{"pages":[{"id":1,"text":"هذا شرح\rعقيدة الإمام العلامة\rأبِي عَمرو ابنِ الحَاجِبِ المَالِكِيّ\rرحمه الله تعالى\r(ت: 646 هـ )\rبقلم\rالأستاذ الكبير العالم المحقق\rأبي الفداء سعيد بن عبد اللطيف فودة\rحفظه الله تعالى","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بِسْم ِالَّلهِ الرَّحمنِ الرَّحيم ِ\r\nمقدمة تحتوي على وصف طريقة الشرح وسببه وغايته\r\nالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأنبياء والمرسلين وأفضل الخلق أجمعين.\r\nالحمد لله الذي هدانا لهذا الدين القويم ليدلنا به إلى أفضل السبل وأقومها لكي نصل إلى خيري الدنيا والآخرة، ونترقى إلى كمال وجودنا الحادث على ما يليق بنا من درجات الوجود.\r\nأما بعد.. فلما كانت خدمة الدين من أوجب الواجبات على الإنسان، وكان أشرف الطرق إلى ذلك هو نشر العلم وتوضيح مفاهيم الدين لعامة الناس، صار واجباً على كل قادر أن يؤدي ما يقدر عليه في هذا المقام.\r\nوعقيدة الإمام ابنِ الحاجب التي نحن بصدد شرحها، لم يقع تحت يدي شرح لها، ولما رأيتُها ما رأيتُ إلا ما توقعت من جودة السبك وحسن العبارات وقوة الأقوال والاختيارات، وطلب مني بعض الإخوة الذين هم في محل كبير مني أن أضع شرحاً لها يقربها إلى الأذهان، فاخترتُ أن يكون الشرح مختصراً، أركز فيه على المعاني ولا أورد من الدلالات إلا الإجمالي منها، أشير فيها إلى التعليلات بإيجاز في لغةٍ سهلة ما استطعت، لكي لا تمل منها الأذهان وتكون قراءتها وإقراؤها تحت الإمكان.\r\nوحاولتُ أن أذكر بعض ما تدعو إليه الحاجة في هذه الأيام والتنبيه على بعض الأخطاء التي يقع فيها الأنام، وذكرتُ بعض المسائل التي لم يذكرها قبلي في كتب العقائد أحد من الأنام، لما ظهر لي خطورتها راجياً بذلك خدمة الإسلام، أسلك فيها مسالك أهل السنة معرضاً بأقاويل غيرهم ممن ضل السبيل، مشيراً إلى نواحي ضعفها إشارة تسهل ردها على الأناسي، وأذكر بها الناسي.\r\nولا يخلو هذا الشرح من فوائد لا توجد في كتاب، وأدعو من الله تعالى أن يوفقني إلى الصواب.","part":1,"page":1},{"id":3,"text":"ترجمة الإمام ابن الحاجب وفيها بيان\rمكانته بين علماء الإسلام\rهذه ترجمة الإمام العلامة ابن الحاجب رحمه الله تعالى بما أورده العلامة ابن فرحون في كتابه الديباج المذهب في معرفة علماء أعيان المذهب.\rهو عثمان أبو عَمرو بن أبي بكر بن يونس الرويني ثم المصري ثم الدمشقي ثم الإسكندري، يكنى أبا عَمرو المعروف بابن الحاجب الملقب بجمال الدين الإمام العلامة الفقيه المالكي.كان والده حاجب الأمير عز الدين موسك الصلاحي وكان كردياً. واشتغل ولده أبو عمرو المذكور بالقرآن الكريم في صغره بالقاهرة ثم بالفقه على مذهب مالك رضي الله عنه ثم بالعربية والقراءات وبرع في علومه وأتقنها غاية الإتقان.\rذكره الشيخ العلامة شيخ الشام شهاب الدين الدمشقي المعروف باب أبي شامة في كتابه الذيل على الروضتين فقال: كان ركناً من أركان الدين في العلم والعمل، بارعاً في العلوم الأصولية وتحقيق علم العربية متقناً لمذهب مالك بن أنس، وكان ثقة حجة متواضعا عفيفاً منصفاً محباً للعلم وأهله ناشراً له صبوراً على البلوى محتملاً للأذى.\rوذكره الذهبي فقال بعد أن أثنى عليه: وقرأ القراءات على الغزنوي وأبي الجود غياث بن فارس وبعضها على الشاطبي.\rوذكره ابن مهدي في معجمه فقال: كان ابن الحاجب علامة زمانه رئيس أقرانه استخرج ما كمن من درر الفهم ومزج نحو الألفاظ بنحو المعاني وأسس قواعد تلك المباني وتفقه على مذهب مالك، وكان علم اهتداء في تلك المسالك.\rاستوطن مصر ثم الشام ثم رجع إلى مصر فاستوطنها، وهو في كل ذلك على حال عدالة وفي منصب جلالة، وصنف التصانيف المفيدة، منها كتاب الجامع بين الأمهات في الفقه.\rوقد بالغ الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد رحمه الله تعالى وهو أحد أئمة الشافعية في مدح هذا الكتاب في أول شرحه له، وكان قد شرع في شرحه على طريقة حسنة من البسط والإيضاح والتنقيح وخلاف المذهب واللغة العربية والأصول فلو تم هذا الشرح لبلغ به المالكية غاية المأمول.","part":1,"page":2},{"id":4,"text":"ومما ذكره في مدح هذا الشرح أن قال: هذا كتاب أتى بعجب العجاب، ودعى قصي الإجادة فكان المجاب، وراض عصي المراد فأزال شماسته وانجاب، وأبدى ما حقه أن يبالغ في استحسانه، وتشكر نفحات خاطره ونفثات لسانه فإنه رحمه الله تعالى. تيسرت له البلاغة فتفيأ ظلها الظليل، وتفجرت له ينابيع الحكمة فكان خاطره ببطن المسيل، وقرب المرمى فخفف الحمل الثقيل، وقام بوظيفة الإيجاز فناداه لسان الإنصاف ما على المحسنين من سبيل، ويقتصر على هذه النبذة من كلامه خوف التطويل.\rقال الوالد علي بن محمد بن فرحون رحمه الله تعالى، قال لي الإمام العالم الفاضل العلامة القاضي فخر الدين المصري كان شيخنا كمال الدين الزملكاني يقول: ليس للشافعية مثل مختصر ابن الحاجب للمالكية. وكفى بهذه الشهادة. قال جمال الدين: كان وحيد عصره علما وفضلاً وإطلاعاً. قال: وما أحسن هذه الشهادة من إمام الشافعية، وما يشهد رحمه الله تعالى إلا على ما حققه ومن خبر الكتاب صدقه؛ ومليحة شهدت لها ضراتها.\rوقد اعتنى العلماء شرقاً وغرباً بشرح هذا الكتاب.\rوصنف الكافية مقدمة وجيزة في النحو وأخرى مثلها في التصريف سماها الشافية، وشرح المقدمتين فظهرت بركة هذين الكتابين على الطلبة.\rوصنف مختصراً في أصول الفقه ثم اختصره والمختصر الثاني هو كتاب الناس شرقاً وغرباً.\rوصنف في القراءات وفي العروض وله الأمالي في ثلاث مجلدات في غاية الإفادة. وله شرح المفصل للزمخشري.\rوله نظم الكافية سماه الوافية في نظم الكافية.\rقال صاحب الوفيات: وكل تصانيفه في نهاية الحسن والإفادة. وخالف النحاة في مواضع وأورد عليهم أشياء تبعد الإجابة عنها.\rقال: واجتمعت به وسألته عن مواضع في العربية مشكلة فأجاب فأبلغ ولولا التطويل لذكرت ما قاله.\rوله شعر حسن فمنه قوله:\rوكان ظني بأنَّ الشيب يرشدني\rولست أقنطُ من عفو الكريم وإن\rإن خص عفو إلهي المحسنين فمن ... إذا أتى فإذا غيي به كثرا\rأسرفت فيها وكم عافى وكم سترا\rيرجو المسيء ومن يدعو إذا عثرا","part":1,"page":3},{"id":5,"text":"انتقل رحمه الله تعالى من مصر إلى الإسكندرية ولم تطل مدته هناك، وتوفي بها ضحى يوم الخميس السادس والعشرين من شهر شوال سنة ست وأربعين وستمائة، وقبره خارج باب البحر بتربة الشيخ الصالح ابن أبي شامة.\rولما توفي ابن الحاجب كتب ناصر الدين بن المُنَيِّر على قبره هذه الأبيات:\rألا أيها المختال في مطرف العمر\rتر العلم والآداب والفضل والتقى\rفتدعو له الرحمن دعوة رحمة ... هلم إلى قبر الإمام أبي عمرو\rونيل المنى والعز غيبن في قبر\rيكافى بها في مثل منزله القفر\rهذا ما ذكره الإمام ابن فرحون في كتابه، وهو كاف في بابه.","part":1,"page":4},{"id":6,"text":"الشرح :\rقال الشيخ الإمام العلامة الهمام أبو عَمرو عثمان بن عمر الكردي، المعروف بابن الحاجب رحمه الله تعالى ورضي عنه:\rفصل في معنى التكليف وشروطه\r[يَجِبُ] ويثبت [على المكلَّفِ]، والمكلف مشتقة لغة من التكليف الذي هو طلب ما فيه مشقة على الأصح، فلا يدخل فيه المندوب والمكروه، وأما المباح فلا يدخل في التكليف اتفاقاً.\rوبيَّن جهةَ ومصدر الوجوب بقوله:[شَرْعاً] فهو تقييد لما قبله، وذلك ليدل على أنه لا يجب شيء على إنسان إلا بأمر من الشارع، أي من الله تعالى.\rوفي هذا إشارة إلى مذهب المخالفين من أن التكليف بهذا قد يتم ويثبت بالعقل، والقائل بهذا هم المعتزلة، وكذا الماتريدية في مسألة معرفة الله تعالى، مع اختلافهما في معنى الوجوب كما حققه العلماء، وليس هذا موضع بيانه.\rوالمكلف هو البالغ السليم الحواس المميز.\rبيان المراد بسن البلوغ:\rولماذا يصبح الإنسان فيها مكلفاً\rوأما المراد بالبلوغ فهو بلوغ سن معينة يصبح فيها أو عندها الإنسان مؤهلاً لتلقي التكاليف الشرعية، بل أي تكاليف على الإطلاق، وهذه السن عندها يكون بقدرة الإنسان أن يفهم القدر الضروري الذي يؤهله لتلقي مسؤولياته في هذه الحياة.\rوليست هذه السن مهمة من الناحية العقلية فقط، بل هي أيضاً ينظر فيها إلى الناحية الجسمانية، فالإنسان يصبح بإمكانه أن يقوم بأموره مستقلاً عن عائلته خصوصاً أبويه.\rوانظر إلى هذه الناحية المتعلقة بسن التكليف تجد حكمة بالغة فالإنسان عادة إذا كان أبواه أو مجتمعه الذي يعيش فيه على غير دين الإسلام، فإنه عندما يريد اتخاذ قرار فإنه يكون بمأمن من التأثير المادي للأبوين، وكذلك يكون بمأمن من التهديد الذي يمكن أن يقاومه به المجتمع ليمنعه من الخروج عن تقاليده وقوانينه، وحتى إذا واجه مثل هذه المؤثرات التي يراد لها أن تحرفه عن الطريق فإنه يكون لديه من القدرة ما يمكنه أن يقاوم مثل هذه العوامل.\rثم انظر إلى الإسلام كيف حكم أن الولد ما دام لم يبلغ بعد سن التكليف، فهو ليس مكلفاً شرعاً ولا تترتب عليه الأحكام الشرعية ولا يحق لأحد أن يجبره إجباراً على شيء إلا بإذن الإسلام، لأنه قد تقرر أنه هو الدين الحق، وأنه يجوز إجبار الناس إلى درجة معينة على الحق.\rوأما ما ورد في الشرع من ضرب الصبي على الصلاة فإنما هو ضرب تأديب لا ضرب وجوب، فالصبي لم يكلف بعد بالصلاة لأنه ليس مكلفاً مطلقاً بعد.\rوانظر بعد هذا كيف يحاول بعض الناس أن يستغلوا عواطف ومشاعر الأطفال ليجعلوهم يميلون إلى أشخاصٍ غير معصومين ولا يستحقون أن يكونوا موضعاً للتقليد، وهم يبذلون في هذا كل جهدٍ، بينما تراهم من أجهل الناس بأمور دينهم، وينشأ هؤلاء الصبية لا يعرفون من الدين إلا رسوماً وشعاراتٍ لا يفهمون مضامينها، وينشأون على هذا لا يعرفون الدين إلا من خلال معرفتهم لهؤلاء الناس الواقعين أصلاً في ضلالاتٍ عديدةٍ.وهم يستغلون هذا كله في البلوغ لمصلحتهم ؛ سواءاً الحزبية أو الشخصية !\rوهذه لمحة من الأمور الكثيرة التي يمكن للنبيه أن يستنبطها من اشتراط السن المعينة للتكليف.","part":1,"page":5},{"id":7,"text":"بيان المراد بسلامة الحواس:\rوأما سلامة الحواس، فقد كانت شرطاً لصحة التكليف لأن من هو غير سليم الحواس لا يمكنه أن يتعرف على العقائد الإيمانية لا بطريق السمع ولا بطريق العقل، ولا بد من أن نشير إلى التفصيل الواقع في هذه المسألة من جهة ما هي الحواس التي إن فقدت ترتب على فقدانها عدم التكليف، فلا شك أن من فقد حس اللمس فهذا لا يترتب عليه أن لا يمكنه أن يفهم المقصود من العقائد على الإجمال.\rبل نقول: إن كل أمر شرعي توقف ثبوته على حاسة اللمس فهذا الإنسان غير مطالب به، وكذا يقال في باقي الحواس.\rولذا انتشر عند الحكماء أن من فقد حساً فقد علماً، وهو قول صحيح.\rتوضيح المقصود بالتمييز:\rوأما التمييز فقد عدلنا عن عبارتهم المشهورة وهي أن العقل من شروط التكليف إلى القول بأن التمييز هو الذي من شرائط التكليف لا العقل، لما في قولنا هذا من دقة وتجنب لما قد يرد على قول الجمهور من إيرادات.\rفالعقل عند التحقيق ما هو إلا معرفة الحق الذي هو الدين مع اتباعه، فلو عَرَفَ ولم يتَّبِعْ لم يُسَمَّ عاقلاً شرعاً.\rوعلى هذا يكون العقل من مقتضيات الالتزام بالتكاليف لا من شروطها، وأدلتنا على هذا كثيرة، أوضحها أن الله تعالى وصف الكافرين بأنهم لا يعقلون، بل نفى عنهم صفة السمع والبصر، وما هذا إلا لأنه لا قيام للعقل إلا بوجود هذه الحواس، فكأنه أراد حقيقة نفي العقل عنهم، وأيضاً جاء العقل في كل الآيات ممدوحاً ولم يأت قطُّ مذموماً، ولا يجوزُ شرعاً ولا عقلاً لأحدٍ أن يذُمَّ العقل أو حتى ما قد يُسميه هو عقلا فإنَّ هذا يكون من أوضح التناقض، إذ كيف يوجد عَقلٌ مَذْمومٌ، أو كيف يكون العاقل مذموماً وهل المذموم عاقل ؟! وهل يُسَمَّى المُخطىء عاقلاً!!؟\rوأيضاً فلم يَرِدْ العقلُ في الشرع إلا ممدوحاً فوجب كونه صفةَ مَدْحٍ مُطلقاً أي صفةً حسنةً.\rفلا يجوز بعد هذا أن يأتي أحد ويقول العقل قسمان ممدوح ومذموم، أو يقول إن الذي يستخدم عقله فإنه يَضِلُّ.","part":1,"page":6},{"id":8,"text":"وكذا لا يجوز أن يقال أن العقل قد يأتي بما قد يخالف الشرع، وأيضاً لا يقال إن الشرع قد يأتي بما قد يخالف العقل، وليس قائل هذه الأقوال ببعيد عن الكفر بما أنزل الله تعالى في كتابه المبين من مدح العقل والعقلاء مطلقاً، ومجرد هذا المدح المطلق يدل على أن العقل لا يكون إلا ممدوحاً، ومن ذمَّه فهو هو المذموم، ولا يعلم في أي واد قد هوى، فالعقل لا يمكن أن يتعارض مع النقل الصحيح ومجرد فرض التعارض الحقيقي ثم الاشتغال بالبحث عن وجوه التوفيق إنما هو وقوع في الغلط.\rوكل ما في المسألة أن العقل بصفته مخلوقاً فهو لا شك محدود، فالذي يعرف حدود العقل فلا يضل ولا يغلط، وكل الغلط إنما يحصل من وضع العقل في غير محله، فالعقل له قواعد أو بالأصح إن الإنسان لكي يكون عاقلاً لا بد له من السير على حسب قواعد في فكره وأعماله، والخالق جل جلاله ضمن للإنسان الذي يلتزم بقواعد التعقل الصحيح أنه لا يضل وأنه يكون من الناجين.\rوما ذكرناه هنا إنما هو قطرة مما قد حققناه في هذه المسألة الهامة، وكم من إنسان ضل عن الصراط المستقيم وهو يظن أنه من المهتدين، وذلك من جراء غلطه في هذه المسألة، ولا عاصم إلا الله، فاحفظنا يا رب العالمين.\rشروعٌ في بيانِ الواجب على الإنسان:\rلما كان العاقل يدرك من مجرد النظر العقلي وجود الإله ولزوم وجود حكمة لهذا الكون، والحكمة تقتضي الانتظام في نسق معين ونظام محدد، وأنه لا يجوز تجاوز هذا النظام لئلا يستلزم فساد الكون، رتب المصنف وجوب التمسك بالاعتقاد الصحيح على مجرد كون الإنسان عاقلاً، وهذا هو عين ما ذكره الشرع الحنيف أيضاً، من أن الإنسان إذا بلغ سناً معينة مع اتصافه بالصفات المذكورة، فإنه يجب عليه الدخول في الإيمان، والدخول في الإيمان كما سنذكره يقتضي أن يكون الداخل عالماً بأساسيات الدين.","part":1,"page":7},{"id":9,"text":"ولذلك قال المصنف:\rإن الإنسان يجب [أَنْ يكونَ على عَقْدٍ] وهذا فيه إشارة إلى أن الدين ليس مفطوراً في الناس، وإلا لو كان مفطوراً أي مخلوقاً فيهم، لما أمروا بتحصيل هذا الكون، فإن المأمور به يجب أن يكون داخلاً تحت قدرة المأمور.\rوالفطرة بمعنى الخلقة الأصلية ليست داخلة تحت قدرة المأمور، بل هي بخلق الله تعالى، ويستحيل أن يأمر الله تعالى المكلف بأن يحصل ما هو حاصل، وأما الذين يدَّعونَ أنه يوجد في الإنسان شيءٌ يُسَمَّى الفطرة، وأنَّ هذا المُسَمَّى فيه من المعلومات ما يمكن الاحتكامُ إِليه، وأنَّ هذه المعلومات هي من الدين، فهم إنما يحتكمون إلى أمْرٍ يتوهَّمون وُجودَه، وهُو لا وجودَ له.\rفالحاصل أن على الإنسان أن يكون على اعتقاد ومعرفة بأصل هذا الوجود.\rولما كان الناس يعتقدون عقائدَ كثيرةً منها الفاسد ومنها الصحيح، وكان المأمور بتحصيله إنما هو الصحيح فقط، ذكر المصنف قيداً لازماً في الاعتقاد الواجب وهو أن يكون الاعتقاد موصوفاً بأنه [صحيحٌ]، فالاعتقاد الفاسد لا يجزيء في الخروج من عُهدَةِ هذا الوجوب، والصحة المقصودة هي أن يكون الاعتقاد موافقاً في الأحكام والتصورات لحقيقة هذا الوجود، ومِيزانُ هذه الموافقة أمران: العقل والشرع، وكل منهما أمر باتباع الآخر كما أشرنا فيما سبق.\rوالاعتقاد بوجه عام هو تصورات وتصديقات كُلِّيةٌ تعلقت بها النفس تعلقاً تاماً وقاطعاً لا يقبل التردد ولا التشكيك، وكَمالُها أن تكون حاصلة عن دليل قاطع.","part":1,"page":8},{"id":10,"text":"موضوع العقائد:\rوموضوع هذه الاعتقادات [في التوحيدِ] أي توحيد الله تعالى كما سَيَرِدُ مفصلاً، [وفي صِفاتِ اللهِ سُبحانَه] أي في الصفات التي يجب أن يوصف الله تعالى بها كما سنذكره مفصلاً، [وفي تصديقِ رُسُلِهِ] عليهم الصلاة والسلام، وقال رُسُلِهِ ولم يقل رسوله لأن الواجب الإيمان به على العموم هو رسل الله تعالى أجمعين، لأنهم كلهم أتَوا بالعقائد الحقة الصحيحة ولا تفريق بين أحد من رسله تعالى.\rوإنما خُصَّ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالذكر في كلمة التوحيد لأمور عديدة منها أنه آخر الرسل، وقد عُلِمَتْ رسالةُ ونبوةُ غيره فوجب التنبيه على نبوته، وأيضاً لأن الخلاف في نبوة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أشد من الخلاف في نبوة غيره، خصوصاً أن الناس منقسمون بين الفرق التالية؛ اليهود والنصارى والذين لا يؤمنون بأي إله، والذين يؤمنون بآلهة باطلة كالمجوس فهذه هي أعظم فرق الناس، وكل منهم يخالف في نبوة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، فلذلك وجب التنبيه إلى نبوته عليه السلام على الخصوص.\rوأيضاً لأن رسالته خاتمة الرسالات والدين الذي أرسل به هو خاتم الديانات وأشملها ولا ينسخ بغيره وهو ناسخ لغيره، ومن هنا فهو أعظم الأديان على الإطلاق، فوجب التنبيه على النبي الذي بعث بهذه الرسالة العظيمة والاهتمام بشأنه.