{"pages":[{"id":1,"text":"مَطلَبُ الإيْقَاظ\rفِي الكَلَامِ عَلَى شَيء مِنْ غُرَرِ الأَلفَاظ\rتأليف\rالإمام العلامة السيد عبد الله بن حسين بلفقيه\r(1198- 1266هـ )","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"ترجمة المؤلف:\rهو الإمام العلامة الفقيه السيد عبد الله بن حسين بن عبد الله بن علوي بن عبد الله بن عمر بلفقيه .\rولد في مدينة تريم يوم السبت التاسع من شهر ذي الحجة سنة ثمانية وتسعون ومائة وألف من هجرته عليه الصلاة والسلام .\rكان عَلَمَاً من الأعلام يهتدي بضوء علمه القاصي والداني .\rمن شيوخه والده الإمام حسين بن عبد الله بلفقيه ، والإمام محمد بن علي الشوكاني ، والعالم العامل الشريف عبد الله بن حسين بن طاهر وغيرهم كثير .\rوتتلمذ على يديه مجموعة من أكابر العلماء من أبرزهم الإمام عيدروس بن عمر الحبشي .\rوله عدة مؤلفات منها :\rكتاب كفاية الراغب ، وفتح العليم في بيان مسائل التولية والتحكيم ،والمسالك السوية إلى مناسك الوصية ، و فتاوى وديوان شعر بليغ ، و كتابنا هذا ، وغير ذلك .\rتوفي ـ رحمه الله تعالى ـ يوم الأربعاء الثاني عشر من شهر ذي القعدة سنة ستة وستين ومائتين وألف من الهجرة المشرَّفة .","part":1,"page":1},{"id":3,"text":"بسم الله الرَّحمن الرَّحيم\rنحمدُك اللَّهم أن شرحتَ صدورَ أقوامٍ بأنوارِ حقائقِ العلومِ والمعارف ، وأهلتهم للإحاطة بما في الصِّناعات من النكت واللطائف .\rوالصلاةُ والسلامُ على سيِّدنا محمد وآله وصحبه وتابعيهم من كل حَبْرٍ عارف .\rوبعدُ فهذه غررُ فوائدَ سافرةٌ بدورُها , ودُرَرُ قلائِدَ زانتها نحورُها في ذكر شيءٍ من مصطلحات الفقهاءِ الأعلامِ أئمةِ الإسلامِ مما أودعوه من عباراتِهم المرعيَّة ، في كتبهم الشرعية ، من حقها تُحفظ ولا تُلفظ ، وتُرفع ولا تُخفض ، يحتاج إليها المبتدي ، ويتذكر بها المنتهي ، وناهيك بها ، فنِعِمَّا هي ، انتخبتُها من جواهر ألفاظهم وجنيتُها من فواكه غياضهم, دعاني إلى جمعها سؤالُ بعض الأعزةِ عليَّ من المتردِّدِين إليَّ ممن خَبَرْتُهُ فوجدتُهُ أهلاً لما طَلَب , ورأيتُ إسعافَهُ بهذا المطلب ، مما تأكد ووجب ، على أنِّي في زمانٍ أرى العلمَ قد عُطِّلَتْ مشاهدُهُ ومعاهدُهُ ، وسُدَّت مصادرُه ومواردُهُ ، وخلتْ ديارُه ومراسِمُهُ ، وعفتْ أطلالُه ومعالمُه ، مع أنِّي في بلدةٍ هي منبَت رجاله ، ومحط رحاله ، ومظهر كماله ، وملمع لآله، فلم يزل الدهرُ يتقلب بأهله، ويجرِّعهم مُرَّ خطوبه بنهله وعَلِّه ، حتى أشفتْ على الأفول شموسُ الفضل والعرفان ، واتسعتْ فجاجُ الجهل والطغيان ، وكادتْ معالِمُ الدين أن تدخلَ في خبر كان ، والله المستعان .\rوالمسئُول من السائل والواقف على هذه الورقات إصلاحُ الخلل ، والدعاءُ لي ببلوغ الأمل ، وأسأل الله سبحانه إخلاصَ النية مع المنِّ بحصول الأمنية ، فإنه وليُّ ذلك والعالم بما هنالك .\rورتبتُ هذه المؤلفة ـ بعد أن سميتُها بـ ( مَطْلَبِ الإيقَاظِ فِي الكَلامِ عَلَى شَيء مِن غُرَرِ الأَلفَاظِ ) ـ على مقدمةٍ وثلاثةِ مقاصدَ وخاتمةٍ .\rالمقدمة : في بيان طريق المطالعة ؛ إذ هي الوسيلة العظمى الجامعة .\rالمقصد الأول : في ذكر شيء من مصطلحات الفقهاء في عباراتهم وما أودعوه في طيِّ إشاراتهم .\rالمقصد الثاني : في تعريف مصطلح الإمام شيخ المذهب النووي في المنهاج ، واتِّبَاعِ الكثير له على ذلك الانتهاج .\rالمقصد الثالث : في تبيين بعض اصطلاح شيخ الإسلام ابن حجرَ ـ سقى الله عهده ـ في تحفته وما تحراه من لطيف إشارته وظريف عبارته .\rوالخاتمة : في ذكر فوائدَ شتَّى يحتاجها الفقيه ، ويستضيءُ بوهَّاجِهَا كلُّ ذي فضل نبيه.\rونسأل اللهَ مولانا التوفيقَ لإصابة الصواب ، فإنه الجوادُ المعطي الوهاب .","part":1,"page":2},{"id":4,"text":"المُقَدِّمَةُ\rفي بَيَانِ طَرِيقِ المُطَالَعَةِ\r…اعلم أن المطالعةَ صرفُ الفكر في مبحث لينجلي معناه ، ويحصل للمطالِعِ من وضوح مطلبه مناه ، فيفوز بالمراد ، ويسلم عن الخطأِ والانتقاد .\r…فإذا أردتَ الشروع فانظر في المبحث نظراً إجمالياً ـ مبتدئاً من أوله ، وإلى آخره منتهياً ـ على وجه ينتقش في ذهنك جملةُ المعنى المرادِ منه، فإن انتقش في النظر الأول وإلا فكرر النظرَ ولا تَحِدْ عنه فإن ظفرت فذاك ، واشكر لمن أولاك ، و إلا فهو إما لسَقَمٍ في النسخة فارجع إلى أصَحَّ منها ، أو لخفاءٍ في لغة فاسأل مَن عنده علمُها أو اطلب مدوَّنَها.\rثم إذا عثرتَ على الوجه المذكور ، بمعناه المزبور ، لا حظ الأشياء التصويرية ، من كل الأمور في كل قضيَّة ، بدقة النظر العجيب أوَّلاً فأوَّلاً على الترتيب ، إذ العلم على التعريف والتحقيق ينقسمُ إلى تصورٍ وتصديق ؛ لأن إدراك الشيء إن خلا عن الحكم عليه بنفي أو إثبات فتصوُّرٌ وإلا فتصديقٌ كما حرره الأَثْبات واستبصِرْ في تلك الأشياء هل يتوجَّه عليها أمرٌ من الأمور القادحة ، فإن توجه فاستبصِرْ هل يمكن دفعه بشيء من الأشياء الواضحة ؟ ، وبعد ظهور الدافع فتأمل هل يمكن ما يدفع ذلك الدافع أم لا ؟، وهكذا إلى حيثُ يستقر الذهنُ بالمحلِّ الأعلى ، وعلامة التوطن والاستقرار تكررُ النظر مرات على سبيل الاختبار .","part":1,"page":3},{"id":5,"text":"فإذا لم تر خللاً فارْقَ من ذلك المحل إلى ملاحظة الأمور التصديقيَّة ، واستبصر هل يتوجه عليها شيءٌ من القوادح التفريقية ؟, فإذا ظهر شيءٌ من ذلك فهل يمكن نقضه عنها بشيء يؤديه النظر؟ ، فإن أمكن النقض وظهر فاستبصِرْ هل يُمكن النقضُ عن ذلك النقضِ بشيءٍ من الصور ، وهكذا إلى حيثُ يحصل التوطنُ كما ذكر في الآنف ، وآيته هنا آيته في السالف .\rثم بعد ذلك لاحظ الأشياء القادحة المُورَدَةَ عليها وأمعن في التعرضِ والنظرِ إليها يظهر لك هل هي متوجهة كما في زعم مورِدِها ؟ أم غير متوجهة فلا تعبأ بتأولها ؟ ، نعم إن كان المورِدُ عظيمَ الشأنِ ، وممن يُشار إليه في خفي هذا الفن بالبنان فالقصور فيك لا فيه فتوقف حينئذٍ واختبر ظاهرَ نظرِك وخافيه ، بتكريره ثم بالمطارحة مع الأقران ثم بالعرض على المشايخ المشهورين بهذا الشأن ، فإن أزاحوا شبهتك فذاك ، وإلا فسَلِّم إلى أن يفتح عليك مولاك ، فإن تَوَجَّهَتْ فاستبصر في دفعها وأمعن فإن ظهر الدافع فانظر هل يمكن دفع ما يدفعه ، أم لا يمكن ؟ ، وهكذا إلى حصول التوطن المعهود الممكن .\rفإذا نظرت في المبحث على هذا الوجه المذكور فلا يخلو حالُك عن أحد ثلاثة أمور :\rإما أن لا تكونَ واجداً أو مصيباً لشيء من القوادح أصلاً فعدم الوجدان والإصابةِ إما لقصور ذهنك عن إدراكه كللاً أو لعدم القادح في المبحث ؛ لكمال مَن حرَّرَهُ أو لوقوعِ تحريره كاملاً فلا يتطرَّق إليه ما يمكن أن يغيره .\rوإما أن تكونَ واجداً لقادح مدفوع ، أو يمكن دفعه عند الوقوع.","part":1,"page":4},{"id":6,"text":"أو واجداً لشيء لا يمكن دفعه إذا نزل ، ولا قصورَ في هذه الأمور إلا الأُوَل فقصوره محتمَل ، فإذا كان منشأُ عدم الوجدان والإصابة قصورَ الذهن والقريحةِ فلا تغيِّر جِدَّك ولا تسأم عن النظر الأَتَمِّ والمطالعةِ الصحيحة ، ودُم على هذا المنوال ولازم هذه الخصال في كل مبحث ونِزَال إلى أن تُتِمَّ الكتاب ، وترى من المطلوب العجب العجاب ، فإن حصل لك الكمالُ فذاك وإلا فعِد الكتاب ، أو افْزَع إلى آخرَ فآخرَ حتى حصولِ مناك ، وعُدَّ نفسك مَحَلَّاً قابلاً لفيضان الكمالات ، ولا تيأس من رحمة الله في جميع الحالات ، فإنك لستَ من الذين قد محاهم المخاطبون من دفاترهم وفضل الله على الخلق أوسع من خواطرهم ، فإذا دمتَ في المطالعة على هذا النهج المبين سَنَةً أو سنتين فلا جرم أن ترتقيَ بمشيئة ذي الجلال والإكرام إلى وجهٍ تقدر به على تمييز المقبول عن ضدّه من الأحكام ، وإذا صِرتَ مقتدراً على ذلك ودعيتَ بالإمام ، فارْتَقِ إلى حيثُ خلقتَ له من المراتب والكمالات العظام وهي معرفة الله تعالى ذاتاً وصفةً والسلام .","part":1,"page":5},{"id":7,"text":"وقد ما شيتُ بعبارتها رسالةً لبعض الأئمة مُعظمه ، فإذا علمتَ حقيقةَ المطالعة بشروطها وآدابها البارعة فحذارك من الانتقاد قبل التحقيق ، والإنكار قبل التَّدقيق ، وإياك والاعتراضَ ، والجمود مع الألفاظ ؛ إذ ليس المسارعة والاستعجال ، إلى ميادين المطارحة والنزال ، قبل التثبت في جميع الخلال ، شأنَ أولي العقل والكمال ، لا سيما مع مبارزة الأبطال ، في منزلة تبيين الحرامِ والحلال ، فإذا رأيتَ من يتسارع إلى الجولان في كل مجال ، ويجيب عن كل سؤال ويُكْثِر من القيل والقال ، والخصومة في الدين والجدال من قَبْل أن يَتَثَبَّتَ في أقواله والأفعال ، فاشهد على عقله بالخبال ، واقض على دينه بالضعف ونفسه بالإذلال ؛ إذ لا يصدُر ذلك غالباً إلا من ذي حُمْقٍ جلي ، أو داءٍ خفي من طلب شهرةٍ أو مال ، أو من نتيجة عُجُبٍ أو حِقْدٍ أو حَسَدٍ أو نحو هذه الخصال ، وما درى المسكينُ أن ذلك انحطاط له في دينه عن أوج الدرجات العليَّة إلى مهاوي حضيضِ الدركات السُّفلية في الحال والمآل ، فلو كان كلُّ من اتصف بهذه الصفات وعرف بهذه الهيئات نال درجات الفضلاء الأعلام ، ودُعِي في عالم النَّاسوتِ بالإمام ، وَسَلَّم له في فعلِهِ الخاصُ والعام ، لكَثُرتْ أئمة قطره عددا ، وقلَّ غيرهم فلا يَعْسُر حصرهم فرداً فردا، وصارت الثعالب أُسْدا ، وَلَما حُفظ الشرع الشريف ، من أن يتسورَ منصِبَه المنيف ، كلُّ طفيلي أبدا ، هيهات هيهات أن يدركَ تلك المطالبَ النفيسة ذوو الأنفس والهمم الخسيسة ، قال الإمام الحافظ السيوطي في خطبة كتابه الأشباه والنظائر : ( ولعمري إن هذا الفنَّ لا يدرك بالتمني ولا ينال بسوف ولعل ولو أني ، ولا يبلغه إلا من كشف عن ساعد الجد وشمَّر ، واعتزل أهله وشد المئزر ، وخاض البحار ، وخالط العَجاج ولازم الترداد إلى الأبواب في الليل الدَّاج ، وحَلَّ العضائل ، وقنص الشوارد ) انتهى ، فمن حق المستبريءِ لدينه ، القويِّ في ورعِه ويقينه","part":1,"page":6},{"id":8,"text":"أن يتثبت في قوله وفعله ، ويُسَلِّمَ كلَّ مقام لأهله ، سالكاً سبيلَ الإنصاف ، مجانباً مهاوي التشدق والاعتساف .\rقال الإمام ابن عبد البر ـ قدس الله سرَّه ـ : ( من بركة العلم وآدابه الإنصاف ) ، وقال الإمام مالك ـ رحمه الله ـ : (ما في زماننا أقل من الإنصاف ) ، قال الدَّميري : ( هذا في زمان مالك فكيف بهذا الزمن ـ أي وما بعده ـ الذي هلك فيه كلُّ هالك ) انتهى .\rوليتذكر الموفَّق بما ورد عن المختار في قوله ? أجرأكم على الفتوى أجرأكم على النار? ، وليتأمَّل أحوالَ السَّلف الصالح من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من علماء الدين مِن تحريهم في الفتوى مع أمْكَنِيَّة أَقْدَامِهِم في العلوم وقوةِ اجتهادِهم وبُعدهم عن الأهواء حتى رُوي أن الإمام مالك ـ رحمه الله ـ وهو من أَجلِّ علماء السلف الصالح أجاب على أربعِ مسائلَ من نحو أربعين مسألة وقال في الباقي: ( والله أعلم ) وقال سيدنا أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ :(وا بردها على كبدي ثلاث مرات ، قالوا : وما ذاك يا أمير المؤمنين ، قال : أن يسألَ الرجلُ عما لا يعلم فيقول الله أعلم)، وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ( جُنَّةُ العالِمِ لا أدري ) ، والبابُ هذا واسع عن كبار الصحابة والتابعين فكيف بغيرهم فانظر إلى هذا الزمان وانعكاسِه وتقلُّبِهِ وانتكاسِهِ ، حتى تَصَدَّر لهذا الأمر الكبير، وتقلد منصبه الخطير جَمْعٌ ممن ليس في العير ولا في النفير ، ومن ثَمَّ قال العلامة ابن قاسم العبَّادي في شأن أهل وقته مع أنهم من جبال العلم وحملته ما لفظ عبارته : ( ومنصب الإفتاء انحطَّت مرتبته ، وتسوره كلُّ من أراد ، بل تجرأ عوامُ الطلبة على التكلم فيما شاؤا بما شاؤا وعلى إساءة الأدب في حق علماء الدين وسادات العارفين ؛ لتغافل العلماء من أولي الأمر وتشاغلهم عن البحث عن أوصافهم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ) انتهى .","part":1,"page":7},{"id":9,"text":"ومن كلام حبيبنا القطب الإمام شيخ مشايخ الإسلام الشيخ الوحيد عبد الرحمن ابن الشيخ الإمام عبد الله ابن الشيخ أحمد بن الفقيه المقدم - سقى الله عهده شآبيب الرحمة والرضوان وأحله وإيَّانا أعلى فراديس الجنان - ما لفظه ( ومَن تأمل أحوال أهل هذا الزمان وولاتهم وحكامهم وما يجرون عليه في أحكامهم وجدها بعيدةً عن التأسيس على التقوى وقريبةً من التجري على الفتوى والجري مع الأهواء ، فالأولى به أن يكون معهم ظاهراً ويحفظ لهم حرمةَ صورةِ الإسلام وحقَّ الأمر العام ، ويتحفظ منهم ومن الدخول في أمورهم صيانةً لنفسه ولدينه من الملام والآثام فلا يصدقهم ولا يكذبهم ، وإذا خاطبوه قال : سلام )... إلى آخر ما قال نفع الله به في هذا المقام .