{"pages":[{"id":1,"text":"دراسات في الاختلافات العلمية\rحقيقتها.. نشأتها.. أسبابها.. المواقف المختلفة منها\r\rتأليف\rالدكتور : أبو الفتح محمد البيانوني","part":1,"page":1},{"id":3,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rالمقدمة\rالحمد لله رب العالمين, القائل في كتابه المبين:\r{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُون}الزمر الآية:9.\rوالصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين, نبينا محمد صلى الله عليه وسلم القائل: ((من يُرد الله به خيراً يفقه في الدين))(2).البخاري ومسلم.\rورضي الله عن الصحابة والتابعين, والأئمة المجتهدين, والعلماء العاملين, ومن تبعهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين..","part":1,"page":2},{"id":4,"text":"مخطط الكتاب\rيشمل هذا الكتاب على ما يلي:\r1- المقدمة\r2- الباب الأول: ويشتمل على أربعة فصول:\rالفصل الأول: حقيقة الاختلافات العلمية.\rالفصل الثاني: نشأة الاختلافات العلمية.\rالفصل الثالث: ميدان الاختلافات العلمية.\rالفصل الرابع: أسباب الاختلافات العلمية.\r3- الباب الثاني: ويشتمل على خمسة فصول:\rالفصل الأول: موقف العلماء من الاختلافات العلمية.\rالفصل الثاني: الإنكار في المسائل الاختلافية.\rالفصل الثالث: نماذج من أدب العلماء بعضهم مع بعض.\rالفصل الرابع: موقف المسلم تجاه الاختلافات العلمية.\rالفصل الخامس: التنبيه على مواقف شاذة.\r4- ملحق بأهم المصنفات في اختلاف العلماء:\rملحق (1 )، ملحق (2).\r5- الخاتمة.\r6- مراجع البحث.\r7- فهارس عامة.","part":1,"page":2},{"id":5,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rمقدمة الطبعة الرابعة\r\rالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:\rفقد انطلقت في تسمية هذا الكتاب في طبعاته الثلاث السابقة باسم ((دراسات في الاختلافات الفقهية))، وتقييد الاختلافات ((بالفقهية)) من مقولة علمية شائعة مفادها: أن الخلاف العلمي المقبول بين المسلمين، إنما هو في الفقهيات لا في العقديات، حتى وصل بعضهم إلى رد أي خلاف يقع في المسائل العقدية دون نظر إلى أسبابه، أو إلى من صدر عنه ذلك الخلاف، ما دام جارياً في مسألة عقدية!!\rوكنت أقف خلال مسيرتي العلمية، ومطالعاتي المتنوعة على نماذج من الخلاف العلمي في بعض المسائل العقدية، فأحار في تفهمها، وأعجب من مخالفتها لتك المقولة المشهورة بين أهل العلم، التي كادت تصبح قاعدة علمية مسلمة!!\rبل وصل الأمر عند بعض العلماء، إذا أراد أن يبرر خلافاً علمياً في مسألة عقدية، يجتهد في تأويلها، أو يعمل على ردها إلى المسائل الفقهية، ليقرر قبول ذلك الاختلاف، ويدفع عنه الإنكار!","part":1,"page":3},{"id":6,"text":"ومن أولى المواقف التي لفتت نظري في هذه القضية، وأثارت تعجبي، موقف الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- من الخلاف القائم في حكم التوسل بالأنبياء والصالحين، حيث أشار إليه، وتقبله، معتبراً الخلاف في حكم التوسل، من الخلاف الفقهي الذي لا ينكر، مع ترجيحه لكراهته، وتفريقه بين التوسل المتفق على تحريمه، والتوسل المختلف فيه، حيث يقول: ((...قولهم في الاستسقاء: لا بأس بالتوسل بالصالحين، وقول أحمد يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، مع قولهم: إنه لا يستغاث بمخلوق! فالفرق ظاهر جدا، وليس الكلام مما نحن فيه، فكون بعض يرخص بالتوسل بالصالحين، وبعضهم يخصه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر العلماء ينهي عن ذلك ويكرهه، فهذه المسألة من مسائل الفقه. ولو كان الصواب عندنا قول الجمهور إنه مكروه، فلا ننكر على من فعله، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد.\r\nلكن إنكارنا على من دعا لمخلوقٍ أعظم مما يدعو الله تعالى، ويقصد القبر يتضرع عند ضريح الشيخ عبد القادر، أو غيره، يطلب منه تفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإعطاء الرغبات، فأين هذا مما يدعو الله مخلصاً له الدين، لا يدعو مع الله أحداً، ولكن يقول في دعائه: أسألك بنبيك، أو بالمرسلين، أو بعبادك الصالحين، أو يقصد قبر معروف، أو غيره يدعو عنده، لكن لا يدعو إلا الله مخلصاً له الدين، فأين هذا مما نحن فيه؟))اهـ\"انظر القسم الثالث من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، المشتمل على مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، والفتاوى ص(68-69) طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب\".\r\nوقد طال عجبي فترة من الزمن من مثل هذا الموقف، من إمام كالإمام محمد بن عبد الوهاب، في مثل هذه المسألة التي ملأ الخلاف والجدل فيها مساحة واسعة من مساحات الاختلافات، من زمن الإمام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- إلى زماننا هذا..!\r\nثم رأيته منسجماً مع منهجه في التعامل مع الخلاف العلمي الذي أوضحه في أكثر من مناسبة\"انظر: صفحة (28-33-97) من القسم الثالث السابق الذكر من فتاواه\".\r\nوأعدت إرجاعه الخلاف في مسألة التوسل إلى الخلف الفقهي، إلى ضغوط مثل هذه المقولات العلمية المشتهرة، التي تنزل بسبب شهرتها عند أهل العلم منزلة القواعد العلمية المقررة، دون تنبيه إلى سلبياتها، أو تفكير وتدقيق فيها...","part":1,"page":3},{"id":7,"text":"وهكذا أخذت قضية الاختلاف في المسائل العقدية حيزاً من اهتمامي وتفكيري، حتى وقفت على عدد من المسائل العقدية، جرى فيها الخلاف بين سلف هذه الأمة، ويرجع بعضه إلى زمن الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم، وأصبحت المسألة عندي نقطة بحثٍ، سجلت حولها بعض الملاحظات، وجمعت فيها عدداً من البطاقات البحثية، وسودت فيها بعض المسودات، ونشرت فيها بقض المقالات...إلى أن انجلت عندي الصورة، وتوصلت إلى تحليل مقبول للاختلافات العقدية, وفهم معقول لتلك المقولة العلمية الشائعة, رأيت من المستحسن بعد ذلك تعديل اسم الكتاب إلى ما عدل إليه في هذه الطبعة الرابعة, تنبيها إلى هذه الحقيقة العلمية من جهة, وتصحيحاً لمقولات ومواقف يقفها بعض طلبة العلم من بعض الاختلافات العلمية, بسبب مثل هذه المقولات من جهة أخرى.\rفليست الأسباب العلمية للاختلافات التي عرضت في هذا الكتاب وغيره من الكتب المشابهة في موضوعه, محصورةً في المسائل الفقهية دون غيرها, وإنما هي أسباب عامة لأي خلاف علمي ينشأ في مسألة من المسائل, دون نظر إلى موضوعها وميدانها.\rفالأحكام الشرعية بمجموعها, عقدية كانت أو فقهية, أو أخلاقية, أو دعويةً, وما إلى ذلك, كلها أحكامٌ دينية استنبطها العلماء من أدلتها الشرعية النقلية والعقلية, لا قداسة لنوع منها دون غيرها, ولا سبيل إلى تفريق بينها بسبب ميدانها وموضوعها, إلى ما يجوز فيه الخلاف وما لا يجوز!\rذلك لأن محور الخلاف قائم على طبيعة دليل المسألة العلمية, من قطيعة أو ظنية, فما كان دليلها قطعياً ثبوتاً ودلالةً, لم يجر فيه الخلاف أبداً, وإذا جرى, فهو مردودٌ على صاحبة أيا كان, وما كان دليلها ظنيا ثبوتاً ودلالة, أو ظنيا في أحدهما, جرى فيها الخلاف, وهو مقبول من صاحبه أصحاب فيه أو أخطأ, مادام صادراً عن أهل العلم والاجتهاد في المسألة!","part":1,"page":4},{"id":8,"text":"وقد اقتضت حكمة الشارع أن يأتي الدليل الشرعي صريحاً قاطعاً في أمهات المسائل الشرعية, والأصول العلمية, درءاً لمفسدة الخلاف فيها, والافتراق حولها, وأن يأتي الدليل الشرعي غالباً محتملاً ظنيا في المسائل الفرعية, والفروع العلمية؛ تحقيقا لمصلحة إعمال الرأي والاجتهاد فيها- كما سيأتي توضيحه وتفصيله في محله من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.\rومن هنا: قل الاختلاف نسبياً في المسائل العقدية بين المسلمين, وضاقت دائرة الاختلاف في العقائد عند أهل السنة والجماعة, وكثر الخلاف في جانب المسائل الفقهية, وتوسعت دائرة الاختلاف فيها اتساعاً كبيراً, مما دعا بعض أهل العلم إلى إطلاق مثل تلك المقولات العلمية؛ اعتماداً على أسلوب التغليب, واعتبارِ الأكثر والأغلب, فقال بعضهم: إن الخلاف بين المسلمين في الفقهيات, لا في العقديّات. وفي غفلة عن مثلِ هذا الأسلوب, وتلك الحقائق, فهمت تلك المقولات فهماً خاطئاً من قبل بعض طلبة العلم, فأخذوا القول على إطلاقه دون تنبهٍ إلى الإشكالات العارضة على مثل هذا الإطلاق..!\rوفي بيان هذه الحقيقة, يقول الإمام ابن حزم -رحمه الله تعالى-: ((وأكثر افتراق أهل السنة في الفتيا, ونبذٍ يسيرةٍ من الاعتقادات))\"انظر ((الفصل في الملل والنحل)) (2/111)\".\rوإلا، فكيف يقبل عقل المسلم ذلك الإطلاق على حقيقته (بأنه لا خلاف في العقديات) وهو يقف على خلافٍ لبعض الصحابة –رضوان الله عليهم- وغيرهم من علماء السلف –رحمهم الله تعالى- في عدد من المسائل العقدية!!؟\rوكيف يسلم الباحث لتلك المقولة، وهو يطلع ويعايش خلافاً علمياً قائماً في مسائل عقدية وغيرها على مدى العصور والأزمان.!!\rوكيف يسلم منهجه في التعامل معه ومع أصحابه، ويتفق موقفه مع موقف سلف هذه الأمة من عدم الإنكار فيه، إذا قبل تلك المقولة على إطلاقها، وأخذ بها حكماً قاطعاً، وحقيقةً مسلمة!؟","part":1,"page":5},{"id":9,"text":"بل كيف يفسر مواقف وأقوال عدد من العلماء المحققين في اختلافهم مع غيرهم في بعض المسائل العقدية، وتصريح بعضهم بأن الخلاف العلمي يجري في المسائل الخبرية والعلمية على السواء -كما صرح بذلك ابن تيمية- رحمه الله تعالى- وغيره!!\rمن هنا: أضفت الفصل الثالث على الباب الأول من هذا الكتاب، وجعلته بعنوان: ((ميدان الاختلافات العلمية)) لأؤكد هذه الحقيقة، وأعرض فيها نماذج من أقوال أهل العلم والمحققين في هذه المسألة.\rوإن مما تجدر الإشارة إليه في هذه المقدمة: أن هذا الكتاب بتوفيق الله وفضله، لاقى قبولاً واسعاً لدى المسلمين، حيث كثر الطلب عليه، ونفدت الطبعات الثلاث السابقة، كما ترجم إلى اللغة التركية، وطبع بها أكثر من طبعة، وأفاد منه كثير من طلبة العلم في أنحاء العالم.. فقد كاتبني عدد من طلبة العلم من بلدان مختلفة قريبة وبعيدة، يعبرون عن أثر الكتاب فيهم، وفضله في تصحيح منهجهم وموقفهم من الاختلافات العلمية، وحرصهم على مدارسته فيما بينهم.\rكما استأذنني عدد من الأخوة في ترجمته لأكثر من لغة إسلامية وأجنبية والحمد لله.\rوقد كان الإقبال الشديد عليه مشجعاً لي لإعادة النظر فيه، واستكماله بما توصلت إليه في موضوعه من نتائج جديدة، أو حقائق مفيدة، ولعل أبرز ما طرأ عليه من جديد في هذه الطبعة ما يلي:\r1-تغيير اسم الكتاب إلى ((دراسات في الاختلافات العلمية)).\r2-مقدمة الطبعة الرابعة.\r3-بيان حكمة من حكم الشارع في جعل كثير من النصوص الشرعية ظنية الدلالة.\r4-إضافة فصل جديد على الباب الأول بعنوان: ((ميدان الاختلافات العلمية)).\r5-إضافة ملحقٍ جديد بعنوان: ((من ضوابط الاختلاف في الرأي)).\rهذا، وأسأل الله عز وجل أن يديم النفع به، ويتقبله أحسن قبول، فهو وحده المقصود والمأمول، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.\rالمؤلف\rالدكتور محمد أبو الفتح البيانوني\rالدوحة-قطر\r21/6/1417هـ.\r2/12/1996م.\rمقدمة الطبعة الأولى","part":1,"page":6},{"id":10,"text":"مقدمة الطبعة الأولى\rقد يعجب بعض الناس من الكتابة في أمور الخلاف في وقت نحن فيه أحوج ما نكون إلى الاتفاق وتناسي الأمور الخلافية.\rولكن سرعان ما يزول هذا التعجب عندما يرى القارئ الكريم أن حديثنا عن الاختلاف ليس بحثاً في مسائل خلافية فرعية ننتصر فيه لرأي دون رأي، أو نرجح فيه مذهباً على مذهب...وإنما هو بحث في توضيح حقيقة هذا الاختلاف الفقهي القائم، وبيان نشأته وأسبابه وحكمه، مما يساعد الناس على نبذ الاختلاف، واستئصال جذور التفرقة، ومما يساهم –إن شاء الله- في الوصول إلى تعاون أتم، واتفاق أعم...\rولقد ثبت لي هذا عملياً من خلال تدريسي مادة أحاديث الأحكام خلال سنوات مضت في كلية الشريعة بالرياض في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فلمست أثر هذا التفهم لطبيعة الاختلاف وأسبابه في سلوك الطلبة العلمي والعملي، مما دفعني إلى متابعة الموضوع والحرص على نشره في أوسع نطاق...\rوإن من يختبر حياة الناس، ويدرس مشاكلهم واختلافاتهم، يجد كثيراً من الاختلافات إنما تنشأ عن سوء فهم بعضهم لبعض، أو عن سوء ظن طرفٍ بالآخر.. فيتحكم بذلك الخلاف، وتبعد الشقة بين الأطراف، وإذا ما جمعت المقادير يوماً بين مختلفين، واطلع كل منهما على وجهة الطرف الآخر، واقتنع بحسن نيته ومقصده، تزعزع جدار الخلاف بين الخصمين حتى يكاد يزول، وعاد الطرفان إلى الاتفاق والوئام الذي لا يعكره شيء...\rولعل هذا المثل العلمي من واقع حياة الناس يوضح لنا حقيقة الاختلاف الذي يقع أحياناً بين المختلفين في حقيقة المذاهب الفقهية والآراء العلمية.\rإذ ينظر كل طرف إلى الآخر على أنه خصمه اللدود فيحاربه ويسعى دائماً للانتصار عليه.\rحتى إن بعضهم ينظر إلى المذاهب الفقهية نظرتهم إلى الخلاف المشئوم.","part":1,"page":7},{"id":11,"text":"فيتصور المذاهب الأربعة خصوماً أربعة يحرص كل منهم على تحطيم خصمه والانتصار عليه، وكأنه لا وجود لهذا مع وجود ذاك، أخذاً مما توحيه تصرفات بعض الجهلة الذين لا يعرفون عن حقيقة المذاهب إلا الانتساب إليها والتعصب لها من جهة، وأخذاً مما توحيه كلمة ((خصم)) التي اصطلح عليها العلماء في مناقشاتهم ومناظراتهم للآراء الأخرى، تصويراً للمسائل وتمثيلاً لها من جهة أخرى، وقد تترك بعض الاصطلاحات العلمية آثاراً خاطئة في نفوس الناس...\rلهذا أحببت أن أكشف في هذه الرسالة عن حقيقة هذا الاختلاف الفقهي، وأتحدث عن نشأته وأسبابه، وأوضح حكمه ليحدد المسلم منه موقفه، ويكون على بصيرة من أمر دينه، فلا يقع في إفراط ولا تفريط، فيفتح بذلك ثغرة في نفسه يلج فيها الأعداء فيفسدون عليه دينه وعقيدته...\rلقد دأب أعداء الإسلام في الماضي والحاضر على هدم كيان الإسلام في نفوس أبنائه، وكان من وسائلهم الدقيقة الخفية إلى ذلك أن سلكوا سبيل التشكيك في الفقه والفقهاء، وسخروا بعض الجهلة والبسطاء، فأثاروا المسائل الاختلافية على أتباع المذاهب ليوقعوا فيما بينهم، ويشغلوهم بها عن الأمور الهامة التي تحيط بهم من جهة، وليفقدوا المسلمين الثقة بفقههم وفقهائهم من جهة أخرى، مما يجعلهم يتنصلون من أحكام دينهم ومذاهبهم، فيقعون في شرك الأهواء والآراء...\rولقد تنبه لهذه الأساليب في الماضي الأئمة الأعلام، فكشفوا النقاب عن وجوه أعداء الإسلام، وتتبعوهم في جميع مسالكهم.\rفألفوا الكتب الصغيرة والكبيرة في توضيح حقيقة الاختلاف بين الفقهاء، وفرقوا بين الاختلاف في الأصول والفروع، وبينوا للناس سوء النيات وفساد الغايات...\rومن ذلك ما نبه إليه الإمام ابن تيمية –رحمه الله- إثر بحثه لبعض المسائل الفقهية الخلافية، فقال:","part":1,"page":8},{"id":12,"text":"((ومثل هذه المسألة الضعيفة ليس لأحد أن يحكيها عن إمام من أئمة المسلمين، لا على وجه القدح فيه، ولا على وجه المتابعة له فيها، فإن في ذلك ضرباً من الطعن في الأئمة، واتباع الأقوال الضعيفة...\rثم قال: وبمثل ذلك صار وزير التتر يلقي الفتنة بين مذاهب أهل السنة حتى يدعوهم إلى الخروج عن السنة والجماعة، ويوقعهم في مذاهب الرافضة وأهل الإلحاد...))\"الفتاوى (12:137) المجلد 32\".\rوسأعقد –إن شاء الله فصلاً خاصاً في آخر الرسالة أذكر فيه مصنفات العلماء في اختلاف الفقهاء قديماً وحديثاً.\rوأسأل الله عز وجل أن يهدي قلوبنا، وأن يفهمنا حقيقة ديننا وأن يبصرنا بمواطن الضعف في نفوسنا، لنسلم من مكائد أعدائنا، فهو نعم المولى ونعم النصير...\rوالحمد لله رب العالمين.\rالرياض /6/ جمادى الآخرة 1395هـ\rالموافق 15/6/1975م\rالباب الأول\rويشتمل على أربعة فصول:\rالفصل الأول:\rحقيقة الاختلافات العلمية\rالفصل الثاني:\rنشأة الاختلافات العلمية\rالفصل الثالث:\rميدان الاختلافات العلمية\rالفصل الرابع:\rأسباب الاختلافات العلمية\rالفصل الأول\rحقيقة الاختلافات العلمية\rتظهر الاختلافات العلمية، والآراء الفقهية لبعض الناس وكأنها آراء شخصية في دين الله عز وجل ولذلك تعددت واختلفت...\rحتى تصورها بعضهم ديناً جديداً يقابل الكتاب والسنة، يجب على المسلم طرحه عرض الحائط، والتبرؤ منه، والرجوع إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم...\rولقد ساعد على إيحاء هذا التصور الخاطئ موقف بعض المتعصبين لهذه الآراء الذين أنزلوها فوق منزلتها وعكفوا عليها وردوا غيرها من جهة، وتجريدها في كثير من كتب المتأخرين عن الاستدلال، طلباً للاختصار من جهة أخرى، فظهرت للناظر البعيد عن معرفة طبيعة الكتب الفقهية كأنها آراء شخصية مجردة عن أصولها الشرعية...","part":1,"page":9},{"id":13,"text":"ولكن الذي ينظر إليها نظر تمحيص وإمعان، يجدها بياناً لأحكام الكتاب والسنة كما فهمها الأئمة من الأدلة الشرعية، وذلك بعد أن بذل كل منهم جهده واستفرغ وسعه في جمع الأدلة وتمحيصها.\rفكانت هذه الآراء ثمراتٍ متعددة لشجرة واحدة هي شجرة الكتاب والسنة، وليست بثمراتٍ لشجرات مختلفة كما يتوهم بعضهم...\rفجذع الشجرة الكتاب والسنة، وفروعها الأدلة الشرعية والعقلية المتنوعة، وثمارها الأحكام الفقهية مهما اختلفت وتعددت.\rومن هنا كان الفرق شاسعاً بين عامة المسلمين الذين يتبعون في دينهم أقوال أئمتهم المستنبطة من كتاب ربهم، وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، كما أمرهم الله بقوله:\r((فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون))\"الآية:43 من سورة النحل\" وبين أهل الكتاب، الذين يتبعون في دينهم أقوال رهبانهم وأحبارهم الصادرة من تلقاء أنفسهم، والمخالفة لأمر ربهم، والذين ندد الله بهم بقوله سبحانه: ((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ))(التوبة: من الآية31) كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل عليه عدي بن حاتم الطائي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية، فقال عدي: فقلت: إنهم لم يعبدوهم!؟ فقال: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم\"تفسير ابن كثير (2-348) وتفسير البحر المحيط لأبي حيان (32:5).\rولهذا عرف العلماء الاجتهاد في الشرع بقولهم: \" بذل المجهود في استخراج الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية\" تسهيل الوصول للمحلاوي ص 320\".\rواشترطوا له شروطاً كثيرة دقيقة، حتى لا يلج هذا الباب إلا أهله. وهي معروفة مبسوطة في كتب الأصول...\rولقد فهم جمهور الأمة من السلف والخلف حقيقة هذه الاختلافات, ودونوا فيها الكتب الكثيرة الموضحة لشأنها, والمجلية لحقيقتها, والتي دفعت عن الأئمة الملام فيما اختلفوا فيها من الأحكام.","part":1,"page":10},{"id":14,"text":"ويكفينا في هذا المقام قول عالم المدينة وفقيهها من زمن التابعين الإمام القاسم بن محمد: ((لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في أعمالهم, لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة, ورأى أنه خير منه قد عمله))\"جامع بيان العلم وفضله (2- 78-92)\" وقول عمر بن عبد العزيز: رضي الله عنه:((ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا, لأنه لو كان قولاً واحداً كان الناس في ضيق, وإنهم أئمة يقتدى بهم, فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان سعة))\"جامع بيان العلم وفضله(2-78-92)والفقهية المتفقة(2: 59-60)\" وقال العلامة الدهلوي رحمه الله, موضحاً طبيعة هذه الاختلافات الفقهية: 1-\rومنها: أن أكثر صور الاختلاف بين الفقهاء لاسيما في المسائل التي ظهر فيها أقوال الصحابة في الجانبين, كتكبيرات التشريق, وتكبيرات العيدين, ونكاح المحرم, وتشهد ابن عباس وابن مسعود, والإخفاء بالبسملة وبآمين, والإشفاع والإيتار في الإِقامة ونحو ذلك, وإنما هو ترجيح أحد القولين.\rوكان السلف لا يختلفون في أصل المشروعية, وإنما كان خلافهم في أَوْلَى الأمرين, ونظيره اختلاف القراء في وجوه القراءات.\rوقد عللوا كثيراً من هذا الباب: بأن الصحابة مختلفون, وأنهم جميعاً على الهدى, ولذلك لم يزل العلماء يجوزون فتاوى المفتين في المسائل الاجتهادية, ويسلمون قضاء القضاة, ويعملون في بعض الأحيان بخلاف مذهبهم…))\"الإنصاف في بيان أسباب الخلاف\rص66-67\" وسيأتي معنا إن شاء الله في فصل((حكم الاختلافات العلمية وتحقيق موقف العلماء منها)) ما يزيد هذه الحقيقة جلاءً ووضوحاً..\rالفصل الثاني\rنشأة الاختلافات العلمية\rتعود نشأة الاختلاف في الأحكام الشرعية إلى نشأة الاجتهاد في الأحكام الذي بدأ يسيراً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث استغنى الناس بالوحي المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم...","part":1,"page":11},{"id":15,"text":"ثم توسع بعد ذلك بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، بتوزع الصحابة رضوان الله عليهم في الأمصار...\rوطبيعي أن يتوسع الاختلاف في الأحكام الشرعية بانقطاع الوحي من السماء، وبتوزع الصحابة رضوان الله عليهم، لأنه يرجع في طبيعته إلى أصلين أساسين:\r1-أولاهما: احتمال النصوص الشرعية.\r2-ثانيهما:اختلاف المدارك والأفهام.\rفلقد اقتضت حكمة الله عز وجل في شرعه، أن يكون كثير من نصوص القرآن والسنة محتملةً لأكثر من معنى واحد، إذ أنزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، واحتمال الألفاظ في اللغة العربية أمر مسلم مما تمتاز به لغتنا عن اللغات الأخرى.\rكما اقتضت حكمته في خلقه، أن يجعلهم متفاوتين في عقولهم ومداركهم، ليكمل الكون، ويبرز ميدان التفاضل والتمايز بالعلم والعقل...\rولا يشك عاقل بأن هذين الأصلين إنما يؤديان إلى نتيجة حتمية بدهية وهي الاختلاف في الآراء والأحكام...\rولننظر هذا في معادلة رياضية واضحة:\r(أ)-نصوص محتملة + عقول وأفهام متفاوتة =آراء مختلفة.\r(ب)-نصوص قطعية + عقول وأفهام واحدة =آراء واحدة.\rولعله من الغفلة عن هذين الأصلين، وهاتين البديهتين نشأت فكرة الدعوة إلى توحيد المذاهب والآراء، واتخذت سبيلها إلى بعض النفوس، لما تحمله بين ثناياها في الظاهر من معاني الوحدة المحببة إلى النفوس، ومن مظاهر الاتفاق والالتقاء على رأي واحد... ولكن هيهات وهيهات!!!\rلقد خفيت عن هؤلاء حكمة الله عز وجل في هذا الخلق، الذي لو شاء لجعل الناس أمة واحدة في تفكيرها وأفهامها، ولأنزل عليهم الكتاب مبيناً مفسراً لا إجمال فيه ولا احتمال...\rولو شاء أن تتوحد الآراء والأفهام في أحكام دينه الذي تعبد به عباده، لغير طبيعة النصوص الشرعية، ووحد الأفهام البشرية لتتفق على أمر وحكم واحد...\rخذ مثلاً قول الله عز وجل في سورة البقرة: ((وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ))(البقرة: من الآية228)","part":1,"page":12},{"id":16,"text":"وقابله مع قوله تعالى في السورة نفسها، وقبل هذه الآية بآيتين: ((لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُر))(البقرة: من الآية226)\rتجد أن سبحانه قال في الآية الأولى ((ثلاثة قروء)) وقال في الأخرى ((أربعة أشهر)) فقوله: ((ثلاثة)) في الأولى و((أربعة)) في الأخرى...إلخ نص قطعي لا يحتمل أكثر من معنى واحد وهو العدد المعروف.\rوبمقارنة هذا مع قوله سبحانه في الأولى: ((قروء)) وفي الأخرى: ((أشهر)) نجد أن اللفظة الأولى ((قروء)) تحتمل أكثر من معنى واحد في الوضع اللغوي العربي، خلافاً للفظة الأخرى ((أشهر )) فإنها قطعية المعنى لا تحتمل أكثر من معنى واحد...\rقال أبو عمرو بن العلاء:\r((من العرب من يسمى الحيض قرءاً، ومنهم من يسمي الطهر قرءاً، ومنهم من يجمعها جميعاً، فيسمي الطهر مع الحيض قرءاً))\"تفسير القرطبي(113:3)\".