{"pages":[{"id":1,"text":"الاحكام - الآمدي ج 1\rالاحكام\rالآمدي ج 1","part":1,"page":0},{"id":2,"text":"الاحكام في اصول الاحكام تأليف الامام العلامة علي بن محمد الامدي علق عليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الاول المكتب الاسلامي","part":1,"page":1},{"id":3,"text":"طبع بإذن فضيلة الشيخ المحقق و مؤسسة النور الطبعة الاولى 1387 ه.\rالرياض الطبعة الثانية 1402 ه.\rبيروت المكتب الاسلامي دمشق: ص ب 800 - هاتف: 111637 - برقيا: إسلامي بيروت: ص ب 3771 / 11 - هاتف: 638 450 - برقيا: إسلاميا","part":1,"page":2},{"id":4,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rكلمة - موجزة عن تاريخ أصول الفقه:\rأحمدك اللهم حمداً يليق بجلالك، وأشكرك شكراً يوافي نعمك، ويكافيء مزيدك سبحانك لا نحصي ثناءاً عليك انت كما اثنيت على نفسك.\rواشهد ان لا اله الا انت وحدك لا شريك لك شهادة تكفر بها عنا السيئات، وترفعنا بها عندك اعلى الدرجات وأشهد ان محمدا عبدك المرتضى، ونبيك المجتبي، ورسولك المصطفى، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه الي يوم الدين.\rوبعد.\rفأصول الفقه من العلوم التي عم نفعها، وعظمت فائدتها، فقد استطاع به المجتهدون فطرة واستعدادا، أو دراسة واكتسابا ان يستثمروا نصوص الشريعة، وان يستنبطوا بها الاحكام من ادلتها التفصيلية على اكمل وجه وأتقنه، وأوضح طريق وابينه.\rووقف من عني بدراسته من العلماء المقلدين على ماخذ الائمة المجتهدين ومدراكهم، وعرفوا طريقهم في اجتهادهم ومذاهبهم في استباطهم، فطبقوا قواعدهم على ماجد من أقضية، واستخرجوا على اصولهم أحكاما في كثير من المسائل نسبوها إليهم تخريجا حيث لم يثبت عنهم فيها حكم نصا.\rوقد يبلغ من يعني بعلم الاصول ويأخذ نفسه بدراسة قواعه استدلالا عليها وتطبيقا لها على نهج من تقدمه من الائمة ان يكون مجتهدا مطلقا يعتمد في بحثه على اصول الشريعة، ويرجع الى ادلتها ويستنبط منها الاحكام.\rوربما كان هذا ايسر له واعم نفعا، واسلم عاقبة من اجتهاده في المسائل على مقتضي أصول امام معين واستخراج الفروع على أصوله.","part":1,"page":3},{"id":5,"text":"وقد كانت العربية سليقة للصحابة رضي الله عنهم وبلغتهم نزل القران، وبها بينه النبي صلى الله عليه وسلم، فكانو يعرفون مقصد الكلام ومغزاه من لحن القول وفحواه، وقد شهدوا عهد الوحي والتنزيل، ولزموا النبي صلى الله عليه وسلم في سفره واقامته، وكانو مع ذلك على جانب عظيم من الفطنة والذكاء وسلامة الذوق ونور البصيرة والحرص على\rالتشريع علما وعملا، فوقفوا على أسرار الشريعة ومقاصدها، ولم يجدوا في انفسهم حاجة الى دراسة قواعد يستعينون بها في استثمار نصوص الشريعة ولا ضرورة تلجئهم الى تدوى اصول يرجع إليها في استنباط الاحكام من الادلة.\rوقد سار التابعون على مدرجتهم، وسلكو سبيلهم فاستغنوا غناهم لقرب العهد بالوحي، وقوة الصلة بالصحابة، وكثرة الاخذ عنهم والمخالطة لهم، وغلبة السلامة على اللغة العربية من الكلمات الدخيلة.\rولما بعد العهد بزمن النبوة، وكثر اختلاط العرب بغيرهم من الفرس والروم، وترجم كثير من الكتب اليونانية وغيرها الى اللغة العربية أيام الدولة العباسية استعجم كثير من العرب في لغتهم، واساليب كلامهم، وتأثرت اذواقهم، واختلف مناهجهم وتغيرت اغراضهم في نثرهم وشعرهم.\rواللغة العربية لغة الكتاب والسنة اسلوبا ومنهجا، ومقصدا ومغزي فهي الطريق الى فهمهما والعمدة في ادراك اسرارهما وعليها يتوقف معرفة كثير من وجوه اعجاز القران، فلذا عني العلماء يحفظها في جوانبها المختلفة بشتى الوسائل وتوسعوا في تدوين قواعدها، وبدؤا يضعون قواعد اصول الفقه.\rوساعدهم على ذلك ما وقفوا عليه في الكتب المترجمة من صناعة التاليف ونظام التقعيد وحسن التبويب والترتيب.\rوزدا تدوين اصول الفقه سهولة أن قواعده عند علماء الحديث في الحجاز وعلماء الراي بالعراق بدات تتمايز في نقاش المجتهدين من الفريقين، وتظهر في حجاجهم واستدلالهم، وان لم تكن مدونة لديهم.\rوكان اول من عني بتدوين اصول الفقه فيما اشتهر بين العلماء أبو عبد الله محمد ابن ادريس الشافعي فأملى كتابه المعروف بالرسالة، وكتبه عنه الربيع بن سليمان المرادي، وقد جمع في املاء الرسالة بين امرين اجمالا.","part":1,"page":4},{"id":6,"text":"الاول: تحرير القواعد الاصولية وإقامة الادلة عليها من الكتاب والسنة وإيضاح منهجه في الاستدلال وتأييده بالشواهد من اللغة العربية.\rالثاني: الاكثار من الامثلة لزيادة الايضاح، والتطبيق لكثير من الادلة على قضايا في اصول الشريعة وفروعها، مع نقاش للمخالفين تزيده جزالة العبارة قوة، وتكسبه جمالا فكان كتابه قاعدةت محكمة بنى عليها من جاء بعده، ومنهجه فيه طريقا واضحا سلكه من الف في هذا العلم وتوسع فيه.\rوقد تبعه في الامرين أبو محمد علي بن حزم في كتابه \" الاحكام في اصول الاحكام \" بل كان اكثر منه سردا للادلة النقلية مع نقدها، وايرادا للفروع الفقهية مع ذكر مذاهب العلماء فيها، وما احتجوا به عليها، ثم يوسع ذلك نقدا ونقاشا ويرجح ما يراه صوابا.\rغير ان ابا محمد وان كان غير مدافع في سعة علمه واطلاعه على النصوص.\rوتمييز صحيحها من سقيمها، و المعرفة بمذاهب العلماء وادلتها، وايراد ذلك في اسلوب رائع، وعبارات سهلة واضحة، لم يبلغ مبلغ الشافعي.\rفقد كان الشافعي اخبر منه بالنقل، واعرف بطرقه، وأقدر على نقده، واعدل في حكمه وادرى بمعاني النصوص ومغزاها، وارعى لمقاصد الشريعة واسرارها، وبناء الاحكام عليها مع جزالة في العبارة تذكر بالعربية في عهدها الاول، ومع حسن ادب في النقد، وعفة لسان في نقاش الخصوم والرد على المخالفين.\rولو سلك المؤلفون في الاصول بعد الشافعي طريقته في الامرين تقعيدا واستدلالا وتطبيقا وايضاحا بكثرة الامثلة وتركوا الخيال وكثرة الجدل والفروض واطرحوا العصبية في النقاش والحجاج.\rولم يزيدوا الا ما تقتضي طبيعة النماء في العلوم اضافته من مسائل وتفاصيل لما اصل في الابواب، والا ما تدعوا إليه الحاجة من التطبيق والتمثيل من واقع الحياة للايضاح، كما فعل ابن حزم لسهل هذا العلم على طالبيه ولانتهى بمن اشتغل به الى صفوف المجتهدين من قريب.\rولكنهم اختلفوا فاخذ كل جانبا.\rفمنهم من عنى بالقواعد واثباتا بالادلة عقلا ونقلا مع بسط القول ووضوح العبارة في سوق الادلة ونقاشها وضوحا لا يعوز القاريء الى شرح أو بيان.","part":1,"page":5},{"id":7,"text":"غير انهم قصروا في جانب الامثلة والتطبيق فلا يوجد في كتبهم من ذلك الا النزر اليسير، ثم هو تقليدي يرثه الاخر عن الاول فلا تنويع ولا تجديد ولا تطبيق لماجد من القضايا في العهود المختلفة واكثروا مع ذلك من الجدل والخيال والفروض والوان الاحتمال، وذكر مسائل لا تدعو لها الحاجة، وقد عرفت هذه الطريقة بطريقة علماء الكلام، وممن نسج على منوالها في تأليفه أبو الحسين محمد بن علي البصري المعتزلي الشافعي في كتابه المعتمد، وابو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني الاشعري الشافعي الشهير بامام الحرمين في كتابه البرهان، وابو حامد محمد بن محمد الغزالي الاشعري الشافعي في كتابه المستصفى، فهولاء و من سلك سبيلهم لم يراعوا في تأليفهم فروع مذهب معين انما همهم تفصيل القواعد الاصولية وايضاحها بالامثلة وذكر خلاف العلماء فيها والاستدلال عليها ومناقشة الادلة وترجيح ما يرونه، وقد جمع ما في هذه الكتب فخر الدين محمد بن عمر الرازي الاشعري الشافعي في كتابهالمحصول، وابو الحسن علي بن ابي علي محمد بن سالم السيف الامدي الاشعري الشافعي فيكتابه (الاحكام) مع بسط في القول ووضوح في العبارة.\rومنهم من اكثر من المسائل الفقهية، وعني فيها بالانتصار لمذهب معين، وقرر الى جانبها قواعد اصولية على ضوء ما حكم به امامه في هذه المسائل، فكان صنيعه في تأليفه اشبه بصنيع مجتهد المذهب الذي يعني بمعرفة اصول امامه من الفروع التي نص على حكمها، لا صنيع المجتهد المطلق أو العالم الاصولي المنصف الذي يعني ببحث القواعد الاصولية على ضوء اصول الشريعة والاستدلال عليها بالكتاب والسنة، دون ميل الى نصرة مذهب معين في الفروع الفقهية.\rوتسمى هذه الطريقة طريقة الحنفية لشيوعها فيهم، ممن نهج سبيلها أبو زيد عبيد الله بن عمر الدبوسي، ومحمد بن احمد السرخسي وعلي بن محمد البزدوي.\rولو سلك هؤلاء طريق الاستقراء فاكثروا المسائل الفقهية من ابواب شتى على ان يجمعها وحدة اصولية كما فعل ذلك الشاطبي احيانا في كتاب الموافقات، وقصدوا بذلك الشرح والايضاح، والارشاد الى ما بينها من معنى جامع يقتضي اشتراكها","part":1,"page":6},{"id":8,"text":"في الحكم دون تقيد بمذهب معين ليخلصوا الى القاعدة الاصولية، واتبعوا ذلك ما يؤيد الاستقراء من ادلة العقل والنقل لكان طريقة طبيعيا تالفه الفطر السليمة وتعتمده عقول الباحئين المنصفين ولاكسبوا من قرأ في كتبهم استقلالا في الحكم وفتحوا امامهم باب البحث والتنقيب، ويسروا لهم تطبيق القواعد الاصولية على ماجد ويجد من القضايا في مختلف العصور.\rواكتفى من جاء بعد هؤلاء باختصار كتب من سبقهم وتلخيصها غالبا على احدى الطريقتين كالبيضاوي في المنهاج، وربما جمع بعضهم في مختصره بين الطريقتين كابن الهمام في تحريره، وقد بلغ كثير من المختصرات حد الالغاز فاضطر من يقرؤها ان يرجع الى الاصول التي منها اختصرت ليتمكن من فهمها أو شرحها.\rوخير لمن يزيد فهم علم الاصول على وجهه ويرسخ فيه ان يرجع في قراءته الى كتب الاوئل فانها اقعد، عبارتها ادق واوضح، وتحريرهم لمحل النزاع وحكاتيهم الخلاف اوفق، لانهم بذلك اعرف، ونقاشهم للادلة جار على اصول النقد، وقواعد الجدل، والمناظرة عند العلماء.\rهذا ولما عزم الاخ الكريم الشيخ (على بن حمد الصالحي) على طبع كتاب (الاحكام في اصول الاحكام) للامدي لكونه من مراجع الدراسة في (المعهد العالي للقضاء) وانفاد ما طبع منه قبل ذلك سألني طلاب المعهد ان اكتب عليه\rكلمات فاستجاب لطلبهم تحقيقا لرغبتهم، واداءا لبعض الواجب على، ولم احاول ان اقف من الكتاب موقف الشارح، فالكتاب واضح العبارة، عالي الاسلوب بسط مؤلفه القول فيه، وارخى لقلمه العنان في بيان معانيه، فهو غني بوضوحه عن الشراح، بل من اراد ذلك منه احتقر عبارة نفسه الى جانب عبارة الامدي.\rلذا اقتصرت على نقد دليل، أو التنبيه على خطأ في راي، أو تأويل لنص، أو بيان ضعف حديث، أو تصحيح لتحريف في الاصول التي طبع عليها قدر المطاقة مع الايجاز، ولم أستقص في ذلك لضيق وقتي، وضعف قوتي، وطول الكتاب، وحرص الطابع على اخراج الكتاب بسرعة، وقد اكتفي عن تفصيل القول أو بيان الخطأ في البحث باشارة الى مراجع معتمدة في نظرى.\rوالله اسال ان يلهمني الرشد والصواب فانه سبحانه الهادي الى سواء السبيل.","part":1,"page":7},{"id":9,"text":"وفيما يلي ترجمة للؤلف أحببت ان أقدمها بين يدى الكتاب وتعليقاتي عليه.\r(ترجمه السيف الامدي) من الميزان للذهبي، ولسان الميزان لابن حجر، والبداية لابن كثير، والوفيات لابن خلكان، والطبقات لابن السبكي، مع بعض تصرف.\rهو أبو الحسن علي بن ابي علي محمد بن سالم التغلبي الامدي.\rولد بآمد \" بلدة بديار بكر \" عام 551 ه وقدم بغداد وتعلم وتفقه على مذهب الامام احمد بن حنبل وحفظ كتاب الهداية لابي الخطاب، ثم صار شافعيا واشتغل بعلم الخلاف وتفنن في علم النظر ويقال انه حفظ الوسيط لابي حامد الغزالي ويذكر عن ابن عبد السلام انه قال ما علمت قواعد البحث الا من السيف الامدي وما سمعت احدا يلقى الدرس احسن منه، وكان إذا غير لفظة من الوسيط كان اللفظ الذي يأتي به اقرب الى المعني قال ولو ورد على الاسلام من يشك فيه من المتزندقة لتعين\rالامدي لمناظرته.\rوذكر ابن خلكان انه لما انتقل الى الشام اشتغل بالعلوم العقلية ثم انتقل الى مصر متصدر بالجامع الظافري وانتشرت فضائله فحسده اقوام فسعوا به وكتبوا خطوطهم باتهامه بمذهب الاوائل ولا تعطيل والانحلال وطلبوا من بعضهم ان يوافقهم فكتب.\rحسدوا الفتي اذلم ينالوا سعيه * فالقوم اعداء له وخصوم فانتقل الامدي الى حماة وصنف بها التصانيف، ثم انتقل الى دمشق ودرس بالعزيزية ثم عزله الاشرف لاشتغاله بالمنطق وعلوم الفلسفة.\rوذكر ان الذهبي في الميزان انه صح عن الامدي انه كان تاركا للصلاة ا ه.\rويظهر ان الذهبي استند في ذلك الى ما نقله في كتابه تاريخ الاسلام عن شيخه القاضي تقي لادين سليمان بن حمزة ابي الفضل المقدسي حكاية عن الشيخ شمس الدين ابن ابي عمر قال كنا نترد على السيف الامدي فشككنا هل يصلي","part":1,"page":8},{"id":10,"text":"فتركناه حتى نام، وعلمنا على رجله بالحبر فقيت العلامة نحو يومين مكانها اقول قد يبقي الحبر اياما على العضو مع تتابع الوضوء والغسل وخاصة عضو من لا يرى التدليك فرضنا في الطهارة بل يكتفي باسالة الماء في غسله ووضوئه ولا ادري كيف سكت من كان يتردد عليه الطلب العلم عن الانكار عليه أو النصح له أو الحديث معه في الصلاة ان كان ما ذكروا دليلا عندهم على تركه للصلاة وعلى كل حال فالاصل البراءة حتى يثبت الناقل.\rوقال ابن كثير في البداية: كان حنبلي المذهب كثير البكاء رقيق القلب وقد تكلموا فيه باشياء الله اعلم بصحتها والذي يغلب على الظن انه ليس لغالبها صحة وقد كانت ملوك بني ايوب كالمعظم والكامل يكرمونه وان كانوا لا يحبونه كثيرا وقد فوض إليه المعظم التدريس بالعزيزية فلما ولي الاشرف عزله لاشتغاله بالمنطق وعلوم الاوائل، فلزم بيته حتى توفي في صفر سنة 631 ه\rعن ثمانين سنة انتهي، وقد برأه ابن كثير مما رمي به في الجملة فانصفه من خصومة وانصفت خصومه منه.\rاقول ان الامدي درس الفلسفة باقسامها المختلفة وتوغل فيها وتشعب بها روحه حتى ظهر اثز ذلك في تأليفه.\rومن قرأ كتبه وخاصة ما الفه في علم الكلام واصول الفقه يتبين له ما ذكرت، كما يتبين له منها انه كان قوي العارضة كثير الجدل واسع الخيال كثير التشقيقات في تفصيل المسائل والترديد والسبر والتقسيم في الادلة الى درجة قد تنتهي بالقاريء احيانا الى الحيرة.\rفمن كره من الولاة والعلماء منطق اليونان والخوض في سائر علوم الفلسفة وخاصة ما يتعلق منها بالالهيات وكره مثرة الجدل والاسترسال في الخيال والاكثار من تأويل النصوص وذكر الاحتمالات خشية ما تفظي إليه من الحيرة والمتاهات مع قلة الجدوي منها تارة وعدم الفائدة احيانا كالاشراف والذهبي كره الامدي دينا.\rوانكر عليه ما رآه منكرا، وقد يجد في كتبه ومسلكه في تأليفها ما يؤيد رأيه فيه ويدعوا الى النيل منه.","part":1,"page":9},{"id":11,"text":"ومن لم يكره ذلك ولكنه ضاق ذرعا بالامدي لعجزه عن ان يصل الى ما وصل إليه من التبحر في العلوم، وقوة عارضته وحضور بديهية في الجدل والمناظرة وحسن اسلوبه وبارع بيانه في التدريس وصناعة التأليف حسده حيث لم يؤت مثل ما اوتي في نظره كما في ذكره ابن خلكان عن بعض العلماء في سبب خروجه عن مصر مستفيا.\rومن لم ير بأسا بدراسة المنطق وسائر علوم الفلسفة والف التأويل للنصوص وكثرة الفروض والاحتمالات دراسة ومناظرة وتأليفها رفع من شأن الامدي وعني بالذب عنه وانهال بالملامة على من حط من قدره أو اتهمه في دينه، أو طعن في تأليفه كابن السبكي حيث عاب الذهبي في انتفاصه الامدي.\rوقصاري القول ان العلماء لهم منازع شتى ومشارب متباينة فمن اتفقت\rنزعاتهم تحاجوا وتناصورا واثني بعضهم على بعض خيرا، ومن اختلف افكارهم ووجهات نظرهم تناحروا وتراموا بالنبال الا من رحم الله.\rواسعدهم بالحق من كانت نزعة الى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ووسعه ما وسع السلف مع رعاية ما ثبت من مقاصد الشريعة باستقراء نصوصها فكلما كان العالم ارعي لذلك والزم له كان اقوم طريقا واهدي سبيلا والمعصوم من عصمه الله وكل احد يؤخذ من قوله ويترك الا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.\rوما الامدي الاعالم من علماء البشر يخطىء ويصيب فلننتفع بالصواب من قوله ولنرد عليه خطأه ولنستغفر الله له وليكن شأننا معه كشأننا مع غيره من علماء المسلمين وليكن شعارنا مع الجميع.\r(ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان.\rولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رءوف رحيم.\r) عبد الرزاق عفيفي","part":1,"page":10},{"id":12,"text":"الاحكام في اصول الاحكام تأليف الامام العلامة علي بن محمد الامدي علقعليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الاول المكتب الاسلامي","part":1,"page":1},{"id":13,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله خالق الافلاك ومديرها ومزينها بالشهب الثاقبة ومنيرها وجاعل حركات السيارات دالة على اختلاف احوال الكائنات وتدبيرها ومظهر حكمه في ابداعه لانواع موجودات العالم وتصويرها المتفضل بسوابغ الانعام قليلها وكثيرها.\rالعادل فيما قضاه وامضاه من الاحكام وتقديرها.\rالذي شرف نوع الانسان بالعقل الهادي الى ادلة التوحيد وتحريرخا.\rواهل خاصة العلماء لاستثمار احكام الشريعة من مداركها وتقريرها حتى استقرت قاعدة الدين وظهرت حكمته في جمعها وتحبيرها.\rواشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له شهادة منجية من صغير الموبقات وكبيرها واشهد ان محمدا عبده ورسوله الذي ازال واضح برهانه وازاح بصادق بيانه.\rما ظهر من شبه الملحدة وتزويرها.\rصلى الله عليه وعلى آله وصحابته المؤازرين له في اظهار دعوته بحدها وتشميرها والسلام.\rوبعد: فانه لما كانت الاحكام الشرعية والقضايا الفقهية وسائل مقاصد المكلفين ومناط مصالح الدنيا والدين.\rواجل العلوم قدرا واعلاها شرفا وذكرا.\rلما يتعلق بها من مصالح العباد في المعاش والمعاد كات اولى بالالتفات إليها.\rواجدر بالاعتماد عليها.\rوحيث كان لا سبيل الى استثمارها.\rدون النظر في مسالكها ولا مطمع في اقتناضها.\rمن غير التفات الى مداركها كان من اللازمات والقضايا الواجبات البحث في اغوارها.\rوالكشف عن اسرارها والاحاطة بمعانيها.\rوالمعرفة بمبانيها حتى تذلل طرق الاستثمار وينقاد جموح غامض الافكار ولذلك كثر تدآبي وطال اغترابي.\rفي جمع فوائدها.\rوتحقيق فرائدها.\rمن","part":1,"page":3},{"id":14,"text":"مباحثات الفضلاء ومطارحات النبلاء حتى لان من معركها ما استصعب على المتداربين وظهر منها ما خفي على حذاق المتبحرين واحطت منها بلباب الالباب.\rواحتويت من معانيها على العجب العجاب فاحببت ان اجمع فيها كتابا حاويا\rلجميع مقاصد قواعد الاصول مشتملا على حل ما انعقد من غوامضها على ارباب العقول متجنبا للاسهاب وغث الاطناب مميطا للقشرة عن اللباب خدمة لمولانا السلطان الملك المعظم المكرم سلطان الاجواد والامجاد.\rاجل العالم وافضل من تمتد إليه اعناق الهمم والعزائم.\rملك ارباب الفضائل.\rناقد خلاص الافاضيل.\rباعث اموات الخواطر.\rناشر رفات العلوم.\rالدواثر بما خصه الله به من الفضائل التي حاز بها قصب سبق الاولين.\rوالمناقب التي يقف دون احصائها عد الحاصرين فبيده زمامها.\rواليه حلها وإبرامها.\rوبه كشف اغوارها.\rوالميز بين ظلمها وانوارها ادام الله سعادته ادامة لا تغرب طوالعها.\rولا تنضب مشارعها وان كنت فط ضرب المثال كحامل تمر الى هجرة أو طل الى مطره لكنه اقصى درجات القدر.\rوغاية منال افكار البشر وارجو ان يصادف منه القبول وان يقع منه الاغضاء عما فيه من الغفلة والذهول.\r(وسميته كتاب الاحكام في اصول الاحكام) وقد جعلته مشتملا على اربع قواعد.\rالاولى في تحقيق مفهوم اصول الفقه ومباديه.","part":1,"page":4},{"id":15,"text":"الثانية في تحقيق الدليل السمعي واقسامه وما يتعلق به من لوازمه واحكامه الثالثة في احكام المجتهدين واحوال المفتين والنستفتين.\rالرابعة في ترجيحات طرق المطوبات.\rاللهم فيسر ختامه وسهل اتمامه وبصرنا بسلوك مسالك الحق اليقين وجنبنا برحمتك عن طريق الزائغين وسلمنا من غوائل البدع واقطع عنا علائق الطمع وآمنا يوم الخوف والجزع.\rانك ملاذ القاصدين.\rوكهف الراغبين.\rالقاعدة الاولى\rفي تحقيق مفهوم أصول الفقه، وتعريف موضوعه وغايته، وم فيه من البحث عنه من مسائله، وما منه استمداده، وتصوير مباديه وما لا بد من سبق معرفته قبل الخوض فيه فنقول حق على كل من حاول تحصيل علم من العلوم، أن يتصور معناه أولا بالحد أو الرسم ليكون على بصيرة فيما يطلبه، وأن يعرف موضوعه - وهو الشئ الذي يبحث في ذلك العلم عن أحواله العارضة له - تمييزا له عن غيره، وما هو الغاية المقصودة من تحصيله، حتى لا يكون سعيه عبثا، وما عنه البحث فيه من الاحوال التي هي مسائله لتصور طلبها، وما منه استمداده، لصحة إسناده عند روم تحقيقه إليه، وأن يتصور مباديه التي لا بد من سبق معرفتها فيه، لامكان البناء عليها.\rأما مفهوم أصول الفقه، فنقول: اعلم أن قول القائل: أصول الفقه قول مؤلف من مضاف، هو الاصول، ومضاف إليه، هو الفقه، ولن نعرف المضاف قبل معرفة المضاف إليه، فلا جرم أنه يجب تعريف معنى الفقه أولا، ثم معنى الاصول ثانيا.","part":1,"page":5},{"id":16,"text":"أما الفقه: ففي اللغة عبارة عن الفهم، ومنه قوله تعالى: * (ما نفقه كثيرا مما تقول) * (11) هود: 91): أي لا نفهم، وقوله تعالى: * (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) * (17) الاسراء: 44): أي لا تفهمون، وتقول العرب: فقهت كلامك، أي فهمته.\rوقيل: هو العلم، والاشبه أن الفهم مغاير للعلم، إذ الفهم عبارة عن جودة الذهن، من جهة تهيئه لاقتناص كل ما يرد عليه من المطالب، وإن لم يكن المتصف به عالما، كالعامي الفطن.\rوأما العلم فسيأتي تحقيقه عن قريب.\rوعلى هذا فكل عالم فهم، وليس كل فهم عالما.\rوفي عرف المتشرعين، الفقه مخصوص بالعلم الحاصل بجملة من الاحكام الشرعية الفروعية، بالنظر والاستدلال.\rفالعلم احتراز عن الظن بالاحكام الشرعية، فإنه وإن تجوز بإطلاق اسم الفقه عليه، في العرف العامي، فليس فقها في العرف اللغوي والاصولي، بل الفقه العلم بها أو العلم بالعمل بها بناء على الادراك القطعي، وإن كانت ظنية في نفسها.\rوقولنا: بجملة من الاحكام الشرعية احتراز عن العلم بالحكم الواحد، أو الاثنين لا غير، فإنه لا يسمى في عرفهم فقها.\rوإنما لم نقل بالاحكام، لان ذلك يشعر بكون الفقه هو العلم بجملة الاحكام.\rويلزم منه أن لا يكون العلم بما دون ذلك فقها، وليس كذلك.\rوقولنا: الشرعية احتراز عما ليس بشرعي، كالامور العقلية، والحسية.\rوقولنا: الفروعية احتراز عن العلم بكون أنواع الادلة حججا، فإنه ليس فقها في العرف الاصولي، وإن كان المعلوم حكما شرعيا نظريا، لكونه غير فروعي.\rوقولنا: بالنظر والاستدلال احتراز عن علم الله تعالى بذلك، وعلم جبريل والنبي عليه السلام فيما علمه بالوحي، فإن علمهم بذلك لا يكون فقها في","part":1,"page":6},{"id":17,"text":"العرف الاصولي، إذ ليس طريق العلم في حقهم بذلك النظر والاستدلال.\rوأما أصول الفقه: فاعلم أن أصل كل شئ، هو ما يستند تحقيق ذلك الشئ إليه.\rفأصول الفقه: هي أدلة الفقه، وجهات دلالاتها على الاحكام الشرعية، وكيفية حال المستدل بها، من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل، بخلاف الادلة الخاصة، المستعملة في آحاد المسائل الخاصة.\rوأما موضوع أصول الفقه: فاعلم أن موضوع كل علم، هو الشئ الذي\rيبحث في ذلك العلم عن أحواله العارضة لذاته.\rولما كانت مباحث الاصوليين في علم الاصول، لا تخرج عن أحوال الادلة الموصلة إلى الاحكام الشرعية المبحوث عنها فيه، وأقسامها، واختلاف مراتبها، وكيفية استثمار الاحكام الشرعية عنها، على وجه كلي، كانت هي موضوع علم الاصول.\rوأما غاية علم الاصول: فالوصول إلى معرفة الاحكام الشرعية، التي هي مناط السعادة الدنيوية والاخروية.\rوأما مسائله فهي: أحوال الادلة المبحوث عنها فيه مما عرفناه.\rوأما ما منه استمداده، فعلم الكلام، والعربية، والاحكام الشرعية: أما علم الكلام: فلتوقف العلم بكون أدلة الاحكام مفيدة لها شرعا، على","part":1,"page":7},{"id":18,"text":"معرفة الله تعالى وصفاته، وصدق رسوله فيما جاء به، وغير ذلك مما لا يعرف في غير علم الكلام.\rوأما علم العربية: فلتوقف معرفة دلالات الادلة اللفظية، من الكتاب، والسنة، وأقوال أهل الحل والعقد من الامة، على معرفة موضوعاتها لغة، من جهة الحقيقة، والمجاز، والعموم، والخصوص، والاطلاق، والتقييد، والحذف، والاضمار، والمنطوق، والمفهوم، والاقتضاء، والاشارة، والتنبيه، والايماء، وغيره، مما لا يعرف في غير علم العربية.\rوأما الاحكام الشرعية: فمن جهة أن الناظر في هذا العلم، إنما ينظر في أدلة الاحكام الشرعية، فلا بد أن يكون عالما بحقائق الاحكام، ليتصور القصد إلى إثباتها ونفيها، وأن يتمكن بذلك من إيضاح المسائل، بضرب الامثلة، وكثرة الشواهد، ويتأهل بالبحث فيها للنظر والاستدلال.\rولا نقول إن استمداده من وجود هذه الاحكام ونفيها في آحاد المسائل، فإنها من هذه الجهة لاثبت لها بغير أدلتها، فلو توقفت الادلة على معرفتها من هذه الجهة، كان دورا ممتنعا.\rوأما مبادئه: فاعلم أن مبادئ كل علم هي التصورات والتصديقات المسلمة في ذلك العلم، وهي غير مبرهنة فيه، لتوقف مسائل ذلك العلم عليها.\rوسواء كانت مسلمة في نفسها كمبادئ العلم الاعلى، أو غير مسلمة في نفسها، بل مقبولة على سبيل المصادرة، أو الوضع، على أن تبرهن في علم أعلى من ذلك العلم، وما هذه المبادئ في علم الاصول ؟ فنقول: قد عرف أن استمداد علم أصول الفقه، إنما هو من علم الكلام، والعربية، والاحكام الشرعية.\rفمبادئه غير خارجة عن هذه الاقسام الثلاثة، فلنرسم في كل مبدإ قسما:","part":1,"page":8},{"id":19,"text":"القسم الاول في المبادئ الكلامية فنقول: اعلم أنه لما كانت أصول الفقه، هي أدلة الفقه، وكان الكلام فيها مما يحوج إلى معرفة الدليل، وانقسامه إلى ما يفيد العلم أو الظن، وكان ذلك مما لا يتم دون النظر، دعت الحاجة إلى تعريف معنى الدليل، والنظر، والعلم، والظن، من جهة التحديد والتصوير لا غير.\rأما الدليل فقد يطلق في اللغة بمعنى الدال، وهو الناصب للدليل.\rوقيل هو الذاكر للدليل، وقد يطلق على ما فيه دلالة وإرشاد.\rوهذا هو المسمى دليلا في عرف الفقهاء، وسواء كان موصلا إلى علم أو ظن.\rوالاصوليون يفرقون بين ما أوصل إلى العلم، وما أوصل إلى الظن،\rفيخصون اسم الدليل بما أوصل إلى العلم، واسم الامارة بما أوصل إلى الظن.\rوعلى هذا، فحده على أصول الفقهاء: أنه الذي يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.\rفالقيد الاول: احتراز عما لم يتوصل به إلى المطلوب، لعدم النظر فيه، فإنه لا يخرج بذلك عن كونه دليلا، لما كان التوصل به ممكنا.\rوالقيد الثاني: احتراز عما إذا كان الناظر في الدليل بنظر فاسد.\rوالثالث: احتراز عن الحد الموصل إلى العلم التصوري.\rوهو عام للقاطع والظني.\rوأما حده على العرف الاصولي: فهو ما يمكن التوصل به إلى العلم بمطلوب خبري، وهو منقسم إلى عقلي محض، وسمعي محض، ومركب من الامرين.","part":1,"page":9},{"id":20,"text":"فالاول: كقولنا في الدلالة على حدوث العالم: العالم مؤلف، وكل مؤلف حادث، فيلزم عنه العالم حادث.\rوالثاني: كالنصوص من الكتاب، والسنة، والاجماع، والقياس، كما يأتي تحقيقه.\rوالثالث: كقولنا في الدلالة على تحريم النبيذ: النبيذ مسكر، وكل مسكر حرام - لقوله، عليه السلام: كل مسكر حرام - فيلزم عنه النبيذ حرام.\rوأما النظر، فإنه قد يطلق في اللغة بمعنى الانتظار، وبمعنى الرؤية بالعين، والرأفة، والرحمة، والمقابلة، والتفكر، والاعتبار.\rوهذا الاعتبار الاخير هو المسمى بالنظر في عرف المتكلمين.\rوقد قال القاضي أبو بكر في حده: هو الفكر الذي يطلب به من قام به علما أو ظنا.\rوقد احترز بقوله: يطلب به عن الحياة وسائر الصفات المشروطة بالحياة،\rفإنها لا يطلب بها ذلك، وإن كان من قامت به يطلبه.\rوقصد بقوله: علما أو ظنا التعميم للعلم والظن، ليكون الحد جامعا، وهو حسن، غير أنه يمكن أن يعبر عنه بعبارة أخرى، لا يتجه عليها من الاشكالات ما قد يتجه على عبارة القاضي، على ما بيناه في أبكار الافكار وهو أن يقال: النظر عبارة عن التصرف بالعقل في الامور السابقة بالعلم والظن، للمناسبة للمطلوب بتأليف خاص، قصدا لتحصيل ما ليس حاصلا في العقل وهو عام للنظر المتضمن للتصور والتصديق، والقاطع والظني، وهو منقسم إلى ما وقف الناظر فيه على وجه دلالة الدليل على المطلوب،","part":1,"page":10},{"id":21,"text":"فيكون صحيحا، وإلى ما ليس كذلك، فيكون فاسدا.\rوشرط وجوده مطلقا العقل وانتفاء أضداده من النوم، والغفلة، والموت، وحصول العلم بالمطلوب، وغير ذلك.\rوأما العلم: فقد اختلف المتكلمون في تحديده: فمنهم من زعم أنه لا سبيل إلى تحديده، لكن اختلف هؤلاء: فمنهم من قال: بيان طريق تعريفه إنما هو بالقسمة والمثال، كإمام الحرمين، والغزالي، وهو غير سديد.\rفإن القسمة، إن لم تكن مفيدة لتمييزه عما سواه، فليست معرفة له، وإن كانت مميزة له عما سواه.\rفلا معنى للتحديد بالرسم سوى هذا.\rومنهم من زعم أن العلم بالعلم ضروري، غير نظري، لان كل ما سوى العلم لا يعلم إلا بالعلم، فلو علم بالغير، كان دورا ولان كل أحد يعلم وجود نفسه ضرورة، والعلم أحد تصورات هذا التصديق، فكان ضروريا.\rوهو أيضا غير سديد.\rأما الوجه الاول: فلان جهة توقف غير العلم على العلم، من جهة كون العلم إدراكا له، وتوقف العلم على الغير، لا من جهة كون ذلك\rالغير إدراكا للعلم، بل من جهة كونه صفة مميزة له عما سواه.\rومع اختلاف جهة التوقف، فلا دور.\rوأما الوجه الثاني: فهو مبني على أن تصورات القضية الضرورية لا بد وأن تكون ضرورية، وليس كذلك، لان القضية الضرورية هي التي يصدق العقل بها بعد تصور مفرداتها من غير توقف بعد تصور المفردات على نظر واستدلال، وسواء كانت التصورات ضرورية، أو نظرية.\rومنهم من سلك في تعريفة التحديد.\rوقد ذكر في ذلك حدود كثيرة، أبطلناها في أبكار الافكار والمختار في ذلك أن يقال: العلم عبارة عن صفة يحصل بها لنفس المتصف بها التميز بين حقائق المعاني الكلية حصولا لا يتطرق إليه احتمال نقيضه.\rفقولنا: صفة كالجنس له ولغيره من الصفات.\rوقولنا: يحصل بها التميز احتراز عن الحياة، وسائر الصفات المشروطة بالحياة.\rوقولنا: بين حقائق","part":1,"page":11},{"id":22,"text":"الكليات احتراز عن الادراكات الجزئية، فإنها إنما تميز بين المحسوسات الجزئية، دون الامور الكلية.\rوإن سلكنا مذهب الشيخ أبي الحسن في أن الادراكات نوع من العلم، لم نحتج إلى التقييد بالكليات.\rوهو منقسم إلى قديم لا أول لوجوده، وإلى حادث بعد العدم.\rوالحادث ينقسم إلى ضروري، وهو العلم الحادث الذي لا قدرة للمكلف على تحصيله بنظر واستدلال.\rفقولنا: العلم الحادث احتراز عن علم الله تعالى.\rوقولنا: لا قدرة للمكلف على تحصيله بنظر واستدلال احتراز عن العلم النظري، والنظري هو العلم الذي تضمنه الصحيح.\rوأما الظن: فعبارة عن ترجح أحد الاحتمالين في النفس على الآخر من غير قطع.","part":1,"page":12},{"id":23,"text":"القسم الثاني في المبادئ اللغوية كنا بينا فيما تقدم وجه استمداد الاصول من اللغة، فلا بد من تعريف المبادئ المأخوذة منها.\rولنقدم على ذلك مقدمة فنقول: اعلم أنه لما كان نوع الانسان أشرف موجود في عالم السفليات، لكونه مخلوقا لمعرفة الله تعالى التي هي أجل المطلوبات، وأسنى المرغوبات، بما خصه الله به من العقل الذي به إدراك المعقولات، والمميز بين حقائق الموجودات، على ما قال، عليه السلام حكاية عن ربه: كنت كنزا لم أعرف، فخلقت خلقا لا عرف به.\rولما كان هذا المقصود لا يتم دون الاطلاع على المقدمات النظرية، المستندة إلى القضايا الضرورية، المتوسل بها إلى مطلوباته وتحقيق ما جاء به، وكان كل واحد لا يستقل بتحصيل معارفه بنفسه وحده دون معين ومساعد له من نوعه، دعت الحاجة إلى نصب دلائل يتوصل بها كل واحد إلى معرفة ما في ضمير الآخر من المعلومات المعينة له في تحقيق غرضه.\rوأخف ما يكون من ذلك ما كان من الافعال الاختيارية، وأخف من ذلك ما كان منها لا يفتقر إلى الآلات والادوات، ولا فيه ضرر الازدحام، ولا بقاء له مع الاستغناء عنه، وهو مقدور عليه في كل الاوقات من غير مشقة ولا نصب.\rوذلك هو ما يتركب من المقاطع الصوتية التي خص بها نوع الانسان دون سائر أنواع الحيوان، عناية من الله تعالى به.\rومن اختلاف تركيبات المقاطع الصوتية حدثت الدلائل الكلامية، والعبارات اللغوية.","part":1,"page":13},{"id":24,"text":"وهي إما أن لا تكون موضوعة لمعنى، أو هي موضوعة.\rوالقسم الاول: مهمل لا اعتبار به، والثاني: يستدعي النظر في أنواعه، وابتداء وضعه، وطريق معرفته.\rفهذان أصلان لا بد من النظر فيهما.\rالاصل الاول في أنواعه - وهي نوعان وذلك لانه إما أن يكون اللفظ الدال بالوضع مفردا، أو مركبا الاول: في المفرد - وفيه ستة فصول.\rالفصل الاول في حقيقته أما حقيقته فهو ما دل بالوضع على معنى، ولا جزء له يدل على شئ أصلا، كلفظ الانسان، فإن (إن) من قولنا إنسان، وإن دلت على الشرطية فليست إذ ذاك جزءا من لفظ الانسان، وحيث كانت جزءا من لفظ الانسان، لم تكن شرطية، لان دلالات الالفاظ ليست لذواتها، بل هي تابعة لقصد المتكلم وإرادته.\rونعلم أن المتكلم حيث جعل: إن شرطية، لم يقصد جعلها غير شرطية.\rوعلى هذا، فعبد الله، إن جعل علما على شخص، كان مفردا، وإن قصد به النسبة إلى الله تعالى بالعبودية، كان مركبا، لدلالة أجزائه على أجزاء معناه.","part":1,"page":14},{"id":25,"text":"الفصل الثاني في أقسام دلالته وهو إما أن تكون دلالته لفظية، أو غير لفظية.\rواللفظية: إما أن تعتبر بالنسبة إلى كمال المعنى الموضوع له اللفظ، أو إلى بعضه: فالاول: دلالة المطابقة، كدلالة لفظ الانسان على معناه.\rوالثاني: دلالة التضمن، كدلالة لفظ الانسان\rعلى ما في معناه من الحيوان، أو الناطق.\rوالمطابقة أعم من التضمن، لجواز أن يكون المدلول بسيطا لا جزء له.\rوأما غير اللفظية، فهي دلالة الالتزام، وهي أن يكون اللفظ له معنى، وذلك المعنى له لازم من خارج، فعند فهم مدلول اللفظ من اللفظ، ينتقل الذهن من مدلول اللفظ إلى لازمه، ولو قدر عدم هذا الانتقال الذهني، لما كان ذلك اللازم مفهوما.\rودلالة الالتزام، وإن شاركت دلالة التضمن في افتقارهما إلى نظر عقلي، يعرف اللازم في الالتزام، والجزء في دلالة التضمن، غير أنه في التضمن لتعريف كون الجزء داخلا في مدلول اللفظ، وفي الالتزام لتعريف كونه خارجا عن مدلول اللفظ.\rفلذلك كانت دلالة التضمن لفظية، بخلاف دلالة الالتزام.\rودلالة الالتزام مساوية لدلالة المطابقة ضرورة امتناع خلو مدلول اللفظ المطابق عن لازم، وأعم من دلالة التضمن، لجواز أن يكون اللازم لما لا جزء له.","part":1,"page":15},{"id":26,"text":"الفصل الثالث في أقسام المفرد وهو إما أن يصح جعله أحد جزأي القضية الخبرية، التي هي ذات جزأين فقط، أو لا يصح.\rفإن كان الاول، فإما أن يصح تركب القضية الخبرية من جنسه، أو لا يصح، فإن كان الاول، فهو الاسم، وإن كان الثاني، فهو الفعل.\rوأما قسيم القسم الاول، فهو الحرف.\rولا يلزم على ما ذكرناه، الاسماء النواقص، كالذي والتي، والمضمرات، كهو وهي، حيث إنه لا يمكن جعلها أحد جزأي القضية الخبرية عند تجردها، ولا تركب القضية الخبرية منها\rلانها وإن تعذر ذلك فيها عند تجردها فالنواقص عند تعينها بالصلة لا يمتنع ذلك منها، وكذلك المضمرات عند إضافتها إلى المظهرات بخلاف الحروف.\rالفصل الرابع في الاسم وهو ما دل على معنى في نفسه، ولا يلزم منه الزمان الخارج عن معناه لبنيته.\rثم لا يخلو إما أن يكون واحدا، أو متعددا: فإن كان واحدا، فمسماه إما أن يكون واحدا، أو متعددا، فإن كان واحدا، فمفهومه منقسم على وجوه.\rالقسمة الاولى: أنه إما أن يكون بحيث يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون، أو لا يصح.\rفإن كان الاول، فهو كلي، وسواء وقعت فيه الشركة بالفعل ما بين أشخاص متناهية كاسم الكوكب، أو غير متناهية كاسم الانسان، أو لم تقع، إما لمانع من خارج كاسم العالم والشمس والقمر، أو بحكم الاتفاق كاسم عناق مغرب، أو جبل من ذهب.","part":1,"page":16},{"id":27,"text":"وهو إما أن يكون صفة، أو لا يكون صفة.\rوالصفة كالعالم والقادر.\rوما ليس بصفة، إما أن يكون عينا، كالانسان والفرس.\rوإما معنى كالعلم والجهل.\rوما كان من هذه الاسماء لا اختلاف في مدلوله بشدة ولا ضعف، ولا تقدم وتأخر.\rفهو المتواطئ، كلفظ الانسان والفرس، وإلا فمشكك، كلفظ الوجود والابيض وعلى كل تقدير، إما أن يكون ذاتيا للمشتركات فيه، أو عرضيا.\rفإن كان ذاتيا، فالمشتركات فيه إما أن تكون مختلفة بالذوات، أو بالعرض: فإن كان الاول، فإما أن يقال عليها في جواب ما هي، فهو الجنس، أو لا يقال كذلك، فهو ذاتي مشترك إما جنس جنس، أو فصل جنس.\rوإن كانت\rمختلفة بالعرض، فإما أن يقال عليها في جواب ما أو لا.\rوالاول هو النوع، والثاني هو فصل النوع.\rوإن كان عرضيا، فإن كانت المشتركات مختلفة بالذوات، فهو العرض العام، وإلا فهو الخاصة.\rوأما إن كان مفهومه غير صالح لاشتراك كثيرين فيه، فهو الجزئي، وهو إما أن لا يكون فيه تأليف، أو فيه.\rوالاول إما أن لا يكون مرتجلا، أو هو مرتجل: فإن لم يكن مرتجلا، فإما أن لا يكون منقولا كزيد وعمرو، أو هو منقول.\rوالمنقول إما عن اسم أو فعل أو صوت.\rفإن كان الاول، فإما عن اسم عين كأسد وعقاب، أو اسم معنى كفضل، أو اسم صفة كحاتم، وإن كان الثاني، فإما عن ماض كشمر، أو مضارع كتغلب، أو فعل أمر كاصمت، وإن كان الثالث كببه.","part":1,"page":17},{"id":28,"text":"وإن كان مرتجلا، وهو أن لا يكون بينه وبين ما نقل عنه مناسبة كحمدان.\rوإن كان مؤلفا، فإما من اسمين مضافين كعبد الله، أو غير مضافين، وأحدهما عامل في الآخر، أو غير عامل.\rوالاول كتسمية بعض الناس زيد منطلق، والثاني كبعلبك وحضرموت وإما من فعلين كقام قعد، وإما من حرفين كتسميته إنما، وإما من اسم وفعل نحو تأبط شرا، وإما من حرف واسم كتسميته بزيد وإما من فعل وحرف كتسميته قام على.\rوأما إن كان الاسم واحدا، والمسمى مختلفا، فإما أن يكون موضوعا على الكل حقيقة بالوضع الاول، أو هو مستعار في بعضها.\rفإن كان الاول فهو المشترك، وسواء كانت المسميات متباينة كالجون:\rللسواد، والبياض، أو غير متباينة، كما إذا أطلقنا اسم الاسود على شخص من الاشخاص بطريق العلمية، وأطلقناه عليه بطريق الاشتقاق من السواد القائم به، فإن مدلوله عند كونه علما، إنما هو ذات الشخص، ومدلوله عند كونه مشتقا الذات مع الصفة، وهي السواد.\rفالذات التي هي مدلول العلم جزء من مدلول اللفظ المشتق، ومدلول اللفظ المشتق وصف لمدلول العلم وإن كان الثاني، فهو المجازي.\rوأما إن كان الاسم متعددا، فإما أن يكون المسمى متحدا أو متعددا، فإن كان متحدا، فتلك هي الاسماء المترادفة، كالبهتر والبحتر للقصير، وإن كان المسمى متعددا، فتلك هي الاسماء المتباينة كالانسان والفرس.\rمسائل هذه القسمة ثلاث:","part":1,"page":18},{"id":29,"text":"المسألة الاولى اختلف الناس في اللفظ المشترك، هل له وجود في اللغة.\rفأثبته قوم، ونفاه آخرون.\rوالمختار جوازه ووقوعه.\rأما الجواز العقلي فهو أنه لا يمتنع عقلا أن يضع واحد من أهل اللغة لفظا واحدا على معنيين مختلفين بالوضع الاول على طريق البدل، ويوافقه عليه الباقون، أو أن يتفق وضع إحدى القبيلتين للاسم على معنى حقيقة، ووضع الاخرى له بإزاء معنى آخر، من غير شعور لكل واحدة بما وضعته الاخرى.\rثم يشتهر الوضعان، ويخفى سببه وهو الاشبه.\rولو قدر ذلك لما لزم من فرض وقوعه محال عقلا.\rكيف وأن وضع اللفظ تابع لغرض الواضع والواضع كما أنه قد يقصد تعريف الشئ لغيره مفصلا، فقد يقصد تعريفه مجملا غير مفصل، إما لانه علمه كذلك ولم يعلمه مفصلا، أو لمحذور يتعلق بالتفصيل دون الاجمال، فلا\rيبعد لهذه الفائدة منهم وضع لفظ يدل عليه من غير تفصيل.\rوأما بيان الوقوع، فقد قال قوم إنه لو لم تكن الالفاظ المشتركة واقعة في اللغة مع أن المسميات غير متناهية والاسماء متناهية ضرورة تركبها من الحروف المتناهية، خلت أكثر المسميات عن الالفاظ الدالة عليها مع دعو الحاجة إليها، وهو ممتنع وغير سديد من حيث إن الاسماء، وإن كانت مركبة من الحروف المتناهية، فلا يلزم أن تكون متناهية، إلا أن يكون ما يحصل من تضاعيف التركيبات متناهية، وهو غير مسلم.\rوإن كانت الاسماء متناهية، فلا نسلم أن المسميات المتضادة، والمختلفة - وهي التي يكون اللفظ مشتركا بالنسبة إليها - غير متناهية.","part":1,"page":19},{"id":30,"text":"وإن كانت غير متناهية، غير أن وضع الاسماء على مسمياتها مشروط بكون كل واحد من المسميات مقصودا بالوضع، وما لا نهاية له مما يستحيل فيه ذلك، ولئن سلمنا أنه غير ممتنع ولكن لا يلزم من ذلك الوضع.\rولهذا فإن كثيرا من المعاني لم تضع العرب بإزائها ألفاظا تدل عليها، لا بطريق الاشتراك ولا التفصيل، كأنواع الروائح، وكثير من الصفات.\rقال أبو الحسين البصري: أطلق أهل اللغة اسم القرء على الطهر والحيض، وهما ضدان.\rفدل على وقوع الاسم المشترك في اللغة.\rولقائل أن يقول: القول بكونه مشتركا غير منقول عن أهل الوضع، بل غاية المنقول اتحاد الاسم وتعدد المسمى.\rولعله أطلق عليهما باعتبار معنى واحد مشترك بينهما، لا باعتبار اختلاف حقيقتهما، أو أنه حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر، وإن خفي موضع الحقيقة والمجاز.\rوهذا هو الاولى.\rأما بالنظر إلى الاحتمال الاول، فلما فيه من نفي التجوز والاشتراك،\rوأما بالنظر إلى الاحتمال الثاني فلان التجوز أولى من الاشتراك، كما يأتي في موضعه.\rوالاقرب في ذلك أن يقال: اتفق إجماع الكل على إطلاق اسم الموجود على القديم والحادث حقيقة.\rولو كان مجازا في أحدهما، لصح نفيه إذ هو أمارة المجاز، وهو ممتنع.\rوعند ذلك فإما أن يكون اسم الموجود دالا على ذات الرب تعالى، أو على صفة زائدة على ذاته: فإن كان الاول، فلا يخفى أن ذات الرب تعالى مخالفة بذاتها لما سواها من الموجودات الحادثة، وإلا، لوجب الاشتراك بينها وبين ما شاركها في معناها في الوجوب، ضرورة التساوي في مفهوم","part":1,"page":20},{"id":31,"text":"الذات، وهو محال.\rوإن كان مدلول اسم الوجود صفة زائدة على ذات الرب تعالى، فإما أن يكون المفهوم منه هو المفهوم من اسم الوجود في الحوادث، وإما خلافه.\rوالاول يلزم منه أن يكون مسمى الوجود في الممكن واجبا لذاته ضرورة أن وجود الباري تعالى واجب لذاته، أو أن يكون وجود الرب ممكنا ضرورة إمكان وجود ما سوى الله تعالى، وهو محال.\rوإن كان الثاني لزم منه الاشتراك، وهو المطلوب.\rفإن قيل المقصود من وضع الالفاظ إنما هو التفاهم، وذلك غير متحقق مع الاشتراك من حيث إن فهم المدلول منه، ضرورة تساوي النسبة، غير معلوم من اللفظ، والقرائن فقد تظهر، وقد تخفى.\rوبتقدير خفائها يختل المقصود من الوضع وهو الفهم.\rقلنا: وإن اختل فهم التفصيل على ما ذكروه، فلا يختل معه الفهم في جهة الجملة كما سبق تقريره.\rوليس فهم التفصيل لغة من الضروريات، بدليل وضع أسماء الاجناس.\rفإنها لا تفيد تفاصيل ما تحتها.\rوإن سلمنا أن الفائدة المطلوبة إنما هي","part":1,"page":21},{"id":32,"text":"فهم التفصيل، فإنما يمنع ذلك من وضع الالفاظ المشتركة، أن لو لم تكن مفيدة لجميع مدلولاتها بطريق العموم، وليس كذلك، على ما ذهب إليه القاضي والشافعي، رضي الله عنه، كما سيأتي تحقيقه.\rوإذا عرف وقوع الاشتراك لغة، فهو أيضا واقع في كلام الله تعالى.\rوالدليل عليه قوله تعالى: * (والليل إذا عسعس) * (81) التكوير: 17)، فإنه مشترك بين إقبال الليل وإدباره، وهما ضدان، هكذا ذكره صاحب الصحاح.\rوما يقوله المانع لذلك: من أن المشترك إن كان المقصود منه الافهام، فإن وجد معه البيان، فهو تطويل من غير فائدة، وإن لم يوجد فقد فات المقصود، وإن لم يكن المقصود منه الافهام فهو عبث وهو قبيح، فوجب صيانة كلام الله عنه فهو مبني على الحسن والقبح الذاتي العقلي، وسيأتي إبطاله.\rكيف وقد بينا أن مذهب الشافعي، والقاضي أبي بكر، أن المشترك نوع من أنواع العموم، والعام غير ممتنع في كلام الله تعالى، وبتقدير عدم عمومه، فلا يمتنع أن يكون في الخطاب به فائدة لنيل الثواب بالاستعداد لامتثاله، بتقدير بيانه بظهور دليل يدل على تعيين البعض، وإبطال جميع الاقسام سوى الواحد منها.\rالمسألة الثانية قد ظن في أشياء أنها مشتركة، وهي متواطئة، وفي أشياء أنها متواطئة، وهي مشتركة.\rأما الاول: فكقولنا: مبدأ للنقطة.\rوالآن، فإنه لما اختلف الموضوع المنسوب إليه، وهو الزمان والخط، ظن الاشتراك في اسم المبدإ، وليس كذلك، فإن إطلاق اسم المبدإ عليهما إنما كان بالنظر إلى أن كل واحد منهما أول لشئ، لا من حيث هو أول للزمان أو الخط.\rوهو من هذا الوجه متواطئ، وليس بمشترك.","part":1,"page":22},{"id":33,"text":"وأما الثاني، فكقولنا: خمري للون الشبيه بلون الخمر، وللعنب باعتبار أنه يؤول إلى الخمر، وللدواء إذا كان يسكر كالخمر، أو أن الخمر جزء منه، فإنه لما اتحد المنسوب إليه، وهو الخمر، ظن أنه متواطئ، وليس كذلك، فإن اسم الخمري، وإن اتحد المنسوب إليه، إنما كان بسبب النسب المختلفة إليه، ومع الاختلاف فلا تواطؤ.\rنعم لو أطلق اسم الخمري في هذه الصور باعتبار ما وقع به الاشتراك من عموم النسبة، وقطع النظر عن خصوصياتها، كان متواطئا.\rالمسألة الثالثة ذهب شذوذ من الناس إلى امتناع وقوع الترادف في اللغة، مصيرا منهم إلى أن الاصل عند تعدد الاسماء تعدد المسميات، واختصاص كل اسم بمسمى غير مسمى الآخر.\rوبيانه من أربعة أوجه: الاول: إنه يلزم من اتحاد المسمى تعطيل فائدة أحد اللفظين لحصولها باللفظ الآخر.\rالثاني: إنه لو قيل باتحاد المسمى، فهو نادر بالنسبة إلى المسمى المتعدد بتعدد الاسماء، وغلبة استعمال الاسماء بازاء المسميا ت المتعددة تدل على أنه أقرب إلى تحصيل مقصود أهل الوضع من وضعهم، فاستعمال الالفاظ المتعددة فيما هو على خلاف الغالب خلاف الاصل.\rالثالث: إن المؤونة في حفظ الاسم الواحد أخف من حفظ الاسمين، والاصل إنما هو التزام أعظم المشتقين لتحصيل أعظم الفائدتين.\rالرابع: إنه إذا اتحد الاسم، دعت حاجة الكل إلى معرفته مع خفة المؤونة في حفظه، فعمت فائدة التخاطب به، ولا كذلك إذا تعددت الاسماء فإن كل واحد على أمرين: بين أن يحفظ مجموع الاسماء، أو البعض منها.\rوالاول شاق جدا، وقلما يتفق ذلك، والثاني فيلزم منه الاخلال بفائدة التخاطب لجواز اختصاص\rكل واحد بمعرفة اسم لا يعرفه الآخر.","part":1,"page":23},{"id":34,"text":"وجوابه: أن يقال لا سبيل إلى إنكار الجواز العقلي، فإنه لا يمتنع عقلا أن يضع واحد لفظين على مسمى واحد، ثم يتفق الكل عليه.\rأو أن تضع إحدى القبيلتين أحد الاسمين على مسمى، وتضع الاخرى له اسما آخر، من غير شعور كل قبيلة بوضع الاخرى ثم يشيع الوضعان بعد بذلك كيف وإن ذلك جائز بل واقع بالنظر إلى لغتين ضرورة، فكان جائزا بالنظر إلى قبيلتين.\rقولهم في الوجه الاول: لا فائدة في أحد الاسمين ليس كذلك، فإنه يلزم منه التوسعة في اللغة، وتكثير الطرق المفيدة للمطلوب، فيكون أقرب إلى الوصول إليه، حيث إنه لا يلزم من تعذر حصول أحد الطريقين تعذر الآخر، بخلاف ما إذا اتحد الطريق.\rوقد يتعلق به فوائد أخر في النظم والنثر بمساعدة أحد اللفظين في الحرف الروي، ووزن البيت، والجناس، والمطابقة، والخفة في النطق به، إلى غير ذلك من المقاصد المطلوبة لارباب الادب وأهل الفصاحة.\rوما ذكروه في الوجه الثاني، فغير مانع من وقوع الترادف، بدليل الاسماء المشتركة والمجازية.\rوما ذكروه في الوجه الثالث، فإنما يلزم المحذور منه، وهو زيادة مؤونة الحفظ، أن لو وظف على كل واحد حفظ جميع المترادفات، وليس كذلك، بل هو مخير في حفظ الكل أو البعض، مع ما فيه من الفائدة التي ذكرناها.\rوعن الوجه الرابع، أنه ملغى بالترادف في لغتين، كيف وإنه يلزم من الاخلال بالترادف الاخلال بما ذكرناه من المقاصد أولا، وهو محذور.\rثم الدليل على وقوع الترادف في اللغة، ما نقل عن العرب من قولهم: الصهلب والشوذب من أسماء الطويل، والبهتر والبحتر من أسماء القصير، إلى غير ذلك.\rولا دليل على امتناع ذلك حتى يتبع ما يقوله من يتعسف في هذا الباب في بيان اختلاف المدلولات.\rلكنه ربما خفي بعض الالفاظ المترادفة، وظهر البعض، فيجعل الاشهر بيانا للاخفى، وهو الحد اللفظي.","part":1,"page":24},{"id":35,"text":"وقد ظن بأسماء أنها مترادفة، وهي متباينة.\rوذلك عندما إذا كانت الاسماء لموضوع واحد باعتبار صفاته المختلفة، كالسيف، والصارم، والهندي، أو باعتبار صفته، وصفة صفته، كالناطق، والفصيح، وليس كذلك.\rويفارق المرادف المؤكد من جهة أن اللفظ المرادف لا يزيد مرادفه إيضاحا، ولا يشترط تقدم أحدهما على الآخر، ولا يرادف الشئ بنفسه بخلاف المؤكد.\rوالتابع في اللفظ، فمخالف لهما فإنه لا بد وأن يكون على وزن المتبوع، وأنه قد لا يفيد معنى أصلا، كقولهم: حس بسن، وشيطان ليطان، ولهذا قال ابن دريد: سألت أبا حاتم عن معنى قولهم: بسن فقال: ما أدري ما هو.\rالقسمة الثانية: الاسم ينقسم إلى ظاهر، ومضمر، وما بينهما.\rوذلك لانه إما أن يقصد به البيان مع الاختصار، أو لا مع الاختصار فالاول هو الظاهر، والثاني إما أن لا يقصد معه التنبيه أو يقصد: فالاول هو المضمر، والثاني ما بينهما.\rفأما الاسم الظاهر: إما أن لا يكون آخره ألفا، ولا ياء قبلها كسرة، أو يكون.\rفالاول هو الاسم الصحيح، فإن دخله حركة الجر مع التنوين، فهو المنصرف، كزيد وعمرو، وإن لم يكن كذلك، فهو غير منصرف، كأحمد وإبراهيم.\rوالثاني هو المعتل، فإن كان في آخره ياء قبلها كسرة، فهو المنقوص، كالقاضي والداعي، وإن كان في آخره ألف، فهو المقصور، كالدنيا والاخرى، وإن كان\rفي آخره همزة قبلها ألف، فهو الممدود، كالرداء والكساء.\rوأما المضمر، فهو إما منفصل، وإما متصل: والمنفصل نحو: أنا، ونحن، وهو، وهي ونحوه.\rوالمتصل نحو: فعلت وفعلنا - وما بينهما فهو اسم الاشارة.\rوهو إما أن يكون مفردا، ليس معه تنبيه ولا خطاب، أو يكون.","part":1,"page":25},{"id":36,"text":"فالاول، نحو: ذا، وذان، وذين، وأولاء.\rوأما إن كان غير مفرد، فإن وجد معه التنبيه لا غير، فنحو: هذا، وهذان.\rوإن وجد معه الخطاب، فنحو: ذاك وذانك، وإن اجتمعا معه، فنحو: هذاك، وهاتيك.\rثم ما كان من الاسماء الظاهرة، فلا يكون من أقل من ثلاثة أحرف أصول، نفيا للاجحاف عنه مع قوته بالنسبة إلى الفعل والحرف، إلا فيما شذ من قولهم: يد، ودم، وأب، وأخ ونحوه، مما حذف منه الحرف الثالث.\rوما كان من الاسماء المضمرة متصلا، كان من حرف واحد كالتاء من فعلت.\rوإن كان منفصلا، فلا يكون من أقل من حرفين، يبتدأ بأحدهما، ويوقف على الآخر: نحو هو، وهي.\rوكذلك ما كان من أسماء الاشارة، فلا يكون من أقل من حرفين أيضا، نحو ذا، وذي ونحوه.\rوبالجملة فإما أن يدل على شئ بعينه، أو لا بعينه.\rفالاول هو: المعرفة، كأسماء الاعلام، والمضمرات، والمبهمات، كأسماء الاشارة، والموصولات، وما دخل عليه لام التعريف، وما أضيف إلى أحد هذه المعارف.\rوالثاني هو: النكرة، كإنسان وفرس.\rوما ألحق بآخره من الاسماء ياء مشددة، مكسور ما قبلها، فهو المنسوب، كالهاشمي والمكي ونحوه.\rالقسمة الثالثة:\rالاسم ينقسم إلى ما هو حقيقة، ومجاز.\rأما الحقيقة فهي في اللغة مأخوذة من الحق، والحق هو الثابت اللازم، وهو نقيض الباطل، ومنه يقال حق الشئ حقه، ويقال حقيقة الشئ أي ذاته الثابتة اللازمة، ومنه قوله تعالى: * (ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) * (39) الزمر: 71) أي وجبت.\rوكذلك قوله تعالى: * (حقيق على أن لا أقول) * (7) الاعراف: 105) أي واجب علي.","part":1,"page":26},{"id":37,"text":"وأما في اصطلاح الاصوليين، فاعلم أن الاسماء الحقيقية قد يطلقها الاصوليون على لغوية وشرعية.\rواللغوية: تنقسم إلى وضعية وعرفية.\rوالكلام إنما هو في الحقيقة الوضعية، فلنعرفها، ثم نعود إلى باقي الاقسام.\rوقد ذكر فيها حدود واهية يستغنى عن تضييع الزمان بذكرها، والحق في ذلك أن يقال: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في اللغة، كالاسد المستعمل في الحيوان الشجاع العريض الاعالي، والانسان في الحيوان الناطق.\rوأما الحقيقة العرفية اللغوية، فهي اللفظ المستعمل فيما وضع له بعرف الاستعمال اللغوي، وهي قسمان: الاول: أن يكون الاسم قد وضع لمعنى عام، ثم يخصص بعرف استعمال أهل اللغة ببعض مسمياته، كاختصاص لفظ الدابة بذوات الاربع عرفا، وإن كان في أصل اللغة لكل ما دب.\rوذلك إما لسرعة دبيبه أو كثرة مشاهدته، أو كثرة استعماله، أو غير ذلك.\rالثاني: أن يكون الاسم في أصل اللغة بمعنى، ثم يشتهر في عرف استعمالهم بالمجاز الخارج عن الموضوع اللغوي، بحيث إنه لا يفهم من اللفظ عند إطلاقه غيره، كاسم الغائط، فإنه، وإن كان في أصل اللغة للموضع المطمئن من الارض، غير أنه قد اشتهر في عرفهم بالخارج المستقذر من الانسان، حتى إنه لا يفهم من\rذلك اللفظ، عند إطلاقه غيره.\rويمكن أن يكون شهرة استعمال لفظ الغائط من الخارج المستقذر من الانسان، لكثرة مباشرته وغلبة التخاطب به مع الاستنكاف من ذكر الاسم الخاص به، لنفرة الطباع عنه، فكنوا عنه بلازمه، أو لمعنى آخر.\rوأما الحقيقة الشرعية، فهي استعمال الاسم الشرعي فيما كان موضوعا له أولا في الشرع.\rوسواء كان الاسم الشرعي ومسماه لا يعرفهما أهل اللغة، أو هما معروفان لهم.\rغير أنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى، أو عرفوا المعنى، ولم يعرفوا الاسم ولم يعرفوا ذلك المعنى كاسم الصلاة،","part":1,"page":27},{"id":38,"text":"والحج، والزكاة ونحوه.\rوكذلك اسم الايمان والكفر.\rلكن ربما خصت هذه بالاسماء الدينية.\rوإن شئت أن تحد الحقيقة على وجه يعم جميع هذه الاعتبارات، قلت: الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في الاصطلاح الذي به التخاطب.\rفإنه جامع مانع.\rوأما المجاز فمأخوذ في اللغة من الجواز، وهو الانتقال من حال إلى حال.\rومنه يقال جاز فلان من جهة كذا إلى كذا، وهو مخصوص في اصطلاح الاصوليين بانتقال اللفظ من جهة الحقيقة إلى غيرها.\rوقبل النظر في تحديده، يجب أن تعلم أن المجاز قد يكون لصرف اللفظ عن الحقيقة الوضعية وعن العرفية، والشرعية إلى غيرها، كما كانت الحقيقة منقسمة إلى وضعية وعرفية وشرعية.\rوعند هذا نقول: من اعتقد كون المجاز وضعيا، قال في حد المجاز في اللغة الوضعية هو اللفظ المتواضع على استعماله في غير ما وضع له أولا في اللغة لما بينهما من التعلق.\rومن لم يعتقد كونه وضعيا، أبقى الحد بحاله، وأبدل المتواضع عليه بالمستعمل، وعلى هذا فلا يخفى حد التجوز عن الحقيقة العرفية والشرعية.\rوإن أردت التحديد على وجه يعم الجميع، قلت: هو اللفظ المتواضع على استعماله أو المستعمل في غير ما وضع له أولا في الاصطلاح الذي به المخاطبة، لما بينهما من التعلق، ونعني بالتعلق بين محل الحقيقة والمجاز أن يكون محل التجوز مشابها لمحل الحقيقة في شكله وصورته، كإطلاق اسم الانسان على المصور على الحائط، أو في صفة ظاهرة في محل الحقيقة، كإطلاق اسم الاسد على الانسان لاشتراكهما في صفة الشجاعة، لا في صفة البخر لخفائها، أو لانه كان حقيقة.\rكإطلاق اسم العبد على المعتق، أو لانه يؤول إليه في الغالب، كتسمية العصير خمرا، أو أنه مجاور له في الغالب، كقولهم: جرى النهر والميزاب، ونحوه.","part":1,"page":28},{"id":39,"text":"وجميع جهات التجوز، وإن تعددت غير خارجة عما ذكرناه وإنما قيدنا الحد باللفظ، لان الكلام إنما هو في المجاز اللفظي لا مطلقا، وبقولنا: المتواضع على استعماله أو المستعمل في غير ما وضع له أولا تمييزا له عن الحقيقة.\rوبقولنا: لما بينهما من التعلق، لانه لو لم يكن كذلك، كان ذلك الاستعمال ابتداء وضع آخر، وكان اللفظ مشتركا لا مجازا.\rفإن قيل ما ذكرتموه من الحد غير جامع، لانه يخرج منه التجوز بتخصيص الاسم ببعض مدلولاته في اللغة، كتخصيص لفظ الدابة بذوات الاربع، فإنه مجاز، وهو غير مستعمل في غير ما وضع له أولا، لدخول ذوات الاربع في المدلول الاصلي، ويلزم منه أيضا خروج التجوز بزيادة الكاف في قوله: * (ليس كمثله شئ) * (42) الشورى: 11)، فإنه مجاز، وهو غير مستعمل في إفادة شئ أصلا.\rويخرج أيضا منه التجوز بلفظ الاسد عن الانسان، حالة قصد تعظيمه، وإنما يحصل تعظيمه بتقدير كونه أسدا، لا بمجرد إطلاق اسم الاسد عليه، بدليل ما إذا جعل علما له، ومدلوله إذ ذاك لا يكون غير ما وضع له أولا.\rوتدخل فيه الحقيقة العرفية، كلفظ الغائط وإن\rكان اللفظ مستعملا في غير موضوعه أولا.\rوالحقيقة من حيث هي حقيقة لا تكون مجازا.\rقلنا: أما الاشكال الاول فمندفع، لانه لا يخفى أن حقيقة المطلق مخالفة لحقيقة المقيد من حيث هما كذلك، فإذا كان لفظ الدابة حقيقة في مطلق دابة، فاستعماله في الدابة المقيدة على الخصوص يكون استعمالا له في غير ما وضع له أولا، وأما الكاف في قوله تعالى: * (ليس كمثله شئ) * (42) الشورى: 11) فليست مستعملة للاسمية كوضعها في اللغة، ولا للتشبيه، وإلا كان معناها: ليس لمثله مثل، وهو مثل لمثيله، فكان تناقضا فكانت مستعملة، لا فيما وضعت له في اللغة أولا، فكانت داخلة في الحد.","part":1,"page":29},{"id":40,"text":"وأما التعبير بلفظ الاسد عن الانسان تعظيما له، فليس لتقدير مسمى الاسد الحقيقي فيه، بل لمشاركته له في صفته من الشجاعة.\rوالحقيقة العرفية وإن كانت حقيقة بالنظر إلى تواضع أهل العرف عليها، فلا تخرج عن كونها مجازا بالنسبة إلى استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولا، ولا تناقض، وإذا عرف معنى الحقيقة والمجاز، فمهما ورد لفظ في معنى، وتردد بين القسمين، فقد يعرف كونه حقيقة ومجازا بالنقل عن أهل اللغة، وإن لم يكن نقل فقد يعرف كونه مجازا بصحة نفيه في نفس الامر ويعرف كونه حقيقة بعدم ذلك.\rولهذا فإنه يصح أن يقال لمن سمي من الناس حمارا لبلادته، إنه ليس بحمار، ولا يصح أن يقال إنه ليس بإنسان في نفس الامر لما كان حقيقة فيه.\rومنها أن يكون المدلول مما يتبادر إلى الفهم من إطلاق اللفظ من غير قرينة، مع عدم العلم بكونه مجازا، بخلاف غيره من المدلولات، فالمتبادر إلى الفهم هو الحقيقة، وغيره هو المجاز.\rفإن قيل هذا لا يطرد في المجاز المنقول، حيث إنه يسبق إلى الفهم من اللفظ دون حقيقته، فالامر فيهما بالضد مما ذكرتموه وينتقض أيضا باللفظ المشترك، فأنه حقيقة في مدلولاته، مع عدم تبادر شئ منها إلى الفهم عند إطلاقه.\rقلنا: أما الاول فمندفع.\rوذلك لان اللفظ الوارد، إذا تبادر مدلوله إلى الذهن عند إطلاقه، فإن علم كونه مجازا فهو غير وارد على ما ذكرناه، وإن لم يعلم، فالظاهر أنه يكون حقيقة فيه، لاختصاص ذلك بالحقيقة في الغالب، وإدراج النادر تحت الغالب أولى.\rوأما اللفظ المشترك فإن قلنا إنه عام في جميع محامله، فقد اندفع الاشكال.\rوإن قلنا إنه لا يتناول إلا واحدا من مدلولاته على طريق البدل، فهو","part":1,"page":30},{"id":41,"text":"حقيقة في الواحد على البدل، لا في الواحد عينا.\rوالذي هو حقيقة فيه فهو متبادر إلى الفهم عند إطلاقه، وهو الواحد على البدل.\rوالذي لم يتبادر إلى الفهم وهو الواحد المعين غير حقيقة فيه، وفيه دقة.\rومنها أن لا يكون اللفظ مطردا في مدلوله، مع عدم ورود المنع من أهل اللغة والشارع من الاطراد، وذلك كتسمية الرجل الطويل نخلة، إذ هو غير مطرد في كل طويل.\rفإن قيل: عدم الاطراد لا يدل على التجوز، فإن اسم السخي حقيقة في الكريم، والفاضل حقيقة في العالم، وهذان المدلولان موجودان في حق الله تعالى، ولا يقال له سخي ولا فاضل، وكذلك اسم القارورة حقيقة في الزجاجة المخصوصة، لكونها مقرا للمائعات، وهذا المعنى موجود في الجرة والكوز، ولا يسمى قارورة، وإن سلمنا ذلك.\rولكن الاطراد لا يدل على الحقيقة، لجواز اطراد بعض المجازات، وعدم الاطراد في بعضها كما ذكرتموه فلا يلزم منه التعميم.\rقلنا: أما الاشكال الاول، فقد اندفع بقولنا: إذا لم يوجد مانع شرعي ولا لغوي وفيما أورد من الصور، قد وجد المنع، ولولاه لكان الاسم مطردا فيها.\rوأما الثاني، فإنا لا ندعي أن الاطراد دليل الحقيقة، ليلزم ما قيل، بل المدعى أن عدم الاطراد دليل المجاز.\rومنها أن يكون الاسم قد اتفق على كونه حقيقة في غير المسمى المذكور، وجمعه مخالف لجمع المسمى المذكور، فنعلم أنه مجاز فيه، وذلك كإطلاق اسم الامر على القول المخصوص، وعلى الفعل في قوله تعالى: * (وما أمرنا إلا واحدة) * (54) القمر: 50) وقوله تعالى: * (وما أمر","part":1,"page":31},{"id":42,"text":"فرعون برشيد) * (11) هود: 97) فإن جمعه في جهة الحقيقة أوامر، وفي الفعل أمور.\rولا نقول إن المجاز لا يجمع والحقيقة تجمع، كما ذكر بعضهم، إذ الاجماع منعقد على التجوز بلفظ الحمار عن البليد، مع صحة تثنيته وجمعه، حيث يقال حماران وحمر.\rفإن قيل اختلاف الجمع لا يدل على التجوز في المسمى المذكور، لجواز أن يكون حقيقة فيه، واختلاف الجمع بسبب اختلاف المسمى.\rقلنا: الجمع إنما هو للاسم، لا للمسى فاختلافه لا يكون مؤثرا في اختلاف الجمع.\rومنها أن يكون الاسم موضوعا لصفة، ولا يصح أن يشتق لموضوعها منها اسم، مع عدم ورود المنع من الاشتقاق، فيدل على كونه مجازا، وذلك كإطلاق اسم الامر على الفعل.\rفإنه لا يشتق لمن قام به منه اسم الآمر.\rبخلاف اسم القارورة، فإنه لا يطلق على الكوز والجرة بطريق الاشتقاق من قرار المائع فيه، مع كون اسم القرار فيه حقيقة كما اشتق في الزجاجة المخصوصة لورود المنع من أهل اللغة فيه.\rفإن قيل: هذا ينتقض باسم الرائحة القائمة بالجسم، فإنه حقيقة مع عدم الاشتقاق.\rقلنا: لا نسلم عدم الاشتقاق.\rفإنه يصح أن يقال للجسم الذي قامت به الرائحة متروح.\rومنها أن يكون الاسم مضافا إلى شئ حقيقة، وهو متعذر الاضافة إليه، فيتعين أن يكون مجازا في شئ آخر، وذلك كقوله تعالى: * (واسأل القرية) * (12) يوسف: 82).\rفإن قيل: لا يدل ذلك على كونه مجازا في الغير، لجواز أن يكون مشتركا، وتعذر حمل اللفظ المشترك على بعض محامله لا يوجب جعله مجازا في الباقي.\rقلنا: هذا مبني على القول بالاشتراك، وهو خلاف الاصل، والمجاز، وإن كان على خلاف الاصل، إلا أن المحذور فيه أدنى من محذور الاشتراك على ما يأتي،","part":1,"page":32},{"id":43,"text":"فكان أولى.\rوعلى هذا نقول: مهما ثبت كون اللفظ حقيقة في بعض المعاني، لزم أن يكون مجازا فيما عداه، إذا لم يكن بينهما معنى مشترك يصلح أن يكون مدلولا للفظ بطريق التواطؤ.\rومنها أن يكون قد ألف من أهل اللغة أنهم إذا استعملوا لفظا بإزاء معنى، أطلقوه إطلاقا، وإذا استعملوه بإزاء غيره، قرنوا به قرينة، فيدل ذلك على كونه حقيقة فيما أطلقوه مجازا في الغير، وذلك لان وضع الكلام للمعنى إنما كان ليكتفي به في الدلالة.\rوالاصل أن يكون ذاك في الحقيقة دون المجاز لكونها أغلب في الاستعمال.\rومنها أنه إذا كان اللفظ حقيقة في معنى، ولذلك المعنى متعلق فإطلاقه بإزاء ما ليس له ذلك المتعلق يدل على كونه مجازا فيه، كإطلاق اسم القدرة على الصفة المؤثرة في الايجاد.\rفإن لها مقدورا، وإطلاقها على المخلوقات في قولهم: انظر إلى قدرة الله لا مقدور لها.\rفإن: قيل التعلق ليس من توابع كون اللفظ حقيقيا، بل من توابع المسمى، ولا يلزم من اختلاف المسمى، إذا كان الاسم في أحدهما حقيقة، أن يكون مجازا في الآخر، لجواز الاشتراك، فجوابه ما سبق.\rومنها أن يكون الاسم الموضوع لمعنى مما يتوقف إطلاقه عليه على تعلقه بمسمى ذلك الاسم في موضع آخر، ولا كذلك بالعكس فيعلم أن المتوقف مجاز، والآخر غير مجاز.\rوتشترك الحقيقة والمجاز في امتناع اتصاف أسماء الاعلام بهما، كزيد وعمرو.\rوذلك لان الحقيقة على ما تقدم إنما تكون عند استعمال اللفظ فيما وضع له أولا، والمجاز في غير ما وضع له أولا.\rوذلك يستدعي كون الاسم الحقيقي والمجازي في وضع اللغة موضوعا لشئ قبل هذا الاستعمال في وضع اللغة.\rوأسماء الاعلام ليست كذلك.\rفإن مستعملها لم يستعملها فيما وضعه أهل اللغة له أولا، ولا في غيره لانها لم تكن من وضعهم، فلا تكون حقيقة ولا مجازا.","part":1,"page":33},{"id":44,"text":"وعلى هذا، فالالفاظ الموضوعة أولا في ابتداء الوضع في اللغة لا توصف بكونها حقيقة ولا مجازا، وإلا كانت موضوعة قبل ذلك الوضع، وهو خلاف الفرض.\rوكذلك كل وضع ابتدائي، حتى الاسماء المخترعة ابتداء لارباب الحرف والصناعات لادواتهم وآلاتهم، وإنما تصير حقيقة ومجازا باستعمالها بعد ذلك.\rوبهذا يعلم بطلان قول من قال: إن كل مجاز له حقيقة ولا عكس.\rوذلك لان غاية المجاز أن يكون مستعملا في غير ما وضع له أولا، وما وضع له اللفظ أولا ليس حقيقة، ولا مجازا، على ما عرف.\rوبالنظر إلى ما حققناه في معنى الحقيقة والمجاز، يعلم أن تسمية اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا حقيقة، وإن كان حقيقة بالنظر إلى الامر العرفي، غير أنه مجاز بالنظر إلى كونه منقولا من الوجوب والثبوت الذي هو مدلول الحقيقة أولا في اللغة، على ما سبق تحقيقه.\rوتشترك الحقيقة والمجاز أيضا أن كل ما كان من كلام العرب، ما عدا\rالوضع الاول، فإنه لا يخلو عن الحقيقة والمجاز معا، بل لا بد من أحدهما فيه.\rمسائل هذه القسمة خمس:","part":1,"page":34},{"id":45,"text":"المسألة الاولى في الاسماء الشرعية ولا شك في إمكانها، إذ لا إحالة في وضع الشارع اسما من أسماء أهل اللغة، أو من غير أسمائهم على معنى يعرفونه، أو لا يعرفونه، لم يكن موضوعا لاسمائهم.\rفإن دلالات الاسماء على المعاني ليست لذواتها، ولا الاسم واجب للمعنى، بدليل انتفاء الاسم قبل التسمية، وجواز إبدال اسم البياض بالسواد في ابتداء الوضع، وكما في أسماء الاعلام، والاسماء الموضوعة لارباب الحرف والصناعات لادواتهم وآلاتهم.\rوإنما الخلاف نفيا وإثباتا في الوقوع.\rوالحجاج هاهنا مفروض فيما استعمله الشارع من أسماء أهل اللغة، كلفظ الصوم والصلاة هل خرج به عن وضعهم، أم لا.\rفمنع القاضي أبو بكر من ذلك، وأثبته المعتزلة والخوارج والفقهاء احتج القاضي بمسلكين: الاول: أن الشارع لو فعل ذلك، لزمه تعريف الامة بالتوقيف نقل تلك الاسامي، وإلا كان مكلفا لهم بفهم مراده من تلك الاسماء، وهم لا يفهمونه، وهو تكليف بما لا يطاق والتوقيف الوارد في مثل هذه الامور لا بد وأن يكون متواترا لعدم قيام الحجة بالآحاد فيها، ولا تواتر.\rوهذه الحجة غير مرضية، أما أولا، فلانها مبنية على امتناع التكليف بما لا يطاق، وهو فاسد على ما عرف من أصول أصحابنا القائلين بخلافه في هذه","part":1,"page":35},{"id":46,"text":"المسألة، وإن كان ذلك ممتنعا عند المعتزلة، وبتقدير امتناع التكليف بما لا يطاق، إنما يكون هذا تكليفا بما لا يطاق إذ لو كلفهم بفهمها قبل تفهيمهم.\rوليس كذلك.\rقوله: التفهيم، إنما يكون بالنقل.\rلا نسلم.\rوما المانع أن يكون تفهيمهم بالتكرير والقرائن المتضافرة مرة بعد مرة، كما يفعل الوالدان بالولد الصغير، والاخرس في تعريفه لما في ضميره لغيره بالاشارة.\rالمسلك الثاني: أن هذه الالفاظ قد اشتمل عليها القرآن.\rفلو كانت مفيدة لغير مدلولاتها في اللغة، لما كانت من لسان أهل اللغة، كما لو قال: أكرم العلماء وأراد به الجهال أو الفقراء، وذلك لان كون اللفظ عربيا ليس لذاته وصورته، بل لدلالته على ما وضعه أهل اللغة بإزائه، وإلا، كانت جميع ألفاظهم قبل التواضع عليها عربية، وهو ممتنع، ويلزم من ذلك أن لا يكون القرآن عربيا، وهو على خلاف قوله تعالى: * (إنا جعلناه قرآنا عربيا) * (43) الزخرف: 3)، وقوله تعالى: * (بلسان عربي مبين) * (26) الشعراء: 195)، وقوله تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) * (14) إبراهيم: 4) وذلك ممتنع.\rوهذا المسلك ضعيف أيضا، إذ لقائل أن يقول: لا أسلم أنه يلزم من ذلك خروج القرآن عن كونه عربيا، فإن قيل لانه إذا كان مشتملا على ما ليس بعربي، فما بعضه عربي وبعضه غير عربي، لا يكون كله عربيا.\rوفي ذلك مخالفة ظواهر النصوص المذكورة، فيمكن أن يقال: لا نسلم دلالة النصوص على كون القرآن بكليته عربيا لان القرآن قد يطلق على السورة الواحدة منه، بل على الآية الواحدة كما يطلق على الكل.\rولهذا يصح أن يقال للسورة الواحدة: هذا قرآن.\rوالاصل في الاطلاق الحقيقة، ولان القرآن مأخوذ من الجمع، ومنه يقال: قرأت الناقة لبنها في ضرعها، إذا جمعته، وقرأت الماء في الحوض أي جمعته، والسورة الواحدة فيها معنى الجمع،","part":1,"page":36},{"id":47,"text":"لتألفها من حروف وكلمات وآيات، فصح إطلاق القرآن عليها.\rغايته أنا خالفنا هذا في غير الكتاب العزيز، فوجب العمل بمقتضى هذا الاصل في الكتاب وبعضه، ولانه لو حلف أنه لا يقرأ القرآن، فقرأ سورة منه، حنث، ولو لم يكن قرآنا، لما حنث.\rوإذا كان كذلك فليس الحمل على الكل أولى من البعض.\rوعند ذلك أمكن حمله على البعض الذي ليس فيه غير العربية.\rفإن قيل: أجمعت الامة على أن الله تعالى لم ينزل إلا قرآنا واحدا، فلو كان البعض قرآنا، والكل قرآنا لزمت التثنية في القرآن، وهو خلاف الاجماع.\rوإذا لم يكن القرآن إلا واحدا، تعين أن يكون هو الكل ضرورة الاجماع على تسميته قرآنا.\rقلنا: أجمعت الامة على أن الله تعالى لم ينزل إلا قرآنا واحدا، لمعنى أنه لم ينزل غير هذا القرآن، أو بمعنى أن المجموع قرآن، وبعضه ليس بقرآن.\rالاول مسلم، والثاني ممنوع.\rفإن قيل: ما ذكرتموه من الدليل على كون بعض القرآن قرآنا معارض بما يدل على أنه ليس بقرآن، وهو صحة قول القائل عن السورة والآية: هذا بعض القرآن.\rقلنا: المراد به إنما هو بعض الجملة المسماة بالقرآن، وليس في ذلك ما يدل على أن البعض ليس بقرآن حقيقة.\rفإن جزء الشئ، إذا شارك كله في معناه، كان مشاركا له في اسمه، ولهذا يقال إن بعض اللحم لحم، وبعض العظم عظم، وبعض الماء ماء، لاشتراك الكل والبعض في المعنى المسمى بذلك الاسم، وإنما يمتنع ذلك فيما كان البعض فيه غير مشارك للكل في المعنى المسمى بذلك الاسم.\rولهذا لا يقال: بعض العشرة عشرة، وبعض المائة مائة، وبعض الرغيف رغيف، وبعض الدار دار، إلى غير ذلك.\rوعند ذلك، فما لم يبينوا كون ما نحن فيه\rمن القسم الثاني دون الاول، فهو غير لازم.\rوإن سلمنا التعارض من كل وجه،","part":1,"page":37},{"id":48,"text":"فليس القول بالنفي أولى من القول بالاثبات.\rوعلى المستدل الترجيح.\rوإن سلمنا دلالة النصوص على كون القرآن بجملته عربيا، لكن بجهة الحقيقة، أو المجاز، الاول ممنوع، والثاني مسلم، وذلك لان ما الغالب منه العربية، يسمى عربيا، وإن كان فيه ما ليس بعربي، كما يسمى الزنجي أسود، وإن كان بعضه اليسير مبيضا، كأسنانه، وشحمة عينيه، والرومي أبيض وإن كان البعض اليسير منه أسود، كالناظر من عينيه.\rوكذل البيت من الشعر بالفارسية يسمى فارسيا، وإن كان مشتملا على كلمات يسيرة من العربية.\rويدل على هذا التجوز ما اشتمل عليه القرآن من الحروف المعجمة، في أوائل السور، فإنها ليست من لغة العرب في شئ، وأيضا فإن القرآن قد اشتمل على عبادات غير معلومة للعرب، فلا يتصور التعبير عنها في لغتهم.\rفلا بد لها من أسماء تدل عليها غير عربية، وأيضا فإن القرآن مشتمل على قوله تعالى: * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (2) البقرة: 143) وأراد به صلاتكم، وليس الايمان في اللغة بمعنى الصلاة، بل بمعنى التصديق، وعلى قوله: * (أقيموا الصلاة) * (2) البقرة: 43) والصلاة في اللغة بمعنى الدعاء، وفي الشرع عبارة عن الافعال المخصوصة، وعلى قوله تعالى: * (وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43) والزكاة في اللغة عبارة عن النماء والزيادة، وفي الشرع عبارة عن وجوب أداء مال مخصوص، وعلى قوله تعالى: * (كتب عليكم الصيام) * (2) البقرة: 183) والصوم في اللغة عبارة عن مطلق إمساك، وفي الشرع عبارة عن إمساك مخصوص، بل وقد يطلق الصوم في الشرع في حالة لا إمساك فيها، كحالة الآكل ناسيا.\rوعلى قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) * (3) آل عمران: 97)","part":1,"page":38},{"id":49,"text":"والحج في اللغة عبارة عن مطلق قصد، وفي الشرع عبارة عن القصد إلى مكان مخصوص.\rوهذا كله يدل على اشتمال القرآن على ما ليس بعربي، فكان إطلاق اسم العربي عليه مجازا.\rفإن قيل: أما الحروف المعجمة التي في أوائل السور فهي أسماؤها، وأما العبادات الحادثة فمن حيث إنها أفعال محسوسة معلومة للعرب ومسماة بأسماء خاصة لها لغة، غير أن الشرع اعتبرها في الثواب والعقاب عليها بتقدير الفعل أو الترك.\rوليس في ذلك ما يدل على اشتمال القرآن على ما ليس بعربي.\rوأما الآيات المذكورة فهي محمولة على مدلولاتها لغة.\rأما قوله تعالى: * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (2) البقرة: 143)، فالمراد به تصديقكم بالصلاة، وقوله تعالى: * (أقيموا الصلاة) * (2) البقرة: 43) فالمراد به الدعاء، وكذلك قوله: * (وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43)، فالمراد به النمو.\rوالمراد من الصوم الامساك، ومن الحج القصد.\rغير أن الشارع شرط في إجزائها وصحتها شرعا ضم غيرها إليها.\rوليس في ذلك ما يدل على تغيير الوضع اللغوي، وإن سلمنا دخول هذه الشروط في مسمى هذه الاسماء، لكن بطريق المجاز، أما في الصلاة، فمن جهة أن الدعاء جزؤها، والشئ قد يسمى باسم جزئه، ومنه قول الشاعر: يناشدني حاميم والرمح شاجر * * فهلا تلا حاميم قبل التقدم وأراد به القرآن، فسماه باسم جزئه.\rوكذلك الكلام في الصوم، والزكاة، والحج.\rويمكن أن يقال بأن تسمية الصوم الخاص، وكذلك الزكاة، والحج،\rوالايمان.\rمن باب التصرف بتخصيص الاسم ببعض مسمياته لغة، كما في لفظ","part":1,"page":39},{"id":50,"text":"الدابة والشارع له ولاية هذا التصرف، كما لاهل اللغة، ويخص الصلاة أن أفعالها، إنما سميت صلاة، لكونها مما يتبع بها فعل الامام.\rفإن التالي للسابق من الخيل يسمى مصليا، لكونه تابعا، ويخص الزكاة أن تسمية الواجب زكاة باسم سببه، والتجوز باسم السبب عن المسبب جائز لغة.\rوالمجاز من اللغة لا من غيرها.\rقلنا: أما الحروف فإنها إذا كانت أسماء لآحاد السور، فهي أعلام لها، وليست لغوية.\rفقد اشتمل القرآن على ما ليس من لغة العرب.\rوما ذكروه في العبادات الحادثة في الشرع فإنما يصح، أن لو لم تكن قد أطلق عليها أسماء لم تكن العرب قد أطلقتها عليها.\rويدل على هذا الاطلاق ما ذكر من الآيات، قولهم: إن هذه الاسماء محمولة على موضوعاتها لغة: غير أن الشارع شرط في إجزائها شروطا لا تصح بدونها، فإن مسمى الصلاة في اللغة هو الدعاء.\rوقد يطلق اسم الصلاة على الافعال التي لا دعاء فيها.\rكصلاة الاخرس الذي لا يفهم الدعاء في الصلاة حتى يأتي به.\rوبتقدير أن يكون الدعاء متحققا، فليس هو المسمى بالصلاة وحده.\rودليله أنه يصح أن يقال إنه في الصلاة حالة كونه غير داع، ولم كان هو المسمى بالصلاة لا غير، لصح عند فراغه من الدعاء أن يقال: خرج من الصلاة.\rوإذا عاد إليه، يقال: عاد إلى الصلاة.\rوأن لا يسمى الشخص مصليا حالة عدم الدعاء مع تلبسه بباقي الافعال.\rوكل ذلك خلاف الاجماع.\rقولهم: تسمية هذه الافعال بهذه الاسماء إنما هو بطريق المجاز.\rقلنا: الاصل في الاطلاق الحقيقة.\rوقولهم: إن الدعاء جزء من هذه الافعال.\rوالشئ قد يسمى باسم جزئه.\rقلنا: كل جزء أو بعض الاجزاء: الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rولهذا فإن العشرة لا تسمى خمسة، ولا الكل جزءا، وإن كان بعضه يسمى جزءا، إلى أمثلة كثيرة لا تحصى.","part":1,"page":40},{"id":51,"text":"وليس القول بأن ما نحن فيه من القبيل الجائز أولى من غيره، وإن سلمنا صحة ذلك تجوزا.\rولكن ليس القول بالتجوز في هذه الاسماء، وإجراء لفظ القرآن على حقيقته أولى من العكس.\rفإن قيل: بل ما ذكرناه أولى، فإن ما ذكرتموه يلزم منه النقل وتغيير اللغة، فيستدعي ثبوت أصل الوضع وإثبات وضع آخر.\rوالوضع اللغوي لا يفتقر إلى شئ آخر، ولا يلزم منه تغيير، فكان أولى.\rوأيضا فإن الغالب من الاوضاع البقاء لا التغيير، وإدراج ما نحن فيه تحت الاغلب أغلب.\rقلنا: بل جانب الخصم أولى، لما فيه من ارتكاب مجاز واحد وما ذكرتموه ففيه ارتكاب مجازات كثيرة، فكان أولى.\rوعلى هذا فقد اندفع قولهم بالتجوز بجهة التخصيص أيضا.\rوما ذكروه من تسمية أفعال الصلاة، لما فيها من المتابعة للامام، فيلزم منه أن لا تسمى صلاة الامام والمنفرد صلاة لعدم هذا المعنى فيها.\rوقولهم في الزكاة: أن الواجب سمي زكاة باسم سببه تجوزا، فيلزم عليه أن لا تصح تسميته زكاة، عند عدم النماء في المال، وإن كان النماء حاصلا فالتجوز باسم السبب عن المسبب جائز مطلقا، أو في بعض الاسباب: الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rولهذا، فإنه لا يصح تسمية الصيد شبكة، وإن كان نصبها سببا له، ولا يسمى الابن أبا، وإن كان الاب سببا له.\rوكذلك لا يسمى العالم إلها، وإن كان الاله تعالى سببا له، إلى غير ذلك من النظائر.\rوعند ذلك فليس القول بأن ما نحن فيه، من قبيل التجوز به، أولى من غيره.\rوأما المعتزلة فقد احتجوا بما سبق من الآيات، وبقولهم إن الايمان في اللغة هو التصديق، وفي الشرع يطلق على غير التصديق.\rويدل عليه قوله، عليه السلام:","part":1,"page":41},{"id":52,"text":"الايمان بضع وسبعون بابا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الاذى عن الطريق سمي إماطة الاذى إيمانا، وليس بتصديق.\rوأيضا فإن الدين في الشرع، عبارة عن فعل العبادات، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، بدليل قوله تعالى: * (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) * (98) البينة: 5) إلى آخر الآية.\rثم قال: * (وذلك دين القيمة) * (98) البينة: 5) فكان راجعا إلى كل المذكور، والدين هو الاسلام، لقوله تعالى: * (إن الدين عند الله الاسلام) * (3) آل عمران: 19) والاسلام هو الايمان، فيكون الايمان، في الشرع، هو فعل العبادات.\rودليل كون الايمان هو الاسلام، إنه لو كان الايمان غير الاسلام، لما كان مقبولا من صاحبه، لقوله تعالى: * (ومن يبتغ غير الاسلام دينا، فلن يقبل منه) * (3) آل عمران: 85) وأيضا فإنه استثنى المسلمين من المؤمنين في قوله تعالى: * (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) * (51) الذاريات: 35) والاصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه.\rوأيضا قوله تعالى: * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (2) البقرة: 143) وأراد به الصلاة إلى بيت المقدس.\rوأيضا فإن قاطع الطريق، وإن كان مصدقا، فليس بمؤمن، لانه يدخل النار، بقوله تعالى: * (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) * (2) البقرة: 114) والداخل في النار مخزي، لقوله تعالى حكاية عن أهل النار: * (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) * (3) آل عمران: 192) مع التقرير لهم على ذلك.\rوالمؤمن غير مخزي لقوله تعالى: * (يوم لا يخزي الله النبي والذين أمنوا معه) * (66) التحريم: 8)","part":1,"page":42},{"id":53,"text":"وأيضا فإن المكلف يوصف بكونه مؤمنا، حالة كونه غافلا عن التصديق بالنوم وغيره، وأيضا فإنه لو كان الايمان في الشرع، هو الايمان اللغوي، أي التصديق لسمي في الشرع المصدق بشريك الاله تعالى مؤمنا، والمصدق بالله مع إنكار الرسالة مؤمنا، إلى نظائره.\rولقائل أن يقول: أما الآيات السابق ذكرها، فيمكن أن يقال في جوابها إن إطلاق اسم الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، إنما كان بطريق المجاز على ما سبق، والمجاز غير خارج عن اللغة، وتسمية إماطة الاذى عن الطريق إيمانا أمكن أن يكون لكونه دليلا على الايمان فعبر باسم المدلول عن الدال، وهو أيضا جهة من جهات التجوز.\rفإن قيل: الاصل إنما هو الحقيقة.\rقلنا: إلا أنه يلزم منه التغيير، ومخالفة الوضع اللغوي، فيتقابلان وليس أحدهما أولى من الآخر لما سبق.\rوقولهم: إن الايمان هو الاسلام بما ذكروه، فهو معارض بقوله تعالى: * (قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) * (49) الحجرات: 14)، ولو اتحدا، لما صح هذا القول.\rوليس أحدهما أولى من الآخر، بل الترجيح للتغاير، نظرا إلى أن الاصل عند تعدد الاسماء تعدد المسميات، ولئلا يلزم منه التغيير في الوضع.\rوبهذا يندفع ما ذكروه من الاستثناء.\rوقوله تعالى: * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (2) البقرة: 143) فالمراد به التصديق بالصلاة،","part":1,"page":43},{"id":54,"text":"لا نفس الصلاة، فلا تغيير، وإن كان المراد به الصلاة غير أن الصلاة، لما كانت تدل على التصديق، سميت باسم مدلولها، وذلك مجاز من وضع اللغة.\rوقوله تعالى: * (يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه) * (66) التحريم: 8) لا يتناول كل مؤمن، بل من آمن مع النبي، عليه السلام، وهو صريح في ذلك.\rوأولئك لم يصدر منهم ما دل صدر الآية عليه، من الحراب لله ورسوله، والسعي في الارض بالفساد الذي أوجب دخول النار في الآية.\rولا يلزم من نفي الخزي عمن آمن مع النبي نفيه عن غيره.\rوقولهم: إن المكلف يوصف بالايمان، حالة كونه غافلا عن التصديق بالله تعالى، إنما كان ذلك بطريق المجاز، لكونه كان مصدقا، وأنه يؤول إلى التصديق.\rوهو جهة من جهات التجوز.\rوما يقال من أن الاصل الحقيقة، فقد سبق جوابه.\rكيف وإن ذلك لازم لهم في كل ما يفسرون الايمان به.\rومع اتحاد المحذور، فتقرير الوضع أولى.\rوالمصدق بشريك الاله تعالى، ليس مؤمنا شرعا، لان الايمان في الشرع مطلق تصديق، بل تصديق خاص، وهو التصديق بالله، وبما جاءت به رسله.\rوهو من باب تخصيص الاسم ببعض مسمياته في اللغة، فكان مجازا لغويا، وبه يندفع ما قيل من التصديق بالله، والكفر برسوله، حيث أن مسمى الايمان الشرعي لم يوجد.\rوإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين، فالحق عندي في ذلك إنما هو إمكان كل واحد من المذهبين.\rوأما ترجيح الواقع منهما، فعسى أن يكون عند غيري تحقيقه.","part":1,"page":44},{"id":55,"text":"المسألة الثانية اختلف الاصوليون في اشتمال اللغة على الاسماء المجازية: فنفاه الاستاذ أبو إسحاق، ومن تابعه، وأثبته الباقون وهو الحق.\rحجة المثبتين أنه قد ثبت إطلاق أهل اللغة اسم الاسد على الانسان الشجاع، والحمار على الانسان البليد، وقولهم: ظهر الطريق ومتنها، وفلان على جناح السفر، وشابت لمة الليل، وقامت الحرب على ساق، وكبد السماء، إلى غير ذلك، وإطلاق هذه الاسماء لغة مما لا ينكر إلا عن عناد.\rوعند ذلك فإما أن يقال إن هذه الاسماء حقيقة في هذه الصور، أو مجازية لاستحالة خلو الاسماء اللغوية عنهما ما سوى الوضع الاول كما سبق تحقيقه، لا جائز أن يقال بكونها حقيقة فيها، لانها حقيقة فيما سواها بالاتفاق.\rفإن لفظ الاسد حقيقة في السبع، والحمار في البهيمة، والظهر والمتن والساق والكبد في الاعضاء المخصوصة بالحيوان، واللمة في الشعر إذا جاوز شحمة الاذن.\rوعند ذلك فلو كانت هذه الاسماء حقيقية فيما ذكر من الصور، لكان اللفظ مشتركا، ولو كان مشتركا، لما سبق إلى الفهم، عند إطلاق هذه الالفاظ، البعض دون البعض، ضرورة التساوي في الدلالة الحقيقية.\rولا شك أن السابق إلى الفهم من إطلاق لفظ الاسد، إنما هو السبع، ومن إطلاق لفظ الحمار، إنما هو البهيمة، وكذلك في باقي الصور.\rكيف وإن أهل الاعصار لم تزل تتناقل في أقوالها وكتبها عن أهل الوضع تسمية هذا حقيقة، وهذا مجازا.","part":1,"page":45},{"id":56,"text":"فإن قيل: لو كان في لغة العرب لفظ مجازي، فأما أن يفيد معناه بقرينة، أو لا بقرينة.\rفإن كان الاول، فهو مع القرينة لا يحتمل غير ذلك المعنى، فكان مع القرينة حقيقة في ذلك المعنى.\rوإن كان الثاني، فهو أيضا حقيقة، إذا لا معنى للحقيقة إلا ما يكون مستقلا بالافادة من غير قرينة.\rوأيضا فإنه ما من صورة من الصور، إلا ويمكن أن يعبر عنها باللفظ الحقيقي\rالخاص بها.\rفاستعمال اللفظ المجازي فيها، مع افتقاره إلى القرينة من غير حاجة، بعيد عن أهل الحكمة والبلاغة في وضعهم.\rقلنا: جواب الاول، أن المجاز لا يفيد عند عدم الشهرة إلا بقرينة، ولا معنى للمجاز سوى هذا.\rوالنزاع في ذلك لفظي، كيف وإن المجاز والحقيقة من صفات الالفاظ دون القرائن المعنوية، فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع.\rوجواب الثاني، أن الفائدة في استعمال اللفظ المجازي، دون الحقيقة، قد تكون لاختصاصه بالخفة على اللسان، أو لمساعدته في وزن الكلام نظما ونثرا، والمطابقة، والمجانسة، والسجع، وقصد التعظيم، والعدول عن الحقيقي للتحقير، إلى غير ذلك من المقاصد المطلوبة في الكلام.","part":1,"page":46},{"id":57,"text":"المسألة الثالثة اختلفوا في دخول الاسماء المجازية في كلام الله تعالى: فنفاه أهل الظاهر، والرافضة.\rوأثبته الباقون.\rاحتج المثبتون بقوله تعالى: * (ليس كمثله شئ) * (42) الشورى: 11) وبقوله تعالى: * (واسأل القرية التي كنا فيها، والعير التي أقبلنا فيها) * (12) يوسف: 82) وبقوله تعالى: * (جدارا يريد أن ينقض) * (18) الكهف: 77).\rوالاول: من باب التجوز بالزيادة.\rولهذا لو حذفت الكاف بقي الكلام مستقلا.\rوالثاني: من باب النقصان، فإن المراد به أهل القرية، لاستحالة سؤال القرية، والعير وهي البهائم.\rوالثالث: من باب الاستعارة، لتعذر الارادة من الجدار وإذا امتنع حمل هذه الالفاظ على ظواهرها في اللغة، فما تكون محمولة عليه هو المجاز.\rفإن قيل: لا نسلم التجوز فيما ذكرتموه من الالفاظ، أما قوله تعالى: * (ليس\rكمثله شئ) * (42) الشورى: 11) فهو حقيقة في نفي التشبيه، إذ الكاف للتشبيه.\rوأما قوله تعالى: * (واسأل القرية) * (12) يوسف: 82) فالمراد به مجتمع الناس، فإن القرية مأخوذة من الجمع، ومنه يقال: قرأت الماء في الحوض، أي جمعته.\rوقرأت الناقة لبنها في ضرعها، أي جمعته.\rويقال لمن صار معروفا بالضيافة، مقري ويقري، لاجتماع الاضياف عنده.\rوسمي القرآن قرآنا لذلك أيضا، لاشتماله على مجموع السور والآيات.\rوأما العير فهي القافلة ومن فيها من الناس.\rثم وإن كان اسم القرية للجدران، والعير للبهائم، غير أن الله تعالى قادر على إنطاقها، وزمن النبوة زمن خرق العوائد، فلا يمتنع نطقها بسؤال النبي لها.","part":1,"page":47},{"id":58,"text":"وقوله تعالى: * (جدارا يريد أن ينقض) * (18) الكهف: 77) فمحمول أيضا على حقيقته، لانه لا يتعذر على الله تعالى خلق الارادة فيه.\rسلمنا دلالة ما ذكرتموه على التجوز، لكنه معارض بما يدل على عدمه، وذلك لان المجاز كذب، ولذك يصدق نفيه عند قول القائل للبليد حمار، وللانسان الشجاع أسد.\rونقيض النفي الصادق يكون كاذبا، ولان المجاز هو الركيك من الكلام، وكلام الرب تعالى مما يصان عنه.\rسلمنا أنه ليس بكذب، غير أنه إنما يصار إليه عند العجز عن الحقيقة، ويتعالى الرب عن ذلك.\rسلمنا أنه غير متوقف على العجز عن الحقيقة، غير أنه مما لا يفيد معناه بلفظه دون قرينة، وربما تخفى، فيقع الالتباس على المخاطب، وهو قبيح من الحكيم.\rسلمنا أنه لا يفضي إلى الالتباس، غير أنه إذا خاطب بالمجاز، وجب وصفه بكونه متجوزا، نظرا إلى الاشتقاق، كما في الواحد منا، وهو خلاف الاجماع.\rسلمنا عدم اتصافه بذلك، غير أن كلام الله تعالى حق فله حقيقة، والحقيقة\rمقابلة للمجاز.\rوالجواب: قولهم: * (ليس كمثله شئ) * (42) الشورى: 11) لنفي التشبيه ليس كذلك، فإنه لو كانت الكاف هاهنا للتشبيه، لكان معنى النفي: ليس مثل مثله شئ.\rوهو تناقض، ضرورة أنه مثل لمثله، فالمثل في الآية زائد، والمراد من قولهم مثلك لا يقول هذا المشارك له في صفاته.\rوقولهم: المراد من القرية الناس المجتمعون، ليس كذلك لان القرية هي المحل الذي يقع فيه الاجتماع، لا نفس الاجتماع.\rومن ذلك سمي الزمان الذي فيه يجتمع دم الحيض قرأ.\rوكذلك يقال القاري لجامع القرآن، والمقري لجامع الاضياف.\rقولهم: إن العير هي القافلة المجتمعة من الناس.\rقلنا: من الناس والبهائم، لا نفس الناس فقط، ولهذا لا يقال لمجتمع الناس من غير أن يكون معهم بهائم، قافلة.","part":1,"page":48},{"id":59,"text":"قولهم لو سأل لوقع الجواب.\rقلنا: جواب الجدران والبهائم ثم غير واقع على وفق الاختيار في عموم الاوقات، بل إن وقع، فإنما يقع بتقدير تحدي النبي عليه السلام به.\rولم يكن كذلك فيما نحن فيه فلا يمكن الاعتماد عليه.\rثم وإن أمكن تخيل ما قالوه مع بعده، فبماذا يعتذر عن قوله تعالى: * (تجري من تحتها الانهار) * (2) البقرة: 25) والانهار غير جارية، وعن قوله تعالى: * (واشتعل الرأس شيبا) * (19) مريم: 4) وهو غير مشتعل، وعن قوله تعالى: * (واخفض لهما جناح الذل) * (17) الاسراء: 24) والذل لا جناح له، وقوله تعالى: * (الحج أشهر معلومات) * (2) البقرة: 197) والاشهر ليست هي الحج، وإنما هي طرف لافعال الحج، وقوله تعالى: * (لهدمت صوامع وبيع وصلوات) * (22) الحج: 40) والصلوات لا تهدم، وقوله: * (أو جاء أحد منكم من الغائط) * (4) النساء: 43) وقوله: * (الله نور السموات والارض) * (24) النور: 35) وقوله: * (فاعتدوا عليه بمثل ما\rاعتدى عليكم) * (2) البقرة: 194) والقصاص ليس بعدوان، وقوله: * (وجزاء سيئة سيئة مثلها) * (42) الشورى: 40) وقوله: * (الله يستهزئ بهم) * (2) البقرة: 15)، * (ويمكرون ويمكر الله) * (8) الانفال: 30)، وقوله: * (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله) * (5) المائدة: 64)، وقوله تعالى: * (أحاط بهم سرادقها) * (18) الكهف: 29) إلى ما لا يحصى ذكره من المجازات.\rوعن المعارضة الاولى بمنع كون المجاز كذبا، فإنه إنما يكون كذبا أن لو أثبت ذلك حقيقة لا مجازا، كيف وإن الكذب مستقبح عند العقلاء، بخلاف الاستعارة والتجوز، فإنه عندهم من المستحسنات.\rقولهم: إنه من ركيك الكلام، ليس كذلك، بل ربما كان المجاز أفصح وأقرب إلى تحصيل مقاصد المتكلم البليغ على ما سبق وعن الثانية، بمنع ما ذكروه من اشتراط المصير إلى المجاز بالعجز عن الحقيقة، بل إنما يصار إليه مع القدرة على الحقيقة لما ذكرناه من المقاصد فيما تقدم.\rوعن الثالثة، أنها مبنية على القول بالتقبيح العقلي، وقد أبطلناه،","part":1,"page":49},{"id":60,"text":"كيف وهو لازم على الخصوم فيما ورد من الآيات المتشابهات.\rفما هو الجواب في المتشابهات ؟ هو الجواب لنا هاهنا.\rوعن الرابعة، أنه إنما لم يسم، متجوزا، لان ذلك مما يوهم التسمح في أقواله بالقبيح.\rولهذا يفهم منه ذلك عند قول القائل: فلان متجوز في مقاله...(2) فيتوقف إطلاقه في حق الله تعالى على الاطلاق الشرعي ولم يرد.\rوعن الخامسة، أن كلام الله وإن كان له حقيقة، فبمعنى كونه صدقا، لا بمعنى الحقيقة المقابلة للمجاز.\rالمسألة الرابعة اختلفوا في اشتمال القرآن على كلمة غير عربية.\rفأثبته ابن عباس وعكرمة،\rونفاه الباقون.\rاحتج النافون بقوله تعالى: * (ولو جعلناه قرآنا أعجميا، لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي) * (41) فصلت: 44) فنفى أن يكون أعجميا، وقطع اعتراضهم بتنوعه بين أعجمي وعربي.\rولا ينتفي الاعتراض وفيه أعجمي، وبقوله تعالى: * (بلسان عربي مبين) * (26) الشعراء: 195) وبقوله: * (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) * (12) يوسف: 2) وظاهر ذلك ينافي أن يكون فيه ما ليس بعربي.\rواحتج المثبتون لذلك بقولهم: القرآن مشتمل على المشكاة.\rوهي هندية، وإستبرق، وسجيل بالفارسية، وطه، بالنبطية، وقسطاس، بالرومية، والاب، وهي كلمة لا تعرفها العرب، ولذلك روي عن عمر أنه لما تلا هذه الآية قال: هذه الفاكهة فما الاب","part":1,"page":50},{"id":61,"text":"قالوا: ولان النبي عليه السلام مبعوث إلى أهل كل لسان كافة على ما قال تعالى: * (كافة للناس بشيرا ونذيرا) * (34) سبأ: 28) وقال عليه السلام بعثت إلى الاسود والاحمر، فلا ينكر أن يكون كتابه جامعا للغة الكل، ليتحقق خطابه للكل إعجازا وبيانا، وأيضا فإن النبي عليه السلام لم يدع أنه كلامه، بل كلام الله تعالى، رب العالمين، المحيط بجميع اللغات، فلا يكون تكلمه باللغات المختلفة منكرا، غايته أنه لا يكون مفهوما للعرب.\rوليس ذلك بدعا، بدليل تضمنه للآيات المتشابهات، والحروف المعجمة في أوائل السور.\rأجاب النافون، وقالوا: أما الكلمات المذكورة، فلا نسلم أنها ليست عربية، وغايته اشتراك اللغات المختلفة في بعض الكلمات، وهو غير ممتنع، كما في قولهم: سروال بدل سراويل، وفي قولهم: تنور، فإنه قد قيل إنه مما اتفق فيه جميع اللغات، ولا يلزم من خفاء كلمة الاب على عمر أن لا يكون عربيا، إذ ليس كل كلمات\rالعربية مما أحاط بها كل واحد من آحاد العرب.\rولهذا قال ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى: * (فاطر السموات والارض) * (35) فاطر: 1) حتى سمعت امرأة من العرب تقول: أنا فطرته أي ابتدأته.\rوأما بعثته إلى الكل، فلا يوجب ذلك اشتمال الكتاب على غير لغة العرب لما ذكروه.\rوإلا لزم اشتماله على جميع اللغات، ولما جاز الاقتصار من كل لغة على كلمة واحدة لتعذر البيان والاعجاز بها.\rوما ذكروه فغايته أنه إذا كان كلام الله المحيط بجميع اللغات، فلا يمتنع أن يكون مشتملا على اللغات المختلفة، ولكنه لا يوجبه، فلا يقع ذلك في مقابلة النصوص الدالة على عدمه.","part":1,"page":51},{"id":62,"text":"المسألة الخامسة اختلفوا في إطلاق الاسم على مسماه المجازي: هل يفتقر في كل صورة إلى كونه منقولا عن العرب، أو يكفي فيه ظهور العلاقة المعتبرة في التجوز، كما عرفناه أولا، فمنهم من شرط في ذلك النقل مع العلاقة.\rومنهم من اكتفى بالعلاقة لا غير.\rاحتج الشارطون للنقل بأنه لو اكتفى بالعلاقة لجاز تسمية غير الانسان نخلة، لمشابهته لها في الطول، كما جاز في الانسان، ولجاز تسمية الصيد شبكة، والثمرة شجرة، وظل الحائط حائطا، والابن أبا، تعبيرا عن هذه الاشياء بأسماء أسبابها لما بينها وبين أسبابها من الملازمة في الغالب.\rوهي من الجهات المصححة للتجوز.\rوليس كذلك.\rفدل على أنه لا بد من نقل الاستعمال ولقائل أن يقول: ما المانع أن يكون تحقق العلاقة بين محل الحقيقة ومحل التجوز كافيا في جواز إطلاق الاسم على جهة المجاز، وحيث وجدت العلاقة المجوزة للاطلاق في بعض الصور، وامتنع الاطلاق، فإنما كان لوجود المنع من\rقبل أهل اللغة، لا للتوقف على نقل استعمالهم للاسم فيها على الخصوص.\rفإن قيل: لو لم يكن نقل استعمال أهل اللغة معتبرا في محل التجوز، فتسميته باسم الحقيقة، إما بالقياس عليه: أو أنه مخترع للواضع المتأخر، الاول ممتنع لما يأتي، والثاني، فلا يكون من لغة العرب.","part":1,"page":52},{"id":63,"text":"قلنا: لا يلزم من عدم التنصيص في آحاد الصور من أهل اللغة على التسمية أن يكون كما ذكروه، بل ثم قسم ثالث: وهو أن تنص العرب نصا كليا على جواز إطلاق الاسم الحقيقي على كل ما كان بينه وبينه علاقة منصوص عليها من قبلهم، كما بيناه.\rولا معنى للمجاز إلا هذا.\rوهو غير خارج عن لغتهم.\rفإن قيل: لو كان الامر على ما ذكرتموه، لكان المنع منهم متحققا مع وجود المطلق، وهو تعارض مخالف للاصل بخلاف ما ذكرناه.\rقلنا: أمكن أن يكون المطلق ما ذكرناه مشروطا بعدم ظهور المنع، ومع ظهور المنع، فلا مطلق، وفيه عوص.\rواحتج النافون بأن إطلاق المجاز مما لا يفتقر إلى بحث ونظر دقيق في الجهات المصححة في التجوز.\rوالامر النقلي لا يكون كذلك، وأيضا فإنه لو كان نقليا لما افتقر فيه إلى العلاقة بينه وبين محل الحقيقة، بل لكان النقل فيه كافيا.\rولقائل أن يقول: أما الاول، فالنظر ليس في النقل بل في العلاقة التي بين محل التجوز والحقيقة.\rوأما الثاني، فلان الافتقار إلى العلاقة إنما كان لضرورة توقف المجاز، من حيث هو مجاز عليها.\rوإلا كان إطلاق الاسم عليه من باب الاشتراك، لا من باب المجاز.\rوإذا تقاومت الاحتمالات في هذه المسألة، فعلى الناظر\rبالاجتهاد في الترجيح.","part":1,"page":53},{"id":64,"text":"القسمة الرابعة: الاسم لا يخلو إما أن يكون بحيث لا يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون، أو يصح.\rفالاول: اسم العلم، كزيد وعمرو، والثاني: إما أن لا يكون صفة، أو هو صفة: والاول هو اسم الجنس، وهو إما أن يكون عينا، كالانسان والفرس، أو غير عين، كالعلم والجهل، والصفة، كالقائم والقاعد.\rوهو الاسم المشتق، والمشتق هو ما غير من أسماء المعاني عن شكله بزيادة أو نقصان في الحروف أو الحركات أو فيهما، وجعل دالا على ذلك المعنى، وعلى موضوع له غير معين، كتسمية الجسم الذي قام به السواد أسود، والبياض أبيض، ونحوه.\rولا يتصور أن يكون المشتق إلا كذلك.\rوهل يشترط قيام المشتق منها بما له الاشتقاق، وهل يلزم الاشتقاق من الصفة المعنوية لما قامت به، فذلك مما أوجبه أصحابنا، ونفاه المعتزلة، حيث إنهم جوزوا اشتقاق اسم المتكلم لله تعالى من كلام مخلوق له غير قائم بذاته، ولم يوجبوا الاشتقاق منه للمحل الذي خلق فيه.\rوقد عرفنا مأخذ الخلاف من الجانبين، وما هو الصحيح منه في أبكار الافكار فليلتمس.\rمسائل هذه القسمة مسألتان: المسألة الاولى في أن بقاء الصفة المشتق منها، هل يشترط في إطلاق اسم المشتق حقيقة، أم لا.\rفأثبته قوم، ونفاه آخرون، وقد فصل بعضهم بين ما هو ممكن الحصول، وما ليس ممكنا.\rفاشترط\rذلك في الممكن دون غيره.","part":1,"page":54},{"id":65,"text":"احتج الشارطون بأنه لو كان إطلاق الضارب على شخص ما حقيقة بعد انقضائه صفة الضرب منه، لما صح نفيه.\rويصح أن يقال إنه في الحال ليس بضارب.\rولقائل أن يقول: صحة سلب الضاربية عنه في الحال، إنما يلزم منه سلبها عنه مطلقا، إذ لو لم يكن أعم من الضاربية في الحال، وهو غير مسلم.\rوعند ذلك فلا يلزم من صحة سلب الاخص سلب الاعم.\rفإن قيل: قول القائل هذا ضارب لا يفيد سوى كونه ضاربا في الحال، فإذا سلم صحة سلبه في الحال، فهو المطلوب.\rقلنا: هذا بعينه إعادة دعوى محل النزاع.\rبل الضارب هو من حصل له الضرب، وهو أعم من حصول الضرب له في الحال.\rفالضارب أعم من الضارب في الحال.\rفإن قيل: وكما أن حصول الضرب أعم من حصول الضرب في الحال، لانقسامه إلى الماضي والحال فهو أعم من المستقبل أيضا، لانقسامه إلى الحال والمستقبل.\rفإن صدق اسم الضارب حقيقة باعتبار هذا المعنى الاعم، فليكن اسم الضارب حقيقة قبل وجود الضرب منه، كما كان حقيقة بعد زوال الضرب.\rقلنا: الضارب حقيقة من حصل منه الضرب.\rوهذا يصدق على من وجد منه الضرب في الماضي أو الحال، بخلاف من سيوجد منه الضرب في المستقبل، فإنه لا يصدق عليه أنه حصل منه الضرب.\rوعند ذلك فلا يلزم من صدق الضارب حقيقة على من وجد منه الضرب، صدقه حقيقة على من سيوجد منه الضرب، ولم يوجد.\rواحتج النافون بوجوه:","part":1,"page":55},{"id":66,"text":"الاول: أن أهل اللغة قالوا: إذا كان اسم الفاعل بتقدير الماضي لا يعمل عمل الفعل، فلا يقال ضارب زيدا أمس، كما يقال بتقدير المستقبل، بل يقال ضارب زيد، أطلقوا عليه اسم الفاعل باعتبار ما صدر عنه من الفعل الماضي.\rالثاني: أنه لو كان وجود ما منه الاشتقاق شرطا في صحة الاشتقاق حقيقة، لما كان إطلاق اسم المتكلم والمخبر حقيقة أصلا، لان ذلك لا يصح إلا بعد تحقق الكلام منه والخبر، وهو إنما يتم بمجموع حروفه وأجزائه، ولا وجود للحروف السابقة مع الحرف الاخير أصلا ولا حقا، بامتناع كونه متكلما حقيقة قبل وجود الكلام، فلو لم يكن حقيقة عند آخر جزء من الكلام والخبر مع عدم وجود الكلام والخبر في تلك الحالة، لما كان حقيقة أصلا، وهو ممتنع، وإلا لصح أن يقال إنه ليس بمتكلم إذ هو لازم نفي الحقيقة، ولما حنث من حلف أن فلانا لم يتكلم حقيقة، وإنني لا أكلم فلانا حقيقة، إذا كان قد تكلم أو كلمه.\rالثالث: إن الضارب من حصل منه الضرب، ومن وجد منه الضرب في الماضي، يصدق عليه أنه قد حصل منه الضرب فكان ضاربا حقيقة.\rولقائل أن يقول: أما الوجه الاول: فإنه لا يلزم من إطلاق اسم الفاعل عليه أن يكون حقيقة، ولهذا فإنهم قالوا: اسم الفاعل، إذا كان بتقدير المستقبل، عمل عمل الفعل.\rفقيل ضارب زيدا غدا، وليس ذلك حقيقة بالاتفاق.\rوأما الوجه الثاني: فغير لازم أيضا، إذ للخصم أن يقول: شرط كون المشتق حقيقة إنما هو وجود ما منه الاشتقاق إن أمكن، وإلا فوجود آخر جزء منه.\rوذلك متحقق في الكلام والخبر بخلاف ما نحن فيه.\rوأما الثالث: فلا نسلم أن اسم الضارب حقيقة على من وجد منه الضرب مطلقا،\rبل من الضرب حاصل منه حالة تسميته ضاربا.\rثم يلزم تسمية أجلاء الصحابة كفرة، لما وجد منهم من الكفر السابق، والقائم قاعدا، والقاعد قائما، لما وجد منه من القعود والقيام السابق، وهو غير جائز بإجماع المسلمين وأهل اللسان.\rهذا ما عندي في هذه المسألة، وعليك بالنظر والاعتبار.","part":1,"page":56},{"id":67,"text":"المسألة الثانية اختلفوا في الاسماء اللغوية: هل ثبتت قياسا أم لا.\rفأثبته القاضي أبو بكر، وابن سريج من أصحابنا، وكثير من الفقهاء وأهل العربية.\rوأنكره معظم أصحابنا، والحنفية، وجماعة من أهل الادب مع اتفاقهم على امتناع جريان القياس في أسماء الاعلام وأسماء الصفات.\rأما أسماء الاعلام: فلكونها غير موضوعة لمعان موجبة لها، والقياس لا بد فيه من معنى جامع، إما معرف وإما داع.\rوإذا قيل في حق الاشخاص في زماننا: هذا سيبويه، وهذا جالينوس.\rفليس بطريق القياس في التسمية، بل معناه: هذا حافظ كتاب سيبويه وعلم جالينوس بطريق التجوز، كما يقال: قرأت سيبويه، والمراد به كتابه.\rوأما أسماء الصفات: الموضوعة للفرق بين الصفات، كالعالم والقادر، فلانها واجبة الاطراد، نظرا إلى تحقق معنى الاسم، فإن مسمى العالم من قام به العلم، وهو متحقق في حق كل من قام به العلم، فكان إطلاق اسم العالم عليه ثابتا بالوضع لا بالقياس، إذ ليس قياس أحد المسميين المتماثلين في المسمى على الآخر أولى من العكس، وإنما الخلاف في الاسماء الموضوعة على مسمياتها مستلزمة لمعان في محالها وجودا وعدما، وذلك كإطلاق اسم الخمر على النبيذ بواسطة مشاركته للمعتصر من العنب في الشدة المطربة المخمرة على العقل، وكإطلاق اسم السارق\rعلى النباش، بواسطة مشاركته للسارقين من الاحياء في أخذ المال على سبيل الخفية، وكإطلاق اسم الزاني على اللائط بواسطة مشاركته للزاني في إيلاج الفرج المحرم، والمختار أنه لا قياس، وذلك لانه إما أن ينقل عن العرب أنهم وضعوا اسم الخمر لكل مسكر، أو للمعتصر من العنب خاصة، أو لم ينقل شئ من ذلك فإن كان الاول، فاسم الخمر ثابت للنبيذ بالتوقيف لا بالقياس.\rوإن كان الثاني، فالتعدية تكون على خلاف المنقول عنهم، ولا يكون ذلك من لغتهم.","part":1,"page":57},{"id":68,"text":"وإن كان الثالث، فيحتمل أن يكون الوصف الجامع الذي به التعدية دليلا على التعدية، ويحتمل أن لا يكون دليلا، بدليل ما صرح بذلك، وإذا احتمل، واحتمل، فليس أحد الامرين أولى من الآخر.\rفالتعدية تكون ممتنعة.\rفإن قيل الوصف الجامع، وإن احتمل أن لا يكون دليلا غير أن احتمال كونه دليلا أظهر وبيانه من ثلاثة أوجه: الاول: إن الاسم دار مع الوصف في الاصل وجودا وعدما.\rوالدوران دليل كون وجود الوصف أمارة على الاسم، فيلزم من وجوده في الفرع وجود الاسم.\rالثاني: إن العرب إنما سمت باسم الفرس، والانسان الذي كان في زمانهم، وكذلك وصفوا الفاعل في زمانهم بأنه رفع، والمفعول نصب، وإنما وصفوا بعض الفاعلين والمفعولين، ومع ذلك فالاسم مطرد في زماننا بإجماع أهل اللغة في كل إنسان وفرس، وفاعل ومفعول، وليس ذلك إلا بطريق القياس.\rوالثالث: قوله تعالى: * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (59) الحشر: 2) وهو عام في كل قياس.\rثم ما ذكرتموه باطل بالقياس الشرعي.\rفإن كل ما ذكرتموه من الاقسام بعينه متحقق فيه.\rومع ذلك فالقياس صحيح متبع، وهو أيضا على خلاف مذهب\rالشافعي، فإنه سمى النبيذ خمرا، وأوجب الحد بشربه، وأوجب الحد على اللائط قياسا على الزنى، وأوجب الكفارة في يمين الغموس قياسا على اليمين في المستقبل، وتأول حديث: الشفعة للجار بحمله على الشريك في الممر، وقال: العرب تسمي الزوجة جارا، فالشريك أولى.\rقلنا: جواب الاول: إن دوران الاسم مع الوصف في الاصل وجودا وعدما لا يدل على كونه علة للاسم، بمعنى كونه داعيا إليه وباعثا، بل إن كان، ولا بد، فبمعنى كونه أمارة، وكما دار مع اسم الخمر مع الشدة المطربة، دار مع خصوص شدة المعتصر من العنب، وذلك غير موجود في النبيذ، فلا قياس.","part":1,"page":58},{"id":69,"text":"ثم ما ذكروه منتقض بتسمية العرب للرجل الطويل نخلة، والفرس الاسود، أدهم، والملون بالبياض والسواد، أبلق، والاسم فيه دائر مع الوصف في الاصل وجودا وعدما.\rومع ذلك لم يسموا الفرس والجمل لطوله نخلة، ولا الانسان المسود، أدهم، ولا المتلون من باقي الحيوانات بالسواد والبياض أبلق.\rوكل ما هو جوابهم في هذه الصور جوابنا في موضع النزاع.\rوجواب الثاني: أن ما وقع الاستشهاد به لم يكن مستند التسمية فيه على الاطلاق، القياس، بل العرب وضعت تلك الاسماء للاجناس المذكورة بطريق العموم، لا أنها وضعتها للمعين، ثم طرد القياس في الباقي.\rوجواب الثالث: بمنع العموم في كل اعتبار، وإن كان عاما في المعتبر، فلا يدخل فيه القياس في اللغة.\rوأما النقض بالقياس الشرعي فغير متجه، من جهة أن اجتماع الامة من السلف عندنا أوجب الالحاق عند ظن الاشتراك في علة حكم الاصل، حتى إنه لو لم يكن إجماع، لم يكن قياس.\rولا إجماع فيما نحن فيه من الامة السابقة على الالحاق.\rفلا قياس.\rوأما تسمية الشافعي: رضي الله عنه، النبيذ خمرا، فلم يكن في ذلك مستندا إلى القياس، بل إلى قوله عليه السلام: إن من التمر خمرا وهو توقيف لا قياس، وإيجابه للحد في اللواط، وفي النبش، لم يكن لكون اللواط زنى، ولا لكون النبش سرقة، بل لمساواة اللواط للزنى، والنبش للسرقة في المفسدة المناسبة للحد المعتبر في الشرع.\rوأما يمين الغموس: فإنما سميت يمينا لا بالقياس، بل بقوله (ص): اليمن الغموس تدع الديار بلاقع فكان ذلك بالتوقيف.","part":1,"page":59},{"id":70,"text":"وأما تسمية الشافعي للشريك جارا، إنما كان بالتوقيف لا بالقياس على الزوجة، وإنما ذكر الزوجة لقطع الاستبعاد في تسمية الشريك جارا، لزيادة قربه بالنسبة إلى الجار الملاصق فقال: الزوجة أقرب من الشريك، وهي جار، فلا يستبعد ذلك فيما هو أبعد منها، وبتقدير أن يكون قائلا بالقياس في اللغة، إلا أن غيره مخالف له.\rوالحق من قوليهما أحق أن يتبع.\rالفصل الخامس في الفعل وأقسامه والفعل ما دل على حدث مقترن بزمان محصل والحدث المصدر، وهو اسم الفعل، والزمان المحصل، الماضي والحال، والمستقبل.\rوهو منقسم بحسب انقسام الزمان فالماضي منه، كقام وقعد والحاضر والمستقبل في اللفظ واحد، ويسمى المضارع، وهو ما في أوله إحدى الزوائد الاربع، وهي: الهمزة، والتاء، والنون، والياء، كقولك: أقوم، وتقوم ونقوم، ويقوم.\rوتخليص المستقبل عن الحاضر بدخول السين أو سوف\rعليه، كقولك: سيقوم وسوف يقوم.\rوأما فعل الامر، فما نزع منه حرف المضارعة لا غير، كقولك في يقوم قم، ونحوه.\rويدخل في هذه الاقسام فعل ما لم يسم فاعله، وأفعال القلوب والجوارح، والافعال الناقصة، وأفعال المدح والذم، والتعجب.\rوالفعل وإن كان كلمة مفردة عند النحاة مطلقا، فعند الحكماء المفرد منه إنما هو الماضي دون المضارع.\rوذلك، لان حرف المضارعة في المضارع هو","part":1,"page":60},{"id":71,"text":"الدال على الموضوع، معينا كان أو غير معين، والمفرد هو الدال الذي لا جزء له يدل على شئ أصلا على ما سبق تحقيقه في حد المفرد.\rوهو بخلاف الماضي، فإنه، وإن دل على الفعل وعلى موضوعه، فليس فيه حرف يدل على الموضوع، فكان مفردا.\rوقد ألحق بعضهم ما كان من المضارع الذي في أوله الياء بالماضي في الافراد، دون غيره، لاشتراكهما في الدلالة على الفعل، وعلى موضوع له غير معين، وليس بحق.\rفإنهما، وإن اشتركا في هذا المعنى، فمفترقان من جهة دلالة الياء على الموضوع الذي ليس معينا، بخلاف الماضي، حيث إنه لم يوجد منه حرف يدل على الموضوع كما سبق.\rالفصل السادس في الحرف وأصنافه الحرف ما دل على معنى في غيره، وهو على أصناف: منها حرف الاضافة، وهو ما يفضي بمعاني الافعال إلى الاسماء.\rوهو ثلاثة أقسام: الاول: منه ما لا يكون إلا حرفا كمن، وإلى، وحتى، وفي، والباء، واللام،\rورب، وواو القسم، وتائه.\rأما من فهي قد تكون لابتداء الغاية، كقولك: سرت من بغداد، وللتبعيض، كقولك: أكلت من الخبز، ولبيان الجنس، كقولك: خاتم من حديد، وزائدة، كقولك: ما جاءني من أحد.","part":1,"page":61},{"id":72,"text":"وأما إلى فهي قد تكون لانتهاء الغاية، كقولك: سرت إلى بغداد، وبمعنى مع، كقوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) * (4) النساء: 2)، وأما حتى ففي معنى إلى وأما في فللظرفية، كقولك، وزيد في الدار.\rوقد ترد بمعنى على، كقوله تعالى: * (ولاصلبنكم في جذوع النخل) * (20) طه: 71).\rوقد يتجوز بها في قولهم، نظرت في العلم الفلاني.\rوأما الباء فللالصاق، كقولك: به داء.\rوقد تكون للاستعانة، كقولك: كتبت بالقلم.\rوالمصاحبة، كقولك: اشتريت الفرس بسرجه، وقد ترد بمعنى على، قال الله تعالى: * (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) * (3) آل عمران: 75)، أي على قنطار، وعلى دينار، وقد ترد بمعنى من أجل، قال الله تعالى: * (ولم أكن بدعائك رب شقيا) * (19) مريم: 4) أي لاجل دعائك، وقيل بمعنى في دعائك.\rوقد تكون زائدة، كقوله تعالى: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (2) البقرة: 195).\rوأما اللام فهي للاختصاص، كقولك: المال لزيد، وقد تكون زائدة، كقوله: ردف لكم.\rوأما رب فهي للتقليل، ولا تدخل إلا على النكرة، كقولك: رب رجل عالم.\rوأما واو القسم فمبدلة عن باء الالصاق، في قولك: أقسمت بالله.\rوالتاء مبدلة من الواو في تالله.\rالقسم الثاني: ما يكون حرفا واسما، كعلى، وعن، والكاف، ومذ، ومنذ.\rفأما على فهي للاستعلاء، وهي إما حرف، كقولك: على زيد دين، وإما اسم، كقول الشاعر: غدت من عليه بعدما تظمئها تصل وعن قيض بزيزاء مجهل","part":1,"page":62},{"id":73,"text":"وأما عن فللمباعدة: وهي إما حرف، كقوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) * (24) النور: 63) وإما اسم، كقولك: جلست من عن يمينه.\rوأما الكاف فقد تكون حرفا للتشبيه، كقولك: زيد كعمرو.\rوقد تكون اسما، كقول الشاعر: يضحكن عن كالبرد المنهم وأما مذ ومنذ فحرفان لابتداء الغاية في الزمان، تقول: ما رأيته مذ اليوم، ومنذ يوم الجمعة.\rوقد يكونان اسمين، إذا رفعا ما بعدهما.\rالقسم الثالث: ما يكون حرفا وفعلا، كحاشا، وخلا، وعدا.\rفإنها تخفض ما بعدها بالحرفية، وقد تنصبه بالفعلية ومنها الحرف المضارع للفعل، وهو ينصب الاسم ويرفع الخبر، مثل: إن، وأن، ولكن، وكأن، وليت، ولعل.\rومنها حروف العطف، وهي عشرة: منها أربعة تشتر ك في جميع المعطوف والمعطوف عليه في حكم، غير أنها تختلف في أمور أخرى، وهذه هي الواو، والفاء، وثم وحتى.\rأما الواو فقد اتفق جماهير أهل الادب على أنها للجمع المطلق غير مقتضية ترتيبا ولا معية.\rونقل عن بعضهم أنها للترتيب مطلقا، ونقل عن الفراء أنها\rللترتيب حيث يستحيل الجمع، كقوله: * (يا أيها الذين آمنوا، اركعوا، واسجدوا) * (22) الحج: 77)، وقيل إنها ترد بمعنى أو كقوله تعالى: * (أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع) * (35) فاطر: 1) قيل، أراد مثنى، أو ثلاث، أو رباع.\rوقد ترد للاستئناف، كالواو في قوله تعالى: * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) * (3) آل عمران: 7) تقديره، والراسخون يقولون آمنا به وقد ترد بمعنى مع في باب المفعول معه، تقول: جاء البرد والطيالسة.\rوقد ترد بمعنى إذ قال الله تعالى: * (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا) * (3) آل عمران: 154) إلى قوله: * (وطائفة قد أهمتهم أنفسهم) * (3) آل عمران: 154) أي إذ طائفة قد أهمتهم أنفسهم.","part":1,"page":63},{"id":74,"text":"احتج القائلون بالجمع المطلق من تسعة أوجه: الاول: أنه لو كانت الواو في قول القائل: رأيت زيدا وعمرا للترتيب، لما صح قوله تعالى: (ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) * (2) البقرة: 58) في آية، وفي آية أخرى: * (وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا) * (7) الاعراف: 161) مع اتحاد القضية، لما فيه من جعل المتقدم متأخرا، والمتأخر متقدما.\rالثاني: أنه لو كانت للترتيب، لما حسن قول القائل: تقاتل زيد وعمرو إذ لا ترتيب فيه.\rالثالث: أنه كان يلزم أن يكون قول القائل: جاء زيد وعمرو كاذبا عند مجيئهما معا، أو تقدم المتأخر، وليس كذلك.\rالرابع: أنه كان يلزم أن يكون قوله: رأيت زيدا وعمرا بعده تكريرا، وقبله تناقضا.\rالخامس: أنها لو كانت للترتيب، لما حسن الاستفسار عن تقدم أحدهما، وتأخر الآخر، لكونه مفهوما من ظاهر العطف.\rالسادس: أنه كان يجب على العبد الترتيب، عند قول سيده له، إيت بزيد وعمرو.\rالسابع: هو أن واو العطف في الاسماء المختلفة جارية مجرى واو الجمع، وفي الاسماء المتماثلة مجرى ياء التثنية، وهما لا يقتضيان الترتيب، فكذلك ما هو جار مجراهما.\rالثامن: أن الجمع المطلق معقول، فلا بد له من حرف يفيده، وليس ثم من الحروف ما يفيده سوى الواو بالاجماع فتعين أن يكون هو الواو.\rالتاسع: أنها لو أفادت الترتيب، لدخلت في جواب الشرط كالفاء، ولا يحسن أن يقال: إذا دخل زيد الدار وأعطه درهما كما يحسن أن يقال: فأعطه درهما.\rولقائل أن يقول: على الوجه الاول: إذا كان من أصل المخالف أن الواو ظاهرة في الترتيب، فلا يمنع ذلك من حملها على غير الترتيب تجوزا، وعلى هذا فحيث تعذر حملها على الترتيب في الآيتين المذكورتين، لا يمنع من استعمالها في غير الترتيب بجهة التجوز.","part":1,"page":64},{"id":75,"text":"وكذلك الكلام في قولهم: تقاتل زيد وعمرو ولا يلزم من التجوز بالواو في غير الترتيب أن يتجوز عنه بالفاء وثم، إذ هو غير لازم مع اختلاف الحروف.\rوعلى الوجه الثالث: أنه لا يلزم أن يكون كاذبا بتقدير المعية، أو تقدم المتأخر في اللفظ لامكان التجوز بها عن الجمع المطلق، كما لو قال: رأيت أسدا وكان قد رأى إنسانا شجاعا.\rوعلى الرابع: أنه إذا قال: رأيت زيدا وعمرا بعده لا يكون تكريرا، لانه يكون مفيدا لامتناع حمله على الجمع المطلق، لاحتمال توهمه بجهة التجوز.\rوإذا قال: رأيت زيدا وعمرا قبله لا يكون تناقضا، لكونه مفيدا لارادة جهة التجوز.\rوعلى الخامس: أنه إنما حسن الاستفسار لاحتمال اللفظ له تجوزا.\rوعلى السادس: أنه إنما لم يجب على العبد الترتيب نظرا إلى قرينة الحال المقتضية لارادة جهة التجوز، حتى إنه لو فرض عدم القرينة، لقد كان ذلك موجبا للترتيب.\rفإن قيل: لو كانت الواو حقيقة في الترتيب، فإفادتها للجمع المطلق عند تفسيرها به: إن كان مجازا، فهو خلاف الاصل، وإن كان حقيقة، فليزم منه الاشتراك، وهو أيضا على خلاف الاصل.\rقلنا: ولو كانت حقيقة في الجمع المطلق، فإفادتها للترتيب عند تفسيرها به، وإن كان مجازا فهو خلاف الاصل، وإن كان حقيقة كان مشتركا، وهو خلاف الاصل.\rوليس أحد الامرين أولى من الآخر فإن قيل: بل ما ذكرناه أولى، لانها إذا كانت حقيقة في الترتيب خلا الجمع المطلق عن حرف يخصه، ويدل عليه، وإذا كانت حقيقة في الجمع المطلق، لم يخل الترتيب عن حرف يدل عليه لدلالة الفاء وثم عليه.\rقلنا: فنحن إنما نجعلها حقيقة في الترتيب المطلق المشترك بين الفاء وثم وذلك مما لا تدل عليه الفاء وثم دلالة مطابقة، بل إما بجهة التضمن أو","part":1,"page":65},{"id":76,"text":"الالتزام.\rوكما أنها تدل على الترتيب المشترك بدلالة التضمن أو الالتزام، فتدل على الجمع المطلق هذه الدلالة.\rوعند ذلك فليس إخلاء الترتيب المشترك عن لفظ يطابقه، أولى من إخلاء الجمع المطلق.\rوعلى السابع: أن ما ذكروه إنما يلزم أن لو كانت الواو جارية مجرى واو الجمع وياء التثنية مطلقا، وليس كذلك، لانه لا مانع من كونها جارية مجراهما في مطلق الجمع، مع كونها مختصة بالترتيب.\rكما في الفاء وثم.\rوعلى الثامن: أنه كما أن الجمع المطلق معقول، ولا بد له من حرف يدل عليه فالترتيب المطلق أيضا معقول وبد له من حرف يدل عليه.\rوليس ما يفيده\rبالاجماع سوى الواو فتعين، كيف وإن الجمع المطلق حاصل بقوله: رأيت زيدا، رأيت عمرا.\rوعلى التاسع: أن ما ذكروه منتقض بثم وبعد.\rوأما المثبتون للترتيب، فقد احتجوا بالنقل، والحكم، والمعنى أما النقل فقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا، اركعوا، واسجدوا) * (22) الحج: 77) فإنه مقتض للترتيب، وأيضا ما روي أنه لما نزل قوله تعالى: * (إن الصفا والمروة من شعائر الله) * (2) البقرة: 58) قال الصحابة للنبي عليه السلام: بم نبدأ ؟ قال: ابدؤوا بما بدأ الله به ولولا أن الواو للترتيب، لما كان كذلك.\rوأيضا ما روي أن واحدا قام بين يدي رسول الله وقال: من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى، ومن عصاهما فقد غوى فقال عليه السلام بئس خطيب القوم أنت، قل ومن عصى الله ورسوله فقد غوى ولو كانت الواو للجمع المطلق، لما وقع الفرق.","part":1,"page":66},{"id":77,"text":"وأيضا ما روي عن عمر أنه قال لشاعر قال: كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا لو قدمت الاسلام على الشيب لاجزتك وكان عمر من أهل اللسان، وذلك يدل على الترتيب.\rوأيضا ما روي أن الصحابة أنكروا على ابن عباس، وقالوا له: لم تأمرنا بالعمرة قبل الحج، وقد قال الله: * (وأتموا الحج والعمرة لله) * (2) البقرة: 196) وكانوا أيضا من أهل اللسان وذلك يدل على الترتيب ولولا أن الواو للترتيب، لما كان كذلك.\rوأما الحكم، فإنه لو قال الزوج لزوجته قبل الدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق وقع بها طلقة واحدة، ولو كانت الواو للجمع المطلق لوقعت الثلاث،\rكما لو قال لها: أنت طالق ثلاثا.\rوأما المعنى، فهو أن الترتيب في اللفظ يستدعي سببا، والترتيب في الوجود صالح له، فوجب الحمل عليه.\rأجاب النافون عن النقل: أما الآية، فلا نسلم أن الترتيب مستفاد منها، بل من دليل آخر، وهو أن النبي عليه السلام صلى ورتب الركوع قبل السجود، وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي ولو كانت الواو للترتيب، لما احتاج النبي عليه السلام إلى هذا البيان.\rوأما قوله عليه السلام: ابدؤوا بما بدأ الله به فهو دليل عليهم، حيث سأله الصحابة عن ذلك مع أنهم من أهل اللسان، ولو كانت الواو للترتيب لما احتاجوا إلى ذلك السؤال.\rولقائل أن يقول: ولو كانت للجمع المطلق، لما احتاجوا إلى السؤال، فيتعارضان، ويبقى قوله عليه السلام: ابدؤوا بما بدأ الله به وهو دليل الترتيب.\rوأما قوله عليه السلام: قل ومن عصى الله ورسوله فقد غوى إنما قصد به إفراد ذكر الله تعالى أولا مبالغة في تعظيمه، لا أن الواو للترتيب، ويدل عليه أن معصية الله ورسوله لا انفكاك لاحداهما عن الاخرى، حتى يتصور فيهما الترتيب.","part":1,"page":67},{"id":78,"text":"وأما قول عمر، فمبني على قصد التعظيم بتقديم ذكر الاعظم، على قصد الترتيب.\rوأما قصة الصحابة مع ابن عباس، فلم يكن مستند إنكارهم لامره بتقديم العمرة على الحج، كون الآية مقتضية لترتيب العمرة بعد الحج، بل لانها مقتضية للجمع المطلق، وأمره بالترتيب مخالف لمقتضى الآية، كيف وإن فهمهم لترتيب العمرة على الحج من الآية معارض بما فهمه ابن عباس، وهو ترجمان القرآن.\rوأما الحكم فهو ممنوع على أصل من يعتقد أن الواو للجمع المطلق.\rوبه\rقال أحمد بن حنبل، وبعض أصحاب مالك، والليث بن سعد، وربيعة بن أبي ليلى.\rوقد نقل عن الشافعي ما يدل عليه في القديم.\rوإن سلم ذلك، فالوجه في تخريجه أن يقال: إذا قال لها أنت طالق ثلاثا، فالاخير تفسير للاول، والكلام يعتبر بجملته، بخلاف قوله: أنت طالق وطالق وطالق.\rوأما المعنى فهو منقوض بقوله: رأيت زيدا، رأيت عمرا فإن تقديم أحد الاسمين في الذكر لا يستدعي تقديمه في نفس الامر إجماعا.\rكيف وإنه يجوز أن يكون السبب في تقديمه ذكرا لزيادة حبه له واهتمامه بالاخبار عنه، أو لانه قصد الاخبار عنه لا غير، ثم تجدد له قصد الاخبار عن الآخر عند إخباره عن الاول.\rوبالجملة فالكلام في هذه المسألة متجاذب، وإن كان الارجح هو الاول في النفس.\rوأما الفاء وثم وحتى، فإنها تقتضي الترتيب.\rوتختلف من جهات أخر.\rفأما الفاء فمقتضاها إيجاب الثاني بعد الاول من غير مهلة.\rهذا مما اتفق الادباء على نقله عن أهل اللغة.\rوقوله تعالى * (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا) * (7) الاعراف: 4) وإن كان مجئ البأس لا يتأخر عن الهلاك، فيجب تأويله بالحكم بمجئ البأس بعد هلاكها ضرورة موافقة للنقل.\rوقوله تعالى: * (لا تفتروا على الله كذبا","part":1,"page":68},{"id":79,"text":"فيسحتكم بعذاب) * (20) طه: 61) وقوله تعالى: * (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة) * (2) البقرة: 283) فإنه، وإن كان الاسحات بالعذاب مما يتراخى عن الافتراءه بالكذب.\rوكذلك الرهن مما يتراخى عن المداينة، غير أنه يجب تأويله بأن حكم الافتراء، الاسحات، وحكم المداينة، الرهنية، لما ذكرناه من موافقة النقل.\rوقد ترد الفاء مورد الواو كقول الشاعر: بسقط اللوى بين الدخول فحومل وأما ثم فإنها توجب الثاني بعد الاول بمهلة: وقوله تعالى: * (وإني لغفار لمن\rتاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) * (20) طه: 82) وإن كان الاهتداء يتراخى عن التوبة والايمان والعمل الصالح، فيجب حمله على دوام الاهتداء وثباته، ضرورة موافقة النقل.\rوقيل إنها قد ترد بمعنى الواو كقوله تعالى: * (فإلينا مرجعهم، ثم الله شهيد على ما يفعلون) * (10) يونس: 46) لاستحالة كونه شاهدا بعد أن لم يكن شاهدا.\rوأما حتى فموجبة لكون المعطوف جزءا من المعطوف عليه، نحو قولك: مات الناس حتى الانبياء، وقدم الحاج حتى المشاة.\rفالاول أفضله، والثاني دونه.\rوثلاثة منها تشترك في تعليق الحكم بأحد المذكورين وهي: أو، وإما، وأم.\rإلا أن أو وإما يقعان في الخبر والامر والاستفهام.\rوأم لا تقع إلا في الاستفهام.\rغير أن أو وإما في الخبر للشك، تقول: جاء زيد أو عمرو، وجاء إما زيد وإما عمرو، وفي الامر للتخيير تقول: اضرب زيدا أو عمرا، واضرب إما زيدا وإما عمرا.\rوللاباحة تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين.\rوأو في الاستفهام مع الشك في وجود الامرين، وأم مع العلم بأحدهما والشك في تعيينه.\rوثلاثة منها تشترك في أن المعطوف مخالف للمعطوف عليه في حكمه، وهي: لا، وبل، ولكن.\rتقول: جاءني زيد لا عمر، بل عمرو، وما جاءني زيد لكن عمرو ومنها: حروف النفي، وهي: ما، ولا، ولم، ولما، ولن، وإن بالتخفيف.","part":1,"page":69},{"id":80,"text":"فأما ما فلنفي الحال، أو الماضي القريب من الحال، كقولك ما تفعل، ما فعل.\rوأما لا فلنفي المستقبل، إما خبرا كقولك: لا رجل في الدار، أو نهيا، كقولك: لا تفعل، أو دعاء كقولك: لا رعاك الله.\rوأما لم ولما فلقلب المضارع إلى الماضي، تقول: لم يفعل، ولما يفعل، ولن لتأكيد المستقبل، كقولك: لن أبرح اليوم مكاني، تأكيدا كقولك:\rلا أبرح اليوم مكاني.\rوإن لنفي الحال كقوله تعالى: * (إن كانت إلا صيحة واحدة) * (36) يس: 29).\rومنها حروف التنبيه، وهي: ها، وألا، وأما.\rتقول: ها أفعل كذا، وألا زيد قائم، وأما إنك خارج.\rومنها حروف النداء، وهي: يا، وأيا، وهيا، وأي، والهمزة، ووا.\rوالثلاثة الاول لنداء البعيد، وأي والهمزة للقريب، ووا للندبة.\rومنها حروف التصديق والايجاب، وهي: نعم، وبلى، وأجل، وجير، وإي، وإن، فنعم، مصدقة لما سبق من قول القائل: قام زيد، ما قام زيد، وبلى لايجاب ما نفي، كقولك: بلى، لمن قال: ما قام زيد.\rوأجل لتصديق الخبر لا غير، كقولك: أجل، لمن قال: جاء زيد.\rوجير وإن وإي للتحقيق، تقول: جير لافعلن كذلك، وإن الامر كذا، وإي والله، ومنها حروف الاستثناء، وهي: إلا، وحاشا، وعدا، وخلا.\rوالحرف المصدري، وهو: ما في قولك: أعجبني ما صنعت، أي صنعك.\rوأن في قولك: أريد أن تفعل كذا، أي فعلك.\rوحروف التحضيض، وهي: لولا، ولو ما، وهلا، وألا فعلت كذا، إذا أردت الحث على الفعل.","part":1,"page":70},{"id":81,"text":"وحرف تقريب الماضي من الحال، وهو قد في قولك: قد قام زيد.\rوحروف الاستفهام، وهي: الهمزة، وهل، في قولك: أزيد قام ؟ وهل زيد قائم ؟ وحروف الاستقبال، وهي: السين، وسوف وأن، ولا، وإن.\rفي قولك\rسيفعل، وسوف يفعل، وأريد أن تفعل، ولا تفعل، وإن تفعل.\rوحروف الشرط، وهي: إن، ولو، في قولك: إن جئتني، ولو جئتني أكرمتك.\rوحرف التعليل، وهو كي، في قولك: قصدت فلانا كي يحسن إلي.\rوحرف الردع، وهو: كلا، في قولك جوابا لمن قال لك: إن الامر كذا.\rومنها حروف اللامات، وهي: لام التعريف الداخلة على الاسم المنكر لتعريفه كالرجل، ولام جواب القسم، في قولك: والله لافعلن كذا، والموطئة للقسم، في قولك: والله لئن أكرمتني لاكرمنك، ولام جواب لو، ولولا، في قولك: لو كان كذا لكان كذا، ولولا كان كذا لكان كذا، ولام الامر، في قولك: ليفعل زيد، ولام الابتداء في قولك: لزيد منطلق.\rومنها تاء التأنيث الساكنة، في قولك: فعلت.\rومنها التنوين، والنون المؤكدة، في قولك: والله لافعلن كذا.\rوهذا اخر الكلام في النوع الاول.\rالنوع الثاني: في تحقيق مفهوم المركب من مفردات الالفاظ، وهو الكلام.\rاعلم أن اسم الكلام قد يطلق على العبارات الدالة بالوضع تارة، وعلى مدلولها القائم بالنفس تارة، على ما حققناه في كتبنا الكلامية.\rوالمقصود هاهنا إنما هو معنى الكلام اللساني دون النفساني.\rوالكلام اللساني قد يطلق تارة على ما ألف من الحروف والاصوات من غير دلالة على شئ، ويسمى مهملا، وإلى ما يدل.\rولهذا، يقال في اللغة: هذا","part":1,"page":71},{"id":82,"text":"كلام مهمل، وهذا كلام غير مهمل، وسواء كان إطلاق الكلام على المهمل حقيقة أو مجازا.\rوالغرض هاهنا إنما هو بيان الكلام الذي ليس بمهمل لغة، وقد اختلف فيه: فذهب أكثر الاصوليين إلى أن الكلمة الواحدة، إذا كانت\rمركبة من حرفين فصاعدا، كلام ولا جرم، قالوا في حده: هو ما انتظم من الحروف المسموعة المميزة المتواضع على استعمالها الصادرة عن مختار واحد.\rوقصدوا بالقيد الاول، الاحتراز عن الحرف الواحد، كالزاي من زيد، وبالقيد الثاني، الاحتراز عن حروف الكتابة، وبالقيد الثالث، الاحتراز عن أصوات كثيرة من البهائم، والمهملات من الالفاظ، وبالقيد الرابع، الاحتراز عن الاسم الواحد، إذا صدرت حروفه كل حرف من شخص، فإنه لا يسمى كلاما.\rومنهم من قال إن الكلمة الواحدة تسمى كلاما.\rلكن اختلفوا فيما اجتمع من كلمات، وهو غير مفيد، كقول القائل: زيد لا كلما، ونحوه، هل هو كلام، فمنهم من قال إنه كلام لان آحاد كلماته وضعت للدلالة.\rومنهم من لم يسمه كلاما والنزاع في إطلاق اسم الكلام في هذه الصور مائل إلى الاصطلاح الخارج عن وضع اللغة باتفاق من أهل الادب.\rوأما مأخذه في اصطلاح أهل اللغة، قال الزمخشري، وهو ناقد بصير في هذه الصناعة: الكلام، هو المركب من كلمتين، أسندت إحداهما إلى الاخرى.\rفقوله: المركب من كلمتين احتراز عن الكلمة الواحدة.\rوقوله: أسندت إحداهما إلى الاخرى احتراز عن قولك: زيد عمرو، وعن قولك: زيد على، أو زيد في، أو قام في.\rفإن المجموع منهما مركب من كلمتين وليس بكلام، لعدم إسناد إحداهما إلى الاخرى.\rوأقل ما يكون ذلك من اسمين، كقولك: زيد قائم، أو اسم وفعل، كقولك: زيد قام، وتسمى الاولى جملة اسمية، والثانية جملة فعلية.\rولا يتركب الكلام من الاسم والحرف فقط، ولا من الافعال وحدها، ولا من الحروف، ولا من الافعال والحروف.","part":1,"page":72},{"id":83,"text":"فإن قيل: ما ذكرتموه من الحد منتقض بما تركب من كلمتين أسندت إحداهما\rإلى الاخرى، وهما مهملتان، فإنه لا يكون كلاما، وذلك كما لو أسندت مقلوب زيد إلى مقلوب رجل، فقلت: ديز هو لجر.\rقلنا: المراد من الكلمة التمنها التأليف، اللفظة الواحدة الدالة بالوضع على معنى مفرد، ولا وجود لذلك فيما ذكروه.\rغير أن ما ذكروه من الحد يدخل فيه قول القائل: حيوان ناطق، وإنسان عالم، وغير ذلك من النسب التقييدية.\rفإنه لا يعد كلاما مفيدا، وإن أسند فيه إحدى الكلمتين إلى الاخرى، والوجب أن يقال: الكلام ما تألف من كلمتين تأليفا يحسن السكوت عليه.\rالاصل الثاني في مبدإ اللغات وطرق معرفتها أول ما يجب تقديمه أن ما وضع من الالفاظ الدالة على معانيها هل هو لمناسبة طبيعية بين اللفظ ومعناه، أم لا.\rفذهب أرباب علم التكسير وبعض المعتزلة إلى ذلك، مصيرا منهم إلى أنه لو لم يكن بين اللفظ ومعناه مناسبة طبيعية، لما كان اختصاص ذلك المعنى بذلك اللفظ أولى من غيره، ولا وجه له فإنا نعلم أن الواضع في ابتداء الوضع، لو وضع لفظ الوجود على العدم، والعدم على الوجود، واسم كل ضد على مقابله، لما كان ممتنعا، كيف وقد وضع ذلك كما في اسم الجون، والقرء ونحوه، والاسم الواحد لا يكون مناسبا بطبعه لشئ، ولعدمه.\rوحيث خصص الواضع بعض الالفاظ ببعض المدلولات، إنما كان ذلك نظرا إلى الارادة المخصصة، كان الواضع هو الله تعالى، أو المخلوق إما لغرض، أو لا لغرض، وإذا بطلت المناسبة الطبيعية، وظهر أن مستند تخصيص بعض الالفاظ ببعض المعاني إنما هو الوضع الاختياري","part":1,"page":73},{"id":84,"text":"فقد اختلف الاصوليون فيه:\rفذهب الاشعري وأهل الظاهر، وجماعة من الفقهاء إلى أن الواضع هو الله تعالى، ووضعه متلقي لنا من جهة التوقيف الالهي إما بالوحي، أو بأن يخلق الله الاصوات والحروف، ويسمعها لواحد أو لجماعة، ويخلق له أو لهم العلم الضروري بأنها قصدت للدلالة على المعاني، محتجين على ذلك بآيات، منها قوله تعالى: * (وعلم آدم الاسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة، فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين.\rقالوا: سبحانك، لا علم لنا إلا ما علمتنا) * (2) البقرة: 31) دل على أن آدم والملائكة لا يعلمون إلا بتعليم الله تعالى، ومنها قوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (6) الانعام: 38) وقوله تعالى: * (تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: 89) وقوله تعالى: * (اقرأ باسم ربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم) * (96) العلق: 3 - 5) واللغات داخلة في هذه المعلومات، وقوله تعالى: * (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) * (53) النجم: 23) ذمهم على تسمية بعض الاشياء من غير توقيف، فدل على أن ما عداها توقيف.\rوقوله تعالى: * (ومن آياته خلق السموات والارض واختلاف ألسنتكم) * (30) الروم: 22) والمراد به اللغات لا نفس اختلاف هيئات الجوارح من الالسنة لان اختلاف اللغات أبلغ في مقصود الآية، فكان أولى بالحمل عليه.\rوذهبت البهشمية وجماعة من المتكلمين إلى أن ذلك من وضع أرباب اللغات واصطلاحهم، وأن واحدا أو جماعة انبعثت داعيته، أو دواعيهم، إلى وضع هذه الالفاظ بإزاء معانيها.\rثم حصل تعريف الباقين بالاشارة والتكرار، كما يفعل الوالدان بالولد الرضيع، وكما يعرف الاخرس ما في ضميره بالاشارة والتكرار مرة بعد أخرى، محتجين على ذلك بقوله تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) * (14) إبراهيم: 4 وهذا دليل على تقدم اللغة على البعثة والتوقيف.\rوذهب الاستاذ أبو إسحاق الاسفرائني إلى أن القدر الذي يدعو به الانسان غيره إلى التواضع، بالتوقيف، وإلا فلو كان بالاصطلاح، فالاصطلاح عليه","part":1,"page":74},{"id":85,"text":"متوقف على ما يدعو به الانسان غيره إلى الاصطلاح على ذلك الامر، فإن كان بالاصطلاح لزم التسلسل وهو ممتنع، فلم يبق غير التوقيف، وجوز حصول ما عدا ذلك بكل واحد من الطريقين.\rوذهب القاضي أبو بكر وغيره من أهل التحقيق، إلى أن كل واحد من هذه المذاهب ممكن بحيث لو فرض وقوعه، لم يلزم عنه محال لذاته، وأما وقوع البعض دون البعض، فليس عليه دليل قاطع، والظنون فمتعارضة يمتنع معها المصير إلى التعيين.\rهذا ما قيل، والحق أن يقال إن كان المطلوب في هذه المسألة يقين الوقوع لبعض هذه المذاهب.\rفالحق ما قاله القاضي أبو بكر إذ لا يقين من شئ منها على ما يأتي تحقيقه.\rوإن كان المقصود إنما هو الظن، وهو الحق، فالحق ما صار إليه الاشعري، لما قيل من النصوص لظهورها في المطلوب فإن قيل لا نسلم ظهور النصوص المذكورة في المطلوب.\rأما قوله تعالى: * (وعلم آدم الاسماء كلها) * (2) البقرة: 31) فالمراد بالتعليم إنما هو إلهامه، وبعث داعيته على الوضع، وسمي بذلك معلما لكونه الهادي إليه، لا بمعنى أنه أفهمه ذلك بالخطاب على ما قال تعالى في حق داود: * (وعلمناه صنعة لبوس لكم) * (21) الانبياء: 80) معناه ألهمناه ذلك.\rوقوله تعالى في حق سليمان: * (ففهمناها سليمان) * (21) الانبياء: 79) أي ألهمناه.\rسلمنا أن المراد به الافهام بالخطاب والتوقيف.\rولكن أراد به كل الاسماء مطلقا.\rأو الاسماء الي كانت موجودة في زمانه.\rالاول ممنوع، والثاني مسلم.\rسلمنا أنه أراد به جميع الاسماء مطلقا، غير أن ذلك يدل على أن علم آدم بها كان توقيفيا، ولا يلزم أن يكون أصلها بالتوقيف لجواز أن يكون من مصطلح خلق سابق على آدم، والباري تعالى علمه ما اصطلح عليه غيره.\rسلمنا أن جميع الاسماء المعلومة لآدم بالتوقيف له، ولكنه يحتمل أنه أنسيها، ولم","part":1,"page":75},{"id":86,"text":"يوقف عليها من بعده.\rواصطلح أولاده من بعده على هذه اللغات، والكلام إنما هو في هذه اللغات.\rوأما قول الملائكة: * (لا علم لنا إلا ما علمتنا) * (2) البقرة: 31) فلا يدل على أن أصل اللغات التوقيف لما عرف في حق آدم.\rوقوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (6) الانعام: 38) فالمراد به أن ما ورد في الكتاب لا تفريط فيه، وإن كان المراد به أنه بين فيه كل شئ، فلا منافاة بينه وبين كونه معرفا للغات من تقدم.\rوعلى هذا يخرج الجواب عن قوله تعالى: * (تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: 89) وعن قوله: * (علم الانسان ما لم يعلم) * (96) العلق: 5).\rوأما آية الذم فالذم فيها، إنما كان على إطلاقهم أسماء الاصنام مع اعتقادهم كونها آلهة.\rوأما آية اختلاف الالسنة، فهي غير محمولة على نفس الجارحة بالاجماع، فلا بد من التأويل.\rوليس تأويلها بالحمل على اللغات أولى من تأويلها بالحمل على الاقدار على اللغات، كيف وإن التوقيف يتوقف على معرفة كون تلك الالفاظ دالة على تلك المعاني.\rوذلك لا يعرف إلا بأمر خارج عن تلك الالفاظ، والكلام فيه إن كان توقيفيا كالكلام في الاول وهو تسلسل ممتنع، فلم يبق غير الاصطلاح.\rثم ما ذكرتموه معارض بقوله تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) * (4) إبراهيم: 4).\rوذلك يدل على سبق اللغات على البعثة.\rوالجواب: قولهم: المراد من تعليم آدم إلهامه بالوضع والاصطلاح مع نفسه،\rوهو خلاف الظاهر من إطلاق لفظ التعليم.\rولهذا فإن من اخترع أمرا، واصطلح عليه مع نفسه، يصح أن يقال إنه ما علمه أحد ذلك، ولو كان إطلاق التعليم بمعنى الالهام بما يفعله الانسان مع نفسه حقيقة، لما صح نفيه.\rوحيث صح نفيه، دل","part":1,"page":76},{"id":87,"text":"على كونه مجازا.\rوالاصل في الاطلاق الحقيقة، ولا يلزم من التأويل فيما ذكروه من التعليم في حق داود وسليمان التأويل فيما نحن فيه، إلا أن الاشتراك في دليل التأويل، والاصل عدمه.\rوقولهم: أراد به الاسماء الموجودة في زمانه، إنما يصح أن لو لم يكن جميع الاسماء موجودة في زمانه، وهو غير مسلم، بل الباري تعالى علمه كل ما يمكن التخاطب به، ويجب الحمل عليه عملا بعموم اللفظ.\rقولهم: من الجائز أن يكون جميع الاسماء من مصطلح من كان قبل آدم.\rقلنا: وإن كان ذلك محتملا، إلا أن الاصل عدمه، فمن ادعاه يحتاج إلى دليل، وبه يبطل أنه يحتمل أنه أنسيها، إذ الاصل عدم النسيان، وبقاء ما كان على ما كان.\rوعلى هذا فقد خرج الجواب عما ذكروه من تأويل قول الملائكة: * (لا علم لنا إلا ما علمتنا) * (2) البقرة: 31) إذ هو مبني على ما قيل من التأويل في حق آدم، وقد عرف جوابه.\rقولهم: المراد من قوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (6) الانعام: 38) أنه لا تفريط فيما في الكتاب، ليس كذلك.\rفإن ذلك معلوم لكل عاقل قطعا.\rفحمل اللفظ عليه لا يكون مفيدا.\rقولهم: لا منافاة بينه وبين كونه معرفا للغات من تقدم، فقد سبق جوابه، وبه يخرج الجواب عما ذكروه على قوله تعالى: * (تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: 89) وعن قوله: * (علم الانسان ما لم يعلم) * (96) العلق: 5).\rقولهم في آية الذم، إنما ذمهم على اعتقادهم، كون الاصنام آلهة، فهو خلاف الظاهر من إضافة الذم إلى التسمية.\rولا يقبل من غير دليل.","part":1,"page":77},{"id":88,"text":"وما ذكروه على الآية الاخيرة، فلا يخفى أن الترجيح بحمل اللفظ على اختلاف اللغات دون حمله على الاقدار على اللغات، لكونه أقل في الاضمار، إذ هو يفتقر إلى إضمار اللغات لا غير.\rوما ذكروه يفتقر إلى إضمار القدرة على اللغات، فلا يصار إليه.\rقولهم في المعنى إنه يفضي إلى التسلسل، ليس كذلك، فإنه لا مانع أن يخلق الله تعالى العبارات، ويخلق لمن يسمعها العلم الضروري بأن واضعا وضعها لتلك المعاني، كما سبق.\rثم ما ذكروه لازم عليهم في القول بالاصطلاح فإن ما يدعى به إلى الوضع والاصطلاح لا بد وأن يكون معلوما.\rفإن كان معلوما بالاصطلاح لزم التسلسل، وهو ممتنع، فلم يبق غير التوقيف.\rوما ذكروه من المعارضة بالآية الاخيرة، فإنما يلزم أن لو كان طريق التوقيف منحصرا في الرسالة، وليس كذلك، بل جاز أن يكون أصل التوقيف معلوما، إما بالوحي من غير واسطة، وإما بخلق اللغات، وخلق العلم الضروري للسامعين بأن واضعا وضعها لتلك المعاني على ما سبق.\rوأما طرق معرفتها لنا، فاعلم أن ما كان منها معلوما بحيث لا يتشكك فيه مع التشكيك، كعلمنا بتسمية الجوهر جوهرا، والعرض عرضا، ونحوه من الاسامي، فنعلم أن مدرك ذلك إنما هو التواتر القاطع.\rوما لم يكن معلوما لنا، ولا تواتر فيه، فطريق تحصيل الظن به إنما هو إخبار الآحاد.\rولعل الاكثر إنما هو الاول.","part":1,"page":78},{"id":89,"text":"القسم الثالث في المبادئ الفقهية والاحكام الشرعية اعلم أن الحكم الشرعي يستدعي حاكما، ومحكوما فيه، ومحكوما عليه فلنفرض في كل واحد أصلا، وهي أربعة أصول: الاصل الاول في الحاكم اعلم أنه لا حاكم سوى الله تعالى، ولا حكم إلا ما حكم به.\rويتفرع عليه أن العقل لا يحسن، ولا يقبح، ولا يوجب شكر المنعم، وأنه لا حكم قبل ورود الشرع.\rولنرسم في كل واحد مسألة: المسألة الاولى مذهب أصحابنا وأكثر العقلاء أن الافعال لا توصف بالحسن والقبح لذواتها، وأن العقل لا يحسن ولا يقبح، وإنما إطلاق اسم الحسن والقبح عندهم باعتبارات ثلاثة، إضافية غير حقيقية.\rأولها: إطلاق اسم الحسن على ما وافق الغرض، والقبيح على ما خالفه.\rوليس ذلك ذاتيا لاختلافه وتبدله بالنسبة إلى اختلاف الاغراض، بخلاف اتصاف المحل بالسواد والبياض.\rوثانيها: إطلاق اسم الحسن على ما أمر الشارع بالثناء على فاعله، ويدخل فيه أفعال الله تعالى، والواجبات والمندوبات، دون المباحات.\rوإطلاق اسم القبيح على ما أمر الشارع بذم فاعله، ويدخل فيه الحرام، دون المكروه والمباح، وذلك أيضا مما يختلف باختلاف ورود أمر الشارع في الافعال.","part":1,"page":79},{"id":90,"text":"وثالثها: إطلاق اسم الحسن على ما لفاعله مع العلم به، والقدرة عليه أن\rيفعله، بمعنى نفي الحرج عنه في فعله.\rوهو أعم من الاعتبار الاول لدخول المباح فيه.\rوالقبيح في مقابلته، ولا يخفى أن ذلك أيضا مما يختلف باختلاف الاحوال، فلا يكون ذاتيا.\rوعلى هذا فما كان من أفعال الله تعالى بعد ورود الشرع فحسن بالاعتبار الثاني والثالث، وقبله بالاعتبار الثالث، وما كان من أفعال العقلاء قبل ورود الشرع فحسنه وقبيحه بالاعتبار الاول والثالث، وبعده بالاعتبارات الثلاثة.\rوذهب المعتزلة، والكرامية، والخوارج، والبراهمة، والثنوية وغيرهم إلى أن الافعال منقسمة إلى حسنة وقبيحة لذواتها، لكن منها ما يدرك حسنه وقبحه بضرورة العقل، كحسن الايمان، وقبح الكفران، أو بنظره كحسن الصدق المضرة، وقبح الكذب النافع، أو بالسمع كحسن العبادات، لكن اختلفوا:","part":1,"page":80},{"id":91,"text":"فزعمت الاوائل من المعتزلة أن الحسن، والقبيح غير مختص بصفة موجبة لحسنه وقبحه، ومنهم من أوجب ذلك كالجبائية، ومنهم من فصل وأوجب ذلك في القبيح دون الحسن.\rونشأ بينهم بسبب هذا الاختلاف اختلاف في العبارات الدالة على معنى للحسن والقبيح، أومأنا إليها وإلى مناقضتهم فيها في علم الكلام وقد احتج أصحابنا بحجج: الاولى: أنه لو كان الكذب قبيحا لذاته، للزم منه أنه إذا قال: إن بقيت ساعة أخرى كذبت، أن يكون الحسن منه في الساعة الاخرى الصدق، أو الكذب والاول ممتنع لما يلزمه من كذب الخبر الاول، وهو قبيح، وما لزم منه القبيح فهو قبيح، فلم يبق غير الثاني وهو المطلوب.\rالثانية: لو كان قبح الخبر الكاذب ذاتيا، فإذا قال القائل: زيد في الدار، ولم يكن فيها فالمقتضي لقبحه، إما نفس ذلك اللفظ، وإما عدم المخبر عنه، وإما مجموع الامرين، وإما أمر خارج: الاول: يلزمه قبح ذلك الخبر، وإن كان صادقا، والثاني: يلزمه أن يكون العدم علة للامر الثبوتي، والثالث: يلزمه أن يكون العدم جزء علة الامر الثبوتي، والكل محال.\rوإن كان الرابع، فذلك المقتضي الخارج إما لازم للخبر المفروض وإما غير لازم.\rفإن كان الاول، فإن كان لازما لنفس اللفظ، لزم قبحه وإن كان صادقا، وإن كان لازما لعدم المخبر عنه أو لمجموع الامرين، كان العدم مؤثرا في الامر الثبوتي، وهو محال.\rوإن كان لازما لامر خارج، عاد التقسيم في ذلك الخارج، وهو تسلسل.\rوإن لم يكن ذلك المقتضي","part":1,"page":81},{"id":92,"text":"الخارج لازما للخبر الكاذب أمكن مفارقته له، فلا يكون الخبر الكاذب قبيحا.\rالثالثة: لو كان الخبر الكاذب قبيحا لذاته، فالمقتضي له لا بد وأن يكون ثبوتيا، ضرورة اقتضائه للقبح الثبوتي، وهو إن كان صفة لمجموع حروف الخبر، فهو محال، لاستحالة اجتماعها في الوجود، وإن كان صفة لبعضها، لزم أن تكون أجزاء الخبر الكاذب كاذبة، ضرورة كون المقتضي لقبح الخبر الكاذب، إنما هو الكذب، وذلك محال.\rالرابعة: أنه لو كان قبح الكذب وصفا حقيقيا، لما اختلف باختلاف الاوضاع، وقد اختلف، حيث إن الخبر الكاذب قد يخرج عن كونه كذبا وقبيحا بوضع الواضع له أمرا أو نهيا.\rالخامسة: لو كان الكذب قبيحا لذاته، لما كان واجبا ولا حسنا عند ما إذا استفيد به عصمة دم نبي عن ظالم يقصد قتله.\rالسادسة: لو كان الظلم قبيحا لكونه ظلما، لكان المعلول متقدما على علته،\rلان قبح الظلم الذي هو معلول للظلم متقدم على الظلم، ولهذا ليس لفاعله أن يفعله، وكان القبح مع كونه وصفا ثبوتيا ضرورة اتصاف العدم بنقيضه معللا بما العدم جزء منه، وذلك لان مفهوم الظلم أنه إضرار غير مستحق، ولا استحقاق، عدم، وهو ممتنع.\rالسابعة: أن أفعال العبد غير مختارة له، وما يكون كذلك لا يكون حسنا ولا قبيحا لذاته إجماعا، وبيان كونه غير مختار أن فعله إن كان لازما له، لا يسعه تركه، فهو مضطر إليه، لا مختار له، وإن جاز تركه، فإن افتقر في فعله إلى مرجح عاد التقسيم، وهو تسلسل ممتنع، وإلا فهو اتفاقي لا اختياري.","part":1,"page":82},{"id":93,"text":"وهذه الحجج ضعيفة: أما الاولى: فلانه أمكن أن يقال بأن صدقه في الساعة الاخرى حسن، ولا يلزم من ملازمة القبيح له قبحه، وإن كان قبيحا من جهة استلزامه للقبيح، فلا يمتنع الحكم عليه بالحسن والقبح بالنظر إلى ما اختص به من الوجوه والاعتبارات الموجبة للحسن والقبح، كما هو مذهب الجبائية.\rوإن قدر امتناع ذلك، فلا يمتنع الحكم بقبح صدقه لما ذكروه، وقبح كذبه لكونه كذبا.\rوأما الثانية: فلانه لا امتناع من القول بقبح الخبر مشروطا بعدم زيد في الدار، والشرط غير مؤثر.\rوأما الثالثة: فلما يلزمها من امتناع اتصاف الخبر بكونه كاذبا وهو محال.\rوأما الرابعة: فلانه لا مانع من أن يكون قبح الخبر الكاذب مشروطا بالوضع، وعدم مطابقته للمخبر عنه، مع علم المخبر به، كما كان ذلك مشروطا في كونه كذبا.\rوأما الخامسة: فلان الكذب في الصورة المفروضة غير متعين لخلاص النبي\rلامكان الاتيان بصورة الخبر من غير قصد له، أو مع التعريض وقصد الاخبار عن الغير.\rوإذا لم يكن متعينا له، كان قبيحا.\rوإن قدر تعيينه، فالحسن والواجب، ما لازمه من تخليص النبي، لا نفس الكذب، واللازم غير الملزوم، وغايته أنه لا يأثم به مع قبحه، ولا يحرم شرعا لترجح المانع عليه.\rوأما السادسة: فلانه أمكن منع تقدم قبح الظلم عليه ضرورة كونه صفة له، بل المتقدم إنما هو الحكم على ما سيوجد من الظلم بكونه قبيحا شرعا وعرفا.\rوأمكن منع تعليل القبح بالعدم، وعدم الاستحقاق، وإن كان لازما للظلم، فلا","part":1,"page":83},{"id":94,"text":"يلزم أن يكون داخلا في مفهومه.\rفأمكن أن يكون الظلم علة القبح بما فيه من الامر الوجودي، والعدم شرطه.\rوأما السابعة: فلانه يلزم أن يكون الرب تعالى مضطرا إلى أفعاله، غير مختار فيها لتحقق عين ما ذكروه من القسمة في أفعاله، وهو محال.\rويلزم أيضا منها امتناع الحكم بالحسن والقبح الشرعي على الافعال، والجواب يكون مشتركا.\rوالمعتمد في ذلك أن يقال لو كان فعل من الافعال حسنا أو قبيحا لذاته، فالمفهوم من كونه قبيحا وحسنا، ليس هو نفس ذات الفعل، وإلا كان من علم حقيقة الفعل عالما بحسنه وقبحه، وليس كذلك، لجواز أن يعلم حقيقة الفعل ويتوقف العلم بحسنه وقبحه على النظر، كحسن الصدق الضار، وقبح الكذب النافع.\rوإن كان مفهومه زائدا على مفهوم الفعل الموصوف به فهو صفة وجودية، لان نقيضه، وهو لا حسن ولا قبح، صفة للعدم المحض، فكان عدميا.\rويلزم من ذلك كون الحسن والقبح وجوديا، وهو قائم بالفعل لكونه صفة له، ويلزم من ذلك قيام العرض بالعرض، وهو محال.\rوذلك لان العرض الذي هو محل العرض، لا بد وأن يكون قائما بالجوهر، أو بما هو في آخر الامر قائم بالجوهر،\rقطعا للتسلسل الممتنع، وقيام العرض بالجوهر لا معنى له غير وجوده في حيث الجوهر، تبعا له فيه وقيام أحد العرضين بالآخر لا معنى له سوى أنه في حيث العرض الذي قيل إنه قائم به، وحيث ذلك العرض هو حيث الجوهر، فهما في حيث الجوهر وقائمان به، ولا معنى لقيام أحدهما بالآخر، وإن كان قيام أحدهما بالآخر مشروطا بقيام العرض الآخر به فإن قيل: ما ذكرتموه يلزم منه امتناع اتصاف الفعل بكونه ممكنا، ومعلوما، ومقدورا، ومذكورا، وهو محال.\rثم ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيض مدلوله.\rوبيانه من جهة الاستدلال، والالزام: أما الاستدلال: فمن وجهين:","part":1,"page":84},{"id":95,"text":"الاول: اتفاق العقلاء على حسن الصدق النافع، وقبح الكذب المضر، وكذلك حسن الايمان، وقبح الكفران، وغير ذلك، مع قطع النظر عن كل حالة تقدر من عرف أو شريعة، أو غير ذلك، فكان ذاتيا والعلم به ضروري.\rالثاني: إنا نعلم أن من استوى في تحصيل غرضه الصدق والكذب، وقطع النظر في حقه عن الاعتقادات والشرائع وغير ذلك من الاحوال، فإنه يميل إلى الصدق، ويؤثره، وليس ذلك إلا لحسنه في نفسه، وكذلك نعلم أن من رأى شخصا مشرفا على الهلاك وهو قادر على إنقاذه، فإنه يميل إليه، وإن كان بحيث لا يتوقع في مقابلة ذلك حصول غرض دنياوي ولا أخروي، بل ربما كان يتضرر بالتعب والتعني.\rوليس ذلك إلا لحسنه في ذاته.\rوأما من جهة الالزام: فهو أنه لو كان السمع، وورود الامر والنهي، هو مدرك الحسن والقبح، لما فرق العاقل بين من أحسن إليه، وأساء، ولما كان فعل الله حسنا قبل ورود السمع، ولجاز من الله الامر بالمعصية، والنهي عن\rالطاعة، ولجاز إظهار المعجزة على يد الكذاب، ولا امتنع الحكم بقبح الكذب على الله تعالى قبل ورود السمع، ولكان الوجوب أيضا متوقفا على السمع.\rويلزم من ذلك إفحام الرسل من حيث إن النبي إذا بعث وادعى الرسالة، ودعا إلى النظر في معجزته، فللمدعو أن يقول: لا أنظر في معجزتك، ما لم يجب علي النظر.\rووجوب النظر متوقف على استقرار الشرع بالنظر في معجزتك وهو دور والجواب، عن الاول: أن ما ذكروه من الصفات فأمور تقديرية، فمفهوم نقائضها سلب التقدير، والامور المقدرة ليست من الصفات العرضية، فلا يلزم منه قيام العرض بالعرض.\rفإن قيل مثله في الحسن والقبح، فقد خرج عن كونه من الصفات الثبوتية للذات، وهو المطلوب، وعن المعارضة الاولى بمنع إجماع العقلاء على السن والقبح فيما ذكروه.\rفإن من العقلاء من لا يعتقد ذلك، كبعض الملاحدة، ونحن أيضا","part":1,"page":85},{"id":96,"text":"لا نوافق على قبح إيلام البهائم من غير جرم ولا غرض، وهو من صور النزاع، وإن كان ذلك متفقا عليه بين العقلاء، فلا يلزم أن يكون العلم به ضروريا، وإلا لما خالف فيه أكثر العقلاء عادة.\rوإن كان ذلك معلوما ضرورة، فلا يلزم من أن يكون ذاتيا، إلا أن يكون مجردا من أمر خارج، وهو غير مسلم على ما يأتي.\rوعن المعارضة الثانية، أنه لا يخلو إما أن يقال بالتفاوت بين الصدق والكذب ولو بوجه أو لا يقال به.\rوالاول يلزمه إبطال الاستدلال.\rوالثاني يمنع معه إيثار أحد الامرين دون الآخر.\rوعلى هذا إن كان ميله إلى الانقاذ لتحقق أمر خارج، فالاستدلال باطل، وإن لم يكن، فالميل إلى الانقاذ لا يكون مسلما، وإن سلم دلالة ما ذكرتموه في حق الشاهد، فلا يلزم مثله في حق الغائب إلا بطريق\rقياسه على الشاهد، وهو متعذر لما بيناه في علم الكلام.\rثم كيف يقاس، والاجماع منعقد على التفرقة، بتقبيح تمكين السيد لعبيده من الفواحش، مع العلم بهم والقدرة على منعهم، دون تقبيح ذلك بالنسبة إلى الله تعالى.\rفإن قيل: إنما لم يقبح من الله ذلك لعدم قدرته على منع الخلق من المعاصي، وذلك لان ما يقع من العبد من المعصية، لا بد وأن يكون وقوعها معلوما للرب، وإلا كان جاهلا بعواقب الامور، وهو محال.\rومنع الرب تعالى من وقوع ما هو معلوم الوقوع له، لا يكون مقدورا كما ذهب إليه النظام.\rقلنا: فما قيل فهو بعينه لازم بالنسبة إلى السيد، وأولى أن لا يكون السيد قادرا على المنع ومع ذلك فالفرق واقع.","part":1,"page":86},{"id":97,"text":"والجواب: عن الالزام الاول: أن مفهوم الحسن والقبح بمعنى موافقة الغرض ومخالفته، وبمعنى ما للفاعل أن يفعله، وأن لا يفعله متحقق قبل ورود الشرع، لا بالمعنى الذاتي.\rوعن الثاني: أن فعل الله قبل ورود الشرع حسن، بمعنى أن له فعله.\rوعن الثالث: أنه لا معنى للطاعة عندنا إلا ما ورد الامر به، ولا معنى للمعصية إلا ما ورد النهي عنه.\rوعلى هذا، فلا يمتنع ورود الامر بما كان منهيا، والنهي بما كان مأمورا.\rوعن الرابع: أنه إنما يلزم أن لو لم يكن لامتناع إظهار المعجزة على يد الكاذب مدرك سوى القبح الذاتي، وليس كذلك، وبه اندفاع الالزام الخامس أيضا.\rوعن السادس: ما سيأتي في المسألة بعدها، وإذا بطل معنى الحسن والقبح الذاتي لزم منه امتناع وجوب شكر المنعم عقلا، وامتناع حكم عقلي قبل ورود\rالشرع، إذ هما مبنيان على ذلك.\rغير أن عادة الاصوليين جارية لفرض الكلام في هاتين المسألتين إظهارا لما يختص بكل واحد من الاشكالات والمناقضات.\rالمسألة الثانية مذهب أصحابنا وأهل السنة أن شكر المنعم واجب سمعا، لا عقلا، خلافا للمعتزلة في الوجوب العقلي.\rاحتج أصحابنا على امتناع إيجاب العقل لذلك، بأن قالوا: لو كان العقل موجبا، فلا بد وأن يوجب لفائدة، وإلا كان إيجابه عبثا، وهو قبيح.\rويمتنع عود الفائدة إلى الله تعالى لتعاليه عنها، وإن عادت إلى العبد.\rفإما أن تعود إليه في الدنيا، أو في الاخرى.\rالاول: محال، فإن شكر الله تعالى عند الخصوم ليس هو معرفة الله تعالى، لان الشكر فرع المعرفة، وإنما هو عبارة عن إتعاب النفس وإلزام المشقة لها","part":1,"page":87},{"id":98,"text":"بتكليفها تجنب المستقبحات العقلية، وفعل المستحسنات العقلية، وهو فرع التحسين والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه، فلم يبق سوى التعب والعناء المحض الذي لا حظ للنفس فيه.\rوالثاني: محال، لعدم استقلال العقل بمعرفة الفائدة الاخروية دون إخبار الشارع بها، ولا إخبار، وأيضا فإنه لا معنى لكون الشئ واجبا سوى ترجح فعله على تركه.\rوبالعقل يعرف الترجيح لا أنه مرجح، فلا يكون موجبا، إذ الموجب هو المرجح.\rوإذا بطل الايجاب العقلي تعين الايجاب الشرعي ضرورة انعقاد الاجماع على حصر الوجوب في الشرع والعقل.\rفإذا بطل أحد القسمين تعين الثاني منهما.\rفإن قيل: شكر المنعم معلوم لكل أحد ضرورة، فما ذكرتموه استدلال على إبطال أمر ضروري، فلا يقبل.\rوإن لم يكن كذلك، فلم قلتم إن إيجاب العقل للشكر لا بد وأن يكون لفائدة، قولكم: حتى لا يكون عبثا قبيحا.\rفهذا منكم\rلا يستقيم مع إنكار القبح العقلي، كيف وإن تلك الفائدة إما أن تكون واجبة التحصيل وإما أن لا تكون كذلك: فإن كانت واجبة التحصيل، استدعت فائدة أخرى، وهو تسلسل ممتنع.","part":1,"page":88},{"id":99,"text":"وإن لم تكن واجبة، فما يوجبه العقل بها أولى أن لا يكون واجبا، وإن كان لفائدة، فما المانع أن تكون الفائدة في الشكر نفس الشكر لا أمرا خارجا عنه، كما أن تحصيل المصلحة، ودفع المفسدة عن النفس مطلوب لنفسه لا لغيره.\rوإن كان لا بد من فائدة خارجة عن كون الشكر شكرا، فما المانع أن تكون الفائدة الامن من احتمال العقاب بتقدير عدم الشكر على ما أنعم الله به عليه من النعم، إذ هو محتمل، ولا يخلو العاقل عن خطور هذا الاحتمال بباله، وذلك من أعظم الفوائد، وإن سلم دلالة ما ذكرتموه على امتناع الايجاب العقلي، لكنه بعينه دال على امتناع الايجاب الشرعي.\rوالجواب أن ذاك يكون مشتركا، وإن لم يكن كذلك.\rولكن ما ذكرتموه معارض بما يدل على جواز الايجاب العقلي.\rوذلك إنه لم يكن العقل موجبا لانحصرت مدارك الوجوب في الشرع، لما ذكرتموه من الاجماع.\rوذلك محال، لما يلزم عنه من إفحام الرسل، وإبطال مقصود البعثة.\rوذلك أن النبي إذا ادعى الرسالة، وتحدى بالمعجزة، ودعا الناس إلى النظر فيها لظهور صدقه، فللمدعو أن يقول: لا أنظر في معجزتك، إلا أن يكون النظر واجبا علي شرعا.\rووجوب النظر شرعا متوقف على استقرار الشرع، وذلك متوقف على وجوب النظر، وهو دور ممتنع.\rوالجواب: لا نسلم أن العلم الضروري بما ذكروه عقلا، إذ هو دعوى محل النزاع، وإن سلم ذلك، لكن بالنسبة إلى من ينتفع بالشكر، ويتضرر بعدمه.\rوأما بالنسبة إلى الله تعالى مع استحالة ذلك في حقه، فلا.\rقولهم: لم قلتم برعاية الفائدة، قلنا: لما ذكرناه.\rقولهم: هذا منكم لا يستقيم - قلنا: إنما ذكرنا ذلك بطريق الالزام للخصم، لكونه قائلا به، وبه يبطل ما ذكروه في إبطال رعاية الفائدة.\rكيف وقد أمكن","part":1,"page":89},{"id":100,"text":"أن يقال بوجوب تحصيل الحكمة لحكمة هي نفسها كما ذكروه من جلب المصلحة، ودفع المفسدة عن النفس.\rولا يمكن أن يقال مثل ذلك ففعل الشكر.\rفإن نفس الفعل ليس هو الحكمة المطلوبة من إيجاده، ولو أمكن ذلك، لامكن أن يقال مثله في جميع الافعال، وهو خلاف الاجماع.\rوإذا لم تكن الفائدة المطلوبة من إيجاده بقي التقسيم بحالة.\rقولهم: ما المانع أن تكون الفائدة هي الامن على ما ذكروه، فهو مبني على امتناع خلو العاقل عن خطور ما ذكروه من الاحتمال بباله، وهو غير مسلم، على ما هو معلوم، من أكثر العقلاء شاهدا، وبتقدير صحة ذلك، فما ذكروه معارض باحتمال خطور العقاب بباله على شكر الله تعالى وإتعابه لنفسه، وتصرفه فيها، مع أنها مملوكة لله تعالى دون إذنه من غير منفعة ترجع إليه ولا إلى الله تعالى.\rوليس أحدهما أولى من الآخر، بل ربما كان هذا الاحتمال راجحا، وذلك من جهة أنه قد تقرر في العقول أن من أخذ في التقرب والخدمة إلى بعض الملوك العظماء بتحريك أنملته في كسر بيته، وإظهار شكره بين العباد في البلاد على إعطائه لقمة من الخبز مع استغنائه واستغناء الملك عنها، فإنه يعد مستهزئا بذلك الملك، مستحقا للعقاب على صنعه.\rولا يخفى أن شكر الشاكرين بالنسبة إلى جلال الله تعالى دون تحريك الانملة بالنسبة إلى جلال الملك، وأن ما أنعم الله به على العبيد لعدم تناهي ملكه، وتناهي ملك غيره دون تلك اللقمة، فكان المتعاطي لخدمة الله وشكره على ما أنعم به\rعليه به أولى بالذم واستحقاق العقاب.\rولولا ورود الشرع بطلب ذلك من العبيد وحثهم عليه، لما وقع الاقدام عليه.\rوما يقال من حال المشتغل بالشكر والخدمة أرجى حالا من المعرض عن ذلك عرفا، فكان أولى.\rفهو مسلم في حق من ينتفع بالخدمة والشكر، ويتضرر بعدمهما.\rوالباري تعالى منزه عن ذلك، فلا يطرد ما ذكروه في حقه.","part":1,"page":90},{"id":101,"text":"قولهم: ما ذكرتموه لازم عليكم في الايجاب الشرعي، ليس كذلك.\rفإن الفائدة الاخروية، ولم يستقل العاقل بمعرفتها، فالله تعالى عالم بها.\rكيف وإن ذلك إنما يلزم منا أن لو اعتبرنا الحكمة في الايجاب الشرعي، وليس ذلك على ما عرف من أصلنا.\rوأما المعارضة بما ذكروه من إفحام الرسل، فجوابه من وجهين: الاول، منع توقف استقرار الشرع على نظر المدعو في المعجزة بل مهما ظهرت المعجزة في نفسها وكان صدق النبي فيما ادعاه ممكنا وكان المدعو عاقلا متمكنا من النظر والمعرفة، فقد استقر الشرع وثبت، والمدعو مفرط في حق نفسه.\rالثاني، إن الدور لازم على القائل بالايجاب العقلي، لان العقل بجوهره غير موجب دون النظر والاستدلال، وإلا لما خلا عاقل عن ذلك.\rوعند ذلك فللمدعو أن يقول لا أنظر في معجزتك حتى أعرف وجوب النظر، ولا أعرف وجوب النظر حتى أنظر، وهو دور مفحم.\rوالجواب إذ ذاك يكون واحدا.\rوعلى كل تقدير فالمسألة ظنية، لا قطعية.\rالمسألة الثالثة مذهب الاشاعرة وأهل الحق أنه لا حكم لافعال العقلاء قبل ورود الشرع.\rوأما المعتزلة، فإنهم قسموا الافعال الخارجة عن الافعال الاضطرارية إلى\rما حسنه العقل، وإلى ما قبحه، وإلى ما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح، فما حسنه العقل، إن استوى فعله وتركه في النفع والضرر، سموه مباحا، وإن ترجح فعله على تركه، فإن لحق الذم بتركه سموه واجبا، وسواء كان مقصودا لنفسه، كالايمان، أو لغيره، كالنظر المفضي إلى معرفة الله تعالى، وإن لم يلحق الذم بتركه، سموه مندوبا.\rوما قبحه العقل، فإن التحق الذم بفعله، سموه","part":1,"page":91},{"id":102,"text":"حراما، وإلا فمكروه.\rوما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح، فقد اختلفوا فيه فمنهم من حظره، ومنهم من أباحه، ومنهم من وقف عن الامرين.\rاحتجت الاشاعرة بالمنقول والمعقول: أما المنقول، فقول الله تعالى: * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) * (17) الاسراء: 15) ووجه الدلالة منه أنه أمن من العذاب قبل بعثه الرسل.\rوذلك يستلزم انتفاء الوجوب والحرمة قبل البعثة.\rوإلا لما أمن من العذاب بتقدير ترك الواجب، وفعل المحرم، إذ هو لازم لهما.\rوأيضا قوله تعالى: * (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) * (4) النساء: 165) ومفهومه يدل على الاحتجاج قبل البعثة.\rويلزم من ذلك نفي الموجب والمحرم.\rوأما من جهة المعقول، فلان ثبوت الحكم إما بالشرع أو بالعقل بالاجماع، ولا شرع قبل ورود الشرع، والعقل غير موجب ولا محرم لما سبق في المسألة المتقدمة، فلا حكم.\rفإن قيل: أما الآية الاولى، فلا حجة فيها، فإنه ليس العذاب من لوازم ترك الواجب وفعل المحرم، ولهذا يجوز انفكاكه عنهما بناء على عفو أو شفاعة، فنفيه قبل ورود الشرع لا يلزم منه نفيهما.\rسلمنا أنه لازم لهما لكن بعد ورود الشرع لا قبله.\rوعلى هذا، فلا يلزم\rنفيهما من نفيه قبل ورود الشرع.\rسلمنا أنه لازم لهما، لكنه لازم للواجب والمحرم شرعا أو عقلا: الاول مسلم، والثاني ممنوع.\rوعلى هذا فاللازم من نفيه قبل الشرع نفي الواجب والمحرم شرعا لا عقلا، سلمنا ذلك، ولكن ليس في الآية ما يدل على نفي الاباحة والوقف، لعدم ملازمة العذاب لشئ من ذلك إجماعا.","part":1,"page":92},{"id":103,"text":"وأما الآية الاخرى: وإن سلمنا كون المفهوم حجة فالاعتراض على الآية الاولى بعينه وارد هاهنا.\rوأما ما ذكرتموه من المعقول، فقد سبق ما فيه كيف وأن ما ذكرتموه من الدلالة على نفي الحكم حكم بنفي الحكم فكان متناقضا.\rوالجواب عن السؤال الاول، أن وقوع العذاب بالفعل، وإن لم يكن لازما من ترك الواجب وفعل المحرم، فلازمه عدم الامن من ذلك لعدم تحقق الواجب والمحرم دونه.\rوهذا اللازم منتف قبل ورود الشرع، على ما دلت عليه الآية، فلا ملزوم.\rوبه يندفع ما ذكروه من السؤال الثاني والثالث.\rوالتمسك بالآية إنما هو في نفي الوجوب والحرمة قبل لا غير، ونفي ما سوى ذلك، فإنما يستفاد من دليل آخر على ما سنبينه، وبه اندفع السؤال الرابع.\rوما ذكروه على الدليل العقلي، فقد سبق أيضا جوابه، ونفي الحكم، وإن كان حكما، غير أن المنفي ليس هو الحكم مطلقا ليلزم التناقض، بل نفي ما أثبتوه من الاحكام المذكورة، فلا تناقض.\rوأما القائلون بالاباحة إن فسروها بنفي الحرج عن الفعل والترك، فلا نزاع في هذا المعنى، وإنما النزاع في صحة إطلاق لفظ الاباحة بإزائه.\rولهذا فإنه يمتنع إطلاق لفظ الاباحة على أفعال الله تعالى مع تحقق ذلك المعنى فيها، وإن فسروها\rبتخيير الفاعل بين الفعل والترك، فإما أن يكون ذلك التخيير للفاعل من نفسه وإما من غيره: فإن كان الاول، فيلزم منه تسمية أفعال الله مباحة، لتحقق ذلك في حقه.\rوهو ممتنع بالاجماع.\rوإن كان الثاني، فالمخير إما الشرع وإما العقل بالاجماع، ولا شرع قبل ورود الشرع، وتخيير العقل عندهم إنما يكون فيما استوى فعله وتركه من الافعال الحسنة عقلا، أو فيما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قبح، وهو فرع الحسن والقبح العقلي، وقد أبطلناه، وإن فسروه بأمر آخر، فلا بد من تصويره.","part":1,"page":93},{"id":104,"text":"فإن قيل: المباح هو المأذون في فعله، وقد ورد دليل الاذن من الله تعالى قبل ورود الشرع، وإن لم ترد صورة الاذن.\rوبيانه من وجهين: الاول: هو أن الله تعالى خلق الطعوم من المأكولات، والذوق فينا، وأقدرنا عليها، وعرفنا بالادلة العقلية أنها نافعة لنا، غير مضرة، ولا ضرر عليه في الانتفاع بها، وهو دليل الاذن منه لنا في ذلك.\rوصار هذا كما لو قدم إنسان طعاما بين يدي إنسان على هذه الصفات، فإن العقلاء يقضون بكونه قد أذن له فيه.\rالثاني: أن خلقه للطعوم في الاجسام مع إمكان ألا يخلقها، لا بد له من فائدة نفيا للعبث عنه، وليست تلك الفائدة عائدة إلى الله تعالى، لتعاليه عنها، فلا بد من عودها إلى العبد، وليست هي الاضرار، ولا ما هو خارج عن الاضرار والانتفاع، إذ هو خلاف الاجماع، فكانت فائدتها الانتفاع بها، وهو دليل الاذن في إدراكها.\rوسواء كان الانتفاع بها بجهة الالتذاذ بها، وتقوم البنية، أو بجهة تجنبها لنيل الثواب، أو الاستدلال بها على معرفة الله تعالى لتوقف ذلك كله على إدراكها واحتمال وجود مفسدة فيه مع عدم الاطلاع عليها، لا يكون مانعا من الاذن والحكم بالاباحة، بدليل الاستضاءة بسراج الغير، والاستظلال بحائطه.\rوقلنا: أما الوجه الاول: فحاصله يرجع إلى قياس الغائب على الشاهد، وقد أبطلناه.\rوأما الثاني: فمبني على وجوب رعاية الحكمة في أفعاله تعالى، وهو ممنوع على ما عرف من أصلنا.\rثم إذا كان مأذونا فيه من جهة الشارع، فإباحته شرعية لا عقلية.\rوأما القائلون بالوقف، إن عنوا به توقف الحكم بهذه الاشياء على ورود السمع، فحق، وإن عنوا به الاحجام عن الحكم بالوجوب، أو الحظر، أو الاباحة لتعارض أدلتها، ففاسد لما سبق.","part":1,"page":94},{"id":105,"text":"الاصل الثاني في حقيقة الحكم الشرعي وأقسامه، وما يتعلق به من المسائل ويشتمل على مقدمة وستة فصول: أما المقدمة: ففي بيان حقيقة الحكم الشرعي وأقسامه، أما حقيقته، فقد قال بعض الاصوليين: إنه عبارة عن خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين.\rوقيل إنه عبارة عن خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، وهما فاسدان، لان قوله تعالى: * (والله خلقكم وما تعملون) * (37) الصافات: 96) وقوله تعالى: * (خالق كل شئ) * (6) الانعام: 102) خطاب من الشارع، وله تعلق بأفعال المكلفين والعباد، وليس حكما شرعيا بالاتفاق.\rوقال آخرون: إنه عبارة عن خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير.\rوهو غير جامع: فإن العلم بكون أنواع الادلة حججا، وكذلك الحكم بالملك والعصمة ونحوه أحكام شرعية، وليست على ما قيل.\rوالواجب أن نعرف معنى الخطاب أولا ضرورة توقف معرفة الحكم الشرعي عليه فنقول:\rقد قيل فيه: هو الكلام الذي يفهم المستمع منه شيئا وهو غير مانع، فإنه يدخل فيه الكلام الذي لم يقصد التكلم به إفهام المستمع، فإنه على ما ذكر من الحد، وليس خطابا.\rوالحق إنه: اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيئ لفهمه.\r(فاللفظ) احتراز عما وقعت المواضعة عليه من الحركات والاشارات المفهمة.\rو (المتواضع عليه) احتراز عن الالفاظ المهملة.\rو (المقصود بها الافهام) احتراز عما ورد على الحد الاول.","part":1,"page":95},{"id":106,"text":"وقولنا: (لمن هو متهيئ لفهمه) احتراز عن الكلام لمن لا يفهم، كالنائم والمغمى عليه ونحوه.\rوإذا عرف معنى الخطاب، فالاقرب أن يقال في حد الحكم الشرعي أنه: خطاب الشارع المفيد فائدة شرعية.\rفقولنا: (خطاب الشارع) احتراز عن خطاب غيره.\rوالقيد الثاني احتراز عن خطابه بما لا يفيد فائدة شرعية، كالاخبار عن المعقولات والمحسوسات ونحوها، وهو مطرد منعكس لا غبار عليه.\rوإذا عرف معنى الحكم الشرعي، فهو إما أن يكون متعلقا بخطاب الطلب والاقتضاء أو لا يكون: فإن كان الاول، فالطلب إما للفعل أو للترك، وكل واحد منهما إما جازم أو غير جازم.\rفما تعلق بالطلب الجازم للفعل فهو الوجوب، وما تعلق بالطلب الجازم للترك فهو الحرمة، وما تعلق بغير الجازم منه فهو الكراهة.\rوإن لم يكن متعلقا بخطاب الاقتضاء، فإما أن يكون متعلقا بخطاب\rالتخيير، أو غيره.\rفإن كان الاول، فهو الاباحة، وإن كان الثاني فهو الحكم الوضعي، كالصحة والبطلان ونصب الشئ سببا أو مانعا أو شرطا، وكون الفعل عبادة وقضاء وأداء وعزيمة ورخصة إلى غير ذلك.\rفلنرسم في كل قسم منها فصلا، وهي ستة فصول:","part":1,"page":96},{"id":107,"text":"الفصل الاول في حقيقة الوجوب وما يتعلق به من المسائل أما حقيقة الوجوب: فاعلم أن الوجوب في اللغة قد يطلق بمعنى السقوط، ومنه يقال: وجبت الشمس إذا سقطت، ووجب الحائط إذا سقط.\rوقد يطلق بمعنى الثبوت والاستقرار، ومنه قوله عليه السلام: إذا وجب المريض، فلا تبكين باكية أي استقر وزال عنه التزلزل والاضطراب.\rوأما في العرف الشرعي، فقد قيل: هو ما يستحق تاركه العقاب على تركه وهو إن أريد (بالاستحقاق) ما يستدعي مستحقا عليه فباطل، لعدم تحقق ذلك بالنسبة إلى الله تعالى، على ما بيناه في علم الكلام، وبالنسبة إلى أحد من المخلوقين بالاجماع.\rوإن أريد به أنه لو عوقب، لكان ذلك ملائما لنظر الشارع، فلا بأس به.\rوقيل: هو ما توعد بالعقاب على تركه، وهو باطل، لان التوعد بالعقاب على الترك خبر، ولو ورد لتحقق العقاب بتقدير الترك لاستحالة الخلف في خبر الصادق، وإن كان ذلك في حق غيره يعد كرما وفضيلة، لما يلزمه من المصلحة الراجحة، وليس كذلك لجواز العفو عنه.\rوقيل: هو الذي يخاف العقاب على تركه، ويبطل بالمشكوك في وجوبه،\rكيف وإن هذه الحدود ليست حدا للحكم الشرعي، وهو الوجوب، بل للفعل الذي هو متعلق الوجوب.","part":1,"page":97},{"id":108,"text":"والحق في ذلك أن يقال: الوجوب الشرعي عبارة عن خطاب الشارع بما ينتهض تركه سببا للذم شرعا في حالة ما.\rفالقيد الاول احتراز عن خطاب غير الشارع، والثاني احتراز عن بقية الاحكام، والثالث احتراز عن ترك الواجب الموسع أول الوقت فإنه سبب للذم بتقدير إخلاء جميع الوقت عنه، وإخلاء أول الوقت من غير عزم على الفعل بعده، وعن ترك الواجب المخير، فإنه سبب للذم بتقدير ترك البدل، وليس سببا له بتقدير فعل البدل وعلى هذا، إن قلنا إن الاذان وصلاة العيد فرض كفاية، واتفق أهل بلدة على تركه قوتلوا.\rوإن قلنا إنه سنة، فلا.\rوبالجملة فلا بد في الوجوب من ترجيح الفعل على الترك بما يتعلق به من الذم أو الثواب الخاص به.\rفإنه لا تحقق للوجوب مع تساوي طرفي الفعل والترك في الغرض.\rوربما أشار القاضي أبو بكر إلى خلافه.\rوإذا عرف معنى الوجوب الشرعي فلا بد من الاشارة إلى ما يتعلق به من المسائل، وهي سبع.\rالمسألة الاولى هل الفرض غير الواجب، أو هو هو ؟ أما في اللغة، فالواجب هو الساقط والثابت، كما سبق تعريفه وأما الفرض فقد يطلق في اللغة بمعنى التقدير، ومنه قولهم: فرضتا القوس، للحزتين اللتين في سيتيه موضع الوتر، وفرضة النهر وهو موضع اجتماع السفن، ومنه قولهم: فرض الحاكم النفقة، أي قدرها.\rوقد يطلق بمعنى الانزال.\rومنه قوله تعالى: * (إن الذي فرض عليك القرآن) * (28) القصص: 85) أي أنزل،","part":1,"page":98},{"id":109,"text":"وقد يطلق بمعنى الحل ومنه قوله تعالى: * (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له) * (33) الاحزاب: 38) أي أحل له.\rوأما في الشرع، فلا فرق بين الفرض والواجب عند أصحابنا، إذ الواجب في الشرع على ما ذكرناه، عبارة عن خطاب الشارع بما ينتهض تركه سببا للذم شرعا في حالة ما.\rوهذا المعنى بعينه متحقق في الفرض الشرعي.\rوخص أصحاب أبي حنيفة اسم الفرض بما كان من ذلك مقطوعا به.\rواسم الواجب بما كان مظنونا، مصيرا منهم إلى أن الفرض هو التقدير والمظنون لم يعلم كونه مقدرا علينا، بخلاف المقطوع.\rفلذلك خص المقطوع باسم الفرض دون المظنون.\rوالاشبه ما ذكره أصحابنا من حيث إن الاختلاف في طريق إثبات الحكم حتى يكون هذا معلوما، وهذا مظنونا، غير موجب لاختلاف ما ثبت به.\rولهذا، فإن اختلاف طرق الواجبات في الظهور والخفاء، والقوة والضعف، بحيث إن المكلف يقتل بترك البعض منها دون البعض، لا يوجب اختلاف الواجب في حقيقته من حيث هو واجب.\rوكذا اختلاف طرق النوافل غير موجب لاختلاف حقائقها.\rوكذلك اختلاف طرق الحرام بالقطع والظن غير موجب لاختلافه في نفسه من حيث هو حرام، كيف وإن الشارع قد أطلق اسم الفرض على الواجب في قوله تعالى: * (فمن فرض فيهن الحج) * (2) البقرة: 197) أي أوجب.\rوالاصل أن يكون مشعرا به حقيقة وأن لا يكون له مدلول سواه، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ.\rوالذي يؤيد إخراج قيد القطع عن مفهوم الفرض إجماع الامة على إطلاق اسم الفرض على ما أدى من الصلوات المختلف في صحتها بين الائمة بقولهم: أد فرض الله تعالى.