن.\rقوله: أَفَتُمارُونَهُ بضم التاء وبالألف بعد الميم من ماراه جادله وغالبه، أو بفتح التاء وسكون الميم من غير ألف من مريته حقه إذا علمته وجحدته إياه، قراءتان سبعيتان. قوله: عَلى ما يَرى أي على ما رآه وهو جبريل على كلام المفسر، وذات اللّه تعالى على كلام غيره، وعبر بالمضارع استحضارا للحالة البعيدة في ذهن المخاطبين.\rقوله: وَلَقَدْ رَآهُ اللام للقسم، وقوله: (مرة) أشار بذلك إلى أن نَزْلَةً منصوب على الظرفية.\rقوله: عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى سميت بذلك، إما لأنه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها، أو لأنه ينتهي علم الأنبياء إليها، ويعزب علمهم عما وراءها، أو لأن الأعمال تنتهي إليها وتقبض منها، أو لانتهاء الملائكة إليها ووقوفهم عندها، أو لأنه ينتهي إليها أرواح الشهداء، أو لأنه ينتهي إليها أرواح المؤمنين، أو لأنه ينتهي إليها من كان على سنة رسول اللّه أقوال، وإضافة سدرة للمنتهى، إما من إضافة الشيء إلى مكانه، والتقدير عند سدرة عندها منتهى العلوم، أو من إضافة الملك إلى المالك، على حذف الجار والمجرور، أي سدرة المنتهى إليه، وهو اللّه عز وجل، قال تعالى: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى. قوله: (لما أسري به) أي وكان قبل الهجرة بسنة وأربعة أشهر، وقيل: كان قبلها بثلاث سنين، والرؤية الأولى كانت في بدء البعثة، فبين الرؤيتين نحو عشر سنين. قوله: (و هي شجرة نبق) أي وفيها الحلي والحلل والثمار من جميع الألوان، لو وضعت ورقة منها في الأرض لأضاءت لأهلها. قيل: هي شجرة طوبى، والصحيح أنها غيرها، والنبق بكسر الياء وسكونها، واختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر، لما قيل: إن السدرة تختص بثلاثة أوصاف: ظل مديد، وطعام لذيذ، ورائحة ذكية، فشابهت الإيمان الذي يجمع قولا وعملا ونية، فظللها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوزه، وطعمها بمنزلة النية لكمونه، ورائحتها بمنزلة القول لظهوره، قيل: إن سدرة المنتهى قالت للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: استوص بإخواني في الأرض خيرا، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قطع سدرة صوب اللّه رأسه في النار» واستشكل هذا الحديث بأنه يقتضي أن قطع السدر حرام لحاجة ولغير حاجة، مع أنه خلاف المنصوص، وأجيب بأنه سئل أبو داود عن هذا الحديث فقال: هو مختصر وحاصله: «من قطع سدرة في فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم عبثا وظلما بغير حق يكون له فيها، صوب اللّه رأسه في النار» وبعد ذلك فهذا لا يخص السدر.\rقوله: عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى حال من سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. قوله: (تأوي إليها الملائكة) الخ، وقيل: هي الجنة التي أوى إليها آدم عليه السّلام إلى أن أخرج منها، وقيل: لأن جبريل وميكائيل يأويان إليها، فهذا وجه تسميتها جنة المأوى، أو لأن أهل السعادة يأوون إليها.\rقوله: ما يَغْشى أبهم الموصول وصلته إشارة إلى أن ما غشيها لا يحيط به إلا اللّه تعالى. قوله: (من طير وغيره) ورد عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه","part":4,"page":104},{"id":1695,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 105\rمرئيه المقصود له ولا جاوزه تلك الليلة لَقَدْ رَأى فيها مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (18) أي العظام أي بعضها، فرأى من عجائب الملكوت رفرفا أخضر سد أفق السماء وجبريل له ستمائة جناح أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ اللتين قبلها الْأُخْرى (20) صفة ذم للثالثة، وهي أصنام من\r______________________________\rقال: «رأيت السدرة يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة ملكا قائما يسبح اللّه تعالى» وورد أنه عليه الصلاة والسّلام قال: «ذهب بي جبريل إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كقلال هجر، فلما غشيها من أمر اللّه تعالى ما غشيها تغيرت، فما أحد من خلق اللّه تعالى يقدر أن ينعتها من حسنها، فأوحى إلي ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة» وقيل: يغشاها أنوار التجلي وقت مشاهدة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لربه، كما تجلى على الجبل عند مكالمة موسى، لكن السدرة أقوى من الجبل، فالجبل صار دكا، وخر موسى صعقا، ولم تتحرك السدرة، ولم يتزلزل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ أي ما يلتفت إلى ما غشى السدرة من العجائب المتقدمة، لأن الزيغ هو الالتفات لغير الجهة التي تعنيه. قوله: وَما طَغى الطغيان مجاوزة الحد اللائق كما أفاده المفسر، فوصف صلّى اللّه عليه وسلّم بكمال الثبات والأدب، مع غرابة ما هو فيه إذ ذاك، وسبق تنزيه علمه من الضلال، وعمله عن الغواية، ونطقه عن الهوى، وفؤاده عن التكذيب، وهنا تنزه بصره عن الزيغ والطغيان مع تأكيد ذلك وتحقيقه بالأقسام، وناهيك بذلك من رب العزة جل جلاله ثناء.\rقوله: لَقَدْ رَأى اللام في جواب قسم محذوف. قوله: الْكُبْرى أفاد المفسر أن من للتبعيض، وهو مفعول لرأى، والكبرى صفة لآيات، ووصفه بوصف المؤنثة الواحدة لجوازه وحسنه مراعاة الفاصلة، وفسر الكبرى بالعظام، إشارة إلى أنه ليس المعنى على التفضيل لعدم حصر تلك الآيات، ووصف العظم مقول بالتشكيك فيها، فيذهب السامع فيها كل مذهب فتدبر. قوله: (رفرفا) قيل: هو في الأصل ما تدلى على الأسرة من غالي الثياب ومن أعالي الفسطاط، روي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما بلغ سدرة المنتهى، جاءه الرفرف فتناوله من جبريل وطار به إلى العرش، حتى وقف بين يدي ربه، ثم لما حان الانصراف تناوله فطار به، حتى أداه إلى جبريل صلوات اللّه عليهما، وجبريل يبكي ويرفع صوته بالتحميد، فالرفرف خادم من الخدم بين يدي اللّه تعالى، له خواص الأمور في محل الدنو والقرب، كما أن البراق دابة يركبها الأنبياء، مخصوصة بذلك في الأرض.\rقوله: أَفَرَأَيْتُمُ استفهام إنكاري، قصد به توبيخ المشركين على عبادتهم الأوثان، بعد بيان تلك البراهين القاطعة الدالة على انفراده تعالى بالألوهية والعظمة، وأن ما سواه تعالى، وإن جلت مرتبته وعظم مقامه، حقير في جانب جلال اللّه عز وجل. قوله: اللَّاتَ اسم صنم كان في جوف الكعبة، وقيل:\rكان لثقيف بالطائف، وقيل: اسم رجل كان يلت السويق ويطعمه الحاج، وكان يجلس عند حجر، فلما مات سمي الحجر باسمه، وعبد من دون اللّه، وأل في اللات زائدة زيادة لازمة كما قال ابن مالك: وقد تزاد لازما كاللات. وتاؤه قيل: أصلية وعليه فأصله ليت، وقيل: زائدة وعليه فأصله لوى يلوي، كأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها، ويلتوون أي يعتكفون عليها، ويترتب على القولين الوقف عليها، فبعض القراء يقف عليها الهاء على القول بزيادتها، وبعضهم بالتاء على القول بعدم زيادتها. قوله: وَالْعُزَّى","part":4,"page":105},{"id":1696,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 106\rحجارة كان المشركون يعبدونها ويزعمون أنها تشفع لهم عند اللّه، ومفعول أرأيت الأول واللات وما عطف عليه، والثاني محذوف، والمعنى: أخبروني ألهذه الأصنام قدرة على شيء ما فتعبدونها دون اللّه القادر على ما تقدم ذكره، ولما زعموا أيضا أن الملائكة بنات اللّه مع كراهتهم البنات نزل أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (21) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (22) جائرة من ضازه يضيزه إذا ظلمه وجار عليه إِنْ هِيَ أي ما المذكورات إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أي سميتم بها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ أصناما تعبدونها ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها أي بعبادتها مِنْ سُلْطانٍ حجة وبرهان إِنْ ما يَتَّبِعُونَ في عبادتها إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ مما زين لهم الشيطان من أنها تشفع لهم عند\r______________________________\rتأنيث الأعز كالفضلى والأفضل وهو اسم صنم، وقيل شجرة سمر لغطفان كانوا يعبدونها، فبعث إليها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خالد بن الوليد فقطعها.\rقوله: وَمَناةَ إما بالهمزة بعد الألف أو بالألف وحدها، قراءتان سبعيتان، إما مشتقة من النوء وهو المطر، لأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء، أو من منى يمني أي صب، لأن دماء النسك كانت تصب عندها. قوله: (اللتين قبلها) أي إما صفة بالنظر للفظ، أو بالنظر للرتبة، والمعنى أن رتبتها عندهم منحطة عن اللتين قبلها. قوله: (صفة ذم للثالثة) أي لأنها بمعنى المتأخرة الوضيعة المقدار. قوله: (و هي أصنام من حجارة) أي أن الثلاثة أصنام من حجارة، كانت في جوف الكعبة، وقيل: اللات لثقيف بالطائف، والعزى شجرة لغطفان، ومناة صخرة كانت لهذيل وخزاعة أو لثقيف، وقيل: إن اللات أخذه المشركون من لفظ اللّه، والعزى من العزيز، ومناة من منى اللّه الشيء قدره. قوله: (و الثاني محذوف) أي وهو جملة استفهامية استفهاما إنكاريا ذكرها بقوله: (ألهذه الأصنام) الخ، والمعنى أفرأيتموها قادرة على شيء. قوله: (و لما زعموا أيضا) أي كما زعموا، أن الأصنام الثلاثة تشفع لهم عند اللّه تعالى.\rقوله: تِلْكَ إِذاً أي إذا جعلتم البنات له والبنين لكم. قوله: ضِيزى بكسر الضاد بعدها همزة أو ياء مكانها، قراءتان سبعيتان، وقرىء شذوذا بفتح الضاد وسكون الياء. قوله: (و جار عليه) عطف تفسير، وهذا المعنى لكل من القراءات الثلاث. قوله: (ما المذكورات) أي الأصنام المذكورات من حيث وصفها بالألوهية، والمعنى ليس لها من وصف الأولوهية التي أثبتموها لها إلا لفظها، وأما معناها فهي خلية عنه، لأنها من أحقر المخلوقات وأذلها. قوله: (أي سميتم بها) دفع بذلك ما يقال: إن الأسماء لا تسمى، وإنما يسمى بها، فكيف قال سميتموها؟ فأجاب: بأن الكلام من باب الحذف والإيصال، والمفعول الأول محذوف قدره بقول أصنام.\rقوله: أَنْتُمْ ضمير فصل أتى به توصلا لعطف وَآباؤُكُمْ على الضمير المتصل في سميتموها على حد قول ابن مالك:\rوإن على ضمير رفع متصل ... عطفت فافصل بالضمير المنفصل\r\rقوله: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ التفت من خطابهم إلى الغيبة، إشعارا بأن كثرة قبائحهم، اقتضت الإعراض عنهم. قوله: (مما زين لهم) بيان لما. قوله: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى الجملة حالية من فاعل يَتَّبِعُونَ والمعنى: يتبعون الظن وهوى النفس في حالة تنافي ذلك، هو مجيء الهدى من عند ربهم.","part":4,"page":106},{"id":1697,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 107\rاللّه تعالى وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (23) على لسان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالبرهان القاطع فلم يرجعوا عما هم عليه أَمْ لِلْإِنْسانِ أي لكل إنسان منهم ما تَمَنَّى (24) من أن الأصنام تشفع لهم ليس الأمر كذلك فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (25) أي الدنيا فلا يقع فيهما إلا ما يريده تعالى وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ أي وكثيرا من الملائكة فِي السَّماواتِ وما أكرمهم عند اللّه لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لهم فيها لِمَنْ يَشاءُ من عباده وَيَرْضى (26) عنه لقوله: ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، ومعلوم أنها لا توجد منهم إلا بعد الإذن فيها مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (27) حيث قالوا: هم بنات اللّه وَما لَهُمْ بِهِ بهذا المقول مِنْ عِلْمٍ إِنْ ما يَتَّبِعُونَ فيه إِلَّا الظَّنَ الذي تخيلوه وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (28) أي عن العلم فيما المطلوب فيه العلم فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى\r______________________________\rقوله: (بالبرهان) حال من الهدى والباء للملابسة، والمراد بالبرهان المعجزات.\rقوله: أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى أَمْ منقطعة تفسر ببل والهمزة، والاستفهام إنكاري، والمعنى: ليس للإنسان ما يتمنى، بل يعامل بضده، حيث تتبع هواه وخرج عن حدود الشرع، فالمراد بالإنسان الكافر، وهذه الآية تجر بذيلها على من يلتجىء لغير اللّه طلبا للفاني، ويتبع نفسه في ما تطلبه، فليس له ما يتمنى، قال العارف:\rلا تتبع النفس في هواها ... إن إتباع الهوى هوان\r\rوأما أهل الصدق مع ربهم، فلهم ما يتمنون وفوق ذلك، لوعد اللّه الذي لا يتخلف.\rقوله: فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى كالدليل ما قبله، والمعنى: أنه تعالى لا يعطي ما فيهما، إلا لمن اتبع هداه وترك هواه، لأنه مالك للدنيا والآخرة.\rقوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ الخ، هذا تقنيط للكفار، من تعلق آمالهم بشفاعة معبوداتهم لهم. قوله: (أي وكثيرا من الملائكة) الخ، أشار بذلك إلى أن كَمْ خبرية بمعنى كثيرا.\rقوله: (و ما أكرمهم عند اللّه) جملة تعجبية، جيء بها للدلالة على تشريف الملائكة وزيادة تعظيمهم، ومع ذلك فلا تغني شفاعتهم عنهم شيئا. قوله: لِمَنْ يَشاءُ أي فيمن يشاء. قوله: (و معلوم أنها لا توجد منهم) راجع لقوله: (و لا يشفعون) والقصد من ذلك التوفيق بين الآيتين، في توقف الشفاعة على الإذن.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أي وهم مشركو العرب، إن قلت: كيف يقال إنهم غير مؤمنين بالآخرة، مع أنهم يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه؟ أجيب: بأنهم غير جازمين بالآخرة، بدليل قوله تعالى حكاية عنهم وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى وإنما اتخذوهم شفعاء على سبيل الاحتمال. وأجيب أيضا: بأنهم لا يؤمنون بالآخرة على الوجه الذي بينته الرسل. قوله:\rتَسْمِيَةَ الْأُنْثى أي تسمية الإناث، وذلك أنهم رأوا في الملائكة تاء التأنيث، وصح عندهم أن يقال:\rسجدت الملائكة، فقالوا: الملائكة إناث، وجعلوهم بنات اللّه لكونهم لا أب لهم ولا أم. قوله: (بهذا المقول) أي هم بنات اللّه.\rقوله: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ أي لأنهم لم يشاهدوا خلقهم، ولم يسمعوا ما قالوه من رسول، ولم يروه في كتاب، بل عولوا على مجرد ظنهم الفاسد، ولو أذعنوا للقرآن وللنبي، لأفادهم صحة التوحيد","part":4,"page":107},{"id":1698,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 108\rعَنْ ذِكْرِنا أي القرآن وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا (29) وهذا قبل الأمر بالجهاد ذلِكَ أي طلب الدنيا مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ أي نهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (30) أي عالم بهما فيجازيهما وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي هو مالك لذلك، ومنه الضال والمهتدي، يضل من يشاء ويهدي من يشاء لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا من الشرك وغيره وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بالتوحيد وغيره من الطاعات بِالْحُسْنَى (31) أي الجنة، وبيّن المحسنين بقوله الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا\r______________________________\rونفعه. قوله: (أي عن العلم) أشار بذلك إلى أن من بمعنى عن، والحق بمعنى العلم. قوله: (فيما المطلوب فيه العلم) أي في الأمر الذي يطلب فيه العلم وهو الاعتقاديات، بخلاف العمليات، فالظن فيها كاف، لاختلاف الأئمة في الفروع الفقهية، فتحصل أن الأمور الاعتقادية، كمعرفة اللّه تعالى، ومعرفة الرسل وما أتوا به، لا بد فيها من الجزم المطابق للحق عن دليل، ولا يكفي فيها الظن، وأما الأمور العملية كفروع الدين، فيكفي فيها غلبة الظن.\rقوله: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى أي اترك دعوته والاهتمام بشأنه، فإنه لا تفيد دعوته إلا عنادا وإصرارا على الباطل. قوله: (و هذا قبل الأمر بالجهاد) أي فهو منسوخ بآية القتال، وقد تبع المفسر في ذلك أكثر المفسرين، وقال الرازي: إنها ليست منسوخة بآية القتال، بل هي موافقة لها، وذلك لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الأول، كان مأمورا بالدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة، فلما عارضوا أمر بإزالة شبههم، والجواب عنها فقيل له: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ثم لما لم ينفع ذلك فيهم قيل له: أعرض عنهم ولا تقابلهم بالدليل والبرهان، فإنهم لا ينتفعون به وقاتلهم، فثمرة الإعراض القتال، وقد يقال: إن الخلاف لفظي، فمن أراد بالإعراض الكف عن مجادلتهم ومعاملتهم بالتي هي أحسن قال بالنسخ، ومن أراد بالإعراض عنهم، ترك جدالهم ومعاملتهم بالسيف قال بعدمه.\rقوله: مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ تسميته علما تهكم بهم.\rقوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ الخ، تعليل للأمر بالإعراض، والمعنى: أن اللّه عالم بالضال فيجازيه على ضلاله، وبالمهتدي فيجازيه على هداه، ومن هنا خاف العارفون من سوء الخاتمة، لعدم اعتمادهم على أعمالهم. قوله: (و منه الضال والمهتدي) دفع بذلك ما يقال: كيف يجعل الجزاء علة لملك ما في السماوات والأرض، مع أنه ثابت للّه تعالى بالذات، فأجاب: بأنه علة لمحذوف، دل عليه قوله ملك السماوات والأرض.\rقوله: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا الخ، أشار بذلك إلى أن اللام متعلقة بمحذوف قدره بقوله:\r(يضل من يشاء) الخ، ويصح أن تكون اللام للعاقبة والصيرورة، والمعنى: أن عاقبة أمر الخلق، أن يكون فيهم المحسن والمسيء، فيجازي المحسن بالإحسان، والمسيء بالإساءة. قوله: (و بين المحسنين) الخ، أي فالذين يجتنبون بدل أو عطف بيان أو نعت للذين أحسنوا، أو مفعول لمحذوف تقديره أعني، أو خبر لمحذوف تقديره هم الذين الخ.\rقوله: كَبائِرَ الْإِثْمِ جمع كبيرة، وهي ما ورد فيها وعيد أو حدّ. قوله:\rوَالْفَواحِشَ إما عطف مرادف إن أريد بها الكبائر، أو خاص إن أريد بها ما ترتب عليه عظيم مفسدة،","part":4,"page":108},{"id":1699,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 109\rاللَّمَمَ هو صغار الذنوب، كالنظرة والقبلة واللمسة فهو استثناء منقطع، والمعنى لكن اللمم يغفر باجتناب الكبائر إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ بذلك وبقبول التوبة، ونزل فيمن كان يقول: صلاتنا صيامنا حجنا هُوَ أَعْلَمُ أي عالم بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ أي خلق أباكم آدم من التراب وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ جمع جنين فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ لا تمدحوها أي على سبيل الإعجاب، أما على سبيل الاعتراف بالنعمة فحسن هُوَ أَعْلَمُ أي عالم بِمَنِ اتَّقى (32) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) عن الإيمان، أي ارتد لما عير به وقال: إني خشيت عذاب اللّه، فضمن له المعير له أن يحمل عنه عذاب اللّه إن رجع إلى شركه وأعطاه من ماله كذا فرجع وَأَعْطى قَلِيلًا من المال المسمى وَأَكْدى (34) منع الباقي، مأخوذ من الكدية، وهي أرض صلبة كالصخرة تمنع حافر البئر إذا وصل إليها من الحفر أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (35) يعلم من جملته أن\r______________________________\rكالقتل والزنا والسرقة ونحو ذلك. قوله: إِلَّا اللَّمَمَ هو في الأصل أن يلم بالشيء ولم يرتكبه، والمراد به فعل الصغائر. قوله: (كالنظرة) أي وكالكذب الذي لا حد فيه، ولم يترتب عليه إفساد بين الناس، وهجر المسلم فوق ثلاث، والتبختر في المشي ونحو ذلك.\rقوله: إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ تعليل لقوله: إِلَّا اللَّمَمَ والمعنى: أن عدم المؤاخذة على الصغائر، لا لكونها ليست ذنبا، بل لسعة مغفرة اللّه. قوله: (بذلك) أي باجتناب الكبائر. قوله: (أي عالم) أشار بذلك إلى أنه ليس المراد صيغة التفضيل.\rقوله: إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ أي فهو عالم بتفاصيل أموركم، حين ابتدأ خلق أبيكم آدم من التراب، وحين صوركم في الأرحام. قوله: (جمع جنين) سمي بذلك لاستتاره في بطن أمه. قوله: (لا تمدحوها) أي لا تثنوا عليها، ولا تشهدوا لها بالكمال والتقى، فإن النفس خسيسة، إذا مدحت اغترت وتكبرت، فالذي ينبغي للشخص، هضم النفس وذلها واستخفافها. قوله: (أما على سبيل الاعتراف بالنعمة فحسن) أي ولذا قيل: المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر، قال تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ.\rقوله: هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى أي بمن أخلص في طاعته وتقواه، فينتفع بها ويثاب عليها، وأما المرائي، فلا ينتفع بطاعته، بل يعاقب عليها، لأن الرياء يحبط العمل. قوله: (أي ارتد) أي بعد أن أسلم بالفعل، وهذا أحد قولين، وقيل: قارب الإسلام ولم يسلم بالفعل. قوله: (و أعطاه من ماله) الضمير المستتر في أعطى عائد على الذي تولى، والبارز عائد على الذي ضمن له عذاب اللّه، فتحصل أن الضامن جعل على المتولي شيئين: الرجوع إلى الشرك، وأن يدفع له عددا معينا من ماله، وجعل على نفسه هو شيئا واحدا، وهو ضمان عذاب اللّه.\rقوله: وَأَكْدى هو في الأصل من أكدى الحافر إذا أصاب كدية منعته من الحفر، ومثله أجبل، أي صادف جبلا منعه من الحفر، ثم استعمل في كل من طلب منه شيء فلم يعطه.\rقوله: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ استفهام إنكاري بمعنى النفي، أي ليس عنده علم الغيب. قوله:\rفَهُوَ يَرى عطف على قوله: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فهي داخلة في حيز الاستفهام. قوله: (و هو","part":4,"page":109},{"id":1700,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 110\rغيره يتحمل عنه عذاب الآخرة، لا، وهو الوليد بن المغيرة أو غيره، وجملة أعنده المفعول الثاني لرأيت بمعنى أخبرني أَمْ بل لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (36) أسفار التوراة أو صحف قبلها وَصحف إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) تمم ما أمر به نحو: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَ وبيان ما أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (38) الخ، وأن مخففة من الثقيلة، أي أنه لا تحمل نفس ذنب غيرها وَأَنْ أي أنه لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (39) من خير، فليس له من سعي غيره\r______________________________\rالوليد بن المغيرة) أي وهو قول مقاتل وعليه الأكثر. قوله: (أو غيره) أي فقيل: هو العاص بن وائل السهمي، وقيل: هو أبو جهل، وهذا الخلاف في بيان الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى، وأما الذي غره وضمن أن يحمل عنه العذاب، فلم يذكروا تعيينه.\rقوله: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى أَمْ منقطعة، والمعنى أبل لم يخبر بالذي في صحف موسى الخ، حتى يغتر بما قيل له، وقدم موسى لقرب عهده منهم، وخص هذين الرسولين، لأنهم كانوا قبل ابراهيم يأخذون الرجل بذنب غيره، فكان الرجل إذا قتل، وظفر أهل المقتول بأبي القاتل أو ابنه أو أخيه أو عمه أو خاله قتلوه، حتى جاءهم ابراهيم، فنهاهم عن ذلك وبلغهم عن اللّه أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى. قوله: (تمم ما أمر به) أي من تبليغ الرسالة، وقيامه بالضيفان، وخدمته إياهم بنفسه، فكان يخرج يلتقي الضيفان من مسافة فرسخ، فإن وجد الضيفان أكرمهم وأكل معهم، وإلا نوى الصوم، وصبره على النار، وذبح ولده، وقيل: المراد وَفَّى سهام الإسلام وهي ثلاثون: عشرة في التوبة التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ وعشرة في الأحزاب إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ، وعشرة في المؤمنون قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ وقيل: المراد وَفَّى بكلمات كان يقولهن إذا أصبح وإذا أمسى فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ إلى تُظْهِرُونَ والمعنى أنه ما أمره اللّه تعالى بشيء إلا وفى به. قوله: (و بيان ما) أي فقوله (أن لا تزر) في محل جر بدل من ما في قوله: بِما فِي صُحُفِ مُوسى ويصح رفعه على أنه خبر لمحذوف، أي هو أَلَّا تَزِرُ ونصبه على أنه مفعول لمحذوف.\rقوله: وازِرَةٌ صفة لموصوف محذوف، أي نفس وازرة، أي مكلفة بالوزر، وليس المراد وازرة بالفعل. قوله: وِزْرَ أُخْرى أي وزر نفس أخرى. قوله: (الخ) المراد به قوله:\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى، وهذا على فتح همزة أَنَ في قوله: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى وما بعده وهي ثمانية تضم لثلاث قبلها، فتكون الجملة أحد عشر شيئا، وأما على قراءة الكسر في هذه الثمانية، فيكون المراد بقوله إلى آخره ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى فيكون البيان بالثلاثة الأول فقط. قوله: (و أن مخففة من الثقيلة) أي واسمها محذوف هو ضمير الشأن وأَلَّا تَزِرُ هو الخبر.\rقوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى استشكل هذا الحصر بأمور: منها أن الدال على الخير كفاعله، ومنها واتبعتهم ذريتهم بإيمان، ومنها إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، إلى قوله أو ولد صالح يدعو له، ومنها غير ذلك. قال الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله، فقد خرق الإجماع، وذلك باطل من وجوه كثيرة، أحدها: أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير. ثانيها: أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يشفع لأهل الموقف في الحساب ثم لأهل الجنة في دخولها. ثالثها: لأهل الكبائر في الخروج من النار، رابعها: أن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في","part":4,"page":110},{"id":1701,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 111\rالخير شيء وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (40) أي يبصر في الآخرة ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (41) الأكمل، يقال: جزيته سعيه وبسعيه وَأَنَ بالفتح عطفا وقرىء بالكسر استئنافا، وكذا ما بعدها، فلا يكون مضمون الجمل في الصحف على الثاني إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (42) المرجع والمصير بعد الموت فيجازيهم وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ من شاء أفرجه وَأَبْكى (43) من شاء أحزنه وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ في الدنيا وَأَحْيا (44) للبعث وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الصنفين الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (45) مِنْ نُطْفَةٍ مني\r______________________________\rالأرض. خامسها: أن اللّه تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط بمحض رحمته، وهذا انتفاع بغير عملهم. سادسها: أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم. سابعها: قال تعالى في قصة الغلامين اليتيمين وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً. ثامنها: أن الميت ينتفع بالصدقة عنه وبالعتق بنص السنة والإجماع.\rتاسعها: أن الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه عنه بنص السنة. عاشرها: أن الحج المنذور أو الصوم المنذور يسقط عن الميت بعمل غيره بنص السنة وهو انتفاع بعمل الغير. حادي عشرها: المدين قد امتنع صلّى اللّه عليه وسلّم من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة، وقضى دين الآخر علي بن أبي طالب، وانتفع بصلاة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو من عمل الغير، إلى آخر ما قال. وأجيب بأجوبة منها: أن الآية منسوخة، ورد بأنها خبر، والأخبار لا تنسخ. ومنها: أن المراد بالإنسان الكافر. ومنها: أن هذا حكاية عما في صحف موسى وابراهيم فليس في شرعنا. قوله: (أي يبصر في الآخرة) أي لأن العمل يصور بصورة جميلة إن كان صالحا، وقبيحة إن كان سيئا، ليكون سرورا للمؤمن، وحزنا للكافر.\rقوله: ثُمَّ يُجْزاهُ الضمير المرفوع عائد على الإنسان، والمنصوب عائد على السعي. قوله:\rالْجَزاءَ الْأَوْفى مصدر مبين للنوع. قوله: (يقال جزيته سعيه) الخ، أشار بذلك إلى أن الجزاء يتعدى للمفعول الثاني بنفسه وبحرف الجر. قوله (بالفتح عطفا) أي على قوله: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ الخ، وعليه فيكون بدلا من جملة بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ. قوله: (و قرىء بالكسر استئنافا) أي وعليه فيكون زائدا على ما في صحف موسى وابراهيم، لأن القرآن فيه ما في الصحف وزيادة. قوله: (و كذا ما بعدها) أي من قوله: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى إلى قوله: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى والكسر شاذ.\rقوله: إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى أي منتهى أمر الخلق ومرجعهم إليه تعالى، وهذا كالدليل لقوله: ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى وكأنه قال: اللّه يجزي الإنسان على أعماله الجزء الأوفى، لأنه إليه المنتهى في الأمور كلها، وإذا كان كذلك، فينبغي للإنسان أن يرجع إلى ربه في أموره كلها، ولا يعول على شيء من الأشياء، لأنه الآخذ بالنواصي، واختلف في المخاطب بقوله: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى فقيل كل عاقل، وقيل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وهذا على قراءة الكسر، وأما على قراءة الفتح فقيل كل عاقل؛ وقيل موسى وابراهيم على سبيل التوزيع، لأنه محكي عن صحفهما. قوله: (أفرحه) أشار بذلك إلى أن الضحك مستعمل في حقيقته، وكذا البكاء، وأن مفعول كل من الفعلين محذوف.\rقوله: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الخ، الحكمة في إسقاط ضمير الفصل في هذا، وإثباته في قوله:\rوَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا الإشارة لدفع توهم أن للمخلوق مدخلا في الإضحاك والإبكاء، والإماتة والإحياء، فأكّده بالفصل، ولما لم يحصل في خلق الذكر والأنثى وما بعده، توهم أن","part":4,"page":111},{"id":1702,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 112\rإِذا تُمْنى (46) تصب في الرحم وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ بالمد والقصر الْأُخْرى (47) الخلقة الأخرى للبعث بعد الخلقة الأولى وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى الناس بالكفاية بالأموال وَأَقْنى (48) أعطى المال المتخذ قنية وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (49) هو كوكب خلف الجوزاء كانت تعبد في الجاهلية وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (50) وفي قراءة بإدغام التنوين في اللام وضمها بلا همز هي قوم هود، والأخرى قوم صالح وَثَمُودَ بالصرف اسم للأب، وبلا صرف للقبيلة، وهو معطوف على عادا فَما أَبْقى (51) منهم أحدا وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ أي قبل عاد وثمود أهلكناهم إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (52) من عاد وثمود، لطول لبث نوح فيهم، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وهم مع عدم إيمانهم به يؤذونه ويضربونه وَالْمُؤْتَفِكَةَ وهي قرى قوم لوط أَهْوى (53) أسقطها بعد رفعها إلى السماء مقلوبة إلى الأرض، يأمره جبريل بذلك فَغَشَّاها من الحجارة بعد ذلك ما غَشَّى (54) أبهم تهويلا وفي هود جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ\r______________________________\rللغير مدخلا لم يؤكده بضمير الفصل.\rقوله: وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى أي بحكم الوعد الكائن في قوله: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ إذ لا يجب عليه تعالى فعل شيء ولا تركه. قوله: (بالمد والقصر) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أعطى المال المتخذ قنية) أي الذي يدوم عند صاحبه.\rقوله: رَبُّ الشِّعْرى اعلم أن الشعرى في لسان العرب كوكبان: أحدهما الشعرى العبور، وتسمى الشعرى اليمانية تطلع بعد الجوزاء في شدة الحر، كانت تعبدها خزاعة من العرب، وأول من سن عبادتها رجل من ساداتهم يقال له أبو كبشة، وهي المرادة في الآية، والثاني الشعرى الغميصاء، بضم الغين وفتح الميم من الغمص بفتحتين وهو سيلان دمع العين. قوله: (بإدغام التنوين) أي بعد قلبه لاما.\rوقوله: (في اللام) أي لام التعريف، وقوله: (و ضمها) أي بنقل حركة همزة أولى إليها، وقوله: (بلا همز) أي للواو التي بعد اللام المدغم فيها التنوين، وبقي قراءة ثالثة سبعية أيضا، وهي هذه القراءة بعينها، إلا أن الواو المذكورة تقلب همزة ساكنة. قوله: (هي قوم هود) أي وسميت أولى، لتقدمها في الزمان على عاد الثانية التي هي قوم صالح وهم ثمود، فأهلكت الأولى بالريح الصرصر، والثانية بصيحة جبريل؛ وتسمى كل من القبلتين عادا، لأن جدهم واحد، وهو عاد بن ارم بن سام بن نوح عليه السّلام. قوله: (و هو معطوف على عادا) أي ويصح نصبه بفعل محذوف تقديره وأهلك ثمودا، وليس منصوبا بأبقى، لأن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها.\rقوله: (أهلكناهم) صوابه أهلكهم، وأشار بذلك إلى أن قوله: وَقَوْمَ نُوحٍ منصوب بفعل محذوف ويصح عطفه على ما قبله.\rقوله: إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى الضمير عائد على قوم نوح خاصة، وعليه مشى المفسر، وبصح عوده على الفرق الثلاث. والمعنى: أظلم وأطغى من غيرهم. قوله: (يؤذونه ويضربونه) أي حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.\rقوله: وَالْمُؤْتَفِكَةَ منصوب بأهوى، قدم رعاية للفاصلة. ومعنى المؤتفكة المنقلبة، لأن الائتفاك الانقلاب. قوله: (مقلوبة) حال من ضمير (أسقطها).\rقوله: فَغَشَّاها ألبسها وكساها، والفاعل ضمير عائد على اللّه تعالى، وقوله: ما غَشَّى","part":4,"page":112},{"id":1703,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 113\rسِجِّيلٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ أنعمه الدالة على وحدانيته وقدرته تَتَمارى (55) تشكك أيها الإنسان أو تكذب هذا محمد نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (56) من جنسهم، أي رسول كالرسل قبله أرسل إليكم كما أرسلوا إلى أقوامهم أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) قربت القيامة لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ نفس كاشِفَةٌ (58) أي لا يكشفها ويظهرها إلا هو كقوله: (لا يجليها لوقتها إلا هو) أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ أي القرآن تَعْجَبُونَ (59) تكذيبا وَتَضْحَكُونَ استهزاء وَلا تَبْكُونَ (60) لسماع وعده ووعيدطه وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (61) لاهون غافلون عما يطلب منكم فَاسْجُدُوا لِلَّهِ الذي خلقكم وَاعْبُدُوا (62) ولا تسجدوا للأصنام ولا تعبدوها.\r______________________________\rمفعول به. قوله: (تهويلا) أي تفخيما وتعظيما. والمعنى: غشاها أمرا عظيما من حجارة وغيرها، مما لا يسع العقول وصفه. قوله: (و في هود فجعلنا) الخ، الصواب أن يقول، وفي هود فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها الخ، أو يقول: وفي الحجر فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها، وأمطرنا عليهم بدل قوله عليها. قوله:\rفَبِأَيِ الباء ظرفية متعلقة بتتمارى، والمعنى: في أي آلاء ربك تتشكك.\rقوله: (أيها الإنسان) أي مطلقا، وقيل: المراد به الوليد بن المغيرة، وقيل: الخطاب للنبي، والمراد غيره.\rقوله: هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى النذير بمعنى المنذر، والتنوين للتفخيم.\rقوله: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ أزف من باب تعب دنا وقرب. قوله: (قربت القيامة) أي الموصوفة بالقرب، فهي في نفسها قريبة من يوم خلق اللّه الدنيا، لأن كل آت قريب، وقد زادت قربا ببعثة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، لأنه من أمارات الساعة كما هو معلوم.\rقوله: (نفس) كاشِفَةٌ أشار بذلك إلى أن كاشِفَةٌ صفة لموصوف محذوف.\rقوله: (أي لا يكشفها ويظهرها إلا هو) أي فهو من كشف الشيء عرف حقيقته، ويصح أن يكون من كشف الضر أزاله. والمعنى: ليس لها مزيل غيره تعالى، لكنه لم يفعل ذلك، لأنه سبق في علمه وقوعها.\rقوله: أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ متعلق بتعجبون. قوله: (تكذيبا) قيد به لأن التعجب قد يكون استحسانا، وكذا يقال في\rقوله: (استهزاء). قوله: وَأَنْتُمْ سامِدُونَ إما مستأنف أو حال. قوله:\r(لاهون غافلون) أي فالسمود اللهو والغفلة، وقيل: الإعراض والاستكبار.\rقوله: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ يحتمل أن المراد به سجود الصلاة، وهو ما عليه مالك، ويحتمل أن المراد سجود التلاوة، وبه أخذ الشافعي وأبو حنيفة، ويؤيده ما روي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سجد في النجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس، إلا أبيّ بن خلف، رفع كفا من تراب على جبهته وقال: يكفي هذا. قوله: وَاعْبُدُوا عطف عام على خاص، وقوله: (و لا تسجدوا للأصنام) الخ، أخذه من لام الاختصاص ومن السياق.","part":4,"page":113},{"id":1704,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 114\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة القمر مكيّة وآياتها خمس وخمسون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ قربت القيامة وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) انفلق فلقتين على أبي قبيس وقعيقعان آية له صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد سئلها فقال: اشهدوا، رواه الشيخان وَإِنْ يَرَوْا أي كفار قريش آيَةً معجزة له صلّى اللّه عليه وسلّم يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا هذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) قوي من\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة القمر\rمكية إلا سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ الآية. وهي خمس وخمسون آية جميع فواصل آياتها على الراء الساكنة. قوله: الْآيَةَ أي وآخرها وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ قوله: (و قربت القيامة) أشار بذلك إلى أن الفعل المزيد بمعنى المجرد، وإنما أتى بالمزيد مبالغة، لأن زيادة البناء، تدل على زيادة المعنى، والمراد بالقيام خروج الناس من القبور، وله أسماء كثيرة: الحاقة، والواقعة، ويوم الدين، ويوم الجزاء، وغير ذلك.\rقوله: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ اعلم أنه يسمى قمرا بعد ثلاث من الشهر، وقبلها هلالا إلى أربع عشرة، وليلتها يسمى بدرا. قوله: (فلقتين) تثنية فلقة بالكسر كقطعة وزنا ومعنى، والانشقاق كان قبل الهجرة بخمس سنين، وهل كان ليلة أربع عشرة من الشهر أو لا؟ لم يثبت، وأما قول البوصيري:\rشق عن صدره وشق له البد ... ر ومن شرط كل شرط جزاء\r\rفإن كان عن نقل صحيح فهو مقبول لأنه حجة، وإلا فتسميته بدرا مجاز، وما ذكره المفسر من أنه انفلق بالفعل هو المشهور، وقيل: المعنى سينشق القمر إذا قامت القيامة، لأن السماء تنشق حينئذ بما فيها، وقيل: إن المعنى ظهر الأمر واتضح. قوله: (وقعيقعان) هو جبل مقابل أبي قبيس. قوله: (و قد سئلها) الجملة حالية، والمسؤول إما مطلق آية، أو خصوص انشقاق القمر، روايتان. قوله: (فقال اشهدوا) أي بأني رسول اللّه، ولست بساحر كما تزعمون.\rقوله: يُعْرِضُوا أي عن الإيمان بها. قوله: (هذا) سِحْرٌ اشار بذلك إلى أن سِحْرٌ خبر لمحذوف. قوله: (قوي أو دائم) هذان قولان من أربعة","part":4,"page":114},{"id":1705,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 115\rالمرة القوة أو دائم وَكَذَّبُوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ في الباطل وَكُلُّ أَمْرٍ من الخير والشر مُسْتَقِرٌّ (3) بأهله في الجنة أو النار وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ أخبار إهلاك الأمم المكذبة رسلهم ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) لهم اسم مصدر أو اسم مكان، والدال بدل من تاء الافتعال، وازدجرته وزجرته نهيته بغلظة، وما موصولة أو موصوفة حِكْمَةٌ خبر مبتدأ محذوف أو بدل من ما أو من مزدجر بالِغَةٌ تامة فَما تُغْنِ تنفع فيهم النُّذُرُ (5) جمع نذير بمعنى منذر، أي الأمور المنذرة لهم، وما للنفي أو للاستفهام الإنكاري، وهي على الثاني مفعول مقدم فَتَوَلَّ عَنْهُمْ هو فائدة ما قبله وتم به الكلام يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ هو إسرافيل، وناصب يوم يخرجون بعد إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) بضم الكاف وسكونها أي منكر تنكره النفوس لشدته وهو الحساب\r______________________________\rأقوال، والثالث أن معناه ذاهب، لا يبقى مأخوذ من المرور، والرابع أن معناه مر بشع لا نقدر أن نسيغه كما لا نسيغ المر.\rقوله: وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا عبر بالماضي إشارة إلى أن التكذيب واتباع الهوى من عاداتهم ودأبهم.\rقوله: وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ جملة مستأنفة مركبة من مبتدإ وخبر، قاطعة لأطماعهم الكاذبة، والمعنى: كل أمر من الأمور منته إلى غاية يستقر عليها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. قوله: مُسْتَقِرٌّ (بأهله) الباء بمعنى اللام، والمعنى: ثابت لأهله ما ينشأ عنه من ثواب وعقاب. قوله: (أو اسم مكان) أي على أن فيه تجريدا، والمعنى أنه موضع ازدجار. قوله: (بدل من تاء الافتعال) أي لأن الزاي حرف مجهور، والتاء حرف مهموس، فأبدلوها إلى حرف مجهور قريب من التاء وهو الدال، وكما تقلب تاء الافتعال دالا بعد الزاي، كذلك تقلب دالا بعد الدال والذال، قال ابن مالك: في ادان وازدد وادكر دالا بقي.\rقوله: (و ما موصولة أو موصوفة) أي وهي فاعل بجاء، ومِنَ الْأَنْباءِ حال منها. قوله: (أو بدل من ما) أي بدل كل من كل، أو بدل اشتمال.\rقوله: بالِغَةٌ (تامة) أي لا خلل فيها.\rقوله: فَما تُغْنِ النُّذُرُ حذفت الياء لفظا لالتقاء الساكنين، وتحذف في الخط اتباعا للفظ ولرسم المصحف. قوله: (أي الأمور المنذرة لهم) أي كما وقع للأمم السابقة من العذاب. قوله: (مفعول مقدم) أي مفعول به، والمعنى: فأي شيء من الأشياء النافعة تغني النذر أو مفعول مطلق، والمعنى فأي إغناء تغني النذر.\rقوله: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ قيل: منسوخة بآية السيف، وقيل: غير منسوخة بل معناها: فتول عنهم ولا تكلمهم بل قاتلهم. قوله: (هو فائدة ما قبله) أي نتيجته وثمرته.\rقوله: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ حذفت الواو من يدع لفظا لالتقاء الساكنين، وخطا تبعا لرسم المصحف وللفظ، وحذفت الياء من الداع خطا، لأنها من ياءات الزوائد، وأما في اللفظ فقرىء في السبع بإثباتها وحذفها، وكذا يقال في الداع الآتي. قوله: (هو إسرافيل) هذا أحد قولين، وقيل: هو جبريل يقول في ندائه: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتفرقة، والشعور المتمزقة، إن اللّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. قوله: (و ناصب يخرجون بعده) أي أو محذوف تقديره اذكر. قوله: (بضم الكاف) الخ، أي وهما قراءتان سبعيتان. قوله: (تنكره النفوس) أي جميعها أو نفوس الكفار، لأن","part":4,"page":115},{"id":1706,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 116\rخُشَّعاً ذليلا، وفي قراءة خشعا بضم الخاء وفتح الشين مشدّدة أَبْصارُهُمْ حال من فاعل يَخْرُجُونَ أي الناس مِنَ الْأَجْداثِ القبور كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (7) لا يدرون أين يذهبون من الخوف والحيرة، والجملة حال من فاعل يخرجون، وكذا قوله مُهْطِعِينَ أي مسرعين مادّين أعناقهم إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ منهم هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) أي صعب على الكافرين كما في المدثر يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قبل قريش قَوْمُ نُوحٍ تأنيث الفعل لمعنى قوم فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نوحا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) أي انتهروه بالسبّ وغيره فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي بالفتح أي بأني مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنا بالتخفيف والتشديد أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ\r______________________________\rالمؤمنين حينئذ يكونون آمنين. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا.\rقوله: (حال) أي قوله:\rخاشعا وأَبْصارُهُمْ فاعل به، وأسند الخشوع للأبصار، لأنه يظهر فيها أكثر من بقية البدن. قوله:\r(أي الناس) أي مؤمنهم وكافرهم.\rقوله: مِنَ الْأَجْداثِ جمع جدث بفتحتين، كفرس وأفراس. قوله: كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ أي في الكثرة والانتشار في الأمكنة. قوله: (لا يدرون أين يذهبون) الخ. اعلم أن الناس حين الخروج من القبور، شبهوا في هذه الآية بالجراد المنتشر، وفي الآية الأخرى بالفراش المبثوث، فمن حيث تحيرهم وتداخل بعضهم في بعض، شبهوا بالفراش المبثوث، ومن حيث انتشارهم وقصدهم الجهة التي يجتمعون فيها، شبهوا بالجراد المنتشر، إذا علمت ذلك، فما قاله المفسر لا يناسب تشبيههم بالجراد بل الفراش، هكذا قالوا فتدبر.\rقوله: (مادين أعناقهم) الخ، أي فمعنى مُهْطِعِينَ مادين الأعناق مع سرعة المشي.\rقوله: يَقُولُ الْكافِرُونَ الخ، استئناف وقع جوابا عما نشأ من وصف اليوم بالأهوال وشدائدها، كأنه قيل: فما يقول الكافر حينئذ؟ قوله: (كما في المدثر) أي ففي المدثر ما يفيد أن الصعوبة والشدة لخصوص الكافر.\rقوله: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ تفصيل لما أجمل أولا في قوله: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ. قوله: (لمعنى قوم) أي وهو الأمة. قوله: فَكَذَّبُوا عَبْدَنا تفصيل لقوله: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فالمكذب والمكذب في الموضعين واحد. قوله: وَازْدُجِرَ عطف على قالُوا والمعنى قالوا مجنون وانتهروه. قوله: (و غيره) أي كالضرب والخنق، فكانوا يضربونه ويخنقونه حتى يغشى عليه فيتركونه، فإذا أفاق قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.\rقوله: فَدَعا رَبَّهُ أي بعد صبره عليهم الزمن الطويل، فمكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يعالجهم فلم يفد فيهم شيئا. قوله: أَنِّي مَغْلُوبٌ بفتح الهمزة في قراءة العامة على حكاية المعنى، ولو حكى اللفظ لقال إنه مغلوب، وقرىء شذوذا بكسر الهمزة على إضمار القول. والمعنى: فدعا ربه قائلا:\rأَنِّي مَغْلُوبٌ. قوله: فَانْتَصِرْ أي انتقم لي منهم، وذلك بعد يأسه من إيمانهم، حيث أوحى اللّه إليه، إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، ودعا عليهم أيضا بقوله رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً وبقوله فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.","part":4,"page":116},{"id":1707,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 117\rمُنْهَمِرٍ (11) منصبّ انصبابا شديدا وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً تنبع فَالْتَقَى الْماءُ ماء السماء والأرض عَلى أَمْرٍ حال قَدْ قُدِرَ (12) قضي به في الأزل وهو هلاكهم غرقا وَحَمَلْناهُ أي نوحا عَلى سفينة ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (13) وهو ما تشدّ به الألواح من المسامير وغيرها، واحدها دسار ككتاب تَجْرِي بِأَعْيُنِنا بمرأى منا أي محفوظة جَزاءً منصوب بفعل مقدر، أي أغرقوا انتصارا لِمَنْ كانَ كُفِرَ (14) وهو نوح عليه السّلام وقرىء كفر بناء للفاعل، أي أغرقوا عقابا لهم وَلَقَدْ تَرَكْناها أبقينا هذه الفعلة آيَةً لمن يعتبر بها، أي شاع خبرها واستمر، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) معتبر ومتعظ بها، وأصله مذتكر، أبدلت التاء دالا مهملة، وكذا المعجمة، وأدغمت فيها فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (16) أي إنذاري استفهام تقرير، وكيف خبر كان، وهي للسؤال عن الحال، والمعنى: حمل المخاطبين على الإقرار بوقوع عذابه تعالى بالمكذبين لنوح موقعه وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ سهلناه للحفظ وهيأناه للتذكر فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) متعظ به وحافظ له\r______________________________\rقوله: فَفَتَحْنا عطف على محذوف تقديره فاستجبنا له. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: أَبْوابَ السَّماءِ أي جميعها ويؤخذ من ذلك أن السماء لها أبواب حقيقة وتغلق وهو كذلك. قوله: بِماءٍ الباء للتعدية مبالغة، حيث جعل الماء كالآلة التي يفتح بها. قوله: مُنْهَمِرٍ المنهمر الغزير النازل بقوة.\rقوله: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً تمييز محول عن المفعول، لأن أصله: وفجرنا عيون الأرض. قوله: (تنبع) أي تخرج من العين، ومكث الماء يصب من السماء وينبع من الأرض أربعين يوما، قيل: كان ماء السماء باردا مثل الثلج، وماء الأرض حارا مثل الحميم، وهل كان ماء السماء أكثر أو ماء الأرض أو مستويين أقوال. قوله: فَالْتَقَى الْماءُ أي جنسه الصادق بماء السماء والأرض. قوله:\r(و غيرها) أي كالصفائح والخشب الذي يسمر فيه الألواح والخيوط ونحوها. قوله: (جمع دسار) وقيل:\rجمع دسر بسكون السين كسقف وسقف.\rقوله: تَجْرِي صفة ثانية للموصوف المحذوف. قوله: بِأَعْيُنِنا حال من ضمير تَجْرِي.\rقوله: (منصوب بفعل مقدر) أي مفعول لأجله. قوله: (و هو نوح) أي لأنه نعمة كفروها، إذ كل نبي نعمة على أمته. قوله: (و قرئ) أي شذوذا. قوله: (هذه الغفلة) أي وهي الغرق على هذا الوجه، وقيل هي السفينة بناء على أنها بقيت على الجودي زمانا مديدا، حتى رآها أوائل هذه الأمة. قوله: (معتبر متعظ بها) أي يعتبر بما صنع اللّه بقوم نوح، فيترك المعصية، ويفعل الطاعة. قوله: (و كذا المعجمة) أي الذال التي قبل التاء أبدلت دالا مهملة، وقوله: (و أدغمت) أي الدال المهملة المنقلبة عن المعجمة، وقوله:\r(فيها) أي في الدال المنقلبة عن التاء.\rقوله: وَنُذُرِ بإثبات الياء لفظا وحذفها قراءتان سبعيتان، وأما في الرسم فلا تثبت لأنها من ياءات الزوائد، وكذا يقال في المواضع الآتية. قوله: (و كيف خبر كان) أي فهي ناقصة وعَذابِي اسمها. قوله: (و هي للسؤال عن الحال) أي فإذا أردت أن تختبر حال شخص تقول له: كيف أنت؟\rأصحيح أم سقيم مثلا؟ قوله: (بوقوع عذابه تعالى) الخ، أي أنه في غاية العدل، فلا ظلم فيه ولا جور.\rقوله: (سهلناه للحفظ) أي أعنا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه فيعان عليه، وليس من","part":4,"page":117},{"id":1708,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 118\rوالاستفهام بمعنى الأمر، أي احفظوه واتعظوا به، وليس يحفظ من كتب اللّه عن ظهر القلب غيره كَذَّبَتْ عادٌ نبيهم هودا فعذبوا فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (18) أي إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، أي وقع موقعه وقد بيّنه بقوله إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً أي شديد الصوت فِي يَوْمِ نَحْسٍ شؤم مُسْتَمِرٍّ (19) دائم الشؤم أو قويه، وكان يوم الأربعاء آخر الشهر تَنْزِعُ النَّاسَ تقلعهم من حفر الأرض المندسين فيها وتصرعهم على رؤوسهم فتدق رقابهم فتبين الرأس عن الجسد كَأَنَّهُمْ وحالهم ما ذكر أَعْجازُ أصول نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) منقطع ساقط على\r______________________________\rكتاب يقرأ عن ظهر قلب إلا القرآن، ولم يكن هذا لبني إسرائيل، ولم يكونوا يقرؤون التوراة إلا نظرا، غير موسى وهارون ويوشع بن نون وعزير صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين، ومن أجل ذلك افتتنوا بعزير لما كتب لهم التوراة عن ظهر قلب حين أحرقت، ومن هذا المعنى قوله تعالى في الحديث القدسي: وجعلت من أمتك أقواما قلوبهم أناجيلهم. قوله: (أو هيأناه للتذكر) أي بأن أودعنا فيه أنواع المواعظ والعبر، وبالجملة فقد جعل اللّه القرآن مهيأ ومسهلا لمن يريد حفظ اللفظ، أو حفظ المعنى، أو الاتعاظ به، فهو رأس سعادة الدنيا والآخرة. قوله: (و الاستفهام بمعنى الأمر) أي فهو للتحضيض. قوله: (أي احفظوه واتعظوا به) أي ليكمل لكم الاصطفاء، فإن من أتاه اللّه القرآن حفظا أو اتعاظا، فقد جعله اللّه من أهله، ومن جمع بين الأمرين، فهو على أكمل الأحوال.\rقوله: كَذَّبَتْ عادٌ الخ، هذا أيضا من جملة تفصيل قوله وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ وذكر قصة عاد عقب قصة نوح، لأنهم ذرية نوح، لأن عادا هو ابن إرم بن سام بن نوح. قوله: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ مرتب على محذوف قدره بقوله: (فعذبوا). قوله: (أي وقع موقعه) أي فتعذيبه لهم عدل منه تعالى، لأنه أنذرهم أولا على لسان نبيهم فلم يؤمنوا، وذلك لأنه جرت عادة اللّه تعالى، أنه لا يؤاخذ عبدا بغير جرم تنزلا منه تعالى، وإلا فلو أخذ عباده بغير جرم لا يسمى ظالما، لأنه تصرف في ملكه، والظلم التصرف في ملك الغير بغير إذنه.\rقوله: (و قد بينه بقوله) الخ، أشار بذلك إلى أن قوله:\rإِنَّا أَرْسَلْنا الخ، تفصيل لما أجمل أولا. قوله: (شؤم) أي غير مبارك. قوله: (دائم الشؤم) أي إلى الأبد عليهم، وهو يوم مبارك على هود ومن تبعه، فهو يوم نحس على الكافرين، ويوم مبارك على المؤمنين.\rقوله: (أو قوية) أي فهو مأخوذ من المرة وهي القوة، وفي الحقيقة هو دائم الشؤم قوية. قوله: (آخر الشهر) أي شهر شوال لثمان بقين منه؛ واستمر إلى غروب الشمس من يوم الأربعاء آخره، والمعنى أنه أتاهم العذاب يوم الأربعاء، والباقي من شوال ثمانية أيام، فاستمر عليهم لآخره، قال تعالى في سورة الحاقة سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً إذا علمت ذلك، فليس المراد بقول المفسر: (آخر الشهر) أن يوم نزول العذاب، كان آخر الشهر، بل هو منتهاه.\rقوله: تَنْزِعُ النَّاسَ أظهر في مقام الإضمار، ليكون صريحا في عموم الذكور، وإلا فمقتضى الظاهر تنزعهم. قوله: (المندسين فيها) أي فقد روي أنهم دخلوا في الشعاب والحفر، وتمسك بعضهم ببعض، فنزعتهم الريح منها وصرعتهم موتى. قوله: (و حالهم ما ذكر) الجملة حالية من ضمير كأنهم، وفيه إشارة إلى أن قوله: كَأَنَّهُمْ حال من الناس مقدرة، وذلك لأنهم حين إخراجهم من الحفر، لم","part":4,"page":118},{"id":1709,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 119\rالأرض، وشبهوا بالنخل لطولهم، وذكّر هنا، وأنّث في الحاقة نَخْلٍ خاوِيَةٍ مراعاة للفواصل في الموضعين فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) جمع نذير بمعنى منذر، أي بالأمور التي أنذرهم بها نبيهم صالح إن لم يؤمنوا به ويتبعوه فَقالُوا أَبَشَراً منصوب على الاشتغال مِنَّا واحِداً صفتان لبشرا نَتَّبِعُهُ مفسر للفعل الناصب له، والاستفهام بمعنى النفي، المعنى: كيف نتبعه ونحن جماعة كثيرة وهو واحد منا وليس بملك، أي لا نتبعه إِنَّا إِذاً أي إن اتبعناه لَفِي ضَلالٍ ذهاب عن الصواب وَسُعُرٍ (24) جنون أَأُلْقِيَ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين وتركه الذِّكْرُ الوحي عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا أي لم يوح إليه بَلْ هُوَ كَذَّابٌ في قوله: إنه أوحي إليه ما ذكر أَشِرٌ (25) متكبر بطر، قال تعالى سَيَعْلَمُونَ غَداً في الآخرة مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) وهو هم بأن يعذبوا على تكذيبهم نبيهم صالحا إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ مخرجوها من الهضبة\r______________________________\rيكونوا كإعجاز النخل، بل كانوا كذلك بعد ما حصل لهم ما ذكر. قوله: (أصول) نَخْلٍ المراد بها النخل بتمامها من أولها لآخرها ما عدا الفروع والمعنى كأنهم نخل قد قطعت رؤوسه. قوله: (منقلع) تفسير لمنقعر، وفيه إشارة إلى قوتهم وثبات أجسامهم في الأرض، فكأنهم لعظم أجسامهم وكمال قوتهم، يقصدون مقاومة الريح فلم يستطيعوا، لأنها لشدتها تقلعهم، كما تقلع النخل من الأرض. قوله: (و ذكر هنا) أي حيث قال منقعر، ولم يقل منقعره، وقوله: (و أنث في الحاقة) أي حيث قال خاوية ولم يقل خاو.\rقوله: (في الموضعين) أي فهنا الفاصلة على الراء وهناك على الهاء.\rقوله: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ كرره للتهويل والتعجيب من أمرهم. قوله: (أي الأمور التي أنذرهم بها) هذا أحد وجهين في تفسير النذر، والثاني أنه جمع نذير، بمعنى الرسل المنذرين لهم، وجمعهم لأن من كذب رسولا فقد كذب جميع الرسل. قوله: (منصوب على الاشتغال) أي وهو الفصيح الراجح لتقدم أداة هي بالفعل أولى. قوله: (و الاستفهام بمعنى النفي) أي فهو إنكاري. قوله: (جنون) أي فسعر مفرد، ويصح أن يكون جمع سعير وهو النار. قوله: (و إدخال ألف بينهما) الخ، أي فالقراءات أربع سبعيات.\rقوله: مِنْ بَيْنِنا حال من الهاء في عَلَيْهِ والمعنى: أخص بالرسالة منفردا من بيننا، وفينا من أكثر منه مالا أحسن حالا. قوله: (أي لم يوح إليه) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري. قوله: (قال تعالى) أي وعيدا لهم ووعدا له. قوله: (أي في الآخرة) هذا أحد قولين في تفسير الغد، وقيل: المراد به يوم نزول العذاب الذي حل بهم في الدنيا.\rقوله: مَنِ الْكَذَّابُ مبتدأ وخبر، والجملة سدت مسد المفعولين، والمعنى: سيعلمون غدا أي فريق هو الكذاب الأشر، أهو هم أو صالح عليه السّلام.\rقوله: إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ استئناف مسوق لبيان مبادي الموعود به من العذاب، وذلك لأنه جرت عادة اللّه تعالى، أنه إذا أراد تعذيب قوم، اقترحوا آية ولم يؤمنوا بها، ورد أنهم قالوا لصالح عليه السّلام:\rنريد أن نعرف المحق منا، بأن ندعو آلهتنا وتدعو إلهك، فمن أجابه إلهه علمنا أنه المحق، فدعوا أوثانهم فلم تجبهم فقالوا: ادع أنت فقال: فما تريدون؟ قالوا: تخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء وبراء،","part":4,"page":119},{"id":1710,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 120\rالصخرة كما سألوا فِتْنَةً محنة لَهُمْ لنختبرهم فَارْتَقِبْهُمْ يا صالح أي انتظر ما هم صانعون وما يصنع بهم وَاصْطَبِرْ (27) الطاء بدل من تاء الافتعال، أي اصبر على أذاهم وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ مقسوم بَيْنَهُمْ وبين الناقة، فيوم لهم ويوم لها كُلُّ شِرْبٍ نصيب من الماء مُحْتَضَرٌ (28) يحضره القوم يومهم، والناقة يومها، فتمادوا على ذلك ثم ملوه فهموا بقتل الناقة فَنادَوْا صاحِبَهُمْ قدارا ليقتلها فَتَعاطى تناول السيف فَعَقَرَ (29) به الناقة أي قتلها موافقة لهم فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (30) أي إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، أي وقع موقعه، وبينه بقوله إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) هو الذي يجعل لغنمه حظيرة من يابس الشجر والشوك، يحفظهن فيها من الذئاب والسباع، وما سقط من ذلك فداسته هو الهشيم وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (32) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) أي بالأمور المنذرة لهم على لسانه إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً ريحا ترميهم بالحصباء، وهي صغار\r______________________________\rفأجابهم إلى ذلك بشرط الإيمان، فوعدوه بذلك وأكدوا، فكذبوه ثانيا بعد ما كذبوا أولا في أن آلتهم تجيبهم. قوله: (من الهضبة) بفتح الهاء وسكون الضاد، وهو الجبل المنبسط على الأرض، ويجمع على هضب وهضاب. قوله: فِتْنَةً لَهُمْ مفعول لأجله. قوله: (بدل من تاء الافتعال) أي لوقوعها إثر حرف من حروف الإطباق وهو الصاد.\rقوله: وَنَبِّئْهُمْ أي أخبرهم. قوله: أَنَّ الْماءَ أي وهو ماء بئرهم الذي كانوا يشربون منه. قوله: قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ (و بين الناقة) ظاهره أن الضمير في بينهم واقع عليهم فقط، وأن في الكلام حذف الواو مع ما عطفت، والأسهل أن الضمير واقع عليهم وعلى الناقة، على سبيل التغليب. قوله: (و يوم لها) أي فكانت لا تبقي شيئا في البئر، ويومها يكتفون بلبنها.\rقوله: فَنادَوْا صاحِبَهُمْ مرتب على محذوف قدره بقوله: (فتمادوا على ذلك) الخ، والمعنى: أنهم بقوا على ذلك مدة، ثم ملوا من ضيق الماء والمرعى عليهم وعلى مواشيهم، فأجمعوا على قتلها، فقال بعضهم لبعض: نكمن للناقة حيث تمر إذا صدرت عن الماء، فاجتمعوا وكمن لها قدار ابن سالف في أصل شجرة في طريقها التي تمر بها، فرماها فقطع عضلة ساقها، فوقعت وأحدثت ورغت رغاءة واحدة ثم نحرها. قوله: (موافقة لهم) قصد بذلك الجمع بين ما هنا وما في الشعراء حيث قال (فعقروها) فتحصل أن مباشرة القتل كان منه، لكن إجماعهم عليه.\rقوله: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً أي صاح بهم جبريل في اليوم الرابع من عقر الناقة، وذلك أن عقرها يوم الثلاثاء، فتوعدهم صالح بالعذاب، وأخبرهم بأنهم يصبحون يوم الأربعاء صفر الوجوه، ويوم الخميس حمر الوجوه، ويوم الجمعة سود الوجوه، وفي السبت ينزل بهم العذاب، وكان الأمر كما ذكر.\rقوله: كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ تشبيه لإهلاكهم، والحظيرة زريبة الغنم ونحوها، والمحتظر بكسر الظاء اسم فاعل، وهو الذي يتخذ حظيرة من الحطب وغيره، لتكون وقاية لمواشيه من الحر والبرد والسباع.\rقوله: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ أي وهم الجماعة الذين سكن عندهم وأرسل لهم، وذلك أن لوطا هو ابن أخي إبراهيم الخليل عليهما السّلام، خرج مع عمه من العراق، فنزل إبراهيم بفلسطين، ولوط","part":4,"page":120},{"id":1711,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 121\rالحجارة الواحد دون ملء الكف فهلكوا إِلَّا آلَ لُوطٍ وهم ابنتاه معه نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (34) من الأسحار أي وقت الصبح من يوم غير معين، ولو أريد من يوم معين لمنع من الصرف، لأنه معرفة معدول عن السحر، لأن حقه أن يستعمل في المعرفة بأل، وهل أرسل الحاصب على آل لوط أو لا، قولان، وعبر عن الاستثناء على الأول بأنه متصل، وعلى الثاني بأنه منقطع وإن كان من الجنس تسمحا نِعْمَةً مصدر أي إنعاما مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ أي مثل ذلك الجزاء نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) أنعمنا وهو مؤمن أو من آمن باللّه ورسوله وأطاعهما وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ خوّفهم لوط بَطْشَتَنا أخذتنا إياهم بالعذاب فَتَمارَوْا تجادلوا وكذبوا بِالنُّذُرِ (36) بإنذاره وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ أي أن يخلي بينهم وبين القوم الذين أتوه في صورة الأضياف ليخبثوا بهم، وكانوا ملائكة فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ عميناها وجعلناها بلا شق كباقي الوجه بأن صفقها جبريل بجناحه\r______________________________\rبسذوم وقراها، فأرسله اللّه لهم فكذبوا، فحل بهم العذاب. قوله: (المنذرة) أي المخوفة. قوله: (ريحا ترميهم بالحصباء) أشار بذلك إلى أن حاصبا اسم فاعل، صفة لموصوف محذوف، وفيه دليل على أن إمطار الحجارة وإرسالها عليهم، كان بواسطة إرسال الريح لها. قوله: (من يوم غير معين) أي غير مقصود تعيينه للمخاطبين، فلا ينافي تعيينه في الواقع ولمن حضر. قوله: (أي وقت الصبح) هذا تفسير مراد يدل عليه قوله في الآية الأخرى إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ وإلا فحقيقة السحر ما كان آخر الليل، والباء بمعنى في.\rقوله: (لأن حقه أن يستعمل في المعرفة) أي في إرادة التعريف. قوله: (تسمحا) أي تساهلا في العبارة، وأشار بذلك إلى أن وجه كون الاستثناء منقطعا بعيد، لأن أهل لوط من جنس القوم على كل حال، سواء قلنا بنزول الحاصب على الجميع، أو غير أهل لوط، فتحصل أن الاستثناء متصل على كل حال، لكون المستثنى من جنس المستثنى منه، وجعله منقطعا بعيد.\rقوله: (مصدر) أي مؤكد لعامله في المعنى وهو نَجَّيْناهُمْ إذ الإنجاء نعمة أو مفعول لمحذوف من لفظه، أي أنعمنا عليهم نعمة. قوله: (أي مثل ذلك الجزاء) أي الذي هو الإنجاء.\rقوله: نَجْزِي مَنْ شَكَرَ أي فلا خصوصية لآل لوط، بل هو عام لكل من شكر نعمه تعالى، قال تعالى وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ الآية. قوله: (و هو مؤمن) الجملة حالية، وقوله: (أو من آمن) عطف على مَنْ شَكَرَ عطف تفسير، وفي ذلك إشارة إلى تفسيرين للموصول، فقيل: إن المراد من شكر النعمة مع أصل الإيمان، وقيل: هو من ضم إلى الإيمان عمل الطاعات. قوله: (تجادلوا وكذبوا) أشار بذلك إلى أنه ضمن تماروا معنى التكذيب، فتعدى تعديته. قوله: (بإنذاره) أي أو بالأمور التي خوفهم بها لوط.\rقوله: وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ أي أرادوا منه تمكينه ممن أتاه من الملائكة في صورة الأضياف للفاحشة، والمراودة الطلب المتكرر. قوله: (ليخبثوا بهم) الخبث الزنا، والمراد به ما يشمل اللواط، وهو المراد هنا، وهو من باب قتل. قوله: (عميناها) صوابه أعميناها بالهمز، لأن عمي ثلاثي لازم، والمتعدي إنما هو الرباعي. قوله: (و جعلناها بلا شق) هذا أحد قولين، وقيل: بل أعماهم اللّه مع صحة أبصارهم","part":4,"page":121},{"id":1712,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 122\rفَذُوقُوا فقلنا لهم ذوقوا عَذابِي وَنُذُرِ (37) أي إنذاري وتخويفي أي ثمرته وفائدته وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً وقت الصبح من يوم غير معين عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) دائم متصل بعذاب الآخرة فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ قومه معه النُّذُرُ (41) الإنذار على لسان موسى وهارون فلم يؤمنوا بل كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها أي التسع التي أوتيها موسى فَأَخَذْناهُمْ بالعذاب أَخْذَ عَزِيزٍ قوي مُقْتَدِرٍ (42) قادر لا يعجزه شيء أَكُفَّارُكُمْ يا قريش خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ المذكورين من قوم نوح إلى فرعون فلم يعذبوا أَمْ لَكُمْ يا كفار قريش بَراءَةٌ من العذاب فِي الزُّبُرِ (43) الكتب، والاستفهام في الموضعين بمعنى النفي، أي ليس الأمر كذلك أَمْ يَقُولُونَ أي كفار قريش نَحْنُ جَمِيعٌ أي جمع مُنْتَصِرٌ (44) على محمد، ولما قال أبو جهل يوم بدر إنا جمع منتصر نزل سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) فهزموا ببدر ونصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ بالعذاب\r______________________________\rفلم يروهم. قوله: (فقلنا لهم) أي على ألسنة الملائكة. قوله: (من يوم غير معين) أي لم يرد اللّه تعيينه لنا، وإلا فهو معين في علم اللّه، وعلم من بقي من المؤمنين.\rقوله: عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ أي فقلع جبريل بلادهم فرفعها وقلبها، وأمطر اللّه عليها حجارة من سجيل. قوله: (دائم متصل بعذاب الآخرة) أي فلا يزول عنهم حتى يصلوا إلى النار.\rقوله: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ الخ، حكمة تكرار ذلك في كل قصة، التنبيه على الاتعاظ والتدبر، إشارة إلى أن تكذيب كل رسول، مقتض لنزول العذاب، كما كرر قوله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ* تقريرا للنعم المختلفة المعدودة، فكلما ذكر نعمة وبخ التكذيب بها. قوله: (الإنذار) أي فهو مصدر، ويصح جعله جمع نذير، باعتبار الآيات التسع.\rقوله: كَذَّبُوا بِآياتِنا استئناف بياني واقع في جواب سؤال مقدر تقديره: ماذا فعلوا حينئذ؟ فقيل: كَذَّبُوا الخ. قوله: (أي التسع) أي وهي:\rالعصا واليد والسنين والطمس والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. قوله: أَخْذَ عَزِيزٍ من إضافة المصدر لفاعله.\rقوله: خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أي في القوة والشدة. قوله: (من قوم نوح إلى فرعون) أي وهم خمس فرق: قوم نوح، وعاد وثمود، وقوم لوط، وفرعون وقومه. قوله: (فلم يعذبوا) مسبب عن النفي، والمعنى: أتزعمون أن كفاركم خير ممن كفر من الأمم قبلكم، فيتسبب عن ذلك عدم تعذيبكم؟\rقوله: أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ إضراب انتقالي إلى وجه آخر من التبكيت. قوله: (بمعنى النفي) أي فهو إنكاري.\rقوله: مُنْتَصِرٌ أي فنحن يد واحدة على من خالفنا، منتصر على من عادانا، ولم يقل منتصرون لموافقة رؤوس الآي. قوله: (نزل) أي يوم بدر، أي أو كرر نزولها، لما روي أنها لما نزلت قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: لم أعلم ما هي، أي الواقعة التي يكون فيها ذلك، فلما كان يوم بدر، ورأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يلبس الدرع ويقول سيهزم الجمع فعلمته، أي علمت المراد من هذه الآية.\rقوله:\rوَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ هو اسم جنس، لأن كل واحد يولي دبره، وأتى به مفردا لموافقة رؤوس الآي.\rقوله:\rبَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ أي فليس ما وقع لهم في الدنيا تمام عقوبتهم، بل هو مقدماته. قوله: وَالسَّاعَةُ","part":4,"page":122},{"id":1713,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 123\rوَالسَّاعَةُ أي عذابها أَدْهى أعظم بلية وَأَمَرُّ (46) أشد مرارة من عذاب الدنيا إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ هلاك بالقتل في الدنيا وَسُعُرٍ (47) نار مسعرة بالتشديد أي مهيجة في الآخر يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ أي في الآخرة ويقال لهم ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إصابة جهنم لكم إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ منصوب بفعل يفسره خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (49) بتقدير حال من كل أي مقدرا، وقرىء كل بالرفع مبتدأ خبره خلقناه وَما أَمْرُنا لشيء نريد وجوده إِلَّا أمرة واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) في السرعة وهي قول كن فيوجد إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ أشباهكم في الكفر من الأمم الماضية فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51) استفهام بمعنى الأمر، أي ادّكروا واتعظوا وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ أي العباد مكتوب فِي الزُّبُرِ (52) كتب\r______________________________\rأَدْهى أفعل تفضيل من الداهية، وهي الأمر الفظيع الذي لا يهتدى إلى الخلاص منه، والإظهار في مقام الإضمار للتهويل. قوله: (نار مسعرة) أي شديدة.\rقوله: يَوْمَ يُسْحَبُونَ ظرف لقول محذوف تقديره ويقال لهم، أو ظرف لسعر. قوله: (إصابة جهنم) أشار بذلك إلى أن المس مجاز، أطلق وأريد منه الإصابة، وسَقَرَ علم لجهنم، مشتقة من سقرته الشمس أو النار لوحته أي غيرته.\rقوله: (منصوب بفعل) الخ، هذه قراءة العامة وهي أرجح، لأن الرفع يوهم عقيدة فاسدة على جعل كل مبتدأ، وخَلَقْناهُ صفة لشيء وبِقَدَرٍ خبره، لأنه يكون مفهومه أن هناك شيئا ليس مخلوقا للّه وليس بقدر، ومع أن مختار أهل السنة، كل شيء مخلوق للّه تعالى.\rوالمعنى: كل شيء خلقناه بقضاء وحكم، وتدبيره محكم وقوة بالغة، واختلف في تعريف القدر، فقالت الأشاعرة هو إيجاد اللّه الأشياء، على طبق ما سبق في علمه وإرادته، وعليه فهو صفة فعل وهي حادثة، وقالت الماتريدية: هو تحديده تعالى كل مخلوق أزلا، بحده الذي يوجد به من حسن وقبح وغير ذلك، فهو تعلق العلم والإرادة، وعليه فهو قديم، والقضاء عند الأشاعرة، إرادة اللّه المعلقة بالأشياء أزلا فهو قديم، وعند الماتريدية: هو الفعل مع زيادة أحكام فهو حادث، وقيل هما شيء واحد، وهو إيجاد اللّه الأشياء على طبق تعلق العلم والقدرة، واقتصر على القدر، إما لأن بينهما تلازما، أو لترادفهما، وفي هذه الآية رد على القدرية القائلين: بأن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية، والقائلين بأن اللّه لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، تعالى اللّه عن قولهم، وهذه الفرقة قد انقرضت قبل زمن الإمام الشافعي. قوله: (و قرئ) أي شذوذا. قوله: (خبره خلقناه) أي وقوله: بِقَدَرٍ إما خبر ثان، أو حال من ضمير الخبر.\rقوله: وَما أَمْرُنا أي شأننا في إيجاد شيء أو إعدامه. قوله: إِلَّا (أمرة) واحِدَةٌ أي مرة من الأمر، وفي الحقيقة ليس هناك قول ولا أمر، وإنما هو كناية عن سرعة الإيجاد. قوله: كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ حال من متعلق الأمر، والمعنى: حال كونه يوجد سريعا بالمرة من الأمر ولا يتراخى عنها، واللمح النظر بسرعة، فكما أن لمح أحدكم ببصره لا كلفة عليه فيه، فكذلك الأفعال كلها عند اللّه. قوله: (و هي كن) بيان للأمرة الواحدة، وقوله: (إنما أمره) الخ، دليل لهذه الآية. قوله: (أشباهكم في الكفر) أي الذين يشبهونكم فيه.\rقوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي بما وقع لهم، فيرتدع وينزجر.\rقوله: فِي الزُّبُرِ","part":4,"page":123},{"id":1714,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 124\rالحفظة وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ من الذنب أو العمل مُسْتَطَرٌ (53) مكتتب في اللوح المحفوظ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ (54) بساتين وَنَهَرٍ أريد به الجنس وقرىء بضم النون والهاء جمعا، كأسد وأسد، المعنى: أنهم يشربون من أنهارها الماء واللبن والعسل والخمر فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم، وأريد به الجنس وقرىء مقاعد، المعنى: أنهم في مجالس من الجنات سالمة من اللغو والتأثيم، بخلاف مجالس الدنيا، فقلّ إن تسلم من ذلك، وأعرب هذا خبرا ثانيا وبدلا وهو صادق ببدل البعض وغيره عِنْدَ مَلِيكٍ مثال مبالغة أي عزيز الملك واسعة مُقْتَدِرٍ (55) قادر لا يعجزه شيء وهو اللّه تعالى، وعند إشارة إلى الرتبة والقربة من فضله تعالى.\r______________________________\rجمع زبور وهو الكتاب. قوله: (أريد به الجنس) أي لمناسبة جمع الجنات، وأفرد موافقة لرؤوس الآي.\rقوله: (و قرئ) أي شذوذا.\rقوله: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ من إضافة الموصوف لصفته. قوله: (و قرىء مقاعد) أي شذوذا. قوله: (ببدل البعض) أي لأن المقعد بعض الجنات، وقوله: (و غيره) أي وهو بدل الاشتمال لأن الجنات مشتملة على المقعد. قوله: عِنْدَ مَلِيكٍ خبر ثان إن جعل في مقعد صدق بدلا، أو ثالث إن جعل خبرا ثانيا. قوله: (و عند إشارة للرتبة) أي فهي عندية مكانية، وقوله: (و القربة) أي التقرب، فهما متحدان.","part":4,"page":124},{"id":1715,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 125\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الرّحمن مدنيّة وآياتها ثمان وسبعون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمنُ (1) عَلَّمَ من شاء الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسانَ (3) أي الجنس عَلَّمَهُ الْبَيانَ (4) النطق الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (5) بجريان بحساب\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الرحمن\rمكية أو إلا يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية فمدنية. وهي ست أو ثمان وسبعون آية وتسمى عروس القرآن لما ورد: لكل شيء عروس، وعروس القرآن سورة الرحمن. قوله: (مكية) أي كلها، وقوله: (أو إلا يسأله) الخ، حكاية لقول آخر، وبقي قول ثالث وهو كلها مدني. قوله: (الآية) الأوضح أن يقول: الآيتين، لأن المدني على هذا القول يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ وقوله عقبها فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ولا شك أنهما آيتان.\rقوله: الرَّحْمنُ إما خبر مبتدأ محذوف أي اللّه الرحمن، أو مبتدإ خبره محذوف، أي الرحمن ربنا، وهذان الوجهان على القول بأن الرَّحْمنُ آية مستقلة، وأما على أنه ليس آية مستقلة، فالرحمن مبتدأ، خبره عَلَّمَ الْقُرْآنَ وسبب نزولها: أنه لما نزل اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قال كفار مكة: وما الرحمن؟ فأنكروه وقالوا: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فنزلت ردا عليهم، وفيها رد عليهم أيضا حيث قالوا إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ فأفاد أن الذي يعلمه هو الرحمن لا غيره، وافتتح هذه السورة بلفظ الرَّحْمنُ إشارة إلى أنها مشتملة على نعم عظيمة، وذلك لأن الرحمن هو المنعم بجلائل النعم كما وكيفا، ولذا ذكر قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ* إحدى وثلاثين مرة فيها.\rقوله: عَلَّمَ الْقُرْآنَ إما من التعليم وهو التفهيم أي عرفه، فالقرآن مفعول ثان، والأول محذوف قدره المفسر بقوله: (من شاء) أي من عباده إنسا وجنا وملكا، وقدره بعضهم محمدا أو جبريل، ردا على المشركين في قولهم إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ والأول أولى لعمومه أو من العلامة، والمعنى: جعله علامة وآية يعجز بها المعارضين، وقدم تعليم القرآن على خلق الإنسان، مع أنه متأخر عنه في الوجود، لأن التعليم هو السبب في إيجاده وخلقه.\rقوله: خَلَقَ الْإِنْسانَ هذه الجملة والتي بعدها خبران عن الرحمن أو حالان، وترك العاطف منهما","part":4,"page":125},{"id":1716,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 126\rوَالنَّجْمُ ما لا ساق له من النبات وَالشَّجَرُ ما له ساق يَسْجُدانِ (6) يخضعان بما يراد منهما وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (7) أثبت العدل أَلَّا تَطْغَوْا أي لأجل أن لا تجوروا فِي الْمِيزانِ (8) ما يوزن به وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ بالعدل وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (9) تنقصوا الموزون وَالْأَرْضَ وَضَعَها أثبتها لِلْأَنامِ (10) للخلق، الإنس والجن وغيرهم فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ المعهود ذاتُ الْأَكْمامِ (11) أوعية طلعها وَالْحَبُ كالحنطة والشعير ذُو الْعَصْفِ التبن وَالرَّيْحانُ (12) الورق أو المشموم فَبِأَيِّ آلاءِ نعم رَبِّكُما أيها الإنس والجن تُكَذِّبانِ (13)\r______________________________\rلشدة الاتصال. قوله: (أي الجنس) أي الصادق بآدم وأولاده، وحينئذ فالمراد بالبيان النطق الذي يتميز به عن سائر الحيوان، وهذا أحد أقوال في تفسير الإنسان، وقيل: هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه الإنسان الكامل، والمراد بالبيان علم ما كان وما يكون وما هو كائن، وقيل: هو آدم عليه السّلام، والمراد بالبيان أسماء كل شيء، ما وجد وما لم يوجد بجميع اللغات، فكان يتكلم بسبعمائة لغة أفضلها العربية.\rقوله: بِحُسْبانٍ متعلق بمحذوف خبر المبتدإ الذي هو الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ تقديره (يجريان). قوله: (بحساب) أشار بذلك إلى أن قوله: بِحُسْبانٍ مصدر مفرد بمعنى الحساب، كالغفران والكفران، ويصح أن يكون جمع حساب، كشهاب وشهبان، ورغيف ورغفان، والمعنى: أن الشمس والقمر يجريان في بروجهما ومنازلهما بمقدار واحد، لا يتعديانه لمنافع العباد، على حسب الفصول والشهور القمرية والقبطية، من مبدإ الدنيا لمنتهاها. قوله: (ما لا ساق له) أي وهو المفروش على الأرض، كالقثاء والبطيخ ونحوهما. قوله: (ما له ساق) أي وهو المرتفع كالنخل والنبق ونحوهما. قوله: (يخضعان) أي ينقادان لما يراد منهما طوعا، فلا تخالف ما أمرت به، فلو أراد منها الإثمار أو عدمه لم تخالف، بل تأتي على طبق ما أراده. قوله: (أثبت العدل) أي في جميع الأمور، والمعنى: أن اللّه تعالى شرع العدل وأمر به في كل شيء، لا سيما في الكيل والوزن.\rقوله: (أي لأجل أن لا تجوروا) أشار بذلك إلى «أن» ناصبة و«لا» نافية وتَطْغَوْا منصوب بأن، وقبلها لام العلة مقدرة.\rقوله: وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ إيضاح لقوله: أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ وذلك لأن الطغيان في الميزان أخذ الزائد، والإخسار إعطاء الناقص، والقسط التوسط بين الطرفين. قوله: (أثبتها) أي دحاها وخفضها.\rقوله: لِلْأَنامِ أي لانتفاعهم بها من أكل وشرب ونوم ونحو ذلك. قوله: (و غيرهم) أي كباقي البهائم.\rقوله: فِيها فاكِهَةٌ الجملة حالية. قوله: ذاتُ الْأَكْمامِ جمع كم بالكسر وهو وعاء الطلع وغطاء النور، ويجمع أيضا على أكمة، وأما بالضم فهو للقميص.\rقوله: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ الخ، برفع الثلاثة أو نصبها، أو رفع الأولين وجر الثالث، ثلاث قراءات سبعيات، فرفع الجميع عطف على فاكِهَةٌ ونصبها بفعل محذوف أي خلق، ورفع الأولين عطف على فاكِهَةٌ وجر الثالث عطف على الْعَصْفِ.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي بأي فرد من أفراد تلك النعم المذكورة تكذبان؟ أي تنكرانها وتكابران فيها، وذلك شأن الكفار، أو لا تشكران ربكما عليها، وذلك شأن العصاة، وآلاءِ جمع ألى أو إلى كمعى وحصى، وإلى كحمل، وألى كأصل. قوله: (أيها الإنس والجن) أي فالخطاب للثقلين، كما","part":4,"page":126},{"id":1717,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 127\rذكرت إحدى وثلاثين مرة، والاستفهام فيها للتقرير، لما روى الحاكم عن جابر قال: «قرأ علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال: ما لي أراكم سكوتا؟ للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إلا قالوا ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد» خَلَقَ الْإِنْسانَ آدم مِنْ صَلْصالٍ طين يابس يسمع له صلصلة أي صوت إذا نقر كَالْفَخَّارِ (14) وهو ما طبخ من الطين وَخَلَقَ الْجَانَ أبا الجن وهو إبليس مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (15) هو لهبا الخالص من الدخان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (16) رَبُ\r______________________________\rيشعر به قوله فيما يأتي أَيُّهَ الثَّقَلانِ. قوله: (ذكرت إحدى وثلاثين مرة) ثمانية منها عقب آيات تعداد النعم، ثم سبعة عقب ذكر النار وشدائدها على عدة أبوابها، لأن التخلص منها نعمة، ثم ثمانية عقب وصف الجنتين الأولين كعدة أبوابها، ثم ثمانية عقب وصف الجنتين اللتين هما دون الجنتين الأوليين. قوله:\r(و الاستفهام للتقرير) ويصح أن يكون للتوبيخ على ما فصل من فنون النعم الموجبة للشكر والإيمان.\rقوله: (ثم قال ما لي أراكم سكوتا) الخ، يؤخذ من ذلك أنه ينبغي لسامع هذه السورة أن يجيب بهذا الجواب. قوله: (كانوا أحسن منكم ردا) أي في الجواب، فلا ينافي أن الإنس أحسن منهم فهذه مزية.\rقوله: (فبأي آلاء) الخ، بدل من هذه الآية. قوله: (إلا قالوا ولا بشيء من نعمك) الخ، ظاهره أن جميع ما في هذه السورة نعم، مع أن فيها يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ الخ، وكُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وهذِهِ جَهَنَّمُ ونحو ذلك. وأجيب: بأن رفع البلاء وتأخير العذاب عن العصاة، والتسوية في الموت بين الشريف وغيره من جملة النعم، فحسن جواب الجن عقب كل واحدة. قوله: (آدم) أشار بذلك إلى أن أل في الإنسان للعهد بخلاف الإنسان المتقدم ففيه احتمالات ثلاثة. قوله: (إذا نقر) أي ليختبر هل فيه عيب أو لا.\rقوله: كَالْفَخَّارِ أي في أن كلا منهما يسمع له صوت إذا نقر، واعلم أنه تعالى أفاد في هذه السورة أن خلق آدم مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ، وفي سورة الحجر مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ أي من طين أسود متغير، وفي الصافات مِنْ طِينٍ لازِبٍ أي يلصق باليد، وفي آل عمران كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ولا تنافي بينها، وذلك لأنه تعالى أخذه من تراب الأرض، فعجنه بالماء فصار طينا لازبا، ثم تركه حتى صار حمأ مسنونا، ثم صوره كما تصور الأواني، ثم أيبسه حتى صار في غاية الصلابة كالفخار إذا نقر صوت، فالمذكور هنا آخر أطواره، وفي غير هذا الموضع، تارة مبدؤه وتارة أثناؤه، فالأرض أمه، والماء أبوه، ممزوجان بالهواء الحامل للحر الذي هو من فيح جهنم، فهو من العناصر الأربع، لكن الغالب في جبلته التراب، كما أن الجان خلق من العناصر الأربع، لكن الغالب في جبلته النار، ولذا نسب إليها.\rقوله: (و هو ما طبخ من طين) أي فكان مجوفا كالأواني وليس كالآجر. قوله: (و هو إبليس) هذا أحد قولين وهو الصحيح، وقيل أبو الجن غير إبليس.\rقوله: مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ من الأولى لابتداء الغاية، والثانية يصح أن تكون للبيان وللتبعيض.\rقوله: (هو لهبها الخالص من الدخان) هذا أحد أقوال في تفسير المارج، وقيل: هو ما اختلط من أحمر وأخضر وأصفر، وهو مشاهد في النار، ترى الألوان الثلاثة مختلطا بعضها ببعض، وقيل: هو الأحمر","part":4,"page":127},{"id":1718,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 128\rالْمَشْرِقَيْنِ مشرق الشتاء ومشرق الصيف وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) كذلك فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (18) مَرَجَ أرسل الْبَحْرَيْنِ العذب والملح يَلْتَقِيانِ (19) في رأي العين بَيْنَهُما بَرْزَخٌ حاجز من قدرته تعالى لا يَبْغِيانِ (20) لا يبغي واحد منهما على الآخر فيختلط به فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (21) يَخْرُجُ بالبناء للمفعول والفاعل مِنْهُمَا من مجموعهما الصادق بأحدهما وهو الملح اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (22) خرز أحمر، أو صغار اللؤلؤ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (23) وَلَهُ الْجَوارِ السفن الْمُنْشَآتُ المحدثات فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (24) كالجبال عظما وارتفاعا فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (25) كُلُّ مَنْ عَلَيْها أي الأرض من الحيوان فانٍ (26) هالك، وعبر بمن تغليبا\r______________________________\rالكائن في طرف النار، وقيل: اللهب المختلط بسواد.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي بأي نعم ربكما الناشئة عنه تكفران؟ قوله: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ بالرفع في قراءة العامة على أنه خبر لمحذوف أي هو رب المشرقين، وقرىء شذوذا بالجر على أنه بدل أو بيان لربكما. قوله: (كذلك) أي مغرب الشتاء ومغرب الصيف، وأما آية فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ فباعتبار مشرق كل يوم ومغربه.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي بأي نعمة من هذه النعم العظيمة تكفران بها؟\rقوله: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ المرج بفتحتين في الأصل الإهمال والترك أو الإرسال، وبسكون الراء الأرض ذات النبات والمرعى، يقال: مرج الدابة أي أرسلها ترعى في المرج. قوله: يَلْتَقِيانِ حال من البحرين، أي يتماسان على وجه الأرض، بلا فصل بينهما في رؤية العين.\rقوله: بَيْنَهُما بَرْزَخٌ جملة مستأنفة أو حالية من البحرين. قوله: لا يَبْغِيانِ أي لا يتجاوز كل واحد منهما ما حده له خالقه، فالماء العذب الداخل في الملح باق على حاله لم يمتزج بالملح، فمتى حفرت في جنبي الملح في بعض الأماكن، وجدت الماء العذب، بل كلما قربت الحفرة من الملح، كان الماء الخارج منها أحلى، فخلطهما اللّه في رأي العين، وحجزهما بقدرته تعالى، وإذا كان هذا حال جماد، لا إدراك له ولا عقل، فكيف يبغي العقلاء بعضهم على بعض. قوله: (بالبناء للمفعول والفاعل) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (الصادق بأحدهما) هذا غير ظاهر، لأن المجموع لا يصدق على البعض، إلا إذا كان متعددا كقوله: كل رجل يحمل الصخرة العظيمة، فالأولى أن يجعل الكلام على حذف مضاف أي من أحدهما، وقيل لا تقدير في الآية، بل يخرجان من الملح في الموضع الذي يقع فيه العذب، وهو مشاهد عند الغواصين، وقيل: العذب كالرجل، والملح كالمرأة، واللؤلؤ والمرجان يخرجان منهما، كما يخرج الولد من الرجل والمرأة، وقال ابن عباس: تكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر، والصدف تفتح أفواهها للمطر.\rقوله: وَلَهُ الْجَوارِ جمع جارية وهي السفينة، صفة جرت مجرى الأسماء، سميت بذلك لأن شأنها الجري. قوله: الْمُنْشَآتُ بفتح الشين اسم مفعول، أي أنشأها الناس بسبب تعليم اللّه لهم، وكسرها اسم فاعل أي تنشىء الريح بجريها، أو تنشىء السير إقبالا وإدبارا، ونسبة الإنشاء لها مجاز، وهما قراءتان سبعيتان، وقرىء شذوذا بتشديد الشين مع فتحها مبالغة. قوله: (أي الأرض) أي وعلى هذا التفسير فلا يستثنى شيء، بخلاف قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ فيستثنى الجنة والنار والحور العين؛ الولدان والعرش والأرواح. قوله: (هالك) أي بالفعل.\rقوله: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ الخطاب إما","part":4,"page":128},{"id":1719,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 129\rللعقلاء وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذاته ذُو الْجَلالِ العظمة وَالْإِكْرامِ (27) للمؤمنين بأنعمه عليهم فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (28) يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي بنطق أو حال ما يحتاجون إليه من القوة على العبادة والرزق والمغفرة وغير ذلك كُلَّ يَوْمٍ وقت هُوَ فِي شَأْنٍ (29) أمر يظهره على وفق ما قدره في الأزل من إحياء وإماتة وإعزاز وإذلال وإغناء وإعدام وإجابة داع وإعطاء سائل وغير ذلك فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (30) سَنَفْرُغُ لَكُمْ سنقصد لحسابكم أَيُّهَ الثَّقَلانِ (31) الإنس والجن فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (32) يا مَعْشَرَ الْجِنِ\r______________________________\rلرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اعتناء بشأنه، وإما لأي سامع، ليعلم كل أحد أن غير اللّه فان. قوله: ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ فيه وعد ووعيد، فبوصف الجلال إفناء الخلق وتعذيب الكفار، وبوصف الإكرام إحياؤهم وإثابة المؤمنين، وذُو بالرفع في قراءة العامة نعت للوجه، وقرىء شذوذا بالجر صفة للرب، وأما في آخر السورة فالقراءتان سبعيتان.\rقوله: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي لأنهم مفتقرون إليه تعالى في جميع لحظاتهم، قال ابن عباس: أهل السماوات يسألون المغفرة ولا يسألون الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعا، وقال ابن جريج: تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فسؤال خير الدنيا والآخرة صادر من كل من أهل السماوات والأرض، وفي الحديث: «إن من الملائكة ملكا له أربعة أوجه: وجه كوجه الإنسان، يسأل اللّه تعالى الرزق لبني آدم، ووجه كوجه الأسد، يسأل اللّه تعالى الرزق للسباع، ووجه كوجه الثور، يسأل اللّه تعالى الرزق للبهائم، ووجه كوجه النسر، يسأل اللّه تعالى الرزق للطير». قوله: (بنطق) أي بلسان المقال، وقوله: (أو حال) أي بلسان الحال وهو الذل والاحتياج.\rقوله: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ كُلَ ظرف منصوب بالمحذوف الذي تعلق به الجار والمجرور بعده، والمراد باليوم اللحظة من الزمن، وبالشأن التصريف في خلقه، لما ورد: إن الإنسان يخرج منه في اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس، في كل نفس تحمل مائة ألف، ويولد مائة ألف، ويعز مائة ألف، ويذل مائة ألف، ويفرج عن مائة ألف، وفي رواية: في كل واحدة ستمائة ألف، وحكي أن ابن الشجري كان يقرر في درسه هذه الآية، فجاءه الخضر وقال له: ما شأن ربك اليوم؟ فأطرق برأسه وقام متحيرا، فنام فرأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في منامه، فعرض عليه السؤال فقال له: السائل لك الخضر، فإن أتاك وسألك فقل له شؤون يبديها ولا يبتديها، يرفع أقواما ويضع آخرين، فلما أصبح أتاه وسأله فأجابه بذلك، فقال له:\rصلّ على من علمك. قوله: (أمره يظهره) الخ، أي فالشأن صفة فعل، وقوله: (من إحياء) الخ، بيان له، فالتغير راجع للمصنوعات، وأما ذاته تعالى وصفاته، فيستحيل عليها التغير، فهو يغير ولا يتغير.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي بأي نعمة من تلك النعم التي أنشأها خالقكما ومدبركما تكفران بها؟\rقوله: (سنقصد لحسابكم) جواب عما يقال: إن اللّه لا يشغله شأن عن شأن، فكيف قال:\rسَنَفْرُغُ لَكُمْ فأجاب بما ذكر، وإيضاحه أن تقول: الفراغ من الشيء، يطلق على التفرغ من الشواغل، وهو بهذا المعنى مستحيل عليه تعالى، ويطلق على القصد للشيء والإقبال عليه وهو المراد هنا، والمراد بالقصد في كلام المفسر الإرادة، وحينئذ فيكون معناه سأريد حسابكم، وهذا لا يظهر إلا على","part":4,"page":129},{"id":1720,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 130\rوَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا تخرجوا مِنْ أَقْطارِ نواحي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا أمر تعجيز لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ (33) بقوّة ولا قوّة لكم على ذلك فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (34) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ هو لهبها الخالص من الدخان أو معه وَنُحاسٌ أي دخان لا لهب فيه فَلا تَنْتَصِرانِ (35) تمتنعان من ذلك بل يسوقكم إلى المحشر فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما\r______________________________\rالقول، بأن للإرادة تعلقا تنجيزيا حادثا، وأما على القول بنفيه فلا يظهر، فكان المناسب له أن يقول:\rسأحاسبكم، وفي الآية وعد للطائعين ووعيد للعاصين. قوله: أَيُّهَ الثَّقَلانِ تثنية ثقل بفتحتين، سيما بذلك لأنهما أثقلا الأرض، أو حصل لهما الثقل والتعب بالتكاليف.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي التي من جملتها: إثابة أهل الطاعات وعقاب أهل المعاصي.\rيقول: سأحاسبكم، وفي الآية وعد للطائعين ووعيد للعاصين. قوله: أَيُّهَ الثَّقَلانِ تثنية ثقل بفتحتين، سميا بذلك لأنهما أثقلا الأرض، أو حصل لهما الثقل والتعب بالتكاليف. قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أي التي من جملتها: إثابة أهل الطاعات وعقاب أهل المعاصي.\rقوله: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ الخ، هذا إلزام وتعجيز، لمن لم يرض بقضاء اللّه وقدره، وهو إشارة لمعنى حديث قدسي: «من لم يرض بقضائي ويصبر على بلائي، فليخرج من تحت سمائي، ويتخذ ربا سوائي». وعلى هذا فالخطاب يقال لهما في الدنيا، وقيل: يقال لهما هذا يوم القيامة لما ورد: إذا كان يوم القيامة، أمر اللّه السماء الدنيا فتشقق بأهلها، فتكون الملائكة على حافاتها، حتى يأمرهم الرب فينزلون إلى الأرض، فيحيطون بالأرض ومن فيها، ثم يأمر اللّه السماء التي تليها كذلك فينزلون فيكونون صفا خلف ذلك الصف، ثم السماء الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة، فتنزل ملائكة الرفيق الأعلى، فلا تأتون قطرا من أقطارها، إلا وجدوا صفوفا من الملائكة، فذلك قوله تعالى يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ الآية، والحكمة في تقديم الجن هنا على الإنس، وتأخيرهم عنهم في قوله تعالى:\rقُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ أن الجن أقوى من الإنس، فقدموا فيما يتعلق بالهروب، والإنس أفصح من الجن، فقدموا فيما يتعلق بالمعارضة بالقرآن، فقدم في كل موضع ما يناسبه. قوله: (قوة) هذا أحد قولين في تفسير السلطان، وقيل هو البينة والحجج الواضحة.\rقوله:\rفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما أي من التنبيه والتحذير والعفو، مع كمال القدرة على العقوبة.\rقوله: يُرْسَلُ عَلَيْكُما إما جملة مستأنفة قصد بها بيان أهوال يوم القيامة، وهذا على القول بأن الخطاب المتقدم في الدنيا، وأما على القول بأنه في الآخرة، فالكلام مرتبط ببعضه وليس مستأنفا. قوله:\rشُواظٌ بكسر الشين وضمها، قراءتان سبعيتان ولغتان بمعنى واحد. قوله: (و هو لهبها الخالص من الدخان) هذان قولان من أربعة، وقيل هو اللهب الأحمر، وقيل هو الدخان الخارج من اللهب. قوله:\rوَنُحاسٌ إما بالرفع عطف على شُواظٌ أو الجر عطف على نارٍ قراءتان سبعيتان، لكن قراءة الجر لا بد فيها من كسر شين شُواظٌ أو إمالة نارٍ فمن قرأ بجر نُحاسٌ بدون أحد الأمرين، فقد وقع في التلفيق. قوله: (أي دخان) الخ، هذا التفسير إنما يناسب قراءة الرفع لا الجر، وإلا فيصير المعنى:\rيرسل عليكما شواظ، أي لهب من نحاس، أي دخان لا لهب فيه، وهو لا يصح إلا أن يقال الشواظ يطلق بالاشتراك على اللهب الخالص والدخان.","part":4,"page":130},{"id":1721,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 131\rتُكَذِّبانِ (36) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ انفرجت أبوابا لنزول الملائكة فَكانَتْ وَرْدَةً أي مثلها محمرّة كَالدِّهانِ (37) كالأديم الأحمر على خلاف العهد بها، وجواب إذا فما أعظم الهول فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ (39) عن ذنبه، ويسألون في وقت آخر فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ والجان هنا وفيما سيأتي بمعنى الجن، والإنس فيهما بمعنى الإنسي فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (40) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ أي سواد الوجوه وزرقة العيون فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (41) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (42) أي تضم ناصية كل منهم إلى قدميه من خلف أو قدام ويلقى في النار، ويقال لهم هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ يسعون بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ ماء حار آنٍ (44) شديد الحرارة يسقونه إذا استغاثوا من حر\r______________________________\rقوله: فَلا تَنْتَصِرانِ أي لا تجدان لكما ناصرا، واعلم أن هذا الأمر، وهو سوق الجن والإنس بالنار إلى المحشر وازدحامهم، حتى يكون على القدم ألف قدم، ليس لعموم الجن والإنس، بل ورد في أناس أنهم يخرجون من قبورهم لقصورهم، لا يحزنهم الفزع الأكبر، وكل واحد ممن حضر الموقف على قدر عمله، فمنهم من يظل في ظل العرش، ومنهم من يلجمه العرق، ومنهم من يراه قصيرا، ومنهم من يراه طويلا، هذا هو التحقيق. قوله: (من ذلك) أي المذكور من الشواظ والنحاس. قوله: (بل يسوقكم) أي المذكور منهما. قوله: (لنزول الملائكة) أي لتحيط بالعالم من سائر جهات الأرض.\rقوله: كَالدِّهانِ إما خبر ثان أو نعت لوردة، والدهان إما جمع دهن كرماح ورمح، ويكون بمعنى قوله: يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ أي كدردي الزيت، أو مفرد كحزام وإدام وهو الأديم الأحمر أي الجلد، وقد مشى على الثاني المفسر. قوله: (على خلاف العهد بها) أي على خلاف لونها الذي نراه ونعهده وهو الزرقة فإنها عارضة، قيل: بسبب جبل ق المحيط بها، وأما لونها الأصلي فهو الحمرة.\rقوله: فَيَوْمَئِذٍ التنوين عوض عن جملة، أي فيوم إذا انشقت السماء. قوله: وَلا جَانٌ (عن ذنبه) أشار بذلك إلى أن الجار والمجرور محذوف من الثاني، لدلالة الأول عليه. قوله: (و يسألون في وقت آخر) أشار بذلك لوجه الجمع بين ما هنا وبين الآية التي ذكرها، وإيضاح الجمع أن يقال: إنهم حين يخرجون من القبور لا يسألون، ويسألون حين يحشرون ويجتمعون في الموقف. قوله: (و الجان هنا) الخ، قد يقال: لا حاجة له، لأن الجان والإنس كل منهما اسم جنس، يفرق بينه وبين واحدة بالياء، كزنج وزنجي.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما أي نعمه العظيمة التي من جملتها الزجر عما يؤدي للعذاب. قوله:\r(أي سواد الوجوه وزرقة العيون) أي وأخذ الصحف من وراء الظهر باليسرى.\rقوله: بِالنَّواصِي جمع ناصية وهو نائب الفاعل. قوله: (من خلف) أي فحينئذ يكسر ظهره كما يكسر الحطب، قال الضحاك:\rيجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره.\rقوله: (و يقال لهم) قدره إشارة إلى أن قوله: هذِهِ جَهَنَّمُ مفعول لقول محذوف.\rقوله: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ أي يترددون بينهما، فحين يستغيثون من النار، يسعى بهم إلى الحميم، فيسقون منه ويصب فوق رؤوسهم، فإذا استغاثوا منه يسعى بهم إلى النار، وهكذا. قوله:\r(يسقونه) الخ، أي ويغمسون فيه، لما ورد عن كعب: إن واديا من أودية جهنم، يجتمع فيه صديد أهل","part":4,"page":131},{"id":1722,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 132\rالنار، وهو منقوص كقاض فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (45) وَلِمَنْ خافَ أي لكل منهم أو لمجموعهم مَقامَ رَبِّهِ قيامه بين يديه للحساب فترك معصيته جَنَّتانِ (46) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (47) ذَواتا تثنية ذوات على الأصل، ولامها ياء أَفْنانٍ (48) أغصان جمع فنن كطلل فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (49) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (50) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (51)\r______________________________\rالنار، فيغمسون بأغلالهم فيه حتى تنخلع أوصالهم، ثم يخرجون منها، وقد أحدث اللّه لهم خلقا جديدا فيلقون في النار، فذلك قوله تعالى: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ. قوله: (و هو منقوص كقاض) أي فيقال: أنى يأني، كقضى يقضي، فهو آن كقاض، وأصله آني، استثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان، حذفت الياء لالتقاء الساكنين.\rقوله: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ أي لكل شخص خائف، سواء كان من الإنس أو من الجن، فالجن كالإنس في النعيم، وهو ما عليه الأئمة الثلاثة، وقال أبو حنيفة: إن من مات من الجن مسلما، يصير ترابا كالبهائم، ولا حظ له في النعيم. قوله: (أي لكل منهم) أي لكل فرد من أفراد الخائفين جنتان، واختلف في المراد بالجنتين اللتين يعطاهما كل خائف، فقيل جنة لعقيدته وجنة لعمله، وقيل جنة لطاعته، وقيل جنة لترك المعاصي، وقيل جنة يثاب بها وجنة يتفضل بها عليه، وقيل إحدى الجنتين منزله، والأخرى منزل أزواجه، كعادة الأكابر في الدنيا، وقيل إحدى الجنتين مسكنه والآخر بستانه، وقيل إحدى الجنتين خلقت له، والأخرى جنة ورثها من الكفار، وعلى كل من الأقوال تسمى إحداهما جنة عدن، والأخرى جنم النعيم، وروي عن ابن عباس في وصف الجنتين أنه قال: الجنتان بستانان في عرض الجنة، كل بستان مسيرة مائة عام، في وسط كل بستان دار من نور، وليس منهما شيء إلا يهتز نعمة وخضرة، قرارها ثابت، وشجرها نابت، وقيل: المراد بالجنتين جنة واحدة، وإنما ثنى رعاية للفواصل. قوله: (أو لمجموعهم) أي إن الكلام على سبيل التوزيع، فإحدى الجنتين للخائف الإنسي، والأخرى للخائف الجني، فكل خائف ليس له إلا جنة واحدة، والأول هو المعتمد. قوله: (قيامه بين يديه) الخ، أشار بذلك إلى أن المقام مصدر ميمي بمعنى القيام، وهو أحد احتمالات ثلاث في تفسير المقام، والثاني أنه اسم مكان، أي خاف مكان وقوفه للحساب، والثالث أنه مصدر ميمي بمعنى قيام اللّه عز وجل على الخلائق، أي إشرافه واطلاعه عليهم ومناقشته لهم في الحساب. قوله: (فترك معصيته) أي فتسبب عن خوفه تركه المعاصي، واعلم أن الخوف مرتبتان: مرتبة العامة وهي خوف تعذيب اللّه إياهم، ومرتبة الخاصة وهي خوف جلال اللّه وهيبته، وفيها فليتنافس المتنافسون، وللعارفين تفسير آخر وهو أن المراد بالخوف خوف الإجلال والتعظيم والهيبة، والمراد بالجنتين: جنة الشهود في الدنيا بالقلب وفي الآخرة بالإبصار، وجنة الثواب في الآخرة لا غير.\rقوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما أي نعمه تُكَذِّبانِ، أبتلك النعم التي من جملتها الجنة ونعيمها أم بغيرها؟\rقوله: ذَواتا أَفْنانٍ إما صفة الجنتان أو خبر لمحذوف أي هما. قوله: (تثنية ذوات) أي الذي هو مفرد. قوله: (على الأصل) أي وذلك لأن أصلها ذوي، تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فصار ذوى كفتى، فهذه الألف لام الكلمة، وإنما قلبت الياء ألفا دون الواو، مع أن كلا منهما متحرك، وما قبله مفتوح لأنها ظرف، والظرف في محل تغيير، ولم ترد هذه الألف في التثنية إلى الياء، فيقال: ذويتان، لأنه لما زيدت التاء في هذا اللفظ، تحصنت الألف من الرد إلى الياء، وما في الآية هو","part":4,"page":132},{"id":1723,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 133\rفِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ في الدنيا، أو كل ما يتفكه به زَوْجانِ (52) نوعان رطب ويابس، والمر منهما في الدنيا كالحنظل حلو فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (53) مُتَّكِئِينَ حال عامله محذوف، أي يتنعمون عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ما غلظ من الديباج وخشن والظهائر من السندس وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ ثمرهما دانٍ (54) قريب يناله القائم والقاعد والمضطجع فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (55) فِيهِنَ في الجنتين وما اشتملتا عليه من العلالي والقصور قاصِراتُ الطَّرْفِ العين على أزواجهن المتكئين من الإنس والجن لَمْ يَطْمِثْهُنَ يفتضهنّ وهنّ من الحور، أو من نساء الدنيا المنشآت إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ (56) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ صفاء وَالْمَرْجانُ (58) أي اللؤلؤ بياضا فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (59) هَلْ ما\r______________________________\rالفصيح في تثنيتها، وقد تثنى على لفظها فيقال ذاتان. قوله: (أغصان) أي وهي فروع الشجر التي تشتمل على الورق والثمار. قوله: (جمع فنن) هذا أحد قولين؛ وقيل جمع فن أي نوع وشكل.\rقوله: فِيهِما أي في كل واحدة منهما. قوله: عَيْنانِ تَجْرِيانِ أي بالماء الزلال، إحداهما تسمى التسنيم، والأخرى السلسبيل، وقيل إحداهما من ماء غير آسن، والأخرى من خمر لذة للشاربين. قوله: (في الدنيا) أي ما هو فاكهة في الدنيا، فلا تشتمل الفاكهة على هذا مثل الحنظل. قوله: (أو ما يتفكه به) أي في الآخرة، ولو كان في الدنيا غير فاكهة كالحنظل، وقوله: (و المر منها) الخ، مبني على القول الثاني.\rقوله: مُتَّكِئِينَ أي مضطجعين أو متربعين، فالتوكؤ الاضطجاع أو التربع، لما في الحديث: «أما أنا فلا آكل متكئا» أي جالسا جلوس المتربع، ونحوه من الهيئات التي تستدعي كثرة الأكل، فالتوكؤ في الدنيا مذموم، وفي الآخرة غير مذموم لارتفاع التكليف. قوله: (أي يتنعمون) الضمير عائد على من في قوله: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ. قوله: بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ هذه الجملة صفة لفرش. قوله: (من السندس) أي وهو ما رق من الديباج. قوله: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ جَنَى مبتدأ بمعنى مجني خبره دانٍ وأصله دانو كغاز وقاض.\rقوله: (يناله القائم) الخ، قال ابن عباس: تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي اللّه، إن شاء قاعدا، وإن شاء قائما، وإن شاء مضطجعا، وقال الرازي: جنة الآخرة مخالفة لجنة الدنيا من ثلاثة أوجه: أحدها أن الثمرة على رؤوس الشجر، في الدنيا بعيدة عن الإنسان المتكىء، وفي الجنة يتكىء والثمرة تتدلى إليه، وثانيها أن الإنسان في الدنيا يسعى إلى الثمرة ويتحرك إليها، وفي الآخرة تدنو منه وتدور عليه، وثالثها أن الإنسان في الدنيا، إذا قرب من ثمرة شجرة بعد عن غيرها، وثمار الجنة كلها تدنو إليه في وقت واحد ومكان واحد.\rقوله: (في الجنتين) الخ، جواب عن سؤال مقدر حاصله: كيف أتى بضمير الجمع، مع أن المرجع مثنى؟\rقوله: قاصِراتُ الطَّرْفِ أي محبوسات على أزواجهن، لا يبغين بغيرهم بدلا، لما روي أنها تقول لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة أحسن منك، فالحمد للّه الذي جعلك زوجي، وجعلني زوجتك.\rقوله: لَمْ يَطْمِثْهُنَ الطمث الجماع المؤدي إلى خروج دم البكر، ثم أطلق على كل جماع، والمعنى: لم يصبهن بالجماع قبل أزواجهن أحد. قوله: (من الحور) أي فيكن قسمين: إنسيات للإنس، وجنيات للجن. قوله: (أو من نساء الدنيا المنشآت) أي المخلوقات من غير واسطة ولادة. قوله: إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ أي أن كل واحد من أفراد النوعين، يجد زوجاته في الجنة اللاتي كن في الدنيا أبكارا، وإن كن في","part":4,"page":133},{"id":1724,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 134\rجَزاءُ الْإِحْسانِ بالطاعة إِلَّا الْإِحْسانُ (60) بالنعيم فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (61) وَمِنْ دُونِهِما أي الجنتين المذكورتين جَنَّتانِ (62) أيضا لمن خاف مقام ربه فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (63) مُدْهامَّتانِ (64) سوداوان من شدة خضرتهما فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (65) فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (66) فوّارتان بالماء لا ينقطعان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (67) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) هما منها وقيل من غيرها فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (69) فِيهِنَ أي الجنتين وما فيهما خَيْراتٌ أخلاقا حِسانٌ (70) وجوها فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (71) حُورٌ شديدات\r______________________________\rالدنيا ثيبات لم يمسها غيره.\rقوله: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ هذه الجملة نعت لقاصرات أو حال منه. قوله:\r(صفاء) أي فالتشبيه بالياقوت من حيث الصفاء لا من حيث الحمرة، فلا يقال مقتضاه أن لون أهل الجنة البياض المشرب بالحمرة. قوله: (أي اللؤلؤ بياضا) أي فالمرجان يطلق على الأحمر والأبيض، والمراد به هنا الأبيض، روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «إن المرأة من نساء أهل الجنة، يرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها».\rقوله: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ اعلم أن هَلْ ترد لأربعة أوجه: تكون بمعنى قد كقوله تعالى هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ وبمعنى الاستفهام كقوله فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا وبمعنى الأمر كقوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ وبمعنى النفي كقوله: فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ وكما هنا فهي هنا للنفي، والمعنى: لا جزاء الإحسان أي الطاعات وترك المعاصي إلا الإحسان أي الثواب الجزيل.\rقوله: وَمِنْ دُونِهِما قيل معناه أدنى منهما، وأصحاب هاتين الجنتين أهل اليمين، وهم دون الخائفين مقام ربهم في المنزلة، وهذا على حد ما يأتي في سورة الواقعة، أن أهل اليمين أقل من السابقين، وقيل الجنات الأربع لمن خاف مقام ربه، ومعنى قوله: وَمِنْ دُونِهِما أقرب وأدنى منهما للعرش، ويؤيده ما ورد أن الأوليين من ذهب وفضة، والآخريين من ياقوت، وتقدم أن الأوليين جنة عدن وجنة النعيم، وهاتان جنة الفردوس وجنة المأوى، وهو ما مشى عليه المفسر.\rقوله: مُدْهامَّتانِ من الدهمة وهي السواد. قوله: (من شدة خضرتهما) أي لكثرة بساتينهما.\rقوله: (فوارتان) أي وليستا كالجاريتين، لأن النضخ دون الجري، وهذا بناء على أن هاتين أقل من الأوليين، وأما على القول بأنهما أعلى منهما، فمعنى نضاختان كما قال ابن عباس وابن مسعود، أنهما ينضخان على أولياء اللّه، بالمسك والعنبر والكافور في دار أهل الجنة، كما ينضخ رش المطر، أو أن المراد فوارتان مع الجري، ولا شك أنهما أعلى من الجاريتين فقط. قوله: (هما منها) أي من الفاكهة وهو ظاهر، وقوله: (و قيل من غيرها) أي وذلك لأن النخل كان عامة قوتهم، والرمان كالشراب، فكان يكثر غرسهما عندهم لحاجتهم إليهما، وكانت الفواكه عندهم الثمار التي يعجبون بها، روي أن نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر، وكرمها ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة منها حللهم، وثمارها مثل القلال أو الدلاء، أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد، ليس لها عجم، روي أن الرمانة من رمان الجنة كجلد البعير المقتب، وروي أن نخل أهل الجنة نضيد، وثمرها كالقلال، كلما نزعت منها واحدة، عادت مكانها أخرى، العنقود منها اثنا عشر ذراعا. قوله: (أي الجنتين وما فيهما) الخ، جواب عما يقال: كيف","part":4,"page":134},{"id":1725,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 135\rسواد العيون وبياضها مَقْصُوراتٌ مستورات فِي الْخِيامِ (72) من درّ مجوف مضافة إلى القصور شبيهة بالخدور فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ قبل أزواجهن وَلا جَانٌ (74) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (75) مُتَّكِئِينَ أي أزواجهم، وإعرابه كما تقدم عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ جمع رفرفة أي بسط ووسائد وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (76) جمع عبقرية أي طنافس فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (77) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (78) تقدم، ولفظ اسم زائد.\r______________________________\rجمع الضمير مع أنه راجع للمثنى.\rقوله: خَيْراتٌ إما جمع خيرة بوزن فعلة بفتح الفاء وسكون العين، أو جمع خيرة مخفف خيرة بالتشديد، وفي الحديث: «إن الحور العين، يأخذ بعضهن بأيدي بعض، ويتغنين بأصوات لم يسمع الخلائق بأحسن منها ولا بمثلها، نحن الراضيات فلا نسخط أبدا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا، ونحن الخالدات فلا نموت أبدا، ونحن الناعمات فلا نيبس أبدا، ونحن خيرات حسان حبيبات لأزواج كرام».\rروي عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت: إن الحور العين إذا قلن هذه المقالة، أجابهن المؤمنات من نساء أهل الدنيا: نحن المصليات وما صليتن، ونحن الصائمات وما صمتن، ونحن المتوضئات وما توضأتن، ونحن المتصدقات وما تصدقتن. قالت عائشة رضي اللّه عنها: فغلبنهن واللّه، واختلف هل الحور العين أكثر حسنا وأبهى جمالا، أو نساء الدنيا؟ والصحيح أن نساء الدنيا يكن أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف. قوله: (من در مجوف) قال ابن عباس: الخيمة فرسخ في فرسخ، لها أربعة آلاف مصراع من ذهب. وروي أن سحابة مطرت من العرش، فخلقت الحور من قطرات الرحمة، ثم ضرب على كل واحدة منهن خيمة على شاطىء الأنهار، سعتها أربعون ميلا، وليس لها باب، حتى إذا حل ولي اللّه الجنة، انصدعت الخيمة عن باب، ليعلم ولي اللّه أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدام لم تأخذها، فهي مقصورة قد قصر بها عن أبصار المخلوقين. قوله: (مضافة إلى القصور) أي أنها في داخلها، فالخيمة في داخل القصر. قوله: (بالخدور) جمع خدر وهو الستر الذي يتخذ في البيوت كالناموسية. قوله: (و إعرابه كما تقدم) أي أنه حال عامله محذوف أي يتنعمون. قوله: (جمع رفرفة) أي واحده رفرفة، والرفرف اسم جنس جمعي أو اسم جمع. قوله: (أي بسط أو وسائد) هذان قولان في معنى الرفرف، وقيل: هو شيء إذا استوى عليه صاحبه رفرف به وأهوى به كالمرجاح، يمينا وشمالا، ورفعا وخفضا، يتلذذ به مع أنيسته.\rقوله: وَعَبْقَرِيٍ منسوب إلى عبقر، قرية بناحية اليمن، ينسج فيها بسط منقوشة، فقرب اللّه لنا فراش تلك الجنتين به، وقيل: إن الياء ليست للنسب، بل هي كياء الكرسي والبختي، فهو اسم للفراش المنقوش البالغ الغاية في الحسن. قوله: (أي طنافس) جمع طنفسة بكسرتين أو فتحتين بساط له خمل رقيق.\rقوله: ذِي الْجَلالِ بالياء والواو قراءتان سبعيتان. قوله: (و لفظ اسم زائد) أي لأن أوصاف التنزيه والتعظيم في الحقيقة للمسمى، وقد يقال: أسماء اللّه وصفاته يسند لها التنزيه والتعظيم حقيقة، فعدم زيادته أبلغ في التعظيم والتنزيه.","part":4,"page":135},{"id":1726,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 136\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الواقعة مكيّة وآياتها ست وتسعون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (1) قامت القيامة لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (2) نفس تكذب بأن تنفيها كما نفتها في الدنيا خافِضَةٌ رافِعَةٌ (3) أي هي مظهرة لخفض\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الواقعة\rمكية إلا أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ الآية. وثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ* الآية. وهي ست أو سبع أو تسع وتسعون آية قال مسروق: من أراد أن يعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ أهل الدنيا، ونبأ أهل الآخرة، فليقرأ سورة الواقعة. وحكي أن عثمان دخل على ابن مسعود يعوده في مرضه الذي مات منه فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: أفلا ندعو لك طبيبا؟ قال:\rالطبيب أمرضني، قال: أفلا نأمر لك بعطائك؟ قال: لا حاجة لي فيه، حبسته عني في حياتي، وتدفعه لي عند مماتي، قال: يكون لبناتك من بعدك، قال: أتخشى على بناتي الفاقة من بعدي؟ إني أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة كل ليلة، فإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: من قرأ سورة الواقعة كل ليلة، لم تصبه فاقة أبدا. قوله: (إلا أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ) الخ، هذا قول الكلبي، وقول المفسر: (الآية) أولا وثانيا مراده الجنس الصادق بالآيتين، فالمدني على هذا القول أربع آيات أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ وقوله تعالى: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ وقيل: مكية كلها، وقيل: مكية إلا آية منها وهي قوله: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ.\rقوله: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ إِذا إما ظرف ليس فيه معنى الشرط، وعامله ليس لوقعتها كاذبة من حيث إنها تضمنت معنى النفي كأنه قيل: انتفى التكذيب وقت وقوعها، أو شرطية وجوابها محذوف تقديره يحصل كذا وكذا وهو العامل فيها. قوله: (قامت القيامة) أي فالواقعة من جملة أسماء القيامة.\rقوله: لَيْسَ لِوَقْعَتِها اللام بمعنى في على حذف مضاف، والمعنى: ليس نفس كاذبة توجد في وقت وقوعها.\rقوله: خافِضَةٌ رافِعَةٌ خبر مبتدأ محذوف كما أفاده المفسر بقوله: (أي هي) الخ. قوله:","part":4,"page":136},{"id":1727,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 137\rأقوام بدخولهم النار، ولرفع آخرين بدخولهم الجنة إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) حركت حركة شديدة وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (5) فتتت فَكانَتْ هَباءً غبارا مُنْبَثًّا (6) منتشرا، وإذا الثانية بدل من الأولى وَكُنْتُمْ في القيامة أَزْواجاً أصنافا ثَلاثَةً (7) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهم الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم مبتدأ خبره ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (8) تعظيم لشأنهم بدخولهم الجنة وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ أي الشمال بأن يؤتى كل منهم كتابه بشماله ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (9) تحقير لشأنهم بدخولهم النار وَالسَّابِقُونَ إلى الخير وهم الأنبياء مبتدأ السَّابِقُونَ (10) تأكيد لتعظيم شأنهم والخبر أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) مبتدأ أي جماعة من الأمم\r______________________________\r(لخفض أقوام) الخ، أي حسا ومعنى: فأهل الجنة ترفعهم حسا ومعنى، وأهل النار تخفضهم كذلك، ونسبة الخفض والرفع إليها مجاز من إسناد الفعل لمحله وزمانه.\rقوله: إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ إما بدل من إِذا الأولى، وعليه مشى المفسر، أو تأكيد لها أو شرط وعاملها مقدر. قوله: (حركت حركة شديدة) أي فترتج كما يرتج الصبي في المهد حتى يتهدم ما عليها، ويتكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها، والرجة الاضطراب. قوله: (منتشرا) أي متفرقا بنفسه من غير حاجة إلى هواء يفرقه، فهو كالذي يرى شعاع الشمس إذا دخل من كوة.\rقوله: وَكُنْتُمْ الخطاب لجميع الخلق المكلفين، والمعنى: قسمتم باعتبار طبائعكم وأخلاقكم في الدنيا أصنافا ثلاثة. قوله:\rفَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ شروع في ذكر أحوال الأزواج الثلاثة على سبيل الإجمال، وسيأتي تفصيلهم بعد ذلك. قوله: (مبتدأ خبره) ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ الخ، أي فأصحاب الأول مبتدأ، وما استفهامية مبتدأ ثان، وما بعده خبره، والجملة خبر الأول وتكرير المبتدأ بلفظه مغن عن الرابط. قوله: (تعظيم لشأنهم) أي أن في هذا الاستفهام تعظيم شأنهم كأنه قيل: فأصحاب الميمنة في غاية حسن الحال، وأصحاب المشأمة في نهاية سوء الحال. قوله: (بأن يؤتى كتابه بشماله) ما ذكره المفسر في الفريقين أحد أقوال، وقيل: أهل الميمنة هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وأهل المشأمة الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار، وقيل: أصحاب الميمنة أصحاب المنزلة السنية، وأصحاب المشأمة أصحاب المنزلة الدنية.\rقوله: وَالسَّابِقُونَ الخ، أخرهم مع كونهم أعلى الأقسام الثلاثة، لئلا يعجبوا بأعمالهم، وقدم أهل اليمين، لئلا يقنطوا من رحمة اللّه. قوله: (و هم الأنبياء) هذا أحد أقوال في تفسير السابقين، وقيل:\rهم الذين سبقوا إلى الإيمان والطاعة عند ظهور الحق، وقيل: هم المسارعون إلى الخيرات، وقيل: هم الذين سبقوا في حيازة الفضائل.\rقوله: أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ أي الذين قربت درجاتهم وأعليت مراتبهم، واصطفاهم اللّه لرؤيته في الجنة بكرة وعشيا، فحيث تسابقوا لخدمته وطاعته، فكان جزاؤهم من اللّه القرب والاصطفاء، زيادة على كونهم في الجنة.\rقوله: فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ خبر ثان أو حال من الضمير في الْمُقَرَّبُونَ.\rقوله: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ الثلة بالضم في قراءة العامة الجماعة من الناس، وأما بالكسر فمعناها","part":4,"page":137},{"id":1728,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 138\rالماضية وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14) من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهم السابقون من الأمم الماضية وهذه الأمة، والخبر عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) منسوجة بقضبان الذهب والجواهر مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (16) حالان من الضمير في الخبر يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (17) على شكل الأولاد لا يهرمون بِأَكْوابٍ أقداح لا عرى لها وَأَبارِيقَ لها عرى وخراطيم وَكَأْسٍ إناء شرب الخمر مِنْ مَعِينٍ (18) أي خمر جارية من منبع لا ينقطع أبدا لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (19) بفتح الزاي وكسرها من نزف الشارب وأنزف، أي لا يحصل لهم فيها صداع ولا ذهاب عقل، بخلاف خمر الدنيا وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَلهم للاستمتاع\r______________________________\rالهلكة. قوله: (و هم السابقون) الخ، أي إلى الإيمان بالأنبياء عيانا واجتمعوا عليهم، وذلك لأن المؤمنين الذين اجتمعوا على الأنبياء جماعة كثيرة، والمؤمنين الذين اجتمعوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جماعة قليلة بالنسبة لمجموع الأمم، وهذا لا ينافي كون هذه الأمة المحمدية ثلثي أهل الجنة، لأن ما هنا فيمن اجتمع بالأنبياء مشافهة، إذا علمت ذلك، فتفسير المفسر السابقين المتقدم ذكرهم بالأنبياء غير واضح، فالمناسب أن يقول: والسابقون إلى الخير من أمة كل نبي، وبعض المفسرين جعل الخطاب في قوله: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً لهذه الأمة، وحينئذ فالمراد بالسابقين خيارهم، وأهل اليمين عوامهم، وأهل المشأمة كفارهم، وقوله: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني جماعة كثيرة من أوائل هذه الأمة،\rوقوله: وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ يعني أن من أتى بعد أوائل هذه الأمة من الخيار قليل بالنسبة لأوائلها، وإن كان كثيرا في نفسه، ولعل هذا التفسير أقرب.\rقوله: عَلى سُرُرٍ جمع سرير، وهو ما يوضع للشخص من المقاعد العالية كرامة وإجلالا، قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليه، تواضع وانخفض له، فإذا جلس عليه ارتفع.\rقوله: مُتَّكِئِينَ عَلَيْها أي على السرر. قوله: مُتَقابِلِينَ أي فلا ينظر بعضهم إلى قفا بعض، بل إذا أراد أحدهم الانصراف دار به سريره.\rقوله: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ هذه الجملة إما حال أو استئناف. قوله: وِلْدانٌ بكسر الواو باتفاق القراء، جمع وليد بمعنى مولود. قوله: (على شكل الأولاد) أي فهم مخلوقون في الجنة ابتداء كالحور العين، ليسوا من أولاد الدنيا، وإنما سموا أولادا لكونهم على شكل الأولاد كما أفاده المفسر، وهذا هو الصحيح، وقيل: هم أولاد المؤمنين الذين ماتوا صغارا، ورد بأن اللّه أخبر عنهم، أنهم يلحقون بآبائهم في السيادة والخلقة، وقيل هم صغار أولاد الكفار، وقيل غير ذلك.\rقوله: (لا يهرمون) تفسير لقوله: مُخَلَّدُونَ والمعنى: لا يتغيرون عن حالة الولدان من الطراوة والنعومة، بخلاف أولاد الدنيا في الدنيا، فإنهم يتغيرون بالشيخوخة.\rقوله: وَأَبارِيقَ جمع إبريق مشتق من البريق لصفاء لونه. قوله: (لها عرى) أي ما يمسك بها المسماة بالآذان. قوله: (و خراطيم) هي المسماة بالبزابيز.\rقوله: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها أي لا يحصل لهم صداع من أجلها، والصداع معروف يلحق الإنسان في رأسه. قوله: (أي لا يحصل لهم) الخ، لف ونشر مرتب.\rقوله: مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ أي يختارون.\rقوله: وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ورد أن في الجنة طيرا مثل أعناق البخت، تعطف على يد ولي","part":4,"page":138},{"id":1729,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 139\rحُورٌ نساء شديدات سواد العيون وبياضها عِينٌ (22) ضخام العيون كسرت عينه بدل ضمها لمجانسة الياء، ومفردة عيناء كحمراء، وفي قراءة بجر حور عين كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) المصون جَزاءً مفعول له أو مصدر، والعامل مقدّر، أي جعلنا لهم ما ذكر للجزاء، أو جزيناهم جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (24) لا يَسْمَعُونَ فِيها في الجنة لَغْواً فاحشا من الكلام وَلا تَأْثِيماً (25) ما يؤثم إِلَّا لكن قِيلًا قولا سَلاماً سَلاماً (26) بدل من قيلا فإنهم يسمعونه وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ شجر النبق مَخْضُودٍ (28) لا شوك فيه\r______________________________\rاللّه، فيقول أحدها: يا ولي اللّه رعيت في مروج تحت العرش، وشربت من عيون التسنيم، فكل مني، فلا يزلن يفتخرن بين يديه، حتى يخطر على قلبه أكل أحدها، فيخر بين يديه على ألوان مختلفة، فيأكل منها ما أراد، فإذا شبع، تجمع عظام الطير فطار يرعى في الجنة حيث شاء، فقال عمر: يا رسول اللّه إنها لناعمة؟\rقال: آكلها أنعم منها. وقال ابن عباس رضي اللّه عنه: يخطر على قلبه لحم الطير، فيصير بين يديه على ما يشتهي، أو يقع على الصحفة فيأكل منها ما يشتهي ثم يطير.\rقوله: وَحُورٌ عِينٌ مبتدأ خبره محذوف قدره بقوله: (لهم). قوله: (شديدات سواد العيون) هذا من جملة تفسير العين، فلو أخره بعده لكان أوضح، فالعين شديدات سواد العيون مع سعتها، وأما الحور فقيل: هو بياض أجسادهن، وقيل: هو شدة بياض العين في شدة سوادها. قوله: (بدل ضمها) أي الذي هو حقها، لأن أصلها عين بضم العين وسكون الياء، كسرت العين لتصح الياء. قوله: (و في قراءة بجر حور عين) أي وهي سبعية أيضا، عطف على جَنَّاتِ النَّعِيمِ كأنه قيل: هم في جنات النعيم، وفاكهة ولحم وحور عين.\rقوله: كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ أي المستور في الصدف، لم تمسه الأيدي ولا الشمس والهواء، روي أنه يسطع نور في الجنة فيقولون: ما هذا؟ فيقال: ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها، وروي أن الحوراء إذا مشت، يسمع تقديس الخلاخيل من ساقها، وتمجيد الأسورة من ساعديها، وعقد الياقوت في نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب، شراكهما من لؤلؤ يصيحان بالتسبيح.\rقوله: بِما كانُوا يَعْمَلُونَ الباء سببية؛ وما مصدرية أو موصولة.\rقوله: (لكن) قِيلًا أشار بذلك إلى أن الاستثناء منقطع، وذلك لأن السّلام ليس من جنس اللغو والتأثيم. قوله: (بدل من قيلا) أي أو نعت له أو منصوب بقيلا، أي إلا أن يقولوا سلاما سلاما. قوله: (فإنهم يسمعونه) أي من اللّه والملائكة، وبعضهم بعضا.\rقوله: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ شروع في تفصيل ما أجمل من أوصافهم إثر تفصيل أوصاف السابقين\rفِي سِدْرٍ خبر ثان عن قوله: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ. قوله: مَخْضُودٍ من خضد الشجر قطع شوكه، من باب ضرب، روي أن أعرابيا أقبل يوما فقال: يا رسول اللّه، لقد ذكر اللّه في القرآن شجرة مؤذية، وما كنت أرى أن في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: وما هي؟ قال: السدر فإن له شوكا مؤذيا، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أو ليس يقول: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ؟ خضد اللّه شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمرا على اثنين وسبعين لونا من الطعام، ما فيها لون يشبه الآخر، وليس","part":4,"page":139},{"id":1730,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 140\rوَطَلْحٍ شجر الموز مَنْضُودٍ (29) بالحمل من أسفله إلى أعلاه وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) دائم وَماءٍ مَسْكُوبٍ (31) جار دائما وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لا مَقْطُوعَةٍ في زمن وَلا مَمْنُوعَةٍ (33) بثمن وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) على السرر إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (35) أي الحور العين من غير ولادة فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (36) عذارى، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن عذارى ولا وجع عُرُباً بضم الراء وسكونها جمع عروب وهي المحببة إلى زوجها عشقا له أَتْراباً (37) جمع ترب أي مستويات في السن لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (38) صلة أنشأناهن أو جعلناهن وهم ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40) وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (41) فِي سَمُومٍ ريح حارّة من النار تنفذ في\r______________________________\rثمر الجنة في غلاف كثمر الدنيا، بل كله مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه. قوله: (دائم) أي لا تنسخه الشمس. قوله: (جار دائما) أي على وجه الأرض ليس في حفر.\rقوله: وَلا مَمْنُوعَةٍ (بثمن) الأولى أن يقول بشيء، ليشمل الحائط والباب والشوك ونحو ذلك، والمعنى: لا تمنع عن متناولها بوجه من الوجوه، بل إذا اشتهاها العبد، دنت منه حتى يأخذها بلا تعب.\rقوله: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (على السرر) وقيل مرفوعة بعضها فوق بعض لما ورد: أن ارتفاعها كما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام.\rقوله: (أي الحور العين من غير ولادة) أشار بذلك إلى أن الضمير في أَنْشَأْناهُنَ عائد على الحور العين المفهومان مما سبق، وهذا أحد قولين، وقيل هو عائد على نساء الدنيا، ومعنى أَنْشَأْناهُنَ أعدنا إنشاءهن، ويؤيده ما ورد أن أم سلمة سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قوله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فقال: يا أم سلمة هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطاء رمصاء، جعلهن اللّه بعد الكبر أترابا على ميلاد واحد في الاستواء، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا، فلما سمعت عائشة رسول اللّه يقول ذلك قالت: وا وجعاه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ليس هناك وجع، ويصح عود الضمير على ما هو أعم من الحور العين ونساء الدنيا، وهو الأنسب بالأدلة. قوله: (بضم الراء وسكونها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أي مستويات في السن) أي وهو ثلاث وثلاثون سنة لما في الحديث: «يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا مكحولين أبناء ثلاثين أو قال ثلاث وثلاثين، على خلق آدم عليه السّلام، ستون ذراعا في سبعة أذرع». وروي أيضا أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من دخل الجنة من صغير أو كبير يرد إلى ثلاثين سنة في الجنة، لا يزاد عليها أبدا، وكذلك أهل النار». قوله: (صلة أنشأناهن) أي متعلقة به، والمعنى أنشأناهن لأجل أصحاب اليمين، ويصح تعلقها بأترابا، والمعنى جعلناهن أترابا، أي مساويات لأصحاب اليمين في الطول والعرض والجمال، فلا تتخير امرأة عن رجل في الجنة.\rقوله: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ خبر لمحذوف قدره بقوله: (و هم) واختلف في المراد بالأولين والآخرين، فقيل: أوائل هذه الأمة كالصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وأواخرهم من يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، وقيل: المراد بالأولين الأمم السابقة، وبالآخرين هذه الأمة، فالخلاف هنا نظير ما تقدم، وقال فيما سبق وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ\rوقال هنا وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ لأن ما تقدم في ذكر السابقين، وهم في الآخرة قليل، وهنا في أصحاب اليمين، وهم كثيرون في الأولين والآخرين.","part":4,"page":140},{"id":1731,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 141\rالمسام وَحَمِيمٍ (42) ماء شديد الحرارة وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) دخان شديد السواد لا بارِدٍ كغيره من الظلال وَلا كَرِيمٍ (44) حسن المنظر إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُتْرَفِينَ (45) منعمين لا يتعبون في الطاعة وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الذنب الْعَظِيمِ (46) أي الشرك وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) في الهمزة في الموضعين التحقيق وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) بفتح الواو للعطف، والهمزتين للاستفهام وهو في ذلك وفيما قبله للاستبعاد، وفي قراءة بسكون الواو عطفا بأو، والمعطوف عليه محل إن واسمها قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ لوقت يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50) أي يوم القيامة ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) بيان للشجر فَمالِؤُنَ مِنْهَا من الشجر الْبُطُونَ (53) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ أي الزقوم المأكول مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشارِبُونَ شُرْبَ بفتح الشين وضمها مصدر الْهِيمِ (55) الإبل العطاش، جمع\r______________________________\rقوله: وَأَصْحابُ الشِّمالِ الخ، شروع في ذكر بعض صفات أصحاب المشأمة المتقدم ذكرهم.\rقوله: ما أَصْحابُ الشِّمالِ خبر أول وأبهمه لعظمه،\rوقوله: فِي سَمُومٍ خبر ثان. قوله: (تنفذ في المسام) أي تدخل في أعماق أبدانهم. قوله: وَحَمِيمٍ أي يطلبونه عند اشتعال السموم في أبدانهم فيزيد عطشهم، فيسقون من ماء الحميم، فتتقطع عند ذلك أمعاؤهم.\rقوله: مِنْ يَحْمُومٍ صفة أولى لظل، و\rقوله: لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ صفة ثانية وثالثة له.\rقوله: إِنَّهُمْ كانُوا الخ، تعليل لاستحقاقهم تلك العقوبة، ولم يذكر في أصحاب اليمين سبب استحقاقهم الثواب، إشارة إلى أن الثواب حاصل من فضله تعالى لا وجوب عليه، فعدم ذكر سببه لا يوهم نقصا، وأما العقاب فمن عدله تعالى، فلو لم يذكر سببه لربما توهم الجور في حقه تعالى. قوله: (لا يتعبون في الطاعة) أي تركوا الطاعات واشتغلوا بالملاذ المحرمة، وأما فعل الطاعات مع التنعم بالملاذ الحلال فلا ضرر فيه، قال تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الآية. قوله: (و إدخال ألف بينهما على الوجهين) المناسب أن يقول: وتركه ليكون منبها على أربع قراءات وكلها سبعية، وهي التحقيق والتسهيل مع الألف ودونها.\rقوله: (و هو في ذلك) أي الاستفهام في هذا الموضع وهو قوله: أَوَآباؤُنَا وقوله: (و فيما قبله) أي وهو قوله: أَإِذا مِتْنا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. قوله:\r(و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (و المعطوف عليه) أي على كل من القراءتين.\rقوله: إِنَّ الْأَوَّلِينَ الخ، رد لإنكارهم واستبعادهم.\rقوله: (لوقت) يَوْمٍ أي فيه وضمن الجمع معنى السوق فعداه بإلى، وإلا فمقتضى الظاهر تعديته بفي.\rقوله: ثُمَّ إِنَّكُمْ عطف على إِنَّ الْأَوَّلِينَ والخطاب لأهل مكة وأضرابهم.\rقوله: مِنْ زَقُّومٍ هو أخبث الشجر ينبت في الدنيا بتهامة، وفي الآخرة في الجحيم. قوله: (بيان للشجر) أي فمن بيانية، وأما من الأولى فهي لابتداء الغاية أو زائدة. قوله: (من الشجر) أي وإنما أعاد الضمير عليه مؤنثا، لكون الشجر اسم جنس، يجوز تذكيره وتأنيثه.\rقوله: فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ تفسير للشرب الأول، وفي الآية تنبيه على كثرة شربهم من الحميم، وأنه لا ينفعهم، بل يزدادون به عذابا. قوله: (بفتح الشين وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان.","part":4,"page":141},{"id":1732,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 142\rهيمان للذكر وهيمى للأنثى كعطشان وعطشى هذا نُزُلُهُمْ ما أعد لهم يَوْمَ الدِّينِ (56) يوم القيامة نَحْنُ خَلَقْناكُمْ أوجدناكم من عدم فَلَوْ لا هلا تُصَدِّقُونَ (57) بالبعث، إذا القادر على الإنشاء، قادر على الإعادة أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (58) تريقون المني في أرحام النساء أَأَنْتُمْ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا وتسهيلها، وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى، وتركه في المواضع الأربعة تَخْلُقُونَهُ أي المني بشرا أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنا بالتشديد والتخفيف بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) بعاجزين عَلى عن أَنْ نُبَدِّلَ أي نجعل أَمْثالَكُمْ مكانكم وَنُنْشِئَكُمْ نخلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ (61) من الصور كالقردة والخنازير\r______________________________\rقوله: (جمع هيمان) الخ، هذا سبق قلم، والصواب أن يقول جمع أهيم وهيماء، لأن هيم أصله هيم بضم الهاء بوزن حمر، قلبت الضمة كسرة لتصح الياء، وحمر جمع لأحمر وحمراء، والمعنى: يكونون في شرابهم الحميم كالجمل أو الناقة التي أصابها الهيام، وهو داء معطش تشرب منه الإبل إلى أن تموت أو تمرض مرضا شديدا.\rقوله: هذا نُزُلُهُمْ أي ما ذكر من مأكولهم ومشروبهم، والنزل في الأصل ما يهيأ للضيف أول قدومه من التحف والكرامة، فتسميته نزل تهكم بهم. قوله: (بالبعث) أي الإحياء بعد الموت.\rقوله:\rأَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ الخ، احتجاجات على الكافرين المنكرين للبعث، والمعنى أخبروني، فمفعولها الأول ما تُمْنُونَ والثاني الجملة الاستفهامية. قوله: ما تُمْنُونَ بضم التاء في قراءة العامة من أمنى يمني، وقرئ شذوذا بفتحها من منى يمنى بمعنى صب، والمعنى أخبروني الماء الذي تقذفونه وتصبونه في الرحم\rأَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ الخ. قوله: (بتحقيق الهمزتين) في كلامه تنبيه على أربع قراءات سبعيات، مع أنها خمس، وذلك لأن التحقيق، إما مع إدخال ألف بينهما ممدودة مدا طبيعيا، أو بدونها والتسهيل كذلك، وإبدال الثانية ألفا ممدودة مدا لازما، وقوله: (في المواضع الأربعة) أي هذا وقوله بعد أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها. قوله: أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ يحتمل أن أَمْ منقطعة لأن ما بعدها جملة، والمتصلة إنما تعطف المفردات، وحينئذ فيكون اللام مشتملا على استفهامين:\rالأول أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ وهو إنكاري وجوابه لا؛ والثاني مأخوذ من أَمْ إن قدرت ببل والهمزة، أو بالهمزة وحدها، ويكون تقريريا، ويحتمل أن تكون متصلة، وذلك لأنها عطفت المفرد وهو نَحْنُ والإتيان بالخبر زيادة تأكيد.\rقوله: نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ أي حكمنا به وقضيناه على كل مخلوق، فلا يستطيع أحد تغيير ما قدرنا. قوله: (بالتشديد والتخفيف) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ يصح تعلقه بمسبوقين، أي لم يعجزنا أحد على تبديلنا أمثالكم أو يقدرنا، والمعنى: قدرنا بينكم الموت، على أن نميت طائفة ونجعل مكانها أخرى، وأَمْثالَكُمْ إما جمع مثل بكسر فسكون. والمعنى: نحن قادرون على أن نعدمكم ونخلق قوما آخرين أمثالكم، أو جمع مثل بفتحتين بمعنى الصفة. والمعنى: نحن قادرون على أن نغير صفاتكم، وننشئكم في صفات أخرى غيرها. قوله: فِي ما لا تَعْلَمُونَ ما موصولة، وحينئذ فتكتب مفصولة من حرف الجر. والمعنى: نخلقكم في صور لا علم لكم بها.","part":4,"page":142},{"id":1733,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 143\rوَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى وفي قراءة بسكون الشين فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ (62) فيه إدغام التاء الثانية في الأصل في الذال أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (63) تثيرون الأرض وتلقون البذر فيها أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً نباتا يابسا لا حب فيه فَظَلْتُمْ أصله ظللتم بكسر اللام حذفت تخفيفا أي أقمتم نهارا تَفَكَّهُونَ (65) حذفت منه إحدى التاءين في الأصل تعجبون من ذلك وتقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) نفقة زرعنا بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) ممنوعون رزقنا أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ السحاب جمع مزنة أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً ملحا لا يمكن شربه فَلَوْ لا فهلا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) تخرجون من الشجر الأخضر أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها كالمرخ والعفار والكلخ أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (72) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً لنار جهنم وَمَتاعاً بلغة لِلْمُقْوِينَ (73) للمسافرين من أقوى القوم، أي صاروا بالقوى بالقصر والمد،\r______________________________\rقوله: النَّشْأَةَ الْأُولى أي الترابية لأبيكم آدم، واللحمية لأمكم حواء، والنطفية لكم، ولا شك أن كلا منها تحويل من شيء إلى غيره. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (تثيرون الأرض) الخ، إنما فسر الحرث بمجموع الأمرين مراعاة لمعناه اللغوي، ولأن الشأن أن البذر يكون معه إثارة أرض، والمناسب هنا تفسيره بالبذر، والمعنى: أفرأيتم البذر الذي تلقونه في الطين أأنتم تنبتونه الخ.\rقوله: (نباتا يابسا لا حب فيه) أي وقيل هشيما لا ينتفع به في مطعم آدمي ولا غيره.\rقوله: تَفَكَّهُونَ هو في الأصل من التفكه، وهو إلقاء الفاكهة من اليد، وهو لا يكون من الشخص إلا عند إصابة الأمر المكروه، فقوله: (تعجبون) أي من غرابة ما نزل بكم تفسير باللازم.\rقوله: (و تقولون) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ أشار بذلك إلى أن قوله: إِنَّا لَمُغْرَمُونَ مقول لقول محذوف حال تقديره فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ قائلين إِنَّا لَمُغْرَمُونَ أي لملزمون غرامة ما أنفقنا، أو مهلكون بسبب هلاك رزقنا.\rقوله: مِنَ الْمُزْنِ هو بالضم السحاب مطلقا كما قال المفسر، أو المراد به أبيضه، أو المحتوي على الماء.\rقوله: جَعَلْناهُ أُجاجاً حذفت اللام هنا لعدم الاحتياج إلى التأكيد، إذ لا يتوهم ملك السحاب وما فيه من الماء، بخلاف الزرع والأرض، ففي ذلك شائبة ملك، فأتى في جانبه بالمؤكد وهو اللام. قوله: (لا يمكن شربه) أي ولا انتفاع الزرع به.\rقوله: الَّتِي تُورُونَ من أوريت الزند، قدحته لتستخرج ناره، وأصله توريون استثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان، حذفت الياء لالتقائهما وقلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو. قوله: (من الشجر الأخضر) أي أو من غيره، وإنما اقتصر على الشجر الأخضر، لكونه أعظم وأبهر في الدلالة على عظمة اللّه وباهر قدرته. قوله: (كالمرخ والعفار) تقدم الكلام على ذلك في سورة يس، وأما (الكلخ) فهو معروف في بعض بلاد المغرب والشام، يؤخذ منه قطعتان وتضرب إحداهما فتخرج النار، وعن ابن عباس أنه قال: ما من شجرة ولا عود إلا وفيه النار سوى العناب. قوله: (المسافرين) أي وخصوا بالذكر، لأن منفعتهم بها أكثر من المقيمين، فإنهم يوقدونها بالليل لتهرب السباع، ويهتدي الضال، ونحو ذلك من المنافع. قوله: (من أقوى القوم) أشار بذلك إلى","part":4,"page":143},{"id":1734,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 144\rأي القفر، وهو مفازة لا نبات فيها ولا ماء فَسَبِّحْ نزه بِاسْمِ زائد رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74) أي اللّه فَلا أُقْسِمُ لا زائدة بِمَواقِعِ النُّجُومِ (75) بمساقطها لغروبها وَإِنَّهُ أي القسم بها لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) أي لو كنتم من ذوي العلم لعلمتم عظم هذا القسم إِنَّهُ أي المتلو عليكم لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتابٍ مكتوب مَكْنُونٍ (78) مصون وهو المصحف لا\r______________________________\rأن المراد بالمقوين المسافرون، وأنه مأخوذ من أقوى القوم إذا صاروا بالقوى، وهي الأرض الخالية من السكان، وقيل: المراد بهم ما هو أعم، لأن المقوي من الأضداد، يقال للفقير مقو لخلوه من المال، وللغني لقوته على ما يريد، والمعنى: جعلناها متاعا ومنفعة للأغنياء والفقراء المسافرين والحاضرين، فلا غنى لأحد عنها. قوله: (بالقصر والمد) أي مع كسر القاف فيهما.\rقوله: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ مفرع على ما تقدم، والمعنى: ادع الخلق إلى توحيد اللّه وطاعته، ووضح لهم الأمر بما تقدم، فإن لم يهتدوا فارجع إلى ربك وسبحه ولا تلتفت لغيره، والمراد نزهه عما لا يليق به، سواء كان بخصوص سبحان اللّه، أو بغيره من بقية الأذكار. قوله: (زائد) أي لفظ اسم زائد، والمعنى: سبح ربك وسبح يتعدى بنفسه وبالباء، وما مشى عليه المفسر، من زيادة لفظ اسم أحد قولين، والآخر أنه ليس زائدا، بل كما يجب تعظيم الذات وتنزيهها عن النقائص، كذلك يجب تعظيم الاسم وتنزيهه عن النقائص، ولذا قال الفقهاء: من وجد اسم اللّه تعالى مكتوبا في ورقة موضوعا في قذر وتركه فقد كفر، وذلك لأن التهاون بأسماء اللّه كالتهاون بذاته، لأن الاسم دال على المسمى، وهذا هو الأتم.\r- فائدة- أثبتوا في الخط ألف اسم هنا، وحذفوها من البسملة لكثرة دوران البسملة في الكلام دون ما هنا.\rقوله: (لا زائدة) أي للتأكيد لأن المقصود القسم، وهذا أحد أقوال فيها، وقيل: هي لام الابتداء؛ دخلت على مبتدإ محذوف تقديره أنا أقسم، حذف المبتدأ فاتصلت بخبره، وقيل: هي نافية ومنفيها محذوف تقديره فلا يصح قول المشركين فيك وفي قرآنك،\rوقوله: أُقْسِمُ الخ، جملة مستأنفة تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (بمساقطها لغروبها) هذا قول قتادة، وقيل هو منازلها، وقيل المراد بمواقع النجوم، نزول القرآن نجوما، فإن اللّه تعالى أنزله من اللوح المحفوظ، من السماء العليا إلى السفرة، الكاتبين جملة واحدة، فنجمه السفرة على جبريل وهو على محمد في عشرين سنة.\rقوله: وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ هذه الجملة معترضة بين القسم وجوابه في أثنائها، جملة معترضة بين الصفة والموصوف وهي قوله: لَوْ تَعْلَمُونَ وليس هذا من باب الاعتراض بأكثر من جملة، لأن الجملتين في حكم جملة واحدة. قوله: (أي لو كنتم) الخ، أشار بذلك إلى أن جواب لَوْ محذوف، وإلى أن الفعل منزل منزلة اللام. قوله: (لعلمتم عظم هذا القسم) أي لما فيه من الدلالة على عظيم القدرة وكمال الحكمة، ولأن آخر الليل الذي هو وقت تساقط النجوم محل الرحمات والعطايا الربانية، قال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ\rقوله: لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ أي كثير النفع، وصف بالكرم لاشتماله على خير الدين والدنيا والآخرة، ففيه مزيد البيان والنور والاهتداء، فكل عالم يطلب أصل علمه منه من معقول ومنقول. قوله: (مصون)","part":4,"page":144},{"id":1735,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 145\rيَمَسُّهُ خبر بمعنى النهي إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) أي الذين طهروا أنفسهم من الأحداث تَنْزِيلٌ منزل مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (80) أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ القرآن أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) متهاونون مكذبون وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ من المطر، أي شكره أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) بسقيا اللّه حيث قلتم مطرنا بنوء كذا فَلَوْ لا فهلا إِذا بَلَغَتِ الروح وقت النزع الْحُلْقُومَ (83) هو مجرى الطعام وَأَنْتُمْ يا حاضري الميت حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) إليه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ بالعلم وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85) من البصيرة أي لا تعلمون ذلك فَلَوْ لا فهلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) مجزيين بأن تبعثوا، أي غير مبعوثين بزعمكم تَرْجِعُونَها تردّون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (87) فيما زعمتم، فلولا الثانية تأكيد للأولى، وإذا ظرف لترجعون المتعلق به\r______________________________\rأي من التغيير والتبديل، فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.\rقوله: (و هو المصحف) أي وقيل هو اللوح المحفوظ، وعليه فمعنى لا يَمَسُّهُ لا يطلع عليه إلا الملائكة المطهرون من الأقذار المعنوية، ولا يكون في الآية دليل لنهي المحدث عن مس المصحف. قوله: (خبر بمعنى النهي) أي فأطلق الخبر وأريد النهي، وإلا فلو أبقي على خبريته، للزم عليه الخلف في خبره تعالى، لأنه كثيرا ما يمس بدون طهارة، والخلف في خبره تعالى محال، وما مشى عليه المفسر أحد وجهين، والآخر أن لا ناهية، والفعل مجزوم بسكون مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة الإدغام، وإنما حرك بالضم اتباعا لحركة الهاء. إن قلت: إنه يلزم على هذا الوجه الفصل بين الصفات بجملة أجنبية،\rفإن قوله: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ صفة رابعة لقرآن. وأجيب: بأنه لا يتعين أن يكون صفة لجواز جعله خبر لمبتدإ محذوف أي وهو تنزيل. قوله: (منزل) أشار بذلك إلى أن المصدر بمعنى اسم المفعول.\rقوله: أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ الخ؛ الاستفهام توبيخي، والمعنى لا يليق منكم ذلك. قوله:\rمُدْهِنُونَ الإدهان في الأصل، جعل الشيء مدهونا بالدهن ليلين ويحسن، أطلق وأريد اللين الظاهري الذي هو النفاق، ولذا سميت المداراة والملاينة فيما يغضب اللّه مداهنة، فالدهن هو الذي ظاهره يخالف باطنه، والمراد هنا الكفر مطلقا كما أفاده المفسر. قوله: (بسقيا اللّه) مصدر مضاف لفاعله. قوله: (حيث قلتم مطرنا) الخ، أي وقائل ذلك كافر إن اعتقد تأثير الكواكب في المطر، وعاص إن لم يعتقده.