\rوأيضاً لأن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم هو أكمل الخلق على الإطلاق فوجب التنبيه على فضله الذي خصه الله تعالى به ليكون قدوة للبشر عامة، ولأن باقي الأنبياء يندرجون تحت لوائه يوم القيامة كما كان إمامهم في الدنيا في الإسراء عندما أمَّهُمْ في بيت المقدس.","part":1,"page":9},{"id":11,"text":"إجمال ما يجب في حق الخلق:\rثم بعد أن انتهى المصنف من هذه المقدمة، ذَكَرَ ما يجب الإيمان به على وجه جملي هو كالتفصيل لما سبق فقال:\r[فـ]ـمجمل الذي يجب عليه أن [يؤمنَ بِـ]ـهِ هو [أَنْ] يعلم ويؤمن ويقطع أنه [لا] يوجد [إِله] يتصف بمعاني الألوهية التي سوف نوضحها فيما يلي [إلا اللهُ] وأنه متصف بذلك [وَحدَهُ] فـ [ــلا] يوجد [شريكٌ لَهُ في مُلْكِهِ] ولا فيما يترتب على أنه مالكٌ ومَلِكٌ لهذا الكون والوجود؛ من الأمر والنهي والحاكمية المطلقة في هذا الكون [ولا] يوجد لا ذهناً ولا خارجاً من يستحق أن يكون في مرتبة الـ [ــنَّظيرِ] والمشابه [لَهُ] ولا من أي جهة من الجهات [في صفةٍ من صِفاتِهِ] العلا [وَ] كذلك [لا] يوجد [قَسيمٌ لَهُ] يشاركه ويقاسمه [في فِعْلٍ] من أفعالـ [ـــهِ] التي تصدر عنه .\r[و] كذلك يجب على المكلف أن يؤمن [أنَّ مُحَمَّداً] صلى الله عليه وسلم [عَبْدُهُ].\rواعلم أنَّ مرتبة العبودية هي من أشرف المراتب في ميزان الأديان والعقول، إذ إن معناها في الحاصل يؤول إلى كمال الانسجام مع إرادة خالق هذا الكون، وهذا الانسجام والتوافق هو الذي يرفع من درجة وجود الإنسان ويحصل الإنسان به كماله اللائق به.\r[و] كذا يجب على المكلف أن يؤمن إيماناً جازماً لا ريب فيه أنه أيضاً [رسولُهُ] أي رسول الله، وسنتكلم على معنى الرسالة فيما يأتي، ويؤمن أن الله تعالى [أَرْسَلَهُ بِـ] الأوامر والضوابط والتوجيهات التي فيها [الهُدى] والمعارف الصحيحة، [و] أنه أرسله أيضاً بالـ[ــدِّين] الصحيح [الـ]ـموصوف بأنه [حقٌّ] أي مطابق لواقع الأمر، ولذلك يجب على الإنسان أن يتبعه ولا يجوز أن يشك لحظةً أنه هو الذي فيه الهداية، [وَ] كذا يجب أن يؤمن [أنَّ كُلَّ ما أخبرَ] النبي [بهِ وعَنْهُ] من أمور الدين والآخرة وكذا الأمور التي فيها الإخبار عن الأحداث التي لم تحصل بعد والتي حصلت في الزمان البعيد فهي كلها[صِدْقٌ] وحق لا ريب فيه.","part":1,"page":10},{"id":12,"text":"[و] على المكلف أن يعلم [أنَّ الإيمانَ] المنجي من الخلود في النار في الآخرة [هُوَ التصديقُ] القلبيُّ بما ذُكِرَ آنِفاً وبما يأتي، [وَ] المفهوم من التصديق المذكور [هو] أن يحدث للنفس عشق وتعلق للقضايا العقائدية حتى تصبح هذه كيفية من كيفيات النفس، ولا تستطيع النفس أن تنفك عن التفكير في هذه القضايا، وعند ذلك يحصل ما يدعى بـ[حديثِ النَّفْسِ] ويكون هذا الحديث دائمياً كما سبق الإشارة إلى ذلك. والمقصود بهذا الحديث النفسي هو الحديث [التابعُ للمعرفةِ بذلكَ] العقد والمفهوم والتصور الكلي بأدلته الإجمالية، وليس هو الحديث التابع للوهم والتمنيات النفسية التابعة للأوهام والشهوات والرغبات الإنسية فليس هذا هو الإيمان المقصود الوصول إليه في الشرع [على] القول [الأَصَّحِّ] من أقوال العلماء، [خلافاً لِمَنْ قال] من الناس إن الإيمان الشرعي [هو المَعْرِفِةُ] بما مر [فَقَطْ] وهو قول الكرامية، وهذا القول بَيِّنُ البُطلان لأنه إن أُريدَ بالمعرفة مجرد الإدراك فيلزمه الحكم بإيمان كل من عرف أن الإسلام هو الدين الحق وأن محمداً هو نبي الله تعالى حقاً ولم يتبعه، ومعلوم أن من يقول بهذا فهو يعترف بأنه لا يعرف كثيراً من الدين ومقاصده. وإن أراد المعرفة التي ترادف التصديق المذكور فيعود الخلاف لفظياً.\rالتعريف بالطريق الموصل إلى العقائد الصحيحة\rولما انتهى من بيان جملة ما أمر به الشارع، أراد أن يبين ما هو الطريق إلى معرفة ما مر من العقائد، ومتى يعتد بهذه المعرفة شرعاً، أو متى يخرج الإنسان عن عهدة الأمر والتكليف الشرعي؛ فقال:","part":1,"page":11},{"id":13,"text":"[ولا يكفي] في الخروج من الإثم شرعاً انتهاجُ [التقليدِ] للوصول إلى مطابقة الأمر الشرعي [في ذلك] الموضوع المهم الذي هو أصل الدين وأساسه؛ أي العقائد، فالمقلد وإن صحت عقائدهُ بمعنى إنها كانت مطابقة للحق إلا إنه لم يملك أدلتها وعلى هذا فهو يستحق العذاب، لأن الأدلة ولو الإجمالية هي التي تثبت الاعتقاد في القلوب، فالذي يهمل تحقيها يعني أنه لم يهتم بما يكفي لأمور دينه، وكأنه رضي على نفسه أن يكون قابلاً للاهتزاز بأدنى ريح تشكيك تورد عليه من مشكك، وهذا التقصير هو الذي يستحق عليه العذاب والوعيد.\rوهذا القول بعدم الكفاية مبني [على] القول بأن النظر واجب، أي معرفة الدليل الجملي.\rوالدليل الجملي ما هو إلا إشارة إلى درجة من درجات المعرفة وهي التي يكون الإنسان عارفاً للنواحي الكلية من الأمر ولكنه لا يقدر على التفصيل ولا على رد العديد من الشبه التي يمكن أن توجه إليه، ووجوبه عند أهل السنة إنما هو بالشرع، وأما عند المعتزلة فهو بالعقل، فيتحصل أن العصيان واقع من المقلد وهذا مبنيٌّ على القول [الأصحِّ] من أقوال العلماء، فقد اختلفوا هل يكفي التقليد في العقائد في الخروج عن عهدة الأمر على أقوال عديدة.\rبيان أقوال الناس في التقليد والتعليق عليها:\rأولها ما تقدم من القول المختار. ثم قيل: إن الدليل إنما هو كمال للمعرفة وليس واجباً فكأنما هو على هذا مندوب، فلا يوجد إثم على المقلد.\rوالبعض قال إن التقليد لا يكفي أصلاً بل المقلد الذي لا يعرف حتى الأدلة الإجمالية كافر، لأنهم لم يتصوروا معرفة دون أن يسبقها أي نوع من أنواع الدلالة، وقالوا: إن المقلد لا بد وأن يتعرض لنوع تشكيك وبما أنه لا يملك أي وسيلة للدفاع فلا بد أن يتشكك في عقيدته، ومجرد رضاه أن يبقى على هذه الحال أي تجويزه التشكك في العقيدة فهذا كفر وأيضاً لا يتصور أن يكون عارفاً حقاً من دون معرفة وجه الدلالة وهذا القول على خلاف قول الجمهور.","part":1,"page":12},{"id":14,"text":"وقال البعض: إنه يجوز التقليد ويخرج من عهدة الأمر إن قلد القرآن والسنة القطعية، وهذا فيه نظر لأن القرآن والسنة إنما يستندان إلى العقل في ثبوتهما حجة عند المكلف لا في أنفسهما، واعتماد المكلف عليهما دون الاعتماد على الأصل الذي لا يثبتان إلا به طريق ناقص، فلا يمكن إهمال العقل في مثل هذا الشأن.\rوذهب بعض الناس الذين ينتسبون إلى العلم إلى أن النظر في هذه الأمور حرام، وهذا القول باطل جملة وتفصيلاً لأنه لا يستند إلى أي دليل، وأما القول أن النظر قد يؤدي إلى الضلال ولذلك يجب أن نحرم النظر، فهي حجة باطلة، فتأدية النظر إلى الضلال لا تكون إلا من حيث هو نظر باطل والنظر الباطل ليس نظراً أصلاً، وأما النظر الصحيح فلا يؤدي إلا إلى الحق.\rولذلك فعلى الناس أن يتعلموا النظر الصحيح، إما بأنفسهم وإما من العلماء، وهذا الطريق أسلم إن وُفِّقَ الإنسان إلى وجدان الشيخ العالم العامل، وهو في هذا الزمان نادر قد اقترب من الممتنع.\rوالذي ذكرناه أولاً هو الأصح كما نبه إليه الإمام، ثم شرع في تفصيله بما يلي [فـ]ـقال: اعلم أنه [لا بُدَّ مِنْ] حصول [حديثِ النَّفْسِ] في الإنسان وأن يكون هذا الحديث هو [التابعُ للمَعْرِفَةِ] لا عن توهمات أو غير ذلك مما أشرنا إليه سابقاً، وهذا لا يحصل إلا إذا كان مكتسباً [عن] طريق النظر الصحيح في [مُسْتَنَدٍ] أي دليل [جُمْلِيٍّ بِـ]ــما مر كما ذكرناه سابقاً وما يأتي بيانه على سبيل التفصيل.","part":1,"page":13},{"id":15,"text":"الأدلة على وجود الله تعالى صورتها غير محصورة:\rوهذا النظر الصحيح لم يقيده أحد من العلماء بأحد الطرق، لأن الطرق إلى الاستدلال على وجود الخالق وصفاته لا تنحصر في طريق، ولذلك تركوا اختيار الطريق للمكلف على حسب ما يناسبه، واكتفوا باشتراط أن تكون صحيحة، لأن الفاسد لا يبنى عليه الأمر الصحيح، فقد تكون الطريق وجدانية وقد تكون عقلية محضة، وقد تكون مطعمة بإشارات خطابية، وقد تكون معتمدة على طريق الاستقراء وهكذا.\rولمن أراد الاطلاع على طرق النظر العقلي المؤدية إلى الخالق فعليه أن يطلع على ما أورده العلماء المحققون في الكتب المطولة، فليس المجال ههنا إلا إلى إشارات.\rالشروع في تفصيل الواجب على الإنسان المكلف في أمور الاعتقاد:\rوبهذا يكون المصنف قد انتهى من بيان جملة كافية من الأمور التي يجب على كل مكلف أن يعرفها، والجهل بها يخدش في عقيدته، وذلك لأنها تشكل نظرة كلية ومختصرة لما يميزه عن غيره من الناس الذين لا يؤمنون بالدين.\rوبعد ذلك بدأ المصنف في بيان تفصيل ما يجب على المكلف أن يعرفه على التفصيل ويعرف مستنده على سبيل الإجمال كما ذكره سابقاً وعندما نتحدث نحن عن المعرفة فإننا نقصد المعرفة القائمة على النظر الصحيح.","part":1,"page":14},{"id":16,"text":"إشارات مجملة إلى إثبات حدوث العالم واحتياجه إلى موجد، وهو إثبات وجود الله تعالى\rوأول ما يبدأ به الإنسان من معارف في هذا الباب هو أن يحاول النظر في الأمور التي يعرفها، وذلك ليتوصل إلى الأمور التي لا يعرفها، ومن أظهر الأشياء التي يعرفها هو العالم المحيط بالإنسان والذي لا يمكن للإنسان أن يعيش في هذه الدنيا إلا بمعرفته ومعرفة ما هي طبيعته أي نظامه الذي جعل عليه أو الذي هو عليه.\rولا شك أن جهات التفكير تختلف، فيمكن أن تفكر في بعض أجزاء الكون من حيثيات مختلفة، كأن تفكر في النباتات كيف يمكن أن تعتني بها لكي تحصل على غذاء جيد ترغب به، أو في الحيوانات كيف يمكن أن تستعملها وتذللها لكي تريحك من عمل بعض الأمور، أو تفكر في خصائص الطبيعة التي هي حولك لكي ترى كيف يمكن أن تستغلها لكي تسهل لك أمور المعيشة والرفاهية، وكذا التفكير في النجوم والكواكب وسائر العناصر على سطح الكرة الأرضية بل على سطوح الكواكب الأخرى أو في بطون الأرض. فهذا تفكير في الكون لكي تسلك به إلى مصلحتك الجسمانية فيه.\rتوضيح مختصر لإثبات حدوث العالم واستحالة وجوده في الأزل:\rوكذلك يمكن أن تفكر في الكون من حيث انتظامه وترتبه على هيئات متسلسلة ومترتبة ومن حيث ما فيه من أمور عظيمة متوافقة ومتناسبة بحيث لا يعقلها العاقل إلا إن كانت مُغَيَّاةً بغاية، فأنت عندما ترى أنه لا يوجد حادث إلا وله سبب، وهذه القضية لا يمكن أن تشك فيها ولا يمكن لإنسان أن يشك فيها كذلك، فكل حركة من حركات الكون لها سبب وهذا السبب لا يمكن إلا أن تفرضه قبلها.\rوهذا السبب إما: أن يكون حادثاً أو قديماً أي لا أول له، فإن كان حادثاً فيجري فيه ما جرى في الأول، وإن كان قديماً ينتج أنه يوجد ما هو قديم، ولكن هذا القديم لا يمكن أن يكون بينه وبين الناتج عنه علاقة السبب والمسبب من حيث الذات، وإلا لزم أن لا يكون العالم إلا قديماً لوجود الذات في القدم، لأن السبب إذا كان قديماً فيجب أن يكون الناتج مثله قديماً، وإن لم يكن الناتج عنه قديماً فلا يمكن أن تكون العلاقة بينهما هي العلية أي لا يمكن أن يكون الأول علة تامة للثاني، وإن لم يكن كذلك، فلا شك أن هناك شرطاً توقف عليه الإنتاج، وحينئذ نركز الكلام على هذا الشرط، كما تكلمنا على ما سبق، فينتج أن الشرط يجب أن يكون حادثاً، فلا بد له من سبب.","part":1,"page":15},{"id":17,"text":"وعدمُ إمكان وجود العالم في القدم ليس راجعاً إلى نقصٍ في قُدْرَةِ المُوجِدِ بل هو راجع حتماً إلى العالم نفسه، لأنه لا يمكن أن يوجد إلا أن يكون حادثاً وذلك لأن له فاعلاً بمعنى احتياجه الدائم الذاتي للفاعل لأنه فقير بالذات، وما كان له فاعل فلا يمكن أن يكون قديماً.\rمعنى كلمة الأزل والقدم في هذا الموضع\rولا معنى للقدم إلا أنه ليس بحاجة في الوجود إلى من يوجده، وهذه الصفة لا يتصف بها إلا الخالق عز وجل، ولهذا يقال: إن الله تعالى قد قدر فيما لم يزل أن يخلق العالم فيما لا يزال وهذا لا يستدعي حدوث شيء إلا العالم، فلا يستدعي حدوث أمر في الخالق، والعالم لا يمكن أن يوجد إلا فيما لا يزال لأن ذاته لا تقبل الوجود فيما لم يزل أي في القدم.\rوتنبَّهْ إلى أن عبارتي فيما لم يزل وفيما لا يزال لا تعنيان الزمان، لأنه لا وجود له في ذاته على ما هو التحقيق، بل وجوده تقديري ومفروض ولا معنى لهما إلا الإشارة إلى الاستقلال بالوجود وعدم الاستقلال به فلا تغفل والزمان لا يكون قديما ً لئلا يلزم وجود الحوادث في الأزل.\rوهكذا يقال في كل ما يمكن أن يفرض الكلام فيه من الأسباب والمسببات.","part":1,"page":16},{"id":18,"text":"ثبوت وجود الله تعالى وعدم أوليته وهي القِدَمُ وغناه وكماله في نفسه\rوالحاصل أنه لا بد من وجود علة حقيقية وسبب تام يتوقف عليه الوجود، وهذا السبب أو الفاعل لا يمكن أن يكون حادثاً ولا أن يكون متصفاً بما من شأنه أن يجعله كذلك، وهذا الفاعل هو الفاعل على الإطلاق، وبهذا ينتج [ثبوتُ الصانعِ و] كذلك ينتج [ثُبوتُ قِدَمِهِ] أي عدم أوليته، لأن كلاً من هذين الوصفين ينتج عنه احتياج الفاعل، والفاعل على الإطلاق للكون لا يمكن أن يكون حادثاً أو محتاجاً، لأن هذا يخالف كونه قديماً، لأنه لو كان حادثاً لكانت له بداية وما كان له بداية، فيجب أن يكون له نهاية ويجب أن يكون له سبب من حيث حدوثه، لأن الحادث لا يمكن أن يوجد وحده، وما دام وجب أن يكون له محدث فهو مفتقر إلى هذا المُحدِثِ من جهة الحدوث على الأقل، والمفتقر في وجوده إلى غيره لا يمكن أن يكون قديماً، وما هو ليس بقديم لا يمكن أن يكون إلهاً لهذا الكون.\rوجوب تنزيهه تعالى عقلاً عن النقص\rوكذلك يوجب العقل أن يكون الإله مُنزَّهاً عن كل صفة نقص، فكل نقص يمكن أن يتصوره العقل، فيستحيل أن يتصف به الإله.\rنفي التركيب عن الله تعالى\rومن سمات النقص هذه أن يكون مركباً، فيستحيل على الإله أن يكون مركباً، لأن التركيب يعني أن المركب مكون من أجزاءَ وكيفيةٍ تجمع بين هذه الأجزاء، ومعلوم في بداهة العقل أن كل مركب فلا شك أنه يقبل التفكك إلى مكوناته.\rوأيضاً التركيب يعني المحدودية لأنه لا معنى للجزء إلا أنه أقل مما فرض هو جزءاً له، وما كان كذلك فلا بد أن يكون محدوداً، فكل ما يفرض مركباً من أجزاء يكون مركباً من محدودات، وما كان مركباً من محدودات لا بد أن يكون محدوداً لأنه يستحيل وجود الأبعاد اللامتناهية وهذا ثبتت براهينه الرياضية، واتفق عليها العقلاء والمجسمةُ والذين يقولون بتركب الإله فهما قائلان بأنه محدود لأنه لا يمكن لهم أن يقولوا بالتركيب وينفوا المحدودية ولهذا شاع عند زعماء المجسمة القول بالحد على الله تعالى.","part":1,"page":17},{"id":19,"text":"[و] على هذا يجب أن يكون المكلف موقناً بـ[ـعَدَمِ تَرْكيبِهِ]، أي بعدم تركيب الإله [و] كذا [عدمِ تَجْزِيَتِهِ] لأن ما يقبل التجزِّي فيجب أن يكون مركباً، وقد تبين لنا وجوب كونه تعالى غير مركب، فيثبت عدم كونه متجزئاً، أي عدم وجود أجزاء له، سواءاً منعنا أن ينقسم بالفعل أو قلنا بجواز انقسامه كما قال به بعض المجسمة، ظانين أنهم بذلك يهربون من شناعة القول بالتركيب.\rفالمطلوب في العقائد هو إثبات عدم كون أجزاء له تعالى الله عن ذلك، بغض النظر قَبِل التجزي بالفعل أم لا، وأيضاً عدم جواز ذلك عليه تعالى لأن القائل بالجواز العقلي لا فرق بينه وبين القائل بالحصول فهو فرع عنه وله، وبهذا تبين أن القول بالتركيب إنما هو قول بالنقص على الله تعالى وهو مستحيل عليه تعالى عقلاً وشرعاً.\rنفي الحلول في الحيز:\r[و] كذلك يجب أن يعلم ويؤمن بـ[عَدَمِ حُلولِهِ] تعالى [في المُتَحَيِّزِ] لما يلزم على ذلك من المحدودية والنقص، وكل منهما يجب تنزيه الإله عنه.\rوأيضاً لأنه قد ثبت أن كل ما سوى الله تعالى فهو حادث، فكيف نجيز بعد ذلك أن يحل الإله في الحادث الذي هو مخلوق ؟!!\rفالاعتقاد الحق هو أن الله تعالى موجود لا في مكان، وهذا لا تنفيه العقول بل يصعب على توهم مَن غاص في ظلام التجسيم التصديقُ به، ولا عبرة بمن هذا حاله.\rنفي الاتحاد بالغير:\r[و] يجب أن يتيقن [عدمَ] جوازِ [اتِّحادِهِ] تعالى [بِغَيرِهِ وَ] كذلك [عَدَمَ حُلُولِهِ] تعالى [فيه] أي في غيره مطلقاً، سواءاً كان متحيزاً أم لا.\rنفي الجهة مطلقاً\r[و] كذا يجب أن يعلم [استحالةَ كَوْنِهِ] تعالى [في جِهَةٍ] من غيره من الموجودات، كما يقول به المجسمة حين يزعمون أن الله تعالى في جهة الفوق من خلقه.","part":1,"page":18},{"id":20,"text":"ويجب أن ينفي الموحد أن يكون الله تعالى له جهة في نفسه تعالى الله عن هذا الوهم، كأن يكون له جهة يمين أو يسار أو له جزء علوي وجزء سفلي، لأن هذا يلزم عليه إثبات الأجزاء له تعالى وهذا محال كما مر بيانه.\rوالجهة -كما هو معلوم عند العقلاء- ليستْ إلا أمراً إضافياً بين جسمين، أي لا يمكن أن تتصور حقيقتها إلا بنسبة أمر جسماني إلى آخر كذلك.