\rوالاصل في الاطلاق الحقيقة، وما ذكره الخصوم في\rتخصيص اسم الفرض المقطوع به، فمن باب التحكم، حيث إن الفرض في اللغة هو التقدير مطلقا كان مقطوعا به أو مظنونا.\rفتخصيص ذلك بأحد القسمين دون الآخر بغير دليل، لا يكون مقبولا، وبالجملة فالمسألة لفظية.","part":1,"page":99},{"id":110,"text":"المسألة الثانية لا فرق عند أصحابنا بين واجب العين، والواجب على الكفاية من جهة الوجوب، لشمول حد الواجب لهما.\rخلافا لبعض الناس، مصيرا منه إلى أن واجب العين لا يسقط بفعل الغير، بخلاف واجب الكفاية، وغايته الاختلاف في طريق الاسقاط، وذلك لا يوجب الاختلاف في الحقيقة، كالاختلاف في طريق الثبوت كما سبق.\rولهذا، فإن من ارتد وقتل، فقتله بالردة، وبالقتل واجب.\rومع ذلك فأحد الواجبين يسقط بالتوبة دون الواجب الآخر.\rولم يلزم من ذلك اختلافهما.\rالمسألة الثالثة اختلفوا في الواجب المخير كما في خصال الكفارة: فمذهب الاشاعرة والفقهاء أن الواجب منها واحد لا بعينه، ويتعين بفعل المكلف.\rوأطلق الجبائي وابنه القول بوجوب الجميع على التخيير.\rحجة أصحابنا أنه لا يخلو إما أن يقال بوجوب الجميع، أو بوجوب واحد.\rوالواحد، إما معين، وإما غير معين.\rلا جائز أن يقال بالاول لخمسة أوجه: الاول: أنه لو كان التخيير موجبا للجميع، لكان الامر بإيجاب عتق عبد من العبيد على طريق التخيير موجبا للجميع، وهو محال.\rالثاني: أن ذلك مما يمنع من التخيير، ولهذا فإنه لا يحسن أن يقول القائل لغيره: أوجبت عليك صلاتين، فصل أيهما شئت، واترك أيهما شئت.\rكما لا يحسن\rأن يقول: أوجبت عليك الصلاة، وخيرتك في فعلها وتركها، لما فيه من رفع الواجب وليس ذلك من لغة العرب في شئ.","part":1,"page":100},{"id":111,"text":"الثالث: أن الواجب ما لا يجوز تركه مع القدرة عليه والامر فيما نحن فيه بخلافه.\rالرابع: أن الخصوم قد وافقوا على أنه لو أتى بالجميع، أو ترك الجميع، فإنه لا يثاب ولا يعاقب على الجميع.\rالخامس: أنه لو كان الجميع واجبا، لنوى نية أداء الواجب في كل واحدة من الخصال عندما إذا فعل الجميع، وهو خلاف الاجماع.\rولا جائز أن يقال بأن الواجب واحد معين، إذ هو خلاف مقتضى التخيير، ولانه كان يلزم أن لا يحصل الاجزاء بتقدير أداء غيره مع القدرة عليه، وهو خلاف الاجماع.\rفلم يبق غير الابهام.\rغير أن أبا الحسين البصري قد تكلف رد الخلاف في هذه المسألة إلى اللفظ دون المعنى، وذلك أنه قال: معنى إيجاب الجميع أن الله تعالى حرم ترك الجميع، لا كل واحد واحد منها بتقدير فعل المكلف لواحد منها متفويض فعل أي واحد منها كان إلى المكلف.\rوهذا هو بعينه مذهب الفقهاء.\rغير أن ما ذكره في تفسير وجوب الجميع، وإن كان رافعا للخلاف، غير أنه خلاف ما نقله الائمة عن الجبائي وابنه من إطلاق القول بوجوب الجميع والدلائل المشعرة بذلك.\rفلننسج في الحجاج على منوالهم.\rفإن قيل: ما ذكرتموه من الدليل، إنما يلزم أن لو كانت آية التكفير وهي قوله تعالى: * (فكفارته إطعام عشرة مساكين) * (5) المائدة: 89) الآية، دالة على تخيير كل واحد واحد من الامة بين خصال الكفارة بجهة الايجاب.\rوما المانع أن يكون ذلك إخبارا عما يوجد من الكفارة وتقديره فما يوجد من الكفارة هو إطعام من حانث،\rأو كسوة من حانث آخر، أو عتق من حانث آخر.","part":1,"page":101},{"id":112,"text":"سلمنا دلالتها على الايجاب لكن لا أنها خطاب بالتخيير لكل واحد واحد من الامة، بل المراد بها إيجاب الاطعام على البعض، والكسوة على البعض والعتق على البعض.\rفكأنه قال: فكفارته إطعام عشرة مساكين لبعضهم، أو الكسوة لبعض آخر، أو العتق لبعض آخر، سلمنا دلالة ما ذكرتموه، لكنه معارض بما يدل على إبطال مدلوله.\rوبيانه من أحد عشر وجها: الاول: أن الخصال المذكورة إما أن تكون مستوية فيما يرجع إلى الصفات المقتضية للوجوب، أو أنها مختصة بالبعض دون البعض.\rفإن كان الاول، فيلزم التسوية في الوجوب بين الكل.\rوإن كان الثاني، كان ذلك البعض هو الواجب بعينه دون غيره.\rالثاني: إن الواجب ما تعلق به خطاب الشرع بالايجاب، وخطاب الشرع إنما يتعلق بالمعين دون المبهم، ولهذا، فإنه يمتنع تعلق الايجاب بأحد شخصين لا بعينه، فكذلك بفعل أحد أمرين لا يعينه، وعند ذلك فيلزم تعلقه بالكل أو ببعض منه معين.\rالثالث: أن الايجاب طلب، والطلب يستدعي مطلوبا معينا لما تحقق قبل.\rوالمعين إما الكل أو البعض.\rالرابع: أنه لو فعل العبد الجميع، فإنه يثاب ثواب من فعل واجبا، فسببه يجب أن يكون مقدورا للمكلف معينا لاستحالة الثواب على ما لا يكون من فعل العبد، واستحالة إسناد المعين إلى غير معين، والمبهم ليس كذلك، فلزم أن يكون الثواب على الجملة أو بعض معين منها.\rالخامس: أنه لو ترك الجميع فإنه يعاقب عقاب من ترك واجبا منها، وذلك\rيدل على أن الجميع واجب أو بعض منه معين كما سبق.\rالسادس: أنه كان الواجب واحدا لا بعينه من الخصال، لكان منها شئ لا بعينه غير واجب.\rوالتخيير بين الواجب وما ليس بواجب محال لما فيه من رفع حقيقة الواجب.","part":1,"page":102},{"id":113,"text":"السابع: أنه لو كان الواجب واحدا لا بعينه، فعند التكفير بالجميع إما أن يسقط الفرض بمجموعها، أو بكل واحد منها، أو بواحد منها، فإن كان الاول أو الثاني، فالكل واجب، وإن كان الثالث، فذلك هو الفرض.\rالثامن: ويخص إيجاب الجميع أنه لو كان الواجب واحدا لنصب الله عليه دليلا، وليكله إلى تعيين العبد لعدم معرفته بما فيه المصلحة، كما في سائر الواجبات.\rفحيث لم يعين، دل على أن الكل واجب.\rالتاسع: أنه إذا كان الواجب واحدا لا بعينه، ويتعين بفعل المكلف، فالباري تعالى يعلم ما سيعينه العبد، فيكون الواجب معينا عند الله تعالى.\rوإن لم يكن معينا عند العبد قبل الفعل.\rويلزم من ذلك التخيير بين الواجب المعين وبين ما ليس واجبا، وهو محال.\rفثبت أن الجميع واجب.\rالعاشر: أنه لو كان الواجب واحدا لا بعينه، فكفر ثلاثة كل واحد بواحد من الخصال، غير ما كفر به الآخر، لكان الواحد منهم لا بعينه هو المكفر بالواجب دون الباقين.\rوحيث وقع ما فعله كل واحد موقع الواجب كان الجميع واجبا.\rالحادي عشر: أن الوجوب قد يعم عددا من المتعبدين ويسقط بفعل الواحد منهم، كفرض الكفاية، فلا يمتنع أن يعم الوجوب عددا من العبادات، ويسقط بفعل واحدة منها.\rوالجواب: عن السؤال الاول: أن الاجماع من الامة منعقد على أن المراد من\rالآية الوجوب، لا نفس الاخبار.\rوعن الثاني أن حمل الآية على ما ذكروه مع مخالفته لاجماع السلف مما يحوج إلى إضمارات كثيرة في الآية، وهي ما قدروه من البعض في قولهم، فكفارته إطعام عشرة مساكين لبعضهم وكذلك في الكسوة والعتق، وهو على خلاف الاصل من غير حاجة، كيف وإنه لو كان كما ذكروه، لقال: فكفارته إطعام عشرة مساكين وكسوتهم وتحرير رقبة، لوجوب الخصال الثلاث على الجميع بالنسبة إلى الحانثين المذكورين.","part":1,"page":103},{"id":114,"text":"وعن المعارض الاول أنه مبني على وجوب رعاية المصلحة في أحكام الله تعالى، وهو غير مسلم كيف وإنه يلزم منه أن يكون الامر على ما ذكروه في عقد الامامة لاحد الامامين الصالحين، وتزويج المرأة الطالبة للنكاح من أحد الكفؤين الخاطبين، وفي إيجاب عتق عبد من العبيد، وهو مخالف للاجماع وحيث تعذر الوجوب على أحد شخصين لا بعينه، إنما كان لتوقف تحقق الوجوب على ارتباطه بالذم والعقاب، على ما سبق في تحديده، وذم أحد شخصين لا بعينه متعذر بخلاف الذم على أحد فعلين لا بعينه.\rوبهذه الصور يكون اندفاع ما ذكروه من المعارض الثاني وما بعده إلى آخر التاسع.\rوعن العاشر: أن الواجب على كل واحد من المكفرين خصلة من الخصال الثلاث لا بعينها.\rوقد أتى بما وجب عليه، وسقط به الفرض عنه، فكان ما أتى به كل واحد واجبا، لا أن الواجب على الكل خصلة واحدة لا بعينها ليلزم ما قيل.\rوعن الحادي عشر: أنا لا نمنع سقوط الواجب دون أدائه، ولكن لا يلزم من ذلك أن تكون خصال الكفارة كلها واجبة كما كان الوجوب ثابتا على أعداد\rالمكلفين في فرض الكفاية، لان الاجماع منعقد على تأثيم الكل بتقدير اتفاقهم على الترك، ولا كذلك في خصال الكفارة.\rوعلى هذه القاعدة لو قال لزوجتيه: إحداكما طالق.\rفالمطلقة منهما واحدة لا بعينها.\rوأن وجب الكف عنهما والتخيير في التعيين إلى المطلق، كما لو قيل في خصال الكفارة من غير فرق.\rولا يخفى وجه الحجاج من الطرفين.","part":1,"page":104},{"id":115,"text":"المسألة الرابعة إذا كان وقت الواجب فاضلا عنه، كصلاة الظهر مثلا، فمذهب أصحابنا وأكثر الفقهاء وجماعة من المعتزلة كالجبائي وابنه وغيرهما أنه واجب موسع، وأن جميع أجزاء ذلك الوقت وقت لاداء ذلك الواجب فيه فيما يرجع إلى سقوط الفرض به وحصول مصلحة الوجوب.\rوهل للواجب في أول الوقت ووسطه بتقدير تأخير الواجب عنه إلى ما بعده بدل، اختلف هؤلاء فيه: فأثبته أصحابنا والجبائي وابنه، وهو العزم على الفعل.\rوأنكره بعض المعتزلة، كأبي الحسين البصري وغيره.\rوقال قوم: وقت الوجوب هو أول الوقت، وفعل الواجب بعد ذلك يكون قضاء.\rوقال بعض أصحاب أبي حنيفة: وقت الوجوب هو آخر الوقت، لكن اختلفوا في وقوع الفعل قبل ذلك: فمنهم من قال: هو نفل يسقط به الفرض.\rومنهم من قال، كالكرخي: إن المكلف إذا بقي بنعت المكلفين إلى آخر الوقت، كان ما فعله واجبا، وإلا فنفل.\rوحكي عنه أن الواجب يتعين بالفعل في أي وقت كان.\rحجة القائلين بالوجوب الموسع أن الامر بصلاة الظهر، وهو قوله تعالى:\r* (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) * (17) الاسراء: 78) عام لجميع أجزاء الوقت المذكور.\rوليس المراد به تطبيق أول فعل الصلاة على أول الوقت، وآخره على آخره، ولا إقامة الصلاة في كل وقت من أوقاته، حتى لا يخلو جزء منه عن صلاة، إذ هو خلاف الاجماع، ولا تعيين جزء منه لاختصاصه بوقوع الواجب فيه، إذ لا دلالة للفظ عليه.\rفلم يبق إلا أنه أراد به أن كل جزء منه صالح لوقوع الواجب فيه.\rويكون المكلف مخيرا في إيقاع الفعل في أي جزء شاء منه، ضرورة امتناع قسم آخر، وهو المطلوب.","part":1,"page":105},{"id":116,"text":"ويدل على إرداة هذا الاحتمال حصول الاجزاء عن الواجب بأداء الصلاة في أي وقت قدر منه، فإنه يدل على حصول مقصود الواجب من الكل، وأن الفعل في كل وقت قائم مقامه في غيره من الاوقات، فيكون واجبا، وإلا، فلو لم يكن محصلا لمقصود الواجب، فيلزم منه إما فوات مصلحة الواجب، بتقدير فعل الصلاة في غير وقت الوجوب، فتكون الصلاة حراما لكونها مفوتة لمصلحة الواجب، وهو محال، وإما بقاء مصلحة الوجوب ويلزم منه وجوب فعل الصلاة لبقاء مقصودها الموجب لها بعد فعل الصلاة في الوقت المفروض، وهو خلاف الاجماع.\rفإن قيل ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيض مطلوبكم، وذلك أنه لو كان الفعل واجبا في أول الوقت أو وسطه، لما جاز تركه مع القدرة عليه، إذ هو حقيقة الواجب.\rوإنما يتحقق ذلك بالنسبة إلى آخر الوقت لانعقاد الاجماع على لحوق الاثم بتركه فيه، بتقدير عدم فعله قبله.\rوأما قبل ذلك فالفعل فيه ندب لكونه مثابا مع جواز تركه.\rويسقط الفرض به في آخر الوقت، ولا يمتنع سقوط الفرض عن المكلف بفعل ما ليس بفرض، كالزكاة المعجلة قبل الحول، سلمنا أنه ليس بنفل، ولكن ما المانع من القول بتعيين وقت الوجوب بالفعل، أو تعيين الوقت الاول للوجوب وما بعده قضاء، أو الحكم بكونه واجبا بتقدير\rبقائه بصفة المكلفين إلى آخر الوقت، كما قيل من المذاهب السابقة.\rوالجواب عن جواز ترك الفعل في أول الوقت أنه لا يدل على عدم الوجوب مطلقا، بل على عدم الوجوب المضيق.\rوأما الموسع، فلا.\rوالفرق بين المندوب والواجب الموسع، جواز ترك المندوب مطلقا، والموسع بشرط الفعل بعده في الوقت الموسع.\rوحاصله راجع إلى أن الواجب على المكلف إيقاع الفعل في أي وقت شاء من أجزاء ذلك الوقت الموسع على طريق الابهام والتعيين إلى المكلف، كما سبق في خصال الكفارة، أو بشرط العزم على الفعل بعده.\rثم لو كان نفلا لما سقط به الفرض لما سبق.\rوالزكاة المعجلة واجبة","part":1,"page":106},{"id":117,"text":"مؤجلة بعد انعقاد سببها وهو ملك النصاب، لا أنها نافلة، ولكان ينبغي أن تصح الصلاة بنية النفل، وليس كذلك فإن قيل: لو كان العزم بدلا عن الفعل في أول الوقت لما وجب الفعل بعده، ولما جاز المصير إليه مع القدرة على المبدل، كسائر الابدال مع مبدلاتها، ولكان من أخر الصلاة عن أول الوقت مع الغفلة عن العزم يكون عاصيا لكونه تاركا للاصل وبدله كيف وإن الامر الوارد بإيجاب الصلاة في هذا الوقت ليس فيه تعرض للعزم، فإيجابه يكون زيادة على مقتضى الامر.\rثم جعل العزم بدلا من صفة الفعل أو عن أصل الفعل، مع أنه من أفعال القلوب بعيد، إذ لا عهد لنا في الشرع بجعل أفعال القلوب أبدالا عن الافعال.\rولا يجعل صفة الفعل مبدلا.\rقلنا: لم يكن بدلا عن أصل الفعل، بل عن تقديم الفعل، فلا يكون موجبا لسقوط الفعل مطلقا.\rومعنى كونه بدلا أنه مخير بينه وبين تقديم الفعل والمصير إلى أحد المخيرين، غير مشروط بالعجز عن الآخر.\rلا أنه من باب الوضوء من التيمم، وإنما لم يعص مع تركه غافلا لعدم تكليف الغافل والامر وإن لم يكن\rمتعرضا للعزم، فلا يلزم منه امتناع جعله بدلا، فإنه لا يلزم من انتفاء بعض المدارك انتفاء الكل.\rوأما استبعاد كون العزم بدلا عن صفة الفعل على ما ذكروه فغير مستحق للجواب.\rثم كيف يستبعد ذلك، والفدية في حق الحامل عند خوفها على جنينها، وكذلك المرضع على ولدها، بدل عن تقديم الصوم في حقها، وهو صفة الفعل.\rوكذلك الندم توبة وهو من أعمال القلوب.\rوقد جعل بدلا عما فرط من أفعال الطاعات الواجبة حالة الكفر الاصلي.\rوالجواب: عن القول بتعيين وقت الوجوب بالفعل أنه إن أريد به أنا نتبين سقوط الغرض بالفعل في ذلك الوقت، فهو مسلم ولا منافاة بينه وبين ما ذكرناه.","part":1,"page":107},{"id":118,"text":"وإن أرادوا به أنا نتبين أن غير ذلك الوقت لم يكن وقتا للوجوب، بمعنى أنه، لو أدى فيه الفعل، لم يقع الموقع، فهو خلاف الاجماع.\rوإن أريد به غير ذلك، فلا بد من تصويره.\rوعن القول بتعين الوقت الاول للوجوب وما بعده للقضاء فيما سبق.\rكيف وأن الاجماع منعقد على أن ما يفعل بعد ذلك الوقت ليس بقضاء ولا يصح بنية القضاء.\rوعن الوقت أنه خلاف الاجماع من السلف على أن من فعل الصلاة في أول الوقت، ومات فيه أثنائه أنه أدى فرض الله، وأثبت ثواب الواجب، وعلى ما حققناه من الوجوب الموسع لو أخر المكلف الصلاة عن أول الوقت بشرط العزم ومات، لم يلق الله عاصيا، نظرا إلى إجماع السلف على ذلك.\rوليس يلزم من ذلك إ بطال معنى الوجوب حيث إنه لا يجوز تركه مطلقا، بل بشرط العزم على ما تقدم.\rولا يمكن أن يقال جواز التأخير مشروط بسلامة العاقبة، لكونها منطوية\rعنه، ولا بد من الحكم الجزم في هذه الحال، إما بالبعضية، وهو خلاف الاجماع، وإما بنفيها ضرورة امتناع التوقف على ظهور العاقبة بالاجماع من سلف الامة، وإذا عرف معنى الواجب الموسع، ففعله في وقته أول مرة يسمى أداء.\rوسواء كان فعله على نوع من الخلل لعذر، أو لا على نوع من الخلل.\rوإن فعل على نوع من الخلل لعذر، ثم فعل في ذلك الوقت مرة ثانية، سمي إعادة، وإن لم يفعل في وقته المقدر، وسواء كان ذلك بعذر أو بغير عذر، ثم فعل بعد خروج وقته سمي قضاء.","part":1,"page":108},{"id":119,"text":"المسألة الخامسة اتفق الكل في الواجب الموسع على أن المكلف لو غلب على ظنه أنه يموت بتقدير التأخير عن أول الوقت فأخره، أنه يعصي، وإن لم يمت.\rواختلفوا في فعله بعد ذلك في الوقت: هل يكون قضاء أو أداء.\rفذهب القاضي أبو بكر إلى كونه قضاء، وخالفه غيره في ذلك.\rحجة القاضي أن الوقت صار مقدرا مضيقا بما غلب على ظن المكلف أنه لا يعيش أكثر منه، ولذلك عصى بالتأخير عنه.\rفإذا فعل الواجب بعد ذلك فقد فعله خارج وقته، فكان قضاء كما في غيره من العبادات الفائتة في أوقاتها المقدرة المحدودة.\rولقائل أن يقول: غاية ظن المكلف أنه أوجب العصيان بالتأخير عن الوقت الذي ظن حياته فيدون ما بعده، فلا يلزم من ذلك تضييق الوقت، بمعنى أنه إذا بقي بعد ذلك الوقت كان فعله للواجب فيه قضاء، وذلك لانه كان وقتا للاداء.\rوالاصل بقاء ماكان على ما كان.\rولا يلزم من جعل ظن المكلف موجبا للعصيان بالتأخير مخالفة هذا الاصل أيضا.\rولهذا فإنه لا يلزم من عصيان المكلف بتأخير الواجب الموسع عن أول الوقت من غير عزم على الفعل عند القاضي أن\rيكون فعل الواجب بعد ذلك في الوقت قضاء، وهو في غاية الاتجاه.\rالمسألة السادسة اتفقوا على أن الواجب إذا لم يفعل في وقته المقدر، وفعل بعده، أنه يكون قضاء، وسواء تركه في وقته عمدا، أو سهوا.\rاتفقوا على أن ما لم يجب، ولم ينعقد سبب وجوبه في الاوقات المقدرة، ففعله بعد ذلك لا يكون قضاء، لا حقيقة ولا مجازا، كفوائت الصلوات في حالة الصبى والجنون.","part":1,"page":109},{"id":120,"text":"واختلفوا فيما انعقد سبب وجوبه، ولم يجب لمانع، أو لفوات شرط من خارج، وسواء كان المكلف قادرا على الاتيان بالواجب في وقته، كالصوم في حق المريض والمسافر، أو غير قادر عليه، إما شرعا كالصوم في حق الحائض، وإما عقلا كالنائم، أنه هل يسمى قضاء حقيقة أو مجازا.\rفمنهم من مال إلى التجوز مصيرا منه إلى أن القضاء إنما يكون حقيقة عند فوات ما وجب في الوقت استدراكا لمصلحة الواجب الفائت.\rوذلك غير متحقق فيما نحن فيه، ووجوبه بعد ذلك الوقت بأمر مجدد لا ارتباط له بالوقت الاول.\rفكان إطلاق القضاء عليه تجوزا.\rومنهم من مال إلى أنه قضاء حقيقة، لما فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه ولم يجب للمعارض وإطلاق اسم القضاء في هذه الصور في محل الوفاق، إنما كان باعتبار ما اشتركا فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه لا استدراك مصلحة ما وجب.\rوهذا هو الاشبه، لما فيه من نفي التجوز والاشتراك عن اسم القضاء.\rالمسألة السابعة\rما لا يتم الواجب إلا به هل يوصف بالوجوب.\rاختلفوا فيه، ولا بد قبل الخوض في الحجاج من تلخيص محل النزاع، فنقول: ما لا يتم الواجب إلا به، إما أن يكون وجوبه مشروطا بذلك الشئ، أو لا يكون مشروطا به.\rفإن كان الاول، فهو كما لو قال الشارع: أوجبت عليك الصلاة، إن كنت متطهرا فلا خلاف في أن تحصيل الشرط ليس واجبا، وإنما الواجب الصلاة، إذا وجد الشرط.","part":1,"page":110},{"id":121,"text":"وإن كان الثاني، وهو أن يكون وجوبه مطلقا غير مشروط الوجوب بذلك الغير، بل مشروط الوقوع، فذلك هو محل النزاع إن كان الشرط مقدورا للمكلف، وذلك كما لو وجبت الصلاة وتعذر وقوعها دون الطهارة، أو وجب غسل الوجه، ولم يكن إلا بغسل جزء من الرأس إلى غير ذلك.\rوإن لم يكن الشرط مقدورا للمكلف، فلا إلا على رأي من يجوز تكليف ما لا يطاق.\rوذلك كحضور الامام الجمعة، وحصول تمام العدد فيها، فإن ذلك غير مقدور لآحاد المكلفين.\rوإذا تلخص محل النزاع، فنقول: اتفق أصحابنا والمعتزلة على أن ما لا يتم الواجب إلا به وهو مقدور للمكلف فهو واجب.\rخلافا لبعض الاصوليين.\rقال أبو الحسين البصري: وإنما قلنا إن تحصيل الشرط واجب، لانه لو لم يجب، بل كان تركه مباحا لكان الآمر كأنه قال للمأمور: لك مباح ألا تأتي بالشرط، وأوجب عليك الفعل مع عدم الاتيان بما لا يتم إلا به.\rوذلك تكليف بما لا يطاق، وهو محال.\rوهذه الطريقة في غاية الفساد وذلك لان وجوب المشروط إذا كان مطلقا، فلا يلزم من إباحة الشرط أن يكون التكليف بالمشروط\rحالة عدم الشرط، فإن عدمه غير لازم من إباحته، بل حالة عدم وجوب الشرط.\rوفرق بين الامرين.\rفلا يكون التكليف بالمشروط تكليفا بما لا يطاق.\rثم يقال له إن كان التكليف بالمشروط حالة عدم الشرط محالا فالتكليف بالمشروط مشروط بوجود الشرط، وكل ما وجوبه مشروط بشرط، فالشرط لا يكون واجب التحصيل لما سبق، ولا جواب عنه.\rوإلاقرب في ذلك أن يقال: انعقد إجماع الامة على إطلاق القول بوجوب تحصيل ما أوجبه الشارع.\rوتحصيله إنما هو بتعاطي الامور الممكنة من الاتيان به.\rفإذا قيل يجب التحصيل بما لا يكون واجبا، كان متناقضا.\rوبالجملة فالمسألة وعرة، والطرق ضيقة، فليقنع بمثل هذا في هذا المضيق.","part":1,"page":111},{"id":122,"text":"فإن قيل: القول بوجوب الشرط زيادة على ما اقتضاه الامر بالمشروط، إذ لا دلالة عليه، والزيادة على النص نسخ، ونسخ مدلول النص لا يكون إلا بنص آخر، ولا نص.\rثم لو كان واجبا، لكان مقدورا، حذرا من التكليف بما لا يطاق.\rوما يجب غسله من الرأس وإمساكه من الليل غير مقدور، ولكان مثابا عليه، ومعاقبا على تركه.\rوالثواب والعقاب إنما هو على غسل الوجه وتركه، وعلى صوم اليوم وتركه، لا على مسح بعض الرأس، وإمساك شئ من الليل.\rولهذا، فإنه لو تصور الاتيان بالمشروط دون شرطه، كان كذلك.\rقلنا: جواب الاول أن النسخ إنما يلزم إن لو كان ما قيل بوجوبه رافعا لمقتضى النص الوارد بالمشروط، وليس كذلك، فإن مقتضاه وجوبه، ووجوبه باق بحاله.\rوجواب الثاني أنه مبني على القول بأن كل واجب لا يقدر بقدر محدود.\rفالزيادة على أقل ما ينطلق عليه الاسم هل توصف بالوجوب لكون نسبة الكل إلى الوجوب نسبة واحدة، أو الواجب أقل ما ينطلق عليه الاسم والزيادة ندب.\rفمن ذهب\rإلى القول الاول، قال كل ما يأتي به من ذلك فهو واجب.\rوالاصح إنما هو القول الثاني، وهو أن الواجب أقل ما ينطلق عليه الاسم، إذ هو مكتفي به من غير لوم على ترك الزيادة من غير بدل، وهو مقدور.\rوجواب الثالث بمنع ما ذكروه.\rوجواب الرابع بأن الوجوب إنما يتحقق بالنسبة إلى العاجز عن الاتيان بالمشروط دون الشرط لا القادر.","part":1,"page":112},{"id":123,"text":"الفصل الثاني في المحظور وقد يطلق في اللغة على ما كثرت آفاته: ومنه يقال لبن محظور، أي كثير الآفة.\rوقد يطلق بمعنى المنع والقطع، ومنه قولهم: حظرت عليه كذا، أي منعته منه، ومنه الحظيرة للبقعة المنقطعة تأتي إليها المواشي.\rوأما في الشرع: فقد قيل فيه ضد ما قيل في الواجب من الحدود المزيفة السابق ذكرها.\rولا يخفى وجه الكلام عليها.\rوالحق فيه أن يقال: هو ما ينتهض فعله سببا للذم شرعا بوجه ما من حيث هو فعل له.\rفالقيد الاول فاصل له عن الواجب والمندوب وسائر الاحكام والثاني فاصل له عن المخير كما ذكرناه في الواجب.\rوالثالث فاصل له عن المباح الذي يستلزم فعله ترك واجب، فإنه يذم عليه، لكن لا من جهة فعله، بل لما لزمه من ترك الواجب، والحظر: فهو خطاب الشارع بما فعله سبب للذم شرعا بوجه ما، من حيث هو فعله.\rومن أسمائه أنه محرم ومعصية وذنب.\rوإذا عرف معنى المحظور، فلا بد من ذكر ما يختص به من المسائل، وهي ثلاث مسائل:","part":1,"page":113},{"id":124,"text":"المسألة الاولى يجوز أن يكون المحرم أحد أمرين، لا بعينه عندنا، خلافا للمعتزلة، وذلك لانه لا مانع من ورود النهي بقوله: لا تكلم زيدا أو عمرا.\rوقد حرمت عليك كلام أحدهما لا بعينه، ولست أحرم عليك الجميع ولا واحدا بعينه.\rفهذا الورود كان معقولا غير ممتنع.\rولا شك أنه إذا كان كذلك فليس المحرم مجموع كلاميهما، ولا كلام أحدهما على التعيين، لتصريحه بنقيضه، فلم يبق إلا أن يكون المحرم أحدهما لا بعينه.\rومنهج الخصم في الاعتراض ومنهجنا في الجواب، فكما سبق في الواجب المخير، ولا يخفى وجهه.\rولكن ربما تشبث الخصوم هاهنا بقولهم: إن حرف أو إذا ورد في النهي، اقتضى الجمع دون التخيير، ودليله قوله تعالى: * (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) * (76) الانسان: 24) فإن المراد به إنما هو النهي من الطاعة لكل واحد منهما، لا النهي عن أحدهما.\rوجوابه: أن يقال: مقتضى الآية إنما هو التخيير، وتحريم أحد الامرين لا بعينه، والجمع في التحريم هاهنا إنما كان مستفادا من دليل آخر، ويجب أن يكون كذلك جمعا بين الآية وما ذكرناه من الدليل.","part":1,"page":114},{"id":125,"text":"المسألة الثانية اتفق العقلاء على استحالة الجمع بين الحظر والوجوب في فعل واحد من جهة واحدة، لتقابل حديهما، كما سبق تعريفه، إلا على رأي من يجوز التكليف بالمحال.\rوإنما الخلاف في أنه هل يجوز انقسام النوع الواحد من الافعال إلى واجب وحرام، كالسجود لله تعالى والسجود للصنم، وأن يكون الفعل الواحد بالشخص واجبا حراما من جهتين، كوجوب الفعل المعين الواقع في الدار المغصوبة من حيث\rهو صلاة، وتحريمه من حيث هو غصب شاغل لملك الغير، فذلك مما جوزه أصحابنا مطلقا وأكثر الفقهاء.\rوخالف في الصورة الاولى بعض المعتزلة، وقالوا: السجود نوع واحد، وهو مأمور به لله تعالى، فلا يكون حراما ولا منهيا بالنسبة إلى الصنم من حيث هو سجود، وإلا كان الشئ الواحد مأمورا منهيا، وذلك محال، وإنما المحرم المنهي قصد تعظيم الصنم، وهو غير السجود.\rوخالف في الصورة الثانية الجبائي وابنه وأحمد بن حنبل وأهل الظاهر والزيدية.\rوقيل إنه رواية عن مالك.\rوقالوا الصلاة في الدار المغصوبة غير واجبة ولا صحيحة، ولا يسقط بها الفرض ولا عندها، ووافقهم على ذلك القاضي أبو بكر إلا في سقوط الفرض، فإنه قال: يسقط الفرض عندها لا بها، مصيرامنهم إلى أن الوجوب والتحريم إنما يتعلق بفعل الملكف، لا بما ليس من فعله والافعال الموجودة من المصلي في الدار المغصوبة أفعال اختيارية محرمة عليه، وهو عاص بها، مأثوم بفعلها، وليس له من الافعال غير ما صدر عنه، فلا يتصور أن تكون واجبة طاعة ولا مثابا عليها، متقربا بها إلى الله تعالى.\rلان الحرام لا يكون واجبا، والمعصية لا تكون طاعة، ولا مثابا عليها ولا متقربا بها، مع أن التقرب شرط في صحة الصلاة والحق في ذلك ما قاله الاصحاب.","part":1,"page":115},{"id":126,"text":"أما في الصورة الاولى: فلضرورة التغاير بالشخصية بين السجود لله تعالى والسجود للصنم.\rولا يلزم متحريم أحد السجودين تحريم الآخر، ولا من الوجوب الوجوب، وما قيل من أن السجود مأمور به لله تعالى، فإن أريد به السجود من حيث هو كذلك، فهو غير مسلم، بل السجود المقيد بقصد تعظيم الرب تعالى دون ما قصد به تعظيم الصنم.\rولهذا قال الله تعالى: * (لا تسجدوا للشمس ولا\rللقمر واسجدوا لله) * (37) فصلت: 41) ولو كان كما ذكروه لكان عين المأمور به منهيا عنه، وهو محال.\rوأما في الصورة الثانية: فلضرورة تغاير الفعل المحكوم عليه باعتبار اختلاف جهتيه من الغصب والصلاة.\rوذلك لان التغاير بين الشيئين، كما أنه قد يقع بتعدد النوع تارة كالانسان والفرس، وبتعدد الشخص تارة كزيد وعمرو.\rفقد يقع التغاير مع اتحاد الموضوع المحكوم عليه شخصا بسبب اختلاف صفاته، بأن يكون المحكوم عليه بأحد الحكمين المتقابلين هو الهيئة الاجتماعية من ذاته وإحدى صفتيه، والمحكوم عليه بالحكم الآخر بالهيئة الاجتماعية والصفة الاخرى كالحكم على زيد بكونه مذموما لفسقه، ومشكورا لكرمه، وذلك مما لا يتحقق معه التقابل بين الحكمين والمنع منهما وقولهم: إن الفعل الموجود منه في الدار المغصوبة متحد وهو حرام، فلا يكون واجبا.\rقلنا: المحكوم عليه بالحرمة ذات الفعل من حيث هو فعل، أو من جهة كونه غصبا، الاول غير مسلم.\rوالثاني فلا يلزم منه امتناع الحكم عليه بالوجوب من جهة كونه صلاة ضرورة الاختلاف كما سبق.\rفإن قيل متعلق الوجوب إما أن يكون هو متعلق الحرمة أو هو مغاير له، والاول يلزم منه التكليف بما لا يطاق والخصم لا يقول بذلك فيما نحن فيه سواء قيل بإحالته أو بجوازه.\rوالثاني إما أن يكون متعلق الوجوب والتحريم،","part":1,"page":116},{"id":127,"text":"متلازمين أو غير متلازمين، لا جائز أن يقال بالثاني، فإن الغصب والصلاة، وإن انفك أحدهما عن الآخر في غير مسألة النزاع، فهما متلازمان في مسألة النزاع.\rفلم يبق غير التلازم، وعند ذلك فالواجب متوقف على فعل المحرم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\rفالمحرم الذي ذكرتموه يكون واجبا، وهو تكليف بما\rلا يطاق.\rوأيضا فإن الحركات المخصوصة في الصلاة والسكنات داخلة في مفهومها، والحركات والسكنات تشغل الحيز إذ الحركة عبارة عن شغل الجوهر للحيز بعد أن كان في غيره، والسكون شغل الجوهر للحيز أكثر من زمان واحد.\rفشغل الحيز داخل في مفهوم الحركة والسكون الداخلين في مفهوم الصلاة، فكان داخلا في مفهوم الصلاة لان جزء الجزء جزء، وشغل الحيز فيما نحن فيه حرام.\rفالصلاة التي جزءها حرام لا تكون واجبة، لان وجوبها إما أن يستلزم إيجاب جميع أجزائها، أو لا يستلزم.\rوالاول يلزم منه إيجاب ما كان من أجزائها محرما، وهو تكليف بما لا يطاق.\rوالثاني يلزم منه أن يكون الواجب بعض أجزاء الصلاة، لا نفس الصلاة، لان مفهوم الجزء مغاير لمفهوم الكل وذلك محال.\rقلنا: أما الاشكال الاول، فيلزم عليه ما لو قال السيد لعبده أوجبت عليك خياطة هذا الثوب، وحرمت عليك السكن في هذا الدار، فإن فعلت هذا أثبتك، وإن فعلت هذا عاقبتك، فإنه إذا سكن الدار، وخاط الثوب، فإنه يصح أن يقال فعل الواجب والمحرم ويحسن من السيد ثوابه له على الطاعة، وعقابه له على المعصية إجماعا.\rوعند ذلك فكل ما أوردوه من التقسيم فهو بعينه وارد هاهنا.\rوذلك أن يقال: متعلق الوجوب، إن كان هو متعلق الحرمة، فهو تكليف بما لا يطاق، وليس كذلك فيما فرض من الصورة، وإن تغايرا فهما في الصورة المفروضة متلازمان، وإن جاز انفكاكهما حسبما قيل في الصلاة في الدار المغصوبة.\rفالواجب متوقف على المحرم، فيلزم أن يكون واجبا لا محرما، لما قيل.\rوقد قيل بالجمع بين الواجب والمحرم فيها، فما هو الجواب في هذه الصورة، هو الجواب في صورة محل النزاع.\rعلى هذا فقد اندفع الاشكال الثاني أيضا من حيث إن شغل الحيز داخل في مفهوم الحركات المخصوصة الداخلة في مفهوم الخياطة.\rوشغل الحيز","part":1,"page":117},{"id":128,"text":"بالسكن محرم على ما قيل في صورة محل النزاع من غير فرق، والجواب يكون مشتركا: كيف وإن إجماع سلف الامة وهلم جرا منعقد على الكف عن أمر الظلمة بقضاء الصلوات المؤدات في الدور المغصوبة مع كثرة وقوع ذلك منهم، ولو لم تكن صحيحة مع وجوبها عليهم، لبقي الوجوب مستمرا، وامتنع على الامة عدم الانكار عادة وهو لازم على المعتزلة وأحمد بن حنبل حيث اعترفوا ببقاء الفرض وعدم سقوطه.\rوأما القاضي أبو بكر فإنه قال إن الفرض يسقط عندها لا بها، جمعا بين الاجماع على عدم النكير على ترك القضاء وبين ما ظنه دليلا على امتناع صحة الصلاة.\rوقد بينا إبطال مستنده.\rالمسألة الثالثة مذهب الشافعي أن المحرم بوصفه مضاد لوجوب أصله، خلافا لابي حنيفة.\rوصورة المسألة ما إذا أوجب الصوم وحرم إيقاعه في يوم العيد.\rوعلى هذا النحو فالشافعي اعتقد أن المحرم هو الصوم الواقع، وألحقه بالمحرم باعتبار أصله، فكان تحريمه مضادا لوجوبه.\rوأبو حنيفة اعتقد أن المحرم نفس الوقوع لا الواقع، وهما غيران فلا تضاد، إلحاقا له بالمحرم باعتبار غيره وحيث قضى بتحريم صلاة المحدث وبطلانها، إنما كان لفوات شرطها من الطهارة لا للنهي عن إيقاعها مع الحدث، بخلاف الطواف حيث لا يقم الدليل عنده على اشتراط الطهارة فيه.\rوبالجملة فالمسألة اجتهادية ظنية، لا حظ لها من اليقين، وإن كان الاشبه إنما هو مذهب الشافعي من حيث إن اللغوي لا يفرق عند سماعه لقول القائل: حرمت عليك الصوم في هذا اليوم مع كونه موجبا لتحريم الصوم، وبين قوله حرمت عليك إيقاع الصوم في هذا اليوم من جهة أنه لا معنى لايقاع الصوم في اليوم سوى فعل الصوم في اليوم.\rفإذا كان فعل الصوم فيه محرما، كان ذلك مضادا لوجوبه لا محالة.","part":1,"page":118},{"id":129,"text":"فإن قيل: لو كان تحريم إيقاع الفعل في الوقت تحريما للفعل الواقع، لزم أن يكون تحريم إيقاع الطلاق في زمن الحيض تحريما لنفس الطلاق، ولو كان الطلاق نفسه محرما لما كان معتبرا، وكذلك وقوع الصلوات في الاوقات والاماكن المنهي عن إيقاعها فيها.\rقلنا: أما الطلاق في زمن الحيض إنما قضى الشافعي بصحته لظهور صرف التحريم عنده عن أصل الطلاق وصفته، إلى أمر خارج، وهو ما يفضي إليه من تطويل العدة، لدليل دل عليه.\rوأما الصلوات في الاوقات والاماكن المنهي عنها، فقد منع بعض أصحابنا صحتها في الاوقات دون الاماكن.\rومن عمم، اعتقد صرف النهي فيها عن اصل الفعل وصفته إلى أمر خارج لدليل دل عليه أيضا، بخلاف ما نحن فيه، حتى لو قام الدليل فيه على ترك الظاهر لترك.\rالفصل الثالث في تحقيق معنى المندوب وما يتعلق به من المسائل والمندوب في اللغة مأخوذ من الندب، وهو الدعاء إلى أمر مهم، ومنه قول الشاعر: (لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا) وأما في الشرع، فقد قيل: هو ما فعله خير من تركه.\rويبطل بالاكل قبل ورود الشرع، فإنه خير من تركه لما فيه من اللذة واستبقاء المهجة، وليس مندوبا، وقيل: هو ما يمدح على فعله، ولا يذم على تركه، ويبطل بأفعال الله تعالى، فإنها كذلك، وليست مندوبة.\rفالواجب أن يقال: هو المطلوب فعله شرعا من غير ذم على تركه مطلقا.\r(فالمطلوب فعله) احتراز عن الحرام والمكروه والمباح وغيره من الاحكام الثابتة\rبخطاب الوضع والاخبار.\rو (نفي الذم) احتراز عن الواجب المخير، والموسع، في أول الوقت.\rوإذا عرف معنى المندوب، ففيه مسألتان:","part":1,"page":119},{"id":130,"text":"المسألة الاولى ذهب القاضي أبو بكر وجماعة من أصحابنا إلى أن المندوب مأمور به خلافا للكرخي وأبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة.\rاحتج المثبتون بأن فعل المندوب يسمى طاعة بالاتفاق، وليس ذلك لذات الفعل المندوب إليه وخصوص نفسه، وإلا كان طاعة بتقدير ورود النهي عنه، ولا لصفة من الصفات التي يشاركه فيها غيره من الحوادث، وإلا كان كل حادث طاعة، ولا لكونه مرادا لله تعالى، وإلا كان كل مراد الوقوع طاعة، وليس كذلك ولا لكونه مثابا عليه، فإنه لا يخرج عن كونه طاعة، وإن لم يثب عليه، ولا لكونه موعودا بالثواب عليه، لانه لو ورد فيه وعد لتحقق، لاستحالة الخلف في خبر الشارع، والثواب غير لازم له بالاجماع، والاصل عدم ما سوى ذلك.\rفتعين أن يكون طاعة لما فيه من امتثال الامر، فإن امتثال الامر يسمى طاعة، ولهذا يقال: فلان مطاع الامر، ومنه قول الشاعر: (ولو كنت ذا أمر مطاع لما بدا توان من المأمور في كل أمركا) كيف وقد شاع وذاع إطلاق أهل الادب قولهم بانقسام الامر إلى أمر إيجاب، وأمر ندب.\rفإن قيل: أمكن أن يكون طاعة لكون مقتضى ومطلوبا ممن له الطلب والاقتضاء، ولا يلزم أن يكون ذلك لكونه مأمورا.\rثم لو كان فعله طاعة لكونه مأمورا، لكان تركه معصية لكونه مأمورا.\rولذلك يقال أمر فعصى.\rومنه قول الشاعر: (أمرتك أمرا جازما فعصيتني)\rوليس كذلك بالاجماع.\rويدل على أنه غير مأمور قوله عليه السلام: لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة وقوله عليه السلام لبريرة وقد عتقت تحت عبد: لو راجعتيه فقالت: بأمرك يا رسول الله فقال: لا، إنما أنا شافع نفى الامر في الصورتين مع أن الفعل فيهما مندوب.\rفدل على أن المندوب ليس مأمورا.","part":1,"page":120},{"id":131,"text":"قلنا: أما الاقتضاء والطلب فهو الامر عندنا على ما يأتي، فتسليمه تسليم لمحل النزاع.\rقولهم لا يسمى تاركه عاصيا.\rقلنا لان العصيان اسم ذم مختص بمخالفة أمر الايجاب، ولا بمخالفة مطلق أمر.\rويجب أن يكون كذلك جمعا بين ما ذكروه من الاطلاق وما ذكرناه من الدليل.\rولمثل هذا يجب حمل الحديثين على أمر الايجاب دون الندب.\rويخص الحديث الاول أنه قيده بالمشقة، وهي لا تكون في غير أمر الايجاب.\rوإذا ثبت كونه مأمورا فهو حسن بجميع الاعتبارات السابق ذكرها في مسألة التحسين والتقبيح، وهل هو داخل في مسمى الواجب، فالكلام فيه على ما سيأتي في الجائز نفيا وإثباتا.\rالمسألة الثانية اختلف أصحابنا في المندوب هل هو من أحكام التكاليف ؟ فأثبته الاستاذ أبو إسحاق، ونفاه الاكثرون، وهو الحق.\rوحجة ذلك أن التكليف إنما يكون بما فيه كلفة ومشقة والمندوب مساو للمباح في التخيير بين الفعل والترك من غير حرج، مع زيادة الثواب على الفعل.\rوالمباح ليس من أحكام التكليف على ما يأتي، فالمندوب أولى.\rنعم، إن قيل إنه تكليفي باعتبار وجوب اعتقاد كونه مندوبا، فلا حرج، فإن قيل المندوب لا يخلو عن كلفة ومشقة، فإنه سبب للثواب، فإن فعله\rرغبة في الثواب ففعله مشق كفعل الواجب، وإن تركه شق عليه ما فاته من الثواب الجزيل بفعله، وربما كان ذلك أشق عليه من الفعل، بخلاف ترك المباح.\rقلنا: يلزم عليه أن يكون حكم الشارع على الفعل بكونه سببا للثواب حكما تكليفيا، لانه إن أتى بالفعل رغبة في الثواب الذي هو مسببه فهو مشق، وإن تركه شق عليه ما فاته من الثواب.\rوهو خلاف الاجماع.","part":1,"page":121},{"id":132,"text":"الفصل الرابع في المكروه المكروه في اللغة مأخوذ من الكريهة، وهي الشدة في الحرب، ومنه قولهم جمل كره، أي شديد الرأس، وفي معنى ذلك الكراهة والكراهية.\rوأما في الشرع، فقد يطلق ويراد به الحرام، وقد يراد به ترك ما مصلحته راجحة، وإن لم يكن منهيا عنه، كترك المندوبات.\rوقد يراد به ما نهي عنه نهي تنزيه لا تحريم، كالصلاة في الاوقات والاماكن المخصوصة.\rوقد يراد به ما في القلب منه حزازة.\rوإن كان غالب الظن حله، كأكل لحم الضبع.\rوعلى هذا فمن نظر إلى الاعتبار الاول حده بحد الحرام، كما سبق.\rومن نظر إلى الاعتبار الثاني، حده بترك الاولى.\rومن نظر إلى الاعتبار الثالث، جده بالمنهي الذي لا ذم على فعله.\rومن نظر إلى الاعتبار الرابع، حده بأنه الذي فيه شبهة وتردد.\rوإذا عرف معنى المكروه، فالخلاف في كونه منهيا عنه، وفي كونه من أحكام التكاليف، فعلى نحو ما سبق في المندوب، ولا يخفى وجه الكلام في الطرفين تزييفا واختيارا.","part":1,"page":122},{"id":133,"text":"الفصل الخامس\rفي المباح وما يتعلق به من المسائل أما المباح، فهو في اللغة مشتق من الاباحة، وهي الاظهار والاعلان.\rومنه يقال باح بسره، إذا أظهره.\rوقد يرد أيضا بمعنى الاطلاق والاذن، ومنه يقال أبحته كذا، أي أطلقته فيه وأذنت له.\rوأما في الشرع، فقد قال قوم هو ما خير المرء فيه بين فعله وتركه شرعا.\rوهو منقوض بخصال الكفارة المخيرة.\rفإنه ما من خصلة منها إلا والمكفر مخير بين فعلها وتركها، وبتقدير فعلها لا تكون مباحة بل واجبة.\rوكذلك الصلاة في أول وقتها الموسع مخير بين فعلها وتركها مع العزم، وليست مباحة بل واجبة.\rوقال قوم، هو ما استوى جانباه في عدم الثواب والعقاب، وهو منتقض بأفعال الله تعالى، فإنها كذلك، وليست متصفة بكونها مباحة.\rومنهم من قال هو ما أعلم فاعله أو دل أنه لا ضرر عليه في فعله ولا تركه، ولا نفع له في الآخرة، وهو غير جامع، لانه يخرج منه الفعل الذي خير الشارع فيه بين الفعل والترك مع إعلام فاعله، أو دلالة الدليل السمعي، على استواء فعله في المصلحة والمفسدة دنيا وأخرى، فإنه مباح، وإن اشتمل فعله وتركه على الضرر.\rوالاقرب في ذلك أن يقال: هو ما دل الدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير فيه بين الفعل والترك من غير بدل.\rفالقيد الاول فاصل له عن فعل الله تعالى: والثاني عن الواجب الموسع في أول الوقت والواجب المخير.\rوإذا عرف معنى المباح ففيه خمس مسائل:","part":1,"page":123},{"id":134,"text":"المسألة الاولى اتفق المسلمون على أن الاباحة من الاحكام الشرعية خلافا لبعض المعتزلة، مصيرا\rمنه إلى أن المباح لا معنى له سوى ما انتفى الحرج عن فعله وتركه.\rوذلك ثابت قبل ورود الشرع، وهو مستمر بعده، فلا يكون حكما شرعيا.\rونحن لا ننكر أن انتفاء الحرج عن الفعل والترك ليس بإباحة شرعية، وإنما الاباحة الشرعية خطاب الشارع بالتخيير على ما قررناه.\rوذلك غير ثابت قبل ورود الشرع.\rولا يخفى الفرق بين القسمين.\rفإذا ما أثبتناه من الاباحة الشرعية لم يتعرض لنفيها وما نفي غير ما أثبتناه.\rالمسألة الثانية اتفق الفقهاء والاصوليون قاطبة على أن المباح غير مأمور به، خلافا للكعبي وأتباعه من المعتزلة، في قولهم إنه لا مباح في الشرع، بل كل فعل يفرض فو واجب مأمور به.\rاحتج من قال إنه غير مأمور به أن الامر طلب يستلزم ترجيح الفعل على الترك، وهو غير متصور في المباح لما سبق في تحديده، ولان الامة مجمعة على انقسام الاحكام إلى: وجوب وندب، وإباحة، وغير ذلك.\rفمنكر المباح يكون خارقا للاجماع.\rوحجة الكعبي أنه ما من فعل يوصف بكونه مباحا إلا ويتحقق بالتلبس به ترك حرام ما، وترك الحرام واجب، ولا يتم تركه دون التلبس بضد من أضداده، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب لما سبق.\rثم اعتذر عن الاجماع المحتج به بأن قال: يجب حمله على ذات الفعل مع قطع النظر عن تعلق الامر به لسبب توقف ترك الحرام عليه.\rفإنه إذ ذاك لا يكون مأمورا به، ضرورة الجمع بين الادلة بأقصى الامكان.\rوقد اعترض عليه من لا","part":1,"page":124},{"id":135,"text":"يعلم عور كلامه، بأنه وإن كان ترك الحرام واجبا، فالمباح ليس هو نفس ترك الحرام، بل شئ يترك به الحرام مع إمكان تحقق ترك الحرام بغيره، فلا يلزم أن يكون واجبا وهو غير سديد.\rفإنه إذا ثبت أن ترك الحرام واجب، وأنه لا يتم\rبدون التلبس بضد من أضداده.\rوقد تقرر أن مالا يتم الواحب دونه، فهو واجب.\rفالتلبس بضد من أضداده واجب، غايته أن الواجب من الاضداد غير معين قبل تعيين المكلف له.\rولكن لا خلاف في وجوبه بعد التعيين، ولا خلاص عنه إلا بمنع وجوب ما لا يتم الواجب إلا به، وفيه خرق القاعدة الممهدة على أصول الاصحاب.\rوغاية ما ألزم عليه أنه لو كان الامر على ما ذكرت، لكان المندوب بل المحرم إذا ترك به محرم آخر، أن يكون واجبا، وكان يجب أن تكون الصلاة حراما على هذه القاعدة عندما إذا ترك بها واجبا آخر، وهو محال، فكان جوابه أنه لا مانع من الحكم على الفعل الواحد بالوجوب والتحريم، بالنظر إلى جهتين مختلفتين، كما في الصلاة في الدار المغصوبة ونحوه.\rوبالجملة، وإن استبعده من استبعده، فهو في غاية الغوص والاشكال، وعسى أن يكون عند غيري حله.\rالمسألة الثالثة اختلفوا في المباح هل هو داخل في مسمى الواجب أم لا ؟ وحجة من قال بالدخول، أن المباح ما لا حرج على فعله.\rوهذا المعنى متحقق في الواجب، والزيادة إلى اختص بها الواجب غير نافية للاشتراك فيما قيل.\rوحجة من قال بالتباين، أن المباح ما خير فيه بين الفعل والترك بالقيود المذكورة، وهو غير متحقق في الواجب، وهو الحق.","part":1,"page":125},{"id":136,"text":"فإن قيل: العادة مطردة بإطلاق الجائز على الصلاة الواجبة والصوم الواجب في قولهم صلاة جائزة، وصوم جائز، ولو لم يكن مفهوم الجائز متحققا في الواجب، لزم منه إما الاشتراك وإما التجوز، هو خلاف الاصل.\rقلنا: ولو كان إطلاقه عليه حقيقة، فلا مشترك بينهما سوى نفي الحرج عن الفعل بدليل البحث والسير.\rفلو كان ذلك هو المسمى حقيقة، فالعادة أيضا مطردة بإطلاق الجائز على ما انتفى الحرج عن تركه، ولهذا يقال: المحرم جائز الترك.\rوما هو مسمى الجائز أولا غير متحقق هاهنا.\rويلزم من ذلك أن يكون إطلاق اسم الجائز على ترك المحرم مجازا أو مشتركا، وهو خلاف الاصل.\rوليس أحد الامرين أولى من الآخر، بل احتمال التجوز فيما ذكرناه أولى، لما فيه من موافقة الاطلاق في قولهم: هذا واجب وليس بجائز.\rوعلى كل تقدير فالمسألة لفظية، وهي في محل الاجتهاد.\rالمسألة الرابعة اختلفوا في المباح هل هو داخل تحت التكليف.\rواتفاق جمهور من العلماء على النفي خلافا للاستاذ أبي إسحاق الاسفرايني.\rوالحق أن الخلاف في هذه المسألة لفظي.\rفإن النافي يقول إن التكليف إنما يكون بطلب ما فيه كلفة ومشقه.\rومنه قولهم: كلفتك عظيما، أي حملتك ما فيه كلفة ومشقة.\rولا طلب في المباح ولا كلفة، لكونه مخيرا بين الفعل والترك.\rومن أثبت ذلك لم يثبته بالنسبة إلى أصل الفعل، بل بالنسبة إلى وجوب اعتقاد كونه مباحا.\rوالوجوب من خطاب التكليف فما التقيا على محز واحد.\rالمسألة الخامسة اختلفوا في المباح هل هو حسن أم لا ؟ والحق امتناع النفي والاثبات في ذلك مطلقا، بل الواجب أن يقال إنه حسن باعتبار أن لفاعله أن يفعله شرعا أو باعتبار موافقته للغرض.\rوليس حسنا باعتبار أنه مأمور بالثناء على فاعله على ما تقرر في مسألة التحسين والتقبيح","part":1,"page":126},{"id":137,"text":"الفصل السادس في الاحكام الثابتة بخطاب الوضع والاخبار وهي على أصناف: الصنف الاول: الحكم على الوصف بكونه سببا، والسبب في اللغة عبارة عما يمكن التوصل به إلى مقصود ما، ومنه سمي الحبل سببا، والطريق سببا، لامكان التوصل بهما إلى المقصود.\rوإطلاقه في اصطلاح المتشرعين على بعض مسمياته في اللغة.\rوهو كل وصف ظاهر منضبط دل الدليل السمعي على كونه معرفا لحكم شرعي.\rولا يخفى ما فيه من الاحتراز، وهو منقسم إلى ما لا يستلزم في تعريفة للحكم حكمة باعثة عليه كجعل زوال الشمس أمارة معرفة لوجوب الصلاة، في قوله تعالى: * (أقم الصلاة لدلوك الشمس) * (17) الاسراء: 78) وفي قوله عليه السلام: إذا زالت الشمس فصلوا وكجعل طلوع هلال رمضان أمارة على وجوب صوم رمضان، بقوله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * (2) البقرة: 185) وقوله عليه السلام: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته ونحوه، وإلى ما يستلزم حكمة باعثة للشرع على شرع الحكم المسبب كالشدة المطربة المعرفة لتحريم شرب النبيذ، لا لتحريم شرب الخمر في الاصل المقيس عليه.\rفإن تحريم شرب الخمر معروف بالنص أو الاجماع، لا بالشدة المطربة.\rولانها لو كانت معرفة له، فهي لا يعرف كونها علة بالاستنباط.\rإلا بعد معرفة الحكم في الاصل.\rوذلك دور ممتنع.\rوعلى هذا فالحكم الشرعي ليس هو نفس الوصف المحكوم عليه بالسببية، بل حكم الشرع عليه بالسببية.\rوعلى هذا فكل واقعة عرف الحكم فيها بالسبب لا بدليل آخر من الادلة السمعية، فلله تعالى فيها حكمان أحدهما الحكم المعرف بالسبب، والآخر السببية المحكوم بها على الوصف المعرف للحكم، وفائدة نصبه سببا معرفا للحكم","part":1,"page":127},{"id":138,"text":"عسر وقوف المكلفين على خطاب الشرع في كل واقعة من الوقائع، بعد انقطاع الوحي، حذرا من تعطيل أكثر الوقائع عن الاحكام الشرعية.\rوسواء كان السبب مما يتكرر بتكرره الحكم، كما ذكرناه من زوال الشمس وطلوع الهلال، وغيره من أسباب الضمانات والعقوبات والمعاملات، أو غير متكرر به، كالاستطاعة في الحج ونحوه، وسواء كان وصفا وجوديا، أو عدميا شرعيا، أو غير شرعي على ما يأتي تحقيقه في القياس.\rوإذا أطلق على السبب أنه موجب للحكم، فليس معناه أنه يوجبه لذاته، وصفة نفسه، وإلا كان موجبا له قبل ورود الشرع، وإنما معناه أنه معرف للحكم لا غير، كما ذكرناه في تحديده.\rفإن قيل لو كانت السببية حكما شرعيا، لافتقرت في معرفتها إلى سبب آخر يعرفها.\rويلزم من ذلك إما الدور إن افتقر كل واحد من السببين إلى الآخر، وإما التسلسل، وهو محال.\rوأيضا فإن الوصف المعرف للحكم، إما يعرفة بنفسه، أو بصفة زائدة.\rوإما التسلسل وهو محال.\rفإن كان الاول، لزم أن يكون معرفا له قبل ورود الشرع وهو محال.\rوإن كان بصفة زائدة عليه، فالكلام في تلك الصفة كالكلام في الاول، وهو تسلسل ممتنع.\rوأيضا فإن الطريق إلى معرفة كون الوصف سببا للحكم، إنما هو ما يستلزمه من الحكمة المستدعية للحكم من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة.\rوذلك ممتنع لوجهين: الاول: أنه لو كانت الحكمة معرفة لحكم السببية، لامكن تعريف الحكم المسبب بها من غير حاجة إلى توسط الوصف.\rوليس كذلك بالاجماع.\rالثاني: أن الحكمة، إما أن تكون قديمة أو حادثة.\rفإن كان الاول لزم من قدمها قدم موجبها، وهو معرفة السببية.\rوإن كان\rالثاني، فلا بد لها من معرف آخر لخفائها.\rوالتقسيم في ذلك المعرف عائد بعينه.","part":1,"page":128},{"id":139,"text":"قلنا: معرفة السببية مستندة إلى الخطاب، أو إلى الحكمة الملازمة للوصف مع اقتران الحكم بها في صورة، فلا تستدعي سببا آخر يعرفها حتى يلزم الدور، أو التسلسل، وبما ذكرناه هاهنا يكون دفع إشكال الثاني أيضا.\rوأما الوجه الاول: من الاشكال الثالث، فالوجه في دفعه أن الحكمة المعرفة للسببية ليس طلق حكمة بل الحكمة المضبوطة بالوصف المقترن بالحكم، فلا تكون بمجردها معرفة للحكم فإنها إذا كانت خفية غير مضبوطة بنفسها ولا بملزومها من الوصف فلا يمكن تعريف الحكم بها، لعدم الوقوف على ما به التعريف لاضطرابها واختلافها باختلاف الاشخاص والاحوال والازمان، وما هذا شأنه فدأب الشارع فيه رد الناس إلى المظان الظاهرة المنضبطة المستلزمة لاحتمال الحكمة دفعا للعسر والحرج عنهم.\rوأما الوجه الثاني: منه، فالوجه في دفعه أن يقال الحكمة إذا كانت مضبوطة بالوصف فهي معروفة بنفسها غير مفتقرة إلى معرف آخر، ولا يلزم من تقدمها على ورود الشرع أن تكون معرفة للسببية، لتوقف ذلك على اعتبارها في الشرع، ولا اعتبار لها قبل ورود الشرع.\rوإذا عرف معنى السبب شرعا، فلو تخلف الحكم عنه في صورة من الصور، فهل تبطل سببيته أم لا.\rفسيأتي الكلام عليه في مسألة تخصيص العلة فيما بعد.","part":1,"page":129},{"id":140,"text":"الصنف الثاني: الحكم على الوصف بكونه مانعا.\rوالمانع منقسم إلى مانع الحكم، ومانع السبب.\rأما مانع الحكم فهو كل وصف وجودي ظاهر منضبط مستلزم لحكمة مقتضاها بقاء نقيض\rحكم السبب، مع بقاء حكمة السبب كالابوة في باب القصاص مع القتل العمد العدوان.\rوأما مانع السبب فهو كل وصف يخل وجوده بحكمة السبب يقينا، كالدين في باب الزكاة مع ملك النصاب.\rالصنف الثالث: الشرط.\rوالشرط ما كان عدمه مخلا بحكمة السبب، فهو شرط السبب كالقدرة على التسليم في باب البيع، وما كان عدمه مشتملا على حكمة مقتضاها نقيض حكم السبب مع بقاء حكمة السبب، فهو شرط الحكم، كعدم الطهارة في الصلاة مع الاتيان بمسمى الصلاة والحكم الشرعي في ذلك إنما هو قضاء الشارع على الوصف بكونه مانعا أو شرطا، لا نفس الوصف المحكوم عليه.\rوقد يرد هاهنا من الاشكالات ما وردت على السبب، والوجه في دفعها ما سبق.\rالصنف الرابع: الحكم بالصحة.\rوهي في اللغة مقابل للسقم، وهو المرض، وأما في الشرع فقد تطلق الصحة على العبادات تارة، وعلى عقود المعاملات تارة.\rأما في العبادات، فعند المتكلم، الصحة عبارة عن موافقة أمر الشارع، وجب القضاء أو لم يجب.\rوعند الفقهاء، الصحة عبارة عن سقوط القضاء بالفعل، فمن صلى وهو يظن أنه متطهر، وتبين أنه لم يكن متطهرا، فصلاته صحيحة عند المتكلم لموافقة أمر الشارع بالصلاة على حسب حاله، وغير صحيحة عند الفقهاء لكونها غير مسقطة للقضاء.","part":1,"page":130},{"id":141,"text":"وأما في عقود المعاملات، فمعنى صحة العقد ترتب ثمرته المطلوبة منه عليه.\rولو قيل للعبادة صحيحة بهذا التفسير فلا حرج.\rومن فسر صحة العقد بإذن الشارع في الانتفاع بالمعقود عليه، فهو فاسد.\rفإن البيع بشرط الخيار صحيح بالاجماع، وإن لم يتحقق\rإذن الشارع بالانتفاع بتقدير الفسخ قبل انقضاء المدة، مع أنه لا يطرد هذا التفسير في صحة الصلاة وغيرها من العبادات.\rوإن صح، فالنزاع في أمر لفظي، ولا بأس بتفسير كون العبادة مجزية بكونها مسقطة لوجوب القضاء.\rوحيث لم تكن متصفة بكونها مجزية عند أدائها مع اختلال شرطها، وسقوط القضاء بالموت، إنما كان لانه لم يسقط القضاء بفعلها بل بالموت.\rالصنف الخامس: الحكم بالبطلان.\rوهو نقيض الصحة بكل اعتبار من الاعتبارات السابقة.\rوأما الفاسد، فمرادف للباطل عندنا، وهو عند أبي حنيفة قسم ثالث مغاير للصحيح والباطل، وهو ما كان مشروعا بأصله، ممنوعا بوصفه، كبيع مال الربا بجنسه متفاضلا ونحوه.\rوسيأتي تحقيق ذلك في المناهي.\rالصنف السادس: العزيمة والرخصة.\rأما العزيمة: ففي اللغة الرقية، وهي مأخوذة من عقد القلب المؤكد على أمر ما، ومنه قوله تعالى: * (فنسي ولم نجد له عزما) * (20) طه: 115) أي قصدا مؤكدا.\rومنه سمي بعض الرسل ألو العزم لتأكد قصدهم في إظهار الحق.\rوأما في الشرع فعبارة عما لزم العباد بإلزام الله تعالى، كالعبادات الخمس ونحوها.\rوأما الرخصة في اللغة، بتسكين الخاء، فعبارة عن التيسير والتسهيل.\rومنه يقال رخص السعر.\rإذا تيسر وسهل.\rوبفتح الخاء، عبارة عن الاخذ بالرخص.","part":1,"page":131},{"id":142,"text":"وأما في الشرع، فقد قيل الرخصة ما أبيح فعله مع كونه حراما، وهو تناقض ظاهر.\rوقيل ما رخص فيه، مع كونه حراما، وهو، مع ما فيه من تعريف الرخصة بالترخيص المشتق من الرخصة، غير خارج عن الاباحة.\rفكان في معنى الاول.\rوقال أصحابنا: الرخصة ما جاز فعله لعذر مع قيام السبب المحرم، وهو غير\rجامع.\rفإن الرخصة، كما قد تكون بالفعل، قد تكون بترك الفعل، كإسقاط وجوب صوم رمضان، والركعتين من الرباعية في السفر.\rفكان من الواجب أن يقال: الرخصة ما شرع من الاحكام لعذر إلى آخر الحد المذكور، حتى يعم النفي والاثبات.\rثم العذر المرخص لا يخلو إما أن يكون راجحا على المحرم، أو مساويا، أو مرجوحا.\rفإن كان الاول، فموجبه لا يكون رخصة، بل عزيمة، وإلا كان كل حكم ثبت بدليل راجح مع وجود المعارض المرجوح رخصة، وهو خلاف الاجماع.\rوإن كان مساويا، فإن قلنا بتساقط الدليلين المتعارضين من كل وجه، والرجوع إلى الاصل، فلا يكون ذلك رخصة، وإلا كان كل فعل يقينا فيه على النفي الاصلي قبل ورود الشرع رخصة، وهو ممتنع.\rوإن لم نقل بالتساقط، فالقائل قائلان: قائل يقول بالوقف عن الحكم بالجواز وعدمه إلى حين ظهور الترجيح، وذلك عزيمة لا رخصة، وقائل يقول بالتخيير بين الحكم بالجواز، والحكم بالتحريم.\rويلزم من ذلك أن لا يكون أكل الميتة حالة الاضطرار رخصة.\rضرورة عدم التخيير بين جواز الاكل والتحريم.\rلان الاكل واجب جزما، وقد قيل بكونه رخصة.\rفلم يبق إلا أن يكون الدليل المحرم راجحا على المستبيح.\rويلزم من ذلك العلم بالمرجوح ومخالفة الراجح، وهو في غاية الاشكال، وإن كان هذا القسم هو الاشبه بالرخصة، لما فيها من التيسير والتسهيل بالعمل بالمرجوح، ومخالفة الراجح.\rوعلى هذا فإباحة","part":1,"page":132},{"id":143,"text":"شرب الخمر، والتلفظ بكلمة الكفر عند الاكراه، وإسقاط صورم مضان، والقصر في الرباعية في السفر، والتيمم مع وجود الماء للجراحة أو لبعد الماء أو لبيعه بأكثر من ثمن المثل رخصة حقيقة، وأكل الميتة حالة الاضطرار وإن كان عزيمة من حيث هو واجب استبقاء للمهجة، فرخصة من حهة ما في الميتة من الخبث المحرم وما لم\rيوجبه الله علينا، وإن كان واجبا على من قبلنا، فليس رخصة حقيقة، وإن سمي رخصة لعدم الدليل المحرم لتركه.\rوكذلك كل حكم ثبت جوازه على خلاف العموم للمخصص لا يكون رخصة، لان المخصص بين لنا أن المتكلم لم يرد باللفظ العام لغة صورة التخصيص، فلا يكون إثبات الحكم فيها على خلاف الدليل، لان العموم إنما يكون دليلا على الحكم في آحاد الصور الداخلة تحت العموم لغة مع إرداة المتكلم لها، ومع المخصص فلا إرداة.\rالاصل الثالث في المحكوم فيه وهو الافعال المكلف بها، وفيه خمس مسائل: المسألة الاولى اختلف قول أبي الحسن الاشعري في جواز التكليف بما لا يطاق نفيا وإثباتا، وذلك كالجمع بين الضدين، وقلب الاجناس، وإيجاد القديم وإعدامه ونحوه.\rوميله في أكثر أقواله إلى الجواز، وهو لازم على أصله في اعتقاد وجوب مقارنة","part":1,"page":133},{"id":144,"text":"القدرة الحادثة للمقدور بها، متقدم التكليف بالفعل على الفعل، وأن القدرة الحادثة غير مؤثرة في مقدورها، مقدورها مخلوق لله تعالى، ولا يخفى أن التكليف بفعل الغير، حالة عدم القدرة عليه، تكليف بما لا يطاق.\rوهذا هو مذهب أكثر أصحابه وبعض معتزلة بغداد، حيث قالوا بجواز تكليف العبد بفعل في وقت علم الله تعالى أنه يكون ممنوعا عنه، والبكرية حيث زعموا أن الختم والطبع على الافئدة مانعان من الايمان مع التكليف به.\rغير أن من قال بجواز ذلك من أصحابه اختلفوا في وقوعه نفيا وإثباتا.\rووافقه على القول بالنفي بعض الاصحاب، وهو مذهب البصريين من المعتزلة وأكثر البغداديين، وأجمع الكل على جواز التكليف بما علم الله أنه لا يكون عقلا وعلى وقوعه\rشرعا، كالتكليف بالايمان لمن علم الله أنه لا يؤمن كأبي جهل، خلافا لبعض الثنوية.\rوالمختار إنما هو امتناع التكليف بالمستحيل لذاته، كالجمع بين الضدين ونحوه، وجوازه في المستحيل باعتبار غيره، وإليه ميل الغزالي، رحمه الله.","part":1,"page":134},{"id":145,"text":"ولنفرض الكلام في الطرفين: أما الطرف الاول: وهو امتناع التكليف بالمستحيل لذاته، فيدل عليه أن التكليف طلب ما فيه كلفة.\rوالطلب يستدعي مطلوبا متصورا في نفس الطالب.\rفإن طلب ما لا تصور له في النفس محال، والمستحيل لذاته، كالجمع بين الضدين، والنفي والاثبات معا في شئ واحد ونحوه، لا تصور له في النفس.\rولو تصور في النفس، لما كان وقوعه في الخارج ممتنعا لذاته.\rوكما يمتنع التكليف بالجمع بين الضدين في طرف الوجود، فكذلك يمتنع التكليف بالجمع بين الضدين طرف السلب، إذا لم يكن بينهما واسطة، كالتكليف بسلب الحركة والسكون معا في شئ واحد، لاستحالة ذلك لذاتيهما.\rوعلى هذا فمن توسط مزرعة مغصوبة فلا يقال له: لا تمكث ولا تخرج، كما ذهب إليه أبو هاشم، وإن كان في كل واحد من المكث والخروج إفساد زرع الغير، بل يتعين التكليف بالخروج، لما فيه من تقليل الضرر، وتكثيره في المكث، كما يكلف المولج في الفرج الحرام بالنزع وإن كان به ماسا للفرج المحرم، لان ارتكاب أدنى الضررين يصير واجبا نظرا إلى رفع أعلاهما، كإيجاب شرب الخمر من غص بلقمة ونحوه.\rووجوب الضمان عليه بما يفسده عند الخروج لا يدل على حرمة الخروج، كما يجب الضمان على المضطر في المخمصة بما يتلفه بالاكل، وإن كان الاكل واجبا وإن قدر انتفاء الترجيح بين الطرفين، وذلك، كما إذا سقط إنسان من شاهق على صدر صبي محفوف بصبيان، وهو يعلم أنه إن استمر قتل من تحته، وإن انتقل قتل من يليه، فيمكن أن يقال بالتخيير بينهما، أو يخلو مثل هذه الواقعة عن حكم الشارع، وهو أولى\rمن تكليفه طلب ما لا تصور له في نفس الطالب على ما حققناه.\rوهذا بخلاف ما إذا كان محالا باعتبار غيره، فإنه يكون ممكنا باعتبار ذاته.\rفكان متصورا في نفس الطالب، وهو واضح لا غبار عليه.","part":1,"page":135},{"id":146,"text":"فإن قيل: ما ذكرتموه من إحالة طلب الجمع بين الضدين بناء على عدم تصوره في نفس الطالب غير صحيح، وذلك لانه لو لم يكن متصورا في نفس الطالب، لما علم إحالته، فإن العلم بصفة الشئ فرع تصور ذلك الشئ، واللازم ممتنع، وإن سلم دلالة ما ذكرتموه، إلا أنه معارض بما يدل على جواز التكليف بالجمع بين الضدين ووقوعه شرعا.\rوبيانه قوله تعالى لنوح: * (إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) * (1) هود: 36) أخبر أنه لا يؤمن غير من لم يؤمن، مع أنهم كانوا مكلفين بتصديقه فيما يخبر به، ومن ضرورة ذلك تكليفهم بأن لا يصدقوه تصديقا له في خبره أنهم لا يؤمنون.\rوأيضا فإن الله تعالى كلف أبا لهب بتصديق النبي عليه السلام في أخباره.\rومن أخبار النبي عليه السلام، أن أبا لهب لا يصدقه لاخبار الله تعالى لنبيه بذلك، فقد كلفه بتصديقه في إخباره بعدم تصديقه له وفي ذلك تكليفه بتصديقه وعدم تصديقه، وهو تكليف بالجمع بين الضدين.\rقلنا: أما الاشكال الاول، فمندفع.\rوذلك لان الجمع المعلوم المتصور المحكوم بنفيه عن الضدين إنما هو الجمع المعلوم بين المختلفات، التي ليست متضادة، ولا يلزم من تصوره منفيا عن الضدين تصوره ثابتا لهما، وهو دقيق فليتأمل وما ذكروه من المعارضة.\rفلا نسلم وجود الاخبار بعدم الايمان في الآيتين مطلقا.\rأما في قصة أبي لهب، فغاية ما ورد فيه قوله تعالى: * (سيصلى نارا ذات لهب) * (111) المسد: 3) وليس في ذلك ما يدل على الاخبار بعدم تصديقه للنبي مطلقا، فإنه لا يمتنع تعذيب المؤمن، وبتقدير امتناع ذلك، أمكن حمل قوله تعالى: * (سيصلى نارا ذات لهب) * (111) المسد: 3) على تقدير عدم إيمانه.\rوكذلك التأويل في قوله تعالى: * (إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) * (11) هود: 36) أي بتقدير عدم هداية الله تعالى لهم إلى ذلك.\rوذلك لا يدل على الاخبار بعدم الايمان مطلقا، وإن سلمنا ذلك، ولكن لا نسلم أنهم كلفوا بتصديق النبي عليه السلام فيما أخبر من عدم تصديقهم بتكذيبه.\rوهذا مما اتفق عليه نفاة التكليف بالجمع بين الضدين.","part":1,"page":136},{"id":147,"text":"وأما الطرف الثاني: وهو بيان جواز التكليف بالمستحيل لغيره، فقد احتج الاصحاب عليه بالنص والمعقول: أما النص، فقوله تعالى: * (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) * (2) البقرة: 286) سألوا دفع التكليف بما لا يطاق.\rولو كان ذلك ممتنعا، لكان مندفعا بنفسه، ولم يكن إلى سؤال دفعه عنهم حاجة.\rفإن قيل إنما يمكن حمل الآية على سؤال دفع ما لا يطاق أن لو كان ذلك ممكنا، وإلا لتعذر السؤال بدفع ما لا إمكان لوقوعه، كما ذكرتموه، وإمكانه متوقف على كون الآية ظاهرة فيه فيكون دورا، سلمنا كونها ظاهرة فيما ذكرتموه، ولكن أمكن تأويلها بالحمل على سؤال دفع ما فيه مشقة على النفس، وإن كان مما يطاق ويجب الحمل عليه لموافقته لما سنذكره من الدليل بعد هذا، سلمنا إرادة دفع ما لا يطاق، لكنه حكاية حال الداعين، ولا حجة فيه، سلمنا صحة الاحتجاج بقول الداعين، لكن لا يخلو إما أن يقال بأن جميع التكاليف غير مطاقة، أو البعض دون البعض.\rالاول، يوجب إبطال فائدة تخصيصهم بذكر ما لا يطاق، بل كان الواجب أيقال لا يكلفنا.\rوإن كان الثاني، فهو خلاف أصلكم، سلمنا دلالة ما ذكرتموه، لكنه معارض بقوله تعالى: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (2) البقرة: 286) وهو صريح في الباب.\rوقوله تعالى: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * (22) الحج: 87)\rولا حرج أشد من التكليف بما لا يطاق.\rوالجواب - عن السؤال الاول: أن الآية بوضعها ظاهرة فيما لا يطاق، فيجب تقدير إمكان التكليف به ضرورة حمل الآية على ما هي ظاهرة فيه، حذرا من التأويل من غير دليل.\rوعن الثاني: أنه ترك الظاهر من غير دليل.","part":1,"page":137},{"id":148,"text":"وعن الثالث: أن الآية إنما وردت في معرض التقرير لهم، والحث على مثل هذه الدعوات.\rفكان الاحتجاج بذلك لا بقولهم.\rوعن الرابع: أنه وإن كان كل تكليف عندنا تكليفا بما لا يطاق، غير أنه يجب تنزيل السؤال على ما لا يطاق، وهو ما يتعذر الاتيان به مطلقا في عرفهم، دون ما لا يتعذر لما فيه من إجراء اللفظ على حقيقته، وموافقة أهل العرف في عرفهم غايته إخراج ما لا يطاق مما هو مستحيل في نفسه لذاته من عموم الآية لما ذكرنا من استحالة التكليف به، وامتناع سؤال الدفع للتكليف بما لا تكليف به، ولا يخفى أنه تخصيص، والتخصيص أولى من التأويل.\rوعن المعارضة بالآيتين أن غايتهما الدلالة على نفي وقوع التكليف بما لا يطاق.\rولا يلزم من ذلك نفي الجواز المدلول عليه من جانبنا، كيف وإن الترجيح لما ذكرناه من الآية لاعتضادها بالدليل العقلي على ما يأتي، ومع ذلك فلا خروج لها عن الظن والتخمين.\rوربما احتج بعض الاصحاب بقوله تعالى: * (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون) * (68) القلم: 42) وهو تكليف بالسجود مع عدم الاستطاعة، وإنما يصح الاحتجاج به أن لو أمكن أن يكون الدعاء في الآخرة بمعنى التكليف، وليس كذلك للاجماع على أن الدار الآخرة إنما هي دار مجازاة، لا دار تكليف.\rوأما من جهة المعقول، فقد احتج فيه بعضهم بحجج واهية:\rالاولى منها: هو أن الفعل المكلف به إن كان مع استواء داعي العبد إلى الفعل والترك، كان الفعل ممتنعا لامتناع حصول الرجحان معه، وإن كان مع الترجيح لاحد الطرفين، كان الراجح واجبا، والمرجوح ممتنعا، الثانية: أن الفعل الصادر من العبد إما أن والتكليف بهما يكون محالا يكون العبد متمكنا من فعله وتركه، أو لا يكون.\rفإن لم يكن متمكنا منه، فالتكليف له بالفعل يكون تكليفا بما لا يطاق، وإن كان متمكنا منه، فإما أن لا يتوقف ترجح فعله على تركه على مرجح،","part":1,"page":138},{"id":149,"text":"أو يتوقف، الاول محال، وإلا كان كل موجود حادثا هكذا، ويلزم منه سد باب إثبات واجب الوجود، وإن توقف، فذلك المرجح إن كان من فعل العبد عاد التقسيم، وهو تسلسل ممتنع.\rوإن كان من فعل غيره، فإما أن يجب وقوع الفعل، أو لا يجب.\rوإذا لم يجب، كان ممتنعا أو جائزا.\rوالاول محال، وإلا كان المرجح مانعا، وإن كان الثاني، عاد التقسيم بعينه، وهو ممتنع فلم يبق سوى الوجوب.\rوالعبد إذ ذاك يكون مجبورا لا مخيرا، وهو عين التكليف بما لا يطاق.\rالثالثة: أن قدرة العبد غير مؤثرة في فعله، وإلا كانت مؤثرة فيه حال وجوده، وفيه إيجاد الموجود أو قبل وجوده، ويلزم من ذلك أن يكون تأثير القدرة في المقدور مغايرا له لتحقق التأثير في الزمن الاول دونه.\rوالكلام في ذلك التأثير وتأثير مؤثره فيه، كالاول، وهو تسلسل ممتنع، والقدرة غير مؤثرة في الفعل، وهو المطلوب.\rالرابعة: أن العبد مكلف بالفعل قبل وجود الفعل، والقدرة غير موجودة قبل الفعل، لانها لو وجدت، لكان لها متعلق، ومتعلقها لا يكون عدما، لانه نفي محض، فلا يكون أثرا لها، فكان وجودا، ولزم من ذلك أن تكون موجودة مع الفعل لا قبله.\rالخامسة: أن العبد مأمور بالنظر لقوله تعالى: * (قل انظروا) * (10) يونس: 101) والنظر متوقف على القضايا الضرورية، قطعا للتسلسل، وهي متوقفة على تصور مفرداتها، وهي\rغير مقدورة التحصيل، لانه إن كان عالما بها، فتحصيل الحاصل محال، وإن لم يكن عالما بها، فطلبها محال.\rفالنظر يكون ممتنع التحصيل.\rوهذه الحجج ضعيفة جدا: أما الحجة الاولى: فلقائل أن يقول: ما المانع أن يكون وجود الفعل مع رجحان الداعي إلى الفعل، قوله لانه صار الفعل واجبا.\rقلنا صار واجبا بالداعي إليه والاختيار له، أو لذاته.\rالاول مسلم، والثاني ممنوع.\rوعلى هذا خرج العبد عن كونه مكلفا بما لا يطاق ثم يلزم عليه أن تكون أفعال الرب تعالى غير مقدورة بعين ما ذكروه وهو ممتنع.\rفما هو الجواب عن أفعال الله يكون مشتركا.","part":1,"page":139},{"id":150,"text":"وأما الثانية: فهي بعينها أيضا لازمة على أفعال الله إذ أمكن أن يقال فعل الله.\rإما أن لا يكون متمكنا منه، أو يكون.\rوهو إما أن يفتقر إلى مرجح، أو لا، وإن افتقر إلى مرجح، فإن كان من فعله عاد التقسيم، وإن لم يكن من فعله، فإما أن يجب وقوع الفعل معه، أو لا يجب، وهلم جرا إلى آخره، والجواب يكون مشتركا.\rوكذلك الثالثة: أيضا لازمة على أفعال الله، مع أنها مقدورة له إجماعا.\rوأما الرابعة: فيلزم منها أن تكون قدرة الرب تعالى حادثة موجودة مع فعله، لا قبله، وهو مع إحالته، فقائل هذه الطريقة غير قائل به، وبيان ذلك أنه أمكن أن يقال: لو وجدت قدرة الرب قبل وجود فعله، لكان لها متعلق، وليس متعلقها العدم.\rفلم يبق غير الوجود، ويلزم أن لا يكون قبل الفعل بعين ما ذكروه.\rوأما الخامسة: فأشد ضعفا مما قبلها، إذ هي مبنية على امتناع اكتساب التصورات، وقد أبطلناه في كتاب دقائق الحقائق إبطالا لا ريبة فيه بما لا يحتمله هذا الكتاب، فعلى الناظر بمراجعته.\rوبتقدير أن لا تكون التصورات مكتسبة، فالعلم بها يكون بالضرورة، والتكليف بالنظر المستند إلى ما ينقطع التسلسل\rعنده من المعلومات الضرورية، لا يكون تكليفا بما لا يطاق، وهو معلوم بالضرورة.\rوالمعتمد في ذلك مسلكان: المسلك الاول: أن العبد غير خالق لفعله، فكان مكلفا بفعل غيره، وهو تكليف بما لا يطاق.\rوبيان أنه غير خالق لفعله أنه لو كان خالقا لفعله، فليس خالقا له بالذات والطبع إجماعا، بل بالاختيار.\rوالخالق بالاختيار، لا بد وأن يكون مخصصا لمخلوقه بالارادة.\rويلزم من كونه مريدا له أن يكون عالما به ضرورة.\rوالعبد غير عالم","part":1,"page":140},{"id":151,"text":"بجميع أجزاء حركاته، في جميع حالاته، ولا سيما في حالة إسراعه، فلا يكون خالقا لها.\rالمسلك الثاني: إن إجماع السلف منعقد قبل وجود المخالفين من الثنوية على أن الله تعالى مكلف بالايمان لمن علم أنه لا يؤمن، كمن مات على كفره، وهو تكليف بما يستحيل وقوعه، لانه لو وقع لزم أن يكون علم الباري تعالى جهلا وهو محال فإن قيل: أما المسلك الاول، وإن سلمنا أن العبد لا بد وأن يكون عالما بما يخلقه من أفعاله، لكن من جهة الجملة أو من جهة التفصيل.\rالاول لا سبيل إلى نفيه، والثاني ممنوع.\rوإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن العبد غير خالق لفعله، لكنه معارض بما يدل على خلقه له.\rودليله المعقول والمنقول: أما المعقول، فهو أن قدرة العبد ثابتة بالاجماع منا ومنكم على فعله، فلو لم تكن هي المؤثرة فيه، لا انتفي الفرق بين المقدور وغيره، وكان المؤثر فيه غير العبد، ويلزم منه وجود مقدور بين قادرين، ولما وقع الاختلاف بين القوي والضعيف، ولجاز أن يكون متعلقه بالجواهر والالوان، كما في العلم، ولكان العبد مضطرا بما خلف فيه من الفعل لا مختارا،","part":1,"page":141},{"id":152,"text":"ولجاز أن يصدر عن العبد أفعال محكمة بديعة، وهو لا يشعر بها، ولما انقسم فعله إلى طاعة ومعصية، لانه ليس من فعله، ولكان الرب تعالى أضر على العبد من إبليس، حيث إنه خلق فيه الكفر وعاقبه عليه، وإبليس داع لا غير.\rولما حسن شكر العبد ولا ذمه على أفعاله، ولا أمره ولا نهيه، ولا عقابه ولا ثوابه، ولكان الرب تعالى آمرا للعبد بفعل نفسه، وهو قبيح معدود عند العقلاء من الجهل والحمق، ولكان الكفر والايمان من قضاء الله تعالى وقدره، وهو إما أن يكون حقا أو باطلا.\rفإن كان حقا، فالكفر حق، وإن كان باطلا، فالايمان باطل، ولكان الرب تعالى إما راضيا به أو غير راض، والاول يلزم منه الرضى بالكفر، والثاني يلزم منه عدم الرضى بالايمان، والكل محال مخالف للاجماع.\rوأما النقل، فقوله تعالى: * (وإني لغفار لمن تاب وآمن، وعمل صالحا) * (20) طه: 82) وقوله تعالى: * (أم حسب الذين اجترحوا السيئات) * (45) الجاثية: 21) وقول النبي عليه السلام: اعملوا وقاربوا وسددوا وقوله عليه السلام: نية المؤمن خير من عمله إلى غير ذلك من النصوص الدالة على نسبة العمل إلى العبد، والعقلاء متوافقون على إطلاق إضافة الفعل إلى العبد بقولهم: فلان فعل كذا وكذا.\rوالاصل في الاطلاق الحقيقة.\rوأما المسلك الثاني: فهو أن تعلق علم الباري تعالى بالفعل أو بعدمه، إما أن يكون موجبا لوجود ما علم وجوده، وامتناع وجود ما علم عدمه، أو لا يكون كذلك.\rفإن كان الاول، فليزمه محالات، وهو أن يكون العلم هو القدرة، أو أن يستغنى به عن القدرة، ولا يكون الرب قادرا على إيجاد شئ أو عدمه، وأن لا يكون للرب اختيار، ولا للعبد في وجود فعل من الافعال لكونه واجبا بالعلم، أو ممتنعا، وإن لم يكن موجبا للوجود ولا للعدم، فقد بطل الاستدلال، وإن سلم ذلك،\rلكنه معارض بما سبق من الادلة العقلية والنقلية.\rوالجواب عما ذكروه أولا على المسلك الاول بأن الفعل المخلوق للعبد بتقدير خلقه له مخلوق بجميع أجزائه، وكل جزء منه مخلوق له بانفراده، فيجب أن","part":1,"page":142},{"id":153,"text":"يكون عالما به لما سبق وهذا هو العلم بالتفصيل، وهو غير عالم لما حققناه وعما ذكروه من لالزام الاول بمنع عدم الفرق بين المقدور وغيره.\rوعن الثاني: أنه إنما يمتنع وجود مقدور بين قادرين خالقين، أو مكتسبين، أما بين خالق ومكتسب، فهو غير مسلم.\rوعن الثالث: بأن الاختلاف بين القوي والضعيف إنما هو واقع في كثرة ما يخلقه الله تعالى من القدر على المقدورات في أحد الشخصين دون الآخر، لا في التأثير.\rوعن الرابع: أنه إنما يلزم أن لو كان تعلق العلم بالجواهر والاعراض من جهة كونه غير مؤثر فيها، وهو غير مسلم.\rوعن الخامس: أنه إنما يلزم أن يكون العبد مضطرا أن لو لم يكن فعله مكتسبا له ومقدورا، ولا يلزم من عدم التأثير عدم الاكتساب.\rوعن السادس: أنه لا مانع من تلازم القدرة على الشئ والعلم به.\rوعن السابع: أنه لا معنى لانقسام فعل العبد إلى الطاعة والمعصية غير كونه مأمورا بهذا، ومنهيا عن هذا، لكسبه، وهو كذلك.\rوعن الثامن: أنه لازم على أصلهم أيضا، فإن التمكن من الكفر بخلق القدرة عليه أضر من الدعاء إليه.\rوقد فعل الله تعالى ذلك بالعبد، فما هو جواب لهم هو جوابنا.\rوعما ذكروه من الامر والنهي، والشكر والذم، والثواب والعقاب والامر للعبد بما هو من فعل الله تعالى، بالمنع من تقبيح ذلك بتقدير أن يكون قادرا، غير مؤثر.\rكيف وإنه مبني على التحسين والتقبيح العقلي وقد أبطلناه.\rوعن الالزام بالقضاء والقدر، أن القضاء قد يطلق بمعنى الاعلام، والامر، والاختراع، وانقضاء الاجل، وإلزام الحكم، وتوفية الحقوق، والارادة لغة.","part":1,"page":143},{"id":154,"text":"وعلى هذا فالايمان من قضائه بجميع هذه الاعتبارات، وهو حق وأما الكفر فليس من قضائه بمعنى كونه مأمورا، بل بمعنى خلقه وإرادة وقوعه، وهو حق من هذا الوجه أيضا.\rوعن الالزام بالرضى أنه راض بالايمان، وغير راض بالكفر وعن المنقول بأن ما ذكروه غايته إضافة إلى العبد حقيقية.\rونحن نقول به فإن الفاعل عندنا على الحقيقة هو من وقع الفعل مقدورا له.\rوهو أعم من الموجد.\rوالجواب عما ذكروه في المسلك الثاني بأن تعلق العلم بوجود الفعل بملازمة الوجود المقدور، فإنه إنما يعلم وجوده مقدورا، لا غير مقدور، وكذلك في العدم.\rوعلى هذا، فلا يلزم منه عدم القدرة في حق الله تعالى ولا سلب اختياره في فعله.\rوكذلك العبيد فإنه إنما علم وقوع فعل العبد مقدورا للعبد، والمعارضات فقد سبق الجواب عنها.\rالمسألة الثانية مذهب الجمهور من أصحابنا ومن المعتزلة أنه لا يشترط في التكليف بالفعل، أن يكون شرطه حاصلا حالة التكليف، بل لا مانع من ورود التكليف بالمشروط، وتقديم شرطه عليه، وهو جائز عقلا، وواقع سمعا، خلافا لاكثر أصحاب الرأي وأبي حامد الاسفراني من أصحابنا، وذلك كتكليف الكفار بفروع الاسلام حالة كفرهم.","part":1,"page":144},{"id":155,"text":"ودليل الجواز العقلي أنه لو خاطب الشارع الكافر المتمكن من فهم الخطاب، وقال له: أوجبت عليك العبادات الخمس المشروط صحتها بالايمان، وأوجبت عليك الاتيان\rبالايمان، مقدما عليها لم يلزم منه لذاته محال عقلا، ولا معنى للجواز العقلي سوى هذا.\rفإن قيل: التكليف بالفروع المشروطة بالايمان، إما أن تكون حالة وجود الايمان، أو حالة عدم.\rفإن كان الاول فلا تكليف قبل الايمان، وهو المطلوب.\rوإن كان حالة عدمه فهو تكليف بما هو غير جائز عقلا.\rوأيضا فإن التكليف بالفروع غير ممكن الامتثال، لاستحالة أدائها حالة الكفر، وامتناع أدائها بعد الايمان، لكونه مسقطا لها بالاجماع.\rوما لا يمكن امتثاله فالتكليف به تكليف بما لا يطاق، ولم يقل به قائل في هذه المسألة.\rقلنا: أما الاشكال الاول، فإنما يلزم منه التكليف بما لا يطاق بتقدير تكليفه بالفروع حالة الكفر، إن لو كان تكليفه بمعنى إلزامه الاتيان بها مع الكفر، وليس كذلك، بل بمعنى أنه لو أصر على الكفر، حتى مات، ولم يأت بها مع الايمان، فإنه يعاقب في الدار الآخرة، ولا إحالة فيه.\rوبهذا الحرف يندفع ما ذكروه من الاشكال الثاني أيضا.\rكيف وإن الامتثال بعد الاسلام غير ممتنع.\rغير أن الشارع أسقطه ترغيبا في الدخول في الاسلام، بقوله عليه السلام: الاسلام يجب ما قبله وهذا بخلاف المرتد، حيث إنه أوجب عليه فعل ما فاته في حال ردته ليكون ذلك مانعا من الردة.\rوأما الوقوع شرعا، فيدل عليه النص والحكم.\rأما النص فمن وجوه: الاول قوله تعالى: * (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين) * (98) البينة: 1) إلى قوله تعالى: * (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة) * (98) البينة: 5) والضمير في قوله: (وما أمروا) عائد إلى المذكورين أولا، وهو صريح في الباب.","part":1,"page":145},{"id":156,"text":"وأيضا قوله تعالى: * (فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى) * (75) القيامة: 31) ذم على ترك الجميع، ولو لم يكن مكلفا بالكل لما ذم عليه.\rوأيضا قوله تعالى: * (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق آثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة) * (25) الفرقان: 68) حكم بمضاعفة العذاب على مجموع المذكور والزنى من جملته.\rولولا أنه محرم عليه ومنهي عنه، لما أثمه به، وهذا حجة على من نفى التكليف بالامر والنهي، دون من جوز التكليف بالنهي دون الامر.\rوأيضا قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * (3) آل عمران: 97) والكافر داخل فيه لكونه من الناس.\rوأيضا قوله تعالى: * (فويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة) * (41) فصلت: 6 - 7) لكن قال المفسرون: المراد بالزكاة في هذه الآية، إنما هو قول: * (لا إله إلا الله) * وأيضا قوله تعالى: * (ما سلككم في سقر.\rقالوا: لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين) * (74) المدثر: 42 - 44) ولو لم يكونوا قد كلفوا بالصلاة، لما عوقبوا عليها.\rفإن قيل: هذه حكاية قول الكفار، ولا حجة فيها، وإن كانت حجة، لكن أمكن أن يكون المراد من قولهم: لم نك من المصلين أي من المؤمنين.\rومنه قوله عليه السلام: نهيت عن قتل المصلين وأراد به المؤمنين، وإن كان المراد الصلاة الشرعية حقيقة.\rغير أن العذاب إنما كان لتكذيبهم بيوم الدين، غير أنه غلظ بإضافة ترك الطاعات إليه، وأنه كان ذلك مضافا إلى الصلاة، لكن لا إلى تركها، بل إلى إخراجهم أنفسهم عن العلم بقبح تركها بترك الايمان، وإن كان ذلك على ترك الصلاة، لكن أمكن أن يكون ذلك إخبارا عن جماعة من المرتدين تركوا الصلاة حالة ردتهم، وذلك محل الوفاق.","part":1,"page":146},{"id":157,"text":"والجواب عن قولهم إنه حكاية قول الكفار، أن علماء الامة من السلف وغيرهم أجمعوا على أن المراد بذلك إنما هو تصديقهم فيما قالوه، والتحذير لغيرهم من ذلك.\rويدل على ذلك تعذيبهم بالتكذيب بيوم الدين، وقد عطف على ما قبله.\rوالاصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في أصل الحكم.\rوعن حمل لفظ المصلين على المؤمنين أنه ترك للظاهر من غير دليل، وإن أمكن تأويل لفظ الصلاة فبماذا نتأول قوله: * (ولم نك نطعم المسكين) * (74) المدثر: 44) فإن المراد به إنما هو الاطعام الواجب، لا ستحالة التعذيب على ترك إطعام ليس بواجب.\rوعن قولهم بتغليظ عذاب التكذيب بإضافة ترك الطاعات إليه إنها لو كانت مباحة، لما غلظ العذاب بها.\rوعن قولهم بالتعذيب بإخراج أنفسهم عن العلم بقبح ترك الصلاة أنه ترك للظاهر من غير دليل، وأنه يوجب التسوية بين كافر ارتكب جميع المحرمات، وبين من لم يباشر شيئا منها، لاستوائهما فيما قيل، وهو خلاف الاجماع.\rوعن الحمل على صلاة المرتدين أن الآية بلفظها عامة في كل المجرمين المذكورين في قوله: يتساءلون عن المجرمين وهو عام في المرتدين وغيرهم، فلا يجوز تخصيصها من غير دليل.\rهذا من جهة النصوص.\rوأما من جهة الالزام، فهو أنه لو امتنع الكتليف بالفعل مع عدم شرط الفعل، لامتنع التكليف بالصلاة مع عدم الطهارة، ولكان من ترك الطهارة والصلاة أبدا لا يعاقب ولا يذم إلا على ترك الطهارة، بل ما لا تتم الطهارة إلا به.\rوذلك خلاف إجماع الامة.\rالمسألة الثالثة اتفق أكثر المتكلمين على أن التكليف لا يتعلق إلا بما هو من كسب العبد من الفعل وكف النفس عن الفعل، فإنه فعل خلافا لابي هاشم في قوله: إن التكليف قد يكون\rبأن لا يفعل العبد مع قطع النظر عن التلبس بضد الفعل، وذلك ليس بفعل.","part":1,"page":147},{"id":158,"text":"احتج المتكلمون بأن ممتثل التكليف مطيع، والطاعة حسنة، والحسنة مستلزمة للثواب، على ما قال تعالى: * (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) * (6) الانعام: 160) وقال تعالى: * (ليجزي الذين أساؤا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) * (53) النجم: 31) ولا فعل، عدم محض، وليس بشئ، وما ليس بشئ لا يكون من كسب العبد، ولا متعلق القدرة، وما لا يكون من كسب العبد، لا يكون مثابا عليه، لقوله تعالى: * (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) *.\rفإن قيل عدم الفعل، وإن لم يكن أمرا وجوديا ولا ذاتا ثابتة، فإنما يمتنع التكليف به، ويمتنع أن يكون الامتثال به طاعة وحسنة مثابا عليها أن لو لم يكن مقدورا للعبد ومكتسبا له، وهو غير مسلم، كما قاله القاضي أبو بكر في أحد قوليه.\rقال المتكلمون، عدم الفعل من حيث هو كذلك متحقق قبل قدرة العبد، وهو غير مقدور للعبد، قبل خلق قدرته، وهو مستمر إلى ما بعد خلق القدرة، فلا يكون مقدورا للعبد، ولا مكتسبا له، ويلزم من ذلك امتناع التكليف به على ما تقرر.\rإلا أن للخصم أن يقول: لا يلزم من كون عدم الفعل السابق على خلق القدرة غير مقدور أن يكون المقارن منه للقدرة غير مقدور.\rالمسألة الرابعة اتفق الناس على جواز التكليف بالفعل قبل حدوثه سوى شذوذ من أصحابنا، وعلى امتناعه بعد حدوث الفعل، واختلفوا في جواز تعلقه به في أول زمان حدوثه: فأثبته أصحابنا.\rونفاه المعتزلة.\rاحتج أصحابنا بأن الفعل في أول زمان حدوثه مقدور بالاتفاق وسواء قيل بتقدم القدرة عليه، كما هو مذهب المعتزلة أم بوجودها مع وجوده، كما هو مذهب أصحابنا.\rوإذا كان مقدورا أمكن تعلق التكليف به.","part":1,"page":148},{"id":159,"text":"فإن قبل: القول بجواز تعلق التكليف به في أول زمان حدوثه يلزم منه الامر بإيجاد الموجود، وهو محال.\rقلنا: يلزم منه الامر بإيجاد ما كان موجودا، أو بما لم يكن موجودا.\rالاول: ممنوع.\rوالثاني، فدعوى إحالته نفس محل النزاع، ثم يلزمهم من ذلك أن لا يكون الفعل في أول زمان حدوثه أثرا للقدرة القديمة، ولا للحادثة على اختلاف المذهبين، ولا موجدة له لما فيه من إيجاد الموجود، وهو محال.\rفما هو جوابهم في إيجاد القدرة له فهو جوابنا في تعلق الامر به.\rالمسألة الخامسة اختلف أصحابنا والمعتزلة في جواز دخول النيابة فيما كلف به من الافعال البدنية: فأثبته أصحابنا ونفاه المعتزلة.\rحجة أصحابنا على ذلك أنه لو قال القائل لغيره: أوجبت عليك خياطة هذا الثوب، فإن خطته أو استنبت في خياطته أثبتك، وإن تركت الامرين عاقبتك كان معقولا غير مردود.\rوما كان كذلك فوروده من الشارع لا يكون ممتنعا.\rويدل على وقوعه ما روي عن النبي عليه السلام، أنه رأى شخصا يحرم بالحج عن شبرمة، فقال له النبي عليه السلام: أحججت عن نفسك - فقال: لا - فقال له: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة.\rوهو صريح فيما نحن فيه.\rفإن قيل: وجوب العبادات البدنية إنما كان ابتلاء وامتحانا من الله تعالى للعبد فإنه مطلوب للشارع، لما فيه من كسر النفس الامارة بالسوء، وقهرها، لكونها عدوة لله تعالى، على ما قال: عليه السلام، حكاية عن ربه: عاد نفسك، فإنها","part":1,"page":149},{"id":160,"text":"انتصبت لمعاداتي تحصيلا للثواب على ذلك.\rوذلك مما لا مدخل للنيابة فيه كما\rلا مدخل لها في باقي الصفات من الآلام واللذات ونحوها.\rقلنا: أما الابتلاء والامتحان بالتكليف لما ذكروه، وإن كان مع تعيين المكلف لاداء ما كلف به أشق مما كلف به مع تسويغ النيابة فيه، فليس في ذلك مما يرفع أصل الكلفة والامتحان فيما سوغ له فيه الاستنابة.\rفإن المشقة لازمة له بتقدير الاتيان به بنفسه، وهو الغالب، وبما يبذله من العوض للنائب بتقدير النيابة، ويلتزمه من المنة بتقدير عدم العوض وليس المراعى في باب التكاليف أشقها وأعلاها رتبة، ولذلك كانت متفاوتة.\rوأما الثواب والعقاب فليس مما يجب على الله تعالى في مقابلة الفعل، بل إن أثاب فبفضله، وإن عاقب فبعدله، كما عرف من أصلنا، بل له أن يثيب العاصي ويعاقب الطائع.\rالاصل الرابع في المحكوم عليه وهو المكلف وفيه خمس مسائل المسألة الاولى اتفق العقلاء على أن شرط المكلف أن يكون عاقلا فاهما للتكليف، لان التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال، كالجماد والبهيمة.\rومن وجد له أصل الفهم لاصل الخطاب.\rدون تفاصيله من كونه أمرا ونهيا، ومقتضيا للثواب والعقاب، ومن كون الآمر به هو الله تعالى، وأنه واجب الطاعة، وكون المأمور به على صفة كذا وكذا، كالمجنون، والصبي الذي لا يميز، فهو بالنظر إلى فهم التفاصيل، كالجماد والبهيمة بالنظر إلى فهم أصل الخطاب، ويتعذر تكليفه أيضا،","part":1,"page":150},{"id":161,"text":"إلا على رأي من يجوز التكليف بما لا يطاق، لان المقصود من التكليف كما يتوقف على فهم أصل الخطاب، فهو متوقف على فهم تفاصيله.\rوأما الصبي المميز، وإن كان يفهم ما لا يفهمه غير المميز، غير أنه أيضا غير فاهم على الكمال ما يعرفه\rكامل العقل من وجود الله تعالى، وكونه متكلما مخاطبا مكلفا بالعبادة، ومن وجود الرسول الصادق المبلغ عن الله تعالى، وغير ذلك مما يتوقف عليه مقصود التكليف.\rفنسبته إلى غير المميز، كنسبة غير المميز إلى البهيمة فيما يتعلق بفوات شرط التكليف، وإن كان مقاربا لحالة البلوغ، بحيث لم يبق بينه وبين البلوغ سوى لحظة واحدة، فإنه، وإن كان فهمه كفهمه الموجب لتكليفه بعد لحظة، غير أنه لما كان العقل والفهم فيه خفيا، وظهوره فيه على التدريج، ولم يكن له ضابط يعرف به، جعل له الشارع ضابطا، وهو البلوغ، وحط عنه التكليف قبله تخفيفا عليه.\rودليله قوله عليه السلام: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق.\rفإن قيل: إذا كان الصبي والمجنون غير مكلف، فكيف وجبت عليهما الزكاة والنفقات والضمانات، وكيف أمر الصبي المميز بالصلاة.\rقلنا: هذه الواجبات ليست متعلقة بفعل الصبي والمجنون، بل بماله أو بذمته.\rفإنه أهل للذمة بإنسانيته المتهيئ بها لقبول فهم الخطاب عند البلوغ، بخلاف البهيمة، والمتولي لادائها الولي عنهما، أو هما بعد الافاقة والبلوغ.\rوليس ذلك من باب التكليف في شئ.\rوأما الامر بصلاة المميز فليس من جهة الشارع، وإنما هو من جهة الولي، لقوله عليه السلام: مروهم بالصلاة، وهم أبناء سبع وذلك لانه يعرف الولي، ويفهم خطابه، بخلاف خطاب الشارع على ما تقدم.","part":1,"page":151},{"id":162,"text":"وعلى هذا، فالغافل عما كلف به، والسكران المتخبط لا يكون خطابه وتكليفه في حالة غفلته وسكره أيضا، إذ هو في تلك الحالة أسوأ حالا من الصبي المميز فيما يرجع إلى فهم خطاب الشارع، وحصول مقصوده منه، وما يجب عليه من الغرامات والضمانات بفعله في تلك الحال.\rفتخريجه كما سبق في الصبي والمجنون،\rونفوذ طلاق السكران، ففيه منع خطاب الوضع والاخبار وإن نفذ، فليس من باب التكليف في شئ، بل من باب ما ثبت بخطاب الوضع والاخبار يجعل تلفظه بالطلاق علامة على نفوذه، كما جعل زوال الشمس، وطلوع الهلال، علامة على وجوب الصلاة والصوم.\rوكذلك الحكم في وجوب الحد عليه بالقتل والزنى وغيره.\rوقوله تعالى: * (لا تقربوا الصلاة، وأنتم سكارى) * (4) النساء: 43) وإن كان من باب خطاب التكليف بنهي السكران، فليس المقصود منه النهي عن الصلاة حالة السكر، بل النهي عن السكر في وقت إرادة الصلاة.\rوتقديره: إذا أردتم الصلاة، فلا تسكروا.\rكما يقال لمن أراد التهجد: لا تقرب التهجد وأنت شبعان.\rأي لا تشبع إذا أردت التهجد، حتى لا يثقل عليك التهجد.\rوهو، وإن دل بمفهومه على عدم النهي عن السكر في غير وقت الصلاة، فغير مانع لورود النهي عن ذلك في ابتداء الاسلام، حيت لم يكن الشرب حراما وإن كان وروده بعد التحريم، وفي حالة السكر، لكن يجب حمل لفظ السكران في الآية على من دب الخمر في شؤونه، وكان ثملا نشوانا، وأصل عقله ثابت.\rلان ذلك مما يؤول إلى السكر غالبا.\rوالتعبير عن الشئ باسم ما يؤول إليه، يكون تجوزا، كما في قوله تعالى: * (إنك ميت، وإنهم ميتون) * (4) النساء: 43) وقوله تعالى: * (حتى تعلموا ما تقولون) * (4) النساء: 43) فيجب حمله على كمال التثبت على ما يقال، إذ هو غير ثابت حالة الانتشاء، وإن كان العقل والفهم حاصلا.\rوذلك، كما يقال لمن أراد فعل أمر، وهو غضبان: لا تفعل، حتى تعلم ما تفعل، أي حتى يزول عنك الغضب المانع من التثبت على ما تفعل.\rوإن كان عقله وفهمه حاصلا.\rويجب المصير إلى هذه التأويلات، جمعا بين هذه الآية وما ذكرناه من الدليل المانع من التكليف.","part":1,"page":152},{"id":163,"text":"المسألة الثانية مذهب أصحابنا جواز تكليف المعدوم، وربما أشكل فهم ذلك مع إحالتنا\rلتكليف الصبي والمجنون والغافل والسكران، لعدم الفهم للتكاليف.\rوالمعدوم أسوأ حالا من هؤلاء في هذا المعنى لوجود أصل الفهم في حقهم، وعدمه بالكلية في حق المعدوم، حتى أنكر ذلك جميع الطوائف.\rوكشف الغطاء عن ذلك أنا لا نقول بكون المعدوم مكلفا بالاتيان بالفعل حالة عدمه بل معنى كونه مكلفا حالة العدم قيام الطلب القديم بذات الرب تعالى للفعل من المعدوم، بتقدير وجوده، وتهيئته لفهم الخطاب.\rفإذا وجدوا مهيأ للتكليف صار مكلفا بذلك الطلب والاقتضاء القديم.\rفإن الوالد لو وصى عند موته لمن سيوجد بعده من أولاده بوصية، فإن الولد، بتقدير وجوده وفهمه، يصير مكلفا بوصية والده، حتى أنه يوصف بالطاعة والعصيان، بتقدير المخالفة والامتثال.\rوأيضا، فإننا في وقتنا هذا، نوصف بكوننا مأمورين بأمر النبي عليه السلام، وإن كان أمره في الحال معدوما.\rوليس ذلك إلا بما وجد منه من الامر، حال وجوده.\rومثل هذا التكليف ثابت بالنسبة إلى الصبي والمجنون، بتقدير فهمه، أيضا، بل أولى من حيث إن المشترط في حقه الفهم لا غير، وفي حق المعدوم الفهم والوجود.\rوهل يسمى التكليف بهذا التفسير في الازل خطابا للمعدوم، وأمرا له عرفا.","part":1,"page":153},{"id":164,"text":"الحق أنه يسمى أمرا، ولا يسمى خطابا.\rولهذا، فإنه يحسن أن يقال للوالد إذا وصى بأمر لمن سيوجد من أولاده بفعل من الافعال أنه أمر أولاده، ولا يحسن أن يقال خاطبهم.\rلكن تمام فهم هذه القاعدة موقوف على إثبات كلام النفس، وتحقيق كون الامر بمعنى الطلب والاقتضاء.\rوقد حققنا ذلك في الكلاميات بما يجب على الاصولي تقليد المتكلم فيه.\rالمسألة الثالثة اختلفوا في الملجئ إلى الفعل بالاكراه، بحيث لا يسعه تركه في جواز تكليفه\rبذلك الفعل إيجادا وعدما.\rوالحق أنه إذا خرج بالاكراه إلى حد الاضطرار، وصار نسبة ما يصدر عنه من الفعل إليه نسبة حركة المرتعش إليه أن تكليفه به إيجادا وعدما غير جائز، إلا على القول بتكليف ما لا يطاق، وإن كان ذلك جائزا عقلا، لكنه ممتنع الوقوع سمعا لقوله عليه السلام: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه والمراد منه لا رفع المؤاخذة، وهو مستلزم لرفع التكليف، وما يلزمه من الغرامات، فقد سبق جوابه غير مرة.\rوأما إن لم ينته إلى حد الاضطرار، فهو مختار، وتكليفه جائز عقلا وشرعا.\rوأما الخاطئ فغير مكلف إجماعا فيما هو مخطئ ولقوله عليه السلام: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان الحديث.\rالمسألة الرابعة اختلفوا في تكليف الحائض بالصوم، فنفاه أصحابنا، وأثبته آخرون.\rوالحق في ذلك أنه إن أريد بكونها مكلفة به بتقدير زوال الحيض المانع، فهو حق، وإن أريد به أنها مكلفة بالاتيان بالصوم حال الحيض، فهو ممتنع.\rوذلك لان","part":1,"page":154},{"id":165,"text":"فعلها للصوم في حالة الحيض حرام ومنهي عنه، فيمتنع أن يكون واجبا ومأمورا به، لما بينهما من التضاد الممتنع، إلا على القول بجواز التكليف بما لا يطاق.\rفإن قيل: فلو لم يكن الصوم واجبا عليها، فلم وجب عليها قضاؤه.\rقلنا: القضاء عندنا إنما يجب بأمر مجدد، فلا يستدعي أمرا سابقا، وإنما سمي قضاء لما فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه من الصوم، ولم يجب لمانع الحيض.\rالمسألة الخامسة في أن المكلف بالفعل أو الترك هل يعلم كونه مكلفا قبل التمكن من الامتثال، أم لا ؟\rوالذي عليه إجماع الاصوليين أنه يعلم ذلك إذا كان المأمور والآمر له جاهلا لعاقبة أمره وأنه يتمكن بما كلف به أم لا، كأمر السيد لعبده بخياطة الثوب في الغد، ومحل الخلاف فيما إذا كان الآمر عالما بعاقبة الامر دون المأمور، كأمر الله تعالى بالصوم لزيد في الغد.\rفأثبت ذلك القاضي أبو بكر، والجم الغفير من الاصوليين ونفاه المعتزلة.\rاحتج المثبتون بأن الامر بالطاعات، والنهي عن المعاصي متحقق مع جهل المكلف بعاقبة الامر، فكان ذلك معلوما، ويدل على تحققه إجماع الامة من السلف قبل ظهور المخالفين على أن كل بالغ عاقل مأمور بالطاعات منهي عن المعاصي قبل التمكن مما أمر به ونهي عنه، وأنه يعد متقربا بالعزم على فعل الطاعة وترك المعصية، وأنه يجب عليه الشروع في العبادات الخمس في أوقاتها بنية الفرض، وإن المانع له من ذلك بالحبس والصد عن فعلها آثم عاص بصده عن امتثال أمر الشارع.\rوذلك كله مع عدم النهي، والامر محال.\rوأيضا فإنه لو لم يكن الامر معلوما له في الحال، لتعذر قصد الامتثال في الواجبات المضيقة، لاستحالة العلم بتمام التمكن، إلا بعد انقضاء الوقت، وهو محال.","part":1,"page":155},{"id":166,"text":"فإن قيل: لا خفاء بأن تعليق الامر على شرط معلوم الوقوع، وسواء كان وقوعه حاليا، كما إذا قال: صم إن كان الله موجودا، أو ماليا، كما إذا قال: صم إن صعدت الشمس غدا.\rأو معلوم الانتفاء، كما إذا قال: صم إن اجتمع الضدان، وهو محال بل الاول أمر جازم غير مشروط.\rكيف وإنه يمتنع تعليق الامر بشرط مستقبل، لان الشرط لا بد وأن يكون حاصلا مع المشروط أو قبله.\rوالثاني، وإن كان فيه صيغة افعل، فليس بأمر لما فيه من\rالتكليف بما لا يطاق، والباري تعالى عالم بعواقب الامور.\rفإن كان عالما بتمكن العبد مما كلف به، وأنه سيأتي به فهو أمر جزم لا شرط فيه، وإن كان عالما بعدم تمكنه مما قيل له افعله، أو لا تفعله، فلا يكون ذلك أمرا ولا نهيا.\rوإذا كان كذلك، فالامر والنهي قبل التمكن من الامتثال لا يكون معلوما للعبد، لتجويزه عدم الشرط، وهو التمكن في علم الله تعالى.\rوعلى هذا، فيجب حمل الاجماع فيما ذكرتموه على ظن الامر، بناء على أن الغالب من المكلف بقاؤه وتمكنه، لا على يقين الامر والعلم به.\rقلنا: أما امتناع تعليق الامر بشرط معلوم الوقوع أو الانتفاء عند المأمور، فلا نزاع فيه إلا على رأي من يجوز تكليف ما لا يطاق، وإنما النزاع إذا كان ذلك معلوما للآمر دون المأمور.\rفإنه لا يبعد أمر السيد لعبده بفعل شئ في الغد، مع علمه برفع ذلك في الغد عنه، استصلاحا للعبد باستعداده في الحال للقيام بأمر سيده، واشتغاله بذلك عن معاصيه، أو امتحانه بما يظهر عليه من أمارات البشر والكراهة، حتى يثيبه على هذا، ويعاقبه على هذا، لا لقصد الاتيان بما أمره به، أم الانتهاء عما نهاه عنه.\rولا يكون ذلك من باب التكليف بما لا يطاق.\rوإذا كان ذلك معقولا مفيدا، أمكن مثله في أمر الباري تعالى.\rقولهم إن شرط الامر لا يكون متأخرا عنه، مسلم، لما فيه من استحالة وجود المشروط بدون شرطه، غير أن الشرط المتأخر عن الامر، وهو التمكن من الفعل،","part":1,"page":156},{"id":167,"text":"ليس شرطا في تحقق الامر وقيامه بنفس الامر، حتى يقال بتأخير شرط وجوده عن وجوده، بل هو شرط الامتثال.\rوالامر عندنا لا يتوقف تحققه على الامتثال، كما علم من أصلنا.\rوعلى هذا، فقد بطل قولهم إن الامر والنهي قبل التمكن من الامتثال يمتنع أن يكون معلوما للعبد.\rووجب حمل الاجماع فيما ذكروه من الاحكام على وجود الامر\rحقيقة، لا على ظن وجوده.\rلان احتمال الخطإ في الظن قائم وهو ممتنع في حق الاجماع.\rوإذا عرف ما حققناه، فمن أفسد صوم رمضان بالوقاع، ثم مات أوجن بعد ذلك في أثناء النهار وجبت عليه الكفارة على أحد قولينا، وعلى القول الآخر لا، لانها إنما تجب بإفساد صوم واجب لا يتعر ض للانقطاع في اليوم، لا لعدم قيام الامر بالصوم ووجوبه، وكذلك يجب على الحائض الشروع في صوم يوم علم الله أنها تحيض فيه.\rوأنه لو قال إن شرعت في الصوم أو الصلاة الواجبين، فزوجتي طالق، ثم شرع ومات في أثنائها حنث، ولزمه الطلاق، ولا كذلك عند المعتزلة، وعلى هذا، كل ما يرد من هذا القبيل.","part":1,"page":157},{"id":168,"text":"القاعدة الثانية في بيان الدليل الشرعي وأقسامه وما يتعلق به من أحكامه ويشتمل على مقدمة وأصول: أما المقدمة ففي بيان الدليل الشرعي وأقسامه.\rفنقول: كما بينا في القاعدة الاولى حد الدليل وانقسامه إلى عقلي وشرعي.\rوليس من غرضنا هاهنا تعريف الدليل العقلي بل الشرعي.\rوالمسمى بالدليل الشرعي منقسم إلى ما هو صحيح في نفسه، ويجب العمل به، وإلى ما ظن أنه دليل صحيح، وليس هو كذلك.\rأما القسم الاول فهو خمسة أنواع.\rوذلك أنه إما أن يكون واردا من جهة الرسول أو لا من جهته.\rفإن كان الاول، فلا يخلو إما أن يكون من قبيل ما يتلى.\rأو لا من قبيل ما يتلى.\rفإن كان من قبيل ما يتلى، فهو الكتاب.\rوإن كان من قبيل ما لا يتلى، فهو السنة.\rوإن لم يكن واردا من جهة الرسول، فلا يخلو إما أن يشترط فيه عصمة من صدر عنه، أو لا يشترط ذلك،\rفإن كان الاول، فهو الاجماع، وإن كان الثاني، فلا يخلو إما أن تكون صورته بحمل معلوم على معلوم في حكم بناء على جامع، أو لا يكون كذلك.\rفإن كان الاول، فهو القياس، وإن كان الثاني، فهو الاستدلال.\rوكل واحد من هذه الانواع، فهو دليل لظهور الحكم الشرعي عندنا به.\rوالاصل فيها إنما هو الكتاب، لانه راجع إلى قول الله تعالى المشرع للاحكام، والسنة مخبرة عن قوله تعالى وحكمه.\rومستند الاجماع فراجع إليهما.\rوأما القياس والاستدلال فحاصله يرجع إلى التمسك بمعقول النص أو الاجماع، فالنص والاجماع أصل، والقياس والاستدلال فرع تابع لهما.\rوأما القسم، الثاني وهو ما ظن أنه دليل وليس بدليل، فكشرع من قبلنا ومذهب الصحابي، والاستحسان، والمصلحة المرسلة على ما سيأتي تحقيق الكلام فيه.","part":1,"page":158},{"id":169,"text":"القسم الاول فيما يجب العمل به مما يسمى دليلا شرعيا وكما بان أنه على خمسة أنواع، فالنظر المتعلق بها، منه ما هو مختص بكل واحد منها بخصوصه، ومنها ما هو مشترك بينها.\rفلنرسم في كل واحد منها أصلا، وهي ستة أصول: الاصل الاول في تحقيق معنى الكتاب، وما يتعلق به من المسائل، لانه الاول والاولى بتقديم النظر فيه أما حقيقة الكتاب، فقد قيل فيه: هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف بالاحرف السبعة المشهورة نقلا متواترا، وفيه نظر.\rفإنه لا معنى للكتاب سوى القرآن المنزل علينا على لسان جبريل، وذلك مما لا يخرج عن حقيقته بتقدير عدم نقله إلينا متواترا، بل ولا بعدم نقله إلينا بالكلية،\rبل غايته جهلنا بوجود القرآن بتقدير عدم نقله إلينا، وعدم علمنا بكونه قرآنا، بتقدير عدم تواتره، وعلمنا بوجوده غير مأخوذ في حقيقته، فلا يمكن أخذه في تحديده.\rوالاقرب في ذلك أن يقال: الكتاب هو القرآن المنزل.\rفقولنا: (القرآن) احتراز عن سائر الكتب المنزلة من التوراة والانجيل وغيرهما، فإنها وإن كانت كتبا لله تعالى، فليست هي الكتاب المعهود لنا، المحتج به في شرعنا على الاحكام الشرعية الذي نحن بصدد تعريفه، وفيه احتراز عن الكلام المنزل على النبي عليه السلام، مما ليس بمتلو.\rوقولنا: (المنزل) احتراز عن كلام النفس، فإنه ليس بكتاب، بل الكتاب هو الكلام المعبر عن الكلام النفساني، ولذلك، لم نقل هو الكلام القديم، ولم نقل هو المعجز، لان المعجز أعم من الكتاب، ولم نقل هو الكلام المعجز، لانه يخرج منه الآية وبعض الآية، مع أنها من الكتاب، وإن لم تكن معجزة.","part":1,"page":159},{"id":170,"text":"وإذا أتينا على تعريف حقيقة الكتاب، فلا بد من النظر فيما يختص به من المسائل، وهي خمس مسائل: المسألة الاولى اتفقوا على أن ما نقل إلينا من القرآن نقلا متواترا، وعلمنا أنه من القرآن أنه حجة، واختلفوا فيما نقل إلينا منه آحادا، كمصحف ابن مسعود وغيره، أنه هل يكون حجة، أم لا ؟ فنفاه الشافعي، وأثبته أبو حنيفة، وبنى عليه وجوب التتابع في صوم اليمين بما نقله ابن مسعود في مصحفه من قوله: فصيام ثلاثة أيام متتابعات.\rوالمختار إنما هو مذهب الشافعي.\rوحجته أن النبي عليه السلام كان مكلفا بإلقاء ما أنزل عليه من القرآن على طائفة تقوم الحجة القاطعة بقولهم، ومن تقوم\rالحجة القاطعة بقولهم لا يتصور عليهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه منه.\rفالراوي له إذا كان واحدا، إن ذكره على أنه قرآن فهو خطأ، وإن لم يذكره على أنه قرآن، فقد تردد بين أن يكون خبرا عن النبي عليه السلام، وبين أن يكون ذلك مذهبا له، فلا يكون حجة.\rوهذا بخلاف خبر الواحد عن النبي عليه السلام، وعلى هذا منع من وجوب التتابع في صوم اليمين على أحد قوليه.\rفإن قيل: قولكم إن النبي عليه السلام كان يجب عليه إلقاء القرآن إلى عدد تقوم الحجة القاطعة بقولهم، لا نسلم ذلك، وكيف يمكن دعواه مع أن حفاظ القرآن في زمانه، عليه السلام، لم يبلغوا عدد التواتر لقلتهم، وإن جمعه إنما كان","part":1,"page":160},{"id":171,"text":"بطريق تلقي آحاد آياته من الآحاد.\rولذلك اختلفت مصاحف الصحابة.\rولو كان قد ألقاه إلى جماعة تقوم الحجة بقولهم، لما كان كذلك.\rولهذا أيضا اختلفوا في البسملة أنها من القرآن.\rوأنكر ابن مسعود كون الفاتحة والمعوذتين من القرآن.\rسلمنا وجوب ذلك على النبي عليه السلام وأنه سمعه منه جمع تقوم الحجة بقولهم، ولكن إنما يمتنع السكوت عن نقله على الكل لعصمتهم عن الخطإ، ولا يمتنع ذلك بالنسبة إلى بضعهم، وإذا كان ابن مسعود من جملتهم، وقد روى ما رواه، فلم يقع الاتفاق من الكل على الخطإ بالسكوت.\rوعند ذلك فيتعين حمل روايته لذلك في مصحفه على أنه من القرآن، لان الظاهر من حاله الصدق ولم يوجد ما يعارضه.\rغايته أنه غير مجمع على العمل به، لعدم تواتره وإن لم يصرح بكونه قرآنا، أمكن أن يكون من القرآن وأمكن أن لا يكون لكونه خبرا عن النبي عليه السلام، وأمكن أن يكون لكونه مذهبا له كما ذكرتموه، وهو حجة بتقدير كونه قرآنا،\rوتقدير كونه خبرا عن النبي عليه السلام.\rوهما احتمالان وإنما لا يكون حجة بتقدير كونه مذهبا له، وهو احتمال واحد، ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين، أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه.\rسلمنا أنه ليس بقرآن، وأنه متردد بين الخبر وبين كونه مذهبا له.\rإلا أن احتمال كونه خبرا راجح، لان روايته له موهم بالاحتجاج به.\rولو كان مذهبا له لصرح به، نفيا للتلبيس عن السامع المعتقد كونه حجة، مع الاختلاف في مذهب الصحابي هل هو حجة أم لا.\rوالجواب: أما وجوب إلقائه على عدد تقوم الحجة بقولهم، فذلك مما لم يخالف فيه أحد من المسلمين، لان القرآن هو المعجزة الدالة على صدقه، عليه السلام، قطعا ومع عدم بلوغه إلى من لم يشاهده بخبر التواتر، لا يكون حجة قاطعة بالنسبة إليه، فلا يكون حجة عليه في تصديق النبي عليه السلام، ولا يلزم من عدم بلوغ حفاظ القرآن في زمن النبي عليه السلام، عدد التواتر أن يكون الحفاظ لآحاد آياته كذلك.","part":1,"page":161},{"id":172,"text":"وأما التوقف في جمع آيات القرآن على أخبار الآحاد، فلم يكن في كونها قرآنا، بل في تقديمها وتأخيرها بالنسبة إلى غيرها، وفي طولها وقصرها.\rوأما ما اختلت به المصاحف، فما كان من الآحاد فليس من القرآن، وما كان متواترا، فهو منه.\rوأما الاختلاف في التسمية، إنما كان في وضعها في أول كل سورة، لا في كونها من القرآن.\rوأما إنكار ابن مسعود، فلم يكن لانزال هذه السور على النبي عليه السلام، بل لاجرائها مجرى القرآن في حكمه قولهم إذا رواه ابن مسعود لم يتفق الكل على الخطإ.\rقلنا: وإن كان كذلك، إلا أن سكوت من سكت، وإن لم يكن ممتنعا،\rإلا أنه حرام لوجوب نقله عليه.\rوعند ذلك فلو قلنا إن ما نقله ابن مسعود قرآن، لزم ارتكاب من عداه من الصحابة للحرام بالسكوت.\rولو قلنا إنه ليس بقرآن، لم يلزم منه ذلك، لا بالنسبة إلى الراوي ولا بالنسبة إلى من عداه من الساكتين، وبتقدير ارتكاب ابن مسعود للحرام، مع كونه واحدا أولى من ارتكاب الجماعة له، وعلى هذا فقد بطل قولهم بظهور صدقه فيما نقله من غير معارض، وتعين تردد نقله بين الخبر والمذهب.\rقولهم: حمله على الخبر راجح - لا نسلم ذلك.\rقولهم: لو كان مذهبا لصرح به نفيا للتلبيس - قلنا: أجمع المسلمون على أن كل خبر لم يصرح بكونه خبرا عن النبي عليه السلام ليس بحجة، وما نحن فيه كذلك، ولا يخفى أن الحمل على المذهب، مع أنه مختلف في الاحتجاج به، أولى من حمله على الخبر الذي ما صرح فيه بالخبرية، مع أنه ليس بحجة بالاتفاق.\rكيف وفيه موافقة النفي الاصلي، وبراءة الذمة من التتابع، بخلاف مقابله، فكان أولى.","part":1,"page":162},{"id":173,"text":"المسألة الثانية اتفقوا على أن التسمية آية من القرآن في سورة النمل، وإنما اختلفوا في كونها آية من القرآن في أول كل سورة فنقل عن الشافعي في ذلك قولان.\rلكن من الاصحاب من حمل القولين على أنها من القرآن في أول كل سورة، كتبت مع القرآن بخط القرآن، أم لا.\rومنهم من حمل القولين على أنها هل هي آية برأسها في أول كل سورة، أو هي مع أول آية من كل سورة آية، وهو الاصح.\rوذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الاصوليين إلى أنها ليست آية من القرآن في غير سورة النمل.\rوقضى بتخطئة من قال بأنها آية من القرآن في غير سورة النمل، لكن من غير تكفير له لعدم ورود النص القاطع بإنكار ذلك.\rوالحجة لمذهب الشافعي من ثلاثة أوجه: الاول: أنها أنزلت على رسول الله (ص) مع أول كل سورة.\rولذلك نقل عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله لا يعرف ختم سورة وابتداء أخرى، حتى ينزل عليه جبريل ببسم الله الرحمن الرحيم.\rوذلك يدل على أنها من القرآن حيث أنزلت.\rالثاني: أنها كانت تكتب بخط القرآن في أول كل سورة بأمر رسول الله، وأنه لم ينكر أحد من الصحابة على من كتبها بخط القرآن في أول كل سورة، مع تخشنهم في الدين وتحرزهم في صيانة القرآن عما ليس منه، حتى إنهم أنكروا على من أثبت أوائل السور والتعشير والنقط.\rوذلك كله يغلب على الظن أنها حيث كتبت مع القرآن بخط القرآن أنها منه.\rالثالث: ما روي عن ابن عباس أنه قال: سرق الشيطان من الناس آية من القرآن لما أن ترك بعضهم قراءة التسمية في أول السورة ولم ينكر عليه منكر، فدل على كونها من القرآن في أول كل سورة.","part":1,"page":163},{"id":174,"text":"فإن قيل: لو كانت التسمية آية من القرآن في أول كل سورة، لم يخل إما أن يشترط القطع في إثباتها، أو لا يشترط.\rفإن كان الاول، فما ذكرتموه من الوجوه الدالة غير قطعية بل ظنية، فلا تصلح للاثبات وأيضا فإنه كان يجب على النبي عليه السلام أن يبين كونها من القرآن حيث كتبت معه بيانا شافيا شائعا قاطعا للشك، كما فعل في سائر الآيات وإن كان\rالثاني، فليثبت التتابع في صوم اليمين بما نقله ابن مسعود في مصحفه.\rقلنا: الاختلاف فيما نحن فيه لم يقع في إثبات كون التسمية من القرآن في الجملة، حتى يشترط القطع في طريق إثباتها، وإنما وقع في وضعها آية في أوائل السور والقطع غير مشترط فيه.\rولهذا وقع الخلاف في ذلك من غير تكفير من أحد الخصمين للآخر، كما وقع الخلاف في عدد الآيات ومقاديرها.\rقولهم كان يجب على النبي عليه السلام، بيان ذلك بيانا قاطعا للشك.\rقلنا: ولو لم تكن من القرآن لتبين ذلك أيضا بيانا قاطعا للشك، كما فعل ذلك في التعوذ، بل أولى من حيث إن التسمية مكتوبة بخط القرآن في أول كل سورة، ومنزلة على النبي عليه السلام مع أول كل سورة، كما سبق بيانه، وذلك مما يوهم أنها من القرآن، مع علم النبي عليه السلام بذلك، وقدرته على البيان، بخلاف التعوذ.\rفإن قيل: كل ما هو من القرآن فهو منحصر يمكن بيانه، بخلاف ما ليس من القرآن، فإنه غير منحصر فلا يمكن بيان أنه ليس من القرآن، فلهذا قيل بوجوب بيان ما هو من القرآن، دون ما ليس من القرآن.","part":1,"page":164},{"id":175,"text":"قلنا: نحن لم نوجب بيان كل ما ليس من القرآن أنه ليس من القرآن، بل إنما أوجبنا بيان ما يسبق إلى الافهام أنه من القرآن، بتقدير أن لا يكون منه، كما في التسمية.\rولا يخفى أنه منحصر، بل هو أقل من بيان ما هو من القرآن.\rوعلى هذا، فلا يلزم من وضع كون التسمية آية مع أول كل سورة بالاجتهاد والظن.\rوقد ثبت كونها آية من القرآن في سورة النمل قطعا أن يقال مثله في ثبوت قراءة ابن مسعود في التتابع، مع أنها لم يثبت كونها من القرآن قطعا ولا ظنا.\rالمسألة الثالثة القرآن مشتمل على آيات محكمة ومتشابهة على ما قال تعالى: * (منه آيات محكمات\rهن أم الكتاب، وأخر متشابهات) * (3) آل عمران: 7) أما المحكم فأصح ما قيل فيه قولان: الاول أن المحكم ما ظهر معناه، وانكشف كشفا يزيل الاشكال، ويرفع الاحتمال، وهو موجود في كلام الله تعالى.\rوالمتشابه المقابل له ما تعارض فيه الاحتمال، إما بجهة التساوي، كالالفاظ المجملة، كما في قوله تعالى: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) * (2) البقرة: 228) لاحتماله زمن الحيض، والطهر على السوية.\rوقوله تعالى: * (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) * (2) البقرة: 237) لتردده بين الزوج والولي.\rوقوله: * (أو لامستم النساء) * (2) النساء: 43) لتردده بين اللمس باليد والوطئ، أو لا على جهة التساوي كالاسماء المجازية، وما ظاهره موهم للتشبيه، وهو مفتقر","part":1,"page":165},{"id":176,"text":"إلى تأويل، كقوله تعالى: * (ويبقى وجه ربك) * (55) الرحمن: 27).\r* (ونفخت فيه من روحي) * (15) الحجر: 29) * (مما عملت أيدينا) * (36) يس: 71).\r* (الله يستهزئ بهم) * (2) البقرة: 15) * (ومكروا ومكر الله) * (3) آل عمران: 54) * (والسموات مطويات بيمينه) * (39) الزمر: 67) ونحوه من الكنايات والاستعارات المؤولة بتأويلات مناسبة لافهام العرب.\rوإنما سمي متشابها، لاشتباه معناه على السامع.\rوهذا أيضا موجود في كلام الله تعالى.\rالقول الثاني: إن المحكم ما انتظم وترتب على وجه يفيد إما من غير تأويل، أو مع التأويل من غير تناقض واختلاف فيه.\rوهذا أيضا متحقق في كلام الله تعالى.\rوالمقابل له ما فسد نظمه، واختل لفظه ويقال فاسد، لا متشابه.\rوهذا غير متصور الوجود في كلام الله تعالى.\rوربما قيل: المحكم ما ثبت حكمه من الحلال والحرام، والوعد والوعيد ونحوه.\rوالمتشابه ما كان من القصص والامثال، وهو بعيد عما يعرفه أهل اللغة، وعن مناسبة اللفظ له لغة.","part":1,"page":166},{"id":177,"text":"المسألة الرابعة القرآن لا يتصور اشتماله على ما لا معنى له في نفسه، لكونه هذيانا ونقصا يتعالى كلام الرب عنه، خلافا لمن لا يؤبه له في قوله.\rكيف يقال ذلك، وكلام الرب تعالى مشتمل على ما لا معنى له، كحروف المعجم التي في أوائل السور، إذ هي غير موضوعة في اللغة لمعنى، وعلى التناقض الذي لا يفهم، كقوله تعالى: * (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) * (55) الرحمن: 39) وقوله: * (فوربك لنسألنهم أجمعين) * (15) الحجر: 92) وعلى الزيادة التي لا فائدة فيها، كقوله تعالى: * (فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) * (2) البقرة: 196) وقوله: (كاملة) غير مفيد لمعنى.\rوكذك قوله تعالى: * (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة) * (69) الحاقة: 13) وقوله تعالى: * (لا تتخذوا إلهين اثنين) * (16) النحل: 51) إلى غير ذلك.\rقلنا: أما حروف المعجم، فلا نسلم أنه لا معنى لها، بل هي أسامي السور ومعرفة لها.\rوأما التناقض فغير صحيح، إذ التناقض لا بد فيه من اتحاد جهة السلب والايجاب والزمان.\rوزمان إيجابه وسلبه غير متحد، بل مختلف.\rوأما الزيادات المذكورة فهي للتأكيد، لا أنها غير معقولة المعنى.\rفإن قيل: وإن كان ليس في القرآن ما لا معنى له إلا أن فيه ما لا يفهم معناه.\rوهو في معنى ما لا معنى له.\rوذلك كقوله تعالى: * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) * (3) آل عمران: 7) والواو في قوله: * (والراسخون في العلم) * (3) آل عمران: 7) ليست للعطف، وإلا كان الضمير في قوله: * (يقولون آمنا به كل من عند ربنا) * (3) آل عمران: 7) عائدا إلى جملة المذكور السابق من الله تعالى والراسخين في العلم، وهو محال في حق الله تعالى.\rفلم يبق إلا أن يكون للابتداء.\rويلزم من ذلك أن لا يكون ما علمه الرب تعالى معلوما لهم.\rوأيضا فإن الآيات الدالة على اليد واليمين، والوجه والروح، ومكر الله والاستواء على العرش، وغير ذلك غير محمول على ما هو مفهوم منه في اللغة.\rوما هو المراد منه غير معلوم.","part":1,"page":167},{"id":178,"text":"وأيضا فإن الخطاب بالقرآن، كما هو خطاب مع العرب، فهو خطاب مع العجم، ومعناه غير مفهوم لهم.\rقلنا: من قال بجواز التكليف بما لا يطاق، جوز أن يكون في القرآن ما له معنى وإن لم يكن معلوما للمخاطب، ولا له بيان، ولا كذلك فيما لا معنى له أصلا، لكونه هذيانا.\rومن لم يجوز التكليف بما لا يطاق منع من ذلك، لكونه تكليفا بما لا يطاق ولما فيه من إخراج القرآن عن كونه بيانا للناس ضرورة كونه غير مفهوم.\rوهو خلاف قوله تعالى: * (هذا بيان للناس) * (3) آل عمران: 138) ولان ذلك مما يجر إلى عدم الوثوق بشئ من أخبار الله تعالى ورسوله، ضرورة أنه ما من خبر إلا ويجوز أن يكون المراد به ما لم يظهر منه.\rوذلك مبطل للشريعة مطلقا.\rوأجاب عن الآية الاولى بأن الواو فيها للعطف، وأن الضمير في قوله: * (يقولون آمنا به) * (3) آل عمران: 7) وإن كان ظاهرا في العود إلى جملة المذكور، غير أنه لا بعد في تخصيصه بإخراج الرب تعالى عنه، بدليل العقل المحيل لعود الضمير إليه.\rوأما باقي الآيات المذكورة، فكلها كنايات وتجوزات مفهومة للعرب بأدلة صارفة إليها، على ما بيناه في الكلاميات.\rالمسألة الخامسة اختلفوا في اشتمال القرآن على ألفاظ مجازية وكلمات غير عربية.\rوقد استقصينا الكلام فيهما في القاعدة الاولى: في المبادئ اللغوية.","part":1,"page":168},{"id":179,"text":"الاصل الثاني في السنة وهي في اللغة عبارة عن الطريقة، فسنة كل أحد ما عهدت منه المحافظة عليه، والاكثار منه، كان ذلك من الامور الحميدة أو غيرها.\rوأما في الشرع، فقد تطلق على ما كان من العبادات نافلة منقولة عن النبي عليه السلام، وقد تطلق على ما صدر عن الرسول من الادلة الشرعية مما ليس بمتلو، ولا هو معجز، ولا داخل في المعجز، وهذا النوع هو المقصود بالبيان هاهنا.\rويدخل في ذلك أقوال النبي، عليه السلام، وأفعاله وتقاريره.\rأما الاقوال من الامر والنهي والتخيير والخبر وجهات دلالتها، فسيأتي إيضاحها في الاصل الرابع المخصوص ببيان ما تشترك فيه الادلة المنقولة الشرعية.\rوليكن البيان هاهنا مخصوصا بما يخص النبي عليه السلام من الافعال والتقارير، ويشتمل على مقدمتين وخمس مسائل.\rالمقدمة الاولى في عصمة الانبياء عليهم السلام، وشرح الاختلاف في ذلك وما وقع الاتفاق من أهل الشرائع على عصمتهم عنه من المعاصي، وما فيه الاختلاف أما قبل النبوة، فقد ذهب القاضي أبو بكر، وأكثر أصحابنا، وكثير من المعتزلة إلى أنه لا يمتنع عليهم، المعصية كبيرة كانت أو صغيرة، بل ولا يمتنع عقلا إرسال من أسلم وآمن بعد كفره.\rوذهبت الروافض إلى امتناع ذلك كله منهم قبل النبوة، لان ذلك مما يوجب هضمهم في النفوس واحتقارهم، والنفرة عن اتباعهم، وهو خلاف مقتضى الحكمة من بعثة الرسل، ووافقهم على ذلك أكثر المعتزلة إلا في الصغائر.","part":1,"page":169},{"id":180,"text":"والحق ما ذكره القاضي، لانه لا سمع قبل البعثة يدل على عصمتهم عن ذلك والعقل دلالته مبنية على التحسين والتقبيح العقلي، ووجوب رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، وذلك كله مما أبطلناه في كتبنا الكلامية.\rوأما بعد النبوة، فالاتفاق من أهل الشرائع قاطبة على عصمتهم عن تعمد كل ما يخل بصدقهم فيما دلت المعجزة القاطعة على صدقهم فيه من دعوى الرسالة والتبليغ عن الله تعالى.\rواختلفوا في جواز ذلك عليهم بطريق الغلط والنسيان، فمنع منه الاستاذ أبو إسحاق وكثير من الائمة، لما فيه من مناقضة دلالة المعجزة القاطعة.\rوجوزه القاضي أبو بكر، مصيرا منه إلى أن ما كان من النسيان وفلتات اللسان غير داخل تحت التصديق المقصود بالمعجزة، وهو الاشبه.\rوأما ما كان من المعاصي القولية والفعلية التي لا دلالة للمعجزة على عصمتهم عنها، فما كان منها كفرا فلا نعرف خلافا بين أرباب الشرائع في عصمتهم عنه، إلا ما نقل عن الازارقة من الخوارج أنهم قالوا بجواز بعثة نبي علم الله أنه يكفر بعد نبوته، وما نقل عن الفضلية من الخوارج أنهم قضوا بأن كل ذنب يوجد فهو كفر، مع تجويزهم صدور الذنوب عن الانبياء.\rفكانت كفرا.\rوأما ما ليس بكفر، فإما أن يكون من الكبائر، أو ليس منها.\rفإن كان من الكبائر، فقد اتفقت الامة، سوى الحشوية ومن جوز الكفر على الانبياء، على عصمتهم عن تعمده من غير نسيان ولا تأويل، وإن اختلفوا في أن مدرك العصمة السمع، كما ذهب إليه القاضي أبو بكر والمحققون من أصحابنا، أو العقل، كما ذهب إليه المعتزلة.\rوأما إن كان فعل الكبيرة عن نسيان أو تأويل خطإ، فقد اتفق الكل على جوازه، سوى الرافضة.","part":1,"page":170},{"id":181,"text":"وأما ما ليس بكبيرة، فإما أن يكون من قبيل ما يوجب الحكم على فاعله بالخسة ودناءة الهمة وسقوط المروءة، كسرقة خبة أو كسرة، فالحكم فيه كالحكم في الكبيرة.\rوأما ما لا يكون من هذا القبيل، كنظرة أو كلمة سفه نادرة في حالة غضب فقد اتفق أكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة على جوازه عمدا وسهوا، خلافا للشيعة مطلقا، وخلافا للجبائي والنظام وجعفر بن مبشر في العمد.\rوبالجملة، فالكلام فيما وقع فيه الاختلاف في هذه التفاصيل غير بالغ مبلغ القطع، بل هو من باب الظنون.\rوالاعتماد فيه على ما يساعد فيه من الادلة الظنية نفيا وإثباتا.\rوقد أتينا في كل موضع من المواضع المتفق عليها، والمختلف فيها، تزييفا واختيارا بأبلغ بيان، وأوضح برهان في كتبنا الكلامية.\rفعلى الناظر الالتفات إليها.","part":1,"page":171},{"id":182,"text":"المقدمة الثانية في معنى التأسي، والمتابعة، والموافقة، والمخالفة، إذ الحاجة داعية إلى معرفة ذلك فيما نرومه من النظر في مسائل الافعال أما التأسي بالغير: فقد يكون في الفعل والترك.\rأما التأسي في الفعل: فهو أن تفعل مثل فعله على وجهه، من أجل فعله.\rفقولنا: (مثل فعله) لانه لا تأسي مع اختلاف صورة الفعل، كالقيام والقعود.\rوقولنا: (على وجهه) معناه المشاركة في غرض ذلك الفعل ونيته، لانه لا تأسي مع اختلاف الفعلين في كون أحدهما واجبا، والآخر ليس بواجب، وإن اتحدت الصورة.\rوقولنا: (من أجل فعله) لانه لو اتفق فعل شخصين في الصورة والصفة، ولم يكن أحدهما من أجل الآخر، كاتفاق جماعة في صلاة الظهر مثلا، أو صوم رمضان اتباعا لامر الله تعالى، فإنه لا يقال بتأسي البعض بالبعض.\rوعلى هذا، فلو وقع فعله في مكان أو زمان مخصوص، فلا مدخل له في المتابعة والتأسي وسواء تكرر أو لم يتكرر، إلا أن يدل الدليل على اختصاص العبادة به، كاختصاص الحج بعرفات، واختصاص الصلوات بأوقاتها، وصوم رمضان.\rوأما التأسي: في الترك، فهو ترك أحد الشخصين مثل ما ترك الآخر من الافعال على وجهه وصفته من أجل أنه ترك.\rولا يخفى وجه ما فيه من القيود.\rوأما المتابعة: فقد تكون في القول، وقد تكون في الفعل والترك، فاتباع القول هو امتثاله على الوجه الذي اقتضاه القول.\rوالاتباع في الفعل هو التأسي بعينه.\rوأما الموافقة: فمشاركة أحد الشخصين للآخر في صورة قول أو فعل، أو ترك أو اعتقاد، أو غير ذلك.\rوسواء كان ذلك من أجل ذلك الآخر، أو لا من أجله.\rوأما المخالفة: فقد تكون في القول، وقد تكون في الفعل والترك: فالمخالفة في القول ترك امتثال ما اقتضاه القول.\rوأما المخالفة في الفعل، فهو العدول عن فعل مثل ما فعله الغير، مع وجوبه.","part":1,"page":172},{"id":183,"text":"ولهذا فإن من فعل فعلا، ولم يجب على غيره مثل فعله، لا يقال له إنه مخالف في الفعل، بتقدير الترك.\rولذلك لم تكن الحائض مخالفة بترك الصلاة لغيرها.\rوعلى هذا، فلا يخفى وجوه المخالفة في الترك.\rوإذ أتينا على ما أردناه من ذكر المقدمتين، فلنرجع إلى المقصود من المسائل المتعلقة بأفعال الرسول، عليه السلام.\rالمسألة الاولى اختلف الاصوليون في أفعال النبي عليه السلام، هل هي دليل لشرع مثل ذلك الفعل بالنسبة إلينا، أم لا ؟ وقبل النظر في الحجاج، لا بد من تلخيص محل النزاع، فنقول:\rأما ما كان من الافعال الجبلية، كالقيام والقعود والاكل والشرب ونحوه، فلا نزاع في كونه على الاباحة بالنسبة إليه وإلى أمته.\rوأما ما سوى ذلك، مما ثبت كونه من خواصه التى لا يشاركه فيها أحد، فلا يدل ذلك على التشريك بيننا وبينه فيه إجماعا.\rوذلك كاختصاصه بوجوب الضحى والاضحى والوتر والتهجد بالليل والمشاورة والتخيير لنسائه، وكاختصاصه بإباحة الوصال في الصوم، وصفية المغنم، والاستبداد بخمس الخمس، ودخول مكة بغير إحرام، والزيادة في النكاح على أربع نسوة، إلى غير ذلك من خصائصه.\rوأما ما عرف كون فعله بيانا لنا، فهو دليل من غير خلاف، وذلك إما بصريح مقاله، كقوله: صلوا كما رأيتموني أصلي، وخذوا عني مناسككم أو بقرائن الاحوال، وذلك كما إذا ورد لفظ مجمل، أو عام أريد به الخصوص، أو مطلق أريد به التقييد، ولم يبينه قبل الحاجة إليه، ثم فعل عند الحاجة فعلا صالحا للبيان، فإنه يكون بيانا حتى لا يكون مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة، وذلك كقطعه يد السارق من الكوع، بيانا لقوله تعالى: * (فاقطعوا أيديهما) * (5) المائدة: 38) وكتيممه","part":1,"page":173},{"id":184,"text":"إلى المرفقين، بيانا لقوله تعالى: * (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) * (4) النساء: 43) ونحوه.\rوالبيان تابع للمبين في الوجوب والندب والاباحة.\rوأما ما لم يقترن به ما يدل على أنه للبيان لا نفيا ولا إثباتا، فإما أن يظهر فيه قصد القربة أو لم يظهر.\rفإن ظهر فيه قصد القربة، فقد اختلفوا فيه: فمنهم من قال إن فعله عليه السلام محمول على الوجوب في حقه، وفي حقنا، كابن سريج والاصطخري وابن أبي هريرة وابن خيران والحنابلة وجماعة من المعتزلة.\rومنهم من صار إلى أنه للندب.\rوقد قيل إنه قول الشافعي، وهو اختيار إمام الحرمين.\rومنهم من قال إنه للاباحة، وهو مذهب مالك، ومنهم من قال بالوقف، وهو مذهب جماعة من أصحاب الشافعي، كالصيرفي والغزالي وجماعة من المعتزلة.\rوأما ما لم يظهر فيه قصد القربة، فقد اختلفوا أيضا فيه على نحو اختلافهم فيما ظهر فيه قصد القربة غير أن القول بالوجوب والندب، فيه أبعد مما ظهر فيه قصد القربة، والوقف والاباحة أقرب.\rوبعض من جوز على الانبياء المعاصي، قال إنها على الخطر.\rوالمختار أن كل فعل لم يقترن به دليل يدل على أنه قصد به بيان خطاب سابق فإن ظهر فيه قصد القربة إلى الله تعالى، فهو دليل في حقه عليه السلام على القدر المشترك بين الواجب والمندوب: وهو ترجيح الفعل على الترك لا غير، وأن الاباحة، وهي استواء الفعل والترك في رفع الحرج، خارجة عنه، وكذلك في حق أمته.\rوما لم يظهر فيه قصد القربة، فهو دليل في حقه على القدر المشترك بين الواجب والمندوب والمباح، وهو رفع الحرج عن الفعل لا غير، وكذلك عن أمته.\rوأما إذا ظهر من فعله قصد القربة، فلان القربة غير خارجة عن الواجب والمندوب، والقدر المشترك بينهما إنما هو ترجيح الفعل على الترك.\rوالفعل دليل قاطع عليه.","part":1,"page":174},{"id":185,"text":"وأما ما اختص به الواجب من الذم على الترك، وما اختص به المندوب من عدم اللوم على الترك فمشكوك فيه، وليس أحدهما أولى من الآخر.\rوأما إذا لم يظهر من فعله قصد القربة، فهو وإن جوزنا عليه فعل الصغيرة، غير أن احتمال وقوعها من آحاد عدول المسلمين نادر، فكيف من النبي عليه السلام.\rبل الغالب من فعله، انه لا يكون معصية، ولا منهيا عنه.\rوعند ذلك فما من فعل من احاد أفعاله، إلا واحتمال دخوله تحت الغالب أغلب.\rوإذا كان\rالغالب من فعله أنه لا يكون معصية، ولا منهيا عنه، فكل فعل لا يكون منهيا عنه لا يخرج عن الواجب والمندوب والمباح: والقدر المشترك بين الكل إنما هو رفع الحرج عن الفعل، دون الترك.\rوالفعل دليل قاطع عليه.\rوأما ما اختص به الوجوب والندب عن المباح من ترجح الفعل على الترك، وما اختص به المباح عنهما من استواء الطرفين فمشكوك فيه.\rهذا بالنسبة إلى النبي عليه السلام.\rوأما بالنسبة إلى أمته فلانه، وإن كان عليه السلام، قد اختص عنهم بخصائص لا يشاركونه فيها، غير أنها نادرة، بل أندر من النادر بالنسبة إلى الاحكام المشترك فيها.\rوعند ذلك، فما من واحد من آحاد الافعال إلا واحتمال مشاركة الامة للنبي عليه السلام فيه أغلب من احتمال عدم المشاركة، إدراجا للنادر تحت الاعم الاغلب، فكانت المشاركة أظهر.\rوإذ أتينا على تفصيل المذاهب وتقرير ما هو المختار، فلا بد من ذكر شبه المخالفين، ووجه الانفصال عنها.\rوأما شبه القائلين بالوجوب، فمن جهة النص، والاجماع، والمعقول.\rأما من جهة النص، فمن جهة الكتاب، والسنة.\rأما من جهة الكتاب، فقوله تعالى: * (فاتبعوه واتقوا) * (6) الانعام: 155) أمر بمتابعته، ومتابعته امتثال القول والاتيان بمثل فعله.\rوالامر ظاهر في الوجوب.\rوأيضا قوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) * (24) النور: 63) حذر من مخالفة أمره، والتحذير دليل الوجوب.\rواسم الامر يطلق على الفعل، كما سيأتي تقريره،","part":1,"page":175},{"id":186,"text":"والاصل في الاطلاق الحقيقة.\rوغايته أن يكون مشتركا بينه وبين القول المخصوص، وسيأتي أن الاسم المشترك من قبيل الاسماء العامة.\rفكان متناولا للفعل.\rوأيضا قوله تعالى: * (وما آتاكم الرسول فخذوه) * (56) الحشر: 7) وفعله من جملة ما يأتي به، فكان الاخذ به واجبا.\rوأيضا قوله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر) * (33) الاحزاب: 21) وهذا زجر في طي أمر.\rوتقديره: من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر، فله فيه إسوة حسنة.\rومن لم يتأس به فلا يكون مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر.\rوهو دليل الوجوب.\rوأيضا قوله تعالى: * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) * (3) آل عمران: 31) ومحبه الله واجبة، والآية دلت على أن متابعة النبي عليه السلام لازمة لمحبة الله الواجبة.\rويلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم.\rوهو ممتنع.\rوأيضا قوله تعالى: * (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) * (24) النور: 54) أمر بطاعة الرسول.\rوالامر ظاهر في الوجوب.\rومن أتى بمثل فعل الغير على قصد إعظامه، فهو مطيع له، وأيضا قوله تعالى: * (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها، لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم، إذا قضوا منهن وطرا) * (33) الاحزاب: 37) وذلك يدل على أن فعله تشريع وواجب الاتباع، وإلا، لما كان تزويجه مزيلا عن المؤمنين الحرج في أزواج أدعيائهم.\rوأما من جهة السنة، فما روي أن الصحابة، رضي الله عنهم خلعوا نعالهم في الصلاة، لما خلع نعله، ففهموا وجوب المتابعة له في فعله.\rوالنبي عليه السلام أقرهم على ذلك، ثم بين لهم علة انفراده بذلك.\rوأيضا ما روي عنه أنه أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، ولم يفسخ.\rفقالوا له: مالك أمرتنا بفسخ الحج ولم تفسخ ففهموا أن حكمهم كحكمه.\rوالنبي عليه السلام لم ينكر عليه، ولم يقل: لي حكمي، ولكم حكمكم بل أبدى عذرا يختص به.\rوأيضا ما روي عنه عليه السلام، أنه نهى الصحابة عن الوصال في الصوم،\rوواصل.\rفقالوا له: نهيتنا عن الوصال، وواصلت فقال: لست كأحدكم،","part":1,"page":176},{"id":187,"text":"إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني فأقرهم على ما فهموه من مشاركتهم له في الحكم، واعتذر بعذر يختص به.\rوأيضا ما روي عنه أنه لما سألته أم سلمة عن قبلة الصائم، فقال لها: لم لم تقولي لهم إني أقبل وأنا صائم ولو لم يكن متبعا في أفعاله، لما كان لذلك معنى.\rوأيضا ما روي عنه أنه، لما سألته أم سلمة عن بل الشعر في الاغتسال، قال: أما أنا فيكفيني أن أحثو على رأسي ثلاث حثيات من ماء وكان ذلك جوابا لها.\rولولا أنه متبع في فعله، لما كان جوابا لها.\rوأيضا ما روي عنه أنه أمر الصحابة بالتحلل بالحلق والذبح، فتوقفوا، فشكا ذلك إلى أم سلمة، فأشارت إليه بأن يخرج وينحر ويحلق، ففعل ذلك، فذبحوا وحلقوا.\rولولا أن فعله متبع، لما كان كذلك.\rوأما من جهة الاجماع فما روي عن الصحابة أنهم، لما اختلفوا في الغسل من غير إنزال، أنفذ عمر إلى عائشة، رضي الله عنها، وسألها عن ذلك، فقالت: فعلته أنا ورسول الله، واغتسلنا فأخذ عمر والناس بذلك.\rولولا أن فعله متبع، لما ساغ ذلك.\rوأيضا ما روي عن عمر، رضي الله عنه، أنه كان يقبل الحجر الاسود، ويقول: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنني رأيت رسول الله يقبلك، لما قبلتك وكان ذلك شائعا فيما بين الصحابة من غير نكير، فكان إجماعا على اتباعه في فعله.\rوأما من جهة المعقول، فمن خمسة أوجه: الاول: هو أن فعله احتمل أن يكون موجبا للفعل علينا، واحتمل أن لا يكون موجبا.\rوالحمل على الايجاب أولى لما فيه من الامن والتحرز عن ترك الواجب.\rولذلك فإنه لو نسي صلاة من خمس صلوات من يوم، فإنه يجب عليه إعادة الكل حذرا من الاخلال بالواجب.\rوكذلك من طلق واحدة من نسائه، ثم نسيها، فإنه يحرم عليه جميعهن نظرا إلى الاحتياط.","part":1,"page":177},{"id":188,"text":"الثاني: أن النبوة من الرتب العلية، والاوصاف السنية، ولا يخفى أن متابعة العظيم في أفعاله، من أتم الامور في تعظيمه وإجلاله، وأن عدم متابعته في أفعاله بأن صلى، وهم جلوس، أو قام يطوف، وهم يتسامرون، من أعظم الامور في إسقاط حرمته، والاخلال بعظمته، وهو حرام ممتنع.\rالثالث: أن أفعاله عليه السلام قائمة مقام أقواله في بيان المجمل، وتخصيص العموم، وتقييد المطلق من الكتاب والسنة، فكان فعله محمولا على الوجوب كالقول.\rالرابع: أن ما فعله النبي عليه السلام يجب أن يكون حقا وصوابا، وترك الحق والصواب يكون خطأ وباطلا، وهو ممتنع.\rالخامس: أن فعله احتمل أن يكون واجبا، واحتمل أن لا يكون واجبا.\rواحتمال كونه واجبا أظهر من احتمال كونه ليس بواجب، لان الظاهر من النبي عليه السلام أنه لا يختار لنفسه سوى الاكمل والافضل والواجب أكمل مما ليس بواجب، وإذا كان واجبا، فيجب اعتقاد مشاركة الامة له فيه، لما قررتموه في طريقتكم.\rوأما شبه القائلين بالندب فنقلية وعقلية أيضا.\rأما النقلية: فقوله: تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * (33) الاحزاب: 21) جعل التأسي به حسنة، وأدنى درجات الحسنة المندوب فكان محمولا عليه، وما زاد فهو مشكوك فيه.\rوأما العقلية: فهو أن فعله، وإن احتمل أن يكون معصية، إلا أنه خلاف الظاهر، والظاهر من فعله أنه لا يكون إلا حسنة، والحسنة لا تخرج عن الواجب والمندوب، وحمله على فعل المندوب أولى لوجهين.\rالاول: أن غالب أفعال النبي عليه السلام كانت هي المندوبات.\rالثاني: أن كل واجب مندوب وزيادة، وليس كل مندوب واجبا.\rفكان فعل المندوب لعمومه أغلب، ويلزم من ذلك مشاركة أمته له فيه لما ذكرتموه في طريقتكم.\rوأما شبه القائلين بالاباحة، فهي أن الاصل في الافعال كلها إنما هو الاباحة، ورفع الحرج عن الفعل، والترك، إلا ما دل الدليل على تغييره.\rوالاصل عدم المغير.\rوأما شبه القائلين بالوقف، فإنهم قالوا: فعله، عليه السلام، متردد بين أن","part":1,"page":178},{"id":189,"text":"يكون خاصا به، وبين أن لا يكون خاصا به.\rوما ليس خاصا به متردد بين الواجب والمندوب والمباح والفعل لا صيغة له ليدل على البعض دون البعض وليس البعض أولى من البعض، فلزم الوقف إلى أن يقوم الدليل على التعيين.\rوالجواب عن شبه القائلين بالوجوب: أما عن الآية الاولى، فلا نسلم أن قوله: فاتبعوه يدل على الوجوب، وإن سلمنا ذلك ولكن قوله: فاتبعوه صريح في ابتاع شخص النبي عليه السلام، وهو غير مراد.\rفلا بد من إضمار المتابعة في أقواله وأفعاله.\rوالاضمار على خلاف الاصل، فتمتنع الزيادة فيه من غير حاجة.\rوقد أمكن دفع الضرورة بإضمار أحد الامرين.\rوليس إضمار المتابعة في الفعل أولى من القول، بل إضمار المتابعة في القول أولى، لكونه متفقا عليه، ومختلفا في الفعل.\rكيف وأن المتابعة في الفعل إنما يتحقق وجوبها، أن لو علم كون الفعل المتبع واجبا، وإلا فبتقدير أن يكون غير واجب، فمتابعة ما ليس بواجب لا تكون واجبة، ولم يتحقق كون فعله واجبا، فلا تكون متابعته واجبة.","part":1,"page":179},{"id":190,"text":"وعن الآية الثانية، أن يقال اسم الامر، وإن أطلق على الفعل والقول المخصوص،\rلكنه يجب اعتقاد كونه حقيقة في أمر مشترك بينهما، وهو الشأن والصفة نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ لكونهما على خلاف الاصل.\rوعند ذلك فلفظ الامر المحذر من مخالفته يكون مطلقا.\rوالمطلق إذا عمل به في صورة فقد خرج عن كونه حجة ضرورة توفية العمل بدلالته.\rوقد عمل به في القول المخصوص، فلا يبقى حجة في الفعل سلمنا أنه غير متواطئ، ولكنه مجمع على كونه حقيقة في القول المخصوص، ومختلف في الفعل، فكان حمله على المتفق عليه دون المختلف فيه.\rأو سلمنا أنه حقيقة في الفعل، لكنه يكون مشتركا، وعند ذلك، إن قيل بأن اللفظ المشترك يمتنع حمله على جميع مدلولاته، فليس حمله على التحذير من مخالفة الامر بمعنى الفعل أولى من القول، وإن قيل بحمل اللفظ المشترك على جميع محامله، فالتحذير عن مخالفة الامر يتوقف على كون المحذر منه واجبا لاستحالة التحذير من ترك ما ليس واجبا.\rوعند ذلك، فالقول بالتحذير من مخالفة الفعل يستدعي وجوب ذلك الفعل، ووجوبه، إذا كان لا يعرف إلا من التحذير، كان دورا.\rكيف وإنه قد تقدم في الآية ذكر دعاء الرسول بقوله: * (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) * (24) النور: 63) والمراد بالدعاء إنما هو القول.\rفكان الامر المذكور بعده عائدا إلى قوله.\rثم قد أمكن عود الضمير في أمره إلى الله تعالى، إذ هو","part":1,"page":180},{"id":191,"text":"أقرب مذكور، حيث قال بعد ذكر الرسول: * (قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا) * (24) النور: 63) فكان عوده إليه أولى.\rوعن الآية الثالثة بمنع دلالة الامر على الوجوب، وإن سلمنا ذلك.\rولكن إنما يكون أخذ ما أتانا به واجبا، إذا كان ما أتى به واجبا.\rوأما إذا لم يكن واجبا، فأخذه لا يكون واجبا، فإن القول بوجوب فعل لا يكون واجبا تناقض في اللفظ والمعنى.\rوعند ذلك، فيتوقف دلالة الآية على الوجوب على كون الفعل المأتي به واجبا،\rووجوبه إذا توقف على دلالة الآية على وجوبه كان دورا.\rكيف وإن في الآية ما يدل على أن المراد بوجوب أخذه إنما هو الامر بمعنى القول حيث إنه قابله بالنهي بقوله: وما نهاكم عنه فانتهوا والنهي لا يكون إلا بالقول.\rوكذلك الامر المقابل له.\rوعن الآية الرابعة من وجهين: الوجه الاول: إنا نقول المراد بالتأسي به في فعله أن نستخير لانفسنا ما استخاره لنفسه، واجبا وأن لا نعترض عليه فيما يفعله أو معنى آخر.\rالاول مسلم، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون ما استخاره لنفسه واجبا حتى يكون ما نستخيره نحن لانفسنا واجبا.\rوالثاني ممنوع.\rالوجه الثاني: أن المراد بالتأسي به في فعله أن نوقع الفعل على الوجه الذي أوقعه هو عليه السلام، حتى أنه لو صلى واجبا، وصلينا متنفلين، أو بالعكس، فإن ذلك لا يكون تأسيا به، ولم يثبت كون ما فعله واجبا حتى يكون ما نفعله نحن واجبا.\rوعلى هذين الجوابين يخرج الجواب عن الآية الخامسة.\rوعن الآية السادسة أن المراد من الطاعة إنما هو امتثال أمره ومتابعته في فعله","part":1,"page":181},{"id":192,"text":"على الوجه الذي فعله، إن كان واجبا فواجبا، وإن كان ندبا فندبا.\rونحن نقول به، ولم يثبت أن ما فعله واجب، حتى تكون متابعتنا له فيه واجبة.\rوعن الآية السابعة إن غايتها الدلالة على أن حكم أمته مساو لحكمه في الوجوب والندب والاباحة، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل ما فعله واجبا ليكون فعلنا له واجبا.\rوعن الخبر الاول من السنة من وجهين: الاول أن ذلك لا يدل على أنهم فعلوا ذلك بجهة الوجوب، بل لعلهم رأوا متابعته في خلع النعل مبالغة في موافقته.\rوالذي يدل على أن الخلع بطريق المتابعة له لم يكن واجبا إنكاره عليهم ذلك، وقوله: لم خلعتم نعالكم ولو كانت متابعته\rفي فعله واجبة على الاطلاق، لما أنكر ذلك.\rالوجه الثاني أنه وإن ظنوا وجوب المتابعة، لكن لا من الفعل، بل لقيام دليل أوجب عليهم ذلك وبيانه من وجهين: الاول أنه، عليه السلام، كان قد قال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي ففهموا أن صلاته بيان لصلاتهم، فلما رأوه قد خلع نعله، تابعوه فيه لظنهم أن ذلك من هيئات الصلاة.\rالثاني أنهم كانوا مأمورين بأخد زينتهم عند كل مسجد بقوله تعالى: * (خذوا زينتكم عند كل مسجد) * (7) الاعراف: 31) فلما رأوه قد خلع نعله، ظنوا وجوبه، وأنه لا يترك الامر المسنون المأمور إلا لواجب.\rونحن لا ننكر وجوب المتابعة عند قيام الدليل.\rوعن الخبر الثاني: أن فهمهم لوجوب م تابعته في أفعال الحج إنما كان مستندا إلى قوله عليه السلام: خذوا عني مناسككم لا إلى فعله.\rوعن الخبر الثالث: أن الوصال للنبي عليه السلام لم يكن واجبا عليه، بل غايته أنه كان مباحا له.\rووجوب المتابعة فيما أصله غير واجب ممتنع، كما سبق، بل ظنهم إنما كان مشاركته في إباحة الوصال.\rونحن نقول به، وهذا هو الجواب عن الخبر الرابع.","part":1,"page":182},{"id":193,"text":"وعن الخبر الخامس: أنه لا دلالة له على وجوب، بل الشعر في حقه عليه السلام، ولا حق غيره.\rولعله أراد بذلك الكفاية في الكمال، لا في الوجوب، بل وجوب البل إنما هو مستفاد من قوله عليه السلام: بلوا الشعر وانقوا البشرة.\rوعن الخبر السادس من وجهين: الاول أن فعله وقع بيانا لقوله عليه السلام: خذوا عني مناسككم ولا نزاع في وجوب اتباع فعله، إذا ورد بيانا لخطاب سابق، بل وهو أبلغ من دلالة القول المجرد عن الفعل، لكون الفعل ينبئ عن المقصود عيانا، بخلاف القول، فإنه لا\rيدل عليه عيانا.\rالثاني أن وجوب التحلل وقع مستفادا من أمر النبي عليه السلام لهم بذلك.\rغير أنهم كانوا يرتقبون إنجاز ما وعدهم الله به من الفتح والظهور على قريش في تلك السنة، وأن ينسخ الله عنهم الامر بالتحلل وأداء ما كانوا فيه من الحج.\rفلما تحلل عليه السلام، آيسوا من ذلك فتحللوا.\rوعن الاحتجاج بالاجماع الاول لا نسلم أن وجوب الغسل من التقاء الختانين كان مستفادا من فعل رسول الله، بل من قوله عليه السلام: إذا التقى الختانان، وجب الغسل وسؤال عمر لعائشة إنما كان ليعلم أن فعل النبي هل وقع موافقا لامره، أم لا.\rوعن الثاني أن تقبيل عمر الحجر إنما كان مستفادا من فعل رسول الله المبين لقوله: خذوا عني مناسككم كيف وأن تقبيل الحجر غير واجب على النبي عليه السلام، ولا على غيره، بل غايته أن فعل النبي عليه السلام يدل على ترجيح فعله على تركه من غير وجوب.\rوذلك مما لا ننكره، ولا ننكر مشاركة الامة له في ذلك.","part":1,"page":183},{"id":194,"text":"وعن الشبهة الاولى: من المعقول، فقد قيل في دفعها إن الاحتياط إنما يمكن أن يقال به إذا خلا عن احتمال الضرر قطعا، وفيما نحن فيه يحتمل أن يكون الفعل حراما على الامة، وهو غير صحيح، فإنه لو غم الهلال ليلة الثلاثين من رمضان، فإنه يحتمل أن يكون يوم الثلاثين منه يوم العيد، واحتمل أن لا يكون يوم اليعد.\rومع ذلك يجب صومه احتياطا للواجب، وإن احتمل أن يكون حراما لكونه من يوم العيد.\rوالحق في ذلك أن يقال إنما يكون الاحتياط أولى لما ثبت وجوبه، كالصلاة الفائتة من صلوات يوم وليلة، أو كان الاصل وجوبه، كما في صوم يوم الثلاثين من رمضان، إذا كانت ليلته مغيمة.\rوأما ما عساه أن يكون واجبا وغير واجب، فلا.\rوما نحن فيه كذلك، حيث لم يتحقق وجوب الفعل، ولا الاصل وجوبه.\rوعن الشبهة الثانية: لا نسلم أن الاتيان بمثل ما يفعله العظيم يكون تعظيما له وأن تركه يكون إهانة له وحطا من قدره، بل ربما كان تعاطي الادنى لمساواته الاعلى فعله حطا من منزلته، وغضا من منصبه.\rولهذا، يقبح من العبد الجلوس على سرير سيده في مرتبته، والركوب على مركبه، ولو فعل ذلك، استحق اللوم والتوبيخ.\rثم لو كانت متابعة النبي في أفعاله موجبة لتعظيمه، وترك المتابعة موجبة لاهانته، لوجب متابعته عندما إذا ترك بعض ما تعبدنا به من العبادات، ولم يعلم سبب تركه، وهو خلاف الاجماع.\rوعن الشبهة الثالثة: إنه لا يلزم من كون الفعل بيانا للقول أن يكون موجبا لما يوجبه القول.\rفإن الخطاب القولي يستدعي وجوب الجواب، ولا كذلك الفعل.\rوعن الشبهة الرابعة: أن فعل النبي عليه السلام، وإن كان حقا وصوابا بالنسبة إليه، فلا يلزم أن يكون حقا وصوابا بالنسبة إلى أمته.\rإلا أن يكون فعله مما يوجب مشاركتهم له في ذلك الفعل.\rوهو محل النزاع.","part":1,"page":184},{"id":195,"text":"وعن الشبهة الخامسة: إنه وإن كان فعل الواجب أفضل مما ليس بواجب، فلا يلزم أن يكون كل ما يفعله النبي عليه السلام واجبا.\rولهذا، فإن فعله للمندوبات كان أغلب من فعله للواجبات، بل فعله للمباحات كان أغلب من فعله للمندوبات.\rوعن ذلك فليس حمل فعله على النادر من أفعاله أولى من حمله على الغالب منها وعن شبه القائلين بالندب.\rأما الآية، فجوابها مثل ما سبق في الاحتجاج بها على الوجوب.\rوأما الشبهة العقلية: فلا نسلم أن غالب فعله المندوبات، بل المباح.\rولا نسلم\rأن المندوب داخل في الواجب على ما سبق تقريره.\rوأما شبهة الاباحة: فنحن قائلون بها في كل فعل لم يظهر من النبي عليه السلام قصد التقرب به، وأما ما ظهر معه قصد التقرب به، فيمتنع أن يكون مباحا بمعنى نفي الحرج عن فعله وتركه.\rفإن مثل ذلك لا يتقرب به.\rوذلك مما يجب حمله على ترجيح جانب الفعل على الترك، على ما قررناه.\rوأما الواقفية: فإن أرادوا بالوقف أنا لا نحكم بإيجاب ولا ندب إلا أن يقوم الدليل على ذلك، فهو الحق وهو عين ما قررناه.\rوإن أرادوا به أن الثابت أحد هذه الامور، لكنا لا نعرفه بعينه فخطأ.\rفإن ذلك يستدعي دليلا، وقد بينا أنه لا دلالة للفعل على شئ سوى ترجيح الفعل على الترك، عندما إذا ظهر من النبي عليه السلام قصد التقرب بفعله، أو نفي الحرج مطلقا، عندما إذا لم يظهر منه قصد القربة.\rوالاصل عدم دليل سوى الفعل.\rوالله أعلم.","part":1,"page":185},{"id":196,"text":"المسألة الثانية إذا فعل النبي عليه السلام فعلا، ولم يكن بيانا لخطاب سابق، ولا قام الدليل على أنه من خواصه، وعلمت لنا صفته من الوجوب أو الندب أو الاباحة، إما بنصه، عليه السلام، على ذلك وتعريفه لنا، أو بغير ذلك من الادلة، فمعظم الائمة من الفقهاء والمتكلمين متفقون على أننا متعبدون بالتأسي به في فعله، واجبا كان أو مندوبا أو مباحا.\rومنهم من منع مذلك مطلقا، ومنهم من فصل، كأبي علي بن خلاد، وقال بالتأسي في العبادات دون غيرها.\rوالمختار إنما هو المذهب الجمهوري ودليله النص والاجماع.\rأما النص، فقوله تعالى: * (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها، لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا) * (33) الاحزاب: 37) ولولا أنه متأسي به في فعله ومتبعا، لما كان للآية معنى.\rوهذا من أقوى ما يستدل به هاهنا.\rوأيضا قوله تعالى: * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) * (3) آل عمران: 31) ووجه الاستدلال به أنه جعل المتابعة له لازمة من محبة الله الواجبة، فلو لم تكن المتابعة له لازمة لزم من عدمها عدم المحبة الواجبة، وذلك حرام بالاجماع.\rوأيضا قوله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) * (33) الاحزاب: 21) ووجه الاحتجاج به أنه جعل التأسي بالنبي عليه السلام، من لوازم رجاء الله تعالى واليوم الآخر.\rويلزم من عدم التأسي عدم الملزوم، وهو الرجاء لله واليوم الآخر.\rوذلك كفر.\rوالمتابعة والتأسي في الفعل على ما بيناه في المقدمة هو أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل من أجل أنه فعل.","part":1,"page":186},{"id":197,"text":"وأما الاجماع فهو أن الصحابة كانوا مجمعين على الرجوع إلى أفعاله، كرجوعهم إلى تزويجه لميمونة، وهو حرام، وفي تقبيله، عليه السلام للحجر الاسود، وجواز تقبيله، وهو صائم إلى غير ذلك من الوقائع الكثيرة التي لا تحصى.\rفإن قيل: أما الآية الاولى، وإن دلت على التأسي به والمتابعة في التزويج من إزواج الادعياء إذا قضوا منهن وطرا، فليس فيها ما يدل على التأسي والمتابعة في كل فعل.\rوأما الاخيرتان، فلا نسلم عموم دلالتها على المتابعة والتأسي في كل شئ إذ لا عموم لهما في ذلك.\rولهذا فإنه يحسن أن يقال: لك في فلان أسوة في كل شئ ويقال: لك في فلان أسوة حسنة في هذا الشئ دون غيره ولو كان لفظ (الاسوة) عاما في كل شئ، لكان قوله: (في كل شئ) تكرارا وقوله: (في هذا\rالشئ دون غيره) مناقضة، بل غايتها الدلالة على المتابعة والتأسي في بعض الاشياء.\rونحن قائلون بذلك في اتباع أقواله والتأسي بما دل الدليل القولي على التأسي به في أفعاله، كقوله: صلوا كما رأيتوني أصلي وخذوا عني مناسككم ونحوه.\rوأما ما ذكرتموه من الاجماع، فلا نسلم أن المستند فيما كانوا يفعلونه التأسي بالنبي في فعله، وإنما كان مستندهم في ذلك غيره، أما فيما كان مباحا، فالبقاء على الاصل، أما فيما كان واجبا أو مندوبا فالاقوال الدالة على ذلك.\rوالجواب: عن الاعتراض على الآية الاولى، أن الآية ليس فيها دلالة على خصوص متابعة المؤمنين للنبي، عليه السلام، في ذلك.\rولولا أن التأسي بالنبي عليه السلام في جميع أفعاله لازم، لما فهم المؤمنون من إباحة ذلك للنبي عليه السلام إباحة ذلك لهم، ولا يمكن أن يقال بأن فهم الاباحة إنما كان مستندا إلى الاباحة الاصلية، وإلا، لما كان لتعليل تزويج النبي عليه السلام، بنفي الحرج عن المؤمنين معنى، لكونه مدفوعا بغيره.\rوعن الاعتراض الثاني على الآيتين الاخريين، أن مقصودهما إنما هو بيان كون النبي، عليه السلام، أسوة لنا ومتبعا، إظهارا لشرفه، وإبانة لخطره.\rوذلك إنما يكون في شئ واحد، أو في جميع الاشياء.\rفإن كان في شئ واحد، فإما أن","part":1,"page":187},{"id":198,"text":"يكون معينا أو مبهما: القول بالتعيين ممتنع لعدم دلالة اللفظ عليه، والقول بالابهام ممتنع، لانه على خلاف الغالب من خطاب الشرع، ولكونه أبعد إظهار شرف النبي، عليه السلام.\rفلم يبق إلا أن يكون في جميع الاشياء.\rوإذا قال: لك أسوة في فلان في جميع الاشياء فهو مفيد للتأكيد، ولي تكرارا خليا عن الفائدة وإذا قال: لك أسوة في فلان في هذا الشئ دون غيره فلا يكون مناقضة، لان العموم إنما هو مستفاد من التأسي والمتابعة المطلقة وهذا ليس بمطلق، بل الكل\rجملة واحدة مفيدة لشئ معين.\rوأما ما ذكروه على الاجماع، فهو خلاف المشهور المأثور عنهم عند اتفاقهم بعد اختلافهم في التمسك بأفعال النبي، عليه السلام، والرجوع إليها وسؤال زوجاته، والبحث عن أفعاله في ذلك، وسكون أنفسهم إليها، والاعتماد عليها، واحتجاج بعضهم على بعض بها.\rولو كان ثم دليل يدل على المتابعة والتأسي غير النظر إلى أفعاله، لبادروا إليه من غير توقف على البحث عن فعله، عليه السلام، وعلى ما ذكرناه في فعله، يكون الحكم في تركه.\rالمسألة الثالثة إذا فعل واحد بين يدى النبي عليه السلام فعلا أو في عصره، وهو عالم به قادر على إنكاره، فسكت عنه وقرره عليه من غير نكير عليه، فلا يخلو إما أن يكون النبي عليه السلام، قد عرف قبح ذلك الفعل وتحريمه من قبل، أو لم يكن كذلك.\rفإن كان الاول، فإما أن يكون قد علم إصرار ذلك الفاعل على فعله، وعلم من النبي، عليه السلام، الاصرار على قبح ذلك الفعل وتحريمه، كاختلاف أهل الذمة إلى كنائسهم، أو لم يكن كذلك.\rفإن كان الاول، فالسكوت عنه لا يدل على جوازه وإباحته إجماعا، ولا يوهم كونه منسوخا.\rوإن كان الثاني، فالسكوت عنه وتقريره له من غير إنكار يدل على نسخه","part":1,"page":188},{"id":199,"text":"عن ذلك الشخص.\rوإلا لما ساغ السكوت حتى لا يتوهم أنه منسوخ عنه، فيقع في المحذور، وفيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو غير جائز بالاجماع، إلا على رأي من يجوز التكليف بما لا يطاق.\rوأما، إن لم يكن النبي عليه السلام قد سبق منه النهي عن ذلك الفعل، ولا عرف تحريمه، فسكوته عن فاعله وتقريره له عليه ولا سيما إن وجد منه استبشار وثناء على الفاعل، فإنه يدل على جوازه ورفع الحرج عنه، وذلك لانه لو لم يكن فعلا جائزا لكان تقريره له عليه، مع القدرة على إنكاره، وكان استبشاره وثناؤه عليه حراما على النبي عليه السلام.\rوهو وإن كان من الصغائر الجائزة على النبي، عليه السلام، عند قوم، إلا أنه في غاية البعد، لا سيما فيما يتعلق ببيان الاحكام الشرعية.\rوإذا كان كذلك، فالانكار هو الغالب.\rفحيث لم يوجد ذلك منه دل على الجواز غالبا.\rفإن قيل: يحتمل أنه لم ينكر عليه: إما لعلمه بأنه لم يبلغه التحريم، فلم يكن الفعل عليه حراما إذ ذاك، أو لانه علم بلوغ التحريم إليه، ولم ينجع فيه وأصر على ما هو عليه، أو لانه منعه مانع من الانكار.\rقلنا: عدم بلوغ التحريم إليه غير مانع من الانكار والاعلام بأذلك الفعل حرام بل الاعلام بالتحريم واجب، حتى لا يعود إليه ثانيا، وإلا كان السكوت مما يوهم: إما عدم دخوله في عموم التحريم، أو النسخ.\rوأما، إذا علم ذلك الشخص التحريم، وأصر على فعله مع كونه مسلما متبعا للنبي عليه السلام، فلا بد من تجديد الانكار، حتى لا يتوهم نسخه.\rولا يلزم على هذا تجديد الانكار على اختلاف أهل الذمة إلى كنائسهم، إذ هم غير متبعين له، ولا يعتقدون تحريم ذلك، حتى يقال: يتوهم نسخ ذلك بسكوت النبي، عليه السلام، عن الانكار عليهم.\rوما ذكروه من احتمال المانع، وإن كان قائما عقلا، غير أن الاصل عدمه، وهو في غاية البعد، ولا سيما بعد ظهور شوكته واستيلائه وقهره لمن سواه.","part":1,"page":189},{"id":200,"text":"المسألة الرابعة\rلا يتصور التعارض بين أفعال رسول الله، بحيث يكون البعض منها ناسخا للآخر، أو مخصصا له، وذلك لانهما إما من قبيل المتماثلين، كفعل صلاة الظهر مثلا في وقتين متماثلين أو في وقتين مختلفين، وإما من قبيل المختلفين.\rوالفعلان المختلفان إما أن يتصور اجتماعهما، كالصوم والصلاة، أو لا يتصور اجتماعهما.\rوما لا يتصور اجتماعهما: إما أن لا تتناقض أحكامهما، كصلاة الظهر والعصر مثلا، أو تتناقض، كما لو صام في وقت معين، وأكل في مثل ذلك الوقت.\rفإن كان من القسم الاول، أو الثاني، أو الثالث، فلا خفاء بعدم التعارض بينهما، لامكان الجمع.\rوإن كان من القسم الرابع، فلا تعارض أيضا، إذ أمكن أن يكون الفعل في وقت واجبا أو مندوبا أو جائزا، وفي وقت آخر بخلافه، ولا يكون أحدهما رافعا، ولا مبطلا لحكم الآخر، إذا لا عموم للفعلين، ولا لاحدهما.\rنعم إن دل الدليل على أن ما فعله النبي عليه السلام، من الصوم، كان يجب تكريره عليه في مثل الوقت أو دل الدليل على لزوم وجوب تأسي أمته به في ذلك الوقت.\rفإذا ترك ذلك الفعل في مثل ذلك الوقت بالتلبس بضده، كالاكل مع الذكر للصوم والقدرة عليه، فإن أكله يدل على نسخ حكم ذلك الدليل الدال على تكرار الصوم في حقه، لا نسخ حكم ذلك الصوم المتقدم لعدم اقتضائه للتكرار، ورفع حكم وجد محال، أو أنه رأى بعض الامة فمثل ذلك الوقت يأكل، فأقره عليه، ولم ينكر مع الذكر للصوم والقدرة على الانكار، فإن ذلك يدل على نسخ حكم ذلك الدليل المقتضي لتعميم الصوم على الامة في حق ذلك الشخص أو تخصيصه، لا نسخ حكم فعل الرسول ولا تخصيصه.\rوإن قيل النسخ فعل الرسول وتخصيصه، فلا يكون إلا بمعنى أنه قد زال التعبد بمثله عن الرسول، أو الواحد من الامة، وذلك من باب التجوز والتوسع لا أنه حقيقة.","part":1,"page":190},{"id":201,"text":"المسألة الخامسة إذا تعارض فعل النبي وقوله، فإما أن يكون فعله لم يدل الدليل على تكرره في حقه، ولا على تأسي الامة به فيه، أو دل.\rفإن كان الاول، فقوله إما أن يكون خاصا به، أو بنا، أو هو عام له ولنا.\rفإن كان خاصا به، فإما أن يعلم تقدم أحدهما، أو يجهل التاريخ فإن علم تقدم أحدهما، وتأخر الآخر، فإما أن يكون المتقدم هو الفعل، أو القول.\rفإن كان المتقدم هو الفعل مثل أن يفعل فعلا في وقت ويقول بعده، إما على الفور أو التراخي: لا يجوز لي مثل هذا الفعل في مثل هذا الوقت، فلا تعارض بينهما، لان القول لم يرفع حكم ما تقدم من الفعل في الماضي ولا في المستقبل.\rلان الفعل غير مقتض للتكرار على ما وقع به الغرض، وقد أمكن الجمع بين حكم القول والفعل، وأن كان المتقدم هو القول مثل أن يقول: الفعل الفلاني واجب علي في الوقت الفلاني، ثم يتلبس بضده في ذلك الوقت.\rفمن جوز نسخ الحكم قبل االتمكن من الامتثال، قال: إن الفعل ناسخ لحكم القول.\rومن لم يجوز ذلك، منع كون الفعل رافعا لحكم القول، وقال: لا يتصور وجود مثل ذلك الفعل مع العمد، إن لم نجوز على النبي، عليه السلام.\rوإلا فهو معصية.\rوأما إن كان قوله خاصا بنا، فلا تعارض أيضا لعدم اجتماعهما في محل واحد من جهة واحدة.\rوأما إن كان قوله عاما لنا وله، فإن كان الفعل متقدما، فلا معارضة أيضا بين قوله وفعله.\rأما بالنسبة إليه، عليه السلام فلما تقدم فيما إذا كان قوله خاصا به، وأما إلينا فلان فعله غير متعلق بنا على ما وقع به الغرض.\rوإن كان القول هو المتقدم، فالحكم في التعارض بين قوله وفعله بالنسبة إليه، كما تقدم أيضا فيما إذا كان قوله خاصا به، ولا معارضة بالنسبة إلينا، لعدم توارد قوله وفعله علينا على ما وقع به الغرض.\rهذا كله فيما إذا لم يدل الدليل على تكرر ذلك الفعل في حقه، ولا تأسي الامة به.\rوأما إن دل الدليل على تكرره في حقه، وعلى تأسي الامة به، أو على تكرره في حقه، دون تأسي الامة به أو على تأسي الامة به، دون تكرره في حقه.\rفالحكم مختلف في هذه الصور.","part":1,"page":191},{"id":202,"text":"فإن دل الدليل على تكرره في حقه، وعلى تأسي الامة به، فلا يخلو قوله، إما أن يكون خاصا به، أو بنا، أو هو عام له ولنا: فإن كان قوله خاصا به، فإما أن يعلم تقدم الفعل أو القول أو يجهل التاريخ: فإن علم تقدم، فالقول المتأخر يكون ناسخا لحكم الفعل في حقه في المستقبل، دون أمته لعدم تناول القول لهم.\rوإن كان القول هو المتقدم، ففعله يكون ناسخا لحكم القول في حقه، أن كان بعد التمكن من الامتثال أو قبله، على رأي من يجوزه، وموجبا للفعل على أمته.\rوأما إن جهل التاريخ، فلا معارضة بين فعله وقوله بالنسبة إلى الامة لعدم تناول قوله لهم.\rوأما بالنسبة إليه، فقد اختلف فيه: فمنهم من قال بوجوب العمل بالقول، ومنهم من قال بالعكس، ومنهم من أوجب المعارضة والوقف إلى حين قيام دليل التاريخ.\rوالمختار إنما هو العمل بالقول لوجوه أربعة: الاول: أن القول يدل بنفسه من غير واسطة.\rوالفعل إنما يدل على الجواز بواسطة أن النبي عليه السلام لا يفعل المحرم، وذلك مما يتوقف على الدلائل الغامضة البعيدة.\rالثاني: أن القول مما يمكن التعبير به عما ليس بمحسوس، كالمعقولات الصرفة، وعن المحسوس، والفعل لا ينبئ عن غير محسوس، فكانت دلالة القول أقوى وأتم.\rالثالث: أن القول قابل للتأكيد بقول آخر، ولا كذلك الفعل.\rالقول.\rفكان القول لذلك أولى.\rالرابع: أن العمل بالقول ههنا مما يفضي إلى نسخ مقتضى الفعل في حق النبي عليه السلام دون الامة.\rوالعمل بالفعل يفضي إلى إبطال مقتضى القول بالكلية، فكان الجمع بينهما، ولو من وجه، أولى.\rفإن قيل: بل الفعل آكد في الدلالة، فإنه يبين به القول، والمبين للشئ آكد في الدلالة من ذلك الشئ.\rوبيانه أن جبريل عليه السلام، بين للنبي عيله السلام كيفية الصلاة المأمور بها، وبين مواقيتها حيث صلى به في اليومين، وقال: يا محمد، الوقت ما بين هذين والنبي، عليه السلام، بين الصلاة للامة بفعله، حيث قال: صلوا كما رأيتموني أصلي وبين المراد من قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) * (3) آل عمران: 97) بفعله حيث قال: خذوا عني مناسككم وقال للذي سأله عن مواقيت الصلاة: صل معنا وبين الشهر بأصابعه حيث قال: إنما الشهر هكذا وهكذا","part":1,"page":192},{"id":203,"text":"وأيضا فإن كل من رام تعليم غيره، إذا أراد المبالغة في إيصال معنى ما يقوله إلى فهمه، استعان في ذلك بالاشارة بيده، والتخطيط وتشكيل الاشكال، ولولا أن الفعل أدل لما كان كذلك.\rقلنا: غاية ما ذكرتموه وجود البيان بالفعل، وكما وجد البيان بالفعل، فقد وجد بالقول أغلب من البيان بالفعل.\rفإن أكثر الاحكام مستندها إنما هو الاقوال دون الافعال، وغايته أنهما يتساويان في ذلك ويبقى ما ذكرناه من الترجيحات الاولى بحالها.\rهذا كله إذا كان قوله خاصا به.\rوأما إن كان قوله خاصا بنا دونه، فإما أن يعلم تقدم الفعل أو القول، أو يجهل التاريخ.\rفإن علم تقدم الفعل، فالقول المتأخر يكون ناسخا للحكم في حقنا دونه، وإن كان القول هو المتقدم فالحكم في كون الفعل ناسخا لحكم القول في حقنا دون النبي فكما ذكرناه فيما إذا كان القول خاصا به.\rوأما إن جهل التاريخ فالخلاف كالخلاف فيما إذا كان القول خاصا به،\rوالمختار إنما هو العمل بالقول لما علم.\rوأما إن كان القول عاما له ولنا، فأيهما تأخر كان ناسخا لحكم المتقدم في حقه وحقنا على ما ذكرناه من التفصيل في التعقيب والتراخي.\rوإن جهل التاريخ، فالخلاف كالخلاف.\rوالمختار كالمختار.\rهذا كله فيما إذا دل الدليل على تكرر الفعل في حقه وعلى تأسي الامة به.\rوأما إن دل الدليل على تكرره في حقه دون تأسي الامة به، فالقول إن كان خاصا بالامة، فلا تعارض لعدم المزاحمة، بينهما.\rوإن كان خاصا بالنبي، أو هو عام له، وللامة، فالتعارض بين القول والفعل إنما يتحقق بالنسبة إليه، دون أمته، لعدم قيام الدليل على تأسي الامة به في فعله، ولا يخفى الحكم، سواء تقدم الفعل أو تأخر، أو جهل التاريخ.","part":1,"page":193},{"id":204,"text":"وأما إن دل الدليل على تأسي الامة به في فعله، دون تكرره في حقه.\rفالقول إن كان خاصا به، فإن كان متأخرا عن الفعل فلا معارضة لا في حقه، ولا في حق أمته، وإن كان متقدما فالفعل المتأخر عنه يكون ناسخا لحكم القول في حقه على ما ذكرناه من التفصيل، دون أمته.\rوإن جهل التاريخ، فالخلاف على ما تقدم.\rوإن كان القول خاصا بأمته، فلا معارضة بين القول والفعل بالنسبة إلى النبي عليه السلام لعدم المزاحمة.\rوأما إن تحققت المعارضة بين القول والفعل بالنسبة إلى الامة، فأيهما كان متأخرا، فهو الناسخ، وإن جهل التاريخ، فالخلاف على ما سبق وكذلك المختار.\rوإن كان القول عاما له ولامته، فإن تقدم الفعل، فالقول المتأخر لا معارضة\rبينه وبين الفعل في حق النبي عليه السلام.\rوإنما هو ناسخ لحكم الفعل في حق الامة.\rوإن تقدم القول فالفعل ناسخ لحكم القول في حق النبي والامة.\rوإن جهل التاريخ، فالخلاف كالخلاف، والمختار كالمختار.\rوالله أعلم.","part":1,"page":194},{"id":205,"text":"الاصل الثالث في الاجماع ويشتمل على مقدمة، ومسائل.\rأما المقدمة: ففي تعريف الاجماع.\rوهو في اللغة باعتبارين: أحدهما العزم على الشئ والتصميم عليه، ومنه يقال: أجمع فلان على كذا، إذا عزم عليه، وإليه الاشارة بقوله تعالى: * (فأجمعوا أمركم) * (10) يونس: 71) أي اعزموا، وبقوله عليه السلام: لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل أي يعزم.\rوعلى هذا فيصح إطلاق اسم الاجماع على عزم الواحد.\rالثاني: الاتفاق، ومنه يقال: أجمع القوم على كذا، إذا اتفقوا عليه.\rوعلى هذا، فاتفاق كل طائفة على أمر من الامور، دينيا كان أو دنيويا، يسمى إجماعا حتى اتفاق اليهود والنصارى.\rوأما في اصطلاح الاصوليين، فقد قال النظام: هو كل قول قامت حجته، حتى قول الواحد.\rوقصد بذلك الجمع بين إنكاره كون إجماع أهل الحل والعقد حجة، وبين موافقته لما اشتهر بين العلماء من تحريم مخالفة الاجماع، والنزاع معه في إطلاق اسم الاجماع على ذلك، مع كونه مخالفا للوضع اللغوي، والعرف الاصولي آيل إلى اللفظ.\rوقال الغزالي: الاجماع عبارة عن اتفاق أمة محمد خاصة على أمر من الامور الدينية.\rوهو مدخول من ثلاثة أوجه:\rالاول: أن ما ذكره يشعر بعدم انعقاد الاجماع إلى يوم القيامة.\rفإن أمة محمد جملة من اتبعه إلى يوم القيامة، ومن وجد في بعض الاعصار منهم إنما يعم بعض الامة لا كلها، وليس ذلك مذهبا له ولا لمن اعترف بوجود الاجماع.\rالثاني أنه، وإن صدق على الموجودين منهم في بعض الاعصار أنهم أمة محمد، غير أنه يلزم مما ذكره أنه لو خلا عصر من الاعصار عن أهل الحل والعقد، وكان كل من فيه عاميا واتفقوا على أمر ديني أن يكون إجماعا شرعيا.\rوليس كذلك.","part":1,"page":195},{"id":206,"text":"الثالث: أنه يلزم من تقييده للاجماع بالاتفاق على أمر من الامور الدينية أن لا يكون إجماع الامة على قضية عقلية أو عرفية حجة شرعية.\rوليس كذلك، لما يأتي بيانه.\rوالحق في ذلك أن يقال: الاجماع عبارة عن اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد في عصر من الاعصار على حكم واقعة من الوقائع.\rهذا إن قلنا إن العامي لا يعتبر في الاجماع.\rوإلا فالواجب أن يقال: الاجماع عبارة عن اتفاق المكلفين من أمة محمد إلى آخر الحد المذكور.\rفقولنا: (اتفاق) يعم الاقوال والافعال، والسكوت والتقرير.\rوقولنا: (جملة أهل الحل والعقد) احتراز عن اتفاق بعضهم وعن اتفاق العامة.\rوقولنا: (من أمة محمد) احتراز عن اتفاق أهل الحل والعقد من أرباب الشرائع السالفة.\rوقولنا في: (عصر من الاعصار) حتى يندرج فيه إجماع أهل كل عصر.\rوإلا أوهم ذلك أن الاجماع لا يتم إلا باتفاق أهل الحل والعقد في جميع الاعصار إلى يوم القيامة.\rوقولنا: (على حكم واقعة) ليعم الاثبات والنفي، والاحكام العقلية والشرعية.\rوإذا عرف معنى الاجماع، فلنرجع إلى المسائل المتعلقة به.\rالمسألة الاولى\rاختلفوا في تصور اتفاق أهل الحل والعقد على حكم واحد غير معلوم بالضرورة: فأثبته الاكثرون، ونفاه الاقلون، مصيرا منهم إلى أن اتفاقهم على ذلك الحكم إما أن يكون عن دليل قاطع لا يحتمل التأويل، أو عن دليل ظني.\rلا جائز أن يقال بالاول، وإلا لكانت العادة محيلة لعدم نقله وتواطي الجمع الكثير على إخفائه، فحيث لم ينقل، دل على عدمه.\rكيف وأنه لو نقل لكان كافيا في الدلالة عن إجماعهم، ولا جائز أن يقال بالثاني، لانهم مع كثرتهم واختلاف أذهانهم ودواعيهم في الاعتراف بالحق والعناد، فالعادة أيضا تحيل اتفاقهم على الحكم الواحد، كما أنها تحيل اتفاقهم على أكل","part":1,"page":196},{"id":207,"text":"طعام واحد معين في يوم واحد، وهو باطل، فأنه إن كان إجماعهم عن دليل قاطع فإنما يمتنع عدم نقله، أن لو دعت الحاجة إليه، وإنما تدعو الحاجة إليه أن لو لم يكن الاجماع على ذلك الحكم كافيا عنه.\rوهو محل النزاع وإن كان ذلك عن دليل ظني فلا يمتنع معه اتفاق الجمع الكبير على حكمه بدليل اتفاق أهل الشبه على أحكامها مع الادلة القاطعة على مناقضتها، كاتفاق اليهود والنصارى على إنكار بعثة محمد، صلى الله عليه وسلم، واتفاق الفلاسفة على قدم العالم، والمجوس على التثنية مع كثرة عددهم كثرة لا تحصى فالاتفاق على الدليل الظنى الخالي عن معارضة القاطع له، أولى أن لا يمتنع عادة، وخرج عليه امتناع اتفاق الجمع الكثير على أكل طعام معين في وقت واحد في العادة لعدم الصارف إليه كيف وأن جميع ما ذكروه منتقض بما وجد من اتفاق جميع المسلمين، فضلا عن اتفاق أهل الحل والعقد، مع خروج عددهم عن الحصر، على وجوب الصلوات الخمس وصوم رمضان ووجوب الزكاة والحج، وغير ذلك من الاحكام التى لم\rيكن طريق العلم بها الضرورة والوقوع دليل التصور وزيادة.","part":1,"page":197},{"id":208,"text":"المسألة الثانية المتفقون على تصور انعقاد الاجماع اختلفوا في إمكان معرفته والاطلاع عليه: فأثبته الاكثرون أيضا، ونفاه الاقلون، ومنهم أحمد بن حنبل في أحدى الروايتين عنه.\rولهذا نقل عنه أنه قال: من ادعى وجود الاجماع فهو كاذب، اعتمادا منهم على أن معرفة اتفاقهم على اعتقاد الحكم الواحد متوقف على سماع الاخبار بذلك من كل واحد من أهل الحل والعقد، أو مشاهدة فعل أو ترك منه يدل عليه.\rوذلك كله يتوقف على معرفة كل واحد منهم، وذلك، مع كثرتهم وتفرقهم في البلاد النائية والاماكن البعيدة، متعذر عادة.\rوبتقدير المعرفة بكل واحد منهم فمعرفة معتقده إنما تكون بالوصول إليه والاجتماع به، وهو أيضا متعذر.\rوبتقدير الاجتماع به، وسماع قوله، ورؤية فعله أو تركه قد لا يفيد ذلك اليقين بأنه معتقده، لجواز أن يكون إخباره وما يشاهد من فعله أو تركه على خلاف معتقده لغرض من الاغراض.\rوبتقدير حصول العلم بمعتقده، فلعله يرجع عنه قبل الوصول إلى الباقين وحصول العلم بمعتقدهم، ومع الاختلاف فلا إجماع.\rوطريق الرد عليهم أن يقال: جميع ما ذكرتموه باطل بالواقع ودليل الوقوع ما علمناه علما لا مراء فيه من أن مذهب جميع الشافعية امتناع قتل المسلم بالذمي، وبطلان النكاح بلا ولي، وأن مذهب جميع الحنفية نقيض ذلك مع وجود جميع ما ذكروه من التشكيكات والوقوع في هذه الصور دليل الجواز العادي وزيادة.","part":1,"page":198},{"id":209,"text":"فإن قيل إنما علمنا أن مذهب أصحاب الشافعي وأبي حنيفة ذلك لانا علمنا قول الشافعي وقول أبي حنيفة في ذلك وهو قول واحد يمكن الاطلاع عليه.\rفعلمنا\rأن مذهب كل من يتبعه وهو مقلد له ذلك، ولا كذلك في الاجماع لانه لم يظهر لنا نص عن الله والرسول يكون مستند إجماعهم.\rولو عرف ذلك لكان هو الحجة.\rقلنا: هذا، وإن استمر لكم هاهنا فلا يستمر فيما نقله قطعا من اعتقاد النصارى واليهود من إنكار بعثة النبي عليه السلام.\rفإن ذلك لم يظهر لنا فيه أنه قول موسى، ولا عيسى، ولا قول واحد معين، حتى يكون اعتقادهم ذلك لاتباعهم له.\rفما هو الجواب هاهنا، فهو الجواب في محل النزاع.","part":1,"page":199},{"id":210,"text":"المسألة الثالثة اتفق أكثر المسلمين على أن الاجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم، خلافا للشيعة والخوارج والنظام من المعتزلة.\rوقد احتج أهل الحق في ذلك بالكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب فخمس آيات: الآية الاولى، وهي أقواها، وبها تمسك الشافعي، رضي الله عنه، وهي قوله تعالى: * (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) * (4) النساء: 115) ووجه الاحتجاج بالآية أنه تعالى توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين، ولو لم يكن ذلك محرما، لما توعد عليه، ولما حسن الجمع بينه، وبين المحرم من مشاقة الرسول، عليه السلام، في التوعد، كما لا يحسن التوعد على الجمع بين الكفر واكل الخبز المباح.\rفإن قيل لا نسلم أن من للعموم، على ما سيأتي في مسائل العموم، حتى يتناول كل من اتبع غير سبيل المؤمنين.\rسلمنا أنها للعموم، غير أن التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين إنما وقع مشروطا بمشاقة الرسول، والمشروط على العدم عند عدم الشرط سلمنا لحوق الذم باتباع غير سبيل المؤمنين على انفراده، لكنه متردد بين أن\rيراد به عدم متابعة سبيل المؤمنين، وتكون (غير) بمعنى إلا، وبين أن يراد به متابعة سبيل غير المؤمنين، وتكون (غير) هنها صفة لسبيل غير المؤمنين.\rوليس أحد الامرين أولى من الآخر، وبتقدير أن تكون (غير) صفة لسبيل غير المؤمنين، فسبيل غير المؤمنين هو الكفر.\rونحن نسلم أن من شاقق الرسول وكفر، فإنه يكون متوعدا بالعقاب، وذلك لا يدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين.\rسلمنا أن سبيل غير المؤمنين ليس هو الكفر، ولكن ذلك لا يدل على التوعد على عدم اتباع سبيل المؤمنين، بل غاية ما يلزم من تخصيص اتباع سبيل غير المؤمنين بالتوعد عدم التوعد على اتباع سبيل المؤمنين بمفهومه.\rولا نسلم أن","part":1,"page":200},{"id":211,"text":"المفهوم حجة.\rوإن سلمنا أنه حجة، لكن في عدم التوعد على متابعة سبيل المؤمنين.\rونحن نقول به.\rولا يلزم من ذلك وجوب اتباعهم.\rسلمنا أن المراد به عدم اتباع سبيل المؤمنين، لكنه يتناول سبيل جميع المؤمنين، وجميع المؤمنين، كل من آمن بالله ورسوله إلى يوالقيامة.\rوذلك لا يدل على أن ما وجد من الاجماع في بعض الاعصار حجة.\rسلمنا أن المراد منه سبيل المؤمنين في كل عصر، لكنه عام في كل مؤمن عالم وجاهل.\rوالجهال غير داخلين في الاجماع المتبع.\rوما دون ذلك، فالآية غير دالة عليه.\rسلمنا أن المراد بالمؤمنين أهل الحل والعقد في أي عصر اتفق، لكن لفظ (السبيل) مفرد لا عموم فيه، فلا يقتضي اتباع كل سبيل سلمنا عمومه، لكنه مما يمتنع حمله على متابعة كل سبيل، وإلا لوجب متابعة أهل الاجماع فيما فعلوه من المباحات، لانهم فعلوه، ولا يجب لحكمهم عليه بالاباحة.\rولوجب اتباعهم في إجماعهم قبل الاتفاق على حكم من الاحكام على جواز الاجتهاد فيه لكل أحد\rواتباعهم في امتناع الاجتهاد فيه بعد اتفاقهم عليه.\rوذلك تناقض محض.\rوعند ذلك، فيحتمل أنه أراد به متابعة سبيلهم في متابعتهم للنبي عليه السلام، وترك مشاقته.\rويحتمل أنه أراد به اتباع سبيلهم في الايمان واعتقاد دين الاسلام ويحتمل أنه أراد اتباع سبيلهم في الاجتهاد دون التقليد.\rونحن نقول بذلك كله.\rكيف ويجب الحمل على ذلك، لما فيه من العمل باللفظ في زمن النبي، وفيما بعده.\rولو كان محمولا على متابعتهم فيما اتفقوا عليه من الاحكام الشرعية، لكان ذلك خاصا بما بعد وفاة النبي عليه السلام، لاستحالة الاحتجاج بالاجماع في زمانه","part":1,"page":201},{"id":212,"text":"سلمنا أن المراد به متابعتهم فيما أجمعوا عليه من الاحكام الشرعية لكنه مشروط بسابقة تبين الهدى، بدليل قوله تعالى: * (من بعد ما تبين له الهدي) * والهدى مذكور بالالف واللام المستغرقة، فيدخل فيه كل هدى، حتى إجماعهم على الحكم الشرعي، وإنما يتبين الهدى بدليله، وإذا كان الاجماع من جملة الهدى، فلا بد من تقدم بيانه بدليله.\rودليل كون الاجماع هدى لا يكون هو نفس الاجماع بل هو غيره.\rوعند ذلك فظهور ذلك الدليل كاف في اتباعه عن اتباع الاجماع.\rسلمنا وجوب اتباع سبيل المؤمنين مطلقا، لكن المراد بالمؤمنين الائمة المعصومون، لان سبيلهم لا يكون إلا حقا، أو المؤمنين إذا كان فيهم الامام المعصوم، لان سبيلهم سبيله، وسبيل المعصوم لا يكون إلا حقا.\rفكان واجب الاتباع.\rوالثاني ممنوع.\rسلمنا وجوب إتباع سبيل المؤمنين، وإن لم يكن فيهم الامام المعصوم، ولكن إذا علم كونهم مؤمنين، والايمان هو التصديق، وهو باطن لا سبيل إلى معرفته.\rوإذا لم يعلم كونهم مؤمنين، فالاتباع لا يكون واجبا لفوات شرطه.\rسلمنا دلالة ما ذكرتموه على كون الاجماع حجة، ولكنه معارض بالكتاب والسنة والمعقول.\rأما الكتاب، فقوله تعالى: * (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: 89) وذلك\rيدل على عدم الحاجة إلى الاجماع،.