\rقوله: فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الخ، الظرف متعلق بترجعونها مقدم عليه،\rوقوله: وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ الخ، جملة حالية من فاعل بَلَغَتِ\rوكذا قوله: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ. قوله: (من البصيرة) أي أو من البصر، والمعنى وأنتم لا تبصرون أعوان ملك الموت، ورد أن ملك الموت له أعوان يقطعون العروق، ويجمعون الروح شيئا فشيئا، حتى ينتهوا بها إلى الحلقوم، فيتوفاها ملك الموت. قوله: (مجزيين) أي فمدينين من الدين بمعنى الجزاء؛ وقوله: (غير مبعوثين) تفسير للمراد هنا.\rقوله: (فلو لا الثانية) أي التي في قوله: فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ. قوله: (تأكيد) أي لفظي، وقوله: (للأولى) أي التي في قوله:\rفَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. قوله: (المتعلق به الشرطان) أي وهما إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ،\rإِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، ومعنى تعلقهما به، أنه جزاء لكل منهما. قوله: (و المعنى هلا) الخ، أي فهي للطلب، والمعنى","part":4,"page":145},{"id":1736,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 146\rالشرطان، والمعنى: هلا ترجعونها إن نفيتم البعث صادقين في نفيه، أي لينتفي عن محلها الموت كالبعث فَأَمَّا إِنْ كانَ الميت مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ أي فله استراحة وَرَيْحانٌ رزق حسن وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وهل الجواب لأما، أو لإن، أو لهما؟ أقوال وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلامٌ لَكَ أي له السلامة من العذاب مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (91) من جهة أنه منهم وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) من إضافة الموصوف إلى صفته فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96) تقدم.\r______________________________\rارجعوها. قوله: (إن نفيتم البعث) هذا هو الشرط الأول؛ وقوله: (صادقين في نفيه) هو الشرط الثاني.\rقوله: (لينتفي) الخ، علة للجزاء، وقوله: (عن محلها) أي الذي هو الجسد، والمعنى: إن صدقتم في نفي البعث، فردوا روح المحتضر إلى جسده، لينتفي عنه الموت، فينتفي البعث الذي تنكرونه لترتبه على الموت.\rقوله: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ الخ، شروع في بيان حال المتوفى بعد الممات، إثر بيان حاله عنده. قوله: مِنَ الْمُقَرَّبِينَ أي وهم المعبر عنهم فيما سبق بالسابقين.\rقوله: فَرَوْحٌ بفتح الراء في قراءة العامة، وقرئ شذوذا بضمها، ومعناها الرحمة. قوله: (أي فله) أشار بذلك إلى أن روح مبتدأ خبره محذوف. قوله: وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ترسم هنا بالتاء المجرورة، والوقف عليها إما بالهاء أو التاء، وفي ذكر الجنة عقب الروح والريحان، إشعار بأن محل ذلك يكون للمقربين في البرزخ قبل الجنة، كما هو مشهور في السنة.\rقوله: (و هل الجواب لأما) أي وجواب إِنْ محذوف لدلالة المذكور عليه، وهذا هو الراجح، لأنه عهد حذف جواب إِنْ كثيرا.\rقوله: فَسَلامٌ لَكَ أي يا صاحب اليمين من أصحاب اليمين، ففيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، تعظيما لصاحب اليمين. قوله: (أي له السلامة) أشار بهذا إلى أن السّلام بمعنى السلامة، وهو خلاف ما قلنا، فهما تفسيران. قوله: (من جهة أنه منهم) أشار به إلى أن مِنْ تعليلية، أي من أجل أنه منهم.\rقوله: وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ لم يقل وأما إن كان من أصحاب الشمال الخ، تبكيتا عليهم وإشعارا بالأفعال التي أوجبت لهم هذا العذاب.\rقوله: فَنُزُلٌ مبتدأ خبره محذوف، أي له نزل من حميم، والمعنى أنه يشربه بعد أكل الزقوم، وسمي نزلا تهكما بهم.\rقوله: وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ أي احتراق بها.\rقوله: إِنَّ هذا أي ما ذكر من قصة المحتضرين، أو ما قصصناه عليك في هذه السورة. قوله:\r(تقدم) الذي تقدم في كلامه أن سبح نزه، وأن لفظ اسم زائد، وتقدم لنا القول بعدم زيادته ووجهه وأنه الأولى، والعظيم يصح أن يكون صفة للاسم، وأن يكون صفة لربك، لأن كلا منهما مجرور، وفي ذكر لفظ التسبيح في آخر هذه السورة، شدة مناسبة لما بعدها من التسابيح، كأن اللّه تعالى يقول: سبّح باسم ربك، لأنه سبح له ما في السماوات والأرض، واللّه أعلم بأسرار كتابه.","part":4,"page":146},{"id":1737,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 147\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الحديد مدنيّة وآياتها تسع وعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي نزهه كل شيء، فاللام مزيدة، وجيء بما دون من تغليبا للأكثر وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (1) في صنعه\r______________________________\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\rسورة الحديد\rمكية أو مدنية وهي تسع وعشرون آية سميت بذلك لذكر الحديد فيها، من باب تسمية الكل باسم بعضه، على حكم عادته سبحانه وتعالى في كتابه. قوله: (مكية) أي لما قيل: إن سبب اسلام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، أنه دخل على أخته، وكانت أسلمت قبله، فوجد أوائل هذه السورة إلى قوله إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ مكتوبا في صحيفة فأسلم. قوله: (أو مدنية) وهو لابن عباس وعليه الجمهور، وقال القرطبي: إنها مدنية في قول الجميع، وإسلام عمر كان بأوائل طه، وعلى القول بأنه كان بأوائل هذه السورة، فتستثنى هذه الآيات من القول بأنها مدنية.\rقوله: سَبَّحَ لِلَّهِ عبر هنا وفي الحشر والصف بالماضي، وفي الجمعة والتغابن بالمضارع، وفي الأعلى بالأمر، وفي الإسراء بالمصدر، إشعارا بأن التسبيح مطلوب من الإنسان في كل حال، وصدر بالمصدر تنبيها على أن تنزيهه تعالى مطلق، لا يتقيد بزمان ولا مكان ولا بفاعل معين، كما أن المصدر مطلق عن الفاعل والزمان ثم بالماضي لتقدم زمنه، ثم بالمضارع لشموله للحال والاستقبال، ثم بالأمر لتأكيد الحث على طلبه من الشخص، فكأنه قال: حيث علمت أيها الشخص، أن ربك منزه تنزيها مطلقا، وسبحه من تقدم من المخلوقات، واستمروا على تسبيحه، فعليك بالاشتغال به، والتسبيح تنزيه المولى عن كل ما لا يليق به قولا وفعلا واعتقادا من سبح في الأرض والماء ذهب وأبعد فيهما، إن قلت: إن سَبَّحَ متعد بنفسه، فما وجه الإتيان باللام له؟ أجيب: بأن اللام زائدة للتأكيد، كما في نصحت له وشكرت له، وعليه اقتصر المفسر، أو للتعليل، والمعنى: فعل التسبيح لأجل رضا اللّه تعالى وخالصا لوجهه، لا لغرض آخر. قوله: (فاللام مزيدة) أي للتأكيد، وهو مفرع على قوله: (أي نزهه) أو أصلية للتعليل كما علمت.","part":4,"page":147},{"id":1738,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 148\rلَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي بالإنشاء وَيُمِيتُ بعده وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) هُوَ الْأَوَّلُ قبل كل شيء بلا بداية وَالْآخِرُ بعد كل شيء بلا نهاية وَالظَّاهِرُ بالأدلة عليه وَالْباطِنُ عن إدراك الحواس وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ\r______________________________\rقوله: (تغليبا للأكثر) أي وهو غير العاقل، فالمراد بالسماوات والأرض جهة العلو والسفل، فيشمل نفس السماوات والأرض، واعلم أن تسبيح العقلاء بلسان المقال اتفاقا. واختلف في تسبيح غيرهم، فقيل بالحال أي إن ذاتها دالة على تنزيه صانعها عن كل نقص، وقيل بلسان المقال أيضا، ولكن لا يطلع على تسبيحها، إلا من خصه اللّه بذلك.\rقوله: وَهُوَ الْعَزِيزُ (في ملكه) أي الغالب على أمره لا يغلبه شيء. قوله: الْحَكِيمُ (في صنعه) أي يضع الشيء في محله، فلا حرج عليه، ولا معقب لحكمه. قوله: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جملة مستأنفة كالدليل لما قبلها، كأنه قيل: هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، لأن له ملك السماوات والأرض، يتصرف فيه على ما يريد. قوله: (بالإنشاء) أي من العدم، وفيه رد على من يزعم، أن الإحياء يكون بترك الحي من غير قتل مثلا كالنمرود حيث قال في محاجة ابراهيم عليه السلام: أنا أحيي وأميت، وأتى برجلين فأطلق أحدهما وقتل الآخر.\rقوله: وَيُمِيتُ (بعده) أي بعد الإحياء الحاصل بالإنشاء، وأما الإحياء الثاني فلا موت بعده، قال تعالى: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى. قوله: وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ بضم الهاء وسكونها، قراءتان سبعيتان في جميع القرآن.\rقوله: هُوَ الْأَوَّلُ (قبل كل شيء) أي السابق على جميع الموجودات، وقوله: (بلا بداية) أي فلا افتتاح لوجوده. قوله:\rوَالْآخِرُ (بعد كل شيء) أي الباقي بذاته بعد استحقاق كل ما سواه الفناء، وبهذا اندفع ما يقال: إن الجنة والنار وما فيهما، لا يطرأ عليهما الفناء، لأن كل موجود بعد عدم قابل للفناء، وبقاء ما ذكر ببقاء اللّه تعالى لا ذاتي له، قال العارف:\rمن لا وجود لذاته من ذاته ... فوجوده لولاه عين محال\r\rقوله: (بالأدلة عليه) أي وهي آثاره وتصاريفه في خلقه:\rففي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد\r\rقوله: (عن إدراك الحواس) أي الظاهرية والباطنية، فلا تحيط به في الدنيا ولا في الآخرة، وإنما رؤيته وسماع كلامه في الآخرة، من غير كيف ولا انحصار ولا إحاطة، فكل مخلوق عاجز عن الإحاطة به، بل كلما عظم قرب العبد منه، ازداد خشية وهيبة وعجزا، ولذا ورد في الحديث: «سبحان من لا يعلم قدره غيره، ولا يبلغ الواصفون صفته». وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إذا أراد أحدكم أن ينام، فليضطجع على شقه الأيمن ويقول: اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل شيء، أنت آخذ بناصيته. وفي رواية: من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر» ا ه. وأتى بالواو الأولى والثالثة، للجمع بين الوصفين الأولين والأخيرين، والثالثة للجمع بين","part":4,"page":148},{"id":1739,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 149\rفِي سِتَّةِ أَيَّامٍ من أيام الدنيا أولها الأحد، وآخرها الجمعة ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الكرسي استواء يليق به يَعْلَمُ ما يَلِجُ يدخل فِي الْأَرْضِ كالمطر والأموات وَما يَخْرُجُ مِنْها كالنبات والمعادن وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ كالرحمة والعذاب وَما يَعْرُجُ يصعد فِيها كالأعمال الصالحة والسيئة وَهُوَ مَعَكُمْ بعلمه أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5) الموجودات جميعا يُولِجُ اللَّيْلَ يدخله فِي النَّهارِ فيزيد، وينقص الليل وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ فيزيد، وينقص النهار وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (6) بما فيها من الأسرار والمعتقدات آمِنُوا دوموا على الإيمان بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا في سبيل اللّه مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ من مال من تقدمكم وسيخلفكم فيه من بعدكم، نزل في غزوة العسرة وهي غزوة تبوك فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا إشارة إلى عثمان رضي اللّه عنه لَهُمْ أَجْرٌ\r______________________________\rمجموع الأصناف الأربعة، فهو تعالى متصف بالأولية وضدها، والظاهرية وضدها، وتلك الصفات الأربع مجموعة فيه تعالى، فالواو الأولى والثالثة عطفت مفردا على مفرد، والثانية عطفت مجموع أمرين على مجموع أمرين. قوله: (الكرسي) تقدم غير مرة، أن المناسب إبقاء العرش على ظاهره. قوله: (استواء يليق به) تقدم أن هذا تفسير السلف، وأما الخلف فيؤولونه بالقهر والغلبة. قوله: (و السيئة) المناسب حذفه، لأن الذي يرفع إنما هو الأعمال الصالحة، قال تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ.\rقوله: (بعلمه) أي وقدرته وإرادته، فالمراد بالمعية تصاريفه في خلقه.\rقوله: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ذكره ثانيا مع الإعادة، كما ذكره أولا مع ابتداء الخلق، فلا تكرار. قوله: تُرْجَعُ الْأُمُورُ بفتح التاء وكسر الجيم مبنيا للفاعل، وبضم التاء وفتح الجيم مبنيا للمفعول، قراءتان سبعيتان في جميع القرآن.\rقوله: (يدخله) فِي النَّهارِ (فيزيد) أي النهار بسبب دخول الليل فيه، وكذا يقال في النهار. قوله: (بما فيها من الأسرار والمعتقدات) أي من خير وشر.\rقوله: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ لما ذكر أنواعا من الدلائل الدالة على التوحيد، شرع بأمره عبادة بالإيمان، وبترك الدنيا والإعراض عنها، والنفقة في وجوه البر. قوله: (دوموا على الإيمان) جواب عما يقال: إن الخطاب للمؤمنين، وحينئذ ففيه تحصيل الحاصل، وهذا نتيجة ما قبله، لأنه لما ذكر أدلة التوحيد ولا شك أن التفكر فيها، يزيد في الإيمان ويوجب الدوام عليه نتج منه الأمر بالدوام على الإيمان. قوله:\r(من مال من تقدمكم) الخ، أي فأنتم خلفاء عمن تقدمكم، ويصح أن المعنى من الأموال التي جعلكم اللّه خلفاء في التصرف فيها، فهي في الحقيقة له لا لكم، واعلم أن الأموال في الحقيقة للّه تعالى، فخلف فيها آدم يتصرف فيها، وأولاده خلف عنه، وحينئذ فالخلافة إما عمن له التصرف الحقيقي وهو اللّه تعالى، أو عمن تصرف فيها قبله، ممن كانت في أيديهم وانتقلت لهم، وفي هذا حث على الإنفاق، وتهوين له على النفس، فلا ينبغي البخل بمال الغير، بل ينفقه في الوجوه التي تنفعه في المعاد. قوله: (و سيخلفكم فيه من بعدكم) أي من المال الذي هو بأيديكم، سواء كان من مال من تقدمكم، أو من مال اكتسبتموه بأنفسكم. قوله: (و هي غزوة تبوك) بالصرف نظرا للبقعة، ومنعه للعلمية والتأنيث، وهو مكان على","part":4,"page":149},{"id":1740,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 150\rكَبِيرٌ (7) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ خطاب للكفار، أي لا مانع لكم من الإيمان بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ بضم الهمزة وكسر الخاء وبفتحها ونصب ما بعدهما مِيثاقَكُمْ عليه أي أخذه اللّه في عالم الذر حين أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8) أي مريدين الايمان به فبادروا إليه هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ آيات القرآن لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ الكفر إِلَى النُّورِ الإيمان وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ في إخراجكم من الكفر إلى الإيمان لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (9) وَما لَكُمْ بعد إيمانكم أَلَّا فيه إدغام نون أن، في لام لا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بما فيهما، فيصل إليه أموالكم من غير أجر الانفاق، بخلاف ما لو أنفقتم فتؤجرون لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ\r______________________________\rطرف الشام، بينه وبين المدينة أربع عشرة مرحلة، وكانت تلك الغزوة في السنة التاسعة بعد رجوعه صلّى اللّه عليه وسلّم من الطائف، وهي آخر غزواته، ولم يقع فيها قتال، بل لما وصلوا إلى تبوك، وأقاموا بها عشرين ليلة، وقع الصلح على دفع الجزية، فرجع صلّى اللّه عليه وسلّم بالعز والنصر العظيم، وتقدم تفصيلها في سورة براءة. قوله: (إشارة إلى عثمان) أي فإنه جهز في تلك الغزوة ثلاثمائة بعير، بأقتابها وأحلاسها وأحمالها، وجاء بألف دينار ووضعها بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وفي رواية: حمل عثمان في جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرسا، وقال في حقه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ما على عثمان ما فعل بعد هذه» وفي رواية: «غفر اللّه لك يا عثمان، ما أسررت وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالي ما عمل بعدها» ولا خصوصية لعثمان بهذه الإشارة، بل غيره بذل فيها جهده. قوله: لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ أي عظيم.\rقوله: وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ جملة من مبتدإ وخبر وحال، والمعنى أي شيء ثبت لكم حال كونكم غير مؤمنين. قوله: (أي لا مانع لكم من الإيمان) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي.\rقوله: وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ الجملة حالية من الواو في تؤمنون، والمعنى لا مانع لكم من الإيمان، والحال أن الرسول يدعوكم إليه بالمعجزات الظاهرة والحجج الباهرة. قوله: وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ الجملة حالية أيضا من الكاف في يَدْعُوكُمْ. قوله: (بضم الهمزة وكسر الخاء) أي ورفع مِيثاقَكُمْ وتركه لوضوحه. قوله: (و بفتحهما) قراءتان سبعيتان. قوله: (أي أخذه اللّه) الخ، تفسير للقراءتين. قوله: (أي مريدين الإيمان به) جواب عما يقال: كيف قال؟ وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ثم قال إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ويجاب أيضا: بأن المعنى إن كنتم مؤمنين بموسى وعيسى، فإن شريعتهما مقتضية للإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله:\r(فبادروا إليه) أشار بذلك إلى أن جواب الشرط محذوف.\rقوله: عَلى عَبْدِهِ أي وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ أي حيث طلبكم للإيمان، وأقام لكم الحجج على ألسنة الرسل وأمهلكم.\rقوله: أَلَّا تُنْفِقُوا توبيخ لهم على ترك الإنفاق المأمور به بعد توبيخهم على ترك الإيمان. قوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي طاعته جهادا أو غيره. قوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الجملة حالية، والمعنى أي شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل اللّه، والحال أن ميراث السماوات والأرض له، فالدنيا له ابتداء وانتهاء، وإنما جعلكم خلفاء لكم أجر الإنفاق، وعليكم وزر الإمساك.\rقوله: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ الخ، أي لأن الذين أنفقوا من قبل، وقاتلوا من قبل، فعلوا ذلك لعزة","part":4,"page":150},{"id":1741,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 151\rالْفَتْحِ لمكة وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا من الفريقين، وفي قراءة بالرفع مبتدأ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى الجنة وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) فيجازيكم به مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ بإنفاق ماله في سبيل اللّه قَرْضاً حَسَناً بأن ينفقه اللّه فَيُضاعِفَهُ وفي قراءة فيضعفه بالتشديد لَهُ من عشر إلى أكثر من سبعمائة، كما ذكر في البقرة وَلَهُ مع المضاعفة أَجْرٌ كَرِيمٌ (11) مقترن به رضا وإقبال، اذكر يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ\r______________________________\rالإسلام وعزة أهله، فنصروا الدين بأنفسهم وأموالهم، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، الذين قال فيهم رسول اللّه. «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصفه» بخلاف من أنفق وقاتل بعد الفتح، فسعيه وإن كان مشكورا لا يصل لتلك المزية. قوله: مَنْ أَنْفَقَ هو فاعل لا يَسْتَوِي والاستواء لا يكون إلا بين شيئين، فحذف المقابل لوضوحه، والتقدير: ومن أنفق بعد الفتح وهو صادق بكل من آمن وأنفق من بعد الفتح إلى يوم القيامة. قوله: (لمكة) وقيل هو صلح الحديبية.\rقوله: وَكُلًّا بالنصب مفعول مقدم، وقرأ ابن عامر بالرفع مبتدأ، والجملة بعده خبر، والعائد محذوف أي وعده اللّه، والمعنى: أن كلا ممن آمن وأنفق قبل الفتح، ومن آمن وأنفق بعده ومات على الإيمان، وعده اللّه الحسنى أي الجنة، وإن كانت درجات الأوائل، أعلى من درجات الأواخر.\rقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يحتمل أن مَنْ اسم استفهام مبتدأ، وذَا خبره، والَّذِي بدل منه، ويحتمل أن مَنْ ذَا مبتدأ، والموصول خبره، وقوله: يُقْرِضُ اللَّهَ الخ، صلة الموصول على كلا الاحتمالين، وهذا تنزل منه سبحانه وتعالى، حيث ملك عباده الأموال من عنده، وسمى رجوعها إليه قرضا، مع أن العبد وما ملكت يداه لسيده، قال صاحب الحكم: ومن مزيد فضله عليك، أن خلق ونسب إليك. قوله: (في سبيل اللّه) أي طاعته جهادا أو غيره.\rقوله: قَرْضاً حَسَناً قال بعض العلماء: القرض لا يكون حسنا، حتى يجمع أوصافا عشرة وهي: أن يكون المال من الحلال، وأن يكون من أجود المال، وأن تتصدق به وأنت محتاج إليه، وأن تصرف صدقتك إلى الأحوج إليها، وأن تكتم الصدقة بقدر ما أمكنك، وأن لا تتبعها بالمن والأذى، وأن تقصد بها وجه اللّه ولا ترائي بها الناس، وأن تستحقر ما تعطي وإن كان كثيرا، وأن يكون من أحب أموالك إليك، وأن لا ترى عز نفسك وذل الفقير، فهذه عشر خصال، إذا اجتمعت في الصدقة، كانت قرضا حسنا. قوله: (بأن ينفقه للّه) أي خالصا لوجهه، لا رياء ولا سمعة. قوله: (و في قراءة فيضعفه) الخ، أي وعلى كل من القراءتين، فالفعل إما مرفوع عطفا على يقرض، أو مستأنفا، أو منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد الفاء الواقعة في جواب الاستفهام، فالقراءات أربع سبعيات. قوله: (و له مع المضاعفة) أَجْرٌ كَرِيمٌ ظاهر المفسر أن العبد إذا عمل الحسنة، تضاعف له إلى سبعمائة، ويعطى فوق ذلك أجرا كريما، لا يعلم قدره إلا اللّه تعالى، ولكن الذي يظهر، أن الأجر الكريم يحصل له في نظير العمل المضاعف، وذلك أن المضاعفة تكتب للعبد في الدنيا، وتوزن له يوم القيامة، ويستوفي أجرها الكريم في الجنة. قوله: (رضا وإقبال) فاعل (مقترن) والمعنى أنه يعطى ثواب أعماله مع الرضا والإقبال عليه من اللّه تعالى كما قال وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ.\rقوله: (اذكر) يَوْمَ تَرَى أشار بذلك إلى أن يَوْمَ","part":4,"page":151},{"id":1742,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 152\rأَيْدِيهِمْ أمامهم وَيكون بِأَيْمانِهِمْ ويقال لهم بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ أي ادخلوها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا أبصرونا، وفي قراءة بفتح الهمزة وكسر الظاء أمهلونا نَقْتَبِسْ نأخذ القبس والاضاءة مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ لهم استهزاء بهم ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فرجعوا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ وبين المؤمنين بِسُورٍ قيل هو سور الأعراف لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ من جهة المؤمنين وَظاهِرُهُ من جهة المنافقين مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (13) يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ\r______________________________\rظرف لمحذوف وهو أحد أوجه، أو ظرف لأجر كريم، والمعنى لهم أجر كريم في ذلك اليوم، أو ظرف ليسعى، والمعنى يسعى نور المؤمنين والمؤمنات يوم تراهم.\rقوله: يَسْعى نُورُهُمْ الخ؛ الجملة حالية لأن الرؤية بصرية، وهذا إذا لم يجعل عاملا في يوم.\rقوله: بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أي على الصراط. قوله: وَ(يكون) بِأَيْمانِهِمْ قدر (يكون) دفعا لما قد يتوهم من تسليط يسعى عليه أنه يكون النور في جهاته بعيدا عنه، والمراد بالأيمان جميع الجهات، فعبر بالبعض عن الكل، قال عبد اللّه بن مسعود: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره على إبهامه، فيطفأ مرة ويتقد أخرى، وقال قتادة: ذكر لنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من المؤمنين من يضيء نوره إلى عدن وصنعاء ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلى موضع قدمه». قوله: (و يقال لهم) أي تقول الملائكة الذين يتلقونهم بُشْراكُمُ الْيَوْمَ أي بشارتكم العظيمة في جميع ما يستقبلكم إلى غير نهاية. قوله: (أي ادخلوها) أشار بذلك إلى أن قوله: جَنَّاتٌ خبر بُشْراكُمُ على حذف مضاف. قوله: ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي الجنة وما فيها من النعيم المقيم.\rقوله: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ بدل من يَوْمَ تَرَى. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا، ثم يحتمل أن القراءة الأولى بمعنى هذه، لأنه يقال: نظره بمعنى انتظره، وذلك لأنه يسرع بالمؤمنين الخالصين إلى الجنة على نجب، فيقول المنافقون: انتظرونا لأنا مشاة لا نستطيع لحوقكم، ويحتمل أن يكون من النظر وهو الإبصار كما قال المفسر، وذلك لأنهم إذا نظروا إليهم، استقبلوهم بوجوههم فيضيء لهم المكان. قوله: (أمهلونا) أي تمهلوا لنا لندرككم. قوله: ارْجِعُوا وَراءَكُمْ أي إلى الموقف أو الدنيا، أو المعنى: ارجعوا خائبين لا سبيل لكم إلى نورنا، وهذا استهزاء بهم، وذلك لأنهم لا يستطيعون الرجوع إلى الموقف ولا إلى الدنيا.\rقوله: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ الفعل مبني للمفعول، وبسور نائب فاعل والباء زائدة. قوله: (قيل هو سور الأعراف) وقيل: حائط يضرب بين الجنة والنار موصوف بما ذكر، وقيل: هو كناية عن حجبهم عن النور الذي يعطاه المؤمنون. قوله: لَهُ بابٌ الجملة صفة لسور، وقوله: باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ صفة ثانية له أيضا، ويجوز أن تكون في موضع رفع صفة لباب، وهو أولى لقربه.\rقوله: يُنادُونَهُمْ جملة مستأنفة، والمعنى ينادي المنافقون المؤمنين: ألم نكن معكم نصلي كما تصلون، نطيع كما تطيعون؟ قوله:","part":4,"page":152},{"id":1743,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 153\rعلى الطاعة قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بالنفاق وَتَرَبَّصْتُمْ بالمؤمنين الدوائر وَارْتَبْتُمْ شككتم في دين الإسلام وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُ الأطماع حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ الموت وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) الشيطان فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ بالياء والتاء مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ أولى بكم وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15) هي أَلَمْ يَأْنِ يحن لِلَّذِينَ آمَنُوا نزلت في شأن الصحابة لما أكثروا المزاح أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ بالتخفيف والتشديد مِنَ الْحَقِ القرآن وَلا يَكُونُوا معطوف على تخشع كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ هم اليهود والنصارى فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ الزمن بينهم وبين أنبيائهم فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ لم تلن لذكر اللّه\r______________________________\rقالُوا بَلى أي كنتم معنا في الظاهر. قوله: وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ أي أهلكتموها. قوله:\r(بالنفاق) أي والمعاصي والشهوات. قوله: (الدوائر) أي الحوادث.\rقوله: حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قرئ في السبع بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر؛ وتسهيل الثانية مع تحقيق الأولى، وبتحقيقهما، فالقراءات أربع سبعيات. قوله: الْغَرُورُ بفتح الغين هو الشيطان كما قال المفسر، وقرئ بالضم شذوذا، وهو مصدر بمعنى الاغترار بالباطل.\rقوله: فَالْيَوْمَ الظرف متعلق بيؤخذ. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما سبعيتان. قوله: وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا عطف الكافرين على المنافقين لتغايرهم في الظاهر. قوله: هِيَ مَوْلاكُمْ يجوز أن يكون مصدرا، أي ولايتكم أي ذات ولايتكم، وأن يكون مكانا، أي مكان ولايتكم، وأن يكون بمعنى أولى، أي هي أولى بكم، وهو الذي اقتصر عليه المفسر، ويصح أن يكون بمعنى ناصركم، أي لا ناصر لكم إلا النار؛ وهو تهكم بهم.\rقوله: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا الخ، العامة على سكون الهمزة وكسر النون، مضارع أنى يأني، كرمى يرمي، مجزوم بحذف حرف العلة، والمعنى: ألم يأن أوان الخشوع والخضوع لقلوب الذين آمنوا؟\rوحينئذ فالذي ينبغي لهم الإقبال على شأنهم وتركهم ما لا يعنيهم، وقرئ شذوذا بكسر الهمزة وسكون النون مضارع آن كباع، فلما جزم سكن، وحذفت عينه لالتقاء الساكنين، إذا علمت ذلك، فقول المفسر يحن حل معنى لا حل إعراب، وإلا فهو يناسب القراءة الشاذة، لأنه من حان يحين كباع يبيع، فهو مجزوم بالسكون، ومعنى حان قرب وقته. قوله: (لما أكثروا المزاح) أي بسبب لين العيش الذي أصابوه في المدينة، وذلك لأنهم لما قدموا المدينة، أصابوا من لين العيش ورفاهيته، ففتروا عن بعض ما كانوا عليه، فعوتبوا على ذلك، وهذا محمول على فرقة قليلة فرحوا بمظاهر الدنيا، فحصل منهم المزاح والهزل فعوتبوا عليه، وأما غالبهم كأبي بكر وأضرابه فمقامهم يجل عن ذلك.\rقوله: أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ أَنْ وما دخلت عليه، في تأويل مصدر فاعل بأن، أي ألم يقرب خشوع قلوبهم. قوله: (بالتخفيف) أي وضمير نَزَلَ عائد على القرآن، وقوله: (و التشديد) أي والضمير عائد على اللّه تعالى، والعائد محذوف تقديره نزله، والقراءتان سبعيتان، وقوله: مِنَ الْحَقِ بيان لما. قوله: (معطوف على تخشع) أي وَلا نافية، ويصح أن تكون لا ناهية، فيكون انتقالا إلى نهيهم عن التشبه بمن تقدمهم، فإن الدوام على المزاح ربما أدى لذلك. قوله: الْكِتابَ أل فيه للجنس الصادق بالتوراة والإنجيل. قوله: فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ قرأ العامة بتخفيف دال الْأَمَدُ ومعناه","part":4,"page":153},{"id":1744,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 154\rوَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (16) اعْلَمُوا خطاب للمؤمنين المذكورين أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بالنبات، فكذلك يفعل بقلوبكم، بردّها إلى الخشوع قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ الدالة على قدرتنا بهذا وغيره لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ من التصدق أدغمت التاء في الصاد، أي الذين تصدقوا وَالْمُصَّدِّقاتِ اللاتي تصدقن، وفي قراءة بتخفيف الصاد فيهما من التصديق الإيمان وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً راجع إلى الذكور والإناث بالتغليب، وعطف الفعل على الاسم في صلة أل، لأنه فيها حل محل الفعل، وذكر القرض بوصفه بعد التصدق تقييد له يُضاعَفُ وفي قراءة يضعف بالتشديد أي قرضهم وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ المبالغون في التصديق وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ على المكذبين من الأمم لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة على وحدانيتنا\r______________________________\rالزمن، وقرأ غيرهم بتشديدها، وهو الزمن الطويل. قوله: (لم تلن لذكر اللّه) أي لم تخضع ولم تذل.\rقوله: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ أي خارجون عن طاعة اللّه وطاعة نبيهم، والقليل متمسك بشرع نبيه، وهذا الإخبار عنهم قبل ظهوره صلّى اللّه عليه وسلّم، وأمّا بعد ظهوره، فكل من لم يؤمن به، فهو فاسق خارج عن طاعة اللّه تعالى. قوله: (خطاب للمؤمنين المذكورين) أي الذين عوتبوا في شأن المزاح، كأن اللّه تعالى يقول لهم: يا عبادي لا تقنطوا من رحمتي، فإن شأن إحياء الأرض الميتة بالنبات، فكذلك إذا حصل منكم الإنابة والرجوع، أحييت قلوبكم بالذكر والفكر، فأنبتت العلوم والمعارف. قوله: (بهذا) أي كونه يحيي الأرض بعد موتها. وقوله: (و غيره) أي من الأمور العجيبة الدالة على باهر قدرته تعالى. قوله: (أدغمت التاء في الصاد) أي بعد قلبها صادا. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (راجع إلى الذكور والإناث) أي فهو معطوف على مجموع الفعلين لا على الأول فقط، لما يلزم عليه من العطف على الصلة قبل تمامها. قوله: (في صلة أل) الجملة نعت للاسم، أي الاسم الكائن (في صلة أل) وقوله: (فيها) متعلق بحل، وهذا من قبيل قول ابن مالك: واعطف على اسم شبه فعل فعلا الخ.\rقوله: (و ذكر القرض) الخ، جواب عما يقال: إن قوله: الْمُصَّدِّقِينَ على قراءة التشديد يغني عنه، لأن المراد بالقرض الصدقة. فأجاب: بأنه ذكره توطئة لوصفه بالحسن، فقوله: (تقييد له) أي للتصدق بوصف القرض وهو الحسن. قوله: يُضاعَفُ لَهُمْ أي ويكتب لهم في صحائفهم الحسنة بعشرة إلى سبعمائة إلى غير ذلك. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ أي في نظير عملهم المضاعف.\rقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا مبتدأ أول، وأُولئِكَ مبتدأ ثان، وهُمُ إما ضمير فصل أو مبتدأ ثالث، والصِّدِّيقُونَ خبر الثالث، هو وخبره خبر الثاني، وهو وخبره خبر الأول. قوله: أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ أي الموصوفون بالإيمان باللّه ورسله، والمراد بالإيمان الكامل، وإلا فمجرد الإيمان لا يسمى الشخص به صديقا؛ لأن الصديقية مرتبة تحت مرتبة النبوة. قوله: وَالشُّهَداءُ يحتمل أن يكون معطوفا على ما قبله، فالوقف تام على قوله: الشُّهَداءُ ويكون أخبر عن الذين آمنوا؛ بأنهم صديقون شهداء، وقوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ ظرف متعلق بقوله بعد لَهُمْ أَجْرُهُمْ ويحتمل أن يكون مبتدأ، وخبره إما الظرف","part":4,"page":154},{"id":1745,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 155\rأُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (19) النار اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ تزيين وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ أي الاشتغال فيها، وأما الطاعات وما يعين عليها فمن أمور الآخرة كَمَثَلِ أي هي في إعجابها لكم واضمحلالها كمثل غَيْثٍ مطر أَعْجَبَ الْكُفَّارَ الزرّاع نَباتُهُ الناشىء عنه ثُمَّ يَهِيجُ ييبس فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً فتاتا يضمحل بالرياح وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ لمن آثر عليها الدنيا وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ لمن لم يؤثر عليها الدنيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا ما التمتع فيها إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (20) سابِقُوا إِلى\r______________________________\rبعده أو جملة لَهُمْ أَجْرُهُمْ قوله: (النار) أي فمراده بالجحيم دار العذاب لا خصوص الطبقة المسماة بالجحيم.\rقوله: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ الخ، لما ذكر الآخرة وأحوال الخلق فيها، شرع يزهدهم في الدنيا، لأنها قليلة النفع سريعة الزوال. قوله: لَعِبٌ أي يتعب الناس فيها أنفسهم جدا، كإتعاب الصبيان أنفسهم في اللعب من غير فائدة. قوله: وَلَهْوٌ أي شغل عن الآخرة. قوله: وَزِينَةٌ أي ما يتزين به من اللباس والحلي ونحوهما. قوله: وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ أي مفاخرة حاصلة فيما بينكم، والعامة على تنوين تفاخر، وقرئ شذوذا بإضافته إلى الظرف بعده. قوله: (أي الاشتغال فيها) أشار بذلك إلى أن قوله: أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا مبتدأ على حذف مضاف، والتقدير: إنما الاشتغال بالحياة الدنيا لعب الخ، فالشغل بها دائر بين هذه الأمور الخمسة، قال علي كرم اللّه وجهه لعمار بن ياسر: لا تحزن على الدنيا، فإن الدنيا ستة أشياء: مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومركوب ومنكوح، فأحسن طعامها العسل وهو بزقة ذبابة، وأكثر شرابها الماء، وهو يستوي فيه جميع الحيوان، وأفضل ملبوسها الديباج وهو نسج دودة، وأفضل مشمومها المسك وهو دم فأرة؛ وأفضل المركوب الفرس وعليها تقتل الرجال، وأما المنكوح فهو النساء وهن مبال في مبال.\rقوله: كَمَثَلِ غَيْثٍ يحتمل أن يكون خبرا سادسا لأن، ويحتمل أن يكون خبر المحذوف وعليه اقتصر المفسر، والمثل بمعنى الصفة، والمعنى صفتها كصفة غيث الخ. قوله: (مطر) أي حصل بعد جدب ويأس. قوله: (الزراع) إنما سموا كفارا، لأنهم يسترون الأرض بالزرع بسبب الحرث والبذر، كما سمي من ستر الإيمان بالطغيان والجحد كافرا؛ ويصح أن يبقى الكفار على حقيقته، وذلك لأن الكفار يفتخرون ويعجبون في السراء، ويسخرون في الضراء، فإذا كانوا زراعا، افتخروا بالزرع إذا ظهر، وسخطوا إذا ضاع، فصفة الدنيا كصفة كفار زراع، تعبوا في الأرض وحرثوها وبذروها، فظهر زرعها ففرحوا به فرح بطر وخيلاء، ثم يجف بعد خضرته ونضارته، فتراه مصفرا ثم يكون حطاما، وعبارة المفسر محتملة للمعنيين، لأن قوله: (الزراع) يحتمل أن يكون تفسيرا للكفار، أو صفة لهم. قوله: (ييبس) تفسير البهيج، والحامل له على ذلك تفريع قوله: مُصْفَرًّا عليه، وإلا فيهيج معناه في اللغة يطول جدا.\rقوله: وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ لما ذكر أحوال الدنيا الزائلة، ذكر ما يكون عقب زوالها، وقسمه إلى قسمين: عذاب شديد، ومغفرة ورضوان، وفي الآية إشارة عظيمة حيث قابل العذاب بشيئين: المغفرة والرضوان، فهو من باب: لن يغلب عسر يسرين. قوله: (ما التمتع فيها) أشار بذلك إلى","part":4,"page":155},{"id":1746,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 156\rمَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لو وصلت إحداهما بالأخرى، والعرض السعة أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ بالجدب وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ كالمرض وفقد الولد إِلَّا فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها نخلقها، ويقال في النعمة كذلك إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا كي ناصبة للفعل بمعنى أن، أي أخبر تعالى بذلك لئلا تَأْسَوْا تحزنوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا فرح بطر بل فرح شكر على النعمة بِما آتاكُمْ\r______________________________\rأن قوله: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا مبتدأ على حذف مضاف. قوله: إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ هو بالضم ما اغتر به الشخص من متاع الدنيا.\rقوله: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي سارعوا مسارعة المتسابقين إلى ما يوجب المغفرة وهي التوبة من الذنوب، وإلى ما يوجب الجنة وهو فعل الطاعات.\rقوله: كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي أن السماوات السبع والأرضين السبع، لو جعلت صفائح، وألزق بعضها إلى بعض؛ لكان عرض الجنة في عرض جميعها، قال ابن عباس: يريد أن لكل واحد من المطيعين جنة بهذه السعة، وقيل: إن ذلك تمثيل للعباد بما يعقلونه ويعرفونه، وأكثر ما يقع في نفوسهم مقدار السماوات والأرض، فشبه عرض الجنة بما تعرفه الناس، روي أن جماعة من اليهود، سألوا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقالوا له: إذا كانت الجنة عرضها ذلك فأين النار؟ فقال لهم: أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار أين يكون الليل؟ فقالوا: إن مثلها في التوراة. قوله:\r(و العرض السعة) جواب عما يقال: إنه ذكر العرض ولم يذكر الطول. فأجاب المفسر: بأنه لم يرد بالعرض ما قابل الطول، بل أراد به السعة. وأجيب أيضا: بأنه ترك ذكر الطول تعظيما لشأنها، لأنه إذا كان هذا شأن العرض فالطول أعظم، لأن العرض أقل من الطول.\rقوله: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ أي الموعود به من المغفرة والجنة.\rقوله: مِنْ مُصِيبَةٍ مِنْ زائدة في فاعل أَصابَ وعهد زيادتها حيث وقعت في جملة منفية، ومجرورها نكرة. قوله: فِي الْأَرْضِ يصح أن يكون متعلقا بأصاب، أو بمحذوف صفة لمصيبة، أو بنفس مصيبة. قوله: (بالجدب) أي وغيره كالعاهة والزلزلة. قوله: إِلَّا فِي كِتابٍ حال من مُصِيبَةٍ لتخصصها بالوصف. والمعنى إلا مكتوبة في كتاب.\rقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها الضمير عائد على المصيبة. قوله: (و يقال في النعمة كذلك) أي ما حصل للخلق نعمة في الأرض كالمطر؛ ولا في أنفسكم كالصحة والولد، إلا مكتوبة في اللوح المحفوظ، من قبل أن يخلقها اللّه، أشار المفسر بهذه العبارة، إلى أن في الآية حذف الواو مع ما عطفت، بدليل التعليل الآتي في قوله:\rلِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ويصح أن يراد بالمصيبة جميع الحوادث من خير وشر، وعلى ما مشى عليه المفسر، من أن المراد بالمصيبة الشر، فخصها بالذكر لأنها أهم على البشر.\rقوله: إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أي سهل لا مشقة فيه ولا تعب، بل هو بقول كن. قوله: (كي ناصبة للفعل) أي بنفسها لدخول اللام عليها، ولذا قال بمعنى أن. قوله: (أي أخبر تعالى) أشار بذلك إلى أن اللام حرف جر متعلقة بمحذوف. قوله: تَأْسَوْا مضارع منصوب بحذف النون، والواو فاعل،","part":4,"page":156},{"id":1747,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 157\rبالمد أعطاكم، وبالقصر جاءكم منه وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ متكبر بما أوتي فَخُورٍ (23) به على الناس الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بما يجب عليهم وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ به لهم، وعيد شديد وَمَنْ يَتَوَلَ عما يجب عليه فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ ضمير فصل، وفي قراءة بسقوطه الْغَنِيُ عن غيره الْحَمِيدُ (24) لأوليائه لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا الملائكة إلى الأنبياء بِالْبَيِّناتِ بالحجج القواطع وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ بمعنى الكتب وَالْمِيزانَ العدل لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ\r______________________________\rوأصله تأسيون تحركت الياء وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا فصار تأساون، فالتقى ساكنان الألف والواو التي هي الفاعل؛ حذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار وزنه تفعون، ومصدره أسى، وفعله أسى كجوى جوى، فقول بعض النحاة والتقدير لأجل عدم إساءتكم صوابه أساكم، لأن مصدره أسى لا إساءة.\rقوله: (تحزنوا) أي حزنا يوجب القنوط، وإلا فالحزن الطبيعي لا ينفك عنه الإنسان كالفرح الطبيعي.\rقوله: (بل فرح شكر على النعمة) أي فالمنهي عنه الحزن الموجب للجزع والقنوط، والفرح الموجب للبطر والأشر وعدم شكر النعمة، وأما الفرح والحزن الطبيعيان فلا محيص للشخص عنهما، ولكن يسلم أمره للّه، ويرجع في جميع أموره لمالكه وسيده، فالمقصود من هذه الآية بيان أن الخير والشر بيد اللّه، مقدر كل منهما في الأزل يجب الرضا به. قوله: بِما آتاكُمْ أي لأنه مقدر لكم. قوله: (و بالقصر) هما قراءتان سبعيتان. قوله: (جاءكم منه) أي من اللّه. قوله: كُلَّ مُخْتالٍ أي معجب بنعم اللّه عليه. قوله: (بما أوتي) أي من النعم. قوله: فَخُورٍ (به على الناس) أي كثير الفخر بما أعطيه من النعم على الناس.\rقوله: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ مبتدأ خبره محذوف قدره المفسر بقوله: (لهم وعيد شديد) ويصح أن يكون خبر لمحذوف تقديره هم الذين يبخلون، أو بدل من قوله: كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ. قوله: (بما يجب عليهم) أي من المال، كزكاة وكفارة، ومن تعليم العلم ونشره، ومن بيان صفة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم التي هي في الكتب القديمة. قوله: وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ أي من يعرفونه. قوله: وَمَنْ يَتَوَلَ أي يعرض، ومَنْ شرطية وجوابها محذوف تقديره فالوبال عليه. قوله: (و في قراءة بسقوطه) أي وهي سبعية أيضا، وهي تعين أنه ضمير فصل؛ إذ لو صح أن يجعل ضميرا منفصلا، لما حسن إسقاطه من غير دليل لأنه عمدة.\rقوله: الْغَنِيُ أي المستغني عما سواه. قوله: الْحَمِيدُ (لأوليائه) أي المثني عليهم بالإحسان، المنعم عليهم بجزيل الإنعام.\rقوله: لَقَدْ أَرْسَلْنا اللام موطئة لقسم محذوف، أي واللّه لقد أرسلنا الخ. قوله: (الملائكة إلى الأنبياء) تبع في ذلك الزمخشري، ولم يسبقه إليه أحد، والحامل له على ذلك التفسير تصحيح المعية في قوله: وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ لأن الكتب إنما تنزل مع الملائكة، والمناسب أن يفسر الرسل بالبشر، كما عليه الجمهور، لأنه لم ينزل بالكتب والأحكام على الرسل إلا جبريل فقط، وحينئذ فقوله: مَعَهُمُ ظرف متعلق بمحذوف حال منتظرة، والتقدير: وأنزلنا الكتاب حال كونه آئلا وصائرا لأن يكون معهم إذا وصل إليهم، أو مع بمعنى إلى. قوله: (العدل) أي فليس المراد بالميزان حقيقته فقط بل ما يشمله وغيره، والمراد بالعدل التوسط في الأمور، فلا يحصل منهم تفريط ولا إفراط.\rقوله: لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ علة لإرسال الرسل وإنزال الكتاب والميزان. قوله: (أخرجناه من","part":4,"page":157},{"id":1748,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 158\rأخرجناه من المعادن فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ يقاتل به وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ علم مشاهدة.\rمعطوف على ليقوم الناس مَنْ يَنْصُرُهُ بأن ينصر دينه بآلات الحرب من الحديد وغيره وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ حال من هاء ينصره، أي غائبا عنهم في الدنيا، قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) لا حاجة له إلى النصرة، لكنها تنفع من يأتي بها وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ يعني الكتب الأربعة: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، فإنها في ذرية إبراهيم فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (26) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً\r______________________________\rالمعادن) هذا أحد قولين في تفسير الإنزال، والآخر إبقاؤه على حقيقته، لما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: نزل آدم من الجنة معه خمسة أشياء من حديد، وروي من آلة الحدادين: السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة، وروي ومعه المبرد والمسحاة، وروي عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:\r«أنزل اللّه تعالى أربع بركات من السماء: الحديد والنار والماء والملح». وعن ابن عباس أيضا قال: أنزل اللّه ثلاثة أشياء مع آدم: الحجر الأسود، وعصا موسى والحديد ا ه والسندان بكسر السين وفتحها، والكلبتان آلة يؤخذ بها الحديد المحمى، والميقعة المبرد. قوله: فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ الجملة حالية من الْحَدِيدَ. قوله: (يقاتل به) أي فمنه الترس ومنه السلاح ونحو ذلك.\rقوله: وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ أي فما من صنعة إلا والحديد له دخل في آلتها. قوله: (علم مشاهدة) أي للخلق، والمعنى ليظهر متعلق علمه لعباده، فاندفع ما يقال: إن هذا التعليل يوهم حدوث العلم مع أنه قديم. قوله: (معطوف على ليقوم) أي لكن المعطوف عليه علة للإرسال والإنزال، والمعطوف علة لإنزال الحديد، وفي الحقيقة قوله ليعلم علة للثلاثة. قوله: (بآلات الحرب) الخ، إنما خص النصر بذلك، لكون المقام والسياق يقتضيه. قوله: (من هاء ينصره) أي الواقعة على اللّه تعالى. قوله: (غائبا عنهم) أي متحجبا بجلاله وعظمته. قوله: (و لا ينصرونه) أي في الدنيا، فإن رؤيته تعالى في الدنيا لم تثبت إلا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (لا حاجة له إلى النصرة) أي وإنما هو سعادة لمن يحصل النصر على يديه، وشقاوة لمن لم يحصل. قوله: (لكنها تنفع من يأتي بها) أي فنفع التكاليف عائد على ذوات المكلفين، قال تعالى: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ.\rقوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً الخ معطوف على قوله: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا وكرر القسم إظهارا لمزيد الاعتناء والتعظيم، وخص هذين الرسولين بالذكر، لأن جميع الأنبياء من ذريتهما، وذلك لأن نوحا هو الأب الثاني لجميع البشر، وإبراهيم أبو العرب والروم وبني إسرائيل. قوله: (يعني الكتب الأربعة) أشار بذلك إلى أن أل في الكتاب للجنس، وخص هذه الأربعة لأنها أصول الكتب. قوله: (و الفرقان) في نسخة القرآن. قوله: فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ أي من الذرية، أو من المرسل إليهم. قوله: فاسِقُونَ أي كافرون بدليل مقابلته بالمهتد.\rقوله: ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ الضمير عائد على نوح وابراهيم، ومن عاصرهما من الرسل، وليس عائدا على الذرية، فإن الرسل المقفى بهم من جملة الذرية، والمعنى: ثم أتبعنا رسولا بعد رسول، حتى انتهينا إلى عيسى عليه السّلام. قوله: وَقَفَّيْنا بِعِيسَى أي جعلناه تابعا لهم","part":4,"page":158},{"id":1749,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 159\rوَرَهْبانِيَّةً هي رفض النساء واتخاذ الصوامع ابْتَدَعُوها من قبل أنفسهم ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ ما أمرناهم بها إِلَّا لكن فعلوها ابْتِغاءَ رِضْوانِ مرضاة اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها إذ تركها كثير منهم، وكفروا بدين عيسى، ودخلوا في دين ملكهم، وبقي على دين عيسى كثير فآمنوا بنبينا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا به مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (27) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا\r______________________________\rومتأخرا عنهم في الزمان، وخصه بالذكر للرد على اليهود المنكرين لنبوته ورسالته. قوله: وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أي من الحواريين وغيرهم. قوله: رَأْفَةً وَرَحْمَةً أي شدة لين وشفقة. قوله:\rوَرَهْبانِيَّةً يصح أن يكون بالنصب عطفا على رَأْفَةً وجملة ابْتَدَعُوها صفة لرهبانية، وجعل إما بمعنى خلق أو صير، وذلك لأن الرأفة والرحمة أمر عزيز، لا تكسب للإنسان فيه، بخلاف الرهبانية فإنها من أفعال البدن، وللإنسان فيها تكسب، ويصح أن تكون منصوبة بفعل مقدر يفسره الظاهر، فهو من باب الاشتغال. قوله: (هي رفض النساء) الخ، أي المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس، والتقشف في المأكل والملبس والمشرب مع التقليل من ذلك، روي عن ابن عباس قال: كانت ملوك بعد عيسى عليه السّلام بدلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم جماعة مؤمنين، يقرءون التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين اللّه، فقيل لملوكهم: لو جمعتم هؤلاء الذين شقوا عليكم فقتلتموهم، أو دخلوا فيما نحن فيه، فجمعهم ملكهم وعرض عليهم القتل، أو يتركون قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها، فقالوا: ما تريدون منا إلا ذلك، دعونا نحن نكفيكم أنفسنا، فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا اسطوانة، ثم ارفعونا فيها، ثم اعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا، فلا نرد عليكم، طائفة قالت: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة: ابنوا لنا دورا في الفيافي، ونحتفر الآبار، ونحترث البقول، ولا نرد عليكم، ولا نمر بكم، وليس أحد من القبائل إلا وله حميم فيهم، قال: ففعلوا ذلك، فمضى أولئك على منهاج عيسى، وخلف قوم من بعدهم ممن غيروا الكتاب، فجعل الرجل يقول: نكون في مكان فلان نتعبد فيه كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دورا كما اتخذ فلان؛ وهم على شركهم، لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فذلك قوله تعالى وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها أي ابتدعها الصالحون، فما رعوها حق رعايتها، يعني الآخرين الذين جاءوا من بعدهم فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ يعني الذين ابتدعوها، ابتغاء رضوان اللّه وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ هم الذين جاءوا من بعدهم، فلما بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يبق منهم إلا القليل، انحط رجل من صومعته، وجاء سائح من سياحته، وصاحب دير من ديره، فآمنوا به وصدقوه، فقال تعالى فيهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ الخ، انتهى. قوله: أَلَّا (لكن) أشار المفسر إلى أن الاستثناء منقطع وإلى هذا ذهب جماعة، وقيل: إن الاستثناء من عموم الأحوال، والمعنى: ما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء، إلا لابتغاء مرضاة اللّه، ويكون كتب بمعنى قضى. قوله: فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها أي ما قاموا بها حق القيام، بل غلوا في دينهم غير الحق، وقالوا بالتثليث، وكفروا بدين عيسى من قبل ظهور محمد. قوله:\rفَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا (به) أي بنبينا، وقوله: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ أي من هؤلاء الذين ابتدعوها وضيعوها.\rقوله: فاسِقُونَ أي لم يؤمنوا بنبينا، بل داموا على الكفر، والقول بالتثليث، واقتدى بهم أمة من بعد أمة، إلى نزول عيسى عليه السّلام فيمحوه، وما مشى عليه المفسر خلاف ما تفيده رواية ابن عباس","part":4,"page":159},{"id":1750,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 160\rبعيسى اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وعيسى يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ نصيبين مِنْ رَحْمَتِهِ لإيمانكم بالنبيين وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ على الصراط وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) لِئَلَّا يَعْلَمَ أي أعلمكم بذلك ليعلم أَهْلُ الْكِتابِ التوراة الذين لم يؤمنوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم أَنَ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والمعنى أنهم أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ خلاف ما في\r______________________________\rالمتقدمة، فإن مقتضاها حمل قوله: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا على من آمن بعيسى، وقوله: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ على من غير وبدل قبل بعثة نبينا، وهم الذين لم يرعوها حق رعايتها فتدبر.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ، لما قدم أن أمة عيسى بعد رفعه إلى السماء افترقوا، فمنهم من تمسك بالرهبانية الصحيحة وداموا عليها، إلى أن ظهر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، ومنهم من غير وبدل، شرع يبين المطلوب منهم بعد ظهوره صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: آمَنُوا (بعيسى) هذا أحد قولين للمفسر؛ ويشهد له سياق الكلام، والثاني: أن الخطاب عام لكل من آمن بالرسل المتقدمين، فيشمل المؤمنين بعيسى وبمن قبله من الرسل. إن قلت: إن هذا ظاهر فيمن كانت ملتهم صحيحة، فنسخت بملة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، أما فيمن نسخت ملته بملة عيسى كاليهود؛ فلا تظهر إثابتهم على التمسك بها. أجيب: بأن إثابتهم على تلك الملة المنسوخة.\rمن خصائص دخولهم في ملة الإسلام. ولذا كان الإسلام يصحح أنكحتهم الفاسدة. قوله: اتَّقُوا اللَّهَ أي امتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه. قوله: يُؤْتِكُمْ أي يثبكم على اتباعه. قوله: كِفْلَيْنِ تثنية كفل، وهو في الأصل كساء يعقد على ظهر البعير، فيلقى مقدمه على الكاهل، ومؤخره على العجز، يحفظ الراكب ويمنعه من السقوط، والمراد هنا نصيبان عظيمان من الرحمة، يمنعان الشخص من العذاب، كما يمنع الكفل الراكب من السقوط، وهذان الكفلان لا يخصان من ذكر، بل ورد في الحديث: «ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، والعبد المملوك الذي أدى حق مواليه وحق اللّه، ورجل كانت عنده أمة يطؤها، فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها فله أجران». قوله: (لإيمانكم بالنبيين) أي فاستحقاقهم الكفلين ظاهر، لأنهم آمنوا بعيسى، واستمروا على دينه إلى أن بعث نبينا عليه الصلاة والسّلام فآمنوا به، فكفل لإيمانهم بعيسى، وكفل لإيمانهم بنبينا.\rقوله: وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً قيل: هو القرآن، وقيل: هو الهدى والسبيل الواضح في الدين. قوله:\rوَيَغْفِرْ لَكُمْ أي ما سبق من ذنوبكم قبل الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ سبب نزولها: أنه لما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب هذه الآية، وقوله تعالى: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ قالوا للمسلمين: أما من آمن منا بكتابكم، فله أجره مرتين، لإيمانه بكتابنا وكتابكم، ومن لم يؤمن منا بكتابكم، فله أجر كأجركم، فبأي شيء فضلتم علينا؟ فنزلت هذه الآية ردا عليهم. قوله: (أي أعلمكم بذلك) الخ، أشار بذلك إلى أن لا زائدة، واللام متعلقة بمحذوف، والمعنى: إن تتقوا وتؤمنوا برسله يؤتكم كفلين، ليعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على شيء من فضل اللّه، وأن الفضل بيد اللّه.\rقوله:\r(و المعنى أنهم) أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أي لا يملكونه ولا يتصرفون فيه، بحيث يجعلونه لأنفسهم، ويمنعونه من غيرهم، ومن جملة فضل اللّه الكفلان والمغفرة والنور. قوله: (خلاف) بالرفع خبر","part":4,"page":160},{"id":1751,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 161\rزعمهم أنهم أحباء اللّه وأهل رضوانه وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ يعطيه مَنْ يَشاءُ فآتى المؤمنين منهم أجرهم مرتين كما تقدم وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29).\r______________________________\rلمحذوف، أي وعدم قدرتهم خلاف، أي مخالف لما في زعمهم. قوله: وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ معطوف على قوله: أَلَّا يَقْدِرُونَ. قوله: يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ جملة مستأنفة أو خبر ثان.","part":4,"page":161},{"id":1752,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 162\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة المجادلة مدنيّة وآياتها ثنتان وعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ تراجعك أيها النبي فِي زَوْجِها المظاهر منها، وكان قال لها: أنت عليّ كظهر أمي، وقد سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة المجادلة\rمدنية وهي ثنتان وعشرون آية هي في الأصل المحاورة في الكلام والمبالغة فيه بحق أو باطل، والمراد هنا المحاورة في الكلام، لطلب الفرج من اللّه على لسان رسوله، فإن تلك المرأة أصابها من ألم الفراق، ما حملها على إكثار الكلام مع رسول اللّه، وترديد الكلام معه. قوله: (مدنية) أي كلها، وهو قول الجمهور، وقيل: مدنية إلا قوله تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ نزلت بمكة، وقيل غير ذلك، وهذه السورة أول النصف الثاني من القرآن باعتبار عدد سوره، وأول عشره الأخير باعتبار أجزائه، وليس فيها آية إلا فيها ذكر الجلالة، مرة أو مرتين أو ثلاثا، وجملة ما فيها من الجلالات خمس وثلاثون، ومن فوائدها أن تكتب حجابا للقرينة ويجعل ما فيها من الجلالات سطرا وسطا، كهيئة النقطة الحمراء التي تجعل وسط القصيد، ويكون حملها قبل نفخ الروح في الجنين، وبعد الولادة تنقل إليه.\rقوله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ الخ، قَدْ للتحقيق والمراد بسماع قولها إجابة مطلوبها، بأن أنزل حكم الظهار على ما يوافق مرادها. قوله: فِي زَوْجِها أي شأنه. قوله: (و كان قال لها أنت علي كظهر أمي) شروع في سبب نزول هذه الآيات، وأجمل المفسر في القصة وحاصلها تفصيلا: أنه روي أنها كانت حسنة الجسم، فدخل عليها زوجها مرة، فرآها ساجدة في الصلاة، فنظر إلى عجيزتها فأعجبه أمرها، فلما انصرفت من الصلاة طلب وقاعها فأبت، فغضب عليها وكان به لمم، فأصابه بعض لممه فقال لها: أنت علي كظهر أمي، ثم ندم على ما قال، وكان الظهار والإيلاء من طلاق أهل الجاهلية، فقال: ما أظنك إلا قد حرمت علي، فقالت: واللّه ما ذاك طلاق، فأتت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعائشة تغسل شق رأسه فقالت: يا رسول اللّه إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني، وأنا شابة غنية ذات أهل ومال، حتى إذا أكل مالي، وأفنى شبابي، وتفرق أهلي، وكبر سني، ظاهر مني وقد","part":4,"page":162},{"id":1753,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 163\rفأجابها: بأنها حرّمت عليه، على ما هو المعهود عندهم من أن الظهار موجبة فرقة مؤبدة، وهي خولة بنت ثعلبة، وهو أوس بن الصامت وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وحدتها وفاقتها، وصبية صغارا إن ضمتهم إليه ضاعوا، أو إليها جاعوا وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما تراجعكما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)\r______________________________\rندم، فهل من شيء يجمعني وإياه تنعشني به؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: حرمت عليه، فقالت: يا رسول اللّه والذي أنزل عليك ما ذكر الطلاق، وإنه أبو ولدي وأحب الناس إليّ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: حرمت عليه، فقالت: أشكو إلى اللّه فاقتي ووحدتي، قد طالت له صحبتي، ونفضت له بطني، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: ألا ما أراك إلا قد حرمت عليه، ولم أومر في شأنك بشيء، فجعلت تراجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وإذا قال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: حرمت عليه هتفت وقالت: أشكو إلى اللّه فاقتي ووحدتي وشدة حالي، وإن لي صبية صغارا، إن ضممتهم إلي جاعوا، وإن ضممتهم إليه ضاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم أشكو إليك، اللهم فأنزل على لسان نبيك فرجي، فكان هذا أول ظهار في الإسلام، فقامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر، فقالت: انظر في أمري جعلني اللّه فداك يا رسول اللّه، فقالت عائشة: اقصري حديثك ومجادلتك، أما رأيت وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ كان إذا نزل الوحي، أخذه مثل السبات أي النوم، فلما قضى الوحي قال: ادعي لي زوجك، فدعته فتلا عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها الآيات إلى قوله: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ. وروى الشيخان عن عائشة قالت: الحمد للّه الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة خولة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكلمته، وأنا في جانب البيت، وما أسمع ما تقول، فأنزل اللّه قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ الآيات، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم لزوجها: هل تستطيع العتق؟ فقال: لا واللّه، فقال: هل تستطيع الصوم؟ فقال: لا واللّه، إني أن أخطأني الأكل في اليوم مرة أو مرتين، كلّ بصري، وظننت أني أموت، قال: فأطعم ستين مسكينا، قال: ما أجد إلا أن تعينني منك بمعونة وصلة، فأعانه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بخمسة عشر صاعا، فتصدق بها على ستين مسكينا. وروي أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه مر بها في زمن خلافته، وهو على حمار والناس حوله، فاستوقفته طويلا ووعظته وقالت: يا عمر قد كنت تدعى عميرا، ثم قيل لك يا عمر، ثم قيل لك يا أمير المؤمنين، فاتق اللّه يا عمر، فإنه من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب، وهو واقف يسمع كلامها، فقيل له: يا أمير المؤمنين، أتقف لهذه العجوز هذا الموقف؟ فقال: واللّه لو حسبتني من أول النهار إلى آخره، لا زلت إلا للصلاة المكتوبة، أتدرون من هذه العجوز؟ هي خولة بنت ثعلبة، سمع اللّه قولها من فوق سبع سماوات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر؟ قوله: (عن ذلك) أي عن حكمه، هل هو فراق أو لا؟ قوله: (فأجابها بأنها حرمت عليه) أي وجوابه التحريم، دال على استمرار الحرمة التي كانت في الجاهلية، لأنه لا ينطق عن الهوى. قوله: (و هي خولة بنت ثعلبة) أي ابن مالك الخزرجية. قوله: (و هو أوس بن الصامت) أي أخو عبادة بن الصامت. قوله: وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ أي تتضرع إلى اللّه. قوله: (و فاقتها) أي فقرها، وقوله:\r(و صبية) الجمع لما فوق الواحد، لأنهما كانا ولدين.\rقوله: (ضاعوا) أي من عدم تعهد الخدمة، وقوله: (جاعوا) أي من عدم النفقة لفقرها، ولعل","part":4,"page":163},{"id":1754,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 164\rعالم الَّذِينَ يُظاهِرُونَ أصله يتظهرون، أدغمت التاء في الظاء، وفي قراءة بألف بين الظاء والهاء الخفيفة، وفي أخرى كيقاتلون، والموضع الثاني كذلك مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي بهمزة وياء وبلا ياء وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ بالظهار لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً كذبا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) للمظاهر بالكفارة وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا أي فيه بأن يخالفوه بإمساك المظاهر منها الذي هو خلاف مقصود الظهار من وصف المرأة بالتحريم فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أي اعتاقها عليه مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا بالوطء ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ رقبة فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أي الصيام فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً عليه من قبل أن يتماسّا حملا للمطلق على المقيد،\r______________________________\rنفقة الأولاد، لم تكن إذ ذاك واجبة على أبيهم. قوله: وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما استئناف جار مجرى التعليل لما قبله. قوله: (تراجعكما) أي فالمحاورة المراجعة في الكلام. قوله: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ تعليل لما قبله.\rقوله: الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ شروع في بيان حكم الظهار، وهو الحرمة بالإجماع، ومن استحله فقد كفر، وحقيقة الظهار، تشبيه ظهر حلال بظهر محرم، فمن قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي، فهو ظهار بإجماع الفقهاء، وقاس مالك وأبو حنيفة غير الأم من ذوات المحارم عليها، واختلف القول عن الشافعي، فروي عنه مثل مالك، وروي عنه: أن الظهار لا يكون إلا بالأم وحدها. قوله: (و في قراءة بألف) الخ، في كلامه التنبيه على ثلاث قراءات سبعيات. قوله: (الخفيفة) نعت للهاء، وأما الظاء فمشددة. قوله: ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ أي حقيقة. قوله: (و بلا ياء) فالقراءات سبعيات، وبقي قراءتان سبعيتان أيضا وهما: تسهيل الهمزة وقلبها ياء ساكنة. قوله: مُنْكَراً أي فظيعا من القول لا يعرف في الشرع. قوله: (بالكفارة) أي فالمغفرة سببها الكفارة، وفيه إشارة إلى أن الحدود جوابر.\rقوله: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تفصيل للحكم المترتب على الظهار، إثر بيان التوبيخ عليه. قوله: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا أي لقولهم، فما مصدرية، والعود عند مالك بالعزم على الوطء، وعند الشافعي يحصل بإمساكها زمنا يمكنه مفارقتها فيه، وعند أبي حنيفة يحصل باستباحة استمتاعها.\rقوله: (مقصود الظهار) الكلام إما على حذف مضاف أي ذي الظهار، أو المعنى المقصود بالظهار. قوله:\rفَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مبتدأ خبره محذوف، قدره بقوله: (عليه) والجملة خبر المبتدأ الذي هو الموصول. قوله:\r(بالوطء) هذا قول للشافعي قديم، وفي الجديد إنه الاستمتاع بما بين السرة والركبة، وعند مالك بالوطء ومقدماته.\rقوله: ذلِكُمْ إشارة إلى الحكم المذكور، وهو مبتدأ خبره تُوعَظُونَ بِهِ أي تزجرون به عن ارتكاب المنكر المذكور.\rقوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ مبتدأ، وقوله: فَصِيامُ مبتدأ ثان خبره محذوف، قدره المفسر بقوله: (عليه) والجملة خبر الأول. قوله: فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ أي فإن أفطر فيهما ولو لعذر، انقطع التتابع ووجب استئنافهما. قوله: (عليه) أي على من لم يستطع، ومن لم يجد، وهو خبر عن كل من قوله: فَصِيامُ وقوله: فَإِطْعامُ. قوله: (حملا للمطلق) أي الذي هو وجوب الإطعام، أطلق","part":4,"page":164},{"id":1755,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 165\rلكل مسكين مدّ من غالب قوت البلد ذلِكَ أي التخفيف في الكفارة لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ أي الأحكام المذكورة حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ بها عَذابٌ أَلِيمٌ (4) مؤلم إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ يخالفون اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا أذلوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ في مخالفتهم رسلهم وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ دالة على صدق الرسول وَلِلْكافِرِينَ بالآيات عَذابٌ مُهِينٌ (5) ذو إهانة يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) أَلَمْ تَرَ تعلم أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ\r______________________________\rفي الآية عن التقييد، بكونه من قبل أن يتماسا على المقيد الذي هو وجوب الصيام ووجوب الرقبة، قيد كلا بكونه من قبل أن يتماسا، والحمل معناه تقييد المطلق بالقيد الذي هو في المقيد. قوله: (لكل مسكين مد) ظاهره أنه مد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعليه الشافعي، وقال مالك: إنه مد هشام بن عبد الملك، وكان يزيد على مد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثلثا تشديدا على المظاهر، بخلاف باقي الكفارات، فالمراد به مد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقدر الجميع تقريبا عند الشافعي في زماننا ثلاثون قدحا بالمصري، لكل مسكين نصف قدح، وعند مالك أربعون قدحا، لكل مسكين ثلثا قدح فتدبر. قوله: ذلِكَ إشارة إلى ما مر من البيان والتعليم للأحكام والتنبيه عليها، وقوله: لِتُؤْمِنُوا الخ، أي تستمروا على الإيمان وتعلموا بشرائعه، وترفضوا ما كان عليه الجاهلية.\rقوله: وَلِلْكافِرِينَ أي المنكرين لتلك الأحكام.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ هذه الآية نزلت في أهل مكة عام الأحزاب، حين أرادوا التحزب على رسول اللّه وأصحابه، وكان في السنة الرابعة، وقيل في الخامسة، والمقصود منها تسلية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبشارته، بأن أعداءهم المتحزبين القادمين عليهم، يكبتون ويذلون ويذلون ويفرق جمعهم، فلا تخشوا بأسهم. قوله: (يخالفون) اللَّهَ أي يعادونه ورسوله، فسمى المحادة مخالفة، لأن المحادة أن تكون في حد يخالف حد صاحبك، وهو كناية عن المعاداة. قوله: كُبِتُوا أي يكبتوا، وعبر بالماضي لتحقق الوقوع، لأن هذه الآية نزلت قبل قدومهم. قوله: (أذلوا) وقيل معناه أهلكوا، وقيل أخذوا، وقيل عذبوا، وقيل لعنوا، وقيل أغيظوا، وكلها متقاربة في المعنى. قوله: (في مخالفتهم) أي بسببها. قوله:\rوَقَدْ أَنْزَلْنا الخ، الجملة حالية من الواو في كُبِتُوا.\rقوله: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ظرف لمهين أو لعذاب، أو لمحذوف تقديره اذكر. قوله: جَمِيعاً أي بحيث لا يبقى أحد غير مبعوث، أو المعنى مجتمعين في حالة واحدة. قوله: فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أي من القبائح، إما ببيان صدورها منهم، أو بتصويرها بصورة قبيحة هائلة على رءوس الأشهاد، تخجيلا لهم وتشهيرا لحالهم. قوله: أَحْصاهُ اللَّهُ أي لم يفته منه شيء، بل أحاط بجميع ما صدر من خلقه. قوله:\rوَنَسُوهُ حال من مفعول أحصى، والمعنى: ذهلوا عنه لكثرته، أو تهاونهم به واعتقادهم أن لا حساب عليه.\rقوله: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ استئناف مسوق لبيان أن علمه وسع كل شيء ويكون تامة، ومِنْ نَجْوى فاعلها بزيادة مِنْ ونَجْوى مصدر معناه التحدث سرا، وإضافتها إلى ثلاثة، من","part":4,"page":165},{"id":1756,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 166\rرابِعُهُمْ بعلمه وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) أَلَمْ تَرَ تنظر إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ هم اليهود نهاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عما كانوا يفعلون من تناجيهم أي تحدثهم سرا ناظرين إلى المؤمنين ليوقعوا في قلوبهم الريبة وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ أيها النبي بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وهو قولهم: السّلام عليك أي الموت وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا هلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ من التحية، وأنه ليس بنبي إن كان نبيا\r______________________________\rإضافة المصدر إلى فاعله. قوله: إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ الاستثناء في هذا وما بعده، مفرغ واقع في موضع نصب على الحال، والمعنى: ما يوجد شيء من هذه الأشياء، إلا في حال من هذه الأحوال، وخص الثلاثة والخمسة بالذكر، إما لأن اللّه وتر يحب الوتر، فالعدد المفرد أشرف من الزوج، أو لأن قوما من المنافقين كانوا يتحلقون للتناجي، وكانوا بهذا العدد زيادة في الاختفاء، فنزلت الآية بصفة حالهم. قوله: (بعلمه) أي وسمعه وبصره، ومتعلق بهم قدرته وإرادته، ولأهل اللّه المقربين في سر المعية، مشاهدات وتجليات ومقامات، يذوقها من شرب من مشاربهم. قوله: وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ أي من العدد المذكور، فالأدنى من الخمسة الأربعة، والأدنى من الثلاثة الاثنان، والواحد في خاصة نفسه. قوله: وَلا أَكْثَرَ بالجر في قراءة العامة، عطف على لفظ نَجْوى وقرئ شذوذا بالرفع معطوف على محل نَجْوى. قوله:\rأَيْنَ ما كانُوا أي من الأماكن، فإن علمه تعالى بالأشياء، لا يتفاوت بقرب الأمكنة ولا بعدها.\rقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى نزلت في اليهود والمنافقين، كانوا يتناجون فيما بينهم، ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين، فنهاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ثم عادوا لمثل فعلهم. قوله: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ التعبير بالمضارع استحضارا للصورة العجيبة، ويقال في قوله: وَيَتَناجَوْنَ مثله. قوله:\rوَالْعُدْوانِ أي عداوة الرسول والمؤمنين. قوله: وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ رسمت هنا، وفيما يأتي بالتاء المجرورة، وإذا وقف عليها، فبعض القراء يقفون بالهاء وبعضهم بالتاء، وأما في الوصل فاتفقوا على التاء. قوله: (ليوقعوا في قلوبهم الريبة) أي فيوهموهم أنهم قد بلغهم خبر إخوانهم الذين خرجوا في السرايا، وأنهم قتلوا أو ماتوا أو هزموا، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم.\rقوله: حَيَّوْكَ أي خاطبوك بشيء لم يحيك به اللّه، أي لم يشرعه ولم يأذن فيه أن يقولوه لك.\rقوله: (و هو قولهم السام عليك) أي وكان يرد فيقول عليكم، في البخاري: أن اليهود أتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: السام عليك، قالت عائشة: ففهمتها فقلت: عليكم السام، ولعنكم اللّه وغضب عليكم، فقال عليه الصلاة والسّلام: مهلا يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش، قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: أو لم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيّ، واختلف العلماء في رد السّلام على أهل الذمة، فقال مالك: إن تحقق نطقهم بالسلام وجب الرد عليهم، وإلا فلا يجب، وعند الشافعي يجب الرد بأن يقول وعليك. قوله: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أي فيما بينهم. قوله:\r(إن كان نبيا) مرتبط بقولهم: لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ والمعنى: لو كان نبيا، لعجل اللّه لنا العذاب بسبب","part":4,"page":166},{"id":1757,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 167\rحَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) هي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) إِنَّمَا النَّجْوى بالإثم ونحوه مِنَ الشَّيْطانِ بغروره لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ هو بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي إرادته وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ\r______________________________\rقولنا. قوله: حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ أي كافيهم في العذاب، وقوله: يَصْلَوْنَها حال، وأما إمهالهم في الدنيا، فمن كراماته على ربه لكونه بعث رحمة. قوله: (هي) قدره إشارة إلى أن المخصوص بالذم محذوف.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ يحتمل أن يكون الخطاب للمؤمنين الصادقين، قصد به الزجر والتنفير من فعل اليهود، ويحتمل أن الخطاب للمؤمنين ظاهرا وهم المنافقون.\rفقوله: إِنَّمَا النَّجْوى (بالإثم ونحوه) أي فالغيبة والتكلم في أعراض المؤمنين سببها الشيطان، ليدخل بها الحزن على المؤمنين المتكلم في عرضه، وليس بضار له في الواقع، وإنما الوبال على المتناجين بذلك، قال العارفون:\rمن أسباب سوء الخاتمة عند الموت، الخوض في أعراض المؤمنين، وتشمل الآية بعمومها ما روي عن ابن عمر، أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يحزنه».\rوعن عبد اللّه بن مسعود أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إذا كان ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى يختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه». فبين في الحديث غاية المنع، قال العلماء: ولا مفهوم لتناجي اثنين دون ثالث، بل المراد على ترك واحد، كان المتناجي اثنين أو أكثر. قوله: مِنَ الشَّيْطانِ نسبت إليه لكونه المزين لها والحامل عليها.\rقوله: لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا بضم الياء وكسر الزاي من أحزنه، أو بفتح الياء وضم الزاي من حزن، فهما قراءتان سبعيتان، والموصول على الأولى مفعول، وعلى الثانية فاعل. قوله: وَلَيْسَ (هو) أي الشيطان. قوله: إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي فيحصل منه الضرر لإرادة اللّه إياه، ففي الحقيقة الخير وضده من اللّه، وهذه الآية مخوفة لأهل الغيبة والنميمة من المؤمنين في كل زمن.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا الخ، لما نهى اللّه تعالى المؤمنين عما يكون سببا للتباغض والتنافر، وهو التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، أمرهم الآن بما يكون سببا لزيادة المحبة والمودة. قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ الخ، وسبب نزولها: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس منهم يوما وقد سبقوا إلى المجلس، فقاموا حيال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فسلموا عليه، فرد عليهم السّلام، ثم سلموا على القوم، فردوا عليهم السّلام، ثم سلموا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فرد عليهم، ثم سلموا على القوم، فردوا عليهم، ثم قاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فلم يفسحوا، وشق ذلك على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان وأنت يا فلان، فأقام من المجلس بقدر أولئك النفر الذين قاموا بين يديه من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الكراهة في وجوههم، فأنزل اللّه هذه الآية. وقيل: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وذلك أنه دخل المسجد، وقد أخذ القوم مجالسهم، وكان يريد القرب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للصمم","part":4,"page":167},{"id":1758,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 168\rتَفَسَّحُوا توسعوا فِي الْمَجالِسِ مجلس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو الذكر حتى يجلس من جاءكم، وفي قراءة المجالس فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ في الجنة وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا قوموا إلى الصلاة وغيرها من الخيرات فَانْشُزُوا وفي قراءة بضم الشين فيهما يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ بالطاعة في ذلك وَيرفع الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ في الجنة وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ أردتم مناجاته فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ قبلها صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ\r______________________________\rالذي كان في أذنيه، فوسعوا له حتى قرب من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ثم ضايقه بعضهم، وجرى بينه وبينهم كلام، فنزلت. وعلى كل حال، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيتناول أي مجلس كان، سواء كان مجلس علم أو ذكر أو صلاة أو قتال أو غير ذلك، لما ورد: «لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا، ولا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة، ولكن ليقل: افسحوا» وقوله في الحديث «لا يقيمن أحدكم» الخ، استفيد منه أن القادم لا يقيم الجالس، وأما قيام الجالس من نفسه له، تواضعا وأدبا، أو كبير المجلس يقيم أحدا من الجالسين لمصلحة، فلا بأس بذلك. قوله: (مجلس النبي) أي فإنهم كانوا يتضامنون فيه، حرصا على القرب منه واستماع كلامه. قوله: (و في قراءة المجالس) أي والجمع باعتبار أن لكل واحد مجلسا، والقراءتان سبعيتان.\rقوله: يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ مجزوم في جواب الأمر الواقع جوابا للشرط. قوله: (في الجنة) أي والدنيا والقبر والقيامة. قوله: (و غيرها) أي كالجهاد وكل خير، وقيل: معنى انشزوا ارتفعوا عن مواضعكم حتى توسعوا لإخوانكم، قيل: كان رجال يتثاقلون عن الصلاة في الجماعة إذا نودي لها، فنزلت هذه الآية، والمقصود العموم في كل ما يطلب فيه النهوض والإسراع، ففيه حثّ على التشمير عن ساعد الجد والاجتهاد في الطاعات وترك التكاسل. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا، وكلاهما لغتان فصيحتان، من بابي ضرب ونصر. قوله: (في ذلك) أي القيام إلى الصلاة ونحوها. قوله: وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ معطوف على الَّذِينَ آمَنُوا عطف خاص على عام، لأن الذين أوتوا العلم بعض المؤمنين، لكن لما جمع العلماء بين العلم والعمل، استحقوا رفع درجات والاقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ الخ، الحكمة في هذا الأمر، تعظيم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وانتفاع الفقراء، والنهي عن الإفراط في السؤال، والتمييز بين المخلص والمنافق، ومحب الدنيا ومحب الآخرة، واختلف في هذا الأمر، فقيل للندب، وقيل للوجوب، روي عن علي كرّم اللّه وجهه أنه قال: إن في كتاب اللّه آية ما عمل بها أحد غيري، كان لي دينار فصرفته بعشرة دراهم، وناجيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عشر مرات، أتصدق في كل مرة بدرهم، وكان يقول: آية في كتاب اللّه لم يعمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، وهي آية المناجاة. وروي عنه أيضا قال: لما نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً قال لي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما ترى دينارا؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فنصف دينار؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فكم؟ قلت: شعيرة، قال: إنك لزهيد، أي قليل المال، ففي هذه الآية منقبة عظيمة لعلي بن أبي طالب، وليس فيها ذم لغيره من الصحابة، وذلك لأنه لم يتسع الوقت ليعملوا بهذه الآية، ولو اتسع الوقت، لم يتخلفوا عن العمل بها، وعلى القول","part":4,"page":168},{"id":1759,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 169\rلَكُمْ وَأَطْهَرُ لذنوبكم فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا ما تتصدقون به فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمناجاتكم رَحِيمٌ (12) بكم، يعني فلا عليكم في المناجاة من غير صدقة، ثم نسخ ذلك بقوله أَأَشْفَقْتُمْ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه، أي أخفتم من أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ الفقر فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا الصدقة وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ رجع بكم عنها فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي دوموا على ذلك وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (13) أَلَمْ تَرَ تنظر إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا هم المنافقون قَوْماً هم اليهود غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ أي المنافقون مِنْكُمْ من المؤمنين وَلا مِنْهُمْ من اليهود بل هم مذبذبون وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ أي قولهم إنهم مؤمنون وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أنهم كاذبون فيه\r______________________________\rباتساعه، فلعل الأغنياء كانوا غائبين، والفقراء لم يكن بأيديهم شيء. قوله: (أردتم مناجاته) أشار بذلك إلى أن الماضي ليس على حقيقته أخذا من قوله: فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ.\rقوله: ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ أي التقديم خير لما فيه من طاعة اللّه ورسوله. قوله: (يعني فلا عليكم) أشار بذلك إلى أن جواب الشرط محذوف، وقوله: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تعليل للمحذوف ودليل عليه. قوله: (ثم نسخ ذلك) أي الأمر بتقديم الصدقة بعد أن استمر زمنا، قيل هو ساعة، وقيل يوم، وقيل عشرة أيام، واختلفوا في الناسخ للأمر، فقيل هو الآية بعده وعليه المفسر تبعا للجمهور، وقيل هو آية الزكاة.\rقوله: (بقوله) أَأَشْفَقْتُمْ الخ، مراده الآية بتمامها. قوله: (بتحقيق الهمزتين) الخ، أشار بذلك لأربع قراءات سبعيات، وبقي قراءة خامسة سبعية، وذلك لأن التحقيق إما مع إدخال ألف أو بدونه. قوله: (الفقر) أشار بذلك إلى أن مفعول أَأَشْفَقْتُمْ محذوف، والمعنى أخفتم من تقديم الصدقة الاحتياج؟.\rقوله: فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا يحتمل أن إذ باقية على بابها من المضي، والمعنى: إن تركتم ذلك فيما مضى، فتداركوه بإقامة الصلاة الخ، ويحتمل أنها بمعنى إن الشرطية. قوله: وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الجملة حالية أو مستأنفة معترضة بين الشرط وجوابه. قوله: (رجع بكم عنها) أي عن وجوبها، فنسخها تخفيفا عليكم.\rقوله: (أي دوموا على ذلك) أي المذكور من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة اللّه ورسوله.\rقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً الخ، المقصود من هذه الآية، التعجب من حال المنافقين الذين كانوا يتخذون اليهود أولياء، ويناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين. وسبب نزولها: أن عبد اللّه بن نبتل المنافق، كان يجالس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويرفع حديثه إلى اليهود، فبينما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حجرة من حجره إذ قال: يدخل عليكم اليوم رجل قلبه قلب جبار، وينظر بعيني شيطان، فدخل عبد اللّه بن نبتل، وكان أزرق العين، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلف باللّه ما فعل، وجاء بأصحابه فحلفوا باللّه ما سبوه، فنزلت هذه الآية. قوله: ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ إخبار عنهم بأنهم ليسوا من المؤمنين الخلص، ولا من الكافرين الخلص، لا ينتسبون إلا هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وهذه الجملة إما مستأنفة أو حال من فاعل تَوَلَّوْا. قوله: (بل هم مذبذبون) أي مترددون بين الإيمان الخالص والكفر الخالص، لأن فيهم طرفا من الإيمان بحسب ظاهرهم، وطرفا من الكفر بحسب باطنهم.","part":4,"page":169},{"id":1760,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 170\rأَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (15) من المعاصي اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً سترا على أنفسهم وأموالهم فَصَدُّوا بها المؤمنين عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي الجهاد فيهم بقتلهم وأخذ أموالهم فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (16) ذو إهانة لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ من عذابه شَيْئاً من الإغناء أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (17) اذكر يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ أنهم مؤمنون كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ من نفع حلفهم في الآخرة كالدنيا أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ استولى عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ بطاعتهم له فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أتباعه أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (19) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ يخالفون اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) المغلوبين كَتَبَ اللَّهُ في اللوح المحفوظ أو قضى لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي بالحجة أو السيف إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ يصادقون مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا أي المحادّون\r______________________________\rقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ الجملة حالية من فاعل يَحْلِفُونَ والمعنى: يحلفون كاذبين، والحال أنهم يعلمون ذلك، فيمينهم غموس لا عذر لهم فيها، وهذه اليمين توجب لصاحبها الغمس في النار، إن كان مؤمنا خالصا، فما بالك إن كان كافرا؟ وفائدة الإخبار عنهم بذلك، بيان ذمهم عليه.\rقوله: أَيْمانَهُمْ جُنَّةً مفعولان لاتخذوا، والمعنى: جعلوا أيمانهم الكاذبة وقاية لأنفسهم وأموالهم، فلو لا ذلك لقوتلوا وأخذ مالهم. قوله: فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ أي في الآخرة، والعذاب الأول في الدنيا أو القبر. قوله: (من عذابه) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف.\rقوله: شَيْئاً مفعول مطلق كما أشار له بقوله:\r(من الإغناء).\rقوله: كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ أي في الدنيا. قوله: وَيَحْسَبُونَ حال من فاعل يَحْلِفُونَ والمعنى يحلفون، والحال أنهم يظنون أن حلفهم في الآخرة ينفعهم وينجيهم من عذابها، كما نفعهم في الدنيا بدفع القتال عنهم.\rقوله: اسْتَحْوَذَ هذا الفعل مما جاء على الأصل وخولف فيه القياس، إذ قياسه استحاذ بقلب الواو ألفا، كاستعاذ واستقام. قوله: فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أي فلا يذكرونه بألسنتهم ولا بقلوبهم، وما يقع منهم من صورة الذكر باللسان فهو كذب. قوله: هُمُ الْخاسِرُونَ أي لأنهم فوتوا على أنفسهم النعيم الدائم، وعرضوها للعذاب المقيم.\rقوله: أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ أي مع الأذلين، أو معدودون في جملتهم. قوله: (المغلوبين) أي وهم الكفار والمنافقون.\rقوله: كَتَبَ اللَّهُ ضمنه معنى أقسم، ولذا يجاب بما يجاب به القسم وهو قوله: لَأَغْلِبَنَ ويصح أن يبقى على ظاهره أو بمعنى قضى، وعليهما اقتصر المفسر، ويكون قوله: لَأَغْلِبَنَ جوابا لقسم محذوف. قوله: (بالحجة أو السيف) أو مانعة خلو تجوز الجمع، فالرسول يغلب تارة بالسيف، وتارة بالبراهين والدلائل، وتارة بهما معا.\rقوله: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي إيمانا صحيحا، فالمؤمن الموصوف بهذه الصفة، لا يمكن أن يصادق الكفار ويحبهم بقلبه، لأنه إن فعل ذلك، لم يكن صادقا في إيمانه، بل يكون منافقا كما قال الشاعر:","part":4,"page":170},{"id":1761,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 171\rآباءَهُمْ أي المؤمنين أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ بل يقصدونهم بالسوء ويقاتلونهم على الإيمان، كما وقع لجماعة من الصحابة رضي اللّه عنهم أُولئِكَ الذين لا يوادّونهم كَتَبَ أثبت فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ بنور مِنْهُ تعالى وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بطاعته وَرَضُوا عَنْهُ بثوابه أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ يتبعون أمره ويجتنبون نهيه أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22) الفائزون.\r______________________________\rإذا وافى صديقك من تعادي ... فقد عاداك وانفصل الكلام\r\rوأما البشاشة في وجوه الكفار ظاهرا لأجل الضرورات، فلا بأس بها لما في الحديث: «إنا لنبش في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم». قوله: يُوادُّونَ مفعول ثان لتجد إن كان بمعنى تعلم، وإن كان بمعنى تلقى فالجملة حال من قَوْماً أو صفة ثانية له، وقدم أولا الآباء لأنهم تجب طاعتهم، ثم الأبناء لأنهم أعلق بالقلب، ثم الاخوان لأنهم الناصرون للشخص، بمنزلة العضد من الذراع ثم العشيرة، لأن بها يستغاث وعليها يعتمد. قوله: (كما وقع لجماعة من الصحابة) روي عن عبد اللّه بن مسعود في هذه الآية قالوا وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ يعني أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد اللّه بن الجراح أو أبناءهم يعني أبا بكر الصديق، دعا ابنه يوم بدر للبراز وقال: يا رسول اللّه دعني أكن في الرحلة الأولى، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: متعنا بنفسك يا أبا بكر، أو إخوانهم يعني مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد، أو عشيرتهم يعني عمر بن الخطاب قتل خاله العاصي بن هشام بن المغيرة يوم بدر، وعلي بن أبي طالب وحمزة وأبو عبيدة قتلوا بني عمهم عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر. وروي أيضا: أن عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي، هم بقتل أبيه، فمنعه رسول اللّه، ووقع لأبي بكر الصديق أنه صك أباه أبا قحافة، حيث سمعه يسب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: بِرُوحٍ (بنور) وقيل: الروح النصر، وقيل القرآن والحجج، وقيل هو جبريل عليه السّلام يأتيهم عند الموت فيطرد الفتانات عنهم. قوله: (رضي اللّه عنهم) أي عاملهم معاملة الراضي، بأن وفقهم للطاعات، وقبلها منهم، وأثابهم عليها. قوله: (الفائزون) أي بخير الدنيا والآخرة.","part":4,"page":171},{"id":1762,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 172\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الحشر مدنيّة وآياتها أربع وعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي نزهه، فاللام\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الحشر\rمدنية وهي أربع وعشرون آية وتسمى سورة النضير. قوله: (مدنية) أي في قول الجميع، روى ابن عباس رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «من قرأ سورة الحشر، لم يبق شيء من الجنة والنار، والعرش والكرسي، والسماوات والأرض، والهوام والريح والسحاب والطير والدواب والشجر والجبال والشمس والقمر والملائكة، إلا صلوا عليه واستغفروا له، فإن مات في يومه أو ليلته مات شهيدا». وروى الترمذي عن معقل بن يسار قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكل اللّه به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات من يومه مات شهيدا، ومن قرأها حين يمسي فكذلك».\rقوله: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الخ، قال المفسرون: نزلت في بني النضير، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين دخل المدينة في مبادئ الهجرة، صالحه بنو النضير على ألا يكونوا عليه ولا معه، فلما غزا بدرا وظهر على المشركين قالوا: هو النبي الذي نعته في التوراة لا ترد له راية، فلما غزا أحدا وهزم المسلمون، ارتابوا وأظهروا العداوة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وللمؤمنين ونقضوا العهد، وركب كعب بن الأشرف في أربعين راكبا من اليهود، فأتوا قريشا فحالفوهم وعاقدوهم على أن يكونوا معهم على حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ودخل أبو سفيان في أربعين، واجتمع مع كعب عند الكعبة، وأخذ بعضهم على بعض الميثاق، ثم رجع كعب وأصحابه إلى المدينة، فأخبر اللّه النبي بذلك، وأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقتل كعب بن الأشرف، فدخل عليه محمد بن مسلمة ومعه أربعة من الأوس، فقتلوه في حصنه غيلة، فألقى اللّه الرعب في قلوب بني النضير، وكان قتله في ربيع الأول من السنة الثالثة، وكانت غزوة بني النضير في ربيع الأول من السنة الرابعة، وكانوا بقرية يقال لها زهرة، على ميلين من المدينة، فلما سار إليهم رسول اللّه، وجدهم ينوحون على كعب بن الأشرف، فقالوا له: يا محمد ذرنا نبكي شجونا ثم ائتمر أمرك، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم","part":4,"page":172},{"id":1763,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 173\rمزيدة، وفي الاتيان بما تغليب للأكثر وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) في ملكه وصنعه هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ هم بنو النضير من اليهود مِنْ دِيارِهِمْ مساكنهم بالمدينة لِأَوَّلِ الْحَشْرِ هو حشرهم إلى الشام، وآخره أن أجلاهم عمر في خلافته إلى خيبر ما ظَنَنْتُمْ أيها المؤمنون أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ خبر أن حُصُونُهُمْ فاعله به تم الخبر مِنَ اللَّهِ\r______________________________\rاخرجوا من المدينة، فقالوا: الموت أقرب إلينا من ذلك، ثم تنادوا بالحرب، ودس المنافقون عبد اللّه بن أبي وأصحابه إليهم، ألا يخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولننصرنكم، ولئن أخرجتم لنخرجن معكم، ثم إنهم أجمعوا على الغدر برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؛ فأرسلوا إليه أن اخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون، حتى نلتقي بمكان نصف بيننا وبينك، فيسمعون منك، فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا، فخرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في ثلاثين من أصحابه، وخرج ثلاثون حبرا منهم، حتى كانوا في براز من الأرض، قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه، ومعه ثلاثون رجلا من أصحابه، كل يحب الموت قبله؟ ولكن أرسلوا اليه: كيف نفهم ونحن ستون، اخرج في ثلاثة من أصحابك، ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا، فيسمعون منك، فإن آمنوا بك آمنا، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ثلاثة من أصحابه، وخرج ثلاثة من اليهود معهم الخناجر، وأرادوا الفتك برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأخبره اللّه بذلك، فرجع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فلما كان من الغد، غزا عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالكتائب، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فقذف اللّه في قلوبهم الرعب، وأيسوا من نصر المنافقين الذين عاهدوهم، فقالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الصلح، فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من المدينة على ما يأمرهم به، فقبلوا ذلك، فصالحهم على الجلاء، وعلى أن كل أهل بيت يحمل على بعير ما شاءوا من متاعهم ما عدا السلاح، ففعلوا ذلك، وخرجوا من المدينة إلى الشام إلى أذرعات وأريحاء، إلا أهل بيتين من آل الحقيق وآل حيي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة، ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان، سفيان بن عمير وسعد بن وهب فأحرزا ما لهما. قوله: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الجملة حال من لفظ الجلالة.\rقوله: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا بيان لبعض آثار قدرته تعالى الباهرة وعزته الظاهرة. قوله:\rمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ حال من الَّذِينَ كَفَرُوا. قوله: (هم بنو النضير من اليهود) أي وهم من ذرية هارون عليه السّلام، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل ينتظرون بعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليدخلوا في دينه. قوله:\r(بالمدينة) أي أرضها بالقرب منها، وذلك كانوا بقرية بينها وبين المدينة ميلان. قوله: لِأَوَّلِ الْحَشْرِ متعلق بأخرج، وإضافة أول للحشر من إضافة الصفة للموصوف، أي للحشر الأول، واعلم أن الحشر أربع: فالأول إجلاء بني النضير، ثم بعده إجلاء أهل خيبر، ثم في آخر الزمان تخرج نار من قعر عدن تسوق الناس، ثم في يوم القيامة حشر جميع الخلق. قوله: (إلى خيبر) صوابه من خيبر كما صرح به غيره، وذلك أن عمر أجلى اليهود من خيبر وجميع جزيرة العرب، إلى أذرعات وأريحاء من الشام.\rقوله: ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا أي لما كان بهم من القوة وشدة البأس وكثرة أعوانهم من قريظة وقريش، وبكم من الضعف وقلة العدد. قوله: (به تم الخبر) أي بالفاعل تم خبر أَنْ ومحصله أن الضمير اسم أَنْ ومانِعَتُهُمْ خبرها، وحُصُونُهُمْ فاعله، ويصح أن مانِعَتُهُمْ خبر مقدم،","part":4,"page":173},{"id":1764,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 174\rمن عذابه فَأَتاهُمُ اللَّهُ أمره وعذابه مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا لم يخطر ببالهم من جهة المؤمنين وَقَذَفَ ألقى فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ بسكون العين وضمها، الخوف، بقتل سيدهم كعب بن الأشرف يُخْرِبُونَ بالتشديد والتخفيف من أخرب بُيُوتَهُمْ لينقلوا ما استحسنوه منها من خشب وغيره بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (2) وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ قضى عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ الخروج من الوطن لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا بالقتل والسبي، كما فعل بقريظة من اليهود وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (3) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا خالفوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (4) له ما قَطَعْتُمْ يا مسلمين مِنْ لِينَةٍ نخلة أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً\r______________________________\rوحُصُونُهُمْ مبتدأ مؤخر، والجملة خبر أَنْ. قوله: (أمره وعذابه) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، وبه اندفع ما أوهمه ظاهرة الآية، من أن اللّه تعالى يوصف بالإتيان، فأفاد بأن الآية من قبيل المتشابه، وأوله بتقدير مضاف نظير وَجاءَ رَبُّكَ. قوله: (لم يخطر ببالهم) تفسير لقوله: لَمْ يَحْتَسِبُوا. قوله: (من جهة المؤمنين) إضافة جهة لما بعده بيانية. والمعنى: جاءهم عذاب اللّه من جهة لا تخطر ببالهم وهم المؤمنون، لأنهم مستضعفون بالنسبة لهم، فلا يخطر ببالهم أنهم يقدرون عليهم.\rقوله: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ أي أنزله فيها بشدة. قوله: (بسكون العين وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (بقتل سيدهم) أي وكان قتله في ربيع الأول من السنة الثالثة كما تقدم. قوله:\rيُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ مستأنف أتى به للإخبار عنهم بذلك. قوله: (بالتشديد والتخفيف) أي فهما سبعيتان. قوله: (من أخرب) راجع للتخفيف، وأما التشديد فهو من خرب. قوله: (من خشب) بفتحتين وضمتين وضم وسكون جمع خشبة. قوله: بِأَيْدِيهِمْ أي من داخل الحصون، وقوله:\rوَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ أي من خارجها ليدخلوها، وعطفها على أيديهم من حيث إنهم سبب في ذلك، لأن بني النضير لما نقضوا العهد، كأنهم سلطوا المؤمنين على تخريب دورهم. قوله: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ أي اتعظوا بحالهم ولا تغتروا ولا تعتمدوا على غير اللّه، فالاعتبار النظر في حقائق الأشياء، ليستدل بها على شيء آخر.\rقوله: وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ الخ، أَنْ مصدرية، وهي وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ، وخبره محذوف وجوبا، والتقدير لو لا الكتب موجود. قوله: الْجَلاءَ بالفتح والمد، يطلق على الخروج من الوطن والاخراج منه، وهو المراد هنا، ويطلق على الأمر الجلي الواضح. قوله: وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ كلام مستأنف مبين لعاقبتهم كأنه قال: إن نجوا في الدنيا من القتل، لم ينجوا في الآخرة من العذاب الدائم، فهو ثابت لهم على كل حال.\rقوله: ذلِكَ أي المذكور من العذابين بسبب أنهم الخ.\rقوله: وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ مَنْ شرطية، وقوله: فَإِنَّ اللَّهَ الخ إما نفس الجزاء وحذف منه العائد، وقد قدره المفسر بقوله: (له) أو تعليل للجزاء المحذوف أي يعاقبه، وعلى كل فالشرط وجوابه تتميم لما قبله، وتقدير لمضمونه وتحقيق لسببه.\rقوله: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ الخ ما شرطية ومِنْ لِينَةٍ بيان لما، وفَبِإِذْنِ اللَّهِ خبر لمبتدإ محذوف أي فقطعها، والجملة جواب الشرط، واللينة قيل هي النخلة مطلقا، وقيل هي النخلة الكريمة،","part":4,"page":174},{"id":1765,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 175\rعَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي خيركم في ذلك وَلِيُخْزِيَ بالاذن في القطع الْفاسِقِينَ (5) اليهود في اعتراضهم بأن قطع الشجر المثمر فساد وَما أَفاءَ رد اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ أسرعتم يا مسلمين عَلَيْهِ مِنْ زائدة خَيْلٍ وَلا رِكابٍ إبل، أي لم تقاسوا فيه مشقة وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) فلا حق لكم فيه، ويختص به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومن ذكر معه في الآية الثانية من الأصناف الأربعة على ما كان يقسمه، من أن لكل منهم خمس الخمس، وله صلّى اللّه عليه وسلّم الباقي يفعل فيه ما يشاء، فأعطى منه المهاجرون وثلاثة من الأنصار\r______________________________\rوقيل غير ذلك، روي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما نزل ببني النضير وتحصنوا بحصونهم، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فخرج أعداء اللّه عند ذاك فقالوا: يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح، أمن الصلاح قطع الشجر وقطع النخل؟ فهل وجدت فيما زعمت، أنه أنزل عليك الفساد في الأرض؟ فوجد المسلمون في أنفسهم شيئا مما قالوا، وخشوا أن يكون ذلك فسادا، واختلفوا في القطع وتركه، فقال بعضهم: لا تقطعوا فإنه مما أفاء اللّه علينا، وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعه، فأنزل اللّه هذه الآية. قوله: فَبِإِذْنِ اللَّهِ أي رضاه. قوله: (أي خيركم في ذلك) أي القطع والترك.\rقوله: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ الخ، لما بين حال بني النضير وما وقع لذواتهم، أخذ يبين ما وقع في أموالهم. قوله: (رد) اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ أشار بذلك إلى أن الأموال التي كانت بأيدي بني النضير، ليست لهم بالأصالة، بل هي لمن أطاع اللّه تعالى، وتلذذهم بها إنما هو صورة تعد منهم، وذلك لأن اللّه تعالى خلق الناس لعبادته، وخلق لهم ما في الأرض جميعا، ليستعينوا بها على طاعته، فالكفار حيث عصوا ربهم، فليس لهم استحقاق في تلك النعم.\rقوله: فَما أَوْجَفْتُمْ الخ، خبر ما الموصولة، وأَفاءَ صلته. قوله: (أسرعتم) الخ، أي فالإيجاف اسراع المشي. قوله: (يا مسلمين) هكذا بالياء هنا وفيما تقدم، وهو سبق قلم، وصوابه بالواو، ولأن المنادى يبنى على ما يرفع به ولا شك أن جمع المذكر السالم يرفع بالواو، فيبنى المنادى عليها. قوله:\rمِنْ (زائدة) أي في المفعول. قوله: وَلا رِكابٍ هي ما يركب من الإبل، غلب ذلك عليها من بين المركوبات، فالعرب يطلقون لفظ الراكب على راكب البعير، والفارس على راكب الفرس. قوله: (أي لم تقاسوا فيه مشقة) أي لم تقطعوا إليها مسافة، ولم يحصل منكم حرب، وذلك لكون قريتهم قريبة، ولم يركبوا إليها خيلا ولا إبلا إلا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فإنه كان راكبا جملا، وقيل: حمار مخطوما بليف، فافتتحها صلحا، فكان الأمر في تلك الأموال مفوضا له صلّى اللّه عليه وسلّم يضعه حيث يشاء.\rقوله: وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ أي فعادته تعالى جارية، بأن الرسل ليسوا كآحاد الأمة، بل يسلطهم اللّه على من يشاء، من غير أن يقتحموا المشقات ويقاسوا الشدائد، فتحصل أن مال الكفار، إذا حصل من غير قتال، فهو فيء يوضع تحت يد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ما سيأتي بيانه، ومثله المال الذي جهلت أربابه، ومال من مات ولا وارث له، والجزية، وأعشار أهل الذمة، وخراج الأرض على ما هو مبين في الفروع، ويقوم مقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعده الخليفة. قوله: (فأعطى منه المهاجرين) أي لا على أنه غنيمة، بل بوصف الفقر، ليرفع بذلك مئونتهم عن الأنصار، لأنهم كانوا قد قاسموهم في الأموال","part":4,"page":175},{"id":1766,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 176\rلفقرهم ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى كالصفراء ووادي القرى وينبع فَلِلَّهِ يأمر فيه ما يشاء وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي صاحب الْقُرْبى قرابة النبي من بنى هاشم وبني المطلب وَالْيَتامى أطفال المسلمين الذين هلكت آباؤهم وهم فقراء وَالْمَساكِينِ ذوي الحاجة من المسلمين وَابْنِ السَّبِيلِ المنقطع في سفره من المسلمين أي يستحقه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، والأصناف الأربعة على ما كان يقسمه من أنّ لكل من الأربعة خمس الخمس وله الباقي كَيْ لا كي بمعنى\r______________________________\rوالديار. قوله: (و ثلاثة من الأنصار) أي وهم أبو دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن الصمة، وأعطى سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق، وكان لهذا السيف ذكر وشأن عندهم.\rقوله: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ بيان لمصرف الفيء إثر بيان رده على رسول اللّه، وحذف الواو من هذه الجملة، لأنها بيان للأولى، فهي غير أجنبية منها. قوله: (كالصفراء) الخ، أي وأرض قريظة والنضير وهما بالمدينة، وفدك وهي على ثلاثة أميال من المدينة، وقرى عرينة وينبع.\rقوله: فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ اختلف في قسم الفيء، فقيل: يسدس لظاهر الآية، ويصرف سهم اللّه في عمارة الكعبة وسائر المساجد، وقيل: يخمس للخمسة المذكورين، وذكر اللّه للتعظيم. وفي القرطبي: وقال قوم منهم الشافعي: إن معنى الآيتين أن ما هنا والانفال واحد، أي ما حصل من أموال الكفار بغير قتال، قسم على خمسة أسهم، أربعة منها لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وسهم لذوي القربى، وهم بنو هاشم وبنو المطلب، لأنهم منعوا الصدقة، فجعل لهم حق في الفيء، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل، وأما بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فالذي كان من الفيء لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصرف عند الشافعي في قول إلى المجاهدين المرصدين للقتال في الثغور، لأنهم قائمون مقام الرسول عليه الصلاة والسّلام، وفي قول آخر له: يصرف إلى مصالح المسلمين، من سد الثغور، وحفر الأنهار، وبناء القناطر، يقدم الأهم فالأهم، وهذا في أربعة أخماس الفيء، فأما السهم الذي كان من خمس الفيء والغنيمة، فهو لمصالح المسلمين بعد موته صلّى اللّه عليه وسلّم بلا خلاف، كما قال عليه الصلاة والسّلام: «ليس لي من غنائمكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم» ا ه.\rوقالت المالكية: لا خلاف في أن الغنيمة تخمس، وأما ما انجلى عنه أهله دون قتال فلا يخمس، ويصرف في مصالح المسلمين باجتهاد الإمام، ومثله جميع ما كان محله بيت المال، وليس معنى الآيتين واحدا، بل آية الأنفال فيما أوجف عليه، وما هنا فيما لم يوجف عليه، وقوله: فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ الخ، ليس المقصود منه التخميس، وإنما المقصود التعميم باجتهاد الإمام فتدبر. قوله: (من بني هاشم وبني المطلب) هذا مذهب الشافعي، وعند مالك لآل بني هاشم فقط.\rقوله: وَالْمَساكِينِ المراد بهم ما يشمل الفقراء. قوله: (المنقطع في سفره) أي والمحتاج ولو غنيا ببلده. قوله: (أي يستحقه النبي) الخ، إنما لم يقل اللّه، والنبي إشارة إلى أن ذكر اسم اللّه للتعظيم والتبرك على التحقيق، وظاهر الآية أن الفيء يخمس خمسة أخماس، وأن للنبي خمسه وليس مرادا، بل التخميس إنما هو للخمس لا للمال من أصله، فالاشتراك المذكور إنما هو في الخمس، وتقدم أن ذلك مذهب الشافعي، وأما عند مالك فلا تخميس، وإنما النظر فيه للإمام.\rقوله: كَيْ لا يَكُونَ الخ، كَيْ ترسم هنا مفصولة من لا. قوله: (بمعنى اللام) أي لا","part":4,"page":176},{"id":1767,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 177\rاللام وأن مقدرة بعدها يَكُونَ الفيء علة لقسمه كذلك دُولَةً متداولا بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ أعطاكم الرَّسُولُ من الفيء وغيره فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (7) لِلْفُقَراءِ متعلق بمحذوف أي اعجبوا الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) في إيمانهم وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ أي المدينة وَالْإِيمانَ أي ألفوه وهم الأنصار مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ\r______________________________\rالتعليل، والمعلل ما يستفاد مما سبق، أي جعل اللّه الفيء لمن ذكر لأجل ألا يكون لو ترك على عادة الجاهلية دولة أي يتداوله الأغنياء، كل من غلب منهم أخذه واستأثر به، وذلك أن الجاهلية كانوا إذا غنموا غنيمة، أخذ الرئيس ربعها لنفسه، ثم يصطفي بعد أخذ الربع منها ما شاء، فنسخ هذا الأمر، وجعله اللّه يصرف في مصالح المسلمين على الوجه المتقدم. قوله: (و أن مقدرة بعدها) أي فالنصب بأن لا بها. قوله: يَكُونَ أي الفيء فيكون ناقصة اسمها ضمير يعود على الفيء، ودُولَةً خبرها، وعلى هذه القراءة يكون بالتحتية لا غير، وقرئ أيضا برفع دُولَةً على أن كان تامة مع التحتية والفوقية من يكون، فالقراءات ثلاث سبعيات. قوله: دُولَةً التداول حصول الشيء في يد هذا تارة وهذا أخرى، والاسم الدولة بفتح الدال وضمها، وجمع المفتوح دول كقصعة وقصع، وجمع المضموم دول مثل غرفة وغرف، ومعناهما واحد، وقيل: الدولة بالضم في المال، وبالفتح في الحرب.\rقوله: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ الخ، أي ما أعطاكم من مال الغنيمة، وما نهاكم عنه من الأخذ والقول فانتهوا، وقيل في تفسيرها: من آتاكم من طاعتي فافعلوه، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه، فالآية محمولة على العموم في جميع أوامره ونواهيه، لأنه لا يأمر إلا بالإصلاح، ولا ينهى إلا عن فساد، فنتج من هذه الآية، أن كل ما أمر به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمر من اللّه، وأن كل ما نهى عنه النبي نهي من اللّه، فقد جمعت أمور الدين كما هو معلوم. قوله: (متعلق بمحذوف) الخ، أي القصد منه التعجب والمدح للمهاجرين الذين اتصفوا بتلك الصفات. قوله: (أي اعجبوا) أي تعجبوا من حال المهاجرين، حيث تنزهوا عن الديار والأموال، وتركوا ذلك ابتغاء وجه اللّه تعالى.\rقوله: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ أي أخرجهم كفار مكة. قوله: وَأَمْوالِهِمْ عطف على دِيارِهِمْ وعبر فيه بالخروج، لأن المال لما كان يستر صاحبه كان كأنه ظرف له. قوله: يَبْتَغُونَ فَضْلًا الخ، الجملة حالية، والمعنى: طالبين الرزق من اللّه، لإعراضهم عن أملاكهم الدنيوية، ومرضاة اللّه تعالى في الآخرة. قوله: وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ عطف على قوله: يَبْتَغُونَ فهو حال أيضا لكنها مقدرة، أي ناوين النصرة، إذ وقت خروجهم لم تكن نصرة بالفعل. قوله: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ أي الخالصون في إيمانهم، حيث اختاروا الإسلام. وخرجوا عن الديار والأموال والعشائر، حتى روي: أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه، ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجال يتخذ الحفيرة في الشتاء، ما له دثار غيرها، وفي الحديث: «إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا».\rقوله: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ الخ، شروع في الثناء على الأنصار، إثر بيان الثناء على المهاجرين، والموصول إما معطوف على الفقراء فيكون من عطف المفردات، وقوله: وَيُحِبُّونَ الخ، حال أو مبتدأ،","part":4,"page":177},{"id":1768,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 178\rمَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً حسدا مِمَّا أُوتُوا أي آتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المهاجرين من أموال بني النضير المختصة به وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ حاجة إلى ما\r______________________________\rوجملة يُحِبُّونَ خبره. قوله: (أي المدينة) أي اتخذوا منزلا بإسلامهم من قبل قدوم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بسنتين، فعصموها وحفظوها بالإسلام، فكأنهم استحدثوا بناءها. قوله: (أي ألفوه) أشار بذلك إلى أن قوله:\rوَالْإِيمانَ معمول لمحذوف ويكون من عطف الجمل، إذ لا معنى لتبوءوا الإيمان، وهذا أحد الوجوه الجارية في قوله: علفتها تبنا وماء باردا، أو ضمن تَبَوَّؤُا معنى لزموا. والمعنى: لزموا الدار والإيمان، أو شبه تمكنهم في الإيمان باتخاذه منزلا، ففيه جمع بين الحقيقة والمجاز.\rقوله: وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ أي نفوسهم. قوله: (حسدا) أي ولا غيظا ولا حزازة، فالمراد بالحاجة هذه المعاني، روي أن المهاجرين كانوا في دور الأنصار، فلما غنم صلّى اللّه عليه وسلّم أموال بني النضير، دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين، من إنزالهم إياهم منازلهم، وإشراكهم إياهم في الأموال، ثم قال صلّى اللّه عليه وسلّم: إن أحببتم قسمت ما أفاء اللّه علي من بني النضير بينكم وبينهم، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دياركم، فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: بل تقسمه بين المهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأعطى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المهاجرين ولم يعط الأنصار إلا الثلاثة المتقدم ذكرهم. قوله: (أي آتى النبي) بيان للفاعل المحذوف، وقوله: (المهاجرين) بيان للمفعول القائم مقام الفاعل، وقوله: (من أموال بني النضير) بيان لما.\rقوله: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ أي في كل شيء من أسباب المعاش، حتى إن من كان عنده امرأتان، كان ينزل عن احداهما، ويزوجها واحدا من المهاجرين، والإيثار تقديم الغير على النفس، وحظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وغاية المحبة والصبر على المشقة.\rقوله: وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ أي يقدمون غيرهم في الأموال مع احتياجهم إليها، وهذا الوصف لا يخص الأنصار، فقد روي عن ابن عمر أنه قال: أهدي لرجل من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رأس شاة، فقال:\rإن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا، فبعثه اليهم، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر، حتى تداولها سبعة أبيات، ثم عادت إلى الأول، فنزلت هذه الآية. وروي أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أخذ أربعمائة دينار، فجعلها في صرة ثم قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم امكث عنده في البيت حتى تنظر ما يصنع بها، فذهب بها الغلام اليه وقال له: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجاتك، فقال: وصله اللّه ورحمه ثم قال: تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى فقدها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، ووجده قد ربط مثلها إلى معاذ بن جبل، فقال:\rاذهب بها اليه، وامكث في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها اليه وقال له: يقول لك أمير المؤمنين، اجعل هذه في بعض حاجاتك، فقال: رحمه اللّه ووصله، وقال: يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا، وإلى بيت فلان بكذا، فجاءت امرأة معاذ وقالت: نحن واللّه مساكين فأعطنا، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فرمى بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فسر بذلك وقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض، ونحوه عن عائشة وغيرها.","part":4,"page":178},{"id":1769,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 179\rيؤثرون به وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ حرصها على المال فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ من المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا حقدا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (10) أَلَمْ تَرَ تنظر إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وهم بنو النضير وإخوانهم في الكفر لَئِنْ لام قسم في الأربعة مواضع أُخْرِجْتُمْ من المدينة لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ في خذلانكم أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ حذفت منه اللام الموطئة لَنَنْصُرَنَّكُمْ\r______________________________\rقوله: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ مِنْ شرطية ويُوقَ فعل الشرط، وقوله: فَأُولئِكَ الخ جزاؤه، وهو كلام عام قصد به التنبيه على ذم الشح، وفي قوله: يُوقَ إشارة إلى أن الشح أمر غريزي في الإنسان، لا ينجو منه الشخص إلا بمعونة اللّه تعالى، مع مجاهدة النفس ومكابدتها. قوله: (حرصها على المال) فيه إشارة إلى الفرق بين البخل والشح، فالبخل منع الأموال، والشح صفة راسخة يصعب معها على الرجل تأتي المعروف وتعاطي مكارم الأخلاق، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا». وقال ابن عمر: ليس الشح أن يمنع الرجل ماله، إنما الشح أن تطمح عين الرجل فيما ليس له. وقال بعضهم: من لم يأخذ شيئا نهاه اللّه عن أخذه، ولم يمنع شيئا أمر اللّه بإعطائه، فقد وقاه اللّه شح نفسه.\rقوله: وَالَّذِينَ جاؤُ إما معطوف على الفقراء، وقوله: يَقُولُونَ حال أو مبتدأ، وجملة يَقُولُونَ خبره. قوله: (من بعد المهاجرين والأنصار) أي من بعد هجرة المهاجرين وإيمان الأنصار.\rقوله: (إلى يوم القيامة) أي فالعبدية تشمل التابعين وأتباعهم إلى آخر الزمان. قوله: الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ أي بالموت عليه، فينبغي لكل واحد من القائلين لهذا القول، أن يقصد بمن سبقه من انتقل قبله، من زمنه إلى عصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فيدخل جميع من تقدمه من المسلمين، لا خصوص المهاجرين والأنصار. قوله: (حقدا) هو الانطواء على العداوة والبغضاء. قوله: رَؤُفٌ بقصر الهمزة ومدها بحيث يتولد منها، وقراءتان سبعيتان.\rقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا الخ، لما ذكر الثناء على المهاجرين والأنصار وأتباعهم، أتبعه بذكر أحوال المنافقين الذين نافقوا مع بني النضير، وهم عبد اللّه بن أبي وأصحابه، والخطاب إما لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، أو لكل من يتأتى منه الخطاب. قوله: لِإِخْوانِهِمُ اللام للتبليغ، والمعنى مبلغين إخوانهم. قوله: (لام قسم) أي موطئة لقسم محذوف أي واللّه. قوله: (في الأربعة مواضع) أي لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ، لَئِنْ أُخْرِجُوا، وَلَئِنْ قُوتِلُوا، وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ، بل في الخمسة هذه الأربعة، وقوله: وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لأن اللام مقدرة معه. قوله: أُخْرِجْتُمْ (من المدينة) أي أخرجكم النبي وأصحابه. قوله: وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ عطف على قوله: لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ وكذا قوله: وَإِنْ قُوتِلْتُمْ فمقولهم ثلاث جمل، والقسم الواقع منهم اثنان، ثم كذبهم اللّه اجمالا وتفصيلا بعد. قوله: (في خذلانكم) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف. قوله: أَحَداً أي من النبي والمؤمنين، وقوله: أَبَداً ظرف للنفي. قوله: (حذفت منه اللام) أي وحذفها قليل في لسان العرب، والكثير","part":4,"page":179},{"id":1770,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 180\rوَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (11) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ أي جاءوا لنصرهم لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ واستغنى بجواب القسم المقدر عن جواب الشرط في المواضع الخمسة ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (12) أي اليهود لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً خوفا فِي صُدُورِهِمْ أي المنافقين مِنَ اللَّهِ لتأخير عذابه ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (13) لا يُقاتِلُونَكُمْ أي اليهود جَمِيعاً مجتمعين إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ سور، وفي قراءة جدر بَأْسُهُمْ حربهم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً مجتمعين وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى متفرقة خلاف الحسبان ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (14) مثلهم في ترك الإيمان كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ\r______________________________\rاثباتها. قوله: لَكاذِبُونَ أي فيما قالوه.\rقوله: لَئِنْ أُخْرِجُوا تفصيل لكذبهم وهو تكذيب لقولهم لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ وقوله: وَلَئِنْ قُوتِلُوا الخ، تكذيب لقولهم وَإِنْ قُوتِلْتُمْ الخ، وقوله: وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ من تمام تكذيبهم في المقالة الثالثة. قوله: (جاءوا لنصرهم) جواب عما يقال: إن قوله: وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ مناف لقوله: لا يَنْصُرُونَهُمْ فأجاب: بأن المعنى خرجوا لقصد نصرهم، وحينئذ فلا يلزم منه نصرهم بالفعل، وأجيب أيضا: بأن قوله: وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ أي على سبيل الفرض والتقدير. قوله: (و استغنى بجواب القسم) الخ، أي للقاعدة المعروفة في قول ابن مالك:\rواحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم\r\rقوله: (أي اليهود) هذا أحد أقوال في مرجع الضمير، وقيل: عائد على المنافقين، وقيل: عائد على مجموع اليهود والمنافقين وهو الأقرب.\rقوله: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً الخ، أي خوفهم منكم في السر، أشد من خوفهم من اللّه الذي يظهرونه لكم، وهذه الجملة كالتعليل لقوله: لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ كأنه قال: إنهم لا يقدرون على مقابلتكم، لأنكم أشد رهبة. قوله: ذلِكَ أي ما ذكر من كون خوفهم من المخلوق، أشد من خوفهم من الخالق. قوله: (مجتمعين) أشار بذلك إلى أن جميعا حال. قوله: (و في قراءة جدر) أي وهي سبعية أيضا، غير أن من قرأ جدار بالألف يلتزم الامالة في جدار، وأما الصلة في بينهم بحيث يتولد منها واو، فمن قرأ جدارا بدون أحد هذين الوجهين، فقد قرأ بقراءة لم يقرأ بها أحد.\rقوله: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ راجع لقوله: لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً الخ، أي فعجزهم عن قتالكم ليس لضعف فيهم، بل هم في غاية القوة من العدد والعدة، وإنما يضعفون في حربكم للرعب الذي في قلوبهم منكم. قوله: (متفرقة) أي لعظم الخوف، فقلوبهم لا توافق الأجسام، بل فيها حيرة ودهشة. قوله: (خلاف الحسبان) حال أي خلاف ظنكم فيهم بمقتضى جمعية الصور. قوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ إنما خص الأول بلا يفقهون، والثاني بلا يعقلون، لأن الأول متصل بقوله: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ وهو دليل على جهلهم باللّه فناسبهم عدم الفقه، والثاني متصل بقوله:\rتَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى وهو دليل على عدم عقلهم، إذ لو عقلوا لما تشتتت قلوبهم وتحيرت وامتلأت رعبا.\rقوله: كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ خبر مبتدأ محذوف قدره بقوله: (مثلهم) أي صفة بني النضير","part":4,"page":180},{"id":1771,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 181\rقَرِيباً بزمن قريب، وهم أهل بدر من المشركين ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ عقوبته في الدنيا من القتل وغيره وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (15) مؤلم في الآخرة مثلهم أيضا في سماعهم من المنافقين وتخلفهم عنهم كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (16) كذبا منه ورياء فَكانَ عاقِبَتَهُما أي الغاوي والمغوي، وقرئ بالرفع اسم كان أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (17) الكافرين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ ليوم القيامة وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (18) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا\r______________________________\rالعجيبة التي تقع لهم من الاجلاء والذل، كصفة أهل مكة فيما وقع لهم يوم بدر من الهزيمة والأسر والقتل، فكل حصل له خزي الدنيا وعذاب الآخرة. قوله: (بزمن قريب) أي وبين وقعة بدر ووقعة بني النضير، وهو سنة ونصف، لما تقدم أن غزوة بني النضير كانت في ربيع الأول من السنة الرابعة، وغزوة بدر كانت في رمضان من الثانية. قوله: (مثلهم أيضا) أي صفة بني النضير، وقوله: (في سماعهم) بيان للمثل، وقوله: (و تخلفهم) أي تخلف المنافقين عنهم،\rوقوله: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ المراد به حقيقته لا شيطان الإنس، وقوله: إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ بيان لمثل الشيطان، وبالجملة فقد ضرب اللّه لهم مثلين: الأول بكفار مكة الذين اغتروا بعددهم وعددهم وحضروا بدرا فكانت الدائرة عليهم، والثاني من حيث اغترارهم بكلام المنافقين لهم ومخالفتهم لهم، بإغراء الشيطان لإنسان معين على الكفر، حتى أوقعه فيه ومات عليه ثم تبرأ منه.\rقوله: إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ المراد به برصيصا العابد، لما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «الانسان الذي قال له الشيطان راهب، نزلت عنده امرأة أصابها لمم ليدعو لها، فزين له الشيطان ووطئها فحملت ثم قتلها خوفا من أن يفتضح، فدل الشيطان قومها على موضعها، فجاءوا فاستنزلوا الراهب ليقتلوه، فجاءه الشيطان فوعده إن سجد له أن ينجيه منه، فسجد له فتبرأ منه» وقصته مبسوطة في الشبرخيتي على الأربعين، في شرح الحديث الرابع، فانظرها إن شئت. قوله: (كذبا منه ورياء) أي قوله هذا كذب منه ورياء، لأنه لا يخاف اللّه أبدا. قوله: (أي الغاوي) اسم فاعل من غوى يغوي كرمى يرمي، والمراد به الانسان الذي غره الشيطان وقوله: (و المغوي) اسم فاعل أيضا من أغواه يغويه وهو الشيطان. قوله:\r(و قرئ بالرفع) أي شاذا.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ الخ لما ذكر صفات كل من المنافقين واليهود، وما آل اليه أمرهم، وعظ المؤمنين بموعظة حسنة، تحذيرا من أن يكونوا مثل من تقدم ذكرهم، وذلك أوقع في النفس.\rقوله: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ اللام لام الأمر، والحكمة في التنكير، الاشارة إلى أن الأنفس الناظرة لمعادها المعتبرة بغيرها قليلة جدا عديمة المثيل. قوله: ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ ما اسم موصول، وقَدَّمَتْ صلته، والمعنى ولتبحث وتحصل نفس العمل الذي قدمته لغد، وذلك لأن جميع ما تعمله في الدنيا ترى جزاءه في القيامة، فليختر العاقل أي الجزاءين، لما ورد في الحديث: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه الأماني». قوله: (ليوم القيامة) سمي غدا لقرب مجيئه، قال تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ فكأنه لقربه شبيه بما ليس بينه وبينه إلا ليلة واحدة، والتنكير","part":4,"page":181},{"id":1772,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 182\rاللَّهَ تركوا طاعته فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أن يقدموا لها خيرا أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (19) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (20) لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ وجعل فيه تمييزا كالإنسان لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً متشققا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ المذكورة نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) فيؤمنون هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ السر والعلانية هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ الطاهر عما لا يليق به السَّلامُ ذو السلامة من النقائص الْمُؤْمِنُ المصدق رسله\r______________________________\rفي غد للتعظيم والابهام، كأنه قيل: لغد لا تعرف النفس كنه عظمته وهوله.\rقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ كرره للتأكيد، أو الأول إشارة للأمر بأصل التقوى، والثاني للأمر بالدوام عليها. قوله: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ الخبير المطلع على خفيات الأشياء؛ القادر على الاخبار بما عجزت عنه المخلوقات، وقوله: بِما تَعْمَلُونَ أي من خير وشر قوله: (تركوا طاعته) أشار بذلك إلى أن المراد بالنسيان الترك، وليس المراد به عدم الحفظ والذكر. قوله: (أن يقدموا بها خيرا) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، والتقدير: فأنساهم تقديم خير لأنفسهم، فثمرة نسيانهم اللّه نسيان أنفسهم، أي فترك حقوق اللّه خسرانهم، وهو نظير قوله تعالى: وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها، وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ، ومَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ لأنه المستغني عن كل ما سواه.\rقوله: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ أي الذين نسوا اللّه، فاستحقوا الخلود في النار. قوله:\rوَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أي الذين اتقوا اللّه، فاستحقوا الخلود في الجنة. قوله: أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ هذا كالتذييل لقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ الخ، وذلك لأن اللّه تعالى، لما أمر المؤمنين بالتقوى والنظر في العواقب والعمل النافع، ونهاهم عن الغفلة والتشبيه بمن نسي طاعة اللّه، ذيله بما يرغبهم في طاعة اللّه وبقربهم اليه زلفى. قوله: (و جعل فيه تمييز كالانسان) المقصود من هذا الكلام، التنبيه على قساوة قلوب الكفار وغلظ طبائعهم، وفيه رمز لمن قل خشوعه عند تلاوة القرآن، وأعرض عن تدبره، ولم يأتمر بأوامره، ولم ينته بنواهيه، فالواجب التدبر في القرآن، والخشوع عند قراءته، فإنه لا عذر في ترك ذلك، إذ لو خوطب بهذا القرآن الجبال، مع تركيب العقل فيها، لانقادت لمواعظه، ولرأيتها خاشعة مشفقة من خشية اللّه. قوله: (المذكورة) أي في هذه السورة أو في سائر القرآن.\rقوله: هُوَ اللَّهُ الَّذِي الخ، لما وصف اللّه تعالى كلامه بالعظم، ومن المعلوم أن عظم الصفة تابع لعظم الموصوف، أتبع ذلك بوصف عظمه تعالى فقال هُوَ أي الذات المتصفة بالكمالات أزلا وأبدا الواجبة الوجود، و\rقوله: اللَّهُ خبر عن هُوَ وقوله بعد ذلك: الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إما خبر ثان أو صفة للفظ الجلالة، وذكر لفظ الجلالة بعد الهوية، لأن الهوية هي الذات، والجلالة اسم الذات ومظهرها. قوله: الْمَلِكُ أي المتصرف في خلقه بالايجاد والاعدام. قوله: الْقُدُّوسُ أي المنزه عن صفات الحوادث، وأتى به عقب الملك، لدفع توهم أنه يطرأ عليه نقص كالملوك.\rقوله: السَّلامُ أي الذي يسلم على عباده المؤمنين في الجنة، وعلى الأنبياء في الدنيا، أو السالم من","part":4,"page":182},{"id":1773,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 183\rبخلق المعجزة لهم الْمُهَيْمِنُ من هيمن يهيمن إذا كان رقيبا على الشيء، أي الشهيد على عباده بأعمالهم الْعَزِيزُ القوي الْجَبَّارُ جبر خلقه على ما أراد الْمُتَكَبِّرُ عما لا يليق به سُبْحانَ اللَّهِ نزه نفسه عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) به هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ المنشئ من العدم الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى التسعة والتسعون الوارد بها الحديث، والحسنى مؤنث الأحسن يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24) تقدم أوّلها.\r______________________________\rكل نقص، أو المؤمن من المخاوف والمهالك. قوله: (المصدق رسله بخلق المعجزة لهم) أي وأولياءه بالكرامات، وعباده المؤمنين على إيمانهم وإخلاصهم، لأنه لا يطلع على الإخلاص إلا هو. قوله: (أي الشهيد على عباده) وقيل معناه المطلع على خطرات القلوب. قوله: (القوي) أي فهو من عز بمعنى غلب وقهر، فيكون من صفات الجلال، ويصح أن يكون من عز بمعنى قل، فلم يوجد له نظير، فهو من صفات السلوب. قوله: (جبر خلقه على ما أراد) أي من إسلام وكفر وطاعة ومعصية، فإذا أراد أمرا فعله، لا يحجزه عنه حاجز، فهو من صفات الجلال، ويصح أنه مأخوذ من الجبر بمعنى الإصلاح، كقولهم: جبر الطبيب الكسر أي أصلحه، فيكون من صفات الجمال. قوله: الْمُتَكَبِّرُ من الكبرياء وهي التعالي في العظمة، وهي مختصة به تعالى لما في الحديث القدسي: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدة منهما قصمته ثم حذفته في النار». قوله: (عما لا يليق به) أي من صفات الحدوث.\rقوله: سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ أتى بالتسبيح عقب قوله: الْمُتَكَبِّرُ إشارة إلى أن هذا الوصف مختص به، وينزه سبحانه عن مشاركة الغير له.\rقوله: هُوَ اللَّهُ كرر الهوية لأنها حقيقة الذات المتصفة بالكمالات، فما يذكر بعدها من الصفات فهو كشف لها. قوله: الْخالِقُ أي الموجد للمخلوقات من العدم. قوله: (المنشئ) أي المبدع للأعيان المبرز لها. قوله: الْمُصَوِّرُ أي المبدع للأشكال على حسب إرادته، فأعطى كل شيء من المخلوقات، صورة خاصة وهيئة منفردة، يتميز بها على اختلافها وكثرتها. قوله: (مؤنث الأحسن) أي الذي هو أفعل تفضيل لا مؤنث أحسن المقابل لامرأة حسناء، ووصفت بالحسنى لأنها تدل على معان حسنة، من تحميد وتقديس وغير ذلك، ووصف الجمع الذي لا يعقل بما توصف به الوحدة وهو فصيح، ولو جاء على المطابقة لقال الحسن بوزن آخر، ويصح أن يراد من الحسنى المصدر، ويقال فيه ما قيل في زيد عدل، ووصف الجمع به ظاهر لأنه لا يثنى ولا يجمع.\rقوله: يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الخ، ختمها بالتسبيح كما ابتدأها به، إشارة إلى أنه المقصود الأعظم والمبدأ والنهاية، وأن غاية المعرفة باللّه تنزيهه عما صورته العقول.","part":4,"page":183},{"id":1774,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 184\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الممتحنة مدنيّة وآياتها ثلاث عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أي كفار مكة أَوْلِياءَ تُلْقُونَ توصلون إِلَيْهِمْ قصد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم غزوهم الذي أسره إليكم وورى بحنين بِالْمَوَدَّةِ بينكم وبينهم، كتب حاطب بن أبي بلتعة إليهم كتابا بذلك لما له عندهم من الأولاد\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الممتحنة\rمدنية وهي ثلاث عشرة آية بكسر الحاء وفتحها، لأنه نزل فيها أمر المؤمنين، بامتحان المرأة التي هاجرت، فالكسر من حيث أمر المؤمنين بالامتحان، والفتح من حيث المرأة، وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، امرأة عبد الرحمن بن عوف، والدة ابراهيم بن عبد الرحمن. قوله: (مدنية) أي بإجماع.\rقوله: عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أضاف العدو لنفسه تعالى تشريفا للمؤمنين، أي أن عدوكم بمنزلة عدوي أنتقم منه، وإلا فالعدو بمعنى الموصل للضر، والضر على اللّه محال، كما أن الحبيب الموصل للنفع، وهو على اللّه محال. قوله: (أي كفار مكة) تفسير للعدو، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فحكم الآية باق مع سائر الكفار إلى يوم القيامة.\rقوله: تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ هذه الجملة إما مفسرة لموالاتهم إياهم، أو استئنافية، فلا محل لها من الإعراب على هذين، أو حال من فاعل تتخذوا أو صفة لأولياء. قوله: (قصد النبي) الخ، أشار بذلك إلى أن مفعول تُلْقُونَ محذوف، والباء في قوله: بِالْمَوَدَّةِ سببية. قوله: (و ورّى بحنين) أي بغزوة حنين، والمعنى: أظهر لعامة الناس أن يريد غزوة حنين على عادته، من أنه كان إذا خرج لغزوة يوري بغيرها، كأن يسأل عن طريق غيرها سترا عن المنافقين، لئلا يرسلوا إلى الكفار فينتبهوا فيفوت تدبير الحرب، والتورية مأخوذة من وراء الإنسان، كأنه يجعل ما أراده خلفه ووراءه، وفي بعض النسخ: وورى بخيبر وهو تحريف، لأن غزوة خيبر كانت في المحرم سنة سبع، وفتح مكة كان في رمضان من السنة","part":4,"page":184},{"id":1775,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 185\rوالأهل المشركين فاستردّه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ممن أرسله معه بإعلام اللّه تعالى له بذلك، وقبل عذر حاطب\r______________________________\rالثامنة، وحنين كانت بعد الفتح في شوال من سنة الفتح، فوري بها على عادته في غزواته، والسورة نزلت في غزوة الفتح. قوله: (كتب حاطب بن أبي بلتعة) الخ، أي وكان ممن هاجر مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وهو في الأصل من اليمن، وكان في مكة حليف بني أسد بن عبد العزى رهط الزبير بن العوام، وهذا بيان لسبب نزول قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآيتين، روي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: بعثنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنا والزبير والمقداد فقال: ائتوا روضة خاخ بالصرف وتركه موضع بينه وبين المدينة اثنا عشر ميلا، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا نهادي خيلنا أي نسرعها، فإذا نحن بامرأة فقلنا:\rأخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: يا حاطب ما هذا؟ فقال: لا تعجل علي يا رسول اللّه، إني كنت امرأ ملصقا في قريش- قال سفيان: كان حليفا لهم ولم يكن من أنفسها- وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفرا ولا ارتداد عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، وقد علمت أن اللّه ينزل بهم بأسه، وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا، وأن اللّه ناصرك عليهم، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم:\rصدق، فقال عمر رضي اللّه عنه: دعني يا رسول اللّه أضرب عنق هذا المنافق، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:\rإنه شهد بدرا، وما يدريك لعل اللّه اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فأنزل اللّه عزّ وجل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ قيل: اسم المرأة سارة من موالي قريش، روي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمن جميع الناس يوم فتح مكة إلا أربعة هي إحداهم، وقيل إنها عاشت إلى خلافة عمر، وأسلمت وحسن إسلامها، وكان في الكتاب: أما بعد، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم باللّه لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره اللّه بكم، ولا يخذله موعده فيكم، فإن اللّه وليه وناصره. وروي أن سارة المذكورة حين قدمت المدينة، فقال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أمهاجرة جئت يا سارة؟ فقالت: لا، فقال: أمسلمة جئت؟ قالت: لا، قال: فما جاء بك؟ قالت: كنتم الأهل والموالي، والأصل والعشيرة، وقد ذهب بعض الموالي يعني قتلوا يوم بدر، وقد احتجت حاجة شديدة، فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني، فقال عليه السّلام: فأين أنت من شباب أهل مكة؟ وكانت مغنية، قالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر، فحث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بني عبد المطلب على إعطائها، فكسوها وحملوها وأعطوها، فخرجت إلى مكة، وأتاها حاطب فقال: أعطيك عشرة دنانير وبردا، على أن تلقي هذا الكتاب إلى أهل مكة، وكتب فيه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يريدكم فخذوا حذركم، فخرجت سارة سائرة إلى مكة، ونزل جبريل فأخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك، فبعث لها عليا إلى آخر ما تقدم.\rقوله: (فاسترده النبي) أي طلب رده بإرسال علي ومن معه. قوله: (ممن أرسله) أي وهي سارة، والضمير المستتر في أرسل عائد على حاطب، والبارز عائد على الكتاب. قوله: (بإعلام اللّه له) متعلق باسترده والباء سببية. قوله: (و قبل عذر حاطب) أي لأنه مؤمن بدري شهد اللّه له بالإيمان حيث قال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ.","part":4,"page":185},{"id":1776,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 186\rفيه وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِ أي دين الاسلام والقرآن يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ من مكة بتضييقهم عليكم أَنْ تُؤْمِنُوا أي لأجل أن آمنتم بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً للجهاد فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي وجواب الشرط دل عليه ما قبله، أي فلا تتخذوهم أولياء تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ أي إسرار خبر النبي إليهم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (1) اخطأ طريق الهدى والسواء في الأصل الوسط إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يظفروا بكم يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بالقتل والضرب وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ بالسب والشتم وَوَدُّوا تمنوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ قراباتكم وَلا أَوْلادُكُمْ المشركون الذين لأجلهم أسررتم الخبر من العذاب في الآخرة يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بالبناء للمفعول والفاعل بَيْنَكُمْ وبينهم فتكونون في الجنة، وهم في جملة الكفار في النار وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3) قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ بكسر الهمزة وضمها في الموضعين قدوة حَسَنَةٌ فِي\r______________________________\rقوله: يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ إما مستأنف أو تفسير لكفرهم أو حال من فاعل كَفَرُوا. قوله:\rوَإِيَّاكُمْ عطف على الرَّسُولَ وقدم عليهم لأنه المقصود، فلذلك عدل عن اتصال الضمير إلى انفصاله، لأنه لو قال: يخرجونكم والرسول لفات هذا المعنى. قوله: (أي لأجل أن آمنتم) الخ، أشار بذلك إلى أن تُؤْمِنُوا في محل نصب مفعول له. والمعنى: يخرجونكم من أجل إيمانكم باللّه. قوله: إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ أي من مكة. قوله: (للجهاد) أشار به إلى أن جهادا وما بعده منصوب على المفعول له.\rقوله: تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بدل من تلقون، بدل بعض من كل أو مستأنف، ومفعول تُسِرُّونَ محذوف قدره بقوله: (إسرار خبر النبي) والباء في بِالْمَوَدَّةِ للسببية نظير ما تقدم. قوله: وَأَنَا أَعْلَمُ الجملة حالية من فاعل تُلْقُونَ وتُسِرُّونَ. قوله: (طريق الهدى) أشار بذلك إلى أن سَواءَ السَّبِيلِ مفعول ضَلَّ.\rقوله: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ الخ، كلام مستأنف مبين لوجه العداوة. قوله: يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً أي يظهروا العداوة لكم. قوله: وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ عطف على جملة الشرط، والجزاء فقد أخبر عنهم بخبرين: عداوتهم ومودتهم كفر المؤمنين.\rقوله: لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ هذا تخطئة لحاطب في رأيه كأنه قال: لا تحملكم قراباتكم وأولادكم الذين بمكة على خيانة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين، وترك مناصحتهم، ونقل أخبارهم، وموالاة أعدائهم، فإنه لا تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم الذين عصيتم اللّه لأجلهم.\rقوله: (من العذاب) متعلق بقوله: لَنْ تَنْفَعَكُمْ. قوله: يَوْمَ الْقِيامَةِ إما متعلق بما قبله فيوقف عليه ويبتدأ بيفصل بينكم، أو متعلق بما بعده فيوقف على أولادكم ويبتدأ بيوم القيامة. قوله: (بالبناء للمفعول) أي مع التخفيف والتشديد، وقوله: (و الفاعل) أي معهما أيضا، فالقراءات أربع سبعيات.\rقوله: (و بينهم) أي الأرحام والأولاد. قوله: (فتكون في الجنة) أي فلا ينبغي موالاة الكفار، لأنه لا اجتماع بينكم وبينهم في الآخرة.\rقوله: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لما بين سبحانه وتعالى حال من جعل الكفار أولياء في أول","part":4,"page":186},{"id":1777,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 187\rإِبْراهِيمَ أي به قولا وفعلا وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا جمع بريء كظريف مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ أنكرناكم وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية واوا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مستثنى من أسوة، أي فليس لكم التأسي به في ذلك بأن تستغفروا للكفار، وقوله وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ أي من عذابه وثوابه مِنْ شَيْءٍ كنى به عن أنه لا يملك له غير الاستغفار، فهو مبني عليه مستثنى من حيث المراد منه، وإن كان من حيث ظاهره مما يتأسى فيه،\r______________________________\rالسورة، ذكر مناقضة ابراهيم وقومه، وأن طريقة التبرؤ من أهل الكفر، وألزم أمة محمد بالاقتداء به في ذلك، وفيه توبيخ لحاطب ومن والى الكفار. قوله: (بكسر الهمزة وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان، وقوله: (في الموضعين) أي وهذا قوله الآتي لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ ومعناها عليهما الاتباع والاقتداء كما قال المفسر.