\rواعلم أن من يثبت الجهة الحقيقية لله تعالى فهو حتماً يثبت له تعالى المكان، وهذا لا يستطيع أن يتهرب من كونه مجسماً إلا بلسانه.\rنفي قيام الحوادث بالله تعالى:\r[و] كذلك يجب أن يعلم [استحالةَ قِيامِ الحَوادِثِ] مهما كانت، سواءاً فُرضت قائمةً به تعالى وادُّعِي عدم جواز قيامها بغيره، أو كانت قائمة بغيره كذلك.\rوقيام الحوادث مُحالٌ استحالةً مُطْلَقَةً، لأن مجرد قيام الحادث بالذات الإلهية يلزم عنه حدوث الذات الإلهية، وهذا باطل، فما يستلزمه لا يكون إلا باطلاً، فمطلق الحدوث مانع من القيام بالذات الإلهية.\rوليس الأمر كما يقول بعض المجسمة إن الحادث إن لم يكن دالاً على النقص فيجوز قيامه بالذات الإلهية.\rفالأصل أن الحادث لا يتصور إلا كونه دالاً على النقص، وهو الحدوث، ويستحيل أن نفرض وجود حادث لا يكون دالاً على الحدوث، فهذا تناقض بين، ومجرد الحدوث نقص كما يعلم بالضرورة.\rفالحدوث والقدم إشارة إلى رتبتين من مراتب الوجود، الأولى الفقر الذاتي، وهو صفة لازمة لها بالذات، والثانية غنية بالذات عن كل ما هو غيرها.\rفيتحصل أن قيام الحادث بالقديم معناه قيام الفقر في الغنى، أي كون الغني فقيراً، وهو محالٌ.","part":1,"page":19},{"id":21,"text":"استحالة الآلام واللذات عليه تعالى:\r[و] كذا يجب أن يعلم [استحالةَ الآلامِ واللذاتِ عليهِ] تعالى لأن هذه الأمور لا يمكن أن تقوم إلا بالأجسام، ولأنها في ذاتها دالة على النقص، وهذا بين فكل من الألم واللذة حادثان، والحدوث دليل النقص، وأيضاً فحصول الألم واللذة يدل على أن الذات قابلة للانفعال، وما كان قابلاً لذلك فهو لا ريب ناقص في رتبة الوجود، وما كان كذلك استحال أن يكون إلهاً.\rخاتمةٌ لباب التَّنزيهات:\rفهذه جملة من التنزيهات التي يجب على المكلف أن يعلمها تمام العلم ويوقن بها تمام الإيقان،لأن مداخل أهل الضلال إنما تكون من قبل الجهل بأحكام هذه التنزيهات.\rوقد وقع كثير من أهل هذا العصر في بعض الضلالات التي تنبني على الجهل بما مر من أحكام،والله الموفق إلى سواء السبيل.\rشُرُوعٌ في بيان كمالاتِ الله تعالى:\rولما فرغَ المصنف من بيان التنزيهات، وهي التي تسمى في عُرف المتأخرين بالصفات السلبية، لأنها تدل على سلب أي نفي ما لا يليق بالله تعالى من النقائص، وقد اتفق أهل السنة على أن هذه التنزيهات إنما تعرف بالعقل، وما ذكرهُ الإمام ابن الحاجب هنا دليل على ما نقول حيث أنه أوجب على المكلف معرفة هذه الأمور بدليل عقلي إجمالي، ولأنه لا يتم التصديق بمنزل الشريعة على أنه كامل إلا بتنزيهه من النقائص - عرج المصنف على بيان الصفات الكمالية التي يتصف بها الله تعالى فقال:\rوجوب كونه تعالى قادراً:\r[و] على المكلف أن يعلم [أَنَّهُ] تعالى [قادِرٌ على كُلِّ] ما من شأنه أن يكون من [المَقْدوراتِ]، أي إن قدرته تعالى متعلقة بكل ما من شأنه أن تتعلق القدرة به.\rويَثْبُتُ لله تعالى كونه قادراً لثبوت كونه خالقاً للعالم، ويستحيل أن يكون خالق العالم غير قادر وغير موصوف بأنه قادر.\rالقدرة لا تتعلق إلا بالممكنات العقلية\rلأنها هي التي يمكن أن تكون قابلة للتأثر","part":1,"page":20},{"id":22,"text":"والذي من شأنه أن تتعلق به القدرة هو الممكن فقط، لأن الممكن هو فقط الذي يجوز عليه الوجود والعدم، أما غير الممكن من الواجب والمستحيل فلا، لأن الواجب لا يكون إلا موجوداً ولا يمكن أن يقبل العدم، وأما المستحيل فلا يمكن إلا أن يكون معدوماً، إذ لو قبل الوجود لكان ممكناً وكون المستحيل ممكناً مستحيل. فقدرة الله تعالى لا تتعلق إلا بالممكنات.\rغفلة من ظن جواز تعلق القدرة بالواجبات والمستحيلات\rواعلم أن هذه قاعدة في غاية الأهمية، من يغفلْ عنها يسقطْ في متاهات وأغلاط لا يتنبه إلى أنه قد سقط فيها.\rوقد ظنَّ بعض الناس لغفلتهم أن وصف الله تعالى بالقدرة على المستحيلات هو كمال له تعالى، وفي حقيقة الأمر هو نقص لا يجوز نسبته له تعالى، وهذا القائل قد غفل عن أن من المستحيلات أن يكون لله تعالى ولد، وأن يكون له تعالى شريك في وجوب الوجود أي في الألوهية، فلو قلنا أنه تعالى يقدر على المستحيل أو تتعلق قدرته تعالى بالمستحيل فهذا يعني أنه يمكن أن يوجد له تعالى شريكاً أو ولداً، وهذا بالإضافة إلى أنه متناقض مع حق الألوهية فهو أيضاً متناقض مع أصل الوجود فكيف يكون الموجد إلهاً وهو في نفس الوقت مخلوق لله تعالى !!!\rوكيف يكون لله تعالى ولد والولد من جنس الوالد والله تعالى لا شبيه له، وما كان من جنس الشيء فهو شبيهه.\rالتأكيد على تعلق القدرة وأنه لا يكون إلا بالممكنات\rفالحق أن القدرة لا تتعلق إلا بالممكنات، والممكنات هي التي يتصور العقل أن تتعلق بها القدرة لأنها هي القابلة للانفعال والتأثر، وأما الواجب والمستحيل فلا يمكن أن يتصور العقل أن يكون أحدهما منفعلاً.\rوجوبُ عموم تعلّق القدرة بالممكنات\rفلا يشذ عنها ممكن واحد\rواعلم أن من حق القدرة أن تكون متعلقة بكل الممكنات ولا يشذ ممكن عنها، سواءاً كان جليلاً أم حقيراً، فكل الممكنات بالإضافة إلى عظمة الله تعالى وقدرته متساوية.\rوجوب احتياج الممكنات إلى الله تعالى في الابتداء","part":1,"page":21},{"id":23,"text":"وفي دوام الوجود\rويجب أن يعتقد المكلف أن الممكنات دائمة الاحتياج إلى الله تعالى، فهي محتاجة إليه تعالى في أصل الوجود، ومحتاجة إليه تعالى في بقاء ودوام وجودها.\rفلا يتصور المؤمن أنه بعد أن يوجد يصبح مستغنياً عن الله تعالى في بقاء الوجود.\rالقدرة صفةٌ يتصف بها الله تعالى\rواعلم أنه تعالى قادر على الممكنات [بقُدْرَةٍ] هي صفة له تعالى لا تتعدد وهي [قديمةٍ] لا أولَ لها كذاته تعالى [قائمةٍ بذاتِهِ] لأنها صفة لها، والصفة لا يمكن أن تُتَصَوَّرَ مُنْفَكَّةً عَنِ الموصوف، وكذلك لا يمكن للعقل أن يتصور وجوداً للصفة إلا أن يتصوَّرَها قائمة بالموصوف.\rويجب على المؤمن أن يعلم أن الصفة ليست هي غيراً لأنها لا يمكن أن تتصور منفكة عنها كما تقدم، فإثبات الصفة ليس إلا إثباتاً للذات موصوفة.\rوالصفة ليست عين الذات، لأن الذات ليست صفة، فتأمل.\rوالقادر في حقيقته هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك، فالقدرة هي التي يتم بها الفعل والترك، ولا يجوز أن تتوهم أن الصفة هي التي توجد وتعدم، بل الذات هي التي توجد وتعدم من حيث هي قادرة فالله تعالى هو القادر وهو الموجد وهو المعدم، وهو المحيي وهو المميت.\rوجوب وصف اللّه تعالى بالعلم\rوبيان ما يتعلق به العلم أي ما الذي يعلمه الله تعالى\rويجب على المكلف أن يعتقد أن الله تعالى موصوف بأنه [عالِمٌ بكُلِّ المَعلوماتِ] أي بكل ما من شأنه أن يتعلق العلم به، وهو كل الواجبات والمستحيلات والجائزات، أي ماصدقات الحكم العقلي، أي كل ما يمكن أن ينسب إليه حكم عقلي.\rالإشارة إلى جهل من اعتقد الجبر واحتج بعلم الله تعالى\rوالعلم لا يؤثر في المعلوم، بمعنى أن العلم ليس هو الذي يُوجِدُ المعلومَ، بل الله تعالى بقدرته هو الذي يوجد ما يريد، والذي يريده لا بد أن يكون علمه متعلقاً به.","part":1,"page":22},{"id":24,"text":"وبما أن العلم ليس مؤثراً في المعلوم بالمعنى السابق، فيلزم على هذا جهل كثير من الناس عندما يقولون أن الله تعالى قد أجبرهم على ما يحصل في حياتهم وأنه لم يبق مبرر للتكليف، وحجتهم في ذلك أن الله يعلم كل شيء، وبما أنه يعلم ما سوف يعملون وما قد يفكرون أن يفعلوه، فهم إذن لا يفعلون شيئاً، إذن هم مجبورون على كل ما يحدث وليس لهم خيار في ذلك !!!\rوهذا قول فاسد، ويظهر فساده من مجرد معرفة أن العلم ليس مؤثراً بالمعلوم، بل هو كاشف له، سواءاً كان موجوداً أو معدوماً، وسوف نوضح حل هذا الإشكال بتفصيل أكثر في مبحث الإرادة والوحدانية بتوفيق الله تعالى.\rتنبيه إلى أخطاء بعض الناس في صفة العلم\rوكذلك فلا يجوز أن يتصور إنسان أن علم الله تعالى لا يتعلق إلا بما يوجد بينه وبين غيره علاقة العلة والمعلول، فهذا أعجب من القول السابق، إذ الأول فيه تسليم ضِمنيٌّ لله تعالى، ولكن هذا القول فيه تجاوز لحدود المخلوق وتَعَدٍّ على ما يجب لله تعالى.\rفمعنى هذا القول أن الله تعالى لا يمكن أن يعلم أمراً إلا بشرط كون هذا الأمر معتمداً على غيره، بعلاقة العلة والمعلول، ومعلوم أن هذه العلاقة لا تكون إلا بين أمرين حادثين، إذن فمن يشترط هذا الشرط فهو يشترط لعلم الله تعالى بالشيء شرطاً حادثاً، !؟\rوهذا جهلٌ عظيمٌ بمستحقات الألوهية، إذ أن القديم لا يكون مشروطاً بأمر حادث، لأن هذا تقييد لقدمه وقول بحدوثه، وهذا هو بالفعل ما يقول به البعض، عندما يشرطون هذا الأمر، والقول بأن علم الله تعالى حادث، يعني أن الله تعالى لم يكن يعلم بعض الأمور ثم علمها، ومعلوم أن هذا نقص عظيم يتنزه الإله عن أن يكون موصوفاً به.\rوقد يخرج هؤلاء من هذا الإلزام بأن يقولوا إن العلم ليس من شأنه أن يتعلق بكل الأمور مطلقاً، بل لا بد لتعلقه بأمر أن يكون متعلقاً بأمر آخر بينه وبين الأول علاقة العلية؛ محاولين بذلك تبرير ما قالوه بإبراز معنى ادّعوه لمفهوم لعلم.","part":1,"page":23},{"id":25,"text":"وهذا قول باطل، لأنه أولاً قياس للخالق بالمخلوق، وهو باطل؛ وأيضاً فهو يعني أن الله تعالى ليس عالماً بشيء، أو أن يكون الله تعالى علة للعالم؛ أما الأول فيلزم لأن الله تعالى ليس بينه وبين أي مخلوق علاقة العلة والمعلول، وبالتالي فهو يستحيل أن يكون عالماً بأمر لفقدان الشرط الذي يشترطه هذا القائل.\rوأما الثاني فهو يلزم إذا قال هذا القائل بأن الله تعالى يعلم أمراً ما، فيقال له: يلزمك أن يكون الله تعالى علة لهذا الأمر، ومعنى كونه علة أن الأمر يصدر عن الله تعالى من دون إرادة منه تعالى، وهذا في غاية القبح، وهو مذهب الفلاسفة.\rوتوضيحُ هذا أن أول ما خلقه الله تعالى إما أن يكون قد خلقه بإرادته تعالى أو يكون قد صدر عنه بالعلية، فإن كان قد خلقه بإرادته فيكون عالماً به لأنه يستحيل أن تتعلق الإرادة على خلاف العلم، وإذا كان عالماً به فيبطل ما قاله هذا القائل من أنه يشترط للعلم بالشيء أن يكون بينه وبين العالم علاقة العلية.\rوإن كان قد صدر عنه بالعلية فهذا هو القول بالعلية ويلزم عنه كما سبق أن الله تعالى ليس مريداً لخلقه، بل هم يصدرون عنه من غير إرادة منه تعالى عن ذلك!!\rويستحيل أن يكون معنى القدرة هو نفس معنى العلية، وإلا لم يكن بين المسلمين وبين الفلاسفة الذين يقولون بذلك أي خلاف، ومعلوم أن الخلاف موجود.\rعلم الله تعالى قديم\rويجب أن تعلم[بـ]ـأن [عِلْمَ] الله تعالى [قَديْمٌ] لا أول له كذاته تعالى، لما مر من أن العلم لا يقوم إلا بالعالم، فعلمه تعالى [قائمٌ بِذاتِهِ] بالمعنى السابق.\rوكذا يجب أن يعلم أن الله تعالى عالم بذاته بتوسط العلم أي من حيث هو عالم لأن العلم صفة له تعالى ليس غير الذات، وبما أن الذات ليست صفة فالعلم ليس هو أيضاً عين الذات، فتأمل.\rوجوب اتصاف الله تعالى بالإرادة القديمة\rغير المتجددة ولا الحادثة","part":1,"page":24},{"id":26,"text":"ويجب على المكلف أن يعلم أن الله تعالى موصوف بأنه [مُريدٌ لِـ]وجود [جميعِ الكائناتِ]، أي الموجودات [بإرادةٍ قَديمَةٍ] لا أول لها، قائمة بذاته.\rفلا يجوز أن يتوهم البعض أن الله تعالى له إرادة متجددة، بل إرادته تعالى صفة قديمة قائمة بذاته، ولا يكون في الذات إرادتان.\rبيان تعلّقات الإرادة\rوإرادة الله تعالى تتعلق بكل الممكنات، أي كل ما من شأنه أن يكون قابلاً لتعلق الإرادة به.\rوأما الواجبات والمستحيلات فلا يمكن أن تتعلق الإرادة بهما، لأن الواجب ليس قابلاً لأن يدخل تحت الاختيار وإلا لزم كونه غير واجب، وكذلك المستحيل، كما يقال في القدرة، فهاتان الصفتان لا تتعلقان إلا بالممكنات، لأنهما من صفات التأثير فلا تتعلقان إلا بما يقبل التأثر، وما يقبل التأثر ليس إلا الممكنات.\rفالله تعالى لا تتعلّق به إرادةُ أحدٍ من خلقه ولا تتعلق به إرادة نفسه، لأنه ليس ممكناً ولا شيء من ذاته أو صفاته بممكن.\rوهو تعالى لا تتعلق إرادته بنفسه لأنه لو تعلقتْ للزم أن تكون ذاته مخلوقةً له مما يلزم عنه حدوث الذات، وقد تبين لك بطلانه.\rفعل الإنسان لا يقع إلا بإرادة الله تعالى، ومعنى ذلك\rواعلم أن الفعل الإنساني من الممكنات، فيجب أن تتعلق به إرادة الله تعالى، فيجب أن يعتقد المكلف أن إرادة الله تعالى تتعلق بكل جزئية من جزئيات أفعاله، لا يشذ عنها شيء، فكل فعلٍ من أفعال الإنسان لا يمكن أن يقع إلا بإرادة الله تعالى. فكما ثبت أن كل الممكنات فالله تعالى هو خالقها، فكذلك لا يقع شيء منها إلا بإرادته.\rولا يجوز أن يتصور العاقل أن هذا ينتج عنه القول بالجبر وعدم فائدة التكليف، بل هذا لا يناقض القول بالتكليف ولا يناقض القول بأن الله تعالى عادل حكيم.\rفالإنسان لا يقع منه شيء إلا إذا تعلّقت إرادته النفسانية بإيقاعه وكان مما يجوز أن يقع من كسب الإنسان.\rوسوف يأتي زيادة توضيح لهذه المسألة في باب الكلام على تأثير قدرة العبد.","part":1,"page":25},{"id":27,"text":"إرادةُ الله تعالى لا تتغير\rوإرادة الله تعالى لا تتغير، فهي قد تعلقت بالممكنات كلها منذ الأزل ولم يغير الله تعالى إرادته ولا يغيرها، لأنها عبارة عن صفة قائمة بذاته تعالى، وما قام بالذات فلا يجوز تغيره لأن التغير من صفات النقص الدالة على الحدوث، وهو تعالى يتنزه عن ذلك.\rالكلام في السمع والبصر\rوتنزيه الله تعالى عن صفات المحدثات\rويجب على المكلف أن يؤمن أن الله تعالى متصف بأنه [سميعٌ بَصيرٌ]، وأنه تعالى يسمع ويبصر [بِصِفَتَيْنِ] قائمتين بالذات لا بجارحة ولا بحدقة [زائِدَتَيْنِ على العِلْمِ] أي غير العلم.\rوالحقُّ أن هذا الأمر -أي كونهما زائدتين على العلم- ليس من الأمور التي هي من العقائد القطعية، بل فيها خلاف بين العلماء، لأن أدلتها لم ترتق إلى مستوى القطع، ومعلوم أنه لا يدخل في العقائد التي يكفر من يخالفها إلا ما كان من الأمور القطعية.\rولذلك أشار المصنف العلامة إلى ما ذكرناه هنا فقال: إن كونهما صفتين زائدتين على العلم إنما هو بناءاً [على] القول [الأَصَحِّ] عنده وعند جمهور العلماء، والأصل السير على القول الأصح والمشهور حتى يتبين أن دليله ليس راجحاً كما في هذه المسألة.\rالإشارة إلى اختلاف أهل السنة\rفي معنى السمع والبصر","part":1,"page":26},{"id":28,"text":"واعلم أن المشهور أن جمهور الأشاعرة على القول بأن سمعه تعالى وبصره هما صفتان غير العلم، وأن ما ينكشف بهما غير ما ينكشف بالعلم، وأن كلاً منهما يتعلق بالموجودات لا بالمسموعات والمبصرات فقط، تعلقاً يترتب عليه انكشاف متمايز لكل منهما، وهذا كلُّه مبنيٌ على القول أن للعلم تعلقاً واحداً فقط هو تعلق تنجيزي قديم، وأما على ما حققه بعض الأفاضل من قول الإمام الأشعري فإن للعلم تعلقين: أحدهما تنجيزي قديم والآخر تنجيزي حادث عند حدوث المسموعات والمبصرات، وهذا التعلق الحادث هو المعبر عنه بالسمع والبصر، فيرجعان عنده إلى العلم وهو اللائق بمذهبه حيث إنه يقول: إن الحس راجع إلى العلم بالمحسوس.\rوأما السادة الماتريدية الأحناف فقالوا: إن السمع والبصر راجعتان إلى العلم، وهما وإن رجعا إلى صفة العلم بمعنى الإدراك، فإثبات صفة العلم إجمالاً لا يغني في العقيدة عن إثباتهما تفصيلاً بلفظيهما الواردين في الكتاب والسنة، لأنا متعبدون بما ورد فيهما.\rالتعليق على هذه المسألة\rوهذه المسألة من المسائل التي علم بين العلماء أنها لا تؤول إلى إنكار أمر معلوم من الدين بالضرورة أو إنكار ما علم أن السلف أجمعوا عليه، بل هي من المسائل المحتملة للخلاف؛ ولذا لم يُشَنِّعْ بعضُهُمْ على بعضٍ.\rواعلم أن الحجة في إثبات السمع والبصر على أنهما غير العلم ليست عقلية بل هي سمعية، وأن دلالتها على إثباتهما غيراً ليست قطعية، فتدبر.\rبيان المذاهب في صفة الكلام\rويجب على المكلف أن يعتقد أن الله تعالى [مُتَكَلِّمٌ].\rواعلم أن القول بأن الله تعالى متكلم هو مما علم من الدين بالضرورة، وأن من ينكره فقد أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، ولكن القول [بـ]ـأن [كَلامَـ]ـه تعالى [نَفْسِيٌّ] أي قائم بنفسه كبقية الصفات السابقة.","part":1,"page":27},{"id":29,"text":"وليس كلاماً مخلوقاً بالحرف والصوت أي إنه ليس لفظياً -فالنفسي هنا جاءت في مقابلة اللفظي المعروف- فالقصد أنه من صفاته النفسية كما تقدم من الصفات، وأنه [قديمٌ] لا أول له [قائمٌ بذاتِهِ] العلية [واحِدٌ] كباقي الصفات فصفات الله تعالى لا تتعدد، وأنه [مُتعلِّقٌ بالأمْرِ والنَّهيِ والخَبَرِ والاِستِخْبارِ والوَعْدِ والوعيدِ والنداء]، أي أن هذه الأنواع للكلام ليست هي نفس كلام الله تعالى بل هي من متعلقاته، هذا القول هذا القول الذي مضى ذكره ويتفرع عن إثبات الكلام النفسي ليس من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة ولا يكفر من خالفه، وقد أشار المصنف إلى هذا المعنى بقوله بأن إثبات هذه الصفة على هذه الصورة إنما هو بناءاً [على] القول[الأصَحِّ] من أقوال أهل الإسلام، وهذا هو التحقيق في هذه المسألة فتأمله.