\rوقوله تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * (4) النساء: 59) اقتصر على الكتاب والسنة.\rوذلك يدل على عدم الحاجة إلى الاجماع.\rوقوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * (2) البقرة: 188) وقوله: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (2) البقرة: 169) نهى كل الامة عن هاتين المعصيتين، وذلك يدل على تصورهما منهم، ومن تتصور منه المعصية لا يكون قوله ولا فعله موجبا للقطع.\rوأما السنة، فهو أن النبي عليه السلام أقر معاذا لما سأله عن الادلة المعمول بها، على إهماله لذكر الاجماع، ولو كان الاجماع دليلا، لما ساغ ذلك مع الحاجة إليه.\rوأيضا فإنه قد ورد عن النبي عليه السلام ما يدل على جواز خلو العصر عمن تقوم الحجة بقوله.\rعليه السلام: بدئ الاسلام غريبا، وسيعود كما بدأ","part":1,"page":202},{"id":213,"text":"وأيضا قوله: لا ترجعوا بعدي كفارا نهى الكل عن الكفر، وهو دليل جواز وقوعه منهم.\rوقوله: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا، ولكن بقبض العلماء حتى إذا يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا وقوله: تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها أول ما ينسى وقوله عليه السلام: لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة وقوله: خير القرون القرن الذي أنا فيه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم تبقى حثالة كحثالة التمر لا يعبأ الله بهم.\rوأما المعقول فما ذكرناه في المسألتين الاوليين.\rوأيضا فإن أمة محمد أمة من الامم، فلا يكون إجماعهم حجة كغيرهم من الامم.\rوأيضا فإن الاحكام الشرعية لا يصح إثباتها إلا بدليل، فلا يكون إجماع الامة\rدليلا عليها، كالتوحيد وسائر المسائل العقلية.\rوالجواب: قولهم لا نسلم أن (من) للعموم سيأتي بيان ذلك في مسائل العموم.\rقولهم إن التوعد إنما وقع على الجبين المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين، فقد أجاب عنه بعض أصحابنا بأن التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، إن لم يكن مشروطا بمشاقة الرسول، فهو المطلوب، وإن كان مشروطا به، فيكون اتباع غير سبيل المؤمنين غير متوعد عليه عند عدم المشاقة مطلقا، وذلك باطل، لان مخالفة الاجماع، وإن لم تكن خطأ لكن لا يلزم أن تكون صوابا مطلقا، وما لا يكون صوابا مطلقا لا يكون جائزا مطلقا، وليس بحق لانه إذا سلم أن مخالفة الاجماع عند عدم المشاقة ليست خطأ، فقوله لا يلزم أن تكون صوابا مطلقا.\rقلنا: إن لم تكن صوابا، فإما أن يكون عدم الصواب خطأ، أو لا يكون خطأ: فإن كان الاول، فقد ناقض، وإن كان الثاني.\rفما لا يكون خطأ لا يلزم التوعد عليه وقال أبو الحسين البصري: هذا يقتضي أن من شاق الرسول يجب عليه اتباع سبيل المؤمنين مع مشاقته للرسول، ومشاقة الرسول ليست معصية فقط، وإنما هي","part":1,"page":203},{"id":214,"text":"معصية على سبيل الرد عليه، لان من صدق النبي عليه السلام، وفعل بعض المعاصي، لا يقال إنه مشاق للرسول.\rومن كذب النبي عليه السلام لا يصح أن يعلم صحة الاجماع بالسمع، ومن لا يصح عليه ذلك لا يصح أن يكون مأمورا باتباعه في تلك الحال، وهو غير سديد.\rفإن لقائل أن يقول: وإن سلمنا أن المفهوم من المشاقة للنبي تكذيبه، وأن من كذب النبي لا يعلم بالسمع صحة الاجماع، ولكن القول بأنه لا يكون مأمورا باتباع الاجماع مبني على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الاسلام، وهو باطل بما\rسبق تقريره.\rوقيل في جوابه أيضا إن الوعيد إذا علق على أمرين اقتضى ذلك التوعد بكل واحد من الامرين جملة وإفرادا.\rويدل عليه قوله تعالى: * (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون.\rومن يفعل ذلك يلق أثآما) * (25) الفرقان: 68) فإنه يقتضي لحوق المأثم بكل واحد من هذه الامور جملة، وبكل واحد على انفراده.\rولقائل أن يقول: لا نسلم ثبوت الاثم في كل واحد من هذه الامور على انفراده بهذه الآية، وإنما كان ذلك مستفادا من الادلة الخاصة الدالة على لزوم المأثم بكل واحد من هذه الامور بخصوصه.\rولهذا، فإنه لما لم يدل الدليل الخاص على مضاعفة العذاب بكل واحد من هذ الامور، لم تكن الآية مقتضية لتضاعف العذاب على كل واحد بتقدير الانفراد إجماعا، ولو كانت مقتضية لذلك، لكان نفي المتضاعف بقوله: * (يضاعف له العذاب يوم القيامة، ويخلد فيه مهانا) * (25) الفرقان: 69) على خلاف الدليل.\rولهذا، فإنه لو قال لزوجته: إن كلمت زيدا وعمرا، أو إن كلمت زيدا، ودخلت الدار، فأنت طالق فإنه لا يقع الطلاق بوجود أحد الامرين، ولولا أن الحكم المعلق على أمرين، على العدم عند عدم أحدهما، لكان انتفاء الحكم في هذه الصورة، على خلاف الدليل، وهو ممتنع، والاقرب في ذلك أن يقال: لا خلاف في التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين","part":1,"page":204},{"id":215,"text":"عند المشاقة.\rوعند ذلك إما أن يكون لمفسدة متعلقة، أو لا لمفسدة.\rلا جائز أن يقال بالثاني، فإن ما لا مفسدة فيه لا توعد عليه من غير خلاف، وإن كان الاول فالمفسدة في اتباع غير سبيل المؤمنين إما أن تكون من جهة مشاقة الرسول أو لا من جهة مشاقته.\rفإن كان الاول فذكر المشاقة كاف في التوعد كما قيل، ولا حاجة إلى قوله: ويتبع غير سبيل المؤمنين وإن كان الثاني، لزم التوعد لتحقق المفسدة سواء وجدت المشاقة أو لم توجد.\rقولهم إن (غير) مترددة بين أن تكون بمعنى إلا، أو بمعنى الصفة، قلنا: لا يمكن أن تكون (غير) هاهنا صفة، لانه يلزم من ذلك تحريم متابعة سبيل غير المؤمنين.\rويلزم من ذلك أن الامة إذا أجمعت على إباحة فعل من الافعال أن يحرم على المكلف أن يقول بحظره أو وجوبه، والمخالف لا يقول بذلك.\rوبتقدير أن يكون المراد منه تحريم اتباع سبيل غير المؤمنين، فذلك يعم تحريم كل سبيل هو غير سبيل المؤمنين، لانه سبيل غير المؤمنين.\rولهذا فإن من اختار لنفسه حالة، وتمسك بها، وكان معروفا بها، يقال إنها سبيلة، سواء تعددت الاحوال أو اتحدت.","part":1,"page":205},{"id":216,"text":"وإذا قيل: فلان سلك سبيل التجار، فهم منه أنه يفعل أفعالهم، ويتزي بزيهم، ويتخلق بأخلاقهم، ويجر على عاداتهم.\rوعلى هذا، فيمتنع تخصيص السبيل المتوعد على اتباعه إذا كان غير سبيل المؤمنين بشئ معين من كفر أو غيره، بل يعم ذلك ما كان مخالفا لطريق الامة وسبيلهم.\rكيف وإنا لو لم نعتقد ذلك لزم منه أن يكون لفظ (السبيل) مبهما، وهو خلاف الاصل على ما سبق.\rقولهم إنه إنما يدل على عدم التوعد على متابعة سبيل المؤمنين بمفهومه، قلنا إذا سلم أنه يحرم اتباع كل سبيل سوى سبيل المؤمنين، فلا نريد بكون الاجماع حجة سوى هذا.\rوقولهم: المراد من (سبيل المؤمنين) كل من آمن به إلى يوم القيامة، لا يصح لوجهين: الاول أن الاصل تنزيل اللفظ على حقيقته.\rولفظ (المؤمنين) حقيقة، يكون لمن هو متصف بالايمان، والاتصاف بالايمان مشروط بالوجود والحياة، ومن لا حياة له ممن مات أو لم يوجد بعد، لا يكون مؤمنا حقيقة.\rفلفظ (المؤمنين) حقيقة إنما يصدق على أهل كل عصر دون من تقدم أو تأخر.\rوهذا وإن منع من الاحتجاج، بإجماع أهل العصر على من بعدهم، فلا يمنع من الاحتجاج به على من في عصرهم، وهو خلاف مذهب الخصوم.\rالثاني أن المقصود من الآية إنما هو الزجر عن مخالفة المؤمنين والحث على متابعتهم، وذلك غير متصور عند حمل المؤمنين على كل من آمن إلى يوم القيامة، إذ لا زجر ولا حث في يوم القيامة.\rقولهم: الآية وإن دلت على وجوب اتباع سبيل المؤمنين في أي عصر كان، غير أنها عامة في العالم، والجاهل، والجاهل غير مراد بالاتفاق.\rولا نسلم ذلك","part":1,"page":206},{"id":217,"text":"على ما يأتي، وإن سلمنا ذلك، غير أن الآية حجة في اتباع جملة المؤمنين، إلا ما خصه الدليل، فتبقى الآية حجة في الباقي.\rقولهم لفظ (السبيل) مفرد لا عموم فيه، عنه جوابان: الاول أنه يجب اعتقاد عمومه لما سبق تقريره.\rالثاني أنه إما أن يكون عاما بلفظه، أو لا يكون عاما بلفظه.\rفإن كان الاول، فهو المطلوب، وإن كان الثاني، فهو إن لم يكن عاما بلفظه، فهو عام بمعناه وإيمائه، ذلك لان اتباع سبيل المؤمنين، أي سبيل كان مناسب، لكونه مصلحيا.\rوقد رتب الحكم على وفقه في كلام الشارع، فكان علة لوجوب الاتباع مهما تحقق.\rقولهم: يلزم من ذلك وجوب متابعة أهل الاجماع فيما فعلوه وحكموا بكونه مباحا، وهو تناقض.\rقلنا: الآية، وإن دلت على وجوب اتباع المؤمنين في كل سبيل لهم، ففعلهم للمباح سبيل، وحكمهم بجواز الترك سبيل.\rولا يلزم من مخالفة الآية في إيجاب الفعل اتباعا لفعلهم له مخالفتها في اتباعهم في اعتقاد جواز تركه.\rقولهم: يلزم من ذلك وجوب متابعة أهل الاجماع في جواز الاجتهاد وتحريمه، قلنا: سنبين أنه مهما انعقد إجماع الامة على حكم أنه يستحيل انعقاد إجماعهم على مخالفته.\rقولهم: يحتمل أنه أراد متابعتهم في متابعتهم للنبي عليه السلام وترك مشاقته أو اتباعهم في الايمان أو في الاجتهاد،","part":1,"page":207},{"id":218,"text":"قلنا: اللفظ يعم كل سبيل على ما قررناه.\rوما ذكروه تخصيص لعموم الاتباع من غير دليل، فلا يقبل قولهم إنه مشروط بسابقة تبين الهدى إلى آخره، فجوابه من ثلاثة أوجه.\rالاول: أن تبين الهدى إنما هو مشروط في الوعيد على المشاقة، لا في الوعيد على اتباع غير سبيل المؤمنين، وذلك لان المشاقة لا تكون إلا بعد تبين الهدى ومعرفته بدليله، ومن لم يعرف ذلك لا يوصف بالمشاقة.\rالثاني: أن تبين الاحكام الفروعية ليس شرطا في مشاقة الرسول بدليل أن من تبين صدق النبي، وحاد عنه، ورد عليه، فإنه يوصف بالمشاقة، وإن كان جاهلا بالفروع غير متبين لها.\rوإذا لم تكن معرفة أحكام الفروع شرطا في المشاقة، فلا تكون مشترطة في لحوق الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين فيها.\rالثالث: هو أن الآية إنما خرجت مخرج التعظيم والتبجيل للمؤمنين بإلحاق الذم باتباع غير سبيلهم.\rفلو كان ذلك مشروطا بتبين كونه هدى، ولم يكن اتباعهم\rفي سبيلهم لاجل أنه سبيل لهم، بل لمشاركتهم فيما ذهبوا إليه لتبين كونه هدى، لبطلت فائدة تعظيم الامة الاسلامية وتميزهم بذلك.\rفإن كل من ظهر الهدى في قوله واعتقاده، فالوعيد حاصل بمخالفته، وإن لم يكن من المسلمين.\rوذلك كالوعيد على عدم مشاركة اليهود فيما ظهر كون معتقدهم فيه هدى، كإثبات الصانع واعتقاد كون موسى رسولا كريما.\rقولهم المراد من (المؤمنين) الائمة المعصومون أو من كان فيهم الامام المعصوم، عنه جوابان: الاول أنه مبني على وجود الامام المعصوم، وهو باطل بما حققناه في علم الكلام.\rالثاني أن الآية عامة، فتخصيصها بالائمة وبالمؤمنين الذين فيهم الامام المعصوم من غير دليل غير مقبول.","part":1,"page":208},{"id":219,"text":"كيف وأن الاية دالة على الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين وعندهم التوعد إنما هو بسبب اتباع غير سبيل الامام وحده دون غيره، وهو خلاف الظاهر.\rقولهم سلمنا وجوب اتباع سبيل المؤمنين، لكن إذا علم أنهم مؤمنون، قلنا: المقصود من الآية إنما هو الحث على متابعة سبيل المؤمنين والزجر عن مخالفته، فإن كان سبيلهم معلوما، فلا إشكال، وإن لم يكن معلوما، فالتكليف باتباع ما لا يكون معلوما إما أن لا يكتفى فيه بالظن، أو يكتفى فيه بالظن.\rفإن كان الاول، فهو تكليف بما لا يطاق، وهو خلاف الاصل، وإن كان الثاني، فهو المطلوب.\rوأما ما ذكروه من المعارضة بالآية الاولى، فليس في بيان كون الاجماع حجة متبعة بالآية التي ذكرها ما ينافي كون الكتاب تبيانا لكل شئ، وأصلا له وأما الآية الثانية فهي دليل عليهم لانها دليل على وجوب الرد إلى الله والرسول في كل متنازع فيه، وكون الاجماع حجة متبعة مما وقع النزاع فيه.\rوقد رددناه\rإلى الله تعالى، حيث أثبتناه بالقرآن.\rوهم مخالفون في ذلك.\rوأما الآية الثالثة والرابعة فلا نسلم أن النهي فيهما راجع إلى اجتماع الامة على ما نهوا عنه، بل هو راجع إلى كل واحد على انفراده، ولا يلزم من جواز المعصية على كل واحد جوازها على الجملة.\rسلمنا أن النهي لجملة الامة عن الاجتماع على المعصية، ولكن غاية ذلك جواز وقوعها منهم عقلا.\rولا يلزم من الجواز الوقوع.\rولهذا فإن النبي عليه السلام قد نهي عن أن يكون من الجاهلين بقوله تعالى: * (ولا تكن من الجاهلين) * (6) الانعام: 35) وقال تعالى لنبيه: * (لئن أشركت ليحبطن عملك) * (39) الزمر: 65) إذ ورد ذلك في معرض النهي مع العلم بكونه معصوما من ذلك.","part":1,"page":209},{"id":220,"text":"وأيضا فإنا نعلم أن كل أحد منهي عن الزنى وشرب الخمر، وقتل النفس بغير حق، إلى غير ذلك من المعاصي.\rومع ذكل فإن من مات، ولم يصدر عنه بعض المعاصي، نعلم أن الله قد علم منه أنه لا يأتي بتلك المعصية، فكان معصوما عنها ضرورة تعلق علم الله بأنه لا يأتي بها، ومع ذلك فهو منهي عنها.\rوأما خبر معاذ فإنما لم يذكر فيه الاجماع، لانه ليس بحجة في زمن النبي عليه السلام، فلم يكن مؤخرا لبيانه مع الحاجة إليه.\rوقوله عليه السلام: بدئ الاسلام غريبا وسيعود كما بدأ لا يدل على أنه لا يبقى من تقوم الحجة بقوله بل غايته أن أهل الاسلام هم الاقلون وقوله: لا ترجعوا بعدي كفارا فيحتمل أنه خطاب مع جماعة معينين، وإن كان خطابا مع الكل، فجوابه ما سبق في آيات المناهي للامة.\rوقوله: حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا الحديث إلى آخره، غايته الدلالة على جواز انقراض العلماء، ونحن لا ننكر امتناع وجود الاجماع\rمع انقراض العلماء، وإنما الكلام في اجتماع من كان من العلماء.\rوعلى هذا، يكون الجواب عن باقي الاحاديث الدالة على خلو الزمان من العلماء.\rكيف وأن ما ذكروه معارض بما يدل على امتناع خلو عصر من الاعصار عمن تقوم الحجة بقوله.\rوهو قوله عليه السلام: لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله، وحتى يظهر الدجال وأيضا ما روي أنه قال: واشوقاه إلى إخواني قالوا: يا رسول الله ألسنا إخوانك ؟ فقال: أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون من بعدي يهربون بدينهم من شاهق إلى شاهق، ويصلحون إذا فسد الناس.\rوما ذكروه من المعقول في المسألتين السابقتين، فقد سبق جوابه.","part":1,"page":210},{"id":221,"text":"قولهم: إنها أمة من الامم، فلا يكون إجماعهم حجة كغيرهم من الامم، فقد ذهب أبو إسحاق الاسفرايني وغيره من أصحابنا، وجماعة من العلماء إلى أن إجماع علماء من تقدم من الملل أيضا حجة قبل النسخ.\rوإن سلمنا أنه ليس بحجة فلانه لم يرد في حقهم من الدلالة الدالة على الاحتجاج بإجماعهم ما ورد في علماء هذه الامة، فافترقا، وأما الحجة الاخيرة، فلا نسلم أنه إذا كان الحكم ثبت بالدليل لا يجوز إثباته بالاجماع.\rوأما التوحيد: فنسلم أن الاجماع فيه ليس بحجة، وإن سلمنا أنه لا يكون حجة فيه، بل في الاحكام الشرعية لا غير، غير أن الفرق بينهما أن التوحيد لا يجوز فيه تقليد العامي للعالم، وإنما يرجع إلى أدلة يشترك فيها الكل، وهي أدلة العقل، بخلاف الاحكام الشرعية، فإنه يجب على العامي الاخذ بقول العالم فيها.\rوإذا جاز أو وجب الاخذ بقول الواحد، كان الاخذ بقول الجماعة أولى.\rالآية الثانية قوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس،\rويكون الرسول عليكم شهيدا) * (2) البقرة: 143) وصف الامة بكونهم وسطا، والوسط هو العدل.\rويدل عليه النص واللغة.\rأما النص فقوله تعالى: * (قال أوسطهم ألم أقل لكم) * (68) القلم: 28) أعدلهم، وقال عليه السلام، خير الامور أوساطها.\rوأما اللغة فقول الشاعر: هم وسط يرضى الانام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم أي عدول.","part":1,"page":211},{"id":222,"text":"ووجه الاحتجاج بالآية أنه عدلهم وجعلهم حجة على الناس في قبول أقوالهم، كما جعل الرسول حجة علينا في قبول قوله علينا.\rولا معنى لكون الاجماع حجة سوى كون أقوالهم حجة على غيرهم.\rفإن قيل.\rإنما وصفهم بالعدالة ليكونوا شهداء في الآخرة على الناس، بتبليغ الانبياء إليهم الرسالة، وذلك يقتضي عدالتهم وقبول شهادتهم في يوم القيامة حالة ما يشهدون دون حالة التحمل في الدنيا.\rسلمنا أنه وصفهم بذلك في الدنيا.\rولكن ليس في قوله: * (لتكونوا شهداء على الناس) * (2) البقرة: 143) لفظ عموم يدل على قبول شهادتهم في كل شئ بل هو مطلق في المشهود به، وهو غير معين، فكانت الآية مجملة، ولا حجة في المجمل، سلمنا أنها ليست مجملة.\rولكنا قد عملنا بها في قبول شهادتهم على من بعدهم بإيجاب النبي عليه السلام العبادات عليهم وتكليفهم بما كلفهم به، فلا يبقى حجة في غيره لتوفية العمل، بدلالة الآية.\rسلمنا قبول شهادتهم في كل شئ غير أن الآية تدل على عدالة كل واحد من الامة وقبول شهادته، وهو مخصص بالاجماع بالفساق والنساء والصبيان والمجانين.\rوالعام بعد التخصيص.\rلا يبقى حجة على ما سيأتي.\rلكن ليس في ذلك ما يدل، سلمنا أنها تبقى حجة بعد التخصيص على عدالتهم\rوعصمتهم عن الخطإ باطنا، بل ظاهرا، فإن ذلك كان في قبول الشهادة.\rسلمنا أن ذلك يدل على عصمتهم عن الخطإ مطلقا، لكن فيما يشهدون به، لا فيما يحكمون به من الاحكام الشرعية بطريق الاجتهاد.\rفإن ذلك ليس من باب الشهادة في شئ، وهو محل النزاع.\rسلمنا قبول قولهم مطلقا، غير أن الخطاب إما أن يكون مع جميع أمة محمد إلى يوم القيامة، وإما مع الموجودين في وقت الخطاب.\rفإن كان الاول، فلا حجة في إجماع كل عصر، إذ ليسوا كل الامة.","part":1,"page":212},{"id":223,"text":"وإن كان الثاني، فلا يكون إجماع من بعدهم حجة.\rوإجماع الموجودين في زمن الوحي ليس بحجة في زمن الوحي بالاجماع، وإنما يكون حجة بعد النبي عليه السلام.\rوذلك يتوقف على بقاء كل من كان من المخاطبين بذلك في زمن النبي بعد النبي، وأن يعرف مقاله كل واحد فيما ذهب إليه، وهو متعذر جدا.\rوالجواب عن السؤال الاول أن وصف أمة محمد بالعدالة إنما كان في معرض الامتنان والانعام عليهم، وتعظيم شأنهم.\rوذلك إما أن يكون في الدنيا أو في الاخرى، أو فيهما، لاجائز أن يكون في الاخرى لا غير، لوجهين: الاول أن جميع الامم عدول يوم القيامة، بل معصومون عن الخطإ، لاستحالة ذلك منهم، وفيه إبطال فائدة التخصيص.\rالثاني لو كان كذلك لقال: سنجعلكم عدولا، لا أن يقول جعلناكم.\rوإن كان القسم الثاني والثالث، فهو المطلوب.\rوعن الثاني من وجهين: الاول أنه يجب اعتقاد العموم في قبول الشهادة نفيا للاجمال عن الكلام.\rالثاني إن الاحتجاج ليس في قوله: * (لتكونوا شهداء على الناس) * (2) البقرة: 143) بل في وصفهم بالعدالة، ومهما كانوا عدولا، وجب قبول قولهم في كل شئ، وبه يخرج الجواب عن السؤال الثالث.\rوأما الرابع: فجوابه أن الآية تدل على وصف جملة الامة بالعدالة، ومقتضى ذلك عدالتهم فيما يقولونه جملة، وآحادا، غير أنا خالفناه في بعض الآحاد، فتبقى الآية حجة في عدالتهم فيما يقولونه جملة، وهو المطلوب.","part":1,"page":213},{"id":224,"text":"قولهم العام بعد التخصيص لا يبقى حجة، سنبطله فيما يأتي.\rوأما السؤال الخامس: فجوابه أن الله تعالى أخبر عنهم بكونهم عدولا، والاصل أن يكون كذلك حقيقة في نفس الامر لكونه عالما بالخفيات، فإن الحكيم إذا علم من حال شخص أنه غير عدل في نفس الامر، لا يخبر عنه بأنه عدل.\rوجواب السادس أنه إذا ثبت وصفهم بالعدالة في نفس الامر فيما يخبرون به مما يرونه من الاحكام الشرعية، يجب صدقهم فيه، وإلا لما كانوا عدولا في نفس الامر، وإذا كانوا صادقين فيه، فهو صواب، لكونه حسنا فهو حسن عند الله، لقوله عليه السلام: ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن عند الله وإذا كان صوابا، كان خلافة خطأ وهو المطلوب.\rوجواب السابع أنه لا سبيل إلى حمل لفظ الامة على كل من آمن بالرسول إلى يوم القيامة، لما سبق في الآية الاولى ولا على من كان موجودا في زمن النبي عليه السلام لا غير، لان أقوالهم غير محتج بها في زمنه، ولا وجود لهم بعد وفاته، فإن كثيرا منهم مات بعد الخطاب بهذه الآية، قبل وفاة النبي عليه السلام فلا يبقى لقوله تعالى: * (لتكونوا شهداء على الناس) * (2) البقرة: 143) فائدة فيجب حمله على أهل كل عصر، تحقيقا لفائدة كونهم شهداء.\rالآية الثالثة قوله تعالى: * (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر) * (3) آل عمران: 110) والالف واللام إذا دخلت على اسم الجنس عمت، على ما سيأتي، ومقتضى صدق الخبر بذلك أمرهم بكل معروف، ونهيهم عن كل منكر، فإذا أمروا بشئ إما أن يكون معروفا أو منكرا، لا جائز أن يكون منكرا، وإلا لكانوا ناهين عنه ضرورة العمل بالعموم الذي ذكرناه، لا أمرين به، وإن كان","part":1,"page":214},{"id":225,"text":"معروفا، فخلافه يكون منكرا وهو المطلوب، وإذا نهوا عن شئ، فإما أن يكون منكرا، أو معروفا لا جائز أن يكون معروفا وإلا لكانوا أمرين به ضرورة ما ذكرناه من العموم، لا ناهين عنه.\rوإن كان منكرا فخلافه يكون معروفا، وهو المطلوب.\rفإن قيل: لا نسلم أن الالف واللام الداخلة على اسم الجنس للاستغراق، على ما سيأتي، وعلى هذا، فلا تكون الآية عامة في الامر بكل معروف، ولا النهي عن كل منكر، سلمنا أنها للعموم، لكن قوله (كنتم) يدل على كونهم متصفين بهذه الصفة في الماضي، ولا يلزم من ذلك اتصافهم بذلك في الحال، بل ربما دل على عدم اتصافهم بذلك في الحال، نظرا إلى قاعدة المفهوم.\rوعلى هذا فما وجد من أمرهم ونهيهم، لا نعلم أنه كان قبل نزول الآية، فيكون حجة، أو بعدها، فلا يكون حجة.\rسلمنا اتصافهم بذلك في الماضي والحال، ولكن ليس فيه ما يدل على استدامتهم لذلك في المستقبل، وعلى هذا، فما وجد من أمرهم ونهيهم مما لا يعلم أنه كان في حالة كونه حجة، أو في غيرها سلمنا دلالة الآية على ذلك في جميع الازمان، لكنه خطاب مع الموجودين في زمن النبي عليه السلام، ولا يلزم مثله في حق من بعدهم سلمنا أنه خطاب مع الكل، لكن ذلك يستدعي كون كل واحد منهم على هذه\rالصفة، ونحن نعلم خلاف ذلك ضرورة.\rوإذا كان المراد بالآية بعض الامة، فذلك البعض غير معين، ولا معلوم، فلا يكون قوله حجة.\rوالجواب عن السؤال الاول ما سيأتي في العمومات، كيف وأن الآية إنما وردت في معرض التعظيم لهذه الامة، وتمييزها على غيرها من الامم، فلو كانت الآية محمولة على البعض دون البعض، لبطلت فائدة التخصيص، فإنه ما من أمة إلا وقد أمرت بالمعروف، كاتباع أنبيائهم وشرائعهم، ونهت عن المنكر كنهيهم عن الالحاد، وتكذيب أنبيائهم.\rوعن الثاني: إنه إما أن تكون (كان) هاهنا زائدة، أو تامة، أو زمانية.","part":1,"page":215},{"id":226,"text":"فإن كانت زائدة كما في قول الفرزدق: فكيف إذا مررت بدار قوم وجيران لنا كانوا كراما فإنه جعل (كراما) نعتا للجيران وألغى (كان) فهي دالة على اتصافهم بذلك حالا، لا في الماضي، وإن أفادت نصب خير أمة كما في قوله تعالى: * (كيف نكلم من كان في المهد صبيا) * (19) مريم: 29).\rوإن كانت تامة، وهي التي تكون بمعنى الوقوع والحدوث، ويكتفى فيها باسم واحد لا خبر فيه، كما في قوله تعالى: * (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) * (2) البقرة: 280) معناه حضر أو وقع ذو عسرة، وكقول الشاعر: إذا كان الشتاء فأدفئوني فإن الشيخ يهدمه الشتاء فيكون معنى قوله: * (كنتم خير أمة) * (3) آل عمران: 110) أي وجدتم، ويكون قوله: خير أمة نصبا على الحال، فيكون ذلك دليلا على اتصافهم بذلك في الحال، لا في الماضي.\rوإن كانت زمانية، وهي الناقصة، التي تحتاج إلى اسم وخبر، فكان، وإن دلت على الماضي، فقوله: * (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) * (3) آل عمران: 110) يقتضي كونهم\rكذلك في كل حال، لورود ذلك في معرض التعظيم لهذه الامة على ما سبق تقريره في جواب السؤال الذي قبله.\rوعن الثالث: أن قوله: * (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) * (3) آل عمران: 110) فعل مضارع صالح للحال والاستقبال.\rويجب أن يكون حقيقة فيهما على العموم نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ.\rوعن الرابع: إنه إذا سلم كون الآية حجة في إجماع الصحابة، فهو كاف إذ هو من جملة صور النزاع.","part":1,"page":216},{"id":227,"text":"وعن الخامس: إن الخطاب إذا كان مع الامة، كان ذلك حجة في ما وجد من أمرهم ونهيهم جملة، وذلك هو المطلوب، وإن لم يكن ذلك حجة في الافراد.\rالآية الرابعة، قوله تعالى: * (واعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا) * (3) آل عمران: 103) ووجه الاحتجاج بها، أنه تعالى نهى عن التفرق، ومخالفة الاجماع تفرق، فكان منهيا عنه.\rولا معنى لكون الاجماع حجة سوى النهي عن مخالفته.\rفإن قيل: لا نسلم وجود صيغة النهي، وإن سلمناها ولكن لا نسلم أن النهي يدل على التحريم، كما سيأتي تقريره في النواهي، سلمنا دلالة النهي على التحريم، ولكن لا نسلم عموم النهي عن التفرق في كل شئ، بل التفرق في الاعتصام بحبل الله، إذ هو المفهوم من الآية، ولهذا، فإنه لو قال القائل لعبيده: ادخلوا البلد أجمعين،، ولا تتفرقوا فإنه يفهم منه النهي عن التفرق في دخول البلد، وما لم يعلم أن ما أجمع عليه أهل العصر اعتصام بحبل الله، فلا يكون التفرق منهيا عنه.\rسلمنا أن النهي عام في كل تفرق، ولكنه مخصوص بما قبل الاجماع.\rفإن كل واحد من المجتهدين مأمور باتباع ما أوجبه ظنه، وإذا كانت الظنون والآراء\rمختلفة، كان التفرق مأمورا به لا منهيا عنه.\rوالعام بعد التخصيص لا يبقى حجة على ما سيأتي، سلمنا صحة الاحتجابه، لكنه خطاب مع الموجودين في زمن النبي عليه السلام، فلا يكون متناولا لمن بعدهم.\rوإجماع الموجودين في زمن النبي غير محج به في زمانه إجماعا، ولا تحقق لوجودهم بجملتهم بعد وفاته، حتى يكون إجماعهم حجة على ما سبق تقريره.\rوالجواب: عن السؤال الاول والثاني، ما سيأتي في النواهي.\rوعن الثالث: أن قوله: * (واعتصموا بحبل الله جميعا) * (3) آل عمران: 103) أمر بالاعتصام بحبل الله.\rوقوله: * (ولا تفرقوا) * (3) آل عمران: 103) نهي عن التفرق في كل شئ، ويجب الحمل عليه، وإلا كان النهي عن التفرق في الاعتصام بحبل الله مفيدا لما أفاده الامر بالاعتصام به، فكان تأكيدا.\rوالاصل في الكلام التأسيس دون التأكيد.","part":1,"page":217},{"id":228,"text":"وعن الرابع: بيان كون العام حجة بعد التخصيص كما يأتي في العمومات وعلى هذا، فيبقى حجة في امتناع التفرق بعد الاجماع، وفي امتناع مخالفة من وجد، بعد أهل الاجماع لهم، وهو المطلوب.\rوعن الخامس: بأن الامر والنهي إنما هو مع أهل كل عصر بتقدير وجودهم وفهمهم، على ما سيأتي تقريره في الاوامر.\rالآية الخامسة، قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم، فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * (4) النساء: 59) ووجه الاحتجاج بالآية أنه شرط التنازع في وجوب الرد إلى الكتاب والسنة، والمشروط على العدم، عند عدم الشرط.\rوذلك يدل على أنه إذا لم يوجد التنازع، فالاتفاق على الحكم كاف عن الكتاب والسنة.\rولا معنى لكون الاجماع حجة سوى هذا.\rفإن قيل: سقوط وجوب الرد إلى الكتاب والسنة عند الاتفاق على الحكم، بناء على الكتاب والسنة، أو من غير بناء عليهما: فإن كان الاول، فالكتاب والسنة كافيان في الحكم، ولا حاجة إلى الاجماع.\rوإن كان الثاني، ففيه تجويز وقوع الاجماع من غير دليل، وذلك محال مانع من صحة الاجماع.\rكيف وإنا لا نسلم انتفاء الشرط، فإن الكلام إنما هو مفروض فيما إذا وجد التنازع ممن تأخر من المجتهدين لاجماع المتقدمين.\rقلنا: وإن كان الاجماع لا بد له من دليل، فلا نسلم انحصار دليله في الكتاب والسنة، ليصح ما ذكروه لجواز أن يكون مستندهم في ذلك إنما هو القياس والاستنباط على ما يأتي بيانه.\rوإن سلمنا انحصار دليل الاجماع في الكتاب والسنة، ولكن ليس في ذلك ما يدل على عدم اكتفاء من وجد بعد أهل الاجماع، أو اكتفاء من وجد في عصرهم من المقلدة بإجماعهم عن معرفة الكتاب والسنة.\rوأما السؤال الثاني، فمشكل جدا.\rواعلم أن التمسك بهذه الآيات، وإن كانت مفيدة للظن، فغير مفيدة للقطع.\rومن زعم أن المسألة قطعية، فاحتجاجه فيها بأمر ظني غير مفيد للمطلوب، وإنما يصح ذلك على رأي من يزعم أنها اجتهادية ظنية.\rهذا ما يتعلق بالكتاب،","part":1,"page":218},{"id":229,"text":"وأما السنة، وهي أقرب الطرق في إثبات كون الاجماع حجة قاطعة، فمن ذلك ما روى أجلاء الصحابة، كعمر وابن مسعود وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وابن عمر وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان وغيرهم.\rبروايات مختلفة الالفاظ متفقة المعنى في الدلالة على عصمة هذه الامة عن الخطإ والضلالة، كقوله عليه السلام: أمتى لا تجتمع على الخطإ أمتي لا تجتمع على الضلالة ولم يكن الله بالذي يجمع\rأمتي على الضلالة، لم يكن الله ليجمع أمتي على الخطإ، وسألت الله أن لا يجمع أمتي على الضلالة، فأعطانيه وقوله: ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن.\rيد الله على الجماعة ولا يبالي بشذود من شذ، ومن سره بحبوحة الجنة، فليلزم الجماعة، فإن دعوتهم لتحيط من ورائهم، وإن الشيطان مع الفذ، وهو من الاثنين أبعد.\rولا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يظهر أمر الله، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم خلاف من خالفهم.\rومن خرج عن الجماعة وفارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه.\rومن فارق الجماعة ومات فميتته جاهلية.\rعليكم بالسواد الاعظم وقوله: تفترق أمتي نيفا وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة قيل: يا رسول الله، ومن تلك الفرقة قال: هي الجماعة إلى غير ذلك من الاحاديث التي لا تحصى كثيرة.\rولم تزل ظاهرة مشهورة بين الصحابة معمولا بها، لم ينكرها منكر، ولا دفعها دفع.","part":1,"page":219},{"id":230,"text":"فإن قيل هذه كلها أخبار آحاد تبلغ مبلغ التواتر، ولا تفيد اليقين.\rوإن سلمنا التواتر، ولكن يحتمل أنه أراد به الخطأ والضلالة عن الامة عصمة جميعهم عن الكفر، لا بتأويل ولا شبهة.\rويحتمل أنه أراد بهم عصمتهم عن الخطإ في الشهادة في الآخرة أو فيما يوافق النص المتواتر أو دليل العقل، دون ما يكون بالاجتهاد.\rسلمنا دلالة هذه الاخبار على عصمتهم عن كل خطإ وضلال، لكن يحتمل أنه أراد بالامة كل من آمن به إلى يوم القيامة، وأهل كل عصر عصر ليسوا كل الامة، فلا يلزم امتناع الخطإ والضلال عليهم.\rسلمنا انتفاء الخطإ والضلال عن الاجماع في كل واحد من الاعصار، ولكن لم قلتم إنه يكون حجة على المجتهدين وأنه لا تجوز مخالفته، مع أن كل مجتهد في الفرعيات مصيب على ما يأتي تحقيقه.\rولا يجب على أحد المصيبين اتباع المصيب الآخر.\rسلمنا دلالة ما ذكرتموه على كون الاجماع حجة، ولكنه معارض بما يدل على أنه ليس بحجة ودليله ما سبق من الآيات والاخبار والمعقول في الآية الاولى.\rوالجواب: عن السؤال الاول من وجهين: الاول: أن كل واحد من هذ الاخبار، وإن كان خبر واحد يجوز تطرق الكذب إليه، إلا أن كل عاقل يجد من نفسه العلم الضروري من جملتها، قصد رسول الله عليه السلام تعظيم هذه الامة وعصمتها عن الخطإ، كما علم بالضرورة سخاء حاتم، وشجاعة علي، وفقه الشافعي ومالك وأبي حنيفة رضي الله عنهم، وميل رسول الله إلى عائشة دون باقي نسائه بالاخبار التي آحادها آحاد، غير أنها نازلة منزلة التواتر.","part":1,"page":220},{"id":231,"text":"الوجه الثاني: أن هذه الاحاديث لم تزل ظاهرة مشهورة بين الصحابة ومن بعدهم متمسكا بها فيما بينهم في إثبات الاجماع من غير خلاف فيها ولا نكير إلى زمان وجود المخالفين: والعادة جارية بإحالة اجتماع الخلق الكثير والجم الغفير مع تكرر الازمان واختلاف هممهم ودواعيهم ومذاهبهم على الاحتجاج بما لا أصل له في إثبات أصل من أصول الشريعة.\rوهو الاجماع المحكوم به على الكتاب والسنة من غير أن ينبه أحد على فساده وإبطاله وإظهار النكير فيه.\rفإن قيل من المحتمل أن أحدا أنكر هذه الاخبار ولم ينقل إلينا، ومع هذا الاحتمال فلا قطع.\rقولكم إن الصحابة والتابعين استدلوا بها على الاجماع، لا نسلم ذلك، وما المانع أن يكون استدلالهم على الاجماع لا بهذه الاحاديث، بل بغيرها\rوالاستدلال على صحة الاحاديث بالاجماع.\rسلمنا استدلالهم بها على ذلك، لكنه دور لما فيه من الاستدلال بالاحاديث على الاجماع والاستدلال على صحة الاحاديث بالاجماع.\rثم ما ذكرتموه في الدلالة على صحتها من عدم النكير معارض بما يدل على عدم صحتها.\rوذلك أنها لو كانت معلومة الصحة مع أن الحاجة داعية إلى معرفتها لبناء هذا الاصل العظيم عليها لاحالة العادة أن لا تعرف الصحابة للتابعين طريق صحتها، قطعا للشك والارتياب.\rقلنا جواب الاول: أن الاجماع من أعظم أصول الدين فلو وجد فيما يستدل به عليه نكير، لاشتهر ذلك فيما بينهم وعظم الخلاف فيه كاشتهار خلافهم فيما هو دونه من مسائل الفروع، كاختلافهم في دية الجنين.\rوقوله أنت علي حرام، وحد الشرب ومسائل الجد والاخوة إلى غير ذلك، ولو كان كذلك لكانت العادة تحيل عدم نقله، بل كان نقله أولى من نقل ما خولف فيه من مسائل الفروع، بل أولى من نقل خلاف النظام في ذلك مع خفائه وقلة الاعتبار بقوله.\rوجواب الثاني: ما ظهر واشتهر من تمسك الصحابة والتابعين والاحتجاج بهذه الاخبار في معرض التهديد لمخالف الجماعة والزجر عن الخروج عنهم ظهورا لا ريب فيه.","part":1,"page":221},{"id":232,"text":"وجواب الثالث: أن الاستدلال على صحة الاخبار لم يكن بالاجماع، بل بالعادة المحيلة لعدم الانكار على الاستدلال بما لا صحة له فيما همن أعظم أصول الاحكام.\rوالاستدلال بالعادة غير الاستدلال بالاجماع، وذلك كالاستدلال بالعادة على إحالة دعوى وجود معارض للقرآن واندراسه، ووجود دليل يدل على إيجاب صلاة الضحى وصوم شوال ونحوه.\rوجواب الرابع: أنه يحتمل أن تكون الصحابة قد علمت صحة الاخبار المذكورة\rوكونها مفيدة للعلم بعصمة الامة، لا بصريح مقال، بل بقرائن أحوال وأمارات دالة على ذلك لا سبيل إلى نقلها، ولو نقلت لتطرق إليها التأويل والاحتمال، واكتفوا بما يعلمه التابعون من أن العادة تحيل الاعتماد على ما لا أصل له فيما هو من أعظم الاصول.\rقولهم: يحتمل أنه نفى عنهم الضلال والخطأ بمعنى الكفر.\rقلنا: هذه الاخبار نعلم أنها إنما وردت تعظيما لشأن هذه الامة في معرض الامتنان والانعام عليهم، وفي حملها على نفي الكفر عنهم خاصة إبطال فائدة اختصاصهم بذلك لمشاركة بعض آحاد الناس للامة في ذلك.\rوإنما يصح ذلك أن لو أراد بها العصمة عما لا يعصم عنه الآحاد من أنواع الخطإ والكذب ونحوه.\rوما ذكروه من باقي التأويلات فباطل.\rفإن فائدة هذه الاخبار إنما وردت لايجاب متابعة الامة والحث عليه والزجر عن مخالفته.\rولو لم يكن ذلك محمولا على جميع أنواع الخطإ.\rبل على بعض غير معلوم من ألفاظ الاخبار لامتنع إيجاب متابعتهم فيه، لكنه غير معلوم، ولبطلت فائدة تخصيص الامة بما ظهر منه قصد تعظيمها لمشاركة آحاد الناس لهم في نفي بعض أنواع الخطإ عنهم، على ما سبق تعريفه.","part":1,"page":222},{"id":233,"text":"وعن السؤال الثالث: ما سبق في المسائل المتقدمة.\rوعن الرابع: أنه إذا ثبت انتقاء الخطإ عن الاجماع فيما ذهبوا إليه قطعا فمخالفه يكون مخطئا قطعا.\rوالمخطئ.\rقطعا في أمور الدين إذا كان عالما به لا يخرج عن التبديع والتفسيق.\rولا معنى لكون الاجماع حجة على الغير سوى ذلك.\rكيف وإنه إذا ثبت انتفاء الخطإ عن أهل الاجماع فيما ذهبوا إليه، فقد أجمعوا على وجوب اتباعهم فيما ذهبوا إليه، فكان واجبا، نفيا للخطإ عنهم، وعن المعارضات النقلية ما سبق في أول المسألة.\rوأما المعقول فهو أن الخلق الكثير، وهم أهل كل عصر إذا اتفقوا على حكم قضية وجزموا به جزما قاطعا، فالعادة تحيل على مثلهم الحكم الجزم بذلك والقطع به، وليس له مستند قاطع بحيث لا يتنبه واحد منهم إلى الخطإ في القطع بما ليس بقاطع.\rولهذا وجدنا أهل كل عصر قاطعين بتخطئة مخالف ما تقدم من إجماع من قبلهم، ولولا أن يكون ذلك عن دليل قاطع، لاستحال في العادة اتفاقهم على القطع بتخطئة المخالف ولا يقف واحد منهم على وجه الحق في ذلك.\rومن سلك هذه الطريقة المعنوية لم ير انعقاد الاجماع عندما إذا كان عدد المجمعين ينقص عن عدد التواتر.\rويلزمه أن لا يكون الاجماع المحتج به خصيصا بإجماع أهل الحل والعقد من المسلمين، بل هو عام في إجماع كل من بلغ عددهم عدد التواتر، وإن لم يكونوا مسلمين، فضلا عن أهل الحل والعقد.\rوقد احتج الشيعة على صحة الاجماع بأن ما من عصر إلا ولا بد فيه من إمام معصوم على ما قررناه من قاعدتهم في ذلك في أبكار الافكار فإذا أجمع أهل الحل والعقد من أهل العصر على حكم حادثة فلا بد وأن يكون فيهم الامام المعصوم، لكونه سيد العلماء، وإلا لما كان الاتفاق من جميع أهل الحل والعقد، وهو خلاف الفرض.\rوإذا كان كذلك، فالامام المعصوم لا يقول إلا حقا","part":1,"page":223},{"id":234,"text":"مقطعوعا به، وما وافقه من قول باقي الامة أيضا يكون مقطوعا به لكونه موافقا للمقطوع به ومخالف القاطع مخط لا محالة.\rولقائل أن يقول: أما الحجة الاولى، فالعادة لا تحيل الخطأ على الخلق الكثير بظنهم ما ليس قاطعا قاطعا.\rولهذا، فإن اليهود والنصارى، مع كثرتهم كثرة تخرج عن حد التواتر، قد أجمعوا على تكذيب محمد عليه السلام وإنكار رسالته.\rوليس ذلك إلا لخطئهم في ظن ما ليس قاطعا قاطعا.\rوبالجملة فإما أن يقال باستحالة الخطإ عليهم فيما ذهبوا إليه، أو لا يقال باستحالته، فإن كان الاول لزم أن لا يكون محمد نبيا حقا لاجماعهم على تكذيبه، وإن كان الثاني فهو المطلوب.\rفإن قيل: ما ذكرتموه في إبطال التمسك هاهنا بالعادة لازم عليكم فيما ذكرتموه في الاحتجاج بالسنة على كون الاجماع حجة، فإن حاصله آئل إلى الاحتجاج بالعادة وفيه إبطال ما قررتموه.\rقلنا: الذي تمسكنا به من العادة إحالة اتفاق الامة على إسناد المقطوع إلى الاخبار التي مستند العلم بها وبمدلولها السماع المحسوس أو قرائن الاحوال، والذي لا نحيله في العادة ههنا إنما هو الغلط بظن ما ليس مقطوعا مقطوعا به، فيما هو نظري وطرقه مختلفة، وهو غير محسوس ولا مستند العلم به قرائن الاحوال، فافترق البابان.","part":1,"page":224},{"id":235,"text":"وأما حجة الشيعة فمبنية على وجود الامام المعصوم في كل عصر.\rوقد أبطلنا ذلك بالاعتراضات القادحة والاشكالات المشكلة على جهة الوفاء والاستقصاء في موضعه اللائق به من الامامة في علم الكلام، فعليك بمراجعته.\rالمسألة الرابعة اتفق القائلون بكون الاجماع حجة على أنه لا اعتبار بموافقة من هو خارج عن الملة، ولا بمخالفته، وأنه لا يشترط فيه اتفاق كل أهل الملة إلى يوم القيامة.\rأما الاول فلان الاجماع إنما عرف كونه حجة بالادلة السمعية، على ما سبق.\rوهي، مع اختلاف ألفاظها، لا إشعار لها بإدراج من ليس من أهل الملة في الاجماع، ولا دلالة لها إلا على عصمة أهل الملة، ولان الكافر غير مقبول القول، فلا يكون قوله معتبرا في إثبات حجة شرعية، ولا إبطالها.\rوإذا تم الاجماع دونه.\rفلا اعتبار بمخالفته.\rوأما الثاني، فلا الاجماع حجة شرعية يستدل به على الاحكام الشرعية، فلو\rاعتبر فيه إجماع كل أهل الملة إلى يوم القيامة، لما أمكن الاحتجاج به: أما قبل يوم القيامة، فلعدم كمال المجمعين، وأما يوم القيامة، فلانه لا تكليف، ولا استدلال.","part":1,"page":225},{"id":236,"text":"المسألة الخامسة ذهب الاكثرون إلى أنه لا اعتبار بموافقة العامي من أهل الملة في انعقاد الاجماع، ولا بمخالفته، واعتبره الاقلون، وإليه ميل القاضي أبي بكر، وهو المختار.\rوذلك لان قول الامة إنما كان حجة لعصمتها عن الخطإ، بما دلت عليه الدلائل السمعية من قبل، ولا يمتنع أن تكون العصمة من صفات الهيئة الاجتماعية من الخاصة والعامة.\rوإذا كان كذلك، فلا يلزم أن تكون العصمة الثابتة للكل ثابتة للبعض، لان الحكم الثابت للجملة لا يلزم أن يكون ثابتا للافراد.\rفإن قيل يجب تخصيص ما ورد من النصوص الدالة على عصمة الامة بأهل الحل والعقد منهم دون غيرهم لستة أوجه.\rالاول: أن العامي يلزمه المصير إلى أقوال العلماء بالاجماع، فلا تكون مخالفته معتبرة فيما يجب عليه التقليد فيه.\rالثاني: أن الامة إنما كان قولها حجة، إذا كان ذلك مستندا إلى الاستدلال، لان إثبات الاحكام من غير دليل محال والعامي ليس أهلا للاستدلال والنظر، فلا يكون قوله معتبرا كالصبي والمجنون.\rالثالث: أن قول العامي في الدين من غير دليل خطأ مقطوع به، والمقطوع بخطئه لا تأثير لموافقته ولا لمخالفته.\rالرابع: أن أهل العصر الاول من الصحابة، علماؤهم وعوامهم أجمعوا على أنه لا عبرة بموافقة العامي ولا بمخالفته.\rالخامس: أن الامة إنما عصمت عن الخطإ في استدلالها، لان إثبات الاحكام الشرعية من غير استدلال ودليل خطأ، والعامي ليس هو من أهل الاستدلال،\rفلا يتصور ثبوت عصمة الاستدلال في حقه.\rالسادس: هو أن العامي لا يتصور منه الاصابة، إذا كان قائلا بالحكم من غير دليل، فلا يتصور عصمته، لان العصمة مستلزمة للاصابة.","part":1,"page":226},{"id":237,"text":"والجواب: عن الوجه الاول: أنه وإن كان يجب على العامي الرجوع إلى أقوال العلماء، فليس في ذلك ما يدل على أن أقوال العلماء دونه حجة قاطعة على غيرهم من المجتهدين من بعدهم لجواز أن يكون الاحتجاج بأقوالهم على من بعدهم مشروطا بموافقة العامة لهم، وإن لم يكن ذلك شرطا في وجوب اتباع العامة فيما لهم يفتون به.\rوعن الثاني: أنه وإن كان لا بد في الاجماع من الاستدلال لكن من أهل الاستدلال أو مطلقا: الاول مسلم، والثاني ممنوع، وعلى هذا فلا يمتنع أن تكون موافقه العامة للعلماء المستدلين شرطا في جعل الاجماع حجة، وإن لم يكن العامي مستدلا، ولا يلزم من عدم اشتراط موافقة الصبيان والمجانين عدم اشتراط موافقة العامة، لما بينهما من التفاوت في قرب الفهم في حق العامة، الموجب للتكليف، وبعده في حق الصبيان والمجانين، المانع من التكليف.\rوعن الثالث: أنه، وإن كان قول العامي في الدين من غير دليل خطأ، فلا يمنع ذلك من كون موافقته للعلماء في أقوالهم شرطا في الاحتجاج بها على غيرهم.\rوعن الرابع: أنه دعوى لم يقم عليها دليل.\rوعن الخامس: أن العامي، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد فلا يمتنع أن تكون موافقته من غير استدلال شرطا في كون الاجماع حجة.","part":1,"page":227},{"id":238,"text":"وعن السادس: أنه، وإن كان العامي إذا انفرد بالحكم لا يتصور منه الاصابة، فما المانع من تصويبه مع الجماعة بتقدير موافقته لهم في أقوالهم، ولا شك أن العامي\rمصيب في موافتقته للعلماء.\rوعلى هذا جاز أن تكون موافقته شرطا في جعل الاجماع حجة، على ما سبق تقريره.\rوبالجملة، فهذه المسألة اجتهادية، غير أن الاحتجاج بالاجماع عند دخول العوام فيه يكون قطعيا، وبدونهم يكون ظنيا.\rوعلى هذا فمن قال بإدخال العوام في الاجماع، قال بإدخال الفقيه الحافظ لاحكام الفروع فيه، وإن لم يكن أصوليا، وبإدخال الاصولي الذي ليس بفقيه بطريق الاولى لما بينهما وبين العامة من التفاوت في الاهلية وصحة النظر، هذا في الاحكام، وهذا في الاصول.\rومن قال بأنه لا مدخل للعوام في الاجماع اختلفوا في الفقيه والاصولي، نفيا وإثباتا فمن أثبت نظر إلى ما اشتملا عليه من الاهلية التي لا وجود لها في العامي، ودخولهما في عموم لفظ الامة في الاحاديث السابق ذكرها.\rومن نفى، نظر إلى عدم الاهلية المعتبرة في أئمة أهل الحل والعقد من المجتهدين، كالشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم.\rومنهم من فصل بين الفقيه والاصولي، وهؤلاء اختلفوا: فمنهم من اعتبر قول الفقيه الذي ليس بأصولي، وألغى قول الاصولي الذي ليس بفقيه.\rومنهم من عكس الحال واعتبر قول الاصولي دون الفقيه لكونه أقرب إلى مقصود الاجتهاد، لعمله بمدارك الاحكام على اختلاف أقسامها، وكيفية دلالاتها، وكيفية تلقي الاحكام من منطوقها ومفهومها ومعقولها، بخلاف الفقيه.\rومن اعتبر قول الاصولي والفقيه، اعتبر قول من بلغ رتبة الاجتهاد، وإن لم يكن مشتهرا بالفتوى بطريق الاولى، وذلك كواصل بن عطاء ونحوه.\rوفيه خلاف، والمتبع في ذلك كله ما غلب على ظن المجتهد.","part":1,"page":228},{"id":239,"text":"المسألة السادسة\rالمجتهد المطلق، إذا كان مبتدعا لا يخلو، إما أن لا يكفر ببدعته، أو يكفر.\rفإن كان الاول، فقد اختلفوا في انعقاد الاجماع مع مخالفته نفيا وإثباتا.\rومنهم من قال: الاجماع لا ينعقد عليه، بل على غيره، فيجوز له مخالفة إجماع من عداه.\rولا يجوز ذلك لغيره.\rوالمختار أنه لا ينعقد الاجماع دونه، لكونه من أهل الحل والعقد، وداخلا في مفهوم لفظ الامة المشهود لهم بالعصمة.\rوغايته أن يكون فاسقا، وفسقه غير مخل بأهلية الاجتهاد.\rوالظاهر من حاله فيما يخبر به عن اجتهاده الصدق كإخبار غيره من المجتهدين.\rكيف وإنه قد يعلم صدق الفاسق بقرائن أحواله، في مباحثاته وفلتات لسانه، وإذا علم صدقه، وهو مجتهد كان كغيره من المجتهدين.\rفإن قيل: إذا كان فاسقا، فالفاسق غير مقبول القول إجماعا فيما يخبر به، فكان كالكافر والصبي، ولانه لا يجوز تقليده فيما يفتي به، فلا يعتبر خلافه كالصبي.\rقلنا: إنما لا يقبل قوله فيما يخبر به، إذا لم يكن متأولا وكان عالما بفسقه.\rوأما إذا لم يكن كذلك، فلا.\rوعلى هذا، فلا نسلم امتناع قبول فتواه بالنسبة إلى من ظهر صدقه عنده.\rوأما الصبي، فإنما لم يعتبر قوله لعدم أهليته بخلاف ما نحن فيه وإن كان الثاني، فلا خلاف في أنه غير داخل في الاجماع لعدم دخوله في مسمى الامة المشهود لهم بالعصمة، وإن لم يعلم هو كفر نفسه.\rوعلى هذا، فلو خالف في مسألة فرعية، وبقي مصرا على المخالفة حتى تاب عن بدعته، فلا أثر لمخالفته، لانعقاد إجماع جميع الامة الاسلامية، قبل إسلامه كما لو أسلم ثم خالف، إلا على رأي من يشترط في الاجماع انقراض عصر المجمعين،","part":1,"page":229},{"id":240,"text":"ولو ترك بعض الفقهاء العمل بالاجماع، بخلاف هذا المبتدع المكفر، فهو معذور، إن لم يعلم ببدعته ولا يؤاخذ بالمخالفة، كما إذا عمل الحاكم بشهادة شاهد الزور من غير علم بتزويره، وإن علم ببدعته، وخالف الاجماع، لجهله بأن تلك البدعة مكفرة، فهو غير معذور لتقصيره عن البحث، والسؤال عن ذلك لعلماء الاصول العارفين بأدلة الايمان والتكفير، حتى يحصل له العلم بذلك بدليله، إن كانت له أهلية فهمه، وإلا قلدهم فيما يخبرون به من التكفير، وأما ماذا يكفر به من البدع، فقد استقصينا الكلام فيه في حكايات مذاهب أهل الملل والنحل في أبكار الافكار فعليك بمراجعته.\rالمسألة السابعة ذهب الاكثرون من القائلين بالاجماع إلى أن الاجماع المحتج به غير مختص بإجماع الصحابة، بل إجماع أهل كل عصر حجة، خلافا لداود وشيعته من أهل الظاهر، ولاحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه.\rوالاول هو المختار، ويدل عليه أن حجة كون الاجماع حجة غير خارجة كما ذكرناه من الكتاب والسنة والمعقول.\rوكل واحد منها لا يفرق بين أهل عصر وعصر، بل هو متناول لاهل كل عصر حسب تناوله لاهل عصر الصحابة، فكان إجماع أهل كل عصر حجة.\rفإن قيل: حجة كون الاجماع حجة غير خارجة عن الآيات والاخبار السابق ذكرها، وقوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس) * (3) آل عمران: 110) وقوله: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) * (2) البقرة: 143) خطاب مع الموجودين في زمن النبي عليه السلام، فلا يكون متناولا لغيرهم، وقوله تعالى: * (ويتبع غير سبيل المؤمنين) * (4) النساء: 115) والاخبار الدالة على عصمة الامة خاصة","part":1,"page":230},{"id":241,"text":"بالصحابة الموجودين في زمن النبي عليه السلام، إذا هم كل المؤمنين وكل الامة، فإن من لم يوجد بعد، لا يكون موصوفا بالايمان، وبكونه من الامة.\rوأما التابعون، وكذلك من بعدهم، إذا أجمعوا على حكم، فليس هم كل المؤمنين ولا كل الامة، فلا يكون الخطاب متناولا لهم وحدهم، بل مع من تقدم من المؤمنين قبلهم ضرورة اتصافهم بذلك، حالة وجودهم، وبموتهم لم يخرجوا عن كونهم من المؤمنين ومن الامة.\rوكذلك فإنه لو ذهب واحد من الصحابة إلى حكم، واتفق التابعون على خلافه لم يكن إجماعهم منعقدا، ولو خرج بموته عن الامة والمؤمنين، لما كان كذلك.\rوإذا لم يكن التابعون كل الامة، ولا كل المؤمنين، فما اتفقوا عليه لا يكون هو قول كل الامة ولا كل المؤمنين فلا يكون حجة.\rوسواء وجد لمن تقدم قول أو لم يوجد، فمخالفهم لا يكون مخالفا لكل الامة، ولا لكل المؤمنين، فلا يكون بذلك مستحقا للذم والتوعد، سلمنا دلالة الآيات والاخبار على انعقاد إجماع من بعد الصحابة حجة، لكنه معارض بما بدل على عدمه، وبيانه من ستة أوجه: الاول: أن إجماع التابعين لا بد له من دليل، وذلك الدليل إما أن يكون نصا، أو إجماعا، أو قياسا.\rفإن كان إجماع من تقدم، فالحكم ثابت بإجماع الصحابة، لا بإجماع التابعين.\rوإن كان قياسا، فيستدعي أن يكون متفقا عليه بين جميع التابعين، ليكون مناط إجماعهم، وليس كذلك لوقوع الخلاف فيه فيما بينهم.\rوإن كان نصا، فلا بد وأن تكون الصحابة عالمة به ضرورة أنه لا طريق إلى معرفة التابعين به إلا من جهة الصحابة، ولو كان ذلك دليلا يمكن التمسك به في إثبات الحكم، لما تصور تواطئ الصحابة على تركه وإهماله.\rالثاني: هو أن الاصل أن لا يرجع إلى قول أحد سوى الصادق المؤيد بالمعجزة، لتطرق الخطإ والكذب إلى من عداه.\rغير أنه لما ورد الثناء من النبي عليه السلام","part":1,"page":231},{"id":242,"text":"على الصحابة بقوله: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وقوله: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي والذم لاهل الاعصار المتأخرة بقوله عليه السلام: ثم يفشو الكذب وأن الرجل يصبح مؤمنا، ويمسي كافرا، وأن الواحد منهم يحلف على ما لا يعلم، ويشهد قبل أن يستشهد، وأن الناس يكونون كالذئاب، إلى غير ذلك من أنواع الذم التي سبق ذكرها، أوجب قصر الاحتجاج على إجماع الصحابة دون غيرهم.\rالثالث: أن الاحتجاج بالاجماع إنما يمكن بعد الاطلاع على قول كل واحد من أهل الحل والعقد ومعرفته في نفسه.\rوذلك إنما يتصور في حق الصحابة، لان أهل الحل والعقد منهم كانوا معروفين مشهورين محصورين لقلتهم وانحصارهم في قطر واحد، بخلاف التابعين ومن بعدهم لكثرتهم وتشتتهم في البلاد المتباعدة.\rالرابع: أن الاجماع من الصحابة واقع على أن كل مسألة لا تكون مجمعا عليها ولا فيها نص قاطع أنه يجوز الاجتهاد فيها.\rفإذا لم يكن إجماع من الصحابة، ولا ثم نص قاطع، وإلا ما ساغ من الصحابة تركه وإهماله، فتكون المسألة مجمعا على جواز الاجتهاد فيها منهم، فلو أجمع التابعون على حكم تلك المسألة، فإن منعنا من اجتهاد غيرهم فيها، فقد خرقنا إجماع الصحابة، وإن جوزنا، فإجماع التابعين لا يكون حجة، وهو المطلوب.\rالخامس: أنه لو كان في الامة من هو غائب، فإنه وإن لم يكن له في المسألة قول بنفي ولا إثبات، لا ينعقد الاجماع دونه في تلك المسألة، لكونه لو كان حاضرا، لكان له فيها قول، فكذلك الميت من الصحابة قبل التابعين.","part":1,"page":232},{"id":243,"text":"السادس: أنه لو كان قد خالف واحد من الصحابة، فإن إجماع التابعين بعده لا ينعقد، وإذا لم ينقل خلاف من تقدم لا ينعقد الاجماع لاحتمال أن أحدا ممن تقدم خالف ولم ينقل خلافه، وإذا احتمل واحتمل، فالاجماع لا يكون متيقنا.\rوالجواب عن السؤال الاول: قولهم في الآيات إنها خطاب مع الموجودين في زمن النبي عليه السلام يلزمهم عليه أن لا ينعقد إجماع الصحابة بعد موت من كان موجودا عند نزول هذه الآيات، لان إجماعهم ليس إجماع جميع المخاطبين وقت نزولها، وأن لا يعتد بخلاف من أسلم بعد نزولها، لكونه خارجا عن المخاطبين.\rوقد أجمعنا على أن إجماع من بقي، من الصحابة بعد رسول الله، يكون حجة.\rقولهم: التابعون ليس هم كل الامة، ولا كل المؤمنين، يلزم عليه أن لا ينعقد إجماع من بقي من الصحابة بعد موت رسول الله، لان من مات من الصحابة، أو استشهد في حياة رسول الله داخل في مسمى المؤمنين والامة، وهو خلاف المجمع عليه بين القائلين بالاجماع، وليس ذلك، إلا لان الماضي إذا لم يكن له قول غير معتبر، كما أن المستقبل غير منتظر.\rوعلى هذا، فنقول: إنه إذا ذهب واحد من الصحابة إلى حكم في مسألة، ثم مات، وأجمع التابعون على خلافه في تلك المسألة، فقد قال بعض الاصوليين إنه ينعقد إجماع التابعين، ولا اعتبار بقول الماضي، وليس بحق، لانه يلزم منه أنه إذا أجمعت الصحابة على حكم، ثم ماتوا، وأجمع التابعون على خلاف إجماع الماضين، أنه ينعقد، وهو محال مخالف لاجماع القائلين بالاجماع.\rوإنما الحق في ذلك أن يقال: إذا حكم الواحد من الصحابة بحكم، ثم حكم التابعون بخلافه، فحكم التابعين ليس هو حكم جميع الامة المعتبرين في تلك المسألة التي وقع الخوض فيها.\rوإن كان حكمهم في مسألة لم يتقدم فيها خلاف بعض الصحابة،\rفهو حكم كل الامة المعتبرين وهذا كما لو أفتى الصحابي بحكم، ثم مات، وأجمع باقي الصحابة على خلافه، فإنه لا ينعقد إجماعهم، وإن انعقد إجماعهم إذا مات من غير مخالفة، لان حكمهم في الاول ليس هو حكم كل الامة المعتبرين بخلاف حكمهم في الثاني.","part":1,"page":233},{"id":244,"text":"والجواب عن المعارضة الاولى أنه، وإن كان دليل التابعين معلوما للصحابة، غير أنه لا يمتنع أن تكون واقعة الحكم لم تقع في زمن الصحابة، فلم يتعرضوا لحكمها، وإنما وقعت في زمن التابعين، فتعرضوا لاثبات حكمها بناء على ما وجدوه من الدليل الذي كان معلوما للصحابة.\rوعن الثانية: أن الادلة الدالة على كون الاجماع حجة لا تفرق بين أهل عصر وعصر.\rوقوله عليه السلام: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم لا يدل على عدم الاهتداء بغيرهم إلا بطريق مفهوم اللقب، والمفهوم ليس بحجة فضلا عن مفهوم اللقب على ما سيأتي في مسائل المفهوم.\rوكذلك الكلام في قوله: اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر كيف وأن ذلك مما يوجب كون إجماع أبي بكر وعمر مع مخالفة باقي الصحابة لهم حجة قاطعة، وهو خلاف الاجماع من الصحابة.\rقولهم إنه ذم أهل الاعصار المتأخرة.\rقلنا: غاية ما في ذلك غلبة ظهور الفساد والكذب، وليس فيه ما يدل على خلو كل عصر ممن تقوم الحجة بقوله، وأنه إذا اتفق أهل ذلك العصر على حكم يكونون معصومين عن الخطإ فيه.\rوعن الثالثة: ما سبق في مسألة تصور الاطلاع على إجماعهم ومعرفتهم.\rوعن الرابعة: أنه إن أجمع الصحابة على تجوير الخلاف مطلقا فلا يتصور انعقاد إجماع التابعين على الحكم في تلك المسألة، لما فيه من التعارض بين الاجماعين\rالقاطعين.\r، وإن أجمعوا على تسويغ الاجتهاد مشروطا بعدم الاجماع، فلا تناقض.\rوعن الخامسة: أنها منتقضة بالواحد من الصحابة، فإنه لو مات انعقد الاجماع","part":1,"page":234},{"id":245,"text":"من باقي الصحابة دونه، ولو كان غائبا لم ينعقد.\rوإنما كان كذلك، لان الغائب في الحال له أهلية القول والحكم والموافقة والمخالفة، بخلاف الميت.\rوعن السادسة: أنها باطلة بالميت الاول من الصحابة، فإنه يحتمل أنخالف، ولم ينقل خلافه.\rومع ذلك فإن إجماع باقي الصحابة بعده يكون منعقدا.\rكيف وأن النظر إلى مثل هذه الاحتمالات البعيدة، مما لا التفات إليه.\rوإلا لما انعقد إجماع الصحابة لاحتمال أن يكون واحد منهم قد أظهر الموافقة، وأبطن المخالفة لامر من الامور، كما نقل عن ابن عباس في موافقته لعمر في مسألة العول وإظهار النكير بعده.\rالمسألة الثامنة اختلفوا في انعقاد إجماع الاكثر مع مخالفة الاقل، فذهب الاكثرون إلى أنه لا ينعقد.\rوذهب محمد بن جرير الطبري وأبو بكر الرازي وأبو الحسين الخياط من المعتزلة، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، إلى انعقاده.\rوذهب قوم إلى أن عدد الاقل إن بلغ التواتر لم يعتد بالاجماع دونه، وإلا كان معتدا به.\rوقال أبو عبد الله الجرجاني: إن سوغت الجماعة الاجتهاد في مذهب المخالف، كان خلافه معتدا به، كخلاف ابن عباس في مسألة العول.\rوإن أنكرت الجماعة عليه ذلك، كخلاف ابن عباس في المتعة والمنع من تحريم ربا الفضل، لم يكن خلافه معتدا به.\rومنهم من قال أن قول الاكثر يكون حجة، وليس بإجماع، ومنهم من قال أن اتباع الاكثر أولى، وإن جاز خلافه.\rوالمختار مذهب الاكثرين.\rويدل عليه أمران:\rالاول أن التمسك في إثبات الاجماع حجة إنما هو بالاخبار الواردة في السنة الدالة على عصمة الامة على ما سبق تقريره.\rوعند ذلك فلفظ (الامة) في الاخبار يحتمل أنه أراد به كل الموجودين.\rمن المسلمين في أي عصر كان، ويحتمل أنه أراد به الاكثر، كما يقال: بنو تميم يحمون الجار ويكرمون الضيف، والمراد به الاكثر منهم: غير أن حمله على الجميع مما يوجب العمل بالاجماع","part":1,"page":235},{"id":246,"text":"قطعا لدخول العدد الاكثر في الكل، ولا كذلك إذا حمل على الاكثر، فإنه لا يكون الاجماع مقطوعا به لاحتمال إرادة الكل والاكثر ليس هو الكل.\rالثاني أنه قد جرى مثل ذلك في زمن الصحابة، ولم ينكر أحد منهم على خلاف الواحد، بل سوغوا له الاجتهاد فيما ذهب إليه مع مخالفة الاكثر.\rولو كان إجماع الاكثر حجة ملزمة للغير الاخذ به، لما كان كذلك.\rفمن ذلك اتفاق أكثر الصحابة على امتناع قتال ما نعي الزكاة مع خلاف أبي بكر لهم.\rوكذلك خلاف أكثر الصحابة لما انفرد به ابن عباس في مسألة العول وتحليل المتعة وأنه لا ربا إلا في النسيئة.\rوكذلك خلافهم لابن مسعود فيما انفرد به في مسائل الفرائض، ولزيد بن أرقم في مسألة العينة، ولابي موسى في قوله: النوم لا ينقض الوضوء، ولابي طلحة في قوله بأن أكل البرد لا يفطر، إلى غير ذلك.\rولو كان إجماع الاكثر حجة، لبادروا بالانكار والتخطئة، وما وجد منهم من الانكار في هذه الصور لم يكن إنكار تخطئة بل إنكار مناظرة في المأخذ، كما جرت عادة المجتهدين بعضهم مع بعض.\rولذلك بقي الخلاف الذي ذهب إليه الاقلون جائزا إلى وقتنا هذا.\rوربما كان ما ذهب إليه الاقل هو المعول عليه الآن، كقتال مانعي الزكاة.\rولو كان ذلك مخالفا للاجماع المقطوع به، لما كان ذلك سائغا.\rوقد تمسك بعضهم هاهنا بطريقة أخرى، فقال إنه لو انعقد إجماع الاكثر مع\rمخالفة الاقل، فإما أن ينعقد الاجماع عليه، فيلزم منه ترك ما علمه بالدليل والرجوع إلى التقليد، وذلك في حق المجتهد ممتنع، وإن لم ينعقد الاجماع عليه، فلا يكون الاجماع حجة مقطوعا بها فإنه لو كان مقطوعا به لما ساغت مخالفته بالاجتهاد.\rولقائل أن يقول: إذا فرضنا أن انعقاد الاجماع من الاكثر دون الاقل حجة قاطعة، فالقول برجوع المجتهد الواحد إليه.\rوإن كان على خلاف ما أوجبه اجتهاده، لا يكون منكرا لما فيه من ترك الاجتهاد بالرجوع إلى الاجماع القاطع.\rولهذا، فإنه لو أجمعت الامة على حكم، ثم جاء من بعدهم مجتهد يرى في اجتهاده ما يخالف إجماع الامة السابقة، لم يجز له الحكم به، بل وجب عليه الرجوع إلى الامة.","part":1,"page":236},{"id":247,"text":"احتج المخالفون بالنصوص والاجماع والمعقول: أما من جهة النصوص، فمنها ما ورد من الاخبار الدالة على عصمة الامة عن الخطإ.\rولفظ (الامة) يصح إطلاقه على أهل العصر، وإن شذ منهم الواحد والاثنان، كما يقال: بنو تميم يحمون الجار، ويكرمون الضيف.\rوالمراد به الاكثر.\rفكان إجماعهم حجة لدلالة النصوص عليه.\rومنها قوله عليه السلام: عليكم بالسواد الاعظم، عليكم بالجماعة، يد الله على الجماعة، إياكم والشذوذ والواحد والاثنان بالنسبة إلى الخلق الكثير شذوذ.\rالشيطان مع الواحد وهو عن الاثنين أبعد ونحو ذلك من الاخبار.\rوأما الاجماع فهو أن الامة اعتمدت في خلافة أبي بكر على انعقاد الاجماع عليه، لما اتفق عليه الاكثرون، وإن خالف في ذلك جماعة كعلي وسعد بن عبادة.\rولولا أن إجماع الاكثر حجة مع مخالفة الاقل، لما كانت إمامة أبي بكر ثابتة بالاجماع.\rأما من جهة المعقول، فمن خمسة أوجه: الاول: أن خبر الواحد بأمر لا يفيد العلم.\rوخبر الجماعة إذا بلغ عددهم\rعدد التواتر يفيد العلم.\rفليكن مثله في باب الاجتهاد والاجماع.\rالثاني: أن الكثرة يحصل بها الترجيح في رواية الخبر، فليكن مثله في الاجتهاد.\rالثالث: أنه لو اعتبرت مخالفة الواحد والاثنين، لما انعقد الاجماع أصلا، لانه ما من إجماع إلا ويمكن مخالفة الواحد والاثنين فيه، إما سرا، وإما علانية.\rالرابع: أن الاجماع حجة في العصر الذي هم فيه، وفيما بعد، وذلك يقتضي أن يكون فيهم مخالف حتى يكون حجة عليه.\rالخامس: أن الصحابة أنكرت على ابن عباس خلافه في ربا الفضل في النقود، وتحليل المتعة، والعول.\rولولا أن اتفاق الاكثر حجة لما أنكروا عليه، فإنه ليس للمجتهد الانكار على المجتهد.\rوالجواب: قولهم: لفظ (الامة) يصح إطلاقه على الاكثر.","part":1,"page":237},{"id":248,"text":"قلنا: بطريق المجاز، ولهذا يصح أن يقال: إذا شذ عن الجماعة واحد، ليس هم كل الامة ولا كل المؤمنين، بخلاف ما إذا لم يشذ منهم أحد.\rوعلى هذا، فيجب حمل لفظ (الامة) على الكل لكون الحجة فيه قطعية لما بيناه في حجتنا.\rوعلى هذا، فيجب حمل قوله عليه السلام: عليكم بالسواد الاعظم على جميع أهل العصر، لانه لا أعظم منه.\rفإن قيل: فظاهر هذا الخبر يقتضي أن يكون السواد الاعظم حجة على من ليس من السواد الاعظم وذلك لا يتم إلا بأن يكون في عصرهم مخالف لهم.\rقلنا: هو حجة على من يأتي بعدهم أقل عددا منهم.\rوعلى هذا يكون الجواب عن قوله: عليكم بالجماعة، يد الله على الجماعة وحيث قال عليه السلام: الاثنان فما فوقهما جماعة إنما أراد به انعقاد جماعة الصلاة بهما، وقوله: إياكم والشذوذ.\rقلنا: الشاذ هو المخالف بعد الموافقة، لا من خالف قبل الموافقة،\rوقوله: الشيطان مع الواحد وهو عن الاثنين أبعد أراد به الحث على طلب الرفيق في الطريق، ولهذا قال: والثلاثة ركب.\rوما ذكروه في عقد الامامة لابي بكر، فلا نسلم أن الاجماع معتبر في انعقاد الامامة، بل البيعة بمحضر من عدلين كافية.\rكيف وإنا لا نسلم عدم انعقاد إجماع الكل على بيعة أبي بكر، فإن كل من تأخر عن البيعة إنما تأخر لعذر وطرؤ أمر مع ظهور الموافقة منه بعد ذلك.\rوقد استقصينا الكلام في هذا المعنى في الامامة من علم الكلام.\rوالجواب: عن الحجة الاولى من المعقول، أنه، إن كان صدق الاكثر فيما يخبرون به عن أمر محسوس مفيد للعلم، فلا يلزم مثله في الاجماع الصادر عن الاجتهاد، مع أن الاحتجاج فيه إنما هو بقول الامة، والاكثر ليس هم كل الامة على ما سبق.\rثم لو كان كل من أفاد خبره اليقين، يكون قوله إجماعا محتجا به، لوجب أن يكون إجماع كل أهل بلد محتجا به مع مخالفة أهل البلد الآخر لهم، لان خبر أهل كل بلد يفيد العلم.","part":1,"page":238},{"id":249,"text":"وعن الثانية: أنه لا يلزم من الترجيح بالكثرة في الرواية التي يطلب منها غلبة الظن دون اليقين مثله في الاجماع، مع كونه يقينيا، كيف وإنه لو اعتبر في الاجماع ما يعتبر في الرواية، لكان مصير الواحد إلى الحكم وحده إجماعا، كما أن روايته وحده مقبولة.\rوليس كذلك.\rوعن الثالثة: أن الاحتجاج بالاجماع إنما يكون حيث علم الاتفاق من الكل إما بصريح المقال أو قرائن الاحوال، وذلك ممكن حسب إمكان العلم باتفاق الاكثر، وأما حيث لا يعلم فلا.\rوإن قيل إن ذلك غير ممكن، فمثله أيضا جار في الاكثر.\rويلزم من ذلك أن لا ينعقد الاجماع أصلا، وهو خلاف الاصلين.\rوعن الرابعة: أنه يكون حجة على من خالف منهم بعد الوفاق في زمنهم، وعلى من يوجد بعدهم ثم إن كان الاجماع يكون حجة إلا مع الخلاف، فليزم منه أنه إذا لم يكن خلاف، لا يكون إجماع، وهو ظاهر الاحالة.\rوعن الخامسة: أن إنكار الصحابة على ابن عباس فيما ذهب إليه لم يكن بناء على إجماعهم واجتهادهم، بل بناء على مخالفة ما رووه له من الاخبار الدالة على تحريم ربا الفضل ونسخ المتعة، على ما جرت به عادة المجتهدين في مناظراتهم، والانكار على مخالفة ما ظهر لهم من الدليل حتى يبين لهم المأخذ من جانب الخصم، وذلك كما قال ابن عباس: من شاء باهلني باهلته، والذي أحصى رمل عالج عددا ما جعل الله في الفريضة نصفا ونصفا وثلثا، هذان نصفان ذهبا بالمال فأين موضع الثلث وقال آخر: ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن الابن ابنا، ولا يجعل أب الاب أبا.\rوليس ذلك لان العود إلى قوله واجب على من خالفه، بل بمعنى طلب الكشف عن مأخذ المخالفة.\rوإذا عرف أنه لا يكون اتفاق الاكثر إجماعا، فيمتنع أن يكون حجة لخروجه عن الادلة المتفق عليها.\rوهي النص من الكتاب والسنة وإجماع الامة والقياس وعدم دليل يدل على صحة الاحتجاج به.\rولذلك لا يكون أولى بالاتباع، لان الترجيح بالكثرة، وإن كان حقا في باب رواية الاخبار لما فيه من ظهور أحد الظنين على الآخر، فلا يلزم مثله في باب الاجتهاد، لما فيه من ترك ما ظهر له من الدليل لما لم يظهر له فيه دليل، أو ظهر، غير أنه مرجوح في نظره.","part":1,"page":239},{"id":250,"text":"المسألة التاسعة اختلفوا في التابعي إذا كان من أهل الاجتهاد في عصر الصحابة هل ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفته أم لا.\rفمنهم من قال: لا ينعقد بإجماعهم مع مخالفته، ثم اختلف هؤلاء.\rفمن لم يشترط انقراض العصر، قال إن كان من أهل الاجتهاد\rقبل انعقاد إجماع الصحابة، فلا يعتد بإجماعهم مع مخالفته، وإن بلغ رتبة الاجتهاد بعد انعقاد إجماع الصحابة، لا يعتد بخلافه.\rوهذا هو مذهب أصحاب الشافعي وأكثر المتكلمين وأصحاب أبي حنيفة، ومذهب أحمد بن حنبل في أحدى الروايتين عنه.\rومن شرط انقراض العصر، قال لا ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفته، سواء كان من أهل الاجتهاد حالة إجماعهم، أو صار مجتهدا بعد إجماعهم، لكن في عصرهم.\rوذهب قوم إلى أنه لا عبرة بمخالفته أصلا، وهو مذهب بعض المتكلمين وأحمد بن حنبل في رواية.\rوالمختار أنه إن كان من أهل الاجتهاد حالة إجماع الصحابة لا ينعقد إجماعهم دون موافقته.\rوقد استدل كثير من أصحابنا بقولهم إن الصحابة سوغت للتابعين المعاصرين لهم الاجتهاد معهم في الوقائع الحادثة في عصرهم، كسعيد بن المسيب وشريح القاضي والحسن البصري ومسروق وأبي وائل والشعبي وسعيد بن جبير وغيرهم، حتى إن عمر وعليا وليا شريحا القضاء ولم يعترضا عليه فيما خالفهما فيه، وحكم على علي، في خصومة عرضت له عنده على خلاف رأي علي، ولم ينكر عليه.\rوروي عن ابن عمر أنه سئل عن فريضة، فقال: اسألوا سعيد بن جبير، فإنه أعلم بها مني.\rوسئل الحسين بن علي كرم الله وجهه عن مسألة، فقال: اسألوا الحسن البصري.\rوسئل ابن عباس عن نذر ذبح الولد، فقال: اسألوا مسروقا.\rفلما أتاه السائل بجوابه اتبعه.\rوروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: تذاكرت أنا وابن عباس وأبو هريرة في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها فقال ابن عباس: عدتها أبعد الاجلين.\rوقلت أنا: عدتها أن تضع حملها.\rوقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي.\rفسوغ ابن عباس لابي سلمة أن يخالفه مع أبي هريرة، إلى غير ذلك من الوقائع.","part":1,"page":240},{"id":251,"text":"ولو كان قول التابعي باطلا لما ساغ للصحابة تجويزه والرجوع إليه.\rوفي هذه الحجة نظر،\rفإن لقائل أن يقول: إنما كان الاجتهاد مسوغا للتابعي عند اختلاف الصحابة، ولا يلزم من الاعتداد بقوله مع الاختلاف الاعتداد بقوله مع الاتفاق، وهو محل النزاع.\rولهذا، فإن قول التابعي معتبر بعد انقراض عصر الصحابة، إذا لم يكن منهم اتفاق، وغير معتبر إذا كان على خلاف اتفاقهم.\rوالمعتمد في ذلك أن يقال: الادلة الدالة على كون الاجماع حجة إنما هي الاخبار الدالة على عصمة الامة عن الخطإ على ما سبق.\rوهذا الاسم لا يصدق عليهم مع خروج التابعين المجتهدين عنهم.\rفإنه لا يقال إجماع جميع الامة، بل إجماع بعضهم فلا يكون حجة.\rاحتج الخصوم بالنص والمعقول والآثار: أما النص فقوله عليه السلام: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ وقوله: اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر وقوله: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.\rوأما المعقول، فهو أن الصحابة لهم مزية الصحبة وشهادة التنزيل وسماع التأويل، وأنهم مرضي عنهم على ما قال تعالى: * (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) * (48) الفتح: 18) وقد قال النبي في حقهم: لو أنفق غيرهم ملء الارض ذهبا لما بلغ مد أحدهم.\rوذلك يدل على أن الحق معهم لا مع مخالفهم.\rوأما الآثار، فمنها أن عليا عليه السلام نقض على شريح حكمه في ابني عم أحدهما أخ لام، لما جعل المال كله للاخ.\rومنها ما روي عن عائشة أنها أنكرت على أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف مجاراته للصحابة وكلامه فيما بينهم، وزجرته عن ذلك، وقالت: فروج يصيح مع الديكة.\rوالجواب: عن النصوص ما سبق في مسألة انعقاد إجماع غير الصحابة.","part":1,"page":241},{"id":252,"text":"وعن المعقول: قولهم إن الصحابة لهم مزية الصحبة والفضيلة والدرجة الرفيعة.\rقلنا: لو كان ذلك مما يوجب اختصاص الاجماع بهم لما اعتبر قول الانصار مع المهاجرين، ولا قول المهاجرين مع قول العشرة، ولا قول باقي العشرة مع قول الخلفاء الاربعة، ولا قول عثمان وعلي مع قول أبي بكر وعمر، ولا قول غير الاهل مع الاهل، ولا قول غير الزوجات، مع الزوجات لوقوع التفاوت والتفاضل.\rولم يقل به قائل.\rوعن الآثار، أما نقض علي على شريح حكمه، فليس لان قوله غير معتبر.\rولهذا فإنه لما حكم عليه في مخاصمته بخلاف رأيه لم ينكر عليه، وإنما نقض حكمه، بمعنى أنه رد عليه بطريق الاستدلال والاعتراض، كما يقال نقض فلان كتاب فلان وكلامه إذا اعترض عليه.\rويحتمل أنه نقضه بنص اطلع عليه أوجب نقض حكمه.\rوأما إنكار عائشة على أبي سلمة، فيحتمل أنه كان ذلك بخلافه فيما سبق فيه إجماع الصحابة أو لانه لم يكن قد بلغ رتبة الاجتهاد، أو بطريق التأديب مع الصحابة، أو لانها رأت ذلك مذهبا لها، فلا حجة فيه.","part":1,"page":242},{"id":253,"text":"المسألة العاشرة اتفق الاكثرون على أن إجماع أهل المدينة وحدهم لا يكون حجة على من خالفهم في حالة انعقاد إجماعهم، خلافا لمالك، فإنه قال: يكون حجة.\rومن أصحابه من قال: إنما أراد بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيرهم.\rومنهم من قال أراد به أن يكون إجماعهم أولى.\rولا تمتنع مخالفته.\rومنهم من قال: أراد بذلك أصحاب رسول الله (ص).\rوالمختار مذهب الاكثرين.\rوذلك أن الادلة الدالة على كون الاجماع حجة، متناولة لاهل المدينة والخارج عن أهلها، وبدونه لا يكونون كل الامة ولا كل\rالمؤمنين، فلا يكون إجماعهم حجة على ما عرف في المسائل المتقدمة.\rاحتج من نصر مذهب مالك بالنص والمعقول: أما النص، فقوله عليه السلام: إن المدينة طيبة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد والخطأ من الخبث، فكان منفيا عنها.\rوقال عليه السلام: إن الاسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها وقال عليه السلام: لا يكايد أحد أهل المدينة إلا انماع كما ينماع الملح في الماء.\rوأما المعقول فمن ثلاثة أوجه: الاول: هو أن المدينة دار هجرة النبي عليه السلام وموضع قبره، ومهبط الوحي، ومستقر الاسلام، ومجمع الصحابة، فلا يجوز أن يخرج الحق عن قول أهلها.\rالثاني: أن أهل المدينة شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل، وكانوا أعرف بأحوال الرسول من غيرهم، فوجب أن لا يخرج الحق عنهم.\rالثالث: أن رواية أهل المدينة مقدمة على رواية غيرهم، فكان إجماعهم حجة على غيرهم.\rوالجواب: عن النص الاول أنه، وإن دل على خلوص المدينة عن الخبث، فليس فيه ما يدل على أن من كان خارجا عنها لا يكون خالصا عن الخبث، ولا على كون إجماع أهل المدينة دونه حجة.\rوتخصيصه للمدينة بالذكر إنما كان إظهارا لشرفها وإبانة لخطرها وتمييزا لها عن غيرها لما اشتملت عليه من الصفات المذكورة في الوجه الاول من المعقول.\rوهو الجواب عن باقي النصوص.","part":1,"page":243},{"id":254,"text":"وعن الوجه الاول من المعقول أن غايته اشتمال المدينة على صفات موجبة لفضلها، وليس في ذلك ما يدل على انتفاء الفضيلة عن غيرها، ولا على الاحتجاج بإجماع أهلها.\rولهذا، فإن مكة أيضا مشتملة على أمور موجبة لفضلها، كالبيت المحترم، والمقام وزمزم، والحجر المستلم، والصفا، والمروة، ومواضع المناسك، وهي\rمولد النبي عليه السلام ومبعثه، ومولد إسماعيل، ومنزل إبراهيم.\rولم يدل ذلك على الاحتجاج بإجماع أهلها على مخالفيهم إذ لا قائل به.\rوإنما الاعتبار بعلم العلماء واجتهاد المجتهدين، ولا أثر للبقاع في ذلك.\rوعن الوجه الثاني أن ذلك لا يدل على انحصار أهل العلم فيها، والمعتبرين من أهل الحل والعقد، ومن تقوم الحجة بقولهم، فإنهم كانوا منتشرين في البلاد، متفرقين في الامصار، وكلهم فيما يرجع إلى النظر والاعتبار سواء.\rولهذا قال عليه السلام: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ولم يخصص ذلك بموضع دون موضع، لعدم تأثير المواضع في ذلك.\rوعن الوجه الثالث أنه تمثيل من غير دليل موجب للجمع بين الرواية والدراية.\rكيف وإن الفرق حاصل، وذلك من جهة الاجمال والتفصيل: أما الاجمال فهو أن الرواية يرجح فيها بكثرة الرواة حتى إنه يجب على كل مجتهد الاخذ بقول الاكثر بعد التساوي في جميع الصفات المعتبرة في قبول الرواية، ولا كذلك في الاجتهاد، فإنه لا يجب على أحد من المجتهدين الاخذ بقول الاكثر من المجتهدين، ولا بقول الواحد أيضا.\rوأما من جهة التفصيل، فهو أن الرواية مستندها السماع ووقوع الحوادث المروية في زمن النبي عليه السلام وبحضرته.\rولما كان أهل المدينة أعرف بذلك وأقرب إلى معرفة المروي، كانت روايتهم أرجح.\rوأما الاجتهاد فإن طريقه النظر والبحث بالقلب والاستدلال على الحكم.\rوذلك مما لا يختلف بالقرب والبعد، ولا يختلف باختلاف الاماكن.\rوعلى ما ذكرناه، فلا يكون إجماع أهل الحرمين مكة والمدينة، والمصرين الكوفة والبصرة، حجة على مخالفيهم، وإن خالف فيه قوم لما ذكرناه من الدليل.","part":1,"page":244},{"id":255,"text":"المسألة الحادية عشرة لا يكفي في انعقاد الاجماع اتفاق أهل البيت مع مخالفة غيرهم لهم خلافا للشيعة، للدليل السابق في المسائل المتقدمة.\rاحتج المثبتون بالكتاب والسنة والمعقول: أما الكتاب فقوله تعالى: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (33) الاحزاب: 33) أخبر بذهاب الرجس عن أهل البيت بإنما، وهي للحصر فيهم، وأهل البيت علي وفاطمة والحسن والحسين.\rويدل على هذا أنه لما نزلت هذه الآية أدار النبي عليه السلام الكساء على هؤلاء، وقال هؤلاء أهل بيتي والخطأ والضلال من الرجس، فكان منتفيا عنهم.","part":1,"page":245},{"id":256,"text":"وأما السنة فقوله عليه السلام: إني تارك فيكم الثقلين، فإن تمسكتم بهما، لن تضلوا كتاب الله وعترتي حصر التمسك بهما، فلا تقف الحجة على غيرهما.\rوأما المعقول فهو أن أهل البيت اختصوا بالشرف والنسب وأنهم أهل بيت الرسالة، ومعدن النبوة والوقوف على أسباب التنزيل، ومعرفة التأويل، وأفعال الرسول وأقواله، لكثرة مخالطتهم له عليه السلام، وأنهم معصومون عن الخطإ","part":1,"page":246},{"id":257,"text":"على ما عرف في موضعه من الامامة، والآية المذكورة أولا، فكانت أقوالهم وأفعالهم حجة على غيرهم، بل قول الواحد منهم، ضرورة عصمته عن الخطإ، كما في أقوال النبي عليه السلام وأفعاله.\rوالجواب: عن التمسك بالآية أنها إنما نزلت في زوجات النبي عليه السلام، لقصد دفع التهمة عنهن وامتداد الاعين بالنظر إليهن.\rويدل على ذلك أول الآية وآخرها، وهو قوله تعالى: * (يا نساء النبي لستن كأحد\rمن النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا) * (33) الاحزاب: 32) إلى قوله: * وقرن في بيوتكن، ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى، وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) * (33) الاحزاب: 33) وقوله عليه السلام: هؤلاء أهل بيتي لا ينافي كون الزوجات من أهل البيت ويدل عليه الآية المخاطبة لهم بأهل البيت.\rوالخبر وهو ما روي عن أم سلمة أنها قالت للنبي عليه السلام: ألست من أهل البيت قال: بلى إن شاء الله.\rفإن قيل: لو كان المراد بقوله: ليذهب عنكم الرجس أهل البيت الزوجات، لقال (عنكن).\rقلنا: إنما قال (عنكم) لان أول الآية وإن كان خطابا مع الزوجات، غير أنه، لما خاطبهن بأهل البيت أدخل معهن غيرهن من الذكور كعلي والحسن والحسين، فجاء بخطاب التذكير، لان الجمع إذا اشتمل على مذكر ومؤنث، غلب جمع التذكير، وصار كما في قوله تعالى في حق زوجه إبراهيم: * (فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب.\rقالت يا ويلتى، أألد وأنا عجوز، وهذا بعلي شيخا، إن هذا لشئ عجيب.\rقالوا: أتعجبين من أمر الله، رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) * (11) هود: 71 - 73) فكان ذلك عائدا إليها وإلى من حواه بيت إبراهيم من ذكر وأنثى.","part":1,"page":247},{"id":258,"text":"وعن الخبر أنه من باب الآحاد.\rوعندهم أنه ليس بحجة، وإن كان حجة، ولكن لا نسلم أن المراد بالثقلين الكتاب والعترة، بل الكتاب والسنة على ما روي أنه قال: كتاب الله وسنتي وإن كان كما ذكروه، غير أنه أمكن حمله على الرواية عنه عليه السلام وروايتهم حجة.\rويجب الحمل على ذلك جمعا بين الادلة، وإنما خصهم بذلك، لانهم أخبر بحاله من أقواله وأفعاله.\rثم ما ذكروه معارض بقوله عليه السلام: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ وبقوله: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر وبقوله: خذوا شطر دينكم عن الحميراء وليس العمل بما ذكرتموه أولى مما ذكرناه.\rوعن المعقول، أما اختصاصهم بالشرف والنسب، فلا أثر له في الاجتهاد واستنباط الاحكام من مداركها، بل المعول في ذلك إنما هو على الاهلية للنظر والاستدلال ومعرفة المدارك الشرعية وكيفية استثمار الاحكام منها، وذلك مما لا يؤثر فيه الشرف ولا قرب القرابة.\rوأما كثرة المخالطة للنبي عليه السلام، فذلك مما يشارك العترة فيه الزوجات، ومن كان يصحبه من الصحابة في السفر والحضر من خدمه وغيرهم.\rوأما العصمة، فلا يمكن التمسك بها لما بيناه في الكتب الكلامية.\rوأما الآية فقد بينا أن المراد بنفي الرجس إنما هو نفي الظنة والتهمة عن زوجات النبي عليه السلام، وذلك بمعزل عن الخطإ والضلال في الاجتهاد والنظر في الاحكام الشرعية.","part":1,"page":248},{"id":259,"text":"وعلى هذا، فقد بطل أن يكون قول الواحد منهم أيضا حجة.\rويؤيد ذلك أن عليا، عليه السلام، لم ينكر على أحد ممن خالفه فيما ذهب إليه من الاحكام، ولم يقل له إن الحجة فيما أقول، مع كثرة مخالفيه.\rولو كان ذلك منكرا، فقد كان متمكنا من الانكار فيما خولف فيه في زمن ولايته وظهور شوكته، فتركه لذلك يكون خطأ منه، ويخرج بذلك عن العصمة وعن وجوب اتباعه فيما ذهب إليه.\rالمسألة الثانية عشرة\rلا ينعقد إجماع الائمة الاربعة مع وجود المخالف لهم من الصحابة عند الاكثرين، خلافا لاحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، وللقاضي أبي حازم من أصحاب أبي حنيفة.\rوكذلك لا ينعقد إجماع الشيخين أبي بكر وعمر مع مخالفة غيرهما لهما، خلافا لبعض الناس.\rودليل ذلك ما سبق في المسائل المتقدمة.\rحجة من قال بانعقاد إجماع الائمة الاربعة قوله عليه السلام: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ أوجب اتباع سنتهم كما أوجب اتباع سنته.\rوالمخالف لسنته لا يعتد بقوله، فكذلك المخالف لسنتهم.\rوحجة من قال بانعقاد إجماع الشيخين قوله عليه السلام: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.\rوالجواب عن الخبر الاول أنه عام في كل الخلفاء الراشدين ولا دلالة فيه على الحصر في الائمة الاربعة، وإن دل على الحصر فهو معارض بقوله عليه السلام: أصحابي كالنجوم الحديث.\rوليس العمل بأحد الخبرين أولى من الآخر.\rوإذا تعارض الخبران سلم لنا ما ذكرناه، وبهذا يبطل الاستدلال بالخبر الآخر أيضا.","part":1,"page":249},{"id":260,"text":"المسألة الثالثة عشرة اختلفوا في اشتراط عدد التواتر في الاجماع، فمن استدل على كون الاجماع حجة بدلالة العقل، وهو أن الجمع الكثير لا يتصور تواطئهم على الخطإ كإمام الحرمين وغيره، فلا بد من اشتراط ذلك عنده لتصور الخطإ على من دون عدد التواتر وأما من احتج على ذلك بالادلة السمعية، فقد اختلفوا: فمنهم من شرطه، ومنهم من لم يشترطه.\rوالحق أنه غير مشترط لما بيناه من أن إثبات الاجماع بطريق العقل غير متصور، وأنه لا طريق إليه سوى الادلة السمعية من الكتاب والسنة.\rوعلى هذا، فمهما كان\rعدد الاجماع أنقص من عدد التواتر صدق عليهم لفظ (الامة) و (المؤمنين)، وكانت الادلة السمعية موجبة لعصمتهم عن الخطإ عليهم، ووجب اتباعهم.\rفإن قيل: ما ذكرتموه إنما يصح بتقدير عود عدد المسلمين إلى ما دون عدد التواتر، وذلك غير متصور، مهما دام التكليف من الله تعالى بدين الاسلام، وذلك لان التكليف به إنما يكون مع قيام الحجة على ذلك، والحجة على ذلك إنما تكون بالنقل المفيد لوجود محمد وتحديه بالرسالة، وما ورد على لسانه من معجز الكتاب والسنة وأدلة الاحكام يقينا، ولا يفيد ذلك غير التواتر من أخبار المسلمين لعدم نقل غيرهم لذلك، ومبالغتهم في محو ذلك وإعدامه.\rسلمنا إمكان انتفاء التكليف مع عود عدد المجمعين إلى ما دون عدد التواتر، ولكن ما دون عدد التواتر مما لا يعلم إسلامهم وإيمانهم بأقوالهم، ومن لا يعلم إيمانه لا يعلم صدقه في الخبر عن الدين.\rسلمنا إمكان حصول العلم بأقوال من عددهم دون عدد التواتر، فلو لم يبق من الامة سوى واحد، هل تقوم الحجة بقوله أم لا ؟ والجواب عن الاول أنا إن قلنا إن أهل الاجماع هم أهل الحل والعقد، فلا يلزم من نقصان عددهم عن عدد التواتر انقطاع الحجة بالتكليف، لامكان حصول المعرفة بذلك من أخبار المجتهدين والعامة جميعا، فإنه ليس من شرط التواتر أن","part":1,"page":250},{"id":261,"text":"يكون ناقله مجتهدا.\rوإن قلنا إن العوام داخلة في الاجماع، ومع ذلك فعدد الجميع دون عدد التواتر، فلا يلزم أيضا انقطاع ذلك لامكان إدامة الله ذلك بأخبار المسلمين وأخبار الكفار معهم، وإن كانوا لا يعترفون بنبوة محمد عليه السلام، وبخبر العدد القليل لاحتفاف القرائن المفيدة للعلم بأخبارهم، ويدل على ذلك قوله عليه السلام: لا تزال طائفة من أمتي تقوم بالحق حتى يأتي أمر الله، وبتقدير عدم ذلك كله فانقطاع التكليف وانتهاء الاسلام غير ممتنع عقلا\rولا شرعا.\rولذلك قال عليه السلام: أول ما يفقد من دينكم الامانة، وآخر ما يفقد الصلاة وقال عليه السلام: إن الله لا ينزع العلم من صدور الرجال، ولكن ينزع العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فإذا سئلوا أفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا.\rوعن السؤال الثاني انه لا بعد في حصول العلم بخبرهم بما يحتف به من القرائن، بل ولا بعد في ذلك، وأن كان المخبر واحدا، وأن يخلق الله لنا العلم الضروري بذلك.\rوعن السؤال الثالث أذلك مما اختلف فيه جواب الاصحاب فمنهم من قال إن قوله يكون حجة متبعة، لانه إذا لم يوجد من الامة سواه، صدق عليه إطلاق لفظ (الامة)، ودليله قوله تعالى: * (إن إبراهيم كان أمة قانتا) * (16) النحل: 120) أطلق لفظ (الامة) عليه وهو واحد.\rوالاصل في الاطلاق الحقيقة وإذا كان أمة كانت النصوص السابق ذكرها متناولة له حسب تناولها للجمع الكثير.\rومنهم من أنكر ذلك مصيرا منه إلى أن لفظ (الاجماع) مشعر بالاجتماع، وأقل ما يكون ذلك من اثنين فصاعدا.","part":1,"page":251},{"id":262,"text":"المسألة الرابعة عشرة اختلفوا فيما إذا ذهب واحد من أهل الحل والعقد إلى حكم وعرف به أهل عصره.\rولم ينكر عليه منكر: هل يكون ذلك إجماعا ؟ فذهب أحمد بن حنبل وأكثر أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي والجبائي إلى أنه إجماع وحجة.\rلكن من هؤلاء من شرط في ذلك انقراض العصر كالجبائي.\rوذهب الشافعي إلى نفي، الامرين وهو منقول عن داود وبعض أصحاب أبي حنيفة.\rوذهب أبو هاشم إلى أنه حجة، وليس بإجماع.\rوذهب أبو علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي إلى أنه إن كان ذلك حكما من حاكم لم يكن إجماعا، وإن كان فتيا كان إجماعا، وقد احتج النافون لكونه إجماعا بأن سكوت من سكت يحتمل أن يكون لانه موافق.\rويحتمل أنه لم يجتهد بعد في حكم الواقعة، ويحتمل أنه اجتهد، لكن لم يؤده اجتهاده إلى شئ، وإن أدى اجتهاده إلى شئ، فيحتمل أن يكون ذلك الشئ مخالفا للقول الذي ظهر.\rلكنه لم يظهره: إما للتروي والتفكر في ارتياد وقت يتمكن من إظهاره، وإما لاعتقاده أن القائل بذلك مجتهد، ولم ير الانكار على المجتهد لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب، أو لانه سكت خشية ومهابة وخوف ثوران فتنة، كما نقل عن ابن عباس أنه وافق عمر فمسألة العول، وأظهر النكير بعده، وقال هبته، وكان رجلا مهيبا، وإما لظنه أن غيره قد كفاه مؤنة الانكار وهو مخطئ فيه.\rومع هذه الاحتمالات فلا يكون سكوتهم مع انتشار قول المجتهد فيما بينهم إجماعا ولا حجة.","part":1,"page":252},{"id":263,"text":"وأما حجة ابن أبي هريرة أن العادة جارية بأن الحاضر مجالس الحكام يحضر على بصيرة من خلافهم له فيما ذهب إليه من غير إنكار، لما في الانكار من الافتيات عليهم، ولان حكم الحاكم يقطع الخلاف، ويسقط الاعتراض، بخلاف قول المفتي فإن فتواه غير لازمة ولا مانعة من الاجتهاد.\rوفي هاتين الحجتين نظر: أما الاولى فما ذكر فيها من الاحتمالات، وإن كانت منقدحة عقلا، فهي خلاف الظاهر من أحوال أرباب الدين وأهل الحل والعقد.\rأما احتمال عدم الاجتهاد في الواقعة فبعيد من الخلق الكثير، والجم الغفير، لما فيه من إهمال حكم الله تعالى فيما حدث، مع وجوبه عليهم وإلزامهم به، وامتناع تقليدهم لغيرهم، مع كونهم من المجتهدين، فإنه معصية.\rوالظاهر عدم ارتكابها من المتدين المسلم.\rوأما احتمال عدم تأدية الاجتهاد إلى شئ من الاحكام، فبعيد أيضا، لان الظاهر أنه ما من حكم إلا ولله تعالى عليه دلائل وأمارات تدل عليه.\rوالظاهر ممن له أهلية الاجتهاد، إنما هو الاطلاع عليها، والظفر بها.\rوأما احتمال تأخير الانكار للتروي والتفكر، وإن كان جائزا، غير أن العادة تحيل ذلك في حق الجميع، ولا سيما إذا مضت عليهم أزمنة كثيرة حتى انقرض العمر من غير نكير.\rوأما احتمال السكوت عنه لكونه مجتهدا، فذلك مما لا يمنع من مباحثته ومناظرته وطلب الكشف عن مأخذه، لا بطريق كالعادة الجارية من زمن الصحابة إلى زمننا هذا بمناظرة المجتهدين، وأئمة الدين فيما بينهم، لتحقيق الحق، وإبطال الباطل كمناظرتهم في مسائل الجد والاخوة وقوله: أنت علي حرام والعول، ودية الجنين، ونحو ذلك من المسائل.\rوأما احتمال التقية فبعيد أيضا، وذلك لان التقية إنما يكون فيما يحتمل المخافة ظاهرا، وليس كذلك لوجهين.\rالاول: أن مباحث المجتهدين غير مستلزمة لذلك، وذلك لان الغالب من حال المجتهد، وهو من سادات أرباب الدين أن مباحثته فيما ذهب إليه لا توجب خيفة في نفسه، ولا حقدا في صدره، تخاف عاقبته، إذ هو خلاف مقتضى الدين.","part":1,"page":253},{"id":264,"text":"الثاني: أنه إما أن يكون خاملا غير مخوف، فلا تقية بالنسبة إليه، وإن كان ذا شوكة وقوة كالامام الاعظم، فمحاباته في ذلك تكون غشا في الدين، والكلام معه فيه\rيعد نصحا.\rوالغالب إنما هو سلوك طريق النصح وترك الغش من أرباب الدين، كما نقل عن علي في رده على عمر في عزمه على إعادة الجلد على أحد الشهود على المغيرة، بقوله: إن جلدته، ارجم صاحبك.\rورد معاذ عليه في عزمه على جلد الحامل بقوله: إن جعل الله لك على ظهرها سبيلا فما جعل لك على ما في بطنها سبيلا، حتى قال عمر: لولا معاذ لهلك عمر.\rومن ذلك رد المرأة على عمر لما نهى عن المغالاة في مهور النساء بقولها: أيعطينا الله تعالى بقوله: * (وآتيتم إحداهن قنطارا، فلا تأخذوا منه شيئا) * (4) النساء: 20) ويمنعنا عمر، حتى قال عمر: امرأة خاصمت عمر فخصمته.\rومن ذلك قول عبيدة السلماني لعلي، عليه السلام، لما ذكر أنه قد تجدد له رأي في بيع أمهات الاولاد: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك، إلى غير ذلك من الوقائع.\rوأما حجة ابن أبي هريرة، فإنما تصح بعد استقرار المذاهب.\rوأما قبل ذلك، فلا نسلم أن السكوت لا يكون إلا عن رضى وعلى هذا، فالاجماع السكوتي ظني، والاحتجاج به ظاهر لا قطعي.","part":1,"page":254},{"id":265,"text":"المسألة الخامسة عشرة إذا ذهب واحد من أهل الحل والعقد إلى حكم في مسألة.\rولم ينتشر بين أهل عصره، لكنه يعرف له مخالف، هل يكون إجماعا ؟ اختلفوا فيه، والاكثر على أنه ليس بإجماع، وهو المختار.\rوذلك لانه إنما يتخيل كونه إجماعا من أهل العصر، إذا علموا بقوله وسكتوا عن الانكار، على ما تقدم في المسألة التي قبلها.\rوأما إذا لم يعلموا به، فيمتنع رضاهم به أو سخطهم.\rومع ذلك فيحتمل أن لا يكون لهم في تلك المسألة قول، لعدم خطورها ببالهم.\rوإن كان لهم فيها قول، احتمل أن يكون موافقا للمنقول إلينا، واحتمل أن يكون مخالفا له، احتمالا على السواء.\rومن لا قول له في نفس الامر في المسألة، أو له قول، لكنه متردد بين الموافقة والمخالفة، فلا تتحقق منه الموافقة والاجماع.\rوإذا لم يكن ذلك إجماعا، فهل يكون ما نقل إلينا من قول الصحابي حجة متبعة أو لا.\rفسيأتي الكلام فيه فيما بعد.","part":1,"page":255},{"id":266,"text":"المسألة السادسة عشرة اختلفوا في انقراض العصر: هل هو شرط في انعقاد الاجماع أو لا ؟ فذهب أكثر أصحاب الشافعي وأبي حنيفة والاشاعرة والمعتزلة إلى أنه ليس بشرط.\rوذهب أحمد بن حنبل والاستاذ أبو بكر بن فورك إلى اعتباره شرطا.\rومن الناس من فصل، وقال: إن كان قد اتفقوا بأقوالهم أو أفعالهم أو بهما، لا يكون انقراض العصر شرطا.\rوإن كان الاجماع بذهاب واحد من أهل الحل والعقد إلى حكم، وسكت الباقون عن الانكار مع اشتهاره فيما بينهم، فهو شرط.\rوهذا هو المختار.\rلكن، قد احتج القائلون بعدم الاشتراط بمسلكين ضعيفين لا بد من الاشارة إليهما، ووجه ضعفهما.\rثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار.\rالمسلك الاول: أنهم قالوا: وقع الاجماع على كون الاجماع حجة بعد انقراض العصر، إذا لم يوجد لهم مخالف، فالحجة إما أن تكون في نفس الاتفاق، أو نفس انقراض العصر، أو مجموع الامرين.\rلا جائز أن يقال بالثاني، وإلا كان انقراض العصر دون الاتفاق حجة، وهو محال، ولا جائز أن يقال بالثالث، وإلا كان موتهم مؤثرا في جعل أقوالهم حجة، وهو محال كما في موت النبي عليه السلام.\rفلم يبق سوى الاول، وهو ثابت قبل\rانقراض العصر، وذلك هو المطلوب.\rولقائل أن يقول: ما المانع أن تكون الحجة في اتفاقهم مشروطا بعدم المخالف لهم في عصرهم.\rولا يخفى أن دعوى إحالة ذلك غير محل النزاع، ولا يلزم من عدم اشتراط عدم مخالفة النبي، عليه السلام، في صحة الاحتجاج بقوله عدم اشتراط ذلك فيما نحن فيه، إذ هو تمثيل من غير جامع صحيح، كيف والفرف حاصل من جهة أن قول النبي مستند إلى الوحي على ما قال تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * (53) النجم: 3 - 4) وقول غيره: ليس عن وحي حتى يقع في مقابلة قوله: وأما قول غيره فمستند إلى الاجتهاد، وقول المخالف له أيضا مستند إلى الاجتهاد، وليس أحدهما أولى من الآخر، فافترقا.","part":1,"page":256},{"id":267,"text":"المسك الثاني: هو أن القول باشتراط انقراض العصر يفضي إلى عدم تحقق الاجماع مطلقا، مع كونه حجة متبعة.\rوكل شرط أفضى إلى إبطال المشروط المتفق على تحقيقه كان باطلا.\rوبيان ذلك أن من اشترط انقراض العصر جوز لمن حدث من التابعين لاهل ذلك العصر، إذا كان من أهل الاجتهاد، مخالفتهم، وشرط في صحة إجماعهم موافقته لهم، وإذا صار التابعي من أهل الاجماع، فقد لا ينقرض عصرهم حتى يحدث تابع التابعي.\rوالكلام فيه كالكلام في الاول وهلم جرا، إلى يوم القيامة.\rومع ذلك، فلا يكون الاجماع متحققا في عصر من الاعصار.\rولقائل أن يقول: القائلون باشتراط انقراض العصر اختلفوا في إدخال من أدرك المجمعين من التابعين لهم في إجماعهم: فذهب أحمد بن حنبل إلى أنه لا مدخل للتابعي في إجماع أهل ذلك العصر في إحدى الروايتين عنه، مع أنه يشترط انقراض العصر.\rوفائدة اشتراطه لذلك\rإمكان رجوع المجمعين أو بعضهم عما حكموا به أولا، لا لجواز وجود مجتهد آخر، وعلى هذا، فالاشكال يكون مندفعا.\rوبتقدير تسليم دخول التابع لهم في إجماعهم، فلا يمتنع أن يكون الشرط هو انقراض عصر المجمعين عند حدوث الحادثة، واعتبار موافقة من أدرك ذلك العصر من المجتهدين لا عصر من أدرك عصرهم.\rوعلى هذا، فالاشكال لا يكون متجها.\rوالمعتمد في ذلك أن يقال: إذا اتفق إجماع أمة عصر من الاعصار على حكم حادثة، فهم كل الامة بالنسبة إلى تلك المسألة، وتجب عصمتهم في ذلك عن الخطإ على ما سبق من النصوص في مسألة إثبات كون الاجماع حجة، وذلك غير متوقف على انقراض عصرهم.\rهذا فيما إذا اتفقوا على الحكم بأقوالهم أو أفعالهم أو بهما وأما إن حكم واحد بحكم، وانتشر حكمه فيما بينهم، وسكتوا عن الانكار، وإن كان الظاهر الموافقة، على ما سبق تقريره، فذلك مما لا يمنع من إظهار بعضهم","part":1,"page":257},{"id":268,"text":"المخالفة في وقت آخر لاحتمال أن يكون في مهلة النظر.\rوقد ظهر له الدليل عند ذلك.\rويدل على ظهور هذا الاحتمال إظهاره للمخالفة.\rفإنه لو كان سكوته عن موافقة ودليل، لكان الظاهر عدم مخالفته لذلك الدليل.\rوأما إن حدث تابعي مخالف، مع إصرار الباقين على السكوت، فالظاهر أنه لا يعتد بمخالفته في مقابلة الاجماع الظاهر.\rاحتج المخالفون بالنص والآثار والمعقول: أما النص فقوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس) * (2) البقرة: 143) ووجه الدلالة أنه جعلهم حجة على الناس، ومن جعل إجماعهم مانعا لهم من الرجوع، فقد جعلهم حجة على أنفسهم.\rوأما الآثار، فمنها ما روي عن علي، عليه السلام، أنه قال اتفق رأيي ورأي عمر على أن لا تباع أمهات الاولاد، والآن فقد رأيت بيعهن، أظهر الخلاف بعد الوفاق، ودليله قول عبيدة السلماني: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك.\rوقول عبيدة دليل سبق الاجماع.\rومنها أن عمر خالف ما كان عليه أبو بكر والصحابة في زمانه من التسوية في القسم، وأقره الصحابة أيضا على ذلك.\rومنها أن عمر حد الشارب ثمانين، وخالف ما كان أبو بكر والصحابة عليه من الحد أربعين.\rوأما المعقول، فمن أربعة أوجه.\rالاول أن إجماعهم ربما كان عن اجتهاد وظن، ولا حجر على المجتهد إذا تغير اجتهاده، وإلا كان الاجتهاد مانعا من الاجتهاد، وهو ممتنع.\rوذلك، لان العادة جارية بأن الرأي والنظر عند المراجعة وتكرر النظر يكون أوضح وأصح.\rويدل عليه قوله تعالى: * (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي) * (11) هود: 27) جعلوا بادي الرأي ذما وطعنا، فلا يجوز أن يكون محكما على الرأي الثاني.\rالوجه الثاني أنه لو لم تعتبر المخالفة في عصرهم، لبطل مذهب المخالف لهم في عصرهم بموته، لان من بقي بعده كل الامة، وذلك خلاف الاجماع.","part":1,"page":258},{"id":269,"text":"الوجه الثالث: أن قول الجماعة لا يزيد على قول النبي عليه السلام، ووفاة النبي شرط في استقرار الحجة فيما يقوله.\rفاشتراط ذاك في استقرار قول الجماعة أولى.\rالوجه الرابع أنه لو لم يشترط انقراض العصر، وإلا فبتقدير أن يتذكر واحد منهم أو جماعة منهم أو جملتهم، حديثا عن رسول الله، على خلاف إجماعهم.\rفإن جاز رجوعهم إليه، كان الاجماع الاول خطأ، وإن لم يجز الرجوع، كان\rاستمرارهم على الحكم، مع ظهور دليل يناقضه، وهو أيضا خطأ، ولا مخلص منه إلا باشتراط انقراض العصر.\rوالجواب عن الآية من وجهين: الاول أنه لا يلزم من وصفهم بأنهم شهداء على الناس وحجة على غيرهم امتناع كون أقوالهم حجة على أنفسهم، إلا بطريق المفهوم، ولا حجة فيه على ما يأتي، بل ربما كان قبول قولهم على أنفسهم أولى من قبوله على غيرهم لعدم التهمة، وتكون فائدة التخصيص التنبيه بالادنى على الاعلى.\rولهذا، فإنه قد يقبل إقرار المرء على نفسه، وإن كان لا تقبل شهادته على غيره.\rالثاني أن المراد بجعلهم شهداء على الناس في يوم القيامة بإبلاغ الانبياء إليهم، فلا يكون ذلك حجة فيما نحن فيه.\rوعن الآثار: أما قول علي، فليس فيه ما يدل على اتفاق الامة، وإلا قال: أيي ورأي الامة.\rوالذي يدل على ذلك أنه قد نقل أن جابر بن عبد الله كان يرى جواز بيعهن في زمن عمر، ومع مخالفته، فلا إجماع.\rوقول السلماني ليس فيه أيضا ما يدل على اتفاق الجماعة على ذلك.\rلانه يحتمل أنه أراد به رأيك مع رأي الجماعة، ويحتمل أنه أراد به رأيك في زمن الجماعة والالفة والطاعة للامام أحب إلينا من رأيك في زمن الفتنة وتشتيت الكلمة، نفيا للتهمة عن علي في تطرقها إليه في","part":1,"page":259},{"id":270,"text":"مخالفة الشيخين، وبتقدير أن يكون علي قد خالف بعد انعقاد الاجماع، فلعله كان ممن يرى اشتراط انقراض العصر.\rولا حجة في قول المجتهد الواحد في محل النزاع.\rوأما قضية التسوية، فلا نسلم أن عمر خالف فيها بعد الوفاق، فإنه روي أنه خالف أبا بكر في ذلك في زمانه، وقال له: أتجعل من جاهد في سبيل الله بنفسه\rوماله كمن دخل في الاسلام كرها ؟ فقال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما أجرهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ.\rولم يرو أن عمر رجع إلى قول أبي بكر، وإنما فضل في زمانه وعود الامر إليه، لانه كان مصرا على المخالفة.\rوأما حده للشارب ثمانين، فغايته أنه خالف الاجماع السكوتي، ونحن نقول بجواز ذلك لكونه كان من جملة الساكتين على ما بيناه في المسألة المتقدمة.\rوعن الحجة الاولى: من المعقول أنه، وإن كان مصير كل واحد من المجتهدين إلى الحكم عن اجتهاد وظن، ولكن بعد اتفاقهم على الحكم إنما يجوز الرجوع عنه بالاجتهاد أن لو لم يصر الحكم بإجماعهم قطعيا.\rوأما إذ صار قطعيا فيمتنع العود عنه وتركه بالاجتهاد الظني.\rوهذا بخلاف العود عن الاجتها الظني بالاجتهاد الظني.\rوعن الثانية: أنه قد ذهب بعض من نص هذا المذهب إلى إبطال مذهب المخالف بموته، وقال بانعقاد إجماع من بقي ومنهم من قال: إنما لم يبطل مذهبه، ولا ينعقد الاجماع بعده، لان من بعده ليس هم كل الامة بالنسبة إلى هذه المسألة التي خالف فيها الميت، فإن فتواه لا تبطل بموته، وهو الحق.\rوعن الثالثة: بالفرق بين النبي، عليه السلام، والامة، أن قوله إنما لم يستقر قبل موته لامكان نسخه من الله تعالى، وهو مرتقب.\rوذلك إنما هو بالوحي القاطع، ورفع القاطع بالقاطع على طريق النسخ غير ممتنع بخلاف رفع حكم الاجماع القاطع بطريق الاجتهاد.\rوعن الرابعة: أن ما فرضوه من تذكر الخبر المخالف لاجماعهم فهو فرض محال، بل الله تعالى يعصم الامة عن الاجماع على خلاف الخبر، وذلك يوجب إما عدم الخبر المخالف، أو أن يعصم الراوي له عن النسيان إلى تمام انعقاد الاجماع.\rوعلى هذا، يكون الحكم فيما يقال من اطلاع التابعين على خبر مخالف للاجماع السابق.","part":1,"page":260},{"id":271,"text":"المسألة السابعة عشرة اتفق الكل على أن الامة لا تجتمع على الحكم إلا عن مأخذ ومستند يوجب اجتماعها خلافا لطائفة شاذة، فإنهم قالوا بجواز انعقاد الاجماع عن توفيق لا توقيف بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير مستند.\rوقد احتج النافون لذلك بمسالك: المسلك الاول: إنهم قالوا مع فقد الدليل والمستند لا يجب الوصول إلى الحق، أي لا يلزم.\rولقائل أن يقول: متى لا يلزم ذلك، إذا لم تجمع الامة على الحكم، أو إذا أجمعت ؟ الاول مسلم، والثاني دعوى محل النزاع، فإنه ما المانع أنهم إذا اتفق إجماعهم، أن يوفقهم الله تعالى للصواب، ضرورة استحالة إجماعهم على الخطإ لما سبق في المسالك السمعية، والكلام إنما هو في جواز ذلك لا في وقوعه.\rالمسلك الثاني: إن الصحابة ليسوا بآكد حالا من النبي عليه السلام.\rومعلوم أنه لا يقول ولا يحكم إلا عن وحي على ما نطق به النص، فالامة أولى أن لا تقول إلا عن دليل.\rولقائل أن يقول: إذا دل الدليل على امتناع الخطإ على الرسول فيما يقول، وكذلك الامة، فلو قال الرسول قولا.\rوحكم بحكم عن غير دليل، لما كان إلا حقا ضرورة استحالة الخطإ عليه، غير أنه امتنع منه الحكم والقول من غير دليل لقوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * (53) النجم: 3 - 4) وأما الامة فقد دل الدليل على استحالة الخطإ عليهم فيما أجمعوا عليه، ولم يدل على أنهم لا يحكمون إلا عن دليل، فافترقا.","part":1,"page":261},{"id":272,"text":"المسلك الثالث: إنه لو جاز أن يحكموا من غير مستند، لجاز ذلك لكل واحد منهم، فإنهم إنما يجمعون على الحكم بأن يقول كل واحد به، ولو جاز ذلك\rلآحادهم، لم يكن للجمع في ذلك مزية على الآحاد.\rولقائل أن يقول: المزية للجمع على الآحاد من وجهين: الاول أن إجماعهم يكون حجة بخلاف قول كل واحد من الآحاد.\rالثاني أن جواز ذلك للآحاد مشروط بضم قول الباقي إليه، لا أنه جائز من غير ضم، ولا كذلك قول الجميع، فإنه جائز على الاطلاق.\rالمسلك الرابع: إن القول في الدين من غير دلالة ولا أمارة خطأ، فلو اتفقوا عليه كانوا مجمعين على الخطإ، وذلك محال قادح في الاجماع.\rولقائل أن يقول: متى يكون ذلك خطأ إذا لم تجمع الامة عليه، أو إذا أجمعت ؟ الاول مسلم، والثاني دعوى محل النزاع.\rالمسلك الخامس: إن المقالة إذا لم تستند إلى دليل لا يعلم انتسابها إلى وضع الشارع، وما يكون كذلك لا يجوز الاخذ به.\rولقائل أن يقول: إما أن يراد بأنه لا يعرف انتسابها إلى وضع الشارع، أنه لا يعرف ذلك عن دليل شرعي، أو أنه لا يعلم كونها مصيبة لحكم الشارع أو معنى آخر: الاول مسلم، وهذا هو عين صورة الواقع المختلف فيه.\rوالثاني دعوى محل النزاع، والثالث فلا بد من تصويره والدلالة عليه.","part":1,"page":262},{"id":273,"text":"المسلك السادس: أنه لو جاز انعقاد الاجماع من غير دليل لم يكن لاشتراط الاجتهاد في قول المجمعين معنى، وهو محال، لان اشتراط الاجتهاد مجمع عليه.\rولقائل أن يقول: الاجتهاد مشترط لا حالة الاجماع، أو حالة الاجماع ؟ الاول مسلم، والثاني دعوى محل النزاع.\rفإن الخصم إذا قال بجواز الاصابة وامتناع الخطإ على الاجماع من غير دليل، كيف يسلم اشتراط الاجتهاد في مثل هذه الصورة.\rفهذه جملة ما ظفرت به من مسالك النافين وليس شئ منها موجبا\rلاستبعاد مقالة المخالف والحكم ببعده عن الصواب.\rوأما المثبتون فقد احتجوا بمسلكين: الاول أن الاجماع حجة، فلو افتقر في جعله حجة إلى دليل، لكان ذلك الدليل هو الحجة في إثبات الحكم المجمع عليه، ولم يكن في إثبات كون الاجماع حجة فائدة وهو باطل من ثلاثة أوجه.\rالاول: أنه أمكن أن يقال فائدة كون الاجماع حجة، جواز الاخذ به وإسقاط البحث عن ذلك الدليل وحرمة المخالفة الجائزة قبل الاتفاق.\rالثاني: أن ما ذكروه يوجب عدم انعقاد الاجماع عن الدليل ولم يقولوا به.\rالثالث: أنه ينتقض بقول الرسول، فإنه حجة بالاتفاق مع أنه لا يقول ما يقوله إلا عن دليل، وهو ما يوحى به إليه على ما نطق به النص.\rالمسلك الثاني: استدلالهم بالواقع، وهو أنهم قالوا: قد انعقد الاجماع من غير دليل كإجماعهم على أجرة الحمام، وناصب الحباب على الطريق، وأجرة الحلاق، وأخذ الخراج ونحوه.\rولقائل أن يقول: لا نسلم وقوع شئ من الاجماعات إلا عن دليل غايته أنه لم ينقل الاكتفاء بالاجماع عنه وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين، فالواجب أن يقال: إنهم إن أجمعوا عن غير دليل، فلا يكون إجماعهم إلا حقا ضرورة استحالة الخطإ عليهم.\rوأما أن يقال إنه لا يتصور إجماعهم إلا عن دليل أو يتصور، فذلك مما قد ظهر ضعف المأخذ فيه من الجانبين.","part":1,"page":263},{"id":274,"text":"المسألة الثامنة عشرة القائلون بأنه لا ينعقد الاجماع إلا عن مستند اختلفوا في جواز انعقاده عن الاجتهاد والقياس.\rفجوزه الاكثرون، لكن اختلفوا في الوقوع نفيا وإثباتا.\rوالقائلون بثبوته اختلفوا فمنهم من قال إن الاجماع مع ذلك يكون حجة تحرم مخالفته، وهم الاكثرون، ومنهم من قال لا تحرم مخالفته، لان القول بالاجتهاد في ذلك يفتح باب الاجتهاد ولا يحرمه.\rوذهبت الشيعة وداود الظاهري وابن جرير الطبري إلى المنع من ذلك.\rومن الناس من قال بجواز ذلك بالقياس الجلي دون الخفي.\rوالمختار جوازه ووقوعه.\rوأنه حجة تمتنع مخالفته.\rأما دليل الجواز العقلي، فهو أنا قد وجدنا الخلق الكثير الزائد على عدد التواتر مجمعين على أحكام باطلة لا تستند إلى دليل قطعي ولا دليل ظني، كما ذكرناه في مسألة تصور انعقاد الاجماع.\rفجواز انعقاد الاجماع عن الدليل الظني الظاهر أولى كيف وأنا لو قدرنا وقوع ذلك لما لزم عنه لذاته محال عقلا، ولا معنى للجائز سوى هذا.\rوأما دليل الوقوع فهو أن الصحابة أجمعت على إمامة أبي بكر من طريق الاجتهاد والرأي، حتى قال جماعة منهم رضيه رسول الله لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا ؟ وقال بعضهم: إن تولوها أبا بكر، تجدوه قويا في أمر الله، ضعيفا في بدنه وأيضا فإنهم اتفقوا على قتال مانعي الزكاة بطريق الاجتهاد، حتى قال أبو بكر: والله لا فرقت بين ما جمع الله، قال الله أقيموا الصلاة، وآتو الزكاة.\rوأجمعوا على تحريم شحم الخنزير قياسا على تحريم لحمه، وأجمعوا على إراقة الشيرج والدبس السيال، إذا وقعت فيه فأرة وماتت، قياسا على فأرة السمن، وعلى تأمير خالد بن الوليد في موضع كانوا فيه باجتهادهم.","part":1,"page":264},{"id":275,"text":"وأجمعوا في زمن عمر على حد شارب الخمر ثمانين بالاجتهاد، حتى قال علي عليه السلام، إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى فأرى أن\rيقام عليه حد المفترين.\rوقال عبد الرحمن بن عوف: هذا حد، وأقل الحدود ثمانون.\rوأجمعوا أيضا بطريق الاجتهاد على جزاء الصيد، ومقدار أرش الجناية، ومقدار نفقة القريب وعدالة الائمة والقضاة، ونحو ذلك.\rوإذا ثبت الجواز والوقوع، وجب أن يكون حجة متبعة لما ثبت في مسألة كون الاجماع حجة.\rفإن قيل: ما ذكرتموه من دليل الجواز معارض بما يدل على عدمه، وبيانه من خمسة أوجه: الاول: أنه ما من عصر إلا وفيه جماعة من نفاة القياس، وذلك مما يمنع من انعقاد الاجماع مستندا إلى القياس.\rالثاني: أن القياس أمر ظني.\rوقوى الناس وأفهامهم مختلفة في إدراك الوقوف عليه، وذلك مما يحيل اتفاقهم على إثبات الحكم به عادة، كما يستحيل اتفاقهم على أكل طعام واحد في وقت واحد لاختلاف أمزجتهم.\rالثالث: أن الاجماع دليل مقطوع به، حتى إن مخالفه يبدع ويفسق، والدليل المظنون الثابت بالاجتهاد على ضده وذلك مما يمنع إسناد الاجماع إليه.\rالرابع: أن الاجماع أصل من أصول الادلة، وهو معصوم عن الخطإ.\rوالقياس فرع وعرضة للخطإ.\rواستناد الاصل وما هو معصوم عن الخطإ إلى الفرع وما هو عرضة للخطإ ممتنع.\rالخامس: أن الاجماع منعقد على جواز مخالفة المجتهد، فلو انعقد الاجماع عن اجتهاد أو قياس، لحرمت المخالفة الجائزة بالاجماع، وذلك تناقض.\rوأما ما ذكرتموه من دليل الوقوع، فلا نسلم أن إجماعهم في جميع صور الاجماع كان عن القياس والاجتهاد، بل إنما كان ذلك عن نصوص ظهرت للمجمعين منها ما ظهر لنا، وذلك كتمسك أبي بكر في قتال مانعي الزكاة بقوله تعالى:","part":1,"page":265},{"id":276,"text":"* (أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43) وباستثناء النبي عليه السلام وهو قوله (إلا) بحقها من قوله: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وكاستدلال الصحابة على تقديم أبي بكر بفعل النبي عليه السلام حيث قالوا: أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله ومنها ما لم يظهر لنا للاكتفاء بالاجماع عن نقله.\rوالجواب: عن الوجه الاول أنا لا نسلم وقوع الخلاف في القياس في العصر الاول ليصح ما ذكروه.\rووجدوه الخلاف بعده في القياس غايته المنع من وقوع انعقاد الاجماع على القياس بعد ظهور الخلاف فيه، ولا يمنع من ذلك مطلقا.\rكيف وهو منقوض بخبر الواحد، فإنه مختلف فيه وفي أسباب تزكيته، ومع ذلك فقد وافقوا على انعقاد الاجماع بناء عليه.\rوعن الثاني: أن القياس إذا ظهر وعدم الميل والهوى، فلا يبعد اتفاق العقلاء عليه، ويكون داعيا إلى الحكم به.\rوإن تعذر ذلك في وقت معين لتفاوت أفهامهم وجدهم في النظر والاجتهاد، فلا يتعذر ذلك في أزمنة متطاولة، كما لا يتعذر اتفاقهم على العمل بخبر الواحد، مع أن عدالته مظنونة بما يظهر من الامارات الدالة عليها والاسباب الموجبة لتزكيته.\rوهذا بخلاف اتفاق الكافة على أكل طعام واحد.\rفإن اختلاف أمزجتهم موجب لاختلاف أغراضهم وشهواتهم، ولا داعي لهم إلى الاجتماع عليه، كما وجد الداعي لهم عند ظهور القياس إلى الحكم بمقتضاه.\rوعن الثالث من وجهين: الاول أن الامة إذا اتفقت على ثبوت حكم القياس، فإجماعهم على ذلك يسبقه إجماعهم على صحة ذلك القياس، وبذلك يخرج عن كونه ظنيا، فإذا استناد الاجماع القطعي إنما هو إلى قطعي لا إلى ظني،\rالثاني أن ما ذكروه ينتقض بما وافقوا عليه من انعقاد الاجماع.\rبناء على خبر الواحد مع كونه ظنيا، والاجماع المستند إليه قطعي، فما هو الجواب في صورة الالزام يكون جوابا في محل النزاع.","part":1,"page":266},{"id":277,"text":"وعن الرابع: أن القياس الذي هو مستند الاجماع ليس هو فرعا للاجماع بل لغيره من الكتاب والسنة، وذلك لا يتحقق معه بناء الاجماع على فرعه.\rقولهم إن القياس عرضة للخطإ بخلاف بالاجماع، فجوابه ما سبق في جواب الوجه الذي قبله.\rوعن الخامس: أن الاجماع إنما انعقد على جواز مخالفة المجتهد المنفرد باجتهاده، كالواحد والاثنين، دون اجتهاد الامة.\rقولهم الامة في الصورة المذكورة إنما أجمعت على نصوص.\rقلنا وإن أمكن التشبث بما أوردوه من النصوص في بعض الصور، فما العذر فيما لا يظهر فيه نص مع تصريحهم بالقياس وإلحاق صورة بصورة فيما ذكرناه، ولو كان لهم فيها نص، لما عدلوا عنه إلى التصريح بالقياس، وإذا ثبت جواز انعقاد الاجماع عن القياس وعن غيره من الادلة الظنية، فلو ظهر دليل من الادلة الظنية، ورأينا الامة قد حكمت بمقتضاه، وإن غلب على الظن كون هو المستند، فلا يجب تعينه لجواز أن المستند غيره لتكثر الادلة في نفس الامر، خلافا لابي عبد الله البصري.","part":1,"page":267},{"id":278,"text":"المسألة التاسعة عشرة إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين، هل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث ؟\rاختلفوا فيه: فذهب الجمهور إلى المنع من ذلك، خلافا لبعض الشيعة وبعض الحنفية وبعض أهل الظاهر، وذلك كما لو قال بعض أهل العصر إن الجارية الثيب إذا وطئها المشتري، ثم وجد بها عيبا، يمنع الرد، وقال بعضهم بالرد مع العقر، فالقول بالرد مجانا قول ثالث.\rوكذلك لو قال بعضهم: الجد يرث جميع المال مع الاخ، وقال بعضهم بالمقاسمة، فالقول بأنه لا يرث شيئا قول ثالث.\rوكذلك إذا قال بعضهم: النية معتبرة في جميع الطهارات، وقال البعض النية معتبرة في البعض دون البعض، فالقول بأنها لا تعتبر في شئ من الطهارات قول ثالث.\rوفي معنى هذا ما لو قال بعضهم: بجواز فسخ النكاح بالعيوب الخمسة، وقال البعض لا يجوز الفسخ بشئ منها، فالقول بالفسخ بالبعض دون البعض قول ثالث.\rوكذلك إذا قال بعضهم في زوج وأبوين أو زوجة وأبوين، للام ثلث الاصل في المسألتين، وقال بعضهم لها ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج والزوجة، فالقول بأن لها ثلث الاصل في إحدى المسألتين وثلث ما يبقى في المسألة الاخرى قول ثالث.\rاحتج الغزالي على امتناع القول الثالث بأنه لو جاز القول الثالث فإما أن لا يكون له دليل أو له دليل.\rفإن كان الاول، فالقول به ممتنع، وإن كان الثاني، يلزم منه نسبته الخطأ إلى الامة بنسبتهم إلى تضييعه والغفلة عنه، وهو محال وهو ضعيف.\rفإنه إنما يلزم","part":1,"page":268},{"id":279,"text":"من ذلك نسبة الامة إلى الخطإ، أن لو كان الحق في المسألة معينا وهو ليس كذلك على ما سيأتي، وإذا كان كل مجتهد مصيبا، فالتخطئة تكون ممتنعة.\rواحتج القاضي عبد الجبار على ذلك بأن الامة إذا اختلفت على قولين، فقد أجمعت من جهة المعنى على المنع من إحداث قول ثالث، لان كل طائفة\rتوجب الاخذ بقولها أو بقول مخالفها، ويحرم الاخذ بغير ذلك، وهو ضعيف أيضا، وذلك لان الخصم إنما يسلم إيجاب كل واحدة من الطائفتين الاخذ بقولها أو قول مخالفها بتقدير أن لا يكون اجتهاد الغير قد يفضي إلى القول الثالث.\rوالمختار في ذلك إنما هو التفصيل.\rوهو أنه إن كان القول الثالث مما يرفع ما اتفق عليه القولان، فهو ممتنع لما فيه من مخالفة الاجماع، وذلك كما في مسألة الجارية المشتراة، فإنه إذا اتفقت الامة فيها على قولين، وهما امتناع الرد، والرد مع العقر فالقولان متفقان على امتناع الرد مجانا، فالقول به يكون خرقا للاجماع السابق.\rوكذلك في مسألة الجد، فإنه إذا اتفقت الامة على قولين، وهما استقلاله بالميراث ومقاسمته للاخ، فقد اتفق الفريقان على أن للجد قسطا من المال، فالقول الحادث أنه لا يرث شيئا يكون خرقا للاجماع.\rوكذلك في مسألة النية في الطهارة إذا اتفقت الامة فيها على قولين، وهما اعتبار النية في جميع الطهارات، وعلى اعتبارها في البعض دون البعض، فقد اتفق القولان على اعتبارها في البعض، فالقول المحدث النافي لاعتبارها مطلقا يكون خرقا للاجماع السابق.\rوأما إن كان القول الثالث لا يرفع ما اتفق عليه القولان بل وافق كل واحد من القولين من وجه، وخالفه من وجه، فهو جائز، إذ ليس فيه خرق الاجماع، وذلك كما لو قال بعضهم باعتبار النية في جميع الطهارات، وقال البعض بنفي اعتبارها في جميع الطهارات، فالقول الثالث، وهو اعتبارها في البعض دون البعض، لا يكون خرقا للاجماع.\rلان خرق الاجماع إنما هو القول بما","part":1,"page":269},{"id":280,"text":"يخالف ما اتفق عليه أهل الاجماع.\rوهاهنا ليس كذلك، فإن القائل بالنفي في البعض والاثبات في البعض قد وافق في كل صورة مذهب ذي مذهب، فلم يكن\rمخالفا للاجماع، لا في صورة اعتبار النية، لكونه موافقا لقول من قال باعتبارها في الكل، ولا في صورة النفي لكونه موافقا لمن قال بنفي الاعتبار في الكل.\rوكدلك لو قال بعضهم بأنه لا يقتل المسلم بالذمي، ولا يصح بيع الغائب، وقال بعضهم بجواز قتل المسلم بالذمي، وبصحة بيع الغائب، فمن قال بجواز قتل المسلم بالذمي، وبنفي صحة بيع الغائب، أو بالعكس، لم يكن خارقا للاجماع من غير خلاف، وكان ذلك جائزا له.\rوعلى هذا، يكون الحكم في مسألة فسخ النكاح بالعيوب الخمسة.\rفإن قيل: فمن قال بالاثبات مطلقا لم يقل بالتفصيل.\rوكذلك من قال بالنفي مطلقا، فالقول بالتفصيل قول لم يقل به قائل.\rقلنا: وعدم القائل به مما لا يمنع من القول به، وإلا لما جاز أن يحكم واقعة متجددة بحكم، إذا لم يكن قد سبق فيها لاحد قول، وهو خلاف الاجماع.\rفإن قيل: فكل من القائلين بالنفي والاثبات مطلقا قائل بنفي التفصيل، فالقول بالتفصيل يكون خرقا للاجماع.\rقلنا: لا نسلم ذلك، فإن قول كل واحد منهما بنفي التفصيل إما أن يعرف من صريح مقاله، أو من قوله بالنفي أو الاثبات مطلقا: الاول ممنوع، حتى أن كل واحد من الفريقين لو صرح بنفي التفصيل، لما ساغ القول بالتفصيل، والثاني غير مستلزم للقول بنفي التفصيل، وإلا لامتنع القول بالتفصيل فيما ذكرناه من مسألة المسلم بالذمي وبيع الغائب، وهو ممتنع.\rفإن قيل: القول بالتفصيل فيه تخطئة كل واحد من الفريقين في بعض ما ذهب إليه، وتخطئة الفريقين تخطئة للامة، وذلك محال.","part":1,"page":270},{"id":281,"text":"قلنا: المحال إنما هو تخطئة الامة فيما اتفقوا عليه.\rوأما تخطئة كل بعض فيما لم\rيتفق عليه لا يكون محالا.\rوعلى هذا، يجوز انقسام الامة إلى قسمين، وكل قسم مخطئ في مسألة لما ذكرناه، وإن خالف فيه الاكثرون.\r(شبه المخالفين) الاولى: أن اختلاف الامة على قولين دليل تسويغ الاجتهاد، والقول الثالث حادث عن الاجتهاد، فكان جائزا.\rالثانية: أنهم قالوا: أجمعنا على أن الصحابة لو انقرض عصرهم، وكانوا قد استدلوا في مسألة من المسائل بدليلين، فإنه يجوز للتابعي الاستدلال بدليل ثالث، فكذلك القول الثالث.\rالثالثة: أنهم قالوا: دليل جواز إحداث قول ثالث الوقوع من غير إنكار من الامة، فمن ذلك أن الصحابة اختلفوا في مسألة زوج وأبوين وزوجة وأبوين، فقال ابن عباس للام ثلث الاصل بعد فرض الزوج والزوجة، وقال الباقون للام ثلث الباقي بعد فرض الزوج والزوجة، وقد أحدث التابعون قولا ثالثا، فقال ابن سيرين بقول ابن عباس في زوج وأبوين دون الزوجة والابوين وقال تابعي آخر بالعكس.\rومن ذلك أن الصحابة اختلفوا في قوله: أنت علي حرام على ستة أوجه، فأحدث مسروق، وهو من التابعين، مذهبا سابعا، وهو أنه لا يتعلق بقوله حكم.\rوالجواب عن الشبهة الاولى أن ذلك يدل على تسويغ الاجتهاد منهم أو من غيرهم ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع.\rوعن الثانية بالفرق، وبيانه من وجهين: الاول أن الاستدلال بدليل ثالث يؤكد ما صارت إليه الامة من الحكم، ولا يبطله بخلاف القول الثالث، على ما حققناه.","part":1,"page":271},{"id":282,"text":"الثاني أن اتفاقهم على دليل واحد لا يمنع من دليل آخر.\rومع ذلك، فإن اتفاقهم على حكم واحد مانع من إبداع حكم آخر مخالف له، فافترقا.\rوعن الثالثة: أما مسألة الزوج والزوجة مع الابوين، فهي من قبيل ما لا يرفع ما اتفق عليه الفريقان، بل قول ابن سيرين وغيره من التابعين فيما ذهبا إليه غير مخالف للاجماع، بل هو قائل في كل صورة بمذهب ذي مذهب، كما قررناه.\rوبتقدير أن يكون رافعا لما اتفق عليه الفريقان، فلا يخلو إما أن يكون لم يستقر قول جميع الصحابة على القولين، بل قول البعض، أو قد استقر عليهما قول جميع الصحابة، فإن كان الاول، فليس فيه مخالفة الاجماع، بل مخالفة البعض، وإن كان الثاني، فإما أن يكون قد خالفهم في وقت اتفاقهم على القولين، أو بعد ذلك، فإن كان الاول فهو من أهل الاجماع، وقد خالفهم حالة اتفاقهم على القولين فلا يكون بذلك خارقا للاجماع، وإن قدر إحداث قوله بعد ذلك فهو مردود غير مقبول، وعدم نقل الانكار لا يدل على عدمه في نفسه.\rوعلى هذا، يكون الجواب في مسألة أنت علي حرام.","part":1,"page":272},{"id":283,"text":"المسألة العشرون إذا استدل أهل العصر في مسألة بدليل، أو تأولوا تأويلا فهل يجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر ؟ لا يخلو إما أن يكون أهل ذلك العصر قد نصوا على إبطال ذلك الدليل وذلك التأويل، أو على صحته، أو سكتوا عن الامرين.\rفإن كان الاول، لم يجز إحداثه لما فيه من تخطئة الامة فيما أجمعوا عليه.\rوإن كان الثاني، جاز إحداثه، إذ لا تخطئة فيه.\rوإن كان الثالث، فقد ذهب الجمهور إلى جوازه، ومنع منه الاقلون.\rوالمختار جوازه، إلا إذا لزم من ذلك القدح فيما أجمع عليه أهل العصر.\rودليل ذلك أنه إذا لم يلزم منه القدح فيما أجمعوا عليه، كان ذلك جائزا، كما لو لم يسبقه تأويل أو دليل آخر.\rولهذا فإن الناس في كل عصر لم يزالوا يستخرجون الادلة والتأويلات المغايرة لادلة من تقدم وتأويلاته، ولم ينكر عليهم أحد، فكان ذلك إجماعا.\rفإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالكتاب والسنة والمعقول: أما الكتاب، فقوله تعالى: * (ويتبع غير سبيل المؤمنين) * (4) النساء: 115) والدليل والتأويل الثاني ليس هو سبيل المؤمنين.\rوأيضا قوله تعالى: * (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف) * (3) آل عمران: 110) دل على أنهم يأمرون بكل معروف، لانه ذكر المعروف بالالف واللام المستغرقة للجنس، ولو كان الدليل والتأويل الثاني معروفا لامروا به، وحيث لم يأمروا به لم يكن معروفا، فكان منكرا.\rوأما السنة، فقوله عليه السلام: أمتي لا تجتمع على الخطإ وقد ذهبوا عن الدليل والتأويل الثاني، فلا يكون ذهابهم عنه خطأ.\rولو كان دليلا صحيحا، أو تأويلا صحيحا لكان الذهاب عنه خطأ وهو محال.","part":1,"page":273},{"id":284,"text":"وأما المعقول، فهو أنه لو جاز أن يذهب على أهل العصر الاول الدليل الثاني، لجاز أن يوحي الله تعالى إلى النبي، عليه السلام، بدليلين على حكم واحد، والنبي عليه السلام، يشرع الحكم لاحد الدليلين، ويذهب عن الآخر، وهو ممتنع.\rوالجواب: عن الآية الاولى أن الذم فيها، إما أن يكون على ترك العمل بما اتفقوا عليه من إثبات أو نفي، وإما بسلوك ما لم يتعرضوا له بنفي ولا إثبات:\rالاول مسلم، غير أنه لا تحقق له فيما نحن فيه، فإن المحدث للدليل والتأويل الثاني غير تارك لدليل أهل العصر الاول، ولا لتأويلهم، بل غايته ضم دليل إلى دليل، وتأويل إلى تأويل، ولا هو تارك لما نهوا عنه من الدليل والتأويل الثاني، إذ الكلام فيما إذا لم يكن قد نهوا عنه.\rوالثاني مما لاسبيل إلى حمل الآية عليه، لما فيه من إلحاق الذم بما لا تعرض فيه لابطال الاجماع لا بنفي ولا إثبات.\rوعن الآية الثانية أنها مشتركة الدلالة، وذلك لان قوله: * (وتنهون عن المنكر) * يقتضي كونهم ناهين عن كل منكر لما ذكروه من لام الاستغراق.\rولو كان الدليل والتأويل الثاني منكرا، لنهوا عنه، ولم ينهوا عنه، فلا يكون منكرا.\rوعن السنة أن ذهابهم عن الدليل والتأويل الثاني مع صحته إنما يكون خطأ، أن لو لم يستغنوا عنه بدليلهم وتأويلهم.\rوعن المعقول أنه قياس من غير جامع صحيح، فلا يقبل كيف وإنه لا يخلو إما أن يكون مع تعريفه الحكم الواحد بدليلين قد كلف إثبات الحكم بهما أو بأحدهما، فإن كان الثاني فلا مانع من إثباته للحكم بأحدهما دون الآخر، وإن كان الاول فلا يلزم من امتناع إثباته للحكم بأحد الدليلين مع تكليفه إثبات الحكم بهما امتناع إثبات الامة للحكم بأحد الدليلين دون الآخر إلا أن يكونوا قد كلفوا بذلك، وهو غير مسلم.","part":1,"page":274},{"id":285,"text":"المسألة الحادية والعشرون إذا اختلف أهل عصر من الاعصار في مسألة من المسائل على قولين واستقر خلافهم في ذلك، ولم يوجد له نكير: فهل يتصور انعقاد إجماع من بعدهم على أحد القولين، بحيث يمتنع على المجتهد المصير إلى القول الآخر، أم لا ؟ ذهب أبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو الحسن\rالاشعري، وإمام الحرمين، والغزالي وجماعة من الاصوليين إلى امتناعه.\rوذهب المعتزلة وكثير من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة إلى جوازه.\rوالاول هو المختار، وذلك لان الامة إذا اختلفت على القولين، واستقر خلافهم في ذلك بعد تمام النظر والاجتهاد، فقد انعقد إجماعهم على تسويغ الاخذ بكل واحد من القولين باجتهاد أو تقليد، وهم معصومون من الخطإ فيما أجمعوا عليه، على ما سبق من الادلة السمعية.\rفلو أجمع من بعدهم على أحد القولين على وجه يمتنع على المجتهد المصير إلى القول الآخر، مع أن الامة في العصر الاول مجمعة على جواز الاخذ به، ففيه تخطئة أهل العصر الاول فيما ذهبوا إليه.\rويستحيل أن يكون الحق في جواز الاخذ بذلك القول والمنع من الاخذ به معا، فلا بد وأن يكون أحد الامرين خطأ، أو يلزمه تخطئة أحد الاجماعين القاطعين، وهو محال، فثبت أن إجماع التابعين على أحد قولي أهل العصر الاول يفضي إلى أمر ممتنع، فكان ممتنعا.\rلكن ليس هذا الامتناع عقليا، بل سمعيا.","part":1,"page":275},{"id":286,"text":"فإن قيل: اتفاق أهل العصر على قولين لا يلزم منه اتفاقهم على تجويز الاخذ بكل واحد منهما، لان أحد القولين لا بد وأن يكون خطأ لقوله عليه السلام: إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران وإجماع الامة على تجويز الاخذ بالخطإ خطأ، وإن سلمنا إجماعهم على ذلك ولكن ما المانع أن يقال بأن أهل العصر الاول إنما اتفقوا على تسويغ الاجتهاد والاخد بكل واحد من القولين بشرط أن لا يظهر إجماع كاتفاقهم على أن فرض العادم للماء هو التيمم مشروطا بعدم الماء.\rفإذا وجد الماء، زال حكم ذلك الاجماع.\rسلمنا أن إجماعهم على ذلك غير مشروط، ولكن إجماعهم على ذلك يدل على جواز الاخذ بأحد القولين.\rفإذا أجمع أهل العصر الثاني على أحد القولين،\rفإجماعهم عليه موافق لاجماع أهل العصر الاول على جواز الاخذ به، إلا أنه مخالف لاجماعهم وما يكون موافقا للاجماع لا يكون ممتنعا سمعا.\rسلمنا دلالة ما ذكرتموه على الامتناع، لكنه معارض بما يدل على جوازه، وبيانه بالوقوع، وذلك أن الصحابة اتفقوا على دفن رسول الله (ص) في بيت عائشة بعد اختلافهم في موضع دفنه، واتفقوا على إمامة أبي بكر بعد اختلافهم في من يكون إماما، اتفقوا على قتال مانعي الزكاة بعد اختلافهم في ذلك، واتفق التابعون على منع بيع أمهات الاولاد بعد اختلاف الصحابة في ذلك، ولو كان الاتفاق بعد الخلاف ممتنعا، لما كان ذلك واقعا.\rوالجواب عن السؤال الاول: لا نسلم أن أحد القولين لا بد وأن يكون خطأ، بل كل مجتهد في مسائل الاجتهاد مصيب على ما يأتي تحقيقه.\rوما ذكروه من الخبر فسيأتي تأويله كيف وإنه يجب اعتقاد الاصابة نظرا إلى إجماع الامة على جواز الاخذ بكل واحد من أقوال المجتهدين، ولو لم يكن صوابا،","part":1,"page":276},{"id":287,"text":"وإلا كان إجماعهم على تجويز الاخذ بالخطإ، وهو محال.\rوعن السؤال الثاني أنه لو جوز مثل هذا الاشتراط في إجماعهم على مثل هذا الحكم، مع أن الامة أطلقوا ولم يشترطوا، لساغ مثل ذلك في كل إجماع، ولساغ أن تتفق الامة على قول واحد، ومن بعدهم على خلافه، لجواز أن يكون إجماعهم مشروطا بأن لا يظهر إجماع مخالف له، بل ولجاز للواحد من المجتهدين من بعدهم المخالفة، لما قيل من الشرط، وهو محال لان الاجماع منعقد على أن كل من خالف الاجماع المطلق الذي لم يظهر فيه ما ذكروه من الشرط فهو مخطئ آثم، وبه إبطال ما صار إليه أبو عبد الله البصري من جواز انعقاد الاجماع على خلاف الاجماع السابق.\rوعن السؤال الثالث أن إجماع أهل العصر الثاني، لم يكن محالا لنفس إجماعهم على أحد القولين، بل لما يستلزمه من امتناع الاخذ بالقول الآخر.\rوعن السؤال الرابع أن الاتفاق فيما ذكروه من مسألة الدفن والامامة وقتال مانعي الزكاة لم يكن بعد استقرار الخلاف فيما بينهم واستمرار كل واحد من المجتهدين على الجزم بما ذهب إليه، بل إنما كان ذلك الخلاف على طريق المشورة، كما جرت به العادة في حالة البحث عما ينبغي أن يعمل بين العقلاء بخلاف ما وقع النزاع فيه.\rسلمنا أنه كان ذلك الاتفاق بعد استقرار الخلاف، غير أنه اتفاق من المختلفين بأعيانهم، ومن شرط في الاجماع انقراض عصر المجتهدين، لم يمنع من رجوعهم أو رجوع بعضهم عما أجمعوا عليه، والخلاف معه إنما يتصور في المجمعين.\rعلى خلافهم بعد انقراض عصر الاولين.\rغير أن الجواب الاول هو المختار.","part":1,"page":277},{"id":288,"text":"وأما مسألة أمهات الاولاد، وإن كان خلاف الصحابة قد استقر واستمر إلى انقراض عصرهم، فلا نسلم إجماع التابعين قاطبة على امتناع بيعهن فإن مذهب علي في جواز بيعهن لم يزل، بل جميع الشيعة وكل من هو من أهل الحول والعقد على مذهبه قائل به، وإلى الآن، وهو مذهب الشافعي في أحد قوليه.\rالمسألة الثانية والعشرون إذا اختلف الصحابة أو أهل أي عصر كان في المسألة على قولين، فهل يجوز اتفاقهم بعد استقرار خلافهم على أحد القولين، والمنع من جواز المصير إلى القول الآخر.\rاختلفوا فيه: فمن اعتبر انقراض العصر في الاجماع، قطع بجوازه، ومن لم يعتبر انقراض العصر اختلفوا: فمنهم من جوزه بشرط أن يكون مستند اتفاقهم على الخلاف القياس والاجتهاد لا دليلا قاطعا،\rومنهم من منع ذلك مطلقا، ولم يجوز انعقاد إجماعهم على أحد أقوالهم، وهو المختار.\rوذلك لانا بينا أن اتفاق الامة على الحكم ولو في لحظة واحدة، كان ذلك مستند إلى دليل ظني أو قطعي أنه يكون حجة قاطعة مانعة من مخالفته.\rوقد بينا في المسألة المتقدمة أن الامة إذا استقر خلافهم في المسألة على قولين، فهو إجماع منهم على تجويز الاخذ بكل واحد من القولين.\rفلو تصور إجماعهم على أحد القولين بعد ذلك، لزم منه المحال الذي بيناه في تقرير المسألة التي قبلها.\rوكل ما ورد في المسألة المتقدمة من الاعتراض والانفصال فهو بعينه متوجه هاهنا فعليك باعتباره ونقله إلى هاهنا.\rغير أن هذه المسألة تختص بسؤال آخر، وهو أن يقال: إذا اتفق جميع الصحابة، أو أهل أي عصر كان، على حكم، وخالفهم واحد منهم، فإنه لا يمتنع أن يظهر لذلك الواحد ما ظهر لباقي الامة، ومع ظهور ذلك له إن منعناه من المصير إلى","part":1,"page":278},{"id":289,"text":"مقتضاه، فقد منعناه من الحكم بالدليل الذي ظهر له ولباقي الامة معه، وأوجبنا عليه الحكم بما يخالف ذلك، ويقطع ببطلانه، وهو محال.\rوإن لم نمنعه من العمل به، فقد حصل الوفاق منهم بعد الخلاف، وهو المطلوب.\rقلنا: لو ظهر له ما ظهر للامة فنحن لا نحيل عليه الرجوع إليه، ولكنا نقول باستحالة ظهوره عليه، لا من جهة العقل، بل من جهة السمع، وهو ما يفضي إليه من تعارض الاجماعين، ولزوم الخطإ في أحدهما، كما بيناه في المسألة المتقدمة.\rولا فارق بينهما إلا من جهة أن أهل الاجماع في هذه المسألة هم الراجعون بأعيانهم عما أجمعوا عليه، والمخالفون لانفسهم بخلاف المسألة الاولى، وأن المخالف في المسألة الاولى قد يتوهم أن بعض الامة الخائضين في تلك المسألة التي اتفقوا عليها، وفي هذه السألة المجمعون هم كل الامة.\rولذلك كان الاشكال في هذه المسألة\rأعظم منه في الاولى.\rوعلى هذا، نقول إنه إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين، ثم مات أحد القسمين، وبقي القسم الآخر فإنه لا يكون قولهم إجماعا مانعا من الاخذ بالقول الآخر.\rوالوجه في تقريره ما سبق، وإن خالف فيه قوم.\rالمسألة الثالثة والعشرون هل يمكن وجود خبر أو دليل، ولا معارض له، وتشترك الامة في عدم العلم به ؟ اختلفوا فيه: فمنهم من جوزه، مصيرا منه إلى أنهم غير مكلفين بالعمل بما لم يظهر لهم، ولم يبلغهم، فاشتراكهم في عدم العلم به لا يكون خطأ، فإن عدم العلم ليس من فعلهم، وخطأ المكلف من أوصاف فعله.\rومنهم من أحاله، مصيرا منه إلى أنهم لو اشتركوا في عدم العلم به، لكان ذلك سبيلا لهم، ولوجب على غيرهم اتباعه، وامتنع تحصيل العلم به، لقوله تعالى: * (ويتبع غير سبيل المؤمنين) * الآية.","part":1,"page":279},{"id":290,"text":"والمختار أنه لا مانع من اشتراكهم في عدم العلم به، وإن كان عملهم موافقا لمقتضاه، لعدم تكليفهم بمعرفة ما لم يبلغهم ولم يظهر لهم.\rوأما الآية فلا حجة فيها هاهنا، لان سبيل كل طائفة ما كان من الافعال المقصودة لهم المتداولة فيما بينهم باتفاق منهم، على ما هو المتبادر إلى الفهم من قول القائل: سبيل فلان كذا، وسبيل فلان كذا.\rوعدم العلم ليس من فعل الامة، فلا يكون سبيلا لهم.\rكيف وإنا نعلم أن المقصود من الآية إنم اهو الحث على متابعة سبيل المؤمنين، ولو كان عدم العلم بالدليل سبيلا لهم، لكانت الآية حاثة على متابعته، والشارع لا يحث على الجهل بأدلته الشرعية إجماعا.\rوأما إن كان عملهم على خلافه، فهو محال، لما فيه من إجماع الامة على الخطإ، المنفي بالادلة السمعية.\rالمسألة الرابعة والعشرون اختلفوا في تصور ارتداد أمة محمد، عليه السلام، في عصر من الاعصار، نفيا وإثباتا.\rولا شك في تصور ذلك عقلا.\rوإنما الخلاف في امتناعه سمعا.\rوالمختار امتناعه، لقوله عليه السلام: أمتي لا تجتمع على ضلالة، أمتي لا تجتمع على الخطإ إلى غير ذلك من الاحاديث السابقة الدالة على عصمة الامة عن فعل الخطإ والضلال.\rفإن قيل: حال ارتدادهم ليس هم من أمته، عليه السلام، فلا تكون الاخبار متناولة لهم.\rقلنا: الاخبار دالة على أن أمة محمد لا يصدق عليهم الاتفاق على الخطإ، وإذا ارتدت الامة صدق قول القائل: إن أمة محمد قد اتفقت على الردة، والردة من الخطإ.\rوذلك ممتنع.","part":1,"page":280},{"id":291,"text":"المسألة الخامسة والعشرون اختلف العلماء في دية اليهودي: فمنهم من قال إنها مثل دية المسلم، ومنهم من قال إنها على النصف منها، ومنهم من قال إنها على الثلث.\rفمن حصرها في الثلث كالشافعي رحمة الله عليه اختلفوا فيه، فظن بعض الفقهاء أنه متمسك في ذلك بالاجماع، وليس كذلك، بل الحصر في الثلث، مشتمل على وجوب الثلث ونفي الزيادة، فوجوب الثلث مجمع عليه، ولا خلاف فيه.\rوأما نفي الزيادة فغير مجمع عليه، لوقوع الخلاف فيه بل نفيه عند من نفى إنما هو مستند إما إلى ظهور دليل في نظره بنفيه، من وجود مانع، أو فوات شرط، أو عدم المدارك، والاعتماد على استصحاب النفي الاصلي.\rوليس ذلك من الاجماع في شئ.\rالمسألة السادسة والعشرون\rاختلفوا في ثبوت الاجماع بخبر الواحد، فأجازه جماعة من أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة رحمه الله والحنابلة، وأنكره جماعة من أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحابنا كالغزالي، مع اتفاق الكل، على أن ما ثبت بخبر الواحد لا يكون إلا ظنيا في سنده، وإن كان قطعيا في متنه.\rوحجة من قال بجوازه، النص والقياس: أما النص، فقوله عليه السلام: نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر ذكر (الظاهر) بالالف واللام المستغرقة، فدخل فيه الاجماع الثابت بخبر الواحد، لكونه ظاهرا ظنيا.\rوأما القياس، فهو أن خبر الواحد عن الاجماع مفيد للظن، فكان حجة كخبره عن نص الرسول.\rوحجة المانعين من ذلك أن كون الاجماع المنقول على لسان الآحاد أصل من أصول الفقه، كالقياس، وخبر الواحد عن الرسول، وذلك مما لم يرد من الامة","part":1,"page":281},{"id":292,"text":"فيه إجماع قاطع يدل على جواز الاحتجاج به، ولا نص قاطع من كتاب أو سنة، وما عدا ذلك من الظواهر فغير محتج بها في الاصول، وإن احتج بها في الفروع.\rوبالجملة فالمسألة دائرة على اشتراط كون دليل الاصل مقطوعا به، وعلى عدم اشتراطه.\rفمن اشترط القطع، منع أن يكون خبر الواحد مفيدا في نقل الاجماع، ومن لم يشترط ذلك، كان الاجماع المنقول على لسان الآحاد عنده حجة والظهور في هذه المسألة للمعترض من الحانبين دون المستدل فيها.\rالمسألة السابعة والعشرون اختلفوا في تكفير جاحد الحكم المجمع عليه، فأثبته بعض الفقهاء، وأنكره الباقون، مع اتفاقهم على أن إنكار حكم الاجماع الظني غير موجب للتكفير.\rوالمختار إنما هو التفصيل.\rوهو أن حكم الاجماع إما أن يكون داخلا في مفهوم اسم الاسلام كالعبادات الخمس، ووجوب اعتقاد التوحيد والرسالة، أو لا يكون كذلك، كالحكم بحل البيع وصحة الاجازة ونحوه.\rفإن كان الاول فجاحده كافر، لمزايلة حقيقة الاسلام له، وإن كان الثاني فلا.","part":1,"page":282},{"id":293,"text":"خاتمة فيما يكون الاجماع حجة فيه، وما لا يكون، وأن الاجماع في الاديان السالفة كان حجة أم لا.\rأما الاول فهو أن المجمع عليه لا يخلو إما أن تكون صحة الاجماع متوقفة عليه، أو لا يكون كذلك.\rفإن كان الاول فالاحتجاج بالاجماع على ذلك الشئ يكون ممتنعا لتوقف صحة كل واحد منهما على الآخر، وهو دور، وذلك كالاستدلال على وجود الرب تعالى وصحة رسالة النبي عليه السلام، من حيث إن صحة الاجماع متوقفة على النصوص الدالة على عصمة الامة عن الخطإ، كما سبق تقريره وصحة النصوص متوقفة على وجود الرب المرسل، وكون محمد رسولا.\rفإذا توقفت معرفة وجود الرب ورسالة رسوله محمد على صحة الاجماع، كان دورا.\rوإن كان من القسم الثاني، فالمجمع عليه إما أن يكون من أمور الدين أو الدنيا.\rفإن كان من أمور الدين فهو حجة مانعة من المخالفة إن كان قطعيا، من غير خلاف عند القائلين بالاجماع.\rوسواء كان ذلك المتفق عليه عقليا كرؤية الرب لا في جهة، ونفي الشريك لله تعالى، أو شرعيا كوجوب الصلاة والزكاة ونحوه.","part":1,"page":283},{"id":294,"text":"وأما إن كان المجمع عليه من أمور الدنيا كالاجماع على ما يتفق من الاراء\rممتنعا لتوقف صحة كل واحد منهما على الآخر، وهو دور، وذلك كالاستدلال على وجود الرب تعالى وصحة رسالة النبي عليه السلام، من حيث إن صحة الاجماع متوقفة على النصوص الدالة على عصمة الامة عن الخطإ، كما سبق تقريره وصحة النصوص متوقفة على وجود الرب المرسل، وكون محمد رسولا.\rفإذا توقفت معرفة وجود الرب ورسالة رسوله محمد على صحة الاجماع، كان دورا.\rوإن كان من القسم الثاني، فالمجمع عليه إما أن يكون من أمور الدين أو الدنيا.\rفإن كان من أمور الدين فهو حجة مانعة من المخالفة إن كان قطعيا، من غير خلاف عند القائلين بالاجماع.\rوسواء كان ذلك المتفق عليه عقليا كرؤية الرب لا في جهة، ونفي الشريك لله تعالى، أو شرعيا كوجوب الصلاة والزكاة ونحوه.","part":1,"page":284},{"id":295,"text":"وأما إن كان المجمع عليه من أمور الدنيا كالاجماع على ما يتفق من الاراء في الحروب وترتيب الجيوش وتدبير أمور الرعية، فقد اختلف فيه قول القاضي عبد الجبار بالنفي والاثبات: فقال تارة بامتناع مخالفته، وتارة بالجواز.\rوتابعه على كل واحد من القولين جماعة.\rوالمختار إنما هو المنع من المخالفة، وإنه حجة لازمة، لان العمومات الدالة على عصمة الامة عن الخطإ ووجوب اتباعهم فيما أجمعوا عليه عامة في كل ما أجمعوا عليه.\rوأما أن الاجماع في الاديان السالفة كان حجة أم لا، فقد اختلف فيه الاصوليون.\rوالحق في ذلك أن إثبات ذلك أو نفيه مع الاستغناء عنه لم يدل عليه عقل ولا نقل.\rفالحكم بنفيه أو إثباته متعذر.\rوهذا آخر الكلام في الاجماع.","part":1,"page":284},{"id":296,"text":"الاحكام - الآمدي ج 2\rالاحكام\rالآمدي ج 2","part":2,"page":0},{"id":297,"text":"الاحكام في اصول الاحكام تأليف الامام العلامة علي بن محمد الامدي علق عليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الثاني المكتب الاسلامي","part":2,"page":1},{"id":298,"text":"الاصل الرابع فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والاجماع وهو نوعان، يتعلق أحدهما بالنظر في السند، والآخر بالنظر في المتن النوع الاول - النظر في السند وهو الاخبار عن المتن، ويشتمل على ثلاثة أبواب: الباب الاول في حقيقة الخبر وأقسامه أما حقيقة الخبر، فاعلم أولا أن اسم الخبر قد يطلق على الاشارات الحالية والدلائل المعنوية، كما في قولهم عيناك تخبرني بكذا، والغراب يخبر بكذا.\rومنه قول الشاعر: وكم لظلام الليل عندك من يدتخبر أن المانوية تكذب وقد يطلق على قول مخصوص، لكنه مجاز في الاول، وحقيقة في الثاني، بدليل تبادره إلى الفهم من إطلاق لفظ الخبر والغالب إنما هو اشتهار استعمال اللفظ في حقيقته\rدون مجازه.\rثم القول المخصوص قد يطلق على الصيغة كقول القائل: قام زيد، وقعد","part":2,"page":3},{"id":299,"text":"عمرو.\rوقد يطلق على المعنى القائم بالنفس المعبر عنه بالصيغة كما قررناه في الكلاميات والاشبه أنه في اللغة حقيقة في الصيغة، لتبادرها إلى الفهم من إطلاق لفظ الخبر وإذا عرف مسمى الخبر حقيقة فما حده ؟ اختلفوا فيه: فمن أصحابنا من قال: لا سبيل إلى تحديده، بل معناه معلوم بضرورة العقل.\rودل على ذلك بأمرين..الاول: أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه موجود، وأنه ليس بمعدوم، وأن الشئ الواحد لا يكون موجودا، معدوما.\rومطلق الخبر جزء من معنى الخبر الخاص، والعلم بالكل موقوف على العلم بالجزء.\rفلو كان تصور ماهية مطلق الخبر موقوفا على الاكتساب، لكان تصور الخبر الخاص أولى أن يكون كذلك.\rالثاني: أن كل أحد يعلم بالضرورة الموضع الذي يحسن فيه الخبر عن الموضع الذي يحسن فيه الامر، ولولا أن هذه الحقائق متصورة، لما كان كذلك.\rوهو ضعيف.\rأما قوله إنه معلوم بالضرورة فدعوى مجردة، وهي مقابلة بنقيضها.\rوما ذكره من الدلالة على ذلك، فهو دليل على أن العلم به غير ضروري، لان الضروري هو الذي لا يفتقر في العلم به إلى نظر ودليل يوصل إليه، وما يفتقر إلى ذلك فهو نظري، لا ضروري.\rفإن قيل: ما ذكرناه إنما هو بطريق التنبيه، لا بطريق الدلالة، لان من الضروريات ما يفتقر إلى نوع تذكير وتنبيه على ما علم في مواضعه، فهو باطل من وجهين: الاول: أنه لو قيل ذلك لامكن دعوى الضرورة في كل علم نظري.\rوأن ما ذكروه من الدليل إنما هو بطريق التنبيه دون الدلالة، وهو محال.\rالثاني: أن ما ذكره في معرض التنبيه غير مفيد أما الوجه الاول فهو باطل من وجهين:\rالاول: أن علم الانسان بوجود نفسه، وإن كان ضروريا وكذلك العلم باستحالة كون الشئ الواحد موجودا معدوما معا، فغايته أنه علم ضروري بنسبة خاصة،","part":2,"page":4},{"id":300,"text":"أو بسلب نسبة خاصة ولا يلزم منه أن يكون ذلك علما بحقيقة الخبر من حيث وهو خبر وهو محل النزاع.\rفإن قيل: إذ كانت تلك النسبة الخاصة معلومة بالضرورة فلا معنى لكون ذلك المعلوم خبر اسوى تلك النسبة الخاصة، فهو عود إلى التحديد وترك لما قيل.\rالثاني: إنا، وإن سلمنا أن مثل هذه الاخبار الخاصة معلومة بالضرورة، فلا يلزم أن يكون الخبر المطلق من حيث هو خبر: كذلك، قوله: لان الخبر المطلق جزء من الخبر الخاص، ليس كذلك، لان الخبر المطلق أعم من الخبر الخاص.\rفلو كان جزءا من معنى الخبر الخاص، لكان الاعم منحصرا في الاخص وهو محال.\rفإن قيل: الاعم لا بد وأن يكون مشتركا فيه بين الامور الخاصة التي تحته، ولا معنى لاشتراكها فيه سوى كونه جزءا من معناها.\rقلنا: أما أولا، فإنه لا معنى لكون الاعم مشتركا فيه أنه موجود في الانواع أو الاشخاص التي هي أخص منه، بل بمعنى لحد أن حد الطبيعة التي عرض لها إن كانت كلية مطلقة مطابق طبائع الامور الخاصة تحتها.\rوأما ثانيا، فلانه ليس كل عام يكون جزءا من معنى الخاص، ومقوما له بجواز أن يكون من الاعراض العامة الخارجة عن مفهوم المعنى الخاص، كالاسود والابيض بالنسبة إلى ما تحتهما من معنى الانسان والفرس ونحوه.\rوأما الوجه الثاني فباطل أيضا من جهة أن العلم الضروري إنما هو واقع بالتفرقة بين ما يحسن فيه بيان الامر، وبيان ما يحسن فيه الخبر بعد معرفة الامر والخبر، أما قبل ذلك فهو غير مسلم.\rنعم، غاية ما في ذلك أنه يعلم التفرقة بين ما يجده في نفسه من طلب الفعل والنسبة بين أمرين على وجه خاص، وليس هو العلم بحقيقة الامر والخبر.\rفإن قيل إنه لا معنى للامر والخبر سوى ذلك المعلوم الخاص، فهو أيضا عود إلى التحديد.\rكيف وإن","part":2,"page":5},{"id":301,"text":"ما ذكروه يوجب أن يكون الامر أيضا مستغنيا عن التحديد كاستغناء الخبر.\rوهذا القائل بعينه قد عرف الامر بالتحديد، حيث قال: الامر هو طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء.\rوأيضا فإن الكلام إنما هو واقع في مفهوم الخبر اللفظي.\rوحقائق أنواع الالفاظ وانقسامها إلى أمر ونهى وخبر وغير ذلك مما لا سبيل إلى القول بكونه معلوما بالضرورة، لكونه مبنيا على الوضع والاصطلاح.\rولهذا، فإن العرب لو أطلقوا اسم الامر على المفهوم من الخبر الآن، واسم الخبر على مفهوم الامر، لما كان ممتنعا، وما يتبدل ويختلف باختلاف الاصطلاحات.\rفالعلم بمعناه لا يكون ضروريا.\rوإذا عرف ذلك فقد أجمع الباقون على أن العلم بمفهوم الخبر إنما يعرف بالحد والنظر، لكن اختلفوا في حده، فقالت المعتزلة كالجبائي وابنه وأبي عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار وغيرهم: إن الخبر هو الكلام الذي يدخله الصدق والكذب.\rوقد أورد عليه إشكالات أربعة: الاول أنه منتقض بقول القائل: محمد ومسيلمة صادقان في دعوى النبوة، ولا يدخله الصدق، وإلا كان مسيلمة صادقا، ولا الكذب، وإلا كان محمد كاذبا وهو خبر، وكذلك، فإن من كذب في جميع أخباره، فقال: جميع أخباري كذب، فإن قوله هذا خبر، ولا يدخله الصدق.\rوإلا كانت جميع أخباره كذبا، وهو من جملة أخباره ولا يدخله الكذب، وإلا كانت جميع أخباره مع هذا الخبر كذبا، وصدق في قوله جميع أخباري كذب.\rالثاني: أن تعريف الخبر بما يدخله الصدق والكذب يفضي إلى الدور، لان تعريف الصدق والكذب متوقف على معرفة الخبر من حيث إن الصدق هو الخبر\rالموافق للمخبر، والكذب بضده، وهو ممتنع.\rالثالث: إن الصدق والكذب متقابلان، ولا يتصور اجتماعهما في خبر واحد.\rويلزم من ذلك إما امتناع وجود الخبر مطلقا، وهو محال، وإما وجود الخبر مع امتناع اجتماع دخول الصدق والكذب فيه، فيكون المحدود متحققا دون ما قيل بكونه حدا له، وهو أيضا محال.","part":2,"page":6},{"id":302,"text":"الرابع: أن الباري تعالى له خبر، ولا يتصور دخول الكذب فيه.\rوقد أجاب الجبائي عن قول القائل محمد ومسيلمة صادقان بأن هذا الكلام يفيد صدق أحدهما في حال صدق الآخر، فكأنه قال أحدهما صادق حال صدق الآخر.\rولو قال ذلك كان قوله كاذبا، فكذلك إذا قال: هما صادقان، وهو إنما يصح أن لو كان معنى هذا الكلام ما قيل، وليس كذلك، بل قوله.\rهما صادقان، أعم من كون أحدهما صادقا، حال صدق الآخر، وقبله وبعده.\rوالاعم غير مشعر بالاخص، ولا يلزم من كذب الاخص كذب الاعم.\rوأجاب أبو هاشم بأن هذا الخبر جار مجرى خبرين: أحدهما خبر بصدق الرسول، والآخر خبر بصدق مسيلمة.\rوالخبران لا يوصفان بالصدق ولا بالكذب، فكذلك هاهنا.\rوإنما الذي يوصف بالصدق والكذب الخبر الواحد من حيث هو خبر، وليس بحق أيضا فإنه إنما ينزل منزلة الخبر من حيث إنه أفاد حكما واحدا لشخصين، وهو غير مانع من وصفه بالصدق والكذب، بدليل الكذب في قول القائل: كل موجود حادث وإن كان يفيد حكما واحدا لاشخاص متعددة.\rوأجاب عنه القاضي عبد الجبار بأن قال: المراد من قولنا: ما دخله الصدق والكذب أن اللغة لا تحرم أن يقال للمتكلم به: صدقت أو كذبت.\rوهو أيضا غير صحيح.\rفإن حاصله يرجع إلى التصديق والتكذيب، وهو غير الصدق والكذب\rفي نفس الخبر.\rوأجاب عنه أبو عبد الله البصري بأنه كذب لانه يفيد إضافة الصدق إليهما معا، مع عدم اضافته اليهما معا.\rوهو وإن كان كما ذكر غير أنه إذا كان كاذبا فلا يدخله الصدق، وقد قيل الخبر ما يدخله الصدق والكذب، والحق في الجواب أن يقال حاصل هذا وإن كانت صورته صورة خبر واحد يرجع إلى خبرين أحدهما صادق وهو إضافة الصدق إلى محمد والثاني كاذب وهو إضافته إلى مسيلمة.\rوأما الالزام الثاني فلا يخلو الخبر فيه، إما أن يكون مطابقا للمخبر عنه، أو غير مطابق.\rفإن كان الاول، فهو صدق، وإن كان الثاني، فهو كذب لاستحالة الجمع بين المتناقضين في السلب أو الايجاب.","part":2,"page":7},{"id":303,"text":"وأما الاشكال الثاني، فقد أجاب عنه القاضي عبد الجبار بأن الخبر معلوم لنا، وما ذكرناه لم نقصد به تعريف الخبر بل فصله وتمييزه عن غيره فإذا عرفنا الصدق والكذب بالخبر فلا يكون دورا، وهو غير صحيح، لانه إذا كان تمييز الخبر عن غيره إنما يكون بالنظر إلى الصدق والكذب.\rفتمييز الصدق والكذب بالخبر يوجب توقف كل واحد من الامرين في تمييزه عن غيره على الآخر، وهو عين الدور، بل، لو قيل: إن الصدق والكذب، وإن كان داخلا في حد الخبر ومميزا له، فلا نسلم أن الصدق والكذب، مفتقر في معرفته إلى الخبر، بل الصدق والكذب معلوم لنا بالضرورة، لكان أولى.\rوأما الاشكال الثالث، فقد قيل في جوابه إن المحدود إنما هو جنس الخبر، وهو قابل لدخول الصدق والكذب فيه، كاجتماع السواد والبياض في جنس اللون، وهو غير صحيح فإن الحد، وإن كان لجنس الخبر، فلا بد وأن يكون الحد موجودا في كل واحد من آحاد الاخبار، وإلا لزم منه وجود الخبر دون حد الخبر وهو\rممتنع.\rولا يخفى أن آحاد الاخبار الشخصية مما لا يجتمع فيه الصدق والكذب.\rوالحق في ذلك أن (الواو) وإن كانت ظاهرة في الجمع المطلق، غير أن المراد بها الترديد بين القسمين تجوزا.\rوأما الاشكال الرابع فقد قيل في جوابه مثل جواب الاشكال الذي قبله.\rوقد عرف ما فيه.\rومن الناس من قال: الخبر ما دخله الصدق أو الكذب، ويرد عليه الاشكالان الاولان من الاشكالات الواردة على الحد الاول دون الاخيرين.\rوقد عرف ما فيهما.\rويرد عليه إشكال آخر خاص به، وهو أن الحد معرف للمحدود، وحرف (أو) للترديد، وهو مناف للتعريف.\rويمكن أن يقال في جوابه، إن الحكم بقبول الخبر لاحد هذين الامرين من غير تعيين جازم لا تردد فيه، وهو المأخوذ في التحديد.\rوإنما التردد في اتصافه بأحدهما عينا، وهو غير داخل في الحد.\rومنهم من قال: هو ما يدخله التصديق والتكذيب وقيل ما يدخله التصديق أو التكذيب","part":2,"page":8},{"id":304,"text":"ومنهم من قال: هو ما يدخله التصديق والتكذيب ويرد عليهما تعريف الخبر بالتصديق والتكذيب المتوقف على معرفة الصدق والكذب المتوقف على معرفة الخبر والترديد.\rوقد عرف ما في كل واحد منهما.\rوقال أبو الحسين البصري: الخبر كلام يفيد بنفسه إضافة أمر إلى أمر نفيا أو إثباتا.\rواحترز بقوله: (بنفسه) عن الامر، فإنه يستدعي كون الفعل المأمور به واجبا، لكن لا بنفسه، بل بواسطة ما استدعاه الامر بنفسه من طلب الفعل الصادر من الحكيم، وهو منتقض بالنسب التقييدية، كقول القائل: حيوان ناطق، فإنه أفاد بنفسه إثبات النطق للحيوان، وليس بخبر.\rفإن قال: إن ذلك ليس بكلام، ونحن فقد قيدنا الحد بالكلام.\rقلنا: هذا منه لا يصح،\rفإن حد الكلام بما انتظم من الحروف المسموعة المميزة من غير اعتبار قيد آخر.\rوحد الكلام بهذا الاعتبار متحقق فيما نحن فيه، فكان على أصله كلاما.\rوالمختار فيه أن يقال: الخبر عبارة عن اللفظ الدال بالوضع على نسبة معلوم إلى معلوم أو سلبها على وجه يحسن السكوت عليه من غير حاجة إلى تمام مع قصد المتكلم به الدلالة على النسبة أو سلبها.\rأما قولنا: (اللفظ) فهو كالجنس للخبر وغيره من أقسام الكلام، ويمكن أن يحترز به عن الخبر المجازي مما ذكرناه أولا.\rوقولنا: (الدال) احتراز عن اللفظ المهمل.\rوقولنا: (بالوضع) احتراز عن اللفظ الدال بجهة الملازمة وقولنا: (على نسبة) احتراز عن أسماء الاعلام، وعن كل ما ليس له دلالة على نسبة.\rوقولنا: (معلوم إلى معلوم) حتى يدخل فيه الموجود والمعدوم.\rوقولنا: (سلبا أو إيجابا) حتى يعم ما مثل قولنا: زيد في الدار، ليس في الدار.\rوقولنا: (يحسن السكوت عليه من غير حاجة إلى تمام) احتراز عن اللفظ الدال على النسب التقييدية.","part":2,"page":9},{"id":305,"text":"وقولنا: (مع قصد المتكلم به الدلالة على النسبة أو سلبها) احتراز عن صيغة الخبر إذا وردت، ولا تكون خبرا، كالواردة على لسان النائم والساهي والحاكي لها، أو لقصد الامر مجازا كقوله تعالى: * (والجروح قصاص) * (5) المائدة: 45) وقوله: * (والوالدات يرضعن أولادهن) * (2) البقرة: 233) * (والمطلقات يتربصن) * (2) البقرة: 228) * (ومن دخله كان آمنا) * (3) آل عمران: 97) ونحوه حيث إنه لم يقصد بها الدلالة على النسبة ولا سلبها.\rوإذا عرف معنى الخبر، فهو ينقسم ثلاث قسم.\rالقسمة الاولى: إن الخبر ينقسم إلى صادق وكاذب، لانه لا يخلو إما أن يكون مطابقا\rللمخبر به، أو غير مطابق فإن كان الاول، فهو الصادق وإن كان الثاني، فهو الكاذب.\rوقال الجاحظ: الخبر ينقسم ثلاثة أقسام: صادق، وكاذب، وما ليس بصادق ولا كاذب.\rوقد احتج على ذلك بالنص والمعقول.\rأما النص فحكاية القرآن عن الكفار قولهم عن النبي عليه السلام * (افترى على الله كذبا أم به جنة) * (24) سبأ: 8) حصروا دعواه النبوة في الكذب والجنة، وليس إخباره بالنبوة حالة جنونه كذبا، لانهم جعلوها في مقابلة الكذب، ولا صدقا، لانهم لم يعتقدوا صدقه على كل تقدير.\rفإخباره حالة جنة ليس بصدق ولا كذب أما المعقول فمن وجهين: الاول أنه ليس الصادق هو الخبر المطابق للمخبر.\rفإن من أخبر بأن زيدا في الدار، على اعتقاد أنه ليس فيها، وكان فيها، فإنه لا يوصف بكونه صادقا، ولا يستحق المدح على ذلك وإن كان خبره مطابقا للمخبر، ولا يوصف بكونه كاذبا لمطابقة خبره للمخبر.\rوكذلك ليس الكذب هو عدم مطابقة الخبر للمخبر لوجهين: الاول: أنه كان يلزم منه الكذب في كلام الله تعالى بتخصيص عموم خبره وتقييد مطلقه لعدم المطابقة، وهو محال.\rالثاني: أنه لو أخبر مخبر أن زيدا في الدار، على اعتقاد كونه فيها ولم يكن فيها،","part":2,"page":10},{"id":306,"text":"فإنه لا يوصف بكونه كاذبا، ولا يستحق الذم على ذلك.\rولا يوصف بكونه صادقا لعدم مطابقة الخبر للمخبر.\rوإنما الصادق ما طابق المخبر مع اعتقاد المخبر أنه كذلك.\rوالكذب ما لم يطابق المخبر، مع اعتقاده أنه كذلك الثاني أنه إذا جاز أن يفرض في الاعتقاد واسطة بين كونه علما أو جهلا، لا يوصف بكونه علما، ولا جهلا مركبا، كاعتقاد العامي المقلد وجود الاله\rتعالى، جاز أن يفرض بين الصادق والكاذب خبر ليس بصادق ولا كاذب.\rوالجواب عن الآية أنهم إنما حصروا أمره بين الكذب والجنة، لان قصد الدلالة به على مدلوله شرط في كونه خبرا والمجنون ليس له قصد صحيح، فصار كالنائم والساهي، إذا صدرت منه صيغة الخبر، فإنه لا يكون خبرا، وحيث لم يعتقدوا صدقه، لم يبق إلا أن يكون كاذبا، أو لا يكون ما أتى به خبرا، وإن كانت صورته صورة الخبر أما أن يكون خبرا، وليس صادقا فيه ولا كاذبا، فلا.\rوعن الوجه الاول من المعقول: أنا لا نسلم أن من أخبر عن كون زيد في الدار، على اعتقاد أنه ليس فيها وهو فيها، أن خبره لا يكون صادقا، وإن كان لا يستحق المدح على الصدق.\rوكذلك لا نسلم أن من أخبر بأن زيدا في الدار، على اعتقاد كونه فيها، ولم يكن فيها، أنه ليس كاذبا وإن كان لا يستحق الذم على كذبه.\rلان المدح والذم ليس على نفس الصدق والكذب لا غير، بل على الصدق مع قصده، والكذب مع قصده.\rولهذا: فإن الامة حاكمة بأن الكافر الذي علم منه اعتقاد بطلان رسالة محمد، عليه السلام، صادق بإخباره بنبوة محمد، لما كان خبره مطابقا للمخبر، وإن لم يكن معتقدا لذلك، ولا قاصدا للصدق، وحاكمة بكذبه في إخباره أنه ليس برسول، وإن كان معتقدا لما أخبر به لما كان خبره غير مطابق للمخبر.\rوأما تخصيص عموم خبر القرآن، وتقييد مطلقه، فإنما لم يكن كذبا، وإن لم يكن الخبر محمولا على ظاهره من العموم والاطلاق لانه مصروف عن حقيقته إلى مجازه، وصرف اللفظ عن أحد مدلوليه إلى الآخر لا يكون كذبا، وسواء كان ذلك اللفظ من قبيل الالفاظ المشتركة أو","part":2,"page":11},{"id":307,"text":"المجازية.\rولهذا، فإن من أخبر بلفظ مشترك، وأراد به بعض مدلولاته دون البعض، كما لو قال رأيت عينا وأراد به العين الجارية دون الباصرة، وبالعكس فإنه لا يعد\rكاذبا.\rوكذلك من أخبر بلفظ هو حقيقة في شئ ومجاز في شئ، وأراد جهة المجاز دون الحقيقة، فإنه لا يعد كاذبا، وذلك كما لو قال رأيت أسدا وأراد به المحمل المجازي دون الحقيقي، وهو الانسان.\rوعن الوجه الثاني أنه لا يلزم من انقسام.\rالاعتقاد إلى علم وجهل مركب، وحالة متوسطة ليست علما ولا جهلا مركبا، انقسام الخبر إلى صدق وكذب، وما ليس بصدق ولا كذب، إذ هو قياس تمثيلي من غير جامع.\rولو كان ذلك كافيا، لوجب أن يقال إنه أيضا يلزم من ذلك أن يكون بين النفي والاثبات واسطة، وهو محال.\rوبالجملة، فالنزاع في هذه المسألة لفظي حيث إن أحد الخصمين يطلق اسم الصدق والكذب على ما لا يطلقه الآخر إلا بشرط زائد.\rالقسمة الثانية: إن الخبر ينقسم إلى ما يعلم صدقه، وإلى ما يعلم كذبه، وإلى ما يعلم صدقه ولا كذبه.\rفأما ما يعلم صدقه فمنه ما يعلم صدقه بمجرد الخبر، كخبر التواتر ومنه ما يعلم صدقه لا بنفس الخبر، بل بدليل يدل على كونه صادقا، كخبر الله، وخبر الرسول، فيما يخبر به عن الله تعالى، وخبر أهل الاجماع، وخبر من أخبر الله تعالى عنه أو رسوله أو أهل الاجماع أنه صادق، وخبر من وافق خبره خبر الصادق أو دليل العقل وأما ما وراء ذلك مما ادعي أنه معلوم الصدق ففيه اختلاف وتفصيل يأتي ذكره في أخبار الآحاد.\rوأما ما يعلم كذبه، فما كان مخالفا لضرورة العقل أو النظر أو الحس أو أخبار التواتر أو النص القاطع أو الاجماع القاطع أو ما صرح الجمع الذين لا يتصور تواطؤهم على الكذب بتكذيبه ومن ذلك، قول من لم يكذب قط فيما أخبر به أنا كاذب فخبره ذلك، كاذب، لان المخبر عنه ليس هو نفس هذا الخبر، لان الخبر يجب أن يكون غير المخبر عنه، ولا ما لم يوجد من أخباره، فإنها لا توصف بصدق ولا كذب فلم يبق غير الاخبار السالفة.\rوقد كان صادقا فيها، فخبره عنها بأنه كاذب فيها يكون","part":2,"page":12},{"id":308,"text":"كذبا.\rوقد اختلف في أخبار قيل إنها معلومة الكذب، وسيأتي الكلام فيها بعد هذا في أخبار الآحاد.\rوأما ما لا يعلم صدقه ولا كذبه، فمنه ما يظن صدقه ككثير من الاخبار الواردة في أحكام الشرائع والعادات ممن هو مشهور بالعدالة والصدق، ومنه ما يظن كذبه كخبر من اشتهر بالكذب ومنه ما هو غير مظنون الصدق ولا الكذب، بل مشكوك فيه، كخبر من لم يعلم حاله ولم يشتهر أمره بصدق ولا كذب فإن قيل: كل خبر لم يقم الدليل على صدقه قطعا فهو كاذب لانه لو كان صادقا لما أخلانا الله تعالى عن نصب دليل يدل عليه، ولهذا، فإن المتحدي بالنبوة، إذا لم تظهر على يده معجزة تدل على صدقه، فإنا نقطع بكذبه.\rقلنا: جوابه من ثلاثة أوجه: الاول: لا نسلم امتناع الخلو من نصب دليل يدل على صدقه بتقدير أن يكون صادقا في نفس الامر.\rومن أوجب ذلك فإنما بناه على وجوب رعاية الصلاح أو لا صلح، وقد أبطلناه في علم الكلام.\rالثاني: أنه مقابل بمثله، وهو أن يقال: ولو كان كاذبا لما أخلانا الله تعالى عن نصب دليل يدل على كذبه.\rالثالث: أنه يلزم مما ذكروه أن يقطع بكذب كل شاهد لم يقم الدليل القاطع على صدقه، وكفر كل مسلم وفسقه، إذا لم يقم دليل قاطع على إيمانه وعدالته، وهو محال.\rوأما المتحدي بالرسالة إذا لم تظهر المعجزة الدالة على صدقه إنما قطعنا بكذبه بالنظر إلى العادة لا بالنظر إلى العقل، وذلك لان الرسالة عن الله تعالى على خلاف العادة، والعادة تقضي بكذب من يدعي ما يخالف العادة من غير دليل ولا كذلك الصدق في الاخبار عن الامور المحسوسة، لانه غير مخالف للعادة.\rالقسمة الثالثة:\rإن الخبر ينقسم إلى متواتر، وآحاد.\rولما كان النظر في كل واحد من هذين القسمين هو المقصود الاعظم من هذا النوع، وجب رسم الباب الثاني في المتواتر، والباب الثالث في الآحاد.","part":2,"page":13},{"id":309,"text":"الباب الثاني في المتواتر ويشتمل على مقدمة، ومسائل.\rأما المقدمة ففي بيان معنى التواتر والمتواتر.\rأما التواتر في اللغة، فعبارة عن تتابع أشياء واحدا بعد واحد، بينهما مهلة.\rومنه قوله تعالى: * (ثم أرسلنا رسلنا تترى) * (23) المؤمنون: 44) أي واحدا بعد واحد بمهلة.\rوأما في اصطلاح الاصوليين، فقد قال بعض أصحابنا إنه عبارة عن خبر جماعة بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم.\rوهو غلط، فإن ما ذكره إنما هو حد الخبر المتواتر لا حد نفس التواتر، وفرق بين التواتر والمتواتر.\rوإنما التواتر في اصطلاح المتشرعة عبارة عن تتابع الخبر عن جماعة مفيد للعلم بمخبره.\rوأما المتواتر فقد قال بعض أصحابنا أيضا إنه الخبر المفيد للعلم اليقيني بمخبره، وهو غير مانع لدخول خبر الواحد الصادق فيه.\rكيف وفيه زيادة لا حاجة إليها، وهي قوله: (العلم اليقيني) فإن أحدهما كاف عن الآخر.\rوالحق أن المتواتر في اصطلاح المتشرعة عبارة عن خبر جماعة مفيد بنفسه للعلم بمخبره.\rفقولنا: (خبر) كالجنس للمتواتر والآحاد، وقولنا: (جماعة) احتراز عن خبر الواحد، وقولنا: (مفيد للعلم) احتراز عن خبر جماعة لا يفيد العلم، فإنه لا يكون متواترا، وقولنا: (بنفسه) احتراز عن خبر جماعة وافق دليل العقل أو دل قول الصادق على\rصدقهم، كما سبق، وقولنا: (بمخبره) احتراز عن خبر جماعة أفاد العلم بخبرهم لا (بمخبره) فإنه لا يسمى متواترا.\rوإذ أتينا على بيان المقدمة، فلا بد من ذكر المسائل المتعلقة بخبر التواتر، وهي ست مسائل.","part":2,"page":14},{"id":310,"text":"المسألة الاولى اتفق الكل على أن خبر التواتر مفيد للعلم بمخبره، خلافا للسمنية والبراهمة في قولهم: لا علم في غير الضروريات إلا بالحواس دون الاخبار وغيرها، ودليل ذلك ما يجده كل عاقل من نفسه من العلم الضروري بالبلاد النائية، والامم السالفة، والقرون الخالية والملوك والانبياء والائمة والفضلاء المشهورين، والوقائع الجارية بين السلف الماضين بما يرد علينا من الاخبار حسب وجداننا كالعلم بالمحسوسات، عند إدراكنا لها بالحواس.\rومن أنكر ذلك فقد سقطت مكالمته، وظهر جنونه أو مجاحدته.\rفإن قيل ما ذكرتموه فرع تصور اجتماع الخلق الكثير والجم الغفير على الاخبار بخبر واحد، وذلك غير مسلم، مع اختلافهم في الامزجة والآراء والاغراض وقصد الصدق والكذب، كما لا يتصور اتفاق أهل بلد من البلاد على حب طعام واحد معين، وحب الخير أو الشر.\rوإن سلمنا تصور اتفاق الخلق الكثير على الاخبار بشئ واحد، إلا أن كل واحد منهم يجوز أن يكون كاذبا في خبره بتقدير انفراده كما يجوز عليه الصدق.\rفلو امتنع ذلك عليه حالة الاجتماع لانقلب الجائز ممتنعا، وهو محال وإذا جاز ذلك على كل واحد واحد.\rوالجملة لا تخرج عن الآحاد، كان خبر الجملة جائز الكذب، وما يجوز أن يكون كاذبا، لا يكون العلم بما يخبر به واقعا.\rوإن سلمنا أنه لا يلزم أن ما ثبت للآحاد يكون ثابتا للجملة، غير أن القول بحصول العلم بخبر التواتر يلزم منه أمر ممتنع فيمتنع، وبيانه من ستة أوجه.\rالاول: أنه لو جاز أن تخبر جماعة بما يفيد العلم، لجاز على مثلهم الخبر بنقيض خبرهم، كما لو أخبر الاولون بأن زيدا كان في وقت كذا ميتا، ونقل الآخرون حياته في ذلك الوقت بعينه، فإن حصل العلم بالخبرين، لزم اجتماع العلم الضروري بموته وحياته فوقت واحد معين، وهو محال، وإن حصل العلم بأحد الخبرين دون الآخر، فلا أولوية مع فرض تساوي المخبرين في الكمية والكيفية.","part":2,"page":15},{"id":311,"text":"الثاني: أنه لو حصل العلم بخبر الجماعة الكثيرة لحصل العلم بما ينقله اليهود عن موسى، والنصارى عن عيسى، من الامور المكذبة لرسالة نبينا، التي دلت المعجزة القاطعة على صدقه فيها ووجوب علمنا بها، واجتماع علمين متناقضين محال.\rالثالث: أنه لو حصل العلم الضروري بخبر التواتر، لما خالف في نبوة نبينا أحد، لان ما علم بالضرورة لا يخالف، وحيث وقع الخلاف في ذلك من الخلق الكثير علمنا أن خبر التواتر لا يفيد العلم.\rالرابع: أنه لو كان العلم الضروري حاصلا بخبر التواتر، لما وقع التفاوت بين علمنا بما أخبر به أهل التواتر من وجود بعض الملوك، وعلمنا بأنه لا واسطة بين النفي والاثبات واستحالة اجتماع الضدين، وأن الجسم الواحد لا يكون في آن واحد في مكانين، لان الضروريات لا تختلف ولا يخفى وجه الاختلاف في سكون النفس إليهما.\rالخامس: هو أن ما يحصل من الاعتقاد الجازم بما يخبر به أهل التواتر لا يزيد على الاعتقاد الجازم بأن ما شاهدناه بالامس من وجود الافلاك الدائرة، والكواكب السيارة، والجبال الشامخة، أنه الذي نشاهده اليوم مع جواز أن يكون الله تعالى قد أعدم ذلك، وما نشاهده الآن قد خلقه الله تعالى على مثاله فإذا لم يكن هذا يقينيا، فما لا يزيد عليه في الجزم والاعتقاد أيضا لا يكون يقينيا.\rالسادس: أنه لو كان العلم الضروري حاصلا من خبر التواتر، لما خالفناكم\rفيه، لان الضروري لا يخالف.\rوالجواب من جهة الاجمال والتفصيل.\rأما الاجمال فهو أن ما ذكروه تشكيك على ما علم بالضرورة، فلا يكون مقبولا، وأما التفصيل فأما السؤال الاول، فجوابه بما سبق في بيان تصور الاجماع، فيما تقدم.\rوأما السؤال الثاني فلانه لا يلزم أن ما كان ثابتا لآحاد الجملة، وجائزا عليها، أن يكون ثابتا للجملة، وجائزا عليها.\rولهذا فإنه ما من واحد من معلومات الله إلا وهو متناه، وجملة معلوماته غير متناهية.\rوكذلك كل واحد من آحاد الجملة،","part":2,"page":16},{"id":312,"text":"فإنه جزء من الجملة، والجملة ليست جزءا من الجملة.\rوكذلك كل لبنة أو خشبة داخلة في مسمى الدار، وهي جزء منها، وليست دارا، والمجتمع من الكل دار.\rوكذلك العشرة مركبة من خمسة وخمسة وكل واحدة من الخمستين ليست عشرة، والمجموع منهما عشرة، ونحوه.\rوأما ما ذكروه في السؤال الثالث من الالزام الاول، فهو فرض محال فإنه مهما أخبر جمع بما يحصل منه العلم بالمخبر فيمتنع إخبار مثلهم في الكمية والكيفية وقرائن الاحوال بما يناقض ذلك.\rوأما الالزام الثاني، فإنما يصح أن لو قلنا إن العلم يحصل من خبر كل جماعة وإن خبر كل جماعة تواتر، وليس كذلك، وإنما دعوانا أن العلم قد يحصل من خبر الجماعة، ولا يلزم أن يكون خبر كل جماعة محصلا للعلم.\rوأما الالزام الثالث، فغير صحيح لان التواتر إنما يفيد العلم في الاخبار عن المحسات والمشاهدات والنبوة حكم، فلذلك، لم يثبت بخبر التواتر كيف وإنا لا ندعي أن كل تواتر يجب حصول العلم بمخبره مطلقا لكل أحد لتفاوت","part":2,"page":17},{"id":313,"text":"الناس في السماع وقوة الفهم والاطلاع على القرائن المقترنة بالاخبار المفيدة للعلم\rفمخالفة من يخالف غير قادحة فيما ندعيه من حصول العلم به لبعض الناس.\rوأما الالزام الرابع والخامس، فإنما يصح أن لو ادعينا أن ما يحصل من العلم بخبر التواتر من الامور البديهية، وليس كذلك، بل إنما ندعي العلم العادي.\rوعلى هذا، فلا يخرج عن كونه علما بتقاصره عن العلوم البديهية، ولا بمساواته لما قيل من العلوم العادية.\rوأما الالزام السادس، فحاصله يرجع إلى المكابرة والمجاحدة وذلك غير متصور في العادة في خلق لا يتصور عليهم التواطؤ على الخطإ.\rثم لو كان الخلاف مما يمنع من كونه علما ضروريا، لكان خلاف السوفسطائية في حصول العلم بالمحسوسات مما يخرجه عن كونه علما ضروريا، وهو خلاف مذهب السمنية.\rوما هو اعتذارهم في خلاف السوفسطائية في العلم بالمحسوسات يكون عذرا لنا في خلافهم لنا في المتواترات.\rالمسألة الثانية اتفق الجمهور من الفقهاء والمتكلمين من الاشاعرة والمعتزلة على أن العلم الحاصل عن خبر التواتر ضروري.\rوقال الكعبي وأبو الحسين البصري من المعتزلة والدقاق من أصحاب الشافعي: أنه نظري.\rوقال الغزالي: إنه ضروري بمعنى أنه لا يحتاج في حصوله إلى الشعور بتوسط واسطة مفضية إليه مع أن الواسطة حاضرة في الذهن، وليس ضروريا بمعنى","part":2,"page":18},{"id":314,"text":"أنه حاصل من غير واسطة، كقولنا: القديم لا يكون محدثا، والموجود لا يكون معدوما، فإنه لا بد فيه من حصول مقدمتين في النفس إحداهما أن هؤلاء مع كثرتهم واختلاف أحوالهم، لا يجمعهم على الكذب جامع.\rالثانية: أنهم قد اتفقوا على الاخبار عن الواقعة، ولكنه لا يفتقر إلى ترتيب\rالمقدمتين بلفظ منظوم، ولا إلى الشعور بتوسطهما وإفضائهما إليه.\rومنهم من توقف في ذلك، كالشريف المرتضى من الشيعة.\rوإذ أتينا على تفصيل المذاهب فلا بد من ذكر حججها، والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار.\rأما حجج القائلين بالضرورة، فأولها، وهي الاقوى، أنه لو كان حصول العلم بخبر التواتر بطريق الاستدلال والنظر، لما وقع ذلك لمن ليس له أهلية النظر والاستدلال، كالصبيان والعوام، وهو واقع لهم لا محالة.\rولقائل أن يقول: لا نسلم أن الصبيان والعوام الذين يحصل لهم العلم بخبر التواتر ليس لهم أهلية النظر في مثل هذا العلم، وإن لم يكونوا من أهل النظر فيما عداه من المسائل الغامضة، كحدوث العالم ووجود الصانع ونحوه.\rوذلك، لان العلم النظري منقسم إلى ما مقدماته المفضية إليه نظرية، فيكون خفيا، وإلى ما مقدماته المفضية إليه نظرية، فيكون خفيا، وإلى ما مقدماته المفضية إليه ضرورية غير نظرية، وعند ذلك، فلا يمتنع أن يكون العلم بخبر التواتر من القبيل الثاني، دون الاول.\rوعلى هذا، فلا يمتنع أن يكون العلم بأحوال المخبرين التي يتوقف عليها العلم بمخبرهم حاصلة بالضرورة للصبيان والعوام، ويكون العلم بالنتيجة اللازمة عنها ضروريا.\rوإنما تتم الحجة المذكورة أن لو بين أن العلم بمخبرهم من قبيل ما مقدماته نظرية لا ضرورية وذلك مما لا سبيل إلى بيانه.\rالحجة الثانية أن كل عاقل يجد من نفسه العلم بوجود مكة وبغداد والبلاد النائية، عند خبر التواتر بها، مع أنه لا يجد من نفسه سابقة فكر ولا نظر فيما يناسبه من العلوم","part":2,"page":19},{"id":315,"text":"المتقدمة عليه، ولا في ترتيبها المفضي إليه.\rولو كان نظريا لما كان كذلك.\rولقائل أن يقول إنما يحتاج ذلك إلى الفكر والنظر المقدمات وترتيبها، إن لو لم يكن العلم بتلك الامور حاصلا بالضرورة على ما بيناه في إبطال الحجة الاولى.\rوأما إذا كان حاصلا بالضرورة، فلا.\rالحجة الثالثة أن العلم بخبر التواتر لا ينتفي بالشبهة، وهذه هي أمارة الضرورة.\rولقائل أن يقول: المنفي بالشبهة العلم النظري الذي مقدماته نظرية، أو الذي مقدماته ضرورية.\rالاول مسلم، والثاني ممنوع.\rالحجة الرابعة أنه لو كان نظريا، لامكن الاضراب عنه، كما في سائر النظريات.\rوحيث لم يمكن ذلك، دل على كونه ضروريا.\rولقائل أن يقول: الذي يمكن الاضراب عنه من العلوم النظرية إنما هو العلم المفتقر إلى المقدمات النظرية.\rوأما ما لزمه من مقدمات حاصلة بالضرورة، فلا.\rالحجة الخامسة أنه لو كان نظريا، لوقع الخلاف فيه بين العقلاء، وحيث لم يقع إلامن معاند كما سبق، كان ضروريا كالعلم بالمحسات ونحوه.\rولقائل أن يقول: تسويغ الخلاف عقلا إنما يكون في العلوم النظرية التي مقدماتها نظرية.\rوأما مقدماتها ضرورية فلا، كما في المحسات.\rوأما حجج القائلين بالنظر، فأولها، وهي ما استدل بها أبو الحسين البصري أن قال الاستدلال ترتيب علوم يتوصل بها إلى علم آخر، فكلما وقف وجوده عل ترتيب فهو نظري، والعلم الواقع بخبر التواتر كذلك، فكان نظريا.\rوذلك، لانا إنما نعلم ذلك، إذا علمنا أن المخبر لم يخبر عن رواية بل عن أمر محسوس، لا لبس فيه وأنه لا داعي له إلى الكذب، فيعلم أنه لا يكون كذبا.\rوإذا لم يكن كذبا تعين كونه صدقا.\rومهما اختل شئ من هذه الامور لم نعلم صحة الخبر، ولا معنى لكونه نظريا سوى ذلك.","part":2,"page":20},{"id":316,"text":"ولقائل أن يقول: سلمنا أن النظر عبارة عما ذكر، لكن لا نسلم تحققه فيما نحن فيه.\rوما المانع أن يكون اتفاقهم على الكذب، لا لغرض مع كونه مقدورا لهم،\rفإن قال بأن العادة تحيل اتفاق الجمع الكثير على الكذب لا لغرض ومقصود.\rقلنا: والعادة أيضا تحيل اتفاقهم على الصدق لا لغرض ومقصود، فلم قلت بعدم الغرض في الصدق دون الكذب، وإذا لم يكن غرض، فليس الصدق أولى من الكذب.\rفإن قلنا: الغرض في الصدق كونه صدقا، لكونه حسنا، ولا كذلك الكذب لكونه قبيحا، فهو مبني على التحسين والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه.\rفإن قال: المراد إنما هو التحسين والتقبيح العرفي دون العقلي، ولا شك أن أهل العرف يعدون الكذب قبيحا، والصدق حسنا.\rقلنا: التحسين والتقبيح العرفي راجع إلى موافقة الغرض ومخالفته.\rوعلى هذا، فلعل الكذب من حيث هو كذب فيما أخبروا به موافق لا غراضهم دون الصدق، فكان حسنا، كما في اتفاقهم على الصدق في بعض ما أخبروا به، سلمنا أنهم لا يجمعون على الكذب إلا لغرض، ولكن ما المانع منه ؟ فإنا قد نجد الجمع الكثير متفقين على وضع الاحاديث والاخبار لحكمة عائدة إليهم، وذلك كأهل مدينة أو جيش عظيم اتفقوا على وضع خبر لا أصل له، إما لدفع مفسدة عنهم لا سبيل إلى دفعها إلا به، وإما لجلب مصلحة لا تحصل إلا به.\rوهذا مما يغلب مثله في كل عصر وزمان حتى إن أكثر الاخبار العامة الشائعة الواقعة في المعتاد كذلك.\rفإن قال بأن ذلك، وإن كان واقعا، إلا أن العادة تحيل دوامه، وتوجب انكشافه عن قرب من الزمان.\rقلنا: فإذا آل الامر إلى التمسك بالعادة في استحالة اتفاقهم على الكذب دائما فما المانع أن يقال بأن العادة موجبة لصدق المخبرين، إذا كانوا جمعا كثيرا، وحصول العلم بخبرهم، وليس القول بأن العادة تحيل اتفاقهم على الكذب، ويلزم من ذلك الصدق، أولى من أن يقال العادة توجب اتفاقهم على الصدق، ويلزم من ذلك امتناع اتفاقهم على الكذب، وعند ذلك، فيخرج العلم بخبر التواتر عن كونه نظريا.","part":2,"page":21},{"id":317,"text":"سلمنا أنه لا بدفي حصول العلم بخبر التواتر من حصول العلم بامتناع الكذب على المخبرين، ولكن نسلم أن ذلك يكون كافيا في كون العلم الحاصل من التواتر نظريا، إلا أن يكون العلم بالمقدمات قد علم معه أنها مرتبطة بالعلم الحاصل بخبر التواتر، وأنها الواسطة المفضية إليه، وذلك غير مسلم الوجود فيما نحن فيه، كما ذهب إليه الغزالي.\rالحجة الثانية: أنه لو كان العلم بخبر التواتر ضروريا لنا، لكنا عالمين بذلك العلم على ما هو عليه، كما في سائر العلوم الضرورية.\rوذلك، لان حصول علم للانسان، وهو لا يشعر به، محال.\rفإذا كان ذلك العلم ضروريا، وجب أن يعلم كونه ضروريا، وليس كذلك.\rولقائل أن يقول: لا نسلم أنه إذا كان ضروريا بد وأن يعلم أنه ضروري، بل جاز أن يكون أصل العلم بالمخبر بالضرورة، والعلم بصفته، وهي الضرورة، غير ضروري.\rكيف وأنه معارض بأنه لو كان نظريا، لعلمناه على صفته نظريا على ما قرروه، وليس كذلك، وليس أحد الامرين أولى من الآخر.\rالحجة الثالثة أنه لو كان العلم بخبر التواتر ضروريا، لما اختلف العقلاء فيه، كما في غيره من الضروريات.\rولقائل أن يقول: الاختلاف فيه لا يدل على أنه غير ضروري، وإلا كان خلاف السوفسطانية في حصول العلم بالضروريات، مانعا من كونها ضرورية، وليس كذلك بالاتفاق من الخصمين هاهنا، بل ولكان خلاف السمنية في حصول أصل العلم بخبر التواتر مانعا منه، وليس كذلك.\rالحجة الرابعة، أن خبر التواتر لا يزيد في القوة على خبر الله تعالى، وخبر رسوله، بل هو مماثل أو أدنى، والعلم بخبر الله ورسوله غير حاصل بالضرورة، بل بالاستدلال، فما هو مثله كذلك، والادنى أولى.\rولقائل أن يقول: حاصل ما ذكر راجع إلى التمثيل، وهو غير مفيد لليقين، كما عرفناه في مواضعه.\rكيف وإن العلم بخبر التواتر من حيث هو علم، وإن كان لا يقع التفاوت بينه وبين العلم الحاصل من خبر الله والرسول، فكذلك لا تفاوت","part":2,"page":22},{"id":318,"text":"بين العلوم الضرورية المتفق على ضروريتها، كالعلم بأن لا واسطة بين النفي والاثبات، والعلم بأن الواحد أقل من الاثنين ونحوه وبين العلم الحاصل بخبر الله وخبر رسوله من حيث إن كل واحد منهما علم.\rومع ذلك، ما لزم من كون العلوم الضرورية ضرورية أن يكون العلم الحاصل من خبر الله وخبر رسوله ضروريا، ولا من كون خبر الله ورسوله غير ضروري، أن تكون العلوم الضرورية غير ضرورية.\rوإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين وتفاوت الكلام بين الطرفين، فقد ظهر أن الواجب إنما هو الوقف عن الجزم بأحد الامرين.\rالمسألة الثالثة اتفقت الاشاعرة والمعتزلة وجميع الفقهاء على أن خبر التواتر لا يولد العلم، خلافا لبعض الناس.\rوقد اعتمد القائلون بامتناع ذلك على مسلكين ضعيفين: الاول: أنهم قالوا: لو كان خبر التواتر مولدا للعلم، فالعلم إما أن يكون متولدا من الخبر الاخير، أو منه ومن جملة الاخبار المتقضية: فإن كان الاول، فهو محال، وإلا لتولد منه بتقدير انفراده.\rوإن كان الثاني، فهو ممتنع لان الاخبار متعددة، والمسبب الواحد لا يصدر عن سببين، كما لا يكون مخلوق بين خالقين.\rولقائل أن يقول: ما المانع أن يكون متولدا عن الخبر الاخير مشروطا بتقدم ما وجد من الاخبار قبله وعدمت، وإن كان متولدا عن الجميع، فما المانع أن يكون متولدا عن الهيئة الاجتماعية، وهي شئ واحد، لا أنه متولد عن كل واحد واحد من تلك الاخبار.\rوهذا مما لا مدفع له.\rنعم لو قيل إن تولده من جميع الاخبار ممتنع ضرورة أن ما تقضى من الاخبار معدوم، ولا تولد عن المعدوم، كان متجها.\rالمسلك الثاني: أنهم قالوا.\rقد استقر من مذهب القائلين بالتولد أن كل ما هو طالب لجهة من الجهات فإنه يجوز أن يتولد عنه شئ في غير محله، كالاعتمادات والحركات، وما ليس كذلك لا يتولد عنه شئ في غير محله.\rوالقول والخبر ليس","part":2,"page":23},{"id":319,"text":"له جهة، فلا يتولد عنه العلم، لانه، لو تولد عنه العلم، لتولد في غير محله، وهو ممتنع.\rوذلك مما لا اتجاه له مهما عرف من مذاهب الخصوم أن إرعابات الانسان لغيره مما يولد فيه الوجل المولد للاصفرار بعد الاحمرار، وأن تهجينه له مما يولد فيه الخجل المولد للاحمرار بعد الاصفرار، وإن كان ما تولد عن القول المرهب والمهجن في غير محله.\rوالمعتمد في إبطال ذلك ليس إلا ما حققناه في أبكار الافكار من الدليل الدال على امتناع موجود غير الله تعالى، وأن كل موجود ممكن، فوجوده ليس إلا بالله تعالى، فعليك باعتباره ونقله إلى هاهنا.\rفإن قيل: اختياركم في المسألة المتقدمة إنما هو الوقف عن الجزم بكون الحاصل عن خبر التواتر ضروريا أو نظريا، وما ذكرتموه هاهنا من كونه مخلوقا لله تعالى يوجب كونه اضطراريا للعبد، وهو تناقض.\rكيف وإنه لو كان مخلوقا لله تعالى لامكن حصوله عن خبر الجماعة المفروضين بسبب خلق الله تعالى له، وأمكن أن لا يحصل بسبب عدم خلقه.\rفلما كان ذلك واجب الحصول بخبر التواتر علم أنه غير موجود بالاختيار مباشرة، بل بالتولد عما هو مباشر بالقدرة.\rقلنا: أما التناقض فمندفع، فإنا سواء قلنا إن العلم مكتسب للعبد، أو هو حاصل له ضروريا، فلا يخرج بذلك عن كونه مخلوقا لله تعالى على ما عرف من أصلنا.\rقولهم: لو كان مخلوقا لله تعالى لامكن أن يحصل وأن لا يحصل، قلنا: ذلك ممكن عقلا، غير أن الله تعالى قد أجرى العادة بخلقه للعلم عند خبر التواتر، كما أجرى العادة بالشبع عند أكل الخبز، والري عند شرب الماء ونحوه.","part":2,"page":24},{"id":320,"text":"المسألة الرابعة اتفق القائلون بحصول العلم عن الخبر المتواتر على شروط، واختلفوا في شروط.\rفأما المتفق عليه، فمنها ما يرجع إلى المخبر، ومنها ما يرجع إلى المستمعين.\rفأما ما يرجع إلى المخبرين، فأربعة شروط: الاول: أن يكونوا قد انتهوا في الكثرة إلى حد يمتنع معه تواطؤهم على الكذب.\rالثاني: أن يكونوا عالمين بما أخبروا به، لا ظانين.\rالثالث: أن يكون علمهم مستندا إلى الحس، لا إلى دليل العقل.\rالرابع: أن يستوي طرفا الخبر ووسطه في هذه الشروط، لان خبر أهل كل عصر مستقل بنفسه، فكانت هذه الشروط معتبرة فيه.\rوأما ما يرجع إلى المستمعين، فأن يكون المستمع متأهلا لقبول العلم بما أخبر به، غير عالم به قبل ذلك، وإلا كان فيه تحصيل الحاصل.\rغير أن من زعم أن حصول العلم بخبر التواتر نظري شرط تقدم العلم بهذه الامور على حصول العلم بخبر التواتر، ومن زعم أنه ضروري لم يشترط سبق العلم بهذه الامور، لان العلم عنده حاصل عند خبر التواتر بخلق الله تعالى، فإن خلق العلم له علم أن الخبر مشتمل على هذه الشروط، وإن لم يخلق له العلم علم اختلال هذه الشروط أو بعضها، فضابط العلم بتكامل هذه الشروط حصول العلم بخبر التواتر عنده، لا أن ضابط حصول العلم بخبر التواتر سابقة حصول العلم بهذه الشروط.\rثم اختلف هؤلاء في أقل عدد يحصل معه العلم: فقال بعضهم: هو خمسة.\rلان ما دون ذلك، كالاربعة بينة شرعية يجوز للقاضي عرضها على المزكين بالاجماع لتحصيل غلبة الظن، ولو كان العلم حاصلا بقول الاربعة، لما كان كذلك.\rوقد قطع القاضي أبو بكر بأن الاربعة عدد ناقص، وتشكك في الخمسة.","part":2,"page":25},{"id":321,"text":"ومنهم من قال: أقل ذلك اثنا عشر، بعدد النقباء من بني إسرائيل، على ما قال تعالى: * (وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا) * (5) المائدة: 12) وإنما خصهم بذلك العدد لحصول العلم بخبرهم ومنهم من قال: أقله عشرون، تمسكا بقوله تعالى: * (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) * (8) الانفال: 65) وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بما يخبرون به.\rومنهم من قال: أقل ذلك أربعون، أخذا من عدد أهل الجمعة.\rومنهم من قال: أقلهم سبعون، تمسكا بقوله تعالى: * (واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا) * (7) الاعراف: 155) وإنما خصهم بذلك لحصول العلم بما يخبرون به.\rومنهم من قال: أقله ثلاثمائة وثلاثة عشر، نظرا إلى عدد أهل بدر، إنما خصوا بذلك ليعلم ما يخبرون به للمشركين.\rومنهم من قال: أقل عدد يحصل به العلم معلوم لله تعالى، غير معلوم لنا، وهذا هو المختار.\rوذلك لانا لا نجد من أنفسنا معرفة العدد الذي حصل علمنا بوجود مكة، وبغداد، وغير ذلك من المتواترات عنده.\rولو كلفنا أنفسنا معرفة ذلك عند توارد المخبرين بأمر من الامور بترقب الحالة التي يكمل علمنا فيها بعد تزايد ظننا بخبر واحد بعد واحد، لم نجد إليه سبيلا عادة، كما لم نجد من أنفسنا العلم بالحالة التي يحصل فيها كمال عقولنا بعد نقصها، بالتدريج الخفي، لقصور القوة\rالبشرية عن الوقوف على ذلك، بل يحصل لنا العلم بخبر التواتر، وإن كنا لا نقف على أقل عدد أفاده، كما نعلم حصول الشبع بأكل الخبز، والري بشرب الماء، وإن كنا لا نقف على المقدار الذي حصل به الشبع والري.\rوما قيل من الاقاويل في ضبط عدد التواتر، فهي مع اختلافها وتعارضها وعدم مناسبتها وملائمتها للمطلوب، مضطربة فإنه ما من عدد يفرض حصول العلم به لقوم إلا وقد يمكن فرض خبرهم بعينه غير مفيد للعلم، بالنظر إلى آخرين، بل ولو أخبروا بأعيانهم بواقعة أخرى لم يحصل بها العلم لمن حصل له العلم بخبرهم الاول، ولو كان ذلك العدد هو الضابط لحصول العلم لما اختلف، وإنما وقع الاختلاف بسبب الاختلاف في القرائن المقترنة بالخبر، وقوة سماع المستمع وفهمه وإدراكه للقرائن.","part":2,"page":26},{"id":322,"text":"وبالجملة، فضابط التواتر ما حصل العلم عنده من أقوال المخبرين، لا أن العلم مضبوط بعدد مخصوص، وعلى هذا فما من عدد يفرض كان أربعة أو ما زاد، إلا ويمكن أن يحصل به العلم، ويمكن أن لا يحصل.\rويختلف ذلك باختلاف القرائن.\rوما ذكر في كل صورة من أن تعيين ذلك العدد فيها إنما كان لحصول العلم بخبرهم، تحكم لا دليل عليه، بل أمكن أن يكون لا غراض أخر غير ذلك، أو أن ذلك واقع بحكم الاتفاق.\rوعلى قولنا بأن ضابط التواتر حصول العلم عنده يمتنع الاستدلال بالتواتر على من لم يحصل له العلم منه، وإنما المرجع فيه إلى الوجدان، هذا ما يرجع إلى الشرائط المعتبرة المتفق عليها.\rوأما الشروط المختلف فيها فستة: الاول: ذهب قوم إلى أن شرط عدد التواتر أن لا يحويهم بلد ولا يحصرهم عدد،\rومذهب الباقين خلافه، وهو الحق.\rوذلك، لانه قد يحصل العلم بخبر أهل بلد من البلاد، بل بخبر الحجيج، أو أهل الجامع بواقعة وقعت، وحادثة حدثت، مع أنهم محصورون.\rالثاني: ذهب قوم إلى اشتراط اختلاف أنساب المخبرين وأوطانهم وأديانهم، وهو فاسد، لانا لو قدرنا أهل بلد اتفقت أديانهم وأنسابهم، وأخبروا بقضية شاهدوها، لم يمتنع حصول العلم بخبرهم.\rالثالث: ذهب بعضهم إلى أن شرط المخبرين أن يكونوا مسلمين عدولا، لان الكفر عرضة للكذب والتحريف، والاسلام والعدالة ضابط الصدق والتحقيق في القول، ولهذه العلة اختص المسلمون بدلالة إجماعهم على القطع، ولانه لو وقع العلم بتواتر خبر الكفار، لوقع العلم بما أخبر به النصارى، مع كثرة عددهم، عن قتل المسيح وصلبه وما نقلوه عنه من كلمة التثليث، وهو باطل.\rفإنا نجد من أنفسنا العلم بأخبار العدد الكثير، وإن كانوا كفارا، كما لو أخبر أهل قسطنطينية بقتل ملكهم.\rوليس ذلك إلا لان الكثر مانعة من التواطئ على الكذب، وإن لم يكن ذلك ممتنعا فيما كان دون تلك الكثرة.","part":2,"page":27},{"id":323,"text":"وأما الاجماع، فإنما اختص علماء الاسلام بالاحتجاج به للادلة السمعية، دون الادلة العقلية، كما سبق، بخلاف التواتر وأما أنه لم يحصل لنا العلم بما أخبر به النصارى من قتل المسيح وصلبه وكلمة التثليث، فيجب أن يكون ذلك محالا على عدم شرط من شروط التواتر، وهو إما اختلال استواء طرفي الخبر ووسطه فيما ذكرناه من الشروط قبل، أو لانهم ما سمعوا كلمة التثليث صريحا، بل سمعوا كلمة موهمة لذلك، فنقلوا التثليث ويجب اعتقاد ذلك نفيا للكفر عن المسيح، على ما قال تعالى * (لقد كفر\rالذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) * (5) المائدة: 73) أو لان المسيح شبه لهم، فنقلوا قتله وصلبه، ولا بعد في ذلك، وإن كان الغلط فيه غير معتاد، إذا وقع في زمان خرق العوائد، وهو زمان النبوة، وإن كان بعيدا في غير زمانه.\rويجب اعتقاد ذلك، عملا بقوله تعالى: * (وما قتلوه، وما صلبوه، ولكن شبه لهم) * (4) النساء: 157).\rفإن قيل: فخرق العوائد جائز في غير زمان النبوة بكرامات الاولياء، فليجز في كل ما أخبر به أهل ذلك العصر عن المحسات ووقوع الغلط فيه.\rقلنا: إن حصل لنا العلم بخبرهم، علمنا استحالة الغلط عليهم وإن لم يحصل لنا العلم به، علمنا أنه قد اختل شرط من شرائط التواتر، وإن لم يكن ذلك الشرط معينا عندنا.\rالرابع: ذهب قوم إلى أن شرطه أن يكونوا محمولين على أخبارهم بالسيف، وهو باطل، فإنهم إن حملوا على الصدق لم يمتنع حصول العلم بقولهم، كما لو لم يحملوا عليه.\rولهذا فإنه لو حمل الملك أهل مدينة عظيمة على الاخبار عن أمر محس.\rوجدنا أنفسنا عالمة بخبرهم حسب علمنا بخبرهم من غير حمل، وإن حملوا على الكذب فيمتنع حصول العلم بخبرهم، لفوات شرط وهو إخبارهم عن معلوم محس.","part":2,"page":28},{"id":324,"text":"الخامس: شرطت الشيعة وابن الراوندي وجود المعصوم في خبر التواتر، حتى لا يتفقوا على الكذب، وهو باطل أيضا، لما بيناه من أنه لو اتفق أهل بلد من بلاد الكفار على الاخبار عن قتل ملكهم أو أخذ مدينة، فإن العلم يحصل بخبرهم، مع كونهم كفارا فضلا عن كون الامام المعصوم ليس فيهم.\rثم لو كان كذلك، فالعلم يكون حاصلا بقول الامام المعصوم بالنسبة إلى من سمعه لا بخبر التواتر.\rالسادس: شرطت اليهود في خبر التواتر أن يكون مشتملا على أخبار أهل الذلة والمسكنة، لانه إذا لم يكن فيهم مثل هؤلاء، فلا يؤمن تواطيهم على الكذب لغرض من الاغراض، بخلاف ما إذا كانوا أهل ذلة ومسكنة، فإن خوف مؤاخذتهم بالكذب يمنعهم من الكذب.\rولو صح لهم هذا الشرط، لثبت غرضهم من إبطال العلم بخبر التواتر بمعجزات عيسى ونبينا، عليه السلام، حيث إنهم لم يدخلوا في الاخبار بها، وهم أهل الذلة والمسكنة، لكنه باطل بما نجده من أنفسنا من العلم بأخبار الاكابر والشرفاء العظماء إذا أخبروا بأمر محس، وكانوا خلقا كثيرا، بل ربما كان حصول العلم من خبرهم أسرع من حصول العلم بخبر أهل المسكنة والذلة لترفع هؤلاء عن رذيلة الكذب لشرفهم وقلة مبالاة هؤلاء به لخستهم.\rوبالجملة، لا يمتنع أن يكون شئ من هذه الشروط إذا تحقق كان حصول العلم بخبر التواتر معه أسرع من غيره.\rأما أن يكون ذلك شرطا ينتفي العلم بخبر التواتر عند انتفائه، فلا.\rالمسألة الخامسة ذهب القاضي أبو بكر وأبو الحسين البصري إلى أن كل عدد وقع العلم بخبره في واقعة لشخص، لا بد وأن يكون مفيدا للعلم بغير تلك الواقعة لغير ذلك الشخص إذا سمعه، وهذا إنما يصح على إطلاقه إذا كان العلم قد حصل من نفس خبر ذلك العدد مجردا عما احتف به من القرائن العائدة إلى أخبار المخبرين وأحوالهم، واستواء السامعين في قوة السماع للخبر والفهم لمدلوله، مع فرض التساوي في","part":2,"page":29},{"id":325,"text":"القرائن، مع أن القرائن قد تفيد آحادها الظن، وبتضافرها واجتماعها العلم، كما سنبينه.\rفلا يمتنع أن يحصل العلم بمثل ذلك العدد في بعض الوقائع للمستمع دون البعض، لما اختص به من القرائن التي لا وجود لها في غيره، وبتقدير اتحاد\rالواقعة وقرانها لا يلزم من حصول العلم بذلك العدد لبعض الاشخاص حصوله لشخص آخر، لتفاوتهما في قوة الادراك والفهم للقرائن، إذ التفاوت فيما بين الناس في ذلك ظاهر جدا، حتى أن منهم من له قوة فهم أدق المعاني وأغمضها في أدنى دقيقة من غير كد ولا تعب، ومنهم من انتهى في البلادة إلى حد لا قدرة له على فهم أظهر ما يكون من المعاني مع الجد والاجتهاد في ذلك، ومنهم من حاله متوسطة بين الدرجتين.\rوهذا أمر واضح لا مراء فيه، ومع التفاوت في هذه الامور يظهر أن ما ذكره القاضي وأبو الحسين البصري مما لا سبيل إلى تصحيحه على إطلاقه المسألة السادسة إذا عرف أن التواتر يفيد العلم بالمخبر الواحد، كالاخبار عن قتل ملك أو هجوم بلد، كما ذكرناه، فلو بلغ عدد المخبرين إلى حد التواتر، لكن اختلفت أخبارهم والوقائع التي أخبروا عنها مع اشتراك جميع أخبارهم في معنى كلي مشترك بين مخبراتهم، فالكل مخبرون عن ذلك المعنى المشترك ضرورة إخبارهم عن جريانه، إما بجهة التضمن أو الالتزام، فكان معلوما من أخبارهم وذلك كالاخبار التي وردت خارجة عن الحصر عن وقائع عنتر في حروبه، ووقائع حاتم في هباته وضيافاته، وإن اختلفت وقائع هذه الاخبار، فكلها دالة على القدر المشترك من شجاعة هذا وكرم هذا.\rغير أنه ربما كان حصول العلم بها مثل التواتر الاول، لاتحاد لفظه ومعناه أسرع حصولا من الثاني، لاختلاف ألفاظه وما طابقها من المعاني، وإن اتحد مدلولها من جهة التضمن أو الالتزام وهذا آخر باب التواتر.","part":2,"page":30},{"id":326,"text":"الباب الثالث في أخبار الآحاد\rويشتمل على أربعة أقسام: أولها: النظر في حقيقة خبر الواحد، وما يتعلق به من المسائل.\rوثانيها: النظر في شرائط وجوب العمل بخبر الواحد، وما يتعلق به من المسائل.\rوثالثها: النظر في مستند الراوي، وكيفية روايته، وما يتعلق به من المسائل.\rورابعها: النظر فيما اختلف في رد خبر الواحد به ومسائله.\rالقسم الاول في حقيقة خبر الواحد ويشتمل على مقدمة ومسائل.\rأما المقدمة، ففي حقيقة خبر الواحد وشرح معناه.\rقال بعض أصحابنا: خبر الواحد ما أفاد الظن، وهو غير مطرد ولا منعكس.\rأما أنه غير مطرد، فلان القياس مفيد للظن، وليس هو خبر واحد فقد وجد الحد، ولا محدود.\rوأما أنه غير منعكس، فهو أن الواحد، إذا أخبر بخبر، ولم يفد الظن، فإنه خبر واحد، وإن لم يفد الظن فقد وجد المحدود، ولا حد.\rكيف وإن التعريف بما أفاد الظن، تعريف بلفظ متردد بين العلم، كما في قول الله تعالى: * (الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم) * (2) البقرة: 46) أي يعلمون، وبين ترجح أحد الاحتمالين على الآخر في النفس من غير قطع.\rوالحدود مما يجب صيانتها عن الالفاظ المشتركة لا خلالها بالتفاهم وافتقارها إلى القرينة.\rوالاقرب في ذلك أن يقال: خبر الآحاد ما كان من الاخبار غير منته إلى حد التواتر.\rوهو منقسم إلى ما لا يفيد الظن أصلا، وهو ما تقابلت فيه الاحتمالات على السواء، وإلى ما يفيد الظن، وهو: ترجح أحد الاحتمالين الممكنين على الآخر في النفس من غير قطع.\rفإن نقله جماعة تزيد على الثلاثة والاربعة سمي مستفيضا مشهورا.","part":2,"page":31},{"id":327,"text":"وإذا عرف ذلك فلنذكر ما يتعلق به من المسائل، وهي سبع: المسألة الاولى اختلفوا في الواحد العدل، إذا أخبر بخبر، هل يفيد خبره العلم ؟ فذهب قوم إلى أنه يفيد العلم، ثم اختلف هؤلاء: فمنهم من قال إنه يفيد العلم بمعنى الظن لا بمعنى اليقين، فإن العلم قد يطلق ويراد به الظن، كما في قوله تعالى: * (فإن علمتموهن مؤمنات) * (60) الممتحنة: 10) أي ظننتموهن.\rومنهم من قال إنه يفيد العلم اليقيني من غير قرينة، لكن من هؤلاء من قال: ذلك مطرد في خبر كل واحد، كبعض أهل الظاهر، وهو مذهب أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه.\rومنهم من قال إنما يوجد ذلك في بعض أخبار الآحاد، لا في الكل، وإليه ذهب بعض أصحاب الحديث.\rومنهم من قال إنه يفيد العلم، إذا اقترنت به قرينة، كالنظام، ومن تابعه في مقالته.\rوذهب الباقون إلى أنه لا يفيد العلم اليقيني مطلقا، لا بقرينة ولا بغير قرينة.\rوالمختار حصول العلم بخبره، إذا احتفت به القرائن.\rويمتنع ذلك عادة دون القرائن، وإن كان لا يمتنع خرق العادة بأن يخلق الله تعالى لنا العلم بخبره من غير قرينة.\rأما أنه لا يفيد العلم بمجرده، فقد احتج القائلون بذلك بحجج واهية لا بد من التنبيه عليها، والاشارة بعد ذلك إلى ما هو المعتمد في ذلك.\rالحجة الاولى: من الحجج الواهية قولهم: لو كان خبر الواحد مفيدا للعلم لافاد كل خبر واحد، كما أن خبر التواتر لما كان موجبا كان كل خبر متواتر كذلك.\rولقائل أن يقول، هذا قياس تمثيلي، وهو غير مفيد للعلم.\rكيف وإن خبر التواتر قبل العلم به ضروري غير مكتسب، فلا يمتنع أن يخلقه الله تعالى عند كل تواتر، لعلمه بما يشتمل عليه من مصلحة مختصة به، أو لمصلحة، كما يشاء ويختار ومثل ذلك غير لازم في أخبار الآحاد.","part":2,"page":32},{"id":328,"text":"وإن قيل إنه نظري مكتسب.\rفلا مانع من استواء جميع أخبار التواتر فيما لا بد منه في حصول العلم.\rولا يلزم من ذلك استواء جميع أخبار الآحاد في ذلك.\rالحجة الثانية: أن تأثيرات الادلة في النفوس بحسب المؤثر، ولا نجد من أنفسنا من خبر الواحد، وإن بلغ الغاية في العدالة، سوى ترجح صدقه على كذبه من غير قطع، وذلك غير موجب للعلم.\rوهذه الحجة في غاية الضعف، لان حاصلها يرجع إلى محض الدعوى في موضع الخلاف من غير دلالة، ومع ذلك، فهي مقابلة بمثلها، وهو أن يقول الخصم: وأنا أجد في نفسي العلم بذلك.\rوليس أحد الامرين أولى من الآخر.\rالحجة الثالثة: أنه لو كان خبر الواحد يوجب العلم، لما روعي فيه شرط الاسلام والعدالة كما في خبر التواتر.\rوحاصل هذه الحجة أيضا يرجع إلى التمثيل، وهو غير مفيد لليقين.\rثم ما المانع أن يكون حصول العلم بخبر التواتر، لان الله تعالى أجرى العادة بخلق العلم عنده إن قيل إن العلم بخبر التواتر ضروري، وذلك غير لازم في خلقه عند خبر من ليس بمسلم ولا عدل، أو أن يكون التواتر من حيث هو تواتر مشتمل على ما يوجب العلم.\rإن قيل بأن العلم بخبر التواتر كسبي، وخبر من ليس بمسلم ولا عدل غير مشتمل على ذلك.\rوالمعتمد في ذلك أربع حجج: الحجة الاولى: أنه لو كان خبر الواحد الثقة مفيدا للعلم بمجرده، فلو أخبر ثقة آخر بضد خبره، فإن قلنا خبر كل واحد يكون مفيدا للعلم، لزم اجتماع العلم بالشئ وبنقيضه، وهو محال.\rوإن قلنا خبر أحدهما يفيد العلم دون الآخر، فإما أن يكون معينا، أو غير معين.\rفإن كان الاول، فليس أحدهما أولى من الآخر، ضرورة\rتساويهما في العدالة والخبر.\rوإن لم يكن معينا، فلم يحصل العلم بخبر واحد منهما على التعيين، بل كل واحد منهما إذا جردنا النظر إليه، كان خبره غير مفيد للعلم، لجواز أن يكون المفيد للعلم هو خبر الآخر.\rكيف وأنه لا مزية لاحدهما على الآخر، حتى يقال بحصول العلم بخبره، دون خبر الآخر.","part":2,"page":33},{"id":329,"text":"الحجة الثانية: إن كل عاقل يجد من نفسه عند ما إذا أخبره واحد بعد واحد بمخبر واحد يزيد اعتقاده بذلك المخبر.\rولو كان الخبر الاول والثاني مفيدا للعلم، فالعلم غير قابل للتزيد والنقصان.\rفإن قيل: كيف يقال بأن العلم غير قابل للزيادة والنقصان، مع أن بعض العلوم قد يكون أجلى من بعض، وأظهر، كالعلم الضروري، فإنه أقوى من العلم المكتسب، والعلم بالعيان أقوى من العلم بالخبر.\rقلنا: لا نسلم تصور التفاوت بين العلوم من حيث هي علوم بزيادة ولا نقصان، لانتفاء احتمال النقيض عنها قطعا، ولو لم يكن كذلك، لما كانت علوما، بل ظنونا.\rوالتفاوت الواقع بين العلم النظري والعلم الضروري ليس في نفس العلم بالمعلوم، بل من جهة أن أحدهما مفتقر في حصوله إلى النظر دون الآخر، أو أن أحدهما أسرع حصولا من الآخر، لتوقفه على النظر.\rوالتفاوت الواقع بين العلم بالخبر والعلم بالنظر غير متصور فيما تعلقا به، وإنما التفاوت بينهما من جهة أن ما لا يدرك بالخبر يكون مدركا بالعيان والنظر.\rالحجة الثالثة: أنه لو كان الخبر الواحد بمجرده موجبا للعلم، لكان العلم حاصلا بنبوة من أخبر بكونه نبيا من غير حاجة إلى معجزة دالة على صدقه، ولوجب أن يحصل للحاكم العلم بشهادة الشاهد الواحد، وأن لا يفتقر معه إلى شاهد آخر، ولا إلى تزكيته، لما فيه من طلب تحصيل الحاصل، إذ العلم غير قابل للزيادة\rوالنقصان، كما سبق تقريره.","part":2,"page":34},{"id":330,"text":"الحجة الرابعة: أنه لو حصل العلم بخبر الواحد بمجرده لوجب تخطئة مخالفه بالاجتهاد وتفسيقه وتبديعه، إن كان ذلك فيما يبدع بمخالفته، ويفسق، ولكان مما يصح معارضته بخبر التواتر، وأن يمتنع التشكيك بما يعارضه كما في خبر التواتر، وكل ذلك خلاف الاجماع.\rفإن قيل ما ذكرتموه معارض بالنص، والمعقول، والاثر: أما النص فقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * نهى عن اتباع غير العلم.\rوقد أجمعنا على جواز اتباع خبر الواحد في أحكام الشرع، ولزوم العلم به، فلو لم يكن خبر الواحد مفيدا للعلم، لكان الاجماع منعقدا على مخالفة النص، وهو ممتنع.\rوأيضا فإن الله تعالى قد ذم على اتباع الظن بقوله تعالى: * (إن يتبعون إلا الظن) * (6) الانعام: 116) وقوله تعالى: * (وما يتبع أكثرهم إلا ظنا، إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (10) يونس: 36) فلو لم يكن خبر الواحد مفيدا للعلم، بل للظن، لكنا مذمومين على اتباعه، وهو خلاف الاجماع وأما من جهة المعقول، فمن وجهين: الاول أنه، لو لم يكن خبر الواحد مفيدا للعلم، لما أوجبه، وإن كثر العدد إلى حد التواتر، لان ما جاز على الاول جاز على من بعده.\rالثاني أنه، لو لم يكن خبره موجبا للعلم، لما أبيح قتل المقر بالقتل على نفسه ولا بشهادة اثنين عليه، ولا وجبت الحدود بأخبار الآحاد، لكون ذلك قاضيا على دليل العقل، وبراءة الذمة.","part":2,"page":35},{"id":331,"text":"وأما من جهة الاثر، ونخص مذهب من فرق بين خبر وخبر كبعض المحدثين، فهو أن عليا، كرم الله وجه، قال ما حدثنى أحد بحديث إلا استحلفته، سوى\rأبي بكر صدق أبا بكر وقطع بصدقه، وهو واحد.\rقلنا: أما الآيات، فالجواب عنها من وجهين: الاول أن وجوب العمل بخبر الواحد واتباعه في الشرعيات إنما كان بناء على انعقاد الاجماع على ذلك، والاجماع قاطع.\rفاتباعه لا يكون اتباعا لما ليس بعلم ولا اتباعا للظن.\rالثاني أنه يحتمل أن يكون المراد من الآيات إنما هو المنع من اتباع غير العلم فيما المطلوب منه العلم، كالاعتقادات في أصول الدين من اعتقاد وجود الله تعالى، وما يجوز عليه وما لا يجوز، ويجب الحمل على ذلك عملا بما ذكرناه من الادلة.\rوأما ما ذكروه من الوجه الاول من جهة المعقول، فغير لازم، لان حكم الجملة قد يغاير حكم الآحاد، على ما سبق مرارا.\rوأما الوجه الثاني، فمبني على أن أحكام الشرع لا تبنى على غير العلم، وهو غير مسلم، وعلى خلاف إجماع السلف قبل وجود المخالفين.\rوما ذكروه من الاثر، فغايته أن يدل على أن عليا صدق أبا بكر، رضي الله عنهما، من غير يمين، لحصول ظنه بخبره من غير يمين دون خبر غيره، لكون ما اختص به من زيادة الرتبة وعلو الشأن في العدالة، والثقة في مقابلة يمين غيره.\rوالتصديق بناء على غلبة الظن جائز في باب الظنون، وإن لم يكن الصدق معلوما.","part":2,"page":36},{"id":332,"text":"وأما جواز وقوع العلم بخبر الواحد، إذا احتفت به القرائن، فيدل عليه أن القرينة قد تفيد الظن مجردة عن الخبر.\rوذلك كما إذا رأينا إنسانا يكثر من النظر إلى شخص مستحسن،، فإنا نظن حبه له.\rفإذا اقترن بذلك ملازمته له، زاد ذلك الظن ولا يزال في التزايد بزيادة خدمته له وبذل ما له وتغير حاله، إلى غير ذلك من القرائن، حتى يحصل العلم بحبه له، كما في تزايد الظن بأخبار الآحاد حتى يصير\rتواترا.\rوكذلك علمنا بخجل من هجن، ووجل من خوف، باحمرار هذا، واصفرار هذا.\rوبهذا الطريق نعلم عند ارتضاع الطفل وصول اللبن إلى جوفه بكثرة امتصاصه وازدراده، وحركة حلقه مع كون المرأة شابة نفساء، وبسكون الصبي بعد بكائه، إلى غير ذلك من القرائن.\rوإذا كانت القرائن المتضافرة بمجردها مفيدة للعلم، فلا يبعد أن تقترن بالخبر المفيد للظن قرينة مفيدة للظن، قائمة مقام اقتران خبر آخر به.\rثم لا يزال التزايد في الظن بزيادة اقتران القرائن إلى أن يحصل العلم، كما في خبر التواتر.\rوإذا ثبت الجواز فبيان الوقوع أنه لو أخبر واحد أن ولد الملك قد مات، واقترن بذلك علمنا بمرضه، وأنه لا مريض في دار الملك سواه، وما شاهدناه من الصراخ العالي في داره، والنحيب الخارج عن العادة، وخروج الجنازة محتفة بالخدم، والجواري حاسرات مبرحات يلطمن خدودهن، وينقضن شعورهن، والملك ممزق الثوب حاسر الرأس يلطم وجهه، وهو مضطرب البال، مشوش الحال، على خلاف ما كان من عادته من التزام الوقار والهيبة، والمحافظة على أسباب المروءة، فإن كل عاقل سمع ذلك الخبر، وشاهد هذه القرائن يعلم صدق ذلك المخبر، ويحصل له العلم بمخبره، كما يعلم صدق خبر التواتر ووقوع مخبره.\rوكذلك إذا أخبر واحد، مع كمال عقله، وحسه بحياة نفسه وكراهته للالم، وهو في أرغد عيشة، نافذ الامر، قائم الجاه أنه قتل من يكافئه عمدا عدوانا، بآلة يقتل مثلها غالبا، من غير شبهة له في قتله ولا مانع له من القصاص، كان خبره مع هذه القرائن موجبا للعلم بصدقه عادة.\rوكذلك، إذا كان في جوار إنسان امرأة حامل، وقد انتهت مدة حملها، فسمع الطلق من وراء الجدار، وضجة النسوان حول تلك الحامل، ثم سمع صراخ","part":2,"page":37},{"id":333,"text":"الطفل، وخرج نسوة يقلن إنها قد ولدت، فإنه لا يستريب في ذلك، ويحصل له العلم به قطعا..وإنكار ذلك مما يخرج المناظرة إلى المكابرة.\rفإن قيل العلم الحاصل بموت ولد الملك في الصورة المفروضة إما أن يكون حاصلا من نفس الخبر أو من نفس القرائن، أو من الخبر مشروطا بالقرائن، أو بالقرائن مشروطا بالخبر الاول أو من الامرين معا، لا جائز أن يكون من مجرد الخبر لما ذكرتموه أولا، ولا جائز أن يكون من الخبر مشروطا بالقرائن، ولا من القرائن بشرط الخبر، ولا من الخبر والقرائن معا، لاستقلال تلك القرائن المذكورة بإفادة العلم بالموت سواء وجد الخبر أو لم يوجد.\rفلم يبق إلا أن يكون حاصلا من نفس القرائن، ولا أثر للخبر.\rثم ما ذكرتموه معارض بما ذكرتموه من الحجج الدالة على امتناع وقوع العلم بخبر الواحد مجردا عن القرائن، فإنها متجهة بعينها هاهنا.\rوالجواب عن السؤال الاول أنه لا يمتنع أن يكون سبب ما وجد من القرائن موت غير ولد الملك فجأة.\rفإذا انضم إليها الخبر بموت ذلك المريض بعينه، كان اعتقاد موته آكد من اعتقاد موته مع القرائن دون الخبر.\rوعن المعارضات أنها غير لازمة فيما نحن فيه.\rأما الحجة الاولى:، فلانا إذا فرضنا حصول العلم بخبر من احتفت بخبره القرائن، فيمتنع تصور اقتران مثل تلك القرائن، أو ما يقوم مقامها، بالخبر المناقض له، وإن كان نفس الخبر مناقضا، بخلاف ما إذا كان الخبر بمجرده مفيدا للعلم، فإن ذلك غير مانع من خبر آخر مناقض له على ما هو معلوم في الشاهد.\rوأما الحجة الثانية: فلان ما نجده من التزيد عند أخبار الآحاد إنما يكون فيما لم يحصل العلم فيه بخبر الاول والثاني وأما متى كان العلم قد حصل بخبر الاول،","part":2,"page":38},{"id":334,"text":"فالتزيد من ذلك يكون ممتنعا، ولا كذلك فيما إذا أخبر واحد بخبر فإنا إذا جردنا النظر إلى خبره من غير قرينة، وجدنا أنفسنا مما يزيد فيها الظن بما أخبر به باقتران خبر غيره بخبره.\rوأما الحجة الثالثة: فلانا إذا قلنا إن خبر الواحد يفيد العلم بمخبره، لزم تصديق مدعي النبوة في خبره، ولا كذلك إذا قلنا إن الخبر لا يفيد العلم إلا بالقرائن.\rفخبر الواحد بنبوته لا يكون مفيدا للعلم بصدقه دون اقتران القرائن بقوله والمعجزة من القرائن.\rوأما الحجة الرابعة: فغايتها أنها تدل على أنه لم يوجد خبر من أخبار الآحاد في الشرعيات موجبا للعلم بمجرده، ولا يلزم منه انتفاء ذلك مطلقا.\rالمسألة الثانية إذا أخبر واحد بين يدي رسول الله، (ص)، بخبر، ولم ينكر عليه، هل يعلم كونه صادقا فيه ؟ منهم من قال بأن ذلك دليل العلم بصدقه فيما أخبر به، فإنه لو كان كاذبا لانكر النبي، عليه السلام، عليه، وإلا كان مقرا له على الكذب مع كونه محرما، وذلك محال في حق النبي (ص)، وهو غير صحيح، فإنه من الجائز أن يكون النبي، (ص)، غير سامع له، بل هو ذاهل عنه، وإن غلب على الظن السماع وعدم الغفلة، وبتقدير أن يعلم سماعه له وعدم غفلته عنه، فمن الجائز أن لا يكون فاهما لما يقول، وإن غلب على الظن فهمه له، وبتقدير أن يكون فاهما له، فلا يخلو إما أن يكون ما أخبر به متعلقا بالدين، أو الدنيا: فإن كان متعلقا بالدين، وقدر كونه كاذبا فيه، فيحتمل أن يكون قد بينه له، وعلم أن إنكاره عليه ثانيا غير منجع فيه فلم ير في","part":2,"page":39},{"id":335,"text":"الانكار عليه فائدة، ورأى المصلحة في إهماله إلى وقت آخر.\rوبتقدير عدم ذلك\rكله، احتمل أن يكون كذبه في ذلك صغيرة، وعدم الانكار عليه في ذلك غايته أن يكون صغيرة في حق النبي، (ص)، وانتفاء الصغائر عن النبي (ص)، غير مقطوع به على ما بيناه في كتبنا الكلامية.\rهذا، إن كان إخباره بأمر ديني.\rوأما إن كان إخباره بأمر دنيوي، فيحتمل أن النبي، (ص)، لم يعلم بكونه كاذبا فيما أخبر به، وإن ظن علمه به، وبتقدير أن يكون عالما بكذبه، فيحتمل أنه امتنع من الانكار لمانع، أو لعلمه بأنه لا فائدة في إنكاره، وبتقدير عدم ذلك كله، فيحتمل أن يكون ذلك من الصغائر، والصغائر غير ممتنعة على الانبياء، كما علم.\rوعلى هذا، فعدم الانكار لا يدل على صدقه قطعا، وإن دل عليه ظنا.\rالمسألة الثالثة إذا أخبر واحد بخبر عن أمر محس بين يدي جماعة عظيمة وسكتوا عن تكذيبه، قال قوم: علم من ذلك صدقه لانه يمتنع عادة أن لا يطلع واحد منهم على كذبه، وبتقدير الاطلاع، يمتنع عادة سكوت الجمع العظيم عن التكذيب مع اختلاف أمزجتهم وطباعهم، واختلاف دواعيهم، فحيث سكتوا عن التكذيب دل على صدقه، وليس بحق، لانه من الجائز أن لا يكون لهم اطلاع على ما أخبر به، ولا يعلمون كونه صادقا ولا كاذبا، ولا واحد منهم، ولا العادة مما تحيل اطلاع بعض الناس على أمر لم يطلع عليه غيره.\rوبتقدير أن يعلم واحد منهم أو اثنان كذبه، فالعادة لا تحيل سكوت الواحد والاثنين عن تكذيبه، وبتقدير أن يعلم الكل بكذبه، فيحتمل أن مانعا منعهم من تكذيبه، ومع هذه الاحتمالات يمتنع القطع بتصديقه وإن كان صدقه مظنونا.","part":2,"page":40},{"id":336,"text":"المسألة الرابعة إذا روى واحد خبرا، ورأينا الامة مجمعة على العمل بمقتضاه، قال جماعة من\rالمعتزلة، كأبي هاشم وأبي عبد الله البصري وغيرهما، إن ذلك يدل على صدقه قطعا، وإلا كان عملهم بمقتضاه خطأ، والامة لا تجتمع على الخطإ، وهو باطل.\rوذلك لانه من المحتمل أنهم لم يعملوا به، بل بغيره من الادلة أو بعضهم به، وبعضهم بغيره.\rوبتقدير عمل الكل به، فلا يدل ذلك على صدقه قطعا، لانه إذا كان مظنون الصدق، فالامة مكلفة بالعمل بموجبه، وعملهم بموجبه مع تكليفهم بذلك لا يكون خطأ، لان خطأهم إنما يكون بتركهم لما كلفوا به، أو العمل بما نهوا عنه.\rومع هذه الاحتمالات، فصدقه لا يكون مقطوعا، وإن كان مظنونا.\rوعلى هذا، لو روى واحد خبرا، واتفق أهل الاجماع فيه على قولين، فطائفة عملت بمقتضاه، وطائفة اشتغلت بتأويله، فلا يدل ذلك على صدقه قطعا، وذلك لان الطائفة التي عملت بمقتضاه لعلها لم تعمل به، بل بغيره، كما سبق.\rوبتقدير أن تكون عاملة به، فاتفاقهم على قبوله لا يوجب كونه صادقا قطعا لما ذكرناه من تكليفهم باتباع الظني.\rالمسألة الخامسة اختلفوا فيما لو وجد شئ بمشهد من الخلق الكثير، لتوفرت الدواعي على نقله، إذا انفرد الواحد بروايته عن باقي الخلق، كما إذا أخبر بأن الخليفة ببغداد قتل في وسط الجامع يوم الجمعة بمشهد من الخلق، ولم يخبر بذلك أحد سواه، فذهب الكل إلى أن ذلك يدل على كذبه، خلافا للشيعة، وهو الحق.\rوذلك، لان الله تعالى قد ركز في طباع الخلق من توفير الدواعي على نقل ما علموه، والتحدث بما عرفوه، حتى إن العادة لتحيل كتمان ما لا يؤبه له مما جرى من صغار الامور على الجمع القليل فكيف على الجمع الكثير فيما هو من عظائم الامور ومهماتها، والنفوس مشرئبة إلى معرفته، وفي نقله صلاح للخلق، بل السكوت عن نقل ذلك وإشاعته في إحالة العادة له أشد من إحالة العادة لسكوتهم وتواطيهم على عدم نقل وجود مكة وبغداد.\rفلو جاز كتمان ذلك لجاز أن يوجد مثل مصر وبغداد، ولم يخبر أحد","part":2,"page":41},{"id":337,"text":"عنهما، وذلك محال عادة.\rوبمثل هذا عرفنا كذب من ادعى معارضة القرآن والتنصيص على إمام بعينه، من حيث إنه لو وجد ذلك لشاع وتوفرت الدواعي على نقله.\rفإن قيل: العادة إنما تحيل اتفاق الجمع الكثير على كتمان ما جرى بمشهد منهم من الامور العظيمة، إذا لم يتحقق الداعي إلى الكتمان معارضا لداعي الاظهار، ولا بعد في ذلك، إما لغرض واحد يعم الكل نظرا إلى مصلحة تتعلق بالكل في أمر الولاية وإصلاح المعيشة، أو خوف ورهبة من عدو غالب وملك قاهر، أو لاغراض متعددة، كل غرض لواحد، ويدل على ذلك الوقوع.\rوهو أن النصارى، مع كثرتهم كثرة تخرج عن الحصر، لم ينقلوا كلام المسيح في المهد، مع أنه من أعجب حادث حدث في الارض، ومن أعظم ما تتوفر الدواعي على نقله وإشاعته، ونقلوا ما دون ذلك من معجزاته.\rوأيضا فإن الناس نقلوا أعلام الرسل، ولم ينقلوا أعلام شعيب وغيره من الرسل.\rوأيضا فإن آحاد المسلمين قد انفردوا بنقل ما تتوفر الدواعي على نقله مع شيوعه فيما بين الصحابة والجمع الكثير، كنقل ما عدا القرآن من معجزاته، كانشقاق القمر، وتسبيح الحصا في يده، ونبع الماء من بين أصابعه، وحنين الجذع إليه، وتسليم الغزالة عليه، وكدخول مكة عنوة أو صلحا، وتثنية الاقامة وإفرادها وإفراده في الحج، وقرانه، ونكاحه لميمونة وهو حرام، وقبوله لشهادة الاعرابي وحده في هلال رمضان، ورفع اليدين في الصلاة والجهر بالتسمية إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى.","part":2,"page":42},{"id":338,"text":"قلنا: قد بينا أن العادة تحيل اتفاق الجمع الكثير على كتمان ما يجري بينهم من الوقائع العظيمة.\rقولهم ذلك، إنما يصح أن لو لم يوجد الداعي إلى الكتمان.\rقلنا: والكلام فيه، وذلك أن العادة أيضا تحيل اشتراك الخلق الكثير في الداعي إلى الكتمان، كما يستحيل اشتراكهم في الداعي إلى الكذب وإلى أكل طعام واحد في يوم واحد، وما ذكروه من صور الاستشهاد.\rأما كلام عيسى في المهد، فإنما تولى نقله الآحاد، لانه لم يتكلم إلا بحضرة نفر يسير، حيث لم يكن أمره قد ظهر، ولا شأنه قد اشتهر، ولا عرف برسالة ولا نبوة، وذلك بخلاف إحياء الميت، وإبراء الاكمه والابرص، فإنه كان وقت اشتهاره ودعواه الرسالة، مستدلا بذلك على صدقه، وتطلع الناس إليه، وامتداد الاعين إلى ما يدعيه.\rفلذلك، لم يقع اتفاقهم على كتمانه وأما أعلام شعيب وغيره من الانبياء، فإنما لم ينقل، لانهم لم يدعوا الرسالة حتى يستدلوا عليها بالمعجزات، ولا كان لهم شريعة انفردوا بها، بل كانوا يدعون إلشريعة من قبلهم من الرسل، كدعوى غيرهم من الائمة وآحاد العلماء.\rوأما نقل باقي معجزات الرسول غير القرآن، فإنما تولاه الآحاد، لانه لم يوجد شئ من ذلك بمشهد من الخلق العظيم، بل إنما جرى ما جرى منهم بحضور طائفة يسيرة، (2) ولا سيما انشقاق القمر، فإنه كان من الآيات الليلية، وقعت والناس بين نائم وغافل في لمح البصر، ولم يكن النبي، (ص)، قد دعاهم إلى رؤيته، ولا نبههم على","part":2,"page":43},{"id":339,"text":"ذلك سوى من رآه من النفر اليسير.\rولهذا، فإنه كم من أمر مهول يقع في الليل، من زلزلة أو صاعقة أو ريح عاصف أو انقضاض شهاب عظيم، ولا يشعر به سوى الآحاد.\rوهذا، بخلاف القرآن، فإنه كان، (ص)، يردده بين الخلق في جميع عمره، فلم يبق أحد من الجمع العظيم في زمانه إلا وقد علمه وشاهده.\rفلذلك، استحال\rتواطؤهم على عدم نقله.\rوأما دخول مكة، فقد نقله الجمع الكثير، وهو مستفيض مشهور، أنه دخلها عنوة متسلحا بالالوية والاعلام على سبيل القهر والغلبة، مع بذل الامان لمن ألقى سلاحه، واعتصم بالكعبة ودار أبي سفيان.\rوإنما خالف بعض الفقهاء لما اشتبه عليه ذلك بأداء دية من قتله خالد بن الوليد.\rولا يبعد ظن ذلك من الآحاد","part":2,"page":44},{"id":340,"text":"وأما تثنية الاقامة وإفرادها، فإنما اختلفوا فيه لاحتمال أن المؤذن كان يفرد تارة، يثني أخرى، فنقل كل بعض ما سمعه، وأهمل الباقي لعلمه بأنه من الفروع المتسامح فيها، وهو الجواب عن الجهر بالتسمية ورفع اليدين في الصلاة.\rوأما إفراد النبي وقرانه في الحج، فإنما نقله الآحاد، لان ذلك مما يتعلق بالنية، وليس ذلك مما يجب ظهوره ومناداة النبي (ص) به.\rوأما نكاحه ميمونة، وهو حرام، فليس ذلك أيضا مما يجب إظهاره، بل جاز أن يكون قد وقع ذلك بمحضر جماعة يسيرة.\rفلذلك انفرد به الآحاد.\rوهو الجواب عن قبول شهادة الاعرابي وحده.\rالمسألة السادسة مذهب الاكثرين جواز التعبد بخبر الواحد العدل عقلا، خلافا للجبائي وجماعة من المتكلمين.\rودليل جوازه عقلا أنا، لو فرضنا ورود الشارع بالتعبد بالعمل بخبر الواحد إذا غلب على الظن صدقه، لم يلزم عنه لذاته محال في العقل، ولا معنى للجائز العقلي سوى ذلك.\rوغاية ما يقدر في اتباعه احتمال كونه كاذبا أو مخطئا.\rوذلك لا يمنع من التعبد به، بدليل اتفاقنا على التعبد بالعمل بقول المفتي، والعمل بقول الشاهدين، مع احتمال الكذب والخطإ على المفتي والشاهد فيما أخبرا به.\rفإن قيل: وإن سلمنا أنه لو ورد الشرع بذلك لم يلزم عنه لذاته محال، وأنه\rليس محالا لذاته عقلا، لكنه محال عقلا باعتبار أمر خارج عن ذاته، وذلك لان","part":2,"page":45},{"id":341,"text":"التكاليف مبنية على المصالح ودفع المفاسد، فلو تعبدنا باتباع خبر الواحد والعمل به، فإذا أخبر بخبر عن رسول الله بسفك دم واستحلال بضع محرم، مع احتمال كونه كاذبا، فلا يكون في العمل بمقتضى قوله مصلحة بل محض مفسدة، وهو خلاف وضع الشرع.\rولهذا، امتنع ورود التعبد بالعمل بخبر الفاسق والصبي، فيما يتعلق بالاحكام الشرعية إجماعا.\rوأما ما ذكرتموه من التعبد بالعمل بقول الشاهدين، فالفرق بين الشهادة والخبر من ثلاثة أوجه: الاول: أن الشهادة إنما تقبل فيما يجوز فيه الصلح، ولا كذلك الخبر عن الله تعالى والرسول.\rفكانت المفسدة في الشهادة أبعد.\rالثاني: أن الخبر يقتضي إثبات شرع بخلاف الشهادة.\rالثالث: هو أن الحكم عند الشهادة إنما يثبت بدليل قاطع وهو الاجماع والشهادة شرط، لا مثبت، بخلاف خبر الواحد، فإنه عندكم دليل مثبت للحكم الشرعي.\rثم وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على جواز التعبد بخبر الواحد إلا أنه معارض بما يدل على نقيضه.\rوبيانه من جهة المنقول، والمعقول.\rأما المنقول، فقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (17) الاسراء: 36) وقوله تعالى: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (2) البقرة: 169) وقوله تعالى: * (وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (10) يونس: 36).\rوأما المعقول، فمن أربعة أوجه: الاول: أنه لو جاز ورود التعبد بقبول خبر الواحد في الاحكام الشرعية عن الرسول عند ظننا بصدقه، لاحتمال كونه مصلحة، لجاز ورود التعبد بقبول خبر الواحد عن الله تعالى بالاحكام الشرعية، وذلك دون اقتران المعجزة بقوله محال\rالثاني: أنه لو جاز ورود التعبد بخبر الواحد في الفروع، لجاز ورود التعبد به في","part":2,"page":46},{"id":342,"text":"الاصول، وليس كذلك.\rالثالث: أنه لو جاز التعبد بقبول خبر الواحد، لجاز التعبد به في نقل القرآن، وهو محال.\rالرابع: أن أخبار الآحاد قد تتعارض، فلو ورد التعبد بالعمل بها، لكان واردا بالعمل بما لا يكن العمل به ضرورة التعارض، وهو ممتنع على الشارع.\rوالجواب عن السؤال الاول من وجهين: الاول أنه مبني على وجوب رعاية المصالح في أحكام الشرع وأفعاله، وهو غير مسلم على ما عرفناه في الكلاميات.\rالثاني أن ما ذكروه منتقض بورود التعبد بقبول شهادة الشهود وقول المفتي وما ذكروه من الفروق فباطلة.\rأما الفرق الاول فمن وجهين: الاول أنه لا يطرد في الاخبار المتعلقة بأنواع المعاملات.\rالثاني أنه ينتقض بالشهادة فيما لا يجري فيه الصلح، كالدماء والفروج.\rوأما الفرق الثاني فمن جهة أن الخبر كما يستلزم إثبات أمر شرعي، كالشهادة على القتل والسرقة وغير ذلك، يستلزم إثبات أمر شرعي، وهو وجوب القتل والقطع.\rوأما الثالث، فمن جهة أنه لا فرق بين الخبر والشهادة من حيث إنه لا بد عند الشهادة من دليل يوجب العمل بها، كما في العمل بالخبر.\rوأما المعارضة بالآيات، فجوابها من وجهين:","part":2,"page":47},{"id":343,"text":"الاول أنا نقول بموجبها، وذلك أن العمل بخبر الواحد ووجوب اتباعه إنما هو بدليل مقطوع به مفيد للعلم بذلك، وهو الاجماع.\rالثاني أنه لازم على الخصوم في اعتقادهم امتنا التعبد بخبر الواحد، إذ هو غير معلوم بدليل قاطع، بل غايته أن يكون مظنونا لهم.\rفالآيات مشتركة الدلالة، فكما تدل على امتناع اتباع خبر الواحد، تدل على امتناع القول بعدم اتباعه.\rوإذا تعارضت جهات الدلالة فيها، امتنع العمل بها، وسلم لنا ما ذكرناه.\rوعلى هذا، نقول بجواز ورود التعبد بقبول خبر الفاسق والصبي عقلا، إذا غلب على الظن صدقه، وإن كان ذلك غير واقع.\rوما ذكروه من المعارضات العقلية، فجوابها من وجهين: أحدهما عام للكل، والثاني خاص بكل واحد منها.\rأما العام فهو أن ما ذكروه إلزاما علينا في خبر الواحد، فهو لازم عليهم في ورود التعبد بقبول قول الشاهدين والمفتي، فما هو جوابهم عنه يكون جوابا لنا في خبر الواحد.\rوأما ما يخص كل معارضة: أما الاولى، فالجواب عنها من وجهين: الاول هو أن دعوى الواحد للرسالة ونزول الوحي إليه من أندر الاشياء فإذا لم يقترن بدعواه ما يوجب القطع بصدقه فلا يتصور حصول الظن بصدقه،","part":2,"page":48},{"id":344,"text":"بل الذي يجزم به إنما هو كذبه.\rونحن وإن قلنا بجواز ورود التعبد بخبر من يغلب على الظن صدقه، فقد لا نسلم جواز ورود التعبد بقول من غلب على الظن كذبه.\rالثاني هو أنا إذا جوزنا ورود التعبد بخبر الواحد فوجوب العمل به لا بد وأن يستند إلى دليل قاطع من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا كذلك المدعي للرسالة، إذا لم تقترن بقوله معجزة تدل على وجوب العمل بقوله.\rفإن قيل: فلو بعث رسول، وظهرت المعجزة القاطعة الدالة على صدقه، ثم قال مهما أخبركم إنسان بأن الله تعالى أرسله بشريعة، وظننتم صدقه، فاعملوا بقوله،\rفقد استند وجوب العمل بقوله إلى دليل قاطع، وهو قول النبي الصادق.\rومع ذلك، فإنه لا يجوز.\rقلنا: لا نسلم، مع فرض هذا التقدير، أنه لا يجوز الاخذ بقوله: ثم الفرق بين الامرين هو أن المفسدة اللازمة من قبول قول المدعي للرسالة من غير معجزة أعظم من مفسدة قبول خبر الواحد في الاحكام الشرعية.\rوذلك، لان رئاسة النبوة أعظم من كل رئاسة، ورتبتها أعلى من كل رتبة، فلو ورد التعبد باتباع كل مدع للرسالة إذا غلب على الظن صدقه من غير معجزة دالة على صدقه، فما من أحد من الناس إلا وقد يسلك المسالك المغلبة على الظن صدقه، ويتوخى من الافعال والاقوال ما تظهر به عدالته، طمعا في نيل مثل هذه الرئاسة العظمى بمجرد دعواه.\rوذلك يفضي إلى أن كل واحد يدعي نسخ شريعة الآخر ورفعها على قرب من الزمان، ولا يخفى ما في ذلك من المفسدة التي لا تحقق لمثلها في خبر الواحد.","part":2,"page":49},{"id":345,"text":"وأما المعارضة الثانية: فجوابها أن المعتبر في الاصول القطع واليقين، ولا قطع في خبر الواحد، بخلاف الفروع، فإنها مبنية على الظنون.\rوأما المعارضة الثالثة: فجوابها أن القرآن معجزة الرسول الدالة على صدقه، ولا بد وأن يكون طريق إثباته قاطعا، وخبر الواحد ليس بقاطع، بخلاف أحكام الشرع، فإن ما يثبت منها بخبر الواحد ظنية غير قطعية.\rوأما المعارضة الرابعة: فجوابها أن التعارض بين الخبرين لا يمنع من العمل بما يرجح منها.\rوبتقدير عدم الترجيح مطلقا، فقد يمكن أن يقال التخيير بينهما، على ما هو مذهب الشافعي.\rوبتقدير امتناع التخيير، فغايته امتناع ورود التعبد بمثل الاخبار التي لا يمكن العمل بها، ولا يلزم منه امتناع ورود التعبد بما أمكن العمل بمقتضاه.","part":2,"page":50},{"id":346,"text":"المسألة السابعة الذين قالوا بجواز التعبد بخبر الواحد عقلا اختلفوا في وجوب العمل به: فمنهم من نفاه، كالقاساني والرافضة وابن داود.\rومنهم من أثبته.\rوالقائلون بثبوته اتفقوا على أن أدلة السمع دلت عليه، واختلفوا في وجوب وقوعه بدليل العقل: فأثبته أحمد بن حنبل والقفال وابن سريج من أصحاب الشافعي، وأبو الحسين البصري من المعتزلة، وجماعة كثيرة.\rونفاه الباقون.\rوفصل أبو عبد الله البصري بين الخبر الدال على ما يسقط بالشبهة، وما لا يسقط بها: فمنع منه في الاول، وجوزه في الثاني.\rفأما من قال بكونه حجة فقد احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من ذكرها، والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار.\rالحجة الاولى: من جهة المعقول، وهي ما اعتمد عليها أبو الحسين البصري وجماعة من المعتزلة، وهي أنهم قالوا: العقلاء يعلمون وجوب العلم بخبر الواحد في العقليات، ولا يجوز أن يعلموا وجوب ذلك إلا وقد علموا علة وجوبه، ولا علة لذلك سوى أنهم ظنوا بخبر الواحد تفصيل جملة معلومة بالعقل.\rوبيان ذلك أنه قد علم بالعقل وجوب التحرز من المضار وحسن اجتلاب المنافع.\rفإذا ظننا صدق من أخبرنا بمضرة، يلزمنا أن لا نشرب الدواء الفلاني، وأن لا نفصد، وأن لا نقوم من تحت حائط مستهدم، فقد ظننا تفصيلا لما علمناه جملة من وجوب التحرز عن المضار.\rوبيان أن العلة للوجوب ما ذكره دورانها معها وجودا وعدما، وذلك بعينه موجود في خبر الواحد في الشرعيات، فوجب العمل به.\rوذلك، لانا قد علمنا في","part":2,"page":51},{"id":347,"text":"الجملة وجوب الانقياد للنبي، (ص)، فيما يخبرنا به من مصالحنا ودفع المضار عنا فإذا ظننا بخبر الواحد أن النبي، (ص)، قد دعانا إلى الانقياد له في فعل أخبر أنه مصلحة وخلافه مضرة، فقد ظننا تفصيل ما علمناه في الجملة، فوجب العمل به.\rولقائل أن يقول: أما أولا، فلا نسلم وجوب العمل بخبر الواحد في العقليات، بل غايته إذا ظننا صدقه أن يكون العمل بخبره أولى من تركه.\rوكون الفعل أولى من الترك أمر أعم من الواجب لشموله للمندوب فلا يلزم منه الوجوب.\rسلمنا أن العمل بخبره واجب في العقليات، ولكن لا نسلم أن علة الوجوب ما ذكرتموه.\rوما ذكرتموه من الدوران فلا يدل على أن المدار علة للدائر، لجواز أن تكون علة الوجوب غير ما ذكرتموه من ظن تفصيل جملة معلومة بالعقل، وذلك بأن تكون العلة معنى ملازما لما ذكرتموه، لا نفس ما ذكرتموه.\rولا يلزم من التلازم بينهما في العقليات التلازم بينهما في الشرعيات بجواز أن يكون ذلك التلازم في العقليات اتفاقيا.\rوإن سلمنا أن علة الوجوب ما ذكرتموه، لكن لا يلزم أن يكون ذلك علة في الشرعيات، لجواز أن يكون خصوص ما ظن تفصيل جملته في العقليات داخلا في التعليل، وتلك الخصوصية غير محققة في الشرعيات سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أنه علة بجهة عمومه، لكن قطعا أو ظنا: الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rغير أنه منقوض بخبر الفاسق والصبي، إذا غلب على الظن صدقه.\rفإن ما ذكرتموه من الوصف الجامع متحقق فيه وقد انعقد الاجماع على أنه لا يجب العمل به في","part":2,"page":52},{"id":348,"text":"الشرعيات.\rسلمنا عدم الانتقاض، لكن غاية ما ذكرتموه أنه استعمال لقياس ظني في إفادة كون خبر الواحد حجة في الشرعيات مع كونه أصلا من أصول الفقه، وإنما\rيصح ذلك أن لو لم يكن التعبد في إثبات مثل ذلك بالطرق اليقينية، وهو غير مسلم.\rالحجة الثانية: أنهم قالوا: صدق الواحد في خبره ممكن فلو لم يعمل به، لكنا تاركين لامر الله تعالى وأمر رسوله، وهو خلاف ما يقتضيه الاحتياط.\rولقائل أن يقول: صدق الراوي، وإن كان ممكنا وراجحا، فلم قلتم بوجوب العمل به والاحتياط بالاخذ بقوله.\rوإن كان مناسبا، ولكن لا بد له من شاهد بالاعتبار، ولا شاهد له سوى خبر التواتر، وقول الواحد في الفتوى والشهادة ولا يمكن القياس على الاول، لان ذلك مفيد للعلم، ولا يلزم من إفادته للوجوب إفادة الخبر الظني له، ولا يمكن قياسه على الثاني وذلك، لان براءة الذمة معلومة، وهي الاصل.\rوغاية قول الشاهد والمفتي، إذا غلب على الظن صدقه مخالفة البراءة الاصلية بالنظر إلى شخص واحد، ولا يلزم من العمل بخبر الشاهد والمفتي مع مخالفته للبراءة الاصلية بالنظر إلى شخص واحد العمل بخبر الواحد المخالف لبراءة الذمة، بالنظر إلى جميع الناس وإن سلمنا صحة القياس، فغايته أنه مفيد لظن الالحاق، وهو غير معتبر في إثبات الاصول، كما تقدم في","part":2,"page":53},{"id":349,"text":"الحجة التي قبلها كيف وأنه منقوض بخبر الفاسق والصبي، إذا غلب على الظن صدقه.\rالحجة الثالثة: أنهم قالوا إذا وقعت واقعة، ولم يجد المفتي سوى خبر الواحد، فلو لم يحكم به لتعطلت الواقعة عن حكم الشارع، وذلك ممتنع.\rولقائل أن يقول: خلو الواقعة عن الحكم الشرعي، إنما يمتنع مع وجود دليله، وأما مع عدم الدليل، فلا.\rولهذا، فإنه لو لم يظفر المفتي في الواقعة بدليل ولا خبر\rالواحد، فإنه لا يمتنع خلو الواقعة عن الحكم الشرعي والمصير إلى البراءة الاصلية.\rوعلى هذا، فامتناع خلو الواقعة عن الحكم الشرعي عند الظفر بخبر الواحد يتوقف على كون خبر الواحد حجة ودليلا، وكونه حجة يتوقف على امتناع خلو الواقعة مع وجوده عن الحكم، وهو دور ممتنع.\rكيف وإنا لا نسلم خلو الواقعة عن الحكم الشرعي، فإن حكم الله تعالى في حق المكلف عند عدم الادلة.\rالمقتضية لاثبات الحكم الشرعي نفي ذلك الحكم ومدركه شرعي فإن انتفاء مدارك الشرع بعد ورود الشرع مدرك شرعي لنفي الحكم.","part":2,"page":54},{"id":350,"text":"الحجة الرابعة: أنه لو لم يكن خبر الواحد واجب القبول، لتعذر تحقيق بعثة الرسول إلى كل أهل عصره، وذلك ممتنع.\rوبيان ذلك أنه لا طريق إلى تعريف أهل عصره إلا بالمشافهة أو الرسل، ولا سبيل له إلى المشافهة للكل لتعذره.\rوالرسالة منحصرة في عدد التواتر والآحاد.\rوالتواتر إلى كل أحد متعذر.\rفلو لم يكن خبر الواحد مقبولا، لما تحقق معنى التبليغ والرسالة إلى جميع الخلق فيما أرسل به، وهو محال مخالف لقوله تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) النحل: 44).\rولقائل أن يقول: إنما يمتنع ذلك، أن لو كان التبليغ إلى كل من في عصره واجبا، وأن كل من في عصره مكلف بما بعث به، وليس كذلك، بل إنما هو مكلف بالتبليغ إلى من يقدر على إبلاغه إما بالمشافهة أو بخبر التواتر.\rوكذلك كل واحد من الامة إنما كلف بما أرسل به الرسول إذا علمه.\rوإما مع عدم علمه به، فلا.\rولهذا، فإن من كان في زمن الرسول في البلاد النائية والجزائر المنقطعة، ولا سبيل إلى إعلامه، فإن النبي، (ص)، لم يكن مكلفا بتبليغه، ولا ذلك الشخص كان مكلفا بما أرسل به.\rالحجة الخامسة: قالوا: قد ثبت أن مخالفة أمر الرسول سبب لاستحقاق العقاب، فإذا أخبر الواحد بذلك عن الرسول وغلب على الظن صدقه، فإما أن يجب العمل بالاحتمال\rالراجح والمرجوح معا، أو تركهما معا، أو العمل بالمرجوح دون الراجح، أو بالعكس: بالاحتمال لا سبيل إلى الاول والثاني والثالث، لانه محال فلم يبق سوى الرابع وهو المطلوب.\rولقائل أن يقول: ما المانع من القول بأنه لا يجب العمل بقوله، ولا يجب تركه، بل هو جائز الترك ؟ والقول بأن مخالفة أمر الرسول موجبة لاستحقاق العقاب مسلم فيما علم فيه","part":2,"page":55},{"id":351,"text":"أمر الرسول وأما مع عدم العلم به، فهو محل النزاع.\rهذا ما قيل من الحجج العقلية.\rوأما ما قيل من الحجج النقلية الواهية، فمنها قوله تعالى: * (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * (9) التوبة: 122) ووجه الاحتجاج بها أن الله تعالى أوجب الانذار على كل طائفة من فرقة خرجت للتفقه في الدين عند رجوعهم إلى قومهم، بقوله تعالى: * (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) * (9) التوبة: 122) أمر بالانذار، والانذار هو الاخبار والامر للوجوب.\rوإنما أمر بالانذار طلبا للحذر بدليل قوله تعالى: * (لعلهم يحذرون) * (9) التوبة: 122) و (لعل) ظاهرة في الترجي، وهو مستحيل في حق الله تعالى، فتعين حمل ذلك على ما هو ملازم للترجي، وهو الطلب، فكان الامر بالانذار طلبا للتحذير، فكان أمرا بالتحذير فكان الحذر واجبا.\rوإذا ثبت أن إخبار كل طائفة موجب للحذر، فالمراد من لفظ الطائفة إنما هو العدد الذي لا ينتهي إلى حد التواتر.\rوبيانه من ثلاثة أوجه: الاول: أن لفظ (الطائفة) قد يطلق على عدد لا ينتهي إلى حد التواتر، كالاثنين والثلاثة، وعلى العدد المنتهي إلى حد التواتر، والاصل في الاطلاق الحقيقة، ويجب اعتقاد اتحاد المسمى، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ.\rوالقدر المشترك لا يخرج عن العدد القليل وما لازمه، فكان هو المسمى.","part":2,"page":56},{"id":352,"text":"الثاني: أن الثلاثة فرقة، فالطائفة الخارجة منها إما واحد أو اثنان.\rالثالث: أنه لا يخلو إما أن يكون المراد من لفظ (الطائفة) التي وجب عليها الخروج للتفقه والانذار العدد الذي ينتهي إلى حد التواتر، أو ما دونه، لا جائز أن يقال بالاول، وإلا لوجب على كل طائفة وأهل بلدة، إذا كان ما دونهم لا ينتهون إلى حد التواتر أن يخرجوا بأجمعهم للتفقه والانذار، وذلك لا قائل به، في عصر النبي، ولا في عصر من بعده فلم يبق غير الثاني.\rوإذا ثبت أن إخبار العدد الذي لا ينتهي إلى حد التواتر حجة موجبة في هذه الصورة، لزم أن يكون حجة في غيرها ضرورة أن لا قائل بالفرق، وذلك هو المطلوب ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه أوجب الانذار على كل طائفة كما ذكرتموه.\rوصيغة قوله (لينذروا) لا نسلم أنها للامر.\rوإن كانت للامر، فلا نسلم للوجوب على ما يأتي.\rسلمنا أنها للوجوب، ولكن لا نسلم أن الانذار هو الاخبار، بل أمكن أن يكون المراد به التخويف من فعل شئ أو تركه، بناء على العلم بما فيه من المصلحة أو المفسدة.\rوالتخويف خارج عن الاخبار.","part":2,"page":57},{"id":353,"text":"سلمنا أن المراد به الاخبار، ولكن أمكن أن يكون ذلك بطريق الفتوى في الفروع والاصول، ونحن نقول به.\rسلمنا أن المراد به الاخبار عن الرسول بما سمع عنه ومنه، ولكن لا نسلم أنه يلزم من إيجاب الاخبار بذلك إيجاب الحذر على من أخبر.\rقولكم يجب حمل قوله تعالى: (لعل) على طلب الحذر، لكونه ملازما للترجي.\rقلنا: الطلب الملازم للترجي الطلب الذي هو بمعنى ميل النفس، أو بمعنى الامر.\rالاول مسلم، ولكنه مستحيل في حق الله تعالى.\rوالثاني ممنوع.\rوإذا لم يكن الحذر مأمورا\rبه لا يكون واجبا.\rومع تطرق هذه الاحتمالات، فالاستدلال بالآية على كون خبر الواحد حجة في الشرعيات غير خارج عن باب الظنون فيما هو من جملة الاصول.\rوالخصم مانع لصحته.\rومنها قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا، إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا) * (49) الحجرات: 6) ووجه الاحتجاج بهذه الآية من وجهين: الاول: أنه علق وجوب التثبت على خبر الفاسق، فدل على أن خبر غير الفاسق بخلافه، وذلك إما أن يكون بالجزم برده أو بقبوله، لا جائز أن يقال الاول، وإلا كان خبر العدل أنزل درجة من خبر الفاسق، وهو محال فلم يبق غير الثاني.\rوهو المطلوب.\rالثاني: أن سبب نزول هذه الآية أن النبي (ص)، بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط ساعيا إلى قوم، فعاد وأخبر","part":2,"page":58},{"id":354,"text":"النبي، (ص)، أن الذين بعثه إليهم قد ارتدوا، وأرادوا قتله، فأجمع النبي، (ص)، على غزوهم وقتلهم.\rوذلك حكم شرعي.\rوكان النبي قد أراد العمل فيه بخبر الواحد، ولو لم يكن جائزا لما أراده، ولا نكره الله تعالى عليه.\rوهذه الحجة أيضا ضعيفة: أما الوجه الاول: فلان الاستدلال بهذه الآية غير خارج عن مفهوم المخالفة، وسنبين أنه ليس بحجة، وإن كان حجة، لكنه حجة ظنية، فلا يصح الاستدلال به في باب الاصول.\rوأما الوجه الثاني: فمن وجهين: الاول لا نسلم أن النبي أجمع على قتلهم وقتالهم بخبر الوليد بن عقبة، فإنه قد روي أنه بعث خالد بن الوليد وأمره بالتثبت في أمرهم، فانطلق حتى أتاهم ليلا، فبعث عيونه، فعادوا إليه، وأخبروه بأنهم على الاسلام، وأنهم سمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا، أتاهم خالد بن الوليد، ورأى ما يعجبه منهم، فرجع إلى النبي، وأخبره بذلك.\rالثاني: أن ما ذكروه من سبب النزول من أخبار الآحاد، فلا يكون حجة في\rالاصول.\rومنها قوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس) * (2) البقرة: 143) ووجه الحجة من ذلك أن المخبر بخبر لنا عن الرسول شاهد على الناس، ولا يجوز أن يجعله الله شاهدا على الناس، وهو غير مقبول القول.\rولقائل أن يقول: الآية خطاب مع الامة لا مع الآحاد، فلا تكون حجة في محل النزاع.\rومنها قوله تعالى: * (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) * (2) البقرة: 159) الآية.\rووجه الحجة بها أن الله تعالى توعد على كتمان الهدى، وذلك يدل على إيجاب إظهار الهدى، وما يسمعه الواحد من النبي، (ص)، فهو من الهدى.\rفيجب عليه إظهاره.\rفلو لم يجب علينا قبوله، لكان الاظهار كعدمه، فلا يجب.","part":2,"page":59},{"id":355,"text":"ولقائل أن يقول: يحتمل أن يكون المراد من قوله: * (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) * (2) البقرة: 159) العدد الذي تقوم به الحجة، ويحتمل أنه أراد به ما دون ذلك.\rوبتقدير إرادة ما دون ذلك، فيحتمل أن يكون المراد بما أنزل من البينات والهدى الكتاب العزيز، وهو الظاهر المتبادر إلى الفهم منه عند الاطلاق، وبتقدير أن يكون المراد به كل ما أنزل على الرسول حتى السنة، فغاية التهديد على كتمان ذلك الدلالة على وجوب إظهار ما سمع من الرسول على من سمعه.\rوليس في ذلك ما يدل على وجوب قبوله على من بلغه على لسان الآحاد.\rولهذا، فإنه بمقتضى الآية يجب على الفاسق إظهار ما سمعه، وإن كان لا يجب على سامعه قبوله.\rوذلك، لانه من المحتمل أن يكون وجوب الاظهار على كل واحد واحد، حتى يتألف من خبر المجموع التواتر المفيد للعلم.\rومع ذلك كله، فدلالة الآية على وجوب قبول خبر الواحد ظنية، فلا تكون حجة في الاصول لما سبق.\rومنها قوله تعالى: * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * (16) النحل: 43) أمر بسؤال أهل الذكر، والامر للوجوب، ولم يفرق بين المجتهد وغيره.\rوسؤال المجتهد لغيره","part":2,"page":60},{"id":356,"text":"منحصر في طلب الاخبار بما سمعه دون الفتوى، ولو لم يكن القبول واجبا، لما كان السؤال واجبا ولقائل أن يقول: لا نسلم أن قوله فاسألوا صيغة أمر وإن كانت أمرا، فلا نسلم أنها للوجوب، كما يأتي.\rوإن كانت للوجوب، فيحتمل أن يكون المراد من أهل الذكر أهل العلم، وأن يكون المراد من المسؤول عنه الفتوى.\rوبتقدير أن يكون المراد السؤال عن الخبر، فيحتمل أن يكون المراد من السؤال العلم بالمخبر عنه، وهو الظاهر، وذلك، لانه أوجب السؤال عند عدم العلم.\rفلو لم يكن المطلوب حصول العلم بالسؤال، لكان السؤال واجبا بعد حصول خبر الواحد، لعدم حصول العلم بخبره، فإنه لا يفيد غير الظن.\rوذلك يدل على أن العمل بخبر الواحد غير واجب، لانه لا قائل بوجوب العمل بخبره مع وجوب السؤال عن غيره.\rوإذا كان المطلوب إنما هو حصول العلم من السؤال، فذلك إنما يتم بخبر التواتر، لا بما دونه.\rوإن سلمنا أن السؤال واجب على الاطلاق، فلا يلزم أن يكون العمل بخبر الواحد واجبا، بدليل ما ذكرناه في الحجة المتقدمة.","part":2,"page":61},{"id":357,"text":"وبتقدير دلالة ذلك على وجوب القبول لكنها دلالة ظنية، فلا يحتج بها في الاصول.\rومنها قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا، كونوا قوامين بالقسط، شهداء لله) * (4) النساء: 135) أمر بالقيام بالقسط والشهادة لله، والامر للوجوب.\rومن أخبر عن الرسول بما سمعه منه، فقد قام بالقسط وشهد لله، فكان ذلك واجبا عليه، وإنما يكون ذلك واجبا إن لو كان القبول واجبا، وإلا كان وجود الشهادة كعدمها، وهو ممتنع.\rولقائل أن يقول: لا أسلم دلالة الآية على وجوب القيام بالقسط والشهادة لله على ما يأتي.\rوإن سلمنا دلالتها على وجوب ذلك، غير أنا نقول بموجب الآية، فإن الشهادة لله، والقيام بالقسط إنما يكون فيما يجوز العمل به.\rوأما ما لا يجوز العمل به فلا يكون قياما بالقسط، ولا شهادة لله.\rوعند ذلك، فيتوقف العمل بالآية في وجوب قبول خبر الواحد.\rعلى أنه قام بالقسط، وأنه شاهد لله وقيامه بالقسط وشهادته لله متوقف عل قبول خبره وجواز العمل به، وهو دور ممتنع.\rوإن سلمنا أنه شهد لله، وقام بالقسط، ولكن لا نسلم أنه واجب القبول، ودليله ما سبق وبتقدير دلالة الآية على وجوب القبول، ولكن لجهة الظن، فلا يصح.\rومنها ما اشتهر، واستفاض بالنقل المتواتر عن النبي، (ص) أنه كان ينفذ آحاد الصحابة إلى النواحي والقبائل والبلاد بالدعاء إلى الاسلام، وتبليغ الاخبار والاحكام، وفصل الخصومات، وقبض الزكوات ونحو ذلك، مع علمنا بتكليف المبعوث إليه بالطاعة والانقياد لقبول قول المبعوث إليهم، والعمل بمقتضى ما يقول، مع كون المنفذ من الآحاد.\rولو لم يكن خبر الواحد حجة، لما كان كذلك.","part":2,"page":62},{"id":358,"text":"ولقائل أن يقول: وإن سلمنا تنفيذ الآحاد بطريق الرسالة، والقضاء وأخذ الزكوات، والفتوى، وتعليم الاحكام، فلا نسلم وقوع تنفيذ الآحاد بالاخبار التي هي مدارك الاحكام الشرعية ليجتهدوا فيها، وذلك محل النزاع.\rسلمنا صحة التنفيد بالاخبار الدالة على الاحكام الشرعية، وتعريفهم إياها، ولكن لا نسلم أن ذلك يدل على كون خبر الواحد في ذلك حجة، بل جاز أن يكون ذلك لفائدة حصول العلم للمبعوث إليهم بما تواتر بضم خبر غير ذلك الواحد إليه.\rومع هذه الاحتمالات، فلا يثبت كون خبر الواحد حجة فيما نحن فيه.\rوقد أورد على هذه الحجة سؤالان آخران لا وجه لهما: الاول: أن النبي، (ص)، كما أنه كان ينفذ الآحاد لتبليغ الاخبار، كان ينفذهم لتعريف وحدانية الله تعالى، وتعريف الرسالة.\rفلو كان خبر الواحد حجة في الاخبار بالاحكام الشرعية، لكان حجة في تعريف التوحيد والرسالة، وهو خلاف الاجماع.\rالثاني: أن من الجائز أن يكون تنفيذ الآحاد بالاخبار عن أحكام شرعية كانت معلومة للمبعوث لهم قبل إرسال ذلك الواحد بها، كما أنهم علموا وجوب العمل بخبر الواحد قبل إرسال ذلك الواحد إليهم على أصلكم.","part":2,"page":63},{"id":359,"text":"والجواب: عن الاول أن إنفاذ الآحاد لتعريف التوحيد والرسالة لم يكن واجب القبول، لكونه خبر واحد، بل إنما كان واجب القبول من جهة ما يخبرهم به من الادلة العقلية، ويعرفهم من الدلائل اليقينية التي تشهد بصحتها عقولهم، ولا كذلك فيما يخبر به من الاخبار الدالة على الاحكام الشرعية.\rوعن الثاني أنهم لو كانوا عالمين بالاحكام الشرعية التي دل عليها خبر الواحد، لما احتيج إلى إرساله لتعريفهم لما قد عرفوه، لما فيه من تحصيل الحاصل.\rكيف وإن تعريف المعلوم بالخبر المظنون محال، وهذا بخلاف ما إذا علم كون خبر الواحد مما يجب العمل به في الجملة، فإن تنفيذ الواحد لا يعرف وجوب العمل بقوله بل إنما يعرف المخبر به على ما هو عليه، وذلك لم يكن معروفا قبل خبره، فكان تنفيذه لتعريف ذلك مفيدا.\rوالاقرب في هذه المسألة إنما هو التمسك بإجماع الصحابة.\rويدل على ذلك ما نقل عن الصحابة من الوقائع المختلفة الخارجة عن العد والحصر، المتفقة على العمل بخبر الواحد، ووجوب العمل به.\rفمن ذلك ما روي عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، أنه عمل بخبر المغيرة ومحمد بن مسلمة في ميراث الجدة، أن النبي أطعمها السدس، فجعل لها السدس ومن ذلك عمل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس، وهو قوله، (ص) سنوا بهم سنة أهل الكتاب وعمل أيضا بخبر حمل ابن مالك في الجنين، وهو قوله: كنت بين جاريتين لي (يعني ضرتين) فضربت إحداهما الاخرى بمسطح، فألقت جنينا ميتا، فقضى فيه رسول الله، (ص) بغرة، فقال عمر: لو لم نسمع بهذا، لقضينا فيه بغير هذا.\rوروي عنه أنه قال: كدنا نقضي فيه برأينا.\rوأيضا فإنه كان لا يرى توريث المرأة من دية زوجها، فأخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله، (ص) كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته فرجع إليه.","part":2,"page":64},{"id":360,"text":"وأيضا فإنه كان يرى في الاصابع نصف الدية، ويفاضل بينها، فيجعل في الخنصر ستة، وفي البنصر تسعة، وفي الوسطى والسبابة عشرة عشرة، وفي الابهام خمسة عشرة.\rثم رجع إلى خبر عمرو بن جزم أن في كل أصبع عشرة.\rومن ذلك عمل عثمان وعلي، رضي الله عنهما، بخبر فريعة بنت مالك في اعتداد المتوفى عنها زوجها في منزل زوجها، وهو أنها قالت: جئت إلى النبي (ص)، بعد وفاة زوجي أستأذنه في موضع العدة، فقال، (ص): امكثي حتى تنقضي عدتك.\rومن ذلك ما اشتهر من عمل علي، عليه السلام، بخبر الواحد وقوله، كنت إذا سمعت من رسول الله حديثا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني غيره، حلفته، فإذا حلف صدقته.\rومن ذلك عمل ابن عباس بخبر أبي سعيد الخدري في الربا في النقد، بعد أن كان لا يحكم بالربا في غير النسيئة.\rومن ذلك عمل زيد بن ثابت بخبر امرأة من الانصار\rأن الحائض تنفر بلا وداع.\rومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك أنه قال: كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة وأبي بن كعب شرابا من فضيخ التمر، إذ أتانا آت، فقال إن الخمر قد حرمت.\rفقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها.\rقال فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله، حتى تكسرت.\rومن ذلك عمل أهل قبا في التحول من القبلة بخبر الواحد أن القبلة قد نسخت فالتفتوا إلى الكعبة بخبره.\rومن ذلك ما روي عن ابن عباس أنه بلغه عن رجل أنه قال إن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، فقال ابن عباس: كذب عدو الله.\rأخبرني أبي بن كعب قال: خطبنا رسول الله، (ص)، ثم ذكر موسى والخضر بشئ يدل على أن موسى بني إسرائيل صاحب الخضر، فعمل بخبر أبي حتى كذب الرجل وسماه عدوا لله.","part":2,"page":65},{"id":361,"text":"ومن ذلك ما روي أنه لما باع معاوية شيئا من أواني ذهب وورق بأكثر من وزنه أنه قال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله، (ص)، ينهى عن ذلك.\rفقال له معاوية: لا أرى بذلك بأسا.\rفقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية، أخبره عن رسول الله، (ص) ويخبرني عن رأيه، لا أساكنك بأرض أبدا.\rومن ذلك عمل جميع الصحابة بما رواه أبو بكر الصديق من قوله: الائمة من قريش، ومن قوله الانبياء يدفنون حيث يموتون، ومن قوله: نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة.\rوعملهم بأجمعهم في الرجوع عن سقوط فرض الغسل بالتقاء الختانين بقول عائشة: فعلته أنا ورسول الله، (ص)، واغتلسنا.\rوعمل جميعهم بخبر رافع بن خديج في المخابرة.\rوذلك ما روي عن ابن عمر أنه قال: كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأسا، حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي، (ص) نهى عن ذلك، فانتهينا، وإلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى\rعددا، وكان ذلك شائعا ذائعا فيما بينهم من غير نكير.\rوعلى هذا جرت سنة التابعين، كعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجبير بن مطعم ونافع ابن جبير وخارجة بن زيد وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار وطاوس وعطاء بن مجاهد وسعيد بن المسيب وفقهاء الحرمين والمصرين (يعني الكوفة والبصرة) إلى حين ظهور المخالفين.\rفإن قيل: ما ذكرتموه من الاخبار في إثبات كون خبر الواحد حجة أخبار آحاد، وذلك يتوقف على كونها حجة، وهو دور ممتنع.","part":2,"page":66},{"id":362,"text":"سلمنا عدم الدور، ولكن لا نسلم أن الصحابة عملوا بها، بل من الجائز أنهم عملوا بنصوص متواترة أو بها مع ما اقترن بها من المقاييس، أو قرائن الاحوال، أو غير ذلك من الاسباب.\rسلمنا أنهم عملوا بها لا غير، لكن كل الصحابة أو بعضهم، الاول: ممنوع، ولا سبيل إلى الدلالة عليه، والثاني: مسلم، لكن لا حجة فيه.\rقولكم لم يوجد له نكير، لا نسلم ذلك.\rوبيانه من وجوه منها رد أبي بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة، حتى انضم إليه خبر محمد بن مسلمة.\rومنها رد أبي بكر وعمر خبر عثمان في إذن رسول الله (ص)، في رد الحكم ابن أبي العاص.\rومنها رد عمر خبر أبي موسى الاشعري في الاستيذان، وهو قوله: سمعت رسول الله، (ص)، يقول: إذا استأذن أحدكم على صاحبه ثلاثا فلم يؤذن له، فلينصرف حتى روى معه أبو سعيد الخدري.\rومنها رد علي، رضي الله عنه، خبر أبي سنان الاشجعي في المفوضة، وأنه كان لا يقبل خبر أحد، حتى يحلفه، سوى أبي بكر.\rومنها رد عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه.\rسلمنا عدم الرد والانكار ظاهرا، غير أن سكوت الباقين عن الانكار لا يدل على الموافقة لما سبق في مسائل الاجماع.\rسلمنا دلالة ذلك على الموافقة فيما تلقوه بالقبول، وعملوا بموجبه، أو مطلقا في كل خبر: الاول مسلم.\rوذلك، لان اتفاقهم عليه يدل على صحته قطعا، نفيا للخطإ عن الاجماع.\rوالثاني ممنوع.\rوعلى هذا فيمتنع الاستدلال بكل خبر لم يقبلوه.","part":2,"page":67},{"id":363,"text":"سلمنا دلالة ما ذكرتموه على كون خبر الواحد حجة.\rلكنه معارض بما يدل على أنه ليس بحجة.\rوبيانه من جهة المعقول، والمنقول: أما المنقول، فمن جهة الكتاب، والسنة: أما الكتاب، فقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (17) الاسراء: 36) وقوله تعالى: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (7) الاعراف: 33)، وقوله تعالى: * (إن يتبعون إلا الظن) * (53) النجم: 23) ذكر ذلك في معرض الذم والعمل بخبر الواحد عمل بغير علم وبالظن، فكان ممتنعا.\rوأما السنة، فما روي عن النبي (ص)، أنه توقف في خبر ذي اليدين حين سلم النبي (ص)، عن اثنتين وهو قوله أقصرت الصلاة أم نسيت حتى أخبر أبو بكر وعمر ومن كان في الصف بصدقه، فأتم وسجد للسهو وأما المعقول فمن وجوه.\rالاول: أنه لو جاز التعبد بخبر الواحد، إذا ظن صدقه في الفروع، لجاز ذلك في الرسالة والاصول، وهو ممتنع.\rالثاني: أن الاصل براءة الذمة من الحقوق والعبادات وتحمل المشاق، وهو مقطوع به، فلا تجوز مخالفته بخبر الواحد مع كونه مظنونا.\rالثالث: أن العمل بخبر الواحد يفضي إلى ترك العمل بخبر الواحد، لانه ما من خبر إلا ويجوز أن يكون معه خبر آخر مقابل له.\rالرابع: أن قبول خبر الواحد تقليد لذلك الواحد، فلا يجوز للمجتهد ذلك، كما لا يجوز تقليده لمجتهد آخر.\rوالجواب: عن السؤال الاول أن ما ذكرناه من الاخبار، وإن كانت آحادها آحادا، فهي متواترة من جهة الجملة كالاخبار الواردة بسخاء حاتم، وشجاعة عنترة.\rوعن الثاني أنهم لو عملوا بغير الاخبار المروية، لكانت العادة تحيل تواطؤهم على عدم نقله، ولا سيما في موضع الاشكال وظهور استنادهم في العمل إلى ما ظهر","part":2,"page":68},{"id":364,"text":"من الاخبار.\rكيف والمنقول عنهم خلاف ذلك حيث قال عمر لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغير هذا وقول ابن عمر حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي (ص) نهى عن ذلك، فانتهينا وكذلك ما ظهر منهم من رجوعهم إلى خبر عائشة في التقاء الختانين إلى غير ذلك.\rوجدهم في طلب الاخبار، والسؤال عنها عند وقوع الوقائع دليل العمل بها.\rوعن الثالث أن عمل بعض الصحابة، بل الاكثر من المجتهدين منهم بأخبار الآحاد، مع سكوت الباقين عن النكير، دليل الاجماع على ذلك، كما سبق تقريره في مسائل الاجماع.\rوما رووه من الاخبار أو توقفوا فيه إنما كان لامور اقتضت ذلك من وجود معارض أو فوات شرط، لا لعدم الاحتجاج بها في جنسها، مع كونهم متفقين على العمل بها.\rولهذا، أجمعنا على أن ظواهر الكتاب والسنة حجة، وإن جاز تركها والتوقف فيها لامور خارجة عنها.\rوعن الرابع أن اتفاقهم على العمل بخبر الواحد إنما يوجب العلم بصدقه، أن\rلو لم يكونوا متعبدين باتباع الظن، وليس كذلك، بدليل تعبدهم باتباع ظواهر الكتاب والسنة المتواترة، والعمل بالقياس على ما يأتي.\rوإذا كان اتباعهم لخبر الواحد، لكونه ظنيا مضبوطا بالعدالة، كان خبر الواحد من تلك الجهة حجة معمولا بها ضرورة بالاتفاق عليه من تلك الجهة، وذلك يعم خبر كل عدل.\rوأما المعارضة بالآيات، فجوابها ما سبق في بيان جواز التعبد بخبر الواحد عقلا.\rوعن السنة، أنه، عليه السلام، إنما توقف في خبر ذي اليدين لتوهمه غلطه لبعد انفراده بمعرفة ذلك دون من حضره من الجمع الكثير.\rومع ظهور أمارة الوهم في خبر الواحد يجب التوقف فيه، فحيث وافقه الباقون على ذلك، ارتفع حكم الامارة الدالة على وهم ذي اليدين، وعمل بموجب خبره.\rكيف وإن","part":2,"page":69},{"id":365,"text":"عمل النبي (ص)، بخبر أبي بكر وعمر وغيرهما، مع خبر ذي اليدين، عمل بخبر لم ينته إلى حد التواتر، وهو موضع النزاع.\rوفي تسليمه تسليم المطلوب.\rوعن المعارضة الاولى من المعقول أنها منتقضة بخبر الواحد في الفتوى والشهادة.\rكيف والفرق حاصل.\rوذلك أن المشترط في إثبات الرسالة والاصول الدليل القطعي، فلم يكن الدليل الظني معتبرا فيها، بخلاف الفروع.\rوعن الثانية من وجهين: الاول: أن براءة الذمة غير مقطوع بها بعد الوجود والتكليف في نفس الامر، بل الشغل محتمل، وإن لم يظهر لنا سبب الشغل، فمخالفة براءة الذمة بخبر الواحد لا يكون رفع مقطوع بمظنون.\rالثاني: أنه منتقض بالشهادة والفتوى.\rوعن الثالث أن تجويز وجود خبر معارض للخبر الذي ظهر لا يمنع من الاحتجاج به، وإلا لما ساغ التمسك بدليل من ظواهر الكتاب والسنة المتواترة،\rلانه ما من واحد منها إلا ويجوز ورود ناسخ له أو مخصص له، بل ولما جاز التمسك بدليل مستنبط معارض له، ولما ساغ أيضا للقاضي الحكم بشهادة الشاهدين، ولا للعامي الاخذ بفتوى المجتهد له، لجواز وجود ما يعارضه وذلك خلاف الاجماع.\rوعن الرابع أنه إنما لم يجز تقليد العالم للعالم، لاستوائهما في درجة الاجتهاد، وليس تقليد أحدهما للآخر أولى من العكس، ولا كذلك المجتهد مع الراوي، فإنهما لم يستويا في معرفة ما استبد بمعرفته الراوي من الخبر فلذلك وجب عليه تقليده فيما رواه.\rوبالجملة فالاحتجاج بمسلك الاجماع في هذه المسألة غير خارج عن مسالك الظنون، وإن كان التمسك به أقرب مما سبق من المسالك.","part":2,"page":70},{"id":366,"text":"وعلى هذا، فمن اعتقد كون المسألة قطعية، فقد تعذر عليه النفي والاثبات، لعدم مساعدة الدليل القاطع على ذلك.\rومن اعتقد كونها ظنية، فليتمسك بما شاء من المسالك المتقدمة.\rوالله أعلم بالصواب.\rالقسم الثاني في شرائط وجوب العمل بخبر الواحد وما يتشعب عنها من المسائل أما الشروط فمنها ما لا بد منها، ومنها ما ظن أنها شروط وليست كذلك.\rأما الشروط المعتبرة فهي أربعة: الشرط الاول: أن يكون الراوي مكلفا.\rوذلك لان من لا يكون مكلفا، إما أن يكون بحيث لا يقدر على الضبط والاحتراز فيما يتحمله ويؤديه، كالمجنون والصبي غير المميز فلا تقبل روايته، لتمكن الخلل فيها.\rوإما أن يكون بحيث يقدر على الضبط والمعرفة، كالصبي المميز والمراهق الذي لم يبق بينه وبين البلوغ سوى الزمان اليسير، فلا تقبل روايته لا لعدم ضبطه، فإنه قادر عليه متمكن منه، ولا لما قيل من أنه لا يقبل إقراره على نفسه، فلا يقبل قوله على غيره بطريق الاولى، لانه منتقض بالعبد وبالمحجور عليه، فإنه لا يقبل إقراره على نفسه وروايته مقبولة بالاجماع، بل لانا أجمعنا على عدم قبول رواية الفاسق، لاحتمال كذبه، مع أنه يخاف الله تعالى، لكونه مكلفا فاحتمال الكذب من الصبي مع أنه لا يخاف الله تعالى لعدم تكليفه يكون أظهر","part":2,"page":71},{"id":367,"text":"من احتمال الكذب في حق الفاسق، فكان أولى بالرد ولا يلزم من قبول قوله في إخباره أنه متطهر، حتى إنه يصح الاقتداء به في الصلاة، مع أن الظن بكونه متطهرا شرط في صحة الاقتداء به وقبول روايته،، لان الاحتياط والتحفظ في الرواية أشد منه في الاقتداء به في الصلاة.\rولهذا، صح الاقتداء بالفاسق عند ظن طهارته، ولا تقبل روايته، وإن ظن صدقه ومن قال بقبول شهادة الصبيان فيما يجري بينهم من الجنايات فإنما كان اعتماده في ذلك على أن الجنايات فيما بينهم مما تكثر، وأن الحاجة ماسة إلى معرفة ذلك بالقرائن، وهي شهادتهم مع كثرتهم قبل تفرقهم.\rوليس ذلك جاريا على منهاج الشهادة ولا الرواية.\rوهذا بخلاف ما إذا تحمل الرواية قبل البلوغ، وكان ضابطا لها، وأداها بعد البلوغ وظهور رشده في دينه، فإنها تكون مقبولة، لانه لا خلل في تحمله ولا في أدائه ويدل على قبول روايته الاجماع، والمعقول.\rأما الاجماع فمن وجهين.\rالاول: أن الصحابة أجمعت على قبول رواية ابن عباس وابن الزبير والنعمان\rبن بشير وغيرهم من أحداث الصحابة مطلقا، من غير فرق بين ما تحملوه في حالة الصغر وبعد البلوغ.\rالثاني: إجماع السلف والخلف على إحضار الصبيان مجالس الحديث وقبول روايتهم لما تحملوه في حالة الصبا بعد البلوغ.\rوأما المعقول، فهو أن التحرز في أمر الشهادة أكثر منه في الرواية.\rولهذا اختلف في قبول شهادة العبد، والاكثر على ردها.\rولم يختلف في قبول رواية العبد، واعتبر العدد في الشهادة بالاجماع، واختلف في اعتباره في الرواية.\rوقد أجمعنا على أن ما تحمله الصبي من الشهادة قبل البلوغ، إذا شهد به بعد البلوغ قبلت شهادته.\rفالرواية أولى بالقبول.","part":2,"page":72},{"id":368,"text":"الشرط الثاني: أن يكون مسلما.\rوذلك، لان الكافر إما أن لا يكون منتميا إلى الملة الاسلامية، كاليهودي والنصراني ونحوه، أو هو منتم إليها كالمجسم.\rفإن كان الاول، فلا خلاف في امتناع قبول روايته، لا لما قيل من أن الكفر أعظم أنواع الفسق، والفاسق غير مقبول الرواية، فالكافر أولى، وذلك لان الفاسق إنما لم تقبل روايته لما علم من جرأته على فعل المحرمات مع اعتقاد تحريمها.\rوهذا المعنى غير متحقق في حق الكافر، إذا كان مترهبا عدلا في دينه، معتقدا لتحريم الكذب، ممتنعا منه حسب امتناع العدل المسلم.\rوإنما الاعتماد في امتناع قبول روايته على إجماع الامة الاسلامية على ردها سلبا لاهلية هذا المنصب الشريف عنه لخسته.\rوإن كان الثاني، فقد اختلفوا فيه: فمذهب أكثر أصحابنا، كالقاضي أبي بكر والغزالي والقاضي عبد الجبار\rمن المعتزلة، أنه مردود الرواية.\rوقال أبو الحسين البصري: إن كان ذلك فيمن اشتهر بالكذب والتدين به لنصرة مذهبه، فلا تقبل روايته لعدم الوثوق بصدقه، وإن كان متحرجا في مذهبه متحرزا عن الكذب حسب احتراز العدل عنه، فهو مقبول الرواية، لان صدقه ظاهر مظنون.\rوالمختار رده، لا لما قيل من إجماع الامة على رده، ولا لقياسه على الكافر الخارج عن الملة بواسطة اشتراكهما في الكفر المناسب لسلب أهلية هذا المنصب عنه، إذلالا له.","part":2,"page":73},{"id":369,"text":"أما الاول، فلان للخصم منع اتفاق الامة على رد قول الكافر مطلقا، ولا سبيل إلى الدلالة عليه، والقياس على الكافر الخارج عن الملة متعذر من جهة أن كفره أشد وأغلظ وأظهر من كفر من هو من أهل القبلة، لكثرة مخالفته للقاعدة الاسلامية أصولا وفروعا، بالنسبة إلى مخالفة المتأول لها.\rفكان إذلاله بسلب هذا المنصب عنه أولى.\rومع هذه الاولوية، فلا قياس، بل الواجب الاعتماد في ذلك على قوله تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبإ، فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة) * (49) الحجرات: 6) أمر بالتثبت عند إخبار الفاسق، والكافر فاسق، لان الكفر أعلى درجات الفسق.\rوإذا كان فاسقا، فالآية إن كانت عامة بلفظها في كل فاسق، فالكافر داخل تحتها، وإن لم تكن عامة بلفظها في كل فاسق، فهي عامة بالنظر إلى المعنى المومى إليه، وهو الفسق من حيث إنه رتب رد الخبر على كون الآتي به فاسقا مطلقا في كلام الشارع مع مناسبته له، فكان ذلك علة للرد، وهو متحقق فيما نحن فيه.\rفإن قيل المرتب عليه رد الاخبار إنما هو مسمى الفاسق، وهو في عرف الشرع خاص بمن هو مسلم صدرت منه كبيرة، أو واظب على صغيرة، فلا يكون متناولا للكافر.\rوإن سلمنا تناوله للكافر، غير أنه معارض بقوله (ص): نحن نحكم\rبالظاهر والله يتولى السرائر والكافر المتأول، إذا كان متحرزا عن الكذب، فقد ظهر صدقه، فوجب العمل به للخبر.\rوالجواب عن السؤال الاول بمنع اختصاص اسم الفاسق في الشرع بالمسلم، وإن كان ذلك عرفا للمتأخرين من الفقهاء، وكلام الشارع إنما ينزل على عرفه، لا على ما صار عرفا للفقهاء.\rكيف وإن حمل الآية على الفاسق المسلم مما يوهم قبول خبر الفاسق الكافر على الاطلاق، نظرا إلى قضية المفهوم، وهو خلاف الاجماع.\rولا يخفى أن حمل اللفظ على ما يلزم منه مخالفة دليل، أو ما اختلف في كونه دليلا على خلاف الاصل.\rوعن السؤال الثاني أن العمل بما ذكرناه أولى، لتواتره وخصوصه بالفاسق، وأنه غير متفق على تخصيصه ومخالفته.\rوما ذكروه آحاد، وهو متناول للكافر","part":2,"page":74},{"id":370,"text":"بعموم كون خبره ظاهرا، أو هو مخالف لخبر الكافر الخارج عن الملة، والفاسق إذا ظن صدقه، فإن خبره لا يكون مقبولا بالاجماع.\rالشرط الثالث: أن يكون ضبطه لما يسمعه أرجح من عدم ضبطه، وذكره له أرجح من سهوه، لحصول غلبة الظن بصدقه فيما يرويه.\rوإلا، فبتقدير رجحان مقابل كل واحد من الامرين عليه، أو معادلته له، فروايته لا تكون مقبولة لعدم حصول الظن بصدقه، أما على أحد التقديرين، فلكون صدقه مرجوحا، وأما على التقدير الآخر، فلضرورة التساوي.\rوإن جهل حال الراوي في ذلك، كان الاعتماد على ما هو الاغلب من حال الرواة، وإن لم يعلم الاغلب من ذلك، فلا بد من الاختبار والامتحان.\rفإن قيل إنه وإن غلب السهو على الذكر، أو تعادلا، فالراوي عدل، والظاهر منه أنه لا يروي إلا ما يثق من نفسه بذكره له وضبطه.\rولهذا، فإن الصحابة\rأنكرت على أبي هريرة كثرة روايته، حتى قالت عائشة، رضي الله عنها رحم الله أبا هريرة، لقد كان رجلا مهزارا في حديث المهراس ومع ذلك قبلوا أخباره، لما كان الظاهر من حاله أنه لا يروي إلا ما يثق من نفسه بضبطه وذكره.\rوأيضا فإن الخبر دليل والاصل فيه الصحة، فتساوي الضبط والاختلال، والذكر والنسيان غايته أنه موجب للشك في الصحة، والشك في ذلك لا يقدح في الاصل، كما إذا كان متطهرا، ثم شك بعد ذلك أنه محدث أو طاهر، فإن الاصل ههنا لا يترك بهذا الشك.","part":2,"page":75},{"id":371,"text":"قلنا: إذا كان الغرض إنما هو غلبة السهو، أو التعادل، فالراوي، وإن كان الغالب من حاله أنه لا يروي إلا ما يظن أنه ذاكر له، فذلك لا يوجب حصول الظن بصحة روايته، لان من شأنه النسيان يظن أنه ما نسي، وإن كان ناسيا.\rوأما إنكار الصحابة على أبي هريرة كثرة الرواية، فلم يكن ذلك لاختلال ضبطه وغلبة النسيان عليه، بل لان الاكثار مما لا يؤمن معه اختلال الضبط الذي لا يعرض لمن قلت روايته وإن كان ذلك بعيدا.\rوما قيل من أن الخبر دليل، والاصل فيه الصحة، فلا يترك بالشك.\rقلنا إنما يكون دليلا، والاصل فيه الصحة، إذا كان مغلبا على الظن، ومع عدم ترجيح ذكر الراوي على نسيانه لا يكون مغلبا على الظن، فلا يكون دليلا لوقوع التردد في كونه دليلا، لا في أمر خارج عنه، ولا كذلك فيما إذا شك في الحدث، ثم تيقن سابقة الطهارة، فإن تيقن الطهارة السابقة لا يقدح فيه الشك الطارئي، وبالنظر إليه يترجح إليه أحد الاحتمالين، فلا يبقى معه الشك في الدوام، حتى إنه لو بقي الشك مع النظر إلى الاصل، لما حكم بالطهارة.\rالشرط الرابع: أن يكون الراوي متصفا بصفة العدالة وذلك يتوقف على\rمعرفة (العدل) لغة وشرعا.\rأما العدل في اللغة، فهو عبارة عن المتوسط في الامور من غير إفراط في طرفي الزيادة والنقصان، ومنه قوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) * (2) البقرة: 143) أي عدلا.\rفالوسط والعدل بمعنى واحد.\rوقد يطلق في اللغة ويراد به المصدر المقابل للجور، وهو اتصاف الغير بفعل ما يجب له، وترك ما لا يجب، والجور في مقابلته.\rوقد يطلق ويراد به ما كان من الافعال الحسنة يتعدى الفاعل إلى غيره، ومنه يقال للملك المحسن إلى رعيته: عادل.\rوأما في لسان المتشرعة، فقد يطلق ويراد به أهلية قبول الشهادة والرواية عن النبي (ص).","part":2,"page":76},{"id":372,"text":"وقد قال الغزالي في معنى هذه الاهلية إنها عبارة عن استقامة السيرة والدين.\rوحاصلها يرجع إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه.\rوذلك إنما يتحقق باجتناب الكبائر وبعض الصغائر وبعض المباحات.\rأما الكبائر فقد روى ابن عمر عن أبيه عن النبي، (ص)، أنه قال: الكبائر تسع: الشرك بالله تعالى، وقتل النفس المؤمنة، وقذف المحصنة، والزنى، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، والالحاد بالبيت الحرام.\rوروى أبو هريرة مع ذلك: أكل الربا، والانقلاب إلى الاعراب بعد هجرة.\rوروي عن علي، عليه السلام، أنه أضاف إلى ذلك: السرقة وشرب الخمر.\rوأما بعض الصغائر فما يدل فعله على نقض الدين، وعدم الترفع عن الكذب، وذلك كسرقة لقمة، والتطفيف بحبة، واشتراط أخذ الاجرة على إسماع الحديث ونحوه.\rوأما بعض المباحات فما يدل على نقص المروءة، ودناءة الهمة، كالاكل في السوق، والبول في الشوارع، وصحبة الاراذل والافراط في المزح، ونحو ذلك مما يدل على سرعة الاقدام على الكذب، وعدم الاكتراث به.\rولا خلاف في اعتبار اجتناب هذه الامور في العدالة المعتبرة في قبول الشهادة والرواية عن النبي، (ص)، لان من لا يجتنب هذه الامور أحرى أن لا يجتنب الكذب، فلا يكون موثوقا بقوله.\rولا خلاف أيضا في اشتراط هذه الامور الاربعة في الشهادة.\rوتختص الشهادة بشروط أخر: كالحرية، والذكورة، والعدد والبصر، وعدم القرابة، والعداوة.\rوإذ أتينا على تحقيق شروط الرواية، فلا بد من الاشارة إلى ذكر مسائل متشعبة عن شروط العدالة جرت العادة بذكرها وهي ثمان مسائل:","part":2,"page":77},{"id":373,"text":"المسألة الاولى مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم أن مجهول الحال غير مقبول الرواية، بل لا بد من خبرة باطنة بحاله ومعرفة سيرته، وكشف سريرته، أو تزكية من عرفت عدالته وتعديله له.\rوقال أبو حنيفة وأتباعه: يكتفى في قبول الرواية بظهور الاسلام والسلامة عن الفسق ظاهرا.\rوقد احتج النافون بحجج: الاولى: أن الدليل بنفي قبول خبر الفاسق وهو قوله تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) * (49) الحجرات: 6) غير أنا خالفناه فيمن ظهرت عدالته بالاختبار بمعنى لا وجود له في محل النزاع، وهو ما اختص به من زيادة ظهور الثقة بقوله، فوجب أن لا يقبل.\rولقائل أن يقول: الآية إنما دلت على امتناع قبول خبر الفاسق، ومن ظهر إسلامه وسلم من الفسق ظاهرا، لا نسلم أنه فاسق حتى يندرج تحت عموم الآية.\rواحتمال وجود الفسق فيه لا يوجب كونه فاسقا، بدليل العدل المتفق على عدالته.\rالحجة الثانية: أنه مجهول الحال فلا يقبل إخباره في الرواية دفعا لاحتمال مفسدة الكذب، كالشهادة في العقوبات.\rولقائل أن يقول: وإن كان احتمال الكذب قائما ظاهرا، غير أن أحتمال الصدق مع ظهور الاسلام والسلامة من الفسق ظاهرا أظهر من احتمال الكذب.\rومع ذلك، فاحتمال القبول يكون أولى من احتمال الرد، ولا يمكن القياس على الشهادة، لان الاحتياط في باب الشهادة أتم منه في باب الرواية.\rولهذا، كان العدد والحرية مشترطا في الشهادة دون الرواية، ومتعبدا فيها بألفاظ خاصة غير معتبرة في الرواية، حتى إنه لو قال أعلم بدل قوله أشهد لم يكن مقبولا.","part":2,"page":78},{"id":374,"text":"وعلى هذا، فلا يلزم من اشتراط ظهور العدالة في الشهادة بالخبرة الباطنة اشتراط ذلك في الرواية.\rالحجة الثالثة: قالوا: أجمعنا على أن العدالة شرط في قبول الرواية عن النبي، (ص)، وعلى أن بلوغ رتبة الاجتهاد في الفقه شرط في قبول الفتوى، فإذا لم يظهر حال الراوي بالاختبار، فلا تقبل أخباره، دفعا للمفسدة اللازمة من فوات الشرط، كما إذا لم يظهر بالاختبار بلوغ المفتي رتبة الاجتهاد فإنه لا يجب على المقلد اتباعه إجماعا.\rولقائل أن يقول: المجمع على اشتراطه في الرواية العدالة بمعنى ظهور الاسلام، والسلامة من الفسق ظاهرا أو بمعنى آخر والاول مسلم، غير أن ما هو الشرط متحقق فيما نحن فيه.\rوالثاني ممنوع.\rكيف وإن ما ذكرتموه من الوصف الجامع غير مناسب لما سبق في الحجة المتقدمة.\rوبتقدير ظهور مناسبة الوصف الجامع، فالاعتبار بالمفتي غير ممكن.\rوذلك لان بلوغ رتبة الاجتهاد أبعد في الحصول من حصول صفة العدالة\rولهذا كانت العدالة أغلب وقوعا من رتبة الاجتهاد في الاحكام الشرعية وعند ذلك فاحتمال عدم صفة الاجتهاد يكون أغلب من عدم صفة العدالة، فلا يلزم من عدم قبول قول المفتي مع الجهل بحاله القول بعدم قبول الراوي مع الجهل بحاله.\rالحجة الرابعة: أن عدم الفسق شرط في قبول الرواية، فاعتبر فيه الخبرة الباطنية مبالغة في دفع الضرر، كما في عدم الصبي والرق والكفر في قبول الشهادة.\rولقائل أن يقول ما ذكرتموه من الوصف الجامع غير مناسب لما سبق تقريره في الحجة الثانية.\rوبتقدير مناسبته، فالقياس على الشهادة غير ممكن لما تقدم.\rالحجة الخامسة: قالوا: رد عمر رواية فاطمة بنت قيس لما كانت مجهولة الحال، وعلي عليه السلام رد قول الاشجعي في المفوضة، واشتهر ذلك فيما بين الصحابة، ولم ينكره منكر، فكان إجماعا.\rولقائل أن يقول: أما رد عمر لخبر فاطمة إنما كان لانه لم يظهر له صدقها.","part":2,"page":79},{"id":375,"text":"ولهذا، قال: كيف نقبل قول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت.\rوما نحن فيه ليس كذلك، فإن من ظهر إسلامه وسلامته من الفسق ظاهرا، فاحتمال صدقه لا محالة أظهر من احتمال كذبه.\rوأما رد علي، عليه السلام، لخبر الاشجعي فإنما كان أيضا لعدم ظهور صدقه عنده.\rولهذا، وصفه بكونه بوالا على عقبيه، أي غير محترز في أمور دينه.\rويجب أن يكون كذلك، وإلا كان مخالفا لقوله، (ص) نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر.\rوالمعتمد في المسألة أنا نقول: القول بوجوب قبول رواية مجهول الحال يستدعي دليلا.\rوالاصل عدم ذلك الدليل.\rوالمسألة اجتهادية ظنية.\rفكان ذلك كافيا فيها.\rفإن قيل: بيان وجود الدليل من جهة النص، والاجماع، والمعقول:\rأما النص فمن جهة الكتاب والسنة: أما الكتاب، فقوله تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتثبتوا) * (49) الحجرات: 6) أمر بالتثبت مشروطا بالفسق، فما لم يظهر الفسق لا يجب التثبت فيه.\rوأما السنة، فمن وجهين: الاول قوله عليه السلام إنما أحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر وما نحن فيه فالظاهر من حاله الصدق، فكان داخلا تحت عموم الخبر.\rالثاني أن النبي، (ص)، لما جاءه الاعرابي، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وشهد برؤية الهلال عنده، قبل شهادته، وأمر بالنداء بالصوم لما ثبت عنده إسلامه","part":2,"page":80},{"id":376,"text":"ولم يعلم منه ما يوجب فسقا، فالرواية أولى.\rوأما الاجماع فهو أن الصحابة كانوا متفقين على قبول أقوال العبيد والنسوان والاعراب المجاهيل لما ظهر إسلامهم وسلامتهم من الفسق ظاهرا.\rوأما المعقول فمن وجهين: الاول أن الراوي مسلم لم يظهر منه فسق، فكان خبره مقبولا كإخباره بكون اللحم لحم مذكى، وكون الماء طاهرا أو نجسا، وكون الجارية المبيعة رقيقة وكونه متطهرا عن الحدثين، حتى يصح الاقتداء به ونحوه.\rوالثاني أنه لو أسلم كافر، وروى عقيب إسلامه خبرا من غير مهلة، فمع ظهور إسلامه وعدم وجود ما يوجب فسقه بعد إسلامه، يمتنع رد روايته.\rوإذا قبلت روايته حال إسلامه، فطول مدته في الاسلام أولى أن لا توجب رده.\rوالجواب عن الآية أن العمل بموجبها، نفيا وإثباتا، متوقف على معرفة كونه فاسقا، أو ليس فاسقا، لا على عدم علمنا بفسقه.\rوذلك لا يتم دون البحث والكشف عن حاله.\rوعن الخبر الاول، من ثلاثة أوجه: الاول: أن النبي، (ص)، أضاف الحكم بالظاهر إلى نفسه، ولا يلزم مثله في حق غيره إلا بطريق القياس عليه، لا بنفس النص المذكور.\rوالقياس عليه ممتنع، لان ما للنبي، (ص)، من الاطلاع والمعرفة بأحوال المخبر لصفاء جوهر نفسه واختصاصه عن الخلق بمعرفة ما لا يعرفه أحد منهم من الامور الغيبية، غير متحقق في حق غيره.\rالثاني: أنه رتب الحكم على الظاهر، وذلك، وإن كان يدل على كونه علة لقبوله والعمل به فتخلف الحكم عنه في الشهادة على العقوبات والفتوى يدل على أنه ليس بعلة.","part":2,"page":81},{"id":377,"text":"الثالث: المعارضة بقوله تعالى: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (53) النجم: 28) وليس العمل بعموم أحد النصين، وتأويل الآخر أولى من الآخر، بل العمل بالآية أولى، لانها متواترة، وما ذكروه آحاد.\rوعن الخبر الثاني: لا نسلم أن النبي، (ص)، لم يعلم من حال الاعرابي سوى الاسلام.\rوعن الاجماع، لا نسلم أن الصحابة قبلوا رواية أحد من المجاهيل فيما يتعلق بأخبار النبي، (ص).\rولهذا، ردوا رواية من جهلوه، كرد عمر شهادة فاطمة بنت قيس، ورد علي شهادة الاعرابي.\rوعن الوجه الاول من المعقول بالفرق بين صور الاستشهاد ومحل النزاع.\rوذلك، من وجهين: الاول أن الرواية عن النبي، (ص)، أعلى رتبة وأشرف منصبا من الاخبار فيما ذكروه من الصور، فلا يلزم من القبول مع الجهل بحال الراوي فيما هو أدنى الرتبتين قبوله في أعلاهما.\rالثاني أن الاخبار فيما ذكروه من الصور مقبول مع ظهور الفسق، ولا كذلك فيما نحن فيه.\rوعن الوجه الثاني من المعقول بمنع قبول روايته دون الخبرة بحاله، لاحتمال أن يكون كذوبا، وهو باق على طبعه.\rوإن قلنا: روايته في مبدإ إسلامه، فلا يلزم ذلك في حالة دوامه، لما بين ابتداء الاسلام ودوامه من رقة القلب، وشدة الاخذ بموجباته، والحرص على امتثال مأموراته، واجتناب منهياته على ما يشهد به العرف والعادة في حق كل من دخل في أمر محبوب، والتزمه، فإن غرامه به في الابتداء يكون أشد منه في دوامه.","part":2,"page":82},{"id":378,"text":"المسألة الثانية الفاسق المتأول الذي لا يعلم فسق نفسه لا يخلو إما أن يكون فسقه مظنونا، أو مقطوعا به فإن كان مظنونا، كفسق الحنفي إذا شرب النبيذ، فالاظهر قبول روايته وشهادته.\rوقد قال الشافعي، رضي الله عنه: إذا شرب الحنفي النبيذ أحده وأقبل شهادته.\rوإن كان فسقه مقطوعا به، فإما أن يكون ممن يرى الكذب ويتدين به، أو لا يكون كذلك: فإن كان الاول، فلا نعرف خلافا في امتناع قبول شهادته، كالخطابية من الرافضة، لانهم يرون شهادة الزور لموافقهم في المذهب.\rوإن كان الثاني، كفسق الخوارج الذين استباحوا الدار، وقتلوا الاطفال والنسوان، فهو موضع الخلاف.\rفمذهب الشافعي وأتباعه وأكثر الفقهاء أن روايته وشهادته مقبولة.\rوهو اختيار الغزالي وأبي الحسين البصري وكثير من الاصوليين.\rوذهب القاضي أبو بكر والجبائي وأبو هاشم وجماعة من الاصوليين إلى امتناع\rقبول شهادته وروايته.\rوهو المختار.\rوقد احتج النافون بحجة ضعيفة.\rوذلك أنهم قالوا: أجمعنا على أن الفاسق المفروض، لو كان عالما بفسقه، لم يقبل خبره.\rفإذا كان جاهلا بفسقه، معتقدا أنه ليس بفاسق، فقد انضم إلى فسقه فسق آخر وخطيئة أخرى، وهو اعتقاده في الفسق أنه ليس بفسق، فكان أولى أن لا يقبل خبره.\rولقائل أن يقول: إذا لم يعتقد أنه فاسق، وكان متحرجا محترزا في دينه عن الكذب وارتكاب المعصية، فكان إخباره مغلبا على الظن صدقه، بخلاف ما إذا علم أن ما يأتي به فسقا فذلك يدل على قلة مبالاته بالمعصية، وعدم تحرزه عن الكذب فافترقا.\rوالمعتمد في ذلك النص والمعقول.\rأما النص، فقوله تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبإ فتثبتوا) * (49) الحجرات: 6) أمر برد نبأ الفاسق.","part":2,"page":83},{"id":379,"text":"والخلاف إنما هو فيمن قطع بفسقه، فكان مندرجا تحت عموم الآية.\rغير أنا خالفناه فيمن كان فسقه مظنونا، وما نحن فيه مقطوع بفسقه، فلا يكون في معنى صورة المخالفة.\rوأيضا قوله تعالى: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (53) النجم: 28) غير أنا خالفناه في خبر من ظهرت عدالته، وفيمن كان فسقه مظنونا، فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.\rوأما المعقول، فهو أن القول بقبول خبره يستدعي دليلا، والاصل عدمه.\rفإن قيل: بيان وجود الدليل النص، والاجماع، والقياس: أما النص فقوله، (ص): إنما أحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر والفاسق فيما نحن فيه محترز عن الكذب، متدين بتحريمه، فكان صدقه في خبره ظاهرا، فكان مندرجا تحت عموم الخبر.\rوأما الاجماع، فهو أن عليا، عليه السلام، والصحابة قبلوا أقوال قتلة عثمان والخوارج\rمع فسقهم، ولم ينكر ذلك منكر: فكان ذلك إجماعا.\rوأما القياس فهو أن الظن بصدقه موجود.\rفكان واجب القبول مبالغة في تحصيل مقصوده قياسا على العدل والمظنون فسقه والجواب: عن الخبر ما سبق في المسألة التي قبلها.\rوعن الاجماع: أنا لا نسلم أن كل من قبل شهادة الخوارج وقتلة عثمان كانوا يعتقدون فسقهم، فإن الخوارج من جملة المسلمين والصحابة، ولم يكونوا معتقدين فسق أنفسهم.\rومع عدم اعتقاد الجميع لفسقهم، وإن قبلوا شهادتهم، فلا يتحقق انعقاد الاجماع على قبول خبر الفاسق.\rوعن القياس بالفرق في الاصول المستشهد بها.\rأما في العدل فلظهور عدالته واستحقاقه لمنصب الشهادة والرواية.\rوذلك يناسب قبوله إعظاما له وإجلالا بخلاف الفاسق.\rوأما في مظنون الفسق فلان حاله في استحقاق منصب الشهادة والرواية أقرب من حال من كان فسقه مقطوعا به فلا يلزم من القبول ثم القبول ههنا.","part":2,"page":84},{"id":380,"text":"المسألة الثالثة اختلفوا في الجرح والتعديل: هل يثبت بقول الواحد أو لا ؟ فذهب قوم إلى أنه لا بد في التعديل والجرح من اعتبار العدد في الرواية والشهادة.\rوذهب آخرون إلى الاكتفاء بالواحد فيهما، وهو اختيار القاضي أبي بكر.\rوالذي عليه الاكثر إنما هو الاكتفاء بالواحد في باب الرواية دون الشهادة، وهو الاشبه وذلك لانه لا نص ولا إجماع في هذه المسألة يدل على تعيين أحد هذه المذاهب.\rفلم يبق غير التشبيه والقياس.\rولا يخفى أن العدالة شرط في قبول الشهادة والرواية، والشرط لا يزيد في إثباته\rعلى مشروطه، فكان إلحاق الشرط بالمشروط في طريق إثباته أولى من إلحاقه بغيره وقد اعتبر العدد في قبول الشهادة دون قبول الرواية، فكان الحكم في شرط كل واحد منها ما هو الحكم في مشروطه.\rفإن قيل، التزكية والتعديل شهادة، فكان العدد معتبرا فيهما كالشهادة على الحقوق.\rقلنا: ليس ذلك أولى من قول القائل بأنها إخبار، فلا يعتبر العدد في قبولها، كنفس الرواية.\rفإن قيل: إلا أن ما ذكرناه أولى لما فيه من زيادة الاحتياط.\rقلنا: بل ما يقوله الخصم أولى حذرا من تضييع أوامر الله تعالى ونواهيه.\rكيف وأن اعتبار قول الواحد في الجرح والتعديل أصل متفق عليه، واعتبار ضم قول غيره إليه يستدعي دليلا.\rوالاصل عدمه.\rولا يخفى أن ما يلزم منه موافقة النفي الاصلي أولى مما يلزم منه مخالفته.","part":2,"page":85},{"id":381,"text":"المسألة الرابعة اختلفوا في قبول الجرح والتعديل دون ذكر سببهما: فقال قوم: لا بد من ذكر السبب فيهما، أما في الجرح فلاختلاف الناس فيما يجرح به، فلعله اعتقده جارحا وغيره لا يراه جارحا، وأما في العدالة فلان مطلق التعديل لا يكون محصلا للثقة بالعدالة لجري العادة بتسارع الناس إلى ذلك بناء على الظاهر.\rوقال قوم: لا حاجة إلى ذلك فيهما اكتفاء ببصيرة المزكي والجارح، وهو اختيار القاضي أبى بكر.\rوقال الشافعي، رضي الله عنه: لا بد من ذكر سبب الجرح، لاختلاف الناس فيما يجرح به، بخلاف العدالة، فإن سببها واحد لا اختلاف فيه.\rومنهم من عكس الحال واعتبر ذكر سبب العدالة دون الجرح والمختار إنما هو\rمذهب القاضي أبي بكر.\rوذلك، لانه إما أن يكون المزكي والجارح عدلا بصيرا بما يجرح به ويعدل، أو لا يكون كذلك.\rفإن لم يكن عدلا، أو كان عدلا وليس بصيرا فلا اعتبار بقوله: وإن كان عدلا بصيرا وجب الاكتفاء بمطلق جرحه وتعديله، إذا الغالب مع كونه عدلا بصيرا أنه ما أخبر بالعدالة والجرح، إلا وهو صادق في مقاله.\rفلا معنى لاشتراط إظهار السبب مع ذلك.\rوالقول بأن الناس قد اختلفوا فيما يجرح به، وإن كان حقا إلا أن الظاهر من حال العدل البصير بجهات الجرح والتعديل أنه أيضا يكون عارفا بمواقع الخلاف في ذلك.\rوالظاهر أنه لا يطلق الجرح إلا في صورة علم الوفاق عليها، وإلا كان مدلسا ملبسا بما يوهم الجرح على من لا يعتقده، وهو خلاف مقتضى العدالة والدين وبمثل هذا يظهر أنه ما أطلق التعديل إلا بعد الخبرة الباطنة، والاحاطة بسريرة المخبر عنه، ومعرفة اشتماله على سبب العدالة دون البناء على ظاهر الحال.","part":2,"page":86},{"id":382,"text":"المسألة الخامسة إذا تعارض الجرح والتعديل، فلا يخلو إما أن يكون الجارح قد عين السبب، أو لم يعينه: فإن لم يعينه، فقول الجارح يكون مقدما لاطلاعه على ما لم يعرفه العدل، ولا نفاه لامتناع الشهادة على النفي.\rوإن عين السبب بأن يقول تقديرا: رأيته، وقد قتل فلانا، فلا يخلو إما أن لا يتعرض المعدل لنفي ذلك، أو يتعرض لنفيه.\rفإن كان الاول، فقول الجارح يكون مقدما لما سبق.\rوإن تعرض لنفيه بأن قال: رأيت فلانا المدعي قتله حيا بعد ذلك، فهاهنا يتعارضان، ويصح ترجيح أحدهما على الآخر بكثرة العدد، وشدة الورع والتحفظ، وزيادة البصيرة إلى غير ذلك مما ترجح به إحدى الروايتين على الاخرى كما سيأتي تحقيقه.","part":2,"page":87},{"id":383,"text":"المسألة السادسة في طرق الجرح والتعديل أما طرق التعديل فمتفاوتة في القوة والضعف.\rوذلك، لانه لا يخلو إما أن يصرح المزكي بالتعديل قولا، أو لا يصرح به فإن صرح به بأن يقول: هو عدل رضا، فإما أن يذكر مع ذلك السبب بأن يقول لاني عرفت منه كذا وكذ أو لا يذكر السبب.\rفإن كان الاول، فهو تعديل متفق عليه.\rوإن كان الثاني فمختلف فيه.\rوالاظهر منه التعديل، كما سبق في المسألة المتقدمة.\rفهذا الطريق مرجوح بالنسبة إلى الاول للاختلاف فيه ولنقصان البيان فيه بخلاف الاول.\rوأما إن لم يصرح بالتعديل قولا، لكن حكم بشهادته أو عمل بروايته، أو روى عنه خبرا.\rفإن حكم بشهادته فهو أيضا تعديل متفق عليه.\rوإلا كان الحاكم فاسقا بشهادة من ليس بعدل عنده.\rوهذه الطريق أعلى من التزكية بالقول من غير ذكر سبب لتفاوتهما في الاتفاق والاختلاف، اللهم إلا أن يكون الحاكم ممن يرى الحكم بشهادة الفاسق.\rوأما بالنسبة إلى التزكية بالقول مع ذكر السبب فالاشبه التعادل بينهما لاستوائهما في الاتفاق عليهما.\rوالاول، وإن اختص بذكر السبب، فهذا مختص بإلزام الغير بقبول الشاهد، بخلاف الاول.\rوأما إن عمل بروايته على وجه علم أنه لا مستند له في العمل سواها، ولا يكون ذلك من باب الاحتياط، فهو أيضا تعديل متفق عليه، وإلا كان عمله برواية من ليس بعدل فسقا.\rوهذا الطريق، وإن احتمل أن يكون العمل فيه مستندا إلى ظهور الاسلام والسلامة من الفسق ظاهرا، كما في التعديل بالقول من غير ذكر","part":2,"page":88},{"id":384,"text":"السبب، فهو راجح على التعديل بالقول من غير ذكر السبب، للاتفاق عليه والاختلاف في ذلك، ومرجوح بالنسبة إلى التزكية بالقول مع ذكر السبب، وبالنسبة إلى الحكم بالشهادة، لان باب الشهادة أعلى من باب بالرواية.\rولذلك، اشترط فيه ما لم يشترط في باب الرواية كما سيأتي تعريفه، فكان الاحتياط والاحتراز فيها أتم وأوفى.\rوأما إن روى عنه، فهذا مما اختلف فيه هل هو تعديل أو لا.\rومنهم من فصل وقال: إن عرف من قول المزكي أو عادته أنه لا يروي إلا عن العدل، فهو تعديل، وإلا فلا.\rوهو المختار.\rوذلك، لان العادة جارية بالرواية عمن لو سئل عن عدالته لتوقف فيها.\rولا يلزم من روايته عنه.\rمع عدم معرفته بعدالته، أن يكون ملبسا مدلسا في الدين، كما قيل.\rلانه إنما يكون كذلك إن لو أوجبت روايته عنه على الغير العمل بها، وليس كذلك، بل غايته أنه قال سمعته يقول كذا فعلى السامع بالكشف عن حال المروي عنه إن رام العمل بمقتضى روايته.\rوإلا، كان مقصرا.\rوهذا الطريق يشبه أن يكون مرجوحا بالنسبة إلى باقي الطرق.\rأما بالنسبة إلى التصريح بالتعديل فظاهر، ولا سيما إن اقترن بذكر السبب للاتفاق عليه والاختلاف في هذا الطريق.\rولهذا، يكون مرجوحا بالنسبة إلى الحكم بالشهادة للاتفاق عليه ولاختصاص الشهادة بما ذكرناه قبل.\rوأما بالنسبة إلى العمل بالرواية، فلاشتراكهما في أصل الرواية واختصاص أحدهما بالعمل بها.\rوأما طرق الجرح فهو أن يصرح بكونه مجروجا، ويذكر مع ذلك سبب الجرح.\rوإن لم يذكر معه سبب الجرح، فهو جرح كما سبق في المسألة المتقدمة، لكنه دون الاول للاختلاف فيه، وللاتفاق على الاول.\rوليس من الجرح ترك العمل بروايته والحكم بشهادته، لجواز أن يكون ذلك بسبب غير الجرح.\rوذلك،\rإما لمعارض، وإما لانه غير ضابط، أو لغلبة النسيان والغفلة عليه ونحوه، ولا الشهادة بالزنى وكل ما يوجب الحد على المشهود عليه، إذا لم يكمل نصاب الشهادة، لانه","part":2,"page":89},{"id":385,"text":"لم يأت بصريح القذف، وإنما جاء ذلك محيي الشهادة، ولا بما يسوغ فيه الاجتهاد وقد قال به بعض الائمة المجتهدين، كاللعب بالشطرنج وشرب النبيذ ونحوه، ولا بالتدليس، وذلك كقول من لم يعاصر الزهري مثلا، ولكنه روى عمن لقيه، قولا يوهم أنه لقيه، ولقوله: حدثنا فلان وراء النهر، موهما أنه يريد جيحان، وإنما يشير به إلى نهر عيسى مثلا، لانه ليس بكذب، وإنما هو من المعاريض المغنية عن الكذب.\rالمسألة السابعة اتفق الجمهور من الائمة على عدالة الصحابة.\rوقال قوم إن حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية.\rومنهم من قال إنهم لم يزالوا عدولا إلى حين ما وقع من الاختلاف والفتن فيما بينهم، وبعد ذلك، فلا بد من البحث في العدالة عن الراوي أو الشاهد منهم، إذا لم يكن ظاهر العدالة","part":2,"page":90},{"id":386,"text":"ومنهم من قال بأن كل من قاتل عليا عالما منهم، فهو فاسق مردود الرواية والشهادة، لخروجهم عن الامام الحق.\rومنهم من قال برد رواية الكل وشهادتهم، لان أحد الفريقين فاسق، وهو غير معلوم ولا معين.\rومنهم من قال بقبول رواية كل واحد منهم وشهادته، إذا انفرد، لان الاصل\rفيه العدالة، وقد شككنا في فسقه، ولا يقبل ذلك منه مع مخالفة التحقق فسق أحدهما من غير تعيين.\rوالمختار إنما هو مذهب الجمهور من الائمة، وذلك بما تحقق من الادلة الدالة على عدالتهم ونزاهتهم وتخييرهم على من بعدهم.\rفمن ذلك قوله تعالى: * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) * (2) البقرة: 143) أي عدولا.\rوقوله تعالى: * (كنتم خير أمة أخرجت للناس) * (3) آل عمر ان: 110) وهو خطاب مع الصحابة الموجودين في زمن النبي، (ص).\rومنها قوله (ص): أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم والاهتداء بغير عدل محال.\rوقوله (ص): إن الله اختار لي أصحابا وأصهارا وأنصارا واختيار الله تعالى لا يكون لمن ليس بعدل.\rومنها ما ظهر واشتهر بالنقل المتواتر الذي لا مراء فيه من مناصرتهم للرسول، والهجرة إليه، والجهاد بين يديه، والمحافظة على أمور الدين، وإقامة القوانين، والتشدد في امتثال أوامر الشرع ونواهيه، والقيام بحدوده ومراسيمه، حتى إنهم قتلوا الاهل والاولاد حتى قام الدين واستقام، ولا أدل على العدالة أكثر من ذلك.\rوعند ذلك، فالواجب أن يحمل كل ما جرى بينهم من الفتن على أحسن حال، وإن كان ذلك إنما لما أدى إليه اجتهاد كل فريق من اعتقاده أن الواجب ما صار إليه، وأنه أوفق للدين وأصلح للمسلمين.\rوعلى هذا، فإما أن يكون كل مجتهد مصيبا، أو أن المصيب واحد، والآخر مخطء في اجتهاده.","part":2,"page":91},{"id":387,"text":"وعلى كلا التقديرين، فالشهادة والرواية من الفريقين لا تكون مردودة، أما بتقدير الاصابة فظاهر، وأما بتقدير الخطإ مع الاجتهاد فبالاجماع.\rوإذ أتينا على ما أردناه من بيان عدالة الصحابة، فلا بد من الاشارة إلى بيان من يقع عليه اسم الصحابي.\rالمسألة الثامنة اختلفوا في مسمى الصحابي: فذهب أكثر أصحابنا وأحمد بن حنبل إلى أن الصحابي من رأى النبي، (ص)، وإن لم يختص به اختصاص المصحوب، ولا روى عنه، ولا طالت مدة صحبته.\rوذهب آخرون إلى أن الصحابي إنما يطلق على من رأى النبي (ص)، واختص به اختصاص المصحوب، وطالت مدة صحبته، وإن لم يرو عنه.\rوذهب عمر بن يحيى إلى أن هذا الاسم إنما يسمى به من طالت صحبته للنبي، (ص)، وأخذ عنه العلم.\rوالخلاف في هذه المسألة، وإن كان آيلا إلى النزاع في الاطلاق اللفظي، فالاشبه إنما هو الاول.\rويدل على ذلك ثلاثة أمور.\rالاول: أن الصاحب اسم مشتق من الصحبة، والصحبة تعم القليل والكثير: ومنه يقال صحبته ساعة، وصحبته يوما وشهرا، وأكثر من ذلك، كما يقال: فلان كلمني وحدثني وزارني، وإن كان لم يكلمه ولم يحدثه ولم يزره سوى مرة واحدة.\rالثاني: أنه لو حلف أنه لا يصحب فلانا في السفر، أو ليصحبنه، فإنه يبر ويحنث بصحبته ساعة.\rالثالث: أنه لو قال قائل: صحبت فلانا،، فيصح أن يقال: صحبته ساعة أو يوما أو أكثر من ذلك، وهل أخذت عنه العلم ورويت عنه، أو لا ؟ ولولا أن الصحبة شاملة لجميع هذه الصور، ولم تكن مختصة بحالة منها، لما احتيج إلى الاستفهام.","part":2,"page":92},{"id":388,"text":"فإن قيل: إن الصاحب في العرف إنما يطلق على المكاثر الملازم، ومنه يقال: أصحاب القرية، وأصحاب الكهف والرقيم، وأصحاب الرسول، وأصحاب الجنة، للملازمين لذلك، وأصحاب الحديث للملازمين لدراسته وملازمته دون غيرهم.\rويدل على ذلك أيضا أنه يصح أن يقال: فلان لم يصحب فلانا، لكنه وفد عليه أو رآه، أو عامله.\rوالاصل في النفي أن يكون محمولا على حقيقته، بل ولا يكفي ذلك، بل لا بد مع طول المدة من أخذ العلم والرواية عنه، ولهذا، يصح أن يقال المزني صاحب الشافعي، وأبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة، ولا يصح أن يقال لمن رآهما وعاشرهما طويلا، ولم يأخذ عنهما، أنه صاحب لهما.\rوالجواب عن الشبهة الاولى أنا لا نسلم أن اسم الصاحب لا يطلق إلا على المكاثر الملازم، ولا يلزم من صحة إطلاق اسم الصاحب على الملازم المكاثر كما في الصور المستشهد بها امتناع إطلاقه على غيره، بل يجب أن يقال بصحة إطلاق ذلك على المكاثر وغيره حقيقة، نظرا إلى ما وقع به الاشتراك نفيا للتجوز، والاشتراك عن اللفظ وصحة النفي إنما كان لان الصاحب في أصل الوضع، وإن كان لمن قلت صحبته أو كثرت، غير أنه في عرف الاستعمال لمن طالت صحبته.\rفإن أريد نفي الصحبة بالمعنى العرفي، فحق.\rوإن أريد نفيها بالمعنى الاصلي، فلا يصح.\rوهذا هو الجواب عما قيل من اشتراط أخذ العلم والرواية عنه أيضا.\rوإذا عرف ذلك، فلو قال من عاصر النبي، (ص)، أنا صحابي مع إسلامه وعدالته، فالظاهر صدقه.\rويحتمل أن لا يصدق في ذلك، لكونه متهما بدعوى رتبة يثبتها لنفسه، كما لو قال: أنا عدل، أو شهد لنفسه بحق.\rهذا ما أردناه من الشروط المعتبرة.","part":2,"page":93},{"id":389,"text":"وأما الشروط التي ظن أنها شروط، وليست كذلك، فشروط منها أنه ليس من شرط قبول الخبر العدد، بل يكفي في القبول خبر العدل الواحد، خلافا للجبائي، فإنه قال: لا يقبل إلا أن يضاف إليه خبر عدل آخر، أو موافقة ظاهرا، وإن يكون منتشرا فيما بين الصحابة أو عمل به بعض الصحابة.\rونقل عنه أيضا\rأنه لا يقبل الخبر في الزنى إلا من أربعة.\rوالوجه في الاحتجاج والانفصال ما سبق في مسألة وجوب التعبد بخبر الواحد.\rوأيضا فليس من شرطه الذكورة لما اشتهر من أخذ الصحابة بأخبار النساء، كما سبق بيانه، ولا البصر، بل يجوز قبول رواية الضرير إذا كان حافظا لما يسمعه، وله آلة إدائه.\rولهذا كانت الصحابة تروي عن عائشة ما تسمعه من صوتها، مع أنهم لا يرون شخصها، ولا عدم القرابة، بل تجوز رواية الولد عن الوالد، وبالعكس، لاتفاق الصحابة على ذلك، ولا عدم العداوة، لان حكم الرواية عام، فلا يختص بواحد معين، حتى تكون العداوة مؤثرة فيه، ولا الحرية، بل هذه الامور إنما تشترط في الشهادة.\rولا يشترط أيضا في الراوي أن يكون مكثرا من سماع الاحاديث مشهور النسب، لاتفاق الصحابة على قبول رواية من لم يرو سوى خبر واحد، وعلى قبول رواية من لا يعرف نسبه، إذا كان مشتملا على الشرائط المعتبرة.\rولا يشترط أيضا أن يكون فقيها عالما بالعربية وبمعنى الخبر، وسواء كانت روايته موافقة للقياس أو مخالفة، خلافا لابي حنيفة فيما يخالف القياس، لقوله، (ص): نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها إلى قوله: فرب حامل فقه ليس بفقيه دعا له وأقره على الرواية، ولو لم يكن مقبول القول لما كان كذلك، ولان الصحابة سمعوا أخبار آحاد لم يكونوا فقهاء كما ذكرناه فيما تقدم، ولان الاعتماد على خبر النبي، (ص).\rوالظاهر من الراوي إذا كان عدلا متدينا أنه لا يروي إلا ما يتحققه على الوجه الذي سمعه.","part":2,"page":94},{"id":390,"text":"القسم الثالث في مستند الراوي وكيفية روايته الراوي لا يخلو إما أن يكون صحابيا، أو غير صحابي.\rفإن كان صحابيا فقد اتفقوا\rعلى أنه إذا قال: سمعت رسول الله، (ص)، يقول كذا، أو أخبرني، أو حدثني، أو شافهني رسول الله بكذا، فهو خبر عن النبي، (ص)، واجب القبول، واختلفوا في مسائل.\rالمسألة الاولى إذا قال الصحابي: قال رسول الله كذا، اختلفوا فيه فذهب الاكثرون إلى أنه سمعه من النبي، (ص) فيكون حجة من غير خلاف، وقال القاضي أبو بكر: لا يحكم بذلك، بل هو متردد بين أن يكون قد سمعه من النبي عليه السلام، وبين أن يكون قد سمعه من غيره.\rوبتقدير أن يكون قد سمعه من غير النبي، (ص)، فمن قال بعدالة جميع الصحابة، فحكمه حكم ما لو سمعه من النبي، (ص)، ومن قال بأن حكم الراوي من الصحابة حكم غيرهم في وجوب الكشف عن حال الراوي منهم، فحكمه حكم مراسيل تابع التابعين، وسيأتي تفصيل القول فيه.\rوالظاهر أن ذلك محمول على سماعه من غير واسطة مع إمكان سماعه من الواسطة، لان قوله قال يوهم السماع من النبي، (ص)، من غير واسطة إيهاما ظاهرا.\rوالظاهر من حال الصحابي العدل العارف بأوضاع اللغة أنه لا يأتي بلفظ يوهم معنى، ويريد غيره.","part":2,"page":95},{"id":391,"text":"المسألة الثانية إذا قال الصحابي سمعت رسول الله، (ص)، يأمر بكذا، أو ينهى عن كذا اختلفوا في كونه حجة.\rفذهب قوم إلى أنه ليس بحجة لان الاحتجاج إنما هو بلفظ النبي، (ص)، وقول الصحابي سمعته يأمر وينهى لا يدل على وجود الامر والنهي من النبي (ص)، لاختلاف الناس في صيغ الامر والنهي، فلعله سمع صيغة اعتقد أنها أمر أو نهي،\rوليست كذلك عند غيره، ويحتمل أنه سمع النبي، (ص)، يأمر بشئ أو ينهى عن شئ، وهو ممن يعتقد أن الامر بالشئ نهي عن جميع أضداده، وأن النهي عن الشئ أمر بأحد أضداده، فنقل الامر والنهي، وليس بأمر ولا نهي عند غيره.\rوالذي عليه اعتماد الاكثرين أنه حجة، وهو الاظهر.\rوذلك لان الظاهر من حال الصحابي مع عدالته ومعرفته بأوضاع اللغة أن يكون عارفا بمواقع الخلاف والوفاق.\rوعند ذلك.\rفالظاهر من حاله أنه لا ينقل إلا ما تحقق أنه أمر أو نهي من غير خلاف، نفيا للتدليس والتلبيس عنه بنقل ما يوجب على سامعه اعتقاد الامر والنهي فيما لا يعتقده أمرا ولا نهيا.","part":2,"page":96},{"id":392,"text":"المسألة الثالثة إذا قال الصحابي: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا، وأوجب علينا كذا وحرم علينا كذا، أو أبيح لنا كذا، فمذهب الشافعي وأكثر الائمة أنه يجب إضافة ذلك إلى النبي عليه السلام.\rوذهب جماعة من الاصوليين والكرخي من أصحاب أبي حنيفة إلى المنع من ذلك، مصيرا منهم إلى أن ذلك متردد بين كونه مضافا إلى النبي عليه السلام، وبين كونه مضافا إلى أمر الكتاب أو الامة، أو بعض الائمة، وبين أن يكون قد قال ذلك عن الاستنباط والقياس، وأضافه إلى صاحب الشرع، بناء على أن موجب القياس مأمور باتباعه من الشارع.\rوإذا احتمل واحتمل، لا يكون مضافا إلى النبي، (ص)، بل ولا يكون حجة.\rوالظاهر مذهب الشافعي وذلك، لان من كان مقدما على جماعة، وهم بصدد امتثال أوامره ونواهيه، فإذا قال الواحد منهم: أمرنا بكذا ونهينا عن كذا، فالظاهر\rأنه يريد أمر ذلك المقدم ونهيه والصحابة بالنسبة إلى النبي، (ص)، على هذا النحو.\rفإذا قال الصحابي منهم: أمرنا أو نهينا: كان الظاهر منه أمر النبي، (ص)، ونهيه.\rولا يمكن حمله على أمر الكتاب ونهيه، لانه لو كان كذلك، لكان ظاهرا للكل، فلا يختص بمعرفته الواحد منهم، ولا على أمر الامة ونهيها، لان قول الصحابي: أمرنا ونهينا قول الامة، وهم لا يأمرون وينهون أنفسهم، ولا على أمر الواحد من الصحابة، إذ ليس أمر البعض للبعض أولى من العكس.\rكيف وإن الظاهر من الصحابي أنه إنما يقصد بذلك تعريف الشرع.\rوذلك لا يكون ثابتا بأمر الواحد من الصحابة ونهيه، ولا أن يكون ذلك بناء على ما قيل من القياس والاستنباط لوجهين: الاول: أن قول الصحابي: أمرنا ونهينا، خطاب مع الجماعة، وما ظهر لبعض المجتهدين من القياس، وإن كان مأمورا باتباع حكمه، فذلك غير موجب للامر باتباع من لم يظهر له ذلك القياس.\rالثاني: أن قوله: أمرنا ونهينا بكذا عن كذا، إنما يفهم منه مطلق الامر والنهي، لا الامر باتباع حكم القياس.","part":2,"page":97},{"id":393,"text":"المسألة الرابعة اختلفوا في قول الصحابي: من السنة كذا.\rفذهب الاكثرون إلى أن ذلك محمول على سنة رسول الله (ص)، خلافا لابي الحسن الكرخي من أصحاب أبي حنيفة.\rوالمختار مذهب الاكثرين، وذلك لما ذكرناه في المسألة المتقدمة.\rفإن قيل: اسم السنة متردد بين سنة النبي، وسنة الخلفاء الراشدين، على ما قال، (ص): عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ وإذا كان اللفظ مترددا بين احتمالين، فلا يكون صرفه إلى أحدهما دون الآخر أولى من العكس.\rقلنا: وإن سلمنا صحة إطلاق السنة على ما ذكروه، غير أن احتمال إرادة سنة النبي، (ص)، أولى لوجهين: الاول: أن سنة النبي، (ص)، أصل، وسنة الخلفاء الراشدين تبع لسنة النبي، (ص)، ومقصود الصحابي إنما هو بيان الشرعية.\rولا يخفى أن إسناد ما قصد بيانه إلى الاصل أولى من إسناده إلى التابع.\rالثاني: أن ذلك هو المتبادر إلى الفهم من إطلاق لفظ السنة في كلام الصحابي لما ذكرناه في المسألة المتقدمة، فكان الحمل عليه أولى.","part":2,"page":98},{"id":394,"text":"المسألة الخامسة إذا قال الصحابي: كنا نفعل كذا، وكانوا يفعلون كذا، وذلك كقول عائشة: كانوا لا يقطعون في الشئ التافه، وكقول إبراهيم النخعي: كانوا يحذفون التكبير حذفا فهو عند الاكثرين محمول على فعل الجماعة دون بعضهم، خلافا لبعض الاصوليين.\rويدل على مذهب الاكثرين أن الظاهر من الصحابي أنه إنما أورد ذلك في معرض الاحتجاج، وإنما يكون ذلك حجة إن لو كان ما نقله مستندا إلى فعل الجميع، لان فعل البعض لا يكون حجة على البعض الآخر، ولا على غيرهم فإن قيل: لو كان ذلك مستندا إلى فعل الجميع، لكان إجماعا، ولما ساغ مخالفته بطريق الاجتهاد فيه، وحيث سوغتم ذلك دل على عوده إلى البعض دون الكل.\rقلنا: تسويغ الاجتهاد فيه إنما كان لان إضافة ذلك إلى الجميع وقع ظنا لا قطعا، وذلك، كما يسوغ الاجتهاد فيما يرويه الواحد من الالفاظ القاطعة في الدلالة عن النبي، (ص، لما كان طريق اتباعه ظنيا، وإن كان لا يسوغ فيه الاجتهاد عندما إذا ثبت بطريق قاطع،\rوأما إن كان الراوي غير صحابي، فمستنده في الرواية إما قراءة الشيخ لما يرويه عنه، أو القراءة على الشيخ، أو إجازة الشيخ له، أو أن يكتب له كتابا بما يرويه عنه، أو يناوله الكتاب الذي يرويه عنه، أو أن يرى خطا يظنه خط الشيخ بأني سمعت عن فلان كذا.\rفإن كان مستنده في الرواية قراءة الشيخ، فإما أن يكون الشيخ قد قصد إسماعه بالقراءة، أو لم يقصد إسماعه بطريق من الطرق: فإن قصد إسماعه بالقراءة أو مع غيره، فهذا هو أعلى الرتب في الرواية، وللراوي عنه","part":2,"page":99},{"id":395,"text":"أن يقول: حدثنا، وأخبرنا، وقال فلان، وسمعته يقول كذا، وإن لم يقصد إسماعه، فليس له أن يقول: حدثنا، وأخبرنا، لانه يكون كاذبا في ذلك، بل له أن يقول: قال فلان كذا، وسمعته يقول كذا، ويحدث بكذا، ويخبر بكذا.\rوأما القراءة على الشيخ، مع سكوت الشيخ من غير ما يوجب السكوت عن الانكار، من إكراه أو غفلة أو غير ذلك، فقد اتفقوا على وجوب العمل به، خلافا لبعض أهل الظاهر، لانه لو لم تكن روايته صحيحة، لكان سكوته عن الانكار مع القدرة عليه فسقا، لما فيه من إيهام صحة ما ليس بصحيح، وذلك بعيد عن العدل المتدين.\rثم اتفق القائلون بالصحة على تسليط الراوي على قوله: أخبرنا وحدثنا فلان، قراءة عليه، واختلفوا في جواز قوله: حدثنا وأخبرنا مطلقا، والاظهر امتناعه، لان ذلك يشعر بنطق الشيخ، وذلك من غير نطق منه كذب.\rوأما إجازة الشيخ وذلك بأن يقول: أجزت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني، أو ما صح عندك من مسموعاتي، فقد اختلفوا في جواز الرواية بالاجازة: فجوزه أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل، وأكثر المحدثين، واتفق هؤلاء على تسليط الراوي على قوله: أجازني\rفلان كذا، وحدثني، وأخبرني إجازة واختلفوا في قوله: حدثني وأخبرني مطلقا.\rوالذي عليه الاكثر، وهو الاظهر، أنه لا يجوز، لان ذلك يشعر بنطق الشيخ بذلك وهو كذب، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا تجوز الرواية بالاجازة مطلقا.\rوقال أبو بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة إنه إن كان المجيز والمجاز له قد علما ما في الكتاب الذي أجاز روايته، جازت روايته بقوله: أخبرني وحدثني.","part":2,"page":100},{"id":396,"text":"وذلك، كما لو كتب إنسان صكا، والشهود يرونه، ثم قال لهم: اشهدوا علي بجميع ما في هذا الصك، فإنه يجوز لهم إقامة الشهادة عليه بما في ذلك الكتاب، وإلا فلا.\rوالمختار إنما هو جواز الرواية بالاجازة، وذلك لان المجيز عدل ثقة، والظاهر أنه لم يجز إلا ما علم صحته، وإلا كان بإجازته رواية ما لم يروه فاسقا، وهو بعيد عن العدل.\rوإذا علمت الرواية أو ظنت بإجازته، جازت الرواية عنه كما لو كان هو القارئ أو قرئ عليه وهو ساكت.\rفإن قيل إنه لم يوجد من المحدث فعل الحديث، ولا ما يجري مجرى فعله، فلم يجز أن يقول الراوي عنه: أخبرني، ولا حدثني لانه يكون كذبا، ولانه قادر على أن يحدث به.\rفحيث لم يحدث به دل على أنه غير صحيح عنده.\rقلنا: هذا باطل بما إذا كان الراوي عن الشيخ هو القارئ، فإنه لم يوجد من الشيخ فعل الحديث، ولا ما يجري مجراه، وهو قادر على القراءة بنفسه.\rومع ذلك.\rفإنه يجوز للراوي أن يقول: أخبرني وحدثني، حيث كانت قراءته عليه مع السكوت دليل صحة الحديث.\rوعلى ما ذكرناه من الخلاف في الاجازة والخريف، والمختار يكون الكلام فيما إذا\rناوله كتابا فيه حديث هو سماعه، وقال له: قد أجزت لك أن تروي عني ما فيه وله أن يقول: ناولني فلان كذا، وأخبرني، وحدثني مناولة.\rوكذلك الحكم أيضا إذا كتب إليه بحديث وقال: أجزت لك روايته عني، فإنه يدل على صحته، ويسلط الراوي على أن يقول: كاتبني بكذا، وحدثني أو أخبرني بكذا كتابة.\rولو اقتصر على المناولة أو الكتابة دون لفظ الاجازة، لم تجز له الرواية، إذ ليس في الكتابة والمناولة ما يدل على تسويغ الرواية عنه، ولا على صحة الحديث في نفسه.\rأما رؤية خط الشيخ بأني سمعت من فلان كذا، فلا يجوز مع ذلك الرواية عنه، وسواء قال: هذا خطي، أو لم يقل، لانه قد يكتب ما سمعه.\rثم يشكك فيه، فلا بد من التسليط من قبل الشيخ على الرواية عنه بطريقة، إذ ليس لاحد رواية ما شك في روايته إجماعا.\rوعلى هذا، فلو روى كتابا عن بعض المحدثين، وشك في حديث واحد منه","part":2,"page":101},{"id":397,"text":"غير معين، لم تجز له روايته شئ منه، لانه ما من واحد ومن تلك الاحاديث إلا ويجوز أن يكون هو المشكوك فيه.\rوكذلك، لو روى عن جماعة حديثا، وشك في روايته عن بعضهم من غير تعيين، فليس له الرواية عن واحد منهم، لانه ما من واحد إلا ويجوز أن يكون هو المشكوك في الرواية عنه.\rوالرواية مع الشك ممتنعة.\rنعم، لو غلب على ظنه رواية الحديث عن بعض المشايخ وسماعه منه، فهذا مما اختلف فيه.\rفقال أبو حنيفة: لا تجوز روايته ولا العمل به، لانه حكم على المروي عنه بأنه حدثه به، فلا يجوز مع عدم العلم، كما في الشهادة، وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن: تجوز له الرواية والعمل به،، لان ذلك مما يغلب على الظن صحته.\rولهذا، فإن آحاد أصحاب رسول الله (ص)، كانوا يحملون كتب\rالرسول إلى أطراف البلاد في أمور الصدقات وغيرها، وكان يجب على كل أحد الاخذ بها بإخبار حاملها أنها من كتب الرسول، وإن لم يكن ما فيها مما سمعه الحامل، ولا المحمول إليه، لكونها مغلبة على الظن.\rولا كذلك في الشهادة، لانه قد اعتبر فيها من الاحتياط، ما لم يعتبر مثله في الرواية، كما ذكرناه فيما تقدم.\rوعلى هذا، فلو قال عدل من عدول المحدثين عن كتاب من كتب الحديث، إنه صحيح، فالحكم في جواز الاخذ به والخلاف فيه، كما سبق فيما إذا ظن أنه يرويه، مع الاتفاق على أنه لا تجوز روايته عنه، بخلاف ما إذا ظن الرواية، عنه.","part":2,"page":102},{"id":398,"text":"القسم الرابع فيما اختلف في رد خبر الواحد به وفيه عشر مسائل المسألة الاولى اختلفوا في نقل حديث النبي، (ص)، بالمعنى دون اللفظ.\rوالذي عليه اتفاق الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل والحسن البصري وأكثر الائمة أنه يحرم ذلك على الناقل، إذا كان غير عارف بدلالات الالفاظ واختلاف مواقعها، وإن كان عالما بذلك، فالاولى له النقل بنفس اللفظ إذ هو أبعد عن التغيير والتبديل وسوء التأويل.\rوإن نقله بالمعنى من غير زيادة في المعنى، ولا نقصان منه، فهو جائز.\rونقل عن ابن سيرين وجماعة من السلف وجوب نقل اللفظ على صورته.\rوهو اختيار أبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة.\rومنهم من فصل وقال بجواز إبدال اللفظ بما يرادفه، ولا يشتبه الحال فيه، ولا يجوز بما عدا ذلك.\rوالمختار مذهب الجمهور.\rويدل عليه النص، والاجماع، والاثر، والمعقول.\rأما النص، فما روي ابن مسعود أن رجلا سأل النبي، (ص)، وقال له: يا رسول الله، تحدثنا بحديث لا نقدر أن نسوقه كما سمعناه فقال (ص): إذا أصاب أحدكم المعنى، فليحدث وأيضا، فإن النبي، (ص)، كان مقررا لآحاد رسله إلى البلاد في إبلاغ أوامره ونواهيه بلغة المبعوث إليهم دون لفظ النبي، (ص)، وهو دليل الجواز.","part":2,"page":103},{"id":399,"text":"وأما الاجماع فما روي عن ابن مسعود أنه كان إذا حدث قال: قال رسول الله، (ص)، هكذا، أو نحوه.\rولم ينكر عليه منكر، فكان إجماعا.\rوأما الاثر فما روي عن مكحول أنه قال: دخلنا على واثلة بن الاسقع، فقلنا: حدثنا حديثا ليس فيه تقديم ولا تأخير فغضب وقال لا بأس إذا قدمت وأخرت إذا أصبت المعنى.\rوأما المعقول فمن وجهين: الاول أن الاجماع منعقد على جواز شرح الشرع للعجم بلسانهم، وإذا جاز الابدال بغير العربية في تفهيم المعنى، فالعربية أولى.\rالثاني هو أنا نعلم أن اللفظ غير مقصود لذاته ونفسه، ولهذا، فإن النبي، (ص)، كان يذكر المعنى في الكرات المتعددة بألفاظ مختلفة، بل المقصود إنما هو المعنى، ومع حصول المعنى، فلا أثر لاختلاف اللفظ.\rفإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنص والمعقول: أما النص فقوله (ص): نضر الله امرأ سمع مقالتي، فوعاها وأداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.\rوأما المعقول فمن وجهين: الاول أن العلماء بالعربية وأهل الاجتهاد، قد يختلفون في معنى اللفظ الوارد مع اتحاده، حتى إن كل واحد منهم قد يتنبه منه على ما لا يتنبه عليه الآخر.\rوعند ذلك، فالراوي وإن كان عالما بالعربية واختلاف دلالات الالفاظ فقد يحمل اللفظ على معنى فهمه من الحديث مع الغفلة عن غير ذلك.\rفإذا أتى بلفظ\rيؤدي المعنى الذي فهمه من اللفظ النبوي دون غيره مع احتمال أن يكون ما أخل به هو المقصود، أو بعض المقصود، فلا يكون وافيا بالغرض من اللفظ، وربما اختل المقصود من اللفظ بالكلية بتقدير تعدد النقلة بأن ينقل كل واحد ما سمعه من الراوي الذي قبله بألفاظ غير ألفاظه على حسب ما يعقله من لفظه، مع التفاوت اليسير في المعنى، حتى ينتهي المعنى الاخير إلى مخالفة المعنى المقصود باللفظ النبوي بالكلية، وهو ممتع.","part":2,"page":104},{"id":400,"text":"الثاني: أن خبر النبي، (ص)، قول تعبدنا باتباعه، فلا يجوز تبديله بغيره، كالقرآن وكلمات الاذان والتشهد والتكبير.\rوالجواب عن النص من وجهين: الاول: القول بموجبه، وذلك لان من نقل معنى اللفظ من غير زيادة ولا نقصان يصح أن يقال أدى ما سمع كما سمع ولهذا، يقال لمن ترجم لغة إلى لغة، ولم يغير المعنى، أدى ما سمع كما سمع.\rويدل على أن المراد من الخبر إنما هو نقل المعنى دون اللفظ ما ذكره من التعليل، وهو اختلاف الناس في الفقه، إذ هو المؤثر في اختلاف المعنى.\rوأما الالفاظ التي لا يختلف اجتهاد الناس في قيام بعضها مقام بعض، فذلك مما يستوي فيه الفقيه والافقه ومن ليس بفقيه، ولا يكون مؤثرا في تغيير المعنى.\rالثاني: أن هذا الخبر بعينه يدل على جواز نقل الخبر بالمعنى دون اللفظ، وذلك لان الظاهر أن الخبر المروي حديث واحد، والاصل عدم تكرره من النبي (ص).\rومع ذلك فقد روي بألفاظ مختلفة، فإنه قد روي نضر الله امرا، ورحم الله امرأ، ورب حامل فقه غير فقيه وروي لا فقه له.\rوعن المعنى الاول من المعقول أن الكلام إنما هو مفروض في نقل المعنى من غير زيادة ولا نقصان، حتى إنه لو ظهرت فيه الزيادة والنقصان لم يكن جائزا.\rوعن الثاني بالفرق بين ما نحن فيه وما ذكروه من الاصول المقيس عليها.\rأما القرآن فلان المقصود من ألفاظه الاعجاز، فتغييره مما يخرجه عن الاعجاز، فلا يجوز.\rولا كذلك الخبر، فإن المقصود منه المعنى دون اللفظ.\rولهذا، فإنه لا يجوز التقديم والتأخير في القرآن، وإن لم يختلف المعنى، كما لو قال بدل اسجدي اركعي، واركعي واسجدي.\rولا كذلك في الخبر.\rوأما كلمات الاذان والتشهد والتكبير، فالمقصود منها إنما هو التعبد بها.\rوذلك لا يحصل بمعناها، والمقصود من الخبر هو المعنى دون اللفظ.\rكيف وإنه ليس قياس الخبر على ما ذكروه أولى من قياسه على الشهادة حيث تجوز الشهادة على شهادة الغير مع اتحاد المعنى، وإن كان اللفظ مختلفا.","part":2,"page":105},{"id":401,"text":"المسألة الثانية إذا أنكر الشيخ رواية الفرع عنه، فلا يخلو إما أن يكون إنكاره لذلك إنكار جحود وتكذيب للفرع، أو إنكار نسيان وتوقف فإن كان الاول، فلا خلاف في امتناع العمل بالخبر، لان كل واحد منهما مكذب للآخر فيما يدعيه، ولا بد من كذب أحدهما، وهو موجب للقدح في الحديث.\rغير أن ذلك لا يوجب جرح واحد منهما على التعيين، لان كل واحد منهما عدل، وقد وقع الشك في كذبه.\rوالاصل العدالة، فلا تترك بالشك.\rوتظهر فائدة ذلك في قبول رواية كل واحد منهما في غير ذلك الخبر.\rوأما إن كان الثاني، فقد اختلفوا في قبول ذلك الخبر والعمل به: فذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل في أصح الروايتين عنه وأكثر المتكلمين إلى جواز العمل به، خلافا للكرخي وجماعة من أصحاب أبي حنيفة ولاحمد بن حنبل في الرواية الاخرى عنه.\rودليله الاجماع، والمعقول.\rأما الاجماع، فما روي أن ربيعة بن أبي عبد الرحمن روى عن سهيل بن أبي صالح\rعن أبيه عن أبي هريرة عن النبي، (ص)، أنه قضى باليمين مع الشاهد، ثم نسيه سهيل، فان يقول.\rحدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي هريرة عن النبي، (ص)، ويرويه هكذا.\rولم ينكر عليه أحد من التابعين ذلك.\rفكان إجماعا منهم على جوازه.","part":2,"page":106},{"id":402,"text":"وأما المعقول فمن وجهين: الاول أن الفرع عدل، وهو جازم بروايته عن الاصل، والاصل غير مكذب له، وهما عدلان، فوجب قبول الرواية والعمل بها.\rالثاني أن نسيان الاصل للرواية لا تزيد على موته وجنونه، ولو مات أو جن، كانت رواية الفرع عنه مقبولة، ويجب العمل بها إجماعا، فكذلك، إذا نسي.\rفإن قيل: أما الاستدلال بقضية ربيعة، فلا حجة فيه، لاحتمال أن سهيلا ذكر الرواية برواية ربيعة عنه، ومع الذكر فالرواية تكون مقبولة.\rثم هو معارض بما روي أن عمار بن ياسر قال لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه أما تذكر يا أمير المؤمنين، لما كنا في الابل، فأجنبت فتمعكت في التراب، ثم سألت النبي، (ص)، فقال: إنما يكفيك أن تضرب بيديك فلم يقبل عمر من عمار ما رواه، مع كونه عدلا عنده، لما كان ناسيا له.\rوأما ما ذكرتموه من المعقول، فالاصل وإن لم يكن مكذبا للفرع، غير أن نسيانه لما نسب إليه يجب أن يكون مانعا من العمل به، كما لو ادعى مدع أن الحاكم حكم له بشئ فقال الحاكم: لا أذكر ذلك، فأقام المدعي شاهدين شهدا بذلك، فإنه لا يقبل.\rوكذلك إذا أنكر شاهد الاصل شهادة الفرع عليه على سبيل النسيان، فإن الشهادة لا تقبل.\rوالجواب عن قولهم إن سهيلا ذكر الرواية.\rقلنا: لو كان كذلك، لانطوى ذكر ربيعة، وكان يروي عن شيخه، كما لو نسي، ثم تذكر بنفسه، وأما رد عمر\rلرواية عمار عند نسيانه، فليس نظيرا لما نحن فيه.\rفإن عمارا لم يكن راويا عن عمر، بل عن النبي، (ص).\rوحيث لم يعمل عمر بروايته، فلعله كان شاكا في روايته، أو كأن ذلك كان مذهبا له، فلا يكون حجة على غيره من المجتهدين على ما سيأتي تقريره.","part":2,"page":107},{"id":403,"text":"وأما الحاكم إذا نسي ما حكم به، وشهد شاهدان بحكمه، فقد قال مالك وأبو يوسف: يلزمه الحكم بشهادتهما.\rوعندنا، وإن لم يجب عليه ذلك، فهو واجب على غيره من القضاة.\rوأما القياس على الشهادة، فلا يصح، لان باب الشهادة أضيق من باب الرواية، وقد اعتبر فيها من الشروط والقيود ما لم يعتبر في الرواية، وذلك كاعتبار العدد والحرية والذكورة، ولا يقبل فيها العنعنة، ولا تصح الشهادة على الشهادة من وراء حجاب.\rولو قال أعلم بدل قوله أشهد لا يصح، ولا كذلك في الرواية، فامتنع القياس.\rالمسألة الثالثة إذا روى جماعة من الثقات حديثا، وانفرد واحد منهم بزيادة في الحديث لا تخالف المزيد عليه، كما لو روى جماعة أن النبي، (ص)، دخل البيت، وانفرد واحد منهم بزيادة، فقال: دخل البيت وصلى، فلا يخلو إما أن يكون مجلس الرواية مختلفا بأن يكون المنفرد بالزيادة روايته عن مجلس غير مجلس الباقين، أو أن مجلس الرواية متحد، ويجهل الامران.\rفإن كان المجلس مختلفا، فلا نعرف خلافا في قبول الزيادة، لاحتمال أن يكون النبي، (ص)، قد فعل الزيادة في أحد المجلسين دون الآخر، والراوي عدل ثقة، ولم يوجد ما يقدح في روايته، فكانت روايته مقبولة.\rولهذا، فإنه لو روى حديثا لم ينقله غيره مع عدم حضوره لم يقدح ذلك في روايته، وكذلك لو شهد اثنان على شخص بألفي درهم لزيد في مجلس، وشهدت بينة أخرى عليه في مجلس آخر بألف،\rلا يكون ذلك قادحا في الالف الزائدة، مع أن باب الشهادة أضيق من باب الرواية، كما قررنا.\rوأما إن اتحد المجلس، فإن كان من لم يرو الزيادة قد انتهوا إلى عدد لا يتصور في العادة غفلة مثلهم عن سماع تلك الزيادة وفهمها، فلا يخفى أن تطرق الغلط والسهو إلى الواحد فيما نقله من الزيادة، يكون أولى من تطرق ذلك إلى العدد المفروض،","part":2,"page":108},{"id":404,"text":"فيجب ردها، وإن لم ينتهوا إلى هذا الحد، فقد اتفق جماعة الفقهاء والمتكلمين على وجوب قبول الزيادة، خلافا لجماعة من المحدثين ولاحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه.\rودليل ذلك أن الراوي عدل ثقة، وقد جزم بالرواية، وعدم نقل الغير لها فلاحتمال أن يكون من لم ينقل الزيادة قد دخل في أثناء المجلس وسمع بعض الحديث أو خرج في أثناء المجلس لطارئ أوجب له الخروج قبل سماع الزيادة.\rوبتقدير أن يكون حاضرا من أول المجلس إلى آخره، فلاحتمال أن يكون قد طرأ ما شغله عن سماع الزيادة وفهمها من سهو أو ألم أو جوع أو عطش مفرط أو فكرة في أمر مهم، أو اشتغال بحديث مع غيره والتفات إليه، أو أنه نسيها بعد ما سمعها.\rومع تطرق هذه الاحتمالات، وجزم العدل بالرواية، لا يكون عدم نقل غيره للزيادة قادحا في روايته.\rفإن قيل: هذه الاحتمالات وإن كانت منقدحة في حق من لم يرو الزيادة، فاحتمال الغلط والسهو على الناقل للزيادة أيضا منقدح.\rوذلك، بأن يتوهم أنه سمع تلك الزيادة، ولم يكن قد سمعها، أو أنه سمعها من غير الرسول، وتوهم سماعها من الرسول، أو أنه ذكرها على سبيل التفسير والتأويل، فظن السامع أنها زيادة في الحديث المروي، وذلك، كما روى ابن عباس عن النبي، (ص) أنه نهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفى.\rقال ابن عباس: ولا أحسب غير الطعام إلا كالطعام فأدرجه\rبعض الرواة في الحديث.\rوكذلك ما روي عن النبي (ص) أنه قال: فإذا زادت الابل على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة فظن الراوي أن الاستئناف إعادة للفرض الاول في المائة الاولى، فقال: في كل خمس شاة.\rوأدرج ذلك في كلام النبي، (ص).\rومع تعارض الاحتمالات، فليس العمل بالزيادة أولى من تركها، بل الترجيح بجانب الترك لوجهين:","part":2,"page":109},{"id":405,"text":"الاول: أن احتمال تطرق الغلط والسهو على الواحد أكثر من احتمال تطرقه إلى الجماعة.\rالثاني أن الترك على وفق النفي الاصلي، والاثبات على خلافه، فكان أولى، ولهذا، فإنه لو اجتمع المقومون على قيمة متلف، وخالفهم واحد بزيادة في تقويمه في القيمة، فإن الزيادة تلغى بالاجماع.\rوالجواب عما عارضوا به من السهو في حق راوي الزيادة، أنه وإن كان منقدحا، غير أن ما ذكرناه من الاحتمالات في حق من لم يرو الزيادة أكثر، ولان سهو الانسان عما سمعه يكون أكثر من سهوه فيما لم يسمعه أنه سمعه.\rوما ذكروه من الزيادة بناء على احتمال التفسير والتأويل، وإن كان قائما، غير أنه في غاية البعد، إذ الظاهر من حال العدل الثقة أنه لا يدرج في كلام النبي، (ص)، ما ليس فيه، لما فيه من التدليس والتلبيس.\rولو جوز مثل ذلك فما من حديث إلا ويمكن أن يتطرق إليه هذا الاحتمال.\rويلزم من ذلك إبطال جميع الاحاديث.\rوما ذكروه من الترجيح الاول فغير مطرد فيما إذا كان عدد الناقل للزيادة مساويا لعدد الآخرين، وهو من جملة صور النزاع وبتقدير أن يكون أكثر، فقد بينا أن الترجيح بجانب الواحد.\rوما ذكروه من الترجيح الثاني فهو معارض بما إذا كانت الزيادة مقتضية\rلنفي حكم، لولاها لثبت.\rوأما التقويم فحاصله يرجع إلى ظن وتخمين، بطريق الاجتهاد.\rولا يخفى أن تطرق الخطإ في ذلك إلى الواحد أكثر من تطرقه إلى الجمع، بخلاف الرواية، فإنها لا تكون إلا بنقل ما هو محسوس بالسمع، وتطرق الخطإ إليه بعيد.\rوأما إن جهل الحال في أن الرواية عن مجلس واحد أو مجالس مختلفة، فالحكم على ما سبق فيما إذا اتحد المجلس، وقبول الزيادة فيه أولى، نظرا إلى احتمال اختلاف مجلس الرواية.\rهذا كله فيما إذا لم تكن الزيادة مخالفة للمزيد عليه","part":2,"page":110},{"id":406,"text":"وأما إن كانت مخالفة له، بحيث لا يمكن الجمع بينهما، فالظاهر التعارض خلافا لبعض المعتزلة.\rوعلى هذا، لو روى الواحد الزيادة مرة، وأهملها مرة، في حديث واحد، فالتفصيل والحكم على ما تقدم فيما إذا تعددت الرواة.\rفعليك بالاعتبار.\rوكذلك الخلاف فيما إذا أسند الخبر واحد، وأرسله الباقون، أو رفعه إلى النبي، (ص)، وأوقفه الباقون على بعض الصحابة.\rالمسألة الرابعة إذا سمع الراوي خبرا وأراد نقل بعضه وحذف بعضه، فلا يخلو إما أن يكون الخبر متضمنا لاحكام لا يتعلق بعضها ببعض، أو يتعلق بعضها ببعض.\rفإن كان الاول كقوله المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم فلا نعرف خلافا في جواز نقل البعض وترك البعض.\rفإن ذلك بمنزلة أخبار متعددة، ومن سمع أخبارا متعددة، فله رواية البعض دون البعض، وإن كان الاولى إنما هو نقل الخبر بتمامه، لقوله، (ص): نضر الله امرأ سمع\rمقالتي، فوعاها، فأداها كما سمعها.\rوإن كان الثاني، وذلك بأن يكون الخبر مشتملا على ذكر غاية.\rكنهيه (ص) عن بيع الطعام، حتى تحوزه التجار إلى رحالهم وكنهيه عن بيع الثمار حتى تزهى، أو شرط كقوله من قاء أو رعف أو أمذى، فليتوضأ وضوءه للصلاة، أو استثناء: كقوله: لا تبيعوا البر بالبر إلى قوله إلا سواء بسواء مثلا بمثل فإذا ذكر بعض الخبر.\rوقطعه عن الغاية أو الشرط أو الاستثناء فهو غير جائز لما فيه من تغيير الحكم وتبديل الشرع.","part":2,"page":111},{"id":407,"text":"المسألة الخامسة خبر الواحد إذا ورد موجبا للعمل فيما تعم به البلوى كخبر ابن مسعود في نقض الوضوء بمس الذكر، وخبر أبي هريرة في غسل اليدين عند القيام من نوم الليل، وخبره في رفع اليدين في الركوع، والاكل في الصوم ناسيا ونحوه، مقبول عند الاكثرين، خلافا للكرخي وبعض أصحاب أبي حنيفة.\rدليل ذلك النص، والاجماع، والمعقول، والالزام: وأما النص، فقوله تعالى: * (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) * (9) التوبة: 122) أوجب الانذار على كل طائفة خرجت للتفقه في الدين، وإن كانت آحادا، وهو مطلق فيمتعم به البلوى، وما لا تعم.\rولولا أنه واجب القبول لما كان لوجوبه فائدة، وتقريره كما سبق، وأما الاجماع فهو أن الصحابة اتفقت على العمل بخبر الواحد فيما تعم به البلوى.\rفمن ذلك ما روي عن ابن عمر أنه قال كنا نخابر أربعين سنة لا نرى بذلك بأسا، حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي، (ص)، نهى عن ذلك، فانتهينا ومن ذلك رجوع الصحابة بعد اختلافهم في وجوب الغسل بالتقاء الختانين من\rغير إنزال، إلى خبر عائشة وهو قولها إذا التقى الختانان، وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل، فعلته أنا ورسول الله، (ص)، واغتسلنا ومن ذلك رجوع أبي بكر وعمر في سدس الجدة لما قال لها لا أجد لك في كتاب الله شيئا خبر المغيرة، وهو قوله إن النبي، (ص)، أطعمها السدس، وصار ذلك إجماعا.\rوأما المعقول، فمن وجهين:","part":2,"page":112},{"id":408,"text":"الاول أن الراوي عدل ثقة، وهو جازم بالرواية فيما يمكن فيه صدقه، وذلك يغلب على الظن صدقه، فوجب تصديقه كخبره فيما لا تعم به البلوى.\rالثاني أنه يغلب على الظن، فكان واجب الاتباع، كالقياس، والمسألة ظنية، فكان الظن فيها حجة.\rوأما الالزام فهو أن الوتر وحكم الفصد والحجامة والقهقهة في الصلاة ووجوب الغسل من غسل الميت وإفراد الاقامة وتثنيتها فمن قبيل ما تعم به البلوى، ومع ذلك فقد أثبتها الخصوم بأخبار الآحاد فإن قيل لا نسلم إجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد فيما تعم به البلوى، فإن أبا بكر رد خبر المغيرة في الجدة وما ذكرتموه من المعقول فمبني على أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى مظنون، وليس كذلك.\rوبيانه من وجهين.\rالاول: أن ما تعم به البلوى، كخروج الخارج من السبيلين، ومس الذكر، مما يتكرر في كل وقت.\rفلو كانت الطهارة مما تنتقض به، لوجب على النبي (ص)، إشاعته وأن لا يقتصر على مخاطبة الآحاد به، بل يلقيه على عدد التواتر مبالغة في إشاعته، حتى لا يفضي ذلك إلى إبطال صلاة أكثر الخلق، وهم لا يشعرون، فحيث لم ينقله سوى الواحد دل على كذبه.\rالثاني: أن ذلك مما يكثر السؤال عنه، والجواب والدواعي متوفرة على نقله.\rفحيث انفرد به الواحد دل على كذبه، كانفراد الواحد بنقل قتل أمير البلد في السوق بمشهد من الخلق وطروء حادثة منعت الناس من صلاة الجمعة، وإن الخطيب سب الله ورسوله على رأس المنبر، إلى غير ذلك من الوقائع.\rولهذا، فإنه لما كان القرآن مما تعم به البلوى بمعرفته امتنع إثباته بخبر الواحد.\rوأما ما ذكرتموه من الالزامات فغير مساوية في عموم البلوى لمس الذكر، فلا تكون في معناه.\rوالجواب: عن رد أبي بكر بخبر المغيرة في الجدة أنه لم يكن مطلقا.\rولهذا عمل به لما تابعه على ذلك محمد بن مسلمة، وخبرهما غير خارج عن الآحاد.","part":2,"page":113},{"id":409,"text":"وما ذكروه في الوجه الاول من التكذيب فإنما يصح أن لو كان النبي، (ص)، مكلفا بالاشاعة على لسان أهل التواتر، وهو غير مسلم.\rقولهم إنه يلزم من عدم ذلك إبطال صلاة أكثر الخلق، لا نسلم فإن من لم يبلغه ذلك، فالنقض غير ثابت في حقه.\rولا تكليف بمعرفة ما يقم عليه دليل.\rوما ذكروه في الوجه الثاني فإنما يلزم توفر الدواعي على نقله إن لو كان لا طريق إلى إثباته سوى النقل المتواتر.\rوأما إذا كان طريق معرفة ذلك إنما هو الظن، فخبر الواحد كاف فيه.\rولهذا، جاز إثباته بالقياس إجماعا، وما استشهدوا به من الوقائع فغير مناظرة لما نحن فيه، إذ الطباع مما تتوفر على نقلها وإشاعتها عادة، فانفراد الواحد يدل على كذبه.\rثم ما ذكروه من الوجهين منتقض عليهم، حيث عملوا بأخبار الآحاد فيما ذكرناه من صور الالزام، ومس الذكر وإن كان أعم في الوقوع من تلك الصور، فذلك لا يخرج تلك الصورة عن كونها واقعة في عموم البلوى.\rوأما القرآن فإنما امتنع إثباته بخبر الواحد، لا لانه مما تعم به البلوى، بل لانه\rالمعجز في إثبات نبوة النبي، (ص)، وطريق معرفته متوقف على القطع.\rولذلك وجب على النبي إشاعته وإلقاؤه على عدد التواتر.\rولا كذلك ما نحن فيه.\rفإن الظن كاف فيه.\rولذلك، يجوز إثباته بالقياس، وما عدا القرآن مما أشيع إشاعة اشترك فيها الخاص والعام، كالعبادات الخمس، وأصول المعاملات كالبيع والنكاح والطلاق والعتاق، وغير ذلك من الاحكام مما كان يجوز أن لا يشيع، فذلك إما بحكم الاتفاق، وإما لانه، (ص)، كان متعبدا بإشاعته.\rوالله أعلم.","part":2,"page":114},{"id":410,"text":"المسألة السادسة إذا روى الصحابي خبرا، فلا يخلو إما أن يكون مجملا، أو ظاهرا، أو نصا قاطعا في متنه.\rفإن كان مجملا مشتركا بين محامل على السوية، كلفظ القروء ونحوه، فإن حمله الراوي على بعض محامله، فإن قلنا إن اللفظ المشترك ظاهر العموم في جميع محامله، كما سيأتي تقريره، فهو القسم الثاني، وسيأتي الكلام فيه.\rوإن قلنا بامتناع حمله على جميع محامله، فلا نعرف خلافا في وجوب حمل الخبر على ما حمله الراوي عليه، لان الظاهر من حال النبي، (ص)، أنه لا ينطق باللفظ المجمل، لقصد التشريع وتعريف الاحكام، ويخليه عن قرينة حالية أو مقالية تعين المقصود من الكلام.\rوالصحابي الراوي المشاهد للحال أعرف بذلك من غيره، فوجب الحمل عليه.\rولا يبعد أن يقال بأن تعيينه لا يكون حجة على غيره من المجتهدين، حتى ينظر، فإن انقدح له وجه يوجب تعيين غير ذلك الاحتمال، وجب عليه اتباعه، وإلا فتعيين الراوي صالح للترجيح، فيجب اتباعه.\rوأما إن كان اللفظ ظاهرا في معنى، وحمله الراوي على غيره، فمذهب الشافعي وأبي الحسين الكرخي وأكثر الفقهاء أنه يجب الحمل على ظاهر الخبر دون، تأويل الراوي: ولهذا، قال الشافعي كيف أترك الخبر لاقوال أقوام، لو عاصرتهم لحاججتهم بالحديث ؟\rوذهب بعض أصحاب أبي حنيفة وغيرهم إلى وجوب العمل بمذهب الراوي.\rوقال القاضي عبد الجبار إن لم يكن لمذهب الراوي وتأويله وجه، سوى علمه بقصد النبي (ص)، لذلك التأويل، وجب المصير إليه.\rوإن لم يعلم ذلك بل جوز أن يكون قد صار إليه لدليل ظهر له، من نص أو قياس وجب النظر إلى ذلك الدليل، فإن كان مقتضيا لما ذهب إليه، وجب المصير إليه، وإلا فلا.\rوهذا اختيار أبي الحسين البصري.\rوالمختار أنه إن علم مأخذه في المخالفة، وكان ذلك مما يوجب حمل الخبر على ما ذهب إليه الراوي، وجب اتباع ذلك الدليل، لا لان الراوي عمل به، فإنه ليس عمل أحد المجتهدين حجة على الآخر.","part":2,"page":115},{"id":411,"text":"وإن جهل مأخذه فالواجب العمل بظاهر اللفظ، وذلك لان الراوي عدل، وقد جزم بالرواية عن النبي، (ص)، وهو الاصل في وجوب العمل بالخبر، ومخالفة الراوي له، فيحتمل أنه كان لنسيان طرأ عليه، ويحتمل أنه كان لدليل اجتهد فيه، وهو مخطئ فيه، أو هو مما يقول به دون غيره من المجتهدين، كما عرف من مخالفة مالك، لخبر خيار المجلس، بما رآه من إجماع أهل المدينة على خلافه.\rويحتمل أنه علم ذلك علما لا مراء فيه، من قصد النبي له.\rوإذا تردد بين هذه الاحتمالات، فالظاهر لا يترك بالشك والاحتمال.\rوعلى كل تقدير فبمخالفته للخبر، لا يكون فاسقا، حتى يمتنع العمل بروايته.\rوبهذا، يندفع قول الخصم إنه إن أحسن الظن بالراوي وجب حمل الخبر على ما حمله عليه، وإن أسيئ به الظن امتنع العمل بروايته.\rوأما إن كان الخبر نصا في دلالته، غير محتمل للتأويل والمخالفة، فلا وجه لمخالفة الراوي له، سوى احتمال اطلاعه على ناسخ، ولعله يكون ناسخا في نظره،\rولا يكون ناسخا عند غيره من المجتهدين.\rوما ظهر في نظره لا يكون حجة على غيره.\rوإذا كان ذلك محتملا، فلا يترك النص الذي لا احتمال فيه، لامر يحتمل.\rالمسألة السابعة خبر الواحد العدل، إذا ثبت أن النبي، (ص)، عمل بخلافه، فلا يرد له الخبر،، إن لم يكن النبي، (ص)، داخلا تحت عمومه، أو كان داخلا تحت عمومه، لكنه قام الدليل على أن ما فعله من خواصه التي لا يشاركه فيها أحد وإن لم يكن من خواصه فيجب العمل بالراجح من الفعل أو الخبر، إن تعذر تخصيص أحدهما بالآخر.\rوإن عمل بخلافه أكثر الامة، فهبعض الامة، فلا يرد الخبر بذلك إجماعا، وإن خالف باقي الحفاظ للراوي فيما نقله.\rفالمختار الوقف في ذلك نظرا إلى أن تطرق السهو والخطإ إلى الجماعة، وإن كان أبعد من تطرقه إلى الواحد، غير أن تطرق السهو إلى ما لم يسمع أنه سمع أبعد من تطرق السهو إلى ما سمع أنه لم يسمع.","part":2,"page":116},{"id":412,"text":"المسألة الثامنة اتفقت الشافعية والحنابلة وأبو يوسف وأبو بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة، وأكثر الناس على قبول خبر الواحد فيما يوجب الحد، وفي كل ما يسقط بالشبهة، خلافا لابي عبد الله البصري والكرخي.\rودليل ذلك أنه يغلب على الظن، فوجب قبوله لقوله، (ص): نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر ولانه حكم يجوز إثباته بالظن، بدليل ثبوته بالشهادة، وبظاهر الكتاب، فجاز إثباته بخبر الواحد كسائر الاحكام الظنية، والمسألة ظنية، فكان الظن كافيا فيها.\rوسقوطه بالشبهة لو كان، لكان مانعا من الاعمال، والاصل عدم ذلك، وعلى من يدعيه بيانه.\rفإن قيل: خبر الواحد مما يدخله احتمال الكذب، فكان ذلك شبهة في درء الحد، لقوله، (ص) ادرؤوا الحدود بالشبهات فهو باطل بإثباته بالشهادة، فإنها محتملة\rللكذب، ومع ذلك يثبت بها.","part":2,"page":117},{"id":413,"text":"المسألة التاسعة خبر الواحد، إذا خالف القياس، فإما أن يتعارضا من كل وجه بأن يكون أحدهما مثبتا لما نفاه الآخر، أو من وجه دون وجه، بأن يكون أحدهما مخصصا للآخر.\rفإن كان الاول، فقد قال الشافعي، رضي الله عنه، وأحمد بن حنبل، والكرخي، وكثير من الفقهاء أن الخبر مقدم على القياس.\rوقال أصحاب مالك: يقدم القياس.\rوقال عيسى بن أبان: إن كان الراوي ضابطا عالما غير متساهل فيما يرويه، قدم خبره على القياس، وإلا فهو موضع اجتهاد.\rوفضل أبو الحسين البصري، فقال: علة القياس الجامعة أن تكون منصوصة أو مستنبطة: فإن كانت منصوصة، فالنص عليها إما أن يكون مقطوعا به، أو غير مقطوع: فإن كان مقطوعا به، وتعذر الجمع بينهما، وجب العمل بالعلة، لان النص على العلة كالنص على حكمها، وهو مقطوع به،، وخبر الواحد مظنون، فكانت مقدمة.\rوإن لم يكن النص على العلة مقطوعا به، ولا حكمها في الاصل مقطوعا به، فيجب الرجوع إلى خبر الواحد لاستواء النصين في الظن، واختصاص خبر الواحد بالدلالة على الحكم بصريحه من غير واسطة، بخلاف النص الدال على العلة فإنه إنما يدل على الحكم بواسطة العلة، وإن كان حكمها ثابتا قطعا فذلك موضع الاجتهاد.\rوإن كانت العلة مستنبطة فحكم الاصل إما أن يكون ثابتا بخبر واحد أو بدليل مقطوع به: فإن كان ثابتا بخبر واحد فالاخذ بالخبر أولى، وإن كان ثابتا قطعا، قال فينبغي أن يكون هذا موضع الاختلاف بين الناس.\rومختاره أنه مجتهد فيه وقال القاضي أبو بكر بالوقف.\rوالمختار في ذلك أن يقال: إما أن يكون متن خبر الواحد قطعيا، أو ظنيا: فإن كان متنه قطعيا، فعلة القياس إما أن تكون منصوصة، أو مستنبطة فإن كانت منصوصة وقلنا إن التنصيص على علة القياس لا يخرجه عن القياس - فالنص","part":2,"page":118},{"id":414,"text":"الدال عليها إما أن يكون مساويا في الدلالة لخبر الواحد، أو راجحا عليه، أو مرجوحا: فإن كان مساويا فخبر الواحد أولى لدلالته على الحكم من غير واسطة، ودلالة نص العلة على حكمها بواسطة.\rوإن كان مرجوحا، فخبر الواحد أولى مع دلالته على الحكم من غير واسطة وإن كان راجحا على خبر الواحد، فوجود العلة في الفزع إما أن يكون مقطوعا به أو مظنونا: فإن كان مقطوعا، فالمصير إلى القياس أولى، وإن كان وجودها فيه مظنونا، فالظاهر الوقف، لان نص العلة، وإن كان في دلالته على العلة راجحا، غير أنه إنما يدل على الحكم بواسطة العلة، وخبر الواحد لا بواسطة، فاعتدلا.\rوأما إن كانت العلة مستنبطة، فالخبر مقدم على القياس مطلقا.\rودليله النص، والاجماع، والمعقول.\rأما النص فما روي عن النبي، (ص)، أنه قال لمعاذ، حيث بعثه إلى اليمن قاضيا بم تحكم ؟ - قال: بكتاب الله - قال: فإن لم تجد ؟ قال: بسنة رسول الله - قال: فإن لم تجد ؟ قال أجتهد رأيي، ولا آلو، أخر العمل بالقياس عن السنة من غير تفصيل بين المتواتر والآحاد.\rوالنبي (ص)، أقره على ذلك، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه الله ورسوله.\rوإما الاجماع، فهو أن عمر، رضي الله عنه ترك القياس في الجنين لخبر حمل\rبن مالك، وقال: لولا هذا، لقضينا فيه برأينا وأيضا ما روي عنه أنه ترك القياس، في تفريق دية الاصابع على قدر منافعها، بخبر الواحد الذي روى فكل إصبع عشر من الابل، وترك اجتهاده.\rوأيضا، فإنه ترك اجتهاده في منع ميراث المرأة من دية زوجها بخبر الواحد، وقال: أعيتهم الاحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا وكان ذلك مشهورا فيما بين الصحابة، ولم ينكر عليه منكر، فصار إجماعا.","part":2,"page":119},{"id":415,"text":"وأما المعقول، فهو أن خبر الواحد راجح على القياس، وأغلب على الظن، فكان مقدما عليه.\rوبيان ذلك أن الاجتهاد في الخبر واحتمال الخطإ فيه أقل من القياس، لان خبر الواحد لا يخرج الاجتهاد فيه عن عدالة الراوي، وعن دلالته على الحكم، وعن كونه حجة معمولا بها، فهذه ثلاثة أمور.\rوأما القياس فإنه إن كان حكم أصله ثابتا بخبر الواحد، فهو مفتقر إلى الاجتهاد في الامور الثلاثة.\rوبتقدير أن يكون ثابتا بدليل مقطوع به، فيفتقر إلى الاجتهاد في كون الحكم في الاصل مما يمكن تعليله أو لا.\rوبتقدير إمكان تعليله، فيفتقر إلى الاجتهاد في إظهار وصف صالح للتعليل.\rوبتقدير ظهور وصف صالح يفتقر إلى الاجتهاد في نفي المعارض له في الاصل.\rوبتقدير سلامته عن ذلك، يفتقر إلى الاجتهاد في وجوده في الفرع.\rوبتقدير وجوده فيه، يفتقر إلى الاجتهاد في نفي المعارض في الفرع من وجود مانع أو فوات شرط.\rوبتقدير انتفاء ذلك، يحتاج إلى النظر في كونه حجة.\rفهذه سبعة أمور لا بد من النظر فيها.\rوما يفتقر في دلالته إلى بيان ثلاثة أمور لا غير، فاحتمال الخطا فيه يكون أقل احتمالا من احتمال الخطإ فيما يفتقر في بيانه إلى سبعة أمور.\rفكان خبر الواحد أولى.\rوربما قيل في ترجيح خبر الواحد هاهنا وجوه أخر واهية آثرنا الاعراض عن ذكرها، لظهور فسادها بأول نظر.\rفإن قيل: أما ما ذكرتموه من خبر معاذ، فقد خالفتموه فيما إذا كانت العلة الجامعة في القياس مقطوعا بعليتها وبوجودها في الفرع، كما تقدم.\rوما ذكرتموه من الاجماع على تقديم خبر الواحد على القياس، فغير مسلم.\rفإن ابن عباس قد خالف في ذلك حيث إنه لم يقبل خبر أبي هريرة فيما رواه عن النبي (ص) من قوله: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا لكونه مخالفا للقياس.\rوأيضا فإنه رد خبر أبي هريرة في التوضي مما مست النار بالقياس وقال: ألسنا نتوضأ بماء الحميم، فكيف نتوضأ بما عنه نتوضأ ؟.","part":2,"page":120},{"id":416,"text":"وأما ما ذكرتموه من الترجيح، فهو معارض لما يتطرق إلى الخبر من احتمال كذب الراوي، وأن يكون في نفسه كافرا أو فاسقا أو مخطئا.\rواحتمال الاجمال في دلالة الخبر والتجوز والاضمار والنسخ، وكل ذلك غير متطرق إلى القياس.\rوأيضا، فإن القياس يجوز به تخصيص عموم الكتاب، وهو أقوى من خبر الواحد، فكان ترك خبر الواحد بالقياس أولى، وأيضا، فإن الظن بالقياس يحصل للمجتهد من جهة نفسه واجتهاده، والظن الحاصل من خبر الواحد يحصل له من جهة غيره.\rوثقة الانسان بنفسه أتم من ثقته بغيره.\rوأيضا، فإن خبر الواحد، بتقدير إكذاب المخبر لنفسه، يخرج الخبر عن كونه شرعيا، ولا كذلك القياس.\rوالجواب: قولهم إنكم خالفتم خبر معاذ، قلنا: غايته أنا خصصناه في صورة لمعنى لم يوجد فيما نحن فيه، فبقينا عاملين بعمومه فيما عدا تلك الصورة.\rقولهم إن ابن عباس قد رد خبر أبي هريرة بالقياس فيما ذكروه، ليس كذلك.\rأما رده لخبر غسل اليدين، فإنما يمكن الاحتجاج به، أن لو كان قد رده لمخالفة القياس المقتضي لجواز غسل اليدين من ذلك الاناء، وليس كذلك.\rأما أولا، فلانا لا نسلم وجود القياس المقتضي لذلك.\rوبتقدير تسليمه، فهو إنما رده لا للقياس، بل لانه لا يمكن الاخذ به.\rولهذا قال ابن عباس: فماذا تصنع بالمهراس.\rوالمهراس كان حجرا عظيما يصب فيه الماء لاجل الوضوء.\rفاستبعد الاخذ بالخبر لاستبعاده صب الماء من المهراس على اليد.\rوقد وافق ابن عباس على ما تخيله من الاستبعاد عائشة حيث قالت: رحم الله أبا هريرة لقد كان رجلا مهذارا، فماذا يصنع بالمهراس ؟.\rوأما تركه لخبر التوضي مما مست النار، فلم يكن بالقياس، بل بما روي عن النبي، (ص)، أنه أكل كتف شاة مصلية، وصلى، ولم يتوضأ.\rثم ذكر القياس بعد معارضته بالخبر.","part":2,"page":121},{"id":417,"text":"وأما ما ذكروه من ترجيحات القياس على خبر الواحد فمندفعة.\rأما تطرق احتمال الكذب والكفر والفسق والخطإ إلى الراوي، وإن كان منقدحا، فمثله متطرق إلى دليل حكم الاصل، إذا كان ثابتا بخبر الواحد.\rوهو من جملة صور النزاع.\rوبتقدير ثبوته بدليل مقطوع به، فلا يخفى أن تطرق ذلك إلى من ظهرت عدالته وإسلامه أبعد من تطرق الخطإ إلى القياس في اجتهاده فيما ذكرناه من احتمالات الخطإ في القياس، لكونه معاقبا على الكذب والكفر والفسق، بخلاف الخطإ في الاجتهاد، فإنه غير معاقب عليه، بل مثاب.\rوما ذكروه من تطرق التجوز والاشتراك والنسخ إلى خبر الواحد، فذلك مما لا يوجب ترجيح القياس عليه، بدليل الظاهر من الكتاب والسنة المتواترة.\rفإن\rجميع ذلك متطرق إليه، وهو مقدم على القياس.\rقولهم إن القياس يجوز تخصيص عموم الكتاب به، قلنا: وكذلك خبر الواحد، فلا ترجيح من هذه الجهة.\rكيف وإنه لا يلزم من تخصيص الكتاب بالقياس، مع أنه غير معطل للكتاب، أن يكون معطلا لخبر الواحد بالكلية، إذ الكلام مفروض فيما إذا تعارضا وتعذر الجمع بينهما وقولهم إن الظن من القياس يحصل له من جهة نفسه، بخلاف خبر الواحد، قلنا: إلا أن تطرق الخطإ إليه أقرب من تطرقه إلى خبر الواحد لما سبق تقريره.\rوقولهم إن الخبر يخرج عن كونه شرعيا بإكذاب المخبر لنفسه بخلاف القياس.\rقلنا: وبتقدير الخطإ في القياس يخرج عن كونه قياسيا شرعيا، فاستويا.\rكيف وإن الترجيح للخبر من جهات أخرى غير ما ذكرناها أولا، وهو أنه مستند إلى كلام المعصوم، بخلاف القياس، فإنه مستند إلى اجتهاد المجتهد، وهو غير معصوم.\rوأيضا، فإن القياس مفتقر إلى جنس النص في إثبات حكم الاصل، وفي كونه حجة، وخبر الواحد غير مفتقر الى شرف القياس.\rوايضا فان خبر الواحد يصير قطعيا بما يعتضد بمن جنسه حتى يصير متواترا.\rولا كذلك القياس، فإنه لا ينتهي إلى القطع بما يعتضد به من جنس الاقيسة أصلا، فكان أولى.","part":2,"page":122},{"id":418,"text":"هذا كله فيما إذا تعارضا، وتعذر الجمع بينهما.\rوأما إن كان أحدهما أعم من الآخر، فإن كان الخبر هو الاعم، جاز أن يكون القياس مخصصا له، على ما سيأتي في تخصيص العموم.\rوإن كان القياس أعم من خبر الواحد، فإن قلنا: إن العلة لا تبطل بتقدير تخصيصها، وجب العمل بخبر الواحد فيما دل عليه، وبالقياس فيما عدا ذلك جمعا بينهما.\rوإن قلنا بأن العلة تبطل بتقدير تخصيصها، فالحكم فيها على ما عرف فيما إذا تعذر الجمع بين القياس وخبر الواحد.\rالمسألة العاشرة.\rاختلفوا في قبول الخبر المرسل، وصورته، ما إذا قال من لم يلق النبي، (ص)، وكان عدلا قال رسول الله فقبله أبو حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل في أشهر الروايتين عنه، وجماهير المعتزلة، كأبي هاشم.\rوفصل عيسى بن أبان، فقبل مراسيل الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، ومن هو من أئمة النقل مطلقا، دون من عدا هؤلاء.\rوأما الشافعي، رضي الله عنه، فإنه قال: إن كان المرسل من مراسيل الصحابة أو مرسلا قد أسنده غير مرسله أو أرسله راو آخر يروي عن غير شيوخ الاول، أو عضده قول صحابي، أو قول أكثر أهل العلم، أو أن يكون المرسل قد عرف من حاله أنه لا يرسل عمن فيه علة من جهالة أو غيرها، كمراسيل ابن المسيب، فهو مقبول، وإلا فلا.\rووافقه على ذلك أكثر أصحابه، والقاضي أبو بكر وجماعة من الفقهاء.\rوالمختار قبول مراسيل العدل مطلقا.\rودليله الاجماع، والمعقول.\rأما الاجماع فهو أن الصحابة والتابعين أجمعوا على قبول المراسيل من العدل:","part":2,"page":123},{"id":419,"text":"أما الصحابة فإنهم قبلوا أخبار عبد الله بن عباس، مع كثرة روايته.\rوقد قيل إنه لم يسمع من رسول الله (ص).\rسوى أربعة أحاديث، لصغر سنه.\rولما روى عن النبي، (ص)، إنما الربا في النسيئة، وأن النبي، (ص)، لم يزل يلبي حتى رمى حجر العقبة.\rقال في الخبر الاول، لما روجع فيه: أخبرني به أسامة بن زيد.\rوقال في الخبر الثاني: أخبرني به أخي الفضل بن عباس.\rوأيضا ما روى ابن عمر، عن النبي، (ص)، أنه قال: من صلى على جنازة، فله قيراط وأسنده بعد ذلك إلى أبي هريرة.\rوأيضا ما روى أبو هريرة عن النبي\r(ص)، أنه قال من أصبح جنبا في رمضان فلا صوم له وقال: ما أنا قلته، ورب الكعبة ولكن محمد قاله فلما روجع فيه، قال: حدثني به الفضل بن عباس.\rوأيضا ما روي عن البراء بن عازب أنه قال: ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله، (ص)، ولكن سمعنا بعضه، وحدثنا أصحابنا ببعضه.\rوأما التابعون فقد كان من عادتهم إرسال الاخبار.\rويدل على ذلك ما روي عن الاعمش أنه قال: قلت لابراهيم النخعي إذا حدثتني فأسند.\rفقال: إذا قلت لك حدثني فلان عن عبد الله، فهو الذي حدثني، وإذا قلت لك: حدثني عبد الله، فقد حدثني جماعة عنه.\rوأيضا ما روي عن الحسن أنه روى حديثا، فلما روجع فيه قال أخبرني به سبعون بدريا، ويدل على ذلك ما اشتهر من إرسال ابن المسيب والشعبي وغيرهما.\rولم يزل ذلك مشهورا فيما بين الصحابة والتابعين من غير نكير.\rفكان إجماعا.","part":2,"page":124},{"id":420,"text":"وأما المعقول فهو أن العدل الثقة إذا قال: قال رسول الله، (ص)، كذا، مظهرا للجزم بذلك، فالظاهر من حاله أنه لا يستجيز ذلك إلا وهو عالم أو ظان أن النبي، (ص)، قال ذلك.\rفإنه لو كان ظانا أن النبي، (ص)، لم يقله، أو كان شاكا فيه، لما استجاز في دينه النقل الجازم عنه، لما فيه من الكذب والتدليس على المستمعين.\rوذلك يستلزم تعديل من روى عنه.\rوإلا لما كان عالما ولا ظانا بصدقه في خبره.\rفإن قيل: لا نسلم الاجماع، ودليله من جهة الاجمال والتفصيل: أما الاجمال فهو أن المسألة اجتهادية، والاجماع قاطع، فلا يساعد في مسائل الاجتهاد.\rوأما من جهة التفصيل فهو أن غاية ما ذكر مصير بعض الصحابة أو التابعين إلى الارسال، وليس في ذلك ما يدل على إجماع الكل.\rقولكم: لم ينكر ذلك منكر لا نسلم ذلك.\rولهذا، باحثوا ابن عباس وابن عمر\rوأبا هريرة في ذلك، حتى أسند كل واحد ما أخبر به.\rوقال ابن سيرين: لا نأخذ بمراسيل الحسن وأبي العالية.\rوإن سلمنا عدم النكير فغايته أنهم سكتوا.\rوالسكوت لا يدل على الموافقة، لما سبق تقريره في مسائل الاجماع.\rسلمنا الموافقة، غير أن الارسال المحتج بوقوعه، إنما وقع من الصحابة والتابعين.\rونحن نقول بذلك، لان الصحابي والتابعي إنما يروي عن الصحابي، والصحابة عدول على ما سبق تحقيقه.","part":2,"page":125},{"id":421,"text":"وأما ما ذكرتموه من المعقول فلا نسلم أن قول الراوي قال رسول الله تعديل للمروي عنه، وذلك لانه قد يروي الشخص عمن لو سئل عنه، لجرحه، أو توقف فيه، فالراوي ساكت عن التعديل والجرح، والسكوت عن الجرح لا يكون تعديلا، وإلا كان السكوت عن التعديل جرحا.\rولهذا، فإن شاهد الفرع لو أرسل شهادة الاصل، فإنه لا يكون تعديلا لشاهد الاصل لما ذكرناه.\rقولكم: لو لم يكن ظانا لعدالة المروي عنه، أو عالما بها، لما جاز له أن يجزم بالرواية عن النبي، (ص)، قلنا: قد بينا إمكان الرواية عن الكاذب والجزم بالرواية عن النبي (ص)، مع تجويز كذ ب الراوي، وذلك قادح في الرواية عن النبي (ص).\rوإذا تعذر الجزم، فليس حمل قوله (قال) على معنى (أظن أنه قال) أولى من حمله على (أني سمعت أنه قال) ولو حمل على (أني سمعت أنه قال) لم يكن ذلك تعديلا، وعلى هذا فلا يكون بروايته مدلسا ولا ملبسا.\rسلمنا أن الارسال تعديل للمروي عنه، ولكن لا نسلم أن مطلق التعديل مع قطع النظر عن ذكر أسباب العدالة كاف في التعديل، كما سبق.\rسلمنا أن مطلق التعديل كاف، لكن إذا عين المروي عنه ولم يعرف بفسق.\rوأما إذا لم يعينه، فلعله اعتقده عدلا في نظره، ولو عينه لعرفنا فيه فسقا لم يطلع المعدل عليه.\rولهذا لم يقبل تعديل شاهد الفرع لشاهد الاصل مع عدم تعيينه.\rسلمنا دلالة ما ذكرتموه على التعديل، لكنه معارض بما يدل على عدم التعديل، وبيانه من ستة أوجه.