\rقوله: فِي إِبْراهِيمَ جار ومجرور متعلق بأسوة، ورد بأنه لا يجوز عمل المصدر الموصوف، وأجيب بأنه يتوسع في الظروف ما لا يتوسع في غيرها، ويصح أنه متعلق بحسنة، تعلق الظرف بالعامل، ويصح أنه نعت ثان لأسوة، وإنما خص التأسي بإبراهيم، لأنه صبر على أذى عدو اللّه النمروذ، ولم يكن معه أحد يعينه عليه، مع تفرده بملك الأرض مشرقا ومغربا. قوله: (قولا وفعلا) تمييز مبين لجهة الاقتداء، أي اقتدوا به في القول والفعل، فإنه لم يبال بالكفار، ولا بشدتهم وضعفه. قوله: وَالَّذِينَ مَعَهُ (من المؤمنين) يحتمل أن المراد بالمعية وهو في أرض بابل، وحينئذ لم يكن معه إلا لوط ولد أخيه، وسارة زوجته، أو المراد بعد مجيئه إلى الشام، وحينما كثر المؤمنون به.\rقوله: إِذْ قالُوا هذا بدل اشتمال من إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ والمراد بقومهم النمروذ وجماعته، أي فبارزوهم بالعداوة ولم يبالوا بهم، مع شدة بأسهم وضعف المؤمنين. قوله: إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ أي من دينكم وآلهتكم. قوله: وَبَدا أي ظهر بيننا وبينكم العداوة على ممر الأزمان، بدليل ذكر الأبد، والعداوة المباينة ظاهرا، والبغضاء المباينة بالقلوب، وفي الحقيقة هما متلازمان. قوله: (بتحقيق الهمزتين) الخ، أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (مستثنى من أسوة حسنة) أي وساغ ذلك، لأن القول من جملة الأسوة، فكأنه قيل لكم فيه أسوة في أفعاله وأقواله، إلا قوله كذا. قوله: (أي فليس لكم التأسي به) أي لأن استغفاره له لرجائه إسلامه، فلما ظهر أنه عدو للّه تبرأ منه.\rقوله: وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ هذه الآية باعتبار معناها الوضعي، تكون من جملة ما يقتدى به فيه، لأن محصله أنه لا يملك له ثوابا ولا عقابا، على حد ليس لك من الأمر شيء، وهذا ثابت لإبراهيم وغيره، وليس مرادا هنا، بل المراد معناها الكنائي، وهو أنه لا يملك له غير الاستغفار، فهو غير مقتدى به فيه، وحينئذ فقوله: وَما أَمْلِكُ معطوف على لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وأشار المفسر لذلك بقوله:\r(كنى به) الخ. قوله: (فهو مبني عليه) أي معطوف على لَأَسْتَغْفِرَنَ ومرتبط به ساقه اعتذارا. قوله:\r(مستثنى من حيث المراد منه) أي وهو المعنى الكنائي. قوله: (و إن كان من حيث) الخ، مبالغة على أنه","part":4,"page":187},{"id":1778,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 188\rقل فمن يملك لكم من اللّه شيئا واستغفاره له قبل أن يتبين له أنه عدو للّه، كما ذكره في براءة رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) من قول الخليل ومن معه، أي قالوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي لا تظهرهم علينا، فيظنوا أنهم على الحق فيفتنوا، أي تذهب عقولهم بنا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) في ملكك وصنعك لَقَدْ كانَ لَكُمْ يا أمة محمد جواب قسم مقدر فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ بدل اشتمال من كم بإعادة الجار يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ أي يخافهما أو يظن الثواب والعقاب وَمَنْ يَتَوَلَ بأن يوالي الكفار فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُ عن خلقه الْحَمِيدُ (6) لأهل طاعته عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ من كفار مكة طاعة للّه تعالى مَوَدَّةً بأن يهديهم للإيمان فيصيروا لكم أولياء وَاللَّهُ قَدِيرٌ على\r______________________________\rليس مرادا، وإن كان معناه الوضعي. قوله: (فمن يملك) هذا دليل للمعنى الوضعي الغير المراد. قوله:\r(و استغفاره) هذا بيان لعذار ابراهيم في استغفاره لأبيه، وذلك أنه لم يستغفر له إلا لرجاء إيمانه، ولما مات على الكفر رجع عن ذلك، كما قال تعالى: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ الخ. والحاصل أن ابراهيم وعد أباه بالاستغفار في سورة مريم بقوله: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا واستغفر له بالقول في سورة الشعراء في قوله تعالى: وَاغْفِرْ لِأَبِي ثم رجع عن ذلك كما بينه اللّه في سورة براءة. قوله: (من قول الخليل) الخ، أي الذي يقتدى به فيه، فهو في المعنى مقدم على جملة الاستثناء. قوله: (أي قالوا) أي فهو مقول القول السابق في قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ أي قالوا ذلك وقالوا رَبَّنا الخ، ويصح أن يكون أمرا من اللّه للمؤمنين، تتميما لما أمرهم به من ترك موالاة الكفار، أي أظهروا لهم العداوة، ولا يهولكم أمرهم، وقالوا رَبَّنا الخ، ومعنى تَوَكَّلْنا فوضنا أمرنا، وقوله: وَإِلَيْكَ أَنَبْنا أي رجعنا بالتوبة عن كل ما تكره منا، وقوله: إِلَيْكَ الْمَصِيرُ المرجع في الآخرة. قوله: (أي لا تظهرهم) أي تجعلهم غالبين علينا، وقوله: (فيظنوا أنهم على الحق) يعني إن ظفروا بنا، وقوله: (فيفتنوا) أي يزدادوا كفرا ويدوموا عليه، لأن الاستدراج يوجب زيادة الكفر.\rقوله: وَاغْفِرْ لَنا أي ما مضى من الذنوب.\rقوله: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ هذه الجملة تأكيد لقوله سابقا قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ الخ، أتى بها للمبالغة في التحريض على الاتباع لإبراهيم وأمته. قوله: (أو يظن الثواب والعقاب) تفسير ثان لمعنى الرجاء والمراد بظن الثواب الخ الإيقان بذلك.\rقوله: وَمَنْ يَتَوَلَ أي يعرض عن الاقتداء بإبراهيم، وجواب الشرط محذوف تقديره فوباله على نفسه، وقوله: فَإِنَّ اللَّهَ الخ، تعليل للجواب.\rقوله: عَسَى اللَّهُ الخ، هذا تسلية للمؤمنين، في عدم موالاة الكفار الذين أمروا به في أول السورة، فشدد المسلمون على أنفسهم في هجر الكفار، فوعد اللّه المسلمين بإسلام أقاربهم الكفار، فيوالونهم موالاة جائزة مطلوبة، ويجمع اللّه الشمل بعد التفرق. قوله: مِنْهُمْ أي من الكفار، فهو حال من الَّذِينَ أي حال كون الذين عاديتموهم من جملة الكفار، وقوله: (طاعة اللّه) مفعول لأجله، أي حصلت المعاداة لأجل طاعة اللّه. قوله: وَاللَّهُ قَدِيرٌ أي فلا يستبعد عليه ذلك الجعل المذكور.","part":4,"page":188},{"id":1779,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 189\rذلك وقد فعله بعد فتح مكة وَاللَّهُ غَفُورٌ لهم ما سلف رَحِيمٌ (7) بهم لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ من الكفار فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ بدل اشتمال من الذين وَتُقْسِطُوا تفضوا إِلَيْهِمْ بالقسط أي بالعدل، وهذا قبل الأمر بجهادهم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) العادلين إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عاونوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ بدل اشتمال من الذين، أي تتخذوهم أولياء وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ بألسنتهن مُهاجِراتٍ من الكفار بعد الصلح معهم في الحديبية، على أن من جاء منهم إلى المؤمنين يرد\r______________________________\rقوله: (و قد فعله) أي بأن أسلم غالب كفار مكة، فصاروا أحبابا وإخوانا. قوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ (لهم) أي للذين عاديتموهم، بأن محا عنهم ما سلف بسبب الإيمان.\rقوله: لا يَنْهاكُمُ نزلت هذه الآية لتخصيص الحكم النازل أول السورة، لأن الآية الأولى عامة في سائر الكفار مطلقا، ولو كانوا مصالحين، ثم بين هنا، أن من كان من الكفار بينهم وبين المسلمين صلح ومهادنة، تجوز مودتهم، ولم يكن النهي شاملا لهم كخزاعة وبني الحرث، وعلى هذا تكون الآية محكمة، فيجوز الآن للمسلمين مواددة الكفار الذين تحت الذمة والصلح، وقيل: إن المراد بقوله: لَمْ يُقاتِلُوكُمْ أي لم يبتدءوكم بالقتال، ولو لم يكن بينكم وبينهم صلح، وهذا كان في أول الأمر بالجهاد، ثم نسخ بالأمر بالقتال عموما بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. قوله: فِي الدِّينِ أي لأجل دينكم.\rقوله: (بدل اشتمال) أي فالمعنى: لا ينهاكم اللّه عن أن تبروهم، والبر هو الإحسان. قوله: (تفضوا) إنما فسر تُقْسِطُوا بمعنى (تفضوا) ليصح تعديته بإلى. قوله: (أي بالعدل) هذا لا يخص هؤلاء فقط، بل العدل واجب مع كل أحد ولو قاتل، فالأولى تفسيره بالإعطاء، أي تعطوهم قسطا من أموالكم، فعطف القسط على البر، من عطف الخاص على العام. قوله: (و هذا قبل الأمر بجهادهم) يشير بذلك إلى أن الآية منسوخة وقد علمت ما فيه. قوله: (العادلين) أي على تفسير القسط بالعدل، وعلى تفسير القسط بالإعطاء، فالمراد بالمقسطين المحسنون.\rقوله: وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أي وهم أهل مكة. قوله:\r(بدل اشتمال) أي إنما ينهاكم اللّه عن أن توالوهم. قوله: الظَّالِمُونَ فيه مراعاة معنى من بعد مراعاة لفظها.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لما أمر اللّه المسلمين بهجر الكفار، اقتضى ذلك عدم مساكنتهم والهجرة إلى المسلمين، خوفا من الموالاة المنهي عنها، وكان التناكح من أقرب أسباب الموالاة بين أحكام الزوجين في هذه الآية، وسبب نزولها: أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما عقد الصلح مع الكفار عام الحديبية على شرط أن من أتى النبي من أهل مكة يرده إليهم وإن كان مسلما، جاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مهاجرة للنبي، فجاء زوجها صيفي بن الراهب، وقيل المسافر المخزومي، وكان كافرا فقال: يا محمد اردد علي امرأتي، فأنت شرطت ذلك، فأنزل اللّه هذه الآية، فاستحلفها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فحلفت، فأعطى زوجها ما أنفق، وتزوجها عمر بن الخطاب. قوله: (بألسنتهن) أي ناطقات بالشهادتين بألسنتهن. قوله: (من الكفار) أي حال كونهن من جملة الكفار، أو متعلق بجاءكم. قوله: (بعد الصلح) متعلق بمهاجرات أو","part":4,"page":189},{"id":1780,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 190\rفَامْتَحِنُوهُنَ بالحلف أنهن ما خرجن إلا رغبة في الإسلام، لا بغضا لأزواجهن الكفار، ولا عشقا لرجال من المسلمين، كذا كان صلّى اللّه عليه وسلّم يحلفهن اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَ ظننتموهن بالحلف مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَ تردوهن إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ أي أعطوا الكفار أزواجهن ما أَنْفَقُوا عليهن في المهور وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ بشرطه إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَ مهورهن وَلا تُمْسِكُوا بالتشديد والتخفيف بِعِصَمِ الْكَوافِرِ زوجاتكم لقطع إسلامكم لها بشرطه، أو اللاحقات للمشركين مرتدات لقطع ارتدادهن نكاحكم بشرطه وَسْئَلُوا اطلبوا ما أَنْفَقْتُمْ عليهن من المهور في صورة الارتداد ممن تزوجن من الكفار وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا على المهاجرات كما تقدم أنهم يؤتونه ذلِكُمْ حُكْمُ\r______________________________\rبجاءكم. قوله: (على أن من جاء منهم) أي مؤمنا.\rقوله: فَامْتَحِنُوهُنَ (بالحلف) أي حلفوهن هل هن مسلمات حقيقة أو لا؟ وسبب الامتحان، أنه كان من أرادت من الكفار إضرار زوجها قالت: سأهاجر إلى رسول اللّه، فلذلك أمر بالامتحان.\rقوله: اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَ أي بصدقه. قوله: فَلا تَرْجِعُوهُنَ أن لا يحل لكم أن تردوهن إلى الكفار، قال تعالى وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا. قوله: وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا أي ما دفعوا لهن من المهور، كما فعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك مع زوج سبيعة. قوله: (بشرطه) أي وهو انقضاء عدتها في الإسلام، إن كان مدخولا بها، والولي والشاهدان وبقية شروط الصحة في المدخول بها وغيرها. قوله:\r(بالتشديد والتخفيف) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: بِعِصَمِ الْكَوافِرِ جمع عصمة وهي هنا عقد النكاح، والكوافر جمع كافرة، كضوارب جمع ضاربة، وقوله: (زوجاتكم) أي المتأصلات في الكفر اللاتي أسلمتم عنهن، وهذا النعت المقدر هو المعطوف عليه قوله: (و اللاحقات) الخ، وصورة المسألة: أن الزوج أسلم عن زوجته الكافرة، فهذا نهي للمؤمنين عن بقائهم على عصم المشركات الباقيات على الكفر، بخلاف إسلامهم عن الكتابيات فلا ينفسخ نكاحهم، فإن النكاح بهن يجوز للمسلم ابتداء، فلا يمنع من البقاء عليهن بعد الإسلام. قوله: (لقطع إسلامكم لها بشروطه) أي شرط القطع، وهو أن لا يجمعهما الإسلام في العدة، فإن أسلم وأسلمت بعده بشهر ونحوه، وأسلمت قبله وأسلم بعدها في العدة، والموضوع أنه مدخول بها، أقر عليها في الصورتين.\rقوله: (أو اللاحقات) معطوف على النعت المقدر بعد (زوجاتكم) وصورتها: مسلمات أصالة تحت أزواج مسلمين، فوقعت منهن الردة والتحقن بالمشركين في ذلك. قوله: (بشرطه) أي وهو دوام الردة إلى وفاء العدة، فإن رجعت للإسلام قبل وفاء العدة، ترجع له من غير عقد، هكذا مذهب الإمام الشافعي في المدخول بها، وأما غيرها فتبين بمجرد الردة، وأما مذهب مالك فلا ترجع له إلا بعقد مطلقا، سواء رجعت قبل العدة أو بعدها، فكلام المفسر على قاعدة مذهب الإمام الشافعي.\rقوله: وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ الخ، قال المفسرون: كان من ذهب من المسلمات مرتدا إلى الكفار المعاهدين، يقال للكفار هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين إذا جاء أحد من الكافرات مسلمة مهاجرة، ردوا","part":4,"page":190},{"id":1781,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 191\rاللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ به وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10) وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ أي واحدة فأكثر منهن أو شيء من مهورهن بالذهاب إِلَى الْكُفَّارِ مرتدات فَعاقَبْتُمْ فغزوتم وغنمتم فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ من الغنيمة مِثْلَ ما أَنْفَقُوا لفواته عليهم من جهة الكفار وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (11) وقد فعل المؤمنون ما أمروا به من الايتاء للكفار والمؤمنين، ثم ارتفع هذا الحكم يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَ كما كان يفعل في الجاهلية من وأد البنات، أي\r______________________________\rإلى الكفار مهرها، وكان ذلك نصفا وعدلا بين الحالين، ثم نسخ ذلك الأمر، فمن ارتدت لا تقر، ومن جاءتنا منهم مسلمة مهاجرة لا يأخذون لها مهرا. قوله: ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ أي المذكورة في هذه الآية، وقوله: يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ استئناف أو حال بتقدير الرابط، وقد جرى عليه المفسر قوله: فاتَكُمْ الخ، هذه الآية أيضا من تتمة قوله: وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ فهو بمعناه ومحصله: إنه إن فر شيء أي امرأة أو أكثر إلى الكفار فغنمتم، فأعطوا الذين فرت أزواجهم من الغنيمة قبل قسمها قدر مهرها، فكأنه دين على الكفار، قال ابن عباس: لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة مرتدات، فأعطى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أزواجهن مهور نسائهم من الغنيمة. قوله: (مرتدات) حال من أزواج. قوله: (فغزوتم) فسر العقوبة بالغزو لحصولها به.\rقوله: فَآتُوا بمد الهمزة أي أعطوا، روي أنه لما نزل قوله تعالى وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا أدى المؤمنون مهور المؤمنات المهاجرات إلى أزواجهن المشركين، وأبى المشركون أن يؤدوا شيئا من مهور المرتدات إلى أزواجهن المسلمين، فأنزل اللّه وَإِنْ فاتَكُمْ الخ. قوله: (ثم ارتفع هذا الحكم) أي نسخ حكمه فصار الآن، إذا ارتدت امرأة ولحقت بالمشركين، لا نأخذ لها مهرا بل ننتظرها، فمتى قدرنا عليها استتبناها، فإن تابت وإلا قتلت، كما أن من فرت من الكفار مسلمة، لا ندفع لها مهرا.\rقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ الخ، أي من أهل المدينة أو مكة أو غيرهن، ولكن الآية نزلت في فتح مكة لما فرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مبايعة الرجال. قوله: يُبايِعْنَكَ أي يعاهدنك، وسماه مبايعة لأنه مقابلة شيء بشيء، وهو الايمان وتوابعه، في مقابلة الجنة والرضوان، ويبايعن مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، والكاف مفعول. قوله: عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ نهاهم في هذه المبايعة عن ستة أشياء، ولم يقابلها بأوامر، لأن النهي عن هذه، يستلزم الأمر بضدها.\rقوله: وَلا يَسْرِقْنَ روي أنه لما قال النبي لهن ذلك، قالت هند امرأة أبي سفيان: يا رسول اللّه إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل علي حرج إذا أخذت ما يكفيني وولدي؟ قال: لا، إلا بالمعروف، فخشيت هند أن تقتصر على ما يعطيها فتضيع، أو تأخذ فتكون ناقصة للبيعة، فلذلك أمرها بالمعروف في الأخذ، ومحل جواز الأخذ بغير إذن، إذا كان غير محجور، وأما إذا حجره بقفل ونحوه فيحرم الأخذ، وإن أخذت تعد سارقة وتقطع يدها، فلما قال رسول اللّه وَلا يَزْنِينَ قالت هند: أو تزني الحرة؟ فلما قال وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَ قالت: ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا، وعرضت بولدها حنظلة فإنه قتل يوم","part":4,"page":191},{"id":1782,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 192\rدفنهن أحياء خوف العار والفقر وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَ أي بولد ملقوط ينسبنه إلى الزوج، ووصف بصفة الولد الحقيقي، فإن الأم إذا وضعته سقط بين يديها ورجليها وَلا يَعْصِينَكَ فِي فعل مَعْرُوفٍ هو ما وافق طاعة اللّه، كترك النياحة، وتمزيق الثياب، وجز الشعور، وشق الجيب، وخمش الوجه فَبايِعْهُنَ فعل ذلك صلّى اللّه عليه وسلّم بالقول، ولم يصافح واحدة منهن وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هم اليهود قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ أي من ثوابها مع إيقانهم بها لعنادهم النبي مع علمهم بصدقه كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ الكائنون مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (13) أي المقبورين من خير الآخرة إذ تعرض عليهم مقاعدهم من الجنة لو كانوا آمنوا وما يصيرون إليه من النار.\r______________________________\rبدر، فضحك عمر، وتبسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فلما قال وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ قالت: واللّه إن البهتان لقبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، وكانت هذه البيعة في مكة عند الصفا، فاجتمع له من النسوة أربعمائة وسبع وخمسون امرأة فآمنّ. قوله: (من وأد البنات) أي دفنهن أحياء. قوله: (أي بولد ملقوط) أي فكانت المرأة إذا خافت مفارقة زوجها لعدم الحمل، التقطت ولدا ونسبته له ليبقيها عنده، فأشار المفسر بقوله: (أي بولد) إلى أن المراد بالبهتان المفترى، وليس المراد الزنا، لتقدمه في النهي صريحا. قوله:\r(كترك النياحة) أي فالمراد بالمعروف، هو ما عرف حسنه في الشرع، وهو اسم جامع لكل خير.\rقوله: فَبايِعْهُنَ جواب إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ أي التزم لهن الثواب إذا التزمن ذلك. قوله:\r(بالقول) هذا هو الصحيح، وقيل: إنه صافحهن بحائل لما روي: أنه بايع النساء وبين يديه وأيديهن ثوب، وقالت أم عطية: لما قدم المدينة، جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب على الباب، فسلم فرددن عليه السّلام، فقال: أنا رسول اللّه إليكن أن لا تشركن باللّه شيئا الآية، فقلن:\rنعم، فمد يده من خارج البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت ثم قال: اللهم اشهد. قوله: وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ أي مما سلف منهن.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ، ختم السورة بمثل ما افتتحها به، وهو النهي عن موالاة الكفار، وهذا من البلاغة، ويقال له: رد العجز على الصدر. قوله: غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نعت لقوما، وقوله:\rقَدْ يَئِسُوا نعت ثان. قوله: (هم اليهود) أشار المفسر بذلك إلى سبب نزول الآية، وهو أن ناسا من فقراء المسلمين، كانوا يوصلون اليهود بأخبار المسلمين، ليعطوهم من ثمارهم، فنزلت، وقيل: المراد بالمغضوب عليهم جميع الكفار. قوله: (لعنادهم) علة ليأسهم مع إيقانهم بها، فلاحظ لهم فيها ولا ثواب.\rقوله: مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ مشى المفسر على أن قوله: مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ صفة للكفار، والميئوس منه محذوف قدره بقوله: (من خير الآخرة) أي أن اليهود يئسوا من الآخرة، كيأس الكفار الذين قبروا من خير الآخرة، وقيل: إن قوله: مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ هو الميئوس منه، والمعنى: أن اليهود أيسوا من الآخرة، كيأسهم من أصحاب القبور، لأنهم ينكرون البعث، وقيل: كما يئس الكفار المقهورون من رجوعهم إلى الدنيا، احتمالات ثلاث. قوله: (إذ تعرض عليهم) أي وهم في القبور. قوله: (لو كانوا آمنوا) أي قبل الموت. قوله: (و ما يصيرون إليه) معطوف على (مقاعدهم) أي ويعرّض عليهم ما يصيرون إليه من النار.","part":4,"page":192},{"id":1783,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 193\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الصّفّ مدنيّة وآياتها أربع عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي نزهه، فاللام مزيدة، وجيء بما دون من تغليبا للأكثر وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (1) في صنعه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ في طلب الجهاد ما لا تَفْعَلُونَ (2) إذ انهزمتم بأحد كَبُرَ عظم مَقْتاً\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الصف\rمكية أو مدنية وهي أربع عشرة آية أي في قول عكرمة وقتادة والحسن، وبه جزم في الكشاف. قوله: (أو مدنية) أي وهو قول الجمهور. قوله: (فاللام مزيدة) أي للتأكيد، وقيل للتعليل، أي سبحوا لأجل اللّه ابتغاء وجهه، لا طلبا لثواب، ولا خوفا من عقاب، وهذا أعلى مراتب العمل، وقد تقدم نظير ذلك، وأعاد ما الموصولة في\rقوله: وَما فِي الْأَرْضِ هنا، وفي الحشر والجمعة والتغابن لأنه الأصل، وتركه في الحديد مشاكلة لقوله فيها بعد لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وقوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ.\rقوله: لِمَ تَقُولُونَ استفهام إنكاري، جيء به للتوبيخ لمن يدعي ما ليس فيه، فإن وقع ذلك إخبارا عن أمر في الماضي فهو كذب، وإن وقع في المستقبل يكون خلفا للوعد، وكلاهما مذموم، ولام الجر داخلة على ما الاستفهامية، وحذفت ألفها، لذلك قال ابن مالك:\rوما في الاستفهام إن جرت حذف ... ألفها وأولها إلها إن تقف\r\rقوله: (في طلب الجهاد) سبب نزول هذه الآية: أنه لما سمع أصحاب رسول اللّه، مدح الجهاد ومدح أهل بدر، قالوا: لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم أحد، فنزلت هذه الآية توبيخا لهم، وهذا خارج مخرج التخويف والزجر، وقيل: نزلت في المنافقين، كانوا يقولون للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه: إن خرجتم وقاتلتم، خرجنا معكم وقاتلنا، فلما خرج النبي وأصحابه، نكصوا على عقبهم وتخلفوا، وحينئذ فتسميتهم مؤمنين بحسب الظاهر، والذم على حقيقته. قوله: (إذ انهزمتم بأحد) تعليل لقوله: ما لا تَفْعَلُونَ. قوله: (تمييز) أي محول عن الفاعل، والأصل كبر مقت قولهم، والمقت أشد البغض، وهو من","part":4,"page":193},{"id":1784,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 194\rتمييز عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا فاعل كبر ما لا تَفْعَلُونَ (3) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ ينصر ويكرم الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا حال أي صافّين كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (4) ملزق بعضه إلى بعض ثابت وَاذكر إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي قالوا إنه آدر أي منتفخ الخصية، وليس كذلك، وكذبوه وَقَدْ للتحقيق تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ الجملة حال، والرسول يحترم فَلَمَّا زاغُوا عدلوا عن الحق بإيذائه أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ أمالها عن الهدى على وفق ما قدره في الأزل وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (5) الكافرين في علمه وَاذكر إِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ لم يقل يا قوم، لأنه لم يكن له فيهم قرابة إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما\r______________________________\rأمثلة التعجب في مقام الذم. قوله: (ينصر ويكرم) هذا معنى المحبة في حق اللّه لأن حقيقتها وهو ميل القلب مستحيل على اللّه، ومن لازم الميل الإكرام والنصر، فأطلق على اللّه باعتبار هذا الكلام.\rقوله:\r(حال) أي من الواو في يُقاتِلُونَ وقوله: (أي صافين) فسره بمشتق لصحة الحالية، ومفعوله محذوف أي أنفسهم. قوله: (ملزق بعضه إلى بعض) أي كأنه بني بالرصاص، أو معنى المرصوص: الملتئم الأجزاء، المستويها، المحكمها، ومن كان كذلك لا يهزم ولا يقام.\rقوله: وَإِذْ قالَ مُوسى ذكر قصة موسى وعيسى اجمالا، تسلية للنبي عليه الصلاة والسّلام، ليصبر على أذى قومه، وتذكيرا لتفاصيلها المتقدمة، وابتدأ بقصة موسى لا سبقيته في الزمن. قوله: (قالوا إنه آدر) وسبب تهمتهم له بذلك، ستره للعورة من صغره فلم يروه فعيبوه بذلك، وتقدم ذلك عند قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى الآية. قوله: (و كذبوه) معطوف على (قالوا) أي عيبوه في جسمه، وأنكروا ما جاء به وكذبوه. قوله: وَقَدْ (للتحقيق) أي تحقق علمهم برسالته، وذلك يوجب تعظيمه ويمنع ايذاءه.\rقوله: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ مقتضى هذا التركيب، أن زيغهم لا زاغة اللّه قلوبهم، مع أن الأمر بالعكس، لأن العبد لا يزيغ، إلا إن أزاغه اللّه وصرفه عن الهدى. وأجيب: أنهم لما فعلوا سبب الزيغ، وهو إيذاء موسى، أزاغ اللّه قلوبهم عن الهدى وقت إيذائهم، على وفق ما أراده أزلا، وقد أشار لذلك المفسر، ويشهد لذلك قضية ابليس، فإنه كانت مطيعا، فلما خالف مولاه وعاند زاغ، فأزاغ اللّه قلبه وطرده، موافقة لما نجزه بإرادته أزلا، فزيغ العبد سبب لإزاغة اللّه له، باعتبار إظهاره القدرة لذلك الآن، على وفق ما أراده اللّه ونجزه أزلا فليحفظ. قوله: (الكافرين في علمه) هذا جواب عما يقال: إن اللّه هدى كثيرا من الكفار بأن وفقهم للإسلام. وحاصل الجواب: أن من أسلم وهداه اللّه، لم يكن في الأزل مكتوبا كافرا، وأما من علم اللّه كفره في الأزل يهديه، ولا بد من موته على الكفر، ولو عاش طول عمره مسلما.\rقوله: وَإِذْ قالَ عِيسَى معمول لمحذوف تقديره (اذكر) وإنما كررت قصة موسى وعيسى، بل وقصة غيرهما، لأن المقصود الاتعاظ ودوامه، فإذا ذكر الشيء أولا وثانيا، كان المقصود منه دوام تذكره والاعتبار به، قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل. قوله: (لأنه لم يكن له فيهم قرابة) أي لأنه لا أب له فيهم، وإن كانت أمه من أشرافهم. إن قلت: هو منهم باعتبار أمه، قلت: النسب إنما هو من جهة","part":4,"page":194},{"id":1785,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 195\rبَيْنَ يَدَيَ قبلي مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ قال تعالى فَلَمَّا جاءَهُمْ جاء أحمد الكفار بِالْبَيِّناتِ الآيات والعلامات قالُوا هذا أي المجيء به سِحْرٌ وفي قراءة ساحر، أي الجائي به مُبِينٌ (6) بيّن وَمَنْ أي لا أحد أَظْلَمُ أشد ظلما مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بنسبة الشريك والولد إليه، ووصف آياته بالسحر وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) الكافرين يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا منصوب بأن مقدرة، واللام مزيدة نُورَ اللَّهِ شرعه وبراهينه بِأَفْواهِهِمْ بأقوالهم، إنه سحر وشعر وكهانة وَاللَّهُ مُتِمُ مظهر نُورِهِ وفي قراءة بالاضافة وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (8) ذلك هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ\r______________________________\rالأب. قوله: مُصَدِّقاً حال من الضمير المستتر في رسول لتأويله بمرسل، وكذا قوله: وَمُبَشِّراً.\rقوله: مِنَ التَّوْراةِ خصها لأنها أشهر الكتب عندهم. قوله: يَأْتِي مِنْ بَعْدِي الجملة صفة لرسول، وكذا قوله: اسْمُهُ أَحْمَدُ والياء في بَعْدِي، إما مفتوحة أو ساكنة، قراءتان سبعيتان.\rقوله: اسْمُهُ أَحْمَدُ يحتمل أن يكون أفعل تفضيل من المبني للفاعل، والمعنى أكثر حامدية للّه تعالى من غيره، ويحتمل أن يكون من المبني للمفعول، أي أكثر محمودية من غيره، أي كون الخلق يحمدونه أكثر، من كونهم يحمدون غيره، وخص أحمد بالذكر دون محمد، مع أنه أشرف أسمائه صلّى اللّه عليه وسلّم لوجوه، الأول:\rكونه مذكورا في الانجيل بهذا الاسم. الثاني: كونه مسمى في السماء به، الثالث: لأن حمده للّه، سابق على حمد الخلق له في الدنيا ويوم القيامة، فحمده قبل شفاعته لأمته، وحمد الخلق له بعدها، وقال بعضهم: إنه صلّى اللّه عليه وسلّم له أربعة آلاف اسم، منها نحو سبعين من أسمائه تعالى، كرءوف ورحيم. قوله: (جاء أحمد للكفار) هذا أحد قولين للمفسرين في مرجع الضمير في جاءهم، والثاني أنه عائد على عيسى. قوله:\r(أي المجيء به) اسم مفعول من جاء، وأصله مجيوء بوزن مضروب، نقلت ضمة الياء للساكن قبلها وهو الجيم، فالتقى ساكنان الواو والياء، فحذفت الواو وكسرت الجيم. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (أي لا أحد) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي. قوله: (و وصف آياته) بالجر عطف على نسبة.\rقوله: وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ الجملة حالية، أي يدعوه ربه على لسان نبيه إلى الإسلام الذي فيه سعادة الدارين، فيجعل مكان إجابته افتراء الكذب على اللّه.\rقوله: (منصوب بأن مقدرة واللام مزيدة) أي في مفعول يُرِيدُونَ للتوكيد، ويصح أن تكون للتعليل، والمفعول محذوف، والتقدير يريدون إبطال القرآن ليطفئوا، وهناك طريقة لبعض النحويين، أن اللام بمعنى أن الناصبة، فيكون الفعل منصوبا بها. قوله: (شرعه وبراهينه) هذا أحد أقوال في تفسير النور، وقيل هو القرآن، وقيل الإسلام، وقيل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. وقيل إنه مثل مضروب بمن أراد إطفاء الشمس بفيه، فكما أنه لا يفيد ذلك من أراد إبطال الحق فلا يفيده، وفي الكلام استعارة تبعية، حيث شبه الأبطال بالاطفاء، واستعار اسم المشبه به للمشبه، اشتق من الاطفاء بمعنى يبطلون، وسبب نزول هذه الآية: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبطأ عليه الوحي أربعين يوما، فقال كعب بن الأشرف: يا معشر اليهود أبشروا فقد أطفأ اللّه نور محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، فأنزل اللّه هذه الآية، واتصل الوحي بعدها.\rقوله: وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ الجملة حالية من فاعل يُرِيدُونَ وقوله: (مظهر) نُورِهِ هذا جواب","part":4,"page":195},{"id":1786,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 196\rبِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ يعليه عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ جميع الأديان المخالفة له وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) ذلك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ بالتخفيف والتشديد مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (10) مؤلم، فكأنهم قالوا نعم فقال تُؤْمِنُونَ تدومون على الإيمان بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) أنه خير لكم فافعلوه يَغْفِرْ جواب شرط مقدر، أي إن تفعلوه يغفر لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ إقامة ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَيؤتكم\r______________________________\rعما يقال: إن الاتمام لا يكون إلا بعد النقصان، فأجاب: بأن المراد بالاتمام، اظهاره في المشارق والمغارب، قوله: (و في قراءة بالاضافة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ بدل من قوله: وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ. قوله: بِالْهُدى أي البيان الشافي، والمراد به القرآن والمعجزات الظاهرة.\rقوله: وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ إنما عبر أولا بالكافرون، وثانيا بالمشركون، لأن الرسول في ابتداء أمره، يأتي بالتوحيد ويأمر به، فيخالفه المشركون، فإذا ظهر أمره واشتهر، حسده جميع الكفار، وأرادوا ابطال ما جاء به من المعجزات والبراهين، فعبر في كل بما يناسبه.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ الخ، سبب نزول هذه الآية، قول الصحابة لرسول اللّه:\rلو نعلم أي الأعمال أحب إلى اللّه لعملنا به، وقيل: نزلت في عثمان بن مظعون، وذلك أنه قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لو أذنت لي فطلقت خولة وترهبت واختصيت وحرمت اللحم ولا أنام الليل أبدا، ولا أفطر النهار أبدا، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن من سنتي النكاح، ولا رهبانية في الإسلام، وإنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل اللّه، وخصاء أمتي الصوم، ولا تحرموا طيبات ما أحل اللّه لكم، ومن سنتي أنام وأقوم وأفطر وأصوم، فمن رغب عن سنتي فليس مني» فقال عثمان: وددت يا نبي اللّه أن أعلم أي التجارات أحب إلى اللّه فأتجر فيها؟ فنزلت، والاستفهام إخبار في المعنى، وذكر بلفظ الاستفهام تشويقا، لكونه أوقع في النفس، وتسمية الجهاد تجارة لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ الآية. قوله: (بالتخفيف والتشديد) سبعيتان.\rقوله: تُؤْمِنُونَ في محل رفع خبر مبتدأ مقدر، أي وهي تؤمنون، أو جملة مستأنفة لا محل لها من الاعراب، واقعة في جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ما هي؟ فأجاب بما ذكر. قوله: ذلِكُمْ أي المذكور من الإيمان والجهاد. قوله: خَيْرٌ لَكُمْ أي من كل شيء. قوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أشار المفسر إلى أن الجواب مقدر، وإلى أن تَعْلَمُونَ متعد حذف مفعوله.\rقوله: مِنْ تَحْتِهَا أي من تحت أشجارها وغرفها. قوله: وَمَساكِنَ طَيِّبَةً الخ، روي عن الحسن قال: سألت عمران بن حصين وأبا هريرة عن قوله تعالى: وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فقال: على الخبير سقطت، سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عنها فقال: «قصر من لؤلؤة في الجنة، في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا من زبرجدة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا، في كل سرير سبعون فراشا من كل لون، على كل فراش سبعون امرأة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لونا من الطعام، في كل بيت سبعون وصيفا أو وصيفة، فيعطي اللّه المؤمن من القوة في غداة واحدة، ما يأتي على ذلك كله».","part":4,"page":196},{"id":1787,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 197\rنعمة أُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) بالنصر والفتح يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ لدينه وفي قراءة بالاضافة كَما قالَ الخ، المعنى كما كان الحواريون كذلك الدال عليه قال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ أي من الأنصار الذين يكونون معي متوجها إلى نصر اللّه قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ والحواريون أصفياء عيسى، وهم أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلا، من الحور وهو البياض الخالص، وقيل: كانوا قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ بعيسى وقالوا: إنه عبد اللّه رفع إلى السماء وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ لقولهم: إنه ابن اللّه رفعه إليه، فاقتتلت الطائفتان فَأَيَّدْنَا قوّينا الَّذِينَ آمَنُوا من الطائفتين عَلى عَدُوِّهِمْ الطائفة الكافرة فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (14) غالبين.\r______________________________\rقوله: ذلِكَ أي المذكور من غفران الذنوب وادخال الجنان.\rقوله: (و يؤتكم نعمة) أُخْرى أشار المفسر بتقدير هذا العامل إلى أن أُخْرى صفة لمحذوف مفعول لفعل مقدر، وهذا المقدر معطوف على المذكور قبله، والمراد يؤتكم في الدنيا، فهو إخبار على نعمة الدنيا، بعد الاخبار على نعمة الآخرة.\rقوله: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ خبر مبتدأ مضمر، أي تلك النعمة الأخرى نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ، وقوله: وَفَتْحٌ قَرِيبٌ أي معجل، وهو فتح مكة، أو فارس والروم وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ معطوف على محذوف أي قل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ الخ، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ والمعنى: اخبر عامة المؤمنين، بأن هذا الفضل العظيم عام، لكل من اتصف بما تقدم من الايمان وما بعده. قوله: (و في قراءة بالاضافة) أي وهي سبعية أيضا.\rقوله: (كما كان الحواريون كذلك) أي أنصار اللّه، والمعنى: كونوا أنصار اللّه معي، كما كان الحواريون أنصار اللّه لما سألهم عيسى بقوله: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ؟ قوله: نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ من إضافة الوصف إلى مفعوله، أي نحن الذين ننصر اللّه، أي ننصر دينه كما تقدم. قوله: (و قيل كانوا قصارين) فعلى هذا الحور قائم بالثياب، وعلى الأول قائم بذواتهم.\rقوله: فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مرتبط بمحذوف تقديره: فلما رفع عيسى إلى السماء، افترق الناس فيه فرقتين فَآمَنَتْ طائِفَةٌ الخ، وروي عن ابن عباس: لما رفع عيسى تفرق قومه ثلاث فرق، فرقة قالت:\rكان اللّه فارتفع، وفرقة قالت: كان ابن اللّه فرفعه اليه، وفرقة قالت: كان عبد اللّه ورسوله فرفعه، وهم المؤمنون، واتبع كل فرقة طائفة من الناس فاقتتلوا، وظهرت الفرقتان الكافرتان، حتى بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم، فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرتين، فلذلك قوله تعالى فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية. قوله:\r(فاقتتلت الطائفتان) أي وظهرت الكافرة، حتى بعث اللّه محمدا، ظهرت المؤمنة على الكافرة. روى المغيرة عن ابراهيم قال: وأصبحت حجة من آمن بعيسى عليه السّلام ظاهرة، بتصديق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أن عيسى عليه السّلام كلمة اللّه وعبده ورسوله.","part":4,"page":197},{"id":1788,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 198\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الجمعة مدنيّة وآياتها إحدى عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ينزهه، فاللام زائدة ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ في ذكر ما تغليب للأكثر الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ المنزه عما لا يليق به الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) في ملكه وصنعه هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ العرب، والأميّ من لا يكتب ولا يقرأ كتابا رَسُولًا مِنْهُمْ هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ القرآن وَيُزَكِّيهِمْ يطهرهم من الشرك وَيُعَلِّمُهُمُ\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الجمعة\rمدنية وهي إحدى عشرة آية أي بالاجماع، وقوله: (إحدى عشرة آية) أي بلا خلاف. قوله: (فاللام زائدة) أو للتعليل، والمعنى: يسبح ما في السماوات وما في الأرض لأجل وجهه تعالى، لا يقصدون غرضا من الأغراض، ففيه إشارة إلى أنه ينبغي للمكلفين أن يكونوا كذلك، وقد تقدم نظيره. قوله: الْمَلِكِ أي المتصرف في خلقه، بالايجاد والاعدام وغيرهما.\rقوله: (المنزه عما لا يليق به) أي من صفات الحوادث، وذكر الْقُدُّوسِ عقبه، دفعا لما يتوهم أنه يطرأ عليه نقص كالملوك.\rقوله: فِي الْأُمِّيِّينَ أي إليها، وكذا قوله: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ فهو على حد قوله: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ والحكمة في اقتصاره على الأميين، مع أنه رسول إلى كافة الخلق، تشريف العرب حيث أضيف اليهم. قوله: رَسُولًا مِنْهُمْ أي من جملتهم ومن نسبتهم، فما من حي من العرب، إلا وله فيهم قرابة، ولهم عليه ولادة، إلا بني تغلب، فإن اللّه طهره منهم لنصرانيتهم كما قاله ابن اسحاق، والحكمة في كونه صلّى اللّه عليه وسلّم أميا مثلهم، لكونه في كتب الأنبياء منعوتا بذلك، وأيضا لدفع توهم الاستعانة بالكتابة، على ما أتي به من الوحي، ليكون حاله مماثلة لحال أمته الذين بعث فيهم، فيكون أقرب إلى صدقه، وأبعد من التهم، لكن وصف الأمية كمال في حقه، نقص في حق غيره.\rقوله: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ حال من قوله: رَسُولًا. قوله: (يطهرهم من الشرك) أي يزيل","part":4,"page":198},{"id":1789,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 199\rالْكِتابَ القرآن وَالْحِكْمَةَ ما فيه من الأحكام وَإِنْ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي وإنهم كانُوا مِنْ قَبْلُ قبل مجيئه لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (2) بيّن وَآخَرِينَ عطف على الْأُمِّيِّينَ أي الموجودين مِنْهُمْ والآتين منهم بعدهم لَمَّا لم يَلْحَقُوا بِهِمْ في السابقة والفضل وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) في ملكه وصنعه وهم التابعون، والاقتصار عليهم كاف في بيان فضل الصحابة المبعوث فيهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على من عداهم ممن بعث إليهم وآمنوا به من جميع الإنس والجن إلى يوم القيامة، لأن كل قرن خير ممن يليه ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ النبي ومن ذكر معه وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ كلفوا العمل بها ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها لم يعملوا بما فيها من نعته صلّى اللّه عليه وسلّم، فلم يؤمنوا به كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً أي كتبا في عدم انتفاعه\r______________________________\rعنهم الشبه وفساد العقيدة حتى يصيروا أزكياء. قوله: (مخففة من الثقيلة) أي بدليل وقوع اللام في خبرها. قوله: (عطف على الأميين) أي فهو مجرور، والمعنى: بعث إلى المؤمنين الموجودين، إلى الآتين منهم بعدهم، فليست رسالته خاصة بمن كان موجودا في زمنه، بل هي عامة لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة، وما تقدم في الأميين من قوله: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ الخ،\rيجري في قوله: وَآخَرِينَ لكن التلاوة والتعليم والتزكية بنفسه لمن كان في زمنه، وبالواسطة لمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة. قوله: (أي الموجودين منهم) تفسير للأميين المعطوف عليه، وقوله: (و الآتين) تفسير لآخرين، وفي نسخة وآتين وهي مشاكلة لآخرين في عدم التعريف.\rقوله: لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ أي في السبق إلى الإسلام والشرف، وهذا النافي مستمر دائما، لأن الصحابة لا يلحقهم ولا يساويهم في فضلهم أحد ممن بعدهم، ولذا فسر لما بلم، وذلك لأن منفي (لم) أعم من كونه متوقع الحصول أو لا، بخلاف لَمَّا فمنفيها متوقع الحصول وليس مرادا. قوله:\r(و الاقتصار عليهم) أي على التابعين في تفسير الآخرين، وهو جواب عما يقال: ما حكمة الاقتصار على التابعين الذين هم أفضل ممن بعدهم، لزم منهم تفضيلهم على جميع الناس إلى يوم القيامة، لأن كل قرن خير مما يليه قوله: (ممن بعث إليهم) بيان لقوله: (من عداهم) وقوله: (من جميع) الخ، بيان لقوله: (ممن بعث إليهم).\rقوله: (لأن كل قرن) تعليل لقوله: (كاف). قوله: ذلِكَ أي ما ذكر من تفضيل الرسول وقومه. قوله: (النبي) تفسير لمن يشاء، وقوله: (و من ذكر معه) هم الأميون والآخرون.\rقوله: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ هذه قراءة العامة، وقرئ شذوذا حُمِّلُوا مخففا مبنيا للفاعل. قوله: (كلفوا بها) أي القيام بها، فليس هو من الحمل على الظهر، بل هو من الحمالة وهي الكفالة. قوله: كَمَثَلِ الْحِمارِ خص بالذكر لكونه أبلد الحيوانات. قوله: يَحْمِلُ بفتح الياء وكسر الميم مخففة، وهي قراءة العامة، وقرئ شذوذا يَحْمِلُ بضم الياء وفتح الميم مشددة، والجملة إما حال أو صفة، لأن القاعدة أن الجمل بعد ما يحتمل التعريف والتنكير، تكون محتملة للوصفية والحالية، فالحالية نظرا لصورة التعريف، والوصفية نظرا لجريان الحمار مجرى النكرة، لأن المراد به الجنس: قوله. (أي كتبا) أي كبارا جمع سفر وهو الكتاب الكبير. قوله: (في عدم انتفاعه بها) بيان لوجه الشبه. قوله: (مثل","part":4,"page":199},{"id":1790,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 200\rبها بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ المصدقة للنبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، والمخصوص بالذم محذوف تقديره هذا المثل وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) الكافرين قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (6) تعلق بتمنوا الشرطان على أن الأول قيد في الثاني، أي ان صدقتم في زعمكم أنكم أولياء للّه، والولي يؤثر الآخرة ومبدؤها الموت فتمنوه وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من كفرهم بالنبي المستلزم لكذبهم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) الكافرين قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ الفاء زائدة مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ السر والعلانية فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) فيجازيكم به يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ بمعنى في يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا فامضوا إِلى ذِكْرِ\r______________________________\rالْقَوْمِ فاعل بِئْسَ وقوله: الَّذِينَ كَذَّبُوا صفة للقوم. قوله: بِآياتِ اللَّهِ أي دلائل وحدانيته وعظمته. قوله: (الكافرين) أي الذين سبق في علمه كفرهم، وهذا المثل يضرب لكل من تحمل القرآن ولم يعمل به.\rقوله: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا أي تمسكوا باليهودية وهي ملة موسى عليه السّلام، وسبب نزولها: أن اليهود زعموا أنهم أبناء اللّه وأحباؤه، وادعوا أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودا، فأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يظهر كذبهم بتلك الآية. قوله: أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ هذه الجملة سدت مسد مفعولي زعم ولِلَّهِ متعلق بأولياء وكذا قوله: مِنْ دُونِ النَّاسِ. قوله: (تعلق بتمنوا الشرطان) أي وهما إِنْ زَعَمْتُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. قوله: (على أن الأول قيد في الثاني) أي شرط فيه، وهذا إشارة لقاعدة، وهي أنه إذا اجتمع شرطان، وتوسط الجواب بينهما، كان الأول قيدا في الثاني، وأما إن تأخر الجواب عنهما معا؛ أو تقدم عليهما معا، فإن الثاني يكون قيدا في الأول نحو: إن دخلت دار زيد، إن كلمت زوجته، فأنت طالق، فلا تطلق إلا بكلام الزوجة الكائن بعد دخول الدار، وأما دخول الدار وحده، أو الكلام خارج الدار، فلا تطلق به. قوله: (و مبدؤها) أي طريقها.\rقوله: وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ عبر هنا بلا، وفي البقرة بلن، حيث قال: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً إشارة إلى أنه نفى عنهم التمني، على كل حال مؤكدا كما في البقرة، وغير مؤكد كما هنا. قوله: بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ الباء سببية متعلقة بالنفي. قوله: (من كفرهم) بيان لما.\rقوله: الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ أي تخافون من تمنيه، مخافة أن ينزل بكم فتؤخذوا بأعمالكم. قوله: (الفاء زائدة) هذا أحد الوجهين، والثاني أنها داخلة لما تضمنه الاسم من معنى الشرط، وحكم الموصوف بالموصول حكم الموصول. قوله: (السر والعلانية) لفّ ونشر مرتب.\rقوله: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ المراد به الأذان عند جلوس الخطيب على المنبر، وذلك لأنه لم يكن في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نداء سواه، فكان له مؤذن واحد، إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد، فإذا نزل أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر وعلي بالكوفة على ذلك، حتى كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل، زاد أذانا آخر، فأمر بالتأذين أولا على داره التي تسمى الزوراء، فإذا سمعوا أقبلوا، حتى إذا جلس على المنبر أذن المؤذن ثانيا، ولم يخالفه أحد في ذلك الوقت لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي». قوله: (بمعنى في) هذا أحد وجهين، والثاني أنها بيان لإذا نودي وتفسير لها.","part":4,"page":200},{"id":1791,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 201\rاللَّهِ أي الصلاة وَذَرُوا الْبَيْعَ أي اتركوا عقده ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) أنه خير فافعلوه فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ أمر إباحة وَابْتَغُوا اطلبوا الرزق مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ ذكرا كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) تفوزون، كان صلّى اللّه عليه وسلّم يخطب يوم الجمعة، فقدمت عير، وضرب لقدومها الطبل على العادة، فخرج لها الناس من المسجد غير اثني عشر رجلا فنزل وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها أي التجارة، لأنها مطلوبهم دون اللهو\r______________________________\rقوله: يَوْمِ الْجُمُعَةِ بضمتين وهي قراءة العامة، وقرئ شذوذا بسكون الميم وفتحها، سميت بذلك لاجتماع الناس فيها للصلاة، وكانت العرب تسميه العروبة، واعلم أن أفضل الليالي: ليلة المولد، ثم ليلة القدر، ثم ليلة الإسراء، فالجمعة، فنصف شعبان، فالعيد، وأفضل الأيام: يوم عرفة، ثم يوم نصف شعبان، ثم الجمعة، والليل أفضل من النهار. قوله: (فامضوا) أشار بذلك إلى أنه ليس من السعي الإسراع في المشي، إذ ليس بمطلوب ولو خاف فوالتها، بل المراد به التوجه، والمشيء عند الذهاب أفضل من الركوب إن لم يكن عذر، وبعد انقضاء الصلاة لا بأس به. قوله: (أي اتركوا عقده) أي فالمراد بالبيع العقد بتمامه، فهو خطاب لكل من البائع والمشتري، ومثل البيع والشراء الاجارة والشفعة والتولية والاقالة، فإن وقعت حرمت وفسخت عند مالك، وعند الشافعي تحرم ولا تفسخ. قوله: ذلِكُمْ أي المذكور من السعي، وترك الاشتغال بالدنيا. قوله: (أنه خير) قدره إشارة إلى أن مفعول تَعْلَمُونَ محذوف، وقوله: (فافعلوه) جواب الشرط.\rقوله: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ أي أديت وفرغ منها. قوله: فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ أي للتجارة والتصرف في حوائجكم. قوله: (أمر إباحة) أي فالمعنى يباح لكم الانتشار في الأرض، فلا حرج عليكم في فعله ولا تركه. قوله: وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً أتى به ثانية، إعلاما بأن ذكر اللّه مأمور به في سائر الأحوال لا في خصوص الصلاة. قوله: (تفوزون) أي تظفرون بسعادتكم.\rقوله: (كان صلّى اللّه عليه وسلّم) الخ، شروع في بيان سبب نزول قوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً الخ. قوله: (يخطب يوم الجمعة) أي بعد الصلاة كالعيدين.\rقوله: (فقدمت عير) أي من الشام قدم بها دحية بن خليفة الكلبي، وكان الوقت وقت غلاء في المدينة، وكان في تلك القافلة جميع ما يحتاج اليه الناس، من بر ودقيق وزيت وغيرها، فنزل بها عند أحجار الزيت، موضع بسوق المدينة، وضرب الطبل ليعلم الناس بقدومه فيبتاع منه، وقيل: الضارب للطبل أهل المدينة على العادة في أنهم كانوا يستقبلونها بالطبل والتصفيق، وقيل: أهل القادم بها، قال قتادة:\rبلغنا أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، كل مرة تقدم العير من الشام، ويوافق قدومها يوم الجمعة وقت الخطبة. قوله: (غير اثني عشر رجلا) وفي رواية: أن الذين بقوا معه أربعون رجلا، وفي أخرى أنهم ثمانية، وفي أخرى أنهم أحد عشر، وفي أخرى أنهم ثلاثة عشر، وفي أخرى أنهم أربعة عشر، وهذا منشأ الخلاف بين الأئمة في العدد الذي تنعقد به الجمعة، فصح عند مالك أنهم اثنا عشر، وصح عند الشافعي أنهم أربعون، ورد في الحديث أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد، لسال بكم الوادي نارا».\rقوله: انْفَضُّوا إِلَيْها أي والذي سوغ لهم الخروج، وترك رسول اللّه يخطب، أنهم ظنوا أن الخروج بعد تمام الصلاة جائز، لانقضاء المقصود وهو الصلاة، لأنه كان يقدم الصلاة على الخطبة كالعيدين، فلما","part":4,"page":201},{"id":1792,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 202\rوَتَرَكُوكَ في الخطبة قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ من الثواب خَيْرٌ للذين آمنوا مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11) يقال: كل إنسان يرزق عائلته، أي من رزق اللّه تعالى.\r______________________________\rوقعت هذه الواقعة ونزلت الآية، قدم الخطبة وأخر الصلاة. قوله: (لأنها مطلوبهم) جواب عما يقال: لم أفرد الضمير مع أن المتقدم شيئان ويجاب أيضا: بأنه أفرد لأن العطف بأو، وخص ضمير المؤنث لما قاله المفسر.\rقوله: وَتَرَكُوكَ قائِماً الجملة حالية من فاعل انْفَضُّوا وفي قوله: قائِماً إشارة إلى أن الخطبة تكون من قيام لا من جلوس، قال علقمة: سئل ابن مسعود، كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يخطب قائما أو قاعدا؟ فقال: أما تقرأ وَتَرَكُوكَ قائِماً قال جمهور العلماء: الخطبة فريضة في صلاة الجمعة، وقال داود الظاهري: هي مستحبة، ويجب أن يخطب الامام قائما خطبتين يفصل بينهما بجلوس، وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يشترط القيام ولا القعود، ويشترط الطهارة في الخطبة عند الشافعي في أحد القولين، وأقل ما يقع عليه اسم الخطبة، أن يحمد اللّه تعالى، ويصلي على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ويوصي بتقوى اللّه، هذه الثلاث شروط في الخطبتين جميعا، ويجب أن يقرأ في الأولى آية من القرآن، ويدعو للمؤمنين في الثانية، ولو ترك واحدة من هذه الخمسة، لم تصح خطبته ولا جمعته عند الشافعي، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لو أتى بتسبيحة أو تحميدة أو تكبيرة أجزأه، وذهب مالك إلى أنه ما يقع عليه عند العرب اسم الخطبة، وهو كلام مسجع مشتمل على تحذير وتبشير.\rقوله: قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ الخ، أي قل لهم تأديبا وزجرا لهم عن العود لمثل هذا الفعل. قوله: (من الثواب) بيان لما، والمراد به الثبات مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: خَيْرٌ اسم التفضيل باعتبار أن في اللهو والتجارة لذة دنيوية. قوله: (يقال كل إنسان) الخ، أشار بذلك إلى أن اسم التفضيل على بابه، فالرازقون متعددون لكن على سبيل المجاز، وإلا فالرازق حقيقة هو اللّه وحده. قوله: (عائلته) أي عياله. قوله:\r(أي من رزق اللّه) تصحيح لهذا القول المذكور، والمعنى: ليس المراد به أن كل إنسان يرزق عائلته بالاستقلال وبحوله وقوته، بل من رزق اللّه تعالى يجري على يديه.","part":4,"page":202},{"id":1793,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 203\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة المنافقون مدنيّة وآياتها إحدى عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا بألسنتهم على خلاف ما في قلوبهم نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ يعلم إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (1)\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة المنافقون\rمدنية وهي إحدى عشرة آية هكذا بالواو على الحكاية، وفي بعض النسخ بالياء. قوله: (مدنية) أي بالاجماع، وكذا قوله:\r(إحدى عشرة آية).\rقوله: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ أي حضروا عندك عبد اللّه بن أبي وأصحابه، وجواب الشرط قوله: قالُوا وهو الأظهر، وقيل: جوابه محذوف، أي فلا تقبل منهم، وقيل: الجواب قوله: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً وهو بعيد، وسبب نزول هذه السورة، أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما غزا بني المصطلق، وازدحم الناس على الماء، اقتتل رجلان، أحدهما من المهاجرين جهجاه بن أسيد، وكان أجيرا لعمر، يقود له فرسه، والثاني من الأنصار اسمه سنان الجهني، كان حليفا لعبد اللّه بن أبي اقتتلا، صاح جهجاه بالمهاجرين، وسنان بالأنصار، فأعان جهجاها رجل من فقراء المهاجرين ولطم سنانا، فقال عبد اللّه بن أبي: ما صحبنا محمدا إلا لتلطم وجوهنا، واللّه ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، أما واللّه لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم قال لقومه: ما فعلتم بأنفسكم، قد أنزلتموهم بلادكم، وقاسمتموهم في أموالكم، أما واللّه لو أمسكتم عنهم فضل الطعام لتحولوا من عندكم، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد، فسمع ذلك زيد بن أرقم فبلغه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم لعبد اللّه: أنت صاحب الكلام الذي بلغني عنك؟ فحلف أنه ما قال شيئا وأنكر، فهو قوله:\rاتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً الخ، فنزلت السورة.\rقوله: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ يحتمل أن الشهادة على بابها نفيا للنفاق عن أنفسهم، ويحتمل أن نَشْهَدُ بمعنى نحلف. قوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ جملة معترضة بين قولهم نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وبين قوله: وَاللَّهُ يَشْهَدُ الخ، وحكمة الاعتراض، أنه لو اتصل التكذيب بقولهم، لربما توهم أن","part":4,"page":203},{"id":1794,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 204\rفيما أضمروه مخالفا لما قالوه اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً سترة على أموالهم ودمائهم فَصَدُّوا بها عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي عن الجهاد فيهم إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (2) ذلِكَ أي سوء عملهم بِأَنَّهُمْ آمَنُوا باللسان ثُمَّ كَفَرُوا بالقلب، أي استمروا على كفرهم به فَطُبِعَ ختم عَلى قُلُوبِهِمْ بالكفر فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (3) الإيمان وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ لجمالها وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ لفصاحته كَأَنَّهُمْ من عظم أجسامهم في ترك التفهم خُشُبٌ بسكون الشين وضمها مُسَنَّدَةٌ ممالة إلى الجدار يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ تصاح كنداء في العسكر وإنشاد ضالة عَلَيْهِمْ لما في قلوبهم من الرعب أن ينزل فيهم ما يبيح دماءهم هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ فإنهم يفشون سرك للكفار قاتَلَهُمُ اللَّهُ أهلكهم أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) كيف يصرفون عن الإيمان بعد قيام البرهان وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا معتذرين يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا بالتشديد\r______________________________\rقولهم في حد ذاته كذب، فأتى بالاعتراض لدفع الابهام. قوله: (فيما أضمروه) أي من أنك غير رسول، وسماه كذبا باعتبار هذا الذي أضمروه، هذا ما أفاده المفسر، وقيل: كذبهم هو قولهم نَشْهَدُ لأن صدقها كونها من صميم القلب، وقولهم خلاف ما في القلب.\rقوله: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ بفتح الهمزة في قراءة العامة جمع يمين، وقرئ شذوذا بكسرها بمعنى دعواهم إلى الايمان والتصديق بما جاء به محمد.\rقوله: جُنَّةً بضم الجيم أي وقاية. قوله: ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ساءَ كبئس في إفادة الذم، وفيها معنى التعجيب.\rقوله: بِأَنَّهُمْ آمَنُوا (باللسان) الخ، جواب عما يقال: إن المنافقين لم يحصل منهم إيمان أصلا، بل هم ثابتون على الكفر، وايضاحه أن ثم للترتيب الاخباري، معناه أنهم آمنوا بألسنتهم وكفروا بقلوبهم. قوله: (لجمالها) قال ابن عباس: كان ابن أبي جسيما صحيحا فصيحا طلق اللسان، وكان قوم من المنافقين مثله، وهم رؤساء المدينة، وكانوا يحضرون مجلس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ويستندون فيه إلى الجدر، وكان النبي ومن حضر يعجبون بهياكلهم.\rقوله: وَإِنْ يَقُولُوا أي يتكلموا في مجلسك. قوله: تَسْمَعْ أي تسمع بمعنى تصرخ. قوله: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ الجملة حالية من الضمير في قولهم أو مستأنفة.\rقوله: (في ترك التفهم) هذا بيان لوجه الشبه، والمعنى أنهم يشبهون الأخشاب المسندة إلى الحائط، في كونهم أشباحا خالية عن العلم والنظر. قوله: (بسكون الشين وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ أي إنهم من سوء ظنهم ورعب قلوبهم، يظنون كل نداء في العسكر، من إنشاد ضالة، أو مناداة صاعقة عليهم، وأنهم يرادون بذلك، فمقتضى كلام المفسر أن عَلَيْهِمْ مفعول ثان ليحسبون، وقوله: هُمُ الْعَدُوُّ جملة مستأنفة. قوله: (لما في قلوبهم من الرعب) متعلق بيحسبون. قوله: (أن ينزل فيهم) متعلق بالرعب. والمعنى لما في قلوبهم من الرعب من أن ينزل فيهم قرآن، يكون سببا لإباحة دمائهم. قوله: فَاحْذَرْهُمْ مرتب على قوله: هُمُ الْعَدُوُّ. قوله:\rقاتَلَهُمُ اللَّهُ إخبار بهلاكهم أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك. قوله: (أهلكهم) وقيل: معناه لعنهم وأبعدهم عن رحمته. قوله: (بعد قيام البرهان) أي على حقيقة الإيمان.","part":4,"page":204},{"id":1795,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 205\rوالتخفيف عطفوا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ يعرضون عن ذلك وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ استغنى بهمزة الاستفهام عن همزة الوصل أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (6) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لأصحابهم من الأنصار لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ من المهاجرين حَتَّى يَنْفَضُّوا يتفرقوا عنه وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بالرزق فهو الرازق للمهاجرين وغيرهم وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا أي من غزوة بني المصطلق إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ عنوا به أنفسهم\r______________________________\rقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا الخ، روي أنه نزل القرآن بفضيحتهم وكذبهم، أتاهم عشائرهم من المؤمنين وقالوا: ويحكم افتضحتم وأهلكتم أنفسكم، فأتوا رسول اللّه وتوبوا اليه من النفاق، واسألوه أن يستغفر لكم، فلووا رءوسهم، أي حركوها إعراضا وإباء، وروي أن ابن أبي لوى رأسه وقال لهم: قد أشرتم علي بالإيمان فآمنت، وبإعطاء زكاة مالي ففعلت، ولم يبق إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد، فنزل وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا الخ، فلم يلبث ابن أبي إلا أياما قلائل، حتى اشتكى ومات منافقا. قوله:\r(بالتخفيف والتشديد) قراءتان سبعيتان. قوله: وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ رأى بصرية، وجملة يَصُدُّونَ حال من الهاء، وقوله: وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ حال من الواو في يَصُدُّونَ. قوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ الخ، هذا تيئيس من إيمانهم، أي استغفارك وعدمه سواء، فهم لا يؤمنون لسبق الشقاوة لهم. قوله: (استغنى) أي في التوصل للنطق بالساكن قوله: (بهمزة الاستفهام) أشار بذلك إلى أن قراءة العامة بفتح الهمزة من غير مد، وهي في الأصل همزة الاستفهام، والآن همزة التسوية.\rقوله: الْفاسِقِينَ أي الكافرين الذين سبق في علم اللّه كفرهم.\rقوله: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ الخ، استئناف جار مجرى التعليل لفسقهم. قوله: (من الأنصار) أي المخلصين في الإيمان، وصحبتهم للمنافقين بحسب ظاهر الحال. قوله: عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ الظاهر أنه حكاية ما قالوه بعينه، لأنهم منافقون يقرون برسالته ظاهرا، ويحتمل أنهم عبروا بغير هذه العبارة، فغيرها اللّه إجلالا لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: حَتَّى يَنْفَضُّوا أي لأجل أن يتفرقوا، بأن يذهب كل واحد منهم إلى أهله وشغله بالمعاش. قوله: وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الجملة حالية، أي قالوا ما ذكر، والحال أن الرزق بيده تعالى لا بأيديهم، فالمعطي المانع هو اللّه تعالى، وإذا سد باب يفتح اللّه عشرة. قوله: لا يَفْقَهُونَ أي لا يفهمون أن للّه خزائن السماوات والأرض.\rقوله: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا الخ، حكاية لبعض قبائحهم التي قالوها. قوله: (من غزة بني المصطلق) وكانت في السنة الرابعة، وقيل في الثالثة، وسببها أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بلغه أن بني المصطلق يجتمعون لحربه، وقائدهم الحرث بن أبي ضرار، وهو أبو جويرية زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فلما سمع بذلك، خرج اليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع، من ناحية قديد إلى الساحل فوقع القتال، فهزم اللّه بني المصطلق، وأمكن رسوله من أبنائهم ونسائهم وأموالهم، وكان سبيهم سبعمائة، فلما أخذ النبي جويرية من السبي لنفسه أعتقها وتزوجها، فقال المسلمون: صار بنو المصطلق أصهار رسول اللّه، فأطلقوا ما بأيديهم من السبي إكراما لرسول اللّه، ولهذا قالت عائشة رضي اللّه عنها: ما أعلم امرأة كانت أعظم","part":4,"page":205},{"id":1796,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 206\rمِنْهَا الْأَذَلَ عنوا به المؤمنين وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ الغلبة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (8) ذلك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ تشغلكم أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ الصلوات الخمس وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا في الزكاة مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا بمعنى هلا، أو لا زائدة ولو للتمني أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ بإدغام التاء، في الأصل في الصاد أتصدق بالزكاة وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) بأن أحج، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: ما قصر أحد في الزكاة والحج، إلا سأل الرجعة عند الموت وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (11) بالتاء والياء.\r______________________________\rبركة على قومها من جويرية، ولقد اعتق بتزويج رسول اللّه لها مائة أهل بيت من بني المصطلق.\rقوله: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ الجملة حالية، أي قالوا ما ذكر، والحال أن العزة للّه الخ، وعزة اللّه قهره وغلبته لأعدائه، وعزة رسوله اظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين نصر اللّه إياهم على أعدائهم.\rقوله: وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ختم هذه الآية بلا يعلمون، وما قبلها بلا يفقهون، لأن الأول متصل بقوله: وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وفي معرفتها غموض يحتاج إلى فقه، فناسب نفي الفقه، وهذا متصل بقوله: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ الخ، وفي معرفته غموض زائد يحتاج إلى علم، فناسب نفي العلم عنهم.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ، نهي للمؤمنين عن التشبه بالمنافقين، في الاغترار بالأموال والأولاد. قوله: (الصلوات الخمس) هذا قول الضحاك، وقال الحسن: عن جميع الفرائض، وقيل عن الحج والزكاة، وقيل عن قراءة القرآن، وقيل عن سائر الأذكار وهو الأتم. قوله: فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ أي لإيثارهم الفاني على الباقي، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر اللّه وما والاه وعالما ومتعلما». قوله: مِمَّا رَزَقْناكُمْ من تبعيضية، وفي التبعيض بإسناد الرزق منه تعالى إلى نفسه، زيادة ترغيب في الامتثال، حيث كان الرزق له تعالى بالحقيقة، ومع ذلك اكتفى منهم ببعضه.\rقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي أماراته ومقدماته.\rقوله: فَيَقُولَ رَبِ معطوف على أَنْ يَأْتِيَ مسبب عنه. قوله: (بمعنى هلا) أي التي معناها التحضيض، ويخص بما لفظه ماض، وهو في تأويل المضارع كما هنا، واللائق هنا أن تكون بمعنى العرض الذي هو الطلب بلين ورفق، لاستحالة معنى التحضيض هنا الطلب بحث وإزعاج. قوله: (و لو التمني) أي والتقدير على هذا، ليتك أخرتني إلى أجل قريب. قوله: إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ أي زمن قليل، فأستدرك فيه ما فاتني. قوله: (بالزكاة) أي وبكل حق واجب، كالديون وحقوق العباد. قوله: وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ يرسم بدون واو كما في خط المصحف، وأما في اللفظ ففيه قراءتان سبعيتان إثبات الواو والنصب بالعطف على فَأَصَّدَّقَ المنصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية في جواب العرض، أو التمني وحذف الواو والجزم بالعطف على فَأَصَّدَّقَ لملاحظة جزمها في جواب الطلب، أي إن أخرتني أصدق وأكن. قوله: (عند الموت) أي رؤية امارته كما تقدم.\rقوله: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً جملة مستأنفة جواب","part":4,"page":206},{"id":1797,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 207\r.......\r______________________________\rعن سؤال مقدر تقديره هل يؤخر هذا المتمني؟ فقال وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً الخ، وهو نكرة في سياق النفي تعم. قوله: (بالياء والتاء) أي فالباء لمناسبة قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ والتاء المثناة فوق لمناسبة قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ.\r- تتمة- استنبط بعضهم من هذه الآية عمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، لأن السورة تمام ثلاث وستين، وعقبت بالتغابن الذي هو ظهور الغبن بوفاته صلّى اللّه عليه وسلّم وهو من المعاني الإشارية.","part":4,"page":207},{"id":1798,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 208\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة التغابن مدنيّة وآياتها ثماني عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي ينزهه، فاللام زائدة، وأتى بما دون من تغليبا للأكثر لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ في أصل الخلقة ثم يميتهم ويعيدهم على ذلك وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ إذ جعل شكل\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة التغابن\rمكية أو مدنية وهي ثمان عشرة آية أي إلا قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ إلى آخر السورة، لأنها نزلت بالمدينة باتفاق المفسرين، وهذا قول ابن عباس وغيره. قوله: (أو مدنية) وهو قول الأكثر. قوله: (فاللام زائدة) أي أو للتعليل كما تقدم.\rقوله: لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ قدم الجار والمجرور فيهما، لافادة حصر الملك والحمد فيه سبحانه وتعالى حقيقة، وأما نسبة الملك والحمد لغيره تعالى فبطريق المجاز. قوله: وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كالدليل لما قبله.\rقوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ أي تعلقت إرادته بخلقكم أزلا، وقوله: فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ أي بحسب تعلق قدرته وإرادته، فما قدر أزلا من كفر وإيمان، لا بد وأن يموت الشخص عليه، لما في الحديث: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». واعلم أن القسمة رباعية: شخص كتب سعيدا في الأزل، ويظهر مؤمنا ويموت عليه. وشخص كتب شقيا في الأزل، فيعيش كافرا ويموت كذلك، وشخص كتب سعيدا في الأزل، فيعيش كافرا ويختم له بالإيمان، وهذه الثلاثة كثيرة الوقوع.\rوشخص يعيش مؤمنا، ويختم له بالكفر، وذلك أندر من الكبريت الأحمر. وبالجملة فالخاتمة تظهر السابقة، لأن ما قدر في الأزل، لا يغير ولا يبدل. قوله: (ثم يميتهم ويعيدهم) فيه التفات من الخطاب","part":4,"page":208},{"id":1799,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 209\rالآدمي أحسن الأشكال وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (4) بما فيها من الأسرار والمعتقدات أَلَمْ يَأْتِكُمْ يا كفار مكة نَبَأُ خبر الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ عقوبة كفرهم في الدنيا وَلَهُمْ في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ (5) مؤلم ذلِكَ أي عذاب الدنيا بِأَنَّهُ ضمير الشأن كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ الحجج الظاهرات على الإيمان فَقالُوا أَبَشَرٌ أريد به الجنس يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا عن الإيمان وَاسْتَغْنَى اللَّهُ عن إيمانهم وَاللَّهُ غَنِيٌ عن خلقه حَمِيدٌ (6) محمود في أفعاله زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ مخففة واسمها محذوف أي أنهم لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ القرآن الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ\r______________________________\rللغيبة، وإلا فمقتضى الظاهر أن يقول: ثم يميتكم ويعيدكم.\rقوله: بِالْحَقِ أي الحكمة البالغة لا عبثا. قوله: (إذ جعل شكل الآدمي أحسن الأشكال) أي فجعل رأسه لأعلى، ورجليه لأسفل، وذراعيه في جنبيه، وجعله منتصب القامة. إن قلت: قد يوجد كثير من الناس مشوه الخلق. أجيب: بأن التشويه بالنسبة لأبناء جنسه، لا بالنسبة لصور البهائم مثلا، إذ لو قابلت بين الصورة المشوهة، وبين صورة الغزال، لرأيت صورة البشر المشوهة أحسن.\rقوله: يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الخ، الحكمة في عدم تكرير الموصول هنا، وقد كرره في قوله: يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وفي قوله: وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ أن تسبيح ما في السماوات مغاير لتسبيح ما في الأرض، وكذا ما يسرونه مغاير لما يعلنونه لأن المقصود منه تخويف المكلفين، لا ثبوت إحاطة العلم، فكرر الموصول لذلك، ولما كان المقصود من قوله: يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثبوت إحاطة العلم بذلك، لم يكرر الموصول.\rقوله: أَلَمْ يَأْتِكُمْ استفهام توبيخ أو تقرير. قوله: فَذاقُوا عطف على كَفَرُوا عطف مسبب على سبب. قوله: (أي عذاب الدنيا) أي والآخرة، فاسم الاشارة عائد على ما ذكر.\rقوله: فَقالُوا أَبَشَرٌ عطف على كانَتْ والمعنى: قال كل فريق من المذكورين، في حق رسولهم الذي أتاهم: أبشر يهدينا؟ وبهذا المعنى صح الجمع في قوله: أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا وإلا فمقتضى الظاهر أن يقول يهدينا. قوله: فَكَفَرُوا الفاء سببية، والمعنى كفروا بسبب هذا القول. قوله: وَاسْتَغْنَى اللَّهُ أي ظهر غناه عن إيمانهم لأنه لا ينفعه، كما أن كفرهم لا يضره، فكل من الكفر والايمان واقع بإرادة اللّه تعالى، وهو المستغنى عن كل ما سواه، فلا يسأل عما يفعل.\rقوله: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا الخ، الزعم ادعاء العلم كذبا، وهو يتعدى إلى مفعولين، فجملة أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا سادة مسدهما، والمراد بهم أهل مكة. قوله: (مخففة) أي لا ناصبة، لئلا يتوالى ناصبان.\rقوله: قُلْ بَلى أي تبعثون، لأن بَلى يجاب بها النفي فيصير إثباتا، فهي متضمنة للجواب، وإنما أعاده توصلا لتوكيده بالقسم، وعطف ما بعده عليه. قوله: وَذلِكَ أي المذكور من البعث والحساب.\rقوله: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ خطاب لكفار مكة، والفاء واقعة في جواب شرط مقدر، أي إذا كان الأمر","part":4,"page":209},{"id":1800,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 210\rبِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) اذكر يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ يوم القيامة ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ يغبن المؤمنون الكافرين بأخذ منازلهم وأهليهم في الجنة لو آمنوا وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ وفي قراءة بالنون في الفعلين جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا القرآن أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (10) هي ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ بقضائه وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ في قوله: إن المصيبة بقضائه يَهْدِ قَلْبَهُ للصبر عليها وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (12) البيّن اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (13) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ تطيعوهم في التخلف عن الخير كالجهاد والهجرة، فإن سبب نزول الآية الإطاعة في ذلك وَإِنْ\r______________________________\rكذلك فآمنوا الخ. قوله: (القرآن) أي لأنه ظاهر في نفسه مظهر لغيره.\rقوله: لِيَوْمِ الْجَمْعِ سمي بذلك لأن اللّه يجمع فيه بين الأولين والآخرين، من الإنس والجن وجميع أهل السماء والأرض. قوله:\r(يغبن المؤمنون) الخ، أشار بذلك إلى أن التفاعل ليس على بابه، فإن الكفار إذا أخذوا منازل المؤمنين في النار، لو ماتوا كفارا، ليس بغبن للمؤمنين، بل هو سرور لهم، وما قاله المفسر مأخوذ من حديث: «ما من عبد يدخل الجنة إلا رأى مقعده من النار لو أساء، ليزداد شكرا، وما من عبد يدخل النار إلا رأى مقعده من الجنة لو أحسن، ليزداد حسرة». قوله: (لو آمنوا) بيان للإضافة في قوله: (منازلهم وأهليهم). قوله:\rوَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ الخ، بيان لوجه التغابن وتفصيل له، لأن في ذلك ذكر منازل السعداء والأشقياء.\rقوله: (بالنون في الفعلين) أي نكفر وندخل، وعلى هذه القراءة فيه التفات من الغيبة للتكلم. قوله:\rذلِكَ أي المذكور من تكفير السيئات وإدخاله الجنات.\rقوله: ما أَصابَ مفعول محذوف أي أحدا، ومِنْ مُصِيبَةٍ فاعل بزيادة مِنْ. قوله:\rوَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ أي إيمانا خاصا، وهو التصديق بأن كل شيء بقضاء وقدر. قوله: (في قوله) أي في قول القائل: إن المصيبة بقضاء اللّه، والمعنى يكن قلبه مطمئنا مصدقا بهذا القول، لا مجرد قوله: إنا للّه وإنا إليه راجعون باللسان، فلا يعطى به فضيلة الصبر على المصيبة. قوله: يَهْدِ قَلْبَهُ أي للثبات والاسترجاع عند نزولها.\rقوله: وَأَطِيعُوا اللَّهَ أي في جميع الأوقات، ولا تشغلكم المصائب عن الطاعة.\rقوله: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ شرط حذف جوابه تقديره فلا ضرر ولا بأس على رسولنا، وقوله: فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الخ، تعليل لذلك المحذوف.\rقوله: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ مبتدأ وخبر، وقوله: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ تحريض وحث للنبي على التوكل على اللّه والالتجاء اليه، وفيه تعليم للأمة ذلك.\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ الخ، أي بعضهم، والمراد بالأزواج ما يشمل الذكور، فكما أن الرجل تكون زوجته عدوا له، كذلك المرأة يكون زوجها عدوا لها. قوله: عَدُوًّا لَكُمْ أي يشغلكم عن طاعة اللّه. قوله: (أن تطيعوهم) أشار بذلك إلى تقدير مضاف، أي فاحذروا طاعتهم قوله: (فإن سبب نزول الآية) الخ، علة لقوله: (كالجهاد والهجرة) أي فسبب نزول الآية، أن رجالا أسلموا من أهل مكة، وأرادوا أن يهاجروا إلى","part":4,"page":210},{"id":1801,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 211\rتَعْفُوا عنهم في تثبيطهم إياكم عن ذلك الخير معتلين بمشقة فراقكم عليهم وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ لكم شاغلة عن أمور الآخرة وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فلا تفوتوه باشتغالكم بالأموال والأولاد فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ناسخة لقوله اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَاسْمَعُوا ما أمرتم به سماع قبول وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا في الطاعة خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ خبر يكن مقدرة جواب الأمر وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ\r______________________________\rالنبي، فمنعهم أزواجهم وأولادهم وقالوا: صبرنا على إسلامكم، فلا صبر لنا على فراقكم، فأطاعوهم وتركوا الهجرة، وقيل نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، فأراد أن يغزو، فبكوا اليه ووقفوه وقالوا له: إلى من تدعنا؟ فرق عليهم وأقام عن الغزو، وهذا معنى قول المفسر، كالجهاد والهجرة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيدخل في ذلك جميع أنواع الطاعات، فلا يطبع الأزواج ولا الأولاد في التكاسل عن أي طاعة كانت، بل حقوق اللّه مقدمة على كل حق.\rقوله: وَإِنْ تَعْفُوا الخ، أي تتركوا عقابهم بترك الإنفاق عليهم، وذلك أنه من تخلف عن الهجرة والجهاد، بسبب منع أهله وأولاده قد تنبه بعد ذلك، فرأى غيره من الصحابة قد سبقه للخير، فندم وعزم على عقاب أهله وأولاده بترك الإنفاق عليهم، فأنزل وَإِنْ تَعْفُوا الخ. قوله: (في تثبيطهم) أي شغلهم إياكم وتكسيلهم لكم.\rقوله: إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ أي ابتلاء واختبار من اللّه لكم، وهو أعلم بما في نفوسكم منكم، لكن ليظهر في عالم الشهادة من يشغله ذلك عن الحق، فيكون عليه نقمة ممن لا يشغله، فيكون عليه نعمة، وقدم المال لأن فتنته أشد، ويكفي في فتنته قصة ثعلبة بن حاطب النازل فيه قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ الآية، قال الحسن: أدخل مِنْ التي للتبعيض في قوله: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ الخ، لأنهم كلهم ليسوا بأعداء بل البعض منهم، ولم يدخلها في قوله: إِنَّما أَمْوالُكُمْ الخ لأنهما لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما، فمن رجع إلى اللّه تعالى، ولم يلتفت إلى ماله وولده وجاهد نفسه فقد فاز، ومن تتبع الشغل بالمال والولد وافتتن بهما فقد هلك.\rقوله: أَجْرٌ عَظِيمٌ وهو الجنة. قوله: (ناسخة لقوله اتقوا اللّه حق تقاته) أي ومعناها: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، ولذلك لما نزلت الآية قالت الصحابة: ومن يعرف قدر اللّه فيتقيه حق تقاته، وضايق بعضهم نفسه في العبادة، حتى تورمت قدماه من طول القيام، فخفف اللّه عنهم فنزلت فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وما قاله المفسر أحد قولين، وقيل إنها ليست ناسخة بل مبينة لها، فآية اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ مجملة، وآية فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ مفصلة لها، غير أن الاستطاعة مختلفة باختلاف الأشخاص، فكل يبذل وسعه وطاقته في طاعة ربه، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فليست الاستطاعة في الناس سواء، وبالجملة فالتكليف بهذه الآية لا بآية اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ سواء قلنا إنها منسوخة أو محكمة. قوله: (خبر يكن) أو مفعول لفعل محذوف تقديره يؤتكم خيرا وهو الأولى، لأن حذف كان واسمها مع بقاء الخبر، إنما يكثر بعد إن ولو.\rقوله: (جواب الأمر) أي وهو قوله:\rوَأَنْفِقُوا. قوله: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ الشح كراهة فعل الخير والمعروف، وينشأ عن البخل وهو الإمساك.","part":4,"page":211},{"id":1802,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 212\rالْمُفْلِحُونَ (16) الفائزون إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً بأن تتصدقوا عن طيب قلب يُضاعِفْهُ لَكُمْ وفي قراءة يضعفه بالتشديد بالواحدة عشرا إلى سبعمائة وأكثر وَيَغْفِرْ لَكُمْ ما يشاء وَاللَّهُ شَكُورٌ مجاز على الطاعة حَلِيمٌ (17) في العقاب على المعصية عالِمُ الْغَيْبِ السر وَالشَّهادَةِ العلانية الْعَزِيزُ في ملكه الْحَكِيمُ (18) في صنعه.\r______________________________\rقوله: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً سماه قرضا ترغيبا في الصدقة، حيث جعلها قرضا للّه، مع أن العبد إنما يقرض نفسه لأن النفع عائد عليه، وفيه تنزل من اللّه تعالى لعباده، حيث أعطاهم المال، وأمرهم بالإنفاق منه، وسمى إنفاقهم قرضا له، فمن احسانه عليك خلق ونسب اليك، وهذا الخطاب يعم الأغنياء والفقراء، فالأغنياء مخاطبون بالإقراض في بذل أموالهم وأنفسهم، والفقراء مخاطبون بالإقراض في بذل أنفسهم، فهو تعليم لهم الاخلاص في أعمالهم. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (مجاز على الطاعة) أي بالكثير على القليل. قوله: حَلِيمٌ (في العقاب على المعصية) أي فلا يعجل بالعقوبة على من عصاه. قوله: (السر) أي ما في القلوب، وقوله: (و العلانية) أي ما أظهره الانسان.\rقوله: الْعَزِيزُ أي الغالب على أمره. قوله: الْحَكِيمُ أي الذي يضع الشيء في محله.","part":4,"page":212},{"id":1803,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 213\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الطّلاق مدنيّة وآياتها اثنتا عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُ المراد وأمّته بقرينة ما بعده أو قل لهم إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ أي أردتم الطلاق فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ لأولها، بأن يكون الطلاق في طهر لم تمس\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الطلاق\rمدنية وهي ثلاث عشرة آية قوله: (ثلاث عشرة آية) هذا أحد أقوال في عدد آياتها، وقيل: اثنتا عشرة، وقيل: إحدى عشرة.\rقوله: (المراد وأمته) أشار بذلك إلى أن في الكلام حذف الواو مع ما عطفت على حد سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وإنما اقتصر على خطاب النبي، لأنه الرئيس الكامل، وفي بعض النسخ المراد أمته، أي إن لفظ النبي أطلق وأريد به أمته مجازا.\rقوله: (بقرينة ما بعده) أي وهو الجمع في قوله: طَلَّقْتُمُ وفي قوله:\rفَطَلِّقُوهُنَّ. قوله: (أو قل لهم) هذا احتمال ثان في توجه الخطاب، ومحصله أن المخاطب حقيقة هو النبي وحده، ولكن حذف منه الأمر كأنه قال: يا أيها النبي قل لأمتك الخ، وفي الحقيقة، يؤخذ من المفسر ثلاث احتمالات على اختلاف النسخ، وبقي احتمال رابع، وأن الخطاب هو للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أولا وآخرا بلفظ الجمع تعظيما وتفخيما، وسبب نزولها: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم طلق حفصة رضي اللّه عنها، فأتت أهلها، فأنزل اللّه تعالى عليه يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ وقيل له راجعها فإنها صوامة قوامة، وهي من أزواجك في الجنة، وورد: تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الطلاق يهتز منه العرش. وورد: لا تطلقوا النساء إلا من ريبة، فإن اللّه عزّ وجل لا يحب الذواقين ولا الذواقات. وورد: ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق. قوله: (أردتم الطلاق) دفع بذلك ما يقال: إن قوله: فَطَلِّقُوهُنَ تحصيل للحاصل، والمراد بالنساء المدخول بهن ذوات الأقراء، أما غير المدخول بهن، فلا عدة عليهن بالكلية، وأما ذوات الأشهر والحوامل فسيأتين. قوله: لِعِدَّتِهِنَ اللام للتوقيت كهي في قوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ والمعنى طلقوهن في وقت يصلح فيه ابتداء عدتهن، وهو ما أشار له بقوله: (بأن يكون) الخ. قوله: (في طهر) أي وأما في الحيض فهو حرام، بدليل أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده وهو واقع، لأن النهي إذا كان لأمر خارج لا يستلزم الفساد، وهنا كذلك، لأن علة النهي تطويل العدة عليها.","part":4,"page":213},{"id":1804,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 214\rفيه لتفسيره صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك، رواه الشيخان وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ احفظوها لتراجعوا قبل فراغها وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ أطيعوه في أمره ونهيه لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ منها حتى تنقضي عدتهن إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ زنا مُبَيِّنَةٍ بفتح الياء وكسرها، أي بينت، أو هي بينة، فيخرجن لإقامة الحد عليهن وَتِلْكَ المذكورات حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ الطلاق أَمْراً (1) مراجعة فيما إذا كان واحدة أو اثنتين فَإِذا\r______________________________\rقوله: (لم تمس فيه) أي لم توطأ، وهذا القيد لمنع الريبة، فإنه ربما يحصل من ذلك الوطء حمل، فتنتقل من الحيض لوضع الحمل، وربما حاضت الحامل فحصل اللبس، وحكم الطلاق في الطهر الذي مس فيه الكراهة عند مالك، والحرمة عند الشافعي، ولكن تحتسب به من العدة، ولا يجبر على الرجعة فيه. قوله:\r(رواه الشيخان) فقد روي عن ابن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر اللّه أن تطلق لها النساء، ثم قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ». قوله: (احفظوها) أي احفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق، والخطاب للأزواج، ويدخل الزوجات فيه أيضا، لأن الزوج يحصي العدة ليراجع وينفق ويتزوج بأخت المطلقة ونحو ذلك، وهي لتحل للأزواج ونحو ذلك. قوله: (لتراجعوا) أي وتنفقوا وتسكنوا.\rقوله: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَ الخ، المراد المساكن التي وقع الفراق فيها، وهي بيوت الأزواج، وأضيفت اليهن لاختصاصها بهن من حيث السكنى، وجمع بين النهيين إشارة إلى أن الزوج لو أذن لها في الخروج لا يجوز لها الخروج، لأن العدة حق للّه تعالى، فلا يسقط بتراضيهما. قوله: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ الخ، الجملة حالية من فاعل لا يَخْرُجْنَ ومفعول لا تُخْرِجُوهُنَ والمعنى: لا يخرجن ولا تخرجوهن في حال من الحالات، إلا في حال كونهن آتيات بفاحشة مبينة. قوله: (زنا) وقيل: الفاحشة أن تبذو على أهل زوجها، فيحل اخراجها لسوء خلقها. قوله: (بفتح الياء وكسرها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أي بينت أو هي بينة) لفّ ونشر مرتب.\rقوله: وَتِلْكَ (المذكورات) أي من قوله: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ الخ. قوله: فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ أي عرضها للعقاب، وقيل: المراد بظلم نفسه، الضرر الدنيوي الذي يلحقه بسبب تعديه، ولا يمكنه تداركه بدليل قوله: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ الخ، وارادة العموم أولى. قوله: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ الخ، استئناف مسوق لتعليل ما تضمنته الجملة الشرطية، والمراد بالأمر الذي يحدثه اللّه أن يقلب قلبه عما فعله، بأن يرغب في الرجعة ويندم على الطلاق، والمقصود منه التحريض على طلاق واحدة أو الثنتين، وعدم ضرر الزوجة بالفراق، ليكون في فسحة إذا غير اللّه الأحوال. قوله: (مراجعة) أي بأن يقلب قلبه من بغضها إلى حبها، من الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن حبه الطلاق إلى الندم عليه، وبالجملة الذي ينبغي للعاقل إذا أراد الفراق أن يكون بالمعروف، لأنه لا يدري ما يخلقه اللّه في قلبه بعد ذلك، فإذا كان فراقه بالمعروف وحول اللّه الحال، سهل له بعد ذلك الرجوع.\rقوله: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَ أي المطلقات طلاقا رجعيا المدخول بهن. قوله: (قاربن انقضاء","part":4,"page":214},{"id":1805,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 215\rبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ قاربن انقضاء عدتهن فَأَمْسِكُوهُنَ بأن تراجعوهن بِمَعْرُوفٍ من غير ضرار أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ اتركوهن حتى تنقضي عدتهن ولا تضاروهن بالمراجعة وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ على الرجعة أو الفراق وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ لا للمشهود عليه أو له ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) من كرب الدنيا والآخرة وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ يخطر بباله وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي في أموره فَهُوَ حَسْبُهُ كافيه إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ مراده، وفي قراءة بالإضافة قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ كرخاء وشدة\r______________________________\rعدتهن) أي فالكلام على سبيل المجاز. قوله: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أي بحسن عشرة وانفاق وتحمل أذى وغير ذلك. قوله: (بأن تراجعوهن) تصوير للامساك. قوله: (و لا تضاروهن بالمراجعة) بيان للمعروف في الامساك، والمعنى: أنه إذا أراد امساكها راجعها، لقصد بقاء الزوجية لا لقصد ضررها، والأوضح أن يقول: فلا تضاروهن عند الفراق بأن تتكلموا في حقهن ونحو ذلك، وأما مضارتهن بالامساك، فقد علم نفيها من قوله تعالى فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ. قوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ أي صاحبي عدالة. قوله: (على الرجعة) أي لتظهر ثمرتها بعد ذلك في الارث إذا مات أو ماتت، وفيما إذا ادعى الرجعة بعد انقضاء العدة وأنكرت. قوله: (أو الفراق) أي الطلاق لتظهر ثمرة الاشهاد بعد ذلك، إذا ادعت عليه الطلاق وأنكر، وهذا الاشهاد مندوب عند مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه، والآخر أنه واجب عند الرجعة، مندوب عند الفراق.\rقوله: وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ أي لوجهه ولا تراعوا المشهود له ولا المشهود عليه، وإنما حث على أداء الشهادة لما فيه من العسر على الشهود، لأنه ربما يؤدي إلى أن يترك الشاهد مهماته، ولما فيه من عسر لقاء الحاكم الذي يؤدي عنده ربما بعد مكانه، وكان للشاهد عوائق. قوله: ذلِكُمْ أي المذكور من أول السورة إلى هنا. قوله: يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي وأما من لم يكن متصفا بذلك، فهو لقساوة قلبه لا يوعظ، لأنه لم ينتفع به. قوله: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً الخ، هذه الجملة اعتراضية في أثناء الأحكام المتعلقة بالنساء، إشارة إلى أنه لا يصبر على تلك الأحكام ولا يعمل بها إلا أهل التقوى، والأحسن أن يراد من هذه العموم لا خصوص التقوى في أمر النساء، قال أكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في عوف بن مالك الأشجعي، أسر المشركون ابنا له يسمى سالما، فأتى عوف إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يشتكي اليه الفاقة وقال: إن العدو اسر ابني وجزعت الأم فما تأمرني؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: اتق اللّه واصبر، وآمرك وإياها أن تستكثرا من قول: لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم، فعاد إلى بيته وقال لامرأته: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمرني وإياك أن نكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم، فقالت: نعم ما أمرنا به، فجعلا يقولان، فغفل العدو عن ابنه فساق غنمهم وهي أربعة آلاف شاة، واستاق من إبلهم خمسين بعيرا كما في رواية، وجاء بها إلى المدينة، فقال أبوه للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: أيحل لي أن آكل مما أتى به ابني؟ فقال: «نعم» ونزلت الآية.\rقوله: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ أي من فوض أمره اليه كفاه ما أوهمه، والأخذ في الأسباب لا ينافي التوكل، لأنه مأمور به، لكن لا يعتمد على تلك الأسباب. قوله: إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ","part":4,"page":215},{"id":1806,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 216\rقَدْراً (3) ميقاتا وَاللَّائِي بهمزة وياء، وبلا ياء في الموضعين يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ بمعنى\r______________________________\rفلا بد من انفاذ مراده، حصل من الشخص توكل أم لا، لكن من توكل يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجرا. قوله: (و في قراءة بالاضافة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً أي تقديرا لا يتعداه، ولو اجتمعت جميع الخلائق على أن لا يتعدوه لا يقدرون، وهذه الآية تستعمل لدفع كرب الدنيا والآخرة، لما ورد في الحديث: «إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً» فما زال يقرؤها ويعيدها. وورد أيضا: من انقطع إلى اللّه، كفاه اللّه كل مئونة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله اللّه إليها، ومعنى انقطع إلى اللّه، أنه إذا اتقى وآثر الحلال والصبر على أهله، فإنه يفتح اللّه عليه إن كان ذا ضيق، ويرزقه من حيث لا يحتسب. وورد أيضا: «من أكثر من الاستغفار، جعل اللّه له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب».\r- لطيفة- ذكر الأجهوري في فضائل رمضان حكاية مناسبة للمقام، وهي أن قوما ركبوا البحر، فسمعوا هاتفا يقول: من يعطني عشرة آلاف دينار، حتى أعلمه كلمة إذا أصابه غم أو أشرف على هلاك فقالها، انكشف ذلك عنه، فقام من أهل المركب رجل معه عشرة آلاف دينار فصاح: أيها الهاتف أنا أعطيك عشرة آلاف دينار وعلمني، فقال: ارم بالمال في البحر فرمى به، فسمع الهاتف يقول: إذا أصابك هم أو أشرفت على الهلاك فاقرأ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ إلى آخر الآية، فقال جميع من في المركب للرجل: لقد ضيعت مالك، فقال: كلا إن هذه لفظة ما أشك في نفعها، قال: فلما كان بعد أيام، كسر بهم المركب، فلم ينج منهم غير ذلك الرجل، فإنه وقع على لوح وطرحه البحر على جزيرة، قال: فصعدت أمشي فيها، فإذا بقصر منيف فدخلته فإذا فيه كل ما يكون في البحر من الجواهر وغيرها، وإذا بامرأة لم أر قط أحسن منها، فقلت لها: من أنت؟ وأي شيء تعملين هاهنا؟ قالت: أنا بنت فلان التاجر بالبصرة، وكان أبي عظيم التجارة، وكان لا يصبر عني ساعة، فسافر بي معه في البحر، فانكسر مركبنا فاختطفت حتى حصلت في هذه الجزيرة، فخرج إلي شيطان من البحر، فتلاعب بي سبعة أيام من غير أن يطأني، إلا أنه يلامسني ويؤذيني ويتلاعب بي، ثم ينظر إلي ثم ينزل في البحر سبعة أيام، وهذا يوم موافاته، فاتق اللّه في نفسك واخرج قبل موافاته، وإلا أتى عليك، فما انقضى كلامها حتى رأيت ظلمة هائلة فقالت: قد واللّه جاء وسيهلكك، فلما قرب مني وكاد يغشاني قرأت الآية، فإذا هو خر كقطعة جبل، إلا أنه رماد محترق، فقالت المرأة: ملك واللّه وكفيت أمره، ومن أنت يا هذا الذي منّ اللّه علي بك؟ فقمت أنا وهي، فانتخبنا ذلك الجواهر، حتى حملنا كل ما فيه من نفيس وفاخر، ولزمنا الساحل نهارنا، فإذا كان الليل رجعنا إلى القصر، قال: وكان فيه كل ما يؤكل فقلت لها: من أين لك هذا؟\rقالت: وجدته هاهنا، فلما كان بعد أيام، رأينا مركبا بعيدا، فلوحنا اليه فدخل فحملنا، فسرنا يسيرا إلى البصرة، فوصفت لي منزل أهلها فأتيتهم فقالوا: من هذا؟ فقلت: رسول فلانة بنت فلان، فارتفعت الناعية فقالوا: يا هذا لقد جددت علينا مصابنا، فقلت: اخرجوا فخرجوا، فأخذتهم حتى أتيت بهم إلى ابنتهم، فكادوا يموتون فرحا، وسألوها عن خبرها، فقصته عليهم وسألتهم أن يزوجوني بها ففعلوا، وجعلنا ذلك الجواهر رأس مال بيني وبينها، وأنا اليوم أيسر أهل البصرة، وهؤلاء أولادي منها، انتهى.\rقوله: وَاللَّائِي يَئِسْنَ الخ، سبب نزولها: أنه لما نزل قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ","part":4,"page":216},{"id":1807,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 217\rالحيض مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ شككتم في عدتهن فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ لصغرهن فعدتهن ثلاثة أشهر، والمسألتان في غير المتوفى عنهن أزواجهن، أما هنّ فعدتهن ما في آية يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَ انقضاء عدتهن مطلقات أو متوفى عنهن أزواجهن أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (4) في الدنيا والآخرة ذلِكَ المذكور في العدة أَمْرُ اللَّهِ حكمه أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ\r______________________________\rثَلاثَةَ قُرُوءٍ قال خلاد بن النعمان: يا رسول اللّه، فما عدة التي لم تحض، وعدة التي انقطع حيضها، وعدة الحبلى؟ فنزلت، واللاء اسم موصول مبتدأ، ويَئِسْنَ صلته، وقوله: مِنْ نِسائِكُمْ حال من الضمير في يَئِسْنَ والشرط وجوابه خبره، أو قوله: فَعِدَّتُهُنَ خبره، وجواب الشرط محذوف تقديره:\rفاعلموا أنها ثلاثة أشهر، والشرط وجوابه مقدر معترض بين المبتدأ وخبره، والأول أحسن. قوله:\rيَئِسْنَ أي وأول سن اليأس ستون سنة، وما بين الخمسين والستين يسأل النساء، فإن جزمن بأنه حيض أو شككن فحيض، وإلا فليس بحيض، وما قبل الخمسين حيض قطعا. قوله: (شككتم في عدتهن) أي جهلتم قدرها، والقيد لبيان الواقع فلا مفهوم له، بل عدتها ما ذكر، سواء علموا أو جهلوا، لكن الواقع في نفس الأمر، أن السائلين كانوا جاهلين بقدرها.\rقوله: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ (لصغرهن) أي عدم بلوغهن أوان الحيض كبنت تسع، ومثل الصغيرة من لم تر الحيض أصلا، وتسميها النساء البغلة، وأما معتادة الحيض وتأخر حيضها بلا سبب أو بسبب مرض، أو استحيضت ولم تميز، فإنها تمكث عند مالك سنة بيضاء وتحل للأزواج، ثم إن احتاجت لعدة بعد ذلك كانت كالآيسة والصغيرة، وأما من تأخر حيضها لرضاع، أو استحيضت وميزت، أو كان حيضها يأتي بعد سنة أو سنتين إلى خمس، فلا تعتد إلا بالحيض، فإن زادت عادتها عن خمس، فالذي لأبي الحسن على المدونة أنها تعتد بسنة بيضاء من أول الأمر، وقيل بثلاثة أشهر كالآيسة والصغيرة، فليحفظ هذا المقام. قوله: (فعدتهن ثلاثة) أشار بذلك إلى أن قوله واللاء مبتدأ، وجملة لَمْ يَحِضْنَ صلته، والخبر محذوف قدره المفسر جملة، والأولى تقديره مفردا بأن يقول مثلهن أو كذلك. قوله: (و المسألتان) أي مسألة الآيسة ومسألة الصغيرة. قوله: (في غير المتوفى عنهن) أي فما هنا مخصوص بآية البقرة.\rقوله: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ مبتدأ وأَجَلُهُنَ مبتدأ ثان، وأَنْ يَضَعْنَ خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول والْأَحْمالِ جمع حمل بفتح الحاء كصحب وأصحاب، اسم لما كان في البطن أو على رأس الشجر، وبالكسر اسم لما كان على ظهر أو رأس. قوله: (أو متوفى عنهن أزواجهن) أشار بذلك إلى بقاء عموم وَأُولاتُ الْأَحْمالِ فهو مخصص لآية يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ* أي ما لم يكن حوامل، وحاصل الفقه في هذا المقام، أن النساء قسمان: مطلقات ومتوفى عنهن، وفي كل إما حرائر أو إماء، فعدة الحرة المدخول بها المطلقة ذات الحيض ثلاثة قروء، واليائسة والصغيرة ثلاثة أشهر، والأمة المدخول بها المطلقة ذات الحيض قرءان، فإن كن حوامل فوضع الحمل حرة أو أمة، وعدة المتوفى عنها إن كانت حرة أربعة أشهر وعشر مطلقا مدخولا بها أو لا، والأمة شهران وخمس ليال، والحوامل وضع الحمل، وانظر تفاصيل ذلك في الفروع.\rقوله: (المذكور في العدة) أي في تفاصيلها. قوله: أَنْزَلَهُ أي بينه ووضحه.","part":4,"page":217},{"id":1808,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 218\rأَجْراً (5) أَسْكِنُوهُنَ أي المطلقات مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ أي بعض مساكنكم مِنْ وُجْدِكُمْ أي سعتكم، عطف بيان أو بدل مما قبله بإعادة الجار، وتقدير مضاف أي أمكنة سعتكم، لا ما دونها وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَ المساكن فيحتجن إلى الخروج أو النفقة فيفتدين منكم وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ أولادكم منهن فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ على الإرضاع وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ وبينهن بِمَعْرُوفٍ بجميل في حق الأولاد بالتوافق على أجر معلوم على الإرضاع وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ تضايقتم في الإرضاع، فامتنع الأب من الأجرة، والأم من فعله فَسَتُرْضِعُ لَهُ للأب أُخْرى (6) ولا تكره الأم على إرضاعه لِيُنْفِقْ على\r______________________________\rقوله: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ الخ، كرر التقوى لعلمه سبحانه وتعالى بأن النساء ناقصات عقل ودين، فلا يصبر على أمورهن إلا أهل التقوى.\rقوله: أَسْكِنُوهُنَ الخ، هذا وما بعده بيان لما تتوقف عليه التقوى. قوله: (أي المطلقات) أخذ هذا التقييد من السياق، وإلا فكل مفارقة يجب لها السكنى، سواء كان فراقها بطلاق أو موت، وإنما التفصيل في النفقة. قوله: (أي بعض مساكنكم) أشار بذلك إلى أن مِنْ للتبعيض، وهو أحد وجهين، والثاني أنها لابتداء الغاية، والمعنى: تسببوا إلى اسكانهن من الوجه الذي تسكنون أنفسكم فيه. قوله: مِنْ وُجْدِكُمْ بضم الواو باتفاق القراء، وإن كان يجوز فيه التثليث لغة يقال وجد في المال وجدا، بضم الواو وفتحها وكسرها، وجدة أيضا بالكسر أي استغنى. قوله: (بإعادة الجار) ظاهره أنه راجع للبيان والبدل وليس مناسبا، لأن عطف البيان لم يعهد فيه تكرار العامل، فالأولى رجوعه للبدلية. قوله: (لا ما دونها) أي لا المساكن التي دون أمكنة سعتكم لنفاستها وارتفاع سعرها، وإنما تكليفه باللائق بها على قدر سعته.\rقوله: وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَ أي بأن تفعلوا معهن فعلا يوجب خروجهن من المساكن. قوله: (فيفتدين) أي المطلقات حيث كن رجعيات، فيلجئهن الأمر إلى كونها تفتدى منه ليبتها وتخلص منه. قوله: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ أي وإن كن المطلقات الرجعيات أو البائنات، وأما الحوامل المتوفى عنهن، فلا نفقة لهن لاستغنائهن بالميراث. قوله: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ هذا الحكم مفروض في المطلقات كما هو مقتضاه، وأما الزوجة فعند مالك يلزمها الإرضاع بنفسها إن كان بها ألبان وكان شأنها ذلك، وأما مثل بنات الملوك فلا يلزمهن الإرضاع، وعند الشافعي لا يلزم الزوجة الإرضاع مطلقا.\rقوله: وَأْتَمِرُوا أي ليأمر بعضكم بعضا بالمعروف، قوله: (على أجر معلوم) أي أجرة معلومة على قدر وسعة وحالها. قوله: فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى فيه معاتبة الأم على ترك الإرضاع والمعنى: فإن امتنع الأب من دفع الأجرة للأم، وتركت الأم الولد من غير إرضاع بنفسها، فليطلب له الأب مرضعة أخرى، ويجبر على ذلك لئلا يضيع الولد، فقوله: فَسَتُرْضِعُ الخ، خبر بمعنى الأمر، والضمير في لَهُ للأب بدليل فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ والمفعول محذوف للعلم به، أي فسترضع الولد لوالده امرأة أخرى.\rقوله: لِيُنْفِقْ (على المطلقات) أي اللاتي لم يرضعن، وقوله: (و المرضعات) أي المطلقات وهذا","part":4,"page":218},{"id":1809,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 219\rالمطلقات والمرضعات ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ ضيق عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ أعطاه اللَّهُ على قدره لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (7) وقد جعله بالفتوح وَكَأَيِّنْ هي كاف الجر، دخلت على أي بمعنى كم مِنْ قَرْيَةٍ أي وكثير من القرى عَتَتْ عصت يعني أهلها عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها في الآخرة وإن لم تجىء لتحقق وقوعها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً (8) بسكون الكاف وضمها فظيعا وهو عذاب النار فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها عقوبته وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً (9) خسارا وهلاكا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً تكرير الوعيد توكيد فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ أصحاب العقول الَّذِينَ آمَنُوا نعت للمنادى أو بيان له قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (10) هو القرآن رَسُولًا أي محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم منصوب بفعل مقدر، أي وأرسل يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ بفتح الياء وكسرها كما تقدم\r______________________________\rالتقييد اخذه من السياق، وإلا فالزوجة كذلك. واعلم أن المطلقة طلاقا رجعيا، لها النفقة بإجماع المذاهب، وأما بائنا فلا نفقة لها عند مالك والشافعي، وعند أبي حنيفة لها النفقة، وكل هذا ما لم تكن حاملا، وإلا فلها النفقة بإجماع، وللمرضع اجرة الرضاع بإجماع أيضا، كما يقضي بالسكنى للجميع بإجماع.\rقوله: مِنْ سَعَتِهِ الكلام على حذف مضاف، ومِنْ بمعنى على أي على قدر سعته، والمعنى:\rأنه يجب على الأزواج النفقة على المطلقات والمرضعات والأزواج، بقدر طاقته، فيلزم الزوج الموسر مدان، والمتوسط مد ونصف، والمعسر مد، هذا مذهب الشافعي، ومذهب مالك يفرض لها قوت وإدام وكسوة ومسكن، بقدر وسعه وحالها. قوله: (على قدره) أي فلا يكلف فوق طاقته. قوله: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً في هذا بشارة للفقراء، أي فلا تقنطوا، بل عن قريب يحول اللّه حالكم إلى الغنى، وفي الحديث: «لن يغلب عسر يسرين». قوله: (و قد جعله بالفتوح) أي فقد صدق اللّه وعده، حيث فتح عليهم جزيرة العرب وفارس والروم، حتى صاروا اغنى الناس، ولا خصوصية للصحابة بذلك، بل العبرة بالعموم.\rقوله: وَكَأَيِّنْ مبتدأ، ومِنْ قَرْيَةٍ تمييز لها، وقوله: عَتَتْ خبر. قوله: (بمعنى كم) أي فصار المجموع بمعنى كم. قوله: عَتَتْ ضمنه معنى أعرضت أو خرجت فعداه بعن. قوله: (يعني أهلها) أي فأطلق لفظ القرية، وأريد أهلها مجازا، من باب تسمية الحال باسم المحل. قوله: (لتحقق وقوعها) جواب عما يقال: إن الحساب وما بعده إنما يحصل في الآخرة، فما وجه التعبير بالماضي؟ فأجاب:\rبأنه عبر بالماضي لتحقق وقوعه. قوله: حِساباً شَدِيداً أي بالمناقشة والاستقصاء. قوله: (فظيعا) أي شنيعا قبيحا. قوله: (تكرير الوعيد) أي المذكور في الجمل الأربع وهي قوله: فَحاسَبْناها وعَذَّبْناها\rفَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً. قوله: (أو بيان له) أي عطف بيان.\rقوله: (منصوب بفعل مقدر) هذا أحسن احتمالات تسع ذكرها المفسرون، وقوله: (أي محمدا) هو أحد أقوال ثلاثة في تفسير الرسول وهو أحسنها، وقيل: هو جبريل، وقيل: هو القرآن نفسه.\rقوله: يَتْلُوا عَلَيْكُمْ نعت لرسولا. قوله: مُبَيِّناتٍ حال من آياتِ. قوله: (كما تقدم) أي","part":4,"page":219},{"id":1810,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 220\rلِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بعد مجيء الذكر والرسول مِنَ الظُّلُماتِ الكفر الذي كانوا عليه إِلَى النُّورِ الإيمان الذي قام بهم بعد الكفر وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ وفي قراءة بالنون جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً (11) هو رزق الجنة التي لا ينقطع نعيمها اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ يعني سبع أرضين يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ الوحي بَيْنَهُنَ بين السماوات والأرض، ينزل به جبريل من السماء السابعة إلى الأرض السابعة لِتَعْلَمُوا متعلق بمحذوف، أي أعلمكم بذلك الخلق والتنزيل أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12).\r______________________________\rفي قوله: (بفاحشة مبينة) من أن المفتوح من المتعدي، والمكسور من اللازم، أي بينها اللّه، أو هي بينة في نفسها. قوله: لِيُخْرِجَ متعلق بيتلوا، فالضمير راجع لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، أو متعلق بأنزل، فالضمير عائد على اللّه تعالى، وكل صحيح. قوله: (و في قراءة بالنون) أي وهي سبعية أيضا. قوله: خالِدِينَ فِيها حال مقدرة، أي مقدرين الخلود. قوله: قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً أي عظيما عجيبا، والجملة حال ثانية، أو حال من الضمير في خالِدِينَ فتكون متداخلة.\rقوله: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ عامة القراء على نصب مثلهن، ووجه أنه معطوف على سَبْعَ سَماواتٍ أو مفعول لمحذوف تقديره: وخلق مثلهن من الأرض، وقرئ شذوذا بالرفع على الابتداء، والجار والمجرور خبره مقدم عليه. قوله: (يعني سبع أرضين) اعلم أن العلماء أجمعوا على أن السماوات سبع طباق، بعضها فوق بعض، وأما الأرضون فالجمهور على أنها سبع كالسماوات بعضها فوق بعض، وفي كل أرض سكان من خلق اللّه، وعليه فدعوة الإسلام مختصة بأهل الأرض العليا، لأنه الثابت والمنقول، ولم يثبت أنه صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا أحد ممن قبله، نزل إلى الأرض الثانية، ولا غيرها من باقي الأرضين، وبلغهم الدعوة، وهل جعل اللّه لما تحت الأرض العليا ضوءا آخر غير الشمس والقمر، أو يستمدون الضوء منهما؟ قولان للعلماء، وقيل: إنها طباق ملزوقة بعضها ببعض، وقيل: ليست طباقا بل منبسطة تفرق بينها البحار، وتظل الجميع السماء، والأول هو الأصح. قوله: (ينزل به جبريل) أي بالوحي بمعنى التصريف، والمعنى: أن أمر اللّه وقضاءه، يجري وينزل من السماء السابعة إلى الأرض السابعة، فهو سبحانه وتعالى متصرف في كل ذرة منها، وأما إن أريد بالوحي وحي التكليف بالأحكام، فالمراد بقوله:\rبَيْنَهُنَ أي بين السماوات والأراضي السبع، فيكون فوق الأرض وتحت السماوات. قوله: (متعلق بمحذوف) أي على أنه علة له، والمعنى: حكمة إعلامه لكم بهذا الخلق، صيرورتكم علماء بأن اللّه على كل شيء قدير، الخ.\rقوله: عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي من غير هذا العالم، بحيث يمكن أن يخلق خلقا آخر أبدع من هذا العالم، وهذا كله بالنظر للإمكان العقلي، فلا يخالف ما نقل عن الغزالي من قوله: ليس في الإمكان أبدع مما كان، لأن معناه تعلق علم اللّه في الأزل، بأنه لا يخلق عالما غير هذا العالم، فمن حيث تعلق العلم بعدمه، صار غير ممكن، لأنه لو وقع لانقلب العلم جهلا، فهي استحالة عرضية، وهناك أجوبة أخر ذكرناها في كتاب الجوهرة.","part":4,"page":220},{"id":1811,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 221\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة التّحريم مدنيّة وآياتها اثنتا عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ من أمتك مارية القبطية، لما واقعها في بيت حفصة وكانت غائبة، فجاءت وشق عليها كون ذلك في بيتها وعلى\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة التحريم\rمدنية وهي اثنتا عشرة آية وتسمى سورة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (مدنية) أي كما هو قول الجميع. قوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ الخ، هذا الخطاب مشعر بأنه صلّى اللّه عليه وسلّم على غاية من التفخيم والتعظيم، حيث عاتبه على إتعاب نفسه والتضييق عليها، من أجل مرضاة أزواجه، كأن اللّه تعالى يقول له: لا تتعب نفسك في مرضاة أزواجك، بل أرح نفسك ولا تتعبها، وأزواجك يسعون في مرضاتك فإن سعين في مرضاتك سعدن، وإلا فلا.\rقوله: (من أمتك مارية القبطية) هذا قول أكثر المفسرين. ومحصله: أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقسم بين نسائه، فلما كان يوم حفصة، استأذنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في زيارة أبويها فأذن لها، فلما خرجت، ارسل إلى جاريته مارية القبطية، التي أهداها له المقوقس ملك مصر، فأدخلها بيت حفصة فوقع عليها، فلما رجعت حفصة وجدت الباب مغلقا، فجلست عند الباب، فخرج النبي ووجهه يقطر عرقا وحفصة تبكي، فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: إنما أذنت لي من أجل ذلك، أدخلت أمتك بيتي، ثم وقعت عليها في يومي على فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقا؟ فقال: أليست هي جاريتي قد أحلها اللّه لي؟ وهي عليّ حرام ألتمس بذلك رضاك، ولا تخبري بهذا امرأة منهن، فلما خرجت قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت: ألا أبشرك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد حرم عليه أمته مارية، وإن اللّه قد أراحنا منها، وأخبرتها بما رأت، وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر ازواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل: إن الذي حرمه على نفسه هو شرب العسل، وهو ما في الصحيحين، لما روي عن عائشة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يحب الحلواء والعسل، وكان إذا صلى العصر، دار على نسائه، فيدنو من كل واحدة منهن، فدخل على حفصة بنت عمر، فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عن ذلك فقيل لي: أهدت إليها امرأة من قومها عكة عسل، فسقت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منه شربة،","part":4,"page":221},{"id":1812,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 222\rفراشها، حيث قلت: هي حرام عليّ تَبْتَغِي بتحريمها مَرْضاتَ أَزْواجِكَ أي رضاهنّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) غفر لك هذا التحريم قَدْ فَرَضَ اللَّهُ شرع لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ تحليلها بالكفارة المذكورة في سورة المائدة، ومن الأيمان تحريم الأمة، وهل كفّر صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قال مقاتل:\rأعتق رقبة في تحريم مارية، وقال الحسن: لم يكفر لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم مغفور له وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ ناصركم وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) وَاذكر إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ هي حفصة حَدِيثاً هو تحريم مارية، وقال لها: لا تفشيه فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ عائشة ظنا منها أن لا حرج في ذلك\r______________________________\rفقلت: واللّه لنحتالن له، فذكرت ذلك لسودة وقلت لها: إذا دخل عليك ودنا منك فقولي له: يا رسول اللّه أكلت مغافير؟ بغين معجمة وفاء بعدها ياء وراء، جمع مغفور بالضم كعصفور أي صمغا حلوا له رائحة كريهة، ينضجه شجر يقال له العرفط بضم العين المهملة والفاء يكون في الحجاز له رائحة كرائحة الخمر، فإنه سيقول لك: لا، فقولي له: وما هذه الريح؟ وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يكره أن يوجد منه الريح الكريه، فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: أكلت نحلة العرفط حتى صار فيه، أي في العسل، ذلك الريح الكريه، وإذا دخل علي فسأقول ذلك، وقولي أنت وصفية ذلك، فلما دخل على سودة قالت له مثل ما علمتها عائشة، وأجابها بما تقدم، فلما دخل على صفية قالت له مثل ذلك، فلما دخل على عائشة قالت له مثل ذلك، فلما كان اليوم الآخر، دخل على حفصة قالت له: يا رسول اللّه ألا أسقيك منه؟ قال لا حاجة إلي به، قالت: إن سودة تقول: سبحان اللّه لقد حرمناه منه، فقال لها: اسكتي ا ه.\rقوله:\r(حيث قلت) ظرف لقوله: لِمَ تُحَرِّمُ أو تعليل له.\rقوله: تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ حال من فاعل تُحَرِّمُ والمعنى: لا ينبغي لك أن تشتغل بما يرضي الخلق، بل اللائق أن أزواجك وسائر الخلق تسعى في مرضاتك. قوله: (أي رضاهن) مصدر مضاف لفاعله أو مفعوله. قوله: (شرع) أي فالمراد بالفرض الشرع، والمعنى بين واظهر وجعل لكم تحلة أيمانكم، والضمير عائد عليه وعلى أمته.\rقوله: تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ مصدر حلل ككرم تكرمة، فأصله تحلله فأدغم. قوله: (تحليلها بالكفارة) الخ، اشار إلى أن التحلة تحليل اليمين، فكأنه عقد وتحلته بالكفارة.\rقوله: (و من الأيمان تحريم الأمة) أي بقوله: أنت علي حرام، فتجب به كفارة يمين عند للشافعي، وعند مالك التحريم في غير الزوجة لغو، لا يلزم به شيء، ما لم يقصد به الأمة عتقها، وإلا فيلزمه عتقها، وأما التحريم في الزوجة، فعند الشافعي إن نوى به الطلاق وقع، وإلا فيلزمه كفارة يمين، وعند مالك يلزمه به الطلاق الثلاث إن كان مدخولا بها، وواحدة في غير المدخول بها، وإن لم ينو به حل العصمة. قوله: (قال مقاتل) الخ أي وبه أخذ الشافعي. قوله: (و قال الحسن لم يكفر) الخ، أي وبه اخذ مالك، والأصل عدم الخصوصية إلا بدليل.\rقوله: وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ أي متولي أموركم.\rقوله: حَدِيثاً أي ليس من الأحكام البلاغية.\rقوله: (و هو تحريم مارية) أي وأسر إليها أيضا أن أباها عمر، وأبا عائشة أبا بكر، يكونان خليفتين على الأمة بعده. قوله: فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ (عائشة) قدره إشارة إلى أنه يتعدى إلى مفعولين: الأول بنفسه، والثاني بحرف الجر، وقد يحذف الجار تخفيفا، وقد يحذف المفعول الأول للدلالة عليه. قوله: (ظنا منها)","part":4,"page":222},{"id":1813,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 223\rوَأَظْهَرَهُ اللَّهُ أطلعه عَلَيْهِ على المنبأ به عَرَّفَ بَعْضَهُ لحفصة وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ تكرما منه فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) أي اللّه إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما مالت إلى تحريم مارية، أي سركما ذلك مع كراهة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم له، وذلك ذنب، وجواب الشرط محذوف أي تقبلا، وأطلق قلوب على قلبين ولم يعبر به لاستثقال الجمع بين تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة وَإِنْ تَظاهَرا بإدغام التاء الثانية، في الأصل في الظاء، وفي قراءة بدونها تتعاونا عَلَيْهِ أي النبي فيما يكرهه فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ فصل مَوْلاهُ ناصره وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ أبو بكر وعمر رضي اللّه عنهما، معطوف على محل اسم إن فيكونون ناصريه وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ بعد نصر اللّه والمذكورين ظَهِيرٌ (4) ظهراء أعوان له في نصره عليكما عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَ أي طلق النبي أزواجه أَنْ يُبْدِلَهُ بالتشديد والتخفيف\r______________________________\rأي فهو باجتهاد منها، فهي مأجورة فيه. قوله: (أطلعه) عَلَيْهِ أي على لسان جبريل، فأخبره بأن الخبر قد أفشي. قوله: (على المنبأ به) أي وهو تحريم مارية، والمناسب أن يقول: على أنها قد انبأت به.\rقوله: عَرَّفَ بَعْضَهُ أي هو تحريم مارية أو العسل. قوله: وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ أي وهو أن أباها وأبا بكر يكونان خليفتين بعده، وإنما اعرض عن ذلك البعض، خوفا من أن ينتشر في الناس، فربما أثاره بعض المنافقين حسدا. قوله: (تكرما منه) أي وحياء وحسن عشرة. قوله: قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا أي وقد ظنت أن عائشة هي التي أخبرته. قوله: (أي سركما ذلك مع كراهة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم له) أي ومحبة الأمر الذي يكرهه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم زيغ وميل عن الحق. قوله: (و جواب الشرط محذوف) أي فقوله: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما تعليل للشرط، والمعنى إن تتوبا إلى اللّه من أجل ميل قلوبكما تقبلا.\rقوله: (و لم يعبر به) أي فيقول قلباكما. قوله: (فيما هو كالكلمة الواحدة) أي لأن بين المضاف والمضاف إليه علقة وارتباطا. قوله:\r(و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا.\rقوله: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ تعليل لجواب الشرط المحذوف تقديره: فلا يعدم ناصرا فإن اللّه الخ.\rقوله: (فصل) أي ضمير فصل لا محل له من الإعراب. قوله: وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ اسم جنس لا جمع، ولذلك يكتب من غير واو بعد الحاء، ويصح أن يكون جمعا بالواو والنون، حذفت النون للإضافة، وكتب بدون واو اعتبارا بلفظه، لأن الواو ساقطة لالتقاء الساكنين نحو (سندع الزبانية). قوله: (معطوف على محل اسم إن) أي قبل دخول الناسخ، وهذا على بعض المذاهب النحويين، ويجوز أن يكون جِبْرِيلُ مبتدأ، وما بعده عطف عليه، وظَهِيرٌ خبر الجميع. قوله: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ أخبر بالمفرد عن الجمع، لأن فعيلا يستوي فيه الواحد وغيره، إن قلت: إن نصرة اللّه هي الكفاية العظمى، وما الحكمة في ضم ما بعدها إليها؟ قلت: تطييبا لقلوب المؤمنين، وتوقيرا لجانب الرسول.\rقوله: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَ الخ، سبب نزولها: أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما اشاعت حفصة ما أسرها به، اغتم صلّى اللّه عليه وسلّم وحلف أن لا يدخل عليهن شهرا مؤاخذة عليهن، ومكث الشهر في بيت مارية، فلما مضت تسع وعشرون ليلة، بدأ بعائشة فدخل عليها فقالت له: إنك أقسمت على شهر، وإنك دخلت في تسع","part":4,"page":223},{"id":1814,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 224\rأَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَ خبر عسى، والجملة جواب الشرط، ولم يقع التبديل لعدم وقوع الشرط مُسْلِماتٍ مقرات بالإسلام مُؤْمِناتٍ مخلصات قانِتاتٍ مطيعات تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ صائمات أو مهاجرات ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (5) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ\r______________________________\rوعشرين ليلة، فقال لها: هذا الشهر تسع وعشرون ليلة، ولما بلغ عمر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اعتزل نساءه، وشاع عند الناس أنه طلقهن، أتاه فوجده في مشربة، قال عمر: فدخلت علي حفصة وهى تبكي، فقلت:\rأطلقكن رسول اللّه؟ قالت: لا ادري ها هو ذا معتزل في هذه المشربة، فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت فسلمت عليه، فإذا هو متكئ على رمال حصير قد أثر في جنبه، فقلت: يا رسول أطلقت نساءك؟ فرفع رأسه إلي وقال: لا، فقلت: اللّه أكبر، لو رأيتنا يا رسول اللّه، وكنا معشر قريش نغلب النساء؛ فلما قدمنا المدينة، وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فما زال يلاطفه بالكلام حتى تبسم، وقال له: يا رسول اللّه، لا يشق عليك من أمر النساء، فإن كنت طلقتهن، فإن اللّه معك، وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، قال عمر: وقلما تكلمت بكلام، إلا رجوت اللّه يصدق قولي الذي أقوله، فنزلت هذه الآية وآية وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ الخ، فاستأذن عمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه، فأذن له، فقام على باب المسجد ونادى بأعلى صوته: لم يطلق رسول اللّه نساءه، قالت عائشة: ثم بعد هذه القضية نزلت آية التخيير، فبدأ بي فاخترته، ثم خيرهن فاخترنه، وآية التخيير هي قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها إلى قوله عَظِيماً. قوله: إِنْ طَلَّقَكُنَ أي جميعا، فلا ينافي أنه وقع منه طلاق لحفصة طلقة واحدة وأمر بمراجعتها، فطلاقه لها كالعدم، فالتعليق إنما هو على تطليق الجميع، مع عدم المراجعة والتبديل للكل، لكونه مرتبا على تطليق الكل. قوله: (بالتشديد والتخفيف) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: خَيْراً مِنْكُنَ أي بأن يطردكن ويأتي له بنساء أخر خيرا منكن، إذ قدرة اللّه صالحة لرفع اقوام ووضع آخرين، فلا يقال كيف تكون المبدلات خيرا منهن، مع أنه لم يكن على وجه الأرض نساء خير منهن، لأننا نقول قدرة اللّه صالحة لذلك إن حصل المعلق عليه وهو لم يحصل. قوله: (خبر عسى) أي جملة أَنْ يُبْدِلَهُ. قوله: (و الجملة جواب الشرط) أي جملة عسى واسمها وخبرها. إن قلت: إن هذه الجملة فعلها جامد، والجملة إذا كانت كذلك، ووقعت جواب شرط، وجب اقترانها بالفاء، فالمناسب أن تجعل دليل جواب محذوف. قوله: (و لم يقع التبديل) جواب عما يقال: إن الترجي في كلام اللّه للتحقيق مع أنه لم يحصل هنا، فأجاب: بأنه معلق على شرط وهو التطليق للكل ولم يطلقهن، وأجيب: بأن عَسى هنا للتخويف.\rقوله: تائِباتٍ أي راجعات عن الزلات والهفوات. قوله: عابِداتٍ أي خاضعات متذللات. قوله: (صائمات) هذا قول ابن عباس، وسمى الصائم سائحا، لأن السائح لا زاد معه، فلا يزال ممسكا إلى أن يجد ما يطعمه، فكذلك الصائم يمسك إلى أن يجيء وقت إفطاره. قوله: (أو مهاجرات) هذا قول الحسن. قوله: ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً أي بعضهن كذا، وبعضهن كذا، ودخلت الواو بين الوصفين لتغايرهما دون سائر الصفات، والثيب من ثاب يثوب أي رجع، سميت بذلك لأنها راجعة إلى زوجها إن اقام معها، أو إلى غيره إن فارقها، أو لأنها رجعت إلى بيت أبويها، والأبكار جمع بكر وهي","part":4,"page":224},{"id":1815,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 225\rوَأَهْلِيكُمْ بالحمل على طاعات اللّه ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ الكفار وَالْحِجارَةُ كأصنامهم منها يعني أنها مفرطة الحرارة تتقد بما ذكر، لا كنار الدنيا تتقد بالحطب ونحوه عَلَيْها مَلائِكَةٌ خزنتها، عدتهم تسعة عشر كما سيأتي في المدثر غِلاظٌ من غلظ القلب شِدادٌ في البطش لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ بدل من لفظ الجلالة، أي لا يعصون أمر اللّه وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (6) تأكيد، والآية تخويف للمؤمنين عن الارتداد، وللمنافقين المؤمنين بألسنتهم دون قلوبهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ يقال لهم ذلك عند دخولهم النار، أي لأنه لا ينفعكم إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (7) أي جزاءه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً\r______________________________\rالعذراء، وسميت بكرا لأنها على اول حالتها التي خلقت بها، فمدح الثيبات من حيث إنها أكثر تجربة وعقلا واسرع حبلا، والبكر من حيث إنها اطهر وأطيب وأكثر مداعبة.\rقوله: قُوا أَنْفُسَكُمْ أي اجعلوا لها وقاية بفعل الطاعات واجتناب المعاصي: وقوا امر من الوقاية، فوزنه عوا، لأن فاءه حذفت لوقوعها في المضارع بين ياء وكسرة، والأمر محمول عليه، وحذفت اللام حملا له على المجزوم؛ فأصله أوقيوا فحذفت الواو التي هي فاء الكلمة حملا على المضارع، وحذفت همزة الوصل استغناء عنها لزوال الساكن الذي جيء به لأجله، واستثقلت الضمة على الياء فحذفت فالتقى ساكنان، حذفت الياء وضم ما قبل الواو لتصح. قوله: وَأَهْلِيكُمْ أي مرورهم بالخير وانهوهم عن الشر وعلموهم وأدبوهم، والمراد بالأهل النساء والأولاد وما ألحق بهما. قوله: وَقُودُهَا أي ما توقد به.\rقوله: (كأصنامهم) مثال للحجارة التي توقد النار بها. قوله: (منها) حال من الأصنام والضمير للحجارة.\rقوله: عَلَيْها مَلائِكَةٌ أي يتولى أمرها وتعذيب أهلها. قوله: (من غلظ القلب) أي قسوته فلا يرحمون أحدا، لأنهم خلقوا من الغضب، وحبب إليهم عذاب الخلق، كما حبب لبني آدم الطعام والشراب، وقيل: غلاظ الأبدان لما روي ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب. قوله: شِدادٌ (في البطش) أي فقد روي أنه من جملة قوة الواحد منهم أن يضرب بالمقمع، فتدفع الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم. قوله: (بدل من لفظ الجلالة) أي بدل اشتمال كأنه قال لا يعصون أمره، وفيه إشارة إلى أن ما مصدرية.\rقوله: وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ أي به. قوله: (تأكيد) جواب عما يقال: إن الجملة الأولى هي عين الجملة الثانية فلم كررها؟ فأجاب: بأنه كررها للتأكيد. وأجيب أيضا: بأن مفاد الجملة الأولى، أنهم لا يقع منهم عصيان لأمر اللّه ولا مخالفة، ومفاد الجملة الثانية، أن قضاء اللّه نافذ على أيديهم، لا يعوقهم عنه عائق، بخلاف أهل طاعة اللّه في الدنيا، قد يتخلف ما أمروا به لعجز أو نسيان مثلا، فتغايرا بهذا الاعتبار. قوله: (و الآية تخويف للمؤمنين) أي الخالصين، وهو جواب عما يقال: إن هذا خطاب للمشركين، فلأي شيء خوطب به المؤمنون؟ فأجاب: بأنه على سبيل التخويف للمؤمنين الخالصين، وللمنافقين الذين هم مؤمنون ظاهرا.\rقوله: (يقال لهم ذلك) أي يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا الخ. قوله:\r(أي لأنه لا ينفعكم) أي لأنه يوم الجزاء لا يوم الاعتذار، إذ قد فات زمنه. قوله: (أي جزاءه) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف في قوله: ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.","part":4,"page":225},{"id":1816,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 226\rنَصُوحاً بفتح النون وضمها صادقة، بأن لا يعاد إلى الذنب ولا يراد العود إليه عَسى رَبُّكُمْ ترجية تقع أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ بساتين تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ بإدخال النار النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أمامهم وَيكون بِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ مستأنف رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا إلى الجنة، والمنافقون يطفأ نورهم وَاغْفِرْ لَنا ربنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ بالسيف وَالْمُنافِقِينَ باللسان والحجة وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ بالانتهار والمقت وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ\r______________________________\rقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي اتصفوا بالإيمان. قوله: (بفتح النون) أي على أنه صيغة مبالغة كالشكور صفة لتوبة، أي بلغت الغاية في الخلوص، قوله: (و ضمها) أي فهو مصدر يقال: نصح نصحا ونصوحا، كشكر شكرا وشكورا، وصفت به التوبة مبالغة على حد: زيد عدل، والقراءتان سبعيتان، قوله: (صادقة) راجع لكل من القراءتين. قوله: (بأن لا يعاد إلى الذنب) الخ، هذا أحد ثلاثة وعشرين قولا في تفسير التوبة النصوح، كلها ترجع إلى التي استجمعت الشروط، واعلم أن التوبة مما لا يتعلق به حق لآدمي لها شروط ثلاثة: أن يقلع عن المعصية في الحال، وأن يندم على ما فعله، وأن يعزم على أنه لا يعود وإن كانت متعلقة بحق آدمي، فيزاد على هذه الثلاثة رد المظالم إلى أهلها إن أمكن، وإلا فيكفي استسماحهم، وهي واجبة من كل ذنب كان كبيرة أو صغيرة بإجماع لما ورد: يا أيها الناس توبوا إلى اللّه، فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة، وفي رواية إني لأستغفر اللّه وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة، وورد: أن اللّه يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها، إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في التوبة. قوله: (ترجية تقع) أشار بذلك إلى أن هذا الترجي واجب الوقوع على القاعدة المتقدمة، أن كل ترج من اللّه في القرآن فهو واقع لكونه بمنزلة التحقيق وترجية كتزكية.\rقوله: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَ إما منصوب بيدخلكم أو بأذكر مقدرا. قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا ما معطوف على النَّبِيَ فالوقف على قوله: مَعَهُ ويكون قوله: نُورُهُمْ يَسْعى مستأنفا أو حالا أو مبتدأ خبره جملة نُورُهُمْ يَسْعى. قوله: وَ(يكون) بِأَيْمانِهِمْ قدره دفعا لما يتوهم من تسليط يسعى على الأيمان أنه وإن كان في جهتها إلا أنه بعيد عنها، فأفاد أنه كما يكون في جهة الأيمان يكون قريبا منها، وتقدم ذلك في سورة الحديد. قوله: (و المنافقون يطفأ نورهم) عطف سبب، أي أن سبب قول المؤمنين ما ذكر، أنهم يرون المنافقين يتقد لهم نور في نظير إقرارهم بكلمة التوحيد، فإذا مشوا طفئ، فيمشون في ظلمة فيقعون في النار، فإذا رأى المؤمنون هذه الحالة، سألوا اللّه دوامه حتى يوصلهم إلى الجنة، والجنة لا ظلام فيها. إن قلت: كيف يخافون من طفء نورهم مع أنهم آمنون، لا يحزنهم الفزع الأكبر؟ أجيب: بأن دعاءهم ليس من خوف ذلك، بل تلذذا وطلبا لما هو حاصل لهم من الرحمة. قوله:\rوَالْمُنافِقِينَ (باللسان والحجة) إنما خصهم بذلك، لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يؤمر بقتالهم بالسيف لأنهم مسلمون ظاهرا، والإسلام يقي من قتال السيف، وإنما أمر بفضيحتهم وإخراجهم من مجلسه كما تقدم ذلك.\rقوله: وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ أي شدد عليهم في الخطاب، ولا تعاملهم باللين. قوله: (بالانتهار) أي الزجر، وقوله: (و المقت) أي البغض والطرد.","part":4,"page":226},{"id":1817,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 227\rالْمَصِيرُ (9) هي ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما في الدين إذ كفرتا، وكانت امرأة نوح واسمها واهلة تقول لقومه: إنه مجنون، وامرأة لوط واسمها واعلة تدل قومه على أضيافه إذا نزلوا به ليلا بإيقاد النار، ونهارا بالتدخين فَلَمْ يُغْنِيا أي نوح ولوط عَنْهُما مِنَ اللَّهِ من عذابه شَيْئاً وَقِيلَ لهما ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) من كفار قوم نوح وقوم لوط وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ آمنت بموسى، واسمها آسية، فعذبها فرعون بأن أوتد يديها ورجليها، وألقى على صدرها رحى عظيمة، واستقبل بها الشمس، فكانت إذا تفرّق عنها من وكل بها، ظللتها الملائكة إِذْ قالَتْ\r______________________________\rقوله: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لما كان لبعض الكفار قرابة بالمسلمين، فربما توهموا أنها تنفعهم، وكان لبعض المسلمين قرابة بالكفار، وربما توهموا أنها تضرهم فضرب اللّه لكل مثلا، وضرب بمعنى جعل، فمثلا مفعول ثان مقدم، وقوله: امْرَأَتَ نُوحٍ الخ، أي حالهما، مفعول أول أخر عنه ليتصل به ما هو تفسير وشرح لهما، والمعنى جعل اللّه حال هاتين المرأتين مشابها لحال هؤلاء الكفرة، فالكفار اتصلوا بالنبى والمؤمنين، ولم ينفعهم الاتصال بدون الإيمان، والمرأتان كذلك. قوله: امْرَأَتَ نُوحٍ ترسم امرأة في هذه المواضع الثلاثة، وابنت بالتاء المجرورة، وفي الوقف عليها خلاف بين القراء، فبعضهم يقف بالتاء، وبعضهم بالهاء. قوله: كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ أظهر في مقام الإضمار لتشريفهما بهذه النسبة والوصف بالصلاح. قوله: فَخانَتاهُما (في الدين) أي لا في الزنا، لما ورد عن ابن عباس: أنه ما زنت امرأة نبي قط. قوله: (إذ كفرتا) تعليل لقوله فخانتا. قوله: (و اسمها واهلة) بتقديم الهاء على اللام، وقيل بالعكس، وقوله: (واعلة) بتقديم العين على اللام، وقيل بالعكس.\rقوله: فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي لم يدفع نوح ولوط، مع كرامتهما عند اللّه عن زوجتيهما لما كفرتا من عذاب اللّه شيئا، تنبيها بذلك على أن العذاب يدفع بالطاعة والامتثال، لا بمجرد الصحبة قوله:\rشَيْئاً أي من الإغناء فهو مفعول مطلق أو مفعول به. قوله: وَقِيلَ (لهما) التعبير بالماضي لتحقق الوقوع والقائل خزنة النار.\rقوله: امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ أي جعل حالها مثلا بحال المؤمنين، في أن وصلة الكفرة لا تضر مع الإيمان. قوله: (آمنت بموسى) أي لما غلب السحرة، وتبين لها أنه على الحق، فأبدلها اللّه بسبب ذلك الإيمان، أن جعلها في الآخرة زوجة خير خلقه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وكذا زوجه اللّه في الجنة مريم بنت عمران لما ورد أنه صلّى اللّه عليه وسلّم دخل على خديجة وهي في الموت فقال لها: يا خديجة إذا لقيت ضراتك فأقرئيهن مني السّلام، فقالت: يا رسول اللّه وهل تزوجت قبلي؟ قال: لا، ولكن اللّه زوجني مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وكلثوم أخت موسى، فقالت: يا رسول اللّه بالرفاء والبنين. وفي الحديث: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون». قوله: (و اسمها آسية) بالمد وكسر السين، قيل: إنها عمة موسى فتكون اسرائيلية، وقيل: ابنة عم فرعون، فتكون من العمالقة. قوله: (بأن أوتد يديها) الخ، أي دق لها أربع أوتاد في الأرض، وشبحها فيها كل عضو بحبل. قوله: (و ألقى على صدرها رحى) الخ، في القصة","part":4,"page":227},{"id":1818,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 228\rفي حال التعذيب رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ فكشف لها فرأته، فسهل عليها التعذيب وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وتعذيبه وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) أهل دينه، فقبض اللّه روحها، وقال ابن كيسان: رفعت إلى الجنة حية، فهي تأكل وتشرب وَمَرْيَمَ عطف على امرأة فرعون ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها حفظته فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا أي جبريل، حيث نفخ في جيب درعها بخلق اللّه تعالى، فعله الواصل إلى فرجها، فحملت بعيسى وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها شرائعه وَكُتُبِهِ المنزلة وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (12) أي من القوم المطيعين.\r______________________________\rأن فرعون أمر بصخرة عظيمة لتلقى عليها، فلما أتوها بالصخرة قالت رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ فأبصرت البيت من مرمرة بيضاء، وانتزعت روحها، فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه، ولم تجد ألما.\rقوله: (و استقبل بها الشمس) أي جعلها مواجهة للشمس، وهو معطوف على قوله: (أوتد يديها) وليس متأخرا عن إلقاء الرحى، لأن إلقاء الرحى كان في آخر الأمر، لما أيس من رجوعها عن الإيمان، فالواو لا تقتضي ترتيبا.\rقوله: ابْنِ لِي عِنْدَكَ أي قريبا من رحمتك، فالعندية عندية مكانة لا مكان. قوله: (و تعذيبه) عطف تفسير لعمله. قوله: (عطف على امرأة فرعون) أي فهي من جملة المثل الثاني، فمثل حال المؤمنين بامرأتين، كما مثل حال الكفار بامرأتين. قوله: (حفظته) أي عن الرجال، فلم يصل إليها أحد بنكاح ولا بزنا.\rقوله: (أي جبريل) تفسيرا رُوحِنا. قوله: (حيث نفخ) الخ، بين به أن الإسناد في نفخنا، من حيث إنه الخالق والموجد، والإسناد لجبريل من حيث المباشرة. قوله: (بخلق اللّه) بيان لحقيقة الإسناد.\rقوله: (فعله) أي فعل جبريل وهو النفخ، قوله: (الواصل إلى فرجها) أي بواسطة كونه في جيب القميص قوله: (فحملت بعيسى) أي عقب النفخ، فالنفخ والحمل والوضع في ساعة واحدة، كما تقدم في سورة مريم. قوله: وَكُتُبِهِ (المنزلة) أي في زمانها، كالتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم. قوله: وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ أي معدودة منهم، فيه إشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال الكاملين. قوله: (أي من القوم المطيعين) أي وهم رهطها وعشيرتها، لأنها من أهل بيت صالحين، من أعقاب هارون أخي موسى عليهما السّلام.","part":4,"page":228},{"id":1819,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 229\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الملك مكيّة وآياتها ثلاثون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبارَكَ تنزه عن صفات المحدثين الَّذِي بِيَدِهِ في تصرفه الْمُلْكُ السلطان والقدرة وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ في الدنيا\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الملك\rمكية وهي ثلاثون آية وتسمى أيضا الواقية والمنجية والمانعة، لأنها تقي صاحبها وتنجيه من عذاب القبر والقيامة، وتسمى أيضا المجادلة، لأنها تجادل عن صاحبها في القبر، وورد في فضلها أحاديث كثيرة منها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن سورة من كتاب اللّه، ما هي إلا ثلاثون آية، شفعت لرجل يوم القيامة، فأخرجته من النار وأدخلته الجنة، وهي سورة تبارك». ومنها «إذا وضع الميت في قبره، يؤتى من قبل رجليه فتقول رجلاه: ليس لكم عليه سبيل، لأنه كان يقوم بسورة الملك، ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول لسانه: ليس لكم عليه سبيل، لأنه كان يقرأ بي سورة الملك، ثم قال: هي المانعة من عذاب اللّه، وهي في التوراة سورة الملك، من قرأ بها في ليلة فقد أكثر وأطنب» أي من الخير. ومنها «وددت أن تبارك الملك في قلب كل مؤمن». قوله: (تنزه عن صفات المحدثين) أي تعاظم بجلاله وجماله عن أوصاف المخلوقات أزلا وأبدا. قوله: (السلطان) أي الاستيلاء والتمكن التام من سائر الموجودات فيتصرف فيها كيف شاء، والأوضح للمفسر أن يفسر اليد بالقدرة، والملك بالمملوكات، وإلا فإبقاء كلامه على ظاهره فيه ركة لا تخفى، إذ يصير المعنى: تبارك الذي بتصرفه التصرف، ولا معنى له.\rقوله: وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تذييل لما قبله، قصد به إفادة أن قدرته تعالى ليست قاصرة على تغيير الأحوال، بل عامة التعلق بها، إيجاد الأعيان المتصرف فيها، وتغييرها من حال إلى حال.\rقوله: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ الخ، شروع في تفاصيل بعض آثار القدرة، واعلم أنه اختلف في الموت والحياة، فحكي عن ابن عباس والكلبي ومقاتل، أن الموت والحياة جسمان، فالموت في هيئة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فارس أنثى بلقاء، وهي التي كان","part":4,"page":229},{"id":1820,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 230\rوَالْحَياةَ في الآخرة، أو هما في الدنيا، فالنطفة تعرض لها الحياة، وهي ما به الإحساس، والموت ضدها أو عدمها قولان، والخلق على الثاني بمعنى التقدير لِيَبْلُوَكُمْ ليختبركم في الحياة أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أطوع للّه وَهُوَ الْعَزِيزُ في انتقامه ممن عصاه الْغَفُورُ (2) لمن تاب إليه الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً بعضها فوق بعض من غير مماسة ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ لهنّ أو\r______________________________\rجبريل صلّى اللّه عليه وسلّم والأنبياء عليهم السّلام يركبونها، خطوتها مد البصر فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء ولا يجد ريحها إلا حيي، ولا تطأ على شيء إلا حيي، وهي التي أخذ السامري من أثرها ترابا فألقاه على العجل فحيي، على هذا الحياة والموت أمران وجوديان؛ وتقابلهما من تقابل الضدين، وقيل الموت عدم الحياة، فتقابلهما من تقابل العدم والملكة. قوله: (في الدنيا) أي وهو القاطع للحياة الدنيوية، وقوله:\rوَالْحَياةَ (في الآخرة) أي وهي حياة البعث، ولكن هذا القول لا يناسب ترتب الابتلاء عليه في قوله:\rلِيَبْلُوَكُمْ لأن الابتلاء إنما يترتب على حياة الدنيا. قوله: (أو هما في الدنيا) أي فالمراد بالموت عدم الحياة السابق على الوجود، والمراد بالحياة الحياة الدنيوية. قوله: (و هي ما به الإحساس) تفسير للحياة على كل من القولين، وقوله: (ما به الإحساس) أي فتكون صفة وجودية يلزمها الحس والحركة. قوله: (أو عدمها) أي عدم الحياة أعم من أن يكون سابقا عليها أو متأخرا عنها. قوله: (قولان) أي في تعريف الموت. قوله: (و الخلق على الثاني) أي على القول الثاني في تعريف الموت وهو أنه عدم الحياة. قوله:\r(بمعنى التقدير) أي وهو متعلق بالموجودات والمعدومات، لأنه تعلق الإرادة والعلم الأزليان، وأما على الأول فيتعلق به الخلق حقيقة، لأنه أمر وجودي.\rقوله: لِيَبْلُوَكُمْ أي يعاملكم معاملة المبتلي والمختبر، فاندفع ما قد يتوهم من ظاهر الآية، أن علمه تعالى يتجدد بتجدد المعلومات. قوله: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أَيُّكُمْ مبتدأ، وأَحْسَنُ خبره، وعَمَلًا تمييز، والجملة في محل نصب مفعول ثان لِيَبْلُوَكُمْ وإنما علق يبلو عن المفعول الثاني لما فيه من معنى العلم فأجرى مجراه. قوله: (أطوع للّه) هذا أحد تفاسير في قوله: أَحْسَنُ عَمَلًا وقيل:\rأحسن عقلا، وأورع عن محارم اللّه؛ وأسرع في طاعة اللّه، وقيل: أَحْسَنُ عَمَلًا أخلصه وأصوبه، فالخالص إذا كان للّه، والصواب إذا كان على السنة، وقيل غير ذلك.\rقوله: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ أي فالأولى من موج مكفوف، والثانية من مرمرة بيضاء، والثالثة من حديد، والرابعة من نحاس أصفر، والخامسة من فضة، والسادسة من ذهب، والسابعة من ياقوتة حمراء، وبين السابعة والحجب صحارى من نور، وهذا على بعض الروايات. قوله: طِباقاً إما جمع طبقة أو طبق أو مصدر طابق، فالوصف به على الأول ظاهر، وعلى الثاني مبالغة. قوله: (بعضها فوق بعض من غير مماسة) وكلها علوية لا غير، وهذا مذهب أهل السنة، وقال أهل الهيئة: إن الأرض كروية، والسماء الدنيا محيطة بها إحاطة قشر البيضة من جميع الجوانب، وللثانية محيطة بالجميع، وهكذا العرش محيط بالكل، والأرض بالنسبة لسماء الدنيا كحلقة ملقاة في فلاة، وسماء الدنيا بالنسبة للثانية كحلقة ملقاة في فلاة وهكذا، واعتقاد ما قاله أهل الهيئة لا يضر، وليس في الشرع ما يخالفه.\rقوله: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ خطاب للنبي عليه السّلام، أو لكل من يصلح للخطاب،","part":4,"page":230},{"id":1821,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 231\rلغيرهنّ مِنْ تَفاوُتٍ تباين وعدم تناسب فَارْجِعِ الْبَصَرَ أعده إلى السماء هَلْ تَرى فيها مِنْ فُطُورٍ (3) صدوع وشقوق ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ كرّة بعد كرّة يَنْقَلِبْ يرجع إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً ذليلا لعدم إدراك خلل وَهُوَ حَسِيرٌ (4) منقطع عن رؤية خلل وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا القربى إلى الأرض بِمَصابِيحَ بنجوم وَجَعَلْناها رُجُوماً مراجم لِلشَّياطِينِ إذا استرقوا السمع، بأن ينفصل شهاب عن الكوكب كالقبس، يؤخذ من النار فيقتل الجني أو يخبله،\r______________________________\rوإضافة خلق للرحمن من إضافة المصدر إلى فاعله، والمفعول محذوف قدره المفسر بقوله: (لهن ولا لغيرهن). قوله: مِنْ تَفاوُتٍ بألف بين الفاء والواو، وبدونها مع تشديد الواو، قراءتان سبعيتان، ولغتان بمعنى واحد. قوله: (و عدم تناسب) أي اختلاف يخالف ما تعلقت به القدرة والإرادة، بل خلقه تعالى مستقيم متناسب على حسب تعلق قدرته وإرادته، بخلاف صنع العبد، فقد يأتي على خلاف ما يريده. قوله: فَارْجِعِ الْبَصَرَ أي إن أردت العيان بعد الإخبار فَارْجِعِ فهو مرتب على قوله: ما تَرى.\rقوله: هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ بإدغام لام هَلْ في التاء واظهارها، قراءتان سبعيتان، هنا وفي الحاقة. قوله: (صدوع وشقوق) أي فلا يطرأ على السماء، ما دامت الدنيا صدوع، ولا شقوق لعدم تعلق ارادته بذلك، فليست كبنيان الخلائق، يتصدع ويتشقق بطول الزمان، مع كون صانعه لا يرد ذلك.