{"pages":[{"id":1,"text":"كتاب اتحاف السائل\rللامام عبد الله بن علوي الحداد","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rالمقدمة\rولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم\rسبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم\rالحمد لله الذي لا يخيب من أمله، ولا يرد من سأله،ولا يقطع من وصله، ولا يبخس من عامله، ولا يسلب من شكره، ولا يخذل من نصره، ولا يوحش من استأنس بذكره، ولا يسلم من لم يستلم لقهره، ولا يكل من توكل عليه، ولا يهمل من التجأ إليه، ولا يضل من تمسك بكتابه، ولا يذل من لاذ بجنابه .\rأحمده على ما ألهم وعلم، وأشكره على ما أفضل وأنعم، وأستعينه على القيام بحقه العظيم، وأعوذ بنور وجهه الكريم، من زوال النعم وهجوم النقم.\rواصلي وأسلم على نبيه الأكرم ورسوله الأفخم، وحبيبه الأعظم ، سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه معادن الفضل والكرم، وينابيع العلم والحكم ما جرى قلم ونصب علم.\rأما بعد: فقد طلب مني الشيخ الزكي ذو الفهم الذكي عبد الرحمن بن عبد الله عباد، جوابا على عدة مسائل، أثبتها في ورقة، ودخل بها إلي وذاك بمدينة شبام، عند صدوري من زيارة الشيخ الكبير العارف بالله سعيد بن عيسى العمودي، ومن بتلك النواحي من عباد الله الصالحين، الأحياء منهم والميتين، فوعدته بالجواب، لما رأيت عليه من لوائح الرغبة في معرفة الحق ، وشممت منه روائح الصدق.\rوقد حان حين إنجاز الوعد بحول الله وقوته، وإكرام وفد أسلته اللائقة، بقرى الأجوبة الرائقة.\rوأرى أن أورد مقدمة بين يدي الكلام على المسائل، يكون فيها تبصرة وإيناس للسائل، ولمن ينجو نحوه من الألباء الأكياس، فأقول مستعينا بالله ، ومتوكلا على الله، ومفوضا إلى الله، وسائلا منه سبحانه، أن يهديني لما هو الحق عنده ، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، (( صراط الله الذي له ما في السموات ومافي الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ))","part":1,"page":1},{"id":3,"text":"مقدمة\rأعلم أن السؤال في مواضع الحاجة، وفي مواطن الإشكال ولطلب المزيد من العلم والاستبصار، مما جرت عليه عادة الأخيار في الأعصار والأمصار، وهو أعني السؤال، واجب عن العلم الواجب، وفضل عن العلم الذي هو فضيلة والسؤال مفتاح يتوصل به إلى ما في الصدور والقلوب، من معاني العلوم وأسرار الغيوب.\rفكما أنه لا يوصل إلى ما في البيوت من الأمتعة والنفائس إلا بالمفاتيح المتخذة من الحديد والخشب، كذلك لا يوصل إلى ما عند العلماء والعارفين، من العلوم والمعارف، إلا بالأسئلة المتخذة من طلب الاستفادة، مقرونة بالصدق والرغبة وحسن الأدب .\rوقد ورد الشرع بالأمر بالسؤال، وورد الحث عليه ، والترغيب فيه، قال الله تعالى : (( فاسأل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك )). وقال تعالى : (( فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر )).\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"\"حسن السؤال نصف العلم \"\" وكل من أخبر من الأئمة عن سعة علمه، فقصده بذلك أن يعرف به فيسأل عنه. ويطلب منه. وقد روي ذلك عن علي كرم الله وجهه، وعن إبن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة، وغيرهم من السلف والخلف رضي الله عنهم.\rوقد حرض جماعة من العلماء الناس على السؤال منهم ، كعروة بن الزبير والحسن البصري وقتادة .\rوكان سفيان الثوري، يبادر بالرحيل من كل بلدة دخلها، ولم يسأله أحد من أهلها عن شيء من العلم، ويقول: هذا بلد يموت فيه العلم .\rوكان الشبلي رحمه الله، إذا جلس في حلقته ولم يسأله أحد، يتلوا عليهم قوله تعالى : (( ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون ))","part":1,"page":2},{"id":4,"text":"وربما يسأل العالم جلساءه، ليفيدهم وليعرف به ما عندهم من العلم كما ورد في الحديث الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان في جماعة من أصحابه فسألهم عن شجرة لا يسقط ورقها، وهي شبيهة بالمؤمن، فلم يعرفها الحاضرون، حتى أخبرهم عليه الصلاة والسلام أنها النخلة، وكان فيهم ابن عمر، وكان قد عرفها فلم يتكلم، فلما أخبر أباه بذلك، لامه على سكوته .\rوكان عمر رضي الله عنه يسأل جلساءه كثيرا ، وكان إذا سأل أحدا عن شيء فقال: الله أعلم، يغضب ويقول له: لم أسألك عن علم الله، وإنما أسألك عن علمك، فقل : أعلم أو لا أعلم .\rوقد يسأل العالم بعض الجلساء عما يعلمه، ليفيد سائرهم، نظير ذلك سؤال جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان. الحديث .\rوقد يختص المفضول بعلم دون الفاضل، لسر لطيف، فيسأله أعني من هو أفضل منه عنه، نظير ذلك: سؤال عمر لحذيفة رضي الله عنهما، عن الفتن وأهل النفاق .\rوقد يسأل العالم، من هو مثله أو قريب منه، عن شيء فهمه في كتاب الله، أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لينظر هل يوافقه على مثل رأيه، ويقوى به ويعتضد، وذلك كسؤال عمر رضي الله عنه جماعة من الصحابة، عن شيء فهمه في سورة (( إذا جاء نصر الله والفتح )) فلم يوافقه على ما في نفسه منهم سوى ابن عباس رضي الله عنهما، ومثل هذا كثير يقع للأكابر من المتقدمين والمتأخرين.\rوأما سؤال عمر لعلي رضي الله عنهما، فهو على قصد الاستفادة منه، وذلك أن علياً خص بخصوصية، لم يشاركه فيها أحد من الصحابة، وهي أنه باب مدينة العلم التي هي رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوأما نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، عن الإكثار من سؤاله. فالنهي وإن كان عاما ، فإنه مخصوص بالسؤال عن الأحكام والحدود، وأحوال الناس، شفقة منه عليه الصلاة والسلام على أمته، ورحمة بهم على أن يكلفوا شيئا، يعجزون عن القيام به.","part":1,"page":3},{"id":5,"text":"والدليل على ذلك قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين )) .\rوقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"\" إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها \".\rوفي الحديث الآخر: \"\" إنما أهلك الذين من قبلكم، كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم \"\".\rوقد سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحج: أهو واجب في كل عام ؟ فسكت عنه، فلما أكثر عليه، قال : في العمر مرة، ولو قلت : نعم لوجبت وعجزتم وتحت هذه النكتة سر شريف، لا يسمح بذكره في الكتب، فأطلبه تحت أستار قوله تعالى : ((من يطع الرسول فقد أطاع الله )) (( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله )).\rوينبغي للمريد إذا سال شيخه، وللمتعلم إذا سأل معلمه عن شيء أن لا يكون له قصد سوى الاستفادة، وليحذر أن يكون قصده الامتحان والاختبار، فيرجع بالحرمان والخسران .\rوينبغي للشيخ والعالم، إذا سأله مريده أو تلميذه عن شيء يضره علمه، أو لا يبلغه بفهمه، أن ينظر، فإن عرف من حال السائل أنه إن أخبره بعدم أهليته، لا ينكسر قلبه انكسارا يضره في دينه ، ولا تنفر نفسه نفرة ، يعرض به عن مطلوبه، فليخبره والإ فليتنزل له في جوابه إلى حد علمه وفهمه، وإن عدل عن مقتضى السؤال، ولا يقول كما قال بعض أهل الحقيقة :\rعلي نحت القوافي من معادنها وما عليه إذا لم تفهم البقر\rفلهذا المقال حال، وموطن يخصه، والشيخ والعالم كالوالد الشفيق والقيم الرفيق، يتكلم ويعامل بحسب المصلحة والمنفعة .","part":1,"page":4},{"id":6,"text":"وللعارفين غلبات واستغراقات، لا يمكنهم معها أن يستحضروا ما أشرنا اليه فلتسلم لهم أحوالهم، فإنهم أجل من أن يعترض عليه، أو ينسب الجهل والتجاهل إليهم، وليس هذا محل بسط العذر للمحققين فيما أودعوه كتبهم ورسائلهم من الأسرار الربانية والحقائق الغيبية.\rوقد يباح السؤال بقصد الامتحان في موضعين :\rأحدهم: أن يرى العالم الناصح الشفيق إنسانا قد غلب عليه الإعجاب بنفسه، حتى منعه من طلب العلم، وطلب المزيد منه، وعن الاعتراف بفضل أهل الفضل فله أن يسأله على قصد الامتحان والاختبار، ليعرفه مقداره نصحا له وكون ذلك في خلوة أولى.\rوالثاني: أن يرى منافقا عليه اللسان، يخشى منه أن يلبس على ضعفاء المؤمنين، بإدخاله في الدين ما ليس منه، فيسأله بمحضر منهم ممتحنا له، ليبين لهم عواره وجهله ويقصد مع ذلك نصحه، وتنبيهه على معائبه، ويرجو رجوعه إلى الإنصاف والانقياد للحق، وهذا الأمر هو الذي دعا العلماء رضي الله عنهم إلى مناظرة أهل الابتداع والزيغ والتحريف.\rوإذا سئل العالم عن علم يجب عليه تعليمه، لم يسغ له السكوت لقوله صلى الله عليه وسلم \"\" من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار \"\"\rوينبغي لعلماء هذا الزمان، أن لا يكتموا العلم حتى يأتيهم من يسألهم، فإن أكثر الناس اليوم قد غلب عليهم التساهل بأمر الدين، وقلة الاحتفال بالعلم وبما …ينفع في الآخرة، حتى إنها ربما شابت لحية الإنسان، وهو لا يعرف فروض الطهارة والصلاة، ولا ما يتعين عليه علمه، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولسان أحوالهم تنادي عليه بالجهل، وكفى بها سائلا للعلماء إن كانوا يعقلون.","part":1,"page":5},{"id":7,"text":"وينبغي للمريد الذاهب إلى الله، المقصور همه على ابتغاء معرفة الله، الراغب في التخلص عن كل ما يشغله عن الذهاب في الله، أن لا يسأل أحدا عن شيء من العلم، إلا ان كان من ضرورة حاله أو وقته، ولكن المريد على هذا الوجه في هذا الزمان المبارك، أغرب من عنقاء مغرب، وأعز من الكبريت الأحمر .\rفليستكثر الإنسان من السؤال عن العلم، لطلب الاستفادة والزيادة، فإن المؤمن لا يشبع من خير، وفي الحديث :\"\" منهومان لا يشبعان منهوم العلم ، ومنهوم المال \"\".\rوالدليل لما ذكرنا في شأن المريد، ما بلغنا عن داود الطائي رحمه الله، أنه لما عزم على الانقطاع إلى الله، بدأ بمجالسة أهل العلم، فجالس الإمام أبا حنيفة رحمه الله قريبا من سنة، قال: وقد تقع له المسألة، وهو أشوق إلى العلم بها من العطشان إلى الماء البارد فلا يسأل عنها، وذلك لما ذكرناه من أنه لا ينبغي للمريد أن يسأل إلا عما هو ضرورة في حقه.