\rوإنما امتدَّ بنا القلمُ في هذا الاستطراد وخرج بنا عمَّا نحن بصدده من المقصود المراد ؛ لأنَّا رأينا في بعض الطلبة من يميل إلى الانتقاد ، ويتجرأُ على الإفتاء من غير تثبت واستعداد مع أنه ليس معدوداً من أصحاب هذه الرتبة ، ولا من خيل هذه الحَلْبة ، بل يعترض على من هو أطول منه في الصناعة باعاً ، و أمكن منه قَدَماً ، و أكثر متاعاً ، فاستطردتُ ذلك على سبيل النصيحة لي وللإخوان من أي قبيلة ومكان ، والدين النصيحة كما في الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة مع اعترافي بأني لستُ من هذا الجِيل الجليل ولا من أهل التحصيل ذوي المجد الأثيل لكني أردتُ أن أضربَ بسهمٍ معهم ففي الحديث ? من كَثَّر سوادَ قومٍ كان منهم ? ، ومع ذلك أتوسل إلى معيد النعم ومبيد النقم بأخص أخِصَّائه وأفضل أنبيائه أن يُنيلني ما أناله عبادَه الصالحين وأولياءَه العارفين بفضله وامتنانه وإنعامه وإحسانه ، فعوائده جميلة ، وهباته جزيلة ، وهو حسبي ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلى بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .\rولنرجع إلى ما نحن بصدده ، فنقول بعون الله ومدده :","part":1,"page":8},{"id":10,"text":"المَقصَدُ الأَوَّل\rفِي ذِكرِ شيء مِن اصْطِلاحِ الفُقَهَاء فِي عِبَارَاتِهِم\rوَمَا أَودَعُوهُ فِي طَيِّ إِشَارَاتِهِم\rاعلم أن الاصطلاحَ هو اتفاق طائفةٍ على أمر مخصوص بينهم فمن ذلك قولهم :\r( نقله فلانٌ عن فلانٍ ، وحكاه فلانٌ عن فلانٍ ) فهو بمعنىً واحدٍ\r؛ لأن نقلَ الغير هو حكايةُ قولِهِ إلا أنه يوجد كثيراً ما يتعقب الحاكي قولَ غيره بخلاف الناقل له فإن الغالبَ تقريرُهُ والسكوتُ عليه كما أفاد ذلك العلامة الأديب عبد الله بن أبي بكر الخطيب ، والسكوت في مثل هذا رضاً من الساكت حيث لم يعترضه بما يقتضي رَدَّه ؛ إذ قولهم سكت عليه أي ارتضاه ، وقولهم أقرّه فلان أي لم يَرُدَّه ، فيكون كالجازم به .\rوعبارة كاشف اللثام للشيخ المحقق الإمام محمد بن سليمان الكردي من أثناء كلام : ( ؛ لأن نقله منه وسكوته عليه مع عدم التبري منه ظاهرٌ في تقريره ) انتهى .\rوقال في موضعٍ آخرَ منه : ( وكون تقرير النقل عن الغير يدلُّ على اعتماده هو مفهومُ كلامِهِم في مواضعَ كثيرة ، فقول الجمال الرملي في باب زيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم من شرح الإيضاح ـ عند قول المصنّف \" ويقف \"ـ ما نصُّه ( ونَقْلُه التخييرَ عن غيره ولم يتعقبه لا يقتضي ترجيحه ) لا يخلو عن نظرٍ وإن وافقه عليه ابن علان في شرحه وسبقهما إليه ابنُ حجر في الحاشية، نعم قد يجاب عنه بأن عدم التعقيب ظاهر في ترجيحه لا أنه يقتضيه ، فإن الاقتضاء رتبةٌ فوق الظاهر ، قال الشوبري في أوائل الزكاة من حاشيته على شرح المنهج ـ عقب كلام نقله عن الرملي ـ ما نَصُّه : ( في اقتضاء ما ذكر نظر لا يخفى ، نعم هو ظاهر فيه فتأمل ) انتهى كلام الشوبري .","part":1,"page":9},{"id":11,"text":"بل في كلامهم ما يفيد أن المراد بالاقتضاء الدخولُ في الحكم من بابِ أولى فقد ذكروا في باب البغي أن معناه الخروج على الإمام بتأويل ، واستدلوا لقتالهم بقوله تعالى ? فَإِن بَغَتْ إِحْدَ?هُمَا عَلَى? ?لأُخْرَى? فَقَـ?تِلُواْ ?لَّتِي تَبْغِي حَتَّى? تَفِى?ءَ ? ، قالوا ـ ومنهم شيخ الإسلام والشهاب الرملي وولده وابن حجر وغيرهم ، والعبارة لنور الدين الزيادي في شرح المحرر ـ : (وليس فيما ذكر الخروج على الإمام صريحاً لكنها تشمله لعمومها ؛ لأنه من جملة المؤمنين ، أو تقتضيه ؛ لأنه إذا طلب القتال لِبَغْي طائفة على طائفة فالبغي على الإمام أولى ) انتهت .\rلكن الظاهر أن الاقتضاء رتبة دون التصريح فقد ذكر الشيخ ابن حجر في فصل الاختلاف في المهر من كتاب الصَّداق من التحفة ما نصه ( [فرع] خطب امرأة ثم أرسل أو دفع بلا لفظ إليها مالاً قبل العقد ـ أي ولم يقصد التبرعَ ـ ثم وقع الإعراضُ منها أو منه رجع بما وصلها منه كما أفاده البغوي واعتمده الأذرعي ونقله الزركشي وغيره عن الرافعي أي اقتضاء يقرب من الصريح ) ، ثم قال في التحفة نقلاً عن قواعد الزركشي : ( ذكره الرافعيُّ في الصداق وعجيبٌ ممن ينقل ذلك عن فتاوى ابن زرين ، أي وقد بان أن لا عَجَبَ ؛ لأن ابن زرين ذكره صريحاً والرافعي اقتضاء ) انتهى .","part":1,"page":10},{"id":12,"text":"فائدة :\rمن كاشف اللثام أيضاً ما لفظه ( وقوله كلام ابن الرفعة لا يدل .. إلى آخره فيه نظر ظاهر ؛ لأن نقله منه وسكوته عليه مع عدم التبري منه ظاهر في تقريره سيما وقد زاد على ذلك تخريجه عليه لما هو مثله من الصورة المذكورة ، وقد قال الإمام النووي في المنسك الكبير له ـ عقب كلام ابن عبدان في كسوة الكعبة ـ ما نصُّه : ( هذا كلام ابن عبدان وحكاه الإمام أبو القاسم الرافعي عنه ولم يعترض عليه فكأنه وافقه عليه ) انتهى ، وفي صفة الصلاة من شرح المنهج أثناء كلام له ما نصُّه ( وممن جزم بذلك النووي في مجموعه فإنه ذكر النص ولم يخالفه ) انتهى بحروفه ، فجعل ما أقره النوويُّ من النص جازماً به .\rثم قال في كاشف اللثام ما لفظه : ( ثم رأيتُ في خادِم الزركشي تفصيلاً فيما ذكرتُهُ وعبارته قبيل كتاب الطهارة [فصلٌ] سكوت الرافعي على مسائِلَ نقلها يظن أكثرُ الناس أنه دليل الموافقة والرضى ، وليس هذا على إطلاقه بل إن كان المسكوت عنه نصاً للشافعي أو الأصحاب فهو دليلُ الرضى وإن كان كلاماً لبعض الأصحاب فقد يكون سكوته ؛ لأنه لم يجد سواه وقد يكون استغنى بما سبق له من التصريح بخلافه كالفروع المنثورة آخر الإجارة والطلاق والدعاوي وغيرِها المنسوبةِ لكثير من فتاوى الأصحاب فإنه لم يقصد بها التصحيحَ بل إحاطة الذهن والتنبيه على كثر المأخذ والخلاف ) انتهت عبارة الخادم وانتهى ما أردتُ نقله من كاشف اللثام .","part":1,"page":11},{"id":13,"text":"ومن قواعدهم إذا نقلوا عن الغير ولم يتعقبوه فهو تقريرٌ وعلامةٌ على اعتماده ، ومن فتاوى العلامة عبد الله بن أحمد زرعة ( والقاعدةُ أن مَن نقل كلامَ غيرِهِ وسكتَ عليه فقد ارتضاه) انتهى ، وقد مر بتفصيله ودليله عن كاشف اللثام ، لكن سيأتي إن شاء الله في المقصد الثالث عن خط العلامة محمد بن عبد الولي بارجاء أنه ( إذا حكى الشيخ ابن حجر في تحفته أو غيرها قولاً لأحد أو مبحثاً وسكتَ عليه ، فلم يقل وهو واهٍ مثلاً ولا وهو الأصحُّ ولا غيرَهما مما يصرح بترجيحه أو تضعيفه فسكوته ليس ترجيحاً ولا تضعيفاً لكن لك أن تأخذَ بالمذكور والعهدة على قائله لا على الشيخ ) .. إلى آخر ما يأتي ، فإطلاق هذه العبارة ربما ظاهره يخالف ما مر عن الشيخ محمد بن سليمان ولعله مقيَّد بتفصيل عبارة الخادم المذكورة آنفاً .\rوأما قولهم ( نَبَّه عليه الأذرعيُّ ) مثلاً فالمراد أنه معلومٌ من كلام الأصحاب وإنما للأذرعي مثلاً التنبيهُ عليه ، أو( كما ذكره الأذرعيُّ ) مثلاً فالمراد أن ذلك من عند نفسه ، ذَكَر ذلك الشوبريُّ في حاشيته على شرح المنهج عن شيخه الزيادي .\rوأما قولهم (الظاهر كذا ) فهو من بحث القائل لا ناقلٌ له ، ففي الإيعاب لابن حجر ـ سقى الله عهده ـ ما لفظه ( قد جرى في العباب على خلافِ اصطلاحِ أكثرِ المتأخرين من اختصاصِ التعبير بالظاهر ويظهر ويحتمل ويتجه ونحوِها عما لم يَسْبِق إليه الغيرُ بذلك ؛ ليتميز ما قاله مما قاله غيره ، والمصنف يُعَبِّر بذلك عما قاله غيره ولم يبال بإيهامِ أنه من عنده غفلةً عن الاصطلاح المذكور ) انتهى .\rوقال الكردي : ( قد جرى عُرْف المتأخرين على أنهم إذا قالوا الظاهر كذا فهو من بحث القائل لا ناقلٌ له ) انتهى .\rوقال السيد عمر البصري ـ قدس الله سرهـ في حاشيته على التحفة : ( إذا قالوا والذي يظهر مثلاً أي بذكر الظهور فهو بحث لهم ) انتهى .","part":1,"page":12},{"id":14,"text":"قال بعضهم : ( إذا عبروا بقولهم وظاهرٌ كذا فهو ظاهر من كلام الأصحاب ، وأما إذا كان مفهوماً من العبارة فيعبروا عنه بقولهم والظاهر كذا ) انتهى .\rوأما (البحث) في كلامهم هو ما يُفهم فهماً واضحاً من كلام الأصحاب المنقول عن صاحب المذهب بنقل عام ، ذكر ذلك الشيخ ابن حجر في رسالته في { الوصية بالسهم المقدر }، وقال السيد عمر في فتاويه : ( البحثُ هو الذي استنبطه الباحثُ من نصوص الإمام وقواعد الكليتين )، قال العلامة العليجي تلميذُ العلامة محمد بن سليمان الكردي ما نصه : ( قال شيخنا : وعلى كلا التعريفين لا يكون البحثُ خارجاً عن مذهب الإمام ، وقول بعضهم في مسائل الأبحاث : لم نر فيه نقلاً يريد به نقلاً خاصاً ، فقد قال إمام الحرمين : لا تكاد مسألةٌ من مسائل الأبحاث خارجةً عن المذهب من كلِّ الوجوه ) انتهى .\r…وأما تعبيرهم (بالفحوى ) فهو ما يعلم من الأحكام بطريق القطع .\r( وبالمقتضى والقضية ) هو الحكم بالشيء لا على وجه الصراحة كما أفتى به العلامة عبد الله بن محمد بن عبد العزيز الزمزمي .","part":1,"page":13},{"id":15,"text":"وأما تعبيرهم (بالمختار ) فهو لما يختاره قائله من جهة الدليل ، وعبارة التحقيق للإمام النووي سقى الله عهده ما هي ( ومتى جاء شيء رجحته طائفةٌ يسيرة وكان الصحيح الصريح يؤيده قلتُ : المختار كذا فيكون المختار تصريحاً بأنه الراجح دليلاً وأن الأكثر الأشهر في المذهب خلافه ) انتهت ، وتبعه على ذلك المتأخرون ، ومحلُّ ذلك في غير الروضة ، أما هي فحيث عبر فيها بالمختار ولم ينبِّه على أنه مختار من حيثُ الدليلُ يكون مراده أنه مختارٌ من حيثُ المذهبُ فتنبه له ، وفي مهمات الإسنوى ( أن المختار في الروضة بمعنى الصحيح والراجح ونحو ذلك ) انتهى ، قال العلامة محمد بن إبراهيم العليجي : ( قال شيخنا : الاختيار هو الذي استنبطه المختار عن الأدلة الأصولية بالاجتهاد ـ أي : على القول أنه يتحرى وهو الأصح ـ من غير نقل له عن صاحب المذهب فحينئذ يكون خارجاً عن المذهب ولا يُعَوَّل عليه ، وأما المختار الذي وقع للنوويِّ في الروضة فهو بمعنى الأصح في المذهب لا بمعناه المصطلح ) انتهى ، وفي الفوائد المدنية من أثناء كلام ( وتعبيره بالمختار يفيد أن ذلك خلافُ المنقول في المذهب ؛ لِما اشتهر عندهم من استعمال التعبير بالمختار لما يختاره قائِلُهُ من جهة الدليل ) ، ثم ساق عبارةَ التحقيق السابقة إلى أن قال : ( وَلَّما قال السبكي: (المختار طهارة النبيذ بالتخلل) ، قال ابن حجر في فتاويه بعد كلام قررَّه: (فعلم أنهم مصرحون بطهارة خل النبيذ بالتخلل ، وأن ذلك هو المعتمد مذهباً ودليلاً خلافاً لما يوهمه تعبير السبكي بالمختار) انتهى ) ، ثم نقل بعد ذلك عن الزيادي وغيره ما يؤيِّد كلامَه السابق .\rوقولهم ( وزعم فلان ) فهو بمعنى قال إلا أنه أكثرُ ما يقال فيما يُشَكُّ فيه ، ذكر ذلك العلامة بحرق في شرحه الكبير على لامية الأفعال .","part":1,"page":14},{"id":16,"text":"ومن اصطلاحهم أنهم إذا نقلوا عن العالم الحي فلا يصرحون باسمه ؛ لأنه ربما رَجَعَ عن قوله وإنما يقال : قال بعض العلماء ونحوُهُ ، وإن مات صرحوا باسمه ، كما أفاد ذلك العلامة عبد الله بن عثمان العمودي .\rقال الشيخ ابن حجر في كتاب الحق الواضح المقرر : ( الناقل متى قال : وعبارته كذا تعين عليه سوق العبارة المنقولة بلفظها ولم يجز له تغييرُ شيءٍ منها ، وإلا كان كاذباً ، ومتى قال : قال فلان كان بالخيار ، أي بين أنْ يَسُوقَ عبارَتَه بلفظها أو بمعناها من غير نقلها لكن لا يجوز له تغييرُ شيءٍ من معنى لفظها ) انتهى ، ورأيتُ عن بعض الأدباء ما نصه ( إذا حكيتَ كلاماً من أحدٍ كان بالفاء فجعلت بدله واواً لم تكن من الصادقين ) انتهى، وفي التحفة من الشهادات (يجوز التعبير عن المسموع بمرادفه المساوي له من كل وجهٍ لا غير ) انتهى .\rوقولهم ( انْتَهَى مُلَخَّصَاً ) أي مؤتىً من ألفاظه بما هو المقصود دون ما سواه والمراد بالمعنى التعبير عن لفظه بما هو المفهوم منه ، ذكر ذلك العلامة عبد الله الزمزمي ، انتهى .\rفائدة :\rقال بعضُهم : ( إن الشارح والمحشي إذا زادا على الأصل فالزائدُ لا يخلو إما أن يكون بحثاً أو اعتراضاً إن كان بصيغة البحثِ والاعتراضِ ، أو تفصيلاً لما أجمله ، أو تكميلاً لِمَا نقصه وأهمله ، والتكميل إن كان له مأخذ من كلامٍ سابقه أو لاحقه فإبراز وإلا فاعتراض فِعلي ).\rوصيغ الاعتراض مشهورةٌ ولبعضها محل لا يشاركها فيه الآخر فَيَرِد وما اشتُقَّ منه لما لا يندفع له بزعم المعترِض . ويتوجه وما اشتق منه أعمُّ منه من غيره . ونحو إن قلتَ ونحوه مما هو بصيغة المعلوم شرطٌ لِما يتحقق له الجوابُ ، مع قوةٍ في البحث . ونحو إن قِيل له مع ضعفٍ فيه . وقد يُقال ونحوه لما فيه ضعف شديد .ونحو لقائل لما فيه ضعف ضعيف ، وفيه بحث ونحوه لما فيه قوةٌ سواءٌ تحقق الجواب أوْ لا .","part":1,"page":15},{"id":17,"text":"وصيغة المجهول ماضياً كان أو مضارعاً ولا يبعد ويمكن كلُّها صيغ التمريض تدل على ضعف مدخولها بحثاً كان أو جواباً .