\rالاول: أن الجهالة بعين الراوي آكد من الجهل بصفته وذلك لان من جهلت ذاته فقد جهلت صفته، ولا كذلك بالعكس.\rولو كان معلوم العين، مجهول الصفة، لم يكن خبره مقبولا، فإذا كان مجهول العين والصفة، أولى أن لا يكون خبره مقبولا.\rالثاني: أن من شرط قبول الرواية المعرفة بعدالة الراوي، والمرسل لا يعرف عدالة الراوي له،، فلا يكون خبره مقبولا لفوات الشرط.\rالثالث: هو أن الخبر كالشهادة في اعتبار العدالة.\rوقد ثبت أن الارسال في الشهادة مانع من قبولها، فكذلك الخبر.","part":2,"page":126},{"id":422,"text":"الرابع: أنه لو جاز العمل بالمراسيل، لم يكن لذكر أسماء الرواة والبحث عن عدالتهم معنى.\rالخامس: أنه لو وجب العمل بالمراسيل لزم في عصرنا هذا أن يعمل بقول الانسان: قال رسول الله، (ص): كذا وإن لم يذكر الرواة، وهو ممتنع.\rالسادس: أن الخبر خبران، تواتر وآحاد.\rولو قال الراوي أخبرني من لا أحصيهم عددا لا يقبل قوله في التواتر.\rفكذلك في الآحاد.\rوالجواب قولهم: الاجماع لا يساعد في مسائل الاجتهاد، قلنا: الذي لا يساعد إنما هو الاجماع القاطع في متنه وسنده، وما ذكرناه من الاجماع السكوتي فظني، فلا يمتنع التمسك به في مسائل الاجتهاد، كالظاهر من الكتاب والسنة.\rقولهم: لا نسلم عدم الانكار، قلنا: الاصل عدمه.\rقولهم: إنهم باحثوا ابن عباس وابن عمر وأبا هريرة، قلنا: المراجعة في ذلك لا تدل على إنكار الارسال، بل غايته طلب زيادة علم لم تكن حاصلة بالارسال، وقول\rابن سيرين ليس إنكارا للارسال مطلقا، بل إرسال الحسن وأبي العالية لا غير لظنه أنهما لم يلتزما في ذلك تعديل المروي عنه.\rولهذا قال فإنهما لا يباليان عمن أخذا الحديث منه، لا على الارسال.\rقولهم: السكوت لا يدل على الموافقة، قلنا: وإن لم يدل عليها قطعا، فهو دليل عليها ظنا، كما سبق تقريره في الاجماع.\rقولهم: نحن لا ننكر أن إرسال الصحابة والتابعين حجة، قلنا: إنما يصح ذلك، أن لو كانوا لا يروون إلا عن الصحابي العدل، وليس كذلك.\rولهذا قال الزهري بعد الارسال: حدثني به رجل على باب عبد الملك.\rوقال عروة بن الزبير فيما أرسله: حدثني به بعض الحرسية.","part":2,"page":127},{"id":423,"text":"قولهم: لا نسلم أن قول الراوي قال رسول الله تعديل للمروي عنه، قلنا: دليله ما سبق.\rقولهم إن الراوي قد يروي عمن لو سئل عنه لجرحه أو عدله، قلنا: ذلك إنما يكون فيما إذا كان قد عين الراوي ووكل النظر فيه إلى المجتهدين، ولم يجزم بأن النبي، (ص)، قال كذا، بل غايته أنه قال: قال فلان إن النبي، (ص) قال كذا، وأما إذا لم يعين، فالظاهر أنه لا يجزم بقوله: قال النبي (ص) إلا وقد علم أو ظن عدالة الراوي على ما سبق.\rوأما إرسال الشهادة فلا يلزم من عدم قبولها عدم قبول الارسال في الرواية، لان الشهادة قد اعتبر فيها من الاحتياط ما لم يعتبر في الرواية، كما سبق تقريره.\rقولهم: إن الجزم مع تجويز كذب من روي عنه كذب، قلنا: إنما يكون كذبا، إن لو ظن أو علم أنه كاذب.\rوأما إذا قال ذلك مع ظن الصدق، فلا يكون كاذبا، وإن احتمل في نفس الامر أن يكون المروي عنه كاذبا، كما لو قال: قال رسول الله، ص)، مع العنعنة.\rقولهم: سلمنا أن الارسال من الراوي تعديل للمروي عنه، لكنه تعديل مطلق،\rفلا يكون حجة موجبة للعمل به على الغير، قلنا: قد بينا أن التعديل المطلق دون تعيين سببه، كاف فيما تقدم.\rقولهم: لعله اعتقده عدلا، ولو عينه لعرفنا فيه فسقا لم يعرفه المعدل، قلنا: وإن كان ذلك محتملا، غير أن الظاهر عدمه، ولا سيما مع تعديل العدل العالم بأحوال الجرح والتعديل، وعدم الظفر بما يوجب الجرح.\rوأما اعتبار الرواية بالشهادة، فقد عرف وجه الفارق فيهما.\rوما ذكروه من المعارضة الاولى، فإنما يصح أن لو كان يلزم من الجهل بعين الراوي، الجهل بصفته مطلقا، وليس كذلك مما بيناه من أن الارسال يدل على تعديله من جهة الجملة، وإن جهلت عينه","part":2,"page":128},{"id":424,"text":"وبهذا يبطل ما ذكروه من المعارضة الثانية.\rوأما المعارضة الثالثة، فقد عرف جوابها بالفرق بين الرواية والشهادة.\rوأما المعارضة الرابعة فجوابها ببيان فائدة ذكر الراوي، وذلك من وجهين: الاول: أن الراوي قد يشتبه عليه حال المروي عنه فيعينه ليكل النظر في أمره إلى المجتهد، بخلاف ما إذا أرسل.\rالثاني: أنه إذا عين الراوي، فالظن الحاصل للمجتهد بفحصه بنفسه عن حاله يكون أقوى من الظن الحاصل له بفحص غيره.\rوأما المعارضة الخامسة فمندفعة أيضا، فإنه مهما كان المرسل للخبر في زماننا عدلا، ولم يكذبه الحفاظ، فهو حجة.\rوأما المعارضة السادسة، فإنما لم يصر الخبر بقول الواحد متواترا، لان المتواتر يشترط فيه استواء طرفيه ووسطه، والواحد ليس كذلك، فلا يحصل بخبره التواتر.\rوإذا عرف أن المرسل مقبول من العدل، فمن لم يقل به كالشافعي، فقد قيل إنه لا معنى\rلقوله إنه يكون مقبولا إذا أسنده غير المرسل، أو أسنده المرسل مرة، لان الاعتماد في ذلك إنما هو على الاسناد، لا على الارسال، ولا معنى لقوله: إنه يكون مقبولا إذا أرسله اثنان، وكانت مشايخهما مختلفة، لان ضم الباطل إلى الباطل غير موجب للقبول، وليس بحق، لان الظن الحاصل بصدق الراوي من الارسال مع هذه الامور أقوى منه عند عدمها وعلى هذا، فلا يلزم من عدم الاحتجاج بأضعف الظنين عدم الاحتجاج بأقواهما.\rوإذا عرف الخبر المقبول، وغير المقبول فإذا تعارض خبران مقبولان، فالعمل بأحدهما متوقف على الترجيح، وسيأتي في قاعدة الترجيحات، بأقصى الممكن إن شاء الله تعالى.","part":2,"page":129},{"id":425,"text":"النوع الثاني - فيما يتعلق بالنظر في المتن وفيه بابان أولهما: فيما يشترك فيه الكتاب، والسنة والاجماع.\rوثانيهما فيما يشترك فيه الكتاب والسنة، دون ما عداهما من الادلة.\rالباب الاول فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والاجماع وكل واحد من هذه الاصول الثلاثة إما أن يدل على المطلوب بمنظومه، أو لا بمنظومه.\rفلنفرض في كل واحد منهما قسما.\rالقسم الاول في دلالات المنظوم، وهي تسعة أصناف الصنف الاول - في الامر وفيه أربعة أبحاث أولهما فيما يدل اسم الامر عليه حقيقة.\rوثانيهما في حد الامر الحقيقي.\rوثالثها في صيغة الامر الدالة عليه.\rورابعها في مقتضاه.\rالبحث الاول: فيما يطلق عليه اسم الامر حقيقة.\rفنقول اتفق الاصوليون على أن اسم الامر، حقيقة في القول المخصوص، وهو قسم من أقسام الكلام.\rولذلك قسمت العرب الكلام إلى أمر ونهي، وخبر واستخبار، ووعد ووعيد ونداء.\rوسواء قلنا إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، أو العبارة الدالة بالوضع والاصطلاح، على اختلاف المذاهب، والكلام القديم النفساني عندنا، وإن كان صفة واحدة لا تعدد فيه في ذاته، غير أنه يسمى أمرا","part":2,"page":130},{"id":426,"text":"ونهيا وخبرا إلى غير ذلك من أقسام الكلام، بسبب اختلاف تعلقاته، ومتعلقاته، كما سبق تقريره في أبكار الافكار فلا يمتنع أن يكون الامر قسما من أقسامه بهذا التفسير.\rوإنما وقع الخلاف بينهم في إطلاق اسم الامر على الفعل: هل هو حقيقة أو لا ؟ والاكثرون على أنه مجاز.\rواختيار أبي الحسين البصري أنه مشترك بين الشئ والصفة، وبين جملة الشأن والطرائق، ووافق على أنه ليس حقيقة في نفس الفعل، من حيث هو فعل، بل من حيث هو شئ.\rوها نحن نذكر حجج كل فريق وننبه على ما فيها، ونذكر بعد ذلك ما هو المختار.\rأما حجة أبي الحسين البصري، على ما ذهب إليه، أن الانسان إذا قال هذا أمر لم يدر السامع مراده من قوله إلا بقرينة وهو غير صحيح، لكونه مصادرا بدعوى التردد في إطلاق اسم الامر.\rولا يخفى ظهور المنع من مدعي الحقيقة في القول المخصوص، وأنه مهما أطلق اسم الامر عنده، كان المتبادر إلى فهمه القول المخصوص، وأنه لا ينصرف إلى غيره إلا بقرينة ولا يخفى امتناع تقرير التردد مع هذا المنع.\rوأما حجج القائلين بكونه مجازا في الفعل فكثيرة.\rالاولى: منها، أنه لو كان حقيقة في الفعل مع كونه حقيقة في القول لزم منه الاشتراك في اللفظ، وهو خلاف الاصل، لكونه مخلا بالتفاهم لاحتياجه في فهم\rالمدلول المعين منه إلى قرينة.\rوعلى تقدير خفائها، لا يحصل المقصود من الكلام.\rالثانية: أنه لو كان حقيقة في الفعل لا طرد في كل فعل، إذ هو لازم الحقيقة.\rولهذا، فإنه لما كان إطلاق اسم العالم على من قام به العلم حقيقة، اطرد في كل من قام به العلم، ولما كان قوله: * (واسأل القرية) * (12) يوسف: 82) مجازا عن أهلها، لما بينهما من المجاورة، لم يصح التجوز بلفظ السؤال للبساط والكوز عن صاحبه، وإن كانت الملازمة بينهما أشد، وهو غير مطرد، إذ لا يقال للاكل والشرب أمر.\rالثالثة: أنه لو كان حقيقة في الفعل، لاشتق لمن قام به منه اسم الامر، كما في القول المخصوص، إذ هو الاصل، إلا أن يمنع مانع من جهة أهل اللغة،","part":2,"page":131},{"id":427,"text":"كما اشتقوا اسم القارورة للزجاجة المخصوصة، من قرار المائع فيها، ومنعوا من ذلك في الجرة والكوز ولم يرد مثله فيما نحن فيه.\rالرابعة: أن جمع الامر الحقيقي في القول المخصوص بأوامر، وهو لازم له لنفس الامر لا للمسمى، وهو غير متحقق في الفعل، بل إن جمع فإنما يجمع بأمور.\rالخامسة: أن الامر الحقيقي له متعلق وهو المأمور، وهو غير متحقق في الفعل، فإنه، وإن سمي أمرا، فلا يقال له مأمور.\rويلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم.\rالسادسة: أن من لوازم الامر الحقيقي وصفه بكونه مطاعا أو مخالفا، ولا كذلك الفعل.\rوفي هذه الحجج نظر: أما الاولى فلقائل أن يقول: لا نسلم أنه يلزم من كونه حقيقة في الفعل، أن يكون مشتركا إذا أمكن أن يكون حقيقة فيهما، باعتبار معنى مشترك بين القول المخصوص، والفعل، فيكون متواطئا.\rفإن قيل: الاصل عدم ذلك المسمى المشترك، فلا تواطؤ، قيل: لاخفاء باشتراكهما في صفات، وافتراقهما في صفات فأمكن أن يكون بعض\rالصفات المشتركة هو المسمى كيف وإن الاصل أن لا يكون اللفظ مشتركا ولا مجازا، لما فيه من الافتقار إلى القرينة المخلة بالتفاهم.\rوليس أحد الامرين أولى من الآخر.\rفإن قيل: ما وقع به الاشتراك لا يخرج عن الموجود والصفة والشيئية وغير ذلك، وأي أمر قدر الاشتراك فيه، فهو متحقق في النهي وسائر أقسام الكلام، ولا يسمى أمرا والقول بأنه متواطئ ممتنع.\rكيف وإن القائل قائلان: قائل إنه مشترك وقائل إنه مجاز في الفعل.\rفإحداث قول ثالث يكون خرقا للاجماع، وهو ممتنع.","part":2,"page":132},{"id":428,"text":"قلنا: أما الاول، فغير صحيح، وذلك أن مسمى اسم الامر إنما هو الشأن والصفة، وكل ما صدق عليه ذلك، كان نهيا أو غيره ؟ فإنه يسمى أمرا حقيقة.\rوعلى هذا فقد اندفع ما ذكروه من خرق الاجماع فإن ما ذكرناه من جعل الشأن والصفة مدلولا لاسم الامر، فمن جملة ما قيل وإن سلمنا أن ذلك يفضي إلى الاشتراك، ولكن لم قيل بامتناعه.\rوالقول بأنه مجاز مخل بالتفاهم، لافتقاره إلى القرينة، وإنما يصح أن لو لم يكن اللفظ المشترك عند إطلاقه محمولا على جميع محامله، وليس كذلك على ما سيأتي تقديره في مذهب الشافعي والقاضي أبي بكر، سلمنا أنه خلاف الاصل، غير أن التجوز أيضا خلاف الاصل، وليس أحد الامرين أولى من الآخر.\rفإن قيل: إلا أن محذور الاشتراك أعظم من محذور التجوز، فكان المجاز أولى، وبيانه من جهة الاجمال، والتفصيل: أما الاجمال فهو أن المجاز أغلب في لغة العرب من الاشتراك، ولولا أنه أوفى بتحصيل مقصود الوضع، لما كان كذلك وأما التفصيل فمن وجهين: الاول: أن المحذور اللازم من الاشتراك بافتقاره إلى القرينة لازم له أبدا، بخلاف\rالمجاز، فإن المحذور إنما يلزمه بتقدير إرادة جهة المجاز، وهو احتمال نادر، إذ الغالب إنما هو إرادة جهة الحقيقة.\rالثاني: أن المحذور لازم في المشترك في كل محمل من محامله، لافتقاره إلى القرينة في كل واحد منها، بخلاف المجاز، فإنه إنما يفتقر إلى القرينة بتقدير إرادة جهة المجاز، لا بتقدير إرادة جهة الحقيقة.\rقيل هذا معارض من عشرة أوجه:","part":2,"page":133},{"id":429,"text":"الاول: أن المشترك، لكونه حقيقة في كل واحد من مسمياته مما يطرد، بخلاف المجاز كما سبق، وما يطرد أولى لقلة اضطرابه.\rالثاني: أنه يصح منه الاشتقاق، لكونه حقيقة بخلاف المجاز، فكان أوسع في اللغة، وأكثر فائدة.\rالثالث: أنه لكونه حقيقيا، مما يصح التجوز به في غير محله الحقيقي، بخلاف المجاز، فكان أولى لكثرة فائدته.\rالرابع: أنه، وإن افتقر إلى قرينة، لكن يكفي أن يكون أدنى ما يغلب على الظن، بخلاف المجاز، لافتقاره إلى قرينة مغلبة على الظن، وأن تكون راجحة على جهة ظهور اللفظ في حقيقته، فكان تمكن الخلل منه لذلك أكثر.\rالخامس: أن المجاز لا بد فيه من علاقة بينه وبين محل الحقيقة تكون مصححة للتجوز باللفظ، على ما سلف، بخلاف المشترك.\rالسادس: أن المجاز لا يتم فهمه دون فهم محل الحقيقة، ضرورة كونه مستعارا منه.\rوفهم كل واحد من مدلولات اللفظ المشترك غير متوقف على فهم غيره، فكان أولى.\rالسابع: أن المجاز متوقف على تصرف من قبلنا في تحقيق العلاقة التي هي شرط في التجوز، وربما وقع الخطأ فيه، بخلاف اللفظ المشترك.\rالثامن: أنه يلزم من العمل باللفظ في جهة المجاز مخالفة الظهور في جهة الحقيقة، بخلاف اللفظ المشترك إذ لا يلزم من العمل به في أحد مدلوليه مخالفة ظاهر أصلا.\rالتاسع: أن المجاز تابع للحقيقة ولا عكس، فكان المشترك أولى.\rالعاشر: أن السامع للمجاز بتقدير عدم معرفته بالقرينة الصارفة إلى المجاز، إذا كان هو مراد المتكلم فقد يبادر إلى العمل بالحقيقة، ويلزم منه ترك المراد وفعل ما ليس بمراد، بخلاف المشترك، فإنه بتقدير عدم ظهور القرينة مطلقا، لا يفعل شيئا، فلا يلزم سوى عدم المقصود.\rفإن قيل إلا أن المجاز يتعلق به فوائد، فإنه ربما كان أبلغ وأوجز وأوقف في بديع الكلام ونظمه ونثره للسجع والمطابقة والمجانسة واتحاد الروي في الشعر، إلى غير ذلك.","part":2,"page":134},{"id":430,"text":"قلنا: ومثل هذا الاحتمال أيضا منقدح في اللفظ المشترك مع كونه حقيقة، فكان اللفظ المشترك أولى.\rوإن لم يكن أولى فلا أقل من المساواة، وهي كافية في مقام المعارضة.\rوأما الحجة الثانية: فلا نسلم امتناع إطلاق الامر على الاكل والشرب، وإن سلم ذلك، فعدم اطراده في كل فعل ان كان مما يمنع من كونه حقيقة في بعض الأفعال فعدم اطراده في كل قول مما يمنع من كونه حقيقة في القول المخصوص، وهو غير مطرد في كل قول على ما لا يخفى.\rوإن كان لا يمنع من ذلك في القول فكذلك في الفعل.\rفإن قيل: إنما يجب اطراد الاسم في المعنى الذي كان الاسم حقيقة فيه، لا في غيره، والامر إنما كان حقيقة في القول المخصوص، في مطلق قول، وذلك مطرد في ذلك القول، فمثله لازم في الافعال إذ للخصم أن يقول: إنما هو حقيقة في بعض الافعال، لا في كل فعل.\rوأما الحجة الثالثة أنه لو كان الاصل في الحقائق الاشتقاق لكان المنع من اشتقاق اسم القارورة للجرة والكوز من قرار المائع فيها على خلاف الاصل.\rفإن قيل: ولو لم يكن على وفق الاصل لكان الاشتقاق في صور الاشتقاق على خلاف الاصل، والمحذور اللازم منه أكثر لان صور الاشتقاق أغلب وأكثر من صور عدم الاشتقاق.\rقيل: لا يلزم من عدم الاصالة في الاشتقاق أن يكون الاشتقاق على خلاف الاصل لجواز أن يكون الاشتقاق وعدمه لا على وفق أصل فيقتضيه، بل هما تابعان للنقل والوضع.\rكيف وإنه إذا جاز أن يكون الاشتقاق من توابع الحقيقة جاز أن يكون من توابع بعض المسميات، وليس أحد الامرين أولى من الآخر.\rوعلى هذا، فلا يلزم من الاشتقاق في بعض المسميات الاشتقاق في غيره، لعدم الاشتراك في ذلك المسمى.","part":2,"page":135},{"id":431,"text":"وبهذا يندفع ما ذكروه من الحجة الرابعة والخامسة والسادسة.\rكيف وقد قيل في الحجة الرابعة إن (أوامر) ليست جمع (أمر) بل جمع (إمرة) وأما القائلون بكونه مشتركا بين القول المخصوص والفعل فقد احتجوا بثلاث حجج.\rالاولى: أن المسمى في نفسه مختلف، وكما قد أطلق اسم الامر على القول المخصوص، فقد أطلق على الفعل.\rوالاصل في الاطلاق الحقيقة.\rويدل على الاطلاق قول العرب: أمر فلان مستقيم، أي عمله.\rوإليه الاشارة بقوله تعالى: * (وما أمرنا إلا واحدة) * (54) القمر: 50) أي فعلنا * (وما أمر فرعون برشيد) * (11) هود: 97).\rالحجة الثانية: أن اسم الامر في الفعل قد جمع بأمور، والجمع علامة الحقيقة.\rالحجة الثالثة: أنه لو كان اسم الامر في الفعل مجازا لم يخل إما أن يكون مجازا بالزيادة أو بالنقصان، أو لمشابهته لمحل الحقيقة أو لمجاور له، أو لانه كان عليه،\rأو سيؤول إليه، ولم يتحقق شئ من ذلك في الفعل.\rوإذا لم يكن مجازا كان حقيقة.\rوهذه الحجج ضعيفة أيضا.\rأما الحجة الاولى فلقائل أن يقول لا نسلم صحة إطلاق اسم الامر على الفعل.\rوقولهم: أمر فلان مستقيم ليس مسماه الفعل، بل شأنه وصفته وهو المراد من قوله تعالى: * (وما أمرنا إلا واحدة) * (54) القمر: 50) ومن قوله: * (وما أمر فرعون برشيد) * (11) هود: 97) وأما الحجة الثانية، فلا نسلم أن الجمع دليل الحقيقة، بدليل قولهم في جمع من سمي (حمارا) لبلادته (حمر) وهو مجاز.\rوإن سلمنا بأن الجمع يدل على الحقيقة، ولكن لا نسلم أن (أمور) جمع (أمر) بل الامر والامور كل واحد منهما يقع موقع الآخر وليس أحدهما جمعا للآخر.\rولهذا يقال أمر فلان مستقيم فيفهم منه ما يفهم من قولهم أمور فلان مستقيمة.\rوأما الحجة الثالثة: فهو أنه لا يلزم من كون الامر ليس مجازا في الفعل أن يكون حقيقة فيه، من حيث هو فعل وإنما هو حقيقة فيه من جهة ما اشتمل عليه من معنى الشأن والصفة كما سبق.","part":2,"page":136},{"id":432,"text":"وعلى هذا، فالمختار إنما هو كون الاسم اسم الامر متواطئا في القول المخصوص والفعل، لا أنه مشترك، ولا مجاز في أحدهما.\rالبحث الثاني: في حد الامر.\rوقد اختلفت المعتزلة فيه بناء على إنكارهم لكلام النفس: فذهب البلخي وأكثر المعتزلة إلى أن الامر هو قول القائل لمن دونه افعل أو ما يقوم مقامه.\rوأراد بقوله (يقوم مقامه) أي في الدلالة على مدلوله، وقصد بذلك إدراج صيغة الامر من غير العربي في الحد.\rوهو فاسد من ثلاثة أوجه: الاول: أن مثل ذلك قد يوجد فيما ليس بأمر بالاتفاق، كالتهديد في قوله تعالى:\r* (اعملوا ما شئتم) * (41) فصلت: 40) والاباحة في قوله: * (وإذا حللتم فاصطادوا) * (5) المائدة: 2) والارشاد في قوله: * (فاستشهدوا) * (6) النساء: 15) والامتنان كقوله: * (كلوا مما رزقكم الله) * (6) الانعام: 142) والاكرام كقوله * (ادخلوها بسلام آمنين) * (15) الحجر: 46) والتسخير، والتعجيز، إلى غير ذلك من المحامل التي يأتي ذكرها.\rالثاني: أنه يلزم من ذلك أن تكون صيغة افعل الواردة من النبي (ص)، نحونا، أمرا حقيقة لتحقق ما ذكروه من شروط الامر فيها.\rويلزم من ذلك أن يكون هو الآمر لنا بها، ويخرج بذلك عن كونه رسولا، لانه لا معنى للرسول غير المبلغ لكلام المرسل، لا أن يكون هو الآمر والناهي، كالسيد إذا أمر عبده وسواء كانت صيغته مخلوقة له، كما هو مذهبهم، أو لله تعالى، كما هو مذهبنا.\rالثالث: أنه قد يرد مثل هذه الصيغة من الاعلى نحو الادنى ولا يكون أمرا، بأن يكون ذلك على سبيل التضرع والخضوع وقد يرد من الادنى نحو الاعلى، ويكون أمرا، إذا كانت على سبيل الاستعلاء، لا على سبيل الخضوع والتذلل، ولذلك يوصف قائلها بالجهل والحمق بأمره لمن هو أعلى رتبة منه.\rومنهم من قال: الامر صيغة افعل على تجردها من القرائن الصارفة لها عن جهة الامر إلى التهديد، وما عداه من المحامل.","part":2,"page":137},{"id":433,"text":"وهو أيضا فاسد من حيث إنه أخذ الامر في تعريف الامر وتعريف الشئ بنفسه محال.\rوإن اقتصروا في التحديد على القول بأن الامر صيغة افعل المجردة عن القرائن لا غير، وزعموا أن صيغة افعل فيما ليس بأمر لا تكون مجردة عن القرائن، فليس ما ذكروه أولى من قول القائل: التهديد عبارة عن صيغة افعل المجردة عن القرائن، إلا أن يدل عليه دليل من جهة السمع، وهو غير متحقق.\rومنهم من قال: الامر صيغة افعل بشرط إرادات ثلاث إرادة إحداث الصيغة، وإرادة الدلالة بها على الامر، وإرادة الامتثال: فإرادة إحداث الصيغة،\rاحتراز عن النائم إذا وجدت هذه الصيغة منه، وإرادة الدلالة بها على الامر احتراز عما إذا أريد بها التهديد أو ما سواه من المحامل، وإرادة الامتثال احتراز عن الرسول الحاكي المبلغ، فإنه، وإن أراد إحداث الصيغة والدلالة بها على الامر، فقد لا يريد بها الامتثال.\rوهو أيضا فاسد من وجهين: الاول: أنه أخذ الامر في حد الامر، وتعريف الشئ بنفسه محال ممتنع الثاني: هو أن الامر الذي هو مدلول الصيغة إما أن يكون هو الصيغة، أو غير الصيغة: فإن كان هو نفس الصيغة، كان الكلام متهافتا من حيث إن حاصله يرجع إلى أن الصيغة، دالة على الصيغة، والدال غير المدلول.\rوإن كان هو غير الصيغة، فيمتنع أن يكون الامر هو الصيغة، وقد قال بأن الامر هو صيغة افعل بشرط الدلالة على الامر، فإن الشرط غير المشروط.\rوإذا كان الامر غير الصيغة، فلا بد من تعريفه والكشف عنه، إذ هو المقصود في هذا المقام.\rولما انحسمت عليهم طرق التعريف، قال قائلون منهم: الامر هو إرادة الفعل، وقد احتج الاصحاب على إبطاله بأن السيد المعاتب من جهة السلطان على ضرب عبده، إذا اعتذر عن ذلك قصد إظهار أمره وأمره بين يدي السلطان قصدا لاظهار مخالفته، لبسط عذره والخلاص من عقاب السلطان له، فإنه يعد آمرا، والعبد مأمورا، ومطيعا بتقدير الامتثال، وعاصيا بتقدير المخالفة، مع علمنا بأنه لا يريد منه الامتثال لما فيه من ظهور كذبه وتحقيق عقاب السلطان له، والعاقل لا يقصد ذلك.\rغير أن مثل هذا لازم على أصحابنا","part":2,"page":138},{"id":434,"text":"إن كان صحيحا في تفسيرهم الامر، بطلب الفعل، من جهة أن السيد أيضا آمر في مثل الصورة لعبده مع علمنا بأنه يستحيل منه طلب الفعل من عبده، لما فيه من تحقيق عقابه وكذبه، والعاقل لا يطلب ما فيه مضرته وإظهار كذبه.\rوعند ذلك\rفما هو جواب أصحابنا في تفسير الامر بالطلب يكون جوابا للخصم في تفسيره بالارادة.\rوإن زعم بعض أصحابنا أن الامر ليس هو الطلب، بل الاخبار باستحقاق الثواب على الفعل، فيلزمه أن يكون الآمر لعبده مما يصح تصديقه وتكذيبه في أمره لعبده ضرورة كون الامر خبرا وهو ممتنع.\rكيف وإنه على خلاف تقسيم أهل اللغة الكلام، إلى أمر وخبر.\rوالحق في ذلك أن يقال.\rأجمع المسلمون، من غير مخالفة من الخصوم، على أن من علم الله تعالى أنه يموت على كفره أنه مأمور بالايمان، وليس الايمان منه مرادا لله تعالى، لانه لا معنى لكونه مرادا لله تعالى سوى تعلق الارادة به، ولا معنى لتعلق الارادة بالفعل سوى تخصيصها له بحالة حدوثه، فلا يعقل تعلقها به دون تخصيصها له بحالة حدوثه، وما لم يوجد لم تكن الارادة مخصصة له بحالة حدوثه، فلا تكون متعلقة به.\rوليقنع بهذا هاهنا عما استقصيناه من الوجوه الكثيرة في علم الكلام.\rوأما أصحابنا، فمنهم من قال: الامر عبارة عن الخبر على الثواب على الفعل تارة، والعقاب على الترك تارة، وهو فاسد، لما سبق من امتناع تصديق الآمر وتكذيبه، ولانه يلزم منه لزوم الثواب على فعل ما أمر به، والعقاب على تركه، من جهة الشارع حذرا من الخلف في خبر الصادق، وليس كذلك بالاجماع.\rأما الثواب فلجواز إحباط العمل بالردة، وأما العقاب فلجواز العفو والشفاعة.\rويمكن أن يحترز عن هذا الاشكال بأن يقال: هو الاخبار باستحقاق الثواب والعقاب غير أنه يبقى عليه الاشكال الاول من غير دافع.","part":2,"page":139},{"id":435,"text":"ومنهم من قال، وهم الاكثرون، كالقاضي أبي بكر وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم: الامر هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به.\rفقولهم (القول) كالجنس للامر وغيره من أقسام الكلام.\rوقولهم (المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به) للفصل بين\rالامر وغيره من أقسام الكلام، ولفصل الامر عن الدعاء والسؤال.\rومنهم من زاد في الحد (بنفسه) احترازا عن الصيغة، فإنها لا تقتضي الطاعة بنفسها، بل بالتوقيف والاصطلاح وعلى كل تقدير فهو باطل لما فيه من تعريف الامر بالمأمور والمأمور به، وهما مشتقان من الامر، والمشتق من الشئ أخفى من ذلك الشئ، وتعريف الشئ بما لا يعرف إلا بعد معرفة ذلك الشئ محال.\rومنهم من قال: الامر هو طلب الفعل على وجه يعد فاعله مطيعا.\rوهو أيضا باطل لما فيه من تعريف الامر بالطاعة المتعلقة بالفعل، والطاعة المتعلقة بالفعل لا تعرف إلا بموافقة الامر، وهو دور ممتنع.\rكيف وإن فعل الرب تعالى لما طلبه العبد منه بالسؤال يقال له باعتبار موافقة طلب للعبد مطيعا، بدليل قوله عليه السلام إن أطعت الله أطاعك أي إن فعلت ما أراد فعل ما تريد.\rوليس طلب العبد من الله تعالى بجهة السؤال لله أمرا، إذ الامر لله قبيح شرعا، بخلاف السؤال.\rويمكن الاحتراز عنه بما يعد فاعله مطيعا في العرف العام، والباري تعالى ليس كذلك.\rوالاقرب في ذلك إنما هو القول الجاري على قاعدة الاصحاب، وهو أن يقال: الامر طلب الفعل على جهة الاستعلاء.\rفقولنا (طلب الفعل) احتراز عن النهي وغيره من أقسام الكلام، وقولنا (على جهة الاستعلاء) احتراز عن الطلب بجهة الدعاء والالتماس.\rفإن قيل: قولكم (الامر هو طلب الفعل) إن أردتم به الارادة، فهو مذهب المعتزلة، وليس مذهبا لكم، وإن أردتم غيره، فلا بد من تصويره، وإلا كان فيه تعريف الامر بما هو أخفى من الامر.","part":2,"page":140},{"id":436,"text":"قلنا: إجماع العقلاء منعقد على أن الامر قسم من أقسام الكلام وأنه واقع موجود لا ريب فيه، وقد بينا امتناع تفسيره بالصيغة والارادة بما سبق، فما وراء ذلك هو\rالمعني بالطلب، والنزاع في تسميته بالطلب بعد الموافقة على وجوده، فآيل إلى خلاف لفظي.\rالبحث الثالث: في الصيغة الدالة على الامر.\rوقد اختلف القائلون بكلام النفس: هل للامر صيغة تخصه وتدل عليه دون غيره في اللغة، أم لا ؟ فذهب الشيخ أبو الحسن، رحمه الله، ومن تابعه إلى النفي وذهب من عداهم إلى الاثبات.\rقال إمام الحرمين والغزالي: والذي نراه أن هذه الترجمة عن الاشعري خطأ.\rفإن قول القائل لغيره أمرتك، وأنت مأمور صيغة خاصة بالامر من غير منازعة.\rوإنما الخلاف في أن صيغة افعل هل هي خاصة بالامر أو لا، لكونها مترددة في اللغة بين محامل كثيرة يأتي ذكرها.\rواعلم أنه لا وجه لاستبعاد هذا الخلاف.\rوقول القائل أمرتك، وأنت مأمور لا يرفع هذا الخلاف إذ الخلاف إنما هو في صيغة الامر الموضوعة للانشاء، وما مثل هذه الصيغ أمكن أن يقال إنها إخبارات عن الامر لا إنشاآت.\rوإن كان الظاهر صحة استعمالها للانشاء، فإنه لا مانع من استعمال صيغة الخبر للانشاء، كما في قوله: طلقت وبعت واشتريت ونحوه.","part":2,"page":141},{"id":437,"text":"وبيانه أنه إذا قال لزوجته (طلقتك) فإن الطلاق يقع عليه إجماعا، ولو كان إخبارا، لكان إخبارا عن الماضي أو الحال، لعدم صلاحية هذه الصيغة للاستقبال.\rولو كان كذلك، لم يخل إما أن يكون قد وجد منه الطلاق، أو لم يوجد: فإن كان الاول، امتنع تعليقه بالشرط في قوله إن دخلت الدار لان تعليق وجود ما وجد على وجود ما لم يوجد محال، وإن كان الثاني، وجب أن يعد كاذبا، وأن لا يقع الطلاق عليه، وهو خلاف الاجماع.\rوإن قدر أنه إخبار عن المستقبل مع الاحالة، فيجب أيضا أن لا يقع به الطلاق،\rكما لو صرح بذلك، وقال لها ستصيرين طالقا في المستقبل فإنه لا يقع به الطلاق مع أنه صريح إخبار عن وقوع الطلاق في المستقبل، فما ليس بصريح أولى.\rوإذا بطل كونه إخبارا تعين أن يكون إنشاء إذ الاجماع منعقد على امتناع الخلو منهما.\rفإذا بطل أحدهما تعين الآخر.\rالبحث الرابع: في مقتضى صيغة الامر وفيه اثنتا عشرة مسألة.\rالمسألة الاولى فيما ذا صيغة الامر حقيقة فيه إذا وردت مطلقة عرية عن القرائن وقد اتفق الاصوليون على إطلاقها بإزاء خمسة عشر اعتبار الوجوب كقوله: * (أقم الصلاة) * (31 لقمان: 17) والندب كقوله: * (فكاتبوهم) * (24 النور: 33) والارشاد كقوله تعالى: * (فاستشهدوا) * (4 النساء: 15) وهو قريب من الندب لاشتراكهما في طلب تحصيل المصلحة، غير أن الندب لمصلحة أخروية، والارشاد لمصلحة دنيوية.\rوالاباحة كقوله: * (فاصطادوا) * (5 المائدة: 2) والتأديب، وهو داخل في الندب، كقوله: كل مما يليك","part":2,"page":142},{"id":438,"text":"والامتنان كقوله: * (كلوا مما رزقكم الله) * (6 الانعام: 142) والاكرام كقوله: * (ادخلوها بسلام) * (15 الحجر: 46) والتهديد كقوله: * (اعملوا ما شئتم) * (41 فصلت: 40) والانذار كقوله: * (تمتعوا) * (14 إبراهيم: 30) وهو في معنى التهديد.\rوالتسخير كقوله: * (كونوا قردة خاسئين) * (2 البقرة: 65) والتعجيز كقوله: * (كونوا حجارة) * (17 الاسراء: 50) والاهانة كقوله تعالى: * (ذق إنك أنت العزيز) * (44 الدخان: 49) والتسوية كقوله: * (فاصبروا أو لا تصبروا) * (52 الطور: 16)\rوالدعاء كقوله: * (اغفر لي) * (14 إبراهيم: 41) والتمني كقول الشاعر: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي وكمال القدرة كقوله: * (كن فيكون) * (16 النحل: 40).\rوقد اتفقوا على أنها مجاز فيما سوى الطلب والتهديد والاباحة غير أنهم اختلفوا: فمنهم من قال إنها مشتركة، كاشتراك لفظ القرء بين الطلب للفعل، وبين للتهديد المستدعي لترك الفعل، وبين الاباحة المخيرة بين الفعل والترك.\rومنهم من قال إنها حقيقة في الاباحة، مجاز فيما سواها ومنهم من قال إنها حقيقة في الطلب ومجاز فيما سواه.\rوهذا هو الاصح، وذلك لانا إذا سمعنا أن أحدا قال لغيره افعل كذا وتجرد ذلك عن جميع القرائن، وفرضناه كذلك، فإنه يسبق إلى الافهام منه طلب الفعل واقتضاؤه من غير توقف على أمر خارج دون التهديد المستدعي لترك الفعل، والاباحة المخيرة بين الفعل والترك.\rولو كان مشتركا أو ظاهرا في الاباحة، لما كان كذلك.\rوإذا كان الطلب هو السابق إلى الفهم عند عدم القرائن مطلقا، دل ذلك على كون صيغة (افعل) ظاهرة فيه.\rفإن قيل: يحتمل أن يكون ذلك بناء عل عرف طارئ على الوضع اللغوي، كما في لفظ الغائط والدابة وإن سلم دلالة ما ذكرتموه على الظهور في الطلب،","part":2,"page":143},{"id":439,"text":"غير أنه معارض بما يدل على ظهوره في الاباحة، لكونها أقل الدرجات، فكانت مستيقنة.\rقلنا جواب الاول أن الاصل عدم العرف الطارئ، وبقاء الوضع الاصلي بحاله.\rوجواب الثاني لا نسلم أن الاباحة متيقنة، إذ هي مقابلة للطلب والتهديد، لكونها غير مستدعية للفعل ولا للترك، والطلب مستدع للفعل، والتهديد مستدع لترك الفعل، فلا تيقن لواحد منهما.\rالمسألة الثانية إذا ثبت أن صيغة افعل ظاهرة في الطلب والاقتضاء فالفعل المطلوب لا بد وأن يكون فعله راجحا على تركه، فإن كان ممتنع الترك، كان واجبا، وإن لم يكن ممتنع الترك، فإما أن يكون ترجحه لمصلحة أخروية، فهو المندوب، وإما لمصلحة دنيوية، فهو الارشاد.\rوقد اختلف الاصوليون: فمنهم من قال إنه مشترك بين الكل، وهو مذهب الشيعة، ومنهم من قال إنه لا دلالة له على الوجوب والندب بخصوصه، وإنما هو حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهو ترجيح الفعل على الترك، ومنهم من قال إنه حقيقة في الوجوب، مجاز فيما عداه، وهذا هو مذهب الشافعي، رضي الله عنه، والفقهاء وجماعة من المتكلمين، كأبي الحسين البصري، وهو قول الجباشي في أحد قوليه، ومنهم من قال إنه حقيقة من الندب، وهو مذهب أبي هاشم وكثير من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم وجماعة من الفقهاء، وهو أيضا منقول عن الشافعي رحمه الله تعالى.","part":2,"page":144},{"id":440,"text":"ومنهم من توقف، وهو مذهب الاشعري، رحمه الله، ومن تابعه من أصحابه، كالقاضي أبي بكر والغزالي وغيرهما، وهو الاصح.\rوذلك لان وضعه مشتركا، أو حقيقة في البعض، مجازا في البعض، إما أن يكون مدركه عقليا أو نقليا: الاول محال، إذ العقول لا مدخل لها في المنقول، لا ضرورة ولا نظرا والثاني فإما أن يكون قطعيا أو ظنيا: والقطعي غير متحقق فيما نحن فيه، والظني إنما ينفع أن لو كان إثبات مثل هذه المسألة مما يقنع فيه بالظن، وهو غير مسلم، فلم يبق غير التوقف.\rفإن قيل: ما ذكرتموه مبني على أن مدار مثل هذه المسألة على القطع، وهو غير مسلم ولا في شئ من اللغات، وإن سلمنا ذلك، لكن ما المانع أن يكون المدرك لا عقليا محضا ولا نقليا محضا، بل هو مركب منهما، كما يأتي تحقيقه، وإن سلمنا الحصر فيما ذكرتموه، غير أنه لازم عليكم في القول بالوقف أيضا، فإن العقل لا يقتضيه، والنقل القطعي غير متحقق فيه، والظن إنما يكتفى به أن لو كانت المسألة ظنية، فما هو جوابكم عنه في القول بالوقف يكون جوابا لخصومكم فيما ذهبوا إليه على اختلاف فذاهبهم.\rقلنا: أما إنكار القطع في اللغات على الاطلاق فمما يفضي إلى إنكار القطع في جميع الاحكام الشرعية، لان مبناها على الخطاب بالالفاظ اللغوية ومعقولها، وذلك كفر صراح، والقول بأن ما ذكرتموه مبني على أن مدار ما نحن فيه على القطع.\rقلنا: نحن في هذه المسألة غير متعرضين لنفي ولا إثبات بل نحن متوقفون، فمن رام إثبات اللغة فيما نحن فيه بطريق ظني أمكن أن يقال له متى يكتفى بذلك فيما نحن فيه أإذا كان شرط إثباته القطع أم لا ؟ ولا بد عند توجه التقسيم، من تنزيل الكلام على الممنوع أو المسلم، وكل واحد منهما متعذر لما سبق.","part":2,"page":145},{"id":441,"text":"قولهم: ما المانع من كونه مركبا من العقل والنقل ؟ قلنا: لان ما ذكرناه من التقسيم في النقلي، ثابت هاهنا كان مستقلا أو غير مستقل، والقطع لا سبيل إليه، وإن كان ظنيا فالمركب منه ومن العقلي يكون ظنيا، سواء كان العقلي ظنيا أو قطعيا.\rقولهم: ما ذكرتموه لازم عليكم في الوقف، قلنا: ليس كذلك، لان الواقف غير حاكم، بل هو ساكت عن الحكم والساكت عن الحكم، لا يفتقر إلى دليل، فلا يكون ما ذكروه لازما علينا\rشبه القائلين بالوجوب.\rوقد ذكر أبو الحسين البصري في ذلك ما يناهز ثلاثين شبهة دائرة بين غث وثمين، وها نحن نلخص حاصلها، ونأتي على المعتمد من جملتها، مع حذف الزيادات العرية عن الفائدة، ونشير إلى جهة الانفصال عنها، ثم نذكر بعد ذلك شبه القائلين بالندب، وطرق تخريجها إن شاء الله تعالى.\rإما شبه القائلين بالوجوب فشرعية، ولغوية، وعقلية.\rأما الشرعية فمنها ما يرجع إلى الكتاب، ومنها ما يرجع إلى السنة، ومنها ما يرجع إلى الاجماع.\rأما الكتاب فقوله تعالى: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) * (24 النور: 54) ثم هدد عليه بقوله: * (فإن توليتم، فإنما عليه ما حمل، وعليكم ما حملتم) * (24 النور: 54) والتهديد على المخالفة دليل الوجوب.\rوأيضا قوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة، أو يصيبهم عذاب أليم) * (24 النور: 63) ووجه الاستدلال به ما سبق في الآية التي قبلها.\rوأيضا قوله تعالى لابليس * (ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك) * (7 الاعراف: 12) أو رد ذلك في معرض الذم بالمخالفة، لا في معرض الاستفهام، اتفاقا، وهو دليل الوجوب.","part":2,"page":146},{"id":442,"text":"وأيضا قوله تعالى: * (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) * (77 المرسلات: 48) ذمهم على المخالفة وهو دليل الوجوب وأيضا قوله تعالى: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم) * (33 الاحزاب: 36) والمراد من قوله (قضى) أي ألزم، ومن قوله (أمرا) أي مأمورا، وما لا خيرة فيه من المأمورات لا يكون إلا واجبا.\rوأيضا قوله تعالى: * (أفعصيت أمري) * (220 طه: 93) وقوله: * (لا يعصون الله ما أمرهم) * (66 التحريم: 6) وقوله: * (لا أعصي لك أمرا) * (18 الكهف: 69) وصف مخالف الامر بالعصيان، وهو اسم ذم، وذلك\rلا يكون في غير الوجوب.\rوأيضا قوله تعالى: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) * (4 النساء: 65) أي أمرت، ولولا أن الامر للوجوب لما كان كذلك.\rوأما السنة فقوله (ص) لبريرة وقد عتقت تحت عبد وكرهته لو راجعته - فقالت: بأمرك يا رسول الله فقال: لا، إنما أنا شافع - فقالت: لا حاجة لي فيه فقد عقلت أنه لو كان أمرا، لكان واجبا، والنبي، (ص)، قررها عليه.\rوأيضا قوله، (ص): لولا أن أشق على أمتي، لامرتهم بالسواك عند كل صلاة وهو دليل الوجوب، وإلا فلو كان الامر للندب، فالسواك مندوب.\rوأيضا قوله لابي سعيد الخدري حيث لم يجب دعاءه وهو في الصلاة أما سمعت الله تعالى يقول: * (استجيبوا لله، وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) * (8 الانفال: 24) وبخه على مخالفة أمره، وهو دليل الوجوب وأيضا، فإنه لما سأله الاقرع بن حابس أحجنا هذا لعامنا أم للابد قال (ص): بل للابد ولو قلت نعم لوجب.\rوذلك دليل على أن أوامره للوجوب.","part":2,"page":147},{"id":443,"text":"وأما الاجماع فهو أن الامة في كل عصر لم تزل راجعة في إيجاب العبادات إلى الاوامر من قوله تعالى: * (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * (2 البقرة: 43) إلى غير ذلك، من غير توقف.\rوما كانوا يعدلون إلى غير الوجوب إلا لمعارض.\rوأيضا، فإن أبا بكر، رضي الله عنه، استدل على وجوب الزكاة على أهل الردة بقوله: * (وآتوا الزكاة) * (2 البقرة: 43) ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان ذلك إجماعا.\rوأما من جهة اللغة فمن وجوه: الاول وصف أهل اللغة من خالف الامر بكونه عاصيا ومنه قولهم:\rأمرتك، فعصيتني وقوله تعالى: * (أفعصيت أمري) * (20 طه: 93) وقول الشاعر: أمرتك أمرا حازما فعصيتني والعصيان اسم ذم، وذلك في غير الوجوب ممتنع.\rوأيضا فإن السيد إذا أمر عبده بأمر، فخالفه، حسن الحكم من أهل اللغة بذمه واستحقاقه للعقاب، ولولا أن الامر للوجوب لما كان كذلك.\rأما من جهة العقل فمن وجوه: الاول أن الايجاب من المهمات في مخاطبة أهل اللغة، فلو لم يكن الامر للوجوب لخلا الوجوب عن لفظ يدل عليه، وهو ممتنع مع دعو الحاجة إليه.\rوأيضا فإنه قد ثبت أن الطلب لا يخرج عن الوجوب والندب، ويمتنع أن يكون حقيقة في الندب، لا بجهة الاشتراك ولا التعيين ولا بطريق التخيير،","part":2,"page":148},{"id":444,"text":"لان حمل الطلب على الندب معناه: افعل إن شئت.\rوهذا الشرط غير مذكور في الطلب فيمتنع حمل الطلب عليه بوجه من هذه الوجوه.\rويلزم من ذلك أن يكون حقيقة في الوجوب وأيضا فإن الامر مقابل للنهي، والنهي يقتضي ترك الفعل والامتناع من الفعل جزما، فالامر يجب أن يكون مقتضيا للفعل ومانعا من الترك جزما.\rوأيضا فإن الامر بالشئ نهي عن جميع أضداده، والنهي عن أضداده مما يمنع من فعلها وذلك غير متصور دون فعل المأمور به، فكان واجبا.\rوأيضا فإن حمل الامر على الوجوب أحوط للمكلف، لانه إن كان للوجوب فقد حصل المقصود الراجح، وأمنا من ضرر تركه.\rوإن كان للندب فحمله على الوجوب يكون أيضا نافعا غير مضر.\rولو حملناه على الندب، لم نأمن من الضرر، بتقدير كونه واجبا لفوات المقصود الراجح.\rوأيضا فإن المندوب داخل في الواجب من غير عكس فحمل الامر على الوجوب لا يفوت معه المقصود من الندب بخلاف الحمل على الندب فكان حمله على الوجوب أولى.\rوأيضا فإن الامر موضوع لافادة معنى، وهو إيجاد الفعل، فكان مانعا من نقيضه كالخبر.\rوأيضا فإن الامر بالفعل يفيد رجحان وجود الفعل على عدمه، وإلا كان مرجوحا أو مساويا.\rولو كان مرجوحا لما أمر به لما فيه من الاخلال بالمصلحة الزائدة في الترك والتزام المفسدة الراجحة في الفعل، وهو قبيح.\rولو كان مساويا، لم يكن الامر به أولى من النهي عنه، وذلك أيضا قبيح.\rوإذا كان راجحا، فلو جاز تركه، لزم منه الاخلال بأرجح المقصودين، وهو قبيح، فلا يرد به الشرع فتعين الامتناع من الترك، وهو معنى الوجوب.\rوالجواب من جهة الاجمال، والتفصيل.\rأما الاجمال فهو أن جميع ما ذكروه لا خروج له عن الظن، وإنما يكون مفيدا فيما يطلب فيه الظن فقط، وهو غير مسلم فيما نحن فيه.\rوقوله، (ص): نحن نحكم بالظاهر فظني، والكلام في صحة الاحتجاج به فيما نحن فيه، فعلى ما تقدم.","part":2,"page":149},{"id":445,"text":"وأما من جهة التفصيل، فإنا نخص كل شبهة بجواب.\rأما قوله تعالى: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) * (24 النور: 54) فهو أمر والخلاف في اقتضائه للوجوب، بحاله وقوله: * (فإن توليتم، فإنما عليه ما حمل، وعليكم ما حملتم) * (24 النور: 54) فإما أن لا يكون للتهديد بل للاخبار بأن الرسول عليه ما حمل من التبليغ، وعليكم ما حملتم من القبول، وليس في ذلك ما يدل على كون الامر للوجوب، وإن كان للتهديد فهو دليل على الوجوب فيما هدد على تركه ومخالفته من الاوامر، وليس فيه ما يدل على\rأن كل أمر مهدد بمخالفته، بدليل أمر الندب، فإن المندوب مأمور به، على ما سيأتي، وليس مهددا على مخالفته.\rوإذا انقسم الامر إلى مهدد عليه، وغير مهدد، وجب اعتقاد الوجوب فيما هدد عليه، دون غيره، وبه يخرج الجواب عن كل صيغة أمر هدد على مخالفتها وحذر منها، ووصف مخالفها بكونه عاصيا، وبه دفع أكثر ما ذكروه من الآيات.\rويخص قوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) * (24 النور: 63) بأنه غير عام في كل أمر بصيغته.\rوإن قيل بالتعميم بالنظر إلى معقوله، من جهة أنه مناسب، رتب التحذير على مخالفته، فإنما يصح أن لو لم يتخلف الحكم عنه في أمر الندب، وقد تخلف فلا يكون حجة، وأيضا، فإن غايته أنه حذر من مخالفة أمره ومخالفة أمره أن لا يعتقد موجبه، وأن لا يفعل على ما هو عليه من إيجاب أو ندب، ونحن نقول به، وليس فيه ما يدل على أن كل أمر للوجوب.\rويخص قوله لابليس * (ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك) * (7 الاعراف: 12) بأنه غير عام في كل أمر.","part":2,"page":150},{"id":446,"text":"ويخص قوله تعالى: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة) * (33 الاحزاب: 36) الآية، بأن المراد من قوله أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، أي في اعتقاد وجوب المأمور به أو ندبه، وفعله على ما هو عليه، إن كان واجبا فواجب، وإن كان ندبا فندب.\rويخص قوله تعالى: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك) * (4 النساء: 65) الآية بأنه لا حجة فيها.\rوقوله: * (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) * (4 النساء: 65) أي حكمت به من الوجوب والندب والاباحة والتحريم ونحوه، وليس فيه ما يدل على أن كل ما يقضي به يكون واجبا.\rوأما حديث بريرة فلا حجة فيه، فإنها إنما سألت عن الامر، طلبا للثواب\rبطاعته، والثواب والطاعة قد يكون بفعل المندوب، وليس في ذلك ما يدل على أنها فهمت من الامر الوجوب، فحيث لم يكن أمرا لمصلحة أخروية لا بجهة الوجوب، ولا بجهة الندب، قالت: لا حاجة لي فيه.\rفإن قيل: فإجابة شفاعة النبي، (ص) مندوب إليها، فإذا لم يكن مأمورا بها، تعين أن يكون الامر للوجوب.\rقلنا: إذا سلم أن الشفاعة في صورة بريرة غير مأمور بإجابتها، فلا نسلم أنها كانت في تلك الصورة مندوبة، ضرورة أن المندوب عندنا لا بد وأن يكون مأمورا به.\rوأما السواك ففيه ما يدل على أنه أراد بالامر أمر الوجوب، بدليل أنه قرن به المشقة، والمشقة لا تكون إلا في فعل الواجب، لكونه متحتما، بخلاف المندوب، لكونه في محل الخيرة بين الفعل والترك، ولا يمتنع صرف الامر إلى الوجوب بقرينة، ودخول حرف (لولا) على مطلق الامر لا يمنع من هذا التأويل.","part":2,"page":151},{"id":447,"text":"وأما خبر أبي سعيد الخدري فلا حجة فيه أيضا، فإن قوله تعالى: * (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) * (8 الانفال: 24) إنما كان محمولا على وجوب إجابة النداء، تعظيما لله تعالى، ولرسوله في إجابة دعائه، ونفيا للاهانة عنه، والتحقير له، بالاعراض عن إجابة دعائه، لما فيه من هضمه في النفوس، وإفضاء ذلك إلى الاخلال بمقصود البعثة، ولا يمتنع صرف الامر إلى الوجوب بقرينة.\rوأما خبر الحج، فلا دلالة فيه، وقول النبي (ص): ولو قلت نعم لوجب ليس أمرا ليكون للوجوب، بل لانه يكون بيانا لقوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) * (3 آل عمران: 97) فإنه مقتض للوجوب، غير أنه متردد بين التكرار والمرة الواحدة، فقوله: لو قلت نعم لوجب أي تكرره لانه يكون بيانا لما أوجبه الله تعالى،\rلا أنه يكون موجبا.\rوأما ما ذكروه من الاجماع، فإن أريد به أن الامة كانت ترجع في الوجوب إلى مطلق الاوامر فهو غير مسلم، وليس هو أولى من قول القائل: إنهم كانوا يرجعون في الندب إلى مطلق الاوامر، مع أن أكثر الاوامر للمندوبات، وإن أريد به أنهم كانوا يرجعون في الوجوب إلى الاوامر المقترنة بالقرائن، فلا حجة فيه.\rوأما قصة أبي بكر، فلا حجة في احتجاجه بقوله تعالى: * (أقيموا الصلاة وأتوا الزكاة) * (2 البقرة: 43) على أن الامر بمطلقه للوجو ب، وذلك لانهم لم يكونوا منكرين لاصل الوجوب، حتى يستدل على الوجوب بالآية، بل إنما أنكروا التكرار، والاستدلال على تكرار ما وجب، لا يكون استدلالا على نف س اقتضاء الامر بمطلقه للوجوب.\rوأما قولهم: إن أهل اللغة يصفون من خالف الامر المطلق بالعصيان، ويحكمون عليه باستحقاق الذم والتوبيخ، ليس كذلك فإنه ليس القول بملازمة هذه الامور للامر المطلق، وملازمة انتفائها للامر المقيد بالقرينة في المندوبات، أولى من العكس.","part":2,"page":152},{"id":448,"text":"فإن قيل: بل تقييد المندوب بالقرينة، أولى من تقييد الواجب بها فإنها بتقدير خفائها تحمل على الوجوب، وهو نافع غير مضر.\rوبتقدير تقييد الواجب بها يلزم الاضرار بترك الواجب بتقدير خفائها، لفوات المقصود الاعظم منه، فهو معارض بأن الاوامر الواردة في المندوبات، أكثر منها في الواجبات، فإنه ما من واجب إلا ويتبعه مندوبات، والواجب غير لازم للمندوب ولا يخفى أن المحذور في تقييد الاعم بالقرينة لاحتمال خفائها، أعظم من محذور ذلك في الاخص.\rوأما الشبه العقلية قولهم: إن الوجوب من المهمات.\rقلنا: والندب من المهمات، وليس إخلاء أحد الامرين من لفظ يدل عليه،\rأولى من الآخر.\rوإن قيل بأن المندوب له لفظ يدل عليه، وهو قول القائل ندبت ورغبت فللوجوب أيضا لفظ يدل عليه، وهو قوله أوجبت وألزمت وحتمت.\rقولهم أنه يمتنع أن يكون الامر حقيقة في الندب لما ذكروه، فهو مقابل بمثله، فإن حمل الطلب على الوجوب معناه: افعل وأنت ممنوع من الترك وهو غير مذكور في الطلب، فلا يكون حمله على أحدهما أولى من الآخر.\rقولهم إن النهي يقتضي المنع من الفعل فيجب أن يكون الامر مقتضيا للمنع من الترك.\rقلنا: لا نسلم أن مطلق النهي يقتضي المنع من الفعل، إلا أن يدل عليه دليل، كما ذكرناه في الامر.\rوإن صح ذلك في النهي فحاصل ما ذكروه راجع إلى القياس في اللغة، وهو باطل بما سبق.\rقولهم إن الامر بالشئ نهي عن جميع أضداده غير مسلم كما يأتي، وإن سلم، ولكن إنما يمكن القول بأن النهي عن أضداد المأمور به مما يمنع من فعلها، إن لو كان الامر للوجوب، وإلا فبتقدير أن يكون للندب، فالنهي عن أضداده يكون نهي تنزيه، فلا يمنع من فعلها، وعند ذلك فيلزم منه توقف الوجوب على كون النهي عن أضداده، مانعا من فعلها، وذلك متوقف على كون الامر للوجوب، وهو دور ممتنع.\rقولهم إن حمل الطلب على الوجوب أحوط للمكلف على ما ذكروه، فهو معارض بما يلزم من حمله على الوجوب من الاضرار اللازم من الفعل الشاق بتقدير","part":2,"page":153},{"id":449,"text":"فعله، والعقاب بتقدير تركه، ولما فيه من مخالفة النفي الاصلي بما اختص به الوجوب من زيادة الذم والوصف بالعصيان، بخلاف المندوب كيف وإن المكلف إذا نظر وظهر له أن الامر للندب فقد أمن من الضرر، وحصل مقصود الامر.\rقولهم إن المندوب داخل في الواجب ليس كذلك على ما سبق تقريره.\rقولهم إن الامر موضوع لمعنى، فكان مانعا من نقيضه، دعوى محل النزاع، والقياس على الخبر من باب القياس في اللغات، وهو باطل بما سبق.\rثم إنه منقوض بالامر بالمندوب، فإنه مأمور به على ما سبق.\rفإن قيل: لا يلزم من مخالفة الدليل في المندوب المخالفة مطلقا.\rقلنا: يجب أن نعتقد أن ما ذكروه ليس بدليل حتى لا يلزم منه المخالفة في المندوب.\rوما ذكروه من الشبهة الاخيرة فهي منتقضة بالمندوب وأما شبه القائلين بالندب، فمنها نقلية وعقلية.\rأما النقلية فقوله، (ص): إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذ نهيتكم عن شئ فانتهوا فوض الامر إلى استطاعتنا ومشيئتنا، وهو دليل الندبية.\rوأما العقلية فهو أن المندوب ما فعله خير من تركه، وهو داخل في الواجب، فكل واجب مندوب، وليس كل مندوب واجبا، لان الواجب ما يلام على تركه، والمندوب ليس كذلك، فوجب جعل الامر حقيقة فيه لكونه متيقنا.\rوجوابهما من جهة الاجمال، فما سبق في جواب شبه القائلين بالوجوب.\rومن جهة التفصيل: عن الاولى أنه لا يلزم من قوله: ما استطعتم تفويض الامر إلى مشيئتنا، فإنه لم يقل فافعلوا ما شئتم بل قال: ما استطعتم وليس ذلك خاصية للندب، فإن كل واجب كذلك.\rوعن الثانية ما سبق من امتناع وجود المندوب في الواجب، ثم لو كان تنزيل لفظ الامر على المتيقن لازما، لكان جعله حقيقة في رفع الحرج عن الفعل أولى، لكونه متيقنا، بخلاف المندوب، فإنه متميز بكون الفعل مترجحا على الترك، وهو غير متيقن.","part":2,"page":154},{"id":450,"text":"المسألة الثالثة اختلف الاصوليون في الامر العري عن القرائن: فذهب الاستاذ أبو إسحاق\rالاسفرايني وجماعة من الفقهاء والمتكلمين إلى أنه مقتض للتكرار المستوعب لزمان العمر مع الامكان، وذهب آخرون إلى أنه للمرة الواحدة، ومحتمل للتكرار، ومنهم من نفى احتمال التكرار، وهو اختيار أبي الحسين البصري وكثير من الاصوليين، ومنهم من توقف في الزيادة ولم يقض فيها بنفي ولا إثبات، وإليه ميل إمام الحرمين والواقفية.\rوالمختار أن المرة الواحدة لا بد منها في الامتثال، وهو معلوم قطعا، والتكرار محتمل، فإن اقترن به قرينة أشعرت بإرادة المتكلم التكرار حمل عليه، وإلا كان الاقتصار على المرة الواحدة كافيا.\rوالدليل على ذلك أنه إذا قال له صل أو صم فقد أمره بإيقاع فعل الصلاة والصوم، وهو مصدر (افعل)، والمصدر محتمل للاستغراق والعدد: ولهذا يصح تفسيره به، فإنه لو قال لزوجته أنت طالق ثلاثا وقع به لما كان تفسيرا للمصدر، وهو الطلاق، ولو اقتصر على قوله أنت طالق لم يقع سوى طلقة واحدة، مع احتمال اللفظ للثلاث، فإذا قال صل فقد أمره بإيقاع المصدر، وهو الصلاة، والمصدر محتمل للعدد، فإن اقترن به قرينة مشعرة بإرادة العدد حمل عليه، وإلا فالمرة الواحدة تكون كافية.\rولهذا فإنه لو أمر عبده أن يتصدق صدقة، أو يشتري خبزا أو لحما، فإنه يكتفى منه بصدقة واحدة وشراء واحد، ولو زاد على ذلك، فإنه يستحق اللوم والتوبيخ لعدم القرينة الصارفة إليه، وإن كان اللفظ محتملا له، وإنما كان كذلك لان حال الآمر متردد بين إرادة العدد وعدم إرادته، وإنما يجب العدد مع ظهور الارادة، ولا ظهور، إذ الفرض فيما إذا عدمت القرائن المشعرة به.\rفقد بطل القول بعدم إشعار اللفظ بالعدد مطلقا، وبطل القول بظهوره فيه وبالوقف أيضا.\rوالاعتراض هاهنا يختلف باختلاف مذاهب الخصوم: فمن اعتقد ظهوره في التكرار اعترض بشبه.\rالاولى: منها أن أوامر الشارع في الصوم والصلاة محمولة على التكرار، فدل على إشعار الامر به.","part":2,"page":155},{"id":451,"text":"الثانية: أن قوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * يعم كل مشرك فقوله صم وصل ينبغي أن يعم جميع الازمان، لان نسبة اللفظ إلى الازمان كنسبته إلى الاشخاص.\rالثالثة: أن قوله صم كقوله لا تصم ومقتضى النهي الترك أبدا، فوجب أن يكون الامر مقتضيا للفعل أبدا لاشتراكهما في الاقتضاء والطلب.\rالرابعة: أن الامر اقتضى فعل الصوم، واقتضى اعتقاد وجوبه والعزم عليه أبدا، فكذلك الموجب الآخر.\rالخامسة: أن الامر لا اختصاص له بزمان دون زمان، فليس حمله على البعض ولى من البعض، فوجب التعميم.\rالسادسة: أنه لو لم يكن الامر للتكرار لما صح الاستثناء منه، لاستحالة الاستثناء من المرة الواحدة، ولا تطرق النسخ إليه لان ذلك يدل على البدا، وهو محال على الله تعالى، ولا حسن الاستفهام من الآمر أنك أردت المرة الواحدة أو التكرار.\rولكان قول الآمر لغيره صل مرة واحدة غير مفيد، وكان قوله صل مرارا تناقضا، ولكان إذا لم يفعل المأمور ما أمر به في أول الوقت، محتاجا في فعله ثانيا إلى دليل، وهو ممتنع.\rالسابعة: أن الحمل على التكرار أحوط للمكلف، لانه إن كان للتكرار، فقد حصل المقصود، ولا ضرر، وإن لم يكن للتكرار لم يكن فعله مضرا.\rالثامنة: إن الامر بالشئ نهي عن جميع أضداده، والنهي عن أضداده يقتضي استغراق الزمان، وذلك يستلزم استدامة فعل المأمور به.\rالتاسعة: قوله، (ص): إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم أي فأتوا بما أمرتكم به ما استطعتم، وذلك يقتضي وجوب التكرار.\rالعاشرة: أن عمر بن الخطاب سأل النبي، (ص)، لما رآه قد جمع بطهارة واحدة\rبين صلوات عام الفتح، وقال: أعمدا فعلت هذا يا رسول الله ؟ فقال: نعم ولولا أنه فهم تكرار الطهارة من قوله تعالى: * (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) * (5 المائدة: 6) لما كان للسؤال معنى.\rالحادية عشرة: أنه إذا قال الرجل لغيره: أحسن عشرة فلان، فإنه يفهم منه التكرار والدوام.","part":2,"page":156},{"id":452,"text":"وأما شبه القائلين بامتناع احتمال التكرار، فأولها أن من قال لغيره ادخل الدار يعد ممتثلا بالدخول مرة واحدة، كما أنه يصير ممتثلا لقوله اضرب رجلا بضرب رجل واحد.\rولذلك، فإنه لا يلام بترك التكرار، بل يلام من لامه عليه.\rوثانيها: أنه لو قال القائل صام زيد صدق على المرة الواحدة من غير إدامة، فليكن مثله في الامر.\rوثالثها: أنه لو حلف أنه ليصلين أو ليصومن، برت يمينه بصلاة واحدة وصوم يوم واحد، وعد آتيا بما التزمه، فكذلك في الالتزام بالامر.\rورابعها: أنه لو قال الرجل لوكيله طلق زوجتي لم يملك أكثر من تطليقة واحدة.\rوخامسها: أنه لو كان الامر للتكرار، لكان قوله صل مرارا غير مفيد، وكان قوله صل مرة واحدة نقصا، وليس كذلك.\rوسادسها: أنه لو كان مطلق الامر للتكرار، لكان الامر بعبادتين مختلفتين لا يمكن الجمع بينهما إما تكليفا بما لا يطاق، أو أن يكون الامر بكل واحدة مناقضا للامر بالاخرى، وهو ممتنع.\rوأما شبه القائلين بالوقف، فأولها أن الامر بمطلقه غير ظاهر في المرة الواحدة ولا في التكرار، ولهذا، فإنه يحسن أن يستفهم من الآمر عند قوله اضرب ويقال له مرة واحدة أو مرارا.\rولو كان ظاهرا في أحد الامرين لما حسن الاستفهام.\rوثانيها أنه لو كان ظاهرا في المرة الواحدة لكان قول الآمر اضرب مرة واحدة تكرارا أو مرارا تناقضا، وكذلك لو كان ظاهرا في التكرار.\rوالجواب: عن الشبهة الاولى للقائلين بالتكرار هو أن حمل بعض الاوامر، وإن كانت متكررة، على التكرار، لا يدل على استفادة ذلك من ظاهرها، وإلا كان ما حمل من الاوامر على المرة الواحدة، كالحج ونحوه، مستفادا من ظاهر الامر، ويلزم من ذلك إما التناقض أو اعتقاد الظهور في أحد الامرين دون الآخر من غير أولوية وهو محال.","part":2,"page":157},{"id":453,"text":"فإن قيل: اعتقاد الظهور في التكرار أولى، لان ما حمل من الاوامر على التكرار أكثر من المحمول على المرة الواحدة، وعند ذلك فلو جعلناه ظاهرا في المرة الواحدة لكان المحذور اللازم من مخالفته في الحمل على التكرار أقل من المحذور اللازم من جعله ظاهرا في التكرار عند حمله على المرة الواحدة.\rقلنا: هذا إنما يلزم أن لو قلنا إن الامر ظاهر في أحد الامرين، وليس كذلك، بل الامر عندنا إنما يقتضي إيقاع مصدر الفعل والمرة الواحدة من ضروراته، لأن الامر ظاهر فيها، وكذلك في التكرار، فحمل الامر على أحدهما بالقرينة لا يوجب مخالفة الظاهر في الآخر، لعدم تحققه فيه.\rوعن الثانية: وإن سلمنا أن العموم في قوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9 التوبة: 5) أنه يتناول كل مشرك فليس ذلك إلا لعموم اللفظ، ولا يلزم مثله فيما نحن فيه لعدم العموم في قوله صم بالنسبة إلى جميع الازمان، بل لو قال صم في جميع الازمان كان نظيرا لقوله اقتلوا المشركين.\rوعن الثالثة: لا نسلم أن النهي المطلق للدوام، وإنما يقتضيه عند التصريح بالدوام أو ظهور قرينة تدل عليه، كما في الامر، وإن سلمنا اقتضاءه للدوام،\rلكن ما ذكروه من إلحاق الامر بالنهي بواسطة الاشتراك بينهما في الاقتضاء فرع صحة القياس في اللغات، وقد أبطلناه.\rوإن سلمنا صحة ذلك، غير أنا نفرق، وبيانه من وجهين: الاول أن من أمر غيره أن يضرب فقد أمره بإيقاع مصدره وهو الضرب، فإذا ضرب مرة واحدة يصح أن يقال: لم يعدم الضرب.\rالثاني إن حمل الامر على التكرار مما يفضي إلى تعطيل الحوائج المهمة، وامتناع الاتيان بالمأمورات التي لا يمكن اجتماعها بخلاف الانتهاء عن المنهي مطلقا.","part":2,"page":158},{"id":454,"text":"وعن الرابعة: أنها غير متجهة، وذلك لان دوام اعتقاد الوجوب عند قيام دليل الوجوب ليس مستفادا من نفس الامر، وإنما هو من أحكام الايمان، فتركه يكون كفرا، والكفر منهي عنه دائما، ولهذا، كان اعتقاد الوجوب دائما في الاوامر المقيدة.\rوأما العزم فلا نسلم وجوبه، ولهذا فإن من دخل عليه الوقت، وهو نائم، لا يجب على من حضره إنباهه، ولو كان العزم واجبا في ذلك الوقت، لوجب عليه، كما لو ضاق وقت العبادة، وهو نائم.\rوإن سلمنا وجوب العزم، لكن لا نسلم وجوبه دائما، بل هو تبع لوجوب المأمور به، وإن سلمنا وجوبه دائما، فلا نسلم كونه مستفادا من نفس الامر، ليلزم ما قيل، بل إنما هو مستفاد من دليل اقتضى دوامه غير الامر الوارد بالعبادة، ولهذا، وجب في الاوامر بالفعل مرة واحدة.\rوعن الخامسة: أنها باطلة من جهة أن الامر غير مشعر بالزمان، وإنما الزمان من ضرورات وقوع الفعل المأمور به، ولا يلزم من عدم اختصاصه ببعض الازمنة دون البعض التعميم كالمكان.\rوعن السادسة: وهي قولهم لو كان الامر للمرة الواحدة لما دخله النسخ\rليس كذلك عندنا، فإنه لو أمر بالحج في السنة المستقبلة، جاز نسخه عندنا قبل التمكن من الامتثال، على ما يأتي.\rوإنما ذلك لازم على المعتزلة.\rوأما دخول الاستثناء فمن أوجب الفعل على الفور، يمنع منه، ومن أوجبه على التراخي، فلا يمنع من استثناء بعض الاوقات التي المكلف مخير في إيقاع الواجب فيها.\rوأما حسن الاستفهام، فإنما كان لتحصيل اليقين فيما اللفظ محتمل له، تأكيدا، فإنه محتمل لارادة التكرار وإرادة المرة الواحدة، وبه يخرج الجواب عن قوله صل مرة وحدة وقوله: صل مرارا غير متناقض، بل غايته دلالة الدليل على إرادة التكرار المحتمل.\rوإذا لم يفعل ما أمر به في أول الوقت، فمن قال بالتراخي، لا يحتاج إلى دليل آخر، لان مقتضى الامر المطلق عنده تخيير المأمور في إيقاع الفعل في أي وقت شاء من ذلك الوقت، ومن قال بالفور، فلا بد له من دليل في ثاني الحال.","part":2,"page":159},{"id":455,"text":"وعن السابعة ما سبق في الواجب والمندوب.\rوعن الثامنة لا نسلم أن الامر بالشئ نهي عن أضداده، وإن سلم ذلك، ولكن اقتضاء النهي للاضداد بصفة الدوام، فرع كون الامر مقتضيا للفعل على الدوام، وهو محل النزاع.\rوأما قوله، (ص): إذا أمرتكم بأمر الحديث، إنما يلزم أن لو كان ما زاد على المرة الواحدة مأمورا به، وليس كذلك.\rوأما حديث عمر فلا يدل على أنه فهم أن الامر بالطهارة يقتضي تكرارها بتكرر الصلاة، بل لعله أشكل عليه أنه للتكرار، فسأل النبي عن عمده وسهوه في ذلك، لازاحة الاشكال، بمعرفة كونه للتكرار، إن كان فعل النبي، (ص)، سهوا أو لا للتكرار، إن كان فعله عمدا.\rكيف وإن فهم عمر لذلك مقابل بإعراض النبي، (ص)، عن التكرار، ولو كان للتكرار لما أعرض عنه، وله الترجيح.\rوأما الشبهة الاخيرة فإنما عم الامر فيها بالاكرام وحسن العشرة للازمان، لان ذلك إنما يقصد به التعظيم، وذلك يستدعي استحقاق المأمور بإكرامه للاكرام، وهو سبب الامر، فمهما لم يعلم زوال ذلك السبب وجب دوام المسبب، فكان الدوام مستفادا من هذه القرينة، لا من مطلق الامر.\rوالجواب عن الشبهة الاولى للقائلين بامتناع احتمال الامر المطلق للتكرار، أن ذلك يدل على أن الامر غير ظاهر في التكرار، ولا يلزم منه امتناع احتماله له.\rولهذا، فإنه لو قال: ادخل الدار مرارا، بطريق التفسير، فإنه يصح ويلزم، ولو عدم الاحتمال لما صح التفسير.\rوعن الثانية أن ذلك قياس في اللغات، فلا يصح، وبه دفع الشبهة الثالثة.\rوإذا قال لوكيله طلق زوجتي إنما لم يملك ما زاد على الطلقة الواحدة، لعدم ظهور الامر فيها، لا لعدم الاحتمال لغة.\rولهذا لو قال طلقها ثلاثا على التفسير، صح.\rوعن الخامسة ما سبق.","part":2,"page":160},{"id":456,"text":"وعن السادسة أنها باطلة، وذلك لان زيادة المشقة من حمل الامر على التكرار، إما أن لا يكون منافيا له، أو يكون منافيا: فإن كان الاول، فلا اتجاه لما ذكروه، وإن كان الثاني فغايته تعذر العمل بالامر في التكرار، عند لزوم الحرج، فيلون ذلك قرينة مانعة من صرف الامر إليه، ولا يلزم من ذلك امتناع احتماله له لغة.\rوجواب شبهة القائلين بالوقف ما سبق في جواب من تقدم، والله أعلم.\rالمسألة الرابعة الامر المعلق بشرط، كقوله: إذا زالت الشمس فصلوا أو صفة كقوله: * (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * (24 النور: 2) هل يقتضي تكرار المأمور به بتكرر الشرط والصفة، أم لا ؟\rفمن قال إن الامر المطلق يقتضي التكرار فهو هاهنا أولى.\rومن قال إن الامر المطلق لا يقتضي التكرار اختلفوا هاهنا: فمنهم من أوجبه، ومنهم من نفاه.\rوقبل الخوض في الحجاج، لا بد من تلخيص محل النزاع، فنقول: ما علق به المأمور من الشرط أو الصفة، إما أن يكون قد ثبت كونه علة في نفس الامر لوجوب الفعل المأمور به، كالزنى، أو لا يكون كذلك، بل الحكم متوقف عليه من غير تأثير له فيه، كالاحصان الذي يتوقف عليه الرجم في الزنى، فإن كان الاول، فالاتفاق واقع على تكرر الفعل بتكرره نظرا إلى تكرر العلة، ووقوع الاتفاق على التعبد باتباع العلة، مهم وجدت، فالتكرار مستند إلى تكرار العلة، لا إلى الامر، وإن كان الثاني، فهو محل الخلاف.\rوالمختار أنه لا تكرار.\rوقد احتج القائلون بهذا المذهب بحجج واهية، لا بد من التنبيه عليها، وعلى ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار.\rالحجة الاولى أنهم قالوا: أجمعنا على أن الخبر المعلق بالشرط أو الصفة لا يقتضي تكرار المخبر عنه كما لو قال إن جاء زيد جاء عمرو فإنه لا يلزم تكرر مجئ عمرو في تكرر مجئ زيد، فكذلك في الامر، وهي باطلة، فإن حاصلها يرجع إلى القياس في اللغة، وقد أبطلناه.","part":2,"page":161},{"id":457,"text":"الثانية أنه لو قال لزوجته إذا دخلت الدار فأنت طالق فإنه لا يتكرر الطلاق بتكرار الدخول، فكذلك في قوله إذا زالت الشمس فصلوا وهو أيضا من جنس ما تقدم، لما فيه من قياس الامر على إنشاء الطلاق الذي ليس بأمر.\rالثالثة أن اللفظ لا دلالة فيه إلا على تعليق شئ بشئ، وهو أعم من تعليقه عليه في كل صورة، أو في صورة واحدة، والمشعر بالاعم لا يلزم أن يكون مشعرا بالاخص.\rوحاصل هذه الحجة أيضا يرجع إلى محض الدعوى، بأن الامر المضاف إلى الشرط أو الصفة لا يفهم منه اقتضاء التكرار بتكرر الشرط أو الصفة، وهو عين محل النزاع.\rوإنما الواجب أن يقال إنه مشعر بالاعم.\rوالاصل عدم إشعاره، بالاخص.\rوالمعتمد في ذلك أن يقال: لو وجب التكرار لم يخل، إما أن يكون المقتضي له نفس الامر، أو الشرط، أو مجموع الامرين: لا جائز أن يقال بالاول لما سبق في المسألة المتقدمة، ولا بالثاني لان الشرط غير مؤثر في المشروط، بحيث يلزم من وجوده وجوده، بل إنما تأثيره في انتفاء المشروط عند انتفائه وحيث قيل بملازمة المشروط لوجود الشرط في قوله لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق إنما كان لضرورة وجود الموجب، وهو قوله أنت طالق لا لنفس دخول الدار، وإلا كان دخول الدار موجبا للطلاق مطلقا، وهو محال، ولا جائز أن يقال بالثالث، لانا أجمعنا على أنه لو قال لعبده إذا دخلت السوق فاشتر لحما أنه لا يقتضي التكرار، وذلك إما أن يكون مع تحقق الموجب للتكرار، أو لا مع تحققه: لا جائز أن يقال بالاول، وإلا فانتفاء التكرار إما لمعارض، أو لا لمعارض: والاول ممتنع لما فيه من المعارضة وتعطيل الدليل عن أعماله، وهو خلاف الاصل، والثاني أيضا باطل لما فيه من مخالفة الدليل من غير معارض، فلم يبق سوى الثاني، وهو المطلوب فإن قيل: ما ذكرتموه معارض من وجوه.\rالاول: أنه قد وجد في كتاب الله تعالى أوامر متعلقة بشروط وصفات، وهي متكررة بتكررها، كقوله تعالى: * (إذا قمتم إلى الصلاة، فاغسلوا) * (5 المائدة: 6) الآية، وقوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5 المائدة: 38) * (والزانية والزاني) * (24 النور: 2) الآية ولو لم يكن ذلك مقتضيا للتكرار لما كان متكررا.","part":2,"page":162},{"id":458,"text":"الثاني: أن العلة يتكرر الحكم بتكررها إجماعا، والشرط أقوى من العلة لانتفاء الحكم بانتفائه بخلاف العلة، فكان اقتضاؤه للتكرار أولى.\rالثالث: أن نسبة الحكم إلى إعداد الشرط المعلق عليه نسبة واحدة، ولا اختصاص\rله بالموجود الاول منها، دون ما بعده، وعند ذلك فإما أن يلزم من انتفاء الحكم مع وجود الشرط ثانيا وثالثا انتفاؤه مع وجود الشرط الاول، أو من وجوده مع الاول الوجود مع الثاني، وما بعده، ضرورة التسوية: والاول خلاف الاجماع، والثاني هو المطلوب.\rالرابع: أنه لو لم يكن الامر مقتضيا لتعليق الحكم بجميع الشروط، بل بالاول منها، فليزم أن يكون فعل العبادة مع الشرط الثاني، دون الاول، قضاء، وكانت مفتقرة إلى دليل آخر وهو ممتنع.\rالخامس: أن النهي المعلق بالشرط مفيد للتكرار، كما إذا قال إن دخل زيد الدار، فلا تعطه درهما والامر ضد النهي، فكان مشاركا له في حكمه، ضرورة اشتراكهما في الطلب والاقتضاء.\rالسادس: أن تعليق الامر على الشرط الدائم، موجب لدوام المأمور به بدوامه، كما لو قال إذا وجد شهر رمضان فصمه فإن الصوم يكون دائما بدوام الشهر، وتعليق الامر على الشرط المتكرر في معناه فكان دائما.\rوالجواب عن الاول أنه إذا ثبت بما ذكرناه أن الامر المعلق بالشرط والضفة غير مقتض للتكرار، فحيث قضي بالتكرار إما أن يكون الشرط والصفة علة للحكم المكرر في نفس الامر، كما في الزنى والسرقة، أو لا يكون علة له: فإن كان الاول، فالتكرار إنما كان لتكرر العلة الموجبة للحكم، ولا كلام فيه، وإن كان الثاني، فيجب اعتقاد كونه متكررا لدليل اقتضاه غير الامر المعلق بالشرط والصفة، لما ذكرناه من عدم اقتضائه.\rكيف وإنه كما قد يتكرر الفعل المأمور به بتكرر الشرط، فقد لا يتكرر كالامر بالحج، فإنه مشروط بالاستطاعة وهو غير متكرر بتكررها.","part":2,"page":163},{"id":459,"text":"وعن الثاني: أنه لا يلزم من تكرر الحكم بتكرر العلة لكونها موجبة للحكم، تكرره بتكرر الشرط، مع أنه غير موجب للحكم، كما تقرر.\rوعن الثالث: أنه إنما يلزم القائلين بالوجوب على الفور، وليس كذلك عندنا، بل الامر مقتض للامتثال مع استواء التقديم والتأخير فيه، إذا علم تجدد الشرط، وغلب على الظن بقاء المأمور، ويكون الامر قد اقتضى تعلق المأمور به على الشروط كلها على طريق البدل من غير اختصاص له ببعضها دون بعض.\rوأما إن لم يغلب على الظن تجدد الشرط، ولا بقاء المأمور إلى حالة وجود الشرط الثاني، فقد تعين اختصاص المأمور بالشرط الاول، لعدم تحقق ما سواه.\rوعلى هذا، فقد خرج الجواب عن الرابع أيضا.\rوعن الخامس أن حاصله يرجع إلى قياس الامر على النهي في اللغة، وهو باطل بما سبق.\rكيف وإنا لا نسلم أن النهي المضاف إلى الشرط يتكرر بتكرر الشرط، بل ما اقتضاه النهي إنما هو دوام المنع عند تحقق الشرط الاول، سواء تجدد الشرط ثانيا، أو لم يتجدد.\rوعن السادس أن الشرط المستشهد به، وإن كان له دوام في زمان معين، والحكم موجود معه، فهو واحد والمشروط به غير متكرر بتكرره.\rوعند ذلك فلا يلزم من لزوم وجود المشروط عند تحقق شرطه من غير تكرر، لزوم التكرر بتكرر الشرط في محل النزاع.","part":2,"page":164},{"id":460,"text":"المسألة الخامسة اختلفوا في الامر المطلق: هل يقتضي تعجيل فعل المأمور به ؟ فذهبت الحنفية والحنابلة وكل من قال بحمل الامر على التكرار، إلى وجوب التعجيل.\rوذهبت الشافعية والقاضي أبو بكر وجماعة من الاشاعرة والجبائي وابنه وأبو الحسين البصري إلى التراخي، وجواز التأخير عن أول وقت الامكان.\rوأما الواقفية فقد توقفوا، لكن منهم من قال: التوقف إنما هو في المؤخر هل هو ممتثل أو لا ؟ وأما المبادر فإنه ممتثل قطعا، لكن هل يأثم بالتأخير ؟ اختلفوا فيه: فمنهم من قال بالتأثيم، وهو اختيار إمام الحرمين، ومنهم من لم يؤثمه، ومنهم من توقف في المبادر أيضا، وخالف في ذلك إجماع السلف.\rوالمختار أنه مهما فعل، كان مقدما أو مؤخرا، كان ممتثلا للامر، ولا إثم عليه بالتأخير.\rوالدليل على ذلك أن الامر حقيقة في طلب الفعل لا غير، فمهما أتى بالفعل في أي زمان كان، مقدما أو مؤخرا كان آتيا بمدلول الامر، فيكون ممتثلا للامر، ولا إثم عليه بالتأخير، لكونه آتيا بما أمر به على الوجه الذي أمر به، وبيان أن مدلول الامر طلب الفعل لا غير، وجهان.\rالاول: أنه دليل على طلب الفعل بالاجماع، والاصل عدم دلالته على أمر خارج، والزمان وإن كان لا بد منه من ضرورة وقوع الفعل المأمور به، ولا يلزم أن يكون داخلا في مدلول الامر، فإن اللازم من الشئ أعم من الداخل في معناه، ولا أن يكون متعينا، كما لا تتعين الآلة في الضرب، ولا الشخص المضروب، وإن كان ذلك من ضرورات امتثال الامر بالضرب.\rالوجه الثاني: أنه يجوز ورود الامر بالفعل على الفور وعلى التراخي، ويصح مع ذلك أن يقال بوجود الامر في الصورتين.\rوالاصل في الاطلاق الحقيقة، ولا مشترك بين الصورتين سوى طلب الفعل، لان الاصل عدم ما سواه، فيجب أن يكون هو مدلول الامر في الصورتين، دون ما به الاقتران من الزمان وغيره، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ.","part":2,"page":165},{"id":461,"text":"فإن قيل: ما ذكرتموه في بيان امتناع خروج الوقت عن الدخول في مقتضى الامر معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه من خمسة وجوه:\rالاول: أنه إذا قال السيد لعبده اسقني ماء فإنه يفهم منه تعجيل السقي، حتى أنه يحسن لوم العبد وذمه في نظر العقلاء بتقدير التأخير، ولولا أنه من مقتضيات الامر لما كان كذلك.\rإذ الاصل عدم القرينة.\rالثاني: هو أن مدلول الامر، وهو الفعل المأمور به، لا يقع إلا في وقت وزمان، فوجب أن يكون الامر مقتضيا للفعل في أقرب زمان كالمكان، وكما لو قال لزوجته أنت طالق ولعبده أنت حر فإن مدلول لفظه يقع على الفور في أقرب زمان.\rالثالث: أن الامر مشارك للنهي في مطلق الطلب، والنهي مقتض للامتثال على الفور، فوجب أن يكون الامر كذلك.\rالرابع: أن الامر بالشئ نهي عن جميع أضداده، والنهي عن أضداد المأمور به مقتض للانتهاء عنها على الفور، وذلك متوقف على فعل المأمور به على الفور، فكان الامر مقتضيا له على الفور.\rالخامس: أنه تعالى عاتب إبليس ووبخه على مخالفة الامر بالسجود لآدم في الحال بقوله: * (ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك ؟) * (7 الاعراف: 12) ولو لم يكن الامر بالسجود مقتضيا له في الحال، لما حسن توبيخه عليه، ولكان تلك عذرا لابليس في تأخيره.\rسلمنا عدم دلالة الامر على وجوب الفعل على الفور لفظا لكن لم قلتم إنه لا يكون مستلزما له بواسطة دلالته على أصل الوجوب ؟ وبيان ذلك من وجوه أربعة: الاول: أن الامر إذا دل على وجوب الفعل، فقد أجمعنا على وجوب اعتقاده على الفور، مع أن ذلك لم يكن مقتضى للامر، بل هو من لوازم مقتضاه فكان مقتضاه على الفور أولى لاصالته.\rالثاني: أن إجماع السلف منعقد على أن المبادر يخرج عن عهدة الامر، ولا إجماع في المؤخر، فكان القول بالتعجيل أحوط وأولى.","part":2,"page":166},{"id":462,"text":"الثالث: أن الفعل واجب بالاتفاق، فلو جاز تأخيره إما أن يجوز إلى غاية معينة، أو لا إلى غاية.\rفإن جاز تأخيره إلى غاية معينة، فإما أن تكون معلومة للمأمور، أو لا تكون معلومة له: فإن كانت معلومة له، فإما أن تكون مذكورة بأن يقال له إلى عشرة أيام مثلا، أو موصوفة.\rالاول خلاف الفرض، إذ الفرض فيما إذا كان أمرا مطلقا غير مقيد بوقت في الذكر.\rوإن كان الثاني فالوقت الموصوف لا يخرج بالاجماع عن الوقت الذي إذا انتهى إليه غلب على ظنه أنه لو أخر المأمور به عنه، لفات، وذلك لا يكون إلا بأمارة تدل عليه، وهي الاجماع غير خارجة عن المرض المرجو وعلو السن، وكل واحد من الامرين مضطرب مختلف، فإنه قد يموت قبل ذلك، أو يعيش بعده فلا يعتمد عليه.\rوإن كانت الغاية غير معلومة له مع أنه لا يجوز له التأخير عنها، كان ذلك تكليفا بما لا يطاق، وهو ممتنع، وهذا كله فيما إذا جاز التأخير إلى غاية.\rوإن كان التأخير لا إلى غاية، فإما أن يجوز ذلك ببدل، أو لا ببدل: فإن كان ببدل، فذلك البدل إما أن يكون واجبا أو غير واجب: لا جائز أن لا يكون واجبا، وإلا لما كان بدلا عن الواجب بالاجماع.\rوإن كان واجبا فهو ممتنع لوجوه أربعة.\rالاول أنه لو كان واجبا لوجب إنباه المأمور حالة ورود الامر نحوه على من حضره حذرا من فوات الواجب الذي هو البدل، كما لو ضاق عليه الوقت وكان نائما، الثاني هو أن الامر لا تعرض فيه لوجوب البدل، والاصل عدم دليل آخر، ويمتنع القول بوجوب مالا دليل عليه، الثالث: أن البدل لو كان واجبا، لكان قائما مقام المبدل ومحصلا لمقصوده، وإلا لما كان بدلا، لما فيه من فوات مقصود الاصل، ويلزم من ذلك سقوط المأمور به بالكلية بتقدير الاتيان بالبدل ضرورة حصول مقصوده، وهو محال،\rالرابع: أنه لو كان البدل واجبا لم يخل إما أن يجوز تأخيره عن الوقت الثاني من ورود الامر، أو لا يجوز: فإن كان الاول فالكلام فيه كالكلام في أصل المأمور به، وهو تسلسل ممتنع،","part":2,"page":167},{"id":463,"text":"وإن كان الثاني، فهو أيضا ممتنع، لان البدل لا يزيد على نفس المبدل، ووقت المبدل غير معين، فكذلك البدل، وإن جاز التأخير أبدا لا ببدل، ففيه إخراج الواجب عن حقيقته، وهو محال.\rالرابع من الوجوه الاول أن امتثال المأمور به من الخيرات وهو سبب الثواب فوجب تعجيله، لقوله تعالى: * (فاستبقوا الخيرات) * (2 البقرات: 148) وقوله تعالى: * (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم، وجنة عرضها السموات والارض) * (3 آل عمران: 133) أمر بالمسارعة والمسابقة، وهي التعجيل، والامر للوجوب.\rوالجواب عن الوجه الاول أنه إنما فهم التعجيل من أمر السيد بسقي الماء من الظن الحاصل بحاجة السيد إليه في الحال، إذ الظاهر أنه لا يطلب سقي الماء من غير حاجة إليه، حتى أنه لو لم يعلم أو يظن أن حاجته إليه داعية في الحال، لما فهم من أمره التعجيل، ولا حسن ذم العبد بالتأخير.\rفإن قيل: أهل العرف إنما يذمون العبد بمخالفة مطلق الامر، ويقولون في معرض الذم خالف أمر سيده وذلك يدل على أن مطلق الامر هو المقتضي للتعجيل دون غيره.\rقلنا: إنما نسلم صحة ذلك في الامر المقيد بالقرينة دون المطلق، والامر فيما نحن فيه مقيد، ثم هو معارض عند مطلق الامر بصحة عذر العبد بقوله إنما أخرت لعدم علمي وظني بدعو حاجته إليه في الحال وليس أحد الامرين أولى من الآخر.\rوعن الثاني من وجهين: الاول: لا نسلم تعين أقرب الاماكن، ولا نسلم أن قوله أنت طالق، وأنت\rحر يفيد صحة الطلاق والعتق بوضعه له لغة، بل ذلك لسبب جعل الشرع له علامة على ذلك الحكم الخالي، ولا يلزم من ذلك أن يكون الامر موضوعا للفور.\rالثاني: أن حاصله يرجع إلى القياس في اللغة، وهو ممتنع كما سبق.\rوعن الثالث والرابع: ما سبق في المسألة المتقدمة.\rوعن الخامس: أن توبيخه لابليس إنما كان ذلك لابائه واستكباره، ويدل عليه قوله تعالى * (إلا إبليس أبى واستكبر) * (2 البقرة: 34) ولتخيره على آدم بقوله: * (أنا خير منه،","part":2,"page":168},{"id":464,"text":"خلقتني من نار وخلقته من طين) * (7 الاعراف: 12) ولا يمكن إضافة التوبيخ إلى مطلق الامر من هو حيث هو أمر، لانه منقسم إلى أمر إيجاب واستحباب، كما سبق تقريره، ولا توبيخ على مخالفة أمر الاستحباب إجماعا.\rولو كان التوبيخ على مطلق الامر، لكان أمر الاستحباب موبخا على مخالفته، فلم يبق إلا أن يكون التوبيخ على أمر الايجاب، وهو منقسم إلى أمر إيجاب على الفور، وأمر إيجاب على التراخي، كما إذا قال أوجبت عليك متراخيا ولا يلزم منه أن يكون مطلق الامر للايجاب حالا.\rوإن سلمنا أنه وبخه على مخالفة الامر في الحال، ولكن لا نسلم أن الامر بالسجود كان مطلقا، بل هو مقترن بقرينة لفظية موجبة لحمله على الفور، وهي قوله تعالى: * (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي، فقعوا له ساجدين) * (15 الحجر: 29) رتب السجود على هذه الاوصاف بفاء التعقيب، وهي مقتضية للسجود عقبها على الفور من غير مهلة.\rقولهم: لم قلتم بأنه لا يكون مستلزما للفور بواسطة دلالته على وجوب الفعل ؟ قلنا: الاصل عدم ذلك.\rقولهم إنه يجب تعجيل اعتقاد وجوب الفعل، قلنا: ولم يلزم منه تعجيل وجوب الفعل.\rقولهم إنه من لوازم وجوب الفعل،\rقلنا من لوازم وجوب تقديم الفعل، أو من لوازم وجوب الفعل ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم، ولكن لا يلزم منه وجوب تقديم الفعل، بدليل ما لو أوجب الفعل مصرحا بتأخيره، فإنه يجب تعجيل اعتقاد وجوبه، وإن لم يكن وجوب الفعل على الفور.\rقولهم: القول بالتعجيل أحوط للمكلف، قلنا الاحتياط إنما هو باتباع المكلف ما أوجبه ظنه: فإن ظن الفور، وجب عليه اتباعه، وإن ظن التراخي، وجب عليه اتباعه، وإلا فبتقدير أن يكون قد غلب على ظنه التراخي، فالقول بوجوب التعجيل على خلاف ظنه، يكون حراما وارتكاب المحرم يكون إضرارا، فلا يكون احتياطا.\rقولهم: لو جاز التأخير، إما أن يكون إلى غاية، أو لا إلى غاية إلى آخره،","part":2,"page":169},{"id":465,"text":"فهو منقوض بما لو صرح الآمر بجواز التأخير، فإن كل ما ذكروه من الاقسام متحقق فيه، مع جواز تأخيره، وما ذكروه من الآيتين الاخيرتين فهو غير دال على وجوب تعجيل الفعل المأمور به، فإنهما بمنطوقهما يدلان على المسارعة إلى الخيرات والمغفرة.\rوالمراد به إنما هو المسارعة إلى سبب ذلك، ودلالتهما على السبب إنما هي بجهة الاقتضاء، والاقتضاء لا عموم له، على ما يأتي تقريره، فلا دلالة لهما على المسارعة إلى كل سبب للخيرات والمغفرة، فيختص ذلك بما اتفق على وجوب تعجيله من الافعال المأمور بها، ولا يعم كل فعل مأمور به.\rالمسألة السادسة الامر بالشئ على التعيين، هل هو نهي عن أضداده ؟ اختلفوا فيه: وتفصيل المذاهب: أما أصحابنا فالامر عندهم هو الطلب القائم بالنفس، وقد اختلفوا: فمنهم من قال: الامر بالشئ بعينه نهي عن أضداده، وإن طلب الفعل بعينه،\rطلب ترك أضداده، وهو قول القاضي أبي بكر في أول أقواله.\rومنهم من قال: هو نهي عن أضداده، بمعنى أنه يستلزم النهي عن الاضداد، لا أن الامر هو عين المنهي، وهو آخر ما اختاره القاضي في أخر أقواله.","part":2,"page":170},{"id":466,"text":"ومنهم من منع من ذلك مطلقا، وإليه ذهب إمام الحرمين والغزالي.\rوأما المعتزلة فالامر عندهم نفس صيغة: افعل وقد اتفقوا على أن عين صيغة افعل لا تكون نهيا، لان صيغة النهي لا تفعل وليس إحداهما عين الاخرى، وإنما اختلفوا في أن الآمر بالشئ هل يكون نهيا عن أضداده من جهة المعنى: فذهب القدماء من مشايخ المعتزلة إلى منعه ومن المعتزلة من صار إليه، كالعارضي وأبي الحسين البصري وغيرهما من المعتبرين منهم.\rومعنى كونه نهيا عن الاضداد من جهة المعنى عندهم، أن صيغة الامر تقتضي إيجاد الفعل والمنع من كل ما يمنع منه.\rومنهم من فصل بين أمر الايجاب، والندب، وحكم بأن أمر الايجاب يكون نهيا عن أضداده ومقبحا لها، لكونها مانعة من فعل الواجب، بخلاف المندوب.\rولهذا، فإن أضداد المندوب من الافعال المباحة غير منهي عنها، لا نهي تحريم ولا نهي تنزيه.\rوالمختار إنما هو التفصيل، وهو إما أن نقول بجواز التكليف بما لا يطاق، أو لا يقول به: فإن قلنا بجوازه، على ما هو مذهب الشيخ أبي الحسن، رحمة الله عليه، كما سبق تقريره، فالامر بالفعل لا يكون بعينه نهيا عن أضداده، ولا مستلزما للنهي عنها، بل جائز أن نؤمر بالفعل وبضده، في الحالة الواحدة، فضلا عن كونه لا يكون منهيا عنه.","part":2,"page":171},{"id":467,"text":"وإن منعنا ذلك فالمختار أن الامر بالشئ يكون مستلزما للنهي عن أضداده، لا أن يكون عين الامر هو عين النهي عن الضد، وسواء كان الامر أمر إيجاب أو ندب.\rأما أنه مستلزم للنهي عن الاضداد، فلان فعل المأمور به لا يتصور إلا بترك أضداده.\rوما لا يتم فعل المأمور به دون تركه، فهو واجب الترك، إن كان الامر للايجاب ومندوب إلى تركه، إن كان الامر للندب، على ما سبق تقريره، وهو معنى كونه منهيا عنه، غير أن النهي عن أضداد الواجب يكون نهي تحريم، وعن أضداد المندوب، نهي كراهة وتنزيه، وأما أنه لا يكون عين الامر هو عين النهي.\rفإذا قلنا إن الامر هو صيغة افعل فظاهر، على ما سبق، وأما على قولنا إن الامر هو الطلب القائم بالنفس، فلانا إذا فرضنا الكلام في الطلب النفساني القديم، فهو وإن اتحد على أصلنا، فإنما يكون أمرا بسبب تعلقه بإيجاد الفعل، وهو من هذه الجهة لا يكون نهيا، لانه إنما يكون نهيا بسبب تعلقه بترك الفعل وهما، بسبب التغاير في التعلق والمتعلق، متغايران.\rوإن فرضنا الكلام في الطلب القائم بالمخلوق، فهو وإن تعدد، فالامر منه أيضا، إنما هو الطلب المتعلق بإيجاد الفعل، وهما غيران.\rفإن قيل: لو كان الامر بالفعل مستلزما للنهي عن أضداده لكان الامر بالعبادة مستلزما للنهي عن جميع المباحات المضادة لها، ويلزم من ذلك أن تكون حراما إن كان النهي نهي تحريم أو مكروهة إن كان النهي نهي تنزيه، وخرج المباح عن كونه مباحا، كما ذهب إليه الكعبي من المعتزلة،","part":2,"page":172},{"id":468,"text":"بل ويلزم منه أن يكون ما عدا العبادة المأمور بها من العبادات المضادة لها منهيا عنها، ومحرمة أو مكروهة، وهو محال.\rكيف وإن الآمر بالفعل قد يكون غافلا عن أضداده، والغافل عن الشئ لا يكون ناهيا عنه، لان النهي عن الشئ يستدعي العلم به، والعلم بالشئ مع الذهول عنه محال.\rسلمنا أنه مستلزم للنهي عن أضداده، لكن يمتنع أن يكون النهي عن الاضداد\rغير الامر، بل يجب أن يكون هو هو بعينه، كما قاله القاضي أبو بكر في أحد قوليه ومأخذه أنه إذا وقع الاتفاق على أنه يلزم من الامر بالفعل النهي عن أضداده، فذلك النهي إن كان هو غير الامر، فإما أن يكون ضدا له، أو مثلا، أو خلافا: لا جائز أن يقال بالمضادة، وإلا لما اجتمعا، وقد اجتمعا.\rولا جائز أن يكون مثلا لان المتماثلات أضداد على ما عرف في الكلاميات.\rولا جائز أن يكون خلافا، وإلا جاز وجود أحدهما دون الآخر، كما في العلم والارادة ونحوهما، ولجاز أن يوجد أحدهما مع ضد الآخر، كما يوجد العلم بالشئ مع الكراهة المضادة لارادته، ويلزم من ذلك، أنه إذا أمر بالحركة المضادة للسكون إذا كان النهي عن السكون مخالفا للامر بالحركة أن يجتمع الامر بالحركة والامر بالسكون المضاد المنهي عنه وفيه الامر بالضدين معا، وهو ممتنع على ما وقع به الفرض.\rوإذا بطلت المغايرة تعين الاتحاد.\rوعلى هذا، فالحركة عين ترك","part":2,"page":173},{"id":469,"text":"السكون، وشغل الجوهر بحيز هو عين تفريغه لغيره، وعين القرب من المشرق بالفعل الواحد هو عين البعد من المغرب، فطلب أحدهما بعينه طلب الآخر لاتحاد المطلوب.\rوالجواب: عن السؤال الاول أنا لا نمنع من كون المباحات بل الواجبات المضادة المأمور بها منهيا عنها من جهة كونها مانعة من فعل المأمور به، لا في ذاتها، كما نقول في فعل الصلاة في الدار المغصوبة، فإنه في ذاته غير منهي عنه، وإن كا ن منهيا عنه من جهة ما يتعلق به من شغل ملك الغير، كما سبق ذكره.\rوالالتفات إلى ما يهول به من خروج المباحات عن كونها مباحة، فإن ذلك إنما يلزم إن لو قيل بكونها منهيا عنها في ذواتها.\rوأما إذا قيل بكونها منهيا مانعة من فعل المأمور به، فلا.\rقولهم إنه قد يأمر بالفعل من هو غافل عن أضداده، قلنا لا نسلم أن الآمر بالشئ عند كونه آمرا به يتصور أن يكون عافلا عن طلب ترك ما يمنع من فعل المأمور به من جهة الجملة، وإن كان غافلا عن تفصيله.\rونحن إنما نريد بقولنا إن الامر بالشئ يستلزم النهي عن الاضداد من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل قولهم إنه يمتنع أن يكون النهي عن الاضداد غير الامر، قلنا: دليله ما سبق.\rوما ذكره القاضي أبو بكر من الدليل، فالمختار منه إنما هو قسم التخالف، ولا يلزم من ذلك جواز انفكاك أحدهما عن الآخر لجواز أن يكونا من قبيل المختلفات المتلازمة، كما في المتضايفات، وكل متلازمين من الطرفين، وبه","part":2,"page":174},{"id":470,"text":"يمتنع الجمع بين وجود أحدهما وضد الآخر، ولا يلزم من جواز ذلك في بعض المختلفات جوازه في الباقي.\rوإذا بطل ما ذكره من دليل الاتحاد بطل ما هو مبني عليه.\rالمسألة السابعة مذهب أصحابنا والفقهاء وأكثر المعتزلة، أن الاتيان بالمأمور به يدل على الاجزاء، خلافا للقاضي عبد الجبار من المعتزلة ومتبعيه فإنه قال: لا يدل على الاجزاء.\rوقبل الخوض في الحجاج، لا بد من تحقيق معنى الاجزاء ليكون التوارد بالنفي والاثبات على محز واحد، فنقول: كون الفعل مجزئا قد يطلق بمعنى أنه امتثل به الامر عندما إذا أتي به على الوجه الذي أمر به، وقد يطلق بمعنى أنه مسقط للقضاء، وإذا علم معنى كون الفعل مجزئا فقد اتفق الكل على أن الاتيان بالمأمور به على الوجه الذي أمر به، يكون مجزئا، بمعنى كونه امتثالا للامر، وذلك مما لا خلاف فيه.\rوإنما خالف القاضي عبد الجبار في كونه مجزئا، بالاعتبار الآخر، وهو أنه لا يسقط القضاء، ولا يمتنع مع فعله من الامر بالقضاء وهو مصرح به في عمده.\rوعلى هذا، فكل من استدل من أصحابنا كإمام الحرمين وغيره من القائلين بالاجزاء على كون الفعل امتثالا وخروجا عن عهدة الامر الاول، فقد استدل على محل الوفاق، وحاد عن موضع التزاع.\rلكن قد أورد أبو الحسين البصري إشكالا على تفسير إجزاء الفعل بكونه مسقطا للقضاء، وقال: لو أمر بالصلاة مع الطهارة، فأتى بها من غير طهارة، ومات عقيب الصلاة، فإنه لا يكون فعله مجزئا، وإن كان القضاء ساقطا.\rوربما زاد عليه بعض الاصحاب، وقال: يمتنع تفسير الاجزاء بسقوط القضاء، لانا نعلل وجوب القضاء بكون الفعل الاول لم يكن مجزئا، والعلة لا بد وأن تكون مغايرة للمعلول.","part":2,"page":175},{"id":471,"text":"والوجه في إبطالهما أن يقال: أما الاول فلان الاجزاء ليس هو نفس سقوط القضاء مطلقا، ليلزم ما قيل، بل سقوط القضاء بالفعل في حق من يتصور في حقه وجوب القضاء، وذلك غير متصور في حق الميت.\rوأما الثاني: فلان علة صحة وجوب القضاء إنما هو استدراك ما فات من مصلحة أصل العبادة، أو صفتها، أو مصلحة ما انعقد سبب وجوبه.\rولم يجب لمانع، لا ما قيل.\rوإذا تنقح محل النزاع فنعود إلى المقصود فنقول: الفعل المأمور به لا يخلو: إما أن يكون قد أتى به المأمور على نحو ما أمر به من غير خلل ولا نقص في صفته وشرطه، أو أتى به على نوع من الخلل.\rوالقسم الثاني: أنه لا نزاع في كونه غير مجزئ ولا مسقط للقضاء، وإنما النزاع في القسم الاول، وليس النزاع فيه أيضا من جهة أنه يمتنع ورود أمر مجدد بعد خروج الوقت بفعل مثل ما أمر به أولا، وإنما النزاع في ورود الامر بالفعل متصفا بصفة القضاء، والحق نفيه، لان القضاء عبارة عن استدراك ما فات من مصلحة\rالاداء أو مصلحة صفته، أو شرطه.\rوإذا كان المأمور به قد فعل على جهة الكمال والتمام، من غير نقص ولا خلل، فوجوب القضاء استدراكا لما قد حصل، تحصيل للحاصل، وهو محال.\rومن ينفي القضاء إنما ينفيه بهذا التفسير، وهذا مما يتعذر مع تحقيقه المنازعة فيه، وإن كان لا ينكر إمكان ورود الامر خارج الوقت، بمثل ما فعل أولا، غير أنه لا يسميه قضاء.\rومن سماه قضاء، فحاصل النزاع معه آيل، إلى اللفظ دون المعنى.","part":2,"page":176},{"id":472,"text":"شبه الخصوم: الاولى أن من صلى، وهو يظن أنه متطهر، ولم يكن متطهرا مأمور بالصلاة، فإن كان مأمورا بها مع الطهارة حقيقة، فهو عاص آثم بصلاته، حيث لم يكن متطهرا، وإن كان مأمورا بالصلاة على حسب حاله، فقد أتى بما أمر به على الوجه الذي أمر به، ومع ذلك يجب عليه القضاء، إذ لم يكن متطهرا.\rوكذلك المفسد للحج مأمور بمضيه في حجة الفاسد، ويجب عليه القضاء.\rالثانية: أن الامر لا يدل على غير طلب الفعل، ولا دلالة له على امتناع التكليف بمثل فعل ما أمر به، فلا يكون مقتضيا له.\rالثالثة: أن الامر، مثل النهي في الطلب، والنهي لا دلالة فيه على فساد المنهي عنه، فالامر لا يدل على كون المأمور به مجزئا.\rوجواب الاولى أنا لا نسلم وجوب القضاء فيما إذا صلى على ظن الطهارة، ثم علم أنه لم يكن متطهرا، على قول لنا، وإن سلمنا وجوب القضاء، لكنه ليس واجبا عما أمر به من الصلاة المظنون طهارتها، ولا عما أمر به من المضي في الحج الفاسد، لانه قد أتى بما أمر به على النحو الذي أمر به، وإنما القضاء استدراك لمصلحة ما أمر به أولا، من الصلاة مع الطهارة، والحج العري عن الفساد.\rوعن الثانية: أنا لا نمنع من ورود أمر يدل على مثل ما فعل أولا، وإنما المدعى أنه إذا أتى المأمور بفعل المأمور به على نحو ما أمر به، امتنع وجوب القضاء بما\rذكرناه من التفسير.\rوعن الثالثة أنه قياس في اللغة وقد أبطلناه، وإن سلم صحته، غير أنا لا نقول بأن الامر يدل على الاجزاء بمعنى امتناع وجوب القضاء، بل امتثال الامر هو المانع من وجوب القضاء على ما تقرر وفرق بين الامرين.","part":2,"page":177},{"id":473,"text":"المسألة الثامنة إذا وردت صيغة افعل بعد الحظر، فمن قال إنها للوجوب قبل الحظر، اختلفوا، فمنهم من أجراها على الوجوب، ولم يجعل لسبق الحظر تأثيرا كالمعتزلة، ومنهم من قال بأنها للاباحة ورفع الحجر لا غير، وهم أكثر الفقهاء، ومنهم من توقف كإمام الحرمين وغيره.\rوالمختار أنها، وإن كانت ظاهرة في الطلب والاقتضاء، وموقوفة بالنسبة إلى الوجوب والندب، على ما سبق تقرير كل واحد من الامرين، إلا أنها محتملة للاباحة والاذن في الفعل، كما تقدم.\rفإذا وردت بعد الحظر، احتمل أن تكون مصروفة إلى الاباحة ورفع الحجر، كما في قوله تعالى: * (وإذا حللتم فاصطادوا) * (5) المائدة: 2) * (وإذا طعمتم فانتشروا) * (33) الاحزاب: 53) * (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا) * (62) الجمعة: 10) وقوله (ص): كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الاضاحي فادخروا واحتمل أن تكون مصروفة إلى الوجوب، كما لو قيل للحائض والنفساء: إذا زال عنك الحيض فصلي وصومي.\rوعند هذا، فإما أن يقال بتساوي الاحتمالين، أو بترجيح أحدهما على الآخر.\rفإن قيل بالتساوي، امتنع الجزم بأحدهما، ووجب التوقف.\rوإن قيل بوجوب الترجيح وامتناع التعارض من كل وجه، فليس اختصاص الوجوب به، أولى من الاباحة، إلا أن يقوم الدليل على التخصيص، والاصل عدمه.\rوعلى هذا أيضا، فيجب التوقف كيف وأن احتمال الحمل على الاباحة أرجح، نظرا إلى غلبة ورود\rمثل ذلك للاباحة، دون الوجوب.\rوعلى كل تقدير، فيمتنع الصرف إلى الوجوب.\rوبالجملة، فهذه المسألة مستمدة من مسألة أن صيغة افعل إذا وردت مطلقة، هل هي ظاهرة في الوجوب، أو الندب، أو موقوفة.\rوقد تقرر مأخذ كل فريق، وما هو المختار فيه، والله أعلم.","part":2,"page":178},{"id":474,"text":"المسألة التاسعة إذا ورد الامر بعبادة في وقت مقدر، فلم تفعل فيه لعذر، أو لغير عذر، أو فعلت فيه على نوع من الخلل، اختلفوا في وجوب قضائها بعد ذلك الوقت، هل هو بالامر الاول، أو بأمر مجدد: الاول هو مذهب الحنابلة وكثير من الفقهاء، والثاني هو مذهب المحققين من أصحابنا والمعتزلة.\rونقل عن أبي زيد الدبوسي أنه قال بوجوب القضاء بقياس الشرع.\rوإن ورد مطلقا غير مقيد بوقت، فمن قال بحمله على الفور، اختلفوا فيما إذا وقع الاخلال به في أول وقت الامكان هل يجب قضاؤه بنفس ذلك الامر، أو بأمر مجدد.\rوالمختار أنه، مهما قيد الامر بوقت، فالقضاء بعده لا يكون إلا بأمر مجدد.\rوبيانه من وجوه.\rالاول: أنه لو كان الامر الاول مقتضيا للقضاء، لكان مشعرا به، وهو غير مشعر به، فإنه إذا قال: صم في يوم الخميس، أو صل في وقت الزوال فإنه لا إشعار له بإيقاع الفعل في غير ذلك الوقت لغة.\rالثاني: أنه إذا علق الفعل بوقت معين، فلا بد وأن يكون ذلك لحكمة ترجع إلى المكلف، إذ هو الاصل في شرع الاحكام.\rوسواء ظهرت الحكمة، أم لم تظهر، وتلك الحكمة إما أن تكون حاصلة من الفعل في غير ذلك الوقت، أو غير حاصلة، وليست حاصلة لثلاثة أوجه: الاول: أنه يحتمل أن يكون ويحتمل أن لا يكون، والاصل العدم.\rالثاني: أنها لو كانت حاصلة، فإما أن تكون مثلا لها في الوقت الاول أو أزيد، لا جائز أن تكون أزيد، وإلا كان الحث على إيجاد الفعل بعد فوات وقته أولى من فعله في الوقت، وهو محال.\rوإن كانت مثلا، فهو ممتنع، وإلا لما كان تخصيص أحد الوقتين بالذكر أولى من الآخر.","part":2,"page":179},{"id":475,"text":"الثالث: أن الفعل في الوقت موصوف بكونه أداء، وقد قال عليه السلام: لن يتقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم.\rوإذا لم تكن حاصلة في الوقت الثاني حسب حصولها في الوقت الاول، فلا يلزم من اقتضاء الامر للفعل في الوقت الاول أن يكون مقتضيا له فيما بعده.\rوصار هذا كما لو أمر الطبيب بشرب الدواء في وقت، فإنه لا يكون متناولا لغير ذلك الوقت.\rوكذلك إذا علق الامر بشرط معين كاستقبال جهة معينة، أو بمكان معين، كالامر بالوقوف بعرفة، فإنه لا يكون متناولا لغيره.\rالوجه الثالث من الوجوه الاول أن العبادات المأمور بها منقسمة إلى ما يجب قضاؤه كالصوم والصلاة، وإلى ما لا يجب، كالجمعة والجهاد.\rفلو كان الامر الاول مقتضيا للقضاء لكان القول بعدم القضاء فيما فرض من الصور على خلاف الدليل، وهو ممتنع.\rالرابع قوله (ص): من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها أمر بالقضاء، ولو كان مأمورا به بالامر الاول، لكانت فائدة الخبر التأكيد، ولو لم يكن مأمورا به، لكانت فائدته التأسيس، وهو أولى لعظم فائدته.\rفإن قيل: ما ذكرتموه معارض من خمسة أوجه.\rالاول: قوله، (ص): إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ومن فاته الوقت الاول فهو مستطيع للفعل في الوقت الثاني.\rالثاني: أن الامر إنما يدل على طلب الفعل، وهو مقتضاه لا غير، وأما الزمان فلا يكون مطلوبا بالامر، إذ ليس هو من فعل المكلف، وإنما وقع ذلك ضرورة كونه ظرفا للفعل، فاختلاله لا يؤثر في مقتضى الامر، وهو الفعل.\rالثالث: أن الغالب من المأمورات في الشرع إنما هو القضاء بتقدير فوات أوقاتها المعينة، ولا بد لذلك من مقتض، والاصل عدم كل ما سوى الامر السابق، فكان هو المقتضي.","part":2,"page":180},{"id":476,"text":"الرابع: أنه لو وجب القضاء بأمر مجدد لكان أداء كما في الامر الاول، ولما كان لتسميته قضاء معنى.\rالخامس: أن العبادة حق لله تعالى، والوقت المفروض كالاجل لها، ففوات أجلها لا يوجب سقوطها، كما في الدين للآدمي، ولانه لو سقط وجوب الفعل بفوات الوقت لسقط المأثم لانه من أحكام وجوب الفعل، ولان الاصل بقاء الوجوب.\rفالقول بالسقوط بفوات الاجل على خلاف مقتضى الاصل.\rوالجواب: عن المعارضة الاولى أن الخبر دليل وجوب الاتيان بما استطيع من المأمور به، وإنما يفيد أن لو كان الفعل في الوقت الثاني داخلا تحت الامر الاول، وهو محل النزاع.\rوعن الثاني أن الامر اقتضى مطلق الفعل، أو فعلا مخصوصا بصفة وقوعه، في وقت معين ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rوعن الثالث أن القضاء فيما قيل بقضائه، إنما كان بناء على أدلة أخرى، لا بالامر الاول.\rقولهم، الاصل عدم ما سوى الامر الاول، قلنا: والاصل عدم دلالة الامر الاول عليه، كيف وقد بينا عدم دلالته.\rوعن الرابع أنه إنما سمي قضاء لكونه مستدركا لما فات من مصلحة الفعل المأمور به أولا، أو مصلحة وصفه، كما تقدم تحقيقه.\rوعن الخامس بمنع كون الوقت أجلا للفعل المأمور به، إذ الاجل عبارة عن وقت مهلة وتأخير المطالبة بالواجب من أوله إلى آخره، كما في الحول بالنسبة إلى وجوب الزكاة.\rولذلك لا يأثم بإخراج وقت الاجل عن قضاء الدين، وإخراج الحول عن أداء الزكاة فيه، ولا كذلك الوقت المقدر للصلاة، بل هو صفة الفعل الواجب.\rومن وجب عليه فعل بصفة لا يكون مؤديا له دون تلك الصفة.\rوعلى هذا، فلا يخفى الكلام في الامر المطلق إذا كان محمولا على الفور، ولم يؤت بالمأمور به في أول وقت الامكان.","part":2,"page":181},{"id":477,"text":"المسألة العاشرة الامر المتعلق بأمر المكلف لغيره بفعل من الافعال لا يكون أمرا لذلك الغير بذلك الفعل.\rوبيانه من وجهين: الاول: أنه لو كان أمرا لذلك الغير لكان ذلك مقتضاه لغة، ولو كان كذلك لكان أمره، (ص)، لاولياء الصبيان قوله: مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع أمرا للصبيان بالصلاة من الشارع، وليس كذلك، لوجهين، الاول أن الامر الموجه نحو الاولياء أمر تكليف، ولذلك يذم الولي بتركه شرعا، فلو كان ذلك أيضا أمرا للصبيان لكانوا مكلفين بأمر الشارع، وخاصة ذلك لحوق الذم بالمخالفة شرعا، وهو غير متصور في حق الصبيان، لعدم فهمهم لخطاب الشارع، ويدل عليه قوله، (ص): رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ الخبر،\rويمكن أن يقال فيه: الامر للولي والصبي، وإن كان واحدا، غير أن نسبته إليهما مختلفة، فلا يمتنع اختلافهما في الذم بسبب ذلك.\rالثاني: أنه لو كان أمرا للصبي لم يخل إما أن يكون أهلا لفهم خطاب الشارع، أو لا يكون أهلا له.\rفإن كان الاول، فلا حاجة إلى أمر الولي له، أو أن يكون أحد الامرين تأكيدا، والاصل في إفادة الالفاظ لمعانيها إنما هو التأسيس، وإذا لم يكن أمر الولي بأمر الصبيان أمرا للصبيان، فإما أن يكون ذلك لعدم اقتضائه لذلك لغة، أو لمعارض، والمعارضة يلزم منها تعطيل أحد الدليلين عن إعماله، وهو خلاف الاصل، فلم يبق إلا أن يكون ذلك لعدم اقتضائه له لغة وهو المطلوب.\rالثاني: من الوجهين الاولين أنه يحسن أن يقول السيد لعبده سالم مر غانما بكذا ويقول لغانم لا تطعه ولا يعد ذلك مناقضة في كلامه، ولو كان ذلك أمرا لغانم، لكان كأنه قال أوجبت عليك طاعتي، ولا تطعني وهو تناقض.\rوعلى هذا، لو أوجب الآمر على المأمور أن يأخذ من غيره مالا، لا يكون ذلك إيجابا للاعطاء على ذلك الغير، كما في قوله تعالى لنبيه: * (خذ من أموالهم صدقة) * (9) التوبة: 103) فإن ذلك لا يدل على إيجاب إعطاء الصدقة على الامة بنفس ذلك الايجاب، بل إن","part":2,"page":182},{"id":478,"text":"وجب فإنما يجب بدليل آخر، موجب لطاعة الرسول فيما يحكم به، تعظيما له، ونفيا لما يلزم من مخالفته، من تحقيره وهضمه في أعين الناس المبعوث إليهم، المفضي إلى الاخلال بمقصود البعثة، وإلا، فلا يبعد أن يقول السيد لاحد عبديه أوجبت عليك أن تأخذ من العبد الآخر كذا ويقول الآخر حرمت عليك موافقته من غير مناقضة فيما أوجبه، ولو كان إيجاب ذلك على أحد العبدين إيجابا على العبد الآخر لكان تناقضا.\rفإن قيل: وجوب الاخذ إنما يتم بالاعطاء، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب.\rقلنا: إن كان الوجوب متعلقا بنفس الطلب، فهو غير متوقف على الاعطاء.\rوإن كان متعلقا بنفس الاخذ، (وإن كان لا يتم ذلك دون الاعطاء) فليس كل ما يتوقف عليه الواجب يكون واجبا، إلا أن يكون ذلك مقدورا لمن وجب عليه الاخذ، وإعطاء الغير غير مقدور لمن وجب عليه الاخذ، فلا يكون واجبا.\rالمسألة الحادية عشرة إذا أمر بفعل من الافعال مطلقا غير مقيد في اللفظ بقيد خاص، قال بعض أصحابنا: الامر إنما تعلق بالماهية الكلية المشتركة، ولا تعلق له بشئ من جزئياتها، وذلك كالامر بالبيع، فإنه لا يكون أمرا بالبيع بالغبن الفاحش، ولا بثمن المثل، إذ هما متفقان في مسمى البيع، ومختلفان بصفتهما.\rوالامر إنما تعلق بالقدر المشترك، وهو غير مستلزم لما تخصص به كل واحد من الامرين، فلا يكون الامر المتعلق بالاعم متعلقا بالاخص، اللهم إلا أن تدل القرينة على إرادة أحد الامرين.\rقال: ولذلك قلنا إن الوكيل في البيع المطلق لا يملك البيع بالغبن الفاحش، وهو غير صحيح.\rوذلك لان ما به الاشتراك بين الجزئيات معنى كلي لا تصور لوجوده في الاعيان، وإلا كان موجودا في جزئياته.\rويلزم من ذلك انحصار ما يصلح اشتراك كثيرين فيه فيما لا يصلح لذلك وهو محال.","part":2,"page":183},{"id":479,"text":"وعلى هذا، فليس معنى اشتراك الجزئيات في المعنى الكلي هو أن الحد المطابق للطبيعة الموصوفة بالكلية مطابق للطبيعة الجزئية بل إن تصور وجوده، فليس في غير الاذهان.\rوإذا كان كذلك، فالامر: طلب إيقاع الفعل على ما تقدم، وطلب الشئ يستدعي كونه متصورا في نفس الطالب، على ما تقدم تقريره.\rوإيقاع المعنى الكلي في الاعيان غير متصور في نفسه فلا يكون متصورا في نفس الطالب، فلا يكون أمرا به، ولانه يلزم منه\rالتكليف بما لا يطاق، ومن أمر بالفعل مطلقا لا يقال إنه مكلف بما لا يطاق، فإذا الامر لا يكون بغير الجزئيات الواقعة في الاعيان، لا بالمعنى الكلي، وبطل ما ذكره.\rثم وإن سلم أن الامر متعلق بالمعنى الكلي المشترك، وهو المسمى بالبيع، فإذا أتى المأمور ببعض الجزئيات، كالبيع بالغبن الفاحش، فقد أتى بما هو مسمى البيع المأمور به، الموكل فيه، فوجب أن يصح، نظرا إلى مقتضى صيغة الامر المطلق بالبيع.\rوإن قيل بالبطلان، فلا يكون ذلك لعدم دلالة الامر به، بل لدليل معارض.\rالمسألة الثانية عشرة الامران المتعاقبان إما أن لا يكون الثاني معطوفا على الاول أو يكون معطوفا، فإن كان الاول، فإما أن يختلف المأمور به أو يتماثل: فإن اختلف، فلا خلاف في اقتضاء المأمورين على اختلاف المذاهب في الوجوب والندب والوقف، وسواء أمكن الجمع بينهما، كالصلاة مع الصوم، أم لا يمكن الجمع، كالصلاة في مكانين، أو الصلاة مع أداء الزكاة، وإن تماثل، فإما أن يكون المأمور به قابلا للتكرار، أو لا يكون قابلا له: فإن لم يكن قابلا له كقوله صم يوم الجمعة، صم يوم الجمعة فإنه للتأكيد المحض، وإن كان قابلا للتكرار، فإن كانت العادة مما تمنع من تكرره كقول السيد لعبده اسقني ماء، اسقني ماء أو كان الثاني منهما","part":2,"page":184},{"id":480,"text":"معرفا كقوله أعط زيدا درهما، أعط زيدا الدرهم فلا خلاف أيضا في كون الثاني مؤكدا للاول.\rوإنما الخلاف فيما لم تكن العادة مانعة من التكرار، والثاني غير معرف، كقوله: صل ركعتين، صل ركعتين.\rفقال القاضي عبد الجبار: إن الثاني يفيد غير ما أفاده الاول، ويلزم الاتيان بأربع ركعات، مصيرا منه إلى أن الامر الثاني، لو انفرد أفاد اقتضاء الركعتين، فكذلك إذا تقدمه أمر آخر، لان الاقتضاء لا يختلف.\rوخالفه أبو الحسين البصري بالذهاب إلى الوقف والتردد بين حمل الامر الثاني على الوجوب، أو التأكيد للاول والاظهر أنه إذا لم تكون العادة مانعة من التكرار، ولا الثاني معرف، أن مقتضى الثاني غير مقتضى الاول.\rوسواء قلنا إن مقتضى الامر الوجوب أم الندب، أم هو موقوف بين الوجوب والندب، كما سبق، لانه لو كان مقتضيا عين ما اقتضاه الاول، لكانت فائدته التأكيد، ولو كان مقتضيا غير ما اقتضاه الاول، لكانت فائدته التأسيس، والتأسيس أصل، والتأكيد فرع، وحمل اللفظ على الفائدة الاصلية أولى.\rفإن قيل إلا أنه يلزم منه تكثير مخالفة النفي الاصلي، ودليل براءة الذمة من القدر الزائد، وليس أحد الامرين أولى من الآخر، فهو معارض بما يلزم من التأكيد من مخالفة ظاهر الامر فإنه إما أن يكون ظاهرا في الوجوب أو الندب، أو هو متردد بينهما، على وجه لا خروج له عنهما، على اختلاف المذاهب، وحمله على التأكيد خلاف ما هو الظاهر من الامر.\rوإذا تعارض الترجيحان، سلم لنا ما ذكرناه أولا.\rكيف وإنه يحتمل أن يكون للوجوب في نفس الامر، وفي تركه محذور فوات المقصود من الواجب، وتحصيل مقصود التأكيد، ولا يخفى أن تفويت مقصود التأكيد وتحصيل مقصود الواجب أولى.\rوأما إن كان الامر الثاني معطوفا على الاول، فإن كان المأمور به مختلفا، فلا نزاع أيضا في اقتضائهما للمأمورين، أمكن الجمع بينهما أو لم يمكن.\rوإن تماثلا فالمأمور به إن لم يقبل التكرار، فالامر الثاني للتأكيد من غير خلاف، كقوله: صم يوم الجمعة، وصم يوم الجمعة وإن كان قابلا للتكرار فإن لم تكن العادة مانعة","part":2,"page":185},{"id":481,"text":"من التكرار، ولا الثاني معرف، فالحكم على ما تقدم فيما إذا لم يكن حرف عطف، ويزيد ترجيح آخر، وهو موافقة الظاهر من حروف العطف، وذلك كقوله: صل\rركعتين، وصل ركعتين.\rوأما إن كانت العادة تمنع من التكرار، أو كان الثاني معرفا، كقوله: اسقني ماء، واسقني ماء وكقوله: صل ركعتين، وصل ركعتين فقد تعارض الظاهر من حروف العطف مع اللام المعرف، أو مع منع العادة من التكرار، ويبقى الامر على ما ذكرناه فيما إذا لم يكن حرف عطف، ولا ثم تعريف ولا عادة مانعة من التكرار.\rوقد عرف ما فيه.\rوأما إن اجتمع التعريف والعادة المانعة من التكرار في معارضة حرف العطف، كقوله: اسقني ماء واسقني الماء فالظاهر الوقف لان حرف العطف مع ما ذكرناه من الترجيح السابق الموجب لحمل الامر الثاني على التأسيس واقع في مقابلة العادة المانعة من التكرار، ولام التعريف، ولا يبعد ترجيح أحد الامرين بما يقترن به من ترجيحات أخر.","part":2,"page":186},{"id":482,"text":"(الصنف الثاني في - النهي) أعلم أنه لما كان النهي مقابلا للامر، فكل ما قيل في حد الامر على أصولنا وأصول المعتزلة من المزيف والمختار، فقد قيل مقابله في حد النهي، ولا يخفى وجه الكلام فيه.\rوالكلام في أن النهي على أصول أصحابنا هل له صيغة تخصه وتدل عليه ؟ فعلى ما سبق في الامر أيضا، وأن صيغة لا تفعل وإن ترددت بين سبعة محامل، وهي التحريم، والكراهة، والتحقير كقوله تعالى: * (ولا تمدن عينيك) * (55) الحجر: 88) وبيان العاقبة كقوله: * (ولا تحسبن الله غافلا) * (14) إبراهيم: 42) والدعاء كقوله: لا تكلنا إلى أنفسنا واليأس كقوله: * (لا تعتذروا اليوم) * (66) التحريم: 7)\rوالارشاد كقوله: * (لا تسألوا عن أشياء) * فهي حقيقة في طلب الترك واقتضائه، ومجاز فيما عداه.\rوأنها هل هي حقية في التحريم أو الكراهة، أو مشتركة بينهما، أو موقوفة ؟ فعلى ما سبق في الامر من المزيف والمختار.\rوالخلاف في أكثر مسائله، فعلى وزان الخلاف في مقابلاتها من مسائل الامر، ومأخذها كمأخذها، فعلى الناظر بالنقل والاعتبار.\rغير أنه لا بد من الاشارة إلى ما تدعو الحاجة إلى معرفته من المسائل الخاصة بالنهي، لاختصاصها بمأخذ لا تحقق له في مقابلاتها من مسائل الامر، وهي ثلاث مسائل.","part":2,"page":187},{"id":483,"text":"المسألة الاولى اختلفوا في أن النهي عن التصرفات والعقود المفيدة لاحكامها كالبيع والنكاح ونحوهما، هل يقتضي فسادها أو لا ؟ فذهب جماهير الفقهاء من أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة والحنابلة وجميع أهل الظاهر وجماعة من المتكلمين إلى فسادها، لكن اختلفوا في جهة الفساد: فمنهم من قال إن ذلك من جهة اللغة، ومنهم من قال إنه من جهة الشرع دون اللغة، ومنهم من لم يقل بالفساد، وهو اختيار المحققين من أصحابنا كالقفال وإمام الحرمين والغزالي وكثير من الحنفية، وبه قال جماعة من المعتزلة كأبي عبد الله البصري وأبي الحسين الكرخي والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري وكثير من مشايخهم.\rولا نعرف خلافا في أن ما نهى عنه لغيره أنه لا يفسد كالنهي عن البيع في وقت النداء يوم الجمعة، إلا ما نقل عن مذهب مالك وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه.\rوالمختار أن ما نهي عنه لعينه، فالنهي لا يدل على فساده من جهة اللغة، بل\rمن جهة المعنى.\rأما أنه لا يدل على الفساد من جهة اللغة، فلانه لا معنى لكون التصرف فاسدا سوى انتفاء أحكامه وثمراته المقصودة منه، وخروجه عن كونه سببا مفيدا لها، والنهي هو طلب ترك الفعل، ولا إشعار له بسلب أحكامه وثمراته وإخراجه عن كونه سببا مفيدا لها.\rولهذا، فإنه لو قال: نهيتك عن ذبح شاة الغير بغير إذنه لعينه، ولكن إن فعلت حلت الذبيحة، وكان ذلك سببا للحل، ونهيتك عن استيلاد جارية الابن لعينه، وإن فعلت ملكتها، ونهيتك عن بيع مال الربا بجنسه متفاضلا لعينه، وإن فعلت","part":2,"page":188},{"id":484,"text":"ثبت الملك، وكان البيع سببا له فإنه لا يكون متناقضا.\rولو كان النهي عن التصرف لعينه مقتضيا لفساده، لكان ذلك متناقضا.\rوأما أنه يدل على الفساد من جهة المعنى، فذلك لان النهي طلب ترك الفعل، وهو إما أن يكون لمقصود دعا الشارع إلى طلب ترك الفعل، أو لا لمقصود: لا جائز أن يقال إنه لا لمقصود.\rأما على أصول المعتزلة، فلانه عبث، والعبث قبيح، والقبيح لا يصدر من الشارع.\rوأما على أصولنا، فإنا، وإن جوزنا خلو أفعال الله تعالى عن الحكم والمقاصد، غير أنا نعتقد أن الاحكام المشروعة لا تخلو عن حكمة ومقصود راجع إلى العبد، لكن لا بطريق الوجوب، بل بحكم الوقوع.\rفالاجماع إذا منعقد على امتناع خلو الاحكام الشرعية عن الحكم، وسواء ظهرت لنا، أم لم تظهر.\rوبتقدير تسليم خلو بعض الاحكام عن الحكمة إلا أنه نادر والغالب عدم الخلو.\rوعند ذلك، فإدراج ما وقع فيه النزاع تحت الغالب يكون أغلب.\rوإذا بطل أن يكون ذلك لا لمقصود تعين أن يكون لمقصود، وإذا كان لمقصود،\rفلو صح التصرف وكان سببا لحكمه المطلوب منه، فإما أن يكون مقصود النهي راجحا على مقصود الصحة أو مساويا، أو مرجوحا: لا جائز أن يكون مرجوحا إذ المرجوح لا يكون مقصودا مطلوبا في نظر العقلاء.\rوالغالب من الشارع إنما هو التقرير لا التغيير.\rوما لا يكون مقصودا فلا يرد طلب الترك لاجله، وإلا كان الطلب خليا عن الحكمة، وهو ممتنع لما سبق.","part":2,"page":189},{"id":485,"text":"وبمثل ذلك يتبين أنه لا يكون مساويا، فلم يبق إلا أن يكون راحجا على مقصود الصحة، ويلزم من ذلك امتناع الصحة وامتناع انعقاد التصرف لافادة أحكامه، وإلا كان الحكم بالصحة خليا عن حكمة ومقصود، ضرورة كون مقصودها مرجوحا على ما تقدم تقريره، وإثبات الحكم خليا عن الحكمة في نفس الامر ممتنع لما فيه من مخالفة الاجماع، وهو المطلوب.\rفإن: قيل: ما ذكرتموه من كون النهي لا يدل على الفساد لغة معارض بما يدل عليه.\rوبيانه من جهة النص، والاجماع والمعنى.\rأما من جهة النص فقوله (ص): من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد وفي رواية أدخل في ديننا ما ليس منه، فهو رد والمردود ما ليس بصحيح ولا مقبول.\rولا يخفى أن المنهي ليس بمأمور، ولا هو من الدين، فكان مردودا.\rوأما الاجماع فهو أن الصحابة استدلوا على فساد العقود بالنهي، فمن ذلك احتجاج ابن عمر على فساد نكاح المشركات بقوله تعالى: * (ولا تنكحوا المشركات) * (2) البقرة: 221) ولم ينكر عليه منكر، فكان إجماعا.\rومنها احتجاج الصحابة على فساد عقود الربا بقوله تعالى: * (وذروا ما بقي من الربا) * (2) البقرة: 278) وبقوله (ص): لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق الحديث إلى آخره.\rوأما المعنى فمن وجهين: الاول: أنا أجمعنا على حمل بعض المناهي على الفساد، كالنهي عن بيع الجزء المجهول، ولو لم يكن ذلك مقتضى النهي، لكان لامر خارج، والاصل عدمه فكان ذلك مقتضى النهي ويلزم منه الفساد حيث وجد، وإلا كان فيه نفي المدلول مع تحقق دليله، وهو ممتنع مخالف للاصل.\rالثاني: النهي مشارك للامر في الطلب والاقتضاء، ومخالف له في طلب الترك، والامر دليل الصحة، فليكن النهي دليل الفساد المقابل للصحة، ضرورة كون النهي مقابلا للامر، وأنه يجب أن يكون حكم أحد المتقابلين مقابلا لحكم الآخر.","part":2,"page":190},{"id":486,"text":"ثم ما ذكرتموه منقوض بالنهي عن العبادة لعينها، فإنا أجمعنا على أنها لا تصح، ولو صرح الناهي بالصحة، لكان متناقضا.\rوإن سلمنا أن النهي لا يدل على الفساد لغة، ولكن لا نسلم دلالته على الفساد من جهة المعنى.\rوما ذكرتموه من وجوب ترجيح مقصود النهي على مقصود الصحة فغايته أنه يناسب نفي الصحة، وليس يلزم من ذلك نفي الصحة، إلا أن يتبين له شاهد بالاعتبار.\rولو بينتم له شاهدا بالاعتبار كان الفساد لازما من القياس، لا من نفس النهي ولا من معناه.\rوالجواب عن قوله (ص): من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد من ثلاثة أوجه: الاول: لا نسلم أن الفعل المأتي به من حيث إنه سبب لترتب أحكامه عليه ليس من الدين حتى يكون مرودا.\rالثاني: أنه أراد به الفاعل، وتقديره: من أدخل في ديننا ما ليس منه، فالفاعل رد، أي مردود، ومعنى كونه مردودا أنه غير مثاب عليه، ونحن نقول به.\rفإن قيل: عود الضمير إلى الفعل أولى، إذ هو أقرب مذكور،\rقلنا: إلا أنه يلزم منه المعارضة بينه وبين ما ذكرناه من الدليل، ولا كذلك فيما إذا عاد إلى نفس الفاعل، فكان عوده إلى الفاعل أولى.\rالثالث: أنه، وإن عاد إلى نفس الفعل المنهي عنه، إلا أن معنى كونه ردا أنه مردود بمعنى أنه غير مقبول، وما لا يكون مقبولا هو الذي لا يكون مثابا عليه، ولا يلزم من كونه غير مثاب عليه أن لا يكون سببا لترتب أحكامه الخاصة به عليه، وهو عين محل النزاع.\rوعن الحديث الآخر ما ذكرناه من الوجه الثاني والثالث.\rثم وإن سلمنا دلالتهما على الفساد فليس في ذلك ما يدل على أن الفساد من مقتضيات النهي، بل من دليل آخر، وهو قوله فهو رد ونحن لا ننكر ذلك.","part":2,"page":191},{"id":487,"text":"وعن الاجماع لا نسلم صحة احتجاجهم بدلالة النهي لغة على الفساد، بل إن صح ذلك فإنما يصح بالنظر إلى دلالة الالتزام على ما قررنا، ويجب الحمل عليه جمعا بينه وبين ما ذكرناه من الدليل، وبه يخرج الجواب عن الوجه الاول من المعنى.\rوعن الثاني من المعنى أن النهي وإن كان مقابلا للامر، فلا نسلم أن الامر مقتض للصحة، حتى يكون النهي مقتضيا للفساد.\rوإن سلمنا اقتضاء الامر للصحة، وأن النهي مقابل له، فلا نسلم لزوم اختلاف حكميهما لجواز اشتراك المتقابلات في لازم واحد.\rوإن سلم أنه يلزم من ذلك تقابل حكميهما، فيلزم أن لا يكون النهي مقتضيا للصحة.\rأما أن يكون مقتضيا للفساد، فلا، وأما النقض بالنهي عن العبادة فمندفع، لانه مهما كان النهي عن الفعل لعينه، فلا يتصور أن يكون عبادة مأمورا بها، وما لم يكن عبادة فلا يتصور صحته عبادة، وإن قيل بفساده من جهة خروجه عن كونه سببا لترتيب الاحكام الخاصة به عليه، فهو محل النزاع.\rوعن الاعتراض الاخير أنا لا نقضي بالفساد لوجود مناسب الفساد ليفتقر إلى\rشاهد بالاعتبار، وإنما قضينا بالفساد لعدم المناسب المعتبر بما بيناه من استلزام النهي لذلك.\rالمسألة الثانية اتفق أصحابنا على أن النهي عن الفعل لا يدل على صحته ونقل أبو زيد عن محمد بن الحسن وأبي حنيفة أنهما قالا: يدل على صحته.\rوالمختار مذهب أصحابنا لوجهين: الاول: أن النهي لو دل على الصحة، فإما أن يدل عليها بلفظه أو بمعناه، إذ الاصل عدم ما سوى ذلك، واللازم ممتنع، وبيان امتناع دلالته على الصحة بلفظه أن صحة الفعل لا معنى لها سوى ترتب أحكامه الخاصة به عليه، والنهي لغة لا يزيد على طلب ترك الفعل، ولا إشعار له بغير ذلك نفيا ولا إثباتا.","part":2,"page":192},{"id":488,"text":"وبيان امتناع دلالته على الصحة بمعناه ما بيناه من أن النهي بمعناه يدل على الفساد في المسألة المتقدمة، فلا يكون ذلك مفيدا لنقيضه، وهو الصحة.\rالوجه الثاني: أنا أجمعنا على وجود النهي حيث لا صحة، كالنهي عن بيع الملاقيح والمضامين، وبيع حبل الحبلة، وكالنهي عن الصلاة في أيام الحيض، بقوله، (ص): دعي الصلاة أيام إقرائك والنهي عن نكاح ما نكح الاباء بقوله تعالى: * (ولا تنحكوا ما نكح آباؤكم من النساء) * (4) النساء: 22) ولو كان النهي مقتضيا للصحة، لكان تخلف الصحة مع وجود النهي على خلاف الدليل وهو خلاف الاصل، وسواء كان لمعارض أو لا لمعارض.\rفإن قيل: إذا نهى الشرع عن صوم يوم النحر وعن الصلاة في الاوقات والاماكن المكروهة، وعن بيع الربا، فالاصل تنزيل لفظ الصلاة والصوم والبيع على عرف الشارع، وعرف الشارع في ذلك إنما هو الفعل المعتبر في حكمه شرعا، فلو لم\rيكن التصرف المنهي عنه كذلك، لما كان هو التصرف الشرعي وهو ممتنع.\rقلنا: أولا لا نسلم وجود عرف الشرع في هذه الاسماء، لما سبق، وإن سلمنا أن له عرفا، لكن في طرف الاوامر أو النواهي ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع.\rوعلى هذا، فالنهي إنما هو عن التصرف اللغوي دون الشرعي، وإن سلمنا عرف الشارع في هذه الاسماء، ولكن لا نسلم أن عرفه فيها ما ذكروه، بل ما هو بحال يصح ويمكن صحته، ويجب الحمل على ذلك جمعا بين الادلة، ولا يلزم من كون التصرف ممكن الصحة، وقوع الصحة كيف وإن ما ذكروه منتقض بما ذكرناه من المناهي مع انتفاء الصحة عن منهياتها.","part":2,"page":193},{"id":489,"text":"المسألة الثالثة اتفق العقلاء على أن النهي عن الفعل يقتضي الانتهاء عنه دائما، خلافا لبعض الشاذين.\rودليل ذلك، أنه لو قال السيد لعبده لا تفعل كذا وقدرنا نهيه مجردا عن جميع القرائن، فإن العبد لو فعل ذلك في أي وقت قدر، يعد مخالفا لنهي سيده، ومستحقا للذم في عرف العقلاء وأهل اللغة.\rولو لم يكن النهي مقتضيا للتكرار والدوام، لما كان كذلك.\rفإن قيل: لا خفاء بأن النهي قد يرد ويراد به الدوام، كما في النهي عن الربا وشرب الخمر ونحوه، وقد يرد ولا يراد به الدوام، كما في نهي الحائض عن الصوم والصلاة ونحوه، والصورتان مشتركتان في طلب ترك الفعل لا غير، ومفترقتان في دوامه في إحدى الصورتين، وعدم دوامه في الاخرى.\rوالاصل أن يكون اللفظ حقيقة فيهما من غير اشتراك ولا تجوز، والدال على القدر المشترك لا يكون دالا على ما اختص بكل واحد من الطرفين المختلفين، وأيضا فإنه لو كان النهي مقتضيا للدوام، لكان عدم الدوام في بعض صور\rالنهي على خلاف الدليل، وهو ممتنع.\rقلنا: النهي حيث ورد غير مراد به الدوام، يجب أن يكون ذلك لقرينة، نظرا إلى ما ذكرناه من الدليل.\rوما قيل: إن ذلك يلزم منه الاشتراك أو التجوز.\rقلنا: وإن لزم منه التجوز، وهو على خلاف الدليل، لافتقاره إلى القرينة الصارفة، غير أن جعله حقيقة في المرة الواحدة، مما يوجب جعله مجازا في الدوام والتكرار لاختلاف حقيقيتهما.\rوليس القول بجعله مجازا في التكرار وحقيقة في المرة الواحدة أولى من العكس، بل جعله حقيقة في التكرار أولى، لامكان التجوز به عن البعض، لكونه مستلزما له.\rولو جعلناه حقيقة في البعض لما أمكن التجوز به عن التكرار لعدم استلزامه له، وبه يندفع ما ذكروه من الوجه الثاني أيضا.","part":2,"page":194},{"id":490,"text":"الصنف الثالث - في معنى العام والخاص ويشتمل على مقدمة ومسائل.\rأما المقدمة: ففي بيان معنى العام والخاص وصيغ العموم.\rأما العام: فقد قال أبو الحسين البصري: العام هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له، ووافقه على ذلك بعض أصحابنا، وهو فاسد من وجهين: الاول: أنه عرف العام بالمستغرق، وهما لفظان مترادفان، وليس المقصود هاهنا من التحديد شرح اسم العام، حتى يكون الحد لفظيا، بل شرح المسمى إما بالحد الحقيقي أو الرسمي، وما ذكره خارج عن القسمين.\rالثاني: أنه غير مانع، لانه يدخل فيه قول القائل ضرب زيد عمرا فإنه لفظ مستغرق لجميع ما هو صالح له، وليس بعام.\rوقال الغزالي إنه اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدا، وهو غير جامع، فإن لفظ المعدوم، والمستحيل من الالفاظ العامة، ولا دلالة\rله على شيئين فصاعدا، إذ المعدوم ليس بشئ عنده وعند أهل الحق من أصحابنا، والمستحيل بالاجماع، وإن كان جامعا، إلا أنه غير مانع.\rفإن قولنا: عشرة،","part":2,"page":195},{"id":491,"text":"ومائة ليس من الالفاظ العامة، وإن كان مع اتحاده دالا على شيئين فصاعدا وهي الآحاد الداخلة فيها، والحق في ذلك أن يقال العام: هو اللفظ الواحد الدال على مسميين فصاعدا مطلقا معا.\rفقولنا: (اللفظ) وإن كان كالجنس للعام والخاص، ففيه فائدة تقييد العموم بالالفاظ، لكونه من العوارض الحقيقية لها دون غيرها عند أصحابنا وجمهور الائمة، كما يأتي تعريفه.\rوقولنا (الواحد) احتراز عن قولنا ضرب زيد عمرا وقولنا: (الدال على مسميين) ليندرج فيه الموجود والمعدوم، وفيه أيضا احتراز عن الالفاظ المطلقة كقولنا: رجل ودرهم وإن كانت صالحة لكل واحد من آحاد الرجال وآحاد الدراهم فلا يتناولها مقابل على سبيل البدل.\rوقولنا: (فصاعدا) احتراز عن لفظ اثنين وقولنا: (مطلقا) احتراز عن قولنا عشرة ومائة ونحوه من الاعداد المقيدة ولا حاجة بنا إلى قولنا من جهة واحدة احتراز عن الالفاظ المشتركة والمجازية.\rأما عند من يعتقد كونها من الالفاظ العامة، كما يأتي تحقيقه، فالحد لا يكون مع أخذ هذا القيد جامعا.\rوأما عند من لا يقول بالتعميم، فلا حاجة به إلى هذا القيد أيضا، إذ اللفظ المشترك غير دال على مسمياته معا، بل على طريق البدل وكذلك الحكم في اللفظ الدال على جهة الحقيقة والمجاز.\rوفي الحد المذكور ما يدرأ النقض بذلك، وهو قولنا: (الدال على مسميين معا).\rوأما الخاص، فقد قيل فيه: هو كل ما ليس بعام، وهو غير مانع لدخول الالفاظ المهملة فيه، فإنها، لعدم دلالتها، لا توصف بعموم ولا بخصوص.\rثم فيه تعريف الخاص بسلب العام عنه، ولا يخلو إما أن يكون بينهما واسطة، أو لا: فإن كان الاول، فلا يلزم من سلب العام تعين الخاص،","part":2,"page":196},{"id":492,"text":"وإن كان الثاني، فليس تعريف أحدهما بسلب حقيقة الآخر عنه أولى من العكس، وأيضا فإن اللفظ قد يكون خاصا كلفظ الانسان، فإنه خاص بالنسبة إلى لفظ الحيوان وما خرج عن كونه عاما بالنسبة إلى ما تحته.\rوإن قيل إنه ليس بعام من جهة ما هو خاص، ففيه تعريف الخاص بالخاص، وهو ممتنع.\rوالحق في ذلك أن يقال: الخاص قد يطلق باعتبارين: الاول: وهو اللفظ الواحد الذي لا يصلح مدلوله لاشتراك كثيرين فيه، كأسماء الاعلام من زيد وعمرو ونحوه، الثاني: ما خصوصيته بالنسبة إلى ما هو أعم منه وحده أنه اللفظ الذي يقال على مدلوله، وعلى غير مدلوله، لفظ آخر من جهة واحدة، كلفظ الانسان، فإنه خاص، ويقال على مدلوله وعلى غيره، كالفرس والحمار، لفظ الحيوان من جهة واحدة.\rوإذا تحقق معنى العام والخاص فاعلم أن اللفظ الدال ينقسم إلى عام لا أعم منه، كالمذكور، فإنه يتناول الموجود والمعدوم، والمعلوم والمجهول، وإلى خاص لا أخص منه، كأسماء الاعلام، وإلى ما هو عام بالنسبة، وخاص بالنسبة، كلفظ الحيوان، فإنه عام بالنسبة إلى ما تحته من الانسان والفرس، وخاص بالنسبة إلى ما فوقه، كلفظ الجوهر والجسم.\rوأما صيغ العموم عند القائلين بها فهي:\rإما أن تكون عامة فيمن يعقل وما لا يعقل جمعا وأفرادا مثل (أي) في الجزاء والاستفهام، وأسماء الجموع المعرفة إذا لم يكن عهد، سواء كان جمع سلامة أو جمع تكسير (كالمسلمين والرجال) والمنكرة (كرجال ومسلمين)، والاسماء المؤكدة لها، مثل (كل وجميع) واسم الجنس إذا دخله الالف واللام من غير عهد (كالرجل والدرهم) والنكرة المنفية كقولك: (لا رجل في الدار) و (ما في الدار من رجل) والاضافة كقولك: (ضربت عبيدي) و (أنفقت دراهمي).\rوإما عامة فيمن يعقل دون غيره (كمن) في الجزاء والاستفهام، تقول: من عندك ؟ ومن جاءني أكرمته.","part":2,"page":197},{"id":493,"text":"وإما عامة فيما لا يعقل، إما مطلقا من غير اختصاص بجنس مثل ما) في الجزاء، كقوله، على اليد ما أخذت حتى ترد، والاستفهام تقول: ماذا صنعت ؟ وإما لا مطلقا، بل مختصة ببعض أجناس ما لا يعقل مثل (متى) في الزمان جزاء واستفهاما، و (أين) و (حيث) في المكان جزاء واستفهاما، تقول: متى جاء القوم، ومتى جئتني أكرمتك، وأين كنت، وأينما كنت أكرمتك.\rوإذ أتينا على ما أردناه من بيان المقدمة، فلنشرع الآن في المسأل، وهي خمس وعشرون مسألة: المسألة الاولى اتفق العلماء على أن العموم من عوارض الالفاظ حقيقة، واختلفوا في عروضه، حقيقة للمعاني: فنفاه الجمهور،، وأثبته الاقلون.\rوقد احتج المثبتون بقولهم: الاطلاق شائع ذائع في لسان أهل اللغة بقولهم: عم الملك الناس بالعطاء والانعام، وعمهم المطر والخصب والخير، وعمهم القحط.\rوهذه الامور من المعاني، لا من الالفاظ.\rوالاصل في الاطلاق الحقيقة.\rأجاب النافون بأن الاطلاق في مثل هذه المعاني مجاز لوجهين: الاول: أنه لو كان حقيقة في المعاني، لاطرد في كل معنى، إذ هو لازم الحقيقة، وهو غير مطرد.\rولهذا، فإنه لا يوصف شئ من الخاصة الواقعة في امتداد الاشارة إليها، كزيد وعمرو، بكونه عاما لا حقيقة ولا مجازا.\rالثاني: أن من لوازم العام أن يكون متحدا، ومع اتحاده متناولا لامور متعددة من جهة واحدة.\rوالعطاء والانعام الخاص بكل واحد من الناس غير الخاص بالآخر، وكذلك المطر فإن كل جزء اختص منه بجزء من الارض، لا وجود له بالنسبة إلى الجزء الآخر منها، وكذلك الكلام في الخصب والقحط، فلم يوجد من","part":2,"page":198},{"id":494,"text":"ذلك ما هو مع اتحاده يتناول أشياء من جهة واحدة، فلم يكن عاما حقيقة، بخلاف اللفظ الواحد، كلفظ الانسان والفرس.\rأجاب المثبتون عن الاول.\rبأن العموم، وإن لم يكن مطردا في كل معنى، فهو غير مطرد في كل لفظ، فإن أسماء الاعلام، كزيد وعمرو ونحوه، لا يتصور عروض العموم لها، لا حقيقة ولا مجازا، فإن كان عدم اطراده في المعاني مما يبطل عروضه للمعاني حقيقة، فكذلك في الالفاظ، وإن كان ذلك لا يمنع في الالفاظ، فكذلك في المعاني، ضرورة عدم الفرق.\rوعن الوجه الثاني أنه، وإن تعذر عروض العموم للمعاني الجزئية الواقعة في امتداد الاشارة إليها حقيقة، فليس في ذلك ما يدل على امتناع عروضه للمعاني الكلية المتصورة في الاذهان، كالمتصور من معنى الانسان المجرد عن الامور الموجبة لتشخيصه وتعيينه، فإنه مع اتحاده، فمطابق لمعناه وطبيعته لمعاني الجزئيات الداخلة تحته من زيد وعمرو من جهة واحدة، كمطابقة اللفظ الواحد العام لمدلولاته.\rوإذا كان عروض العموم للفظ حقيقة، إنما كان لمطابقته مع اتحاده للمعاني\rالداخلة تحته من جهة واحدة.\rفهذا المعنى بعينه متحقق في المعاني الكلية بالنسبة إلى جزئياتها، فكان العموم من عوارضها حقيقة.","part":2,"page":199},{"id":495,"text":"المسألة الثانية اختلف العلماء في معنى العموم: هل له في اللغة صيغة موضوعة له خاصة به تدل عليه، أو لا ؟ فذهبت المرجئة إلى أن العموم لا صيغة له في لغة العرب.\rوذهب الشافعي وجماهير المعتزلة وكثير من الفقهاء إلى أن ما سبق ذكره من الصيغ حقيقة في العموم، مجاز فيما عداه ومنهم من خالف في الجميع المنكر والمعروف واسم الجنس إذا دخله الالف واللام، كما يأتي تعريفه، وهو مذهب أبي هاشم.\rوذهب أرباب الخصوص إلى أن هذه الصيغ حقيقة في الخصوص ومجاز فيما عداه وقد نقل عن الاشعري قولان: أحدهما: القول بالاشتراك بين العموم والخصوص، والآخر: الوقف وهو عدم الحكم بشئ مما قيل في الحقيقة في العموم، والخصوص، أو الاشتراك، ووافقه على الوقف القاضي أبو بكر، وعلى كل واحد من القولين جماعة من الاصوليين.","part":2,"page":200},{"id":496,"text":"ومن الواقفية من فصل بين الاخبار، والوعد، والوعيد، والامر، والنهي، فقال بالوقف في الاخبار والوعد والوعيد، دون الامر والنهي.\rوالمختار إنما هو صحة الاحتجاج بهذه الالفاظ في الخصوص لكونه مرادا من اللفظ يقينا سواء أريد به الكل أو البعض، والوقف فيما زاد على ذلك.\rومنهاج الكلام فعلى ما عرف في التوقف في الامر بين الوجوب والندب فعليك بنقله إلى هاهنا،\rوإنما يتحقق هذا المقصود بذكر شبه المخالفين والانفصال عنها.\rولنبدأ من ذلك بشبه أرباب العموم، وهي نصية، وإجماعية، ومعنوية.\rأما النصية، فمنها قول الله تعالى: * (ونادى نوح ربه، فقال: رب، إن ابني من أهلي، وإن وعدك الحق) * (11) هود: 45) تمسكا منه بقوله تعالى: * (إنا منجوك وأهلك) * (2) العنكبوت: 33) وأقره الباري تعالى على ذلك، وأجابه بما دل على أنه ليس من أهله، ولولا أن إضافة الاهل إلى نوح للعموم، لما صح ذلك.\rومنها أنه لما نزل قوله تعالى: * (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) * (21) الانبياء: 98) قال ابن الزبعرى لاخصمن محمدا ثم جاء إلى النبي، (ص)، فقال له: وقد عبدت الملائكة والمسيح، أفتراهم يدخلون النار واستدل بعموم (ما) ولم ينكر عليه النبي، (ص)، ذلك، بل نزل قوله تعالى غير منكر لقوله، بل مخصصا له بقوله تعالى: * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) * (21) الانبياء: 101)","part":2,"page":201},{"id":497,"text":"ومنها قوله تعالى: * (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى، قالوا: إنا مهلكو أهل هذه القرية، إن أهلها كانوا ظالمين - قال: إن فيها لوطا - قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله، إلا امرأته كانت من الغابرين) * (29) العنكبوت: 31 - 32) ووجه الاحتجاج بذلك أن إبراهيم فهم من أهل هذه القرية العموم، حيث ذكر لوطا، والملائكة أقروه على ذلك، وأجابوه بتخصيص لوط وأهله بالاستثناء واستثناء امرأته من الناجين.\rوذلك كله يدل على العموم.\rوأما الاجماعية، فمنها احتجاج عمر على أبي بكر في قتال مانعي الزكاة بقوله: كيف تقاتلهم، وقد قال النبي، (ص): أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم ولم ينكر عليه أحد من الصحابة احتجاجه بذلك، بل عدل أبو بكر إلى التعليق بالاستثناء وهو قوله،\r(ص) إلا بحقها فدل على أن لفظ الجمع المعرف للعموم.\rومنها احتجاج فاطمة على أبي بكر في توريثها من أبيها، فدك والعوالي بقوله تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) * (4) النساء: 11) ولم ينكر عليها أحد من الصحابة، بل عدل أبو بكر، رضي الله عنه، إلى ما رواه عن النبي، (ص) إلى دليل التخصيص، وهو قوله، عليه السلام: نحن معاشر الانبياء لا نورث، ما تركناه صدقة ومنها احتجاج عثمان على علي، رضي الله عنه، في جواز الجمع بين الاختين بقوله تعالى:، * (إلا على أزواجهم) * (3) المؤمنون: 6) واحتجاج علي بقوله تعالى: * (وأن تجمعوا بين الاختين) * (4) النساء: 23) ولم ينكر على أحد منهما صحة ما احتج به.\rوإنما يصح ذلك، أن لو كانت الازواج المضافة، والاختان على العموم.\rومنها أن عثمان، لما سمع قول الشاعر: ألا كل شئ، ما خلا الله، باطل وكل نعيم، لا محالة، زائل قال له كذبت، فإن نعيم أهل الجنة لا يزول ولم ينكر عليه منكر، ولولا أن (كل) للعموم، لما كان كذلك.","part":2,"page":202},{"id":498,"text":"ومنها احتجاج أبي بكر على الانصار بقوله، (ص) الائمة من قريش ووافقه الكل على صحة هذا الاحتجاج من غير نكير، ولو لم يكن لفظ (الائمة) عاما، لما صح الاحتجاج.\rومنها إجماع الصحابة على إجراء قوله تعالى: * (الزانية والزاني) * (24) النور: 2)، * (والسارق والسارقة) * (5) المائدة: 38)، * (ومن قتل مظلوما) * (17) الاسراء: 33)، * (وذروا ما بقي من الربا) * (2) البقرة: 278)، * (ولا تقتلوا نفسكم) * (4) النساء: 29)، * (ولا تقتلوا الصيد، وأنتم حرم) * (5) المائدة: 95) وقوله (ص): لا وصية لوارث، ولا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها، ومن ألقى سلاحه فهو آمن إلى غير ذلك على العموم.\rوأما الشبه المعنوية، فمنها أن العموم من الامور الظاهرة الجلية، والحاجة مشتدة إلى معرفته في التخاطب، وذلك مما تحيل العادة مع توالي الاعصار على أهل اللغة إهماله، وعدم تواضعهم على لفظ يدل عليه، مع أنه لا يتقاصر في دعو الحاجة إلى معرفته، عن معرفة الواحد والاثنين، وسائر الاعداد، والخبر، والاستخبار، والترجي، والتمني، والنداء، وغير ذلك من المعاني التي وضعت لها الاسماء، وربما وضعوا لكثير من المسميات ألفاظا مترادفة مع الاستغناء عنها، ومنها ما يخص كل واحد واحد من الالفاظ المذكورة من قبل.\rأما (من) الاستفهامية: كقول القائل من جاءك ؟ فلا يخلو إما أن تكون حقيقة في الخصوص، أو العموم، أو مشتركة بينهما، أو موقوفة، أو ليست موضوعة لاحد الامرين، لا حقيقة ولا تجوزا: والاول محال، وإلا لما حسن أن يجاب بجملة العقلاء، لكونه جوابا عن غير ما سأل عنه، ولا جائز أن تكون مشتركة أو موقوفة، وإلا لما حسن الجواب بشئ إلا بعد","part":2,"page":203},{"id":499,"text":"الاستفهام عن مراد المسائل، وليس كذلك، ولا جائز أن يقال بالاخير للاتفاق على إبطاله، فلم يبق إلا أن تكون حقيقة في العموم.\rوأما الشرطية: وهي عندما إذا قال السيد لعبده من دخل داري، فأكرمه فإنه إذا أكرم كل داخل لا يحسن من السيد الاعتراض عليه، ولو أخل بإكرام بعض الداخلين، فإنه يحسن لومه وتوبيخه في العرف.\rوأيضا فإنه يحسن الاستثناء من ذلك بقوله إلا أن يكون فاسقا والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لكان داخلا فيه، ولولا أن (من) للعموم، لما صح ذلك.\rوعلى هذا يكون الكلام في جميع الحروف المستعملة للشرط، والاستفهام، مثل: ما، وأي، ومتى، وأين، وكم، وكيف ونحوه، ومؤكداتها مثل: كل، وجميع،\rفإنها للعموم.\rوبيانه من وجوه: الاول: أنه إذا قال القائل لعبده أكرم كل من رأيته فإنه يسقط عنه اللوم بإكرام كل واحد، ولا يسقط بتقدير إخلاله بإكرام البعض، وأنه يحسن الاستثناء بقوله: إلا الفساق، وذلك دليل العموم كما سبق.\rالثاني: أنه لو قال رأيت كل من في البلد فإنه يعد كاذبا بتقدير عدم رؤيته لبعضهم.\rالثالث: أنه إذا قال القائل: كل الناس علماء كذبه قول القائل كل الناس ليسوا علماء.\rولو لم يكن اسم (كل) للعموم، لما كان كل واحد مكذبا للآخر، لجواز أن يتناول كل واحد غير ما تناوله الآخر.\rالرابع: أنا ندرك التفرقة بين (كل) و (بعض) ولو كان كل غير مفيد للعموم لما تحقق الفرق، لكونه مساويا في الافادة للبعض.\rالخامس: أنه لو كان قول القائل: كل الناس يفيد العموم، ولكنه يعبر عنه تارة عن البعض، وتارة عن العموم حقيقة، لكان قول القائل كلهم بيانا لاحد الامرين فيما دخل عليه، لا تأكيدا له، كما لو قال رأيت عينا باصرة.","part":2,"page":204},{"id":500,"text":"وأما الجمع المعرف فهو للعموم لوجهين الاول: أن كثرة الجمع المعرف تزيد على كثرة الجمع المنكر، ولهذا يقال رجال من الرجال، ولا عكس، وعند ذلك، فالجمع المعرف إما أن يكون مفيدا للاستغراق، أو للعدد غير مستغرق، لا جائز أن يقال بالثاني، لان ما من عدد يفرض من ذلك إلا ويصح نسبته إلى المعرفة بأنه منه، والاول هو المطلوب.\rالثاني: أنه يصح تأكيد بما هو مفيد للاستغراق، والتأكيد إنما يفيد تقوية المؤكد، لا أمرا جديدا، فلو لم يكن المؤكد يفيد الاستغراق، لما كان المؤكد مفيدا له،\rأو كان مفيدا لامر جديد، وهو ممتنع.\rوأما النكرة المنفية، كقوله لا رجل في الدار أو في سياق النفي كقوله ما في الدار من رجل فإن القائل لذلك يعد كاذبا بتقدير رؤيته لرجل ما، وأنه يحسن الاستثناء بقوله إلا زيد وأنه يصح تكذيبه بأنك رأيت رجلا، كما ورد قوله تعالى: * (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى) * تكذيبا لمن قال ما أنزل الله على بشر من شئ وكل ذلك يدل على كونها للعموم، ولانها لو لم تكن للعموم، لما كان قولنا لا إله إلا الله توحيدا، لعدم دلالته على نفي كل إله سوى الله تعالى.\rوأما الاضافة، كقوله: أعتقت عبيدي وإمائي فإنه يدل على العموم، بدليل لزوم العتق في الكل، وأنه يجوز لمن سمعه أن يزوج من أي العبيد شاء، وأن يتزوج من الاماء من شاء، دون رضى الورثة، وكذلك لو قال العبيد الذين هم في يدي لفلان صح الاقرار بالنسبة إلى الجميع، ولولا أن ذلك للعموم، لما كان كذلك.\rوأما الجنس إذا دخله الالف واللام، ولا عهد فإنه للعموم لاربعة أوجه: الاول: أنه إذا قال القائل رأيت إنسانا أفاد رؤية واحد معين، فإذا دخلت عليه الالف واللام، فلو لم تكن الالف واللام مفيدة للاستغراق، لكانت معطلة لتعذر حملها على تعريف الجنس، لكونه معلوما دونها، وهو ممتنع.","part":2,"page":205},{"id":501,"text":"الثاني: أنه يصح نعته بالجمع المعرف، وقد ثبت أن الجمع المعرف للعموم، فكذلك المنعوت به، وذلك في قولهم أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض وأنه يصح الاستثناء منه، كما في قوله تعالى: * (إن الانسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا) * وهو دليل العموم.\rالثالث: أن القائل قائلان: قائل يقول إن الالف واللام الداخلة على الاسم المفرد والجمع تفيد العموم، وقائل بالنفي مطلقا.\rوقد ثبت أنها مفيد ة للعموم في الجمع، فالتفرقة تكون قولا بتفصيل لم يقل به قائل.\rالرابع: أنه إذا كانت الالف واللام لتعريف المعهود عائدة إلى جميعه لعدم أولوية عودها إلى البعض منه دون البعض، فكذلك إذا كانت لتعريف الجنس.\rوأما الجمع المنكر فيدل على أنه للعموم ثلاثة أوجه.\rالاول: أن قول القائل رجال يطلق على كل جمع على الحقيقة، حتى الجمع المستغرق، فإذا حمل الاستغراق كان حملا له على جميع حقائقه، فكان أولى.\rالثاني: أنه لو أراد المتكلم بلفظ الجمع المنكر البعض لعينه، وإلا كان مراده مبهما، فحيث لم يعينه دل على أنه للاستغراق.\rالثالث: أنه يصح دخول الاستثناء عليه بكل واحد واحد من آحاد الجنس، فكان للعموم.\rومن شبههم أن العرب فرقت بين تأكيد العموم والخصوص في أصل الوضع، فقالوا في الخصوص رأيت زيدا عينه نفسه ولا يقولون رأيت زيدا كلهم أجمعين وقالوا في العموم رأيت الرجال كلهم أجمعين ولا يقولون رأيت لرجال عينه نفسه واختلاف التأكيد يدل على اختلاف المؤكد، لان التأكيد مطابق للمؤكد.\rومنها: أنهم قالوا: وقع الاجماع على أن الباري تعالى قد كلفنا أحكاما تعم جميع المكلفين، فلو لم يكن للعموم صيغة تفيده، لما وقع التكليف به لعدم ما يدل عليه، أو كان التكليف به تكليفا بما لا يطاق، وهو محال.","part":2,"page":206},{"id":502,"text":"وأما شبه أرباب الخصوص، فأولها: أن تناول اللفظ للخصوص متيقن، وتناوله للعموم محتمل، فجعله حقيقة في المتيقن أولى.\rوثانيها: أن أكثر استعمال هذه الصيغ في الخصوص دون العموم، ومنه يقال: جمع السلطان التجار والصناع وكل صاحب حرفة، وأنفقت دراهمي، وصرمت نخيلي ونحوه، فكان جعلها حقيقة فيما استعمالها فيه أغلب، أولى.\rوثالثها: أنه إذا قال السيد لعبده أكرم الرجال، ومن دخل داري فأعطه درهما، ومتى جاءك فقير فتصدق عليه، ومتى جاء زيد فأكرمه وأين كان وحيث حل فإنه لا يحسن الاستفسار عن إرادة البعض ويحسن الاستفسار عما وراء ذلك، فكان جعل هذه الصيغ حقيقة فيما لا يحسن الاستفسار عندون ما يحسن.\rورابعها: أنه لو كان قول القائل رأيت الرجال للعموم، لكان إذا أريد به الخصوص كان المخبر كاذبا، كما لو قال رأيت عشرين ولم ير غير عشرة، بخلاف ما إذا كانت للخصوص، وأريد به العموم.\rوخامسها: لو كانت للعموم، لكان تأكيدها غير مفيد لغير ما أفادته، فكان عبثا، وكان الاستثناء منها نقضا.\rوسادسها: (ويخص من) أنها لو كانت للعموم، لما جمعت، لان الجمع لا بد وأن يفيد ما لا يفيده المجموع، وليس بعد العموم والاستغراق كثرة، فلا يجمع، وقد جمعت في باب حكاية النكرات عند الاستفهام، فإنه إذا قال القائل جاءني رجال قلت: منون ؟ في حالة الوقف دون الوصل، ومنه قول الشاعر: أتوا ناري، فقلت: منون أنتم ؟ فقالوا: الجن.\rقلت: عموا ظلاما فقد قال سيبويه أنه شاذ غير معمول به.","part":2,"page":207},{"id":503,"text":"وأما شبه أرباب الاشتراك، فأولها: أن هذه الالفاظ والصيغ قد تطلق للعموم تارة، وللخصوص تارة، والاصل في الاطلاق الحقيقة، وحقيقة الخصوص غير حقيقة العموم فكان اللفظ المتحد الدال عليهما حقيقة، مشتركا، كلفظ العين والقرء ونحوه.\rوثانيها: أنه يحسن عند إطلاق هذه الصيغ الاستفهام من مطلقها أنك أردت البعض أو الكل، وحسن الاستفهام عن كل واحد منهما دليل الاشتراك، فإنه لو كان حقيقة في أحد الامرين دون الآخر لما حسن الاستفهام عن جهة الحقيقة.\rوأما شبه من قال بالتعميم في الاوامر والنواهي دون الاخبار، فهو أن الاجماع منعقد على التكاليف بأوامر عامة لجميع المكلفين وبنواه عامة لهم، فلو لم يكن الامر والنهي للعموم، لما كان التكليف عاما، أو كان تكليفا بما لا يطاق، وهو محال.\rوهذا بخلاف الاخبار، فإنه ليس بتكليف، ولان الخبر يجوز وروده بالمجهول، ولا بيان له أصلا كقوله تعالى: * (وكم أهلكنا قبلهم من قرن) * (19) مريم: 74)، * (وقرونا بين ذلك كثير) * (25) الفرقان: 38) بخلاف الامر، فإنه، وإن ورد بالمجمل، كقوله: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * (6) الانعام: 141) وقوله: * (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43) فإنه لا يخلو عن بيان متقدم أو متأخر أو مقارن.\rوالجواب من جهة الاجمال عن جملة هذه الشبه ما أسلفناه في مسألة أن الامر للوجوب أو الندب، فعليك بنقله إلى هاهنا.\rوأما من جهة التفصيل، أما ما ذكره أرباب العموم من الآيات، أما قصة نوح فلا حجة فيها، وذلك لان إضافة الاهل قد تطلق تارة للعموم، وتارة للخصوص، كما في قولهم جمع السلطان أهل البلد وإن كان لم يجمع النساء والصبيان والمرضى.\rوعند ذلك، فليس القول","part":2,"page":208},{"id":504,"text":"بحمل ذلك على الخصوص بقرينة أولى من القول بحمله على العموم بقرينة ونحن لا ننكر صحة الحمل على العموم بالقرينة، وإنما الخلاف في كونه حقيقة أم لا.\rوأما قصة ابن الزبعرى، فلا حجة فيها أيضا، لان سؤاله وقع فاسدا حيث ظن أن (ما) عامة فيمن يعقل، وليس كذلك.\rولهذا قال له النبي (ص) منكرا عليه ما أجهلك بلغة قومك أما علمت أن (ما) لما لا يعقل وهي وإن أطلقت على من يعقل كما في قوله تعالى: * (والسماء وما بناها، والارض وما طحاها، ونفس وما سواها) * (91) الشمس: 5 - 7) فليس حقيقة، بل مجازا.\rويجب القول بذلك، جمعا بينه وبين قوله\r(ص): أما علمت أن (ما) لما لا يعقل ولما فيه من موافقة المنقول عن أهل اللغة في ذلك.\rوأما قصة إبراهيم، فجوابها بما سبق في قصة نوح.\rوأما الاحتجاج بقصة عمر مع أبي بكر، فلا حجة فيها أيضا، لانه إنما فهم العصمة من العلة الموجبة لها في الاموال والدماء، وهي قول: لا إله إلا الله فإنها مناسبة لذلك، والحكم مرتب عليها في كلام النبي (ص)، فكان ذلك إيماء إليها بالتعليل.\rأما أن يكون ذلك مأخوذا من عموم دمائهم وأموالهم، فلا.\rومعارضة أبي بكر إنما كانت لما فهمه عمر من التعليل المقتضي للتعميم، لا لغيره.","part":2,"page":209},{"id":505,"text":"وأما قصة فاطمة مع أبي بكر، فالكلام في اعتقاد العموم في قوله تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم) * (4) النساء: 11) ما سبق في قصة نوح وهو الجواب أيضا عن احتجاج عثمان على جواز الجمع بين الاختين، ثم قد أمكن أن يضاف ذلك إلى ما فهم من العلة الموجبة لرفع الحرج، وهي الزوجية، لا إلى عموم اللفظ.\rوكذلك احتجاج علي بقوله: * (وأن تجمعوا بين الاختين) * (4) النساء: 23) لم يكن لعموم اللفظ، بل بما أومى إليه اللفظ من العلة المانعة من الجمع، وهي الاخوة، فإنها مناسبة لذلك، دفعا للاضرار الواقع بين الاختين من المزاحمة على الزوج الواحد، وإنما يصح الاحتجاج باللفظ بمجرده، إن لو كان للعموم، وهو محل النزاع.\rوإن صح الاحتجاج في هذه الصور بنفس اللفظ، فلا يمتنع أن يكون ذلك بما اقترن به من قرينة العلة الرافعة للحرج في احتجاج عثمان، والعلة المانعة من الجمع في احتجاج علي، رضي الله عنه.\rوأما تكذيب عثمان للشاعر في قوله وكل نعيم لا محالة زائل فإنما كان لما فهمه من قرينة حال الشاعر الدالة على قصد تعظيم الرب ببقائه وبطلان كل ما سواه.\rأما أن يكون ذلك مستفادا من ذلك مستفادا من مجرد قوله (كل) فلا.","part":2,"page":210},{"id":506,"text":"وأما استدلال أبي بكر بقوله، (ص) الائمة من قريش إنما فهم منه التعميم لما ظهر له من قصد النبي (ص)، لتعظيم قريش وميزتهم على غيرهم من القبائل، فلو لم يكن ذلك يدل على الخصوص فيهم والاستغراق، لما حصلت هذه الفائدة.\rوأما إجماع الصحابة على إجراء ما ذكروه من الآيات والاخبار على التعميم في كل سارق وزان وغير ذلك، فإنما كان ذلك بناء على ما اقترن بها من العلل المومى إليها الموجبة للتعميم، وهي السرقة والزنى وقتل الظالم إلى غير ذلك، أما أن يكون اعتقاد تعميم تلك الاحكام مستندا إلى عموم تلك الالفاظ، فلا.\rوأما ما ذكر من الشبهة الاولى المعنوية، فالجواب عنها: أنا وإن سلمنا أن العموم ظاهر، وأن الحاجة داعية إلى وضع لفظ يدل عليه، ولكن لا نسلم إحالة الاخلال به على الواضعين.\rولهذا قد أخلوا بالالفاظ الدالة على كثير من المعاني الظاهرة التي تدعو الحاجة إلى تعريفها بوضع اللفظ عليها، وذلك كالفعل الحالي، ورائحة المسك والعود، وغير ذلك من أنواع الروائح والطعوم الخاصة بمحالها.\rفإن قيل لا نسلم أنهم أخلوا بشئ من ذلك، فإنهم يقولون: رائحة المسك، ورائحة العود، وطعم العسل، وطعم السكر إلى غير ذلك.\rوالاضافة من جملة الاوضاع المعرفة، ولهذا، فإن الباري تعالى قد عرف نفسه بالاضافة في قوله: * (ذو العرش) * (85) البروج: 15)، * (ذو الطول) * (40) غافر: 3) إلى غير ذلك.\rقلنا: وعلى هذا، لا نسلم أن العرب أخلت بما يعرف العموم، فإن الاسماء المجازية والمشتركة أيضا من الاسماء المعرفة، كما سيأتي بيانه.\rوما وقع فيه الخلاف من ألفاظ العموم، فهي غير خارجة في نفس الامر عن كونها حقيقة في العموم دون غيره، أو مجازا فيه وحقيقة فيه وفي غيره، فتكون مشتركة.\rوعلى كل تقدير، فما خلا العموم في وضعهم عن معر ف، ولا خلاف في ذلك،\rوإنما الخلاف في جهة دلالته عليه، هل هي حقيقة أو مجاز ؟ وخفاء جهة الدلالة والوقوف في تعيينها لا يبطل أصل الوضع والتعريف.","part":2,"page":211},{"id":507,"text":"وأما الشبهة الثانية وقولهم إن (من) إذا كانت استفهامية، لا تخلو عن الاقسام المذكورة في نفس الامر، مسلم.\rولكن لم قالوا بوجوب تعيين بعضها مع عدم الدليل القاطع على ذلك.\rقولهم: لو كانت للخصوص لما حسن الجواب بكل العقلاء.\rقلنا: ولو كانت للعموم، لما حسن الجواب بالبعض الخاص لما قرروه، وليس أحد الامرين أولى من الآخر، كيف وإن الجواب بالكل بتقدير أن يكون للخصوص يكون جوابا عن المسؤول عنه وزيادة، والجواب بالخصوص، بتقدير أن يكون للعموم، لا يكون جوابا عن المسؤول عنه.\rولذلك، كان الجواب بالكل مستحسنا.\rثم ما المانع أن تكون مشتركة ؟ قولهم: لانه لا يحسن الجواب إلا بعد الاستفهام.\rقلنا: إذا كانت مشتركة، وهي استفهامية، فالاستفهام إنما هو عن مدلولها، ومدلولها عند الاستفهام إنما هو أحد المدلولين، لا بعينه، فإذا أجاب بأحد الامرين فقد أجاب عما سئل عنه، فلا حاجة بالمسؤول إلى الاستفهام.\rقولهم في الشرطية إن المفهوم من قول السيد لعبده من دخل داري فأكرمه العموم، لما قرروه.\rقلنا: ليس ذلك مفهوما من نفس اللفظ، بل من قرينة إكرام الزائر، حتى أنا لو قدرنا أنه لا قرينة أصلا، ولا تحقق لما سوى اللفظ المذكور، فإنا لا نسلم فهم العموم منه، ولا جواز التعميم دون الاستفهام أو ظهور دليل يدل عليه بناء على قولنا بالوقف.\rويدل على ذلك أنه يحسن الاستفهام من العبد، ولو كان على\rأي صفة قدر، وحسن ذلك يدل على الترديد، ولولا الترديد لما حسن الاستفهام.\rقولهم إنه يحسن الاستثناء منه مسلم، ولكن لا نسلم أنه لا بد من دخول ما استثني تحت المستثنى منه، فإن الاستثناء من غير الجنس صحيح، وإن لم يكن المستثنى داخلا تحت المستثنى منه، ولا له عليه دلالة.\rويدل على صحة ذلك قوله تعالى: * (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن) * (4) النساء: 157) والظن هاهنا غير داخل تحت لفظ العلم، وقول الشاعر:","part":2,"page":212},{"id":508,"text":"وقفت فيها أصيلا لا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا أواري لايا ما أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد فإن قيل: نحن إنما ندعي ذلك فيما كان من الجنس، لا في غيره.\rقلنا: وإذا كان من الجنس، فالاستثناء يدل على وجوب دخول ما استثني تحت المستثنى منه، أو على صلاحيته للدخول تحته: الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rويدل على ذلك صحة استثناء كل واحد من آحاد الجنس من جموع القلة، وهي ما يتناول العشرة فما دونها، وهي: أفعل نحو أفلس، وأفعال نحو أصنام، وأفعلة نحو أرغفة، وفعلة نحو صبية، مع أن آحاد الجنس غير واجبة الدخول تحت المستثنى منه، والاستثناء من جمع السلامة، إذا لم تدخله الالف واللام، فإنه من جموع القلة بنص سيبويه.\rفإن قيل: نحن إنما ندعي ذلك فيما يصح استثناء العدد الكثير والقليل منه، واستثناء العدد الكثير، وهو ما زاد على العشرة، لا يصح من جمع القلة.\rقلنا: فيلزم عليه استثناء ما لا يصح من جمع القلة.\rقلنا فيلزم عليه استثناء ما زاد على العشرة من الجمع المنكر، فإنه يصح، وإن كان كل واحد من المستثنيات غير واجب الدخول تحت الجمع المنكر، بل ممكن الدخول.\rفإن قيل: لو صح الاستثناء لاخراج ما يصح دخوله، لا ما يجب دخوله، لصح أن يقول القائل: رأيت رجلا إلا زيدا، لصلاحية دخوله تحت لفظ رجل، وهو غير صحيح.\rوأيضا، فإن الاستثناء يدخل في الاعداد كقول القائل له علي عشرة دراهم إلا درهما وهو واجب الدخول.\rوأيضا فإن أهل اللغة قالوا بأن الاستثناء إخراج جزء من كل، والجزء واجب الدخول في كله.\rقلنا: أما الاول فلان قوله رأيت رجلا لا يكون إلا معينا في نفس الامر ضرورة وقوع الرؤية عليه، وإن لم يكن معينا عند المستمع، والمعين لا يصح الاستثناء منه إجماعا.\rوأما الثاني فبعيد عن التحقيق من حيث إن وجوب دخول الواحد في العشرة لا يمنع من صحة دخوله فيها، بمعنى أنه لا يمتنع دخوله فيها، وما ليس بممتنع أعم من","part":2,"page":213},{"id":509,"text":"الواجب، وعند ذلك، فلا يلزم أن يكون الاستثناء لوجوب الدخول، بل لصحة الدخول، وهو الجواب عن الوجه الثالث أيضا.\rكيف وإن استثناء واجب الدخول لا يمنع من استثناء ممكن الدخول، وعلى ما قررناه في إبطا الاستدلال على عموم (من) استفهامية وجزائية يكون بعينه جوابا عما ذكروه من الوجه الاول في عموم (كل) و (جميع).\rقولهم في الوجه الثاني إنه لو قال: رأيت كل من في البلد يعد كاذبا، بتقدير عدم رؤية بعضهم، لا نسلم لزوم ذلك مطلقا.\rفإنه لو قال القائل جمع السلطان كل التجار وكل الصناع، وجاء كل العسكر فإنه لا يعد في العرف كاذبا بتقدير تخلف آحاد الناس.\rوالعرف بذلك شائع ذائع، وليس حوالة ذلك على القرينة أولى من حوالة صورة التكذيب على القرينة.\rقولهم في الوجه الثالث إن قول القائل كل الناس علماء يكذبه قول الآخر كل الناس ليس علماء ليس كذلك مطلقا فإنه لو فسر كلامه بالغالب عنده، كان تفسيره صحيحا مقبولا.\rومهما أمكن حمل كلامه على ذلك، فلا تكاذب.\rنعم إنما يصح التكاذب بتقدير ظهور الدليل الدال على إرادة الكل، بحيث لا يشذ\rمنهم واحد، وذلك مما لا ينكر، وإنما النزاع في اقتضاء اللفظ لذلك بمطلقه.\rقولهم في الوجه الرابع إنا ندرك التفرقة بين (بعض) و (كل) مسلم، لكن من جهة أن بعضا لا يصلح للاستغراق وكلا صالح له ولما دونه، ولا يلزم من ذلك ظهور (كل) في العموم.\rقولهم في الوجه الخامس إنه يلزم أن يكون قوله (كلهم) بيانا لا تأكيدا،","part":2,"page":214},{"id":510,"text":"قلنا: وإن بين به مراده من لفظه لا يخرجه ذلك عن كونه تأكيدا لما أراده من العموم، فإن لفظه صالح له.\rقولهم في الجمع المعرف إن كثرة الجمع المعرف تزيد على كثرة المنكر، قلنا: متى إذا أريد به الاستغراق، أو إذا لم يرد به ذلك ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع، ولا يلزم من كونه صالحا للاستغراق أن يكون متعينا له، بل غايته أنه إذا قال رأيت رجالا من الرجال كان ذلك قرينة صارفة للجمع المعرف إلى الاستغراق.\rقولهم إنه يصح تأكيده بما يفيد الاستغراق، قلنا: ذلك يستدعي كون المؤكد صالحا للعموم، والدلالة على العموم عند التأكيد، ولا يدل على كونه بوضعه للعموم.\rقولهم في تعميم النكرة المنفية: لو قال لا رجل في الدار فإنه يعد كاذبا بتقدير رؤيته لرجل ما، قلنا: إنما عد كاذبا بذلك، لان قوله لا رجل في الدار إنما ينفي حقيقة رجل في الدار، فإذا وجد رجل في الدار، كان كاذبا ولا يلزم من ذلك العموم، في طرف النفي، إذ هو نفي ما ليس بعام.\rقولهم إنه يحسن الاستثناء، سبق جوابه.\rقولهم: إنه يصح تكذيبه بأنك رأيت رجلا، قلنا سبق جوابه أيضا.","part":2,"page":215},{"id":511,"text":"قولهم: لو لم يكن للعموم، لما كان قول القائل لا إله إلا الله توحيدا، قلنا وإن لم يكن حقيقة في العموم، فلا يمتنع إرادة العموم بها.\rوعلى هذا، فمهما لم ير المتكلم بها العموم، فلا يكون قوله توحيدا، وإن أراد ذلك كان توحيدا، لكن لا يكون العموم من مقتضيات اللفظ، بل من قرينة حال المتكم الدالة على إرادة التوحيد، وعلى هذا، يكون الحكم أيضا فيما إذا قال ما في الدار من رجل وقول أهل الادب إنها للعموم يمكن حمله على عموم الصلاحية دون الوجوب.\rقولهم في الاضافة إذا قال: أعتقت عبيدي وإمائي ثم مات، جاز لمن سمعه أن يزوج من شاء من العبيد، دون رضى الورثة.\rقلنا: ولو قال أنفقت دراهمي، وصرمت نخيلي، وضرب عبيدي فإنه لا يعد كاذبا بتقدير عدم إنفاق بعض دراهمه، وعدم صرم بعض نخيله، وعدم ضرب بعض عبيده، ولو كان ذلك للعموم، لكان كاذبا، وليس صرف ذلك إلى القرينة أولى من صرف ما ذكروه إلى القرينة، وهو الجواب عن قوله: العبيد الذين في يدي لفلان.\rوما ذكروه في الدلالة على تعميم اسم الجنس، إذا دخله الالف واللام.\rأما الوجه الاول منه قولهم إنه لا بد للالف واللام من فائدة، قلنا: يمكن أن تكون فائدتها تعريف المعهود، وإن لم يكن ثم معهود، فالتردد بين العموم والخصوص على السوية، بخلاف ما قبل دخولها.","part":2,"page":216},{"id":512,"text":"وأما الوجه الثاني فقد قيل إنه من النقل الشاذ الذي لا اعتماد عليه، وهو مع ذلك مجاز.\rولهذا فإنه لم يطرد في كل اسم فرد، فإنه لا يقال جاءني الرجل العلماء، والرجل المسلمون ثم وإن إمكن نعته بالجمع، فإنما كان كذلك لان المراد من قولهم إنما هو جنس الدينار، وجنس الدرهم، لا جملة الدنانير، وجملة الدراهم.\rوحيث كان الهلاك بجنس الدينار والدرهم لامر متحقق في كل واحد من ذلك\rالجنس، جاز نعته بالجمع، نظرا إلى اقتضاء المعنى للجمع، لا نظرا إلى اقتضاء لفظ الدينار.\rوأما الاستثناء في الآية، فهو مجاز.\rولهذا، لم يطرد، فإنه لا يحسن أن يقال رأيت الرجل إلا العلماء، وعلى هذا النحو.\rثم لو كان ذلك صالحا للاستغراق، لامكن مع اتحاده أن يؤكد (بكل) و (جميع) كما في (من) في قولك من دخل داري أكرمته وهو غير جائز، فإنه يحسن أن يقال جاءني الرجل كلهم أجمعون ويمكن أن يقال: إن مثل هذا قياس في اللغة، وهو غير جائز.\rوأما الوجه الثالث فدفعه بمنع الحصر فيما قيل، بل القائل ثلاثة، والثالث هو القائل بالتفصيل.\rوأما الوجه الرابع فحاصله يرجع إلى القياس في اللغة، وقد أبطلناه.\rوأما ما ذكروه في تعميم الجمع المنكر، أما الوجه الاول منه، فعنه جوابان: الاول: أن قول القائل رجال حقيقة في كل عدد على خصوصه، ممنوع، وإن أراد به أنه حقيقة في الجمع المشترك بين جميع الاعداد فمسلم.\rولكن لا يلزم من ذلك أن يكون دالا على ما هو الاخص، لا حقيقة ولا مجازا.\rوعلى هذا، فقد بطل القول بإنا إذا حملناه على الاستغراق، كان حملا له على جميع حقائقه، ضرورة اتحاد مدلوله.\rالثاني: وإن سلمنا أنه حقيقة في كل عدد بخصوصه، غير أنه ليس حمله على الاستغراق، مع احتمال عدم الارادة، أولى من حمله على الاقل، مع كونه مستيقنا.\rوأما الوجه الثاني فإنما يلزم المتكلم به بيان إرادة البعض عينا، أن لو كان اللفظ موضوعا له.","part":2,"page":217},{"id":513,"text":"وأما إذا كان موضوعا لبعض مطلق فلا.\rوأما الاستثناء فقد عرف جوابه، كيف وإن أهل اللغة اتفقوا على تسميته نكرة، ولو كان للاستغراق، لكان\rمعروفا كله، فلا يكون منكرا مختلطا بغيره.\rقولهم: إن العرب فرقت بين تأكيد الواحد والعموم بما ذكروه، إنما يصح إن لو كان (كلهم أجمعون تأكيدا للعموم، وليس كذلك، بل هو تأكيد للفظ الذي يجوز أن يراد به العموم وغير العموم.\rقولهم: لو لم يكن للعموم صيغة تدل عليه، لكان التكليف بالامور العامة تكليفا بما لا يطاق.\rقلنا: إنما يكون كذلك، إن لو لم يكن ثم ما يدل على التعميم، وليس كذلك، ولا يلزم من عدم صيغة تدل عليه بوضعها دون قرينة، التكليف بالمحال مع وجود صيغة تدل عليه مع القرينة.\rوأما شبه أرباب الخصوص: قولهم في الشبهة الاولى أن الخصوص متيقن، قلنا: ذلك لا يدل على كونه مجازا في الزيادة، فإن الثلاثة مستيقنة في العشرة، ولا يدل على كونه لفظ العشرة.\rحقيقة في الثلاثة مجازا في الزيادة.\rفإن قيل: إلا أن الزيادة في العشرة على الثلاثة أيضا مستيقنة، قيل ليس كذلك، وإلا لما صح استثناؤها بقوله: علي عشرة إلا ثلاثة كيف وإن ما ذكروه من الترجيح معارض بما يدل على كونه حقيقة في العموم، وذلك لانه من المحتمل أن يكون مراد المتكلم العموم، فلو حمل لفظه على الخصوص لم يحصل مراده، وبتقدير أن يكون مراده الخصوص لا يمتنع حصول مقصوده منه بتقدير الحمل على العموم، بل المقصود حاصل وزيادة، وليس أحد الامرين أولى من الآخر.\rقولهم في الشبهة الثانية إن أكثر استعمال هذه الصيغ في الخصوص، لا نسلم ذلك، وإن سلم إلا أن ذلك لا يدل على كون هذه الصيغ حقيقة في الخصوص ومجازا في العموم، ويدل عليه أن استعمال لفظ الغائط والعذرة غالب في الخارج المستقذر","part":2,"page":218},{"id":514,"text":"من الانسان، وإن كان مجازا فيه، وحقيقة في الموضع المطمئن من الارض، وفناء الدار.\rوكذلك لفظ الشجاع حقيقة في الحية المخصوصة، وإن كان غالب الاستعمال في الرجل المقدام.\rقولهم في الثالثة إنه لا يحسن الاستفهام عن إرادة البعض بخلاف العموم.\rقلنا: حسن الاستفهام عن إرادة العموم لا يخرج الصيغة عن كونها حقيقة في العموم، ودليل ذلك أنه لو قال القائل دخل السلطان البلد، ولقيت بحرا، وناطحت جبلا، ورأيت حمارا فإنه يحسن استفهامه هل أردت بالسلطان نفسه أو عسكره ؟ وهل أردت بالجبل الجبل الحقيقي أو الرجل العظيم وهل أردت بالحمار الحمار الحقيقي أو البليد ؟ وأردت بالبحر البحر الحقيقي أو رجلا كريما ؟ وعدم حسن الاستفهام عن البعض لتيقنه لا يوجب كون الصيغة حقيقية فيه بدليل الثلاثة من العشرة.\rقولهم في الرابعة: لو كان قوله رأيت الرجال للعموم، لكان كاذبا بتقدير إرادة الخصوص، قلنا: إنما يكون كاذبا مع كون لفظه حقيقة في العموم، إن لو لم يكن لفظه صالحا لارادة البعض تجوزا، ولهذا، فإنه لو قال: رأيت أسدا وحمارا أو بحرا وكان قد رأى إنسانا شجاعا وإنسانا بليدا وإنسانا كريما، لم يكن كاذبا، وإن كان لفظه حقيقة في غيره، وهذا بخلاف ما إذا قال: رأيت عشرة رجال ولم يكن رأى غير خمسة، فإن لفظ العشرة مما لا يصلح للخمسة، لا حقيقة ولا تجوزا.\rقولهم في الخامسة إنه لو كانت هذه الصيغ للعموم، لكان تأكيدها عبثا، ليس كذلك، فإنه يكون أبعد عن مجازفة المتكلم، وأبعد عن قبول التخصيص، وأغلب على الظن.\rكيف وإنه يلزم على ما ذكروه صحة تأكيد الخاص بقولهم جاء زيد عينه نفسه وتأكيد عقود الاعداد كقوله تعالى: * (تلك عشرة كاملة) * (2) البقرة: 196) وما هو الجواب\rههنا عن التأكيد يكون جوابا في العموم.","part":2,"page":219},{"id":515,"text":"قولهم: وكان الاستثناء منها نقضا يلزم عليه الاستثناء من الاعداد المقيدة كقوله له علي عشرة إلا خمسة فإنه صحيح بالاتفاق، مع أن لفظ العشرة صريح فيها، وجوابه في الاعداد جوابه في العموم.\rقولهم في السادسة إن (من) لو كانت للعموم، لما جمعت، قلنا: قد قيل إن ذلك ليس بجمع وإنما هو الحاق زيادة الواو وإشباع الحركة، وبتقدير أن يكون جمعا، فقد قال سيبويه إنه لا عمل عليه، لما فيه من جمع (من) حالة الوصل، وإنما تجمع عندما إذا حكى بها الجمع المنكر حالة الوقف.\rوإذ ذاك فلا تكون العموم.\rوأما شبه أرباب الاشتراك: قولهم في الشبهة الاولى إن هذه الصيغ قد تطلق تارة للعموم، وتارة للخصوص، والاصل في الاطلاق الحقيقة.\rقلنا: الاصل في الاطلاق الحقيقة بصفة الاشتراك، أو لا بصفة الاشتراك ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم وذلك لانه إذا كان مشتركا افتقر في فهم كل واحد من مدلولاته إلى قرينة تعينه ضرورة تساوي نسبة اللفظ فيه إلى الكل، والقرينة قد تظهر، وقد تخفى.\rوذلك يفضي إلى الاخلال بمقصود الوضع، وهو التفاهم، وهذا بخلاف ما إذا كان اللفظ حقيقة في مدلول واحد، فإنه يحمل عليه عند إطلاقه من غير افتقار إلى قرينة مخلة بالفهم.\rقولهم في الثانية إنه يحسن الاستفهام.\rقلنا: ذلك لا يدل على كون اللفظ مشتركا، فإنه يحسن مع كون اللفظ متحد المدلول، كما لو قال القائل خاصمت السلطان فيقال أخاصمته ؟ مع كون اللفظ حقيقة في شئ ومجازا في غيره، كما سبق تمثيله من قول القائل صدمت جبلا، ورأيت بحرا، ولقيت حمارا فإنه يحسن\rاستفهامه، أنك أردت بذلك المدلولات الحقيقية أو المجازية من الرجل العظيم، والكريم، والبليد.\rوذلك لفائدة زيادة الامن من المجازفة في الكلام، وزيادة غلبة الظن وتأكده بما اللفظ ظاهر فيه، وللمبالغة في دفع المعارض، كما سبق في التأكيد.\rوأما طريق الرد على من فرق من الواقفية بين الاوامر والاخبار، فهو أن كل ما يذكرونه في الدلالة على وجوب التوقف في الاخبار، فهو بعينه مطرد في الاوامر.","part":2,"page":220},{"id":516,"text":"قولهم أولا إن الامر تكليف.\rقلنا: ومن الاخبار العامة ما كلفنا بمعرفتها، كقوله تعالى: * (الله خالق كل شئ، وهو بكل شئ عليم) * (57) الحديد: 3) وكذلك عمومات الوعد والوعيد، فإنا مكلفون بمعرفتها، لان بذلك يتحقق الانزجار عن المعاصي، والانقياد إلى الطاعات، ومع التساوي في التكليف، فلا معنى للوقوف.\rوإن سلمنا أن ذلك يفضي إلى التكليف بما لا يطاق، فهو غير ممتنع عندنا على ما سبق تقريره.\rقولهم ثانيا إن من الاخبار ما يرد بالمجهول من غير بيان، بخلاف الامر.\rقلنا: لا نسلم امتناع ورود الامر بالمجهول، كيف وإن هذا الفرق، وإن دل على عدم الحاجة فيما كان من الاخبار لم نكلف بمعرفتها إلى وضع اللفظ العام بإزائه فغير مطرد فيما كلفنا بمعرفته كما سبق، وهم غير قائلين بالتفصيل بين خبر وخبر.","part":2,"page":221},{"id":517,"text":"المسألة الثالثة اختلف العلماء في أقل الجمع، هل هو اثنان أو ثلاثة ؟ وليس محل الخلاف ما هو المفهوم من لفظ الجمع لغة، وهو ضم شئ إلى شئ، فإن ذلك في الاثنين والثلاثة، وما زاد من غير خلاف، وإنما محل النزاع في اللفظ المسمى بالجمع في اللغة.\rمثل قولهم رجال ومسلمون.\rوإذ تنقح محل النزاع فنقول مذهب عمر وزيد بن ثابت ومالك وداود والقاضي\rأبي بكر والاستاذ أبي إسحاق وجماعة من أصحاب الشافعي، رضي الله عنه، كالغزالي وغيره أنه اثنان، ومذهب ابن عباس والشافعي وأبي حنيفة ومشايخ المعتزلة وجماعة من أصحاب الشافعي أنه ثلاثة، وذهب إمام الحرمين إلى أنه لا يمتنع رد لفظ الجمع إلى الواحد.\rاحتج الاولون بحجج من جهة الكتاب، والسنة، وإشعار اللغة، والاطلاق.\rأما من جهة الكتاب، فقوله تعالى: * (إنا معكم مستمعون) * (26) الشعراء: 15) وأراد به موسى وهرون، وقوله تعالى: * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) * (49) الحجرات: 9)، وقوله تعالى: * (وهل أتاك نبؤ الخصم إذ تسوروا المحراب، إذ دخلوا على داود ففزع منهم، قالوا: لا تخف، خصمان بغي بعضنا على بعض) * (38) ص: 21) وقوله تعالى: * (فإن كان له إخوة، فلامه السدس) * (4) النساء: 11) وأراد به الاخوين، وقوله تعالى: * (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) * (12) يوسف: 83) وأراد به يوسف وأخاه، وقوله تعالى: * (وكنا لحكمهم شاهدين) * (21) الانبياء: 78) وأراد به داود وسليمان، وقوله تعالى: * (هذان خصمان اختصموا) * (22) الحج: 19) وقوله تعالى: * (إن تتوبا إلى الله، فقد صغت قلوبكما) * (66) التحريم: 4).","part":2,"page":222},{"id":518,"text":"وأما من جهة السنة ما روي عن النبي، (ص) أنه قال: الاثنان فما فوقهما جماعة.\rوأما من جهة الاشعار اللغوي فهو أن اسم الجماعة مشتق من الاجتماع، وهو ضم شئ إلى شئ، وهو متحقق في الاثنين حسب تحققه في الثلاثة وما زاد عليها، ولذلك تتصرف العرب وتقول: جمعت بين زيد وعمرو، فاجتمعا، وهما مجتمعان، كما يقال ذلك في الثلاثة، فكان إطلاق اسم الجماعة على الاثنين حقيقة وأما من جهة الاطلاق فمن وجهين: الاول: أن الاثنين يخبران عن أنفسهما بلفظ الجمع، فيقولان: قمنا، وقعدنا، وأكلنا، وشربنا، كما تقول الثلاثة.\rالثاني: أنه يصح أن يقول القائل إذا أقبل عليه رجلان في مخافة: أقبل الرجال.\rوذلك كله يدل على أن لفظ الجمع حقيقة في الاثنين، إذ الاصل في الاطلاق الحقيقة.\rقال النافون لذلك: أما قوله تعالى: * (إنا معكم مستمعون) * (26) الشعراء: 15) فالمراد به موسى وهرون وفرعون وقومه، وهم جمع، وقوله تعالى: * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) * (49) الحجرات: 9) فكل طائفة جمع.\rوأما قصة داود فلا حجة فيها، فإن الخصم قد يطلق على الواحد وعلى الجماعة، فيقال هذا خصمي، وهؤلاء خصمي، وليس في الآية ما يدل على أن كل واحد من الخصمين كان واحدا، وقوله تعالى: * (فإن كان له إخوة فلامه السدس) * (4) النساء: 11) فالمراد به الثلاثة، وحيث ورثناها السدس مع الاخوين لم يكن ذلك مخالفا لمنطوق اللفظ، بل لمفهومه، بدليل آخر، وهو انعقاد الاجماع على ذلك.\rوالمراد من قوله تعالى: * (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) * (12) يوسف: 83) يوسف وأخوه وشمعون الذي قال: * (لن أبرح الارض حتى يأذن لي أبي) * (12) يوسف: 80) والمراد من قوله تعالى: * (وكنا لحكمهم شاهدين) * (21) الانبياء: 78)","part":2,"page":223},{"id":519,"text":"داود وسليمان والمحكوم له، وهم جماعة، وقوله تعالى: * (هذان خصمان اختصموا) * (22) الحج: 19) فالجواب عنه ما تقدم في قصة داود، وقوله تعالى: * (إن تتوبا إلى الله، فقد صغت قلوبكما) * (66) التحريم: 4) فهو أشبه مما يحتج به هاهنا، ويمكن أن يجاب عنه بأن الخطاب، وإن كان مع اثنين، وأنه ليس لكل واحد منهما في الحقيقة سوى قلب واحد، غير أنه قد يطلق اسم القلوب على ما يوجد للقلب الواحد من الترددات المختلفة إلى الجهات المختلفة، مجازا، ومن ذلك قولهم لمن مال قلبه إلى جهتين أو تردد بينهما: إنه ذو قلبين، وعند ذلك، فيجب حمل قوله قلوبكما على جهة التجوز دون الحقيقة، جمعا بينه وبين ما سنذكره من الادلة الدالة على امتناع إطلاق لفظ الجمع على الاثنين حقيقة.\rويمكن أن يقال إنما قال قلوبكما تجوزا حذرا من استثقال الجمع بين تثنيتين.\rوقوله (ص)، الاثنان\rفما فوقهما جماعة إنما أراد به أن حكمهما حكم الجماعة في انعقاد صلاة الجماعة بهما وإدراك فضيلة الجماعة، ويجب الحمل عليه، لان الغالب من النبي، (ص)، أن يعرفنا الاحكام الشرعية، لا الامور اللغوية، لكونها معلومة للمخاطب ولما سيأتي من الادلة.\rوأما ما ذكروه من الاشعار اللغوي فجوابه أن يقال: وإن كان ما منه اشتقاق لفظ الجماعة في الثلاثة موجودا في الاثنين، فلا يلزم إطلاق اسم الجماعة عليهما، إذ هو من باب القياس في اللغة وقد أبطلناه، ولهذا فإن المعنى الذي صح منه اشتقاق اسم القارورة للزجاجة المخصوصة، وهو قرار المائع فيها، متحقق في الجرة والكوز، ولا يصح تسميتهما قارورة.\rكيف وإن ذلك لا يطرد في اسم الرجال والمؤمنين وغيرهما من أسماء الجموع، إذ هو غير مشتق من الجمع، والخلاف واقع في إطلاقه على الاثنين حقيقة.","part":2,"page":224},{"id":520,"text":"وجواب الاطلاق الاول أن ذلك لا يدل على أن الاثنين جمع، بدليل صحة قول الواحد لذلك، مع أنه ليس بجماعة.\rولهذا، فإنه لا يصح إخبار غيرهما عنهما بذلك، فلا يقال عن الاثنين قاموا وقعدوا بل قاما وقعدا.\rوجواب الاطلاق الثاني أن ذلك أيضا لا يدل على أن الاثنين جماعة، بدليل صحة قوله: جاء الرجال عند ما إذا أقبل عليه الواحد في حال المخافة، والواحد ليس بجمع بالاتفاق.\rوأما حجج القائلين بأن أقل الجمع ثلاثة فست.\rالاولى: ما روي عن ابن عباس أنه قال لعثمان حين رد الام من الثلث إلى السدس بأخوين.\rقال الله تعالى: * (فإن كان له إخوة فلامه السدس) * (4) النساء: 11) وليس الاخوان إخوة في لسان قومك فقال عثمان: لا أستطيع أن أنقض أمرا كان قبلي وتوارثه الناس ولولا أن ذلك مقتضى اللغة لما احتج به ابن عباس على عثمان، وأقره عليه عثمان، وهما من أهل اللغة وفصحاء العرب.\rالثانية: أن أهل اللغة فرقوا بين رجلين ورجال، فإطلاق اسم الرجال على الرجلين رفع لهذا الفرق.\rالثالثة: أنه لو صح إطلاق الرجال على الرجلين، لصح نعتهما بما ينعت به الرجال، ولا يصح أن يقال: جاءني رجلان ثلاثة، كما يقال: جاءني رجال ثلاثة، ولصح أن يقال، رأيت اثنين رجالا، كما يقال: رأيت ثلاثة رجال.\rالرابعة: أن أهل اللغة فرقوا بين ضمير التثنية والجمع، فقالوا في الاثنين: فعلا، وفي الجميع: فعلوا.\rالخامسة: أنه يصح أن يقال: ما رأيت رجالا بل رجلين.\rولو كان اسم الرجال للرجلين حقيقة، لما صح نفيه.","part":2,"page":225},{"id":521,"text":"السادسة: أنه لو قال: لفلان علي دراهم، فإنه لا يقبل تفسيره بأقل من ثلاثة.\rوكذلك في النذر والوصية.\rوهذه الحجج ضعيفة: أما الحجة الاولى، فهي معارضة بما روي عن زيد بن ثابت أنه قال: الاخوان أخوة.\rوروي عنه أنه قال: أقل الجمع اثنان، وليس العمل بأحدهما أولى من الآخر.\rوأما الثانية، فهو أن التفرقة بين الرجلين والرجال أن اسم الرجلين جمع خاص بالاثنين، والرجال جمع عام للاثنين وما زاد عليهما.\rوأما الثالثة، فهو أن الثلاثة نعت للجمع العام، وهو الرجال، ولا يلزم أن يكون نعتا للجمع الخاص، وهو رجلان وبه يعرف الجواب عن امتناع قولهم: رأيت اثنين رجالا، من حيث إن رجالا اسم للجمع العام، وهو الثلاثة وما زاد عليها، فلا يلزم أن يكون اسما لما دون ذلك، وبه يخرج الجواب عن الفرق بين ضمير التثنية وضمير الجمع: فإن ضمير (فعلا) لجمع خاص وهو الاثنان، و (فعلوا) ضمير\rما زاد على ذلك.\rوأما الخامسة فإنه إذا رأى رجلين، لا نسلم أنه يصح قوله: ما رأيت رجالا، إلا أن يريد به ما زاد على الاثنين.\rوأما الاحكام فممنوعة على أصل من يرى أن أقل الجمع اثنين.\rوإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين، فعلى الناظر بالاجتهاد في الترجيح وإلا فالوقف لازم.","part":2,"page":226},{"id":522,"text":"المسألة الرابعة اختلف القائلون بالعموم، في العام بعد التخصيص، هل هو حقيقة في الباقي أو مجاز، على ثمانية مذاهب.