\rثم إن لجملة ما أوردناه من المسائل في هذه المقدمة الوجيزة، أدلة كثيرة، لو بسطناها لخرجنا عن مقصودنا من الإيجاز، وفيما أشرنا إليه كفاية وبالله التوفيق ومنه الإعانة والتثبيت، وبه الثقة وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.\rوهذا أوان الشروع في المقصود، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.\r(1)…سألت – أكرمك الله بالفهم النوراني والفتح الرباني،عن معنىلا إله إلا الله ؟\rفاعلم – أن جميع العلوم الدينية ووسائلها، ترجع إلى شرح معنى هذه الكلمة الشريفة، وشرح حقها الذي هو الأمر والنهي والوعد والوعيد، وما يتبع ذلك، وماكان شرحا لحقها، كان شرحا لها بحكم التبعية، والقصد التعريف بأنه لا سبيل إلى الإحاطة بشرح علومها، فضلا عن إيراده، كما سيأتي.","part":1,"page":6},{"id":8,"text":"وأما شرح معناها في نفسها، فهو العلم الذي يطلق عليه علم التوحيد ، وهو البحر الزاخر الذي لا يبلغ له ساحل، ولا يدرك له قعر، وقد سبح النظار من المتكلمين في باحته، وغاص المحققون من العارفين في لجته فأدركوا من لطائفه ونفائسه وعجائبه وغرائبه، ما يجل قدره ويتعذر حصره .\rثم أجمعوا بعد طول البحث والإمعان، وفناء الطاقة والإمكان على الاعتراف بالعجز عن الغاية، والوقوف على النهاية، وذلك لأن الإحاطة بعلوم التوحيد، موقوفة على الإحاطة بذات الموحد وصفاته، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.\rوقد أجمع المحققون على أن الإحاطة بذات الله تعالى وصفاته غير ممكنة، لا في الدنيا ولا في الآخرة .\rوقد شذ من قال من المنتمين إلى الطائفة، بما يوهم حصولها، ولا حاجة بتسمية القائل، إذا قد علم فساد ما قاله، وإنما كانت الأحاطة به سبحانه محالة، لإستلزامها معنى من القهر والاستيلاء فإن المحيط بالشي، من طريق العلم أو غيره، مستولي عليه وقاهرله من كل الوجوده أو بعضها، والحق تعالى هو القاهر الذي لا يقهر، فاعلم ذلك .\rوعلم التوحيد على قسمين: أحدهما ظاهر، وهو الذي يعلم بالدليل والبرهان. ويجب على كل مؤمن، أن يعلم ويعتقد منه مالا يصح إيمانه بدونه .\rوالمتكلم هو الذي يعتني بتحرير هذا العلم، والذب عنه، والفحص عن أدلته وبراهينه، فيفضل عامة المؤمنين بذلك، وفضله إن كان إيمانا وعلما، وإلا كان صورة فقط .\rوالثاني من القسمين : باطن وهو ما لا يدرك بدون الكشف والعيان، وذلك ميراث التقوى، ومعنى الهداية التي هي ثمرة المجاهدة، وهو سر بين العبد وبين ربه، وقد يتفاوض أهله في أشياء منه فيما بينهم، ولهم رضي الله عنهم الغيرة التامة على أن يقف على شيء منه من ليس من أهله، حتى كان الجنيد رحمه الله إذا أراد أن يتكلم فيه مع أصحابه يغلق الباب ويجعل المفاتيح تحت وركه وذلك رحمة منهم بالمؤمنين .","part":1,"page":7},{"id":9,"text":"فإن الواقف على هذا العلم من غير أهله: إما أن ينكره، فيكون عند الله من المكذبين بما لم يحيطوا به علما، وإما أن يصدق به، ويفهمه على غير الوجه المراد منه، فيتعثر في أذيال الخطأ .\rواعلم أنها ق توجد من هذا العلم تلويحات، في كتب المحققين، كالإحياء والقوت، وإنما سمحوا بها تشويقا للمريد الصادق في بعض المواضع، لتوقف حصول الفائدة، من علم المعاملة الذي هم بصدد بيانه على ذلك. وإلا فهم أشح شيء بإيراده .\rأما ترى الإمام الغزالي رحمة الله، حين يشرف على بحاره المتلاطمة يقول:\rولنمسك عنان القلم، وتارة يقول: هاهنا سر فلنتجاوزه ، وأخرى : هذا من علم المكاشفة ، وليس من غرضنا ذكره في علم المعاملة ، إلى غير ذلك.\rوأما من أورد من الصوفية في كتبه أطرافا من هذا العلم ، كالحاتمي والكيلاني ومن نحا نحوهما، فليحمل ذلك منهم على الغلبة، والمغلوب معذور، أو على الإذن والمأذون له مأمور يجب عليه الامتثال، وسر الإذن في ذلك لا يجوز ذكره إلا مشافهة .\rفصل\rنذكر فيه طرفا من ظاهر معني لا إله إلا الله، وقد أسلفنا العذر المقتضي للسكوت عن باطن معناها، فنقول :","part":1,"page":8},{"id":10,"text":"أعلم أنه لا إله إلا الله واجب الوجود لذاته الفرد الواحد الملك القادر، الحي القيوم القديم الأزلي، الدائم الأبدي، الذي هو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ليس كمثله شيء وهو السميع البصي، تقدس وتعالى عن الشبيه والنظير، وعن الشريك والوزير، لا تحده الأزمان ولا يشغله شأن عن شأن، لا تحيط به الجهات ولا تعتريه الحادثات، له الغنى المطلق عن كل شيء، بكل معنى ومن كل وجه. وكل ما سواه مفتقر إليه فقرأ لا يتصور انفكاكه عنه، خلق الخلق أجمعين، وخلق أعمالهم خيرها وشرها، فتبارك الله أحسن الخالقين، يهدي من يشاء ويضل من يشاء ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء ، ويغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، لا يسئل عما يفعل وهم يسألون خلقهم ورزقهم، وأنزل الكتب وبعث الرسل لهدايتهم، لطفا بهم وتفضلا عليهم، يجب توحيده وطاعته على عباده، بإيجابه على ألسنة رسله، ولا يجب عليه لأحد شيء، لأنه المالك لكل شيء المستولي على كل شيء، فليس لأحد معه ملك ولا لأحد عنده حق، وعد المحسنين بثوابه فضلا، وتوعد المسيئين بعقابه عدلا.\rفالإله هو الجامع لجميع هذه الصفات، وهو الله الذي لا إله إلا هو لأن هذه الأوصاف ثابتة له تعالى، ولا يصح لغيره على الإطلاق الاتصاف بشيء منها، فضلا عن جملتها.\rفمن نفى الإلهية عنه أو أثبتها لغيره، أو أشرك معه فيها سواه فقد أعظم البهتان وأحاط به الخسران، أولئك الذين قال فيهم عز من قائل : (( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون )).\rفصل","part":1,"page":9},{"id":11,"text":"اعلم أن هذن الكلمة الشريفة شطران : أحدهما نفي، وهو قولك لا إله، والآخر إثبات وهو قولك إلا الله ، فإذا صدر النفي معقبا بالإثبات، ممن لا يشرك مع الله إلها آخر، فمعناه نفي تَوَهُّم من تَوَهَّم أن مع الله إلها آخر من المشركين والرد عليهم، وتقرير المعني الحاصل في القلب من التوحيد، فإنه يتأكد بتكرار هذه الكلمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :\"\" جددوا إيمانكم بقول لا إله إلا الله\"\".\rوأيضا للشرك معان خفية دقيقة، لا ينجو منها إلا العارفون المحققون، والمكاشفون بصريح الحق من طريق العيان، وقد يقع المؤمن في شيء منها ولا يشعر مثل أن يعتقد أن أحدا غير الله، يجلب نفعا أو يدفع ضرا بطريق الاستقلال، ومن ذلك شدة الحرص على الاستيلاء والاستعلاء على الخلق، ومحبة الاستقلال والاستيثار بالأمور واشتهاء المنزلة والتعظيم والمدح في قلوب الخلق وعلى ألسنتهم.\rوفي الحديث : \"\" الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل \"\". وقد سمى صلى الله عليه وسلم الرياء الشرك الأصغر.\rوقد يشرك الإنسان مع الله نفسه أو غيره من هذه الحيثية، وهو لا يدري ، فعلى المؤمن أن يحترز من خفايا الشرك كما يحترز من ظاهره جهده.\rثم أن الشرك بهذه الاعتبار، لا يؤثر في أصل الإيمان الذي يدور عليه أمر النجاة، ولكنه يقدح في كماله.\rوإنما قلنا في صدر الفصل: ينبغى للموحد أن يقصد بنفيه الإلهية عما سوى الله، الرد على من يتوهم ذلك من المشركين ونحوهم، وسمينا اعتقادهم الفاسد توهما، لأنه إنما ينشأ عن تصور فاسد ورأي ضعيف، يؤذن بتغير المزاج وفقد العقل، وإلا فكيف يخفى على ذي بصر وسمع، فضلا عن ذي بصيرة وقلب، وجود من ظهرت به الأشياء وانفراده بها، ولكن من يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل، أولئك الذين ذهب الله بسمعهم وأبصارهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، صم بكم عمي فهم لا يرجعون .\rولله در القائل حيث يقول :\rأيا عجبا كيف يُعصي الإله……أو كيف يجحده الجاحد","part":1,"page":10},{"id":12,"text":"وفي كل شيء له آية……تدل على أنه واحد\rولله في كل تحريكة……وتسكينه أبدا شاهد\rقال بعض العارفين نفع الله بهم : من طلب دليلا على وحدانية الله، فالحمار أعرف بالله منه، ولولا الحرص على الإيجاز لأمور يعلمها الله، لأطنبنا في هذا الفن، إطنابا يبهر العاقل اللبيب، والله على ما أقول رقيب .\rفصل\rقال العلماء المحققون رضي الله عنهم : الإله هو المعبود بحق، والمعبود بحق هو الخالق الرازق والخالق لكل شيء والرازق له هو الله تعالى، فهو الإله وهو المعبود وحده لا شريك له.\rومن المستحيل عقلا وشرعا أن يكون للعالم أكثر من إله، فما من إله إلا الله العزيز الحكيم، وفي الإشارة إلى كون ذلك محالا أعني أن يكون للعالم الهان، قال الله تعالى : (( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض، سبحان الله عما يصفون ))\rوما ادّعى الإلهية مع الله أحد كالنمرود وفرعون، لعنة الله عليهما ولا ادعيت لأحد كالكواكب والأحجار، إلا وأثر النقص والافتقار والعجز والانقهار، المقتضية للحدوث والعبودية، ظاهر على المدعي لها من الأدميين، وعلى من ادعيت له من غيرهم .\rوالذي يظهر: أن المدعي للإلهية مع الله، كان الحامل له على ذلك توهما فاسدا وتخيلا باطلا، تولد من مشاهدة الاقتدار من نفسه، على بعض الأمور، يشير إلى ذلك قوله تعالى، فيما حكى عن الخليل عليه السلام حين حاجه النمرود في ربه (( قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت )).\rوفي التفسير : أنه أقام البرهان على احتجاجه الداحض، بإحضار رجلين فقتل أحدهما وترك الآخر، وفيما حكى سبحانه عن فرعون، حيث قال لقومه ((أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون )) إشارة إلى ذلك أيضا .","part":1,"page":11},{"id":13,"text":"ولا يبعد أن يكون مثل هذين اللعينين، كانا يعرفانبطلان ما ادعياه، ولكن حملهما البطر والأشر على الجحود، وعلى ادعاء ما ليس لهما بحق، ووجدا لذلك موضعا، من سخافة المنقادين لهما والمذعنين لطاعتهما. قال الله تعالى في شأن فرعون : (( فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين )).\rوبلغنا أنه حين طلب منه قومه أن يجري لهم النيل، حين حبس عنهم، خرج بهم ثم خلا عنهم وجعل يمرغ خده في التراب، ويسأل ويتضرع ويدعو الله، فعند ذلك أجرى الله النيل بقدرته، استدراجا لعدوه، فقال فرعون عند ذلك لقومه : أنا الذي أجريته لكم ، فبان بذلك صحة ما ذكرناه، وتحت هذه الكلمات أسرار لا يجوز أيداعها الكتب .\rواعلموا أن الكلام في هذه الفصول، قد دخل بعضه في بعض ومعانيه متقاربة، ولم نذكر في جملته ما يتعلق بإعراب هذه الكلمة، وحكمها وفضلها بالقصد وليس من غرضنا التعرض للإعراب .