\rفالحاصل في المسألة أن هذا القول هو القول الراجح وأن القول به هو الأقرب إلى الصواب، وهذا يعني أن المخالف لا يكفر لإنكاره وإن جاز تكفيره لأمر آخر مما قد يثبته.\rبيان اختلاف الناس في صفة الكلام\rوقد غالى بعض الناس في الرد على مثبتي الكلام النفسي.\rوهم قسمان: الأول المجسمة، والثاني المعتزلة.\rفالمجسمة طردوا أصولهم في التجسيم وقالوا: إن كلام الله تعالى ما هو إلا حروف وأصوات، وأن هذه الحروف والأصوات قائمة بذات الله تعالى، ومعلوم أن الحرف والصوت كل منهما حادث، فهذا هو القول منهم بقيام الحادث بذات الله تعالى، فقالوا إن جنس الكلام قديم وأفراده حادثة وهي الحروف والأصوات، وأن الكلام قديم.\rوبهذا يكونون قد وقعوا في مفاسد منها القول بقيام الحوادث بذات الله تعالى عن ذلك، ومنها ادعاء أن بعض صفات الله تعالى متألفة من عدد لا نهاية له من الحوادث، ومنها تجويز التسلسل في الأزل.\rوكل من هذه الأقوال يعتبر عند العقلاء قبيحاً وحده، فكيف إذا ضُم إليه غيره مما ذكر.","part":1,"page":28},{"id":30,"text":"وفوق هذا فقد قالوا إن كلام الله تعالى تابع لإرادته فهو يتكلم إذا شاء، وبذلك كان الله تعالى عندهم مريداً لحدوث صفة من صفاته وهذا لا يقول به إلا من لا يفهمه أو من هو غارق في التجسيم، ولهم اصطلاحات أخرى عديدة لا يتسع المجال لذكرها.\rوأما القسم الثاني وهم المعتزلة فقد نفوا أن يكون الله تعالى موصوفاً بالكلام الذي هو من الحروف والأصوات وفاقاً لأهل السنة، لأن هذا يلزم عنه ما مضى من مفاسد، ولكنهم وقعوا في الغلط عندما نفوا أن يتصور العقل إثبات الكلام إلا أن يكون من أصوات وحروف.\rفلذلك نفوا أن يكون لله تعالى صفة تدعى الكلام، وأثبتوا الكلام له تعالى فعلاً من أفعاله، وقالوا: إنه يخلق أصواتاً وحروفاً دالة على ما يريد.\rالتعليق على الأقوال السابقة\rوكل من هذين القسمين ادعى أن الكلام النفسي غير متصور في العقل، وبالغوا في نفي ذلك بل تجرأ بعضهم على القول بأن القول بنفي الكلام النفسي من البديهيات العقلية، وادعى البعض أن الكلام النفسي من المحالات.\rترجيح مذهب أهل السنة\rوهذا الكلام كله لا تحقيق فيه وخالٍ من النظر الصحيح، وأَعْدَلُ الناسِ هُمْ أهلُ السنة وهم أهل الحق القائلون بما مضى، من أن القول بالكلام النفسي ليس مستحيلاً، بل هو الراجح في النظر، وأن رجحانه لم يصل إلى القطع والجزم فهم يجزمون أنه عندهم المذهب الأصح، ولكن لا يشنعون على غيرهم على أنه خالف المعلوم من الدين بالضرورة.\rفهم عندما ثبت عندهم أن الله تعالى متكلم بنص القرآن، والمشتق لا يجوز إثباته للذات إلا بقيام أصل ومأخذ الاشتقاق فيها، لزمهم أن يقولوا بأن الله تعالى موصوف بصفة الكلام، ولما نظروا في معاني الكلام لم يجدوا إلا صنفين: الأول الكلام الحادث المتألف من الحوادث، وهي الأصوات والحروف، وهو الكلام اللفظي، والثاني الكلام القائم بالنفس المنزه عن مشابهة الكلام الحادث. أثبوا الثاني ونفوا الأول لدلالته على الحدوث كما مرت الإشارة إليه.","part":1,"page":29},{"id":31,"text":"بيان متعلقات الكلام النفسي\rوالكلام النفسي عندهم دالٌ على كل ما يدل عليه العلم من مدلولات، أي إنه دال على سائر الواجبات والمستحيلات والممكنات، وهو واحد لا يتعدد وليس من جنس الحروف والأصوات، وهو قديم كسائر الصفات ولا يقاس على صفات البشر فلا يلزم منه التشبيه.\rونحن وإن قلنا إن البشر لهم أيضاً كلام نفسي، إلا أن كلام الله النفسي ليس ككلام البشر، كسائر صفاته تعالى مثل العلم والقدرة وغيرهما.\rفالحاصل من كل هذا أن الواجب إنما هو إثبات أن الله تعالى متكلم وأن كلامه ليس ككلام البشر، ويحرم القول بقيام الصوت والحرف بالله تعالى، وأن التحقيق أنه تعالى موصوف بالكلام النفسي.\rوجوب إثبات البقاء لله تعالى\rويجب أن يعلم المكلف أن الله تعالى [باقٍ]، وأن بقاء الله تعالى قد قامت عليه الأدلة القطعية فلا يجوز على الغني بالذات أن يكون له نهاية، لأن النهاية تعني المحدودية في الوجود، والمحدودية تعني الافتقار بالذات.\rوكما أنه لا أول له تعالى فكذلك هو تعالى لا نهاية له أي لا نهاية لوجوده.\rثم اختلف العلماء فيما وراء هذا في معنى البقاء هل هو وصف وجودي يقوم بالذات ؟ أم ليس إلا معنىً اعتبارياً ؟ ويريد به أن الذات ليس لها نهاية في الوجود.\rفقال البعض: إن الله تعالى يبقى [ببقاءٍ يِقُومُ بِهِ] أي بذات الله تعالى كما هو الرأي [عَنْدَ] الإمام [الأشعريِّ] وخالفه في ذلك جمهور الأشاعرة، [و] قالوا: إنه تعالى باق ببقاء قائم [بذاتهِ] كما هو القول [عند القاضي] أبي بكر الباقلاني [و] هذا [هو الأَصَحُّ] عند جمهور العلماء من أهل السنة.\rترجيح القول بأن حقيقة الله تعالى لا تعرف\r[و] اعلم أنه عند المحققين من العلماء [لا] يمكن أن [تُعْرَفَ حقيقةُ ذاتِهِ] تعالى [على الأصَحِّ] في حكم النظر العقلي والشرعي [خلافاً للجمهور] من المتقدمين، حيث قالوا بإمكان معرفة حقيقة ذاته تعالى ولو في الآخرة.","part":1,"page":30},{"id":32,"text":"فكيف يعرِفُ المحدود حقيقة ذات الذي لا يحده حدٌّ ولا نهاية لوجوده ؟!\rواعلم أن من شرط إدراك الحقائق في الإنسان أن يكون المُدْرَكُ واقعاً تحت حاسَّة الإنسان، والله تعالى لا تدركه حواس الإنسان ؟ فكيف يعرِف حقيقته سبحانه ؟\rوغاية الإنسان في هذا المجال أن يعرف الأحكام التي تتعلق بالذات الإلهية، أي أن يعرف ما يترتب على وجود الذات الإلهية، من وجوب عبادتها وطاعة ما يأمر به الله تعالى والالتزام بأحكام شرعه.\rتجويز رؤية الله تعالى\rومعناها ووقوعها\r[و] اعلم [أن رُؤيَتَهُ] أي رؤية الله تعالى [صحيحةٌ] أي أن العقل لا يحكم باستحالتها.\rوالرؤية عند أهل السنة هي عبارة عن نعمة من النعم التي ينعم بها الله تعالى على خلقه، فهي حادثة بإحداث الله تعالى في نفس المؤمن، وهي [واقعةٌ] يوم القيامة.\rفالله تعالى يخلق في العباد رؤيته في الجنة، ويكون الناس في خلقة جديدة غير التي كانوا عليها في الحياة الدنيا، فالخلق في الدنيا لا يستطيعون أن يتحملوا رؤية الله تعالى، لذلك كان من لطفه تعالى أن ادخرها لهم يوم القيامة عندما يخلقهم خلقاً جديداً، ويخلق الله تعالى رؤيته في الأجسام الأبدية التي يبقى بها المؤمن خالداً في الجنان، فهذه هي الأجسام التي تستطيع أن تتحمل أثر هذه النعمة.\rنفي الكيفية عن الله تعالى\rورؤية الله تعالى تكون بلا كيفية، أي بلا كيفية له تعالى.\rوالله تعالى لا يُرَى كما تُرَى بقيةُ الكائنات؛ فهذه ترى بانعكاس شعاع وانطباع صورة في الشبكية، وأما الله تعالى فلا يجوز أن ننسب إليه شيئاً من ذلك.\rوالرؤية العادية تحصل إذا كان المرئي في مواجهة الرائي، كما يجوز أن تحصل إن لم يكن أيضاً في مواجهة الرائي وتكون كذلك متوقفة على أسباب ووسائل مادية، وأما رؤية الله تعالى فلا تتوقف على أن يكون أمام الرائي، بل تحصل بخلقه المباشر في العبد رؤيتَه.","part":1,"page":31},{"id":33,"text":"والله تعالى لا يمكن أن يكون مقابلاً لأحد من خلقه في المكان، لأنه تعالى لا يمكن أن يكون في مكان كما تقدم.\rالإشارة إلى ما غلط فيه بعض الناس في مسألة الرؤية\rوقد أنكر الرؤية المعتزلة ظانين أن إثباتها يؤدي إلى أن يكون الله تعالى جسماً، وما ذلك إلا لأنهم أخطأوا في فهمهم للرؤية وعدم إدراكهم أن لها معاني عديدة، فإذا استحال نسبة أحدها إلى الله تعالى فلا يجوز أن ننكرها كلها ما دام النص قد ورد بها، بل نحمله على أحد هذه المعاني الجائزة.\rوكذلك وقع المجسمة في أغلاط جسيمة ونسبوا إلى الله تعالى ما لا يليق به تعالى فقالوا: إن رؤية الله تعالى لا تكون إلا بمقابلة، بل قال بعض زعمائهم إننا لا يمكن أن نرى الله إلا من مكان معين في الجنة، فإن لم نكن فيه لم يمكن أن نراه تعالى!!\rوهذا هراء تام، مبني على توهّم أن رؤية الله تعالى إنما تكون كما نرى غير الله من الأجسام، وهذا مبني على أصلهم الفاسد من القول بأن الله تعالى جسم وأنه في حيز ومكان وله حد، بل حدود ومن جميع الجهات تعالى الله عن هذا الهراء.\rبعض ما لا يضرُّ الجهل به\rويفيد العلم به\rما أضيف إلى الله تعالى وأثبته البعض صفاتٍ\r[و] لا يضرك أن تعلم [أنَّه] تعالى [مَوْصوفٌ بالوَجْهِ] الذي هو صفة له تعالى ليس جزءاً ولا بعضاً للذات الإلهية.\rيثبته البعض لأنه قد ورد السمع بإضافته إلى الله تعالى فأمكن أن يكون صفة له تعالى، وخوفاً من نفي ما أراد الله تعالى إثباته، أبقيناه على ما ورد في السمع، ونفينا عنه أن يكون على ما قد يتصوره الناس من أعضاء أو أجزاء.\rوهذه الصفة أثبتها بعض الأشاعرة كالإمام الباقلاني والإمام ابن عساكر والإمام الأشعري في كتاب الإبانة من أوائل كتبه بعد أن تبرأ من مذهب المعتزلة، وكذلك أثبتها غيرهم من الأشاعرة.","part":1,"page":32},{"id":34,"text":"[و] كذلك لا يضرك أن تعلم أن بعض العلماء من الأشاعرة قد أثبتوا لله تعالى كما ظهر لهم من الكتاب العزيز من المعاني [اليدين] صفة لله تعالى من غير أن تكون جارحة أو عضواً كما يتصوره المجسمة.\rواعلم أن كل ما مر من هذه الصفات لا يجوز أن يثبتها الواحد لله تعالى على أنها أعضاء أو جوارح أو غير ذلك من صفات الحوادث.\rوقد توهم بعض العامة أن الأشاعرة يثبتون هذه الصفات كما يثبتها المجسمة من الكرّامية ومن تبعهم ممن ينتسب إلى مذهب الحنابلة، وهذا غلط عظيم في حق هؤلاء العلماء الأكابر، فالذي ينسب إليهم مثل هذه الأقوال التافهة السخيفة فهو لا يعرف مذاهبهم، ومثل هذا فالسكوت في حقه هو الواجب.\rوالذي سوغ مثل هذا الغلط في حق السادة الأشاعرة هو توهمات وافتراءات أشاعها بعض المجسمة الحنابلة المنتسبين إلى السلف الصالح !! في هذا العصر ؟ آخذين هذا الافتراء عن مشايخهم من المجسمة الموغلين في التجسيم بل يعتقدونه عقيدة يدين بها السلف الصالح، وهو يعلم أن هذا ما هو إلا افتراء يفتريه لا أساس له. فتفهم.\r[و] لا يضرك كذلك أن تعلم أن [الاستواءَ] هو صفة فعل [على رأي] بعض العلماء، وذُكر هذا عن الإمام أبي الحسن الأشعري مع نفيه أن يكون الله تعالى متصفاً بصفات الحوادث من الحلول في الحيز أو المكان أو الكون في جهة، لأن كل هذه الصفات تستلزم الحد والنقص على الله تعالى، ومطلق الحد عند الأشعري وأهل السنة جميعاً لا يجوز نسبته إليه تعالى.\rوقد ادعى بعض المجسمة أن الله تعالى مستوٍ على العرش بمعنى أنه تعالى مستقرٌّ عليه بمماسةٍ، وأن العرش يحمل الله تعالى، وهذا كله من تصورات المجسمة الحمقى.\r[و] لا يضرك أيضاً أن تعلم أن الله تعالى موصوف [بصفةٍ تُوجِبُ لهُ الاِستغناءَ عَنِ المكانِ على رأيِ] بعض الناس.\rصفات الإدراك\r[و] كذا وصفه البعض [بصفةِ] إدراك [الشَمِّ وَ] إدراك [الذَّوْقِ وَ] إدراك [الَّلمْسِ] من دون مماسته منه تعالى لخلقه.","part":1,"page":33},{"id":35,"text":"وهذا الكلام صحيح [على رأيِ] السادة الماتريدية ومن وافقهم من الأشاعرة كالإمام الباقلاني والإمام الجويني القائلين بأن الله تعالى يتصف بصفة أسموها الإدراك، بها يدرك الله تعالى المعلومات وما من شأنه أن يدرك كما مر.\rواعلم أن المحققين أرجعوا هذه الأمور كلها إلى العلم، كما قال السادة الماتريدية في صفة السمع والبصر.\rوهذا الكلام لا يعني على كل الأحوال أن يوصف الله تعالى بأنه يمس الأجسام بذاته كما يقوله المجسمة، أو أنه يجوز عليه ذلك.\rوقد أشاع بعض المجسمة المبغضين لأهل السنة أن الأشاعرة من أهل السنة يقولون أن الله تعالى يمس مخلوقاته، معتمدين على أن هؤلاء ومعهم الماتريدية أثبتوا لله تعالى صفة الإدراك التي تتعلق بالمسموعات، وأوهموا عامة الناس أن أهل السنة يوافقونهم في هذا كله، وهذا في غاية القبح. فتنبه.\rالقِدَمُ على القول بأنه من المعاني الوجودية\r[و] اعلم أن الله تعالى موصوف [بِـ]ـصفة [القِدَمِ] بكسر القاف وفتح الدال [على رأْيِ] مَنْ أثبته من الناس، وهؤلاء قالوا: إن الله تعالى لا أول له وأن قدمه تعالى هو بصفة قائمة بذاته كما قال من قال أنه تعالى موصوف بالبقاء وأن كونه باقياً إنما هو بصفة قائمة بذاته تعالى.\rالصفات المعنوية عند من أثبت الأحوال\r[و] اعلم أنه تعالى موصوف [بِ]ـصفةِ [العالِمِيَّةِ] أي كونه تعالى عالماً، [و] بصفة [القادِرِيَّةِ] أي كونه تعالى قادراً، [وَ] بصفة [المُريديَّةِ] أي كونه تعالى مريداً، [وَ] بصفة [الحَيِّيَّةِ] أي كونه تعالى حياً.\rوهذه الصفات يتصف بها الله تعالى [عِندَ مُثبتي الأحوالِ] أي الذين قالوا: إنه يوجد أمر بين الوجود والعدم هو الحال، والحال عندهم هي صفة ليست موجودة ولا منفية في نفسها، أي أنه ليس لها وجود حاصل في نفسها، بل وجودها إنما يتعقل بالإضافة إلى وجود غيرها من الذوات.\rبعض الصفات الأخرى المنسوبة إلى الله تعالى","part":1,"page":34},{"id":36,"text":"[و] كذا فهو تعالى موصوف [بعلومٍ متعددةٍ على رأيِ] البعض [و] موصوف [بـ]ــصفة [الرَّحمَةِ والرِّضى والكَرَمِ] الذي هو [غَيرُ الإرادةِ] للإنعامِ [على رأيِ] بعض الناس أيضاً.\rالتحقيق فيما مر من المسائل التي لا يضر الجهل بها\r[و] اعلم أن [الصحيحَ أنَّهُ لا] يوجد [دليلٌ] يصلح أن يقوم على سبيل القطع ولا الظن الراجح [على هذهِ الصِّفاتِ] المدعاة من قبل العلماء المشار إليهم فيما سبق، [لا إثباتاً] لها [ولا نفياً] كذلك.\rأي أنه لا يوجد دليل يقوم على إثباتها بأعيانها، سواءاً من العقل أو من النقل، وكذلك لا يوجد دليل يقوم على نفيها بأعيانها. بل النصوص تحتمل ولو احتمالاً مرجوحاً عند المحققين ما مر ذكره من الأمور المضافة إلى الله تعالى أن تكون صفات له تعالى بلا جارحة ولا عضو، لوجوب نفي هذه المعاني عنه تعالى.\rوكذلك تحتمل على سبيل الرجحان عند المحققين من العلماء أن لا يكون المراد بها ما تقدم بل المراد إنما هو معان مجازية وبلاغية أشرنا نحن إلى جملة منها وأفاض العلماء في ذكرها.\rوهذا الأمر بما أنه لم يتفق أهل السنة على قيام دليل قطعي يسند أحد الطرفين، سار معظم العلماء على تجويز الأمرين واعتبارهما طريقيتين أوسبيلين يؤديان إلى هدف واحد، وهو تنزيه الله تعالى عن تشبيهه بالمخلوقات ولو من أحد الجوانب كما مر ذكره.\rتبيين القول الراجح\rفيما مضى من الأمور المنسوبة إلى الله تعالى\rوالذي يترجح في النظر الصحيح إليه هو نفي ما مر من الصفات المدعاة، لأن الأصل هو عدم إثبات أمر في حق الله تعالى إلا ما قام عليه الدليل القطعي.\rفأما الوجه فالمراد منه الذات بقيد التشريف، لا مطلق الذات وهذا هو ما نص عليه العلماء، وإطلاق الوجه وإرادة الذات بالقيد السابق أسلوب معروف في اللغة.\rوأما اليدان فالمراد منهما القدرة بقيد المنة وإظهار النعمة أو اختصاص المخلوق بخصائص عن غيره من المخلوقات تقتضي إفراد ذكرها.","part":1,"page":35},{"id":37,"text":"وأما الاستواء فالمراد منه إتمام الخلق مع السيطرة التامة والتدبير الحكيم الذي لا ينازع المدبر فيه منازع، وليس المراد منه الجلوس على العرش كما يتوهمه المجسمة المبتدعة.\rولا يجوز أن يكون المقصود من هذه الأمور صفات خاصة لعدم ظهور إرادة ذلك أولاً، ولأنه لا معنى لذكرها في المواضع التي ذكرت فيها إلا ما سبق الإشارة إليه.\rوأما أن يكون الله تعالى موصوفاً بصفة زائدة عن مفهوم الذات توجب له الاستغناء عن المكان، فهذا غير ظاهر، فنفس الذات المقدس موجب للاستغناء عن المكان، ولا يجوز في العقل أن يوصف الله تعالى بأنه في مكان بمجرد أن يفهم معنى الإله، ولا يحتاج بعد ذلك إلى إثبات صفة خاصة لإيجاب استغنائه تعالى عن المكان.\rوأما وصفه تعالى بإدراك الشم وغيره مما مضى ذكره، فهذا كله مندرج تحت صفة العلم، على الخلاف المشهور بين الأشاعرة والماتريدية.\rوتنبه في هذا المقام إلى أنه يستحيل على الإله أن يكون موصوفاً بأنه يلمس خلقه كما أشرنا إلى ذلك في الشرح، لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون الإله محدوداً ! وهذا معلوم ببداهة العقل أنه باطل.\rوأما القِدَمُ فهي ليست صفة زائدة عن الوجود في مدارك العقول، وأما اعتبارها صفة قائمة بالذات فغير ظاهر، وكذا البقاء.\rوأما الأحوال فالراجح كما هو معلوم عند العلماء أنه لا يوجد حال بين الوجود والعدم، وعلى كل الأقوال فالله تعالى موصوف بأنه عالم وقادر... إلخ، لكن هذا على الصحيح الراجح ليس عن طريق اتصافه بصفات زائدة على مفهوم الذات في العقول، كما أنه لا يفهم من العالم إلا أنه موصوف بالعلم ولا يفهم من كونه موصوفاً بالعلم إلا أنه عالم.