\rقوله: (كرة بعد كرة) أشار بذلك إلى أنه ليس المراد من قوله: كَرَّتَيْنِ حقيقة التثنية، بل التكثير بدليل قوله: يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ الخ، وانقلاب البصر خاسِئاً حسيرا، لا يتأتى بنظرتين ولا ثلاث، فهو كقولهم: لبيك وسعديك. قوله: يَنْقَلِبْ العامة على جزمه في جواب الأمر، وقرئ برفعه إما على أنه حال مقدرة أو مستأنف حذفت منه الفاء، والأصل فينقلب. قوله: (ذليلا) أي خاضعا صاغرا متباعدا.\rقوله: (منقطع) أي بلغ الغاية في الإعياء والتعب.\rقوله: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا الخ، شروع في ذكر أدلة أخرى على توحيده سبحانه وتعالى، وتمام قدرته وارادته. قوله: (القربى إلى الأرض) أي التي هي أقرب إلى الأرض من باقي السماوات فقربى صيغة تفضيل كما تقول: هند فضلى النساء، ولا يخالف ما تقدم، من أن الكواكب ثابتة في العرش أو الكرسي، لأن السماء شفافة لا تحجب ما وراءها، فتزين السماء الدنيا بالكواكب، لا يقتضي أنها ثابتة فيها، وهذا في غير الكواكب السبعة التي أشار لها بعضهم بقوله:\rزحل شرى مريخه من شمسه ... فتزاهرت لعطارد الأقمار\r\rفإنها مفرقة على السماوات السبع، في كل سماء كوكب منها، فزحل في السابعة، والمشتري في السادسة، والمريخ في الخامسة، والشمس في الرابعة، والزهرة في الثالثة، وعطارد في الثانية، والقمر في سماء الدنيا. قوله: (بنجوم) أشار بذلك إلى أنه أطلق المصابيح وأراد النجوم فهو مجاز، وإلا فحقيقة المصباح السراج. قوله: رُجُوماً جمع رجم مصدر، أطلق على المرجوم به، ولذا قال المفسر (مراجم) أي أمورا يرجم بها. قوله: (إذا استرقوا السمع) أي أرادوا استراقه. قوله: (بأن ينفصل شهاب) الخ،","part":4,"page":231},{"id":1822,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 232\rلا أن الكوكب يزول عن مكانه وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (5) النار الموقدة وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) هي إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً صوتا منكرا كصوت الحمار وَهِيَ تَفُورُ (7) تغلي تَكادُ تَمَيَّزُ وقرئ تتميز على الأصل تتقطع مِنَ الْغَيْظِ غضبا على الكفار كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ جماعة منهم سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها سؤال توبيخ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) رسول ينذركم عذاب اللّه تعالى قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ ما أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (9) يحتمل أن يكون من كلام الملائكة للكفار حين أخبروا بالتكذيب،\r______________________________\rجواب عما يقال: إن اللّه تعالى جعل الكواكب زينة للسماء، وذلك يقتضي ثبوتها وبقاءها فيها، وجعلها رجوما يقتضي زوالها وانفصالها عنها، فكيف الجمع بين الحالتين؟ فأجاب: بأنه ليس المراد أنهم يرمون بأجرام الكواكب، بل بما ينفصل منها من الشهب، وذلك كمثل القبس الذي يؤخذ من النار، وهي على حالها. قوله: (أو يخبله) من الخبل بسكون الباء، وهو الفساد في العقل أو في البدن. قوله: (لا أن الكوكب يزول عن مكانه) أي ففي الكلام حذف مضاف، والتقدير: وجعلنا شهبها رجوما، الخ. قوله:\rوَأَعْتَدْنا أي هيأنا وأحضرنا. قوله: لَهُمْ أي للشياطين. قوله: عَذابَ السَّعِيرِ أي في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا.\rقوله: وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا خبر مقدم عَذابُ جَهَنَّمَ مبتدأ مؤخر. والمعنى: لمن كفر من الإنس والجن عذاب جهنم الخ.\rقوله: إِذا أُلْقُوا فِيها معمول لسمعوا، والجملة مستأنفة، قوله: لَها متعلق بمحذوف حال من شَهِيقاً لأنه نعت نكرة قدم عليها. قوله: (صوتا منكرا) أي فتشهق جهنم عند إلقاء الكفار فيها، كشهقة البغل للشعير، وهذا ما عليه ابن عباس، وقيل الشهيق من الكفار عند إلقائهم فيها، وعليه فالكلام على حذف مضاف، أي سمعوا لأهلها. قوله: (و قرئ تتميز) أي شذوذا.\rقوله: (غضبا على الكفار) أي من أجل غضب سيدها وخالقها، فتأتي يوم القيامة تقاد إلى المحشر بألف زمام، لكل زمام سبعون ألف ملك يقودونها به، وهي من شدة الغيظ تقوى على الملائكة وتحمل على الناس، فتقطع الأزمة جميعها، وتحطم على أهل المحشر، فلا يردها عنهم إلا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، يقابلها بنوره فترجع، مع أن لكل ملك من القوة، ما لو أمر أن يقلع الأرض وما عليها من الجبال ويصعد بها في الجو، لفعل من غير كلفة.\rقوله: سَأَلَهُمْ أي سأل الفوج، والجمع باعتبار معناه. قوله: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ مفعول ثان لسأل. والمعنى: سألهم عن جواب هذا الاستفهام.\rقوله: قالُوا بَلى الخ، إنما جمعوا بين حرف الجواب والجملة المستفادة منه تأكيدا وتحسرا وندما على تفريطهم. قوله: جاءَنا نَذِيرٌ هذا من كلام الفوج، ومن المعلوم أن كل فوج له نذير يخصه. قوله: فَكَذَّبْنا أي فتسبب عن مجيئه، أننا كذبناه فيما جاء به من عند اللّه تعالى. قوله: إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ أي بعيد عن الحق. قوله: (يحتمل أن يكون) أي قوله: (من كلام الملائكة) أي وعليه فقوله: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ أي في الدنيا. قوله:\r(و أن يكون من كلام الكفار) أي من تمام كلام الكفار للنذر، وهذا الاحتمال استظهره جمهور المفسرين.","part":4,"page":232},{"id":1823,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 233\rوأن يكون من كلام الكفار للنذر وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أي سماع تفهم أَوْ نَعْقِلُ أي عقل تفكر ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا حيث لا ينفع الاعتراف بِذَنْبِهِمْ وهو تكذيب النذر فَسُحْقاً بسكون الحاء وضمها لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (11) فبعدا لهم عن رحمة اللّه إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ يخافونه بِالْغَيْبِ في غيبتهم عن أعين الناس، فيطيعونه سرا، فيكون علانية أولى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) أي الجنة وَأَسِرُّوا أيها الناس قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ تعالى عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (13) بما فيها، فكيف بما نطقتم به؟ وسبب نزول ذلك، أن المشركين قال بعضهم لبعض: أسروا قولكم، لا يسمعكم إله محمد أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ما تسرون، أي أينتفي علمه بذلك وَهُوَ اللَّطِيفُ في علمه الْخَبِيرُ (14) فيه؟ لا هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا سهلة للمشي فيها فَامْشُوا فِي مَناكِبِها جوانبها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ\r______________________________\rقوله: وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ الخ، أي زيادة في توبيخ أنفسهم. قوله: ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ أي في عدادهم وهم الشياطين\rقوله: فَسُحْقاً إما مفعول به، أي ألزمهم اللّه سحقا، أو مصدر عامله محذوف تقديره سحقا، فناب المصدر عن عامله، والسحق البعد، يقال: سحق الشيء بالضم بوزن بعد، فهو سحيق أي بعيد، وأسحقه اللّه أبعده. قوله: (بسكون الحاء وضمها) أي فهما سبعيتان.\rقوله: (في غيبتهم عن أعين الناس) أشار بذلك إلى أن قوله: بِالْغَيْبِ حال من الواو يَخْشَوْنَ والباء بمعنى في، والمعنى يخشى اللّه في حال غيبته عن الناس بحيث يطيع ربه، ولم يطلع عليه أحد، وإذا كان ذلك في حال سره واختفائه عن الناس، فعلانيته أولى، لأن العادة أن الإنسان يستتر في المعصية عن أعين الناس وإن لم يخف اللّه.\rقوله: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ أي لذنوبهم. قوله: وَأَجْرٌ كَبِيرٌ أي لا يعلم قدره غير اللّه تعالى. قوله:\r(بما فيها) أي من الخواطر التي لا يتكلم بها. قوله: (فكيف بما نطقتم به) هذا من تمام الاستدلال على تساوي السر والجهر بالنسبة إلى علمه تعالى.\rقوله: (قال بعضهم لبعض) أي وذلك أنهم كانوا يتكلمون في شأن النبي بما لا يليق، فأخبره جبريل بذلك، فأخبرهم النبي به، فقال بعضهم لبعض أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ الخ. قوله: (لا يسمعكم) مجزوم في جواب الأمر.\rقوله: مَنْ خَلَقَ مَنْ فاعل يَعْلَمُ وقوله: (ما تسرون) تنازعه كل من يعلم وخلق، والمعنى إذا كان خالقا للسر الذي هو من جملة مخلوقاته، لزم أن يكون عالما به، فكيف يدعون أنه لا علم له به. قوله: (أي أينتفي علمه) الخ، أشار به إلى أن همزة الاستفهام داخلة على لا النافية. قوله: وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الجملة حالية، وقوله: (لا) أشار به إلى أن الاستفهام إنكاري، فهو نفي للنفي، فالمقصود إثبات احاطة علمه بجميع الأشياء ظاهرها وخافيها.\rقوله: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ الخ، هذا من جملة أدلة توحيده وباهر قدرته وامتنانه على عباده. قوله: ذَلُولًا أي مذللة منقادة لما تريدون، منها من مشى عليها، وزرع حبوب، وغرس أشجار، وغير ذلك. قوله: (سهلة للمشي فيها) أي بأن ثبتها بالجبال وجعلها من طين، إذ لو جعلها من","part":4,"page":233},{"id":1824,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 234\rالمخلوق لأجلكم وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) من القبور للجزاء أَأَمِنْتُمْ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينها وبين الأخرى وتركه وإبدالها ألفا مَنْ فِي السَّماءِ سلطانه وقدرته أَنْ يَخْسِفَ بدل من من بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (16) تتحرك بكم وترتفع فوقكم أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ بدل من من عَلَيْكُمْ حاصِباً ريحا ترميكم بالحصباء فَسَتَعْلَمُونَ عند معاينة العذاب كَيْفَ نَذِيرِ (17) إنذاري بالعذاب أي أنه حق وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (18) إنكاري عليهم بالتكذيب عند إهلاكهم، أي أنه حق أَوَلَمْ يَرَوْا ينظروا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ في الهواء صافَّاتٍ باسطات أجنحتهن وَيَقْبِضْنَ\r______________________________\rحديد أو ذهب أو رصاص، لكانت تسخن جدا في الصيف، وتبرد جدا في الشتاء، فلا يستطاع المشي عليها. قوله: فَامْشُوا أمر اباحة، قوله: (جوانبها) هذا أحد تفاسير للمناكب، وقيل المناكب الجبال، وقيل الأطراف، وقيل الفجاج.\r- فائدة- حكى قتادة عن أبي الجلد، أن الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، للسودان اثنا عشر ألفا، وللروم ثمانية آلاف، وللفرس ثلاثة آلاف، وللعرب ألف ا ه. والظاهر أن المراد بها الأرض المعمورة ببني آدم، غير يأجوج ومأجوج، مما تقدم لنا أن كورة الأرض خمسمائة عام.\rقوله: (المخلوق لأجلكم) أي لانتفاعكم به، فحكمة خلق الأرزاق انتفاعهم بها. قوله: وَإِلَيْهِ النُّشُورُ أي الإخراج من القبور. قوله: (للجزاء) أي على أعمالكم. قوله: (و إدخال ألف بينها) أي بين الهمزة الثانية بقسميها، وهما التحقيق والتسهيل، ففي كلامه التنبيه على خمس قراءات سبعيات، اثنتان في التحقيق، ومثلها في التسهيل، والخامسة الإبدال.\rقوله: مَنْ فِي السَّماءِ (سلطانه) أشار بذلك لجواب ورد على ظاهر الآية. وحاصله: أن الآية توهم أن اللّه تعالى في مكان وهو السماء. فأجاب رضي اللّه عنه: بأن الكلام على حذف مضاف للضمير المستكن في الظرف. والأصل من ثبت واستقر في السماء هو أي سلطانه وقدرته أي محل سلطانه وهو العالم العلوي، وخصه بالذكر وإن كان سلطانه في العالم السفلي أيضا، لأنه أعجب وأغرب، فالتخويف به أشد. قوله: أَنْ يَخْسِفَ الخ، أي بعد أن جعلها ذلولا، تمشون فيها وتأكلون من رزقه. قوله: (بدل من من) أي بدل اشتمال. قوله: (تتحرك بكم) أي فيقال مار تحرك وجاء وذهب.\rقوله: أَمْ أَمِنْتُمْ اضراب وانتقال من تهديد إلى آخر. قوله: مَنْ فِي السَّماءِ أي سلطانه وقدرته. قوله: (بدل من من) أي بدل اشتمال أيضا. قوله: (ريحا ترميكم) الخ، هذا أحد تفاسير للحاصب، وقيل هو الحجارة من السماء، وقيل سحاب فيها حجارة. قوله: (عند معاينة العذاب) أي في الآخرة أو عند خروج أرواحهم. قوله: (أي إنه حق) أي الإنذار واقع ونافذ مقتضاه.\rقوله: وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، أي لا تحزن على تكذيبهم لك، فقد سبقهم غيرهم بالتكذيب لأنبيائهم. قوله: (عند إهلاكهم) أي موتهم أو تعذيبهم في الآخرة.\rقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا الهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة عليه. والمعنى: أغفلوا ولم يروا.","part":4,"page":234},{"id":1825,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 235\rأجنحتهن بعد البسط، أي وقابضات ما يُمْسِكُهُنَ عن الوقوع في حال البسط والقبض إِلَّا الرَّحْمنُ بقدرته إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19) المعنى: ألم يستدلوا بثبوت الطير في الهواء على قدرتنا أن نفعل بهم ما تقدم وغيره من العذاب؟ أَمَّنْ مبتدأ هذَا خبره الَّذِي بدل من هذا هُوَ جُنْدٌ أعوان لَكُمْ صلة الذي يَنْصُرُكُمْ صفة جند مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ أي غيره يدفع عنكم عذابه، أي لا ناصر لكم إِنِ ما الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) غرّهم الشياطين بأن العذاب لا ينزل بهم أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ الرحمن رِزْقَهُ أي المطر عنكم، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أي فمن يرزقكم، أي لا رازق لكم غيره بَلْ لَجُّوا تمادوا فِي عُتُوٍّ تكبر وَنُفُورٍ (21) تباعد عن الحق أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا واقعا عَلى وَجْهِهِ\r______________________________\rقوله: إِلَى الطَّيْرِ يجمع على طيور وأطيار، ومفرد الطير طائر، فطيور وأطيار جمع الجمع. قوله:\rصافَّاتٍ حال ومفعوله محذوف قدره بقوله: (أجنحتهن) وكذا قوله: وَيَقْبِضْنَ. قوله: (أي وقابضات) أشار بذلك إلى أن الفعل مؤول باسم الفاعل معطوف على صافَّاتٍ والحكمة في تعبيره ثانيا بالفعل، ولم يقل وقابضات أن الأصل في الطيران صف الأجنحة، والقبض طائر عليه، فعبر عن الأصل باسم الفاعل، وعن الطارئ بالفعل الذي شأنه الحدوث. قوله: ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ عبر بالرحمن إشارة إلى أنه من جلائل النعم، وهذه الجملة مستأنفة. قوله: إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ أي فيعلم الأشياء الدقيقة الغريبة، فيدبرها على مقتضى ما يريد.\rقوله: أَمَّنْ هذَا الَّذِي الخ، سبب نزول هذه الآية وما بعدها، أن الكفار كانوا يمتنعون من الإيمان ويعاندون رسول اللّه، معتمدين على شيئين: قوتهم بالأموال والعدد، واعتقادهم أن أصنامهم توصل إليهم الخيرات وتدفع عنهم المضرات، فأبطل اللّه الأول بقوله: أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ الخ، وأبطل الثاني بقوله: أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ الخ، وأم هنا منقطعة تفسر ببل وحدها لدخولها على من الاستفهامية، ولا يصح تفسيرها ببل والهمزة، لئلا يدخل الاستفهام على مثله. قوله: (أعوان) أشار بذلك إلى أن جندا لفظه مفرد ومعناه جمع. قوله: (يدفع عنكم عذابه) تفسير لقوله: يَنْصُرُكُمْ.\rقوله: إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ اعتراض مقرر لما قبله، والالتفات عن الخطاب للغيبة، إيذان بالإعراض عنهم، والإظهار في موضع الإضمار لذمهم بالكفر.\rقوله: أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ تكتب أم موصولة بمن، فتكون ميما واحدة متصلة بالنون، وكذا يقال فيما تقدم. قوله: إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ أي أسباب رزقه التي ينشأ عنها. قوله: (أي المطر) أي والنبات وغير ذلك كباقي الأسباب. قوله: بَلْ لَجُّوا الخ، اضراب انتقالي مبني على مقدر يستدعيه المقام، كأنه قيل: إنهم لم يتأثروا بتلك المواعظ ولم يذعنوا. قوله: بَلْ لَجُّوا الخ. قوله: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا الخ، هذا مثل ضربه اللّه للمؤمن والكافر، توضيحا لحالهما، وتحقيقا لشأنهما.\rقوله: مُكِبًّا اسم فاعل من أكب اللازم المطاوع لكب، فكب من غير همزة، متعدّ، يقال: كبه اللّه، وأما أكب فهو لازم، أكب أي سقط، وهذا على خلاف القاعدة المشهورة، من أن الهمزة إذا دخلت على اللازم تصيره متعديا، وهنا دخلت على المتعدي فصيرته لازما. قوله: (واقعا) عَلى وَجْهِهِ أي لكونه أعمى ماشيا على غير طريق،","part":4,"page":235},{"id":1826,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 236\rأَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا معتدلا عَلى صِراطٍ طريق مُسْتَقِيمٍ (22) وخبر من الثانية محذوف دل عليه خبر الأولى أي أهدى، والمثل في المؤمن الكافر، أي أيهما على هدى قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ خلقكم وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ القلوب قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (23) ما مزيدة، والجملة مستأنفة مخبرة بقلة شكرهم جدا على هذه النعم قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ خلقكم فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) للحساب وَيَقُولُونَ للمؤمنين مَتى هذَا الْوَعْدُ وعد الحشر إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (25) فيه قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ بمجيئه عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26) بيّن الإنذار فَلَمَّا رَأَوْهُ أي العذاب بعد الحشر زُلْفَةً قريبا سِيئَتْ اسودّت وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ أي قال الخزنة لهم هذَا أي العذاب الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ بإنذاره تَدَّعُونَ (27)\r______________________________\rفهو معرض للهلاك. قوله: أَهْدى أي متصف بالهدى، فأفعل التفضيل ليس على بابه، كما يشير له المفسر، بقوله: (أي أيهما على هدى). قوله: (و خبر من الثانية) الخ، لا حاجة له، بل من الثانية معطوفة على الأولى عطف مفردات، والخبر قوله: أَهْدى وأفرد لأن العطف بأم وهي لأحد الشيئين. قوله:\r(و المثل في المؤمن والكافر) أي فلا يستوي الأعمى الماشي على غير طريق، والبصير الماشي في الطريق المعتدلة، لأن الأول معرض للهلاك والتلف، بخلاف الثاني، فتسوية الكفار لهما خسافة عقل وعدم تدبر، والمذكور في الآية هو المشبه به، والمشبه محذوف لدلالة السياق عليه.\rقوله: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يذكرهم بنعم اللّه تعالى عليهم، ليرجعوا إليه في أمورهم، ولا يعولوا على غيره. قوله: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ أي لتسمعوا آيات اللّه وتتعظوا بها.\rقوله: وَالْأَبْصارَ أي لتنظروا بها إلى مصنوعاته الدالة على انفراده بالخلق والتدبير. قوله: وَالْأَفْئِدَةَ لتتفكروا بها فيما تسمعونه وتبصرونه من الآيات العظيمة. قوله: قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ قَلِيلًا صفة مصدر محذوف، أي شكرا قليلا، والشكر صرف العبد جميع ما أنعم اللّه به عليه إلى ما خلق لأجله، فصرف النعم في غير مصارفها كفر لها. قوله: (ما مزيدة) أي لتأكيد القلة، وهي على بابها بالنسبة للمؤمن، أو بمعنى العدم بالنسبة للكافر.\rقوله: قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ أي أنشأكم وبثكم ونشركم.\rقوله: وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي تجمعون وتضمون للحساب.\rقوله: وَيَقُولُونَ اي استهزاء وتكذيبا. قوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قصدوا بهذا الخطاب النبي والمؤمنين لأنهم مشاركون له في الوعد وتلاوة الآيات، وجواب الشرط محذوف أي فبينوا وقته. قوله:\r(بمجيئه) أي بوقت إتيانه. قوله: (بين الإنذار) أي بسبب إقامة الأدلة الواضحة والبراهين القاطعة.\rقوله: فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً مرتب على محذوف تقديره: وقد أتاهم الموعود به فرأوه، فلما رأوه الخ. قوله:\r(أي العذاب بعد الحشر) أي وهو العذاب في الآخرة، وهذا قول جمهور المفسرين في مرجع الضمير في رَأَوْهُ وقيل هو عذاب بدر، وقيل هو عملهم السيئ. قوله: زُلْفَةً اسم مصدر لأزلف ومصدره الإزلاف. قوله: (قريبا) حال مفعول رَأَوْهُ قوله: سِيئَتْ مبني للمفعول، والأصل ساء العذاب وجوههم، وأظهر في مقام الإضمار تقبيحا وتسجيلا بوصف الكفر. قوله: (أي قال الخزنة لهم) أي توبيخا وتقريعا. قوله: تَدَّعُونَ من الدعوى، ومفعوله محذوف قدره المفسر. بقوله: (أنكم لا تبعثون) والباء","part":4,"page":236},{"id":1827,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 237\rأنكم لا تبعثون، وهذه حكاية حال تأتي، عبر عنها بطريق المضي لتحقق وقوعها قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ من المؤمنين بعقابه كما تقصدون أَوْ رَحِمَنا فلم يعذبنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (28) أي لا مجير لهم منه قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ بالتاء والياء عند معاينة العذاب مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (29) بين أنحن أم أنتم أم هم؟ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً غائرا في الأرض فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (30) جار تناله الأيدي والدلاء كمائكم، أي لا يأتي به إلا اللّه تعالى، فكيف تنكرون أن يبعثكم؟ ويستحب أن يقول القارئ عقب معين: اللّه رب العالمين، كما ورد في الحديث. وتليت هذه الآية عند بعض المتجبرين فقال: تأتي به الفئوس والمعاول، فذهب ماء عينه وعمي، نعوذ باللّه من الجراءة على اللّه وعلى آياته.\r______________________________\rفي بِهِ سببية، والمعنى: فلما رأوا عذاب الآخرة قريبا منهم، اسودت وجوههم وقال لهم الخزنة: هذا العذاب الذي كنتم بسبب انذاركم وتخويفكم به، ادعيتم عدم البعث، وانكرتم البعث. قوله: (و هذه حكاية حال) الخ، اسم الإشارة عائد على قوله: فَلَمَّا رَأَوْهُ.\rقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ الخ، أَرَأَيْتُمْ بمعنى أخبروني تنصب مفعولين، سدت الجملة الشرطية مسدهما، والمعنى: قل لهم يا محمد، وكانوا يتمنون موته صلّى اللّه عليه وسلّم: إن أماتني اللّه ومن معي من المؤمنين بعذابه أو رحمنا، فلا فائدة لكم في ذلك، ولا نفع يعود عليكم، لأنه لا مجير لكم من عذاب اللّه تعالى. قوله: (كما تقصدون) حذف منه إحدى التاءين، أي تتقصدون وتنتظرون، قال تعالى حكاية عنهم أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ. قوله: (أي لا مجير لهم منه) أشار بذلك إلى أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، ووضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالكفر.\rقوله: قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ أي الذي ادعوكم إلى عبادته وطاعته. قوله: آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا الحكمة في تأخير مفعول آمَنَّا وتقديم مفعول تَوَكَّلْنا أن الأول وقع في معرض الرد على الكافرين فكأنه قال: آمنا ولم نكفر كما كفرتم، والثاني قدم مفعوله لإفادة الحصر كأنه قال: لا نتوكل على ما توكلتم عليه، من أموال ورجال وغير ذلك، بل نقصر توكلنا على خالقنا. قوله: (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (عند معاينة العذاب) أي في الآخرة. قوله: (أَنحن) أشار به إلى أن مَنْ استفهامية؛ وهُوَ ضمير فصل، وجملة الظرف خبر المبتدأ، والجلة بتمامها سدت مسد المفعولين، لعلم المعلقة عن العمل بالاستفهام. قوله: (أم أنتم) راجع لقراءة الخطاب، وقوله: (أم هم) راجع لقراءة الغيبة، فالكلام على التوزيع.\rقوله: إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ أي الكائن في ايديكم، وكان ماؤهم من بئر زمزم وبئر ميمون.\rقوله: (غائرا) أشار بذلك إلى أن المصدر مؤول باسم الفاعل. قوله: مَعِينٍ أصله معيون بوزن مفعول كمبيع، نقلت ضمة الياء إلى العين قبلها، فالتقى ساكنان الياء والواو، حذفت الواو وكسرت العين لتصح الياء. قوله: (لا يأتيكم به إلا اللّه) أي فلم تشركون به من لا يقدر على أن يأتيكم به. قوله: (أن يقول القارئ) أي ولو في الصلاة. قوله: (و عمي) عطف تفسير. قوله: (من الجراءة على اللّه) يقال: اجترأ على القول بالهمز، اسرع بالهجوم عليه من غير توقف، والاسم الجرأة بوزن غرفة، وجراءة بوزن كراهة، كما قال المفسر، ويؤخذ منه أن العبد يؤاخذ بالكفر، ولو على سبيل المزح.","part":4,"page":237},{"id":1828,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 238\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة القلم مكيّة وآياتها ثنتان وخمسون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بم ن أحد حروف الهجاء، اللّه أعلم بمراده به وَالْقَلَمِ الذي كتب به الكائنات في اللوح المحفوظ وَما يَسْطُرُونَ (1) أي الملائكة من الخير والصلاح ما أَنْتَ يا محمد\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة ن\rمكية وهي اثنتان وخمسون آية وتسمى سورة القلم. قوله: (مكية) أي في قول الجمهور، والقول الآخر، أن بعضها مكي وبعضها مدني.\rقوله: ن يقرأ بفك الإدغام من واو القسم وبإدغامه، وهما قراءتان سبعيتان، وهو بسكون النون عند السبعة، وقرئ شذوذا بالفتح والكسر والضم. قوله: (أحد حروف الهجاء) غرضه بهذه العبارة الرد على المخالف، لأن منهم من قال: إنه اسم مقتطع من اسمه الرحمن أو النصير أو الناصر أو النور، فهو كسائر حروف الهجاء التي افتتح بها كثير من السور فهو من المتشابه، وقيل: إنه الحوت الذي على ظهره الأرض، وعليه فحرف القسم مقدر تقديره ونون والقلم، قال أصحاب السير والأخبار:\rلما خلق اللّه الأرض وفتقها سبع أرضين، بعث من تحت العرش ملكا، فهبط إلى الأرض حتى دخل الأرضين السبع حتى ضبطها، فلم يكن لقدميه موضع قرار، فأهبط اللّه تعالى من الفردوس ثورا له أربعون ألف قرن، وأربعون ألف قائمة، وجعل قرار قدم الملك على سنامه، فلم تستقر قدمه، فأخذ اللّه ياقوتة خضراء من أعلى درجة الفردوس، غلظها مسيرة خمسمائة سنة، فوضعها بين سنام الثور إلى اذنه، فاستقر عليها قدما الملك، وقرون ذلك خارجة من اقطار الأرض، ومنخاراه في البحر، فهو يتنفس كل يوم نفسا فإذا تنفس مد البحر، وإذا رد نفسه جزر البحر، فلم يكن لقوائم الثور قرار، فخلق اللّه صخرة كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين، فاستقرت قوائم الثور عليها، وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه:\rفتكن في صخرة، فلم يكن للصخرة مستقر، فخلق اللّه تعالى نونا وهو الحوت العظيم، فوضع الصخرة على ظهره وسائر جسده خال، والحوت على البحر، والبحر على متن الريح، والريح على القدرة، فقيل:\rكل الدنيا بما عليها حرفان، قال لها الجبار سبحانه وتعالى وتنزه وتقدس: كوني فكانت. قوله: (الذي كتب","part":4,"page":238},{"id":1829,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 239\rبِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) أي انتفى الجنون عنك بسبب إنعام ربك عليك بالنبوّة وغيرها، وهذا رد لقولهم إنه مجنون وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) مقطوع وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ دين عَظِيمٍ (4) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) مصدر كالمعقول أي الفتون بمعنى الجنون، أي أبك أم بهم؟\rإِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) له، وأعلم بمعنى عالم فَلا تُطِعِ\r______________________________\rبه الكائنات) الخ، هذا أحد قولين، والآخر أن المراد به الجنس، وهو واقع على كل قلم يكتب به في السماء والأرض، قال تعالى: وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ لأن القلم نعمة كاللسان عن ابن عباس:\rأول ما خلق القلم ثم قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، من عمل أو أجل أو رزق أو أثر، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: ثم ختم فم القلم، فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة، وهو من نور طوله كما بين السماء والأرض. قوله: (أي الملائكة) يصح أن يراد بهم الملائكة الذين ينسخون المقادير من اللوح المحفوظ، وأن يراد بهم الحفظة الذين يكتبون عمل الإنسان، فأقسم أولا بالقلم، ثم بسطر الملائكة على ثلاثة أشياء: نفى الجنون عنه، وثبوت الأجر له، وكونه على خلق عظيم، فالمقسم به شيئان أو ثلاثة: بزيادة نون، على أن المراد به الحوت.\rقوله: ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ الخ، جواب القسم، والباء في بِنِعْمَةِ رَبِّكَ سببية وفي بِمَجْنُونٍ زائدة، ومجنون خبر ما. قوله: (و هذا رد لقولهم) أي كما حكاه اللّه عنهم في قوله: (و قالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون).\rقوله: وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ أي بل هو دائم جار مستمر لا ينقطع، فهو صلّى اللّه عليه وسلّم دائما يترقى في الكمالات، فمقامه بعد وفاته أعظم منه في حال حياته، ومقامه في الآخرة أعلى من مقامه في الدنيا.\rقوله: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ قال ابن عباس: معناه على دين عظيم، لا دين أحب إلي ولا أرضى عندي منه، وهو دين الإسلام، وقال الحسن: هو آداب القرآن، بدليل أن عائشة لما سئلت عن خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت: كان خلقه القرآن، ولذا قال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أوامر اللّه، وينتهي عنه من نهي اللّه تعالى، والمعنى: إنك على الخلق الذي أمرك اللّه به في القرآن، وهذا أعظم مدح له صلّى اللّه عليه وسلّم، ولذا قال العارف البوصيري رضي اللّه عنه:\rفهو الذي تم معناه وصورته ... ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسم\r\rقوله: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ أي فستعلم ويعلمون في الدنيا، بظهور عاقبة أمرك، واستيلائك عليهم بالقتل والنهب، ويوم القيامة حين يتميز الحق من الباطل.\rقوله: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ بِأَيِّكُمُ خبر مقدم، والْمَفْتُونُ مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب تنازعها كل من تبصر ويبصرون، أعمل الثاني وأضمر في الأول وحذف لأنه فضلة، وليس قوله: بِأَيِّكُمُ متعلقا بيبصرون، لأنه معلق بالاستفهام عن العمل.\rقوله: (مصدر كالمعقول) أي جاء على صيغة مفعول، كالمعقول والميسور قوله:\rإِنَّ رَبَّكَ الخ، تعليل لما قبله، وتأكيد الوعد والوعيد. قوله: (له) أي للسبيل. قوله: (و أعلم بمعنى عالم) أشار بذلك إلى أن اسم التفضيل ليس على بابه، وإلا لاقتضى مشاركة الحادث للقديم وهو باطل.","part":4,"page":239},{"id":1830,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 240\rالْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا تمنوا لَوْ مصدرية تُدْهِنُ تلين لهم فَيُدْهِنُونَ (9) يلينون لك، وهو معطوف على تدهن، وإن جعل جواب التمني المفهوم من ودّوا قدر قبله بعد الفاء هم وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ كثير الحلف بالباطل مَهِينٍ (10) حقير هَمَّازٍ عيّاب أي مغتاب مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) ساع بالكلام بين الناس على وجه الإفساد بينهم مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ بخيل بالمال عن الحقوق مُعْتَدٍ ظالم أَثِيمٍ (12) آثم عُتُلٍ غليظ جاف بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (13) دعيّ في قريش، وهو الوليد بن المغيرة، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة، قال ابن عباس: لا نعلم أن اللّه\r______________________________\rقوله: فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ مرتب على ما تقدم من اهتدائه صلّى اللّه عليه وسلّم وضلالهم، أو على جميع ما تقدم من أول السورة. قوله: (تلين لهم) أي بترك نهيهم عن الشرك، أو بأن توافقهم فيه أحيانا، وقوله:\r(يلينون لك) أي يتركون ما هم عليه من الطعن ويوافقونك. والمعنى: تمنوا لو تترك بعض ما أنت عليه مما لا يرضونه مصانعة لهم، فيفعلوا مثل ذلك، ويتركوا بعض ما لا ترضى به، فتلين لهم ويلينون لك. قوله:\r(و هو معطوف) الخ، أي فهو من جملة المتمني، وحينئذ فيكون المتمني شيئين، ثانيهما مسبب عن الأول.\rقوله: (قدر قبله بعد الفاء هم) أي فيكون الجواب جملة اسمية لا محل لها من الإعراب، وهذا جواب عما يقال: حيث جعل قوله: فَيُدْهِنُونَ جواب التمني والفاء سببية، فمقتضاه حذف النون للناصب، فأجاب: بأن الفاء داخلة على مبتدأ مقدر، وجملة يدهنون خبره، والجملة جواب التمني.\rقوله: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ الخ، هذه الأوصاف من هنا إلى قوله: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ نزلت في الوليد بن المغيرة، وعليه جمهور المفسرين، واقتصر عليه المفسر، وقيل: في الأسود بن عبد يغوث، وقيل: في الأخنس بن شريق، وقيل: في أبي جهل بن هشام. قوله: (كثير الحلف بالباطل) تفسير مراد آخذا له من قوله: الْمُكَذِّبِينَ ومن سياق الذم، وإلا فالحلاف كثير الحلف بحق أو باطل. قوله:\r(حقير) أي في رأيه وتدبيره عند اللّه تعالى، فلا ينافي أنه كان معظما في قومه. قوله (عياب) أي كثير العيب للناس، بمعنى أنه يعيبهم في حضورهم وغيبتهم، وقوله: (أي المغتاب) المناسب كما في بعض النسخ أن يقول: أو مغتاب، فيكون تفسيرا ثانيا من الغيبة، وهي ذكرك أخاك بما يكره، وقيل: الهماز الذي يهمز الناس بيده ويضربهم.\rقوله: بِنَمِيمٍ متعلق بمشاء، والنميم مصدر كالنميمة أو اسم جنس للنميمة.\rقوله: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أي من نفسه وغيره. قوله: (عن الحقوق) أي الواجبة والمندوبة. قوله:\r(ظالم) أي بتعدي الحق. قوله: أَثِيمٍ أي فاجر يتعاطى الإثم. قوله: (غليظ) أي في الطبع أو الجسم، وقوله: (جاف) أي قاسي القلب، وقيل العتل الذي يعتل الناس، أي يحملهم ويجرهم إلى ما يكرهون من حبس وضرب، ومنه خذوه فاعتلوه.\rقوله: بَعْدَ ذلِكَ أي ما ذكر من الأوصاف السابقة وهي ثمانية، وبَعْدَ هنا كثم التي للتراخي في الرتبة. والمعنى: أن هذا الوصف وهو زَنِيمٍ متأخر في الرتبة والشناعة عن الصفات السابقة، أي وهو أشنع منها وأقبح.\rقوله: زَنِيمٍ الزنمة في الأصل شيء يكون للمعز في أذنها كالقرط، فأطلق على المستلحق في قوم ليس منهم، فكأنه فيهم زنمة. قوله: (ادعاه أبوه) أي وهو المغيرة. والمعنى: كمعناه ونسبة لنفسه، بعد أن كان لا يعرف له أب. قوله: (بعد ثماني عشرة سنة) أي من ولادته، ولما نزلت الآية قال لأمه: إن محمدا","part":4,"page":240},{"id":1831,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 241\rوصف أحدا بما وصفه به من العيوب، فألحق به عارا لا يفارقه أبدا، وتعلق بزنيم الظرف قبله أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (14) أي لأن، وهو متعلق بما دل عليه إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا القرآن قالَ هي أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) أي كذب بها، لإنعامنا عليه بما ذكر، وفي قراءة: أأن، بهمزتين مفتوحتين سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16) سنجعل على أنفه علامة يعير بها ما عاش، فخطم أنفه بالسيف يوم بدر إِنَّا بَلَوْناهُمْ امتحنا أهل مكة بالقحط والجوع كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ البستان إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها يقطعون ثمرتها مُصْبِحِينَ (17) وقت الصباح، كيلا\r______________________________\rوصفني بتسع صفات أعرفها غير التاسع منها، فإن لم تصدقيني الخبر ضربت عنقك، فقالت له: إن أباك عنين، فخفت على المال، فمكنت الراعي من نفسي، فأنت منه، فلم يعرف أنه ابن زنا حتى نزلت الآية، وإنما ذم بذلك، لأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث الولد، لما ورد في الحديث: «لا يدخل الجنة ولد زنا، ولا ولده ولا ولا ولده». وورد: «أن أولاد الزنا، يحشرون يوم القيامة في صورة القردة والخنازير». وورد:\r«لا تزال أمتي بخير، ما لم يفش فيهم ولد الزنا، فإذا فشا فيهم ولد الزنا، أوشك أن يعمهم اللّه بعذابه».\rوقال عكرمة: إذا كثر ولد الزنا قحط المطر. قوله: (من العيوب) بيان لما.\rقوله: أَنْ كانَ ذا مالٍ الخ، سيأتي في المدثر الكلام على ماله وبنيه.\rقوله: (و هو متعلق بما دل) الخ، أي وقد بينه بقوله: (أي كذب بها) ولا يصح أن يكون معمولا لفعل الشرط، لأن إِذا تضاف للجملة بعدها، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، ولا يصح أن يكون معمولا لجواب الشرط، لأن ما بعده أداة الشرط، لا يعمل فيما قبلها. قوله: قالَ أَساطِيرُ جمع أسطورة كأكاذيب جمع أكذوبة، وزنا ومعنى. قوله: (بما ذكر) أي من المال والبنين. قوله: (و في قراءة) أي سبعية (أأن بهمزتين مفتوحتين) الأولى همزة الاستفهام التوبيخي، والثانية أن همزة المصدرية، واللام مقدرة، والمعنى أكذب بها لأن كان ذا مال وبنين، أي لا ينبغي ولا يليق ذلك منه، لأن المال والبنين من النعم، فكان ينبغي مقابلتهما بالشكر، وقراءة الاستفهام فيها، التحقق من غير ألف والتسهيل مع إدخال ألف بينهما وتركه.\rقوله: عَلَى الْخُرْطُومِ عبر به استهزاء بهذا اللعين، لأن الخرطوم أنف السباع، وغالب ما يستعمل في أنف الفيل والخنزير. قوله: (فخطم أنفه) أي جرح أنف هذا اللعين يوم بدر، فبقي أثر الجرح في أنفه بقية عمره.\rقوله: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ هي بستان باليمن يقال له الصروان دون صنعاء بفرسخين، وكان صاحبه ينادي الفقراء وقت الجذاذ، ويترك لهم ما اخطأ المنجل من الزرع أو ألقته الريح، أو بعد عن البساط الذي يبسط تحت الثمر، وكان يجتمع لهم في ذلك شيء كثير، فلما مات ورثه بنوه وكانوا ثلاثة، وشحوا بذلك وقالوا: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا، ضاق علينا الأمر ونحن ذوو عيال، فحلفوا أن يجذوه قبل الشمس، حتى لا تأتي الفقراء إلا بعد فراغهم، وكانت قصتهم بعد عيسى ابن مريم بزمن يسير. قوله: (بالقحط) أي وهو احتباس المطر الذي دعا به صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم، حتى أكلوا الجيفة. قوله:\rكَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ الكاف في موضع نصب لمصدر محذوف، وما مصدرية أو بمعنى الذي.\rقوله: إِذْ أَقْسَمُوا إِذْ تعليلية متعلقة ببلونا، والمراد معظمهم، وإلا فالأوسط نهاهم عن ذلك وقال لهم: اصنعوا من الإحسان ما كان يصنعه أبوكم. قوله: (يقطعون) أي فالصرم القطع، والانصرام","part":4,"page":241},{"id":1832,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 242\rيشعر بهم المساكين فلا يعطونهم منها ما كان أبوهم يتصدق به عليهم منها وَلا يَسْتَثْنُونَ (18) في يمينهم بمشيئة اللّه تعالى، والجملة مستأنفة أي وشأنهم ذلك فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ نارا أحرقتها ليلا وَهُمْ نائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) كالليل الشديد الظلمة أي سوداء فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ غلتكم، تفسير لتنادوا، أو أن مصدرية، أي بأن إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (22) مريدين القطع، وجواب الشرط دل عليه ما قبله فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (23) يتسارون أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) تفسير لما قبله، أو أن مصدرية، أي بأن وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ منع للفقراء قادِرِينَ (25) عليه في ظنهم فَلَمَّا رَأَوْها سوداء محترقة قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) عنها، أي ليست هذه، ثم قالوا لما علموها بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) ثمرتها بمنعها الفقراء منها قالَ أَوْسَطُهُمْ خيرهم أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا هلا تُسَبِّحُونَ (28) اللّه تائبين قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (29) بمنع الفقراء حقهم فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ\r______________________________\rالانقطاع. قوله: مُصْبِحِينَ حال من فاعل لَيَصْرِمُنَّها وهو من أصبح التامة أي داخلين في الصباح. قوله: (فلا يعطونهم) معطوف على النفي، ولذا رفع (لا) على المنفي لفساد المعنى: قوله: (ما كان أبوهم) أي القدر الذي كان أبوهم الخ، وتقدم بيانه. قوله: (بمشيئة اللّه تعالى) أي لا يقولون في يمينهم إن شاء اللّه، وقيل: لا يستثنون شيئا للمساكين. قوله: (و الجملة مستأنفة) أي وجوز بعضهم الحالية، وهي أظهر في المعنى، وإنما عدل المفسر عنه، لأن المضارع المنفي بلا، كالمثبت في أنه لا يقع حالا مقرونا بالواو، إلا بإضمار مبتدأ وفيه كلفة.\rقوله: وَهُمْ نائِمُونَ الجملة حالية. قوله: (كالليل) سمى الليل صريما لانصرامه وانفصاله من النهار، كما يسمى النهار صريما أيضا لانفصاله من الليل.\rقوله: فَتَنادَوْا معطوف على أَقْسَمُوا وما بينهما اعتراض. قوله: مُصْبِحِينَ حال.\rقوله:\rأَنِ اغْدُوا أي بكروا وقت الغدو، وعداه بعلى لتضمنه معنى اقبلوا. قوله: (تفسير لتنادوا) أي فإن بمعنى أي. قوله: (دل عليه ما قبله) أي وتقديره فاغدوا.\rقوله: فَانْطَلَقُوا معطوف على فَتَنادَوْا وقوله: وَهُمْ يَتَخافَتُونَ حال.\rقوله: أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الخ، أصل الكلام أن لا تدخلوها مسكينا، فأوقع النهي على دخول المساكين لأنه أبلغ، لأن دخولهم أهم من أن يكون بإدخالهم أو بدونه.\rقوله:\rوَغَدَوْا أي ساروا إليها غدوة، وقوله: قادِرِينَ خبر غَدَوْا إن كان بمعنى أصبح الناقصة وإن كانت تامة، يكون منصوبا على الحال. قوله: عَلى حَرْدٍ الحرد فيه أقوال كثيرة أشهرها ما قاله المفسر، ومنها أن معناه الغضب، ومنها السنة التي قل مطرها. قوله: (في ظنهم) أي وأما في الواقع فليس كذلك، لهلاك الثمر عليهم ليلا.\rقوله: قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ أي قالوا ذلك في بادئ الرأي. قوله: (لما علموها) أي بعد التأمل والتفتيش. قوله: (بمنعها) الباء سببية.\rقوله: (خيرهم) أي رأيا وعقلا ونفسا، أنكر عليهم بقوله: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ الخ، في مفعوله محذوف، أي ألم أقل لكم أن ما فعلتموه لا يرضى به اللّه؟ قوله:\r(هلا) تُسَبِّحُونَ (اللّه) أي تستغفرونه وتتوبون إليه من حيث عزمكم.\rقوله: قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا أي فامتثلوا وتابوا.\rقوله: يَتَلاوَمُونَ أي يلوم بعضهم بعضا، على","part":4,"page":242},{"id":1833,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 243\rيَتَلاوَمُونَ (30) قالُوا للتنبيه يا وَيْلَنا هلاكنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (31) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا بالتشديد والتخفيف خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (32) ليقبل توبتنا ويردّ علينا خيرا من جنتنا، روي أنهم أبدلوا خيرا منها كَذلِكَ أي مثل العذاب لهؤلاء الْعَذابُ لمن خالف أمرنا من كفار مكة وغيرهم وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (33) عذابها ما خالفوا أمرنا، ونزل لما قالوا: إن بعثنا نعطى أفضل منكم إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) أي تابعين لهم في العطاء ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) هذا الحكم الفاسد أَمْ أي بل ألَكُمْ كِتابٌ منزل فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) أي تقرءون إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما\r______________________________\rما صدر منهم سابقا. قوله: (هلاكنا) أي إن لم يعف عنا ربنا، فقد حضر هلاكنا.\rقوله: عَسى رَبُّنا رجوع منهم إلى الرجاء في رحمة اللّه بعد التوبة. قوله: (بالتشديد والتخفيف) قراءتان سبعيتان. قوله:\r(روي أنهم أبدلوا) الخ، أي فأمر اللّه جبريل أن يقتلع تلك الجنة المحترقة فيجعلها بزغر، بالزاي والغين المعجمتين، بلدة بالشام بها عين غور مائها علامة خروج الدجال، ويأخذ من الشام جنة فيجعلها مكانها، قال ابن مسعود: إن القوم اخلصوا، وعلم اللّه منهم الصدق، فأبدلهم جنة يقال لها الحيوان، فيها عنب يحمل البغل منه عنقودا واحدا، وقال اليماني أبو خالد: دخلت تلك الجنة، فرأيت منها محل العنقود كالرجل القائم الأسود.\rقوله: كَذلِكَ خبر مقدم، والْعَذابُ مبتدأ مؤخر. قوله: (أي مثل العذاب لهؤلاء) أي الذي بلونا به أصحاب الجنة من إهلاك ما كان عندهم يحصل لأهل مكة، قال ابن عباس: هذا مثل لأهل مكة، حين خرجوا إلى بدر وحلفوا ليقتلون محمدا وأصحابه، ويرجعون إلى مكة، ويطوفون بالبيت، ويشربون الخمر، وتضرب القينات على رءوسهم، فأخلف اللّه ظنهم، فقتلوا وأسروا وانهزموا، كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرام، فخابوا وضاعت صفقتهم، وفيه تلطف بأهل مكة، حيث ضرب لهم المثل بأهل الجنة كما لا يخفى.\rقوله: (و نزل لما قالوا) الخ، ظاهره أن قولهم سبب لنزول إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ الخ، وليس كذلك، بل الآية سبب لقولهم المذكور، فلما صدر منهم ذلك القول أنزل ردا عليهم أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ الخ، قال مقاتل: لما نزل إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ الخ، قال كفار مكة للمسلمين:\rإن اللّه فضلنا عليكم في الآخرة، فإن لم يحصل التفضيل، فلا أقل من المساواة، فأجابهم اللّه تعالى بقوله:\rأَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ الخ. قوله: جَنَّاتِ النَّعِيمِ أضيفت إلى النَّعِيمِ لأنه ليس فيها إلا النعيم الخالص الذي لا يشوبه كدر ولا نقص كجنات الدنيا.\rقوله: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه، والتقدير: أنحيف في الحكم، فنجعل المسلمين، وفي العبارة قلب، والأصل: أفنجعل المجرمين كالمسلمين، لأنهم جعلوا أنفسهم كالمسلمين بل أفضل؟ فحينئذ يكون الإنكار متوجها لجعلهم المذكور، وقد وبخوا باستفهامات سبعة تنتهي لقوله: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ أولها أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ ثانيها ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ثالثها. رابعها أَمْ لَكُمْ كِتابٌ الخ، خامسها أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ الخ، سادسها «أنهم» الخ، سابعها أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ الخ. قوله: (أي تابعين لهم في العطاء) المناسب أن يقول: أي مساوين لهم في العطاء، بقي أن الآية إنما دلت على نفي المساواة، مع أن المشركين ادعوا الأفضلية، فلم","part":4,"page":243},{"id":1834,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 244\rتَخَيَّرُونَ (38) تختارون أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عهود عَلَيْنا بالِغَةٌ واثقة إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ متعلق معنى بعلينا، وفي هذا الكلام معنى القسم، أي أقسمنا لكم، وجوابه إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (39) به لأنفسكم سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ الحكم الذي يحكمون به لأنفسهم، من أنهم يعطون في الآخرة أفضل من المؤمنين زَعِيمٌ (40) كفيل لهم أَمْ لَهُمْ أي عندهم شُرَكاءُ موافقون لهم في هذا المقول، يكفلون لهم به، فإن كان كذلك فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ الكافلين لهم به إِنْ كانُوا صادِقِينَ (41) اذكر يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ هو عبارة عن شدة الأمر يوم القيامة للحساب\r______________________________\rتحصل الموافقة. أجيب: بأنها دلت على نفي الأفضلية بالأولى، لأنه إذا انتفت المساواة فالأفضلية أولى.\rقوله: ما لَكُمْ مبتدأ وخبر، والمعنى: أي شيء ثبت واستقر لكم من هذه الأحكام البعيدة عن الصواب. قوله: كَيْفَ تَحْكُمُونَ جملة أخرى، فالوقف على لَكُمْ استفيد من هذه الجملة السؤال عن كيفية الحكم، هل هو عن عقل أو لا؟\rقوله: أَمْ لَكُمْ كِتابٌ أَمْ منقطعة تفسر ببل والهمزة، وقيل للاضراب الانتقالي، والهمزة للاستفهام التوبيخي التقريعي، وكذا يقال فيما يأتي.\rقوله: إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ لَكُمْ خبر إِنَ مقدم، وما اسمها مؤخر، واللام للتوكيد، وهذه الجملة هي المدروسة في الكتاب، فهي في المعنى مفعول لتدرسون، وكسر همزة إن لوقوع اللام المعلقة للفعل عن العمل بعدها، قال ابن مالك:\rوكسروا من بعد فعل علقا ... باللام كاعلم إنه لذو تقى\r\rقوله: (تختارون) أي تشتهون وتطلبون. قوله: (عهود) أي مؤكدة بالأيمان لأن العهد كلام مؤكد بالقسم.\rقوله: بالِغَةٌ بالرفع في قراءة العامة نعت لأيمان، وقرئ شذوذا بالنصب على الحال، إما من أَيْمانٌ أو من الضمير في عَلَيْنا. قوله: (متعلق معنى بعلينا) أي متصل به، وليس المراد التعلق الصناعي، فإنه مختص بالفعل، أو ما فيه رائحة الفعل، أو بالمقدر في الظرف، أي هي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة، ولا تخرج عن عهدتها إلا يومئذ إذا حكمناكم. قوله: (و في هذا الكلام) أي قوله: أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ الخ. قوله: (أي أقسمنا لكم) مفعوله محذوف، أي أقسمنا لكم أيمانا موثقة.\rقوله: سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ الخ سَلْهُمْ ينصب مفعولين الأول الضمير المتصل، والثاني جملة أَيُّهُمْ، وأي مبتدأ، وزَعِيمٌ خبره، وبِذلِكَ متعلق بزعيم.\rقوله: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ لَهُمْ خبر مقدم، وشُرَكاءُ مبتدأ مؤخر، وهذه الجملة معطوفة معنى على جملة أيهم زعيم، واختلف في الشركاء فقيل: المراد بهم ناس يشاركونهم في القول المذكور، وقيل المراد بها الأصنام وكلام المفسر محتمل لهما. قوله: (يكلفون لهم به) أي بصحته ونفوذه. قوله: إِنْ كانُوا صادِقِينَ شرط حذف جوابه لدلالة ما قبله عليه.\rقوله: (اذكر) أشار بذلك إلى أن يَوْمَ معمول لمحذوف، والجملة مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها، وهذا أحد قولين، والآخر أن الظرف متعلق بيأتوا، والمعنى: فليأتوا بشركائهم في ذلك اليوم، تنفعهم وتشفع لهم. قوله: (هو عبارة) الخ، أي هذا التركيب، ويَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ كناية عن الشدة، فأصل هذا الكلام يقال لمن شمر عن ساقه عند العمل الشاق، ويقال إذا اشتد الأمر في الحرب: كشف الحرب عن ساق. وسئل ابن عباس عن هذه الآية فقال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن فاتبعوه في الشعر، فإنه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر:","part":4,"page":244},{"id":1835,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 245\r.......\r______________________________\rسن لنا قومك ضرب الأعناق ... وقامت الحرب بنا على ساق\r\rوقال الآخر\rألا رب ساهي الطرف من آل مازن ... إذا شمرت عن ساقها الحرب شمرا\rوقيل: المراد الحقيقة وعليه فاختلف فقيل: يكشف عن ساق جهنم، وقيل: عن ساق العرش، وقيل: يكشف لهم الحجاب فيرون اللّه تعالى. ففي مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه، أن ناسا في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا: يا رسول اللّه، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: نعم قال: هل يضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول اللّه، قال: فما تضارون في رؤية اللّه تعالى يوم القيامة، إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن، لنتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير اللّه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى لا يبقى إلا من كان يعبد اللّه، من بر وفاجر وغير أهل الكتاب، فتدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرا ابن اللّه، فيقال: كذبتم ما اتخذ اللّه من صاحبة ولا ولد، فما ذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار، كأنها سراب يحطم بعضها بعضا، فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن اللّه، فيقال لهم: كذبتم ما اتخذ اللّه من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ما ذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب عظيم بعضها بعضا، فيتساقطون في النار، حتى لا يبقى إلا من كان يعبد اللّه من بر وفاجر، أتاهم اللّه في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما ذا تنتظرون؟ لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ باللّه منك، لا نشرك باللّه شيئا، مرتين أو ثلاثا، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفوه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد للّه من تلقاء نفسه، إلا أذن اللّه له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء، إلا جعل اللّه ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رءوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون: اللهم سلم سلم، قالوا: يا رسول اللّه وما الجسر. قال: دحض مزلقة فيها خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد، فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم، حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فو الذي نفسي بيده، ما من أحد منكم بأشد من شدة اللّه في استيفاء الحق من المؤمنين للّه يوم القيامة لإخوانهم الذين هم في النار، فيقولون: ربنا كانوا يصومون معنا، ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقا كثيرا، قد أخذت النار إلى نصف ساقه وإلى ركبته ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقال لهم: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: ربنا لم ندر فيها أحدا ممن أمرتنا به، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: يا ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا","part":4,"page":245},{"id":1836,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 246\rوالجزاء، يقال: كشفت الحرب عن ساق إذا اشتد الأمر فيها وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ امتحانا لإيمانهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ (42) تصير ظهورهم طبقا واحدا خاشِعَةً حال من ضمير يدعون،\r______________________________\rبه أحدا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون: يا ربنا لم نذر فيها خيرا. وكان أبو سعيد يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً فيقول اللّه: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط، قد عادوا حمما، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر، ما تكون إلى الشمس أصفر أو أخضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض، قال: فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء اللّه الذين أدخلهم اللّه الجنة، بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين، فيقول: لكم عندي ما هو أفضل من هذا، فيقولون: ربنا أي شيء أفضل من هذا. فيقول: رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدا.\r- تنبيه- قوله في الحديث: «أتاهم اللّه في أدنى صورة رأوه فيها» الخ، هو من المتشابه يجري فيه مذهب السلف والخلف، فالسلف يقولون: يجب علينا أن نؤمن بها، ونعتقد أن لها معنى يليق بجلال اللّه تعالى، مع اعتقادنا أن اللّه تعالى ليس كمثله شيء، والخلف يؤولون الإتيان إما بالرؤية لأن العادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته، أو بإتيان ملك فيقول: أنا ربكم على سبيل الامتحان وهذا آخر امتحان المؤمنين، ومعنى الصورة الصفة، فمعنى «في أدنى صورة» الخ، في غير الصفة التي يعرفونه في الدنيا بها، وقولهم: «فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم»، أي فارقنا الناس من أجل توحيدك، حال كوننا مع المفارقة أفقر من أنفسنا عند صحبتهم، فهو اخبار منهم بمزيد صبرهم على المشاق لأجل اللّه، وقولهم «نعوذ باللّه منك»، إنما استعاذوا منه لكونهم رأوا سمات المخلوق، وقوله: «فيكشف عن ساق»، معناه كشف الحزن وإزالة الرعب عنهم وما كان غلب على عقولهم من الأهوال، فتطمئن حينئذ نفوسهم عند ذلك، ويتجلى لهم بالصفة التي يعرفونها فيخرون سجدا، وهذه الرؤية غير الرؤية التي هي في الجنة لكرامة أوليائه، وإنما هذه الرؤية امتحان لعباده، وقوله: «و قد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة»، معناه أنه تحجب عنهم بالصفة التي رأوه فيها أول مرة، وقوله: «ثم يضرب الجسر» معناه الصراط، وتحل الشفاعة بكسر الحاء وضمها معناه تقع ويؤذن فيها، وقوله: «دحض مزلقة» أي طريق تزلق فيه الأقدام ولا تثبت، وقوله: «فيه خطاطيف» جمع خطاف، وهو الذي يخطف الشيء، والكلاليب جمع كلوب وهو الحديدة التي يعلق بها اللحم والحسك الذي يقال له السعدان، ثبت له شوك عظيم من كل جانب، ومعنى «الخبر» اليقين، ومعنى «قبض قبضة» أي جمع جماعة، وقوله: «قد عادوا حمما» أي صاروا فحما، وقوله: «في أفواه الجنة» جمع فوهة وهي أول النهر، وقوله: «فيخرجون كاللؤلؤ» أي في الصفاء، وقوله: «في رقابهم الخواتيم»، قيل: معناه أنهم يعلقون أشياء من ذهب أو غير ذلك مما يعرفون بها، واللّه أعلم.\rقوله: وَيُدْعَوْنَ أي الكفار. قوله: (امتحانا لإيمانهم) أي لا تكليفا بالسجود، لأنها ليست دار تكليف. قوله: (طبقا واحدا) أي عظما واحدا.\rقوله: أَبْصارُهُمْ فاعل ب خاشِعَةً، ونسب","part":4,"page":246},{"id":1837,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 247\rأي ذليلة أَبْصارُهُمْ لا يرفعونها تَرْهَقُهُمْ تغشاهم ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ في الدنيا إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (43) فلا يأتون به بأن لا يصلوا فَذَرْنِي دعني وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ القرآن سَنَسْتَدْرِجُهُمْ نأخذهم قليلا قليلا مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ أمهلهم إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) شديد لا يطاق أَمْ بل أتَسْئَلُهُمْ على تبليغ الرسالة أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مما يعطونكه مُثْقَلُونَ (46) فلا يؤمنون لذلك أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ أي اللوح المحفوظ الذي فيه الغيب فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) منه ما يقولون فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فيهم بما يشاء\r______________________________\rالخشوع والذل إليها، لأن ما في القلب يعرف في العين، وفي ذلك المقام يسجد المؤمنون شكرا للّه تعالى على ما أعطوه من النعيم، فيرفعون رءوسهم من السجود، ووجوههم أضوأ من الشمس، ووجوه الكافرين والمنافقين سوداء مظلمة له. قوله: تَرْهَقُهُمْ حال أخرى. قوله: وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ أي دعوة تكليف والجملة حالية، وكذا قوله: وَهُمْ سالِمُونَ. قوله: (بأن لا يصلوا) أشار بذلك إلى أن المراد بالسجود الثاني هو الصلاة، واتفق المفسرون على أن المراد بالسجود الأول حقيقته.\rقوله: فَذَرْنِي تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم وتخويف للكافرين، والمعنى: أترك أمر المكذبين إلي أكفك ذلك. قوله: وَمَنْ يُكَذِّبُ في محل نصب إما معطوف على الياء في ذرني، أو مفعول معه، والأول أرجح، قال ابن مالك:\rوالعطف إن يمكن بلا ضعف أحق ... والنصب مختار لدى عطف النسق\r\rقوله: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ استئناف مسوق لبيان كيفية التعذيب المستفاد إجمالا من قوله ذرني الخ.\rقوله: (نأخذهم قليلا قليلا) أي فالاستدراج: الأخذ بالتدريج شيئا فشيئا، والمعنى: لما أنعمنا عليهم، اعتقدوا أن ذلك الإنعام تفضيل لهم على المؤمنين، وهو في الحقيقة سبب لهلاكهم.\rقوله: وَأُمْلِي لَهُمْ عطف على سَنَسْتَدْرِجُهُمْ عطف تفسير. قوله: إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ الكيد في الأصل الاحتيال، وهو أن تفعل ما فيه نفع ظاهر، أو تريد به الضر، وإنما سمى إنعامه عليهم استدراجا بالكيد لأنه في صورته، فما وقع لهم من سعة الأرزاق وطول الأعمار وعافية الأبدان بإحسان ونفع ظاهري فقط، والمقصود به معاقبتهم وتعذيبهم على ذلك، ووصف الكيد بالمتانة، إشارة إلى أنه لا يتأتى إفلات المستدرجين مما أراده بهم، بخلاف كيد المخلوق، فتارة يقع وتارة لا يتمكن منه.\rقوله: أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً هو في المعنى مرتبط بقوله سابقا أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ الخ، والمعنى: أم تلتمس منهم ثوابا على ما تدعوهم إليه من الإيمان باللّه تعالى. قوله: مُثْقَلُونَ أي مكلفون حملا ثقيلا.\rقوله: (فلا يؤمنون لذلك) أي لسؤال الأجر المرتب عليه الغرم، وهو ثقيل على النفس، لأن شأن النفس أن تستثقل ما يطلب منها.\rقوله: (أي اللوح) الخ، هذا قول ابن عباس، وقيل الْغَيْبُ هو علم ما غاب عنهم. قوله: (ما يقولون) أي ما يحكمون به ويستغنون به عن اعلمك.\rقوله: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ الخ، نزلت هذه الآية بأحد، حين فر أصحاب رسول اللّه بإغراء المنافقين، فأراد أن يدعو على الذين انهزموا، وقيل: نزلت حين ضاق صدره من أهل مكة، فخرج يدعو ثقيفا، فأغروا به سفهاءهم، وصاروا يضربونه بالحجارة حتى أدموا قدمه الشريف، فأراد أن يدعو عليهم، فعلى الأول تكون مدنية، وعلى الثاني تكون مكية.","part":4,"page":247},{"id":1838,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 248\rوَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ في الضجر والعجلة، وهو يونس عليه السّلام إِذْ نادى دعا ربه وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) مملوء غما في بطن الحوت لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ أدركه نِعْمَةٌ رحمة مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ من بطن الحوت بِالْعَراءِ بالأرض الفضاء وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) لكنه رحم فنبذ غير مذموم فَاجْتَباهُ رَبُّهُ بالنبوة فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50) الأنبياء وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بضم الياء وفتحها بِأَبْصارِهِمْ أي ينظرون إليك نظرا شديدا، يكاد أن يصرعك ويسقطك عن مكانك لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ القرآن وَيَقُولُونَ حسدا إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) بسبب\r______________________________\rقوله: إِذْ نادى منصوب بمضاف محذوف، والتقدير: ويكن حالك كحاله في وقت ندائه. قوله:\rوَهُوَ مَكْظُومٌ الجملة حال من ضمير نادى. قوله: (مملوء غما) أي من أجل خوفه من اللّه تعالى حيث خرج من غير إذن، فظن أن اللّه آخذه بذلك، وقيل: معنى مكظوم محبوس، ومنه قولهم فلان يكظم غيظه أي يحبس غضبه.\rقوله: نِعْمَةٌ اختلف في المراد بها، فقيل: الرحمة وهو الذي اختاره المفسر، وقيل: هي العصمة، وقيل: نداؤه بقوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. قوله:\r(بالأرض الفضاء) أي الخالية من النبات والأشجار والجبال. قوله: وَهُوَ مَذْمُومٌ أي مؤاخذ بذنبه، والجملة حال من نائب فاعل نبذ، وهو محط النفي المستفاد من لَوْ لا. قوله: (لكنه رحم) الخ، أشار بذلك إلى أن لَوْ لا حرف امتناع لوجود، والممتنع الذم، والمعنى: امتنع ذمه لسبق العصمة له، فاجتباه ربه وجعله في الصالحين فيونس لم تحصل منه معصية أبدا، لا صغيرة ولا كبيرة، وإنما خروجه من بينهم، باجتهاد منه، وعتابه من اللّه من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، وتقدم ذلك مفصلا.\rقوله: فَاجْتَباهُ رَبُّهُ عطف على مقدر، والمعنى: فأدركته نعمة من ربه فاجتباه. قوله: (بالنبوة) هذا مبني على أنه وقت هذه الواقعة لم يكن نبيا، وإنما نبئ بعدها وهو أحد قولين، والآخر أنه كان نبيا، ومعنى اجتباه اختاره واصطفاه ورقاه مرتبة أعلى من التي كان فيها. قوله: فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ أي الكاملين في الصلاح، قال ابن عباس: رد اللّه عليه الوحي، وشفعه في نفسه وفي قومه، وقبل توبته وجعله من الصالحين، بأن أرسله إلى مائة ألف أو يزيدون، فهداهم اللّه بسبب صبره.\rقوله: وَإِنْ يَكادُ إِنْ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. قوله: (بضم الياء وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان، فالضم من أزلق، والفتح من زلق. قوله: بِأَبْصارِهِمْ الباء إما للتعدية أو السببية. قوله: (أي ينظرون إليك نظرا شديدا) أي فليس المراد أنهم يصيبونه بأعينهم، كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه، وإنما المراد أنهم ينظرون إليه نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء، وهذا ما مشى عليه المفسر، وقيل: أرادوا أن يصيبوه بالعين، فنظر إليه قوم من قريش المجربة اصابتهم، فعصمه اللّه وحماه من أعينهم فلم تؤثر فيه فنزلت، وذكر العلماء أن العين كانت في بني أسد من العرب، وكان إذا أراد أحد منهم أن يصيب أحدا في نفسه أو ماله، جوع نفسه ثلاثة أيام، ثم يتعرضون للمعيون أو ماله فيقول: ما رأيت أقوى منه ولا اشجع ولا أكبر ولا أحسن، فيهلك المعيون هو وماله، وهذه الآية تنفع كتابة وقراءة للمعيون، فلا تضره العين. قوله: لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ظرف لَيُزْلِقُونَكَ. قوله: (حسدا) أي","part":4,"page":248},{"id":1839,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 249\rالقرآن الذي جاء به وَما هُوَ أي القرآن إِلَّا ذِكْرٌ موعظة لِلْعالَمِينَ (52) الجن والإنس، لا يحدث بسببه جنون.\r______________________________\rوبغضا وتنفيرا عنه.\rقوله: وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ الجملة حالية من فاعل يَقُولُونَ مفيدة لبطلان قولهم، وتعجب السامعين حيث جعلوا عظة للعالمين، ويذكرهم سببا لجنون من أتى به، وهذا دليل على سخافة عقلهم وسوء رأيهم، لأن هذا القرآن لا يدركه إلا من كان كامل العقل، فكيف بمن نزل على قلبه؟","part":4,"page":249},{"id":1840,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 250\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الحاقّة مكيّة وآياتها ثنتان وخمسون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَاقَّةُ (1) القيامة التي يحق فيها ما أنكر من البعث والحساب والجزاء، أو المظهرة لذلك مَا الْحَاقَّةُ (2) تعظيم لشأنها، وهما مبتدأ وخبر الحاقة وَما أَدْراكَ أعلمك مَا الْحَاقَّةُ (3) زيادة تعظيم لشأنها، فما الأولى مبتدأ وما بعدها خبره، وما الثانية وخبرها في محل المفعول الثاني لأدري كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (4) القيامة، لأنها تقرع القلوب\r______________________________\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسورة الحاقة\rمكية وهي إحدى أو اثنتان وخمسون آية أي بالإجماع. قوله: (الحاقة) صفة لموصوف محذوف قدره المفسر بقوله: (القيامة) قوله: (التي يحق) من باب ضرب، ورد أي يثبت ويتحقق، فإسناد التحقيق للزمان مجاز عقلي على حد ليل قائم، فالمراد بها الزمان الذي يتحقق فيه ما أنكر في الدنيا من البعث وغيره، فيصير محسوسا معاينا.\rقوله: (أو المظهرة لذلك) أي لما انكر في الدنيا، وأشار بهذا المعنى إلى أن الْحَاقَّةُ اسم فاعل، أي المحققة والمظهرة، وهو اسناد مجازي أيضا، وهذان معنيان للحاقة من جملة معان كثيرة كلها متلازمة. قوله: (تعظيم لشأنها) أي فالمقصود من الاستفهام تفخيم شأنها وتعظيم قدرها كأنه قال: أي شيء هو لا تحيط به العبارة ولا تحصره اشارة. فالمقام للإضمار، ووضع الظاهر موضعه لتأكيد هولها وتفظيعه كقوله: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ. قوله: (و هما مبتدأ وخبر) الخ، أن الْحَاقَّةُ مبتدأ أول،\rومَا مبتدأ ثان، والْحَاقَّةُ الثاني، وهو وخبره خبر الأول، والرابط إعادة المبتدأ بلفظه.\rقوله: وَما أَدْراكَ الخ ما استفهامية وهو للإنكار، أي إنك لا علم لك بكنهها وشدة عظمها. قوله: (زيادة تعظيم) أي أن حكمة تكرار الاستفهام، زيادة تعظيم لها وتهويل لشأنها. قوله:\r(و ما بعدها) أي وهو جملة إدراك. قوله: (في محل المفعول الثاني) المناسب أن يقول: والثالث، لأن أدري بالهمز يتعدى لثلاثة، لأنه بمعنى أعلم.\rقوله: كَذَّبَتْ ثَمُودُ استئناف مسوق لبيان بعض أحوال الحاقة وثمود وقوم صالح، وكانت منازلهم بالحجر بين الشام والحجاز. قوله: وَعادٌ هم قوم هود، وكانت","part":4,"page":250},{"id":1841,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 251\rبأهوالها فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) بالصيحة المجاوزة للحد في الشدة وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ شديدة الصوت عاتِيَةٍ (6) قوية شديدة على عاد مع قوتهم وشدتهم سَخَّرَها أرسلها بالقهر عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ أولها من صبح يوم الأربعاء لثمان بقين من شوّال، وكانت في عجز الشتاء حُسُوماً متتابعات شبهت بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء كرّة بعد أخرى حتى ينحسم فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى مطروحين هالكين كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ أصول نَخْلٍ خاوِيَةٍ (7) ساقطة فارغة فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (8) صفة نفس مقدرة، أو التاء\r______________________________\rمنازلهم بالأحقاف، وهو رمل بين عمان وحضر موت باليمن. قوله: (لأنها تقرع القلوب) أي تؤثر فيها خوفا وفزعا.\rقوله: فَأَمَّا ثَمُودُ تفصيل لما حصل لهم في الدنيا من العذاب، بسبب تكذيبهم بالقيامة. قوله:\r(بالصيحة) أي بصيحة جبريل، واعلم أن ما نزل بثمود، يسمى في القرآن بأربعة أسماء: في الأعراف بالرجفة، وفي هود بالصيحة، وفي حم السجدة بالصاعقة، وفي هذه السورة بالطاغية، فالمراد بالرجفة الزلزلة، لتزلزل الأرض بهم عند صيحة جبريل عليهم، والصاعقة لصعقهم أي موتهم بها، والطاغية لخروجها عن الحد، وما ذكره المفسر أحد تفاسير للطاغية، وعليه فالباء للآلة، وقيل الطاغية مصدر كالكاذبة والعافية، والمعنى أهلكوا بطغيانهم وكفرهم، وعليه فالباء سببية، وقيل الطاغية عاقر ناقة صالح، والمعنى أهلكوا بسبب ما فعله طاغيتهم من عقر الناقة، وإنما أهلكوا جميعا، وإن كان الفاعل واحدا لأنهم علموا بفعله ورضوا به. قوله: (المجاوزة للحد) أي لحد الصيحات من الهول والشدة.\rقوله: (قوية شديدة على عاد) الخ، هذا أحد قولين في تفسير عاتِيَةٍ والآخر أن المراد عتت على خزانها، فخرجت بلا كيل ولا وزن، لما في الحديث: «ما أرسل اللّه سفة من ريح إلا بمكيال، ولا قطرة من ماء إلا بمكيال، إلا يوم عاد ويوم نوح، فإن الماء يوم نوح طغى على الخزان، فلم يمكن لهم عليه سبيل، وإن الريح يوم عاد عتت على الخزان، فلم يكن لهم عليها سبيل». قوله: (أرسلها) أي سلطها. قوله: (أولها من صبح يوم الأربعاء) أي فآخرها غروب شمس يوم الأربعاء التالي للأربعاء الأول، وكان الشهر كاملا، فكان آخرها هو اليوم الأخير منه.\rقوله: حُسُوماً نعت لسبع ليال وثمانية أيام، أو حال من مفعول سخرها، أي ذات حسوم، والحسم في الأصل تتابع الكي على الداء حتى تنقطع مادته، أطلق عن قيده وأريد منه مطلق تتابع عذاب، فقول المفسر (متتابعات) فيه إشارة إلى أنه مجاز مرسل، علاقته التقييد ثم الإطلاق.\rقوله: فَتَرَى الْقَوْمَ أي على فرض حضورك واقعتهم. قوله: صَرْعى حال جمع صريع كقتلى وقتيل، والضمير فيها عائد على الأيام والليالي، أو البيوت أو الريح. قوله: (أصول) نَخْلٍ أي بلا رءوس، فكانت الريح تقطع رءوسهم كما تقطع رءوس النخل. قوله: (فارغة) أي من الحشو، لما روي من أن الريح كانت تدخل من أفواههم، فتخرج ما في أجوافهم من الحشو من أدبارهم.\rقوله: مِنْ باقِيَةٍ مِنْ زائدة في المفعول. قوله: (لا) أشار به إلى أن الاستفهام إنكاري، قال ابن جرير: مكثوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في العذاب بالريح، فلما أمسوا في اليوم الثامن ماتوا، فاحتملهم الريح فألقتهم في البحر. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا.","part":4,"page":251},{"id":1842,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 252\rللمبالغة، أي باق؟ لا وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ أتباعه وفي قراءة بفتح القاف وسكون الباء أي من تقدمه من الأمم الكافرة وَالْمُؤْتَفِكاتُ أي أهلها وهي قرى قوم لوط بِالْخاطِئَةِ (9) بالفعلات ذات الخطإ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ أي لوطا وغيره فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (10) زائدة في الشدّة على غيرها إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ علا فوق كل شيء من الجبال وغيرها زمن الطوفان حَمَلْناكُمْ يعني آباءكم إذ أنتم في أصلابهم فِي الْجارِيَةِ (11) السفينة التي عملها نوح ونجا هو ومن كان معه فيها، وغرق الباقون لِنَجْعَلَها أي هذه الفعلة، وهي إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين لَكُمْ تَذْكِرَةً عظة وَتَعِيَها ولتحفظها أُذُنٌ واعِيَةٌ (12) حافظة لما تسمع فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (13) للفصل بين الخلائق، وهي الثانية وَحُمِلَتِ رفعت الْأَرْضُ\r______________________________\rقوله: وَالْمُؤْتَفِكاتُ أي المنقلبات، وهي التي اقتلعها جبريل على جناحه ورفعها قرب السماء ثم قلبها قوله: (أي أهلها) أشار بذلك إلى أنه على حذف مضاف على حد وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ. قوله: (و هي قرى قوم لوط) وكانت خمسة: صنعه وصعره وعمره ودوما وسدوم وهي أعظمها. قوله: (ذات الخطأ) أشار بذلك إلى أن الخاطئة صيغة نسب كتامر ولابن.\rقوله: فَعَصَوْا أي فرعون ومن قبله والمؤتفكات.\rقوله: رَسُولَ رَبِّهِمْ المراد بالرسول الجنس، وقوله: (و غيره) المراد بالغير خصوص موسى على قراءة كسر القاف، وموسى ومن قبله من الرسل على قراءة فتحها. قوله: (على غيرها) أي من عذاب الأمم.\rقوله: (علا فوق كل شيء من الجبال) الخ، أي فزاد على أعلى جبل خمسة عشر ذراعا. قوله: (زمن الطوفان) المناسب أن يقول زمن نوح. قوله: (يعني آباءكم) جواب عما يقال: إن المخاطبين لم يدركوا حمل السفينة، فكيف يمتن اللّه عليهم؟ فأجاب: بأن الكلام على حذف مضاف أي آباءكم،\rوقوله: (إذ أنتم) الخ، ظاهره أنه تعليل لما أجاب به، وليس كذلك، بل هو جواب آخر وحاصله أن الكلام باق على ظاهره، ويراد حَمَلْناكُمْ حال كونكم في أصلاب آبائكم الذين حملوا، وهم أولاد نوح: سام وحام ويافث. قوله: (أي هذه الفعلة) هذا أحد قولين في مرجع الضمير في نجعلها، وقيل عائد على السفينة، والمعنى لنجعل السفينة تذكرة وعظة لهذه الأمة، فبقيت منها بقية حتى أدركها أوائلهم.\rقوله: وَتَعِيَها بكسر العين باتفاق السبعة، وهو منصوب عطفا على نجعل، وماضيه وعى، وأصل المضارع يوعى، حذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها. قوله: (حافظ لما تسمع) إسناد الحفظ للأذن مجاز، وحقه أن يسند لصاحبها، والمعنى: شأنها أن تحفظ ما ينبغي حفظه من الأقوال والأفعال وتعمل بمقتضاه.\rقوله: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ الخ، لما ذكر اللّه تعالى القيامة وأهوالها إجمالا بقوله: الْحَاقَّةُ الخ، اشتاقت النفس لتفصيل ذلك، ففصل اللّه تعالى بعضه بقوله: فَإِذا نُفِخَ الخ، وإذا شرطية وجوابها قوله: فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ وقيل قوله: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ. قوله: نَفْخَةٌ نائب الفاعل، وواحِدَةٌ نعت مؤكد، لأن نَفْخَةٌ مصدر مختص دال على الوحدة، فيصح إقامته مقام الفاعل والممنوع إقامة المبهم نحو ضرب ضرب، ولم يؤنث الفعل وهو نُفِخَ لأن التأنيث مجازي لوجود الفصل. قوله: (و هي الثانية) هذا هو الصحيح كما روي عن ابن عباس، لأن الثانية هي التي يعقبها الحساب والجزاء، وقيل هي الأولى.","part":4,"page":252},{"id":1843,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 253\rوَالْجِبالُ فَدُكَّتا دقتا دَكَّةً واحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (15) قامت القيامة وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (16) ضعيفة وَالْمَلَكُ يعني الملائكة عَلى أَرْجائِها جوانب السماء وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ أي الملائكة المذكورين يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (17) من الملائكة أو من صفوفهم يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ للحساب لا تَخْفى بالتاء والياء مِنْكُمْ خافِيَةٌ (18) من السرائر فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ خطابا لجماعته لما سر به هاؤُمُ خذوا اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (19) تنازع فيه هاؤم\r______________________________\rقوله: وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ أي رفعتها الملائكة أو الرياح أو القدرة بعد خروج الناس من القبور. قوله: (دقتا) أي فتتا وصارتا كثيبا مهيلا وهباء منثورا. قوله: دَكَّةً واحِدَةً بالنصب على المصدرية باتفاق السبعة، وإنما لم يرفع بالنيابة لوجود الضمير بخلافه في نُفِخَ فلم يوجد ضمير، فأنيب نَفْخَةٌ مناب الفاعل، فرفع باتفاق السبعة.\rقوله: فَيَوْمَئِذٍ التنوين عوض عن جملتين محذوفتين وهما نُفِخَ وحُمِلَتِ. قوله: (قامت القيامة) أي حصلت ووجدت.\rقوله: وَانْشَقَّتِ السَّماءُ أي انصدعت وتفطرت من هول ذلك اليوم. قوله: (ضعيفة) أي ليس فيها تماسك ولا صلابة، فتصير بمنزلة الصوف المنفوش.\rقوله: عَلى أَرْجائِها أي أطرافها لينتظروا أمر اللّه لهم لينزلوا، فيحيطوا بالأرض ومن عليها. قوله: فَوْقَهُمْ حال من العرش، والضمير عائد على الملائكة الواقفين على الأرجاء. قوله:\rثَمانِيَةٌ (من الملائكة أو من صفوفهم) هذان قولان من جملة أقوال خمسة، ثالثها: ثمانية آلاف، رابعها: ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة، خامسها: ثمانية أجزاء من عشرة أجزاء، ورد في الحديث عنه عليه الصلاة والسّلام قال: «إن حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أمدهم اللّه تعالى بأربعة أخرى، فكانوا ثمانية على صورة الأوعال، أي تيوس الجبل من أظلافهم إلى ركبهم، كما بين سماء إلى سماء».\rقوله: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ أي تسألون وتحاسبون، وعبر بذلك تشبيها له بعرض السلطان العسكر لينظر في أمرهم، فيختار منهم المصلح للتقريب والإكرام، والمفسد للإبعاد والتعذيب، وروي أن في القيامة ثلاث عرضات، عرضتان للاعتذار والتوبيخ، والثالثة فيها تنتشر الكتب، فيأخذ الفائز كتابه بيمينه، ويأخذ الهالك كتابه بشماله. قوله: لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ حال من الواو في تُعْرَضُونَ والمعنى: لا يخفى على اللّه من سرائركم التي كنتم تخفونها في الدنيا، وتظنون أنه لا يطلع عليها، بل يذكركم بجميعها حتى تعلموها علما ضروريا. قوله: (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ الخ، تفصيل لأحوال الناس عند العرض. قوله: (خطابا لجماعته) أي أهله وأقربائه ومن حوله، وإنما أحب إظهار ذلك، سرورا وفرحا لكونه من الناجين قوله: هاؤُمُ لها استعمالان: تكون اسم فعل، وتكون بلفظ واحد للمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، وتكون فعلا وتلحقها العلامات، ومعناها على كل من الاستعمالين خذوا لغة القرآن أنها اسم فعل، والهمزة بعدها بدل من كاف الخطاب، والميم علامة الجمع. قوله: كِتابِيَهْ أصله كتابي، دخلت هاء السكت لتظهر فتحة الياء، وكذا في الباقي. قوله: (تنازع فيه) الخ، أي فأعمل الثاني عند البصريين، والأول عند الكوفيين، وأضمر في الآخر وحذف لأنه فضلة.","part":4,"page":253},{"id":1844,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 254\rواقرءوا إِنِّي ظَنَنْتُ تيقنت أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (21) مرضية فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (22) قُطُوفُها ثمارها دانِيَةٌ (23) قريبة يتناولها القائم والقاعد والمضطجع فيقال لهم كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً حال أي متهنئين بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (24) الماضية في الدنيا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ للتنبيه يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (26) يا لَيْتَها أي الموتة في الدنيا كانَتِ الْقاضِيَةَ (27) القاطعة لحياتي بأن لا أبعث ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (29) قوّتي وحجتي، وهاء كتابيه وحسابيه وماليه وسلطانيه للسكت تثبت وقفا ووصلا اتباعا للمصحف الإمام والنقل، ومنهم من حذفها وصلا خُذُوهُ\r______________________________\rقوله: إِنِّي ظَنَنْتُ (تيقنت) أي فالمراد بالظن اليقين، وقال ذلك تحدثا بنعمة اللّه تعالى، إشارة إلى أنه نجا بسبب خوفه من يوم الحساب، وذلك أنه تيقن أن اللّه يحاسبه فعمل للآخرة، فحقق اللّه رجاءه وأمن خوفه. قوله: (مرضية) أشار بذلك إلى أن صيغة فاعل بمعنى مفعول، أي يرضى بها صاحبها ولا يسخطها، لما ورد: أنهم يعيشون فلا يموتون أبدا، ويصحون فلا يمرضون أبدا، وينعمون فلا يرون بأسا أبدا.\rقوله: فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ أي مرتفعة المكان والدرجات والأبنية والأشجار.\rقوله: قُطُوفُها جمع قطف بكسر القاف أي المقطوف، وهو ما يجتنيه من الثمار.\rقوله: كُلُوا وَاشْرَبُوا أي يقال لهم ذلك، والأمر للامتنان. قوله: (متهنئين) أي بذلك الأكل الطيب اللذيذ الشهي، البعيد عن كل أذى، السالم من كل آفة وقذر، فلا بول ولا غائط ولا بصاق ولا مخاط ولا صداع ولا ثقل. قوله: بِما أَسْلَفْتُمْ الباء سببية وما مصدرية أو اسم موصول. قوله: (الماضية في الدنيا) وقيل هي أيام الصيام، والمعنى: كلوا واشربوا بدل ما أمسكتم عن الأكل والشرب لوجه اللّه تعالى.\rقوله: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ الخ، جرت عادة اللّه تعالى في كتابه حيث ذكر أحوال السعداء يذكر أثر ذلك أحوال الاشقياء. قوله: فَيَقُولُ أي لما يرى من سوء عاقبته التي رآها.\rقوله: وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ ما استفهامية مبتدأ، وحِسابِيَهْ خبرها، والجملة سدت مسد مفعولي أَدْرِ والاستفهام للتعظيم والتهويل، والمعنى: ولم ادر عظم حسابي وشدته. قوله: (أي الموتة في الدنيا) المعنى: يا ليت الموتة في الدنيا كانت القاطعة لحياتي، ولم ابعث بعد ذلك أصلا.\rقوله: ما أَغْنى عَنِّي ما نافية والمفعول محذوف، والمعنى: لم يغن عني مالي شيئا، أو استفهامية للتوبيخ، أي أي شيء أغنى ما كان لي من اليسار الذي منعت منه حق الفقراء وتكبرت به على عباد اللّه. قوله: مالِيَهْ يحتمل أن ما اسم موصول فاعل اغنى، والجار والمجرور صلة ما ويحتمل أن مالي كلمة واحدة بمعنى المال فاعل أَغْنى مضاف لياء المتكلم. قوله: (قوتي وحجتي) اشار المفسر بذلك إلى أن في السلطان تفسيرين: أحدهما القوة التي كانت له في الدنيا، والثاني الحجة التي كان يحتج بها على الناس. قوله: (و هاء كتابيه) الخ (هاء) مبتدأ، و(للسكت) خبر أول، وقوله: (تثبت) خبر ثان. قوله: (تثبت وقفا) أي على القاعدة في هاء السكت. قوله: (و وصلا) هذا مخالف لقاعدة هاء السكت، ولما كان مخالفا أجاب بجوابين: الأول قوله:\r(اتباعا للمصحف) أي فلما كانت ثابتة فيه ثبتت في النطق ولو في الأصل اتباعا للرسم الثاني. قوله:\r(و النقل) أي واتباعا للنقل عن النبي عليه الصلاة والسّلام، فقد ثبت عنه ثبوتها وصلا فليس لحنا، لأن ما","part":4,"page":254},{"id":1845,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 255\rخطاب لخزنة جهنم فَغُلُّوهُ (30) اجمعوا يديه إلى عنقه في الغل ثُمَّ الْجَحِيمَ النار المحرقة صَلُّوهُ (31) أدخلوه ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً بذراع الملك فَاسْلُكُوهُ (32) أي أدخلوه فيها بعد إدخاله النار، ولم تمنع من الفاء من تعلق بالظرف المتقدم إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (35) قريب ينتفع به وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) صديد أهل النار أو شجر فيها لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ (37) الكافرون فَلا زائدة أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (38) من المخلوقات وَما لا تُبْصِرُونَ (39) منها أي بكل مخلوق إِنَّهُ أي\r______________________________\rخرج عن القواعد لا يكون لحنا إلا إذا لم يثبت، وهذا قد ثبت عن النبي ونقل إلينا بالتواتر. قوله:\r(و منهم) أي القراء السبعة وهو حمزة، والعشرة وهو يعقوب.\rقوله: خُذُوهُ معمول القول مقدر جواب عن سؤال مقدر تقديره ما يفعل به بعد ذلك؟ فقيل:\rيقال الخ. قوله: (خطاب لخزنة جهنم) أي زبانيتها، وسيأتي في المدثر أن عدتهم تسعة عشر، قيل:\rملكا، وقيل: صفا، وقيل صنفا.\rقوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ الترتيب في الزمان والرتبة، فإن إدخاله في النار بعد غله، وكذا إدخاله في السلسلة بعد إدخاله النار، وكل واحد اشد مما قبله. قوله: صَلُّوهُ أي كرروا غمسه في النار، كالشاة التي تصلى، أي تشوى على النار مرة بعد مرة.\rقوله: ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً (بذراع الملك) هذا قول ابن عباس قال: فتدخل في دبره وتخرج من منخره، وقيل: سبعون ذراعا، كل ذراع سبعون باعا، كل باع أبعد ما بين مكة والكوفة، وقيل: سبعون ذراعا، كل ذراع سبعون ذراعا، وقيل: ليس المراد بالعدد حقيقته، بل هو كناية عن عظمها وطولها، قال كعب: لو جمع حديد الدنيا ما وزن حلقة منها، اجارنا اللّه منها، واشار سبحانه إلى ضيقها على ما تحيط به من بدنه بتفسيره بالسلك فقال: فاسلكوه أي ادخلوه بحيث يكون كأنه السلك الذي يدخل في ثقب الخرز، لإحاطتها بعنقه وبجميع اجزائه.\rقوله: إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ تعليل على طريق الاستئناف كأنه قيل: ما باله يعذب هذا العذاب الشديد؟ فأجيب بذلك، ولعل وجه التخصيص لهذا الأمرين بالذكر، أن الكفر أقبح الأشياء، والبخل مع قسوة القلب يليه.\rقوله: وَلا يَحُضُ أي لا يحث ولا يحرض نفسه ولا غيره، وقوله:\rعَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ أي إطعامه.\rقوله: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا الخ، أي في الآخرة، وحَمِيمٌ وما عطف عليه اسم ليس، وخبرها الظرف قبله. فإن قلت: ما التوفيق بين ما هنا وبين قوله في محل آخر إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ وفي موضع آخر إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ وفي موضع آخر أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ قلنا: لا منافاة، إذ جمع ذلك طعام لهم، فالحصر اضافي، والمنفى بالحصر طعام فيه نفع.\rقوله: (صديد أهل النار) هو ما يجري من الجراح إذا غسلت. قوله: (أو شجر فيها) أي إذا اكلوه يغسل بطونهم، أي يخرج ما فيها من الحشو.\rقوله: إِلَّا الْخاطِؤُنَ العامة يهمزون الْخاطِؤُنَ هو اسم فاعل من خطئ يخطأ إذا فعل غير الصواب متعمدا والمخطئ من يفعله غير متعمد. قوله: (زائدة) أي والمعنى: أقسم لكم يا عبادي بما تشاهدون من المخلوقات وبما لا تشاهدون الخ، وإنما اقسم بالمخلوقات لعظمها وشرفها، بعظم خالقها","part":4,"page":255},{"id":1846,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 256\rالقرآن لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) أي قاله رسالة عن اللّه تعالى وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (41) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (42) بالتاء والياء في الفعلين، وما زائدة مؤكدة، والمعنى أنهم آمنوا بأشياء يسيرة وتذكروها مما أتى به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الخير والصلة والعفاف فلم تغن عنهم شيئا بل هو تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ أي النبي عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (44) بأن قال عنا ما لم نقله لَأَخَذْنا لنلنا مِنْهُ عقابا بِالْيَمِينِ (45) بالقوّة والقدرة\r______________________________\rوموجدها، فالقسم بالمخلوقات لا من حيث ذاتها، بل من حيث إنها آثار عظمته ومظهر صفاته سبحانه وتعالى، والنهي عن القسم بغير اللّه خاص بالمخلوق، وأما هو سبحانه فله أن يقسم بما شاء على ما شاء، وما ذكره المفسر أحد قولين، والآخرة أنها أصلية، والمعنى: أن هذا الأمر لظهوره ووضوحه غني عن القسم، والأول اوضح وأوجه.\rقوله: (من المخلوقات) بيان لما. قوله: (أي بكل مخلوق) تفسير لمجموع. قوله: بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ.\rقوله: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ هذا هو المحلوف عليه، وكذا قوله: وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ وما بعده، والمراد بالرسول الكريم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وكرمه اجتماع الكمالات فيه، فهو اكرم الخلق على الإطلاق، وقيل: المراد به جبريل عليه السّلام، ويؤيده قوله في سورة التكوير إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وكرمه كونه رئيس العالم العلوي. قوله: (أي قاله رسالة) الخ، جواب عما يقال: إن القرآن قول اللّه تعالى وكلامه، فكيف يقال: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ فأجاب بأنه قوله على سبيل التبليغ، والحاصل أنه ينسب للّه من حيث إيجاده ولجبريل من حيث تلقيه عن اللّه، ولمحمد من حيث تلقيه عن جبريل.\rقوله: وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ الخ، إنما عبر بالإيمان في جانب نفي الشعر، والتذكر في جانب نفي الكهانة، لأن عدم مشابهة القرآن للشعر أمر ظاهر؛ لا ينكره إلا معاند كافر، بخلاف مغايرته للكهانة، فإنها متوقفة على التذكر والتدبر في أحواله صلّى اللّه عليه وسلّم الدالة على أنه ليس بكاهن. قوله: قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ أي تؤمنون بشيء قليل مما جاء مما يوافق طبعكم، وهذا ما درج عليه المفسر، وقيل: أراد بالقلة نفي إيمانهم أصلا، لأن الإيمان بشيء دون شيء كلا إيمان، وذلك كقولك لمن يزورك: قلما تأتينا وأنت تريد لا تأتينا أصلا. قوله: (بالتاء والياء) أي فهما سبعيتان، فالأولى لمناسبة تُبْصِرُونَ، والثانية التفات عن الخطاب إلى الغيبة. قوله: (و ما زائدة مؤكدة) أي لمعنى القلة، وقَلِيلًا صفة لمصدر محذوف في الموضعين، أي إيمانا قليلا، وتذكرا قليلا. قوله: (مما أتى به النبي) من للتبعيض في محل الحال من أشياء، والمعنى: حال كون تلك الأشياء اليسيرة بعض ما أتى به النبي، وقوله: (من الخير) بيان للأشياء اليسيرة التي هي بعض ما أتى به النبي، فكان المناسب للمفسر أن يقدمه على قوله: (مما أتى به النبي) والمراد بالخير الصدقة، وبالصلة الأرحام، وبالعفاف الكف عن الزنا، وإنما آمنوا بهذه الأشياء لموافقتها طباعهم.\rقوله: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا أي تكلف التقول. قوله: بَعْضَ الْأَقاوِيلِ إما جمع أقوال وهو جمع قول، أو جمع أقوولة كأعاجيب جمع أعجوبة، فعلى الأول أقاويل جمع الجمع، وعلى الثاني جمع فقط، والمعنى: لو نسب إلينا قولا لم نقله،\rأو لم نأذن له في قوله: لَأَخَذْنا الخ. قوله: (لنلنا) فسر الأخذ بالنيل لتعديته بالجار، وعليه فمن والباء غير زائدتين، والمعنى: لنلنا منه بالقوة والقدرة، فاليمين كناية عن","part":4,"page":256},{"id":1847,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 257\rثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) نياط القلب وهو عرق متصل به إذا انقطع مات صاحبه فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ هو اسم ما ومن زائدة لتأكيد النفي، ومنكم حال من أحد عَنْهُ حاجِزِينَ (47) مانعين خبر ما، وجمع لأن أحدا في سياق النفي بمعنى الجمع وضمير عنه للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، أي لا مانع لنا عنه من حيث العقاب وَإِنَّهُ أي القرآن لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ أيها الناس مُكَذِّبِينَ (49) بالقرآن ومصدقين وَإِنَّهُ أي القرآن لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (50) إذا رأوا ثواب المصدقين وعقاب المكذبين به وَإِنَّهُ أي القرآن لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) أي اليقين الحق فَسَبِّحْ نزه بِاسْمِ زائدة رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52) سبحانه.\r______________________________\rالقوة والغلبة، وأل عوض عن المضاف إليه، أي يمين اللّه، ويصح أن يراد باليمين الجارحة، والباء زائدة والمعنى: لأخذنا منه يمينه، كما يفعل بالمقتول صبرا يؤخذ بيمينه، ويضرب بالسيف في عنقه مواجهة.\rقوله: (و هو عرق متصل به) الخ، هذا قول ابن عباس والجمهور، وقيل: الوتين هو القلب ومراقه وما يليه، وقيل: هو عرق بين العنق والحلقوم، وقيل: هو كناية عن اماتته. والمعنى: لو كذب علينا لأمتناه، فكان كمن قطع وتينه.\rقوله: عَنْهُ أي عن عقابه، فهو على حذف مضاف. قوله: حاجِزِينَ مفعوله محذوف أي حاجزين لنا.\rقوله: وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ هذا وما بعده معطوف على جواب القسم، فهو من جملة المقسم عليه.\rقوله: لِلْمُتَّقِينَ خصهم بالذكر لأنهم المنتفعون به.\rقوله: أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ أي فنمهلهم، ثم بعد بعثهم نجازيهم على تكذيبهم، وقوله: (و مصدقين) أشار بذلك إلى أن في الآية حذف الواو مع ما عطفت. قوله: (أي لليقين الحق) أشار بذلك إلى أنه من إضافة الصفة للموصوف، والمعنى: من تمسك به وعمل بمقتضاه، صار من أهل حق اليقين. قوله: (زائدة) أي لفظ باسم زائد. والمعنى: نزه ربك العظيم، واشكره على ما أعطاك من النعم العظيمة، ولا تلتفت لهم ولا لكيدهم.","part":4,"page":257},{"id":1848,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 258\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة المعارج مكيّة وآياتها أربع وأربعون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَأَلَ سائِلٌ دعا داع بِعَذابٍ واقِعٍ (1) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (2) هو النضر بن الحارث قال: اللهم إن كان هذا هو الحق الآية مِنَ اللَّهِ متصل\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة المعارج\rمكية وهي أربع وأربعون آية وتسمى سورة سأل سائل. قوله: (مكية) أي إجماعا.\rقوله: سَأَلَ بالهمزة والألف قراءتان سبعيتان، فالهمز هو الأصل من السؤال وهو الدعاء، وأما قراءة الألف فيحتمل أنها بمعنى قراءة الهمزة، غير أنه خففت بقلب الهمزة ألفا، والألف منقلبة عن واو، كخاف يخاف، والواو منقلبة عن الهمزة أو من السيلان، فالألف منقلبة عن ياء، والمعنى سال سائل، أي واد في جهنم، وأما سائل فبالهمز لا غير، لأن العين إذا أعلت في الفعل، تعل في اسم الفاعل أيضا، وقد أعلت بالقلب همزة كقائل وبائع وخائف، واعلم أن مادة السؤال تتعدى لمفعولين، يجوز الاقتصار على أحدهما، ويجوز تعديته بحرف الجر، وحينئذ فيكون التقدير هنا: سأل اللّه أو النبي عذابا واقعا. قوله: (دعا داع) أشار بذلك إلى أن سَأَلَ من السؤال وهو الدعاء، ولما ضمن معناه تعدى تعديته، ويصح أن الباء زائدة للتوكيد كقوله تعالى: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ويصح أن الباء بمعنى عن. قوله: واقِعٍ لِلْكافِرينَ أي سيقع، وعبر بذلك اشارة لتحقق وقوعه، إما في الدنيا وهو عذاب يوم بدر، فإن النضر قتل يوم بدر صبرا، وإما في الآخرة وهو عذاب النار.\rقوله: لِلْكافِرينَ اللام للتعليل، والتقدير نازل من أجل الكافرين، أو بمعنى على أي واقع؟ على الكافرين.\rقوله: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ إما نعت آخر لعذاب، أو حال منه، أو مستأنف. قوله: (هو النضر بن الحرث) هذا قول ابن عباس، وقيل: هو الحرث بن النعمان، وذلك أنه لما بلغه قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا علي من كنت مولاه فعلي مولاه». ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح ثم قال: يا محمد أمرتنا عن اللّه أن نشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك رسول اللّه، فقبلناه منك، وأن نحج فقبلناه منك، وأن نصوم شهر","part":4,"page":258},{"id":1849,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 259\rبواقع ذِي الْمَعارِجِ (3) مصاعد الملائكة وهي السماوات تَعْرُجُ بالتاء والياء الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ جبريل إِلَيْهِ إلى مهبط أمره من السماء فِي يَوْمٍ متعلق بمحذوف، أي يقع العذاب بهم في يوم القيامة كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) بالنسبة إلى الكافر لما يلقى فيه من الشدائد، وأما المؤمن فيكون عليه أخف من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا كما جاء في الحديث فَاصْبِرْ هذا قبل أن يؤمر بالقتال صَبْراً جَمِيلًا (5) أي لا جزع فيه إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ أي العذاب\r______________________________\rرمضان في كل عام فقبلناه منك، ثم لم ترض حتى فضلت ابن عمك علينا؛ أفهذا شيء منك أم من اللّه تعالى؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «و الذي لا إله إلا هو، ما هو إلا من اللّه». فولى الحرث وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول حقا، فأمطر علينا حجارة من السماء، فو اللّه ما وصل إلى ناقته، حتى رماه اللّه بحجر، فوقع على دماغه فخرج من دبره فقتله فنزلت، وقيل: أبو جهل، وقيل: جماعة من كفار قريش، وقيل: هو نوح عليه السّلام سأل العذاب على كفار قومه. قوله: (قال اللهم) الخ، أي استهزاء وإيهاما أنه على بصيرة، حيث جزم ببطلانه. قوله: (متصل بواقع) أي متعلق به، وعليه فجملة لَيْسَ لَهُ دافِعٌ معترضة بين العامل والمعمول إن جعلت مستأنفة، وأما إن جعلت صفة لعذاب، فليست اعتراضية.\rقوله: ذِي الْمَعارِجِ أي صاحبها وخالقها، فليس لغيره مدخل فيها. قوله: (مصاعد الملائكة) أشار بذلك إلى أن العروج بمعنى الصعود، والمعارج جمع معرج بفتح الميم، وهو الصعود وما مشى عليه المفسر أحد أقوال، وقيل: المراد معارج المؤمنين في دار الثواب وهي الجنة، وقيل: معارج الأعمال الصالحة، فإنها تتفاوت بحسب الإخلاص والآداب ونحو ذلك. قوله: (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: (جبريل) أشار بذلك إلى أن عطف الرُّوحُ على ما قبله، عطف خاص على عام.\rقوله: (إلى مهبط أمره) بكسر الباء بوزن مسجد، وهو جواب عن سؤال مقدر تقديره: إن ظاهر الآية يقتضي أن اللّه تعالى في مكان، والملائكة يصعدون إليه، فأجاب: بأن الكلام على حذف مضاف، أي إلى محل هبوط أمره وهو السماء. قوله: (متعلق بمحذوف) أي دل عليه واقِعٍ. قوله: (لما يلقى فيه من الشدائد) أشار بذلك إلى أن الكلام من باب التمثيل والتخييل، فليس المراد حقيقة العدد، بل المراد أنه يطول على الكافر، لما يلقى فيه من الشدائد، فتارة يمثل بالألف وبالخمسين ألفا، كناية عن عظم الشدائد، أو يقال: يمثل بالخمسين ألفا في حق قوم من الكفار، والألف في حق قوم آخر منهم، وحينئذ فلا منافاة بين ما هنا وآية السجدة، وقيل: خمسون ألفا حقيقة لما ورد: أن مواطن الحساب خمسون موطنا، يحبس الكافر في كل موطن ألفا. قوله: (كما جاء في الحديث) أي وهو ما رواه أبو سعيد الخدري، أنه قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم كان مقداره خمسين ألف سنة: فما أطول هذا اليوم؟ فقال: والذي نفسي بيده، إنه ليخفف على المؤمن، حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا.\rقوله: فَاصْبِرْ مفرع على قوله: سَأَلَ سائِلٌ لأنه على سبيل الاستهزاء، والمعنى: اصبر على استهزاء قومك ولا تضجر منه، فهو تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (هذا قبل أن يؤمر) الخ، أي فهو منسوخ آية القتال.\rقوله: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ أي يعتقدونه.\rقوله: وَنَراهُ أي نعلمه، والنون للمتكلم المعظم نفسه","part":4,"page":259},{"id":1850,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 260\rبَعِيداً (6) غير واقع وَنَراهُ قَرِيباً (7) واقعا لا محالة يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ متعلق بمحذوف أي يقع كَالْمُهْلِ (8) كذائب الفضة وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (9) كالصوف في الخفة والطيران بالريح وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (10) قريب قريبه لاشتغال كل بحاله يُبَصَّرُونَهُمْ أي يبصر الأحماء بعضهم بعضا ويتعارفون ولا يتكلمون، والجملة مستأنفة يَوَدُّ الْمُجْرِمُ يتمنى الكافر لَوْ بمعنى أن يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بكسر الميم وفتحها بِبَنِيهِ (11) وَصاحِبَتِهِ زوجته وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ عشيرته لفصله منها الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) تضمه وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) ذلك الافتداء عطف على يفتدى كَلَّا ردّ لما يؤدّه إِنَّها أي النار لَظى (15) اسم لجهنم لأنها تتلظى أي تتلهب على الكفار نَزَّاعَةً لِلشَّوى (16) جمع شواة وهي جلدة الرأس تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) عن الإيمان بأن تقول: إليّ إليّ وَجَمَعَ المال فَأَوْعى (18) أمسكه في وعائه لم يؤد حق اللّه منه\r______________________________\rوهو اللّه تعالى. قوله: (متعلق بمحذوف) أي دال عليه واقع. قوله: (كذائب الفضة) وقيل: المهل دردي الزيت. قوله: (كالصوف) أي مطلقا، وقيل: بقيد كونه أحمر أو مصبوغا ألوانا، وهذه الأقوال في معنى العهن في اللغة.\rقوله: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ الخ، القراء السبعة على بناء يَسْئَلُ للفاعل، وحَمِيماً مفعول أول، والثاني محذوف تقديره شفاعة، وقرأ أبو جعفر من العشرة ببنائه للمفعول، وحَمِيمٌ نائب للفاعل، وحَمِيماً إما مفعول ثان على حذف مضاف أي احضاره، أو منصوب على نزع الخافض أي عن حميم.\rقوله: يُبَصَّرُونَهُمْ جمع الضميرين نظرا لمعنى الحميمين، لأنهما نكرتان في سياق النفي، يعمان سائر الأقارب. قوله: (و الجملة مستأنفة) أي استئنافا بيانيا واقعا في جواب سؤال مقدر نشأ من قوله:\rوَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً تقديره: إن عدم السؤال ربما يكون لعدم رؤيته، فأجاب: بأنهم يعرفون بعضهم وينظرون إلى بعضهم، غير أن كل أحد مشغول بحاله، فلا يمكنه السؤال لذلك. قوله: (بمعنى أن) أي المصدرية فلا جواب لها، بل ينسبك منها ومما بعدها، مصدر مفعول ليود، أي يود افتداءه. قوله:\r(بكسر الميم) أي على الإعراب، وقوله: (و فتحها) أي على البناء، والقراءتان سبعيتان، والتنوين عوض عن جمل متعددة، والمعنى: يوم إذ تكون السماء كالمهل الخ. قوله: (لفصله منها) أي فهي فعيلة بمعنى مفعولة، أي مفصول منها، والفصيلة قيل الآباء الأقربون، وقيل الفخذ، وقيل العشيرة. قوله: (تضمه) أي في النسب وعند الشدة.\rقوله: كَلَّا يحتمل أن تكون هنا بمعنى حقا، فالكلام تم عند قوله: ثُمَّ يُنْجِيهِ ويحتمل أن تكون بمعنى لا النافية، فالكلام تم عليها. قوله: (أي النار) أنما عاد الضمير عليها وإن لم يتقدم لها ذكر، لدلالة لفظ العذاب عليها. قوله: لَظى خبر إن،\rونَزَّاعَةً خبر ثان، قوله: (اسم لجهنم) أي منقول، إذ هو في الأصل اللهب، جعل علما عليها، ومنع من الصرف للعلمية والتأنيث. قوله: (جمع شواة) أي كنوى ونواة. قوله: (و هي جلدة الرأس) أي وقيل هو جلد الإنسان، ومعناه قلاعة للجلد، وكلما قلعت عادت. قوله: (بأن تقول إلي إلي) أي ثم تلتقطهم التقاط الطائر للحب.","part":4,"page":260},{"id":1851,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 261\rإِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) حال مقدرة وتفسيره إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وقت مس الشر وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) وقت مس الخير أي المال لحق اللّه منه إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) أي المؤمنين الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (23) مواظبون وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) هو الزكاة لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) المتعفف عن السؤال فيحرم وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) الجزاء وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) خائفون إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) نزوله وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (29) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ من الإماء فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (31) المتجاوزون الحلال إلى الحرام وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وفي قراءة بالإفراد ما ائتمنوا عليه من أمر الدين والدنيا وَعَهْدِهِمْ المأخوذ عليهم في ذلك راعُونَ (32) حافظون وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ وفي قراءة بالجمع قائِمُونَ (33) يقيمونها ولا\r______________________________\rقوله: إِنَّ الْإِنْسانَ أل فيه للجنس، أي حقيقة الإنسان وجنسه والأصل فيه، وسمي بذلك إما لأنسه بنفسه وجنسه، أو لنسيانه حقوق ربه. قوله: (حال مقدرة) أي لأنه ليس متصفا بذلك وقت خلقه، ولا وقت ولادته. قوله: (و تفسيره) أي الهلوع، وهو مستند اللغويين في قولهم: الهلع فحش الجزع، مع شدة الحرص وقلة الصبر، والشح بالمال والسرعة فيما لا ينبغي.\rقوله: (وقت مس الشر) أشار بذلك إلى أن إِذا معمولة لجزوعا، وكذا ما بعده، ونصب جَزُوعاً إما حالان من ضمير هَلُوعاً أو خبر إن لكان المحذوفة، أي إذا مسه الشر كان جزوعا، وإذا مسه الخير كان منوعا، أو نعتان لهلوعا. قوله:\r(أي المال) أي جمع من جميع ما أنعم اللّه به عليه، بأن لا يصرفه في طاعة ربه.\rقوله: إِلَّا الْمُصَلِّينَ استثناء من الإنسان، وتقدم أن المراد به الجنس، فالاستثناء متصل. قوله:\r(أي المؤمنين) فسر الْمُصَلِّينَ بالمؤمنين، لأن الصلاة الشرعية تستلزم الإيمان،\rوليكون لقوله:\rالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ معنى، وإلا كان ضائعا، واعلم أنه ذكر الصلاة ثلاثا، فأراد بها أولا الإيمان، وثانيا المداومة عليها ولو قضاء، وثالثا المحافظة عليها في خصوص أوقاتها. قوله: (مواظبون) أي لا يتركونها أداء ولا قضاء، بل يفعلونها ولو خارج الوقت، فهذا راجع للصلاة في نفسها، وما يأتي راجع لوصفها. قوله: (فيحرم) أي لكونه يظن غنيا على حد: يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف.\rقوله: وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ أي يؤمنون به ويجزمون بحصوله، فيستعدون له بالأعمال الصالحة.\rقوله: غَيْرُ مَأْمُونٍ أي لا ينبغي لأحد أن يأمنه، وإن بلغ في الطاعة ما بلغ، فالمطلوب من الشخص، أن يغلب في حال صحة الخوف، وفي حال مرضه الرجاء.\rقوله: لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ أي عن المحرمات. قوله: (من الإماء) بيان لما، ولشبههن بغير العاقل، عبر عنهن بما التي لغير العاقل. قوله:\rفَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ أي طلب الاستمتاع بغير النكاح وملك اليمين. قوله: (المتجاوزين الحلال إلى الحرام) دخل في هذا حرمة وطء الذكور والبهائم والزنا. قوله: (و في قراءة بالإفراد) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (المأخوذ عليهم في ذلك) أي فيما ائتمنوا عليه من أمر الدين والدنيا، فالعهد إما من اللّه أو من المخلوق، فالواجب حفظه وعدم تضييعه. قوله: (و في قراءة بالجمع) أي وهي سبعية أيضا. قوله:","part":4,"page":261},{"id":1852,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 262\rيكتمونها وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (34) بأدائها في أوقاتها أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35) فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ نحوك مُهْطِعِينَ (36) حال، أي مديمي النظر عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ منك عِزِينَ (37) حال أيضا، أي جماعات حلقا حلقا، يقولون استهزاء بالمؤمنين: لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلنها قبلهم، قال تعالى أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) كَلَّا ردع لهم عن طمعهم في الجنة إِنَّا خَلَقْناهُمْ كغيرهم مِمَّا يَعْلَمُونَ (39) من نطف فلا يطمع بذلك في الجنة، وإنما يطمع فيها بالتقوى فَلا لا زائدة أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ الشمس والقمر وسائر الكواكب إِنَّا لَقادِرُونَ (40) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ نأتي بدلهم خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41) بعاجزين عن ذلك فَذَرْهُمْ اتركهم يَخُوضُوا في باطلهم\r______________________________\r(و لا يكتمونها) أي بل يؤدونها، ولو كانت تنفع العدو وتضر الحبيب، فلا يخافون في اللّه لومة لائم. قوله:\r(بأدائها في أوقاتها) أشار بذلك للفرق بين قوله فيما سبق دائِمُونَ\rوقوله هنا: يُحافِظُونَ وحكمة تكرار ذكر الصلاة الإشارة إلى أنها أعظم من غيرها، لأنها عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين.\rقوله: فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا ما مبتدأ، والَّذِينَ كَفَرُوا خبره، والمعنى: أي شيء ثبت لهم وحملهم على نظرهم إليك والتفرق. قوله: قِبَلَكَ حال، وكذا قوله: مُهْطِعِينَ و\rعَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ فالأربعة أحوال من الموصول. قوله: (أي مديمي النظر) أي أو مسرعين، فالاهطاع إدامة النظر أو الإسراع. قوله: عِزِينَ جمع عزة وهي الجماعة، واختلفوا في لام عزة، فقيل: هي واو من عزوته أعزوه أي نسبته، وقيل: هي ياء، فيقال عزيته أعزيه، وقيل هي هاء، فأصله عزهة، وعلى كل حذفت وعوض عنها تاء التأنيث، وهو مما ألحق بجمع المذكر السالم في إعرابه، لكونه اسما ثلاثيا، حذفت لامه وعوض عنها هاء التأنيث. قوله: (قال تعالى) أي ردا عليهم هذه المقالة.\rقوله: جَنَّةَ نَعِيمٍ أضيفت له لأنه ليس فيها غيره. قوله: (من نطف) أي ثم من علق ثم من مضغ، والمعنى: المقصود من هذه الآية أنهم مخلوقون من نطفة، وهي لا تناسب عالم القدس لاستقذارها، فمن لم يستكمل بالإيمان والطاعة، ولم يتخلق بالأخلاق الملكية، لم يستعد لدخولها، ومن هذا المعنى قول الشاعر:\rيا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ... أتطلب الربح مما فيه خسران\r\rانهض إلى الروح واستكمل فضائلها ... فأنت بالروح لا بالجسم إنسان\r\rقوله: إِنَّا لَقادِرُونَ جواب القسم.\rقوله: عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ أي بأن نخلق خلقا غيرهم، أو نحول أوصافهم، فيكونوا أشد بطشا في الدنيا، وأكثر أموالا وأولادا، وأعلى قدرا، وأكثر حشما وخدما وجاها، فيكونوا عندك على قلب واحد، في سماع قولك وتعظيمك والسعي في مرضاتك، بدل فعل هؤلاء من الاستهزاء والتصفيق وكل ما يغضبك، وقد فعل سبحانه وتعالى ما ذكر من الأوصاف بالمهاجرين والأنصار والتابعين، فأعطاهم أموال الجبارين وبلادهم، وصاروا ملوك الدنيا والآخرة. قوله:\rوَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ هذا من جملة المقسم عليه.\rقوله: فَذَرْهُمْ مفرع على قوله: وَما نَحْنُ","part":4,"page":262},{"id":1853,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 263\rوَيَلْعَبُوا في دنياهم حَتَّى يُلاقُوا يلقوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) فيه العذاب يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ القبور سِراعاً إلى المحشر كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ وفي قراءة بضم الحرفين شيء منصوب كعلم أو راية يُوفِضُونَ (43) يسرعون خاشِعَةً ذليلة أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ تغشاهم ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (44) ذلك مبتدأ وما بعده الخبر، ومعناه يوم القيامة.\r______________________________\rبِمَسْبُوقِينَ أي إذا تبين لك أننا غير عاجزين عنهم، فدعهم فيما هم فيه من الأباطيل، ولا تلتفت لهم، ففيه تهديد لهم، وتسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: يُلاقُوا أشار بذلك إلى أن التفاعل ليس على بابه. قوله:\rيَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ هو كشف الغطاء، وأوله عند الغرغرة، وآخره النفخة الثانية، ودخول كل من الفريقين في داره، وهذه الآية منسوخة بآية السيف.\rقوله: يَوْمَ يَخْرُجُونَ بدل من يَوْمَهُمُ بدل بعض من كل. قوله: سِراعاً حال من فاعل يَخْرُجُونَ. قوله: إِلى نُصُبٍ متعلق بيوفضون. قوله: (و في قراءة بضم الحرفين) أي وهي سبعية أيضا، فالأولى مفرد بمعنى العلم المنصوب الذي يسرع له الشخص عند الشدائد، وقيل: هو شبكة الصائد يسرع إليها خوف انفلات الصيد، والثانية بمعنى الصنم المنصوب للعبادة، وقرئ شذوذا بفتحتين بضم وسكون. قوله: (يسرعون) أي يسعون ويستبقون.\rقوله: خاشِعَةً حال إما من فاعل يُوفِضُونَ أو يَخْرُجُونَ وأَبْصارُهُمْ فاعل بخاشعة. قوله: تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ إما مستأنف أو حال من فاعل يُوفِضُونَ والمعنى: يغشاهم الذل جزاء لعزهم في الدنيا عن الحق. قوله: الَّذِي يُوعَدُونَ أي في الدنيا أن لهم فيه العذاب، وهذا هو العذاب الذي طلبوه أول السورة، فقد رد عجزها لصدرها. قوله: (و ما بعده) أي الذي هو لفظ يوم، وأما الموصول وصلته فهو صفة للخبر.","part":4,"page":263},{"id":1854,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 264\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة نوح مكيّة وآياتها ثمان وعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ أي بإنذار قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ إن لم يؤمنوا عَذابٌ أَلِيمٌ (1) مؤلم في الدنيا والآخرة قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) بيّن الإنذار أَنِ أي بأن أقول لكم اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ من زائدة، فإن الإسلام يغفر به ما قبله، أو تبعيضية لإخراج حقوق العباد\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة نوح\rمكية وهي ثمان أو تسع وعشرون آية قوله: (ثمان) بكسر النون وضمها، وأصله على كل ثماني، حذفت الياء إما اعتباطا كيد ودم، فهو بضم النون والإعراب عليها، والعلة تصريفية كقاض فهو بكسر النون، والإعراب على الياء المحذوفة.\rقوله: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً أي على رأس الأربعين، كما قال ابن عباس، وقيل: أرسل وهو ابن ثلاثمائة وخمسين، وقيل: أرسل وهو ابن خمسين سنة، وعاش في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، فهو أطول الناس عمرا، ولا يرد شعيب، لأن ما جاء في عمره رواية آحاد، ونوح أول رسول أرسل بالنهي عن الشرك، لأن الشرك إنما حدث في زمنه، وأما قبله فلم يعرفوا عبادة غير اللّه حتى يؤمروا بتركها. قوله: إِلى قَوْمِهِ المراد بهم جميع أهل الأرض. قوله: (أي بإنذار) أشار بذلك إلى أن أَنْ مصدرية، ويصح جعلها تفسيرية، لأن الإرسال فيه معنى القول دون حروفه. قوله: (في الدنيا والآخرة) أي وهو الطوفان وعذاب النار. قوله: (بين الانذار) أي واضحه. قوله: (أي بأن أقول لكم) الخ، أشار بذلك إلى أن أَنْ تفسيرية، ويصح كونها مصدرية كالسابقة، فيصح في كل منهما الوجهان.\rقوله: يَغْفِرْ لَكُمْ مجزوم في جواب الأوامر الثلاثة. قوله: (من زائدة) أي على رأي الأخفش القائل: بأنه لا يشترط في زيادتها تقدم نفي وكون مدخولها نكرة. قوله: (فإن الإسلام) الخ، تعليل لما قبله، والمعنى: أن الإسلام يغفر به ما تقدمه من الذنوب ولو حقوق العباد، فلا يؤاخذ بها في الآخرة.\rقوله: (لإخراج حقوق العباد) أي فإنها لا تغفر بالإسلام، أي فيطالب الكافر إذا أسلم، بالحدود","part":4,"page":264},{"id":1855,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 265\rوَيُؤَخِّرْكُمْ بلا عذاب إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أجل الموت إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ بعذابكم إن لم تؤمنوا إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4) ذلك لآمنتم قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً (5) أي دائما متصلا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً (6) عن الإيمان وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ لئلا يسمعوا كلامي وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ غطوا رءوسهم بها لئلا ينظروني وَأَصَرُّوا على كفرهم وَاسْتَكْبَرُوا تكبروا عن الإيمان اسْتِكْباراً (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً (8) أي بأعلى صوتي ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ صوتي وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ الكلام إِسْراراً (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ من الشرك إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّماءَ المطر وكانوا قد منعوه عَلَيْكُمْ مِدْراراً (11) كثير الدرور وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ بساتين وَيَجْعَلْ\r______________________________\rوبالأموال التي ظلم فيها، والديون المستقرة في ذمته. قوله: (بلا عذاب) جواب عن سؤال مقدر، كيف قال وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى مع أنه قال في الآية الأخرى وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها؟\rفالجواب: أن المراد بالأجل هنا أولا وثانيا العذاب، وهو معلق على ترك الإيمان، وفي الآية الأخرى انتهاء العمر، وهو لا يتقدم ولا يتأخر، آمنوا أم لم يؤمنوا. قوله: مُسَمًّى أي معلوم عند اللّه لا يزيد ولا ينقص.\rقوله: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ أضاف الأجل له سبحانه، لأنه هو الذي أثبته، وقد يضاف إلى القوم كما في قوله: إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لأنه مضروب لهم. قوله: (لآمنتم) أشار بذلك إلى أن لَوْ شرطية.\rقوله:\rفَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي بفتح الياء وسكونها قراءتان سبعيتان. قوله: إِلَّا فِراراً مفعول ثان ليزدهم، وهو استثناء من محذوف، والتقدير: فلم يزدهم دعائي شيئا من أحوالهم التي كانوا عليها إلا فرارا، أي بعدا واعراضا عن الإيمان.\rقوله: وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ كُلَّما معمول لجعلوا، والجملة خبر إن ومعمول دَعَوْتُهُمْ محذوف، والتقدير إلى الإيمان بك لأجل مغفرتك. قوله: (لئلا ينظروني) أي فكرهوا النظر إلي من فرط كراهتهم دعوتي، فقد خالفوه باطنا بالإصرار والاستكبار، وظاهرا بتعطيل الأسماع والأبصار، ولا أقبح من هذه المخالفة.\rقوله: جِهاراً إما نعت مصدر محذوف أي دعاء جهارا، أو حال على حد زيد عدل، والمعنى: أنه فعل عليه السّلام كما يفعل الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ابتدأ أولا بالأهون، ثم ترقى للأشد فالأشد، فافتتح بالسر؛ فلما لم يفد ثنى بالجهر، فلما لم يفد ثلث بالجمع بين السر والجهر، وتم للدلالة على تباعد الأحوال.\rقوله: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ أي اطلبوا منه محو ذنوبكم بأن تأمنوا به وتتقوه، فليس المراد بالاستغفار مجرد قول أستغفر اللّه، فمن لازم الاستغفار، جعل اللّه له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، عن الحسن أن رجلا شكا إليه الجدب، فقال: استغفر اللّه، وشكا إليه آخر الفقر، وشكا إليه آخر قلة النسل، وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقال الربيع بن صبيح: أتاك رجال يشكون إليك أبوابا، ويسألونك أنواعا، فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فتلا الآية. قوله: (و كانوا قد منعوه) أي لما كذبوا نوحا، حبس اللّه عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، فهلكت أموالهم ومواشيهم فقال لهم نوح اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ الخ.\rقوله: مِدْراراً حال من السماء، ولم يؤنث لأن مفعالا يستوي فيه المذكر","part":4,"page":265},{"id":1856,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 266\rلَكُمْ أَنْهاراً (12) جارية ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (13) أي تأملون وقار اللّه إياكم بأن تؤمنوا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (14) جمع طور وهو الحال، فطورا نطفة، وطورا علقة، إلى تمام خلق الإنسان، والنظر في خلقه يوجب الإيمان بخالقه أَلَمْ تَرَوْا تنظروا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (15) بعضها فوق بعض وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَ أي في مجموعهن الصادق بالسماء الدنيا نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (16) مصباحا مضيئا، وهو أقوى من نور القمر وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ خلقكم مِنَ الْأَرْضِ إذ خلق أباكم آدم منها نَباتاً (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها مقبورين\r______________________________\rوالمؤنث. قوله: (بساتين) أشار بذلك إلى أن المراد جنات الدنيا؛ وكرر فعل الجعل، ولم يقل يجعل لكم جنات وأنهارا، لتغاير المعمولين، فإن الجنات مما لهم فيها مدخل بخلاف الأنهار،\rولذا قال وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ ولم يقل يجعل لتغاير المعمول.\rقوله: ما لَكُمْ مبتدأ وخبر، والمعنى أي شيء ثبت لكم، وقوله: لا تَرْجُونَ جملة حالية من الكاف، وقوله: وَقاراً أي توقيرا من اللّه لكم، والسّلام بمعنى من، والمعنى أي شيء ثبت لكم لا شيء ثبت لكم لا تؤملون اللّه في كونه يوقركم ويعظمكم، بل المطلوب منكم أن ترجوا وقار اللّه إياكم بأن تؤمنوا به، فالمقصود الحث على الإيمان والطاعة الموجبين لرجاء ثواب اللّه لأن الرجاء تعلق القلب بمرغوب فيه يحصل في المستقبل مع الأخذ في الأسباب، وهو لا يكون إلا بالإيمان والطاعة.\rقوله: وَقَدْ خَلَقَكُمْ الجملة حالية من فاعل تَرْجُونَ وأَطْواراً حال مؤولة بمشتق أي منتقلين من حال إلى حال. قوله:\r(و النظر) أي التأمل. قوله: (في خلقه) أي الإنسان، والمعنى: أن التأمل في أحوال الإنسان، من أسباب الإيمان باللّه تعالى. قوله: (تنظروا) أي نظر اعتبار وتفكر.\rقوله: كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ الخ، هذه الجملة سدت مسد مفعولي تَرَوْا. قوله: (بعضها فوق بعض) أي من غير مماسة، بل بين كل واحدة والأخرى خمسمائة عام، وسمك الواحدة منهن خمسمائة عام.\rقوله: (أي في مجموعهن) دفع بذلك ما يقال: إن القمر لم يكن إلا في خصوص سماء الدنيا، فما معنى إضافته إلى الكل؟ فأجاب بما ذكر، وفيه أن المجموع لا بد فيه من تعدد أفراد، وهنا ليس كذلك، فالأحسن الجواب بأن السماوات شفافة، فيرى الكل كأنه سماء واحدة، وما في واحدة كأنه في الكل.\rقوله: وَجَعَلَ الشَّمْسَ أي فيهن، فحذف من الثاني لدلالة الأول عليه، واعلم أن القمر في سماء الدنيا اتفاقا؛ واختلف في الشمس فقيل في السماء الرابعة، وقيل في الخامسة، وقيل في الشتاء في الرابعة، وفي الصيف في السابعة، ووجههما مما يلي السماء، وقفاهما مما يلي الأرض.\rقوله: سِراجاً أي مثل السراج في كونها تزيل ظلمة الليل كما يزيلها السراج. قوله: (و هو أقوى من نور القمر) إن قلت: إن القمر أقوى من المصباح بالمشاهدة لعمومه المشارق والمغارب وانتشاره.\rأجيب: بأن الضمير عائد على الضوء المفهوم من (مضيئا) أو يقال: إن المصباح في محل انتشاره أقوى من القمر، وإن كان أوسع امتدادا منه، لأن الإنسان يمكنه قراءة الخط في المصباح دون القمر، فلا يقرؤه إلا القليل من الناس. قوله: (خلقكم) أي أنشأكم منها؛ فالانبات استعارة للخلق. قوله: (إذ خلق أباكم آدم منها) أي أو باعتبار النطفة فإن أصلها وهو الغذاء من الأرض.\rقوله: نَباتاً مصدر لأنبت على","part":4,"page":266},{"id":1857,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 267\rوَيُخْرِجُكُمْ البعث إِخْراجاً (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (19) مبسوطة لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا طرقا فِجاجاً (20) واسعة قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا أي السفلة والفقراء مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ وهم الرؤساء المنعم عليهم بذلك، وولد بضم الواو وسكون اللام وبفتحهما، والأول قيل جمع ولد بفتحهما، كخشب وخشب، وقيل بمعناه كبخل وبخل إِلَّا خَساراً (21) طغيانا وكفرا وَمَكَرُوا أي الرؤساء مَكْراً كُبَّاراً (22) عظيما جدا، بأن كذبوا نوحا وآذوه ومن اتبعه وَقالُوا للسفلة لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا بفتح الواو وضمها وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (23) هي أسماء أصنام وَقَدْ أَضَلُّوا بها كَثِيراً من الناس بأن أمروهم بعبادتها وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا (24) عطفا على قد أضلوا، دعا عليهم لما أوحي إليه أنه لن يؤمن من\r______________________________\rحذف الزوائد، ويسمى اسم مصدر. قوله: (مقبورين) حال. قوله: (مبسوطة) أي لا مسنمة فتتعب من عليها. قوله: (فجاجا) جمع فج وهو الطريق الواسع، وقيل: هو المسلك بين الجبلين.\rقوله: قالَ نُوحٌ أي بعد يأسه من إيمانهم وصبره المدة الطويلة عليهم، وهذا مقدمة لدعائه عليهم. قوله: إِنَّهُمْ عَصَوْنِي أي وعصياني عصيان لك يا رب. قوله: (و بفتحهما) أي وهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: وَمَكَرُوا معطوف على صلة مَنْ كأنه قال واتبعوا من مكروا، وجمع الضمير نظرا لمعنى من، وأفرد في قوله يَزِدْهُ باعتبار لفظها قوله: كُبَّاراً بضم الكاف وتشديد الباء، وهي قراءة العامة، وقرئ شذوذا بالضم والتخفيف، وهي مبالغة أيضا بمعنى المشدد والكسر والتخفيف جمع كبير.\rقوله: وَقالُوا عطف على الصلة أيضا. قوله: وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا عطف خاص على عام. قوله:\r(بفتح الواو وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ بغير تنوين في قراءة العامة، ومنع الصرف إن كانا عربيين للعلمية، ووزن الفعل، وإن كانا أعجميين فللعلمية والعجمة، وقرئ شذوذا بالصرف للتناسب، لأن ما قبلهما مصروف وما بعدهما مصروف. قوله: وَيَعُوقَ وَنَسْراً لم يذكر النفي مع هذين، لكثرة التكرار وعدم اللبس. قوله: (هي أسماء أصنام) أي كانوا يعبدونها، وكانت أكبر أصنامهم وأعظمها عندهم، ولذا خصوها بالذكر، وأصلها كما قال عروة بن الزبير أنه كان لآدم خمس بنين، ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر. وكانوا عبادا فمات رجل منهم فحزنوا عليه فقال الشيطان: أنا أصور لكم مثله، إذا نظرتم إليه ذكرتموه، قالوا: افعل، فصوره في المسجد من صفر ورصاص، ثم مات آخر فصوره، حتى ماتوا كلهم وصورهم، فلما تقادم الزمان، تركت الناس عبادة اللّه، فقال لهم الشيطان: ما لكم لا تعبدون شيئا؟\rقالوا: وما نعبد؟ قال: آلهتكم وآلهة آبائكم، ألا ترون أنها في مصلاكم، فعبدوها من دون اللّه تعالى، حتى بعث اللّه نوحا عليه السّلام فقالوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ الآية.\rقوله: وَقَدْ أَضَلُّوا معمول لقول مقدر، أي وقال قد أضلوا، فهو معطوف على قوله: قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي. قوله: (دعا عليهم لما أوحي إليه) الخ، جواب عما يقال: إنه مبعوث لهدايتهم، فكيف ساغ له الدعاء عليهم بالضلال؟ فأجاب: بأنه لما يئس من إيمانهم، بإخبار اللّه له بأنه لن يؤمن من","part":4,"page":267},{"id":1858,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 268\rقومك إلا من قد آمن مِمَّا ما صلة خَطِيئاتِهِمْ وفي قراءة خطيئاتكم بالهمز أُغْرِقُوا بالطوفان فَأُدْخِلُوا ناراً عوقبوا بها عقب الإغراق تحت الماء فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ أي غير اللَّهِ أَنْصاراً (25) يمنعون عنهم العذاب وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (26) أي نازل دار، والمعنى أحدا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً (27) من يفجر ويكفر، قال ذلك لما تقدم من الإيحاء إليه رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَ وكانا مؤمنين وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ منزلي أو مسجدي مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ إلى يوم القيامة وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً (28) هلاكا فأهلكوا.\r______________________________\rقومك إلا من قد آمن، ساغ له الدعاء عليهم. قوله: (ما صلة) أي ومن تعليلية. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا.\rقوله: فَأُدْخِلُوا ناراً أي في الدنيا عقب الإغراق، فكانوا يغرقون من جانب، ويحترقون في الماء من جانب بقدرة اللّه تعالى، وهذا ما أفاده المفسر، ويحتمل أن المراد بها نار الآخرة، وهو من التعبير بالماضي عن المستقبل لتحقق الوقوع.\rقوله: وَقالَ نُوحٌ رَبِ الخ، عطف على قوله: قالَ نُوحٌ رَبِ وما بينهما اعتراض مبين لسبب استحقاقهم العذاب. قوله: (أي نازل دار) هذا معنى الديار في اللغة، والمراد صاحب دار، سواء كان نازلا بها أم لا، فهو مرادف لأحد، فديار من الأسماء المستعملة في النفي العام، يقال: ما بالديار ديار.\rقوله: (من يفجر) الخ، أشار بذلك إلى أن فيه مجاز الأول، لأنهم لم يفجروا وقت الولادة، بل بعدها.\rقوله: (قال ذلك) أي قوله: لا تَذَرْ الخ،\rوأما قوله: وَلا يَلِدُوا الخ، فعلمه بالتجربة، لكونه عاش فيهم زمانا طويلا، فعرف طباعهم وأحوالهم، فكان الرجل ينطلق إليه بابنه ويقول له: احذر هذا فإنه كذاب، وإن أبي حذرني منه، فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك. قوله: (و كانا مؤمنين) أي واسم أبيه لمك، بفتحتين أو بفتح فسكون، ابن متوشلخ بضم الميم وفتح التاء والواو وسكون الشين وكسر اللام، ابن اخنوخ وهو إدريس واسم أمه شمخا بوزن سكرى بنت أنوش. قوله: (منزلي أو مسجدي) أي أو سفينتي.\rقوله: مُؤْمِناً حال. قوله: (إلى يوم القيامة) أي من مبدأ الدنيا إلى يوم القيامة. قوله: إِلَّا تَباراً مفعول ثان ل تَزِدِ، والاستثناء مفرغ، وفعله تبر من باب قتل وتعب، ويتعدى بالتضعيف فيقال تبره والاسم التبار. قوله: (فأهلكوا) أي وغرقت معهم صبيانهم على القول بأنهم لم يعقموا ومواشيهم، لكن لا على وجه العقاب لهم، بل لتشديد عذاب المكلفين، قال عليه الصلاة والسّلام:\r«يهلكون مهلكا واحدا، ويصدرون مصادر شتى». وعن الحسن أنه سئل عن ذلك فقال: علم اللّه براءتهم، فأهلكهم بغير عذاب، وما قيل في صبيان قوم نوح، يقال في صبيان كل أمة هلكت، واللّه أعلم.","part":4,"page":268},{"id":1859,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 269\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الجنّ مكيّة وآياتها ثمان وعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ يا محمد للناس أُوحِيَ إِلَيَ أي أخبرت بالوحي من اللّه تعالى أَنَّهُ الضمير للشأن اسْتَمَعَ لقراءتي نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ جن نصيبين، وذلك في صلاة الصبح ببطن نخل، موضع بين مكة والطائف، وهم الذين ذكروا في قوله تعالى: وَإِذْ\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة الجن\rمكية وهي ثمان وعشرين آية أي التي ذكرت فيها قصة إيمان الجن برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، لأن رسالته عامة للإنس والجن، والجن أجسام نارية هوائية، لها قدرة على التشكلات بالصور الشريفة والخسيسة، وتحكم عليهم الصورة، وبهذا ظهر الفرق بينهم وبين الملائكة، لأن الملائكة أجسام نورانية، لها قدرة على التشكلات بالصور غير الخسيسة، ولا تحكم عليهم الصورة، واختلف في الجن فقيل: هم ذرية إبليس، غير أن المتمرد منهم يسمى شيطانا، كما أن الإنس أولاد آدم، وقيل: إن الجن ولد الجان، والشياطين ولد إبليس يموتون مع إبليس عند النفخة، والراجح الأول، فمن آمن من الجن، فقد انقطعت نسبته من أبيه والتحقق بآدم، ومن كفر من الإنس، فقد انقطعت نسبته من أبيه والتحق بإبليس. قوله: (أي أخبرت بالوحي) أي أخبرني جبريل، وظاهر الآية أن النبي لم يشعر بهم ولا باستماعهم، وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته، وبه قيل، والصحيح أنه رآهم وعلم بهم، ويجاب عن الآية، بأن مصب الإيحاء قصة الجن مع قومهم، حين رجعوا إليهم بعد استماعهم القرآن من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: أَنَّهُ اسْتَمَعَ أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر نائب فاعل أُوحِيَ، والتقدير أوحي إلي استماع.\rقوله: نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ النفر الجماعة ما بين الثلاثة إلى العشرة، واختلف في عددهم، فقيل كانوا تسعة، وقيل سبعة. قوله: (جن نصيبين) قرية باليمن بالصرف على الأصل وعدمه للعلمية والعجمة.\rقوله: (في صلاة الصبح) وذلك أنه سار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في جملة من أصحابه قاصدين سوق عكاظ، وهو سوق معروف بقرب مكة، كانت العرب تقصده في كل سنة، مرة في الجاهلية، وأول الإسلام، وكان في ذلك","part":4,"page":269},{"id":1860,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 270\rصَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ الآية فَقالُوا لقومهم لما رجعوا إليهم إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (1) يتعجب منه في فصاحته وغزارة معانيه وغير ذلك يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ الإيمان والصواب فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بعد اليوم بِرَبِّنا أَحَداً (2) وَأَنَّهُ الضمير للشأن فيه وفي الموضعين بعده تَعالى جَدُّ رَبِّنا تنزه جلاله وعظمته عما نسب إليه مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً زوجة وَلا وَلَداً (3) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا جاهلنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (4) غلوا في الكذب بوصفه بالصاحبة والولد وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ مخففة أي أنه لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (5) بوصفه بذلك حتى تبينا كذبهم بذلك، قال تعالى وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ يستعيذون بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِ حين ينزلون في\r______________________________\rالوقت، قد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، فقال بعضهم لبعض: ما ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها لتنظروا، ما الذي حال بيننا وبين السماء، حتى منعنا بالشهب، فانطلق جماعة منهم. فمروا بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه وهو يصلي الصبح يقرأ فيها سورة الرحمن، وقيل اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وكان ببطن نخل قاصدين سوق عكاظ. فلما سمعوا القرآن قالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً الخ. قوله: (بين مكة والطائف) بينه وبين مكة مسيرة ليلة. قوله: (في فصاحته) في بمعنى من، فهو يدل مما قبله، أو هي سببية. قوله: (و غزارة معانيه) أي كثرتها. قوله: (و غير ذلك) كالإخبار بالمغيبات.\rقوله: وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً هذا يدل على أنهم كانوا مشركين، وروي أنهم كانوا يهودا، وقيل: إن منهم يهودا ونصارى ومجوسا ومشركين. قوله: (و في الموضعين بعده) أي وهما وأنه كان يقول أنه كان رجال، واسم كان ضمير الشأن، والجملة بعدها خبرها، وهي واسمها وخبرها خبر أن. قوله: جَدُّ رَبِّنا الجد يطلق على معان، منها العظمة وهي المرادة هنا، ومنها الغنى والحظ، ومنه: ولا ينفع ذا الجد منك الجد، ومنها أبو الأب، وأما الجد بالكسر فهو السرعة في الشيء ضد التأني.\rقوله: مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً هذه الجملة مفسرة لما قبلها.\rقوله: وَأَنَّا ظَنَنَّا الخ، اعتذار من هؤلاء النفر، عما صدر منهم قبل الإيمان من الشرك، وإيضاحه أنهم يقولون: إنا ظننا واعتقدنا أن احدا لا يكذب على اللّه، وأن ما قاله سفهاؤنا من نسبة الصاحبة والولد إليه حق وصدق، فلما سمعنا القرآن أسلمنا وعلمنا أنه كذب. قوله: (مخففة) أي واسمها ضمير الشأن مضمر، والجملة المنفية خبرها. قوله: كَذِباً نعت مصدر محذوف، أي قولا كذبا. قوله:\r(بوصفه بذلك) أي بالصاحبة والولد. قوله: (حتى تبينا كذبهم) أي ظهر لنا. قوله: (قال تعالى) أشار بذلك إلى أن هذه المقالة والتي بعدها من كلامه تعالى؛ مذكورتان في خلال كلام الجن المحكي عنهم، وهو احد قولين، وقيل: إنهما أيضا من كلام الجن.\rقوله: كانَ رِجالٌ أي في الجاهلية. قوله: (حين ينزلون) الخ، أي وذلك أن العرب كانوا إذا نزلوا واديا، عبثت بهم الجن في بعض الأحيان، لأنهم كانوا لا يتحصنون بذكر اللّه، وليس لهم دين صحيح، فحملهم ذلك على أن يستجيروا بعظمائهم، فكان الرجل يقول عند نزوله: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فيبيت في أمن وجوار منهم حتى يصبح، فلا يرى إلا خيرا، وربما هدوه إلى","part":4,"page":270},{"id":1861,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 271\rسفرهم بمخوف فيقول كل رجل: أعوذ بسيد هذا المكان من شر سفهائه فَزادُوهُمْ بعوذهم بهم رَهَقاً (6) طغيانا، فقالوا: سدنا الجن والإنس وَأَنَّهُمْ أي الجن ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ يا إنس أَنْ مخففة أي إنه لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (7) بعد موته، قال الجن وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ رمنا استراق السمع منها فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً من الملائكة شَدِيداً وَشُهُباً (8) نجوما محرقة، وذلك لما بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَأَنَّا كُنَّا أي قبل مبعثه نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ أي نستمع فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (9) أي أرصد له ليرمى به وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بعدم استراق السمع بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (10) خيرا وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ بعد استماع القرآن وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ أي قوم غير صالحين كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (11) فرقا مختلفين، مسلمين\r______________________________\rالطريق، وردوا عليه ضالته، وأول من تعوذ بالجن، قوم من اليمن من بني حنيفة، ثم فشا في العرب، فلما جاء الإسلام، صار التعوذ باللّه لا بالجن. قوله: فَزادُوهُمْ الواو عبارة عن رجال الإنس، والهاء عبارة عن رجال الجن. قوله: (فقالوا) أي الجن المستعاذ بهم. قوله: (سدنا الجن) بضم السين، أي حصلت لنا السيادة على الجن غيرنا لقهرنا إياهم، وسدنا الإنس الذين استعاذوا بنا، وهذه المقالة بسبب الطغيان.\rقوله: أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً هذه الجملة سادة مسد مفعولي الظن، والمسألة من باب التنازع، اعمل الثاني واضمر في الأول وحذف. قوله: (رمنا) أي قصدنا وطلبنا.\rقوله: فَوَجَدْناها مُلِئَتْ الخ، الضمير مفعول أول لوجد، وجملة مُلِئَتْ مفعول ثان لها، وحَرَساً تمييز؛ جمع حارس كخدم وخادم. قوله: وَشُهُباً جمع شهاب ككتب وكتاب. قوله:\r(نجوما محرقة) المناسب أن يقول: شعلا منفصلة من نار الكواكب، لأن الشهاب شعلة من نار تنفصل من الكواكب، وتقدم ذلك عن المفسر. قوله: (و ذلك) أي امتلاؤها بالحرس والشهب.\rقوله: مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ أي لأجل الاستماع. قوله: الْآنَ ظرف حالي، والمراد الاستقبال. والحاصل: أن الشياطين كانوا أولا يسترقون السمع، فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سماوات بغير شهب، فلما ولد صلّى اللّه عليه وسلّم منعوا من السماوات كلها بالشهب، فلما بعث ازداد تساقط الشهب حتى ملأ الفضاء وصارت لا تخطئهم، فمنعوا من الصعود بالكلية، لكن ما زالوا يتوجهون إلى الصعود فتعاجلهم الشهب. قوله: رَصَداً صفة لشهابا، وهو بمعنى اسم المفعول، أي مرصودا له.\rقوله: أَشَرٌّ أُرِيدَ الخ، قيل: القائل ذلك إبليس، وقيل:\rالجن فيما بينهم قبل أن يستمعوا قراءة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى: لا ندري أشر أربد بمن في الأرض بإرسال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم، فإنهم يكذبون ويهلكون بتكذيبه؛ أم أراد أن يؤمنوا فيهتدوا، فالشر والرشد على هذا الإيمان والكفر.\rقوله: وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ مِنَّا خبر مقدم، ودُونَ مبتدأ مؤخر، إما بمعنى غير وفتح لإضافته لغير متمكن، أو صفة لمحذوف تقديره ومنا فريق دون ذلك، وحذف الموصوف مع من التبعيضية كثير، ومن ذلك قولهم منا ظعن ومنا أقام، أي منا فريق ظعن الخ. قوله: (أي قوم غير صالحين) أي غير مسلمين. قوله: كُنَّا طَرائِقَ أي ذوي مذاهب مختلفة وأديان متفرقة. قوله: قِدَداً جمع قدة بالكسر، وهي في الأصل الطريق والسيرة، فاستعمالها في الفرق مجاز.\rقوله: وَأَنَّا ظَنَنَّا أي علمنا","part":4,"page":271},{"id":1862,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 272\rوكافرين وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ مخففة أي أنه لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (12) أي لا نفوته، كائنين في الأرض، أو هاربين منها إلى السماء وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى القرآن آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بتقدير هو بعد الفاء بَخْساً نقصا من حسناته وَلا رَهَقاً (13) ظلما بالزيادة في سيئاته وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ الجائرون بكفرهم فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (14) قصدوا هداية وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (15) وقودا، وإنا وإنهم وإنه في اثنى عشر موضعا هي وإنه تعالى وإنا منا المسلمون وما بينهما بكسر الهمزة استئنافا وبفتحها بما يوجه به، قال تعالى في كفار مكة وَأَنْ لَوِ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف، أي وإنهم وهو معطوف على أنه استمع اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ أي طريقة الإسلام لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (16) كثيرا من\r______________________________\rوتيقنا. قوله: فِي الْأَرْضِ حال، وكذا قوله: هَرَباً. قوله: (بتقدير هو) أي بعد الفاء، فهو اسمية، ولو لا ذلك لحذفت الفاء وجزم جوابا للشرط.\rقوله: وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ أي وأنا بعد سماعنا القرآن مختلفون، فمنا من أسلم، ومنا من كفر. قوله: (الجائرون) أي فالقاسط الجائر، وأما المقسط فهو من أقسط بمعنى عدل، واعاد هاتين الجملتين مع ذكرهما أولا، ليصرح بمجازاة المسلم وضده.\rقوله: فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً إن قلت: الجن مخلوقون من النار، فكيف يعذبون بها؟ أجيب:\rبأنهم وإن خلقوا منها، لكن هم ضعاف، والنار قوية، وقوي النار يأكل ضعيفها. قوله: (و إنا وإنهم وإنه) للمبتدإ، وقوله: (في اثني عشر موضعا) خبر أول، وقوله: (بكسر الهمزة) خبر ثان، وقوله: (هي) مبتدأ، و(إنه تعالى) الخ خبر، والجملة اعتراضية لبيان الاثني عشر، وقوله: (و إنا) أي في ثمان مواضع، وإنا ظننا؛ وإنا لمسنا الخ، وقوله: (و إنهم) أي في موضع واحد، وإنهم ظنوا، وقوله: (و إنه) أي في ثلاثة مواضع، وإنه تعالى، وإنه كان يقول، وإنه كان رجال، فصح قوله في اثني عشر موضعا، وقوله: (و إنه تعالى) أي وهي أولها وآخرها، (و إنا منا المسلمون وما بينهما) أي بين الأول والآخر، وهو عشرة مواضع، وقيل هذه الاثني عشر موضعا، أحدهما بالفتح لا غير أنه استمع نفر، وثانيهما بالكسر لا غير إنا سمعنا قرآنا عجبا وبعدها موضعان أحدهما بالفتح لا غير، وأن المساجد للّه، وثانيهما فيه الوجهان وإنه لم قام عبد اللّه، فالجملة ستة عشر علم تفصيلها فتدبر. قوله: (بما يوجه به) أي بأن يؤول بمصدر يعطف على المصدر.\rقوله: (قال تعالى في كفار مكة) أشار بذلك إلى أن قوله: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا إلى آخره ليس متعلقا بالجن، بل هو من جملة الموحى به. قوله: (و هو معطوف على أنه استمع) أي والتقدير: أوحي إلي استماع نفر، وكونهم لو استقاموا الخ.\rقوله: لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ أي لو آمن من هؤلاء الكفار، لبسطنا لهم الرزق، ووسعنا عليهم في الدنيا، زيادة على ما يحصل لهم في الآخرة من النعيم الدائم، فيحوزون عز الدنيا والآخرة، والعامة على كسر واو لَوِ على الأصل، وقرئ شذوذا بضمها تشبيها بواو الضمير. قوله: (أي طريقة الإسلام) أي بالعمل بها، وهو امتثال المأمورات، واجتناب المنهيات. قوله: لَأَسْقَيْناهُمْ الخ ليس المراد خصوص السقيا، بل المراد التوسعة عليهم في الدنيا وبسط الرزق، وإنما اقتصر على ذكر الماء، لأن الخير والرزق كله في الماء، فهو أصل الأرزاق، قال عمر: أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت","part":4,"page":272},{"id":1863,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 273\rالسماء وذلك بعد ما رفع المطر عنهم سبع سنين لِنَفْتِنَهُمْ لنختبرهم فِيهِ فنعلم كيف شكرهم علم ظهور وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ القرآن يَسْلُكْهُ بالنون والياء ندخله عَذاباً صَعَداً (17) شاقا وَأَنَّ الْمَساجِدَ مواضع الصلاة لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا فيها مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) بأن تشركوا كما كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا وَأَنَّهُ\r______________________________\rالفتنة. قوله: غَدَقاً بفتحتين في السبع، وقرئ شذوذا بفتح الغين وكسر الدال، وهو مصدر غدق من باب تعب، يقال غدقت عينه تغدق، أي هطل دمعها، وغدقت العين غدقا كثر ماؤها. قوله: (و ذلك) اسم الإشارة عائد على معلوم من السياق، والتقدير: ونزول الآية كان بعد ما رفع الخ.\rقوله: لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ أي الماء، وفي للسببية. قوله: (علم ظهور) أي للخلائق، وإلا فهو تعالى لا يخفى عليه شيء، فالمعنى ليظهر لهم متعلق علمنا، وفي الآية معنى إشاري للصوفية، وهو أن العباد، لو حصلت منهم الاستقامة على الطريقة بالانهماك في مرضاة اللّه تعالى، لملأ اللّه قلوبهم بالأسرار والمعارف والمحبة الشبيهة بالماء في كونها حياة الأرواح، كما أن الماء حياة الأجسام، فيحصل لهم بسبب ذلك الفتنة، بأن يسكروا ويطربوا ويدهشوا ويخرجوا عن الأهل والأوطان، فالاستقامة سبب للرزق الظاهري والباطني.\rقوله: (بالنون والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (ندخله) أشار بذلك إلى أنه ضمن نسلك معنى ندخل، فعداه للمفعول الثاني. قوله: صَعَداً مصدر صعد بكسر العين كفرح، وصف به العذاب على تأويله باسم الفاعل. قوله: (شاقا) هذا تفسير باللازم، وإلا فمعنى الصعود العلو والارتفاع.\rقوله: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ هو من جملة الموحى به، أي وأوحى إلي كون المساجد مختصة باللّه؛ واختلف في المراد بالمساجد، فقيل: هي جمع مسجد بكسر الجيم وهو موضع السجود، فالمراد به جميع البقاع، لأن الأرض جعلت كلها مسجدا لهذه الأمة، وقيل: جمع مسجد بالفتح وهو الأعضاء الواردة في الحديث: «الجبهة والأنف والركبتان واليدان والقدمان». والمعنى: أن هذه الأعضاء نعم أنعم اللّه بها عليك، فلا تسجد لغير اللّه، فتجحد نعمة اللّه، وقيل: المراد بها الأماكن المبنية للعبادة، وإضافة المساجد إلى اللّه تعالى للتشريف والتكريم، وقد تنسب لغيره على سبيل التعريف، كما في الحديث «صلاة في مسجدي هذا، خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام». قوله: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً أي لا تعبدوا غير اللّه، فهو توبيخ للمشركين في عبادتهم الأصنام، وقيل المعنى: أفردوا المساجد بذكر اللّه تعالى، ولا تجعلوا لغير اللّه فيها نصيبا، كما في الحديث: «من نشد ضالة في المسجد فقولوا: لا ردها اللّه عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا». وفي الحديث: «كان إذا دخل المسجد، قدم رجله اليمنى وقال: وأن المساجد للّه، فلا تدعوا مع اللّه أحدا، اللهم أنا عبدك وزائرك، وعلى كل مزور حق، وأنت خير مزور، فأسألك برحمتك أن تفك رقبتي من النار». وإذا خرج من المسجد، قدم رجله اليسرى وقال: «اللهم صب علي الخير صبا، ولا تنزع عني صالح ما أعطيتني أبدا، ولا تجعل معيشتي كدا، واجعل لي في الأرض جدا» أي غنى.\rقوله: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ الخ، سياق هذه الآية إنما يظهر في المرة الثانية، وهي التي كانت في","part":4,"page":273},{"id":1864,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 274\rبالفتح والكسر استئنافا والضمير للشأن لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ محمد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يَدْعُوهُ يعبده ببطن نخل كادُوا أي الجن المستمعون لقراءته يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19) بكسر اللام وضمها جمع لبدة كاللبد في ركوب بعضهم بعضا ازدحاما حرصا على سماع القرآن قُلْ مجيبا للكفار في قولهم: ارجع عما أنت فيه، وفي قراءة قل إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي إلها وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (20) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا غيا وَلا رَشَداً (21) خيرا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ من عذابه إن عصيته أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ أي غيره مُلْتَحَداً (22) ملتجأ إِلَّا بَلاغاً استثناء من مفعول أملك، أي لا أملك لكم إلا البلاغ إليكم مِنَ اللَّهِ أي عنه وَرِسالاتِهِ عطف على بلاغا، وما بين المستثنى منه والاستثناء اعتراض لتأكيد نفي الاستطاعة وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في التوحيد فلم يؤمن فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ حال من ضمير من في له، رعاية لمعناها، وهي\r______________________________\rالحجون، وكان معه فيها ابن مسعود، وكان الجن إذ ذاك اثني عشر ألفا، وقيل سبعين ألفا، وبايع جميعهم وفرغوا من بيعته عند انشقاق الفجر، ووصفه اللّه بالعبودية، زيادة في تشريفه وتكريمه. قوله: (ببطن نخل) المناسب أن يقول: بحجون مكة، وهي المرة الثانية، وأما الأولى التي هي ببطن نخل، فكانوا سبعة أو تسعة، فلا يتأتى قوله: كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً. قوله: (بكسر اللام وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (جمع لبدة) أي بكسر اللام، كسدرة وسدر، على قراءة الكسر أو ضمها، كغرفة وغرف على قراءة الضم.