\rوحسبك من شرح الحكم والفضيلة أن الكافر بهذه الكلمة، حلال الدم والمال، مخلد في نار جهنم أبد الأباد وأن الإنسان يعيش كافرا بالله سبعين سنة مثلا، فإذا قالها معتقدا لمعناها، عصم دمه وماله، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأنه لو لقي الله تعالى عبد بذنوب الأولين والآخرين، ومع ذلك لا يشرك به شيئا، لكان يغفرله إن شاء وإن عاقبه بذنوبه كانت عقوبة منقضية لأنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد، والموحد هو المعتقد لمعنى هذه الكلمة الشريفة .","part":1,"page":12},{"id":14,"text":"وفي الحديث : \"\" أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله \"\". وفيه : \"\" من كان آخر كلامه :لاإله إلا الله دخل الجنة \"\". وفيه : \"\" وليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، ولا في نشورهم، وكأني بهم وقد خرجوا من قبورهم ينفضون التراب من رؤسهم، يقولون : (( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور )).\rوفيه : \"\" أنه يصاح برجل فتمد له تسعة وتسعون سجلا من الخطايا، كل سجل مد البصر فتطرح في كفة السيئات، فيقول الحق : إن لك عندنا حسنة، فتخرج له بطاقة مكتوب فيها : لا إله إلا الله فتطرح في الكفة الأخرى، فترجح بالسجلات كلها \"\" الحديث بمعناه .\rوقد ذكر الشيخ ابن عطاء الله، في \"\" مفتاح الفلاح \"\" طرفا من فضل هذه الكلمة وما يلحق به.\rثم إن جميع المنافع والفوائد المرتبة على هذه الكلمة، في الدنيا والآخرة، لا يظفر بشيء منها من فرق بين الشهادتين، لأن حكمهما واحد.\rومن أقر بشهادة التوحيد وأنكر الشهادة للرسول، فليس من أهل التوحيد ، والكلام فيمن يكفر بالرسول ويؤمن بوحدانية الله تعالى .\rوأما المؤمن بالوحدانية والرسالة، فليس عليه بأس إذا قال : لا إله إلا الله ولم يتبعها بشهادة الرسول، ولا يفوته بسبب ذلك شيء من الخيرات المرتبة على هذه الكلمة، فاعلم ذلك. وفي الباب فروع ودقائق، لو استقصيناها لضاق عنها مجلد ضخم. والمقصود الإشارة إلى شيء من معاني كلمة التوحيد .\rتتمة\rاعلم أن هذه الكلمة أجمع الأذكار وأنفعها، وأقربها إلى الفتح واستنارة القلب بنور الله، وأولاها بكل أحد، وذلك لتضمنها معاني جميع الأذكار، من التحميد والتسبيح وغيرهما، فينبغي لكل مؤمن أن يجعلها ورده اللازم، وذكره الدائم ، ومع ذلك فلا يبنغي له أن يهجر بقية الأذكار، بل يجعل له من كل منها وردا.","part":1,"page":13},{"id":15,"text":"ثم إن العبد لا يخلوا من أن يكون سالكا أو واصلا أو غير سالك ، فهم ثلاثة أقسام، وكلهم الأولى بهم الملازمة لهذه الكلمة .\rأما السالك ومن ليس سالكا، فلانهم ينظرون إلى الأشياء ويثبتونها من حيث هي وربما دخل عليهم بسبب ذلك، شيء من دقائق الشرك الخفي، فيتحتاجون إلى نفيه عنهم، ولا يكون إلا بملازمة هذه الكلمة .\rوأما الواصل فلأنه ينظر إلى الأشياء بالله، ويكون على الدوام مشغولا بدعوتها إلى الله تعالى، ولا يخلوا في بعض الأحيان من مطالعة نفسه، ومن خطرات تخطر له لا تليق بمقامه، فتكون هذه الكلمة لذلك أولى الأذكار به.\rوقد بلغنا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه، كان يدخلها في كلامه ، وكلما تكلم بكلمات يقول : لا إله إلا الله . ثم يرجع إلى كلامه، وهذا في مقام البقاء وهو بعد الفناء، فليس شيء أولى بالإنسان، أن يلازمه من الأذكار غيرها كما تقدم.\rنعم إذا أشرف السالك على أوائل الفناء، وانمحى عن شهود جميع الأكوان فالأولى به حينئذ ملازمة الله الله، هكذا ذكره العارفون .\rوهذا كله من حيث الأفضل والأولى، وإلا فجميع الأذكار طرق إلى الله موصلة.\rوللمشايخ رضي الله عنهم، طرق في كيفية النطق بهذه الكلمة الشريفة وفي الجهر بها والإسرار، وفي الشرائط التي يحتاج إليها الذاكر بها من المتعرضين للفيض الإلهي والفتح الرباني، وهي مشروحة في رسائلهم، فليطلبها من يريد أن يسير على سبيلهم.\rومن وجد في زمانه أحدا من المشايخ المحققين، فالأولى به أن يأخذ ذلك منه، فإن الكتب حيلة الفاقد، وإلا فكم من فرق بين من يأخذ طريقه عن عارف محقق يسلك به إلى الله، وبين من يأخذ طريقه من كتاب، والله الهادي إلى الصواب وإليه المرجع والإياب والتوفيق منه وبيده.\rفصل\r(2)……وسألت عن الحضور المتكلف، ما معناه ؟","part":1,"page":14},{"id":16,"text":"فاعلم أولا أن الإنسان في أصل خلقته مفطور على خلو القلب، واستعداده لقبول كل ما يلقى إليه، مما يكون سببا في صلاحه واستنارته أو سببا في فساده وإظلامه، فأول شيء يلقى إليه رسخ فيه، وانتقش به انتقاشا، يحتاج في محوه إلى تكلف ومجاهدة.\rوالسابق إلى قلوب بني آدم، إلا من شاء الله منهم، المعرفة بأحوال دنياهم، وما يقع به قوامهم والتذاذهم فيها، وذلك أول شيء يسمعونه، ويرونه من أبناء جنسهم .\rفإذا وردت على قلوبهم بعد تمكن هذه الأشياء منها معرفة الله ومعرفة حقوق ربوبيته، وطلب القيام بها كما ينبغي ويليق بالحضرة المقدسة، لم تجد في القلوب مستقرا ولا مستوطنا، فتبقى متزلزلة وغير ثابتة، فيحتاج لا محالة الراغب في رسوخ معرفة الله في قلبه، وأن يصير الحضور مع الله دأبه وشعاره، في جميع عباداته وسائر أحواله، إلى محو ما سبق إلى القلب، من المعرفة بأحوال الدنيا المشغلة عن التجرد لهذا الأمر، والظفر به على وجه الكمال، ولا بد وأن يناله في ذلك مشقة ويحتاج فيه إلى رياضة ومجاهدة، قد يخف ذلك وقد يثقل، ويختلف باختلاف الفطر كمالا ونقصا، وباختلاف التوجهات والهمم قوة وضعفا، وباختلاف رسوخ الأمور المشوشة، فإنها قد تتمكن من القلب تمكنا بالغا، وقد يكون دون ذلك.\rوليس هذا الذي ذكرناه خاصا بالحضور فقط، بل هو عام في استجلاب جميع الأخلاق المحمودة التي هي مصادر الأعمال الصالحة، فإن المتخلق بها يحتاج في بدايته إلى الصبر والمجاهدة، ويأتي بها مع التعب والمشقة، ثم يفضي به الأمر إلى أن تصدر عنه مقرونة باللذة والراحة.\rإذا علم ذلك فاعلم أن الحضور مع الله روح العبادات، وهو المقصود منها وبه يعني المحققون، وعليه يعول العارفون.\rوالأعمال التي تصدر من العبد مع الغفلة، يرونها إلى العقوبة والحجاب، أقرب منها إلى المكاشفة والثواب.","part":1,"page":15},{"id":17,"text":"وطريق الوصول إلى الحضور مع الله في العبادات، أن ينظر الأنسان في الأمور المشوشة له فيدفعها، وهي قسمان: ما يرد من جهة الحواس كالسمع والبصر ودفعه بالخلوة، وما يكون من قبيل حديث النفس، وتشويشها على القلب بوساوس وخواطر توردها عليه، ودفعها بالإعراض عنها.\rواشتغال القلب، إما بأن تجري فيه صورة اللفظ الذي يجري على اللسان، من قرآن أو ذكر.\rوإما بأن يجعل القلب مصغيا ومستمعا إلى ما هو القائم باللسان من ذلك، والمعول عليه في هذه الحالة ضبط القلب وحفظه عن كل ما يرد عليه، من جهة النفس والحواس.\rفإذا أحكم العبد هذه المرتبة، من تكلف الحضور، فلينتقل منها إلى ما فوقها وذلك أن يشعر القلب، ويقيم فيه معنى ما يكون جاريا على اللسان، وذلك كالتوحيد عند التهليل وكالتزيه والتعظيم عند التسبيح والتكبير.\rوإن كان الذي يجري على اللسان قرآنا، فليكن على القلب معاني ما يقرؤه وهذا المذكور مرتبة في الحضور شريفة، وبعدها أشرف منها وهي أن يشعر القلب ويحضره، حين التلاوة والعبادة والذكر حضرة المعبود والمتكلم والمذكور.\rوإلى ذلك الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : \"\" الإحسان : أن تعبد الله كأنك تراه \"\". ويحتاج من يريد الوصول إلى هذه المشاهدة العظيمة، إلى أحكام ما قبلها كما ذكرناه وإلى أن يكون في غاية التنزيه للإله الحق عن مشابهة الحوادث، فإن من لا بصيرة له ربما يتصور ذلك مقرونا بشيء من التخيلات، التي يتقدس الحق عن مثلها.\rوفي هذه المرتبة التي هي مشاهدة المتكلم في كلامه، والمذكور في ذكره، تكون الغيبة والاستغراق والسكر والفناء، وما شاكلها من أحوال أهل الله.\rفمن رغب في الوصول، فليسلك السبيل ويعانق الصبر والجد، ويشمر عن ساق الطلب بكل جهده وإمكانه، ويسمع قول سيد الطائفة الجنيد رحمه الله، وقد قيل له: من أين لك هذه العلوم، التي لا توجد عند أحد من أشياخك؟ فقال : من جلوسي مع الله تحت هذه الدرجة ثلاثين سنة، وأشار إلى درجة في بيته .","part":1,"page":16},{"id":18,"text":"وكان الشبلي رحمه الله تعالى في بدايته يخلوا بنفسه في سرب تحت الأرض، ويأخذ معه حزمة قضبان، وكلما داخلته غفلة ضرب بها نفسه فما يمضي المساء حتى تفني تلك الحزمة من كثرة ما يضرب بها، فإن ما كان أول ما صاروا إليه، من المكاشفات والمشاهدات مجاهدات ومكابدات. وقد يحصل ذلك بدون ما ذكرناه وهو نادر جد .\rثم إن الواصل إلى رتبة الحضور مع الله والأنس به، يصير يتكلف الحضور مع الخلق، والخوض في شيء من أمور الدنيا عندما تدعوه إليه الحاجة، نظير ما يتكلفه أولا في طلب الحضور مع الله تعالى .\rومن أقوى ما يستعان به على حصول الحضور مع الله : أن يشعر العبد قلبه بأن الله يراه وإنه إنما ينظر إلى قلبه وباطن قصده وتوجهه، لا إلى جسمه وصورة ما يجري عليه من عمله.\rومن المشوشات للحضور عند العارفين: أن يكون الإنسان في صلاة أو ذكر فيشغل قلبه بغير ما هو فيه ولو من أمور الآخرة إذا المعول عليه عندهم، هو أن يجتمع الإنسان بظاهرة وباطنه على كل ما يدخل فيه لله تعالى، فإنه لا يحكمه ولا يأتي به على وجهه حتى يكون كذلك.\rومع غفلة القلب قد تفسد صورة العمل، فضلا عن معناه كما هو مشاهد. والعمل مع الغفلة وعدم تكلف الحضور لا يؤدي إلى الحضور، وإنما يؤدي إليه إذا كان مصحوبا بتكلفه، ولكنه لا يخلوا من بركة.\rقال رجل لأبي حفص إني أذكر الله ولا أجد حضورا، فقال له: أحمد الله الذي زين جارحة من جوارحك بذكره.\rفصل\r(3)…وسألت عن معني التنزيه والثناء وعن ما يعبر به عن الحول والقوة، وعن معني الندم والاستغفار، وهل ذلك خاص بأهل الذنوب أم عام حتى في الترقي من مقام شريف إلى أعلى منه ؟","part":1,"page":17},{"id":19,"text":"فأعلم أن التنزيه هو التقديس وهو التسبيح أيضا، ومعناه: أن يعتقد القلب تنزيه الحق جل وعلا ذاتا وصفاتا وأفعالا عن مشابهة المخلوقين، فإنه المتقدس سبحانه المنزه عن الشركاء والأمثال وعن الحدوث والزوال، وعن الأعراض والعلل وعن التقيد بالزمان والمحل، بل هو المنزه عن أن يتصوره وهم أو يتخيله خيال، أو يظفر به فكر أو يدرك ماهيته عقل أو يحيط به علم.