\r( وأقول وقلت) لما هو خاصة القائل . وإذا قيل ( حاصله أو محصله أو تحريره أو تنقيحه ) أو نحو ذلك فذلك إشارةٌ إلى قصور في الأصل أو اشتماله على حشو.\rوتراهم يقولون في مقام إقامة شيء مُقام آخرَ مرةً : ( نُزِّل مَنْزِلَتَهُ) ، وأخرى ( أُنِيْبَ مَنَابَهُ ) ، وأخرى ( أُقِيْمَ مُقَامَهُ ) فالأول إقامة الأعلى مقام الأدنى ، والثاني بالعكس ، والثالث في المساواة ، وإذا رأيتَ واحداً منها مقامَ آخر فهناك نكتةٌ ، وإنما اختاروا في الأول التفعيل وفي الأخيرين الإفعال ؛ لأن تنزيلَ الأعلى مكانَ الأدنى يُحْوجُ إلى العِلاج والتدريج .\rوربما يُختم المبحث بنحو ( تأمل ) فهو إشارة إلى دِقة المقام مرةً وإلى خَدْشٍ أي قصورٍ فيه أُخرى سواءٌ كان بالفاء أو بدونها إلا في مصنفات الإمام البوني فإنها بالفاء إلى الثاني وبدونها إلى الأول .\rوالفرق بين تَأَمَّلْ وفَتَأَمَّل وفَلْيُتَأَمَّلْ أن تأمل إشارة إلى الجواب القوي ، وفتأمل إلى الضعيف ، وفليُتَأَمَّل إلى الأضعف ذكر هذا الإمام الدماميني .\rوالفرق بين وبالجملة وفي الجملة أن في الجملة يستعمل في الجزئي وبالجملة في الكليات ، كذا وَجَدْتُهُ بخط شيخنا سعيد بن أحمد الشيخاني وهو بخط شيخنا الفقيه العلامة علوي بن عبد الله باحسن ) انتهى .\rوقولهم ( اللهم إلا أن يكون كذا ) قد يجيء حشواً أو بعد عمومٍ حثَّاً للسامع على القيد المذكور بعدها وتنبيهاً فهي بمثابة نستغفرُكَ كقولك أَنَا لا أنقطعُ عن زيارتِك اللهم إلا أن يمنعَ مانعٌ ، فلذا لا يكاد يفارق حرفَ الاستثناء.\rوتأتي في جواب الاستفهام نفياً وإثباتا بتأكيد فيقال اللهم نعم ، اللهم لا .","part":1,"page":16},{"id":18,"text":"ومن حاشية السيد عمر ( يقع كثيراً أنهم يقولون في أبحاث المتأخرين ( وهو محتمل ) ، فإن ضبطوه بفتح الميم الثاني فهو مُشْعِرٌ للترجيح ؛ لأنه بمعنى قريب وإن ضبطوه بالكسر فلا يُشْعِر به ؛ لأنه بمعنى ذو احتمال ، أي قابل للحمل والتأويل ، فإن لم يضبطوه بشيءٍ منهما فلا بد أن تُراجَع كتبُ المتأخرين عنهم حتى تنكشف حقيقة الحال ) انتهى .\rقال الشيخ محمد بن إبراهيم العليجي ـ في كتابه تذكرة الإخوان ـ ما نصُّه : ( وأقولُ : والذي يظهر أن هذا إذا لم يقع بعد أسباب الترجيح كلفظِ \"كما\" مثلاً ، أما إذا وقع بعدها فيتعين الفتح كما إذا وقع بعد أسباب التضعيف يتعين الكسر ) انتهى .\rومن الفوائد المنقولة من كلام الفقيه سالم باصهي ما نصُّه ( ما يُذْكَر في كلام الشيخ ابن حجر وغيرِهِ من قولهم (وقد يُفْرَق وإلا أن يُفْرَقَ ويمكن الفَرْقُ) فهذه كلُّها صيغ فَرْقٍ .\rوقولهم ( وقد يجابُ وإلا أن يجابَ ولك أن تجيبَ ) فهذا جواب من قائله .\rوقولهم ( ولك رده ويمكن رَدُّه ) فهذه صيغة رد .\rوقولهم ( لو قيل بكذا لم يبعد وليس ببعيدٍ أو لكان قريباً أو أقربَ ) فهذه صيغ ترجيح.\rوإذا جاء في كلامهم ( كما قاله جمع أو كما قاله فلان ) فهذا تقرير له .\rوقولهم (على ما قاله فلان) مثلاً صيغةُ تبرٍ واستشكال ، ويكون غالباً للتبري ، وقد يرد للاستشكال ، وقولهم (كذا قاله فلان) للتبرِّي .\rوإذا وجدنا في المسألة كلاماً في المصنَّف وكلاماً في الفتوى فالعمدة على ما في المصنَّف ، وإذا وجدنا كلاماً في الباب وكلاماً في غير الباب فالعمدة على ما في باب المسألة وإذا كان في المظِنَّة وفي غير المظِنَّة استطراداً فالعمدة على ما في المظِنَّة . وإذا كان للشيخ ابن حجر كلاماً في التحفة وكلاماً في غيرها فالعمدة على ما في التحفة ؛ لأنها آخر مصنفاته ) انتهى .\rومن اصطلاحاتهم أن أدوات الغايات كـ(لو)و(إن) للإشارة إلى الخلافِ، فإذا لم يوجدْ خلافٌ فهي لتعميم الحكم .","part":1,"page":17},{"id":19,"text":"وعندهم أن البحثَ والإشكالَ والاستحسانَ والنظرَ لا يَرُدُّ المنقولَ وأن المفهومَ لا يرد الصريحَ .\rوسُئِل العلامةُ الشريفُ عمر بن عبد الرحيم الحسيني المكي عن قول المصنفين (كذا في أصل الروضة أو في الروضة كأصلها أو وأصلها) ما المراد بما ذكر فأجاب ( وجدت بخط بعض الأئمة المحققين من تلامذة شيخ الإسلام زكريا بهامش نسخة الغرر لشيخه ما حاصله أنه إذا قال : في أصل الروضة فالمراد منه عبارة النووي في الروضة التي لخصها واختصرها من لفظ العزيز رفع هذا التعبيرَ بصحةِ نسبةِ الحكم إلى الشيخين .\rوإذا عزى الحكم إلى زوائد الروضة فالمرادُ منه زيادتُها على ما في العزيز . وإذا أطلق لفظ الروضة فهو محتمِل لتردده بين الأصل والزوائد ، وربما يستعملُ بمعنى الأصل كما يقضي به السبرُ . وإذا قيل كذا في الروضة وأصلها أو كأصلها فالمراد بالروضة ما سبق التعبير بأصل الروضة وهي عبارة الإمام النووي الملخِّص فيها لفظَ العزيز وبأصلها لفظُ العزيز في هذين التعبيرين ، ثم بين التعبيرين المذكورين فرقٌ وهو أنه إذا أتى بالواو فلا تفاوتَ بينها وبين أصلها في المعنى وإذا أتى بالكاف فبينهما بحسَبِ المعنى يسيرُ تفاوتٍ ، وهذا المعنى الذي أشار إليه هذا الإمام يقضي به سبرُ صنيع أجِلَّاءِ المتأخرين من أهل الثامن والتاسع ومَن داناهم من أوائل العاشر ، وأما مَن عداهم فلا التزم وجودَ هذا الصنيع في مؤلفاتهم ؛ لأغراض فيها من التساهل في ذلك بل فيما هو أهم منه بتحرير الخلاف والله أعلم ) انتهى .\rومن فتاوى الشيخ ابن حجر ( معنى قولهم في تكبير العيد والشهاداتِ ( الأشهرُ كذا والعمل على خلافه ) تعارضُ الترجيحِ ؛ لأن العملَ مما يُرَجَّحُ به وإن لم يستقلْ حجةً ، فلما تعارض الترجيحُ من حيثُ دليلُ المذهبِ والترجيحُ من حيثُ العملُ [لم يستمر الترجيح المذهبي على رجحانيته ؛ لوجود المعارِض ] فساغ العمل بما عليه العمل ) انتهى .","part":1,"page":18},{"id":20,"text":"فائدة :\r( إذا عبروا بالشّيوخ فالمراد بهم النووي والرافعي والسبكي ، أو الإمام فالمراد به إمام الحرمين ، أو القاضي فالمراد به القاضي حسين ، أو القاضيان فالمرادُ بهما الرُّوياني والماوردي ) انتهت .\rكما وجدتُ فائدةً أخرى من فتاوى الأشخر ( الصحيحُ أن الأقوال المخرَّجة على قواعد المذهب تعد منه ) ، وكلام الشربيني الآتي في آخر المقصد الثاني أن القول المخرج لا ينسب للشافعي إلى آخره ، أي من حيثُ إطلاقُ نسبته إليه فلا يقال : قال الشافعي مثلاً أي وإن كان معدوداً من مذهبه بشرطه كما في الأشخر وغيره ، انتهى .\rفائدة :\rقال الشيخ ابن حجر في التحفة : ( وقد أخذ الإسنوي من المجموع وتبعوه أنّ إطلاقات الأئمة إذا تناولت شيئاً وصرَّح بعضُهم بخلافه فالمعتمدُ الأخذ فيه بإطلاقهم ) .\rوقال في فتاويه : ( قاعدةُ الفقهاءِ أنهم يطلقون في محلٍّ اتكالاً على ما قدَّمُوه في محلٍّ آخَرَ ، أو على ما هو معلومٌ ) انتهى .\rقال الإمام الطنبداوي في تصحيح تحرير المقال لابن زياد : ( إن التمسك بالإطلاق إنما يكون حيثُ لم يوجدْ في كلام المطلِقين ما يقتضي تقييدَ إطلاقهم ، وأما مع وجوده فلا ، وكذا إذا قامت دلالةٌ على أن ذلك الإطلاق غير مراد ) انتهى .\rقال العلامة علي بن عبد الرحيم باكثير : ( وكم للأئمة من تخصيص لإطلاقٍ أو تقييدٍ لمهمَل كما لا يخفى على ذي فضيلةٍ ) انتهى .","part":1,"page":19},{"id":21,"text":"ومن الدشتة للعلامة الحبيب عبد الرحمن بن محمد العيدروس نقلاً عن فتاوى السيد عمر البصري ما حاصله ( أنّ ما ذكره الشيخ ابن حجر في باب القضاء عن الإسنوي من أن إطلاقات الأصحاب مقَدَّمة على غيرها وإن رَجَّح بعضُ المتأخرين خلافها فهو كذلك ، غير أنه محمولٌ على ما إذا لم يعارضه من مقتضى قواعدهم ونصوصهم ما يقيد ذلك الإطلاقَ ، وإلا فيلزم على الآخذ بإطلاقِ ما ذُكِرَ أنه لا يعتد بتقييدٍ متأخرٍ لإطلاقٍ متقدِّمٍ أبداً ولا سبيل إلى ذلك وإلا لزم إلغاءُ كثير من تصريحات الأئمة فإنه ما مِن طبقةٍ من الطبقات من عصر إمامنا الشافعي إلى عصرنا إلا وقد أجمع أهلُها أو معظمُهم على تقييد إطلاق مَن سبقهم ) انتهى.\rقال العلامة علي بن عبد الرحيم في مؤلفٍ له : ( ومن قواعدهم أن القرائن والسِّيَاق تخصص العامَّ ) انتهى .\rومن اصطلاحاتهم ما قاله الشيخ ابن حجر في كتابه كشف الغين عمن ضلَّ عن محاسن قرت العين : (إنَّ قولَهم اتفقوا ، وهذا مجزومٌ به وهذا لا خلافَ فيه يُقال فيما يتعلق بأهل المذهب لا غيرُ. وأما قولهم : هذا مجمَعٌ عليه فإنما يقال فيما اجتمعت عليه الأمة) انتهى .\rوقال في قرة العين له ما نصه : ( ؛ إذ الاستقراءُ من صنيع المؤلفين قاضٍ بأنهم إذا قالوا : في صحةِ كذا أو حرمَتِهِ ونحوِ ذلك نظرٌ دل على أنهم لم يروا فيه نقلاً ) انتهى .\rوقال في كشف الغين أيضاً من أثناء كلام ما لفظه : ( على أن أكثرَهم ـ يعني الأصحاب ـ إنما عبَّروا بقولهم وقضيته كذا وهذا لا يقتضي اعتماده ؛ لأمرين : أما أوَّلاً فلأنه قضيته ويحتمل أنه أرادها ، ويحتمل أن لا ، وأما ثانياً فلأن سكوتَهم عليها لا يقتضي أنهم يوافقونه عليها لو فرض أنه أرادها ، ومن تأملَ كلمات المؤلفين علم ذلك ولم يرتَب فيه ) انتهى .","part":1,"page":20},{"id":22,"text":"ومن باب الطهارة من الإقناع للشربيني (تنبيه: يجوز إذا أضيف إلى العقود كان بمعنى الصحة وإذا أضيف إلى الأفعال كان بمعنى الحِلّ وهو هنا بمعنى الأمرين ؛لأن مَنْ أَمَرَّ غيرَ الماء على أعضاء طهارته بنية الوضوء أو الغسل لا يصحّ ، ويحرم ؛ لأنه تَقَرَّبَ بما ليس موضوعاً للتقرُّب فعصى ؛ لتلاعبه ) انتهى .\rومن فتاوى الشهاب الرملي سئُل عن إطلاق الفقهاء نفي الجواز هل ذلك نصٌّ في الحرمة فقط أو يطلق على الكراهة ؟\rفأجاب ( بأن حقيقة نفي الجواز في كلام الفقهاء التحريمُ ، وقد يُطلَق الجواز على رفع الحرج أعم من أن يكون واجباً أو مندوباً أو مكروهاً ، أو على مستوي الطرفين وهو التخيير بين الفعل والترك ، أو على ما ليس بلازِم من العقود كالعارية) انتهى .\rفائدة :\r( قولهم (فقط) هو من أسماء الأفعال بمعنى انْتَهِ ، وكثيراً ما يُصَدَّرُ بالفاء تزييناً للفظ وكأنه جوابُ شرط محذوف ، فقولك مثلاً الفصاحة يوصف بها المفرد والكلام والمتكلم والبلاغة يوصف بها الأخيران فقط ، أي إذا وَصَفْتَ بها الأخيرين فقط فانْتَهِ عن وصف الأوَّلِ بها ) أفاد ذلك العلامة السعد التفتازاني في شرح المطول انتهى.\rومنه ( قولهم ( وكثيراً ما ) نُصِبَ على الظرف ؛ لأنه من صفات الأحيان ، وما لتأكيد معنى الكثرةِ والعاملُ ما يليه على ما ذكره في الكشاف في قوله تعالى ? قَلِيْلَاً ما تَشْكُرُونَ ? ، أي في كثير من الأحيان ) انتهى .\rومنه ( ( القاعدة ) حكمٌ كليٌّ ينطبق على جزئياتِهِ ؛ ليستفاد أحكامُها منه ، والأمثلة الجزئِيَّات التي تذكر ؛ لإيضاح القواعد وإيصالها إلى فهم المستفيد ، والشواهدُ الجزئيات التي يستشهد بها في إثبات القواعد ؛ لكونها من التنزيل وكلامِ العرب الموثوق بعربيَّتهِم فهي أخصُّ من الأمثلة ) انتهى .","part":1,"page":21},{"id":23,"text":"فائدة :\rمُلْتَقَطَةٌ من مؤلَّفٍ لشيخِ الإسلام زكريا في الألفاظ المتداولة في أصول الفقه والدين\rفمنه الحدُ ، لغة : المنع ، ومنه سُمِّيَ البوابُ حَدَّاداً ؛ لمنعه الناسَ عن الدخول في الدار ، واصطلاحاً: الجامع المانع ، ويقال المطرد المنعكس .\rالإدراكُ : تمثل حقيقة المُدْرَك عند المُدْرِك ليشاهدها بما به يُدْرِك .\rالسهوُ : الغفلة عن المعلوم .\rاليقينُ ، لغةً : طمأنينةُ القلبِ على حقيقةِ الشيء ، واصطلاحاً : اعتقادٌ جازِمٌ لا يقبل التغييرَ .\rالهوى : ميلُ القلبِ إلى ما يَسْتَلِذُّ به .\rالخطابُ : توجيهُ الكلامِ نحوَ الغيرِ للإفهام ، والمراد بخطاب الله ما أفاد وهو الكلام النفسي الأزلي .\rالتكليفُ : إلزام ما فيه كلفةٌ .\rالنظرُ : فِكْرٌ يؤدي إلى علم أو اعتقاد أو ظن .\rالبيانُ: إخراج الشيء من حَيِّز الأشكال إلى حَيِّز التجلي.\rالاختيارُ: الميلُ إلى ما يُراد ويُرتضى .\rالشرعُ ، لغة: البيانُ ، واصطلاحاً: تجويز الشيءِ أو تحريمهُ ، أي جعله جائزاً أو حراماً.\rالشارعُ : مُبَيِّنُ الأحكام .\rالشريعةُ : الطريقة في الدين .\rالمشروعُ : ما أظهره الشرعُ .\rالدينُ : ما وَرَدَ به الشرعُ من التعبُّدِ ، ويُطْلَقُ على الطاعةِ والعبادةِ و الجزاء والحساب .\rالضرورةُ : ما نَزَلَ بالعبد مما لا بُدَّ من وقوعه .\rالحاجةُ : نقصٌ يزولُ بالمطلوب .\rالعرفُ : ما استقرَّتْ عليه النفوسُ بشهادة العقول وتلقته الطباعُ بالقبول وهو حجةٌ .\rالعادةُ : ما استمرَّ الناسُ فيه على حكم العقول وعادوا إليه مرةً بعد أخرى .\rالضدان : أمران وجوديان يستحيل اجتماعُهما في محلٍّ واحدٍ .\rالنقيضان : أمران لا يجتمعان ولا يرتفعان .\rالمُحَالُ: ما اقتضى الفسادَ من كلِّ وجهٍ كاجتماع الحركةِ والسكونِ في محلٍّ واحدٍ .\rالشبهةُ : التردُّدُ بين الحلال والحرام .\rالزّلةُ : مخالفةُ الأمرِ سهواً .\rالعصيانُ : مخالفة الأمر قصداً .\rالإطلاق : رفعُ القيدِ .\rالمطلَقُ : ما دَلَّ على الماهية بلا قيد .