\rوكذا فالأصل فيمن يتصف بالعلم أن لا يتعدد علمه، والتعدد إنما يكون في المعلومات.\rوأما الرحمة والرضى والكرم فهي عند التحقيق راجعة إلى إرادة الإنعام على سبيل الثواب أو المجازاة على الأعمال أو الزيادة من الإنعام تفضلاً، فافهم هذا ولا تغفل.\rالوَحدانيَّةُ لله تعالى","part":1,"page":36},{"id":38,"text":"[و] يجب أن يعلم المكلف [أنَّهُ] تعالى [واحِدٌ] بذاته فلا يوجد إله غيره، لأنه لا يوجد في الوجود من يستحق أن يوصف بهذه الصفات إلا واحد وهو الله تعالى، ولهذا كان الله تعالى واحداً أيضاً [بِصِفاتِهِ]، أي إن صفاته واحدة من حيث إنه لا يتصف بها غيره.\rواعلم أن أخص صفات الله تعالى هي القيام والغنى بالذات، فكل ما هو سواه فلا يمكن أن يكون قائماً بذاته، فهذه هي أخص صفات الألوهية.\rفله صفة قدرة واحدة وصفة علم واحدة وصفة حياة واحدة وهكذا؛ وذلك لأن الصفات لا تتكثر في الذات، فلا يجوز أن تتصف الذات بأكثر من قدرة إلا أن كانت الذات أصلاً متكثرة ومتركبة، وكذا يقال عن العلم وبقية الصفات.\rوأفعاله تعالى واحدة، فلا يوجد له سبحانه إلا أفعال الجود على الممكنات بالوجود، فإذا انقطع إمداده انعدم الموجود الحادث المحتاج، لأنه ليس له بذاته إلا العدم، لا بمعنى أن ذاته تقتضي العدم لكن ذاته لا تمنحه الوجود وليس لها بذاتها إلا وصف الإمكان العقلي الاعتباري الذي لا وجود له في الخارج.\rلا تأثير إلا لله تعالى\rوهذا مما يترتب على الوحدانية في الأفعال\rوما لا وجود له بذاته فلا يمكن أن يكون منه إلى غيره إمداد الوجود [و] ولذلك يترتب [أنَّهُ لا] يوجد أي [تأثير لقُدْرَةِ العَبْدِ] من الناس، وكذا غيره من المخلوقات [في مَقْدورِهِ]، أي في الأمر الذي تتعلق به قدرته ويصح أن يطلق عليه أنه مقدور له، والقول أن قدرة العبد لا تأثير لها مبني [على] القول [الأصح] من أقوال العلماء.\rواعلم أن هذه المسألة من أهم المسائل وأخطرها في علم التوحيد، ونحن نقول هذا الكلام لأن الكثير من الناس قد ضلوا فيها.\rفبعضهم أنكر ما لا يمكن أن تثبت الوحدانية إلا به وهو أصل الوجود، وبعض أنكر أن يكون الإله واحداً وقال إن المؤثر في الكون اثنان، وبعض قال بل هو ثلاثة وأكثر.","part":1,"page":37},{"id":39,"text":"هذا من حيث الذات أما من حيث الصفات، فإن الخلافات أكثر تنوعاً، وقد مر الإشارة إلى طرف منها، فالبعض قال: إن لله تعالى أكثر من إرادة، وبعض قال: إن كلامه متعدد في ذاته.\rوالبعض مع قوله بالوحدانية في الذات فلا يوجد أكثر من إله، إلا أنه قال إن الذات مركبة وإن هذا لا ينافي التوحيد، وبطلان قوله ظاهر.\rوبعض قال ان ذاته لا تختلف عن ذواتنا ولكنه يختلف عنا في صفاته، وهذا أيضاً باطل، فالله تعالى ليس كمثله شيءٌ لا في الذات ولا في الصفات.\rوبعضٌ قال إنَّ بعضَ صفات الله نتصف نحن بمثلها كالفعل، لذلك قالوا: إن فعل العبد يكون مستقلاً هو به بما أعطاه الله إياه من القدرة، ولكن لا تتعلق قدرة الله تعالى بفعل العبد.\rوهذه هي المسألة التي سوف نوضح معالمها هنا.\rتحقيق القول في أفعال العباد\rفاعلم أن الحق فيها يخالف كل ما مضى ذكره من المذاهب والأقوال، وتحقيق القول فيها أن الله تعالى متصف بصفات لا يتصف بها أو بمثلها أحد من المخلوقات، فصفات الله على الإطلاق لا يتصف بها إلا الله تعالى.\rوكذلك القول في أصل الوجود، بل هذا هو أصل الكلام، فإن وجود الله تعالى في حقيقته يخالف حقيقة وجودِ الخَلْقِ، فوجوده تعالى واجب ووجود الخلق ممكن.\rوالوجوب والإمكان يشيران هنا إلى رتبة الوجود لا إلى مجرد حكم اعتباري يدركه العقل عند النظر، بل إن رتبة وجود الله تعالى أعلى من رتبة وجود الخلق.\rفلذلك نقول: إن كل صفاته تخالف في الحقيقة صفات الخلق وإن اشتركا في الاسم.\rولذلك فَعِندما نقول إن الله تعالى فاعلٌ والعبد أيضاً فاعلٌ، فإن فعل الله تعالى ليس كفعل العبد، ففعل الله تعالى هو إيجاد من العدم وهذا يتم بالقدرة القديمة، وأما فعل العبد فليس هو إخراج من العدم ولا يتم بقدرة قديمة بل بقدرة حادثة.","part":1,"page":38},{"id":40,"text":"واعلم أن الحدوث والقدم هنا ليس عبارة عن حكم اعتبار أيضاً، بل هو حكم ينبىء عن حقيقة معينة، وفهم هذه الحقيقية هو الذي يحل أصول الإشكالات في هذه المسائل.\rفليس الحدوث فقط يعني أن هناك أولية في الوجود والقدم، يعني أنه لا أوليةَ في الوجود؛ بل بالإضافة إلى ذلك فهما يشيران إلى حقيقة الوجود بالتضمن واللزوم، فيستحيل أن يكون الحادث قائماً بذاته، ويستحيل أن يكون القديم محتاجاً إلى غيره أو ناقصاً في رتبة الوجود أي محتاجاً إلى تكميل، فالغنى بالذات صفة أصلية في القديم، وأما الحادث فلا يمكن أن يتصف بها، ولا يمكن إلا أن يكون فقيراً إلى من يكمله، فصفة الاحتياج هي أصلية في الحادث.\rولذلك كانت صفاتُ الحوادثِ غيرَ صفات القديم.\rففعل الله تعالى هو إيجاد من العدم وفعل المخلوق لا يمكن أن يكون إيجاداً من العدم.\rالرد على بعض المخالفين في هذه المسألة\rوقد يتصور قائل أنه ما دامت صفات المخلوقين غير صفات الخالق وأفعال العبد غير أفعال الخالق فلِمَ يكون للعبد أصلاً فعل، أي لم يقال إنه فاعل أصلاً بل هو غير فاعل مطلقاً ؟!\rوهذا القول باطل لأننا نعلم بالضرورة أن العبد فاعل فعلاً ما، ثم اختلفنا في حقيقة الفعل، واختلافنا في معرفة حقيقته لا يلزم عنه نفيه.\rفأما كوننا عالمين بأن لنا فِعْلاً فهذا حاصلٌ بالضرورة، فلا يستطيع إنسان أن يدعي أنه لا فرق بينه وبين الجماد، فوجود الفرق ضروري لا يمكن إنكاره، وكل إنسان فهو يدرك من نفسه أنه فاعل فعلاً ما.\rوأما ما يتخيله البعض من إنكار أنهم فاعلون بمعنى أنهم يصدر عنهم أو بهم فِعْلٌ ما، فما هذا إلا نتيجة عوامل نفسية وظروف اجتماعية وهو في الحقيقة هروب من الواقع لا غير، عَبَّروا عنه بأُسلوبٍ حاولوا أن يكون عقلياً، ولهذا نرى أنه لم يلتفت إليهم أغلب المفكرين.","part":1,"page":39},{"id":41,"text":"وكذلك الذي يقول إذا ثبت أننا فاعلون فَلِمَ لا يكون فِعلُنا من جنس فعل الخالق تعالى ؟! فهؤلاء غفلوا عن أنهم في حقائقهم ليسوا كالخالق لا في ذواتهم ولا في صفاتهم فكيف تكون أفعالهم كأفعال الله تعالى !\rولذلك يلزم عند هؤلاء أننا إذا أثبتنا أننا فاعلون فعلاً ما، فلا يمكن عندهم أن يتعلق فعل الله تعالى أيضاً به، للعلم أن الشيء لا يكون نتيجة فعل لفاعلين!!\rزيادة تحقيق لمسألة الأفعال\rوفيه بيان معنى الكسب\rواعلم أن التحقيق في المسألة أن فعلنا كما قلنا ليس كفعل الله تعالى، ولذلك فالله تعالى يتعلق فعله بأفعالنا أيضاً، لأن هذا يصبح غير محال، لوجود الفرق في تعلق قدرة الله تعالى بالشيء وتعلق قدرتنا به.\rوكذلك نقول أيضاً: إن ما نفعله عن إرادة؛ فالله تعالى يريده، وما نعلمه فالله تعالى يعلمه، ولكن علمه تعالى ليس كعلمنا وإرادته تعالى ليست كإرادتنا، وكذلك فعله تعالى ليس كفعلنا.\rفأفعالنا مخلوقة لله تعالى وليست مخلوقة لنا، بل لقدرتنا تعلق بالأفعال ليس هو الخلق، وكما أن قدرتنا لا تعلق لها بالخلق فكذلك لا يجوز أن ننفي عنها مطلق التعلق، فيؤول الكلام إلى القول بالجبر كما يتصوره البعض، بل لها تعلق بالأفعال كما مضى بيانه وهذا التعلق يسميه علماء أهل السنة بالكسب ويسمونه أحياناً بالفعل مطلقاً مع قولهم أنه ليس بالخلق.\rفتعلق القدرة الحادثة بالفعل يسمى كسباً، وتعلق القدرة القديمة بالفعل يسمى بالخلق، ولا يسمى بالكسب، وكل ما تعلقت به قدرتنا على سبيل الكسب فتكون قدرة الله تعالى قد تعلقت به على سبيل الخلق، ولهذا يقال أحياناً إن الكسب هو تعلق القدرة الحادثة على وفاق تعلق القدرة القديمة، وقد يقال إن الكسب هو مقارنة القدرة الحادثة للقدرة القديمة، وقد يقال إنَّ صَرْفَ العبدِ قُدْرَتَهُ وإرادتَه إلى الفعل كَسْبٌ، وإيجادَ اللهِ تعالى الفعلَ عَقيبَ ذلك خَلْقٌ.","part":1,"page":40},{"id":42,"text":"فالمقدورُ الواحدُ داخل تحت القدرتين لكن بجهتين مختلفتين، فالفعل مقدور لله تعالى بجهة الإيجاد ومقدور للعبد بجهة الكسب.\rأو بغير ذلك من العبارات، فكل ذلك يؤول إلى ما سبق.\rالرد على من خالف أهل السنة\rمن السابقين والمعاصرين وبيان تهافتهم\rوبهذا يبطل ما قد يقال إن أهل السنة يؤول مذهبهم إلى القول بالجبر مطلقاً، أو أنه يؤول إلى القول بأن العبد لا إرادة له، فكل هذا باطلٌ لا أساسَ له من الصحة.\rوبهذا أيضاً يَنْحَلُّ إشكالُ بعض المعاصرين ممن تأثروا بما يكتبه الغربيون عن الأشاعرة من أن مذهبهم يؤول إلى التسليم المطلق وعدم الفاعلية في الكون، أو أنه يؤدي إلى الخنوع في وجه الظلم وعدم الجهر بالحق.\rفكل هذه الادعاءات ما هي إلا توهمات نفسانية عرضت عليهم نتيجة لجهلهم بحقيقة مذهب القوم، والأدلة على قوة الأشاعرة أهل السنة وجهرهم بالحق ماثلة في التاريخ، أقوى من أن ينكرها المنكرون.\rكلامٌ على أقسام التوحيد\rالذي ابتدعه بعض الناس\rولا ضرر في أن نشير إلى مسألة من المسائل الهامة في علم العقائد هي فرع من أصل التوحيد الذي نحن فيه، وهي هل يوجد فرق بين الإله وبين الرب !؟ وإذا وجد فما وجه الفرق ؟!\rالربُّ كما هو معلوم ومشهور في الكتب وبين العلماء بمعنى المُرَبِّي والمُدَبِّرُ شؤونَ الخَلْقِ، ومعلوم بالبداهة أن الإله يستحيل أن لا يكون كذلك.\rأي إن أيَّ إنسان لا يمكن أن يؤمن بإلهٍ هُوَ يعتقد أنه لا يضره ولا ينفعه، فكل البشر الذين عبدوا غير الله تعالى كانوا يعتقدون أن هذه الآلهة تضرهم وتنفعهم، ولذلك عبدوها، ومعنى عبادتهم إياها هو أنهم حاولوا جهدهم أن يعملوا ما يعتقدون أنها ترضى به عليهم.\rولذلك كانت إحدى وظائف الكهان والعباد أن يدلوا الناس إلى ما ترضى به آلهتهم.","part":1,"page":41},{"id":43,"text":"فعبادة الآلهة معناه إذن هو طاعتهم لها في حال كونهم معتقدين أنها هي التي تنفعهم وتضرهم لا غيرها، وأنها هي التي بيدها النفع والضرر ولا يستطيعون أن يصلوا إلى نفعهم إلا من خلالها، فلذلك كانوا يطيعونها طاعةً مطلقةً.\rوليس المقصود من العبادة أصلاً إلا الطاعة على العموم والخصوص، فعلى العموم أن تكون أفعالك الدنيوية كلها منضبطة على وفق إرادة من تعتقد أنه الإله، وثانياً تظهر العبادة في الشكل الخاص وهو الحركات المخصوصة التي تؤدى في أوقات مخصوصة بقصد نوال رضى الإله على حسب الاعتقاد.\rهذا هو المعنى الحقيقي للإله والرب، فالموحد توحيد ربوبية والموحد توحيد ألوهية لا يمكن أن ينفصلا، أي لا يمكن أن يكون الإنسان موحداً توحيد ألوهية وغير موحد للربوبية، وكذا العكس، فالمُوَحِّدُ توحيدَ ألوهية لا يمكن إلا أن يكون موحداً توحيد ربوبية.\rوعلى الأقل إذا كان هناك إنسان يعتقد اعتقاداً خالصاً أن الله تعالى هو المدبر الحقيقي لشؤون الكون فلا يمكن لهذا الإنسان إلا أن يلوم نفسه إن لم يُطِعِ اللهَ تعالى، ولا يمكن له إلا أن يعتقد أنه مخطىء إنْ لم يعبدْهُ.\rوأما في حال كون الإنسان عابداً لغير الله تعالى ومطيعاً له في الخير والشر فكيف يمكن له أن يدعي أو يدعي غيره أنه موحد توحيد ربوبية؟\rكيف يكون هذا الإنسان معتقداً أن الخير كله بيد الله تعالى !؟ وكيف يمكن أن يتصور إنسان أن العابد لغير الله تعالى يعتقد أن الله تعالى هو المدبر لشؤون الكون ؟! هذا في غاية الغرابة.\rفالحاصل من هذا كله أن الذي يعتقد أن المدبر هو الله تعالى وحده لا يمكن أن يعبد غير الله تعالى.\rوأما العابد لغير الله تعالى وهو مُقِرٌّ بهذا فلا يمكن أن نتصور أنه يعتقد أن الله تعالى هو المدبر الحقيقي للكون.","part":1,"page":42},{"id":44,"text":"وهكذا كان الكفار في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا يعبدون الأصنام، ولهذا كفروا، لأن من يعبد غير الله تعالى سواءاً أكان أصناماً أم غير أصنام، فلا يمكن أن يكون من الموحدين على الإطلاق.\rوالكفار في قريش كانوا يعتقدون بأن الله تعالى يشاركه في ملكه بعض الخلق وهم الأصنام أو من كانوا يرمزون لهم بالأصنام، فكانوا يعتقدون أنهم هم المدبرون لشؤون الملك من دون الله تعالى فهذا هو معنى الشريك، فهو الذي له مثل ما لشريكه من الحكم في ما هم مشتركون فيه، وكانوا يعتقدون أنه لا يمكن أن يصل الناس إلى غرضهم إلا بطاعة هذه الأصنام، لهذا كان الناس يعبدون هذه الأصنام.\rوكانوا يعتقدون أنها هي التي تضرهم وتنفعهم، لذا كانوا يحتكمون إليها بالأزلام في أمورهم.\rولما كان المسلمون يقولون لهم إنها لا تضر ولا تنفع، كان هذا دليلاً على أنهم يعتقدون أنها تضر وتنفع.\rولما لم يكونوا يملكون جواباً على أسئلة المسلمين كانوا يلجأون إلى التحايل فيقولون إننا لا نعبد هذه الأصنام إلا لأنها هي التي توصلنا إلى الله تعالى، وكان هذا إقراراً منهم أنهم يعبدونها، ويعتقدون أنها هي التي تملك لهم التوفيق الذي يعتقدون، وهذا فقط كاف في الحكم عليهم بالكفر على الإطلاق.\rولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يقال: إنهم كانوا موحدين توحيد ربوبية وغير موحدين توحيد ألوهية، فهذا قولٌ سقيمٌ !!\rشروعٌ في بعض المسائل\rالمترتبة على ما مضى من الأصول\r[و] بما مضى يكون الإمام ابن الحاجب قد وضع أهم الأسس التي لا تتم العقائد إلا عليها، وهو الإيمان بالله تعالى وصفاته.\rلا حكم إلا لله تعالى ومعنى ذلك","part":1,"page":43},{"id":45,"text":"لما كان أصل التوحيد تنبني عليه الشريعةُ بتوسط معرفة مأخذ الأمر والنهي، تكلم عن مسألة العقل ما هو موقعه عند الأشاعرة أهل السنة فقال: اعلم [أن العقلَ لا يسْتقلُّ بإدراكِ كَوْنِ الفِعْلِ أو التَّرْكِ مُتَعلّقَ المؤاخذةِ الشرعيةِ فـ]ـيلزم على ذلك أنه [لا] يعرف الـ[ـــتَّحسينُ ولا] الـ[ـتقبيحُ عَقْلاً].\rأي إن التحسين والتقبيح الذي هو بمعنى ترتب الثواب والعقاب على الفعل لا يمكن أن يعرف عن طريق العقل.\rونحن لكي نشرح ونوضح هذه المسألة التي هي من المسائل الأصول لا بد أن نقدم مقدمة نمهد بها للأفهام.\rالإنسان في أفعاله لا بد أن يكون لديه حُكْمٌ ما عن الفعل الذي سوف يفعله، وذلك لأن الحكم هو الذي به تترجح إرادته نحو الفعل أو خلافه، فالحكم هو الذي يبين ماهية الإرادة التي سوف يرتبط عن طريقها بالفعل.\rوقد بينا نحن في علم الأصول أن الحكم الشرعي في النهاية يبين ويصف الإرادة التي ينبغي على الإنسان أن يتكيف بها، لأن هذه الكيفية هي التي سوف تدفعه إلى القيام بالفعل.\rفالإنسان من حيث هو فاعل لا بد أن يكون مالكاً لِحُكْمٍ لِفِعْلِهِ.\rونحن نعلم أن الإنسان فاعل حتى لو تصورنا أن الشرع لم ينزل مطلقاً أو قبل نزوله.\rإذن ينبغي أن نعترف أن الإنسان يَحْكمُ بحكمٍ ما على الفعل دون حاجة إلى الشرع، ومن دون أن ندخل في حقيقة هذا الحكم ما هو وما مبناه هل بني على المصلحة أو على ما أحبه مطلقاً ومال إليه الإنسان.\rهذا البحث الآن لا يهمنا، لأن المهم هنا هو هل يمكن للإنسان أن يحكم أنه سوف يعاقب في الآخرة أو أنه سوف يثاب بمجرد عقله ؟\rوبصورة أخرى هل مجرد حكم الإنسان على أمر يعني أنه أدرك ما يتعلق به من عقاب أو ثواب !\rالمحقِّقُ يُدْرِكُ بقوَّةٍ أنَّ هذا لا مَدْخَلَ للإنسان فيه، لأنه لا يمكنه أن يجزم بوجود علاقةٍ ما بين الفعل وبين الجزاء، حتى يستطيع بناءاً على ذلك أن يدرك الجزاء من إدراكِهِ الحُكمَ أو الفِعلَ.","part":1,"page":44},{"id":46,"text":"فليست العلاقة بينهما هي علاقة العلية ولا التضمن ولا علاقة التقارن ولا هي شيء من العلاقات التي يستخدمها الإنسان للإدراك.\rبما مضى من الإجمال ندرك أن الإنسان يمكن أن يعرف حكماً ما للفعل ضَرورَةَ أنه فاعلٌ، ولكنْ أنْ يُدرِكَ ما يترتَّبُ عليه من عقاب أو ثواب فلا مجال لإدراكه ضرورةَ أنه لا علاقة بين الفعل والجزاء يدركها الإنسان بعقله.\rهذا هو أصل المسألة ومبناها، فأهل السنة لا ينفون أن الإنسان يمكن أن يحكم على الفعل أو الأفعال، ولكن الذي يخالفون فيه هو أن يدرك الإنسان ما يترتب على الفعل من عقاب أو ثواب لقولهم أن هذا لا يوجد له مدرك عقلي.\rوهذا هو ما أشار إليه الإمام ابن الحاجب بكلامه.\rوبعد هذا البيان لا مانع من أن نذكر ما توصل إليه وأدركه العلماء من معاني الحسن والقبح.\rفقد قالوا: إن الحسن والقبح قد يراد منهما صفة الكمال وصفة النقص، وقد يراد منهما الملائم للطبع والمنافر له، بمعنى الذي يميل الإنسان بطبعه وغرائزه اليه أو لا، وهما بهذا المعنى يمكن إدراكهما بالعقل.\rوقد توهم بعض الناس أنهما بهذا المعنى يرجعان إلى بعضهما البعض فلا داعي للقسمة، ولكن عند التحقيق نجد أن بينهما عموماً وخصوصاً، وأنهما لا يرجعان إلى معنى واحد.