\rوكثيرا ما وقع التسبيح في القرآن الكريم، متصلا بتنزيه الحق نفسه، عما أضافه إليه الملحدون، مما لا يليق بعز كماله، مثل قوله تعالى: (( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق )) إلى قوله (( إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد )) ومثل قوله تعالى ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا)) إلى قوله (( سبحانه عما يشركون )) ومثل قوله تعالى (( ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون )) الآيات إلى قوله: (( سبحان الله عما يصفون)) إلى غير ذلك.\rوأما الثناء فهو الحمد والمدح ومعناه: ذكر ما يستحقه الممدوح، من صفات الكمال وما هو متصف به من معاني العز والشرف والجلال، وما يفيض منه على المثني وغيره، من العطاء والنوال، وما يدفع عن المادح وعن سواه، من ضرور البلاء والأنكال مقرونا بالإعظام والإجلال. ومن أجمع العبارات وأشملها لمعاني الثناء قول: الحمد لله .\rواعلم أن الله تعالى هو المنزه على الإطلاق والمستحق للثناء على كل وجه، وبكل معنى، وهو المنفرد بذلك والمتوحد به لأنه المنزه عن كل نقص المتصف بكل كمال، المفيض لكل خير ونوال. فالتنزيه والثناء له حقيقة ولغيره مجازا بل لا منزه ولا محمود سواه حقيقة ومجازا.\rفكل من أتى من الخلق شيئا من النزاهة، أو وصل إلى شيء مما يقع عليه الثناء، فما وصل إلى ذلك بحوله وقوته، بل بقدرة الله ومشيئته وفضله ورحمته، وذلك من الله ولله.","part":1,"page":18},{"id":20,"text":"ومن نزه مخلوقا عما هو منزه عنه، فتنزيه وثناءه ومباعدته نقص يعتور أبناء جنسه، أو أثنى عليه بكمال هو متصف به فتنزيه وثناءه تنزيه لله وثناء على الله، علم ذلك من علمه وجهله من جهله.\rواعلم أن الله تعالى غني عن تنزيه المنزهين، وعن ثناء المثنين، فإن المنزه له سبحانه لم يدفع بتنزيهه عنه نقصا، إذ لا نقص ولا يتصور وجوده.\rوالمثني عليه تعالى لم يثبت له بثنائه كمالا، فإن الكمال لله أزلا وأبدا، وإنما تنزيه العبد لربه وثناؤه عليه نفع يجره إلى نفسه، وخير يوصله إليها، وقد وعده الله ذلك بفضله، قال صلى الله عليه وسلم \"\" الحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن او تملأ ما بين السماء والأرض \"\". الحديث .\rوقال عليه الصلاة والسلام : \"\" إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ، ويشرب الشربة فيحمده عليها \"\".\rوما ورد في فضل التسبيح والتحميد ، أكثر من أن يحصر، اشهر من أن يذكر، ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين .\rفصل\rوأما ما يعبر به عن معني التبري عن الحول والقوة ، فاعلم أن أجمع العبارات عن ذلك وأشملها ، قول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .","part":1,"page":19},{"id":21,"text":"قال حجة الاسلام رضي الله عنه : الحول هو الحركة والقوة هي القدرة ، ولا حركة ولا قدرة لأحد من الخلق على شيء من الأشياء إلا بالله القوي القادر وكلما جعل الله للمخلوقين إلى فعله أو إلى تركه سبيلا ، كالقيام بالتكاليف فعلا وكفا، وكالسعي لطلب المعاش بأنواع الحركات من الحرف والصناعات ، وما في معني ذلك فالواجب على المؤمن ، أن يعتقد أن الله تعالى ، هو الخالق المخترع لإراداتهم وقدرتهم وحركاتهم ، وإنما لما يصدر عنهم من الأفعال الإختيارية ، نسبة إضافة إليهم ، تسمى الكسب والعمل ، عليها يترتب الثواب والعقاب ، ولكنهم ما يشاؤن إلا أن يشاء الله ولا يقدرون على فعل شيء ولا على تركه ، إلا إن أقدرهم الله و (( لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض . ومالهم فيهما من شرك ، وما له منهم من ظهير. ))\rوعلى القدرة والاختيار الذي جعل الله لعباده يترتب الأمر والنهي، فللأمور الصادرة عنهم بالقصد مع الاختيار ، نسبة وإضافة إليهم وبحسب ذلك يثابون ويعاقبون .\rفمعنى لا حول ولا قوة إلا بالله ، نفي الاستقلال ، والاستبداد بالقوة والحول مع الاعتراف بوجود القدرة والاختيار اللذين جعلهما للعبد ، فإن من زعم أنه ليس للعبد اختيار ولا اقتدار على شيء ، وأن أفعاله الاختيارية كالاضطرارية ، وأنه مجبور في كل حال ، فهو مبتدع جبري ، وقد أبطل بزعمه الفاسد فائدة إرسال الرسل ، وأنزال الكتب .\rومن زعم أن الإنسان يستقل بمشيئته وقدرته على أفعاله الاختيارية، فهو مبتدع معتزلي.\rومن اعتقد أن للإنسان المكلف قدرة واختيارا ، يقدر بهما على امتثال ما أمره الله به وعلى اجتناب ما نهاء عنه ، وأنه ليس مستقلا بذلك ولا خالقا له فقد أصاب السنة ودخل في الجماعة وسلم من البدعة ، ولهذا شرح طويل وهو سبيل وعر قد تخبط فيه وضل عنه خلق كثير ، وتحته سر القدر الذي حارت فيه الألباب ، وأمر بالإمساك عن الخوض فيه سيد المرسلين .","part":1,"page":20},{"id":22,"text":"فليقنع العاقل بالإشارة ، وليكفه من ذلك أن يؤمن أن كل شيء خلقه الله، وأنه لا يكون كائن بدون مشيئته وقدرته ،ثم ليطالب نفسه بامتثال الأوامر واجتناب المحارم وليقم الحجة لربها عليها على كل حال .\rوفي الحديث : \"\" لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة \"\". فافهم الإشارة في كونه كنزا تعلم أن معناه من الأشياء الخفية الغامضة ، فإن الجزاء من جنس العمل كما قال صلى الله عليه وسلم \" ركعتان في جوف الليل كنز البر \"\" فجعل ثوابهما كنزا مخفيا لوقوعها في وقت بهذه المثابة وهو الليل .\rوورد أيضا : \"\"لا حول ولا قوة إلا بالله دواء من تسعة وتسعين داء ، أدناها الهم\"\". وإنما كانت دواء للهموم ، لأنها إنما ترد غالبا عند فوات محبوب أو حصول مكروه فيستشعر الإنسان عند الفوات وحصول ما يكره عجزه وضعفه ، عن الوصول إلى ما يشتهي فيهتم لذلك ، فإذا كرر على قلبه ولسانه معني التبري من الحول والقوة ، أنتج له ذلك يقينا ، يعلم به أنه عاجز وضعيف ، إلا أن قواه الله وأقدره ، فيذهب إذ ذاك همه وتتسع معرفته بربه .\rويتضح هذا المعنى من قوله عليه الصلاة والسلام :\"\" من آمن بالقدر ذهب همه \"\". وفي إضافة الحول والقوة إلى اسمه \" الله \" الذي هو قطب الأسماء ورئيسها ، وإتباعه غالبا بالاسمين الكريمين ، الدالين على صفتين من صفات الذات المقدسة العلو والعظمة ، إشارة إلى نهاية التنزيه وغاية التقديس عن أوهام توهمها من ضل السبيل وعمي عن الدليل وخاض في سر القدر ، وفي حركات العباد بدون بصيرة فتنبهوا لذلك .\rفصل\rوأما الندم فهو رجوع القلب مع التحسر والتأسف ، عن شيء قد كان هم العبد به ، مما يسخط الله تعالى فعله كالمعاصي أو تركه كالفرائض وقد يقع على الانهماك في المباحات ، وعلى التأخر عن نوافل القربات .","part":1,"page":21},{"id":23,"text":"والندم الصادق ما حمل على مجانبة التقصير وملازمة التشمير وعند صحته يكاد يتضمن جميع شرائط التوبة ،ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : \"\" الندم توبة \"\". والذي يندم على إتيان القبائح مع الملابسة لها متلاعب لا يغني عنه ندمه شيئا .\rوأما الاستغفار فهو طلب المغفرة من الله وهو الستر على الذنوب ، وإذا تفضل الله بغفران ذنب لم يفضح به صاحبه ولم يعاقه عليه لا في الدنيا ولا في الآخرة .\rوأشرف أنواع المغفرة أن يجعل الله بين العبد سترا من الذنوب حاجزا بينه وبينها حتى لا يقع في شيء منها ، ويسمى هذا الستر بلسان النبوة : عصمة وبلسان الولاية : حفظا ، وإليه يرجع معنى قوله تعالى لسيد المعصومين عليه افضل الصلاة والسلام : (( واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات )) وقوله تعالى: ((ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر )).\rومن المعلوم أن الذنب لا يصدر منه ولكن ذكره نعمته عليه بعصمته مما يبعده منه ، وأمره أن يدعو بذلك ، فإن الدعاء في هذا الموطن يرجع إلى الشكر، والشكر سبب المزيد (( لئن شكرتم لأزيدنكم )) والله أعلم .\rدقيقة\rاعلم أن الطاعة وإن كانت هي الطريق إلى الله ، والوسيلة إلى القرب من حضرته المقدسة ، قد يداخل العاملين بها من أهل الغفلة أمور معدودة من كبائر الذنوب وذلك كالرياء والعجب ، والتكبر بها على العباد ، والإدلال بها على الله ونسيان منته في التوفيق لها ، وما يجري هذا المجري .\rوهذه الأشياء قد تنتهي بالمطيع إلى أحباط أصل الثواب ، وربما استوجب مع ذلك أليم العقاب .\rوالمؤمن المعول على طريق الحزم الحريص على حصول النجاة ، لا يفارقه الاتهام لنفسه وسوء الظن بها فهو يستغفر بإزاء الطاعات ، وإن لم تكن له صور المخالفات ، مخافة أن تكون نفسه قد دهته بشيء من هذه الدواهي المهلكات ، فقد عرفت بهذا موقع الاستغفار من الطاعات .","part":1,"page":22},{"id":24,"text":"وأمر أدق من هذا يقع لأهل المعرفة في بعض الحالات ، وهو أنهم إذا آنسوا من نفوسهم ركونا إلى الصالحات من أعمالهم أو أنسا بها أو اعتمادا عليها يرجعون إلى الله بالتوبة والاستغفار .\rوهذه الأشياء بعينها قد تطرقهم عند منازلات المقامات الشريفة ، والأحوال الواردة فيتوبون عنها ويستغفرون منها .\rولذلك كانت الذنوب عند أهل الله المتجردين عن علائق الأكوان ، الالتفات إلى غير الله كائن ذلك الغير ما كان ، فتراهم يفزعون إلى الله ويفرون إليه من أحوال لو وردت على غيرهم كان يعدها من أعظم القربات وذلك كخواطر الرجاء بإزاء الطاعة ، وخواطر الخوف وخواطر الزهد ، وأفهم هاهنا قولهم : حسنات الأبرار سيئات المقربين .\rولو لا إندراس الطريق وأفول أنوار التحقيق لكنا نأتي من ذلك بالعجب العجاب ، فتذكروا يا أولى الألباب .\rقال الشيخ شهاب الدين السهروردي رحمه الله : وللمقامات قوادح قد تدخلها دواخل ، لا يكاشف بها العارف في حال الإقامة بها . وإنما يتبينها إذا ارتقى من مقام إلى ما هو أعلى منه . فعند ذلك ينظر إلى الأوال وقد حصل له من الثاني زيادة تبصرة فيرجع إلى الذي فارقه فيصلحه ويجبر تقصيره فيه ، ولا يكون ذلك إلا بالتوبة والاستغفار ، وهذا معنى كلامهم مع مزيد شرح وإيضاح .