\rقوله: قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي الخ، سبب نزولها: أن كفار قريش قالوا له: إنك جئت بأمر عظيم، قد عاديت الناس كلهم، فارجع عن هذا ونحن نجيرك وننصرك. قوله: (و في قراءة) أي سبعية أيضا، وعليها ففي الكلام التفات من الغيبة للخطاب. قوله: (إلها) قدره إشارة إلى أن أدعو بمعنى اعتقد، فتتعدى لمفعولين، ولو فسرها بأعبد، لاستغنى عن هذا التقدير. قوله: (غيا) أشار بذلك إلى أن المراد بالضر الغي؛ فأطلق المسبب وأريد السبب، فإن الضر سببه الغني فهو مجاز مرسل، وكذا يقال في قوله:\rوَلا رَشَداً.\rقوله: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي الخ، بيان لعجزه عن شئون نفسه، بعد بيان عجزه عن شئون غيره. قوله: (استثناء من مفعول أملك) أي من مجموع الأمرين وهما قوله: ضَرًّا وَلا رَشَداً بعد تأويلهما ب شيئا، كأنه قال: لا أملك لكم شيئا إلا بلاغا، فهو استثناء متصل، وجملة قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي الخ، معترضة بين المستثنى والمستثنى منه، أتى بها لتأكيد نفي الاستطاعة. قوله: (عطف على بلاغا) أي كأنه قال: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالة، والمعنى: إلا أن أبلغ عن اللّه فأقول: وقال اللّه كذا، وأن أبلغ رسالاته، أي أحكامه التي أرسلني بها، من غير زيادة ولا نقصان.\rقوله: (في التوحيد) أخذ ذلك من قوله: خالِدِينَ فِيها أَبَداً لأن الخلود قرينة كون المراد بالعاصي الكافر.\rقوله: فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ العامة على كسر إن لوقوعها بعد فاء الجزاء، وقرئ شذوذا بفتحها، على أنها مع ما في حيزها تأويل مصدر خبر محذوف، والتقدير فجزاؤه أن له نار جهنم. قوله: (في له) أي","part":4,"page":274},{"id":1865,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 275\rحال مقدرة، والمعنى: يدخلونها مقدرا خلودهم فِيها أَبَداً (23) حَتَّى إِذا رَأَوْا حتى ابتدائية فيها معنى الغاية لمقدر قبلها، أي لا يزالون على كفرهم إلى أن يروا ما يُوعَدُونَ من العذاب فَسَيَعْلَمُونَ عند حلوله بهم يوم بدر أو يوم القيامة مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (24) أعوانا، أهم أم المؤمنون على القول الأول، أو أنا أم هم على الثاني، فقال بعضهم: متى هذا الوعد؟ فنزل قُلْ إِنْ أي ما أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ من العذاب أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (25) غاية وأجلا لا يعلمه إلا هو عالِمُ الْغَيْبِ ما غاب عن العبادة فَلا يُظْهِرُ يطلع عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (26) من الناس إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ مع اطلاعه على ما شاء منه معجزة له يَسْلُكُ يجعل ويسير مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أي الرسول وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (27) ملائكة يحفظونه حتى يبلغه في جملة الوحي لِيَعْلَمَ اللّه علم ظهور أَنْ مخففة من الثقيلة أي أنه قَدْ أَبْلَغُوا أي الرسل\r______________________________\rحال من الهاء المجرورة باللام.\rقوله: فَسَيَعْلَمُونَ جواب إِذا والسين لمجرد التأكيد لا للاستقبال، لأن وقت رؤية العذاب، يحصل العلم المذكور. قوله: مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً مَنْ إما استفهامية مبتدأ، وأَضْعَفُ خبره، أو موصولة، وأَضْعَفُ خبر لمحذوف أي هو أضعف، والجملة صلة الموصول، وناصِراً وعَدَداً تمييزان محولان عن المبتدأ على حد: أنا أكثر منك مالا. قوله: (أو أنا) الضمير للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وهذا التوزيع تكلف لا داعي له، بل يصلح كل المعنيين لكل من القولين. قوله:\r(فقال بعضهم) هو النضر بن الحرث وقال هذا استهزاء به صلّى اللّه عليه وسلّم وانكارا للعذاب.\rقوله: قَرِيبٌ مبتدأ، وما تُوعَدُونَ فاعل سد مسد الخبر، وما موصولة، وعائدها محذوف أو مصدرية. قوله: (من العذاب) بيان لما. قوله: (لا يعلمه إلا هو) صفة لأجلا.\rقوله: عالِمُ الْغَيْبِ بالرفع في قراءة العامة، على أنه بدل من رَبِّي أو خبر لمحذوف، وقرئ شذوذا بالنصب على المدح، وقرئ شذوذا علم الغيب، فعلا ماضيا ناصبا للغيب. قوله: (ما غاب به) المناسب حذف قوله به. قوله: فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً أي اظهارا تاما كاملا يستحيل تخلقه، فليس في الآية ما يدل على نفي كرامات الأولياء المتعلقة بالكشف، ولكن اطلاع الأنبياء على الغيب، أقوى من اطلاع الأولياء، لأن اطلاع الأنبياء يكون بالوحي، وهو معصوم من كل نقص، بخلاف اطلاع الأولياء، فعصمة الأنبياء واجبة، وعصمة الأولياء جائزة.\rقوله: إِلَّا مَنِ ارْتَضى أي إلا رسولا ارتضى له لإظهاره على بعض غيوبه، فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه.\rقوله: فَإِنَّهُ يَسْلُكُ الخ، تقرير وتحقيق للإظهار المستفاد من الاستثناء، كأنه قال: إلا من رسول، فإنه إذا أراد اظهاره على غيبه، جعل له ملائكة من جميع جهاته، يحرسونه من تعرض الشياطين له. قوله:\r(ملائكة يحفظونه) أي من الجن، قال قتادة وغيره: كان اللّه إذا بعث رسولا أتاه إبليس في صورة ملك يخبره، فيبعث اللّه من بين يديه ومن خلفه رصدا من الملائكة يحرسونه ويطردون الشياطين عنه، فإذا جاءه شيطان في صورة ملك، أخبروه بأنه شيطان فيحذره، فإذا جاء ملك قالوا له: هذا رسول ربك.\rقوله:\rلِيَعْلَمَ (اللّه) الخ، متعلق بيسلك غاية له، قوله: (علم ظهور) دفع به ما قد يتوهم من قوله يعلم، أن","part":4,"page":275},{"id":1866,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 276\rرِسالاتِ رَبِّهِمْ روعي بجمع الضمير معنى من وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ عطف على مقدر، أي فعلم ذلك وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (28) تمييز، وهو محول عن المفعول، والأصل: أحصى عدد كل شيء.\r______________________________\rالعلم متجدد. فأجاب: بأن المعنى ليظهر متعلق علمه. قوله: رِسالاتِ رَبِّهِمْ أي كما هي محفوظة من الزيادة والنقصان. قوله: (معنى من) أي في قوله: مَنِ ارْتَضى. قوله: وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ الضمير عائد على الرسل والملائكة، والمعنى: أحاط علمه بما عند الرسل والملائكة. قوله: وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً أي من القطر والرمل وورق الأشجار وزبد البحار، وجميع الأشياء جليلها وحقيرها، وهذا كالتعليل لقوله: وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ.","part":4,"page":276},{"id":1867,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 277\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة المزّمّل مكيّة وآياتها عشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) النبي، وأصله المتزمل، أدغمت التاء في الزاي، أي المتلفف بثيابه حين مجيء الوحي له، خوفا منه لهيبته قُمِ اللَّيْلَ صلّ إِلَّا\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة المزمل\rمكية أو إلا قوله إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ إلى آخرها فمدني. وهي تسع عشرة أو عشرون آية أي وهو قول الجمهور، لأنها أول ما نزل من بعد آية اقْرَأْ وقوله: (أو إلا قوله) الخ، هذا قول الثعلبي، وعليه فهو ناسخ لأول السورة، وليس في القرآن سورة نسخ آخرها أولها سواها، ولم ينزل آخرها عقب أولها، بل بينهما مدة أكثر ما قيل فيها عشر سنين.\rقوله: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، واختلف في معنى المزمل، فقيل: المتلفف بثيابه، وهو ما مشى عليه المفسر، وقيل: المزمل بالنبوة، والمدثر بالرسالة، وقيل: المزمل بالقرآن، وقيل معناه: يا أيها الذي زمل هذا الأمر، أي حمله. واعلم أن هذا الوصف أثبته العلماء من جملة أسمائه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو الصحيح، وخالف في ذلك السهيلي محتجا بأنه اسم مشتق من حاله التي كان عليها حين الخطاب، ورد بأن هذا لا يضر في التسمية، وأيضا فأسماؤه صلّى اللّه عليه وسلّم توقيفية، وقد ورد نداؤه به في القرآن، وحينئذ فيجوز لنا أن نطلقه عليه. قوله: (أدغمت التاء في الزاي) أي بعد قلبها زايا. قوله: (حين مجيء الوحي) أي جبريل في ابتداء الرسالة، بعد أن جاءه ب اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وذلك أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما جاءه الوحي في غار حراء، رجع إلى خديجة زوجته يرجف فؤاده فقال: زملوني زملوني، لقد خشيت على نفسي، أي من عدم القيام بحقه لهيبته وجلاله، فقالت له خديجة، وكانت وزيرة صدق رضي اللّه عنها: كلا واللّه، ما يخزيك اللّه أبدا، إنك تصل الرحم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.\rقوله: قُمِ اللَّيْلَ العامة على كسر الميم لالتقاء الساكنين، وقرئ شذوذا بضمها وفتحها، واللَّيْلَ ظرف للقيام على طريقة البصريين، أو مفعول به على طريقة الكوفيين، والأمر للوجوب، واختلف فيه فقيل: كان واجبا عليه وعلى أمته، وقيل: كان واجبا عليه وعلى جميع الأنبياء قبله، وقيل:\rخاص به صلّى اللّه عليه وسلّم، ثم نسخ التعيين بآخر السورة، ثم نسخ بالصلوات الخمس. قوله: (صل) أي فالمعنى:","part":4,"page":277},{"id":1868,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 278\rقَلِيلًا (2) نِصْفَهُ بدل من قليلا، وقلته بالنظر إلى الكل أَوِ انْقُصْ مِنْهُ من النصف قَلِيلًا (3) إلى الثلث أَوْ زِدْ عَلَيْهِ إلى الثلثين، وأو للتخيير وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تثبت في تلاوته تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا قرآنا ثَقِيلًا (5) مهيبا أو شديدا لما فيه من التكاليف إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ القيام بعد النوم هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً موافقة السمع للقلب على تفهم القرآن وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) أبين قولا إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا (7) تصرفا في أشغالك لا تفرغ فيه لتلاوة القرآن\r______________________________\rقم للصلاة والعبادة. قوله: (و قلته) الخ، جواب عما يقال: إن النصف مساو للنصف الآخر إلا قليل، فأجاب: بأنه يوصف بالقلة بالنظر لكل الليل، لا بالنظر للنصف الآخر. قوله: (إلى الثلث) أي انقص من النصف الذي تنامه، فمعناه قم ثلثي الليل، وقوله: (إلى الثلثين) أي زد على النصف الذي تنامه حتى تبلغ الثلثين، فمعناه قم ثلث الليل، فتحصل أن المعنى: قم نصف الليل أو ثلثيه أو ثلثه فهو من الواجب المخير.\rقوله: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ أي في أثناء قيامك. والمعنى: اقرأ بترتيل وتؤدة وسكينة ووقار.\rقوله: إِنَّا سَنُلْقِي الخ؛ هذه الجملة معترضة بين الأمر بقيام الليل وتعليله بقوله: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ وفي الحقيقة هذه الجملة أيضا تصلح أن تكون علة للأمر بقيام الليل كأنه قال: وقم الليل لتتهيأ لتحمل القول الثقيل الذي سننزله عليك. قوله: (مهيبا) أي عظيما جليلا، واختلف في معنى كونه ثَقِيلًا فقال قتادة: ثقيل واللّه فرائضه وحدوده، وقال مجاهد: حلاله وحرامه، وقال محمد بن كعب: ثقيل على المنافقين، لأنه يهتك أسرارهم ويبطل أديانهم، وقيل: ثقيل بمعنى كريم، وقيل ثقيل لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق، ونفس مزينة بالتوحيد، وأجمع من هذا، أن معناه كثير الفوائد والمعاني، لا يدركه عقل واحد، فهو كالبحر المحيط الذي لا ينقص بالاغتراف، فجميع العلماء المتقدمين والمتأخرين يغترفون منه، قال البوصيري:\rلها معان كموج البحر في مدد ... وفوق جوهره في الحسن والقيم\r\rفلا تعد ولا تحصى عجائبها ... ولا تسام على الإكثار بالسأم\r\rوما مشى عليه المفسر، من أن المراد بالقول القرآن هو أحد أقوال، وقيل: إن المراد بالوحي، لما في الحديث أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته، وضعت صدرها على الأرض، فما تستطيع أن تتحرك حتى يسري عنه. وقالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقا. وقيل: القول الثقيل هو قول: لا إله إلا اللّه، لما ورد أنها خفيفة على اللسان، ثقيلة في الميزان.\rقوله: (القيام بعد النوم) أشار بذلك إلى أن ناشِئَةَ مصدر نشأ إذا قام ونهض، كالعاقبة والعافية، ويصح أن تكون صفة لموصوف، أي أن النفس الناشئة بالليل، أي القائمة فيه أشد وطأ الخ.\rقوله: وَطْئاً تمييز أي من جهة المواطأة، أي الموافقة فيها. قوله: (موافقة السمع للقلب) أي أن هذا الوقت توافق الحواس القلب، فكل ما وقع في الحواس وعاء القلب، لخلو القلب عن الشواغل، فلا مفهوم لقول المفسر السمع، وفي وَطْئاً قراءتان سبعيتان، كسر الواو وفتح الطاء بعدها ألف، وفتح الواو وسكون الطاء بعدها همزة، ومعناهما ما قاله المفسر. قوله: (أبين قولا) أي أصوب قراءة، وأصح قولا من النهار لسكون الأصوات.","part":4,"page":278},{"id":1869,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 279\rوَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ أي قل: بسم اللّه الرحمن الرحيم في ابتداء قراءتك وَتَبَتَّلْ انقطع إِلَيْهِ في العبادة تَبْتِيلًا (8) مصدر بتل، جيء به رعاية للفواصل، وهو ملزوم التبتل هو رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9) موكلا له أمورك وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ أي كفار مكة من أذاهم وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا (10) لا جزع فيه، وهذا قبل الأمر بقتالهم وَذَرْنِي اتركني وَالْمُكَذِّبِينَ عطف على المفعول أو مفعول معه، والمعنى: أنا كافيكهم وهم صناديد قريش أُولِي النَّعْمَةِ التنعم وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) من الزمن فقتلوا بعد يسير منه ببدر إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا قيودا ثقالا، جمع نكل بكسر النون وَجَحِيماً (12) نارا محرقة وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ يغص به في الحلق، وهو الزقوم، أو الضريع، أو الغسلين، أو شوك من نار لا يخرج ولا ينزل وَعَذاباً\r______________________________\rقوله: سَبْحاً طَوِيلًا السبح مصدر سبح، استعير من السباحة في الماء للتصرف في الأشغال.\rقوله: (لا تفرغ فيه) الخ، أي فعليك بها في الليل الذي هي محل الفراغ، وفرغ من باب دخل قوله: (أي قل بسم اللّه الرحمن الرحيم) الخ، تبع في ذلك السهيلي،\rوقال جمهور المفسر: إن قوله: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ عام بعد خاص، والمعنى: دم عليه ليلا ونهارا، على أي وجه كان، من تسبيح وتحميد وتهليل ونحو ذلك. قوله: (انقطع) إِلَيْهِ (في العبادة) أي أخلص لوجهه. قوله: (مصدر بتل) أي كعلم تعليما على حد قول ابن مالك:\rوغير ذي ثلاثة مقيس ... مصدره كقدس التقديس\r\rوهذا إشارة لسؤال حاصله: أن هذا المصدر ليس لهذا الفعل، وإنما هو مصدر لفعل آخر، أجاب عنه بجوابين: الأول قوله: (جيء به لرعاية الفواصل) والثاني قوله: (و هو ملزوم التبتل) وإيضاحه أن التبتل الذي هو مصدر تبتل كتكرم، أطلق وأريد التبتل الذي هو مصدر بتل كقدس، كونه لازما له ومن مادته.\rقوله: (هو) رَبُّ الْمَشْرِقِ أشار بذلك إلى أن قوله: رَبُّ الْمَشْرِقِ بالرفع خبر لمحذوف؛ ويصح قراءته بالجر بدل من رَبِّكَ، والقراءتان سبعيتان. قوله: فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا نتيجة ما قبله، والمعنى: حيث علمت أنه مالك المشرق والمغرب، ولا إله غيره، فاعتمد عليه وفوض أمورك إليه.\rقوله:\rوَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ هذا شروع في بيان كيفية معاملته للخلق، إثر بيان كيفية معاملته للخالق.\rقوله: وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا أي بأن تذرهم ولا تكافئهم بأفعالهم، فالهجر الجميل هو الترك مع عدم الإيذاء. قوله: (و هذا قبل الأمر بقتالهم) أي فهو منسوخ بآية القتال.\rقوله: وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أي فلا تشفع لهم، ولا تحل بيني وبينهم، بل اتركني أنتقم منهم، وهذا من مزيد تعظيم اللّه له صلّى اللّه عليه وسلّم واجلال قدره. قوله: أُولِي النَّعْمَةِ نعت للمكذبين، والنَّعْمَةِ بالفتح التنعم، وبالكسر الشيء المنعم به، وبالضم السرور. قوله: وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا أي بلغهم عني أني ممهل لهم زمنا قليلا، وهو إلى خروجك من مكة، فلما خرج صلّى اللّه عليه وسلّم منها، سلطة اللّه عليهم السنين المجدبة، وهو العذاب العام، ثم قتل صناديدهم ببدر، وهو العذاب الخاص.\rقوله: إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا الخ، هذا وعيد لهم بعذاب الآخرة، إلا الوعيد بعذاب الدنيا. قوله: (جمع نكل) أي وهو القيد، وقيل الغل.\rقوله: (و هو الزقوم) تقدم في الدخان أنه شجر من أخبث الشجر. قوله: (أو الضريع) سيأتي للمفسر في","part":4,"page":279},{"id":1870,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 280\rأَلِيماً (13) مؤلما، زيادة على ما ذكر لمن كذب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يَوْمَ تَرْجُفُ تزلزل الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً رملا مجتمعا مَهِيلًا (14) سائلا بعد اجتماعه، وهو من هال يهيل، وأصله مهيول، استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى الهاء، وحذفت الواو ثاني الساكنين لزيادتها، وقلبت الضمة كسرة لمجانسة الياء إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ يا أهل مكة رَسُولًا هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم شاهِداً عَلَيْكُمْ يوم القيامة بما يصدر منكم من العصيان كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) هو موسى عليه الصلاة والسّلام فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا (16) شديدا فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ في الدنيا يَوْماً مفعول تتقون أي عذابه، أي بأي حصن تتحصنون من عذاب يوم يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (17) جمع أشيب لشدة هوله وهو يوم القيامة، والأصل في شين شيبا الضم، وكسرت لمجانسة الياء، ويقال في اليوم الشديد: يوم يشيب نواصي الأطفال وهو مجاز، ويجوز أن يكون المراد في الآية الحقيقة السَّماءُ مُنْفَطِرٌ ذات انفطار أي انشقاق بِهِ بذلك اليوم لشدته\r______________________________\rالغاشية، أنه نوع من الشوك لا ترعاه دابة لخبثه. قوله: (أو الغسلين) تقدم في الحاقة أنه صديد أهل النار. قوله: (لا يخرج ولا ينزل) تفسير لقوله: (يغص به) فكان المناسب ذكره بلصقه.\rقوله: يَوْمَ تَرْجُفُ الخ، ظرف منصوب بما تعلق به قوله: لَدَيْنا والتقدير: استقر لهم عندنا ما ذكر يوم ترجف الخ. قوله: (تزلزل) أصله تتزلزل حذفت منه إحدى التاءين. قوله: وَكانَتِ الْجِبالُ أي وتكون، فعبر بالماضي لتحقق الحصول. قوله: (و حذفت الواو) أي عند سيبويه، وإنما كانت أولى بالحذف لأنها زائدة، ولذا اختاره المفسر، وقال الكسائي: إن المحذوف الياء، لأن القاعدة أن الذي يحذف لالتقاء الساكنين هو الأول. قوله: (يا أهل مكة) أي ففيه التفات من الغيبة إلى الخطاب.\rقوله: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ الخ، خص موسى وفرعون بالذكر، لأن قصتهما مشهورة عند أهل مكة.\rقوله: فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ أل للعهد الذكري، لأنه تقدم ذكره في قوله: رَسُولًا والقاعدة أن النكرة إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى. قوله: (شديدا) هذا قول ابن عباس ومجاهد، ومنه مطر وابل، أي شديد، وقيل: الوبيل الثقيل الغليظ، وقيل: المهلك.\rقوله: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ أي لا سبيل لكم إلى الوقاية من عذاب ذلك اليوم، إن وقع الكفر منكم في الدنيا. قوله:\rيَجْعَلُ الْوِلْدانَ الخ؛ هذه الجملة صفة ليوما، والضمير في يَجْعَلُ إما عائد على اللّه، أو على اليوم مبالغة، أي إن نفس اليوم يجعل الولدان شيبا. قوله: (و هو مجاز) أي لفظ الشيب مجاز، أي كناية عن شدة الهول. قوله: (و يجوز) الخ، أي فيكون الشيب على حقيقته ولا مانع عنه، ثم إن في كلام المفسر إجمالا، وايضاحه أن يقال: إن كون الشيب على حقيقته مبني على أن المراد باليوم آخر أوقات الدنيا، وهو عند زلزلة الساعة قبل خروجهم من الدنيا، وكونه مجازا مبني على أن المراد باليوم النفخة الثانية، لأن القيامة ليس فيها شيب.\rقوله: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ صفة ثانية ليوما. قوله: (ذات انفطار) جواب عما يقال: لم لم تؤنث الصفة فيقال منفطرة؟ فأجاب: بأن هذه صيغة نسبة أي ذات انفطار، ويجاب أيضا: بأن السماء تذكر","part":4,"page":280},{"id":1871,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 281\rكانَ وَعْدُهُ تعالى بمجيء ذلك اليوم مَفْعُولًا (18) أي هو كائن لا محالة إِنَّ هذِهِ الآيات المخوّفة تَذْكِرَةٌ عظة للخلق فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (19) طريقا بالإيمان والطاعة إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى أقل مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ بالجر عطف على ثلثي، وبالنصب عطف على أدنى، وقيامه كذلك نحو ما أمر به أول السورة وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ عطف على ضمير تقوم، وجاز من غير تأكيد للفصل، وقيام طائفة من أصحابه كذلك للتأسي به، ومنهم من كان لا يدري كما صلى من الليل، وكم بقي منه، فكان يقوم الليل كله احتياطا، فقاموا حتى انتفخت أقدامهم سنة أو أكثر، فخفف عنهم، قال تعالى وَاللَّهُ يُقَدِّرُ يحصي اللَّيْلَ وَالنَّهارَ\r______________________________\rباعتبار أنها سقف، قال تعالى: وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً. قوله: (به) الباء بمعنى في قوله: كانَ وَعْدُهُ (تعالى) أشار به إلى أن إضافة وعد للضمير، من إضافة المصدر لفاعله، وهو اللّه تعالى.\rقوله:\rإِنَّ هذِهِ (الآيات) أي القرآنية، وهو قوله: (إن لدينا) الخ، ويصح أن يكون اسم الإشارة عائدا على السورة بتمامها. قوله: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا من شرطية وشاءَ فعل الشرط، ومفعوله محذوف أي النجاة، وجملة اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا جواب الشرط، ويصح أن يكون جملة شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا فعل الشرط، وجوابه محذوف تقديره فليفعل. قوله: (بالإيمان والطاعة) أشار بذلك إلى أن المراد باتخاذ السبيل، التقرب إلى اللّه تعالى، بامتثال مأموراته واجتناب منهياته.\rقوله: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ الخ، شروع في بيان الناسخ لقوله: قُمِ اللَّيْلَ الخ، ومحله قوله فَتابَ عَلَيْكُمْ وما قبله توطئة وتمهيد له. قوله: (أقل) مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ الخ، إن قلت: إن الأقلية باعتبار الثلثين والنصف والثلث ظاهرة، ولا تظهر بالنسبة للثلث، لأنهم غير مأمورين بالنقص عنه، بل هم مخيرون كما تقدم بين قيام الثلثين والنصف، وهذا على قراءة الجر، وقد يجاب: بأن معنى قوله: أَدْنى التقريب، أي يعلم أنك تقوم كما أمرك أقرب من ثلثي الليل الخ، وعبر بالأدنى لأنها أمور ظنية تخمينية لا تحقيقية، وهم مكلفون بالظن، لا التحقيق والتحرير بالدقيقة. قوله: (و بالنصب) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (عطف على أدنى) أي فهو معمول لتقوم، والمعنى: تقوم نصفه تارة وثلثه تارة أخرى.\rقوله: (و قيامه) مبتدأ، وقوله: (نحو ما أمر به) خبره أو مثله، فقوله هنا أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ المراد به الثلثان على سبيل التقريب، وهو المذكور أولا بقوله: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ وقوله: وَثُلُثَهُ المراد به الثلث تقريبا وهو المذكور أولا بقوله أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ولا يحتاج لقولنا تقريبا، إلا على قراءة الجر، وأما على قراءة النصب فظاهره. قوله: (و جاز) أي العطف على ضمير الرفع المتصل، من غير تأكيد بالضمير المنفصل، وقوله: (للفصل) أي بغير الضمير على حد قول ابن مالك أو فاصل ما. قوله: (و قيام طائفة) مبتدأ، وقوله: (للتأسي به) خبره، وقوله: (كذلك) أي ثلثين ونصفا وثلثا. قوله: (و منهم من كان لا يدري) الخ، بيان للطائفة الأخرى التي لم تتأس به، فافترقت الصحابة فرقتين، فرقة تأست به في قيام الثلثين والنصف والثلث، وفرقة شددوا على أنفسهم فأحيوا الجميع. قوله: (سنة) أي على القول بأن السورة كلها مكية، وقوله: (أو أكثر) أي ستة عشر شهرا على القول بأنها مكية أيضا، أو عشر سنين على القول بأن قوله: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ الخ مدني. قوله: (فخفف عنهم) أي عن الطائفتين من الصحابة","part":4,"page":281},{"id":1872,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 282\rعَلِمَ أَنْ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي أنه لَنْ تُحْصُوهُ أي الليل لتقوموا فيما يجب القيام فيه، إلا بقيام جميعه، وذلك يشق عليكم فَتابَ عَلَيْكُمْ رجع بكم إلى التخفيف فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ في الصلاة بأن تصلوا ما تيسر عَلِمَ أَنْ مخففة من الثقيلة، أي أنه سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يسافرون يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ يطلبون من رزقه بالتجارة وغيرها وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وكل من الفرق الثلاثة يشق عليهم ما ذكر في قيام الليل، فخفف عنهم بقيام ما تيسر منه، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ كما تقدّم وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ المفروضة وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ بأن تنفقوا ما سوى المفروض من المال في سبيل الخير قَرْضاً حَسَناً عن طيب قلب وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ\r______________________________\rقوله: (أي الليل) أشار بذلك إلى أن الضمير عائد على الليل، لأنه المحدث عنه من أول السورة. قوله:\r(رجع بكم إلى التخفيف) أي فالمراد التوبة اللغوية، لا التوبة من الذنوب، لكونهم لم يفعلوا ذنوبا.\rقوله: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ بيان للناسخ، فنسخ التقدير بالأجزاء الثلاثة إلى جزء مطلق من الليل. قوله: (في الصلاة) بيان لمعنى القراءة في الأصل. قوله: (بأن تصلوا) أشار بذلك إلى أن المراد بالقراءة الصلاة، من اطلاق الجزء على الكل. قوله: (ما تيسر) أي ولو ركعتين. قوله: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ الخ، استئناف مبين لحكمة أخرى للترخيص والتخفيف. قوله: (مخففة من الثقيلة) أي واسمها ضمير الشان، وجملة سَيَكُونُ خبرها، ومَرْضى اسم يكون، ومِنْكُمْ خبرها.\rقوله: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ الخ، سوى اللّه تعالى في هذه الآية، بين درجة المجاهدين والمكتسبين للمال الحلال، لنفقته على نفسه وعياله، اشارة إلى أن كسب المال بمنزلة الجهاد، لما ورد في الحديث: «ما من جالب يجلب طعاما من بلد إلى بلد، فيبيعه بسعر يومه، إلا كانت منزلته عند اللّه منزلة الشهداء» ثم قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وقال ابن مسعود. أيما رجل جلب شيئا من مدينة من مدائن الإسلام، صابرا محتسبا، فباعه بسعر يومه، كان له عند اللّه منزلة الشهداء وقرأ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ الآية.\rقوله: (و غيرها) أي كطلب العلم وصلة الرحم.\rقوله: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ إنما كرره تأكيدا، ولكونه قرنه بحكم أخرى غير الأولى. قوله: (ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس) أي في حق الأمة اتفاقا، وأما هو صلّى اللّه عليه وسلّم فقال مالك: لم ينسخ في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم، بل بقي وجوب التهجد عليه، لكن في خصوص الحضر، وقال الشافعي: نسخ في حقه أيضا. إن قلت:\rإن وجوب الصلوات الخمس، لا ينافي وجوب قيام الليل، وشرط الناسخ أن يكون حكمه منافيا للحكم المنسوخ، فالحق أن النسخ بالحديث، وهو أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أخبر أعرابيا بأن اللّه افترض عليه خمس صلوات في كل يوم وليلة، فقال الأعرابي: هل علي غيرها يا رسول اللّه؟ قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا، إلا أن تطوع» فقوله لا، نفي وجوب أي صلاة كانت غير الخمس.\rقوله: وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ما شرطية، وتَجِدُوهُ جواب الشرط، ومِنْ خَيْرٍ بيان","part":4,"page":282},{"id":1873,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 283\rخَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً مما خلفتم، وهو فصل وما بعده وإن لم يكن معرفة يشبهها لامتناعه من التعريف وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20) للمؤمنين.\r______________________________\rلما، وعِنْدَ اللَّهِ ظرف لتجدوه وخَيْراً مفعول ثان لتجدوه. قوله: (مما خلفتم) أي وراءكم. إن قلت: إن الذي خلفه وراءه ميراث لغيره، فلا خير فيه له، فالأحسن أن يقول: مما أنفقتم على أنفسكم في العاجل. قوله: (و هو فصل) أي ضمير فصل. قوله: (و ما بعده) الخ، أشار بذلك لسؤال حاصله: أن ضمير الفصل لا يقع إلا بين معرفتين، وهنا وقع بين معرفة ونكرة، فأجاب بقوله: (يشبهها) وقوله:\r(لامتناعه من التعريف) أي لأنه اسم تفضيل، وهو لا يجوز دخول أل عليه، إذا كان معه من لفظا أو تقديرا، وهنا من مقدرة كأنه قال هو معرفة لو لا المانع، وهو كونه مقرونا بمن. قوله: وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ أي اطلبوا مغفرته في جميع أحوالكم، فإن الإنسان لا يخلو من تفريط يوجب حجبه عن بركات الدنيا والآخرة، ولا يزيل ذلك الحجاب إلا الاستغفار، كما قال تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ الآيات، وكما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وفي الحديث «إن العبد ليحرم الخير بالذنب يصيبه».","part":4,"page":283},{"id":1874,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 284\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة المدّثّر مكيّة وآياتها ست وخمسون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وأصله المتدثر، أدغمت التاء في الدال، أي المتلفف بثيابه عند نزول الوحي عليه قُمْ فَأَنْذِرْ (2) خوّف أهل مكة النار إن لم يؤمنوا وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) عظم عن إشراك المشركين وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (4) عن النجاسة، أو\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة المدّثّر\rمكية وهي خمسة وخمسون آية أي بالإجماع.\rقوله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وقع خلاف طويل في أول ما نزل من القرآن والصحيح إن أول ما نزل على الإطلاق اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ إلى ما لَمْ يَعْلَمْ وأول ما نزل بعد فترة الوحي يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ إلى فَاهْجُرْ. والحاصل: أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يتعبد في غار حراء؛ فنزل جبريل بآية اقْرَأْ كما في حديث البخاري، فذهب بها يرجف فؤاده، فقال لخديجة: زملوني، فنزل عليه يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ثم فتر الوحي، فحزن صلّى اللّه عليه وسلّم وجعل يعلو شواهق الجبال، ويريد أن يرمي بنفسه، فنودي وهو بغار حراء: يا محمد إنك رسول اللّه، قال: فنظرت عن يميني ويساري فلم أر شيئا، فنظرت فوقي، فإذا به قاعد على عرش بين السماء والأرض، يعني الملك الذي ناداه، فرعبت ورجعت إلى خديجة فقلت:\rدثروني، دثروني، فنزل جبريل وقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ والتدثر لبس الدثار، وهو الثوب الذي فوق الشعار، والشعار ما يلي الجسد. قوله: (أدغمت التاء) أي بعد قلبها دالا وتسكينها. قوله: (أي المتلفف بثيابه) أي من الرعب الذي حصل له من رؤية الملك، وقيل: المتدثر بالنبوة والمعارف الإلهية.\rقوله: قُمْ فَأَنْذِرْ إنما اقتصر على الإنذار، وإن كان مبعوثا بالتبشير أيضا، لأنه في ذلك الوقت، لم يكن أحد يصلح للتبشير إلا ما قل جدا، فلما اتسع الإسلام نزل عليه إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً.*\rقوله: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ أي خص ربك بالتكبير والتعظيم ظاهرا وباطنا، والفاء في هذا وما بعده، لإفادة معنى الشرط، كأنه قال: مهما يكن من شيء فكبر، والمعنى اعتقد أن ربك منزه عن كل نقص، متصف بكل كمال.","part":4,"page":284},{"id":1875,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 285\rقصرها، خلاف جر العرب ثيابهم خيلاء، فربما أصابتها نجاسة وَالرُّجْزَ فسره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالأوثان، فَاهْجُرْ (5) أي دم على هجره وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) بالرفع حال، أي لا تعط شيئا لتطلب أكثر منه، وهذا خاص به صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه مأمور بأجمل الأخلاق وأشرف الآداب وَلِرَبِّكَ\r______________________________\rقوله: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (عن النجاسة) أي لأن طهارة الثياب، شرط في صحة الصلاة، لا تصح إلا بها، وهي الأولى والأحب في غير الصلاة، لأن المؤمن طاهر طيب، لا يليق منه أن يحمل خبيثا، ففي هذا رد على المشركين، فإنهم كانوا لا يصونون ثيابهم عن النجاسات، فأمره اللّه تعالى أن يخالفهم في ذلك. قوله: (قصرها) أي لأن تطويل الثياب شأنه إصابة النجاسة، فعبر بالملزوم عن اللازم، وتقصير الثياب مطلوب لما في الحديث: «إزار المؤمن إلى انصاف ساقيه، ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما كان على اسفل من ذلك ففي النار، فمن السفه أن يطيل الرجل ثيابه، ثم يتكلف رفعها بيديه» وورد:\r«من جر ازاره خيلاء، لم ينظر اللّه إليه يوم القيامة» قال أبو بكر: يا رسول اللّه، إن أحد شقي إزاري يسترخي، إلا أني أتعهد ذلك منه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «لست ممن يصنعه خيلاء» فيؤخذ من ذلك، أن تطويل الثياب بقصد الخيلاء حرام، وأما من غير قصد بل لمجرد عادة أهل بلده مثلا، فهو مكروه إن كان يتحفظ من النجاسة، وما ذكره المفسر أحد أقوال في تفسير الآية، وقيل: المراد طهر نفسك من الصفات المذمومة، كالعجب والكبر والرياء ونحو ذلك، مأخوذ من قولهم: فلان طاهر الثياب والذيل، إذا أراد وصفه بالنقاء من ادناس الأخلاق، ومن ذلك قول عكرمة: لا تلبسها على معصية ولا على غدر، وقال الحسن: خلقك فحسن، وقال سعيد بن جبير: قلبك وبيتك فطهر، وقال مجاهد: عملك فأصلح، وقيل: المراد بالثياب الأهل، أي طهرهم عن الخطايا بالموعظة والتأديب، والعرب تسمي الأهل ثوبا ولباسا وازارا، قال تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ والآية صالحة لجميع تلك المعاني.\rقوله: وَالرُّجْزَ بضم الراء وكسرها سبعيتان، والزاي منقلبة عن السين ومعناهما واحد. قوله:\r(أي دم على هجره) دفع بذلك ما يقال: ظاهر الآية يقتضي أنه كان متلبسا بعبادة الأوثان وليس كذلك.\rقوله: وَلا تَمْنُنْ المن هنا الأنعام، والمعنى لا تعط شيئا مستكثرا له، وقوله (حال) أي من فاعل تَمْنُنْ. قوله: (لا تعط شيئا لتطلب أكثر منه) أي فالاستكثار هنا، عبارة عن طلب العوض، بأن يهب شيئا، ويطمع أن يعوض من الموهوب له أكثر من الشيء الموهوب، وقيل: المعنى لا تعط شيئا مستكثرا له، أي رائيا ما تعطيه كثيرا، بل عدة قليلا لقوله تعالى: مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وقال البوصيري.\rمستقل دنياك أن ينسب ... الامساك منها إليه والإعطاء\rقوله: (أكثر منه) أي ولا مساويا ولا أقل، فالمراد النهي عن طلب العوض مطلقا، ليكون عطاؤه صلّى اللّه عليه وسلّم خاليا عن انتظار العوض، والتفات النفس إليه، وحكمة تخصيصه بذلك، أنه عليه السّلام خليفة اللّه الأعظم في خلقه دنيا وأخرى، يقسم عليه من خزائن اللّه تعالى، فجميع ما بذله لعباده بالنسبة لما عند اللّه قليل، فلا يليق أن يراه كثيرا، ولا أن يطلب عوضا من الفقراء، وهو خليفة عن الغني المطلق فتدبر. قوله: (و هذا) أي النهي، وقوله: (خاص به) أي وأما أمته فليس حرام في حقهم.","part":4,"page":285},{"id":1876,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 286\rفَاصْبِرْ (7) على الأوامر والنواهي فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) نفخ في الصور وهو القرن النفخة الثانية فَذلِكَ أي وقت النقر يَوْمَئِذٍ بدل مما قبله المبتدأ، وبني لإضافته إلى غير متمكن؛ وخبر المبتدأ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) والعامل في إذا، ما دلت عليه الجملة، أي اشتد الأمر عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10) فيه دلالة على أنه يسير على المؤمنين أي في عسره ذَرْنِي اتركني وَمَنْ خَلَقْتُ عطف على المفعول أو مفعول معه وَحِيداً (11) حال من من، أو من ضميره المحذوف من خلقت، أي منفردا بلا أهل ولا مال، هو الوليد بن المغيرة المخزومي وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً (12) واسعا متصلا من الزروع والضروع والتجارة وَبَنِينَ عشرة أو أكثر شُهُوداً (13) يشهدون المحافل وتسمع شهادتهم وَمَهَّدْتُ بسطت لَهُ في العيش والعمر والولد\r______________________________\rقوله: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ من النقر، وهو القرع الذي هو سبب الصوت، فاطلق السبب وأريد المسبب وهو التصويت، والمعنى: إذا صوت اسرافيل في الصور. قوله: (و هو القرن) أي وهو مستطيل، سعة فمه كما بين السماء والأرض، وفيه ثقب بعدد الأرواح كلها، وتجمع في تلك الثقبة، فيخرج بالنفخة الثانية من كل ثقب، روح إلى الجسد الذي نزعت منه، فيعود الجسد حيا بإذن اللّه تعالى.\rقوله: (أي وقت النقر) أي الذي هو معنى إذا. قوله: (بدل مما قبله) أي وهو اسم الإشارة، وقوله:\r(المبتدأ) بيان لما، وقوله: (و بني) أي لفظ يوم، وقوله: (إلى غير متمكن) أي وهو إذ، وتنوينها عوض عن الجملة، أي يوم إذ نقر في الناقور، و\rقوله: (و خبر المبتدأ) يَوْمٌ عَسِيرٌ أي لفظ يَوْمٌ وقوله:\rعَسِيرٌ صفة أولى له، وغَيْرُ يَسِيرٍ صفة ثانية. قوله: (ما دلت عليه الجملة) أي جملة الجزاء وهي قوله: فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ فقد دلت على جملة فعلية، فعلها عامل في إذا، فالناصب لها مدلول جوابها، لا جوابها نفسه.\rقوله: عَلَى الْكافِرِينَ متعلق بعسير، وقوله: (فيه دلالة) أي في التقييد بهذا الجار والمجرور، دلالة على أنه يسير على المؤمنين، وأشار به إلى جواب ما فائدة قوله غير يسير وعسير مغن عنه، ففيه زيادة وعيد وغيظ للكافرين، وبشرى وتسلية للمؤمنين.\rقوله: ذَرْنِي خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وفيه مزيد إجلال وتعظيم له، وإشعار بأن رحمته صلّى اللّه عليه وسلّم غالبة على غضبه. قوله: (على المفعول) أي وهو الياء في ذَرْنِي. قوله: (أو مفعول معه) أي فالواو للمعية.\rقوله: (أو من ضميره المحذوف) أي عائده المحذوف من خَلَقْتُ أي خلقته ويحتمل أنه حال من التاء في خَلَقْتُ أي خلقته وحدي، لم يشاركني في خلقه احد، والأول أقرب. قوله: (هو الوليد بن المغيرة المخزومي) أي الذي تقدمت بعض أوصافه في سورة ن.\rقوله: وَجَعَلْتُ لَهُ عطف على خَلَقْتُ.\rقوله: مالًا مَمْدُوداً اختلف في مبلغه، فقيل ألف دينار، وقيل ستة آلاف، وقيل تسعة آلاف مثقال فضة. قوله: (من الزروع) أي فكان له بستان بالطائف، لا تنقطع ثماره شتاء ولا صيفا. قوله:\r(و الضروع) أي المواشي. قوله: (عشرة) أي من الذكور، وقد وعد الخازن منهم سبعة وهم: الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص وقيس وعبد شمس، وقوله: (أو أكثر) قيل اثنا عشر، وقيل ثلاثة عشر، وقيل سبعة عشر، وعلى كل، فقد أسلم منهم ثلاثة: خالد وهشام والوليد.\rقوله: شُهُوداً جمع شاهد بمعنى حاضر. قوله: (يشهدون المحافل) أي مجامع الناس لوجاهتهم","part":4,"page":286},{"id":1877,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 287\rتَمْهِيداً (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا لا أزيده على ذلك إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا أي القرآن عَنِيداً (16) معاندا سَأُرْهِقُهُ أكلفه صَعُوداً (17) مشقة من العذاب، أو جبلا من نار يصعد فيه ثم يهوي أبدا إِنَّهُ فَكَّرَ فيما يقول في القرآن الذي سمعه من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَقَدَّرَ (18) في نفسه ذلك فَقُتِلَ لعن وعذب كَيْفَ قَدَّرَ (19) على أي حال كان تقديره ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَ\r______________________________\rبين الناس، أو المراد الحضور مع أبيهم، لعدم احتياجهم للسفر، فهو كناية عن كثرة النعم والخدم. قوله:\r(و تسمع شهادتهم) أي كلامهم.\rقوله: وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً التمهيد في الأصل التسوية والتهيئة، اطلق وأريد به بسط المال والجاه. قوله: (بسطت) لَهُ (في العيش والعمر والولد) أي حتى لقب ريحانة قريش والوحيد.\rقوله: ثُمَّ يَطْمَعُ عطف على جَعَلْتُ ومَهَّدْتُ. قوله: (لا أزيده) أي بل انقصه، فقد ورد: أنه بعد نزول هذه الآية، ما زال في نقصان ماله وولده، حتى هلك فقيرا بخدشة سهم أصابته في رجله، كما قال البوصيري:\rوأصاب الوليد خدشة سهم ... قصرت عنها الحية الرقطاء\r\rقوله: إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً تعليل للردع المستفاد من قوله: عَلا. قوله: (معاندا) العناد ينشأ من كبر في النفس، أو يبس في الطبع، أو شراسة في الأخلاق، أو خبل في العقل. قوله: (يصعد فيه) أي سبعين عاما، كلما وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله ذابت، وإذا رفعها.\rعادت قوله: (ثم يهوي) أي سبعين عاما. قوله: (أبدا) راجح لكل من الصعود والهويّ.\rقوله: إِنَّهُ فَكَّرَ أي ردد فكرة فيما يطعن به في القرآن، وذلك أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما نزل عليه حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ إلى قوله إِلَيْهِ الْمَصِيرُ قام في المسجد، والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته، فلما فطن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لاستماعه لقراءته، اعاد قراءة الآية، فانطلق الوليد بن المغيرة، حتى أتى مجلس قومه من بني مخزوم فقال: واللّه لقد سمعت من محمد آنفا كلاما، ما هو من كلام البشر، ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن اعلاه لمثمر، وإن اسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه، ثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش: صبأ واللّه الوليد، واللّه لتصبأن قريش كلهم، فقام أبو جهل وقال:\rأنا أكفيكموه، فانطلق فقعد إلى جنب الوليد حزينا، فقال له الوليد: ما لي أراك حزينا يا ابن أخي؟ قال:\rوما يمنعني أن لا احزن، وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك بها على كبر سنك، ويزعمون أنك زينت كلام محمد، وأنا داخل على ابن أبي كبشة وابن أبي قحافة، تسأل من فضل طعامهم، فغضب الوليد وقال: ألم تعلم أني من أكثرهم مالا وولدا، وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام، فيكون لهم فضل؟ ثم قام مع أبي جهل، حتى أتى مجلس قومه فقال لهم: تزعمون أن محمدا مجنون، فهل رأيتموه يختنق قط؟\rقالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كاهن، فهل رأيتموه قط تكهن؟ فقالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قط؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه شيئا من الكذب؟ فقالوا: اللهم لا، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يسمى الأمين قبل النبوة من صدقه، فقالت قريش للوليد: فما هو؟ فتفكر في نفسه وقدر ثم قال: ما هذا إلا سحر يؤثر.\rقوله: فَقُتِلَ أي في الدنيا.\rقوله: ثُمَّ قُتِلَ أي فيما بعد الموت في البرزخ والقيامة، وثُمَ","part":4,"page":287},{"id":1878,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 288\rنَظَرَ (21) في وجوه قومه، أو فيما يقدح به فيه ثُمَّ عَبَسَ قبض وجهه وكلحه ضيقا بما يقول وَبَسَرَ (22) زاد في القبض والكلوح ثُمَّ أَدْبَرَ عن الإيمان وَاسْتَكْبَرَ (23) تكبر عن اتباع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فَقالَ فيما جاء به إِنْ ما هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) ينقل عن السحرة إِنْ ما هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) كما قالوا: إنما يعلمه بشر سَأُصْلِيهِ أدخله سَقَرَ (26) جهنم وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (27) تعظيم لشأنها لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (28) شيئا من لحم ولا عصب إلا أهلكته، ثم يعود كما كان لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) محرقة لظاهر الجلد عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (30) ملكا خزنتها، قال بعض الكفار\r______________________________\rللدلالة على أن الثانية أبلغ من الأول، فهي في هذه المواضع للتراخي، وكَيْفَ منصوبة على الحال من الضمير في قدر، وهي للاستفهام، والمقصود منه توبيخه والتعجب من تقديره. قوله: (في وجوه قومه) أي نظر بعين الغضب من أجل الأمر الذي قالوه فيه، وقوله: (أو فيما يقدح به) أي في القرآن، فالنظر على هذا بمعنى التأمل، فيكون تأكيدا لقوله: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ.\rقوله: ثُمَّ عَبَسَ يقال: عبس عبسا وعبوسا أي قطب وجهه، والعبس يطلق على ما يبس في أذناب الإبل من البعر والبول، وقوله: وَبَسَرَ يقال: بسر يبسر بسرا، وبسورا إذا قبض بين عينيه كراهية للشيء واسود وجهه منه، يقال: وجهه وجه باسر، أي منقبض مسود، فالبسور غاية في العبوس. قوله: (و الكلوع) مرادف للقبض.\rقوله: وَاسْتَكْبَرَ عطف سبب.\rقوله: إِلَّا سِحْرٌ أي أمور تخييلية لا حقائق لها، وهي لدقتها تخفي أسبابها، وقوله: ينقل عن السحرة، أي كمسيلمة وأهل بابل.\rقوله: إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ نتيجة حصره في السحر.\rقوله: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ بدل من قوله: سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ثم إن كان المراد بالصعود المشقة، فالبدل واضح، وإن كان صعود الجبل والهبوط، فهو بدل اشتمال فتدبر.\rقوله: ما سَقَرُ ما مبتدأ، وسَقَرُ خبره، والجملة سدت مسد المفعول الثاني لأدرى. قوله: (تعظيم لشأنها) أي نظير ما تقدم في سورة الحاقة.\rقوله: لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ حال وفيها معنى التعظيم، والجملتان بمعنى واحد، والعطف للتوكيد، هذا ما يقتضيه صنيع المفسر.\rقوله: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ خبر مبتدأ محذوف، وقوله: (محرقة لظاهر الجلد) أي فالمراد بالبشر الجلد، ويطلق البشر على الناس جميعا، أو معنى لواحة تظهر لهم وتلوح قبل أن يسقطوا فيها، ولكن المعنى الأول أقرب.\rقوله: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ملكا أي وهم مالك ومعه ثمانية عشر، وقيل تسعة عشر نقيبا، وقيل تسعة عشر ألف ملك، والقول الثاني موافق لقوله تعالى: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وفي القرطبي قلت: والصحيح إن شاء اللّه، أن هؤلاء التسعة عشر هم الرؤساء والنقباء، وأما جملتهم فالعبارة تعجز عنها كما قال تعالى: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وقد ثبت في الصحيح عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» ا ه.\rوقد ورد في صفة الخزنة، أن أعينهم كالبرق الخاطف، وأنيابهم كالصياصي أي قرون البقر، وأشعارهم تمس اقدامهم، يخرج لهب النار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، نزعت منهم الرحمة، يدفع أحدهم سبعين ألفا مرة واحدة، فيرميهم حيث شاء من جهنم، وفي رواية: إن لأحدهم مثل قوة الثقلين، يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل، فيرمي بهم في النار، ويرمي الجبل عليهم. قوله:","part":4,"page":288},{"id":1879,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 289\rوكان قويا شديد البأس: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني أنتم اثنين، قال تعالى وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً أي فلا يطاقون كما يتوهمون وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ ذلك إِلَّا فِتْنَةً ضلالا لِلَّذِينَ كَفَرُوا بأن يقولوا: لم كانوا تسعة عشر؟ لِيَسْتَيْقِنَ ليستبين الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي اليهود صدق النبى صلّى اللّه عليه وسلّم في كونهم تسعة عشر، الموافق لما في كتابهم وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا من أهل الكتاب إِيماناً تصديقا لموافقة ما أتى به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما في كتابهم وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ من غيرهم في عدد الملائكة وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك بالمدينة وَالْكافِرُونَ بمكة ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا العدد مَثَلًا سموه لغرابته بذلك وأعرب حالا كَذلِكَ أي مثل إضلال منكر هذا العدد وهدى مصدقه يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما\r______________________________\r(خزنتها) أي يتولون أمرها ويتسلطون على أهلها ولا يتألمون منها، بل هم فيها كخزنة الجنة في الجنة.\rقوله: (قال بعض الكفار) هو أبو الأشد بن كلدة بن خلف الجمحي، قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، محمد يخبر أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الشجعان، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم، فقال أبو الأشد: أنا أكفيكم منهم سبعة عشر، عشرة على ظهري، وسبعة على بطني، واكفوني انتم اثنين، وفي رواية أنه قال: أنا أمشي بين أيديكم على الصراط، فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن، وتسعة بمنكبي الأيسر في النار، ونمضي فندخل الجنة، فأنزل اللّه تعالى: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً.\rقوله: إِلَّا فِتْنَةً مفعول ثان لجعل على حذف مضاف، أي إلا سبب فتنة، وقوله: لِلَّذِينَ صفة لفتنة، وإنما صار هذا العدد فتنة لهم من وجهين: الأول أن الكفار يستهزءون ويقولون: لم لا يكونون أزيد من ذلك؟ والثاني أن هذا العدد قليل، كيف يتولى تعذيب أكثر العالم من الجن والإنس، من اول ما خلق اللّه إلى قيام الساعة؟ قوله: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ متعلق بجعلنا الثاني، والمعنى:\rليكتسبوا اليقين بنبوة محمد وصدق القرآن، لما رأوا ذلك موافقا لما في كتابهم. قوله: (من غيرهم) أي غير اليهود فحصل التغاير، فالمراد بالذين أوتوا الكتاب والمؤمنون أولا اليهود، والمراد بالذين أوتوا الكتاب ثانيا هم النصارى والمؤمنون المذكورون بعدهم من غير اليهود بل من هذه الأمة، فاندفع ما يقال إن في الآية تكرارا. قوله: (بالمدينة) حال من الَّذِينَ أي حال كونهم بالمدينة، وهذا من اللّه إخبار بما سيقع، لأن السورة نزلت قبل الهجرة بمكة.\rقوله: ما ذا الخ، ما اسم استفهام مبتدأ، وذا موصول خبره، وأَرادَ اللَّهُ صلة الموصول، ومَثَلًا حال، والمعنى: ما الذي اراد اللّه بهذا حال كونه مثلا لا حقيقة لغربته، لأن هذا العدد أمر غريب لم تسعه عقولنا. قوله: (أي مثل إضلال) اشار به إلى أن الكاف في محل نصب نعت لمصدر محذوف، أي يضل اضلالا مثل ذلك. قوله: (و هدى مصدقه) بوزن رمى بفتح أوله وسكون ثانيه، أو بضم أوله وفتح ثانيه. قوله: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ هذا جواب لأبي جهل حين قال: ما لمحمد","part":4,"page":289},{"id":1880,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 290\rيَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ أي الملائكة في قوّتهم وأعوانهم إِلَّا هُوَ وَما هِيَ أي سقر إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ (31) كَلَّا استفتاح بمعنى ألا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ بفتح الذال أَدْبَرَ (33) جاء بعد النهار، وفي قراءة إذ أدبر بسكون الذال بعدها همزة، أي مضى وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (34) ظهر إِنَّها أي سقر لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) البلايا العظام نَذِيراً حال من إحدى، وذكر لأنها بمعنى العذاب لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ بدل من البشر أَنْ يَتَقَدَّمَ إلى الخير أو الجنة بالإيمان أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) إلى الشر أو النار بالكفر كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) مرهونة مأخوذة بعملها في النار إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ (39) وهم المؤمنون فناجون منها كائنون فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (40) بينهم عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) وحالهم ويقولون لهم بعد إخراج الموحد من النار ما سَلَكَكُمْ أدخلكم فِي\r______________________________\rأعوان إلا تسعة عشر. قوله: (أي سقر) اعاد الضمير على سقر، ويجوز أن يعود على الآيات المذكورة فيها.\rقوله: إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ أي يتذكرون ويعلمون كمال قدرته تعالى. قوله: (استفتاح بمعنى ألا) أي فأتى بها تعظيما للمقسم عليه، وحينئذ فالوقف على ما قبلها، وقيل: إنها حرف ردع وزجر، وعليه فيوقف عليها. قوله: (بفتح الذال) أي فإذا ظرف لما يستقبل، ودبر فعل ماض بوزن ضرب،\rوقوله: (في قراءة) الخ، أي فإذا ظرف لما مضى من الزمان وأَدْبَرَ بوزن أكرم، والقراءتان سبعيتان، والرسم محتمل لكل منهما، إذ الصورة الخطية لا تختلف، وقرئ شذوذا إذا أدبر بألفين، واختلفوا أهل دبر وأدبر بمعنى واحد، أو دبر معناه جاء، وأدبر بمعنى مضى، وهو الذي مشى عليه المفسر.\rقوله: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ جواب القسم.\rقوله: (حال من إحدى) هذا أحد احتمالات كثيرة نحو احد عشر وهو اظهرها. قوله: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ الخ، هذا وعيد وتهديد نظير قوله: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ.\rقوله: كُلُّ نَفْسٍ أي مؤمنة أو كافرة عاصية أو غير عاصية، فالاستثناء متصل. قوله: رَهِينَةٌ أي على الدوام بالنسبة للكفار، وعلى وجه الانقطاع بالنسبة لعصاة المؤمنين. قوله: (مأخوذة بعملها) أشار بذلك إلى أن ما مصدرية، والكسب بمعنى العمل.\rقوله: إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ قد علمت أن الاستثناء متصل، وأهل اليمين يعم العصاة وغيرهم، لأن الكل ناجون من الرهينة، إما ابتداء ودواما، وإما دوما.\rقوله: (كائنون) فِي جَنَّاتٍ اشار بذلك إلى أن قوله: فِي جَنَّاتٍ متعلق بمحذوف خبر مبتدأ مقدر أي هم، وهذه الجملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر، والتقدير ما شأنهم وحالهم. قوله:\rيَتَساءَلُونَ أي يسأل بعضهم بعضا،\rقوله: عَنِ الْمُجْرِمِينَ أي الكافرين، والكلام على حذف مضاف، أي عن حالهم. قوله: (و يقولون لهم) أي للمجرمين، وهذا القول خطاب أهل الجنة لأهل النار، وهو غير السؤال المتقدم فيما بينهم. والحاصل أن أهل الجنة حين يستقرون فيها، وينادي المنادي: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، يسأل بعضهم بعضا عن معارفهم المجرمين الذين خلدوا في النار، ثم يكشف لهم عنهم فيخاطبونهم بقولهم ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ.","part":4,"page":290},{"id":1881,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 291\rسَقَرَ (42) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ في الباطل مَعَ الْخائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) البعث والجزاء حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (47) الموت فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) من الملائكة والأنبياء والصالحين، والمعنى: لا شفاعة لهم فَما مبتدأ لَهُمْ خبره متعلق بمحذوف انتقل ضميره إليه عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) حال من الضمير، والمعنى: أي شيء حصل لهم في إعراضهم عن الاتعاظ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) وحشية فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51) أسد أي هربت منه أشد الهرب بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (52) أي من اللّه تعالى باتباع النبي كما قالوا: لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه كَلَّا ردع عما أرادوه بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (53) أي عذابها كَلَّا استفتاح إِنَّهُ\r______________________________\rقوله: ما سَلَكَكُمْ الخ، الاستفهام للتوبيخ والتعجب من حالهم.\rقوله: وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ أي نعطيه ما يجب علينا عطاؤه، كزكاة ونحوها.\rقوله: وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ أي في القرآن فنقول فيه: إنه لسحر وشعر وكهانة وغير ذلك من الأباطيل التي كانوا يخوضون فيها.\rقوله: وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ تخصيص بعد تعميم، لأن الخوض في الأباطيل عام شامل، لتكذيب يوم الدين وغيره، وفي هذه الآية دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، فيعذبون عليها زيادة على عذاب الكفر.\rقوله: حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ غاية في الأمور الأربعة. قوله: (و المعنى لا شفاعة لهم) أي فالنفي مسلط على القيد والمقيد معا، وهذا خلاف القاعدة، من أن النفي إذا دخل على مقيد، تسلط على القيد فقط، فهنا ليس المراد أنه توجد شفاعة لكنها غير نافعة، بل المراد لا توجد شفاعة أصلا. قوله: (انتقل ضميره) أي الضمير الذي كان مستكينا في المحذوف، وقوله: (إليه) أي إلى هذا الخبر الذي هو الجار والمجرور، لأن القاعدة أن الجار والمجرور إذا وقع خبرا، حذف متعلقه وجوبا، وانتقل ضميره إليه، وسمي حينئذ ظرفا أو جارا ومجرورا، مستقرا لاستقرار الضمير فيه. قوله: (حال من الضمير) أي المجرور باللام.\rقوله: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ حال من الضمير في مُعْرِضِينَ فهي حال متداخلة. قوله: مُسْتَنْفِرَةٌ بكسر الفاء وفتحها سبعيتان، أي نافرة بنفسها من أجل الأسد، أو نفرها الأسد، فقوله: (وحشية) ليس تفسيرا لمستنفرة، فكان المناسب تقديمه عليه. قوله: (أسد) وقيل القسورة الجماعة الذين يصطادونها.\rقوله: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ الخ، إضراب انتقالي عن محذوف، كأنه قيل: لا سبب لهم في الأعراض بل يريد الخ، وسبب نزول الآية أن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا: يا محمد، لن نؤمن بك، حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه من رب العالمين إلى فلان ابن فلان، ونؤمن فيه باتباعك، وكانوا يقولون: إن كان محمد صادقا، ليصبحن عند رأس كل واحد منا صحيفة فيها براءته من النار. قوله:\rمِنْهُمْ أي من كفار قريش. قوله: مُنَشَّرَةً أي طرية لم تطو، بل تأتينا وقت كتابتها يقرؤها كل من رآها.\rقوله: لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ إضراب انتقالي لبيان سبب تعنتهم واقتراحهم، إذ لو خافوا الآخرة لما","part":4,"page":291},{"id":1882,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 292\rأي القرآن تَذْكِرَةٌ (54) عظة فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (55) قرأه فاتعظ به وَما يَذْكُرُونَ بالياء والتاء إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى بأن يتقى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56) بأن يغفر لمن اتقاه.\r______________________________\rتعنتوا، بل كانوا يكتفون بأي دليل ويؤمنون.\rقوله: (استفتاح) أي أو ردع وزجر. قوله فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ من شرطية، وشاءَ شرطها، وذَكَرَهُ جوابها. قوله: (بالياء والتاء) أي فيهما سبعيتان.\rقوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أي لا يحصل منكم ذكر، إلا في حال مشيئة اللّه له أي إرادته، لأن ما أراده يقع ولا بد فيه، تسلية للنبي حيث ينظر للحقيقة، وأن توحيدهم ليس بحولهم وقوتهم، قال بعض العارفين عن لسان الحضرة.\rأيها المعرض عنا ... إن إعراضك منا\r\rلو أردناك جعلنا ... كل ما فيك يردنا\r\rقوله: هُوَ أَهْلُ التَّقْوى أي حقيق بأن تمتثل عباده أوامره وتجتنب نواهيه. قوله: وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ أي هو جدير بأن يغفر لمن تقاه، ورد في الحديث أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال في هذه الآية: «يقول اللّه تعالى: أنا أهل أن أتقى، فمن اتقى أن يشرك بي غيري، فأنا أهل أن أغفر له».","part":4,"page":292},{"id":1885,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 293\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة القيامة مكيّة وآياتها أربعون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لا زائدة في الموضعين أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (1) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) التي تلوم نفسها، وإن اجتهدت في الإحسان، وجواب القسم محذوف أي لنبعثن دل عليه أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أي الكافر أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (3) للبعث والإحياء بَلى\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة القيامة\rمكية وهي أربعون آية أي بالإجماع، وكذا قوله: (أربعون آية).\rقوله: (زائدة في الموضعين) أي لتأكيد القسم، ففيه دليل على أن لا تزاد كثيرا في الكلام، سواء كان في أوله أو وسطه، خلافا لمن يقول. إنها تزاد في وسط الكلام لا في أوله، وقيل: إن لا نافية لكلام تقدمها، أتى بها ردا على منكري البعث، كأنه قال: ليس الأمر كما زعموا أقسم الخ، كقولك: لا واللّه. قوله: (التي تلوم نفسها) أي في الدنيا لما شهدت من حقيقتها، وهي العدم وعظيم حق اللّه عليها، فالعبد وإن قطع نفسه إربا في عبادة اللّه وطاعته، لا يفي بحق اللّه عليه، لأن الفاني لا يقدر على القيام بحق الباقي، واعلم أن الصوفية قسموا النفس إلى سبعة أقسام، الأول: الأمارة وهي نفوس الكفار ومن حذا حذوهم، لا تأمر بخير أصلا، ومع ذلك راضية بأفعالها محسنة لها. الثاني. اللوامة وهي التي تلوم صاحبها، ولو كان مجتهدا في الطاعة، وهذا مبدأ الخير وأصل الترقي. الثالث: الملهمة وهي التي ألهمت فجورها وتقواها. الرابع: المطمئنة وهي التي اطمأنت باللّه، وسكنت تحت مقاديره. الخامس: الراضية وهي التي رضيت عن اللّه في جميع حالاتها. السادس: المرضية وهي التي جوزيت بالرضا من اللّه، لأن من رضي له الرضا. السابع: الكاملة هي غاية المراتب. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، ومأخذ الجميع من القرآن، فالأمارة من قوله تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ واللوامة من هذه الآية، والملهمة من قوله تعالى: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها والمطمئنة وما بعدها من قوله تعالى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ الآية.\rقوله: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ استفهام توبيخ وتقريع. قوله: أَلَّنْ نَجْمَعَ أن مخففة من الثقيلة،","part":4,"page":293},{"id":1886,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 294\rنجمعها قادِرِينَ مع جمعها عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (4) وهو الأصابع، أي نعيد عظامها كما كانت مع صغرها، فكيف بالكبيرة؟ بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ اللام زائدة، ونصبه بأن مقدرة، أي أن يكذب أَمامَهُ (5) أي يوم القيامة دل عليه يَسْئَلُ أَيَّانَ متى يَوْمُ الْقِيامَةِ (6) سؤال استهزاء وتكذيب فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ البرق بكسر الراء وفتحها، دهش وتحير لما رأى مما كان يكذب به وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) أظلم وذهب ضوؤه وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) فطلعا من المغرب أو ذهب ضوؤهما، وذلك في يوم القيامة يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) الفرار كَلَّا ردع عن طلب الفرار لا وَزَرَ (11) لا ملجأ يتحصن به إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) مستقر الخلائق فيحاسبون ويجازون يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بأول عمله وآخره بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) شاهدة تنطق جوارحه بعمله، والهاء للمبالغة، فلا بد من جزائه وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (15) جمع معذرة على غير قياس، أي لو جاء بكل معذرة ما قبلت منه قال تعالى لنبيه لا تُحَرِّكْ بِهِ بالقرآن قبل\r______________________________\rواسمها ضمير الشأن، ولن وما في حيزها خبرها، وجملة أن واسمها وخبرها، سادة مسد مفعولي حسب، وليس بين الهمزة واللام نون في الرسم، بل تكتب الهمزة موصولة باللام.\rقوله: بَلى جواب لما بعد النفي قوله: قادِرِينَ حال من فاعل الفعل المقدر الذي دل عليه بَلى والتقدير: نجمعها حال كوننا قادرين. قوله: بَنانَهُ اسم جمع أو جمع لبنانة. قوله: (و هو الأصابع) أي أطرافها، فالبنان أطراف الأصابع. قوله: (كما كانت) أي في الدنيا.\rقوله: بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ إضراب انتقالي. قوله:\r(و نصبه بأن مقدرة) أي والمصدر المنسبك منه ومن أن مفعول يُرِيدُ. قوله: أَمامَهُ منصوب على نزع الخافض أي بأمامه، والمعنى: يريد الإنسان دوام التكذيب بيوم القيامة.\rقوله: يَسْئَلُ أَيَّانَ هذه الجملة إما بدل من الجملة قبلها، أو مستأنفة بيان، وأَيَّانَ خبر مقدم، ويَوْمُ الْقِيامَةِ مبتدأ مؤخر. قوله: (بكسر الراء وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان ولغتان معناه التحير والدهشة،\rوقيل بَرِقَ بالكسر تحير، وبالفتح لمع من شدة شخوصه، فقوله: (دهش وتحير) تفسير القراءتين. قوله: (و ذلك في يوم القيامة) إن قلت: إن طلوع الشمس والقمر من مغربهما، ليس في يوم القيامة، بل قبله بمائة وعشرين سنة، أجيب: بأن المراد بيوم القيامة، ما يشمل وقت مقدماته من الأمور العظام.\rقوله: يَقُولُ الْإِنْسانُ جواب إذا. قوله: يَوْمَئِذٍ التنوين عوض عن جمل متعددة، والتقدير:\rيوم إذا برق البصر الخ. قوله: أَيْنَ الْمَفَرُّ أي من اللّه أو النار احتمالان.\rقوله: إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ أي يوم إذ كانت هذه الأمور المذكورة، والجار والمجرور خبر مقدم، والْمُسْتَقَرُّ مبتدأ مؤخر.\rقوله:\rبَلِ الْإِنْسانُ مبتدأ، وبَصِيرَةٌ خبر، وعَلى نَفْسِهِ متعلق ببصيرة، وتأنيث الخبر باعتبار أن المراد بالإنسان جوارحه، أو أن الهاء للمبالغة كما قال المفسر، والمعنى: أنه لا يحتاج إلى شاهد غير جوارحه، بل هي تكفي في الشهادة عليه.\rقوله: وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ الجملة حالية من الضمير في بَصِيرَةٌ ولَوْ شرطية قدر المفسر جوابها بقوله: (ما قبلت منه). قوله: (على غير قياس) أي وقياسه معاذر بدون ياء.","part":4,"page":294},{"id":1887,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 295\rفراغ جبريل منه لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) خوف أن ينفلت منك إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ في صدرك وَقُرْآنَهُ (17) قراءتك إياه، أي جريانه على لسانك فَإِذا قَرَأْناهُ عليك بقراءة جبريل فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) استمع قراءته، فكان صلّى اللّه عليه وسلّم يستمع ثم يقرؤه ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (19) بالتفهيم لك، والمناسبة بين هذه الآية وما قبلها، أن تلك تضمنت الإعراض عن آيات اللّه، وهذه تضمنت المبادرة إليها بحفظها كَلَّا استفتاح بمعنى ألا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (20) الدنيا، بالياء والتاء في الفعلين وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21) فلا يعملون لها وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ أي في يوم القيامة ناضِرَةٌ (22) حسنة مضيئة إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (23) أي يرون اللّه سبحانه وتعالى في الآخرة وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (24) كالحة شديدة العبوس تَظُنُ توقن أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (25) داهية عظيمة تكسر فقار الظهر كَلَّا بمعنى ألا إِذا بَلَغَتِ النفس التَّراقِيَ (26) عظام الحلق وَقِيلَ قال من حوله مَنْ راقٍ (27) يرقيه ليشفى وَظَنَ أيقن من بلغت نفسه ذلك أَنَّهُ الْفِراقُ (28) فراق الدنيا\r______________________________\rقوله: (أي ولو جاء بكل معذرة) الخ، أشار بذلك إلى أن في الكلام استعارة تبعية، حيث شبه المجيء بالعذر بإلقاء الدلو في البئر للاستقاء به، واشتق من الإلقاء ألقى بمعنى جاء. قوله: (قبل فراغ جبريل منه) أي من إلقائه عليك.\rقوله: لِتَعْجَلَ بِهِ أي بقراءته وحفظه.\rقوله: إِنَّ عَلَيْنا تعليل للنهي عن العجلة. قوله:\r(قراءتك إياه) أشار بذلك إلى أن قوله: قُرْآنَهُ مصدر مضاف لمفعوله.\rقوله: (بقراءة جبريل) أشار بذلك إلى أن قوله: فَإِذا قَرَأْناهُ من قبيل إسناد ما هو للمأمور للآمر. قوله: (بالتفهيم) أي تفهيم ما أشكل عليك من معانيه. قوله: (و المناسبة بين هذه الآية) أي قوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ والمراد بالآية الجنس، إذ المذكور ثلاث آيات. قوله: (و ما قبلها) أي وهو قوله: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ إلى قوله:\rمَعاذِيرَهُ. قوله: (تضمنت الإعراض) الخ، أي لأنها في منكر البعث، وهو كافر معرض عن القرآن، ومن المعلوم أن الضد أقرب خطورا بالبال.\rقوله: بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ الضمير للإنسان المذكور في قوله: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ وجمع الضمير لأن المراد بالإنسان الجنس. قوله: (بالياء والتاء) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ وُجُوهٌ مبتدأ، وناضِرَةٌ خبره، ويَوْمَئِذٍ ظرف لناضرة، وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعها في معرض التفصيل، وناضِرَةٌ خبر ثان،\rوإِلى رَبِّها متعلق بناظرة. قوله:\r(أي في يوم القيامة) تفسير لمعنى الظرفية، والتنوين في يَوْمَئِذٍ عوض عن جملة: أي يوم إذ تقوم القيامة.\rقوله: (فقار الظهر) بفتح الفاء، ما يتصل من عظام الصلب من الكاهل إلى العجب.\rقوله: إِذا بَلَغَتِ (النفس) أي مؤمنة أو كافرة، والمعنى أخذت في النزع وقت الموت. قوله: التَّراقِيَ جمع ترقوة. قوله: (عظام الحلق) أضافها إليه لقربها منه، وإلا فالتراقي العظام المكتنفة لثغرة النحر يمينا وشمالا، ولكل إنسان ترقوتان.\rقوله: مَنْ راقٍ مبتدأ وخبر، والجملة قائمة مقام الفاعل، وراقٍ اسم فاعل من رقي يرقى بالفتح في الماضي، والكسر في المضارع من الرقية، وهي كلام يرقى به المريض","part":4,"page":295},{"id":1888,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 296\rوَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) أي إحدى ساقيه بالأخرى عند الموت، أو التفت شدّة فراق الدنيا بشدة إقبال الآخرة إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (30) أي السوق، وهذا يدل على العامل في إذا، المعنى: إذا بلغت النفس الحلقوم تساق إلى حكم ربها فَلا صَدَّقَ الإنسان وَلا صَلَّى (31) أي لم يصدق ولم يصل وَلكِنْ كَذَّبَ بالقرآن وَتَوَلَّى (32) عن الإيمان ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33) يتبختر في مشيته إعجابا أَوْلى لَكَ فيه التفات عن الغيبة، والكلمة اسم فعل، واللام للتبيين، أي وليك ما تكره فَأَوْلى (34) أي فهو أولى بك من غيرك ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (35) تأكيد أَيَحْسَبُ يظن الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (36) هملا لا يكلف بالشرائع، أي لا يحسب ذلك\r______________________________\rليشفى، وهو ما مشى عليه المفسر، وقيل: إنه من رقي يرقى بالكسر في الماضي، والفتح في المضارع من الرقي، وهو الصعود، أي أن ملك الموت يخاطب أعوانه يقول: من يصعد بهذه النفس، ويحتمل أن أعوانه يقولون له: من يرقى بهذه النفس، أملائكة الرحمة، أم ملائكة العذاب؟ قوله: (أيقن) سمي اليقين ظنا، لأن الإنسان ما دامت روحه متعلقة ببدنه، فإنه يطمع في الحياة لشدة حبه لها.\rقوله: أَنَّهُ أي النازل به.\rقوله: وَالْتَفَّتِ أي التصقت ساق الإنسان عند موته بالأخرى، قال قتادة: أما رأيته إذا أشرف على الموت، يضرب إحدى رجليه بالأخرى؟ وقال سعيد بن المسيب: هما ساقا الإنسان، إذا التفتا في الكفن، وقال زيد بن أسلم: التفت ساق الميت بساق الكفن، وكل صحيح. قوله: (و التفت شدة فراق الدنيا) الخ، أي فالمراد بالساق الشدتان، لأن الساق يطلق على الشدة، وهذا المعنى ظاهر في الكافر، لأنه ينتقل من سكرات الموت إلى عذاب القبر. قوله: (و هذا يدل على العامل في إذا) أي الذي هو جوابها، وقد بينه بقوله: (تساق إلى حكم ربها).\rقوله: فَلا صَدَّقَ معطوف على قوله: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ وصدق من التصديق كما يشير له المفسر، أي فلا صدق بالقرآن والنبي، وقوله: وَلا صَلَّى أي الصلاة الشرعية، فهو ذم بترك العقائد والفروع، ولما كان عدم التصديق يصدق بالشك والسكوت والتكذيب، استدرك على عمومه وبين أن المراد منه خصوص التكذيب فقال: وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى.\rقوله: ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ حكاية عما كان يتعلق به هذا الكافر في دنياه، وجملة يَتَمَطَّى حالية من فاعل ذَهَبَ في معناه قولان: أحدهما أنه من المطا الذي هو الظهر، والمعنى يمد مطاه أي ظهره ويلويه تبخترا في مشيه، والثاني: أن أصله يتمطط من تمطط أي تمدد، ومعناه أنه يتمدد في مشيته تبخترا، والمعنيان متقاربان. قوله: (و الكلمة اسم فعل) أي مبنية على السكون لا محل لها من الإعراب، والفاعل ضمير يعود على ما يفهم من السياق، وهذه الكلمة تستعمل في الدعاء بالمكروه، قوله: (للتبيين) أي تبيين المفعول، فهي زائدة داخلة على المفعول على حد سقيا لك، وقوله: (أي وليك) بيان لمعنى الفعل الذي سمي. قوله: (فهو أولى بك) أي فالكلمة الثانية أفعل تفضيل، فدلت الأولى على الدعاء عليه بقرب المكروه منه، والثانية على الدعاء عليه بأن يكون أولى به من غيره، وهذا ما سلكه المفسر وهو حسن. قوله: (أي لا يحسب ذلك) أي لا ينبغي ولا يليق منه هذا الحسبان.","part":4,"page":296},{"id":1889,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 297\rأَلَمْ يَكُ أي كان نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (37) بالياء والتاء تصب في الرحم ثُمَّ كانَ المنيّ عَلَقَةً فَخَلَقَ اللّه منها الإنسان فَسَوَّى (38) عدل أعضاءه فَجَعَلَ مِنْهُ من المنيّ الذي صار علقة أي قطعة دم، ثم مضغة أي قطعة لحم الزَّوْجَيْنِ النوعين الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (39) يجتمعان تارة، وينفرد كل منهما عن الآخر تارة أَلَيْسَ ذلِكَ الفعال لهذه الأشياء بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (40) قال صلّى اللّه عليه وسلّم: بلى.\r______________________________\rقوله: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً استدلال على قوله: قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ والاستفهام للتقرير. قوله: يُمْنى فائدته بعد قوله: مَنِيٍ الإشارة إلى حقارة حاله، كأنه قيل: إنه مخلوق من المنيّ الذي يجري مجرى البول. قوله: (النوعين) أي لا خصوص الفردين، فقد تحمل المرأة بذكرين وأنثى وبالعكس. قوله: (صلّى اللّه عليه وسلّم بلى) روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا قرأها قال: «سبحانك اللهم بلى». وقال ابن عباس:\rمن قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى إماما كان أو غيره، فليقل: سبحان ربي الأعلى، ومن قرأ منك لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ إلى آخرها، فليقل: سبحانك اللهم بلى، إماما كان أو غيره. وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم «من قرأ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فانتهى إلى آخرها أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ فليقل بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ وَالْمُرْسَلاتِ فبلغ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ فليقل: آمنا باللّه».","part":4,"page":297},{"id":1890,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 298\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الإنسان مدنيّة وآياتها إحدى وثلاثون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هَلْ قد أَتى عَلَى الْإِنْسانِ آدم حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ أربعون سنة لَمْ يَكُنْ فيه شَيْئاً مَذْكُوراً (1) كان فيه مصورا من طين لا يذكر، أو المراد بالإنسان الجنس، وبالحين مدة الحمل إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ الجنس مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ أخلاط،\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة الإنسان\rمكية أو مدنية وهي إحدى وثلاثون آية وتسمى سورة هل أتى، وسورة الأمشاج، وسورة الدهر، ومناسبة السورة لما قبلها، أن كلا منهما دليل على البعث. قوله: (مكية) أي على قول الجماعة، وقوله: (أو مدنية) وهو قول الجمهور.\rقوله: (قد) أَتى أي فليست هَلْ للاستفهام لأنه محال عليه تعالى، وقيل إنها للاستفهام التقريري، والمعنى:\rأتقرون بأنه أتى على الإنسان حين من الدهر؟ وجوابه: نعم، فالمقصود إلزام الخصم المنكر للبعث أنه قال: القادر على ايجاد الإنسان من العدم، قادر على اعادته، وهو بهذا المعنى صحيح أيضا، ففي الآية تقريران. قوله: عَلَى الْإِنْسانِ فسره هنا بآدم، وفيما يأتي بالجنس، وفيه أن المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت عينا، إلا أن يجاب بأن القاعدة اغلبية،\rأو يقدر مضاف في قوله: خَلَقْنَا الْإِنْسانَ أي ذريته، والإضافة تأتي لأدنى ملابسة. قوله: (أربعون سنة) أي مرت عليه قبل أن تنفخ فيه الروح، وهو ملقى بين مكة والطائف، روي أن آدم خلق من طين فأقام أربعين سنة، ثم من حمإ مسنون فأقام أربعين سنة، ثم من صلصال، فأقام أربعين سنة، ثم خلقه مائة وعشرين سنة، ثم نفخ فيه الروح، إذا علمت ذلك، فقول المفسر أربعون سنة، أي باعتبار كونه طينا، وإلا فقد مر عليه مائة وعشرون سنة، لم يكن شيئا مذكور. إن قلت: إن مقتضى الآية أنه يسمى إنسانا في حال كونه طينا، مع أنه في ذلك الوقت لم يكن شيئا مذكورا. أجيب: بأن التسمية باعتبار ما آل إليه نظير إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً. قوله: (أو المراد بالإنسان الجنس) أي الصادق بآدم وأولاده، وقوله: (و بالحين مدة الحمل) أي ما يشمل مدة الحمل بالنسبة للذرية، والمائة والعشرين بالنسبة لآدم، لأن الحين هو المدة المحدودة، كثيرة أو قليلة.\rقوله: مِنْ نُطْفَةٍ هي في الأصل الماء القليل في الوعاء، ويطلق على الماء الشافي قل أو كثر، سمي","part":4,"page":298},{"id":1891,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 299\rأي من ماء الرجل وماء المرأة المختلطين الممتزجين نَبْتَلِيهِ نختبره بالتكليف، والجملة مستأنفة أو حال مقدّرة، أي مريدين ابتلاءه حين تأهله فَجَعَلْناهُ بسبب ذلك سَمِيعاً بَصِيراً (2) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ بينا له طريق الهدى ببعث الرسل إِمَّا شاكِراً أي مؤمنا وَإِمَّا كَفُوراً (3) حالان من المفعول، أي بينا له في حال شكره أو كفره المقدرة، وإما لتفصيل الأحوال إِنَّا أَعْتَدْنا هيأنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ يسحبون بها في النار وَأَغْلالًا في أعناقهم تشد فيها السلاسل وَسَعِيراً (4) نارا مسعرة أو مهيجة يعذبون بها إِنَّ الْأَبْرارَ جمع برّ أو بارّ وهم المطيعون يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ هو إناء شرب الخمر وهي فيه، والمراد من خمر تسمية للحال باسم\r______________________________\rبه مني الرجل والمرأة، ليسارتهما ووضعهما في الرحم. قوله: أَمْشاجٍ جمع مشج بفتحتين، أو مشج بكسر فسكون، أو مشيج بفتح فكسر كشريف، والمعنى: من نطفة قد امتزج فيها الماءان، وكل منهما مختلف الأجزاء، متباين الأوصاف، في الرقة والثخن، فماء الرجل غليظ ابيض، وماء المرأة رقيق اصفر، فأيهما علا كان الشبه له، وإن سبق ماء الرجل، كان الولد ذكرا، وعكسه أنثى، وإن استويا فخنثى مشكل، وقال ابن عباس: يختلط ماء الرجل بماء المرأة، فيخلق منهما الولد، فما كان من عصب وعظم وقوة فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة. قوله: (أخلاط) جمعه باعتبار تعدد الأوصاف في الماءين كما علمت. قوله: (أي مريدين ابتلاءه) جواب عما يقال: إن الابتلاء بمعنى الاختبار بالتكاليف، إنما يكون بعد جعله سَمِيعاً بَصِيراً لا قبله، فأجاب: بأنه حال مقدرة مؤولة بقوله:\r(مريدين ابتلاءه) وإرادة الابتلاء سبب لجعله سميعا بصيرا، وجعله سميعا بصيرا للابتلاء بالفعل، فلم يكن في الآية تقديم ولا تأخير. قوله: فَجَعَلْناهُ (بسبب ذلك) أي بسبب إرادتنا ابتلاءه. قوله:\rسَمِيعاً بَصِيراً أي عظيم السمع والبصر، وخصهما بالذكر لأنهما انفع الحواس، وقدم السمع لأنه انفع في المخاطبات، ولأن الآيات المسموعة أبين من الآيات المرئية، ولأن البصر يعم البصيرة، وهي تتضمن الجميع، فيكون من ذكر العام بعد الخاص.\rقوله: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ تعليل لقوله: نَبْتَلِيهِ والمراد بالهداية الدلالة. قوله: (يبعث الرسول) أي جنسه الصادق بآدم وبمن بعده من الرسل إلى سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: وَإِمَّا كَفُوراً لم يقل كافرا مشاكلة لشاكرا، إما مراعاة رءوس الآي، أو لأن الشاكر قليل والكافر كثير، فعبر في جانب الكفر بصيغة المبالغة. قوله: (من المفعول) أي وهو الهاء في هَدَيْناهُ.\rقوله: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ الخ لفّ ونشر مشوش، فهذه الآية راجعة لقوله: وَإِمَّا كَفُوراً و\rقوله: إِنَّ الْأَبْرارَ الخ، راجع لقوله: إِمَّا شاكِراً. قوله: سَلاسِلَ إما بمنع الصرف كمساجد، أو بالصرف لمناسبة قوله: وَأَغْلالًا فهما قراءتان سبعيتان. قوله: وَأَغْلالًا (في أعناقهم) أي فتجمع أيديهم إلى أعناقهم.\rقوله: إِنَّ الْأَبْرارَ الخ، لما ذكر حال الكفار وجزاءهم في الآخرة، أتبعه بجزاء الشاكرين، وأطنب فيه ترغيبا لهم. قوله: (جمع بر) أي كرب وأرباب، وقوله: (أو بار) أي كشاهد وأشهاد. قوله:\r(و هم المطيعون) أي المؤمنون الصادقون في إيمانهم وإن اقترفوا الذنوب، فكل من كان ليس مستوجبا للخلود في النار فهو من الأبرار، لذكرهم في مقابلة الفجار في قوله تعالى إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ","part":4,"page":299},{"id":1892,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 300\rالمحل، ومن للتبعيض كانَ مِزاجُها ما تمزج به كافُوراً (5) عَيْناً بدل من كافورا فيها رائحته يَشْرَبُ بِها منها عِبادُ اللَّهِ أولياؤه يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (6) يقودونها حيث شاءوا من منازلهم يُوفُونَ بِالنَّذْرِ في طاعة اللّه وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (7) منتشرا وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ أي الطعام وشهوتهم له مِسْكِيناً فقيرا وَيَتِيماً لا أب له وَأَسِيراً (8)\r______________________________\rلَفِي جَحِيمٍ وهذا تعريف لمطلق الأبرار، فلا ينافي قولهم البر هو الذي لا يؤذي الذر، أو الذي يؤدي حق اللّه ويوفي بالنذر، أو غير ذلك، فإنه تعريف للأبرار الكاملين كما هنا. قوله: (و هي فيه) أي فإن لم تكن فيه فهو إناء. قوله: (و المراد من خمر) دفع بذلك ما يقال: إن الضمير في قوله: مِزاجُها عائد على الكأس، مع أن الكافور لا يمزج بالكأس بل بما فيه، فأجاب المفسر: بأن المراد بالكأس الخمر نفسه، من باب تسمية الحال باسم المحل.\rقوله: كافُوراً إن قلت: إن الكافور غير لذيذ وشربه مضر، فما وجه مزج شرابهم به؟ أجيب:\rبأن المراد أنه كالكافور في بياضه وطيب ريحه وبرودته. قوله: (بدل من كافورا) أي على حذف مضاف، أي ماء عين، لأن العين اسم لمنبع الماء، وهو لا يبدل من الماء، وما ذكره المفسر احد احتمالات في وجه نصب عَيْناً ويصح أنه مفعول يَشْرَبُونَ قوله: مِنْ كَأْسٍ حال لأنه نعت نكرة قدم عليها، والأصل يشربون عينا من كأس، أي خمر ممزوج بالكافور وهو أسهلها.\rقوله: يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ الجملة صفة لعينا، وقوله: (و منها) إشارة إلى أن الباء بمعنى من الابتدائية، أي يبتدئون الشرب من العين. قوله: (أولياؤه) أي وهم المؤمنون. قوله: (يقودونها) أي فهي سهلة لا تمتنع عليهم، ورد: أن الرجل منهم يمشي في بيوته ويصعد إلى قصوره، وبيده قضيب يشير به إلى الماء، فيجري معه حيثما دار في منازله على الأرض المستوية، ويتبعه حيثما صعد إلى أعلى قصوره.\rقوله: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ هذا بيان لأعمالهم التي استوجبوا بها هذا النعيم الدائم، والمراد بالنذر العهد أي يوفون بالعهد الذي أوجبه اللّه عليهم، أو الذي التزموه مع اللّه ومع عباده، من صلاة وزكاة، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وغير ذلك. قوله: وَيَخافُونَ يَوْماً أشار بذلك إلى أن حسن بواطنهم كظواهرهم. قوله: كانَ شَرُّهُ أي شدائده، من تشقق السماوات، وتناثر الكواكب، وتكوير الشمس والقمر، وغير ذلك من الأهوال والشدائد التي تقع في ذلك اليوم. قوله: (منتشرا) أي وأما مستطيل باللام فمعناه الممتد، ومن هنا يقال: الفجر فجران، مستطيل كذنب السرحان وهو الكاذب، ومستطير وهو الصادق لانتشاره في الأفق.\rقوله: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ الخ نزلت في علي بن أبي طالب وأهل بيته، وذلك أنه أجر نفسه ليلة ليسقي نخلا بشيء من شعير، حتى أصبح وقبض الشعير، وطحنوا ثلثه فجعلوا منه شيئا ليأكلوه يقال له الحريرة، فلما تم نضجه أتى مسكين فأخرجوا إليه الطعام، ثم صنع الثلث الثاني، فلما تم نضجه أتى يتيم فأطعموه، ثم الثالث فلما تم نضجه أتى أسير من المشركين فسأل فأطعموه، وطووا يومهم ذلك. قوله:\rعَلى حُبِّهِ مصدر مضاف للمفعول، وعَلى بمعنى مع، أي مع حبه وشهوته، ففيه إيثار على النفس، ويصح رجوع الضمير للّه، أي على حب اللّه، أي لوجهه وابتغاء رضوانه، والأول ابلغ في المدح.","part":4,"page":300},{"id":1893,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 301\rيعني المحبوس بحق إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لطلب ثوابه لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (9) شكرا فيه علة الإطعام، وهل تكلموا بذلك أو علمه اللّه منهم فأثنى عليهم به؟ قولان إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً تكلح الوجوه فيه أي كريه المنظر لشدّته قَمْطَرِيراً (10) شديدا في ذلك فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ أعطاهم نَضْرَةً حسنا وإضاءة في وجوههم\r______________________________\rقوله: مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً خص الثلاثة لأنهم من العواجز المعدمين الكسب. قوله: (يعني المحبوس بحق) أي وأولى المحبوس بباطل. قوله: (فيه علة الإطعام) أي بيان سببه. قوله: (و هل تكلموا بذلك) أي ليطمئن الفقير بذلك، لأنه قد يقول في نفسه: إنه يطعمني ويريد أن يخدمني مثلا. قوله:\r(قولان) رجح سعيد بن جبير ومجاهد الثاني.\rقوله: إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا أي فلذلك نطعمكم ولا نريد منكم جزاء، فهو تعليل لقوله: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ الخ. قوله: عَبُوساً إسناد العبوس لليوم مجاز عقلي، والمراد أهله من إسناد الشيء إلى زمانه، كنهاره صائم. قوله: (في ذلك) أي العبوس.\rقوله: فَوَقاهُمُ اللَّهُ الفاء سببية، أي فسبب خوفهم، دفع اللّه عنهم شر ذلك اليوم وشدته، وذكر القرطبي في تذكرته حديثا في بيان ما ينجي المؤمن من أهوال يوم القيامة، وهو ما روي عن عبد الرحمن بن سمرة قال: خرج علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات يوم ونحن في مسجد المدينة فقال: «إني رأيت البارحة عجبا، رأيت رجلا من أمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه بر والديه فرده عنه. ورأيت رجلا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر، فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك. ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر اللّه تعالى فخلصه من بينهم. ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب، فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم. ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا، كلما ورد حوضا منع منه، فجاءه صيامه فسقاه وأرواه. رأيت رجلا من أمتي والنبيون قعود حلقا حلقا، كلما دنا لحلقة طرد، فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذ بيده وأقعده إلى جنبي. ورأيت رجلا من أمتي بين يديه ظلمة، ومن خلفه ظلمة، وعن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة، ومن فوقه ظلمة، ومن تحته ظلمة، فهو متحير فيها، فجاءه حجه وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه في النور. ورأيت رجلا من أمتي يكلم المؤمنين فلا يكلمونه، فجاءته صلة الرحم فقالت: يا معشر المؤمنين كلموه، فإنه كان واصلا للرحم، فكلموه وصافحوه.\rورأيت رجلا من أمتي يتقي وهج النار وشررها بيده عن وجهه، فجاءته صدقته فصارت سترا على وجهه وظلا على رأسه. ورأيت رجلا من أمتي قد اخذته الزبانية من كل مكان، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فاستنقذاه من أيديهم وأدخلاه مع ملائكة الرحمة. ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه بينه وبين اللّه حجاب، فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده وأدخله على اللّه. ورأيت رجلا من أمتي قد اهوت صحيفته من قبل شماله، فجاءه خوفه من اللّه، فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه. ورأيت رجلا من أمتي قد خف ميزانه، فجاءته افراطه فثقلوا ميزانه. ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم، فجاءه وجله من اللّه فاستنقذه من ذلك ومضى. ورأيت رجلا من أمتي هوى في النار، فجاءته دموعه التي كان بكاها من خشية اللّه في الدنيا، فاستخرجته من النار. ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في ريح عاصف، فجاء حسن الظن باللّه تعالى فسكن رعدته ومضى. ورأيت رجلا من أمتي على الصراط،","part":4,"page":301},{"id":1894,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 302\rوَسُرُوراً (11) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا بصبرهم عن المعصية جَنَّةً أدخلوها وَحَرِيراً (12) ألبسوه مُتَّكِئِينَ حال من مرفوع أدخلوها المقدر فِيها عَلَى الْأَرائِكِ السرور في الحجال لا يَرَوْنَ لا يجدون حال ثانية فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (13) أي لا حرا ولا بردا، وقيل الزمهرير القمر فهي مضيئة من غير شمس ولا قمر وَدانِيَةً قريبة عطف على محل لا يرون أي غير رائين عَلَيْهِمْ منهم ظِلالُها شجرها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا (14) أدنيت ثمارها فينالها القائم والقاعد والمضطجع وَيُطافُ عَلَيْهِمْ فيها بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ أقداح بلا عرى كانَتْ\r______________________________\rيزحف احيانا ويحبو احيانا ويتعلق احيانا، فجاءته صلاته علي فأخذت بيده واقامته ومضى على الصراط.\rورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فاغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا اللّه، ففتحت له الأبواب كلها وأدخلته الجنة».\r- قلت- هذا حديث عظيم، ذكر فيه أعمالا خاصة تنجي من اهوال خاصة واللّه اعلم. وروى الطبراني عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: من لقم أخاه لقمة حلوة، صرف اللّه عنه مرارة الموقف يوم القيامة.\rقوله: نَضْرَةً أي بدل العبوس. قوله: وَسُرُوراً أي فرحا في قلوبهم بدل الحزن. قوله:\r(بصبرهم عن المعصية) أي بترك فعلها، وكذا على الطاعة بفعلها، وعلى المعصية بالاسترجاع وعدم الشكوى. فأقسام الصبر ثلاثة، وإنما اقتصر المفسر على الصبر عن المعصية، لأن يستلزم القسمين الآخرين، فمن صبر عن المعصية، فقد أدام الطاعة ولم يشك مولاه.\rقوله: (حال من مرفوع ادخلوها) أي ويصح أن يكون حالا من مفعول جَزاهُمْ. قوله: (في الحجال) واحده حجلة بفتحتين، وهي المسماة بالناموسية. قوله: (حال ثانية) أي من المقدر المذكور، أو من المفعول. قوله: (أي لا حرا ولا بردا) أي فهي معتدلة الهواء.\rقوله: (و قيل الزمهرير القمر) أي لأجل مقابلة قوله: شَمْساً. قوله: (من غير شمس ولا قمر) أي بنور العرش، وهو اقوى من نور الشمس والقمر. قوله: (عطف على محل لا يرون) أي أو عطف على متكئين. قوله: (شجرها) أشار بذلك إلى أن المراد بالظلال الشجر نفسه، فدفع بذلك ما يقال: إن الظل إنما يوجد حيث توجد الشمس، ولا شمس في الجنة.\rقوله: وَذُلِّلَتْ عطف على دانِيَةً وجعلت فعلية إشارة إلى أن التذليل متجدد، بخلاف التظليل فدائم، ولذا أتى فيه بجملة اسمية. قوله: (أدنيت ثمارها) أي سهل تناولها تسهيلا عظيما لكل أحد.\rقوله: وَيُطافُ عَلَيْهِمْ الخ، هذا من جملة بيان وصف مشاربهم، وبنى الفعل للمجهول هنا، لأن المقصود بيان المطاف به لا بيان الطائف، وفاعل الطواف الولدان المذكورون بعد في قوله: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ ولما كان المقصود منها بيان وصف الطائف بناء للفاعل. قوله: بِآنِيَةٍ أصله أأنية بهمزتين، الأولى مفتوحة، والثانية ساكنة، أبدلت الثانية ألفا، والجار والمجرور نائب الفاعل. قوله: مِنْ فِضَّةٍ بيان للآنية. قوله: وَأَكْوابٍ عطف خاص على عام. قوله: (أقداح بلا عرى) أي فيسهل الشرب منه من كل موضع، فلا يحتاج لإدارته.\rقوله: كانَتْ قَوارِيرَا جمع قارورة، وهي ما أقر فيه الشراب ونحوه، من كل إناء رقيق صاف،","part":4,"page":302},{"id":1895,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 303\rقَوارِيرَا (15) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ أي أنها من فضة يرى باطنها من ظاهرها كالزجاج قَدَّرُوها أي الطائفون تَقْدِيراً (16) على قدر ريّ الشاربين من غير زيادة ولا نقص، وذلك ألذّ الشراب وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً أي خمرا كانَ مِزاجُها ما تمزج به زَنْجَبِيلًا (17) عَيْناً بدل من زنجبيلا فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18) يعني أن ماءها كالزنجبيل الذي تستلذ به العرب سهل المساغ في الحلق وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بصفة الولدان لا يشيبون إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لحسنهم وانتشارهم في الخدمة لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (19) من سلكه أو من صدفه، وهو أحسن منه في غير ذلك وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَ أي وجدت الرؤية منك في الجنة رَأَيْتَ جواب إذا\r______________________________\rوقيل: هو خاص بالزجاج، وكرر لفظ قوارير، توطئة للنعت بقوله من فضة، فجمعت صفاء الزجاج وبريقه، وبياض الفضة ولينها، قال ابن عباس: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء، إذ الذي في الجنة أشرف وأعلى. وأعلم أن القراء السبعة في هاتين الكلمتين على خمس مراتب: إحداها تنوينهما معا والوقف عليهما بالألف، الثانية عدم تنوينهما وعدم الوقف عليهما بالألف، الثالثة عدم تنوينهما والوقف عليهما بالألف، الرابعة تنوين الأول والوقف عليه بالألف والثاني بدون تنوين ولا وقف عليه بالألف، الخامسة عدم تنوينهما معا والوقف على الأول بالألف وعلى الثاني بدونها، والتنوين للتناسب نظير ما تقدم في سلاسل، وعدم التنوين لمجيئه على صيغة منتهى الجموع. قوله: (على قدر ريّ الشاربين) أي شهوتهم، إذ لا عطش في الجنة، والريّ بكسر الراء وفتحها كفاية الشارب. قوله: (و ذلك ألذ الشراب) أي لكونه لا يزيد على الحاجة فيستقذر الرائد، ولا ينقص فيحتاج إليه ثانيا، وهذا هو النعيم.\rقوله: (بدل من زنجبيلا) أي ويصح أن يكون مفعول يُسْقَوْنَ وقوله: كَأْساً منصوب على نزع الخافض، أي من كأس كما تقدم نظيره.\rقوله: تُسَمَّى أي تلك العين لسهول إساغتها ولذة طعمها.\rقوله: سَلْسَبِيلًا هو ما كان في غاية السلاسة، وهي سهولة الانحدار في الحلق، زيدت الباء في الكلمة حتى صارت خماسية، وقال مقاتل وابن حبان: سميت سلسبيلا لأنها تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم، تنبع من أصل العرش، من جنة عدن إلى أهل الجنان، قال البغوي: شراب الجنة في برد الكافور، وطعم الزنجبيل، وريح المسك من غير لذع. قوله: (يعني أن ماءها كالزنجبيل) أي فهو مماثل له في الاسم، فجميع ما في الجنة من الأشجار والقصور والمأكول والمشروب والملبوس والثمار، لا يشبه ما في الدنيا، إلا في مجرد الاسم، لكن اللّه تعالى، يرغب الناس بذكر أحسن شيء وألذه مما يعرفونه في الدنيا، لأجل أن يسعوا فيما يوصلهم إلى هذا النعيم المقيم.\rقوله: وِلْدانٌ بكسر الواو باتفاق السبعة، وهم غلمان ينشئهم اللّه تعالى لخدمة المؤمنين على التحقيق، وقيل: هم أولاد المؤمنين الصغار، ورد بأنهم يلحقون بآبائهم تأنسا وسرورا بهم، وقيل: هم أولاد الكفار. قوله: (لا يشيبون) أي لعدم وجود الشعر لهم. قوله: (و هو أحسن منه في غير ذلك) جواب عما يقال: ما الحكمة في تشبيههم باللؤلؤ المنثور دون المنظوم؟ فأجاب: بأنه لحسنهم وانتشارهم في الخدمة، شبههم باللؤلؤ المنثور.\rقوله: وَإِذا رَأَيْتَ الخطاب للنبي أو لكل من يدخل الجنة.\rقوله: رَأَيْتَ نَعِيماً أي ما يتنعم به من مأكل ومشرب وملبس ومركب وغير ذلك. قوله: (واسعا","part":4,"page":303},{"id":1896,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 304\rنَعِيماً لا يوصف وَمُلْكاً كَبِيراً (20) واسعا لا غاية له عالِيَهُمْ فوقهم فنصبه على الظرفية وهو خبر المبتدأ بعده، وفي قراءة بسكون الياء مبتدأ، وما بعده خبره، والضمير المتصل به للمعطوف عليهم ثِيابُ سُندُسٍ حرير خُضْرٌ بالرفع وَإِسْتَبْرَقٌ بالجر ما غلظ من الديباج فهو البطائن والسندس الظهائر، وفي قراءة عكس ما ذكر فيهما، وفي أخرى برفعهما، وفي أخرى بجرّهما وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وفي موضع آخر من ذهب، للإيذان بأنهم يحلون من النوعين معا ومفرقا وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (21) مبالغة في طهارته ونظافته بخلاف خمر الدنيا إِنَّ هذا النعيم كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (22) إِنَّا نَحْنُ تأكيد لاسم إن أو فصل نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (23) خبر إن، أي فصلناه ولم ننزله جملة واحدة فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ\r______________________________\rلا غاية له) أي لا في الطول ولا في العرض، لما في الحديث: «أدنى أهل الجنة منزلة، من ينظر في ملكه مسيرة ألف عام، يرى أقصاه كما يرى أدناه، ومن الملك الكبير، تسليم الملائكة عليهم، ولبس التيجان على رءوسهم، كما تكون على رءوس الملوك، وأعظمهم منزلة من ينظر إلى وجه ربه كل يوم».\rقوله:\rعالِيَهُمْ بفتح الياء وضم الهاء، وقوله: (و في قراءة) أي سبعية أيضا. قوله: (و هو خبر المبتدأ بعده) أي وهو ثياب ويصح العكس، وهو كون عالِيَهُمْ مبتدأ، وثِيابُ خبره.\rقوله: ثِيابُ سُندُسٍ الإضافة على معنى من، والسندس ما رق من الحرير. قوله: (عكس ما ذكر) أي وهو جر خُضْرٌ ورفع إِسْتَبْرَقٌ فجر خُضْرٌ على الوصفية لسندس لأنه اسم جنس، ووصفه بالجمع جائز، ورفع إِسْتَبْرَقٌ عطف على ثِيابُ على حذف مضاف، أي وثياب إستبرق، فالقراءات أربع سبعيات: رفع خُضْرٌ وإِسْتَبْرَقٌ وجرهما، ورفع الأول وجر الثاني وعكسه، وأما سُندُسٍ فمجرور لا غير، لإضافة ثياب إليه. قوله: وَحُلُّوا عبر بالماضي إشارة لتحقق وقوعه.\rقوله: (و في موضع آخر) الخ، أي فقال في سورة الحج وفاطر يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً.\rقوله: (للإيذان) أي للإعلام، وقوله: «معا» أي فيجمع في يد أحدهم، سواران من ذهب، وسواران من فضة، وسواران من لؤلؤ، وقوله: (و مفرقا) أي فتارة يلبسون الذهب فقط، وتارة يلبسون الفضة فقط، وتارة يلبسون اللؤلؤ فقط، على حسب ما يشتهون.\rقوله: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ أسند الإسقاء لنفسه، إشارة لعلو منزلتهم ورفعة قدرهم، وإلى أن الشراب الطهور، ونوع آخر يفوق على ما تقدم. قوله: شَراباً طَهُوراً أي من أقذار لم تمسه الأيدي، ولم تدنسه الأرجل كخمر الدنيا.\rقوله: إِنَّ هذا الخ، أي يقال لهم ذلك بعد دخولهم. فيها ومشاهدتهم نعيمها، لمزيد الأنس والسرور. قوله: مَشْكُوراً أي مقبولا مرضيا. قوله: (تأكيد لاسم إن) أي ويصح أن يعرب مبتدأ، ونَزَّلْنا خبره، والجملة خبر إن.\rقوله: (خبر إن) أي سواء جعلنا نَحْنُ تأكيدا أو فصلا. قوله: (أي فصلناه) الخ، أي لحكمة بالغة، وهي كما في الفرقان لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً والمقصود من ذلك تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم وشرح صدره، وأن ما أنزل عليه ليس بشعر ولا كهانة.","part":4,"page":304},{"id":1897,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 305\rعليك بتبليغ رسالته وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ أي الكفار آثِماً أَوْ كَفُوراً (24) أي عتبة بن ربيعة، والوليد بن المغيرة قالا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: ارجع عن هذا الأمر، ويجوز أن يراد كل آثم وكافر، أي لا تطع أحدهما أيا كان فيما دعاك إليه من إثم أو كفر وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ في الصلاة بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) يعني الفجر والظهر والعصر وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ يعني المغرب والعشاء وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26) صلّ التطوع فيه كما تقدم من ثلثيه أو نصفه أو ثلثه إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ الدنيا وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا (27) شديدا أي يوم القيامة لا يعملون له نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا قوّينا أَسْرَهُمْ أعضاءهم ومفاصلهم وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا جعلنا أَمْثالَهُمْ في الخلقة بدلا منهم بأن نهلكهم تَبْدِيلًا (28) تأكيد، ووقعت إذا موقع إن نحو إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ لأنه تعالى لم يشأ ذلك وإذا لما يقع إِنَّ هذِهِ السورة تَذْكِرَةٌ عظة للخلق فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ\r______________________________\rقوله: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ مشى المفسر على أن المراد بالحكم التكليف بتبليغ الرسالة، وعليه فالآية محكمة، وقيل: إن المراد بالحكم القضاء. والمعنى: اصبر على أذى المشركين الذي حتمه اللّه في الأزل، فلا مفر لك منه حتى يفرج اللّه عنك، وعليه فالآية منسوخة. قوله: (أي عتبة بن ربيعة) الخ، أشار بذلك إلى أن المراد بالآثم عتبة، لأنه كان متعاطيا لأنواع الفسوق متظاهرا بها، وأن المراد بالكفور الوليد، فإنه كان متظاهرا بالكفر داعيا إليه، وبهذا ظهر التخصيص لكل، وإن كان كل منهما آثما وكفورا.\rقوله: (قالا للنبي ارجع) الخ، حاصله أنهما قالا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: إن كنت صنعت ما صنعت لأجل النساء والمال، فارجع عن هذا الأمر، فقال عتبة: أنا أزوجك ابنتي وأسوقها إليك من غير مهر، وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى وارجع عن هذا الأمر، فنزلت الآية. قوله: (أي لا تطع أحدهما) الخ، أي والنهي عن طاعتهما معا معلوم بالأولى، فأو أبلغ من الواو، لأنها لنفي الأحد الدائر. قوله: (في الصلاة) أشار بذلك إلى أن المراد بالذكر الصلاة، والمعنى: دم على الصلاة. قوله: (و الظهر والعصر) إطلاق الأصيل على العصر ظاهر، وعلى الظهر باعتبار آخر وقتها، وإلا فالزوال وما يقرب منه لا يسمى أصيلا.\rقوله: وَمِنَ اللَّيْلِ مِنَ تبعيضية. والمعنى: صلّ له بعض الليل، وقوله: فَاسْجُدْ لَهُ الفاء دالة على شرط مقدر تقديره: مهما يكن من شيء فصلّ من الليل الخ، وفيه زيادة حث على صلاة الليل.\rقوله: إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ الخ، علة لما قبله من النهي والأمر. والمعنى: لا تطلعهم واشتغل بما أمرك اللّه به من العبادة، لأن هؤلاء تركوا الآخرة واشتغلوا بالدنيا، فاترك أنت الدنيا واشتغل بالآخرة. قوله: وَراءَهُمْ حال من يَوْماً مقدم عليه، لأنه نعت نكرة قدم عليها، ووراء إما باق على معناه نظير فنبذوه وراء ظهورهم، كناية عن كونهم لا يعبئون به ولا يعملون له، أو مستعار لقدام. قوله:\rيَوْماً ثَقِيلًا مفعول يَذَرُونَ ووصفه بالثقل مجاز، إذ الثقل من صفات الأعيان لا المعاني. قوله:\r(قوينا) أَسْرَهُمْ أي ربطنا أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والأعصاب.\rقوله: أَمْثالَهُمْ مفعول أول، والثاني محذوف، بينه بقوله: (بدلا منهم). قوله: (وقعت إذا) الخ، جواب عما يقال: إن إِذا تفيد التحقيق، مع أنه تعالى لم يشأ ذلك فكان المقام، لأن التي تفيد الاحتمال، فأجاب بأنه استعمل إِذا موضع إن مجازا. قوله: (عظة للخلق) أي لأن في تدبرها","part":4,"page":305},{"id":1898,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 306\rسَبِيلًا (29) طريقا بالطاعة وَما تَشاؤُنَ بالتاء والياء اتخاذ السبيل بالطاعة إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ذلك إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً (30) في فعله يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ جنته وهم المؤمنون وَالظَّالِمِينَ ناصبه فعل مقدر أي أوعد يفسره أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (31) مؤلما وهم الكافرون.\r______________________________\rوتذكرها، تنبيها للغافلين، وفوائد للطالبين المقبلين بكليتهم على اللّه تعالى.\rقوله: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ الخ، أي فالطريق واضح والحق ظاهر فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ قوله: (بالتاء والياء) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ منصوب على الظرفية والمعنى: إلا وقت مشيئة اللّه تعالى، ففيه تسلية بالرجوع إلى الحقيقة. قوله: (أوعد) وهذا المقدر يلاقي المذكور في المعنى، فهو على حد: زيدا مررت به.","part":4,"page":306},{"id":1899,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 307\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة المرسلات مكيّة وآياتها خمسون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (1) أي الرياح متتابعة، كعرف الفرس يتلو بعضه بعضا، ونصبه على الحال فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (2) الرياح الشديدة وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (3) الرياح تنشر المطر فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (4) أي آيات القرآن تفرق بين الحق والباطل، الحلال والحرام فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (5) أي الملائكة تنزل بالوحي إلى الأنبياء أو الرسل يلقون الوحي إلى\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة المرسلات\rمكية وهي خمسون آية وفي نسخة سورة والمرسلات، وهذه نزلت على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة الجن. قال ابن مسعود: ونحن معه نسير، حتى أوينا إلى غار منى، فنزلت، فبينما نحن نتلقاها منه، وفاه رطب بها، إذ وثبت حية، فوثبنا عليها لنقتلها فذهبت، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «وقيتم شرها؛ كما وقيت شركم»، والغار المذكور مشهور في منى يسمى غار المرسلات.\rقوله: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً الخ، اعلم أن اللّه تعالى أقسم بصفات خمسة، موصوفها محذوف، فقدره بعضهم الرياح في الكل، وبعضهم قدره الملائكة في الكل، وبعضهم غاير فجعله تارة الرياح وتارة الملائكة، وأما ما ذكره المفسر، فلم يعرج عليه المفسرون وهو حسن، وحاصل صنيعه: أنه جعل الصفات الثلاث الأول لموصوف واحد وهو الرياح، والرابعة لموصوف ثان وهو الآيات، والخامسة لموصوف ثالث وهو الملائكة.\rقوله: (أي الرياح) أي رياح العذاب، ليغاير قوله: وَالنَّاشِراتِ. قوله: (و نصبه على الحال) أي من الضمير في المرسلات، والمعنى: حال كونها مشابهة لعرف الفرس، من حيث تتابعها وتلاحقها، فالعرف بالضم شعر عنق الفرس، والمعرفة كمرملة موضع العرف من الفرس.\rقوله: فَالْعاصِفاتِ من العطف وهو الشدة، فهو مرتب على قوله: الْمُرْسَلاتِ الذي هو ريح العذاب. قوله: (تنشر المطر) أي تفرقه حيث شاء اللّه تعالى. قوله: (أو الرسل) هذا تفسير ثان","part":4,"page":307},{"id":1900,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 308\rالأمم عُذْراً أَوْ نُذْراً (6) أي للإعذار والإنذار من اللّه تعالى، وفي قراءة بضم ذال نذرا، وقرئ بضم ذال عذرا إِنَّما تُوعَدُونَ أي كفار مكة من البعث والعذاب لَواقِعٌ (7) كائن لا محالة فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) محيي نورها وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (9) شقت وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (10) فتتت وسيرت وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11) بالواو والهمز بدلا منها، أي جمعت لوقت لِأَيِّ يَوْمٍ ليوم عظيم أُجِّلَتْ (12) للشهادة على أممهم بالتبليغ لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) بين الخلق ويؤخذ منه جواب إذا أي وقع الفصل بين الخلائق وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (14) تهويل لشأنه وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15) هذا وعيد لهم أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) بتكذيبهم أي أهلكناهم ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17) ممن كذبوا\r______________________________\rللملقيات.\rقوله: (أي للإعذار) الخ، أشار بذلك إلى أن عُذْراً أَوْ نُذْراً مفعولان لأجله، والمعلل بهما هو الملقيات، والمراد بالإعذار إزالة أعذار الخلائق، وبالإنذار التخويف. قوله: (و في قراءة بضم ذال نذرا) أي وهما سبعيتان، وقوله: (و قرئ) هذه القراءة ليعقوب من العشرة، والحاصل أن الضم في عُذْراً ونُذْراً على أنهما جمعان لعذير بمعنى المعذرة، ونذير بمعنى الإنذار، أو بمعنى العاذر أو المنذر، والسكون على أنهما مصدران.\rقوله: إِنَّما تُوعَدُونَ الخ، جواب القسم، وما بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي إن الذي توعدونه.\rقوله: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ النجوم: مرفوعة بفعل محذوف يفسره ما بعده من باب الاشتغال. قوله: (و سيرت) أي بعد التفتيت.\rقوله: أُقِّتَتْ أي جعل لهم وقت للقضاء بينهم وبين أممهم، وهو يوم القيامة. قوله: (بالواو) أي على الأصل لأنه من الوقت، وقوله: (و بالهمز) أي لأن الواو لما ضمت قلبت همزة وهما سبعيتان.\rقوله: لِأَيِّ يَوْمٍ متعلق بأجلت، والجملة مستأنفة أو مقولة لقول محذوف، أي يقال لأي يوم الخ، والقول منصوب على الحال من مرفوع أقتت،\rوقوله: لِيَوْمِ الْفَصْلِ بدل من أي يوم بإعادة العامل، والاستفهام للتهويل والتعظيم. قوله: (و يؤخذ منه) أي من قوله:\rلِيَوْمِ الْفَصْلِ وقوله: (جواب إذا) أي المحذوف، والتقدير (وقع الفصل).\rقوله: وَما أَدْراكَ ما استفهامية مبتدأ، وجملة أَدْراكَ خبرها، والكاف مفعول أول، وقوله: ما يَوْمُ الْفَصْلِ جملة من مبتدأ وخبر، سادة مسد المفعول الثاني، والاستفهام الأول للاستبعاد والانكار، والثاني للتعظيم والتهويل.\rقوله: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وَيْلٌ مبتدأ، سوغ الابتداء به كونه دعاء، ولِلْمُكَذِّبِينَ خبره، ويَوْمَئِذٍ ظرف لويل، وكررت هذه الجملة في هذه السورة عشر مرات، لمزيد الترغيب والترهيب، والمراد بالويل قيل العذاب والخزي، وقيل واد في جهنم فيه ألوان العذاب، لما روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «عرضت علي جهنم، فلم أر فيها واديا اعظم من الويل». وقيل إنه مجمع ما يسيل من قيح أهل النار وصديدهم.\rقوله: أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ الاستفهام تقريري وهو طلب الإقرار بما بعد النفي، والمراد بالأولين الأمم السابقة من آدم إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، كقوم نوح وعاد وثمود، والمراد بالآخرين كفار أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله:\r(أي أهلكناهم) أفاد بذلك أن الاستفهام داخل على نفي، ونفي النفي إثبات نظير أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.\rقوله: ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ العامة على رفع العين استئنافا أو معطوفا على جملة أَلَمْ نُهْلِكِ","part":4,"page":308},{"id":1901,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 309\rككفار مكة فنهلككم كَذلِكَ مثل فعلنا بالمكذبين نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) بكل من أجرم فيما يستقبل فنهلكهم وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (19) تأكيد أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (20) ضعيف وهو المنيّ فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (21) حريز وهو الرحم إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) وهو وقت الولادة فَقَدَرْنا على ذلك فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (23) نحن وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (24) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (25) مصدر كفت بمعنى ضم أي ضامّة أَحْياءً على ظهرها وَأَمْواتاً (26) في بطنها وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ جبالا مرتفعات وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (27) عذبا وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (28) ويقال للمكذبين يوم القيامة انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ من العذاب تُكَذِّبُونَ (29) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (30) هو دخان جهنم إذا ارتفع افترق ثلاث فرق لعظمته لا ظَلِيلٍ كنين يظلّهم من\r______________________________\rالْأَوَّلِينَ وليس معطوفا على الفعل، والاستفهام مسلط عليه، لأنه يقضي أن المعنى: أهلكنا الأولين، ثم أتبعناهم الآخرين في الهلاك، وليس كذلك، لأن هلاك الآخرين لم يحصل حينئذ، وقرئ شذوذا بتسكين العين، إما تخفيفا والجملة مستأنفة أو معطوفة على المجزوم، ويكون المراد بالأولين: قوم نوح وعاد وثمود، وبالآخرين: قوم شعيب ولوط وموسى، وحينئذ فالمراد بالمجرمين، كفار أمة محمد عليه السّلام. قوله:\r(فنهلكهم) أي في الدنيا كوقعة بدر.\rقوله: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ الخ، هذا تذكير من اللّه تعالى للكفار، بعظيم إنعامه عليهم، وبقدرته على ابتداء خلقهم، والقادر على الابتداء، قادر على الاعادة، ففيها رد على منكري البعث. قوله: (حريز) أي يحفظ فيه المني من الفساد.\rقوله: إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ أي مقدار معلوم من الوقت، قدره تعالى للولادة.\rقوله: فَقَدَرْنا بالتخفيف والتشديد قراءتان سبعيتان، فالتشديد من التقدير والتخفيف من القدرة.\rقوله: (على ذلك) أي الخلق والتصوير.\rقوله: كِفاتاً مفعول ثان لنجعل. قوله: (مصدر كفت) المناسب أن يقول اسم مكان، لأن كفت من باب ضرب، فمصدره الكفت، فالمعنى: ألم نجعل الأرض موضع كفت؟ أي جمع وضم.\rقوله: أَحْياءً وَأَمْواتاً أي تضمهم في دورهم ومنازلهم في حال الحياة، وتضمهم في بطنها قبورهم حال الموت، ثم هي إما راضية عليه فتضمه ضمة الأم الشفوق، أو غير راضية فتضمه ضمة تختلف بها أضلاعه. قوله: (جبالا مرتفعات) أي لولاها لتحركت بأهلها.\rقوله: ماءً فُراتاً أي من العيون والأنهار، فتشربون منه أنتم ودوابكم، وتسقون منه زرعكم. قوله: (من العذاب) بيان لما.\rقوله:\rانْطَلِقُوا إِلى ظِلٍ توكيد لانطلقوا الأول. قوله: ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ أي فرق شعبة فوق الكافر، وشعبة عن يمينه، وشعبة عن يساره، ففيه اشارة لعظم الدخان، لأن شأن الدخان العظيم إذا ارتفع يصير ثلاث شعب، وقيل: يخرج لسان من النار فيحيط بالكفار كالسرادق، ويتشعب من دخانها ثلاث شعب، فتظلهم حتى يفرغ حسابهم، والمؤمنون في ظل العرش.\rقوله: لا ظَلِيلٍ صفة لظل، ولا متوسطة بين الصفة والموصوف لإفادة النفي، وهذا تهكم بهم ورد لما أوهمه لفظ الظل من الراحة. قوله: (كنين) أي ساتر.\rقوله: بِشَرَرٍ هكذا براءين من غير","part":4,"page":309},{"id":1902,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 310\rحرّ اليوم وَلا يُغْنِي يرد عنهم شيئا مِنَ اللَّهَبِ (31) النار إِنَّها أي النار تَرْمِي بِشَرَرٍ هو ما تطاير منها كَالْقَصْرِ (32) من البناء في عظمه وارتفاعه كَأَنَّهُ جِمالَتٌ جمع جمالة، جمع جمل، وفي قراءة جمالة صُفْرٌ (33) في هيئتها ولونها، وفي الحديث: «شرار النار أسود كالقير» والعرب تسمي سود الإبل صفرا لشوب سوادها بصفرة، فقيل: صفر في الآية بمعنى سود لما ذكر، وقيل: لا، والشرر جمع شررة، والشرار جمع شرارة، والقير القار وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (34) هذا أي يوم القيامة يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (35) فيه بشيء وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ في العذر فَيَعْتَذِرُونَ (36) عطف على يؤذن من غير تسبب عنه فهو داخل في حيز النفي، أي لا إذن فلا اعتذار وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (37) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ أيها المكذبون من هذه الأمّة وَالْأَوَّلِينَ (38) من المكذبين قبلكم فتحاسبون وتعذبون جميعا فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ حيلة في دفع العذاب عنكم فَكِيدُونِ (39) فافعلوها وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (40) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ أي تكاثف أشجار، إذ لا شمس يظل من حرها وَعُيُونٍ (41) نابعة من الماء وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) فيه إعلام بأن المأكل والمشرب في\r______________________________\rألف بينهما، وهي قراءة العامة، وقرئ شذوذا بألف بين الراءين، مع كسر الشين وفتحها، فالشرر جمع شررة، والشرار بكسر الشين جمع شررة أيضا، كرقبة ورقاب، وبفتح الشين جمع شرارة، وهي كل ما تطاير من النار متفرقا.\rقوله: كَأَنَّهُ أي الشرر، فشبهه أولا بالقصر في العظم والكبر، وثانيا بالجمال في اللون والكثرة والتتابع. قوله: (و في قراءة) أي سبعية أيضا. قوله: (في هيئتها) الخ، بيان لوجه الشبه.\rقوله: (لشوب سوادها) أي اختلاطه. قوله: (فقيل) الخ، تفريع على الحديث وصنيع العرب. قوله:\r(و قيل لا) أي ليس صفر بمعنى سود، بل هو باق على حقيقته. قوله: (القار) أي الزفت. قوله: (أي يوم القيامة) أي المدلول عليه بقوله: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍ الخ.\rقوله: لا يَنْطِقُونَ أي في بعض المواقف، وفي بعضها يتكلمون ويعتذرون، فلا منافاة بين ما هنا وبين قوله: يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ونحوه. قوله: (من غير تسبب عنه) جواب عما يقال: إن العطف بالفاء أو الواو على المنفي، يقتضي نصب المعطوف، فلم رفع في الآية، وايضاحه: أن محل نصبه إذا كان متسببا عن المنفي نحو لا يقضي عليهم فيموتوا، وأما إذا لم يكن متسببا كما هنا، لأن النفي متوجه للمعطوف والمعطوف عليه، فإنه يرفع.\rقوله: هذا يَوْمُ الْفَصْلِ أي بين المحق والمبطل. قوله:\rوَالْأَوَّلِينَ إما عطف على الكاف في جَمَعْناكُمْ أو مفعول معه، وهذه الجملة مقولة لقول محذوف أي يقال لهم هذا يَوْمُ الْفَصْلِ. قوله: (حيلة) تسميتها كيدا تهكم بهم.\rقوله: فَكِيدُونِ أي فاحتالوا لأنفسكم وقاووني فلم تجدوا مفرا.\rقوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ الخ، ذكر في سورة هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ أحوال الكفار في الآخرة على سبيل الاختصار، واطنب في أحوال المؤمنين، عكس ما فعل هنا، ليحصل التعادل بين السورتين. قوله:\r(أي تكاثف أشجار) من إضافة الصفة للموصوف. قوله: وَعُيُونٍ (نابعة من الماء) أي ومن العسل واللبن والخمر، كما في آية القتال.\rقوله: مِمَّا يَشْتَهُونَ راجع للعيون والفواكه. قوله: (بحسب","part":4,"page":310},{"id":1903,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 311\rالجنة بحسب شهواتهم، بخلاف الدنيا فبحسب ما يجد الناس في الأغلب، ويقال لهم كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً حال أي متهنئين بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) من الطاعات إِنَّا كَذلِكَ كما جزينا المتقين نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (45) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا خطاب للكفار في الدنيا قَلِيلًا من الزمان وغايته إلى الموت، وفي هذا تهديد لهم إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (47) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا صلوا لا يَرْكَعُونَ (48) لا يصلون وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ أي القرآن يُؤْمِنُونَ (50) أي لا يمكن إيمانهم بغيره من كتب اللّه بعد تكذيبهم به لاشتماله على الإعجاز الذي لم يشتمل عليه غيره.\r______________________________\rشهواتهم) أي فمتى اشتهوا فاكهة وجدوها حاضرة، فليست فاكهة الجنة مقيدة بوقت دون وقت، كما في أنواع فاكهة الدنيا، قال تعالى: أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها. قوله: (و يقال لهم) أي من قبل اللّه، أو القائل لهم الملائكة إكراما لهم. قوله: (كما جزينا المتقين) أي بالظلال والعيون والفواكه نجزي المحسنين. إن قلت:\rلا مغايرة بين المتقين والمحسنين، ففيه تشبيه الشيء بنفسه. والجواب: أن يراد بالمتقين الكاملون في الطاعة، وبالمحسنين من عندهم أصل الإيمان، ويصير المعنى: إن هذا الجزاء كما هو ثابت للكاملين في الطاعة، ثابت لمن كان عنده أصل الإيمان، فالمماثلة في الأوصاف التي ذكرت في تلك الآية، لا في المراتب والدرجات فتدبر. قوله: (من الزمان) أي فقليلا منصوب على الظرفية. قوله: (و غايته إلى الموت) أي فهو مدة العمر، قال بعض العلماء: التمتع في الدنيا من أفعال الكافرين، والسعي لها من أفعال الظالمين، والاطمئنان إليها من أفعال الكاذبين، والسكون فيها على حد الأذن، والأخذ منها على قدر الحاجة من أفعال عوام المؤمنين، والأعراض عنها من أفعال الزاهدين، وأهل الحقيقة أجل خطرا من أن يؤثر فيهم حب الدنيا وبغضها وجمعها وتركها.\rقوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ أي لهؤلاء المجرمين، أي من أي قائل كان. قوله: (صلوا) أي فسميت الصلاة باسم جزئها وهو الركوع، وخص هذا الجزء لأنه يقال على الخضوع والطاعة.\rقوله: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ متعلق بيؤمنون، قال الرازي: إنه تعالى بالغ في زجر الكفار من أول السورة إلى آخرها، بهذه الوجوه العشرة المذكورة، وحث على التمسك بالنظر والاستدلال والانقياد للدين الحق، ختم السورة بالتعجب من الكفار، وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل العظيمة مع وضوحها، لا يؤمنون بغيرها، قال البوصيري في همزيته:\rوإذا البينات لم تغن شيئا ... فالتماس الهدى بهن عناء\r\rقوله: (لاشتماله على الإعجاز) أي فقد ورد: أن معجزات المصطفى، مائة ألف وسبعون ألفا في القرآن، منها مائة ألف والسبعون من غيره، وهذا التعليل لا ينتج ما قاله المفسر من عدم الإمكان، إذ يجوز أن يؤمنوا بغيره مع عدم إعجازه، ويكذبون بالقرآن المعجز، فلو قال في التعليل: لأن القرآن مصدق للكتب القديمة، موافق لها في أصول الدين، فيلزم من تكذيبه تكذيب غيره من الكتب، لأن ما في غيره موجود فيه، فلا يمكن الإيمان بغيره مع تكذيبه لكان أولى.","part":4,"page":311},{"id":1904,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 312\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة النّبأ مكيّة وآياتها أربعون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عَمَّ 1 عن أي شيء يَتَساءَلُونَ (1) يسأل بعض قريش بعضا عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) بيان لذلك الشيء، والاستفهام لتفخيمه، وهو ما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من القرآن المشتمل على البعث وغيره الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) فالمؤمنون يثبتونه والكافرون ينكرونه\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة التساؤل\rمكية وهي إحدى وأربعون آية وتسمى سورة النبأ العظيم، وسورة عم، وسورة عم يتساءلون.\rقوله: عَمَ عن: حرف جر، وما استفهامية في محل جر، حذفت ألفها للقاعدة المقررة التي أشار لها ابن مالك بقوله:\rوما في الاستفهام إن جرت حذفت ... ألفها وأولها إلها إن تقف\r\rووقف البزي بهاء السكت جريا على القاعدة، ونقل عن ابن كثير إثبات الهاء في الوصل أيضا، إجراء له مجرى الوقف، وقرئ شذوذا بإثبات الألف، والجار والمجرور متعلق بيتساءلون،\rوقوله: عَنِ النَّبَإِ عطف بيان. وسبب نزولها: أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما بعث، جعل المشركون يتساءلون بينهم فيقولون: ما الذي أتى به، ويتجادلون فيما بعث به، ومناسبتها لما قبلها أنه لما قال: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ* أي بعد القرآن، فكانوا يتجادلون فيه ويتساءلون عنه فقال: عَمَّ يَتَساءَلُونَ. قوله: (بيان لذلك الشيء) أي المعبر عنه بما الاستفهامية، والمراد بالبيان عطف البيان. قوله: (و استفهام لتفخيمه) أي فليس استفهاما حقيقيا، بل هو كناية عن تفخيم الأمر وتعظيمه.\rقوله: الَّذِي صفة للنبإ، وهُمْ مبتدأ ومُخْتَلِفُونَ خبره. وفِيهِ متعلق بمختلفون، والجملة صلة الَّذِي، وقوله: (فالمؤمنون) الخ، اشار بذلك إلى أن الضمير في هُمْ عائد على ما يشمل المؤمنين والكفار، وجعل الواو في يَتَساءَلُونَ محمولة على الكفار، ليس بواضح لأنه يلزم عليه تشتيت الضمائر، فالمناسب أن يسوي بين الضميرين، بأن يجعلهما عائدين على الكفار، واختلافهم فيه من","part":4,"page":312},{"id":1905,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 313\rكَلَّا ردع سَيَعْلَمُونَ (4) ما يحل بهم على إنكارهم له ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) تأكيد، وجيء فيه بثم للإيذان بأن الوعيد الثاني أشد من الأول، ثم أومأ تعالى إلى القدرة على البعث فقال أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (6) فراشا كالمهد وَالْجِبالَ أَوْتاداً (7) تثبت بها الأرض كما تثبت الخيام بالأوتاد، والاستفهام للتقرير وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (8) ذكورا وإناثا وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (9) راحة لأبدانكم وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (10) ساترا بسواده وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (11) وقتا للمعايش وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً سبع سماوات شِداداً (12) جمع شديدة أي قوية محكمة لا يؤثر فيها مرور الزمان وَجَعَلْنا سِراجاً منيرا وَهَّاجاً (13) وقادا يعني الشمس وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ السحابات التي حان لها أن تمطر كالمعصر الجارية التي دنت من الحيض ماءً ثَجَّاجاً (14) صبابا لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا كالحنطة وَنَباتاً (15) كالتبن وَجَنَّاتٍ بساتين أَلْفافاً (16) ملتفة جمع لفيف كشريف\r______________________________\rحيث إن بعضهم يقول فيه شعر، وبعضهم يقول فيه كهانة، وغير ذلك. قوله: (ردع) أي فيه معنى الوعيد والتهديد. قوله: (ما يحل بهم) مفعول يعلمون، والمعنى: ما ينزل بهم عند النزع أو في القيامة، لكشف الغطاء عنهم ذلك الوقت، وحل يحل بالكسر والضم في المضارع بمعنى نزل. قوله: (تأكيد) أي لفظي، وقيل: عطف نسق فيه معنى التأكيد. قوله: (للإيذان بأن الوعيد الثاني) الخ، أي فتغايرا بهذا الاعتبار، ومن هنا قيل: إن الأول عند النزع، والثاني في القيامة، وقيل: الأول للبعث، والثاني للجزاء.\rقوله: (ثم أومأ تعالى) أي أشار إلى الأدلة الدالة عليها، وذكر منها تسعة، ووجه الدلالة أن يقال: إنه تعالى حيث كان قادرا على هذه الأشياء، فهو قادر على البعث.\rقوله: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً الْأَرْضَ مفعول أول، ومِهاداً مفعول ثان إن جعلت بمعنى التصيير، وإن جعلت بمعنى الخلق فيكون مِهاداً حالا،\rوكذا يقال في قوله: أَوْتاداً وما بعده.\rقوله: (كالمهد) أي للصبي، وهو ما يفرش له لينام عليه. قوله: (للتقرير) أي مما بعد النفي.\rقوله:\rسُباتاً بالضم كغراب، النوم الثقيل، وأصله الراحة، وفعله سبت كقتل. قوله: (ساترا بسواده) أي ظلمته، ففيه تشبيه بليغ بحذف الأداة، أي كاللباس بجامع الستر في كل. قوله: (وقتا للمعايش) أي تنصرفون فيه في حوائجكم.\rقوله: وَهَّاجاً أي مضيئا. قوله: (يعني الشمس) أي لأنها كوكب نهاري، ينسخ ضوؤها ظلمة الليل. قوله: (التي حان لها أن تمطر) أي جاء وقت إمطارها المقدر لها. قوله: (الجارية) المراد بها مطلق الأنثى. قوله: (صبابا) أي بشدة وقوة.\rقوله: حَبًّا وَنَباتاً أي فالمراد ما يقتات به، وما يعلف به من التبن والحشيش. قوله: (جمع لفيف) وقيل جمع لف بكسر اللام، وقيل لا واحد له.\rقوله: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ الخ. كلام مستأنف واقع في جواب سؤال مقدر تقديره: ما وقت البعث الذي أثبت بالأدلة المتقدمة فقال: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ وأكده بإن لتردد الكفار فيه. قوله: كانَ مِيقاتاً أي في علمه وقضائه. قوله: (وقتا للثواب والعقاب) أشار بذلك إلى أن الميقات زمان مقيد، بكونه وقت ظهور ما وعد اللّه به من الثواب والعقاب.","part":4,"page":313},{"id":1906,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 314\rوأشراف إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ بين الخلائق كانَ مِيقاتاً (17) وقتا للثواب والعقاب يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ القرن بدل من يوم الفصل أو بيان له والنافخ إسرافيل فَتَأْتُونَ من قبوركم إلى الموقف أَفْواجاً (18) جماعات مختلفة وَفُتِحَتِ السَّماءُ بالتشديد والتخفيف شققت لنزول الملائكة فَكانَتْ أَبْواباً (19) ذات أبواب وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ ذهب بها عن أماكنها فَكانَتْ سَراباً (20) هباء، أي مثله في خفة سيرها إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (21) راصدة أو مرصدة لِلطَّاغِينَ\r______________________________\rقوله: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أي في النفخة الثانية. قوله: (جماعات مختلفة) روي عن معاذ بن جبل: «قلت: يا رسول اللّه، أرأيت قول اللّه تعالى يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: يا معاذ بن جبل، لقد سألت عن أمر عظيم، ثم أرسل عينيه باكيا ثم قال: يحشر عشرة أصناف من أمتي شتاتا، قد ميزهم اللّه تعالى من جماعات المسلمين، وبدل صورهم، فبعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمي مترددون، وبعضهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم لعابا يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من النار، وبعضهم أشد نتنا من الجيف، وبعضهم يلبسون جلابيب سابغة من القطران لاصقة بجلودهم، فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس يعني التمام، وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت والحرام والمكس، وأما المنكسون رءوسهم ووجوههم فأكلة الربا، وأما العمي فهم من يجورون في الحكم، وأما الصم البكم فهم الذي يعجبون بأعمالهم، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين يخالف قولهم فعلهم، وأما المقطعة أيديهم وأرجلهم فالذين يؤذون الجيران، وأما المصلبون على جذوع من النار فالسعاة بالناس إلى السلطان، وأما الذين هم أشد نتنا من الجيف فالذين يتمتعون بالشهوات ويمنعون حق اللّه من أموالهم، وأما الذين يلبسون الجلابيب فأهل الكبر والفخر والخيلاء.\rقوله: وَفُتِحَتِ السَّماءُ عطف على قوله: فَتَأْتُونَ وعبر بالماضي لتحقق الوقوع. قوله:\r(بالتشديد والتخفيف) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (شققت) أشار بذلك إلى أنه ليس المراد بالفتح، ما عرف من فتح الأبواب، بل هو التشقق لموافقة قوله: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ، وخير ما فسرته بالوارد. قوله: (لنزول الملائكة) أي لأنهم يموتون بالنفخة الأولى، ويحيون بين النفختين، وينزلون جميعا، يحيطون بأطراف الأرض وجهاتها، يسوقون الناس إلى المحشر.\rقوله: وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ أي في الهواء بعد تفتيتها. قوله: (هباء) المناسب إبقاء السراب على ظاهره، ويكون المعنى على التشبيه، أي فكانت مثل السراب، من حيث إن المرئي خلاف الواقع، فكما يرى السراب كأنه ماء، كذلك الجبال ترى كأنها جبال وليست كذلك في الواقع لقوله تعالى وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ وإلا فتفسير السراب بالهباء لم يوجد في اللغة.\rقوله: (راصدة أو مرصدة) أشار بذلك إلى أن مِرْصاداً من رصدت الشيء أرصده إذا ترقبته، فهي راصدة للكفار مترقبة لهم، أو مرصدة بمعنى معدة ومهيأة لهم، يقال: أرصدت له أعددت له.","part":4,"page":314},{"id":1907,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 315\rالكافرين فلا يتجاوزونها مَآباً (22) مرجعا لهم فيدخلونها لابِثِينَ حال مقدرة أي مقدر لبثهم فِيها أَحْقاباً (23) دهورا لا نهاية لها، جمع حقب بضم أوّله لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً نوما فإنهم لا يذوقونه وَلا شَراباً (24) ما يشرب تلذذا إِلَّا لكن حَمِيماً ماء حارا في غاية الحرارة وَغَسَّاقاً (25) بالتخفيف والتشديد ما يسيل من صديد أهل النار فإنهم يذوقونه، جوزوا بذلك جَزاءً وِفاقاً (26) موافقا لعملهم فلا ذنب أعظم من الكفر، ولا عذاب أعظم من النار إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ يخافون حِساباً (27) لإنكارهم البعث وَكَذَّبُوا بِآياتِنا القرآن كِذَّاباً (28) تكذيبا وَكُلَّ شَيْءٍ من الأعمال أَحْصَيْناهُ ضبطناه كِتاباً (29) كتبا في اللوح المحفوظ لنجازي عليه، ومن ذلك تكذيبهم بالقرآن فَذُوقُوا أي فيقال لهم في الآخرة عند وقوع العذاب عليهم:\rذوقوا جزاءكم فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً (30) فوق عذابكم إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (31) مكان فوز في الجنة\r______________________________\rقوله: أَحْقاباً ظرف للابثين. قوله: (لا نهاية لها) أي لمجموعها وإن كان كل منها متناهيا، وإنما قال: (لا نهاية لها) ليوافق قوله تعالى: خالِدِينَ فِيها أَبَداً.* قوله: (بضم أوله) أي وسكون ثانيه، وهو ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهرا، كل شهر ثلاثون يوما، كل يوم ألف سنة، عن الحسن قال: إن اللّه تعالى لم يجعل لأهل النار مدة بل قال: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً فو اللّه ما هو إلا أنه إذا مضى حقب دخل حقب إلى الأبد، وليس للأحقاب عدة إلا الخلود، وعن ابن مسعود قال: لو علم أهل النار أنهم يلبثون في النار عدد حصى الدنيا لفرحوا، ولو علم أهل الجنة أنهم يلبثون في الجنة عدد حصى الدنيا لحزنوا. قوله:\r(نوما) سمي النوم بردا لأنه يبرد صاحبه، ألا ترى أن العطشان إذا نام سكن عطشه، وهي لغة هذيل، وقال ابن عباس: البرد برد الشراب، وقال الزجاج: أي لا يذوقون فيها برد ريح، ولا ظل نوم، فجعل البرد برد كل شيء له راحة، فأما الزمهرير فهو برد عذاب لا راحة فيه.\rقوله: (لكن) حَمِيماً قضية كلامه أن الاستثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلا من عموم قوله ولا شرابا، والأحسن أنه بدل من شرابا، لأن الاستثناء من كلام غير موجب. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: جَزاءً وِفاقاً منصوب على المصدرية لمحذوف قدره المفسر بقوله: (جوزوا بذلك) الخ.\rقوله: (موافقا لعملهم) أشار بذلك إلى أن وِفاقاً صفة لجزاء بتأويله باسم الفاعل. قوله: إِنَّهُمْ كانُوا تعليل لقوله: جَزاءً وِفاقاً.\rقوله: كِذَّاباً بالتشديد باتفاق السبعة. قوله: وَكُلَّ شَيْءٍ منصوب على الاشتغال، أي وأحصينا كل شيء أحصيناه.\rقوله: (كتبا) أشار بذلك إلى أن كِتاباً مصدر من معنى الإحصاء على حد جلست قعودا، فمعنى كِتاباً، إحصاء. قوله: (في اللوح المحفوظ) وقيل في صحف الحفظة على بني آدم قوله: (و من ذلك) أي كل شيء.\rقوله: فَذُوقُوا أمر إهانة وتحقير، والجملة معمولة لمقدر كما أشار له المفسر. قوله: فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً قيل هذه أشد آية في القرآن على أهل النار، كلما استغاثوا بنوع من العذاب أغيثوا بأشد منه.\rقوله: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً مقابل قوله: إنّ لِلطَّاغِينَ مَآباً والمراد بالمتقين من اتقى الشرك بأن لم يموتوا كفارا.\rقوله: (مكان فوز) أشار بذلك إلى أن مَفازاً مصدر ميمي بمعنى المكان، ويصح أن يكون بمعنى الحدث، أي نجاة وظفرا بالمقصود. قوله: (بدل من مفازا) أي بدل بعض من كل.\rقوله: (عطف","part":4,"page":315},{"id":1908,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 316\rحَدائِقَ بساتين بدل من مفازا، أو بيان له وَأَعْناباً (32) عطف على مفازا وَكَواعِبَ أَتْراباً (33) جواري تكعبت ثديهنّ، جمع كاعب أَتْراباً على سن واحد، جمع ترب بكسر التاء وسكون الراء وَكَأْساً دِهاقاً (34) خمرا مالئة محالها، وفي القتال وأنهار من خمر لا يَسْمَعُونَ فِيها أي الجنة عند شرب الخمر وغيرها من الأحوال لَغْواً باطلا من القول وَلا كِذَّاباً (35) بالتخفيف أي كذبا، وبالتشديد أي تكذيبا من واحد لغيره، بخلاف ما يقع في الدنيا عند شرب الخمر جَزاءً مِنْ رَبِّكَ أي جزاهم اللّه بذلك جزاء عَطاءً بدل من جزاء حِساباً (36) أي كثيرا من قولهم: أعطاني فأحسبني أي أكثر علي حتى قلت حسبي رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بالجر والرفع وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ كذلك وبرفعه مع جر رب لا يَمْلِكُونَ أي الخلق مِنْهُ تعالى خِطاباً (37) أي لا يقدر أحد أن يخاطبه خوفا منه يَوْمَ ظرف للا يملكون يَقُومُ\r______________________________\rعلى مفازا) المناسب عطفه على حَدائِقَ عطف خاص على عام لمزيد شرف الأعناب. قوله: (تكعبت) أي استدارت مع ارتفاع يسير كالكعب. قوله: (ثديهن) بضم المثلثة وكسر الدال وتشديد الياء التحتية جمع ثدي. قوله: (على سن واحد) أي فلا اختلاف بينهن في الشكل ولا في العمر، لئلا يحصل الحزن إن وجد التخالف، ولا حزن في الجنة. قوله: (خمرا مالئة محالها) فسر الكأس بالخمر، والدهاق بالممتلئة، والمناسب ابقاء الكأس على ظاهرها، وتفسير الدهاق بالممتلئة لما في القاموس دهق الكأس ملأها، وفي المختار: أدهق الكأس ملأها، وكأس دهاق أي ممتلئة.\rقوله: لا يَسْمَعُونَ حال من المتقين. قوله: (و غيرها) الضمير عائد على الشرب، واكتسب التأنيث من المضاف إليه وهو الخمر، لأنه يذكر ويؤنث، وفي بعض النسخ وغيره وهي ظاهرة. قوله:\r(بالتخفيف) أي بوزن كتاب مصدر كذب ككتب، وقوله: (و بالتشديد) أي فهو مصدر كذب المشدد قراءتان سبعيتان هنا لعدم التصريح بفعله، وأما قوله: وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً فهو بالتشديد باتفاق السبعة، لوجود التصريح بالفعل المشدد.\rقوله: جَزاءً مِنْ رَبِّكَ أي بمقتضى وعده الحسن لأهل الطاعة، وهذا من مزيد الإكرام لأهل الجنة، كما يقول الشخص الكريم إذا بالغ في إكرام ضيفه: هذا من فضلك وإحسانك مثلا، وإلا فأي حق للمخلوق على خالقه. قوله: (بدل من جزاء) أي بدل كل من كل.\rقوله: حِساباً صفة لعطاء، وهو إما مصدر أقيم مقام الوصف، أو باق على مصدريته مبالغة، أو على حذف مضاف أي ذو كفاية، على حد زيد عادل.\rقوله: (بالجر) أي جر رَبِ على أنه بدل من ربك، وقوله: (و الرفع) أي على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو رب. قوله: (كذلك) أي بالجر والرفع، فالجر على أنه بدل من رب الأول، أو صفة للثاني، والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والجملة مستأنفة، وقوله: (و برفعه) أي الرحمن على أنه خبر لمحذوف، فالقراءات ثلاث سبعيات، رفعهما وجرهما، ورفع الرَّحْمنِ مع جر رَبِّ. قوله: (أي الخلق) أي من أهل السماوات والأرض، لغلبة الجلال في ذلك اليوم، فلا يقدر أحد على خطابه تعالى، في دفع بلاء ولا في رفع عذاب. قوله: مِنْهُ من ابتدائية متعلقة","part":4,"page":316},{"id":1909,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 317\rالرُّوحُ جبريل أو جند اللّه وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا حال أي مصطفين لا يَتَكَلَّمُونَ أي الخلق إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ في الكلام وَقالَ قولا صَواباً (38) من المؤمنين والملائكة كأن يشفعوا لمن ارتضى ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُ الثابت وقوعه وهو يوم القيامة فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (39) مرجعا أي رجع إلى اللّه بطاعته ليسلم من العذاب فيه إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ أي كفار مكة عَذاباً قَرِيباً أي عذاب يوم القيامة الآتي، وكل آت قريب يَوْمَ ظرف لعذابا بصفته يَنْظُرُ الْمَرْءُ كل امرئ ما قَدَّمَتْ يَداهُ من خير وشر وَيَقُولُ الْكافِرُ حرف تنبيه يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (40) يعني فلا أعذب، يقول ذلك عند ما يقول اللّه تعالى للبهائم بعد الاقتصاص من بعضها لبعض: كوني ترابا.\r______________________________\rبلا يملكون أو بخطابا.\rقوله: (أو جند اللّه) ذكر المفسر في معنى الرُّوحُ قولين من جملة أقوال ثمانية فقوله: (جند اللّه) أي جند من جنود اللّه، ليسوا ملائكة، لهم رءوس وايد وارجل، يأكلون الطعام على صورة بني آدم كالناس وليسوا بناس، ثالثها: أنه ملك ليس بعد العرش أعظم منه في السماء الرابعة، يسبح اللّه تعالى كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة يخلق اللّه من كل تسبيحة ملكا، فيجيء يوم القيامة وحده صفا. رابعها: أنهم أشراف الملائكة. خامسها: أنهم بنو آدم. سادسها: ارواح بني آدم تقوم صفا بين النفختين قبل أن ترد إلى الأجساد. سابعها: القرآن، لقوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً.\rثامنها: أنهم الحفظة على الملائكة.\rقوله: لا يَتَكَلَّمُونَ الخ، تأكيد لقوله: لا يَمْلِكُونَ والمعنى أن هؤلاء الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم من اللّه، إذا لم يقدروا أن يشفعوا إلا بإذنه، فكيف يملك غيرهم؟\rقوله: فَمَنْ شاءَ مفعوله محذوف دل عليه قوله: اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً ومن شرطية، وجوابها قوله: اتَّخَذَ الخ، أو محذوف تقديره فعل. قوله: إِلى رَبِّهِ أي إلى ثوابه، وهو متعلق بمآبا. قوله: (كل امرئ) أي مسلما أو كافرا، وأخذ العموم من أل الاستغراقية، والنظر بمعنى الرؤية، والمعنى يرى كل ما قدمه من خير وشر ثابتا في صحيفته، وخص اليدين بالذكر، لأن أكثر الأفعال تزاول بهما. قوله: (يقول ذلك عند ما يقول اللّه للبهائم) الخ، هذا أحد احتمالات ثلاثة. ثانيها: أنه يتمنى أن لو كان ترابا في الدنيا، فلم يخلق إنسانا ولم يكلف. ثالثها: أنه يتمنى أن لو كان ترابا في يوم القيامة، فلم يبعث ولم يحاسب. قوله: (بعد الاقتصاص من بعضها لبعض) أي فيقتص للجماء من القرناء اظهارا للعدل، وأما الجن فهم مكلفون كالإنس، يثابون ويعاقبون، فالمؤمن يدخل الجنة، والكافر يدخل النار على الصحيح.","part":4,"page":317},{"id":1910,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 318\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة النّازعات مكيّة وآياتها ست وأربعون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالنَّازِعاتِ الملائكة تنزع أرواح الكفار غَرْقاً (1) نزعا بشدة وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (2) الملائكة تنشط أرواح المؤمنين، أي تسلها برفق وَالسَّابِحاتِ\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة والنازعات\rمكية وهي ست وأربعون آية وفي بعض النسخ: سورة النازعات بغير واو.\rقوله: وَالنَّازِعاتِ الخ، اعلم أن اللّه تعالى أقسم بخمسة أقسام موصوفها محذوف، فاختلف المفسرون في تقدير الموصوف في الأربعة الأول، فبعضهم قدره الملائكة، وبعضهم قدره النجوم، وأما الخامس فالمراد بهم الملائكة بالإجماع، والتأنيث في الأوصاف ظاهر إن كان المراد النجوم، وإن كان الملائكة فالتأنيث باعتبار الطائفة كأنه قال: والطائفة النازعات، ومشى المفسر على أن المراد بها الملائكة وهو ظاهر. قوله: (الملائكة تنزع أرواح الكفار) الخ، قال ابن مسعود:\rإن ملك الموت واعوانه ينزعون روح الكافر، كما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل. قوله:\rغَرْقاً إما مصدر على حذف الزوائد بمعنى اغراقا، فهو ملاق لعامله في المعنى كقمت وقوفا أو حال أي ذوات اغراق، يقال: اغرق في الشيء إذا بلغ أقصى غايته. قوله: (نزعا بشدة) أي لما ورد: أن كل نزعة اعظم من سبعين ألف ضربة بالسيف، ويرى أن السماوات السبع انطبقت على الأرض وهو بينهما.\rقوله:\r(تنشط أرواح المؤمنين) بفتح أوله وكسر ثانيه من باب ضرب، يقال: نشط في عمله خف وأسرع فيه، وانشطت البعير من عقاله أطلقته، ونَشْطاً وما بعده مصادر مؤكدة لعواملها، والسبب في شدة نزع ارواح الكفار، وسهولة نزع ارواح المؤمنين، أن كلّا يرى قبل الموت مقعده الذي أعد له، فالمؤمن يزداد فرحا وشوقا، فلا يشاهد ألما ولا يحس به، والكافر تأبى روحه الخروج، لمزيد الحزن والكرب الذي تجده عنده رؤية مقعدها في النار، فتنزع كرها بشدة فيجدها الكافر.\rقوله: وَالسَّابِحاتِ أي الملائكة النازلين برفق ولطافة، كالسابح في الماء، وكالفرس الجواد إذا","part":4,"page":318},{"id":1911,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 319\rسَبْحاً (3) الملائكة تسبح من السماء بأمره تعالى أي تنزل فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (4) الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (5) الملائكة تدبر أمر الدنيا أي تنزل بتدبيره، وجواب هذه الأقسام محذوف أي لتبعثن يا كفار مكة وهو عامل في يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) النفخة الأولى بها يرجف كل شيء أي يتزلزل فوصفت بما يحدث منها تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) النفخة الثانية وبينهما أربعون سنة، والجملة حالة من الراجفة، فاليوم واسع للنفختين وغيرهما، فصح ظرفيته للبعث الواقع عقب الثانية قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (8) خائفة قلقة أَبْصارُها خاشِعَةٌ (9) ذليلة لهول ما ترى يَقُولُونَ أي أرباب القلوب والأبصار استهزاء وإنكارا للبعث أَإِنَّا بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين في الموضعين لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (10) أي أنرد بعد الموت إلى الحياة؟ والحافرة اسم لأول الأمر ومنه رجع فلان في حافرته إذا رجع من حيث جاء أَإِذا كُنَّا\r______________________________\rاسرع في جريه لقبض الأرواح، فملائكة الرحمة تذهب للمؤمن، وملائكة العذاب تذهب للكافر، فقول المفسر (بأمره تعالى) محمول على أمر خاص، وهو قبض الأرواح كما علمت،\rلترتب قوله: فَالسَّابِقاتِ عليه،\rوأما التدبير العام فيأتي في قوله: فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً. قوله: (تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة) أي وبأرواح الكفار إلى النار، ففي الكلام اكتفاء، وحينئذ فتلك الأوصاف الأربعة للملائكة التي تقبض الأرواح. قوله: (الملائكة تدبر أمر الدنيا) أي وهم جبريل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل، فجبريل موكل بالرياح والجنود، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، وعزرائيل موكل بقبض الأرواح، واسرافيل موكل بالصور. قوله: (أي تنزل بتدبيره) أشار بذلك إلى أن اسناد التدبير إلى الملائكة مجاز؛ والمدبر حقيقة اللّه تعالى، فهم أسباب عادية مظهر للتدبير، قوله: (لتبعثن يا كفار مكة) خصهم وإن كان البعث عاما للمسلم والكافر، لأن القسم إنما يكون للمنكر، والمسلم مصدق بمجرد الإخبار، فلا يحتاج للإقسام.\rقوله: (بها يرجف كل شيء) أي فهذا وجه تسميتها راجفة.\rقوله: تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ سميت بذلك لأنها تردفها وتأتي بعدها، ولا شيء بينهما. قوله: (فاليوم واسع) الخ، جواب عما يقال: إن وقت الراجفة موت لا بعث، فكيف يجعل ظرفا لتبعثن المقدر؟ وإيضاح جوابه: البعث يحصل في الوقت الذي يجمع النفختين إذ هو متسع، فكأنه قال: تبعثن وقت حصول النفخة الأولى المتبوعة بالنفخة الثانية. قوله: (للبعث) أي المقدر جوابا للقسم.\rقوله: قُلُوبٌ مبتدأ، ويَوْمَئِذٍ ظرف لواجفة، وواجِفَةٌ صفة لقلوب، وهو المسوغ للابتداء بالنكرة،\rوأَبْصارُها مبتدأ ثان، وخاشِعَةٌ خبره، والجملة خبر الأول. قوله: أَبْصارُها أي أبصار أصحاب القلوب.\rقوله: يَقُولُونَ حكاية حالهم في الدنيا، وهو استبعاد منهم. قوله: (و إدخال ألف بينهما) أي وتركه، فالقراءات أربع سبعيات في كل من الموضعين. قوله: فِي الْحافِرَةِ متعلق بمردودون. قوله:\r(إلى الحياة) أشار بذلك إلى أن فِي بمعنى إلى، وأن الْحافِرَةِ بمعنى الحياة. قوله: (و الحافرة اسم لأول الأمر) أي والأصل فيها، أن الإنسان إذا رجع في طريقه، أثرت قدماه فيها حفرا، فهو مثل لمن يردّ من حيث جاء.\rقوله: أَإِذا كُنَّا عِظاماً العامل في إذا محذوف يدل عليه مردودون، والمعنى: أَإِذا كُنَّا","part":4,"page":319},{"id":1912,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 320\rعِظاماً نَخِرَةً (11) وفي قراءة ناخرة بالية متفتتة نحيا قالُوا تِلْكَ أي رجعتنا إلى الحياة إِذاً إن صحت كَرَّةٌ رجعة خاسِرَةٌ (12) ذات خسران، قال تعالى فَإِنَّما هِيَ أي الرادفة التي يعقبها البعث زَجْرَةٌ نفخة واحِدَةٌ (13) فَإِذا هُمْ أي كل الخلائق بِالسَّاهِرَةِ (14) بوجه الأرض أحياء بعد ما كانوا ببطنها أمواتا هَلْ أَتاكَ يا محمد حَدِيثُ مُوسى (15) عامل في إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (16) اسم الوادي بالتنوين وتركه فقال تعالى اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (17) تجاوز الحد في الكفر فَقُلْ هَلْ لَكَ أدعوك إِلى أَنْ تَزَكَّى (18) وفي قراءة بتشديد\r______________________________\rعِظاماً بالية نرد ونبعث؟ والاستفهام لتأكيد الإنكار. قوله: نَخِرَةً من نخر العظم، فهو نخر وناخر، وهو البالي الأجوف الذي تمر به الريح فيسمع له نخير أي تصويت.\rقوله: قالُوا تِلْكَ الخ؛ حكاية لكفر آخر، مفرع على كفرهم السابق، وتِلْكَ مبتدأ مشار بها للرجفة، والرد في الْحافِرَةِ، وكَرَّةٌ خبرها، وخاسِرَةٌ صفة أي ذات خسران، والمعنى: إن كان رجوعنا إلى القيامة حقا كما تقول، فتلك الرجعة رجعة خاسرة لعدم عملنا لها. قوله: إِذاً حرف جواب وجزاء عند الجمهور دائما، وقيل: قد لا تكون جوابا. قوله: (ذات خسران) أي والمراد خسران أصحابها. قوله: (قال تعالى) أشار بذلك إلى أن هذا من كلامه تعالى ردا عليهم. قوله: (نفخة) سميت زجرة لأنها صيحة لا يمكن التخلف عنها.\rقوله: فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ جواب شرط محذوف قدره بقوله:\r(فإذا نفخت) وسميت ساهرة لأنه لا نوم عليها من أجل الخوف والحزن. قيل: (بوجه الأرض) وقيل:\rأرض من فضة يخلقها اللّه تعالى، وقيل: جبل بالشام يمده اللّه تعالى يوم القيامة لحشر الناس عليه، وقيل غير ذلك. قوله: (أحياء) خبر عن هُمْ وقوله: بِالسَّاهِرَةِ متعلق بأحياء، ولو قال: فإذا هم أحياء بالساهرة لكان أولى.\rقوله: هَلْ أَتاكَ الخ، المقصود منه تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم وتحذير قومه من مخالفته، فيحصل لهم ما حصل لفرعون، كأن اللّه تعالى يقول لنبيه: اصبر كما صبر موسى، فإن قومك وإن بلغوا في الكفر مهما بلغوا، لم يصلوا في العتوّ كفرعون، وقد انتقم اللّه منه، مع شدة بأسه وكثرة جنوده، وهَلْ بمعنى قد، إن ثبت أنه أتاه ذلك الحديث قبل هذا الاستفهام، وأما إذا لم يكن أتاه قبل ذلك، فالاستفهام لحمل المخاطب على طلب الأخبار.\rقوله: (عامل في) إِذْ ناداهُ أي فإذا معمول لحديث لا لأتاك لاختلاف الوقت. قوله:\rالْمُقَدَّسِ أي المطهر، حيث شرفه اللّه تعالى بإنزال النبوة فيه على موسى. قوله: (اسم الوادي) أي وسمي طوى، لطي الشدائد عن بني اسرائيل، وجمع الخيرات لموسى، وهو واد بالطور، بين أيلة ومصر.\rقوله: (بالتنوين وتركه) أي فالتنوين باعتبار المكان وكونه نكرة، وتركه باعتبار البقعة وكونه معرفة، وهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: (فقال تعالى) أشار بذلك إلى أن قوله: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ معمول لقول محذوف، ويصح أن يكون على حذف إن التفسيرية أو المصدرية. قوله: إِلى فِرْعَوْنَ كان طوله أربعة أشبار، ولحيته أطول منه وكانت خضراء، فاتخذ القبقاب يمشي عليه خوفا من أن يمشي على لحيته، وهو أول من اتخذه. قوله: إِنَّهُ طَغى تعليل للأمر. قوله: (تجاوز الحد في الكفر) أي بتكبره على اللّه واستعباده خلقه.","part":4,"page":320},{"id":1913,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 321\rالزاي بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها تتطهر من الشرك بأن تشهد أن لا إله إلا اللّه وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ أدلك على معرفته بالبرهان فَتَخْشى (19) فتخافه فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (20) من آياته التسع وهي اليد أو العصا فَكَذَّبَ فرعون موسى وَعَصى (21) اللّه تعالى ثُمَّ أَدْبَرَ عن الإيمان يَسْعى (22) في الأرض بالفساد فَحَشَرَ جمع السحرة وجنده فَنادى (23) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (24) لا رب فوقي فَأَخَذَهُ اللَّهُ أهلكه بالغرق نَكالَ عقوبة الْآخِرَةِ أي\r______________________________\rقوله: فَقُلْ هَلْ لَكَ الخ، أمر اللّه تعالى موسى عليه السّلام بأن يقول له قولا لينا، لعله يتذكر أو يخشى، فخاطبه بالاستفهام الذي معناه العرض، ليجره إلى الهدى باللطف والرفق. قوله: (أدعوك) الخ، هذا حل معنى لا حل اعراب، واعرابه أن هَلْ لَكَ خبر مبتدأ محذوف، وإِلى أَنْ تَزَكَّى متعلق بذلك المبتدأ، والتقدير: هل ثبت لك سبيل وميل إلى التزكية. قوله: (و في قراءة بتشديد الزاي) أي سبعية أيضا، وقوله: (بإدغام التاء الثانية) أي على التشديد، وأما على التخفيف ففيه حذف إحدى التاءين.\rقوله: وَأَهْدِيَكَ معطوف على تَزَكَّى وقوله: (أدلك على معرفته بالبرهان) الخ؛ إشارة إلى أن الدلالة على المعرفة تحصل بعد التطهر من الشرك، فهي واجبة وجوب الفروع، وأما التطهر بالدخول في الإسلام فمن وجوب الأصول. قوله: فَتَخْشى جعل الخشية غاية للهدى لأنها ملاك الأمور، إذ هي خوف مع تعظيم، فمن خشي ربه أتى منه كل خير، فالخشية أعظم من الخوف، واعلم أن أوائل العلم باللّه، الخشية من اللّه، ثم الإجلال، ثم الهيبة، ثم الفناء عما سواء.\rقوله: فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى عطف على محذوف تقديره: فذهب إليه وقال له ما ذكر، فطلب منه آية فأراه الخ، والضمير المستتر فيه عائد على موسى، والبارز عائد على فرعون، وهو المفعول الأول، والثاني قوله: الْآيَةَ الْكُبْرى صفة للآية. قوله: (أو العصا) هذا هو التحقيق، إذ كل ما في اليد حاصل في العصا وتزيد أمورا أخرى فغاية ما في اليد انقلاب لونها، ولا شك أن العصا كما انقلبت حية، لا بد وأن يتغير لونها وتزيد القوة الشديدة، وابتلاعها أشياء كثيرة، وكونها تصير حيوانا، ثم تصير جمادا، وغير ذلك، إذ كل واحد من هذه الوجوه معجز، ولا يصح أن يراد بالآية الكبرى مجموع معجزاته، لأن ما ظهر على يده من بقية الآيات، إنما كان بعد ما غلب السحرة.\rقوله: فَكَذَّبَ (فرعون موسى) أي في كون ما أتى به من عند اللّه. قوله: وَعَصى أي بعد ما رأى الآيات.\rقوله: ثُمَّ أَدْبَرَ أي تولى وأعرض عن الإيمان. قوله: يَسْعى حال من الضمير في أَدْبَرَ. قوله: (جمع السحرة) أي للمعارضة، وقوله: (و جنده) أي للقتال، وكان السحرة اثنين وسبعين، اثنان من القبط، والسبعون من بني اسرائيل، وتقدم في الأعراف جملة أقوال في عددهم، وكانت عدة بني اسرائيل ستمائة ألف وسبعين ألفا، وعدة جيش فرعون ألف ألف وستمائة ألف.\rقوله: فَنادى أي بنفسه أو بمناديه.\rقوله: فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى أي بعد ما قال له موسى:\rرب أرسلني إليك، فإن آمنت بربك تكون أربعمائة سنة في النعيم والسرور، ثم تموت فتدخل الجنة، فقال: حتى أستشير هامان، فاستشاره فقال: أتصير عبدا بعد ما كنت ربا؟ فعند ذلك جمع السحرة","part":4,"page":321},{"id":1914,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 322\rهذه الكلمة وَالْأُولى (25) أي قوله قبلها: ما علمت لكم من إله غيري، وكان بينهما أربعون سنة إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (26) اللّه تعالى أَأَنْتُمْ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه أي منكر والبعث أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ أشد خلقا بَناها (27) بيان لكيفية خلقها رَفَعَ سَمْكَها تفسير لكيفية البناء، أي جعل سمتها في جهة العلو رفيعا، وقيل سمكها سقفها فَسَوَّاها (28) جعلها مستوية بلا عيب وَأَغْطَشَ لَيْلَها أظلمه وَأَخْرَجَ ضُحاها (29) أبرز نور شمسها، وأضيف إليها الليل لأنه ظلها، والشمس لأنها سراجها وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (30) بسطها، وكانت مخلوقة قبل السماء من غير دحو أَخْرَجَ حال بإضمار قد، أي مخرجا مِنْها ماءَها (31) بتفجير عيونها وَمَرْعاها ما ترعاه النعم من الشجر\r______________________________\rوالجنود، فلما اجتمعوا قام عدو اللّه على سريره فقال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى.\rقوله: نَكالَ منصوب على أنه مصدر لأخذ، والمعنى: أخذه أخذ نكال، أو مفعول لأجله، أي لأجل نكاله. قوله: (أي هذه الكلمة) أي قوله: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى. قوله: (المذكور) أي من التكذيب والعصيان والإدبار والحشر والنداء الواقع من فرعون.\rقوله: لِمَنْ يَخْشى أي لمن كان من شأنه الخشية، وخصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بذلك.\rقوله: أَأَنْتُمْ استفهام تقريع وتوبيخ لمنكري البعث من أهل مكة. قوله: (بتحقيق الهمزتين) أي مع إدخال ألف وتركه، فالقراءات خمس سبعيات: التحقيق والتسهيل إما مع الألف أو تركها والإبدال.\rقوله: أَمِ السَّماءُ أي فمن قدر على خلقها مع عظمها يقدر على الإعادة، وهو عطف على أَأَنْتُمْ فالوقف على السماء، والابتداء بما بعدها. قوله: أَشَدُّ خَلْقاً أشار بذلك إلى أن قوله: أَمِ السَّماءُ مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله.\rقوله: رَفَعَ سَمْكَها أي ثخنها وغلظها، وهو الارتفاع الذي بين سطح السفلى الأسفل، وسطحها الأعلى وقدره خمسمائة عام. (أي جعل سمتها) أي مقدار ذهابها في سمت العلو، فالمراد بالسمت السمك. قوله: (و قيل سمكها سقفها) أي فمعنى رفع سمكها على هذا، جعلها مرفوعة عن الأرض. قوله: (جعلها مستوية) أي ملساء، ليس فيها ارتفاع ولا انخفاض. قوله:\r(اظلمه) أي جعله مظلما بمغيب شمسها. قوله: (أبرز نور شمسها) المراد بنور الشمس النهار، لوقوعه في مقابلة الليل، فكنى بالنور عن النهار، وعبر عن النهار بالضحى لأنه أكمل اجزائه. قوله: (لأنه ظلها) أي لأنه أول ما يظهر عند الغروب من أفق السماء. قوله: (لأنها سراجها) أي الشمس سراج السماء وفيه: أنه يقتضي أن ضوء الشمس يظهر في السماء، مع أن المقدم خلافه، وهو أن نورها إنما يظهر في الأرض، ونور السماوات بنور العرش، ويجاب: بأنه لا يلزم من كونها موضع سراج لها أن يكون نورها به.\rقوله: وَالْأَرْضَ منصوب على الاشتغال. قوله: بَعْدَ ذلِكَ أي بألفي عام، وقوله:\rدَحاها يقال: دحا يدحو دحوا ودحيا كدعا، بسط ومد، فهو من ذوات الواو والياء. قوله: (و كانت مخلوقة) الخ، أي فلا معارضة بين ما هنا وآية فصلت، لأنه ابتدأ خلق الأرض غير مدحوة، ثم خلق","part":4,"page":322},{"id":1915,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 323\rوالعشب، وما يأكله الناس من الأقوات والثمار، وإطلاق المرعى عليه استعارة وَالْجِبالَ أَرْساها (32) أثبتها على وجه الأرض لتسكن مَتاعاً مفعول له لمقدر، أي فعل ذلك متعة أو مصدر تمتيعا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (33) جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (34) النفخة الثانية يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ بدل من إذا ما سَعى (35) في الدنيا من خير وشر وَبُرِّزَتِ أظهرت الْجَحِيمُ النار المحرقة لِمَنْ يَرى (36) لكل راء، وجواب إذا فَأَمَّا مَنْ طَغى (37) كفر وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (38) باتباع الشهوات فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (39) مأواه وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ قيامه بين يديه وَنَهَى النَّفْسَ الأمّارة عَنِ الْهَوى (40) المردي باتباع\r______________________________\rالسماء، ثم دحا الأرض. قوله: (و إطلاق المرعى عليه) أي على ما يأكله الناس. قوله: (استعارة) أي مجاز، فاستعمل المرعى في مطلق المأكول للإنسان، وغيره من استعمال المقيد في المطلق، أو هو استعارة تصريحية، حيث شبه أكل الناس برعي الدواب. قوله: (مفعول له المقدر) أي لفعل مقدر، وقوله: (أو مصدر) أي تمتيعا، كالسلام بمعنى التسليم، وهو لفعل مقدر أيضا تقديره متعناكم بها تمتيعا.\rقوله:\rوَلِأَنْعامِكُمْ خص الأنعام لشرفها، وإلا فهو متاع لسائر دواب الأرض.\rقوله: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى الفاء فاء الفصيحة، أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره إذا علمت ما تقدم الخ. قوله: الطَّامَّةُ الْكُبْرى أي الداهية التي تعلو على الدواهي، فهي أعظم من كل عظيم، وخص ما هنا بالطامة الكبرى، موافقة لقوله قبل فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى بخلاف ما في عبس، فإنه لم يتقدمه شيء من ذلك، فخصت بالصاخة، وهي الصوت الشديد الواقع بعد الداهية الكبرى فناسب جعل الطم للسابقة والصخ للاحقة. قوله: (بدل من إذا) أي بدل كل أو بعض.\rقوله: وَبُرِّزَتِ عطف على جاءَتِ والعامة على بنائه للمفعول مشددا، ولِمَنْ يَرى بياء الغيبة مبنيا للفاعل، ومعناه يبصر، وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد. قوله: (لكل راء) أي من كل من له عين وبصر من المؤمنين والكفار، لكن الناجي لا ينصرف بصره إليها فلا يراها بالفعل، والكافر هي مأواه.\rقوله: (و جواب إذا) فَأَمَّا مَنْ طَغى الخ فيه نوع تساهل، لأن قوله: فَأَمَّا مَنْ طَغى الخ، بيان لحال الناس في الدنيا، وقوله: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الخ، بيان لحالهم في الآخرة، فالأولى ما سلكه غيره، من أن الجواب محذوف، يدل عليه التفصيل المذكور تقديره: دخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة. قوله: (باتباع الشهوات) أي المحرمات. قوله: (مأواه) أي فأل عوض عن الضمير العائد على مَنْ طَغى.\rقوله: وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ مقابل قوله: فَأَمَّا مَنْ طَغى الخ، واعلم أن الخوف من اللّه تعالى مرتبتان: مرتبة العامة وهي الخوف من العذاب، ومرتبة الخاصة وهي الخوف من جلال اللّه تعالى، والآية صادقة بهما، وأضيف المقام للّه تعالى، وإن كان وصفا للعبد، من حيث كونه بين يديه ومقاما لحسابه. قوله: (الأمارة) قيد بها لأنها هي تكون مذمومة الهوى، وأما غيرها فهواها محمود، لما في الحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تابعا لما جئت به». قوله: (المردي) أي المهلك، قوله: (باتباع","part":4,"page":323},{"id":1916,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 324\rالشهوات فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (41) وحاصل الجواب فالعاصي في النار، والمطيع في الجنة يَسْئَلُونَكَ أي كفار مكة عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (42) متى وقوعها وقيامها؟ فِيمَ في أي شيء أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (43) أي ليس عندك علمها حتى تذكرها إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (44) منتهى علمها لا يعلمه غيره إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ إنما ينفع إنذارك مَنْ يَخْشاها (45) يخافها كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا في قبورهم إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (46) أي عشية يوم أو بكرته وصح إضافة الضحى إلى العشية لما بينهما من الملابسة، إذ هما طرفا النهار، وحسن الاضافة وقوع الكلمة فاصلة.\r______________________________\rالشهوات) متعلق بالمردي والباء سببية. قوله: (و حاصل الجواب) الخ، أشار بذلك إلى أن أَمَّا لمجرد التأكيد وليست للتفصيل، لعدم تقدم مقتضيه، وصار المعنى (فالعاصي في النار) الخ، وفيه أنه يحوج لتكلف، فالأحسن ما قدمناه من أن الجواب محذوف، والآية دليل عليه.\rقوله: أَيَّانَ مُرْساها تفسير لسؤالهم.\rقوله: فِيمَ أَنْتَ فِيمَ خبر مقدم، وأَنْتَ مبتدأ مؤخر، وقوله: مِنْ ذِكْراها متعلق بما تعلق به الخبر، والاستفهام انكاري، والمعنى: ما أنت من ذكراها لهم، وتبيين وقتها في شيء، فليس لك علم بها حتى تخبرهم به، وهذا قبل اعلامه بوقتها، فلا ينافي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يخرج من الدنيا حتى أعلمه اللّه بجميع مغيبات الدنيا والآخرة، ولكن أمر بكتم أشياء، منها كما تقدم التنبيه عليه غير مرة.\rقوله:\rإِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها أي إنك مرسل بالإنذار لمن يخافها، وهو لا يتوقف على علم المنذر بوقت قيامها، وخص من يخشى بالذكر لأنه المنتفع بها، وقد أشار له المفسر بقوله: (إنما ينفع انذارك). قوله:\r(يخافها) أي يخاف هولها.\rقوله: كَأَنَّهُمْ أي كفار قريش. قوله: إِلَّا عَشِيَّةً هي من الزوال إلى غروب الشمس، قوله:\rأَوْ ضُحاها أي ضحى عشية من العشايا، وهي البكرة إلى الزوال، والمراد ساعة من نهار من أوله أو آخره، لا عشية بتمامها، أو ضحوة بتمامها. قوله: (أي عشية يوم) الخ، أشار بذلك إلى أن التنوين عوض عن المضاف إليه. قوله: (و صح إضافة الضحى) الخ، جواب عن سؤال مقدر تقديره العشية، لا ضحى لها، وإنما الضحى لليوم، فما وجه إضافة الضحى لضمير العشية؟ فأجاب: بأنهما لما كانتا من يوم واحد، كانت بينهما ملابسة، فصح إضافة احداهما للأخرى. قوله: (وقوع الكلمة فاصلة) أي رأس آية تناسب رءوس الآي قبلها.","part":4,"page":324},{"id":1917,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 325\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة عبس مكيّة وآياتها ثنتان وأربعون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عَبَسَ النبي كلح وجهه وَتَوَلَّى (1) أعرض لأجل أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (2) عبد اللّه ابن أم مكتوم فقطعه عما هو مشغول به ممن يرجو إسلامه من أشراف قريش الذي هو حريص على إسلامهم، ولم يدر الأعمى أنه مشغول بذلك، فناداه: علمني مما علمك اللّه، فانصرف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى بيته، فعوقب في ذلك بما نزل في هذه السورة، فكان بعد\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة عبس\rمكية وهي اثنتان وأربعون آية وتسمى سورة السفرة، وسورة الأعمى.\rقوله: عَبَسَ وَتَوَلَّى الخ، إنما أتى بضمائر الغيبة، تلطفا به صلّى اللّه عليه وسلّم واجلالا له، لما في المشافهة بتاء الخطاب، ما لا يخفى من الشدة والصعوبة، وهذا نظير تقديم العفو على العتاب في قوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ الخ، وناهيك بذلك محبة وشرفا، ومن ذلك قول عائشة: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك، فسيئات المحبوب حسنات، قال أبو الحسن الشاذلي: واجعل سيئاتنا سيئات من احببت. قوله: (كلح) بالتخفيف من باب خضع، ووجهه فاعل.\rقوله: أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى تنازعه كل من عبس وتولى، أعمل الأول على مذهب الكوفيين، والثاني على مذهب البصريين، واضمر في المهمل وحذف. قوله: (عبد اللّه) أي ابن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي، اشتهر بأم أبيه أم مكتوم، واسمها عاتكة بنت عامر المخزومي، أسلم قديما بمكة، وكان ابن خالة خديجة بنت خويلد، واستخلفه صلّى اللّه عليه وسلّم على المدينة ثلاث عشرة مرة في غزواته، قتل شهيدا بالقادسية، قال أنس بن مالك: رأيته يوم القادسية وعليه درع ومعه راية سوداء. قوله: (فقطعه عما هو مشغول به) ما واقعة على القول بدليل قوله: (ممن يرجو إسلامه من أشراف قريش) ففيه اطلاق ما على العاقل، وهو مذهب سيبويه. قوله: (الذي هو حريص على إسلامهم) نعت لأشراف قريش، وكان المناسب التعبير بالذين. قوله: (فناداه) أي وكرر ذلك، قوله: (مما علمك اللّه) أي وهو القرآن والإسلام،","part":4,"page":325},{"id":1918,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 326\rذلك يقول له إذا جاء: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي» ويبسط له رداءه وَما يُدْرِيكَ يعلمك لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) فيه إدغام التاء في الأصل في الزاي، أي يتطهر من الذنوب بما يسمع منك أَوْ يَذَّكَّرُ فيه إدغام التاء في الأصل في الذال أي يتعظ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (4) العظة المسموعة منك، وفي قراءة بنصب تنفعه جواب الترجي أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (5) بالمال فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وفي قراءة بتشديد الصاد بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها تقبل وتتعرض وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) يؤمن وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (8) حال من فاعل جاء وَهُوَ يَخْشى (9) اللّه حال من فاعل يسعى وهو الأعمى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) فيه حذف التاء الأخرى في الأصل أي تتشاغل كَلَّا لا تفعل مثل ذلك إِنَّها أي\r______________________________\rوإيضاح ما قاله المفسر: أن الأعمى جاءه وعنده صناديد قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، يدعوهم إلى الإسلام، رجاء أن يسلم أولئك الأشراف الذين كان يخاطبهم، فيتأيد بهم الإسلام، ويسلم بإسلامهم أتباعهم، فتعلو كلمة اللّه تعالى، فقال: يا رسول اللّه أقرئني وعلمني مما علمك اللّه تعالى، وكرر ذلك وهو لا يعلم،، فتشاغل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالقوم، فكره رسول اللّه قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد: إنما اتبعه العميان والعبيد والسفلة، فعبس وجهه وأعرض عنه، وأقبل على القوم الذين يكلمهم، فأنزل اللّه هذه الآيات. إن قلت: إن ابن أم مكتوم اعطاه اللّه من السمع ما يغني عن البصر، فهو وإن لم ير القوم، لكنه لشدة سمعه، كان يسمع مخاطبة النبي معهم، وحينئذ فيكون اقدامه على قطع كلام رسول اللّه ايذاء له فيكون معصية، فكيف يعاتب عليه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ وكيف يقول المفسر (و لم يدر الأعمى) الخ، أجيب: أن عدم علمه، لعله من أجل دهشته بقدومه على رسول اللّه، ولا شك أن جلاله صلّى اللّه عليه وسلّم وجماله يدهش العقول، ولا سيما بالمحب المشتاق الراغب في التعليم، وعتابه صلّى اللّه عليه وسلّم بالنظر لما علمه اللّه من طردهم عن رحمته، لا بالنظر لظاهر شرعه، وإلا فهو صلّى اللّه عليه وسلّم لم يفعل مكروها، ولا خلاف الأولى، إذ الأهم مقدم على المهم، وإنما ذلك من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين. قوله: (و يبسط له رداءه) أي ويقول له: هل لك من حاجة؟\rقوله: وَما يُدْرِيكَ فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وما استفهامية مبتدأ، وجملة يُدْرِيكَ خبره، والكاف مفعول أول، وجملة قوله: لَعَلَّهُ يَزَّكَّى سادة مسد المفعول الثاني. قوله:\r(أي يتطهر من الذنوب) أي لا من الشرك، لأنه أسلم قديما بمكة.\rقوله: أَوْ يَذَّكَّرُ عطف على يَزَّكَّى. قوله: فَتَنْفَعَهُ بالرفع عطف على أَوْ يَذَّكَّرُ. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا.\rقوله: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى أي عما عندك من الإيمان والقرآن والعلوم.\rقوله: فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى الجار والمجرور متعلق بتصدى، قدم عليه رعاية للفاصلة، وأصل تَصَدَّى تصدد، أبدلت الدال الثانية حرف علة. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا.\rقوله: (تقبل) أي بالإصغاء إلى كلامه. قوله:\rوَما عَلَيْكَ الخ ما نافية، وعَلَيْكَ خبر مبتدأ محذوف، وقوله: أَلَّا يَزَّكَّى متعلق بالمبتدإ المحذوف، والتقدير: ليس عليك بأس في عدم تزكيته.\rقوله: وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى أي يسرع ويمشي في طلب الخير. قوله: (و هو الأعمى) تفسير لمن.\rقوله: (أي تتشاغل) أي بدعاء قريش إلى الإسلام، وهذا الشغل وإن كان واجبا عليه، إلا أنه عوتب نظرا","part":4,"page":326},{"id":1919,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 327\rالسورة أو الآيات تَذْكِرَةٌ (11) عظة للخلق فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (12) حفظ ذلك فاتعظ به فِي صُحُفٍ خبر ثان لأنها وما قبله اعتراض مُكَرَّمَةٍ (13) عند اللّه مَرْفُوعَةٍ في السماء مُطَهَّرَةٍ (14) منزهة عن مس الشياطين بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كتبة ينسخونها من اللوح المحفوظ كِرامٍ بَرَرَةٍ (16) مطيعين للّه تعالى وهم الملائكة قُتِلَ الْإِنْسانُ لعن الكافر ما أَكْفَرَهُ (17) استفهام توبيخ، أي ما حمله على الكفر مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) استفهام تقرير ثم بينه فقال مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) علقة ثم مضغة إلى آخر خلقه ثُمَّ السَّبِيلَ أي طريق خروجه من بطن أمه يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) جعله في قبر يستره ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (22) للبعث\r______________________________\rللحقيقة كما علمت. قوله: (لا تفعل مثل ذلك) روي أنه ما عبس بعد ذلك في وجه فقير قط، ولا تصدى لغني.\rقوله: ذَكَرَهُ أي التذكرة، وذكر الضمير لأن التذكرة بمعنى التذكر والوعظ.\rقوله: فِي صُحُفٍ أي مثبتة في صحف مع الملائكة، منقولة من اللوح المحفوظ، قال المفسرون: إن القرآن أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، أملاه جبريل على ملائكة السماء الدنيا فكتبوه كله، وبقيت تلك الصحيفة عندهم، فصار جبريل ينزل منها بالآية والآيتين على النبي عليه الصلاة والسّلام، حتى استكمل انزال القرآن في ثلاث وعشرين سنة. قوله: (و ما قبله اعتراض) أي بين الخبرين.\rقوله: سَفَرَةٍ جمع سافر، وكاتب وزنا ومعنى.\rقوله: كِرامٍ أي مكرمين معظمين عند اللّه. قوله: (لعن الكافر) أي طرد عن رحمة اللّه، وفيه إشارة إلى أن المراد بالإنسان الكافر، لا كل إنسان،\rقوله: ما أَكْفَرَهُ تعجب من إفراط كفره، مع كثرة احسان اللّه عليه، وفي الآية اشكال من وجهين، الأول: إن قوله: قُتِلَ الْإِنْسانُ يوهم الدعاء وهو إنما يكون من العاجز، فكيف يليق ذلك بالقادر على كل شيء؟ الثاني: أن التعجب استعظام أمر خفي سببه، وهذا المعنى محال على اللّه تعالى، إذ هو العالم بالأشياء اجمالا وتفصيلا. أجيب: بأن هذا الكلام جار على أسلوب العرب، لبيان استحقاقه لأعظم العقاب، حيث أتى بأعظم القبائح كقولهم: إذ تعجبوا من شيء قاتله اللّه ما اخبثه. وأجيب أيضا: بأن الأول ليس دعاء، بل هو اخبار من اللّه بأنه طرده عن رحمته، والثاني أنه ليس تعجبا، بل استفهام توبيخ، وعليه درج المفسر، فهما تقريران. قوله: (أي ما حمله على الكفر) أي أي شيء دعاه إليه. قوله: (استفهام تقرير) أي وتحقير لحقارة النطفة التي هي أصله، ولذا قال بعضهم: ما لابن آدم والفخر، أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو بينهما حامل للعذرة. قوله: (ثم بينه) أي الشيء المخلوق هو منه.\rقوله: فَقَدَّرَهُ أي قدر أطواره، وهو تفصيل لما أجمل في قوله: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ.\rقوله: ثُمَّ السَّبِيلَ منصوب على الاشتغال بفعل يفسره المذكور، ولم يقل ثم سبيله بالإضافة إلى ضميره، اشعارا بأنه سبيل عام. قوله: (أي طريق خروجه من بطن أمه) قال بعضهم: إن رأس المولود في بطن أمه من فوق ورجليه من تحت، فهو في بطن أمه على الانتصاب، فإذا جاء وقت خروجه، انقلب بإلهام من اللّه تعالى.\rقوله: ثُمَّ أَماتَهُ الخ، عد الإماتة من النعم، باعتبار أنها وصلة في الجملة للحياة الأبدية والنعيم الدائم. قوله: فَأَقْبَرَهُ أي أمر بقبره، يقال: قبر الميت إذا دفنه بيده، وأقبره إذا أمر غيره","part":4,"page":327},{"id":1920,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 328\rكَلَّا حقا لَمَّا يَقْضِ لم يفعل ما أَمَرَهُ (23) به ربه فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ نظر اعتبار إِلى طَعامِهِ (24) كيف قدّر ودبر له أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ من السحاب صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ بالنبات شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (27) كالحنطة والشعير وَعِنَباً وَقَضْباً (28) هو القت الرطب وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا (29) وَحَدائِقَ غُلْباً (30) بساتين كثيرة الأشجار وَفاكِهَةً وَأَبًّا (31) ما ترعاه البهائم، وقيل التبن مَتاعاً متعة أو تمتيعا، كما تقدم في السورة قبلها لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (32) تقدم فيها أيضا فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) النفخة الثانية يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35)\r______________________________\rبه، فالقابر هو الدافن باليد، والمقبر هو اللّه تعالى لأمر به. قوله: (جعله في قبر يستره) أي ولم يجعل ممن يلقى للطيور والسباع اكراما له.\rقوله: ثُمَّ إِذا شاءَ مفعول المشيئة محذوف، والتقدير: إذا شاء انشاره أنشره. قوله: (حقا) أي فتكون متعلقة بما بعدها أي حقا، لم يفعل ما أمره به ربه، وحينئذ فلا يحسن الوقف على كلا، ويصح أن تكون حرف ردع وزجر للإنسان، عما هو عليه من التكبر والتجبر، قوله: لَمَّا يَقْضِ بيان لسبب الردع والزجر.\rقوله: لَمَّا يَقْضِ أي لم يفعل الإنسان من أول مدة تكليفه إلى حين اقباره ما فرضه اللّه عليه.\rقوله: ما أَمَرَهُ (به ربه) أشار بذلك إلى أن ما موصولة بمعنى الذي، والعائد محذوف، والضمير عائد على الإنسان المتقدم ذكره وهو الكافر.\rقوله: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ الخ بيان لتعداد النعم المتعلقة بحياته في الدنيا، إثر بيان النعم المتعلقة بإيجاده. قوله: (من السحاب) أي بعد نزوله من السماء.\rقوله: ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ (بالنبات) أي الذي هو أضعف الأشياء.\rقوله: وَعِنَباً عطف على حَبًّا. قوله: (هو القت الرطب) أي علف الدواب الرطب، وسمي قضبا لأنه يقضب، أي يقطع مرة بعد أخرى.\rقوله: غُلْباً جمع أغلب وغلباء، كأحمر وحمراء. قوله: (كثيرة الأشجار) أي فإسناد الغلب لها مجاز، إذ هو وصف للأشجار.\rقوله:\rوَفاكِهَةً إما عطف على عِنَباً من عطف العام على الخاص، أو على حَدائِقَ فهو عطف خاص على عام. قوله: وَأَبًّا إما من أبه إذا أمه وقصده، لأنه يقصد المرعى، وأب لكذا إذا تهيأ له، لأنه متهيئ للرعي. قوله: (ما ترعاه البهائم) أي رطبا أو يابسا، فهو أعم من القضب. قوله: (و قيل التبن) أي وعليه فالمغايرة بينه وبين القضب ظاهرة.\rقوله: (متعة أو تمتيعا) أشار بذلك إلى أن مَتاعاً يصح أن يكون مفعولا لأجله، أو مفعولا مطلقا، عامله محذوف تقديره: فعل ذلك متاعا، أو متعتكم تمتيعا. قوله:\r(تقدم فيها أيضا) أي وهو تفسير النعم بأنها البقر والإبل والغنم، وتقدم لنا أنه خصها لشرفها.\rقوله: فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ شروع في بيان أحوال معادهم، إثر بيان مبدأ خلقهم ومعاشهم، والصاخة الداهية التي تضخ آذان الخلائق، أي تصمها لشدة وقعها، وصفت بذلك مجازا، لأن الناس يصخون منها.\rقوله: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ الخ، أي وسبب هروبه، إما حذرا من مطالبتهم له بحقوقهم، فالأخ يقول: لم تواسني بمالك، والأبوان يقولون: قصرت في برنا، والصاحبة تقول: لم توفني حقي، والبنون يقولون: ما علمتنا وما أرشدتنا، أو لما يتبين له من عجزهم وعدم نفعهم له، أو لكثرة شغل الإنسان بنفسه فيدهش من غيره، وكل واقع. قوله: (بدل إذا) أي بدل كل أو بعض، والعائد محذوف أي يفر فيه.","part":4,"page":328},{"id":1921,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 329\rوَصاحِبَتِهِ زوجته وَبَنِيهِ (36) يوم بدل من إذا، وجوابها دل عليه لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) حال يشغله عن شأن غيره، أي اشتغل كل واحد بنفسه وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) مضيئة ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) فرحة وهم المؤمنون وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (40) غبار تَرْهَقُها تغشاها قَتَرَةٌ (41) ظلمة وسواد أُولئِكَ أهل هذه الحالة هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42) أي الجامعون بين الكفر والفجور.\r______________________________\rقوله: لِكُلِّ امْرِئٍ جملة مستأنفة لبيان سبب الفرار. قوله: (أي اشتغل) الخ، بيان لجواب إذا المحذوفة.\rقوله: وُجُوهٌ مبتدأ سوغ الابتداء به وقوعه في معرض التفصيل، ومُسْفِرَةٌ خبره، ويَوْمَئِذٍ متعلق به، وهذا بيان لمآل الخلائق، وانقسامهم إلى اشقياء وسعداء، بعد وقوعهم في الداهية العظيمة. قوله: (مضيئة) إما من قيام الليل، أو من آثار الوضوء، أو من طول ما اغبرت في سبيل اللّه، وكل صحيح. قوله: (فرحة) أي بما رأته من كرامة اللّه ورضوانه. قوله: (ظلمة وسواد) هذا قول ابن عباس، وقيل: القترة والغبرة معناهما واحد وهو الغبار، لكن القترة ما ارتفع منه إلى السماء، والغبرة ما انحط إلى الأرض.\rقوله: الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ جمع كافر وفاجر، وهو الكاذب المفتري على اللّه تعالى، فجمع اللّه إلى سواد وجوههم الغبرة، كما جمعوا الكفر إلى الفجور.","part":4,"page":329},{"id":1922,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 330\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة التّكوير مكيّة وآياتها تسع وعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) لففت وذهب بنورها وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) انقضت وتساقطت على الأرض وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (3) ذهب بها عن وجه الأرض فصارت هباء منبثا وَإِذَا الْعِشارُ النوق الحوامل عُطِّلَتْ (4) تركت بلا راع أو بلا حلب لما\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة التكوير\rمكية وهي تسع وعشرون آية مناسبتها لما قبلها، أن كلا فيه ذكر اهوال القيامة، وفي الحديث: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة، فليقرأ «إذا الشَّمس كوِّرت» و«إذا السَّماء انفطرت» و«إذا السَّماء انشقت» ..\rقوله: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ الخ، الأرجح عند جمهور النحاة، أن الاسم المرفوع الواقع بعد إِذَا الشرطية، مرفوع بفعل محذوف يفسره المذكور، ويمنع أن يكون مرفوعا بالابتداء، لأن أدوات الشرط لا يليها إلا الأفعال لفظا أو تقديرا، وأجاز الأخفش والكوفيون ايلاءها الاسم، فيرفع الاسم مبتدأ، وما بعده خبره،\rووَ إِذَا في المواضع الاثني عشر شرطية، جوابها قوله: عَلِمَتْ نَفْسٌ ولا يجوز الوقف اختيارا قبل الجواب. قوله:\r(لففت) المناسب أن يقول لفت، والمعنى: لف بعضها ببعض، ورمي بها في البحر، ثم يرسل اللّه عليها ريحا دبورا فتضربها فتصير نارا. قوله: (بنورها) أي ضوؤها.\rقوله: سُيِّرَتْ أي في الهواء بعد تفتيتها.\rقوله: (فصارت هباء) أي بعد صيرورتها كالصوف المندوف، فأولا تتفتت ثم تصير كالصوف المندوف.\rقوله: وَإِذَا الْعِشارُ جمع عشراء، كالنفاس جمع نفساء، وهي التي أتى على حملها عشرة أشهر إلى أن تضع، وخصها بالذكر لأنها أغلى ما يكون عند أهلها، وأنفس أموالهم، لما ورد أنه صلّى اللّه عليه وسلّم مر في أصحابه بعشار من النوق، فغض بصره فقيل له: هذه أنفس أموالنا، فلم لا تنتظر إليها، فقال: قد نهاني اللّه عن ذلك ثم تلا وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ الآية، وإذا كان هذا حالهم مع أنفس أموالهم، فحالهم مع غيره أولى، وإلى هذا يشير المفسر بقوله: (و لم يكن مال أعجب إليهم منها). قوله: (تركت بلا راع) أي مهملة، وقوله:\r(أو بلا حلب) بفتح اللام مصدر حلب يحلب بالضم، ويقال بالسكون من باب قتل.","part":4,"page":330},{"id":1923,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 331\rدعاهم من الأمر، ولم يكن مال أعجب إليهم منها وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) جمعت من بعد البعث ليقتصّ لبعض من بعض ثم تصير ترابا وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (6) بالتخفيف والتشديد، أوقدت فصارت نارا وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) قرنت بأجسادها وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ الجارية تدفن حية خوف العار والحاجة سُئِلَتْ (8) تبكيتا لقاتلها بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وقرئ بكسر التاء\r______________________________\rقوله: وَإِذَا الْوُحُوشُ أي دواب البر، وقوله: (جمعت) أي من ناحية. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما قراءتان سبعيتان. قوله: (أوقدت فصارت نارا) هذا أحد أقوال في تفسير التسجير، وقيل: سجرت ملئت من الماء، وقيل: اختلط عذبها بمالها حتى صارت بحرا واحدا، وقيل: يبست، ويمكن الجمع بين تلك الأقوال، فأولا يفيض بعضها لبعض ثم تيبس ثم تقلب نارا، ثم ما تقدم من الآيات الست، يجوز أن يكون مقدمة للنفخة الأولى، فالأحياء يشاهدون ذلك، لما روي عن أبي بن كعب قال: ست آيات من قبل يوم القيامة، بينما الناس في أسواقهم، ذهب ضوء الشمس وبدت النجوم، فتحيروا ودهشوا، فبينما هم كذلك، إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت واحترقت فصارت هباء منثورا، ففزع الإنس إلى الجن، والجن إلى الإنس، واختطلت الدواب والوحوش والهوام والطير، وماج بعضها في بعض، فذلك قوله تعالى: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ثم قالت الجن للإنس:\rنحن نأتيك بالخبر، فانطلقوا إلى البحار، فإذا نار تتأجج، فبينما هم كذلك، انصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك، إذ جاءتهم ريح فأماتتهم، ويجوز أن يكون في النفخة الثانية، ويقال في تعطيل العشار، يحتمل أنه كناية عن شدة الهول، حتى لا يلتفت الشخص إلى أنفس أمواله، أو تبعث معطلة بلا راع، ولا يلتفت لها صاحبها، لأن البهائم تحشر للقصاص من بعضها لبعض، وأما الست الباقية فتحصل بالنفخة الثانية اتفاقا. قوله: (قرنت بأجسادها) أي ردت الأرواح إلى أجسادها، فالتزويج على هذا جعل الشيء زوجا، النفوس بمعنى الأرواح، وقيل: قرن كل امرئ بشيعته فاليهودي يضم لليهود، والنصراني للنصارى، وهكذا، وقيل:\rقرن الرجل الصالح بالرجل الصالح في الجنة، والرجل السوء بالرجل السوء في النار، وقيل: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت الكفار بالشياطين، وكذلك المنافقون، وفي الحقيقة يحصل كل.\rقوله: (الجارية) المراد بها مطلق الأنثى، وقوله: (و الحاجة) أي الفقر، فكان الرجل في الجاهلية، إذا ولدت له بنت فأراد أن يستحييها، ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإذا أراد قتلها تركها، حتى إذا كانت بنت ست سنين يقول لأمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى احمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء، فيذهب بها إلى البئر فيقول لها: انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى تستوي بالأرض. وقال ابن عباس: كانت الحامل إذا قربت ولادتها، حفرت حفرة فتمخضت على رأس تلك الحفرة، فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة، وإذا ولدت ولدا أبقته. قوله:\r(تبكيتا لقاتلها) جواب عما يقال: ما معنى سؤال الموءودة، مع أن مقتضى الظاهر سؤال القاتل عن قتله إياها، فأجاب: بأن سؤالها هي لافتضاح القاتل وتبكيته، ولا يلزم من السؤال تعذيب القاتل، لأنه يقال:\rإن كان القاتل من أهل الفترة فلا يعذب، وإنما يرضي اللّه المقتولة بإحسانه، وإن كان ممن بلغته الدعوة، فهم آثم يعذب على القتل إن لم يغفر له اللّه تعالى. قوله: (و قرئ بكسر التاء) أي الثانية على أنها تاء","part":4,"page":331},{"id":1924,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 332\rحكاية لما تخاطب به، وجوابها أن تقول: قتلت بلا ذنب وَإِذَا الصُّحُفُ صحف الأعمال نُشِرَتْ (10) بالتخفيف والتشديد، فتحت وبسطت وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (11) نزعت عن أماكنها كما ينزع الجلد عن الشاة وَإِذَا الْجَحِيمُ النار سُعِّرَتْ (12) بالتخفيف والتشديد أججت وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) قربت لأهلها ليدخلوها، وجواب إذا أول السورة وما عطف عليها عَلِمَتْ نَفْسٌ أي كل نفس وقت هذه المذكورات وهو يوم القيامة ما أَحْضَرَتْ (14) من خير وشر فَلا أُقْسِمُ لا زائدة بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (16) هي النجوم الخمسة: زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد، تخنس بضم النون أي ترجع في مجراها وراءها، بينما نرى النجم في آخر البرج إذ كرّ راجعا إلى أوله، وتكنس بكسر النون تدخل في كناسها أي تغيب في المواضع التي تغيب فيها وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (17) أقبل بظلامه أو أدبر وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (18) امتدّ حتى يصير نهارا بينا إِنَّهُ أي القرآن لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) على اللّه تعالى وهو جبريل أضيف إليه لنزوله به ذِي قُوَّةٍ أي شديد القوى عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ أي اللّه تعالى\r______________________________\rالمؤنثة المخاطبة، والفعل مبني للمفعول، وهذه القراءة شاذة، وقرئ شذوذا أيضا ببناء سئل للفاعل، مع قتلت بضم التاء للمتكلم، وبسكونها على التأنيث، فالقراءات الشاذة ثلاث. قوله: (صحف الأعمال) أي فإنها تطوى عند الموت، وتنشر عند الحساب. قوله: (بالتخفيف والتشديد) سبعيتان. قوله: (فتحت وبسطت) أي بعد أن كانت مطوية. قوله: (نزعت عن أماكنها) أي أزيلت عنه، فالكشط القلع عن شدة التزاق والقشط لغة فيه، وبها قرئ شذوذا، فالسماء تنزع من أماكنها، كما ينزع الغطاء عن الشيء، وقيل:\rتطوى كما يطوى السجل. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما سبعيتان. قوله: (أججت) أي أوقدت للكفار. قوله: (قربت لأهلها ليدخلوها) أي هيئت وأحضرت لهم وسهل طريقها، لا أنها تزول عن موضعها. قوله: (أول السورة) أي الواقعة في أولها، وقوله: (و ما عطف عليها) أي وهو أحد عشر.\rقوله: عَلِمَتْ نَفْسٌ إن قلت: إن النفس نكرة في سياق الإثبات وهي لا تعم. أجيب بجوابين، الأول: أن العموم استفيد من قرينة المقام والسياق. الثاني: أن وقوعها في سياق الشرط، كوقوعها في سياق النفي فتعم أيضا، ومعنى العلم بما أحضرته، أنها تشاهد أعمالها مكتوبة في الصحف. قوله: (و هو) أي وقت حصول هذه الأمور. قوله: (هي النجوم) الخ، أي السيارة غير الشمس والقمر. قوله: (أي ترجع في مجراها) أي من آخر الفلك القهقرى إلى أوله، وخصها بالذكر لأنها تستقبل الشمس، فيحبس بالنهار، وتظهر بالليل، وتخفى وقت غروبها عن البصر. قوله: (إذ كرّ راجعا) هو العامل في (بينما) وقوله:\r(إلى أوله) أي البرج. قوله: (في كناسها) أي محل اختفائها من كنس الوحش إذا دخل كناسه، وهو بيته الذي يتخذ من أغصان الشجر.\rقوله: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ مناسبته لما قبله ظاهرة، لأنه إن كان المراد إقباله فهو أول الليل، وهذا أول النهار، وإن كان المراد إدباره، فهذه مجاورة له. قوله: إِذا تَنَفَّسَ التنفس في الأصل خروج النفس من الجوف، وصف به الصبح من حيث إنه إذا أقبل ظهر روح ونسيم، فجعل نفسا له. ذِي","part":4,"page":332},{"id":1925,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 333\rمَكِينٍ (20) ذي مكانة متعلق به عند مُطاعٍ ثَمَ أي تطيعه الملائكة في السماوات أَمِينٍ (21) على الوحي وَما صاحِبُكُمْ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم عطف على أنه إلى آخر المقسم عليه بِمَجْنُونٍ (22) كما زعمتم وَلَقَدْ رَآهُ رأى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم جبريل على صورته التي خلق عليها بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) البيّن، وهو الأعلى بناحية الشرق وَما هُوَ أي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم عَلَى الْغَيْبِ ما غاب من الوحي وخبر السماء بِضَنِينٍ (24) بمتهم، وفي قراءة بالضاد أي ببخيل فيقتنص شيئا منه وَما هُوَ أي القرآن بِقَوْلِ شَيْطانٍ مسترق السمع رَجِيمٍ (25) مرجوم فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) فأي طريق تسلكون في إنكاركم القرآن وإعراضكم عنه إِنْ ما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ عظة لِلْعالَمِينَ (27) الإنس\r______________________________\rقُوَّةٍ أي فكان من قوته، أنه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود، وحملها على جناحه، فرفعها إلى السماء ثم قلبها، وأنه أبصر إبليس يكلم عيسى عليه السّلام، فنفخه بجناحه نفخة ألقاه إلى أقصى جبل خلف الهند، وأنه صاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وأنه يهبط من السماء إلى الأرض ثم يصعد في أسرع من رد الطرف. قوله: (ذي مكانة) أي إكرام وتشريف.\rقوله: (متعلق به عند) أي فهو حال من مَكِينٍ وأصله وصف، فلما قدم نصب حالا،\rوقوله: ثَمَ ظرف مكان للبعيد، والعامل فيه مطاع. قوله: (أي تطيعه الملائكة) تفسير لقوله: مُطاعٍ وقوله: (في السماوات) تفسير لقوله: ثَمَّ. قوله: (عطف على أنه) الخ، أي فهو من جملة المقسم عليه بالأقسام السابقة، وفي الحقيقة ذكر جبريل الأوصاف المذكورة، توطئة لذكر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، لأن المقصود منه قولهم إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً* أَمْ بِهِ جِنَّةٌ لا تعداد فضائل جبريل ومحمد، خلافا للزمخشري الزاعم أن تلك الآية تشهد بتفضيل جبريل على محمد، بل إذا أمعنت النظر، وجدت إجراء تلك الصفات على جبريل في هذا المقام، دال على بلوغ الغاية في تعظيم محمد، حيث جعل السفير بينه وبين اللّه، هذا الملك الموصوف بتلك الصفات، وفضل المصطفى مصرح به في هذا الكتاب، وفي سائر الكتب السماوية، كالشمس في رابعة النهار، هذا زبدة ما أفادته الأئمة في هذا المقام.\rقوله: وَلَقَدْ رَآهُ معطوف على قوله: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ أيضا فهو من جملة المقسم عليه، وهذه الرؤية كانت في غار حراء، حين رآه على كرسيه بين السماء والأرض في صورته الأصلية، وكان قد سأله أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها، فوعده بحراء، ثم انجز له الوعد، وتقدم بسطه في قوله تعالى: فَاسْتَوى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى. الخ.\rقوله: عَلَى الْغَيْبِ متعلق بظنين. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (أي ببخيل) أي فلا يبخل به عليكم، بل يخبركم به على طبق ما أمر، ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده، حتى يأخذ عليه حلوانا.\rقوله: وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ الخ، نفي لقولهم: إنه كهانة وسحر.\rقوله: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ أين ظرف مكان مبهم منصوب بتذهبون كما قال المفسر، فأي طريق تسلكون، حيث نسبتموه للجنون أو الكهانة أو السحر أو الشعر؟ وهو بريء من ذلك كله، كما تقول لمن ترك الطريق الجادة بعد ظهورها: هذا","part":4,"page":333},{"id":1926,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 334\rوالجن لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ بدل من العالمين بإعادة الجار أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) باتباع الحق وَما تَشاؤُنَ الاستقامة على الحق إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (29) الخلائق استقامتكم عليه.\r______________________________\rالطريق الواضح فأين تذهب؟\rقوله: أَنْ يَسْتَقِيمَ أي فالطريق واضح، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر.\rقوله: وَما تَشاؤُنَ رجوع للحقيقة وإعلام بأن العبد مختار في الظاهر، مجبور في الباطن على ما يريده اللّه منه.","part":4,"page":334},{"id":1927,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 335\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الانفطار مكيّة وآياتها تسع عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (1) انشقت وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (2) انقضت وتساقطت وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (3) فتح بعضها في بعض فصارت بحرا واحدا واختلط العذب بالملح وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) قلب ترابها وبعث موتاها، وجواب إذا وما عطف عليها عَلِمَتْ نَفْسٌ أي كل نفس وقت هذه المذكورات، وهو يوم القيامة ما قَدَّمَتْ\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الانفطار\rمكية وهي تسع عشرة آية مناسبتها لما قبلها، وما بعدها ظاهرة، لأن كلا متعلق بيوم القيامة.\rقوله: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ الخ، اعلم أن المراد بهذه الآيات، بيان تخريب العالم وفناء الدنيا، وذلك أن السماء كالسقف، والأرض كالبناء، ومن أراد تخريب دار، فإنه يبدأ أولا بتخريب السقف، ثم يلزم من تخريب السماء انتثار الكواكب، ثم بعد تخريب السماء والكواكب، يخرب كل ما على وجه الأرض من البحار، ثم بعد ذلك تخرب الأرض التي فيها الأموات. قوله: (انشقت) أي لنزول الملائكة. قوله: (انقضت وتساقطت) أي فالانتثار استعارة لإزالة الكواكب، فشبهت بجواهر قطع سلكها وطوى ذكر المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو الانتثار، فإثباته تخييل على طريق الاستعارة المكنية.\rقوله: فُجِّرَتْ العامة على قراءته مبنيا للمفعول مشددا، وقرئ شذوذا بالبناء للفاعل وللمفعول مع التخفيف. قوله: (فتح بعضها في بعض) أي لزوال البرزخ الحاجز.\rقوله: بُعْثِرَتْ يرادفه في معناه بحثر بالحاء، فهما مركبان من البعث والبحث، مضموما إليهما راء. قوله: (قلب ترابها) أي الذي أهيل على الموتى وقت الدفن، وصار ما كان في باطن الأرض ظاهرا على وجهها.\rقوله: عَلِمَتْ نَفْسٌ أي علما تفصيليا، وإلا فالعلم الإجمالي حصل لهم عند الموت، حين يرى كل مقعده من الجنة أو النار، واعلم أن الإنسان يعلم ما قدمه من خير وشر عند موته علما إجماليا، فيعلم أنه من أهل السعادة أو الشقاوة، فإذا بعث وقرأ صحيفته، علم ذلك تفصيلا.","part":4,"page":335},{"id":1928,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 336\rمن الأعمال وَما أَخَّرَتْ (5) منها فلم تعمله يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ الكافر ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) حتى عصيته الَّذِي خَلَقَكَ بعد أن لم تكن فَسَوَّاكَ جعلك مستوي الخلقة سالم الأعضاء فَعَدَلَكَ (7) بالتخفيف والتشديد، جعلك معتدل الخلق متناسب الأعضاء، ليس يد أو رجل أطول من الأخرى فِي أَيِّ صُورَةٍ ما زائدة شاءَ رَكَّبَكَ (8) كَلَّا ردع عن الاغترار بكرم اللّه تعالى بَلْ تُكَذِّبُونَ أي كفار مكة بِالدِّينِ (9) بالجزاء على الأعمال وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (10) من الملائكة لأعمالهم كِراماً على اللّه كاتِبِينَ (11) لها يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (12) جميعه\r______________________________\rقوله: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ (الكافر) هذا أحد قولين، والآخر أن المراد بالإنسان، ما يشمل الكافر والمؤمن المنهمك في المعاصي. قوله: ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ما استفهامية، والمعنى: أي شيء خدعك وجرأك على عصيان الكريم، الذي من حقه عليك أن تمتثل أوامره وتجتنب نواهيه؟ ولا تغتر بحلمه وكرمه. إن قلت: كونه كريما يقتضي أنه يغتر الإنسان بكرمه لأنه جواد، وهو يستوي عنده طاعة المطيع وعصيان المذنب، فهذا يقتضي الاغترار به، فكيف جعله هنا مانعا منه؟ أجيب: بأن الآية واردة لتهديد الكافر والعاصي، حيث أنعم عليه بتلك النعم، وكلفه بشكرها وأوعد من كفر بالعذاب الدائم، فلم يقم بشكرها، فتضمنت مخالفته استخفافه بالنعمة وبأوامر المنعم ونواهيه، فليس في الآية ما يقتضي الاغترار، كما تزعمه الحشوية حيث يقولون: إنما قال بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ دون سائر صفاته، ليلقن عبده الجواب حتى يقول: غرني كرم الكريم، ففي الحديث لما تلا هذه الآية قال: «غره جهله». وقال عمر:\rغره حمقه وجهله. وقال الحسن: غره واللّه شيطانه الخبيث. قوله: (حتى عصيته) أي بالكفر، وجحد الرسل وإنكار ما أتوا به.\rقوله: الَّذِي خَلَقَكَ أي أوجدك من العدم. قوله: فَسَوَّاكَ أي جعل أعضاءك سليمة مستوية تامة المنافع. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما سبعيتان، فالتسوية ترجع إلى عدم النقصان في الأعضاء، والتعديل يرجع إلى نفي العوج والقبح.\rقوله: فِي أَيِّ صُورَةٍ متعلق بركبك، وشاءَ صفة لصورة، والمعنى: ركبك في أي صورة من الصور التي اقتضتها مشيئته، من طول وقصر وذكورة وأنوثة.\rقوله: بَلْ تُكَذِّبُونَ إضراب انتقالي إلى بيان ما هو السبب الأصلي في اغترارهم، كأنه قال:\rإنكم لا تستقيمون على ما توجبه نعمي عليكم وإرشادي لكم، بل تكذبون.\rقوله: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ الخطاب وإن كان مشافهة، إلا أن الآية عامة بالإجماع لجميع المكلفين، والجملة حالية من الواو في تُكَذِّبُونَ.\rقوله: (من الملائكة) أي فكل واحد من الآدميين له ملكان، ملك عن يمينه يكتب الحسنات، وآخر عن يساره يكتب السيئات. وقيل: اثنان بالليل، واثنان بالنهار، واختلفوا في الكفار فقيل: ليس عليهم حفظة، لأن أمرهم ظاهر وعلمهم واحد، وقيل: عليهم حفظة لظاهر هذه الآية. إن قلت: فأي شيء يكتب الذي على يمينه مع أنه لا حسنة له. أجيب: بأن الذي عن شماله يكتب بإذن صاحب اليمين، فيكون شاهدا على ذلك، فالمراد بالحفظة هنا، حفظة الأعمال الكاتبون لها، وأما حفظة البدن، فهم المذكورون في قوله تعالى: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ","part":4,"page":336},{"id":1929,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 337\rإِنَّ الْأَبْرارَ المؤمنين الصادقين في إيمانهم لَفِي نَعِيمٍ (13) جنة وَإِنَّ الْفُجَّارَ الكفار لَفِي جَحِيمٍ (14) نار محرقة يَصْلَوْنَها يدخلونها ويقاسون حرها يَوْمَ الدِّينِ (15) الجزاء وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (16) بمخرجين وَما أَدْراكَ أعلمك ما يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (18) تعظيم لشأنه يَوْمَ بالرفع أي هو يوم لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً من المنفعة وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19) لا أمر لغيره فيه، أي لم يمكن أحدا من التوسط فيه بخلاف الدنيا.\r______________________________\rيَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وفي هذه الآية دليل على أن الشاهد، لا يشهد، إلا بعد العلم، لوصف الملائكة بكونهم حافظين كراما كاتبين، يعلمون ما يفعلون.\rقوله: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ شروع في بيان ما يكتبون لأجله، كأنه قيل: يكتبون الأعمال ليجازى الأبرار بالنعيم إلخ.\rقوله: وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ أل في الفجار للعهد الذكري، أي المتقدم ذكرهم في قوله: بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ.\rقوله: يَصْلَوْنَها الجملة مستأنفة أو حالية من الضمير في خبر إِنَّ. قوله: (الجزاء) أي الذي كانوا يكذبون به. قوله: وَما أَدْراكَ ما اسم مبتدأ، وجملة أَدْراكَ خبره، والكاف مفعول أول، وجملة ما يَوْمُ الدِّينِ من المبتدأ والخبر، سادة مسد المفعول الثاني، والاستفهام الأول للإنكار، والثاني للتعظيم والتهويل، والمعنى: وأي شيء أدراك عظم يوم الدين وشدة هوله، أي لا علم لك به إلا بإعلام منا.\rقوله: يَوْمُ بالرفع والنصب قراءتان سبعيتان، فالرفع على أنه خبر لمحذوف أي هو يوم، والنصب على أنه مفعول لفعل محذوف، وقرئ شذوذا برفعه منونا لقطعه عن الإضافة، والجملة بعده نعت له.\rقوله: شَيْئاً (من المنفعة) جواب عما يقال: إن بعض الناس المقبولين يملكون الشفاعة لغيرهم، فالجواب: أن المنفي ثبوت الملك بالاستقلال، والشفاعة ليست كذلك، بل لا تكون إلا بإذن خاص. قوله: وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ أي ظاهرا أو باطنا، فلا تصرف لغيره فيه أصلا. قوله: (بخلاف الدنيا) أي فالعبيد متصرفون فيها، وينسب لهم الملك والأمر والنهي ظاهرا.","part":4,"page":337},{"id":1930,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 338\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة المطفّفين مكيّة وآياتها ست وثلاثون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ كلمة عذاب أو واد في جهنم لِلْمُطَفِّفِينَ (1)\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة التطفيف\rمكية أو مدنية وهي ست وثلاثون آية وتسمى سورة المطففين. قوله: (مكية أو مدنية) أو لحكاية الخلاف، فالأول: قول ابن مسعود والضحاك ومقاتل في أحد قوليه. والثاني: قول الحسن وابن عباس وعكرمة ومقاتل في قوله الآخر؛ وهذان قولان من أربعة أقوال. ثالثها: أنها نزلت بين مكة والمدينة. رابعها: كلها مدينة إلا قوله: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا إلى آخر السورة فمكي، والمشهور أنها مدنية، لما روي عن ابن عباس قال: لما قدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل اللّه تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ فأحسنوا الكيل بعد ذلك، قال الفراء: فهم من أوفى الناس كيلا إلى يومهم هذا، وروي عنه أيضا قال: هي أول سورة نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ساعة نزل بالمدينة، وكان هذا فيهم، كانوا إذا اشتروا استوفوا بكيل راجح، وإذا باعوا بخسوا المكيال والميزان، فلما نزلت هذه السورة انتهوا، فهم أوفى الناس كيلا إلى يومهم هذا، وقال جماعة: نزلت في رجل يعرف بأبي جهينة واسمه عمرو، وكان له صاعان، يأخذ بواحد، ويعطي بآخر، ومناسبتها لما قبلها، أنه لما ذكر حال السعداء والأشقياء فيما قبلها، ذكره هنا ما أعد لبعض العصاة، وذكرهم بأخس ما يقع في المعصية، وهي التطفيف الذي لا يكاد يغني أحدهما ويفقر الآخر، ثم ذكر فيها ما أعد للكفار عموما، وللمطيعين عموما.\rقوله: وَيْلٌ مبتدأ، سوغ الابتداء به كونه دعاء، ولِلْمُطَفِّفِينَ خبره، وهذا على أنه كلمة عذاب، وأما على أنه اسم للوادي فهو معرفة، ويجوز نصبه في غير هذا الموضع، ويختار فيما إذا كان مضافا أو معرفا. قوله: (كلمة عذاب) أي معلمة بشدة عذابهم في الآخرة، فهو دعاء عليهم بالهلاك، وقوله:\r(أو واد في جهنم) أي يهوي فيه الكفار أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، فهما قولان، ويمكن الجمع بأن الويل له اطلاقان.\rقوله: لِلْمُطَفِّفِينَ جمع مطفف، وهو الذي يأخذ في كيل أو وزن شيئا قليلا، ومنه قولهم دون","part":4,"page":338},{"id":1931,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 339\rالَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى أي من النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) الكيل وَإِذا كالُوهُمْ أي كالوا لهم أَوْ وَزَنُوهُمْ أي وزنوا لهم يُخْسِرُونَ (3) ينقصون الكيل أو الوزن أَلا استفهام توبيخ يَظُنُ يتيقن أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) أي فيه وهو يوم القيامة يَوْمَ بدل من محل ليوم فنصبه مبعوثون يَقُومُ النَّاسُ من قبورهم لِرَبِّ الْعالَمِينَ (6) الخلائق لأجل أمره وحسابه وجزائه كَلَّا حقا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ أي كتب أعمال الكفار لَفِي سِجِّينٍ (7) قيل\r______________________________\rالطفيف، أي الشيء التافه لقلته، وهذا الوعيد يلحق كل من يأخذ لنفسه زائدا، ويدفع إلى غيره ناقصا قليلا أو كثيرا، لكن إن لم يتب منه، فإن تاب قبلت توبته، ومن فعل ذلك وأصر عليه، كان مصرا على كبيرة من الكبائر، وذلك لأن عامة الخلق محتاجون إلى المعاملات، وهي مبنية على أمر الكيل والوزن والذرع، فلهذا السبب، عظم اللّه أمر الكيل والوزن، قال نافع: كان ابن عمر يمر بالبائع فيقول: اتق اللّه وأوف الكيل والوزن، فإن المطففين يوقفون يوم القيامة حتى يلجمهم العرق، فيكون عرقهم على قدر تفاوتهم في التطفيف، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، وفي الحديث الصحيح: «خمس بخمس، ما نقض العهد قوم إلا سلط اللّه عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل اللّه إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة أي الزنا إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين من القحط، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر».\rقوله: عَلَى النَّاسِ متعلق باكتالوا، وعَلَى بمعنى (من) كما قال المفسر، ويصح أن يكون متعلق بيستوفون، قدم لإفادة الاختصاص، والمعنى: يستوفون على الناس خاصة، وأما لأنفسهم فيستوفون لها. قوله: يَسْتَوْفُونَ أي يزيدون على حقهم، وليس المراد يستوفون حقهم فقط، إذ ليس في ذلك نهي. قوله: (أي كالوا لهم) أشار بذلك إلى أن ضمير «هم» في محل نصب مفعول لكالوا، تعدى إليه الفعل بنفسه بعد حذف اللام، وليس ضمير رفع مؤكدا للواو.\rقوله: أَوْ وَزَنُوهُمْ حذفه مما تقدم لدلالة هذا عليه. قوله: يُخْسِرُونَ جواب إِذا. قوله: (استفهام توبيخ) أي فلا نافية، دخل عليها همزة الاستفهام، فألا هنا ليست استفتاحية، بل هي همزة الاستفهام، دخلت على لا النافية، فأفادت التوبيخ والإنكار.\rقوله: أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ إلخ، أشار المفسر إلى أن الظن بمعنى اليقين، أي لا يوقن أولئك، إذ لو أيقنوا ما نقصوا في الكيل والوزن، وقيل: الظن بمعنى التردد، والمعنى: إن كانوا لا يستيقنون بالبعث، فهلا ظنوه حتى يتدبروا ويأخذوا بالأحوط، وأولئك اشارة للمطففين، أتى بها نظرا إلى بعدهم عن مرتبة الأبرار، وعدهم من الأشرار. قوله: (فناصبه مبعوثون) أي مقدرا، لأن البدل على نية تكرار العامل.\rقوله: (حقا) أي فكلا كلام مستأنف، فالوقف على ما قبلها، وقيل: إنها كلمة ردع وزجر، والمعنى: ليس الأمر على ما هم عليه من بخس الكيل والميزان، فعلى هذا يكون الوقف عليها.\rقوله: الفُجَّارِ أظهر في مقام الإضمار، تسجيلا عليهم بهذا الوصف الشنيع. قوله: (أي كتب أعمال الكفار) أشار بذلك إلى أن كِتابٌ بمعنى كتب، والكلام على حذف مضاف، وبذلك اندفع ما يلزم من ظرفية الشيء في نفسه.","part":4,"page":339},{"id":1932,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 340\rهو كتاب جامع لأعمال الشياطين والكفرة، وقيل هو مكان أسفل الأرض السابعة، وهو محل إبليس وجنوده وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (8) ما كتاب سجين كِتابٌ مَرْقُومٌ (9) مختوم وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) الجزاء بدل أو بيان للمكذبين وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ متجاوز الحد أَثِيمٍ (12) صيغة مبالغة إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا القرآن قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كلّا الحكايات التي سطرت قديما، جمع أسطورة بالضم، أو إسطارة بالكسر كَلَّا ردع وزجر لقوله لهم ذلك بَلْ رانَ غلب عَلى قُلُوبِهِمْ فغشيها ما كانُوا يَكْسِبُونَ (14) من المعاصي فهو كالصدإ كَلَّا حقا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ يوم القيامة لَمَحْجُوبُونَ (15) فلا يرونه ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (16) لداخلو النار المحرقة ثُمَّ يُقالُ لهم هذَا أي العذاب هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17) كَلَّا حقا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ أي كتب أعمال المؤمنين الصادقين في\r______________________________\rقوله: لَفِي سِجِّينٍ اختلف في نونه فقيل: اصلية مشتق من السجن وهو الحبس، وقيل: بدل من اللام مشتق من السجل وهو الكتاب. قوله: (قيل هو كتاب جامع) أي دون اللّه فيه أعمال الشيطان والكفرة من الثقلين، موضع تحت الأرض السابعة، في مكان مظلم موحش، وهو مسكن إبليس وذريته، يذهبون إليه ليستوفوا جزاء أعمالهم. قوله: (و قيل هو مكان) إلخ، أي فهم اسم موضع، وعليه فقوله الآتي وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ على حذف مضاف والتقدير (ما كتاب سجين) كما ذكره المفسر، والإضافة على معنى في، وقد يجمع بأن سِجِّينٌ اسم الكتاب والموضع معا. قوله: (و هو محل إبليس) الخ، أي وفيه أرواح الكفار.\rقوله: وَما أَدْراكَ ما اسم استفهام مبتدأ، وأَدْراكَ خبره، وما سِجِّينٌ مبتدأ وخبر، والجملة سادّة مسد المفعول الثاني، والاستفهام الأول للإنكار، والثاني للتفخيم والتعظيم.\rقوله:\rمَرْقُومٌ بيان للكتاب المذكور في قوله: إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ والمعنى: أن هذا الكتاب مكتوب فيه أعمالهم مثبتة، كالرقم في الثوب، لا ينسى ولا يمحى، وقيل: الرقم الختم بلغة حمير، وعليه مشى المفسر، والمعنى: أن هذا الكتاب مرقوم بعلامة يعرف أنه كافر. قوله: (أو بيان) أي أو نعت.\rقوله: (ردع وزجر) أي للمتعدي الأثيم عن ذلك القول الباطل، فهي حرف، وقال الحسن: إن كَلَّا بمعنى حقا.\rقوله: بَلْ رانَ أي احاط وغطى كتغطية الغيم للسماء، ورد: أن المؤمن إذا أذنب ذنبا، نكتت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منها، وإذا زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلكم الران الذي ذكره اللّه تعالى في كتابه المبين، وقال أبو معاذ: الرين أن يسود القلب من الذنوب، والطبع أن يطبع على القلب، وهو اشد من الرين، والإقفال اشد من الطبع، وهو أن يقفل على القلب، قال تعالى أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها.\rقوله: (حقا) وقيل: حرف ردع وزجر، أي ليس الأمر كما يقولون، بل إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ الخ. قوله: (فلا يرونه) هذا هو الصحيح، وقيل: يرونه ثم يحجبون حسرة وندامة.\rقوله:\rثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ ثم للتراخي في الرتبة، فإن صلى الجحيم أشد من الإهانة والحرمان من الرحمة والكرامة. قوله: ثُمَّ يُقالُ (لهم) أي من طرف الخزنة على سبيل التقريع والتوبيخ. قوله:\rالَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ أي في الدنيا.\rقوله: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ بيان لمحل كتاب الأبرار، وما","part":4,"page":340},{"id":1933,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 341\rإيمانهم لَفِي عِلِّيِّينَ (18) قيل هو كتاب جامع لأعمال الخير من الملائكة ومؤمني الثقلين، وقيل:\rهو مكان في السماء السابعة تحت العرش وَما أَدْراكَ أعلمك ما عِلِّيُّونَ (19) ما كتاب عليين هو كِتابٌ مَرْقُومٌ (20) مختوم يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) من الملائكة إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) جنة عَلَى الْأَرائِكِ السرر في الحجال يَنْظُرُونَ (23) ما أعطوا من النعيم تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) بهجة التنعم وحسنه يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ خمر خالصة من الدنس مَخْتُومٍ (25) على\r______________________________\rأعد لهم من النعيم الدائم، إثر بيان محل كتاب الفجار، وما أعد لهم من العذاب الدائم. قوله: (حقا) وقيل: حرف ردع وزجر، فتحصل أن في كل واحدة من الأربعة الواقعة في هذه السورة قولين.\rقوله: لَفِي عِلِّيِّينَ اسم مفرد على صيغة الجمع لا واحد له، من لفظه سمي بذلك، إما لأنه سبب العلو إلى أعلى درجات في الجنة، وإما لأنه مرفوع في السماء السابعة، لما ورد مرفوعا «عليين في السماء السابعة تحت العرش». قوله: (قيل هو كتاب) الخ، أي فهو علم على ديوان الخير الذي دون فيه كل عمل صالح للثقلين، ورد: «أن الملائكة لتصعد بعمل العبد فيستقبلونه، فإذا انتهوا به إلى ما شاء اللّه من سلطانه، أوحى إليهم: أنتم حفظة على عبدي، وأنا الرقيب على ما في قلبه، وإنه أخلص عمله، فاجعلوه في عليين وقد غفرت له، وإنها لتصعد بعمل العبد فإذا انتهوا به إلى ما شاء اللّه، أوحى إليهم: أنتم الحفظة على عبدي، وأنا الرقيب على قلبه، وإنه لم يخلص لي عمله، فاجعلوه في سجين، قال ابن عباس:\rهو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش، أعمالهم مكتوبة فيه، وقال كعب وقتادة: هو قائمة العرش اليمنى، وقال بعض أهل المعنى: هو علو بعد علو، وشرف بعد شرف. قوله: (من الملائكة) ظاهره أن الملائكة تكتب أعمالهم ويثابون عليها، وانظر في ذلك. قوله: (و قيل هو مكان) الخ، قد يجمع بأن عِلِّيِّينَ اسم لكل من الكتاب والمكان. قوله: (ما كتاب عليين) هذا التقدير إنما يحتاج له على القول الثاني في تفسير عِلِّيِّينَ لا على الأول قوله: (مختوم) وقيل: الرقم الكتاب، والمعنى مكتوب فيه:\rإن فلانا آمن من النار.\rقوله: يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ أي يحضرونه ويحفظونه ويشهدون بما فيه.\rقوله: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ شروع في بيان عاقبة أمرهم، إثر بيان حال كتابهم، على سنن ما مر في شأن الكفار. قوله: (السرر في الحجال) جمع حجلة بفتحتين، بيت مربع من الثياب الفاخرة يرخى على السرير، يسمى في العرف الناموسية.\rقوله: يَنْظُرُونَ الجملة حالية من الضمير في خبر إِنَ أو مستأنفة، وقوله: عَلَى الْأَرائِكِ متعلق بينظرون.\rقوله: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ الخ، أي إنك إذا رأيتهم، تعرف أنهم أهل النعمة، لما ترى في وجوههم من الحسن والبياض، وفي قلوبهم من السرور والفرح، والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو لكل من تصح منه المعرفة، وهذه قراءة العامة، وقرأ أبو جعفر بالتاء مبنيا للمفعول ونَضْرَةَ بالرفع نائب فاعل، وقرئ بالياء مبنيا للمفعول أيضا مع رفع نَضْرَةَ نظرا إلى التأنيث مجازي. قوله: (بهجة التنعم) الخ، أي لعدم ما يكدره من الأمراض والعلل وخوف الزوال وغير ذلك. قوله: (خالصة من الدنس) أي الكدر، قال تعالى: لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ.\rقوله: مَخْتُومٍ (على إنائها) أي لشرفها ونفاستها، إن قلت: في سورة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ والنهر لا ختم فيه، فكيف طريق الجمع بين الآيتين؟ أجيب: بأن هذه الأواني غير خمر الأنهار.","part":4,"page":341},{"id":1934,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 342\rإنائها لا يفك ختمه إلا هم خِتامُهُ مِسْكٌ أي آخر شربه يفوح منه رائحة المسك وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (26) فليرغبوا بالمبادرة إلى طاعة اللّه وَمِزاجُهُ أي ما يمزج به مِنْ تَسْنِيمٍ (27) فسر بقوله عَيْناً فنصبه بأمدح مقدرا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) أي منها أو ضمن يشرب معنى يلتذ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كأبي جهل ونحوه كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا كعمار وبلال ونحوهما يَضْحَكُونَ (29) استهزاء بهم وَإِذا مَرُّوا أي المؤمنون بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (30) أي يشير المجرمون إلى المؤمنين بالجفن والحاجب استهزاء وَإِذَا انْقَلَبُوا رجعوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وفي قراءة فكهين معجبين بذكرهم لمؤمنين وَإِذا رَأَوْهُمْ رأوا المؤمنين قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (32) لإيمانهم بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم، قال تعالى وَما أُرْسِلُوا أي الكفار عَلَيْهِمْ على المؤمنين حافِظِينَ (33) لهم أو لأعمالهم حتى يردوهم إلى مصالحهم فَالْيَوْمَ أي يوم القيامة الَّذِينَ\r______________________________\rقوله: خِتامُهُ مِسْكٌ صفة ثانية لرحيق، وفي قراءة سبعية أيضا خاتمه بتاء مفتوحة بعد الألف بيان الجنس الخاتم، وقرئ شذوذا بكسر التاء، والمعنى خاتم رائحته مسك. قوله: (يفوح منه رائحة المسك) أي إن رائحة المسك تظهر في آخر الشراب، فوجه التخصيص أن في العادة يمل آخر الشراب في الدنيا، فأفاد أن آخر الشراب، يفوح منه رائحة المسك، فلا يمل منه. قوله: وَفِي ذلِكَ اشارة للرحيق وما بعده، أو إلى ما ذكر من أحوال الأبرار. قوله: الْمُتَنافِسُونَ أي الذين شأنهم المنافسة، بكثرة الأعمال الصالحة والنيات الخالصة، لعلو همتهم وطهارة نفوسهم، قال تعالى: لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ.\rقوله: مِنْ تَسْنِيمٍ اسم للعين، سميت بذلك لما روي أنها تجري في الهواء مسنمة، فتصب في أواني أهل الجنة على مقدار الحاجة، فإذا امتلأت امسكت، فالمقربون يشربونها صرفا، وتمزج لسائر أهل الجنة.\rقوله: (أو ضمن) أشار بذلك إلى أن التضمين إما في الحرف أو في الفعل.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا إلخ، لما ذكر اللّه تعالى كرامة الأبرار في الآخرة، ذكر بعد قبح معاملة الكفار معهم في الدنيا، تسلية للمؤمنين وتقوية لقلوبهم. قوله: (كأبي جهل ونحوه) أي وهو الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل وأصحابهم من أهل مكة. قوله: (و نحوهما) أي كخباب وصهيب وأصحابهم من فقراء المؤمنين. قوله: (رجعوا) أي من مجالسهم.\rقوله: انْقَلَبُوا فَكِهِينَ أي متلذذين برفعتهم ومكانتهم الموصلة إلى الاستسخار بغيرهم، ففي الحديث: «إن الدين بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر». وفي رواية: «يكون المؤمن فيهم أذل من الأمة». وفي أخرى: «العالم فيهم أنتن من جيفة حمار» واللّه المستعان. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله:\r(معجبين) راجع للقراءتين، أي متلذذين بذكرهم المؤمنين وبالضحك.\rقوله: وَإِذا رَأَوْهُمْ الضمير المرفوع عائد على المجرمين، أو المنصوب عائد على المؤمنين، أي إذا رأى المجرمون المؤمنين نسبوهم إلى الضلال. قوله: (لإيمانهم بمحمد) الخ، أي فهم يرون أنهم على هدى، والمؤمنون على ضلال، حيث تركوا النعيم الحاضر، بسبب شيء غائب لا يرونه.\rقوله: وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ حال من الواو في قالُوا أي قالوا ذلك والحال أنهم ما أرسلوا من جهة اللّه موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم وأعمالهم. قوله: (حتى يردوهم إلى مصالحهم) أي بل أمروا بإصلاح","part":4,"page":342},{"id":1935,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 343\rآمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرائِكِ في الجنة يَنْظُرُونَ (35) من منازلهم إلى الكفار وهم يعذبون، فيضحكون منهم كما ضحك الكفار منهم في الدنيا هَلْ ثُوِّبَ جوزي الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (36)؟ نعم.\r______________________________\rأنفسهم لا بإصلاح المؤمنين.\rقوله: فَالْيَوْمَ منصوب ب يَضْحَكُونَ الواقع خبرا عن المبتدأ، ولا يضر تقدمه على المبتدأ لأمن اللبس، وذلك أن الظرف المبهم لا يصح وقوعه خبرا عن المبتدأ، بخلاف: في الدار زيد قام، فلا يجوز تقديم الجار والمجرور على المبتدأ؛ لصلاحيته للخبرية.\rقوله: يَنْظُرُونَ حال من ضمير يَضْحَكُونَ. قوله: (من منازلهم) قال كعب: لأهل الجنة كوى، ينظرون منها إلى أهل النار، وقيل:\rحصن شفاف بينهم يرون منه حالهم، وفي سبب هذا الضحك وجوه منها: أن الكفار كانوا في ترفه ونعيم، فيضحكون من المؤمنين بسبب ما هم فيه من البؤس والضر، وفي الآخرة ينعكس الحال؛ فيكون المؤمنون في النعيم، والكفار في الجحيم. ومنها: أنه يقال لأهل النار وهم فيها اخرجوا، وتنفتح أبوابها لهم، فإذا رأوها وقد فتحت أبوابها، أقبلوا عليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى أبوابها، أغلقت دونهم، يفعل ذلك بهم مرارا. ومنها: أنهم إذا دخلوا الجنة وأجلسوا على الأرائك، ينظرون إلى الكفار كيف يعذبون في النار، يرفعون أصواتهم بالويل والثبور، ويلعن بعضهم بعضا، فهذا سبب ضحكهم.\rقوله: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ الخ، يحتمل أنه مقول قول محذوف، والتقدير: يقول اللّه لأهل الجنة، أو يقول بعض المؤمنين لبعض: هَلْ ثُوِّبَ الخ، ويحتمل أنه متعلق بينظرون، والمعنى: ينظرون هل جوزي الكفار؟ فمحلها نصب، إما بالقول المحذوف، أو ينظرون، وقوله: (جوزي) إشارة إلى أن التثويب بمعنى الجزاء، وهو يكون في الخير والشر، والمراد هنا الثاني، وقوله: (نعم) جواب الاستفهام على كل.","part":4,"page":343},{"id":1936,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 344\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الانشقاق مكيّة وآياتها خمس وعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ سمعت وأطاعت في الانشقاق لِرَبِّها وَحُقَّتْ (2) أي حق لها أن تسمع وتطيع وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) زيد في سعتها كما يمد الأديم ولم يبق عليها بناء ولا جبل وَأَلْقَتْ ما فِيها من الموتى إلى ظاهرها وَتَخَلَّتْ (4) عنه وَأَذِنَتْ سمعت وأطاعت في ذلك لِرَبِّها وَحُقَّتْ (5) وذلك كله يكون يوم القيامة،\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الانشقاق\rمكية ثلاث أو خمس وعشرون آية\rقوله: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ أي انصدعت بغمام يخرج منها، وهو البياض في جوانب السماء لتنزل الملائكة، قال تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا\rقوله: وَأَذِنَتْ لِرَبِّها أي انقادت لأمره. قوله: (سمعت وأطاعت) أي فشبه حال السماء في انقيادها، بتأثير قدرة اللّه تعالى، حيث أراد انشقاقها، بانقياد المستمع المطيع لأمره، وذلك أن السماوات لما علمت مراد اللّه، وتعلقت إرادته بانشقاقها، سلمت وفوضت أمرها، ولم تنازع في ذلك. قوله: وَحُقَّتْ بالبناء للمفعول، والفاعل في الأصل محذوف وهو اللّه تعالى، وكذا المفعول، والأصل وحق اللّه عليها استماعها، فحذف الفاعل ثم المفعول، واسند الفعل إلى ضمير السماوات. والمعنى: وحق اللّه استماعها لعلمها بأن مراد اللّه نافذ، فهي أهل لأن تسمع وتطيع، قال تعالى: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ.\rقوله: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ أي بسطت ودكت جبالها. قوله: (كما يمد الأديم) أي وهو الجلد، لأنه إذا مد زال كل انثناء فيه، وامتد واستوى. قوله: (و لم يبق عليها بناء ولا جبل) أي فيزاد في سعتها، لوقوف الخلائق عليها للحساب، حتى لا يكون لأحد من البشر إلا موضع قدمه، لكثرة الخلائق فيها، وظاهر الآية أن الأرض تمد مع بقاءها، وليس كذلك، بل تبدل بأرض أخرى بدليل آية يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ. قوله: (من الموتى) أي والكنوز والمعادن والزروع.\rقوله: وَتَخَلَّتْ أي خلا جوفها، فلم يبق في بطنها شيء.\rقوله: وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ ليس تكرارا، لأن هذا في الأرض، وما تقدم في السماوات. قوله: (و أطاعت في ذلك) أي الإلقاء والتخلي. قوله: (دل عليه ما بعده) أي وهو","part":4,"page":344},{"id":1937,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 345\rوجواب إذا وما عطف عليها محذوف دلّ عليه ما بعده تقديره لقي الانسان عمله يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ جاهد في عملك إِلى لقاء رَبِّكَ وهو الموت كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (6) أي ملاق عملك المذكور من خير أو شر يوم القيامة فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ كتاب عمله بِيَمِينِهِ (7) هو المؤمن فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (8) هو عرض عمله عليه كما فسر في حديث الصحيحين وفيه: من نوقش الحساب هلك، وبعد العرض يتجاوز عنه وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ في الجنة مَسْرُوراً (9) بذلك وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (10) هو الكافر تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل يسراه وراء ظهره، فيأخذ بها كتابه فَسَوْفَ يَدْعُوا عند رؤيته ما فيه ثُبُوراً (11) ينادي هلاكه بقوله: يا ثبوراه وَيَصْلى سَعِيراً (12) يدخل النار الشديدة، وفي قراءة بضم الباء وفتح الصاد واللام المشدّدة إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ عشيرته في الدنيا مَسْرُوراً (13) بطرا باتباعه لهواه إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف أي إنه لَنْ يَحُورَ (14) يرجع إلى ربه بَلى يرجع إليه إِنَّ رَبَّهُ\r______________________________\rقوله: فَمُلاقِيهِ. قوله: (تقديره لقي الإنسان) الخ، قدره غيره علمت نفس وهو أحسن، لأنه تقدم في التكوير والانفطار وخير ما فسرته بالوارد.\rقوله: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إلخ يحتمل أن المراد به الجنس، وبه قال سعيد وقتادة، ويحتمل أنه معين وهو الأسود بن عبد الأسد، وقيل أبي بن خلف، وقيل جميع الكفار. قوله: إِنَّكَ كادِحٌ الكدح العمل والكسب والسعي. قوله: إِلى رَبِّكَ إِلى حرف غاية، والمعنى: غاية كدحك في الخير أو الشر، ينتهي بلقاء ربك وهو الموت. قوله: فَمُلاقِيهِ إما معطوف على كادِحٌ وخبر مبتدأ محذوف، أي فأنت ملاقيه، والجملة معطوفة على جملة إِنَّكَ كادِحٌ. قوله: (أي ملاق عملك) أشار بذلك إلى أن الضمير في ملاقيه، عائد على الكدح الذي هو بمعنى العمل، والكلام على حذف مضاف، أي ملاق حسابه وجزاءه، ويصح أن يكون عائدا على اللّه تعالى، والمعنى ملاق ربه فلا مفر له منه. قوله: (هو المؤمن) أي ولو عاصيا مستحقا للنار. قوله: (هو عرض عمله عليه) أي بأن تعرض أعماله، ويعرف أن الطاعة منها هذه، وأن المعصية هذه، ثم يثاب على الطاعة، ويتجاوز عن المعصية، فهذا هو الحساب اليسير، لأنه لا شدة فيه على صاحبه ولا مناقشة، ولا يقال له: لم فعلت هذا؟ ولا يطالب بالعذر ولا بالحجة عليه.\rقوله: (كما فسر في حديث الصحيحين) أي هو ما ورد عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت:\rقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من حوسب عذب» قالت عائشة فقلت: أو ليس يقول اللّه عزّ وجل فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً فقال: «إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب هلك» وفي رواية عذب.\rقوله: وَيَنْقَلِبُ أي يرجع بنفسه. قوله: إِلى أَهْلِهِ أي من الآدميات والحور العين وأصوله وفروعه. قوله: (وراء ظهره) منصوب بنزع الخافض. قوله: (تغل يمناه) إلخ، قصد بذلك التوفيق بين هذه الآية وآية وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ. قوله: (ينادي هلاكه) أي يتمناه إذا نداء ما لا يعقل هو تمنيه.\rقوله: (بطرا) أي فخرا أو رياء، فأبدله اللّه بذلك حزنا وغما لا ينقطع ابدا.\rقوله: إِنَّهُ ظَنَ أي تيقن وعلم. قوله: (مخففة من الثقيلة) أي ولا يصح أن تكون مصدرية، لما يلزم عليه من دخول الناصب على","part":4,"page":345},{"id":1938,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 346\rكانَ بِهِ بَصِيراً (15) عالما برجوعه إليه فَلا أُقْسِمُ لا زائدة بِالشَّفَقِ (16) هو الحمرة في الأفق بعد غروب الشمس وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (17) جمع ما دخل عليه من الدواب وغيرها وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) اجتمع وتمّ نوره، وذلك في الليالي البيض لَتَرْكَبُنَ أيها الناس، أصله تركبونن حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، والواو لالتقاء الساكنين طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (19) حالا بعد حال، وهو الموت ثم الحياة، وما بعدها من أحوال القيامة فَما لَهُمْ أي الكفار لا يُؤْمِنُونَ (20) أي أيّ مانع لهم من الإيمان؟ أو أي حجة لهم في تركه مع وجود براهينه؟ وَما لهم إِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (21) يخضعون بأن يؤمنوا به لإعجازه بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) بالبعث وغيره وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (23) يجمعون في صحفهم من الكفر والتكذيب وأعمال السوء\r______________________________\rمثله، والجملة سادة مسد مفعولي ظَنَّ. قوله: (يرجع إلى ربه) أي فالحور الرجوع والتردد في الأمر وبابه: قال ودخل.\rقوله: بَلى جواب النفي، وقوله: إِنَّ رَبَّهُ الخ، جواب قسم مقدر، فهو بمنزلة التعليل للجملة المستفاد من بَلى.\rقوله: فَلا أُقْسِمُ الفاء واقعة في جواب شرط مقدر، أي إذا عرفت هذا فَلا أُقْسِمُ الخ.\rقوله: بِالشَّفَقِ أي وهو اختلاط ضوء النهار بسواد الليل عند غروب الشمس، وهو الحمرة التي تكون عند ذلك سمي شفقا لرقته، ومنه الشفقة على الإنسان، وهي رقة القلب عليه.\rقوله: وَما وَسَقَ ما موصول اسمي أو نكرة موصوفة أو مصدرية. قوله: (جمع ما دخل عليه) أي ضم ما كان منتشرا بالنهار من الخلق والدواب والهوام. قوله: (و غيرها) أي كالأشجار والبحار، فإنه إذا دخل الليل انضم وسكن. قوله: (و ذلك في الليالي البيض) أي وهي ليلة الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهر.\rقوله: لَتَرْكَبُنَ جواب القسم، بضم الباء خطاب للجمع، وبفتحها خطاب للواحد، قراءتان سبعيتان. قوله: طَبَقاً مفعول به أو حال. قوله: (بعد حال) أشار بذلك إلى أن عن بمعنى بعد صفة لطبق. قوله: (و هو الموت ثم الحياة) الخ، هذا قول ابن عباس، وقال عكرمة: رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ، وقيل: المعنى لتركبن سنن من قبلكم وأحوالكم.\rقوله: فَما لَهُمْ الفاء لترتيب ما بعدها من الإنكار والتعجيب على ما قبلها، من أحوال يوم القيامة وأهواله الموجبة للإيمان لظهور الحجة، لأن ما أقسم به من التعبيرات العلوية والسفلية، يدل على خالق عظيم القدرة، يبعد عمن له عقل عدم الإيمان به والانقياد له.\rقوله: وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ أي من أي قارئ، وهذا شرط، وجوابه لا يَسْجُدُونَ وهذه الجملة الشرطية في محل نصب على الحال، معطوفة على الحال السابقة، وهي قوله: لا يُؤْمِنُونَ.\rقوله: (لا يخضعون) أي فالمراد بالسجود اللغوي لا العرفي، وهذا أحد قولين، والآخر أن المراد به السجود الحقيقي الذي هو سجود التلاوة، وقد اختلف الأئمة في ذلك. قوله: (في صحفهم) الأوضح أن","part":4,"page":346},{"id":1939,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 347\rفَبَشِّرْهُمْ أخبرهم بِعَذابٍ أَلِيمٍ (24) مؤلم إِلَّا لكن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25) غير مقطوع ولا منقوص، ولا يمنّ به عليهم.\r______________________________\rيقول في صدورهم، لأن الوعي معناه لغة الحفظ.\rقوله: (لكن) الَّذِينَ آمَنُوا الخ، أشار بذلك إلى أن الاستثناء منقطع، لأن ما قبل إلا في الكفار لا غير. قوله: لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ استئناف مقرر لما أفاده الاستثناء.","part":4,"page":347},{"id":1940,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 348\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة البروج مكيّة وآياتها ثنتان وعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (1) الكواكب اثنا عشر برجا تقدمت في الفرقان وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) يوم القيامة وَشاهِدٍ يوم الجمعة وَمَشْهُودٍ (3) يوم عرفة، كذا فسرت الثلاثة في الحديث، فالأول موعود به، والثاني شاهد بالعمل فيه، والثالث تشهده الناس والملائكة، وجواب القسم محذوف صدره تقديره لقد قُتِلَ لعن أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (4)\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة البروج\rمكية وهي ثنتان وعشرون آية حكمة نزول هذه السورة، تثبيت المؤمنين على إيمانهم وصبرهم على أذى الكفار، بتذكيرهم بما جرى لمن تقدمهم.\rقوله: ذاتِ الْبُرُوجِ أي صاحبة الطرق والمنازل التي تسير فيها الكواكب السبعة؛ سميت بروجا لظهورها، لأن البرج في الأصل الأمر الظاهر من التبرج، ثم صار حقيقة عرفية للقصر العالي لظهوره. قوله: (تقدمت في الفرقان) نصه هناك تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً اثني عشر:\rالحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، وهي منازل الكواكب السبعة السيارة: المريخ وله الحمل والعقرب، والزهرة ولها الثور والميزان، وعطارد وله الجوزاء والسنبلة، والقمر وله السرطان، والشمس ولها الأسد، والمشتري وله القوس والحوت، وزحل وله الجدي والدلو. انتهى.\rقوله: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ أي الموعود به، ففيه الحذف والإيصال. قوله:\r(يوم الجمعة) خص مع أن باقي الزمان يشهد كذلك لاختصاصه بمزية، وهي كونه فيه ساعة إجابة واجتماع الناس. قوله: (كذا فسرت الثلاثة في الحديث) أي وهو ما روي: «اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة» خرجه الترمذي، واختلف في تفسير الشاهد والمشهود على أقوال كثيرة: منها ما ذكره في الحديث، ومنها الشاهد يوم التروية والمشهود يوم عرفة، ومنها الشاهد هو اللّه والمشهود يوم القيامة، ومنها الشاهد هم الأنبياء والمشهود عليهم هم الأمم، ومنها الشاهد أعضاء الإنسان والمشهود عليه هو ابن آدم، ومنها غير ذلك، والأحسن أن يراد ما هو أعم. ولذلك نكرهما ليعم كل شاهد ومشهود. قوله: (محذوف صدره) أي لأن المشهور عن النحاة، أن الماضي المثبت المتصرف الذي لم يتقدم","part":4,"page":348},{"id":1941,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 349\rالشق في الأرض النَّارِ بدل اشتمال منه ذاتِ الْوَقُودِ (5) ما توقد به إِذْ هُمْ عَلَيْها أي حولها على جانب الأخدود على الكراسي قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ باللّه من تعذيبهم بالالقاء في النار إن لم يرجعوا عن إيمانهم شُهُودٌ (7) حضور، روي أن اللّه أنجى المؤمنين الملقين في النار بقبض أرواحهم قبل وقوعهم فيها وخرجت النار إلى من ثم فأحرقتهم وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ\r______________________________\rمعموله، إذا وقع جوابا للقسم تلزمه اللام، وقد لا يجوز الاقتصار على أحدهما، إلا عند طول الكلام أو في ضرورة.\rقوله: (تقديره لقد) قُتِلَ الخ، أي وعليه فالجملة خبرية، والأصل فيها الدعاء. قوله:\r(الشق في الأرض) أي فالأخدود مفرد وجمعه أخاديد. قوله: (بدل اشتمال منه) أي لأن الأخدود مشتمل على النار. قوله: (ما توقد به) أي فالوقود بالفتح الاسم، وأما بالضم فهو المصدر.\rقوله: إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ ظرف ل قُتِلَ والمعنى: حين حرقوا بالنار قاعدين عليها في مكان مشرف عليها من حافات الأخدود.\rقوله: شُهُودٌ أي يشهد بعضهم لبعض عند الملك، بأن أحدا لم يقصر فيما أمر به، فهو من الشهادة بمعنى تأدية الخبر، أو المراد شهود يشهدون بما فعلوا بالمؤمنين، فهو من الشهادة بمعنى الحضور، وعليه اقتصر المفسر. قوله: (روي أن اللّه أنجى المؤمنين) الخ، أي وكانوا سبعة وسبعين، وهؤلاء لم يرجعوا عن دينهم، والذين رجعوا عشرة أو أحد عشرة. وقوله: (إلى من ثم) أي إلى من هم قعود على الأخدود، ولم يرد نص بتعيينهم، واعلم أنه اختلف المفسرون في أصحاب الأخدود، فروي عن صهيب أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت، فابعث إلي غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك إليه راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، وإذا رجع من الساحر قعد إلى الراهب، وسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه، فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك، إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس فقال: اليوم أعلم الراهب أفضل أم الساحر؟ فأخذ حجرا ثم قال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر، فاقتل هذه حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها، فمضى الناس، فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي، فكان الغلام يبرئ الأكمة والأبرص ويداوي الناس بسائر الأدواء، فسمع جليس الملك وكان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما هنالك أجمع إن أنت شفيتني، قال: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي اللّه عزّ وجل، فإن آمنت باللّه دعوت اللّه عزّ وجل فشفاك، فآمن باللّه فشفاه اللّه عزّ وجل، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟\rقال: ربي، قال: ولك رب غيري؟ قال: اللّه ربي وربك، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دله على الغلام، فجيء بالغلام فقال الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل، فقال:\rإني لا أشفي أحدا، إنما يشفي اللّه عزّ وجل، فأخذ فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدعا بالمنشار، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدعا بالمنشار، فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه","part":4,"page":349},{"id":1942,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 350\rإِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ في ملكه الْحَمِيدِ (8) المحمود الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) أي ما أنكر الكفار على المؤمنين إلا إيمانهم إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ\r______________________________\rبه حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال لهم: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم اللّه، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال:\rاذهبوا به فاحملوه في قرقور، فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم اللّه تعالى، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع ثم تأخذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل: بسم اللّه رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: بسم اللّه رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده على صدغه موضع السهم فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام ثلاثا، فأتى الملك فقال له: أرأيت ما كنت تحذر؟ فقد واللّه نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود فخدت بأفواه السكك، وأضرم النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فاحموه، ففعلوا حتى جاءت امرأة معها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أماه اصبري فإنك على الحق». وروي عن مقاتل: كانت الأخاديد ثلاثة: واحدة بنجران باليمن، وأخرى بالشام، وأخرى بفارس، حرق أصحابها بالنار. أما التي بالشام والتي بفارس، فلم ينزل اللّه فيهما قرآنا، وأنزل في التي كانت بنجران، وذلك أن رجلا مسلما ممن يقرأ الإنجيل، أجر نفسه في عمل وجعل يقرأ الإنجيل، فرأت بنت المستأجر النور يعني من قراءة الإنجيل، فذكرت لأبيها فسأله فلم يخبره، فلم يزل به حتى أخبره بالدين والإسلام فتابعه على دينه هو وسبعة وثمانون إنسانا ما بين رجل وامرأة، وهذا بعد ما رفع عيسى إلى السماء، وقبل مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بسبعين سنة، فسمع ذلك الرجل اسمه يوسف بن ذي نواس، فخذلهم في الأرض وأوقد لهم فيها، فعرضهم على الكفر، فمن أبى أن يكفر قذفه في النار، ومن رجع عن دين عيسى لم يقذفه. وروي أن امرأة جاءت ومعها ولد صغير لا يتكلم، فلما قامت على شفير الخندق، نظرت إلى ابنها فرجعت عن النار، فضربت حتى تقدمت فلم تزل كذلك ثلاث مرات، فلما كانت في الثالثة ذهبت ترجع، فقال لها ابنها: يا أماه إني أرى أمامك نارا لا تطفأ، يعني نار جهنم، إن لم تقعي في هذه النار، فلما سمعت ذلك قذفا جميعا أنفسهما في النار، فجعلهما اللّه في الجنة، فقذف في النار في يوم واحد سبعة وسبعين إنسانا. وروي غير ذلك.\rقوله: وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ الخ، أي ما عابوا منهم إلا إيمانهم، وإنما عبر بالمستقبل مع أن الإيمان وقع منهم في الماضي، لأن تعذيبهم الإنكار ليس للإيمان الذي وجد منهم في الماضي، بل لدوامهم عليه في المستقبل، إذ لو كفروا في المستقبل، لما عذبوا على ما مضى، فكأنه قال: إلا أن يستمروا على إيمانهم.\rقوله: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بيان لكونه العزيز الحميد. قوله: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ","part":4,"page":350},{"id":1943,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 351\rوَالْمُؤْمِناتِ بالاحراق ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ بكفرهم وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (10) أي عذاب إحراقهم المؤمنين في الآخرة، وقيل في الدنيا بأن خرجت النار فأحرقتهم كما تقدم إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ بالكفار لَشَدِيدٌ (12) بحسب إرادته إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ الخلق وَيُعِيدُ (13) فلا يعجزه ما يريد وَهُوَ الْغَفُورُ للمذنبين المؤمنين الْوَدُودُ (14) المتودد إلى أوليائه بالكرامة ذُو الْعَرْشِ خالقه ومالكه الْمَجِيدُ (15) بالرفع المستحق لكمال صفات العلو فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (16) لا يعجزه شيء هَلْ أَتاكَ يا محمد حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بدل من الجنود واستغنى\r______________________________\rشَهِيدٌ فيه وعد وعيد.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ الخ، أي حرقوهم بالنار، يقال: فتنت فلانا إذا حرقته. قوله:\rثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا أي لم يرجعوا عما هم عليه من الكفر، وفيه دليل على أنهم إن تابوا وآمنوا قبلهم، وأخرجهم من هذا الوعيد، والتعبير بثم إشارة إلى أن التوبة مقبولة، ولو طال الزمان ما لم تحصل الغرغرة.\rقوله: فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ هو خبر إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا ودخلت الفاء لما تضمنه المبتدأ من الشرط.\rقوله: عَذابُ الْحَرِيقِ من إضافة المسبب للسبب، أي عذاب سببه احراق المؤمنين.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا لما ذكر وعيد الكفار، أتبعه بذكر ما أعد للمؤمنين. قوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أي من تحت قصورها وغرفها، يتلذذون ببردها في نظير الحر الذي صبروا عليه في الدنيا، ويزول عنهم برؤية ذلك مع خضرة الجنان جميع المضار والأحزان. قوله: ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ اسم الإشارة عائد على ما ذكر من حيازتهم للجنات، وعبر بالإشارة المفيدة للعبد، لعلو درجتهم في الفضل والشرف.\rقوله: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ البطش الأخذ بعنف، فإذا وصف بالشدة كان متضاعفا جدا، وهو انتقامه وتعذيبه للكفرة. قوله: (بحسب إرادته) رد بذلك على الفلاسفة القائلين: بأنه واجب بالذات كيف وقد قال تعالى فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ.\rقوله: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ أي ومن كان قادرا على ذلك، كان بطشه في غاية الشدة.\rقوله: وَهُوَ الْغَفُورُ أي الماحي لذنوب المؤمنين وإن لم يتوبوا، لأن الآية مذكورة في معرض التمدح، والتمدح بكونه غفورا مطلقا أتم، فالحمل عليه أولى. قوله: (المتودد إلى أوليائه بالكرامة) أشار بذلك إلى أن فعولا بمعنى فاعل، ويصح أن يكون بمعنى مفعول، أي يوده عبارة ويحبونه.\rقوله: الْمَجِيدُ بالرفع أي وبالجر قراءتان سبعيتان فالرفع على أنه نعت للغفور، والجر على أنه نعت للعرش، ومجده علوه وعظمه.\rقوله: فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ أتى بصيغة فَعَّالٌ اشارة للكثرة، وختم به الصفات لكونه كالنتيجة لها، والمعنى: يفعل ما يريد، ولا يعترض عليه ولا يغلبه غالب، فيدخل أولياء الجنة لا يمنعه مانع، ويدخل أعداءه النار لا ينصرهم منه ناصر، وفي هذه الآية دليل على أن جميع أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى، ولا يجب عليه شيء، لأن أفعاله بحسب ارادته.\rقوله: هَلْ أَتاكَ الخ، يصح أن تكون هل بمعنى قد، وإن كان سبق له إتيان، أو لطلب الأخبار إن لم يكن أتاه كما تقدم. قوله: (بدل من الجنود) أي على حذف مضاف، أي جنود فرعون، وهو بدل كل من كل، أو المراد بفرعون هو وقومه، واكتفى بذكره عنهم لأنهم أتباعه، وعليه اقتصر المفسر، وخص","part":4,"page":351},{"id":1944,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 352\rبذكر فرعون عن أتباعه. وحديثهم أنهم أهلكوا بكفرهم، وهذا تنبيه لمن كفر بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن ليتعظوا بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) بما ذكر وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (20) لا عاصم لهم منه بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) عظيم فِي لَوْحٍ هو في الهواء فوق السماء السابعة مَحْفُوظٍ (22) بالجر من الشياطين ومن تغير شيء منه، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وهو من درة بيضاء، قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما.\r______________________________\rفرعون وثمود بالذكر لشهرتهما عند العرب. قوله: (و حديثهم أنهم) الخ، أي فهو ما صدر عنهم من التمادي في الكفر والضلال، وما حل بهم من العذاب.\rقوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا أي من قومك، وهو اضراب انتقال للأشد كأنه قيل: ليس حال هؤلاء بأعجب من حال قومك، فإنهم مع عملهم بما حل بهم لم ينزجروا. قوله: فِي تَكْذِيبٍ (بما ذكروا) أي النبي والقرآن.\rقوله: وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ أي وهم في قبضة قدره وتصريفه، كالشيء المحاط به، الذي لا يجد مخلصا ولا مفرا فيجازيهم بأعمالهم.\rقوله: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ اضراب عن شدة تكذيبهم، وعدم كفهم عنه إلى وصف القرآن بما ذكر، اشارة إلى أنه لا ريب ولا شك فيه، ولا يصل إليه تكذيب هؤلاء. قوله: (فوق السماء السابعة) أي معلق بالعرش. قوله: (بالجر) أي والرفع فهما سبعيتان، فالجر على أنه نعت للوح، والرفع على أنه نعت للقرآن. قوله: (طوله ما بين السماء) الخ، أي وهو عن يمين العرش، مكتوب في صدره: لا إله إلا اللّه وحده، دينه الإسلام، ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن باللّه وصدق بوعده واتبع رسله أدخله جنته.\rقوله: (و هو من درة بيضاء) أي وحافتاه الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه النور، وكتابته نور معقود بالعرش، وأصله في حجر ملك.","part":4,"page":352},{"id":1945,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 353\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الطّارق مكيّة وآياتها سبع عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (1) أصله كل آت ليلا، ومنه النجوم لطلوعها ليلا وَما أَدْراكَ أعلمك مَا الطَّارِقُ (2) مبتدأ وخبر في محل المفعول الثاني لأدري وما بعد ما الأولى خبرها وفيه تعظيم لشأن الطارق المفسر بما بعده هو النَّجْمُ أي الثريا أو كل نجم الثَّاقِبُ (3) المضيء لثقبه الظلام بضوئه وجواب القسم إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (4)\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الطارق\rمكية وهي سبع عشرة آية\rقوله: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ الخ، قد كثر منه تعالى في كتابه المجيد ذكر السماء والشمس والقمر والنجوم، لأن أحوالها في أشكالها وسيرها ومطالعها ومغاربها عجيبة، دالة على انفراد صانعها بالكمالات، لأن الصنعة تدل على الصانع، قال بعضهم:\rتلك آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار\rقوله: (أصله كل آت) الخ، أي ثم توسع فيه، فسمي به كل ما ظهر بالليل كائنا ما كان، ثم توسع به فسمي به كل ما ظهر مطلقا ليلا، أو نهارا ومنه حديث: «أعوذ بك من شر طارق الليل والنهار، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن». والطارق مأخوذ من الطرق وهو الدق، سمي به الآتي ليلا، لاحتياجه إلى طرق الباب غالبا، منه المطرقة بالكسر وهي ما يطرق به الحديد.\rقوله: وَما أَدْراكَ الاستفهام للإنكار وقوله: مَا الطَّارِقُ الاستفهام للتعظيم والتفخيم.\rقوله: النَّجْمُ خبر لمحذوف قدره المفسر بقوله:\r(هو) واعلم أنه تعالى أقسم أولا بما يشترك به النجم وغيره وهو الطارق، ثم أتى بالاستفهام عنه تفخيما وتعظيما ثم فسره بالنجم، إزالة لذلك الإبهام الحاصل بالاستفهام. قوله: (الثريا أو كل نجم) هذان قولان من ثلاثة، ثالثها: أن المراد به زحل، ومحله في السماء السابعة، لا يسكنها غيره من النجوم، فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط فكان معها، ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة، فهو طارق","part":4,"page":353},{"id":1946,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 354\rبتخفيف ما فهي مزيدة، وإن مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف، أي إنه واللام فارقة وبتشديدها فإن نافية ولما بمعنى إلا، والحافظ من الملائكة يحفظ عملها من خير وشر فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ نظر اعتبار مِمَّ خُلِقَ (5) من أي شيء؟ جوابه خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (6) ذي اندفاق من الرجل، والمرأة في رحمها يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ للرجل وَالتَّرائِبِ (7) للمرأة وهي عظام الصدر إِنَّهُ تعالى عَلى رَجْعِهِ بعث الإنسان بعد موته لَقادِرٌ (8) فإذا اعتبر أصله علم أن القادر على ذلك قادر\r______________________________\rحين ينزل وحين يصعد. قوله: (و جواب القسم) الخ، أي وما بينهما اعتراض، جيء به تفخيما للمقسم به.\rقوله: (فهي مزيدة) أي وكُلُ مبتدأ، و(عليها) خبر مقدم، وحافِظٌ مبتدأ مؤخر، والجملة خبر كُلُّ. قوله: (و اسمها محذوف) فيه نظر بل هي مهملة لا عمل لها، لأن لام الفرق يؤتى بها عند الإهمال لا عند الإعمال، كما قال ابن مالك:\rوخففت إن فقلّ العمل ... وتلزم اللام إذا ما تمهل\r\rقوله: (و اللام فارقة) أي بين المخففة والنافية. وقوله: (و بتشديدها) أي وهما قراءتان سبعيتان.\rقوله: (و الحافظ من الملائكة) الخ، يحتمل أن يراد الحفظ من العاهات والآفات، وهو عشرة بالليل وعشرة بالنهار لكل آدمي، فإن كان مؤمنا، وكل اللّه به مائة وستين ملكا، يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل الذباب، ولو كان العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين، أو حفظ الأعمال، وهما رقيب وعتيد، وعليه درج المفسر، وقيل: المراد بالحافظ اللّه تعالى، فتحصل أن الحافظ قيل الكاتب أو مطلق الملائكة الحفظة أو اللّه تعالى، والأحسن أن يراد ما هو أعم.\rقوله: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ الخ، لما ذكر تعالى أن كل نفس عليها حافظ، أتبع ذلك توصية الإنسان بالنظر في أول نشأته، والأمر للإيجاب. قوله: مِمَّ خُلِقَ الجار والمجرور متعلق بخلق، والجملة في محل نصب بقوله: فَلْيَنْظُرِ المعلق عنها بالاستفهام.\rقوله: (ذي اندفاق) أي انصباب، وأشار بذلك إلى أن دافِقٍ صيغة نسب كلابن وتامر، فالمعنى خلق من ماء متدفق ومدفوق. قوله: (في رحمها) متعلق بدافق.\rقوله: مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ أي وهو عظام الظهر وبَيْنِ زائدة، لأن بَيْنِ إنما تضاف لمتعدد، وهنا ليس كذلك إلا أن يقال: المراد من بين أجزاء الصلب الخ. قوله: وَالتَّرائِبِ (للمرأة) وقال الحسن: المعنى يخرج من صلب الرجل وترائب الرجل، وصلب المرأة وترائب المرأة. قوله: (و هي عظام الصدر) أي وهي محل القلادة، وهذا أحد أقوال، وقيل: الترائب ما بين ثدييها، وقيل: الترائب التراقي، وقيل: الترائب أربعة أضلاع من يمنة الصدور وأربعة أضلاع من يسرة الصدر، وقال القرطبي: إن ماء الرجل ينزل من الدماغ ثم يتجمع في الأنثيين، ولا يعارضه قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ لأنه ينزل من الدماغ إلى الصلب، ثم يجتمع في الأنثيين.\rقوله: إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ نتيجة النظر المذكور، لأن الأمر بالنظر إنما هو لأجل التفكر في الميعاد والبعث. قوله: (بعث الإنسان) الخ، هذا هو الصحيح اللائق بمعنى الآية بدليل ما بعده، وفي الآية تفاسير أخر منها: أن الضمير يعود على الإنسان، والمعنى: أن على رجع الإنسان لحالة النطفية لقادر بأن يرده من الشيخوخة للشبوبة، ومنها للصبا ومنه إلى كونه حملا إلى مضغة إلى علقة إلى نطفة، ومنها: أن","part":4,"page":354},{"id":1947,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 355\rعلى بعثه يَوْمَ تُبْلَى تختبر وتكشف السَّرائِرُ (9) ضمائر القلوب في العقائد والنيات فَما لَهُ لمنكر البعث مِنْ قُوَّةٍ يمتنع بها من العذاب وَلا ناصِرٍ (10) يدفعه عنه وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (11) المطر لعوده كل حين وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (12) الشق عن النبات إِنَّهُ أي القرآن لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) يفصل بين الحق والباطل وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (14) باللعب والباطل إِنَّهُمْ أي الكفار يَكِيدُونَ كَيْداً (15) يعملون المكايد للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وَأَكِيدُ كَيْداً (16) أستدرجهم من حيث لا يعلمون فَمَهِّلِ يا محمد الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ تأكيد حسنه مخالفة اللفظ، أي أنظرهم\r______________________________\rالضمير عائد على الماء الدافق، والمعنى: أنه على رجع الماء للصلب والترائب بعد انفصاله للرحم وصيرورته ولدا لقادر.\rقوله: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ظرف لرجعه لا لقادر، لأنه تعالى قادر على جميع الأوقات، لا تختص قدرته بوقت دون وقت. قوله: (ضمائر القلوب) أي ما أخفي فيها، وقيل: السراء فرائض الأعمال:\rكالصلاة والصوم والوضوء والغسل من الجنابة، فإنها سرائر بين اللّه وبين العبد، ولو شاء العبد لقال:\rصمت ولم يصم، وصليت ولم يصل، واغتسلت من الجنابة ولم يغتسل، فيختبر حتى يظهر من أداها من ضيعها، فيبيض وجه المؤدي، ويسود وجه المضيع.\rقوله: فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ أي في نفسه، وقوله: وَلا ناصِرٍ أي من غيره. قوله: (المطر) هذا أحد أقوال،\rوقيل الرَّجْعِ الأحوال التي تجيء وتذهب، كالليل والنهار والأمطار، والفصول من الشتاء وما فيه من برد ونحوه؛ والصيف وما فيه من حر ونحوه، وقيل: المراد ذات النفع، وقيل: ذات الملائكة لرجوعهم فيها بأعمال العباد. قوله: (الشق عن النبات) وقيل: ذات الحرث لأنه يصدعها، وقيل: ذات الطريق التي تصدعها المشاة، وقيل: غير ذلك، واعلم أنه تعالى كما جعل كيفية خلق الحيوان دليلا على معرفة المبدأ والمعاد، ذكر في هذا القسم كيفية خلقه النبات، فقوله: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ أي هي كالأب وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ هي كالأم تتولد من بينهما النعم العظيمة التي ينتفع به ما دامت الدنيا.\rقوله: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ جواب القسم الذي هو وَالسَّماءِ الخ، والمراد بالفصل الحكم الذي ينفصل به الحق من الباطل.\rقوله: وَما هُوَ بِالْهَزْلِ أي بل هو جد كله، فالواجب أن يكون مهابا في الصدر، معظما في القلوب، كيف وهو خطاب رب العالمين لعباده، فالإصغاء إليه والاستماع له، والائتمار بأوامره والانتهاء بنواهيه فرض.\rقوله: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً اختلف فيها فقيل: هي القاء الشبهات كقولهم إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا* مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ونحو ذلك، وقيل: قصد قتله صلّى اللّه عليه وسلّم، والأحسن أن يراد ما هو أعم.\rقوله: وَأَكِيدُ كَيْداً أي أجازيهم على كيدهم، وسمي الجزاء كيدا مشاكلة، وقيل: المعنى أعاملهم معاملة ذي الكيد، بأن أمدهم ظاهرا بالنعم استدراجا لهم، وعليه اقتصر المفسر.\rقوله: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أي لا تستعجلهم بالانتقام منهم ولا بالدعاء عليهم. قوله: (مخالفة اللّفظ) أي من حيث إن الأول مسند للظاهر مع التضعيف، والثاني مسند للضمير مع الهمز. قوله: (على","part":4,"page":355},{"id":1948,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 356\rرُوَيْداً (17) قليلا، وهو مصدر مؤكدة لمعنى العامل، مصغر رودا وإروادا على الترخيم، وقد أخذهم اللّه تعالى ببدر، ونسخ الإمهال بآية السيف، أي بالأمر بالقتال والجهاد.\r______________________________\rالترخيم) راجع لقوله: (أو إروادا) أي تصغير ترخيم وهو حذف الزوائد، واعلم أن رُوَيْداً يستعمل مصدرا بدل من اللفظ بفعله، فيضاف تارة كقوله فضرب الرقاب، ولا يضاف أخرى نحو رويدا رويدا، ويقع حالا نحو ساروا رويدا أي متمهلين، ونعتا مصدر محذوف نحو ساروا رويدا أي سيرا رويدا. قوله:\r(و نسخ الامهال بآية السيف) أي على أن المعنى: اترك الكافرين ولا تتعرض لهم، واصبر على أذاهم.","part":4,"page":356},{"id":1949,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 357\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الأعلى مكيّة وآياتها تسع عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ أي نزه ربك عما لا يليق به، ولفظ اسم زائد الْأَعْلَى (1) صفة لربك الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) مخلوقه جعله متناسب الأجزاء غير\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الأعلى\rمكية وهي تسع عشرة آية أي في قول الجمهور، وقال الضحاك: مدنية، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يحبها لكثرة ما اشتملت عليه من العلوم والخيرات، وفي الحديث سئلت عائشة بأي شيء كان يوتر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قالت: كان يقرأ في الأولى ب «سبح اسم ربك الأعلى» وفي الثانية ب «قل يا أيها الكافرون» وفي الثالثة ب «قل هو الله أحد» والمعوذتين، ومن جملة فوائدها أن الإكثار من تلاوتها يورث الحفظ. قوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأمر وإن كان للنبي، إلا أن المراد منه العموم، لأن الأصل عدم الخصوصية إلا لدليل. قوله: (أي نزه ربك) أي اعتقد أنه منزه عن كل ما لا يليق به، في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه، فتنزيه الذات اعتقاد أنها ليست كالذوات، فلا توصف بالجوهرية ولا بالعرضية، ولا بالكبر ولا بالصغر؛ ولا بغير ذلك من أوصاف الحدوث، وتنزيه الصفات اعتقاد أنها ليست حادثة ولا متناهية ولا ناقصة، وتنزيه الأفعال اعتقاد أنه تعالى ليست أفعاله كأفعاله المخلوقين، وتنزيه الأسماء عدم ذكره بالأسماء التي توهم نقصا بوجه من الوجوه، وتنزيه الأحكام عدم الأغراض فيها، فتكليفنا لأنفسنا لا لنفع يعود عليه. (و لفظ اسم زائد) ليس بمتعين، بل كما تنزه الذات ينزه الاسم أيضا، عن أن يسمى به غيره، ومن جملة تنزيه الاسم، أن لا يذكر في موضع الأقذار، بأن يذكر على وجه التعظيم والتفخيم، في المواضع الطاهرة الفاخرة، ومن جملة تنزيه الاسم، استحضارك عظمة المسمى عند ذكره.\rقوله: الْأَعْلَى من العلو وهو الارتفاع، بمعنى القهر والغلبة والسلطنة، فهو علو مكانة لا مكان.\rقوله: (صفة لربك) أي فهو مجرور بكسرة مقدرة على الألف، وهذه الصفة جارية مجرى التعليل، كأنه قال: سبح اسم ربك لكونه مرتفع المكانة، منزها عن النقائص أزلا أبدا، ولا يصح أن يكون صفة لاسم منصوب بالفتحة المقدرة مع جعل الَّذِي خَلَقَ الخ، صفة لربك، لما يلزم عليه من الفصل بين الصفة","part":4,"page":357},{"id":1950,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 358\rمتفاوت وَالَّذِي قَدَّرَ ما شاء فَهَدى (3) إلى ما قدره من خير وشر وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (4) أنبت العشب فَجَعَلَهُ بعد الخضرة غُثاءً جافا هشيما أَحْوى (5) أسود يابسا سَنُقْرِئُكَ القرآن فَلا تَنْسى (6) ما تقرؤه إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أن تنساه بنسخ تلاوته وحكمه، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يجهر بالقراءة مع قراءة جبريل خوف النسيان، فكأنه قيل له: لا تعجل بها إنك لا تنسى فلا تتعب نفسك بالجهر بها إِنَّهُ تعالى يَعْلَمُ الْجَهْرَ من القول والفعل وَما يَخْفى (7) منهما\r______________________________\rوالموصوف بصفة غيره، نظير قولك جاءني غلام هند العاقل الحسنة: وهو ممتنع، فإن جعل الموصول نعتا مقطوعا جاز.\rقوله: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى جواب عن سؤال مقدر، كأنه قيل: الاشتغال بالتسبيح إنما يكون بعد معرفة المولى، فما الدليل على وجوده؟ فأجاب بما ذكر، ومفعول خَلَقَ محذوف، أي كل شيء. قوله:\r(متناسب الأجزاء) الخ، أي فجعله معتدل القامة تام المنافع.\rقوله: وَالَّذِي قَدَّرَ مفعوله محذوف قدره بقوله: (ما شاء) أي من أنواعها وأشخاصها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها، وغير ذلك من أحوالها. قوله:\rفَهَدى أي أرشد ما قدره لمصالحه، فهدى الإنسان ودله على سبيل الخير والشر، وهدى الأنعام لمراعيها، وجميع الدواب لمعاشها ومصالحها.\rقوله: وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى أي ما يرعى كالحشيش ونحوه. قوله: غُثاءً بضم الغين والمد من باب قعد، وهذا مثل ضربه اللّه للكفار، بذهاب الدنيا بعد نضارتها.\rقوله: أَحْوى نعت لغثاء، وهو ما يشير له المفسر، وقوله: (أسود باليا) أي بعد وصفه بالغثاء، يكون أسود باليا، كما هو العادة في الزرع الجاف إذا تقادم، ويطلق الأحوى على الأسود الذي يضرب الخضرة أو الأخضر الذي يضرب إلى السواد، وعليه فيكون حالا من المرعى، والأصل: أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء، والفاء لمجرد الترتيب، والمعنى: فمضت مدة فجعله الخ، إذ لا يصير غثاء عقب إخراجه، بل بعده بمدة.\rقوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى بيان لهداية اللّه تعالى الخاصة برسوله، إثر بيان هدايته لجميع الخلق، وهذه الآية تدل على المعجزة من وجهين، الأول: الإخبار من اللّه تعالى بما يحصل في المستقبل الثاني: كونه يحفظ هذا الكتاب العظيم من غير دراسة ولا تكرار ولا ينساه أبدا. قوله: فَلا تَنْسى (ما تقرؤه) أي منسوخا أو غيره، ليظهر كون الاستثناء متصلا، و\rقوله: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ استثناء مفرغ. قوله: (بنسخ تلاوته وحكمه) الباء سببية، والمعنى: أن نسخ تلاوته وحكمه معا، سبب في جواز نسيانك له، وأما ما نسخت تلاوته فقط أو حكمه فقط فلا ينساه، للاحتياج إلى تبليغ حكمه أو تلاوته. قوله: (فكأنه قيل) إلخ أي فهو نظير قوله: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ.\rقوله: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ الخ، تعليل لما قبله، جيء به تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم كأنه قيل: لا تخش ضياع ما ألقي عليك، فإنه تعالى يعلم الجهر وما يخفى، ومنه: ما ألقي عليك فيثبت في فؤادك ما ينفع، وصنيع المفسر يقتضي أنه تعليل لمحذوف قدره بقوله: (فلا تتعب نفسك). قوله: وَما يَخْفى ما اسم موصول، وعائده محذوف، ولا يصح أن تكون مصدرية، لئلا يلزم خلو الفعل عن فاعل، ولا يقال يجعل ضميرا، لأنا نقول: يمنع منه عدم وجوده وما يعود عليه.","part":4,"page":358},{"id":1951,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 359\rوَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (8) للشريعة السهلة وهي الإسلام فَذَكِّرْ عظ بالقرآن إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (9) من تذكرة المذكور في سيذكر، يعني وإن لم تنفع ونفعها لبعض وعدم النفع لبعض آخر سَيَذَّكَّرُ بها مَنْ يَخْشى (10) يخاف اللّه تعالى كآية فذكر بالقرآن من يخاف وعيد وَيَتَجَنَّبُهَا أي الذكرى أي يتركها جانبا لا يلتفت إليها الْأَشْقَى (11) بمعنى الشقي أي الكافر الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (12) هي نار الآخرة، والصغرى نار الدنيا ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها فيستريح وَلا يَحْيى (13) حياة هنيئة قَدْ أَفْلَحَ فاز مَنْ تَزَكَّى (14) تطهر بالإيمان وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ مكبرا\r______________________________\rقوله: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى عطف على نقرئك، وما بينهما اعتراض جيء به للتعليل، والمعنى:\rنوفقك توفيقا مستمرا للطريقة اليسرى، في كل باب من أبواب الدين علما وتعليما وإهداء وهداية وغير ذلك، ولذا ورد: ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن مأثما، وورد: بعثت بالحنيفية السمحاء، وحكمة إسناد التيسير لذاته، ولم يقل ونيسر اليسرى لك الإيذان بقوة تمكنه عليه السّلام من اليسرى والتصرف فيها، بحيث صار ذلك جبلة له صلّى اللّه عليه وسلّم، فبين طبعه ودينه موافقة في اليسر والسهولة. قوله:\r(للشريعة السهلة) أي الطريقة اليسرى في حفظ الوحي والتدين.\rقوله: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى إن قلت:\rهو صلّى اللّه عليه وسلّم مأمور بأن يذكرهم، سواء نفعتهم الذكرى أو لم تنفعهم، ليكون حجة لهم أو عليهم، أجيب: بأن في الآية اكتفاء، أي أو لم تنفع على حد سرابيل تقيكم الحر أي والبرد، ويؤيده قوله: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى فتدبر.\rقوله: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى أي من خلق اللّه في قلبه الخشية، وهذا وعد من اللّه تعالى، بأن من يخشى يحصل به الاتعاظ وينتفع به، والوعد لا يتخلف. قوله: (هي نار الآخرة) الخ، هذا قول الحسن، ويدل له ما ورد: ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، وقيل: يكون في الآخرة نيران ودركات متفاضلة، فالكافر يصلي أعظم النيران، وقيل: النار الكبرى هي السفلى، قال تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ. قوله: (فيستريح) جواب عما يقال: لا واسطة بين الحياة والموت، فكيف وصف اللّه الأشقى بأنه لا يموت فيها ولا يحيا؟ فأجاب: بأن المعنى لا يموت موتا فيستريح به، ولا يحيا حياة ينتفع بها. قوله: (مكبرا) أي تكبيرة الإحرام التي هي أحد أجزاء الصلاة. قوله: (و ذلك من أمور الآخرة) تمهيد لارتباط هذه الآية بما بعدها،\rفقوله: بَلْ تُؤْثِرُونَ الخ إضراب عن مقدر يستدعيه المقام. قوله:\r(بالتحتانية) أي وعليه فالضمير راجع للأشقى، وقوله: (و الفوقانية) أي وعليه فهو التفات، والخطاب إما للكفار فقط، أو لعموم الناس، والقراءتان سبعيتان.\rقوله: خَيْرٌ وَأَبْقى أي لاشتمالها على السعادة الجسمانية والروحانية، ولذاتها غير مخلوطة بالآلام، وهي دائمة باقية، والدنيا ليست كذلك. قوله: (أي إفلاح من تزكى) الخ، أي فالإشارة إلى قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى إلى قوله: وَأَبْقى وما ذكر في الصحف الأولى بالمعنى لا بهذا اللفظ، فالشرائع المتقدمة متفقة على ما في هذه الآيات، ورد عن أبي ذر قال: دخلت المسجد فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن للمسجد تحية، فقلت: وما تحيته يا رسول اللّه؟ قال: ركعتان تركعهما، قلت: يا رسول اللّه هل أنزل اللّه عليك شيئا مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟ قال: يا أبا ذر اقرأ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ","part":4,"page":359},{"id":1952,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 360\rفَصَلَّى (15) الصلوات الخمس، وذلك من أمور الآخرة، وكفار مكة معرضون عنها بَلْ تُؤْثِرُونَ بالتحتانية والفوقانية الْحَياةَ الدُّنْيا (16) على الآخرة وَالْآخِرَةُ المشتملة على الحنة خَيْرٌ وَأَبْقى (17) إِنَّ هذا أي إفلاح من تزكى، وكون الآخرة خيرا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (18) أي المنزلة قبل القرآن صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (19) وهي عشر صحف لإبراهيم، والتوراة لموسى.\r______________________________\rتُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى. قلت:\rيا رسول اللّه فما كانت صحف موسى؟ قال: «كانت عبرا كلها، عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك، عجبت لمن رأى الدنيا وتقبلها بأهلها كيف يطمئن إليها، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم يغضب، عجبت لمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل». وعن أبي ذر أيضا قال: «قلت يا رسول اللّه فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: كانت أمثالا كلها، أيها الملك المسلط المبتلي المغرور، إن لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو كانت من فم كافر، وكان فيها أمثال، وعلى العاقل أن يكون له ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يفكر فيها في صنع اللّه عزّ وجل، وساعة يخلو فيها لحاجته في المطعم والمشرب، وعلى العاقل أن لا يكون طامعا في ثلاث: تزود لمعاد، ومرمة لمعاش، ولذة في غير محرم، وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، ومن عد كلامه من عمله، قل كلامه إلا فيما يعنيه، قال: قلت: فما كانت صحف موسى؟ قال:\rكانت عبرا إلى آخره». وقوله: ومرمة لمعاش، أي إصلاح له.","part":4,"page":360},{"id":1953,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 361\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الغاشية مكيّة وآياتها ست وعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هَلْ قد أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (1) القيامة، لأنها تغشى الخلائق بأهوالها وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عبر بها عن الذوات في الموضعين خاشِعَةٌ (2) ذليلة عامِلَةٌ\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الغاشية\rمكية وهي ست وعشرون آية أي بالإجماع.\rقوله: هَلْ أَتاكَ أشار المفسر إلى أن هَلْ بمعنى قد، وقوله: أَتاكَ أي في هذه السورة، فالماضي إخبار عما وقع له في الحال، ويصح أن يراد بالاستفهام، التعجب والتشويق إلى استماع حديثها المذكور بقوله:\rوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ الخ، قوله: الْغاشِيَةِ من الغشاء وهو الغطاء، ومنه الغشاوة وهي شيء يغطي العين. قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ الخ، استئناف واقع في جواب سؤال مقدر تقديره وما حديث الغاشية، ووُجُوهٌ مبتدأ سوغ الابتداء به وقوعه في معرض التفصيل، وخاشِعَةٌ خبره، وعامِلَةٌ ناصِبَةٌ خبران آخران. قوله: يَوْمَئِذٍ أي يوم إذ غشيت، فالتنوين عوض عن جملة.\rإن قلت: إنه لم يتقدمها جملة يصح أن يكون التنوين عوضا عنها. أجيب: بأن تقدمها لفظ الغاشية، وهو في معنى الجملة، لأن أل موصولة باسم الفاعل، فكأنه قال التي غشيت، فالتنوين عوض عن هذه الجملة التي انحل لفظ الغاشية إليها. قوله: (عبر بها عن الذوات) أي فهو مجاز مرسل من التعبير عن الكل بالجزء، خص الوجه لأنه أشرف الأعضاء، ولأنه يظهر عليه ذلك أولا. قوله: (بالسلاسل والأغلال) أي بسبب جر السلاسل وحمل الأغلال، وكذلك يخوضون في النار خوض الإبل في الوحل، والصعود والهبوط في تلال النار، قال تعالى: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ وهذا جزاء لما ارتكبوه من إراحة أبدانهم في اللذات والشهوات قال سعيد بن جبير: تكبرت في الدنيا عن طاعة اللّه تعالى، فأعملها اللّه تعالى وأنصبها في النار، بجر السلاسل الثقال وحمل الأغلال والوقوف حفاة عراة في العرصات، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. قوله: (بضم التاء وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان، والضمير للوجوه على كل.","part":4,"page":361},{"id":1954,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 362\rناصِبَةٌ (3) ذات نصب وتعب بالسلاسل والأغلال تَصْلى بضم التاء وفتحها ناراً حامِيَةً (4) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5) شديدة الحرارة لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) هو نوع من الشوك لا ترعاه دابة لخبثه لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (8) حسنة لِسَعْيِها في الدنيا راضِيَةٌ (9) في الآخرة لما رأت ثوابه فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (10) حسا ومعنى لا تَسْمَعُ بالياء والتاء فِيها لاغِيَةً (11) أي نفس ذات لغو، أي هذيان من الكلام فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (12) بالماء بمعنى عيون فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) ذاتا وقدرا ومحلا وَأَكْوابٌ أقداح لا عرى لها مَوْضُوعَةٌ (14) على حافات العيون معدة لشربهم وَنَمارِقُ وسائد مَصْفُوفَةٌ (15) بعضها يجنب بعضها يستند إليها\r______________________________\rقوله: ناراً حامِيَةً أي لأنه أوقد عليها مدة طويلة، ففي الحديث: «أحمى عليها ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة».\rقوله: آنِيَةٍ أي بلغت أناها في الحرارة، والمعنى انتهى حرها.\rقوله: لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ قال أبو الدرداء والحسن: إن اللّه تعالى يرسل على أهل النار الجوع، حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع، وهو ذو غصة فيغصون به، فيذكرون أنهم كانوا يحيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من عين آنية، لا هنيئة ولا مريئة، فإذا أدنوه من وجوههم، سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل بطونهم قطعا، فذلك قوله تعالى:\rوَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ وقوله تعالى: وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ. إن قلت: كيف حصر الطعام هنا في الضريع، مع أنه في الحاقة قال: وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ؟ أجيب:\rبأن العذاب ألوان، والمعذبون أنواع، فمنهم من يكون طعامه الزقوم، ومنهم من يكون طعامه الضريع، ومنهم ما يكون الغسلين، وهكذا.\rقوله: لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ كل منهما صفة لضريع، والمعنى: لا يحصل السمن لآكله، ولا يدفع عنه جوعا. قوله: (حسنة) أي ذات بهجة وحسن، وقيل: متنعمة، والجمع حاصل فهي حسية ومتنعمة.\rقوله: لِسَعْيِها راضِيَةٌ اللام بمعنى الباء، متعلقة براضية الواقعة خبرا ثانيا عن الوجوه، والمعنى: أنهم راضون بأعمالهم لما رأوا من الجزاء عليه. قوله: (حسا) أي لأن الجنة درجات على عدد آي القرآن، بعضها أعلى من بعض، فبين الدرجتين مثل ما بين السماء والأرض، وقوله: (و معنى) أي وهو الشرف والرفعة. قوله: (بالياء والتاء) أي ولكن الفعل على الياء مبني للمفعول لا غير، وعلى التاء فهو مبني للفاعل والمفعول، فالقراءات ثلاث سبعيات.\rقوله: لاغِيَةً صفة للجماعة، أي جماعة لاغية، ويصح أن يكون مصدرا كالعاقبة والعافية كقوله: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً.\rقوله: فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ أي على وجه الأرض من غير أخدود، لا ينقطع جريها أبدا، والمراد بالعين الجنس الصادق بالأنهار المتقدم ذكرها في سورة محمد عليه السّلام.\rقوله: فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ قال ابن عباس: ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، مرتفعة في السماء ما لم يجىء أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها صاحبها، تواضعت حتى يجلس عليها ثم ترتفع إلى مواضعها.\rقوله:\rوَأَكْوابٌ جمع كوب. قوله: (لا عرى لها) أي ولا خرطوم. قوله: (معدة لشربهم) أي فكلما أرادوا","part":4,"page":362},{"id":1955,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 363\rوَزَرابِيُ بسط طنافس لها خمل مَبْثُوثَةٌ (16) مبسوطة أَفَلا يَنْظُرُونَ أي كفار مكة نظر اعتبار إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) أي بسطت، فيستدلون بها على قدرة اللّه تعالى ووحدانيته، وصدرت بالإبل لأنهم أشد ملابسة لها من غيرها، وقوله سطحت ظاهر في أن الأرض سطح وعليه علماء الشرع، لا كرة كما قاله أهل الهيئة، وإن لم ينقص ركنا من أركان الشرع\r______________________________\rالشرب وجدوها مملوءة بالشراب، ويصح أن المراد موضوعة بين أيديهم يتلذذون بالنظر إليها، ويصح أن المراد موضوعة عن حد الكبر فهي متوسطة، وحينئذ فيكون نظير قوله تعالى: قَدَّرُوها تَقْدِيراً.\rقوله:\rوَنَمارِقُ جمع نمرقة بضم النون والراء وكسرهما لغتان. قوله: (و سائد) جمع وسادة وهي المعروفة بالمخدة. قوله: مَصْفُوفَةٌ أي فوق الطنافس.\rقوله: وَزَرابِيُ جمع زربية بتثليث الزاي. قوله:\r(طنافس) جمع طنفسة بتثليث الفاء والطاء، ففيه تسع لغات صفة لبسط، وتسمى أيضا السجادة، فلها ثلاثة أسماء: سجادة وطنفسة وزربية.\rقوله: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ استئناف مقرر لما مضى من حديث الغاشية، والهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه، والتقدير: أعموا فلا ينظرون، وهو استفهام إنكاري توبيخي، وخصت الإبل لكثرة منافعها، كأكل لحمها وشرب لبنها والحمل عليها وركوبها والتنقل عليها إلى البلاد البعيدة، وعيشها بأي نبات أكلته، كالشجر والشوك، وصبرها على العطش عشرة أيام فأكثر، وطواعيتها لكل من قادها ولو صغيرا، ونهوضها وهي باركة بالأحمال الثقيلة، ولا تؤذي من وطئته برجلها، وتتأثر بالصوت الحسن مع غلظ أكبادها، ولا شيء من الحيوانات جمع هذه الأشياء غيرها، ولكونها أفضل ما عند العرب، جعلوها دية القتل، والإبل اسم جمع لا واحد له من لفظه، وإنما له واحد من معناه، كبعير وناقة وجمل. قوله: كَيْفَ خُلِقَتْ كَيْفَ منصوب ب خُلِقَتْ على الحال، والجملة بدل اشتمال من الإبل، فهي في محل جر.\rقوله: كَيْفَ رُفِعَتْ أي فوق الأرض من غير عمد.\rقوله: كَيْفَ نُصِبَتْ أي على وجه الأرض، نصبا راسخا لا يتزلزل. قوله: (فيستدلون بها) الخ، الحكمة في تخصيص هذه الأشياء بالذكر، أن القرآن نزل على العرب، وكانوا يسافرون كثيرا في الأودية والبراري منفردين عن الناس، والإنسان إذا انفرد أقبل على التفكر، فأول ما يقع بصره على البعير الذي هو راكبه، فيرى منظرا عجيبا، وإن نظر إلى فوق لم ير غير السماء، وإن نظر يمينا وشمالا لم ير غير الجبال، وإن نظر إلى تحت لم ير غير الأرض، فكأنه تعالى أمره بالنظر وقت الخلوة والانفراد، ولا يحمله الكبر على ترك النظر. قوله: (و صدرت) أي هذه الأربعة. قوله: (و إن لم ينقض) أي ما قاله أهل الهيئة من قواعدهم التي ذكروها، وقوله: (ركنا) أي قاعدة من قواعد الشرع، فلا يضر في العقيدة، لأن علماء الهيئة قالوا: إن الأرض كرة بطبعها وحقيقتها، كالبيضة في السماوات السبع، محيطة بالأرض من كل جانب، والعرش محيط بالجميع، لكن اللّه تعالى أخرج الأرض عن طبعها بفضله وكرمه، بتسطيح بعضها لإقامة الحيوانات عليها رحمة بهم.","part":4,"page":363},{"id":1956,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 364\rفَذَكِّرْ هم نعم اللّه ودلائل توحيده إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) وفي قراءة بالصاد بدل السين، أي بمسلط، وهذا قبل الأمر بالجهاد إِلَّا لكن مَنْ تَوَلَّى أعرض عن الإيمان وَكَفَرَ (23) بالقرآن فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (24) عذاب الآخرة، والأصغر عذاب الدنيا بالقتل والأسر إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (25) رجوعهم بعد الموت ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (26) جزاءهم لا نتركه أبدا.\r______________________________\rقوله: فَذَكِّرْ مفرع على ما تقدم من ذكر دلائل التوحيد. قوله: إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ تعليل للأمر بالتذكير. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (أي بمسلط) هذا تفسير للقراءتين. قوله:\r(و هذا قبل الأمر بالجهاد) أي فهو منسوخ بآية السيف.\rقوله: (لكن) مَنْ تَوَلَّى الخ، أشار بذلك إلى أن الاستثناء منقطع، والاستدراك لدفع توهم أنهم متروكون في الآخرة كالدنيا، وذلك أنه أمر بعدم التعرض لهم في مبدأ الأمر، فربما يتوهم أنهم في الآخرة كذلك، أفاد أنه وإن أمهلهم في الدنيا، لا يفلتهم من العذاب في الآخرة.\rقوله: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ تعليل لتعذيبه تعالى بالعذاب الأكبر.\rقوله: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ أي بمقتضى وعيدنا لا وجوبا علينا، وثم للتراخي في الرتبة لا في الزمان، فإن الترتيب الزماني بين إِيابَهُمْ وحِسابَهُمْ لا بين كون إِيابَهُمْ إليه تعالى، وحِسابَهُمْ عليه تعالى، فإنهما أمران مستمران، وجمع الضمير في إِيابَهُمْ وحِسابَهُمْ باعتبار معنى من.","part":4,"page":364},{"id":1957,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 365\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الفجر مكيّة وآياتها ثلاثون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْفَجْرِ (1) أي فجر كل يوم وَلَيالٍ عَشْرٍ (2) أي عشر ذي الحجة وَالشَّفْعِ الزوج وَالْوَتْرِ (3) بفتح الواو وكسرها لغتان الفرد وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (4) مقبلا ومدبرا هَلْ فِي ذلِكَ القسم قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) عقل، وجواب القسم محذوف، أي\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة والفجر\rمكية أو مدنية وهي ثلاثون آية أي في قول الجمهور، وقوله: (أو مدنية) أي في قول علي بن أبي طلحة. قوله: (أي فجر كل يوم) هذا أحد أقوال كثيرة في تفسير الفجر، وهو قول علي وابن الزبير وابن عباس، أو فجر أول يوم من المحرم، منه تنفجر السنة، أو فجر يوم النحر، لأن فيه أكثر مناسك الحج، وفيه القربات، أو فجر ذي الحجة لأنه قرن به الليالي العشر. قوله: (أي عشر ذي الحجة) أي وإنما ذكرت لأنها أفضل ليالي السنة، وما ذكره المفسر أحد أقوال، وقيل: هي العشر الأواخر من رمضان، وقيل: العشر الأول من المحرم.\rقوله: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ قال مجاهد ومسروق: الشفع الخلق كله، قال تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ الكفر والإيمان، والهدى والضلال، والسعادة والشقاوة، والليل والنهار، والسماء والأرض، والبر والبحر، والشمس والقمر، والجن والإنس. والوتر هو اللّه تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقيل الشَّفْعِ تضاد صفات المخلوقين: من العز والذل، والقدرة والعجز، والقوة والضعف، والعلم والجهل، والبصر والعمى. والوتر انفراد صفات اللّه تعالى: عز بلا ذل، وقدرة بلا عجز، وقوة بلا ضعف، وعلم بلا جهل، وحياة بلا موت. وقيل: الوتر يوم عرفة لأنه تاسع، والشفع يوم النحر لأنه عاشر، وقيل غير ذلك. قوله: (بفتح الواو وكسرها) أي فهما قراءتان سبعيتان، ولغتان جيدتان.\rقوله: وَاللَّيْلِ قسم خامس، بعد ما أقسم بالليالي العشر على الخصوص، أقسم بالليل على العموم، وقيل: ليلة المزدلفة خاصة، وقيل: ليلة القدر لسريان البركة فيهما. قوله: إِذا يَسْرِ إِذا معمول لمحذوف هو فعل القسم، والمعنى: أقسم بالليل وقت سراه. قوله: (مقبلا) أي بإدبار النهار، وقوله: (و مدبرا) أي بإقبال النهار، وفيه إشارة إلى أن إسناد السرى لليل حقيقة، وقال غيره: إسناد","part":4,"page":365},{"id":1958,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 366\rلتعذبن يا كفار مكة أَلَمْ تَرَ تعلم يا محمد كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (6) إِرَمَ هي عاد الأولى، فارم عطف بيان أو بدل ومنع الصرف للعلمية والتأنيث ذاتِ الْعِمادِ (7) أي الطول، كان طول الطويل منهم أربعمائة ذراع الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (8) في بطشهم وقوتهم وَثَمُودَ الَّذِينَ\r______________________________\rالسرى له مجاز عقلي من الإسناد للزمان، والمعنى يسرى فيه وكل صحيح.\rقوله: هَلْ فِي ذلِكَ إلخ، استفهام تقريري لفخامة شأن الأمور المقسم بها، واسم الإشارة عائد على الأمور المقسم بها. قوله: (القسم) أي الحلف، وأل جنسية صادقة بالمذكور من الأقسام وهي خمسة، وكذا يقال في قوله: (و جواب القسم) الخ. قوله: (عقل) سمي حجرا لأنه يحجر صاحبه ويمنعه من القبائح. قوله: (و جواب القسم محذوف) وقيل هو قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ وقيل غير ذلك.\rقوله: أَلَمْ تَرَ الخ، شروع في بيان أحوال الأمة الماضية، وذكر منهم عادا وثمود وفرعون، لأن أخبارهم كانت معلومة، والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولكنه عام لكل أحد.\rقوله: إِرَمَ هو في الأصل اسم جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السّلام، سميت القبيلة باسم جدهم عاد، وعاش ألف سنة ومائتي سنة، وزرق من صلبه أربعة آلاف ولد، وتزوج ألف امرأة، ومات كافرا. قوله: (أي الطول) هذا أحد أقوال، وقيل: إن المراد به الأبنية المرتفعة على العمد، فكانوا ينصبون الأعمدة فيبنون عليها القصور، وقيل ذاتِ الْعِمادِ ذات القوة والشدة، قال تعالى: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً وقيل: غير ذلك. قوله: (كان طول الطويل) الخ، نحوه قول الكازروني: طول الطويل منهم خمسمائة ذراع، والقصير ثلاثمائة ذراع بذراع نفسه، ورد ذلك أن ابن العربي بقوله: هو باطل، لأن في الصحيح: «إن اللّه خلق آدم طوله ستون ذراعا في الهواء فلم يزل الخلق ينقصون إلى الآن» ا ه. وقال قتادة: إن طول الرجل منهم اثنا عشر ذراعا.\rقوله: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ أي لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهم الذين قالوا: من أشد منا قوة؟ وقيل: هي مدينة بناها شداد بن عاد، وحاصل قصتها: أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد، فملكا بعده وقهرا العباد والبلاد، فمات شديد وخلص الملك لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، وكان يحب قراءة الكتب القديمة، فسمع بذكر الجنة وصفتها، ودعته نفسه إلى بناء مثلها عتوا على اللّه وتجبرا، فروى وهب بن منبه عن عبد اللّه بن قلابة، أنه خرج في طلب إبل له شردت، فبينما هو يسير في صحارى عدن، إذ وقع على مدينة في تلك الفلوات عليها حصن، وحول الحصن قصور كثيرة، فلما دنا منها ظن أن فيها أحدا يسأله عن إبله، فلم ير خارجا ولا داخلا، فنزل عن دابته وعقلها، وسل سيفه ودخل من باب المدينة، فإذا هو ببابين عظيمين وهما مرصعان بالياقوت الأحمر، فلما رأى ذلك دهش، ففتح الباب ودخل، فإذا هو بمدينة لم ير أحدا مثلها، فإذا فيها قصور، في كل قصر منها غرف، وفوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة وأحجار اللؤلؤ والياقوت وإذا أبواب تلك القصور مثل مصاريع باب المدينة، يقابل بعضها بعضا، وهي مفروشة كلها باللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران، فلما عاين ذلك ولم ير أحدا هاله ذلك، ثم نظر إلى الأزقة، فإذا في تلك الأزقة أشجار مثمرة، وتحت تلك الأشجار أنهار يجري ماؤها في قنوات من فضة، فقال الرجل في نفسه: هذه الجنة، وحمل معه من لؤلؤها ومن بنادق مسكها وزعفرانها، ورجع إلى اليمن وأظهر ما كان معه وحدث بما رأى، فبلغ ذلك معاوية فأرسل إليه فقدم","part":4,"page":366},{"id":1959,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 367\rجابُوا قطعوا الصَّخْرَ جمع صخرة واتخذوها بيوتا بِالْوادِ (9) وادي القرى وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (10) كان يتد أربعة أوتاد يشد إليها يدي ورجلي من يعذبه الَّذِينَ طَغَوْا تجبروا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (12) القتل وغيره فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ نوع عَذابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (14) يرصد أعمال العباد فلا يفوتها منها شيء ليجازيهم عليها فَأَمَّا الْإِنْسانُ الكافر\r______________________________\rعليه، فسأله عن ذلك فقص عليه ما رأى فأرسل معاوية إلى كعب الأحبار، فلما أتاه قال: يا أبا إسحاق هل في الدنيا مدينة من ذهب وفضة؟ قال: نعم، هي إرم ذات العماد، بناها شداد بن عاد، قال:\rفحدثني حديثها، فقال: لما أراد شداد بن عاد عملها، أقر عليها مائة قهرمان، مع كل قهرمان ألف من الأعوان، وكتب إلى ملوك الأرض أن يمدوهم بما في بلادهم من الجواهر، فخرجت القهارمة يسيرون في الأرض ليجدوا أرضا موافقة، فوقفوا على صحراء نقية من التلال، وإذا فيها عيون ماء ومروج فقالوا:\rهذه الأرض التي أمر الملك أن نبني فيها، فوضعوا أساسها من الجزع اليماني، وأقاموا في بنائها ثلاثمائة سنة، وكان عمر شداد تسعمائة سنة، فلما أتوه وقد فرغوا منها قال: انطلقوا فاجعلوا حصنا يعني سورا، واجعلوا حوله ألف قصر، وعند كل قصر ألف علم، ليكون في كل قصر وزير من وزرائي، ففعلوا؛ وأمر الملك وزراءه وهو ألف وزير، أن يتهيئوا للنقلة إلى إرم ذات العماد، وكان الملك وأهله في جهازهم عشر سنين، ثم ساروا إليها، فلما كانوا من المدينة على مسيرة يوم وليلة، بعث اللّه عليه وعلى من كان معه صيحة من السماء فأهلكتهم جميعا، ولم يبق منهم أحد. ثم قال كعب: وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر قصير على حاجبيه خال، وعلى عنقه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر عبد اللّه بن قلابة، فقال: هذا واللّه ذاك الرجل، وهذه المدينة تزعم العامة أنها دائرة في الدنيا، وهو من الخرافات، بل هي في مكانها، غير أن اللّه تعالى يعمي الخلق عنها، فلم يهد لها إلا من وعده بها. قوله:\r(في بطشهم) متعلق بمثلها، والضمير عائد على القبيلة باعتبار أهلها.\rقوله: الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ صفة لثمود، والباء في بالوادي بمعنى في وثَمُودَ عطف على «عاد» وهي قبيلة مشهورة. قوله: (و اتخذوها بيوتا) قيل: أول من نحت من الجبال والصخور والرخام ثمود، وروي أنهم بنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، وقيل: سبعة آلاف كلها من الحجارة.\rقوله: (وادي القرى) موضع بقرب المدينة من جهة الشام. قوله: (كان يتد أربعة أوتاد) الخ، أي يدقها للمعذب، ويشهد بها مطروحا على الأرض، ثم يعذبه بما يريد من ضرب وإحراق وغيرهما.\rقوله: الَّذِينَ طَغَوْا إما مجرور صفة للمذكورين، أو منصوب أو مرفوع على الذم.\rقوله: (نوع) عَذابٍ فسره بذلك لقول الفراء: سوط العذاب كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب.\rوالمعنى: أنزل على كل نوعا من العذاب، فأهلكت عاد بالربح، وثمود بالصيحة، وفرعون بالغرق.\rقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ تعليل لما قبله، إعلاما بأن كفار قومه عليه السّلام سيصيبهم مثل ما أصاب المذكورين من العذاب. قوله: (يرصد أعمال العباد) أشار بذلك إلى أن في الكلام استعارة تمثيلية، شبه حفظه تعالى لأعمال عباده ومجازاته عليها، بحال من قعد على الطريق مترصدا لمن يسلكها ليأخذه فوقع به ما يريد، واستعير اسم المشبه به للمشبه.\rقوله: فَأَمَّا الْإِنْسانُ أما هنا لمجرد التأكيد، لا للتأكيد مع التفصيل، لعدم تقدم مقتضيه، وهو","part":4,"page":367},{"id":1960,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 368\rإِذا مَا ابْتَلاهُ اختبره رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ بالمال وغيره وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ ضيق عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (16) كَلَّا ردع أي ليس الإكرام بالغنى والإهانة بالفقر، وإنما هو بالطاعة والمعصية، وكفار مكة لا ينتبهون لذلك بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) لا يحسنون إليه مع غناهم، أو لا يعطونه حقه من الميراث وَلا تَحَاضُّونَ أنفسهم ولا غيرهم عَلى طَعامِ أي إطعام الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ الميراث أَكْلًا لَمًّا (19) أي\r______________________________\rمرتبط بقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ فكأنه قيل: إن اللّه لا يرضى من عباده إلا الطاعة والإخلاص، لما في الحديث: «إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» فأما الإنسان فلا يلتفت لذلك، لكونه مطبوعا على خلافه، وإنما يلتفت للعاجل، وما قررناه سالم من الدسيسة الاعتزالية الواقعة في كلام الزمخشري حيث نفى عن اللّه إرادة المعاصي والقبائح ونص عبارته، فإن قلت: بم اتصل قوله: فَأَمَّا الْإِنْسانُ؟ قلت: بقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ فكأنه قيل: إن اللّه لا يريد من الإنسان إلا الطاعة، فأما الإنسان فلا يريد ذلك، ولا يهمه إلا العاجلة ا ه. فتدبر.\rقوله: إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ الخ، إنما سمى كلا من بسط الرزق، وتقديره ابتلاء، لأنه يختبر حال العبد في الحالين، فإذا بسط له الرزق فقد اختبر حاله، أيشكر أم يكفر؟ وإذا قدر عليه، فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع؟ فالحكمة فيهما واحدة. قوله: (اختبره) أي عامله معاملة المختبر. قوله: (بالمال وغيره) أي كالجاه والولد. قوله: وَنَعَّمَهُ أي جعله متلذذا بتلك النعم. قوله: فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ أي فضلني وأحسن إلي.\rقوله: وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ مَا زائدة لوقوعها بعد إِذا وكذا يقال في الأولى. قوله:\rفَقَدَرَ بالتخفيف والتشديد قراءتان سبعيتان، إن قلت: مقتضى المقابلة أن يقول: فأهانه وقدر عليه رزقه، كما قال: فأكرمه ونعمه. أجيب: بأن البسط إكرام من اللّه لعبده، وليس ضده إهانة، بل ترك للكرامة، فإذا أهدى لك إنسان هدية فقد أكرمك بها، وإذا لم يهد إليك فلم يحصل منه إكرام ولا إهانة، وأيضا فيه إشارة إلى أن تقتير الرزق، لا يلزم منه أن يكون دليلا على إهانة، بل قد يكون دليلا على المحبة والتكريم، لما ورد: أشدكم بلاء: الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل، فقول العبد: ربي أهانني من قصوره وغفلته، وإلا فالمطلوب منه أن يرضى ويسلم.\rقوله: فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ أي لم يحسن إلي ولم يفضلني، في ياء أهانني وأكرمني خلاف بين القراء، فبعضهم يثبتهما وصلا ووقفا، وبعضهم يحذفهما في الحالين، وبعضهم يثبتهما وصلا ويحذفهما وقفا.\rقوله: (ردع) أي عن الشقين بدليل قوله: (أي ليس الإكرام) الخ.\rقوله: (و كفار مكة) إلخ، توطئة للدخول على قوله: بَلْ لا تُكْرِمُونَ الخ، وقوله: (لذلك) أي لكون الإكرام بالطاعة، والإهانة بالكفر والمعاصي، وكثير من جهلة المؤمنين يعتقدون هذا الاعتقاد، وهو غلط وغرور.\rقوله: بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ إضراب من قبيح إلى أقبح منه ترقيا في ذمهم.\rقوله: وَلا تَحَاضُّونَ أي يحثون ومفعوله محذوف قدره. بقوله: (أنفسهم ولا غيرهم). قوله: (أي إطعام) أشار بذلك إلى أن الطعام مصدر بمعنى الإطعام، وفيه إيماء إلى أن إكرام اليتيم، والحث على إطعام المساكين،","part":4,"page":368},{"id":1961,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 369\rشديد اللمم نصيب النساء والصبيان من الميراث مع نصيبهم منه، أو مع مالهم وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (20) أي كثيرا فلا ينفقونه، وفي قراءة بالفوقانية في الأفعال الأربعة كَلَّا ردع لهم عن ذلك إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) زلزلت حتى ينهدم كل بناء عليها وينعدم وَجاءَ رَبُّكَ أي أمره وَالْمَلَكُ أي الملائكة صَفًّا صَفًّا (22) حال أي مصطفين أو ذوي صفوف كثيرة\r______________________________\rمن أعظم الخصال فضيلة.\rقوله: وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ التاء فيه مبدلة من الواو، لأنه من الوراثة، كما في تجاءة وتكاءة.\rقوله: أَكْلًا لَمًّا أي جمعا، فاللم الجمع، يقال: لممت الشيء جمعته، ومنه لم اللّه شعثه، أي جمع ما تفرق من أموره. قوله: (أي شديدا) صفة لموصوف محذوف، أي جمعا شديدا. قوله: (اللم نصيب النساء) الخ، أي فإنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان، ويأكلون أنصباءهم، أو يأكلون ما جمعه المورث من حلال وحرام، عالمين بذلك، إن قلت: إن السورة مكية، وآية المواريث مدنية، ولا يعلم الحل والحرمة إلا من الشرع، أجيب: بأن حكم الإرث، كان معلوما لهم من بقايا شريعة إسماعيل، فهو ثابت عندهم بطريق عادتهم. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا، وقرئ في السبع أيضا تحاضون، وأصله تتحاضون، حذفت إحدى التاءين، أي لا يحض بعضكم بعضا. قوله: (ردع لهم عن ذلك) أي عن جمع المال وحبه، وعدم إكرام اليتيم.