\rفالكمال في الإنسان قد لا يتلاءم مع إرادة الواحد وما يشتهي، وذلك لأننا ندرك بالضرورة أن الكثير من الناس يظلمون بعضهم البعض ويظنون أن هذا في صالحهم، والكثير منهم يعمل المعاصي وهو يظنها أنها هي التي توافقه وتلائمه لأنها هي التي تجلب له المصلحة كما يتوهم، ونحن نعلم أن الشرع قد نهى الناس عن المعاصي وعن الظلم، ولو كانت من الملائم لكمال الإنسان لما نهى عنها الشرع الحكيم، لأن هذا يكون خلاف الحكمة.\rوكذا يقال في صفات الكمال، فالكثير من الناس يبتعدون مثلاً عن العلم والتعلم بحجة أن العلم لا ينفعه أو أنه لا حاجة به إليه، ولا ريب أن العلم من صفات الكمال.","part":1,"page":45},{"id":47,"text":"وقالوا أيضاً إن الحسن والقبح يطلق أيضاً على ما وافق الشرع وما خالفه، وهو بهذا المعنى شرعي أي أنه لا يدرك إلا من الشرع، وهو محل الخلاف بين المعتزلة وبين أهل السنة. فتنبه.\rلا يجب على الله شيءٌ وبيان معنى هذا الأصل\r[و] اعلم أن العقل يدرك [أنَّه لا يَجِبُ عليه] تعالى [شَيءٌ].\rوليس هذا مُعارضٌ لقولنا أنه لا إدراكَ لحكمٍ شرعيٍّ إلا عن طريق النقل، فنفي وجوب شيءٍ على الله تعالى هو حكمٌ عقليٌّ، والعقل يدركه من حيث هو ثابت لله على ما تقتضيه صفات الألوهية، وهذه إدراكها عقلي ولا يتوقف العلم بها على الشرع.\rولا معنى لمن قال: إنه تعالى يجب عليه شيء إلا أنه غير فاعل مختار أو أنه تعالى عن ذلك غير حائزٍ لما لا يتحقق كمالُ وجودهِ إلا به.\rلأنه على قولهم إن لم يجز عليه تعالى إلا أن يفعل ما هو الواجب وامتنع أن يتركه، فهو فاعل على سبيل العلة أو الطبع، وإلا؛ فإن جاز تَرْكُهُ فإن تَرَكَهُ فِعْلاً، فقد ترك ما هو الواجب، وكذا إن فَعَلَهُ، فمجرد جواز الترك يترتب عليه ما ذكرناه.\rولكن إن فعله مع عدم القول بأنه واجب عليه فلا يلزم على ذلك ما مر من المفاسد.\rولذا قال أهل السنة: إنه لا يجب على الله تعالى شيء، وخالفوا من قال من الناس: يجب عليه شيء.\rوقال بعض أهل السنة: إن الله تعالى لا يترك ما هو الحكمة، وهذا القول غير مذموم ولا يترتب عليه مفاسد في حق الذات الإلهية.\rأفعال الله تعالى كلها حسنة وتقريب فهم ذلك\rوجمهور أهل السنة على أن كل ما يفعله تعالى فهو حسن، وأن أفعاله تعالى كلها حسنة وهي غير قابلة لأن توصف بالقبح، بل القبح من صفات أفعال الإنسان، والله تعالى هو خالق أفعال الإنسان لا على ما هي قبيحة بل القبح هو نسبة اكتسبها الإنسان باختياره.\rولعلنا نستطيع تقريب ما ذكرناه هنا من أن أفعاله تعالى لا يمكن أن تتصف بالقبح كما يلي:","part":1,"page":46},{"id":48,"text":"القبح في حاصله عند التحقيق هو إعدام الوجود أو التنقيص من رتبته، والله تعالى كل أفعاله تعالى هي إيجاد، وليس في أفعاله شيء من الإعدام، بل الانعدام يكون ويحصل لكونه من الصفات الذاتية للمكنات التي هي الموجودات غير الله تعالى.\rفالله تعالى تتعلق إرادته بالممكنات على سبيل الإيجاد لا على سبيل الإعدام، وأما الإعدام فهو يحصل عندما يترك الله تعالى إيجاده للممكن، وهذا الترك ليس فعلاً من أفعال الله تعالى، لأن أفعاله تعالى كلها إيجاد كما مر.\rولذلك فإن كان هذا الانعدام قبيحاً فهو ليس منسوباً لله تعالى حتى يقال إنه يتصور أن تكون بعض أفعاله قبيحة، مما يمهد للقول بوجوب الحسن عليه تعالى عن ذلك.\rوبهذا التقرير يتضح معنى قول أهل السنة كيف أن أفعال الله تعالى لا تتصف مطلقاً بأنها قبيحة، بل هي دائماً موصوفة بالحسن والجمال.\rويتضح أيضاً كيف أن أفعال العبيد التي يخلقها الله تعالى لهم وهي قبيحة لا ينسب قبحها إلى الله تعالى، فافهم هذا التوضيح فقد لا تجده هكذا في كتاب.\rنفي الغرض عن أفعال الله تعالى\r[و] اعلم أن الله تعالى [لا] يجوز أن يقال عنه إنه [يَفعلُ] أفعاله التي تصدر عنه [لَغَرَضٍ]، بمعنى أنه ليس هناك دافع يدفع الله تعالى إلى أن يفعل أفعاله، لا أسباب غائية ولا أسباب علية؛ لأنّ كلاً من الأمرين يؤدي إلى أن الله تعالى لا يمكن أن ينفك عن الفعل ما دامت علته موجودة، وهذا نقص يجب تنزيه الإله عنه.\rالعلاقة بين أفعالنا وبين الثواب\rليست علاقة العلية\r[و] اعلم كذلك [أنَّ] مما يترتب على ما مضى من كون الأحكام ليست عقلية بمعنى ترتب الثواب والعقاب عليها، كَوْنُ [الأعْمالِ ليسَتْ عِلَّةً لاِستِحقاقِ الثَّوابِ والعِقابِ]، فهي ليست مَنْشأً للأحكام الشرعية من العقاب والثواب، لأنها لو كانت كذلك لصار الإله ملزماً بالثواب بمجرد أن يفعل الإنسان الفعل الحسن.","part":1,"page":47},{"id":49,"text":"ومعلومٌ بُطلانُ هذا لأنه مما ينافي كمال الإله وأنه لا يقيده قيد في أفعاله ولا في ذاته، بل ولا في مطلق وجوده.\rفالله تعالى فاعل مختار في جميع أفعاله، فلذلك قال أهل السنة: إن الله تعالى يمكن أن لا يثيب المطيع في الآخرة إن شاء ذلك، ويجوز أن لا يعاقب العاصي إن شاء ذلك، لأنه الفاعل المختار، لا شيء في الوجود يقيد أفعاله.\rوهذا كله مع قولهم وجزمهم بأن الله تعالى قد وعد أنه لا يُخلِدُ المؤمنَ في النار، ولا يُدخِلُ الكافرَ في الجنة، فهذا لا يفعله الله تعالى لأنه يخالف ما وعدنا به، ولا يمكن أن يخلف الله تعالى وعده لأن إخلافَ الوعدِ قبيحٌ عقلاً بمعنى أنه من الأمور التي تدل على النقص، والله تعالى منزه عن كل نقص عقلاً.فالحاصل أن كلاً من الثواب والعقاب بِمَحْضِ فَضْلِ الله تعالى.\rالإيمان بسيدنا مُحَمَّدٍ\rصلى الله عليه وسلم\r[وَ] بعد أن يؤمن المكلف ويعتقد بما مرَّ من العقائد والمفاهيم، فإنَّ عليه لكي يصل إلى الإيمان الحق أن يعمل فكره في الكون ويعلم أن الله تعالى قد أرسل إلى خلقه أنبياء لكي يهديهم إلى الطريق الصحيح.\rوليس الوحي من الله تعالى إلى خلقه بمحال، فإن هذا إن هو إلا فعل يفعله الله تعالى، وكل أفعاله تعالى فهي مقدورة له لا مانع من فعله تعالى.","part":1,"page":48},{"id":50,"text":"ومهما كانت صور الوحي فيجب على المكلف [أنْ] يعلم ويعتقد أنَّ [محمداً صلى الله عليه وسلم رسولٌ] من [اللهِ] تعالى إلى خلقه ليهديهم إلى الخير في الدنيا والآخرة، [وَ] أنه صلى الله عليه وسلم [خاتَمُ النَّبيِّينَ] فلا يوجد نبي غيره يأتي بعده، وكلّ من يدعي النبوة فهو من الكاذبين المكذبين لله تعالى بما أخبرنا به من أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء، وكل من ادعى النبوة بعده فقد كفر بالله تعالى لأنه كذب ما أخبر الله به، ولا يجوز للإنسان أن يشك في كذب من ادعى النبوة أو الرسالة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ومن يقع الشك في كذب المدعي فليراجع إيمانه فهو منه على ريب.\r[وَ] زيادة على الإيمان بما مضى فيجب على الإنسان [أنْ] يؤمن أن [جميعَ ما جاءَ بِهِ] النبي صلى الله عليه وسلم من أحكام وأخبار تتعلق به من حيث هو رسول فهي [حَقٌّ] لا ريب فيه.\rوالطريق الذي به عرفنا ما مر من الأحكام المتعلقة بالنبوة هو أنه قد [دلَّتِ المُعْجِزَةُ] التي أظهرها الله تعالى [على] يدي النبي على [صِدْقِهِ] فيما يخبر به من الأمور، [وَ] هذا كما دلت المعجزات التي أظهرها الله تعالى على أيدي الأنبياء والرسل على [صِدْقِ جميعِ الأنبياءِ والرُّسُلِ].\rتوضيح معنى المعجزة والإعجاز\rوسوف نشرع الآن في بيان معنى المعجزة وكيفية دلالتها على صدق النبي.\rوقبل الشروع في بيان معنى المعجزة لا بد أن نقدم بذكر بعض المفاهيم التي من الضروري أن يعرفها المسلم مما ينبني عليها أحكام السمعيات.\rلا شك أن كل مَن يولد لا يكون في ذهنه أي نوع من أنواع المعرفة كما أشرنا إليه، ولكنه يكون متهيئاً لها وهذه المقدمة تكاد تكون ضرورية في الأذهان، فالعلم لا بد أن يحصل عليه الإنسان لا من داخله ولكن بمساعدة أمر هو بداخله وهو العقل، مهما كان تعريف العقل.","part":1,"page":49},{"id":51,"text":"وبعد أن يملك الإنسان بعض المعارف يصبح بإمكانه أن يعرف غيرها بالاعتماد عليها، لأنها تصبح عنده مقدمة عقلية لأنها مستندة إلى ما هو معقول، ولو من وجهٍ ما وهذا الوجه كاف لبناء المعلومات التي يسعى الإنسان إليها.\rومن أهم الأمور التي يدركها الإنسان بعقله هي إثبات الخالق وصفاته التي دلت عليها أفعاله وما من شأنه أن يكون ثابتاً للإله، وبعد هذا يمكن للإنسان أن يأخذ من الإله ما يدلّه عليه ويقول له: إنه الخير، ويكون أخذه لهذا الأمر وتعقله له أخذاً عقلياً وإن لم يكن قد تعقل حقيقة ماهية هذا الأمر.\rومن المعلوم أن الإنسان لا يمكن أن يعرف كل مصالحه في هذه الحياة الدنيا بعقله، أي إنه لا يمكن لجميع الناس أن يعرف كل منهم كل المصالح والمفاسد التي تحوطه في هذه الحياة، ولهذا لا بد أن يحتاج الإنسان إلى إرشادات ومساعدة من الإله الخالق لدلالته على الخير.\rوهذه المساعدة لا بد أن تكون أمراً حسناً لأنها لو لم تكن أمراً حسناً لما فعلها الإله.\rوحتى لو فرضنا أن الإنسان أيْ أيَّ فَرْدٍ من جنس الناس يمكن أن يدرك الأمور الصالحة ويميز المفاسد من القبائح، فإنه لا بد أن يحتاج إلى زمان كبير وجهد عظيم، ثم هذا الأمر لا يكون إلا لواحد بعد واحد من بني البشر، فإمكان حصولها لواحد منهم ليس كافياً لإرشادهم إلى ما هو المطلوب.\rولذا كانت النبوة أمراً حسناً لأنها تسهل الدلالة للناس في أمور حياتهم إلى ما هو المناسب لأصل وجودهم، وتيسر لهم الطريق إلى وجدان الحق في هذه الدنيا.\rوالمقصود من النبوة هو أن يوحي الله تعالى إلى أحد خلقه بما يلزم الإنسان أن يفعله لكي يصل إلى الخير بالذات في الحياة الدنيا والآخرة.","part":1,"page":50},{"id":52,"text":"ولكن لو فرضنا أن أحداً ما جاء وأخبرنا أنه مُرْسَلٌ من قِبَلِ الله تعالى ودالٌّ لنا على الخير، لم يلزمنا أن نصدِّقه، ولم يلزمنا أن نتبعه بالتالي؛ لأنه لم يأت لنا بدليل دالٍّ على أنه حقاً صادقٌ فيما يقول، لأننا نعلم بضرورة العقل أنْ لا حُجَّةَ لأحدٍ على أحَدٍ إلا بدليل يخْضَعُ له الاثنان.\rوليس هنا من أمر يخضع له الاثنان إلا أن يكون الواحد مرسلاً من قبل الإله الخالق، أو أن يُلزم أحدُهما الآخرَ، ويلتزِمٌ هو أيضاً بدليل إما عقلي أو حسي.\rإذن لا بد لنا لكي نصدق أن هذا الإنسان مُرسَل من الله تعالى أن يكون معه دليل، وهذا الدليل ينبغي أن يكون منصوباً من قبل الإله لا من قبل النبي، لأن الذي يريد أن يجعل كلام النبي حجة علينا هو الإله وليس هو النبي نفسه، لذلك فالحجة تكون من الذي يريد أن يحجنا، والنبي يكون في هذا المجال واسطة لظهور الحجة، وليس سبباً لها.\rوهكذا ينحصر بحثنا في مفهوم الحجة التي هي المعجزة هنا تبعاً للصفات التي عرفناها لها كما مر، وهي كونها دالةٌ على صدق النبي دلالة قطعية لا تترك مجالاً للشك، وكونها فعلاً من أفعال الإله وليست من أفعال البشر، ولا يمكن أن تكون من صفات الإله، لأن الصفة لا تكون دليلاً على الأمر الحادث الذي هو صدق النبي الحادث بحدوثه وبتكليفه بالإخبار، بل الأمر الحادث هو الذي يكون دالاً على الصفة ولو كانت الصفة هي الدليل لكانت الصفة مدركة منا وهذا أمر باطل بين البطلان، لأننا لا ندرك حقيقة أي صفة من صفات الله تعالى، ولكان البشر محجوجين بالنبوة حتى قبل أن يولد النبي، وهو باطل لأنه ليس كل الأنبياء قد بشرت بهم الأنبياء الذين قبلهم.","part":1,"page":51},{"id":53,"text":"ولكنا نعلم أنه لا بد أن يوجد مع كل نبي دليل على أنه نبي، وأفعال الله تعالى كلها حادثة، لا يوجد فعل لله تعالى قديم، لأن هذا لا يمكن بحكم العقل، لإفضائه إلى كون القديم مفعولاً وهو باطل، وأيضاً قد دلنا الله تعالى على أن كل المخلوقات حادثة بعد أن لم تكن.\rوهذه المعجزة أيضاً لا بد أن تكون مدركة بالحس، وفيها في نفس الوقت دلالة عقلية على المراد، فأما كونها مدركة بالحس فلأن الحس هو شرط التعقل فلا يمكن أن نتعقل أمراً إلا بعد أن نحس به أو بأمر يدلنا عليه.\rوأما كون النبي آخر الأنبياء فهذا يلزم أن تكون المعجزة باقية الدلالة على هذا الأمر، على مر الأزمان، وهذا يفرض أن تكون المعجزة دائما قابلة لأن تحس أي أن تقع تحت الحس، وأن تكون دلالتها العقلية دائمية أيضاً.\rوينبغي أن تكون دلالة المعجزة لكي تلزم الناس عامتهم وخاصتهم واضحة لا تعتمد إلا على ما يملكه أي إنسان، ولا يعتمد على الإمكانيات الحادثة باختراع من البشر، مع عدم نفي أن تكون هذه الأمور كلها دالة على النبوة، ولكن المقام هو في توضيح صفات المعجزة من حيث هي معجزة أي تعجز الخلق عن المعارضة وتلزمهم بالحق.\rواعلم أنه ما دامت المعجزة من أفعال الله تعالى فلا بد أن تكون داخلة تحت قسم الممكنات العقلية، فهل تدخل مع هذا تحت الممكنات العادية أو لا، الأصل أن لا تدخل تحت العادة -ونقصد بالعادة هنا العادة البشرية لا الإلهية-، لأن ما كان داخلاً تحت العادة البشرية لا يبعد على البشر الإتيان بمثله، فتنتفي دلالتها على كونها دالة على نبوة النبي.","part":1,"page":52},{"id":54,"text":"وقد يقال: إنها إنما تكون داخلة تحت العادة، ولكن الإعجاز إنما يكون في عدم القدرة على الإتيان بها مع كونها داخلة تحت العادة، ولكن على هذا لا يكون الإعجاز هو نفس الشيء المعتاد والمقدور عليه، بل الإعجاز إنما هو عدم التهيؤ لتحصيله أو تحصيل مثله مع كونه مقدوراً، وعدم القدرة على تحصيل الشيء مع كونه داخلاً تحت القدرة في العادة هو الخارق للعادة؛ هذا بناءاً على القول المشار إليه.\rوالتحقيق أنه يجب الحكم بأنها داخلة تحت قسم العادة الإلهية، التي هي أصلاً من الممكنات العقلية، وأن ناحية الدلالة على الإعجاز هي كونها أتت مخالِفةً للعادة التي خلق عليها الله تعالى الخلقَ، وأنها جاءت موافقةً لدعوى النبي.\rولا يجوز أن يكون الإعجاز بتحصيل الواجب لأنه إن كان حاصلاً فلا يمكن تحصيله، وإن لم يكن حاصلاً فلا يكون واجباً.\rولا يمكن المطالبة بتحصيل الواجب والتحدي به لأنه لا يحصل بفعل فاعل، وأما المستحيل فلا يمكن أن يتم الإعجاز به لأنه لا يمكن حصوله في ذاته، فلا يمكن أن تتصور المطالبة به لا نفياً ولا إثباتاً.\rفمن صفات المعجزة أنها يتم التحدي بها، أي إن النبي يتحدى الناس أن يأتوا بمثلها، لأن هذا ادعى لأن يكون عجزهم بيناً وإفحامهم ظاهراً عندما لا يأتون بمثله.\rومن شرط المعجزة اللاحق لها كونها تمت فيها الصفات السابقة ولم يتمكن أحد من الناس من المعارضة، أي لم يتمكن أحد من الناس من أن يأتي بمثلها، فهذا يكون دليلاً على أنها معجزة.\rتعريف المعجزة\r[و] لهذا عرفها الإمام ابن الحاجب فقال: [هِيَ أمْرٌ خارقٌ للعادَةِ مَقْرونٌ بالتحدِّي مع عدَمِ المُعارَضَةِ].\rالقرآن الكريم هو معجزة النبي صلى الله عليه وسلم\rومعجزة النبي محمد صلى الله عليه وسلم هي القرآن الكريم، وهي تتوفر فيها كل صفات الإعجاز كما أسلفناها.","part":1,"page":53},{"id":55,"text":"والقرآن الكريم هو الدليل على أنه نبي حقاً، وجهة دلالته كما ذكرها العلماء، هي أن الله تعالى لما أرسله إلى الناس نبياً وكذبوه تحداهم بالقرآن أن يأتوا بمثله، فعجزوا، وعجزهم جاء بعد العديد من المحاولات منهم لمعارضته ففشلوا، فكان هذا دليلاً على أن محمداً صلى الله عليه وسلم نبي حقاً.\rوفي القرآن ذكر أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء، والتحدي بالقرآن مستمر إلى هذه الأيام ولن يزال مستمراً إلى آخر الزمان.\rوهو محسوس بالحواس ومعقول، ولا يوجد شيء في القرآن غير معقول أو يخالف العقول.\rوكل من قال: إن في القرآن ما يخالف العقول فقد ارتكب شططاً، ولا يبعد أن يكون قد خرج عن ربقة الإسلام، فتنبه.\rوالقرآن المتحدَّى به ليس قديماً أي إنه ليس موجوداً منذ الأزل، بل هو حادث، فهو ينتمي إلى رتبة الممكنات، وليس هو من المستحيلات ولا الواجبات، بل له بداية، وما كان له بداية فهو فعل من أفعال الله تعالى وما كان كذلك فهو مخلوق.\rتلخيص طريق الدلالة\rعلى نبوة النبي صلى الله عليه وسلم\rواعلم أن الحاصل في طريق الدلالة على نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أمران: الأول أنه ادعى النبوة، والثاني أنه أظهر المعجزة.\rأما دعوى النبوة فقد علم بالتواتر.\rوأما إظهار المعجزة فلوجهين: أحدهما: أنه أظهر كلام الله تعالى وتحدى به البلغاء مع كمال بلاغتهم فعجزوا عن معارضة أقصر سورة منه مع تهالكهم على ذلك حتى خاطروا بمُهَجِهِمْ وأعرضوا عن المعارضة بالحروف إلى المقارعة بالسيوف، ولم ينقل عن أحد منهم مع توافر الدواعي الاتيان بشيء مما يدانيه، فدلَّ ذلك قطعاً على أنه من عند الله تعالى، وعلم به صدق دعوى النبي صلى الله عليه وسلم علماً عادياً لا يقدح فيه شيء من الاحتمالات العقلية على ما هو شأن سائر العلوم العادية.","part":1,"page":54},{"id":56,"text":"وثانيهما: أنه قد نقل عنه الأمور الخارقة للعادة ما بلغ القدر المشترك منه، أعني ظهور المعجزة حد التواتر وإن كان تفاصيلها آحاداً كشجاعة علي رضي الله عنه وجود حاتم، وهي مذكورة في كتب السير.