\rوقد تأول بعضهم قوله عليه الصلاة والسلام \"\" إنه لَيُغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم سبعين مرة \"\" ، بنحو ما ذكره السهروردي، وهو بعيد المناسبة للمنصب المحمدي، الذي تندرج فيه جميع الكمالات الحقيقة والخلقية. وعندي له تأويل لا أسمح بذكره إلا مشافهة لأهله، والله أعلم .\rفصل\r(4)…وسألت عن قول بعض أهل الطريق: ينبغي لمن يأخذ من أيدي الخلق ن أن يكون أخذه من الله كشفا وذوقا لا إيمانا وعلما . فما كيفية ذلك، من حيث العلم به ؟","part":1,"page":23},{"id":25,"text":"فأعلم أن هذا كلام عارف أخبر عن حاله، وعبر عن شهوده وهو حال الفاني عما سوى الله ، المستغرق بمشاهدة جلال الله وجماله، الذي لم يبق عنده من الخلق خبر، ولا من الوجود وأهله حس ولا أثر، قد سلب التدبير والاختيار، وغاب عن مشاهدة الآثار، وغرق سره في لجة بحر الأسرار،وانمحت عنه ظلمة ليل الوجود، بإشراق نهار الشهود، فتراه مع ربه كالميت مع غاسله لا يتحرك إلا بتحريكه، وقد غاب عن الأسباب برؤية مسبب الأسباب، وفني عن الأغيار بمشاهدة فعل الفاعل المختار. فهو كما قال بعض العارفين الأخيار:\rالله در فتى حيران ذا وله……أفنى مسماه مولاه وأسماه\rيمضى الزمان ولا يدري بعدته……يستف من رائق العذري حمياه\rفصاحب هذا الحال مغلوب بمشاهدته، ومحكوم عليه لا يستطيع خروجا عن حكم الوارد، فما وقع منه في حاله ذلك فالله وليه فيه، وهو حافظه حتى إن الصادق في هذه المواطن، لا يلابس شيئا مما يناقض وصف العبودية، وإن كان إذ ذاك خارجا عن عهدة التكاليف، لفقد التمييز الذي هي منوطة به .\rوللمتحققين رضي الله عنهم حرص بالغ على ورود هذا الوارد ودوامه، لما فيه من مفارقة الرسوم ومحو أوصاف البشرية التي هي الحجاب عن مشاهدة الأسرار الإلهية.\rواعلم أن هذا الحال إذا ورد لا يدوم، وإن دام ظهرت على العبد أمور عجيبة وقد ينتهي به الأمر إلى الاضمحلال والانمحاق، وهو اختصاص الهي يختص الله به من يشاء، لا يدرك بالأماني وتسويلات النفس .\rوللإنسان سبيل إلى التعرض لذلك بحسن الرياضة وصدق المجاهدة، على موافقة الكتاب والسنة .\rوالمتكلف للتحلي بهذا الحال، المتصف بأوصاف أربابه مغرور مأزور، لأنه يقع بسبب ذلك إلى الإخلال بحقوق الله وحقوق العباد، وذلك لأن صاحب الفناء لا يتصور منه حب ولا رجاء، ولا خوف لأحد من الخلق ولا يشكر ولا يكافيء أحدا منهم على معروف يصل إليه منه لأنه ما يرى إلا اله ، إلى غير ذلك من أوصاف الفاني بالله.\rواعلم أن الفاني يرى الله، ولا يرى الخلق .","part":1,"page":24},{"id":26,"text":"وصاحب البقاء ولا بقاء إلا بعد التحقق بالفناء، يرى الأشياء بالله فيوفي كل ذي حق حقه، ويضع كل شيء في موضعه، ويقوم أتم القيام بالحقوق الحقيقة والحقوق الخلقية، ولا يشغله ذلك عن ربه ولا يحجبه عن مقامه .\rوقد يقع لصاحب الفناء بوارق من البقاء، ولصاحب البقاء طوارق من الفناء، وحاله ما هو الغالب عليه، فترى رجالا من الواصلين إلى حال البقاء تحكي عنهم أشياء تشهد للاستغراق والفناء، مثل ما بلغنا عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه، أنه قال مرة في مجلس: نحن لا نحب إلا الله .\rفقال له قائل : إن جدك عليه الصلاة والسلام يقول \"\" جبلت القلوب على حب من أحسن إليها .\"\"\rفقال الشيخ : نحن لا نرى محسنا إلا الله فإن كان ولا بد فكالهباء تحسبه شيئا، فإذا فتشته لم تجد شيئا، يريد أن رؤيته للخلق بهذه المثابة .\rوالتعبير عن ذوق من لا يرى إلا الله في العطاء والمنع عسير، ولا تكاد العبارة تقع عليه، ولكن يستدل على صاحب هذا المقام بالعلامات الظاهرة .\rوالمعول عليه، والذي لا بد منه في الأخذ من أيدي الخلق، استعمال العلم والأدب ظاهرا وباطنا. أما العلم الظاهر فهو أن لا تأخد إلا ما يسوغ لك أخذه شرعا، وأما الباطن فهو أن لا تأخذ شيئا وانت عنه في غناء إلا بنية اخراجه ، ولا شيئا استشرفت إليه النفس .\rومعنى الاستشراف : أن ترجوه وتطمع فيه من موضع معين، وهذا من الأداب الباطنة والتزامها فضل . والواجب من باطن العلم أن تؤمن يقينا أن الله تعالى هو المعطي حقيقة، فإنه هو الرزاق لذلك المعطي، والآمر له بالإعطاء والمجازي له بما هو أجل وأفضل من عطائه، وهو الذي سلط على قلبه البواعث القاهرة، التي لا يستطيع لها خلافا، وهو الذي زين له البذل واخطرك على باله، والقى في نفسه أن الخير والمنفعة في الاصطناع إليك، فما أحسن إلا إلى نفسه .","part":1,"page":25},{"id":27,"text":"فقل لي : هل يبقى مع استشعار هذا الأمر من العلم بالله، نظر إلى الخلق أو وقوف معهم ؟ ومع هذا كله، فلا تغفل عن شكر المحسنين وموادتهم والدعاء لهم، من حيث إنه سبحانه أمر بذلك، وما جعلهم محلا للمعروف، وموضعا للخير وواسطة بينه وبين عباده، إلا وهو يحب لهم ذلك ،ويحب معاملتهم به وشكرك إياهم شكر لله عند التحقيق .\rفقد علمت بما قررناه، حكم الآخذ من أيدي الخلق بالنسبة إلى أهل الفناء وأهل البقاء وأهل السلوك، فتمسك به واعمل عليه .\rدقيقة\rقال صاحب قوت القلوب رحمه الله ونفع به: إذا صادفت لمعروفك أحدا من أهل اليقين، الذين لا يرون إلا الله فاغتنم اصطناع المعروف إليه. وإن كان حاله يقتضي أن لا يشكر أو لا يدعو لك لكونه لا يراك، فإن يقينه أنفع لك وأرجح في ميزانك من دعاء غيره وشكره. انتهى بمعناه .\r(5)…وأما ترتيب سورة الواقعة ، وقد سألت عنه ؟\rفاعلم أنه ورد : أن قرائتها كل ليلة أمان من الفاقة ،وهي الحاجة إلى الخلق، أعنى حاجة تشين الإنسان في دنياه ومروءته .\rوقدل قيل لابن مسعود رضي الله عنه عند موته: تركت أولادك فقراء فقال: ما منهم أحد إلا وقد أعطيته كنزا، وهو سورة الواقعة.\rوخواص السور والآيات القرآنية والأذكار والأدعية النبوية أمر غير مجهول وكتب السنن طافحة به .\rوقد ألف الإمام الغزالي في ذلك كتابا سماه: الذهب الابريز في خواص الكتاب العزيز .\rوليس في ترتيب الواقعة ونحوها ن لجلب المنافع ودفع المضار الدنيوية ما يقدح في عمل ولا نية، نعم لا ينبغي أن يكون الباعث على قراءتها مجردا من المقاصد الدينية .\rوللعبد في التحرز من الحاجة إلى الناس – إذا عقل – أفضل نية، فإن المؤمن الفطن لا يقصد بالاستغناء عن الناس وبالسلامة في النفس والأهل، وما شاكل ذلك مما يقترن به من الراحة واللذة الصورية، بل يقصد به الخلاص من آفات تضر الدين، وقد تظهر على كثيرين من المبتلين بشيء من هذه البليات .","part":1,"page":26},{"id":28,"text":"ومن ثم الشتد حرص الأكابر، على سؤال العافية من الله المعنوية والحسية وذلك خوفا من انفسهم، لما هي مجبولة عليه من الضعف والتزلزل عند ورود الأشياء المنافرة لها .\rوقد تكرر من الرسول صلى الله عيه وسلم الاستعاذة من الفقر والأمراض وقال:\"\" كاد الفقر أن يكون كفرا \"\"، لما يتهدف له المبتلى به، من التبرم بالقضاء والسخط للمقدور والجزع .\rقال سفيان الثوري رحمه الله: ما أجزع من البلاء لأنه يؤلمني ، ولكن أخشى أن أبتلي فأكفر .\rثم إن كمال العبد في رضاه باختيار ربه له واكتفائه بعلمه، واعتنائه باختياره وتدبيره عن تدبير نفسه واختيارها .\rدقيقة\rقال بعض العرافين: في ترتيب سورة الواقعة سر يرجع إلى تنمية اليقين، الذي يقارنه سكون القلب وتصحبه الطمأنينة في حال الوجد والعدم، وذلك لأن الله افتتحها واختتمها بذكر المعاد، وتفاوت الناس يومئذ.\rومن تدبر ذلك الأمر أذهله عن كل ما يخطر له من أمور الدنيا، وأيضا فإن الله ذكر فيها أصل الخلق، وأنه ابتدأه من نطفة إذا تمنى، وأصل الحرث والماء اللذين بهما يكون القوام فحث على التفكر في ذلك، وعرف الكافة بعجزهم عن الخلق، وعن تنمية الحرث وحفظه وعن إنزال الماء، وفي ذلك أبلغ تعريف بشأن القدرة الإلهية والمشيئة والعلم الأزليين.\rفإذا انضم العلم بذلك إلى العلم بضمان الله وتكفله لعبده برزقه وما يقوت… سكن قلبه وأقبل على عبادة ربه. والله أعلم .\rتَبصِرة\r(6)…ربما داوم الإنسان على قراءة شيء من السور، وواظب على شيء من الأذكار والأدعية، الموعود عليها شيء من المنافع الحالية فلم ير لذلك أثرا، فلا ينبغي لمن وقع له ذلك أن يتشكك في صحة ما وقع به الوعد الصادق .\rوالذي ينبغي له أن يرجع على نفسه باللائمة وينسبها إلى التقصير في يقينها وتوجهها، فإن القاريء والذاكر، لا يسمى قارئا وذاكرا على الإطلاق الشرعي، إلا باجتماع شروط فيه ، يقصر عن القيام بها أكثر الناس.","part":1,"page":27},{"id":29,"text":"والعمدة في تأثير هذه الأشياء وحصول الجدوى بها، تيقن القلب بأن ما ذكر كما ذكر، من غير تشكك ولا قصد تجربة، وصدق التوجه واجتماع الظاهر والباطن على الدخول في ذلك الشيء، وامتلاء القلب بخالص حسن الظن بالله وكمال الحضور معه .\rفقَلَّ أن تجتمع هذه الأشياء في متوجه بشيء من الآيات والأذكار في حصول شيء، أي شيء كان، إلا ويكون مطلوبه كأنه طوع يده وتحت حكمه وتصرفه، فلا يلومن عبد قعدت به همته وأخَّره جده وتشميره إلا نفسه، وما الله بظلام للعبيد .\rفصل\r(7)…وسألت عن شخص إذا حضر السماع، يحس بروحه كأنها تضطرب ويناله بسبب ذلك شيء من التعب، فما الأنسب له : حضور السماع ، أو عدمه ؟\rفاعلم – علمك الله – أن أمر السماع خطر، حتى قال سيدي القطب الرباني العيدروس عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه ونفع به: إن هذا السماع يهدي الله به واحدا ويضل به ألفا، أو كما قال .\rفالذي لا بد من بيانه أن للأثر الحاصل من السماع، حكم الباعث عليه، فينبغي أن يكون الباعث من الحق، سالما من مزج الشهوة والهوى، وأن لا يسمع إلا ما يجوز الاستماع إليه في حكم العلم، وأحمد أثر تحصل من السماع شيء يحصل من استماع القرآن والسنة والمواعظ الحسنة .\rوالأثر الحاصل من استماع الأشعار والأصوات الحسنة والنغمات الموزونة محمود أيضا، إن تعلق بأمر الدين، وإلا فهو مباح ولا بأس باستماعها على هذا الوجه بشرط أن لا يكون في ذلك خروج عن المباح. وقد قصدنا بهذه الكلمات المجملة إيناس الطالب، وإلا فكتب القوم طافحة بشرع حكم السماع، خصوصا الإحياء والعوارف منها .\rوأما الشخص الذي يحصل له ما ذكر، فإن كان يخشى مع ذلك مراءاة للخلق أو تزينا لهم، فترك الحضور أنسب له .\rوإن كان لا يخشى ذلك ولكن لا يحصل له بالسماع فائدة، من إنهاض همة أو نشاط في عبادة أو شوق إلى مشاهدة، ونحو ذلك، فعدم الحضور أحسن له أيضا، لأنه لا يسوغ للإنسان أن يتعب نفسه لغير مصلحة .","part":1,"page":28},{"id":30,"text":"وإن كانت تحصل له فائدة وتناله منفعة في دينه، فليزن ذلك بما يحصل له من التعب ويكون مع الأرجح والأصلح .