\rالحقيقةُ : لفظٌ مستعمَلٌ في ما وُضِعَ له أوَّلاً .","part":1,"page":22},{"id":24,"text":"المجازُ : لفظٌ مستعملٌ بوضع ثانٍ لعلاقة.\rالدليلُ : ما يلزمُ من العِلْمِ به العلمُ بشيءٍ آخرَ.\rالمدلولُ : ما يلزْم من العلمِ بشيءٍ آخرَ العلمُ بِهِ .\rالمنطوقُ : ما دلَّ عليه اللفظُّ في محلِّ النطق كزيدٍ والأسدِ.\rالمفهومُ : ما دلَّ عليه اللفظُ لا في محل النطق وهو شاملٌ لمفهوم الموافقة والمخالفة.\rالنصُّ : ما دل دلالةً قطعيةً.\rالظاهرُ : ما دلَّ دلالةً ظنيةً ، الخفيُّ ضِدُّه .\rالمؤولُ : مُشْتَقٌّ من التأويل ، وهو إحالة الظاهر على المحتمِل المرجوح .\rالمجملُ : ما لم تتضح دلالتُهُ .\rالاستصحابُ : استصحابُ العدم الأصلي أو العمومِ أو النصِ أو ما دل الشرعُ على ثبوته ؛ لوجود سببه إلى ورودِ الغير .\rالاستحسانُ : دليلٌ ينقدِحُ في نفس المجتهدِ تقصرُ عنه عبارتُهُ ، وليس بحجةٍ .\rالعامُ : لفظٌ يستغرِق الصالحَ له بلا حصر .\rالخاصُ : لفظٌ يختص ببعض الأفرادِ الصالحة له .\rالتخصيصُ : قصرُ العام على بعض أفراده .\rالعلَّةُ : المعرِّفُ للشيء .\rالنقصُ : تخلف المدلول أو الحكم عن الدليل أو العلة .\rالمناقضةُ ، لغة : إبطال أحد الشيئين بالآخر ، واصطلاحاً : منعُ بعضِ مقدمات الدليل أو كلِّها مُفَصَّلة .\rالملازمةُ : كون الشيء مقتضياً لآخر ، والأول هو الملزوم والثاني هو اللازم )\rانتهى ما أردتُ التقاطَه ، وبِهِ يتم هذا المقصَدُ والله سبحانه وتعالى أعلم .","part":1,"page":23},{"id":25,"text":"المَقْصَدُ الثَّانِي\rفِي تَعْرِيْفِ مُصْطَلَحِ الإِمَامِ شَيْخِ المَذْهَبِ النَّوَوِيِّ\rفِي المِنْهَاج واتِّبَاعِ الكَثِيْرِ لَهُ فِي ذَلِكَ الانْتِهَاج\rفنقولُ اعلم أنَّ الإمامَ النوويَّ ـ قدَّس الله سِرَّهُ ـ قد بَيَّن مصطلحه في خطبة منهاجه ، وإنما ذكرتُ ذلك مع كونه معلوماً ؛ تفخيماً لشأنه وتنبيهاً وزيادةَ إيضاحٍ لبيانِهِ ، ولأني رأيتُ من بعضِ أهلِ التحصيلِ كثيراً ما يغلط ويخلط فيه عند التفصيل ، ولقد بلغني أن بعضَهم يُقرِّرُ أن الأصح أقوى من الصحيح ، وأنه الراجحُ عليه عند النظر للترجيح ، وما ذاك إلا لعدمِ الاهتمامِ لتقرير ذلك المصطلح ، والاقتناع بما بدر من ظاهر اللفظ وسنح ، ومن ثَمَّ سألني الأخ النجيب الفاضل الأديب البدر الحسن ابن الوالد علوي الحامد المنفِّر علوي العام الماضي عن تعريف ذلك الاصطلاح ، فأجبته لَمَّا عرفتُ منه لوائحَ النباهة والنجاح بجوابٍ عَنَّ لي أن أذكر حاصله في هذا المقصد ، وأكتفي به عن سآمة طولِ ما هو معلوم محرر منضد ، وصورة سؤال الأخ المذكور ( ما قول العلماء نفع الله بهم في تعبير الأئمة كالإمام النووي في المنهاج بالقولين والوجهين والأظهر والمشهور والأصح والصحيح والمذهب والنص والطرق وفي قول قديم ، وما الأقوى من ذلك الذي عليه العمل والفتوى ؟ ، وما الذي يجوز تقليدُهُ وما الذي لا يجوز ، وهل الأقوى الصحيح أو الأصح ، حيثُ الأمرُ اشتبه على السائل الفقير ؛ لاختلاف بعض الطلبة في ذلك . بيِّنوا لنا بياناً شافياً لا عَدِمَكُم المسلمون ) .","part":1,"page":24},{"id":26,"text":"هذا لفظ السؤال ، فكان الجواب :\rبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ\r…اعلم أن الكلام على هذا السؤال يستدعي طُوْلاً ، والوقت لا يكاد يسمح بالتطويل وإيضاح البرهان بالدليل والتعليل ، ولكنَّا ننقلُ لك شيئاً من ذلك على سبيل الإجمال ، مراعاةً للوقت المبارك الحال ، فنقول أوَّلاً : إن بيان القولين أو الأقوال ، والوجهين أو الأوجه ، و الطريقين أوالطرق ، والنص ، ومراتب الخلاف حيثُ ذُكِرَ في القوة والضعف في غالب الحالات هو اصطلاحٌ للإمام شيخ المذهب محيي الدين النووي ـ قدس الله روحه ونفعنا به ـ لم يَسْبِقْهُ إليه أحدٌ كما ذكر ذلك العلامة الشربيني في المغني ، فشكر اللهُ سعيَه على هذا الصنيع الحسنِ البديع ، فأما المحرر أصل المنهاج فقد يُبَيِّنُ ذلك وقد لا يُبَيِّن .\rإذا علمتَ ذلك فاعلم أنه متى عبَّر في المنهاج بالأظهر أو المشهور ؛ فهما من جملة القولين أو الأقوال للإمام الشافعي ?ونفعنا به ، ومتى عبَّر بالأصح أو الصحيح ؛ فهما من جملة الوجهين أو الأوجه لأصحابه ?يخرجونها من أصولها المنصوصة ، ومتى عَبَّر بالمذهب فهو من جملة الطريقين أو الطرق ، وهي اختلافهم في حكاية المذهب ، ومتى عبَّر بالنص فهو نص الإمام الشافعي ، بمعنى المنصوص له ، ومتى عَبَّر بقيل كذا فهو وجه ضعيف ، أو وفي قول كذا فالراجحُ خلافُهُ . ولكل مما ذكر مقابِلٌ يخالفه ، وللجميع مراتبُ ودرجاتٌ بعضُها فوق بعضٍ بحسب القوة والضعف ، وكلُّ ذلك معلومٌ من كلامهم وسيأتي بعضه ، نعم قد يُعبِّر الإمام في بعض كتبه بالأظهر وفي بعضها يُعبِّر عن ذلك بالأصح فإن عُرِف أن الخلاف أقوال أو أوجه فالأمر واضح ، و إلا فالمرجَّحُ الدالُّ على أنه أقوال ؛ لزيادة علم قائله بنقله عن الشافعي بخلاف نافيه عنه ، ذكر ذلك الشيخ ابن حجر في تحفته .","part":1,"page":25},{"id":27,"text":"ثم اعلم أيضاً أن التعبير بالأظهر يُشْعِرُ بأن مقابله ظاهرٌ قويُّ المدرَك ؛ لظهور دليله وعدمِ شذوذه وتكافئ الدليلين في أصل الظهور ، وإنما يمتازُ الراجِحُ بأن عليه المعظم ، أو بكون دليله أوضح ـ وقد لا يقع تمييزٌ كما في التحفة ـ فيصير من هذه الحيثية أظهر وأقوى ومعتَمد للعمل والفتوى ، ويجوز تقليدُ مقابله ؛ لما علمتَ من ظهوره وقوَّتِهِ لكن لمن يريد العمل به في خاصة نفسه ، لا قضاء مطلقاً إذا لم يكن القاضي من أهل الترجيح ، ولا في إفتاء مع إطلاق نسبته إلى مذهب الشافعي ، لا لمن يريد الإفتاء على طريق التعريف بحاله ، وأنه يجوز للعامي تقليده بالنسبة للعمل به فغير ممتنع على كلامٍ يطول في ذلك .\rوأما التعبيرُ بالمشهور فهو مُشْعِرٌ بخفاء مقابله وغرابته ؛ لضعف مدركه ، فيقصر عن مرتبة مقابل الأظهر ؛ لما ذكر فيه ، وحينئذٍ يتبين لك أن المشهور أقوى من الأظهر مدركاً ، وأن مقابل الأظهر أقوى من مقابل المشهور في المدرك .\rوهكذا القول في الأصح والصحيح من الوجهين أو الأوجه فإنه متى عَبَّر بالأصح أشعر بصحة مقابله وقوَّتِه نظير ما مر في الأقوال ، قال في التحفة : ( وكأن المراد بصحته مع الحكم عليه بالضعف أن مدركه له حظٌّ من النظر بحيثُ يُحتاج في رَدِّه إلى غوصٍ على المعاني الدقيقة والأدلة الخفية ـ بخلاف مقابل الصحيح فإنه ليس كذلك ، بل يردُّه النظر ويستهجنه من أول وهلة ـ فكان ذلك صحيحاً بالاعتبار المذكور وإن كان ضعيفاً بالحقيقة لا يجوز العمل به ) انتهى مُلَخَّصاً . ويجوز تقليده كمقابل الأظهر فيما مر ؛ لما مر ، وقول التحفة (لا يجوز العملُ به ) يُحملُ على من أراد العملَ بالراجح ـ كما نصوا عليه ـ أو في إفتاءٍ أو قضاءٍ على ما تقدم .","part":1,"page":26},{"id":28,"text":"وإذا عَبَّر بالصحيح أشعرَ بفسادِ مقابله ؛ لضعف مدركه وانتفاء اعتبارات الصحة عنه ، فلا يجوزُ تقليده ؛ لأن الغالبَ فسادُه فلا يجوز الأخذُ به قال في التحفة:(ولم يعبر بنظيره في الأقوال بل أثبت لنظيره الخفاء وأن القصور في فهمه إنما هو مِنَّا فحسب ؛تأدباً مع الإمام الشافعي ? وفرقاً بين مقام المجتهد المطلق والمقيَّد) انتهى المقصود منه ، وبذلك تعلمُ أن الصحيح أقوى من الأصح ؛ لضعف مقابل الصحيح وفسادِهِ ، بخلاف مقابل الأصح فإنه صحيحٌ قويٌّ بالاعتبار السابق فافهم الفرقَ إن كنتَ أهلاً ، و إلا فاسأل وسَلِّم لأهلِهِ ،\rشعراً:[من الخفيف]\rوإِذا لَمْ تَرَ الهِلَالَ فَسَلِّم … لأُنَاسٍ رَأَوْهُ بِالأَبْصَارِ\rثم بعد تسطيري لهذا الجواب بمدةٍ طويلةٍ وقفتُ على عبارة النهاية للجمال الرملي في هذا المبحث ؛ إذ لم تكن عندي نسخة منها حال الجواب فوجدته قد نص على عين المسألة المرادة ، وحاصل عبارته ما هو ( وظاهرٌ أن المشهور أقوى من الأظهر ، وأن الصحيح أقوى من الأصح .. إلى آخر ما فيها ) وهو المقصود كما ترى ، فالحمد لله على موافقة الحق . ولنرجِع إلى تمام الجواب فنقولُ :\rوبهذا الذي تقدم من الاصطلاح تعرف مراتبَ الخلاف قوةً وضعفاً في الأقوال والأوجه ، بخلاف ما يأتي فإنه لا اصطلاح فيه كما قرره شراح المنهاج ؛ إذ قد يكون الراجح المقابل في الآتي إما قولاً أو وجهاً صحيحاً أو واضحاً كما قال في المنهاج :( وحيثُ أقولُ وقيل كذا فهو وجهٌ ضعيف ، والصحيح أو الأصح خلافه . وحيثُ أقولُ وفي قول كذا فالراجح خلافه ) انتهى .\rقال في المغني بعد ذلك : ( فمراده بالضعيف هنا خلافُ الراجح يدل عليه أنه جَعَلَهُ مقابِلَ الأصح تارةً والصحيحِ أخرى فلا تعلم مراتب الخلاف من هذين ) انتهى . وقال في التحفة هنا : ( وَوَصَفَ الوجه بالضعف دون القول تأدباً ) انتهى .","part":1,"page":27},{"id":29,"text":"وأما إذا عَبَّر بالمذهب فهو من الطريقين أو الطرق وهي اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب كأن يحكي بعضُهم في المسألة قولين أو وجهين لمن تقدم ويقطع بعضهم بأحدهما وأن لا نصَّ سواه ففي التحفة ـ بعد قول المنهاج : ( وحيث أقول : المذهب فمن الطريقين أو الطرق ) ـ ما لفظه : ( كأن يحكي بعضٌ القطعَ ـ أي : لا نَصَّ سواه ـ وبعض قولاً أو وجهاً أو أكثر ، وبعضٌ ذلك أو بعضَه أو غيرَه مطلقاً أو باعتبار كما مر ) انتهى ، ومنه يؤخذ الجواب .\rوأما النص ـ أي المنصوص من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول ـ فهو نص الإمام الشافعي ? ونفعنا به ، وسُمِّي ما قاله نصاً ؛ لأنه مرفوعُ القدرِ ؛لتنصيص الإمام عليه من قولك (نصصتُ الحديثَ إلى فلان ) إذا رفعتُه إليه ، قال في المنهاج : ( وحيث أقولُ : النصَّ فهو نص الشافعي ? ويكون هناك وجهٌ ـ أي مقابل له ـ ضعيفٌ أو قولٌ مخرجٌ ) قال في المغني ـ بعد قوله \"ضعيف\" ـ : ( أي خلاف الراجح ، لا المصطلح عليه قبل ذلك وهو المذكور عند قوله الأصح أو الصحيح أو الأظهر أو المشهور ، قال الإسنوي : ويدل عليه قوله أو قول مخرجٌ ، فإن القول المُخَرَّج ليس فيه تعريض بشيءٍ من ذلك وعلى هذا فليس من هذا القسم بيان مراتب الخلاف في القوة والضعف ) انتهى .","part":1,"page":28},{"id":30,"text":"وقوله أو قول مُخَرَّج ، أي من نصه في نظير المسألة على حكم مخالف بأن ينقلَ بعضُ أصحابِهِ نصَّ كلٍّ إلى الأخرى فيجتمع في كل منصوصٌ ومُخَرَّج ، ثم الراجح إما المنصوص وإما المُخَرَّج وإما تقرير النصين والفرق وهو الأغلب ، ومنه النصُّ في مضغةٍ قال القوابل : ( لو بقيت لتصورت ) على انقضاء العدة بها ؛ لأن مدارها على تيقن براءة الرحم وقد وجُد ، وعدمِ حصول أمية الولد بها ؛ لأن مدارَها على وجود اسمِ الولد ولم يوجد ، ذَكَرَ ذلك في التحفة ، قال الشربيني : ( والأَصَحُّ أن القول المخرج لا يُنسَبُ للشافعي ؛ لأنه ربما لو رُوجعَ فيه ذكر فارقاً قاله المصنف في مقدمة شرح المهذب وفي الروضة في القضاء ) انتهى .\rوأما إذا عَبَّر بالجديد فالمراد به مذهبُ الشافعي الذي قاله بمصر تصنيفاً أو إفتاءً ، ويقابله القديمُ وهو مذهبه الذي قاله بالعراق وقبلَ دخوله مصر تصنيفاً وإفتاءً ، وقد رجع الشافعيُّ عنه وقال : (لا أجعل في حِلٍّ من رواه عني ) ، وقال الإمام : ( لا يحلُّ عَدُّ القديم من المذهب ) ، فإذا كان في المسألة قولان قديم وجديد ، فالجديد هو المعمول به إلا في مسائلَ يسيرةٍ أُفتي فيها بالقديم ، قال بعضهم : ( وقد تُتُبِّعَ ما أفتي به في القديم فوُجِد منصوصاً عليه في الجديد أيضاً) ، ففي المنهاج : ( وحيث أقول الجديد فالقديم خلافه أو القديم أو في قول قديم فالجديد خلافه) ، قال في التحفة بعد ذلك : ( والعملُ عليه إلا في نحو عشرين ـ وعَبَّر بعضهم بنيِّف وثلاثين ـ مسألة ، ولو نَصَّ فيه على ما لم ينص عليه في الجديد وجب اعتمادُه ؛ لأنه لم يثبت رجوعُهُ عن هذا بخصوصه ) انتهى .\rإذا علمتَ هذا وتحققتَه عرفتَ الأقوى والقوي والسقيم والصحيح وتبين لك أن الراجح الذي عليه الفتوى وأحكامُ القضاة من الأقوال والأوجه هو ما عبر فيه بالجديد ـ إلا فيما استثني ـ والنصِّ والمشهورِ والأظهرِ والصحيحِ والأصحِ والمذهبِ ، وأما العمل في خاصة النفس فيجوز تقليدُ الأقوالِ الضعيفةِ . والقول الضعيف ـ على ما في الفوائد المدنية للكردي ـ شامِلٌ لخلاف الأصح وخلاف المعتمد وخلاف الأَوْجَه وخلاف المتجه ، وأما خلاف الصحيح فالغالب أنه فاسدٌ لا يجوز الأخذُ به كما تقدم والله أعلم .