\rطرق استدلال أهل التحقيق\rعلى نبوة النبي صلى الله عليه وسلم\rوأهل التحقيق يستدلون على نبوته بوجهين أيضاً:\rأحدهما: ما تواتر من أحواله قبل النبوة وحال الدعوة وبعد تمامها وأخلاقه العظيمة وأحكامه الحكيمة وإقدامه حيث تحجم الأبطال ووثوقه بعصمة الله تعالى في جميع الأحوال، وثباته على حاله لدى الأهوال بحيث لم تجد أعداؤه مع شدة عداوتهم وحرصهم على الطعن فيه مطعناً ولا إلى القدح فيه سبيلاً، فإن العقل يجزم بامتناع اجتماع هذه الأمور في غير الأنبياء وأن يجمع الله هذه الكمالات في حق من يعلم أنه يفتري عليه ثم يمهله ثلاثاً وعشرين سنة ثم يظهر دينه على سائر الأديان وينصره على أعدائه ويحيي آثاره بعد موته إلى يوم القيامة.\rوثانيهما: أنه ادعى هذا الأمر العظيم بين أظهر قوم لا كتاب لهم ولا حكمة معهم وبين لهم الكتاب والحكمة وعلمهم الأحكام والشرائع، وأتم لهم مكارم الأخلاق وأكمل كثيراً من الناس في الفضائل العلمية والعملية ونور العالم بالإيمان والعمل الصالح وأظهر الله دينه على الدين كله كما وعده ولا معنى للنبوة والرسالة سوى ذلك.\rالنبي عليه السلام مرسل إلى كافة المكلفين\rواعلم أنه صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الناس كافة بل إلى الجن كذلك وأنه خاتم الأنبياء وأفضل الخلق أجمعين.\rإشارة في معنى النبوة\rواعلم انه ليس معنى النبوة هو فقط أن يخبر المرسل الناس بما أعلمه الله إياه، من دون أن توجد له ميزة على غيره بالأخلاق والعلم والعمل وكمال خلقته الإنسانية، وقد زعم بعض الناس في هذا الزمان أن مفهوم أهل السنة للنبوة هو مفهوم لا قيمة له وأن النبي بهذا المعنى لا يكون إلا منفعلاً بما يخبره إياه الله تعالى.","part":1,"page":55},{"id":57,"text":"وقد ظهر لنا مما مضى أن هذا التفسير للنبوة تفسير قاصر، وأن من يزعم هذا المعنى في النبوة فهو يبرهن على أنه لا يفهم معنى النبوة، وأنه لا يريد تحقيق الحق بل له مآرب أخرى يسترها بظاهر كلامه.\rفالنبي عند أهل السنة لا يمكن أن يكون إلا موصوفاً بالأخلاق الفاضلة والعقل البالغ التام والذكاء الحاد والفطانة، بل اعتبروا هذه الصفات صفات يدرك العقل ثبوتها للنبي أي إنه لا يمكن أن يكون الإنسان نبياً إلا إذا كان متصفاً بهذه الصفات.\rفالنبوة منصب لا يمكن أن يمنحه الله تعالى لأي إنسان.\rوهذا لا يعني أن النبوة مكتسبة، أي إن الإنسان يمكن أن يصير نبياً بمجرد تحصيل الأخلاق الحسنة ومجاهدة النفس، فمنصب النبوة ليس كسبياً، بل هو عبارة عن منحة إلهية يتفضل الله تعالى بها على من يشاء من عباده. ولكنه تعالى لا ينعم بها على من هو دنيء الأخلاق سيء النفس.\rالصفات الواجبة للنبي\rواعلم أن العقل يوجب أن يكون النبي متصفاً بالفطانة، لأنه لو لم يكن فطناً فكيف يستطيع أن يدافع عن الدين الذي أرسل به، وأيضاً غير الفطن لا يمكن أن يتصدى للشبه التي يوردها المكذبون.\rوالأصل أن على صاحب الدعوة أن يكون قادراً على نصرة ما يدعو إليه، وأيضاً فالنبوة لا ينالها إلا من بلغ في درجة الوجود الإنساني الكمال، والفطانة من صفات الكمال، فيجب أن يكون النبي موصوفاً بها.\rواعلم أن الذي يقول: إن النبي بليد فهو من الكافرين.\rويجب أن تعلم كون النبي صادقاً فيما يقول، لأنه أصلاً مبلغ عن رب العالمين، فلو لم يك صادقاً فكيف نأمن له في تبليغه الرسالة، ولأن الصدق من صفات الكمال التي يجب أن يكون النبي موصوفاً بها كما مر.\rفهو إن لم يَكُ صادقاً لزم أن يكون كاذباً، والكذب من صفات النقص التي يتنزه عن الاتصاف بها عامة الناس فكيف نثبتها لنبي.","part":1,"page":56},{"id":58,"text":"والنبي يكون أيضاً أميناً على الرسالة، لأنه إن لم يكن كذلك فما فائدة كونه نبياً مبلغاً عن رب العالمين، فلو لم تكن له الأمانة ثابتة فكيف جزم أنه قد بلغ الرسالة كاملة، وكون الرسالة ناقصة هذا قدح في المرسل لأنه قد ائتمن من هو غير أمين.\rبيان جهة ثبوت هذه الصفات للأنبياء عليهم السلام\rواعلم أن هذه الصفات كلها قد أثبتها العقل، لأنها إن لم تثبت لزم القدح في المُرْسِلِ.\rفمثلاً كون الرسول غير صادق مع أن الله تعالى قد صدقه بإظهار المعجزة على يديه، يلزم أن يكون المرسل غير صادق لأن من يصدق غير الصادق فهو مثله غير صادق.\rوكذلك الذي يأتمن غير الأمين فهو لا يكون أميناً، وكذلك الذي يفوض من ليس بفطن أمر الدفاع ونشر الدعوة التي تحتاج إلى الفطانة، فهذا يقدح في حكمته.\rوبهذا يكون قد تبين كيف أن إثبات الرسالة إنما هو فرع عن إثبات الإله وصفاته التي يتصف بها، وأنه لا يمكن أن نثبت الرسالة إلا بعد إثبات ما سبق.\rإثبات ما مضى إنما يكون بالعقل\rوما مر إنما يتأتى إثباته على أنفسنا وعلى غيرنا بالعقل لا بالشرع، لأنه لا يوجد شرع إلا بعد الرسالة، والرسالة لم تثبت بعد.\rولهذا انتشر عند أهل السنة أن العقل هو أصل الشرع، وأصالته إنما هي بهذا المفهوم الذي وضحناه، فإثبات أصل الشرع لا يتم إلا بالعقل، ومعنى إثباته هنا هو إثبات أنه شرع لا إيجاده من العدم كما يوهمه بعض المجسمة، فالعقل دليل على أصل الشرع بهذا المفهوم، فتنبه.\rالأنبياء كلهم معصومون","part":1,"page":57},{"id":59,"text":"[و] اعلم أن على المكلف أن يعتقد في الرسل [أنَّهُم مَعصومون] فالله تعالى هو العاصم لهم [مِنَ الكبائرِ]، وهي الأمور العظيمة الإثم في الشرع [قبل النُّبُوَّةِ وبَعْدَها] فلا تقع منهم الكبائر قبل الشرع وكذا بعده، لا سهواً ولا عمداً، وهذا لا يعني أنها غير جائزة قبله عليهم بل هي جائزة، وهو ما عليه الجمهور مع قولهم أنها لا تقع منهم للعصمة، وقد جوزوها عليهم لما أنهم لا يتميزون بأمر عن سائر البشر إلا أنهم مبعوثون، وهم قبل النبوة غير مبعوثين بعد، فيجوز عليهم ما يجوز على غيرهم، ولكن الله تعالى قد عصمهم فلا تقع منهم كبيرة قبل الشرع لئلا يكون ذلك فتنة للخلق فيضلون، وهذا من لطف الله تعالى بخلقه.\r[وَ] هم معصومون أيضاً [في تبليغِ] المكلفين [الوَحْيِ] أي ما يوحي به الله تعالى إليهم [و] كذلك فهم معصومون في [الفَتاوي]، فلا تكون فتاويهم للناس إلا حقاً، لأنه لو جاز وقوعهم في الغلط في هذه الناحية لأدى ذلك إلى تبليغ الناس بالباطل، وهو يخالف ما أرسلوا من أجله.\r[وَ] هم أيضاً معصومون [مِنَ الصَّغائرِ] وهي قسمان: خسيسة كسرقة أمر تافه يستحقر من يسرقه، وغيرها فهم معصومون [بعدَ النبوَّةِ] من فعلها [مُطْلقاً] أي سهواً أو عمداً خسيسةً وغير خسيسة، [خِلافاً لِمَنْ جوَّزها عليهِم سَهْواً] وهم الجمهور، والتحقيق في هذه المسألة مع الإمام ابن الحاجب رحمه الله تعالى من المنع مطلقاً.\rوهذا التفصيل فيما بعد النبوة [بِخِلافِ ما قَبْلَها] أي قبل النبوة [في السَّهْوِ] فهو جائزٌ [لا مُطلقاً على الأصحِّ] فالحق منع ما يوجب النفرة كعهر الأمهات والفجور والصغائر الدالة على الخسة.\rإذا تقرر هذا؛ فما نقل عن الأنبياء مما يشعر بكذب أو معصية، فما كان منقولاً بطريق الآحاد فهو مردود، وما كان منقولاً بطريق التواتر فمصروف عن ما يتوهم أنه ظاهره إن أمكن، وإلا فيجب الجزم بحمله على ما قبل البعثة.","part":1,"page":58},{"id":60,"text":"وقد فصل العلماء القول في ذلك في كتبهم المبسوطة.\rوجوب الإيمان بالمعاد البدَني\r[و] يجب على المكلف أن يعتقد [أنَّ المَعادَ البَدنِيَّ] وهو البعث [حَقٌّ] ونص على المعاد البدني، لأنه لا خلاف يذكر على وقوع المعاد الروحي حتى عند أكثر الفلاسفة، ويلزم الإيمان به [بمعنى جَمْعِ الأجزاءِ] الأصلية [بعد تَفريقها، أو بِمَعنى إعادَتِها بعدَ إعْدامِها]، وأنكره الفلاسفة بناء على امتناع إعادة المعدوم بعينه.\rوهو مع أنه لا دليل لهم عليه يعتد به فهو أيضاً غير مُضِرٍّ بالمقصود، لأن مرادنا أن الله تعالى يجمع الأجزاء الأصلية للإنسان ويعيد إليه روحه، سواءً سمي ذلك إعادة للمعدوم بعينه أو لم يُسَمَّ.\rولا يجوز أن يتوهم رَدُّ البعث بأن يقال: إنه يلزم أكل إنسان جزء إنسان آخر، فإما أن تعاد الأجزاء فيهما وهو محال للزوم كون الجسم في محلين، أو في أحدهما فلا يكون الآخر معاداً بجميع أجزائه، وهذا الإيراد باطل لأن المراد أن الذي يعاد إنما هو الأجزاء الأصلية الباقية مهما كانت من أول العمر إلى آخره، وهذا لا يدخل فيه الأجزاء المأكولة لأنها فضلة في الآكل لا أصلية.\rبقاء الأرواح بعد الموت\r[و] يجب الإيمان [أنَّ أرواحَ أهلِ السَّعادةِ] وهم أهل الجنة [باقيةٌ] بعد موت صاحبها في الدنيا، وتكون أرواح أهل الجنة [منعمَةً] نعيماً مستمراً [إلى يومِ الدِّينِ، وَ]اعلم كذلك أن [أرواحَ أهلِ الشقاوَةِ] وهم الكفار [باقِيَةٌ] كذلك [مُعَذَّبةٌ إلى يومِ الدِّينِ]، فلا يجوز الاعتقاد أن أرواح الكفار تكون منعمة أو أنها مع أرواح المؤمنين لا تتعرضان إلى أي أحوال بعد موت أصحابها إلى يوم الدين.\rوأيضاً لا يجوز القول بأن أرواح الكفار تفنى وينقطع العذاب عنهم كما قاله بعض المجسمة كما لا يجوز القول بأن النار تفنى أيضاً.","part":1,"page":59},{"id":61,"text":"[وَ] كذلك يجب الاعتقاد [أنَّ] الأرواح كلَّـ [ــها حادِثَةٌ]، لأنها كلها مخلوقة، وكل مخلوق فله بداية، ولا معنى للحادث إلا ما كان لوجوده بداية.\rنفي التناسخ\rوكذلك يجب الإيمان أن الأرواح كلها [لا تَناسُخَ فيها]، ومعنى التناسخ أن تنتقل الروح من الجسد الأول إلى الجسد الثاني بعد موت الأول، وهو باطل؛ لأنه لا دليل عليه والأصل عدمه.\rوزعم القائلون بالتناسخ أن الروح لا وجود لها قبل البدن، كما قالوا أنه يجب بقاؤها بعد مفارقتها الأبدان، ولا يمكن بقاؤها إلا بأن تتصل ببدن آخر فالأبدان تتناسخها أبداً وسرمداً وعلى حسب عملها يكون الجسد الذي تنتقل إليه ارتفاعاً وانخفاضاً في الرتبة على تفاوتها كالنبي والملك والخيل والحمار وهكذا لا تزال في الانتقال والارتفاع والانخفاض وليس ثم حشر ولا نشر ولا جنة ولا نار ولا غير ذلك، وهذا كله يخالفهم فيه الإسلاميون كما هو معلوم.\rالطريق العام فيما ورد به الشرع من أمور الغيب\r[و] اعلم [أنَّ سائِرَ السَّمعيَّاتِ] أي التي عرفنا وجودها عن طريق السمع، ولولا السمع لم نستطع أن نعرف إلا الجواز العقلي حكماً لها، وأوضح المراد من السمعيات فقال: إنها التي تتألف [مِن] ما يلي:-\rوقوع [ثَوابِ الله وعَذابِهِ] في الآخرة، فهذا كما مر بيانه لا يمكن أن يعرف إلا عن طريق السمع.\r[وَ] منها [الصِّراطُ والمِيزانُ وعَذابُ القبْرِ ووَزْنِ الأعْمالِ ونُطْقُ الجوارِحِ والحَوْضُ والشفاعةُ وأحوالُ الجنَّةِ ودَوَامُ نَعيمِها وأحْوالُ النَّارِ ودوامُ عَذابِها] كل هذه الأمور والأحوال [حَقٌّ] بمعنى أنها لا يخالفها العقل، فإنه يقبلها إذا عرضت عليه.\r[و] واعلم [أنَّ] الجنة والنار كِلْتا [هُمَا مَخلوقتانِ] الآن أي قبل اليوم الآخر، وهما [مُمْكِنَتانِ] في حكم العقل.\rلا يمكن لعاقل أن ينكر ذلك مدعياً مخالفته للعقل [وَ] بالإضافة إلى الإيمان بما تقدم بالمعنى المبين، فإنه يجب الإيمان بـ[ـــوُقوعِ ذلك] أيضاً.","part":1,"page":60},{"id":62,"text":"الكلام على من خالف طريقة أهل السنة\rمحتجاً بأدلةٍ ضعيفة\rواعلم أن بعض المنتمين إلى الإسلام قد أنكروا بعض ما تقدم ذكره من السمعيات بحجج واهية.\rوالأصل في إثباتها عند أهل السنة أن الشرع قد ورد بذكرها، فيجب الإيمان بها، لأنه لا مُبَرِّرَ عقلاً لتأويلها بمعانٍ مُحْتَمَلةٍ.\rفبعض هؤلاء نفى عذاب القبر وكلامه باطل، فالشرع قد وردت نصوصه المتكاثرة التي يدل ظاهرها على ثبوت عذاب القبر، نعم تفاصيله لم تثبت عندنا بأدلة كافية للقول بها على سبيل القطع والجزم، ولكنه ثابت بأدلة كافية على سبيل الإجمال.\rوالبعض نفى الصراط والميزان واحتج بأدلة واهية، والحجة عليه قائمة، لأن ظاهر نصوص الشرع دالة عليه ولا موجب عند العقل لتأويلها، ونفيها خلاف لجماهير أهل السنة.\rوكذلك نفى البعض وجود الجنة والنار متشبثين أيضاً بما لا وجه له، وجماهير العلماء على إثبات وجودهما الآن إلى يوم القيامة.\rأهل الكبائر لا يُخَلَّدونَ في النار\r[و] اعلم يقيناً [أنَّ وعيدَ] أي عذابَ [أهلِ الكبائرِ] من المؤمنين [مُنْقَطِعٌ]، فلا يدوم إلى الأبد لأنهم قد حققوا أصل الإيمان، والذي يحقق أصل الإيمان فهو لا شك من الناجين آخراً وإن عذبه الله تعالى على ما صدر منه من معاصي.\rالكفار خالدون في النار\r[و] تَيقَّنْ كذلك [أنَّ وعيدَ الكَفَرَةِ] وتعذيبَهم [دائِمٌ] إلى الأبد لا ينقطع. وكَاْنَ عذابُ أهلِ الكبائرِ منقطعاً لا محالة، لأن هؤلاء وإن فعلوا هذه الكبائر إلا أنهم لم يناقضوا أصل الإيمان -أي أقل ما يلزم تحققه لكي يطلق على الإنسان أنه مؤمن-.\rفأصل الإيمان هو التصديق كما سنذكره، وليس أصلُه هو الانقيادَ، نعم الانقياد لازم عن الإيمان، لكن الانقياد اللازم ليس هو الانقياد في كل الأعمال، بل هو تحقق أصل الانقياد.","part":1,"page":61},{"id":63,"text":"فلو لم يفعل الإنسان أمراً أمره به الشارع، كأن لم يصل مثلاً، ولكنه مع ذلك كان يعتقد يقيناً أنه مخطئ في ذلك، وأنه يستحق العقاب الأليم كما نص عليه الله تعالى في كتابه العزيز، فهذا الإنسان مع عدم صلاته إلا أنه لم ينتف عنه اسم الانقياد لأنه معترف أنه مستحق للعقاب، وهذا بخلاف ما لو لم يُصَلِّ ولم يُقِرَّ ولم يعتقد أنه بذلك قد استحق العذاب في الآخرة، ففرقٌ كبير بين هذا وبين ذاك، فالأول ما زال محققاً لأصل الإيمان، والثاني قد خرج من الإيمان إلى الكفر.\rوأيضاً فقد يفعل بعض الناس بعض المعاصي، ويكونون ملتزمين بغالب الأمور الشرعية، فهؤلاء لا يكونون قد خرجوا من اسم الإيمان.\rوعلى كلٍّ فالعاصي لا يخلد في عذاب الآخرة، لأنه محقق لأصل الإيمان، فمهما عُذِّب في النار فهو لا شك سيكون من الخارجين منها إلى الجنة.\rالشروع في بيان معنى الإيمان\r[وَ] لما ذكر مسألة فاعل الكبيرة كان لا بد من ذكر أصلها، وإن كان الأولى تقديم هذه على تلك، وأصل المسألة هو معنى أصل الإيمان، أي ما هو أقل ما يطلق عليه أنه إيمان، بحيث لو أن إنساناً لم يفعله لم يطلق عليه أنه مؤمن، فشرع المصنف الإمام بهذه المسألة فقال:-\rاعلم [أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ] تطلق ويراد بها الدلالة [عَنْ تصديقِ الرُّسُلِ في كُلِّ ما عُلِمَ بالضَّرورَةِ مَجيئُهم بهِ]، وهذا المعنى للإيمان مبنيٌّ [على] القول [الأصَحِّ].","part":1,"page":62},{"id":64,"text":"فالأصل في الإيمان هو التصديق، والتصديق المقصود هنا هو الكيفية النفسانية التي يتكيف بها الإنسان عند تعلق نفسه ببعض القضايا تعلقاً لا يقبل التردد ولا التشكيك، فالمعني التي يؤمن بها الإنسان إن أصبح هو متفاعلاً معها حتى تصير هيئة راسخة له هو التصديق المراد هنا، فإذا أصبح الإنسان مصدقاً صار لا يصدر في أفعاله إلا عن هذه الهيئة في حال كونه مستحضراً لها، وهذا لا يعني أنه يصبح معصوماً، فهذا لا يلزم إلا إن كان المقصود مما مر أنه لا يفعل مطلقاً ما يخالفها ولو من بعض الوجوه، ولكن إن فعل ما يخالف الشرع من كل الوجوه فهو يكون خارجاً من ربقة الدين.\rفالعاصي في فعله لا يكون مخالفاً للشرع من كل الوجوه، لأنه يكون مقراً أنه لا شك يترتب عليه العذاب في يوم الدين، ولكن إن خالف حتى فى هذا الجانب فهو يكون في فعله مخالفاً للدين من كل الوجوه، فتدبر.\rالإيمان لا يزيد ولا ينقص ومبنى ذلك\r[وَ] ما دام معنى الإيمان هو التصديق كما تقرر، فاعلم أن التصديق على تعريف بعض العلماء له لا يقبل الزيادة ولا النقصان، لأنه يكون حينذاك من باب الفعل، والفعل لا يقبل التجزي ولا يقبل أن يزاد عليه ما هو منه، ولذلك قال الإمام العلامة:\rاعلم [أنَّهُ] أي الإيمانَ [لا يزيدُ ولا ينقُصُ] لما تقدم من أنه من باب الفعل.\rولكن إن كان من باب الكيف التابع لهذا الفعل كما بينا نحن تفسيرنا له فيما تقدم، فالكيف لا شك يقبل الزيادة والنقصان، لأن الكيف يقبل الشدة والضعف، كالسواد والبياض متفاوتان فيوجد سواد أشد من سواد، وبياض أشد من بياض.\r[وَ] اعلم أنه على القولين يجوز أن [يُقالَ أنا مُؤمنٌ إنْ شاءَ اللهُ] على معنى عدم العلم بالخاتمة، لا على معنى الشك فيما هو حاصل فيك الآن، فهذا كفر، ولذا منع بعض العلماء أن يقال: أنا مؤمن إن شاء الله.\rمعنى الكفر بناءاً على ما سبق\r[و] اعلم [أنَّ الكُفْرَ] يقابل الإيمان مقابلة الضد، لا مقابلة النقيض.","part":1,"page":63},{"id":65,"text":"فالكفر هو عبارة عن فعل وجودي يفعله الإنسان، يترك في نفسه أثراً، أو أنه هو الكيفية النفسانية التي يتكيف بها الإنسان، كما مر في معنى الإيمان.\rولذلك جاز أن يتصور العلماء وجود ما يسمونهم بأهل الفترة، وهم الذين لا يوجد في أنفسهم إيمان ولا كفر، بل نفوسهم خالية من أي تعلق هذا الباب.