\rويقول أبو بكر أحمد بن على الرازي الجصاص في كتابه ((أحكام القرآن)) قال أبو بكر: ((قد حصل من اتفاق السلف وقوع اسم الأقراء على المعنيين من الحيض ومن الأطهار من وجهين:\rأحدهما: أن اللفظ لو لم يكن محتملاً لما تأوله السلف عليهما، لأنهم أهل اللغة والمعرفة بمعاني الأسماء، وما يتصرف عليه المعاني من العبارات، فلما تأولها فريق على الحيض، وآخرون على الأطهار، علمنا وقوع الاسم عليهما.\rومن جهة أخرى: أن هذا الاختلاف قد كان شائعاً بينهم مستفيضاً، ولم ينكر واحداً منهم على مخالفيه في مقالته، بل سوغ له القول فيه، فدل ذلك على احتمال اللفظ للمعنيين، وتسويغ الاجتهاد فيه...))\"أحكام القرآن للجصاص (430:1)\".\rأليس بعد هذا يكون من الطبيعي أن تتعدد الآراء في هذه الآية الكريمة ((ثلاثة قروء)) وتتحد في فهم قوله سبحانه: ((أربعة أشهر))!!\rوفي هذا يقول الإمام القرطبي في تفسيره:","part":1,"page":13},{"id":17,"text":"((اختلف العلماء في الأقراء، فقال أهل الكوفة: هي الحيض وهو قول عمر، وعلى، وابن مسعود، وأبي موسى، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وعكرمة، والسدي.\rوقال أهل الحجاز: هي الأطهار، وهو قول عائشة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، والزهري، وأبان بن عثمان، والشافعي...))\"تفسير القرطبي (113:3)\".\rفلو أراد الله عز وجل أن تتوحد الآراء في هذه المسألة مثلاً، لقال: ثلاث حيض أو ثلاثة أطهار، كما قال في الآية الأخرى: ((أربعة أشهر))، وقس على ذلك جميع النصوص الشرعية المحتملة لأكثر من معنى واحد...\rومما يؤكد حكمة الله عز وجل في هذا الاختيار، كون أكثر النصوص الشرعية ظنية الدلالة، فكأن الله سبحانه أراد بذلك التوسعة على الناس في تعدد الآراء والأفهام من جهة, وإفساح المجال أمام العقول لتعمل وتستنبط من كلامه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى.\rوقد ظهر لي بعد تفكر طويل, وتأمل دقيق في كثير من النصوص الشرعية, جانبٌ جديدٌ من جوانب حكمة الله عز وجل في جعل كثير من كلامه سبحانه, وكلامِ رسوله صلى الله عليه وسلم ظنيَّ الدلالة يحتمل أكثر من معنى, وهو: تحقيق نوع من التوازن بين أمرين مهمين, هما: 1-\rتحقيق المصلحة المترتبة على فسح المجال واسعاً أمام العقل البشري, ليعمل ويجتهد في النصوص الشرعية, ويتفهم معاني النقل, وذلك تقديراً لنعمة العقل من جهة, وتدريباً للعقل البشري على الغوص في معاني النصوص, واستنباط الأحكام منها من جهة أخرى. 2-\rدرء المفسدة التي قد تترتب على الاختلاف أحياناً في بعض الأحكام الشرعية, فحيث كانت مفسدة الخلاف في الحكم ترجح مصلحة إعمال العقل وتدريبه, كما هي في كثير من الأحكام العقدية الخبرية, وبعض الأحكام الفقهية العملية, جاء النص الشرعي قطعياً صريحاً لا مجال للاختلاف في فهمه.","part":1,"page":14},{"id":18,"text":"وحيث كانت مصلحة الاجتهاد, وإعمال العقل وتدريبه على فهم النصوص الشرعية, واستنباط الأحكام منها ترجح المفسدة المتوقعة من وراء الاختلاف في الحكم, جاء النص الشرعي ظني الدلالة يحتمل أكثر من معنى.\rوتوضيحاً لمثل هذه الموازنة أضرب لها مثالاً عملياً, هو: -\rضعف المفسدة المترتبة على الاختلاف في معنى (القُرء) في المسألة السابقة, جعل الشارع يختار لفظ ((القرء)) على لفظ ((الأطهار, أو الحيض)), فإن الفارق في حكم العدة المنصوص عليها في الآية, على مختلف الآراء الواردة في فهمها, لا يزيد على أيام في النتيجة العملية, سواء فسر القرء وهذا لا يعد شيئاً مهما بالنسبة للمرأة المعتدة, مقابل مصلحة إعمال العقل وتدريبه على الاجتهاد والاستنباط.\rبخلاف ما لو كانت الظنية افتراضاً في لفظ (ثلاثة) في الآية نفسها, بحيث لو كان بدلاً منها لفظ ((بِضْعة قروء)), والبعض في اللغة العربية: يتردد من (ثلاثة إلى تسعة), فيكون الفرق العملي في نتيجة الحكم كبيراً, حيث يختار بعض العلماء العدد الأقصى في معنى البضع, فيجعل العدة (تسعة قروء) احتياطاً منهم في تحقق الحل, ويختار آخرون العدد الأدنى في معنى البضع, فيجعل العدة (ثلاثة قروء) تخفيفاً على المرأة, ودفعاً للحرج عنها, مادام النص يحتمل ذلك.\rفإن مجيء النص بلفظ ((ثلاثة)) جاء قاطعاً صريحاً, دافعاً لمثل تلك المفسدة المترتبة على الخلاف في المسألة فيما لو كان اللفظ ظني الدلالة... فسبحانه من إله عظيم, عليم, حكيم!!\rولقد أشار العلماء المحققون إلى بعض هذه الحكم في مجالات مختلفة, من ذلك قول الإمام الزركشي رحمه الله:","part":1,"page":15},{"id":19,"text":"((اعلم أن الله لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة, بل جعلها ظنية قصداً للتوسيع على المكلفين. لئلا ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدليل القاطع...))\"تسهيل الوصول للمحلاوي ص240\" وإليك أمثلة عملية تؤكد عودة نشأة الاختلاف في الأحكام الفقهية. إلى عصر الصحابة رضوان الله عليهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته, فمن ذلك:\r( أ ) اختلافهم في زمنه صلى الله عليه وسلم في حكم الصلاة في الطريق إلى بني قريظة,0 فقد روى الإمام البخاري في صحيحة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: ((لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)), فأدرك بعضهم العصر في الطريق, فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها, وقال بعضهم: بل نصلى لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحداً منهم))\"فتح الباري (411:8) وسيأتي تفصيل هذا المثال في السبب الثاني من أسباب الاختلاف\" رواه الشيخان.\rب-ومن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد، لك الأجر مرتين))\"جمع الفوائد (113:1)\" رواه أبو داود والنسائي.\rوهذان المثلان حدثا في عهده صلى الله عليه وسلم، أما اختلافهم رضوان الله عليهم في الاجتهاد بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فإنك لا تكاد تجد مسألة اختلافية بين الأئمة المجتهدين إلا والخلاف فيها على الغالب راجع إلى زمن الصحابة رضوان الله عليهم.\rوإن أدنى مراجعة للمصنفات المشهورة، تؤكد لصاحبها أن الاختلاف في المسائل الفقهية كان واسعاً في زمن الصحابة رضوان الله عليهم.","part":1,"page":16},{"id":20,"text":"ولعل أول اختلاف جرى بينهم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم اختلافهم في الأحق بالإمامة الكبرى، ومن يكون خليفة للرسول صلى الله عليه وسلم في أمته؟ ثم توالت الاختلافات في الأحكام التفصيلية تبعاً لأسباب عامة وخاصة نتحدث عنها في فصل خاص.\rومن المسائل التي اختلفوا فيها على سبيل المثال:\rج-ميراث الجد، فذهب ابن عباس رضي الله عنه، إلى أن الجد يحجب الإخوة أياً كانوا كالأب من الميراث لإطلاقه لفظة الأب عليه من القرآن.\rوذهب آخرون كعمر، وعلي، وزيد –رضي الله عنهم- إلى أن الإخوة الأشقاء أو لأب يقاسمون الجد في الميراث نظراً لاتحاد وجهتهم.\rإذ أن كلا منهم يدلي إلى الميت بواسطة الأب.\rد-واختلفوا في خروج المرأة المطلقة من عدتها، فقال ابن مسعود رضي الله عنهما: لا تخرج المرأة من العدة إلا إذا اغتسلت من الحيضة الثالثة.\rوقال آخرون كزيد رضي الله عنه: تخرج من العدة بمجرد دخولها في الحيضة الثالثة. وذلك عائد إلى اختلافهم في معنى القرء...\rهـ-واختلفوا في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها. فقال عمر وابن مسعود رضي الله عنهما:\rتعتد بوضع الحمل، وقال علي وابن عباس رضي الله عنهم: تعتد بأبعد الأجلين.\rإلى غير ذلك من أمثلة تعرف في محالها من كتب الخلاف.\rوهكذا توالى الاختلاف في الأحكام في زمن الصحابة رضوان الله عليهم، حتى امتد إلى تابعيهم، واتسع نطاقه في زمن التابعين وتابعيهم، تبعاً لكثرة الحوادث الجديدة، والمسائل المستحدثة التي تحتاج إلى بيان الحكم فيها من جهة، وتبعاً لانتشار الفقه الفرضي من جهة أخرى...\rفكان اتساع الاختلاف في الأحكام الشرعية أمراً طبعياً، اقتضته طبيعة الحياة العلمية والعملية...\rالفصل الثالث\rميدان الاختلافات العلمية\rبعد أن تبينا حقيقة الاختلافات العلمية، وعرفنا أسبابها ونشأتها، آن لنا أن نقف وقفة عند بيان ميدانها ومجالاتها لتوضيح بعض الجوانب، ومناقشة بعض الشبهات في ذلك.","part":1,"page":17},{"id":21,"text":"فقد أشاع بين أهل العلم قديماً وحديثاً قولهم: إن الاختلافات العلمية بين المسلمين، تنحصر في المسائل الفقهية، وأنه لا خلاف بينهم في العقديات، حتى كاد يصبح هذا القول قاعدةً مطلقةً مسلمة عند كثير من العلماء، مما جعل بعضهم يتحرج من الخوض في بعض المسائل العقدية الخلافية، ويتعجب من الخلاف القائم في الماضي حولها! حتى أني عندما وضعت كتابي هذا ((دراسات في الاختلافات الفقهية)) حصرتها في الفقهية بناء على هذه القاعدة المسلمة!\rلكن المتتبع لسيرة السلف الصالح من الصحابة والتعبعين، ومن بعدهم رضوان الله عليهم جميعاً –لا يجد ما يؤكد صحة إطلاق هذه القاعدة، وإنما يجد الخلاف قائماً بينهم في كلا الميدانين: الفقهي، والعقدي، إلا أن خلافهم في المسائل العقدية، يعتبر قليلاً إذا ما قيس بخلافهم في المسائل الفقهية.\rوذلك لأن الله بحكمته جعل معظم أدلة العقيدة صريحة الدلالة على المراد منها، مما يقلل ويضيق ميدان الاجتهاد فيها، خلافاً لأدلة الفقه، فإنه جعل معظمها ظنياً محتملاً للمعاني و الأقوال المتعددة.\rوإلا، فإنه لا انفكاك في الشريعة الإسلامية بين الجانبين: العقدي والفقهي، ولا قداسة لأحكام دون أحكام، فجميع الأحكام الشرعية: العقدية والفقهية أحكام الله وشرعه.\rومن هنا: نجد أنفسنا بعد البحث والتحقيق مضطرين أمام هذه القاعدة السابقة، أو القول الشائع: بأنه لا خلاف بين المسلمين في العقديات، وإنما الخلاف في الفقهيات، أن نقول:\rيحمل هذا الإطلاق في القول، على أسلوب التغليب في الحكم، فلا يراد به كمال إطلاقه، فإنه لما كان معظم اختلاف علماء المسلمين في الفقهيات، وكان اختلافهم في العقديات قليلاً نسبياً، أطلق العلماء هذا القول تغليباً، وهو أسلوب مألوف معتاد في اللغة والشرع...","part":1,"page":18},{"id":22,"text":"ولعل الأدق منه أن نقول: ((إن خلاف المسلمين في الفروع لا في الأصول))، ونعني بالفروع هنا: المسائل الفرعية الشرعية التي تعتمد غالباً على الأدلة الظنية، سواء من حيث ثبوتها، أو دلالتها، وسواء أكانت هذه المسائل عقدية أم فقهية.\rكما نعني بالأصول هنا: المسائل الأصلية، أو كبرى المسائل العلمية وأمهاتها، التي تعتمد غالباً على الأدلة القطعية، سواء من حيث ثبوتها أو دلالتها، وسواء كانت هذه المسائل الكبرى عقدية أم فقهية.\rولنضرب على ذلك أمثلة من واقع الاختلافات العلمية:\rفمن أمثلة المسائل الأصلية العقدية: مسألة الإيمان بالله، وبأسمائه، وصفاته، والإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، والإيمان باليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره من الله تعالى، والإيمان بأن الجنة حق، والنار حق، والصراط حق، والكرسي حق...إلى غير ذلك من أمهات المسائل العقدية.\rومن أمثلة المسائل الفرعية العقدية: صفة الكرسي، وأيهما أسبق: الميزان أو الحوض؟، ومسألة رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه ليلة المعراج، وتعذيب الميت ببكاء أهله عليه، والتوسل بالأنبياء والصالحين. إلى غير ذلك من فروع المسائل العقدية.\rومن أمثلة المسائل الأصلية الفقهية: وجوب الصلاة، وبيان عدد ركعات الصلاة، ووجوب الزكاة، ووجوب الصوم والحج... إلى غير ذلك من مسائل فقهية كبرى مما اتفق عليه الفقهاء من أحكام الفقه.\rومن أمثلة المسائل الفرعية الفقهية: حكم القراءة خلف الإمام في الصلاة، ورفع اليدين عند التنقل في أركان الصلاة، وكيفية صلاة الوتر، وحكمها وكثير من أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج مما اختلف فيه الفقهاء...\rوهذا التأويل للقاعدة، وتصويبها ينسجم مع كثير من أقوال العلماء المحققين قديماً وحديثاً، كما ينسجم مع تاريخ الخلاف العلمي وواقعه،من زمن الصحابة رضوان الله عليهم فما بعدهم...\rفهذا هو الإمام ابن حزم –رحمه الله تعالى- يقرر في مقام بيان اختلاف أهل السنة فيقول:","part":1,"page":19},{"id":23,"text":"((وأكثر افتراق أهل السنة في الفتيا، ونبذٍ يسيرة من الاعتقادات))\"انظر ((الفصل في الملل والنحل))(2/111)\".\rكما قرر مثل هذا الإمام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- أيضاً، فقال:\r((واتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها، على إقرار كل فريق للفريق الآخر، على العمل باجتهادهم، كمسائل في العبادات، والمناكح، والمواريث، والعطاء، والسياسة، وغير ذلك...إلى أن قال:\rوتنازعوا في مسائل علمية اعتقادية: كسماع الميت صوت الحي، وتعذيب الميت ببكاء أهله، ورؤية محمد صلى الله عليه وسلم ربه قبل الموت –مع بقاء الجماعة والألفة.\rوهذه المسائل: منها أحد القولين خطأ قطعاً، ومنها فالمصيب في نفس الأمر واحد عند الجمهور أتباع السلف، والآخر مؤدٍ لما وجب عليه بحسب قوة إدراكه.\rوهل يقال له: مصيب أو مخطئ؟ فيه نزاع، ومن الناس من يجعل الجميع مصيبين، ولا حكم في نفس الأمر، ومذهب أهل السنة والجماعة: أنه لا إثم على من اجتهد، وإن أخطأ))\"انظر ((فتاوى ابن تيمية))(19/122-123)\".\rكما صرح –رحمه الله- في مكان آخر فقال:\r((والخطأ المغفور في الاجتهاد: هو في نوعي المسائل: الخبرية، والعملية، كما قد بسط في غير موضع، كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث، وكان لذلك ما يعارضه، ويبين المراد ولم يعرفه، مثل من اعتقد بأن الذبيح إسحاق، لحديث اعتقد ثبوته، أو اعتقد أن الله لا يرى، لقوله ((لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ))(الأنعام: من الآية103). ولقوله: ((وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ))(الشورى: من الآية51)، كما احتجت عائشة –رضي الله عنها- بهاتين الآيتين على انتفاء الرؤية في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يدلان بطرق العموم.","part":1,"page":20},{"id":24,"text":"وكما نقل عن بعض التابعين: أن الله لا يرى، وفسروا قوله((وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)) (القيامة:23)، بأنها تنتظر ثواب ربها، كما نقل عن مجاهد وأبي صالح...))\"انظر ((مجموع فتاوى ابن تيمية))(20/33/36).\rإلى غير ذلك من أمثلة ذكرها- رحمه الله- في هذا المقام ...\rوقال في مكان آخر:\r(( فما زال في الحنبلية من الحنبلية من يكون ميله إلى نوع من الإثبات الذي ينفيه طائفة أخرى منهم، ومنهم من يمسك عن النفي والإثبات جميعاً، ففيهم جنس التنازع الموجود في سائر الطوائف، ولكن نزاعهم في مسائل الدق ((أي الدقيقة))، وأما الأصول الكبار، فهم متفقون عليها...))\"انظر ((مجموع فتاوى ابن تيمية))(4/166)\" فقد فرق –رحمه الله- في هذا القول بين المسائل الأصلية الكبار، والمسائل الدقيقة الفرعية، وأثبت الخلاف في الفرعية فقط.\rومن هنا: كان علماء السلف الصالح –رحمهم الله- إذا ما ذكروا أوصاف أهل السنة والجماعة، جمعوا في أوصافهم التي تميزهم عن غيرهم في أمهات المسائل العقدية، بعض الأقوال في بعض المسائل الفقهية، ولا سيما المسائل التي أصبح القول بها شعاراً لأهل السنة، يخالفهم فيه غيرهم.\rوذلك مثل: صلاة العيدين، والوقوف بعرفات، وحضور الجمعة والجماعات مع كل بر وفاجر، والمسح على الخفين في السفر والحضر، والقصر في الصلاة...إلى غير ذلك.\rكما ورد عن الإمام أحمد –رحمه الله تعالى- في ذلك، فيما رواه عنه محمد بن يونس السرخسي، وذكره ابن يعلى في ((طبقات الحنابلة))\"انظره مفصلاً في ((طبقات الحنابلة))(1/329-330)\".\rوكما فعل الإمام عبد القاهر البغدادي في عرض أوصاف أهل السنة والجماعة...\"انظره مفصلاً في ((الفرق بين الفرق)) ص(26-28) تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد\".","part":1,"page":21},{"id":25,"text":"وإن المتتبع للمسائل الخلافية عن السلف –رحمهم الله تعالى- يجد فيها بعض المسائل العقدية\"انظر على سبيل المثال: ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (19/122/123)، وشرح العقيدة الطحاوية ص: (250،210،209،193،186) وغيرها..\"، كما يقف على كثير من المسائل الفقهية....\rوحسبنا هنا مثال واحد من أمثلة خلافهم في فروع المسائل العقدية.\rوالمثال هو: اختلافهم في رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في ليلة الإسراء والمعراج.\rفقد ثبت عن عائشة –رضي الله عنها- أنها قالت لمسروق حين سألها: هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟ قالت:\r((لقد قف شعري مما قلت، ثم قالت: من حدثك أن محمداً رأى ربه، فقد كذب))\"الحديث متفق عليه، انظر((صحيح البخاري مع الفتح)) (8/466و469)، وصحيح مسلم رقم (177)\".\rوحكى القاضي عن عياض في كتابه ((الشفا))\"انظر ((الشفا)) ص(195-202)\" اختلاف الصحابة –رضوان الله عليهم- ومن بعدهم في رؤيته صلى الله عليه وسلم لربه، كما حكى إنكار عائشة –رضي الله عنها- أن يكون صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعين رأسه، ثم قال:\r((وقال جماعة بقول عائشة –رضي الله عنها-، وهو المشهور عن ابن مسعود، وأبي هريرة، واختلف عنه،\rوقال بإنكار هذا، وامتناع رؤيته في الدنيا: جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين. وعن ابن عباس –رضي الله عنهما-: أنه صلى الله عليه وسلم رآه بعينه، أخرج ابن خزيمة في ((التوحيد))\"انظر كتاب ((التوحيد))ص : (201)\" من حديث سفيان عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، قال ابن عباس رضي الله عنهما:\r((وما جعلنا الرءيا التي أريناك...))\"الآية: 60 من سورة الإسراء\". قال: رؤيا عين، أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به.","part":1,"page":22},{"id":26,"text":"ثم قال القاضي عياض: ((وأما وجوبه لنبينا صلى الله عليه وسلم، والقول بأنه رآه بعينه، فليس فيه قاطع ولا نص، إذا المعول فيه على آية النجم\"انظر الآيات: (11-18) من سورة النجم\"، والتنازع فيها مأثور، والاحتمال لهما ممكن، ولا أثر قاطع متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم)).\rكما قال شارح الطحاوية: القاضي محمد بن أبي العز الدمشقي، بعد عرضه لهذا الاختلاف، وقول القاضي عياض السابق ما نصه:\r((وهذا القول الذي قاله القاضي عياض –رحمه الله- هو الحق))\"انظر ((شرح العقيدة الطحاوية))ص (156) بتعليق الشيخ شعيب الأرناؤوط\".\rوبعد استعراض هذه الأقوال، يتأكد لنا أن ميدان الاختلاف العلمي بين العلماء، هو الأدلة الظنية، سواء وردت في مسالة عقيدية أو فقهية...وإذا كان ثمة فرق، فإنما هو في سعة الاختلاف في الميدان الفقهي، وضيقه في الميدان العقدي فحسب، وذلك تبعاً لطبيعة الأدلة في كل من الميدانين، والله أعلم.\rالفصل الرابع\rأسباب الاختلافات العلمية\rلقد تبين لنا مما سبق، أن اختلاف العلماء في استنباط المسائل العلمية وتعدد آرائهم في المسألة الواحدة أمر طبعي، تبعاً للأسباب المقتضية لذلك الاختلاف...\rإلا أننا نجد بعض قاصري النظر، يقفون من هذه الاختلافات العلمية موقف المستغرب المستنكر، أو المتشكك المرتاب...\rولعل السبب في هذا الموقف المتطرف، اعتقاد هؤلاء أنه لا مجال لاختلاف العلماء إذا توفرت لديهم النصوص، وكأن سبب الاختلاف محصور عندهم في ثبوت النص وعدم ثبوته، فإذا توفرت النصوص لدى الجميع بسبب من الأسباب، كتدوين السنة في الصحاح مثلاً، وتميز صحيحها عن ضعيفها، كان لازماً أن يذهب هذا الاختلاف، وتزول آثاره بين العلماء، وتعود الآراء المتعددة رأياً واحداً لا خلاف فيه.","part":1,"page":23},{"id":27,"text":"وكثيراً ما أدت هذه النظرة السطحية الخاطئة لمسألة اختلاف العلماء في الأحكام إلى موافق مختلفة، جعلت بعض الناس ينوء بها فيعرض عنها، وجعلت صنفاً آخر منهم يتهجم عليها ويحاربها.\rكما جعلت أناساً آخرين يقتنعون بدعوة التوحيد بين المذاهب والآراء ظانين أن الوقت قد حان –وقد دونت السنة وانتشرت كتبها في الأقطار- ليجمعوا الناس على قول واحد ومذهب واحد يدعى بمذهب الكتاب والسنة، ويؤكدون صلاحية ذلك بأنه: لا داعي لهذه الاختلافات والمذاهب ما دام الدين واحداً والقرآن واحداً، والسنة واحدة...\rولو رجع هؤلاء إلى ما بينه الأئمة والعلماء من أسباب الاختلاف، لعلموا أن ما ظنوه السبب الأصلي الوحيد في الاختلاف –وهو عدم وصول النص إلى المختلفين –ما هو إلا سبب واحد يسير من الأسباب العديدة التي أدت إلى تنوع هذه الآراء، واختلافها واختلاف الاستنباط بسببها..\rوتبعاً لتعدد الأسباب وتداخلها، اختلف العلماء في بيان أسباب الاختلاف إلى مجمل فيها، ومفصل لها، لكني أرى أن هذه الأسباب جميعها تعود في حقيقة الأمر إلى أربعة أسباب إجمالية، تتفرع عنها الأسباب التفصيلية الأخرى...\rوهذه الأربعة هي:\r1- الاختلاف في ثبوت النص وعدم ثبوته:\rفهناك وصول النص إلى هذا الإمام وعدم وصوله إلى غيره, وهناك ثبوته عند هذا وعدم ثبوته غيره, وذلك تبعاً للاختلاف في توثيق الرجال والرواة وتضعيفهم, أو تبعاً إلى شذوذٍ في المتن أو في السند بالنسبة إلى متن آخر أو سندٍ آخر, إلى غير ذلك مما يتصل بهذا السبب.\r2- الاختلاف في فهم النص:","part":1,"page":24},{"id":28,"text":"وهناك بعد ذلك كله- على فرض الاتفاق على ما سبق, واستواء الحكم على النص عند الجميع- الاختلاف في فهم النص الثابت، سواءً في ذلك، الاختلاف الذي يعود إلى نوعية النص، ككونه مشتركاً لفظه بين معانٍ كثيرة، أو مجملاً لم يبين معناه، ولم يتضح المراد منه للمجتهد، أو جاء على سبيل الحقيقة، أو المجاز إلى غير ذلك مما يعرفه أهل اللغة والبيان، وسواء في ذلك الاختلاف الذي يعود إلى اختلاف القدرات والإمكانات في الفهم عند المجتهدين...\r3-الاختلاف في طرق الجمع والترجيح بين النصوص المتعارضة:\rوعلى فرض الاتفاق بين العلماء على ثبوت النص وفهمه، يعترض أمر آخر وهو: سلامة هذا النص من معارض راجح في الظاهر من النصوص الأخرى، وهنا يحصل الاختلاف في طرق الجمع بين النصوص، أو ترجيح بعضها على بعض، ولا ننسى هنا ما للفهم من أثر كبير في هذه المرحلة.\rوهناك من ينظر إليها نظرة عدم التعارض فيعمد إلى الترجيح، وليس فهم أحدهم بحجة على فهم الآخر، ولا بملزم له أن يقول بقول غيره.\r4-الاختلاف في القواعد الأصولية وبعض مصادر الاستنباط:\rوهناك أمر رابع وهو: الاختلاف في حجية المصدر الذي تستنبط منه الأحكام، فلكل إمام قواعد وشروط في قبول الحديث ورده، ولكل وجهته ومنهجه في الاستنباط.\rوهناك من ينظر إلى فعل الصحابي مثلاً أو فتواه، نظرته إلى النصوص الشرعية، فيعتبرها حجة قوية، وهناك من يخالفه في ذلك.\rهناك من يعتبر عمل أهل المدينة حجة شرعية، يقدمها على غيرها من النصوص...\rوهناك من ينظر إلى عمل الراوي بخلاف ما رواه، نظرة يخالفه فيه الآخرون.\rوهناك من يرى أن مقتضى النهي الفساد، ويخالفه في ذلك غيره، إلى غير ذلك مما هو مبسوط في محله من كتب الأصول. وسنتناول هذه الأسباب الأربعة سبباً سبباً، موضحين لها بالأمثلة العملية للاختلافات الناشئة عنها إن شاء الله...","part":1,"page":25},{"id":29,"text":"ومما تجدر الإشارة إليه هنا: أن كثيراً ما نجد هذه الأسباب الأربعة للاختلاف متداخلة في بعض المسائل. لا ينفك سبب منها أحياناً عن الأسباب الأخرى، لأن مما يؤثر في فهم المجتهد واستنباطه منهجه وطريقته فيه، كما يؤثر فيه أيضاً ذلك المصدر الذي يعتمد عليه، ويستنبط منه...\rولهذا ضاقت دائرة الاختلاف بين العلماء الذين تقاربت أصولهم ومناهجهم، واتسعت دائرته بين المجتهدين الآخرين، كما هو واضح في اجتهاد المجتهدين المطلقين، والمجتهدين المتقيدين بمذهب من المذاهب...