\rانتهى المقصود من الجواب ، وبه يكمل هذا المقصد والله سبحانه وتعالى أعلم .","part":1,"page":29},{"id":31,"text":"المَقْصَدُ الثَّالِثُ\rفِيْ ذِكْرِ بَعْضِ اصْطِلاَحَاتِ شَيْخِ الإِسْلاَمِ أَحْمَدَ\rابنِ حَجَرَ الهَيْتَمِيِّ سَقَىَ اللهُ عَهْدَهُ فِي تُحْفَتِهِ\rوَمَا تَحَرَّاهُ فِيْهَا مِنْ لَطِيْفِ إِشَارَتِهِ\rاعلم أن شرح المنهاج المُسَمَّى بتحفة المحتاج لَمَّا كان آخِرَ مصنفات الشيخ في الفروعِ الفقهية والشروحِ المذهبية وكثيراً ما قُرئ عليه ،وتحررَ وتهذَّبَ لديه كان أشهرَ كتبه تصحيحاً وأظهَرَها تنقيحاً وترجيحاً فلما كان بهذا المقام التام تلقته بالقبول أئمةُ الإسلام ، وصار عمدةً للخاص والعام ، ومرجِعاً للقضاة والحكام ، حتى نُقِل أن بعض الأئمة تتبع كلام التحفة لابن حجر والنهاية للجمال الرملي فوجد ما فيهما عمدةُ مذهب الشافعي وزبدتُهُ ، بل نُقِل عن بعضهم أيضاً أنه كان يُقرر للطلبة عَدَمَ جواز الإفتاء بما يخالف التحفة والنهاية ، وهو وإن كان لا يوافَقُ على إطلاق ذلك لكن تعلم به جلالَةَ هذين الكتابين وعلوَّ شأن مؤلفَيهما ؛ إذ صارا عند المتأخرين عَلَمَي هدىً وإمامَي حَقٍّ ، إلى أقوالهما يتسارع العلماءُ بالقبول ، ويقدمونهما على من يساويهما من الأكابِرِ الفحول ، فشكر الله سعيهما ونفعنا بهما .","part":1,"page":30},{"id":32,"text":"واختلف في الترجيح بين قوليهما عند تخالفهما فذهب أهل حضرموت والشام والأكراد وداغستان وأكثر أهل اليمن وغير ذلك من البلدان إلى أن المعتمد ما قاله ابن حجر ، وذهب أهل مصر أو أكثرهم إلى أن القول ما قاله الجمال الرملي ، وأما أهل الحرمين فكان في الأزمنة السابقة القولُ عندهم ما قاله ابن حجر إلى أن فشى قولُ الجمال الرملي فيهما من علماء مصر وتقريرهم لهم في دروسهم مُعْتَمَدَهُ حتى صارَ مَن له إحاطة بقولي الجمال الرملي وابن حجر من أهل الحرمين يقرر قوليهما من غير ترجيح بينهما.\rوقد سُئِل الإمام السيد العلامة عمر بن عبد الرحيم البصري تِلميذُ الشيخ ابن حجر نفع الله بهم أجمعين عمَّا إذا اختلف الرملي وابن حجر وغيرهما مثلاً فأجاب بجوابٍ بسيطٍ حاصله ( أن العامل إن كان من أهل النظر في المأخذ والأدلة فَلْيَرِد مما وَرَدَ منه الشيخان المذكوران أو غيرُهما ، وإن كان ممن لا قدرة له على ذلك تخير في الأخذ بأيهما شاء ، وكثيراً ما يجري على لسان بعض مشائخنا حين يُسأل عن ذلك (من شاء قرأ لقالون ومن شاء قرأ لورش) ، والمعنى فليختر العمل بأيهما شاء ) انتهى .\rوسُئِل حبيبنا الشيخ الإمام فريدُ العصر عبد الرحمن ابن الشيخ القطب الإمام عبد الله ابن الشيخ أحمد بلفقيه عما إذا اختلف ابن حجر ومعاصروه فأجابَ السائلَ بقوله ( اعزل الحظَّ والطمعَ وقَلِّدْ من شئتَ فإنهم أكفاء ) .\rوفي منظومة العلامة النحرير علي ابن العلامة عبد الرحيم باكثير التي في التقليد وما يتعلق به قوله شعراً : [ من الرجز ]\rوَشَاعَ تَرْجِيْحُ مَقَالِ ابْنِ حَجَر …فِي يَمَنٍ وَفِي الحِجَازِ فَاشْتَهَر\rوَفِي اخْتِلاَفِ كُتْبِهِ فِي الرُّجْحِِ … الأَخْذُ بِالتُّحْفَةِ ثُمَّ الفَتْحِ\rفَأَصْلِهِ لا شَرْحِهِ العُبَابَا … إِذْ رَاَمَ فِيْهِ الجَمْعَ والإِيْعَابَا\rإلى أن قال :\rمُحَمَّدُ الرَّمْلِيْ يُكَافِي ابنَ حَجَر … فَاخْتَرْ إِذَا تَخَالَفَا بِلاَ غَرَر","part":1,"page":31},{"id":33,"text":"ومن فوائدِ العلامةِ عبد اللهِ بن أبي بكر قدري باشعيب ـ رحمه الله ـ ( من المعلوم أَنَّ غالِبَ العمل اليوم بمصر وعملَ بعض الحرمين على مرجَّح الشمس الرملي عند الاختلاف ـ مع العلم بأن الشيخ ابن حجر أجلُّ كما أفادناه الشيوخ ـ الذي أفاده شيخنا الإمام شهابُ الدين أحمد البهجوري إنما سبب ذلك جلالة والده الشهاب الرملي وإمامتُهُ فَسَرَت الشهرةُ منه إلى ابنه محمد ، وللشهرة عمل كما ذكروا أن الليث بن سعد لم يحفظوا فقهه ويدونوه وكان بجيزة مصر ، ومالك كان بالمدينة محل الواردين والصادرين ) انتهى .\rوغالب هذا الذي استطردته من الفوائد المدنية للعلامة الكردي مع تصرف في بعض العبارات .\rإذا عرفتَ ذلك فاعلم أن للشيخ ابن حجر اصطلاحاتٍ في التحفة مما ليس لغيره غالباً كما سبره أئمةُ المذهب من بعده ونحن ننقل في هذا المقصد ما بَلَغَنَا من ذلك حسبما أدى إليه اجتهادُنا حِرْصاً على الفائدة ، وطمعاً في نيل العائدة .\rفنقول سُئِل العلامة عبد الله بن أبي بكر الخطيب التريمي أن الشيخ ابن حجر قد يعبِّر في كتبه بالأَوْجَه وبالمعتمد فهل هي بمعنىً واحدٍ أم لا ؟، وحيث قلتم بينهما فرقٌ فما مقابل الأوجه وما مقابل المعتمد ؟، وهل مقابلهما للشافعي أو الأصحاب ؟ .. إلى آخر السؤال .","part":1,"page":32},{"id":34,"text":"فأجاب بكلام إلى أن قال: ( وقول السائل وقد يعبِّر شيخ الإسلام ابن حجر في كتبه بالأوجه والمعتمد إلى آخره الظاهرُ ـ والله أعلمُ ـ مما يقضي به سبر كلامه المذكور أنه في التعبير مختلف، وأن المعتمد هو الراجح الذي عليه المُعَوَّل في الفتوى من المذهب ، ومقابله مرجوحٌ ، وقد يكون ذلك من مسائل القولين أو الأقوال لمولانا الشافعي ، وقد يكون من مسائل الوجهين أو الأوجه للأصحاب أو من آثار المتأخرين واحتمالاتهم ، ويعبِّر الشيخ في الذي عليه المعوَّل في الفتوى بالمعتمد ومقابله مرجوح غير معتمد في الفتوى والحكم ، أما العمل مع التقليد فيتخرج على حكم التقليد بشروطه المعتبرة .\rوأما التعبير بالأوجه و على الأوجه فهو الراجح أيضاً لكنه بالنسبة إلى المعتمد دونه في التعويل في الفتوى عند المعبِّر ، والذي يقضي به سبرُ كلامه أن مقابلَه احتمالُ وجهٍ آخرَ وجيهٍ في المدرك إلا أن هذا أوجه منه ، والظاهر أنه ليس من مسائل أصحاب الوجوه بل من مسائل المتأخرين التي استنبطوها من نظائرها ، ووقع للشيخين وغيرِهما التعبيرُ بأوجه الوجهين وأشبه الوجهين بعد أن نقلوا في المسألة وجهين أو وجهاً ، وهذا يضاهيه تعبيرُ الشيخ وغيره بالأوجه ، لكن ما وقع لمثل الشيخين من احتمالات المتأخرين وآرائهم ) انتهى المقصود من الجواب ، لكن نقل الشيخ محمد باقشير ـ كما نقله عنه العلامة العليجي في كتابه المذكور في المقصد الأول ـ ( أنه تتبع كلامَ ابن حجر ، فإذا قال : على المعتمد مثلاً فهو الأظهر من القولين أو الأقوال ، وإذا قال : على الأوجه مثلاً فهو الأصح من الوجهين أو الأوجه ) انتهى .\rومن خط العلامة السيد عبد الرحمن بن أحمد الجفري على ظهر نسخته من التحفة بخطه أيضاً ما لفظه ( إذا قال الشيخ ابن حجر في تحفته مثلاً : ويحرم على نزاع فيه فيكون ذلك تبرءاً من النزاع لا من الحكم ، ومثله إذا قال : على خلاف فيه ،","part":1,"page":33},{"id":35,"text":"وأما إذا قال : على ما اقتضاه إطلاقهم فيكون تبرءاً من الحكم فيكون المعتمد مخالفة إطلاقهم .\rوأما إذا قال : كما اقتضاه كلامهم أو إطلاقهم أو نحو ذلك فالمعتمد ذلك الاقتضاء ، ولو قال : لو قيل بالحرمة لم يبعد فمعنى ذلك أن الحرمة هي القريبة للناظر فيكون معتمداً ، ولو قال : لكن المعتمد كذا أو الأوجه كذا فهو المعتمد ولو كان بعد كما ، ومثل ذلك لو وقع الإستدراك من غير نحو الأوجه أو المعتمد ولم يكن قبله كما ، أما إذا كان قبله كما فما قبل كما هو المعتمد ، ولا عبرة بالاستدراك بعدها أي بعد كما) انتهى تقرير الشيخ سعيد سنبل المكي .\rومن خط السيد المذكور ( إذا عَبَّر الشيخ ابن حجر في التحفة بعلى فمعناه غيرُ مُسَلَّم ، وإذا عبَّر بكما فهو مرتضيه والشيخ الرملي مثلُهُ ، والظاهر أن هذا اصطلاحٌ لأهل المذهب أن على للتبري ذكره الشيخ في باب الجنائز بعد قول المتن (ولو تخلف بغير عذر إلى آخره) ، وهو قوله حيث قال : (وذكره شيخنا في شرح منهجه وغيره مع التبري منه فقال : على ما اقتضاه كلامهم) انتهى ، وإذا عبّر في التحفة بكذا قالوه فهو متبري من العلة لا من الحكم ) انتهى .\rومن الفوائد المدنية للشيخ المحقق محمد بن سليمان الكردي ( [خاتمة] في ذكر نبذة من مصطلح الشيخ ابن حجر في تحفته وغيرِها وكذا غيره من المتأخرين .","part":1,"page":34},{"id":36,"text":"اعلم أن الشيخ ابن حجر إذا قال : شيخنا يريد به شيخَ الإسلام زكريا الأنصاري ، وكذلك الخطيب الشربيني ،وأما الجمال الرملي فإنه يعبر عنه بقوله الشيخ بالتعريف بالألف واللام ، وإذا قالوا الشارح أو الشارح المحقق فمرادهم جلالُ الدين المحلي ، نعم ابن حجر في الإمداد شرحِ الإرشاد يريد بالشارح الشمس الجوجري شارح الإرشاد ، وإذا قالوا الإمامَ يريدون به إمام الحرمين ، وإذا قالوا القاضي يريدون به القاضي حسين، وإذا قال في التحفة : شارِحٌ بالتنكير يريد به شارحاً ما من شراح المنهاج أو غيرَه هذا هو التحقيق كما أوضحته في تأليفٍ مستقل فاحفظه ولا تغتر بمن يقول إنه ابن شهبة أو غيرُه ، وإن قال : قال بعضهم مثلاً فمراده به ما هو أعم من قوله شارح كما أوضحته في ذلك المؤلف ؛ إذ المراد بعض العلماء سواء كان شارحاً أم لا .\rوإن قال : كما قاله بعضهم أو كما اقتضاه كلامهم أو نحو ذلك فتارةً يُصَرِّح باعتماده وتارةً يصرح بضعفه ،والحكم واضح .\r…وإن أَطْلَقَ ذلك ولم ينبه على اعتماده ولا ضعفه فيكون ذلك مُعْتَمَدَ التحفة كما أوضحتُه في ذلك المؤلَّف . ومثل كما في ذلك لكن الاستدراكية فيجري فيها تفصيل كما .\r…وقد يجمع في التحفة بين كما ولكن ، فيتردد النظر في الترجيح بينهما وبينتُ في ذلك المؤلَّف ما يُفهم منه التعارض في الترجيح بينهما لكن مقتضى ما نقلته ثَمَّة عن ابن حجر نفسه ترجيح ما بعد كما فراجع ذلك المؤلَّف إن أردته .","part":1,"page":35},{"id":37,"text":"وإن قال في التحفة : على ما اقتضاه كلامهم ، أو على ما قاله فلان ، أو كذا قاله فلان ، ونحو ذلك فهذه صيغة تبرٍّ كما صرحوا به ثم تارةً يُرَجِّحُ ذلك وهو قليل فيكون معتمد التحفة ، وتارة يضعِّفه وهو أكثر ما في التحفة مما قبله فيكون مقابله هو المعتمد ، وتارةً يطلق ذلك ولم يرجِّح شيئاً وجرى غير واحدٍ حينئذٍ على أنه ضعيف والمعتمد خلافهُ وتوقفتُ في ذلك المؤلَّف في ذلك وأنه لا يلزم من تبريه اعتماد مقابله فينبغي حينئذٍ مراجعة بقية كتب ابن حجر فما فيها هو معتمده ، فإن لم يكن ذلك فيها فما اعتمده معتمدو متأخري أئمتنا الشافعيةِ فَحَرِّرْ ذلك ، وهذا بحسب ما ظهر للفقير والله أعلم بحقائق الأحوال وتفصيل المعتمد من الأقوال ) انتهى ما من الفوائد المدنيّة .\rوقال بعض العلماء : ( ما بعد لكن في التحفة هو المعتمد سواء كان قبلها كما أو غيره ) انتهى .\rورأيتُ عن تقرير الشيخ إدريس ـ رحمه الله ـ (إذا قال الشيخ ابن حجر في كتبه : لكن ، فإن كان قبل لكن كما فالمعتمد عند المكيين الذي نقلوه عن الشيخ ما بعد لكن ، والمصريون لا يفرقون ) ، وفي ذلك نظرٌ ؛ لما سبق عن الفوائد المدنية.\rويظهر من كتاب العليجي المذكور أن اصطلاح الشمس الرملي والخطيب الشربيني كاصطلاح الشيخ ابن حجر في هذه الألفاظ المذكورة عن الفوائد المدنية ، وذكر في كتابه أيضاً ( إذا قال الشيخ محمد الرملي : أفتى به الوالد فمراده أبوه الشهاب أحمد الرملي ، ويُعبِّر عنه الخطيب بشيخي والشيخ ابن حجر عنه بالبعض كما يعبر به عن غيره ) انتهى .","part":1,"page":36},{"id":38,"text":"ومن خطِّ الشيخ العلامة محمد بن عبد الولي بارجا ما لفظه ( إذا حكى الشيخ في تحفتهِ أو غيرِها قولاً لأحدٍ أو مبحثاً وسكت عليه فلم يقل وهو واهٍ مثلاً ولا وهو الأصح ولا غيرَهما مما يصرح بترجيحه أو تضعيفه فسكوته ليس ترجيحاً ولا تضعيفاً لكن لك أن تأخذ بالمذكور والعهدة على قائله لا على الشيخ ، مثال ذلك ما حكاه الشيخ عن النووي فيما لو عرض ذكرُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة من أنها لا تندب الصلاة عليه فإنه نقله عن النووي وسكت عليه ، فإن لم يسكت الشيخ على ما حكاه بل قال : وفيه ما فيه أو على ما فيه فهو تضعيف له منه ، ومثاله في التحفة ما ذكره في ركن التشهد في موالاته، فإن لم يقل ذلك بل قال : وهو القياس أو نحوه فهو ترجيح له منه ، فإن حكى بعد قوله وهو القياس قولاً يناقض القياس فلا اعتماد عليه .","part":1,"page":37},{"id":39,"text":"فإن لم يحك ذلك بل استدركَ عليه بلكن فهو ترجيحٌ وَذَكَرَ الصورتين في حمل المصحف مع الأمتعة ، وصورة الاستدراك ذكرها في التيمم فيما لو جرح في أعضاء التيمم ووضع الجبيرة عليه بلا طهر ، واستدراك الشيخ بلكن ليس ترجيحاً على إطلاقه فقد يستدرك بلكن لقوةٍ رآها في كلام الروياني ) انتهى . عن خط العلامة بارجا ، ورأيتُ نحو ذلك بخط شيخنا الحبيب العلامة أبي بكر ابن الإمام عبد الله ابن القطب الشيخ أحمد الهندوان علوي أمتع الله به ، بل أملاه عليَّ من خطه إلا أنه أَمْلَى عليَّ من خطه الشريف ما هو (وإذا استدرك على ما تقدم بلكن مثلاً فهو ترجيح للمستدرَك به إلا صورتين في حمل المصحف مع الأمتعة ) ، وأملى عليَّ أيضاً منه ( واستدراك الشيخ بلكن ليس ترجيحاً على إطلاقه فقد يأتي لغيره كأن يرى قوة في المستدرَك به وصورة هذه في الرضاع فيما لو وقعتْ قطرةُ لبنٍ في حُبِّ ماء فشرب جميعَهُ طفلٌ فإن للشيخ في المسألة استدراكاً بلكن بكلامِ للروياني بعد كلام للشيخين يناقِضُ الاستدراكَ ، فالاستدراك على هذه الصورة ليس للترجيح بل الراجح عنده ما تقدم كما هو مرجَّح في الفتح ، وإنما استدراكه هنا لقوةٍ رآها في كلام الروياني حَسْبُ ، وقد ذاكرتُ في هذه المسألة الحبيبَ طاهرَ بن هاشم فأجابني بهذا نفسِهِ) انتهى من خط الحبيب أبي بكر .","part":1,"page":38},{"id":40,"text":"ومما عُزِي إلى العلامة القاضي عبد الله بن أبي بكر الخطيب ما صورته سُئِل عمَّا إذا استدرك الشيخ ابن حجر بعد نقله المسألة عن غيره بقوله لكن فيه نزاع أو نظر أو نحو ذلك ، فأجاب ( الذي يظهر لنا من سبر كلامه أنه لا يُطلق القولُ بأنه مُرَجِّح ما استدرك به بل فيه تفصيل حاصله :\rإن كان بعد المنقول عن الأصحاب أو الشيخين أو النووي فلا يؤثر ما استدرك به في ذلك ؛ لأن نحو النزاع لا يدفع المنقول كما صرحوا به كالمسألة التي نقلوها عن الغزالي وإقرار الشيخين لها ، وقبول الشاهد واليمين في السرقة بالنسبة للمال دون القطع . وإن كان في مسألة مُوَلَّدة عن المتأخرين ثم استدرك عليه فالظاهر ترجيحه الاستدراكَ .