\rفمنهم من قال إنه يبقى حقيقة مطلقا على أي وجه كان المخصص، وهو مذهب الحنابلة وكثير من أصحابنا.\rومنهم من قال إنه يبقى مجازا كيف ما كان المخصص، وهو مذهب كثير من أصحابنا، وإليه ميل الغزالي وكثير من المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة، كعيسى بن أبان وغيره.\rومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إن كان الباقي جمعا، فهو حقيقة، وإلا فلا.\rوهو اختيار أبي بكر الرازي.\rومنهم من قال إن خص بدليل لفظي فهو حقيقة، كيف ما كان المخصص، متصلا أو منفصلا، وإلا فهو مجاز.\rومنهم من قال إن خص بدليل متصل من شرط، كقوله من دخل داري وأكرمني أكرمته أو استثناء، كقوله من دخل داري أكرمته سوى بني تميم فحقيقة، وإلا فمجاز، وهو اختيار القاضي أبي بكر.\rوقال القاضي عبد الجبار من المعتزلة: إن كان مخصصه شرطا، كما سبق تمثيله،\rأو تقييدا بصفة، كقوله من دخل داري عالما أكرمته فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز، حتى في الاستثناء.\rوقال أبو الحسين البصري: إن كانت القرينة المخصصة مستقلة بنفسها، وسواء كانت عقلية، كالدلالة الدالة على أن غير القادر غير مراد بالخطاب في العبادات، أو لفظية، كقول المتكلم بالعموم: أردت به البعض الفلاني، فهو مجاز، وإلا فهو حقيقة وسواء كانت القرينة شرطا، أو صفة مقيدة، أو استثناء.\rومن الناس من قال إنه حقيقة في تناول اللفظ له، مجاز في الاقتصار عليه.","part":2,"page":227},{"id":523,"text":"والمختار تفريعا على القول بالعموم، أنه يكون مجازا في المستبقى، واحدا كان أو جماعة، وسواء كان المخصص متصلا أو منفصلا، عقليا أو لفظيا، باستثناء أو شرط أو تقييد بصفة.\rودليل ذلك أنه إذا كان اللفظ حقيقة في الاستغرق والهيئة الاجتماعية من كل الجنس، فصرفه إلى البعض بالقرينة، كيف ما كانت القرينة.\rإما أن يكون لدلالة اللفظ عليه حقيقة أو مجازا، لا جائز أن يقال بكونه حقيقة فيه، وإلا كان اللفظ مشتركا بينه وبين الاستغراق، ضرورة اختلاف معنييهما بالبعضية والكلية، وعدم اشتراكهما في معنى جامع يكون مدلولا للفظ، والمشترك لا يكون ظاهرا بلفظه في بعض مدلولاته دون البعض، وهو خلاف مذهب القائلين بالعموم، فلم يبق إلا أن يكون مجازا.\rفإن قيل: ما المانع أن يكون حقيقة فيهما، باعتبار اشتراكهما في الجنسية، على وجه لا يكون مشتركا ولا مجازا في أحدهما، والذي يدل على كونه حقيقة في البعض المستبقى أن اللفظ كان متناولا له حقيقة قبل التخصيص، فخروج غيره عن عموم اللفظ لا يكون مؤثرا فيه، سلمنا أنه ليس حقيقة في الجنس المشترك،\rولكن ما المانع من كون اللفظ بمطلقه، حقيقة في الاستغراق ومع القرينة يكون حقيقة في البعض، سلمنا امتناع بقائه حقيقة فيه، ولكن متى إذا كان دليل التخصيص لفظيا متصلا، أو منفصلا.\rالاول ممنوع، والثاني مسلم.\rوذلك لانه إذا كان الدليل المخصص لفظيا متصلا، وسواء كان شرطا أو تقييدا بصفة أو استثناء، فإن الكلام يصير بسبب الزيادة المتصلة به كلاما آخر مستقلا موضوعا للبعض، فإنه إذا قال من دخل داري أكرمته كان له معنى، فإذا زاد شرطا أو صفة أو استثناء، كقوله من دخل داري وأكرمني أكرمته، ومن دخل داري عالما أكرمته، أو من دخل داري أكرمته","part":2,"page":228},{"id":524,"text":"إلا بني تميم تغير ذلك المعنى الاول، وصار معنى الشرط الداخل المكرم، ومعنى الصفة الداخل العالم، ومعنى الاستثناء الداخل ممن ليس من بني تميم فكان اللفظ والمعنى مختلفا، وكل واحد من اللفظين حقيقة في معناه، وصار هذا بمنزلة قول القائل مسلم فإنه له معنى، فإذا زاد فيه الالف واللام فقال المسلم أو زاد فيه الواو والنون فقال مسلمون فإن اللفظ بإلحاق الزيادة فيه صار دالا على معنى زائد بجهة الحقيقة، لا بجهة التجوز، فكذلك فيما نحن فيه.\rوعلى هذا نقول إن قوله تعالى: * (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) * (29) العنكبوت: 14) إن مجموع هذا القول دل على المستبقى بجهة الحقيقة، وهو قائم مقام قوله فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما.\rهذا كله فيما إذا كان الاستثناء والمستثنى في كلام متكلم واحد، وأما لو قال الله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) فقال الرسول عقيبه إلا زيدا فهذا مما اختلف فيه أنه كالمتصل الذي لا يجعل لفظ المشركين مجازا، أم لا.\rفمن قال بكونه متصلا، نظر إلى أن كلام النبي، (ص)، لا يكون في تشريع الاحكام يغير الوحي، فكان\rفي البيان كما لو كان ذلك بكلام الله تعالى.\rومنهم من أجراه مجرى الدليل المنفصل، دون المتصل، ولهذا، فإنه لو قال الباري تعالى زيد فقال النبي (ص) قام لا يكون خبرا صادرا من الله تعالى، لان نظم الكلام إنما يكون من متكلم واحد، ولعل هذا هو الاظهر.\rسلمنا أنه يكون مجازا في جميع الصور إلا في الشرط، وذلك لانه إذا قال أكرم بني تميم إن دخلوا داري فإن الشرط لم يخرج شيئا مما تناوله اللفظ من أعيان الاشخاص، بل هو باق بحاله.\rوإنما أخرج حالا من الاحوال، وهي حالة عدم دخول الدار، بخلاف الاستثناء وغيره، فلا يكون مجازا.\rسلمنا التجوز مطلقا، لكن متى إذا كان المستبقى جمعا غير منحصر، أو إذا لم يكن ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم.","part":2,"page":229},{"id":525,"text":"والجواب عن السؤال الاول أن البعض، وإن كان من جنس الكل، إلا أن اللفظ العام حقيقة في استغراق الجنس من حيث هو كذلك، لا في الجنس مطلقا، ولهذا، تعذر حمله على البعض، وإن كان من الجنس، إلا بقرينة، باتفاق القائلين بالعموم، ومعنى الاستغراق غير متحقق في المستبقى، فلا يكون حقيقة فيه.\rقولم إن اللفظ كان متناولا له حقيقة قبل التخصيص، قلنا بانفراده أو مع المخصص الخارج ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rوعلى هذا، فلا يلزم مع التخصيص أن يبقى حقيقة فيه، كيف ويلزم عليه الواحد، فإن اللفظ كان متناولا له حقيقة، قبل التخصيص، وبعد التخصيص، فهو مجاز فيه بالاتفاق.\rوعن السؤال الثاني جوابان: الاول أن ذلك مما يرفع جميع المجازات عن الكلام، فإنه ما من مجاز إلا ويمكن أن يقال أنه مع القرينة حقيقة في مدلوله، وبدون القرينة\rحقيقة في غيره.\rالثاني أنه لو كان كما ذكروه لكان استعمال ذلك اللفظ في الاستغراق مع اقترانه بالقرينة المخصصة له بالبعض استعمالا له في غير الحقيقة، وصارفا له عن الحقيقة، وهو خلاف إجماع القائلين بالعموم.\rوعن السؤال الثالث أن دلالة اللفظ عند اقترانه بالدليل اللفظي المتصل لا يخرج عن حقيقته وصورته بما اقترن به، وإلا كان كل مقترن بشئ خارجا عن حقيقته.\rويلزم من ذلك خروج الجسم عن حقيقته من حيث هو جسم عند اتصافه بالبياض أو السواد، وكذلك في كل موصوف بصفة، وهو محال.\rوإذا كان باقيا على حقيقته، فمعناه لا يكون مختلفا، بل غايته أن يصير مصروفا عن معناه بالقرينة المقترنة به، وهو التجوز بعينه.\rوعلى هذا، فألفاظ الآية المذكورة في قصة نوح الالف للالف، والخمسون للخمسين، وإلا للرفع، ومعرفة ما بقي حاصلة بالحساب.\rوخرج عن هذا زيادة الالف واللام في المسلم، والواو والنون في","part":2,"page":230},{"id":526,"text":"المسلمين، فإنها لا معنى لها في نفسها دون المزيد عليه، ولا سبيل إلى إهمالها.\rفلذلك، كانت موجبة للتعيين في الوضع.\rفإن قيل: لو قال لا إله فإنه بمطلقه يكون كفرا، ولو اقترن به الاستثناء وهو قوله إلا الله كان إيمانا، وكذلك لو قال لزوجته أنت طالق كان بمطلقه تنجيزا للطلاق، ولو اقترن به الشرط، وهو قوله إن دخلت الدار كان تعليقا، مع أن الاستثناء والشرط له معنى، ولولا تغير الدلالة والوضع، لما كان كذلك.\rقلنا: لا نسلم التغير في الوضع، بل غايته صرف اللفظ عما اقتضاه في جهة إطلاقه إلى غيره بالقرينة كيف وإنه لو صح ما ذكروه، لم يكن ذلك من باب تخصيص العموم الذي نحن فيه\rوعن السؤال الرابع من وجهين: الاول: أنه مهما أخرج الشرط بعض الاحوال، فيلزم منه إخراج بعض الاعيان، وذلك أنه إذا قال أكرم بني تميم إن دخلوا داري فقد أخرج من لم يدخل الدار، الثاني أنه، وإن لم يخرج شيئا من الاعيان، ولكن لا نسلم انحصار التجوز في إخراج الاعيان، وما المانع من القول بالتجوز في إخراج بعض الاحوال مع عموم اللفظ بالنسبة إليها ؟ وعن السؤال الخامس، لا نسلم أن المستبقى، وإن كان جمعا غير منحصر، أنه يكون عاما إذا لم يكن مستغرقا للجنس وإن سلمنا عمومه، غير أنه بعض مدلول اللفظ العام المخصص، وإذا كان بعضا منه لزم أن يكون صرف اللفظ إليه مجازا لما ذكرناه من الدليل.","part":2,"page":231},{"id":527,"text":"المسألة الخامسة اختلف القائلون بالعموم في صحة الاحتجاج به بعد التخصيص فيما بقي، فأثبته الفقهاء مطلقا، وأنكره عيسى بن أبان وأبو ثور مطلقا، ومنهم من فصل: ثم اختلف القائلون بالتفصيل: فقال البلخي إن خص بدليل متصل كالشرط والصفة والاستثناء، فهو حجة، وإن خص بدليل منفصل، فليس بحجة.\rوقال أبو عبد الله البصري: إن كان المخصص قد منع من تعلق الحكم بالاسم العام، وأوجب تعلقه بشرط لا ينبئ عنه الظاهر، لم يجز التعلق به، كما في قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5) المائدة: 38) فإن قيام الدلالة على اعتبار الحرز ومقدار المسروق مانع من تعلق الحكم بعموم اسم السارق، وموجب لتعلقه بشرط لا ينبئ عنه ظاهر اللفظ.\rوإن كان المخصص لم يمنع من تعلق الحكم الاسم العام، فهو حجة، كقوله\rتعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) فإن قيام الدلالة على المنع من قتل الذمي غير مانع من تعلق الحكم باسم المشركين.\rوقال القاضي عبد الجبار: إن كان العام المخصوص، لو تركنا وظاهره من دون التخصيص، كنا نمتثل ما أريد منا، ونضم إليه ما لم يرد منا، صح الاحتجاج به، وذلك كقوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * المخصص بأهل الذمة، وإن كان العام بحيث لو تركنا وظاهره من غير تخصيص، لم يمكنا امتثال ما أريد منا دون بيان، فلا يكون حجة، وذلك كقوله تعالى: * (أقيموا الصلاة) * (2) البقرة: 43) فإنا لو تركنا والآية، لم يمكنا امتثاله ما أريد منا من الصلاة الشرعية قبل تخصيصه بالحائض، فكذلك بعد التخصيص.","part":2,"page":232},{"id":528,"text":"ومن الناس من قال إنه يكون حجة في أقل الجمع، ولا يكون حجة فيما زاد على ذلك.\rواتفق الكل على أن العام، لو خص تخصيصا مجملا، فإنه لا يبقى حجة، كما لو قال اقتلوا المشركين إلا بعضهم.\rوالمختار صحة الاحتجاج به فيما وراء صور التخصيص وقد احتج بعض الاصحاب على ذلك بأن قال: اللفظ العام كان متناولا للكل بالاجماع، فكونه حجة في كل قسم من أقسام ذلك الكل إما أن يكون موقوفا على كونه حجة في القسم الآخر، أو على كونه حجة في الكل، أو لا يتوقف على واحد منهما: فإن كان الاول، فهو باطل، لانه إن كان كونه حجة في كل واحد من الاقسام مشروطا بكونه حجة في القسم الآخر فهو دور ممتنع، وإن كان كونه حجة في بعض الاقسام مشروطا بكونه حجة في قسم آخر، ولا عكس، فكونه حجة في ذلك القسم الآخر يبقى بدون كونه حجة في القسم المشروط وليس بعض الاقسام بذلك أولى من البعض مع تساوي نسبة اللفظ العام إلى كل أقسامه.\rوإن كان الثاني، فهو أيضا باطل لان كونه حجة في الكل يتوقف على كونه حجة في كل واحد من تلك الاقسام، لان الكل لا يتحقق إلا عند تحقق جميع الافراد، وذلك أيضا دور ممتنع.\rوإذا بطل القسمان، ثبت كونه حجة في كل واحد من الاقسام من غير توقف على كونه حجة في القسم الآخر، ولا على الكل، ثبت كونه حجة في البعض المستبقى، وإن لم يبق حجة في غيره.\rوهذه الحجة مع طولها ضعيفة جدا، إذ لقائل أن يقول: ما المانع من صحة توقف الاحتجاج به في كل واحد من الاقسام على الآخر، أو على الكل مع التعاكس.\rقوله: إنه دور ممتنع متى يكون ذلك ممتنعا إذا كان التوقف توقف معية أو توقف تقدم ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rولكن لم قلت بأن التوقف هاهنا بجهة التقدم.\rولا يخفى أن بيان ذلك مما لا سبيل إليه.","part":2,"page":233},{"id":529,"text":"والمعتمد في ذلك الاجماع، والمعقول.\rأما الاجماع فهو أن فاطمة، رضي الله عنها، احتجت على أبي بكر في ميراثها من أبيها بعموم قوله تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم) * (4) النساء: 11) الآية، مع أنه مخصص بالكافر والقاتل، ولم ينكر أحد من الصحابة صحة احتجاجها مع ظهوره وشهرته، بل عدل أبو بكر في حرمانها إلى الاحتجاج بقوله، (ص): نحن معاشر الانبياء لا نورث، ما تركناه صدقة.\rوأيضا فإن عليا، عليه السلام، احتج على جواز الجمع بين الاختين في الملك بقوله تعالى: * (أو ما ملكت أيمانكم) * (4) النساء: 3) مع كونه مخصصا بالاخوات والبنات، وكان ذلك مشهورا فيما بين الصحابة ولم يوجد له نكير، فكان إجماعا.\rوأيضا، فإن ابن عباس احتج على تحريم نكاح المرضعة بعموم قوله تعالى: * (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) * (4) النساء: 23) وقال: قضاء الله أولى من قضاء ابن الزبير، مع\rأنه مخصوص لكون الرضاع المحرم متوقفا على شروط وقيود، فليس كل مرضعة محرمة، ولم ينكر عليه منكر صحة احتجاجه به، فكان إجماعا.","part":2,"page":234},{"id":530,"text":"وأما المعقول فهو أن العام قبل التخصيص حجة في كل واحد من أقسامه إجماعا.\rوالاصل بقاء ما كان قبل التخصيص بعده إلا أن يوجد له معارض.\rوالاصل عدمه.\rفإن قيل: لو كان حجة في الباقي بعد التخصيص، لم يخل إما أن يدل عليه حقيقة أو تجوزا، لا جائز أن يقال بالاول، إذ يلزم منه أن يكون اللفظ مشتركا بينه وبين الاستغراق ضرورة اتفاق القائلين بالعموم على كونه حقيقة في الاستغراق، والاشتراك على خلاف الاصل.\rوإن كان مجازا، فيمتنع الاحتجاج به لثلاثة أوجه.\rالاول: أن المجاز فيما وراء صورة التخصيص متردد بين اقل الجمع وما عدا صورة التخصيص، ويمتنع الحمل على الكل لما فيه من تكثير جهات التجوز، وليس حمله على أحد المجازين أولى من الآخر، لعدم دلالة اللفظ عليه، فكان مجملا.\rالثاني: أن المجاز ليس بظاهر، وما لا يكون ظاهرا لا يكون حجة.\rالثالث: أن العام بعد التخصيص ينزل منزلة قوله: اقتلوا المشركين إلا بعضهم والمشبه به ليس بحجة، فكذلك المشبه سلمنا أنه حجة، لكن في أقل الجمع، أو فيما عدا صورة التخصيص ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع.\rوذلك لان الحمل على أقل الجمع متيقن، بخلاف الحمل على ما زاد عليه، فإنه مشكوك فيه، فكان حجة في المتيقن.\rوالجواب عن السؤال الاول من جهة الاجمال، والتفصيل: أما الاجمال، فهو أن اللفظ العام حجة في كل واحد من أقسامه، قبل التخصيص إجماعا، وهو إما أن يكون دالا عليه حقيقة، أو مجازا، ضرورة، وكل ما ذكروه من الاشكالات تكون لازمة، ومع ذلك فهو حجة، والعذر يكون متحدا.\rوأما التفصيل، فنقول: ما المانع أن يكون مشتركا ؟ قولهم: الاشتراك على خلاف الاصل، قلنا إنما يكون خلاف الاصل، أن لو لم يكن من قبيل الاسماء العامة، وليس كذلك على ما يأتي عن قرب إن شاء الله تعالى.\rوإن سلمنا أنه ليس مشتركا، فما المانع من التجوز ؟","part":2,"page":235},{"id":531,"text":"قولهم إنه مجمل لتردده بين جهات التجوز.\rقلنا: يجب اعتقاد ظهوره في بعضها نفيا للاجمال عن الكلام، إذ هو خلاف الاصل، ثم متى يكون كذلك إذا كان حمله على ما عدا صورة التخصيص مشهورا، أو إذا لم يكن ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rوبيان اشتهاره ما نقل عن الصحابة من علمهم بالعمومات المخصصة فيما وراء صورة التخصيص نقلا شائعا ذائعا سلمنا أنه غير مشهور فيه، ولكن يجب حمل اللفظ بعد التخصيص عليه، لانه أولى من حمله على أقل الجمع لثلاثة أوجه.\rالاول: لكونه معينا، وكون أقل الجمع مبهما في الجنس.\rوالثاني: إن حمله عليه بتقدير أن يكون المراد من اللفظ أقل الجمع غير مخل بمراد المتكلم، وحمله على أقل الجميع بتقدير أن يكون المراد من اللفظ ما عدا صورة التخصيص مخل بمراد المتكلم، فكان الحمل عليه أولى.\rوالثالث: إنه أقرب إلى الحقيقة، فكان أولى.\rقولهم: المجاز ليس بظاهر إن أرادوا به أنه ليس حقيقة فمسلم، ولكن لا يدل ذلك على أنه لا يكون حجة، إلا أن تكون الحجة منحصرة في الحقيقة، وهو محل النزاع وإن أرادوا به أنه لا يكون حجة، فهو محل النزاع.\rقولهم إنه ينزل منزلة قوله: اقتلوا المشركين إلا بعضهم ليس كذلك فإن الخارج عن العموم، إذا كان مجهولا، تعذر العمل بالعموم مطلقا، لان العمل به في أي واحد قدر لا يؤمن معه أن يكون هو المستثنى، بخلاف ما إذا كان الخارج معينا.\rوعن السؤال الثاني بما ذكرناه من الترجيحات السابقة.","part":2,"page":236},{"id":532,"text":"المسألة السادسة إذا ورد خطاب جوابا لسؤال سائل داع إلى الجواب، فالجواب إما أن يكون غير مستقل بنفسه دون السؤال، أو هو مستقل: فإن كان الاول، فهو تابع للسؤال في عمومه وخصوصه: أما في عمومه، فمن غير خلاف، وذلك كما روي عن النبي، (ص)، أنه سئل عن بيع الرطب التمر، فقال: أينقص الرطب إذا يبس ؟ قالوا: نعم.\rقال: فلا إذا.\rوأما في خصوصه فكما لو سأله سائل، وقال: توضأت بماء البحر.\rفقال له: يجزئك فهذا وأمثاله، وإن ترك فيه الاستفصال مع تعارض الاحوال، لا يدل على التعميم في حق الغير، كما قاله الشافعي، رضي الله عنه، إذ اللفظ لا عموم له.\rولعل الحكم على ذلك الشخص كان لمعنى يختص به، كتخصيص أبي بردة في الاضحية بجذعة من المعز، وقوله له تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك، وتخصيصه خزيمة بقبول شهادته وحده، وبتقدير تعميم المعنى الجالب للحكم، فالحكم في حق غيره إن ثبت فبالعلة المتعدية، لا بالنص.\rوأما إن كان الجواب مستقلا بنفسه دون السؤال، فإما أن يكون مساويا للسؤال، أو أعم منه، أو أخص.","part":2,"page":237},{"id":533,"text":"فإن كان مساويا له، فالحكم في عمومه وخصوصه عند كون السؤال عاما أو خاصا، فكما لو لم يكن مستقلا ومثاله عند كون السؤال خاصا سؤال الاعرابي عن وطئه في نهار رمضان وقوله (ص): اعتق رقبة ومثاله عند كون السؤال عاما ما روي عن النبي (ص)، أنه سئل، فقيل له إنا\rنركب البحر على أرماث لنا، وليس معنا من الماء العذب ما يكفينا، أفنتوضأ بما البحر ؟ فقال (ص): البحر هو الطهور.\rوأما إن كان الجواب أخص من السؤال، فالجواب يكون خاصا، ولا يجوز تعديه الحكم من محل التنصيص إلى غيره إلا بدليل خارج عن اللفظ، إذ اللفظ لا عموم له، كما سبق تقريره، بل وفي هذه الصورة الحكم بالخصوص أولى من القول به، فيما إذا كان السؤال خاصا، والجواب مساويا له، حيث إنه هاهنا عدل عن مطابقة سؤال السائل بالجواب مع دعوى الحاجة إليه، بخلاف تلك الصورة، فإنه طابق بجوابه سؤال السائل.\rوأما إن كان الجواب أعم من السؤال، فإما أن يكون أعم من السؤال في ذلك الحكم لا غير، كسؤاله، (ص)، عن ماء بئر بضاعة، فقال: خلق الماء طهورا، لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه أو أنه أعم من السؤال في غير ذلك الحكم، كسؤاله، (ص)، عن التوضئ بماء البحر، فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته","part":2,"page":238},{"id":534,"text":"فإن كان من القسم الثاني، فلا خلاف في عمومه في حل ميتته، لانه عام مبتدأ به، لا في معرض الجواب، إذ هو غير مسؤول عنه، وكل عام ورد مبتدأ بطريق الاستقلال، فلا خلاف في عمومه عند القائلين بالعموم.\rوأما إن كان من القسم الاول، فمذهب أبي حنيفة والجم الغفير أنه عام، وأنه لا يسقط عمومه بالسبب الذي ورد عليه، والمنقول عن الشافعي، رضي الله عنه، ومالك والمزني وأبي ثور خلافه.\rوعلى هذا يكون الحكم فيما إذا ورد العام على سبب خاص لا تعلق له بالسؤال، كما روي عنه، (ص) أنه مر بشاة ميمونة، وهي ميتة، فقال، (ص): أيما إهاب دبغ فقد طهر.\rوالمختار إنما هو القول بالتعميم إلى أن يدل الدليل على التخصيص.\rودليله أنه لو عري اللفظ الوارد عن السبب كان عاما، وليس ذلك إلا لاقتضائه للعموم بلفظه، لا لعدم السبب، فإن عدم السبب لا مدخل له في الدلالات اللفظية، ودلالة العموم لفظية، وإذا كانت دلالته على العموم مستفادة من لفظه، فاللفظ وارد مع وجوب السبب، حسب وروده مع عدم السبب، فكان مقتضيا للعموم، ووجود السبب لو كان، لكان مانعا من اقتضائه للعموم، وهو ممتنع لثلاثة أوجه: الاول: أن الاصل عدم المانعية، فمدعيها يحتاج إلى البيان.\rالثاني: أنه لو كان مانعا من الاقتضاء للعموم، لكان تصريح الشارع بوجوب العمل بعمومه، مع وجود السبب، إما إثبات حكم العموم مع انتفاء العموم، أو إبطال الدليل المخصص، وهو خلاف الاصل.\rالثالث: أن أكثر العمومات وردت على أسباب خاصة، فآية السرقة نزلت في سرقة المجن أو رداء صفوان، وآية الظهار نزلت في حق سلمة بن صخر، وآية اللعان نزلت في حق هلال بن أمية، إلى غير ذلك.\rوالصحابة عمموا أحكام هذه","part":2,"page":239},{"id":535,"text":"الآيات من غير نكير، فدل على أن السبب غير مسقط للعموم، ولو كان مسقطا للعموم لكان إجماع الامة على التعميم خلاف الدليل ولم يقل أحد بذلك.\rفإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على اختصاص العموم بالسبب، وبيانه من ستة أوجه: الاول: أنه لو لم يكن المراد بيان حكم السبب لا غير، بل بيان القاعدة العامة، لما أخر البيان إلى حالة وقوع تلك الواقعة، واللازم ممتنع.\rوإذا كان المقصود إنما هو بيان حكم السبب الخاص، وجب الاقتصار عليه.\rالثاني: أنه لو كان الخطاب عاما، لكان جوابا وابتداء، وقصد الجواب والابتداء متنافيان.\rالثالث: أنه لو كان الخطاب مع السبب عاما، لجاز إخراج السبب عن العموم بالاجتهاد، كما في غيره من الصور الداخلة تحت العموم ضرورة تساوي نسبة العموم إلى الكل، وهو خلاف الاجماع.\rالرابع: أنه لو لم يكن للسبب مدخل في التأثير، لما نقله الراوي لعدم فائدته.\rالخامس: أنه لو قال القائل لغيره تغدى عندي فقال لا والله لا تغديت فإنه، وإن كان جوابا عاما، فمقصور على سببه، حتى إنه لا يحنث بغدائه عند غيره، ولولا أن السبب يقتضي التخصيص، لما كان كذلك.\rالسادس: أنه إذا كان السؤال خاصا، فلو كان الجواب عاما، لم يكن مطابقا للسؤال، والاصل المطابقة لكون الزيادة عديمة التأثير فيما تعلق به غرض السائل.\rوالجواب عن المعارضة الاولى أنها مبنية على وجوب رعاية الغرض والحكمة في أفعال الله، وهو غير مسلم، وإن كان ذلك مسلما، لكن لا مانع من اختصاص إظهار الحكم عند وجود السبب لحكمة استأثر الرب تعالى بالعلم بها دون غيره،","part":2,"page":240},{"id":536,"text":"ثم يلزم مما ذكروه أن تكون العمومات الواردة على الاسباب الخاصة مما ذكرناه مختصة بأسبابها، وهو خلاف الاجماع.\rوعن الثانية أنه إن أريد بالتنافي بين الجواب والابتداء امتناع ذكره، لحكم السبب مع غيره، فهو محل النزاع، وإن أرادوا غير ذلك، فلا بد من تصويره.\rوعن الثالثة أنه لا خلاف في كون الخطاب ورد بيانا لحكم السبب، فكان مقطوعا به فيه، فلذلك امتنع تخصيصه بالاجتهاد، بخلاف غيره، فإن تناوله له ظني، وهو ظاهر فيه، فلذلك جاز إخراجه عن عموم اللفظ بالاجتهاد، وما نقل عن أبي حنيفة من أنه كان يجوز إخراج السبب عن عموم اللفظ بالاجتهاد، حتى أنه أخرج الامة المستفرشة عن عموم قوله عليه السلام: الولد للفراش ولم يلحق\rولدها بمولاها، مع وروده في وليد زمعة.\rوقد قال عبد الله بن زمعة: هو أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه.\rفلعله فعل ذلك لعدم اطلاعه على ورود الخبر على ذلك السبب.\rوعن الرابعة أن فائدة نقل السبب امتناع إخراجه عن العموم بطريق الاجتهاد ومعرفة أسباب التنزيل.\rوعن الخامسة أن الموجب للتخصيص بالسبب في الصورة المستشهد بها عادة أهل العرف بعضهم مع بعض، ولا كذلك في الاسباب الخاصة بالنسبة إلى خطاب الشارع بالاحكام الشرعية.\rوعن السادسة إن أرادوا بمطابقة الجواب للسؤال الكشف عنه وبيان حكمه، فقد وجد، وإن أرادوا بذلك أن لا يكون بيانا لغير ما سئل عنه، فلا نسلم أنه الاصل.\rويدل على ذلك أن النبي، (ص)، لما سئل عن التوضؤ بماء البحر فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته، تعرض لحل الميتة ولم يكن مسؤولا عنها.\rولو كان الاقتصار على نفس المسؤول عنه هو الاصل، لكان بيان النبي، (ص)، لحل الميتة على خلاف الاصل، وهو بعيد.","part":2,"page":241},{"id":537,"text":"المسألة السابعة اختلف العلماء في اللفظ الواحد من متكلم واحد في وقت واحد إذا كان مشتركا بين معنيين، كالقرء للطهر، والحيض، أو حقيقة في أحدهما، مجازا في الآخر، كالنكاح المطلق على العقد، والوطئ ولم تكن الفائدة فيهما واحدة، هل يجوز أن يراد به كلا المعنيين معا، أو لا ؟ فذهب الشافعي والقاضي أبو بكر وجماعة من أصحابنا وجماعة من مشايخ المعتزلة، كالجبائي والقاضي عبد الجبار وغيرهم، إلى جوازه، بشرط أن لا يمتنع\rالجمع بينهما، وذلك كاستعمال صيغة (افعل) في الامر بالشئ والتهديد عليه، غير أن مذهب الشافعي أنه مهما تجرد ذلك اللفظ عن القرينة الصارفة له إلى أحد معنييه، وجب حمله على المعنيين، ولا كذلك عند من جوز ذلك من مشايخ المعتزلة.\rوذهب جماعة من أصحابنا وجماعة من المعتزلة، كأبي هاشم وأبي عبد الله البصري وغيرهما، إلى المنع من جواز ذلك مطلقا.\rوفصل أبو الحسين البصري والغزالي، فقالا: يجوز ذلك بالنظر إلى الارادة دون اللغة.\rوعلى هذا النحو من الخلاف في اللفظ المفرد، اختلفوا في جمعه، كالاقراء التي هي جمع قرء، هل يجوز حمله على الحيض والاطهار معا، وسواء كان إثباتا، كما لو قيل للمرأة: اعتدي بالاقراء أو نفيا كما لو قيل لها: لا تعتدى بالاقراء.\rوذلك لان جمع الاسم يفيد جمع ما اقتضاه الاسم، فإن كان الاسم متناولا لمعنييه، كان الجمع كذلك، وإن كان لا يفيد سوى أحد المعنيين، فكذلك أيضا جمعه.\rوالحجاج فيه متفرع على الحجاج في المفرد.\rوربما قال بالتعميم في طرف النفي، كان فردا أو جمعا، بعض من قال بنفيه في طرف الاثبات، ولهذا قال أبو الحسين البصري: وفيه بعض الاشتباه، إذ يجوز أن يقال بنفي الاعتداد بالحيض والطهر معا.\rوالحق أن النفي لما اقتضاه الاثبات، فإن كان مقتضى الاثبات الجمع، فكذلك النفي، وإن كان مقتضاه أحد الامرين، فكذلك النفي.\rوإذ أتينا على بيان اختلاف المذاهب بالتفصيل، فلنعد إلى طرف الحجاج.\rوقد احتج القائلون بجواز التعميم.","part":2,"page":242},{"id":538,"text":"أما في إمكان إرادة الامرين باللفظ الواحد، فهو أنا لو قدرنا عدم التكلم بلفظ القرء، لم يمنع الجمع بين إرادة الاعتداد بالحيض وإرادة الاعتداد بالطهر، فوجود اللفظ لا يحيل ما كان جائزا وكذلك الكلام في إرادة الجمع بين الحقيقة والمجاز.\rوأما بالنظر عند الوقوع لغة، فقوله تعالى: * (إن الله وملائكته يصلون على النبي) * (33) الاحزاب: 56)\rوالصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الدعاء والاستغفار، وهما معنيان مختلفان، وقد أريدا بلفظ واحد.\rوأيضا قوله تعالى: * (ألم تر أن الله يسجد له من في السموات، ومن في الارض، والشمس والقمر) * (22) الحج: 18:) إلى آخر الآية، وسجود الناس غير سجود غير الناس، وقد أريدا بلفظ واحد.\rواحتجوا أيضا بأن سيبويه قال: قول القائل لغيره الويل لك خبر ودعاء، فقد جعله مع اتحاده مفيدا لكلا الامرين.\rاعترض النافون، أما على إرادة إنكار الجمع بين المسميين فهو أن المتكلم إذا استعمل الكلمة الواحدة في حقيقتها ومجازها معا، كان مريدا لاستعمالها فيما وضعت له ومريدا للعدول بها عما وضعت له، وهو محال.\rوأيضا فإن المستعمل للكلمة فيما هي مجاز فيه، لا بد وأن يضمر فيها كاف التشبيه، والمستعمل لها في حقيقتها لا بد وأن لا يضمر فيها ذلك: والجمع بين الاضمار وعدمه في الكلمة الواحدة محال.\rهذا ما يخص الاسم المجازي، وأما ما يخص الاسم المشترك فهو أن اللفظ المشترك موضوع في اللغة لاحد أمرين مختلفين على سبيل البدل، ولا يلزم من ذلك أن يكون موضوعا لهما على الجمع، إذ المغايرة بين المجموع وبين كل واحد من أفراده واقعة بالضرورة، والمساواة بينهما في جميع الاحكام، غير لازمة وعلى هذا، فلا يلزم من كون كل واحد من المفردين مسمى باسم تسمية المجموع به، وعند ذلك فالواضع إذا وضع لفظا لاحد مفهومين على سبيل البدل، فإن لم يكن قد وضعه لمجموعهما، فاستعماله في المجموع استعمال اللفظ في غير ما وضع له، وهو ممتنع.\rوإن كان قد وضعه له، فإما أن يستعمل اللفظ لافادة المجموع وحده، أو لافادته مع إفادة الافراد.\rفإن كان الاول لم يكن اللفظ مفيدا لاحد مفهوماته، لان الواضع إن كان","part":2,"page":243},{"id":539,"text":"قد وضعه بإزاء أمور ثلاثة على البدل، واحدها ذلك المجموع، فاستعمال اللفظ فيه\rوحده لا يكون استعمالا للفظ في جميع مفهوماته.\rوإن استعمله في إفادة المجموع والافراد على الجمع، فهو محال لان إفادة الجموع معناها أن الاكتفاء لا يحصل إلا به، وإفادته للمفرد معناها أنه يحصل الاكتفاء بكل واحد منها، وهو جمع بين النقيضين، وهو محال، فلا يكون اللفظ المشترك من حيث هو مشترك ممكن الاستعمال في إفادة مفهوماته جملة.\rوأما على دليل الوقوع لغة، أما النص الاول، فقد قال الغزالي فيه إن لفظ الصلاة المطلق على صلاة الله تعالى والملائكة إنما هو باعتبار اشتراكهما في معنى العناية بأمر الرسول (ص)، إظهارا لشرفه وحرمته، فهو لفظ متواطئ لا مشترك، وكذلك لفظ السجود في الآية الاخرى، فإن مسماه إنما هو القدر المشترك من معنى الخضوع لله تعالى، والدخول تحت تسخيره وإرادته.\rوقال أبو هاشم: وإن سلم اختلاف المسمى وإرادتهما بلفظ واحد، فلا يبعد أن يقال إن ذلك من قبيل ما نقلته الشريعة من الاسماء اللغوية إلى غير معانيها في اللغة.\rفأما قول سيبويه، فإنه وإن دل على أن العرب وضعت قوله الويل لك للخبر والدعاء معا، فليس فيه ما يدل على أن كل الالفاظ المشتركة، أو الالفاظ التي هي حقيقة في شئ ومجاز في شئ، موضوعة للجمع.\rكيف وإن قول سيبويه لا يدل على كون ذلك القول مستعملا في الخبر والدعاء معا، بل جاز أن يكون موضوعا للخبر، وهو مستعمل في الدعاء مجازا، معا.\rأجاب المثبتون عن الاعتراض الاول على الامكان بمنع أن المستعمل للفظة في حقيقتها ومجازها مريد لاستعمالها فيما وضعت له، ومريد للعدول بها عما وضعت له، بل هو مريد لما وضعت له حقيقة، ولما لم توضع له حقيقة.\rوعن الثاني أن إضمار التشبيه وعدمه في الكلمة الواحدة إنما يمتنع بالنسبة إلى شئ واحد، وأما بالنسبة إلى شيئين فلا، كيف وإن ذلك لا يطرد في كل مجاز.","part":2,"page":244},{"id":540,"text":"وعن الثالث أنه مبني على أن الاسم المشترك موضوع لاحد مسمياته على سبيل البدل حقيقة، وليس كذلك عند الشافعي والقاضي أبي بكر، بل هو حقيقة في المجموع، كسائر الالفاظ العامة، ولهذا فإنه إذا تجرد عن القرينة عندهما، وجب حمله على الجميع، وإنما فارق باقي الالفاظ العامة من جهة تناوله لاشياء لا تشترك في معنى واحد يصلح أن يكون مدلولا للفظ، بخلاف باقي العمومات، فنسبه اللفظ المشترك في دلالته إلى جملة مدلولاتها وإلى أفرادها، كنسبة غيره من الالفاظ العامة إلى مدلولاتها جملة وإفرادا.\rوعلى هذا، فقد بطل كل ما قيل من التقسيم المبني على أن اللفظ المشترك موضوع لاحد مسمياته على طريق البدل حقيقة، ضرورة كونه مبنيا عليه، وإنما هو لازم على مشايخ المعتزلة المعتقدين كون اللفظ المشترك موضوعا لاحد مسمياته حقيقة على طريق البدل.\rفإن قيل: وإن كان اللفظ المشترك حقيقة في الجمع، فلا خفاء بجواز استعماله في آحاد مدلولاته عند ظهور القرينة عند الشافعي والقاضي أبي بكر، وسواء كان ذلك حقيقة أو مجازا.\rوعند ذلك فاستعماله في المجموع، وإن كان على وجه لا يدخل فيه الافراد، فإن كان اللفظ حقيقة في الافراد، فاللفظ يكون مشتركا، ولم يدخل فيه جميع مسمياته، وإن كان مجازا، فلم تدخل فيه الحقيقة وا لمجاز معا، وهو خلاف مذهبكم، وإن كان على وجه يدخل فيه الافراد، فهو محال، لان إفادته للمجموع معناها أن الاكتفاء لا يحصل إلا به، وإفادته للافراد معناها أنه يحصل الاكتفاء بكل واحد منها، وهو جمع بين النقيضين كما سبق.\rقلنا: استعماله في الافراد متى يكون معناه الاكتفاء بها إذا كانت داخلة في المجموع، أو إذا لم تكن داخلة فيه ؟ والاول ممنوع، بل معنى استعماله فيها أنه لا بد\rمنها.\rوالثاني مسلم، ولا يلزم منه التناقض على كلا التقديرين، أما على تقدير العمل باللفظ في آحاد أفراده مع الاقتصار عند ظهور القرينة، فلان الجملة غير مشترطة في","part":2,"page":245},{"id":541,"text":"الاكتفاء، وأما عند كون الافراد داخلة في مسمى الجملة، فلانها لا بد منها، لا بمعنى أنه يكتفى بها.\rفإن قيل: وإذا كانت الافراد داخلة في مسمى الجملة، فليس للفظ عليها دلالة بجهة الحقيقة، ولا بجهة التجوز، بل بطريق الملازمة الذهنية، وليست دلالة لفظية ليلزم ما قيل.\rقلنا: لا خفاء بدخول الافراد في الجملة، فتكون مفهومة من اللفظ الدال على الجملة، فله عليها دلالة، وهي إما أن تكون بجهة الحقيقة، أو التجوز، لما سبق.\rوعن الاعتراض الاول على النصوص، أنه لو كان مسمى الصلاة هو القدر المشترك من الاعتناء، ومسمى السجود القدر المشترك من الخضوع، والانقياد، لاطرد الاسم باطرادهما، وليس كذلك، فإنه لا يسمى كل اعتناء بأمر صلاة، ولا كل خضوع وانقياد سجودا.\rوإن كان المسمى باسم الصلاة اعتناء خاصا، وبالسجود خضوعا خاصا فلا بد من تصويره وبيان الاشتراك فيه.\rفإن قيل: يجب اعتقاده، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ، فهو مبني على أن التجوز والاشتراك على خلاف الاصل، وإنما يكون كذلك إن لو تعذر الجمع، وهو محل النزاع.\rوعن اعتراض أبي هاشم أنه مبني على تحقيق الاسماء الشرعية ونقلها من موضوعاتها في اللغة، وهو باطل، على ما سبق من مذهب القاضي أبي بكر.\rوعن الاعتراض على قول سيبويه: أما الاول فلانه إنما يلزم أن لو كان الاستدلال بقول سيبويه على أن كل لفظ مشترك أو مجاز يجب أن يكون موضوعا لمجموع مسمياته، وليس كذلك، بل إنما قصد به بيان الوقوع لا غير.\rوأما الثاني فلانه لا انفكاك في قوله الويل لك عن الخبر والدعاء، واللفظ\rواحد، ولا معنى لاستعماله فيهما، سوى فهمهما منه عند إطلاقه.","part":2,"page":246},{"id":542,"text":"المسألة الثامنة نفي المساواة بين الشيئين، كما في قوله تعالى: * (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) * (59) الحشر: 20) يقتضي نفي الاستواء في جميع الامور عند أصحابنا القائلين بالعموم، خلافا لابي حنيفة، فإنه قال: إذا وقع التفاوت، ولو من وجه واحد، فقد وفى بالعمل بدلالة اللفظ.\rحجة أصحابنا أنه إذا قال القائل لا مساواة بين زيد وعمرو فالنفي داخل على مسمى المساواة، فلو وجدت المساواة من وجه، لما كان مسمى المساواة منتفيا، وهو خلاف مقتضى اللفظ.\rفإن قيل الاستواء ينقسم إلى الاستواء من كل وجه، وإلى الاستواء من بعض الوجوه، ولهذا يصدق قول القائل استوى زيد وعمرو عند تحقق كل واحد من الامرين.\rوالاستواء مطلقا أعم من الاستواء من كل وجه، ومن وجه دون وجه، والنفي إنما دخل على الاستواء الاعم، فلا يكون مشعرا بأحد القسمين الخاصين.\rوأيضا فإنه لا يكفي في إطلاق لفظ المساواة الاستواء من بعض الوجوه، وإلا لوجب إطلاق لفظ المتساويين على جميع الاشياء لانه ما من شيئين إلا ولا بد من استوائهما في أمر ما، ولو في نفي ما سواهما عنهما.\rولو صدق ذلك وجب أن يكذب عليه غير المساوي لتناقضهما عرفا.\rولهذا، فإن من قال هذا مساو لهذا فمن أراد تكذيبه قال لا يساويه والمتناقضان لا يصدقان معا، ويلزم من ذلك أن لا يصدق على شيئين أنهما غير متساويين، وذلك باطل، فعلم أنه لا بد في اعتبار المساواة من التساوي من كل وجه.\rوعند ذلك، فيكفي في نفي المساواة نفي الاستواء من بعض الوجوه، لان نقيض الكلي الموجب، جزئي سالب، فثبت\rأن نفي المساواة لا يقتضي نفي المساواة من كل وجه.\rوأيضا فإنه لو كان نفي المساواة يقتضي نفي المساواة من كل وجه، لما صدق نفي المساواة حقيقة على شيئين أصلا، لانه ما من شيئين إلا وقد استويا في أمر ما كما سبق.\rوهو على خلاف الاصل، إذ الاصل في الاطلاق الحقيقة دون المجاز.","part":2,"page":247},{"id":543,"text":"والجواب عن الاول أن ذكر الاعم متى لا يكون مشعرا بالاخص، إذا كان ذلك في طرف الاثبات أو النفي ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع.\rولهذا، فإنه لو قال القائل ما رأيت حيوانا وكان قد رأى إنسانا أو غيره من أنواع الحيوان، فإنه يعد كاذبا.\rوعن الثاني، لا نسلم أنه لا يكفي في إطلاق لفظ المساواة التساوي من بعض الوجوه.\rقولهم: لو كفى ذلك، لوجب إطلاق لفظ المتساويين على جميع الاشياء لما قرر، مسلم.\rقولهم: يلزم من ذلك أن يكذب عليه غير المساوي، وهو باطل بما قرر.\rفهو مقابل بمثله، وهو أن يقال: لا يكفي في إطلاق نفي المساواة نفي المساواة من بعض الوجوه، وإلا لوجب إطلاق نفي المساواة على كل شيئين، لانه ما من شيئين إلا وقد تفاوتا من وجه، ضرورة تعينهما، ولو صدق ذلك لوجب أن يكذب عليه المساوي لتناقضهما عرفا.\rولهذا، فإن من قال هذا غير مساو لهذا فمن أراد تكذيبه قال إنه مساو له والمتناقضان لا يصدقان معا.\rويلزم من ذلك أن لا يصدق على شيئين أنهما متساويان، وذلك باطل، فإنه ما من شيئين إلا ولا بد من استوائهما، ولو في نفي ما سواهما عنهما، فعلم أنه لا بد في اعتبار نفي المساواة من نفي المساواة من كل وجه.\rوعند ذلك فيكفي في إثبات المساواة المساواة من بعض الوجوه، لان نقيض الكلي السالب جزئي موجب.\rوفيه إبطال ما ذكر من عدم الاكتفاء في إطلاق لفظ المساواة بالمساواة من وجه.\rوإذا تقابل الامران سلم لنا ما ذكرناه أولا.\rوعن الثالث، لا نسلم صدق نفي المساواة مطلقا على ما وقع التساوي بينهما من وجه.\rقولهم: الاصل في الاطلاق الحقيقة، قلنا: إلا أن يدل الدليل على مخالفته.\rودليله ما ذكرناه.\rوفي معنى نفي المساواة قوله تعالى: * (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) *.","part":2,"page":248},{"id":544,"text":"المسألة التاسعة المقتضي، وهو ما أضمر ضرورة صدق المتكلم، لا عموم له، وذلك كما في قوله، (ص): رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فإنه أخبر عن رفع الخطإ والنسيان، ويتعذر حمله على حقيقته، لافضائه إلى الكذب في كلام الرسول، ضرورة تحقق الخطإ والنسيان في حق الامة، فلا بد من إضمار حكم يمكن نفيه، من الاحكام الدنيوية أو الاخروية، ضرورة صدقه في كلامه.\rوإذا كانت أحكام الخطإ والنسيان متعددة، فيمتنع إضمار الجميع، إذ الاضمار على خلاف الاصل، والمقصود حاصل بإضمار البعض، فوجب الاكتفاء به، ضرورة تقليل مخالفة الاصل.\rفإن قيل: ما ذكرتموه إنما يصح أن لو لم يكن لفظ الرفع دالا على رفع جميع أحكام الخطإ والنسيان، وليس كذلك، وبيانه أن قوله: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان يدل على رفعهما، مستلزما لرفع أحكامها.\rفإذا تعذر العمل به في نفي الحقيقة، تعين العمل به في نفي الاحكام.\rسلمنا أنه لا دلالة عليها وضعا، ولكن لم قلتم بأنه لا يدل عليها بعرف الاستعمال ؟ ولهذا يقال ليس للبلد سلطان، وليس له ناظر ولا مدبر.\rوالمراد به نفي الصفات.\rسلمنا أنه لا يدل عليها بعرف الاستعمال، غير أن اللفظ دال على رفع الخطإ والنسيان.\rفإذا تعذر ذلك، وجب إضمار جميع الاحكام لوجهين: الاول أنه يجعل وجود الخطإ والنسيان كعدمه،\rوالثاني أنه لا يخلو إما أن يقال بإضمار الكل أو البعض أو لا بإضمار شئ أصلا.\rوالقول بعدم الاضمار خلاف الاجماع، وليس إضمار البعض أولى من البعض، ضرورة تساوي نسبة اللفظ إلى الكل، فلم يبق سوى إضمار الجميع.\rوالجواب: عن الاول أن اللفظ إنما يستلزم نفي الاحكام بواسطة نفي حقيقة الخطإ والنسيان، فإذا لم يكن الخطأ والنسيان متيقنا، فلا يكون مستلزما لنفي الاحكام.","part":2,"page":249},{"id":545,"text":"وعن الثاني أن الاصل إنما هو العمل بالوضع الاصلي وعدم العرف الطارئ، فمن ادعاه يحتاج إلى بيانه.\rوما ذكروه من الاستشهاد بالصور، فلا نسلم صحة حملها على جميع الصفات وإلا لما كان السلطان موجودا ولا عالما ولا قادرا، ونحو ذلك من الصفات، وهو محال.\rوعن الثالث قولهم: إضمار جميع الاحكام يكون أقرب إلى المقصود من نفي الحقيقة.\rقلنا إلا أنه يلزم منه تكثير مخالفة الدليل المقتضي للاحكام، وهو وجود الخطإ والنسيان.\rقولهم ليس إضمار البعض أولى من البعض، إنما يصح أن لو قلنا بإضمار حكم معين، وليس كذلك، بل بإضمار حكم ما، والتعيين إلى الشارع.\rفإن قيل فيلزم من ذلك الاجمال في مراد الشارع، وهو على خلاف الاصل.\rقلنا: لو قيل بإضمار الكل لزم منه زيادة الاضمار وتكثير مخالفة الدليل كما سبق، وكل واحد منهم على خلاف الاصل.\rثم ما ذكرناه من الاصول إما أن تكون راجحة على ما ذكروه، أو مساوية له، أو مرجوحة.\rفإن كانت راجحة، لزم العمل بها.\rوإن كانت مساوية، فهو كاف لنا في هذا المقام في نفي زيادة الاضمار، وهما تقديران، وما ذكروه إنما يمكن التمسك به على تقدير كونه راجحا، ولا يخفى أن ما يتم التمسك به على تقديرين أرجح مما لا يمكن التمسك به إلا على تقدير واحد.","part":2,"page":250},{"id":546,"text":"المسألة العاشرة الفعل المتعدي إلى مفعول كقوله والله لا آكل، أو إن أكلت فأنت طالق هل يجري مجرى العموم بالنسبة إلى مفعولاته أم لا ؟ اختلفوا فيه: فأثبته أصحابنا والقاضي أبو يوسف، ونفاه أبو حنيفة.\rوتظهر فائدة الخلاف في أنه لو نوى به مأكولا معينا، قبل عند أصحابنا حتى إنه لا يحنث بأكل غيره، بناء على عموم لفظه له وقبول العام للتخصيص ببعض مدلولاته، ولا يقبل عند أبي حنيفة تخصيصه به، لان التخصيص من توابع العموم، ولا عموم.\rحجة أصحابنا، أما في طرف النفي، وذلك عند ما إذا قال والله لا أكلت أن قوله أكلت فعل يتعدى إلى المأكول ويدل عليه بوضعه وصيغته، فإذا قال لا أكلت فهو ناف لحقيقة الاكل من حيث هو أكل، ويلزم من ذلك نفيه بالنسبة إلى كل مأكول، وإلا لما كان نافيا لحقيقة الاكل من حيث هو أكل وهو خلاف دلالة لفظه.\rوإذا كان لفظه دالا على نفي حقيقة الاكل بالنسبة إلى كل مأكول، فقد ثبت عموم لفظه بالنسبة إلى كل مأكول، فكان قابلا للتخصيص.\rوأما في طرف الاثبات، وهو ما إذا قال إن أكلت فأنت طالق فلا يخفى أن وقوع الاكل المطلق يستدعي مأكولا مطلقا، لكونه متعديا إليه، والمطلق ما كان شائعا في جنس المقيدات الداخلة تحته، فكان صالحا لتفسيره وتقييده بأي منها كان، ولهذا لو قال الشارع أعتق رقبة صح تقييدها بالرقبة المؤمنة، ولو لم يكن للمطلق على المقيد دلالة، لما صح تفسيره به.\rفإن قيل: يلزم على ما ذكرتموه الزمان والمكان، فإن حقيقة الاكل لا تتم نفيا، ولا إثباتا، إلا بالنسبة إليهما، ومع ذلك، لو نوى بلفظه مكانا معينا، أو زمانا\rمعينا، فإنه لا يقبل.\rقلنا: لا نسلم ذلك وإن سلمنا فالفرق حاصل.\rوذلك لان الفعل، وهو قوله (أكلت) غير متعد إلى الزمان والمكان، بل هو من ضرورات الفعل، فلم يكن اللفظ","part":2,"page":251},{"id":547,"text":"دالا عليه بوضعه فلذلك لم يقبل تخصيص لفظه به، لان التخصيص عبارة عن حمل اللفظ على بعض مدلولاته، لا على غير مدلولاته، بخلاف المأكول على ما سبق.\rفإن قيل ؟ إذا قال إن أكلت فأنت طالق فالاكل الذي هو مدلول لفظه كلي مطلق، والمطلق لا إشعار له بالمخصص، فلا يصح تفسيره به.\rقلنا: المحلوف عليه ليس هو المفهوم من الاكل الكلي الذي لا وجود له إلا في الاذهان، وإلا لما حنث بالاكل الخاص، إذ هو غير المحلوف عليه، وهو خلاف الاجماع، فلم يبق إلا أن يكون المراد به أكلا مقيدا من جملة الاكلات المقيدة التي يمكن وقوعها في الاعيان أيا منها كان، وإذا كان لفظه لا إشعار له بغير المقيد صح تفسيره به، كما إذا قال أعتق رقبة وفسره بالرقبة المؤمنة، كما سبق.\rالمسألة الحادية عشرة الفعل، وإن انقسم إلى أقسام وجهات، فالواقع منه لا يقع إلا على وجه واحد منها، فلا يكون عاما لجميعها، بحيث يحمل وقوعه على جميع جهاته، وذلك كما روي عنه، عليه السلام، أنه صلى داخل الكعبة، فصلاته الواقعة يحتمل أنها كانت فرضا، ويحتمل أنها كانت نفلا، ولا يتصور وقوعها فرضا نفلا، فيمتنع الاستدلال بذلك على جواز الفرض والنفل في داخل الكعبة جميعا، إذ لا عموم للفعل الواقع بالنسبة إليهما، ولا يمكن تعيين أحد القسمين إلا بدليل.\rوأما ما روي عنه، (ص)، أنه صلى بعد غيبوبة الشفق، فالشفق اسم مشترك بين الحمرة والبياض، فصلاته يحتمل أنها وقعت بعد الحمرة، ويحتمل أنها وقعت بعد\rالبياض، فلا يمكن حمل ذلك على وقوع فعل الصلاة بعدهما، على رأي من لا يرى حمل اللفظ المشترك على جميع محامله، وإنما يمكن ذلك على رأي من يرى ذلك كما سبق تحقيقه.\rفإن قول الراوي، صلى بعد غيبوبة الشفق، ينزل منزلة قوله، صلى بعد الشفقين.","part":2,"page":252},{"id":548,"text":"وفي هذا المعنى أيضا قول الراوي كان النبي، (ص)، يجمع بين الصلاتين في السفر فإنه يحتمل وقوع ذلك في وقت الاولى، ويحتمل وقوعه في وقت الثانية: وليس في نفس وقوع الفعل ما يدل على وقوعه فيهما، بل في أحدهما.\rوالتعين متوقف على الدليل.\rوأما وقوع ذلك منه، (ص)، متكررا على وجه يعم سفر النسك وغيره، فليس أيضا في نفس وقوع الفعل ما يدل عليه، بل إن كان ولا بد، فاستفادة ذلك إنما هي من قول الراوي: كان يجمع بين الصلاتين.\rولهذا، فإنه إذا قيل كان فلان يكرم الضيف يفهم منه التكرار دون القصور على المرة الواحدة.\rوعلى هذا أيضا، يجب أن يعلم أن ما فعله النبي، (ص)، واجبا كان عليه أو جائزا له، لا عموم له بالاضافة إلى غيره، بل هو خاص في حقه، إلا أن يدل دليل من خارج على المساواة بينه وبين غيره في ذلك الفعل، كما لو صلى وقال صلوا كما رأيتموني أصلي أو غير ذلك.\rفإن قيل: فقد أجمعت الامة على تعميم سجود السهو في كل سهو، بما روي عنه، (ص)، أنه سها في الصلاة، فسجد، وكذلك اتفقوا على تعميم ما نقل عن عائشة أنها قالت كنت أفرك المني من ثوب رسول الله، (ص)، وهو في الصلاة في حق كل أحد، حتى إن الشافعي استدل بذلك على طهارة مني الآدمي، واستدل به أبو حنيفة على جواز الاقتصار على الفرك في حق غير النبي، مع حكمه بنجاسته.","part":2,"page":253},{"id":549,"text":"وكذلك إجماعهم على وجوب الغسل من التقاء الختانين بقول عائشة: فعلته أنا ورسول الله، (ص)، واغتسلنا وأيضا فإن النبي، (ص)، كان إذا سئل عن حكم، أجاب بما يخصه، وأحال معرفة ذلك على فعل نفسه.\rفمن ذلك لما سألته أم سلمة عن الاغتسال قال: أما أنا فأفيض الماء على رأسي ومن ذلك أنه لما سئل عن قبلة الصائم قال أنا أفعل ذلك ولولا أن للفعل عموما لما كان كذلك.\rقلنا: أما تعميم سجود السهو فإنه إنما كان لعموم العلة، وهي السهو، من حيث إنه رتب السجود على السهو بفاء التعقيب، وهو دليل العلة، كما يأتي ذكره، لا لعموم الفعل.\rوكذلك الحكم في قوله زنى ماعز فرجم وفي قوله رضخ يهودي رأس جارية، فرضخ رسول الله، (ص)، رأسه.\rوأما العمل بخبر عائشة في فرك المني، ووجوب الغسل من التقاء الختانين، وإفاضة الماء على الرأس، وقبلة الصائم، فكل ذلك مستند إلى القياس، لا إلى عموم الفعل لتعذره، كما سبق، والله أعلم.","part":2,"page":254},{"id":550,"text":"المسألة الثانية عشرة قول الصحابي: نهى رسول الله، (ص)، عن بيع الغرر، وقوله: قضى رسول الله، (ص)، بالشفعة للجار، ونحوه، اختلفوا في تعميمه لكل غرر، وكل جار.\rوالذي عليه معول أكثر الاصوليين أنه لا عموم له، لانه حكاية الراوي، ولعله رأى النبي، (ص)، قد نهى عن فعل خاص لا عموم له، فيه غرر، وقضى لجار مخصوص بالشفعة فنقل صيغة العموم لظنه عموم الحكم.\rويحتمل أنه سمع صيغة ظنها عامة، وليست عامة،\rويحتمل أنه سمع صيغة عامة.\rوإذا تعارضت الاحتمالات، لم يثبت العموم، والاحتجاج إنما هو بالمحكي لا بنفس الحكاية.\rولقائل أن يقول: وإن كانت هذه الاحتمالات منقدحة، غير أن الصحابي الراوي من أهل العدالة والمعرفة باللغة، فالظاهر أنه لم ينقل صيغة العموم، إلا وقد سمع صيغة لا يشك في عمومها، لما هو مشتمل عليه من الداعي الديني والعقلي المانع له من إيقاع الناس في ورطة الالتباس، واتباع ما لا يجوز اتباعه وبتقدير أن لا يكون قاطعا بالعموم، فلا يكون نقله للعموم إلا وقد ظهر له العموم، والغالب إصابته فيما ظنه ظاهرا فكان صدقه فيما نقله غالبا على الظن، ومهما ظن صدق الراوي فيما نقله عن النبي، (ص)، وجب اتباعه.","part":2,"page":255},{"id":551,"text":"المسألة الثالثة عشرة مذهب الشافعي، رضي الله عنه، أنه، إذا حكم النبي (ص)، بحكم في واقعة خاصة، وذكر علته، أنه يعم من وجدت في حقه تلك العلة، خلافا للقاضي أبي بكر.\rوذلك، كقوله (ص)، في حق أعرابي محرم وقصت به ناقته لا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيبا، فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا وكقوله، (ص) في قتلى أحد زملوهم بكلومهم ودمائهم، فإنهم يحشرون يوم القيامة، وأوداجهم تشخب دما وكما لو قال الشارع حرمت المسكر لكونه حلوا عم التحريم كل حلو.\rوالحق في ذلك أنه إن ادعى عموم الحكم نظرا إلى الصيغة الواردة، فهو باطل قطعا، كيف وإنه لو كان التنصيص على إثبات الحكم المعلل يقتضي بعمومه الحكم في كل محل وجدت فيه العلة، لكان للوكيل إذا قال له الموكل اعتق عبدي سالما لكونه أسود أن يعتق كل عبد أسود له، كما لو قال اعتق عبيدي السودان وليس كذلك بالاجماع.\rوإن قيل بالعموم، نظرا إلى الاشتراك في العلة، فهو الحق، ولا يلزم من التعميم في الحكم بالعلة المشتركة شرعا، مثله فيما إذا قال لوكيله اعتق عبدي سالما لكونه أسود إذ الوكيل إنما يتصرف بأمر الموكل لا بالقياس على ما أمره به.\rوعلى هذا، فالفائدة في ذكر العلة معرفة كون الحكم معللا، إلا أن يكون اللفظ الدال على الحكم عاما لغير محل التنصيص.\rوما يقوله القاضي أبو بكر من أنه يحتمل أن يكون النبي، (ص)، علل ذلك في حق الاعرابي بما علمه من موته مسلما مخلصا في عبادته محشورا ملبيا وقصت به ناقته، لا بمجرد إحرامه.\rوفي قتلى أحد بعلو درجتهم في الجهاد، وتحقق شهادتهم، لا بمجرد الجهاد.\rوفي تحريم المسكر لكونه حلوا مسكرا، وذلك كله غير معلوم في حق الغير.\rوإن كان ما ذكروه منقدحا، غير أنه على خلاف ما ظهر من تعليله، عليه السلام بمجرد الاحرام والجهاد، وترك ما ظهر من التعليل لمجرد الاحتمال ممتنع.","part":2,"page":256},{"id":552,"text":"المسألة الرابعة عشرة اختلفوا في دلالة المفهوم تفريعا على القول به: هل لها عموم أو لا ؟.\rوكشف الغطاء عن ذلك أن نقول: المفهوم ينقسم إلى مفهوم الموافقة، وهو ما كان حكم السكوت عنه موافقا لحكم المنطوق كما يأتي تحقيقه.\rفإن كان من قبيل مفهوم الموافقة، كما في تحريم ضرب الوالدين من تنصيصه على تحريم التأفيف لهما، فحكم التحريم، وإن كان شاملا للصورتين، لكن مع اختلاف جهة الدلالة، فثبوته في صورة النطق بالمنطوق، وفي صورة السكوت بالمفهوم، فلا المنطوق عام بالنسبة إلى الصورتين، ولا المفهوم من غير خلاف.\rوإنما الخلاف في عموم المفهوم، بالنسبة إلى صورة السكوت، ولا شك أن حاصل النزاع فيه آيل إلى اللفظ.\rفإن من قال بكونه عاما بالنسبة إليهما، إنما يريد به ثبوت الحكم به في جميعها، لا بالدلالة اللفظية، وذلك مما لا خلاف فيه بين القائلين بالمفهوم.\rومن نفى العموم، كالغزالي، فلم يرد به أن الحكم لم يثبت به في جميع صور السكوت، إذ هو خلاف الفرض، وإنما أراد نفي ثبوته، مستندا إلى الدلالة اللفظية، وذلك مما لا يخالف فيه القائل بعموم المفهوم.\rوأما مفهوم المخالفة، كما في نفي الزكاة عن المعلوفة من تنصيصه، (ص)، على وجوب الزكاة في الغنم السائمة، فلا شك أيضا بأن اللفظ فيه غير عام بمنطوقه للصورتين، ولا بمفهومه، وإنما النزاع في عمومه بالنسبة إلى جميع صور السكوت وحاصل النزاع أيضا فيه آيل إلى اللفظ، كما سبق في مفهوم الموافقة.","part":2,"page":257},{"id":553,"text":"المسألة الخامسة عشرة العطف على العام هل يوجب العموم في المعطوف ؟ اختلفوا فيه، فمنع أصحابنا من ذلك، وأوجبه أصحاب أبي حنيفة رحمه الله.\rومثاله استدلال أصحابنا على أن المسلم لا يقتل بالذمي بقوله، (ص) لا يقتل مسلم بكافر وهو عام بالنسبة إلى كل كافر، حربيا كان أو ذميا.\rفقال أصحاب أبي حنيفة: لو كان ذلك عاما للذمي، لكان المعطوف عليه كذلك، وهو قوله ولا ذو عهد في عهده ضرورة الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم وصفته، وليس كذلك، فإن الكافر الذي لا يقتل به المعاهد إنما هو الكافر الحربي دون الذمي.\rاحتج أصحابنا بثلاثة أمور: الاول: أن المعطوف لا يستقل بنفسه في إفادة حكمه، واللفظ الدال على حكم المعطوف عليه لا دلالة له على حكم المعطوف بصريحه، وإنما أضمر حكم المعطوف\rعليه في المعطوف، ضرورة الافادة، وحذرا من التعطيل.\rوالاضمار على خلاف الاصل، فيجب الاقتصار فيه على ما تندفع به الضرورة، وهو التشريك في أصل الحكم دون تفصيله من صفة العموم وغيره، تقليلا لمخالفة الدليل.\rالثاني: أنه قد ورد عطف الخاص على العام في قوله تعالى: * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) * (2) البقرة: 228) فإنه عام في الرجعية والبائن، وقوله: * (وبعولتهن أحق بردهن) * (2) البقرة: 228) خاص.\rوورد عطف الواجب على المندوب في قوله تعالى: * (فكاتبوهم) * (24) النور: 33) فإنه للندب، وقوله: * (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) * (24) النور: 33) للايجاب، وورد عطف الواجب على المباح في قوله تعالى: * (كلوا من ثمره إذا أثمر) * (6) الانعام: 141) فإنه للاباحة وقوله: * (وآتوا حقه) * (6) الانعام: 141) للايجاب.\rولو كان الاصل هو الاشتراك في أصل الحكم وتفصيله، لكان العطف في جميع هذه المواضع على خلاف الاصل، وهو ممتنع.\rالثالث: أن الاشتراك في أصل الحكم متيقن، وفي صفته محتمل، فجعل العطف أصلا في المتيقن دون المحتمل أولى.","part":2,"page":258},{"id":554,"text":"فإن قيل ما ذكرتموه معارض بما يدل على وجوب التشريك بينهما في أصل الحكم وتفصيلله: وبيانه من وجهين.\rالاول: أن حرف العطف يوجب جعل المعطوف والمعطوف عليه في حكم جملة واحدة، فالحكم على أحدهما يكون حكما على الاخر.\rالثاني: أن المعطوف إذا لم يكن مستقلا بنفسه، فلا بد من إضمار حكم المعطوف عليه فيه، لتحقق الافادة.\rوعند ذلك لا يخلو.\rإما أن يقال بإضمار كل ما ثبت للمعطوف عليه للمعطوف، أو بعضه، لا جائز أن يقال بالثاني لان الاضمار إما لبعض معين أو غير معين، القول بالتعيين ممتنع، إذ هو غير واقع من نفس العطف.\rكيف وإنه ليس البعض أولى من البعض الآخر،، والقول بعدم التعيين موجب للابهام والاجمال في الكلام، وهو خلاف الاصل، فلم يبق سوى القسم الاول، وهو المطلوب.\rقلنا: جواب الاول أن العطف يوجب جعل المعطوف والمعطوف عليه في حكم جملة واحدة، فيما فيه العطف أو في غيره ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع، فلم قلتم إن ما زاد على أصل الحكم معتبر في العطف إذ هو محل النزاع.\rوجواب الثاني أن نقول بالتشريك في أصل الحكم المذكور دون صفته، وهو مدلول اللفظ من غير إبهام ولا إجمال.","part":2,"page":259},{"id":555,"text":"المسألة السادسة عشرة إذا ورد خطاب خاص بالنبي، (ص)، كقوله تعالى: * (يا أيها المزمل قم الليل) * (73) المزمل: 1) * (يا أيها المدثر قم فأنذر) * (74) المدثر: 1) * (يا أيها النبي اتق الله) * (33) الاحزاب: 1) * (لئن أشركت ليحبطن عملك) * (39) الزمر: 65) لا يعم الامة ذلك الخطاب عند أصحابنا، خلافا لابي حنيفة وأحمد بن حنبل وأصحابهما في قولهم إنه يكون خطابا للامة، إلا ما دل الدليل فيه على الفرق.\rودليلنا في ذلك أن الخطاب الوارد نحو الواحد موضوع في أصل اللغة لذلك الواحد فلا يكون متناولا لغيره بوضعه.\rولهذا فإن السيد إذا أمر بعض عبيده بخطاب يخصه لا يكون أمرا للباقين.\rوكذلك في النهي والاخبار وسائر أنواع الخطاب.\rكيف وإنه من المحتمل أن يكون الامر للواحد المعين مصلحة له، وهو مفسدة في حق غيره، وذلك كما في أمر الطبيب لبعض الناس بشرب بعض الادوية، فإنه لا يكون ذلك أمرا لغيره لاحتمال التفاوت بين الناس في الامزجة الاحوال المقتضية لذلك الامر.\rولهذا خص النبي، (ص)، بأحكام لم يشاركه فيها أحد من\rأمته، من الواجبات والمندوبات، والمحظورات والمباحات، ومع امتناع اتحاد الخطاب، وجواز الاختلاف في الحكمة والمقصود يمتنع التشريك في الحكم، اللهم إلا أن يقوم دليل من خارج يدل على الاشتراك في العلة الداعية إلى ذلك الحكم، فالاشتراك في الحكم يكون مستندا إلى نفس القياس، لا إلى نفس الخطاب الخاص بمحل التنصيص، أو دليل آخر.","part":2,"page":260},{"id":556,"text":"فإن قيل: نحن لا ننكر أن الخطاب الخاص بالواحد لا يكون خطابا لغيره مطلقا، بل المدعى أن من كان مقدما على قوم، وقد عقدت له الولاية والامارة عليهم، وجعل له منصب الاقتداء به، فإنه إذا قيل له اركب لمناجزة العدو، وشن الغارة عليه وعلى بلاده فإن أهل اللغة يعدون ذلك أمرا لاتباعه وأصحابه.\rوكذلك إذا أخبر عنه بأنه قد فتح البلد الفلاني، وكسر العدو، فإنه يكون إخبارا عن أتباعه أيضا.\rوالنبي، (ص)، ممن قد ثبت كونه قدوة للامة ومتبعا لهم، فأمره ونهيه يكون أمرا ونهيا لامته، إلا ما دل الدليل فيه على الفرق.\rويدل على صحة ما ذكرناه قوله تعالى: * (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) * (65) الطلاق: 1) ولم يقل إذا طلقت النساء فطلقهن وذلك يدل على أن خطابه خطاب لامته وأيضا قوله تعالى: * (فلما قضى زيد منها وطرا، زوجناكها، لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا) * (33) الاحزاب: 37) أخبره أنه إنما أباحه ذلك ليكون ذلك مباحا للامة، ولو كانت الاباحة خاصة به، لما انتفى الحرج عن الامة.\rوأيضا فإنه قد ورد الخطاب بتخصيصه، عليه السلام، بأحكام دون أمته كقوله تعالى: * (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي) * (33) الاحزاب: 50) إلى قوله: * (خالصة لك من دون المؤمنين) * (33) الاحزاب: 50) وكقوله تعالى: * (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) * (17) الاسراء: 79) ولو لم يكن الخطاب المطلق له خطابا لامته، بل خاصا به، لما احتيج إلى بيان التخصيص به هاهنا.\rوما ذكرتموه من احتمال التفاوت في المصلحة والمفسدة، فغير قادح مع ظهور المشاركة في الخطاب، كما تقرر.\rولهذا، جاز تكليف الكل مع هذا الاحتمال، لظهور الخطاب، وجاز تعدية الحكم من الاصل إلى الفرع عند ظن الاشتراك في الداعي مع احتمال التفاوت بين الاصل والفرع في المصلحة والمفسدة.","part":2,"page":261},{"id":557,"text":"والجواب: لا نسلم أن أمر المقدم يكون أمرا لاتباعه لغة، ولهذا فإنه يصح أن يقال: أمر المقدم، ولم يأمر الاتباع، وأنه لو حلف أنه لم يأمر الاتباع لم يحنث بالاجماع.\rولو كان أمره للمقدم أمرا لاتباعه لحنث، نعم غايته أنه يفهم عند أمر المقدم بالركوب وشن الغار لزوم توقف مقصود الامر على اتباع أصحابه له، فكان ذلك من باب الاستلزام، لا من باب دلالة اللفظ مطابقة ولا ضمنا، ولا يلزم مثله في خطاب النبي (ص)، بشئ من العبادات، أو بتحريم شئ من الافعال، أو إباحتها، من حيث إنه لا يتوقف المقصود من ذلك على مشاركة الامة له في ذلك.\rوقوله تعالى: * (إذا طلقتم النساء) * (65) الطلاق: 1) فخطاب عام مع الكل على وجه يدخل فيه النبي (ص)، وغيره من الامة، وتخصيص النبي في أول الآية بالنداء جرى مجرى التشريف والتكريم له.\rكيف وإن في الآية ما يدل على أن خطاب النبي لا يكون خطابا للامة، فإنه لو كان كذلك، لما احتيج إلى قوله * (طلقتم النساء فطلقوهن) * (65) الطلاق: 1) لان قوله * (إذا طلقت النساء فطلقهن) * كاف في خطاب الامة مع اتساقه مع أول الآية.\rوقوله تعالى * (فلما قضى زيد منها وطرا) * (33) الاحزاب: 37) لا حجة فيه على المقصود.\rوقوله: * (لكي لا يكون على المؤمنين حرج) * (33) الاحزاب: 37) ليس فيه ما يدل على أن نفي الحرج عن المؤمنين في أزواج أدعيائهم مدلول لقوله زوجناكها\rبل غايته أن رفع الحرج عن النبي (ص)، كان لمقصود رفع الحرج عن المؤمنين وذلك حاصل بقياسهم عليه بواسطة دفع الحاجة وحصول المصلحة، وعموم الخطاب غير متعين لذلك.","part":2,"page":262},{"id":558,"text":"وما ذكروه من الآيات الدالة على خصوصية النبي (ص)، بما ذكروه لا يدل على أن مطلق الخطاب له عام لامته، بل إنما كان ذلك لقطع إلحاق غيره به في تلك الاحكام بطريق القياس، ولو لم يرد التخصيص، لامكن الالحاق بطريق القياس.\rالمسألة السابعة عشرة اختلفوا في خطاب النبي (ص)، لاحد من أمته: هل هو خطاب للباقين أم لا ؟ فنفاه أصحابنا، وأثبته الحنابلة وجماعة من الناس.\rودليلنا ما سبق في المسألة التي قبلها.\rفإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنص، والاجماع، والمعنى.\rأما النص فقوله تعالى: * (وما أرسلناك إلا كافة للناس) * (34) سبأ: 28) وقوله (ص): بعثت إلى الناس كافة، وبعثت إلى الاحمر والاسود وقوله: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة.\rوأما الاجماع فاتفاق الصحابة على رجوعهم في أحكام الحوادث إلى ما حكم به النبي عليه السلام.\rعلى آحاد الامة.\rفمن ذلك رجوعهم في حد الزنى إلى ما حكم به على (ماعز)، ورجوعهم في المفوضة إلى قصة (بروع بنت واشق)، ورجوعهم في ضرب الجزية على المجوس إلى ضربه، عليه السلام، الجزية على مجوس هجر.\rولولا أن حكمه على الواحد حكم على الجماعة، لما كان كذلك.\rوأما المعنى فهو أن النبي (ص)، خصص بعض الصحابة بأحكام دون غيره،\rفمن ذلك قوله (ص)، لابي بردة في التضحية بعناق تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك وقوله لابي بكرة لما دخل الصف راكعا زادك الله حرصا ولا تعد وقوله لاعرابي زوجه بما معه من القرآن هذا لك وليس لاحد بعدك","part":2,"page":263},{"id":559,"text":"وتخصيصه لخزيمة بقبول شهادته وحده وتخصيصه لعبد الرحمن بن عوف بلبس الحرير.\rولولا أن الحكم بإطلاقه على الواحد حكم على الامة، لما احتاج إلى التنصيص بالتخصيص.\rوالجواب عن الآية وعن قوله بعثت إلى الناس كافة وإلى الاحمر والاسود أنه وإن كان مبعوثا إلى الناس كافة، فبمعنى أنه يعرف كل واحد ما يختص به من الاحكام، كأحكام المريض والصحيح والمقيم والمسافر، والحر والعبد والحائض والطاهر وغير ذلك، ولا يلزم من ذلك اشتراك الكل فيما أثبت للبعض منهم.\rوعن قوله: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة أنه يجب تأويله على أن المراد به أنه حكم على الجماعة من جهة المعنى والقياس، لا من جهة اللفظ، لثلاثة أوجه.\rالاول: أن الحكم هو الخطاب، وقد بينا في المسألة المتقدمة أن خطاب الواحد ليس هو بعينه خطابا للباقين.\rالثاني: أنه لو كان بعينه خطابا للباقين، لزم منه التخصيص بإخراج من لم يكن موافقا لذلك الواحد في السبب الموجب للحكم عليه.","part":2,"page":264},{"id":560,"text":"الثالث: أنه لو كان خطابه المطلق للواحد خطابا للجماعة، لما احتاج إلى قوله حكمي على الواحد حكمي على الجماعة أو كانت فائدته التأكيد، والاصل في الدلالات اللفظية إنما هو التأسيس.\rثم وإن كان حكمه على الواحد، حكما على\rالجماعة، فلا يلزم اطراده في حكمه للواحد أن يكون حكما للجماعة، فإنه فرق بين حكمه للواحد وحكمه عليه، والخلاف واقع في الكل.\rوأما ما ذكروه من رجوع الصحابة في أحكام الوقائع إلى حكمه على الآحاد، فلا يخلو إما أن يقال بذلك مع معرفتهم بالتساوي في السبب الموجب، أو لا مع معرفتهم بذلك: الثاني خلاف الاجماع، وإن كان الاول، فمستند التشريك في الحكم إنما كان الاشتراك في السبب لا في الخطاب.\rوأما المعنى، فقد سبق الجواب عنه في المسألة المتقدمة.\rالمسألة الثامنة عشرة اتفق العلماء على أن كل واحد من المذكر والمؤنث لا يدخل في الجمع الخاص بالآخر، كالرجال والنساء، وعلى دخولهما في الجمع الذي لم تظهر فيه علامة تذكير ولا تأنيث، كالناس.\rوإنما وقع الخلاف بينهم في الجمع الذي ظهرت فيه علامة التذكير، كالمسلمين والمؤمنين، هل هو ظاهر في دخول الاناث فيه أو لا ؟ فذهبت الشافعية والاشاعرة والجمع الكثير من الحنفية والمعتزلة إلى نفيه.\rوذهبت الحنابلة وابن داود وشذوذ من الناس إلى إثباته.","part":2,"page":265},{"id":561,"text":"احتج النافون بالكتاب، والسنة، والمعقول: أما الكتاب فقوله تعالى: * (إن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات) * (33) الاحزاب: 35) عطف جمع التأنيث على جمع المسلمين والمؤمنين، ولو كان داخلا فيه، لما حسن عطفه عليه، لعدم فائدته.\rوأما السنة فما روي عن أم سلمة أنها قالت يا رسول الله، إن النساء قلن: ما نرى الله ذكر إلا الرجال فأنزل الله: * (إن المسلمين والمسلمات) * (33) الاحزاب: 35) الآية.\rولو كن قد دخلن في جمع التذكير، لكن مذكورات، وامتنعت صحة السؤال والتقرير عليه.\rوأيضا ما روي عن النبي (ص)، أنه قال: ويل للذين يمسون فروجهم، ثم يصلون، ولا يتوضؤون فقالت عائشة هذا للرجال فما للنساء ؟ ولولا خروجهن من جمع الذكور، لما صح السؤال ولا التقرير من النبي (ص).\rوأما المعقول، فهو أن الجمع تضعيف الواحد، فقولنا قام لا يتناول المؤنث بالاجماع.\rفالجمع الذي هو تضعيفه، كقولنا قاموا لا يكون متناولا له.\rفإن قيل: أما الآية فالعطف فيها لا يدل على عدم دخول الاناث في جمع التذكير، قولكم: لا فائدة فيه، ليس كذلك، إذ المقصود منه إنما هو الاتيان بلفظ يخصهن تأكيدا، فلا يكون عريا عن الفائدة.\rوأما سؤال أم سلمة وعائشة، فلم يكن لعدم دخول النساء في جمع الذكور، بل لعدم تخصيصهن بلفظ صريح فيهن، كما ورد في المذكر.\rوأما قولكم إن الجمع تضعيف الواحد فمسلم، ولكن لم قلتم بامتناع دخول المؤنث فيه مع أنه محل النزاع.\rوالذي يدل على دخول المؤنث في جمع التذكير ثلاثة أمور:","part":2,"page":266},{"id":562,"text":"الاول: أن المألوف من عادة العرب أنه إذا اجتمع التذكير والتأنيث غلبوا جانب التذكير.\rولهذا فإنه يقال للنساء إذا تمحضن: أدخلن، وإن كان معهن رجل، قيل: ادخلوا.\rقال الله تعالى لآدم وحواء وإبليس * (قلنا اهبطوا منها جميعا) * (2) البقرة: 38) كما ألف منهم تغليب جمع من يعقل إذا كان معه من لا يعقل.\rومنه قوله تعالى: * (والله خلق كل دابة من ماء، فمنهم من يمشي على بطنه) * (24) النور: 45) بل أبلغ من ذلك أنهم إذا وصفوا ما لا يعقل بصفة من يعقل غلبوا فيه من يعقل.\rومنه قوله تعالى: * (أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) * (12) يوسف: 4) جمعهم جمع من يعقل لوصفهم بالسجود الذي هو صفة من يعقل.\rوكتغليبهم الكثرة\rعلى القلة حتى إنهم يصفون بالكرم والبخل جمعا أكثرهم متصف بالكرم أو البخل.\rوكتغليبهم في التثنية أحد الاسمين على الآخر، كقولهم الاسودان للتمر والماء، والعمران لابي بكر وعمر، والقمران للشمس والقمر.\rالثاني: أنه يستهجن من العربي أن يقول لاهل حلة أو قرية أنتم آمنون، ونساؤكم آمنات لحصول الامن للنساء بقوله أنتم آمنون ولولا دخولهن في قوله أنتم آمنون لما كان كذلك.\rوكذلك لا يحسن منه أن يقول لجماعة فيهم رجال ونساء قوموا وقمن بل لو قال قوموا كان ذلك كافيا في الامر للنساء بالقيام.\rولولا دخولهن في جمع التذكير، لما كان كذلك.\rالثالث: أن أكثر أوامر الشرع بخطاب المذكر مع انعقاد الاجماع على أن النساء يشاركن الرجال في أحكام تلك الاوامر، ولو لم يدخلن في ذلك الخطاب، لما كان كذلك.\rوالجواب: قولهم في الآية: فائدة التخصيص بلفظ يخصهن التأكيد.\rقلنا: لو اعتقدنا عدم دخولهن في جمع التذكير، كانت فائدة تخصيصهن بالذكر التأسيس، ولا يخفى أن فائدة التأسيس أولى في كلام الشارع.\rقولهم: سؤال أم سلمة وعائشة إنما كان لعدم تخصيص النساء بلفظ يخصهن، لا لعدم دخول النساء في جمع التذكير، ليس كذلك: أما سؤال أم سلمة فهو صريح في عدم الذكر مطلقا، لا في عدم ذكر ما يخصهن، بحيث قالت ما نرى الله ذكر إلا الرجال ولو ذكر النساء، ولو بطريق الضمن، لما صح هذا الاخبار","part":2,"page":267},{"id":563,"text":"على إطلاقه.\rوأما حديث عائشة، فلانها قالت هذا للرجال ولو كان الحكم عاما، لما صح منها تخصيص ذلك بالرجال.\rقولهم: المألوف من عادة العرب تغليب جانب التذكير، مسلم، ونحن لا ننازع في أن العربي إذا أراد أن يعبر عن جمع، فيهم ذكور وإناث، أنه يغلب جانب\rالتذكير، ويعبر بلفظ التذكير، ويكون ذلك من باب التجوز، وإنما النزاع في أن جمع التذكير إذا أطلق، هل يكون ظاهرا في دخول المؤنث ومستلزما له أو لا ؟ وليس فيما قيل ما يدل على ذلك.\rوهذا كما أنه يصح التجوز بلفظ الاسد عن الانسان، ولا يلزم أن يكون ظاهرا فيه، مهما أطلق.\rفإن قيل: إذا صح دخول المؤنث في جمع المذكر، فالاصل أن يكون مشعرا به حقيقة، لا تجوزا.\rقلنا: ولو كان جمع التذكير حقيقة للذكور والاناث، مع انعقاد الاجماع على أنه حقيقة في تمحض الذكور، كان اللفظ مشتركا، وهو خلاف الاصل.\rفإن قيل: ولو كان مجازا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد لدخول المسمى الحقيقي فيه، وهم الذكور، وهو ممتنع.\rقلنا: ليس كذلك، فإنه لا يكون حقيقة في الذكور، إلا مع الاقتصار.\rوأما إذا كان جزءا من المذكور، لا مع الاقتصار فلا.\rكيف وإنا لا نسلم امتناع الجمع بين الحقيقة والمجاز، كما سبق تقريره.\rوأما الوجه الثاني: فإنما استهجن من العربي أن يقول أنتم آمنون، ونساؤكم آمنات لان تأمين الرجال يستلزم الامن من جميع المخاوف المتعلقة بأنفسهم وأموالهم ونسائهم، فلو لم تكن النساء آمنات، لما حصل أمن الرجال مطلقا، وهو تناقض.\rأما أن ذلك يدل على ظهور دخول النساء في الخطاب فلا، وبه يظهر لزوم أمن النساء من الاقتصار على قوله للرجال أنتم آمنون.\rوأما الوجه الثالث: فغير لازم، وذلك أن النساء وإن شاركن الرجال في كثير من أحكام التذكير، فيفارقن للرجال في كثير من الاحكام الثابتة بخطاب التذكير، كأحكام الجهاد في قوله تعالى: * (وجاهدوا في الله حق جهاده) * (22) الحج: 78) وأحكام الجمعة في قوله تعالى:","part":2,"page":268},{"id":564,"text":"* (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع) * (62) الجمعة: 9) إلى غير ذلك من الاحكام.\rولو كان جمع التذكير مقتضيا لدخول الاناث فيه، لكان خروجهن عن هذه الاوامر على خلاف الدليل، وهو ممتنع، فحيث وقع الاشتراك تارة، والافتراق تارة، علم أن ذلك إنما هو مستند إلى دليل خارج، لا إلى نفس اقتضاء اللفظ لذلك.\rالمسألة التاسعة عشرة إذا ورد لفظ عام لم تظهر فيه علامة تذكير ولا تأنيث سوى لفظ الجمع، مثل (من) في الشرط والجزاء، هل يعم المذكر والمؤنث ؟ اختلفوا فيه: فأثبته الاكثرون، ونفاه الاقلون.\rوالمختار تفريعا على القول بالعموم دخول المؤنث فيه.\rودليله أنه لو قال القائل لعبده من دخل داري فأكرمه فإن العبد يلام بإخراج الداخل من المؤنثات عن الاكرام، ويلام السيد بلوم العبد بإكرامهن.\rوكذلك الحكم في النذر والوصية.\rوالاصل في كل ما فهم من اللفظ أن يكون حقيقة فيه لا مجازا.\rفإن قيل: التعميم فيما ذكرتموه إنما فهم من قرينة الحال، وهي ما جرت به العادة من مقابلة الداخل إلى دار الانسان والحلول في منزله بالاكرام، فكان ذلك من باب المجاز، لا أنه من مقتضيات اللفظ حقيقة.\rقلنا: هذا باطل بما لو قال: من دخل داري فأهنه فإنه يفهم منه العموم، وإن كان على خلاف القرينة المذكورة.\rوكذا لو قال له من قال لك ألف، فقل له (ب) فإنه لا قرينة أصلا، والعموم مفهوم منه، فدل على كونه حقيقة فيه.","part":2,"page":269},{"id":565,"text":"المسألة العشرون اختلفوا في دخول العبد تحت خطاب التكاليف بالالفاظ العامة المطقلة، كلفظ\rالناس والمؤمنين، فأثبته الاكثرون، ونفاه الاقلون، إلا بقرينة ودليل يخصه.\rومنهم من قال بدخوله في العمومات المثبتة لحقوق الله دون حقوق الآدميين، وهو منسوب إلى أبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة.\rوالمختار إنما هو الدخول، وذلك لان الخطاب إذا كان بلفظ الناس أو المؤمنين، فهو خطاب لكل من هو من الناس والمؤمنين، والعبد من الناس والمؤمنين حقيقة، فكان داخلا في عمومات الخطاب بوضعه لغة، إلا أن يدل دليل على إخراجه منه.\rفإن قيل: العبد، من حيث هو عبد، مال لسيده، ولذلك يتمكن من التصرف فيه حسب تصرفه في سائر الاموال، وإذا كان مالا، كان بمنزلة البهائم، فلا يكون داخلا تحت عموم خطاب الشارع.\rسلمنا أنه ليس كالبهائم، إلا أن أفعاله التي يتعلق بها التكليف، ويحصل بها الامتثال، مملوكة لسيده، ويجب صرفها إلى منافعه بخطاب الشرع، فلا يكون الخطاب متعلقا بصرفها إلى غير منافع السيد، لما فيه من التناقض.\rسلمنا عدم التناقض، غير أن الاجماع منعقد على إخراج العبد عن مطلق الخطاب العام بالجهاد والحج والعمرة والجمعة والعمومات الواردة بصحة التبرع والاقرار بالحقوق البدنية والمالية، ولو كان داخلا تحت عموم الخطاب بمطلقه، لكان خروجه عنها في هذه الصور على خلاف الدليل.","part":2,"page":270},{"id":566,"text":"سلمنا إمكان دخوله تحت مطلق الخطاب لغة، إلا أن الرق مقتض لاخراجه عن عمومات الخطاب بطريق التخصيص، وبيانه أنه صالح لذلك من حيث إنه مكلف بشغل جميع أوقاته بخدمة سيده بخطاب الشرع، وحق السيد مقدم على حق الله تعالى لوجهين: الاول: أن السيد متمكن من منع العبد من التطوع بالنوافل، مع أنها حق لله تعالى، ولولا أن حق السيد مرجح، لما كان كذلك.\rالثاني: أن حق الله تعالى مبني على المسامحة والمساهلة، لانه لا يتضرر بفوات حقوقه، ولا ينتفع بحصولها، وحق الآدمي مبني على الشح والمضايقة، لانه ينتفع بحصوله ويتضرر بفواته.\rوالجواب عن السؤال الاول: أن كون العبد مالا مملوكا لا يخرجه عن جنس المكلفين، إلى جنس البهائم، وإلا لما توجه نحوه التكليف بالخطاب الخاص بالصلاة والصوم ونحوه، وهو خلاف الاجماع.\rوعن السؤال الثاني: لا نسلم أن السيد مالك لصرف منافع العبد إليه في جميع الاوقات، حتى في وقت تضايق وقت العبادة المأمور بها، بل في غيره.\rوعلى هذا، فلا تناقض،.\rوعن الثالث: أن ذلك لا يدل على إخراج العبد عن كون العمومات متناولة له لغة، لما بيناه، بل غايته أنه خص بدليل، والتخصيص غير مانع من العموم لغة.\rولا يخفى أن القول بالتخصيص، أولى من القول برفع العموم لغة مع تحققه، وصار كما في تخصيص المريض والحائض والمسافر عن العمومات الواردة بالصوم والصلاة والجمعة والجهاد.\rوعن الرابع بمنع تعلق حق السيد بمنافعه المصروفة إلى العبادات المأمور بها عند ضيق أوقاتها، كما سبق، والرق، وإن اقتضى ذلك لمناسبته واعتباره، فلا يقع في مقابلة الدلالة النصية على العبادة في ذلك الوقت، لقوة دلالة النصوص على دلالة ما الحجة به مستندة إليها.\rوالنصوص، وإن كانت متناولة للعبد بعمومها، إلا أنها متناولة للعبادة في وقتها المعين بخصوصها.\rوالرق وإن كان مقتضيا لحق السيد","part":2,"page":271},{"id":567,"text":"بخصوصه، إلا أن اقتضاءه لذلك الحق في وقت العبادة بعمومه، فيتقابلان، ويسلم الترجيح بالتنصيص، كما سبق.\rقولهم: حق الآدمي مرجح على حق الله تعالى،\rلا نسلم ذلك مطلقا.\rولهذا، فإن حق الله تعالى مرجح على حق السيد فيما وجب على العبد بالخطاب الخاص به إجماعا، وبه يندفع ما ذكروه من الترجيح الاول.\rقولهم في الترجيح الثاني: إن السيد يتمكن من منع العبد من التنفل.\rقلنا، وإن أوجب ذلك ترجح جانب حق السيد على حقوق الله تعالى في النوافل، فغير موجب لترجحه عليه في الفرائض.\rالمسألة الحادية والعشرون ورود الخطاب على لسان الرسول (ص) بقوله: * (يا أيها الذين آمنوا) * (2) البقرة: 104) * (يا أيها الناس) * (2) البقرة: 21)، * (يا عبادي) * (29) العنكبوت: 56) يدخل الرسول في عمومه عندنا، وعند أكثر العلماء، خلافا لطائفة من الفقهاء والمتكلمين.\rومنهم من قال: كل خطاب ورد مطلقا، ولم يكن الرسول مأمورا، في أوله بأمر الامة به، كهذه الآيات، فهو داخل فيه، وإليه ذهب أبو بكر الصيرفي والحليمي من أصحاب الشافعي.\rحجة من قال: يدخل في العموم، وهو المختار، حجتان.\rالاولى: أن هذه الصيغ عامة لكل إنسان، وكل مؤمن، وكل عبد، والنبي (ص)، سيد الناس والمؤمنين والعبادة، والنبوة غير مخرجة له عن إطلاق هذه الاسماء عليه، فلا تكون مخرجة له عن هذه العمومات.","part":2,"page":272},{"id":568,"text":"الحجة الثانية، أنه (ص)، كان إذا أمر الصحابة بأمر، وتخلف عنه ولم يفعله، فإنهم كانوا يسألونه ما بالك لم تفعله ؟ ولو لم يعقلوا دخوله فيما أمرهم به، لما سألوه عن ذلك.\rوذلك، كما روي عنه (ص)، أنه أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، ولم يفسخ، فقالوا له أمرتنا بالفسخ، ولم تفسخ ولم ينكر عليهم ما فهموه من دخوله في ذلك الامر، بل عدل إلى الاعتذار، وهو قوله إني قلدت هديا\rوروي عنه أنه قال لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة.\rفإن قيل: يمنع أن يكون النبي (ص)، داخلا تحت عموم هذه الاوامر ثلاثة أوجه: الاول: أنه إذا كان النبي (ص)، آمرا لامته بهذه الاوامر، فلو كان مأمورا بها، لزم من ذلك أن يكون بخطاب واحد آمرا ومأمورا، وهو ممتنع، ولانه يلزم أن يكون آمرا لنفسه، وأمر الانسان لنفسه ممتنع لوجهين: الاول: أن الامر طلب الاعلى من الادنى، والواحد لا يكون أعلى من نفسه وأدنى منها.\rالثاني: أنه وقع الاتفاق على أن أمر الانسان لنفسه على الخصوص ممتنع، فكذلك أمره لنفسه على العموم.\rالثاني من الوجوه الثلاثة أنه يلزم من ذلك أن يكون بخطاب واحد مبلغا ومبلغا إليه، وهو محال.\rالثالث: أن النبي (ص)، قد اختص بأحكام لم تشاركه فيها الامة كوجوب ركعتي الفجر والضحى والاضحى وتحريم الزكاة عليه وأبيح له النكاح بغير ولي ولا مهر ولا شهود، والصفي من المغنم، ونحوه من الخصائص، وذلك يدل على مزيته وانفراده عن الامة في الاحكام التكليفية، فلا يكون داخلا تحت الخطاب المتناول لهم.","part":2,"page":273},{"id":569,"text":"قلنا: جواب الاول أن ما ذكروه مبني على كون الرسول آمرا، وليس كذلك، بل هو مبلغ لامر الله وفرق بين الآمر والمبلغ للامر.\rولهذا، أعاد صيغ الاوامر له بالتبليغ، كقوله: * (قل أوحي إلي) * (72) الجن: 1) * (واتل ما أوحي إليك) * (18) الكهف: 27) ونحوه.\rوجواب الثاني أنه مبلغ للامة بما ورد على لسانه، وليس مبلغا لنفسه بذلك\rالخطاب، بل بما سمعه من جبريل، عليه السلام.\rوجواب الثالث أن اختصاصه ببعض الاحكام غير موجب لخروجه عن عمومات الخطاب.\rولهذا، فإن الحائض والمريض والمسافر والمرأة، كل واحد قد اختص بأحكام لا يشاركه غيره فيها، ولم يخرج بذلك عن الدخول في عمومات الخطاب، والله أعلم بالصواب.\rالمسألة الثانية والعشرون الخطاب الوارد شفاها في زمن النبي (ص)، والاوامر العامة، كقوله تعالى: * (يا أيها الناس) * (2) البقرة: 21) * (ويا أيها الذين آمنوا) * (2) البقرة: 104) ونحوه، هل يخص الموجود ين في زمنه، أو هو عام لهم، ولمن بعدهم ؟ اختلفوا فيه: فذهب أكثر أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة والمعتزلة إلى اختصاصه بالموجودين في زمن رسول الله (ص)، ولا يثبت حكمه في حق من بعدهم إلا بدليل آخر.\rوذهبت الحنابلة وطائفة من السالفين والفقهاء إلى تناول ذلك لمن وجد بعد عصر النبي (ص).\rحجة النافين من وجهين: الاول: أن المخاطبة شفاها بقوله تعالى: * (يا أيها الناس) * (2) البقرة: 21) * (ويا أيها الذين آمنوا) * (2) البقرة: 104) تستدعي كون المخاطب موجودا أهلا للخطاب إنسانا مؤمنا، ومن لم يكن موجودا في وقت الخطاب لم يكن متصفا بشئ من هذه الصفات، فلا يكون الخطاب متناولا له.","part":2,"page":274},{"id":570,"text":"الثاني: أن خطاب المجنون والصبي الذي لا يميز ممتنع، حتى إن من شافهه بالخطاب استهجن كلامه، وسفه في رأيه، مع أن حالهما لوجودهما واتصافهما بصفة الانسانية وأصل الفهم، وقبولهما للتأديب بالضرب وغيره، أقرب إلى الخطاب لهما، ممن لا وجود له.\rاحتج الخصوم بالكتاب، والسنة، وإجماع الامة، والمعقول: أما الكتاب فقوله تعالى: * (وما أرسلناك إلا كافة للناس) * (34) سبأ: 28)\rوأما السنة فقوله (ص): بعثت إلى الاحمر والاسود ولو لم يكن خطابه متناولا لمن بعده، لم يكن رسولا إليه، ولا مبلغا إليه شرع الله تعالى، وهو خلاف الاجماع.\rوأيضا قوله (ص): حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ولفظ (الجماعة) يستغرق كل من بعده.\rفلو لم يكن حكمه على من في زمانه حكما على غيرهم، كان على خلاف الظاهر.","part":2,"page":275},{"id":571,"text":"وأما الاجماع فهو أن الصحابة، ومن بعدهم من التابعين، وإلى زماننا هذا، ما زالوا يحتجون في المسائل الشرعية على من وجد بعد النبي (ص)، بالآيات والاخبار الواردة على لسان النبي (ص)، ولولا عموم تلك الدلائل اللفظية لمن وجد بعد ذلك، لما كان التمسك بها صحيحا، وكان الاسترواح إليها خطأ، وهو بعيد عن أهل الاجماع.\rوأما المعقول فهو أن النبي (ص)، كان إذا أراد التخصيص ببعض الامة نص عليه، كما ذكرناه في مسألة خطاب النبي (ص)، للواحد هل هو خطاب للباقين ؟ ولولا أن الخطاب المطلق العام يكون خطابا للكل لما احتاج إلى التخصيص.\rوالجواب على النصوص الدالة على كون النبي (ص) عليه وسلم، مبعوثا إلى الناس كافة، أنها إنما تلزم أن لو توقف مفهوم الرسالة والبعثة إلى كل الناس، على المخاطبة للكل بالاحكام الشرعية شفاها، وليس كذلك، بل ذلك يتحقق بتعريف البعض بالمشافهة، وتعريف البعض بنصب الدلائل والامارات، وقياس بعض الوقائع على بعض.\rويدل على ذلك أن أكثر الاحكام الشرعية لم يثبت بالخطاب شفاها لقلة النصوص وندرتها، وكثرة الوقائع، وما لزم من ذلك أن لا يكون النبي (ص)، رسولا ولا مبلغا بالنسبة إلى الاحكام التي لم تثبت بالخطاب شفاها.\rفإن قيل: والدلائل التي يمكن الاحتجاج بها في الاحكام الشرعية على من\rوجد بعد النبي (ص)، غير الخطاب، فيما ذكرتموه.\rإنما يعلم كونها حجة بالدلائل الخطابية فإذا كان الخطاب الموجود في زمن النبي (ص)، لا يتناول من بعده، فقد تعذر الاحتجاج به عليه.","part":2,"page":276},{"id":572,"text":"قلنا: أمكن معرفة كونها حجة بالنقل عن النبي (ص)، أنه حكم بكونها حجة على من بعده، أو بالاجماع المنقول عن الصحابة على ذلك.\rوأما قوله (ص): حكمي على الواحد حكمي على الجماعة فالكلام في اختصاصه بالموجودين في زمنه، كالكلام في الاول.\rوأما انعقاد الاجماع على صحة الاستدلال بالآيات والاخبار الواردة على لسانه (ص)، على من وجد بعده، وهو أشبه حجج الخصوم، فجوابه أنا بينا امتناع المخاطبة لمن ليس بموجود بما لا مراء فيه.\rوعند ذلك، فيجب اعتقاد استناد أهل الاجماع إلى النصوص من جهة معقولها، لا من جهة ألفاظها، جمعا بين الادلة.\rوأما ما ذكروه من المعنى، فقد سبق جوابه في مسألة خطاب النبي للواحد من الامة.","part":2,"page":277},{"id":573,"text":"المسألة الثالثة والعشرون اختلفوا في المخاطب: هل يمكن دخوله في عموم خطابه لغة، أو لا ؟ والمختار دخوله، وعليه اعتماد الاكثرين، وسواء كان خطابه العام، أمرا، أو نهيا، أو خبرا.\rأما الخبر فكما في قوله تعالى: * (وهو بكل شئ عليم) * (57) الحديد: 3) فإن اللفظ بعمومه يقتضي كون كل شئ معلوما لله تعالى، وذاته وصفاته أشياء، فكانت داخلة تحت عموم الخطاب.\rوالامر فكما لو قال السيد لعبده من أحسن إليك فأكرمه فإن خطابه لغة يقتضي إكرام كل من أحسن إلى العبد.\rفإذا أحسن السيد إليه، صدق عليه أنه من\rجملة المحسنين إلى العبد فكان إكرامه على العبد لازما بمقتضى عموم خطاب السيد.\rوكذلك في النهي كما إذا قال له من أحسن إليك فلا تسئ إليه وهذا في الوضوح غير محتاج إلى الاطناب فيه.\rفإن قيل: ما ذكرتموه يمتنع العمل به للنص، والمعنى: أما النص، فقوله تعالى: * (الله خالق كل شئ) * (13) الرعد: 16) وذاته وصفاته أشياء، وهو غير خالق لها، ولو كان داخلا في عموم خبره، لكان خالقا لها، وهو محال.\rوأما المعنى، فإن السيد إذا قال لعبده من دخل داري، فتصدق عليه بدرهم ولو دخل السيد، فإنه يصد عليه أنه من الداخلين إلى الدار، ومع ذلك لا يحسن أن يتصدق عليه العبد بدرهم ولو كان داخلا تحت عموم أمره، لكان ذلك حسنا.\rقلنا: أما الآية، فإنها بالنظر إلى عموم اللفظ تقتضي كون الرب تعالى خالقا لذاته وصفاته، غير أنه لما كان ممتنعا في نفس الامر عقلا، كان مخصصا لعموم الآية، ولا منافاة بين دخوله في العموم بمقتضى اللفظ، وخروجه عنه بالتخصيص.\rوكذلك الحكم فيما ذكروه من المثال، فإنه بعمومه مقتض للتصدق على السيد عند دخوله، غير أنه بالنظر إلى القرينة الحالية، والدليل المخصص، امتنع ثبوت حكم العموم في حقه، ولا منافاة كما سبق.","part":2,"page":278},{"id":574,"text":"المسألة الرابعة والعشرون اختلف العلماء في قوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة) * (9) التوبة: 103) هل يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع مال كل مالك، أو أخذ صدقة واحدة من نوع واحد ؟ والاول مذهب الاكثرين، والثاني مذهب الكرخي.\rاحتج القائلون بتعميم كل نوع، بأنه تعالى أضاف الصدقة إلى جميع الاموال، بقوله: * (من أموالهم) * (9) التوبة: 103) والجمع المضاف من ألفاظ العموم، على ما عرف من مذهب\rأربابه، فنزل ذلك منزلة قوله خذ من كل نوع من أموالهم صدقة فكانت الصدقة متعددة بتعدد أنواع الاموال.\rوللنافي أن يقول: المأمور به صدقة منكرة مضافة إلى جملة الاموال، فمهما أخذ من نوع واحد منها من المالك صدقة، صدق قول القائل أخذ من أمواله صدقة لان المال الواحد جزء من جملة الاموال.\rفإذا أخذت الصدقة من جزء المال، صدق أخذها من المال.\rولهذا، وقع الاجماع على أن كل درهم ودينار من دراهم المالك ودنانيره، موصوف بأنه من ماله.\rومع ذلك فإنه لا يجب أخذ الصدقة من خصوص كل ودرهم ودينار له، والاصل أن يكون ذلك لعدم دلالة اللفظ عليه، لا للمعارض.\rوبالجملة فالمسألة محتملة.\rومأخذ الكرخي دقيق.","part":2,"page":279},{"id":575,"text":"المسألة الخامسة والعشرون اللفظ العام إذا قصد به المخاطب الذم أو المدح، كقوله تعالى: * (إن الابرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم) * (82) الانفطار: 13) وكقوله: * (والذين يكنزون الذهب والفضة.\rولا ينفقونها في سبيل الله، فبشرهم بعذاب أليم) * (9) التوبة: 34).\rنقل عن الشافعي، رضي الله عنه، أنه منع من عمومه، حتى أنه منع من التمسك به في وجوب زكاة الحلي مصيرا منه إلى أن العموم لم يقع مقصودا في الكلام، وإنما سيق لقصد الذم والمدح مبالغة في الحث على الفعل أو الزجر عنه.\rوخالفه الاكثرون، وهو الحق من حيث إن قصد الذم أو المدح، وإن كان مطلوبا للمتكلم، فلا يمنع ذلك من قصد العموم معه، إذ لا منافاة بين الامرين، وقد أتى بالصيغة الدالة على العموم، فكان الجمع بين المقصودين أولى، ومن العمل بأحدهما وتعطيل الآخر، والله أعلم.","part":2,"page":280},{"id":576,"text":"الصنف الرابع في تخصيص العموم ويشتمل على مقدمة ومسألتين.\rأما المقدمة، ففي بيان معنى التخصيص، وما يجوز تخصيصه، وما لا يجوز.\rأما التخصيص، فقد قال أبو الحسين البصري: هو إخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه وذلك مما لا يمكن حمله على ظاهره على كل مذهب.\rأما على مذهب أرباب الخصوص، فلان الخطاب عندهم منزل على أقل ما يحتمله اللفظ، فلا يتصور إخراج شئ منه.\rوأما على مذهب أرباب الاشتراك، فمن جهة أن العمل باللفظ المشترك في بعض محامله، لا يكون إخراجا لبعض ما تناوله الخطاب عنه، بل غايته استعمال اللفظ في بعض محامله، دون البعض.\rوأما على مذهب أرباب الوقف فظاهر، إذ اللفظ عندهم موقوف لا يعلم كونه للخصوص أو للعموم، وهو صالح لاستعماله في كل واحد منهما.\rفإن قام الدليل على أنه أريد به العموم، وجب حمله عليه، وامتنع إخراج شئ منه.\rوإن قام الدليل على أنه للخصوص، لم يكن اللفظ إذ ذاك دليلا على العموم، ولا متناولا له: فلا يتحقق بالحمل على الخاص، إخراج بعض ما تناوله اللفظ على بعض محامله الصالح لها.\rوأما على مذهب أرباب العموم، فغايته أن اللفظ عندهم حقيقة في الاستغراق، ومجاز في الخصوص.\rوعلى هذا، فإن لم يقم الدليل على مخالفة الحقيقة، وجب إجراء اللفظ على جميع محامله، من غير إخراج شي منها.\rوإن قام الدليل على مخالفة الحقيقة، وامتناع العمل باللفظ في الاستغراق، وجب صرفه إلى محمله المجازي، وهو الخصوص.\rوعند حمل اللفظ على المجاز لا يكون اللفظ متناولا للحقيقة، وهي الاستغراق، فلا تحقق لاخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه، إذ هو، حالة كونه مستعملا في\rالمجاز، لا يكون مستعملا في الحقيقة.\rوعلى هذا، فإطلاق القول بتخصيص العام، وأن هذا عام مخصص، لا يكون حقيقة.","part":2,"page":281},{"id":577,"text":"وإذا عرف ذلك، فالتخصيص على ما يناسب مذهب أرباب العموم، هو تعريف أن المراد باللفظ الموضوع للعموم حقيقة، إنما هو الخصوص، وعلى ما يناسب مذهب أرباب الاشتراك، تعريف أن المراد باللفظ الصالح للعموم والخصوص، إنما هو الخصوص.\rوالمعرف لذلك، بأي طريق كان، يسمى مخصصا، واللفظ المصروف عن جهة العموم إلى الخصوص، مخصصا.\rوإذا عرف معنى تخصيص العموم، فاعلم أن كل خطاب لا يتصور فيه معنى الشمول، كقوله (ص)، لابي بردة: تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك فلا يتصور تخصيصه لان التخصيص على ما عرف، صرف اللفظ عن جهة العموم إلى جهة الخصوص، وما لا عموم له، لا يتصور فيه هذا الصرف.\rوأما ما يتصور فيه الشمول والعموم، فتصور فيه التخصيص، وسواء كان خطابا أو لم يكن خطابا، كالعلة الشاملة، لامكان صرفه عن جهة عمومه إلى جهة خصوصه.\rهذا إتمام المقدمة.\rوأما المسائل، فمسألتان المسألة الاولى اتفق القائلون بالعموم على جواز تخصيصه على أي حال كان، من الاخبار، والامر وغيره، خلافا لشذوذ لا يؤبه لهم في تخصيص الخبر.\rويدل على جواز ذلك، الشرع والمعقول: أما الشرع، فوقوع ذلك في كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: * (الله خالق كل شئ) * (13) الرعد: 16) * (وهو على كل شئ قدير) * (5) المائدة: 120) وليس خالقا لذاته، ولا قادرا عليها، وهي شئ.\rوقوله تعالى: * (ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم) * (51) الذاريات: 42)\rوقد أتت على الارض والجبال، ولم تجعلها رميما.\rوقوله تعالى: * (تدمر كل شئ) * (الاحقاف: 25) * (وأوتيت من كل شئ) * (27) النمل: 23) إلى غير ذلك من الآيات الخبرية المخصصة، حتى إنه قد قيل لم يرد عام إلا وهو مخصص، إلا في قوله تعالى: * (وهو بكل شئ عليم) * (57) الحديد: 3) ولو لم يكن ذلك جائزا، لما وقع في الكتاب.","part":2,"page":282},{"id":578,"text":"وأما المعقول فهو أنه لا معنى لتخصص العموم سوى صرف اللفظ عن جهة العموم الذي هو حقيقة فيه، إلى جهة الخصوص بطريق المجاز، كما سبق تقريره، والتجوز غير ممتنع في ذاته.\rولهذا.\rلو قدرنا وقوعه، لم يلزم المحال عنه لذاته، ولا بالنظر إلى وضع اللغة.\rولهذا يصح من اللغوي أن يقول جاءني كل أهل البلد وإن تخلف عنه بعضهم، ولا بالنظر إلى الداعي إلى ذلك والاصل عدم كل مانع سوى ذلك، ويدل على جواز تخصيص الاوامر العامة، وإن لم نعرف فيها خلافا، قوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) مع خروج أهل الذمة عنه، وقوله تعالى: * (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5) المائدة: 38 * (والزانية والزاني فاجدلوا كل واحد منهما مائة جلدة) * (24) النور: 2) مع أنه ليس كل سارق يقطع، ولا كل زان يجلد، وقوله تعالى * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) * (4) النساء: 11) مع خروج الكافر والرقيق والقاتل عنه.\rفإن قيل: القول بجواز تخصيص الخبر مما يوجب الكذب في الخبر، لما فيه من مخالفة المخبر للخبر، وهو غير جائز على الشارع، كما في نسخ الخبر.\rقلنا: لا نسلم لزوم الكذب، ولا وهم الكذب، بتقدير إرادة جهة المجاز، وقيام الدليل على ذلك.\rوإلا كان القائل إذا قال: رأيت أسدا وأراد به الانسان، أن يكون كاذبا، إذا تبينا أنه لم يرد الاسد الحقيقي، وليس كذلك بالاجماع.\rوعلى هذا، فلا نسلم امتناع نسخ الخبر، كما سيأتي تقريره.\rالمسألة الثانية\rاختلف القائلون بالعموم وتخصيصه، في الغاية التي يقع انتهاء التخصيص إليها: فمنهم من قال بجواز انتهاء التخصيص في جميع ألفاظ العموم إلى الواحد.\rومنهم من أجاز ذلك في (من) خاصة دون ما عداها من أسماء الجموع، كالرجال والمسلمين، وجعل نهاية التخصيص فيها أن يبقى تحتها ثلاثة.\rوهذا هو مذهب القفال من أصحاب الشافعي، ومنهم من جعل نهاية التخصيص في جميع الالفاظ العامة، جمعا كثيرا يعرف","part":2,"page":283},{"id":579,"text":"من مدلول اللفظ، وإن لم يكن محدودا، وهو مذهب أبي الحسين البصري، وإليه ميل إمام الحرمين وأكثر أصحابنا.\rاحتج من جوز الانتهاء في التخصيص إلى الواحد بالنص، والاطلاق، والمعنى.\rأما النص فقوله تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون) * (15) الحجر: 9) وأراد به نفسه وحده.\rوأما الاطلاق فقول عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لسعد بن أبي وقاص، وقد أنفذ إليه القعقاع مع ألف فارس قد أنفذت إليك ألفي رجل أطلق اسم الالف الاخرى، وأراد بها القعقاع.\rوأما المعنى فمن وجهين: الاول: أنه لو امتنع الانتهاء في التخصيص إلى الواحد، فإما أن يكون لان الخطاب صار مجازا، أو لانه إذا استعمل اللفظ فيه، لم يكن مستعملا فيما هو حقيقة فيه من الاستغراق، وكل واحد من الامرين لو قيل بكونه مانعا، لزم امتناع تخصيص العام مطلقا، ولا بعدد ما، لانه يكون مجازا في ذلك العدد وغير مستعمل فيما هو حقيقة فيه.\rوذلك خلاف الاجماع.\rالثاني: أن استعمال اللفظ في الواحد من حيث إنه بعض من الكل، يكون مجازا،\rكما في استعماله في الكثرة، فإذا جاز التجوز باللفظ العام عن الكثرة، فكذا في الواحد.\rولقائل أن يقول: أما الآية فهي محمولة على تعظيم المتكلم وهو بمعزل عن التخصيص بالواحد.\rوأما الاطلاق العمري فمحمول على قصد بيان أن ذلك الواحد قائم مقام الالف، وهو غير معنى التخصيص.","part":2,"page":284},{"id":580,"text":"وأما المعنى الاول، فلا نسلم الحصر فيما قيل من القسمين، بل المنع من ذلك إنما كان لعدم استعماله لغة.\rوأما المعنى الثاني فمبني على جواز إطلاق اللفظ العام، وإرادة الواحد مجازا، وهو محل النزاع.\rوأما حجة أبي الحسين البصري فإنه قال: لو قال القائل قتلت كل من في البلد، وأكلت كل رمانة في الدار وكان فيها تقدير ألف رمانة، وكان قد قتل شخصا واحدا، أو ثلاثة.\rوأكل رمانة واحدة، أو ثلاث رمانات، فإن كلامه يعد مستقبحا مستهجنا عند أهل اللغة.\rوكذلك إذا قال لعبده من دخل داري فأكرمه أو قال لغيره من عندك وقال: أردت به زيدا وحده أو ثلاثة أشخاص معينة، أو غير معينة، كان قبيحا مستهجنا، ولا كذلك فيما إذا حمل على الكثرة القريبة من مدلول اللفظ، فإنه يعد موافقا مطابقا لوضع أهل اللغة.\rوهذه الحجة وإن كانت قريبة من السداد، وقد قلده فيها جماعة كثيرة، إلا أن لقائل أن يقول: متى يكون ذلك مستهجنا منه، إذا كان مريدا للواحد من جنس ذلك العدد الذي هو مدلول اللفظ، وقد اقترن به قرينة، أو إذا لم يكن ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rوبيان ذلك، النص وصحة الاطلاق.\rأما النص فقوله تعالى: * (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم) * (3) آل عمران: 173) وأراد بالناس القائلين، نعيم بن مسعود الاشجعي بعينه، ولم يعد ذلك مستهجنا لاقترانه بالدليل.\rوأما الاطلاق فصحة قول القائل أكلت الخبز واللحم، وشربت الماء والمراد به واحد من جنس مدلولات اللفظ العام، ولم يكن ذلك مستقبحا، لاقترانه بالدليل.\rنعم إذا أطلق اللفظ العام، وكان الظاهر منه إرادة الكل، وما يقاربه في الكثرة، وهو مريد للواحد البعيد من ظاهر اللفظ، من غير اقتران دليل به يدل عليه، فإنه يكون مستهجنا.\rوإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين، فعليك بالاجتهاد في الترجيح.","part":2,"page":285},{"id":581,"text":"الصنف الخامس - في أدلة تخصيص العموم وهي قسمان: متصلة ومنفصلة القسم الاول في الادلة المتصلة وهي أربعة أنواع: الاستثناء، والشرط، والصفة، والغاية النوع الاول الاستثناء وفيه مقدمة ومسائل أما المقدمة، ففي معنى الاستثناء، وصيغه، وأقسامه.\rأما الاستثناء، فقال الغزالي: هو قول ذو صيغ مخصوصة محصورة دال على أن المذكور به لم يرد بالقول الاول.\rوهو باطل من وجهين: الاول: أنه ينتقض بآحاد الاستثناءات، كقولنا: جاء القوم إلا زيدا فإنه استثناء حقيقة، وليس بذي صيغ، بل صيغة واحدة، وهي: إلا زيدا.\rالثاني: أنه يبطل بالاقوال الموجبة لتخصيص العموم الخارجة عن الاستثناء، فإنها صيغ مخصوصة، وهي محصورة لاستحالة القول بعدم النهاية في الالفاظ الدالة، وهي دالة على أن المذكور بها لم يرد بالقول الاول، وليست من الاستثناء في شئ، وذلك كما لو قال القائل رأيت أهل البلد، ولم أر زيدا، واقتلوا المشركين، ولا تقتلوا أهل الذمة، ومن دخل داري فأكرمه، والفاسق منهم أهنه، وأهل البلد كلهم علماء، وزيد جاهل إلى غير ذلك.\rوقال بعض المتبحرين من النحاة: الاستثناء إخراج بعض الجملة عن الجملة بلفظ (إلا) أو ما يقوم مقامه، وهو منتقض بقول القائل رأيت أهل البلد، ولم أر زيدا فإنه قائم مقام قوله: إلا زيدا، في إخراج بعض الجملة عن الجملة، وليس باستثناء.","part":2,"page":286},{"id":582,"text":"وقيل: إنه عبارة عما لا يدخل في الكلام، إلا لاخراج بعضه بلفظ (إلا)، ولا يستقل بنفسه، وهو أيضا مدخول من وجهين: الاول: أن الاستثناء لا لاخراج بعض الكلام، وإنما يكون إخراجا لبعض ما دل عليه الكلام الاول، وفرق بين الامرين.\rالثاني: أنه لو قال القائل جاء القوم غير زيد فإنه استثناء مع أن لفظة (غير) قد وجد فيها جميع ما ذكروه من القيود، سوى قوله: لا يدخل في الكلام إلا لاخراج بعضه.\rفإن (غير) قد يدخل في الكلام لغرض النعتية، إذا لم يجز في موضعها (إلا) كقولك: عندي درهم غير جيد فإنه لا يحسن أن تقول في موضعها عندي درهم إلا جيدا فلا جرم كانت نعتا للدرهم، وتابعة له في إعرابه.\rوهذا بخلاف ما إذا قلت عندي درهم غير قيراط فإن (غير) تكون استثنائية منصوبة لامكان دخول إلا في موضعها.\rويمكن أن يقال هاهنا إن النعتية ليست استثنائية، فلا ترد على الحد.\rوالمختار في ذلك أن يقال: الاستثناء عبارة عن لفظ متصل بجملة لا يستقل بنفسه دال بحرف (إلا) أو أخواتها على أن مدلوله غير مراد مما اتصل به، ليس بشرط، ولا صفة، ولا غاية.\rفقولنا: (لفظ) احتراز عن الدلالات العقلية والحسية الموجبة للتخصيص.\rوقولنا: (متصل بجملة) احتراز عن الدلائل المنفصلة.\rوقولنا: (ولا يستقل بنفسه) احتراز عن مثل قولنا: قام القوم، وزيد لم يقم وقولنا: (دال) احتراز عن الصيغ المهملة.\rوقولنا: (على أن مدلوله غير مراد مما اتصل به) احتراز عن الاسماء المؤكدة والنعتية.\rكقول القائل جاءني القوم العلماء كلهم.\rوقولنا: (بحرف إلا أو أخواتها) احتراز عن قولنا قام القوم دون زيد.\rوفيه احتراز عن أكثر الالزامات السابق ذكرها وقولنا: (ليس بشرط) احتراز عن قول القائل لعبده من دخل داري فأكرمه إن كان مسلما وقولنا: (ليس بصفة) احتراز من قول القائل جاءني بنو تميم الطوال","part":2,"page":287},{"id":583,"text":"وقولنا: (ليس بغاية) احتراز عن قول القائل لعبده (أكرم بني تميم أبدا إلى أن يدخلوا الدار وهذا الحد مطرد منعكس لا غبار عليه.\rوإذا عرف معنى الاستثناء فصيغه كثيرة، وهي: إلا، وغير، وسوى، وخلا، وحاشا، وعدا، وما عدا، وما خلا، وليس، ولا يكون، ونحوه.\rوأم الباب في هذه الصيغ (إلا) لكونها حرفا مطلقا، ولوقوعها في جميع أبواب الاستثناء لا غير.\rولها أحكام مختلفة في الاعراب مستقصاة في كتب أهل الادب، لا مناسبة لذكرها فيما نحن فيه، كما قد فعله من غلب عليه حب العربية.\rوهو منقسم إلى الاستثناء من الجنس، ومن غير الجنس، كما يأتي تحقيقه عن قريب إن شاء الله تعالى.\rويجوز أن يكون متأخرا عن المستثنى منه، كما ذكرناه من الامثلة، وأن يكون متقدما عليه مع الاتصال، كقولك خرج إلا زيدا القوم ومنه قول الكميت.\rفما لي إلا آل أحمد شيعة وما لي إلا مذهب الحق مذهب ويجوز الاستثناء من الاستثناء من غير خلاف، كقول القائل له علي عشرة دراهم إلا أربعة، إلا اثنين، ويدل عليه قوله تعالى: * (إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) * (51) الذاريات: 32) إلى قوله: * (إلا آل لوط، إنا لمنجوهم أجمعين، إلا امرأته) * (15) الحجر: 59) استثنى إلى\rلوط من أهل القرية، واستثنى المرأة من الآل المنجين من الهلاك.\rوهذا ما أردنا ذكره من المقدمة.\rوأما المسائل فخمس:","part":2,"page":288},{"id":584,"text":"المسألة الاولى شرط صحة الاستثناء عند أصحابنا، وعند الاكثرين أن يكون متصلا بالمستثنى منه حقيقة، من غير تخلل فاصل بينهما، أو في حكم المتصل، وهو ما لا يعد المتكلم به آتيا به بعد فراغه من كلامه الاول عرفا، وإن تخلل بينهما فاصل بانقطاع النفس أو سعال مانع من الاتصال حقيقة.\rونقل عن ابن عباس أنه كان يقول بصحة الاستثناء المنفصل، وإن طال الزمان شهرا.\rوذهب بعض أصحاب مالك إلى جواز تأخير الاستثناء لفظا لكن مع إضمار الاستثناء متصلا بالمسثنى منه، ويكون المتكلم به مدينا فيما بينه وبين الله تعالى.\rولعله مذهب ابن عباس.\rوذهب بعض الفقهاء إلى صحة الاستثناء المنفصل في كتاب الله تعالى دون غيره.\rحجة القائلين بالاتصال من ثلاثة أوجه: الاول: ما روي عن النبي (ص)، أنه قال: من حلف على شئ فرأى غيره خيرا منه، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه وروي فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير ولو كان الاستثناء المنفصل صحيحا لارشد النبي (ص)، إليه لكونه طريقا مخلصا للحالف عند تأمل الخير، في البر وعدم الحنث، لان النبي (ص) إنما يقصد التيسير والتسهيل، ولا يخفى أن الاستثناء أيسر وأسهل من التكفير، فحيث لم يرشد إليه دل على عدم صحته.\rالثاني: أن أهل اللغة لا يعدون ذلك كلاما منتظما، ولا معدودا من كلام العرب،\rولهذا فإنه لو قال: لفلان علي عشرة دراهم ثم قال بعد شهر أو سنة إلا درهما وقال رأيت بني تميم ثم قال بعد شهر إلا زيدا فإنه لا يعد اسثتناء ولا كلاما صحيحا، كما لو قال رأيت زيدا ثم قال بعد شهر قائما فإنهم لا يعدونه بذلك مخبرا عن زيد بشئ، وكذلك لو قال السيد لعبده أكرم زيدا ثم قال بعد شهر إن دخل داري فإنهم لا يعدون ذلك شرطا.","part":2,"page":289},{"id":585,"text":"الثالث: أنه لو قيل بصحة الاستثناء المنفصل، لما علم صدق صادق، ولا كذب كاذب، ولا حصل وثوق بيمين، ولا وعد ولا وعيد، ولا حصل الجزم بصحة عقد نكاح، وبيع وإجارة ولا لزوم معاملة أصلا، لامكان الاستثناء المنفصل، ولو بعد حين ولا يخفى ما في ذلك من التلاعب وإبطال التصرفات الشرعية، وهو محال.\rاحتج الخصوم بأربعة أمور: الاول: ما روي عن النبي (ص)، أنه قال: والله لاغزون قريشا.\rثم سكت، وقال بعده: إن شاء الله ولولا صحة الاستثناء بعد السكوت، لما فعله، لكونه مقتدى به.\rوأيضا ما روي عنه (ص)، أنه سألته اليهود عن عدة أهل الكهف وعن مدة لبثهم فيه، فقال: غدا أجيبكم ولم يقل إن شاء الله فتأخر عنه الوحي مدة بضعة عشر يوما، ثم نزعليه * (ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا) * (28) الكهف: 22)، إلى قوله * (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا، إلا أن يشاء الله، واذكر ربك إذا نسيت) * (28) الكهف: 23، 24).\rفقال: إن شاء الله بطريق الالحاق بخبره الاول.\rولو لم يكن ذلك صحيحا، لما فعله.\rالثاني: أن ابن عباس ترجمان القرآن، ومن أفصح فصحاء العرب، وقد قال بصحة الاستثناء المنفصل.\rوذلك يدل على صحته.\rالثالث: أن الاستثناء بيان وتخصيص للكلام الاول، فجاز تأخيره، كالنسخ\rوالادلة المنفصلة المخصصة للعموم.\rالرابع: أن الاستثناء رافع لحكم اليمين، فجاز تأخيره، كالكفارة.","part":2,"page":290},{"id":586,"text":"والجواب عن الخبر الاول أن سكوته قبل الاستثناء يحتمل أنه من السكوت الذي لا يخل بالاتصال الحكمي، كما أسلفناه، ويجب الحمل عليه موافقة لما ذكرناه من الادلة.\rوعن الخبر الثاني أن قوله (ص): إن شاء الله، ليس عائدا إلى خبر الاول، بل إلى ذكر ربه، إذا نسي، تقديره أذكر ربي إذا نسيت إن شاء الله.\rوذلك كما إذا قال القائل لغيره افعل كذا فقال: إن شاء الله، أي أفعل إن شاء الله.\rوعن المنقول عن ابن عباس، إن صح ذلك.\rفلعله كان يعتقد صحة إضمار الاستثناء، ويدين المكلف بذلك فيما بينه وبين الله تعالى، وإن تأخر الاستثناء لفظا، وهو غير ما نحن فيه، وإن لم يكن كذلك فهو أيضا مخصوم بما ذكرناه من الادلة واتفاق أهل اللغة على إبطاله ممن سواه.\rوعن الوجه الثالث: أنه قياس في اللغة، فلا يصح لما سبق.\rثم هو منقوض بالخبر والشرط، كما سبق.\rكيف والفرق بين التخصيص والاستثناء واقع من جهة الجملة من حيث إن التخصيص قد يكون بدليل العقل والحس، ولا كذلك الاستثناء وبينه وبين النسخ، أن النسخ مما يمتنع اتصاله بالمنسوخ، بخلاف الاستثناء.\rوعن الوجه الرابع بالفرق، وهو أن الكفارة رافعة لاثم الحنث، لا لنفس الحنث، والاستثناء مانع من الحنث، فما التقيا في الحكم حتى يصح قياس أحدهما على الآخر.\rكيف وإن الخلاف إنما وقع في صحة الاستثناء المنفصل من جهة اللغة، لا من جهة الشرع، ولا قياس في اللغة على ما سبق.\rالمسألة الثانية اختلف العلماء في صحة الاستثناء من غير الجنس: فجوزه أصحاب أبي حنيفة،\rومالك، والقاضي أبو بكر وجماعة من المتكلمين والنحاة، ومنع منه الاكثرون.\rوأما أصحابنا، فمنهم من قال بالنفي، ومنهم من قال بالاثبات.","part":2,"page":291},{"id":587,"text":"احتج من قال بالبطلان بأن الاستثناء استفعال مأخوذ من الثني، ومنه تقول: ثنيت الشئ إذا عطفت بعضه على بعض، وثنيت فلانا عن رأيه، وثنيت عنان الفرس.\rوحقيقته أنه استخراج بعض ما تناوله اللفظ، وذلك غير متحقق في مثل قول القائل رأيت الناس إلا الحمر لان الحمر المستثناة غير داخلة في مدلول المستثنى منه، حتى يقال بإخراجها وثنيها عنه، بل الجملة الاولى باقية بحالها، لم تتغير، ولا تعلق للثاني بالاول أصلا.\rومع ذلك فلا تحقق للاستثناء من اللفظ، ولا يمكن أن يقال بصحة الاستثناء بناء على ما وقع به الاشتراك من المعنى، بين والمستثنى منه، وإلا لصح استثناء كل شئ من كل شئ، ضرورة أنه ما من شيئين إلا وهما مشتركان في معنى عام لهما، وليس كذلك.\rكيف وأنه لو قال القائل جاء العلماء إلا الكلاب، وقدم الحاج إلا الحمير كان مستهجنا لغة وعقلا، وما هذا شأنه لا يكون وضعه مضافا إلى أهل اللغة.\rولقائل أن يقول: لا نسلم أن الاستثناء مأخوذ من الثني، بل من التثنية، وكأن الكلام كان واحدا فثني، وليس أحد الامرين أولى من الآخر.\rفإن قيل: لو كان الاستثناء مأخوذا من التثنية، لكان كل ما وجد فيه معنى التثنية من الكلام اسثناء، وليس كذلك.\rقلنا: ولو كان مأخوذا من الثني، لكان كل ما وجد فيه الثني والعطف استثناء، وليس كذلك.\rولهذا لا يقال لمن عطف الثوب بعضه على بعض، أو عطف عنان الفرس إنه استثناء.\rقولكم إن الاسثتناء استخراج بعض ما تناوله اللفظ دعوى في محل النزاع،\rوكيف يدعى ذلك مع قول الخصم بصحة الاستثناء من غير الجنس، ولا دخول للمستثنى تحت المستثنى منه.\rوما ذكرتموه من الاستقباح لا يدل على امتناع صحته في اللغة.\rولهذا فإنه لو قال القائل في دعائه يا رب الكلاب والحمير وخالقهم، ارزقني وأعطني كان مستهجنا، وإن كان صحيحا من جهة اللغة والمعنى.\rثم وإن سلمنا امتناع صحة الاستثناء من نفس الملفوظ به مطابقة، فما المانع من صحته، نظرا إلى ما وقع به الاشتراك بين المستثنى والمستثنى منه في المعنى اللازم","part":2,"page":292},{"id":588,"text":"المدلول للفظ مطابقه، كما قال الشافعي إنه لو قال القائل: لفلان علي مائة درهم إلا ثوبا فإنه يصح، ويكون معناه إلا قيمة ثوب، لاشتراكهما في ثبوت صفة القيمة لهما، وكما قاله أبو حنيفة في استثناء المكيل من الموزون، وبالعكس، لاشتراكهما في علة الربا.\rقولكم: لو صح ذلك لصح استثناء كل شئ من كل شئ، ليس كذلك.\rوما المانع أن تكون صحة الاستثناء مشروطة بمناسبة بين المستثنى والمستثنى منه، كما إذا قال القائل ليس لي نخل إلا شجر، ولا إبل إلا بقر، ولا بنت إلا ذكر ولا كذلك فيما إذا قال ليس لفلان بنت إلا أنه باع داره.\rوأما القائلون بالصحة، فقد احتجوا بالمنقول والمعقول: أما المنقول، فمن جهة القرآن، والشعر، والنثر.\rأما القرآن، فقوله تعالى: * (وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم.\rفسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين) * (7) الاعراف: 11) وإبليس لم يكن من جنس الملائكة، لقوله تعالى في آية أخرى * (إلا إبليس كان من الجن، ففسق عن أمر ربه) * (18) الكهف: 50) والجن ليسوا من جنس الملائكة، ولانه كان مخلوقا من نار على ما قال * (خلقتني من نار) * (7) الاعراف: 12) والملائكة من نور، ولان إبليس له ذرية على ما قال تعالى * (أفتتخذونه وذريته أولياء) * (18) الكهف: 50) ولا ذرية للملائكة، فلا يكون من جنسهم، وهو مستثنى منهم.\rوقوله تعالى: * (أفرأيتم\rما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الاقدمون، فإنهم عدو لي، إلا رب العالمين) * (26) الشعراء: 75، 77) استثنى الباري تعالى من جملة ما كانوا يعبدون من الاصنام وغيرها، والباري تعالى ليس من جنس شئ من المخلوقات.\rوقوله تعالى: * (وما لهم به من علم إلا اتباع الظن) * (4) النساء: 157) استثنى الظن من العلم، وليس من جنسه.\rوقوله تعالى * (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما، إلا قيلا سلاما سلاما) * (56) الواقعة: 25) استثنى السلام من اللغو، وليس من جنسه، وقوله تعالى: * (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) * (4) النساء: 29) والتجارة ليست من جنس الباطل، وقد استثناها منه.\rوقوله تعالى: * (فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون، إلا رحمة منا) * (36) يس: 43) استثنى الرحمة من نفي الصريخ والانقاذ، وليست من جنسه.\rوقوله تعالى: * (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) * (11) هود: 43) ومن رحم ليس بعاصم، بل معصوم، وليس المعصوم من جنس العاصم.","part":2,"page":293},{"id":589,"text":"وقوله تعالى: * (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا، إلا خطأ) * (4) النساء: 92) استثنى الخطأ من القتل، وليس من جنسه.\rوأما الشعر فمن ذلك قول القائل منهم: وبلدة ليس بها أنيس * * إلا اليعافير وإلا العيس والعيس ليست من جنس الانيس.\rوقال النابغة الذبياني: وقفت فيها أصيلا لا أسائلها * * عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا أواري لأيا ما أبينها * * والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد والاواري ليست من جنس الاحد.\rوقال: ولا عيب فينا غير أن سيوفنا * * بهن فلول من قراع الكتائب\rوليس فلول السيوف عيبا لاربابها، بل فخرا لهم، وقد استثناها من العيوب وليست من جنسها.\rوأما النثر فقول العرب: ما زاد إلا ما نقص، وما بالدار أحد إلا الوتد، وما جاءني زيد إلا عمرو.\rاستثنوا النقص من الزيادة، والوتد من أحد، وعمرا من زيد، وليس من جنسه.","part":2,"page":294},{"id":590,"text":"وأما المعقول فهو أن الاستثناء لا يرفع جميع المستثنى منه، فصح، كاستثناء الدراهم من الدنانير، وبالعكس.\rولقائل أن يقول: أما الآية الاولى، فلا نسلم أن إبليس لم يكن من جنس الملائكة.\rقولكم إنه كان من الجن، قلنا: لا منافاة بين الامرين: فإنه قد قال ابن عباس وغيره من المفسرين إن إبليس كان من الملائكة من قبيل يقال لهم الجن، لانهم كانوا خزان الجنان، وكان إبليس رئيسهم، وتسميته جنيا لنسبته إلى الجنة، كما يقال بغدادي ومكي.\rويحتمل أنه سمي بذلك لاجتنانه واختفائه، ويدل على كونه من الملائكة أمران: الاول: أن الله تعالى استثناه من الملائكة، والاصل أن يكون من جنسهم للاتفاق على صحة الاستثناء من الجنس ووقع الخلاف في غيره.\rالثاني: أن الامر بالسجود لآدم إنما كان للملائكة بدليل قوله تعالى: * (وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم) * (2) البقرة: 34) ولو لم يكن، إبليس من الملائكة، لما كان عاصيا للامر المتوجه إلى الملائكة، لكونه ليس منهم، إذ الاصل عدم أمر وراء ذلك الامر.\rودليل عصيانه قوله تعالى: * (إلا إبليس أبى واستكبر، وكان من الكافرين) * (2) البقرة: 34).\rقولكم إن إبليس له ذرية، ليس في ذلك ما ينافي كونه من جنس الملائكة.\rفلئن قلتم بأن التوالد لا يكون إلا من ذكر وأنثى والملائكة لا إناث فيهم، بدليل قوله تعالى: * (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) * (43) الزخرف: 19) ذكر ذلك في معرض\rالانكار والتوعد على قول ذلك.\rقلنا: إنما يلزم من ذلك الاناث في الملائكة أن لو امتنع حصول الذرية إلا من جنسين، وهو غير مسلم.\rقولكم: إن إبليس مخلوق من نار، والملائكة من نور، لا منافاة أيضا بين ذلك وبين كونه من الملائكة.\rوأما الآية الثانية، فاستثناء الرب تعالى فيها من المعبودين، وذلك قوله: * (ما كنتم تعبدون) * (26) الشعراء: 75) وهم كانوا ممن يعبد الله مع الاصنام، لانهم كانوا مشركين، لا جاحدين لله تعالى، فلا يكون الاستثناء من غير الجنس.","part":2,"page":295},{"id":591,"text":"وأما الآية الثالثة، فجوابها من وجهين: الاول: أن قوله تعالى: * (وما لهم به من علم إلا اتباع الظن) * (4) النساء: 157) عام في كل ما يسمى علما، والظن يسمى علما، ودليله قوله تعالى * (فإن علمتموهن مؤمنات) * (60) الممتحنة: 10) وأراد إن ظننتموهن لاستحالة اليقين بذلك، وذلك إن كان من الاسماء المتواطئة، فلا يكون الاستثناء من غير الجنس، وإن كان من الاسماء المشتركة أو المجازية، فهو من جملة الاسماء العامة كما سبق.\rالثاني: أن (إلا) فيها ليست للاستثناء، بل هي بمعنى (لكن) وكذلك الحكم فيما بعدها من الآيات.\rوأما استثناء (اليعافير والعيس) من (الانيس)، فليس استثناء من غير الجنس، لانها مما يؤنس بها، فهي من جنس الانيس، وإن لم تكن من جنس الانس، بل وقد يحصل الانس بالآثار والابنية والاشجار، فضلا عن الحيوان.\rوأما استثناء (الاواري) من (أحد) فإنما كان لانه كما يطلق الاحد على الآدمي، فقد يطلق على غيره من الحيوانات والجمادات ولذلك يقال: رأيت أحد الحمارين، وركبت أحد الفرسين، ورميت أحد الحجرين وأحد السهمين، فلم\rيكن الاستثناء من غير الجنس من حيث إن الاواري مما يصدق عليها لفظة (أحد) وبتقدير أن لا يكون من الجنس، فإلا ليست استثنائية حقيقة، بل بمعنى (لكن) كما سبق.\rوأما (فلول السيوف) فهو عيب في السيوف، وإن كان يسبب فلولها فخرا ومدحة لاربابها، فهو في الجملة استثناء من الجنس.\rوقول العرب: (ما زاد إلا ما نقص) تقديره: ما زاد شئ إلا الذي نقص أي ينقص، وهو اسثتناء من الجنس.\rوقولهم: (ما في الدار أحد إلا الوتد) فجوابه كما سبق في (الاواري) من (أحد).\rوقوله: (ما جاءني زيد إلا عمرو) فإلا بمعنى (لكن).\rوما ذكروه من المعقول، قولهم: إن الاستثناء لا يرفع جميع المستثنى منه، فشئ لا إشعار له بصحة الاستثناء من غير الجنس.","part":2,"page":296},{"id":592,"text":"وأما استثناء (الدراهم) من (الدنانير) وبالعكس، فهو أيضا محل النزاع عند القائلين بعدم صحة الاستثناء من غير الجنس، وإن تكلف بيان صحة الاستثناء من جهة اشتراكهما في النقدية وجوهرية الثمنية فآئل إلى الاستثناء من الجنس.\rالمسألة الثالثة اتفقوا على امتناع الاستثناء المستغرق كقوله: له علي عشرة إلا عشرة وإنما اختلفوا في استثناء النصف والاكثر، فذهب أصحابنا وأكثر الفقهاء والمتكلمين إلى صحة استثناء الاكثر حتى إنه لو قال له علي عشرة إلا تسعة لم يلزمه سوى درهم واحد.\rالقاضي أبو بكر في آخر أقواله، والحنابلة وابن درستويه النحوي إلى المنع من ذلك، وزاد القاضي أبو بكر والحنابلة القول بالمنع من استثناء المساوي.\rوقد نقل عن بعض أهل اللغة استقباح استثناء عقد صحيح، فلا يقول: له علي مائة\rإلا عشرة، بل خمسة، أو غير ذلك.\rاحتج من قال بصحة استثناء الاكثر والمساوي بالمنقول، والمعقول، والحكم.\rأما المنقول، فمن جهة القرآن، والشعر.\rأما القرآن فقوله تعالى: * (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) * (15) الحجر: 42) وقال * (لاغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين) * (38) ص: 83) فإن استووا، فقد استثنى المساوي، وإن تفاوتوا، فأيهما كان أكثر، فقد استثناه.\rكيف وإن الغاوين أكثر، بدليل قوله تعالى * (وقليل من عبادي الشكور) * (34) سبأ: 13) وقوله تعالى: * (ولا تجد أكثرهم شاكرين) * (7) الاعراف: 17) وقوله تعالى: * (وما أكثر الناس، ولو حرصت، بمؤمنين) * (12) يوسف: 103) ولكن أكثرهم لا يعقلون، ولا يؤمنون.\rوأما الشعر فقوله: أدوا التي نقصت تسعين من مائة * * ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا","part":2,"page":297},{"id":593,"text":"وأما المعقول فهو أن الاستثناء لفظ يخرج من الجملة ما لولاه لدخل فيها، فجاز إخراج الاكثر به، كالتخصيص بالدليل المنفصل، كاستثناء الاقل.\rهذا ما يخص الاكثر، وأما المساوي فدليله قوله تعالى: * (يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه) * (73) المزمل: 1) استثنى النصف، وليس بأقل.\rوأما الحكم فعام للاكثر والمساوي، وهو أنه لو قال له علي عشرة واستثنى منها خمسة، أو تسعة، فإنه يلزمه في الاول خمسة، وفي الثاني درهم، باتفاق الفقهاء.\rولولا صحة الاستثناء لما كان كذلك.\rوفي هذه الحجج ضعف، إذ لقائل أن يقول: أما الآية فالغاوون فيها، وإن كانوا أكثر من العباد المخلصين، بدليل النصوص المذكورة، فلا نسلم أن (إلا) في\rقوله إلا من اتبعك من الغاوين للاستثناء، بل هي بمعنى (لكن).\rوإن سلمنا أنها للاستثناء، ولكن نحن إنما نمنع من استثناء الاكثر، إذا كان عدد المستثنى والمستثنى منه مصرحا به، كما إذا قال له علي مائة إلا تسعة وتسعين درهما وأما إذا لم يكن العدد مصرحا به، كما إذا قال له خذ ما في الكيس من الدراهم سوى الزيوف منها فإنه يصح، وإن كانت الزيوف في نفس الامر أكثر في العدد، وكما إذا قال جاءني بنو تميم سوى الاوباش منهم فإنه يصح من غير استقباح وإن كان عدد الاوباش منهم أكثر.\rوأما الشعر، فلا استثناء فيه، بل معناه: أدوا المائة التي سقط منها تسعون، ولا يلزم أن يكون سقوطها بطريق الاستثناء.\rوما ذكروه من المعقول فحاصله يرجع إلى القياس في اللغة، وهو فاسد، كما سبق.\rكيف والفرق بين الاصل والفرع واقع من جهة الاجمال.","part":2,"page":298},{"id":594,"text":"أما التخصيص فمن جهة أنه قد يكون بدليل منفصل، وبغير دليل لفظي، كما يأتي.\rوأما استثناء الاقل، فلكونه غير مستقبح، كما إذا قال له علي عشرة إلا درهما ولا كذلك قوله له علي مائة إلا تسعة وتسعين.\rوأما قوله تعالى: * (يا أيها المزمل) * (73) المزمل: 1) فلا دلالة فيه على جواز استثناء النصف، إذ النصف غير مستثنى، وإنما هو ظرف للقيام فيه، وتقديره: قم الليل ونصفه إلا قليلا.\rوأما الحكم فدعوى الاتفاق عليه خطأ، فإن من لا يرى صحة استثناء الاكثر والمساوي، فهو عنده بمنزلة الاستثناء المستغرق.\rولو قال له علي عشرة إلا عشرة لزمه العشرة، وإنما ذهب إلى ذلك الفقهاء القائلون بصحة استثناء الاكثر والمساوي.\rوأما من قال بامتناع صحة استثناء الاكثر والمساوي، فقد احتج بأن الاستثناء على خلاف الاصل، لكونه إنكارا بعد إقرار، وجحدا بعد اعتراف.\rغير أنا خالفناه\rفي استثناء الاقل لمعنى لم يوجد في المساوي والاكثر، فوجب أن لا يقال بصحته فيه.\rوبيان ذلك من وجهين: الاول: أن المقر ربما أقر بمال، وقد وفى بعضه، غير أنه نسيه لقلته، وعند إقراره ربما تذكره فاستثناه.\rفلو لم يصح استثناؤه لتضرر، ولا كذلك في الاكثر والنصف، لانه قلما يتفق الذهول عنه.\rوالثاني: أنه إذا قال له علي مائة إلا درهما لم يكن مستقبحا وإذا قال له علي مائة إلا تسعة وتسعين كان مستقبحا والمستقبح في لغة العرب لا يكون من لغتهم.\rوهذه الحجة ضعيفة أيضا، إذ لقائل أن يقول: لا نسلم أن الاستثناء على خلاف الاصل، والقول بأنه إنكار بعد إقرار أنما يصح ذلك أن لو لم يكن المستثنى والمستثنى منه جملة واحدة وإلا فلا.\rوإن سلمنا عدم الاتحاد، ولكن لا نسلم مخالفة ذلك الاصل، بل الاصل قبوله لامكان صدق المتكلم به، ودفعا للضرر عنه، ويجب اعتقاد ذلك حتى لا يكون قبول ذلك في استثناء الاقل على خلاف الاصل.\rوالقول بأن ذلك مستقبح ركيك في لغة العرب ليس فيه ما يمنع مع ذلك من استعماله.\rولهذا، فإنه لو قال له علي عشرة إلا درهما كان مستحسنا ولو قال له علي عشرة إلا دانقا ودانقا...إلى تمام عشرين مرة، كان في غاية الاستقباح، وما منع ذلك من صحته واستعماله لغة.","part":2,"page":299},{"id":595,"text":"المسألة الرابعة الجمل المتعاقبة بالواو، إذا تعقبها الاستثناء رجع إلى جميعها عند أصحاب الشافعي رضي الله عنه، وإلى الجملة الاخيرة عند أصحاب أبي حنيفة.\rوقال القاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري وجماعة من المعتزلة: إن كان الشروع في الجملة الثانية إضرابا عن الاولى،، ولا يضمر فيها شئ مما في الاولى،\rفالاستثناء مختص بالجملة الاخيرة، لان الظاهر أنه لم ينتقل عن الجملة الاولى، مع استقلالها بنفسها إلى غيرها، إلا وقد تم مقصوده منها.\rوذلك على أقسام أربعة: الاول: أن تختلف الجملتان نوعا، كما لو قال أكرم بني تميم، والنحاة البصريون إلا البغاددة إذ الجملة الاولى أمر، والثانية خبر.\rالقسم الثاني: أن تتحدا نوعا وتختلفا اسما وحكما، كما لو قال أكرم بني تميم، واضرب ربيعة إلا الطوال إذ هما أمران.\rالثالث: أن تتحدا نوعا، وتشتركا حكما، لا اسما كما لو قال سلم على بني تميم، وسلم على بني ربيعة إلا الطوال.\rالرابع: أن تتحدا نوعا، وتشتركا اسما لا حكما، ولا يشترك الحكمان في غرض من الاغراض، كما لو قال سلم على بني تميم واستأجر بني تميم إلا الطوال.\rوأقوى هذه الاقسام في اقتضاء اختصاص الاستثناء بالجملة الاخيرة القسم الاول، ثم الثاني، ثم الثالث والرابع.\rوأما إن لم تكن الجملة الاخيرة مضربة عن الاولى، بل لها بها نوع تعلق، فالاستثناء راجع إلى الكل.\rوذلك أربعة أقسام.\rالقسم الاول: أن تتحد الجملتان نوعا واسما، لا حكما غير أن الحكمين قد اشتركا في غرض واحد، كما لو قال أكرم بني تميم وسلم على بني تميم إلا الطوال لاشتراكهما في غرض الاعظام.","part":2,"page":300},{"id":596,"text":"الثاني: أن تتحد الجملتان نوعا، وتختلفا حكما، واسم الاولى مضمر في الثانية، كما لو قال أكرم بني تميم، واستأجرهم إلا الطوال.\rالقسم الثالث: بالعكس من الذي قبله، كما لو قال أكرم بني تميم وربيعة إلا الطوال.\rالقسم الرابع: أن يختلف نوع الجمل المتعاقبة، إلا انه قد أضمر في الجملة الاخيرة ما تقدم، أو كان غرض الاحكام المختلفة فيها واحدا، كما في آية القذف، فإن جملها مختلفة النوع من حيث إن قوله تعالى * (فاجلدوهم ثمانين جلدة) * (24) النور: 4) أمر، وقوله * (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) * (24) النور: 4) نهي، وقوله * (وأولئك هم الفاسقون) * (24) النور: 4) خبر.\rغير أنها داخلة تحت القسم الاول من هذه الاقسام الاربعة، لاشتراك أحكام هذه الجمل في غرض الانتقام والاهانة، وداخلة تحت القسم الثاني، من جهة إضمار الاسم المتقدم فيها.\rوذهب المرتضى من الشيعة إلى القول بالاشتراك، وذهب القاضي أبو بكر والغزالي وجماعة من الاصحاب إلى الوقف.\rوالمختار انه، مهما ظهر كون (الواو) للابتداء فالاستثناء يكون مختصا بالجملة الاخيرة، كما في القسم الاول من الاقسام الثانية المذكورة لعدم تعلق إحدى الجملتين بالاخرى، وهو ظاهر.\rوحيث أمكن أن تكون (الواو) للعطف أو الابتداء، كما في باقي الاقسام السبعة فالواجب إنما هو الوقف.\rوتحقيق ذلك متوقف على ذكر حجج المخالفين وإبطالها، ولنبدأ من ذلك بحجج القائلين بالعود إلى الجميع: الحجة الاولى: أن الجمل المعطوف بعضها على بعض بمنزلة الجملة الواحدة، ولهذا فإنه لا فرق في اللغة بين قوله اضرب الجماعة التي منها قتلة وسراق وزناة، إلا من تاب وبين قوله اضرب من قتل وسرق وزنى، إلا من تاب فوجب اشتراكهما في عود الاستثناء إلى الجميع، وهي غير صحيحة.\rوذلك لانه إن قيل إنه لا فارق بين الجملة والجملتين في أمر ما، لزم أن يكون المتكثر واحدا والواحد متكثرا، وهو محال.\rوإن قيل بالفرق فلا بد من جامع موجب للاشتراك في الحكم.\rومع ذلك، فحاصله يرجع إلى القياس في اللغة، ولا سبيل إليه، لما تقدم.","part":2,"page":301},{"id":597,"text":"الحجة الثانية: أن الاجماع منعقد على أنه لو قال والله لا أكلت الطعام، ولا دخلت الدار، ولا كلمت زيدا واستثنى بقوله: إن شاء الله أنه يعود إلى الجميع.\rوهذه الحجة أيضا باطلة، فإن العلماء، وإن أطلقوا لفظ الاستثناء على التعليق على المشيئة، فمجاز، وليس باستثناء حقيقة، بل ذلك شرط، كما في قوله إن دخلت الدار ويدل على كونه شرطا لا استثناء أنه يجوز دخوله على الواحد، مع أن الواحد لا يدخله الاستثناء، وذلك كقوله أنت طالق إن شاء الله ولو قال أنت طالق طلقة إلا طلقة لم يصح، ووقع به طلقة.\rوكذل ك إذا قال له علي درهم إلا درهما وإذا كان شرطا، فلا يلزم من عوده إلى الجميع عود الاستثناء، إلا بطريق القياس، ولا بد من جامع مؤثر.\rومع ذلك، يكون قياسا في اللغة، وهو باطل بما سبق.\rوبهذا يبطل إلحاقهم الاستثناء بالشرط، وهو قولهم: الاستثناء غير مستقل بنفسه، فكان عائدا إلى الكل، كالشرط، وهو ما إذا قال أكرم بني تميم، وبني ربيعة إن دخلوا الدار في معنى قوله ان دخل بنو تميم وينو ربيعة الدار فاكرمهم ولو صرح بذلك كان صحيحا، ولا كذلك في الاستثناء.\rولهذا فإنه لو قال إلا أن يتوبوا، اضرب بني تميم وبني ربيعة لا يكون صحيحا.\rالحجة الثالثة: أن الحاجة قد تدعو إلى الاستثناء من جميع الجمل، وأهل اللغة مطبقون على أن تكرار الاستثناء في كل جملة مستقبح ركيك مستثقل، وذلك كما لو قال إن دخل زيد الدار فاضربه، إلا أن يتوب، وإن زنى فاضربه إلا أن يتوب فلم يبق سوى تعقب الاستثناء للجملة الاخيرة.\rولقائل أن يقول: وإن كان ذلك مطولا، غير أنه يعرف شمول الاستثناء للكل بيقين، فلا يكون مستقبحا، وإن كان مستقبحا، فإنما يمتنع أن لو كان وضع اللغة مشروطا بالمستحسن وهو غير مسلم.\rودليله أنه لو وقع الاستثناء كذلك،\rفإنه يصح لغة ويثبت حكمه: ولولا أنه من وضع اللغة، لما كان كذلك.","part":2,"page":302},{"id":598,"text":"الحجة الرابعة: إن الاستثناء صالح أن يعود إلى كل واحدة من الجمل، وليس البعض أولى من البعض، فوجب العود إلى الجميع، كالعام.\rولقائل أن يقول: كونه صالحا للعود إلى الجميع غير موجب لذلك، ولهذا فإن اللفظ إذا كان حقيقة في شئ ومجازا في شئ، فهو صالح للحمل على المجاز، ولا يجب حمله على المجاز.\rوما ذكروه من الالحاق بالعموم فغير صحيح، لما علم مرارا.\rالحجة الخامسة: أنه لو قال علي خمسة وخمسة إلا ستة فإنه يصح.\rولو كان مختصا بالجملة الاخيرة لما صح، لكونه مستغرقا لها.\rقلنا: لا نسلم صحة الاستثناء على رأي لنا.\rوإن سلمنا فإنما عاد إلى الجميع، لقيام الدليل عليه، وذلك لانه لا بد من إعمال لفظه مع الامكان، وقد تعذر استثناء الستة من الجملة الاخيرة، لكونه مستغرقا لها، وهو صالح للعود إلى الجميع فحمل عليه: ومع قيام الدليل على ذلك، فلا نزاع، وإنما النزاع فيما إذا ورد الاستثناء مقارنا للجملة الاخيرة من غير دليل يوجب عوده إلى ما تقدم.\rالحجة السادسة: أنه لو قال القائل بنو تميم وربيعة أكرموهم إلا الطوال فإن الاستثناء يعود إلى الجميع، فكذلك إذا تقدم الامر بالاكرام، ضرورة اتحاد المعنى.\rولقائل أن يقول: حاصل ما ذكروه يرجع إلى القياس في اللغة، وهو باطل لما علم، كيف والفرق ظاهر، لانه إذا تأخر الامر عن الجمل، فقد اقترن باسم الجميع، وهو قوله أكرموهم بخلاف الامر المتقدم، فإنه لم يتصل باسم الفريقين، بل باسم الفريق الاول.\rالحجة السابعة: أنه إذا قال القائل اضربوا بني تميم وبني ربيعة إلا من دخل\rالدار فمعناه من دخل من الفريقين.\rولقائل أن يقول: ليس تقدير هذا المعنى أولى من تقدير إلا من دخل من ربيعة.\rوأما حجج القائلين بعود الاستثناء إلى الجملة الاخيرة، فمن جهة النص والمعقول.","part":2,"page":303},{"id":599,"text":"أما النص فقوله تعالى * (والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا) * (24) النور: 4 - 5) فإنه راجع إلى قوله وأولئك هم الفاسقون ولم يرجع إلى الجلد بالاتفاق.\rوأيضا قوله تعالى * (فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله) * (4) النساء: 92) وقوله * (إلا أن يصدقوا) * (4) النساء: 92) راجع إلى الدية دون الاعتاق بالاتفاق.\rقلنا: أما الآية الاولى، فلا نسلم اختصاص الاستثناء بالجملة الاخيرة منها، بل هو عائد إلى جميع الجمل عدا الجلد، لدليل دل عليه، وهو المحافظة على حق الآدمي.\rأما الآية الاخرى، فإنما امتنع عود الاستثناء إلى الاعتاق، لانه حق الله تعالى، وتصدق الولي لا يكون مسقطا لحق الله تعالى.\rوأما من جهة المعقول فحجج: الحجة الاولى أن الاستثناء من الجملة إذا تعقبه استثناء كان الاستثناء الثاني عائدا إلى الجملة الاستثنائية، لا إلى الجملة الاولى، فدل على اختصاص الاستثناء بالجملة المقارنة دون المتقدمة، وإلا كان عدم عوده إلى المتقدمة على خلاف الاصل، وذلك كما لو قال له علي عشرة إلا أربعة إلا اثنين فإن الاستثناء الثاني يختص بالاربعة دون العشرة.\rولقائل أن يقول: الاستثناء الثاني إما أن يكون بحرف عطف أو لا بحرف عطف.\rفإن كان الاول، فهو راجع إلى الجملة المستثنى منها كقوله له علي عشرة إلا ثلاثة، وإلا اثنين فيكون المقر به خمسة.\rوإن كان الثاني، كقوله له علي\rعشرة إلا أربعة إلا اثنين فإنما امتنع عوده إلى الجملة المستثنى منها لدليل، لا لعدم اقتضائه لذلك لغة، وذلك، أن الاستثناء الثاني لو عاد إلى الجملة المستثنى منها فإما أن يعود إليها لا غير، أو إليها وإلى الاستثناء: الاول ممتنع، لان الاجماع منعقد على دخول الاستثناء الاول تحت الاستثناء الثاني، فقطعه عنه ورده إلى الجملة المستثنى منها لا غير، يكون على خلاف الاجماع وإن كان عائدا إلى الاستثناء والمستثنى والمستثنى منه فالمستثنى منه إثبات فالاستثناء منه يكون نفيا، لان الاستثناء من الاثبات نفي، والاستثناء من الاستثناء يكون إثباتا، لان الاستثناء من النفي إثبات","part":2,"page":304},{"id":600,"text":"على ما يأتي تقريره عن قريب، وذلك ممتنع لوجهين: الاول: أنه يلزم منه أن يكون قد أثبت لعوده إلى أحدهما مثل ما نفاه عن الآخر، ويكون جابرا للنفي بالاثبات، ويبقى ما كان متحققا قبل الاستثناء الثاني بحاله وفيه إلغاء الاستثناء الثاني وخروجه عن التأثير، وهو خلاف الاجماع.\rالوجه الثاني: أنه يلزم منه أن يكون بعوده إلى الجملة الاولى قد نفى عنها مثل ما أثبته لها بعوده إلى الاستثناء الثاني، فيكون الاستثناء الواحد مقتضيا لنفي شئ وإثباته بالنسبة إلى شئ واحد، وهو محال.\rالحجة الثانية: أن الجملة الاخيرة حائلة بين الاستثناء والجملة الاولى، فكان ذلك مانعا من العود إليها كالسكوت.\rولقائل أن يقول: إنما يصح ذلك أن لو لم يكون الكلام كله بمنزلة جملة واحدة.\rوأما إذا كان كالجملة الواحدة، فلا.\rالحجة الثالثة: أنه استثناء تعقب جملتين، فلا يكون بظاهره عائدا إليهما، كما لو قال أنت طالق ثلاثا وثلاثا إلا أربعة فأنه لا يعود إلى الجميع وإلا لوقع به طلقتان لا ثلاث طلقات.\rقلنا: لا نسلم امتناع عوده إلى الجميع، بل هو عائد إلى الجميع، والواقع طلقتان على رأي لنا.\rوإن سلمنا امتناع عوده إلى الجميع، فلان المعتبر من قوله ثلاثا وثلاثا إنما هو الجملة الاولى دون الثانية.\rفلو عاد الاستثناء إليها لكان مستغرقا وهو باطل.\rالحجة الرابعة: أن دخول الجملة الاولى تحت لفظه معلوم، ودخولها تحت الاستثناء مشكوك فيه، والشك لا يرفع اليقين.\rقلنا: لا نسلم تيقن دخوله مع اتصال الاستثناء بالكلام، ثم وإن كان ذلك مما يمنع من عود الاستثناء إلى الجمل المتقدمة، فهو مانع من اختصاصه بالجملة الاخيرة لجواز عوده بالدليل إلى الجملة المتقدمة دون المتأخرة، ثم يلزم منه أن لا يعود الشرط والصفة على باقي الجمل لما ذكروه، وهو عائد عند أكثر القائلين باختصاص الاستثناء بالجملة الاخيرة.","part":2,"page":305},{"id":601,"text":"الحجة الخامسة: أنه لما كان الاستثناء مما تدعو الحاجة إليه، ولا يستقل بنفسه دعت الحاجة إلى عوده إلى غيره، وهذه الحاجة والضرورة مندفعة بعوده إلى ما يليه، فلا حاجة إلى عوده إلى غيره، إذ هو خارج عن محل الحاجة، وإنما وجب اختصاصه بما يليه دون غيره لوجهين.\rالاول: أنه إذا ثبت اختصاصه بجملة واحدة وجب عوده إلى ما يليه لامتناع عوده إلى غيره بالاجماع.\rالثاني: أنه قريب منه، والقرب مرجح، ولهذا وجب عود الضمير في قولهم جاء زيد وعمرو أبوه منطلق إلى عمرو، لكونه أقرب مذكور، فكان ما يلي الفعل من الاسمين اللذين لا يظهر فيهما الاعراب بالفاعلية أولى كقولهم ضربت سلمى سعدى.\rوهذه الحجة أيضا مدخولة، إذ لقائل أن يقول ما ذكرتموه إنما يصح أن لو\rلم تكن الحاجة ماسة إلى عود الاستثناء إلى كل ما تقدم، وذلك غير مسلم، وإذا كانت الحاجة ماسة إلى عوده إلى كل ما تقدم، فلا تكون الحاجة مندفعة بعوده إلى ما يليه فقط.\rثم ما ذكرتموه منتقض بالشرط والصفة.\rوإن سلمنا أنه لا ضرورة، ولكن لم قلتم بامتناع عوده إلى ما تقدم وإن لم تكن ثم ضرورة، ولهذا فإنه لو قام دليل على إرادة عوده إلى الجميع فإنه يكون عائدا إليه إجماعا.\rوإنما الخلاف في كونه حقيقة في الكلام أم لا.\rالحجة السادسة: ذكرها القلانسي، وهي أن قال: نصب ما بعد الاستثناء في الاثبات إنما كان بالفعل المتقدم بإعانة (إلا) على ما هو مذهب أكابر البصريين، فلو قيل إن الاستثناء يرجع إلى جميع الجمل، لكان ما بعد (إلا) منتصبا بالافعال المقدرة في كل جملة، ويلزم منه اجتماع عاملين على معمول واحد، وذلك لا يجوز، لانه بتقدير مضادة أحد العاملين في عمله للعامل الآخر يلزم منه أن يكون المعمول الواحد مرفوعا منصوبا معا، وذلك كما لو قلت: ما زيد بذاهب، ولا قام عمرو وهو","part":2,"page":306},{"id":602,"text":"محال، ولانه إما أن يكون كل واحد مستقلا بالاعمال أو لا كل واحد منهما مستقل، أو المستقل البعض دون البعض.\rفإن كان الاول، لزم من ذلك عدم استقلال كل واحد، ضرورة أنه لا معنى لكون كل واحد مستقلا، إلا أن الحكم ثبت به دون غيره.\rوإن كان الثاني، فهو خلاف الفرض، وإن كان الثالث، فليس البعض أولى من البعض.\rولقائل أن يقول: لا نسلم أنه إذا قال قام القوم إلا زيدا أن زيدا منصوب بقام، وإن سلمنا أنه منصوب بقام، لكن بالفعل المحقق أو المقدر في كل جملة.\rالاول مسلم، والثاني ممنوع.\rوالفعل المحقق غير زائد على واحد.\rوأما حجج القائلين بالاشتراك فثلاث:\rالحجة الاولى: أنه يحسن الاستفهام من المتكلم عن إرادة عود الاستثناء إلى ما يليه أو إلى الكل، ولو كان حقيقة في أحد هذه المحامل دون غيره، لما حسن ذلك، وذلك يدل على الاشتراك وهذه الحجة مدخولة، لجواز أن يكون الاستفهام لعدم المعرفة بالمدلول الحقيقي والمجازي أصلا، كما تقوله الواقفية، أو لانه حقيقة في البعض، مجاز في البعض، والاستفهام للحصول على اليقين ودفع الاحتمال البعيد، كما بيناه فيما تقدم.\rالحجة الثانية: أنه يصح إطلاق الاستثناء، وإرادة عوده إلى ما يليه، وإلى الجمل كلها، وإلى بعض الجمل المتقدمة دون البعض، بإجماع أهل اللغة، والاصل في الاطلاق الحقيقة، والمعاني مختلفة، فكان مشتركا.\rولقائل أن يقول: متى يكون الاصل في الاطلاق الحقيقة إذا أفضى إلى الاشتراك المخل بمقصود أهل الوضع من وضعهم أو إذا لم يفض ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rثم وإن كان ذلك هو الاصل مطلقا، غير أنه أمر ظني، ولم قلتم بإمكان التمسك به فيما نحن فيه، على ما هو معلوم من قاعدة الواقفية.\rالحجة الثالثة: أن الاستثناء فضلة لا تستقل بنفسها، فكان احتمال عوده إلى ما يليه، وإلى جميع الجمل مساويا، كالحال وظرف الزمان والمكان في قوله ضربت زيدا وعمرا قائما في الدار يوم الجمعة.\rولقائل أن يقول: لا نسلم صحة ما ذكره في الحال والظرف بل هو عائد إلى الكل أو ما يليه على اختلاف المذهبين، وإن سلم ذلك، غير أنه آئل إلى القياس في اللغة، وهو باطل كما سبق.","part":2,"page":307},{"id":603,"text":"المسألة الخامسة مذهب أصحابنا أن الاستثناء من الاثبات نفي، ومن النفي إثبات، خلافا\rلابي حنيفة.\rودليلنا في ذلك أن القائل إذا قال لا إله إلا الله كان موحدا مثبتا للالوهية لله سبحانه وتعالى، ونافيا لها عما سواه.\rولو كان نافيا للالوهية عما سوى الرب تعالى غير مثبت لها بالنسبة إلى الرب تعالى، لما كان ذلك توحيدا لله تعالى، لعدم إشعار لفظه بإثبات الالوهية لله تعالى، وذلك خلاف الاجماع.\rوأيضا فإنه إذا قال القائل: لا عالم في البلد إلا زيد كان ذلك من أدل الالفاظ على علم زيد وفضيلته، وكان ذلك متبادرا إلى فهم كل سامع لغوي، ولو كان نافيا للعلم عما سوى زيد، غير مثبت للعلم لزيد، لما كان كذلك.\rوعلى هذا النحو في كل ما هو من هذا القبيل.\rفإن قيل: لو كان الاستثناء من النفي إثباتا، لكان قوله، صلى الله عليه وسلم لا صلاة إلا بطهور، ولا نكاح إلا بولي، ولا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء مقتضيا تحقق الصلاة عند وجود الطهور، والنكاح عند وجود الولي، والبيع عند المساواة ولما لم يكن كذلك، علم أن المراد بالاستثناء إخراج المستثنى عن دخوله في المستثنى منه، وأنه غير متعرض لنفيه ولا إثباته.\rقلنا: الطهور والولي والمساواة لا يصدق عليه اسم ما استثني منه، فكان استثناء من غير الجنس، وهو باطل بما تقدم، وإنما سبق ذلك لبيان اشتراط الطهور في الصلاة، والولي في النكاح، والمساواة في صحة بيع البر بالبر.\rوالشرط وإن لزم من فواته فوات المشروط، فلا يلزم من وجوده وجود المشروط لجواز انتفاء المقتضي أو فوات شرط آخر، أو وجود مانع، والله أعلم.","part":2,"page":308},{"id":604,"text":"النوع الثاني التخصيص بالشرط والنظر في حده وأقسامه وصيغ الشرط اللغوي وأحكامه\rأما حده، قال الغزالي: هو ما لا يوجد المشروط دونه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده.\rوهو فاسد من وجهين: الاول: أن فيه تعريف الشرط بالمشروط، والمشروط مشتق من الشرط، فكان أخفى من الشرط، وتعريف الشئ بما هو أخفى منه ممتنع.\rالثاني: أنه يلزم عليه جزء السبب إذا اتحد، فإنه لا يوجد الحكم دونه، ولا يلزم من وجود الحكم عند وجوده، وليس بشرط.\rوقال بعض أصحابنا: الشرط هو الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر في تأثيره، لا في ذاته.\rوهو فاسد أيضا فإن الحياة القديمة شرط في وجود علم الباري تعالى وكونه عالما، ولا تأثير ولا مؤثر.\rوالحق في ذلك أن يقال: الشرط هو ما يلزم من نفيه نفي أمر ما على وجه لا يكون سببا لوجوده، ولا داخلا في السبب.\rويدخل في هذا الحد شرط الحكم، وهو ظاهر، وشرط السبب، من حيث إنه يلزم من نفي شرط السبب انتفاء السبب وليس هو سبب السبب، ولا جزؤه، وفيه احتراز عن انتفاء الحكم لانتفاء مداركه، وعن انتفاء المدرك المعين وجزئه.\rوهو منقسم إلى شرط عقلي، كالحياة للعلم والارادة، وإلى شرعي، كالطهارة للصلاة، والاحصان للرجم، وإلى لغوي.\rوصيغه كثيرة، وهي: إن الخفيفة، وإذا، ومن، ومهما، وحيثما، وأينما، وإذما.","part":2,"page":309},{"id":605,"text":"وأم هذه الصيغ (إن) الشرطية، لانها حرف، وما عداها من أدوات الشرط أسماء.\rوالاصل في إفادة المعاني للاسماء إنما هو الحروف، ولانها تستعمل في جميع\rصور الشرط، بخلاف أخواتها، فإن كل واحدة منها تختص بمعنى لا تجري في غيره: (فمن) لمن يعقل، و (ما) لما لا يعقل، و (إذا) لما لا بد من وقوعه كقولك: إذا احمر البسر فأتنا ونحو ذلك.\rوأما أحكامه: فمنها أنه يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، وذلك ضربان: الاول: أن يخرج منه ما علمنا خروجه بدليل آخر، كقوله أكرم بني تميم إن استطعت فإنه يخرج من الكلام حالة عدم الاستطاعة، وإن كان ذلك معلوما دون قوله، فيكون قوله مؤكدا.\rالثاني: أنه يخرج منه ما لا يعلم خروجه دونه، كقوله أكرم بني تميم إن دخلوا الدار فإنه يخرج منه حالة عدم دخول الدار، ولولا الشرط لعم الاكرام جميع الاحوال، ولم يكن العلم بعدم الاكرام حالة عدم دخول الدار حاصلا لنا، فكان مخصصا للعموم.\rوعلى كل تقدير، لا يخلو إما أن يتحد الشرط والمشروط، أو يتحد الشرط، ويتعدد المشروط، أو بالعكس، أو يتعددان معا.\rفإن اتحد الشرط والمشروط، فمثاله ما سبق.\rوأما إن اتحد الشرط، وتعدد المشروط، فإما أن تكون المشروطات على الجمع، وعلى البدل: فإن كانت على الجمع، كقوله إن دخل زيد الدار فأعطه دينارا ودرهما وإن كانت على البدل، كقوله إن دخل زيد الدار فأعطه دينارا أو درهما فالحكم كما لو اتحد المشروط.","part":2,"page":310},{"id":606,"text":"وأما إن تعدد الشرط، واتحد المشروط، فإما أن تكون الشروط على الجمع أو البدل: فإن كان الاول، فكقوله أكرم بني تميم أبدا إن دخلوا الدار والسوق فمقتضى ذلك توقف الاكرام على اجتماع الشرطين، واختلاله باختلال أحدهما.\rوإن كان على البدل كقوله أكرم بني تميم إن دخلوا السوق أو الدار فمقتضى ذلك توقف الاكرام على تحقق أحد الشرطين، واختلاله عند اختلالهما جميعا.\rوأما إن تعدد الشرط والمشروط، فإما أن يكون الشرط والمشروط على الجمع أو البدل، أو الشرط على الجمع، والمشروطات على البدل، أو بالعكس: فإن كان القسم الاول كقوله إن دخل زيد الدار والسوق فأعطه درهما ودينارا فالاعطاء متوقف على اجتماع الشرطين، ومختل باختلالهما، أو باختلال أحدهما.\rوإن كان القسم الثاني فكقوله إن دخل زيد الدار أو السوق فأعطه درهما أو دينارا فإعطاء أحد الامرين متوقف على تحقق أحد الشرطين، واختلاله باختلال مجموع الامرين.\rوإن كان القسم الثالث كقوله إن دخل زيد الدار والسوق فأعطه درهما أو دينارا فإعطاء أحد الامرين متوقف على اجتماع الشرطين، واختلاله باختلال أحدهما.\rوإن كان الرابع كقوله إن دخل زيد الدار أو السوق، فأعطه درهما ودينارا فإعطاء الامرين متوقف على أحد الشرطين، ومختل باختلالهما معا، وسواء كان حصول الشرط دفعة، أو لا دفعة، بل شيئا فشيئا.\rومن أحكامه أنه لا بد من اتصاله بالمشروط لما تقدم في الاستثناء، وأنه يجوز تقديمه على المشروط وتأخيره، وإن كان الوضع الطبيعي له إنما هو صدر الكلام والتقدم على المشروط لفظا، لكونه متقدما عليه في الوجود طبعا.\rولو تعقب الشرط للجمل المتعاقبة، فقد اتفق الشافعي وأبو حنيفة على عوده إلى جميعها خلافا لبعض النحاة في اعتقاده اختصاصه بالجملة التي تليه كانت متقدمة أو متأخرة.\rوالكلام في الطرفين فعلى ما سبق في الاستثناء.\rوالمختار كالمختار، ولا يخفى وجهه.","part":2,"page":311},{"id":607,"text":"النوع الثالث تخصيص العام بالصفة وهي لا تخلو إما أن تكون مذكورة عقب جملة واحدة أو جمل: فإن كان الاول، كقوله اكرم بني تميم الطوال فإنه يقتضي اختصاص الاكرام بالطوال منهم، ولولا ذلك لعم الطوال والقصار، فكانت الصفة مخرجة لبعض ما كان داخلا تحت اللفظ لولا الصفة.\rوإن كان الثاني كقوله أكرم بني تميم وبني ربيعة الطوال فالكلام في عود الصفة إلى ما يليها، أو إلى الجميع، كالكلام في الاستثناء.","part":2,"page":312},{"id":608,"text":"النوع الرابع التخصيص بالغاية وصيغها إلى، وحتى، ولا بد وأن يكون حكم ما بعدها مخالفا لما قبلها، وإلا كانت الغاية وسطا، وخرجت عن كونها غاية، ولزم من ذلك إلغاء دلالة إلى، وحتى، وهي لا تخلو أيضا إما أن تكون مذكورة عقب جملة واحدة أو جمل متعددة.\rفإن كان الاول، فإما أن تكون الغاية واحدة، أو متعددة.\rفإن كانت واحدة كقوله أكرم بني تميم أبدا إلى أن يدخلوا الدار فإن دخول الدار يقتضي اختصاص الاكرام بما قبل الدخول، وإخراج ما بعد الدخول عن عموم اللفظ.\rولولا ذلك، لعم الاكرام حالة ما بعد الدخول.\rوإن كانت متعددة فلا يخلو إما أن تكون على الجمع، أو على البدل: فالاول كقوله أكرم بني تميم أبدا إلى أن يدخلوا الدار، ويأكلوا الطعام فمقتضى ذلك استمرار الاكرام إلى تمام الغايتين، دون ما بعدهما.\rوالثاني كقوله أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا الدار أو السوق فمقتضى ذلك استمرار الاكرام إلى انتهاء إحدى الغايتين، أيهما كانت، دون ما بعدها.\rوأما إن كانت الغاية مذكورة عقب جمل متعددة، فالكلام في اختصاصها\rبما يليها.\rوفي عودها إلى جميع الجمل، كالكلام في الاستثناء، وسواء كانت الغاية واحدة أو متعددة، على الجمع أو البدل.\rولا تخفى أمثلتها، ووجه الكلام فيها، وسواء كانت الغاية معلومة الوقوع في وقتها، كقوله إلى أن تطلع الشمس أو غير معلومة الوقت، كقوله إلى دخول الدار.","part":2,"page":313},{"id":609,"text":"القسم الثاني في التخصيص بالادلة المنفصلة وفيه أربع عشرة مسألة المسألة الاولى مذهب الجمهور من العلماء جواز تخصيص العموم بالدليل العقلي، خلافا لطائفة شاذة من المتكلمين.\rودليل ذلك أن قوله تعالى * (الله خالق كل شئ) * (39) الزمر: 62) وقوله * (وهو على كل شئ قدير) * (5) المائدة: 120) متناول بعموم لفظه لغة، كل شئ، مع أن ذاته وصفاته أشياء حقيقة، وليس خالقا لها، ولا هي مقدورة له، لاستحالة خلق القديم الواجب لذاته، واستحالة كونه مقدورا بضرورة العقل، فقد خرجت ذاته وصفاته بدلالة ضرورة العقل عن عموم اللفظ، وذلك مما لا خلاف فيه بين العقلاء، ولا نعني بالتخصيص سوى ذلك، فمن خالف في كون دليل العقل مخصصا مع ذلك، فهو موافق على معنى التخصيص، ومخالف في التسمية.\rوكذلك قوله تعالى * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * (3) آل عمران: 97) فإن الصبي والمجنون من الناس حقيقة، وهما غير مرادين من العموم، بدلالة نظر العقل على امتناع تكليف من لا يفهم ولا معنى للتخصيص سوى ذلك.\rفإن قيل نحن لا ننكر أن ذات الباري تعالى وصفاته وأن الصبي والمجنون مما لم\rيرد باللفظ، وإنما ننكر كون دليل العقل مخصصا لثلاثة أوجه.","part":2,"page":314},{"id":610,"text":"الاول: أن التخصيص إخراج بعض ما تناوله اللفظ عنه، وهو غير متصور فيما ذكرتموه وبيانه، أن دلالات الالفاظ على المعاني ليست لذواتها، وإلا كانت دالة عليها قبل المواضعة، وإنما دلالتها تابعة لمقصد المتكلم وإرادته، ونحن نعلم بالضرورة أن المتكلم لا يريد بلفظه الدلالة على ما هو مخالف لصريح العقل فلا يكون لفظه دالا عليه لغة، ومع عدم الدلالة اللغوية على الصورة المخرجة، لا يكون تخصيصا.\rالثاني: أن التخصيص بيان، والمخصص مبين.\rوالبيان إنما يكون بعد سابقة الاشكال، فيجب أن يكون البيان متأخرا عن المبين، ودليل العقل سابق فلا يكون مبينا ولا مخصصا كالاستثناء المقدم.\rالثالث: أن التخصيص بيان، فلا يجوز بالعقل، كالنسخ.\rثم وإن سلمنا دلالة اللفظ لغة على ما ذكرتموه، وجواز كون المخصص متقدا، ولكن ما المانع أن تكون صحة الاحتجاج بالدليل العقلي مشروطة بعدم معارضة عموم الكتاب له، وبتقدير الاشتراط بذلك لا يكون حجة في التمسك به، على الكتاب.\rوإن سلمنا صحة التخصيص في الآيتين المذكورتين أولا، ولكن لا نسلم صحة تخصيص الصبي والمجنون عن عموم آية الحج، فإن ما ذكرتموه مبني على امتناع خطابهما، وكيف يمكن دعوى ذلك مع دخولهما تحت الخطاب بأروش الجنايات وقيم المتلفات.\rوإجماع الفقهاء على صحة صلاة الصبي، واختلافهم في صحة إسلامه، ولولا إمكان دخوله تحت الخطاب، لما كان كذلك.\rوالجواب عن الاول: قولهم، إن دلالات الالفاظ ليست لذواتها مسلم، وأنه لا بد في دلالتها من قصد الواضع لها دالة على المعنى.\rقولهم: العاقل لا يقصد بلفظة الدلالة على ما هو ممتنع بصريح العقل.\rقلنا: ذلك ممتنع بالنظر إلى ما وضع اللفظ عليه لغة، أو بالنظر إلى إرادته من اللفظ ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rوعند ذلك، فلا منافاة بين كون اللفظ دالا على المعنى لغة، وبين كونه غير مراد من اللفظ.","part":2,"page":315},{"id":611,"text":"قولهم إن حق المخصص أن يكون متأخرا عما خصصه.\rقلنا: يجب أن يكون متأخرا بالنظر إلى ذاته، أو بالنظر إلى صفته، وهو كونه مبينا ومخصصا ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rوذلك لان دليل العقل، وإن كان متقدما في ذاته على الخطاب المفروض، غير أنه لا يوصف قبل ذلك بكونه مخصصا لما يوجد، وإنما يصير مخصصا ومبينا بعد وجود الخطاب.\rوأما الاستثناء فإنما لم يجز تقديمه، لان المتكلم به لا يعد متكلما بكلام أهل اللغة، كما إذا قال إلا زيدا ثم قال بعد ذلك قام القوم.\rوهذا بخلاف التخصيص، فإنه إذا قال * (الله خالق كل شئ) * (39) الزمر: 62) وقام الدليل العقلي على أنه لم يرد بكلامه ذات الباري تعالى، فإنه لا يخرج بذلك الكلام عن كونه متكلما بكلام العرب.\rوأما امتناع النسخ بالعقل،، فإنما كان من جهة أن الناسخ معرف لبيان مدة الحكم المقصودة في نظر الشارع، وذلك ما لا سبيل إلى الاطلاع عليه بمجرد قولهم: العقل، بخلاف معرفة استحالة كون ذات الرب تعالى مخلوقة مقدورة قولهم ما المانع أن يكون التمسك بدليل العقل مشروطا بعدم معارضة الكتاب له.\rقلنا: إذ وقع التعارض بينهما، وأحدهما مقتض للاثبات، والآخر للنفي، فلا سبيل إلى الجمع بين موجبيهما، لما فيه من التناقض، ولا إلى نفيهما، لما فيه من وجود واسطة بين النفي والاثبات، فلم يبق إلا العمل بأحدهما والعمل بعموم اللفظ مما يبطل دلالة صريح العقل بالكلية، وهو محال، والعمل بدليل العقل لا يبطل عموم الكتاب بالكلية، بل غايته إخراج بعض ما تناوله اللفظ من جهة اللغة،\rعن كونه مرادا للمتكلم، وهو غير ممتنع، فكان العمل بدليل العقل متعينا.","part":2,"page":316},{"id":612,"text":"قولهم إن الصبي والمجنون داخلان تحت الخطاب بأروش الجنايات وقيم المتلفات ليس كذلك.\rفإنا إن نظرنا إلى تعلق الحق بمالهما، فهو ثابت بخطاب الوضع والاخبار، وهو غير متعلق بالصبي والمجنون، وإن نظرنا إلى وجوب الاداء الثابت بخطاب التكليف، فهو متعلق بفعل وليهما، لا بفعلهما.\rوأما صحة صلاة الصبي واختلاف الناس في صحة إسلامه، فلا يدل ذلك على كونه داخلا تحت خطاب التكليف بالصلاة والاسلام.\rأما صحة الصلاة، فمعناها انعقادها سببا لثوابه، وسقوط الخطاب عنه بها إذا صلى في أول الوقت، وبلغ في آخره، لا بمعنى أنه امتثل أمر الشارع، حتى يكون داخلا تحت خطاب التكليف من الشارع، بل إن كان ولا بد، فهو داخل تحت خطاب الولي لفهمه بخطابه، دون خطاب الشرع.\rوعلى هذا، يكون الجواب عن صحة إسلامه عند من يقول بذلك، وبتقدير امتناع تخصيص الصبي بدليل العقل مع تسليم جواز التخصيص به في الجملة، كما تقدم بيانه، فغير مضر ولا قادح، فإنه ليس المقصود تحقيق ذلك في آحاد الصور.\rوكما ان دليل العقل قد يكون مخصصا للعموم، فكذلك دليل الحس، وذلك كما في قوله تعالى * (تدمر كل شئ) * (46) الاحقاف: 25) مع خروج السموات والارض عن ذلك حسا، وكذلك قوله تعالى * (ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم) * (51) الذاريات: 42) وقد أتت على الارض والجبال، ولم تجعلها رميما، بدلالة الحس، فكان الحس هو الدال على أن ما خرج عن عموم اللفظ لم يكن مرادا للمتكلم، فكان مخصصا.","part":2,"page":317},{"id":613,"text":"المسألة الثانية اتفق العلماء على جواز تخصيص الكتاب بالكتاب، خلافا لبعض الطوائف.\rودليله المنقول، والمعقول.\rوأما المنقول فهو أن قوله * (وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * (65) الطلاق: 4) ورد مخصصا لقوله تعالى * (والذين يتوفون منكم، ويذرون أزواجا، يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) * (2) البقرة: 234) وقوله تعالى * (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) * (5) المائدة: 5) ورد مخصصا لقوله تعالى * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * (2) البقرة: 221) والوقوع دليل الجواز.\rوأما المعقول فهو أنه إذا اجتمع نصان من الكتاب، أحدهما عام، والآخر خاص، وتعذر الجمع بين حكميهما، فإما أن يعمل بالعام أو الخاص: فإن عمل بالعام لزم منه إبطال الدليل الخاص مطلقا، ولو عمل بالخاص لا يلزم منه إبطال العام مطلقا، لامكان العمل به فيما خرج عنه، كما سبق، فكان العمل بالخاص أولى، ولان الخاص أقوى في دلالته، وأغلب على الظن لبعده عن احتمال التخصيص، بخلاف العام، فكان أولى بالعمل.\rوعند ذلك، فإما أن يكون الدليل الخاص المعمول به ناسخا لحكم العام في الصورة الخارجة عنه، أو مخصصا له.\rوالتخصيص أولى من النسخ لثلاثة أوجه: الاول: أن النسخ يستدعي ثبوت أصل الحكم في الصورة الخاصة ورفعه بعد ثبوته، والتخصيص ليس فيه سوى دلالته على عدم إرادة المتكلم للصور المفروضة بلفظ العام، فكان ما يتوقف عليه النسخ أكثر مما يتوقف عليه التخصيص، فكان التخصيص أولى.\rالثاني: أن النسخ رفع بعد الاثبات، والتخصيص منع من الاثبات، والدفع أسهل من الرفع.\rالثالث: أن وقوع التخصيص في الشرع أغلب من النسخ، فكان الحمل على\rالتخصيص أولى، إدراجا له تحت الاغلب، وسواء جهل التاريخ أو علم، وسواء كان الخاص متقدما أو متأخرا.","part":2,"page":318},{"id":614,"text":"فإن قيل: لو كان الكتاب مبينا للكتاب، لخرج النبي، صلى الله عليه وسلم، عن كونه مبينا للكتاب، وهو خلاف قوله تعالى * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) النحل: 44) وهو ممتنع.\rقلنا: إضافة البيان إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ليس فيه ما يمنع من كونه مبينا للكتاب بالكتاب، إذ الكل وارد على لسانه، فذكره الآية المخصصة يكون بيانا منه، ويجب حمل وصفه بكونه مبينا على أن البيان وارد على لسانه، كان الوارد على لسانه الكتاب أو السنة، لما فيه من موافقة عموم قوله تعالى * (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: 89) فإن مقتضاه أن يكون الكتاب مبينا لكل ما هو من الكتاب، لكونه شيئا، غير أنا خالفناه في البعض، فيجب بالبعض الآخر تقليلا لمخالفة الدليل العام.\rفإن قيل: ما ذكرتموه، وإن صح فيما إذا كان الخاص متأخرا، ولا يصح فيما اما جهل التاريخ، وذلك لانه يحتمل أن يكون الخاص مقدما، فيكون العام بعده ناسخا له، ويحتمل أن يكون العام متقدما، فيكون الخاص مخصصا له، ولم يترجح أحدهما على الآخر، فوجب التعارض والتساقط، والرجوع إلى دليل آخر، كما ذهب إليه أبو حنيفة والقاضي أبو بكر والامام أبو المعالي.\rوإن سلمنا كون الخاص مخصصا، مع الجهل بالتاريخ، فلا يصح فيما إذا كان العام متأخرا عن الخاص، فإنه يتعين أن يكون ناسخا لمدلول الخاص، لا أن يكون الخاص مخصصا للعام، على ما ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة وبعض المعتزلة.\rوبيانه من أربعة أوجه: الاول: أنه إذا قال اقتلوا المشركين فهو جار مجرى قوله اقتلوا زيدا المشرك، وعمرا المشرك وخالدا وهلم جرا.\rفإذا الخاص كقوله اقتلوا زيدا المشرك\rإذا ورد العام بعده بنفي القتل عن الجميع، فهو ناص على زيد، ولو قال اقتلوا زيدا لا تقتلوا زيدا كان نسخا.\rالثاني: أن الخاص المتقدم يمكن نسخه والعام الوارد بعده مما يمكن أن يكون ناسخا، فكان ناسخا.","part":2,"page":319},{"id":615,"text":"الثالث: هو أن الخاص المتقدم متردد بين كونه منسوخا، ومخصصا لما بعده، وذلك مما يمنع من كونه مخصصا، لان البيان لا يكون ملتبسا.\rالرابع: قول ابن عباس كنا نأخذ بالاحدث فالاحدث والعام المتأخر أحدث، فوجب الاخذ به.\rقلنا: أما الجواب عن التعارض عند الجهل بالتاريخ، فيمذكرناه من الادلة السابقة على الترجيح.\rوأما الجواب عن حجج أصحاب أبي حنيفة أما عن الاول فيمتنع كون العام في تناوله لما تحته من الاشخاص جار مجرى الالفاظ الخاصة، إذ الالفاظ الخاصة بكل واحد واحد، غير قابلة للتخصيص، بخلاف اللفظ العام.\rوعن الثاني أنه لا يلزم من إمكان نسخه للخاص الوقوع، ولو لزم من الامكان الوقوع، للزم أن يكون الخاص مخصصا للعام لامكان كونه مخصصا له، ويلزم من ذلك أن يكون الخاص منسوخا، ومخصصا لناسخه وهو محال.\rوعن الثالث أنهم إن أرادوا بتردد الخاص بين كونه منسوخا ومخصصا، أن احتمال التخصيص مساو لاحتمال النسخ، فهو ممنوع لما تقدم.\rوإن أرادوا بذلك تطرق الاحتمالين إليه في الجملة، فذلك لا يمنع من كونه مخصصا.\rولو منع ذلك من كونه مخصصا، لمنع تطرق احتمال كون العام مخصصا بالخاص إليه، من كونه ناسخا.\rوعن الرابع أنه قول واحد من الصحابة، فيجب حمله على ما إذا كان الا حدث هو الخاص، جمعا بين الادلة.","part":2,"page":320},{"id":616,"text":"المسألة الثالثة تخصيص السنة بالسنة جائز عند الاكثرين، ودليله المعقول، والمنقول.\rأما المعقول، فما ذكرناه في تخصيص الكتاب بالكتاب وأما المنقول فهو أن قوله، صلى الله عليه وسلم، لا زكاة فيما دون خمسة أوسق ورد مخصصا لعموم قوله، صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء العشر فإنه عام في النصاب وما دونه، وقوله تعالى * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) النحل: 44) مما لا يمنع من كونه مبينا لما ورد على لسانه من السنة، بسنة أخرى، كما ذكرناه في تخصيص الكتاب بالكتاب.\rالمسألة الرابعة يجوز تخصيص عموم السنة بخصوص القرآن عندنا، وعند أكثر الفقهاء والمتكلمين.\rومنهم من منع من ذلك ودليله العقل، والعقل.\rأما النقل فقوله تعالى * (وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: 89) وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الاشياء، فكانت داخلة تحت العموم، إلا انه قد خص في البعض، فيلزم العمل به في الباقي.\rوأما المعقول، فما ذكرناه في تخصيص الكتاب بالكتاب.\rفإن قيل: الآية معارضة بقوله تعالى * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) النحل: 44) ووجه الاحتجاج به أنه جعل النبي، صلى الله عليه وسلم، مبينا للكتاب المنزل، وذلك إنما يكون بسنته.\rفلو كان الكتاب مبينا للسنة، لكان المبين بالسنة مبينا لها، وهو ممتنع.\rوأيضا فإن المبين أصل، والبيان تبع له، ومقصود من أجله، فلو كان القرآن مبينا للسنة، لكانت السنة أصلا، والقرآن تبعا، وهو محال.\rوجواب الآية أنه لا يلزم من وصف النبي، صلى الله عليه وسلم، بكونه مبينا لما أنزل امتناع كونه مبينا للسنة بما يرد على لسانه من القرآن، إذ السنة أيضا منزلة على ما قال تعالى\r* (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) * (53) النجم: 3) غير أن الوحي، منه ما يتلى فيسمى كتابا، ومنه ما لا يتلى فيسمى سنة، وبيان أحد المنزلين بالآخر غير ممتنع.","part":2,"page":321},{"id":617,"text":"وما ذكروه من المعنى فغير صحيح، فإن القرآن لا بد وأن يكون مبينا لشئ ضرورة قوله تعالى * (تبيانا لكل شئ) * (16) النحل: 89) وأي شئ قدر كون القرآن مبينا له، فليس القرآن تبعا له، ولا ذلك الشئ متبوعا.\rوأيضا، فإن الدليل القطعي قد يبين به مراد الدليل الظني، وليس منحطا عن رتبة الظني.\rالمسألة الخامسة يجوز تخصيص عموم القرآن بالسنة.\rأما إذا كانت السنة متواترة، فلم أعرف فيه خلافا، ويدل على جواز ذلك ما مر من الدليل العقلي.\rوأما إذا كانت السنة من أخبار الآحاد، فمذهب الائمة الاربعة جوازه.\rومن الناس من منع ذلك مطلقا، ومنهم من فصل، وهؤلاء اختلفوا: فذهب عيسى بن أبان إلى أنه إن كان قد خص بدليل مقطوع به، جاز تخصيصه بخبر الواحد، وإلا فلا.\rوذهب الكرخي إلى أنه إن كان قد خص بدليل منفصل لا متصل جاز تخصيصه بخبر الواحد، وإلا فلا.\rوذهب القاضي أبو بكر إلى الوقف.\rوالمختار مذهب الائمة، ودليله العقل، والنقل.\rأما النقل فهو أن الصحابة خصوا قوله تعالى * (وأحل لكم ما وراء ذلكم) * (4) النساء: 24) بما رواه أبو هريرة، عن النبي، صلى الله عليه وسلم من قوله لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها\rوخصوا قوله تعالى * (يوصيكم الله في أولادكم) * (4) النساء: 11) الآية، بقوله صلى الله عليه وسلم لا يرث القاتل، ولا يرث الكافر من المسلم، ولا المسلم من الكافر","part":2,"page":322},{"id":618,"text":"وبما رواه أبو بكر من قوله، صلى الله عليه وسلم نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة وخصوا قوله تعالى * (فإن كن نساء فوق اثنتين، فلهن ثلثا ما ترك) * (4) النساء: 11) بما روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه جعل للجدة السدس، وخصوا قوله تعالى * (وأحل الله البيع) * (2) البقرة: 275) بما روي عنه، صلى الله عليه وسلم، أنه نهى عن بيع الدرهم بالدرهمين، وخصوا قوله تعالى: * (والسارق والسارقة) * (5) المائدة: 38) وأخرجوا منه ما دون النصاب بقوله صلى الله عليه وسلم لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا، وخصوا قوله تعالى * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) بإخراج المجوس منه بما روي عنه، عليه السلام، أنه قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب إلى غير ذلك من الصور المتعددة، ولم يوجد لما فعلوه نكير، فكان ذلك إجماعا.\rوالوقوع دليل الجواز وزيادة.\rوأما المعقول فما ذكرناه فيما تقدم في تخصيص الكتاب بالكتاب.\rفإن قيل: ما ذكرتموه من التخصيص في الصور المذكورة لا نسلم أن تخصيصها كان بخبر الواحد، ويدل عليه قوله، صلى الله عليه وسلم إذا روي عني حديث، فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فاقبلوه، وما خالفه فردوه والخبر فيما نحن فيه مخالف للكتاب، فكان مردودا.","part":2,"page":323},{"id":619,"text":"قولهم إن الصحابة أجمعوا على ذلك، إن لم يصح، فليس بحجة، وإن صح فالتخصيص بإجماعهم عليه، لا بخبر الواحد.\rكيف وأنه لا إجماع على ذلك،","part":2,"page":324},{"id":620,"text":"ويدل عليه ما روي عن عمر بن الخطاب أنه كذب فاطمة بنت قيس فيما روته عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، لما كان ذلك مخصصا لعموم قوله تعالى * (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم) * (65) الطلاق: 6) وقال كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة.\rوإن سلمنا الاجماع على أن التخصيص كان بخبر الواحد، لكن ليس في ذلك ما يدل على أن قول الواحد بمجرده مخصص، بل ربما قامت الحجة عندهم على صدقه، وصحة قوله بقرائن وأدلة اقترنت بقوله، فلا يكون مجرد إخباره حجة.\rوأما ما ذكرتموه من المعقول، فنقول: خبر الواحد، وإن كان نصا في مدلوله، نظرا إلى متنه، غير أن سنده مظنون محتمل للكذب، بخلاف القرآن المتواتر، فإنه قطعي السند، وقطعي في دلالته على كل واحد من الآحاد الداخلة فيه لما بيناه في المسألة المتقدمة، ولا يكون خبر الواحد واقعا في معارضته، كما في النسخ.\rوإن سلمنا أن العموم ظني الدلالة بالنسبة إلى آحاده، لكن متى، إذا خص بدليل مقطوع، على ما قاله عيسى بن إبان، أو بدليل منفصل، على ما قاله الكرخي، أو قبل التخصيص ؟ الاول مسلم، لكونه صار مجازا ظنيا، والثاني ممنوع، لبقائه على حقيقته، وعند ذلك، فيمتنع التخصيص بخبر الواحد مطلقا لترجيح العام عليه قبل التخصيص، بكونه قاطعا في متنه وسنده.","part":2,"page":325},{"id":621,"text":"وإن سلمنا أن دلالة العام بالنظر إلى متنه ظنية مطلقا، غير أنه قطعي السند، والخبر وإن كان قاطعا في متنه، فظني في سنده، فقد تقابلا وتعارضا، ووجب التوقف على دليل خارج لعدم أولوية أحدهما، كما قال القاضي أبو بكر.\rوالجواب: قد بينا أن الصحابة أجمعوا على تخصيص العمومات بأخبار الآحاد، حيث إنهم أضافوا التخصيص إليها من غير نكير، فكان إجماعا.\rوما ذكروه من الخبر، فإنما يمنع من تخصيص عموم القرآن بالخبر، أن لو كان الخبر المخصص مخالفا للقرآن، وهو غير مسلم بل هو مبين للمراد منه، فكان مقررا لا مخالفا، ويجب اعتقاد ذلك، حتى لا يفضي إلى تخصيص ما ذكروه من الخبر، بالخبر المتواتر من السنة، فإنه مخصص للقرآن من غير خلاف.\rقولهم إن صح إجماع الصحابة، فالتخصيص بإجماعهم، لا بالخبر، ليس كذلك، فإن إجماعهم لم يكن على تخصيص تلك العمومات مطلقا، بل على تخصيصها بأخبار الآحاد، ومهما كان التخصيص بأخبار الآحاد مجمعا عليه، فهو المطلوب.\rوأما ما ذكروه من تكذيب عمر لفاطمة بنت قيس فلم يكن ذلك لان خبر الواحد في تخصيص العموم مردود عنده، بل لتردده في صدقها، ولهذا قال كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت ولو كان خبر الواحد في ذلك مردودا مطلقا، لما احتاج إلى هذا التعليل.\rقولهم: لم يكن إجماعهم على ذلك لمجرد خبر الواحد.\rقلنا: ونحن لا نقول بأن مجرد خبر الواحد يكون مقبولا، بل إنما يقبل إذا كان مغلبا على الظن صدقه، ومع ذلك فالاصل عدم اعتبار ما سواه في القول.\rقولهم إن سند الخبر ظني، مسلم، ولكن، لا نسلم أن دلالة العموم على الآحاد الداخلة فيه، قطعية، لاحتماله للتخصيص بالنسبة إلى أي واحد منها قدر، وسواء كان قد خص، أو لم يكن، على ما سبق بيانه.","part":2,"page":326},{"id":622,"text":"وأما النسخ، فلا نسلم امتناعه بخبر الواحد، وبتقدير التسليم فلان النسخ رفع الحكم بعد إثباته، بخلاف التخصيص، لانه بيان لا رفع، فلا يلزم مع ذلك من امتناع النسخ به، امتناع التخصيص.\rوما ذكروه من السؤال الاخير في جهة التعارض، فجوابه أن احتمال الضعف\rفي خبر الواحد من جهة كذبه، وفي العام من جهة جواز تخصيصه، ولا يخفى أن احتمال الكذب في حق من ظهرت عدالته أبعد من احتمال التخصيص العام.\rولهذا، كانت أكثر العمومات مخصصة، وليس أكثر أخبار العدول كاذبة، فكان العمل بالخبر أولى، ولانه لو عمل بعموم العام، لزم إبطال العمل بالخبر مطلقا، ولو عمل بالخبر لم يلزم منه إبطال العمل بالعام مطلقا، لامكان العمل به فيما سوى صورة التخصيص، والجمع بين الدليلين، ولو من وجه، أولى من تعطيل أحدهما، ولان العمل بالعام إبطال للخاص، والعمل بالخاص بيان للعام، لا إبطال له.\rولا يخفى أن البيان أولى من الابطال.\rالمسألة السادسة لا أعرف خلافا في تخصيص القرآن والسنة بالاجماع.\rودليله المنقول، والمعقول: أما المنقول: فهو أن إجماع الامة خصص آية القذف بتنصيف الجلد في حق العبد، كالامة.\rوأما المعقول: فهو أن الاجماع دليل قاطع، والعام غير قاطع في آحاد مسمياته، كما سبق تعريفه.\rفإذا رأينا أهل الاجماع قاضين بما يخالف العموم في بعض الصور، علمنا أنهم ما قضوا به إلا وقد اطلعوا على دليل مخصص له، نفيا للخطإ عنهم.\rوعلى هذا، فمعنى إطلاقنا أن الاجماع مخصص للنص أنه معرف للدليل المخصص، لا أنه في نفسه هو المخصص.\rوبالنظر إلى هذا المعنى أيضا، نقول: إنا إذا رأينا عمل الصحابة وأهل الاجماع بما يخالف النص الخاص، لا يكون ذلك إلا لاطلاعهم على ناسخ للنص، فيكون الاجماع معرفا للناسخ، لا أنه ناسخ.\rوإنما قلنا إن الاجماع نفسه لا يكون ناسخا لان النسخ لا يكون بغير خطاب الشارع، والاجماع ليس خطابا للشرع، وإن كان دليلا على الخطاب الناسخ.","part":2,"page":327},{"id":623,"text":"المسألة السابعة\rلا نعرف خلافا بين القائلين بالعموم.\rوالمفهوم، أنه يجوز تخصيص العموم بالمفهوم، وسواء كان من قبيل مفهوم الموافقة، أو من قبيل مفهوم المخالفة، حتى إنه لو قال السيد لعبده كل من دخل داري فاضربه ثم قال إن دخل زيد داري، فلا تقل له: أف فإن ذلك يدل على تحريم ضرب زيد وإخراجه عن العموم، نظرا إلى مفهوم الموافقة، وما سيق له الكلام من كف الاذى عن زيد، وسواء قيل إن تحريم الضرب مستفاد من دلالة اللفظ، أو من القياس الجلي على اختلاف المذاهب في ذلك، كما يأتي.\rوكذا، لو ورد نص عام يدل على وجوب الزكاة في الانعام كلها، ثم ورد قوله، صلى الله عليه وسلم في الغنم السائمة زكاة فإنه يكون مخصصا للعموم بإخراج معلوفة الغنم عن وجوب الزكاة بمفهومه.\rوإنما كان كذلك، لان كل واحد من المفهومين دليل شرعي، وهو خاص في مورده، فوجب أن يكون مخصصا للعموم، لترجح دلالة الخاص على دلالة العام، كما سبق تقريره.\rفإن قيل: المفهوم، وإن كان خاصا وأقوى في الدلالة من العموم، إلا أن العام منطوق به، والمنطوق أقوى في دلالته من المفهوم، لافتقار المفهوم في دلالته إلى المنطوق، وعدم افتقار المنطوق في دلالته إلى المفهوم قلنا: إلا أن العمل بالمفهوم لا يلزم منه إبطال العمل بالعموم مطلقا، ولا كذلك بالعكس.\rولا يخفى أن الجمع بين الدليلين، ولو من وجه، أولى من العمل بظاهر أحدهما، وإبطال أصل الآخر.","part":2,"page":328},{"id":624,"text":"المسألة الثامنة في تخصيص العموم بفعل الرسول، صلى الله عليه وسلم.\rوقد اختلف القائلون بكون فعل الرسول حجة على غيره هل يجوز تخصيصه للعموم أم لا ؟ فأثبته الاكثرون، كالشافعية، والحنفية والحنابلة، ونفاه الاقلون، كالكرخي.\rوتحقيق الحق من ذلك يتوقف على التفصيل، وهو أن نقول: العام الوارد، إما أن يكون عاما للامة والرسول، كما لو قال، صلى الله عليه وسلم الوصال، أو استقبال القبلة في قضاء الحاجة، أو كشف الفخذ، حرام على كل مسلم.\rوإما أن يكون عاما للامة دون الرسول، كما لو قال صلى الله عليه وسلم: نهيتكم عن الوصال، أو استقبال القبلة في قضاء الحاجة، أو كشف الفخذ، فإن كان الاول فإذا رأيناه قد واصل أو استقبل القبلة في قضاء الحاجة أو كشف فخذه، فلا خلاف في أن فعله يدل على إباحة ذلك الفعل في حقه، ويكون مخرجا له عن العموم ومخصصا.\rوأما بالنسبة إلى غيره، فإما أن نقول بأن اتباعه في فعله والتأسي به واجب على كل من سواه، أو لا نقول ذلك.\rفإن قيل بالاول، فيلزم منه رفع حكم العموم مطلقا في حقه بفعله، وفي حق غيره بوجوب التأسي به، فلا يكون ذلك تخصيصا، بل نسخا لحكم العموم مطلقا، بالنسبة إليه وإلى غيره.\rوإن قيل بالثاني، كان ذلك تخصيصا له عن العموم، دون أمته.\rوأما إن كان عاما للامة دون الرسول، ففعله لا يكون مخصصا لنفسه عن العموم، لعدم دخوله فيه.\rوأما بالنسبة إلى الامة، فإن قيل أيضا بوجوب اتباع الامة له في فعله، كان ذلك أيضا نسخا عنهم لا تخصيصا، كما سبق.\rوإن لم يكن ذلك واجبا عليهم، فلا يكون فعله مخصصا للعموم أصلا، لا بالنسبة إليه، لعدم دخوله في العموم، ولا بالنسبة إلى الامة.\rوعلى هذا التفصيل، فلا أرى للخلاف على هذا التخصيص بفعل النبي وجها:","part":2,"page":329},{"id":625,"text":"أما إذا كان هو المخصص عن العموم وحده، فلعدم الخلاف فيه، وأما في باقي الاقسام، فلعدم تحقق التخصيص.