\rوعلى هذا، فدعوى بعض الناس إلى توحيد المذاهب والآراء في مذهب واحد. دعوى لا يلتفت إليها لمخالفتها الواقع المفروض الذي أشرت إليه.\rكما أن تهجم الآخرين على اختلاف العلماء في المسائل العلمية ناشئ عن ضيق النظر، وسوء الفهم.\rنسأل الله عز وجل أن يفقهنا في ديننا، فمن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين\"سبق أن نشرت هذه المقالات الأربع في أسباب الاختلاف في مجلة ((أضواء الشريعة)) التي تصدرها كلية الشريعة بالرياض، وذلك من العدد الثالث إلى السادس على التوالي، بشيء من التصرف\".\rالسبب الأول: الاختلاف في ثبوت النص الشرعي وعدم ثبوته:\rإنه مما لا شك فيه أصلاً أن ثبوت النص الشرعي, أو عدم ثبوته هو السبب الأول في الترتيب لما حدث ويحدث من اختلاف في استنباط الأحكام الشرعية...\rلأن النص الشرعي هو المرجع الأول للمجتهدين جميعاً, وعليه مدار استنباط الأحكام الشرعية, فإذا صح ثبوته, وصرحت دلالته, وسلم من المعارض كان عليه الاعتماد في الحكم, لا يخالف في هذا أحد.\rوهذا هو معناه قول الأئمة المجتهدين رضي الله عنهم: إذا صح الحديث فهو مذهبي؛ إلا أن بعض الناس قد يفهم من هذا القول: أنه إذا وصل الحديث إلى إمامٍ من الأئمة, كان لزاماً عليه أن يقول بظاهره ويحكم بمقتضاه, وإن لم يفعل ذلك كان تاركاً للنص ومعرضاً عن الحديث...","part":1,"page":26},{"id":30,"text":"وحاشا أي إمامٍ من أئمة المسلمين أن يعرض عن الحديث الشريف, وهو نافذ الدلالة والحكم بمقتضى اجتهاده, وهم الذين اشتهر دينهم, واستفاضت عدالتهم, وعرفت تقواهم, رضي الله عنهم أجمعين.\rوكأن هؤلاء الذين يفهمون هذا الفهم لم يفرقوا بين أصول الحديث وبلوغه إياه, وبين ثبوته عنده,وسلامته من المعارض الراجح في نظره .\rمع أنه من المقطوع به, أن لكل إِمام من الأئمة قواعده وضوابطه وأصوله التي يعتمد عليها في الاستنباط, سواء أكان ذلك في ثبوت الحديث لديه أم عدم ثبوته, أو في دلالته ومعناه, أو في سلامته من معارض راجح أو غيره .\rوسواء أوافق في هذه القواعد والضوابط غيره من المجتهدين أم خالفهم فيها, فليس قول مجتهد أو مجتهدين بحجة على قول مخالف له في الأصول أو في الفروع.\rوإن سيرة الأئمة المجتهدين في استنباطاتهم ومواقفهم من النصوص تؤكد هذا الجانب, فما من إمام إلا وقد ثبت عنه القول في مسائل خالف فيها أحاديث صحت عند غيره ولم تصح عنده, أو عمل بأحاديث صحت عنده ولم تصح عند غيره...\rوما أحسن قول أبي يوسف رحمه الله, وهو يخالف الإمام أبا حنيفة رحمه الله في حكم بيع الوقف, ويقول بلزومه كما قال الجمهور حيث يقول: ((لو بلغ أبا حنيفة هذا الحديث لقال به, ورجع عن بيع الوقف))\"فتح الباري(ج5/43)\" ولم ير العلماء المحققون في هذا شيئاً ينكر, اللهم إلا عند بعض من ضاقت نفوسهم ممن خالفهم, أو قصرت أفهامهم عن وعي أسباب الاختلاف, فزلت أقدامهم ونظروا إلى ذلك نظرة شك وارتياب, وقد وقع هذا في عصور مختلفة لسلف الأمة وخلفها حتى اليوم...","part":1,"page":27},{"id":31,"text":"وقد استنكر قديما وحديثا موقف المحدث ابن أبي ذئب المدني رحمه الله من الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة,حيث لم يعمل بظاهر الحديث الصحيح الذي أخرجه في موطئه وهو: قوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا ... إلخ ))\" الحديث متفق عليه\" فحمل الإمام مالك: التفرق فيه على التفرق بالأقوال, كما هو رأي الإمام أبي حنيفة رحمه الله في المسألة. لأن الإمام مالكاً يرى هذا الحديث مع ثبوته, معارضاً لما هو أقوى منه في نظره؛ ألا وهو عمل أهل المدينة, الذي يعتبره الإمام مالك أصلاً من الأصول, ومصدراً من مصادر التشريع والاستنباط.\rفأنكر ابن أبي ذئب على مالك وشدد النكير عليه, حتى روي عنه أنه قال:\r(( يستتاب مالك, فإن تاب وإلا ضربت عنقه ))\" العلل للإمام أحمد (1: 193) وتاريخ بغداد (2: 302)\" وقد روى هذا عنه الإمام أحمد بن حنبل وتعقبه بقوله: ((مالك لم يرد الحديث؛ ولكن تأوله على ذلك))\" طبقات الحنابلة(1: 251)\"\rوللحديث قواعد وضوابط رسمها العلماء من المجتهدين وغيرهم وعملوا بها، وقد يظن ظان أنه لا مجال لوقوع الاختلاف في تلك القواعد والضوابط، وإنما على المجتهدين أن يرجعوا في هذا إلى ما رسمه المحدثون، وهذا ظن خاطئ، إذ الواقع العملي يعرفنا بأن للمجتهدين –وهم من أئمة الحديث والفقه معاً –قواعد وضوابط رسموها لاستنباط الأحكام، وترجحت لديهم على ما سواها، فلا يلزمون باجتهاد غيرهم، وخاصة أولئك الذين سبقوا عهد استقرار علم الحديث وتدوينه، لأن رتبة الاجتهاد التي أحلهم الله فيها رفعتهم عن درجة التقليد لأحدٍ في علم من العلوم...\rومن أمثلة اختلافهم في تلك الضوابط والقواعد المؤثرة في ثبوت الحديث عند بعضهم دون بعض، كثيرة متفرقة في أصولهم وفروعهم، وحسبنا من ذلك بعض الأمثلة التي توضح جانباً من أسباب هذا الاختلاف، فمن ذلك:\r1-اختلافهم في حكم خبر المستور:","part":1,"page":28},{"id":32,"text":"والمستور في الاصطلاح: هو الراوي الذي روى عنه اثنان فصاعداً، ولم يصدر في حقه جرح ولا تعديل\"انظر أصول الحديث للدكتور محمد عجاج الخطيب ص271، وتسهيل الوصول للمحلاوي ص 148\".\rفمن العلماء من يعتبر المستور عدلاً –إذا كان في القرون الثلاثة الأولى- فيقبل روايته، إذ أن الأصل في المسلم العدالة.\rومنهم من يعتبره كالفاسق، ولا يحتج بروايته احتياطاً في ثبوت الأخبار...\rوفي هذا يقول الإمام السرخسي في أصوله:\r((أما المستور فقد نص محمد رحمه الله في كتاب الاستحسان: على أن خبره كخبر الفاسق، وروى الحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنهما، أنه بمنزلة العدل في رواية الأخبار لثبوت العدالة ظاهراً، بالحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن عمر رضي الله عنه: ((المسلمون عدول بعضهم على بعض)).\rولهذا جوز أبو حنيفة القضاء بشهادة المستور، حينما يثبت معه الشبهات إذا لم يطعن الخصم...)) ثم يقول السرخسي:\rولكن ما ذكره في الاستحسان أصح في زماننا، فإن الفسوق غالب في أهل هذا الزمان، فلا تعتمد رواية المستور ما لم تتبين عدالته، كما لم تعتمد شهادته في القضاء قبل أن تظهر عدالته ...))\"أصول السرخسي (27:1)\".\rفمن هذه القاعدة يتبين لنا أنه من الممكن أن يقوى حديث على الاحتجاج به عند الإمام أبي حنيفة، ولو كان في سنده راوٍ مستور الحال، في الوقت الذي يضعف فيه الحديث عن الاحتجاج به عند غيره من العلماء، بسبب هذا الراوي المستور، ولا يخفى ما يترتب على ذلك من خلاف في الحكم والاستنباط...\r2-اختلافهم في حجية الحديث المرسل:\rوالحديث المرسل في اصطلاح الفقهاء والأصوليين: هو الحديث الذي رفعه غير الصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة.\rوفي اصطلاح المحدثين: ما رفعه التابعي خاصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم\"أصول الحديث للدكتور محمد عجاج الخطيب ص334-335\".\rوفي هذا يقول الإمام السرخسي في أصوله:","part":1,"page":29},{"id":33,"text":"فأما مراسيل القرن الثاني والثالث حجة في قول علمائنا رحمهم الله، وقال الشافعي: لا يكون حجة إلا إذا تأيد بآية أو سنة مشهورة، أو اشتهر العمل به من السلف، أو اتصل من وجه آخر، قال –أي الشافعي-: ولهذا جعلت مراسيل سعيد بن المسيب حجة لأني اتبعتها فوجدتها مسانيد، ثم ذكر السرخسي أدلة الطرفين والراجح في المسألة...))\"أصول السرخسي (360:1)\".\r3-اختلافهم في أثر إنكار الراوي للحديث الذي رواه:\rاختلف العلماء فيما إذا روى الراوي حديثاً ثم أنكره ولم يذكره، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: لا يعمل به. وقال الشافعي ومحمد رحمهما الله: يعمل به، ومثال ذلك وتوضيحه ما ذكره السرخسي في أصوله فقال:\r((وبيان هذا فيما رواه ربيعة عن سهيل بن أبي صالح من حديث: ((القضاء بالشاهد واليمين)) ثم قيل لسهيل: إن ربيعة يروي عنك هذا الحديث فلم يذكره، وجعل يروي ويقول: حدثني ربيعة عني وهو ثقة...ثم قال السرخسي:\rوقد عمل الشافعي بالحديث مع إنكار الراوي، ولم يعمل به علماؤنا رحمهم الله، وذكر سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل...الحديث))\"أخرجه الأربعة إلا النسائي انظر سبل السلام (3/154)\".\rثم روي أن ابن جريح سأل الزهري عن هذا الحديث فلم يعرفه، ثم عمل به محمد والشافعي مع إنكار الراوي، ولم يعمل به أبو حنيفة وأبو يوسف لإنكار الراوي إياه...))\"أصول السرخسي(3:2)\".\rوسأذكر بعض الأمثلة العملية المترتبة على هذا السبب، وهو الاختلاف في ثبوت الحديث وعدم ثبوته، أو وصوله وعدم وصوله، ليتبين لنا أن الاختلاف في ذلك قديم، يرجع إلى عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وليس خاصاً بعصر من العصور...","part":1,"page":30},{"id":34,"text":"ولعل من أبرز الأمثلة على اختلاف العلماء في الحكم بسبب وصول النص الشرعي إليهم أو عدم وصوله، الحديث الذي أخرجه الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ\"موقع قرب الشام بين المفيثة وتبوك، كما في القاموس المحيط، وتبعد عن تبوك تجاه الشام حوالي 70 كم\" لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، قال ابن عباس، فقال لي عمر: ادع لي المهاجرين الأولين، فدعوتهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا: فقال بعضهم: خرجت لأمرٍ ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عنى، ثم قال: ادع لي الأنصار، فدعوتهم، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من كان ههنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء.\rفنادى عمر رضي الله عنه في الناس، إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه, فقال أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: أفراراً من قدر, الله! ؟فقال عمر رضي الله عنه: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!- وكان عمر يكره خلافه- نعم, نفر من قدر الله إلى قدر الله, أرأيت لو كان لك إبل فهبطت وادياً له عدوتان؟ إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة لرعيتها بقدر الله؟!\rقال: فجاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه –وكان متغيباً في بعض حاجته –فقال: إن عندي من هذا علماً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا سمعتم به بأرض، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض فلا تخرجوا فراراً منه)).\rفحمد الله تعالى عمر رضي الله عنه، وانصرف\"متفق عليه، انظر رياض الصالحين ص(581-582)\".","part":1,"page":31},{"id":35,"text":"فيتجلى من هذا المثال الأثر الواضح الذي سببه عدم وصول النص إلى هؤلاء القوم من الصحابة رضوان الله عليهم، حتى اختلفوا إلى قولين –وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم- مع أن هذا الحديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم بالإضافة عبد الرحمن بن عوف، أسامة رضي الله عنه بلفظ ((إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها))\"متفق عليه، انظر رياض الصالحين (582-583)\".\rومن الأمثلة على ذلك: ما روي من اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في حكم ربا الفضل، فروي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وغيرهم أنهم كانوا يقولون بجواز ربا الفضل، وأنه لا ربا إلا في النسيئة، فلما سمعوا حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه المتفق عليه، والذي فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل...الحديث)) رجعوا إلى قول الجمهور بتحريم ربا الفضل، وفي هذا يقول العلامة الشوكاني في شرحه لحديث أبي سعيد:\r((فيه التصريح بتحريم ربا الفضل، وهو مذهب الجمهور للأحاديث الكثيرة المذكورة في الباب وغيرها، فإنها قاضية بتحريم بيع هذه الأجناس بعضها ببعض متفاضلاً.\rوروي عن ابن عمر: أنه يجوز ربا الفضل ثم رجع عن ذلك. وكذلك روي عن ابن عباس، واختلف في رجوعه، فروى الحاكم: أنه رجع عن ذلك لما ذكر له أبو سعيد حديثه الذي في الباب، واستغفر الله، وكان ينهى عنه أشد النهي...\rثم قال الشوكاني:\rوقد روى الحازمي رجوع ابن عباس واستغفاره عندما سمع عمر بن الخطاب وابنه عبد الله يحدثان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يدل على تحريم ربا الفضل، وقال: حفظتما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم أحفظ.\rوروي عن الحازمي أيضاً أنه قال: كان ذلك برأيي، وهذا أبو سعيد الخدري يحدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتركت رأيي إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم))\"نيل الأوطار (216:5-217)\".","part":1,"page":32},{"id":36,"text":"وهناك أمثلة كثيرة لاختلاف العلماء رحمهم الله في استنباط الأحكام الشرعية بسبب ثبوت الحديث عند بعضهم دون بعض.\rفهذا الإمام الشافعي رحمه الله يعلق كثيراً من الأحكام على صحة الحديث وثبوته، حتى إن الحافظ ابن حجر رحمه الله ألف رسالة في ذلك أسماها ((المنحة فيما علق الشافعي القول به على الصحة)).\rوحسبنا في هذا المقام مثال واحد على هذا النوع من الاختلاف، ألا وهو اختلاف العلماء في ثبوت حديث العينة، وصلاحيته للاحتجاج به\"نيل الأوطار (234:5).\rفذهب الإمام الشافعي إلى عدم ثبوته، ولم يحتج به وضعف جميع طرقه، وبنى على ذلك قوله بجواز بيع العينة، وخالفه في ذلك جمهور العلماء، واعتبروا أحاديث العينة مع ضعفها يشد بعضه بعضاً، وتصلح أن تكون حجة في تحريمها، وهو الذي رجحه العلماء المحققون في المسألة.\rوبهذا يتضح لنا أثر هذا السبب في اختلاف الفقهاء، فما من إمام إلا وظهر في أقواله وأحكامه ما يظن بعض الناس أنه خالف فيه الأحاديث النبوية، وأعرض عن النصوص الشرعية...\rولا شيء عليهم في ذلك، ما داموا قد بذلوا وسعهم في معرفة الدليل والاستنباط فلم يفتهم الأجر على كل حال...\rوما أحسن قول الإمام ابن عبد البر –حافظ المغرب- رحمه الله في معرض رد هذه الشبهات، والدفاع عن الأئمة المجتهدين الذين نسبهم أهل الجهل إلى مخالفة الأحاديث والنصوص فقال:\r((ليس لأحد من علماء الأمة أن يثبت حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرده دون ادعاء نسخ عليه بأثر مثله، أو بإجماع، أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه، أو طعن في سنده، ولو فعل ذلك أحد، سقطت عدالته، فضلاً عن أن يتخذ إماماً ولزمه إثم الفسق...))\"جامع بيان العلم وفضله (148:2) .\rفما أروعه من بيان لموقف العلماء من النصوص، وما أبلغه من رد لتلك الشبهات التي: أثارها الجاهلون بأسباب اختلاف العلماء، فشككوا العامة في فقههم وفقهائهم...\rالسبب الثاني: اختلاف العلماء في فهم النصوص الشرعية:","part":1,"page":33},{"id":37,"text":"قد يتفق العلماء في وصول الحديث إليهم، أو ثبوته عندهم بحسب قواعدهم، لكنهم مع ذلك يختلفون في فهم النص الثابت والاستنباط منه، فيكون فهمهم سبباً ثانياً من أسباب اختلاف الفقهاء...\rويمكننا تناول هذا السبب من جانبين أساسيين: جانب يعود إلى النص نفسه، وجانب يعود إلى المجتهد في فهم ذلك النص.\r-أما الجانب الأول: وهو الذي يعود إلى النص نفسه، فإنه من المعلوم والمشهور أن في اللغة العربية ألفاظاً صريحة في دلالتها، وأخرى محتملة في ذلك، فهناك الألفاظ المشتركة والمجملة وغيرها...\rفلفظة ((عين)) مثلاً: لفظة مشتركة في اللغة العربية، وضعت لعدة أشياء، لا يمكن معرفة المراد منها إلا بمعرفة القرائن المحيطة باللفظ.\rفقد يقال: رأيت عيناً، ويراد بذلك عين الماء الجارية، أو عين إنسان، أو الجاسوس، أو غير ذلك مما يحتمله اللفظ المشترك...\rفإذا اشتمل النص الشرعي على كلمة مشتركة، كان لابد غالباً من الاختلاف في تعيين المراد من هذه الكلمة، وأوضح مثال على ذلك لفظة ((قروء)) الواردة في قوله تعالى: ((وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ))(البقرة: من الآية228).\rفإن لفظة القرء تحتمل في اللغة العربية أكثر من معنى واحد، فتحتمل أن تطلق ويراد بها الحيض، كما تحتمل أن يراد بها الطهر، كما تحتمل إرادة المعنيين معاً...\rقال أبو عمر بن العلاء: ((من العرب من يسمي الحيض قرءاً، ومنهم من يسمي الطهر قرءاً، ومنهم من يجمعها جميعاً فيسمي الطهر مع الحيض قرءاً...))\"تفسير القرطبي (113:3)\".\rولما كان هذا اللفظ الشرعي محتملاً، اختلف العلماء في المراد من القرء في هذا المقام، فقال الإمام القرطبي في تفسيره لهذه الآية:\r((اختلف العلماء في الأقراء، فقال أهل الكوفة: هي الحيض، وهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي موسى، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وعكرمة، والسدي.","part":1,"page":34},{"id":38,"text":"وقال أهل الحجاز: هي الأطهار. وهو قول عائشة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، والزهري، وأبان بن عثمان، والشافعي...))\"تفسير القرطبي(113:3)\".\rومن ذلك كلمة ((طاهر)) الواردة في حديث عبد الله بن عمر الذي أورده الهيثمي في مجمع الزوائد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يمس القرآن إلا طاهر)) رواه الطبراني في الكبير والصغير، ورجاله موثوقون\"مجمع الزوائد (276:1)\".\rقال الصنعاني في سبل السلام: ((فإن لفظة طاهر مشتركة بين معانٍ عديدة، فيطلق ويراد به: الطاهر من الحدث الأكبر، كما يطلق ويراد به الطاهر من الحدث الأصغر، كما يطلق ويراد به المؤمن، وكما يطلق ويراد به من ليس على بدنه نجاسة...))\"سبل السلام (68:1)\".\rوكما يكون الاحتمال والاشتراك في اللفظ، يكون في الأسلوب والتركيب ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)).\rفإن كلمة ((ذكاة))الثانية تروى بالرفع والنصب، فمن أخذ برواية الرفع جعلها خبراً للمبتدأ الذي هو ((ذكاة الجنين))فتكون ذكاة الأم عنده هي ذكاة الجنين، ولا يحتاج الجنين إلى ذبح مستأنف.\rومن اختار رواية النصب ((للذكاتين)) الأولى والثانية، كان المعنى عنده: ذكوا الجنين ذكاة أمه، فيوافق أصحاب القول الثاني في المسألة\"النهاية في غريب الحديث (164:2)\".\rومن ذلك أيضاً حديث صفوان بن أمية رضي الله عنه الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العارية: ((بل عارية مضمونة))\"رواه أبو داود وأحمد والنسائي وصححه الحاكم، انظر سبل السلام (3/91)\".\rفهناك من فهم من هذا التركيب أن وصف العارية بالضمان، وصف ملازم للعارية، واستنتج منه ضمان العارية على المستعير مطلقاً\rوهناك من فهم من هذا اللفظ أنه وصف مقيد لها وليس بلازم، واستنتج من ذلك عدم ضمان العارية إلا بالاشترط\"سبل السلام (88:3)\".","part":1,"page":35},{"id":39,"text":"وهذه الأمثلة السابقة كلها تعود إلى الجانب الأول –وهو الجانب الذي يعود فيه سبب الخلاف إلى النص نفسه-وما أكثر الأمثلة على ذلك!\r-وأما الجانب الثاني: وهو الذي يعود فيه الاختلاف إلى المجتهد نفسه، وإلى طبيعة فهمه، فهو أكثر وضوحاً من سابقه، نظراً لوضوح الاختلاف والتفاوت في العقول والأفهام.\rومن أوضح الأمثلة على ذلك ما جرى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة بني قريظة، مما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما من أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة الأحزاب نزل عليه جبريل واستعجله بالذهاب إلى بني قريظة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه مستعجلاً لهم: ((لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)).\rفأدركتهم صلاة العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد رسول الله ذلك منا، فلما ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم أقرهم جميعاً على هذا الاختلاف، ولم يعنف أحداً منهم\"فتح الباري (411:8)\"\rفلقد أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافهم في فهم النص الواحد الذي سمعه الجميع منه، وهم أصحابه والمخالطون له صباحاً ومساءً، سفراً وحضراً، والمتلقون عنه كلام الله، فهم أفهم الناس بمراده، إذ أن أعلم الناس بمقاصد المتكلم من كلامه أصحابه، وقد أدى اجتهاد بعضهم في هذه المسألة إلى تأخير الصلاة عن وقتها عمداً أخذاً بظاهر النص.\rكما أدى اجتهاد الآخرين إلى مخالفة النص في الظاهر, فصلوا في الطريق, وطبقاً لاختلاف الصحابة في هذا, اختلف العلماء في ترجيح أحد الفهمين على الآخر, وقد رجح ابن القيم رحمه الله وغيره من العلماء الفهم الثاني على الأول...","part":1,"page":36},{"id":40,"text":"ومما يلحق بهذه الأمثلة أحكام الحج؛ فلقد حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة واحدة, وأمر بأخذ المناسك عنه, ومع ذلك نجد الخلاف واسعاً في بعض هذه الأحكام بين الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين نظراً لاختلاف الروايات من جهة, واختلاف الأفهام لهذه الأعمال من جهة أخرى.\rفمن حامل لهذه المناسك على الوجوب, ومن حامل لها على النَدْب بحسب القرائن واللابسات, مما هو معروف مشهور في مناسك الحج.\rولا يتسع المقام هنا إلى الإسهاب في ذكر أمثلة على ذلك, وإن أيسر نظرة في كتب الاختلافات العلمية- من أهل العلم والفهم- توضح لصاحبها حقيقة ما أشرت إليه دون خفاء أو اشتباه.\rالسبب الثالث: الاختلاف في الجمع والترجيع بين النصوص:\rقد تتعارض ظواهر بعض النصوص الشرعية, فيختلف العلماء في الجمع بين ظواهرها والتوفيق بين معانيها, أو في ترجيح بعضها على بعض, مما ينتج عنه اختلاف في الأحكام الشرعية...\rفيحاول العلماء أولاً الجمع بين النصوص ما أمكن الجمع عملاً بالأدلة جميعاً, فلا يصيرون إلى ترجيح بعضها على بعض إلا بعد تعذر الجمع عليهم, وبروز التعارض لديهم, لأن التعارض إنما هو بالنسبة لفهم المجتهد ومداركه العلمية, أما في حقيقة الأمر, فلا تعارض في الشريعة الغراء...\rوباب الجمع والترجيح, باب دقيق يتجلى فيه تفاوت الأفهام وعمق الأنظار, إِذ قد يهتدي فيه المجتهد إلى مأخذ لم يلحظه غيره, أو يقتنع بوجهة لا يوافقه عليها الآخرون...\rولهذا كان ميدان الجمع والترجيح, سبباً هاما من أسباب اختلاف الفقهاء رحمهم الله في استنباط الأحكام الشرعية, وتباين مواقفهم من النصوص المختلفة.\rولدقة هذا الأمر, خَفِيَتْ على بعض الناس مآخذُ الأئمة المجتهدين رضي الله عنهم, فظنوا بهم الجهل في بعض النصوص, ومخالفتها وتركها لمجرد الرأي...","part":1,"page":37},{"id":41,"text":"وسأذكر هنا بعض الأمثلة من مواقف الأئمة أمام النصوص المتعارضة, قاصراً بحثي الآن على التعارض بين النصوص الشرعية, غير معرج على التعارض بين النصوص والأصول الاجتهادية التي تبحث في السبب الرابع إن شاء الله, والتي تعتبر سببا متميزاً من أسباب اختلاف الفقهاء.\rوأسباب الترجيح بين النصوص كثيرة فصلها علماء الأصول في كتبهم, وحصرها بعضهم في أربع نقاط رئيسية: -\rفهناك ترجيح يعود إلى سند النصوص المتعارضة: كأن يرجح النص المتواتر على المشهور. أو ترجح رواية الأعلم والأضبط على غيره... -\rوترجيح يعود إلى متن النصوص المتعارضة: كأن يكون أحد النصين آمراً والآخر ناهياً, فيرجح النهي على الأمر, أو يكون التعارض بين نص مجازي وآخر حقيقي فترجح الحقيقة على المجاز... -\rوترجيح يعود إلى مدلول النصوص المتعارضة: كأن يكون مدلول بعضها التحريم, ومدلول بعضها الإِباحة, فيقدم النص الذي يدل على التحريم على النص المبيح... -\rوترجيح يعود إلى أمر خارج عن النصوص المتعارضة: كأن يكون أحدهما موافقاً لدليل آخر، من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس أو غير ذلك، خلافاً للنص المعارض، فيرجح ما يؤيده الدليل الخارجي على ما لا يؤيده شيء...