\rولو كان الكفر هو نقيض الإيمان لكان يستحيل أن نتصور الإنسان إلا كافراً أو مؤمناً، ولكان الكفر هو عدم الفعل، ولكان الإنسان قادراً على عدم الفعل، وهذا يخالف التحقيق عند العلماء، من أن الإنسان لا تتعلق قدرته إلا بالأفعال، أما التروك فلا يقدر عليها إلا الله تعالى.\rولا يكون الإنسان محاسباً على عدم الفعل، والمعلوم أنه لا تكليف إلا بفعل، ولو كان محاسباً على عدم الفعل، للزم أن التكليف متعلق بعدم فعل.\rلا يقال: إن عدم الفعل هو فعل في الحقيقة، لأن هذا عبارة عن قلب للحقائق، فالفعل لا يكون إلا وجودياً وعدم الفعل ليس وجودياً.\rفالكفر هو عبارة عن فعل وجودي إرادي مقصود يعلمه الإنسان ويريده أو هو كيفية يريد أن يتكيف بها، وعلى القولين لا يلزمنا مخالفة ما هو معلوم أو قطعي.\rولذلك عرف الإمام الكفر بأنه [عِبارَةٌ] تنبئنا [عَنْ إنكارِ] المكلف لـ[ــما عُلِمَ] علماً حاصلاً [بالضَّرورَةِ] التي يمكن أن تكون نتيجة للدليل القطعي أو المعلوم بالبداهة [مجيءُ الرُّسُلِ] وتبليغهم الناسَ [بِهِ على] القول [الأصَحِّ] من أقوال العلماء، لأنه من المعلوم أن هذه المسألة مما اختلف فيه العلماء، اختلافاً تحتمله الأدلة.\r[فَـ]ـينتج بناءاً على ما مضى من تعريف الكفر والإيمان أنه [لا يَكْفُرُ] حقيقة [أحدٌ بـ] فعله لـ[ـــذنب] من الذنوب، شرط أن يكون أصلاً [من أهل القبلة] أي الذين ثبت إيمانهم بالأدلة التي اعتبرها الشرع.","part":1,"page":64},{"id":66,"text":"أي إن مجرد الذنب لا يكون دالاً على أن فاعله كافر بمعنى أنه مكذب لما علم أنه من الدين بالضرورة، ولكن الفعل قد يكون دالاً على ذلك بأحد أنواع الدلالة من تضمن أو استلزام أو غيرها، فيحكم بالكفر على الإنسان لأن فعله يدل شرعاً على أنه قد كفر بالله وكذب بما علم بالضرورة أنه من الدين.\rالطريق إلى نشر الدين وإعادة حكم الإسلام\r[وَ] اعلم [أنَّ] الدين لا يمكن أن ينتشر ويحدث أثره الذي أنزله الله تعالى لأجله، وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور وإيصالهم إلى الخير بالذات الملائم لخلقتهم إلا بالعمل الإرادي من المؤمنين بهذا الدين المتوجه إلى إحلاله أعلى منزلة، وهي المنزلة التي تلائمه بالذات، ونعني بها منزلة هداية الناس إلى خَيْرَيِ الدُّنيا والآخرة والارتفاع بمستوى الوجود لديهم إلى أعلى مراتبه التي قدرها له الله تعالى.\rوحاصل بحث الإنسان هو الوصول إلى السعادة، ولكن اختلفوا في ما هي، وعن هذا الأصل نتجت النظريات العديدة والمذاهب التي تناقض الأديان.\rوالدين الحق الذي هو الإسلام به فقط يكون الاهتداء إلى حقيقة السعادة.\rوالدين هو الذي يجب أن ينظم العلاقات بين نوع الإنسان ويقيدها حتى تكون مطابقة لما هو الحق بالذات والذي جاءت به الشرائع.\rومهمة جعل الدين هو الحاكمَ على تصرفات الناس هي مهمة المكلفين من البشر، فهم مأمورون أولاً بجعل الدين حاكماً على تصرفاتهم وأفعالهم، ثم هم مأمورون ثانياً أن يُسَوِّدوا الدِّينَ فيجعلوهُ حاكماً على أفعال البشر جميعاً.","part":1,"page":65},{"id":67,"text":"هذه هي مهمة الناس التي كلفهم الله تعالى بها والتي يجب عليهم السعي لتحقيقها تحقيقاً عملياً واقعياً، وهذا لا يتم بأفعال القلوب وحدها، أي لا يتم بالإيمان القلبي فقط، بل لا بدَّ من استعمال الوسائل الحسية أيضاً، لأن هذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا الأمر قد بين نبي الإسلام سيدُّنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم أنه يتمُّ بأُمورٍ ثلاثةٍ: القلب واللسان واليد.\rولا شك أن تبليغ الدين هو من أهم أعمال الخير، ولا شك أن نواحي عمل الخير متعددة لتعدد وتركُّبِ الإنسان في أصل خلقته من أمور متعددة، ولهذا تعددت علوم الإسلام من علم العقائد إلى علم الأصول إلى علم الفقه إلى علم الحديث إلى علم التفسير إلى علوم اللغة إلى علوم المنطق وغير ذلك.\rوهذه العلوم كلها لم يَخُضْ فيها العلماء إلا لإدراكهم أنها من باب العمل الصالح والذي هو أحد أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم وإن صنفوا في كل علمٍ بشكلٍ مستقلٍّ عن الآخر، إلا أنهم لم يقصدوا أن يقولوا إن كل علم وحدَه موصل إلى المقصود، بل لا يوصل إلى المقصود إلا سائر العلوم أي العلم بها والعمل، ولكن تفريقهم لها جاء من ناحية أنه يتعسر على المعلم أن يفهم التلميذ أمراً معينا من جميع جوانبه دفعة.\rوهكذا أيضاً نص العلماء على ضرورة الجانب الأخلاقي من الدين، ولذلك أفرد له المختصون من العلماء كتباً لتوضيحه ونشره بين الناس.\rوقد استقرت الأوضاع منذ أزمان على أمور معينة من الأحكام في سائر العلوم، بحيث أن إنساناً لو جاء وادعى فيها الاجتهاد وخالف ما كان معروفاً لبان لنا ضحالة رأيه، وهذا لا يعني أن المتقدمين قد حققوا كل الأمور ودققوا النظر فيها، بل لا يبعد أن يجيء من المتأخرين من يفوق كثيراً من علماء المتقدمين، ولا يُنقِصُ هذا فضل الأول كما لا يُفَضِّلُ عليه الثاني؛ لأن الثاني لم يكن ليصل إلى ما وصل إليه إلا لأنه استعان بما أدركه عن طريق السابق.","part":1,"page":66},{"id":68,"text":"ولا شك أن أغلب الناس لا يصلون إلى الدرجة التي بها يمكنهم أن يحتكموا إلى الحق في سائر أمورهم لأن معظمهم لم يصلوا إلى أدنى درجات الكمال الذي يتجلى في أعلى صُوَرِهِ في الاِستجابة للحق ومقاومة كل رغبة وشهوة نفسانية تخالفه.\rولهذا كان نزول الأديان حكمة من الله تعالى في مصلحة البشر، ودافعاً لهم إلى الخير.\rوجوب نصب الإمام كوسيلة إلى نشر الدين وتثبيت\rدعائم الإسلام\rوما دمنا قد قررنا وجود المخالفات من الناس للحق، وهذا لا بد أن يكون مؤذياً للحق وأهله، كان لا بد من أن يكون للحق شوكةٌ يحمي بها نفسه ويلزم الآخرين حدهم الذي لا ينبغي أن يجاوزوه.\rوهذا لا يتأتى بصورته الكاملة إلا بـ[نَصْبِ الإمامِ] وهو الخليفة أو المُنَصَّبُ لقيادة الناس في أمورهم الكلية إلى طريق الدين الكاملة، وهو الذي يأتَمُّ به الناس في دنياهم، كما ينبغي أن يكون قد وصل الغاية اللازمة في أمور الدين.\rإقامة الإمام واجب على الخلق لا على الخالق\rوهذا الأمر أي تنصيب الإمام لأهميته العظيمة أجمع العلماء من المسلمين أنه [واجِبٌ] أوجبه الله تعالى [على الخَلْقِ]، لأنه علم أنه الذي به يكون صلاح أمورهم كما مر بيانه، و[لا] يَظُنَّنَّ أحدٌ أنه واجب على[الخالِقِ] جل وعلا، فيجلس منتظراً النصر من الله من دون أن يفعل فعلاً إرادياً واحداً، فهذا باطل لأنه لا يجب شيء عليه تعالى.\rفالعقل بالنظر الصحيح يدرك قطعاً أنه لا يجب على الله تعالى أن ينصب الإمام، بل العقل إذا أوجب فإنه يوجب على الخلق نصبه، وأما الشرع فلم يخبرنا الله تعالى أن يلزم نفسه بنصب الإمام.","part":1,"page":67},{"id":69,"text":"وما دام نصب الإمام واجباً على الخلق فيجب عليهم أن يسيروا في الطريق التي بها يمكنهم أن يصلوا إلى هذا المطلوب، وقبل هذا العمل يجب عليهم قطعاً أن يعرفوا ما هي هذه الطريق، إذن يجب على الناس أن يعرفوا الطريق التي توصلهم إلى إقامة الخلافة في الأرض ونصب الإمام الذي لا يتم الوصول إلى السعادة في هذه الدنيا أعني السعادة الكاملة إلا بإقامته لحدود الله تعالى كما مر بيانه، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإقامة الإمام واجبة عقلاً ونقلاً على الناس، وإن لم يعمل الناس على إقامة الخلافة في الأرض فإنهم آثمون شرعاً.\rتلخيص طرق الناس في إقامة الإمامة\rوأما الطريق إلى إقامة الإمام ونصبه فقد اختلف فيها الناس في هذه الأيام، وكان من سوء أيامنا أن مشكلة إقامة الإمام لم يتعرض لها المسلمون إلا في هذه الأيام، ولا شك أن القول في هذه المسألة يحتاج إلى إمام بلغ مرحلة الاجتهاد في الدين حتى يمكنه أن يتوصل إلى حكم الله تعالى في هذه المسألة، وكل ما نملكه فيها ما هو إلا عبارة عن لمحات وإشارات نرجو الله تعالى أن نكون فيها من المصيبين.\rوقد بالغ بعض الناس في هذا الزمان فقالوا: إن الإنسان غير مكلف شرعاً بإقامة الإمامة في الأرض، وهؤلاء أظهروا لنا بقولهم هذا عوار فكرهم وسوء تدبيرهم، ولا داعي للرد عليهم في هذا المقام لأن الأمر أبرز عند المسلمين من أن ينكره منكر.\rوأما غالب الناس فقد اعترفوا بوجوب إقامة الإمامة على منهاج الله تعالى مع اختلافهم في الطريق التي يدعون أنها توصلهم إلى المقصود:\rفبعضهم قالوا: إنه لا داعي للالتفاف حول أمير واحد للوصول إلى المقصود بل إن التكتل على رأي أمير واحد هو بدعة في الدين وأمر منكر، وهذا القول ضعيف لا يلتفت إليه.","part":1,"page":68},{"id":70,"text":"والآخرون قالوا: إنه لا بد من التكتل والالتفاف حول أمير واحد، ثم اختلفوا بعد ذلك في أمور: فقال البعض: إنه لا بد أن يسير الناس في إقامتهم لإمامة على نفس الطريق التي سار عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحرم عليهم أن يخالفوا ذلك، ثم بذلوا جهدهم في سبيل توضيح هذا الرأي باستقراء سيرة الرسول الأعظم، وحاولوا أن يروا الناس أنهم هم الذين يتبعون النبي في ما عمل في هذا الباب.\rوالبعض مع قولهم بأن الإمامة لا يوصل إليها إلا بالتكتل حول أمير واحد، إلا إنهم قالوا: إن الطريق إلى الإمامة إنما هو أمر اجتهادي تابع لمصلحة المسلمين، والذي يقرر أن ذلك هو مصلحة المسلمين إنما هو الجماعة نفسها، وبالغ هؤلاء في تقدير المصلحة وابتعدوا في النظر الصحيح عن الحق في أحوال كثيرة، خصوصاً أنهم لا يملكون أدوات الاجتهاد الشرعي وأغلب أقوالهم مدخولة.\rوأما الفريق الأول صار نتيجة التزامه الطريق التي يعتقد أنها هي التي توصله إلى المطلوب شبه خامد لا يُحس بوجوده إلا في أوقات نادرة، وكان أثره على الناس قليلا غير ملحوظ.\rإضاءة في الطريق\rوالذي أراه حتماً في هذه المسألة وهي إقامة الإمام أنه لا يتم إلا بالقوة الروحية والقوة المادية، وأنه لا غنى بإحداهما عن الأخرى، وأن الاثنتين يجب أن تكونا في أيدي أهل الحق لا أيدي أهل الباطل.","part":1,"page":69},{"id":71,"text":"وعلى أهل الحق أن يبذلوا النفس والنفيس في سبيل تحصيل هذه الصور من القوة، فالإمامة لو كانت لتحصل وتتم بالاتفاق والتفاهم لحصلت لسيد الخلق ! وهذا كان في غاية البعد لما أن الكفار كانوا متمسكين بما في أيديهم من سلطة، وهكذا فالناس الحاصلون على السلطة في هذا الزمان بل في كل زمان لا يتخلون عن نفوذهم إلا بالقوة، إلا إن أمكن هدايتهم إلى الحق والتمسك بالدين الرشيد، وهذا لا ينبغي أن يطمع فيه الناس العاملون لأجل الدين من كل أحد لئلا يتخذ هذا ذريعة يقودونهم بها إلى مآربهم، فيصبح الدين وأهل الحق مستغلين وموظفين من حيث لا يدرون لبناء الباطل ودعم أهله.\rوعلى كل حال فالسياسة تتطلب الغاية في الحذر.\rالواجب الذي لا بد من القيام به في كل زمان\rوعلى كل الأحوال -أي سواءاً تمكن أهل الحق من إقامة الإمامة في الأرض أو لا-، فعليهم العمل بجدية لتخليص الناس من العقائد الزائفة، لأن هذا هو المقصود الأعظم من وجود الإنسان، نعم هذا لا يحل محل العمل لأجل الإمامة، ولكنه في نفسه أيضاً واجب، بل هو الأولى فيجب العمل من أجله، ويكون هذا جزءاً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الواجب على كل مسلم.\rواعلم أن الناس إن لم تتعمق في نفوسهم مبادئ الاعتقاد، فإنه يكون من الصعب على العاملين تخطي المراحل الأولى في عملهم، لأن علم العقائد هو مبنى العلوم كلها، ويكون من الواجب على أهل الحق أن يعملوا على جعل الناس يولونهم ثقتهم أولاً من الناحية الدينية ثم الدنيوية.\rطرق الدفاع عن الدين: المادية والروحية","part":1,"page":70},{"id":72,"text":"[وَ] لما كان الدين قد أنزل لهداية الناس إلى الخير والسير بهم إلى الهدى وطريق الحق علم أن أكثر الناس لا يكونون على الطريق الحق بل يكونون متبعين لشهواتهم ورغباتهم وما يخيله لهم تمييزهم، وكثير منهم يعتقد أنه على الحق والصواب، لذلك كان من الطبيعي أن نتوقع منهم أن يعاندوا في نشر الدين وأن يقاوموا ذلك ما أمكنهم، لأن هذا إنما هو دفاع عن وجودهم وكينونتهم، ولما كان من الطبيعي أن يدافع المسلمون عن ما يعتقدون أنه الحق، صار من اللازم أن يحصل تدافع وتغالب بين أهل الحق وأهل الباطل.\rعلم التوحيد أهم علوم الإسلام\rويجب إيجاد من يدافع عن عقائد الإسلام ضد تشكيكات المنحرفين والضالين\rوهذا الصراع يتجلى في صور كثيرة مادية ومعنوية، وإقامة الإمام هو طريق للدفاع المادي عن الدين ودفع للظالمين، وأما المدافعة الروحية عن الدين ضد المعتدين فإنما تتم بالعلم مجادلة أهل التشكيك.\rوقد حرر أهل الإسلام من العلماء علوم النظر حتى وصلوا بها الغاية، وأهم هذه العلوم على الإطلاق هو علم الكلام، ويسمى علم التوحيد أو علم العقائد، وهو أهم العلوم ورأسها، لأن النزاع فيه بين أهل الإسلام وبين الآخرين يكون على أشده، وهو العلم الذي تتجلى فيه حقيقة الإسلام.\rوجدال أهل الباطل واجب على أهل الإسلام القادرين و[لا يَجِبُ القيامُ بِـ]ـالجدال و[دَفْعِ شُبَهِ أهلِ الضَّلالِ إلا على مَنْ تمكَّنَ بالنَّظرِ في عُلومِ الشريعةِ تمكُّناً يَقوَى بهِ على دَفْعِهَا] لأن من لم يتمكن بالنظر في علوم الدين العقلية منها والنقلية كيف يمكنه أن يوضح أدق التفاصيل عنه، وربما يدافع عن أمر يظنّه من الدين وهو يناقضه، لذلك كان هذا العلم من أخطر العلوم وأدقها، والقليل من الناس في هذا الزمان من يعرفه، ولعلهم لو عرفوه لانحلت عنهم كثير من الشبه التي تعترضهم حول الدين، وتجعل الكثير منهم يتشكك فيه فيخرج منه وهو لا يدري.","part":1,"page":71},{"id":73,"text":"[وَ] لما كان هذا العلم على هذه المرتبة من الأهمية، وهو من الدقة بحيث لا يتمكن الكثير من الناس أن يسبر أغواره ويحقق معانيه، وبالتالي لا يتمكن من استعماله إلا القليل، بهم تكون الكفاية بحول الله تعالى وقوته، لذلك اتفق العلماء أجمعون على أن هذا العلم [هُوَ فَرْضُ كِفايَةٍ] أي لا يجب تحصيله على الناس كلِّهم، ولكنهم لا شك آثمون إذا توغلت فيهم الشبه ولم يهتموا بهذا العلم، أي علم الحجاج عن العقائد الدينية.\rأما العلم بالعقائد الواجبة فهو فرض عين، وعلى كل الأحوال فإنه يجب على الناس أن يسعوا لإيجاد من تكون به الكفاية في القيام بالواجب من الدفاع عن أمر الدين في كل عصر من العصور، ولا توفيق إلا من الله تعالى.\rكَمُلَ شَرْحُ العقيدةِ بحَمْدِ اللهِ وحُسْنِ عَوْنِهِ وتَوفيقِهِ ومَنِّهِ\rفي اليومِ السَّابِعِ عَشَر مِنْ شَهْرْ رَجَب المُبارَك\rسنةَ ألْفٍ وأرْبَعمِائةٍ وخَمسَةَ عَشَرَ لِلِهْجْرَةِ\rالموافقِ 20/12/1994م\rألفه الفقير إلى الله تعالى\rسعيد فودة غفر الله تعالى له\rوليس لنا إلى غير الله تعالى حاجة ولا مذهب","part":1,"page":72}],"titles":[{"id":1,"title":"شرح عقيدة الإمام العلامة ابن الجاحب المالكي","lvl":1,"sub":0},{"id":2,"title":"مقدمة","lvl":1,"sub":0},{"id":3,"title":"ترجمة الإمام ابن الحاجب","lvl":1,"sub":0},{"id":6,"title":"الشرح :","lvl":1,"sub":0},{"id":6,"title":"فصل في معنى التكليف وشروطه","lvl":2,"sub":1},{"id":6,"title":"بيان المراد بسن البلوغ:","lvl":2,"sub":2},{"id":7,"title":"بيان المراد بسلامة الحواس:","lvl":2,"sub":0},{"id":7,"title":"توضيح المقصود بالتمييز:","lvl":2,"sub":1},{"id":8,"title":"شروع في بيان الواجب على الإنسان:","lvl":2,"sub":0},{"id":10,"title":"موضوع العقائد:","lvl":2,"sub":0},{"id":11,"title":"إجمال ما يجب في حق الخلق:","lvl":2,"sub":0},{"id":13,"title":"بيان أقوال الناس في التقليد والتعليق عليها:","lvl":2,"sub":0},{"id":15,"title":"الأدلة على وجود الله تعالى صورتها غير محصورة:","lvl":2,"sub":0},{"id":15,"title":"الشروع في تفصيل الواجب على الإنسان المكلف في أمور الاعتقاد:","lvl":2,"sub":1},{"id":16,"title":"إشارات مجملة إلى إثبات حدوث العالم","lvl":2,"sub":0},{"id":16,"title":"توضيح مختصر لإثبات حدوث العالم واستحالة وجوده في الأزل:","lvl":2,"sub":1},{"id":17,"title":"معنى كلمة الأزل والقدم في هذا الموضع","lvl":2,"sub":0},{"id":18,"title":"ثبوت وجود الله تعالى وعدم أوليته","lvl":2,"sub":0},{"id":19,"title":"نفي الحلول في الحيز:","lvl":2,"sub":0},{"id":19,"title":"نفي الاتحاد بالغير:","lvl":2,"sub":1},{"id":20,"title":"نفي قيام الحوادث بالله تعالى:","lvl":2,"sub":0},{"id":21,"title":"استحالة الآلام واللذات عليه تعالى:","lvl":2,"sub":0},{"id":21,"title":"خاتمة لباب التنزيهات:","lvl":2,"sub":1},{"id":21,"title":"شروع في بيان كمالات الله تعالى:","lvl":2,"sub":2},{"id":21,"title":"وجوب كونه تعالى قادرا:","lvl":2,"sub":3}]}