\rوبالجملة فالعارفون لا يرون لمتاعب الأجسام وآلامها قدرا مع منافع القلوب وفوائدها، لأن حاصل طريقهم تنقية القلب وعمارته، ومطمح نظرهم، فيما يجمع قلوبهم على مولاهم عز وجل فاعلم ذلك، وبالله التوفيق.\rفصل\r(8)……وسألت عن معنى قول الإمام حجة الإسلام شرف الأئمة المهتدين وأستاذ الأكابر المحققين محمد بن محمد بن محمد الغزالي، قدس الله سره العزيز وأعاد علينا من بركاته الشاملة، آمين. قوله: العلم بالشيء مغاير للعلم بالعلم بذلك الشيء؟\rفاعلم أن هذا الكلام واضح، ونضرب للتعريف به مثلا حتى يعقل، مثال ذلك إنك تعلم أن الله هو الذي خلقك وخلق كل شيء. هذا هو العلم بالشيء ثم تعلم إنك تعلم بخلق الله لك فهذا هو العلم بالعلم، وهو غيره. وقد يتصور انفكاك أحد العلمين عن الآخر.\rوقال الخليل بن أحمد: الرجال أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاتبعوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك نائم فايقظوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك مسترشد فأرشدوه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لايدري فذلك جاهل فأرفضوه.\r(9)……وسألت عن قول الغزالي أيضا: العلم يثمر الحال والحال يثمر المقام. هل ذلك مقرر، بل قد يفهم من كلام غيره خلاف ماذكره؟.\rفاعلم أن كلام حجة الإسلام رحمه الله، في ذلك هو العمدة. ولو خالفه مخالف لم يعتد به.\rوبيان ما قاله رحمه الله تعالى، تعرفه بشرح مقام من مقامات اليقين حتى تقيس عليه غيره من المقامات.","part":1,"page":29},{"id":31,"text":"فاعلم أن الزهد من المقامات الشريفة، وأصله أن يعلم الإنسان بما ورد في الكتاب والسنة وكلام صالحي الأمة في ذم الدنيا وتقبيح حال الراغبين فيها، وذكر فضيلة الراغبين عنها المقبلين على الآخرة فيقع في قلبه إن أدركه التوفيق أثر يقتضي الزهد في الدنيا والرغبة في العقبى. فالأول العلم، وهذا الأثر هو الحال. ويظهر على الجوارح بواسطة هذا الأثر أعمال تدل عليه، من الإعراض عن عمارة الدنيا وجمع حطامها وملازمة ما ينفع في الآخرة من الأعمال الصالحة، إلى غير ذلك.\rثم إن هذا الأثر تعرض له عوارض من وساوس الشيطان والنفس، فيما يدعو إلى الرغبة في الدنيا فيحول ويتزلزل ويطرأ عليه ضعف، وربما ينمحي في بعض الأحيان ولذلك يسمى حالا. فإذا رسخ وتأكد ورست قواعده في القلب فلم تؤثر فيه خواطر الرغبة ولم تزلزله البتة، فعند ذلك يسمى مقاما، فقد عرفت بهذا أن العلم يثمر الحال والحال يثمر المقام.\rوللحال والمقام أمارات وعلامات، تدل على صحتها وسقمها، تجري على الظاهر وتسمى العمل وهو ينشأ ايضا عن العلم، غير أنه يتعلق بالظاهر، فيفرق بينه وبين الحال بذلك .\rوقد ذكر صاحب العوارف أن الأحوال بدايات المقامات ، وأن من رسخت قدمه في شيء من مقامات اليقين، يكون له حال من المقام الذي هو أعلى منه، فاعلم ذلك .\rثم إن الأحوال قسمان: أحدهما ما تقدم ذكره والآخر ما يرد على القلب المشرق بأنوار الرياضة والمجاهدة من الواردات الشريفة كالأنس والفيبة والسكر والجمع ، وهذا القسم من الأحوال لا تثمره العلوم، ولكن تثمره التوجهات الخارقة في قوالب المعاملات الخالصة والنيات الصادقة، ولم يرده الإمام بقوله ذلك والأحوال التي يجري ذكرها كثيرا على لسان القوم المراد بها القسم الثاني منها، والله أعلم .","part":1,"page":30},{"id":32,"text":"(10)……وسألت عن قوله أيضا : لا يكفي في فعل الطاعات العلم بكونها طاعة فقط، بل لا بد مع ذلك من معرفة الوقت والترتيب والشرط فالوقت هو الزمان المعين المحدد المأمور بفعلها فيه.\rوالترتيب هو الإتيان بها على الوجه المأمور به، من تقديم ما يجب تقديمه وتأخيرما يجب تأخيره كالطهارة والصلاة لايصحان بدون الترتيب، وهو واجب في الطاعات التي يتصور وجوده فيها، وحكم الوقت والترتيب ظاهر .\rوأما الشرط فيقرب أنه أراد به علم ما يتوقف فعل الطاعات عليه أو كمالها. ومثال ذلك أن العقل شرط في صحة الإيمان والإسلام، وهما شرط في صحة القيام بالواجبات والانتهاء عن المحرمات والتقرب بنوافل الطاعات والإخلاص لله، وتصفية النية من شوائب الرياء شرط في الانتفاع بالجميع في الدار الآخرة، والله أعلم .\r(11)……وعن قوله، رضي الله عنه، في الخواطر، من حيث المؤاخذة بها، وهو أمر واضح .\rوبيانه على سبيل الإجمال، أن الخاطر ما دام مترددا خيرا كان أو شرا لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب حتى يقع الجزم والتصميم فعند ذلك تتوجه المجازاة عليه من جنسه، وأما نسبة كلامه في الخواطر التي هذا حكمها إلى كلامه الذي أورده في آخر كتاب الخوف، وذلك أنه ذكر هنالك، أن صفات باطن الإنسان المخلط من الكبر والرياء والحسد ونظائرها، تنجلي له بعد الموت في صورة منكرة يعذب بها. وهذا حكم من خرج من الدنيا من قبل أن يزكي باطنه من هذه الخبائث .\rفإن كان الذي أشرت إليه من كتاب الخوف أردت به هذا المذكور فلا إشكال، فإن الخواطر شيء يقع في النفس ثم يتردد في الصدر، إلى أن يبلغ غايته وقد يضمحل قبل ذلك.\rوهذا الذي في كتاب الخوف، إنما أشار به إلى الصفات المهلكات التي يضمرها الإنسان ويصر عليها وهي من أقسام الكبائر الباطنة، وتقع عليها المؤاخذة العظيمة عاجلا وآجلا فشتان بين صفات القلوب وبين الخواطر التي تخطر فيها.","part":1,"page":31},{"id":33,"text":"فإن كنا قد أصبنا ما في نفسك بما ذكرناه من البيان، فلله الحمد وإلا فانقل إلينا الكلام الذي أشكل عليك من كتاب الخوف يعينه، حتى نوضحه لك، بعون الله.\r(12)……وسألت أيضا عن قول الإمام الغزالي في ( كتاب أسرار التلاوة )، اللسان واعظ والعقل ترجمان والقلب هو المتأثر.\rوهذا الذي قاله واضح فاللسان وظيفته القيام بالألفاظ المتضمنة للمعاني، والعقل يصغي إليها فيأخذ المعاني التي بها يقع التأثير فيلقيها إلى القلب المتأثر، فإنه وزيره والقائم بتدبيره فهو لتوسطه بين القلب واللسان في مثل هذا الموطن يسمى ترجمانا.\rوهذا الذي ذكره يكون لأصحاب اليمين، الذين ترد عليهم المعاني عند التلاوة وبعدها.\rوأما المقربون الذين ترد عليهم المعاني قبل التلاوة، وذلك لأن معاني التلاوة قد رسخت في قلوبهم ومازجت حقائقهم، فهي على الدوام حاضرة لديهم، سواء كان اللسان تاليا أو غير تال .\r(13)……وسألت عن قوله أيضا فيمن يستعين بنعم الله على معاصيه: إن تمني زوال النعمة عنه لا يكون من قبيل الحسد، بل هو من قبيل الغيرة لله تعالى.\rفاعلم أن الحق ما ذكره رحمه الله ولكن لو جعل الإنسان مكان تمني زوال النعمة عن العاصي، سؤال الهداية له والتوفيق لشكر ربه، ووضع النعمة حيث يحب لكان أحسن .\rومن الأول ما يحكي عن ذي النون رحمه الله، أنه نظر في البحر إلى زورق فيه جماعة يريدون بعض الأماكن وقصدهم أن يشهدوا على بريء بالباطل ومجانبة الحق، فدعا الله عليهم فغرقوا فلما قيل له في ذلك، قال : شهادة البحر خير لهم من شهادة الزور .","part":1,"page":32},{"id":34,"text":"ومن الثاني ما حكي عن معروف الكرخي رحمه الله، أنه مر هو وأصحابه على شاطيء الدجلة فنظروا إلى عصابة من الفساق راكبين في سفينة وهم مشتغلون بالشراب وأنواع اللهو، فقال أصحاب معروف له : يا أستاذ ادعو الله عليهم فرفع يديه وقال: اللهم كما فرحتهم في الدنيا ففرحهم في الآخرة فقال له أصحابه في ذلك فقال: إذا فرحهم في الآخرة تاب عليه فلم يلبثوا أن جاءوا إلى الشيخ تائبين.\rوهذا الذي فعله معروف أكمل وهو وصف الرحماء من أهل الله وخاصته والمكاشفين بوصف الجمال .\rوالذي ذكره الإمام مقام شريف في الغيرة لله، ويغلب على من مشهده الجلال من الخاصة.\rواعلم أن الغيرة قسمان: أحدهما أن يغار الإنسان لربه إذا هتكت محارمه وضيعت حقوقه ويسمى الغضب لله أيضا، وعنه يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبغض الظالمين والدعاء عليهم، كما وقع ذلك لنوح وموسى عليهما السلام .\rوالثاني من القسمين: غيرة الإنسان على شيء يختص به، لا يقبل الشركة الزوجة ونحوها وقد تفرط هذه الغيرة بالإنسان، حتى يتهم من ليس بمتهم ويكره أن يشاركه غيره في شيء لا يضيق بالمشاركة، كالعلم والعبادة والشرف والرفعة وربما يبغض ويحسد من صار له من هذه الأشياء نصيب، وهذا ليس من الغير المحمودة في شيء .\rوأما غيرة الله تعالى، فمعناها أنه يغار سبحانه على عبيده أن يعبدوا غيره وأن يقعوا في معصيته ومخالفة أمره، ويغار أيضا عليه أن يشاركوه في صفاته الخاصة الكبرياء والعظمة والعلو والعزة فإن هذه الصفات وما في معناها لا تليق إلا بالله الملك الحق الجبار لا إله إلا هو العزيز الحكيم .\rفصل\r(14)……وسألت عن شيء يتعلق بالرؤيا من كلام السيد الأكمل زين العابدين علي بن عبد الله العيدروس رحمه الله ؟\rفاعلم أن الرؤيا من أجزاء النبوة ولها عالم يخصها وهي برزخ بين الكشف الباطن واليقظة الظاهرة .","part":1,"page":33},{"id":35,"text":"وأول ما يبدأ بها الولي كما وقع ذلك للرسول عليه الصلاة والسلام في أول الأمر ولكن ما كل أحد تقع رؤياه بهذه المثابة وقل أن تصدق رؤيا لأهل التخليط.\rوصدق اللسان وسلامة التخيل والتوهم من التخيلات والتوهمات الفاسدة شرط في صدق الرؤيا واستقامتها.\rوقد يتفق للمخلطين شيء من الرؤيا الصادقة، ولكن يضيف الشيطان إليها ما يزيد عليها من الأمور الفاسدة، فيشتبه عند التعبير صحيحها بفاسدها .\rومن كان الشيطان متحكما عليه في يقظته وهو مع ذلك يسمع ويعقل فهو في نومه الذي تذهب به إدراكاته أشد تحكما فيه.\rولا يؤثر في الرؤيا شيئا نقص جسم الإنسان إذا كانت إدراكاته الباطنة سليمة، نعم إذا غلب على الإنسان مرض قوي أو شيء من الأخلاط الطبيعية خصوصا البلغم والسوداء منها تتخلط الرؤيا وربما رأى الشيء على خلاف ما هو عليه.\rوذكر الإمام الغزالي رحمه الله أن الذي يحدث نفسه بالأمور المحالية، ويشغل لسانه بما لا خير تحته من الكلام وكذا الذي يعتقد الأشياء ويراها أو يريها غيره على خلاف ما هي به قل أن تصدق له رؤيا، فاعلم ذلك وتأمله حقه فإنه نفيس وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.