\rإلى غير ذلك من أسباب مفصلة في محالها من كتب أصول الفقه\"الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (324:4وما بعدها)\"\rومن أمثلة التعارض بين النصوص الشرعية التي استتبعت اختلاف العلماء في الأحكام:\r1-اختلاف العلماء في صفة صلاة الكسوف والقراءة فيها:\rفقد ذهب الإمام مالك والشافعي وجمهور أهل الحجاز وأحمد إلى أن صلاة الكسوف ركعتان، في كل ركعةٍ ركوعان.\rوذهب الإمام أبو حنيفة والكوفيون: إلى أن صلاة الكسوف ركعتان على هيئة صلاة العيد والجمعة.\rوسبب ذلك: أنه ورد في كيفية صلاة الكسوف أحاديث كثيرة مختلفة، منها ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها ركعتين في كل ركعة ركوعان، كحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت:","part":1,"page":38},{"id":42,"text":"خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم،فصلى بالناس فقام وأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول...الحديث.\rويؤيد هذه الصفة حديث ابن عباس رضي الله عنه أيضاً...\rودليل الإمام أبي حنيفة والكوفيين ما ورد في أحاديث صحيحة أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاها كغيرها من الصلوات، كحديث أبي بكرة وعدد من الصحابة رضوان الله عليهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في الكسوف ركعتين كصلاة العيد...\rقال الإمام ابن عبد البر عن الحديثين الأولين: ((هذان الحديثان أصح ما روي في هذا الباب، فمن أخذ بهذين الحديثين ورجحهما على غيرهما من قبل النقل، قال: صلاة الكسوف ركعتان في ركعة...)) ثم قال عن الأحاديث الأخرى المعارضة:\r((وهي كلها آثار مشهورة صحاح، ومن أحسنها حديث (أبي قلابة عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكسوف نحو صلاتكم، يركع ويسجد ركعتين ركعتين، ويسأل الله حتى تجلت الشمس...)) فمن رجح هذه الآثار لكثرتها وموافقتها القياس، أعني: موافقتها لسائر الصلوات، قال: صلاة الكسوف ركعتان...))\"بداية المجتهد(215:1)\".\rونظر بعض العلماء إلى هذه المسألة نظرة أخرى، فحاول أن يجمع بين هذه النصوص المتعارضة، كالإمام ابن جرير والطبري، فجعل الأمر على التخيير، فللمرء أن يصليها هكذا وهكذا، فالجميع جائز مشروع عنده، حتى قال في ذلك القاضي عياض: وهو الأولى، فإن الجمع أولى من الترجيح)).\rونظير هذا الاختلاف، اختلاف الأئمة رحمهم الله في كيفية القراءة في صلاة الكسوف، فذهب مالك والشافعي إلى أن القراءة فيها سر، وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق: يجهر بالقراءة فيها...","part":1,"page":39},{"id":43,"text":"وسبب اختلافهم فيها، اختلاف الآثار في ذلك بمفهومها وصيغها كما يقول ابن رشد. وخير في ذلك الطبري أيضاً جمعاً بين الأدلة، فقال: يخير المصلي بين الإسرار والجهر، فالجميع جائز مشروع\"بداية المجتهد (215:1)\".\r2-اختلاف العلماء في حكم استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة:\rفلقد رويت في ذلك أقوال عديدة، أوصلها الشوكاني إلى ثمانية أقوال، وخلاصتها كما ذكرها ابن رشد ثلاثة:\rفقال جماعة: لا يجوز أن تستقبل القبلة، ولا تستدبر ببول ولا غائط مطلقاً.\rوقال جماعة بجواز ذلك مطلقاً، وذهب آخرون إلى أنه يجوز في المباني والمدن، ولا يجوز في الصحراء...\rوالسبب في اختلافهم هذا: عدة أحاديث متعارضة في الظاهر، منها حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا وغربوا.\rومنها حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ارتقيت على ظهر بين أختي حفصة، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً لحاجته على لبنتين مستقبل الشام مستدبر القبلة.\rويقول ابن رشد في بيان ذلك:\r((فذهب الناس في هذين الحديثين ثلاثة مذاهب، أحدهما: مذهب الجمع، والثاني: مذهب الترجيح، والثالث: مذهب الرجوع إلى البراءة الأصلية –أي عدم الحكم- إذا وقع التعارض.\rفمن ذهب مذهب الجمع حمل حديث أبي أيوب الأنصاري على الصحاري وحيث لا سترة، وحمل حديث ابن عمر على السترة، وهو مذهب مالك والشافعي، ومروي عن العباس وعبد الله بن عمر والشعبي وإسحاق، وأحمد في إحدى الروايتين عنه وغيرهم...\rومن ذهب مذهب الترجيح، رجح حديث أبي أيوب، لأنه إذا تعارض حديثان أحدهما فيه شرع موضوع، والآخر موافق للأصل الذي هو عدم الحكم، ولم يعلم المتقدم منهما من المتأخر، وجب أن يصار إلى الحديث المثبت للشرع...إلخ)) وهو مذهب أبي أيوب، وعمر، ومجاهد، والنخعي، والثوري، وغيرهم...","part":1,"page":40},{"id":44,"text":"وأما من ذهب مذهب الرجوع إلى الأصل عند التعارض، فهو مبني على أن الشك يسقط الحكم ويرفعه، وأنه كـ((لاحكم)) وهو مذهب داود الظاهري...وبه قال عروة بن الزبير، وربيعة شيخ مالك، كما ذكره النووي في شرح مسلم))\"بداية المجتهد (89:1-90)ونيل الأوطار(95:1)\".\r3-اختلاف العلماء في قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام:\rفقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال أساسية:\rأحدهما: أن المأموم يقرأ مع الإمام فاتحة الكتاب سواءً كانت الصلاة سرية أو جهرية، وهو قول الشافعي -رحمه الله-.\rوثانيها: أنه لا يقرأ المأموم مع الإمام مطلقاً، سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية،وهو قول أبو حنيفة -رحمه الله-.\rوثالثها: أنه يقرأ في السرية ولا يقرأ في الجهرية، وهو قول مالك وأحمد رحمهما الله.\rوالسبب في اختلافهم: اختلاف النصوص وتعارضها، فمنهم من رجح نصاً على نص، فقال بالقراءة مطلقاً، ومنهم من رجح النص الآخر فقال بعدم القراءة، ومنهم من حاول الجمع بين النصوص، فحمل أحاديث الني عن القراءة على الصلاة الجهرية، وحمل الأحاديث الأخرى على الصلاة السرية، كما فعل الإمام مالك وغيره\"بداية المجتهد (1/157).\rقال الإمام الترمذي في سننه:\r((وقد اختلف أهل العلم في القراءة خلف الإمام، فرأى أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم القراءة خلف الإمام، وبه يقول مالك وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق.\rوروي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: أنا أقرأ خلف الإمام، والناس يقرأون إلا قوماً من الكوفيين، وأرى من لم يقرأ صلاته جائزة))\"تحفة الأحوذي(237:2)\".\rوكأن الإمام ابن المبارك رحمه الله يميل في هذه المسألة إلى الجمع بين النصوص لتكافؤ الأدلة، فيحمل النصوص الآمرة على الندب لا على الوجوب، ولهذا رأى جواز صلاة من لم يقرأ خلف الإمام، والله أعلم.\r4-اختلاف العلماء في جريان ربا النسيئة في بيع الحيوان بالحيوان:","part":1,"page":41},{"id":45,"text":"فذهب الإمام أبو حنيفة والثوري وعدد من الأئمة رحمهم الله: إلى جريان ربا النسيئة في بيع الحيوان، فلا يصح عندهم بيع شاة بشاتين مؤجلاً، مستدلين بحديث سمرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، رواه الخمسة وصححه الترمذي وغيره\"سبل السلام (53:3)\".\rوذهب الإمام الشافعي رحمه الله وغيره، إلى عدم جريان الربا في الحيوان، فيصح عندهم بيع الحيوان بجنسه متفاضلاً ومؤجلاً...\rمستدلين بحديث أبي رافع: أنه صلى الله عليه وسلم استلف بعيراً بكراً وقضى رباعياً، الذي رواه مسلم، وبغيره من الأحاديث المفيدة للجواز...\rوأجاب كل من الطرفين عن أدلة الطرف الآخر، فقال الحنفية ومن معهم:\rإن حديث سمرة ناسخ لحديث أبي رافع فيقدم عليه. ورجح هذا المذهب الشوكاني، لتعاضد أحاديث التحريم في رأيه، وترجيحاً للأحاديث الحاظرة على الأحاديث المبيحة...\rوقال الشافعي ومن معه: يمكن الجمع بين حديث أبي رافع وأمثاله، التي أفادت جواز بيع الحيوان بالحيوان مؤجلاً، وبين حديث سمرة الذي ينهى عن ذلك، بأن نحمل لفظة ((نسيئة)) في حديث سمرة: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. نحمله على النسيئة من الطرفين، فيكون من بيع الدين بالدين المتفق على تحريمه، ويبقى الدين من طرف واحد جائزاً كما تفيده الأحاديث الأخرى...\rورجح هذا المذهب الصنعاني لإمكان الجمع على قول الشافعي، ولعدم وجود دليل صريح على النسخ، علماً بأن حديث أبي رافع الذي رواه مسلم أقوى سنداً من حديث سمرة الذي رجح الحفاظ إرساله...\"سبل السلام (35:3)\".\rوإليك قول العلامة الشوكاني ومناقشته، فيقول بعد ذكر المسألة وأدلتها ما نصه:","part":1,"page":42},{"id":46,"text":"((فلم يبق هنا إلا الطلب لطريق الجمع –إن أمكن ذلك- أو المصير إلى التعارض، قيل: وقد أمكن الجمع بما سلف عن الشافعي، ولكنه متوقف على صحة إطلاق النسيئة على بيع المعدوم بالمعدوم، فإن ثبت ذلك في لغة العرب أو في اصطلاح الشرع فذاك، وإلا، فلا شك أن أحاديث النهي، وإن كان كل واحد منها لا يخلو عن مقال، ولكنها ثبتت من طريق ثلاثة من الصحابة:\rسمرة، وجابر بن سمرة، وابن عباس، وبعضها يقوي بعضاً، فهي أرجح من حديث واحد غير خال عن المقال، وهو حديث عبد الله بن عمر، ولا سيما وقد صحح الترمذي وابن الجارود حديث سمرة، فإن ذلك مرجح آخر، وأيضاً قد تقرر في الأصول: أن دليل التحريم أرجح من دليل الإباحة، وهذا أيضاً مرجح ثالث.\rوأما الآثار الواردة عن الصحابة فلا حجة فيها، وعلى ذلك فهي مختلفة كما عرفت))\"نيل الأوطار (232:5)\".\rوبهذه الأمثلة المتنوعة يتضح لكل ذي سعة باب الجمع والترجيح بين النصوص، وأنه سبب كبير من أسباب اختلاف العلماء في استنباط الأحكام الذي لا يمكن رفعه...\rفحاشا أي إمام من الأئمة، أن يترك العمل بنص ثابت من النصوص سواء كان هذا النص من الكتاب أو السنة، إلا لاطلاعه على معارض راجح في نظره اقتضى منه العدول عن نص إلى نص...وذلك بعد تعذر الجمع بين النصوص، وعدم إمكان التوفيق بينها. وهذا أمر أجمع عليه الأئمة المجتهدون، والنقاد والمحققون من السلف والخلف...\rالسبب الرابع الاختلاف في القواعد الأصولية وبعض مصادر الاستنباط:\rوالسبب الأخير الذي يترتب عليه اختلاف العلماء: هو اختلافهم في بعض القواعد الأصولية وبعض مصادر الاستنباط.","part":1,"page":43},{"id":47,"text":"وإنه لمن المسلم به عند أهل العلم، أن العلماء المجتهدين اختلفوا فيما بينهم في حجية بعض المصادر والأصول الاجتهادية –كاعتماد الإمام مالك رحمه الله تعالى على حجية عمل أهل المدينة دون غيره من الأئمة، وكترك الحنفية العمل بمفهوم المخالفة، وعمل الجمهور به، ومخالفة الحنفية في إمكان حمل العام على الخاص، وحمل المطلق على المقيد في بعض الأحوال. وقولهم بالأخذ بعمل الراوي إذا عمل خلاف ما رواه...إلى غير ذلك من أصول تعرف في كتب الأصول...\rولأهمية هذا السبب وعمق أثره في اختلاف العلماء اعتنى الباحثون به في العصر الحاضر. حتى دعا القائمين على أمر الدراسات العليا في جامعة الأزهر إلى تقرير مادة تعرف ((بأثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء))وذلك في قسم أصول الفقه.\rكما قدم فيه الأستاذ الدكتور مصطفى سعيد الخن رسالته للدكتوراه، وكانت بحثاً وافياً لهذا السبب، تصلح مرجعاً حديثاً للباحث في اختلاف العلماء.\rوسأقتصر هنا على عدد من الأمثلة الهامة التي توضح أثر هذا السبب في اختلاف العلماء، فمن ذلك:\r1-اختلافهم في حجية عمل أهل المدينة:\rفإن الإمام مالكاً رحمه الله يرى إجماع عمل أهل المدينة على أمرٍ ما حجة قوية يستدل به على الأحكام الشرعية، وقد قال مبرراً منهجه في الأخذ بإجماعهم في رسالته الموجهة إلى الإمام الليث بن سعد رحمه الله فقيه مصر ما نصه:\r((...فإن الله تعالى يقول في كتابه العزيز: ((وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ...الآية))\"100 من سورة البقرة\" وقال تعالى: ((فَبَشِّرْ عِبَاد ،الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ...الآية))\"17-18 من سورة الزمر\".","part":1,"page":44},{"id":48,"text":"فإنما الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن وأحل الحلال وحرم الحرام، إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه، ويسن لهم فيتبعونه، حتى توفاه الله واختار له ما عنده صلوات الله وسلامه عليه ورحمته وبركاته.\rثم قام من بعد أتبع الناس له من أمته، ممن ولي الأمر من بعده، فما نزل بهم مما علموا أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم، وحداثة عهدهم، وإن خالفهم مخالف وقال امرؤ: غيره أقوى منه وأولى، ترك قوله، وعمل بغيره.\rثم كان التابعون من بعدهم يسلكون ذلك السبيل، ويتبعون تلك السنن، فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به ما لم أر لأحد خلافه، للذي بأيديهم من تلك الوراثة، التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها...الخ))\"ستأتي هذه الرسالة كاملة مع رد الإمام الليث عليها في فصل خاص آخر هذا الكتاب، تحت عنوان: نماذج من أدب العلماء بعضهم مع بعض. إن شاء الله\".\rومن المعلوم أن جمهور العلماء خالف الإمام مالكاً رحمه الله في احتجاجه هذا، ولم يعتبروا الإجماع حجة إلا إذا كان من الجميع دون التخصيص ببلدة معينة، ويعرف تفصيل هذا في محاله من كتب الأصول...)\"ينظر على سبيل المثال: الإحكام للآمدي (349:1) وفواتح الرحموت(232:2) وغيرهما\".\rوتبعاً للاختلاف في هذا الأصل، نشأ اختلاف بين العلماء في الأحكام الفرعية، من ذلك:\r(أ)-قول الإمام مالك رحمه الله: بعدم توريث ذوي الأرحام –كالأخوال والأعمام وغيرهم- لعمل أهل المدينة على عدم توريثهم...\rوخالف في ذلك الحنفية والحنابلة وغيرهم فقالوا بتوريثهم على تفصيل بينهم في طريقة ذلك التوريث عملاً بعموم قول الله عز وجل: ((وأولوا الأرحام بعضهم أولي ببعض في كتب الله))\"الآية:(57) من سورة أنفال\".","part":1,"page":45},{"id":49,"text":"وعملاً بالحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره عن أبي أمامة بن سهل رضي الله عنه قال: كتب عمر إلى أبي عبيدة رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له)) وهو حديث حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام\"انظر سبل السلام (131:3)\".\rوقد قال الإمام مالك في موطئه مستدلاً لذلك: ((الأمر المجتمع عليه عندنا الذي لا اختلاف فيه، والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا أن ابن الأخ للأم، والجد أبا الأم، والعم أخا الأب لأم، والخال، والجدة أم أبي الأم، وابنة الأخ للأب والأم، والعمة والخالة، لا يرثون بأرحامهم شيئاً\"الموطأ (518:1)\".\r(ب)-ومن ذلك قول الإمام مالك رحمه الله بناء على هذا الأصل: بأن تكبيرات صلاة العيدين في الركعة الأولى سبع، مع تكبيرة الإحرام قبل القراءة، وفي الثانية ست مع تكبيرة القيام من السجود، مستدلاً على ذلك بما رواه عن ابن عمر أنه قال: شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة فكبر في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة خمساً قبل القراءة، ولأن العمل عنده بالمدينة كان على هذا...\"بداية المجتهد(222:1)\".\r(ج)-ومن ذلك قول الإمام مالك رحمه الله، بعد روايته لحديث عائشة رضي الله عنها في الرضاع: ((كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فيما يقرأ من القرآن)). قال يحيى: قال مالك، وليس على هذا العمل))\"الموطأ(3:رقم17) من كتاب الرضاع\".\rولهذا ذهب مالك إلى القول بأن المحرم في الرضاع قليلة وكثيرة دون تحديد\"بداية المجتهد(38:2)\".","part":1,"page":46},{"id":50,"text":"(د)-ومن ذلك قوله في بيان حكم استثناء الثمر في بيع البستان: ((الأمر المجتمع عليه عندنا أن الرجل إذا باع ثمر حائطه أن له أن يستثني من ثمر حائطه ما بينه وبين ثلث الثمر لا يجاوز ذلك، وما كان دون الثلث فلا بأس به...))\"الموطأ(3:رقم19)\".\rإلى غير ذلك من أمثلة منثورة في كتابه الموطأ.\r2-اختلافهم في حجية مفهوم المخالفة:\rومفهوم المخالفة عند الأصوليين هو: (( دلالة اللفظ على ثبوت نقيض حكم المنطوق للمسكوت ))\" انظر تيسير التحريم (1: 146)\" وعرفه الآمدي بأنه: (( ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفاً لمدلوله في محل النطق ))\"الأحكام للآمدي (99:3)\".\rوهو أقسام وأنواع تعرف في محلها من كتب الأصول...\rومثاله: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((مطل الغني ظلم...))فيؤخذ من مفهومه المخالف: أن تأخير المعسر لوفاء الدين لا يعتبر ظلماً...\rفاختلف العلماء في صحة الاحتجاج بالمفهوم المخالف من النص الشرعي إلى قولين أساسين:\rفقال الجمهور بالاحتجاج به بشروط معينة، وذهب الحنفية وبعض العلماء إلى عدم صلاحيته للاحتجاج به في كلام الشارع...\rونشأ عن الخلاف في هذا الأصل خلاف واسع في الفروع، من ذلك:\r(أ)-اختلاف العلماء في حكم الثمرة إذا بيع النخل قبل تأبيره –أي تلقيحه- فقد ورد في ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع))\"سبل السلام(63:3)\" متفق عليه.\rفقال جمهور من العلماء: الثمرة بعد التأبير للبائع، إلا إذا اشترطها المشتري لنفسه أخذاً من منطوق هذا الحديث، وأما قبل التأبير: فالثمرة للمشتري أخذاً من مفهومه المخالف.\rوخالف في هذا الحنفية –بناءً على أصلهم بعدم العمل بمفهوم المخالفة- فقالوا: إن الثمرة للبائع قبل التأبير وبعده إلا أن يشترطها المشتري.","part":1,"page":47},{"id":51,"text":"(ب)-ومن ذلك اختلافهم في حكم الزواج من الأمة الكتابية، والأمة المسلمة مع استطاعة الزواج من الحرة، فقال الجمهور : إن الزواج من الأمة مشروط بعدم استطاعة الزواج من الحرة أخذاً من المفهوم المخالف من قوله تعالى: ((وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ))(النساء: من الآية25).\rوخالف في ذلك الحنفية بناء على أصلهم فقالوا: بجواز الزواج من الأمة مع استطاعة الزواج من الحرة، وفي توضيح ذلك يقول العلامة الألوسي في تفسيره:\r((وظاهر الآية يفيد عدم جواز نكاح الأمة للمستطيع لمفهوم الشرط –كما ذهب إليه الشافعي- وعدم جواز نكاح الأمة الكتابية مطلقاً لمفهوم الصفة، كما هو رأي أهل الحجاز.\rوجوزهما الإمام الأعظم- رضي الله عنه –يريد به الإمام أبا حنيفة- لإطلاق المقتضى من قوله تعالى: ((فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ))(النساء: من الآية3) ((وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ))(النساء: من الآية24) فلا يخرج عنه شيء إلا بموجب التخصيص، ولم ينتهض ما ذكر حجة مخرجة، أما أولاً: فالمفهومان –أعني مفهوم الشرط ومفهوم الصفة- ليسا بحجة عنده رضي الله تعالى عنه، كما تقرر في الأصول...إلخ))\"انظر تفسير روح المعاني(8:5)\".\rإلى غير ذلك من أمثلة تتفرع عن هذا الاختلاف...\rومما تجدر الإشارة إليه هنا: أن كثيراً من الأحكام قد يتفق عليها العلماء مع أن دليل بعضهم فيها مفهوم المخالفة، فيظن القارئ أن الحنفية خالفوا أصلهم، وعملوا بمفهوم المخالفة، وليس الأمر كذلك.\rوإنما قد يتفق قولهم مع غيرهم لدليل آخر يعتمدون عليه في هذا الفرع، كالبراءة الأصلية وغيرها...","part":1,"page":48},{"id":52,"text":"ومن أمثلة ذلك: حكم انتفاء وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة، فإنه غير مستفاد عند الحنفية من المفهوم المخالف لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((وفي سائمة الغنم في كل أربعين شاةً شاةٌ)).\rوإنما هو مستند إلى العدم الأصلي، إذ الأصل عدم وجوب الزكاة، فنص الحديث على وجوب الزكاة في السائمة، فبقي الحكم منتفياً في المعلوفة على الأصل\"انظر أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء ص(173)، وتسهيل الوصول للمحلاوي ص(115)\" وهكذا.\r3-اختلافهم في حمل النص العام على النص الخاص عند التعارض:\rاختلف العلماء في جواز حمل النص العام على النص الخاص عند التعارض، بناء على اختلافهم في دلالة العام...\rحيث قال الجمهور: إن دلالة العام ظنية، وقال الحنفية: إن دلالته قطعية. ولهذا يحمل الجمهور العام على الخاص، فيعملون بالخاص فيما دل عليه، ويعملون بالعام فيما وراء ذلك...\rأما الحنفية: فلا يحملون العام على الخاص إذا تعارضا ولم يعلم تقدم أحدهما على الآخر، وإنما يعمدون إلى الترجيح بينهما كدليلين متعارضين بأي طريق من طرق الترجيح إذا تعذر الجمع...\rوترتب على هذا الخلاف في الأصل اختلاف واسع في الفروع، من ذلك:\r(أ)-اختلافهم في نصاب زكاة ما يخرج من الأرض: فذهب الجمهور إلى أن النصاب في زكاة ما يخرج من الأرض خمسة أوسق –والوسق ستون صاعاً- واحتجوا لما ذهبوا إليه بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة))\"متفق عليه\".\rوجعلوا هذا الحديث مخصصاً لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: ((فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر))\"رواه البخاري وغيره، والعثري: ما ينبت بماء المطر دون سقي\".","part":1,"page":49},{"id":53,"text":"وذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله، إلى أن الزكاة واجبة فيما يخرج من الأرض قليله وكثيره، واحتج لذلك بعموم الحديث السابق ((فيما سقت السماء والعيون...)) ولم يخصصه بحديث: ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة))، وإنما تأول هذا الحديث الخاص، فجعله خاصاً في زكاة أموال التجارة.\rقال السرخسي في المبسوط: ((وأبو حنيفة يقول: تأويل الحديث زكاة التجارة، فإنهم كانوا يتبايعون بالأوساق –كما ورد به الحديث –فقيمة خمسة أوسق مئتا درهم))\"انظر أثر الاختلاف في القواعد الأصولية بتصرف ص 221\".\r(ب)-ومن ذلك اختلافهم في حكم قتل المسلم بالكافر الذمي: فقد اتفق لعلماء على أنه لا يقتل المسلم بالكافر الحربي، واختلفوا في قتل المسلم بالكافر الذمي.\rفذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر الذمي محتجين بأدلة منها: 1-\rما رواه أبو جحيفة قال: ((قلت لعلي: هل عندكم شيء من الوحي ما ليس في القرآن ؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن, وما في هذه الصحيفة, قلت,: وما في هذه الصحيفة ؟ قال: العقل: وفكاك الأسير, وأن لا يقتل مسلم بكافر))\"رواه البخاري وأحمد وأصحاب السنن عن ابن ماجة، والعقل: الدية. انظر كتاب النهاية في غريب الحديث\". 2-\rوما روي عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده))\"رواه أحمد والنسائي وأبو داود\".","part":1,"page":50},{"id":54,"text":"فجعل الجمهور هذه الأحاديث مخصصة للعمومات الواردة في القرآن الكريم كقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى))(البقرة: من الآية178) وقوله تعالى: ((وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً))(الإسراء: من الآية33) وقوله تعالى: ((وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ))(المائدة: من الآية45).\rوذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله إلى أن المسلم يقتل بالذمي، واحتج بعموم الآيات السابقة ولم يخصها بالأحاديث السابقة، بل حمل لفظة الكافر الواردة في الحديث على الحربي بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده...))\"انظر تفصيل المثال في أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص222\".\r4-اختلافهم في حمل المطلق على المقيد :\rكذلك اختلف العلماء في حمل النص المطلق على المقيد اختلافاً يشبه إلى حد بعيد اختلافهم في حمل النص العام على الخاص .\rفذهب الجمهور إلى حمل المطلق على المقيد بشروط تعرف في كتب الأصول ، وخالف في ذلك الحنفية فقالوا : لا يحمل المطلق على المقيد ...\"انظر تفصيل ذلك في تسهيل الأصول صفحة 61-62 وغيره من كتب الأصول\".