\rقوله: إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ أي حصل رجها وزلزلتها لتسويتها. قوله: دَكًّا دَكًّا ليس تأكيدا، بل التكرار للدلالة على الاستيعاب كقولك: رتبته بابا بابا، أي بابا بعد باب، وكذا يقال هنا: دكا بعد دك حتى تزول الجبال وتستوي الأرض. قوله: (أي أمره) دفع بذلك ما يقال: إن المجيء يقتضي الانتقال، وهو على اللّه محال. فأجاب: بأن الكلام على حذف مضاف، أي حصل أمره وظهر سلطانه وقهره وتجليه على عباده.\rقوله: صَفًّا صَفًّا أي صفا بعد صف. لما ورد عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: أن الخلائق إذا جمعوا في صعيد واحد، الأولين والآخرين، أمر الجليل جل جلاله بملائكة سماء الدنيا أن يتولوهم فيأخذ كل واحد منهم إنسانا وشخصا من المبعوثين، انسا وجنا ووحشا وطيرا، وحولوهم إلى الأرض الثانية، أي التي تبدل، وهي أرض بيضاء من فضة نورانية، وصارت الملائكة من وراء الخلق حلقة واحدة، فإذا هم أكثر من أهل الأرض بعشر مرات، ثم إن اللّه تعالى يأمر ملائكة السماء الثانية، فيحدقون بهم حلقة واحدة، وإذا هم مثلهم عشرين مرة، ثم تنزل ملائكة السماء الثالثة، فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة، فإذا هم مثلهم ثلاثين ضعفا، ثم تنزل ملائكة السماء الرابعة، فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة، فيكونون أكثر منهم بأربعين ضعفا، ثم تنزل ملائكة السماء الخامسة، فيحدقون من ورائهم حلقة واحدة فيكونون مثلهم خمسين مرة، ثم تنزل ملائكة السماء السادسة، فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة، وهم مثلهم ستين مرة، ثم تنزل ملائكة السماء السابعة، فيحدقون من وراء الكل حلقة واحدة، وهم مثلهم سبعين مرة، والخلق تتداخل وتندمج، حتى يعلو القدم ألف قدم لشدة الزحام، ويخوض الناس في العرق على أنواع مختلفة، إلى الأذقان وإلى الصدور وإلى الحقوين وإلى الركبتين، ومنهم من","part":4,"page":369},{"id":1962,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 370\rوَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ تقاد بسبعين ألف زمام، كل زمام بأيدي سبعين ألف ملك لها زفير وتغيظ يَوْمَئِذٍ بدل من إذا، وجوابها يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ أي الكافر ما فرط فيه وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (23) استفهام بمعنى النفي، أي لا ينفعه تذكره ذلك يَقُولُ مع تذكره يا للتنبيه يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ الخير والإيمان لِحَياتِي (24) الطيبة في الآخرة، أو وقت حياتي في الدنيا فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ بكسر الذال عَذابَهُ أي اللّه أَحَدٌ (25) الذي لا يكله إلى غيره وَكذا لا يُوثِقُ بكسر الثاء وَثاقَهُ أَحَدٌ (26) وفي قراءة بفتح الذال والثاء، فضمير عذابه ووثاقه للكافر، والمعنى: لا يعذب أحد\r______________________________\rيصيبه الرشح اليسير كالقاعد في الحمام، ومنهم من تصيبه البلة، بكسر الموحدة وتشديد اللام، كالعاطش إذا شرب الماء، وكيف لا يكون القلق والعرق والأرق، وقد قربت الشمس من رءوسهم، حتى لو مد أحدهم يده لنالها، وتضاعف حرها سبعين مرة، وقال بعض السلف: لو طلعت الشمس على الأرض كهيئتها يوم القيامة، لاحترقت الأرض وذاب الصخر وانشقت الأنهار، فبينما الخلائق يمرجون في تلك الأرض البيضاء التي ذكرها اللّه حيث يقول: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ إذ جيء بجهنم. الخ.\rقوله: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ منصوب ب جِيءَ وبِجَهَنَّمَ قائم مقام الفاعل قوله: (كل زمام بأيدي سبعين ألف ملك) أي يجرونها حتى تقف عن يسار العرش، قال أبو سعيد الخدري: لما نزل وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ تغير لون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعرف في وجهه، حتى اشتد على أصحابه ثم قال: أقرأني جبريل كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا الآية، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ قال علي رضي اللّه عنه: قلت: يا رسول اللّه، كيف يجاء بها؟ قال: يؤتى بها تقاد بسبعين ألف زمام، يقول بكل زمام سبعون ألف ملك، فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع، ثم تعرض لي جهنم فتقول: ما لى ولك يا محمد، إن اللّه قد حرم لحمك علي، فلا يبقى أحد إلا قال نفسي نفسي، إلا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه يقول:\rيا رب أمتي أمتي. قوله: (لها زفير) أي صوت شديد. قوله: (و تغيظ) أي غليان كغليان صدر الغضبان.\rقوله: (بدل من إذا) أي والعامل فيها يتذكر الذي هو الجواب، وهذا مذهب سيبويه، وقال غيره البدل على نية تكرار العامل، فالعامل في البدل محذوف، نظير عامل المبدل منه.\rقوله: وَأَنَّى اسم استفهام خبر مقدم، والذِّكْرى مبتدأ مؤخر، ولَهُ متعلق بما تعلق به الظرف. قوله: (استفهام بمعنى النفي) أي فهو انكاري. قوله: (للتنبيه) أي والتحسر\rقوله: (الخير والإيمان) أشار بذلك إلى أن مفعول قَدَّمْتُ محذوف. قوله: لِحَياتِي اللام إما للتعليل أي لأجل حياتي هذه الكائنة في الآخرة، أو بمعنى وقت، والمراد بالحياة الحياة الدنيوية، وقد أشار لها المفسر. قوله:\r(بكسر الذال) وقوله: (بكسر الثاء)، أي فأحد فاعل فيهما. قوله: (أي لا يكله إلى غيره) أي لا يأمر غيره بمباشرته، والمراد بالغيرة غير الملائكة، فلا ينافي أنه تعالى يكله إلى ملائكة العذاب، لأنهم يباشرونه بإذن اللّه وأمره لهم، ويحتمل أن المعنى: لا يعذب أحد من خلق اللّه تعذيبا، مثل تعذيب اللّه هذا الكافر، ولا يوثق أحد من خلق اللّه إيثاقا مثل إيثاق اللّه لهذا الكافر، وكل صحيح. قوله: وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ أي لا يشد ولا يربط بالسلاسل والأغلال أحد مثل ربطه وشده. قوله: (و في قراءة بفتح الذال والثاء) أي وهما سبعيتان،\rوأَحَدٌ على هذه القراءة نائب الفاعل بهما الذي هو اللّه تعالى، أو الزبانية المتولون العذاب بأمره تعالى. قوله: (مثل تعذيبه) مصدر مضاف للمفعول وهو الكافر.","part":4,"page":370},{"id":1963,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 371\rمثل تعذيبه، ولا يوثق مثل إيثاقه يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) الآمنة وهي المؤمنة ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ يقال لها ذلك عند الموت، أي ارجعى إلى أمره وإرادته راضِيَةً بالثواب مَرْضِيَّةً (28) عند اللّه بعملك، أي جامعة بين الوصفين وهما حالان، ويقال لها في القيامة فَادْخُلِي فِي جملة عِبادِي (29) الصالحين وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) معهم.\r______________________________\rقوله: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ لما ذكر حال من كانت همته الدنيا، ذكر حال من اطمأنت نفسه باللّه، فسلم إليه أمره واتكل عليه. قوله: (الآمنة) أي التي لا يستفزها خوف ولا حزن قوله: (و هي المؤمنة) هذا قول ابن عباس، وقال الحسن (المؤمنة) الموقنة، وعن مجاهد أيضا: الراضية بقضاء اللّه التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها، وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها. وقال ابن عطاء: العارفة التي لا تصبر عنه طرفة عين، وقيل: المطمئنة بذكر اللّه، وقيل غير ذلك، وفي الحقيقة كل من تلك المعاني صحيح، لأنه متى ثبت لها الإيمان عند الموت، تحققت بذلك الخطاب، فكلام المفسر من جوامع الكلم.\rقوله: ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ هو خبر في المعنى، وإن كان أمرا في الظاهر. قوله: (عند الموت) قال عبد اللّه بن عمر: إذا توفي العبد المؤمن، أرسل اللّه عزّ وجل إليه ملكين، وأرسل اليه بتحفة من الجنة، فقال: اخرجي أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى روح وريحان، وربك عنك راض، فتخرج كأطيب ريح مسك وجده أحد في أنفه، والملائكة على أرجاء السماء يقولون: قد جاء من الأرض روح طيبة ونسمة طيبة، فلا تمر بباب إلا فتح لها، ولا بملك إلا صلى عليها، حتى يؤتى بها الرحمن جل جلاله فتسجد له، ثم يقال لميكائيل: اذهب بهذه النفس، فاجعلها مع أنفس المؤمنين، ثم يؤمر فيوسع عليه قبره سبعون ذراعا عرضه، وسبعون ذراعا طوله، وينبذ فيه الروح والريحان، فإن كان معه شيء من القرآن كفاه نوره، وإن لم يكن جعل له نور مثل نور الشمس في قبره، ويكون مثله مثل العروس، ينام فلا يوقظه إلا أحب أهله إليه. وإذا توفي الكافر، أرسل اللّه إليه ملكين، أرسل قطعة من كساء، أنتن من كل نتن، وأخشن من كل خشن، فيقال: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى جهنم وعذاب أليم، وركب عليك غضبان ا ه. وما ذكره المفسر من أن النداء عند الموت أحد قولين، والآخر أنه عند البعث، ومعنى قوله: ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ أي صاحبك وهو الجسد، فيأمر اللّه تعالى الأرواح أن ترجع إلى الأجساد، وبه قال عكرمة وعطاء والضحاك.\rقوله: فَادْخُلِي فِي عِبادِي الإضافة للتشريف، وإلا فالكل عباده.\rقوله: وَادْخُلِي جَنَّتِي (معهم) أي الصالحين، لتفوزي بالنعيم المقيم، ولأهل الإشارات تفاسير، منها: أن اللّه يناديها في الدنيا بهذا النداء، حيث اتصفت بتلك الصفات، يقول لها يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ بفنائك عما سواه، راضِيَةً بأحكامه، مَرْضِيَّةً له بأوصافك فَادْخُلِي فِي عِبادِي (الصالحين) أي فكوني معدودة فيهم ومحسوبة منهم وَادْخُلِي جنة شهودي في الدنيا ما دامت فيها، وهي الجنة المعجلة، ويقال لها ذلك أيضا عند البعث على التفسير المتقدم، ويراد حينئذ بالجنة جنة الخلود وفسروا بذلك قوله تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ أي جنة الشهود في الدنيا، التي قال فيها العارف بن الفارض:\rأنلنا مع الأحباب رؤيتك التي ... إليها قلوب الأولياء تسارع","part":4,"page":371},{"id":1964,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 372\r.......\r______________________________\rوجنة الخلود في العقبى، وهذا النداء الواقع في الدنيا يسمعه العارفون، إما في المنام أو بالإلهام، وتقدم تقسيم النفس، ومأخذ كل قسم في سورة القيامة.","part":4,"page":372},{"id":1965,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 373\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة البلد مكيّة وآياتها عشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لا زائدة أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (1) مكة وَأَنْتَ يا محمد حِلٌ حلال بِهذَا الْبَلَدِ (2) بأن يحل لك فتقاتل فيه، وقد أنجز اللّه له هذا الوعد يوم الفتح، فالجملة اعتراض بين المقسم به وما عطف عليه وَوالِدٍ أي آدم وَما وَلَدَ (3) أي ذرّيته، وما\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة البلد\rوهي عشرون آية أي بالإجماع. قوله: (زائدة) هذا أحد احتمالين، والآخر أنها نافية لكلام تقدمها وتقدم ذلك قوله:\r(مكة) أي لأنها مهبط الرحمات، يجبى إليها ثمرات كل شيء، جعلها اللّه حرما آمنا ومثابة للناس، وجعل فيها قبلة أهل الدنيا بأسرها، وحرم فيها الصيد، وجعل البيت المعمور بإزائه؛ وغير ذلك من فضائلها، فلما استجمعت تلك المزايا والفضائل، أقسم اللّه تعالى بها.\rقوله: وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ جملة حالية جيء بها تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم وتعجيلا لمسرته، وحيث وعده فتح مكة في المستقبل، وعبر عنه بالحال لنحقق الوقوع على حد إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وقد أنجز اللّه له ذلك، فعند ما نزع المغفر عنه يوم الفتح، جاء رجل فقال: يا رسول اللّه ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه، فقتله الزبير وخص هذا الحال، لأن مكة وإن كانت عظيمة في نفسها، إلا أنها في تلك الحالة أعظم، لانتقال أهلها من الظلمات إلى النور، وفيه إشارة إلى عظم قدر المصطفى وشرف البقاع به، فمكة زادها اللّه تشريفا بقدومه بها وهو حلال.\rقوله: (فالجملة اعتراض) أي لا تعلق لها بما قبلها ولا بما بعدها، قصد بها الإخبار بما سيكون، والأحسن جعلها حالية كما علمت لأنه يستفاد منها تشريف مكة في تلك الحالة المستلزم زيادة تشريفه صلّى اللّه عليه وسلّم وإكرامه وتعظيمه؛ حيث أحل له ما لم يحل لأحد قبله ولا بعده.\rقوله: وَوالِدٍ وَما وَلَدَ أقسم اللّه بهم لأنهم أعجب خلقه، لما فيهم من البيان والنطق والتدبير، واستخراج العلوم، وفيهم الأنبياء والصلحاء، ولا سيما أمر الملائكة بالسجود لآدم، وتعليمه جميع الأسماء، وما مشى عليه المفسر من أن المراد بما ولد ذريته، يستفاد منه العموم الصالح والطالح، وقيل: هو","part":4,"page":373},{"id":1966,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 374\rبمعنى من لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ أي الجنس فِي كَبَدٍ (4) نصب وشدة يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة أَيَحْسَبُ أيظنّ الْإِنْسانَ قوي قريش وهو أبو الأشد بن كلدة بقوته أَنْ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، أي أنه لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) واللّه قادر عليه يَقُولُ أَهْلَكْتُ على عداوة محمد مالًا لُبَداً (6) كثيرا بعضه على بعض أَيَحْسَبُ أَنْ أي أنه لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) فيما أنفقه فيعلم قدره واللّه عالم بقدره وأنه ليس مما يتكثر به ومجازيه على فعله السيئ أَلَمْ نَجْعَلْ استفهام تقرير أي جعلنا لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْناهُ\r______________________________\rقسم بآدم والصالحين فكأنهم ليسوا من أولاده.\rقوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ هذا هو المقسم عليه. قوله: فِي كَبَدٍ بفتحين المشقة من المكابدة للشيء، وهي تحمل المشاق في فعله، وفي الآية إشارة إلى أنها قد أحاطت به إحاطة الظرف بالمظروف.\rقوله: (يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة) وذلك لأنه أول ما يكابد قطع سرته، ثم إذا قمط قماطا وشد عليه، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه وتحريك لسانه، ثم يكابد الفطام الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الختان والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج والتعجيل فيه والترويج، ثم يكابد شغل الأولاد والخدم والأجناد، ثم يكابد شغل الدور وبناء القصور، ثم الكبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، ومصائب يكثر تعدادها، ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدين، ويكابد محنا في المال والنفس، مثل الضرب والحبس؛ ولا يمضي عليه يوم إلا ويقاسي فيه شدة ويكابد مشقة، ثم الموت بعد ذلك كله، ثم سؤال الملكين، وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث والعرض على اللّه تعالى، إلى أن يستقر به القرار، إما في جنة، وإما في نار، هكذا قرره العلماء. قوله:\r(و هو أبو الأشد) بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة وتشديد الدال المهملة، هو بالإفراد في كثير من النسخ، تبعا لكثير من المفسرين، وفي بعض النسخ الأشدين بصيغة التثنية تبعا لبعض المفسرين، ولينظر وجهها، واسمه أسيد بن كلدة. قوله: (بقوته) الباء سببية، ومن قوته أنه كان يجعل الأديم العكاظي تحت قدميه ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة حتى يتمزق ولا تزول قدماه.\rقوله: أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أي على بعثه ومجازاته.\rقوله: يَقُولُ أي افتخارا. قوله: (على عداوة محمد) (على) بمعنى في. قوله: لُبَداً بضم اللام وكسرها مع فتح الباء، قراءتان سبعيتان، جمع لبدة وهو ما تلبد، والمراد به الكثرة.\rقوله: أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ استفهام إنكاري. قوله: (ليس ما يتكثر به) أي يفتخر بكثرته، لأنه أنفقه فيما يغضب اللّه.\rقوله: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ أي يبصر بهما المرئيات، شققناهما له وهو في ظلمة الرحم، وقدرنا بياضهما وسوادهما، وأودعناهما البصر على كيفية تعجز الخلق عن إدراكها.\rقوله: وَلِساناً أي يترجم به عما في ضميره. قوله: وَشَفَتَيْنِ أي يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك، وفي الحديث يقول: «يا ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن","part":4,"page":374},{"id":1967,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 375\rالنَّجْدَيْنِ (10) بيّنا له طريقي الخير والشر فَلَا فهلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) جاوزها وَما أَدْراكَ أعلمك مَا الْعَقَبَةُ (12) التي يقتحمها تعظيم لشأنها، والجملة اعتراض، وبيّن سبب جوازها بقوله فَكُّ رَقَبَةٍ (13) من الرق بأن أعتقها أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) مجاعة يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (15) قرابة أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (16) أي لصوق بالتراب لفقره، وفي قراءة بدل الفعلين مصدران مرفوعان مضاف الأوّل لرقبة، وينوّن الثاني، فيقدر قبل العقبة اقتحام، والقراءة المذكورة بيانه ثُمَّ كانَ عطف على اقتحم، وثم للترتيب الذكري، والمعنى: كان وقت الاقتحام مِنَ الَّذِينَ\r______________________________\rنازعك فرجك إلى بعض ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق» قوله: (طريقي الخير والشر) وصف مكان الخير بالرفعة والنجدية ظاهر، بخلاف الشر، فإنه هبوط من ذروة الفطرة إلى حضيض الشقوة ففيه تغليب، والمعنى: بينا له أن طريق الخير ينجي، وطريق الشر يردي، وسلوك الأول ممدوح، والثاني مذموم، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود، وقال عكرمة: النجدان الثديان، أي لأنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه. قوله: (فهلا) أشار بذلك إلى أن لا بمعنى هلا للتحضيض وهو أحد احتمالين، والآخر أنها باقية على أصلها للنفي، أي لم يشكر على تلك النعم الجليلة بالأعمال الصالحة، إن قلت: لم أفردت لا، مع أنها إذا دخلت على ماض تكرر كقوله تعالى: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى أجيب: بأنها مكررة في المعنى كأنه قال: فلا فك رقبة، ولا أطعم مسكينا.\rقوله: اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ هي في الأصل الطريق الصعب في الجبل واقتحامها مجاوزتها، ثم أطلق على مجاهدة النفس، في فعل الطاعات وترك المحرمات، والمراد باقتحامها فعلها وتحصيلها والتلبس بها، إذا علمت ذلك فقول المفسر جاوزها تفسير لاقتحام العقبة لكن باعتبار الأصل، وليس مرادا هنا، فلو قال: أي تلبس بها ودخلها لكان واضحا أو يقال: المراد بالعقبة الطريق التي توصل إلى الجنة، فإنه ورد:\rإن بين العبد والجنة سبع عقبات، والمراد باقتحامها مجاوزتها بفعل الطاعات في الدنيا، فمعنى قول المفسر (جاوزها) أي فعل أسباب المجاوزة. قوله: (و الجملة اعتراض) أي لبيان العقبة قوله: (بأن أعتقها) أي مباشرة وهو ظاهر، أو تسببا كشراء القريب.\rقوله: ذِي مَسْغَبَةٍ مصدر ميمي بوزن مفعلة، من سغب يسغب، من باب فرع جاع، وقيد الإطعام بذلك الوقت، لأن إخراج المال فيه أثقل على النفس.\rقوله: ذا مَقْرَبَةٍ قيد اليتيم بكونه قريبا لأنه يجتمع حينئذ في الإطعام جهة الصلة والصدقة. قوله: (أي لصوق بالتراب) أي فهو كناية عن الافتقار. قوله: (و في قراءة) أي وهي سبعية أيضا. قوله: (مضاف الأول لرقبة) أي من إضافة المصدر إلى مفعوله. قوله: (فيقدر قبل العقبة) إنما احتيج إلى تقدير هذا المضاف. ليطابق المفسر المفسر، وذلك لأن المفسر بكسر السين مصدر، والمفسر بفتحها وهو العقبة غير مصدر، فلو لم يقدر المضاف لكان المصدر، وهو فك مفسرا لاسم العين وهي العقبة، وذلك غير جائز، وأما القراءة الأولى، فالفعل فيها بدل من قوله: اقْتَحَمَ فلا يحتاج لتقدير مضاف.\rقوله: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا أتى ب ثُمَ إشارة لبعد رتبة الإيمان وعلوها، عن رتبة العتق والصدقة. قوله: (و ثم للترتيب الذكري) أي لأن الإيمان هو السابق، لا يصح عمل إلا به. قوله:","part":4,"page":375},{"id":1968,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 376\rآمَنُوا وَتَواصَوْا أوصى بعضهم بعضا بِالصَّبْرِ على الطاعة وعن المعصية وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) الرحمة على الخلق أُولئِكَ الموصوفون بهذه الصفات أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (18) اليمين وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (19) الشمال عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (20) بالهمزة والواو بدله مطبقة.\r______________________________\rبِالصَّبْرِ (على الطاعة) الخ، أي ما أصابه من المحن والشدائد.\rقوله: أُولئِكَ مبتدأ، وقوله:\rأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ خبره، وأتى باسم الإشارة تكريما لهم بأنهم حاضرون عنده، في مقام قربه وكرامته، فذكرهم بما يشار به للبعيد، تعظيما لهم وإشارة لعلو درجاتهم وارتفاعها.\rقوله: أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ أي الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، أو لأن منزلتهم عن يمين العرش.\rقوله: هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ ذكرهم بضمير الغيبة، إشارة إلى أنهم غائبون عن حضرة قدسه وكرامة أنسه. قوله: (الشمال) أي لأنهم يأخذون كتبهم بشمائلهم، أو لأن منزلتهم عن الشمال. قوله: عَلَيْهِمْ نارٌ خبر ثان أو مستأنف. قوله: (بالهمز والواو) أي فهما قراءتان سبعيتان ولغتان جيدتان، يقال:\rآصدت الباب وأوصدته إذا أغلقته وأطبقته. قوله: (مطبقة) أي عليهم تفسير لكل من القراءتين، والمعنى: لا يخرجون منها أبدا، ولا يدخلها روح وريحان.","part":4,"page":376},{"id":1969,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 377\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الشّمس مكيّة وآياتها خمس عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالشَّمْسِ وَضُحاها (1) ضوئها وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (2) تبعها طالعا عند غروبها وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها (3) بارتفاعه وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (4) يغطيها بظلمته، وإذا في الثلاثة لمجرد الظرفية، والعامل فيها فعل القسم وَالسَّماءِ وَما بَناها (5)\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة والشمس\rمكية وهي خمس عشرة آية أقسم سبحانه وتعالى بسبعة أشياء، إظهارا لعظمة قدرته وانفراده بالألوهية، وأشار إلى كثرة مصالح تلك الأشياء وعموم نفعها.\rقوله: وَضُحاها أي وهو وقت ارتفاعها. والحاصل: أن الضحوة ارتفاع النهار، والضحى بالضم والقصر فوق ذلك، والضحاء بالفتح والمد، إذا امتد النهار كاد ينتصف. قوله:\r(ضوئها) هو أحد أقوال ثلاثة، وقيل: هو النهار كله، وثالثها: هو حر الشمس، وحكمة القسم بذلك، أن العالم في وقت غيبة الشمس عنهم كالأموات، فإذا ظهر أثر الصبح، صارت الأموات أحياء، وتكاملت الحياة وقت الضحوة، وهذه الحالة تشبه أحوال القيامة، ووقت الضحى يشبه استقرار أهل الجنة فيها.\rقوله: (تبعها) أي ظهر ضوؤه وسلطانه بعد غروبها وخلفها في انتشار الضياء، فلا ينافي أنه قد يوجد مصاحبا لها، كالليلة الخامسة من الشهر مثلا. قوله: (طالعا عند غروبها) حال من ضمير (تبعها) والمراد ظهوره بعد غيبتها في أي وقت من الليل، فيشمل أول الشهر وأوسطه وآخره.\rقوله: وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها الضمير المستتر المرفوع، إما عائد على النَّهارِ أو على اللّه تعالى، والبارز المنصوب إما للشمس أو للظلمة، والمعنى: أظهرها وكشفها.\rقوله: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها أتى به مضارعا، ولم يقل غشيها للفواصل، أو إشارة لدوام القسم بهذا الأمر، واستمراره شيئا بعد شيء، فلم يلتزم فيه صيغة الماضي، وأتى به متوسطا، إشارة إلى أن ما قبله وما بعده محمول عليه. قوله: (يغطيها بظلمته) أي فيزيل ضوءها، فالنهار يجليها ويظهرها، والليل يغطيها ويسترها. (لمجرد الظرفية) من إضافة الصفة للموصوف، أي الظرفية المجردة عن الشرطية. قوله: (و العامل فيها فعل القسم) استشكل بأنه يلزم عليه اختلاف العامل","part":4,"page":377},{"id":1970,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 378\rوَالْأَرْضِ وَما طَحاها (6) بسطها وَنَفْسٍ بمعنى نفوس وَما سَوَّاها (7) في الخلقة، وما في الثلاثة مصدرية أو بمعنى من فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (8) بين لها طريقي الخير والشر، وأخر التقوى رعاية لرءوس الآي وجواب القسم قَدْ أَفْلَحَ حذفت منه اللام لطول الكلام مَنْ زَكَّاها (9) طهرها من الذنوب وَقَدْ خابَ خسر مَنْ دَسَّاها (10) أخفاها بالمعصية، وأصله دسسها، أبدلت السين الثانية ألفا تخفيفا كَذَّبَتْ ثَمُودُ رسولها صالحا بِطَغْواها (11) بسبب طغيانها إِذِ انْبَعَثَ أسرع أَشْقاها (12) واسمه قدار إلى عقر الناقة برضاهم فَقالَ لَهُمْ\r______________________________\rوالمعمول في الزمان، وذلك لأن فعل القسم إنشاء، وزمانه الحال، وإذا للاستقبال، وحينئذ فلا يصح عمله في إذا. أجيب: بأن فعل القسم يدل على الحال، ما لم يكن مقرونا بظرف يفيد الاستقبال كإذا، وإلا فيكون للاستقبال تبعا لمعموله. قوله: (بسطها) أي على الماء. قوله: (بمعنى نفوس) أشار بذلك إلى أن التنكير للتكثير.\rقوله: وَما سَوَّاها (في الخلقة) أي عدلها على هذا القانون المحكم والتركيب المتقن.\rقوله: (و ما في الثلاثة مصدرية) أي وبناها السماء الخ، وحينئذ فالكلام إما على حذف مضاف، أي ورب البناء والطحو والتسوية، أو القسم بتلك الأشياء، لعظمتها وجلالة قدرها، كما تقدم في القسم بالشمس ونحوه. قوله: (أو بمعنى من) أي ومن بناها الخ، وبه استدل من يجوز وقوعها على آحاد أولي العلم، لأن المراد به اللّه تعالى.\rقوله: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها الإلهام في الأصل إلقاء شيء في القلب بطريق الفيض، ينشرح له الصدر ويطمئن، ثم أطلق هنا على مطلق التبيين. قوله: (طريق الخير والشر) لفّ ونشر مشوش. قوله: (حذفت منه اللام) أي لطول الكلام، لأن الماضي المثبت المتصرف الذي لم يتقدم معموله عليه، إذا وقع جوابا للقسم تلزمه اللام، وقد يجوز الاقتصار على أحدهما عند طول الكلام أو للضرورة.\rقوله: مَنْ زَكَّاها الخ، الفاعل ضمير مَنْ في الموضعين، وقيل: ضمير عائد على اللّه، والتقدير: من زكاها اللّه بالطاعة، وقد خاب من دساها اللّه بالمعصية.\rقوله: وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها كرر قَدْ إشارة لمزيد الاعتناء بمضمونها. قوله: (و أصلها دسها) مأخوذ من التدسيس وهو الإخفاء، والمعنى: أخمدها وأخفاها بالكفر والمعصية، لأن المعاصي تذل النواصي.\rقوله: كَذَّبَتْ ثَمُودُ مناسبتها لما قبلها، أنه لما أقسم بتلك الأقسام المذكورة، على فلاح المطيع وخيبة العاصي، ذكر في تلك القصة المطيع وهو صالح عليه السّلام، والعاصي وهو قومه. قوله: (بسبب طغيانها) أشار بذلك إلى أن الباء سببية.\rقوله: إِذِ انْبَعَثَ مطاوع بعث تقول: بعثت فلانا على الأمر فانبعث له، والباعث لهم على ذلك التكذيب والطغيان. قوله: (و اسمه قدار) أي بوزن غراب ابن سالف، وهو أشقى الأولين، وكان رجلا أشقر أزرق قصيرا، وفي الحديث: «أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لعلي بن أبي طالب: أتدري من أشقى الأولين؟\rقلت: اللّه ورسوله أعلم، قال: عاقر الناقة، قال: أتدري من أشقى الآخرين؟ قلت: اللّه ورسوله أعلم، قال: قاتلك». قوله: (برضاهم) قال قتادة: بلغنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم.\rقوله: فَقالَ لَهُمْ أي بسبب الانبعاث، والمعنى: أنه لما عرف منهم العزم على عقرها قال لهم ما","part":4,"page":378},{"id":1971,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 379\rرَسُولُ اللَّهِ صالح ناقَةَ اللَّهِ أي ذروها وَسُقْياها (13) شربها في يومها، وكان لها يوم ولهم يوم فَكَذَّبُوهُ في قوله ذلك عن اللّه المرتب عليه نزول العذاب بهم إن خالفوه فَعَقَرُوها قتلوها ليسلم لهم ماء شربها فَدَمْدَمَ أطبق عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ العذاب بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (14) أي الدمدمة عليهم أي عمهم بها، فلم يفلت منهم أحدا وَلا بالواو والفاء يَخافُ تعالى عُقْباها (15) تبعتها.\r______________________________\rذكر. قوله: (ناقَةَ اللَّهِ) الإضافة للتشريف، من حيث إنها دالة على توحيد اللّه، بسبب ما فيها من الأمور الغريبة المخالفة للعادة التي لا تمكن من غيره تعالى. قوله: (أي ذروها) أشار بذلك إلى أن ناقَةَ منصوب على التحذير، والكلام على حذف مضاف، أي ذروا عقرها واحذروا سقياها. قوله: (شربها) بضم الشين وكسرها اسمان، وبفتحها مصدر شرب، والمعنى ومشروبها. قوله: (و لهم يوم) أي يوم يشربون فيه هم ومواشيهم.\rقوله: فَكَذَّبُوهُ أي استمروا على تكذيبه. قوله: (في قوله ذلك على اللّه) دفع بذلك ما يقال: إن تحذيرها من الناقة وسقياها إنشاء، والتكذيب من معارض الأخبار. فأجاب المفسر: بأن تكذيبه من حيث نقله عن اللّه فهو خبر. قوله: (المرتب عليه نزول العذاب بهم) وذلك أن صالحا قال لهم: يأتيكم العذاب بعد ثلاثة أيام، قالوا: وما العلامة على ذلك العذاب؟ قال: تصبحون في اليوم الأول وكان هو الأربعاء وجوهكم مصفرة، وفي اليوم الثاني وهو الخميس وجوهكم محمرة، وفي الثالث وهو الجمعة وجوهكم مسودة، وفي الرابع وهو السبت يأتيكم العذاب، فحصل ذلك وتقدم بسطه. قوله: فَعَقَرُوها أي عقرها قدار في رجليها فأوقعها فذبحوها واقتسموا لحمها. قوله: (ماء شربها) أي الماء الذي كانت تشربه.\rقوله: فَدَمْدَمَ (أطبق) عَلَيْهِمْ الخ، أي فهو مأخوذ من الدمدمة، من إطباق الشيء على الشيء، يقال: دمدم عليه القبر أطبقه، والمعنى: أهلكهم. قوله: (فلم يفلت منهم أحدا) أي إلا من آمن مع صالح، وهم أربعة آلاف. قوله: (بالواو والفاء) أي فهما سبعيتان، أما الواو فإما للحال أو مستأنفة، والفاء للتعقيب. قوله: (تبعتها) أي عاقبة هلكتهم، كما تخاف الملوك عاقبة ما تفعله، فهو استعارة تمثيلية، لإهانتهم وإذلالهم، ويجوز عود الضمير على الرسول، أي إنه لا يخاف عاقبة إنذاره لهم لعصمته باللّه تعالى، وقيل: الضمير يرجع للعاقر، فهو زيادة في التقبيح عليه.","part":4,"page":379},{"id":1972,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 380\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الليل مكيّة وآياتها إحدى وعشرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (1) بظلمته كل ما بين السماء والأرض وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (2) انكشف وظهر، وإذا في الموضعين لمجرد الظرفية، والعامل فيها فعل القسم وَما بمعنى من أو مصدرية خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (3) آدم وحواء أو كل ذكر وكل أنثى والخنثى المشكل عندنا ذكر وأنثى عند اللّه تعالى فيحنث بتكليمه من حلف لا يكلم ذكرا ولا أنثى إِنَ\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الليل\rوهي إحدى وعشرون آية هذه السورة نزلت في أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه، وفي أمية بن خلف، فالصديق بلغ الغاية في الإيمان والصدق والكرم، وأمية بلغ الغاية في الكفر والكذب والبخل، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\rقوله: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى أقسم به تعالى، لكونه جليلا عظيما، تسكن الخلق فيه عن التحرك، ويغشاهم النوم الذي هو راحة لأبدانهم. قوله: (كل ما بين السماء والأرض) أشار به إلى أن مفعول يَغْشى محذوف تقديره (كل ما بين السماء والأرض) وقيل: تقديره النهار أو الشمس، وكل صحيح.\rقوله: وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى أقسم به لأنه مظهر جمال اللّه، إذ به ينكشف ما كان مستورا بظلمة الليل، وفيه تتحرك الناس لمعايشهم، والطيور من أوكارها، والهوام من مكانها، فلو كان الدهر كله ليلا لتعذر المعاش، ولو كان كله نهارا لعدمت الراحة، فكانت المصلحة في تعاقبهما. قوله: (لمجرد الظرفية) أي الظرفية المجردة عن الشرط. قوله: (و العامل فيها فعل القسم) أي المقدر، ويأتي هنا ما تقدم من الأشكال والجواب. قوله: (بمعنى من) أي فهي اسم موصول، ويكون تعالى أقسم بنفسه، أي والقادر على خلق الذكر والأنثى. قوله: أو (مصدرية) أي وخلق اللّه الذكر والأنثى، أي تعلقت قدرته بخلقهما. قوله:\r(آدم وحواء) أي فتكون أل للعهد. قوله: (أو كل ذكر وكل أنثى) أي من جميع المخلوقات، فأل للاستغراق، وقيل: كل ذكر وكل أنثى من الآدميين، فتكون أل استغراقية استغراقا عرفيا. قوله:\r(و الخنثى المشكل) مبتدأ، وقوله: (عندنا) ظرف لقوله: (المشكل) وقوله: (ذكر) الخ خبر، وقوله: (عند","part":4,"page":380},{"id":1973,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 381\rسَعْيَكُمْ عملكم لَشَتَّى (4) مختلف، فعامل للجنة بالطاعة، وعامل للنار بالمعصية فَأَمَّا مَنْ أَعْطى حق اللّه وَاتَّقى (5) اللّه وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (6) أي بلا إله إلا اللّه في الموضعين فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (7) للجنة وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ بحق اللّه وَاسْتَغْنى (8) عن ثوابه وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ نهيئه لِلْعُسْرى (10) للنار وَما نافية يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (11) في النار إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (12) لتبيين طريق الهدى من طريق الضلال، ليمتثل أمرنا بسلوك الأول، ونهينا عن\r______________________________\rاللّه) ظرف لقوله: (ذكر) الخ، وهو جواب عن سؤال مقدر تقديره: لم لم يدخل الخنثى المشكل في عموم الذكر ولا في عموم الأنثى؟ فأجاب بما ذكر. قوله: (فيحنث بتكليمه) أي لأن اللّه تعالى لم يخلق من ذوي الأرواح، من ليس ذكرا ولا أنثى، والخنثى إنما هو مشكل بالنسبة إلينا، خلافا لمن قال: هو نوع ثالث، ويرده قوله تعالى: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً الآية.\rقوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى جواب القسم، وسعيكم مصدر مضاف يفيد العموم، فهو جمع في المعنى، وإن كان لفظه مفردا، ولذا أخبر عنه بالجمع وهو شتى، فهو بمعنى مساعيكم. قوله: (مختلف) أي متباعد الأبعاض، لأنه منقسم إلى ضلال وهدى، والضلال أنواع، والهدى أنواع، ويصح أن المعنى مختلف الجزاء، فمنكم مثاب بالجنة، ومعاقب بالنار.\rقوله: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى تفصيل لتلك المساعي المختلفة وتبيين لأحكامها. قوله: (حق اللّه) الخ، أشار بذلك إلى أن مفعول أَعْطى وَاتَّقى محذوفان لإفادة العموم، فيشمل إعطاء حقوق اللّه في المال بإنفاقه في وجوه البر، والنفس ببذلها في طاعة اللّه تعالى، وتقوى اللّه تعالى هي امتثال مأموراته واجتناب منهياته. قوله: (أي بلا إله إلا اللّه) أي مع محمد رسول اللّه، وقيل: المراد بالحسنى الجنة لقوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى ومعنى تصديقه بها إيمانه بالعبث والجزاء.\rقوله: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى التنفيس ليس مرادا، لأن التيسير حاصل في الحال، وإنما الإتيان بالسين لتحسين الكلام وترقيقه. قوله: (الجنة) أي لما ورد: «ما من نفس منفوسة إلا كتب اللّه مكانها من الجنة أو النار، فقال القوم: يا رسول اللّه أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: بل اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة، فإنه ميسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة، فإنه ميسر لعمل أهل الشقاوة» ثم قرأ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وقيل:\rمعنى اليسرى أسباب الخير والصلاح.\rقوله: وَاسْتَغْنى (عن ثوابه) أي تكبرا وعنادا.\rقوله:\rبِالْحُسْنى أي بالتوحيد أو الجنة. قوله: (نهيئه) دفع بذلك ما يقال: إن العسرى لا تيسير فيها، فأجاب: بأن المراد بالتيسير التهيئة، وهي كما تكون في اليسر، تكون في العسرى، والمعنى: تجري على يديه عملا يوصله إلى النار.\rقوله: وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ متعلق بالشق الثاني، والمعنى: إذا هيأناه لعمل الناس سقط فيها وهلك، ولا ينفعه ماله الذي بخل به وتركه لورثته. قوله: إِذا تَرَدَّى أي سقط.\rقوله: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى أي بمقتضى حكمتنا وتعلق قدرتنا، وإلا فلا يجب على اللّه تعالى شيء.\rقوله: (لتبين طريق الهدى) الخ، دفع بذلك ما يقال: إن في الآية اكتفاء، والتقدير: إن علينا للهدى والضلال أي تبيين كل منهما، وإيضاح جواب المفسر، أن المراد بالهدى التبيين ومعموله محذوف،","part":4,"page":381},{"id":1974,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 382\rارتكاب الثاني وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (13) أي الدنيا، فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ فَأَنْذَرْتُكُمْ خوفتكم يا أهل مكة ناراً تَلَظَّى (14) بحذف إحدى التاءين من الأصل، وقرئ بثبوتها أي تتوقد لا يَصْلاها يدخلها إِلَّا الْأَشْقَى (15) بمعنى الشقي الَّذِي كَذَّبَ النبي وَتَوَلَّى (16) عن الإيمان، وهذا الحصر مؤول لقوله تعالى وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ* فيكون المراد الصلي المؤبد وَسَيُجَنَّبُهَا يبعد عنها الْأَتْقَى (17) بمعنى التقي الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (18) متزكيا به عند اللّه تعالى بأن يخرجه للّه تعالى، لا رياء ولا سمعة، فيكون زاكيا عند اللّه تعالى. وهذا نزل في الصديق رضي اللّه تعالى عنه لما اشترى بلالا المعذب على إيمانه وعتقه،\r______________________________\rوالتقدير: إن علينا لتبيين طريق الحق من طريق الباطل. قوله: (فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ) أي فهذه الآية بمعنى قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ. قوله: تَلَظَّى مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر صفة لنارا. قوله: (و قرئ) أي شذوذا.\rقوله: لا يَصْلاها مضارع صلى بكسر اللام، والمصدر صليا بضم فكسر مع تشديد الياء. قوله: (و هذا الحصر مؤول) أي مصروف عن ظاهره، وقصد المفسر بهذا الكلام، الرد على المرجئة القائلين: لا يضر مع الإيمان ذنب، مستدلين بظاهر هذه الآية، حيث حصر دخول النار في الكفار، فمقتضاها: أن المؤمن لا يدخلها ولو فعل الكبائر، ووجه الرد: أن الآية محمولة على الدخول المؤيد، فلا ينافي أن عصاة المؤمنين يدخلونها، ثم يخرجون منها بالشفاعة. إذا علمت ذلك تعلم أن كلام المفسر لا يلاقي كل المرجئة، فكان عليه أن يقول:\rمؤول بحمل الصلي على التأبيد والخلود، وأما قوله: (لقوله تعالى: وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ*) فلا مدخل له في رد كلام المرجئة إلا أن يقال له مدخل من حيث مفهومه، إذ مفهوم (لمن يشاء) أن من لم يشإ الغفران له لم يغفر له، بل يدخله النار.\rقوله: يَتَزَكَّى بدل من يؤتى أو حال من فاعله، ومشى المفسر على الثاني حيث قال (متزكيا).\rقوله:\r(و هذا نزل في الصديق) الإشارة لقوله: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى. قوله: (لما اشترى بلالا) أي من سيده وهو أمية بن خلف، وكان الصديق رضي اللّه عنه يبتاع الضعفة فيعتقهم، فقال له أبوه: أي بني لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، فقال: منع ظهري أريد، فنزلت الآية، ورد أنه كان بلال لبعض بني جمح، وهو بلال بن رباح، واسم أمه حمامة، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الشمس، فيطرحه على ظهره ببطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، فيقول وهو في ذلك: أحد أحد، فمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: أحد ينجيك، يعني اللّه تعالى، ثم قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأبي بكر: إن بلالا يعذب في اللّه، فعرف أبو بكر الذي يريده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فانصرف إلى منزله فأخذ رطلا من ذهب ومضى إلى أمية بن خلف فقال: ألا تتقي اللّه في هذا المسكين؟ قال: أنت أفسدته فأنقذه بما ترى، ففي رواية أنه فداه برطل من ذهب، وفي رواية أنه قال له: عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، وهو على دينك، فأعطاه له وأخذ بلالا فأعتقه.\rوقال سعيد بن المسيب: بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر في بلال حين قال له أتبيعه؟ قال: نعم أبيعه بنسطاس، عبد لأبي بكر، وكان نسطاس صاحب عشرة آلاف دينار وغلمان وجوار ومواش، وكان","part":4,"page":382},{"id":1975,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 383\rفقال الكفار: إنما فعل ذلك ليد كانت له عنده فنزل وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (19) إِلَّا لكن فعل ذلك ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (20) أي طلب ثواب اللّه وَلَسَوْفَ يَرْضى (21) بما يعطاه من الثواب في الجنة، والآية تشمل من فعل مثل فعله رضي اللّه تعالى عنه، فيبعد عن النار ويثاب.\r______________________________\rمشركا، حمله أبو بكر على الإسلام على أن يكون ماله له: فأبى فأبغضه أبو بكر، فلما قال أمية: أبيعك بغلامك نسطاس، اغتنمه أبو بكر وباعه به، وكان قد أعتق قبله ست رقاب وهم: عامر بن فهيرة شهد بدرا واحدا وقتل يوم بئر معونة شهيدا. وأعتق أم عميس وزهرة فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كذبوا وبيت اللّه، ما تضر اللات والعزى وما ينفعان، فردّ اللّه تعالى عليها بصرها وأعتق الفهرية وابنتها وكانتا لامرأة لبني عبد الدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما يحتطبان لها وهي تقول لهما: واللّه لا أعتقكما أبدا فقال أبو بكر: كلا يا أم فلان، فقالت:\rكلا أنت أفسدتها فأعتقهما، قال: فبكم؟ قالت: بكذا وكذا، قال: قد أخذتهما وهما حرتان. ومر بجارية من بني المرسل وهي تعذب، فابتاعها فأعتقها، وفي ذلك يقول عمار بن ياسر:\rجزى اللّه خيرا عن بلال وصحبه ... عتيقا وأخزى فاكها وأبا جهل\r\rعشية هما في بلال بسوءة ... ولم يحذرا ما يحذر المرء ذو العقل\r\rبتوحيده رب الأنام وقوله ... شهدت بأن اللّه ربي على مهل\r\rفإن تقتلوني تقتلوني ولم أكن ... لأشرك بالرحمن من خيفة القتل\r\rفيا رب إبراهيم والعبد يونس ... وموسى وعيسى نجني ثم لا تمل\rلمن ظل يهوى الغي من آل غالب ... على غير حق كان منه ولا عدل\r\rقوله: (فقال الكفار) الخ، المناسب أن يقول: ولما قال الكفار: (إنما فعل ذلك) الخ،\rنزل قوله تعالى: وَما لِأَحَدٍ الخ. قوله: (إنما فعل) أي أبو بكر، وقوله: (ذلك) أي شراء بلال وإعتاقه، وقوله:\r(ليد كانت له) أي نعمة كانت لبلال عند أبي بكر، بأن صنع مع أبي بكر معروفا فأحب أبو بكر مكافأته بما فعله معه، وقوله: (فنزل) أي تكذيبا للكفار. قوله: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ أي عند أبي بكر، لا من بلال ولا غيره. قوله: تُجْزى صفة ل نِعْمَةٍ أي يجزى الإنسان بها، وأتى به مضارعا مبنيا للمفعول رعاية للفواصل. قوله: (لكن فعل ذلك) الخ، أشار بذلك إلى أن الاستثناء منقطع، لأن ابتغاء وجه ربه، ليس من جنس النعمة، وهو منصوب على أنه مفعول لأجله.\rقوله: وَلَسَوْفَ يَرْضى جواب قسم مقدر، أي واللّه لسوف يرضى، وهو وعد من الكريم تعالى لأبي بكر، بنيل جميع ما يتمناه على أبلغ وجه وأجمله، والعامة على بناء يَرْضى للفاعل، وقرى شذوذا ببنائه للمفعول، أي يرضيه اللّه، أي يعطيه اللّه، أي يعطيه حتى يرضى.","part":4,"page":383},{"id":1976,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 384\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الضّحى مكيّة وآياتها إحدى عشرة ولما نزلت كبر صلّى اللّه عليه وسلّم آخرها، فسنّ التكبير آخرها، وروي الأمر به خاتمتها وخاتمة كل سورة\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الضحى\rمكيّة وهي إحدى عشرة آية قوله: (كبر) أي قال: اللّه أكبر أو: لا إله إلا اللّه واللّه أكبر. و: لا إله إلا اللّه واللّه أكبر وللّه الحمد.\rوحكمة تكبيرة: تذكره عظمة نعمة اللّه تعالى عليه، فشكر ربه على ذلك، ولم تشغله النعم عن المنعم.\rقوله: (فسن التكبير آخرها) أي أخذا من فعله عليه الصلاة والسّلام ومن أمره. واعلم أنه اختلف هل التكبير لأول السورة أو لخاتمتها؟ فعلى الأول: يكبر بين الليل والضحى، وفي أول الناس، ولا يكبر في آخرها. وعلى الثاني: لا يكبر أول الضحى، ويكبر آخر الناس. ومنشأ الخلاف أنه كان تكبيره صلّى اللّه عليه وسلّم آخر قراءة جبريل وأول قراءته هو صلّى اللّه عليه وسلّم. واعلم أيضا: أنه يتأتى على القولين المذكورين، حل وصل السورة بما بعد ثمانية أوجه، يمتنع منها وجه واحد، وهو وصل آخر السورة بالتكبير بالبسملة مع الوقف عليها، لئلا يتوهم أن البسملة لآخر السورة، والسبعة الباقية جائزة، اثنان منها على تقدير: أن يكون التكبير لآخر السورة، وهما وصل التكبير بآخر السورة التي بعدها، والوقف عليه مع وصل البسملة بأول السورة التي بعدها، ووصله بآخر السورة، والوقف عليه وعلى البسملة، فيقف على كل منهما وقفا مستقلا، واثنان منها على تقدير: أن يكون لأولها وهما قطعه عن آخر السورة، ووصله بالبسملة مع الوقف عليها، ثم الابتداء بأول السورة، وقطعه عن آخر السورة، ووصله بالبسملة مع وصلها بأول السورة، وثلاثة محتملة للتقديرين وهي: وصل التكبير بآخر السورة وبالبسملة، وبأول السورة التي بعدها، وقطعه عن آخر السورة وعن البسملة، مع وصل البسملة بأول السورة، وقطعه عن آخر السورة وعن البسملة، وقطع البسملة عن أول السورة، وهذه الأوجه السبعة، تجري من آخر الضحى إلى آخر الفلق، وأما بين الليل والضحى، فيجوز خمسة أوجه فقط: الاثنان على تقدير كونه لأول السورة، والثلاثة المحتملة، وبين الناس والفاتحة يجوز خمسة أيضا، الاثنان على تقدير كونه لآخر السورة،","part":4,"page":384},{"id":1977,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 385\rبعدها وهو: اللّه أكبر، أو: لا إله إلا اللّه واللّه أكبر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالضُّحى (1) أي أول النهار أو كله وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (2) غطى بظلامه أو سكن ما وَدَّعَكَ تركك يا محمد رَبُّكَ وَما قَلى (3) أبغضك، نزل هذا لما قال الكفار عند تأخر الوحي عنه خمسة عشر يوما: إن\r______________________________\rوالثلاثة المحتملة. قوله: (أو لا إله إلا اللّه) هذه هي النسخة الصحيحة، وفي بعض النسخ: ولا إله إلا اللّه بالواو وهي بمعنى أو، فأفاد المفسر روايتين، وبقيت رواية ثالثة وهي الجمع بين التهليل والتكبير والتحميد وعليها العمل.\rقوله: وَالضُّحى الخ، قدم الضُّحى هنا على اللَّيْلِ وفي السورة التي قبلها قدم الليل، وذلك لأن في كل مزية تقتضي تقديمه، فقدم هذا تارة، والآخر أخرى، فالليل به السكون والهدوء، ومحل الخلوات والعطايا الربانية، والنهار به النور والسعي في المصالح واجتماع الناس، أو لأن السورة المتقدمة سورة أبي بكر، وهو قد سبق له الكفر، فقدم فيها الليل، وهذه سورة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو محض نور، فقدم فيها الضُّحى. إن قلت: ما الحكمة في ذكر الضُّحى وهو ساعة، وذكر اللَّيْلِ بجملته؟\rأجيب: بأن ذلك إشارة إلى أن ساعة من النهار، توازي جميع الليل، كما أن محمدا يوازي جميع الخلق، وأيضا الضحى وقت سرور، والليل وقت وحشة، ففيه إشارة إلى أن سرور الدنيا أقل من شرورها. قوله:\r(أو كله) أي وعليه، ففيه مجاز من إطلاق الجزء على الكل.\rقوله: إِذا سَجى إِذا لمجرد الظرفية، والعامل فيها فعل القسم المقدر كما تقدم نظيره. قوله:\r(غطى بظلامه) أي كل شيء. قوله: (أو سكن) إسناد السكون له مجاز عقلي، والمعنى: سكن أهله من إسناد الشيء لزمانه.\rقوله: ما وَدَّعَكَ بالتشديد في قراءة العامة من التوديع، وهو في الأصل مفارقة المحبوب مع التألم، أطلق وأريد منه مطلق الترك، بدليل القراءة الشاذة بالتخفيف مع الودع وهو الترك.\rقوله: وَما قَلى مضارعه من باب ضرب وقتل. قوله: (نزل هذا) الخ، اختلف في سبب نزول هذه الآية على أربعة أقوال، الأول: ما روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم اشتكى ليلتين أو ثلاثا فجاءت أم جميل امرأة أبي لهب وقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثا، فنزلت. الثاني:\rأبطأ الوحي حتى شق عليه، فجاءه وهو واضع جبهته على الكعبة يدعو، وأنزل عليه الآية. الثالث: ما روي أن خولة كانت تخدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت: إن جروا دخل البيت فدخل تحت السرير فمات، فمكث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أياما لا ينزل عليه الوحي، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: يا خولة ما حدث في بيتي؟ إن جبريل لا يأتيني، قالت خولة: فكنست فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فإذا جرو ميت، فأخذته فألقيته خلف الجدار، فجاء نبي صلّى اللّه عليه وسلّم ترعد لحياه، وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة، فقال: يا خولة دثريني، فلما نزل جبريل عليه سأله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن التأخر فقال: أما علمت أنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة؟ الرابع: ما روي أن اليهود سألوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الروح وذي القرنين وأصحاب الكهف فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: سأخبركم غدا، ولم يقل إن شاء اللّه، فاحتبس عنه الوحي، إلى أن نزل جبريل عليه السّلام، بقوله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وأخبره بما سأل، ونزلت هذه الآية. قوله: (خمسة عشر يوما) هذا قول ابن عباس، وقال ابن جرير: اثني عشر يوما، وقال مقاتل: أربعون يوما روي أنه لما جاءه جبريل قال له:","part":4,"page":385},{"id":1978,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 386\rربه ودعه وقلاه وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ لما فيها من الكرامات لك مِنَ الْأُولى (4) الدنيا وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ في الآخرة من الخيرات عطاء جزيلا فَتَرْضى (5) به، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: إذن لا أرضى وواحد من أمتي في النار، إلى هنا تم جواب القسم بمثبتين بعد منفيين أَلَمْ يَجِدْكَ استفهام تقريري أي وجدك يَتِيماً بفقد أبيك قبل ولادتك أو بعدها فَآوى (6) بأن ضمك إلى عمك\r______________________________\rما جئت حتى اشتقت إليك، فقال جبريل: إن كنت إليك أشوق، ولكني عبد مأمور، وأنزل عليه وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ.\rقوله: وَلَلْآخِرَةُ اللام للابتداء مؤكدة لمضمون الجملة. قوله: خَيْرٌ لَكَ إنما قيد بقوله:\rلَكَ لأنها ليست خيرا لكل أحد، بل الناس على أربعة أقسام: منهم من له الخير في الدارين، وهم أهل الطاعة الأغنياء. ومنهم من له الشر فيهما، وهم الكفرة الفقراء. ومنهم من له صورة خير في الدنيا، وشر في الآخرة، وهما الكفرة الأغنياء، ومنهم من له صورة شر في الدنيا وخير في الآخرة، وهم الفقراء المؤمنون. قال بعض أهل الإشارات: في الآية اشارة إلى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم دائما يترقى في الكمالات إلى غير نهاية، فمقامه في المستقبل أعلى منه في الماضي وهكذا، ويدل لذلك أيضا قوله في الحديث: «إني ليغان على قلبي، فأستغفر اللّه في اليوم سبعين مرة» فاستغفاره لكونه ارتقى مقاما أعلى من الأول، فرأى أن الذي انتقل منه بالنسبة للذي انتقل إليه ذنبا.\rقوله: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ (في الآخرة) المناسب أن يبقى على عمومها، لأن اعطاءه حتى يرضى، ليس قاصرا على الآخرة، بل عام في الدنيا والآخرة، فهو وعد شامل، لما أعطاه له من كمال النفس وظهور الأمور واعلاء الدين، ولما ادخر له ما لا يعلم كنهه سواه تعالى، وقيل: عطاؤه هو الشفاعة، وقيل: يعطيك ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابها المسك، وفيها ما يليق بها، والحق التعميم بما لا يعلم كنهه إلا اللّه تعالى. قوله: (و واحد من أمتي) أي الموحدين، فالمراد أمة الإجابة وقد أشار لذلك بعض العارفين بقوله:\rقرأنا في الضحى ولسوف يعطى ... فسر قلوبنا ذاك العطاء\r\rوحاشا يا رسول اللّه ترضى ... وفينا من يعذب أو يساء\r\rقوله: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً الخ، القصد من هذا تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم ليزداد شكرا وصبرا، والوجود بمعنى العلم ف يَتِيماً مفعول ثان، والكاف مفعوله الأول. قوله: (استفهام تقريري) أي بما بعد النفي.\rقوله: (بفقد أبيك) مصدر مضاف لمفعوله. قوله: (قبل ولادتك) أي بعد حمله بشهرين، وقيل قبل ولادته بشهرين، وقوله: (أو بعدها) أي وعليه فقيل بشهرين، وقيل بسبعة، وقيل بتسعة أشهر، وقيل بثمانية وعشرين شهرا، والصحيح الأول، وكانت وفاته بالمدينة الشريفة، ودفن في دار التبابعة، وقيل دفن بالأبواء قرية من أعمال الفرع، وتوفيت أمه وهو ابن أربع سنين، وقيل خمس، وقيل ست، وقيل سبع، وقيل ثمان، وقيل تسع، وقيل ثنتي عشرة سنة وشهر وعشرة أيام، وكانت وفاتها بالأبواء، وقيل بالحجون، ومات جده عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب، لأنه كان شقيق أبيه، وورد أنه لما مات أبواه قالت الملائكة: بقي نبيك يتيما، فقال اللّه تعالى: أنا له كافل، وسئل بعض العلماء: لم يتم صلّى اللّه عليه وسلّم","part":4,"page":386},{"id":1979,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 387\rأبي طالب وَوَجَدَكَ ضَالًّا عما أنت عليه الآن من الشريعة فَهَدى (7) أي هداك إليها\r______________________________\rفقال: لئلا يكون لمخلوق عليه منه، فيتمه صلّى اللّه عليه وسلّم كمال، ولذا قال البوصيري:\rكفاك بالعلم في الأمي معجزة ... في الجاهلية والتأديب في اليتم\r\rقوله: فَآوى العامة على قراءته بألف بعد الهمزة رباعيا، من آواه يؤويه، وأصله أأوى بهمزتين:\rالأولى مفتوحة، والثانية ساكنة، أبدلت الثانية ألفا، ومصدره الإيواء كالإكرام، وهو متعد باتفاق، وقرئ شذوذا بغير ألف ثلاثيا كرمى، ومصدره إيواء بوزن كتاب، وأوى بوزن فعول بالضم، وأوى بوزن ضرب، وهو يستعمل لازما ومتعديا. قوله: (بأن ضمك إلى عمك أبي طالب) أي بعد وفاة جدك عبد المطلب، وقيل هو من قولهم درة يتيمة؛ والمعنى: ألم يجدك واحدا من قريش عديم النظير، فآواك إليه، وشرفك بنبوته، واصطفاك برسالته.\rقوله: وَوَجَدَكَ ضَالًّا (عما أنت عليه الآن من الشريعة) أي وجدك خاليا من الشريعة، فهداك بإنزالها إليك، والمراد بضلاله كونه من غير شريعة، وليس المراد به الانحراف عن الحق، لكونه مستحيلا عليه قبل النبوة وبعدها، فكذا كقوله تعالى: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وما ذكره المفسر أحد أقوال في تفسير الآية، وقيل الضلالة بمعنى الغفلة، قال تعالى: وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ وهو قريب من الأول، وقيل وجدك ضالا، أي في قوم ضلال، فهداهم اللّه تعالى بك، وقيل وجدك ضالا عن الهجرة فهداك إليها، وقيل ناسيا شأن الاستثناء حين سئلت عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فذكرك، وقيل وجدك طالبا للقبلة فهداك إليها، قال تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ الآية، فيكون الضلال بمعنى الطلب والحب، قال تعالى: إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ أي محبتك، وقيل إن حليمة لما قضت حق الرضاع، جاءت برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لتردع على عبد المطلب، فسمعت عند باب مكة:\rهنيئا لك يا بطحاء مكة، اليوم يرد اللّه إليك النور والبهاء والجمال، قالت: فوضعته لأصلح شأني، فسمعت هدة شديدة، فالتفت فلم أره، فقلت: يا معشر الناس أين الصبي؟ فقالوا: لم نر شيئا، فحصت: وا محمداه، فإذا شيخ فإن يتوكأ على عصاه فقال: اذهبي إلى الصنم الأعظم، فإن شاء أن يرده إليك فعل، ثم طاف الشيخ بالصنم وقبل رأسه وقال: يا رب لم تزل منتك على قريش، وهذه السعدية كما تزعم أن ابنها قد ضل، فرده إن شئت، فانكب على وجهه، وتساقطت الأصنام وقالت: إليك عنا أيها الشيخ، فهلاكنا على يد محمد، فألقى الشيخ عصاه وارتعد وقال: إن لابنك ربا لا يضيعه فاطلبيه على مهل، فانحشرت قريش إلى عبد المطلب وطلبوه في جميع مكة فلم يجدوه، فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعا، وتضرع إلى اللّه تعالى أن يرده، فسمعوا مناديا ينادي من السماء: معاشر الناس لا تضجوا، فإن لمحمد ربا لا يخذله ولا يضيعه، وإن محمدا بوادي ثمامة عند شجرة السمر، فسار عبد المطلب هو وورقة بن نوفل، فإذا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قائم تحت شجرة يلعب بالأغصان وبالورق، وفي رواية: ما زال عبد المطلب يردد البيت حتى أتاه أبو جهل على ناقة ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم بين يديه وهو يقول: ألا تدري ما ذا جرى من ابنك؟ فقال عبد المطلب: ولم؟ فقال: إن أنخت الناقة وأركبته خلفي، فأبت الناقة أن تقوم، فلما أركبته أمامي قامت الناقة. قال ابن عباس: رده اللّه تعالى إلى جده بيد عدوه، كما فعل بموسى عليه السّلام، حين حفظه فرعون، وقيل: إنه عليه السّلام، خرج مع عمه أبي طالب في قافلة ميسرة عند خديجة، فبينما هو","part":4,"page":387},{"id":1980,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 388\rوَوَجَدَكَ عائِلًا فقيرا فَأَغْنى (8) أغناك بما قنعك به من الغنيمة وغيرها، وفي الحديث: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس». فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) بأخذ ماله أو غير ذلك وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) تزجر لفقره وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ عليك بالنبوة وغيرها فَحَدِّثْ (11) أخبر، وحذف ضميره صلّى اللّه عليه وسلّم في بعض الأفعال رعاية للفواصل.\r______________________________\rراكب ذات ليلة مظلمة ناقة، فجاء إبليس فأخذ بزمام الناقة فعدل بها عن الطريق، فجاء جبريل عليه السّلام، فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى أرض الحبشة ورده إلى القافلة.\rقوله: عائِلًا هذه قراءة العامة، يقال: عال زيد أي افتقر، وأعال كثرت عياله، وقرئ شذوذا عيلا بكسر الياء المشددة. قوله: (بما قنعك به) أي بما رضاك به وقوله: (من الغنيمة) أي وإن كانت لم تحصل إلا بعد نزول هذه السورة، لكن لما كان الجهاد معلوم الوقوع كان كالواقع، وقيل: أغناك بمال خديجة وتربية أبي طالب، ولما اختل ذلك أغناه بمال أبي بكر، ولما اختل ذلك أمره بالجهاد وأغناه بالغنائم، لما روي: جعل رزقي تحت ظل سيفي ورمحي. قوله: (و غيرها) أي كمال خديجة، ومال أبي بكر، وبإعانة الأنصار حين الهجرة. قوله: (عن كثرة العرض) بفتحتين المال، وفي الحديث: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه اللّه بما أتاه».\rقوله: فَأَمَّا الْيَتِيمَ منصوب ب تَقْهَرْ وهذا مفرع على قوله: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى فالمعنى: أصنع مع عبادي كما صنعت معك. قوله: (بأخذ ماله) أي كما كانت العرب تفعل في أموال اليتامى، تأخذ أموالهم وتظلمهم حقوقهم. وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «خير بيت في المسلمين، بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه» ثم قال بأصبعيه: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» وهو يشير بأصبعيه. قوله: (أو غير ذلك) أي كإذلاله واحتقاره.\rقوله: وَأَمَّا السَّائِلَ منصوب ب تَنْهَرْ والمعنى: إما أن تطعمه أو ترده برفق، وقيل: المراد بالسائل ما يشمل طالب العلم، فيكرمه وينصفه ولا يعبس في وجهه، ولا يتلقاه بمكروه، وهذا العموم أولى، وهو مفرع على قوله: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى والمعنى أغن عبادي وأعطهم، كما أغنيتك وأعطيتك.\rقوله: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ الخ، هذا عام، وإنما أخر حق اللّه تعالى عن حق اليتيم والسائل لأنهما محتاجان، واللّه هو الغني، وتقديم المحتاج أولى، ولأن المقصود من جميع الطاعات استغراق القلب في ذكر اللّه تعالى وشكره، فختمت به للعموم.\rقوله: فَحَدِّثْ أي بالنعمة، لأن التحدث بها هو شكرها، والتحدث بالنعمة جائز لغيره صلّى اللّه عليه وسلّم إذا قصد به الشكر، وأن يتقدى به غيره، وأمن على نفسه الغرور والكبر، قال الحسن بن علي رضي اللّه عنهما:\rإذا عملت خيرا فحدث به اخوانك ليقتدوا بك. وورد أن شخصا كان جالسا عنده صلّى اللّه عليه وسلّم فرآه رث الثياب فقال له: ألك مال؟ قال: نعم، فقال له: «إذا أتاك اللّه مالا فلير أثره عليك» وورد: إن اللّه جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده، وقوله: (بالنبوة وغيرها)، أي من العلوم والقرآن وسائر عطاياه التي لا تتناهى، وقد فعل صلّى اللّه عليه وسلّم فحدث بما أعطاه ربه من النعم، فبلغ القرآن، ونشر العلوم، وأعطى حقوق ربه عزّ وجل. قوله: (في بعض الأفعال) أي وهو فَآوى فَهَدى فَأَغْنى والأصل: فأواك، فهداك، فأغناك.","part":4,"page":388},{"id":1981,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 389\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الشرح مكيّة وآياتها ثمان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ نَشْرَحْ استفهام تقرير، أي شرحنا لَكَ يا محمد صَدْرَكَ (1) بالنبوة وغيرها وَوَضَعْنا حططنا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ أي أثقل\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة ألم نشرح\rمكية وهي ثمان آيات أي في قول الجمهور، وقال ابن عباس: إنها مدنية. قوله: (استفهام تقرير) أي وهو حمل المخاطب على الإقرار بما بعد النفي، لأن الاستفهام إذا دخل على منفي قرره فصار معناه: قد شرحنا، ولذلك عطف عليه الماضي، وليس معناه الإنشاء حتى يقال: يلزم عليه عطف الخبر على الإنشاء، فيما لا محل له من الإعراب، وهو مردود أو ضعيف، بل المراد لازمه، وهو الإخبار بشرح الصدر وما بعده، فهذه السورة من جملة النعم التي أمر بالتحدث بها في السورة قبلها. قوله: (أي شرحنا) الشرح في الأصل بسط اللحم ونحوه، يقال: شرحت اللحم، بسطته وشققته، والمراد هنا توسعة الصدر بالنور الإلهي، ليسع مناجاة الحق ودعوة الخلق، فصار مهبط الرحمات ومنبع البركات. قوله: (بالنبوة وغيرها) روي أن جبريل عليه السّلام أتاه وهو عند مرضعته حليمة، وهو ابن ثلاث سنين أو أربع، فشق صدره وأخرج قلبه وغسله ونقاه وملأ علما وإيمانا، ثم رده في صدره، وحكمة ذلك لينشأ على أكمل حال، ولا يعبث كالأطفال، وشق أيضا عند بلوغه عشر سنين، ليأتي عليه البلوغ، وهو على أجمل الأخلاق وأطيبها، وعند البعثة ليتحمل القرآن والعلوم، وليلة الإسراء ليتهيأ لملاقاة أهل الملأ الأعلى، ومناجاة الحق جل جلاله ومشاهدته وتلقيه عنه، فمرات الشق أربع، زيادة في تنظيفه وتطهيره، ليكون كاملا مكملا، لا يعلم قدره غير ربه،\rوالحكمة في قوله: لَكَ ولم يقل ألم نشرح صدرك، التنبيه على أن منافع الرسالة عائدة عليه صلّى اللّه عليه وسلّم، لا لغرض يعود عليه، تعالى اللّه عن الأغراض والعلل.\rقوله: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ معطوف على مدلول الجملة السابقة كأنه قال: قد شرحنا لك صدرك، وَوَضَعْنا وعَنْكَ متعلق ب وَضَعْنا، وقدمه على المفعول الصريح تعجيلا للمسرة،","part":4,"page":389},{"id":1982,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 390\rظَهْرَكَ (3) وهذا كقوله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (4) بأن تذكر مع ذكري في الأذان والاقامة والتشهد والخطبة وغيرها فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ الشدّة يُسْراً (5) سهولة إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6) والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم قاسى من الكفار شدة، ثم حصل له اليسر بنصره\r______________________________\rوتشويقا إلى المؤخر.\rقوله: الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ الإنقاض في الأصل الصوت الخفي الذي يسمع من الرحل فوق البعير من شدة الحمل، والمراد لازمه وهو الثقل. قوله: (و هذا كقوله تعالى ليغفر لك) الخ، أي فهو مصروف عن ظاهره، فيجاب عنه بأجوبة منها: أن المراد وَوَضَعْنا عَنْكَ وزر أمتك، وإنما أضافها إليه لاشتغال قلبه بها، قال تعالى: عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ فأوزار أمته قبل إسلامهم، موضوعة عنهم بالإسلام، فلا يؤاخذون بها، لأن الإسلام يجب ما قبله، وبعد الإسلام توضع عنهم بالتوبة أو بشفاعته صلّى اللّه عليه وسلّم لمن مات مصرا. ومنها: أن المراد وَضَعْنا عَنْكَ أثقال النبوة والتبليغ، وذلك أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان في ابتداء البعثة، يشق عليه الأمر ويقول: أخاف ألا أقوم بحق الدعوة، فوضعه اللّه عنه. ومنها: أن المراد بالوزر خلاف الأولى، فكان إذا ارتكبه وعاتبه اللّه عليه، ثقل ذلك الأمر عليه وشق، وتسميته وزرا بالنسبة لمقامه، من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، كإذنه للمنافقين في التخلف حين اعتذروا، وأخذه الفداء من أسارى بدر، ونحو ذلك. ومنها: أن المراد بالوضع العصمة، فالمعنى: عصمناك من الوزر ابتداء وانتهاء، فلم نقدر عليك وزرا أصلا. وكل من هذه الأجوبة صحيح، ولا مانع من حمل الآية على الجميع.\rقوله: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ أي أعلناه، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا دينك يظهر عليه، وأخذنا على الأنبياء العهد إن ظهرت وأحدهم حي، ليؤمنن بك ولينصرنك، وهم يأخذون على أممهم ذلك العهد، كما تقدم في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ الآية، وفي هذا المعنى قال البوصيري:\rما مضت فترة من الرسل إلا ... بشرت قومها بك الأنبياء\r\rوالحكمة في زيادة لك ما سبق، مع أن رفع الذكر عائد ثمرته عليه، لا لغرض يعود عليه تعالى.\rقوله: (و الخطبة) أي على المنابر، وخطبة النكاح. قوله: (و غيرها) أي كيوم الفطر والأضحى ويوم عرفة وأيام التشريق وعند رمي الجمار وعلى الصفا والمروة ومشارق الأرض ومغاربها، ولو أن رجلا، عبد اللّه تعالى، وصدق بالجنة والنار، وكل شيء، ولم يشهد أن محمدا رسول اللّه، لم ينتفع بشيء وكان كافرا.\rقوله: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً مَعَ بمعنى بعد، وعبر بها إشارة إلى أن اليسر يجيء عقب العسر بسرعة، كأنه مقارن، زيادة في التسلية وتقوية القلوب، وأل في الْعُسْرِ الأول للجنس، وفي الثاني للعهد الذكري، ولذلك ورد في الحديث لما نزلت هذه الآية، قال عليه الصلاة والسّلام: «أبشروا قد جاءكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين» وورد: «لو كان العسر في حجر، لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين». قوله: (الشدة) أي المشاق التي تحصل للشخص في الدنيا والآخرة، وقوله:\r(سهولة) أي تحصل له في الدنيا أو الآخرة، والتنكير في يُسْراً للتفخيم والتعظيم.\rقوله: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً جرت عادة العرب، أنها إذا ذكرت اسما معرفا، ثم أعادته، كان","part":4,"page":390},{"id":1983,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 391\rعليهم فَإِذا فَرَغْتَ من الصلاة فَانْصَبْ (7) اتعب في الدعاء وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) تضرع.\r______________________________\rالثاني هو الأول، وإذا ذكرت اسما نكرة، ثم أعادته، كان الثاني غير الأول، فجاء القرآن على أسلوبهم، ففيه اشارة إلى أن اليسر غالب على العسر، ووجه ذلك أن العسر الذي يصيب المؤمن في الدنيا، لا بد له من يسر في الدنيا، ويسر في الآخرة، فيسر الدنيا ما ذكره في الآية الأولى، ويسر الآخرة ما ذكره في الآية الثانية، ومعلوم أن يسر الآخرة دائم أبدا غير زائل، فنفي غلبة العسر لليسرين، إنما هو بالنسبة ليسر الدنيا، وأما الآخرة فليس للمؤمن إلا اليسر، فتدبر، قال بعض الشعراء في هذا المعنى:\rفلا تيأس إذا أعسرت يوما ... فقد أيسرت في دهر طويل\r\rفلا تظنن بربك ظن سوء ... فإن اللّه أولى بالجميل\r\rفإن العسر يتبعه يسار ... وقول اللّه أصدق كل قيل\r\rقوله: فَإِذا فَرَغْتَ (من الصلاة) الخ، ما ذكره المفسر أحد أقوال، وقيل إذا فرغت من دنياك فصل. وقيل: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل. وقيل: إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك. وقيل: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فَانْصَبْ استغفر لذنبك وللمؤمنين، والحمل على العموم أولى. قال عمر بن الخطاب: إن أكره أن أرى أحدكم فارغا، لا في عمل الدنيا، ولا في عمل الآخرة، وفي الحديث: «إن اللّه يكره العبد البطال».\rقوله: وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ أي اجعل رغبتك إلى ربك الذي أحسن إليك بفضائل النعم في جميع أحوالك، لا إلى أحد سواه، فالمطلوب من الشخص أن يرى ساعيا في حسنة لمعاده، أو درهم لمعاشه، ويكون أكبر همه الآخرة.\rفائدة: ذكر بعض الصالحين خواص لهذه السورة، منها: أن من كتبها في اناء من زجاج، ومحاها بماء ورد وشربها، يزول عنه الهم والحزن وضيق الصدر. وتكتب في مطلق إناء، وتمحى بماء وتشرب للحفظ والفهم. ومن لازمها عقب الصلوات الخمس عشر مرات، حصل له التيسير في الرزق، والتوفيق في العبادة، ولقضاء ما أهم العبد، يصلي ركعتين ويجلس مستقبلا على طهارة، ويقرؤها عدة حروفها مائة وثلاثة، ثم يدعو بما أهمه، يستجاب له إن شاء اللّه تعالى، وهو مجرب صحيح.","part":4,"page":391},{"id":1984,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 392\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة التّين مكيّة وآياتها ثمان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) أي المأكولين، أو جبلين بالشام ينبتان المأكولين وَطُورِ سِينِينَ (2) الجبل الذي كلم اللّه تعالى عليه موسى، ومعنى سينين المبارك أو\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة والتين\rمكية أو مدنية وهي ثمان آيات أي في قول الجمهور، وقوله: (أو مدنية) أي في قول ابن عباس وقتادة.\rقوله: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ الخ، أقسم سبحانه وتعالى بأقسام أربعة على مقسم واحد، تعظيما للمقسم به، وغرابة المقسم عليه. قوله: (أي المأكولين) هو قول ابن عباس، وخص التين لأنه فاكهة وغذاء، ويشبه فواكه الجنة لكونه بلا عجم، ومن خواصه أنه طعام لطيف سريع الانهضام، لا يمكث في المعدة، يخرج رشحا، ويلين الطبع، ويقلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، وهو مرض يستولي على مقر البول فيحجز الماء عن الخروج بأجزاء دقيقة كالرمل يعسر معها البول، ويتأذى به الإنسان، فإذا زاد صار حصاة، ويفتح سدد الكبد والطحال، ويسمن البدن، ويقطع البواسير، ويطول الشعر، وهو أمان من الفالج، ومن أكلها مناما، نال مالا ورزقه اللّه أولادا، وقد تستر آدم بورق التين حين خرج من الجنة، وأما الزيتون فهو من شجرة مباركة، فيه إدام ودهن، يؤكل ويستصبح به، وشجرته في أغلب البلاد، ولا يحتاج إلى خدمة وتربية، ويثبت في الأرض ألوفا من السنين، ومن رأى ورق الزيتون في المنام، استمسك بالعروة الوثقى. قوله: (أو جبلين بالشام) ما ذكره المفسر قولان من أقوال كثيرة في المراد بالتين والزيتون، ومنها:\rأن التين مسجد نوح عليه السّلام الذي بني على الجودي، والزيتون مسجد بيت المقدس. ومنها: أن التين المسجد الحرام، والزيتون المسجد الأقصى. ومنها: أن التين مسجد دمشق، والزيتون مسجد بيت المقدس، ومنها غير ذلك. قوله: (الجبل الذي كلم اللّه تعالى عليه موسى) أي وهو جبل عظيم فيه عيون وأشجار. إن قلت: كيف ذلك مع قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا المقتضى أنه دك ولم يبق له أثر؟ أجيب: بأنه متسع، والذي دك قطعة منه، وتخصيصه لكونه مباركا، تشرف بتكليم موسى ربه عليه.\rقوله: (و معنى سينين المبارك) أي فهو من اضافة الموصوف لصفته، وسِينِينَ يجوز أن يعرب بالحركات","part":4,"page":392},{"id":1985,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 393\rالحسن بالأشجار المثمرة وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) مكة لأمن الناس فيها جاهلية وإسلاما لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ الجنس فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) تعديل لصورته ثُمَّ رَدَدْناهُ في بعض أفراده أَسْفَلَ سافِلِينَ (5) كناية عن الهرم والضعف، فينقص عمل المؤمن عن زمن الشباب ويكون له أجره لقوله تعالى إِلَّا أي لكن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) غير مقطوع، وفي الحديث: «إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل كتب له ما كان يعمل» فَما يُكَذِّبُكَ أيها الكافر بَعْدُ أي بعد ما ذكر من خلق الإنسان في أحسن صورة، ثم رده إلى أرذل\r______________________________\rالثلاث على النون، مع لزومه الياء في أحواله كلها، ويكون ممنوعا عن الصرف للعلمية والعجمة، لأنه علم على البقعة أو الأرض، وأن يعرب كجمع المذكر السالم بالواو رفعا، وبالياء نصبا وجرا. قوله: (لأمن الناس فيها) أي فلا ينفر صيده ولا يقطع شجره. قوله: (الجنس) أي الماهية من حيث هي الشاملة للمؤمن والكافر.\rقوله: فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ أي في أعدل قامة وأحسن صورة، يتناول مأكوله بيده. مزينا بالعلم والفهم والعقل والتمييز والنطق والأدب. قوله: (في بعض أفراده) أشار بذلك إلى أن في الآية استخداما، حيث ذكر الإنسان أولا بمعنى وهو الجنس، ثم أعاد الضمير عليه بمعنى آخر وهو الإنسان بمعنى بعض أفراده.\rقوله: أَسْفَلَ سافِلِينَ السافلون هم الصغار والزمنى والأطفال، فالشيخ الكبير أسفل من هؤلاء، لأنه لا يستطيع حيلة، ولا يهتدي سبيلا، لضعف بدنه وسمعه وبصره وعقله وثقله عن أهله وجيرانه. قوله: (كناية عن الهرم والضعف) أي فالمعنى: ثم جعلناه ضعيفا هرما فهو بمعنى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ* وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ وما ذكره المفسر أحد قولين في المراد بالرد إلى أسفل سافلين، والآخر أن المراد رَدَدْناهُ إلى النار، لأنها دركات بعضها أسفل من بعض.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ الخ، مشى المفسر على أن الاستثناء منقطع، وحينئذ فيكون المعنى ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ فزال عقله وانقطع عمله، فلا يكتب له حسنة، (لكن) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ولازموا عليها إلى أيام الشيخوخة والهرم والضعف، فإنه يكتب لهم بعد الهرم والخرف، مثل الذي كانوا يعملونه في حال الشباب والصحة، وأما على القول الآخر، فالاستثناء متصل، ويكون المعنى: رددناه أسفل ممن سفل خلقا وتركيبا، حسا ومعنى، وهم أهل النار إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا الخ، فيكون بمعنى قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا. قوله: (غير مقطوع) أي ولا يمن به عليهم. قوله: (من الكبر ما يعجزه) (من) تعليلية و(ما) مفعول به واقعة على زمان. والمعنى:\rإذا بلغ المؤمن سبب الكبر زمانا يعجز فيه عن العمل، وفي بعض النسخ ما يعجزه، وحينئذ فيكون من الكبر بيان لما مقدما عليه، والمعنى: إذا بلغ المؤمن كبرا يعجزه عن العمل.\rقوله: فَما يُكَذِّبُكَ الخ، الاستفهام إنكاري، والخطاب للإنسان الكافر بطريق الالتفات، المعنى: فالذي حملك أيها الإنسان على التكذيب بالبعث؟ أي أي سبب يحملك على التكذيب؟ ففي الكلام تعجب وتعجيب، وذلك أنه تعالى لما قرر أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، ثم رده إلى أرذل العمر، دل على كمال قدرته على الإنشاء والإعادة، سأل بعد ذلك عن تكذيب الإنسان بالجزاء، لأن ما","part":4,"page":393},{"id":1986,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 394\rالعمر الدال على القدرة على البعث بِالدِّينِ (7) بالجزاء المسبوق بالبعث والحساب، أي ما يجعلك مكذبا بذلك ولا جاعل له أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (8) أي هو أقضى القاضين وحكمه بالجزاء من ذلك، وفي الحديث: «من قرأ وَالتِّينِ إلى آخرها فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين».\r______________________________\rيتعجب منه يخفى سببه، هذا ما مشى عليه المفسر، وقيل: إن ما بمعنى من، والخطاب له صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى:\rفمن يكذبك أيها الرسول الصادق المصدق بما جئت به من الحق بعد ظهور الدلائل القطعية على تصديقك؟ قوله: (و حكمه بالجزاء) مبتدأ، وقوله: (من ذلك) أي من جملة قضائه خبره.","part":4,"page":394},{"id":1987,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 395\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة العلق مكيّة وآياتها تسع عشرة صدرها إلى ما لم يعلم أول ما نزل من القرآن وذلك بغار حراء. رواه البخاري بِسْمِ\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة اقرأ (العلق)\rمكية وهي تسع عشرة آية وفي نسخة سورة العلق، وفي أخرى سورة القلم، فأسماؤها ثلاثة. قوله: (أول ما نزل من القرآن) أي ثم بعده ن والقلم، ثم المزمل، ثم المدثر، وهكذا قال الخازن. ولكن المشهور عن غيره، أن الأول ما نزل بعد اقرأ، سورة المدثر، واختلف السلف في ترتيب سورة القرآن، والصحيح أن اختلافهم كان قبل عرض القرآن على جبريل في المرة الأخيرة، ومن يوم العرض المذكور، رتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن على ما هو عليه الآن. عن ابن وهب قال: سمعت مالكا يقول: إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. وذكر ابن الأنباري في كتابه الرد، أن اللّه تعالى أنزل القرآن جملة إلى سماء الدنيا، ثم فرقه على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في عشرين سنة، وكانت السورة تنزل في أمر يحدث، والآية تنزل جوابا لمستخبر يسأل، ويوقف جبريل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على موضع السورة والآية، فانتظام السور كانتظام الآيات والحروف، فكله عن رسول اللّه خاتم النبيين، عن رب العالمين، فمن أخر سورة مقدمة، أو قدم أخرى مؤخرة، كمن أفسد نظم الآيات، وغير الحروف والكلمات، ولا حجة على أهل الحق في تقديم البقرة على الإنعام، والإنعام نزلت قبل البقرة، لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أخذ عنه هذا الترتيب، وهو كان يقول: ضعوا هذه السورة موضع كذا وكذا من القرآن، وكان جبريل عليه السّلام يوقفه على مكان الآيات انتهى. إن قلت: حيث كان الجمع والترتيب من رسول اللّه، فما معنى قولهم: إن عثمان بن عفان جامع القرآن؟ فالجواب: أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم روى عنه القرآن وترتيبه حفظا لا وضعا في المصاحف، وعثمان جمعه في المصحف على طبق الحفظ المروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فإن المحفوظ كان مفرقا في صدور الرجال، وفي صحائف غير كاملة، فليفهم هذا المقام. قوله: (رواه البخاري) أي وعبارته عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ما بدئ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، ويتحنث فيه الليالي ذوات العدد، ثم يرجع إلى خديجة ويتزود لمثلها، حتى جاءه","part":4,"page":395},{"id":1988,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 396\rاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ أوجد القراءة مبتدئا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) الخلائق خَلَقَ الْإِنْسانَ الجنس مِنْ عَلَقٍ (2) جمع علقة وهي القطعة اليسيرة من الدم الغليظ اقْرَأْ تأكيد\r______________________________\rالحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال له اقْرَأْ قال: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال اقْرَأْ قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال اقْرَأْ قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال:\rاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ حتى بلغ ما لَمْ يَعْلَمْ فرجع بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت له خديجة: كلا أبشر، فو اللّه لا يحزنك اللّه أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة، وكان ممن تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللّه أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له: يا ابن أخي ما ذا ترى؟ فأخبره صلّى اللّه عليه وسلّم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل اللّه على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أو مخرجيّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك حيا، أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم يلبث ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا إلى أن يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل، لكي يلقي نفسه منه، تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول اللّه حقا، فيسكن لذلك جأشه وتقر عينه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي، غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل ليلقي نفسه منه، تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك.\rقوله: (مبتدئا) بِاسْمِ رَبِّكَ أي قل: باسم اللّه ثم اقرأ ما يوحي إليك، فالباء متعلقة بمحذوف حال، ومفعول اقْرَأْ محذوف، وقيل: إن الباء مزيدة، والتقدير اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وعبر بالرب تلطفا به صلّى اللّه عليه وسلّم، وإشارة إلى أنه تعالى، كما ربى جسمه، يربي أمته وقرآنه، قال البوصيري في هذا المعنى:\rسور منه أشبهت صورا ... منا ومثل النظائر النظراء\r\rوإضافة رب إلى كاف الخطاب للتشريف.\rقوله: الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ يجوز أن يكون الثاني توكيدا لفظيا نظير: قام قام زيد، ويجوز أن يكون تفسيرا للأول، أبهمه ثم فسره تفخيما ب خَلَقَ الْإِنْسانَ ويجوز أن يكون حذف المفعول من الأول تقديره خَلَقَ (الخلائق) كما قال المفسر، وقوله:\rخَلَقَ الْإِنْسانَ تخصيص له بالذكر لشرفه. قوله: (الجنس) أي الصادق بالذكر والأنثى. قوله: (جمع علقة) أي لأن كل واحد مأخوذ من علقة كما في الآية الأخرى، وأطلق الجمع على العلق تسمحا أو هو جمع لغوي، وإلا ف عَلَقٍ اسم جنس جمعي. قوله: (من الدم الغليظ) أي الذي أصله المني، فأول الأطوار المني، ثم العلقة وهو الدم الغليظ المتجمد، ثم المضغة، إلى آخر ما ذكر اللّه تعالى في آية المؤمنون.\rقوله: (تأكيد للأول) هذا أحد قولين، والآخر أنه تأسيس، فالأول معناه اقرأ في نفسك، والثاني معناه اقرأ","part":4,"page":396},{"id":1989,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 397\rللأول وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الذي لا يوازيه كريم، حال من ضمير اقرأ الَّذِي عَلَّمَ الخط بِالْقَلَمِ (4) وأول من خط به إدريس عليه السّلام عَلَّمَ الْإِنْسانَ الجنس ما لَمْ يَعْلَمْ (5) قبل تعليمه من الهدى والكتابة والصناعة وغيرها كَلَّا حقا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (6) أَنْ رَآهُ أي نفسه اسْتَغْنى (7) بالمال، نزل في أبي جهل، ورأى علمية، واستغنى مفعول ثان، وأن رآه\r______________________________\rللتبليغ وتعليم الأمة. قوله: (الذي لا يوازيه كريم) أي لا يساويه فضلا عن أن يزيد عليه، لأنه تعالى يعطي الشيء من غير عوض ولا غرض، وليس ذلك لأحد غيره. قوله: (حال من ضمير اقرأ) أي فالمعنى: اقرأ ما يوحي إليك، والحال أن ربك الأكرم لا ينتظر منك عوضا ولا يخزيك، فهو تطمين له صلّى اللّه عليه وسلّم حيث خشي على نفسه أن لا يقوم بما أمره به ربه.\rقوله: الَّذِي عَلَّمَ عَلَّمَ ينصب مفعولين، وهما محذوفان هنا، والتقدير: علم الإنسان الخط بالقلم،\rوالمفسر قدر الثاني وسكت عن تقدير الأول اتكالا على قوله بعد عَلَّمَ الْإِنْسانَ. قوله: (الخط) أي الكتابة التي بها تعرف الأمور الغائبة، وفيه تنبيه على فضل الكتابة، لما فيها من المنافع العظيمة، لأن بها ضبطت العلوم، ودونت الحكم، وعرفت أخبار الماضين وأحوالهم وسيرهم ومقالاتهم، ولو لا الكتابة ما استقام أمر الدين ولا الدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة اللّه تعالى ولطيف تدبيره دليل إلا القلم والخط لكفى فيه.\rقوله: بِالْقَلَمِ قال القرطبي: الأقلام الثلاثة في الأصل، القلم الأول: الذي خلقه اللّه تعالى بيده، وأمره أن يكتب في اللوح المحفوظ، والثاني: قلم الملائكة الذين يكتبون به المقادير والكوائن من اللوح المحفوظ، والثالث: أقلام الناس، يكتبون بها كلامهم، ويصلون بها إلى مآربهم، وعن عمر قال:\rخلق اللّه تعالى أربعة أشياء بيده، ثم قال تعالى لسائر الحيوان، كن فكان وهي: القلم والعرش وجنة عدن وآدم عليه السّلام. قوله: (إدريس) وقيل آدم. قوله: (الجنس) هذا أحد أقوال، وقيل: المراد به آدم، ومصدوق ما الأسماء كلها، فهو نظير وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها وقيل: هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (قبل تعليمه) متعلق بالنفي، والمعنى: علمه الشيء الذي انتفى علمه به قبل أن يعلمه. قوله: (من الهدى) بيان لما، والمراد به الرشد، والصواب في القول والفعل.\rقوله: (حقا) هذا مذهب الكسائي ومن تبعه، عليه ف كَلَّا مرتبطة بما بعدها، لأنه ليس قبلها شيء يقتضي الزجر والردع حتى تكون كَلَّا ردعا له، وقال أبو حيان: وصوبه ابن هشام أنها بمعنى ألا الاستفتاحية، لوجود كسر همزة إِنَ بعدها، ولو كانت بمعنى حقا لما كسرت إِنَ بعدها، لكونها واقعة موقع مفرد، فتحصل أن كونها بمعنى حقا صحيح من جهة المعنى، إلا أنه يبعده كسر إِنَ فكان المناسب للمفسر أن يجعلها بمعنى ألا الاستفتاحية. قوله: (أي نفسه) أشار بذلك إلى أن في رأى ضميرا عائدا على الإنسان هو فاعل الرؤية، والضمير البارز عائد أيضا مفعوله ورأى هنا قلبية تجوز اتحاد الضميرين متصلين فيها فتقول: رأيتني وظننتني،\rوقوله: اسْتَغْنى مفعول ثان. والمعنى: إن الإنسان ليتحقق بالطغيان والكفر من أجل رؤيته نفسه مستغنيا عن اللّه تعالى.\rقوله: (نزل في أبي جهل) أي والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من اعتقد أنه غني عن ربه طرفة عين، فقد تحقق بالطغيان والكفر، لأن كل مخلوق مفتقر لخالقه في حركاته وسكناته. قوله: (مفعول","part":4,"page":397},{"id":1990,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 398\rمفعول له إِنَّ إِلى رَبِّكَ يا إنسان الرُّجْعى (8) أي الرجوع، تخويف له، فيجازي الطاغي بما يستحقه أَرَأَيْتَ في مواضعها الثلاثة للتعجب الَّذِي يَنْهى (9) هو أبو جهل عَبْداً هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إِذا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ أي المنهيّ عَلَى الْهُدى (11) أَوْ للتقسيم أَمَرَ بِالتَّقْوى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ أي الناهي للنبي وَتَوَلَّى (13) عن الإيمان أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (14) ما صدر منه، أي يعلمه فيجازيه عليه، أي اعجب منه يا مخاطب من حيث نهيه عن الصلاة، ومن حيث إن المنهي على الهدى آمر بالتقوى، ومن حيث إن الناهي مكذب متولّ عن الإيمان كَلَّا ردع له لَئِنْ لام قسم لَمْ يَنْتَهِ عما هو عليه من الكفر لَنَسْفَعاً\r______________________________\rله) أي لأجله.\rقوله: (يا إنسان) أشار بذلك إلى أن الضمير في رَبِّكَ عائد على الْإِنْسانَ المتقدم ذكره، ففيه التفات من الغيبة للخطاب، تهديدا له وتحذيرا من عاقبة الطغيان، كأنه قال: لا تغتر باستغنائك، فإن مرجعك إلى خالقك، فكما أغناك هو قادر على إفقارك، فلا تعتقد أنه غني حقيقة، فلو أعطي العبد الدنيا ومثلها معها، هو فقير إلى ربه في كل طرفة عين. قوله: (أي الرجوع) أي من الغنى للفقر، ومن العز للذل، ومن القوة للعجز، ومن الحياة للممات، فلا مفر من اللّه. قوله: (للتعجب) أي التعجيب، وهو إيقاع المخاطب في العجب والخطاب، قيل: للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وقيل: لكل من يتأتى منه الخطاب، واعلم أن رأيت هنا بمعنى أخبرني، فتتعدى إلى مفعولين، ثانيهما جملة استفهامية، وقد ذكرت ثلاث مرات، صرح بعد الثالثة بجملة استفهامية، فهي موضع المفعول الثاني لتلك الثالثة، ومفعولها الأول محذوف، وهو ضمير يعود على الذي ينهى عبدا، وذكر مفعول الأولى الأول، وهو الاسم الموصول، ومفعولها الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالواقعة بعد الثالثة، حذف لدلالة المذكور عليه، وأما الثانية فمفعولاها محذوفان، لدلالة المفعول الأول من الأولى، والمفعول الثاني من الثالثة عليه، فتحصل أنه حذف المفعول الثاني من الأولى، والمفعولان من الثانية، والأول من الثالثة، لدلالة المذكور، وليس من باب التنازع، لأنه يقتضي اضمارا، والجمل لا تضمر، وإنما الإضمار في المفردات، وجواب الشرط الواقع في حيز الثانية والثالثة محذوف، دل عليه الجملة الاستفهامية. قوله: (هو أبو جهل) وذلك أنه قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب، قال: فأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يصلي ليطأ على رقبته، قال: فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، فقيل له: ما لك؟ قال: إن بيني وبينه خندقا من نار، وهؤلاء أجنحة، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا.\rقوله: عَبْداً لم يقل ينهاك، تفخيما لشأنه وتعظيما لقدره. قوله: (للتقسيم) المناسب أن يقول:\rبمعنى الواو.\rقوله: إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أي دام على التكذيب والتولي. قوله: (أي يعلمه) تفسير ليرى.\rقوله: (ردع له) أي لأبي جهل.\rقوله: لَنَسْفَعاً يحتمل أن النون للمتكلم المعظم نفسه وهو اللّه تعالى، أو اللّه وملائكته، والسفع: القبض على الشيء بشدة، والنون في لَنَسْفَعاً للتوكيد الخفيفة، فيوقف عليها بالألف تشبيها لها بالتنوين، وتكتب الفاء اتباعا للوقف، وقرئ شذوذا لنسفعن بالنون الثقيلة.","part":4,"page":398},{"id":1991,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 399\rبِالنَّاصِيَةِ (15) لنجرّنّ بناصيته إلى النار ناصِيَةٍ بدل نكرة من معرفة كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (16) وصفها بذلك مجاز، والمراد صاحبها فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (17) أي أهل ناديه، وهو المجلس ينتدى يتحدث فيه القوم، وكان قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما انتهره حيث نهاه عن الصلاة: لقد علمت ما بها رجل أكثر ناديا مني لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردا ورجالا مردا سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ] (18) الملائكة الغلاظ الشداد لإهلاكه، في الحديث: «لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عيانا» كَلَّا ردع له لا تُطِعْهُ يا محمد في ترك الصلاة وَاسْجُدْ صلّ للّه وَاقْتَرِبْ (19) منه بطاعته.\r______________________________\rقوله: بِالنَّاصِيَةِ وهي في الأصل مقدم الرأس أو شعر المقدم، أطلق وأريد هنا الشخص بتمامه قوله: (إلى النار) وقيل في الدنيا يوم بدر لما ورد أنه جاءه عبد اللّه بن مسعود، فوجده طريحا بين الجرحى وبه رمق، فخاف أن يكون به قوة فيؤذيه، فوضع الرمح على منخريه من بعيد فطعنه، ثم لم يقدر ابن مسعود على الرقي على صدره لضعفه وقصره، فارتقى إليه بحيلة، فلما رآه أبو جهل قال: يا رويعي الغنم، لقد رقيت مرقى عاليا فقال ابن مسعود: الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، ثم قال لابن مسعود: اقطع رأسي بسيفي هذا، لأنه أحد وأقطع، فلما قطع رأسه به لم يقدر على حمله، فشق أذنه وجعل فيه خيطا وجره إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وجبريل بين يديه يضحك.\rقوله: كاذِبَةٍ أي في قولها، وقوله: خاطِئَةٍ أي في فعلها، والخطأ ضد الصواب في الدين وغيره، والمراد هنا ارتكاب خلاف الصواب عن قصد، لقول بعضهم: الخاطئ المرتكب خلاف الصواب لا عن عمد. قوله: (أي أهل ناديه) أشار بذلك إلى أن الكلام على حذف مضاف، لأن النادي هو المجلس الذي يتحدث فيه القوم، والمجلس لا يدعى، فاحتيج لتقدير مضاف، والمعنى: فليدع عشيرته ليستنصر بهم. قوله: (لما انتهره) أي انتهر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أبا جهل، وقوله: (حيث نهاه) أي نهى أبو جهل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (لقد علمت ما بها) أي بمكة. قوله: (خيلا جردا) أي قصيرة الشعر، وقوله: (مردا) أي شبابا.\rقوله: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ واحدها زبنية، بكسر أوله وسكون ثانية وكسر ثالثه، من الزبن وهو الدفع. قوله: (الغلاظ الشداد) أي وهم خزنة جهنم، أرجلهم في الأرض ورءوسهم في السماء، سموا زبانية لأنهم يزبنون الكفار، أي يدفعونهم في جهنم. قوله: صَلِ أي دم على الصلاة، وعبر عنها بالسجود لأنه أفضل أركانها، لما في الحديث: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد».\rقوله: وَاقْتَرِبْ (منه) أي من اللّه، وما مشى عليه المفسر، من أن المراد بالسجود الصلاة، هو المشهور عند جمهور الأئمة، وقال الشافعي: المراد بالسجود سجود التلاوة، لما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه قال: سجدت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ وفي اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ سجدتين، فيسن السجود عند الشافعي في هذين الموضعين، ومعنى اقترب. تقرب إلى ربك بطاعته وبالدعاء قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «أما الركوع فعظموا فيها الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فيه فقمن- أي حقيق- أن يستجاب لكم» وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يكثر من سجوده البكاء والتضرع.","part":4,"page":399},{"id":1992,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 400\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة القدر مكيّة وآياتها خمس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ أين القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة القدر\rمكية أو مدنية وهي خمس أو ست آيات قوله: (أو مدنية) هذا هو الأرجح. وحكى بعضهم أنها أول ما نزل بالمدينة، ولعله تكرر نزولها، تنبيها على مزيد شرف ليلة القدر. قوله: (أو ست آيات) أي بناء على أن قوله: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ آية مستقلة.\rقوله: إِنَّا يؤتى بإن لتأكيد الحكم، والرد على منكر أو شاك، والمخاطبون فيهم ذلك، فقد قالوا: من تلقاء نفسه، وقالوا: أساطير الأولين، وقالوا: تنزلت به الشياطين، فرد على جميع ذلك بذكر الإنزال، لا أنه مختلق، ولا من أساطير الأولين. إن قلت: إن المؤمنين يصدقون خبر المولى بلا توكيد، والكافرون يعاندون ولو تعدد التأكيد. أجيب بجوابين، الأول:\rبمنع أن الكافرين يعاندون مع التأكيد، فإن عادتهم الانقياد للتأكيدات، فربما حصل لهم هداية بسبب ذلك. الثاني: على تسليم أنهم يعاندون مع التأكيد، فلا نسلم حصر إن في التأكيد، بل قد يؤتى بها ترغيبا في تلقي الخبر، والتنبيه بعظيم قدره وشرف حكمه، ويحتمل أنها للمتكلم المعظم نفسه، وهو اللّه تعالى، إشعارا بتعظيم المنزل والمنزل به، ويحتمل أنها للمتكلم ومعه غيره، فإن اللّه أنزله، والملائكة لهم مدخلية في انزاله، والمعنى: إنا وملائكة قدسنا أنزلناه على حد إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ والإسناد للّه حقيقة إجماعا، وللملائكة قيل كذلك، وقيل مجاوز عليه، فلا مانع من الجمع بين الحقيقة والمجاز يقال: بنى الأمير وعملته المدينة، ولا يعترض بالجمع بين القديم والحادث في ضمير واحد، فإنه حاصل في ضمير يُصَلُّونَ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ ونحوه، وأما قوله عليه السّلام للخطيب: بئس الخطيب لما قال: من يطع اللّه ورسوله فقد اهتدى، ومن يعصهما فقد غوى فلأن الخطب محل إطناب، وقيل: وقف على قوله ومن يعصهما قبل الجواب.\rقوله: أَنْزَلْناهُ إن قلت الإنزال وصف للأجسام، والقرآن عرض لا جسم، فكيف يوصف","part":4,"page":400},{"id":1993,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 401\rالسماء الدنيا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) أي الشرف والعظم وَما أَدْراكَ أعلمك يا محمد ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) تعظيم لشأنها وتعجيب منه لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) ليس فيها ليلة قدر،\r______________________________\rبالإنزال؟ أجيب بجوابين، الأول: أن الإنزال بمعنى الإيحاء، وفي الكلام استعارة تبعية، حيث شبه الإيحاء بالإنزال، واستعير الإيحاء للإنزال، واشتق من الإنزال أنزلناه بمعنى أوحينا. الثاني: إن إسناد النزول إليه مجاز عقلي، وحقه أن يسند لحامله، فالتجوز إما في الظرف أو الإسناد. قوله: (أي القرآن) أشار بذلك إلى أن الضمير في أَنْزَلْناهُ عائد على القرآن. إن قلت: إنه لم يتقدم له ذكر. أجيب: بأنه اتكل على عظم قدره وشهرة أمره، حتى لا يحتاج للتصريح. قوله: (جملة واحدة من اللوح المحفوظ) الخ، أي ثم نزل به جبريل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نجوما مفرقة في مدة عشرين سنة، أو ثلاث وعشرين سنة، ومعنى إنزاله جملة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا؛ أن جبريل أملاه على ملائكة السماء الدنيا فكتبوه في صحف، وكانت تلك الصحف في محل من تلك السماء يقال له بيت العزة. قوله: (من سماء الدنيا) أي بيت العزة منها، وما ذكره المفسر، من أن المراد إنزال القرآن جملة إلى سماء الدنيا، أحد أقوال في تفسير الآية، وقيل: المعنى ابتدأنا إنزاله على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم تلك الليلة. إن قلت: إن البعثة على رأس الأربعين وميلاده كان في ربيع، فكيف يكون مبدأ الوحي في رمضان ليلة القدر؟ أجيب: بأنه ألغى الكسر أو جبر أو ذلك، بناء على أن ميلاده في رمضان؛ وقد قيل به، أو مبدأ الوحي المنام في ربيع، ومبدأ إنزال القرآن في رمضان، وحكمة إنزاله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم إنزاله منها مفرقا ولم ينزله مفرقا من اللوح، أن سماء الدنيا مشتركة بين العالم العلوي والسفلي، فإنزاله إليها جملة فيها تعجيل لمسرته بنزول جميعه عليه، وإنزاله منها مفرقا فيه تأنيس للقلوب، وترويح للنفوس، وتلطف به صلّى اللّه عليه وسلّم وبأمته، فلم يفته نزوله جملة ولا مفرقا. قوله: (الشرف والعظم) هذا أحد أقوال، وقيل: الْقَدْرِ بمعنى تقدير الأمور، أي إظهارها في دواوين الملإ الأعلى، سميت بذلك لأن اللّه تعالى يقدر فيها ما يشاء من أمره، إلى مثلها من السنة القابلة، من أمر الموت والأجل والرزق وغير ذلك، ويسلمه إلى مدبرات الأمور، وهم الأربعة الرؤساء: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وقولنا: أي إظهارها في دواوين الملأ الأعلى، يدفع ما أورد أن تقدير الأمور أزلي، فإن قلت: إن تقدير الأمور ليلة النصف من شعبان يجاب: بأن ابتداء التقدير ليلة النصف من شعبان وتسليمه للملائكة ليلة القدر، وقيل: القدر بمعنى الضيق من قوله: فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ لضيق الفضاء بازدحام مواكب الملائكة فيها.\rقوله: ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ أي ما مقدار شرفها، وليس المراد ما حقيقتها، فإنها مدة مخصوصة من الزمن. قوله: (تعظيم لشأنها) أي تفخيم لأمرها، قال سفيان بن عيينة: إن كل ما في القرآن من قوله:\rوَما أَدْراكَ أعلم اللّه به نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم وما فيه، وما يدريك لم يعلمه به، والمراد إعلام اللّه تعالى في ذلك السياق نفسه، فلا ينافي أنه عليه السّلام لم يخرج من الدنيا، حتى أعلمه اللّه بكل ما خفي عنه مما يمكن البشر علمه، وأما التسوية بين علم القديم والحادث فكفر.\rقوله: خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ أي وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، واختلف في حكمة ذكر العدد، فقيل: المقصود مطلق الكثرة، وقيل: إنه ذكر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجل من بني إسرائيل، حمل السلاح على عاتقه في سبيل اللّه عزّ وجل ألف شهر، فعجب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لذلك، وتمنى ذلك لأمته فقال: يا رب","part":4,"page":401},{"id":1994,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 402\rفالعمل الصالح فيها خير منه في ألف شهر ليست فيها تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ بحذف إحدى التاءين من\r______________________________\rجعلت أمتي أقصر الأمم أعمارا وأقلها أعمالا، فأعطاه اللّه ليلة القدر، فهي من خصائص هذه الأمة، وهي باقية على الصحيح، خلافا لمن قال برفعها مستدلا بحديث: «خرجت لأعلمكم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت» ورد بأن الذي رفع تعيينها بدليل أن في آخر الحديث نفسه «و عسى أن يكون خيرا لكم، فالتمسوها في العشر الأواخر» إذ رفعها بالمرة لا خير فيه، ولا يتأتى معه التماس. إن قلت:\rالرفع بسبب الملاحاة، يقتضي أنه من شؤم الملاحاة، فكيف يكون خيرا؟ قلت: هو كالبلاء الحاصل بشؤم معصية بعض العصاة، فإذا تلقى بالرضا والتسليم صار خيرا. إن قلت: فما هو الذي فات بشؤم الملاحاة؟ وما هو الخير الذي حصل؟ قلت: الفائت معرفة عينها، حتى يحصل غاية الجد والاجتهاد في خصوصها، والخير الذي حصل، هو الحرص على التماسها حتى يحيي ليالي كثيرة، وفي الجملة قالوا:\rأخفى الرب أمورا في أمور لحكم: ليلة القدر في الليالي لتحيا جميعها وساعة الإجابة في الجمعة ليدعى في جميعها. والصلاة الوسطى في الصلوات ليحافظ على الكل. والاسم الأعظم في أسمائه ليدعى بالجميع ورضاه في طاعته ليحرص العبد على جميع الطاعات وغضبه في معاصيه لينزجر عن الكل. والولي في المؤمنين ليحسن الظن بكل منهم. ومجيء الساعة في الأوقات للخوف منها دائما. وأجل الإنسان عنه ليكون دائما على أهبة. فعلى هذا يحصل ثوابها لمن قامها ولو لم يعلمها، نعم العالم بها أكمل، هذا هو الأظهر، واختلفت المذاهب فيها، فقال مالك: إنها دائرة في العام كله، والغالب كونها في رمضان، والغالب كونها في العشر الأواخر منه. وقال أبو حنيفة والشافعي: هي في رمضان لا تنتقل منه والغالب كونها في العشر الأواخر، واشتهر عن أبي بن كعب وابن عباس وكثير أنها ليلة السابع والعشرين، وهي الليلة التي كانت صبيحتها وقعة بدر التي أعز اللّه بها الدين، وأنزل اللّه ملائكته فيها مددا للمسلمين، وأيده بعضهم بطريق الإشارة، بأن عدد كلمات السورة ثلاثون كأيام رمضان، واتفق أن كلمة هي تمام سبعة وعشرين، وطريق آخر في الإشارة، أن حروف ليلة القدر تسعة، وقد ذكرت في السورة ثلاث مرات، وثلاثة في تسعة بسبعة وعشرين، ونقل عن بعض أهل الكشف ضبطها بأول الشهر مع أيام الأسبوع، فعن أبي الحسن الشاذلي: إن كان أوله الأحد فليلة تسع وعشرين، أو الاثنين فإحدى وعشرين، أو الثلاثاء فسبع وعشرين، أو الأربعاء فتسع عشرة، أو الخميس فخمس وعشرين، أو الجمعة فسبع عشرة، أو السبت فثلاث وعشرين. ومنها ما قاله بعضهم:\rيا حب الاثنين والجمعة مواعيدك ... واحد والأربعاء طي لتبعيدك\r\rبكالى السبت هيي يا خميس عيدك ... كابد ثلاثا ليالي القدر مع سيدك\r\rفإذا كان أول الشهر الاثنين أو الجمعة تكون ليلة إحدى وعشرين ورمزه يا حب بالجمل، أو الأحد أو الأربعاء فتسع وعشرين ورمزه طي، أو السبت فثلاث وعشرين رمز بكالى، أو الخميس فخمس وعشرين ورمزه هيي، أو الثلاثاء فسبع وعشرين ورمزه كابد، والمشهور في ألسنة علماء الحديث أن الغالب كونها في العشر الأواخر، وأنها في الأوتار، قال سيدي أحمد زروق وغيره: لا تفارق ليلة جمعة من أوتار آخر الشهر، ونحوه عن ابن العربي. قوله: (ليس فيها ليلة قدر) جواب عما يقال: إن الألف شهر لا بد فيها من ليلة قدر، فيلزم عليه تفضيل الشيء على نفسه وغيره. قوله: (فالعالم الصالح فيها) أي من صلاة","part":4,"page":402},{"id":1995,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 403\rالأصل وَالرُّوحُ أي جبريل فِيها في الليلة بِإِذْنِ رَبِّهِمْ بأمره مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) قضاء اللّه\r______________________________\rودعاء وتسبيح وغير ذلك.\rقوله: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ أصله تتنزل بتاءين، حذفت إحداهما تخفيفا كما قال المفسر، على حد قول ابن مالك:\rوما بتاءين ابتدئ قد يقتصر ... فيه على تاء كتبين العبر\r\rوالتاء في ملائكة لتأنيث الجمع، وإذا حذفت امتنع صرفه لصيغة منتهى الجموع، وبه يلغز فيقال؛ كلمة إذا حذفت من آخرها حرف امتنع صرفها، جمع ملك وأصله ملأك ووزنه فعال، فالهمزة زائدة، ومادته تدل على الملك والقوة والسلطنة، وقيل: وزنه مفعل فالميم زائدة، وقيل: هو مقلوب وأصله مالك من الألوكة وهي الرسالة، قلب قلبا مكانيا فصار ملأك، وفي وزنه القولان المتقدمان، وعلى كل فيقال:\rسقطت الهمزة فصار ملك، والملائكة أجسام نورانية، لا يوصفون بذكورة ولا بأنوثة، لهم قدرة على التشكلات بالصورة الغير الخسيسة، لا يعصون اللّه ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وعبر ب تَنَزَّلُ إشارة إلى أنهم ينزلون طائفة بعد طائفة، فينزل فوج ويصعد فوج، وروي أنه إذا كان ليلة القدر، تنزل الملائكة وهم سكان سدرة المنتهى، وجبريل عليه السّلام ومعه أربعة ألوية، فينصب لواء على قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ولواء على ظهر بيت المقدس، ولواء على ظهر المسجد الحرام، ولواء على ظهر طور سيناء، ولا يدع بيتا فيه مؤمن أو مؤمنة إلا دخله وسلم عليه ويقول: يا مؤمن أو يا مؤمنة، السّلام يقرئكم السّلام إلا على مدمن خمر، وقاطع رحم، وآكل لحم خنزير. وعن أنس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إذا كان ليلة القدر، نزل جبريل في كبكبة من الملائكة، يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر اللّه تعالى». وروي أن الملائكة في تلك الليلة، أكثر من عدد الحصى.\rقوله: وَالرُّوحُ إما مرفوع بالابتداء والجار بعده خبره، أو بالفاعلية عطفا على الْمَلائِكَةُ قوله: (جبريل) هذا أحد أقوال في تفسير الروح، وعليه فعطف الروح على الملائكة عطف خاص لشرفه، وقيل: الروح نوع مخصوص منهم، وقيل: خلق آخر غير الملائكة، وقيل: أرواح ابني آدم، وقيل: عيسى مع الملائكة، وقيل: ملك عظيم الخلقة تحت العرش، ورجلاه في تخوم الأرض السابعة، وله ألف رأس، كل رأس أعظم من الدنيا، وفي كل رأس ألف وجه، وفي كل وجه ألف فم، وفي كل فم ألف لسان، يسبح اللّه تعالى بكل لسان ألف نوع من التسبيح والتحميد والتمجيد، ولكل لسان لغة لا تشبه لغة الآخر، فإذا فتح أفواهه بالتسبيح، خرت ملائكة السماوات السبع سجدا مخافة أن يحرقهم نور أفواهه، وإنما يسبح اللّه غدوة وعشية، فينزل في ليلة القدر لشرفها وعلو شأنها، فيستغفر للصائمين والصائمات من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بتلك الأفواه كلها إلى طلوع الفجر. قوله: فِيها إما متعلق ب تَنَزَّلُ أو حال من الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ وقوله: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إما متعلق ب تَنَزَّلُ أو بمحذوف حال أيضا، والمعنى تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها حال كونهم متلبسين بِإِذْنِ رَبِّهِمْ لا من تلقاء أنفسهم.\rقوله: مِنْ كُلِّ أَمْرٍ يحتمل أن مِنْ بمعنى باء السببية، وعليه درج المفسر، ويصح أنها للتعليل متعلق ب تَنَزَّلُ أي تنزل من أجل كل أمر. قوله: (قضاه اللّه فيها) أي أراد إظهاره لملائكته، هذه هو","part":4,"page":403},{"id":1996,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 404\rفيها لتلك السنة إلى قابل، ومن سببية بمعنى الباء سَلامٌ هِيَ خبر مقدّم ومبتدأ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5) بفتح اللام وكسرها إلى وقت طلوعه، جعلت سلاما لكثرة السّلام فيها من الملائكة، لا تمر بمؤمن ولا مؤمنة إلا سلمت عليه.\r______________________________\rالمراد بالقضاء فيها، لا القضاء الأزلي، قوله: (لتلك السنة) أي مما هو منسوب لتلك السنة، من أجل أمر الموت والأجل والرزق وغير ذلك. قوله: (إلى قابل) متعلق بمحذوف تقديره من تلك الليلة إلى مثلها من قابل.\rقوله: سَلامٌ هِيَ يصح أن يكون ضمير هي عائدا على الْمَلائِكَةُ وسَلامٌ بمعنى التسليم، والمعنى أن الملائكة يسلمون على المؤمنين، ويصح أن يعود على ليلة القدر سلام أيضا بمعنى التسليم، والمعنى أن الليلة ذات تسليم من الملائكة على المؤمنين أو على بعضهم بعضا، ويصح على هذا الوجه أن يجعل سلام بمعنى سلامة، أي ليلة القدر ذات سلامة من كل شر، قال القرطبي: ليلة القدر سلامة وخير كلها لا شر فيها حتى مطلع الفجر، وقال الضحاك: لا يقدر اللّه في تلك الليلة إلى السلامة، وفي سائر الليالي يقضي بالبلايا والسلامة، وقيل: هي ذات سلام من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن أو مؤمنة. قوله:\r(خبر مقدم) أي فيفيد الحصر أي ما هي إلا سلام، وجعلت عين السّلام مبالغة على حد: زيد عدل، وما ذكره المفسر وهو المشهور، وجوز الأخفش رفع سلام بالابتداء، وهي بالفاعلية به، لأنه لا يشترط عنده اعتماد الوصف على نفي أو استفهام.\rقوله: حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ متعلق ب تَنَزَّلُ وهو ظاهر أو بسلام، وفيه أنه يلزم عليه الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي وهو المبتدأ على إعراب المفسر، إلا أن يتوسع في الجار، وأما على إعراب الأخفش فلا إشكال. قوله: (بفتح اللام وكسرها) أي وهما سبعيتان، وهل هما مصدران، أو المفتوح مصدر، والمكسور اسم مكان؟ خلاف.\rفائدة: ذكر العلماء لليلة القدر علامات منها: قلة نبح الكلاب، ونهيق الحمير، وعذوبة الماء الملح، ورؤية كل مخلوق ساجدا للّه تعالى، وسماع كل شيء يذكر اللّه بلسان المقال، وكونها ليلة بلجة مضيئة مشرقة بالأنوار، وطلوع الشمس يومها صافية نقية، ليست بين قرني الشيطان كيوم غيرها؛ وأحسن ما يدعى به في تلك الليلة العفو والعافية كما ورد، وينبغي لمن شق عليه طول القيام، أن يتخير ما ورد في قراءته كثرة الثواب، كآية الكرسي فقد ورد أنها أفضل آية في القرآن، وكأواخر البقرة لما ورد من قام بهما في ليلة كتفاه، وكسورة إذا زلزلت لما ورد أنها تعدل نصف القرآن، وكسورة الكافرون لما ورد أنها تعدل ربع القرآن، والإخلاص تعدل ثلثه، ويس لما ورد أنها قلب القرآن وأنها لما قرئت له، ويكثر من الاستغفار والتسبيح والتحميد والتهليل وأنواع الذكر، والصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، ويدعو بما أحب لنفسه ولأحبابه أحياء وأمواتا ويتصدق بما تيسر له، ويحفظ جوارحه عن المعاصي، ويكفي في قيامها صلاة العشاء والصبح في جماعة، وورد «من صلى المغرب والعشاء في جماعة فقد أخذ بحظ وافر من ليلة القدر» وورد «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام شطر الليل، فإذا صلى الصبح في جماعة فكأنما قام شطره الآخر» وقد ورد «من قال لا إله إلا اللّه الحليم الكريم، سبحان اللّه رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ثلاث مرات، كان كمن أدرك ليلة القدر» فينبغي الإتيان بذلك كل ليلة.","part":4,"page":404},{"id":1997,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 405\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة البيّنة مدنيّة وآياتها ثمان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ للبيان أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة البينة\rمكية أو مدنية وهي تسع آيات وتسمى سورة لم يكن، وسورة المنفكين، وسورة القيامة، وسورة البرية. قوله: (مكية) هو قول ابن عباس، وقوله: (أو مدنية) هو قول الجمهور، ومناسبتها لما قبلها، أنه لما ثبت إنزال القرآن، أخبر تعالى أن الكفار لم يكونوا منفكين عما هم عليه، حتى يأتيهم الرسول يتلو عليهم الصحف المطهرة التي ثبت إنزالها عليه، وفيه تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم، كأن اللّه يقول له: لا تحزن على تفرقهم وكفرهم، بل تسل بما أوحي إليك.\rروى أنس بن مالك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لأبي بن كعب: إن اللّه أمرني أقرأ عليك لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا فقال أبي: وسماني لك؟ قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: نعم، فبكى أبي، فقرأها صلّى اللّه عليه وسلّم. واستفيد من الحديث آداب منها:\rقراءة الأعلى على من دونه للتواضع، ولا يأنف الكبير من قراءته على الصغير. ومنها تخصيص سريع الحفظ والإتقان بالعلم، وفي ذلك فضيلة عظيمة لأبيّ، حيث جعل موضع سر رسول اللّه ونظره، إشعارا بأنه ثقة يصلح للتعليم والتعلم، وأمر رسول اللّه من اللّه بأن يقرأ عليه.\rقوله: مِنْ (للبيان) أي فالذين كفروا هم أهل الكتاب والمشركون، إن قلت: إن أهل الكتاب لم يكونوا جميعا كفارا قبل النبي، بل بعضهم كان متمسكا بنبيهم وكتابهم، والبعض كفار كمن غير وبدل، ومقتضى المفسر أن جميعهم كفار وليس كذلك، فالأحسن جعل مِنْ للتبعيض، والواو في وَالْمُشْرِكِينَ للمعية، والْمُشْرِكِينَ مفعول معه، والعامل فيه يَكُنِ. قوله: مُنْفَكِّينَ اسم فاعل من انفك الذي يعمل عمل كان، واسمها ضمير مستكن فيها والخبر محذوف قدره المفسر بقوله:\r(عما هم عليه) ويصح أن تكون تامة، فلا تحتاج لتقدير خبر. قوله: (خبر يكن) أي واسمها الموصول فهي ناقصة، وقوله: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ حال من فاعل كَفَرُوا والمعنى: أن أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، والمشركين وهم عبدة الأوثان من العرب، كانوا يقولون قبل بعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: لا ننفك عما نحن فيه من ديننا، حتى يبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الذي هو في التوراة والإنجيل، فلما بعث تفرقوا، فمنهم من","part":4,"page":405},{"id":1998,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 406\rأي عبدة الأصنام عطف على أهل مُنْفَكِّينَ خبر يكن، أي زائلين عما هم عليه حَتَّى تَأْتِيَهُمُ أي أتتهم الْبَيِّنَةُ (1) أي الحجة الواضحة وهي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بدل من البينة وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (2) من الباطل فِيها كُتُبٌ أحكام مكتوبة قَيِّمَةٌ (3) مستقيمة أي يتلو مضمون ذلك وهو القرآن، فمنهم من آمن به، ومنهم من كفر وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ في الإيمان به صلّى اللّه عليه وسلّم إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) أي هو صلّى اللّه عليه وسلّم أو القرآن الجائي به معجزة له، وقبل مجيئه صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا مجتمعين على الإيمان به إذا جاء فحسده من كفر به منهم وَما\r______________________________\rآمن، ومنهم من كفر، فحكى اللّه تعالى ما كانوا يقولون أولا، وما فعلوه آخرا. قوله: (أي زائلين) الخ، أشار بذلك إلى أن الانفكاك بمعنى الزوال، والمعنى: أنهم متعلقون بدينهم، لا يتركونه إلا عند مجيء محمد صلّى اللّه عليه وسلّم.\rقوله: حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ غاية لعدم انفكاكهم عما هم عليه، والحاصل أن في الآية تفسيرين الأول: حمل ما كانوا عليه قبل مجيء النبي على شرعهم في حق أهل الكتاب، وعلى عبادة الأصنام في حق المشركين، فالمعنى: لم يكن الفريقان منفكين عما كانوا عليه، لم يفارقوه إلا وقت مجيء محمد، فلما ظهر محمد تفرقوا، فمنهم من آمن به، ومنهم من بقي على ما كان عليه، وهذا المعنى ليس فيه مدح ولا ذم لهم.\rالثاني: أن المراد بما كانوا عليه، هو إيمانهم بمحمد إذا ظهر، المعنى: لم يكونوا منفكين عن العزم على الإيمان بمحمد إذا ظهر، أي لم يفارقوه ولم يتركوه إلا بعد مجيئه صلّى اللّه عليه وسلّم، وفي هذا المعنى توبيخ لهم، إذ كيف يؤمنون في الغيب قبل مجيئه، ويكفرون به لما جاء، ورأوا أنواره ومعجزاته؟ إذ علمت ذلك، تعلم أن كلام المفسر أولا محتمل للمعنيين، وآخرا معرج على المعنى الثاني.\rقوله: (بدل من البينة) أي بدل اشتمال، ومِنَ اللَّهِ متعلق بمحذوف صفة لرسول أو حال من صُحُفاً لكونه نعت نكرة قدم عليها. قوله: (و هو النبي محمد) وقيل جبريل قوله: مُطَهَّرَةً أي مطهرا ما فيها وهو القرآن. قوله: (من الباطل) أي فتطهير الصحف كناية عن كونها لا يأتيها الباطل أصلا.\rقوله: فِيها كُتُبٌ أي مكتوبات في قراطيس، فالقرآن يجمع ثمرة كتب اللّه تعالى المقدمة عليه، والرسول وإن كان أميا، لكنه لما تلا مثل ما في الصحف كان كالتالي لها، فصحت نسبة تلاوة الصحف إليه، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب. قوله: (أي يتلو مضمون ذلك) أي مضمون المكتوب في الصحف وهو القرآن لا نفس المكتوب، لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يتلو القرآن عن ظهر قلب، ولم يكن يقرؤه من كتاب، فتحصل أن المراد بالصحف والقراطيس التي يكتب فيها القرآن، والمراد بالكتب الأحكام المكتوبة فيها التي هي مدلول القرآن المكتوب لفظه ونقشه. قوله: (فمنهم من آمن) مفرع على محذوف، والتقدير: فلما أتتهم البينة فمنهم الخ.\rقوله: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ الخ، تصريح بما أفادته الغاية قبله، وأفرد أهل الكتاب بالذكر، بعد الجمع بينهم وبين المشركين، إشارة لبشاعة حالهم، لأنهم أشد جرما ويعلم غيرهم بالطريق الأولى، وذلك لأنهم لما تفرقوا مع علمهم، كانوا أسوأ حالا من الذين تفرقوا مع الجهل.","part":4,"page":406},{"id":1999,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 407\rأُمِرُوا في كتابيهم التوراة والإنجيل إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ أي أن يعبدوه، فحذفت أن وزيدت اللام مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ من الشرك حُنَفاءَ مستقيمين على دين إبراهيم ودين محمد إذا جاء فكيف كفروا به وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الملة الْقَيِّمَةِ (5) المستقيمة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها حال مقدرة، أى مقدر خلودهم فيها من اللّه تعالى أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) الخليقة جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ إقامة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ\r______________________________\rقوله: وَما أُمِرُوا الخ، الجملة حالية مفيدة لقبح ما فعلوا، والمعنى: تفرقوا بعد ما جاءتهم البينة، والحال أنهم ما أمروا إلا بعبادة اللّه الخ. قوله: (و زيدت اللام) الأولى أن تجعل بمعنى الباء، والمعنى: وما أمروا إلا بأن يعبدوا الخ. قوله: مُخْلِصِينَ حال من ضمير يعبدوا، والإخلاص هو صفاء القلب من الأغيار، بأن يكون مقصوده بالعمل على وجه اللّه تعالى. قوله: حُنَفاءَ حال ثانية، والحنف في الأصل الميل مطلقا، ثم استعمل في الميل إلى الخير، وأما الميل إلى الشر فيسمى إلحادا، والحنيف المطلق هو الذي يكون متبرئا عن أصول الملل الخمسة: اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين، وعن فروعها من جميع الاعتقادات الباطلة وتوابع ذلك، وهو مقام المتقين، فإذا ترقى العبد منه إلى ترك الشبهات، خوف الوقوع في المحرمات، فهو مقام الورعين، فإذا زاد حتى ترك بعض المباحاة، خوف الوقوع في الشبهات، فهو مقام الأورع والزاهد، فالآية جامعة لذلك كله.\rقوله: وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ عطف على لِيَعْبُدُوا اللَّهَ وخص الصلاة والزكاة لشرفهما. قوله:\rوَذلِكَ اسم الإشارة عائد على المأمور به من العبادة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. قوله: (الملة) الْقَيِّمَةِ قدره إشارة إلى أن دِينُ مضاف لمحذوف، والْقَيِّمَةِ صفة لذلك المحذوف، دفعا لما يقال: إن إضافة دِينُ إلى الْقَيِّمَةِ من اضافة الموصوف إلى صفته، وهي بمنزلة إضافة الشيء إلى نفسه، وفيها خلاف.\rقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا شروع في بيان جزاء كل فريق ومقره. قوله: فِي نارِ جَهَنَّمَ خبر إِنَ والمعنى: أنهم مشتركون في جنس العذاب لا في نوعه، لأن عذاب الكفار مختلف على حسب كفرهم. قوله: (حال مقدرة) أي من الضمير المستكن في الخبر. قوله: (من اللّه تعالى) متعلق ب (خلودهم) والمعنى: نحن ننتظر خلودهم، بسبب اعتقادنا أن اللّه يخلدهم فيها، فالتقدير منا، والخلود المقدر من اللّه تعالى. قوله: شَرُّ الْبَرِيَّةِ أفعل تفضيل، وذلك لأنهم أشر من قطاع الطريق، لأنهم قطعوا طريق الحق على الخلق، وأشر من الجهال، لأن الكفر مع العلم أسوأ منه مع الجهل، والْبَرِيَّةِ بالهمز في الموضعين وتشديد الياء سبعيتان.\rقوله: جَزاؤُهُمْ مبتدأ، وقوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ حال، وقوله: جَنَّاتُ عَدْنٍ خبره، وهذا من مقابلة الجمع بالجمع، فيقتضي القسمة على الآحاد، فيكون لكل واحد جنة، وأدنى جنة الواحد مثل الدنيا، وما فيها عشر مرات، كما أفاده بعض المفسرين. قوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي الأربعة:\rالخمر والماء والعسل واللبن. قوله: خالِدِينَ فِيها عاملة محذوف، أي دخلوها وأعطوها، وقوله:","part":4,"page":407},{"id":2000,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 408\rاللَّهُ عَنْهُمْ بطاعته وَرَضُوا عَنْهُ بثوابه ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8) خاف عقابه فانتهى عن معصيته تعالى.\r______________________________\rأَبَداً ظرف زمان منصوب ب خالِدِينَ ورَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يجوز أن يكون مستأنفا، وأن يكون خبرا ثانيا وعبر هنا في أهل الجنة أبدا، ولم يذكرها في أهل النار، لأن المقام مقام بسط وجمال، فالإطناب فيه من البلاغة. قوله: (بطاعته) أي بسببها وهو مصدر مضاف لمفعوله، أي طاعتهم إياه، أي قبلها منهم وجازاهم عليها. قوله: (بثوابه) أي بسبب إثابته لهم، فهو من إضافة المصدر لفاعله، قال الجنيد: الرضا يكون على قدر قوة العلم والرسوخ في المعرفة، ويصحب العبد في الدنيا والآخرة، وليس كالخوف والرجاء والصبر والإشفاق وسائر الأحوال التي تزول عن العبد في الآخرة، بل العبد يتنعم في الجنة بالرضا، ويسأل اللّه تعالى حتى يقول لهم: برضائي أحلكم داري، أي برضائي عنكم، وقال محمد بن الفضل: الروح والراحة في الرضا واليقين، والرضا باب اللّه الأعظم ومحل استرواح العابدين. قوله: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ اسم الإشارة عائد على المذكور من تفصيل الجزاء الحسن.","part":4,"page":408},{"id":2001,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 409\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الزّلزلة مدنيّة وآياتها ثمان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ حركت لقيام الساعة زِلْزالَها (1) تحريكها الشديد المناسب لعظمها وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (2) كنوزها وموتاها فألقتها على ظهرها وَقالَ الْإِنْسانُ الكافر بالبعث ما لَها (3) إنكارا لتلك الحالة يَوْمَئِذٍ بدل من إذا\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الزلزلة\rمكية أو مدنية وهي تسع آيات أي في قول ابن مسعود وعطاء وجابر، وقوله: (أو مدنية) أي في قول ابن عباس وقتادة.\rقوله:\rإِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ الخ، إِذا ظرف لما يستقبل من الزمان، جوابه تحدث وهو عامل النصب في إِذا ولذا يقولون: خافض لشرطه منصوب بجوابه، وهذا هو التحقيق عند الجمهور قوله: (حركت لقيام الساعة) هذا أحد قولين، وهو أن الزلزلة المذكورة تكون عند النفخة الأولى، ويشهد له قوله تعالى:\rإِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ الآية، وعليه جمهور المفسرين.\rوالثاني: أنها عند النفخة الثانية، ويؤيده قوله بعد تُحَدِّثُ أَخْبارَها فإن شهادتها بما وقع عليها، إنما هو بعد النفخة الثانية، وكذلك انصراف الناس من القبور،\rوأما قوله: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها فمحتمل. قوله: زِلْزالَها مصدر مضاف لفاعله، وهو بالكسر في قراءة العامة، وقرئ شذوذا بالفتح، وهما مصدران بمعنى واحد، وقيل: المكسور مصدر، والمفتوح اسم. قوله: (تحريكها الشديد) الخ، أي فلا تسكن حتى تلقي ما على ظهرها، من جبل وشجر وبناء.\rقوله: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ إظهار في مقام الإضمار لزيادة التقرير. قوله: أَثْقالَها جمع ثقل بالكسر كحمل وأحمال. قوله: (كنوزها وموتاها) المناسب أن يعبر بأو لأنهما قولان، قيل: المراد إخراج الأموات، وقيل: المراد إخراج الكنوز، والأول بعد النفخة الثانية في زمن عيسى وما بعده، وهما مفرعان على القولين المقدمين فأعطى اللّه الأرض قوة على إخراج الأثقال، كما أعطاها القوة على إخراج النبات اللطيف الطري الذي هو أنعم من الحرير. قوله: (الكافر بالبعث) أي بخلاف المؤمن، فإنه يعترف بها","part":4,"page":409},{"id":2002,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 410\rوجوابها تُحَدِّثُ أَخْبارَها (4) تخبر بما عمل عليها من خير وشر بِأَنَ بسبب أن رَبَّكَ أَوْحى لَها (5) أي أمرها بذلك، في الحديث: «تشهد على كل عبد أو أمة بكل ما عمل على ظهرها».\rيَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ ينصرفون من موقف الحساب أَشْتاتاً متفرقين، فآخذ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذا الشمال إلى النار لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (6) أي جزاءها من الجنة أو النار فَمَنْ يَعْمَلْ\r______________________________\rويقول: هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ. قوله: (إنكارا لتلك الحالة) المناسب أن يقول تعجبا من تلك الحالة، لأنه وقت وقوع ذلك لا يسعه إنكار، بل يتعجب من تلك الحالة الفظيعة. قوله: (بدل من إذا) أي والعامل فيه هو العامل في المبدل منه، وقيل غيره، والتنوين عوض عن الجمل الثلاث المذكورة بعد إِذا.\rقوله: تُحَدِّثُ أَخْبارَها اختلف في هذا التحديث، فقيل: هو كلام حقيقي، بأن يخلق اللّه فيها حياة وإدراكا، فتشهد بما عمل عليها من طاعة ومعصية وهو الظاهر، وقيل: هو مجاز عن إحداث اللّه فيها من الأحوال، ما يقوم مقام التحديث باللسان، وحدث يتعدى إلى مفعولين: الأول محذوف تقديره الناس، والثاني قوله: أَخْبارَها.\rقوله: أَوْحى لَها عداه باللام لمراعاة الفواصل، والوحي إليها إما بإلهام أو رسول من الملائكة. قوله: (بذلك) أي بالتحديث بأخبارها قوله: (في الحديث) الخ، أشار بذلك إلى حديث جرير قال: «قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها فقال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل علي كذا وكذا» رواه أحمد والترمذي، وصححه الحاكم وغيره.\rقوله: يَوْمَئِذٍ بدل من يَوْمَئِذٍ قبله، ومنصوب ب يَصْدُرُ. قوله: (من موقف الحساب) أي وقيل: يرجعون من قبورهم إلى ربهم. قوله: أَشْتاتاً حال من النَّاسُ جمع شتيت، وقوله:\r(متفرقين) أي على حسب وصفهم بالإيمان وضده، وتفاوتهم في الأعمال، فأهل الإيمان على حدة، وأهل الكفر على حدة، فآخذ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار قوله: لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ متعلق ب يَصْدُرُ وهو من الرؤية البصرية، يتعدى بالهمز إلى اثنين، أولهما: الواو التي هي نائب الفاعل، وثانيهما: أعمالهم.\rقوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ الخ، تفصيل للواو في قوله: لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ قال مقاتل: نزلت في رجلين: أحدهما كان يأتيه السائل، فيستقل أن يعطيه التمرة والكسوة والجوزة، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير، كالكذبة والغيبة والنظرة ويقول: إنما وعد اللّه تعالى النار على الكبائر، فنزلت هذه الآية لترغيبهم في القليل من الخير يعطونه، ولهذا قال عليه الصلاة والسّلام: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة»، ولتحذرهم اليسير من الذنب. ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم لعائشة: «إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من اللّه طالبا». وقال ابن مسعود: هذه الآية أحكم آية في القرآن وأصدق، وقال كعب الأحبار: لقد أنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم آيتان أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً","part":4,"page":410},{"id":2003,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 411\rمِثْقالَ ذَرَّةٍ زنة نملة صغيرة خَيْراً يَرَهُ (7) ير ثوابه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) ير جزاءه.\r______________________________\rيَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ إن قلت: كيف عم، مع أن حسنات الكافر محبطة بالكفر، وسيئات المؤمن الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر؟ أجيب: بأن المعنى يرى كل من المؤمن والكافر حسناته وسيئاته مكتوبة في الصحف، ولا يلزم من رؤيتها جزاؤه عليها، لما ورد عن ابن عباس: ليس من مؤمن وكافر عمل خيرا كان أو شرا، إلا أراه اللّه إياه، فأما المؤمن فيغفر له سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فترد حسناته تحسرا ويعذب بسيئاته، وهذا يساعده النظم الكريم. قوله: (زنة نملة صغيرة) أي وكل مائة منها وزن حبة شعير، وأربع ذرات وزن خردلة. وقال ابن عباس: إذا وضعت يدك على الأرض ورفعتها، فكل واحدة مما لزق من التراب ذرة، وفسر الذرة بعضهم بالهباءة التي ترى طائرة في الشعاع الداخل من الكوة، وقيل: الذرة جزء من ألف وأربعين جزءا من الشعيرة.\rقوله: خَيْراً تمييز من مِثْقالَ وكذا شَرًّا ويصح أنهما بدلان من مِثْقالَ ويَرَهُ في الموضعين جواب الشرط مجزوم بحذف الألف وهي قراءة العامة، وقرئ شذوذا بإثباتها ويكون مجزوما بحذف الحركة المقدرة على حد قول الشاعر:\rإذا العجوز غضبت فطلقى ... ولا ترضاها ولا تملقى\r\rوفي الهاء قراءتان سبعيتان، إحداهما سكونها وقفا ووصلا في الحرفين، والثانية بضمها وصلا، وسكونها وقفا.\rفائدة: ورد أن «من قرأ إِذا زُلْزِلَتِ أربع مرات، كان كمن قرأ القرآن كله». وورد عن ابن عباس عنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: إِذا زُلْزِلَتِ تعدل نصف القرآن، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تعدل ثلث القرآن، وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ تعدل ربع القرآن».","part":4,"page":411},{"id":2004,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 412\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة العاديات مكيّة وآياتها إحدى عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْعادِياتِ الخيل تعدو في الغزو وتضبح ضَبْحاً (1) هو صوت أجوافها إذا عدت فَالْمُورِياتِ الخيل توري النار قَدْحاً (2) بحوافرها إذا سارت في الأرض ذات الحجارة بالليل فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (3) الخيل تغير على العدوّ وقت الصبح بإغارة\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة والعاديات\rمكية أو مدنية وهي إحدى عشرة آية وتسمى سورة العاديات بغير واو. قوله: (مكية) أي في قول ابن مسعود وغيره، وقوله: (أو مدنية) أي في قول ابن عباس وغيره، ويؤيده ما روي أنه عليه السّلام بعث خيلا، فمضى شهر لم يأته منهم خبر، فنزلت إعلاما له بما حصل منهم.\rقوله: وَالْعادِياتِ الخ، أقسم سبحانه وتعالى بأقسام ثلاثة، على أمور ثلاثة، تعظيما للمقسم به، وتشنيعا على المقسم عليه، والْعادِياتِ جمع عادية، وهي الجارية بسرعة من العدو، وهو المشي بسرعة. قوله: (الخيل تعدو في الغزو) أي تسرع في الكر على العدو، وهو كناية عن مدح الغزاة وتعظيمهم. قوله: (و تضبح) أشار بذلك إلى أن ضَبْحاً منصوب بفعل محذوف، وهذا الفعل حال من الْعادِياتِ. قوله: (هو صوت أجوافها) أي صوت يسمع من صدور الخيل عند العدو، وليس بصهيل، ولا همهمة. وقال ابن عباس: ليس شيء من الدواب يضبح غير الفرس والكلب والثعلب، وإنما تضبح هذه الحيوانات إذا تغير حالها من تعب أو فزع.\rقوله: فَالْمُورِياتِ عطفه وما بعده بالفاء، لأنه مرتب على العدو. قوله: (توري النار) أي تخرجها من الحجارة إذا ضربتها بحوافرها، يقال: ورى الزند يري وريا من باب وعد فهو لازم، وأوريت رباعيا لازما ومتعديا، وما في الآية من قبيل المتعدي بدليل تفسير المفسر. قوله: قَدْحاً مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره تقدح ولم يذكره المفسر اتكالا على ما قاله في ضَبْحاً. قوله: فَالْمُغِيراتِ أسند الإغارة وهي مباغتة العدو للنهب أو القتل أو الأسر للخيل، مجازا عقليا لمجاورتها لأصحابها، وحقه أن يسند لهم.\rقوله: (وقت الصبح) أشار بذلك إلى أن صُبْحاً منصوب على الظرفية، و(الصبح) هو","part":4,"page":412},{"id":2005,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 413\rأصحابها فَأَثَرْنَ هيجن بِهِ بمكان عدوهن أو بذلك الوقت نَقْعاً (4) غبارا لشدة حركتهن فَوَسَطْنَ بِهِ بالنقع جَمْعاً (5) من العدوّ أي صرن وسطه، وعطف الفعل على الاسم لأنه في تأويل الفعل أي واللاتي عدون فأورين فأغرن إِنَّ الْإِنْسانَ الكافر لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) لكفور يجحد نعمته تعالى وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ أي كنوده لَشَهِيدٌ (7) يشهد على نفسه بصنعه وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ أي المال لَشَدِيدٌ (8) أي لشديد الحب له فيبخل به أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ أثير وأخرج ما\r______________________________\rالوقت المعتاد في الغارات، يسيرون ليلا لئلا يشعر بهم العدو، ويهجمون عليهم صباحا، ليروا ما يأتون وما يذرون. قوله: (بمكان عدوهن) الخ، أعاد الضمير على المكان وإن لم يتقدم له ذكر، لأن العدو لا بد له من مكان،\rوقوله: (أو بذلك الوقت) أي وقت الصبح، فهما تفسيران؛ وعلى كل فالباء من بِهِ بمعنى في.\rقوله: فَوَسَطْنَ أتى بالفاء في هذا واللذين قبله، لترتب كل على ما قبله، فإن توسط الجمع مترتب على الإثارة المتقدمة على الإغارة المترتبة على العدو. قوله: (بالنقع) أشار بذلك إلى أن ضمير بِهِ عائد على النقع والباء للملابسة، والمعنى: صرن وسط الجمع مع الأعداء ملتبسات بالنقع قوله: (أي صرن وسطه) أي الجمع، ووسط بسكون السين إن صح حلول بين محله كما هنا، وإلا فهو بالتحريك، ويجوز على قلة إسكانها يقال: جلست وسط القوم بالسكون، ووسط الدار بالتحريك. قوله: (على الاسم) أي على كل من الأسماء الثلاثة بدليل قوله: (و اللاتي عدون) الخ، وقوله: (لأنه) أي الاسم، وقوله: (في تأويل الفعل) أي لوقوعه صلة لأل، وإلى ذلك أشار ابن مالك بقوله:\rواعطف على اسم شبه فعل فعلا ... وعكسا استعمل تجده سهلا\r\rقوله: إِنَّ الْإِنْسانَ هذا هو جواب القسم. قوله: (الكافر) هذا أحد وجهين، والآخر أن المراد به الجنس، والمعنى: أن الإنسان مجبول على ذلك، إلا من عصمه اللّه من تلك الخصال قوله: (لكفور) أي فيقال كند النعمة أي كفرها، وبابه دخل، وفي الحديث «الكنود الذي يأكل وحده، ويمنع رفده- أي عطاءه- ويضرب عبده» وقال ذو النون المصري: الهلوع والكنود هو الذي إذا مسه الشر جزوع، وإذا مسه الخير منوع، وقيل: هو الجهول لقدره، وفي الحكم: من جهل قدره هتك ستره، وقيل: هو الحقود الحسود.\rقوله: وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ الضمير عائد على الإنسان، واسم الإشارة عائد على الكنود، والمعنى: أن الإنسان على كنوده لشهيد، والمراد شهادته في الدنيا، فإن حاله وعمله يدلان على كنوده وكفره، وهذا ما مشى عليه المفسر، وهذا أحد احتمالين، والآخر أن الضمير في إِنَّهُ له عائد على اللّه تعالى، والمعنى:\rوإن اللّه تعالى لشهيد على كنود الإنسان، فيكون زيادة في الوعيد. قوله: (بصنعه) أي بما صنعه وعمله، فالباء سببية.\rقوله: لِحُبِّ الْخَيْرِ متعلق بشديد، قدم كالذي قبله رعاية للفواصل، واللام للتقوية، وحبه للمال يحمله على البخل، وقيل: للتعليل ومعنى شديد بخيل.\rقوله: أَفَلا يَعْلَمُ الهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة عليه، والتقدير: أيفعل ما يفعل من","part":4,"page":413},{"id":2006,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 414\rفِي الْقُبُورِ (9) من الموتى أي بعثوا وَحُصِّلَ بيّن وأفرز ما فِي الصُّدُورِ (10) القلوب من الكفر والإيمان إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11) لعالم، فيجازيهم على كفرهم، أعيد الضمير جمعا نظرا لمعنى الإنسان، وهذه الجملة دلت على مفعول يعلم، أي أنا نجازيه وقت ما ذكر وتعلق خبير بيومئذ وهو تعالى خبير دائما لأنه يوم المجازاة.\r______________________________\rالقبائح فلا يعلم الخ، والهمزة للإنكار وعلم بمعنى عرف، فتتعدى لمفعول واحد وهو محذوف تقديره أنا نجازيه،\rدل عليه قوله: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ وقوله: إِذا بُعْثِرَ ظرف للمفعول المحذوف، ولا يصح أن يكون ظرفا للعلم، لأن الإنسان لا يقصد منه العلم في ذلك الوقت، وإنما يراد للعلم وهو في الدنيا، ولا لبعثر لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولا لقوله خبير لأن ما بعد أن لا يعمل فيها قبلها، فتعين أن يكون ظرفا للمفعول المحذوف تأمل.\rقوله: إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ البعثرة بالعين والبحثرة بالحاء، استخراج الشيء واستكشافه، وعبر بما تغليبا لغير العاقل. قوله: (نظرا لمعنى الإنسان) أي لأنه اسم جنس. قوله: (دلت على مفعول يعلم) أي المحذوف الذي هو عامل في إِذا والتنوين في يَوْمَئِذٍ عوض عن جملتين، والتقدير: يوم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور وهو يوم القيامة. قوله: (وقت ما ذكر) أي من البعثرة وتحصيل ما في الصدور، وأشار بذلك إلى أن إِذا ظرفية بمعنى وقت، لا شرطية فلا جواب لها. قوله: (و تعلق خبير بيومئذ) الخ، جواب عما يقال: كيف قال ذلك، مع أنه تعالى خبير بهم في كل زمن؟ فأجاب: بأنه أطلق العلم وأراد المجازاة، فمعنى قوله: لَخَبِيرٌ أنه يجازيهم، ولا شك أن الجزاء مقيد بذلك اليوم، نظير قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ أي يجازيهم.","part":4,"page":414},{"id":2007,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 415\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة القارعة مكيّة وآياتها إحدى عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْقارِعَةُ (1) أي القيامة التي تقرع القلوب بأهوالها مَا الْقارِعَةُ (2) تهويل لشأنها وهما مبتدأ وخبر خبر القارعة وَما أَدْراكَ أعلمك مَا الْقارِعَةُ (3) زيادة تهويل لها، وما الأولى مبتدأ، وما بعدها خبره، وما الثانية وخبرها في محل المفعول الثاني لأدرى يَوْمَ ناصبه دلّ عليه القارعة أي تقرع ويَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (4) كغوغاء الجراد\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة القارعة\rمكية وهي ثمان آيات مناسبتها لما قبلها، أنه تعالى لما ذكر بعثرة القبور، وختم السورة المتقدمة بقوله: (إن ربهم يومئذ لخبير) أتبعه بأحوال القيامة كأنه قيل: وما ذلك اليوم؟ فقيل: هو القارعة: قوله: (ثمان آيات) هذا أحد أقوال، وقيل عشر، وقيل إحدى عشرة آية.\rقوله: الْقارِعَةُ هي في الأصل الصوت الشديد، سميت القيامة بذلك، لأنها تقرع القلوب بالفزع والشدائد، وعليه درج المفسر، وقيل: لأن إسرافيل يقرع الصور بالنفخ، فإذا نفخ النفخة الأولى مات جميع الخلائق، وبالثانية يحيون. قوله: (تقرع القلوب) أي تفزعها ولا مفهوم للقلوب، بل تؤثر في الإجرام العظيمة، فتؤثر في السماوات بالانشقاق، وفي الأرض بالتبديل، وفي الجبال بالدك والنسف، وفي الكواكب بالانتثار، وفي الشمس والقمر بالتكوير، وغير ذلك. قوله:\r(تهويل لشأنها) أي وتأكيد لفظاعتها بكونها خارجة عن دائرة علم الخلائق،\rوفي كلام المفسر إشارة إلى أن مَا استفهامية، فيها معنى التعظيم والتعجب. قوله: (و هما مبتدأ وخبر) المبتدأ هو مَا الاستفهامية، والخبر الْقارِعَةُ وقوله: الْقارِعَةُ أي الأولى الواقعة مبتدأ، والرابط إعادة المبتدأ بلفظه. قوله:\r(زيادة تهويل لها) أشار بذلك إلى أن الاستفهام الثاني وهو قوله: مَا الْقارِعَةُ للتهويل والتعظيم،\rوأما الأول وهو ما أَدْراكَ فهو إنكاري والمعنى: أنت لا تعلم هول القارعة لشدته وفظاعته إلا بوحي منا، فالمنفي علمه من غير وحي. قوله: (في محل المفعول الثاني لأدرى) أي والكاف مفعول أول. قوله: (دل عليه القارعة) أي ولا يصح أن يكون العامل فيه لفظ الْقارِعَةُ الأول للفصل بينهما بالخبر، ولا الثاني","part":4,"page":415},{"id":2008,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 416\rالمنتشر يموج بعضهم في بعض للحيرة إلى أن يدعوا للحساب وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) كالصوف المندوف في خفة سيرها حتى تستوي مع الأرض فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (6) بأن رجحت حسناته على سيئاته فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (7) في الجنة، أي ذات رضا بأن يرضاها، أي مرضية له وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (8) بأن رجحت سيئاته على حسناته فَأُمُّهُ فمسكنه هاوِيَةٌ (9) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (10) أي ما هاوية نارٌ حامِيَةٌ (11) شديدة\r______________________________\rولا الثالث لعدم التئامه معه في المعنى، فتبين أن يكون عامله محذوفا دل عليه لفظ الْقارِعَةُ.\rقوله: كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ أي ووجه الشبه الكثرة والانتشار، والضعف والذلة، والاضطراب والتطاير إلى النار، والطيش الذي يلحقهم، وركوب بعضهم بعضا، ففي هذا التشبيه مبالغات شتى.\rقوله: (كغوغاء الجراد) الغوغاء الجراد الصغير بعد أن يثبت جناحه الذي ينتشر في الأرض ولا يدري أين يتوجه، وقيل: هو شيء يشبه البعوض ولا يعض لضعفه، ووجه الجمع بين ما هنا، وبين آية (كأنهم جراد منتشر) أو أول حالهم كالفراش، يقومون من قبورهم متحرين لا يدرون أين يتوجهون، ثم لما يدعون للحساب يكونون كالجراد، لأن لها وجها تقصده.\rقوله: (كالصوف المندوف) أي بعد أن تتفتت كالرمل السائل، ثم بعد كونها كَالْعِهْنِ تصير هباء منبثا، فمراتب الجبال ثلاثة: تفتتها ثم صيرورتها كَالْعِهْنِ ثم صيرورتها هباء منبثا، وقوله: (المندوف) أي المضروب بالمندفة، وهي الخشبة التي يطرق بها الوتر ليرق، وإنما جمع بين حال النَّاسُ وحال الْجِبالُ تنبيها على أن تلك الْقارِعَةُ أثرت في الْجِبالُ العظيمة الصلبة حتى تصير كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ مع كونها مكلفة، فكيف حال الإنسان الضعيف الذي هو مقصود بالتكليف والحساب.\rقوله: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ تفصيل لأحوال الناس في ذلك اليوم، والمراد بالموازين الموزونات، أي الأعمال التي توزن. قوله: (بأن رجحت حسناته) الخ، أي وأولى إذا عدمت سيئاته، ولو يوجد له إلا حسنات.\rقوله: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ أي حياة طيبة، وقوله: (في الجنة) تفسير باللازم.\rقوله: (أي ذات رضا) أشار بذلك إلى أن المراد عِيشَةٍ منسوبة للرضا كلابن وتامر، ولذا فسرها بقوله:\r(أي مرضية) وفي نسخة أو مرضية، فهو إشارة إلى أن الإسناد مجازي، أي راض صاحبها بها، فهو مجاز عقلي، أو أطلق اسم الفاعل وأراد اسم المفعول، فهو مجاز مرسل، والمعنى: أن من رجحت حسناته على سيئاته، فهو في حياة طيبة في الجنة، ورضا من اللّه تعالى عليه، وهو مع ذلك راض بما أعطاه له ربه، فرضي اللّه عنهم ورضوا عنه. قوله: (بأن رجحت سيئاته على حسناته) أي وأولى إذا عدمت حسناته رأسا، إن قلت: إن ظاهر الآية يقتضي أن المؤمن العاصي، إذا زادت سيئاته على حسناته تكون أمة هاوية. وأجيب: بأن ذلك لا يدل على خلوده فيها، بل إن عامله ربه بالعدل أدخل النار بقدر ذنوبه، ثم يخرج منها إلى الجنة، ف\rقوله: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ يعني ابتداء إن عامله بالعدل، وهذا ما درج عليه المفسر، وقيل: المراد بخفة الموازين خلوها من الحسنات بالكلية، وتلك موازين الكفار، والمراد بثقل الموازين خلوها من السيئات بالكلية، أو وجود سيئات قليلة لا توازي الحسنات، وبقي قسم ثالث وهو: من استوت حسناته وسيئاته، وحكمه أنه يحاسب حسابا يسيرا ويدخل الجنة. والحاصل: أن من وجدت له","part":4,"page":416},{"id":2009,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 417\rالحرارة. وهاء هيه للسكت تثبت وصلا ووقفا، وفي قراء تحذف وصلا.\r______________________________\rحسنات فقط، أو زادت على سيئاته فهو في الجنة بغير حساب، ومن استوت حسناته وسيئاته، فهو يحاسب حسابا يسيرا ويدخل الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته فهو تحت المشيئة، إن شاء اللّه عفا عنه، وإن شاء عذبه بقدر جرمه ثم يدخل الجنة، ومن وجدت له سيئات فقط وهو الكافر، فمأواه النار خالدا فيها، نسأل اللّه السلامة. قوله: (فمسكنه) عبر عن المسكن بالأم، لأن أهله يأوون إليه كما يأوي الولد إلى أمه، فتضمهم إليها كما تضم الأم الأولاد إليها، وقيل: المراد أم رأسه، يعني أنهم يهوون في النار على رءوسهم، وبه قال قتادة.\rقوله: هاوِيَةٌ سميت بذلك لغاية عمقها وبعد مهواها، روي أن أهل النار يهوون فيها سبعين خريفا، فتحصل أن المراد بالهاوية النار بجميع طباقها وتطلق على طبقة أسفل يعذب فيها المنافقون، فمثل لظى والحطمة والهاوية وجهنم وبقية أسمائها تطلق عامة على خاصة، وفي الآية احتباك حذف من الأول، فأمه الجنة، وذكر في عيشة راضية، وحذف من هنا في عيشة ساخطة، وذكر فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ فحذف من كل نظير ما أثبته في الآخر.\rقوله: ما هِيَهْ مبتدأ وخبر، والجملة سدت مسد المفعول الثاني لأدراك، والكاف مفعوله الأول.\rقوله: (هي) نارٌ أشار بذلك إلى أن نارٌ خبر لمحذوف. قوله:\r(و في قراءة) أي وهما سبعيتان، وقوله: (تحذف وصلا) أي وتثبت (وقفا).","part":4,"page":417},{"id":2010,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 418\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة التّكاثر مكيّة وآياتها ثمان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلْهاكُمُ شغلكم عن طاعة اللّه التَّكاثُرُ (1) التفاخر بالأموال والأولاد والرجال حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (2) بأن متم فدفنتم فيها، أو عددتم الموتى تكاثرا كَلَّا\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة التكاثر\rمكية وهي ثمان آيات أي السورة التي ذكر فيها ذم التكاثر، ومناسبتها لما قبلها، أنه لما ذكر أهوال القيامة ذم اللاهين والمشتغلين عنها.\rقوله: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ألهى فعل ماض رباعي، والكاف مفعول مقدم، والتَّكاثُرُ فاعل مؤخر، فالهمزة من بنية الكلمة تثبت ولو في الدرج، والمعنى: شغلكم التباهي بكثرة الأموال عن عبادة ربكم، والتَّكاثُرُ تفاعل كالتجاذب، وهو يكون بين اثنين، لأن أحد الشخصين المتفاخرين يقول لصاحبه: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً وأل في التكاثر للعهد، وهو التكاثر في الدنيا، ولذاتها وعلائقها المشغل عن حقوق اللّه تعالى. قوله: (عن طاعة اللّه) هي شاملة للواجبة والمندوبة. قوله: (و الرجال) أي الانتساب إليهم كالأقرباء والأحباب.\rقوله: حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ حتى غاية للإلهاء المذكور، وهذا هو محط الذم، وإلا فإن تاب من ذلك قبل موته، قيل: وكأنه لم يحصل منه تكاثر. قوله: (بأن متم فدفنتم فيها) أي فيقال: زار قبره إذا مات ودفن، والمعنى: ألهاكم حرصكم على تكثير أموالكم عن طاعة ربكم، حتى أتاكم الموت وأنتم على ذلك، ولا يقال: إن الزيارة تكون ساعة وتنقضي، والميت يمكث في قبره لأنا نقول: إن الموتى يرتحلون من القبور للحساب، فكان مدة مكثه في قبره زيارة له، والمقابر جمع مقبرة بتثليث الباء، وهي المحل الذي تدفن فيه الأموات. قوله: (أو عددتم الموتى) تفسير ثان للزيارة، فعبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة المقابر تهكما بهم، وعليه فزيارة المقابر كناية عن الانتقال من ذكر الإحياء إلى ذكر الأموات تفاخرا، وإنما كان تهكما لأن زيارة القبور شرعت، لتذكر الموت ورفض حب الدنيا، وترك المباهاة والتفاخر، وهؤلاء عكسوا، حيث جعلوا زيارة القبور سببا لمزيد القساوة، والاستغراق في حب الدنيا، والتفاخر في الكثرة. فحاصل","part":4,"page":418},{"id":2011,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 419\rردع سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) سوء عاقبة تفاخركم عند النزع ثم في القبر كَلَّا حقا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) أي علما يقينا عاقبة التفاخر ما اشتغلتم به لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) النار، جواب قسم محذوف، وحذف منه لام الفعل وعينه، وألقى حركتها على الراء ثُمَّ لَتَرَوُنَّها تأكيد عَيْنَ الْيَقِينِ (7) مصدر لأن رأى وعاين بمعنى واحد ثُمَّ لَتُسْئَلُنَ حذفت\r______________________________\rالوجهين راجع إلى أن المراد بالزيارة، إما الانتقال إلى الموت، أو الانتقال من ذكر الأحياء إلى ذكر الأموات، وتعدادهم والتفاخر بهم، ومن ذلك ما يفعله أهل زماننا، ومن زخرفة النعوش والقبور، وما يتبع ذلك مما هو مذموم شرعا وطبعا، وأما ذكر مكارم الأخلاق والطاعات فيجوز، إن لم يكن على وجه التعجب، بل على سبيل التحدث بالنعم أو ليقتدي به. قوله: (ردع) مشى المفسر على أن كلا الأولى والثانية حرف ردع، والثانية بمعنى حقا، ومشى غيره على التسوية بين الثلاثة، فهي إما للردع أو بمعنى حقا، وقيل: إنها في الثلاثة بمعنى ألا الاستفتاحية.\rقوله: (عند النزع ثم في القبر) لفّ ونشر مرتب فقوله: (عند النزع) راجع لقوله: سَوْفَ تَعْلَمُونَ الأول، وقوله: (ثم في القبر) راجع للثاني، وثُمَ على بابها من المهلة، وهذا قول علي بن أبي طالب، والحكمة في حذف متعلق العلم من الأفعال الثلاثة، أن الغرض هو الفعل لا متعلقة، والعلم بمعنى المعرفة، فيتعدى لمفعول واحد أشار له المفسر بقوله: (سوء عاقبة تفاخركم).\rقوله: (أي علما يقينا) أشار بذلك إلى أن إضافة العلم إلى الْيَقِينِ من إضافة الموصوف إلى صفته، والمعنى: لو تعلمون ما بين أيديكم علما يقينا ما شغلكم التكاثر عن طاعة اللّه تعالى. قوله: (عاقبة التفاخر) بيان لمفعول العلم، وقوله: (ما اشتغلتم به) جواب لو. قوله: (جواب قسم محذوف) أي ولا يصح أن يكون جوابا للو، لأنه محقق الوقوع، فلا يصح تعليقه، والرؤية هنا بصرية تتعدى إلى مفعول واحد. قوله: (و حذف منه لام الفعل) أي وهي الياء، وقوله وعينه أي وهو الهمزة، لأن أصله ترءيون بوزن تفعلون، نقلت حركة الهمزة للراء قبلها، فسقطت الهمزة وتحركت الياء، وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فالتقى ساكنان، حذفت الألف لالتقاء الساكنين، ثم دخلت نون التوكيد الثقيلة، فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، وحركت الواو بالضمة لالتقاء الساكنين، ولم تحذف لعدم الدليل الذي يدل عليها. قوله: (تأكيد) هذا أحد قولين، والآخر أن الأول هو رؤية اللهب، والثاني وهو رؤية ذاتها، وما فيها من أنواع العذاب.