\rوهذا آخر ما قصدنا إيراده من جواب أسئلتك وقد تضمن مع وجازته، ما لا مزيد عليه من البيان والإيضاح لمن يفهم ويكتفي بالإشارة عن بسط العبارة وخير الكلام ما قل ودل.\rوقد عن لنا أن نسعفك بشرح وجيز على أبيات الشيخ أبي بكر بن عبد الله العيدروس باعلوي التي كنت طلبت منا قديما الكلام عليها، ونجعل ذلك خاتمة الكتاب تيامنا وتبركا بكلام الشيخ، نفع الله به وبسائر عباد الله الصالحين .\rخاتمة\r(15)……تتضمن شرح أبيات بديعة المباني غزيرة المعاني من نظم سيدنا القطب الرباني أستاذ العارفين وقدوة المحققين الشيخ أبي بكر بن الشيخ عبد الله العيدروس الشريف الحسيني ، قدس الله روحه ونور ضريحه وأعاد علينا من بركاته وأسراره في الدارين . آمين :","part":1,"page":34},{"id":36,"text":"هبت نسيم المواصة……بلا اتصال ولا انفصال……بمقتضى مطلع خفي…… وليس للعلم فيه مجال\rلأنه ثمرة اليقين…… ومرتقي رتبة الكمال\rعبر الشيخ رضي الله عنه بالنسيم، الذي هو من ألطف الرياح وأرقها عن النفحات الإلهية والجذبات الربانية التي يختص الله بها أولياءه ويواصل بها أصفياءه، العاكفين على حضرته المشغوفين بمحبته المقبلين بكنه الهمم على طاعته المشمرين عن ساق الجد في خدمته، المتأدبين بين يديه بالأداب الروحانية والمعرضين عن كل ما يشغل عنه ويبعد منه، من اللذات البهيمية والصفات الشيطانية.\rوإنما عبر الشيخ عن هذه المواصلة الشريفة بالنسيم صيانة للأسرارعن إبتذال الأغيار، ونعتها بالتقديس عن الاتصال والانفصال اللذين هما من سمات الأجسام الكثيفة وعنها تتنزه مدارك الأرواح والأسرار الشريفة والحق تعالي منزه عن الاتصال والانفصال، فلا جرم كانت المواصلات التي يواصل بها خاصته ورجال حضرته كذلك، فافهم.\rوالمطلع: هو المرتقى، وخفاؤه: بعده ودقته عن إدراكات الحواس الظاهرة والأفكار والعقول الباطنة .\rوليس للعلم المقتنص بشبكة حواس الأجسام، المدرك بآلة الحوافظ والإلهام فيه مجال يعني اتساع، إذ نصيبها منه أن تؤمن وتصدق به فقط فإنه ليس من شأنها ولا من مدركاتها، لأنه من خاصية الروح ونصيب السر كما قال رضي الله عنه، لأنه ثمرة اليقين.\rواليقين عبارة عن تمكن الإيمان من القلب واستيلائه عليه، على وجه لا يتصور معه التزلزل والتشكك بحال .\rوثمرة اليقين هي الكشف والعيان، فإن الكشف حال للموقن، واليقين مقام له وهو أعني اليقين حال للمؤمن والإيمان مقام له. فللمؤمن خطرات من اليقين، وللموقن خطرات من الكشف، ومرتقى رتبة الكمال هي المكاشفة وهي أول قدم في مقامات المشاهدة التي هي الكمال.\rثم قال رضي الله عنه ونفع به :\rفالاقتدا ثم الاهتدا… والاصطفا حال فوق حال\rفمن لزم ما أمر به……من العمل واليقين نال\rحلول جنات أنسه……يجتني ثمرة الوصال","part":1,"page":35},{"id":37,"text":"فالاقتداء: الاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم في أخلاقه وأفعاله وأقواله والتأدب بآدابه ظاهرا وباطنا .\rفمن أحكم ذلك وأتى به على وجهه مخلصا لله تعالى فاضت عليه أنوار الاهتداء الذي هو ميراث حسن الاتباع ونتيجة المجاهدة، قال الله تعالى (( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا )).\rفهذه الهداية هي المكاشفة بصريح الحق والمبادأة بأشياء من عالم الغيب وقبلها وقبل المجاهدة هدايتان:\rاحداهما هداية البيان ، والأخرى هداية التوفيق .\rوالاصطفاء: هو التحقق بحقائق اليقين وفيضان إمدادات القرب من القوي المتين .\rفحال الاهتداء فوق حل الاقتداء لأنه ثمرته .\rوالاصطفاء فوق الاهتداء وهو روحه ومقصوده ومعناه: أن يصطفي الله عبده لمعرفته ومحبته والمكاشفة بأسرار حضرته ولمشاهدة أنوار ذاته وصفاته المقدسة، فاعلم .\rومن شأن الصادق المستقيم الفطرة، إذا سمع بذكر هذه المواجيد والمشاهدات الشريفة أن يشتاق إليها فبشره الشيخ وعرفه الطريق الموصل إليها بقوله: فمن لزم ما أمر به .\rوالملازمة هي المداومة والمواظبة على الشيء والذي يؤمر به العبد هو العمل واليقين، أعني العمل بالطاعة ولها ظواهر تجري على الجوارح الظاهرة كصورة الصلاة والصدقة وما في معنى ذلك، وبواطن يتصف بها ظاهر القلب وهي الأخلاق المحمودة مثل التواضع والزهد والرضا وأخواتها.\rواليقين: هو الإيمان الخالص الصادق كما تقدم ومحله باطن القلب، وقد جعل الله رحمته للعبد سبيلا إلى تحصيل اليقين بملازمة العبادات والنظر في ملكوت الأرض والسموات وتدبر الآيات المنزلات .\rفمن قوي يقينه وتزين باطنه وظاهره بملازمة العمل الصالح نال القرب من ربه ونزل بحبوح جنات الأنس به واجتنى ثمرات الوصول إلى كريم حضرته.\rوثمرات الوصول: هي المفاتحات والمؤانسات والمحادثات والمسامرات الربانية إلى غير ذلك من مواجيد أهل الله وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده .\rوقال رضي الله عنه :","part":1,"page":36},{"id":38,"text":"هذه علوم محققة……رجالها نعم من رجال\rيقينهم لا ارتياب فيه……وهديهم ليس به ضلال\rقد اقتدوا ثم جاهدوا……وشاهدوا فانتفى المحال\rلما ذكر الشيخ رضي الله عنه ما واصله الحق به من لطائف المكاشفات وحقائق المشاهدات، ثم أتبعه بيان الطريق إلى غير ذلك دعوة منه إلى الله تعالى ونصيحة لعباد الله، أخذ نفع الله به في تقرير ذلك الفتوح وتلك الطريق فقال:\rهذه علوم يعني التي أشار إليها محققة عند أهلها، الناظرين بنور الله الخارجين من مضيق التقليد إلى فضاء الكشف، الذين لم يقنعوا بالخبر عن العيان كما قنع به جامدوا العقول، الواقفون مع أفكارهم وما يعرفونه من أنفسهم من الذكاء والفطنة، فإن من هذا وصفه ربما أنكر علوم القوم ولم يصدق بها لخروجها عن إدراكه وتحصيله وهو عند نفسه ممن لا يفوته شيء من العلم فيكذب بما لم يحط به علما.\rولكون التصديق بباطن علم الصوفية فضلا عن التحقق به شاقا على من هذا وصفه قال الجنيد رحمه الله: التصديق بعلمنا هذا ولاية .\rثم اثنى الشيخ على المتحققين بهذا العلم من أهل الله تعالى فقال: رجالها نعم من رجال. فإن الرجل من قهر نفسه واستولى عليها ونقاها وزكاها من خبائث الأخلاق وحلاها بمكارمها وقطع عن قلبه علائق الأكوان واستقبل الحضرة الإلهية بوجه الباطن والظاهر فأقام القلب في مواطن التوحيد والتفريد واقام القالب في مواطن الخدمة لله تعالى التي هي شأن العبيد وهذا وصف الصوفي المحقق.","part":1,"page":37},{"id":39,"text":"والصوفية: هم الرجال الموصوفون بهذه الأوصاف، الذين لم يخالط يقينهم ريب ولا شك ولم يمازج هديهم الذي هو علومهم وأعمالهم ضلال ولا ميل عن الحق ولا ركون إلى الباطل مما لم تقنع الصوفية من إيمانهم ويقينهم بدونه. ولأجله كلفوا نفوسهم تلك الرياضات وحملوها تلك المجاهدات حتى صفت ولطف جوهرها فأدركت ما غاب عنها من العلوم الغيبية التي تعبدهم الشرع بالإيمان بها، فصارت لذلك علومهم وأعمالهم بعيدة عن الجهالة سالمة من الضلالة لأنهم أخذوها من موطنها واقتبسوها من معدنها.\rوما وصلوا إلى ذلك إلا بعد ما تأدبوا بآداب الشرع وعلموا من علوم الإيمان والإسلام ما لا بد منه ثم أخذوا في العمل بما علموا وشمروا في ذلك وأقبلوا على مجاهدة النفوس وتهذيب أخلاقها، بأنواع الرياضات .\rوإلى ذلك أشار الشيخ رضي الله عنه بقوله: قد اقتدوا يعني بالاقتداء ها هنا أنهم علموا ما لا بد من علمه وعملوا به.\rوإلى الرياضة والتهذيب أشار بقوله: ثم جاهدوا، فلما أحكموا هذين الأصلين العلم والعمل به وحسن الرياضة للنفوس بفطمها عن مألوفها ومعتادها مع التوجه الصادق إلى الله تعالى تنورت سرائرهم وانفتحت بصائرهم فشاهدوا عالم الملكوت وتحققوا بحقائق اللاهوت، فانتفى المحال حينئذ أعني انتفاء شهوده وأما وجوده فلم يزل منفيا .\rوالمراد بالمحال ها هنا: ما لا حقيقة له ولا استقلال عند النظر إليه من حيث هو. وهذا وصف لازم لكل ما سوى الله تعالى .\rثم قال الشيخ رضي الله عنه :\rعلم اليقين ثم عينه……بل حقه ما بقي احتمال\rفنوا عن الكون جملة……لما بدا طالع الجلال\rوأحياهم بعد موتهم……بالجمع في مشهد الجمال\rأعلم أن علم اليقين يعبر به عن الإيمان الصادق المؤيد بالبراهين الصحيحة والأدلة الصريحة، وعين اليقين مرتبة فوقه وهي أن يستغني الإنسان عن الإستدلال لظهور الحق له من طريق العيان أو قريب منه .","part":1,"page":38},{"id":40,"text":"وأما حق اليقين فهو المرتبة العليا المشار إليها بالكشف المطلق الأسنى ، المخصوص به أكابر الأولياء وخواص العارفين الأصفياء وفيها رسخت أقدام الأنبياء وكمل ورثتهم من الصديقين .\rوأما قوله نفع الله به: ما بقي احتمال أي ما بقي للشك موضع ، ولا للارتياب محل .\rوالفناء عن الكون جملة حال شريف ينازله اهل الله وله معان جليلة ودقيقة والمراد هاهنا فناء شهود الإنسان لنفسه ولغيره من الكائنات .\rوالأمر الذي يشنأ عنه هذا الفناء تجلي صفات الحق الجلالية للقهرية وعند تجليها تنمحق الرسوم البشرية وتضمحل البقايا الكونية.\rفإذا صح الفناء بهذا المعنى تجلى عليهم الحي القيوم بالأوصاف الجمالية اللطفية فَتُحيي أرواحهم وتنتعش أسرارهم وتبقى رسومهم وعوائدهم على ما هي عليه من الإماتة الحاصلة بالإفناءالجلالي فيبقيهم ما شاء سبحانه في هذا المشهد الجمالي المعبر عنه بالجمع، وفيه تجد أرواحهم من نعيم القرب وروح الأنس بالله شيئا لا يعبر عنه، وعليه بعد مفارته يتأسف المحبون وإليه يشتاق المحققون.\rوإلى ذلك النعيم والروح العظيم، أشار ابن الفارض رحمه الله في قوله :\rتلك الليالي التي تعتد من عمري…مع الأحبة كانت كلها عرسا\rلم يحل للعين شيء بعد بعدهم…والقلب منذ أنس التذكار ما أنسا\rيا جنه فارقتها النفس مكرهة…لولا التأسي بدار الخلد مت أسا……وفي كلام الناظم نفع الله به وكلام الشيخ السودي وغيرهما من العارفين أرباب الإشارات والتمكين إشارات كثيرة إلى ما ذكرناه .\rوذلك المقام الذي ينقلهم الحق إليه أعني ينقل إليه منهم من أراد أن ينفع العباد به أكمل واشرف وهو مقام البقاء ومنه يرجع العارف إلى الخلق ، فيدعوهم إلى الله تعالى ويتخلق لهم بأخلاقهم تكلفا لتقع المناسبة بينهم وبينه فيستجبون له .","part":1,"page":39},{"id":41,"text":"وتحقيق ذلك يستدعي بسطا كثيرا وتحته معان دقيقة وأسرار غامضة لا يجوز إيداعها الكتب مخافة أن يعثر عليها من ليس من أهلها فيدعيها حالا لنفسه، فيضل عن سواء السبيل.