\rوإذا ساق الشيخ كلاماً وأتى بخلافه ثم قال : ويجاب عن الأول فالمعتمد عنده ما أجاب به والله أعلم ) انتهى.\rورأيتُ بخط بعضهم ـ نفع الله بهم ـ ([فائدة] إذا عبر الشيخ ابن حجر في التحفة بعلى فمعناه غير مُسَلَّمٍ ، وإذا عبر بكما فهو مرتضيه ، والشيخ الرملي مثلُهُ ، وإذا عبر بكذا قالوه فهو متبرئ من العلة لا من الحكم ، وإذا قال : على ما اقتضاه إطلاقهم فهو متبرئ من الاقتضاء لا من الحكم ، وإذا قال : على نزاع فيه فهو تبرؤ من النزاع لا من الحكم ، ومثل ذلك إذا قال : على خلاف فيه .\rوأما إذا قال : اقتضاه إطلاقهم فالمعتمد ذلك المقتضى ولو قال بعد ذلك لكن قال النووي كذا أو صحح فلان كذا مثلاً ما لم يقل لكن المعتمد أو الأوجه كذا وإلا فهو المعتمد أي ما بعد لكن وكذا ، ومن المعتمد أيضاً ما لو استدرك فقال : لكن أو نعم الأصح المنقول كذا و كذا ولكن صحح النووي مثلاً كذا ولم يكن قبله كما .\rوإذا قال : قاله فلان أو نحوه ولم يكن جزم قبله أو بعده بما يخالفه فمعتمَدٌ ، ومثل ذلك لو قال : لو قيل بكذا لم يبعد ، وإذا قال : كذا قالوه فإن كان ذلك اللفظ بعد دليل أو تعليل للحكم فيكون الحكم مرضياً والتبري من الدليل أو التعليل ، وإن قال ذلك عَقِبَ الحكم فهو متبرؤ من الحكم ما لم يقل بعده : وهو المعتمد أو الأصح ونحوه ، أو يذكرالمتن قبل ذلك الحكم جازماً به والله أعلم ) انتهى .","part":1,"page":39},{"id":41,"text":"تنبيه :\rرأيتُ في بعض مؤلفات بعضِ المشائخ المعتبرين أن الشيخ ابن حجر في التحفة أراد بقوله قال شارح في التيمم وقسم الصدقات ونحوها ابن شهبة ، وأراد في استقبال القبلة التقي السبكي في الابتهاج ـ وهو أول من شرح المنهاج وأول من وَفَّى بمقصوده ـ شرح المنهاج ، وأراد به في صفة الصلاة الإسنوي في كافي المحتاج ، وأراد به في أول الجماعة الدّميري في النجم الوهاج ، وفي ما بعده الأذرعي في قوت المحتاج ، وفيما بعده الولي العراقي شيخ ابن شهبة في نكته على التنبيه والمنهاج والحاوي ، وأراد به في الجمعة ابن المقري في شرح الإرشاد إخلاص الناوي واشتهر بالتمشية وغير هؤلاء كالزركشي في الديباج ، وقوله قال بعض الشراح استعمله في أي شارحٍ كان لأي كتاب كان ) انتهى .\rورأيتُ عن بعضهم أيضاً ( أن كذا عند الشيخ ابن حجر للتبرئ ، ومِثْلُ هذا في نحو : هذا ما قاله فلان ،أو على ما اقتضاه كلامهم ، أو على ما بُحث أو قالوا أن الأمر كذا فكلها مُشْعِرة بالضعف إن لم تدل قرينةٌ على اعتماده ) انتهى .\rوالله سبحانه وتعالى أعلم\rوهذا آخر ما تيسر تحصيله في هذا المقصد والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .","part":1,"page":40},{"id":42,"text":"الخاتِمَةُ :\rفِيْ ذِكْرِ فَوَائِدَ شَتَّى يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الفَقِيْه وَيَسْتَضِيْءُ بِوَهَّاجِهَا كُلُّ ذِي فَضْلٍ نَبِيْه :\rففي الفوائد المدنية للشيخ محمد بن سليمان الكردي نفعنا الله به :\r( فائدة نقل التاج السبكي عن والده واعتمده أنه حيثُ وجد لأحد من الأصحاب كلامٌ في فتاويه مخالف لكلامه في تصنيفه اعتمد ما في تصنيفه ؛ لأنه موضوع لذكر ما هو الأمر الكلي الذي يشترك فيه جميع الناس ، دون ما في فتاويه ؛ لأنها لتنزيل ذلك الكلي على الجزيء ، وقد تختلف الأبوابُ والأحوالُ في التنزيلِ فلسنا منها على ثقة ) انتهى ، وقد مَرَّ في المقصد الأول عن الفقيه سالم باصهي ما يوافقه .\rفائدة :\rمن شرح العباب لابن حجر عند قول المتن \" والأصحاب \" ما نصه ( أي أصحاب الشافعي الذين سلكوا طريقَتَه في الاجتهاد وقلدوه ، من الصُّحْبَة وهي هنا اتباعه فيما يراه من الأحكام مجازاً عن الاجتماع في العِشْرة بجامع ما في كلٍّ من الموافقة وشدةِ الارتباط ، وهو بهذا المعنى يشمل سائِرَ أئمة مذهبه منذ زمنه إلى الآن ، لكن غَلَبَ استعمالُهم ـ كالمتقدمين ـ فيمن قبل الشيخين ) .\rومن فتاويه ما لفظه : ( وفي الاصطلاح المراد بالأصحاب المتقدمون وهم أصحاب الأوجه غالباً فضُبِطوُا بالزمن وهم من قبل الأربع مائة ، ومَن عداهم يُسَمَّون بالمتأخرين ولا يُسَمَّون بالمتقدمين ، ويوجَّه هذا الاصطلاح بأن بقيَّة أهلِ القرنِ الثالثِ من جملَتِهم السَّلَفُ المشهود لهم على لسانه صلى الله عليه وسلم بأنهم خير القرون ـ أي ممنبعدهم ـ فلما قربوا من عصر المجتهدين خُصُّوا تمييزاً لهم على مَن بعدهم باسم المتقدمين فاحفظ ذلك فإنه مهم ، وقال في التحفة في باب الفرائض بعد قول الأصل \" وأفتى المتأخرون \" من أثناء الكلام : ( ومن هذا يوخذُ أن المتأخرين في كلامِ الشيخين ونحوهما كلُّ مَن كان بعد الأربعمائة وأما الآن وقبله فهم مَن بعد الشيخين ) انتهى ، ومثله في النهاية .\rوفي المغني للشربيني ( فائدة من كلام سيدي أبي المواهب يُعرف منها الفرق بين التحقيق والتدقيق ، قال : ( إثباتُ المسألةِ بدليلها تحقيق ، وإثباتها بدليل آخرَ تدقيق ، والتعبيرُ عنها بفائق العبارة ترقيق ، وبمراعاة المعاني والبديع في تركيبها تنميقٌ ، والسلامة فيها من اعتراض الشرع توفيق) ) انتهى .","part":1,"page":41},{"id":43,"text":"فائدة :\r( الشيخُ في اصطلاح علماء الشريعةِ : مَن يُحيي السنةَ ويُميتُ البدعةَ ، وفي لغة الحكماء وأهل اللغة : مَن تجاوز حد الشباب ، وفي لغة الصوفيين : مَن يُحيي الروحَ ويُميتُ النفسَ ويُقتدى بِهِ وإن لم يجاوز حد الشباب ، وفي اللغة : الهَرِم ، وفي الاصطلاح : الأستاذ في العلوم ) انتهى كما وجدتُ .\rومن شرح الشمائل للملا علي قاري ما نَصُّه ( الشيخُ هو مَن كان أُستاذاً كاملاً في فن يصح أن يُقتدى به ولو كان شاباً .\rوالحافظ : في اصطلاح المحدثين مَن أحاط علمُهُ بمائة ألف حديث متناً وإسناداً . والطالب : هو المبتدي الراغبُ فيه . والمحدث والشيخ والإمام : هو الأستاذ الكامل .والحجة : من أحاط علمُهُ بثلاثمائة ألف حديث متناً وإسناداً وأحوال رواتها جرحاً وتعديلاً . والحاكِمُ : هو الذي أحاط علمُهُ بجميع الأحاديث المروية كذلك . و قال الجزري : (الراوي: ناقل الحديث بالإسناد . والمحدث: من تحمَّل روايَتَه واعتنى بدرايته .والحافظ: من روى ما يصل إليه ووعى ما يحتاج إليه ) .\rواعلم أنه لا فرق بين التحديث والإخبار والإنباء عند المتقدمين ، ورأى بعض المتأخرين التفرقةَ بين صيغ الأداء فيخصون التحديث بما تلفظ به الشيخ وسمع الراوي عنه ، والإخبارَ بما يقرأ التلميذ على الشيخ ، والإنباء بالإجازة التي يشافه بها الشيخ مَن يجيزه ، وهذا مذهب ابن حجر والأوزاعي والشافعي وجمهور أهل الشرق ) انتهى .\rفائدة:\rمن شرح الشمائل أيضاً للشيخ ابن حجر ـ رحمه الله ـ ( أخبرنا هو كأنبأنا وحدّثنا بمعنىً واحد عند مالك والبخاري ومعظم الحجازيين والكوفيين ، ومذهب الشافعي ? وجمهور المشارقة ـ قيل وأكثر المحدثين ـ واختاره مسلم أنَّ حدثنا لِما سُمِع من الشيخ خاصة وهو الأعلى ، وأخبرنا لِمَا قُرئ عليه ، وأما أنبأنا فيكون في الإجازة فهو أدنى مما قبله . ومما اعتيد غالباً في الرسم ثنا لحدثنا وأنا لأخبرنا و أننا لأنبأنا ) انتهى .","part":1,"page":42},{"id":44,"text":"ومن شرح الأربعين له أيضاً (رَوَيْنَا بفتح أوليه مع تخفيف الواو عند الأكثر مِن روى إذا نقل عن غيره، وقال جمعٌ : الأجود ضمُّ الراء وكَسْرُ الواو مُشَدَّدةً أي روتْ لنا مشائِخُنا أي نقلتْ لنا مشائِخُنا فَسَمِعْنا) انتهى .\rفائدة :\rقال في التحفة : ( [تنبيهٌ] ما أفهمه كلامه من جواز النقل من الكتب المعتمدة ونسبةِ ما فيها لمؤلفيها مُجْمَعٌ عليه وإن لم يتصل سند الناقل بمؤلفيها، نعم النقل من نسخة كتاب لا يجوز إلا إن وثق بصحتها ، أو تعددت تعدداً يُغَلِّب على الظن صِحَّتَهَا ، أو رأى لفظها منتظماً وهو خبيرٌ فَطِنٌ يُدرك السقطَ والتحريفَ، فإن انتقى ذلك قال وجدت كذا أو نحوه .","part":1,"page":43},{"id":45,"text":"ومن جواز اعتماد المفتي ما يراه في كتاب معتمد فيه تفصيل لا بد منه ودل عليه كلام المجموع وغيرُهُ وهو أن الكتب المتقدمة على الشيخين لا يُعْتَمَدُ شيء منها إلا بعد مزيد الفحص والتحري حتى يغلب على الظن أنه المذهب ولا تغتر بتتابع كتب متعددة على حكم واحد فإن هذه الكثرة قد تنتهي إلى واحد أَلَا ترى أنَّ أصحاب القفال أو الشيخ أبي حامد مع كثرتهم لا يفرعون ويؤصلون إلا على طريقته غالباً وإن خالفت سائر الأصحاب فتعين سَبْرُ كتبهم ، هذا كله في حكم لم يتعرض له الشيخان أو أحدهما وإلا فالذي أطبق عليه محققو المتأخرين ولم تزل مشايخنا يوصون به ويتلقونه عن مشايخهم وهم عمَّن قبلهم وهكذا أن المعتمد ما اتفقا عليه ـ أي ما لم يجمع متعقبو كلامهما على أنه سهو ـ وأَنَّى به أَلَا ترى أنهم كادوا يُجمعون عليه في إيجابهم النفقة بفرض القاضي ومع ذلك بالغتُ في الردِّ عليهم كبعض المحققين في شرح الإرشاد ، فإن اختلفا فالمصنف ، فإن وجد للرافعي ترجيحٌ دونَه فهو ، وقد بينتُ سبَبَ إيثارهما وإن خالفا الأكثرين في خطبة شرح العباب بما لا يُستغنى عن مراجعته ومن أن هذا الكتابَ مقدم على بقية كتبه ليس على إطلاقه أيضاً بل الغالب تقديم ما هو مُتَتَبِّعٌ فيه كالتحقيق فالمجموع فالتنقيح ثم ما هو مختصِر فيه كالروضة فالمنهاج ونحو فتاواه فشرح مسلم فتصحيح التنبيه ونكته من أوائل تأليفه فهي مؤخرة عن ما ذكر وهذا تقريب وإلا فالواجب في الحقيقة عند تعارض هذه الكتب مراجعةُ كلامِ مُعْتَمِدِي المتأخرين واتِّباع ما رجحوه منها ) انتهى كلامُ التحفة .","part":1,"page":44},{"id":46,"text":"فائدة:\rمن التقاطي الذي سميتهُ المنهل الأكمل من القول الأجمل تأليف العلامة الشيخ النحرير علي بن عبد الرحيم باكثير قلتُ فيه (قال : قال والدي ـ ومن خطه نقلتُ ـ وغير خافٍ وجود الأبحاث من العلماء من تقادم الزمان إلى الآن والحاجة بل الضرورة ماسة إلى بيان الكلام فيها ، وقد عُلِم كلامُ الأئمة وتفاصيلهم وتفاريعهم واختلافهم في ذلك ووقوع الناس في ذلك أحكاماً وإفتاءً وعملاً في حق النفس ، فمنهم من أطلق العمل وغيره بكل قول صدر من متأهل ما لم يجرَّ لمفسدةٍ ولم يكن عن هوى ، ومنهم من حصر التقليدَ في الأربعة ، ومنهم من صَرَّح بتعيين الحكمِ بالراجح في مذهب الحاكم المقلِّد غيره لذلك ، وحينئذٍ إذا وجدنا الأبحاث في المصنفات والإفتاءات فهل نقول بإجرائها مُجرى المعتمد في المذهب ؛ لأن الظاهر أن قائلها يتحرى كما يتحرى المفتي فلا يفتي إلا بالمعتمد عنده في مذهب إمامه أم ماذا الحكم مع أن منها ما قد يكون داخلاً في إطلاقهم ، ومنها ما يؤخذ من نظير ذلك ؟ ) .. وساق كلاماً إلى أن قال : ( وقد صرح الشيخ ابن حجر وغيرُه بأن الفقيه المتأهل للفتوى في مذهب إمامه في هذه الأعصار قائم مقام المجتهد ، وعليه فهل يؤخذ منه ومِن كلام السبكي أن مولدات نصوص ابن حجر والرملي وأضرابهم إذا خاض فيها أمثالهم من معاصريهم ومن بعدهم وقرَّرُوها تكون كمولدات من ذُكِر ؟ يُنْظَر في ذلك) انتهى .","part":1,"page":45},{"id":47,"text":"قال الشيخ علي بعد نقله عن والده ذلك : ( والإجماع الفعلي في وقت المشار إليهم ومن بعدهم على قبول أقوالهم في فتاويهم والأخذ بها في مصنفاتهم عبادةً ومعاملةً وغير ذلك من غير نكير وذلك شَاهِدٌ على أنهم عالمون باتصافهم بالأهلية للأخذ بأقوالهم بحثاً وترجيحاً وإخبارهم عن نفسهم ضمناً بها ؛ للعلم بعدالتهم الحاملةِ لهم على أن لا يُقْدِمُوا على ذلك بغير أهليةٍ ، وتجاذُبهم وتنازُعهم واختلافُهم وتناظُرهم في الجواب وتشديدُ بعضهم النكيرَ على بعض من غير أن يقدحَ أحدٌ منهم ولا من غيرهم في أهليتهم أعظمُ شاهدٍ على تأهلهم ، وقد تقدَّم قول الأشخر في حق الأذرعي ومن وافقه في المسألة ، والقائلون بهذا أئمة ، وفيما قالوه نوع قوة ويجوز تقليدهم في ذلك .. إلى آخره .\rوفي ذلك فوائدُ نفيسةٌ منها :\rأن هؤلاء المختارين ممن يجوز تقليدهم ، والمعلوم أنه لا يجوز تقليد من ليس من أهل الاجتهاد ـ ولو في المذهب ـ فأفاد أنهم مجتهدون .