\rبل إن وقع الخلاف في باقي الاقسام، هل فعله يكون ناسخا لحكم العموم فيها، فخارج عن الخوض في باب التخصيص، والاظهر في ذلك إنما هو الوقف، من جهة أن دليل وجوب التأسي، واتباع النبي، صلى الله عليه وسلم، إنما هو بدليل عام للامة، وهو مساو للعموم الآخر في عمومه، وليس العمل بأحدهما، وإبطال الآخر، أولى من العكس.\rفإن قيل: بل العمل بالفعل أولى، لانه خاص، والخاص مقدم على العام، قلنا: الفعل لم يكن دليلا على لزوم الحكم في حق باقي الامة بنفسه، بل لادلة عامة موجبة على الامة لزوم الاتباع.","part":2,"page":330},{"id":626,"text":"فإن قيل: إلا أن الفعل الخاص مع العمومات الموجبة للتأسي أخص من اللفظ العام مطلقا، ولانه متأخر عن العام، والمتأخر أولى بالعمل.\rقلنا: أما الفعل، فلا نسلم أن له دلالة على وجوب تأسي الامة بالنبي بوجه من الوجوه، بل الموجب شئ آخر، وهو مساو للعام الآخر في عمومه، وسواء كان الفعل خاصا أو عاما.\rوذلك الموجب للتأسي غير متأخر عن العام، بل محتمل للتقدم والتأخر من غير ترجيح، حتى إنه لو علم التاريخ وجب العمل بالمتأخر منهما.\rكيف وإن القول بوجوب التأسي متوقف على وجود الفعل، وعلى الدليل الدال على التأسي، ولا كذلك العام الآخر، وما يتوقف العمل به على أمرين يكون أبعد مما لا يتوقف العمل به إلا على شئ واحد.\rالمسألة التاسعة تقرير النبي، صلى الله عليه وسلم، لما يفعله الواحد من أمته بين يديه مخالفا للعموم، وعدم\rإنكاره عليه، مع علمه به، وعدم الغفلة والذهول عنه، مخصص لذلك العام عند الاكثرين، خلافا لطائفة شاذة.\rودليل ذلك أن تقريره له عليه، دليل على جواز ذلك الفعل له، وإلا كان فعله منكرا، ولو كان كذلك، لاستحال من النبي صلى الله عليه وسلم، السكوت عنه وعدم","part":2,"page":331},{"id":627,"text":"النكير عليه.\rوإذا كان التقرير دليل الجواز، وإن أمكن نسخ ذلك الحكم مطلقا أو نسخه عن ذلك الواحد بعينه، لكنه بعيد، واحتمال تخصيصه من العموم أولى وأقرب، لما قررناه فيما تقدم.\rوعند ذلك، فإن أمكن تعقل معنى أوجب جواز مخالفة ذلك الواحد للعموم، فكل من كان مشاركا له في ذلك المعنى، فهو مشارك له في تخصيصه عن ذلك العام بالقياس عليه، عند من يرى جواز تخصيص العام بالقياس على محل التخصيص.\rوأما إن لم يظهر المعنى الجامع، فلا.\rفإن قيل: التقرير لا صيغة له، فلا يقع في مقابلة ما له صيغة، فلا يكون مخصصا للعموم، وبتقدير أن يكون مخصصا فلا بد وأن يكون غير ذلك الواحد مشاركا له في حكمه، وإلا فلو لم يكن غير ذلك الواحد مشاركا له في حكمه، لصرح النبي، صلى الله عليه وسلم، بتخصيصه بذلك الحكم، دون غيره، دفعا لمحذور التلبيس على الامة، باعتقادهم المشاركة لذلك الواحد في حكمه، لقوله، صلى الله عليه وسلم حكمي على الواحد حكمي على الجماعة.\rقلنا: وإن كان التقرير لا صيغة له، غير أنه حجة قاطعة في جواز الفعل، نفيا للخطإ عن النبي، صلى الله عليه وسلم، بخلاف العام، فإنه ظني محتمل للتخصيص، فكان موجبا لتخصيصه.\rوما ذكروه من وجوب المشاركة فبعيد.\rوذلك، لان حكم ذلك الواحد لا يخلو: إما أن يكون له أو عليه.\rفإن كان له، فقوله: حكمي على الواحد حكمي على الجماعة لا يكون مرتبطا به، وإن كان عليه، فقوله حكمي على الواحد حكمي على الجماعة إنما يكون حجة موهمة لمشاركة الجماعة لذلك الواحد، إن لو كان\rقوله: (حكمي) عاما في كل حكم، وهو غير مسلم.\rوإذا لم يكن ذلك حجة عامة، فلا تدليس ولا تلبيس.\rوبتقدير مشاركة الامة لذلك الواحد في ذلك الحكم، يكون نسخا، ولا يكون تخصيصا، كما ظن بعضهم.","part":2,"page":332},{"id":628,"text":"المسألة العاشرة مذهب الشافعي في القول الجديد، ومذهب أكثر الفقهاء والاصوليين، أن مذهب الصحابي إذا كان على خلاف ظاهر العموم، وسواء كان هو الراوي، أو لم يكن، لا يكون مخصصا للعموم، خلافا لاصحاب أبي حنيفة والحنابلة وعيسى ابن أبان وجماعة من الفقهاء.\rودليله أن ظاهر العموم حجة شرعية يجب العمل بها باتفاق القائلين بالعموم.\rومذهب الصحابي ليس بحجة على ما سنبينه، فلا يجوز ترك العموم به.\rفإن قيل: إذا خالف مذهب الصحابي العموم، فلا يخلو، إما أن يكون ذلك لدليل، أو لا لدليل، لا جائز أن يكون لا لدليل وإلا وجب تفسيقه، والحكم بخروجه عن العدالة، وهو خلاف الاجماع.\rوإن كان ذلك لدليل، وجب تخصيص العموم به، جمعا بين الدليلين، إذ هو أولى من تعطيل أحدهما، كما علم غير مرة.\rقلنا: مخالفة الصحابي للعموم إنما كانت لدليل عن له في نطره، وسواء كان في نفس الامر مخطئا فيه، أو مصيبا.\rفلذلك لم نقض بتفسيقه، لكونه مأخوذا باتباع اجتهاده وما أوجبه ظنه ومع ذلك، فلا يكون ما عن له في نظره حجة متبعة بالنسبة إلى غيره، بدليل جواز مخالفة صحابي آخر له من غير تفسيق، ولا تبديع.\rوإذا لم يكن ما صار إليه حجة واجبة الاتباع بالنسبة إلى الغير، فلا يكون مخصصا لظاهر العموم المتفق على صحة الاحتجاج به مطلقا.","part":2,"page":333},{"id":629,"text":"المسألة الحادية عشرة إذا كان من عادة المخاطبين تناول طعام خاص، فورد خطاب عام بتحريم الطعام، كقوله حرمت عليكم الطعام فقد اتفق الجمهور من العلماء على إجراء اللفظ على عمومه في تحريم كل طعام، على وجه يدخل فيه المعتاد وغيره، وأن العادة لا تكون منزلة للعموم على تحريم المعتاد دون غيره، خلافا لابي حنيفة، وذلك لان الحجة إنما هي في اللفظ الوارد، وهو مستغرق لكل مطعوم بلفظه، ولا ارتباط له بالعوائد، وهو حاكم على العوائد، فلا تكون العوائد حاكمة عليه.\rفإن قيل: إذا منعتم من تجويز تخصيص العموم بالعادة وتنزيل لفظ الطعام على ما هو المعتاد المتعارف عند المخاطبين، فما الفرق بينه وبين تخصيص اللفظ ببعض مسمياته في اللغة، بالعادة، وذلك كتخصيص اسم الدابة بذوات الاربع، وإن كان لفظ الدابة عاما في كل ما يدب، وكتخصيص اسم الثمن في البيع بالنقد الغالب في البلد، حتى إنه لا يفهم من إطلاق لفظ الدابة والثمن غير ذوات الاربع والنقد الغالب في البلد.\rقلنا: الفرق بين الامرين أن العادة في محل النزاع إنما هي مطردة في اعتياد أكل ذلك الطعام المخصوص، لا في تخصيص اسم الطعام بذلك الطعام الخاص، فلا يكون ذلك قاضيا على ما اقتضاه عموم لفظ الطعام مع بقائه على الوضع الاصلي، وهذا بخلاف لفظ الدابة، فإنه صار بعرف الاستعمال ظاهرا في ذوات الاربع وضعا، حتى إنه لا يفهم من إطلاق لفظ الدابة غير ذوات الاربع، فكان قاضيا على الاستعمال الاصلي، حتى إنه لو كانت العادة في الطعام المعتاد أكله قد خصصت بعرف الاستعمال اسم الطعام بذلك الطعام، لكان لفظ الطعام منزلا عليه دون غيره ضرورة تنزيل مخاطبة الشارع للعرب، على ما هو المفهوم لهم من لغتهم، وفيه دقة مع وضوحه.","part":2,"page":334},{"id":630,"text":"المسألة الثانية عشرة اتفق الجمهور على أنه إذا ورد لفظ عام ولفظ خاص يدل على بعض ما يدل عليه العام، لا يكون الخاص مخصصا للعام بجنس مدلول الخاص ومخرجا عنه ما سواه، خلافا لابي ثور من أصحاب الشافعي.\rوذلك كقوله صلى الله عليه وسلم أيما إهاب دبغ فقد طهر فإنه عام في كل إهاب، وقوله صلى الله عليه وسلم في شاة ميمونة دباغها طهورها وإنما لم يكن مخصصا له، لانه لا تنافي بين العمل بالخاص وإجراء العام على عمومه، ومع إمكان إجراء كل واحد على ظاهره لا حاجة إلى العمل بأحدهما ومخالفة الآخر.\rفإن قيل: فقد اخترتم أن المفهوم يكون مخصصا للعموم عند القائل به، وتخصيص جلد الشاة بالذكر يدل بمفهومه على نفي الحكم عما سوى الشاة من جلود باقي الحيوانات، فكان مخصصا للعموم الوارد بتطهيرها.\rقلنا: أما من نفى كون المفهوم حجة، وأبطل دلالته كما يأتي تحقيقه، فلا أثر لالزامه به هاهنا.\rومن قال بالمفهوم المخصص للعموم إنما قال به في مفهوم الموافقة ومفهوم الصفة المشتقة، كما سبق في المسألة المتقدمة، لا في مفهوم اللقب، وتخصيص جلد الشاة بالذكر لا يدل على نفي الطهارة بالدباغ عن باقي جلود الحيوانات، كالابل والبقرة وغيرها، إلا بطريق مفهوم اللقب، وليس بحجة، على ما يأتي تحقيقه.\rولهذا، فإنه لو قال: عيسى رسول الله، فإنه لا يدل على أن محمدا ليس برسول الله.\rوكذلك إذا قال الحادث موجود لا يدل على أن القديم ليس بموجود، وإلا كان ذلك كفرا.","part":2,"page":335},{"id":631,"text":"المسألة الثالثة عشرة\rاللفظ العام إذا عقب بما فيه ضمير عائد إلى بعض العام المتقدم لا إلى كله.\rهل يكون خصوص المتأخر مخصصا للعام المتقدم بما الضمير عائد إليه أو لا ؟ اختلفوا فيه: فذهب بعض أصحابنا وبعض المعتزلة كالقاضي عبد الجبار وغيره إلى امتناع التخصيص بذلك، ومنهم من جوزه، ومنهم من توقف، كإمام الحرمين وأبي الحسين البصري.\rوذلك كما في قوله تعالى * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قرؤ) * (2) البقرة: 228) فإنه عام في كل الحرائر المطلقات بوائن كن أو رجعيات.\rثم قال: * (وبعولتهن أحق بردهن) * (2) البقرة: 228) فإن الضمير فيه إنما يرجع إلى الرجعيات دون البوائن، وعلى هذا النحو.\rوالمختار بقاء اللفظ الاول على عمومه، وامتناع تخصيصه بما تعقبه.\rوذلك، لان مقتضى اللفظ إجراؤه على ظاهره من العموم، ومقتضى اللفظ الثاني عود الضمير إلى جميع ما دل عليه اللفظ المتقدم، إذ لا أولوية لاختصاص بعض المذكور السابق به دون البعض، فإذا قام الدليل على تخصيص الضمير ببعض المذكور السابق وخولف ظاهره، لم يلزم منه مخالفة الظاهر الاخير، بل يجب إجراؤه على ظاهره، إلى أن يقوم الدليل على تخصيصه.\rفإن قيل إنما يلزم مخالفة ظاهر ما اقتضاه الضمير، من العود إلى كل المذكور السابق، إذا أجرينا اللفظ السابق على عمومه، وليس القول بإجرائه على عمومه، ومخالفة ظاهر الضمير، أولى من إجراء ظاهر الضمير على مقتضاه، وتخصيص المذكور السابق، وإذا لم يترجح أحدهما وجب الوقف.\rقلنا: بل إجراء اللفظ المتقدم على عمومه، وتخصيص المتأخر أولى من العكس، لان دلالة الاول ظاهرة، ودلالة الثاني غير ظاهرة، ولا يخفى أن دلالة المظهر، أقوى من دلالة المضمر، فكان راجحا.","part":2,"page":336},{"id":632,"text":"المسألة الرابعة عشرة القائلون بكون العموم والقياس حجة، اختلفوا في جواز تخصيص العموم بالقياس: فذهب الائمة الاربعة والاشعري وجماعة من المعتزلة، كأبي هاشم وأبي الحسين البصري إلى جوازه مطلقا، وذهب الجبائي وجماعة من المعتزلة إلى تقديم العام على القياس، وذهب ابن سريج وغيره من أصحاب الشافعي إلى جواز التخصيص بجلي القياس دون خفيه، وذهب عيسى بن أبان والكرخي إلى جواز التخصيص بالقياس للعام المخصص دون غيره، غير أن الكرخي اشترط أن يكون العام مخصصا بدليل منفصل، وأطلق عيسى بن أبان، ومنهم من جوز التخصيص بالقياس، إذا كان أصل القياس من الصور التي خصت عن العموم دون غيره، وذهب القاضي أبو بكر وإمام الحرمين إلى الوقف.\rوالمختار أنه إذا كانت العلة الجامعة في القياس ثابتة بالتأثير، أي بنص أو إجماع، جاز تخصيص العموم به، وإلا فلا.\rأما إذا كانت العلة مؤثرة، فلانها نازلة منزلة النص الخاص، فكانت مخصصة للعموم، كتخصيصه بالنص، كما سبق تعريفه وأما إذا كانت العلة مستنبطة غير مؤثرة، فإنما قلنا بامتناع التخصيص بها للاجمال والتفصيل: أما الاجمال: فهو أن العام في محل التخصيص: إما أن يكون راجحا على القياس المخالف له، أو مرجوحا أو مساويا: فإن كان راجحا، امتنع تخصيصه بالمرجوح وإن كان مساويا، فليس العمل بأحدهما أولى من الآخر.\rوإنما يمكن التخصيص\rبتقدير أن يكون القياس في محل المعارضة راجحا.\rولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه.","part":2,"page":337},{"id":633,"text":"وأما التفصيل: فهو أن العموم ظاهر في كل صورة من آحاد الصور الداخلة تحته، وجهة ضعفه غير خارجة عن احتمال تخصيصه أو كذب الراوي، إن كان العام من أخبار الآحاد.\rوأما احتمالات ضعف القياس فكثيرة جدا، وذلك، لانه، وإن كان متناولا، لمحل المعارضة بخصوصه، إلا أنه يحتمل أن يكون دليل حكم الاصل من أخبار الآحاد التي يتطرق إليها الكذب.\rوبتقدير أن يكون طريق إثباته قطعيا، فيحتمل أن يكون المستنبط القياس ليس أهلا له.\rوبتقدير أن يكون أهلا، فيحتمل أن لا يكون الحكم في نفس الامر معللا بعلة ظاهرة.\rوبتقدير أن يكون معللا بعلة ظاهرة، فلعلها غير ما ظنه القائس علة، ولم يظهر عليها، أو أنه أخطأ في طريق إثبات العلة، فأثبتها بما لا يصلح للاثبات.\rوبتقدير أن تكون موجودة فيه، يحتمل أن يكون قد وجد في الفرع مانع السبب أو مانع الحكم، أو فات شرط السبب فيه أو شرط الحكم، فكان العموم لذلك راجحا.\rكيف وأن العموم من جنس النصوص، والنص غير مفتقر في العمل به في جنسه إلى القياس، والقياس متوقف في العمل به على النص، لانه إن ثبت كونه حجة بالنص فظاهر، وإن كان بالاجماع، فالاجماع متوقف على النص، فكان القياس متوقفا على النص، فكان جنس النص لذلك راجحا.\rولذلك وقع القياس مؤخرا في حديث معاذ في العمل به عن العمل بالكتاب\rوالسنة حيث قال له النبي، صلى الله عليه وسلم، حين بعثه إلى اليمن قاضيا بم تحكم ؟ قال: بكتاب الله قال: فإن لم تجد ؟ - قال: بسنة رسول الله - قال: فإن لم تجد ؟ - قال: أجتهد رأيي - فقال، صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله.\rومقتضى ذلك أن لا تتقدم السنة على الكتاب غير أنا خالفناه في تقديم خاص السنة على عام الكتاب، فوجب العمل به فيما عداه.","part":2,"page":338},{"id":634,"text":"وهذه الاحتمالات كلها إن لم توجب الترجيح، فلا أقل من المساواة.\rوعلى كلا التقديرين، فيمتنع تخصيص العام بالقياس.\rفإن قيل: القول بالوقف خلاف الاجماع قبل وجود الواقفية، إذ الامة مجمعة على تقديم أحدهما، وإن اختلفوا في التعيين، ولان القول بالوقف مما يفضي إلى تعطيل الدليلين عن العمل بهما، والمحذور فيه فوق المحذور في العمل بأحدهما، فالعمل بالقياس أولى، لانا لو عملنا بالعموم لزم منه إبطال العمل بالقياس مطلقا.\rولو عملنا بالقياس، لم يلزم منه إبطال العموم مطلقا، لامكان العمل به فيما عدا صورة التخصيص.\rولا يخفى أن الجمع بين الدليلين، ولو من وجه، أولى من العمل بأحدهما وتعطيل الآخر.\rقلنا: نحن لا نقول بالوقف لما بيناه من ترجيح العمل بالعموم على العمل بالقياس.\rوبتقدير القول بالوقف، لا نسلم إجماعهم على إبطال الوقف، إلا أن يوجد منهم التصريح بذلك، وهو غير مسلم.\rولهذا فإن كل واحد من المجتهدين لا يقطع بإبطال مذهب مخالفه، مع مصيره إلى نفي ما أثبته، أو إثبات ما نفاه فلان لا يكون قاطعا بإبطاله عند توقفه في نفي ما أثبته، أو إثبات ما نفاه، أولى.\rقولهم إن العمل بالقياس غير مبطل للعمل بالعموم، قلنا في محل المعارضة أو في غيرها ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rوالنزاع إنما\rولا يخفى أن الجمع بين الدليلين، ولو من وجه، أولى من العمل بأحدهما وتعطيل الآخر.\rقلنا: نحن لا نقول بالوقف لما بيناه من ترجيح العمل بالعموم على العمل بالقياس.\rوبتقدير القول بالوقف، لا نسلم إجماعهم على إبطال الوقف، إلا أن يوجد منهم التصريح بذلك، وهو غير مسلم.\rولهذا فإن كل واحد من المجتهدين لا يقطع بإبطال مذهب مخالفه، مع مصيره إلى نفي ما أثبته، أو إثبات ما نفاه فلان لا يكون قاطعا بإبطاله عند توقفه في نفي ما أثبته، أو إثبات ما نفاه، أولى.\rقولهم إن العمل بالقياس غير مبطل للعمل بالعموم، قلنا في محل المعارضة أو في غيرها ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rوالنزاع إنما وقع في الترجيح في محل المعارضة دون غيره.\rوبالجملة، فلا يمتنع على المجتهد في هذه المسألة الحكم بالوقف أو الترجيح، على حسب ما يظهر في نظره في آحاد الوقائع من القرائن والترجيحات الموجبة التفاوت أو التساوي من غير تخطئة إذ الادلة فيها نفيا وإثباتا، ظنية، غير قطعية، فكانت ملحقة بالمسائل الاجتهادية دون القطعية، خلافا للقاضي أبي بكر.","part":2,"page":339},{"id":635,"text":"ويجب أن نختم الكلام في أدلة التخصيص بالفرق بين التخصيص والاستثناء.\rأما على رأي من يزعم أن الاستثناء والمستثنى منه كالكلمة الواحدة،، كما سبق، فلا خفاء بأن الاستثناء لا يكون تخصيصا بل هو مباين له.\rوأما من يرى أن الاستثناء تخصيص، فهو نوع من التخصيص عنده، فكل استثناء تخصيص، وليس كل تخصيص استثناء، وذلك لان الاستثناء لا بد وأن يكون متصلا بالمستثنى منه، على ما تقدم تقريره، وأنه لا يثبت بقرائن الاحوال، بخلاف غيره من أنواع التخصيص.\rوعلى هذا، يكون الحكم في التخصيص بذكر الشرط والغاية أيضا.","part":2,"page":340},{"id":636,"text":"الاحكام - الآمدي ج 3\rالاحكام\rالآمدي ج 3","part":3,"page":0},{"id":637,"text":"الاحكام في اصول الاحكام تأليف الامام العلامة على بن محمد الآمدي علق عليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الثالث المكتب الاسلامي","part":3,"page":1},{"id":638,"text":"طبع باذن فضيلة الشيخ المحقق الطبعة الا.\rلى 1387 ه الرياض","part":3,"page":2},{"id":639,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم الصنف السادس في المطلق والمقيد أما المطلق: فعبارة عن النكرة في سياق الاثبات فقولنا: (نكرة) احتراز عن أسماء المعارف وما مدلوله واحد معين أو عام مستغرق وقولنا: (في سياق الاثبات) احتراز عن النكرة في سياق النفي، فإنها تعم جميع ما هو من جنسها، وتخرج بذلك عن التنكير لدلالة اللفظ على الاستغراق وذلك كقولك في معرض الامر اعتق رقبة أو مصدر الامر كقوله * (فتحرير رقبة) * (4) النساء: 92) أو الاخبار عن المستقبل كقوله (سأعتق رقبة) ولا يتصور الاطلاق في معرض\rالخبر المتعلق بالماضي، كقوله رأيت رجلا ضرورة تعينه من إسناد الرؤية إليه (2).\rوإن شئت قلت هو اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه (3).\rفقولنا: (لفظ) كالجنس للمطلق وغيره وقولنا: (دال) احتراز عن الالفاظ المهملة وقولنا: (على مدلول) ليعم الوجود والعدم\r__________\r1 - هل الامر بمطلق الماهيه امر بجزئي من جزئيتيها، ضرورة انها كلي ولا وجود للكي خارج الاذهان الا في الجزئيات، أو امر بكل جزئي من جزئياتها، لاشعار عدم التقييد بالتعمييم، أو اذن وتخيير في فعل كل جزئي من جزئيات الماهية ويخرج المكلف بفعل واحد منها كا الواجب المخير، في ذلك خلاف.\r2 - انظر تقيد صاحب جميع الجوامع وشارحه للتعريفين ورد العطار في حاشيته عليهما وما نقله عن العلامة طاش كبري مما يوضح هذا المومضوع.\r3 - وقيل: المطلق ما دل على الماهية بلا قيد أي من غير اعتبار قيد سواء وجد ولم يعتبر ام لم يوجد فعلى التعريفين الاول والثاني لا يسمى اللفظ باعتبار دلالته على الماهية دون نظر إلى القيد مطلقا وعلى الثالث مطلقا.\r(*)","part":3,"page":3},{"id":640,"text":"وقولنا: (شائع في جنسه) احتراز عن أسماء الاعلام، وما مدلوله معين أو مستغرق.\rوأما المقيد فإنه يطلق باعتبارين.\rالاول: ما كان من الالفاظ الدالة على مدلول معين، كزيد وعمرو وهذا الرجل ونحوه الثاني: ما كان من الالفاظ دالا على وصف مدلوله المطلق بصفة زائدة عليه كقولك دينار مصري، ودرهم مكي وهذا النوع من المقيد، وإن كان مطلقا في جنسه من حيث هو دينار مصري\rودرهم مكي، غير أنه مقيد بالنسبة إلى مطلق الدينار والدرهم، فهو مطلق من وجه، ومقيد من وجه وإذا عرف معنى المطلق والمقيد، فكل ما ذكرناه في مخصصات العموم من المتفق عليه، والمختلف فيه، والمزيف، والمختار، فهو بعينه جار في تقييد المطلق، فعليك باعتباره ونقله إلى ههنا.\rونزيد مسألة أخرى، وهي أنه إذا ورد مطلق ومقيد، فلا يخلو.\rإما أن يختلف حكمهما، أو لا يختلف: فإن اختلف حكمهما.\rفلا خلاف في امتناع حمل أحدهما على الآخر، وسواء كانا مأمورين أو منهيين، أو أحدهما مأمورا والآخر منهيا، وسواء اتحد سببهما أو اختلف، لعدم المنافاة في الجمع بينهما إلا في صورة واحدة، وهي ما إذا قال مثلا في كفار ة الظهار أعتقوا رقبة ثم قال لا تعتقوا رقبة كافرة فإنه لا خلاف في مثل هذه الصورة أن المقيد يوجب تقييد الرقبة المطلقة بالرقبة المسلمة.\rوعليك باعتبار أمثلة هذه الاقسام، فإنها سهلة وأما إن لم يختلف حكمهما، فلا يخلو إما أن يتحد سببهما، أو لا يتحد: فإن اتحد سببهما، فإما أن يكون اللفظ دالا على إثباتهما أو نفيهما، فإن كان الاول كما لو قال في الظهار اعتقوا رقبة ثم قال اعتقوا رقبة مسلمة فلا نعرف خلافا في حمل المطلق على المقيد ههنا، وإنما كان كذلك، لان من عمل بالمقيد فقد وفى بالعمل بدلالة المطلق، ومن عمل بالمطلق لم يف بالعمل بدلالة المقيد، فكان الجمع هو الواجب والاولى.","part":3,"page":4},{"id":641,"text":"فإن قيل بطريقه الشبهة إذا كان حكم المطلق إمكان الخروج عن عهدته بما شاء المكلف من ذلك الجنس، فالعمل بالمقيد مما ينافي مقتضى المطلق، وليس مخالفة المطلق، وإجراء المقيد على ظاهره أولى من تأويل المقيد بحمله على الندب\rوإجراء المطلق على إطلاقه قلنا: بل التقييد أولى من التأويل لثلاثة أوجه الاول: أنه يلزم منه الخروج عن العهدة بيقين، ولا كذلك في التأويل الثاني: أن المطلق إذا حمل على المقيد، فالعمل به فيه لا يخرج عن كونه موفيا للعمل باللفظ المطلق في حقيقته، ولهذا لو أداه قبل ورود التقييد، كان قد عمل باللفظ في حقيقته، ولا كذلك في تأويل المقيد وصرفه عن جهة حقيقته إلى مجازه الثالث: أن الخروج عن العهدة بفعل أي واحد كان من الآحاد الداخلة تحت اللفظ المطلق لم يكن اللفظ دالا عليه بوضعه لغة، بخلاف ما دل عليه المقيد من صفة التقييد.\rولا يخفى أن المحذور في صرف اللفظ عما دل عليه اللفظ لغة أعظم من صرفه عما لم يدل عليه بلفظه لغة وأما إن كان دالا على نفيهما أو نهى عنهما، كما لو قال مثلا في كفارة الظهار لا تعتق مكاتبا كافرا فهذا أيضا مما لا خلاف في العمل بمدلولهما والجمع بينهما في النفي، إذ لا تعذر فيه وأما إن كان سببهما مختلفا، كقوله تعالى في كفارة الظهار * (والذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعودون لما قالوا، فتحرير رقبة) * (4) النساء: 92) وقوله تعالى في القتل الخطإ * (ومن قتل مؤمنا خطأ، فتحرير رقبة مؤمنة) * فهذا مما اختلف فيه فنقل عن الشافعي، (رضي الله عنه) تنزيل المطلق على المقيد في هذه الصورة لكن اختلف الاصحاب في تأويله فمنهم من حمله على التقييد مطلقا من غير حاجة إلى دليل آخر ومنهم من حمله على ما إذا وجد بينهما علة جامعة مقتضية للالحاق وهو الاظهر من مذهبه وأما أصحاب أبي حنيفة فإنهم منعوا من ذلك مطلقا","part":3,"page":5},{"id":642,"text":"ولنذكر حجة كل فريق، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار أما حجة من قال بالتقييد من غير دليل، فهي أن كلام الله تعالى متحد في ذاته لا تعدد فيه، فإذا نص على اشتراط الايمان في كفارة القتل، كان ذلك تنصيصا على اشتراطه في كفارة الظهار، ولهذا حمل قوله تعالى: * (والذاكرات) * (33) الاحزاب: 35) على قوله في أول الآية: * (والذاكرين الله كثيرا) * (33) الاحزاب: 35) من غير دليل خارج.\rوهذا مما لا اتجاه له، فإن كلام الله تعالى إما أن يراد به المعنى القائم بالنفس، أو العبارات الدالة عليه.\rوالاول وإن كان واحدا لا تعدد فيه، غير أن تعلقه بالمتعلقات مختلف باختلاف المتعلق ولا يلزم من تعلقه بأحد المختلفين بالاطلاق والتقييد، أو العموم والخصوص، أو غير ذلك، أن يكون متعلقا بالآخر، وإلا كان أمره ونهيه ببعض المختلفات أمرا ونهيا بباقي المختلفات، وهو محال متناقض، بل وكان يلزم من تعلقه بالصوم المقيد في الحج بالتفريق، حيث قال تعالى: * (فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم) * (2) البقرة: (196) وبالتتابع في الظهار حيث قال * (فصيام شهرين متتابعين) * (4) النساء (92) أن يتقيد الصوم المطلق في اليمين، إما بالتتابع أو التفريق، وهو محال أو بأحدهما دون الآخر، ولا أولوية كيف وإنه يلزم من تقييده بأحدهما دون الآخر، إبطال ما ذكروه من أن التنصيص على أحد المختلفين يكون تنصيصا على الآخر وإن أريد به العبارة الدالة، فهي متعددة غير متحدة، ولا يلزم من دلالة بعضها على بعض الاشياء المختلفة، دلالته على غيره، وإلا لزم من ذلك المحال الذي قدمنا لزومه في الكلام النفساني (1) وأما ما ذكروه من حمل الذاكرات على الذاكرين الله كثيرا فلا نسلم أن ذلك من غير دليل ودليله أن قوله تعالى * (والذاكرات) * (33) الاحزاب: 35) معطوف على قوله: * (والذاكرين الله كثيرا) * (33) الاحزاب: 35)\r__________\r1 - انظر التعليق ص 153 ج 1 (*)","part":3,"page":6},{"id":643,"text":"ولا استقلال له بنفسه، فوجب رده إلى ما هو معطوف عليه ومشارك له في حكمه وأما حجة أصحاب أبي حنيفة، فإنهم قالوا: إذا امتنع التقييد من غير دليل لما سبق، فلا بد من دليل، ولا نص من كتاب أو سنة يدل على ذلك، والقياس يلزم منه رفع ما اقتضاه المطلق من الخروج عن العهدة بأي شئ كان، مما هو داخل تحت اللفظ المطلق، كما سبق تقريره، فيكون نسخا، ونسخ النص لا يكون بالقياس ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه يلزم من القياس نسخ النص المطلق، بل تقييده ببعض مسمياته، وذلك لا يزيد على تخصيص العام بالقياس عندكم، فكذلك التقييد كيف وإن لفظ (الرقبة) مطلق بالنسبة إلى السليمة والمعيبة، وقد كان مقتضى ذلك أيضا الخروج عن العهدة بالمعيبة، وقد شرطتم صفة السلامة، ولم يدل عليه نص من كتاب أو سنة وإن كان بالقياس، فإما أن يكون نسخا، أو لا يكون نسخا: فإن كان الاول فقد بطل قولكم إن النسخ لا يكون بالقياس، وإن لم يكن نسخا، فقد بطل قولكم إن رفع حكم المطلق بالقياس يكون نسخا وأما حجة من قال بالتقييد، بناء على القياس، فالوجه في ضعفه ما سبق في تخصيص العام بالقياس، فعليك بنقله إلى ههنا والمختار أنه إن كان الوصف الجامع بين المطلق والمقيد مؤثرا أي ثابتا بنص أو إجماع، وجب القضاء بالتقييد، بناء عليه، وإن كان مستنبطا من الحكم المقيد، فلا، كما ذكرناه في تخصيص العموم","part":3,"page":7},{"id":644,"text":"الصنف السابع في المجمل\rويشتمل على مقدمة ومسائل أما المقدمة: ففي معنى المجمل.\rوهو في اللغة مأخوذ من الجمع ومنه يقال أجمل الحساب إذا جمعه ورفع تفاصيله وقيل هو المحصل، ومنه يقال جملت الشئ إذا حصلته هكذا ذكره صاحب المجمل في اللغة وأما في اصطلاح الاصوليين، فقال بعض أصحابنا: هو اللفظ الذي لا يفهم منه عند الاطلاق شئ، وهو فاسد، فإنه ليس يمانع ولا جامع أما أنه ليس بمانع: فلانه يدخل فيه اللفظ المهمل، فإنه لا يفهم منه شئ عند إطلاقه، وليس بمجمل، لان الاجمال والبيان من صفات الالفاظ الدالة، والمهمل لا دلالة له، ويدخل فيه قولنا مستحيل، فإنه ليس بمجمل مع أنه لا يفهم منه شئ عند إطلاقه، لان مدلوله ليس بشئ بالاتفاق وأما أنه ليس بجامع: فلان اللفظ المجمل المتردد بين محامل، قد يفهم منه شئ وهو انحصار المراد منه في بعضها، وإن لم يكن معينا.\rوكذلك ما هو مجمل من وجه، ومبين من وجه، كقوله تعالى: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * (6) الانعام: 141) فإنه مجمل وإن كان يفهم منه شئ فإن قيل: المراد منه أنه الذي لا يفهم منه شئ عند إطلاقه من جهة ما هو مجمل ففيه تعريف المجمل بالمجمل، وتعريف الشئ بنفسه ممتنع كيف وإن الاجمال كما أنه قد يكون في دلالة الالفاظ، فقد يكون في دلالة الافعال، وذلك كما لو قام النبي (ص)، من الركعة الثانية، ولم يجلس جلسة التشهد الوسط، فإنه متردد بين السهو الذي لا دلالة له على جواز ترك الجلسة، وبين التعمد الدال على جواز تركها.\rوإذا كان الاجمال قد يعم الاقوال والافعال،","part":3,"page":8},{"id":645,"text":"فتقييد حد المجمل باللفظ يخرجه عن كونه جامعا، وبهذا يبطل ما ذكره الغزالي في حد المجمل من أنه اللفظ الصالح لاحد معنيين الذي لا يتعين معناه لا بوضع اللغة ولا بعرف الاستعمال وذكر أبو الحسين البصري فيه حدين آخرين الاول: أنه (الذي لا يمكن معرفة المراد منه) ويبطل بالالفاظ المهملة، وباللفظ الذي هو حقيقة في شئ، فإنه إذا أريد به جهة مجازه، فإنه لا يفهم المراد منه وليس بمجمل الثاني قال (هو ما أفاد شيئا من جملة أشياء هو متعين في نفسه، واللفظ لا بعينه)، قال وهذا بخلاف قولك (اضرب رجلا) فإن مدلوله واحد غير معين في نفسه، وأي رجل ضربته جاز، ولا كذلك لفظ القرء فإن مدلوله واحد متعين في نفسه من الطهر أو الحيض، وفيه إشعار بتقييد الحد باللفظ حيث قال (واللفظ لا بعينه) فلا يكون جامعا بخروج الاجمال في دلالة الفعل عنه، كما حققناه، وإنما يصح التقييد باللفظ، لو أريد تحديد المجمل اللفظي خاصة.\rوالحق في ذلك أن يقال: (المجمل هو ماله دلالة على أحد أمرين لامزية لاحدهما على الآخر بالنسبة إليه) فقولنا: (ما له دلالة) ليعم الاقوال والافعال وغير ذلك من الادلة المجملة وقولنا: (على أحد أمرين) احتراز عما لادلالة له إلا على معنى واحد.\rوقولنا: (لا مزية لاحدهما على الآخر بالنسبة إليه) احتراز عن اللفظ الذي هو ظاهر في معنى وبعيد في غيره، كاللفظ الذي هو حقيقة في شئ ومجاز في شئ على ما عرف فيما تقدم.\rوقد يكون ذلك في لفظ مفرد مشترك عند القائلين بامتناع تعميمه، وذلك إما بين مختلفين، كالعين، للذهب والشمس، والمختار للفاعل والمفعول، أو ضدين كالقرء، للطهر والحيض (1).\r__________\r1 - انظر الفرق بين المختلفين والضدين في التعليق ص 173 - 174 ج 2.\r(*)","part":3,"page":9},{"id":646,"text":"وقد يكون في لفظ مركب، كقوله تعالى: * (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) * (2) البقرة: 237) فإن هذه متردة بين الزوج والولي وقد يكون ذلك بسبب التردد في عود الضمير إلى ما تقدمه كقولك: كل ما علمه الفقيه فهو كما علمه فإن الضمير في (هو) متردد بين العود إلى الفقيه وإلى معلوم الفقيه، والمعنى يكون مختلفا، حتى أنه إذا قيل بعوده إلى الفقيه كان معناه في الفقيه كمعلومه، وإن عاد إلى معلومه، كان معناه: فمعلومه على الوجه الذي علم.\rوقد يكون ذلك بسبب تردد اللفظ بين جمع الاجزاء وجمع الصفات، كقولك (الخمسة زوج وفرد) والمعنى مختلف، حتى أنه إن أريد به جمع الاجزاء، كان صادقا، وإن أريد به جمع الصفات، كان كاذبا.\rوقد يكون ذلك بسبب الوقف والابتداء، كما في قوله تعالى: * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * (3) آل عمران: 7) فالواو في قوله (والراسخون) مترددة بين العطف والابتداء، والمعنى يكون مختلفا (1).\rوقد يكون ذلك بسبب تردد الصفة (2) وذلك كما لو كان زيد طبيبا غير ماهر\r__________\r1 - الاختلاف بالوقف والابتداء في الآية فرع الاختلاف في المراد بالمتشابه وبتأويله، والجميع من اختلاف التنوع لا التضاد، فان اريد بالمتشابه حقيقة الله وكنه صفاته وكنه الروح ونعيم الجنة، إلى امثال ذلك مم اختص الله بعلمه، كان تأويله بمعنى مآله وحقيقته التي لا يعلمها الا الله، وعليه يكون الوقوف على لفظ الجلالة، وتكون الوالو للاستئناف والجملة بعدها اسمية.\rوان اريد بالمتشابه ما اشتبه معناه وخفى على بعض الناس، كان تأويله بمعنى تفسيره.\rوعليه يكون الوقف على لفظ العلم، وتكون الواو عاطفة وجملة يقولون حال من قوله والراسخون والتقدير: وما يعلم المعنى المراد من الآيات المتشابهة\rالا من انزلها والا الراسسخون في العلم قائلين آمنا به كل من المحكم والمتشابه من عند ربنا فليس في الآية تردد يوجب الاجمال ويمنع من اعتقاد ما دلت عليه، والعمل به كما هو الشأن في الاجمال، بل التخيير بين قراءتين لكل منهما معنى صحيح.\r2 - معناه تردد اللفظبين ان يكون نعتا وخبرا كما في المثال.\r(*)","part":3,"page":10},{"id":647,"text":"في الطب وهو ماهر في غيره، فقلت (زيد طبيب ماهر) فإن قولك (ماهر) متردد بين أن يراد به كونه ماهرا في الطب فيكون كاذبا، وبين أن يراد به غيره، فيكون صادقا.\rوقد يكون ذلك بسبب تردد اللفظ بين مجازاته المتعددة عند تعذر حمله على حقيقته، وقد يكون بسببه تخصيص العموم بصور مجهولة، كما لو قال اقتلوا المشركين ثم قال بعد ذلك بعضهم غير مراد لي من لفظي (1) فإن قوله (اقتلوا المشركين) بعد ذلك يكون مجملا غير معلوم، أو بصفة مجهولة كقوله تعالى * (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين) * (4) النساء: 24) فإن تقييد الحل بالاحصان، مع الجهل بما هو الاحصان، يوجب الاجمال فيما أحل (2) أو باستثناء مجهول كقوله: * (أحلت لكم بهيمة الانعام إلا ما يتلى عليكم) (3) * (5) المائدة: 1) فإنه مهما كان المستثنى مجملا، فالمستثنى منه كذلك، وكذلك الكلام في تقييد المطلق وقد يكون ذلك بسبب إخراج اللفظ في عرف الشرع عما وضع له في اللغة عند القائلين بذلك، قبل بيانه لنا، كقوله: * (أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43) * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * (3) آل عمران: 97) فإنه يكون مجملا لعدم إشعار اللفظ بما هو المراد منه بعينه من الافعال المخصوصة، لانه (4) مجمل بالنسبة إلى الوجوب\r__________\r1 - هذا مثال فرضي لا يقع مثله في التكليف.\r2 - الاحصان والسفاح وان كان كل منهما يطلق على معان في اللغة الا ان الاحصان هنا بمعنى العفة، والسفاح بمعنى الزنا.\rفمعنى محصنين غير مسافحين أعفاء بنكاح ما احل الله لكم غير زناه، كما يدل على ذلك سياق الكلام وعرف\rالاستعمال، فلا خفاء في المعنى ولا اجمال في الآية.\r3 - (الا ما يتلى عليكم) قد بين الله المستثنى في آية (حرمت عليكم الميتة).\rمن سورة المائدة، وآية (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) وغيرها من سورة الانعام، وآية (انما حرم عليكم الميتة) من سورة النحل وهما قبل سورة المائدة نزولا.\rوبذلك لم يكون المستثنى مجهولا منه مجملا.\rضر.\rرة ان ما ينلى من المحرمات قد سبق بيانه في القرآن قبل نزول هذه الآية.\r4 - لانه - فيه تحريف.\rوالصواب: لانه، بحرف النفي لا بحرف التعليل.\r(*)","part":3,"page":11},{"id":648,"text":"هذا كله في الاقوال وقد يكون ذلك في الافعال، كما ذكرناه أولا وتمام كشف الغطاء عن ذلك بمسائل، وهي ثمان المسألة الاولى الذي صار إليه أصحابنا وجماعة من المعتزلة، كالقاضي عبد الجبار والجبائي وأبي هاشم وأبي الحسين البصري، أن التحليل والتحريم المضافين إلى الاعيان كقوله تعالى: * (حرمت عليكم أمهاتكم) * (4) النساء: 23) * (وحرمت عليكم الميتة) * (المائدة: 3) لا إجمال فيه، خلافا للكرخي وأبي عبد الله البصري.\rاحتج القائلون بالاجمال بأن التحليل والتحريم إنما يتعلق بالافعال المقدورة، والاعيان التي أضيف إليها التحليل والتحريم غير مقدورة لنا، فلا تكون هي متعلق التحليل والتحريم، فلا بد من إضمار فعل يكون هو متعلق ذلك، حذرا من إهمال الخطاب بالكلية، ويجب أن يكون ذلك بقدر ما تندفع به الضرورة تقليلا للاضمار المخالف للاصل.\rوعلى هذا، فيمتنع إضمار كل ما يمكن تعلقه بالعين، من الافعال وليس إضمار البعض أولى من البعض، لعدم دلالة الدليل على تعيينه، ولانه لو دل على تعيين بعض الافعال، لكان ذلك متعينا من تعلق التحريم بأي عين كانت، وهو محال قال النافون: وإن سلمنا امتناع تعلق التحليل والتحريم بنفس العين، ولكن\rمتى يحتاج إلى الاضمار، إذا كان اللفظ ظاهرا بعرف الاستعمال في الفعل المقصود من تلك العين، أو إذا لم يكن ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rوبيانه: أن كل من اطلع على عرف أهل اللغة، ومارس ألفاظ العرب لا يتبادر إلى فهمه عند قول القائل لغيره (حرمت عليك الطعام والشراب، وحرمت عليك النساء (سوى تحريم الاكل والشرب من الطعام والشراب، وتحريم وطئ النساء.\rوالاصل في كل ما يتبادر إلى الفهم أن يكون حقيقة، إما بالوضع الاصلي، أو بعرف الاستعمال، والاجمال منتف بكل واحد منهما ولهذا، كان الاجمال منتفيا عند قول القائل (رأيت دابة) لما كان المتبادر إلى الفهم ذوات الاربع بعرف الاستعمال، وإن كان على خلاف الوضع الاصلي.\rوعلى هذا، فقد خرج الجواب عما ذكروه من الوجه الثاني أيضا.","part":3,"page":12},{"id":649,"text":"سلمنا أنه لا بد من الاضمار، ولكن ما المانع من إضمار جميع التصرفات المتعلقة بالعين، المضاف إليها التحليل والتحريم.\rقولهم: إن زيادة الاضمار على خلاف الاصل..قلنا: فإضمار البعض إما أن يفضي إلى الاجمال، أو لا يفضي إليه، فإن كان الثاني، فقد بطل مذهبكم، وإن كان يفضي إلى الاجمال، فلا بد من إضمار الكل، حذرا من تعطيل دلالة اللفظ.\rفلئن قالوا: إضمار البعض، وإن أفضى إلى الاجمال، فليس في ذلك ما يفضي إلى تعطيل دلالة اللفظ مطلقا، لامكان معرفة تعيين مدلوله بدليل آخر وأما محذور إضمار كل التصرفات فلازم مطلقا.\rولا يخفى أن التزام المحذور الدائم أعظم من التزام المحذور الذي لا يدوم.\rقلنا: بل التزام محذور إضمار جميع الافعال أولى من التزام محذور الاجمال\rفي اللفظ لثلاثة أوجه.\rالاول: أن الاضمار في اللغة أكثر استعمالا من استعمال الالفاظ المجملة، ولولا أن المحذور في الاضمار أقل، لما كان استعماله أكثر.\rالثاني: أنه انعقد الاجماع على وجود الاضمار في اللغة والقرآن واختلف في وجود الاجمال فيهما، وذلك يدل على أن محذور الاضمار أقل.\rالثالث: أنه قال (ص): لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها وباعوها (وكانوا أثمانها) (1) وذلك يدل على إضمار جميع التصرفات المتعلقة بالشحوم وإلا، لما لحقهم اللعن ببيعها.\rولو كان الاجمال أولى من إضمار الكل، لكان ذلك على خلاف الاولى.\r__________\rالحديث رواه احمد وابو داود بلفظ (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها واكلو اثمانها، (وان الله إذا حرم على قوم اكل شئ حرم عليهم ثمنها) وقد رواه الستة ضمن حديث طويل.\rوفيه (قاتل الله اليهود ان الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه (*)","part":3,"page":13},{"id":650,"text":"المسألة الثانية ذهب بعض الحنفية إلى أن قوله تعالى: * (وامسحوا برؤوسكم) * (5) المائدة: 6) مجمل لانه يحتمل مسح جميع الرأس، ويحتمل مسح بعضه، وليس أحدهما أولى من الآخر، فكان مجملا قالوا: وما روي عنه (ص)، أنه مسح بناصيته، فهو بيان لمجمل الآية واتفق النافون على نفي الاجمال، لكن منهم من قال إنه بحكم وضع اللغة ظاهر في مسح جميع الرأس، وهو مذهب مالك والقاضي عبد الجبار وابن جني مصيرا منهم إلى أن (الباء) في اللغة أصل في الالصاق، كما سبق تعريفه، وقد دخلت على المسح وقرنته بالرأس، واسم الرأس حقيقة في كله لا بعضه، ولهذا،\rلا يقال لبعض الرأس رأس، فكان ذلك مقتضيا لمسح جميعه لغة، وهذا، وإن كان هو الحق بالنظر إلى أصل وضع اللغة، غير أن عرف استعمال أهل اللغة الطارئ على الوضع الاصلي حاكم عليه، والعرف من أهل اللغة في اطراد الاعتبار جار باقتضاء إلصاق المسح بالرأس فقط، مع قطع النظر عن الكل والبعض، ولهذا، فإنه إذا قال القائل لغيره امسح يدك بالمنديل لا يفهم منه أحد من أهل اللغة أنه أوجب عليه إلصاق يده بجميع المنديل، بل إن شاء بكله، وإن شاء ببعضه.\rولهذا، فإنه يخرج عن العهدة بكل واحد منهما.\rوكذلك إذا قال: مسحت يدي بالمنديل فالسامعون يجوزون أنه مسح بكله وببعضه، غير فاهمين لزوم وقوع المسح بالكل أو البعض، بل بالقدر المشترك بين الكل والبعض، وهو مطلق مسح (1) ويجب أن يكون كذلك، نفيا للتجوز والاشتراك في العرف.\rوهذا هو مذهب الشافعي، رضي الله عنه، واختيار القاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري.\rوعلى كل تقدير، فلا وجه للقول بالاجمال، لا بالنظر إلى الوضع اللغوي الاصلي، ولا بالنظر إلى عرف الاستعمال.\r__________\r1 - يظهر لى فرق بين قوله تهالى (وامسحوا برؤسكم) وقول القائل: امسح يدك بالمنديل، ومسحت يدي بالمنديل، فان عرف الاستعمال يدل على ان = (*)","part":3,"page":14},{"id":651,"text":"المسألة الثالثة مذهب الجمهور أنه لا إجمال في قوله (ص): رفع عن أمتي الخطأ والنسيان (1) وقال أبو الحسين البصري وأبو عبد الله البصري وغيرهما إنه مجمل، مصيرا منهم إلى أن اللفظ بوضعه لغة يقتضي رفع الخطإ والنسيان في نفسه، وهو محال مع فرض وقوعه فيجل منصب النبي عن نفيه.\rوعند ذلك، فإما أن يضمر نفي جميع أحكامه أو بعضها، لا سبيل إلى الاول، لان الاضمار على خلاف الاصل، وإنما يصار إليه لدفع الضرورة اللازمة من تعطيل العمل باللفظ، فيجب الاقتصار فيه على أقل ما تندفع به الضرورة، وهو بعض الاحكام.\rكيف وأنه يمتنع إضمار نفي جميع الاحكام، لان من جملتها لزوم الضمان وقضاء العبادة، وهو غير منفي بالاجماع.\rثم ذلك الحكم المضمر لا يمكن القول بتعينه لعدم دلالة اللفظ عليه، فلم يبق إلا أن يكون غير معين، ويلزم منه الاجمال.\rقال النافون للاجمال: وإن تعذر حمل اللفظ على رفع عين الخطإ والنسيان، فإنما يلزم الاضمار إن لو لم يكن اللفظ ظاهرا بعرف استعمال أهل اللغة في نفي المؤاخذة والعقاب قبل ورود الشرع، وليس كذلك.\rولهذا فإن كل من عرف عرف أهل اللغة لا يتشكك ولا يتردد عند سماعه قول السيد لعبده رفعت عنك الخطأ والنسيان في أن مراده من ذلك رفع المؤاخذة والعقاب.\rوالاصل أن كل ما يتبادر إلى الفهم من اللفظ أن يكون حقيقة فيه، إما بالوضع الاصلي، أو العرف الاستعمالي.\rوذلك لا إجمال فيه ولا تردد.\r__________\r= القصد بالخطاب في الآية إلى مسح االرأس، والعضو الماسح وسيلة وان القصد في طلب مسح اليد بالمنديل والاخبار بذلك إلى مسح اليد، والمنديل وسيلة فالمنديل نظير العضو الماسح، كلاهما آلة للمسح لم تقصد به لنفسها واليد في المثالين نظير الرأس في الآية وكلاهما مقصود بالمسح، وكل من وضع اللغة وعرف الاستعمال يدل ظاهرا على تعميمهما به.\r1 - رواه الطبراني في الكبير عن ثوبان بلفظ (رفع عن امتي الخطأ والنسيان وماستكرهوا عليه) ورمز له السيوطي في الجامع الصغير براموز الصحة.\r(*)","part":3,"page":15},{"id":652,"text":"فإن قيل: لو كان عرف الاستعمال كما ذكرتموه لارتفع عنه الضمان لكونه من جملة المؤاخذات والعقوبات.\rقلنا: عنه جوابان\rالاول: أنا نسلم أن الضمان، من حيث هو ضمان، عقوبة ولهذا يجب في مال الصبي والمجنون، وليسا أهلا للعقوبة، وكذلك يجب على المضطر في المخمصة إذا أكل مال غيره، مع أن الاكل واجب عليه حفظا لنفسه، والواجب لا عقوبة على فعله، وكذلك يجب الضمان على من رمى إلى صف الكفار فأصاب مسلما، مع أنه مأمور بالرمي، وهو مثاب عليه.\rالثاني: وإن سلمنا أنه عقاب، لكن غايته لزوم تخصيص عموم اللفظ الدال على نفي كل عقاب، وذلك أسهل من القول بالاجمال.\rالمسألة الرابعة اختلفوا في قوله (ص): لا صلاة إلا بطهور، (1) ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، (2) ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل (3)، ولا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل (4) ونحوه.\r__________\r1 - رواه الطبراني في الاوسط من حديث ابن عمر بلفظ (لا صلاة لمن لا طهور له) وفي معناه ما رواه مسلم بلفظ (لا يقبل صلاة بغير طهور).\r2 - رواه البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت بلفظ (لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب).\r3 - رواه الخمسة من طريق ابن عمر عن حفصة (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له) وقد اختلف في وقفه ورفعه: فقال أبو داود: لا يصح رفعه وقال الترمذي الموقوف اصح ونقل في العلل عن البخاري أنه قال: هو خطأ: وهو حديث فيه اضطراب، والصحيح عن ابن عمر موقوف، وقال النسائي: الصواب عندي أنه موقوف ولا يصح رفعه.\r4 - رواه ابن حبان من حديث عائشة مرفوعا ورجح الترمذي وقفه.\r(*)","part":3,"page":16},{"id":653,"text":"فمذهب الكل أنه لا إجمال فيه، خلافا للقاضي أبي بكر وأبي عبد الله البصري، فإنهما قالا بإجماله، لان حرف النفي دخل على هذه المسميات مع تحققها، فلا بد من إضمار حكم يلحق، وتمام تقريره كما مر في المسألة المتقدمة.\rوالمختار: أنه لا إجمال في هذه الصور، لانه لا يخلو إما أن يقال بأن الشارع له في هذه الاسماء عرف، أو لا عرف له فيها، بل هي منزلة على الوضع اللغوي.\rفإن قيل بالاول، فيجب تنزيل كلام الشارع على عرفه، إذ الغالب منه أنه إنما يناطقنا فيما له فيه عرف بعرفه، فيكون لفظه منزلا على نفي الحقيقة الشرعية من هذه الامور، ونفي الحقيقة الشرعية ممكن.\rوالاصل حمل الكلام على ما هو حقيقة فيه.\rوعلى هذا، فلا إجمال، وإن كان مسمى هذه الامور بالوضع اللغوي غير منفي.\rوإن قيل بالثاني، فالاجمال أيضا إنما يتحقق إن لو لم يكن اللفظ ظاهرا بعرف استعمال أهل اللغة قبل ورود الشرع في مثل هذه الالفاظ في نفي الفائدة والجدوى وليس كذلك.\rوبيانه أن المتبادر إلى الفهم من نفي كل فعل كان متحقق الوجود إنما هو نفي فائدته وجدواه.\rومنه قولهم لاعلم إلا ما نفع، ولا كلام إلا ما أفاد، ولا حكم إلا لله، ولا طاعة إلا له، ولا بلد إلا بسلطان إلى غير ذلك.\rوإذا كان النفي محمولا على نفي الفائدة والجدوى، فلا إجمال فيه.\rوإن سلمنا أنه لا عرف للشارع، ولا لاهل اللغة في ذلك، وأنه لا بد من الاضمار غير أن الاتفاق واقع على أنه لا خروج للمضمر ها هنا عن الصحة.\rوالكمال وعند ذلك، فيجب اعتقاد ظهوره في نفي الصحة والكمال لوجهين: الاول: أنه أقرب إلى موافقة دلالة اللفظ على النفي، لانه إذا قال: لا صلاة، لا صوم إلا بكذا فقد دل على نفي أصل الفعل بدلالة المطابقة، وعلى صفاته بدلالة الالتزام،\rفإذا تعذر العمل بدلالة المطابقة، تعين العمل بدلالة الالتزام تقليلا لمخالفة الدليل.","part":3,"page":17},{"id":654,"text":"الثاني: أنه إذا كان اللفظ قد دل على نفي العمل وعدمه، فيجب عند تعذر حمل اللفظ على حقيقته، حمله على أقرب المجازات الشبيهة به، ولا يخفى أن مشابهة الفعل الذي ليس بصحيح ولا كامل للفعل المعدوم أكثر من مشابهة الفعل الذي نفي عنه أحد الامرين دون الآخر، فكان الحمل عليه أولى.\rفإن قيل ما ذكرتموه معارض من وجهين: الاول: أنه يلزم منه الزيادة في الاضمار والتجوز المخالف للاصل، الثاني: أن حمله على نفي الكمال دون الصحة مستيقن، من حيث إنه يلزم من نفي الصحة نفي الكمال، ولا عكس، وإذا تقابلت الاحتمالات لزم الاجمال.\rقلنا: بل الترجيح لما ذكرناه، لانه لا يلزم منه تعطيل دلالة اللفظ، بخلاف ما ذكرتموه، ولانه على وفق النفي الاصلي، وما ذكرتموه على خلافه، فكان ما ذكرناه أولى.\rوعلى هذا، فقوله (ص): لا عمل إلا بنية، وإنما الاعمال بالنيات وإن لم يكن للشارع فيه عرف، كما في الصلاة والصوم ونحوهما، فعرف أهل اللغة في نفيه نفي الفائدة والجدوى، كما قررناه فيما تقدم، فلا إجمال فيه أيضا، خلافا لابي الحسين البصري وأبي عبد الله البصري وغيرهما من المعتزلة.\rردر","part":3,"page":18},{"id":655,"text":"المسألة الخوامسة اختلفوا في قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5) المائدة: 38) فقال بعض الاصوليين إن لفظ القطع واليد مجمل.\rأما الاجمال في القطع، فلانه يصدق إطلاقه على بينونة العضو\rمن العضو، وعلى شق الجلد الظاهر من العضو بالجرح، من غير إبانة للعضو.\rولذلك يقال عندما إذا جرح يده في بعض الاعمال، كبري القلم وغيره قطع يده وأما الاجمال في اليد، فلان لفظ اليد يطلق على جملتها إلى المنكب، وعليها إلى المرفق، وعليها إلى الكوع، وليس أحد هذه الاحتمالات أظهر من الآخر، فكان لفظ اليد والقطع، مجملا.\rوذهب الباقون إلى خلافه متمسكين في ذلك بالاجمال والتفصيل: أما الاجمال: فهو أن إطلاق لفظ اليد على ما ذكر من المحامل، وكذلك إطلاق لفظ القطع، إما أن يكون حقيقة في الكل أو هو حقيقة في البعض مجاز في البعض، فإن كان حقيقة في الكل، فإما أن يكون مشتركا، أو متواطئا: القول بالاشتراك يلزم منه الاجمال في الكلام، وهو على خلاف الاصل.\rوإن كان الثاني والثالث، فليس بمجمل.\rكيف وإنه وإن كان الاشتراك على وفق الاصل إلا أن الاحتمالات ثلاثة كما ذكرناه، ولا إجمال فيه على تقديرين منها، وهما حالة التواطؤ والتجوز في أحدهما، وإنما يتحقق الاجمال على تقدير الاشتراك، وهو متحد، ووقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه.\rوإذا كان حقيقة في أحدهما دون الآخر، فيجب اعتقاد كونه ظاهرا في كل العضو ضرورة الاتفاق على عدم ظهوره فيما سواه، أما عند الخصم، فلدعواه الاجمال، وأما عندنا فلمصيرنا إلى نفي الظهور عنه وانحصاره في جملة مسمى العضو","part":3,"page":19},{"id":656,"text":".\rوأما التفصيل: فهو أن لفظ اليد، وإن أطلق على ما ذكروه من الاحتمالات إلا أنه حقيقة في جملة العضو إلى المنكب، ومجاز فيما عداه.\rودليله أنه يصح أن يقال،\rإذا أبينت اليد من المرفق أو من الكوع: هذا بعض اليد لا كلها.\rوذلك يدل على أنه ليس حقيقة من وجهين: الاول: أن مسمى اليد حقيقة لا يصدق عليه أنه بعض اليد والثاني: صحة القول بأنه ليس كل اليد، ولو كان مسمى اليد حقيقة، لما صح نفيه وأما لفظ القطع فحقيقة في إبانة الشئ عما كان متصلا به.\rفإذا أضيف القطع إلى اليد، وكان مسمى اليد حقيقة في جملتها إلى الكوع، وجب حمله على إبانة مسمى اليد، وهو جملتها، وحيث أطلق قطع اليد عند إبانة بعض أجزائها عن بعض لا يكون حقيقة، بل تجوزا.\rفإن قيل: لو كان الامر على ما ذكرتموه لما وجب الاقتصار في قطع يد السارق على قطعه من الكوع، لما فيه من مخالفة الظاهر.\rقلنا: وإن لزم منه مخالفة الظاهر إلا إنه أولى من القول بالاجمال في كلام الشارع، فكان إدراج ما نحن فيه تحت الاغلب أغلب.\rالثاني أن القول بالاجمال: مما يفضي إلى تعطيل اللفظ عن الاعمال في الحال، إلى حين قيام الدليل المرجح، ولا كذلك في الحمل على المجاز: فإنه إن لم يظهر دليل التجوز عمل باللفظ في حقيقته، وإن ظهر عمل به في مجازه، من غير تعطيل اللفظ في الحال ولا في ثاني الحال.","part":3,"page":20},{"id":657,"text":"المسألة السادسة اللفظ الوارد إذا أمكن حمله على ما يفيد معنى واحدا، وعلى ما يفيد معنيين، قال الغزالي وجماعة من الاصوليين: هو مجمل لتردده بين هذين الاحتمالين.\rوالذي عليه الاكثر أنه ليس بمجمل، بل هو ظاهر فيما يفيد معنيين.\rوهذا هو المختار وقبل الخوض في الحجاج، لا بد من تلخيص محل النزاع فنقول: اللفظ الوارد إما أن يظهر كونه حقيقة فيما قيل من المحملين مع اختلافهما\rأو كونه حقيقة في أحدهما، مجازا في الآخر، أو لم يظهر أحد الامرين: فإن كان من القسم الاول أو الثاني، فلا معنى للخلاف فيه أما الاول فلتحقق إجماله وأما الثاني فلتحقق الظهور في أحد المحملين: وإنما النزاع في القسم الثالث ويجب اعتقاد نفي الاجمال فيه للاجمال والتفصيل: أما الاجمال فما تقدم في المسألة المتقدمة.\rوأما التفصيل فهو أن الكلام إنما وضع للافادة، ولا سيما كلام الشارع.\rولا يخفى أن ما يفيد معنيين أكثر في الفائدة، فيجب اعتقاد كون اللفظ ظاهرا فيه.\rفإن قيل: هذا الترجيح معارض بترجيح آخر، وهو إن الغالب من الالفاظ الواردة هي المفيدة لمعنى واحد، بخلاف المفيد لمعنيين.\rوعند ذلك فاعتقاد أدراج ما نحن فيه تحت الاعم الاغلب أغلب.\rقلنا: يجب اعتقاد الترجيح فيما ذكرناه، وذلك لانه لا يخلو إما أن يقال بالتساوي بين الاحتمالين أو التفاوت.\rالقول بالتساوي يلزم منه تعطيل دلالة اللفظ وامتناع العمل به مطلقا، إلى حين قيام الدليل، وذلك على خلاف الاصل.\rوإن قبل بالتفاوت والترجيح، فإما أن يكون فيما يفيد معنى واحدا، أو فيما يفيد معنيين: لا سبيل إلى الاول، إذ القائل قائلان: قائل يقول بالاجمال، ففيه نفي الترجيح عن المعنيين، وقائل يقول بأنه ظاهر راجح فيما يفيد معنيين دون ما يفيد معنى واحدا، فقد وقع الاتفاق على نفي الترجيح فيما يفيد معنى واحدا، فتعين الترجيح لما يفيد معنيين.","part":3,"page":21},{"id":658,"text":"المسألة السابعة اللفظ الوارد من جهة الشارع إذا أمكن حمله على حكم شرعي مجدد، وأمكن\rحمله على الموضوع اللغوي: اختلفوا فيه.\rفذهب الغزالي إلى أنه مجمل لتردده بين الاحتمالين من غير مزية، وذهب غيره إلى أنه ظاهر في الحكم الشرعي، وهو المختار.\rوذلك مثل قوله (ص): الطواف بالبيت صلاة (1) فإنه يحتمل أنه أراد به أنه كالصلاة حكما، في الافتقار إلى الطهارة.\rويحتمل أنه أراد به أنه مشتمل على الدعاء الذي هو صلاة لغة.\rوكقوله (ص): الاثنان فما فوقهما جماعة (2) فإنه يحتمل أنه أراد به أنهما جماعة حقيقة.\rويحتمل أنه أراد به انعقاد الجماعة بهما وحصول فضيلتها، وإنما قلنا بكونه ظاهرا في الحكم الشرعي للاجمال والتفصيل: أما الاجمال فما ذكرناه فيما تقدم.\rوأما التفصيل: فهو أنه (ص)، إنما بعث لتعريف الاحكام الشرعية، التي لا تعرف إلا من جهته لا لتعريف ما هو معروف لاهل اللغة، فوجب حمل اللفظ عليه لما فيه من موافقة مقصود البعثة.\r__________\r1 - رواه التر.\rذي والحاكم والدارقطني من حديث ابن عباس بلفظ الطواف بالبيت صلاة الا أن الله أباح فيه الكلام وصححه ابن السكن وابن خزيمة وابن حبان، وقال الترمذي: رواه مرفوعا وموقوفا ولا نعرفه مرفوعا الامن حديث عطاء بن السائب، ورجح النسائي والبيهقي وابن الصلاح والمنذري وقفه (عطاء بن السائب اختلط بآخرة).\r2 - تقدم الكلام عليه تعليقا ص 223 ج 2.\r(*)","part":3,"page":22},{"id":659,"text":"فإن قيل: ما ذكرتموه من الترجيح مقابل بمثله، وبيانه أن حمل اللفظ\rعلى الحكم الشرعي، المجدد مخالف للنفي الاصلي، بخلاف الحمل على الموضوع الاصلي.\rقلنا: إلا أنا لو حملناه على تعريف الموضوع اللغوي، كانت فائدة لفظ الشارع التأكيد بتعريف ما هو معروف لنا ولو حملناه على تعريف الحكم الشرعي.\rكانت فائدته التأسيس وتعريف ما ليس معروفا لنا، وفائدة التأسيس أصل، وفائدة التأكيد تبع، فكان حمله على التأسيس أولى.\rالمسألة الثامنة إذا ورد لفظ الشارع، وله مسمى لغوي، ومسمى شرعي عند المعترف بالاسماء الشرعية، قال القاضي أبو بكر تفريعا على القول بالاسماء الشرعية إنه مجمل.\rوقال بعض أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة إنه محمول على المسمى الشرعي.\rوفصل الغزالي، وقال: ما ورد في الاثبات، فهو للحكم الشرعي، وما ورد في النهي، فهو مجمل، ومثال ذلك في طرف الاثبات قوله (ص)، حين دخل على عائشة، فقال لها: أعندك شئ ؟ - فقالت: لا - قال: إني إذا أصوم (1) فهو إن حمل على الصوم الشرعي دل على صحة الصوم بنية من النهار بخلاف حمله على الصوم اللغوي، ومثاله في طرف النهي نهيه عليه السلام عن صوم يوم النحر، (2) فإنه إن حمل على الصوم الشرعي، دل على تصور وقوعه لاستحالة النهي عما لا تصور لوقوعه، بخلاف ما إذا حمل على الصوم اللغوي.\rوالمختار ظهوره في المسمى الشرعي في طرف الاثبات، وظهوره في المسمى اللغوي في طرف الترك (3).\r__________\r1 - جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه من طريق عائشة قالت دخل على النبي (ص) ذات يوم فقال هل عندكم شئ فقلنا لا (قال فاني إذا صائم) الحديث 2 - روي مسلم في صحيحه من طريق أبي هريرة أن رسول الله (ص) نهى عن صيام يومين (يوم الاضى ويوم الفطر) ورواه ايضا من طريق عمر وابي سعيد وعائشة بمعناه.\r3 - الترك يعني به النفي والنهي.\r(*)","part":3,"page":23},{"id":660,"text":"أما الاول: فبيانه بما تقدم في المسألة التي قبلها، ويزيد ها هنا وجه آخر في الترجيح، وهو أن الشارع، مهما ثبت له عرف، وإن كانت مناطقته لنا بالامور اللغوية غالبا، غير أن مناطقته لنا بعرفه، في موضع له فيه عرف، أغلب: وأما إذا ورد في طرف الترك، كقوله (ص): دعي الصلاة أيام أقرائك (1) وكنهيه عن بيع الحر والخمر وحبل الحبلة والملاقيح والمضامين، فإنه لو كان اللفظ ظاهرا في الصلاة الشرعية والبيع الشرعي، لزم أن يكون ذلك متصورا لاستحالة النهي عما لا تصور له، وهو خلاف الاجماع، وأن يكون الشارع (2) قد نهى عن التصرف الشرعي، وذلك ممتنع لما فيه من إهمال المصلحة المعتبرة المرعية في التصرف الشرعي (3)، أو أن يقال مع ظهوره في المسمى الشرعي بتأويله وصرفه إلى المسمى اللغوي، وهو على خلاف الاصل، ولا يلزم من اطراده عرف الشرع في هذه المسميات في طرف الاثبات، مثله في طرف النهي أو النفي، وعلى ما حققناه من تقديم عرف الشرع في خطابه، على وضع اللغة، فيقدم ما اشتهر من المجاز الذي صار لا يفهم من اللفظ غيره، على الوضع الاصلي الحقيقي، وسواء كان ذلك التجوز بطريق نقل الكلام من محل الحقيقة إلى ما هو خارج عنه كلفظ الغائط، أو بطريق تخصيصه ببعض مسمياته في الحقيقة، كلفظ الدابة لان العرف الطارئ $ الب للوضع الاصلي، ولا إجمال فيه.\r__________\r1 - هذا معنى جزء من حديث رواه أبو داود والنسائي من حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها شكت إلى رسول الله (ص) فقال لها انما ذلك عرق فانتظري، إذا أتى قرؤك تصلي فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي مابين القرء إلى القرء، وقريب منه ما ذكرت عائشة ان النبي (ص) ام رام حبيبة ان تدع الصلاة ايام اقرائها.\r2 - وان يكون - معطوف على فاعل لزم.\r3 - اجيب بأنه ليس المراد بالشرعي الصحيح شرعا حتى ما قيل، بل المراد ما يسميه الشرع بذلك الاسم من الهيئات المخصوصة حيث يقول هذه صلاة صحيحة وهذه صلاة فاسده، والالزم في قوله (ودعي الصلاة ايام أقرائك) ان يكون مجملا = (*)","part":3,"page":24},{"id":661,"text":"الصنف الثامن في البيان والمبين ويشتمل على مقدمة ومسائل أما المقدمة، ففي تحقيق معنى البيان والمبين واختلاف الناس في العبارات الدالة عليهما، وما هو المختار في ذلك.\rأما البيان: فاعلم أنه لما كان متعلقا بالتعريف والاعلام بما ليس بمعروف ولا معلوم، وكان ذلك مما يتوقف على الدليل، والدليل مرشد إلى المطلوب، وهو العلم أو الظن الحاصل عن الدليل، ولم يخرج البيان عن التعريف والدليل، والمطلوب الحاصل من الدليل، لعدم معنى رابع يفسر به البيان، فلا جرم اختلف الناس.\rفقال أبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي وغيره، إن البيان هو التعريف وعبر عنه بأنه إخراج الشئ من حيز الاشكال إلى حيز الوضوح والتجلي.\rوذهب أبو عبد الله البصري وغيره إلى أن البيان هو العلم الحاصل من الدليل.\rوذهب القاضي أبو بكر والغزالي وأكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة، كالجبائي وأبي هاشم وأبي الحسين البصري وغيرهم، إلى أن البيان هو الدليل، وهو المختار.\rويدل على صحة تفسيره بذلك أن من ذكر دليلا لغيره، وأوضحه غاية الايضاح يصح لغة وعرفا أن يقال، تم بيانه، وهو بيان حسن، إشارة إلى الدليل المذكور.\rوإن لم يحصل منه المعرفة بالمطلوب للسامع، ولا حصل به تعريفه، ولا إخراج المطلوب من حيز الاشكال إلى حيز الوضوح والتجلي.\rوالاصل في الاطلاق الحقيقة، والذي يخص كل واحد من التعريفين الآخرين.\rأما الاول: فلانه غير جامع، لان ما يدل على الحكم بديا من غير سابقة\rإجمال بيان، وهو غير داخل في الحد، وشرط الحد أن يكون جامعا مانعا.\rكيف وفيه تجوز وزيادة.\rأما التجوز ففي لفظ الحيز، فإنه حقيقة في الجوهر دون غيره.\rوأما الزيادة فما فيه من الجمع بين الوضوح والتجلي، وأحدهما كاف عن الآخر، والحد مما يجب صيانته عن التجوز والزيادة.\r__________\r= بين الصلاة في عرف الشرع والدعاء، أو يكون ظاهرا في الدعاء، واللازم باطل، لظهوره في المعنى الشرعي انظر المسألة في مختصر ابن الحاجب وشرحه.\r(*)","part":3,"page":25},{"id":662,"text":"وأما التعريف الثاني: فلان حصول العلم عن الدليل يسمى تبينا، والاصل في الاطلاق الحقيقة.\rفلو كان هو البيان أيضا حقيقة، لزم منه الترادف.\rوالاصل عند تعدد الاسماء، تعدد المسميات، تكثيرا للفائدة، ولان الحاصل عن الدليل قد يكون علما، وقد يكون ظنا.\rوعند ذلك فتخصيص اسم البيان بالعلم، دون الظن لا معنى له، مع أن اسم البيان يعم الحالتين، وإذا كان النزاع إنما هو في إطلاق أمر لفظي، فأولى ما اتبع، ما كان موافقا للاطلاق اللغوي، وأبعد عن الاضطراب ومخالفة الاصول وإذا عرف أن البيان هو الدليل المذكور فحد البيان ما هو حد الدليل، على ما سبق في تحريره (1) ويعم ذلك كل ما يقال له دليل، كان مفيدا للقطع أو الظن وسواه كان عقليا أو حسيا، أو شرعيا أو عرفيا، أو قولا أو سكوتا، أو فعلا أو ترك فعل إلى غير ذلك.\rوأما المبين: فقد يطلق، ويراد به ما كان من الخطاب المبتدإ المستغنى بنفسه عن بيان، وقد يراد به ما كان محتاجا إلى البيان، وقد ورد عليه بيانه، وذلك كاللفظ المجمل إذا بين المراد منه، والعام بعد التخصيص، والمطلق بعد التقييد، والفعل إذا اقترن به ما يدل على الوجه الذي قصد منه إلى غير ذلك.\rوأما المسائل فثمان.\r__________\r1 - سبق شرح الدليل في المبادئ الكلامية.\r(*)","part":3,"page":26},{"id":663,"text":"المسألة الاولى مذهب الاكثرين أن الفعل يكون بيانا، خلافا لطائفة شاذة.\rويدل على ذلك النقل والعقل.\rأما النقل: فما روي عنه (ص)، أنه عرف الصلاة والحج بفعله حيث قال: صلوا كما رأيتموني أصلي، وخذوا عني مناسككم.\rوأما العقل: فهو أن الاجماع منعقد على كون القول بيانا، والاتيان بأفعال الصلاة والحج، لكونها مشاهدة، أدل على معرفة تفصيلها من الاخبار عنها بالقول فإنه ليس الخبر كالمعاينة (1) ولهذا كانت مشاهدة زيد في الدار أدل على معرفة كونه فيها من الاخبار عنه بذلك.\rوإذا كان القول بيانا، مع قصوره في الدلالة عن الفعل المشاهد، فكون الفعل بيانا أولى.\rفإن قيل: أما النقل فالبيان فيه إنما وقع بالقول لا بالفعل، وهو قوله: صلوا كما رأيتموني أصلي، وخذوا عني مناسككم وأما المعقول فهو أن الفعل، وإن كان مشاهدا، غير أن زمان البيان به مما يطول، ويلزم من ذلك تأخير البيان مع إمكانه بما هو أفضى إليه، وهو القول، وذلك ممتنع.\rقلنا: أما القول بأن البيان إنما حصل بالقول ليس كذلك فإنه لم يتضمن تعريف شئ من أفعال الصلاة والحج، بل غايته تعريف أن الفعل هو البيان لذلك.\rوأما القول بأن البيان بالفعل مما يفضي إلى تأخير البيان مع إمكان تقدمه بالقول فهو غير مسلم، بل التعريف بالقول، وذكر كل فعل بصفته وهيئته وما يتعلق به أبعد عن التشبث بالذهن من الفعل المشاهد، وربما احتيج في ذلك إلى تكرير في أزمنة تزيد على زمان وقوع الفعل بأزمنة كثيرة، على ما يشهد به العرف والعادة.\rوإن سلمنا أن زمان التعريف بالفعل يكون أطول، فليس في ذلك ما يدل على كونه غير صالح للبيان والتعريف والخلاف إنما هو في ذلك، وقد بينا أنه مع صلاحيته للتعريف أدل من القول.\r__________\r1 - جزء من حديث انظر طرقه ومن خرجه والكلام على متنه واسانيده في كشف الخفاء (*)","part":3,"page":27},{"id":664,"text":"قولهم إنه يفضي إلى تأخير البيان، مع إمكان تقديمه بالقول.\rقلنا: لا يخلو إما أن لا تكون الحاجة قد دعت إلى البيان في الحال، أودعت إليه: فإن كان الاول، فلا محذور في التأخير مع حصول البيان بما هو أدل من القول وإن كان الثاني، فلا نسلم امتناع التأخير على قولنا بجواز التكليف بما لا يطاق على ما قررناه.\rوبتقدير امتناعه، فإنما نسلم ذلك فيما إذا كان التأخير لا لفائدة وأما إذا كان لفائدة، فلا.\rوقد بينا الفائدة في البيان بالفعل من جهة كونه أدل على المقصود.\rالمسألة الثانية إذا ورد بعد اللفظ المجمل قول وفعل، وكل واحد منهما صالح للبيان، فالبيان بماذا منهما ؟ والحق في ذلك أنه لا يخلو إما أن يتوافقا في البيان أو يختلفا: فإن توافقا فإن علم تقدم أحدهما فهو البيان لحصول المقصود به، والثاني يكون تأكيدا، إلا إذا كان دون الاول في الدلالة، لاستحالة تأكيد الشئ بما هو دونه في الدلالة.\rوإن جهل ذلك، فلا يخلو إما أن يكونا متساويين في الدلالة، أو أحدهما أرجح من الآخر على حسب اختلاف الوقائع والاقوال والافعال: فإن كان الاول فأحدهما هو البيان، والآخر مؤكد من غير تعيين وإن كان الثاني، فالاشبه أن المرجوح هو المتقدم لانا فرضنا تأخر المرجوح\rامتنع أن يكون مؤكدا للراجح، إذ الشئ لا يؤكد بما هو دونه في الدلالة، والبيان حاصل دونه، فكان الاتيان به غير مفيد، ومنصب الشارع منزه عن الاتيان بما لا يفيد ولا كذلك فيما إذا جعلنا المرجوح مقدما، فإن الاتيان بالراجح بعده يكون مفيدا للتأكيد، ولا يكون معطلا.\rوأما إن لم يتوافقا في البيان، كما روي عنه (ص)، أنه بعد آية الحج قال: من قرن حجا إلى عمرة فليطف طوافا واحدا، ويسعى سعيا واحدا (1)\r__________\r1 - الحديث في مسند أحمد من طريق، بن عمر بلفظ (من قرن بين حجة وعمرته أجزاه لهما طواف واحد) ورمز له السيوطي في الجامع الصغير براموز الحسن.\r(*)","part":3,"page":28},{"id":665,"text":"وروى عنه (ص) أنه قرن فطاف طوافين، وسعى سعيين (1) فلا يخلو إما أن يعرف تقدم أحدهما، أو يجهل.\rفإن علم التقدم قال أبو الحسين البصري: المتقدم هو البيان.\rفإن تقدم الفعل كان الطواف الثاني واجبا.\rوإن تقدم القول كان الطواف الثاني غير واجب، وليس بحق، بل الحق أن يقال: إن كان القول متقدما، فالطواف الثاني غير واجب، وفعل النبي (ص) له يجب أن يحمل على كونه مندوبا، وإلا فلو كان فعله له، دليل الوجوب، كان ناسخا لما دل عليه القول.\rولا يخفى أن الجمع أولى من التعطيل، وفعله للطواف الاول يكون تأكيدا للقول، وإن كان الفعل متقدما، فهو، وإن دل على وجوب الطواف الثاني: إلا أن القول بعده يدل على عدم وجوبه، والقول بإهمال دلالة القول ممتنع، فلم يبق إلا أن يكون ناسخا لوجوب الطواف الثاني الذي دل عليه الفعل أو أن يحمل فعله على بيان وجوب الطواف الثاني في حقه دون أمته، وأن يحمل قوله على بيان وجوب الاول دون الثاني في حق أمته دونه، والاشبه إنما هو الاحتمال\rالثاني دون الاول، لما فيه من الجمع بين البيانين من غير نسخ ولا تعطيل (2).\rوأما إن جهل المتقدم منهما، فالاولى إنما هو تقدير تقدم القول وجعله بيانا لوجهين\r__________\r1 - ذكر ابن حجر في كتاب الدراية في تخريج احاديث الهداية ان عليا جمع بين الحج والعمرة فطاف طوافين وسعى سعيين وحدث ان النبي (ص) فعل ذلك رواه النسائي في مسند على ورواته موثوقون، واخرجه محمد بن الحسن من قول على موقوفا بلفظ الامر وفي اسناده راو مجهول.\r2 - قد يقال الاشبه انما هو الاحتمال الاول لما سيحئ له بعد قليق من أن التشريك بين النبي (ص) وأمته في التشريع هو الغالب فلا يعدل عنه إلى التفريق بينهما في الحكم الا لدليل، ولا دليل، ودعوى أن الاول يلزمه اما اهمال دلال القول وهو ممتنع، واما نسخ الفعل بالقول غير صحيحة إذ يمكن ان يقال ان القول بعد الفعل المعارض له بين حمل الفعل على الندب من اول الامر فلا نسخ للفعل ولا تعطيل للقول.\r(*)","part":3,"page":29},{"id":666,"text":"الاول: أنه مستقل بنفسه في الدلالة بخلاف الفعل، فإنه لا يتم كونه بيانا دون اقتران العلم الضروري بقصد النبي (ص)، البيان به، أو قول منه يدل على ذلك وذلك مما لا ضرورة تدعو إليه (1).\rالثاني: أنا إذا قدرنا تقدم القول أمكن حمل الفعل بعده على ندبية الطواف الثاني كما تقدم تعريفه.\rولو قدرنا تقدم الفعل يلزم منه إما إهمال دلالة القول، أو كونه ناسخا لحكم الفعل، أو أن يكون الفعل بيانا لوجوب الطواف الثاني في حق النبي (ص) دون أمته، والقول دليل عدم وجوبه في حق أمته دونه، والاهمال والنسخ على خلاف الاصل، والافتراق بين النبي (ص) والامة في وجوب الطواف الثاني مرجوح بالنظر إلى ما ذكرناه من التشريك، لكون التشريك هو الغالب دون الافتراق (2).\r__________\r1 - الاصل في فعله (ص) التشريع لنفسه ولامته حتى يصرفه عن ذلك دليل فهو دليل مستقل بنفسه كالقول.\r2 - تقدم أنه يمكن بحمل الفعل السابق على الندب والقول المعارض له على نفي الوجوب فلا اهمال للقول ولا نسخ للفعل ولا افتراق بينه وبين الامة.\r(*)","part":3,"page":30},{"id":667,"text":"المسألة الثالثة هل يجب أن يكون البيان مساويا للمبين في القوة، أو يجوز أن يكون أدنى منه.\rقال الكرخي: لا بد من المساواة، وقال أبو الحسين البصري: يجوز أن يكون أدنى منه.\rوهل يجب أن يكون مساويا للمبين في الحكم ؟ فمنهم من قال به، ومنهم من نفاه.\rوالمختار في ذلك أن يقال: أما المساواة في القوة، فالواجب أن يقال: إن كان المبين مجملا، كفى في تعيين أحده احتماليه أدنى ما يفيد الترجيح، وإن كان عاما أو مطلقا، فلا بد وأن يكون المخصص والمقيد في دلالته أقوى من دلالة العام على صورة التخصيص، ودلالة المطلق على صورة التقييد، وإلا فلو كان مساويا لزم الوقف (1) ولو كان مرجوحا لزم منه إلغاء الراجح بالمرجوح، وهو ممتنع.\rوأما المساواة بينهما في الحكم فغير واجب، وذلك لانه لو كان ما دل عليه البيان من الحكم هو ما دل عليه المبين، لم يكن أحدهما بيانا للآخر.\rوإنما يكون أحد الامرين بيانا للآخر إذا كان دالا على صفة مدلول الآخر، لا على مدلوله ومع ذلك، فلا اتحاد في الحكم.\rفإن قيل: المراد من الاتحاد في الحكم أنه إن كان حكم المبين واجبا، كان بيانه واجبا، وإن لم يكن واجبا، لم يكن البيان واجبا.\rقلنا: لا يخلو إما أن لا تكون الحاجة داعية إلى البيان في الحال، أو هي داعية فإن كان الاول فالبيان غير واجب، على ما سيأتي، وسواء كان حكم المبين واجبا أو لم يكن.\rوإن كان الثاني، فعلى قولنا بجواز التكليف بما لا يطاق على ما تقرر (2) فالبيان أيضا لا يكون واجبا، وإن كان الحكم المبين واجبا.\r__________\r1 - ان تخصيص العام وتقييد حال المساواة في قوة لدلالة اولى، لما في ذلك من اعمال الدليلين، بخلاف القول بالوقف فانه تعطيل للدليلين، وبخلاف القول بالغاء البيان فان فيه العمل باحد الدليلين دون الآخر.\r2 - أنظر المسألة الاولى من مسائل الاصل الثالث في المحكوم فيه - ج 1.\r(*)","part":3,"page":31},{"id":668,"text":"وأما إذا قلنا بامتناع التكليف بما لا يطاق، فالحق ما قالوه، وذلك لانه إذا كان المبين واجبا، فلو لم يكن البيان واجبا، لجاز تركه، ويلزم من ذلك التكليف بما لا يطاق، وهو خلاف الفرض.\rوإذا كان المبين غير واجب، فالقول بعدم إيجاب البيان لا يفضي إلى التكليف بما لا يطاق، إذ لا تكليف فيما ليس بواجب، لان ما لا يكون واجب الفعل، ولا واجب الترك، فهو إما مندوب، أو مباح، أو مكروه.\rوكل واحد من هذه الاقسام الثلاثة لا تكليف فيه على ما تقدم (1) ولا يلزم من القول بالوجوب حذرا من تكليف ما لا يطاق الوجوب مع عدم التكليف أصلا، اللهم إلا أن ينظر إلى التكليف بوجوب اعتقاده، على ما هو عليه من إباحة أو ندب أو كراهة، فيكون من القسم الاول.\rالمسألة الرابعة في جواز تأخير البيان: أما عن وقت الحاجة، فقد اتفق الكل على امتناعه سوى القائلين بجواز التكليف بما لا يطاق، ومدار الكلام من الجانبين فقد عرف فيما تقدم.\rوأما تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، ففيه مذاهب: فذهب أكثر أصحابنا وجماعة من أصحاب أبي حنيفة إلى جوازه، وذهب بعض\rأصحابنا، كأبي إسحاق المروزي وأبي بكر الصيرفي، وبعض أصحاب أبي حنيفة والظاهرية، إلى امتناعه، وذهب الكرخي وجماعة من الفقهاء إلى جواز تأخير بيان المجمل دون غيره، وذهب بعضهم إلى جواز تأخير بيان الامر دون الخبر (2) وذهب الجبائي وابنه والقاضي عبد الجبار إلى جواز تأخير بيان النسخ دون غيره وذهب أبو الحسين البصري إلى جواز تأخير بيان ما ليس له ظاهر كالمجمل، وأما ماله ظاهر وقد استعمل في غير ظاهره، كالعام والمطلق والمنسوخ ونحوه، فقال يجوز تأخير بيانه التفصيلي، ولا يجوز تأخير بيانه الاجمالي، وهو أن يقول وقت الخطاب: هذا العموم مخصوص، وهذا المطلق مقيد، وهذا الحكم سينسخ.\r__________\r1 - تقدم في مسائل المندوب والمكروه والمباح آخر الكلام على اقسام الحكم الشرعي - ج 1.\r2 - وذهب بعضهم أيضا إلى جواز تأخير بيان الخبر دون الامر والنهي كالامر في الرأيين.\r(*)","part":3,"page":32},{"id":669,"text":"(1) وإذا عرف تفصيل المذاهب فقد احتج أصحابنا القائلون بجواز التأخير مطلقا بحجج نقلية، وعقلية.\rإما النقلية: فالحجة الاولى منها قوله تعالى: * (إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه) * (75) القيامة: 17 - 19) ووجه الاحتجاج به أنه قال * (فإذا قرأناه) * معناه أنزلناه، ويدل على ذلك قوله تعالى: * (فاتبع قرآنه) * أمر النبي (ص)، بالاتباع بفاء التعقيب، لقوله: * (فإذا قرأناه) * ولا يتصور ذلك قبل الانزال لعدم معرفته به وإنما يكون بعد الانزال.\rوإذا كان المراد بقوله * (قرأناه) * الانزال، فقوله: * (ثم إن علينا بيانه) * يدل على تأخير البيان عن وقت الانزال، لان * (ثم) * للمهلة والتراخي على ما سبق تقريره (2).\rولقائل أن يقول: وإن كان المراد من قوله تعالى: * (فإذا قرأناه) * الانزال،\rولكن لا نسلم أن المراد من قوله * (ثم إن علينا بيانه) * بيان مجمله وخصوصه وتقييده ومنسوخه، بل المراد منه إظهاره وإشهاره، وهو على وفق الظاهر، لان البيان هو الاظهار في اللغة، ومنه يقال: بان لنا الكوكب الفلاني، وبان لنا سور المدينة إذا ظهر، ويقال: بين فلان الامر الفلاني إذا أظهره وعند ذلك، فليس حمله على ما ذكر من بيان المراد من المجمل والعام والمطلق أولى مما ذكرناه (3).\rكيف وإن الترجيح لهذا المعنى من جهة أن المراد من قوله تعالى: * (إن علينا جمعه وقرآنه) * (75) القيامة: 17) إنما هو جميع القرآن فإنه ليس اختصاص بعضه بذلك أولى من بعض\r__________\r1 - هذا الكلام مجرد فرض وخيال ليس له واقع في التشريع.\r2 - فسرت القراءة في الآية بالانزال وبتلاوة جبريل على الرسول (ص) وفسر الاتباع فيها بالاستماع للتلاوة، وبالاتباع عقيدة وعملا، وهذا مناختلاف التنوع فالقرآن منزل مقروء على النبي (ص) وهو مأمور بالاستماع له، واعتقاده، والعمل به، فلا يضر هذا الاختلاف في الاستدلال بالآية على المظلوم.\r3 - قيل معنى بيان القرآن اظهاره واشهاره، وقيل اظهاره على لسان النبي (ص) تلاوة بعد جمعه في صدره وتثبيته في قلبه، وعليها لا يتم للمستدل الاحتجاج بالآية = (*)","part":3,"page":33},{"id":670,"text":"وأيضا فإنه أمر النبي (ص)، بالاتباع بقوله: * (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) * (75) القيامة: 18) والامر بذلك غير خاص ببعض القرآن دون البعض إجماعا، ولانه لا أولوية للبعض دون البعض ولانه لو حمل ذلك على البعض دون البعض، مع كونه غير معين في اللفظ، كان مجملا وتكليفا له بما ليس بمعلوم له، وهو خلاف الاصل.\rوإذا ثبت أن المراد من قوله من أول الآية إنما هو جميع القرآن فالظاهر أن يكون الضمير في قوله تعالى: * (ثم إن علينا بيانه) * (75) القيامة: 19) عائد إلى جميع المذكور السابق، وهو جملة القرآن، لا إلى بعضه، لعدم الاولوية.\rوإنما يمكن ذلك بحمل البيان على ما ذكرناه، لا على ما ذكروه لاستحالة\rافتقار كل القرآن إلى البيان بالمعنى الذي ذكروه، فإنه ليس كل القرآن مجملا ولا ظاهرا في معنى وقد استعمل في غيره، فكان ما ذكرناه أولى.\rوهذا إشكال مشكل، وفي تحريره وتقريره على هذا الوجه يتبين للناظر المتبحر فيه إبطال كل ما يخبط به بعض المخبطين (1).\rوإن سلمنا أن المراد به إنما هو بيان المراد من الظاهر الذي استعمل في غير ما هو الظاهر منه، لكن ما المانع أن يكون المراد به البيان التفصيلي، كما قاله أبو الحسين البصري ؟\r__________\r= على مطلوبه، وقيل معنى بيانه ايضاح مجمله وتحديد المراد ن عامه ومطلقه والدلالة على منسوخه وعليه يتم الاستدلال بالآية على المطلوب، والذي يظهر لى أن البيان عام لانه اسم جنس مضاف فيشمل كل ما ذكر، فالله تكفل لرسوله (ص) بحفظ القرآن ونشره واشهاره وتيسير تلاوته، وتكفل بايضاح متشابه بمحكمه والدلالة على المراد بعامه ومطلقه وبذلك يتم الاستدلال بالآية على المطلوب.\r1 - استحالة افتقار كل القرآن إلى بيان بالمعنى الذي ذكره المستدل ضرورة انه منه المجمل وغير المجمل قرينة على ارادة البيان لما يحتاج إلى البيان، كما ان استحالة ابلاغ القرآن واحكام الشريعة لكل فرد من بني آدم ضرورة ان فيهم من ليس اهلا للتكليف قرينة على ارادة البيان بالمعنى الذي ذكره المعترض لمن هو اهل للتكليف دون غيره.\rفعموم البيان لجميع القرآن محمول على الخصوص على التفسيرين فلا اولوية لتفسير المعترض ولا المستدل، والاختلاف بينهما اختلاف تنوع فيجب حمل الآية على الجميع كما تقدم وعليه فلا اشكال.\r(*)","part":3,"page":34},{"id":671,"text":"فإن قيل: لا يمكن ذلك، لان لفظ البيان مطلق (1) فحمله على البيان التفصيلي يكون تقييدا له، وتقييد المطلق من غير دليل ممتنع.\rقلنا: وإذا كان مطلقا، فالمطلق لا يمكن حمله على جميع صوره، وإلا كان\rعاما لا مطلقا، بل غايته أنه إذا عمل به في صورة، فقد وفى بالعمل بدلالته.\rوعند ذلك، فلا يخفى أن تنزيل البيان في الآية على الاجمالي دون التفصيلي يكون تقييدا للمطلق، وهو ممتنع من غير دليل.\rوإن لم يقل بتنزيله عليه، فلا حجة فيه.\rوإن سلمنا أن المراد به البيان الاجمالي والتفصيلي، غير أنه قد تعذر العمل بظاهر (ثم) من حيث إنها تدل على وجوب تأخير بيان كل القرآن ضرورة عود الضمير إلى الكل (2) على ما سبق.\rوذلك خلاف الاجماع.\rوإذا تعذر العمل بظاهرها وجب العمل بها في مجازها، وهو حملها على معنى (الواو) كما في قوله تعالى: * (فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون) * (10) يونس: 46) فإن * (ثم) * ها هنا بمعنى (الواو) ولاستحالة كون الرب شاهدا، بعد أن لم يكن شاهدا.\rالحجة الثانية: قوله تعالى: * (آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت) * (11) هود: 1) و (ثم) للتأخير ولقائل أن يقول: لا نسلم أن المراد من التفصيل بيان المراد من المجمل والظاهر والمستعمل في غير ما هو ظاهر فيه، بل المراد من قوله: أحكمت أي في اللوح المحفوظ وفصلت في الانزال.\rالحجة الثالثة: قوله تعالى: * (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه) * (20) طه: 114) وأراد به بيانه للناس.\r__________\r1 - تقدم لفظ البيان في الآية عام لا مطلق، لانه اسم حنس مضاف، وعليه فلا يصح ما ذكره الآمدي في الجواب لبنائه على لفظ البيان في الآية مطلق.\r2 - القرآن نزل منجما وكلما نزل منه نجم بينه الله بعد نزوله انجاز الوعده وهذا ما دلت عليه ثم من الترتيب.\rولم تدل على وجوب تأخير بيان كل القرآن حتى يتم نزوله، وبذلك يتعذر حملها على ظاهرها كما قال الآمدي.\r(*)","part":3,"page":35},{"id":672,"text":"ولقائل أن يقول: ظاهر ذلك للمنع من تعجيل نفس القرآن، لا بيان ما هو\rالمراد منه، لما فيه من الاضمار المخالف للاصل، وإنما منعه من تعجيل القرآن أي من تعجيل أدائه عقيب سماعه، حتى لا يختلط عليه السماع بالاداء، وإلا فلو أراد به البيان، لما منعه عنه بالنهي للاتفاق على أن تعجيل البيان بعد الاداء غير منهي عنه.\rالحجة الرابعة: أنه تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة معينة غير منكرة بقوله تعالى: * (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) * (2) البقرة: 67) ولم يعينها إلا بعد سؤالهم.\rودليل كون المأمور به معينا أمران: الاول أنهم سألوا تعيينها بقولهم له: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي (2) البقرة: 68) * (وما لونها) * (2) البقرة: 69) ولو كانت منكرة، لما احتيج إلى ذلك للخروج عن العهدة بأي بقرة كانت الثاني أن قوله تعالى: * (إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر) * (2) البقرة: 68)، و * (إنها بقرة صفراء) * (2) البقرة: 69)، و * (إنها بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقي الحرث) * (2) البقرة: 71) والضمير في هذه جميع الكنايات (1) يجب صرفه إلى ما أمروا به أولا.\rوبيانه من وجهين: الاول أنه لو لم يكن كذلك، لكان تكليفا بأمور مجددة غير ما أمروا به أولا، ولو كان كذلك لكان الواجب من تلك الصفات المذكورة آخرا دون ما ذكر أولا، وهو خلاف الاجماع على أن المأمور به كان متصفا بجميع الصفات المذكورة.\rالثاني أنه لو لم يكن كذلك للزم منه أن لا يكون الجواب مطابقا للسؤال، وهو خلاف الاصل.\rولقائل أن يقول: لا نسلم أن البقرة المأمور بها كانت معينة في نفس الامر، بل منكرة مطلقا، فلا تكون محتاجة إلى البيان لامكان الخروج عن العهدة بذبح أي بقرة اتفقت، ولا يكون ذلك من صور النزاع.\rقولهم إنهم سألوا عن تعيينها، ولو أمروا بمنكر، لما سألوا عن تعيينه.\r__________\r1 - في هذه جميع - فيه تحريف والصواب في جميع هذه.\r(*)","part":3,"page":36},{"id":673,"text":"قلنا: ظاهر الامر يدل على التنكير، حيث قال: * (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) * (2) البقرة: 67).\rوالقول بالتعيين مخالف للتنكير المفهوم من اللفظ، وليس الحمل على التعيين ضرورة تصحيح\rسؤالهم ومخالفة ظاهر النص أولى من العكس، بل موافقة ظاهر لنص أولى.\rقولكم في الوجه الثاني إن الضمير في جميع الكنايات عائد إلى المأمور به أولا، لا نسلم ذلك.\rقولهم لو لم يكن كذلك، لكان ذلك تكليفا بأمور مجددة مسلم، وما المانع منه ؟ قولكم: لو كان كذلك، لكان الواجب من تلك الصفات المذكورة آخرا دون ما ذكر أولا، لا نسلم ذلك.\rوما المانع أن يكون قد أوجب عليهم بعد السؤال الاول ذبح بقرة متصفة بالصفات المذكورة أولا، ثم أوجب بعد ذلك اعتبار الصفات المذكورة ثانيا، ولا منافاة بين الحالتين.\rقولكم: لو كان كذلك، لما كان الجواب مطابقا للسؤال، وهو خلاف الاصل فهو معارض بما روي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أنه قال: لو ذبحوا أية بقرة أرادوا لاجزأتهم، لكنهم شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم (1).\rوهذا يدل على أن ذلك كان ابتداء إيجاب لا بيانا، لان البيان ليس بتشديد بل تعيين ما هو الواجب.\rولا يخفى أن موافقة ظاهر النص الدال على تنكير البقرة وظاهر قول ابن عباس أولى من موافقة ما ذكروه من لزوم مطابقة الجواب للسؤال، لما فيه من موافقة الاصلين، ومخالفة أصل واحد، وما ذكروه بالعكس.\rثم وإن سلمنا أن المأمور به كان بقرة معينة في نفس الامر، غير أنهم سألوا البيان الاجمالي أو التفصيلي ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rولا يلزم من جواز تأخير البيان التفصيلي، تأخير البيان الاجمالي، كما هو مذهب أبي الحسين البصري.\rوليس تقييد سؤالهم بطلب البيان مع إطلاقه، بالاجمالي، أولى من التفصيلي، ولا محيص عنه.\rوربما أورد على هذا الاحتجاج ما لا اتجاه له، كقولهم: ما المانع أن يكون البيان مقارنا للمبين غير أنهم لم يتبينوا أن الامر بالذبح كان ناجزا، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع.\r__________\r1 - انظر تعليق ابن جرير في تفسيره على الاثر وما روى بمعناه.\r(*)","part":3,"page":37},{"id":674,"text":"أما أولا فلانه لو كان البيان حاصلا، لفهموه ظاهرا، ولما سألوا عنه وأما ثانيا فلان الامر بالذبح كان مطلقا، والامر المطلق على التراخي عند صاحب هذه الحجة على ما سبق تقريره.\rولو كان على الفور فتأخير بيانه عنه أيضا غير ممتنع على أصله، لكونه قائلا بجواز التكليف بما لا يطاق، كما سبق تحقيقه.\rالحجة الخامسة: أنه لما نزل قوله تعالى: * (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم، أنتم لها واردون) * (21) الانبياء: 98) قال عبد الله بن الزبعرى فقد عبد ت الملائكة والمسيح أفتراهم يعذبون والنبي (ص)، لم ينكر عليه، بل سكت إلى حين ما نزل عليه بيان ذلك بعد حين، وهو قوله: * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) * (الانبياء: 101) (1) وذلك يدل على جواز التأخير.\rولقائل أن يقول: لا نسلم أن الآية لم تكن بينة حتى أنها تحتاج إلى بيان، فإن الملائكة والمسيح إنما يمكن القول بدخولهم في عموم الآية، إذ لو كانت (ما) تتناول من يعلم ويعقل، وهو غير مسلم، وإذا لم تكن متناولة لهم، فلا حاجة إلى إخراج ما لا دخول له في الآية عنها.\rفإن قيل: دليل تناول (ما) لمن يعلم ويعقل النص والاطلاق والمعنى.\rأما النص فقوله تعالى: * (وما خلق الذكر والانثى) * (92) الليل: 3)، وقوله تعالى: * (والسماء وما بناها) * (91) الشمس: 5) وقوله تعالى: * (ولا أنتم عابدون ما أعبد) * (109) الكافرون: 3) وأما الاطلاق فمن وجهين: الاول أن (ما) قد تطلق بمعنى (الذي) باتفاق أهل اللغة، و (الذي) يصح إطلاقها على من يعقل بدليل قولهم: الذي جاء زيد فما كذلك.\rالثاني أنه يصح أن يقال: ما في داري من العبيد أحرار.\rوأما المعنى فمن وجهين: الاول هو أن ابن الزبعرى كان من فصحاء العرب، وقد فهم تناول (ما) لمن يعقل، والنبي (ص)، لم ينكر عليه ذلك.","part":3,"page":38},{"id":675,"text":"الثاني أن (ما) لو كانت مختصة بمن لا يعلم، لما احتيج إلى قوله من دون الله وحيث كانت بعمومها متناولة لله تعالى احتاج إلى التقييد بقوله: من دون الله.\rقلنا: أما ما ذكروه من النصوص والاطلاقات فغايتها جواز إطلاق (ما) على من يعقل ويعلم، ولا يلزم من ذلك أن تكون ظاهرة فيه، بل هي ظاهرة فيمن لا يعقل.\rودليل ذلك قول النبي (ص)، لابن الزبعرى لما ذكر ما ذكر (1) رادا عليه بقوله: ما أجهلك بلغة قومك، أما علمت أن (ما) لما لا يعقل و (من) لمن يعقل.\rولا يخفى أن الجمع بين الامرين والتوفيق بين الادلة أولى من تعطيل قول النبي (ص) والعمل بما ذكروه.\rوإذا كانت * (ما) * ظاهرة في من لا يعقل دون من يعقل، وجب تنزيلها على ما هي ظاهرة فيه.\rوما ذكروه من الوجه الاول في المعنى فهو باطل بما ذكرناه من إنكار النبي (ص) ولا يخفى أن اتباع قول النبي أولى من اتباع ما ظنه ابن الزبعرى.\rوما ذكروه في الوجه الثاني من عدم الاحتياج إلى قوله * (من دون الله) * (2) البقرة: 23) إنما يصح أن لو لم يكن فيه فائدة، وفائدته التأكيد، وحمل الكلام على فائدة التأسيس، وإن كان هو الاصل، غير أنه يلزم من حمله على فائدة التأسيس مخالفة ظاهر قول النبي (ص) والجمع أولى من التعطيل.\rوإن سلمنا أن * (ما) * حقيقة في من يعقل، غير أنا لا نسلم أن بيان التخصيص لم يكن مقارنا للآية.\rوبيان المقارنة أن دليل العقل صالح للتخصيص على ما سبق.\rوالعقل قد دل على امتناع تعذيب أحد بجرم صادر من غيره، اللهم إلا أن يكون راضيا بجرم ذلك الغير، واحد من العقلاء لم يخطر بباله رضا الملائكة والمسيح بعبادة من عبد هم و * (ما) * مثل هذا الدليل العقلي، فلا نسلم عدم مقارنته للآية.\rوأما نزول قوله تعالى: * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) * (21) الانبياء: 101) الآية، فإنما ورد تأكيدا بضم الدليل الشرعي، إلى الدليل العقلي، مع الاستغناء عن أصله، أما أن يكون هو المستقل بالبيان، فلا.\rالحجة السادسة: قول الملائكة لابراهيم * (إنا مهلكو أهل هذه القرية، إن أهلها كانوا ظالمين) * (29) العنكبوت: 31) ولم يبينوا إخراج لوط ومن معه من المؤمنين عن الهلاك بقولهم * (نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله) * (29) العنكبوت: 32) إلا بعد سؤال إبراهيم وقوله: * (إن فيها لوطا) * (29) العنكبوت: 32)\r__________\r1 - انظر التعليق ص 201 ج 2.\r(*)","part":3,"page":39},{"id":676,"text":"ولقائل أن يقول: لا نسلم تأخر البيان عن هذه الآية، بل هو مقترن بها.\rودليله قول الملائكة في تعليل الهلاك، إن أهلها كانوا ظالمين، وذلك لا يدخل فيها إلا من كان ظالما كيف وإنه لم يتخلل بين قول الملائكة غير سؤال إبراهيم، وهو قوله: * (إن فيها لوطا) * (29) العنكبوت: 32) وما مثل هذا لا يعد تأخيرا للبيان، فإن مثل ذلك قد يجري إما بسبب انقطاع نفسه أو سعال فيما بين البيان والمبين، ولا يعد ذلك من المبين تأخيرا.\rومبادرة إبراهيم إلى السؤال، ومنعهم (1) من اقتران البيان بالمبين نازل منزلة انقطاع النفس والسعال، حتى أنه لو لم يبادر بالسؤال، لبادروا بالبيان.\rالحجة السابعة: أن النبي (ص)، أنفذ معاذا إلى اليمن ليعلمهم الزكاة وغيرها فسألوه عن الوقص، فقال: ما سمعت فيه شيئا من رسول الله (ص)، حتى أرجع إليه فاسأله (2) وذلك دليل على أن بيانه لم يتقدم.\rولقائل أن يقول كون معاذ لم يسمع البيان ولم يعرفه لا يدل على عدم مقارنة البيان للمبين، كيف ويمكن أن يقال الاصل عدم وجوب الزكاة في الاوقاص وغيرها.\rغير أن الشارع أوجب فيما أوجب، وبقي الباقي على حكم العقل، وذلك صالح\rللبيان والتخصيص.\rهذا ما يتعلق بالمنقول، وأما الحجج العقلية.\rفأولها: أنه لو كان تأخير البيان ممتنعا، فإما أن يكون امتناعه لذاته، أو لغيره، وذلك إما أن يعرف بضرورة العقل أو نظره، وكل واحد من الامرين منتف، فلا امتناع.\rولقائل أن يقول: ولو كان جائزا، فإما أن يعرف بضرورة العقل أو نظره وكل واحد من الامرين منتف، فلا جواز، وليس أحد الامرين أولى من الآخر وكل ما هو جواب له ها هنا فهو جوابه فيما ذكر.\rالحجة الثانية: أنه لو امتنع تأخير البيان، لامتنع تأخيره في الزمن القصير وامتنع عطف الجمل المتعددة إذا كان بيان الاولى متأخرا عن الجمل المعطوف عليها، ولما جاز البيان بالكلام الطويل، واللازم ممتنع.\r__________\r1 - ومنعهم من اضافة المصدر للمفعول والمعنى ومنع ابراهيم اياهم.\r2 - حديث معاذ روى مني رق لم تخل من مقال فارجع إلى تخليص احبير لتعرف طرق الحديث وما كل منها من المقال.\r(*)","part":3,"page":40},{"id":677,"text":"ولقائل أن يقول: إنما يجوز تأخير البيان في الزمان القصير إذا كان مع قصره لا يعد المتكلم معرضا عن كلامه الاول، فإن كلامه الثاني مع الاول معدود كالجملة الواحدة، وذلك لا يعد تأخيرا للبيان.\rوهذا بخلاف ما إذا تطاول الزمان تطاولا يعد به المتكلم بالكلام الاول معرضا عن كلامه، ولهذا فإنه يجوز لغة وعرفا أن يتكلم الانسان بكلام يقصر فهم السامع عنه، ويبينه بعد الزمان القصير من غير استهجان بخلاف ما إذا بينه بعد الزمان المتطاول، فلا يلزم من التأخير ثم، التأخير ها هنا وأما الجمل المعطوفة فنازلة منزلة الجملة الواحدة، فالبيان المتعقب للجمل المعطوفة ينزله منزلة تعقبه للجملة الواحدة.\rوأما البيان بالكلام الطويل فإنما يجوزه الخصم إذا لم يكن (1) حصول البيان\rإلا به، أو كانت المصلحة فيه أتم من الكلام القصير، وإلا فلا.\rالحجة الثالثة: أنه لو قبح تأخير البيان، لكان ذلك لعدم تبين المكلف، وذلك يقتضي قبح الخطاب إذا بين له، ولم يتبين، فإنه لا فرق في ذلك بين ما امتنع بأمر يرجع إلى نفسه أو إلى غيره.\rولهذا يسقط تكليف الانسان إذا مات، سواء قتل هو نفسه، أو قتله غيره واللازم ممتنع.\rولقائل أن يقول نسلم أن قبح تأخير البيان لما فيه من فقد التبين المنسوب إلى المخاطب، ولا يلزم من ذلك قبحه عند عدم تبين المكلف إذا بين له، لكونه منسوبا إلى تقصير المكلف، لا إلى المخاطب، وسقوط التكليف عن الميت إنما كان لعدم تمكنه المشروط في التكليف، وذلك لا يفترق بأن يكون قد فات بفعله أو بفعل غيره.\rوالمختار في ذلك: أما من جهة النقل فقوله تعالى: * (واعلموا أن ما غنمتم من شئ فأن لله خمسه) * (8) الانفال: 41) إلى قوله: * (ولذي القربى) * (8) الانفال: 41) ثم بين بعد ذلك أن السلب للقاتل وأن المراد بذوي القربى بنو هاشم وبنو المطلب دون بني أمية وبني نوفل، بمنعه لهم من ذلك حتى أنه لما سئل عن ذلك قال: إنا وبنو هاشم والمطلب لم نفترق في\r__________\rلم يكن - لعلة لم يكن.\r(*)","part":3,"page":41},{"id":678,"text":"جاهلية ولا إسلام، ولم نزل هكذا، وشبك بين أصابعه (1).\rفإن قيل: المتأخر إنما هو البيان المفصل، ونحن لا نمنع من ذلك، وإنما نمنع من تأخير البيان المجمل (2)، ولا دلالة لما ذكرتموه على تأخيره.\rقلنا: إذا سلم عدم اقتران البيان التفصيلي بهذه الآية، فهو حجة على من نازع فيه، وهي حجة على من نازع في تأخير البيان الاجمالي، حيث إنها ظاهرة في العموم لكل ذوي القربى ولم ينقل أحد من أهل النقل وأرباب الاخبار ما يشير إلى البيان\rالاجمالي أيضا، مع أن الاصل عدمه، ولو كان، لما أهمل نقله غالبا وأيضا ما روي أن جبريل، عليه السلام، قال للنبي (ص): أقرأ - قال: وما أقرأ ؟ كرر عليه ذلك ثلاث مرات ثم قال له: * (اقرأ باسم ربك الذي خلق) * (96) العلق: 1) (3) أخر بيان ما أمره به أولا من إجماله إلى ما بعد ثلاث مرات من أمر جبريل، وسؤال النبي، مع إمكان بيانه أولا.\rوذلك دليل جواز التأخير.\rفإن قيل: أمره له بالقراءة مطلق، وذلك إما أن يكون مقتضاه الوجوب على الفور، أو التراخي: فإن كان الاول، فقد أخر البيان عن وقت الحاجة، وإن كان الثاني، فلا شك في إفادته جواز الفعل في الزمن الثاني من وقت الامر، وتأخير البيان عنه تأخير له عن وقت الحاجة، وذلك ممتنع بالاجماع.\rفترك الظاهر لازم لنا ولكم، والخلاف إنما وقع في تأخير البيان إلى وقت الحاجة، وليس فيما ذكرتموه دلالة عليه.\rقلنا: أما أن الامر ليس مقتضاه الوجوب على الفور، فقد تقدم، وإذا كان على التراخي، فلا نسلم لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة.\rقولكم إنه يفيد جواز الفعل في الزمان الثاني من وقت الامر.\r__________\r1 - هذا جزء من حديث رواه أحمد والبخاري وابو داود والنسائي من طريق جبير بن مطعم مطولا بالفاظ مختلفة فاقتصر الآمدي منه على موضع الشاهد وتصرف في العباره فأرجع إليه في دواوين السنة المذكورة.\r2 - انظر التعليق 1 - ص 33 - (3).\r3 - الحديث معروف وقد رواه البخاري في باب بدء الوحي عن عائشة مطولا فاقتصر المؤلف منه على موضع الشاهد في العلبارة.\r(*)","part":3,"page":42},{"id":679,"text":"قلنا: متى، إذا كان الفعل المأمور به مبينا، أو إذا لم يكن مبينا ؟ الاول مسلم\rوالثاني ممنوع.\rوإن سلمنا ذلك، لكن لا نسلم أن الحاجة داعية إلى معرفته مع قطع النظر عن وجوبه وعدم المؤاخذة بتركه، بدليل ما قبل الامر.\rوأيضا فإنه لما نزل قوله تعالى: * (أقيموا الصلاة) * مع أنه لم يرد بها مطلق الدعاء إجماعا لم يتقرن بها البيان، بل أخر بيان أفعال الصلاة وأوقاتها إلى أن بين ذلك جبريل للنبي (ص)، بعد ذلك، وبين النبي (ص)، ذلك لغيره بعد بيان جبريل له.\rوكذلك نزل قوله تعالى * (وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43) مطلقا، ثم بين النبي (ص)، بعد ذلك مقدار الواجب وصفته في النقود والمواشي وغيرها من أموال الزكاة شيئا فشيئا.\rوكذلك نزل قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5) المائدة: 38) ثم بين بعد ذلك ما يجب القطع بسرقته في مقداره وصفته على التدريج.\rوكذلك نزل قوله تعالى: * (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم) * (9) التوبة: 41) ثم نزل تخصيصه بقوله تعالى: * (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) * (9) التوبة: 91) إلى غير ذلك من الاوامر العامة التي لم تبين تفاصيلها إلا بعد مدد.\rفإن قيل: المؤخر في جميع هذه الاوامر إنما هو البيان التفصيلي، وليس فيها ما يدل على تأخير البيان الاجمالي.\rكيف وإن الامر إما أن يكون على الفور، أو التراخي، وتمام الاشكال ما سبق.\rقلنا: وجواب الاشكالين أيضا ما سبق.\rوأيضا فإن العمومات الواردة في البيع والنكاح والارث وردت مطلقة، والنبي (ص)، بين بعد ذلك على التدريج ما يصح بيعه وما لا يصح، ومن يحل نكاحها ومن لا يحل، وصفات العقود وشروطها، ومن يرث ومن لا يرث، ومقادير المواريث شيئا فشيئا.\rومن نظر في جميع عمومات القرآن والسنة وجدها كذلك.\rوأيضا فإنه لما نهى النبي (ص)، عن المزابنة، وشكا الانصار إليه بعد ذلك، رخص لهم في العرايا، وهي نوع من المزابنة، مع أنه لم ينقل أنه اقترن بنهيه عن\rذلك بيان مجمل ولا مفصل، وهو لا يخلو إما أن يكون ذلك نسخا أو تخصيصا وعلى كلا التقديرين فهو حجة على المخالف فيه.","part":3,"page":43},{"id":680,"text":"وأما من جهة المعقول فهو أنه لو امتنع تأخير البيان، لم يخل إما أن يكون ذلك ممتنعا لذاته أو لامر من خارج.\rلا جائز أن يكون لذاته، فإنا لو فرضناه واقعا، لا يلزم عنه المحال لذاته وإن كان لامر خارج، فلا يخفى أنه لا فارق بين حالة وجود البيان وعدمه سوى علم المكلف بالمراد من الكلام، حالة وجود البيان، وجهله به حالة عدمه.\rفلو امتنع تأخير البيان، لكان لما قارنه من جهل المكلف بالمراد، ولو كان كذلك لامتنع تأخير بيان النسخ، لما فيه من الجهل بمراد الكلام الدال بوضعه على تكرر الفعل على الدوام، واللازم ممتنع فالملزوم ممتنع.\rوهذه الطريقة لازمة على كل من منع من تأخير بيان المجمل والعام والمقيد وكل ما أريد به غير ما هو ظاهر فيه.\rوجوزه في النسخ، كالجبائي وأبي هاشم والقاضي عبد الجبار وغيرهم.\rاعترض القاضي عبد الجبار، وقال الفرق بين تأخير بيان النسخ وتأخير بيان المجمل هو أن تأخير بيان النسخ مما لا يخل بالتمكن من الفعل في وقته، بخلاف بيان صفة العبادة، فإنه لا يتأتى معه فعل العبادة في وقتها للجهل بصفتها والفرق بين تأخير بيان تخصيص العموم وتأخير بيان النسخ من وجهين.\rالاول: أن الخطاب المطلق الذي أريد نسخه معلوم أن حكمه، مرتفع لعلمنا بانقطاع التكليف، ولا كذلك المخصوص.\rالثاني: أن تأخير بيان تخصيص العموم، مع تجويز إخراج بعض الاشخاص منه من غير تعيين، مما يوجب الشك في كل واحد من أشخاص المكلفين، هل هو\rمراد بالخطاب أم لا.\rولا كذلك في تأخير بيان النسخ.\rوجواب الفرق بين الاجمال والنسخ أن وقت العبادة إنما هو وقت دعو الحاجة إليها، لا قبل ذلك، ووقت الحاجة إليها فالبيان لا يكون متأخرا عنه، فلا يلزم من تأخير بيان صفة العبادة عنها في غير وقتها، ووجوده في وقتها تعذر الاتيان بالعبادة في وقتها.\rوجواب الفرق الاول: بين العموم والنسخ هو أن حكم الخطاب المطلق، وإن علم ارتفاعه بانقطاع التكليف، فذلك مما يعم التخصيص والنسخ، لعلمنا بانقطاع","part":3,"page":44},{"id":681,"text":"التكليف بالموت في الحالتين.\rوإنما الخلاف فيما قبل حالة الموت، مع وجود الدليل الظاهر المتناول لكل الاشخاص واللفظ الظاهر المتناول لجميع أوقات الحياة.\rوعند ذلك، إذا جاز رفع حكم الخطاب الظاهر المتناول لجميع الاوقات، مع فرض الحياة والتمكن منه من غير دليل مبين في الحال، جاز تخصيص بعض من تناوله اللفظ بظهوره مع التمكن من غير دليل مبين في الحال أيضا، لتعذر الفرق بين الحالتين.\rوجواب الفرق الثاني: أن تأخير بيان التخصيص، وإن أوجب التردد في كل واحد من أشخاص المكلفين أنه داخل تحت الخطاب أم لا، فتأخير بيان النسخ عندما إذا أمر بعبادة متكررة في كل يوم مما يوجب التردد في أن العبادة في كل يوم عدا اليوم الاول، هل هي داخلة تحت الخطاب العام لجميع الايام أم لا.\rوإذا جاز ذلك في أحد الطرفين، جاز في الطرف الآخر ضرورة تعذر الفرق.\rوكذلك أيضا فإنه إذا أمر بعبادة في وقت مستقبل أمرا عاما، فإن من شخص إلا ويحتمل احترامه قبل دخول ذلك الوقت، ويخرج بذلك عن دخوله تحت الخطاب العام.\rوذلك مما يوجب التردد في كل واحد واحد من الاشخاص هل هو داخل تحت ذلك الخطاب إذا لم يرد البيان به، ومع ذلك فإنه غير ممتنع إجماعا.\rشبه المخالفين، منها ما يختص بتأخير بيان المجمل، ومنها ما يختص بتأخير بيان ماله ظاهر أريد به غير ما هو ظاهر فيه.\rأما الشبه الخاصة بالمجمل فشبهتان: الاولى: أنه لا فرق بين الخطاب باللفظ المجمل الذي لا يعرف له مدلول من غير بيان، وبين الخطاب بلغة يضعها المخاطب مع نفسه من غير بيان.\rوعند ذلك فإما أن يقال بحسن المخاطبة بهما، أو بأحدهما دون الآخر، أو لا بواحد منهما: الاول يلزم منه حسن المخاطبة بما وضعه مع نفسه من غير بيان، وهو في غاية الجهالة والثاني أيضا ممتنع لعدم الاولوية، والثالث هو المطلوب.\rالشبهة الثانية: أن المقصود من الخطاب إنما هو التفاهم والمجمل الذي لا يعرف مدلوله من غير بيان له في الحال لا يحصل منه التفاهم، فلا يكون مفيدا، وما لا فائدة فيه لا تحسن المخاطبة به، لكونه لغوا، وهو قبيح من الشارع، كما لو خاطب بكلمات مهملة لم توضع في لغة من اللغات لمعنى على أن يبين المراد منها بعد ذلك.","part":3,"page":45},{"id":682,"text":"وأما الشبه الخاصة بما استعمل من الظواهر في غير ما هو ظاهر فيه، فثلاث شبه: الاولى: إنه إن جاز الخطاب بمثل ذلك من غير بيان له في الحال، فإما أن يقال بجواز تأخير بيانه إلى مدة معينة، فهو تحكم لم يقل به قائل.\rوإن كان ذلك إلى غير نهاية، فيلزم منه بقاء المكلف عاملا أبدا بعموم قد أريد به الخصوص، وهو في غاية التجهيل.\rالثانية: أنه إذا خاطب الشارع بما يريد به غير ظاهره، فإما أن لا يكون مخاطبا لنا في الحال، أو يكون مخاطبا لنا به حالا: الاول خلاف الاجماع، وإن كان الثاني، فلا بد وأن يكون قاصدا لتفهيمنا\rبخطابه حالا، وإلا خرج عن كونه مخاطبا لنا حالا، وهو خلاف الفرض وبيان لزوم ذلك أن المعقول من قول القائل خاطب فلان فلانا أنه قصد تفهيمه كلامه له.\rوإذا كان قاصدا للتفهيم في الحال، فإن قصد تفهيم ما هو الظاهر من كلامه، فقد قصد تجهيلنا، وهو قبيح، وإن قصد تفهيم ما هو المراد منه، فقد قصد ما لا سبيل لنا إليه دون البيان، وهو أيضا قبيح.\rالثالثة: أنه لو جاز أن يخاطبنا بالعموم ويريد به الخصوص من غير بيان له في الحال، لتعذر معرفة المراد من كلامه مطلقا، وذلك لان ما من لفظ يبين به المراد إلا ويجوز أن يكون قد أراد به غير ما هو الظاهر منه ولم يبينه لنا، وذلك مما يخل بمقصود الخطاب مطلقا، وهو ممتنع.\rوالجواب عن الشبهة الاولى بالفرق، وهو أن اللفظ المجمل، وإن لم يعلم منه المراد بعينه، فقد علم المكلف أنه مخاطب بأحد مدلولاته المعينة المفهومة له وبذلك يتحقق اعتقاده للوجوب والعزم على الفعل بتقدير البيان والتعيين، فكان مفيدا بخلاف الخطاب، بما لا يفهم منه شئ أصلا كما فرضوه.\rوبهذا يكون جواب الشبهة الثانية.\rوعن الشبهة الثالثة: أن تأخير البيان إنما يجوز إلى الوقت الذي تدعو الحاجة فيه إلى البيان، وذلك لا يكون إلا معينا في علم الله تعالى: ويجوز أن يكون معلوما للرسول بإعلام الله تعالى له.\rوعند ذلك، فأي وقت وجب على المكلف العمل","part":3,"page":46},{"id":683,"text":"بمدلول اللفظ فيه، فذلك هو وقت الحاجة إلى البيان، والبيان لا يكون إذ ذاك متأخرا لما فيه من تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقبل وقت الوجوب، فلا عمل للمكلف، حتى يقال بأنه عامل بعموم أريد به الخصوص، بل غايته أنه يعتقد ذلك ولا امتناع فيه، كما لو أمر بعبادة متكررة كل يوم، فإنه لا يمتنع اعتقاده لعموم\rذلك في جميع الايام، مع جواز نسخها في المستقبل وإن لم يرد بذلك بيان، وكل ما يعتذر به في النسخ فهو عذر لنا ها هنا.\rوعن الشبهة الرابعة من وجهين: الاول: أنه، وإن لزم من كونه مخاطبا لنا أن يكون قاصدا لتفهيمنا في الحال، لكن لا لنفس ما هو الظاهر من كلامه فقط، ولا لنفس مراده من كلامه فقط، بل يفهم ما هو الظاهر من كلامه مع تجويز تخصيصه، وليس في ذلك تجهيل ولا إحالة وذلك مما لا يمنع ورود المخصص بعد ذلك، وإلا لما كان مجوز التخصيص، وهو خلاف الفرض.\rالثاني: أنه يلزم على ما ذكروه، الخطاب مما علم الله أنه سينسخه، فإن جميع ما ذكر من الاقسام بعينها متحققة فيه، ومع ذلك جاز الخطاب به مع تأخير بيانه.\rوعن الخامسة من وجهين: الاول: أنه لا يمتنع أن يكون البيان: إما بدليل قاطع لا يسوغ فيه احتمال التأويل أو ظني اقترن به من القرائن ما أوجب العلم بمدلول كلامه.\rالثاني: أنه يلزم على ما ذكروه، الخطاب الوارد الذي علم الله نسخ حكمه مع تأخير البيان عنه، والجواب يكون متحدا.","part":3,"page":47},{"id":684,"text":"المسألة الخامسة الذين منعوا من تأخير بيان المراد من الخطاب عن وقت الخطاب اختلفوا في جواز تأخير تبليغ ما أوحي به إلى النبي (ص)، من الاحكام والعبادات إلى وقت الحاجة إليه وأكثر المحققين على جوازه، وهو الحق لانه لو امتنع، لم يخل.\rإما أن يمتنع لذاته، أو لمعنى من خارج: الاول محال، فإنه لا يلزمه من فرض وقوعه لذاته محال، وإن كان ذلك لامر من خارج، فالاصل عدمه\rكيف وإن تأخيره يحتمل أن يكون فيه مصلحة في علم الله تقتضي التأخير.\rولهذا لو صرح الشارع بذلك، لما كان ممتنعا ويحتمل أن يكون فيه مفسدة مانعة من التأخير، وليس أحد الامرين أولى من الآخر.\rفإن قيل: الامتناع من التأخير إنما هو لمعنى خارج عن ذاته، وهو قوله تعالى: * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك) * (5) المائدة: 67) وظاهر الامر للوجوب.\rقولكم: يحتمل وجود مفسدة في التقديم، ومصلحة في التأخير، وليس أحد الامرين أولى من الآخر.\rقلنا: فهذا كما لا يمكن معه الجزم بامتناع التأخير، فلا يمكن معه الجزم بجواز التأخير الذي هو مذهبكم.\rوجواب الاول: أنا، وإن سلمنا أن قوله تعالى * (بلغ) * أمر، ولكن لا نسلم أنه للوجوب (1) وإن سلمنا أنه للوجوب، ولكن لا نسلم أن مطلق الامر يقتضي الفور، على ما تقدم تقريره.\rوإن سلمنا أنه على الفور، غير أنا لا نسلم أنه يتناول تبليغ الاحكام التي وقع الخلاف فيها، وإنما هو دال على تبليغ ما أنزل من لفظ القرآن، إذ هو المفهوم من لفظ المنزل.\rوجواب الثاني: أنه إذا وقع التردد بين المصلحة والمفسدة، تساقطا، وبقينا على أصل الجواز العقلي.\r__________\r1 - الامر في هذه الآية للوجوب قطعا وليس من النزاع فيما تقتضيه صيغة الامر إذ محله الامر المجرد من القرائن وهو في الاية قد اقترن بالتهديد على الترك في قوله (وان لم تفعل فما بلغت رسالته).\r(*)","part":3,"page":48},{"id":685,"text":"المسألة السادسة الذين اتفقوا على امتناع تأخير البيان إلى وقت الحاجة، اختلفوا في جواز\rإسماع الله تعالى للمكلف العام دون إسماعه للدليل المخصص له (1).\rفذهب الجبائي وأبو الهذيل (2) إلى امتناع ذلك في الدليل المخصص السمعي، وأجازا أن يسمعه العام المخصص بدليل العقل، وإن لم يعلم السامع دلالته على التخصيص.\rوذهب أبو هاشم والنظام وأبو الحسين البصري إلى جواز إسماع العام من لم يعرف الدليل المخصص له، وسواء كان المخصص سمعيا أو عقليا.\rوهو الحق لوجهين: الاول: إنا قد بينا جواز تأخير المخصص عن الخطاب، إذا كان سمعيا، مع أن عدم سماعه لعدمه في نفسه، أتم من عدم سماعه مع وجوده في نفسه.\rفإذا جاز تأخير المخصص، فجواز تأخير إسماعه مع وجوده أولى.\rالثاني: هو أن وقوع ذلك يدل على جوازه، ودليله إسماع فاطمة قوله تعالى: * (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) * (4) النساء: 11) مع أنها لم تسمع بقوله: نحن معاشر الانبياء لا نورث، ما تركناه صدقة إلا بعد حين.\rوكذلك أسمعت الصحابة قوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) ولم يسمع أكثرهم الدليل المخصص للمجوس، وهو قوله (ص): سنوا بهم سنة أهل الكتاب إلا بعد حين، إلى وقائع كثيرة غير محصورة.\rوكل ما يتشبث به الخصوم في المنع من ذلك فغير خارج عما ذكرناه لهم من الشبه في المسألة المتقدمة، وجوابها ما سبق مع أنه منتقض بجواز إسماعه العام مع عدم معرفته بالدليل المخصص، إذا كان عقليا.\rالمسألة السابعة اختلف المجوزون لتأخير البيان عن وقت الخطاب العام في جواز التدريج في البيان: فمنع منه قوم، مصيرا منهم إلى أن تخصيص البعض بالتنصيص على إخراجه دون غيره يوهم وجوب استعمال اللفظ في الباقي، وامتناع التخصيص بشئ آخر وهو\r__________\r1 - خلافهم في جواز اسماع الله للمكلف العام دون اسماع، الدليل المخصص له خلاف لا جدوى له بعد انقطاع الوحي فلا ينبغي الاشتغال بمثله.\r2 - أبو الهذيل هو محمد بن الهذيل بن عبد الله المعروف بالعلاف رأس في الاعتزال مات 235 أو 236 أو 237.\r(*)","part":3,"page":49},{"id":686,"text":"تجهيل للمكلف، وإنما ينتفي هذا التجهيل بالتنصيص على كل ما هو خارج عن العموم.\rومذهب المحققين منهم خلاف ذلك.\rودليل جوازه، وقوعه وبيان وقوعه، قوله تعالى: * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (5) المائدة: 38) فإنه عام في كل سارق.\rومع ذلك فإن تخصيصه بما خصص به من ذكر نصاب السرقة أولا، وعدم الشبهة ثانيا، وقع على التدريج وكذلك قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * (3) آل عمران: 97) خصص أولا بتفسير الاستطاعة بذكر الزاد والراحلة، ثم بذكر الامن في الطريق والسلامة من طلب الخفارة ثانيا.\rوكذلك قوله تعالى: * (اقتلوا المشركين) * (9) التوبة: 5) أخرج منه أهل الذمة أولا، ثم العسيف والمرأة ثانيا.\rوكذلك آية الميراث أخرج منها ميراث النبي (ص)، والقاتل والكافر، وكل ذلك على التدريج، إلى غير ذلك من العمومات المخصصة.\rولولا جوازه لما وقع.\rوالقول بأن تخصيص البعض بالذكر يوهم نفي تخصيصه بشئ آخر ليس كذلك فإن الاقتصار على الخطاب العام دون ذكر المخصص، مع كونه ظاهرا في التعميم بلفظه، إذا لم يوهم المنع من التخصيص، فإخراج بعض ما تناوله اللفظ عنه، مع أنه لا دلالة له على إثبات غير ذلك البعض بلفظه، أولى أن لا يكون موهما لمنع التخصيص.\rالمسألة الثامنة إذا ورد لفظ عام بعبادة أو غيرها، قبل دخول وقت العمل به قال أبو بكر الصيرفي: يجب اعتقاد عمومه جزما قبل ظهور المخصص، وإذا ظهر المخصص، تغير ذلك الاعتقاد، وهو خطأ: فإن احتمال إرادة الخصوص به قائم، ولهذا، لو ظهر المخصص، لما كان ذلك ممتنعا، ووجب اعتقاد الخصوص.\rوما هذا شأنه فاعتقاد\rعمومه جزما قبل الاستقصاء في البحث عن مخصصه وعدم الظفر به على وجه تركن النفس إلى عدمه، يكون ممتنعا، فإذا لا بد في الجزم باعتقاد عمومه من اعتقاد انتفاء مخصصه بطريقه، ومع ذلك لا نعرف خلافا بين الاصوليين في امتناع العمل بموجب اللفظ العام قبل البحث عن المخصص، وعدم الظفر به، لكن اختلفوا: فذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الاصوليين إلى امتناع العمل به واعتقاد","part":3,"page":50},{"id":687,"text":"عمومه إلا بعد القطع بانتفاء المخصص، وإلا فالجزم بعمومه، والعمل به مع احتمال وجود المعارض ممتنع.\rقال: ومعرفة انتفاء المخصص بطريق القطع ممكن، وذلك بأن تكون المسألة المتمسك بالعموم فيها مما كثر الخلاف فيها بين العلماء، وطال النزاع فيما بينهم فيها، ولم يطلع أحد منهم على موجب للتخصيص، مع كثرة بحثهم واستقصائهم.\rولو كان ثم شئ، لاستحال أن لا يعرف عادة، ولانه لو كان المراد بالعموم الخصوص، لاستحال أن لا ينصب الله تعالى عليه دليلا، ويبلغه للكلفين.\rوذهب ابن سريج وإمام الحرمين والغزالي وأكثر الاصوليين إلى امتناع اشتراط القطع في ذلك، وهو المختار.\rوذلك، لانه لا طريق إلى معرفة ذلك بغير البحث والسبر، وهو غير يقيني، والقول بأنه لو كان ثم مخصص لاطلع عليه العلماء غير يقيني، لجواز وجوده مع عدم اطلاع أحد من العلماء عليه (1) وبتقدير اطلاع بعضهم عليه، فنقله له أيضا غير قاطع، بل غايته أن يكون ظنيا.\rكيف وإنه ليس كل ما ورد فيه العام مما كثر خوض العلماء فيه وبحثهم عنه ليصح ما قيل.\rوالقول بأنه لو كان المراد بالعام الخصوص، لنصب الله تعالى عليه دليلا، غير مسلم (2) وبتقدير نصبه للدليل، لا نسلم لزوم اطلاع المكلفين عليه.\rوبتقدير ذلك، لا نسلم لزوم نقلهم له، (3) وإذا لم يكن إلى القطع بذلك طريق، فلو شرط ذلك\rفي العمل بالعموم لتعطلت العمومات بأسرها وإذا عرف، أنه لا بد من الظن بانتفاء المخصص، فالحد الذي يجب العمل بالعموم عنده أن يبحث عن المخصص بحثا يغلب على ظنه عدمه، وأنه لو بحث عنه ثانيا وثالثا، كان بحثه غير مفيد.\rوعلى هذا، يكون الكلام في العمل بكل دليل مع معارضه.\r__________\r- 1 جواز وجود المخصص للعام مع عدم اطلاع احد من الامة عليه ينافي عصمة الامة في اجماعها ويرده ايضا حديث: (لا تزال طائفة من امتي قائمة على الحق) الحديث 2 - يجاب عن منع الملازمة بأن نصب الادلة على المراد مما اريد به غير ظاهره هو مقتضى الحكمة فان اراده الخصوص من الفظ العام دون دليل تلبيس ينافي حكمة الله وعدله ورحمته بعباده.\r3 - لزوم الاطلاع على المخصص ونقله ولو من احد آحاد المكلفين هو مقتضى عصمة الامة والاحاديث الدالة على العصمة.\r(*)","part":3,"page":51},{"id":688,"text":"الصنف التاسع - في الظاهر وتأويله ويشتمل على مقدمة ومسائل.\rأما المقدمة، ففي تحقيق معنى الظاهر والتأويل.\rأما الظاهر: فهو في اللغة عبارة عن الواضح المنكشف ومنه يقال: ظهر الامر الفلاني، إذا اتضح وانكشف، وفي لسان المتشرعة، قال الغزالي: اللفظ الظاهر هو الذي يغلب على الظن فهم معنى منه من غير قطع، وهو غير جامع مع اشتماله على زيادة مستغنى عنها.\rأما أنه غير جامع، فلانه يخرج منه ما فيه أصل الظن دون غلبة الظن مع كونه ظاهرا.\rولهذا، يفرق بين قول القائل: ظن، وغلبة ظن، ولان غلبة الظن ما فيه أصل الظن وزيادة.\rوأما اشتماله على الزيادة المستغنى عنها فهي قوله: من غير قطع فإن من ضرورة كونه مفيدا للظن أن لا يكون قطعيا.\rوالحق في ذلك أن يقال: اللفظ الظاهر ما دل على معنى بالوضع الاصلي أو العرفي ويحتمل غيره احتمالا مرجوحا.\rوإنما قلنا: (ما دل على معنى بالوضع الاصلي أو العرفي) احترازا عن دلالته على المعنى الثاني، إذا لم يصر عرفيا، كلفظ الاسد في الانسان وغيره.\rوقولنا: (ويحتمل غيره) احتراز عن القاطع الذي لا يحتمل التأويل.\rوقولنا: (احتمالا مرجوحا) احتراز عن الالفاظ المشتركة.\rوهو منقسم إلى ما هو ظاهر بحكم الوضع الاصلي، كإطلاق لفظ الاسد بإزاء الحيوان المخصوص، وإلى ما هو ظاهر بحكم عرف الاستعمال، كإطلاق لفظ الغائط بإزاء الخارج المخصوص من الانسان.\rوأما التأويل: ففي اللغة مأخوذ من آل يؤل، أي رجع، ومنه قوله تعالى: * (ابتغاء تأويله) * (3) آل عمران: 7) أي ما يؤول إليه، ومنه يقال: تأول فلان الآية الفلانية، أي نظر إلى ما يؤول إليه معناها.\rوأما في اصطلاح المتشرعة، قال الغزالي: التأويل عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر، وهو غير صحيح","part":3,"page":52},{"id":689,"text":"أما أولا، فلان التأويل ليس هو نفس الاحتمال الذي حمل اللفظ عليه بل هو نفس حمل اللفظ عليه، وفرق بين الامرين وأما ثانيا، فلانه غير جامع، فإنه يخرج منه التأويل بصرف اللفظ عما هو ظاهر فيه إلى غيره بدليل قاطع غير ظني، حيث قال: يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر\rوأما ثالثا، فلانه أخذ في حد التأويل من حيث هو تأويل، وهو أعم من التأويل بدليل، ولهذا يقال: تأويل بدليل، وتأويل من غير دليل.\rفتعريف التأويل على وجه يوجد معه الاعتضاد بالدليل لا يكون تعريفا للتأويل المطلق، اللهم إلا أن يقال: إنما أراد تعريف التأويل الصحيح دون غيره.\rوالحق في ذلك أن يقال، أما التأويل، من حيث هو تأويل مع قطع النظر عن الصحة والبطلان، هو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه، مع احتماله له.\rوأما التأويل المقبول الصحيح فهو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع احتماله له بدليل يعضده.\rوإنما قلنا: (حمل اللفظ على غير مدلوله) احترازا عن حمله على نفس مدلوله.\rوقولنا: (الظاهر منه) احتراز عن صرف اللفظ المشترك من أحد مدلوليه إلى الآخر، فإنه لا يسمى تأويلا.\rوقولنا: (مع احتماله له) احتراز عما إذا صرف اللفظ عن مدلوله الظاهر إلى ما لا يحتمله أصلا، فإنه لا يكون تأويلا صحيحا.\rوقولنا: (بدليل يعضده) احترازا عن التأويل من غير دليل، فإنه لا يكون تأويلا صحيحا أيضا.\rوقولنا: (بدليل يعم القاطع والظني) وعلى هذا فالتأويل لا يتطرق إلى النص ولا إلى المجمل، وإنما يتطرق إلى ما كان ظاهرا لا غير (1).\rوإذا عرف معنى التأويل فهو مقبول معمول به، إذا تحقق مع شروطه، ولم يزل علماء الامصار في كل عصر من عهد الصحابة إلى زمننا عاملين به من غير نكير.\r__________\r1 - ذكر ابن تيمية للتأويل ثلاثة معان، واوضح كلا منه بالامثلة فانظرها في الدمرية والحموية وغيرهما من كتبه (*)","part":3,"page":53},{"id":690,"text":"وشروطه أن يكون الناظر المتأول أهلا لذلك، وأن يكون اللفظ قابلا للتأويل بأن يكون اللفظ ظاهرا فيما صرف عنه محتملا لما صرف إليه، وأن يكون الدليل الصارف للفظ عن مدلوله الظاهر راجحا على ظهور اللفظ في مدلوله، ليتحقق صرفه عنه إلى غيره، وإلا فبتقدير أن يكون مرجوحا، لا يكون صارفا ولا معمولا به اتفاقا وإن كان مساويا لظهور اللفظ في الدلالة من غير ترجيح، فغايته إيجاب التردد بين الاحتمالين على السوية، ولا يكون ذلك تأويلا، غير أنه يكتفى بذلك من المعترض إذا كان قصده إيقاف دلالة المستدل، ولا يكتفى به من المتسدل دون ظهوره، وعلى حسب قوة الظهور وضعفه وتوسطه، يجب أن يكون التأويل وتمام كشف ذلك بمسائل ثمان: المسألة الاولى قوله (ص) لغيلان، وقد أسلم على عشر نسوة أمسك أربعا، وفارق سائرهن (1) وقوله لفيروز الديلمي، وقد أسلم على أختين: أمسك أيتهما شئت، وفارق الاخرى (2) أمر بالامساك، وهو ظاهر في استصحاب النكاح، وقد تأوله أصحاب أبي حنيفة بثلاث تأويلات: الاول: أنهم قالوا: يحتمل أنه أراد بالامساك ابتداء النكاح، ويكون معنى قوله: أمسك أربعا أي انكح منهن أربعا وأراد بقوله: وفارق سائرهن لا تنكحهن.\r__________\r1 - رواه احمد والترمذي وابن ماجه من ي ريق عبد الله بن عمر بلفظ (اسلم غيلان الثقفي وتحته عشرة نسوة في الجاهللية فأسلمن معه فأمره النبي (ص) أن يختار منهن أربعا.\rقال البخاري هذا الحديث غير محفوظ وحكم أبو حاتم وأبو زرعة بأن المرسل أصح وصححه الحاكم وابن حبان.\rانظر الكلام عليه في تخليص الحبير 2 - رواه الشافعي وأحمد وابو داود وابن ماجه والترمذي من طريق الضحاك\rابن فيروز الديلمي عن ابيه، أنه قال اسلمت وعندي امرأتان أختان فأمرني النبي (ص) إن اطلق احدهما.\rوفي لفظ للترمذي اختر ايتهما شئت) صححه ابن حبان والدارقطني والبيهقي وحسنه الترمذي واعله البخاري والعقيلي.\rانظر تلخيص الحبير (*)","part":3,"page":54},{"id":691,"text":"الثاني: أنهم قالوا: يحتمل أن النكاح في الصورتين كان واقعا في ابتداء الاسلام قبل حصر عدد النساء في أربع وتحريم نكاح الاختين، فكان ذلك واقعا على وجه الصحة، والباطل من أنكحة الكفار ليس إلا ما كان مخالفا لما ورد به الشرع حال وقوعها.\rالثالث: أنهم قالوا: يحتمل أنه أمر الزوج باختيار أوائل النساء وهذه التأويلات، وإن كانت منقدحة عقلا، غير أن ما اقترن بلفظ الامساك من القرائن دارئة لها.\rأما التأويل الاول فمن وجوه: الاول: أن المتبادر إلى الفهم من لفظ (الامساك) إنما هو الاستدامة دون التجديد.\rالثاني أنه فوض الامساك والفراق إلى خيرة الزوج، وهما غير واقعين بخيرته عندهم، لوقوع الفراق بنفس الاسلام وتوقف النكاح على رضا الزوجة.\rالثالث: أنه لم يذكر شروط النكاح مع دعو الحاجة إلى معرفة ذلك لقرب عهدهم بالاسلام.\rالرابع: أنه أمر الزوج بإمساك أربع من العشر، وواحدة من الاختين، وبمفارقة الباقي، والامر إما للوجوب، أو الندب ظاهرا على ما تقدم، وحصر التزويج في العشرة وفي الاختين ليس واجبا ولا مندوبا، والمفارقة ليست من فعل الزوج، حتى يكون الامر متعلقا بها.\rالخامس: هو أن الظاهر من الزوج المأمور إنما هو امتثال أمر النبي (ص)، بالامساك، ولم ينقل أحد من الرواة تجديد النكاح في الصور المذكورة.\rالسادس: هو أن الزوج إنما سأل عن الامساك بمنى الاستدامة، لا بمعنى تجديد\rالنكاح وعن الفراق بمعنى انقطاع النكاح.\rوالاصل في جواب الرسول (ص) أن يكون مطابقا للسؤال.\rوأما التأويل الثاني فبعيد أيضا، لانه لو لم يكن الحصر ثابتا في ابتداء الاسلام لما خلا ابتداء الاسلام عن الزيادة على الاربع عادة، وعن الجمع بين الاختين، ولم ينقل عن أحد من الصحابة ذلك في ابتداء الاسلام، ولو وقع، لنقل.\rوقوله تعالى: * (وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف) * (4) النساء: 23) قال أهل التفسير: المراد به ما سلف في الجاهلية قبل بعثة النبي (ص).\rولهذا قال: * (إنه كان فاحشة ومقتا، وساء سبيلا) * (4) النساء: 22).","part":3,"page":55},{"id":692,"text":"وأما التأويل الثالث فيدرؤه قوله (ص)، لزوج الاختين: أمسك أيتهما شئت، وفارق الاخرى وقوله لواحد كان قد أسلم على خمس نسوة: إختر منهن أربعا وفارق واحدة (1) قال المأمور بذلك: فعمدت إلى أقدمهن عندي، ففارقتها.\rالمسألة الثانية ومن جملة التأويلات البعيدة ما يقوله أصحاب أبي حنيفة في قوله (ص): في أربعين شاة شاة (2) من أن المراد به مقدار قيمة الشاة، وذلك لان قوله: في أربعين شاة شاة قوي الظهور في وجوب الشاة عينا، حيث إنه خصصها بالذكر، ولا بد في ذلك من إضمار حكم، وهو إما الندب أو الوجوب، وإضمار الندب ممتنع لعدم اختصاص الشاة الواحدة من النصاب به، فلم يبق غير الواجب.\rولا يخفى أنه يلزم من تأويل ذلك بالحمل على وجوب مقدار قيمة الشاة بناء على أن المقصود إنما هو دفع حاجات الفقراء وسد خلاتهم جواز دفع القيمة، وفيه رفع الحكم، وهو وجوب الشاة بما استنبط منه من العلة، وهي دفع حاجات الفقراء واستنباط العلة من الحكم (3) إذا كانت موجبة لرفعه، كانت باطلة.\rومما يلتحق من التأويلات بهذا التأويل (4) ما يقوله بعض الناس في قوله تعالى:\r* (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) * (9) التوبة: 60) الآية، من جواز الاقتصار على البعض نظرا إلى أن المقصود من الآية إنما هو دفع الحاجة في جهة من الجهات المذكورة، لا دفع\r__________\r1 - الحديث عند الشافعي عن نوفل بن معاويه أنه اسلم وتحته خمس نسوة فقال له النبي (ص) امسك اربعا وفارق الاخرى وفي سنده رجل مجهول.\r2 - هذا معنى جزء من حديث رواه أحمد والبخاري وابو داود والنسائي من طريق أنس أن ابا بكر كتب لهم ان هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله (ص) الحديث.\r3 - واستنباط العلة من الحكم - هذا من اضافة الصفة إلى الموصوف والتقدير والعلة المستنبطة من الحكم - ولو عبر بهذا لكان انسب لما ذكر بعد.\r4 - إي في البعد.\r(*)","part":3,"page":56},{"id":693,"text":"الحاجة عن الكل، لان الآية (1) ظاهرة في استحقاق جميع الاصناف المذكورة للصدقة، حيث إنه أضافها إليهم بلام التمليك في عطف البعض على البعض بواو التشريك، وما استنبط من هذا الحكم من العلة يكون رافعا لحكم المستنبط من هذا الحكم من العلة يكون رافعا لحكم المستنبط من، فلا يكون صحيحا.\rوما يقال من أن مقصود الآية إنما هو بيان مصارف الزكاة وشروط الاستحقاق، فنحن، وإن سلمنا كون ذلك مقصودا من الآية، فلا نسلم أنه لا مقصود منها سواه، ولا منافاة بين كون ذلك مقصودا، وكون الاستحقاق بصفة التشريك مقصودا وهو الاولى موافقة لظاهر الاضافة بلام التمليك، والعطف بواو التشريك.\rويقرب من هذا التأويل أيضا ما يقوله أصحاب أبي حنيفة في قوله تعالى: * (فإطعام ستين مسكينا) * (58) المجادلة: 4) من أن المراد به إطعام طعام ستين مسكينا، مصيرا منهم إلى أن المقصود إنما هو دفع الحاجة، ولا فرق في ذلك بين دفع حاجة ستين مسكينا ودفع حاجة مسكين واحد في ستين يوما، وهو بعيد أيضا، وذلك لان قوله تعالى:\r* (فإطعام) * (58) المجادلة: 4) فعل لا بد له من مفعول يتعدى إليه.\rوقوله: * (ستين مسكينا) * (58) المجادلة: 4) صالح أن يكون مفعول الاطعام، وهو مما يمكن الاستغناء به مع ظهوره، والطعام، وإن كان صالحا أن يكون هو مفعول الاطعام، إلا أنه غير ظاهر ومسكوت عنه، فتقدير حذف المظهر، وإظهار المفعول المسكوت عنه بعيد في اللغة، والواجب عكسه.\rوإذا كان ذلك ظاهرا في وجوب رعاية العدد فيما استنبط منه يكون موجبا لرفعه فكان ممتنعا، كيف وانه لا يبعد ان يقصد الشارع مع ذلك رعاية العدد دفعا لحاجة ستين مسكينا، نظرا للمكفر بما يناله من دعائهم له، واغتنامه لبركتهم (2).\rوقلما يخلو جمع من المسلمين عن ولي من أولياء الله تعالى يكون مستجاب الدعوة، مغتنم الهمة.\rوذلك في الواحد المعين مما يندر.\r__________\r1 - لان الآية - الخ تعليل لبعد هذا التأويل.\r2 - واغتنامه لبركتهم، أي لبركة دعائهم له من أجل مواساته لهم.\r(*)","part":3,"page":57},{"id":694,"text":"المسألة الثالثة قوله (ص): أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل باطل باطل (1)، صدر الكلام (بأي وما) في معرض الشرط والجزاء وذلك من أبلغ أدوات العموم عند القائلين به، وأكده بالبطلان مرة بعد مرة ثلاث مرات، وهو من أبلغ ما يدل به الفصيح المصقع على التعميم والبطلان.\rوقد طرق إليه أصحاب أبي حنيفة ثلاث تأويلات الاول: أنه يحتمل أنه أراد بالمرأة، الصغيرة.\rالثاني: أنه وإن أراد بها الكبيرة، فيحتمل أنه أراد بها الامة والمكاتبة.\rالثالث: أنه يحتمل أنه أراد ببطلان النكاح، مصيره إلى البطلان غالبا، بتقدير اعتراض الاولياء عليها، إذا زوجت نفسها من غير كفوء.\rوهذه التأويلات مما لا يمكن المصير إليها في صرف هذا العموم القوي المقارب للقطع، عن ظاهره.\rأما الحمل على الصغيرة فمن جهة أنها لا تسمى امرأة في وضع اللسان، ولان النبي (ص)، حكم بالبطلان ونكاح الصغيرة لنفسها دون إذن وليها، صحيح عندهم، موقوف على إجازة الولي.\rوأما الحمل على الامة، فيدرأه قوله (ص): فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها ومهر الامة ليس لها بل لسيدها.\rوأما الحمل على المكاتبة فبعيد أيضا من جهة أنها بالنسبة إلى جنس النساء نادرة، واللفظ المذكور من أقوى مراتب العموم وليس من الكلام العربي إطلاق ما هذا شأنه، وإرادة ما هو في غاية الندرة والشذوذ، ولهذا فإنه لو قال السيد لعبده: أيما امرأة لقيتها اليوم فأعطها درهما وقال: إنما أردت به المكاتبة كان منسوبا إلى الالغاز في القول وهجر الكلام.\rوعلى هذا، فلا نسلم صحة الاستثناء بحيث لا يبقى غير الاقل النادر من المستثنى منه، كما سبق تقريره، ولا فرق بين البابين.\r__________\r1 - جزء من حديث رواه داود الطيالسي وابو عوانه وابن حبان والحاكم وحسنه الترمذي، وأعل بالارسال، وقول ابن جريح ثم الفيت الزهري فسألته عنه فانكره.\r(*)","part":3,"page":58},{"id":695,"text":"وأما حمل بطلان النكاح على مصيره إلى البطلان، فبعيد من وجهين: الاول أن مصير العقد إلى البطلان، من أندر ما يقع، والتعبير باسم الشئ عما يؤول إليه، إنما يصح فيما إذا كان المآل إليه قطعا، كما في قوله تعالى: * (إنك ميت، وإنهم ميتون) * (39) الزمر: 30) أو غالبا كما فتسمية العصير خمرا في قوله تعالى: * (أراني أعصر خمرا) * (12) يوسف: 36) الثاني قوله: فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها ولو كان العقد واقعا صحيحا، لكان المهر لها بالعقد لا بالاستحلال.\rالمسألة الرابعة ومن التأويلات البعيدة قول أصحاب أبي حنيفة في قوله (ص): لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل إن المراد به صوم القضاء والنذر، من حيث (1) إن الصوم نكرة، وقد دخل عليه حرف النفي، فكان ظاهره العموم في كل صوم.\rوالمتبادر إلى الفهم من لفظ الصوم إنما هو الصوم الاصلي المتخاطب به في اللغات، وهو الفرض والتطوع (2) دون ما وجوبه بعارض، ووقوعه نادر، وهو القضاء والنذر.\rولا يخفى أن إطلاق ما هو قوي في العموم، وإرادة ما هو العارض البعيد النادر وإخراج الاصل الغالب منه، إلغاز في القول.\rولهذا، فإنه لو قال السيد لعبده من دخل داري من أقاربي أكرمه وقال: إنما أردت قرابة السبب دون النسب، أو ذوات الارحام البعيدة، دون العصبات القريبة، كان قوله منكرا مستبعدا، لكنه مع ذلك لا ينتهض في البعد إلى بعد التأويل في حمل الخبر السابق على الامة والمكاتبة.\r__________\r1 - من حيث.\rالخ تعليل لبعد ما تقدم من تأويل اصحاب ابي حنيفه للحديث.\r2 - لكن دل حديث عائشة الذي رواه الجماعة الا البخاري على استثناء صيام التطوع فلا يجب تبييت النية.\r(*)","part":3,"page":59},{"id":696,"text":"المسألة الخامسة ومن التأويلات البعيدة أيضا تأويل قوله (ص): من ملك ذا رحم محرم عتق عليه (1) فإن ظهور وروده لتأسيس قاعدة، وتمهيد أصل، في سياق الشرط والجزاء، والتنبيه على حرمة الرحم المحرم، وصلته، قوي الظهور في قصد التعميم لكل ذي رحم محرم، وذلك مما يمتنع معه التأويل بالحمل على الاصول والفصول، دون غيرهم، لانهم قد امتازوا بكونهم على عمود النسب عن غيرهم ممن هو على\rحواشيه من الارحام، وذلك موجب لاختصاصهم بالتنصيص عليهم، إظهارا لشرف قربهم ونسابتهم، فلو كان القصد متعلقا بهم دون غيرهم بالذكر، لما عدل عن التنصيص عليهم إلى ما يعم، لما فيه من إسقاط حرمتهم، وإهمال خاصيتهم، ولذلك، فإنه لو قال السيد لعبده: أكرم الناس قاصدا لاكرام أبو يه لا غير، كان ذلك من الاقوال المهجورة المستبعدة.\rالمسألة السادسة ومن التأويلات البعيدة تأويل أبي حنيفة في قوله تعالى: * (واعلموا أنما غنمتم من شئ، فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) * (8) الانفال: 41) حيث إنه قال باعتبار الحاجة مع القرابة وحرمان من ليس بمحتاج من ذوي القربى، وهو بعيد جدا، لان الآية ظاهرة في إضافة الخمس إلى كل ذوي القربى، بلام التمليك والاستحقاق مومئة إلى أن مناط الاستحقاق هو القرابة (2) فإنها مناسبة للاستحقاق، إظهارا لشرفها وإبانة لخطرها، وحيث رتب الاستحقاق على ذكرها في الآية، كان ذلك إيماء إلى التعليل بها، فالمصير بعد ذلك إلى اعتبار الحاجة يكون تخصيصا للعموم، وتركا لما ظهر كونه علة مومى إليها في الآية، وهو صفة القرابة، وتعليلا بالحاجة المسكوت عنها، وهو في غاية البعد.\r__________\r1 - رواه احمد وابو داود والترمذي وابن ماجه من طريق الحسن عن سمرة، وطعن فيه بما في سماع الحسن من سمرة من الخلاف، وبان شعبة رواه عن قتادة عن الحسن مرسلا وحماد هو الذي رواه عن قتادة عن الحسن عن سمرة متصلا وشعبة احفظ من حماد، وايضا بقول ابن المديني فيه انه حديث منكر وقول البخاري فيه لا يصح.\r2 - لكن خصها الحديث ببني هاشم وبني المطلب دون بني نوفل وبني عبد شمس.\r(*)","part":3,"page":60},{"id":697,"text":"فإن قيل: ما ذكرتموه بعينه لازم على قول الشافعي، باعتبار الحاجة مع اليتم\rفي سياق الآية.\rقلنا: المختار من قول الشافعي إنما هو عدم اعتبار الحاجة مع اليتم، وبتقدير القول بذلك، فاعتبار الحاجة إنما كان لان لفظ اليتم مع قرينة إعطاء المال مشعر بها، فاعتبارها يكون اعتبارا لما دل عليه لفظ الآية، لانه إلغاء له واليتم بمجرده عن اقتران الحاجة به، غير صالح للتعليل، بخلاف القرابة، فإن القرابة بمجردها مناسبة للاكرام باستحقاق خمس الخمس (1) كما ذكرناه، فاعتبار الحاجة معها يكون تركا للعمل بما ظهر كونه علة وعمل بغيره، وهو مناقضة لا تأويل.\rالمسألة السابعة ومن التأويلات البعيدة أيضا مصير قوم إلى أن قوله (ص): فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر (2) ليس بحجة في إيجاب العشر ونصف العشر في الخضروات، لان المقصود الذي سيق الكلام لاجله إنما هو الفرق بين العشر ونصف العشر، لا بيان ما يجب فيه العشر ونصف العشر، وهو بعيد أيضا، لان اللفظ عام في كل ما سقت السماء، وسقي بنضح أو دالية بوضع اللغة عند القائلين به، وكون ذلك مما يقصد به الفرق بين العشر ونصف العشر غير مانع من قصد التعميم، إذ لا منافاة بينهما، اللهم إلا أن يبين أن الخبر لم يرد إلا لقصد الفرق وذلك مما لا سبيل إليه.\r__________\r1 - اما ان القرابة مناسبة بمجردها للعطاء من الخمس فمسلم، واما ان قدر الاستحقاق خمس الخمس فيحتاج إلى دليل آخر سوى مجرد القرابة.\r2 - رواه الجماعة الا مسلما من طريق ابن عمر بلفظ (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر) ورواه احمد ومسلم.\rوالنسائي وابو داود من طريق جابر بمعناه (*)","part":3,"page":61},{"id":698,"text":"المسألة الثامنة ومن أبعد التأويلات ما يقوله القائلون بوجوب غسل الرجلين في الوضوء في قوله تعالى: * (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) * (5) المائدة: 6) من أن المراد به الغسل، وهو في غاية البعد (1) لما فيه من ترك العمل بما اقتضاه ظاهر العطف من التشريك بين الرؤوس والارجل في المسح من غير ضرورة.\rفإن قيل: العطف إنما هو على الوجوه واليدين في أول الآية، وذلك موجب للتشريك في الغسل، وبيان ذلك من وجهين: الاول: قوله تعالى: * (إلى الكعبين) * قدر المأمور به إلى الكعبين كما قدر غسل اليدين إلى المرفقين، ولو كان الواجب هو المسح لما كان مقدرا كمسح الرأس.\rالثاني: ما ورد من القراءة بالنصب من قوله تعالى: * (وأرجلكم) * (5) المائدة: 6) وذلك يدل على العطف على الايدي دون الرؤوس.\rوأما الكسر فإنما كان بسبب المجاورة، فإنها موجبة لاستتباع المجاور، ومنه قول امرئ القيس: كأن ثبيرا في عرانين ويله * كبير أناس في بجاد مزمل كسر (مزمل) استتباعا لما قبله، وإلا فحقه أن يكون مرفوعا لكونه وصف (كبير) إن سلمنا أن الارجل معطوفة على الرؤوس غير أنه ليس من شرط العطف الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في تفاصيل حكم المعطوف عليه، بل في أصله، كما سبق تقريره، وذلك مما قد وقع الاشتراك فيه، فإن الغسل والمسح قد اشتركا في أن كل واحد منهما فيه إمساس العضو بالماء، وإن افترقا في خصوص المسح والغسل وذلك كاف في صحة العطف، ودليله قول الشاعر: ولقد رأيتك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا عطف الرمح على التقلد بالسيف، وإن كان الرمح لا يتقلد وإنما يعتقل به،\rلاشتراكهما في أصل الحمل.\r__________\r1 - انظر ما ذكره ابن جرير وابن كثير في تفسيريهما لقوله تعالى (وامسحوا برؤسكم وارجلكم) وكلام شارع الطحاوية عند ذكر الادلة مشروعية المسح على الخفين.\r(*)","part":3,"page":62},{"id":699,"text":"وكذلك عطف الشاعر الماء على التبن في قوله: (وعلفتها تبنا وماء باردا) (1) والماء لا يعلف لاشتراكهما في أصل التناول.\rوالجواب، قولهم إن العطف إنما هو على الايدي، فأبعد من كل بعيد، لما فيه من ترك العطف على ما يلي المعطوف إلى ما لا يليه.\rوأما التقدير بالكعبين فمما لا يمنع من العطف على الرؤوس الممسوحة، وإن لم يكن مسح الرؤوس مقدرا في الآية كما عطف الايدي على الوجوه في حكم الغسل، وإن كان غسل اليدين مقدرا وغسل الوجوه غير مقدر.\rوأما القراءة بالنصب، فإنما كان ذلك عطفا على الموضع، وذلك لان الرؤوس في موضع النصب، بوقوع الفعل عليها، غير أنه لما دخل الخافض على الرؤوس، أوجب الكسر، ومنه قول الشاعر: معاوي إننا بشر فأسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديدا عطف (الحديد) على موضع (الجبال) إذ هي في موضع نصب، غير أنها خفضت بدخول الجار عليها.\rقولهم إن الكسر بسبب المجاورة إنما يصح إذا لم يكن بين المتجاورين فاصل كما ذكروه من الشعر، وأما إذا فصل بينهما حرف العطف فلا.\rوإن سلمنا جوازه غير أنه مما لا يتحمل إلا لضرورة الشعر، فلا ينتهض موجبا لاتباعه، وترك ما أوجبه العطف.\rومثل ذلك، وإن ورد في النثر، كما في قولهم جحر ضب خرب وماء شن بارد فمن النوادر الشاذة التي لا يقاس عليها.\rقولهم: إن العطف وإن وقع على الرؤوس، فذلك غير موجب للاشتراك في تفاصيل حكم المعطوف\rعليه.\rقلنا: هذا هو الاصل، وإنما يصار إلى خلافه لدليل، ولا دليل، وإنما ذكرنا هذه النبذة من مسائل التأويلات لتدرب المبتدئين بالنظر في أمثالها.\rوبالجملة، فالمتبع في ذلك إنما هو نظر المجتهد في كل مسألة فعليه اتباع ما أوجبه ظنه.\r__________\r1 - تمامه (حتى شتتت همالة عيناها) انظر هذا البيت وما معه من الابيلت في باب الحذف والاختصار من تأويل مشكل القران لابن قتيبه.\r(*)","part":3,"page":63},{"id":700,"text":"القسم الثاني في دلالة غير المنظوم وهو ما دلالته لا بصريح صيغته ووضعه، وذلك لا يخلو إما أن يكون مدلوله مقصودا للمتكلم، أو غير مقصود: فإن كان مقصودا، فلا يخلو إما أن يتوقف صدق المتكلم أو صحة الملفوظ به عليه، أو لا يتوقف: فإن توقف، فدلالة اللفظ عليه تسمى دلالة الاقتضاء، وإن لم يتوقف فلا يخلو إما أن يكون مفهوما في محل تناوله اللفظ نطقا، أو لا فيه.\rفإن كان الاول، فتسمى دلالته دلالة التنبيه والايماء، وإن كان الثاني: فتسمى دلالته دلالة المفهوم.\rوأما إن كان مدلوله غير مقصود للمتكلم، فدلالة اللفظ عليه تسمى دلالة الاشارة.\rفهذه أربعة أنواع: النوع الاول - دلالة الاقتضاء وهي ما كان المدلول فيه مضمرا، إما لضرورة صدق المتكلم، وإما لصحة وقوع الملفوظ به.\rفإن كان الاول، فهو كقوله (ص): رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا\rعليه وقوله عليه السلام: لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل وقوله عليه السلام: لا عمل إلا بنية (1) فإن رفع الصوم والخطإ والعمل مع تحققه ممتنع، فلا بد من إضمار نفي حكم يمكن نفيه، كنفي المؤاخذة والعقاب في الخبر الاول، ونفي الصحة أو الكمال في الخبر الثاني، ونفي الفائدة والجدوى في الخبر الثالث ضرورة صدق الخبر.\r__________\r1 - الحديث معناه صحيح وقد روى بالفاظ عدة منه انما الاعمال بالنيات: (والاعمال بالنيات) (والاعمال بالنية) وقد ذكر كثيرا منها ابن حجر في فتح الباري وليس من بينها (لا عمل الا بنية) (*)","part":3,"page":64},{"id":701,"text":"وإما إن كان لصحة الملفوظ به فإما ان تتوقف صحته عليه عقلا أو شرعا.\rفإن كان الاول، فكقوله تعالى: * (واسأل القرية) * (12) يوسف: 82) فإنه لا بد من إضمار أهل القرية لصحة الملفوظ به عقلا (1).\rوإن كان الثاني، فكقول القائل لغيره: أعتق عبد ك عني على ألف فإنه يستدعي تقدير سابقة انتقال الملك إليه ضرورة توقف العتق الشرعي عليه.\rالنوع الثاني - دلالة التنبيه والايماء وهي خمسة أصناف، وسيأتي ذكرها في القياس.\rالنوع الثالث - دلالة الاشارة وذلك كما في قوله (ص)، في حق النساء النساء ناقصات عقل ودين فقيل له: يا رسول الله، ما نقصان دينهن ؟ - قال: تمكث إحداهن في قعر بيتها شطر دهرها لا تصلي، ولا تصوم (2) فهذا الخبر إنما سيق لبيان نقصان دينهن، لا لبيان أكثر الحيض وأقل الطهر، ومع ذلك لزم منه أن يكون أكثر الحيض خمسة عشر يوما، وأقل الطهر كذلك، لانه ذكر شطر الدهر مبالغة في بيان نقصان دينهن، ولو كان الحيض يزيد على خمسة عشر يوما لذكره وكذلك دلالة مجموع قوله تعالى: * (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) * (46) الاحقاف: 15) وقوله تعالى: * (وفصاله\rفي عامين) * (31) لقمان: 14) على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وإن لم يكن ذلك مقصودا من اللفظ.\rوكذلك قوله تعالى: * (فالآن باشروهن) * (2) البقرة: 187) أباح المباشرة ممتدة إلى طلوع الفجر بقوله: * (حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود) * (2) البقرة: 187) وكان بيان ذلك هو المقصود، ومع ذلك لزم منه أن من جامع في ليل رمضان، وأصبح جنبا لم يفسد صومه، لان من جامع في آخر الليل، لا بد من تأخر غسله إلى النهار، فلو كان ذلك مما يفسد الصوم لما أبيح الجماع في آخر جزء من الليل.\rومع ذلك فإنه لم يقع مقصودا من الكلام، إلى نظائره.\r__________\r1 - واسال القرية - انظر 45 ج 1.\r2 - الحديث مثل به الاصول لما يدل على معان ثانوية،.\rاستدل به الفقهاء على اكثر مدة الحيض واقل مدة الطهر، وقد انكره غير واحد وقال لا اصل له انظر تلخيص الحبير، وكشف الخفا.\r(*)","part":3,"page":65},{"id":702,"text":"النوع الرابع المفهوم ولا بد من النظر في معناه وأصنافه قبل الحجاج في نفيه وإثباته أما معناه، فاعلم أن المفهوم مقابل للمنطوق، والمنطوق أصل للمفهوم، فلا بد من تحقيقه أولا، ثم العود إلى تحقيق، معنى المفهوم ثانيا.\rفنقول أما المنطوق، فقد قال بعضهم هو ما فهم من اللفظ في محل النطق، وليس بصحيح، فإن الاحكام المضمرة في دلالة الاقتضاء مفهومة من اللفظ في محل النطق، ولا يقال لشئ من ذلك منطوق اللفظ، فالواجب أن يقال: المنطوق ما فهم من دلالة اللفظ قطعا في محل النطق وذلك كما في وجوب الزكاة المفهوم من قوله (ص): في الغنم السائمة زكاة وكتحريم التأفيف للوالدين من قوله تعالى: * (ولا تقل لهما أف) * (17) الاسراء: 23) إلى نظائره.\rوأما المفهوم فهو ما فهم من اللفظ في غيره محل النطق، والمنطوق، وإن كان مفهوما من اللفظ، غير أنه لما كان مفهوما من دلالة اللفظ نطقا، خص باسم المنطوق، وبقي ما عداه معرفا بالمعنى العام المشترك، تمييزا بين الامرين.\rوإذا عرف معنى المفهوم، فهو ينقسم إلى ما يسمى مفهوم الموافقة وإلى ما يسمى مفهوم المخالفة.\rأما مفهوم الموافقة فما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت موافقا لمدلوله في محل النطق، ويسمى أيضا فحوى الخطاب ولحن الخطاب، والمراد به معنى الخطاب ومنه قوله تعالى: * (ولتعرفنهم في لحن القول) * (47) محمد: 30) أي في معناه.\rوقد يطلق اللحن ويراد به اللغة، ومنه يقال: لحن فلان بلحنه إذا تكلم بلغته وقد يطلق ويراد به الفطنة، ومنه قوله (ص): (ولعل بعضكم الحن بحجته من بعض) أي أفطن.\rوقد يطلق ويراد به الخروج عن ناحية الصواب، ويدخل فيه إزالة الاعراب عن جهة الصواب.","part":3,"page":66},{"id":703,"text":"ومثاله تحريم شتم الوالدين وضربهما من دلالة قوله تعالى: * (ولا تقل لهما أف) * (17) الاسراء: 23) فإن الحكم المفهوم من اللفظ في محل في محل السكوت موافق للحكم المفهوم في محل النطق.\rوكذلك دلالة قوله تعالى: * (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) * (4) النساء: 10) على تحريم إتلاف أموالهم، وكدلالة قوله تعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) * (99) الزلزلة: 7 - 8) على المقابلة فيما زاد على ذلك وكدلالة قوله تعالى: * (ومنهم من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) * (3) آل عمران: 75) على تأدية ما دون القنطار، وعدم تأدية ما فوق الدينار،\rإلى غير ذلك من النظائر.\rوالدلالة في جميع هذه الاقسام لا تخرج من قبيل التنبيه بالادنى على الاعلى، وبالاعلى على الادنى، ويكون الحكم في محل السكوت أولى منه في محل النطق، وإنما يكون كذلك إن لو عرف المقصود من الحكم في محل النطق من سياق الكلام وعرف أنه أشد مناسبة واقتضاء للحكم في محل السكوت من اقتضائه له في محل النطق، وذلك كما عرفنا من سياق الآية المحرمة للتأفيف أن المقصود إنما هو كف الاذى عن الوالدين، وأن الاذى في الشتم والضرب أشد من التأفيف، فكان بالتحريم أولى.\rوإلا فلو قطعنا النظر عن ذلك، لما لزم من تحريم التأفيف تحريم الضرب العنيف، ولهذا فإنه يتنظم من الملك أن يأمر الجلاد بقتل والده إذا استيقن منازعته له في ملكه، وينهاه عن التأفيف، حيث كان المقصود من الامر بالقتل إنما هو دفع محذور المنازعة في الملك، وإن كان القتل أشد في دفعه من التأفيف، ولذلك لم يلزم من إباحة أعلى المحذورين إباحة أدناهما، ولا من تحريم أدناهما تحريم أعلاهما.\rوهذا مما اتفق أهل العلم على صحة الاحتجاج به إلا ما نقل عن داود الظاهري أنه قال إنه ليس بحجة، ودليل كونه حجة أنه إذا قال السيد لعبده، لا تعط زيدا حبة، ولا تقل له أف، ولا تظلمه بذرة، ولا تعبس في وجهه فإنه يتبادر إلى الفهم من ذلك امتناع إعطاء ما فوق الحبة، وامتناع الشتم والضرب، وامتناع الظلم بالدينار","part":3,"page":67},{"id":704,"text":"وما زاد، وامتناع أذيته بما فوق التعبيس من هجر الكلام وغيره، ولذلك كان المفهوم من قول النبي (ص): احفظ عفاصها ووكاءها حفظ ما التقط من الدنانير ومن قوله (ص)، في الغنيمة: أدوا الخيط والمخيط أداء الرحال والنقود وغيرها، ومن قوله: من سرق عصا مسلم، فعليه ردها رد ما زاد على ذلك.\rوكذلك لو حلف أنه لا يأكل لفلان لقمة، ولا يشرب من مائه جرعة، كان ذلك موجبا\rلامتناعه من أكل ما زاد على اللقمة كالرغيف وشرب ما زاد على الجرعة، إلى نظائره.\rغير أن الخلاف واقع في أن مستند الحكم في محل السكوت، هل هو فحوى الدلالة اللفظية، أو الدلالة القياسية.\rوقد احتج القائلون بالفحوى بأن العرب إنما وضعت هذه الالفاظ للمبالغة في التأكيد للحكم في محل السكوت.\rوأنها أفصح من التصريح بالحكم في محل السكوت.\rولهذا، فإنهم إذا قصدوا المبالغة في كون أحد الفرسين سابقا للآخر، قالوا هذا الفرس لا يلحق غبار هذا الفرس وكان ذلك عندهم أبلغ من قولهم هذا الفرس سابق لهذا الفرس وكذلك إذا قالوا فلان يأسف بشم رائحة مطبخه فإنه أفصح عندهم وأبلغ من قولهم فلان لا يطعم ولا يسقي.\rواحتج القائلون بكونه قياسا أنا لو قطعنا النظر عن المعنى الذي سيق له الكلام من كف الاذى عن الوالدين، وعن كونه في الشتم والضرب، أشد منه في التأفيف، لما قضى بتحريم الشتم والضرب إجماعا، ولما سبق من جواز أمر الملك للجلاد بقتل والده، والنهي عن التأفيف له، فالتأفيف أصل، والشتم والضرب فرع، ودفع الاذى علة، والتحريم حكم، ولا معنى للقياس إلا هذا.\rوسموا ذلك قياسا جليا نظرا إلى أن الوصف الجامع بين الاصل والفرع ثابت بالتأثير.\rوالاشبه إنما هو المذهب الاول، وهو الاسناد إلى فحوى الدلالة اللفظية.\rوما قيل من أنه لا بد من فهم المعنى، وكونه في محل السكوت أولى بالحكم في محل النطق.\rفهو شرط تحقق الفحوى، ولا مناقضة بينه وبين الفحوى، ويدل على أنه ثابت بالفحوى لا بالقياس أمران","part":3,"page":68},{"id":705,"text":": الاول: أن القياس لا يشترط فيه أن يكون المعنى المناسب للحكم في الفرع أشد مناسبة له من حكم الاصل إجماعا، وهذا النوع من الاستدلال لا يتم دونه،\rفلا يكون قياسا.\rالثاني: أن الاصل في القياس لا يكون مندرجا في الفرع وجزءا منه إجماعا.\rوهذا النوع من الاستدلال قد يكون ما تخيل أصلا فيه جزءا مما تخيل فرعا، وذلك كما لو قال السيد لعبده لا تعط لفلان حبة فإنه يدل على امتناع إعطاء الدينار وما زاد عليه، والحبة المنصوصة تكون داخلة فيه.\rوكذلك قوله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (99) الزلزلة: 7 - 8) فإنه يدل على روية ما زاد على الذرة، والذرة تكون داخلة فيه، إلى نظائره.\rولهذا، فإن كل من خالف في القياس مطلقا وافق على هذا النوع، من الدلالة، سوى أهل الظاهر، ولو كان قياسا، لما كان كذلك.\rوعلى كل تقدير، فهو منقسم إلى قطعي وظني.\rأما القطعي: فكما ذكرناه من آية التأفيف حيث إنا علمنا من سياق الآية أن حكمة تحريم التأفيف إنما هو دفع الاذى عن الوالدين، وأن الاذى في الشتم والضرب أشد.\rوأما الظني: فكما في قوله تعالى: * (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) * (4) النساء: 92) فإنه وإن دل على وجوب الكفارة في القتل العمد، لكونه أولى بالمؤاخذة، كما يقوله الشافعي، غير أنه ليس بقطعي لامكان أن لا تكون الكفارة في القتل الخطأ موجبة بطريق المؤاخذة لقوله (ص): رفع عن أمتي الخطأ والنسيان والمراد به رفع المؤاخذة، بل نظرا للخاطئ بإيجاب ما يكفر ذنبه في تقصيره، ومن ذلك سميت كفارة، وجناية المتعمد فوق جناية الخاطئ.\rوعند ذلك، فلا يلزم من كون الكفارة رافعة لاثم أدنى الجنايتين أن تكون رافعة لاثم أعلاهما.\rوأما مفهوم المخالفة فهو ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفا لمدلوله في محل النطق، ويسمى دليل الخطاب أيضا، وهو عند القائلين به منقسم إلى عشرة أصناف متفاوتة في القوة والضعف.","part":3,"page":69},{"id":706,"text":"الصنف الاول: منها ذكر الاسم العام مقترنا بصفة خاصة، كقوله (ص): في الغنم السائمة زكاة.\rالصنف الثاني: مفهوم الشرط والجزاء كقوله تعالى: * وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن) * (65) الطلاق: 6) وقوله (ص): إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه (1).\rالصنف الثالث: مفهوم الغاية كقوله تعالى: * (فلا تحل له من بعد، حتى تنكح زوجا غيره) * (2) البقرة: 230) وقوله تعالى: * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) * (2) البقرة: 222) * (وحتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) * (9) التوبة: 29).\rالصنف الرابع: مفهوم إنما كقوله (ص): إنما الاعمال بالنيات.\rوإنما الربا في النسيئة.\rوإنما الولاء لمن أعتق.\rوإنما الشفعة فيما لم يقسم إلى نظائره.\rالصنف الخامس: التخصيص بالاوصاف التي تطرأ وتزول بالذكر كقوله (ص): الثيب أحق بنفسها من وليها.\rوقوله عليه الصلاة والسلام: (في السائمة زكاة).\rالصنف السادس: مفهوم اللقب، وذلك كتخصيص الاشياء الستة في الذكر بتحريم الربا (2).\rالصنف السابع: مفهوم الاسم المتشق الدال على الجنس، كقوله (ص)، لا تبيعوا الطعام بالطعام وهو قريب من مفهوم اللقب لكون الطعام لقبا لجنس.\rالصنف الثامن: مفهوم الاستثناء، كقوله تعالى: * (لا إله إلا الله) * (37) الصافات: 35) وقول القائل (لا عالم في البلد إلا زيد).\rالصنف التاسع: تعليق الحكم بعدد خاص، كتخصيص حد القذف بثمانين.\rالصنف العاشر: مفهوم حصر المبتدإ في الخبر كقوله (العالم زيد وصديقي عمرو) (3).\r__________\r1 - حديث (إذ اتاكم كريم قوم فأكرموه) روى من عدة طرق كلها ضعيفة بل حكم\rبعض العلماء بوضعه ولكن عابه في ذلك ابن حجر وشيخه العراقي لكثرة طرقه التى يقوى بعضها بعضا.\r2 - في الذكر بتحريم الربا، لعله بالذكر في تحريم الربا.\r3 - الظاهر ان الحصر في قوله العالم زيد من حصر الخبر في المبتدأ فان المعنى على = (*)","part":3,"page":70},{"id":707,"text":"وإذا عرف المفهوم بحده وأصنافه فيجب أن تعلم قبل الخوض في الحجاج في هذه الاصناف أن مستند فهم الحكم في محل السكوت عند القائلين به إنما هو النظر إلى فائدة تخصيص محل النطق بالذكر دون غيره، وسواء كان ذلك من قبيل مفهوم الموافقة أو المخالفة، وإن افترقا من جهة أن فائدة التخصيص بالذكر في مفهوم الموافقة إنما هو تأكيد مثل حكم المنطوق في محل المسكوت عنه وفائدة التخصيص بالذكره في مفهوم المخالفة إنما هو نفي مثل حكم المنطوق في محل السكوت وذلك مما لا يعلم من مجرد تخصيص محل النطق بالذكر دون نظر عقلي يتحقق به أن التخصيص للتأكيد أو النفي، وذلك بأن ينظر إلى حكمة الحكم المنطوق به فإن عرفت وعرف تحققها في المحل المسكوت عنه وأنها أولى باقتضائها الحكم فيه من الحكم في محل النطق، علم أن فائدة التخصيص التأكيد وأن المفهوم مفهوم الموافقة (1) وإن لم يعلم حكمة الحكم المنطوق به، أو علمت غير أنها لم تكن متحققة في محل السكوت أو كانت متحققة فيه لكنها ليست أولى باقتضاء الحكم فيه (2) علم أن فائدة التخصيص إنما هي النفي (3) وأن المفهوم مفهوم المخالفة.\rوإذا أتينا على تحقيق المفهوم وأصنافه، فلنرجع إلى المقصود من الحجاج في نفيه وإثباته، وما هو المختار في كل واحد من أصنافه، فنقول: أما مفهوم الموافقة فقد اتفق الكل على صحة الاحتجاج به سوى الظاهرية، وإن اختلفوا في دلالته، هل هي لفظية أو قياسية، على ما سبق.\rوالمتفقون على\rصحة مفهوم الموافقة اختلفوا في صحة الاحتجاج بمفهوم المخالفة، فيجب الخوض فيما يتعلق به من المسائل، وهي تسع مسائل\r__________\r= الحكم بالعلم لزيد والمحكوم له أو عليه هو المبتدأ والمتضمن للحكم هو الخبر.\rوكذلك القول في جملة صديقي عمرو فهو من قصر صداقة المتكلم المفهومة من الخبر على عمرو المحكوم عليه.\r1 - ومثل ذلك ما إذا علم ان اقتضاءها للحكم في المسكوت مساو لاقتضائها اياه في محل النطق فيسمى ايضا مفهوم الموافقة، أو القياس الجلي.\r2 - وليست مساوية أيضا كما تقدم.\r3 - انما هي النفي، يعني ان التخصيص في المنطوق فيما يسمى مفهوم = (*)","part":3,"page":71},{"id":708,"text":"المسألة الاولى اختلفوا في الخطاب الدال على حكم مرتبط باسم عام مقيد بصفة خاصة كقوله (ص): في الغنم السائمة زكاة (1) هل يدل على نفي الزكاة عن غير السائمة، أو لا ؟ فأثبته الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل والاشعري وجماعة من الفقهاء والمتكلمين وأبو عبيد (2) وجماعة من أهل العربية ونفاه أبو حنيفة وأصحابه والقاضي أبو بكر وابن سريج والقفال والشاشي وجماهير المعتزلة.\rوفرق أبو عبد الله البصري من المعتزلة، وقال: الخطاب المتعلق بالصفة دال على النفي عما عداها في أحد أحوال ثلاث، وهي: أن يكون الخطاب قد ورد للبيان، كما في قوله (ص): في الغنم السائمة زكاة أو التعليم، كما في خبر التحالف عند التخالف والسلعة قائمة (3) أو يكون ما عدا الصفة داخلا تحتها، كالحكم بالشاهدين، فإنه يدل على نفيه عن الشاهد الواحد لدخوله في الشاهدين، ولا يدل على النفي فيما سوى ذلك.\r__________\r= الموافقة يدل على انه لا يحكم في المسكوت بمثل ما حكم بهفي المنطوق، اما ان يدل على ثبوت حكم في المسكوت مخالف لحكم المنطوق فهذا محل نظر واختلاف بين العلماء على ما سيجئ: وقالت الظاهرية ان التخصيص في المنطوق لا دلاله له على اثبات حكم ما في المسكوت ولا نفيه.\r1 - هذا معنى جزء من حديث رواه البخاري من طريق انس بن مالك بلفظ في صدقة الغنم اربعين إلى عشرين ومائة شاة فاقتصر المؤلف على موضع الشاهد وتصرف في العبارة.\r2 - أبو عبيد هو القاسم بن سلام، البغدادي مات بمكة عام 224 ه عن 76 سنة 3 - يشير إلى ما رواه عبد الله بن احمد في زيادات المسند من طريق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن جده بلفظ (إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لاحدهما تحالفا)، وقد روي الحديث عن عبد الله بن مسعود من طرق بألفاظ مختلفة كل منها لم يخل من مقال، قد جزم الشافعي بأن طرق هذا الحديث عن ابن مسعود ليس فيها شئ موصول.\r(*)","part":3,"page":72},{"id":709,"text":"وإذ أتينا على تفصيل المذاهب من الجانبين، فلا بد من ذكر حجج الفريقين والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار.\rأما القائلون بالاثبات فقد احتجوا بحجج نقلية وعقلية أما الحجج النقلية فست حجج.\rالحجة الاولى: أنهم قالوا إن أبا عبيد القاسم بن سلام من أهل اللغة، وقد قال بدليل الخطاب في قوله (ص): لي الواجد يحل عرضه وعقوبته (1) حيث قال إنه أراد به أن من ليس بواجد لا يحل عرضه وعقوبته والواجد هو الغني وليه مطله ومعنى إحلال عرضه مطالبته، وعقوبته حبسه.\rوقال في قوله (ص): مطل\rالغنى ظلم، مطل غير الغنى ليس بظلم، وقال عليه السلام (لان يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا) (2) وقد قيل له إن: النبي (ص)، إنما أراد الهجاء من الشعراء أو هجاء الرسول، فقال: لو كان ذلك هو المراد، لم يكن لتعليق ذلك بالكثرة وامتلاء الجوف منه معنى لان ما دون ملء الجوف من ذلك ككثيره.\rووجه الاحتجاج به أنه فهم أن تعليق الذم على امتلاء الجوف من ذلك مخالف لما دونه.\rولقائل أن يقول: حكم أبي عبيد بذلك إن ادعيتم أنه كان نقلا عن العرب، فهو غير مسلم، وليس في لفظه ما يدل على النقل.\rوإن قلتم إن ذلك كان بناء على مذهبه واجتهاده، فغايته أنه مجتهد فيه، فلا يكون ذلك حجة على غيره من المجتهدين المخالفين له في ذلك كيف وإنه لو ذكر ذلك نقلا، فلا نسلم كونه حجة في مثل هذه القاعدة اللغوية لكونه من أخبار الآحاد، ثم هو معارض بمذهب الاخفش (3)\r__________\r1 - رواه احمد وابو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم من طريق الشريد بن سويد.\r2 - رواه الجماعة.\r3 - الاخفش - الاخافش في النحو ثلاثة أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد مولى قيس بن ثعلبة توفي عام 177 ه المعروف بالخفش الاكبر.\r3 إبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء البلخي ثم البصري المعروف بالاخفش الاوسط توفي عام 215 ه 3 أبو المحاسن علي بن سلمان بن الفضل المعروف بالاخفش الاصغر توفي ببغداد عام 315 ه عن ثمانين سنة.\r(*)","part":3,"page":73},{"id":710,"text":"فإنه من أهل اللغة، ولم يقل بدليل الخطاب على ما نقل عنه، على أنه يمكن أن يكون حكمه بذلك مستندا إلى النفي الاصلي وعدم دلالة الدليل على مخالفته، وهو أولى جمعا بين المذاهب.\rالحجة الثانية: ما روى قتادة أنه قال: لما نزل قوله تعالى: * (استغفر لهم\rأو لا تستغفر لم، إن تستغفر لهم سبعين مرة، فلن يغفر الله لهم) * (9) التوبة: 80) قال النبي (ص): قد خيرني ربي، فوالله لا زيدن على السبعين فعقل أن ما زاد على السبعين بخلافه لقائل أن يقول: ما ذكرتموه من أخبار الآحاد، لا نسلم كونه حجة في مثل هذه القاعدة.\rوإن سلمنا أنه حجة، ولكن يمتنع التمسك به لوجهين: الاول: أن زيادة النبي (ص)، على السبعين في الاستغفار ليس فيه ما يدل على فهمه وقوع المغفرة لهم باستغفاره زيادة على السبعين، وليس في لفظه ما يدل عليه، فيحتمل أنه قصد بذلك استمالة قلوب الاحياء منهم ترغيبا لهم في الدين، لا لوقوع المغفرة، وليس أحد الامرين أولى من الآخر، بل ربما كان احتمال الاستمالة أولى من فهمه وقوع المغفرة بالزيادة على السبعين في الاستغفار من الآية، لما فيه من دفع التعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى: * (سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، لن يغفر الله لهم) * (9) التوبة: 80).\rالوجه الثاني: أن تخصيص نفي المغفرة بالسبعين يدل على انتفاء المغفرة بالسبعين قطعا ضرورة صدق الله تعالى في خبره.\rومن قال بدليل الخطاب فهو قائل بأنه يدل على نقيض حكم المنطوق في محل السكوت، وعند ذلك فلو دل اختصاص السبعين بنفي المغفرة قطعا، على نقيضه في محل السكوت، لكان دالا على وقوع المغفرة بعد السبعين، وذلك إما أن يكون قطعا أو ظنا: الاول: خلاف الاجماع وخلاف ما ذكرناه من الآية الدالة على امتناع المغفرة بعد السبعين والثاني: فليس نقيضا لنفي المغفرة قطعا، بل هو مقابل، والمقابل أعم من النقيض، فلا يكون ذلك من باب دليل الخطاب، وفيه دقة فليتأمل.","part":3,"page":74},{"id":711,"text":"الحجة الثالثة: مصير ابن عباس، رضي الله عنهما، إلى منع توريث الاخت مع البنت، استدلالا بقوله تعالى: * (إن امرؤ هلك ليس له ولد، وله أخت، فلها نصف ما ترك) * (4) النساء: 176) حيث إنه فهم من توريث الاخت مع عدم الولد امتناع توريثها مع البنت لانها ولد، وهو من فصحاء العرب وترجمان القرآن.\rوجواب هذه الحجة ما سبق في دفع الحجة التي قبلها كيف وإنه يحتمل أنه ورث الاخت عند عدم الولد بالآية، وعند وجود البنت لم يورثها بناء على استصحاب النفي الاصلي، لا بناء على دليل الخطاب، وليس أحد الامرين أولى من الآخر.\rالحجة الرابعة: أن الصحابة اتفقوا على أن قوله (ص): إذا التقى الختانان، فقد وجب الغسل (1) ناسخ لقوله (ص): الماء من الماء (2) ولولا أن قوله: الماء من الماء يدل على نفي الغسل من غير إنزال لما كان نسخا له.\rولقائل أن يقول: لا نسلم صحة الاحتجاج بخبر الواحد في اللغات، وإن سلمنا، ولكن لا نسلم أن جلة الصحابة اتفقوا على ذلك.\rوقول البعض لا يكون حجة على غيره، وإن سلمنا اتفاق الصحابة على ذلك، ولكن إنما حكموا بكونه ناسخا لا لمدلول دليل الخطاب، بل يحتمل أنهم فهموا من قوله (ص) الماء من الماء كل غسل من إنزال الماء، ويدل على تأكد هذا الاحتمال قوله (ص): لا ماء إلا من الماء فكان قوله: إذا التقى الختانان، وجب الغسل ناسخا لمدلول عموم الاول، لا لمدلول دليل الخطاب وليس أحد الامرين أولى من الآخر، بل حمله على ما ذكرناه أولى، لكونه متفقا عليه، ومختلفا فيما ذكروه.\r__________\r1 - رواه الشافعي في الام وابن ماجه من طريق عائشة وصححه ابن حبان واعله البخاري بأن الاوزاعي اخطأ فيه ورواه غيره عن عبد الرحمن ابن القاسم مرسلا ورواه الترمذي بلفظ (إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل) وصححه.\r2 - جزء من حديث رواه احمد وابو داود والترمذي وصححه.","part":3,"page":75},{"id":712,"text":"الحجة الخامسة: ما روي أن يعلى بن أمية قال لعمر: ما بالنا نقصر، وقد أمنا وقد قال الله تعالى: * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) * (4) النساء: 101) ووجه الاحتجاج به أنه فهم من تخصيص القصر بحالة الخوف عدم القصر عند عدم الخوف، ولم ينكر عليه عمر، بل قال: لقد عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي (ص) عن ذلك، فقال لي: هي صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته ويعلى بن أمية وعمر من فصحاء العرب، وقد فهما ذلك.\rوالنبي (ص)، أقرهما عليه.\rولقائل أن يقول: لا نسلم صحة الاحتجاج بخبر الواحد ها هنا، وإن سلمنا لكن يحتمل أن يعلى وعمر بنيا عدم القصر على استصحاب الحال في حالة الامن، لا على دليل الخطاب، وليس أحد الامرين أولى من الآخر، بل البناء على الاستصحاب أولى، دفعا للتعارض بين الدليل المجوز للقصر حالة الامن، والدليل النافي له.\rالحجة السادسة: أنه إذا قال العربي لوكيله اشتر لي عبد ا أسود فهم منه عدم الشراء للابيض، حتى إنه لو اشترى أبيض لم يكن ممتثلا، وكذلك إذا قال الرجل لزوجته أنت طالق إن دخلت الدار فهم منه انتفاء الطلاق عند عدم الدخول.\rولقائل أن يقول: ليس ذلك مفهوما من دليل الخطاب بل عدم شراء الابيض وعدم وقوع الطلاق قبل دخول الدار إنما كان مستندا إلى النفي الاصلي ولهذا فإنه لو قال له لا تشتر لي عبد ا أسود وقال لزوجته إن دخلت الدار، فلست طالقة فإنه لا يصح شراؤه لعبد غير أسود، ولا يقع بالزوجة الطلاق بتقدير عدم دخول الدار لبقاء ذلك على النفي الاصلي، ولو كان نفي الحكم في محل السكوت مما يدل عليه ذكر الحكم في محل النطق، لصح شراء عبد ليس بأسود، وطلقت الزوجة بتقدير عدم دخول الدار.\rوعلى هذا فكل خطاب ورد في الشرع أو اللغة\rبحكم مخصص بصفة، وهو منفى عما عدا تلك الصفة، فهو مبني على استصحاب الحال، لا على دليل الخطاب.\rوأما الحجج العقلية فخمس حجج.","part":3,"page":76},{"id":713,"text":"الحجة الاولى: أنه لو كان حكم السائمة والمعلوفة، سواء في وجوب الزكاة لما كان لتخصيص السائمة بالذكر فائدة، بل كان ملغزا بذكر ما يوهم في الزكاة في المعلوفة، ومقصرا في البيان مع دعو الحاجة إليه.\rوذلك على خلاف الاصل.\rوحيث امتنع ذلك دل على أن فائدة التخصيص بذكر السائمة نفي الزكاة عن المعلوفة.\rولقائل أن يقول: ما ذكرتموه في إثبات دليل الخطاب يرجع إلى إثبات الوضع بما فيه من الفائدة، ولا نسلم إمكان إثبات الوضع بذلك (1) سلمنا إمكان ذلك ولكن لا نسلم أنه لا فائدة في تخصيص الصفة بالذكر سوى نفي الحكم المعلق بها عند عدمها.\rوبيانه من وجهين: الاول أنه لو لم يكن له فائدة سوى نفي الحكم في محل السكوت لامتنع ورود نص خاص يدل على إثبات الحكم في محل السكوت لما فيه من إبطال فائدة التخصيص بالذكر لمحل النطق لما يلزم من اللغو في كلام الحكيم، وهو ممتنع.\rفإن قيل: فإذا ثبت مثل ذلك الحكم في محل السكوت لم يكن مخصصا للصفة بالحكم، حتى يقال بأن التخصيص يكون لغوا.\rقلنا: فإذا مجرد تخصيص الصفة بالذكر لا يكون دليلا على نفي الحكم عند عدمها دون البحث عما يدل على إثبات الحكم في محل السكوت مع عدم الظفر به، وليس كذلك عندكم، لكن نفس التخصيص دليل، ووجود ما يدل على ثبات الحكم في صورة السكوت يكون معارضا له، بل أمكن (2) وجود فائدة أخرى دعت إلى التخصيص بالذكر، وهي إما عموم وقوع المذكور، كما في قوله تعالى: * (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) * (4) النساء: 23) وإما لسؤال سائل سأل عن ذلك، أو\rلحدوث واقعة وقعت كذلك.\rوإن لم يكن شئ من ذلك فأمكن أن يكون ذلك لرفع وهم من توهم أن حكم الصفة بتقدير تعميم اللفظ يكون مخالفا لحكم العموم\r__________\r1 - وذلك لان مدار اثبات الوضع النقل لا التعليل والعقل، إذا العقل لا مدخل له في اثبات اللغات.\r2 - لم يتميز بدء (الوجه الثاني) ولعله يبدأ بقوله بل أمكن وجود فوائد اخرى دعت إلى التخصيص بالذكر الخ.\r(*)","part":3,"page":77},{"id":714,"text":"ويكون بذلك منبها على إثبات الحكم فيما عدا الصفة بطريق الاولى، وذلك كما لو قال: ضحوا بشاة فإنه قد يتوهم متوهم أنه لا يجوز التضحية بشاة عوراء، فإذا قال: ضحوا بشاة عوراء كان ذلك أدل على التضحية بما ليست عوراء، وكذلك لو قال: ولا تقتلوا أولادكم (17) الاسراء: 31) على العموم فقد يتوهم أنه لم يرد النهي عن قتلهم عند خشية الاملاق، فإذا قال: * (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) * (17) الاسراء: 31) كان أدل على النهي في غير حالة الخشية، وإن لم يكن كذلك أمكن أن يكون لفائدة تعريف حكم المنطوق والمسكوت بنصين مختلفين، إذ هو أدل على المقصود من التعميم لوقوع الخلاف فيه، وإمكان تطرق التخصيص بالاجتهاد إلى محل الصفة وغيرها، وليس مرادا للتخصيص، وإن لم يكن كذلك، أمكن أن يكون ذلك لفائدة التوصل إلى معرفة الحكم في المسكوت عنه بطريق الاجتهاد، لينال المكلف ثواب الاجتهاد، حين توفر دواعي المجتهدين على النظر والاستدلال والبحث عن الاحكام الشرعية، فتبقى غضة طرية، كما هي في سائر الاصول المنصوص عليها مع وقوعها في الاقيسة وإن لم يكن كذلك أمكن أن يكون حكم الصفة جاريا على حكم العقل الاصلي، وتكون المصلحة في نظر الشارع تعريف ذلك الحكم عند وجود الصفة بالنص، وعند عدمها بالبقاء على الحكم الاصلي، كما لو قال: لا زكاة\rفي الغنم السائمة وإن لم يكن كذلك، وكان الحكم في محل السكوت مخالفا للحكم في محل النطق، فأمكن أن يكون ثبوت الحكم على خلاف حكم العقل، كما في إيجاب الزكاة، وتكون فائدة التنصيص على محل الصفة اختصاصه بالحكم، فإنه لولا النص، لما ثبت، ويكون الحكم في محل السكوت، منتفيا بناء على حكم العقل الاصلي.\rفإن قيل: فإذا سلمتم انتفاء الحكم في محل السكوت، فقد وافقتم على المطلوب.\rقلنا: ليس كذلك، فإن النزاع إنما وقع في إسناد النفي في محل السكوت إلى دليل الخطاب لا إلى النفي الاصلي،","part":3,"page":78},{"id":715,"text":"وإن سلمنا أنه لا فائدة في التخصيص سوى ما ذكرتموه، لكن يلزم على ما ذكرتموه مفهوم اللقب الذي لم يقل به محصل على ما يأتي تقريره، فكل ما هو جواب لكم ثم فهو جواب لنا ها هنا.\rالحجة الثانية: إن أهل اللغة فرقوا بين الخطاب المطلق والمقيد بالصفة، كما فرقوا بين الخطاب المرسل وبين المقيد بالاستثناء، والاستثناء يدل على أن حكم المستثنى على خلاف حكم المستثنى منه، فكذلك الصفة ولقائل أن يقول: نحن لا ننكر الفرق بين حكم الخطاب المطلق، وبين حكم الخطاب المقيد بالصفة، فإن حكم المطلق العلم أو الظن بثبوت حكمه مطلقا، وحكم الخطاب المقيد بالصفة ثبوته في محل التنصيص، قطعا أو ظنا وفي غير محل الصفة مشكوك في إثباته ونفيه، فقد افترقا، كما وقع الافتراق بين الخطاب المطلق والخطاب المستثنى منه، غير أن المطلق يقتضي إثبات الحكم أو نفيه مطلقا والخطاب المستثنى منه يقتضي نفي الحكم في صورة الاستثناء جزما.\rوعلى هذا، فإن قيل بأن العرب سوت من كل وجه، فهو ممتنع.\rوإن قيل بوجوب\rالتسوية بينهما من جهة أنه لا بد من الافتراق بين المطلق والمقيد بالصفة في الجملة كما وقع الافتراق بين المطلق والمستثنى منه في الجملة، فهو واقع لا محالة.\rالحجة الثالثة: أنه إذا كان التخصيص بذكر الصفة يدل على الحكم في محل التنصيص، وعلى نفيه في محل السكوت، كانت الفائدة فيه أكثر مما إذا لم يدل، فوجب جعله دليلا عليه.\rولقائل أن يقول: ما ذكرتموه وإن كان من جملة الفوائد، غير أن إثبات الحكم أو نفيه مأخوذا من دليله، فرع دلالة ذلك الدليل عليه.\rفلو قيل بكونه دليلا عليه لكون الحكم يكون داخلا فيه كان دورا.\rكيف وإنه ليس القول بكون التخصيص دالا على نفي الحكم في محل السكوت، تكثيرا للفائدة، وإبطال ما ذكرناه من الفوائد التي سبقت، أولى من العكس.","part":3,"page":79},{"id":716,"text":"الحجة الرابعة: أن التعليق بالصفة كالتعليق بالعلة، والتعليق بالعلة يوجب نفي الحكم لانتفاء العلة، فكذلك الصفة.\rولقائل أن يقول لا نسلم لزوم انتفاء الحكم مع انتفاء العلة، حتى يقال مثله في الصفة اللهم إلا أن يقال باتحاد العلة فإنه يلزم من نفيها نفي الحكم، ولكن لا نسلم أنه يلزم مثله في الصفة ضرورة أنه يلزم من تعدد أصناف النوع وأشخاصه تعدد صفاته وإلا لما تعدد، بل كان متحدا من كل وجه.\rالحجة الخامسة: أنه قال (ص) طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعا فلو لم يدل على عدم الطهارة فيما دون السبع، وإلا لما طهر بالسبع، لان السابعة تكون واردة على محل طاهر، فلا يكون طهوره بالسبع، ويلزم من ذلك إبطال دلالة المنطوق.\rوكذلك إذا قال يحرم من الرضاع خمس رضعات لو لم يدل على أن ما دون\rذلك لا يحرم لما كانت الخمس رضعات محرمة لما عرف في الغسلات.\rولقائل أن يقول لا يلزم من كون الغسلات السبع غير دالة على نفي الطهارة فيما دون السبع، ومن كون الرضعات الخمس غير دالة على نفي الحرمة فيما دونها أن يكون المحل قبل السابعة طاهرا ولا أن يكون ما دون الخمس من الرضاع محرما لجواز ثبوت النجاسة قبل السبع بدليل آخر غير دليل الخطاب.\rوكذلك جاز أن يكون ما دون الرضعات الخمس غير محرمة بدليل غير دليل الخطاب.\rوإذ أتينا على حجج القائلين بدليل الخطاب وتتبع ما فيها فلا بد من ذكر حجج عول عليها القائلون بإبطال دليل الخطاب والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار.\rالحجة الاولى: أن تقييد الحكم بالصفة، لو دل على نفيه عند نفيها، إما أن يعرف ذلك بالعقل أو النقل، والعقل لا مجال له في اللغات، والنقل إما متواتر وآحاد ولا سبيل إلى التواتر والآحاد لا تفيد غير الظن، وهو غير معتبر في إثبات اللغات لان الحكم على لغة ينزل عليها كلام الله تعالى ورسوله (ص)، بقول الآحاد مع جواز الخطأ والغلط عليه يكون ممتنعا.","part":3,"page":80},{"id":717,"text":"ولقائل أن يقول: إن سلمنا أن ذلك لا يعرف إلا بالنقل ولكن لا نسلم امتناع إثبات ذلك بالآحاد إذ المسألة عندنا غير قطعية، بل ظنية مجتهد فيها بنفي أو إثبات، بل غلبة ظن تجري فيها التخطئة الظنية، دون القطعية، كما في سائر مسائل الفروع الاجتهادية كيف وإن اشتراط التواتر في إثبات اللغات إما أن يكون في كل كلمة ترد عن أهل اللغة أو في البعض دون البعض، القول بالتفصيل تحكم غير معقول كيف وأنه لا قائل به وإن كان ذلك شرطا في الكل فذلك مما يفضي إلى تعطيل التمسك بأكثر اللغة لتعذر التواتر فيها، ويلزم من ذلك تعطيل العمل بأكثر ألفاظ الكتاب والسنة\rوالاحكام الشرعية، والمحذور في ذلك فوق المحذور في قبول خبر الواحد المعروف بالعدالة والضبط والمعرفة، وهو تطرق الكذب أو الخطأ عليه مع أن الغالب صدقه وصحه نقله.\rولهذا كان العلماء في كل عصر وإلى زمننا هذا يكتفون في إثبات الاحكام الشرعية المستندة إلى الالفاظ اللغوية بنقل الآحاد المعروفين بالثقة والمعرفة، كالاصمعي والخليل وأبي عبيدة وأمثالهم (1).\rالحجة الثانية: أنه لو كان تقييد الحكم بالصفة يدل على نفيه عند عدمها لما حسن الاستفهام عن الحكم في حال نفيها لا عن نفيه ولا عن إثباته، لكونه استفهاما عما دل عليه اللفظ، كما لو قال له: لا تقل لزيد أف فإنه دل على امتناع ضربه فإنه لا يحسن أن يقال فهل أضربه ولا شك في حسنه، لو قال أد الزكاة عن غنمك السائمة فإنه يحسن أن يقال وهل أؤديها عن المعلوفة ؟ ولقائل أن يقول: حسن الاستفهام إنما كان لطلب الاجلى والاوضح لكون دلالة الخطاب ظاهرة ظنية غير قطعية، ولهذا فإنهم لم يستقبحوا الاستفهام ممن\r__________\r1 - هو أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن على بن اصمع الباهلي الاصمعي البصري مات بالبصرة عام 213 - 217 عن 88 سنة.