\rثم قال الشيخ رضي الله عنه :\rحتى صفى ابريز تبرهم……فلا يساويه قط مال\rفالكون قد صار طوعهم……ولا يخالف في الانفعال\rهذا هو الملك بلامرا… بلا انعزال ولا اختلال……قد بين الشيخ حكم الفناء عند مشاهدة الجلال التصفية من رعونات النفس وكثائف طباعها.\rوبيان ذلك: أن السالك وإن بلغ كل مبلغ في رياضة النفس ومجاهداتها، فلا بد وان تبقى عليه بقايا من رعوناته وعوائده والتفات إلى الأكوان فلا تنمحق تلك البقايا ولا تنمحق تلك الرعونات بدون الفناء الصرف.…………ومن ثم لم يؤهل للمشيخة والدعوة إلى الله من السالكين من لم يصل إلى حال الفناء والبقاء .\rوالإبريز هو الذهب الخالص والتبر منه: ما بقى فيه بقية من غيره، فقد تخلص جوهر أولئك العارفين وصفي عن عوارض الأجسام وعلائق الأكوان فصارت لذلك معارفهم وعلومهم وأخلاقهم وأعمالهم لا يساويها مال، أي مال غيرهم ممن لم يبلغ إلى مثل حالهم والمال ما ينفع والمراد منه هاهنا ما ينفع عند الله وفي الدار الآخرة .\rولما اضمحلت حظوظهم وفنيت إراداتهم واختياراتهم ولم يبق لهم حظ ولا أرب في غير الله وما يقرب منه أطاعتهم الأكوان وأذعنت لهم منقادة، نظير انقيادهم وطاعتهم لسيدهم.\rوالأكوان أبدا تكون مع مكونها ومن كان لله كان الله له ومن كان له تعالى كانت الأكوان كلها طائعة ومنقادة له.\rوفي بعض كتب الله المنزلة: ابن آدم أنا الله الذي أقول للشيء كن فيكون، أطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون .","part":1,"page":40},{"id":42,"text":"فأي شيء يشاؤه العارف ويريده، كان بقدرة الله كما أراد ولكنه قد فنيت إرادته ومشيئته وتدبيره واختياره فلا يريد ولا يختار إلا ما أراد الله واختاره فصار بهذا الإعتبار، مراده عين مراد الله فافهم ذلك فإنه دقيق. والعارف يؤثر بهمته وتوجهه في أي شيء توجه إليه، ولكنه لا يتوجه للشيء إلا عن إذن إلهي .\rوطاعة الأكوان لأولياء الله، أمر معلوم بالتواتر، وكثيرا ما تتفق وتقع الانفعالات بالهمم والتوجهات للسالكين المشرفين على مراتب الكشف الذين لم يخلصوا إليها بعد، ويكون في ما يظهر لهم من ذلك تقوية لهم وتقع أيضا لأهل الفناء وقل أن يشعروا به لذهابهم في الله وعدم شعورهم بشيء من الكائنات.\rوأما أهل البقاء القائمون بوظيفة الدعوة إلى الله تعالى فيقل وقوعها لهم لسكونهم إلى الله تعالى وطمأنينتهم إلى ما يجري من أحكامه وأقداره فقل أن تنبعث هممهم وتوجهاتهم لشيء من ذلك، وقد يؤذن لهم في إظهار شيء من الخوارق لتقوية طالب ضعيف القصد أو رد معاند يكذب بآيات الله ويدفع خصوصية الله في أوليائه.\rولو توجه العارف إلى جبل ليزول أو بحر ليغور لكان ذلك بقدرة الله.\rثم إن العارفين لا يقيمون وزنا لمن يشتهي هذه الكرامات ويطلبها لنفسه بحظه. ويقولون: الكرامة الاستقامة، وهي المعبر عنها بحسن المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا .\rولا يصل أحد إلى شيء من هذه الخوارق حتى تصير نفسه في غاية من اللطافة بواسطة الرياضة ويتحقق بكتمان الأسرار ويتعرى عن الحظوظ النفسانية.","part":1,"page":41},{"id":43,"text":"ومن حصل له شيء منها قبل إحكام هذه الأمور كانت فتنة عليه إلا إن عصمه الله وحفظه وهذا الذي وصل إليه أولياء الله من التحرز عن رق الأكوان والخروج عن عوارض الأجسام و الإنقطاع إلى الله والإقبال عليه بترك ما يشغل عنه ويقطع عن حضرته كائنا ماكان، فهذا هو الملك الحقيقي الذي يغبط صاحبه، ولا يحتاج في إقامته وحفظه إلى الرجال والأموال والتدبيرات والاشغال الصافي عن مزاحمة الإغيار السالم من منازعة الأشرار البعيد عن الأنكاد والمتاعب والأكدار، المنزه عن الإنقطاع والإنعزال والزوال والإنحلال، فإن هذه عوارض تعرض للملك الدنيوي وأما الملك الاخروي فإنه منزه عنها.\rوأشرف مراتب الملك: أن يملك الإنسان نفسه وهواه ويستغني عما سوى مولاه ولا يكون له في الدارين إرادة ولا رغبة في شيء سوى قربه ورضاه. وهذا وصف أولياء الله وخاصته رضي الله عنهم ورضوا عنه، (( أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ))\rثم قال الشيخ رضي الله عنه ونفع به وقد جمع في هذه الأبيات مع وجازتها ذكر ما فتح الله به عليه وأوصله إليه واتحفه به من الكشف والشهود وذكر الطريق إلى الله بداية ونهاية. ووصف أولياء الله، وذكر جملة ما خصوا به من مزايا القرب من الله وما أتحفوا به من النزاهة عن قذر الإلتفات إلى الأكوان الفانية. وما أيدوا به من التصرف في الوجود والملك الحقيقي الذي لا ينقضي ولا يزول.\rتمت وصلوا على النبي……مهذب القول والفعال\rوصحبه سادة الورى……وآله خير كل آل\rفقد آن للشيخ أن يختم الأبيات فليس بعد ما أسعف به الطالب الصادق وأتحف به الراغب الوامق من شرح طريق الله وبيانها بيان .\rفختمها بحث الواقفين على كلامه، على الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي رحمة من الله مصحوبة بتعظيم يليق بالمنصب النبوي الكريم.","part":1,"page":42},{"id":44,"text":"وفي ختمها بالحث على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، تنبيه وإعلام وتنويه بأن كل ما حصل للشيخ ولغيره من العارفين، نتيجة لحسن الإقتفاء وميرات لكمال الإتباع للرسول صلى الله عليه وسلم مهذب القول والفعال .\rفقوله صلى الله عليه وسلم ، الصدق الفصل المنزه عن كل ما يخالط أقوال الآدميين من كذب وغيره . قال الله تعالى (( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ))\rوأفعاله صلى الله عليه وسلم، منزهة ومهذبة عن كل نقص يعرض لأفعال الإنسان، لأنه قد أيد بالعصمة واختص بالوحي الإلهي فهو إنما يقول ويفعل عن الأمر الرباني .\rفطوبى لمن اقتدى به واهتدى بهديه وعمل بسنته والويل كل الويل لمن حاد عن متابعته وتثاقل عن إجابة دعوته وعمل بخلاف هديه وسنته.\rوصحبه: هم الذين صحبوه في حياته وآمنوا به وهاجروا إليه ونصروا دينه وحاهدوا معه وبلغوا عنه ما سمعوه ورأوه من أقواله وأفعاله.\rفلإجتماع هذه المزايا والفضائل لهم، التي لم يشاركهم فيها غيرهم كانوا سادات الورى وأئمة الهدى.\rوآله: هم أقاربه الجامعون بين النسبة الطينية والدينية، فهم أولى الناس به وأحب الناس إليه وقد فرض الله على الأمة حبهم ومودتهم وأكرمهم بالتطهير عن الرجس فهم لذلك خير آل لأنهم آل من هو خير الخلق وأشرفهم صلى الله عليه وآله وسلم.\rولا يكمل لهم هذا الشرف ولا يتم لهم بدون المتابعة منهم لسيدهم الذي شرفهم الله به لأنهم أولى الناس بها وأحق الناس بالتزامها.\rومن لم يحرص عليها منهم ولم يبذل وسعه وطاقته فيها. فاللوم والشؤم اللاحق بالمعرضين عن متابعة المصطفى ألزم لهم، ونصيبهم منه أوفر من نصيب غيرهم.\rكما أن الشرف والفضل الحاصل لمن أحسن المتابعة، يكون للمحسنين فيها من أهل البيت النبوي أجله وأكمله وأعلاه وأفضله.","part":1,"page":43},{"id":45,"text":"اللهم ارزقنا كمال المتابعة لرسولك صلى الله عليه وسلم، في أخلاقه وأفعاله وأقواله وأعنا على ذلك واهدنا إليه وارزقنا الإخلاص والصدق فيه، واحيينا وامتنا عليه حتى تجمعنا بنبيك في دار كرامتك وأنت راض عنا في خير وعافية، يا أرحم الراحمين .\rوهذا آخر ما تيسر ايراده ، من الكلام على أبيات سيدي الشيخ .\rولست أقوال ولا أدعي أن هذا الذي ذكرته هو مراد الشيخ بعينه ولكنه شيء فهمته من كلامه وهو من الحق. فإن وافق ما عناه الشيخ ، فلله الحمد وإلا فهو شيء من الصواب ينتفع به إن شاء الله من وقف عليه من الأحباب والأصحاب .\rثم إني اعترف عن علم ويقين، لا عن ظن وتخمين بإفلاسي وخلوي عن حقائق أهل الله وعن مواجيدهم وطرائقهم الحميدة.\rنعم أعرف من نفسي حبهم والموالاة لهم، والميل إلى التشبه بهم والتكثير لسوادهم مع حسن الظن والتصديق بكل ما فتح الله عليهم به من المكاشفات والمشاهدات .\rوارجو من الله ن يلحقني بهم ويجعل لي بفضله نصيبا مما خصهم به من معرفته ومحبته. وقد ورد، \"\" المرء مع من أحب \"\" و \"\" من تشبه بقوم فهو منهم\"\" و \"من كثر سواد قوم فهو منهم \"\".\rومع ذلك فقد اندرست طريق هذه الطائفة وعفت رسومها وانطمست معالمها وعز وجود الصادقين فيها، بل عز وجود من يطلبها بصدق وصار الكلام فيها معدودا عند الناس من البلاغة والفصاحة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .\rوما أحسن قول الشيخ أبي مدين رحمه الله في قصيدته التي أولها .\rما لذة العيش إلا صحبة الفقراء\rمشيراً إلى جملة ما ذكرناه في شأن الإعتذار والإعتراف والإخبار باندراس الطريق، حيث يقول :\rواعلم بأن طريق القوم دراسة… وحال من يدعيها اليوم كيف ترا\rمتى أراهم وأنَّى لي برؤيتهم… أو تسمع الأذن مني عنهم خبرا\rمن لي وأنَّى لمثلي أن يزاحمهم… على مواردَ لم ألفِ بها كدرا\rأحبُّهم وأداريهم وأوثرهم … بمهجتي وخصوصاً منهم نفرا\rقوم كرام السجايا حيث ما جلسوا… يبقى المكان على آثارهم عطرا\rيهدي التصوف من أخلاقهم طرفاً…حسن التآلف منهم راقني نظرا\rهم أهل ودِّي وأحبابي الذين همُ…ممن يجر ذيول العزِّ مفتخرا\rلازال شملي بهم في الله مجتمعاً... وذنبنُا فيه مغفوراً ومُغتفرا","part":1,"page":44},{"id":46,"text":"تم الكتاب المسمَّى: باتحاف السائل بجواب المسائل جعله الله خالصاً لوجهه الكريم ومقربا إلى رحمته ورضوانه وغفر لنا كل ما وقع فيه مما يخالف الحق أو يميل إلى الباطل أو يوافق الهوى أو داخلنا فيه من رياء وتصنع للخلق. وغفر لمن كان السبب في تأليفه ولقارئه وكاتبه ومستكتبه وسامعه ولوالدينا وأحبابنا وجميع المسلمين، والحمد لله.\rاللهم ما بنا من نعمة في بواطننا وظواهرنا وديننا ودنيانا، فإنا نعلم ونوقن أنها منك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر على ذلك، عائذين بوجهك الكريم من سلب النعم وحلول النقم، سائلين من فضلك أن تعاملنا بمقتضى الجود والكرم، وإن لم نكن أهلا لذلك فأنك أنت أهله.\rرب اغفر وارحم وانت خير الراحمين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .\rوكان الفراغ من إملائه أول يوم الجمعة خامس عشر المحرم، أول شهور سنة 1072 اثنتين وسبعين وألف من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.\rوصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .\rوالحمد لله رب العالمين .","part":1,"page":45}],"titles":[{"id":1,"title":"اتحاف السائل للإمام الحداد","lvl":1,"sub":0}]}