\rوترتب على هذا الاختلاف اختلاف كبير في الفروع، من ذلك:\r(أ)-اختلاف العلماء في عدد الرضعات المحرمة في الرضاع:\rفذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله وعدد من العلماء إلى أن المحرم في الرضاع قليله وكثيره، استناداً إلى الإطلاق الوارد في قول الله عز وجل : ((وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ))(النساء: من الآية23). وفي بعض الأحاديث مثل ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))\"متفق عليه\" وحديث ((كيف وقد زعمت أنها أرضعتكما))\"سبل السلام (281:3)\" فهذه النصوص كلها مطلقة لم تقيد الرضاع بعدد معين.","part":1,"page":51},{"id":55,"text":"وقال الشافعي وأحمد في رواية عنه رحمهما الله: لا يحرم في الرضاع إلا خمس رضعات، مستدلين بحديث عائشة رضي الله عنها ((كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فيما يقرأ من القرآن))\"رواه مسلم وغيره\".\rوبحديث عائشة رضي الله عنها: أن سهلة أرضعت سالماً خمس رضعات...\"سبل السلام (281:3)\" فحملوا الآيات والأحاديث المطلقة على هذه النصوص التي قيدت الرضاع بعدد، عملاً بقاعدتهم في حمل المطلق على المقيد.\rولم يحمل الإمام أبو حنيفة على هذا الحمل بناءً على أصله في عدم حمل المطلق على المقيد، وفي هذه المسألة خلاف واسع يعرف في محله من كتب الخلاف.\r(ب)-ومن ذلك: اختلافهم في حكم اشتراط الإيمان في رقبة كفارة الظهار: فاختلف العلماء في اشتراط الإيمان في رقبة كفارة الظهار، فذهب الجمهور إلى اشتراط الإيمان فيها، حملاً لإطلاق الآية في سورة المجادلة : ((وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا))(القصص: من الآية3).\rعلى التقييد في آية سورة النساء: ((وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَة))(النساء: من الآية92) وذلك نظراً لاتحاد الحكم: وهو الإعتناق وإن اختلف السبب في الآيتين بناءً على قاعدتهم في ذلك.\rوذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى عدم اشتراط الإيمان فيها، واشترط الإيمان في كفارة القتل الخطأ عملاً بالمطلق في محله، والمقيد في محله، بناءً على أصله في عدم حمل المطلق على المقيد كما معروف في كتب الأصول\"انظر تسهيل الوصول ص62\".\rإلى غير ذلك من فروع الاختلاف في هذا الأصل.\r5-اختلافهم في عمل الراوي بخلف ما رواه:\rومن الأصول التي اختلف فيها العلماء، حكم عمل الراوي إذا عمل بخلاف ما رواه سابقاً.","part":1,"page":52},{"id":56,"text":"فذهب الجمهور إلى اعتبار روايته دون عمله، وذهب الحنفية إلى اعتبار عمله دون روايته، وأنزلوا عمله منزلة الناسخ، واعتبروا عمله طعناً في الحديث الذي رواه وعمل بخلافه.\rوقد قال الحنفية في تعليل ذلك:\r((إن كان الخلاف حقاً بطل الاحتجاج بالحديث، وإن كان باطلاً سقطت روايته لأنه لم يكن عدلاً...))\"فواتح الرحموت (163:2)\".\rكما علل الجمهور أخذهم بروايته دون عمله؟ بأن الحجة فيما رواه لا فيما عمله، إذ أن عمله هذا يحتمل أن يكون عن اجتهاد، واجتهاده غير ملزم لغيره\"تسهيل الوصول ص160\".\rونشأ عن هذا الاختلاف في هذه القاعدة الأصولية اختلاف في بعض الفروع، من أشهرها: (أ) اختلاف العلماء في رفع اليدين عند الركوع والرفع منه في الصلاة:\rفقد قال الجمهور برفع اليدين في ذلك، لما روي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، ثم يكبر، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود)) رواه الستة\"جمع الفوائد(190:1)\".\rوخالف في ذلك الحنفية لأدلةٍ معارضة أخرى من جهة، ولأن الراوي –ابن عمر- رضي الله عنهما كان يعمل بخلافه.\rفلقد روي عن مجاهد رحمه الله قوله:\r((صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى)).\rفأخذوا بعمله ولم يأخذوا بروايته\"تسهيل الوصول ص 160\". (ب)\rومنها: اختلافهم في غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب:\rفذهب جمهور العلماء إلى أن الإناء الذي ولغ فيه الكلب يغسل سبع مرات أخذاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا شرب الكلب في إناء أحدكم، فيغسله سبع مرات –وزاد أبو داود-: أولاهن بالتراب)) ولقد روي هذا الحديث في الصحيحين وغيرهما بألفاظ مختلفة \"جمع الفوائد (66:1)\".","part":1,"page":53},{"id":57,"text":"ولم يعمل الحنفية بهذا الحديث لمخالفة راويه له، فقد روى الطحاوي والدارقطني: أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات\"سبل السلام(21:1)\".\rإلى غير ذلك من مسائل تعرف في كتب الأصول والفقه...\rوسأكتفي بهذا القدر من الأمثلة على اختلاف الفقهاء في الفروع بناءً على اختلافهم في بعض القواعد والأصول...\rوأحب أن أؤكد في ختام بحث أسباب الاختلاف، أنه ما من أحد من العلماء والباحثين في هذا الموضوع، جعل من أسباب اختلاف علمائنا هوى المجتهد ورغبته الشخصية، حاشا أئمة المسلمين من ذلك.\rخلافاً لما ظنه بعض الجهلة بدينهم وبتاريخ أئمتهم، فشبهوا اجتهاد الأئمة –رضوان الله عليهم- بعمل أحبار اليود والنصارى، الذين حللوا وحرموا من عند أنفسهم ((كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً...))\"الآية(5) من سورة الكهف\".\rفقد كان الأئمة رحمهم الله مثال الدين والورع والتقى في علمهم و عملهم، حتى كان أحدهم يتورع عن ذكر الحرام والحلال صراحة حيث تكون الأدلة ظنية عنده، احتياطاً لدينه وعمله، وحسبنا في هذا ما ذكره الزركشي في البحر المحيط نقلاً عن الصيدلاني قال:\r((وهو غالب في عبارة المتقدمين كراهة أن يتناولهم قوله تعالى: ((وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ ))(النحل: من الآية116) فكرهوا إطلاق لفظ التحريم))\"البحر المحيط (109/آ)من مخطوطة دار الكتب المصرية.\rالباب الثاني\rويشتمل على خمسة فصول:\rالفصل الأول:\rموقف العلماء من الاختلافات العلمية.\rالفصل الثاني:\rالإنكار في المسائل الاختلافية.\rالفصل الثالث:\rنماذج من أدب العلماء بعضهم مع بعض.\rالفصل الرابع:\rموقف المسلم تجاه الاختلافات العلمية.\rالفصل الخامس:\rالتنبيه على مواقف شاذة.\rالفصل الأول\rموقف العلماء من الاختلافات العلمية","part":1,"page":54},{"id":58,"text":"ظهر لنا مما سبق في حقيقة الاختلافات العلمية ونشأتها وأسبابها، أن اختلاف العلماء في الأحكام أمر طبيعي، لا مناص منه، تبعاً لاحتمال كثير من النصوص الشرعية من جهة، واختلاف العقول والأفهام من جهة أخرى...\rومع هذه النتيجة القطعية، يجد المتتبع لمواقف العلماء من هذه الاختلافات في السلف والخلف ما قد يفهم منه تعارض مواقفهم منها، واختلافهم في النظرة إليها... مما قد يشوش على بعض طلبة العلم ذهنه، فيحار في كيفية الجمع بين ما ورد عنهم في ذلك، وبين النتيجة الحتمية التي توصلنا إليها سابقاً.\rولهذا أحببت أن أذكر في هذا الفصل –تتميماً للفائدة وإزالة للالتباس-ما نقل عن العلماء في ذلك. مع توجيه أقوالهم وتوضيحها، ومحاولة الجمع بينها فيما لا يدع مجالاً للشك والتردد...\rفقد عقد الحافظ ابن عبد البر في كتابه ((جامع بيان العلم وفضله)) باباً خاصاً بعنوان: ((باب جامع بيان ما يلزم الناظر في اختلاف الفقهاء))\"جامع بيان العلم وفضله (78:2-92)\" وجاء فيه:\r((قال أبو عمر: اختلف الفقهاء في هذا الباب على قولين:\rأحدهما: أن اختلاف العلماء من الصحابة ومن بعدهم من الأئمة رحمة واسعة، وجائز لمن نظر في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بقول من شاء منهم، وكذلك الناظر في أقاويل غيرهم من الأئمة –ما لم يعلم أنه خطأ- فإذا بان له أنه خطأ لخلافه نص الكتاب أو نص السنة، أو إجماع العلماء لم يسعه اتباعه.\rفإذا لم يبن له ذلك من هذه الوجوه، جاز له استعمال قوله، وإن لم يعلم صوابه من خطئه، وصار في حيز العامة التي يجوز لها أن تقلد العالم إذا سألته عن شيء وإن لم تعلم وجهه.","part":1,"page":55},{"id":59,"text":"هذا قول يروى معناه عن عمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، وعن سفيان الثوري إن صح\"وقد روي هذا المعنى عن سفيان في مصادر مختلفة أشرت إلى بعضها في كتابي عن الإمام سفيان الثوري، كما روى الخطيب البغدادي في كتاب ((الفقيه والمتفقه))(69:2) عن سفيان قوله: ((ما اختلف فيه الفقهاء، فلا أنهى أحداً من إخواني أن يأخذ به))\"، وقال به قوم، ومن حجتهم على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:\r((أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم))\"روي هذا الحديث بروايات كثيرة ضعيفة لم يصح منها شيء، انظر تخريجه والكلام عليه في حاشية فتح باب العناية (13:1-14)\".\rوهذا مذهب ضعيف عند جماعة من أهل العلم، وقد رفضه أكثر الفقهاء وأهل النظر، ونحن نبين الحجة في هذا الباب إن شاء الله على ما شرطناه من التقريب والاختصار ولا قوة إلا بالله.\rعلى أن جماعة من أهل الحديث متقدمين ومتأخرين يميلون إليه...إلخ.\rثم ذكر ابن عبد البر نقولاً عن بعض هؤلاء الأئمة تفيد قولهم، منها: مارواه عن القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: ((لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة، ورأى أنه خير منه قد عمله))\"ورواه قريباً من هذا اللفظ الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه(59:2-60)\".\rوروي عن عمر بن عبد العزيز قوله: ((ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنه لو كانوا قولاً واحداً كان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة))\" ورواه قريباً من هذا اللفظ الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه(59:2-60)\".\rوسئل القاسم بن محمد عن القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر فيه، فقال: ((إن قرأت فلك في رجالٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوةٌ، وإذا لم تقرأ فلك في رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوةٌ...)).","part":1,"page":56},{"id":60,"text":"وروي عن يحيى بن سعيد أنه قال: ((ما برح ألو الفتوى يفتون، فيحل هذا، ويحرم هذا، فلا يرى المحرم أن المحلل هلك لتحليله، ولا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه)) ثم قال: فهذا مذهب القاسم بن محمد ومن تابعه، وقال به قوم.\rوأما مالك والشافعي ومن سلك سبيلهما من أصحابهما، وهو قول الليث ابن سعد، والأوزاعي وأبي ثور، وجماعة من أهل النظر:\rأن الاختلاف إذا تدافع فهو خطأ وصواب، والواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب والسنة، والإجماع، والقياس على الأصول منها، وذلك لا يعدم، فإن استوت الأدلة وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا بالكتاب والسنة.\rفإذا لم يبن ذلك وجب التوقف، ولم يجز القطع إلا بيقين، فإن اضطر أحد إلى استعمال شيء من ذلك في خاصة نفسه، جاز له ما يجوز للعامة من التقليد...إلخ.\rثم ذكر نقولاً عن بعض الأئمة تؤكد ما نقل عنهم، من ذلك: ما رواه عن أشهب أنه قال: ((سئل مالك عن اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: خطأ وصواب، فانظر في ذلك)).\rوقال ابن القاسم: ((سمعت مالكاً والليث يقولان في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس كما قال ناس فيه توسعة، ليس كذلك، إنما هو خطأ وصواب)). قال يحيى: ((بلغني أن الليث بن سعد قال: إذا جاء الاختلاف أخذنا فيه بالأحوط)).\rإلى غير ذلك من نقولٍ...\rوبعد ذكر ابن عبد البر لأدلة أصحاب القول الثاني، وإيراده أقوالاً للسلف في تخطئة بعضهم بعضاً في الاجتهاد، قال:\r((هذا كثير في كتب العلماء، وكذلك اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم من المخالفين، وما رد فيه بعضهم على بعض لا يكاد يحيط به كتاب، فضلاً عن أن يجمع في باب، وفيما ذكرنا منه دليل على ما عنه سكتنا.\rوفي رجوع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض، ورد بعضهم على بعض، دليل واضح على أن اختلافهم عندهم خطأ وصواب.","part":1,"page":57},{"id":61,"text":"ولذلك ما كان يقول كل واحد منهم جائز ما قلت أنت، وجائز ما قلت أنا، وكلانا نجم يهتدى به، فلا علينا شيء من اختلافنا. والصواب مما اختلف فيه وتدافع، وجه واحد. ولو كان الصواب في وجهين متدافعين، ما خطأ السلف بعضهم بعضاً في اجتهادهم وقضائهم وفتواهم، والنظر يأبى أن يكون الشيء وضده صواباً كله...))\"جامع بيان العلم وفضله (2،87-88)\".\rوبعد هذا العرض لما نقله ابن عبد البر من مواقف السلف من الاختلافات العلمية نلاحظ ما يلي:\r1-إن الاختلاف الذي نقله ليس في طبيعة الاختلاف العلمي، ولا في الحكم عليه من حيث ذاته، وإنما هو اختلاف من حيث موفق الناس منها.\rإذ ما من عالم من هؤلاء العلماء إلا وقد اختلف مع غيره في مسائل كثيرة، ولم ينقل عن أحد منهم أنه أنكر وجود هذه الاختلافات، أو أبدى توقفاً في صدورها وطبيعتها ونشأتها، وإنما اتجه خلافهم إلى موقف الناس تجاه هذه الاختلافات، كما ظهر لنا من النصوص المنقولة عنهم.\r2-إن محل الاختلاف في هذا، إنما هو موقف العالم الناظر في الأدلة من هذه الاختلافات، لا في موقف العامي ومن في حكمه منها.\rويدل على هذا عنوان الباب الذي ذكره ابن عبد البر فقال:\r((باب جامع بيان ما يلزم الناظر في اختلاف العلماء)). والنظر في اختلاف العلماء هو العالم المتأهل لذلك، لا العامي الذي لا يملك من هذا الأمر شيئاً ما.\rويؤيد هذا قول ابن عبد البر نفسه في كلامه عن أصحاب القول الأول:\r((وصار في حيز العامة التي يجوز لها أن تقلد العالم إذا سألته عن شيء، وإن لم تعلم وجهه)).\rوقوله في كلامه عن أصحاب القول الثاني:\r((فإن اضطر أحد إلى استعمال شيء من ذلك في خاصة نفسه جاز له ما يجوز للعامة من التقليد...)).\rومن هنا يظهر لنا خطأ من يحمل هذه الأقوال السابقة على إطلاقها, ويستعملها في غير محلها, فيخاطب بها عامة الناس, فيكلفهم ما لا يطيقون, ويخاطبهم بما لا يعقلون... 3-","part":1,"page":58},{"id":62,"text":"كما لابد من حمل قول من قال: إن في اختلاف الصحابة والعلماء رحمة وتوسعة- وهم أصحاب القول الأول على أن التوسعة المرادة هنا: في أنهم اجتهدوا في الأحكام الشرعية, فاختلفوا فيها, فكان اجتهادهم واختلافهم توسعة على من بعدهم من العلماء أن يعملوا عملهم, فيجتهدوا ويختلفوا في استنباط الأحكام كما اختلف أسلافهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومن تبعهم بإحسان...\rوهذا المعنى للتوسعة لا يتعارض أبداً مع قول من قال: (( إن المصيب في المسائل الخلافية واحد )) إذ على العالم أن يجتهد في الأقوال المختلفة, ويتبنى منها ما يظهر له أنه الحق والصواب, سواء أوافق الصواب أم لا ؟\rوهذا الحمل هو الذي صرح بمعناه إِسماعيل القاضي كما نقل عنه ابن عبد البر قوله:\r(( إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم توسعةٌ في اجتهاد الرأي, فأما أن تكون توسعة لأن يقول الإنسان بقول واحد منهم, من غير أن يكون الحق عنده فيه فلا, ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا فاختلفوا ))\" جامع بيان العلم وفضله (2: 82 )\" ولقد أردف ابن عبد البر كلام إسماعيل هذا بقوله: ((كلام إسماعيل هذا حسن جداً )). 4-\rكما لابد من حمل قول من أنكر أن الاختلاف رحمة وتوسعة- كما نقل عن أصحاب القول الثاني-:\rعلى أن الإنكار منصب على حمل التوسعة: على أنه يسع العالم المجتهد أن يأخذ بقول أحدهم دون اجتهاد ورجوع إلى الدليل, فيكون من تقليد المجتهد الذي منع منه الجمهور\" المستصفى للغزالي ( 2: 384) والفقهية والمتفقه (2: 69)\" وإن سيرة العلماء العلمية في اختلافاتهم ومناظراتهم فيما بينهم, تؤكد هذا المعنى الذي حملنا عليه أقوال العلماء المتعارضة في الظاهر, إذ أخذ كل منهم بما ارتضاه ووصل إليه باجتهاده, مع احترامهم لآراء الآخرين, ولو كانوا مخطئين في اجتهادهم.\rكما أقر جميعهم العامة بأن يقلدوا من سألوا من أهل العلم دون تحريج لهم باختيار الحق من الأقوال...","part":1,"page":59},{"id":63,"text":"وما أجمل قول سفيان الذي مر معنا سابقاً (( ما اختلف فيه الفقهاء, فلا أنهى أحداً من إخواني أن يأخذ به ))\" الفقيه والمتفقة (2: 69 )\"\rالفصل الثاني\rالإنكار في المسائل الاختلافية\rإن من أهم المسائل المتصلة بحكم الاختلافات الفقهية, وتحقيق موقف العلماء منها, مسألة الإِنكار في المسائل الاختلافية.\rفالمتتبع لأقوال العلماء في ذلك على مختلف المذاهب والعصور, يراهم شبه مجمعين على أن من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ أن يكون المنكر المنهي عنه متفقا على كونه منكراً على تفصيل لبعضهم في ذلك.\rوسأنقل في هذا الفصل عدداً من أقوال العلماء في هذه المسألة: 1-\rروى أبو نعيم بسنده عن الإمام سفيان الثوري رحمه الله قوله: (( إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه ))\" الحلية (6: 368) وانظر رسالتي عن الإمام سفيان الثوري رحمه الله ص 98\" وروى الخطيب البغدادي عنه قوله: (( ما اختلف فيه الفقهاء فلا أنهى أحداً من إخواني أن يأخذ به ))\" الفقهية والمتفقه (2: 69)\" 2-\rونقل ابن مفلح في كتاب الآداب الشرعية عن الإمام أحمد رحمه الله تحت عنوان: لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ فيه خلاف في الفروع, ما نصه:\r(( وقد قال أحمد في رواية المروذي: لا ينبغي للفقهيه أن يحمل الناس على مذهب ولا يشدد عليهم...)) كما نقل عنه روايات أخرى تخالف ذلك في لعب الشطرنج وغيره, وذكر رواية أخرى عن الإمام أحمد, أنه لا ينكر على المجتهد بل على المقلد.\rكما نقل عن القاضي أبي يعلى في الأحكام السلطانية أنه قال: (( ما ضعف الخلاف فيه, وكان ذريعة إلى محظور متفق عليه كربا النقد... فيدخل في إنكار المحتسب بحكم ولايته))\" الآداب الشرعية(1: 186) وغذاء الألباب( 1: 218) والأحكام السلطانية لأبي يعلى","part":1,"page":60},{"id":64,"text":"ص297\" ولعل حمل روايات الإمام أحمد على ما ذكره القاضي أبو يعلى يجمع بين الروايات، ويوفق بين الأقوال، فلا ينكر في المسائل الاختلافية إلا إذا ضعف فيها الخلاف، كالاختلاف في حكم ربا النقد، ويمكن أن يقاس عليه ما روي عن الإمام أحمد في الإنكار على اللاعب بالشطرنج وغيره...\rويؤيد هذا الحمل ما ذكره الإمام ابن تيمية رحمه الله في هذا:\r3-فقد نقل عنه ابن مفلح في الآداب الشرعية، والسفاريني في غذاء الألباب ما نصه:\r((وقولهم: ومسائل الخلاف لا إنكار فيها، ليس بصحيح. فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل.\rأما الأول: فإن كان القول يخالف سنة أو إجماعاً قديماً، وجب إنكاره وفاقاً، وإن لم يكن كذلك، فإنه ينكر –بمعنى بيان ضعفه- عند من يقول: المصيب واحد، وهم عامة السلف والفقهاء.\rوأما العمل: إذا كان على خلاف سنة أو إجماع، وجب إنكاره أيضاً بحسب درجات الإنكار.\rثم قال: وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماعٍ، وللاجتهاد فيها مساغ، فلا ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً...\rثم قال مسيراً إلى الاختلاف واللبس الواقع في هذه المسألة ما نصه:\rوإنما دخل اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس.\rوالصواب الذي عليه الأئمة: أن مسائل الاجتهاد –ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً: مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه- فيسوغ إذا أعدم ذلك الاجتهاد فيها لتعارض الأدلة المقاربة، أو لخفاء الأدلة فيها...\rوليس في ذكر كون المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين، كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف، وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها، مثل: كون الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بوضع الحمل، وأن الجماع المجرد عن إنزال يوجب الغسل، وإن ربا الفضل والمتعة حرام، وذكر مسائل كثيرة من هذا النوع...))\"الآداب الشرعية (186:1) وغذاء الألباب (219:1)\".","part":1,"page":61},{"id":65,"text":"وقال السفاريني رحمه الله بعد نقله لكلام ابن تيمية السابق: ((فأفهمنا رضي الله عنه: أنه إنما يتمشى عدم الإنكار في مسائل الاختلاف، حيث لم يخالف نصاً صريحاً من كتاب وسنة صحيحة صريحة، وإجماع قديم، وأما متى خالفت ذلك ساغ الإنكار.\rوأفهم كلامه: أنه متى تعارض سنتان، فلا يخلو، إما أن تقاربها في الصحة بحيث يسوغ العمل بها، وتصلح أن تكون دليلاً أو لا؟\rفإن كان: فهي من مسائل الاجتهاد التي لا يسوغ الإنكار عليها، وإلا ساغ الإنكار. فلاعب الشطرنج ينكر عليه، وتارك الطمأنينة، لصحة السنة في الثانية، وكثرتها في الأولى، والله تعالى أعلم))\"غذاء الألباب (219:1-220)\".\r4-وقال العلامة ابن رجب الحنبلي في كتابه((جامع العلوم والحكم)):\r((والمنكر الذي يجب إنكاره ما كان مجمعاً عليه. فأما المختلف فيه، فمن أصحابنا من قال: لا يجب إنكاره على من فعله مجتهداً أو مقلداً لمجتهد تقليداً سائغاً، واستثنى القاضي في الأحكام السلطانية ما ضعف فيه الخلاف...\"الأحكام السلطانية ص 297\". ثم قال: والنصوص عن أحمد الإنكار على اللاعب بالشطرنج، وتأوله القاضي على من لعب بغير اجتهاد أو تقليد سائغ، وفيه نظر.\rفإن المنصوص عنه: أنه يحد شارب النبيذ المختلف فيه، وإقامة الحد أبلغ مراتب الإنكار –مع أنه لا يفسق عنده بذلك- فدل على أنه ينكر كل مختلف فيه –ضعف الخلاف فيه- لدلالة السنة على تحريمه، ولا يخرج فاعله المتأول من العدالة بذلك والله أعلم. وكذلك نص أحمد على الإنكار على من لا يتم صلاته، ولا يقيم صلبه من الركوع والسجود، مع وجود الاختلاف في وجوب ذلك\"جامع العلوم والحكم ص284\".\r5-وقال ابن قدامة رحمه الله: ((لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه فإنه لا إنكار على المجتهدات))\"نقله ابن مفلح في الآداب الشرعية (186:1 وما بعدها)\".\r6-وقال حجة الإسلام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين عند حديثه عن الحسبة:","part":1,"page":62},{"id":66,"text":"((ما فيه الحسبة: كل منكر موجود في الحال الظاهر، للمحتسب بغير تجسس، معلوم كونه منكراً بغير اجتهاد...)).\rثم قال عند حديثه عن الشرط الرابع للمنكر:\r((أن يكون: كونه منكراً معلوماً بغير اجتهاد، فكل ما هو في محل الاجتهاد فلا حسبة فيه، فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكله الضب والضبع، ومتروك التسمية، ولا للشافعي أن ينكر على الحنفي شربه النبيذ الذي ليس بمسكر، وتناوله ميراث ذوي الأرحام، وجلوسه في دار أخذها بشفعة الجوار، إلى غير ذلك من مجاري الاجتهاد...))\"إحياء علوم الدين (320:2 وما بعدها)\".\r7-وقال الإمام النووي في شرحه لحديث مسلم: ((من رأى منكم منكراً...)) ما نصه:\r((ثم إنه يأمر وينهى من كان عالماً بما يأمر به وينهى عنه: وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة أو المحرمات المشهورة، كالصلاة والصيام والزكاة والزنا والخمر ونحوها، فكل المسلمين عالم بها.\rوإن كان من دقائق الأفعال والأقوال، وما يتعلق بالاجتهاد، لم يكن للعوام دخل فيه، لأن إنكاره على ذلك للعلماء.\rثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه الأئمة بأنه منكر، وأما المختلف فيه، فلا إنكار فيه، لأن على أحد المذهبين: كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثير من المحققين أو أكثرهم، وعلى المذهب الآخر: المصيب واحد، والمخطئ غير متعين لنا، والإثم مرفوع عنه.\rولكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف؟ فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق.\rفإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف، إذا لم يلزم منه إخلال بسنة، أو وقوع في خلاف آخر.\rوذكر أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي البصري الشافعي في كتابه الأحكام السلطانبة، خلافاً بين العلماء في أن من قلده السلطان الحسبة: هل له أن يحمل الناس على مذهبه فيما اختلف فيه الفقهاء، إذا كان المحتسب من أهل الاجتهاد؟ أم لا يغير ما كان على مذهب غيره؟","part":1,"page":63},{"id":67,"text":"والأصح أنه لا يغير، لما ذكرناه. ولم يزل الخلاف في الفروع بين الصحابة والتابعين فمن بعدهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ولا ينكر محتسب ولا غيره على غيره.\rوكذلك قالوا: ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جلياً، والله أعلم))\"شرح مسلم للنووي (23:2) الطبعة الأولى\". 8-وقد نقل العلامة الشيخ ملا على القاري جزءاً من كلام النووي الذي سبق نقله، واعتمده\"المرقاة على المشكاة (3:5-4)\".\r9-ونقل العلامة ابن حجر المكي جانباً من كلام النووي وأيده، ونقل عن القرطبي قوله: ((ما صار إليه إمام وله وجهٌ ما في الشرع، لا يجوز لمن رأى خلافه أن ينكره، وهذا مما لا يختلف فيه))\"فتح المبين في شرح الأربعين ص264\".\rويظهر لنا مما سبق، أن العلماء متفقون على أصل هذه المسألة، وهو أنه لا ينكر على المخالف إذا كانت مخالفته في أمر اجتهادي، وإن فرق بعضهم بين الخلاف القوي والضعيف.\rوالذي نميل إليه، ونراه أولى في الجمع بين الأقوال، وأسلم نتيجة في مسائل الاختلاف، أن نفصل في المسألة تفصيلاً يتعلق بنوع المسألة المختلف فيها من جهة، وبنوع المنكر من جهة أخرى، فأقول:\r1-الأصل في المسائل الاجتهادية المختلف فيها عدم الإنكار، ويستثنى من ذلك ما يلي:\r(أ)ما كان الاختلاف فيه تاريخياً لا يصح استمراره، كاختلاف السلف في الصدر الأول في حكم ربا الفضل، أو في حكم نكاح المتعة، الذي نقل العلماء رجوع المخالفين فيها إلى قول الجمهور، أو اعتبروا القول المخالف فيه قولاً شاذاً، فالواجب في مثل هذا الإنكار بمراتبه وشروطه المعرفة.\r(ب)أما ما كان الخلاف فيه ضعيفاً عند العلماء، فيفرق فيه بين حالتين:\rالحالة الأولى: ما اشتد ضعفه، وكان مصادماً لنص شرعي ثابت، وقال به قائله لشبهة ضعفه –كإباحة آلات المعازف مثلاً-فينكر عليه.","part":1,"page":64},{"id":68,"text":"أما الحالة الثانية: ما كان اجتهادياً لا نص فيه مطلقاً، فلا إنكار على من عمل بأي قول من الأقوال إلا على سبيل النصيحة والأمر والني برفق خروجاً من الخلاف .\rلأن مثل هذه المسألة وإن ضعفت عند كثير من العلماء، فقد تقوى عند غيرهم، وحسبنا فيها أنها اجتهاد لأحد الأئمة المعتبرين، وإلا وقع النزاع والخلاف، وثار الجدل لأنها مسألة تتفاوت فيها الآراء والأفهام...\r2-وهذا الذي ذكرناه في الجهة الأولى إنما هو موقف العالم، العارف بالخلاف الوارد في المسألة.\rأما العامي الذي لا يفرق بين الأقوال الضعيفة وغيرها، فلا يصح له أن ينكر في شيء من المختلف فيه إلا إذا عرف من عالم موثوق حكم المسألة، أو اشتهر إنكار العلماء لمثلها، فيكون إنكاره عندئذ تقليداً للعلماء، ذلك التقليد الذي لا مصير لمثله إلا إليه.\rولا يكفيه مبرراً للإنكار أن يرى غيره عاملاً بخلاف ما يعمله، أو ما أفتاه به أحد العلماء، فما أكثر المسائل الاختلافية والاجتهادية التي يحسبها كثير من العامة مسائل قطعية لا مجال للاختلاف فيها!!\rوبهذا يسد باب عظيم خطير، ويدفع عن المسلمين ويلات الشقاق والنزاع الذي أدى بهم في بعض الأزمنة إلى القتال والخصام...\rوسأختم حديثي في هذا الفصل بما ذكره العلامة الدهلوي رحمه الله مبيناً موقف العلماء من الاختلافات العلمية، وسيرتهم العملية في عدم إنكار بعضهم على بعض، حيث قال:\r((وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا يقرؤها، ومنهم من يجهر بها ومنهم من لا يجهر بها، وكان منهم من يقنت في الفجر ومنهم من لا يقنت في الفجر، ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، إلى أمثلة أخرى.\rثم قال: ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض، مثل ما كان أبو حنيفة أو أصحابه والشافعي وغيرهم رضي الله عنهم يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم، وإن كانوا لا يقرءون البسملة لا سراً ولا جهراً.","part":1,"page":65},{"id":69,"text":"وصلى الرشيد إماماً وقد احتجم، فصلى الإمام أبو يوسف خلفه ولم يعد –وكان أفتاه الإمام مالك بأنه لا وضوء عليه.\rوكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة، فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ، هل تصلي خلفه؟\rفقال: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب!!\rوروي أن أبا يوسف ومحمداً كانا يكبران في العيدين تكبير ابن عباس، لأن هارون الرشيد كان يحب تكبير جده.\rوصلى الشافعي رحمه الله الصبح قريباً من مقبرة أبي حنيفة رحمه الله، فلم يقنت تأدباً معه، وقال أيضاً –أي الشافعي رحمه الله-: ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق.\rوقال مالك رحمه الله للمنصور وهارون الرشيد ما ذكرنا عنه سابقاً، يريد بذلك ما ذكرناه في رسالته سابقاً وهو:\r((لما حج المنصور قال لمالك: قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنسخ، ثم أبعث في كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم بأن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوه إلى غيره.\rفقال: يا أمير المؤمنين: لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، ودانوا به من اختلاف الناس. فدع الناس وما اختار كل أهل بلد منهم لأنفسهم.\rوحكي نسبة هذه القصة إلى هارون الرشيد، وأنه شاور مالكاً في أن يعلق الموطأ في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه، فقال: لا تفعل، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكل سنة مضت.\rقال: وفقك الله يا أبا عبد الله، حكاه السيوطي\"الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف ص 24-25\".\rثم قال الدهلوي:\rوفي البزازية عن الإمام الثاني –وهو أبو يوسف رحمه الله- أنه صلى يوم الجمعة مغتسلاً من الحمام، وصلى بالناس، وتفرقوا ثم أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام، فقال: إذاً نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً.","part":1,"page":66},{"id":70,"text":"وسئل الإمام الخجندي رحمه الله عن رجل شافعي المذهب ترك صلاة سنة أو سنتين, ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة رحمه الله, كيف يجب عليه القضاء ؟ أيقضيها على مذهب الشافعي أو على مذهب أبي حنيفة ؟\rفقال: على أي المذهبين قضى بعد أن يعتقد جوازها جاز. وفي جامع الفتاوى إنه: إن قال حنفي: إن تزوجتُ فلانة فهي طالق ثلاثاً. ثم استفتى شافعيا فأجاب أنها لا تطلق ويمينه باطل, فلا بأس باقتدائه بالشافعي في هذه المسألة, لأن كثيراً من الصحابة في جانبه.\rقال محمد رحمه الله في أماليه:\rلو أن فقهياً قال لامرأته: أنتِ طالق البتة, وهو ممن يراها ثلاثاً, ثم قضى عليه قاضٍ بأنها رجعية, وسعة المقام معها. وكذا كل فصل مما يختلف فيه الفقهاء من تحريم أو تحليل أو إعتاق, أو أخذ مال أو غيره, ينبغي للفقهية المقضي عليه الأخذ بقضاء القاضي, ويدع رأيه ويلزم نفسه ما ألزم القاضي, ويأخذ ما أعطاه.\rقال محمد رحمه الله: وكذلك رجل لا علم له ابتلي ببلية فسأل عنها الفقهاء, فأفتوه فيها بحلال أو بحرام, وقضى عليه قاضي المسلمين بخلاف ذلك, وهي مما يختلف فيه الفقهاء, فينبغي له أن يأخذ بقضاء القاضي, ويدع ما أفتاه الفقهاء\" الإنصاف ص 71 \" وقال في مكان آخر من رسالته:\r((وكان الإمام أحمد رضي الله عنه يقول: لا ينبغي لأحد أن يفتي إلا أن يعرف أقاويل العلماء في الفتاوى الشرعية، ويعرف مذاهبهم، فإن سئل عن مسألة يعلم أن العلماء الذين يتخذ مذهبهم قد اتفقوا عليها، فلا بأس بأن يقول: هذا جائز وهذا لا يجوز، ويكون قوله على سبيل الحكاية.\rوإن كانت مسألة قد اختلفوا فيها، فلا بأس بأن يقول: هذا جائز في قول فلان، وفي قول فلان لا يجوز، وليس له أن يختار فيجيب بقول بعضهم ما لم يعرف حجته))\"الإنصاف ص63\".\rالفصل الثالث\rنماذج من أدب العلماء بعضهم مع بعض","part":1,"page":67},{"id":71,"text":"بعد أن عرفنا موقف العلماء من المسائل الاختلافية في الأحكام الشرعية، آن لنا أن نستعرض بعض النماذج الدالة على موقفهم هذا، والمصورة لأدبهم العلمي الرفيع في احترام بعضهم لآراء بعض، ذلك الاحترام الذي لم يمنعهم من مناقشة الآخرين، ومناظرتهم في آرائهم...\rوالجدير بالذكر أن هذه المواقف التي سأعرضها إنما تمثل موقف الجماهير من العلماء، إذ لا يخلوا عصر من العصور من العلماء شذوا عن هذه القاعدة، وضاقت نفوسهم بآراء غيرهم، ورأوا أن ما خالفهم هو الباطل الصريح، إلا أن مواقفهم نفسها تشهد بشذوذهم، ولم تلق في سلف الأمة وخلفها إلا الإنكار والإعراض...\rولا يخفى على أحد موقف جمهور الأمة من أسلوب ابن حزم رحمه الله مع الاعتراف بسعة علمه وكبير اطلاعه...\rوقد مر معنا عند بحثنا للسبب الأول من أسباب الاختلاف، استنكار العلماء لموقف ابن أبي ذئب رحمه الله وغفر له، من الإمام مالك بن أنس رحمه الله، حيث خالفه في حكم ثبوت خيار المجلس وتأول حديث: ((إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا...)) على أن التفرق المراد إنما هو بالأقوال، فأنكر عليه ابن أبي ذئب وقال: ((يستتاب مالك، فإن تاب وإلا ضربت عنقه)) وتعقبه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله بقوله:\r((مالك لم يرد الحديث، ولكن تأوله على ذلك))\"انظر السبب الأول من أسباب اختلاف العلماء من هذا الكتاب ص38\".\rوسأكتفي هنا برسالة متبادلة بين الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، والإمام الليث بن سعد فقيه مصر، في مسائل علمية تشهد لكل من الطرفين بعلو رتبته في الأدب والخلق، مع الاتفاق على علو مكانتهما العلمية، عسى أن يجد فيها القراء عامة، وطلاب العلم خاصة نموذجاً حياً يقتدى به في البحث العلمي، والمناظرات العلمية، فلا خير في علم لا يزينه أدب ولا يحرسه خلق...\r1-رسالة الإمام مالك إلى الإمام الليث بن سعد رحمهما الله ورضي عنهما:","part":1,"page":68},{"id":72,"text":"في فضل علم أهل المدينة، وترجيحه على علم غيرهم، واقتداء السلف بهم.\rمن مالك بن أنس إلى الليث بن سعد، سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد:\rعصمنا الله وإياك بطاعته في السر والعلانية، وعافانا وإياك من كل مكروه.\rاعلم رحمك الله أنه بلغني أنك تقضي الناس بأشياء، فإن الله تعالى يقول في كتابه العزيز:\r((وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) (التوبة:100) وقال تعالى:\r((فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ)) (الزمر:17-18).\rفإن الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن. وأحل الحلال وحرم الحرام، إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه، ويسن لهم فيتبعونه، حتى توفاه الله، واختار له ما عنده صلوات الله وسلامه عليه ورحمته وبركاته.\rثم قام من بعده أتبع الناس له من أمته ممن ولي الأمر من بعده، فما نزل بهم مما علموا، أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم، سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم. وإن خالفهم مخالف، أو قال أمراً غيره أقوى منه وأولى، ترك قوله، وعمل بغيره.\rثم كان التابعون من بعدهم يسلكون ذلك السبيل، ويتبعون تلك السنن، فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به، لم أر لأحدٍ خلافه للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها.","part":1,"page":69},{"id":73,"text":"ولو ذهب أهل الأمصار يقولون: هذا العمل الذي ببلدنا وهذا الذي مضى عليه من مضى منا، لم يكونوا من ذلك على ثقةٍ، ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم.\rفانظر –رحمك الله- فيما كتبت إليك به لنفسك، واعلم أني أرجو أن لا يكون دعاني ما كتبت به إليك إلا النصيحة لله تعالى وحده والنظر لك والضن بك...فأنزل كتابي هذا منزلته، فإنك إن فعلت تعلم أني لم آلك نصحاً.\rوفقنا الله وإياك لطاعته وطاعة رسوله في كل أمر، وعلى كل حال.\rوالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،\rوكتب يوم الأحد لتسعٍ مضين من صفر\"نقلت من رسالة مخطوطة محققة لأستاذنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة-رحمه الله- بعنوان: ((نماذج من رسائل الأئمة وأدبهم العلمي))\".\r2-رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس رحمهما الله ورضي عنهما:\rقال الحافظ أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي في ((كتاب التاريخ والمعرفة)) له-وهو كتاب جليل غزير العلم جم الفوائد-: حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي قال: هذه رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس:\rسلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، أما يعد...عافانا الله وإياك، وأحسن لنا العاقبة في الدنيا والآخرة.\rقد بلغني كتابك تذكر فيه صلاح حالكم الذي يسرني، فأدام الله ذلك لكم، وأتمه بالعون على شكره، والزيادة من إحسانه.\rوذكرت نظرتك في الكتب التي بعثت بها إليك، وإقامتك إياها، وختمك عليها بختمك، وقد أتتنا فجزاك الله عما قدمت منها خيراً، فإنها كتب انتهت إلينا عنك، فأحببت أن أبلغ حقيقتها بنظرك فيها.\rوذكرت: أنه قد أنشطك ما كتبت إليك فيه من تقويم ما أتاني عنك إلى ابتدائي بالنصيحة، ورجوت أن يكون لها عندي موضع، وأنه لم يمنعك من ذلك فيما خلا إلا أن يكون رأيك فينا جميلاً، إلا لأني لم أذاكرك مثل هذا.","part":1,"page":70},{"id":74,"text":"وأنه بلغك أني أفتي بأشياء مخالفةٍ لما عليه جماعة الناس عندكم، أني يحق علي الخوف على نفسي لاعتماد من قبلي على ما أفتيهم به، وأن الناس تبع لأهل المدينة التي إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن.\rوقد أصبت بالذي كتبت به من ذلك إن شاء الله تعالى، ووقع مني بالموقع الذي تحب، وما أجد أحداً ينسب إليه العلم أكره لشواذ الفتيا، ولا أشد تفضيلاً لعلماء المدينة الذين مضوا، ولا آخذ لفتياهم فيما اتفقوا عليه مني، والحمد لله رب العالمين لا شريك له.\rوأما ما ذكرت من مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ونزول القرآن بها عليه بين ظهري أصحابه، وما علمهم الله منه، وأن الناس صاروا به تبعاً لهم فيه، فكما ذكرت.\rوأما ما ذكرت من قول الله تعالى: ((وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) (التوبة:100) فإن كثيراً من أولئك السابقين الأولين، خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله، ابتغاء مرضاة الله، فجندوا الأجناد، واجتمع إليهم الناس، فأظهروا بين ظهرانيهم كتاب الله وسنة نبيه، ولم يكتموهم شيئاً علموه.\rوكان في كل جند منهم طائفة يعلمون كتاب الله وسنة نبيه، ويجتهدون برأيهم فيما لم يفسره لهم القرآن والسنة، وتقدمهم عليه أبو بكر وعمر وعثمان الذين اختارهم المسلمون لأنفسهم، ولم يكن أولئك الثلاثة مضيعين لأجناد المسلمين، ولا غافلين عنهم، بل كانوا يكتبون في الأمر اليسير لإقامة الدين، والحذر من الاختلاف بكتاب الله وسنة نبيه، فلم يتركوا أمراً فسره القرآن، أو عمل به النبي صلى الله عليه وسلم، أو ائتمروا فيه بعده إلا علموهموه.","part":1,"page":71},{"id":75,"text":"فإذا جاء أمر عمل فيه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بمصر والشام والعراق على عهد أبي بكر وعمر وعثمان، ولم يزالوا عليه حتى قبضوا لم يأمروهم بغيره، فلا نراه يجوز لأجناد المسلمين أن يحدثوا اليوم أمراً لم يعمل به سلفهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتابعين لهم.\rمع أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختلفوا بعد في الفتيا في أشياء كثيرة، ولولا أني قد عرفت أن قد علمتها كتبت بها إليك.\rثم اختلف التابعون في أشياء بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سعيد بن المسيب ونظراؤه أشد الاختلاف.\rثم اختلف الذين كانوا من بعدهم، فحضرتهم بالمدينة وغيرها، ورأسهم يومئذ ابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن.\rوكان من خلاف ربيعة لبعض ما قد مضى، ما عرفت وحضرت، وسمعت قولك فيه وقول ذوي الرأي من أهل المدينة يحيى بن سعيد، وعبيد الله بن عمر، وكثير بن فرقد، وغيره كثير ممن هو أسن منه. حتى اضطرك إلى ما كرهت من ذلك إلى فراق مجلسه.\rوذاكرتك أنت وعبد العزيز بن عبد الله بعض ما نعيب على ربيعة من ذلك.\rفكنتما من الموافقين فيما أنكرت، تكرهان منه ما أكره، ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير، وعقل أصيل، ولسان بليغ، وفضل مستبين، وطريقة حسنة في الإسلام، ومودة لإخوانه عامة، ولنا خاصة، رحمه الله وغفر له، وجزاه بأحسن من عمله.\rوكان يكون من ابن شهاب اختلاف كثير إذا لقيناه، وإذا كاتبه بعضنا فربما كتب إليه في الشيء الواحد على فضل رأيه وعلمه بثلاثة أنواع، ينقض بعضها بعضاً، ولا يشعر بالذي مضى من رأيه في ذلك، فهذا الذي يدعوني إلى ترك ما أنكرت تركي إياه.\rوقد عرفت أيضاً عيب إنكاري إياه:","part":1,"page":72},{"id":76,"text":"1-أن يجمع أحد من أجناد المسلمين بين الصلاتين ليلة المطر، ومطر الشام أكثر من مطر المدينة بما لا يعلمه إلا الله. لم يجمع منهم إمام قط في ليلة مطر، وفيهم أبو عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو ابن العاص، ومعاذ بن جبل.\rوقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل)) وقال: ((يأتي معاذ يوم القامة بين يدي العلماء برتوة))\"برتوة-بفتح الراء وسكون التاء المثناة –أي الخطوة-\".\rوشرحبيل ابن حسنة، وأبو الدرداء، وبلال بن رباح.\rوكان أبو ذر بمصر، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وبحمص سبعون من أهل بدر. وبأجناد المسلمين كلها وبالعراق ابن مسعود، وحذيفة ابن اليمان، وعمران بن حصين. ونزلها أمير المؤمنين علي –كرم الله وجهه في الجنة- سنين، وكان معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرٌ، فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء بصلاة قط.\r2-ومن ذلك: القضاء بشهادة شاهد ويمين صاحب الحق، وقد عرفت أنه لم يزل يقضى به بالمدينة، ولم يقض به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشام ولا مصر ولا العراق، ولم يكتب به إليهم الخلفاء المهديون الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.\rثم ولي عمر بن عبد العزيز، وكان كما قد علمت في إحياء السنن وقطع البدع، والجد في إقامة الدين، والإصابة في الرأي، والعلم بما مضى من أمر الناس، فكتب إليه رزيق بن الحكيم:\r((إنك كنت تقضي بالمدينة بشهادة الشاهد الواحد ويمين صاحب الحق، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: إنا كنا نقضي بذلك بالمدينة، فوجدنا أهل الشام على غير ذلك، فلا نقضي إلا بشهادة رجلين عدلين، أو رجل وامرأتين)).\rولم يجمع\"أي عمر بن عبد العزيز، وقد ذكرها هنا تأكيداً لقوله في النقطة الأولى\" بين العشاء والمغرب قط ليلة المطر، والمطر يسكب عليه في منزله الذي كان فيه بخناصرة ساكناً.","part":1,"page":73},{"id":77,"text":"3-ومن ذلك أن أهل المدينة يقضون في صدقات النساء: أنها متى شاءت أن تتكلم في مؤخر صداقها تكلمت فدفع إليها، وقد وافق أهل العراق أهل المدينة على ذلك وأهل الشام وأهل مصر. ولم يقض أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من بعدهم لامرأة بصداقها المؤخر إلا أن يفرق بينهما موت أو طلاق فتقوم على حقها.\r4-ومن ذلك قولهم في الإيلاء: إنه لا يكون عليه طلاق حتى يوقف وإن مرت الأربعة أشهر.\rوقد حدثني نافع عن عبد الله بن عمر –وهو الذي يروى عنه ذلك التوقيف بعد الأشهر- أنه كان يقول في الإيلاء الذي ذكر الله في كتابه: لا يحل للمولي إذا بلغ الأجل إلا أن يفي كما أمر الله، أو يعزم الطلاق.\rوأنتم تقولون: إن لبث بعد الأربعة أشهر التي سمى الله في كتابه، ولم يوقف لم يكن عليه طلاق.\rوقد بلغنا أن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت، وقبيصة بن ذؤيب، وأبا سلمة عبد الرحمن بن عوف قالوا في الإيلاء: إذا مضت الأربعة أشهر في تطليقة بائنة.\rوقال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وابن شهاب: إذا مضت الأربعة أشهر فهي تطليقة، وله الرجعة في العدة.\r5-ومن ذلك أن زيد بن ثابت كان يقول: إذا ملك الرجل امرأته، فاختارت زوجها فهي تطليقة، وإن طلقت نفسها ثلاثاً فهي تطليقة وقضى بذلك عبد الملك بن مروان، وكان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقوله.\rوقد كان الناس يجتمعون على أنها: إن اختارت زوجها لم يكن فيه طلاق، وإن اختارت نفسها واحدة أو اثنتين، كانت له عليها الرجعة، وإن طلقت نفسها ثلاثاً بانت منه، ولم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، فيدخل بها ثم يموت أو يطلقها، إلا أن يرد عليها في مجلسه فيقول: إنما ملكتك واحدة، فيستخلف، ويخلي بينه وبين امرأته.\r6-ومن ذلك أن عبد الله بن مسعود كان يقول: أيما رجلٍ تزوج أمةً ثم اشتراها زوجها، فاشتراؤه إياها ثلاث تطليقات، وكان ربيعة يقول ذلك، وإن تزوجت المرأة الحرة عبداً فاشترته فمثل ذلك.","part":1,"page":74},{"id":78,"text":"وقد بلغنا عنكم شيئاً من الفتيا مستكرهاً، وقد كنت كتبت إليك في بعضها فلم تجبني في كتابي، فتخوفت أن تكون استثقلت ذلك، فتركت الكتاب إليك في شيء مما أنكره، وفيما أوردت فيه على رأيك.\rوذلك أنه بلغني أنك أمرت زفر بن عاصم الهلالي –حين أراد أن يستسقي- أن يقدم الصلاة قبل الخطبة، فأعظمت ذلك، لأن الخطبة والاستسقاء كهيئة يوم الجمعة، إلا أن الإمام إذا دنا من فراغه من الخطبة فدعا، حول رداءه، ثم نزل فصلى.\rوقد استسقى عمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيرهما، فكلهم يقدم الخطبة والدعاء قبل الصلاة، فاستهتر الناس كلهم فعل زفر بن عاصم من ذلك واستنكروه.\r7-ومن ذلك أنه بلغني أنك تقول في الخليطين في المال: إنه لا تجب عليهما الصدقة، حتى يكون لكل واحد منهما ما تجب فيهما الصدقة.\rوفي كتاب عمر بن الخطاب أنه تجب عليهما الصدقة، ويترادان بالسوية، وقد كان ذلك يعمل به في ولاية عمر بن عبد العزيز قبلكم وغيره. والذي حدثني به يحيى بن سعيد، ولم يكن بدون أفاضل العلماء في زمانه، فرحمه الله وغفر له، وجعل الجنة مصيره.\r8-ومن ذلك أنه بلغني أنك تقول: إذا أفلس الرجل وقد باعه رجل سلعةً، فتقاضى طائفة من ثمنها، أو أنفق المشتري طائفة منها، أنه يأخذ ما وجد من متاعه.\rوكان الناس على أن البائع إذا تقاضى من ثمنها شيئاً، أو أنفق المشتري منها شيئاً فليست بعينها.\r9-ومن ذلك أنك تذكر: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعط الزبير بن العوام إلا لفرسٍ واحد، والناس كلهم يحدثون أنه أعطاه أربعة أسهم لفرسين، ومنعه الفرس الثالث. والأمة كلهم على هذا الحديث، أهل الشام، وأهل مصر، وأهل العراق، وأهل أفريقية، لا يختلف فيه اثنان، فلم يكن ينبغي لك –وإن كنت سمعته من رجل مرضي- أن تخالف الأمة أجمعين.","part":1,"page":75},{"id":79,"text":"وقد تركت أشياء كثيرة من أشباه هذا، وأنا أحب توفيق الله إياك، وطول بقائك، لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك، مع استئناسي بمكانك وإن نأت الدار، فهذه منزلتك عندي ورأيي فيك، فاستيقنه، ولا تترك الكتاب إلي بخبرك وحالك، وحال ولدك وأهلك، وحاجةٍ إن كانت لك، أو لأحدٍ يوصل لك، فإني أسر بذلك.\rكتبت إليك ونحن صالحون معافون والحمد لله، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكر ما أولانا وتمام ما أنعم به علينا.\rوالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\"نقلت بكاملها من رسالة مخطوط لأستاذنا الشيخ عبد الفتاح أبي غدة رحمه الله بعنوان ((نماذج من رسائل الأئمة وأدبهم العلمي)). وقد أشار الشيخ رحمه الله إلى أنها منقولة ومقابلة عن كتاب ((أعلام الموقعين))94:3 –100 للإمام ابن القيم رحمه الله\"\rالفصل الرابع\rموقف المسلم تجاه الاختلافات العلمية\rيمكننا بحث موقف المسلم من المسائل الاختلافية من ناحيتين:\rالأولى: من حيث تفهم طبيعتها ونشأتها والتسليم بها.\rوالثانية: من حيث أخذه بها، والعمل بمقتضاها.\rفيجب على المسلم أن يقف من الاختلافات العلمية من الناحية الأولى، موقف جمهور العلماء من السلف والخلف الذين أسهبنا في تحقيق موقفهم منها في الفصل السابق...\rوأما موقفه منها من الناحية الثانية، فلا شك أنه يختلف حسب مكانته العلمية والفقهية، فالمرء في هذه الحياة لا بد أن يكون أحد ثلاثة: عالماً أو عامياً أو متعلماً.\rومن الإفراط والتفريط أن نتجاهل هذه الأقسام، ونعمم الحكم على هؤلاء، إذ لا يجوز أن نرفع الناس كلهم إلى درجة العلماء والمجتهدين، كما لا يجوز أن ننزل بهم كلهم إلى درجة العوام المقلدين.\rولو فعلنا ذلك لظلمنا العلم وأهله، وسوينا بين العالم والجاهل، ((قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ..؟! ))(الزمر: من الآية9)\rوإليك الكلام عن كل صنف من هذه الأصناف الثلاثة:","part":1,"page":76},{"id":80,"text":"1-العالم: ونريد به المجتهد المستنبط للأحكام على اختلاف درجاته، فلا مناص لهذا من أن ينظر في المسائل الاختلافية ويمحص أدلتها، ويجتهد في الاستنباط والترجيح، ليعمل بما يراه أنه الحق...ولو خالفه في ذلك المخالفون، إذ لا مصير له إلى تقليد غيره عند جمهور العلماء...\rوقال بعضهم: ((يجوز له تقليد من هو أعلم منه، ولا يجوز له تقليد مثله))\rوقد نقل مثل هذا عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني\"المستصفى (384:2) الفقيه والمتفقه (69:2)\".\rقال الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه:\r((وقد جعل الله العلم وسائل أوليائه، وعصم به من اختاره من أصفيائه، فحقيق على المتوسم به استفراغ المجهود في طلبه.\rوأهل العلم في حفظه متقاربون، وفي استنباط فقه متباينون...))\"الفقيه والمتفقه(71:2)\" كما ذهب جمهور العلماء إلى أن الإثم محطوط عن المجتهدين في الأحكام الشرعية، بل إلى ثبوت الأجر للمخطئ في اجتهاده، والأجرين للمصيب، أخذاً من عموم قوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عمرو بن العاص رضي الله عنه: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر))\"رواه الشيخان وأبو داود، انظر مجمع الفوائد (683:1)\"\rوفي هذا يقول الآمدي في أصوله:\r((اتفق أهل الحق من المسلمين على أن الإثم محطوط عن المجتهين في الأحكام الشرعية، وذهب بشر المريسي، وابن علية، وأبو بكر الأصم، ونفاة القياس كالظاهرية والإمامية: إلى أنه ما من مسألة إلا والحق فيها متعين، وعليه دليل قاطع، فمن أخطأه فهو آثم غير كافر ولا فاسق.","part":1,"page":77},{"id":81,"text":"وحجة أهل الحق في ذلك: ما نقل نقلاً متواتراً لا يدخله ريبة ولا شك، وعلم علماً ضرورياً من اختلاف الصحابة فيما بينهم في المسائل –كما بيناه فيما تقدم- مع استمرارهم على الاختلاف إلى انقراض عصرهم، ولم يصدر من أحد منهم نكير ولا تأثيم لأحد، لا على سبيل الإبهام ولا التعيين. مع علمنا بأنه لو خالف أحد في وجوب العبادات الخمس، وتحريم الزنا والقتل، لبادروا إلى تخطئته وتأثيمه...))\"الإحكام في أصول الأحكام للآمدي(244:4) والمستصفى (361:2 وما بعدها)\".\r2-العامي: ونريد به الجاهل الذي لم يحصل من العلم شيئاً يعتد به، ويؤهله للنظر في الأدلة.\rفلا مناص لمثل هذا من تقليد العلماء سواء إمام مذهبه –إن كان ممن درس مذهباً معيناً والتزم به- أو أي عالم من العلماء المعتبرين- إن لم يكن من أهل الالتزام للمذهب –إذ أن مذهبه مذهب مفتيه.\rفيجب عليه أن يسأل ويستفتي، ويعمل بما أفتي مع احترامه وتقديره لآراء الآخرين في المسألة.\rولا يجوز له أن يعمل في دين الله برأيه وفهمه، وإلا كان عاملاً بهواه...أخذاً من عموم قول الله سبحانه: ((فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)) \"الآية:43 من سورة النحل\".\rوفي هذا يقول الخطيب البغدادي:\r((أما من يسوغ له التقليد: فهو العامي الذي لا يعرف طرق الأحكام الشرعية، فيجوز له أن يقلد عالماً، ويعمل بقوله. قال الله تعالى: ((فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)). ثم قال: وحكي عن بعض المعتزلة أنه قال: لا يجوز للعامي العمل بقول العالم حتى يعرف علة الحكم، وإذا سأل العالم فإنما يسأله أن يعرفه طريق الحكم، فإذا عرفه وقف عليه وعمل به.","part":1,"page":78},{"id":82,"text":"وهذا غلط، لأنه لا سبيل للعامي إلى الوقوف على ذلك، إلا بعد أن يتفقه سنن كثيرة، ويخالط الفقهاء المدة الطويلة، ويتحقق طرق القياس، ويعلم ما يصححه ويفسده، وما يجب تقديمه على غيره من الأدلة، وفي تكليف العامة بذلك تكليف ما لا يطيقونه، ولا سبيل لهم إليهم...))\"الفقيه والمتفقه(68:2ت69)\".\rوهنا أريد أن أنبه إلى أن معنى قوله: ((من يسوغ له التقليد أو يجوز به...إلخ)) لا يصح حمله على معناه الاصطلاحي وهو الإباحة المقتضية للتخيير، إذ يجب على العامي وجوباً، أن يقلد كما بينته أو الكلام عنه، أخذاً من عموم قول الله سبحانه: ((فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)) والأمر هنا دليل الوجوب.\rولعل الذي دعاهم إلى التعبير بالجواز بدل الوجوب في مثل هذا المقام، هو ردهم على الذين منعوا تقليد العامي –كما حكاه الخطيب عن بعض المعتزلة وغيره-فأرادوا بالجواز هنا ما يقابل المحظور.\rولهذا كانت عبارة الآمدي في أصوله أصرح وأدق في بيان حكم العامي، حيث قال:\r((العامي، ومن ليس له أهلية الاجتهاد –وإن كان محصلاً لبعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد- يلزمه اتباع قول المجتهدين، والأخذ بفتواهم عند المحققين من الأصوليين...\rومنع من ذلك بعض معتزلة البغداديين، وقالوا: لا يجوز ذلك إلا بعد أن يتبين له صحة اجتهاده بدليله.\rونقل عن الجبائي: أنه أباح ذلك في مسائل الاجتهاد دون غيرها، كالعبادات الخمس.\rوالمختار: إنما هو المذهب الأول، ويدل عليه النص والإجماع والمعقول... -أما النص: فقوله تعالى: ((فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)) وهو عام لكل المخاطبين، ويجب أن يكون عاماً في السؤال عن كل ما لم يعلم، بحيث يدخل فيه محل النزاع...ثم قال:","part":1,"page":79},{"id":83,"text":"-وأما الإجماع: فهو أنه لم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين قبل حدوث المخالفين يستفتون المجتهدين، ويتبعونهم في الأحكام الشرعية، والعلماء منهم يبادرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل، ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير، فكان إجماعاً على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقاً.\r-وأما المعقول: فهو أن من ليس له أهلية الاجتهاد، إذا حدثت به حادثة فرعيه، وإما أن لا يكون متعبداً بشيء، وهو خلاف الإجماع من الفريقين، وإن كان متعبداً بشيء، فأما بالنظر في الدليل المثبت للحكم، أو بالتقليد.\rالأول ممتنع: لأن ذلك فيما يفضي في حقه وفي حق الخلق أجمع إلى النظر في أدلة الحوادث، والاشتغال عن المعايش، وتعطيل الصنائع والحرف، وخراب الدنيا، وتعطيل الحرث والنسل، ورفع الاجتهاد والتقليد رأساً، وهو من الحرج والإضرار المنفي بقوله تعالى: ((وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ))(الحج: من الآية78) وبقوله عليه الصلاة والسلام ((لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)).\rوهو عام في كل حرج وضرار، ضرورة كونه نكرة في سياق النفي، غير أنا خالفناه في امتناع التقليد في أصول الدين لما بيناه من الفرق في مسألة امتناع التقليد في أصول الدين، ولأن الوقائع الحادثة الفقهية أكثر بأضعاف كثيرة من المسائل الأصولية التي قيل فيها بامتناع التقليد، فكان الحرج في إيجاب الاجتهاد فيها أكثر، فبقينا فيما عدا ذلك عاملين بقضية الدليل، وهو عام في المسائل الاجتهادية وغيرها...إلخ))\"الإحكام للآمدي (306:4-308)وانظر زيادة تفصيل في الفقيه والمتفقه للبغدادي (68:2)\".\r3-المتعلم: ونريد به من كان فوق العامي ودون المجتهد، إذا حصل شيئاً من العلم والمعرفة يرفعه عن درجة العوام، ولم يبلغ به درجة الاجتهاد، كأكثر علماء الأمة المتخصصين في العلوم الشرعية، المهتمين بالعلم والتحصيل.\rولا شك أنهم على درجات كثيرة متفاوتة تتراوح بين العامية والاجتهاد...","part":1,"page":80},{"id":84,"text":"فهؤلاء تختلف عبارات العلماء في الحكم عليهم، وبيان موقفهم من المسائل الاختلافية، حتى إنه يقهم من عموم عبارات بعضهم إلحاقهم بدرجة العامة الذين يجب عليهم التزام التقليد مطلقاً، ما داموا لم يبلغوا درجة الاجتهاد.\rكما يفهم من عبارات بعضهم: التفريق بينهم وبين العامة، والسماح لهم بالنظر في الأدلة، واختيار ما يرونه راجحاً من المسائل الاختلافية.\rوالذي يجعل الحكم على هؤلاء دقيقاً، تفاوت درجاتهم، وتعدد أشكالهم، وتباين أحوالهم، مع عدم توفر الضابط الدقيق الذي يقيس علم هؤلاء وهؤلاء، فيلحقهم بهذه المرتبة أو تلك.\rولعل مما يساعدنا على تحرير موقف هذا الصنف بحثنا بشكل إجمالي لمسألة أصولية اختلفت فيها الأنظار، وتتعلق بموضوعنا بعض التعلق، وهي مسألة: ((هل يتجزأ الاجتهاد؟)).\rوصورتها: ((أن تحصل أهلية الاجتهاد لإنسان ما في مسألة من المسائل، فيؤديه اجتهاده فيها إلى ما يخالف فيه غيره من المجتهدين، فهل لمثل هذا في هذه الحالة أن يعمل باجتهاده؟ أم لا بد له من تقليد غيره؟ .)) فقال قوم : يلزمه العمل باجتهاده ما دام قد اجتهد في هذه المسألة وحصل على أهلية الاجتهاد فيها.\rوقال آخرون: يلزمه تقليد غيره، بناء على عدم جواز تجزؤ الاجتهاد عندهم. كما اختلف العلماء في ترجيح قول على قول في هذه المسألة\"الإحكام للآمدي (27:4-275) وفواتح الرحموت (364:2) والمستصفى للغزالي (384:2) وشرح الكوكب المنير ص398\".\rوالذي يبدو لي أن هذه المسألة تتعلق بالمجتهد –وهو الصنف الأول- أكثر من تعلقها بالمتعلم- الذي هو الصنف الثالث- لأننا عرفنا الصنف الثالث، بأنه الذي لم يبلغ درجة الاجتهاد، ولم يؤهله علمه للاستنباط المباشر.\rوظاهر مرادهم من هذه المسألة حالة تتعلق بالمجتهد، ولهذا اكتفيت بالإشارة إليها دون تحقيق فيها. ويعرف تفصيلها في محالها من كتب الأصول.\rإلا أنني وقفت على بعض العبارات للعلماء وهو يبحثون هذه المسألة، نحتاج إليها في بحثنا هذا.","part":1,"page":81},{"id":85,"text":"فقد قال الإمام الغزالي في المستصفى:\r((وهذا ليس مجتهداً، ولكن ربما يكون متمكناً من الاجتهاد في بعض الأمور، وعاجزاً عن البعض إلا بتحصيل علم على سبيل الابتداء، كعلم النحو مثلاً في مسألة نحوية، وعلم صفات الرجال وأحوالهم في مسألة خبرية وقع النظر فيها في صحة الإسناد.\rفهذا من حيث حصل بعض العلوم واستقل بها، ولا يشبه العامي، ومن حيث إنه لم يحصل هذا العلم فهو كالعامي، فيلحق بالعامي أو بالعالم فيه نظر.\rوالأشهر والأشبه: أنه كالعامي، وإنما المجتهد الذي صارت العلوم عنده بالقوة القريبة، أما إذا احتاج إلى تعب كثير في التعلم بعد، فهو في ذلك الفن عاجز، وكما يمكنه تحصيله، فالعامي أيضاً يمكنه التعلم، ولا يلزمه، بل يجوز له ترك الاجتهاد.\rوعلى الجملة: بين درجة المبتدئ في العلم، وبين رتبة الكمال منازل واقعة بن الطرفين، وللنظر فيها مجال))\"المستصفى (384:2)\".\rوقال صاحب فواتح الرحموت في شرحه لمسلم الثبوت:\r((مسألة: غير المجتهد المطلق –ولو كان عالماً- يلزمه التقليد لمجتهد ما فيما لا يقدر عليه من الاجتهادات، أي على تحصيله ومعرفته فقط، لا فيما يقدر على تحصيله باجتهاده، بناء على التجزؤ في الاجتهاد، ويلزمه التقليد مطلقاً، فيما يقدر عليه، وفيما لا يقدر عليه، بناءً على نفيه. أي على نفي القول بالتجزؤ، وقد عرفت أن الحق هو الأول...))\"فواتح الرحموت (402:2 وما بعدها)\".\rوذكر العلامة ابن عابدين نقلاً عن العلامة بيري في أول شرحه على الأشباه عن شرح الهداية لابن الشحنة ما نصه:\r((إذا صح الحديث، وكان على خلاف المذهب، عمل بالحديث، ويكون ذلك مذهبه، ولا يخرج مقلده عن كونه حنفياً بالعمل به، فقد صح عنه أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وقد حكى ذلك ابن عبد البر عن أبي حنيفة وغيره من الأئمة.","part":1,"page":82},{"id":86,"text":"ثم قال: ونقله أيضاً الإمام الشعراني عن الأئمة الأربعة. ولا يخفى أن ذلك ممن كان أهلاً للنظر في النصوص، ومعرفة محكمها من منسوخها، فإن نظر أهل المذهب في الدليل وعملوا به، صح نسبته إلى المذهب، لكونه صادراً بإذن صاحب المذهب، إذ لا شك أنه لو علم ضعف دليله رجع عنه واتبع الدليل الأقوى))\"حاشية ابن عابدين (63:1) وانظر(69:1) أيضاً\".\rوقال ابن الصلاح رحمه الله:\r((من وجد من الشافعية حديثاً يخالف مذهبه نظر، إن كملت له آلة الاجتهاد مطلقاً، أو في ذلك الباب أو المسألة، كان له الاستقلال بالعمل وإن لم يكمل، وشق مخالفة الحديث بعد أن يبحث، فلم يجد للمخالفة جواباً شافياً عنه، فله العمل به إمام مستقل غير الشافعي، ويكون هذا عذراً له في ترك مذهب إمامه ههنا)).\rقال الدهلوي بعد نقله لكلام ابن الصلاح هذا: ((وحسنه النووي وقرره...))\"الإنصاف للدهلوي ص66\".\rنظراً لاختلاف العلماء في تجزؤ الاجتهاد من جهة، ولضرورة التفريق بين العامي والمتعلم من جهة أخرى، أرى أنه لابد من التفصيل في الكلام على موقف الصنف الثالث كما يلي:\rإن المتعلم –على اختلاف درجاته وأحواله- لا يخلو من إحدى حالتين:\r(أ)حالة يرى في نفسه إمكان البحث والنظر في الأدلة، بما أوتيه من علم، وبما يملكه من همة في البحث والتحصيل، وبما توفرت لديه مراجع بحثه...\r(ب)وحالة لا يرى في نفسه إمكان ذلك، لقصور علمه، أو لضعف همته، أو لعدم توفر المراجع لديه.\r-ففي الحالة الأولى: نرى أن مثل هذا المتعلم إذا بذل من الاجتهاد والنظر قدراً كافياً، واستفرغ وسعه في البحث والتحصيل، حتى وصل إلى حد الاطمئنان القلبي إلى ما وصل إليه، فله في هذا الحال أن يعمل بما ترجح لديه، ويبين ما توصل إليه، مع احترامه للآراء الأخرى، وتقديره للعلماء المخالفين له في ذلك. وهذا على سبيل الجواز لا الوجوب، لأن هذه الشروط الثلاثة السابقة أمر يخفى على غيره، فيترك الأمر بينه وبين ربه...","part":1,"page":83},{"id":87,"text":"-وفي الحالة الثانية: نرى أن مثل هذا المتعلم- إذا لم تتوفر فيه هذه الشروط، أو اختل فيه أحدهما- فلا يجوز له- ما دام على هذه الحال- أن يعمل بما ترجح لديه بمجرد نظره وتفكيره، لأنه ترجيح بلا مرجح، ونظر ليس من أهله.\rويكون حكمه عندئذ حكم العامي تماماً، وإن خالفه في بعض الأوصاف... وإلا كان عاملاً بما لم يعلم، ويشمله قول الله عز وجل: ((فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)).\rولا يهمنا بعدئذ أن نحكم بوجود هؤلاء أو عدمهم، ولكن الذي نطمئن إليه أنه لا تخلو بلاد المسلمين في كل عصر غالباً من العلماء الحريصين على العلم، المتابعين للبحث والنظر، الباذلين وسعهم وجهدهم في سبيل العلم على اختلاف درجاتهم...\rونكون بهذا قد حصلنا على فائدتين. وحققنا غرضين:\r-الأولى: أننا أثبتنا لأمثال هؤلاء أن ينظروا في الأدلة، ويعمدوا إلى الترجيح والاختيار حسب ما يؤديهم إليه علمهم، ورفعنا عنهم ذلك الحصار الذي ازداد قوة وشدة يوماً بعد يوم، منذ أن رأى العلماء على رأس القرن الرابع الهجري عدم توفر أولئك المجتهدين المطلقين، فأفتى كثير منهم بإغلاق باب الاجتهاد حتى لا يلجه من ليس أهلاً له.\rثم تعمم بعد هذا عملياً، فشمل المجتهدين المقيدين، ومن دونهم من العلماء حتى أفضى عند كثير منهم إلى التقليد المحض...\r-الثانية: أننا سددنا باب التساهل في فتح باب الاجتهاد على مصراعيه –كما يريد بعضهم- فيدخل فيه من هب ودب، فيفتي كل برأيه وهواه، فيعم الفساد والإضلال...\rلا سيما وقد فقد المسلمون من زمن بعيد السلطة السياسية التي تحد من فساد هؤلاء، فلا حاكم بمنع، ولا رادع يردع...\rولعل مما يؤيد ما ذهبنا إليه الواقع العملي لبعض المحققين المتأخرين من مختلف المذاهب الفقهية، حيث سلكوا هذا المنهج، فبحثوا وناقشوا، ورجحوا واختاروا حسب علمهم وفهمهم، مقتفين في ذلك سيرة سلفهم من العلماء المحققين، فأجادوا وأفادوا...","part":1,"page":84},{"id":88,"text":"وإن كتب بعض المتأخرين في الأصول والفقه لشاهد عيان على هذا المنهج، والله ولي التوفيق والسداد...\rالفصل الخامس\rالتنبيه على مواقف شاذة\rبعد أن عرضنا موقف العلماء من المسائل الاختلافية، وبينا ما يجب على المسلم أن يتخذه تجاه تلك الاختلافات، لا بد لنا من الإشارة إلى بعض المواقف الشاذة التي وقفها بعض الناس من هذه قديماً وحديثاً، ليتنبه إليها المسلم فيتجنبها، ويحذر منها...\rوسأكتفي في عرضي لهذا ببيان الموقف ووصفه، دون التعرض للأشخاص الذين صدر عنهم، إذ في معرفة الشيء غنى عن معرفة صاحبه...\rكما سأقسم هذه المواقف إلى قسمين حسب الإفراط والتفريط الذي يقع أحياناً في مثل هذه الأمور...\r(أ)فمن مواقف الإفراط:\r1-ما يقفه بعض العامة والمنتسبين إلى المذاهب الفقهية من مواقف التعصب لمذاهبهم، وكأنها هي الحق وغيرها الباطل, أو هي الصواب وغيرها الخطأ الصريح, مما يثير النزاع والشقاق, ويولد الأحقاد...\rومن العجيب أن ينساق بعض أهل العلم وراء هذا التعصب، فيكرر مقالة الأئمة أنفسهم:[مذهبي صواب ويحتمل الخطأ، ومذهب غيري خطأ ويحتمل الصواب)، ويرى بعضهم : أن الواجب على المقلد أن يعتقد هذا الاعتقاد، وإلا لم يجز تقليده لمذهبه...\rولو أنصفوا لقالوا: المذاهب كلها صواب تحتمل الخطأ، بالنسبة للمقلد وللعامي، أما بالنسبة للعالم المجتهد فهي صواب من حيث نظر صاحبها إليها، وتحتمل الخطأ من حيث إنها اجتهادات بشرية في فهم النصوص الشرعية وتطبيقها، ولا عصمة لأصحابها عن الخطأ...\rأما من حيث حقيقة أمرها، فلا يستطيع أحد أن يحكم بصواب هذا جملة، أو خطأ هذا جملةً، فأمرها إلى الله...\r2-ومن هذه المواقف ما سلكه بعضهم في تفضيل مذهب على مذهب، حتى جر بعض الناس إلى وضع أحاديث ترفع من شأن إمامه!! أو وضع طعون تنتقص مذهباً غير مذهبه!!.. أو إماماً غير إمامه!!..","part":1,"page":85},{"id":89,"text":"وهذا كله يعود إلى جهل عميق، وتعصب ذميم لا يرضى عنه الله تعالى، ولا يرتضيه الأئمة أنفسهم، إذ كانوا آية في الإخلاص والتواضع وحسن الخلق... إضافة إلى ما تتركه هذه المواقف من بغضاء وشحناء، وجدل ومراء بين أتباع المذاهب المختلفة...\r(ب)ومن مواقف التفريط:\r1-ما يفعله بعض الجهلة من اعتبار الخلاف العلمي من الخلاف في الدين، والتفرق إلى شيع ومذاهب، الذي ذمه الله ورسوله، وتوعد عليه بالعقاب.\rويستشهدون على ذلك بالآيات الذامة للخلاف، والمتوعدة على ذلك بالعقاب...\rوقد جهلوا أن هذا من تحريف الكلم عن مواضعه، وفيه طعن لسلف الأمة وخلفها من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، إذ اختلفوا جميعاً في كثير من الأحكام كما مر معنا سابقاً.\r2-وما يفعله بعضهم من تصوير العامي المقلد لإمام من الأئمة المعتبرين، تاركاً الكتاب والسنة وآخذاً بأقوال الرجال، فيوردون عليه نصاً ظني الدلالة مثلاً يخالف ظاهره مذهب هذا العامي، فيتمسك العامي بمذهب إمامه لأنه ليس أهلاً لفهم النص.\rفيجعلونه بذلك معرضاً عن النصوص الشرعية، ومتعبداً بأقوال الرجال، ولو أنصفوا لجعلوه معرضاً عن فهمهم للنص الشرعي إلى فهم إمامه لهذا النص، فتكون المقابلة بين فهمين لا بين نص وقول رجل كما يصورون، فيهون الأمر عليهم، وتظهر الحقيقة لهم...\r3-وما يفعله بعضهم من الطعن في المذاهب الفقهية وتوهيناً في نفوس الناس وذلك بأساليب مختلفة:\rمنها: الطعن في بعض الأئمة المعتبرين بوجه من أوجه الطعن، وذلك بإحياء عبارات قادحة في بعضهم أطلقها بعض العلماء في الماضي لأسباب الله أعلم بها، ولكن العلماء المحققين هجروها وأماتوها..لأنه من المتفق عليه أن الطعن لا يقبل فيمن اشتهرت عدالته كالأئمة الأربعة وغيرهم...\rومنها: تجميع الزلات العلمية، والأقوال الضعيفة الواردة في المذاهب المختلفة...","part":1,"page":86},{"id":90,"text":"فيذهب بعضهم إلى الكتب الفقهية المتأخرة ويستخرج منها ما يراه لامزاً في هذا الإمام، أو مضعفاً من علمه وفهمه، فيعرضه في المجالس، ويسلط عليه الأضواء في تآليفه، عسى أن يزعزع بذلك ثقة الناس بمذاهبهم، أو يصرفهم عنها إلى رأيه وقوله...\rولا شك أن هذه الأعمال بغيضة مذمومة لا يقرها شرع ولا عقل، فالأئمة العلماء بشر يخطئون ويصيبون، وقد يضعف استدلالهم في بعض المواطن، ولم يدع أحد منهم العصمة لنفسه، وحسبهم أنهم مأجورون على اجتهاداتهم كيف كانت...\rفلا يبحث عن زلاتهم إلا حاقد حسود، أو عدو لدود، يهدف إلى هدم هذا الكيان العظيم في النفوس، وزعزعة الثقة في الفقه والفقهاء...\rولقد مر معنا سابقاً –في مقدمة هذا الكتاب- تنبه العلماء المحققين لمثل هذه المواقف والغايات، مما دفعهم إلى التنبيه عليها، والتحذير منها...\r4-وما يفعله بعضهم بدافع حب الظهور، فيسيء تصوير آراء الآخرين، ويعرضها عرضاً شائناً، أو يختزل أدلتها ويشوهها، ليبرز على أنقاضها رأيه ومذهبه على أنه الحق المبين، والصواب الذي لا يحتمل الخطأ.\rوهذا الذي لا يستطيع أن يقوم إلا على أنقاض غيره، يكشف بعمله هذا عن جهله وضعفه، وإلا لما احتاج لمثل هذا الموقف، واكتفى بعرض رأيه وفهمه مع احترام آراء الآخرين، وترك الفرصة أمام الناس ليناقشوا قوله، ويوازنوا بينه وبين غيره...\rفكم من أقوالٍ لعلماء شقت طريقها إلى الناس، واستحسنها العلماء المحققون فيما بعدهم على الرغم من وجود المذاهب المعتمدة، والآراء المتعددة!!\r-تنبيه: قد يتعلل بعض أصحاب هذه المواقف الشاذة بأنهم يقفون هذه المواقف ليعالجوا ما يرون من إفراط أو تفريط في بعض الناس، وكأن الإفراط إنما يعالج بالتفريط، والتعصب إنما يعالج بالجهل!!","part":1,"page":87},{"id":91,"text":"فليعلم هؤلاء أن المعالجة الوحيدة، لهذه المواقف إفراطاً أو تفريطاً، إنما هي عن طريق التوعية الصحيحة لأمثال هؤلاء، وذلك بتوضيح الأمور لهم، وبيان حقيقة هذه الاختلافات ونشأتها، وأسبابها، وعرض مواقف السلف منها...\rمع التنبيه إلى مداخل الأعداء من مواقفهم، ووصولهم بها إلى كثير من أهدافهم.\rوأي هدف للأعداء أكبر من إثارة الاختلافات؟! وتمزيق الصفوف؟ فلينتبه المخلصون إلى هذه الأهداف، وليكونوا حكماء في معالجاتهم، وإلا فقد قيل قديماً: عدو عاقل خير من صديق جاهل.\rالملحق الأول\rمن ضوابط الاختلاف في الرأي\rمن المسلم به أن الخلاف إذا لم يحط بالآداب الإسلامية، وينضبط بالضوابط الشرعية، أدى إلى تنافر القلوب، وتفريق الصفوف، وحول النعمة إلى نقمة، والرحمة إلى عذاب...\rونظراً لتعدد الكتابات العلمية في أدب الخلاف العلمي من جهة، وتنوع جوانبه من جهة أخرى، سأتناوله في هذا الملحق من أربعة جوانب، هي:\r1-من ضوابط الاختلاف العلمي، وبيان ما يجوز منه وما لا يجوز.\r2-الإعذار للمخالف، وحسن الظن به، والعلاقة بين الإعذار في الخلاف، والتخطئة في الرأي.\r3-عدم الإنكار في المسائل الاجتهادية.\r4-التنازل عن الرأي في بعض المواطن، وعلاقته بمعالجة داء الإعجاب بالرأي.\rأما الجانب الأول: (من ضوابط الاختلاف العلمي، وبيان ما يجوز منه وما لا يجوز):\rنستطيع من خلال ما سبق في فصول الكتاب وأبوابه، الوقوف على بعض الضوابط الشرعية للاختلافات العلمية، والتعرف على ما يجوز منها وما لا يجوز، ومتى يأثم المخالف في الرأي في نظر مخالفه، ومتى لا يأثم؟\rعلماً بأن كثيراً من المواقف الخاطئة تجاه الاختلافات العلمية، يعود سببها إلى غموض هذه الضوابط عند المختلفين، والضبابية القائمة في فهمها وحدودها...