\rومنها أن أبحاث المتأخرين كهم وأمثالهم في المولدات معتَبَرةٌ ما لم يَرُدَّها منقولٌ ) انتهى المقصود من النقل من هذا المحل .\rومن هذا الالتقاط من محل آخر ما نصُّه ( وما أحسن ما نقله السيوطي عن التاج السبكي وهو ما صورتُهُ : غالب مسائل الأقدمين مولَّدات إلا أن خوضهم فيها صيَّرها منقولةً لنا ، ومولدات هؤلاء ـ أي كابن الرفعة ووالده التقي السبكي ـ لم تصر تُعَدُّ ، وقد يتمادى عليها الزمان فتصير إلى ما بعد منقولةً كما صارت مولدات أولئك إلينا ) انتهى . قال العلامة علي المذكور : ( وبه يعلم أن مولدات مَن ذُكِرَ ـ أي من المتأخرين ـ لها حكمُ المنقولِ الآن ) انتهى . وقال في موضع آخر: ( والإطباقُ حاصلٌ على اعتبار أقوال الأئمة الذين بعد الشيخين ترجيحاً في المنقول والمبحوث ، وعلى ذلك مبنى مصنافتهم وشروحهم وحواشيهم وفتاويهم من غير نكير ) انتهى .","part":1,"page":46},{"id":48,"text":"وقال أيضاً من موضع آخر من هذا الكتاب : ( وقد قالوا أن العلماء مراتبُ :\rالأول : مجتهد مستقل كالأربعة وأضرابهم .\rوالثاني : مطلق منتسِب كالمزني .\rوالثالث : أصحاب الوجوه كالقفال وأبي حامد .\rوالرابع : مجتهد الفتوى كالرافعي والنووي .\rوالخامس : نُظَّار في ترجيح ما اختلف فيه الشيخان كالإسنوي وأضرابه .\rوالسادس : حملةُ فقهٍ ومراتبهم مختلفة فالأعلون يلتحقون بأهل المرتبة الخامسة ، وقد نصوا على أن المراتب الأربع الأُوَل يجوز تقليدهم ، وأما الأخيرتان فالإجماع الفعلي من زمنهم إلى الآن على الأخذ بقولهم وترجيحاتهم في المنقول حسب المعروف في كتبهم ) انتهى ما أردتُ نَقْلَهُ مِن القول الأجمل ومِن التقاطي منه المُسَمَّى بالمنهل الأكمل .\rفائدة\rكتبُ الإمام الشافعي أربعة الأم ومختصر المزني والبويطي والإملاء ، اختصر الجميعَ إمامُ الحرمين في كتابه النهاية ، واختصر الغزالي النهاية في كتاب البسيط ، واختصر البسيط في الوسيط ، ثم اختصره في الوجيز ، ثم اختصر الوجيز في الخلاصة ، ثم اختصر الخلاصة الإمام الرافعي في كتابه المحرر ، ثم اختصر المحرر الإمام النووي في المنهاج ، ثم اختصره شيخ الإسلام زكريا في المنهج ، ورأيت بخط بعضهم أنه سمع عن بعض علماء مصر أنه اختصر المنهج في كتاب سماه النهج .\rومذهب الشافعي القديم هو ما قاله في بغداد وبعد خروجه منها قبل دخوله مصر ، وأشهر رواته أربعةٌ : أحمد بن حنبل والزعفراني وأبو ثور والكرابيسي .\rوالجديد ما قاله وأفتى به بمصر ومنه الكتب الأربعة المذكورة آنفاً ، وأشهر رواته سبعةٌ : المزني والبويطي والربيع المرادي والربيع الجيزي وحرملة ومحمد بن عبد الله الحكم وعبد الله بن الزبير المكي ، وبعض هؤلاء أشد صحبةً من بعض ) انتهى .","part":1,"page":47},{"id":49,"text":"فائدة:\rقال العلامة طيب بن أبي بكر الحضرمي في كتابه نهاية سول العِبَاد ما لفظه : ( وفي معدن اليواقيت الملتمعة في مناقب الأئمة الأربعة والعامي في عرفهم كل من لا يتمكن من إدراك الأحكام الشرعية من الأدلة ولا يعرف طرقها فيجوز له التقليد ، بل يجب عليه التقليد بدليل قوله تعالى ? فسئَلُوا أَهْلَ ?لذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ? ، وأما العالم الذي لا يبلغ رتبةَ الاجتهاد فهو كالعامي في وجوب التقليد ) انتهى عن العلامة الطيب .\rومن فتاوى العلامة السيِّد سليمان بن يحيى مفتي زبيد عن البدر الإمام الحسن بن عبد الرحمن الأهدل ( بأن جميع أفعال العوام في العبادات والبيوع وغيرهما مما لا يخالف الإجماع على الصحة والسّداد إذا وافقوا إماماً معتبراً على الصحيح ) .. إلى أن قال : ( إلى أن يرشدوا إلى الاحتياط في الخروج من الخلاف ) .. إلى أن قال عن الإمام العلامة أبي بكر بن قاسم الأهدل : ( وما أفتى به من أن العامي لا مذهب له معين يكاد أن تتعينَ الفتوى به في حق العوام في هذه الأزمنة وإن كان عند المتأخرين المُصَحَّحُ من أنه يجب عليه التزام مذهب مُعَيَّنٍ لكن من خَبَرَ حالَ العوام في هذا الزمان ، لا سيما أهل البوادي منهم جزم بأنَّ تكليفَهم التزامَ مذهب معيَّن قريبٌ من المستحيل ، وبأن الفتوى بما أفتى به البدر الأهدل أنه لا مذهب للعامي معين كالمُتَعَيَّن والله المستعان ) انتهى ملخصاً من فتاوى السيد سليمان .\rقال ابنه العلامة عبد الرحمن بن سليمان : ( نحن ؛ لقلة معرفتنا بالأصول والدليل وغيرِ ذلك عوامٌ ) ، وقال الشريف العلامة عبد الرحمن ابن محمد الدُّحْمِي باهارون باعلوي في رد جواب من بعض فضلاء السادة العلويين : ( ونحن وهو عوام بالنسبة لما قبلنا ) انتهى .","part":1,"page":48},{"id":50,"text":"فائدة:\rمن شرح العباب لابن حجر ( خطاب الشارع إما خطاب تكليف بأمرٍ أو نهيٍ ويؤثر فيه الجهل والنسيان ؛ إذ الجاهل والناسي غير مكلفين فلا يأثمان بالمخالفة ، وإما خطاب وضع وإجبار ـ بكسر الهمزة ـ وهو ربط الأحكام بالأسباب فلا يؤثر فيه ذلك بدليل الضمان في إتلاف الناسي والجاهل ) انتهى المقصود منه .\rفائدة:\rقال الشيخ ابن حجر في بعض مؤلفاته كما نقله عنه الأشخر في فتاويه: ( إذا رأينا كلام الأصحاب أو بعضهم ولم يعارضه من كلام غيره ما هو أقوى منه ثم رأينا أن المصلحة اقتضتْ الإفتاءَ بخلافه كيف يُسَوَّغ لنا ذلك الإفتاء ؟ هذا ما لا يمكن مقلِّد القولَ به وإن كان مجتهداً ؛ لأن ذلك ليس من وظيفته إنما وظيفته الترجيح عند تعارض الآراء ، وأما مخالفة منقول المذهب لمصلحةٍ أو مفسدة قامت في الذهن فذلك لا يجوز ومن فَعَلَه فقد وقع في ورطة التقوّل في الدين وسلك سنن المارقين حفظنا الله من ذلك بِمَنِّه وكرمه ) انتهى ، ثم قال الأشخر بعد نقله ذلك ما لفظه : ( وظاهره ربما باين ما مّر عن السيد السَّمهودي وليس كذلك ؛ لأن كلامه في الخارج عن المذهب ولو لكونه شاذاً وكلام السيد مفروض فيما لم يخرج عن قواعد المذهب وأصوله ) انتهى كلام الأشخر ، ويعني بما مَرَّ عن السيد السَّمهودي هو ما ذكره بقوله قبل هذا ( فالحاصل أن القاضي الشافعي إذا قضى به أي الوجه المرجوح عنده إما لمرجِّح ذاتي لكونه من أهل الترجيح ، وإما خارجي لكونه رأى تضررَ المرأة بذلك فقضاؤه أيضاً صحيح كما صرح بالأول السبكي وبالثاني السيد السمهودي في العقد الفريد ) انتهى .","part":1,"page":49},{"id":51,"text":"وقال العلامة الشيخ عبد الله بن عمر بامخرمة في فتاويه العدنية من أثناء كلام ما لفظه : ( وأما قول السائل في الاحتجاج بخلاف الصحيح في المذهب أن الشريعة مبنيَّة على جلب المصالح ودرء المفاسد فجوابه وإن كان الأمر كذلك فحقيقة ذلك محجوبةٌ عَنَّا لا يدركها عقلٌ ولا يضبطها حَدٌّ ولا يُوقَفُ عليها بِحَدْسٍ ولا قياسٍ بل أمرها إلى الله ثم إلى من أطلعه الله على شيءٍ منها من أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام ، وليس إلى المجتهدين رضي الله عنهم من ذلك إلا مجردُ الظواهر ولم يوجب الله سبحانه وتعالى عليهم إلا ذلك ولم يكلفهم البحثَ عن بواطن الأمور وأسرارِها ؛لطفاً بهم ورحمةً عليهم ، وإذا كان الأمرُ على ما ذكرناه فليست دعوى المصلحة في العمل بخلاف الصحيح بأولى من دعوى كونها في العمل بالصحيح ؛ لما ذكرناه من أن حقيقة المصلحة والمفسدة محجوبة عنا وليس إلينا إلَّا النظرُ في الظواهر من الكتاب والسنة وقد دلت الظواهر على اعتماد الصحيح في المذهب كما لا يخفى على من له نظر في الأدلة الخاصة بمسألتنا ولو ذهبنا إلى ما يسبق إلى الوهم ويقتضيه بادي الرأي من المصالح والمفاسد لا تسع الخرق وخرج الأمر عن الضبط الشرعي والقانون التعبدي أَلَا ترى أنه لو ادعى شخص على آخر أنه غصبه فلساً وشهدت له فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والصّديقة رضي الله عنها بل وسائِرُ نساء المهاجرين والأنصار من الصَّحابيات رضي الله عن الجميع ممن لا يُشَكُّ في صدقه ولا يُرتاب في خَبَرِهِ لم يحكم بشهادتهن في ذلك ولم يترتب عليه حكم شرعي هذا مع أن كثيراً من أحكام الشريعة المطهرة ثبتت برواية الصديقة رضي الله عنها فهذا وأمثاله مما يسبِق الوهمُ إلى أنه خلافُ ما ثبتت عليه الشريعة المطهرة من جلب المصالح ودرء المفاسد ، ولا شَكَّ أن في ذلك غلط سببه ما ذكرناه من قصور العقول والأذهان عن درك الأسرار الإلهيَّة ،","part":1,"page":50},{"id":52,"text":"ولهذا قال سيدنا عليٌّ رضي الله عنه: ( لو كان الدين بالرأي والقياس لكان أسفلُ الخف بالمسح أولى من أعلاه ، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمسح أعلاه ) ، وفي قصة موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام التي قصها الله في كتابه العزيز وتبيين ما تحت تلك الظواهر التي يُظَنُّ أنها مفاسدُ من الأسرار الإلهية والمصالح الشرعية ما يزداد به اليقينُ وتنشرحُ به صدورُ المؤمنين وليس غرضنا بهذا التقرير الاعتراضَ على المجتهدين وانتقادَ مذاهبهم رضي الله عنهم ، فإن المصيبَ منهم غيرُ معلوم لنا والكل مأجورون ، إنما غرضنا بذلك إزاحةُ الشبهة المذكورة عن توهمها قادحةً في القول الصحيح من مذهبنا والله سبحانه وتعالى أعلم ) انتهى .\rوقال الإمام تقي الدين السبكي في حلبيّاته أثناء جواب ما لفظه : ( وأما اختلاف الأحكام لاختلاف الزمان فلا يُختار إطلاقُهُ ؛ لأن الأحكام كلها تكملتْ في حياته صلى الله عليه وآله وسلم ، قال الله تعالى ? ?لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى ? ، وأجمع المسلمون على أنه لا وحيَ بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمستحيل أن يتجدد حكمٌ بعده لم يكن في حياته صلى الله عليه وآله وسلم وقول الشيخ عز الدين :( لله أحكام تحدث عند حدوث أسبابها ) فمحمول على حدوث فعلها عند حدوث أسبابها كما يحدث وجوب الظهر والتحرم عند وجود الزوال بالحكم الذي أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وهكذا قول من قال من الكِبار :( يحدث للناس من الأحكام بقدر ما يحدث لهم من الفجور ) فمحمول على ما قلنا ، وتلك الأحكام المتعلقة بالفجور عُرِفَتْ منه صلى الله عليه وآله وسلم فلما حضر زمانُها ومن هي متعلِّقة به تعلقت به فلا يجوز أن يُعْتَقَد غيرُ ذلك ، وما اختاره الروياني من جانب الحظر وترجيحه في أشياء لفساد الزمان إن صح ما قلناه فيه قُبِل وإلا رُد ) انتهى ما أردت نقله .","part":1,"page":51},{"id":53,"text":"وقال أبو شكيل وغيره كما نقله عنه الأشخر في فتاويه : ( إن قواعد المذهب لا تتزلزل بمرور الزمان وفسادِ أهل أدائه وما حُكِيَ عن الروياني أنه قال : (لو كان الشافعي في زماننا لجوَّز أخذَ القيمة في الزكاة) ) ، قال : ( وهو مكذوب على الروياني ، وكيف يقول ذلك وأصولُ المذهب مضبوطةٌ لا تختلف باختلاف الأوقات) ، قال : (ولا يعترَضُ على ذلك بأن الشافعي وغيره من العلماء قد يرى رأياً ثم يرى خلافه ؛ لأن ذلك يكون لصحةِ حديث أو نحوه ) انتهى .\rوقد خالف الشيخَ ابن حجر وموافقيه الشيخُ ابن زياد فيما إذا وُجِدتْ حادثة واقتضى العمل فيها بما يخالف المنقول عملاً بقاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد فقال ابن حجر : لا يعمل فيها بذلك ، وقال ابن زياد : يعمل فيها بمقتضى القاعدة وقد أطال النقلَ عنهما وعن غيرهما العلامة البدرُ السيِّدُ عبد الرحمن بن سليمان بن يحيى الأهدل في جواب له على أعراف القبائل وعوائِدهم ، ومنه في تقرير كلام ابن زياد قال ما نصه : ( قال الحشيبري ـ رحمه الله ـ الشرعُ مبني على : درء المفاسد وجلب المصالح بل لو كان حكم شرعي يخالف العادة وتركُ العمل بالعادة يؤدي إلى مفسدة وفتنة عظيمة عُمِل بالعادة سداً للذريعة المؤدية إلى الشقاق والعداوة التي لا ينقطع بابها إذا فتح ولا ينسد) انتهى كلام الحشيبري .\rقال الإمام محمد بن سليمان الكردي: (ومعلوم أن المذهب نقل ) .","part":1,"page":52},{"id":54,"text":"وفي كتاب قرة العين للشيخ ابن حجر ما نصه : ( المذهب نقل يجب أن يتطوق به أعناق المقلِّدِين حتى لا يخرجوا عنه وإن اتضحت مدارك المخالفين ) انتهى، وفي النفقات من التحفة من أثناء كلام له : ( المذهب نقل كما قاله الأذرعي ) انتهى ، وفي كتاب تنوير البصائر والعيون له أيضاً ما نصه : ( قلتُ ولو سَلَّمنا للزركشي إشكالَه وأنه لا جواب عنه لم يكن ذلك قادحاً في الاستدلال بكلامهما أي الشيخين ؛ لأن من قواعدهم أن الإشكال لا يرد المنقول وإن لم يكن عنه جواب ) انتهى، ومن قرة العين أيضاً وغيره ( قال النووي في مجموعه : إن المسألة إذا دخلت تحت إطلاق كلام الأصحاب كانت منقولةً لهم ) ، وفيه أيضاً : ( البحثُ عن المصالح والمفاسد إنما هو وظيفة المجتهدين ، وأما المقلِّد المحض فلا يجوز له أن ينظرَ إلى ذلك ويخالفَ كلام أئمته ) .. وساق كلاماً يؤيد ما ذكره إلى أن قال : ( فعلمنا بذلك أن غير المجتهد لا يجوز له النظر في المصالح ولا في المفاسد ، وإنما عليه النظر في كلام إمامه وأئمة مذهبه ) وقال في موضعٍ آخرَ من هذا الكتاب : ( والناس في هذه المدة الطويلة أي منذ سبعمائة سنة إنما يعملون بقول المجتهدين ووجوه الأصحاب من أقوال المجتهدين باعتبار أنها مأخوذة منها ، وكلُّ عالم في تلك المدة لا ينطق إلا بما يليق بقواعد مذهبه لاق بأهل زمانه أم لا ) انتهى .