\rقوله: عَيْنَ الْيَقِينِ صفة لمصدر محذوف، أي لترونها رأية هي عين اليقين، ووصفت هي سبب اليقين، بكونها نفس اليقين مبالغة، والفرق بين علم اليقين وعين اليقين، أن علم اليقين هو إدراك الشيء من غير مشاهدة، وعين اليقين الرؤية التي هي العلم به مع المشاهدة، وأما حق اليقين فهو المشاهدة مع الملاصقة والممازجة، وقد أخبر اللّه هنا بالأولين، وأخبر بالثالث في سورة الواقعة حيث قال: وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الآية.\rقوله: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَ الأظهر أن الخطاب للكفار، لأنهم هم المشتغلون بالدنيا والتفاخر بلذاتها عن طاعة اللّه تعالى، وقيل: هو عام في حق المؤمن والكافر، فعن أنس أنه قال: لما نزلت الآية قام رجل أعرابي محتاج فقال: هل علي من النعم شيء؟ فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «الظل والنعلان والماء البارد»، والأولى أن","part":4,"page":419},{"id":2012,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 420\rمنه نون الرفع لتوالي النونات وواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين يَوْمَئِذٍ يوم رؤيتها عَنِ النَّعِيمِ (8) ما يتلذذ به في الدنيا، من الصحة والفراغ والأمن والمطعم والمشرب وغير ذلك.\r______________________________\rيقال: السؤال يعم المؤمن والكافر، لكن سؤال الكافر توبيخ وتقريع لتركه الشكر، وسؤال المؤمن تشريف وإظهار لفضله، وتبشير بأن يجمع له بين نعم الدنيا والآخرة، وثم على بابها من الترتيب المعنوي، لأنهم يرون النار في الموقف تحدق بهم، ثم يذهبون للحساب فيسألون. قوله: (حذفت منه نون الرفع) أي فأصله تسألونن، حذفت نون الرفع لتوالي النونات، فالتقى ساكنان، حذفت الواو لالتقائهما، وبقيت الضمة دليلا عليها.\rقوله: عَنِ النَّعِيمِ أي عن جميع أفراده وأنواعه، فأل للاستغراق. قوله: (و غير ذلك) أي كظلال المساكن والأشجار والأخبية التي تقي من الحر والبرد، والماء البارد، وكحل العين، ولبس الإنسان ثوب أخيه، وشبع البطن، ولذة النوم، والعافية، ونحو ذلك مما لا يحصى عددا. روى الحاكم والبيهقي:\r«أ لا يستطيع أحدكم أن يقرأ ألف آية في كل يوم؟ قالوا: ومن يستطيع أن يقرأ ألف آية؟ قال: أما يستطيع أحدكم أن يقرأ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ؟».","part":4,"page":420},{"id":2013,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 421\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة العصر مكيّة وآياتها ثلاث بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ (1) الدهر، أو ما بعد الزوال إلى الغروب، أو صلاة العصر إِنَّ الْإِنْسانَ الجنس لَفِي خُسْرٍ (2) في تجارته إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة والعصر\rمكية أو مدنية وهي ثلاث آيات أي في قول ابن عباس والجمهور، وقوله: (أو مدنية) أي في قول قتادة، ونقل عن ابن عباس أيضا. قوله: (ثلاث آيات) هذه السورة والكوثر أقصر سورة القرآن، وهما وإن كانتا من جهة الألفاظ قليلتان، فمعناهما كثير لا يقف عند حد.\rقوله: وَالْعَصْرِ قسم من اللّه تعالى، وجوابه قوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ. قوله: (الدهر) الخ، هذا أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرها المفسر في معنى العصر، ووجه قسمه بالدهر، أنه يحصل فيه السراء والضراء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، ونحو ذلك، ولأن العمر لا يقاوم بشيء، فلو ضيعت ألف سنة فيما لا يعني، ثم ثبتت السعادة في اللمحة الأخيرة، بقيت في الجنة أبد الآباد، فكان أشرف الأشياء في حياتك في تلك اللمحة، ولأن الدهر والزمان من جملة أصول النعم، وقوله: (أو ما بعد الزوال إلى الغروب) أي ووجه القسم به أن فيه العجائب، وأيضا يدرك المقصر فيه ما فاته أول النهار، وقوله: (أو صلاة العصر) أي فأقسم بها لشرفها، ولأنها الصلاة الوسطى في قول، بدليل ما في مصحف عائشة وحفصة: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر. ولما ورد: «من فاتته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله». وقيل: العصر زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأقسم بزمانه كما أقسم بمكانه في قوله: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وبعمره في قوله: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ففيه تنبيه على أن عصره أفضل العصور، وبلده أفضل البلاد، وحياته أفضل من حياة غيره، وقيل الْعَصْرِ زمانه وزمان أمته، لأنه ختام العصور وأفضلها، وفيه ظهور الساعة وعجائبها.\rقوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ مشى المفسر على أن المراد بالإنسان الجنس الشامل للمسلم والكافر، وذلك لأن الإنسان لا ينفك عن خسران، لأن الخسران، هو تضييع العمر، فإن كل ساعة تمر","part":4,"page":421},{"id":2014,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 422\rالصَّالِحاتِ فليسوا في خسران وَتَواصَوْا أوصى بعضهم بعضا بِالْحَقِ أي الإيمان وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (3) على الطاعة وعن المعصية.\r______________________________\rمن عمر الإنسان، إما أن تكون تلك الساعة في طاعة أو معصية، فإن كانت في معصية فهو الخسران البين، وإن كانت في طاعة فلعل غيرها أفضل، وهو قادر عليه، فكان فعل غير الأفضل تضييعا وخسرانا، وأيضا ربح الإنسان في طلب الآخرة وحبها، والأعراض عن الدنيا، فلما كانت الأسباب الداعية إلى الآخرة خفية، والأسباب الداعية إلى حب الدنيا ظاهرة، وكثرة اشتغال الناس بحب الظاهر كانوا في خسار وبوار، قد أهلكوا أنفسهم بتضييع أعمارهم فيما لم يخلقوا له، وقوله: لَفِي خُسْرٍ أي غبن، وقيل هلكة، وقيل عقوبة، وقيل شر، وقيل نقص، والمعنى متقارب، وقيل: المراد بالإنسان الكافر، بدليل استثناء المؤمنين بعد وخسرانه ظاهر.\rقوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا الاستثناء متصل إن أريد بالإنسان الجنس، وأما إن أريد به خصوص الكافر فهو منقطع، لأن المؤمنين لم يدخلوا في عموم الخسران. قوله: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي امتثلوا المأمورات، واجتنبوا المنهيات، واعلم أنه سبحانه وتعالى، حكم بالخسران على جميع الناس، إلا من أتى بهذه الأشياء الأربعة وهي: الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والحكمة في ذلك، أن هذه الأمور اشتملت على ما يخص الإنسان في نفسه، وهو الإيمان والعمل الصالح، وما يخص غيره وهو التواصي بالحق والتواصي بالصبر، فإذا جمع ذلك، فقد قام بحق اللّه وحق عباده. قوله: (أوصى بعضهم بعضا) أشار بذلك إلى أن تَواصَوْا فعل ماض لا فعل أمر. قوله: (أي الإيمان) أي وفروعه من الطاعات، واتباع السلف الصالح، والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، ونحو ذلك.\rقوله: وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ كرر الفعل لاختلاف المفعولين، والصبر وإن كان داخلا في عموم الحق، إلا أنه أفرده بالذكر اعتناء بشأنه، لما فيه من زيادة حبس النفس والرضا بأحكام الربوبية. قوله:\r(على الطاعة وعن المعصية) أي وعلى البلايا والمصائب، وهذا ما ذكره المفسر، وقيل: المعنى أن الإنسان إذا عمر في الدنيا وهرم، لفي نقص وتراجع حسا، ومعنى إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا فإن اللّه يكتب أجورهم ومحاسن أعمالهم، التي كانوا يعملونها في شبابهم وصحتهم، فإنهم وإن ضعفت أجسامهم لا ينقصون معنى؛ وعلى هذا المعنى، فتكون هذه الآية بمعنى قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ.","part":4,"page":422},{"id":2015,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 423\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الهمزة مكيّة وآياتها تسع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ كلمة عذاب، أو واد في جهنم لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) أي كثير الهمز واللمز، أي الغيبة، نزلت فيمن كان يغتاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين، كأمية بن خلف،\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الهمزة\rمكية أو مدنية وهي تسع آيات مناسبتها لما قبلها، أنه لما قال: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ بين في هذه حال الخاسرين ومآلهم. قوله:\r(كلمة عذاب) أي كلمة يطلب بها العذاب ويدعى بها، على هذا فتكون الجملة إنشائية، سوغ الابتداء بها مع كونها نكرة، قصد الدعاء عليهم بالهلكة. إن قلت: كيف يدعو اللّه بذلك، مع أنه هو المنشئ للأفعال كلها؟ أجيب: بأنه طلب من نفسه إلحاق الويل لهم إظهارا لآثار غضبه، كما يفعل الغضبان بمن غضب عليه، وتقدم ذلك.\rقوله: (أو واد في جهنم) أو لتنويع الخلاف، وعلى هذا فالجملة خبرية، ويكون وَيْلٌ حينئذ معرفة لكونه علما.\rقوله: لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الهمز في الأصل الكسر، واللمز الطعن الحسيّان، ثم خصا بالكسر لأعراض الناس والطعن فيهم، والتاء فيهما للمبالغة في الوصف، واطرد بناء فعلة بضم الفاء وفتح العين لمبالغة الفاعل، أي المكثر من الفعل، وإذا سكنت العين يكون لمبالغة المفعول، يقال: رجل لعنة بفتح العين لمن كان يكثر لعن غيره، ولعنة بسكون العين إذا كان ملعونا للناس، والهمز كاللمز وزنا ومعنى، وبابه ضرب. قال ابن عباس: هم المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون العيب للبريء، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «شر عباد اللّه المشاءون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العيب». وعلى هذا القول فاللمزة تأكيد للهمزة، من باب التأكيد بالمرادف، كقولهم: حسن بسن، وعفريت نفريت، وقيل:\rإن معناهما مختلف، فقال مقاتل: الهمزة الذي يعيبك في الغيب، واللمزة الذي يعيبك في الوجه، وقيل:\rبالعكس. وقيل: الهمزة الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمزة الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم.\rوقيل: الهمز باللسان واللمز بالعين، وقيل الهمزة الذي يؤذي جليسه بسوء اللفظ، واللمزة الذي يكسر عينه ويشير برأسه ويرمز بحاجبيه، وهذه الأقوال كلها ترجع إلى الطعن وإظهار العيب، فيدخل في ذلك","part":4,"page":423},{"id":2016,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 424\rوالوليد بن المغيرة وغيرهما الَّذِي جَمَعَ بالتخفيف والتشديد مالًا وَعَدَّدَهُ (2) أحصاه وجعله عدة لحوادث الدهر يَحْسَبُ لجهله أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (3) جعله خالدا لا يموت كَلَّا ردع لَيُنْبَذَنَ جواب قسم محذوف أي ليطرحنّ فِي الْحُطَمَةِ (4) التي تحطم كل ما ألقي فيها وَما أَدْراكَ أعلمك مَا الْحُطَمَةُ (5) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) المسعرة الَّتِي تَطَّلِعُ تشرف عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) القلوب فتحرقها، وألمها أشد من ألم غيرها للطفها إِنَّها عَلَيْهِمْ جمع الضمير رعاية\r______________________________\rمن يحاكي الناس في أقوالهم وأفعالهم وأصواتهم ليضحكوا منه. قوله: (و غيرهما) أي كالأخنس بن شريق، والعاص بن وائل السهمي، وجميل بن معمر، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذا وعيد لمن يغتاب المسلمين، ولا سيما العلماء والصلحاء، ولكن يقال: هو مخلد في النار إن مات كافرا، وإلا فهو تحت المشيئة.\rقوله: الَّذِي جَمَعَ مالًا بدل من كل. قوله: (بالتخفيف والتشديد) أي فهما سبعيتان، فقراءة التشديد تفيد التفاني والمبالغة، وفي الجمع بخلاف قراءة التخفيف، ونكر مالًا للتعظيم. قوله:\rوَعَدَّدَهُ العامة على تشديد الدال الأولى، وقرئ شذوذا بتخفيفها، والضمير إما عائد على المال والتقدير وجمع عدده أي أحصاه وعلمه، أو عائد على نفسه والمعنى جمع مالا وجمع عدد نفسه من عشيرته وأقاربه، وعلى هذين الوجهين ف عَدَّدَهُ اسم معطوف على مالًا، ويحتمل أن «عدد» فعل ماض بمعنى عده، إلا أنه غير مدغم. قوله: (و جعله عدة) الواو بمعنى أو، لأنهما تفسيران، فعلى الأول مأخوذ من العد، وعلى الثاني من العدة، بمعنى الاستعداد والإدخار لحوادث الزمن.\rقوله: يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ الخ، إما مستأنف واقع في جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ما باله يجمع المال ويهتم به، أو حال من فاعل جمع. قوله: أَخْلَدَهُ هو ماض معناه المضارع، أي يظن لجهله أن ماله يوصله إلى رتبة الخلود في الدنيا، فيصير خالدا فيها ولا يموت، أو يعمل من تشييد البنيان وغرس الأشجار وعمارة الأرض، عمل من يظن أن ماله أبقاه حيا. قوله: (ردع) أي عن حسبانه المذكور، فالمعنى ليس الأمر كما يظن أن المال أخلده، وقيل: إن كلا بمعنى حقا.\rقوله: (التي تحطم) أي تكسر، ففي الْحُطَمَةِ مماثلة لعمله لفظا ومعنى، لأنها بوزن هُمَزَةٍ ولُمَزَةٍ. قوله: وَما أَدْراكَ استفهام إنكاري بمعنى النفي، أي لم تعلم قدر هو لها وعظمه إلا بوحي من ربك.\rقوله: نارُ اللَّهِ الإضافة للتفخيم والتعظيم. قوله: (المعسرة) بالتخفيف والتشديد، أي المهيجة الشديدة اللهب التي لا تخمد أبدا.\rقوله: الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ أي تغشاها وتحيط بها، وخص الأفئدة بالذكر، لكونها ألطف ما في الجسد وأشده تألما بأدنى عذاب، أو لأنها محل العقائد الزائغة والنيات الخبيثة، فهي منشأ الأعمال السيئة.\rقوله: (و ألمها) أي القلوب. والمعنى: تألمها أشد من تألم غيرها من بقية البدن، ومن المعلوم أن الألم إذا وصل إلى الفؤاد مات صاحبه، فهم في حال من يموت وهم لا يموتون، قال تعالى: لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى * قال محمد بن كعب: تأكل النار جميع ما في أجسادهم، حتى إذا بلغت إلى الفؤاد خلقوا خلقا جديدا،","part":4,"page":424},{"id":2017,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 425\rلمعنى كل مُؤْصَدَةٌ (8) بالهمز وبالواو بدله مطبقة فِي عَمَدٍ بضم الحرفين وبفتحهما مُمَدَّدَةٍ (9) صفة لما قبله، فتكون النار داخلة العمد.\r______________________________\rفترجع تأكلهم وهكذا. قوله: (بالهمز وبالواو) أي فهما سبعيتان، وقرئ شذوذا بضم فسكون، وهو تخفيف للقراءة الأولى، فعلى الضم يكون جمع عمود كرسول ورسل، وقيل: هو جمع عماد ككتاب وكتب، وعلى الفتح يكون اسم (جمع) لعمود، وقيل: هو جمع له، وفِي بمعنى الباء، أي مؤصدة بعمد ممدودة، لما ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «أن اللّه يبعث إليهم ملائكة بأطباق من نار، ومسامير من نار، وعمد من نار، فتطبق عليهم بتلك الأطباق، وتشد بتلك المسامير، وتمد بتلك العمد، فلا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح، ولا يخرج منه غم، وينسؤهم الرحمن على عرشه، أي يحجبهم عن رحمته، ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم ولا يستغيثون بعدها، وينقطع الكلام، فيكون كلامهم زفيرا وشهيقا،\rفذلك قوله تعالى: إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ». وقيل: إن النار داخل العمد، وهم داخله ويطبق عليهم، وعليه درج المفسر، وقيل: المعنى يعذبون بعمد، وقيل: العمد الأغلال في أعناقهم، وقيل: القيود في أرجلهم، وقيل: معنى عمد ممدودة دهر مؤبد لا آخر له.","part":4,"page":425},{"id":2018,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 426\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الفيل مكيّة وآياتها خمس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ تَرَ استفهام تعجيب أي اعجب كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (1) هو محمود وأصحابه أبرهة ملك اليمن وجيشه بنى بصنعاء كنيسة ليصرف\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الفيل\rمكية وهي خمس آيات\rقوله: أَلَمْ تَرَ الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، والرؤية علمية لا بصرية، لأنه لم يكن وقت الواقعة موجودا. قوله: (استفهام تعجيب) أي وتقرير، والمعنى: اقرأ بأنك علمت قصة الفيل، وحذفت الألف من تَرَ للجازم. قوله: كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ كَيْفَ معلقة للرؤية، منصوبة على المصدرية بالفعل بعدها، ورَبُّكَ فاعل، والتقدير: أي فعل فعله، والجملة سدت مسد مفعولي تَرَ ولا يصح نصبها على الحال من الفاعل، لأنه يلزم وصفه تعالى بالكيفية وهو غير جائز. قوله: (هو محمود) أي وهو الذي برك وضربوه في رأسه، وكان معه اثنا عشر فيلا، وقيل ثمانية عشر، وقيل ألف، وأفرد الفيل إما موافقة لرءوس الآي، أو لكونه نسبهم إلى الفيل الأعظم الذي يقال له (محمود). قوله: (أبرهة) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الراء، واسمه الأشرم، سمي بذلك لأن أباه ضربه بحربة فشرم أنفه وجبينه، وكان نصرانيا. قوله: (ملك اليمن) بدل من (أبرهة) وكان من قبل النجاشي ملك الحبشة، وكان جيش أبرهة ستين ألفا. وقوله: (و جيشه) معطوف على (أبرهة). قوله: (بنى بصنعاء كنيسة) الخ، شروع في بيان قصة أصحاب الفيل. وحاصل تفصيلها على ما ذكره محمد بن إسحاق، عن سعيد بن جبير وعكرمة، عن ابن عباس: أن النجاشي ملك الحبشة وهو أصحمة، جد النجاشي الذي آمن بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، كان بعث أبرهة أميرا على اليمن فأقام به، واستقامت له الكلمة هناك، ثم إنه رأى الناس يتجهزون أيام الموسم، إلى مكة لحج بيت اللّه عزّ وجل، فحسد العرب على ذلك، ثم بنى كنيسة بصنعاء وكتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك بصنعاء كنيسة لم يبن لملك مثلها، ولست منتهيا حتى أصرف إليها حج العرب، فسمع به مالك بن كنانة، فخرج لها ليلا فدخل إليها فقعد فيها ولطخ بالعذرة قبتها، فبلغ ذلك أبرهة فقال: من اجترأ علي؟ فقيل له: صنع ذلك رجل من العرب من أهل ذلك البيت قد سمع بالذي قلت، فحلف","part":4,"page":426},{"id":2019,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 427\r.......\r______________________________\rأبرهة عند ذلك، ليسيرن إلى الكعبة ثم يهدمها، فكتب إلى النجاشي يخبره بذلك، وسأله أن يبعث إليه بفيله، وكان فيلا يقال له محمود، وكان فيلا لم ير مثله عظما وجسما وقوة، فبعث به إليه، فخرج أبرهة من الحبشة سائرا إلى مكة، وخرج معه بالفيل، فسمعت العرب بذلك، فعظموه ورأوا جهاده حقا عليهم، فخرج ملك من ملوك اليمن يقال له ذو نفر بمن أطاعه من قومه، فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ ذا نفر فقال لأبرهة: يا أيها الملك استبقني فإن بقائي خير لك من قتلي، فاستحياه وأوثقه، وكان أبرهة، رجلا حليما، ثم سار حتى إذا دنا من بلاد خثعم، وخرج إليه نفيل بن حبيب الخثعمي في خثعم ومن اجتمع من قبائل اليمن، فهزمهم وأخذ نفيلا فقال نفيل: أيها الملك إني دليل بأرض العرب، فاستبقاه وخرج معه يدله، إذ مر بالطائف خرج إليه مسعود بن مغيث في رجل من ثقيف فقال: أيها الملك نحن عبيدك ليس عندنا خلاف لك، إنما تريد البيت الذي بمكة نحن نبعث معك من يدلك عليه، فبعثوا معه أبا رغال مولى لهم، فخرج حتى إذا كان بالمغمس مات أبو رغال، وهو الذي يرجم قبره الآن، وبعث أبرهة رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مسعود مقدمة خيله، وأمره بالغارة على نعم الناس، فجمع الأسود إليه أموال أصحاب الحرم، وأصاب لعبد المطلب مائتي بعير، ثم إن أبرهة أرسل حناطة الحميري إلى أهل مكة وقال له: سل عن شريفها ثم أبلغه ما أرسلك به إليه، أخبره أني لم آت لقتال، إنما جئت لأهدم هذا البيت، فانطلق حتى دخل مكة، فلقي عبد المطلب فقال له: إن الملك أرسلني إليك لأخبرك أنه لم يأت لقتال إلا أن تقاتلوه، وإنما جاء لهدم هذا البيت ثم الانصراف عنكم، فقال عبد المطلب: ما له عندنا قتال، ولا لنا يدان ندفعه عما جاء له، فإن هذا بيت اللّه الحرام وبيت إبراهيم خليله عليه السّلام، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يحل بينه وبين ذلك، فو اللّه ما لنا بدفعة قوة، قال: فانطلق معي إليه، فزعم بعض العلماء أنه أردفه على بغلة كان عليها، وركب معه بعض بنيه حتى قدم العسكر، وكان ذو نفر صديقا لعبد المطلب فقال: يا ذا نفر هل عندك من غناء أي نفع فيما نزل بنا؟ قال: أنا رجل أسير، لا آمن أن أقتل بكرة أو عشية، ولكن سأبعث إلى أنيس سائس الفيل فإنه لي صديق، فأسأله أن يصنع لك عند الملك ما استطاع من خير، ويعظم حظوتك ومنزلتك عنده، قال: فأرسل إلى أنيس فأتاه فقال: إن هذا سيد قريش وصاحب عير مكة، يطعم الناس في السهل، والوحوش في رءوس الجبال، وقد أصاب الملك له مائتي بعير، فإن استطعت أن تنفعه عنده فانفعه، فإنه صديق لي أحب ما وصل إليه من الخير، فدخل أنيس على أبرهة فقال: أيها الملك هذا سيد قريش وصاحب عير مكة، الذي يطعم الناس في السهل، والوحوش في رءوس الجبال، يستأذن عليك، وأنا أحب أن تأذن لي فيكلمك؛ فقد جاء غير ناصب لك ولا مخالف عليك، فأذن له، وكان عبد المطلب رجلا جسيما وسيما، فلما رآه أبرهة عظمه وأكرمه عن أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سريره، فجلس على بساطه، وأجلس عبد المطلب بجنبه، ثم قال لترجمانه: قل له ما حاجتك إلى الملك؟ فقال له الترجمان ذلك، فقال له عبد المطلب حاجتي إلى الملك أن يرد عليّ مائتي بعير أصابها، فقال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ولقد زهدت الآن فيك، قال: لم؟ قال: جئت إلى بيت هو دينك ودين آبائك، وهو شرفكم وعصمتكم لأهدمه، لم تكلمني فيه، وتكلمني في مائتي بعير غصبتها لك، قال عبد المطلب: أنا رب هذه الإبل، ولهذا البيت رب سيمنعه منك، قال: ما كان ليمنعه مني، قال: فأنت وذاك، فأمر بإبله فردت عليه، فلما ردت الإبل على عبد","part":4,"page":427},{"id":2020,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 428\rإليها الحجاج عن مكة، فأحدث رجل من كنانة فيها ولطخ قبلتها بالعذرة احتقارا بها، فحلف أبرهة ليهدمن الكعبة، فجاء مكة بجيشه على أفيال مقدمها محمود، فحين توجهوا لهدم الكعبة، أرسل اللّه عليهم ما قصه في قوله أَلَمْ يَجْعَلْ أي جعل كَيْدَهُمْ في هدم الكعبة فِي\r______________________________\rالمطلب خرج، فأخبر قريشا الخبر، وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب، ويتحرزوا في رءوس الجبال خوفا عليهم من معرة الحبش ففعلوا، وأتى عبد المطلب وأخذ حلقة الباب وجعل يدعو، فلما فرغ من دعائه، توجه في بعض تلك الوجوه مع قومه، وأصبح أبرهة بالمغمس قد تهيأ للدخول، وهيأ جيشه وهيأ فيله، وكان فيلا لم ير مثله في العظم والقوة، ويقال: كانت الأفيال اثني عشر فيلا، فأقبل نفيل إلى الفيل الأعظم ثم أخذ بأذنه وقال له: ابرك محمودا، وارجع رشيدا، فإنك ببلد اللّه الحرام فبرك، فبعثوه فأبى، فضربوه بالمعول في رأسه، فادخل محاجنه تحت مراقه ومرافقه ففزعوه ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى قدامه ففعل مثل ذلك، ووجوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، فصرفوه إلى الحرم فبرك وأبى أن يقوم، وخرج نفيل يشتد حتى صعد الجبل، وأرسل اللّه عزّ وجل طيرا من البحر أمثال الخطاطيف، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار، حجران في رجليه وحجر في منقاره، أكبر من العدسة وأقل من الحمصة، فلما غشيت القوم أرسلتها عليهم، فلم تصب تلك الحجارة أحدا إلا هلك، وخرجوا هاربين لا يهتدون إلى الطريق الذي جاءوا منه، وصرخ القوم، وماج بعضهم في بعض يتساقطون بكل طريق ويهلكون على كل منهل، وبعث اللّه على أبرهة داء في جسده، فجعل تتساقط أنامله، كلما سقطت أنملة أتبعها مدة من قيح ودم، فانتهى إلى صنعاء وهو مثل فرخ الطير، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم هلك، وانفلت وزير أبرهة أبو يكسوم، وطائره فوق رأسه، حتى وقف بين يدي النجاشي، فلما أخبره الخبر سقط عليه الحجر فمات بين يديه، وأما محمود فيل النجاشي فربض ولم يشجع على الحرم فنجا، وأما الفيلة الأخر فشجعوا فرموا بالحصباء. قوله: (كنيسة) أي وكان قد بناها بالرخام الأبيض والأحمر والأسود والأصفر، وحلاها بالذهب والفضة وأنواع الجواهر، وأذل أهل اليمن في بنائها، ونقل فيها الرخام المجزع، والحجارة المنقوشة بالذهب والفضة من قصر بلقيس، وكان على فرسخ من موضعها، ونصب فيها صلبانا من ذهب وفضة، ومنابر من عاج وآبنوس وغير ذلك، وكان بناؤها مرتفعا عاليا، تسقط قلنسوة الناظر عن رأسه عند نظره إليها. قوله: (ليصرف إليها الحجاج) أي وقد صرفهم بالفعل، وأمرهم بحجها فحجوها سنين، وكانوا يحجون البيت في هذه المدة أيضا، كذا قيل. قوله: (فأحدث رجل) أي من العرب وهو مالك بن كنانة. قوله: (أرسل اللّه عليهم) الخ، أي فرجعوا هاربين يتساقطون بكل طريق، وكان هلاكهم قرب عرفة، قبل دخول أرض الحرم على الصحيح، وقيل: بوادي محسر بين مزدلفة ومنى، وأصيب أبرهة في جسده بداء الجدري، فتساقطت أنامله وأصابعه وأعضاؤه، وسال منه الصديد والقيح والدم، وما مات حتى انشق قلبه.\rقوله: أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ أي مكرهم، وسماه كيدا لأن سببه حسد سكان الحرم، وقصد صرف شرفهم له وهو خفي، فسمي كيدا لذلك. قوله: (أي جعل) أشار بذلك إلى أن المضارع لحكاية الحال","part":4,"page":428},{"id":2021,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 429\rتَضْلِيلٍ (2) خسار وهلاك وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (3) جماعات جماعات، قيل: لا واحد له كأساطير وقيل: واحده إبول أو إبال أو إبيل، كعجول ومفتاح وسكين تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) طين مطبوخ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5) كورق زرع أكلته الدواب وداسته وأفنته أي أهلكهم اللّه تعالى كل واحد بحجره المكتوب عليه اسمه، وهو أكبر من العدسة، وأصغر من الحمصة، يخرق البيضة والرجل والفيل ويصل إلى الأرض. وكان هذا عام مولد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم.\r______________________________\rالماضية.\rقوله: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ عطف على قوله: يَجْعَلْ والاستفهام مسلط عليه، فالمعنى قد جعل وأرسل. قوله: طَيْراً الطير اسم جنس يذكر ويؤنث. قوله: أَبابِيلَ أي وكانت من جهة السماء، ولم ير قبلها ولا بعدها مثلها، ورد عن ابن عباس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إنها طير بين السماء والأرض تعشش وتفرخ». قال ابن عباس: كان لهم خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب. وقال عكرمة:\rكانت طيرا خضرا خرجت من البحر، لها رءوس كرءوس السباع، ولم تر قبل ذلك ولا بعده. وقالت:\rإنها أشبه شيء بالخطاطيف، وقيل: بل كانت أشباه الوطاويط حمرا وسودا. قوله: (جماعات جماعات) أي بعضها إثر بعض. قوله: (قيل لا واحد له) أي من لفظه، يكون اسم جمع. قوله: (إبول) بكسر الهمزة وفتح الموحدة المشددة وسكون الواو كسنور. قوله: (طين مطبوخ) أي محرق كالآجر، وكان طبخه بنار جهنم، وهي من الحجارة التي أرسلت على قوم لوط، وناسب إهلاكهم بالحجارة، لأنهم أرادوا هدم الكعبة. قال ابن عباس: كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده، وكان ذلك أول الجدري، ولم يكن موجودا قبل ذلك اليوم، وعنه أيضا: أنه رأى من تلك الحجارة عند أم هانئ نحو قفيز مخططة بحمرة كالجزع الظفاري.\rقوله: كَعَصْفٍ واحده عصفة وعصافة وعصيفة. قوله: (و داسته) صوابه وراثته أي ألقته روثا ثم يبس وتفتت، ولم يقل فجعلهم كروث استهجانا للفظ الروث. قوله: (مكتوب عليه اسمه) أي وإدراك الطائر أن هذا لفلان بخصوصه، إما بمجرد إلهام أو بمعرفته ذلك من الكتابة، واللّه أعلم بحقيقة الحال. قوله: (يخرق البيضة) أي التي فوق رأس الرجل من حديد، وقوله: (و الرجل) أي فيدخل من دماغه ويخرج من دبره، وقوله: (و الفيل) أي الذي هو راكبه، وجميع الفيلة قد هلكت إلا كبيرها وهو محمود، فإنه نجا لما وقع منه من الفعل الجميل الذي لم يقع مثله من العقلاء، ولذا قال البوصيري:\rكم رأينا ما ليس يعقل قد أل ... هم ما ليس يلهم العقلاء\r\rإذا أبى الفيل ما أتى صاحب الفي ... ل ولم ينفع الحجا والذكاء\r\rقوله: (عام مولد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم) أي قبل مولده بخمسين يوما على الصحيح، وذلك ببركة النور المحمدي. إن قلت: إنه انتقل من عبد المطلب بل ومن عبد اللّه إلى أمه آمنة. أجيب بأنه وإن انتقل من جده وأبيه، إلا أن بركته حاصلة وباقية في محله، كوعاء المسك إذا فرغ منه فإن رائحته تبقى، وقيل: كان عام الفيل قبل ولادته صلّى اللّه عليه وسلّم بأربعين سنة، وقيل: بثلاث وعشرين، وقيل: غير ذلك.","part":4,"page":429},{"id":2022,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 430\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة قريش مكيّة وآياتها أربع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلافِهِمْ تأكيد، وهو مصدر آلف\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة قريش\rمكية أو مدنية وهي أربع آيات أي السورة التي ذكر فيها الامتنان على قريش، وتذكيرهم بنعم اللّه عليهم ليوحدوه ويشكروه.\rقوله: (مكية) أي في قول الجمهور وهو الأصح، وقوله: (أو مدنية) أي في قول الضحاك والكلبي.\rقوله:\rلِإِيلافِ قُرَيْشٍ اختلف المفسرون في هذه اللام، فقيل: هي متعلقة بقوله: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ في السورة قبلها، كأنه قال: أهلك أصحاب الفيل لتبقى قريش، وما ألفوا من رحلتي الشتاء والصيف. قال الزمخشري: وهو بمنزلة التضمين في الشعر، وهو أن يعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقا لا يصح إلا به، ولهذا جعل أبي بن كعب هذه السورة سورة الفيل واحدة، ولم يفصل بينهما في مصحفه ببسملة، ورد هذا القول بأن الصحابة أجمعت على أنهما سورتان منفصلتان، بينهما بسملة، وقيل: متعلقة بمحذوف تقديره فعل ذلك، أي إهلاك أصحاب الفيل لِإِيلافِ قُرَيْشٍ وقيل: تقديره أعجبوا، والمعنى اعجبوا لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ وتركهم عبادة رب هذا البيت، وقيل: متعلقة بما بعدها تقديره: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، أي ليجعلوا عبادتهم شكرا لهذه النعمة، وإنما دخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط، كأنه قال: إن لم يعبدوه لسائر نعمه، فليعبدوه لإيلافهم، فإنها أظهر نعمة عليهم، وعليه درج المفسر، وقُرَيْشٍ مشتق إما من التقرش وهو التجمع، سموا بذلك لاجتماعهم بعد افتراقهم، قال الشاعر:\rأبونا قريش كان يدعى مجمعا ... به جمع اللّه القبائل من فهر\r\rأو من التقريش، يقال: قرش يقرش بمعنى فتش، لكونهم كانوا يفتشون على ذوي الخلات ليسدوا خلتهم، قال الشاعر:\rأيها الشامت المقرش عنا ... رحلتي عند عمرو فهل له إبقاء","part":4,"page":430},{"id":2023,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 431\rبالمد رِحْلَةَ الشِّتاءِ إلى اليمن وَرحلة الصَّيْفِ (2) إلى الشام في كل عام، يستعينون بالرحلتين للتجارة على المقام بمكة لخدمة البيت الذي هو فخرهم، وهم ولد النضر بن كنانة\r______________________________\rوقال ابن عباس: سميت باسم دابة في البحر يقال لها القرش، تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، قال الشاعر:\rوقريش هي التي تسكن البح ... ر بها سميت قريش قريشا\r\rسلطت بالعلو في لجة البح ... ر على سائر البحور جيوشا\r\rتأكل الغث والسمين ولا تت ... رك فيه لذي الجناحين ريشا\r\rهكذا في الكتاب حي قريش ... يأكلون البلاد أكلا كشيشا\r\rولهم آخر الزمان نبي ... يكثر القتل فيهم والخموشا\r\rيملأ الأرض خيلة ورجالا ... يحشرون المطي حشرا كميشا\r\rوهو مصروف هنا إجماعا، لكونه مرادا به الحي، إذ لو أريد به القبيلة لامتنع صرفه. قال سيبويه في معد وثقيف وقريش وكنانة: هذه للإحياء أكثر، وإن جعلتها اسما للقبائل فهو جائز حسن، واختلف القراء في قوله لإيلاف فبعضهم قرأ لإيلاف بإثبات الياء قبل اللام الثانية، وبعضهم قرأ بحذفها، وأجمع الكل على إثبات الياء في الثاني\rوهو قوله: إِيلافِهِمْ، ومن غريب ما اتفق في هذين الحرفين، أن القراء اختلفوا في سقوط الياء وثبوتها في الأول، مع اتفاق المصاحف على اثباتها خطّا، واتفقوا على اثبات الياء في الثاني، مع اتفاق المصاحف على سقوطها منه خطّا، فهو أدل دليل على أن القراءة سنة متبعة مأخوذة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، لا اتباعا لمجرد الخط. قوله: (تأكيد) أي لفظي، ورِحْلَةَ مفعول للأول، عليه، قيل بدل، لأنه أطلق المبدل منه، وقيد البدل، وهو رِحْلَةَ. قوله: (و هو مصدر آلف بالمد) أي أن ايلاف الثاني، وكذا الأول على قراءة اثبات الياء مصدر آلف بالمد كأكرم، يقال: آلفته أؤالفه ايلافا، وأما على قراءة حذف الياء، فهو مصدر لألف ثلاثيا، ككتب كتابا.\rقوله: رِحْلَةَ الشِّتاءِ مفعول به بالمصدر، والمصدر مضاف لفاعله، أي لأن ألفوا رحلة، والأصل رحلتي الشتاء والصيف، وإنما أفرد لأمن اللبس، وأول من سن لهم الرحلة هاشم بن عبد مناف، وكانوا يقسمون ربحهم بين الغني والفقير، حتى كان فقيرهم كغنيهم، واتبع هاشما على ذلك إخوته، فكان هاشم يؤالف إلى الشام، وعبد شمس إلى الحبشة، والمطلب إلى اليمن، ونوفل إلى فارس، وكانت تجار قريش يختلفون إلى هذه الأمصار، بجاه هؤلاء الإخوة، أي بأمانهم الذي أخذوه من ملك كل ناحية من هذه النواحي، والرحلة بالكسر اسم مصدر بمعنى الارتحال وهو الانتقال، وأما بالضم فهو الشيء الذي يرتحل إليه مكانا أو شخصا. قوله: (و هم ولد النضر بن كنانة) أي فكل من ولده النضر فهو قرشي، دون من لم يلده النضر وإن ولده كنانة، وهذا هو الصحيح، وقيل: هم ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، فمن يلده فهر فليس بقرشي وإن ولده النضر قال العراقي:\rأما قريش فالأصح فهر ... جماعها والأكثرون النضر\r\rفالحاصل أن بني فهر قرشيون اتفاقا، وبنو كنانة الذين لم يلدهم النضر ليسوا بقرشيين، واختلف في","part":4,"page":431},{"id":2024,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 432\rفَلْيَعْبُدُوا تعلق به لإيلاف والفاء زائدة رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ أي من أجله وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) أي من أجله، وكان يصيبهم الجوع لعدم الزرع بمكة، وخافوا جيش الفيل.\r______________________________\rبني النضر وبني مالك، وفهر هو الجد الحادي عشر من أجداده صلّى اللّه عليه وسلّم، والنضر هو الثالث عشر، وذلك أنه صلّى اللّه عليه وسلّم محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عوف بن مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، إلى آخر النسب الشريف. قوله: (و الفاء زائدة) أي ولهذا جاز تقديم معمول ما بعدها عليها، وقيل: إنها ليست زائدة، بل هي واقعة في جواب شرط مقدر تقديره: إن لم يعبدوه لسائر نعمه، فليعبدوه لإيلافهم، فإنها أظهر نعمة عليهم.\rقوله: (أي من أجله) أشار بذلك إلى أن مِنْ تعليلية، والكلام على حذف مضاف، والتقدير: أطعمهم من أجل إزالة الجوع عنهم، وآمنهم من أجل إزالة الخوف عنهم، وقيل: إن مِنْ بمعنى بدل، ولا يحتاج لتقدير مضاف. والمعنى: فأطعمهم بدل الجوع، وآمنهم بدل الخوف، نظير قوله تعالى: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ وقيل مِنْ بمعنى بعد، وقيل في معنى الآية: أنهم لما كذبوا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم دعا عليهم فقال:\r«اللهم اجعلها عليهم سنينا كسني يوسف» فاشتد عليهم القحط، وأصابهم الجهد والجوع، فقالوا: يا محمد ادع لنا فإنا مؤمنون، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأخصبت البلاد، وأخصب بأهل مكة بعد القحط والجهد، وهذا حجة من يقول: إن السورة مدنية. قوله: (و خافوا جيش الفيل) أي وهذا وجه مناسبتها لما قبلها، وذلك أنه بعد أن ذكر لهم أسباب خوفهم، امتن عليهم بإزالتها كأنه قال: قد أزلنا عنكم ما تكرهون من الخوف والجوع، فالواجب عليكم أن تشكروا تلك النعم، وتصرفوها في مصارفها، وقيل: آمنهم من خوف الجذام، فلا يصيبهم ببلدهم الجذام، وقيل: آمنهم بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبالإسلام، وكل حاصل.","part":4,"page":432},{"id":2025,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 433\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الماعون مكيّة وآياتها سبع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) بالجزاء والحساب، أي هل عرفته إن لم تعرفه فَذلِكَ بتقدير هو بعد الفاء الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) أي يدفعه بعنف عن حقه وَلا يَحُضُ نفسه ولا غيره عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (3) أي إطعامه، نزلت في العاص بن\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الماعون\rمكية أو مدنية، أو نصفها ونصفها وهي ست أو سبع آيات وتسمى سورة الدين. قوله: (أو نصفها ونصفها) أي نصفها الأول نزل بمكة في العاص بن وائل، والثاني بالمدينة في عبد اللّه بن أبي ابن سلول المنافق، وعلى القول بأن جميعها مكي، تكون توبيخا لكفار مكة، كالعاص بن وائل وأضرابه، وتسميتهم مصلين باعتبار أنها مفروضة عليهم، وعلى القول بأنه مدني، يكون توبيخا للمنافقين الكائنين في المدينة، كعبد اللّه بن أبي وأضرابه، وتكذيبهم بالدين باعتبار باطنهم، والعبر على كل بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالوعيد المذكور لمن اتصف بتلك الأوصاف.\rقوله: (أي هل عرفته) أشار بذلك إلى أن الرؤية بمعنى المعرفة، فتنصب مفعولا واحدا، وهو الاسم الموصول، وقيل: إن الرؤية بصرية، فتتعدى لمفعول واحد أيضا، وقيل: إنها بمعنى أخبرني، فتتعدى لاثنين: الأول الموصول، والثاني محذوف تقديره من هو.\rقوله: (بتقدير هو بعد الفاء) أي فاسم الإشارة خبر لمحذوف تقديره هو، والَّذِي بدل أو عطف بيان على اسم الإشارة، والجملة جواب شرط مقدر قدره المفسر بقوله: (إن لم تعرفه) وقرنت بالفاء لأن الجملة اسمية.\rقوله: الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ كأبي جهل كان وصيا على يتيم، فجاء عريانا يسأله من مال نفسه فدفعه، ويصح حمل الحق على الميراث، لأنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان ويقولون: إنما يحوز المال، من يطعن بالسنان، ويضرب بالحسام، ودعّ بالتشديد من باب رد، وقرئ شذوذا بالتخفيف أي يدعوه ليستخدمه قهرا. قوله: (أي إطعامه) أشار بذلك إلى أن الحض يتعلق بالمصدر الذي هو فعل الفاعل، لا بالشيء المطعوم. قوله: (نزلت في العاص بن وائل) وقيل: نزلت في أبي جهل وقيل: في عمرو بن عائذ المخزومي، وقيل: في عبد اللّه بن أبي ابن سلول، وتقدم ذلك.","part":4,"page":433},{"id":2026,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 434\rوائل، أو الوليد بن المغيرة فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (5) غافلون يؤخرونها عن أوقاتها الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (6) في الصلاة وغيرها وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (7) كالإبرة والفأس والقدر والقصعة.\r______________________________\rقوله: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ «ويل» مبتدأ، ولِلْمُصَلِّينَ خبره، والفاء سببية، والمعنى: أن الدعاء عليهم بالويل، متسبب عن هذه الصفات الذميمة، ووضع الظاهر وهو المصلين موضع المضمر لأنهم مع التكذيب، وما أضيف إليه، ساهون عن الصلاة، غير مكترثين بها، وهذا على أن السورة كلها، إما مكي أو مدني، وعلى القول بالتنصيف، فالويل متعلق بالمصلين الموصوفين بكونهم عن صلاتهم ساهون، وما بعده فلا ارتباط له بما قبله، والفاء واقعة في جواب شرط مقدر تقديره: إن أردت معرفة جزاء أهل النفاق في الصلاة وغيرها فويل الخ.\rقوله: الَّذِينَ نعت لِلْمُصَلِّينَ أو بدل بيان، وكذا الموصول بعده. قوله: عَنْ صَلاتِهِمْ إنما عبر ب عَنْ دون في، لأن صلاة المؤمن لا تخلو عن السهو فيها، فالمذموم السهو عنها بمعنى تركها والتفريط فيها، لا السهو فيها لوقوعه من الأنبياء. قوله: (يؤخرونها عن أوقاتها) أي ولا يفعلونها بعد ذلك، ووجه تسميتهم مصلين مع أنهم تاركون لها، أنها مفروضة عليهم، فكانت جديرة بأن تضاف لهم، فتحصل أن معنى ساهُونَ تاركون لها رأسا، أو إن حصلت منهم تكون رياء وسمعة، قال ابن عباس:\rهم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس، ويصلونها في العلانية إذا حضروا، وأما من ترك الصلاة وهو مؤمن موحد، فهو عاص، عليه أن يتوب ويقضيها، فإن مات وهو مصر على تركها فهو تحت المشيئة، وأما إن تاب وشرع في القضاء فمات قبل تمامه، فإنه مغفور له.\rقوله: الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ أصله يرائيون كيقاتلون، استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان، حذفت الياء لالتقائهما؛ وضمت الهمزة لمناسبة الواو والمفاعلة، باعتبار أن المرائي يرى الناس عمله وهم يرونه الثناء عليه، والفرق بين المنافق والمرائي، أن المنافق يبطن الكفر ويظهر الإيمان، والمرائي يظهر الأعمال مع زيادة الخشوع، ليعتقد فيه من يراه، أنه من أهل الدين والصلاح، أما من يظهر النوافل ليقتدى به، وقلبه خالص مع اللّه، فليس بمذموم. قوله: (في الصلاة وغيرها) أي كالصدقة ونحوها من أنواع البر.\rقوله: وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ منع يتعدى لمفعولين، ثانيهما. قوله: الْماعُونَ أولهما محذوف تقديره الناس حذف للعلم به، والْماعُونَ فاعول من المعن، وهو الشيء القليل، يقال: مال معن أي قليل، أو اسم مفعول من أعان يعين؛ فأصله معوون دخله القلب المكاني فصار موعون، تحركت الواو الأولى وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا، وهو اسم جامع لنافع البيت، كالقدر والفأس ونحوهما، وعليه درج المفسر، لما روي عن ابن عباس قال: كنا نعد الماعون على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عارية الدلو والقدر، وهذا أحد تفاسير للماعون، وقيل: هو الزكاة، وقيل: هو ما لا يحل منعه، مثل الماء والملح والنار، ويلحق بذلك البئر والتنور، وقيل: هو المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم، ففي هذه الآية زجر عن البخل بهذه الأشياء القليلة الحقيرة، فإن البخل بها في نهاية البخل، قال العلماء: ويستحب أن يستكثر الرجل في بيته ما يحتاج إليه الجيران، فيعيرهم ويتفضل عليهم، ولا يقتصر على الواجب.","part":4,"page":434},{"id":2027,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 435\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الكوثر مكيّة وآياتها ثلاث بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْناكَ يا محمد الْكَوْثَرَ (1) هو نهر في الجنة هو حوضه ترد عليه أمته، أو الكوثر الخير الكثير من النبوّة والقرآن والشفاعة ونحوها فَصَلِّ لِرَبِّكَ\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الكوثر\rمكية أو مدنية وهي ثلاث آيات وتسمى سورة النحر. قوله: (مكية) أي في قول ابن عباس والكلبي ومقاتل والجمهور، وقوله: (أو مدنية) أي في قول الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة، والمشهور الأول، ويؤيده سبب النزول، وهو أن العاص بن وائل السهمي، تلاقى مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المسجد عند باب بني سهم، فتحدثا وناس من صناديد قريش جلوس في المسجد، فلما دخل العاص قالوا له: من الذي كنت تتحدث معه؟ فقال: ذلك الأبتر، يعني به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وكان قد توفي ولده القاسم.\rقوله: إِنَّا أَعْطَيْناكَ أي إنا بجلالنا وعظمة قدسنا، فالإتيان بإن ونون العظمة للتأكيد ولزيادة تشريفه صلّى اللّه عليه وسلّم، والمعنى: قضينا به لك، وخصصناك به وأنجزناه لك في علمنا وتقديرنا الأزلي، وإن لم تستول عليه وتتصرف فيه إلا في القيامة، فالعطاء ناجز، والتمكن والاستيلاء مستقبل. إن قلت: إنه عبر هنا بالماضي، وفي الضحى بالمضارع حيث قال: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فكيف الجمع بينهما؟ أجيب: بأن ما في الضحى باعتبار التمكن والاستيلاء، وذلك يحصل في المستقبل في يوم القيامة، وما هنا باعتبار التقدير الأزلي.\rقوله: الْكَوْثَرَ فوعل من الكثرة، وصف مبالغة في المبالغ الغاية في الكثرة. قوله: (هو نهر في الجنة) ويؤيده قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من الذهب، مجراه من الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج». قوله: (هو حوضه) الصواب أن يقول: أو هو حوضه، لأنهما قولان مذكوران في التفاسير من جملة ستة عشر قولا، ويدل لهذا الثاني قول أنس: «بينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما؛ فقلنا: ما أضحكك يا","part":4,"page":435},{"id":2028,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 436\rصلاة عيد النحر وَانْحَرْ (2) نسكك إِنَّ شانِئَكَ أي مبغضك هُوَ الْأَبْتَرُ (3) المنقطع عن\r______________________________\rرسول اللّه؟ قال: أنزلت علي آنفا سورة فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ* إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ثم قال: أتدرون ما الكوثر. قلنا: اللّه ورسوله أعلم، قال: «فإنه نهر وعدنيه ربي عزّ وجل، عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد نجوم السماء، فيختلج العبد منهم فأقول: يا رب أنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك». وورد في صفة الحوض أحاديث منها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ أبدا» زاد في رواية: «و زواياه سواء». ومنها غير ذلك.\rالثالث: أنه النبوة. الرابع: القرآن. الخامس: الإسلام. السادس: تيسير القرآن وتخفيف الشريعة.\rالسابع: كثرة الأصحاب والأمة والأتباع. الثامن: رفعة الذكر. التاسع: نور في قلبك دلك علي وقطعك عما سواي. العاشر: الشفاعة. الحادي عشر: المعجزات. الثاني عشر: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه.\rالثالث عشر: الفقه في الدين. الرابعة عشر: الصلوات الخمس. الخامس عشر: العظيم من الأمر.\rالسادس عشر: الخير الكثير الدنيوي والأخروي. وكل من هذه الأقوال تحقق به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفوق ذلك مما لا يعلم غايته إلا اللّه تعالى. وزاد بعضهم فوق تلك الأقوال: إنه الذرية الكثيرة المباركة، وقد حقق اللّه ذلك، فلا تجد ذرية لأحد من الخلق مثل ذرية المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم في الكثرة ولا في البركة إلى يوم القيامة، واختلف في الحوض، هل هو بعد الصراط أو قبله. وهل هو بعد الميزان أو قبله. والصحيح أنه قبلهما، لأن الناس يخرجون من قبورهم عطاشا، فيشربون منه شربة لا يظمئون بعدها أبدا. روي عن ابن عباس أنه سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الوقوف بين يدي رب العالمين، هل فيه ماء. قال: «أي والذي نفسي بيده، إن فيه لماء، وإن أولياء اللّه ليردون حياض الأنبياء، ويبعث اللّه تعالى سبعين ألف ملك بأيديهم عصي من نار، يذودون الكفار عن حياض الأنبياء» وهذا الطرد لا يكون بعد الصراط، لأنه لا يسلم من الصراط إلا المؤمنين، فلا وجود للكفار هناك حتى يذادوا لسقوطهم في جهنم قبل ذلك. قوله: (و نحوها) أي من الحكمة وكثرة الأتباع والأمة وغير ذلك.\rقوله: فَصَلِّ لِرَبِّكَ كان مقتضى الظاهر أن يقول: فصل لنا، فانتقل إلى الاسم الظاهر، لأنه لا يوجب عظمة ومهابة. قوله: (صلاة عيد النحر) هو قول عكرمة وعطاء وقتادة، وهو يؤيد كون السورة مدنية، وقال سعيد بن جبير ومجاهد: فصل الصلاة المفروضة بجمع مزدلفة، وانحر البدن بمنى، وقيل:\rهو أمر بكل صلاة مفروضة أن نافلة، وهو يؤكد كونها مكية.\rقوله: وَانْحَرْ (نسكك) أي هداياك وضحاياك، وهو في الإبل بمنزلة الذبح في البقر والغنم، فقد ورد أنه صلّى اللّه عليه وسلّم نحر من خالص ماله في حجة الوداع صبيحة منى مائة بدنة، سبعين بيده الكريمة، وثلاثين بيد علي رضي اللّه عنه، وخص الصلاة والنحر بالذكر. لأن الصلاة مجمع العبادات وعماد الدين، والنحر فيه إطعام الطعام، ولا شك أنه قيام بحقوق العباد، ففي تلكما الخصلتين القيام بحقوق اللّه وحقوق عباده.\rقوله: إِنَّ شانِئَكَ اسم فاعل شنئ من بابي سمع ومنع، شنأ بفتح النون وسكونها. قوله: هُوَ الْأَبْتَرُ يصح أن يكون هو مبتدأ، والْأَبْتَرُ خبره، والجملة خبر إِنَ ويصح أن يكون ضمير فصل،","part":4,"page":436},{"id":2029,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 437\rكل خير أو المنقطع العقب، نزلت في العاص بن وائل سمى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أبتر عند موت ابنه القاسم.\r______________________________\rوالْأَبْتَرُ خبر إِنَ والْأَبْتَرُ في الأصل، الشيء المقطوع من بتره قطعه، وحمار أبتر لا ذنب له.\rقوله: (أو المنقطع العقب) أي النسل. قوله: (سمى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أبتر) أي حيث قال: بتر محمد، فليس له من يقوم بأمره من بعده، فلما قال تلك المقالة، نزلت السورة تسلية وتبشيرا له صلّى اللّه عليه وسلّم. قوله: (عند موت ابنه القاسم) هو أول أولاده صلّى اللّه عليه وسلّم عاش سنتين وقيل سبعة عشر شهرا، وقيل: بلغ ركوب الدابة، ومات قبل البعثة وقيل بعدها، وهو أول من مات من أولاده وهم سبعة: القاسم وعبد اللّه الملقب بالطيب والطاهر وإبراهيم وزينب ورقية وفاطمة وأم كلثوم، وكلهم من خديجة، إلا إبراهيم فمن مارية القبطية، وماتوا جميعا في حياته، إلا فاطمة فعاشت بعده زمنا يسيرا وماتت رضوان اللّه عليهم أجمعين، وذريته صلّى اللّه عليه وسلّم الباقية إلى يوم القيامة من نسلها.","part":4,"page":437},{"id":2030,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 438\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الكافرون مكيّة وآياتها ست نزلت لما قال رهط من المشركين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ في الحال ما تَعْبُدُونَ (2) من\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الكافرون\rمكية أو مدنية وهي ست آيات وتسمى سورة المعابدة، أي المخالفة في العبادة والمعاندة فيها، وسورة الإخلاص، لأنها دالة على الإخلاص في العبادة والدين، كما أن قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تسمى سورة الإخلاص، لكن هذه دالة على الإخلاص في الظاهر والباطن، والصمدية دالة على إخلاص القلب من الشرك، فمن عمل بهما واعتقدهما، برىء ظاهره وباطنه من الكفر والنفاق، ولذلك لا يجتمعان في منافق ولا كافر، ويقال لها وللإخلاص المقشقشتان أي المبرئتان. وورد في فضلها أحاديث منها «أنها تعدل ثلث القرآن». ومنها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ تعدل ربع القرآن» ومنها: أن رجلا قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم: أوصني قال: «اقرأ عند منامك قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ فإنها براءة من الشرك». ومنها قول ابن عباس: ليس في القرآن أشد غيظا منها، لأنها توحيد وبراءة من الشك، وإنما زادت الإخلاص في الثواب عنها، لأنها مشتملة على صفات الرب تعالى صريحا مع دلالتها على الإخلاص في التوحيد. قوله: (مكية) أي في قول ابن مسعود والحسن وعكرمة، وقوله: (أو مدنية) أي في قول قتادة والضحاك. قوله: (نزلت لما قال رهط من المشركين) إلخ، حاصله كما قال ابن عباس: أن سبب نزولها، أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف لقوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا: يا محمد هلم فلتعبد ما نعبد، ونعبد ما تعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا، كنا قد أشركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما بيدك، كنت قد أشركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه، فأنزل اللّه عزّ وجل قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ إلى آخرها، والرهط بسكون الهاء أفصح من فتحها، جمع لا واحد له من لفظه، يقال على ما دون العشرة من الرجال، وقيل: ما فوق العشرة إلى الأربعين.\rقوله: الْكافِرُونَ هم","part":4,"page":438},{"id":2031,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 439\rالأصنام وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ في الحال ما أَعْبُدُ (3) وهو اللّه تعالى وحده وَلا أَنا عابِدٌ في الاستقبال ما عَبَدْتُّمْ (4) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ في الاستقبال ما أَعْبُدُ (5) علم اللّه منهم أنهم لا يؤمنون، وإطلاق ما على اللّه على وجه المقابلة لَكُمْ دِينُكُمْ الشرك وَلِيَ دِينِ (6) الإسلام، وهذا قبل أن يؤمر بالحرب، وحذف ياء الاضافة السبعة وقفا ووصلا، وأثبتها يعقوب في الحالين.\r______________________________\rجماعة من الكفار مخصوصون، علم اللّه تعالى عدم إيمانهم أصلا.\rقوله: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ اعلم أنه اختلف المفسرون في هذه السورة، هل فيها تكرار أو لا؟\rفعلى الأول: هو للتأكيد، وفائدته قطع أطماع الكفار، وتحقيق الإخبار بأنهم لا يسلمون أبدا. وعلى الثاني: فكل جملة مقيدة بزمن غير الزمن الذي قيدت به الأخرى. فدرج المفسر على أن النفي الأول محمول على الحال، والثاني على الاستقبال، ودرج غيره على العكس، وما يصح أن يكون موصولة بمعنى الذي، فإن كان المراد بها الأصنام كما في الأولى والثالثة فالأمر واضح، لأنهم غير عقلاء وما لغير العاقل، وأما الثانية والرابعة فإما أن تكون واقعة على اللّه تعالى، وتكون دليلا لمن يجوز وقوعها على العالم، أو تجعل مصدرية والتقدير: ولا أنتم عابدون عبادتي، أي مثل عبادتي، ويصح أن يكون جميعها مصدرية أو موصولة، أو الأوليان موصولتان، والأخريان مصدريتان، فتحصل أن ما في هذه السورة فيها أربعة أقوال، الأول: أنها كلها بمعنى الذي. الثاني: أنها كلها مصدرية. الثالث: أن الأوليين بمعنى الذي، والأخريين مصدريتان. الرابع: أن الأولى والثالثة بمعنى الذي، والثالثة والرابعة مصدرية. إن قلت: ما الحكمة في التعبير في جانبه صلّى اللّه عليه وسلّم بلفظ أَعْبُدُ وفي جانبهم بلفظ عَبَدْتُّمْ؟ أجيب: بأنه صلّى اللّه عليه وسلّم وإن كان يعبد اللّه تعالى قبل البعثة، إلا أنه لم يدع الناس إلا بعدها، فلم يشتهر بها إلا حين الدعوة، وأما هم فكانوا متلبسين قديما بعبادة الأصنام متظاهرين بها. قوله: (علم اللّه منهم أنهم لا يؤمنون) جواب عن سؤال مقدر حاصله: كيف يقنطهم من الإيمان، مع أنه مبعوث لهدايتهم، وقد كان حريصا على إيمانهم.\rوحاصل الجواب: أن هذا في قوم علم اللّه أنهم لا يؤمنون أبدا، فأخبر نبيه بذلك لتظهر شقاوتهم. قوله:\r(و إطلاق ما على اللّه) أي في الثانية والرابعة، وأما في الأولى والثالثة فهي واقعة على الأصنام. قوله: (على وجه المقابلة) أي المشاكلة، وهذا مبني على القول بأنه لا يجوز وقوع ما على العالم، وأما على مذهب من يجوز ذلك، فلا يحتاج للاعتذار بالمقابلة، وكان المناسب للمفسر أن يقول: وإطلاق ما على العالم فصيح وحسنه المشاكلة.\rقوله: لَكُمْ دِينُكُمْ الخ، أتى بهاتين الجملتين المثبتين بعد جمل منفية، لأنه لما كان الأهم تباعده عليه السّلام عن دينهم، بدأ بالنفي سابقا، فلما تحقق النفي رجع إلى خطابهم مهادنة لهم، فهاتان الجملتان مؤكدتان لمجموع الجمل الأربع. قوله: وَلِيَ دِينِ بفتح الياء من لِيَ وإسكانها سبعيتان.\rقوله: (و هذا قبل أن يؤمر بالحرب) الإشارة راجعة إلى الآية الأخيرة، وقيل: إلى جميع السورة، وهذا مبني على أن المراد بالدين العبادة والتدين، وقيل: إن المراد بالدين الجزاء، أي لكم جزاء أعمالكم، ولي جزاء أعمالي، وعليه فلا نسخ. قوله: (وقفا ووصلا) أي لأنها من ياءات الزوائد، فيراعى فيه رسم المصحف، وهي غير ثابتة فيه اكتفاء بالكسر. قوله: (و أثبتها يعقوب) أي وهو من العشرة.","part":4,"page":439},{"id":2032,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 440\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة النّصر مدنيّة وآياتها ثلاث بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم على أعدائه وَالْفَتْحُ (1) فتح\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة النصر\rمدنية وهي ثلاث آيات أي بالإجماع، وتسمى سورة التوديع، لما فيها من الدلالة على توديع الدنيا، واتفق الصحابة على أن هذه السورة دلت على نعي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك لوجوه، منها: أنهم عرفوا ذلك حين خطب وقال: إن عبدا خيره اللّه تعالى بين الدنيا وبين لقائه، فاختار لقاء اللّه تعالى، فقال أبو بكر: فديناك بأنفسنا وأموالنا وآبائنا وأولادنا. ومنها: أنه لما ذكر حصور النصر والفتح، ودخول الناس في الدين أفواجا دل على حصول الكمال والتمام، قال الشاعر:\rإذا تم أمر بدا نقصه ... توقع زوالا إذا قيل تم\r\rومنها: أنه تعالى أمره بالتسبيح والحمد والاستغفار، واشتغاله بذلك يمنعه من اشتغاله بأمر الأمة، فكان هذا كالتنبيه على أن أمر التبليغ قد تم وكمل، وذلك يقتضي انقضاء الأجل، إذ لو بقي بعد ذلك، لكان كالمعزول من الرسالة، وذلك غير جائز.\rقوله: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ المجيء في الأصل اسم للموجود الغائب إذا حضر، والمراد حصل وتحقق، ففيه استعارة تبعية، حيث شبه حصول النصر عند حضور وقته بالمجيء، ثم اشتق منه لفظ جاء بمعنى حصل، وعبر بالمجيء إشعارا بأن الأمور متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعينة لها، وأن ما قدر اللّه حصوله فهو كالحاصل، كأنه موجود حضر من غيبته، وإِذا ظرف لما يستقبل من الزمان، منصوب بسبح الواقع جوابها، وهي على بابها إن كانت السورة نزلت قبل الفتح، فإن كان النزول بعد الفتح ف إِذا بمعنى إذ، متعلقة بمحذوف تقديره أكمل اللّه الأمر، وأتم النعمة على العباد، إذا جاء نصر اللّه، ونَصْرُ اللَّهِ مضاف لفاعله، ومفعوله محذوف قدره المفسر بقوله: (نبيه).\rقوله: وَالْفَتْحُ أل فيه عوض عن المضاف إليه عند الكوفيين، أي وفتحه، أو العائد محذوف","part":4,"page":440},{"id":2033,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 441\rمكة وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أي الاسلام أَفْواجاً (2) جماعات بعد ما كان يدخل\r______________________________\rعند البصريين، أي والفتح منه، وعطفه على النصر عطف خاص على عام. قوله: (فتح مكة) أي التي حصل به أعظم فتوح الإسلام، وأعز اللّه به دينه ورسوله وجنده وحرمه ولتبشر به أهل السماء، ودخل الناس في دين اللّه أفواجا، وسببها: أنه وقع الصلح بالحديبية، على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يتعرض لمن دخل في عقد قريش، وأنهم لا يتعرضون لمن دخل في عقده، وكان ممن دخل في عقده خزاعة، وفي عقدهم بنو بكر، وكانا متعاديين، فخرج بعض بني بكر وبني خزاعة فاقتتلوا، فأمدت قريش بني بكر، فخرج أربعون من خزاعة إليه صلّى اللّه عليه وسلّم يخبرونه ويستنصرونه، فقام وهو يجر رداءه ويقول: لا نصرت إن لم أنصركم بما أنصر به نفسي، ولما أحس أبو سفيان جاء إلى المدينة ليجدد العهد ويزيد في المدة، فأبى صلّى اللّه عليه وسلّم فرجع، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الناس بالجهاز، وأمر أهله أن يجهزوه، وأعلم الناس أنه سائر إلى مكة وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش، حتى نبغتها في بلادها، فتجهز الناس، ومضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بهم عامدا إلى مكة لعشر مضين في رمضان، وقيل: لليلتين مضتا منه سنة ثمان من الهجرة، فصام رسول اللّه والناس معه، حتى إذا كان بالكديد أفطر، وعقد الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل، ثم مضى حتى نزل مر الظهران المسمى الآن بوادي فاطمة في عشرة آلاف، وقيل: اثني عشر ألفا من المسلمين، ولم يتخلف من المهاجرين والأنصار عنه أحد، فلما نزل به أمرهم أن يوقدوا عشرة آلاف نار كل نار على حدة، فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار، وكان العباس بن عبد المطلب لقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ببعض الطريق مهاجرا بعياله، فلما رأى ذلك الأمر قال: واللّه لئن دخل رسول اللّه مكة عنوة قبل أن يستأمنوه، لهلكت قريش إلى آخر الدهر، قال العباس:\rفركبت بغلة رسول اللّه البيضاء، وخرجت لأجد حطابا أو ذا حاجة يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول اللّه، ليخرجوا إليه فيستأمنوه، قبل أن يدخلهم عليهم عنوة، وإذا أنا بأبي سفيان فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم، قال: ما لك فداك أبي وأمي، قلت: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول اللّه قد جاءكم بما لا قبل لكم به، بعشرة آلاف من المسلمين، قال: وما الحيلة؟ قلت: واللّه لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول اللّه فأستأمنه لك، فأردفته ورجع صاحباه، فخرجت أركض به بغلة رسول اللّه، كلما مررت بنار من نيران المسلمين نظروا وقالوا: عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على بغلة رسول اللّه، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا؟ وقام إلي، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: يا أبا سفيان عدو اللّه، الحمد للّه الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول اللّه، وركضت البغلة فسبقته؛ فلما وصلت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دخلت عليه ودخل عليه عمر فقال: يا رسول اللّه هذا أبو سفيان عدو اللّه، قد أمكن اللّه منه بغير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه، قال: فقلت يا رسول اللّه إني قد أجرته، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به، قال: فذهبت به إلى رحلي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول اللّه، فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا اللّه، قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، فما زال به حتى أسلم، قال العباس: يا رسول اللّه إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا، قال: نعم من دخل دار أبي","part":4,"page":441},{"id":2034,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 442\r.......\r______________________________\rسفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه عليه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فلما ذهب لينصرف قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: احبسه بمضيق الوادي حتى تمر به جنود اللّه، قال: ففعلت ومرت به القبائل على راياتها، كلها مرت به قبيلة قال: من هؤلاء يا عباس؟ فأقول: سليم، فيقول: ما لي، ولسليم، ثم تمر قبيلة فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة؟ فلا تمر قبيلة إلا سألني عنها، حتى مر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في كتبية الخضراء، وفيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان اللّه من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المهاجرين والأنصار، فقال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة، واللّه يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما، قلت: ويحك إنها النبوة، قال: فنعم إذا، فقلت: الحق الآن بقومك فحذرهم، فخرج سريعا حتى أتى مكة، فصرخ في المسجد بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به. قالوا: وكيف السبيل؟ قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: ويحك وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، وجاء حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأسلما وبايعاه، ثم بعثهما رسول اللّه بين يديه إلى قريش يدعوانهم إلى الإسلام، ثم إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دخل مكة وضرب قبته بأعلى مكة، وأمر خالد بن الوليد فيمن أسلم من خزاعة وبني سليم، أن يدخلوا من أسفل مكة وقال لهم: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس، فقال سعد: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة أي الحرب، اليوم تستحل الحرمة، فبلغ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك، فأمره على لسان علي كرم اللّه وجهه أن يدفع الراية لابنه قيس، وأخبر أبا سفيان أنه لم يأمر بقتل قريش، وأن اليوم يوم المرحمة، وأن اللّه يعز قريشا، وخشي سعد أن ابنه يقع منه شيء أيضا، فذكر ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فدفعها للزبير، وكانت راية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمهاجرين مع الزبير أيضا، فبعثه ومعه المهاجرون وخيلهم، وأمره أن يدخل من أعلى مكة، وأن يغرز رايته بالحجون، ولا يبرح حتى يأتيه، وأما خالد بن الوليد فقدم على قريش، وبني بكر والأحابيش بأسفل مكة، فقاتلوهم فهزمهم اللّه، ولم يكن بمكة قتال غير ذلك، فقتل من المشركين اثنا عشر رجلا، أو ثلاثة عشر رجلا، ولم يقتل من المسلمين إلا ثلاثة، وكان قد أمرهم النبي أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا نفرا سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، منهم: عبد اللّه بن سعد، وعبد اللّه بن خطل، كانا قد أسلما ثم ارتدا، ومنهم: قينتان كانتا تغنيان بهجاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعبد اللّه بن خطل، ومنهم الحويرث بن وهب، ومقيس بن صبابة، وأناس آخر، ثم إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خرج لما اطمأن بالناس، حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته، يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه، دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له فدخلها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكن له الناس في المسجد، فقال: لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، ثم قال: اذهبوا أنتم الطلقاء، فأعتقهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقد كان اللّه أمكن منهم عنوة، فبذلك سمي أهل مكة الطلقاء، ثم جلس\rرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب، ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول اللّه اجمع لنا بين الحجابة والسقاية، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أين عثمان بن","part":4,"page":442},{"id":2035,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 443\rفيه واحد واحد، وذلك بعد فتح مكة، جاء العرب من أقطار الأرض طائعين فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي متلبسا بحمده وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (3) وكان صلّى اللّه عليه وسلّم بعد نزول هذه السورة يكثر من قول: سبحان اللّه وبحمده، أستغفر اللّه وأتوب إليه، وعلم بها أنه قد اقترب أجله، وكان فتح مكة في رمضان سنة ثمان، وتوفي صلّى اللّه عليه وسلّم في ربيع الأول سنة عشر.\r______________________________\rطلحة؟ فدعي لي، فقال: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم وفاء وبر، واجتمع الناس للبيعة فجلس إليهم رسول اللّه على الصفا، وعمر بن الخطاب أسفل منه يأخذ على الناس، فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا، فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء وقد أحدقت به الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أترون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا فتح اللّه عليه أرضه وبلده يقيم به؟ قال: ما ذا قلتم؟ قالوا: لا شيء يا رسول اللّه، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: معاذ اللّه المحيا محياكم، والممات مماتكم، وقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة، ثم خرج إلى هوازن وثقيف.\rقوله: يَدْخُلُونَ نصب على الحال إن كانت رأى بصرية، أو مفعول ثان إن كانت عملية. قوله:\rأَفْواجاً حال من فاعل يَدْخُلُونَ وهو جمع فوج. والمعنى: يدخلون زمرا زمرا من غير قتال، وقوله:\r(جاءه العرب) لا مفهوم له بل وغيرهم.\rقوله: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي قل: سبحان اللّه والحمد للّه، تعجبا مما رأيت من عجيب إنعامه عليك. قوله: وَاسْتَغْفِرْهُ أي سل اللّه الغفران، وإنما أمر اللّه تعالى نبيه بالاستغفار، مع أنه معصوم من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها، ليترقى ويرجع إلى حضرة الحق، فإنه وإن كان مشغولا بهداية الخلق، إلا أن مقام الصفوة والحضور والأنس أعلى وأجل، فهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، ليزداد في التواضع والافتقار، وليكون ختام عمله التنزيه والاستغفار، وفيه تشريع للأمة، إذا طعن أحدهم في السن، فالغالب قرب أجله، فليكثر من ذلك ليختم عمله به.\rقوله: إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً أي ولم يزل، فكان للدلالة على ثبوت خبرها لاسمها، ومعنى كونه تَوَّاباً أنه يكثر قبول التوبة، وبهذا اندفع ما يقال: إن كان للدلالة على ثبوت خبرها لاسمها في الماضي، وإذا كان كذلك فلا يصح أن يكون علة للاستغفار في الحال أو المستقبل. قوله: (و علم بها أنه قد اقترب أجله) أي لقول مقاتل لما نزلت قرأها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على أصحابه، وفيهم أبو بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص والعباس، ففرحوا واستبشروا وبكى العباس، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما يبكيك يا عم؟ قال: نعيت إليك نفسك، قال:\rإنه كما قلت، فعاش بعدها ستين يوما، ما رئي فيها ضاحكا. وقيل: نزلت في منى بعد أيام التشريق في حجة الوداع، فبكى عمر والعباس، فقيل لهما: هذا يوم فرح، فقالا: بل فيه نعي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، أي إخبار بموته. وعن ابن عمر: نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع، ثم نزل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي فعاش النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعدها ثمانين يوما، ثم نزلت آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يوما، ثم نزل وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ فعاش بعدها إحدى وعشرين يوما، وقيل: سبعة أيام، وقيل: غير ذلك قوله: (توفي صلّى اللّه عليه وسلّم سنة عشر) إن قلت: إن سنة عشر حج فيها وتوفي فيها ولده إبراهيم، فالصواب سنة إحدى عشرة. وأجيب: بأن المراد على تمام عشر من الهجرة إلى المدينة، وذلك لأن الهجرة","part":4,"page":443},{"id":2036,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 444\r.......\r______________________________\rكانت لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول، وكانت وفاته لاثنتي عشرة خلت من ربيع اول، فكانت وفاته صلّى اللّه عليه وسلّم على رأس العاشرة، بالنظر لجعل التاريخ من الهجرة، وإن كانت لشهرين وشيء مضت من الحادية عشرة، إذا اعتبر التاريخ من أول السنة الشرعية وهو المحرم، فيصح أن يقال: توفي سنة إحدى عشرة، بالنظر لجعل التاريخ من المحرم، وتوفي سنة عشر بالنظر لجعل التاريخ من يوم دخول المدينة.","part":4,"page":444},{"id":2037,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 445\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة المسد مكيّة وآياتها خمس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لما دعا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قومه وقال: إني نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة تبت\rمكية وهي خمس آيات وتسمى سورة أبي لهب. قوله: (مكية) أي بالإجماع. قوله: (لما دعا النبي) أي نادى، وقوله:\r(قومه) أي المؤمنين والكافرين، وذلك أنه لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ خرج صلّى اللّه عليه وسلّم حتى صعد الصفا فهتف: يا صباحاه، فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه فقال: يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب، فاجتمعوا إليه فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك ما جمعتنا إلا لهذا، ثم قام، فنزلت هذه السورة، فلما سمعت امرأته ما نزل في زوجها وفيها من القرآن، أتت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر رضي اللّه عنه، وفي يدها فهر من حجارة، فلما وقفت عليه، أخذ اللّه بصرها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فلم تر إلا أبا بكر فقالت يا أبا بكر إن صاحبك قد بلغني أنه يهجوني، واللّه لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، واللّه إني لقائلة: مذمما عصينا، وأمره أبينا، ودينه قلينا، ثم انصرفت، فقال أبو بكر: يا رسول اللّه أما تراها رأتك؟\rقال: ما رأتني، لقد أخذ اللّه بصرها عني، وكانت قريش تسمي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مذمما ثم يسبونه، أي ذو ذمة، وعهد صادق، وقال صاحب الهمزية في هذا المعنى:\rوأعدت حمالة الحطب الفه ... ر وجاءت كأنها الورقاء\r\rيوم جاءت غضبى تقول أفي مث ... لي من أحمد يقال الهجاء\r\rفتولت وما رأته ومن ... أين ترى الشمس مقلة عمياء\rوقيل: إن سبب نزولها ما حكاه عبد الرحمن بن زيد، أن أبا لهب أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: ما ذا أعطى إن آمنت بك يا محمد؟ فقال: كما يعطى المسلمون، قال: ما لي عليهم فضل، قال: وأي شيء تبتغي؟\rقال: تبا لهذا من دين، إن أكن وهؤلاء سواء.","part":4,"page":445},{"id":2038,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 446\rشَدِيدٍ فقال أبو لهب: تبا لك، ألهذا دعوتنا؟ نزل تَبَّتْ خسرت يَدا أَبِي لَهَبٍ أي جملته، وعبر عنها باليدين مجازا، لأن أكثر الأفعال تزاول بهما، وهذه الجملة دعاء وَتَبَ (1) خسر هو، وهذه خبر كقولهم: أهلكه اللّه، وقد هلك، ولما خوّفه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالعذاب فقال: إن كان ما يقول ابن أخي حقا فإني أفتدي منه بمالي وولدي، نزل ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (2) وكسبه أي ولده، وأغنى بمعنى يغنى سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (3) أي تلهب وتوقد، فهي مآل تكنيته لتلهب وجهه إشراقا وحمرة وَامْرَأَتُهُ عطف على ضمير يصلى، سوغه الفصل بالمفعول وصفته وهي أم جميل حَمَّالَةَ بالرفع والنصب الْحَطَبِ (4) الشوك والسعدان تلقيه في طريق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فِي\r______________________________\rقوله: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ بفتح الهاء وسكونها، سبعيتان ولغتان جيدتان، واتفق القراء على فتح الهاء في قوله: ذاتَ لَهَبٍ والفرق أنها فاصلة، فلو سكنت زال التشاكل. قوله: (و هذه خبر) أي إخبار بحصول التباب له الذي دعا به عليه في الجملة الأولى، وهذا أحد قولين، وقيل: إن كلتا الجملتين دعاء، وصرح بكنيته لقبح اسمه، فإن اسمه عبد العزى، أو لأن اللّه تعالى أراد أن يحقق نسبته بأن يدخله النار.\rقوله: ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ يصح أن تكون ما نافية أو استفهامية، وعلى الثاني فهو في محل نصب ب أَغْنى والتقدير: أي شيء أغنى قدم لكونه له صدر الكلام. قوله: مالُهُ أي الموروث من آبائه. قوله: (و كسبه) أشار بذلك إلى أن ما مصدرية، ويصح أن تكون اسم موصول بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي والذي كسبه. قوله: (أي ولده) وهو عتيبة بالتصغير، وأما عتبة ومعتب فقد أسلما، قال بعضهم:\rكرهت عتيبة إذ أجرما ... وأحببت عتبة إذ أسلما\r\rكذا معتب مسلم فاحترز ... وخف أن تسب فتى مسلما\r\rومات أبو لهب بداء يسمى العدسة، بعد وقعة بدر لسبع ليال، والعدسة قرحة تخرج بالبدن فتقتل صاحبها، كانت العرب تهرب منها لزعمهم أنها تعدي.\rقوله: سَيَصْلى ناراً أي يحترق بها. قوله: (فهي مآل تكنيته) جواب عما يقال: كيف ذكره بكنيته دون اسمه وهو عبد العزى، مع أن ذلك إكرام واحترام؟ وإيضاحه أنه ذكره بكنيته لموافقة حاله لها، فإن مصيره إلى النار ذات اللهب، أو لأن ذكره باسمه خلاف الواقع حقيقة، لأنه عبد اللّه لا عبد العزى (و هي أم جميل) أي وهي أخت أبي سفيان بن حرب، وكانت عوراء وماتت مخنوقة بحبلها.\rقوله: حَمَّالَةَ الْحَطَبِ إن قلت: إنها كانت من بيت العز والشرف، فكيف يليق بها حمل الحطب؟ قلت: إنها لشدة عداوتها للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا تستعين في ذلك بأحد، بل تفعله بنفسها. قوله: (بالرفع) أي على أنه نعت لامرأته، وقرأ عاصم حَمَّالَةَ بالنصب على الذم أو الحال من امرأته، والمعنى: أنها تصلى النار حال كونها حَمَّالَةَ الْحَطَبِ لما ورد: «أنها تحمل يوم القيامة حزمة من حطب النار، كما كانت تحمل الحطب في الدنيا». قوله: (و السعدان) هو نبت له شوك يشبه به حلمة الثدي وهو بوزن سرحان.\rقوله: (تلقيه) أي بالليل لقصد أذية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم.","part":4,"page":446},{"id":2039,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 447\rجِيدِها عنقها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5) أي ليف، وهذه الجملة حال من حمالة الحطب الذي هو نعت لامرأته، أو خبر مبتدأ مقدر.\r______________________________\rقوله: فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ قيل: إنها في الدنيا كانت تحتطب في حبل من ليف تجعله في عنقها، فبينما هي ذات يوم حاملة للحزمة، فقعدت على حجر لتستريح، إذا أتاها ملك فجذبها من خلفها فأهلكها خنقا بحبلها، وقيل: هذا في الآخرة، قال ابن عباس: هو سلسلة من حديد، ذرعها سبعون ذرعا، تدخل من فيها وتخرج من دبرها، ويكون سائرها في عنقها، فتلت من حديد فتلا محكما ا ه.\rويكون المراد بالمسد الحديد، فإنه يطلق عليه أيضا كما يؤخذ من القاموس، ولا مانع من الجمع، قوله:\r(أي ليف) قيل: هو ليف المقل وهو شجر الدوم أبيض مشهور، وقيل: مطلق الليف قوله: (و هذه الجملة) أي المركبة من المبتدأ الذي هو حَبْلٌ، ومن الخبر الذي هو فِي جِيدِها. قوله: (أو خبر مبتدأ مقدر) أي وتقديره: المرأة المذكورة فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ.","part":4,"page":447},{"id":2040,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 448\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الإخلاص مكيّة وآياتها أربع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سئل صلّى اللّه عليه وسلّم عن ربه، فنزل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) فاللّه خبر هو،\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الإخلاص\rمكية أو مدنية وهي أربع أو خمس آيات مناسبتها لما قبلها، أنه لما تقدم في التي قبلها، ذكر عداوة المشركين له صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا سيما أقرب الناس إليه وهو عمه أبو لهب، جاءت هذه السورة مصرحة بالتوحيد، رادة على عبدة الأوثان، تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم وإشعارا بأن من تعلق باللّه، لا يكله إلى غيره ولا يعتريه حزن، ولهذه السورة أسماء كثيرة، وزيادة الأسماء على شرف المسمى، أنهاها بعضهم إلى عشرين اسما، أولها: الإخلاص. ثانيها: التنزيل. ثالثها:\rالتجريد لأن ما تعلق بها تجرد عن الأغيار. رابعها: التوحيد لأنها دالة عليه. خامسها: النجاة لنجاة قارئها من النار. سادسها: الولاية لأن من تعلق بها أعطاه اللّه الولاية. سابعها: النسبة لقوله في السؤال: انسب لنا ربك. ثامنها: المعرفة لأن من فهمها عرف اللّه تعالى. تاسعها: الجمال لدلالتها على جمال اللّه، أي اتصافه بالكمالات وتنزيهه عن النقائص. عاشرها المقشقشة أي المبرئة من الشرك والنفاق. الحادي عشر المعوذة أي المحصنة لقارئها في فتن الدنيا والآخرة الثاني عشر: الصمد لذكره فيها الثالث عشر الأساس لأنها أصل الدين ولحديث: «أسست السماوات السبع والأرضون السبع على قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ». الرابع عشر: المانعة لأنها تمنع فتنة القبر وعذاب النار. الخامس عشر: سورة المحتضر لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت. السادس عشر: المنفرة لأن الشياطين تنفر عند قراءتها. السابع عشر: سورة البراءة لأنها براءة من الشرك. الثامن عشر: المذكرة لأنها تذكر العبد خالص التوحيد. التاسع عشر: النور لأنها تنور القلب. العشرين: سورة الإنسان لأنه لا غنى له عنها. وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة، منها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «من أراد أن ينام على فراشه فنام على يمينه ثم قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة يقول له الرب عزّ وجل: يا عبدي ادخل بيمينك الجنة»، ومنها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ خمسين مرة، غفرت له ذنوب خمسين سنة». ومنها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عشر مرات بني له قصر في الجنة، ومن قرأها عشرين مرة بني له قصران في الجنة: ومن قرأها ثلاثين مرة بني له","part":4,"page":448},{"id":2041,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 449\r.......\r______________________________\rثلاثة قصور في الجنة». قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: يا رسول اللّه إذن تكثر قصورنا، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أوسع من ذلك». ومنها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ في مرضه الذي يموت فيه، لم يفتن في قبره، وأمن من ضغطة القبر، وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها، حتى تجيزه من الصراط إلى الجنة». ومنها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حين يدخل منزله، نفت الفقر عن أهل ذلك المنزل وعن الجيران». ومنها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مرة بورك عليه، ومن قرأها مرتين بورك عليه وعلى أهله، ومن قرأها ثلاث مرات بورك عليه وعلى جميع جيرانه، ومن قرأها اثنتي عشرة مرة، بنى اللّه له اثني عشر قصرا في الجنة، فإن قرأها مائة مرة كفر اللّه عند ذنوب خمسين سنة، ما خلا الدماء والأموال، فإن قرأها مائتي مرة كفر اللّه عنه ذنوب مائة سنة، فإن قرأها ألف مرة لم يمت حتى يرى مكانه في الجنة، أو يرى له». ومنها: أنه شكا رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الفقر وضيق المعيشة، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إذا دخلت البيت فسلم إن كان فيه أحد، فإن لم يكن فيه أحد فسلم علي واقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مرة واحدة» ففعل الرجل ذلك فأدر اللّه عليه الرزق حتى أفاض على جيرانه. ومنها أن من قرأ مائة ألف مرة، فقد اشترى نفسه من اللّه، ونادى مناد من قبل اللّه تعالى في سماواته وفي أرضه: ألا إن فلانا عتيق اللّه، فمن كان له قبله بضاعة فليأخذها من اللّه عزّ وجل، فهي عتاقة من النار، لكن بشرط أن لا يكون عليه حقوق للعباد أصلا، أو عليه وهو عاجز عن أدائها، أما من قدر عليها فهو كالمستهزئ بربه، لما ورد في الحديث: «يا داود قل للظلمة لا يذكروني، فإنهم إن ذكروني ذكرتهم وذكري لهم أن ألعنهم».\rقوله:\r(سئل صلّى اللّه عليه وسلّم) أي والسائل له قريش أو أحبار اليهود أو النصارى حيث قالوا: إن آلهتنا ثلاثمائة وستون ولم تقض حوائجنا، فكيف بواحد؟ أو صورة السؤال: وما صفة ربك؟ هل هو من نحاس أو من ذهب أو زبرجد أو كيف هو؟ قولان في كيفية السؤال، وورد: أن ابن سلام لما سمع بمخرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة ذهب إليه، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: أنت ابن سلام عالم يثرب؟ قال: نعم، أنشدك اللّه الذي أنزل التوراة على موسى أتجدوني في التوراة، قال: أنسب ربك، فارتج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال له جبريل عليه الصلاة والسّلام: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إلى آخرها، فقرأها فقال ابن سلام: أشهد أنك رسول اللّه، وأن اللّه يظهرك ويظهر دينك على الأديان، وإني لأجد صفتك في كتاب اللّه التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، لست بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا تجزئ بالسيئة مثلها، ولكن تعفو وتصفح، ولن يقبضه اللّه حتى تستقيم به الملة المعوجة حتى يقولوا: لا إله إلا اللّه، يفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا. قوله: (فاللّه خبر هو) إلخ، هذا مبني على أن ضمير هُوَ عائد على المسئول عنه في كلام الكفار، وقيل: إنه ضمير الشأن يفسره الجملة بعده ف اللَّهُ مبتدأ وأَحَدٌ خبره، والجملة خبر هُوَ وهمزة أَحَدٌ بدل من واو، لأنه من الوحدة، أو ليست مبدلة من شيء قولان، وإثبات لفظ قُلْ مع تنوين أَحَدٌ هو قراءة العامة، وقرئ شذوذا بحذف قُلْ وقرئ أيضا: قل هو اللّه أحد، وقرئ أيضا بحذف التنوين لالتقاء الساكنين، واعلم أن هذه الآية يأخذ منها عقائد التوحيد، وذلك لأن اللّه تعالى علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، ومن كان وجوده واجبا، لزم اتصافه بسائر الكمالات، كالقدرة والإرادة والعلم والحياة، وقوله: أَحَدٌ يدل على الصفات السلبية وهي: القدم والبقاء والغنى المطلق والتنزه عن الشبيه والنظير والمثيل في الذات والصفات والأفعال، وبذلك انتفت الكموم الخمسة وهي: لكم المتصل والمنفصل في الذات والصفات والمنفصل في","part":4,"page":449},{"id":2042,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 450\rوأحد بدل منه، أو خبر ثان اللَّهُ الصَّمَدُ (2) مبتدأ وخبر، أي المقصود في الحوائج على الدوام لَمْ يَلِدْ لانتفاء مجانسته وَلَمْ يُولَدْ (3) لانتفاء الحدوث عنه وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4) أي مكافئا ومماثلا، فله متعلق بكفوا وقدم عليه لأنه محط القصد بالنفي، وأخر أحد وهو اسم يكن عن خبرها رعاية للفاصلة.\r______________________________\rالأفعال، فالمتصل في الذات والصفات هو التركيب، والمنفصل فيهما هو الشبيه والنظير، والمنفصل في الأفعال هو الشبيه فيها، وكل هذه منفية ومستحيلة عليه تعالى، وأما المتصل في الأفعال فهو ثابت، ولأن أفعال اللّه متعددة لا نهاية لها، بقي شيء آخر وهو أن أَحَدٌ يستعمل في النفي، وأما واحد فيستعمل في الإثبات، فلم ذكره في الإثبات؟ أجيب: بأن ذلك أغلبيّ، وقد يستعمل كل في كل، والقرآن وارد بذلك في غير آية، وآثر الأحد على الواحد لمراعاة الفواصل. قوله: (و أحد بدل) أي بدل نكرة من معرفة وهو جائز.\rقوله: اللَّهُ الصَّمَدُ نتيجة ما قبله، ولذا ترك العاطف، وذلك لأنه حيث ثبت أنه متصف بالكمالات منزه عن النقائص، فلا يقصد غيره، ولا يعول إلا عليه. قوله: (أي المقصود في الحوائج) هذا أحد أقوال في معنى الصَّمَدُ وهو المشهور، وقيل: هو الذي لا جوف له، وقيل: هو الدائم الباقي بعد فناء خلقه، وقيل: هو الذي ليس فوقه أحد، وقيل: غير ذلك، وإنما عرف الصَّمَدُ لعلمهم به ومعرفتهم إياه، بخلاف أحديته، وكرر لفظ اللَّهُ إشعارا بأن من لم يتصف به لا يستحق الألوهية.\rقوله: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ رد على مشركي العرب القائلين: الملائكة بنات اللّه، واليهود القائلين:\rعزير ابن اللّه، والنصارى القائلين: المسيح ابن اللّه، وهذه الجملة نتيجة ما قبلها، لأنه حيث ثبت أنه متصف بالكمالات، منزه عن النقائص، مقصود في جميع الأمور، فلم يكن علة في غيره، ولا غيره علة فيه، وأتى بالعاطف في الجملتين الأخيرتين دون ما عداهما، لأنهما سيقتا لمعنى وهو نفي المماثلة عنه تعالى بوجوهها، لأن المماثلة إما ولد أو والد أو نظير، فلتغاير الأقسام أتى بالعطف لأنه يقتضي المغايرة، وترك العاطف في لَمْ يَلِدْ لأنه مؤكد للصمدية، لأن الغني عن كل شيء، المحتاج إليه كل ما سواه، لا يكون والدا ولا مولودا، فهذه الجمل الثلاث في معنى جملة واحدة. قوله: (لانتفاء مجانسته) أي لغيره، لأن الولد من جنس أبيه، واللّه لا يجانسه أحد، لأنه واجب وغيره ممكن، ولأن الولد يطلب إما لإعانة والده، أو لتخلفه بعده، واللّه تعالى غني عن كل شيء ولا يفنى. قوله: (لانتفاء الحدوث عنه) أي لأن كل مولود جسم ومحدث، واللّه تعالى ليس كذلك. قوله: (و مماثلا) عطف تفسير، واعلم أن الكفر يعم الشبيه والنظير والمثيل، فالمثيل هو المشارك لك في جميع صفاتك، والشبيه هو المشارك في غالبها، والنظير هو المشارك في أقلها، واللّه تعالى منزه عن ذلك كله. قوله: (و قدم عليه) أي وكان الأصل أن يؤخر الظرف، لكن قدم لأهميته اعتناء بنفي المكافأة عنه تعالى لأنه المقصود. قوله: (لأنه محط القصد بالنفي) أي فالقصد نفي المكافأة عن ذات اللّه، فكأن تقديمه أولى، وهذه السورة الشريفة، نفت أصول الكفر الثمانية:\rالتركيب والعدد والنقص بمعنى الاحتياج والقلة بمعنى البساطة والعلة والمعلول والشبيه والنظير، أما الكثرة والعدد فانتفاؤهما بقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والنقص والقلة بقوله: اللَّهُ الصَّمَدُ والعلة والمعلول بقوله لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ والشبيه والنظير ب\rقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.","part":4,"page":450},{"id":2043,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 451\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الفلق مكيّة وآياتها خمس نزلت هذه السورة والتي بعدها لما سحر لبيد اليهودي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في وتر به إحدى عشرة\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الفلق\rمكية أو مدنية وهي خمس آيات مناسبتها لما قبلها، أنه تعالى لما بين أمر الألوهية في السورة قبلها، بين هنا ما يستعاذ منه باللّه تعالى، لأنه لا ملجأ سواه. قوله: (مكية) أي في قول الحسن وعطاى وعكرمة، وقوله: (أو مدنية) أي في قول ابن عباس وقتادة وجماعة وهو الصحيح، ويؤيده سبب النزول، فإنه كان بالمدينة، ولم يظهر للقول بأنها مكية وجه، وورد في فضل هذه السورة والتي بعدها أحاديث: منها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «لقد أنزلت علي سورتان ما أنزل مثلهما، وإنه لم يقرأ أحد أحب ولا أرضى عند اللّه منهما» يعني المعوذتين. وقوله: «ما أنزل مثلهما» أي في التحصن والتعوذ. ومنها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا ابن عامر ألا أخبرك بأفضل مما تعوذ به المتعوذون»؟ قلت: بلى يا رسول اللّه، قال: «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ» ومنها أنه كان صلّى اللّه عليه وسلّم يتعوذ من عين الجان ومن عين الإنس، فلما نزلت سورتا المعوذتين، أخذ بهما وترك ما سواهما، ومنها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لبعض أصحابه:\r«اقرأ: قل هو اللَّه أحد والمعوذتين ثلاثا يكفيك من كل شيء». وفي رواية؟ «من قرأ: قل هو اللَّه أحد والمعوذتين ثلاث مرات إذا أخذ مضجعه، فإذا قبض قبض شهيدا، وإن عاش عاش مغفورا له».\rقوله: (نزلت هذه السورة والتي بعدها) إلخ، أي بإجماع الصحابة. قوله: (لما سحر لبيد) أي ابن الأعصم، وحاصله أنه لما رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الحديبية في ذلك الحجة، ودخل المحرم سنة سبع، وفرغ من وقعة خيبر، جاءت رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم، وكان حليفا في بني زريق وكان ساحرا، فقالوا: أنت أسحرنا أي أعلمنا بالسحر، وقد سحرنا محمدا فلم يؤثر فيه سحرنا شيئا، ونحن نجعل لك جعلا على أن تسحره لنا سحرا يؤثر فيه، فجعلوا له ثلاثة دنانير، فأتى غلاما يهوديا كان يخدم النبي، فلم يزل به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وعدة أسنان من مشطه وأعطاه له فسحره بها، وكان من جملة السحر، صورة من شمع على صورة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قد جعلوا في تلك الصورة إبرا مغروزة إحدى","part":4,"page":451},{"id":2044,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 452\rعقدة، فأعلمه اللّه بذلك وبمحله، فأحضر بين يديه صلّى اللّه عليه وسلّم وأمر بالتعوذ بالسورتين، فكان كلما قرأ آية منهما انحلت عقدة ووجد خفة، حتى انحلت العقد كلها، وقام كأنما نشط من عقال\r______________________________\rعشرة، ووتر فيه إحدى عشرة عقدة، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألم في بدنه، ثم يجد بعدها راحة، وكانت مدة سحره صلّى اللّه عليه وسلّم أربعين يوما، وقيل: ستة أشهر، وقيل: عاما، قال ابن حجر وهو المعتمد: إن قلت: كيف يؤثر السحر فيه صلّى اللّه عليه وسلّم مع أنه معصوم بنص وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ؟ أجيب: بأن المعصوم منه ما أدى لخبل في عقله، أو لضياع شرعه أو لموته، وأما ما عدا ذلك، فهو من الأعراض البشرية الجائزة في حقه، كما أن جرحه وكسر رباعيته، لا يقدح في عصمته، وأنكر بعض المبتدعة حديث السحر، زاعمين أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها، وما أدى لذلك فهو باطل، وزعموا أيضا أن تجويز السحر على الأنبياء، يؤدي لعدم الثقة بما أتوا به من الشرائع، إذ يحتمل أن يخيل إليه أن يرى جبريل يكلمه وليس هو، ثم وهذا كله مردود، لقيام الدليل على ثبوت السحر بإجماع الصحابة، وعصمته صلّى اللّه عليه وسلّم وجميع الأنبياء، وصدقهم فيما يبلغونه عن اللّه، وأما ما كان متعلقا بأمور الدنيا، فهم كسائر البشر تعتريهم الأعراض، كالصحة والسقم والنوم واليقظة والتألم بالسحر ونحو ذلك، وأما ما ورد في قصة السحر، مع أنه كان يخيل إليه أنه يأتي أهله ولم يأت، فمعناه أنه يظهر له من نشاطه وسابق عادته الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك، كما هو شأن المعقود، وتسمية العامة المربوط لما ورد: أنه حبس عن عائشة سنة، وعن ابن عباس: أنه مرض وحبس عن النساء والطعام والشراب، ففي ذلك دليل على أن السحر، إنما تسلط على ظاهر جسده، لا على عقله، ثم اعلم أن مذهب أهل السنة، أن السحر حق وله حقيقة، ويكون بالقول والفعل، ومن جملة أنواعه: السيمياء وهي حيل صناعية، يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها وأوقاتها، وأكثرها تخيلات، فيعظم عند من لا يعرف ذلك، والحق أنه من الأسباب العادية التي توجد الأشياء عندها لا بها، فيؤثر في القلوب كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر؛ وفي الأبدان بالألم والسقم، وأما قلب الجماد حيوانا وعكسه فباطل لا يتصور، إذ لو قدر الساحر على هذا، لقدر أن يرد نفسه إلى الشباب بعد الهرم، وأن يمنع نفسه من الموت، وهو حرام إن لم يكن بما يعظم به غير اللّه، أو يعتقد تأثيره بنفسه، وإلا فهو كفر. قوله: (في وتر) بفتحتين أي وتر القوس. قوله: (فأحضر بين يديه) روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان نائما ذات يوم، إذ أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ فقال: الذي عند رجليه: طب أي سحر، قال: ومن سحره؟\rقال: لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: وبم طبه؟ قال بمشط ومشاطة، قال: وأين هو؟ قال: في جف طلعة تحت راعوفة في بئر ذروان، فانتبه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثم أمر عليا والزبير وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء تلك البئر كأنه نقاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف، فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان مشطه، وإذا وتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة، وإذا تمثال من شمع على صورته صلّى اللّه عليه وسلّم مغروز فيه إحدى عشرة إبرة، وكانت هذه المذكورات كلها موضوعة في الجف، وهو بضم الجيم وتشديد الفاء، وعاء طلع النخل، والراعوفة حجر أسفل البئر يقوم عليه المائح. قوله: (كأنما نشط من عقال) أي كأنما حل وأطلق منه. قوله:\r(الصبح) هذا أحد أقوال في معنى الفلق، وآثره إشارة إلى التفاؤل الحسن، فإن مقصود العائذ من","part":4,"page":452},{"id":2045,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 453\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) الصبح مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (2) من حيوان مكلف وغير مكلف، وجماد كالسم وغير ذلك وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (3) أي الليل إذا أظلم، أو القمر إذا غاب وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ السواحر تنفث فِي الْعُقَدِ (4) التي تعقدها في الخيط تنفخ فيها بشيء تقوله من غير ريق، وقال الزمخشري: معه كبنات لبيد المذكور وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا\r______________________________\rالاستعاذة، أن يتغير حاله بالخروج من الخوف إلى الأمن، ومن الوحشة إلى السرور والصبح أدل على هذا، لما فيه من زوال الظلمة بإشراق أنواره، وتغير وحشة الليل وثقله بسرور الصبح وخفته، وقيل:\rالفلق سجن في جهنم، وقيل: بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل جهنم من حره، وقيل: هو اسم من أسماء جهنم، وقيل: واد في جهنم، وقيل: شجرة في النار، وقيل: الرحم لانفلاقه عن الولد، وقيل: كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان والحب والنوى وكل نبات، وقيل: غير ذلك.\rقوله: مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ هذا عام وما بعده خاص، والجار والمجرور متعلق ب أَعُوذُ وما موصولة أو مصدرية. قوله: (و غير ذلك) أي كالإحراق بالنار والإغراق في البحار.\rقوله: وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ نكر غاسِقٍ\rوحاسِدٍ لإفادة التبعيض، لأن الضرر قد يتخلف فيهما، وعرف النَّفَّاثاتِ لأنهن معهودات، فقيل: بنات لبيد، وقيل: أخواته. قوله: (أي الليل إذا أظلم) سمي الليل غاسقا لانصباب ظلامه، واستعيذ من الليل لشدة الآفات فيه، وإِذا منصوبة ب شَرِّ أي أعوذ باللّه من الشر في وقت كذا. قوله: (أو القمر) سمي غاسقا لذهاب ضوئه بالكسوف، أو المحاق في آخر الشهر واسوداده، وقوله: (إذا غاب) أي استتر بالكسوف، أو أخذ في المحاق أو النقص، وذلك آخر الشهر، وفيه تتوفر أسباب السحر المصححة له، ويسميه المنجمون إذ ذاك نحسا، وهو أنسب بسبب النزول، وهذان قولان من جملة أقوال كثيرة، وقيل: الثريا وذلك لأنها إذا سقطت كثرت الأقسام والطواعين؛ وإذا طلعت ارتفع ذلك، وقيل: هو الشمس إذا غربت، وقيل: هو الحية إذا لدغت، وقيل: كل هاجم يضر كائنا ما كان. قوله: (السواحر) صفة لموصوف محذوف أي النساء السواحر، وخص النساء بالذكر، لأن سحرهن أشد من سحر الرجال، لما ورد: أنه بعد إغراق فرعون وقومه، وتوجه موسى وقومه لقتال الجبارين، ملك نساء القبط مصر، وأقمن فيها ستمائة سنة، كلما قصدهن عسكر صورن صورته، وفعلن بالصورة ما شئن من قلع الأعين وقطع الأعضاء، فيتفق نظيره للعسكر القاصد لهن فتخافهن العسكر.\rقوله: (بشيء) أي مع شيء أي قول تقوله. وقوله: (من غير ريق) متعلق ب (تنفخ)، واختلف في النفث عند الرقية والمسح باليد، فمنعه قوم لما فيه من التشبه بالسحر، وأجازها آخرون وهو الصحيح، لما ورد عن عائشة: كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ينفث في الركية، وورد عنها أيضا أنها رقت ونفثت، وقال علي كرم اللّه وجهه:\r«اشتكيت فدخل علي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأنا أقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني، وإن كان متأخرا فاشفني وعافني، وإن كان بلاء فصبرني، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: كيف قلت؟ فقلت له، فمسحني بيده ثم قال: اللهم اشفه، فما عاد ذلك الوجع بعد» ا ه. قوله: (و قال الزمخشري: معه) أي الريق، ففي النفث قولان.\rقوله: وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ الحسد تمني زوال نعمة المحسود عنه، وإن لم يصر للحاسد مثلها، والغبطة تمني مثلها، فالحسد مذموم دون الغبطة، وعليها حمل حديث: «لا حسد إلا في اثنتين»","part":4,"page":453},{"id":2046,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 454\rحَسَدَ (5) أظهر حسده وعمل بمقتضاه، كلبيد المذكور من اليهود الحاسدين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وذكر الثلاثة الشامل لها ما خلق بعده لشدة شرها.\r______________________________\rوالحسد أول ذنب عصي اللّه به في السماء، وأول ذنب عصي به في الأرض، فحسد إبليس آدم وقابيل وهابيل، والحاسد ممقوت مبغوض ومطرود وملعون، قال بعض الحكماء: بارز الحاسد ربه من خمسة أوجه، أولها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره. ثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه كأنه يقول: لم قسمت لي هذه القسمة؟ ثالثها: أنه يعاند فعل اللّه تعالى، رابعها: أنه يريد خذلان أولياء اللّه. خامسها: أنه أعان عدو اللّه إبليس، وقال بعضهم: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضا، ولا ينال في الخلوة إلا جزعا وغما، ولا ينال في الآخرة إلا حزنا واحتراقا، ولا ينال من اللّه إلا بعدا ومقتا. وفي الحديث: «في الإنسان ثلاثة: الطيرة والظن والحسد، فيخرجه من الطيرة أن لا يرجع، ويخرجه من الظن أن يحقق، ويخرجه من الحسد أن لا يبغي». قوله: (أظهر حسده) أي حمله الحسد على إظهاره، لأنه إذا لم يظهر الحسد، لا يتأذى به إلا الحاسد وحده لاغتمامه بنعمة غيره، وفي هذا المعنى قال بعض العارفين:\rألا قل لمن بات لي حاسدا ... أتدري على من أسأت الأدب\r\rأسأت على اللّه فعله ... لأنك لم ترض لي ما وهب\r\rفكان جزاؤك أن خصني ... وسد عليك طريق الطلب\r\rوقال بعضهم:\rاصبر على حسد الحسو ... د فإن صبرك قاتله\r\rفالنار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تأكله\r\rفائدة: كرر لفظ شر مع كل جمع لئلا يتوهم أنه شر واحد مضاف للجميع.","part":4,"page":454},{"id":2047,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 455\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة النّاس مكيّة وآياتها ست بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) خالقهم ومالكهم، خصوا بالذكر تشريفا لهم، ومناسبة للاستعاذة من شر الموسوس في صدورهم مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلهِ\r______________________________\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الناس\rمكية أو مدنية وهي ست آيات قوله: (أو مدنية) أي وهو الصحيح لما تقدم من أن سبب النزول واقعة السحر، وهي بالمدينة سنة سبع. قوله: (ست آيات) أي والسورة التي قبلها خمس، فتكون الجملة إحدى عشرة آية، عدة العقد والإبر الحاصلين في السحر.\rقوله: قُلْ أَعُوذُ أي أتحصن، والأمر للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويتناول غيره من أمته، لأن أوامر القرآن ونواهيه لا تخص فردا دون فرد. قوله: النَّاسِ أصله إما أناس حذفت الهمزة، أو نوس مأخوذ إما من ناس إذا تحرك خص بالبشر، لأنه المتحرك الحركة المعتد بها الناشئة عن رؤية وتدبر، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا أو من الإنس ضد الوحشة لأنه يؤنس به؛ أو من النسيان لكونه شأنه وطبعه. قوله: (خالقهم) أي موجدهم من العدم. قوله: (خصوا بالذكر) أي وإن كان رب جميع الخلائق. قوله: (تشريفا لهم) أي من حيث إنه تعالى أخذ لهم ملائكة قدسه، وجعل لهم ما في الأرض جميعا، وأمدهم بالعقل والعلم وكلفهم بخدمته، فإن قاموا بتلك الوظيفة، كان لهم العز دنيا وأخرى، وإن لم يقوموا بها، ردوا لأسفل السافلين، فلم يساووا كلبا ولا خنزيرا، وإذا علمت بذلك أنه رب الناس، فهو رب الناس، فهو رب غيرهم بالأولى. قوله: (و مناسبته للاستعاذة) الخ، أي فكأنه قال:\rأعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم المالك لهم.\rقوله: مَلِكِ النَّاسِ بإسقاط الألف هنا باتفاق القراء، بخلاف الفاتحة ففيها قراءتان سبعيتان ثبوت الألف وحذفها، ومعنى الملك: المتصرف فيهم بأنواع التصرفات، من إعزاز وإذلال وإغناء وإفقار وغير ذلك.","part":4,"page":455},{"id":2048,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 456\rالنَّاسِ (3) بدلان، أو صفتان، أو عطفا بيان، وأظهر المضاف إليه فيهما زيادة للبيان مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ أي الشيطان، سمي بالحدث لكثرة ملابسته له الْخَنَّاسِ (4) لأنه يخنس ويتأخر عن القلب كلما ذكر اللّه الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) قلوبهم إذا غفلوا عن ذكر اللّه مِنَ\r______________________________\rقوله: إِلهِ النَّاسِ هذا الترتيب بديع، وذلك أن الإنسان أو لا يعرف أن له ربا لما شاهده من أنواع التربية، ثم إذا تأمل، عرف أن هذا الرب متصرف في خلقه، غني عن غيره فهو الملك، ثم إذا زاد تأمله، عرف أنه يستحق أن يعبد، لأنه لا يعبد إلا الغني عن كل ما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه. قوله:\r(زيادة للبيان) حاصله أنه ورد إشكال وهو: لم كرر لفظ الناس ثانيا وثالثا، ولم يكتف بضميرهم، مع أن اتحاد اللفظين في اللفظ، والمعنى معيب كالإبطاء في الشعر. فأجاب المفسر بقوله: (زيادة للبيان) وهو جواب خفي، وأحسن منه أن يقال: إن التكرار لإظهار شرف الناس وتعظيمهم والاعتناء بشأنهم، كما أنه حسن التكرار للتلذذ، وإظهار فضل المكرر في قول بعضهم:\rمحمد ساد الناس كهلا ويافعا ... وساد على الأملاك أيضا محمد\r\rمحمد كل الحسن من بعض حسنه ... وما حسن كل الحسن إلا محمد\r\rمحمد ما أحلى شمائله وما ... ألذ حديثا راح فيه محمد\r\rوهذا على تسليم أن المراد بالناس في الجميع شيء واحد، وأما إن أريد بالناس. الأول: الصغار وأضيفوا للرب؛ لاحتياجهم إلى التربية أكثر من غيرهم. وبالثاني: الشباب وأضيفوا للملك، لأن شأنهم الطغيان والطيش، فهم محتاجون لملك يسوسهم ويكسر هيجان شبوبيتهم. وبالثالث: الشيوخ أضيفوا للإله، لأن شأنهم كثرة العبادة، لقرب ارتحالهم وقدومهم على ربهم وفناء شهواتهم، فهم أقرب من غيرهم للتعلق بالإله، فلا اتحاد في المعنى.\rقوله: مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ متعلق ب أَعُوذُ إن قلت: ما الحكمة في وصف اللّه تعالى في هذه السورة نفسه بثلاثة أوصاف، وجعل المستعاذ منه شيئا واحدا، وفي السورة قبلها بعكس ذلك، لأن وصف نفسه بوصف واحد؛ وجعل المستعاذ منه أربعة أشياء. أجيب: بأنه في السورة المتقدمة المستعاذ منه أمور تضر في ظاهر البدن، وهنا وإن كان أمرا واحدا، إلا أنه يضر الروح، وما كان يضر الروح يهتم بالاستعاذة منه. إن قلت: كان مقتضى الظاهر تقديم ما به الاهتمام، وهو الاستعاذة من شر الوسواس، إذ سلامة الروح مقدمة على البدن. أجيب: بأن سلامة البدن وسيلة للمقصود بالذات؛ وهو سلامة الروح. قوله:\r(سمي بالحدث) أي المصدر، وقوله: (لكثرة ملابسته له) أي ملازمته للوسوسة، فهو على حد: زيد عدل، وما ذكره المفسر بمتعين، فإن الوسواس بالفتح، كما يستعمل اسم مصدر بمعنى الحدث، يطلق على نفس الشيطان الموسوس، ويطلق أيضا على ما يخطر بالقلب من الشر. واعلم أن خواطر القلب أربعة:\rرحماني وملكي ونفسي، وشيطاني، فالرحماني ما يلزم طاعة بعينها، والملكي ما يلزم طاعة لا بعينها، والنفسي ما يلزم معصية بعينها، والشيطاني ما يلزم معصية لا بعينها فتمسك بهذا الميزان. قوله: (لأنه يخنس) من باب دخل، أي يتوارى ويختفي بعد ظهوره المرة بعد المرة. قوله: (كلما ذكر اللّه) أي فالذكر له كالقامع الذي يقمع المفسد، فهو شديد النفور منه، ولهذا كان شيطان المؤمن هزيلا، وعن بعض","part":4,"page":456},{"id":2049,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 457\rالْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) بيان للشيطان الموسوس أنه جني وإنسي، كقوله تعالى: شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِ أو من الجنة بيان له، والناس عطف على الوسواس، وعلى كل يشمل شر لبيد وبناته المذكورين، واعترض الأول بأن الناس لا يوسوس في صدورهم الناس، إنما يوسوس في صدورهم الجن، وأجيب: بأن الناس يوسوسون أيضا بمعنى يليق بهم في الظاهر، ثم تصل وسوستهم إلى القلب وتثبت فيه بالطريق المؤدي إلى ذلك، واللّه تعالى أعلم.\r______________________________\rالسلف: أن المؤمن يفني شيطانه، كما يفني الرجل بعيره في السفر. قال قتادة: الْخَنَّاسِ له خرطوم كخرطوم الكلب، وقيل: كخرطوم الخنزير في صدر الإنسان، فإذا ذكر العبد ربه خنس، ويقال: رأسه كرأس الحية، واضع رأسه على ثمرة القلب يمسه ويحدثه، فإذا ذكر اللّه خنس وتأخر، وإذا غفل رجع، وهل المراد الحقيقة. أو خرطوم الكلب والخنزير كناية عن قبحه وخبثه ونجاسته، ورأس الحية كناية عن شدة الأذية، ووضعه على الفؤاد كناية عن شدة التمكن؟ كل محتمل. قوله: (إذا غفلوا عن ذكر اللّه) أي بقلوبهم ولو كانوا ذاكرين بألسنتهم، وذلك لأن الوسوسة حالة في القلب، فلا يطردها إلا الذكر في الحال في القطر، فمن كان من أهل الذكر، فلا تسلط للشيطان عليه، قال تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ،* ولا يترك الإنسان الذكر اللساني إذا وجد الغفلة والوسواس في قلبه، بل يكثر الذكر ويديمه، فلعله يستيقظ قلبه ويتنور، قال العارفون: الذكر اللساني كقدح الزناد، فإذا تكرر أصاب، قال بعضهم في ذلك:\rاطلب ولا تضجرن من مطلب ... فآفة الطالب أن يضجرا\r\rأما ترى الحبل لتكراره ... في الصخرة الصماء قد أثرا\r\rقوله: مِنَ الْجِنَّةِ اسم جنس جمعي، يفرق بينه وبين واحده بالياء، فيقال: جن وجني، كزنج وزنجي، وغالبا يفرق بالتاء كتمر وتمرة، وزيدت التاء في الجنة لتأنيث الجماعة، سموا بذلك لاجتنانهم أي استتارهم عن العيون، وهم أجسام نارية هوائية، يتشكلون بالصور الشريفة والخسيسة، وتحكم عليهم الصورة وتقدم ما فيهم. قوله: (بيان للشيطان الموسوس) أي المذكور بقوله: مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ ف مِنَ بيانية مشوبة بتبعيض، أي بعض الجنة وبعض الناس. قوله: (كقوله تعالى) الخ، أي ويشهد له حديث: «تعوذوا باللّه من الشياطين الجن والإنس». قوله: (و الناس) عطف على الوسواس، أي ولفظ شَرِّ مسلط عليه كأنه قال: من شر الوسواس الذي يوسوس وهو الجنة، ومن شر الناس، وعليه فالناس لا يصدر منهم وسوسة. قوله: (و على كل) أي من الاحتمالين، وقوله: (يشمل) أي الشر المستعاذ منه شر لبيد الخ. قوله: (المذكورين) أي في السورة السابقة، وفيه تغليب المذكر وهو لبيد، على المؤنث وهو بناته. قوله: (و اعترض الأول) أي وهو أنه بيان للشيطان الموسوس. قوله: (لا يوسوس في صدورهم الناس) كذا في بعض النسخ، والمناسب كما في بعضها لا يوسوسون في صدور الناس. قوله:\r(بمعنى يليق بهم) أي كالنميمة ويخنسون إذا زجروا. قوله: (المؤدي) أي الموصل إلى ثبوتها في القلب.\rقوله: (و اللّه أعلم) أشار بذلك إلى تمام القرآن، وفي ختم القرآن بهذه السورة إشارة حسنة كأنه قيل: ما","part":4,"page":457},{"id":2050,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 458\r.......\r______________________________\rأنزلناه كاف، ما فرطنا في الكتاب من شيء، فلا تطلب بعده شيئا، بل اقتصر على العمل به، واستعذ باللّه من الشيطان والحاسد، لأن العبد إذا تمت نعمة اللّه عليه، كثرت حساده إنسا وجنا، قيل: عده حروف هذه السورة غير المكرر ثلاث وعشرون حرفا، وكذا عدد الفاتحة بعدد السنين التي أنزل فيها القرآن، وهو سر بديع، وأول القرآن باء البسملة، وآخره سين والناس، كأنه قال: بس أي تم وكمل، ثم اعلم أن الجلال المحلي رضي اللّه عنه، بعد أن ختم هذا النصف الأخير، وابتداؤه من سورة الكهف، شرع في تفسير النصف الأول، وأوله سورة الفاتحة، فقال في شروعه: فيه سورة الفاتحة الخ، ولم يفتتحه بخطبة على عادة المؤلفين، مشتملة على حمد وصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وغير ذلك، قصدا للاختصار، وروما للاقتصار على محط الفائدة. ثم إنه لما فرغ من تفسير سورة الفاتحة، توفي إلى رحمة اللّه تعالى، فقيض اللّه تعالى تلميذه الجلال السيوطي لتتميم تفسيره، فابتدأ بأول سورة البقرة، وختم بالإسراء، كما ذكر في خطبته، فسار تفسير الفاتحة في نسخ الجلال، مضموما لتفسير آخر القرآن لا أوله، ليكون تفسير المحلي مضموما بعضه لبعض، رضي اللّه عن الجميع ونفعنا بهم.","part":4,"page":458},{"id":2051,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 459\rبسم اللّه الرّحمن الرّحيم\rسورة الفاتحة مكية وآياتها سبع\r______________________________\rبسم اللّه الرحمن الرحيم\rسورة الفاتحة\rمكية وهو قول الأكثر، وقيل: مدنية، وجمع بعضهم بين القولين فقال: نزلت مرتين، مرة بمكة حين فرضت الصلاة، ومرة بالمدينة حين حولت القبلة، ولذلك سميت مثاني، وقيل: نزل نصفها بمكة ونصفها بالمدينة، والأول هو الصحيح لقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ والحجر مكية بإجماع، وأيضا فرض الصلاة كان بمكة، ولم يثبت أنه وقع في الإسلام صلاة بغيرها، يدل على هذا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» بل هي من أوائل القرآن نزولا وسميت فاتحة لأنها مفتاح الكتاب العزيز، وهذا اسم من جملة عشرين اسما. ثانيها: فاتحة الكتاب. ثالثها: أم القرآن لأنه مفتتح بها فكأنها أصله وأساسه. رابعها: سورة الكنز لأنها نزلت من كنز تحت العرش. خامسها: الكافية. سادسها:\rالوافية لأنها وافية كافية في صحة الصلاة عن غيرها عند القدرة عليها. سابعها: الشافية. ثامنها: الشفاء لما ورد: هي شفاء من كل داء. تاسعها: السبع المثاني لأنها سبع آيات على الصحيح، سواء قلنا إن البسملة منها أو لا. عاشرها: النور. الحادي عشر: الرقية. الثاني عشر: سورة الحمد والشكر. الثالث عشر: الدعاء: الرابع عشر: تعليم المسألة لاشتمالها على ذلك. الخامس عشر: سورة المناجاة. السادس عشر: سورة التفويض. السابع عشر: سورة السؤال. الثامن عشر: سورة أم الكتاب. التاسع عشر:\rفاتحة القرآن. العشرون: الصلاة لخبر قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي: ما سأل، يقول العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يقول اللّه: حمدني عبدي. يقول العبد: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يقول الرب: أثنى علي عبدي. يقول العبد: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقول اللّه: مجدني عبدي. يقول العبد: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول اللّه عزّ وجل: هذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، يقول العبد: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ يقول اللّه: فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل. وورد في فضلها أحاديث كثيرة، منها ما هو مسلسل بالحلف باللّه العظيم، عن أبي العربي قال: إذا قرأت الفاتحة فصل بسم اللّه الرحمن الرحيم بالحمد للّه في نفس واحد من غير قطع، فإني أقول: باللّه العظيم لقد حدثني أبو الحسن علي","part":4,"page":459},{"id":2052,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 460\rوهي سبع آيات بالبسملة إن كانت منها، والسابعة صِراطَ الَّذِينَ إلى آخرها، وإن لم تكن منها فالسابعة غَيْرِ الْمَغْضُوبِ إلى آخرها، ويقدر في أولها قولوا ليكون ما قبل إِيَّاكَ نَعْبُدُ مناسبا له، بكونها من مقول العباد.\r______________________________\rأبو الفتح الطيب بمدينة الموصل سنة إحدى وستمائة، وقال: باللّه العظيم لقد سمعت من أبي بكر من فمه ولفظه وهو أبو الفضل بن محمد الكاتب الهروي وقال: باللّه العظيم لقد حدثنا أبو بكر الشاشي الشافعي من لفظه وقال: باللّه العظيم لقد حدثني عبد اللّه المعروف بأبي نصر السرخسي وقال: باللّه العظيم لقد حدثنا محمد بن الفضل وقال: باللّه العظيم لقد حدثنا محمد بن يحيى الوراق الفقيه وقال: باللّه العظيم لقد حدثني محمد بن الحسن العلوي الزاهد وقال: باللّه العظيم لقد حدثني موسى بن عيسى وقال: باللّه العظيم لقد حدثني أبو بكر الراجعي وقال: باللّه العظيم لقد حدثني أنس بن مالك وقال: باللّه العظيم لقد حدثني محمد المصطفى وقال: باللّه العظيم لقد حدثني جبريل وقال: باللّه العظيم لقد حدثني إسرافيل وقال: قال تعالى: يا إسرافيل بعزتي وجلالي وجودي وكرمي من قرأ: بسم اللّه الرحمن الرحيم مرة بفاتحة الكتاب مرة واحدة، اشهدوا أني غفرت له، وقبلت منه الحسنات، وتجاوزت عنه السيئات، ولا أحرق لسانه في النار، وأجيره من عذاب القبر، وعذاب النار، والفزع الأكبر، ويلقاني قبل الأنبياء والأولياء أجمعين ا ه، من المناوى على الجامع الصغير. قوله: (إن كانت منها) الخ، هذا التعبير يوهم في بادئ الأمر، أنها إن لم تكن منها فليست سبعا، مع أنه يخالف ما بعده، فالمناسب أن يقول: سبع آيات، فإن كانت البسملة منها فالسابعة صِراطَ الَّذِينَ إلى آخرها، وأن لم تكن منها فالسابعة غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ إلى آخرها، وبعضهم جعل البسملة منها، وجعل غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ الخ ثامنة، وبعضهم جعلها ست آيات، والبسملة ليست منها، وهذان القولان مرجوحان، واعلم أنه اختلف في البسملة فقيل: ليست آية من الفاتحة، بل ولا من كل سورة سوى سورة النمل، وإنما يندب الابتداء بها كالاستعاذة، وعليه قراءة المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها والأوزاعي ومالك، مستدلين بما روي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، أنه كان يفتتح أحدهم بالفاتحة في صلاته إماما من غير أن يقول: بسم اللّه الرحمن الرحيم، وعمل أهل المدينة حجة، وقيل: آية من الفاتحة من كل سورة، وعليه قراء مكة والكوفة وفقهاؤها وابن المبارك والشافعي مستدلين بما روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إذا قرأتم الْحَمْدُ لِلَّهِ فاقرءوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني، وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إحدى آياتها» والحاصل: أن البسملة من كلام اللّه قطعا، فمن أنكرها كفر، وكونها آية من كل سورة أو لا، خلاف بين الأئمة. قوله:\r(فالسابعة غَيْرِ الْمَغْضُوبِ الخ، إن قلت: إن لفظ؟ غَيْرِ صفة لما قبلها، والصفة مع الموصوف كالشيء الواحد، فكيف تكون آية مستقلة؟ أجيب: بأن الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ صفتان للّه؛ مع أنه مجمع على أنهما آيتان، فكذلك يقال هنا، ونوقش بأن لفظ غَيْرِ أشد افتقارا إلى ما قبله من غيره، لأنه لا يتم معناه إلا بما قبله، فكان معه كالشيء الواحد، وأما الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ونحوه إذا أعرب نعتا، فليس بهذه المثابة، بدليل القراءة الشاذة برفعهما أو نصبهما، فإنهما يخرجان عن الارتباط.\rأجيب: بأن الآية لا يشترط فيها عدم ارتباطها بما قبلها، وقد تخلص المفسر من هذا الإشكال بإعرابه بدلا كما يأتي. قوله: (و يقدر في أولها) أي الفاتحة قبل البسملة على القول بأنها منها أو بعدها، وقيل: الحمد له","part":4,"page":460},{"id":2053,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 461\rبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ جملة خبرية قصد بها الثناء على اللّه بمضمونها، من أنه تعالى مالك لجميع الحمد من الخلق، أو مستحق لأن يحمدوه، واللّه علم على المعبود بحق\r______________________________\rعلى القول بأنها ليست منها. قوله: (بكونها) الباء بمعنى في، أي في كون الفاتحة كلها من مقول العباد، وفي نسخة بكونه وهي أوضح، والضمير عائد على ما قبل إِيَّاكَ ومحصله أن إِيَّاكَ نَعْبُدُ لما كان من مقول العباد، احتيج إلى تقدير قولوا فيما قبله، ليكون ما قبله من مقول العباد أيضا، فتكون الفاتحة كلها من مقول العباد، ولو ترك هذا التقدير، لاحتمل أن قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ إلى آخر الآيات الأربع ثناء على اللّه، فيكون بعضها الأول من مقول اللّه، وبعضها الثاني من مقول العبد ثناء من اللّه على نفسه، فيكون من مقوله هو، وذلك صحيح في حد ذاته، لكن التناسب ابلغ.\rقوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لم يتكلم الجلال المحلي ولا تلميذ عليها، ولعلهما اتكلا على شهوته، ونتكلم على شيء منها فنقول: ابتدأ كتابه تعالى بالبسملة، تعليما لعباده الاقتداء بذلك، والإتيان بها في كل أمر ذي بال، إشعارا بأنها أم الفاتحة كما أن الفاتحة أم القرآن، كما أن القرآن أم الكتب السماوية، واللّه علم على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، والرحمن المنعم بجلائل النعم، كما وكيفا دنيا وأخرى، والرحيم المنعم بدقائقها كذلك.\r- فائدة- روى الشعبي والأعمش أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يكتب: باسمك اللهم حتى نزل وقال:\rاركبوا فيها بسم اللّه مجراها ومرساها كتب بسم اللّه، فلما نزلت قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ كتب:\rبسم اللّه الرحمن، فلما نزلت إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كتبها، وعن عبد اللّه بن مسعود قال: من أراد أن ينجيه اللّه من الزبانية التسعة عشر فليقرأ «بسم الله الرحمن الرحيم» ليجعل اللّه له بكل حرف منها جنة من كل واحد، وقد فسرها بعض العارفين على مقتضى الحروف فقال: إن كل حرف منها مفتاح كل اسم من اسمائه تعالى، مبدوء بذلك الحرف، فالباء مفتاح اسمه تعالى: بصير وباقي وبر، ونحو ذلك، والسين مفتاح اسمه تعالى: سميع سلام، والميم مفتاح اسمه ملك ونحوه، والألف مفتاح اسمه تعالى ونحوه، واللام مفتاح اسمه لطيف ونحوه، والهاء مفتاح اسمه هادي ونحوه، والراء مفتاح اسمه رزاق ونحوه، والحاء مفتاح اسمه حليم ونحوه، والنون مفتاح اسمه نافع ونحوه، فكأن المفتتح بها مفتتح بجميع أسمائه تعالى. قوله: (جملة) أي مركبة من مبتدأ وخبر، وقوله: (خبرية) أي لفظا وهي إنشائية معنى بدليل قوله: (قصد الثناء) أي قصد بها إنشاء الثناء. قوله: (من أنه تعالى) الخ، بيان للمضمون، وفي ذلك إشارة إلى أن أل في الحمد جنسية، وهو الأولى من جعلها استغراقية أو عهدية، أما الأول فلأنه ليس في طاقة العبيد حصر أفراد الحمد، وأما الثاني فلقصوره كذا قال النحويون، واختار الصوفية أنها للعهد قائلين: إن اللّه تعالى لما علم عجز خلقه عن كنه حمده، حمد نفسه بنفسه أو وضعه لهم يحمدونه به، وهذا المعنى هو المناسب للحمد الواقع في القرآن فتدبر. قوله: (و مستحق) الخ، أشار بذلك إلى أن اللام في لِلَّهِ للملك أو للاستحقاق. قوله: (و اللّه علم على المعبود بحق) أي علم شخص عربي مرتجل جامد وهو الصحيح، ومعنى كونه علم شخص، أنه علم على ذات معينة مستجمعة لصفات الكمال، وقال الزمخشري: إنه اسم جنس صار علما بالغلبة مشتق من أله كعبد وزنا ومعنى أو من أله بمعنى سكت، أو من وله بمعنى تحير ودهش أو طرب، أو من لاه بمعنى احتجب، أو ارتفع أو استنار، ومجموع","part":4,"page":461},{"id":2054,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 462\rرَبِّ الْعالَمِينَ (2) أي مالك جميع الخلق، من الإنس والجن والملائكة والدواب وغيرهم، وكل منها يطلق عليه عالم، يقال: عالم الإنس وعالم الجن، إلى غير ذلك، وغلب في جمعه بالياء والنون أولو العلم على غيرهم وهو من العلامة، لأنه علامة على موجده الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3) أي ذي الرحمة وهي إرادة الخير لأهله مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) أي الجزاء وهو يوم القيامة، وخص بالذكر\r______________________________\rالأقاويل هو المعبود للخواص والعوام، المفزوع إليه في الأمور العظام، المرتفع عن الأوهام، المحتجب عن الأفهام، الظاهر بصفاته الفخام، الذي سكنت إلى عبادته الأجسام، وولعت به نفوس الأنام، وطربت إليه قلوب الكرام.\rقوله: رَبِّ الْعالَمِينَ الرب يطلق على السيد والمالك والمعبود والثابت والمصلح، اقتصر المفسر على المالك لكونه المناسب للمقام، وجمع الْعالَمِينَ جمع قلة مع كثرتها جدا في الواقع تنبيها على أنهم وإن كثروا، فهم قليلون في جانب عظمته. تعالى. إن قلت: الجمع يقتضي اتفاق الأفراد في الحقيقة.\rأجيب: بأنها متفقة من حيث إن كلا منها علامة على موجدها. قوله: (يقال عالم الإنس) الخ، الإضافة بيانية أي عالم هو الإنس. قوله: (و غلب في جمعه) الخ، وقيل: لا تغليب، بل هو اسم وضع لذوي العلم من الملائكة والثقلين، وتناوله لغيرهم بطريق التبع. قوله: (أولو العلم) أي لشرفهم. قوله: (و هو) أي العالم، وهو ما سوى اللّه تعالى علامة على موجده لأنه حادث، وكل حادث يحتاج إلى محدث.\rقوله:\r(أي ذي الرحمة) أشار بذلك إلى أن الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بنيا للمبالغة من رحم، والرحمة في الأصل رقة في القلب، تقتضي التفضل والإحسان، وهي بهذا المعنى مستحيلة في حقه تعالى، فتحمل على غايتها، لأن ما استحال على اللّه باعتبار مبدئه، وورد، يطلق ويراد منه لازمه وغايته. قوله: (و هي إرادة الخير) الخ، أشار بذلك إلى أنهما صفتا ذات، ويصح أن يكونا صفتي فعل، أي المتفضل المحسن، وفي الإتيان ب الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عقب اتصافه ب رَبِّ الْعالَمِينَ ترغيب بعد ترهيب، فيكون أعون للعبد على الطاعة، وأمنع من المعصية.\rقوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ من الملك بضم الميم، هو عبارة عن السلطان القاهر، والاستيلاء الباهر، والغلبة التامة، والقدرة على التصرف الكلي بالأمر والنهي. قوله: (أي الجزاء) أي بالثواب للمؤمنين والعقاب للكافرين. قوله: (لا ملك ظاهرا فيه لأحد) أي وأما في الدنيا، ففيها الملك ظاهر لكثير من الناس، فتحصل أن الوصف بالملكية ثابت أزلا، وظهوره يكون يوم القيامة، لإقرار جميع الخلق به. قوله: (لمن الملك اليوم) الجار والمجرور خبر مقدم و(الملك) مبتدأ مؤخر، و(اليوم) ظرف للمبتدإ، قوله: (للّه) جواب منه تعالى عن السؤال. قوله: (و من قرأ مالك) الخ، اعلم أن في لفظ ملك قراءتين سبعيتين، الأولى بحذف الألف والوصف بها ظاهر، والثانية: بإثباتها وفيها إشكال، وهو أن (مالِكِ) اسم فاعل، وإضافته لفظية لا تفيده التعريف، فكيف توصف المعرفة بالنكرة؟ وأجاب المفسر: بأن محل كون إضافة اسم الفاعل لفظية إن لم يكن بمعنى الزمان المستمر، وإلا كانت إضافته حقيقية، والحاصل: أن اسم الفاعل، إن قصد به الحال والاستقبال فإضافته لفظية، وإن قصد به المضي أو الدوام، كما هو شأن أوصاف اللّه تعالى، فإضافته حقيقية، والتعويل على القرائن، واختلف في أي القراءتين أبلغ، فقيل:","part":4,"page":462},{"id":2055,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 463\rلأنه لا ملك ظاهرا فيه لأحد إلا اللّه تعالى بدليل لمن الملك اليوم للّه ومن قرأ مالك فمعناه مالك الأمر كله في يوم القيامة، أي هو موصوف بذلك دائما كغافر الذنب، فصح وقوعه صفة للمعرفة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) أي نخصك بالعبادة من توحيد وغيره، ونطلب المعونة على العبادة\r______________________________\rملك أعم وأبلغ من (مالِكِ) إذ كل ملك مالك، ولا عكس، ولأن أمر الملك نافذ على المالك في ملكه، حتى لا يتصرف المالك إلا عن تدبير الملك، وقيل: (مالك) أبلغ لما فيه من زيادة البناء، فتدل على كثرة الثواب.\rقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ إِيَّاكَ مفعول مقدم ل نَعْبُدُ قدم لإفادة الحصر والاختصاص، ووَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ معطوف علي إِيَّاكَ نَعْبُدُ أي لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك، لأنك الحقيق بتلك الصفات العظام، والمعنى: يا من هذا شأنه نخصك بالعبادة والاستعانة، فهذا ترقّ من البرهان إلى العيان، والغيبة إلى الحضور، فهو تعليم من اللّه تعالى لعباده كيفية الترقي، فإن العبد إذا ذكر الحقيق بالحمد، وهو رب الأرباب، عن قلب حاضر، يجد ذلك العبد من نفسه محركا للإقبال عليه، وكلما أجرى على قلبه ولسانه صفة من تلك الصفات العظام، قوي ذلك المحرك، إلى أن يؤول ذلك الأمر لخاتمة تلك الصفات، فحينئذ يوجب ذلك المحرك لتناهيه في القوة، إقبال ذلك على العبد على ربه وخالقه المتصف بتلك الصفات، فانتقل من الغيبة لخطابه والتلذذ بمناجاته، فأول الكلام مبني على ما هو مبادي حال العارف من الذكر والفكر والتأمل في أسمائه العظام، والنظر في آلائه والاستدلال بصنعه على عظيم شأنه وباهر سلطانه، ثم بعد ذلك أتى بمنتهاه، وهو الخطاب والحضور المشعر بكونه في حضرة الشهود، وإلى هذا المعنى أشار بعض العارفين بقوله:\rتلك آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار\r\rوهو مقام الإحسان المشار له بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه» واعلم أن إِيَّاكَ واجب الانفصال، واختلف فيه هل من قبيل الاسم الظاهر؟ وبه قال الزجاج أو هو ضمير؟ وعليه الجمهور، واختلف القائلون بأنه ضمير على أربعة أقوال، أحدها: أنه كله ضمير. الثاني أن إياه وحده ضمير، وما بعده اسم مضاف إليه يفسر ما يراد به من تكلم وغيبة وخطاب. الثالث: أن إيا وحده ضمير، وما بعده حروف تفسر ما يراد منه وهو المشهور. الرابع أن إيا عماد، وما بعده ضمير، والضمير المستكن في نَعْبُدُ ونَسْتَعِينُ للقارئ ومن معه من الحفظة وحاضري صلاة الجماعة، أو له ولسائر الموحدين، أدرج عبادته في عباداتهم، وخلط حاجته بحاجاتهم، لعل عبادته تقبل ببركة عباداتهم، وحاجته يجاب إليها ببركة حاجاتهم، ومن هنا شرعت الجماعة في الصلوات، قال تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «يد اللّه مع الجماعة».\rقوله: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ كرر الضمير للدلالة على تخصيصه تعالى بكل من العبادة والاستعانة والتلذذ بالمناجاة والخطاب، وقدم العبادة على الاستعانة لأنها وصلة لطلب الحاجة، فإذا أفرد العبد ربه بالعبادة أعانه، وحذف المعمول من كل ليؤذن بالعموم، فيتناول كل معبود به، وكل مستعان عليه، وأصل نَسْتَعِينُ نستعون، استثقلت الكسرة على الواو، فنقلت إلى الساكن قبلها، فسكنت الواو بعد النقل،","part":4,"page":463},{"id":2056,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 464\rوغيرها اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) أي أرشدنا اليه ويبدل منه صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ\r______________________________\rوانكسر ما قبلها فقلبت ياء، والقراءة السبعية بفتح النون، وقرئ شذوذا نَسْتَعِينُ بكسر حرف المضارعة، وهي لغة مطردة في حرف المضارعة، بشرط أن لا يكون ما بعد حرف المضارعة مضموما، فإن ضم كتقوم امتنع كسر حرف المضارعة، لثقل الانتقال من الكسر إلى الضم، وبشرط أن يكون المضارع من ماض مكسور العين نحو علم، أو في أوله همزة وصل نحو استعان، أو تاء مطاوعة نحو تعلم. قوله:\r(من توحيد) الخ، بيان للعبادة، وهو إشارة إلى العبادات الأصلية الاعتقادية، وقوله: (و غيره) إشارة إلى العبادات العملية، من صلاة وصوم وزكاة ونحو ذلك. قوله: (و بطلب المعونة) بالباء عطف على (بالعبادة) ولا يجوز أن يكون بالنون عطفا على (نخصك) لخروجه عن إفادة التخصيص. قوله: (و غيرها) أي من مهمات الدنيا والآخرة.\rقوله: اهْدِنَا أي زدنا هداية وأدمنا عليها، والهداية تطلق على الدلالة والتبيين وإن لم يحصل وصول نحو وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ أي بينا لهم، وتطلق عليهما مع الوصول للخير وهو المراد هنا، ومادة الهداية تتعدى لمفعولين: الأول بنفسها، والثاني إما كذلك كما هنا، وإما باللام أو إلى، قال تعالى: يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.\rقوله: الصِّراطَ هو في الأصل الطريق الحسي، والمراد به هنا دين الإسلام، ففيه استعارة تصريحية أصلية، حيث شبه دين الإسلام بالطريق الحسي، بجامع أن كلا موصل للمقصود، واستعير اسم المشبه به للمشبه، وأصل صراط بالصاد سراط بالسين، وبها قرأ قنبل حيث ورد: أبدلت صادا لأجل حرف الاستعلاء، وقد تشم الصاد زايا وبه قرأ خلف وكلها سبعي، لكن لم ترسم في المصحف إلا بالصاد والصِّراطَ يذكر ويؤنث، فالتذكير لغة تميم، والتأنيث لغة الحجاز، وجمعه صرط ككتاب وكتب.\rقوله: الْمُسْتَقِيمَ اسم فاعل من استقام، أي استوى من غير اعوجاج، وأصله مستقوم أعل كإعلال نَسْتَعِينُ. قوله: (و يبدل منه) أي بدل كل من كل، أتى به زيادة في مدح الصراط.\rقوله: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ الإنعام إيصال الإحسان إلى الغير، بشرط أن يكون ذلك الغير من العقلاء، فلا يقال: أنعم فلان على فرسه، ولا على حماره. قوله: (بالهداية) أشار بذلك إلى أن المراد بالمنعم عليهم المؤمنون، وهو أحد أقوال للمفسرين، وقيل: هم المذكورون في قوله تعالى: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وقيل: هم الأنبياء خاصة، وقيل:\rالمراد بهم أصل؟؟؟ فهدينا؟؟؟ موسى وعيسى قبل التحريف والنسخ، وحذف متعلق أَنْعَمْتَ ليؤذن بالعموم، فيشمل كل نعمة، ونعم اللّه تعالى لا تحصى باعتبار أفرادها، قال تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها وأما باعتبار جملتها فتحصى لأنها قسمان: دنيوية وأخروية. والأول: إما وهبي أو كسبي، والوهبي: إما روحاني كنفخ الروح والتزيين بالعقل والفهم والفكر والنطق، أو جسماني كتخلق البدن والقوى الحالة فيه والصحة وكمال الأعضاء، والكسبي كتزكية النفس وتخليتها عن الرذائل وتحليتها بالأخلاق السنية والفضائل. والثاني: وهو الأخروي، أنه يغفر ما فرط منه، وينزله أعلى عليين مع الملائكة المقربين أبد الآبدين ودهر الداهرين. قوله: عَلَيْهِمْ لفظ عَلَيْهِمْ الأول في محل نصب على المفعولية، والثاني في","part":4,"page":464},{"id":2057,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 465\rبالهداية ويبدل من الذين بصلته غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وهم اليهود وَلَا وغير الضَّالِّينَ (7) وهم النصارى، ونكتة البدل افادة أن المهتدين ليسوا يهودا ولا نصارى، واللّه\r______________________________\rمحل رفع نائب الْمَغْضُوبِ وفيه عشر لغات، ست مرويات عن القراء الثلاثة، الأول منها سبعيات وهي: كسر الهاء وضمها مع إسكان الميم فيهما، وكسر الهاء وضم الميم بواو بعد الضمة، وكسر الهاء والميم بياء بعد الكسرة للإشباع، وضم الهاء والميم بواو بعد الضمة وبدونها، وأربع لم يقرأ بها وهي: ضم الهاء مع كسر الميم وإدخال ياء بعدها، وضم الهاء وكسر الميم من غير ياء، وكسر الهاء مع ضم الميم، وكسر الهاء والميم من غير ياء. قوله: (و يبدل من الذين بصلته) أي بدل كل من كل، ولا يضر إبدال النكرة من المعرفة، وقيل: نعت ل الَّذِينَ. واستشكل بأنه يلزم نعت المعرفة بالنكرة وهو لا يصح، لأن غَيْرِ متوغلة في الإبهام، لا تتعرف بالإضافة كمثل وشبه وشبيه. وأجيب بجوابين، الأول: أن غَيْرِ إنما تكون نكرة إذا لم تقع بين ضدين، فأما إذا وقعت بين ضدين، فتتعرف حينئذ بالإضافة تقول: عليك بالحركة غير السكون، والآية من هذا القبيل والثاني: أن الموصول أشبه النكرات في الإبهام الذي فيه، فعومل معاملة النكرات، وغَيْرِ من الألفاظ الملازمة للإضافة لفظا أو تقديرا، فإدخال أل عليها خطأ، وقد يستثنى بها حملا على إلا، كما يوصف بإلا حملا عليها.\rقوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ بكسر الراء بدل كما قال المفسر، أو نعت وتقدم ما فيه، وهذه قراءة العامة، وقرئ شذوذا بالنصب على الحال أو الاستثناء، والغضب ثوران دم القلب لإرادة الانتقام، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «اتقوا الغضب فإنه جمرة تتوقد في قلب ابن آدم، ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه» فإذا وصف به اللّه تعالى، فالمراد به الانتقام أو إرادة الانتقام، فهو صفة فعل أو صفة ذات، وبنى الغضب للمجهول، ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم، تعليما لعباده الأدب، حيث أسند الخبر لنفسه، وأبهم في الشر، نظير قوله تعالى: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها، فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما، وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ.\rقوله: (و هم اليهود) أي لقوله تعالى فيهم مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ الآية، ولحديث: «إن المغضوب عليهم هم اليهود، وإن الضالين النصارى». قوله: (غير) الضَّالِّينَ أشار بذلك إلى أن لَا بمعنى غير فهي صفة، ظهر إعرابها فيما بعدها، ويؤيدها قراءة عمر بن الخطاب وأبي بن كعب، و(غير) الضَّالِّينَ بدل لَا وأتى بلا ثانيا، لتأكيد معنى النفي المفهوم من غَيْرِ ولئلا يتوهم عطف الضَّالِّينَ على غَيْرِ فيكون من وصف الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ والضلال يطلق على الخفاء والغيبة، ومنه قولهم: ضل الماء في اللبن، والهلاك ومنه قوله تعالى: أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ، والنسيان ومنه قوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى والعدول عن الطريق المستقيم وهو المراد هنا، وفي الضَّالِّينَ مدان: مد لازم على الألف بعد الضاد وقبل اللام المشددة، وعارض على الياء قبل النون للوقف. قوله: (و هم النصارى) أي لقوله تعالى وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ. قوله: (إفادة أن المهتدين) أي المذكورين بقوله: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ هو مصدوق غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ و(غير) الضَّالِّينَ فمصدوق العبارات الثلاث هم المؤمنون، لكن استشكل بأن تفسير الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بالفرق الأربعة المذكورة في سورة النساء، لا يشتمل بقية المؤمنين، وتفسير الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ","part":4,"page":465},{"id":2058,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 466\rأعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلّى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم.\r______________________________\rوالضَّالِّينَ باليهود والنصارى، لا يشتمل بقية طوائف الكفار، فمقتضى ذلك، أن بقية المؤمنين ليسوا ممن أنعم اللّه عليهم، وسائر طوائف الكفار خارجون من وصف الغضب والضلال، فالمبدل منه يخرجهم، والبدل يدخلهم في المبدل منه، والمخلص من هذا الإشكال، أن يفسر المنعم عليهم بجميع المؤمنين، كما درج عليه المفسر في قوله: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (بالهداية) ويراد من الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضَّالِّينَ عموم الكفار اعتبارا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. إن قلت: ما فائدة الاتيان ب غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ الخ، بعد قوله: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أجيب: بأن الإيمان إنما يكمل بالرجاء والخوف، فقوله: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يوجب الرجاء الكامل، وقوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ الخ، يوجب الخوف الكامل، فيتقوى الإيمان بالرجاء والخوف.\r- فائدة- لفظ آمين ليس من الفاتحة، بل ولا من القرآن قطعا؛ بل يسن الإتيان بها لقارئ الفاتحة، مفصولة منها بسكتة ليتميز ما هو قرآن، عما ليس بقرآن، ولكل داع، وهي اسم فعل على الصحيح بمعنى استجب، مبني على الفتح، ويجوز فيه مد الهمزة وقصرها، وقيل: هي اسم من أسماء اللّه تعالى، والتقدير: يا آمين. ورد بوجهين، الأول: أنه لو كان كذلك، لكان ينبغي أن يبنى على الضم، لأنه منادى مفرد معرفة. الثاني: أن أسماء اللّه تعالى توقيفية، وهو من خصوصيات هذه الأمة، لم يعط لأحد قبلهم، إلا ما كان من موسى وهارون، لما ورد في الحديث: «إن اللّه أعطى أمتي ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم:\rالسّلام وهو تحية أهل الجنة، وصفوف الملائكة، وآمين، إلا ما كان من موسى وهارون» ومعناه: أن موسى دعا على فرعون، وأمن هارون، فقال اللّه تعالى عند ما ذكر دعاء موسى: قد أجيبت دعوتكما، ولم يذكر مقالة هارون فسماه داعيا. وقال علي رضي اللّه عنه: آمين خاتم رب العالمين، ختم بها دعاء عباده. وفي الخبر: أن آمين كالطابع الذي يطبع به على الكتاب. وفي حديث آخر: «آمين درجة في الجنة». قال أبو بكر: إنه حرف يكتب به لقائله درجة في الجنة. وقال وهب بن منبه: آمين أربعة أحرف، يخلق اللّه من كل حرف ملكا يقول: اللهم أغفر لكل من قال آمين. قوله: (و اللّه أعلم بالصواب) الخ، هذه العبارة من وضع تلامذة المحلي، لما عرفت أنه قد شرع في تفسير النصف الأول فكمل الفاتحة، وارتحل إلى رضوان اللّه تعالى، فيبعد أن يأتي بعبارة تشعر بالانتهاء، والصواب ضد الخطأ و(المرجع) الرجوع، و(المآب) مرادف، وقوله: (و حسبنا اللّه) أي كافينا، وقوله: (و نعم الوكيل)، أي المفوض إليه الأمر.","part":4,"page":466},{"id":2059,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 467\rخاتمة نسأل اللّه حسنها في آداب تتعلق بالقرآن\r______________________________\rمنها: أن لا يمسه إلا طاهرا، قال تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ومنها: أن التالي يتطيب له ويستاك، لقول يزيد بن أبي مالك: إن أفواهكم طريق من طرق القرآن، فطهروها ونظفوها ما استطعتم.\rومنها: أن يستوي له قاعدا ولا يكون متكئا. ومنها: أن يلبس ثياب التجمل، كما يلبسها للدخول على الملوك، لأنه مناج ربه. ومنها: أن يستقبل القبلة لأنها أشرف المجالس. ومنها: أنه إذا تثاءب يمسك عن القراءة حتى يذهب تثاؤبه، لأنه من الشيطان. ومنها: أن يستعيذ باللّه من الشيطان الرجيم عند ابتداء القراءة، وإن لم يكن في أول سورة، ويبسمل إن كان في أول سورة وإلا فيخير. ومنها: إذا أخذ في القراءة لم يقطعها لمكالمة أحد من غير ضرورة، ومنها: أن يقرأه على تؤدة وترتيل وتدبر، حتى يعقل ما يخاطبه به ربه، فيرغب في الوعد، ويخاف عند الوعيد. ومنها: إذا انتهت قراءته يقول: صدق اللّه العظيم، وبلغ رسوله الكريم، وأنا على ذلك من الشاهدين. ومنها: أن يقرأ القرآن على الترتيب ولا ينكس. ومنها: أن يضع المصحف على مكان طاهر مرتفع أو في حجره. ومنها: أن لا يمحو القرآن من اللوح بالبصاق، ولكن يغسله بالماء، ويشرب الغسالة بقصد الاستشفاء، أو يدفنها في مكان طاهر بعيد عن ممر الأقدام. ومنها:\rأن لا يتخذ الصحيفة إذا بليت، بل يمحوها بالماء ويفعل بها ما تقدم. ومنها: أن يعطي عينيه حقهما من النظر في المصحف، ففي الحديث قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «أعطوا أعينكم حظها من العبادة». قالوا: يا رسول اللّه وما حظها من العبادة؟ قال: «النظر في المصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه». وقال صلّى اللّه عليه وسلّم: «أفضل عبادة أمتي قراءة القرآن نظرا». ومنها: أن لا يتأول القرآن بشيء من أمور الدنيا يعرض له، كقول الرجل إذا جاءه أحد: جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى وكقوله لضيوفه مثلا: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ ومنها: أن لا يقرأ القرآن بألحان الغناء، كلحون أهل الفسق. ومنها: أن يجود خطه إذا كتبه.\rومنها: أن لا يقرأ في الأسواق، أو في مواطن اللغط ومجمع السفهاء، والتعرض بتلاوته لسؤال الخلق.\rومنها: أن لا يصغر المصحف، فإنه ورد النهي عن تصغير المسجد والمصحف. ومنها: أن لا يكتب على الأرض ولا على حائط كما يفعل في المساجد، ففي الحديث: مر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بكتابة في أرض فقال لشاب من هذيل: ما هذا؟ قال: من كتاب اللّه كتبه يهودي، فقال: «لعن اللّه من فعل هذا، لا تضعوا كتاب اللّه إلا موضعه». ورأى عمر بن عبد العزيز ولده يكتب القرآن على حائط فضربه. ومنها: أن يفتتحه كلما ختمه حتى لا يكون كهيئة المهجور، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا ختم القرآن، يقرأ من أوله قدر خمس آيات.\rوقال صلّى اللّه عليه وسلّم لرجل سأله عن أفضل العمل فقال: «عليك بالحال المرتحل، قال: وما الحال المرتحل؟ قال:\rصاحب القرآن يضرب من أوله حتى يبلغ آخره، ثم يضرب في أوله كلما حل ارتحل». ومنها: إذا ختم القرآن، أن يجمع أهله ويدعو بخير الدارين، كما كان السلف الصالح يفعلونه لإجابة الدعاء عند ختمه، كما هو مذكور في الأحاديث الصحيحة. ومنها: إذا كتبه وشربه ينوي به الشفاء من كل داء، وبلوغ الآمال","part":4,"page":467},{"id":2060,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 468\r.......\r______________________________\rمن كل خير، فإن اللّه يؤتيه على قدر نيته. ومنها: إذا كتبه حرزا، فليجعله في غمد يحفظه من كل أذى، كجلد محيط به ونحوه، انتهى ملخصا من القرطبي. وهذا آخر ما قدر اللّه تعالى من هذا التعليق الشريف، ولم يكن في ظني أن يجيء على هذا المنوال المنيف، لقصور باعي، وفتور همتي، وضعف ذهني، ولكن فضل اللّه حصل بواسطة حبيبه المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم وأشياخنا الكرام بنور الظلام، فجاء ذلك التعليق متضمنا في أصله وفائقا، صغير الحجم، سهل الألفاظ، رائقا كافيا للمقتصر عليه، شافيا للناظرين فيه بعين الرضا، وافيا بالمطالب كلها، معقولا ومنقولا، شريعة وحقيقة، والحمد للّه الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسّلام على سيد المخلوقات، وعلى آله وأصحابه السادات، وعلى أشياخنا ولا سيما أبو البركات.\rتمّ الجزء الرابع من كتاب حاشية الصاوي على تفسير الجلالين وبه تم الكتاب بحمد اللّه","part":4,"page":468},{"id":2061,"text":"حاشية الصاوى على تفسير الجلالين، ج 4، ص: 469\rالفهرس","part":4,"page":469}],"titles":[{"id":2,"title":"المقدمة","lvl":1,"sub":0},{"id":3,"title":"مقدمة: ينبغي لكل شارع في فن أن يعرف مباديه العشرة ليكون على بصيرة فيه وهي: حده، وموضوعه، وواضعه، واستمداده، واسمه، وحكمه، ومسائله، ونسبته، وفائدته، وغايته.","lvl":2,"sub":0},{"id":5,"title":"مقدمة المصنف","lvl":1,"sub":0},{"id":8,"title":"سورة البقرة","lvl":1,"sub":0},{"id":183,"title":"سوره آل عمران","lvl":1,"sub":0},{"id":267,"title":"سورة النّساء","lvl":1,"sub":0},{"id":353,"title":"سورة المائدة","lvl":1,"sub":0},{"id":429,"title":"سورة الأنعام","lvl":1,"sub":0},{"id":511,"title":"سورة الأعراف","lvl":1,"sub":0},{"id":586,"title":"الفهرس","lvl":1,"sub":0},{"id":602,"title":"سورة الأنفال","lvl":1,"sub":0},{"id":629,"title":"سورة التّوبة","lvl":1,"sub":0},{"id":683,"title":"سورة يونس","lvl":1,"sub":0},{"id":722,"title":"سورة هود","lvl":1,"sub":0},{"id":759,"title":"سورة يوسف","lvl":1,"sub":0},{"id":800,"title":"سورة الرّعد","lvl":1,"sub":0},{"id":822,"title":"سورة إبراهيم","lvl":1,"sub":0},{"id":840,"title":"سورة الحجر","lvl":1,"sub":0},{"id":857,"title":"سورة النّحل","lvl":1,"sub":0},{"id":898,"title":"سورة الإسراء","lvl":1,"sub":0},{"id":954,"title":"سورة الكهف","lvl":1,"sub":0},{"id":993,"title":"سورة مريم","lvl":1,"sub":0},{"id":1019,"title":"سورة طه","lvl":1,"sub":0},{"id":1050,"title":"سورة الأنبياء","lvl":1,"sub":0},{"id":1081,"title":"سورة الحج","lvl":1,"sub":0},{"id":1114,"title":"سورة المؤمنون","lvl":1,"sub":0},{"id":1136,"title":"سورة النّور","lvl":1,"sub":0},{"id":1169,"title":"سورة الفرقان","lvl":1,"sub":0},{"id":1193,"title":"سورة الشّعراء","lvl":1,"sub":0},{"id":1220,"title":"سورة النّمل","lvl":1,"sub":0},{"id":1251,"title":"سورة القصص","lvl":1,"sub":0},{"id":1281,"title":"سورة العنكبوت","lvl":1,"sub":0},{"id":1298,"title":"سورة الرّوم","lvl":1,"sub":0},{"id":1314,"title":"سورة لقمان","lvl":1,"sub":0},{"id":1325,"title":"سورة السّجدة","lvl":1,"sub":0},{"id":1333,"title":"سورة الأحزاب","lvl":1,"sub":0},{"id":1365,"title":"سورة سبإ","lvl":1,"sub":0},{"id":1385,"title":"سورة فاطر","lvl":1,"sub":0},{"id":1401,"title":"سورة يس","lvl":1,"sub":0},{"id":1423,"title":"سورة الصّافّات","lvl":1,"sub":0},{"id":1447,"title":"سورة ص","lvl":1,"sub":0},{"id":1468,"title":"سورة الزّمر","lvl":1,"sub":0},{"id":1491,"title":"سورة غافر","lvl":1,"sub":0},{"id":1514,"title":"سورة فصّلت","lvl":1,"sub":0},{"id":1533,"title":"سورة الشّورى","lvl":1,"sub":0},{"id":1554,"title":"سورة الزّخرف","lvl":1,"sub":0},{"id":1572,"title":"سورة الدّخان","lvl":1,"sub":0},{"id":1593,"title":"سورة الجاثية","lvl":1,"sub":0},{"id":1603,"title":"سورة الأحقاف","lvl":1,"sub":0},{"id":1618,"title":"سورة محمّد","lvl":1,"sub":0},{"id":1632,"title":"سورة الفتح","lvl":1,"sub":0},{"id":1649,"title":"سورة الحجرات","lvl":1,"sub":0},{"id":1661,"title":"سورة ق","lvl":1,"sub":0},{"id":1672,"title":"سورة الذّاريات","lvl":1,"sub":0},{"id":1682,"title":"سورة الطّور","lvl":1,"sub":0},{"id":1691,"title":"سورة النجم","lvl":1,"sub":0},{"id":1704,"title":"سورة القمر","lvl":1,"sub":0},{"id":1715,"title":"سورة الرّحمن","lvl":1,"sub":0},{"id":1726,"title":"سورة الواقعة","lvl":1,"sub":0},{"id":1737,"title":"سورة الحديد","lvl":1,"sub":0},{"id":1752,"title":"سورة المجادلة","lvl":1,"sub":0},{"id":1762,"title":"سورة الحشر","lvl":1,"sub":0},{"id":1774,"title":"سورة الممتحنة","lvl":1,"sub":0},{"id":1783,"title":"سورة الصّفّ","lvl":1,"sub":0},{"id":1788,"title":"سورة الجمعة","lvl":1,"sub":0},{"id":1793,"title":"سورة المنافقون","lvl":1,"sub":0},{"id":1798,"title":"سورة التغابن","lvl":1,"sub":0},{"id":1803,"title":"سورة الطّلاق","lvl":1,"sub":0},{"id":1811,"title":"سورة التّحريم","lvl":1,"sub":0},{"id":1819,"title":"سورة الملك","lvl":1,"sub":0},{"id":1828,"title":"سورة القلم","lvl":1,"sub":0},{"id":1840,"title":"سورة الحاقّة","lvl":1,"sub":0},{"id":1848,"title":"سورة المعارج","lvl":1,"sub":0},{"id":1854,"title":"سورة نوح","lvl":1,"sub":0},{"id":1859,"title":"سورة الجنّ","lvl":1,"sub":0},{"id":1867,"title":"سورة المزّمّل","lvl":1,"sub":0},{"id":1874,"title":"سورة المدّثّر","lvl":1,"sub":0},{"id":1885,"title":"سورة القيامة","lvl":1,"sub":0},{"id":1890,"title":"سورة الإنسان","lvl":1,"sub":0},{"id":1899,"title":"سورة المرسلات","lvl":1,"sub":0},{"id":1904,"title":"سورة النّبأ","lvl":1,"sub":0},{"id":1910,"title":"سورة النّازعات","lvl":1,"sub":0},{"id":1917,"title":"سورة عبس","lvl":1,"sub":0},{"id":1922,"title":"سورة التّكوير","lvl":1,"sub":0},{"id":1927,"title":"سورة الانفطار","lvl":1,"sub":0},{"id":1930,"title":"سورة المطفّفين","lvl":1,"sub":0},{"id":1936,"title":"سورة الانشقاق","lvl":1,"sub":0},{"id":1940,"title":"سورة البروج","lvl":1,"sub":0},{"id":1945,"title":"سورة الطّارق","lvl":1,"sub":0},{"id":1949,"title":"سورة الأعلى","lvl":1,"sub":0},{"id":1953,"title":"سورة الغاشية","lvl":1,"sub":0},{"id":1957,"title":"سورة الفجر","lvl":1,"sub":0},{"id":1965,"title":"سورة البلد","lvl":1,"sub":0},{"id":1969,"title":"سورة الشّمس","lvl":1,"sub":0},{"id":1972,"title":"سورة الليل","lvl":1,"sub":0},{"id":1976,"title":"سورة الضّحى","lvl":1,"sub":0},{"id":1981,"title":"سورة الشرح","lvl":1,"sub":0},{"id":1984,"title":"سورة التّين","lvl":1,"sub":0},{"id":1987,"title":"سورة العلق","lvl":1,"sub":0},{"id":1992,"title":"سورة القدر","lvl":1,"sub":0},{"id":1997,"title":"سورة البيّنة","lvl":1,"sub":0},{"id":2001,"title":"سورة الزّلزلة","lvl":1,"sub":0},{"id":2004,"title":"سورة العاديات","lvl":1,"sub":0},{"id":2007,"title":"سورة القارعة","lvl":1,"sub":0},{"id":2010,"title":"سورة التّكاثر","lvl":1,"sub":0},{"id":2013,"title":"سورة العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":2015,"title":"سورة الهمزة","lvl":1,"sub":0},{"id":2018,"title":"سورة الفيل","lvl":1,"sub":0},{"id":2022,"title":"سورة قريش","lvl":1,"sub":0},{"id":2025,"title":"سورة الماعون","lvl":1,"sub":0},{"id":2027,"title":"سورة الكوثر","lvl":1,"sub":0},{"id":2030,"title":"سورة الكافرون","lvl":1,"sub":0},{"id":2032,"title":"سورة النّصر","lvl":1,"sub":0},{"id":2037,"title":"سورة المسد","lvl":1,"sub":0},{"id":2040,"title":"سورة الإخلاص","lvl":1,"sub":0},{"id":2043,"title":"سورة الفلق","lvl":1,"sub":0},{"id":2047,"title":"سورة النّاس","lvl":1,"sub":0},{"id":2051,"title":"سورة الفاتحة","lvl":1,"sub":0},{"id":2061,"title":"الفهرس","lvl":1,"sub":0}]}