\rويمكننا إجمال هذه الضوابط فيما يلي:\rيجوز الاختلاف في الرأي في المسألة العلمية، ويكون الاختلاف فيها محموداً مقبولاً إذا توفر فيه شرطان أساسيان، هما:","part":1,"page":88},{"id":92,"text":"أ-أن يكون الخلاف في فهم دليل ظني يحتمل الاختلاف.\rب-أن يكون الخلاف صادراً عن أهل العلم والاجتهاد وفي المسألة المختلف فيها.\rفإذا اختل هذان الشرطان, أو أحدهما, كان الاختلاف محرماً مذموماً؛ ذلك لأنه لا يجوز الاجتهاد في مورد النص الصحيح الصريح, أي ( القطعي الثبوت والدلالة ).\rوهذا معنى قول العلماء: (( لا اجتهاد في مورد النص )), فإذا أطلق لفظ (( النص )) في هذا المقام, انصرف لزاماً إلى هذا النوع من النصوص التي لا يقبل الاجتهاد فيها, وكان إقحام الاجتهاد فيها نوعاً من التقدم بين يدي الله ورسوله, الذي جاء النهي عنه, والتحذير منه, قال تعالى:\r((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))\" الآية:1من سورة الحجرات\" وإن تعجب, فعجب موقف بعض طلبة العلم الذين يفهمون هذا الكلام على إطلاقه, فيواجهون المختلفين في مسألة علمية بقول العلماء: (( لا اجتهاد في مورد النص )) ويحاجونهم فيها ببعض النصوص الشرعية الظنية الدلالة, أو ظنية الثبوت!! وكأن الحكم في قطعية النص وظنيته, فهمهم له, أو قبولهم لسنده!!!\rولو راجع هؤلاء أنفسهم, ودققوا قليلاً فيما روي من خلاف علمي, لرأوا أن جل الاختلافات العلمية من زمن الصحابة رضوان الله عليهم, إلى يومنا هذا, إنما كانت في فهم النصوص الشرعية الثابتة في القرآن أو السنة, أو فيهما معاً, ولعرفوا أن استخدامهم لمقولة العلماء هذه, إنما هو استخدام خاطئ, ووضع للشيء في غير محله!!","part":1,"page":89},{"id":93,"text":"هذا عن تعليل الشرط الأول الذي يجعل الخلاف جائزاً مقبولاً...أما عن تعليل الشرط الثاني؛ فإنه لا يجوز لغير العالم والمجتهد, الاجتهاد في النصوص الشرعية, واستنباط الأحكام الفقهية منها, عملاً بقوله تعالى: ((فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ))\"الآية:43من سورة النحل\". وقوله أيضاً: ((وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)) (الاسراء:36) .\rفإذا فعل ذلك متعدياً متجاوزاً حده، معرضاً نفسه للسؤال والحساب...\rولكم أخطأ في هذا أناس غفلوا عن هذا الشرط، فقالوا في دين الله برأيهم، وخاضوا في هذا الميدان بجهلهم فضلوا وأضلوا!! وإذا ذكروا به، أخذتهم العزة بالإثم، واحتجوا على من عارضهم بالمقولة الشائعة التي فهمت خطأ، وهي: ((أن لا كهنوتية في الإسلام))! وكأنهم فهموها أن لا علماء وغير علماء في الإسلام، وأن الإسلام يرفض التخصص العلمي، ويأبى أن تكون فيه طبقة المجتهدين والمستنبطين للأحكام!!\rومن فهمنا لهذا الضابط من ضوابط الاختلاف العلمي، يتضح لنا الضابط الثاني فيه، وهو: متى يأثم المخالف في الرأي في نظر مخالفه، ومتى لا يأثم؟ فإنه يأثم المخالف في الاجتهاد في نظر المجتهد في الحالات التالية:\rأ-إذا لم يكن المخالف في المسألة من أهل الاجتهاد فيها، وذلك لتعديه وتجاوزه حده، وقوله في دين الله عز وجل بدون علم، كما سبق بيانه.\rب-أن يكون المخالف في نظر المجتهد، مرتكباً حراماً، أو تاركاً واجباً.\rفإذا كان المخالف من أهل الاجتهاد، أو كان مرتكباً مكروهاً، أو تاركاً مندوباً، فلا يأثم بمخالفته في ذلك.\rلأن الواجب على المجتهد الاجتهاد، ولا يجب على مجتهد ما، تقليد غيره في اجتهاده، وكل مجتهد يرى أن قوله صواب ويحتمل الخطأ، وقول غيره خطأ يحتمل الصواب، فكيف يأثم من ذهب إلى صواب في اجتهاده، وتمسك بحقٍ عنده!!","part":1,"page":90},{"id":94,"text":"كما أن الآثم في مخالفة الأحكام الشرعية، هو: من ترك واجباً، أو فعل محرماً، لا من ترك مندوباً، أو فعل مكروهاً!!ومن هنا عرف الأصوليون الواجب بأنه: ((ما يستحق فاعله الثواب، وتاركه العقاب))، كما عرفوا الحرام بأنه: ((ما يستحق تاركه الثواب، وفاعله العقاب)).\rفإنه بقدر وضوح مثل هذه الضوابط، تتبين حدود الخلاف الجائز المحمود، والخلاف المذموم المردود، وتتسع الصدور للاختلافات العلمية القديمة والحديثة في حياة الناس، وبقدر الغموض فيها، أو الغفلة عنها، تختلط الأمور، وتتداخل الدوائر، وتتنافر القلوب، وتفترق الصفوف...\rأما الجانب الثاني من جوانب أدب الخلاف العلمي، وهو: الإعذار للمخالف، وحسن الظن به، والعلاقة بين الإعذار في الخلاف، والتخطئة في الرأي:\rفإنه إذا صدر خلاف علمي من أهله، وبالضابط السابق، وجب على المخالفين في المسألة من العلماء الآخرين إعذار ذلك المخالف، وإحسان الظن به، وعدم الحكم عليه بالخروج أو الفسق، وما إلى ذلك مما اعتاد بعض المخالفين إصداره من أحكام جائرة على مخالفيهم...\rوحسب المخالفين له في المسألة، وبيان رأيهم له، والاستدلال بالأدلة الصحيحة على رأيهم، ومناقشة أدلته، وتخطئة رأيه بأسلوب علمي، وأدب إسلامي، وذلك نصيحةً له وتوضيحاً، عسى أن ينظر في آرائهم وأدلتهم فيراجع رأيه، ويتغير اجتهاده، وإعذاراً إلى الله عز وجل في بيان الخطأ من الصواب، وقياماً بالأمانة العلمية الملقاة على عاتق العلماء...\rوليحذر المخالفون في هذا المقام كل الحذر، من أن يلبس عليهم الشيطان الأمر، فتتداخل الأمور الشخصية، والحظوظ النفسية، بالواجبات الشرعية، والأمانات العلمية، فتتحول النصيحة إلى فضيحة، وينقلب النقاش العلمي إلى جدل ومراء...ويجرهم ذلك إلى الوقوع في الشر والسوء، من حيث يظنون أنهم يحسنون صنعاً!","part":1,"page":91},{"id":95,"text":"وما أسرع ما يستغل هذه المواطن شياطين الإنس والجن، فيزينون الباطل، ويشجعون عليه، رافعين لذلك راية الانتصار للحق وأهله، فيوسعون الخرق ويشوشون الخلق!!\rوكثيراً ما يفهم بعض طلبة العلم ((الإعذار للمخالف)) خطأً، فيتصورونه القبول بالخطأ، أو السكوت عنه، وما هو بذلك!!\rفإنه لا تلازم بين الإعذار، والسكوت عن خطأ المخالف، وقبول رأيه، وإنما التلازم بين الإعذار، وعدم الإنكار حصراً، كما سيأتي في الجانب الثالث.\rفلكم تحاور علماء الأمة قديماً وحديثاً في المسائل العلمية، وتناظروا وتناقشوا في كثير منه!! ومنهم من رجع عن رأيه إلى رأي غيره، ومنهم من بقي مقتنعاً بقوله، على الرغم من محاجة الآخرين له، ولم يعكر ذلك من قلوب بعضهم على بعض، ولم يفسد للود قضية، حيث قاموا جميعاً بما يجب عليهم، وتعاونوا على توضيح الحق والصواب متحابين متعاونين، يعذر بعضهم بعضاً، ويحترم بعضهم رأي بعض –إلا من شذ منهم- كما تنطق بذلك سيرتهم، ومصنفات العلماء من بعدهم.\rأما الجانب الثالث من جوانب أدب الخلاف العلمي، وهو: ((عدم الإنكار في المسائل الاجتهادية)):\rفقد سبق الحديث عنه في الفصل الثاني من الباب الثاني، على وجهٍ لا يحسن معه التكرار، وأكتفي هنا برد شبهة ترد على أذهان بعض طلبة العلم كثيراً، فيقولون: كيف نوفق بين هذا الأصل في عدم الإنكار على المخالف، وبين أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، علماً بأن المسائل الاجتهادية المختلف فيها كثيرة لا حصر لها، فهل يجوز سكوت المسلم عن أمرٍ يراه في اجتهاده منكراً بحجة أنه اختلف فيه!؟","part":1,"page":92},{"id":96,"text":"فقد ظن أمثال هؤلاء: أن من لوازم عدم الإنكار، السكوت وعدم دعوة المخالف في الاجتهاد إلى ما يراه الطرف الآخر صواباً! مع وضوح الفرق الكبير بين الإنكار على المخالف، وبين دعوته إلى القول الآخر، أو إلى الخروج عن الخلاف! إذ يختلف أسلوب الدعوة عن أسلوب الإنكار اختلافاً كبيراً، ولهذا صرح الإمام النووي فيما نقلناه عنه في الفصل الثاني من الباب: بأنه إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف، فهو حسن محبوب مندوب إليه برفق...\rوقد حدث معي في عدة مواقف كنت أدعو فيها الأخ المخالف في مسألة من المسائل، إلى ترك هذا القول أو ذاك، نظراً لضعف دليله من جهة، أو للاحتياط في الدين من جهة أخرى، حيث يكون الخلاف بين محرم وجائز على أقوال بعض العلماء، فإذا بالأخ المخالف يقول لي: أليست هذه المسألة خلافية لا يصح فيها الإنكار –كما أوضحته في كتابك؟! –فكنت أقول في الإجابة عليه: لقد ورد في مثل هذه المسائل المختلف فيها قاعدتان، ليست إحداهما بأحق من الأخرى، وعلى المسلم أن يعمل بهما معاً، وهما:\r1-لا إنكار في المسائل الاجتهادية.\r2-الخروج من الخلاف مطلوب.\rفلم نحفظ واحدة، وننسى الأخرى!؟ فيسلم المعترض، وكثيراً ما تبدوا استجابته لما طلب منه...\rفإذا تنبه طالب العلم إلى ضرورة الموازنة بين هذين الأصلين، واختار الأسلوب الحكيم لكل من الإنكار في المتفق عليه، والدعوة إلى الخروج من الخلاف في المختلف فيه، قل أن يجد اعتراضاً أو إعراضاً.\rأما الجانب الرابع: وهو التنازل عن الرأي في بعض المواطن، وعلاقته بمعالجة داء الإعجاب بالرأي.\rفإن من آداب الخلاف العلمي في بعض المواطن المختلف فيها، أن يتنازل صاحب الرأي في مسألة من المسائل عن رأيه، ويأخذ برأي غيره، ما دامت المسألة رأي واجتهاد، وليست مسألة نص واتباع...","part":1,"page":93},{"id":97,"text":"فكثيراً ما يدعونا الإعجاب بالرأي إلى التمسك بآرائنا من حيث نشعر أو لا نشعر، فلا نتمكن عندئذ من فهم الرأي الآخر ودليله، وإنما يكون همنا إذا سمعنا رأياً مخالفاً لرأينا، كيف نرد عليه، ونجادل صاحبه...\rوإذا عوتب أحدنا في ذلك، برر تصرفه باسم الحرية الفكرية، وحق الاجتهاد خالطاً بين (القناعة الفكرية) في المسألة، وبين (الإعجاب بالرأي)، نظراً للدقة الفاصلة بين الأمرين.\rلذا أحببت أن أفصل القول في هذا الأدب، نظراً لدقته وجدة الحديث عنه من جهة، ومساهمة في معالجة داء الإعجاب بالرأي، الذي ذمه الشارع، واعتبره إحدى المهلكات الثلاث من جهة أخرى.\rفإنه يحسن التفريق في هذا المقام أولاً: بين الاختلاف في مسألة علمية نظرية، كالحكم على شيء مجرد بأحد الأحكام التكليفية من إباحةٍ، أو تحريم أو كراهة، أو وجوب أو ندب... وبين الاختلاف في مسألة علمية، كإسقاط الحكم الشرعي على موقفٍ معين أو شخص معين، وما إلى ذلك...\rكما يحسن التفريق ثانياً: بين الاختلاف في أمر عام، أو قضية كبرى، وبين الاختلاف في أمر خاص، أو مسألة فرعية، تخص صاحب الرأي، ولا يتعدى أثر المخالفة فيها إلى غيره.\rكما يحسن التفريق ثالثاً: بين الاقتناع برأي ما، وبين الإعجاب بالرأي، حيث تتقارب مظاهرهما، وتداخل دوائرهما عند كثير من الناس.\rفإن من مظاهر الاقتناع بالرأي:\rأ-المناقشة فيه مع الآخرين.\rب-وترجيحه على غيره من الآراء بالدليل.\rج-وتفنيد أدلة المخالفين له.\rد-وإمكان التنازل عنه لرأي الأكبر علماً أو سناً، أو لرأي الأكثر عند الحاجة.\rهـ-وقبول التحكيم فيه لأهل الاختصاص، والنزول فيه على رأيهم.\rو-وعدم الإنكار فيه على المخالف.\rوإن من مظاهر الإعجاب بالرأي:\rأ،ب،ج-اشتراكه في النقاط الثلاث الأولى في مظاهر الاقتناع بالرأي، واختلافه عنه في النقاط الباقية، وذلك:\rد-بالتمسك بالرأي، والتعصب له، ولو خالف رأي الأكبر أو الأكثر.","part":1,"page":94},{"id":98,"text":"هـ-ورفض التحكيم فيه لأهل الاختصاص، أو عدم قبول نتيجة التحكيم.\rو-والإنكار فيه على المخالف.\rفإنه لكل مخالف في رأي من الآراء، في القضايا النظرية، أو الفرعية، أو الخاصة، أن يذكر رأيه، ويحاور فيه ويناقش، ويدلل عليه، ويفند الشبه حوله، ويخطئ قول مخالفه دون إنكار عليه.\rويحسن به: أن يتنازل عن رأيه لرأي الأكثرية، إذا لم يستطع إقناعهم برأيه، فيتهم رأيه لرأيهم.\rكما يجب عليه أن يقبل تحكيم أهل الاختصاص –إن لم يكن منهم- إذا دعي لذلك، وينزل في النتيجة على حكمهم.\rفإذا تحقق في المخالف هذه الصفات، لا يعد معجباً برأيه، ولا يدخل في عداد المذمومين، ويكون لسان حاله يقول: رأيي صواب ، ويحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ، ويحتمل الصواب.\rأما إذا لم يستطع التنازل فيه عن رأيه لرأي الأكثرية عند الحاجة، أو صدر عنه إنكار على مخالفه بوجهٍ من أوجه الإنكار، أو رفض الرجوع في خلافه إلى تحكيم أهل الاختصاص، أو رفض نتيجة التحكيم...فيعد من المعجبين برأيهم، ويدخل في عداد المذمومين، ويكون لسان حاله يقول: رأي صواب ولا يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ ولا يحتمل الصواب...\rهذا في المسائل النظرية، أو الفرعية، أو الخاصة، أما في المسائل العلمية، والقضايا الكبرى، والأمور العامة:\rفلا بد أن يتنازل فيها المخالف بعد الحوار والمناقشة، عن رأيه لرأي المخالفين له، إذا كانوا أكثرية من أهل الاختصاص، ولا يصح له أن يتمسك بقناعة كحاله في المسائل السابقة، ولا ضير أن تبقى قناعته الشخصية بينه وبين نفسه نظرياً. وإن لم يفعل ذلك، يكون قد بلغ الإعجاب منه مبلغه، وأصاب منه مقتلاً.\rويمكننا تلخيص مواطن وجوب التنازل عن الرأي لرأي الآخرين في المواطن التالية:\r1-عند ظهور بطلان رأيه له، أو ضعف دليله عليه.\r2-عندما يترتب على خلافه في قضية عامة أثر سلبي عام.","part":1,"page":95},{"id":99,"text":"وذلك لعدم جواز التمسك بالباطل، ووجوب الرجوع إلى الحق والأخذ به من جهة، ودفعاً للمفسدة العامة الراجحة، المترتبة على مخالفته في قضية عامة، وتقديم هذه المفسدة، على تحقيق مصلحة العمل باجتهاده الخاص فيها من جهة أخرى.\rومعلوم أنه لا يرفع الخلاف بين الأمة، ولا يدفع سلبيته إلا أحد أمور ثلاثة:\rأ-نص شرعي صريح صحيح، أي (قطعي الثبوت والدلالة).\rب-اختيار إمام مسلم لأحد الأقوال المختلف فيها، يلزم به الأمة.\rج-تنازل صاحب الرأي المخالف عن رأيه، إذا ظهر ضعفه أو بطلانه، أو إذا ترتب عليه ضرر عام في قضية عامة، عملاً بقاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.\rوقد أكدت التجارب العملية قديماً وحديثاً ضرورة هذا التنازل عن الرأي مثل هذه المواطن، ولا يزال المسلمون يعيشون سلبيات التمسك بالرأي والإعجاب به من قبل بعض السابقين، وكثير من اللاحقين والمعاصرين.\rأسأل الله عز وجل أن يعيذنا من شر نفوسنا، وأن يقينا شر المهلكات جميعها، وأن يعيننا على مجاهدة أنفسنا، ويهدينا سبل الرشاد، فهو القائل:\r((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)) (العنكبوت:69) .\rالملحق الثاني\rأهم المصنفات في اختلاف العلماء\rنظراً لأهمية الآراء العلمية المختلفة من جهة، ولقدمها –كما ظهر لنا من بحث نشأتها- من جهة أخرى، فقد زخرت كتب العلم بها، وتعددت مناهج العلماء في تدوينها والتصنيف فيها، واتفقت الأمة على أنه لابد للناظر في الأدلة والمستنبط للأحكام، والمتصدر للفتوى من معرفتها والاطلاع عليها....\rوقد مر معنا سابقاً قول الإمام أحمد رحمه الله:\r((لا ينبغي لأحد أن يفتي إلا أن يعرف أقاويل العلماء في الفتوى الشرعية، ويعرف مذاهبهم...إلخ))\"ومثل هذا ما رواه ابن القيم عن رواية الإمام أحمد بن حنبل: ((ينبغي لمن أفتى أن يكون عالماً بقول من تقدم، وإلا فلا يفتي)) إعلام الموقعين (45:1).","part":1,"page":96},{"id":100,"text":"ولهذا ملئت بها المصنفات العلمية الكبرى كمصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق، وموطأ مالك وغيرها...\rوذكرها شراح الحديث في شروح السنة، كفتح الباري، وشرح مسلم للنووي، وشروح السنن الأربعة والمسانيد...\rوتجدها في كتب الفقه العام قديمها وحديثها، كالمحلى لابن حزم، والمغني لابن قدامة، والفقه على المذاهب الأربعة للجزيري...\rكما تجدها في كتب التفسير عامة، ولا سيما كتب التفسير المهتمة بالأحكام، كتفسير القرطبي، وكتب أحكام القرآن.\rومع شيوعها وانتشارها في الكتب المتعددة، والفنون المختلفة، فقد أفردها العلماء بتصانيف خاصة بها...\rويمكننا تصنيف هذه الكتب الخاصة بها إلى صنفين:\r-صنف يجمع الأقوال المتعددة في المسألة الواحدة، فيعرضها معززة بأدلتها تارة، ومن غير أدلتها تارة أخرى.\r-وصنف يعرض لها من حيث نشأتها وأسبابها... وهو الجانب الذي اعتنينا به في هذه الرسالة...\rوسنذكر على سبيل المثال أهم الكتب المؤلفة في هذين الصنفين:\r1-الصنف الأول: وهو الذي يعرض الآراء المختلفة في المسائل المتعددة. يرجع التصنيف في هذا الصنف إلى عصور الاجتهاد الأولى، ويرى بعضهم أن من أوائل من صنف فيها الإمام مالكاً رحمه الله، حيث وضع كتابه الموطأ وضمنه خلاف العلماء من قبله\"انظر مقدمة كتاب اختلاف الفقهاء للطحاوي للدكتور محمد صغير حسن المعصومي، مدير معهد الأبحاث الإسلامية في إسلام آباد –باكستان ص12 ولقد اعتمدت في بحثي عن المصنفات على هذه المقدمة في الدرجة الأولى، مع مقدمة للدكتور: فريدريك كرن الألماني البرليني لكتاب اختلاف الفقهاء للطبري، فليرجع إليهما ففيهما ذكر لأماكن وجود بعض هذه الكتب في المكتبات العالمية العامة...\".\rولقد ألف الإمام الأوزاعي رحمه الله كتاباً رد فيه على سير الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وألف في الرد عليه الإمام أبو يوسف رحمه الله كتابه المعروف باسم ((الرد على سير الأوزاعي)).","part":1,"page":97},{"id":101,"text":"كما صنف الإمام محمد بن الحسن رحمه الله كتابه ((السير الكبير)) و((الحجج المبينة)) الذي بين فيه خلاف فقهاء العراق مع فقهاء المدينة.\rوتضمن كتاب الأم للإمام الشافعي رحمه الله فصولاً عديدة من اختلاف الفقهاء، مطبوعة معه.\rوألف أحمد بن نصير المروزي كتاب ((اختلاف الفقهاء الكبير والصغير)) كما ذكره ابن النديم في فهرسته\"نقل عدداً من هذه الكتب عن فهرست ابن النديم الدكتور محمد صغير في مقدمته لاختلاف الفقهاء للطحاوي ص12\".\rوألف أبو يحيى زكريا الساجي كتاب ((الاختلاف في الفقه)).\rولابن جابر من ولد الداوديين أبو إسحاق ابراهيم كتاب ((الاختلاف)) ولم يعمل أكبر منه.\rومن الكتب المشهورة في اختلاف الفقهاء كتاب: ((اختلاف الفقهاء)) للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى (310هـ) الذي نشر بعض أجزائه الدكتور: فريدريك كرن الألماني.\rكما نشر بعض أجزائه الكتور: جوزيف شاخت عام 1933م وكتاب ((اختلاف الفقهاء)) للإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي المتوفى (321هـ).\rوكتاب: ((الإشراف على مذاهب أهل العلم)) لأبي بكر بن محمد بن إبراهيم بن المنذر الشافعي المتوفى أوائل المئة الرابعة.\rوكتاب: ((التجريد))للقدوري الحنفي.\rوكتاب: ((الخلافيات)) للبيهقي الشافعي.\rوكتاب: ((الوسائل في فروق المسائل)) لابن جماعة الشافعي.\rوكتاب: ((مختصر الكفاية)) للعبدري الشافعي.\rوكتاب: ((حلية العلماء في اختلاف الفقهاء)) لأبي بكر محمد بن أحمد الشاشي الشافعي.\rوكتاب: ((الطريقة الرضوية)) لرضي الدين السرخسي الحنفي.\rوكتاب : ((مختلف الرواية)) لعلاء الدين السمرقندي الحنفي .\rوكتاب: ((الإشراف على مذاهب الأشراف)) لابن هبيرة الحنبلي.\rوكتاب: ((تقويم النظر)) للدهان الشافعي.\rوكتاب: ((اختلاف الفقهاء)) لأبي حنيفة نعمان بن محمد المغربي الشيعي \"ذكره في ذيل كشف الظنون ص48\".","part":1,"page":98},{"id":102,"text":"وكتاب: ((الاستذكار لمذاهب أئمة الأمصار، وفيما تضمنه الموطأ من المعاني والآثار)) لابن عبد البر القرطبي\"كشف الظنون (78:1)\".\rوكتاب: ((الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف)) لابن عبد البر أيضاً\"كشف الظنون (182:1)\".\rومن كتب المتأخرين في هذا الباب:\rكتاب: ((الميزان)) للشعراني.\rوكتاب: ((رحمة الأمة)) لأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الدمشقي.\rوذكر الدكتور محمد صغير حسن المعصومي في مقدمته على اختلاف الفقهاء للطحاوي، أنه عثر على تأليف لطيف عن اختلاف الصحابة والتابعين، وأئمة المجتهدين في المسائل الفقهية المختلفة في دار الكتب المصرية، قسم الفقه الحنفي رقم (1724) أشاد بفضله وقيمته، ووعد بنشره وتحقيقه، جزاه الله خيراً وحقق على يديه ذلك...\r2-الصنف الثاني: وهو الذي عرض لنشأة الاختلاف في الأحكام وأسبابه.\rفلقد تأخر التصنيف في هذا الباب عن النوع الأول، ولعل السبب في تأخره يعود إلى تفهم الناس في القرون الأولى لحقيقة الاختلافات الفقهية، فلا شكوك في النفوس من هذه الاختلافات، ولا هجوم على العلماء في اختلافاتهم...\rفما أن مست الحاجة إلى ذلك، إلا وانبرى العلماء الأعلام في مختلف العصور يوضحون الحقائق، ويردون الشبهات، كما يظهر من عناوين رسائلهم في هذا الصنف.\rولعل من أشهر كتب هذا الصنف:\rكتاب: ((الإنصاف في التنبيه على أسباب الخلاف)) لأبي محمد عبد الله البطليموسي المتوفى (521)هـ.\rوكتاب: ((بداية المجتهد ونهاية المقتصد)) لابن رشد المتوفى (595هـ).\rوكتاب: ((رفع الملام عن الأئمة الأعلام)) لابن تيمية المتوفى ((728هـ).\rوكتاب: ((الإنصاف في بيان أسباب الخلاف)) لشاه ولي الله الدهلوي (1176هـ).\rوكتاب: ((أسباب اختلاف الفقهاء)) للشيخ علي الخفيف.\rوكتاب: ((أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء)) للدكتور مصطفى سعيد الخن.\rوكتاب: ((أسباب اختلاف الفقهاء)) للدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي.\rإلى غير ذلك من كتب حديثة في أصول الفقه وتاريخه، تعرضت لمثل هذه الأبحاث عرضاً، جزى الله الجميع عن العلم والعلماء خيراً...","part":1,"page":99},{"id":103,"text":"الخاتمة\rإن موضوع اختلاف العلماء -كما ظهر لنا في خاتمة المطاف- موضوع واسع دقيق، اختلفت فيه مناهج الكتاب قديماً وحديثاً، فمن مفصل ومجمل في أسباب الاختلاف، إلى جامعٍ للأقوال المختلفة ومقارن بعضها مع بعض...\rولهذا قصرت بحثي في هذا الكتاب على نقاط أساسية اعتبرتها أهم النقاط في اختلاف العلماء، إذ يحتاج إليها كل مسلم ليصحح موقفه منها، بعد تعرفه على طبيعة الاختلافات العلمية ونشأتها وأسبابها... وتبينه المواقف الصحيحة والشاذة نحوها...\rولعلنا استطعنا في بحثنا هذا أن نصل إلى توضيح بعض الحقائق التي خفيت عن كثير من الناس في هذه الأيام، فوقفوا حائرين مترددين لما يسمعونه من اختلافات، ويثار من شكوك، وذلك حيث لا يجوز التردد والشك...\rفلقد تفهم هذه الأمور -التي نرى أنفسنا في أمس الحاجة إليها- سلف الأمة تفهماً كاملاً حتى لم يدع مجالاً لبحثها في الماضي.\rحتى إذا امتد بالناس الزمن، وبعدوا عن مناهل العلم الأولى، ضاقت نفوسهم بهذه الاختلافات، وحاروا في أمرها، واضطربت مواقفهم منها...\rفوجد الأعداء في ذلك ثغرات واسعة لبث سمومهم، ولنزع ثقة المسلمين بفقههم وفقهائهم، مستفيدين في ذلك من الإفراط والتفريط الذي وقع فيه بعض المسلمين، ومستغلين روح التجديد والمخالفة التي لا تخلو منها المجتمعات، فوصلوا إلى بعض مآربهم، وأصابوا بعض أهدافهم...\rوقيض الله لهذه الأمة علماء أعلاماً، نبهوا المسلمين إلى مآرب أعدائهم، ووضحوا للأمة صواب منهج أسلافهم، وعللوا لهم أقوالهم واختلافاتهم...","part":1,"page":100},{"id":104,"text":"فليس عجباً بعدئذ أن تشتد حاجتنا اليوم إلى توضيح هذه النقاط، وحسن عرضها على الناس -وقد وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه من فساد في الأحوال، وضعف في العلم وقلة في العلماء، وكثرة من دعاوي أشباه الرجال... مع الغفلة الشديدة في عامتهم، واليقظة المخيفة في أعدائهم...\rولعلنا بهذه الرسالة نشارك في سد تلك الثغرة التي وجد الأعداء قديماً وحديثاً منها مدخلاً إلى ما ذكرناه...\rوفي رجوع أولئك البسطاء إلى فهم حقائق دينهم بعد أن شوهت في النفوس، وكادت تنقلب المفاهيم والحقائق...\rنسأل الله عز وجل أن يأخذ بأيدينا وأيدي المسلمين عامة، إلى ما في خيرهم وعزتهم، وأن يحفظ عليهم دينهم، وأن يقيض لهم علماء عاملين، صالحين مصلحين، يملئون الفراغ، ويسدون الثغرات، ويقفون بالمرصاد للأعداء، فيقل بذلك المدعون، ويتنبه الغافلون...\rوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين...","part":1,"page":101}],"titles":[{"id":1,"title":"دراسات في الاختلافات العلمية","lvl":1,"sub":1}]}