\rفائدة :\rقال السيد العلامة الجرجاني في تعريف العلوم : ( المعاني هي : الصور الذهنية من حيثُ وضعُ الألفاظ بإزائها والصور الحاصلة في العقل ، فمن حيث قصدها من اللفظ سميت معنى ، ومن حيثُ حصولُها منه سمي مفهومها مفهوماً ، ومن حيثُ إنه مقول في جواب ما هو سُمِّيَتْ ماهيةً ، ومن حيثُ ثبوتُه في الخارج سُميت حقيقةً ، ومن حيثُ امتيازُه عن الأغيار سميتْ هويةً ) انتهى .","part":1,"page":53},{"id":55,"text":"فائدة :\rمن فتاوى الشيخ ابن حجر من الوصية ما نصُّه ( اللفظ الصادر من المكلف إذا عُرِف مدلوله في اللغة أو العرف لم يَجُز العدول عنه إلا بأمور منها أن ينوي المتكلم به غيرَ مدلولِه الظاهرِ ويكون اللفظ محتملاً لما نواه ، ففي بعض المواضع قد يقبلُ قوله وفي بعضها قد لا يقبل بحسب قربه من اللفظ وبُعده ، ومن كلامهم الصريح يعمل بنفسه ولا يقبلُ إرادةَ غيرِهِ به ، والمحتمِل يُرجع فيه إلى إرادة اللافظ ، ومرادهم بالمحتمِل المذكور المحتمِل لمعان على السواء بدليل قول الإمام (الألفاظُ ثلاثةٌ نص ولا يقبل التأويل ، وظاهر يقبله ، ومحتمِل يتردد بين معانٍ ، فالنص لا محيص عنه ، والظاهر يعمل به على حكم ظهوره ، فإن ادعى اللافظ تأويلاً ففيه تفصيل يطول في المذهب ، والمحتمِل لا بد من مراجعة صاحب اللفظ) انتهى مُلَخَّصاً ، ومن الظاهر الذي لا يقبل تأويلاً قوله هذا أخي ثم قال : أردتُ أُخُوَّةَ الرضاع لا يقبل على الأصح ، أو أُخُوَّةَ الإسلام لا يقبل قطعاً ) ، وساق كلاماً إلى أن قال : ( وما أحسن قول الإمام الصريح ما يتكرر على الشيوع إما في عرف الشرع ، وإما في عرف اللسان ، وإذا حصل ذلك لزم إجراء اللفظ على ظاهره ولا يقبل العدولُ عن موجِب الظاهرِ في الظاهر ) انتهى ما من الفتاوى في هذا المحل . وفي موضعٍ آخرَ منها ما لفظه ( والعرفُ لا دَخْل له في الصرايح بل إذا تأملتَ قولَهم المذكور وجدتهم مصرحين بأن الصريح لا يُغَيَّرُ مقتضاه وإن اطرد العرف العام بخلافه ، وبذلك صرحوا في مواضعَ منها قولهم ليست المعاطاة بيعاً حتى في المحقَّرات وإن أطبق الناس على عدها بيعاً في ذلك ) .. وأطال الكلام في ذلك إلى أن قال : ( لِمَا علمتَ أن العرف لا يرفع اللغةَ ولا العرف العام ، وأن العرف وإن عم إنما يؤثر في إزالة الإبهام لا في تغيير مقتضى الصرايح ، وأنه مطلقاً لا يُنَزَّل مَنْزِلَةَ الشرطِ)، ثم قال: ( ألا ترى إلى قول الرافعي العادةُ الغالبة","part":1,"page":54},{"id":56,"text":"إنما تؤثر في المعاملات ؛ لكثرة وقوعها ورغبةِ الناس فيما يروج فيها غالباً ولا تؤثر في التعليق والإقرار بل يبقى اللفظ على عمومه فيهما ، أما في التعليق فلقلة وقوعه ، وأما في الإقرار فلأنه إخبارٌ عن وجوب حقٍّ سابقٍ وربما تقدم الوجوب على العرف الغالب ) انتهى المراد منه ، ورأيتُ بخطِّ بعض العلماء ممن نقل من خط العلامة عبد الله بن عمر بامخرمة من أثناء جوابٍ ما لفظه : ( كما لو قال : وقفتُ كذا على أولادي وهو يجهل دخولَ الإناث في هذا اللفظ كما يقع لبعض العوام فإنه يحكم بمقتضى اللفظ ولا ينظر إلى ظنه المذكور كما لا يخفى ، وقد أطلق الأصحاب ـ رحمهم الله ـ في الوقف والوصية وغيرِهما اعتبارَ المعاني الشرعية والألفاظِ الصادرة من العوام وغيرِهم في نحو الوقف على الأرحام والقرابة والعشيرة والموالي وغير ذلك ولم يلتفتوا إلى اصطلاحات العوام في ذلك ولا إلى ما يظنونه من تعميم تلك الألفاظ أو تخصيصها بل اكتفوا منهم بمعرفتهم لأصل المعنى في ذلك وإن لم يحيطوا بحَدِّه وحقيقَتِهِ ، بخلاف نحو الأعجمي الذي لا يعرف أصلَ المعنى فإن عبارَته مُلْغَاةٌ مطلقاً كما صرحوا به ، على أن ما ذكره السائل الفقيه أرشده الله من كون ذلك هو الغالب على العوام في مسألة السؤال غيرُ مُسَلَّم ، وبتقدير تسليمه فقد عُلِم جوابه ) انتهى .\rومن فتاوى الأشخر ما نصه ( ولو كان فهمُ العوام حجةً لم يُنْظَر في شيء من كتب الأوقاف ولا غيرِها لِمَا يصدر عنهم ، ولكنا نَنْظُرُ في ذلك ويجري الأمر على ما يدل عليه لفظه لغةً وشرعاً سواءٌ علمنا أن الواقف يقصد ذلك أو جهلنا ؛ لأن مَن تكلم بشيء فقد التزم حكمَهُ وإن لم يستحضر تفاصيله حين النطق به ، وأدلةُ الشرع شاهدةٌ لذلك ألا ترى أن أوس بن الصامت لَمَّا قال لزوجته : أنتِ عَلَيَّ كظهر أمي أُلزِمَ بحكمه وإن لم يرده ، وكل من استفتى فإنَّا نفتيه على مقتضى لفظِهِ وإن تحققنا أنه لم يقصده ) انتهى .","part":1,"page":55},{"id":57,"text":"فائدة\rمنقولة بالمعنى من الإيعاب شرح العباب للشيخ ابن حجر\rقال : ( يعم النفع بها في كتب الفقه ، قولهم الحكم كذا خلافاً لفلان نَصْبُ خلافاً وما أشبهها في نحو ذلك إما على الحالية بتقدير أقول وتأويل المصدر باسم الفاعل ، أي أقول ذلك مخالفاً لفلان ، ويجوز بتقدير مضافٍ قبله أي أقول كذا حال كوني ذا خلافٍ ، وإما على المصدرية كما في قولهم يجوز كذا اتفاقاً أو إجماعاً بتقدير اتفقوا أو أجمعوا ، والتقدير خالفت خلافاً .\rوقولهم فضلاً في نحو فلان لا يملك درهماً فضلاً عن دينار ، وقد أثبت بعضهم سماعه ونفاه بعضهم ، والحاصل أن معناه أنه لا يملك واحداً منهما ، وأن عدم ملكه لما بعدها أولى منه لِمَا قبلها ، ولا يستعمل إلا في النفي . ونصبُهُ عند الفارسي إما على المصدرية أي لا يملك درهماً يفضل فضلاً ، أو الحالية من الفَضَلَة وهي البقية فيتعدى بعن ، أو من الفضل بمعنى الزيادة فيتعدى بعلى ، لكن يلزم على الحالية مجيئُها من النكرة . ويجوز تقدير فضلاً وصفاً لدرهم ، أي : فاضلاً أو ذا فضلٍ ، واعترض بأن شرط الوصف بالمصدر كونه للمبالغة وذلك غير موجودٍ هنا ، ورُدَّ بمنع ذلك أن الكوفيين يؤولون عدلاً بعادل ورضى بمرضي ونحوهما والبصريون يقدرون بذي عدل مثلاً ، ثم المشهور أن الخلاف مطلَق وقال ابن عصفور : محلُّه إن لم يقصد المبالغة وإلا فلا تأويل ولا تقدير اتفاقاً ، نعم إنما لم يُجِزْ فيه الفارسيُّ الصفةَ لنصبه حتى بعد المرفوع أو المجرور كفلان لا يهتدي لظواهر الفقه فضلاً عن دقائق أصوله .","part":1,"page":56},{"id":58,"text":"وقولهم لغةً واصطلاحاً وشرعاً في مثل الطهارة لغةً : الخلوص من الدّنس ، واصطلاحاً : كذا ، وشرعاً كذا نَصْبُ هذه إما على نزع الخافض لكنه في مثله غير مقيس ويلزم عليه بقاء تعريفه كما في تَمُرُّونَ الدِّيَارَ مع التزامهم فيه التنكيرَ ـ يعني لغة ونحوه ـ ، وأيضاً فليس في الكلام ما يتعلق به هذا المجرور المُقَدَّر حذفُه ، ولا يصح تعلُّقه بالخبر المتأخر عنه ؛ لفساد المعنى ، نعم يصح تعلقه بمضاف محذوف خلفَه المضافُ إليه إعراباً ومعنىً وكأنه مذكور ، أي تفسير الطهارة في اللغة : الخلوص من الدنس لكن يبقى الأولان وهما أن إسقاط الجار ليس بقياس ، وأن التزام التنكير حينئذٍ لا وجه له ، وقد يقال اغتفر هذان ؛ إيثاراً للخفة ؛ لكثرة دورانه على الألسنة .\rولا يجوز نصب هذه على التمييز أو المفعول المطلق أو المفعول لأجله كما لا يخفى على من أتقن هذه الأبواب الثلاثة .\rوقولهم أيضاً مصدر آض يئيض بمعنى رَجَعَ لا آض بمعنى صار الناقصة ؛ لأن المعنى على الأول فحسبُ .\rإن هذه الكلمة إنما تستعمل مع ذكر شيئين بينهما توافقٌ ويمكن استغناءُ كلٍّ منهما عن الآخر فلا يجوز جاء زيدٌ أيضاً إلا أن يتقدم ذكرُ شخصٍ آخر، أو تدل عليه قرينةٌ ، ولا جاء زيدٌ ومضى عمروٌ أيضاً ؛ لعدم التوافق ، ولا اختصم زيد وعمرو أيضاً ؛ لأن أحدهما لا يستغني عن الآخر .\rوهو منصوبٌ في موضع الحال فيؤول باسم الفاعل عند الكوفيين وعلى حذف مضاف عند البصريين ،ويصح كونه مفعولاً مطلقاً حُذِفَ عامِلُه ، أو حال حذف عاملها وصاحبها ، بل هذا أولى ؛ لأنه هو المُطَّرِد في جميع المواضع والتقدير في الأول أُئيضُ أي أرجع إلى الإخبار بكذا رجوعاً ، وفي الثاني أُخْبِر أو أَحْكِي أيضاً فيكون حالاً من ضمير المتكلم ، ويؤيد حذفَ العامل صحةُ قولِك عنده مالٌ وأيضاً علمٌ فلا يكون قبلها ما يصلح للعمل فيها فلا بد من التقدير .","part":1,"page":57},{"id":59,"text":"وقولهم أصلاً هو منصوب على المصدر أو الحال المؤكِّدة ، فمعنى لا أفعله أصلاً أي مستأصلاً للفعل ، أي قاطعاً له من أصله من قولهم أستأصلتُه أي قطعتُه من أصله والله أعلم ) .\rفائدة :\rقال الشيخ زكريا في كتابه اللؤلؤ النظيم في روم التعلم والتعليم : ( أما شروط تعلم العلوم وتعليمها فاثنا عَشَرَ :\rأحدها : أن يقصد به ما وُضع ذلك العلمُ له فلا يقصد غيرَ ذلك كاكتسابِ مالٍ أو جاهٍ أو مغالبةِ خصمٍ أو مكاثرةٍ .\rثانيها : أن يقصدَ العلمَ الذي تقبلُه طباعُهُ ؛ إذ ليس كلُّ أحدٍ يصلح لتعَلُّم العلوم ولا كل من يصلح لتعلمها يصلح لجميعها بل كلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلق له .\rثالثها: أن يعلم غايةَ ذلك العلم ؛ ليكون على ثقةٍ من أمره .\rرابعها : أن يستوعب ذلك العلم من أوله إلى آخره تصوراً وتصديقاً .\rخامسها : أن يقصد فيه الكتب الجيدة المستوعبة لجميع الفن .\rسادسها : أن يقرأ على شيخ مرشد وأمين ناصح ولا يستبد بنفسه وذكائه .\rسابعها : أن يذاكر الأقران والأنظار طلباً للتحقيق لا للمغالبة بل للمعاونة على الفائدة ، بل للاستفادة .\rثامنها : أنه إذا علم ذلك العلم لا يضيِّعْه بإهماله ولا يمنعه مستحقه ؛ لخبر \" من علم علماً نافعاً وكتمه ألجمه الله تعالى يوم القيامة بلجامٍ من نار \" ، ولا يؤتيه غيرَ مستحقه ؛ لِمَا جاء في كلام النُبَّوة \" لا تعلقوا الدُّرَّ في رقاب الخنازير \" ، أي لا تؤتوا العلومَ غير أهلها ، ويثبت ما استنبطه بفكره مما لم يسبق إليه لمن أتى بعده كما فعل من قبله ، فمواهب الله لا تقف عند حدٍّ .\rتاسعها : أن لا يعتقدَ في علمٍ أنه حصَّل منه مقداراً لا يمكن الزيادة عليه فذلك نقص وحرمان .\rعاشرها:أن يعلم أن لكلِّ علم حَدَّاً فلا يتجاوزه ولا ينقص عنه.\rحادي عشرها : أن لا يُدخل علماً في علم آخر لا في تعلمٍ ولا في مناظرة ؛ لأن ذلك يُشوش الفكر .","part":1,"page":58},{"id":60,"text":"ثاني عشرها: أن يراعي كلٌّ من المتعلم والمعلم خصوصاً الأول ؛ لأن معلمه كالأب بل أعظم ؛ لأن أباه أخرجه إلى دار الفناء ومعلمه دلَّه على دار البقاء .\rواعلم أن للاشتغال بالعلم أفاتٍ كثيرةً ، وعدمُها في الحقيقة شروط له :\rمنها الوثوق بالزمن المستقبل فيترك التعلم حالاً ؛ إذ اليوم في التعليم والتعلم أفضلُ من غده ، وأفضل منه أمسه ، والإنسان كلما كبر كثرتْ عوائِقُهُ .\rومنها الوثوق بالذكاء فكثير مَن فاته العلمُ بركونه إلى ذكائه وتسويفه أيام الاشتغال .\rومنها التنقل من علم قبل إتقانه إلى آخر ومن شيخ إلى آخر قبل إتقان ما بدأ به عليه فإنه هدم لما قد بنى .\rومنها طلب الدنيا والتردد على أهلها والوقوف على أبوابهم .\rومنها ولاية المناصب فإنها شاغلة مانعة كما أن ضيق الحال أيضاً مانع .\rوأما حصر أنواع العلوم فهي :\rإما شرعية وهي ثلاثة الفقه والتفسير والحديث .\rوإما أدبية وهي أربعة عشر علماً اللغة وعلم الاشتقاق وعلم التصريف وعلم النحو وعلم المعاني وعلم البيان وعلم البديع وعلم العروض وعلم القوافي وعلم قرض الشعر وعلم إنشاء النثر وعلم الكتابة وعلم القراءة ، وعلم المحاضرات ومنه التواريخ .\rوأما رياضية وهي عشرة :علمُ التصوف ، وعلم الهندسة ، وعلم الهيئة ، وعلم التعليم ، وعلم الحساب ، وعلم الجبر ، وعلم الموسيقى ، وعلم السياسة ، وعلم الأخلاق ، وعلم تدبير المنزل .\rوإما عقلية وهي : ما عدا ذلك كالمنطق والجدل وأصول الفقه وأًصول الدين والعلم الإلهي والعلم الطبيعي والطب وعلم الميقات وعلم النواميس والفلسفة والكيمياء .\rوالله سبحانه وتعالى أعلم\rوهذا آخر ما يسره الله من الجمع في هذه الرسالة في هذا الوقت والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّة عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ .\rوكان الفراغ من تأليفها يوم الأحد فاتحة جمادي الآخرة من سنة ألف ومائتين وثمانية وثلاثين سنة 1238هـ وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه وسلم .","part":1,"page":59}],"titles":[{"id":1,"title":"مطلب الإيقاظ","lvl":1,"sub":0},{"id":2,"title":"ترجمة المؤلف:","lvl":1,"sub":0},{"id":4,"title":"المقدمة","lvl":1,"sub":0},{"id":10,"title":"المقصد الأول","lvl":1,"sub":0},{"id":25,"title":"المقصد الثاني","lvl":1,"sub":0},{"id":31,"title":"المقصد الثالث","lvl":1,"sub":0},{"id":42,"title":"الخاتمة :","lvl":1,"sub":0}]}