\rوالخليل هو ابن احمد الازدي الفراهيدي أبو عبد الرحمن البصري صاحب العروض وكتاب العين في اللغة مات عام 170 - 175 ه وابو عبيدة النحوي معمر بن المثنى التيمي بالولاء البصري من ائمة العلم والادب واللغة ولد عام 110 ه وتوفي عام 209 ه فان كان المذكور أبا عبيد بلا تاء فقد سبقت ترجمه في ص 72 (*)","part":3,"page":81},{"id":718,"text":"قال رأيت أسدا أو بحرا، أو دخل السلطان البلد بأن يقال هل رأيت الحيوان المخصوص أو إنسانا شجاعا ؟ وهل رأيت البحر الذي هو الماء المخصوص أو إنسانا كريما ؟ وهل رأيت السلطان نفسه أو عسكره ؟ مع أن لفظه ظاهر في أحد\rالمعنيين دون الآخر.\rالحجة الثالثة: لو كان تعليق الحكم على الصفة يدل على نفيه عن غير المتصف بها لكان في الخبر كذلك ضرورة اشتراك الامر والخبر في التخصيص بالصفة، واللازم ممتنع.\rولهذا، فإنه لو قال رأيت الغنم السائمة ترعى فإنه لا يدل على عدم رؤية المعلوفة منها.\rولقائل أن يقول.\rالاستشهاد بالخبر، وإن كان كثيرا ما يستروح إليه المنكرون لدليل الخطاب، إلا أنه ممنوع عند القائلين بدليل الخطاب، ولا فرق عندهم في تعليق الحكم بالصفة بين الامر والخبر.\rولهذا، فإنه لو قال القائل الفقهاء الشافعية فضلاء أئمة فإن سامعه من فقهاء الحنفية وغيرهم تشمئز نفسه من ذلك، وتكبر عن سماعه، لا لوصفه لهم بذلك، بل لما فيه من الاشعار بسلب ذلك عمن ليس بشافعي.\rوهذا الشعور مما لا يختلف فيه الامر والخبر عندهم، وإن سلم امتناع ذلك في الخبر، فحاصل ما ذكروه يرجع إلى القياس في اللغة وهو ممتنع لما سبق.\rوبتقدير صحة القياس في اللغة فالفرق بين الخبر والامر ظاهر، وذلك أنه إذا أخبر وقال رأيت خبزا سميذا، ولحما طريا، ورطبا جنيا إنما يخبر عما شاهده وعلمه، ولا يلزم من مشاهدته لذلك أن لا يكون قد شاهد ما ليس على هذه الصفة.\rوإذا قال لعبده اشتر خبزا سميذا، ولحما طريا ورطبا جنيا مع علمه بأن الخبز الخشكار، واللحم والرطب البايت، مما يباع في السوق، فقوله ذلك إنما يقصد به البيان، وتمييز ما يشترى عما لا يشترى، فكان النفي ملازما للاثبات.\rالحجة الرابعة: أن أهل اللغة فرقوا بين العطف والنقض فقالوا: قول القائل: اضرب الرجال الطوال والقصار فالقصار عطف، وليس بنقض للاول، ولو كان قوله اضرب الرجال الطوال مقتضيا لنفي الضرب عن القصار، لكان نقضا لا عطفا.","part":3,"page":82},{"id":719,"text":"وهي بعيدة عن التحقيق.\rوذلك أن قول القائل اضرب الرجال الطوال إنما يدل على امتناع ضرب القصار بتقدير اختصاص الطوال بالذكر، وإذا عطف عليه القصار، فلا يكون مخصصا للطوال بالذكر، فلا يدل على نفي الضرب عن القصار، ثم هو منتقض بالتخصيص بالغاية، كما لو قال القائل لغيره صم إلى غروب الشمس فإنه يدل على أن حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، ومع ذلك فإنه لو قال له صم إلى غروب الشمس وإلى نصف الليل فإنه لا يكون نقضا.\rالحجة الخامسة: أنه لو كان تعليق الحكم بالصفة دالا على نفيه عن غير الموصوف بها لما حسن الجمع بين قوله أد زكاة السائمة وبين قوله والمعلوفة لما بينهما من التناقض، كما لا يحسن أن يقول له لا تقل لزيد أف، واضربه.\rولقائل أن يقول: إنما لا يحسن ذلك أن لو قيل بالمناقضة، وليس كذلك على ما سبق في الحجة التي قبلها.\rهذا إذا كان بطريق العطف، وأما إن قال بعد ذلك أد زكاة المعلوفة فإنما لم يمتنع، لان غايته أن صريح قوله: أد زكاة الغنم المعلوفة وقع معارضا لدليل الخطاب والمعارضة غير ممتنعة.\rولا يلزم من عدم جواز مثل ذلك في فحوى الخطاب امتناعه في دليل الخطاب، إذ هو قياس في اللغة وهو ممتنع لما سبق.\rوبتقدير صحة القياس في اللغة، فالفرق ظاهر، وذلك لان امتناع ذلك في فحوى الخطاب إنما كان فيما علم، لا فيما ظن على ما سبق.\rودليل الخطاب مظنون، ولا يلزم من امتناع معارضه المقطوع امتناع معارضة المظنون.\rثم يلزم عليه التخصيص بالغاية كما سبق.\rالحجة السادسة: ذكرها أبو عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار، وهي أن المقصود من الصفة إنما هو تمييز الموصوف بها عما سواه.\rوكذلك المقصود من الاسم إنما هو تمييز المسمى عن غيره، وتعليق الحكم بالاسم، كما لو قال: زيد\rعالم لا يدل على نفي العلم عمن لم يسم باسم زيد فكذلك تعليق الحكم بالصفة.\rولقائل أن يقول: قياس التخصيص بالصفة على التخصيص بالاسم قياس في اللغة، فلا يصح، وإن صح، فلا نسلم أن تعليق الحكم بالاسم لا يدل على نفي الحكم عما سواه، كما يأتي.\rوإن سلم عدم دلالته على ذلك، فإنما يلزم مشاركة التعليق","part":3,"page":83},{"id":720,"text":"بالصفة له في ذلك، أن لو بين أن مناط عدم دلالة التعليق بالاسم كونه موضوعا للتمييز، وهو غير مسلم.\rثم الفرق بينهما أن شعور المتكلم بالاسم العام المقيد بالصفة الخاصة بما ليس له تلك الصفة (1) أتم من شعور المتكلم باسم أحد الجنسين بالجنس الآخر.\rوعند ذلك، فلا يلزم من عدم دلالة التخصيص بالاسم مثله في الصفة.\rكيف وهو منقوض بالتخصيص بالغاية، فإنها مقصودة للتمييز.\rومع ذلك، فهو دال على أن حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها.\rالحجة السابعة: أن تعليق الحكم بالصفة لا يدل على نفيه عن غير الموصوف بها، لانه يصح أن يقال: في الغنم السائمة زكاة، ولا زكاة في المعلوفة منها.\rولو كان قوله: في الغنم السائمة زكاة يدل على نفيها عن المعلوفة، لما احتيج إلى العبارة الاخرى لعدم فائدتها.\rولقائل أن يقول: كون الحكم في محل السكوت مستفادا من دليل الخطاب لا يمنع من وضع عبارة خاصة إذ هو أبلغ في الدلالة وأقرب إلى حصول المقصود كما لا يمتنع ذلك في التقييد بالغاية كما تقدم ذكره.\rالحجة الثامنة: أن القول في الغنم السائمة زكاة له دلالة بمنطوقه على وجوب زكاة السائمة، فلو كان له دلالة مفهوم، لجاز أن يبطل حكم المنطوق، ويبقى حكم دلالة المفهوم، كما يجوز أن يبطل حكم دليل الخطاب، ويبقى حكم صريح\rالخطاب وهو ممتنع.\rولقائل أن يقول: دليل الخطاب إنما هو متفرع من تخصيص الحكم بالصفة فإذا بطل حكم الصفة، فلا تخصيص، ومع عدم التخصيص، فلا دلالة لدليل الخطاب، ثم هو منقوض بالتخصيص بالغاية.\rالحجة التاسعة: أنه ليس في لغة العرب كلمة تدل على المتضادين معا.\rفلو كان قوله في الغنم السائمة زكاة دالا على نفي الزكاة عن المعلوفة، لكان اللفظ الواحد دالا على الضدين معا، وهو ممتنع.\r__________\r1 - بما ليس له تلك الصفة متعلق بشعور.\r(*)","part":3,"page":84},{"id":721,"text":"ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه ليس في اللغة لفظ يدل على المتضادين معا بدليل ما ذكرناه من دلالة الاسماء المشتركة على المسميات المتعددة معا، كانت أضدادا أو لم تكن.\rسلمنا امتناع ذلك، ولكن إنما يمتنع ذلك بالنظر إلى جهة واحدة من دلالة اللفظ.\rوأما من جهتين فلا نسلم ذلك، وها هنا الدال على وجوب الزكاة في السائمة صريح الخطاب، والدال على نفي الزكاة عن المعلوفة دليل الخطاب، وهما غيران، ثم ما ذكرتموه منتقض بالتخصيص بالغاية.\rالحجة العاشرة: أن صورة الغنم السائمة خالفة لصورة الغنم التي ليست بسائمة، وعند اختلاف الصورتين، لا يلزم من ثبوت الحكم في أحديهما ثبوته في الاخرى ولا عدمه، لجواز اشتراك الصور المختلفة في أحكام وافتراقها في أحكام.\rوإذا لم يكن ذلك لازما، لم يلزم من الاخبار عن حكم في إحدى الصورتين الاخبار عنه في الصورة الاخرى، لا وجودا ولا عدما.\rولقائل أن يقول: متى لا يلزم من ثبوت الحكم في إحدى الصورتين نفيه في الصورة الاخرى إذا كان ذلك الحكم قد علق ثبوته بالاسم العام الموصوف بصفة\rخاصة، أو إذا لم يكن ؟ الاول ممنوع، ودعواه دعوى محل النزاع، والثاني مسلم.\rوعلى هذا، فالقول بأنه لا يلزم من الاخبار عن حكم إحدى الصورتين المختلفتين الاخبار عن الصورة الاخرى مطلقا لا يكون صحيحا، ثم إنه منتقض بفحوى الخطاب، فإن صورة المنطوق بالحكم فيها مخالفة للصورة المسكوت عنها، ومع ذلك فإن الحكم الثابت في صورة النطق لازم ثبوته في صورة السكوت، والاخبار عنه في إحداهما إخبار عنه في الصورة الاخرى.\rوإذ أتينا على ما أردناه من التنبيه على إبطال الحجج الواهية، فلا بد من الاشارة إلى ما هو المختار في ذلك، وأقرب ما يقال فيه مسلكان: المسلك الاول: إنه لو كان تعليق الحكم على الصفة موجبا لنفيه عند عدمها لما كان ثابتا عند عدمها، لما يلزمه من مخالفة الدليل.\rوهو على خلاف الاصل، لكنه ثابت مع عدمها.\rودليله قوله تعالى: * (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) * (17) الاسراء: 31) فإن النهي عن قتل الاولاد وقع معلقا بخشية الاملاق، وهو منهي عنه أيضا في حالة عدم خشية الاملاق.","part":3,"page":85},{"id":722,"text":"فإن قيل: تعليق الحكم بالصفة عندنا إنما يكون دليلا على نفيه حالة عدم الصفة إذا لم يكن حالة عدم الصفة أولى بإثبات حكم الصفة، كما ذكرناه من حكم زكاة السائمة والمعلوفة.\rوأما إذا كان الحكم في حالة عدم الصفة أولى بالاثبات من حالة وجود الصفة فلا وها هنا تحريم القتل حالة عدم خشية الاملاق أولى من التحريم حالة خشية الاملاق.\rفكان التنصيص على تحريم القتل حالة خشية الاملاق محرما له حالة عدم الخشية بطريق الاولى، وكان ذلك من باب فحوى الخطاب، لا من باب دليل الخطاب.\rقلنا: هذا، وإن استمر لكم في هذه الصورة، فلا يستمر في قوله تعالى: * (لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) * (3) آل عمران: 130)\rوفي قوله * (ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا) * (4) النساء: 6) وفي قوله تعالى: * (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا) * (24) النور: 33) فإن النهي في جميع هذه الصور ليس هو أولى من صور السكوت (1)، فإن النهي.\rعن أكل قليل الربا ليس أولى من كثيره، ولا النهي عن أكل مال اليتيم من غير إسراف أولى من الاسراف، ولا النهي عن الاكراه على الزنا حالة إرادة التحصن أولى من حالة إرادة الزنا (2) ومع ذلك، فالحكم في الكل مشترك.\rفإن قيل مخالفة دليل الخطاب في هذه الصور إنما كانت لمعارض، ولا يلزم مخالفته عند عدم المعارض.\rقلنا: وإن كان ثبوت الحكم في صورة السكوت على نحو ثبوته في صورة النطق لدليل، ولكن يجب أن يعتقد أنه من غير مخالفة دليل لما فيه من دفع محذور المعارضة.\rولو كان دليل الخطاب دليلا، لزم من ذلك التعارض، وهو خلاف الاصل.\rالمسلك الثاني: إن تعليق الحكم بالصفة، لو كان مما يستفاد منه نفي الحكم عند عدم الصفة، لم يخل\r__________\r1 - من صور السكوت - فيه تحريف والصواب في صور السكوت.\r2 - ولا النهي عن الاكراه على الزنا حالة ارادة التحصن أولى من حالة ارادة الزنا في العبارة قبى والصواب - ولا النهي عن الاكراه على الزنا حالة ارادة الزنا أولى من حالة التحصن.\r(*)","part":3,"page":86},{"id":723,"text":"إما أن يكون ذلك مستفادا من صريح الخطاب أو من جهة أن تعليق الحكم بالصفة يستدعي فائدة، ولا فائدة سوى نفي الحكم عند عدم الصفة.\rأو من جهة أخرى: الاول محال، فإن صريح الخطاب بوجوب الزكاة في\rالسائمة غير صريح بوجوبها في المعلوفة كيف وإن ذلك مما لا قائل به.\rوالثاني أيضا ممتنع لما ذكرناه من الوجوه الكثيرة في إبطال الحجة الاولى من المعقول للقائلين بدليل الخطاب.\rوالثالث فالاصل عدمه، وعلى مدعيه بيانه، ويلتحق بهذه المسألة تخصيص الاوصاف التي تطرأ وتزول كقوله السائمة تجب فيها الزكاة والحكم كالحكم نفيا وإثباتا، والمأخذ من الطرفين، فعلى ما عرف، والمختار فيها كالمختار ثم.","part":3,"page":87},{"id":724,"text":"المسألة الثانية اختلفوا في الحكم المعلق على شئ بكلمة (إن) هل الحكم على العدم عند عدم ذلك الشئ أولا: فذهب ابن سريج والهراسي من أصحاب الشافعي والكرخي وأبو الحسين البصري إلى أن الحكم على العدم مع عدم ذلك الشرط، وذهب القاضي عبد الجبار وأبو عبد الله البصري إلى أن الحكم لا يكون على العدم عند عدم الشرط، وهو المختار.\rوبيانه أن ما علق عليه الحكم بكلمة (إن) إما أن لا يكون شرطا للحكم أو يكون شرطا: فإن كان الاول، فلا يلزم من نفيه نفي الحكم، وإن كان شرطا فلا يخلو إما أن يكون من لوازم الشرط انتفاء الحكم المعلق عليه مطلقا عند انتفائه، ولا يكون لازما له: الاول محال، وإلا لامتنع وجود القصر المعلق على الخوف بكلمة (إن) في قوله تعالى: * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) * (4) النساء: 101) وهو خلاف الاجماع، وإن كان الثاني فهو المطلوب.\rفإن قيل: هو من لوزامه بتقدير عدم المعارض وليس من لوازمه بتقدير المعارض ثم ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه أن كلمة (إن) مسماة في اصطلاح أهل اللغة بالشرط، والاصل في الاطلاق الحقيقة، ولان قول القائل لغيره إن دخل زيد الدار فأكرمه في معنى قوله دخول زيد الدار شرط في إكرامه، فكان ما دخلت عليه كلمة (إن) شرطا في الحكم، وإذا كان شرطا لزم من عدمه عدم المشروط.\rويدل عليه ثلاثة أمور: الاول: أن يعلي بن أمية فهم من تعليق القصر على الخوف بكلمة * (ان) * عدم القصر عند عدم الخوف حيث سأل عمر قال: ما بالنا نقصر وقد أمنا، وقد قال تعالى: * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) * (4) النساء: 101) وأقره عمر على ذلك، وقال له: لقد عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي (ص) عن ذلك فقال: صدقة\r__________\r1 - الهراسي على بن محمد بن علي أبو الحسن الطبري الشافعي الملقب بعماد الدين المعروف بالكيا الهراسي ولد عام 450 وتوفي 504 ه.\r(*)","part":3,"page":88},{"id":725,"text":"تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته (1).\rوفهم عمر ويعلي ذلك مع تقرير النبي (ص) لهما على ما فهماه دليل ظاهر على العدم عند العدم.\rالثاني: أن الامة متفقة على أن الحياة شرط لوجود العلم والقدرة والارادة ونحو ذلك، وإن الحول شرط لوجوب الزكاة، وحكموا بانتفاء العلم والقدرة عند عدم الحياة، وبانتفاء وجوب الزكاة عند عدم الحول، ولولا أن ذلك مقتضى الشرط لما كان كذلك.\rالثالث: أنه إذا كان الشرط مما يثبت الحكم مع عدمه على كل حال، وهو لا يلزم من وجوده وجود الحكم، فيلزم أن يكون كل أمرين مختلفين لا يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من عدمه عدمه شرطا، وهو محال متفق عليه.\rوالجواب: قولهم انه من لوازمه بتقدير عدم المعارض.\rقلنا: يجب أن لا يكون مقتضيا لذلك، حذرا من التعارض بتقدير وجود المعارض.\rوما ذكروه ثانيا، إنا وإن سلمنا أن ما دخلت عليه كلمة (إن) شرط ولكن لا نسلم أنه يلزم من عدمه عدم المشروط.\rوأما الاستدلال بقضية يعلي بن أمية فليس فيه ما يدل على أن عدم الخوف مانع من ثبوت القصر دونه، بل لعله فهم أن الاصل عدم القصر، وحيث ورد القصر حالة الخوف بقوله * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) * ولم يوجد ما يدل على القصر حالة عدم الخوف، فيبقى على حكم الاصل فإن قيل: ما ذكرتموه من الاحتمال إنما يصح أن لو كان الاصل في الصلاة الاتمام، وليس كذلك، بل الاصل في الصلاة عدم الاتمام، ودليله ما روي عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: كانت الصلاة في السفر والحضر ركعتين، فأقرت في السفر وزيدت في الحضر (2) فلم يبق للتعجب وجه سوى دلالة اشتراط الخوف وعدم القصر عند عدمه.\rقلنا: الصلاة المشروعة بديا ركعتين لا تسمى مقصورة، كصلاة الصبح، ولا فعلها قصرا، وإنما المقصورة اسم لما جوز الاقتصار عليه من ركعتين في الرباعية\r__________\r1 - حديث يعلى بن أمية رواه الجماعة الا البخاري.\r2 - رواه البخاري ومسلم.\r(*)","part":3,"page":89},{"id":726,"text":"ولفظ القصر لنفس الاقتصار على الركعتين من الرباعية، فإطلاق لفظ القصر في الآية مشعر بسابقة وجوب الاتمام لا محالة.\rوإذا كان الاتمام هو الاصل السابق على القصر، فقد بطل ما ذكروه، كيف وإن ما ذكرناه من الاحتمال هو الاولى، وإلا، فلو كان اشتراط الخوف\rفي القصر مانعا من القصر مع عدمه، لما جاز القصر مع عدم الخوف، أو كان القصر على خلاف الدليل، وهو ممتنع من غير ضرورة وأما (1) عدم العلم والقدرة، وعدم وجوب الزكاة عند عدم الحياة وعدم الحول، فليس في ذلك ما يدل على أن عدم الشرط مانع من وجود الحكم مع عدمه ولا بد، بل غايته أن الحكم قد ينتفي في بعض صور نفي الشرط، ولا نزاع فيه وإنما النزاع في لزوم انتفائه من انتفاء شرطه ولا بد.\rوأما الوجه الثالث فالوجه في جوابه أن يقال: لا يلزم من كونه الشرط لا يلزم من ثبوته ثبوت الحكم، ولا من نفيه نفيه، إذا كان غير الشرط مشاركا له في هذه الصفة، أن يكون شرطا، لانه لا يمتنع اشتراك المختلفات في عارض عام لها كيف وإن معنى كون الشئ شرطا لغيره أنه مؤكد لحال المشروط، بمعنى أنه إذا تحقق الشرط لا يجوز نفي المشروط عند تحقق مقتضيه دفعا لوهم من توهم أن الخطاب لو ورد مطلقا لجاز أن لا يكون المشروط بذلك الشرط مرادا وذلك كما لو قال القائل ضح بالشاة وإن كانت عوراء فإنه لو قال ضحوا بالشاة مطلقا لجاز أن يتوهم متوهم أنه لا يجوز التضحية بالعوراء، فكان ذكر الشرط لدفع هذا الوهم.\rوعلى هذا فلا يلزم أن يكون كل شئ شرطا لكل شئ، كما قالوه، إلا أن يكون الشرط على هذا النحو الذي ذكرناه، وليس كذلك.\rوإن سلمنا أن الشرط يمنع من وجود المشروط دونه، ولكن متى إذا أمكن قيام شرط مقام ذلك اشرط، أو إذا لم يقم مقامه شرط آخر ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rوهذا هو مذهب القاضي عبد الجبار وأبي عبد الله البصري.\rوعلى\r__________\r1 - جواب عن الدليل الثاني من الادلة التي ذكرت لتأييد المعارضة.\r(*)","part":3,"page":90},{"id":727,"text":"هذا، فكونه شرطا يتحقق بانتفاء الحكم عند انتفائه، إذا لم يقم غيره مقامه وإن لم يثبت إذا قام غيره مقامه، فلم قلتم إن غيره لم يقم مقامه في الشرطية مع أن لفظ الاشتراط لا يدل على وجود شرط آخر، ولا على عدمه.\rفإن قيل: إذا قال القائل لغيره إن دخل زيد الدار فأعطه درهما معناه أن الشرط هو دخول الدار في عطيتك له، وذلك يقتضي أن يكون كمال الشرط هو دخول الدار، لان لام الجنس تقتضي العموم، ولان قوله إن دخل الدار فأعطه درهما يقتضي عدم الاعطاء عند عدم الدخول، فلو قام شرط آخر مقامه لزم منه جواز الاعطاء مع عدم الدخول، فيقتضي الشرط الاول امتناع وجود شرط آخر يقوم مقامه، لما فيه من إخراج الشرط الاول عن كونه شرطا.\rقلنا: جواب الاول أنا لا نسلم أن معنى قوله: (إن دخل الدار) هو شرط، بل هو شرط، وذلك لا يمنع من شرط آخر.\rوتقدير لام الجنس ها هنا، زيادة لم يدل عليها دليل، فلا يصار إليها.\rوجواب الثاني أنا نسلم أن قوله: إن دخل الدار يقتضي عدم الاعطاء عند عدم الدخول مطلقا، بل إذا لم يقم غيره مقامه، لكن قد يمكن أن يقال ههنا إذا سلم أنه إذا لم يقم غيره مقامه إن عدمه يقتضي العدم، فالاصل عدم قيام غيره مقامه، فاقتضى عدمه العدم.\rوربما احتج القاضي عبد الجبار وأبو عبد الله البصري بأنه لو منع الشرط من ثبوت الحكم عند عدمه، لكان قوله تعالى: * (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا) * (24) النور: 33) يمنع من تحريم الاكراه على الزنا عند عدم إرادة التحصن، وهو محال مخالف للاجماع.\rولقائل أن يقول: ذكر إرادة التحصن إنما كان لكونه شرطا في الاكراه لاستحالة تحقق الاكراه على الزنا في حق من هو مريد له غير مريد للتحصن.\rلا لانه شرط في تحريم الاكراه على الزنا: والله أعلم.","part":3,"page":91},{"id":728,"text":"المسألة الثالثة اختلفوا في الخطاب إذا قيد الحكم بغاية، كما في قوله تعالى: * (ثم أتموا الصيام\rإلى الليل) * (2) البقرة: 187) وقوله تعالى: * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) * (2) البقرة: 222) وقوله: * (فلا تحل له من بعد، حتى تنكح زوجا غيره) * (2) البقرة: 230) وقوله: * (حتى يعطوا الجزية) * فذهب أكثر الفقهاء وجماعة من المتكلمين، كالقاضي أبي بكر والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري وغيرهم، إلى أن ذلك يدل على نفي الحكم فيما بعد الغاية وخالف في ذلك أصحاب أبي حنيفة وجماعة من الفقهاء والمتكلمين وهو المختار وذلك لانه لو دل تقييد الحكم بالغاية المحدودة على نفي الحكم فيما بعد الغاية لم يخل إما أن يدل عليه بصريح لفظه أو بأنه لو لم يكن دالا على نفي الحكم فيما بعد الغاية، لما كان التقييد بالغاية مفيدا أو من جهة أخرى الاول محال، لان اللفظ بصريحه لم يدل على نفي الحكم بعد الغاية، والثاني إنما يلزم أن لو لم يكن للتقييد فائدة سوى ما ذكروه، وليس كذلك، بل جاز أن تكون فائدة التقييد تعريف بقاء ما بعد الغاية على ما كان قبل الخطاب أي أنه متعرض فيه لاثبات الحكم ولا نفيه.\rوإن كان الثالث، فالاصل عدمه، وعلى مدعيه بيانه.\rوأيضا فإنه لا مانع من ورود الخطاب فيما بعد الغاية بمثل الحكم السابق قبل الغاية بالاجماع.\rوعند ذلك، إما أن يكون تقييد الحكم بالغاية نافيا للحكم فيما بعدها، أو لا يكون: والاول يلزم منه إثبات الحكم مع تحقق ما ينفيه، وهو خلاف الاصل.\rوإن كان الثاني، فهو المطلوب.\rفإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه وبيانه أن كلمة (حتى) و (إلى) لانتهاء الغاية، وهي جارية مجرى قوله صوموا صوما أخره الليل ولو قال ذلك لمنع من وجوب الصوم بعد مجئ","part":3,"page":92},{"id":729,"text":"الليل، لانه لو وجب الصوم بعد ذلك لصارت الغاية وسطا، وهو محال.\rولهذا فإنه لو قال القائل لعبده لا تعط زيدا درهما حتى يقوم، واضرب عمرا حتى يتوب فإنه لا يحسن الاستفهام بعد ذلك، وأن يقال فهل أعطيه إذا قام، وهل أضربه إذا تاب ؟ ولولا أن التقييد بالغاية يدل على عدم الحكم بعدها لما كان كذلك.\rقلنا: لا ننكر أن (حتى) و (إلى) لانتهاء الغاية وأنها جارية مجرى قوله صوموا صياما آخره الليل غير أن الخلاف إنما هو في أن تقييد الحكم بالغاية هل يدل على نفي الحكم فيما بعد الغاية، وذلك غير لازم من التقييد بالغاية، بل غايته أن دلالة التقييد بالغاية، على أن ما بعدها غير متعرض فيه بالخطاب الاول لا بنفي ولا إثبات، ولا يلزم من وجود صوم بعد الغاية أن تصير الغاية وسطا، بل هي غاية للصوم المأمور به أولا، وإنما تصير وسطا أن لو كان الصوم فيما بعد الغاية مستندا إلى الخطاب الذي قبل الغاية، وليس كذلك.\rوأما أنه لا يحسن الاستفهام عند قوله لا تعط زيدا درهما حتى يقوم، واضرب عمرا حتى يتوب لان ما بعد الغاية مسكوت عنه غير متعرض له بنفي ولا إثبات فلا يحسن الاستفهام فيما لا دلالة للفظ عليه، كما قبل الامر بالاعطاء والضرب.","part":3,"page":93},{"id":730,"text":"المسألة الرابعة اختلفوا في تقييد الحكم بعدد مخصوص هل يدل على أن ما عدا ذلك العدد بخلافه أو لا ؟ والحق في ذلك إنما هو التفصيل، وهو أن الحكم إذا قيد بعدد مخصوص.\rفمنه ما يدل على ثبوت ذلك الحكم فيما زاد على ذلك العدد بطريق الاولى، وذلك كما لو حرم الله جلد الزاني مائة، وقال إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا، فإنه يدل على تحريم ما زاد على القلتين لا يحمل خبثا بطريق الاولى (7) ولان ما زاد على\rالمائة وعلى القلتين ففيه المائة والقلتان وزيادة.\rوهل يدل ذلك على أن الحكم فيما دون المائة ودون القلتين على خلاف الحكم في المائة، والقلتين ؟ هذا موضع الخلاف.\rومنه ما لا يدل على ثبوت الحكم فيما زاد على العدد المخصوص بطريق الاولى.\rوذلك كما إذا أوجب جلد الزاني مائة أو أباحه، فإنه لا يدل على الوجوب والاباحة فيما زاد على ذلك بطريق الاولى، بل هو مسكوت عنه ومختلف في دلالته على نفي الوجوب والاباحة فيما زاد ومتفق على أن حكم ما نقص كحكم المائة لدخوله تحتها، لكن لا يمنع من الاقتصار عليه (1).\rوالمختار فيما كان مسكوتا عنه، ولم يكن الحكم فيه ثابتا بطريق الاولى من هذه الصور أن تخصيص الحكم بالعدد لا يدل على انتفاء الحكم فيه لما ذكرناه في المسائل المتقدمة.\rومن نازع في ذلك فلا يخرج في احتجاجه على مذهبه عما ذكرناه فيما تقدم، وقد عرف ما فيه.\r__________\r1 - لكن لا يمنع من الاقتصار عليه فيه تحريف والصواب لكن الاقتصار عليهما.\r(*)","part":3,"page":94},{"id":731,"text":"المسألة الخامسة اتفق الكل على أن مفهوم اللقب ليس بحجة خلافا للدقاق وأصحاب الامام أحمد بن حنبل، رحمه الله.\rوصورته أن يعلن الحكم إما باسم جنس، كالتنصيص على الاشياء الستة بتحريم الربا، أو باسم علم، كقول القائل: زيد قائم أو قام.\rوالمختار إنما هو مذهب الجمهور، لكن قد احتج بعض القائلين بإبطاله بحجج لا بد من الاشارة إليها والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار.\rالحجة الاولى: لو كان مفهوم اللقب حجة، لبطل القياس، وذلك ممتنع.\rوبيان لزوم ذلك أن القياس لا بد فيه من أصل، وحكم الاصل إما أن يكون منصوصا أو مجمعا عليه: فلو كان النص على الحكم في الاصل أو الاجماع عليه يدل على نفي الحكم عن الفرع، فالحكم في الفرع إن ثبت بالنص أو الاجماع، فلا قياس.\rوإن ثبت بالقياس على الاصل، فهو ممتنع لما فيه من مخالفة النص أو الاجماع الدال على نفي الحكم في الفرع.\rولقائل أن يقول: النص الوارد في الاصل، وإن دل على نفي الحكم في الفرع فليس بصريحه، بل بمفهومه، وذلك مما لا يمنع عند القائلين به من إثبات الحكم بمعقول النص، وهو القياس، فلا يفضي إلى إبطال القياس، وغايته التعارض، لا الابطال.\rالحجة الثانية: أنه لو كان مفهوم اللقب حجة ودليلا، لكان القائل إذا قال عيسى رسول الله فكأنه قال محمد ليس برسول الله وكذلك إذا قال زيد موجود فكأنه قال الاله ليس بموجود وهو كفر صراح، ولم يقل بذلك قائل ولقائل أن يقول من الخصوم إنما لا يكون المتكلم بذلك كافرا إذا لم يكن متنبها لدلالة اللفظ، أو كان متنبها لها، غير أنه لم يرد بلفظه ما دل عليه مفهومه، وأما إذا كان متنبها لدلالة لفظه وهو مريد لمدلولها، فإنه يكون كافرا.","part":3,"page":95},{"id":732,"text":"الحجة الثالثة: أنهم قالوا: إذا قال القائل زيد يأكل لا يفهم منه أن عمرا لا يأكل ولقائل أن يقول: لا يفهم منه ذلك من يعتقد دلالة مفهوم اللقب، أو من لا يعتقده الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rوعدم فهم ذلك بالنسبة إلى من لا يعتقد دلالته لا يدل على عدم دلالته في نفسه.\rالحجة الرابعة: أنه لو كان مفهوم اللقب دليلا، لما حسن من الانسان أن يخبر أن زيدا يأكل، إلا بعد علمه أن غيره لم يأكل، وإلا كان مخبرا بما يعلم أنه كاذب\rفيه، أو بما لا يأمن فيه من الكذب، وحيث استحسن العقلاء ذلك مع عدم علمه بذلك، دل على عدم دلالته على نفي الاكل عن غير زيد.\rولقائل أن يقول: إذا أخبر بذلك، فلا يخلو إما أن يكون عالما بأن غير زيد يأكل، أو غير عالم بذلك.\rوعلى كلا التقديرين إنما لم يستقبح منه ذلك لظهور القرينة الدالة على أنه لم يرد سوى مدلول صريح لفظه دون مفهومه، لعدم علمه بذلك في إحدى الحالتين، وعلمه بوقوع الاكل من غير زيد في الحالة الاخرى، فإن الظاهر من حال العاقل أنه لا يخبر عن نفي ما لم يعلمه ولا نفي ما علم وقوعه حتى إنه لو ظهر منه ما يدل على إرادته لنفي ما دل عليه لفظه عند القائلين به لكان مستقبحا.\rوالمختار في إبطال ما سبق في المسائل المتقدمة.\rوأما حجج الخصوم وجوابها، فعلى ما سبق في مفهوم التقييد بالصفة.\rوربما احتجوا في خصوص هذه المسألة بحجج أخرى، وهو أنه لو تخاصم شخصان، فقال أحدهما للآخر.\rأما أنا فليس لي أم ولا أخت ولا امرأة زانية فإنه يتبادر إلى الفهم نسبة الزنا منه إلى زوجة خصمه وأمه وأخته.\rولهذا قال أصحاب أحمد بن حنبل ومالك بوجوب حد القذف عليه.\rوجوابه أن ذلك إن فهم منه، فإنما يفهم من قرينة حاله لا من دلالة مقاله، بدليل ما أسلفناه.\rولذلك لم يكن حد القذف عندنا واجبا بذلك، وعلى هذا يكون الحكم في مفهوم الاسم العام المشتق، كقوله: لا تبيعوا الطعام بالطعام.","part":3,"page":96},{"id":733,"text":"المسألة السادسة اختلفوا في تقييد الحكم بإنما كقوله (ص): إنما الشفعة فيما لم يقسم، وإنما الاعمال بالنيات، وإنما الولاء لمن أعتق، وإنما الربا في النسيئة هل يدل على الحصر أو لا ؟ فذهب القاضي أبو بكر والغزالي والهراسي وجماعة من الفقهاء إلى أنه ظاهر\rفي الحصر، محتمل للتأكيد.\rوذهب أصحاب أبي حنيفة وجماعة ممن أنكر دليل الخطاب إلى أنه لتأكيد الاثبات، ولا دلالة له على الحصر وهو المختار.\rوذلك لان كلمة * (إنما) * قد ترد ولا حصر كقوله: إنما الربا في النسيئة وهو غير منحصر في النسيئة لانعقاد الاجماع على تحريم ربا الفضل، فإنه لم يخالف فيه سوى ابن عباس، ثم رجع عنه.\rوقد ترد والمراد بها الحصر كقوله تعالى: * (إنما أنا بشر مثلكم) * (18) الكهف: 110) (1) وعند ذلك فيجب اعتقاد كونها حقيقة في القدر المشترك بين الصورتين، وهو تأكيد إثبات الخبر للمبتدإ، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ لكونه (2) على خلاف الاصل، ولان كلمة (إنما) لو كانت للحصر لكان ورودها في غير الحصر على خلاف الاصل.\rفإن قيل: ولو لم تكن للحصر، لكان فهم الحصر في صورة الحصر من غير دليل، وهو خلاف الاصل: قلنا إنما يكون فهم ذلك من غير دليل أن لو كان دليل الحصر منحصرا في كلمة (إنما) وليس كذلك.\r__________\r1 - المعنى انا بشر لا ملك فالحصر في الجملة اضافي لا حقيقي، إذ للرسول (ص) صفات اخرى سوى البشرية.\r2 - لكونه - الصواب - لكونهما أي التجوز والاشتراك.","part":3,"page":97},{"id":734,"text":"المسألة السابعة اختلفوا في قوله (ص): الاعمال بالنيات وفي قول القائل: العالم زيد: وصديقي زيد هل يدل على حصر الاعمال فيما كان منويا، وعلى حصر العالم والصديق في زيد.\rفذهبت الحنيفة والقاضي أبو بكر وجماعة من المتكلمين إلى أنه لا يدل على الحصر وذهب الغزالي والهراسي وجماعة من الفقهاء إلى أنه يدل على الحصر.\rوالمختار أنه لا يدل لما سبق في المسائل المتقدمة.\rفإن قيل: لو لم يكن ذلك دالا على حصر الاعمال في المنوي، والعالم والصديق في زيد، لكان المبتدأ أعم من خبره، وكان ذلك كذبا، كما لو قال: الحيوان إنسان، والانسان زيد.\rقلنا: إنما يلزم الكذب أن لو كانت (الالف واللام) في الاعمال للعموم فإنها تنزل منزلة قوله: كل عمل منوى وهو كاذب، كما في قوله كل حيوان إنسان وليس كذلك، بل هي ظاهرة في البعض، فكأنه قال بعض الاعمال بالنيات وذلك صادق غير كاذب.\rوكذلك الحكم في قوله العالم زيد وكذلك قوله صديقي زيد ليس عاما في كل صديق، بل كأنه قال بعض أصدقائي زيد حتى إنه لو ثبت أن (الالف واللام) إذا دخلت على اسم الجنس تكون عامة، وكان المتكلم مريدا للتعميم، فإنه يكون كاذبا بتقدير ظهور عالم آخر وصديق آخر له، وكان قوله دالا على الحصر لا محالة (1) وربما قيل في إبطال القول بالحصر إنه لو كان قوله العالم زيد وصديقي زيد يدل على حصر العالم والصديق في زيد، لكان إذا قال العالم زيد وعمرو، وصديقي زيد وعمرو متناقضا، وليس كذلك باتفاق أهل اللغة، وليس بحق، فإن للخصم أن يقول إنما يكون ذلك مناقضا بشرط أن يتجرد قوله الاول عما يغيره\r__________\r1 - الظاهر قصر الاعمال المعتبرة شرعا على ما صحبته النية، وقصر العلم والصداقة.\rفي المثالين الاخرين على زيد قصرا حقيقيا ان لم يكن ثم عالم من الخلق وقت التكلم سوى زيد ولا صديق للمتكلم في الواقع سواه والا فالقصر ادعائي ولا كذب في الحالين.\r(*)","part":3,"page":98},{"id":735,"text":"وأما إذ عطف عليه قوله وعمرو صار الكل كالجملة الواحدة، وكان قوله العالم زيد مع الانفراد مغايرا في دلالته لقوله العالم زيد وعمرو وهذا كما لو قال له علي عشرة ثم بعد حين قال: إلا خمسة فإنه لا يقبل لما فيه من مناقضة لفظه الاول: ولو قال له علي عشرة إلا خمسة على الاتصال كان مقبولا لعدم تناقضه ولولا اختلاف الدلالة لما اختلف الحال، بل كان الواجب أن لا يقبل استثناؤه في الصورتين، أو يقبل فيهما، وهو محال.\rالمسألة الثامنة اختلفوا في قوله لا عالم في البلد إلا زيد فالذي عليه الجمهور وأكثر منكري المفهوم أنه يدل على نفي كل عالم سوى زيد، وإثبات كون زيد عالما.\rوذهب بعض منكري المفهوم إلى أن ذلك لا يدل على كون زيد عالما، بل هو نطق بالمستثنى منه، وسكوت عن المستثنى.\rومعنى خروج المستثنى عن المستثنى منه أنه لم يدخل في عموم المستثنى منه، وأنه لم يتعرض فيه لكون زيد عالما، لا نفيا ولا إثباتا.\rوالحق إنما هو المذهب الجمهوري ودليله ما بيناه فيما تقدم من أن الاستثناء من النفي إثبات، وأن قول القائل لا إله إلا الله ناف للالوهية عن غير الله تعالى ومثبت لصفة الالوهية لله تعالى، وقررناه أحسن تقرير، وحققنا وجه الانفصال عن كل ما ورد عليه من الاشكالات، فعليك بالالتفات إليه ونقله إلى هاهنا.","part":3,"page":99},{"id":736,"text":"المسألة التاسعة اتفق القائلون بالمفهوم على أن كل خطاب خصص محل النطق بالذكر لخروجه مخرج الاعم بالاغلب، لا مفهوم له، وذلك كقوله تعالى: * (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) * (4) النساء: 23)\rوقوله: * (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) * (4) النساء: 35) (1) وقوله (ص): أيما امرأة نكحت نفسها بغير أذن وليها، فنكاحها باطل وقوله (ص): فليستنج بثلاثة أحجار فإن تخصيصه بالذكر لمحل النطق في جميع هذه الصور إنما كان لانه الغالب إذ الغالب أن الربيبة إنما تكون في الحجر وإن الخلع لا يكون إلا مع الشقاق، وإن المرأة لا تزوج نفسها إلا عند عدم إذن الولي لها وإبائه من تزويجها، وإن الاستنجاء لا يكون إلا بالحجارة، وكذلك الحكم في كل ما ظهر سبب تخصيصه بالذكر، كسؤال سائل أو حدوث حادثة أو غير ذلك مما سبق ذكره من أسباب التخصيص.\rوعلى هذا فلو لم يظهر سبب يوجب تخصيص محل النطق بالذكر دون محل السكوت، بل كانت الحاجة إليهما وإلى ذكرهما مع العلم بهما مستوية، ولم يكن الحكم في محل السكوت أولى بالثبوت، وبالجملة لو لم يظهر سبب من الاسباب الموجبة للتخصيص سوى نفي الحكم في محل السكوت، فهل يجب القول بنفي الحكم في محل السكوت تحقيقا لفائدة التخصيص، أو لا يجب: إن قلنا إنه لا يجب، كان التخصيص بالذكر عبثا خليا عن الفائدة، وذلك مما ينزه عنه منصب آحاد البلغاء، فضلا عن كلام الله تعالى ورسوله.\rوإن قلنا بوجوب نفي الحكم، لزم القول بدلالة المفهوم في هذه الصورة.\r__________\r1 - المناسب لذكر الخلع ان يمثل بقوله تعالى (فان خفتم ان لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) فان آية بعث الحكمين ليس فيها اشعار بخلع.\r(*)","part":3,"page":100},{"id":737,"text":"والوجه في حله أن يقال: إذا لم يظهر السبب المخصص، فلا يخلو إما أن يكون مع عدم ظهوره محتمل الوجود والعدم على السواء،\rأو أن عدمه أظهر من وجوده: فإن كان الاول، فليس القول بالنفي أولى من القول بالاثبات، وعلى هذا فلا مفهوم، وإن كان الثاني، فإنما يلزم من ذلك نفي الحكم في محل السكوت، أن لو كان نفي الحكم فيه من جملة الفوائد الموجبة لتخصيص محل النطق بالذكر، وليس كذلك.\rوذلك لان نفي الحكم في محل السكوت عند القائلين بمفهوم المخالفة إنما هو فرع دلالة اللفظ في محل النطق عليه، فلو كانت دلالة اللفظ في محل النطق عل نفي الحكم في محل السكوت متوقفة عليه بوجه من الوجوه كان دورا ممتنعا (1).\rوإلى ها هنا تم الكلام في أصناف دلالة غير المنظوم.\rهذا ما يتعلق بالنظر فيما يشترك فيه الكتاب والسنة والاجماع.\rوأما ما يتعلق بالنظر فيما يشترك فيه الكتاب والسنة دون غيرهما من الادلة، فهو النظر في النسخ، ويشتمل على مقدمة ومسائل.\rأما المقدمة فتشتمل على أربعة فصول\r__________\r1 - انطر مختصر المنتهى لابن الحاجب وشرحه للعضد فانه أجاب عن الكثير من أدلة الآمدي واعتراضاته في هذه المسألة.","part":3,"page":101},{"id":738,"text":"الفصل الاول في تعريف النسخ والناسخ والمنسوخ أما النسخ فهو في اللغة قد يطلق بمعنى الازالة، ومنه يقال نسخت الشمس الظل، أي أزالته، ونسخت الريح أثر المشي، أي أزالته.\rونسخ الشيب الشباب، إذا أزاله، ومنه تناسخ القرون والازمنة.\rوالازالة هي الاعدام، ولهذا يقال: زال عنه المرض والالم وزالت النعمة عن فلان، ويراد به الانعدام في هذه الاشياء كلها.\rوقد يطلق بمعنى نقل الشئ وتحويله من حالة إلى حالة مع بقائه في نفسه.\rقال السجستاني من أهل اللغة: والنسخ أن تحول ما في الخلية من النحل والعسل إلى أخرى ومنه تناسخ المواريث بانتقالها من قوم إلى قوم، وتناسخ الانفس بانتقالها من بدن إلى غيره عند القائلين بذلك.\rومنه نسخ الكتاب بما فيه من مشابهة النقل، وإليه الاشارة بقوله تعالى: * (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) * (45) الجاثية: 29) والمراد به نقل الاعمال إلى الصحف، أو من الصحف إلى غيرها.\rاختلف الاصوليون: فذهب القاضي أبو بكر ومن تابعه، كالغزالي وغيره إلى أن اسم النسخ مشترك بين هذين المعنيين.\rوذهب أبو الحسين البصري وغيره إلى أنه حقيقة في الازالة، مجاز في النقل.\rوذهب القفال من أصحاب الشافعي إلى أنه حقيقة في النقل والتحويل.\rوقد احتج أبو الحسين البصري بأن إطلاق اسم النسخ على النقل في قولهم نسخت الكتاب مجاز، لان ما في الكتاب لم ينقل حقيقة.\rوإذا كان اسم النسخ مجاز في النقل، لزم أن يكون حقيقة في الازالة، لانه غير مستعمل فيما سواهما.\rوإذا بطل كونه حقيقة في أحدهما تعين أن يكون حقيقة في الآخر.\rوقد قرر ذلك بعضهم من وجه آخر، فقال: إطلاق اسم النسخ بمعنى الازالة والاعدام واقع كما سبق، والاصل في الاطلاق الحقيقة، ويلزم أن لا يكون حقيقة في النقل، دفعا للاشتراك عن اللفظ.","part":3,"page":102},{"id":739,"text":"ولقائل أن يقول على الوجه الاول إن إطلاق اسم النسخ على الكتاب إما أن يكون حقيقة، أو تجوزا: فإن كان حقيقة فهو المطلوب، وبطل ما ذكروه، وإن كان مجازا، ضرورة أن ما في الكتاب لم ينقل على الحقيقة، فيمتنع أن يكون التجوز به مستعارا من الازالة، فإنه غير مزال، ولا يشبه الازالة، فلا بد من استعارته\rمن معنى آخر، والاجماع منعقد على امتناع إطلاق اسم النسخ حقيقة في الازالة والنقل، فإذا تعذرت استعارته من الازالة، تعين أن يكون مستعارا من النقل.\rووجه استعارته منه أن تحصيل ما في أحد الكتابين في الآخر، تجري مجرى نقله وتحويله إليه، فكان، منه بسبب من أسباب التجوز.\rوإذا كان مستعارا من النقل وجب أن يكون اسم النسخ حقيقة في النقل إذ المجاز لا يتجوز به في غيره بإجماع أهل اللغة.\rثم وإن كان ذلك مجازا في نسخ الكتاب، فما الاعتذار عن اطلاق اسم التناسخ في المواريث، مع كونها منتقلة حقيقة، وإطلاق اسم النسخ على تحويل النحل والعسل من خلية إلى أخرى.\rفإن ما ذكروه في تقرير التجوز في نسخ الكتاب غير متصور ها هنا.\rوأما الوجه الثاني فمقابل بمثله، وهو أن يقال: اسم النسخ قد أطلق بمعنى النقل على ما سبق.\rوالاصل في الاطلاق الحقيقة، ويلزم من كونه حقيقة فيه أن لا يكون حقيقة في الازالة، دفعا للاشتراك عن اللفظ، وليس أحد الامرين أولى من الآخر، فإن قبل الترجيح لكونه حقيقة في الازالة، وذلك لان الازالة مطلق إعدام، والنقل أخص من الازالة، لانه يستلزم إعدام الصفة وحدوث أخرى، والاعدام المستلزم حدوث شئ آخر، أخص من الاعدام الذي لا يستلزم ذلك، وإذا كانت الازالة أعم، فجعل النسخ حقيقة فيها أولى، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ.\rقلنا: لا نسلم أن الازالة أعم من النقل والتحويل وإن كان يستلزم إعدام صفة وتجدد أخرى، فكل إزالة هكذا، لان الازالة على ما قيل هي الاعدام، والاعدام يستلزم زوال الصفة، وهي الوجود وتجدد أخرى، وهي صفة العدم، وهما صفتان متقابلتان، مهما انتفت إحداهما تحققت الاخرى، وإذا تساويا عموما وخصوصا","part":3,"page":103},{"id":740,"text":"فليس جعل اسم النسخ حقيقة في أحدهما أولى من الآخر.\rوإذا تعذر ترجيح أحد الامرين مع صحة الاطلاق فيهما، كان القول بالاشتراك أشبه، اللهم إلا أن يوجد في حقيقة النقل خصوص تبدل الصفة الوجودية بصفة وجودية، فيكون النقل أخص.\rومع هذا كله، فالنزاع في هذا لفظي لا معنوي.\rوأما معناه في اصطلاح الاصوليين، فقد اختلف فيه فقال أبو الحسين البصري: هو إزالة مثل الحكم الثابت بقول منقول عن الله تعالى أو عن رسوله، مع تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتا وهو فاسد من وجهين: الاول: هو أن إزالة المثل إما أن تكون قبل وجود ذلك المثل أو بعد عدمه، أو في حالة وجوده: الاول محال، فإن ما لم يوجد، لا يقال إنه أزيل والثاني أيضا محال، فإن إزالة ما عدم بعد وجوده ممتنع.\rوالثالث أيضا محال، لان الازالة هي الاعدام، وإعدام الشئ حال وجوده محال (1) الوجه الثاني: أنه غير مانع إذ يدخل فيه إزالة مثل ما كان ثابتا من الاحكام العقلية قبل ورود الشرع بخطاب الشارع المتراخي على وجه لولا خطاب الشارع المغير لكان ذلك الحكم مستمرا، وليس بنسخ في مصطلح المتشرعين إجماعا.\rومنهم من قال: هو إزالة الحكم بعد استقراره، ويبطل بالوجهين السابقين، وبما لو زال الحكم بعد استقراره بمرض أو جنون أو موت، فإنه داخل فيما قيل، وليس بنسخ إجماعا.\rومنهم من قال: هو نقل الحكم إلى خلافه، ويبطل بما بطل به الحد الذي قبله وبما لو نقل الحكم إلى خلافه بالغاية، كما في قوله تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * (2) البقرة: 187) فإن الحكم فيما قبل الغاية قد قلب إلى خلافه فيما بعد الغاية، وليس بنسخ، وبه يبطل قول من قال في حده إنه بيان مدة الحكم.\r__________\r1 - سيأتي مثل هذا الترديد في ادلة المانعين للنسخ عقلا وجواب الآمدي عنه.\rوبذلك تعرف لونا من جدل الآمدي في نقاشه ودفاعه.\r(*)","part":3,"page":104},{"id":741,"text":"وقال القاضي أبو بكر: إنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا، مع تراخيه عنه، وهو اختيار الغزالي أيضا، وقصد بالقيد الاول تعميم كل خطاب كان من باب المنظوم أو غيره، والاحتراز عن الموت والمرض والجنون وجميع الاعذار الدالة على ارتفاع الاحكام الزائلة بها مع تراخيها، ولولاها لكانت الاحكام الزائلة بها مستمرة، وبالقيد الثاني، وهو الخطاب المتقدم، الاحتراز عن الخطاب الدال على ارتفاع الاحكام العقلية قبل ورود الشرع، وبالقيد الثالث، وهو على وجه لولاه لكان مستمرا، الاحتراز عما إذا ورد الخطاب بحكم موقت، ثم ورد الخطاب عند تصرم ذلك الوقت بحكم مناقض للاول، كما لو ورد قوله عند غروب الشمس كلوا بعد قوله: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * (2) البقرة: 187) فإنه لا يكون نسخا لحكم الخطاب الاول، حيث إنه لو قدرنا عدم الخطاب الثاني، لم يكن حكم الخطاب الاول مستمرا، بل منتهيا بالغروب، وبالقيد الرابع الاحتراز عن الخطاب المتصل، كالاستثناء والتقييد بالشرط والغاية، فإنه يكون بيانا لا نسخا ويرد عليه إشكالات: الاشكال الاول: أن الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت هو الناسخ والنسخ هو نفس الارتفاع، فلا يكون الناسخ هو النسخ.\rالثاني: وهو ما أورده أبو الحسين البصري أنه قال إنه ليس بجامع ولا مانع: أما أنه ليس بجامع، فلانه يخرج منه النسخ بفعل الرسول، مع أنه ليس بخطاب،\rويخرج منه نسخ ما ثبت بفعل الرسول وليس فيه ارتفاع حكم ثبت بالخطاب.\rوأما أنه ليس بمانع، فلانه لو اختلفت الامة في الواقعة على قولين، وأجمعوا بخطابهم على تسويغ الاخذ بكل واحد من القولين للمقلد، ثم أجمعوا بأقوالهم على أحد القولين، فإن حكم خطاب الاجماع الثاني دل على ارتفاع حكم خطاب الاجماع الاول، وليس بنسخ إذ الاجماع لا ينسخ به","part":3,"page":105},{"id":742,"text":"الثالث: هو أن تحديد النسخ بارتفاع الحكم الثاني تحديد له، بما ليس بمتصور، لوجوه يأتي ذكرها في مسألة إثبات النسخ.\rالرابع: أن فيه زيادة لا حاجة إليها، وهي قوله (متراخ عنه) وقوله (على وجه لولاه لكان مستمرا ثابتا) فإن ذكر التراخي إنما وقع احترازا عن الخطاب المتصل كالاستثناء والتقييد بالشرط والغاية، وفي الحد ما يدرأ النقض بذلك، وهو ارتفاع الحكم، والخطاب المتصل بالخطاب الاول في هذه الصور، ليس رافعا لحكم الخطاب المتقدم في الذكر، بل هو مبين أن الخطاب المتقدم لم يرد الحكم فيما استثنى، وفيما خرج عن الشرط والغاية، وبالتقييد بالرفع يدرأ النقض بالخطاب الوارد بما يخالف حكم الخطاب المتقدم إذا كان حكمه، موقتا من حيث إن الخطاب الثاني لا يدل على ارتفاع حكم الخطاب الاول لانتهائه بانتهاء وقته.\rوالجواب عن الاشكال الاول: لا نسلم أن النسخ هو ارتفاع الحكم، بل النسخ نفس الرفع المستلزم للارتفاع، والرفع هو الخطاب الدال على الارتفاع، وذلك لان النسخ يستدعى ناسخا ومنسوخا، والناسخ هو الرافع أي الفاعل، والمنسوخ هو المرفوع أي المفعول، والرافع والمرفوع، أي الفاعل والمفعول، يستدعي رفعا وارتفاعا، أي فعلا وانفعالا، والرافع هو الله تعالى على الحقيقة، وإن سمي الخطاب ناسخا، فإنما هو بطريق التجوز، كما يأتي تحقيقه، والمرفوع هو\rالحكم، والرفع الذي هو الفعل صفة الرافع، وذلك هو الخطاب، والارتفاع الذي هو نفس الانفعال صفة المرفوع المفعول.\rوذلك على نحو فسخ العقد، فإن الفاسخ هو العاقد، والمفسوخ هو العقد، والفسخ صفة العاقد، وهو قوله فسخت والانفساخ صفة العقد، وهو انحلاله بعد انبرامه.\rوأما النسخ بفعل الرسول، فلا نسلم أن فعل الرسول ناسخ حقيقة، إذ ليس للرسول ولاية إثبات الاحكام الشرعية، ورفعها من تلقاء نفسه، وإنما هو رسول ومبلغ عن الله تعالى ما يشرعه من الاحكام، ويرفعه، ففعله، إن كان ولا بد، فإنما هو","part":3,"page":106},{"id":743,"text":"دليل على الخطاب الدال على ارتفاع الحكم، لا أن نفس الفعل هو الدال على الارتفاع.\rوأما الاشكال بالاجماع ففيه جوابان الاول: أنه مهما اجتمعت الامة على تسويغ الخلاف في حكم مسألة معينة، وكان إجماعهم قاطعا، فلا نسلم تصور إجماعهم على مناقضة ما أجمعوا عليه أولا ليصح ما قيل الثاني: أنه، وإن صح ذلك، فلا نسلم أن الحكم نفيا وإثباتا مستند إلى قول أهل الاجماع، وإنما هو مستند إلى الدليل السمعي الموجب لاجماعهم على ذلك الحكم وعلى هذا، فيكون إجماعهم دليلا على وجود الخطاب الذي هو النسخ، لا أن خطابهم نسخ.\rوما وعدوا به في الوجه الثالث فسيأتي الجواب عنه أيضا.\rوأما ما ذكروه من الزيادات، فهي غير مخلة بصحة الحد، وفائدتها الميز بين النسخ والصور المذكورة، مبالغة في تحصيل الفائدة.\rومع ذلك، فالمختار في تحديده أن يقال: النسخ عبارة عن خطاب الشارع المانع من استمرار ما ثبت من حكم خطاب شرعي سابق.\rولا يخفى ما فيه من الاحتراز من غير حاجة إلى التقييد بالتراخي، ولا بقولنا (لولاه لكان مستمرا ثابتا)\rلما سبق تقريره\r__________\r1 - هذا تعاريف للنسخ في اصطلاح المتأخرين، وأما النسخ عند المتقدمين فيشمل مع ما ذكر تقييد المطلق، وتخصيص العام، وبيان المجمل، ورفع ما توهم المكلف ارادته من النصوص وهو غير مراد منها - انظر تفسير قوله تعالى: (وان تبدوا ما في انفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) الآيات في مجموع الفتاوى لابن تيمية ج 14 وص 397 ج 20 من مجموع الفتاوى، والمسألة الثالثة من مسائل النسخ في الموقوفات لشاطبي واعلام المقعين لابن القيم (*)","part":3,"page":107},{"id":744,"text":"وأما الناسخ، فإنه قد يطلق على الله تعالى، فيقال: نسخ فهو ناسخ.\rومنه قوله تعالى * (ما ننسخ من آية) * (2) البقرة: 106) وقوله تعالى * (فينسخ الله ما يلقى الشيطان) * (22) الحج: 52) وقد يطلق على الآية أنها ناسخة، فيقال: آية السيف نسخت كذا فهي ناسخة.\rوكذلك على طريق يعرف به نسخ الحكم من خبر الرسول وفعله وتقريره وإجماع الامة وعلى الحكم فيقال وجوب صوم رمضان نسخ وجوب صوم عاشوراء، فهو ناسخ، وعلى المعتقد لنسخ الحكم، فيقال: فلان ينسخ القرآن بالسنة، أي يعتقد ذلك، فهو ناسخ.\rغير أن الاجماع منعقد على أن إطلاق اسم ناسخ على الحكم وعلى المعتقد للنسخ مجاز، وإنما الخلاف بننا وبين المعتزلة في أنه حقيقة في الله تعالى أو في الطريق المعرف لارتفاع الحكم.\rفعندهم الناسخ في الحقيقة هو الطريق، حتى قالوا في حده: إن الناسخ هو قول صادر عن الله تعالى أو عن رسوله أو فعل منقول عن رسوله، يفيد إزالة مثل الحكم الثابت بنص صادر عن الله تعالى أو بنص أو فعل منقول عن رسوله، مع تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتا.\rوأما نحن فمعتقدنا أن الناسخ في الحقيقة إنما هو الله تعالى، وأن خطابه الدال على ارتفاع الحكم هو النسخ، وإن سمي ناسخا، فمجاز.\rوحاصل النزاع في ذلك آيل إلى اللفظ.\rوأما المنسوخ فهو الحكم المرتفع كالمرتفع من وجوب تقديم الصدقة بين يدي مناجات النبي (ص)، وحكم الوصية للوالدين والاقربين، وحكم التربص حولا كاملا عن المتوفى عنها زوجها إلى غير ذلك.","part":3,"page":108},{"id":745,"text":"الفصل الثاني في الفرق بين النسخ والبداء واعلم أن البداء عبارة عن الظهور بعد الخفاء.\rومنه يقال: بدا لنا سور المدينة بعد خفائه، وبدا لنا الامر الفلاني، أي ظهر بعد خفائه.\rوإليه الاشارة بقوله تعالى: * (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) * (39) الزمر: 47) * (بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل) * (6) الانعام: 28) * (وبدا لهم سيئات ما عملوا) * (45) الجاثية: 33) وحيث كان فإن النسخ يتضمن الامر بما نهى عنه، والنهي عما أمر به على حده وظن أن الفعل لا يخرج عن كونه مستلزما لمصلحة أو مفسدة فإن كان مستلزما لمصحلة، فالامر به بعد النهي عنه على الحد الذي نهى عنه إنما يكون لظهور ما كان قد خفي من المصلحة.\rوإن كان مستلزما لمفسدة، فالنهي عنه بعد الامر به على الحد الذي أمر به، إنما يكون لظهور ما كان قد خفي من المفسدة، وذلك عين البداء.\rولما خفي الفرق بين البداء والنسخ على اليهود والرافضة، منعت اليهود من النسخ في حق الله تعالى وجوزت الروافض البداء عليه لاعتقادهم جواز النسخ على الله تعالى مع تعذر الفرق عليهم بين النسخ والبداء (1) واعتضدوا في ذلك بما نقلوه\r__________\r1 - اعتذر الآمدي عن اليهود والرافضة في انتقاصهم لله وطعنهم في افعاله وشرائعه بخفاء الفرق بين النسخ والبداء، وتعذر الفصل بينهما عليهم، فمنعت اليهود النسخ حماية لجناب الله في زعمهم، وجهلت الرافضة ربها فحكمت بأن الله يبدو له من المصالح والمفاسد ما كان خفيا عليه فينقض ما ابرمه (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) ومن تبين امر اليهود وحسدهم لم بعد موسى من الانبياء وكيدهم لشرائع الاسلام وتبين حال الرافضة ووقف على فساد دخيلتهم وزندقتهم بإبطان الكفر وإظهار الاسلام وانهم ورثوا مبادئهم عن اليهود ونهجوا في الكيد للاسلام منهجهم علم أن ما قالوه من الزور والبهتام أنما كان عن قصد سئ وحسد للحق واهله وعصبية = (*)","part":3,"page":109},{"id":746,"text":"عن علي رضي الله عنه، أنه قال: لولا البداء لحدثتكم بما هو كائن إلى يوم القيامة.\rونقلوا عن جعفر الصادق، رضي الله عنه، أنه قال: ما بدا لله تعالى في شئ كما بدا له في إسماعيل، أي في أمره بذبحه.\rونقلوا عن موسى (1) بن جعفر أنه قال: البداء ديننا ودين آبائنا في الجاهلية.\rوتمسكوا أيضا بقوله تعالى: * (يمحو الله ما يشاء، ويثبت) * (13) الرعد: 39) وفي ذلك قال شاعرهم: ولولا البداء سميته غير هائب * وذكر البدا نعت لمن يتقلب - ولولا البدا ما كان فيه تصرف * وكان كنار دهره يتلهب - وكان كضوء مشرق بطبيعة * وبالله عن ذكر الطبائع يرغب فلزم اليهود على ذلك إنكار تبدل الشرائع، ولزم الروافض على ذلك وصف الباري تعالى بالجهل مع النصوص القطعية والادلة العقلية الدالة على استحالة ذلك في حقه.\rوانه لا يخفى عليه شئ في الارض ولا في السماء.\rأما النصوص الكتابية، فكقوله تعالى: * (وهو بكل شئ عليم) * (57) الحديد: 3) وقوله تعالى: * (عالم الغيب والشهادة) * (13) الرعد: 9) وقوله: * (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها\rولا حبة في ظلمات الارض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) * (6) الانعام: 59) وقوله: * (ما أصاب من مصيبة في الارض، ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) * (57) الحديد: 22) إلى غير ذلك من الآيات.\rوأما الادلة العقلية، فما استقصيناه في كتبنا الكلامية وما نقلوه عن علي وعن أهل بيته، فمن الاحاديث التي انتحلها الكذاب الثقفي (2)\r__________\r= ممقوتة دفعتهم إلى ادس والخدع واعمال معاول الهدم سرا وعلنا للشرائع ودولها القائمة عليها، ومن قرأ آيات القرآن وتاريخ الفريقين ظهر له ما هم عليه من الدخل والمكر السئ.\r2 - هو موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن على بن ابي طالب الهاشمي.\r2 - الكذاب الثقفي - هو المختار بن أبي عبيد، كان خارجيا ثم زبيريا ثم شيعيا وكيسانيا واليه تنسب المختارية من فرق الشيعة، ومن مذهبه جواز البداء على الله = (*)","part":3,"page":110},{"id":747,"text":"على أهل البيت، فإنه كان يدعي العصمة لنفسه، ويخبر بأشياء، فإذا ظهر كذبه فيها، قال إن الله وعدني بذلك، غير أنه بدا له منه، وأسند ذلك إلى أهل البيت مبالغة في ترويج أكاذيبه.\rوأما الآية فالمراد بها إنما هو محو المنسوخ وإثبات الناسخ ومحو السيئات بالحسنات، كما قال تعالى: * (إن الحسنات يذهبن السيئات) * (11) هود: 114) ومحو الحسنات بالردة على ما قال تعالى: * (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر، فأولئك حبطت أعمالهم) * (2) البقرة: 217) أو محو المباحات وإثبات الطاعات، على ما قاله أهل التفسير، أو محو ما يشاء من الآجال أو الارزاق، وإثبات غيرها.\rويجب الحمل على ذلك جمعا بينه وبين الادلة القاطعة الدالة على امتناع الجهل في حق الله تعالى (1).\rوكشف الغطاء عن ذلك يتحقق بالفرق بين النسخ والبداء فنقول: إذا عرف معنى البداء، وأنه مستلزم للعلم بعد الجهل والظهور بعد الخفاء، وأن ذلك مستحيل في حق الله تعالى على ما بيناه، في كتبنا الكلامية، فالنسخ ليس كذلك، فإنه لا يبعد أن يعلم الله تعالى في الازل استلزام الامر بفعل من الافعال للمصلحة في وقت معين، واستلزام نسخه للمصلحة في وقت آخر، فإذا نسخه في الوقت الذي علم نسخه فيه فلا يلزم من ذلك أن يكون قد ظهر له ما كان خفيا عنه، ولا أن يكون قد أمر بما فيه مفسدة، ولا نهى عما فيه مصلحة، وذلك كإباحته الاكل في الليل من رمضان، وتحريمه في نهاره.\r__________\r= تعالى، انظر ترجمته في الملل للشهرستاني، والفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي قتل في موقعة بينه وبين مصعب بن الزبير بح وراء عام 67 ه.\r1 - بين (تعالى في آخر الآيه أن كل ما يكون منه من محو واثبات وتبديل وتغيير واقع فعلا كونيا أو تشريعا ومسطور عنده بي ام الكتاب، جرى به القلم فكتب ما هو كائن من ناسخ ومنسوخ وسعادة وشقاوة وسائر ما يكون من التغيير والتبديل كلمنه في وقته الذي حدد له في عمله (تعالى) وكتابه ورهين بأسبابه حسب ما تقتضيه الحكمة، وبذلك يتبين أنه لا يلزم من المحو والاثبات عموما ان يكون بدا لله أمر كان خفيا عليه، بل ما كان وما سيكون من فعل أو تشريع تفسير عملي وتطبيق واقعي دقيق موافق لسابق علمه وما جرى به قلمه في كتابه.\r(*)","part":3,"page":111},{"id":748,"text":"فإن قيل: لا يخلو إما أن يكون الباري تعالى قد علم استمرار أمره بالفعل المعين أبدا، أو إلى وقت معين، وعلم أنه لا يكون مأمورا بعد ذلك الوقت فإن كان الاول، استحال نسخه لما فيه من انقلاب علمه جهلا وإن كان الثاني، فالحكم يكون منتهيا بنفسه في ذلك الوقت، فلا يتصور\rبقاؤه بعده، وإلا لانقلب علم الباري جهلا، وإذا كان منتهيا بنفسه فالنسخ لا يكون مؤثرا فيه لا في حالة علم الله تعالى أنه يكون الفعل مأمورا فيها، ولا في حالة علم الله أنه لا يكون مأمورا فيها، لما فيه من انقلاب علمه إلى الجهل، وإذا لم يكن الناسخ مؤثرا فيه، فلا يتصور نسخه.\rقلنا: الامر مطلق، والباري علم أن الامر بالفعل ينتهي بالناسخ في الوقت الذي علم أن النسخ يقع فيه، لا أنه علم أنتهاءه إلى ذلك الوقت مطلقا، بل علم انتهاءه بالنسخ، فلو لم يكن منتهيا بالنسخ لانقلب علمه جهلا.\rوعلى هذا، فلا يلزم من انتهاء الامر في ذلك الوقت بالنسخ، أن لا يكون الامر منسوخا.","part":3,"page":112},{"id":749,"text":"الفصل الثالث في الفرق بين التخصيص والنسخ نقول إن التخصيص والنسخ وإن اشتركا من جهة أن كل واحد منهما قد يوجب تخصيص الحكم ببعض ما تناوله اللفظ لغة، غير أنهما يفترقان من عشرة أوجه: الاول: أن التخصيص يبين أن ما خرج عن العموم لم يكن المتكلم قد أراد بلفظه الدلالة عليه، والنسخ يبين أن ما خرج لم يرد التكليف به، وإن كان قد أراد بلفظه الدلالة عليه.\rالثاني: أن التخصيص لا يرد على الامر بمأمور واحد، والنسخ قد يرد على الامر بمأمور واحد.\rالثالث: أن النسخ لا يكون في نفس الامر إلا بخطاب من الشارع، بخلاف التخصيص، فإنه يجوز بالقياس وبغيره من الادلة العقلية والسمعية.\rالرابع: أن الناسخ لا بد وأن يكون متراخيا عن المنسوخ، بخلاف المخصص فإنه يجوز أن يكون متقدما على المخصص ومتأخرا عنه، كما سبق تحقيقه.\rالخامس: أن التخصيص لا يخرج العام عن الاحتجاج به مطلقا في مستقبل الزمان فإنه يبقى معمولا به فيما عدا صورة التخصيص، بخلاف النسخ، فإنه قد يخرج الدليل المنسوخ حكمه عن العمل به في مستقبل الزمان بالكلية، وذلك عند ما إذا ورد النسخ على الامر بمأمور واحد.\rالسادس: أنه يجوز التخصيص بالقياس، ولا يجوز به النسخ.\rالسابع: أن النسخ رفع الحكم بعد أن ثبت، بخلاف التخصيص.\rالثامن: أنه يجوز نسخ شريعة بشريعة، ولا يجوز تخصيص شريعة بأخرى.\rالتاسع: أن العام يجوز نسخ حكمه حتى لا يبقى منه شئ، بخلاف التخصيص.\rالعاشر: وهو ما ذكره بعض المعتزلة، أن التخصيص أعم من النسخ، وأن كل نسخ تخصيص، وليس كل تخصيص نسخا، إذ النسخ لا يكون إلا بتخصيص الحكم ببعض الازمان، والتخصيص يعم تخصيص الحكم ببعض الاشخاص وبعض الاحوال وبعض الازمان، وفيه نظر،","part":3,"page":113},{"id":750,"text":"وذلك أنه إن ثبت أن ما ذكر من صفات التخصيص الفارقة بينه وبين النسخ داخلة في مفهوم التخصيص، أو ملازمة خارجة، فلا وجود لها في النسخ، فلا يكون التخصيص أعم من النسخ، لان الاعم لا بد وأن يصدق الحكم به مع جميع صفاته اللازمة لذاته، على الاخص، وذلك مما لا يصدق على النسخ، فلا يكون النسخ تخصيصا.\rوإلا فلقائل (1) أن يقول: ما ذكر من الصفات الفارقة بين التخصيص والنسخ إنما هي فروق بين أنواع التخصيص، وليست من لوازم مفهوم التخصيص بل التخصيص أعم من النسخ، ومن جميع الصور المذكورة، وهو قادح لا غبار عليه اللهم إلا أن يرجع إلى الاصطلاح، وإطلاق اسم التخصيص على بعض هذه الانواع، والنسخ على البعض الآخر\rفحاصل النزاع يرجع إلى الاطلاق اللفظي، ولا منازعة فيه بعد فهم عوز المعنى.\rالفصل الرابع في شروط النسخ الشرعي وهي منقسمة إلى متفق عليه ومختلف فيه.\rأما المتفق عليه: فأن يكون الحكم المنسوخ شرعيا، وأن يكون الدليل الدال على ارتفاع الحكم شرعيا متراخيا عن الخطاب المنسوخ حكمه، وأن لا يكون الخطاب المرفوع حكمه مقيدا بوقت معين.\rوأما الشروط المختلف فيها، فأن يكون قد ورد الخطاب الدال على ارتفاع الحكم بعد دخول وقت التمكن من الامتثال، وأن يكون الخطاب المنسوخ حكمه مما لا يدخله الاستثناء والتخصيص، وأن يكون نسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة، وأن يكون الناسخ والمنسوخ نصين قاطعين، وأن يكون الناسخ مقابلا للمنسوخ مقابلة الامر بالنهي، والمضيق بالموسع، وأن يكون النسخ ببدل.\rفإن ذلك كله مختلف فيه.\rوالحق أن هذه الامور غير معتبرة كما يأتي، وإذ أتينا على ما أردناه من المقدمة فلا بد من العود إلى المسائل المتشعبة عن النسخ، وهي عشرون مسألة.\r__________\r1 - والافلقائل - كان فيه تحريفا ولعل الاصل ولقائل ويكون جوابا عن النظر المتقدم (*)","part":3,"page":114},{"id":751,"text":"المسألة الاولى في إثبات النسخ على منكريه وقد اتفق أهل الشرائع على جواز النسخ عقلا، وعلى وقوعه شرعا، ولم يخالف في ذلك من المسلمين سوى أبي مسلم الاصفهاني (1) فإنه منع من ذلك شرعا، وجوزه عقلا، ومن أرباب الشرائع سوى اليهود، فإنهم انقسموا ثلاث فرق: فذهبت الشمعنية إلى امتناعه عقلا وسمعا\rوذهبت العنانية منهم إلى امتناعه سمعا لا عقلا وذهبت العيسوية إلى جوازه عقلا، ووقوعه سمعا، واعترفوا بنبوة محمد (ص) لكن إلى العرب خاصة لا إلى الامم كافة.\rوالدليل على الجواز العقلي العقل والسمع (2).\rأما العقل: فهو أن المخالف لا يخلو إما أن يكون ممن يوافق على أن الله تعالى له أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير نظر إلى حكمة وغرض، وإما أن يكون ممن يعتبر الحكمة والغرض في أفعاله تعالى: فإن كان الاول، فلا يمتنع عليه تعالى أن يأمر بالفعل في وقت، وينهى عنه في وقت، كما أمر بالصيام في نهار رمضان، ونهى عنه في يوم العيد، وإن كان الثاني، فمع بطلانه (3) على ما عرفناه في كتب الكلام، فلا يمتنع أن يعلم الله استلزام الامر بالفعل في وقت معين للمصلحة واستلزام\r__________\r1 - أبو مسلم الاصفهاني: هو محمد بن بحر المعتزلي من كتبه: (جامع التأويل).\rولد عام 254 ه ومات عام 322 ه.\r2 - العنانية فرقة من اليهود تنسب إلى رجل يقال له عنان بن داود ومن مذهبهم الاعتراف بولاية عيسى عليه السلام وانكار نبوته والعيسوية فرقة من اليهود تنتسب إلى ابي عيسى اسحاق بن يعقوب الاصفهاني ادعى النبوة وبدأ دعوته زمن مروان بن محمد الحمار، وحارب اصحاب المنصور بالري - انظر تراجمهم ومذاهبهم في كتاب الملل للشهرستاني، والفصل لابن حزم.\r3 - انظر ما سبق تعليقا ص 91 - 94 - 104.\r(*)","part":3,"page":115},{"id":752,"text":"النهي عنه للمصلحة في وقت آخر، فإن المصالح مما يختلف باختلاف الاشخاص والاحوال حتى إن مصلحة بعض الاشخاص في الغنى أو الصحة أو التكليف، ومصلحة الآخر في نقيضه، فكذلك جاز أن تختلف المصلحة باختلاف الازمان\rحتى أن مصلحة بعض أهل الازمان في المداراة والمساهلة، ومصلحة أهل زمان آخر في الشدة والغلظة عليهم، إلى غير ذلك من الاحوال.\rوإذا عرف جواز اختلاف المصلحة باختلاف الازمان، فلا يمتنع أن يأمر الله تعالى المكلف بالفعل في زمان لعلمه بمصلحته فيه، وينهاه عنه في زمن آخر لعلمه بمصلحته فيه، كما يفعل الطبيب بالمريض، حيث يأمره باستعمال دواء خاص في بعض الازمنة وينهاه عنه في زمن آخر بسبب اختلاف مصلحته عند اختلاف مزاجه، وكما يفعل الوالد بولده من التأديب له وضربه في زمان، واللين له والرفق به في زمان آخر على حسب ما يتراءى له من المصلحة.\rولهذا خص الشارع كل زمان بعبادة غير عبادة الزمن الآخر، كأوقات الصلوات والحج والصيام، ولولا اختلاف المصالح باختلاف الازمنة لما كان كذلك.\rومع جواز اختلاف المصالح باختلاف الازمنة لا يكون النسخ ممتنعا.\rهذا ما يدل على الجواز العقلي من جهة العقل.\rوأما من جهة السمع: فقوله تعالى * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها، ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) * (2) البقرة: 106) فهذه الآية تدل على جواز النسخ على الله تعالى شرعا.\rأما بالنسبة إلى من خالف في ذلك من المسلمين فظاهر لموافقته على أن الآية من كلام الله تعالى، وأن كلامه صدق.\rوأما بالنسبة إلى اليهود، فلانه إذا ثبت أن محمدا رسول الله بما أثبتناه من الادلة القاطعة في علم الكلام، وأنه صادق فيما يدعيه من الوحي إليه من الله تعالى، فقد ادعى كون هذه الآية من كلام الله، فكان صادقا في ذلك، وكانت الآية حجة على جواز النسخ.","part":3,"page":116},{"id":753,"text":"وأما ما يدل على وقوع النسخ في الشرع إما بالنسبة إلى من خالف من المسلمين في ذلك فهو أن الصحابة والسلف أجمعوا على أن شريعة محمد (ص)، ناسخة لجميع الشرائع السالفة، وأجمعوا على نسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس باستقبال الكعبة، وعلى نسخ الوصية للوالدين والاقربين بآية المواريث، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، ونسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي (ص)، ووجوب التربص حولا كاملا عن المتوفى عنها زوجها، ووجوب ثبات الواحد للعشرة، المستفاد من قوله تعالى: * (إن يكن منكم عشرون صابرون) * (8) الانفال: 65) الآية، بقوله: * (الآن خفف الله عنكم) * (8) الانفال: 66) الآية، إلى غير ذلك من الاحكام المتعددة (1).\rوأما بالنسبة إلى منكر ذلك من اليهود فيدل عليه أنه ورد في التورية أن الله تعالى أمر آدم أن يزوج بناته من بنيه، وقد حرم ذلك في شريعة من بعده، وأيضا فإن الله تعالى قال لنوح عند خروجه من الفلك إني جعلت لك كل دابة مأكلا لك ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب، ما خلا الدم فلا تأكلوه وقد حرم كثيرا من الدواب على ما بعده من أرباب الشرائع، وهو عين النسخ (2).\rفإن قيل: يحتمل أن أمر آدم والاباحة لنوح وذريته كان مقيدا بظهور شريعة من بعده، فتحريم ذلك على من بعده لا يكون نسخا لانتهاء مدة الحكم الاول لكونه كان مقيدا بظهور شريعة من بعده.\rقلنا: الامر لآدم والاباحة لنوح كان مطلقا.\rوالاصل عدم التقييد.\rوإن قيل إنه كان ذلك مقيدا في علم الله تعالى بظهور شريعة أخرى.\rقلنا: فهذا هو عين النسخ، فإن الله تعالى إذا أمر بالفعل مطلقا، فهو عالم بأنه سينسخه، ويعلم وقت نسخه، فتقييده في علمه لا يخرجه عن حقيقة النسخ.\r__________\r1 - سيأتي الكلالم على هذه النصوص في مواضعها (من مسائل النسخ) ان شاء الله تعالى\r2 - الاحتجاج على اليهود بما في كتبهم من باب الالزام فقط فانها قد دخلها التحريف والتبديل فلا يصلح ما فيها حجة لاثبات حق الا ما ذكر منه في القرآن أو روي من طريق صحيح عن الرسول (ص)، مع تقريره أو السكوت عنه.\r(*)","part":3,"page":117},{"id":754,"text":"وقد احتج عليهم بإلزامات أخر.\rمنها أن العمل كان مباحا في يوم السبت، ثم حرم على موسى وقومه.\rومنها أن الختان كان في شرع إبراهيم جائزا بعد الكبر، وقد أوجبه موسى يوم ولادة الطفل ومنها أن الجمع بين الاختين كان مباحا في شريعة يعقوب، وقد حرم ذلك في شريعة من بعده.\rولقائل أن يقول: العمل في يوم السبت، وكذلك الختان في حالة الكبر، وكذلك الجمع بين الاختين كان مباحا بحكم الاصل، ورفع ما كان ثابتا بحكم الاصل العقلي لا يكون نسخا كما علم فيما تقدم.\rفإن قيل: لو كان النسخ جائزا عقلا، لم يخل نسخ ما أمر به إما أن يكون لحكمة ظهرت لم تكن ظاهرة حالة الامر، أو لا يكون كذلك: فإن لم يكن لحكمة ظهرت له، كان عابثا، والعبث على الحكيم محال.\rوإن كان الاول: فقد بدا له ما لم يكن، والبداء على الله تعالى محال.\rوأيضا فإنه لو جاز نسخ الاحكام الشرعية لكون التكليف بها مصلحة في وقت، ومفسدة في وقت، لجاز نسخ ما وجب من الاعتقادات في التوحيد وما يجوز على الله تعالى وما لا يجوز، وهو محال.\rوأيضا فإن الخطاب المنسوخ حكمه.\rإما أن يكون موقتا بوقت، أو هو دال على التأبيد.\rفإن كان الاول، فهو غير قابل للنسخ لانتهائه بانتهاء ذلك الوقت.\rوإن كان الثاني، فهو محال من أربعة أوجه: الاول: إنه من ذلك اعتقاد المكلف دوام الحكم وتأييده، وهو جهل قبيح، وما لزم منه القبيح فهو قبيح.\rالثاني: أنه يلزم منه أن لا يبقى لنا طريق إلى معرفة التأبيد بتقدير إرادة التأبيد وذلك مما يوجب إعجاز الرب تعالى عن إعلامنا بالتأبيد، وهو محال.","part":3,"page":118},{"id":755,"text":"الثالث: أنه لو جاز النسخ مع أن اللفظ للتأبيد، لما بقي لنا وثوق بوعد الله تعالى ووعيده، ولا بشئ من الظواهر اللفظية، ولا يخفى ما في ذلك من اختلال الشرائع واتجاه قول الباطنية.\rالرابع: أنه يلزمكم على هذا جواز نسخ شريعتكم، ولم تقولوا به وأيضا فإنه لو جاز رفع الحكم بعد وقوعه، فإما أن يكون رفعه قبل وجوده أو بعد عدمه، أو في حال وجوده: الاول محال، لان رفع ما لم يوجد غير متصور.\rوالثاني محال، لان رفع المعدوم ممتنع.\rوالثالث يلزم منه أن يكون الشئ حالة وجوده مرتفعا، وذلك أيضا ممتنع.\rوأيضا فإن الفعل المأمور به إما أن يكون حسنا أو قبيحا: فإن كان الاول فقد نهى عن الحسن، وإن كان الثاني، فقد أمر بالقبيح.\rوأيضا فإنه إما أن يكون طاعة أو معصية: فإن كان طاعة، فقد نهى عن الطاعة، وإن كان معصية، فقد أمر بالمعصية.\rوأيضا فإما أن يكون مرادا أو مكروها: فإن كان مرادا، فقد صار بالنهي مكروها، وإن كان مكروها، فقد صار بالامر مرادا.\rوأما ما ذكرتموه من الدليل السمعي على الجواز العقلي، فلا وجه له.\rأما قوله تعالى * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) * (2) البقرة: 106) فالمراد بالنسخ الازالة، ونسخ الآية بإزالتها عن اللوح المحفوظ.\rوأما ما ذكرتموه على الوقوع الشرعي، فلا نسلم أن شريعة محمد ناسخة لشرائع من تقدم على ما يأتي تقريره.\rوأما وجوب استقبال بيت المقدس، فإنه لم يزل بالكلية، لجواز التوجه إليه عند الاشكال ومع العذر، فكان ذلك تخصيصا لا نسخا.\rوأما تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي (ص)، فإنما زالت لزوال سببها، وهو امتياز المنافقين من حيث إنهم لا يتصدقون على المؤمنين.","part":3,"page":119},{"id":756,"text":"ووجوب التربص حولا كاملا لم يزل بالكلية لبقائه عندما إذا كانت مدة حملها سنة فكان ذلك أيضا من باب التخصيص، لا من باب النسخ.\rسلمنا الجواز العقلي، ولكن لا نسلم الجواز الشرعي، وبيانه من وجهين: الاول: قوله تعالى في صفة القرآن * (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) * (41) فصلت: 42) فلو نسخ لكان قد أتاه الباطل، وهذه حجة من منع جواز نسخ القرآن مطلقا.\rالثاني: أن موسى الكليم كان نبيا حقا بالاجماع منا ومنكم وبالدلائل الدالة على صدقه في رسالته، وقد نقل عنه نقلا متواترا أنه قال هذه الشريعة مؤبدة عليكم ما دامت السموات والارض وروي عنه أنه قال الزموا يوم السبت أبدا فقد كذب بذلك من ادعى نسخ شريعته، فلو قيل بجواز نسخ شريعته لزم منه أن يكون كاذبا، وهو محال.\rوالجواب عن الاشكال الاول: أن النسخ لم يكن لحكمة ظهرت له بعد أن لم تكن ظاهرة بل إن قلنا برعاية الحكمة لحكمة، كان عالما بها على ما سبق في الفرق بين النسخ والبداء.\rوعن الاشكال الثاني: أن اعتقاد التوحيد وكل ما مستند معرفته دليل العقل\rلا يخلو إما أن يقال بأن وجوبه (1) ثابت بالعقل، كما قاله المعتزلة، أو بالشرع كما نقوله نحن: فإن كان الاول، فلا يخفى إحالة نسخ ما ثبت وجوبه عقلا، لان الشارع لا يأتي بما يخالف العقل.\rوإن كان الثاني، فالعقل يجوز أن لا يرد الشرع بوجوبه ابتداء، فضلا عن نسخه بعد وجوبه.\rوعن الثالث: قولهم إن الخطاب إن كان موقتا، فلا يكون قابلا للنسخ، لا نسلم ذلك، فإنه لو قال في رمضان حجوا في هذه السنة، ثم قال قبل يوم عرفة لا تحجوا، فإنه يكون جائزا عندنا، على ما يأتي في جواز نسخ الامر قبل التمكن من الامتثال.\rقولهم: وإن كان دالا على التأبيد فهو محال، لا نسلم ذلك.\r__________\r1 - اي وجوب اعتقاد التوحيد وما في حكمه على المكلف.\r(*)","part":3,"page":120},{"id":757,"text":"قولهم في الوجه الاول إنه يلزم منه جهل المكلف باعتقاد التأبيد.\rفقد أجاب عنه أبو الحسين البصري بأنه إنما يفضي إلى ذلك إن لو لم يكن قد اقترن بالخطاب المنسوخ ما يشعر بنسخه، وليس كذلك.\rوقد بينا إبطال ما ذهب إليه في تأخير البيان إلى وقت الحاجة (1).\rوالوجه في الجواب أن نقول: دلالة الخطاب على التأبيد لا يلزمها التأبيد مع القول بجواز النسخ، فإذا اعتقد المكلف التأبيد فالجهل إنما جاءه من قبل نفسه، لا من قبل ما اقتضاه الخطاب، بل الواجب أن يعتقد التأبيد بشرط عدم الناسخ ثم، وان أفضى ذلك إلى الجهل في حق العبد، فالقول بقبح ذلك من الله تعالى مبني على التحسين والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه فيما تقدم (2).\rثم متى يكون ذلك قبيحا إذا استلزم مصلحة تربو على مفسدة جهله، أو إذا لم يكن كذلك، الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rوبيان لزوم المصلحة الزائدة هنا ما فيه من زيادة الثواب باعتقاده دوام ما أمر به والعزم على فعله والانقياد لقضاء الله وحكمه في الامر والنهي.\rكيف وإن ما ذكروه منتقض بما يحدثه الله تعالى للعبد من الغنى والصحة، فإن ذلك مما يوجب اعتقاد دوامه له مع جواز إزالته بالفقر والمرض.\rقولهم في الوجه الثاني إنه يفضي إلى تعجيز الرب تعالى عن إعلامنا بالتأبيد، ليس كذلك، لجواز أن يخلق لنا العلم الضروري بذلك.\rوما ذكروه في الوجه الثالث فمندفع، فإنه إن كان اللفظ الوارد في الخطاب مما لا يحتمل التأويل، فالوثوق به حاصل لا محالة، وإن كان مما يحتمل التأويل، فيجب أن يكون الوثوق به على حسب ما اقتضاه الظاهر لا قطعا وذلك غير مستحيل.\rوما ذكروه في الوجه الرابع فغير صحيح، فإنا لا نمنع من جواز نسخ شرعنا\r__________\r1 - انظر راي ابي الحسين البصري والرد عليه في المسألة الرابعة من مسائل البيان والمبين.\r2 - تقدم ايضا ما فيه تعليقا على المسألة الاولى من الاصل الاول في الحاكم.\r(*)","part":3,"page":121},{"id":758,"text":"عقلا، وإنما نمنع منه شرعا لورود خبر الصادق بذلك عندنا، وهو قوله تعالى: * (وخاتم النبيين) * (33) الاحزاب: 40) وقوله (ص) الا انه لا نبي بعدي (1) والخلف خبر الصادق محال.\rومع ذلك فإنا لا نحمل عقلا أن يكون ذلك الخبر مشروطا بقيد.\rقولهم: لو جاز رفع الحكم، ينظر الاصل ان يكون قبل وقوعه، فمندفع.\rفإنا وإن أطلقنا لفظة الرفع في النسخ إنما نريد به امتناع استمرار المنسوخ، وأنه لولا الخطاب الدال على الانقطاع لاستمر، وذلك لا يلزم عليه شئ مما قيل (2).\rقولهم: الفعل المأمور به إما أن يكون حسنا، أو قبيحا، فهو مبني على التحسين\rوالتقبيح العقلي، وقد أبطلناه.\rقولهم: إما أن يكون طاعة أو معصية، قلنا هو طاعة حالة كونه مأمورا، ومعصية حالة كونه منهيا، فالطاعة والمعصية ليست من صفات الافعال، بل تابعة للامر والنهي.\rقولهم: إما أن يكون مرادا أو مكروها، لا نسلم الحصر لجواز أن لا يكون مرادا ولا مكروها، إذ الارادة والكراهة عندنا غير لازمة للامر والنهي (3).\r__________\r1 - في معناه ما رواه الامام احمد والترمذي والحاكم من طريق أنس، قال (ص) ان الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي، الحديث وفي آخر عند احمد بلفظ لانبوة بعدي الا المبشرات) الحديث وقد صح في ذلك المعنى آحاديث بلغت درجة التواتر، وفيها الرد على القاديانية ومن ذهب مذهبهم في عدم ختم النبوة انظر تفسير ابن كثير لقوله تعالى (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) (الاحزاب) 2 - انظر ما تقدم - ص 104 ج 3.\r3 - ان قصد المستدل بالآرادة، الارادة الكونية وبالامر الامر الشرعي فلا تلازم بينهما، وكذلك ان قصد بالكراهة الكراهة الكونية فلا تلازم بينها وبين النهي كما قال الآمدي، فان الله قد اراد كونا كفر بعض المكلفين كأبي لهب وامره بالايمان وكره كراهة كونية قدرية ايمان ابي جهل ولم ينهه عنه بل امره به، وان قصد المستدل بالارادة في دليله الارادة الشرعية وبالكراهة الكراهة الشرعية فالتلازم بين الارادة والامر الشرعيين حق، وكذلك التلازم بين الكراهة والنهي = (*)","part":3,"page":122},{"id":759,"text":"وبتقدير أن يكون ما أمر به مرادا، جاز أن يكون مرادا حالة الامر دون حالة النهي.\rقولهم: المراد من نسخ الآية إزالتها عن اللوح المحفوظ، ليس كذلك.\rفإنه قال تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) * (2) البقرة: 106) والقرآن خير كله من غير تفاوت فيه، فلو كان المراد من نسخ الآية إزالتها\rعن اللوح المحفوظ وكتابة أخرى بدلها، لما تحقق هذا الوصف، وإنما يتحقق الخيرية بالنسبة إلينا فيما يرجع إلى أحكام الآيات المرفوعة عنا والموضوعة علينا، من حيث إن البعض قد يكون أخف من البعض فيما يرجع إلى تحمل المشقة، أو أن ثواب البعض أجزل من ثواب البعض على اختلاف المذاهب، فوجب حمل النسخ على نسخ أحكام الآيات لا على ما ذكروه (1).\rوأما منع كون شريعة محمد (ص) ناسخة لشرع من تقدم فمخالف لاجماع السلف قاطبة.\rوالكلام في هذا المقام إنما هو مع منكر النسخ من الاسلاميين.\rوما يذكرونه في تقدير ذلك فسيأتي الجواب عنه أيضا.\rوأما ما ذكروه على باقي صور النسخ فهو أيضا خلاف إجماع السلف.\rكيف وإن ما ذكروه من التخريج لا وجه له.\rقولهم إن التوجه إلى بيت المقدس لم يزل بالكلية.\rقلنا: لا خلاف أنه كان يجب التوجه إليه حالة عدم الاشكال والعذر، وقد زال ذلك بالكلية، فكان نسخا.\rقولهم إن وجوب تقديم الصدقة إنما زال لزوال سببه.\rقلنا: الاصل بقاء السبب، وما ذكروه من السبب يلزم منه أن كل من لم يتصدق من الصحابة أن يكون منافقا، ولم يتصدق أحد منهم سوى علي عليه السلام، على ما نقله الرواة، وذلك ممتنع.\r__________\r= الشرعيين، والجواب هو ما ذكره الآمدي بعد قوله (وبتقدير إلى آخره) وقد مر نظيره في الاجابة عن الدليل الذي قبله.\r1 - انظر الكلام على هذه الاية في كتاب، جواب أهل العلم والايمان في أن قل هو الله احد تعدل ثلث القرآن (*)","part":3,"page":123},{"id":760,"text":"قولهم إن وجوب التربص لم يزل بالكلية.\rقلنا لا خلاف بين أهل الملة في أنه كان التربص حولا كاملا واجبا، سواء كانت مدة الحمل سنة، أو لم تكن، وذلك مما رفع بالكلية.\rوما ذكروه من امتناع نسخ القرآن بقوله * (لا يأتيه الباطل) * (41) فصلت: 42) الآية، فليس فيه ما يدل على امتناع النسخ، إلا أن يكون النسخ إبطالا له، وليس كذلك.\rوبيانه أن النسخ لا معنى له سوى قطع الحكم الذي دل عليه اللفظ، مع كون المخاطب مريدا لقطعة على ما سبق، وذلك لا يكون إبطالا له بل تحقيقا لمقصوده.\rوما ذكروه من قول موسى، فمختلق لم تثبت صحته عن موسى عليه السلام.\rوقد قيل إن أول من وضع ذلك لهم ابن الراوندي (1) ليعارض به دعوى الرسالة من محمد (ص)، لما ظهر من تسمحه في الدين.\rويدل على ذلك أن أحبارهم ككعب الاحبار، وابن سلام، ووهب ابن منبه (2) وغيرهم كانوا أعرف من غيرهم بما في التوراة، وقد أسلموا ولم يذكروا شيئا من ذلك: ولو كان ذلك صحيحا لكان من أقوى ما يتمسك به اليهود في زمن النبي (ص)، في معارضته، ولم ينقل عنهم شئ من ذلك ثم أنهم مختلفون في نفس متن الحديث، فإن منهم من قال الحديث إن أطعتموني لما أمرتكم به، ونهيتكم عنه، ثبت ملككم، كما ثبتت السموات والارض، وليس في ذلك ما يدل على إحالة النسخ.\rوإن سلمنا صحة ما نقلوه، فيحتمل أنه أراد بالشريعة، التوحيد ويحتمل أنه أراد بقوله مؤبدة ما لم تنسخ بشريعة نبي آخر.\r__________\r1 - ابن الراوندي هو أبو الحسن احمد بن يحيى بن اسحاق كان من المعتزلة اشتهر بالزندقة والالحاد واليه تنسب الراوندية إحدى فرق المعتزلة توفي عام 798 ه 2 - كعب الاحبار بن ماتع أبو اسحاق الحميري أسلم أيام ابي بكر أو عمر وتوفي في خلافة عثمان عام 32 ه عن 104 سنة وابن الاسلام هو عبد الله بن سلام أبو يوسف\rالاسرائيلي صحابي جليل مات بالمدينة عام 43 ه ووهب هو ابن منبه بن كامل اليماني الصنعاني أبو عبد الله الا بناوي ولد عام 34 ه ومات عام 110 أو 116 (*)","part":3,"page":124},{"id":761,"text":"ومع احتمال هذه التأويلات، فلا يعارض قوله ما ظهر على يد النبي (ص)، من المعجزات القاطعة الدالة على صدقه في دعواه الرسالة ونسخ شريعة من تقدم.\rكيف وإن لفظ التأبيد قد ورد في التوراة، ولم يرد به الدوام، كقوله إن العبد يستخدم ست سنين، ثم يعتق في السابعة، فإن أبي العتق، فلتثقب أذنه ويستخدم أبدا وكقوله في البقرة التي أمروا بذبحها هذه سنة لكم أبدا وكقوله قربوا كل يوم خروفين قربانا دائما.\rوأما العيسوية، فيمتنع عليهم بعد التسليم بصحة رسالته وصدقه في دعواه بما اقترن بها من المعجزة القاطعة تكذيبه فيما ورد به التواتر القاطع عنه بدعوى البعثة إلى الامم كافة ونزول القرآن بذلك.\rوهو قوله تعالى: * (يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) * (7) الاعراف: 158) وقوله تعالى: * (وما أرسلناك إلا كافة للناس) * (34) سبأ: 28) وقال في وصف ما أنزل عليه هذا هدى للناس ومن ذلك قوله (ص): بعثت إلى الاحمر والاسود وقوله: بعثت إلى الناس كافة (1) وقوله: لو كان أخي موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي ويدل على ذلك ما اشتهر عنه، وتواتر من دعائه لطوائف الجبابرة والاكاسرة.\rوتنفيذه إلى أقاصي البلاد، وطلب الدخول في ملته والقتال لمن جاحده من العرب وغيرهم في نبوته، والله أعلم.\r__________\r1 - انظر ما تقدم تعليقا ص 275 ج 2 (*)","part":3,"page":125},{"id":762,"text":"المسألة الثانية اتفق القائلون بجواز النسخ على جواز نسخ حكم الفعل بعد خروج وقته واختلفوا في جواز ذلك قبل دخول الوقت.\rوذلك كما لو قال الشارع في رمضان حجوا في هذه السنة، ثم قال قبل يوم عرفة لا تحجوا.\rفذهبت الاشاعرة وأكثر أصحاب الشافعي، وأكثر الفقهاء إلى جوازه.\rومنع من ذلك جماهير المعتزلة وأبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي، وبعض أصحاب الامام أحمد بن حنبل.\rوالمختار جوازه.\rوقد احتج الاصحاب بحجج ضعيفة.\rالحجة الاولى قوله تعالى: * (يمحو الله ما يشاء ويثبت) * (13) الرعد: 39) دل على أنه يمحو كل ما يشاء محوه على كل وجه، فيدخل فيه محو العبادة قبل دخول وقتها، ولا دلالة فيه، لان الآية إنما تدل على محو كل ما يشاء محوه، وليس فيها ما يدل على أنه يشاء محو العبادة قبل دخول وقتها، مع كون ذلك ممتنعا عند الخصم، وإن بين إمكان مشيئة ذلك بغير الآية، ففيه ترك الاستدلال بالآية كيف وإنه قد أمكن حمل المحو على ما هو حقيقة فيه، وهو محو الكتابة مما يكتبه الملكان من المباحات، وتبقيه المعاصي والطاعات.\rومنهم من احتج بقصة إبراهيم، عليه السلام، وأمر الله له بذبح ولده، ونسخه عنه بذبح الفداء، ودليل أمره بذلك انه قد روي انه تعالى قال لابراهيم * (اذبح ولدك) * وروي * (واحدك) * والقرآن دل عليه بقوله * (يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك، فانظر ماذا ترى.\rقال يا أبت افعل ما تؤمر) * (الصافات: 102) وانه نسخ بذبح الفدا بقوله * (وفديناه بذبح عظيم) * (37) الصافات: 107) وهذا أيضا مما يضعف الاحتجاج به جدا.\rغير أنه قد وجه الخصوم على هذه الحجة اعتراضات واهية لا بد من ذكرها والاشارة إلى الانفصال عنها تكثيرا للفائدة","part":3,"page":126},{"id":763,"text":"ثم نذكر بعد ذلك وجه الضعيف في الآية المذكورة (1).\rأما الاسئلة فأولها أنهم قالوا إن ذلك إنما كان مناما لا أصل له، فلا يثبت به الامر، ولهذا قال: إني أرى في المنام.\rسلمنا أن منامه أصل يعتمد عليه، ولكن لا نسلم أنه كان قد أمر.\rوقول ولده افعل ما تؤمر، ليس فيه دلالة على أنه كان قد أمر ولهذا علقه على المستقبل.\rومعناه: افعل ما يتحقق من الامر في المستقبل.\rسلمنا أنه كان مأمورا.\rلكن لا نسلم أنه كان مأمورا بالذبح حقيقة، بل بالعزم على الذبح امتحانا له بالصبر على العزم، وذلك بلاء عظيم، والفداء إنما كان عما يتوقعه من الامر بالذبح لا عن نفس وقوع الامر بالذبح أو بمقدمات الذبح من إخراجه إلى الصحراء وأخذ المدية والحبل وتله للجبين، فاستشعر إبراهيم أنه مأمور بالذبح، ولذلك قال تعالى: * (قد صدقت الرؤيا) * (37) الصافات: 105) سلمنا أنه كان مأمورا بالذبح حقيقة، إلا أنه قد وجد منه، فإن قد روي أنه كان كلما قطع جزءا عاد ملتحما إلى آخر الذبح، ولهذا قال الله تعالى: * (قد صدقت الرؤيا) * (37) الصافات: 105) وإذا كان ما أمر به من الذبح قد وقع، فالفداء لا يكون نسخا.\rسلمنا أن الذبح حقيقة لم يوجد، لكن قد روي أن الله تعالى منعه من الذبح بأن جعل على عنق ولده صفيحة من نحاس أو حديد مانعة من الذبح، لا أن ذلك كان بطريق النسخ.\rوالجواب عن الاول أن منام الانبياء فيما يتعلق بالاوامر والناهي، وحي معمول به، وأكثر وحي الانبياء كان بطريق المنام، وقد روي عن النبي (ص) أن\rوحيه كان ستة أشهر بالمنام ولهذا قال عليه السلام: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزأ من النبوة (2) فكانت نسبة الستة أشهر من ثلاثة وعشرين سنة من نبوته،\r__________\r1 - إي وجه الضعف في الاستدلال بالآية.\r2 - رواه البخاري من طريق ابي سعيد الخدري ومسلم من طريق ابن عمر وابي هريرة واحمد وابن ماجه من طريق أبي رزين (*)","part":3,"page":127},{"id":764,"text":"كذلك، ويدل على ذلك قوله (ص): ما احتلم نبي قط (1) يعني ما تشكل له الشيطان في المنام على الوجه الذي يتشكل لاهل الاحتلام.\rكيف وإنه لو كان ذلك خيالا، لا وحيا، لما جاز لابراهيم العزم على الذبح المحرم بمنام لا أصل له، ولما سماه بلاء مبينا، ولما احتاج إلى الفداء.\rوعن الثاني أن قوله * (افعل ما تؤمر) * (37) الصافات: 102) وإن لم يكن ظاهرا في الماضي، لكنه قد يرد ويراد به الماضي.\rولهذا فإنه لو قال القائل قد أمرني السلطان بكذا فإنه يصح أن يقال له افعل ما تؤمر أي ما أمرت به، وأنت مأمور.\rويجب الحمل عليه ضرورة حمل الولد على إخراجه إلى الصحراء وأخذ آلات الذبح وترويع الولد، فإن ذلك كله، مما يحرم من غير أمر ولا إذن في ذلك.\rوعن الثالث أن حمل الامر على العزم أو على مقدمات الذبح على خلاف قوله * (إني أرى في المنام أني أذبحك) * (37) الصافات: 102) ثم لو كان مأمورا بالعزم على الذبح ومقدمات الذبح لا غير لما سماه بلاء مبينا، ولما احتاج إلى الفداء، لكون المأمور به مما وقع، ولما قال الذبيح * (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) * (37) الصافات: 102) فإن ذلك مما لا ضرر عليه فيه.\rوقوله: * (قد صدقت الرؤيا) * (37) الصافات: 105) معناه أنك عملت في المقدمات عمل مصدق للرؤيا بقلبه.\rلكن لقائل أن يقول: إذا كان قد أمر بإخراج الولد إلى الصحراء وأخذ\rالمدية والحبل وتله للجبين، مع إبهام عاقبة الامر عليه وعلى ولده، فإنه يظهر من ذلك لهما أن عاقبة الامر إنما هي الذبح، وذلك عين البلاء، به يتحقق قول الذبيح * (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) * (37) الصافات: 102) وأما تسمية الكبش فداء، فإنما كان عن الامر المتوقع، لا عن الامر الواقع، غير أن هذا مما لا يستقيم على أصل أبي الحسين البصري (2) لما فيه من توريط المكلف في الجهل، حيث أوجب عليه ما يظهر منه الامر بالذبح، ولا أمر.\r__________\r1 - ذكره السيوطي في الخصائص الكبرى من قول ابن عباس بلفظ ما احتلم نبي قط وانما الاحتلام من الشيطان ونسبه إلى الطبراني والدينوري في المجالسة.\r2 - انظر رأيه والرد عليه في المسألة الرابعة من مسائل البيان المبين.\r(*)","part":3,"page":128},{"id":765,"text":"وعن الرابع: أنه لو كان قد أتى بما أمر به من الذبح، لما احتاج إلى الفداء ولا اشتهر ذلك وظهر، لانه من أكبر الآيات الباهرات، وحيث لم ينقله سوى بعض الخصوم دل على ضعفه.\rوعن الخامس: أن ذلك من المعتزلة لا يصح لانهم لا يرون التكليف بما لا يطاق.\rوهذا تكليف بما لا يطاق، كيف وإنه لو كان كما ذكروه لنقل أيضا واشتهر، لكونه من المعجزات العظيمة.\rهذا ما في هذه الاسئلة والاجوبة.\rوأما وجه الضعف في الاحتجاج بقصة إبراهيم فمن جهة أن لقائل أن يقول: وإن سلمنا أنه نسخ عنه الامر بالذبح، لكن لا نسلم أنه نسخ قبل التمكن من الامتثال.\rبل إنما كان ذلك بعد التمكن من الامتثال، والخلاف إنما هو فيما قبل التمكن لا بعده.\rولا سبيل إلى بيان أنه نسخ قبل التمكن من الامتثال إلا بعد بيان أن مطلق الامر يقتضي الوجوب على الفور، أو أن وقت الامر كان مضيقا لا يجوز التأخير عنه للنبي عليه السلام، وأن النبي عليه السلام، لا يجوز عليه صغائر\rالمعاصي، والكل ممنوع على ما عرف.\rالحجة الثانية أن الله تعالى نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي (ص)، قبل فعلها.\rوأيضا فإن النبي (ص)، صالح قريشا يوم الحديبية على رد من هاجر إليه، ثم نسخ ذلك قبل الرد بقوله تعالى: * (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار) * (60) الممتحنة: 10) وأيضا فإن الاجماع من الخصوم واقع على أن الله تعالى لو أمرنا بالمواصلة في الصوم سنة، جاز أن ينسخه عنا بعد شهر منها، وذلك نسخ للصوم فيما بقي من السنة قبل حضور وقته.\rوأيضا فإن النبي (ص)، قال: أحلت لي مكة ساعة من نهار ومع ذلك منع من القتال فيها، وهو نسخ قبل وقت الفعل.\rوهذه الحجج أيضا ضعيفة.\rأما الاولى، فلان لقائل أن يقول: لا نسلم أن نسخ تقديم الصدقة كان قبل التمكن من الوقت، ويدل عليه أمران: الاول عتاب الله لهم بقوله * (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقة، فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم) * الآية ولو لم يكن وقت الفعل قد حضر لما حسن ذلك.","part":3,"page":129},{"id":766,"text":"الثاني أن عليا رضي الله عنه، ناجى بعد تقديم الصدقة (1) وذلك يدل على حضور وقت الفعل.\rوأما الثانية فلانه لا يمتنع أن يكون ذلك بعد مضي وقت تمكن المهاجرة فيه إليه مع ردهن، ولا دليل على وقوع نسخ ذلك قبل دخول وقت الفعل، فلا يكون حجة.\rوأما الثالثة، فلان النسخ ورد على بعض ما تناوله اللفظ، فكان بيانا أن مراده من اللفظ إنما هو بعض السنة، ويكون النهي متناولا لغير ما تناوله الامر، وذلك غير ممتنع، وهذا بخلاف ما إذا نسخ قبل دخول شئ من الوقت، لان النهي يكون متناولا لغير ما تناوله الامر، ولا يلزم من جواز ذلك ثم جوازه هاهنا.\rوأما الرابعة فلان إباحة القتال في تلك الساعة لا يقتضي وقوع القتال ولا بد وعلى هذا، فلا يمتنع أن يكون النهي عن القتال بعد مضي تلك الساعة، ولا دليل يدل على وقوع النسخ قبل دخول الوقت.\rكيف وأنه لا دلالة في قوله أحلت لي مكة ساعة على إباحة القتال، بل لعله أراد بذلك إباحة قتل أناس معينين، كابن خطل وغيره، فالنهي عن القتال لا يكون نسخا لاباحة القتال.\rوالاقرب في ذلك حجتان: الحجة الاولى التمسك بقصة الاسراء، وهو ما صح بالرواية أن الله تعالى فرض ليلة الاسراء على نبيه وعلى أمته خمسين صلاة، فأشار عليه موسى بالرجوع، وقال له أمتك ضعفاء لا يطيقون ذلك، فاستنقص الله ينقصك وأنه قبل ما أشار عليه، وسأل الله في ذلك، فنسخ الخمسين إلى أن بقي خمس صلوات.\rوذلك نسخ لحكم الفعل قبل دخول وقته.\rالحجة الثانية أنه يجوز أن يأمر الله تعالى زيدا بفعل في الغد، ويمنعه منه بمانع عائق له عنه قبل الغد، فيكون مأمورا بالفعل في الغد بشرط انتفاء المانع.\rوإذا جاز الامر بالفعل بشرط انتفاء الناسخ مع تعقيبه بالنسخ، إذ الفعل لا يفرق بين الحالتين، وهو إلزام ملزم.\r__________\r1 - ذكر ابن كثير في تفسيره مناجاة علي رسول الله بعد تقديمه الصدقة من طريق ابن أبي نجيح وليث ابن أبي سليم عن مجاهد فارجع إلى تفصيل القصة فيه وفي تفسير ابن جرير.\r(*)","part":3,"page":130},{"id":767,"text":"فإن قيل أما قصة الاسراء فهي خبر واحد، فلا يمكن إثبات مثل هذه المسألة به.\rوإن كان حجة، إلا أنه يقتضي نسخ حكم الفعل قبل التمكن، وقبل تمكن المكلف من العلم به لنسخه قبل الانزال، وذلك مما لا يحصل معه الثواب بالعزم على الادواء\rوالاعتقاد لوجوبه، ولم يقولوا به.\rوأما الحجة الثانية فلا نسلم أنه يجوز أن يأمر زيدا في الغد ويمنعه منه قبل الغد لانه لا يخلو إما أن يأمره مطلقا ويريد منه الفعل، أو بشرط زوال المانع.\rفإن كان الاول، فمنعه منه بعد ذلك يكون تكليفا بما لا يطاق، وهو محال.\rوإن كان الثاني، فالامر بالشرط مما لا يجوز وقوعه من العالم بعواقب الامور على ما سبق تقريره في الاوامر، وهذا بخلاف ما إذا أمر جماعة بفعل في الغد فإنه يجوز أن يمنع بعضهم من الفعل، لان ذلك يدل على أنه لم يرد بخطابه من علم منعه، وإذا لم يجز في المنع، فكذلك في النسخ.\rثم ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه من وجوه: الاول أنه إذا نهى المكلف عن الفعل الذي أمر به قبل دخول وقته، فالامر والنهي قد تواردا على شئ واحد من جهة واحدة في وقت واحد، وهو محال وذلك لان الفعل في نفسه في ذلك الوقت إما أن يكون حسنا أو قبيحا.\rوعند ذلك، فلا يخلو الباري تعالى عند الامر بالفعل إما أن يكون عالما بما هو عليه الفعل من الحسن والقبح، وكذلك في حالة النهي، أو لا يكون عالما به أصلا، أو هو عالم به في حالة النهي، دون حالة الامر، أو في حالة الامر، دون حالة النهي: فإن كان الاول، فإن كان الفعل حسنا، فقد نهى عن الحسن مع علمه به، وإن كان قبيحا، فقد أمر بالقبيح مع علمه به، وهو قبيح، وإن كان الثاني فهو محال.\rلما يلزمه من الجهل في حق الله تعالى، وكذلك إن كان الثالث أو الرابع.\rكيف وإنه إذا ظهر له في حالة النهي ما لم يكن قد ظهر له في حالة الامر فهو عين البداء، والبداء على الله محال.","part":3,"page":131},{"id":768,"text":"الوجه الثاني أنه إذا أمر بالفعل في وقت معين، ثم نهى عنه، فقد بان أنه لم يرد إيقاعه، ويكون قد أمر بما لم يرده، ولو جاز ذلك، لما بقي لنا وثوق بقول من أقوال الشارع لجواز أن يكون المراد بذلك القول ضد ما هو دال على إرادته، وذلك محال.\rالثالث أن ذلك مما يفضي إلى أن يكون الفعل الواحد مأمورا منهيا، والامر والنهي عندكم كلام الله، وكلامه صفة واحدة، فيكون الكلام الواحد أمرا نهيا بشئ واحد في وقت واحد، وذلك محال.\rوالجواب: قولهم في قصة الاسراء إنها خبر واحد.\rقلنا: والمسألة عندنا من مسائل الاجتهاد، ولذلك لا يكفر المخالف فيها، ولا يبدع.\rقولهم إنه نسخ عن المكلفين قبل علمهم به.\rقلنا: فقد نسخ عن النبي (ص) بعد علمه، وإن سلمنا أنه نسخ عن المكلفين قبل علمهم به، ولكن لم قالوا بامتناعه.\rقولهم إنه لا يتعلق به فائدة الثواب باعتقاد الوجوب والعزم على الفعل، فهو مبني على رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، وهو ممنوع على ما عرف من أصلنا.\rقولهم على الحجة الثانية إنا لا نسلم الامر مع المنع.\rقلنا: قد سبق تقريره في الاوامر.\rقولهم: إن أراد منه الفعل، فهو تكليف بما لا يطاق.\rقلنا: وإن كان كذلك، فهو جائز عندنا على ما تقرر قبل.\rقولهم: وإن لم يكن مريدا له، فهو أمر بشرط عدم المنع من العالم بعواقب الامور، وذلك محال لما سبق.\rقلنا: وقد سبق أيضا في الاوامر جواز ذلك، وإبطال كل ما تخيلوه مانعا.\rقولهم في المعارضة الاولى إنه يلزم من ذلك أن يكون الرب تعالى آمرا وناهيا عن فعل واحد في وقت واحد، وهو محال، لا نسلم إحالته.\rقولهم: إما أن يكون حسنا أو قبيحا، فهو مبني على الحسن والقبح العقلي، وهو باطل لما سبق.\rفلئن قالوا: وإن لم يكن حسنا ولا قبيحا، فلا يخلو إما أن يكون مشتملا على مصلحة أو مفسدة.\rفإن كان الاول، فقد نهى عما فيه مصلحة، وإن كان الثاني، فقد أمر بما فيه مفسدة.","part":3,"page":132},{"id":769,"text":"قلنا: وهذا ايضا مبني على رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، وهو باطل، لما عرف من أصلنا، بل جاز أن يكون الامر والنهي، لا لمصلحة ولا لمفسدة.\rوإن سلم عدم خلوه عن المصلحة والمفسدة، ولكن لا نسلم أنه يلزم من ذلك الامر بالمفسدة والنهي عن المصلحة، بل جاز أن يقال إنه مشتمل على المصلحة حالة الامر، ومشتمل على المفسدة حالة النهي، ولا مفسدة حالة الامر، ولا مصلحة حالة النهي، على ما تقرر قبل.\rولا يلزم من ذلك الجهل في حق الله تعالى ولا البداء، لعلمه حالة الامر بما الفعل مشتمل عليه من المصلحة، وانه سينسخه في ثاني الحال، لما يلازمه من المفسدة المقتضية للنسخ حالة النسخ، كما علم.\rقولهم في المعارضة الثانية: إذا أمر بالفعل، ثم نهى عنه، فتبين أنه أمر بما لم يرد، مسلم.\rوعندنا ليس من شرط الامر إرادة المأمور به كما سبق تعريفه.\rقولهم يلزم من ذلك عدم الوثوق بجميع أقوال الشارع، إن أرادوا بذلك أنه إذا خاطب بما يحتمل التأويل أنا لا نقطع بإرادته لما هو الظاهر من كلامه، فمسلم ولكن لا نسلم امتناع ذلك، وهذا هو أول المسألة، وإن أرادوا به أنه لا يمكن الاعتماد على ظاهره مع احتمال إرادة غيره من الاحتمالات البعيدة، فغير مسلم وإن أرادوا غير ذلك، فلا نسلم تصوره.\rقولهم في المعارضة الثالثة إنه يلزم منه أن يكون الفعل الواحد في وقت واحد مأمورا منهيا.\rقلنا: مأمور منهي معا، أو لا معا ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rقولهم إن كلام الله عندكم صفة واحدة لا نسلم ذلك، إن سلكنا مذهب عبد الله بن سعد من أصحابنا، وإن سلكنا مذهب الشيخ أبي الحسن فلم قالوا بالاحالة.\rقولهم يلزم منه أن تكون الصفة الواحدة أمرا نهيا.\rقلنا: إنما تسمى الصفة الواحدة بهذه الاسماء بسبب اختلاف تعلقاتها ومتعلقاتها فإن تعلقت بالفعل سميت أمرا، وإن تعلقت بالترك سميت نهيا، وذلك إنما يمتنع أن لو اتحد زمان التعلق بالفعل والترك.\rوأما إذا كان زمان التعلق مختلفا، فلا.\rوالمأمور والمنهي، وإن كان زمانه متحدا لكن تعلق الامر به غير زمان تعلق النهي به، ومع التغاير فلا امتناع.","part":3,"page":133},{"id":770,"text":"المسألة الثالثة اتفق الجمهور على جواز نسخ حكم الخطاب إذا كان بلفظ التأبيد، كقوله صوموا أبدا خلافا لشذوذ من الاصوليين.\rودليل جوازه أن الخطاب إذا كان بلفظ التأبيد غايته أن يكون دالا على ثبوت الحكم في جميع الازمان بعمومه، ولا يمتنع مع ذلك أن يكون المخاطب مريدا لثبوت الحكم في بعض الازمان دون البعض، كما في الالفاظ العامة لجميع الاشخاص.\rوإذا يكن ذلك ممتنعا، فلا يمتنع ورود الناسخ المعرف لارادة المخاطب لذلك.\rولو فرضنا ذلك، لما لزم عنه المحال، وكان جائزا.\rفإن قيل: لفظ التأبيد جار مجرى التنصيص على كل وقت من أوقات الزمان بخصوصه، والتنصيص على وجوب الفعل في الوقت المعين بخصوص لا يجوز نسخه، فكذلك هذا.\rوأيضا فإنا لو أمرنا بالعبادة بلفظ يقتضي الاستمرار، جاز النسخ، فلو جاز ذلك مع التقييد بلفظ التأبيد، لم يكن للتقييد معنى.\rوأيضا فإنه لو جاز نسخ ما ورد بلفظ التأبيد، لما بقي لنا طريق إلى العلم بدوام العبادة في زمان إرادة التكليف.\rوأيضا، فإن المخاطب إذا أخبر بلفظ التأبيد لم يجز نسخه، فكذلك في غير الخبر.\rوالجواب عن الاول: لا نسلم أن لفظ التأبيد ينزل منزلة التنصيص على كل وقت بعينه، بل هو في العرف قد يطلق للمبالغة، كما في قول القائل: لازم فلانا أبدا وفلان أبدا يكرم الضيف، وأدام الله ملك الامير أبدا.\rوإن سلمنا أنه ينزل منزلة التنصيص على الاوقات المعينة، فعندنا لا يمتنع نسخ حكم الخطاب، إذا كان مقيدا بوقت معين، كما إذا قال صل وقت زوال الشمس ركعتين فإنه يجوز نسخه بعد دخول الوقت وقبله على ما عرف من أصلنا.\rوعن الثاني أن فائدة التأبيد تأكيد الاستمرار، فإذا ورد النسخ، كانت فائدة تأكيد المبالغة في الاستمرار، لا نفس الاستمرار.\rثم يلزمهم على ما ذكروه","part":3,"page":134},{"id":771,"text":"ما إذا أتى بلفظ عام، كما لو قال كل من دخل داري فأكرمه فإنه يجوز تخصيصه مع تأكيده بكل وجميع، فما هو جوابهم في التخصيص فهو جواب لنا في النسخ.\rوعن الثالث أن ما ذكروه إنما يصح إن لو كان لفظ التأبيد يفيد العلم، ولا طريق يفيده سواه، والامران ممنوعان: أما الاول، فلما سبق، وأما الثاني فلجواز أن يخلق الله تعالى العلم الضرروي بذلك أو بما يقترن باللفظ من القرائن المفيدة لليقين، كما في القرائن المقترنة بخبر التواتر، ثم ما ذكروه لازم عليهم في تخصيص العام المؤكد، فإنه جائز مع توجه ما ذكروه في النسخ بعينه عليه.\rوالجواب أن ذلك يكون متحدا.\rوعن الرابع بمنع ذلك في الخبر أيضا.\rالمسألة الرابعة مذهب الجميع جواز نسخ حكم الخطاب لا إلى بدل، خلافا لبعض الشذوذ\rودليله أمران: الاول ما يدل على الجواز العقلي، وهو أنا لو فرضنا وقوع ذلك لم يلزم عنه لذاته محال في العقل، ولا معنى للجائز عقلا سوى هذا، ولانه لا يحلو إما أن لا يقال برعاية الحكمة في أفعال الله تعالى (1) أو يقال بذلك: فإن كان الاول، فرفع حكم الخطاب بعد ثبوته لا يكون ممتنعا، لان الله تعالى له أن يفعل ما يشاء.\rوإن كان الثاني، فلا يمتنع في العقل أن تكون المصلحة في نسخ الحكم دون بدله.\rالثاني ما يدل على الجواز الشرعي، وهو أن ذلك مما وقع في الشرعي كنسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة النبي (ص) (2) ونسخ الاعتداد بحول كامل في حق المتوفى عنها زوجها، ونسخ وجوب ثبات الرجل لعشرة، ونسخ وجوب الامساك بعد\r__________\r1 - سبق تعليقا الرد على القول بعدم رعاية الحكمة في افعال الله ئتشريعه فتعين الشق الثاني من الترديد المذكور.\r2 - انظر ما تقدم تعليقا ص 130 ج 3.\r(*)","part":3,"page":135},{"id":772,"text":"الفطر في الليل (1) ونسخ تحريم ادخار لحوم الاضاحي (2) وكل ذلك من غير بدل إلى غير ذلك من الاحكام التي نسخت لا إلى بدل.\rوالوقوع في الشرع أدل الدلائل على الجواز الشرعي.\rفإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وهو قوله تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) * أخبر أنه لا ينسخ إلا ببدل، والخلف في خبر الصادق محال.\rقلنا: ما ذكروه إنما هو دليل لزوم البدل في نسخ لفظ الآية، وليس فيه دلالة على نسخ حكمها، وذلك هو موضع الخلاف\rسلمنا دلالة ما ذكروه على نسخ الحكم، لكن لا نسلم العموم في كل حكم وإن سلمنا، ولكنه مخصص بما ذكرناه من الصور.\rسلمنا أنه غير مخصص، لكن ما المانع أن يكون رفع الحكم بدل إثباته، وهو خير منه في الوقت الذي نسخ فيه، لكون المصلحة في الرفع دون الاثبات، وإن سلم امتناع وقوع ذلك شرعا، لكنه لا يدل على عدم الجواز العقلي.\r__________\r1 - يعني وجوب الامساك عن الجماع بعد الفطر ليلية الصيام.\r2 - يشير إلى ما رواه أحمد والبخاري ومسلم، من طريق عائشة قالت: دف أهل أبيات من اهل البادية حضرة الاضحى زمان رسول الله (ص) فقال ادخروا ثلاثا ثم تصدقوا بما بقى: فلما كان بعد ذلك قالوا يا رسول الله ان الناس يتخذون الاسقية من ضحاياهم ويجملون فيها الودك: فقال: وما ذاك قالوا: نهيت ان تؤكل لحوم الاضاحي بعد ثلاث، فقال: انما نهيتكم من اجل الدافة، فكلوا وادخروا وتصدقوا، وقد روى الحديث من طرق بالفاظ مختلفة يفسر بعضها بعضا وفي بعضها زيادات..يرى بعض العلماء ان الحكم اختلف في الحالين لاختلاف مقتضيه وليس من النسخ فلو دعت الحاجة إلى منع ولى الامر رعيته من ادخار لحوم ضحاياهم كان له ذلك دفعا للحاجة ثم يعود الحل بعد ذهابها ويكون ذلك من التصرفات التي لولى الامر في رعيته.\r(*)","part":3,"page":136},{"id":773,"text":"المسألة الخامسة وكما يجوز نسخ حكم الخطاب من غير بدل كما بيناه، يجوز نسخه إلى بدل أخف منه كنسخ تحريم الاكل بعد النوم في ليل رمضان إلى حله وإلى بدل مماثل، كنسخ وجوب التوجه إلى القدس، بالتوجه إلى الكعبة\rوهذان مما لا خلاف فيهما عند القائلين بالنسخ.\rوإنما الخلاف في نسخ الحكم إلى بدل أثقل منه.\rومذهب أكثر أصحابنا وجمهور المتكلمين والفقهاء جوازه، خلافا لبعض أصحاب الشافعي وبعض أهل الظاهر ومنهم من أجازه عقلا، ومنع منه سمعا.\rودليل جوازه عقلا ما سبق في المسألة المتقدمة.\rودليل الجواز الشرعي وقوع ذلك في الشرع.\rفمن ذلك أن الله تعالى أوجب صيام رمضان في ابتداء الاسلام، مخيرا بينه وبين الفداء بالمال، ونسخه بتحتم الصوم، وهو أثقل من الاول (1).\rومن ذلك أن الله تعالى أوجب في ابتداء الاسلام الحبس في البيوت والتعنيف حدا على الزنا، ونسخه بالضرب بالسياط والتغريب عن الوطن في حق البكر، وبالرجم بالحجارة في حق الثيب، (2) ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان (3).\rوكل ذلك أثقل من الاول.\r__________\r1 - يشير إلى ما دلت عليه آية الصيام وما رواه مسلم من طريق سلمة بين الاكوع انه قال: كنا في رمضان على عهد رسول الله (ص) من شاء صام ومن شاء افطر فافتدى بطعام مسكين حتى انزلت هذه الاية (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) 2 - يشير إلى ما رواه الجماعة الا البخاري والنسائي من طريق عبادة بن الصامت انه قال: قال رسول الله (ص): خذوا عنى خذوا عنى، قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم.\r3 - يشير إلى ما رواه احمد والبخاري ومسلم من حديث عائشة قالت: كان يوم عاشوراء = (*)","part":3,"page":137},{"id":774,"text":"فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه.\rوبيانه من جهة العقل، والسمع\rأما من جهة العقل، فهو أن النسخ إما أن يكون لا لمصلحة أو لمصلحة: فإن كان الاول، فهو عبث وقبيح، فلا يكون جائزا على الشارع.\rوإن كان لمصلحة: فإما أن تكون أدنى من مصلحة المنسوخ، أو مساوية لها، أو راجحة عليها: فإن كان الاول فهو أيضا ممتنع، لما فيه من إهمال أرجح المصلحتين واعتبار أدناهما وإن كان الثاني، فليس الناسخ أولى من المنسوخ، فلم يبق غير الثالث.\rوإذا كان النسخ إنما يكون للاصلح والانفع والاقرب إلى حصول الطاعة، وذلك (1) إنما يكون بنقل المكلفين من الاشد إلى الاخف، ومن الاصعب إلى الاسهل، لكونه أقرب إلى حصول الطاعة، وأسهل في الانقياد، وإذا كان بالعكس، كان إضرارا بالمكلفين، لانهم إن فعلوا، التزموا المشقة الزائدة.\rوإن تركوا استضروا بالعقوبة والمؤاخذة، وذلك غير لائق بحكمة الشارع.\rوأما من جهة السمع، فنصوص: أولها قوله تعالى: * (يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الانسان ضعيفا) * (4) النساء: 28) ولا تخفيف في نسخ الاخف إلى الاثقل.\rوثانيها قوله تعالى: * (يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر) * (2) البقرة: 185) وفي نسخ الاخف إلى الاثقل إرادة العسر، وفيه تكذيب خبر الصادق.\rوثالثها قوله تعالى: * (ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم) * (7) الاعراف: 157) والاصر هو الثقل، أخبر أنه يضع عنهم الثقل الذي حمله للامم قبلهم، فلو نسخ ذلك بما هو أثقل منه كان تكذيبا لخبره تعالى، وهو محال.\rورابعها قوله تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) * (2) البقرة: 106)\r__________\r= يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله (ص) يصومه، فلما قدم المدينة صامه وامر الناس بصيامه وروه ايضا من طريق عبد الله بن عمر.\r1 - وذلك - فيه تحريف والصواب فذلك لانه جواب قوله وإذا كان.\r(*)","part":3,"page":138},{"id":775,"text":"وليس المراد منه أنه يأتي بخير من الآية في نفسها، إذ القرآن كله خير، لا تفاضل فيه، وإنما المراد به ما هو خير بالنسبة إلينا، وذلك هو الاخف والاسهل في الاحكام (1).\rوالجواب عن المعقول أن ما ذكروه لازم عليهم في ابتداء التكليف، ونقل الخلق من الاباحة والاطلاق إلى مشقة التكليف، وكذلك في نقلهم من الصحة إلى السقم، ومن الشبيبة إلى الهرم، ومن الجدة إلى العدم، وإعدام القوي والحواس بعد وجودها، فإن ما نقلهم إليه أشق عليهم مما نقلهم عنه.\rوكل ما ذكروه فهو بعينه لازم ها هنا، وما هو الجواب في صورة الالزام فهو جوابنا في محل النزاع.\rوعن الآية الاولى أنه لا عموم فيها حتى يلزم من ذلك إرادة التخفيف في كل شئ، وبتقدير العموم، فليس فيه ما يدل على إرادة التخفيف على الفور، بل جاز أن يكون المراد من ذلك التخفيف في المآل برفع أثقال الآخرة، والعقاب على المعاصي، بما يحصل لنا من الثواب الجزيل على الاعمال الشاقة علينا في الدنيا وعلى طباعنا، تسمية للشئ بعاقبته (2) ومنه قوله تعالى: * (فما أصبرهم على النار) * (2) البقرة: 175) وقوله تعالى: * (إنما يأكلون في بطونهم نارا) * (4) النساء: 10) ومنه يقال (لدوا للموت وابنوا للخراب) (3) وبتقدير إرادة الفور، فلا يمتنع التخصيص، كما خص بأثقال تكاليفه المبتدأة وابتلائه في الابدان والاموال، كما سبق تقريره.\rوما ذكرناه من الادلة الدالة على وقوع ذلك صالح لتخصيص هذه الآية.\rوعن الآية الثانية أنه يجب حملها على ما فيه اليسر والعسر بالنظر إلى المآل حتى لا يلزم منه كثرة التخصيص بابتداء التكاليف، وما وقع به الابتلاء في الدنيا في الابدان والاموال.\r__________\r1 - انظر ما ذكرخ تبن تيمية من وجوه التفاضل بين سور القرآن وآياتة في تفسيره لهذه الآية في كتابه جواب اهل العلم والايمان في أن قل هو الله احد تعدل ثلث القرآن 2 - تسمية للشئ مفعول لاجله وقع علة لقوله المراد من ذلك التخفيف.\r3 - جزء من حديث رواه البيهقي في الشعب من ي ريق ابي هريرة والزبير مرفوعا ان الله ملكا (الحديث) ونقل القاري عن الامام احمد انه قال هو مما يدور في الاسواق والاصل له انظر تفصيل الكلام عليه في كشف الخفاء والالباس للعجلوني (*)","part":3,"page":139},{"id":776,"text":"ولا يخفى أن التكليف بما هو أشق في الدنيا إذا كان ثوابه المآل أكثر وأدفع للعقاب المجتلب بالمعاصي أنه يسر لا عسر.\rوإن سلمنا أن المراد به إرادة اليسر وعدم إرادة العسر العاجل، لكنه يجب تخصيصه بما ذكرناه جمعا بين الادلة.\rوعن الآية الثالثة أنه لا يلزم من وضع الاصر والثقل الذي كان على من قبلنا عنا، امتناع ورود نسخ الاخف بالاثقل في شرعنا.\rوعن الآية الرابعة: أنه لو كان ذلك عائدا إلى نسخ التلاوة، فلا حجة فيه إذ النزاع إنما هو في نسخ الحكم الاخف بالاثقل وإن كان عائدا إلى نسخ حكم الآية، فالخير في الامور الدينية يرجع إلى ما هو أكثر في الثواب.\rومنه يقال الفرض خير من النفل، بمعنى أنه أكثر في الثواب، وإن كان أشق من النفل على النفس، وفي الامور الدنيوية يرجع إلى ما هو خير في العاجل وأصلح ولا يختص ذلك بالاسهل.\rولهذا يحسن أن يقول الطبيب للمريض الجوع والعطش أصلح، لك وخير من الشبع والري وعلى هذا، فلا يمتنع أن يكون التكليف بالاشق أكثر ثوابا وأصلح في المآل، على ما قال تعالى: * (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله) * (9) التوبة: 120)\rإلى قوله: * (إلا كتب لهم به عمل صالح) * (9) التوبة: 120) وقال تعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) * (99) الزلزلة: 7 - 8) وقال تعالى: * (جزاء بما كانوا يعملون) * (46) الاحقاف: 14) وقال (ص) لعائشة، رضي الله عنها: ثوابك على قدر نصبك (1) فكان التكليف بالاشق خيرا من الاخف.\r__________\r1 - ذكر البخاري في ي باب (أجر العمرة على قدر النصب) عن عائشة قالت: (يا رسول الله يثدر الناس بنسكين وأصدر بنسك فقيل لها: انتظري فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم فأهلي ثم أتينا بمكان كذا ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك) وذكر مسلم مثله في باب (وجوه الاحرام)...الخ.\rوفي المستدرك للحاكم عن عائشة أن النبي (ص) قال لها في عمرتها إن لك من الاجر على قدر نصبك وذكر الحاكم في المستدرك أيضا شاهدا له ان النبي (ص) قال لها في عمرتها (إنما أجرك في عمرتك على قدر نفقتك) (*)","part":3,"page":140},{"id":777,"text":"المسألة السادسة اتفق العلماء على جواز نسخ التلاوة دون الحكم، وبالعكس، ونسخهما معا خلافا لطائفة شاذة من المعتزلة.\rويدل على ذلك العقل، والنقل.\rأما العقل فهو أن جواز تلاوة الآية حكم، ولهذا يثاب عليها بالاجماع.\rوقد قال (ص): من قرأ القرآن فأعربه، فله بكل حرف منه عشر حسنات (1) وما يترتب عليها من الوجوب والتحريم وغير ذلك حكم، وإذا كانا حكمين جاز أن يكون إثباتهما مصلحة في وقت، ومفسدة في وقت، وأن لا يكون إثبات أحدهما مصلحة مطلقا وإثبات أحدهما مصلحة في وقت دون وقت، وإذا كان كذلك جاز رفعهما معا، ورفع أحدهما دون الآخر، كما سبق تقريره.\rوأما النقل، أما نسخ التلاوة، والحكم فيدل عليه ما روت عائشة أنها قالت:\rكان فيما أنزل عشر رضعات محرمات، فنسخت بخمس (2) وليس في المصحف عشر رضعات محرمات، ولا حكمها، فهما منسوخان.\rوأما نسخ الحكم دون التلاوة، فكنسخ حكم آية الاعتداد بالحول (3) ونسخ حكم آية الوصية للوالدين\r__________\r1 - رواه البيهقي من حديث ابن عمر بلفظ (من قرأ القرآن فأعرب في قرائته كان له بكل حرف عشرون حسنة ومن قرأه بغير اعراب كان له بكل حرف عشر حسنات) انظر كتاب البرهان - مسألة في استحباب قراءة القرآن بالتفخيم 2 - في صحيح مسلم من طريق عمرة عن عائشة قالت: كان فيما انزل من القران عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس رضعات فتوفي رسول الله (ص) وهن فيما يقرأ من القرآن وفي رواية عنها (نزل من القرآن عشر رضعات معلومات ثم نزل خمس معلومات) 3 - هذا مبي على ما رأه جمهور العلماء من أن آية (والذين يتوفون منكم ويذرون إزواجا وصية لازواجهم متاعا إلى الحول غير اخراج) نزلت في بيان حكم العدة والسكنى، اما على راي من قال انها نزلت في بيان حق، السكنى دون مدة العدة فليست منسوخة لانه لا تعارض بينها وبين آية اعتداد المتوفي عنها زوجها باربعة اشهر وعشرة لاختلاف موضوع الآيتين.\r(*)","part":3,"page":141},{"id":778,"text":"وأما نسخ التلاوة دون الحكم، فما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: كان فيما أنزل الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله ورسوله فإنه منسوخ التلاوة دون الحكم.\rوهل يجوز بعد نسخ تلاوة الآية أن يمسها المحدث ويتلوها الجنب.\rفذلك مما تردد الاصوليون فيه.\rوالاشبه المنع من ذلك.\rفإن قيل: الحكم مع التلاوة ينزل منزلة العلم مع العالمية، والحركة مع المتحركية\rوالمنطوق مع المفهوم، وكما لا يمكن الانفكاك بين العلم والعالمية والمنطوق مع المفهوم، فكذلك التلاوة مع حكمها.\rوأما ما يخص نسخ الحكم دون التلاوة، فهو أن الحكم إذا نسخ وبقيت التلاوة كانت موهمة بقاء الحكم، وذلك مما يعرض المكلف إلى اعتقاد الجهل، والحكيم يقبح منه ذلك.\rوأيضا إذا بقيت التلاوة دون حكمها، تبقى عرية عن الفائدة، ويمتنع خلو القرآن عن الفائدة.\rوأما ما يخص نسخ التلاوة دون الحكم، فوجهان: الاول أن الآية ذريعة إلى معرفة الحكم، فإذا نسخت الآية دون الحكم، أشعر ذلك بارتفاع الحكم، وفيه تعريض المكلف لاعتقاد الجهل، وهو قبيح من الشارع.\rالثاني أن نسخ التلاوة دون حكمها يكون عريا عن الفائدة، حيث إنه لم يلزم من ذلك إثبات حكم ولا رفعه، وما عرى من التصرفات عن الفائدة كان عبثا والعبث على الله محال.\rوالجواب عن الاول: لا نسلم أولا أن العالمية مغايرة لقيام العلم بالذات، ولا المتحركية مغايرة لقيام الحركة بالذات، ولا الملازمة بين المنطوق والمفهوم، ليصح التمثيل.\rوإن سلمنا جميع ذلك، ولكن لا نسلم أن التلاوة مع الحكم نازلة منزلة ما ذكروه، بل هي نازلة منزلة الامارة والعلامة على الحكم في ابتداء ثبوته دون حالة دوامه.","part":3,"page":142},{"id":779,"text":"وعلى هذا فلا يلزم من انتفاء الامارة في طرف الدوام انتفاء ما دلت عليه.\rوذكلك لا يلزم من انتفاء الحكم لدليل انتفاء الامارة الدالة عليه.\rوعن قولهم إن التلاوة إذا ثبتت بعد نسخ الحكم عرضت المكلف لاعتقاد الجهل متى إذا نصب الله تعالى دليلا على نسخ الحكم، أو إذا لم ينصب ؟ الاول\rممنوع والثاني مسلم.\rوذلك، لان الناظر إذا كان مجتهدا، عرف دليل النسخ، وإن كان مقلدا فغرضه تقليد المجتهد العارف بدليل النسخ.\rثم وإن كان كما ذكروه، فلا نسلم أن ذلك ممتنع في حق الله تعالى إلا على فاسد أصل من يقول بالتحسين والتقبيح العقلي، وقد أبطلناه (1).\rوعن قولهم إنه ليس في بقاء التلاوة فائدة بعد نسخ الحكم أن ذلك مبني على رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، وهو غير مسلم (2).\rوإن سلما ذلك، فلا يمتنع أن يكون الباري تعالى قد علم في ذلك حكمة استأثر بها، ونحن لا نشعر بذلك وعن قولهم إن الآية إذا نسخت عرضت المكلف لاعتقاد الجهل، إنما يلزم ذلك ان لو كان يلزم من انتفاء الدلالة على الحكم في الدوام انتفاء الحكم، وهو غير مسلم، ولا يلزم من الدليل الدال على نسخ التلاوة أن يكون دالا على نسخ الحكم.\rوعن قولهم إنه لا فائدة في نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ما سبق في قولهم إن بقاء التلاوة غير مفيد مع نسخ الحكم.\r__________\r1 - انظر مسألة الحسن والقبح العقليين مع التعليق عليها في الجزء الاول.\r2 - تقدم ما فيه مرارا في التعليق.\r(*)","part":3,"page":143},{"id":780,"text":"المسألة السابعة فيما يتعلق بنسخ الاخبار.\rوالنسخ إما أن يكون لنسخ الخبر أو لمدلوله وثمرته: فإن كان الاول فإما أن تنسخ تلاوته أو تكليفنا به بأن نكون قد كلفنا أن نخبر بشئ فينسخ عنا التكليف بذلك الاخبار، وكل واحد من الامرين جائز من غير خلاف بين القائلين بجواز النسخ، وسواء كان ما نسخت تلاوته ماضيا أو\rمستقبلا، وسواء كان ما نسخ تكليف الاخبار به مما لا يتغير مدلوله، كالاخبار بوجود الله تعالى وحدوث العالم.\rأو يتغير كالاخبار بكفر زيد وإيمانه، لان كل ذلك حكم من الاحكام الشرعية فجاز أن يكون مصلحة في وقت، ومفسدة في وقت آخر.\rلكن هل يجوز أن ينسخ تكليفنا بالاخبار عما لا يتغير، بتكليفنا بالاخبار بنقيضه ؟ قالت المعتزلة: لا يجوز، لانه كذب، والتكليف بالكذب قبيح، وهو غير متصور من الشارع، وهو مبني على أصولهم في التحسين والتقبيح العقلي ووجوب رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه.\rوعلى هذا، فلا مانع من نسخ التكليف بالخبر، بنقيض الخبر.\rوأما إن كان النسخ لمدلول الخبر وفائدته، فذلك المدلول.\rإما أن يكون مما لا يتغير، كمدلول الخبر بوجود الاله سبحانه وحدوث العالم، أو مما يتغير: فإن كان الاول فنسخه محال بالاجماع.\rوأما إن كان مدلوله مما يتغير، وسواء كان ماضيا، كالاخبار بما وجد من إيمان زيد وكفره، أو مستقبلا، وسواء كان وعدا أو وعيدا، أو حكما شرعيا.\rفقد اختلف في رفعه ونسخه.\rفذهب القاضي أبو بكر والجبائي وأبو هاشم وجماعة من المتكلمين والفقهاء إلى امتناع رفعه.\rوذهب أبو عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري إلى جوازه.\rومنهم من فصل بين الخبر الماضي والمستقبل، فمنعه في الماضي، وجوزه في المستقبل.","part":3,"page":144},{"id":781,"text":"والمختار جوازه، ماضيا كان أو مستقبلا.\rوذلك لانه إذا ما دل عليه، كان الاخبار متكررا، والخبر عام فيه، فأمكن أن يكون الناسخ مبينا لاخراج بعض ما تناوله\rاللفظ، وإن المراد بعض ذلك المذكور، كما في الاوامر والنواهي.\rقيل: الفرق بين الخبر وبين الامر والنهي أن نسخ الخبر يؤذن بكونه كذبا ولهذا فإنه لو قال أهلك الله زيدا ثم قال ما أهلك الله زيدا كان كذبا، بخلاف الامر والنهي.\rوإن سلمنا إمكان نسخ مدلول الخبر، لكن إذا كان مدلوله حكما شرعيا تكليفا.\rأما إذا لم يكن كذلك، فلا.\rوذلك لانه إذا كان حكمه تكليفا كان الخبر في معنى الامر والنهي.\rوالامر يجوز نسخ حكمه، كما لو قال أمرتكم ونهيتكم وأوجبت عليكم بخلاف ما إذا لم يكن كذلك.\rوالجواب عن الاول أن ذلك إنما يفضي إلى الكذب، إن لو لم يمكن حمل الناسخ على غير ما أريد من الخبر، وليس الامر كذلك على ما حققناه وأما إذا قال أهلك الله زيدا فإهلاكه إنما لم يدخله النسخ، لانه لا يتكرر حتى يمكن رفع بعضه وتبقية البعض، بل إنما يقع دفعة واحدة، فلو أخبر عن عدمه مع اتحاده، كان كذبا، لاتحاد المثبت والمنفي.\rوعن الثاني أنهم إن أرادوا بقولهم إن الخبر بالحكم الشرعي في معنى الامر أن صيغته كصغيته، فهو خلاف الحسن: (1) وإن أرادوا به أنه يفيد إيجاب الفعل كما في الامر، فمسلم ولكن لا يلزم أن يكون هو هو، فإنه لا يلزم من اشتراك شيئين مختلفين في لازم واحد عام لهما اتحادهما، وغايته، تسليم نسخ مدلول بعض الاخبار، وليس فيه ما يدل على امتناع نسخ غيره مما قد بينا.\r__________\r1 - الحسن - الصواب بالسين المشددة (*)","part":3,"page":145},{"id":782,"text":"المسألة الثامنة اتفق القائلون بالنسخ على جواز نسخ القرآن بالقرآن، لتساويه في العلم به\rووجوب العمل، وذلك كما بيناه من نسخ الاعتداد بالحول بأربعة أشهر وعشر، ونسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول بقوله * (أأشفقتم) *.\rالآية (58) المجادلة: 13) ونسخ وجوب ثبوت الواحد للعشرة، بقوله تعالى: * (الآن خفف الله عنكم، وعلم أن فيكم ضعفا) * (8) الانفال: 66) واتفقوا أيضا على جواز نسخ السنة المتواترة بالمتواترة منها، ونسخ الآحاد منها بالمتواتر.\rونسخ الآحاد بالآحاد كما روي أنه (ص)، حرم زيارة القبور بنهيه عنها ثم نسخ ذلك بقوله: كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها (1) وكما روي عنه (ص) أنه قال في شارب الخمر فإن شربها الرابعة فاقتلوه (2) فنسخ ذلك بما روي عنه أنه حمل إليه من شربها الرابعة فلم يقتله.\rوأما نسخ المتواتر منها بالآحاد، فقد اتفقوا على جوازه عقلا، واختلفوا في وقوعه سمعا.\rفأثبته داود وأهل الظاهر، ونفاه الباقون.\rوقد احتج النافون لذلك بالاجماع، والمعنى:\r__________\r1 - جزء من حديث رواه ابن ماجه من حديث ابي سعيد الخدري والحاكم من طريق انس.\r2 - يشير إلى ما رواه الخمسة الا النسائي من حديث معاوية ان النبي (ص) قال: إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا الرابعة فاقتلوهم) قال الترمذي انما كان هذا في اول الامر ثم نسخ، هكذا روى محمد بن اسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي (ص) قال ان شرب الخمر فاجلدوه فان عاد الرابعة فاقتلوه قال: ثم اتى النبي (ص) بعد ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله.\rوذهب إلى قتله منهم ابن حزم وانكر الاجماع على النسخ.\r(*)","part":3,"page":146},{"id":783,"text":"أما الاجماع: فما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت (1).\rوأيضا ما روي عن علي رضي الله عنه، أنه قال لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول أعرابي بوال على عقبيه (2).\rووجه الاحتجاج به أنهما لم يعملا بخبر الواحد، ولم يحكما به على القرآن، وما ثبت من السنة تواترا، وكان ذلك مشتهرا فيما بين الصحابة ولم ينكر عليهما منكر، فكان ذلك إجماعا.\rوأما المعنى: فهو أن الآحاد ضعيف، والمتواتر أقوى منه، فلا يقع الاضعف في مقابلة الاقوى (3).\rولقائل أن يقول: عدم قبول خبر الواحد فيما ذكر لا يمنع من قبول خبر الواحد مطلقا، وذلك لانه لا مانع أن يكون امتناع قبوله لعدم حصول الظن بصدقه.\rولهذا قال عمر لا ندري أصدقت أم كذبت وقال علي في الاعرابي ما قال وإلا فكيف يمكن القول بعدم قبول خبر الواحد مع ما بينا من كون خبر الواحد حجة، ومع ما بيناه من جواز تخصيص التواتر بالآحاد (4).\rوما ذكروه من المعنى فهو باطل بالتخصيص على ما سبق.\r__________\r1 - ثبوت السكنى للمبتولة من المسائل الاجتهادية، وقد رأى عمر الحكم بها لدلالة القرآن عليها في نظره وخالفته في ذلك فاطمة بنت قيس وغيرها وهي صاحبة الواقعة، وانكرت على عمر فهمه في آية، (تخرجوهن من بيوتهن)، وآية، (اسكنوهن من حيث سكنتم)، ورأت ان حديث حرمان المبتوتة من حق السكنى لا يعارض الآية فلا نسخ.\rانظر ص 79 ج.\r2 - قيل ان ما روي عن علي من رد حديث معقل بن سنان الاشجعي في المفوضة لم يثبت.\r3 - انظر جوابه الثالث عن المعارضة الاولى في مسألة نسخ السنة بالقرآن والتعليق\rص 151 - ج 3.\r4 - تخصيص التواتر بالاحاد - الصواب تخصيص المتواتر بالآحاد.\r(*)","part":3,"page":147},{"id":784,"text":"كيف، وإنه وإن كان أضعف من المتواتر من جهة كونه آحادا إلا أنه أقوى من المتواتر من جهة كونه خاصا، والمتواتر عاما.\rوالظن الحاصل من الخاص إذا كان آحادا أقوى من الظن الحاصل من العام المتواتر، لان تطرق الضعف إلى الواحد من جهة كذبه واحتمال غلطه، وتطرق الضعف إلى العام من جهة تخصيصه، واحتمال إرادة بعض ما دل عليه دون البعض، واحتمال تطرق التخصيص إلى العام أكثر من تطرق الخطإ والكذب إلى العدل، فكان الظن المستفاد من خبر الواحد أقوى.\rوأما المثبتون فقد احتجوا بالنقل، والمعنى.\rأما النقل فمن وجهين: الاول: أن وجوب التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتا بالسنة المتواترة، لانه لم يوجد في الكتاب ما يدل عليه، وإن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس، بناء على السنة المتواترة، فلما نسخ جاءهم منادي رسول الله (ص) فقال لهم: (إن القبلة قد حولت) (1) فاستداروا بخبره والنبي (ص)، لم ينكر عليهم، فدل على الجواز.\rالثاني: أن النبي (ص) كان ينفذ الآحاد إلى أطراف البلاد لتبليغ الناسخ والمنسوخ ولولا قبول خبر الواحد في ذلك، لما كان قبوله واجبا.\rوأما المعنى فمن وجهين: الاول أن النسخ أحد البيانين، فكان جائزا بخبر الواحد كالتخصيص.\rالثاني: أن نسخ القرآن بخبر الواحد جائز على ما سيأتي بيانه، فنسخ السنة المتواترة به أولى (2).\r__________\r1 - يشير إلى ما رواه احمد ومسلم وغيرهما من حديث انس ان رسول (ص)\rكان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت (قد نرى تقلب وجهلك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها) قول وجهك شطر المسجد الحرام) فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة فنادى الا ان القبلة قد حولت فمالوا كما هم نحو القبلة 2 - هذة القاعدة اجتهادية للنظر فيها مجال، ومن اجل ذلك كانت موضع نزاع بين المجتهدين فتثبت بخبر الواحد كامثالها من مسائل الاصول، ولا ينبغي ان يتكلم بمثل هذا الاعتراض من يستدل في مسائل الاصول بالاحاديث الضعيفة والموضوعة (*)","part":3,"page":148},{"id":785,"text":"ولقائل أن يقول: أما قصة أهل قبا فمن أخبار الآحاد، ولا نسلم ثبوت مثل هذه القاعدة به.\rكيف وإنه يحتمل أن يكون قد اقترن بقوله قرائن أوجبت العلم بصدقه من قربهم من مسجد رسول الله (ص)، وسماعهم لضجة الخلق في ذلك فكان نازلا منزلة الخبر المتواتر (1).\rوأما تنفيذ الآحاد للتبليغ فإنما يجوز فيما يجوز فيه خبر الواحد وما لا فلا (2).\rوما ذكروه من المعنى الاول فحاصله يرجع إلى قياس النسخ على التخصيص، وهو إنما يفيد في الامور الظنية، فلم قالوا إنما نحن فيه من هذا القبيل (3).\rكيف والفرق حاصل، وذلك أن النسخ رفع لما ثبت بخلاف التخصيص على ما سبق معرفته (4) فلم قالوا بأنه إذا قبل: خبر الواحد فيما لا يقتضي الرفع لما ثبت يقبل في رفع ما ثبت.\rوأما المعنى الثاني، فلا نسلم صحة نسخ القرآن بخبر الواحد على ما يأتي.\r__________\r1 - حديث تحول الصحابة وهم في الصلاة إلى الكعبة ظاهرا في اضافة تحولهم الى خبر المنادي فلا يعدل عن ذلك إلى الاضافة للقرائن، إذ الاصل عدمها.\r2 - ثبت ان النبي (ص) كان ينفذ الآحاد لتبليغ اصول الدين وفروعه وتحفيظ ما نزل من القرآن فخبر الواحد معمول به في جميع مسائل الدين.\r3 - تقدم غير مرة ام كثيرا من مسائل اصول الفقه ظنية بل فيها ما خرج منه المؤلف بالشك والحيرة واذن فما نحن فيه من قبيل ما يستدل عليه بما يفيد غلبة الظن.\r4 - قد يقال ان النسخ بيان لامد انتهاء الحكم وتعريف بمراد المتكلم من خطابه وانه لم يرد من اطلاق خطابه الاول الاستمرار فهو تخصيص للحكم ببعض الازمان انظر قوله في ص 122 - ج 3 (فانا وان اطلقنا لفظة الرفع في النسخ انما نريد به امتناع استمرار المنسوخ، إلى الخ) وقوله آخر لمسألة التاسعة (بل هو عبارة عن دلالة الخطاب على ان الشرع لم يرد بخطابه الاول ثبوت الحكم في وقت النسخ) لتعرف طريقة الجدلية في نقاشه ودفاعه.\r(*)","part":3,"page":149},{"id":786,"text":"المسألة التاسعة المنقول عن الشافعي رضي الله عنه، في أحد قوليه إنه لا يجوز نسخ السنة بالقرآن.\rومذهب الجمهور من الاشاعرة والمعتزلة والفقهاء جوازه عقلا، ووقوعه شرعا.\rاحتج المثبتون على الجواز العقلي والوقوع الشرعي.\rأما الجواز العقلي: فهو أن الكتاب والسنة وحي من الله تعالى، على ما قال تعالى * (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) * غير أن الكتاب متلو، والسنة غير متلوة، ونسخ حكم أحد الوحيين بالآخر غير ممتنع عقلا.\rولهذا، فإنا لو فرضنا خطاب الشارع بجعل القرآن ناسخا للسنة لما لزم عنه لذاته محال عقلا.\rوأما الوقوع الشرعي فيدل عليه أمور الاول: أن النبي (ص)، صالح أهل مكة عام الحديبية على أن من جاءه مسلما رده، حتى إنه رد أبا جندل وجماعة من الرجال فجاءت امرأة فأنزل الله تعالى * (فإن علمتموهن مؤمنات، فلا ترجعوهن إلى الكفار) * (60) الممتحنة: 10) وهذا قرآن نسخ ما صالح عليه رسول الله (ص)، وهو من السنة.\rالثاني: أن التوجه إلى بيت المقدس لم يعرف إلا من السنة (1) وقد نسخ بقوله تعالى: * (فول وجهك شطر المسجد الحرام) * (2) البقرة: 144) ولا يمكن أن يقال بأن التوجه إلى بيت المقدس كان معلوما بالقرآن، وهو قوله: * (فثم وجه الله) * (2) البقرة: 115) لان قوله (فثم وجه الله) تخيير بين القدس وغيره من الجهات.\rوالمنسوخ إنما هو وجوب التوجه إليه عينا: وذلك غير معلوم من القرآن.\rالثالث: أن المباشرة في الليل كانت محرمة على الصائم بالسنة، وقد نسخ ذلك بقوله تعالى: * (فالآن باشروهن) * (2) البقرة: 187).\rالرابع: أن صوم عاشوراء كان واجبا بالسنة، ونسخ بصوم رمضان في قوله تعالى * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * (2) البقرة: 185).\rالخامس: أن تأخير الصلاة إلى انجلاء القتال كان جائزا بالسنة.\rولهذا قال\r__________\r1 - تقدم تعليقا ص 149 ج 3.\r(*)","part":3,"page":150},{"id":787,"text":"يوم الخندق، وقد أخر الصلاة حشا الله قبورهم نارا، لحبسهم له عن الصلاة (1) وقد نسخ ذلك الجواز بصلاة الخوف الواردة في القرآن.\rفإن قيل: ما ذكرتموه من صور نسخ السنة بالقرآن، ما المانع أن يكون الحكم في جميع ما ذكرتموه ثابتا بقرآن نسخ رسمه، وبقي حكمه ؟ وإن سلمنا أنه ثابت بالسنة، ولكن ما المانع أن يكون النسخ وقع بالسنة، ودلالة ما ذكرتموه من الآيات على أحكامها ليس فيه ما يدل على عدم ارتفاع الاحكام السابقة بالسنة.\rويدل على أن الامر على ما ذكرناه أن الشافعي كان من أعلم الناس بالناسخ والمنسوخ وأحكام التنزيل، وقد أنكر نسخ السنة بالقرآن، ولولا أن الامر على ما ذكرناه لما كان إنكاره صحيحا.\rثم وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على نسخ السنة بالقرآن غير أنه معارض بالنص والمعقول.\rأما النص: فقوله تعالى * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) النحل: 44) جعل السنة بيانا، فلو نسخت لخرجت عن كونها بيانا، وذلك غير جائز.\rوأما المعقول فمن وجهين: الاول أنه لو نسخت السنة بالقرآن، لزم تنفير الناس عن النبي (ص)، وعن طاعته لايهامهم أن الله تعالى لم يرض ما سنه الرسول، وذلك مناقض لمقصود البعثة ولقوله تعالى * (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) *.\rالثاني: أن السنة ليست من جنس القرآن لان القرآن معجزة ومتلو ومحرم تلاوته على الجنب، ولا كذلك السنة، وإذا لم يكن القرآن من جنس السنة امتنع نسخه لها كما يمتنع نسخ القرآن بحكم دليل العقل، وبالعكس.\r__________\r1 - يشير إلى ما رواه احمد والنسائي من حديث ابي سعيد الخدري قال حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل كفينا، وذلك قول الله عزوجل (وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا) قال: فدعا رسول الله (ص) بلا لا فأقام الظهر فصلاها فاحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ثم امره فاقام العصر وصلاها فاحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم اقام المغرب فصلاها كذلك، قال: وذلك قبل ان ينزل الله عزوجل في صلاة الخوف (فان خفتم فرجلا أو ركبانا) (*)","part":3,"page":151},{"id":788,"text":"والجواب عن السؤال الاول أن إسناد إثبات ما ذكرناه من الاحكام المنسوخة إلى ما وجد من السنة من أفعال النبي (ص)، وأقواله وتقريراته صالح لاثباتها، وقد اقترن بها الاثبات، فكان الاثبات مستندا إليها، وكذلك الكلام في إسناد نسخها إلى ما وجد من الآيات الصالحة للنسخ من ترتب النسخ عليها، فبتقدير (1) وجود خطاب آخر يكون إسناد الاحكام المذكورة إليه بتقدير نسخه وكذلك تقدير وجود سنة ناسخة لها مع عدم الاطلاع عليها وإمكان إسناد\rنسخها إلى ما وجد من الآيات الصالحة لنسخها من غير ضرورة يكون ممتنعا.\rولو فتح هذا الباب، لما استقر لاحد قدم في إثبات ناسخ ولا منسوخ، لان ما من ناسخ يقدر إلا ويحتمل أن يكون الناسخ غيره، وما من منسوخ حكمه يقدر إلا ويحتمل أن يكون إسناد ذلك الحكم إلى غيره، وهو خلاف إجماع الامة في الاكتفاء بالحكم على كون ما وجد من الخطاب الصالح لنسخ الحكم هو الناسخ وأن ما وجد من الدليل الصالح لاثبات الحكم هو المثبت، وإن احتمل إضافة الحكم والنسخ إلى غير ما ظهر، مع عدم الظفر به بعد البحث التام عنه.\rوعن المعارضة بالنص من وجهين: الاول: أن المراد بقوله * (لتبين للناس) * (16) النحل: 44) إنما هو التبليغ وذلك يعم تبليغ الناس من القرآن وغيره، وليس فيه ما يدل على امتناع كون القرآن ناسخا للسنة.\rالثاني: وإن سلمنا أن المراد بقوله (لتبين للناس) إنما هو بيان المجمل والعام والمطلق والمنسوخ، لكن لا نسلم دلالة ذلك على انحصار ما ينطق به في البيان بل جاز مع كونه مبينا أن ينطق بغير البيان، ويكون محتاجا إلى بيان.\rوعن المعارضة الاولى من جهة المعقول من ثلاثة أوجه.\rالاول: أن ذلك إنما يصح أن لو كانت السنة من عند الرسول من تلقاء نفسه وليس كذلك، بل إنما هي من الوحي على ما قال تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * (53) النجم: 3).\rالثاني: أنه لو امتنع نسخ السنة بالقرآن لدلالته على أن ما شرعه أولا غير مرضي لامتنع نسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة، وهو خلاف إجماع القائلين بالنسخ.\r__________\r1 - فبتقدير - فيه تحريف والصواب فتقدير، الخ.\r(*)","part":3,"page":152},{"id":789,"text":"الثالث: أن ما ذكروه إنما يدل على أن المشروع أولا غير مرضي أن لو كان النسخ رفع ما ثبت أولا، وليس كذلك، بل هو عبارة عن دلالة الخطاب على\rأن الشارع لم يرد بخطابه الاول ثبوت الحكم في وقت النسخ دون ما قبله.\rوعن المعارضة الثانية: أنه لا يلزم من اختلاف جنس السنة والقرآن بعد اشتراكهما في الوحي بما اختص بكل واحد منهما امتناع نسخ أحدهما بالآخر.\rوعلى هذا، فنقول القرآن يكون رافعا لحكم الدليل العقلي، وإن لم يسم ناسخا.\rالمسألة العاشرة: قطع الشافعي وأكثر أصحابه وأكثر أهل الظاهر بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه.\rوأجاز ذلك جمهور المتكلمين من الاشاعرة والمعتزلة، ومن الفقهاء مالك وأصحاب أبي حنيفة وابن سريج، واختلف هؤلاء في الوقوع.\rوالمختار جوازه عقلا، لما ذكرناه في المسألة المتقدمة.\rوأما الوقوع فقد احتج القائلون به بأن الوصية للوالدين والاقربين نسخت بقوله (ص) (ألا لا وصية لوارث (1)).\rقالوا: ولا يمكن أن يقال بأن الناسخ للوصية آية الميراث، لان الجمع ممكن من حيث إن الميراث لا يمنع من الوصية للاجانب، وهو ضعيف لما فيه من نسخ حكم القرآن المتواتر بخبر الآحاد، وهو ممتنع على ما يأتي (2) ولانه لا يلزم من كون الميراث مانعا من الوصية للوارث أن يكون مانعا من الوصية لغير الوارث.\rواحتجوا أيضا بأن جلد الزاني الثابت بقوله تعالى: * (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) * (24) النور: 2) نسخ بالرجم الثابت بالسنة، وهو ضعيف لما فيه من نسخ القرآن بآحاد السنة، وهو ممتنع على ما يأتي (3)، وفي حق الشيخ والشيخة من جهة أنه أمكن\r__________\r1 - جزء من حديث رواه الخمسة إلا ابا داود من طريق عمرو بن خارجة عن النبي (ص) بلفظ ان الله قد اعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) وقد رواه ايضا الخمسة الا النسائي من طريق ابي امامة.\r2 - 3 - سيأتي أيضا الكلام على ذلك تعليقا ان شاء الله.\r(*)","part":3,"page":153},{"id":790,"text":"أن يقال إن نسخ الجلد بالرجم إنما كان بقرآن نسخ رسمه، وهو ما روي عن عمر أنه قال (كان فيما أنزل الله: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله ورسوله (1).\rولا يمكن أن يقال إن ذلك لم يكن قرآنا بما روي عن عمر أنه قال (لولا أنني أخشى أن يقال: زاد عمر في القرآن ما ليس منه لكتبت: الشيخ والشيخة إذا زنيا على حاشية المصحف (2) وذلك يدل على أنه لم يكن قرآنا لانا نقول: غاية قول عمر الدلالة على إخراج ذلك عن المصحف والقرآن لنسخ تلاوته، وليس فيه دلالة على أنه لم يكن قرآنا.\rفإن قيل (الشيخ والشيخة) لم يثبت بالتواتر، بل بقول عمر، ونسخ المتواتر بالآحاد ممتنع على ما يأتي، وسواء كان ذلك قرآنا أو سنة.\r__________\r1 - يتلخص الكلام على رجم المحصن في ثلاثة امور، الاول نقله عمليا نقلا متواترا عن النبي (ص) والخلفاء الراشدين ومن بعدهم إلى يومنا فلم يخل عهد من اقامة حد الزنا جلدا للبكر ورجما للثيب، ونقله ايضا بالقول من عدة طرق نقلا مستفيضا ان لم يكن متوترا وكل من النقلين يفيد وحده العلم بثبوت حد الرجم وباجتماعهما يتأكد العلم بمشروعيته ولا مدخل بعد هذا لشبهة والا موضع لريبة الثاني ان حكم مما نزل في كتاب الله ودلت عليه آية من آيات القرآن قراها الصحابة وحفظوها وعمل بها النبي (ص) حياته والصحابة بعده وقد ثبت ذلك في الاحاديث الصحيحة من ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق ابن عباس عن عمر في خطبة طويلة ان الله بعث محمدا (ص) بالحق وانزل عليه الكتاب فكان فيما انزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله (ص) ورجمنا بعده فاخشى ان طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في\rكتاب الله فيضلوا بترك فريضة انزلها الله الحديث، الا ان الاحاديث الصحيحة لم تذكر نص الآية ولم تعين موضعها من سور القرآن وقد ذكرها النسائي والترمذي وأبو داود وابن ماجة بلفظ (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) وذكر النسائي انها من سورة الاحزاب.\rالثالث قول عمر: ولولا ان يقول قائل أو يتكلم متكلم أن عمر زاد في كتاب = (*)","part":3,"page":154},{"id":791,"text":"قلنا: والسنة وهو رجم النبي (ص)، للزاني لم يثبت بالتواتر، بل بطريق الآحاد.\rوغايته أن الامة مجمعة على الرجم، والاجماع ليس بناسخ، بل هو دليل وجود الناسخ المتواتر، وليس إحالته على سنة متواترة لم تظهر لنا أولى من إحالته على قرآن متواتر لم يظهر لنا تواتره بسبب نسخ تلاوته (1).\rوأما النافون لذلك فقد احتجوا بحجج نقلية وعقلية: أما النقلية فمن خمسة أوجه.\rالاول: قوله تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * (16) النحل: 44) وصف نبيه بكونه مبينا، والناسخ رافع، والرافع غير البيان.\rالثاني: قوله تعالى: * (وإذا بدلنا آية مكان آية) * (16) النمل: 101) أخبر أنه إنما يبدل الآية بالآية، لا بالسنة.\r__________\r= الله لاثبتها كما نزلت).\rوهذه المقالة فيها نظر من جهتين: الاولى أن عمر لم يكن ليمنعه قول الناس أو الخوف من كلامهم ان يكتب في القرآن ما هو منه في عقيدته وقد عرف بالصراحة في القول والصلابة في الحق لا يخشى في ذالك لومة لائم ولو كان معتذرا في ذلك بما يقال من أنها نسخت تلاوتها وبقي حكمها.\rالثانية: أن في أسانيد تلك المقالة ضعفا ففي أحد أسانيدها عند أحمد هشيم ابن بشير السلمي عن الزهري عن علي بن زيد بن جدعان.\rوعلى ضعيف.\rوعلى كل\rحال في هذه المقالة ريبة وفتح لباب الظنة في الصحابة والقرآن فيجب ان تبحث وتحقق كما ينبغي والله العالم.\r1 - الامة مجمعة على رجم الزاني المحصن وهي مستندة في اجماعها عليه إلى نقله عمليا نقلا متوترا عن النبي (ص) ومن بعده إلى يومنا هذا في الدول التي تقام فيها الحدود، والى نقله بالقول نقلا صحيحا ان لم يبلغ درجة التواتر المصطلح عليه فلا أقل من ان يكون مستفيضا استفاضة يفيد معها العلم لكثرة طرقه وعدالة رواته.\r(*)","part":3,"page":155},{"id":792,"text":"الثالث: أن المشركين عند تبديل الآية مكان آية، قالوا (إنما أنت مفتر) فأزال الله تعالى وهمهم بقوله * (قل نزله روح القدس من ربك بالحق) * (16) النحل: 102) وذلك يدل على أن التبديل لا يكون إلا بما نزله روح القدس الرابع: قوله تعالى: * (قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي) * (10) يونس: 15) وهو دليل على ان القرآن لا ينسخ بغير القرآن.\rالخامس قوله تعالى: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها، ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) * (2) البقرة: 106) وذلك يدل على أن الآية لا تنسخ إلا بآية.\rوبيانه من وجوه الاول: أنه قال: * (نأت بخير منها أو مثلها) * (2) البقرة: 106) والسنة ليست خيرا من القرآن، ولا مثله.\rالثاني: أن الله تعالى وصف نفسه بأنه الذي يأتي بخير منها، وذلك لا يكون إلا والناسخ قرآن لا سنة.\rالثالث: وصف البدل بأنه خير، أو مثل وكل واحد من الوصفين يدل على أن البدل من جنس المبدل أما المثل فظاهر وأما ما هو خير.\rفلانه لو قال القائل لغيره\r(لا آخذ منك درهما إلا وآتيك بخير منه) فإنه يفيد أنه يأتيه بدرهم خير من الاول.\rالرابع: قوله * (ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) * (2) البقرة: 106) دل على أن الذي يأتي به هو المختص بالقدرة عليه وذلك هو القرآن دون غيره.\rوأما من جهة المعقول فمن وجهين: الاول: أن السنة إنما وجب اتباعها بالقرآن، في قوله تعالى: * (وما أتاكم الرسول فخذوه) * (59) الحشر: 7) وقوله (فاتبعوه) وذلك يدل على أن السنة فرع القرآن، والفرع لا يرجع إلى أصله بالابطال والاسقاط، كما لا ينسخ القرآن والسنة بالفرع المستنبط منهما وهو القياس الثاني: أن القرآن أقوى من السنة، ودليله من ثلاثة أوجه.\rالاول: قول النبي (ص)، لمعاذ بم تحكم ؟ قال: بكتاب الله.\rقال: فإن لم تجد ؟ قال: بسنة رسول الله قدمه في العمل به على السنة، والنبي (ص)، أقره على ذلك.\rوذلك دليل قوته.\rالثاني: أنه أقوى من جهة لفظه، لانه معجز، والسنة ليست معجزة.","part":3,"page":156},{"id":793,"text":"الثالث: أنه أقوى من جهة حكمه حيث اعتبرت الطهارة في تلاوته عن الجنابة والحيض، وفى مس مسطوره مطلقا، والاقوى لا يجوز رفعه بالاضعف.\rوالجواب عن الآية الاولى من ثلاثة أوجه الاول: أنه يجب حمل قوله (لتبين للناس) على معنى لتظهر للناس لكونه أعم من بيان المجمل، والعموم، لانه يتناول إظهار كل شئ حتى المنسوخ، وإظهار المنسوخ أعم من إظهاره بالقرآن.\rالثاني: أن نسخ حكم الآية بيان لها فيدخل في قوله * (لتبين للناس) * وتبين القرآن أعم من تبيينه بالقرآن.\rالثالث: أنه وإن لم يكن النسخ بيانا غير أن وصف النبي (ص)، بكونه مبينا\rلا يخرجه عن اتصافه بكونه ناسخا.\rوعن الآية الثانية من وجهين: الاول: أنها ظاهرة في تبديل رسم آية بآية، النزاع إنما هو في تبديل حكم الآية، وليس فيه ما يدل على تبديل حكمها بآية أخرى.\rالثاني: أن الله تعالى أخبر أنه إذا بدل آية مكان آية قالوا إنما أنت مفتر، وليس في ذلك ما يدل على أن تبديل الآية لا يكون إلا بآية.\rوذلك كما لو قال القائل لغيره (إذا أكلت في السوق سقطت عدالتك) فإن ذلك لا يدل على أنه لا يأكل في السوق.\rوعن قوله * (قل نزله روح القدس) * (16) النحل: 102) أن ذلك لا يدل عل امتناع نسخ القرآن بالسنة إلا أن تكون السنة لم ينزل بها روح القدس.\rوليس كذلك، إذ السنة من الوحي، وإن كانت لا تتلى على ما سبق تقريره.\rوعن الآية الرابعة من وجهين: الاول: أن قوله * (إن أتبع إلا ما يوحى إلي) * (6) الانعام: 50) أي في تبديل آية مكان آية وليس فيه ما يدل على امتناع تبديل حكم الآية.\rالثاني: أن النسخ، وإن كان بالسنة، فهي من الوحي على ما تقدم، فلم يكن متبعا، إلا ما يوحى إليه به.\rوعن الآية الاخيرة من ثلاثة أوجه: الاول لا نسلم دلالتها على امتناع نسخ حكم الآية بغير الآية.\rقولهم: في الوجه الاول إن السنة ليست خيرا من القرآن ولا مثله.","part":3,"page":157},{"id":794,"text":"قلنا: قوله * (ما ننسخ من آية) * (2) البقرة: 106) إما ان يراد به بسخ رسمها، أو نسخ حكمها.\rفإن كان الاول فهو ممتنع، فإنه وصف البدل بكونه خيرا منها، والقرآن خير كله ولا يفضل بعضه على بعض (1).\rوإن كان الثاني فذلك يدل على أن الحكم الناسخ يكون خيرا من الحكم المنسوخ أو مثله.\rونحن نقول إنه لا يمتنع أن يكون الحكم الناسخ، أصلح في التكليف وأنفع للمكلف.\rوأما الوجه الثاني فلا دلالة فيه لان السنة إذا كانت ناسخة فالآتي بما هو خير إنما هو الله تعالى، والرسول مبلغ، ولا يدل ذلك على أن الناسخ لا يكون إلا قرآنا بل الاتيان بما هو خير أعم من ذلك.\rوأما الوجه الثالث، فلا دلالة فيه على لزوم المجانسة بين الآية المنسوخ حكمها وبين ناسخه، لانه وصفه بكونه خيرا، والقرآن لا تفاوت فيه، على ما سبق، فعلم أن المفاضلة والمماثلة إنما هي راجعة إلى الحكم المنسوخ والحكم الناسخ على ما سبق.\rوعلى هذا، فلا نسلم أنه إذا قال له ما آخذ منك درهما إلا وآتيك بخير منه أنه يدل على المجانسة، فإن ما هو خير أعم من الجنس، فكأنه قال آتيك بشئ هو خير مما أخذت منك والمذكور أولا.\rوإن كان هو الآية والضمير في قوله بخير منها، وإن كان عائدا إليها فلا يلزم منه المجانسة بين المضمر والمظهر.\rوأما الوجه الرابع، فنحن قائلون بموجبه، فإن المتمكن من إزالة الحكم بما هو خير منه إنما هو الله عزوجل.\rالوجه الثاني أن الآية تدل على أنه لا بد في نسخ كل آية من الاتيان بآية هي خير منها أو مثلها ضرورة الاخبار، ولكن ليس في ذلك دلالة على أن الآية المأتي بها هي الناسخة لامكان أن يكون بدلا عن الآية الاولى وإن كان الناسخ غيرها.\r__________\r1 - الخيرية قد تكون في تأثير التالين والسامعين وقد تكون فيما تضمنته الآيات من الاحكام اصولا وفروعا، ضروريات ومكملات وقد تكون باختلاف احوال الناس واطوارهم فيكون حكم في حال وظروف اصلح وانفع للناس من غيره في تلك الحال، انظر ما كتبه ابن تيمية على الآية في كتاب جواب اهل اعلم والايمان.\r(*)","part":3,"page":158},{"id":795,"text":"الثالث: أن ظاهر الآية يتناول نسخ رسم الآية، والاصل تنزيل اللفظ على\rحقيقته، وفي حمله على نسخ الحكم، صرفه إلى جهة المجاز، وهو خلاف الاصل والنزاع إنما وقع في نسخ الحكم، لا في نسخ الرسم.\rوعن المعارضة الاولى من جهة المعقول من ثلاثة أوجه.\rالاول أن ذلك إنما يمتنع إن لو كانت السنة رافعة لما هي فرع عليه من القرآن وليس كذلك بل ماهي فرع عليه غير مرفوع بها، وما هو مرفوع بها ليست فرعا عليه.\rالثاني: أن ما ذكروه حجة عليهم، فإن القرآن قد دل على وجوب الاخذ بما يأتي به الرسول ووجوب اتباعه، فإذا أتى بنسخ حكم الآية، ولم يتبع، كان على خلاف ما ذكروه.\rالثالث: أن السنة ليست رافعة للقرآن، وإنما هي رافعة لحكمه، وحكمه ليس أصلا لها، فإذا المرتفع ليس هو الاصل وما هو الاصل غير مرتفع.\rوعن المعارضة الثانية أن القرآن، وإن كان معجزا في نظمه وبلاغته، ومتلوا ومحترما، فليس فيه ما يدل على أن دلالة كل آية منه أقوى من دلالة غيره من الادلة، ولهذا، فإنه لو تعارض عام من الكتاب وخاص من السنة المتواترة، كانت السنة مقدمة عليه وكذلك أيضا لو تعارضت آية ودليل عقلي، فإن الدليل العقلي يكون حاكما عليها وكذلك الاجماع وكثير من الادلة على ما يأتي في الترجيحات.\rوعلى هذا، فلا يمتنع رفع حكم الآية بدليل السنة.\rكيف وإن السنة الناسخة ليست معارضة ولا نافية لمقتضى الآية، بل مبينة ومخصصة على ما سبق (1).\r__________\r1 - انظر ما ذكره المؤلف في الجواب الثالث عن لمعارضة الاولى من جهة العقل آخر المسألة التاسعة.\r(*)","part":3,"page":159},{"id":796,"text":"المسألة الحادية عشرة اختلفوا في جواز نسخ الحكم الثابت بالاجماع: فنفاه الاكثرون، وأثبته الاقلون.\rوالمختار مذهب الجمهور، ودليله أن ما وجد من الاجماع بعد رسول الله (ص) وانقراض زمن الوحي لو نسخ حكمه فإما أن يكون بنص من كتاب أو سنة، أو بإجماع آخر، أو قياس: لا جائز أن يكون بنص، لان ذلك النص لا بد وأن يكون موجودا في زمن النبي (ص) سابقا على هذا الاجماع، لاستحالة حدوث نص بعد وفاة رسول الله (ص) ولو كان ذلك النص متقدما على الاجماع، لكان إجماعهم على خلاف مقتضاه خطأ، وهو غير متصور من الامة ولا جائز أن يكون بإجماع آخر لان الاجماع الثاني إما أن يكون بناء على دليل رافع لحكم الاجماع الاول، أو لا بناء على دليل، فإن لم يكن مبينا على دليل، كان خطأ والامة مصونة عنه، وإن كان ذلك بدليل، فذلك الدليل إما أن يكون نصا أو قياسا لا جائز أن يكون نصا لانه لا بد وأن يكون متقدما على الاجماعين متحققا في زمن النبي (ص)، ويلزم من ذلك الخطأ في الاجماع الاول، وهو محال.\rولا جائز أن يكون قياسا، لانه لا بد له من أصل، والحكم في ذلك الاصل إما أن يكون بدليل متجدد بعد الاجماع الاول، أو سابق عليه: فإن كان بدليل متجدد فهو إما إجماع أو قياس، لاستحالة تجدد النص، فإن كان إجماعا فلا بد له من دليل، وذلك الدليل لا بد وأن يكون نصا أو قياسا على أصل آخر، فإن كان قياسا على أصل آخر، فالكلام في ذلك الاصل كالكلام في الاول، فإما أن يتسلسل أو ينتهي إلى أصل ثابت بالنص، والتسلسل محال، والثاني يلزم منه أن يكون النص على أصل القياس سابقا على الاجماع الاول.\rوعند ذلك فصحة القياس عليه مشروطة بعد الاجماع الاول على مناقضته، ونسخ الاجماع الاول به متوقف\rعلى صحته، وهو دور ممتنع.\rهذا كله، إن كان دليل أصل القياس الذي هو مستند الاجماع متجددا.\rوإن كان سابقا على الاجماع الاول، فعدول أهل الاجماع عنه دليل على عدم صحة القياس عليه وإلا كان إجماعهم خطأ، وهو محال.","part":3,"page":160},{"id":797,"text":"وأما إن كان الناسخ لحكم الاجماع الاول هو القياس، فلا بد وأن يكون مستندا إلى أصل ثابت بالنص، والكلام في نسخ النص به مما يفضي إلى الدور، كما قررناه قبل.\rفإن قيل: فلو اختلفت الامة في المسألة على قولين، فقد أجمعت على أن المقلد له الاخذ بأي القولين شاء.\rولو أجمعت بعد ذلك على أحد القولين، فقد أجمعت على حصر (1) ما أجمعت أولا عل تجويزه، وهو نسخ حكم الاجماع بالاجماع.\rقلنا: نحن لا نسلم تصور انعقاد الاجماع الثاني على ما سبق في مسائل الاجماع.\rالمسألة الثانية عشرة مذهب الجمهور أن الاجماع لا ينسخ به، خلافا لبعض المعتزلة وعيسى بن أبان (2).\rودليل الامتناع أن المنسوخ به إما أن يكون حكم نص أو إجماع أو قياس: الاول محال، لان الاجماع إما أن يكون مستندا إلى دليل أو ليس مستندا إلى دليل فإن لم يكن مستندا إلى دليل فهو خطأ.\rوإن كان مستندا إلى دليل، فذلك الدليل إما أن يكون نصا أو قياسا لا جائز أن يكون قياسا لما سنبينه بعد.\rوإن كان نصا فالناسخ ذلك النص، لا الاجماع وإن قيل إن الاجماع ناسخ، فليس إلا بمعنى أنه يدل على الناسخ، وإن كان ناسخا لحكم إجماع سابق، فهو باطل بما في المسألة التي قبلها.\rوإن كان ناسخا لحكم قياس، فالقياس إما أن يكون صحيحا أو لا يكون صحيحا: فإن كان صحيحا، فإجماع الامة على خلاف مقتضاه، إن كان لا لدليل فهو خطأ،\rوإن كان لدليل، فذلك الدليل إما أن يكون نصا أو قياسا: فإن كان نصا فالرافع لحكم ذلك القياس هو النص، وإن كان قياسا، فإما أن يكون راجحا على القياس الاول، أو مرجوحا، أو مساويا: فإن كان راجحا، فالاول لا يكون مقتضاه ثابتا لان شرط ثبوت الحكم رجحان مقتضيه، وكذلك إن كان مساويا، وإن كان القياس الاول راجحا، فالاجماع على القياس الثاني خطأ، وهو ممتنع.\r__________\r1 - حصر - الصواب حظر بالظاء.\r2 - هو عيسى بن ابان بن صدقة أبو موسى الكوفي الحنفي القاضي مات عام 221 ه (*)","part":3,"page":161},{"id":798,"text":"فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنقل والمعنى.\rأما النقل فهو أن ابن عباس حين قال لعثمان كيف تحجب الام عن الثلث بالاخوين والله تعالى يقول * (فإن كان له إخوة، فلامه السدس) * (4) النساء: 11) والاخوان ليسا بإخوة ؟ قال عثمان حجبها قومك يا غلام (1) وذلك دليل النسخ بالاجماع.\rوأما المعنى، فهو أن الاجماع دليل من أدلة الشرع القطعية فجاز النسخ به كالقرآن والسنة المتواترة.\rقلنا: أما قصة ابن عباس مع عثمان إنما يصح الاستدلال بها إن لو كان حكم الام مع الاخوين منسوخا، وليس كذلك، إلا أن يكون الاخوان ليسا بإخوة، وليس كذلك على ما سبق بيانه في مسائل العموم.\rوما ذكروه من المعنى فحاصله يرجع إلى إثبات كونه ناسخا بالقياس على النص، وهو غير مسلم الصحة في مثل هذه المسائل، وإن كان صحيحا، غير أنه مما يمتنع التمسك به لما بيناه.\r__________\r- مناظرة ابن عباس لعثمان رضي الله عنهم في رد الام للسدس بالاخوين خرجها الحاكم، وذكر ابن كثير في تفسيره لآيات المواريث ما رواه البيهقي\rمن طريق شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس انه دخل على عثمان، فقال ان الاخوين لا يردان الام عن الثلث قال الله تعالى (فان كان له اخوة فلامه الثلث) والاخوان ليسا بلسان قومك إخوة، فقال عثمان الا استطيع تغيير ما كان قبلي ومضى في الامصار وتوارث به الناس.\rثم قال ابن كثير: وفي صحة هذا الاثر نظر: فان شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس: ولو كان هذا صحيحا عن ابن عباس لذهب إليه أصحابه الاخصاء.\r(*)","part":3,"page":162},{"id":799,"text":"المسألة الثالثة عشرة اختلفوا في نسخ حكم القياس: فمنهم من منع من ذلك مطلقا، كالحنابلة والقاضي عبد الجبار في بعض أقواله مصيرا منهم إلى أن القياس إذا كان مستنبطا من أصل، فالقياس باق ببقاء الاصل فلا يتصور رفع حكمه مع بقاء أصله.\rومنهم من جوز ذلك مطلقا، كأبي الحسين البصري، لكنه فصل بين القياس الموجود في زمن النبي (ص)، والقياس الموجود بعده، فقال.\rإن كان القياس موجودا في زمن النبي (ص)، بأن يكون قد نص على أصل كتنصيصه على تحريم بيع البر، بالبر متفاضلا وتعبد الناس بقياس غير البر على البر بواسطة الكيل مثلا بإمارة تدل عليه، فإذا قضى بتحريم بيع الارز بناء على القياس على البر، فلا يمتنع نسخه بالنص وبالقياس.\rأما النص: فبأن ينص بعد ذلك على إباحة بيع الارز وينسخ تحريمه.\rوأما القياس، فبأن ينص على إباحة بيع بعض المأكولات ويتعبد بالقياس عليه بواسطة كونه مأكولا بأمارة هي أقوى من الامارة الدالة على أن علة تحريم البر هي الكيل.\rوإن كان القياس موجودا بعد النبي (ص)، بأن يكون قد اجتهد بعض المجتهدين\rفأداه القياس إلى تحريم شئ بعد البحث عن الادلة المعارضة وعدم الظفر بها ثم اطلع بعد ذلك على نص أو إجماع متقدم، أو قياس أرجح من قياسه، فإنه يلزم من ذلك رفع حكم قياسه الاول، وإن كان ذلك لا يسمى نسخا.\rقال، وهذا كله إنما يتم على القول بأن كل مجتهد مصيب، حيث إنه تعبد بالقياس الاول، ثم رفع.\rوأما من لا يقول بأن كل مجتهد مصيب، فإنه لا يقول بتعبده بالقياس الاول فرفعه لا يكون متحققا.\rوهذا جملة ما ذكره أبو الحسين.\rوأما نحن فنقول: العلة الجامعة في القياس إما أن تكون منصوصة، أو مستنبطة بنظر المجتهد.","part":3,"page":163},{"id":800,"text":"فإن كانت منصوصة، فهي في معنى النص، وما مثل هذا القياس فليكن نسخ حكمه بنص أو بقياس في معناه، ولو ذهب إليه ذاهب بعد النبي (ص) لعدم اطلاعه على ناسخه بعد البحث عنه، فإنه وإن كان متعبدا باتباع ما أوجبه ظنه، فرفع حكمه في حقه بعد اطلاعه على الناسخ لا يكون نسخا متحددا، بل تبين أنه كان منسوخا، وفرق بين الامرين.\rوأما إن كانت العلة الجامعة مستنبطة بنظر المجتهد، فحكمها في حقه غير ثابت بالخطاب، فرفعه في حقه عند الظفر بدليل يعارضه، ويترجح عليه لا يكون نسخا على قولنا إن النسخ رفع حكم خطاب، على ما قررناه، وإن كانت مشاركا للنسخ في رفع الحكم وقطع استمراره، وسواء قلنا إن كل مجتهد مصيب أو لم نقل بذلك.\rالمسألة الرابعة عشرة اختلفوا في النسخ بالقياس على ثلاثة أقوال.\rثالثها الفرق بين القياس الجلي والخفي، وهو قول أبي القاسم الانماطي (1)\rمن أصحاب الشافعي.\rوالمختار أنه إن كانت العلة الجامعة في القياس منصوصة، فهي في معنى النص فيصح النسخ به.\rوإن كانت غير منصوصة، فإما أن يكون القياس قطعيا أو ظنيا بأن تكون العلة فيه مستنبطة بنظر المجتهد.\rفإن كان قطعيا، كقياس الامة على العبد في تقويم الصيب على السيد المعتق فإنه وإن كان مانعا من إثبات حكم دليل آخر كان نصا أو قياسا، فلا يكون ذلك نسخا، وإن كان في معنى النسخ، لكونه ليس بخطاب، عل ما بيناه من أن النسخ إنما هو الخطاب الدال على ارتفاع حكم خطاب آخر.\rوإن كان القياس ظنيا، فيمنع أن يكون ناسخا، لان المنسوخ حكمه: إما أن يكون نصا أو إجماعا أو قياسا: الاول والثاني محال، إن كان النص والاجماع\r__________\r1 - أبو القاسم الانماطي هو عثمان بن سعيد.\r(*)","part":3,"page":164},{"id":801,"text":"خاصا، لكون النص الخاص والاجماع مقدما على القياس الظني بالاتفاق، وإن كان عاما، فلا نسخ، لان القياس ليس بخطاب على ما سبق.\rوإن كان قياسا، فلا بد وأن يكون القياس الثاني راجحا على الاول.\rوعند ذلك، فتارة نقول إن القياس الاول لا يكون قياسا لعدم ترجحه، وإن الترجح شرط في الاقتضاء، وتارة نقول إنه وإن لزم منه رفع حكمه، فهو في معنى النسخ، ولكنه ليس بنسخ، لما بيناه من أن النسخ هو الخطاب الدال على ارتفاع حكم خطاب.\rوهو غير متحقق فيما نحن فيه.\rوللمخالف شبهتان: الاولى قوله تعالى * (الآن خفف الله عنكم، وعلم أن فيكم ضعفا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله) * (8) الانفال: 66) أوجب\rنسخ ثبات الواحد للعشرة، وليس مصرحا به، وإنما هو منبه عليه، وذلك هو نفس نسخ حكم النص بالقياس.\rالثاني أنهم قالوا: النسخ أحد البيانين، فجاز بالقياس كالتخصيص.\rوالجواب عن الاولى أنها إنما تصح إن لو كان ثبوت الواحد للاثنين الرافع ثبوت الواحد للعشرة مستفادا من القياس، وليس كذلك، بل استفادته إنما هي من نفس مفهوم اللفظ.\rوعن الثانية أنها منقوضة بالاجماع وبدليل العقل وبخبر الواحد، فإنه يخصص به، ولا ينسخ به.\rالمسألة الخامسة عشرة اتفق الكل على جواز النسخ بفحوى الخطاب، كدلالة قوله تعالى: * (ولا تقل لهما أف) * (17) الاسراء: 23) على تحريم الضرب وغيره من أنواع الاذى، وعلى جواز نسخ حكمه.\rوإنما اختلفوا في جواز نسخ الاصل دون الفحوى، والفحوى دون الاصل.\rغير أن الاكثر على أن نسخ الاصل يفيد نسخ الفحوى، لان الفحوى تابع للاصل، ولا يتصور بقاء التابع مع ارتفاع المتبوع.\rوأما نسخ الفحوى دون الاصل، فقد تردد فيه قول القاضي عبد الجبار، فجوزه تارة نظر إلى أن ذلك جار مجرى التنصيص على تحريم التأفيف وتحريم","part":3,"page":165},{"id":802,"text":"الضرب العنيف، فكأنه قال لا تقل لهما أف ولا تضربهما فرفع حكم أحدهما يفيد رفع حكم الآخر، ومنع منه تارة، ووافقه على المنع أبو الحسين البصري مصيرا منهما إلى أن تحريم التأفيف إنما كان إعظاما للوالدين.\rفإذا أبيح ضربهما كان ذلك نقضا للغرض من تحريم التأفيف.\rوالمختار في ذلك أن يقال: إثبات تحريم الضرب في محل السكوت\rإما أن يقال إنه ثابت بالقياس على تحريم التأفيف في محل النطق، أو أنه ثابت بدلالة اللفظ لغة على اختلاف المذاهب فيه.\rفإن كان الاول: فيجب أن يقال بأن نسخ حكم الاصل يوجب رفع حكم الفرع، لاستحالة بقاء الفرع دون أصله، وإن لم يسم ذلك نسخا، لما سبق.\rوإن رفع حكم الفرع لا يوجب رفع حكم الاصل، إذ لا يلزم من رفع التابع رفع المتبوع وإن كان الثاني، فلا يخفى أن دلالة اللفظ على تحريم التأفيف بجهة صريح اللفظ، وعلى تحريم الضرب بجهة الفحوى، وهما دلالتان مختلفتان، غير أن دلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق.\rوعند ذلك، أمكن أن يقال بأن رفع حكم إحدى الدلالتين لا يلزم منه رفع حكم الدلالة الاخرى.\rفإن قيل: فإذا كانت دلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق، فرفع الاصل مما يمتنع معه بقاء التابع.\rوأيضا فإن الغرض من دلالة المنطوق إعظام الوالدين، فرفع حكم الفحوى مما يخل بالغرض من دلالة المنطوق، فيمتنع معه بقاء حكم المنطوق.\rقلنا: أما الاول فمندفع، وذلك لان دلالة الفحوى، وإن كانت تابعة لدلالة المنطوق، فنسخ حكم المنطوق ليس نسخا لدلالته، بل نسخا لحكمه، ودلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق على حكمه، لا أنها تابعة لحكمه، ودلالته باقية بعد نسخ حكمه كما كانت قبل نسخه، فما هو أصل لدلالة الفحوى غير مرتفع، وما هو المرتفع ليس أصلا للفحوى.\rوأما الثاني، فغاية ما يلزم من نسخ حكم الفحوى إبطال الغرض من أصل إثبات الحكم فيه، ولا يخفى أن غرض إثبات التحريم للتأفيف مغاير لغرض تخصيصه بالذكر، تنبيها بالادنى على الاعلى، ولا يلزم من إبطال أحد الغرضين إبطال الغرض الآخر.","part":3,"page":166},{"id":803,"text":"المسألة السادسة عشرة اختلفوا في نسخ حكم أصل القياس، هل يبقى معه حكم الفرع أو لا ؟ فذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى بقائه، والباقون إلى امتناعه، وهو المختار، لان ثبوت الحكم في الفرع تابع لاعتبار علته بحكم الاصل، فإذا نسخ حكم الاصل خرجت العلة المستنبطة منه عن أن تكون معتبرة في نظر الشارع، فبطل ما كان تابعا لاعتبارها.\rفإن قيل: يلزم مما ذكرتموه نسخ حكم الفرع بالقياس على حكم الاصل، حيث جعلتم رفع حكم الفرع تابعا لرفع حكم الاصل، والنسخ بالقياس غير جائز على ما قررتموه، ثم ما ذكرتموه من انتفاء التابع لانتفاء المتبوع، متى يلزم ذلك، إذا كان الحكم يفتقر في دوامه إلى دوام سببه، أو إذا لم يفتقر ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع، فلم قلتم بافتقاره إليه ؟ وإن سلمنا ذلك، ولكن ما ذكرتموه منتقض بالاب، فإنه يتبعه ولده الطفل في الاسلام والكفر، ولو زال إسلام الاب بالردة، لم يلزم منه زوال ما كان ثابتا للولد من الاسلام تبعا له.\rقلنا: جواب الاول أنا لا نسلم أن رفع الحكم في الفرع كان بالقياس على رفع حكم الاصل، وإلا لافتقر إلى علة جامعة نافية لهما، وليس كذلك.\rوإنما قيل برفعه لانتفاء علته، وفرق بين انتفاء الحكم لانتفاء موجبه وبين انتفائه بالقياس.\rوجواب الثاني أنه إن قيل بافتقار الحكم في دوامه إلى دوام علته فهو المطلوب، وإن لم يقل بذلك، فلا خلاف بين أئمة الفقه أنه وإن لم يفتقر الحكم في دوامه إلى دوام ضابط حكمة الحكم المعرف للحكم في الفرع في ابتدائه انه لا بد من دوام احتمال الحكمة، حتى إنه لو انتهت حكمة الحكم قطعا، امتنع بقاؤه بعدها، وإذا لم يكن بد من دوام احتمال الحكمة، فلا بد من أن تكون معتبرة لاستحالة بقاء الحكم لحكمة غير معتبرة، وبنسخ حكم الاصل زال اعتبارها، وانتفاء ما لا بد منه في دوام الحكم يوجب رفع الحكم.\rوعلى هذا فقد اندفع النقض، فإنا لا نسلم أن إسلام الاب علة موجبة لاسلام الابن، حتى يلزم من انتفاء إسلامه انتفاء إسلام الابن، ولا أن دوام إسلام الاب معتبر في دوام إسلام الابن، ليلزم من انتفاؤه","part":3,"page":167},{"id":804,"text":"المسألة السابعة عشرة لا نعرف خلافا بين الامة في أن الناسخ إذا كان مع جبريل عليه السلام، لم ينزل به إلى النبي (ص)، لم يثبت له حكم في حق المكلفين، بل هم في التكليف بالحكم الاول على ما كانوا عليه قبل إلقاء الناسخ إلى جبريل.\rوإنما الخلاف فيما إذا ورد النسخ إلى النبي (ص)، ولم يبلغ الامة، هل يتحقق بذلك النسخ في حقهم، أو لا ؟ فذهب بعض أصحاب الشافعي إلى الاثبات، وبعضهم إلى النفي، وبه قال أصحاب أبي حنيفة والامام أحمد بن حنبل، وهو المختار.\rوبيانه أن النسخ له لازم وهو ارتفاع حكم الخطاب السابق وامتناع الخروج بالفعل الواجب أولا عن العهدة، ولزوم الاتيان بالفعل الواجب الناسخ والاثم بتركه، والثواب على فعله.\rوهذه اللوازم منتفية، ويلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم.\rأما أن الحكم السابق لم يرتفع، فهو أن المكلف يثاب على فعله (1) ويخرج به عن العهدة، ويأثم بتركه له قبل بلوغ النسخ إليه (2) بالاجماع.\rولهذا، فإن أهل قبا لما بلغهم نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة استداروا، والنبي (ص)، اعتد لهم بالركعات التي أتوا بها بعد نزول النسخ، قبل علمهم بالنسخ، ولم ينكر عليهم.\rوأما ان الخطاب بالنسخ غير لازم للمكلف قبل البلوغ فبيانه بالنص والحكم.\rأما النص فقوله تعالى: * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) * (17) الاسراء: 15) وقوله تعالى: * (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) * (4) النساء: 165)\rوقوله تعالى: * (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا) * (28) القصص: 59).\rوأما الحكم فهو أن المكلف، لو فعل العبادة التي ورد بها الناسخ على وجهها كان آثما عاصيا غير خارج به عن العهدة، كما لو صلى إلى الكعبة، قبل بلوغ النسخ إليه، ولو كان مخاطبا بذلك لخرج به عن العهدة، ولما كان عاصيا بفعل ما خوطب به\r__________\r1 - يثاب على فعله - أي بتقدير وجوبه أو ندبه.\r2 - ويأثم بتركه له قبل بلوغ النسخ إليه - أي بتقدير وجوبه (*)","part":3,"page":168},{"id":805,"text":"وللمخالفين خمس شبه.\rالشبهة الاولى أن المكلف متصرف بالاذن من الشارع، فلزم رفعه برفع الشرع له، وإن لم يعلم المكلف بالرفع كما لو عزل الموكل الوكيل عن التصرف فإنه لا ينعقد تصرفه بعد ذلك، وإن لم يعلم يعزله.\rالثانية أن النسخ إسقاط حق لا يعتبر فيه رضي من يسقط عنه، فلا يعتبر فيه علمه، كالطلاق والعتق والابراء.\rالثالثة أن النسخ إباحة ترك الفعل بعد إيجابه، أو إباحة فعله بعد خطره، فلا يتوقف ذلك على علم من أبيح له، كما لو قال لزوجته إن خرجت بغير إذني، فأنت طالق، ثم أذن لها من حيث لا تعلم، فإنه يثبت حكم الاباحة في حق الزوجة ولا يقع الطلاق بخروجها.\rالرابعة أن نسخ الحكم إباحة ترك المنسوخ الذي هو حق الشارع، فوجب أن يثبت قبل علم المباح له، كما لو قال القائل أبحت ثمرة بستاني لكل من دخله فإنه يباح لكل داخل، وإن لم يعلم بذلك.\rالخامسة أن رفع الحكم يتحقق بعد علم المكلف بالنسخ، فرفعه إما أن يكون بعلمه أو بالنسخ، والعلم غير مؤثر في الرفع، فكان الرفع بالنسخ، ولزم رفعه عند تحقق النسخ.\rوالجواب عن الاول بمنع عزل الوكيل قبل علمه بالعزل.\rوعن الثانية لم قالوا بأن النسخ إذا لم يتوقف على رضى المنسوخ عنه، لا يتوقف على علم.\rولا يلزم من عدم اعتبار العلم في صورة الاستشهاد عدم اعتباره في النسخ فإنه لا مانع أن يكون عدم اعتبار العلم، ثم لعدم تضمنه رفع حكم خطاب سابق بخلاف ما نحن فيه، فكان العلم مشترطا فيه، لما ذكرناه.\rوعن الثالثة والرابعة بمنع الحكم فيما ذكروه من صوره الاستشهاد.\rوعن الخامسة أن رفع الحكم بالنسخ مشروط بالعلم، ولا تحقق للمشروط دون شرطه.","part":3,"page":169},{"id":806,"text":"المسألة الثامنة عشرة الزيادة على النص هل تكون نسخا ؟ وقد اتفق العلماء على أن الزيادة إذا كانت عبادة منفردة بنفسها عن العبادة المزيد عليها أنها لا تكون نسخا لحكم المزيد عليه وذلك كزيادة صلاة على صلوات أو صوم أو حجة أو زكاة، إلا ما نقل عن بعض العراقيين أنهم قالوا: إن زيادة صلاة سادسة على الصلوات الخمس يكون نسخا من جهة أن الصلاة الوسطى المأمور بالمحافظة عليها في قوله تعالى: * (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) * (2) البقرة: 238) تخرج عن كونها وسطى، وهو غير صحيح لوجهين: الاول أن النسخ إنما يكون لحكم شرعي على ما تقدم، وكون العبادة وسطى أمر حقيقي ليس بحكم شرعي.\rالثاني أنه يلزم عليه، أن لو أوجب الشارع أربع صلوات، ثم أوجب صلاة خامسة، أو زكاة أو صوما، أن يكون ذلك نسخا لاخراج العبادة الاخيرة عن كونها أخيرة، وإخراج العبادات السابقة عن كونها أربعا وهو خلاف الاجماع.\rوإنما اختلفوا في غير هذه الزيادة كزيادة ركعة على ركعات صلاة واحدة، وزيادة جلدات على جلدات حد واحد، وزيادة صفة في رقبة الكفارة، كالايمان\rإلى غير ذلك من الزيادات: فذهبت الشافعية والحنابلة وجماعة من المعتزلة، كالجبائي وأبي هاشم، إلى أنها لا تكون نسخا.\rوقالت الحنفية تكون نسخا ومنهم من فصل.\rثم القائلون بالتفصيل، منهم من قال إن كانت الزيادة قد أفادت خلاف ما أفاده مفهوم المخالفة والشرط، كانت الزيادة نسخا، كإيجاب الزكاة في معلوفة الغنم فإنه خلاف ما أفاده قوله (ص) في الغنم السائمة زكاة من نفي الزكاة عن المعلوفة، وإلا فلا.\rومنهم من قال إن كانت الزيادة مغيرة لحكم المزيد عليه في المستقبل، كزيادة التغريب في المستقبل، على الحد، وزيادة عشرين جلدة على حد القذف، كانت نسخا.","part":3,"page":170},{"id":807,"text":"وإن لم تغير حكمه في المستقبل، فإنها لا تكون نسخا، وسواء كانت الزيادة لا تنفك عن المزيد عليه، كما لو وجب علينا ستر الفخذ، فإنه يجب ستر بعض الركبة.\rضرورة أن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، أو كانت الزيادة عند تعذر المزيد عليه، وذلك كإيجاب قطع رجل السارق، بعد قطع يديه وهذا هو مذهب الكرخي وأبي عبد الله البصري من المعتزلة.\rومنهم من قال إن كانت الزيادة قد غيرت المزيد عليه تغيرا شرعيا بحيث صار المزيد عليه، لو فعل بعد الزيادة على حسب ما كان يفعل قبلها، كان وجوده كعدمه، ووجب استئنافه، كزيادة ركعة على ركعتي الفجر، كان ذلك نسخا.\rأو كان قد خير بين فعلين، فزيد فعل ثالث، فإنه يكون نسخا لتحريم ترك الفعلين السابقين، وإلا فلا، وذلك كزيادة التغريب على الحد، وزيادة عشرين جلدة على حد القذف، وزيادة شرط منفصل في شرائط الصلاة.\rكزيادة الوضوء،\rوهذا هو مذهب القاضي عبد الجبار.\rومنهم من قال إن كانت الزيادة متصلة بالمزيد عليه اتصال اتحاد رافع للتعدد والانفصال، كزيادة ركعتين على ركعتي الصبح، فهو نسخ، وإن لم تكن الزيادة كذلك، كزيادة عشرين جلدة على حد القذف، فلا تكون نسخا.\rوهذا هو الذي اختاره الغزالي والمختار أنه إن كانت الزيادة متأخرة عن المزيد عليه، وكانت رافعة لحكم شرعي كان ذلك نسخا، ووجب النظر في دليل الزيادة، فإن كان مما يجوز بمثله نسخ حكم النص، فهو نسخ، وإلا فلا.\rوإن لم تكن الزيادة متأخرة عن المزيد عليه أو كانت رافعة لحكم العقل الاصلي لا غير، لم يكن ذلك نسخا شرعيا، وإن كان نسخا لغويا، وجاز بكل ما يصلح أن يكون دليلا في موضعه، وإن لم يجز به النسخ، كالقياس وخبر الواحد ونحوه، وهذا هو اختيار أبي الحسين البصري.\rوإذ أتينا على شرح المذاهب بالتفصيل، فلا بد من النظر فيما يتفرع على هذه المذاهب من المسائل الفرعية، والكشف عن وجه الحق في كل واحدة منها، تتمة للمقصود، وهي عشرة فروع:","part":3,"page":171},{"id":808,"text":"الفرع الاول إذا وجبت الزكاة في معلوفة الغنم، لا يكون ذلك نسخا لحكم قوله (ص): في الغنم السائمة زكاة لانه لا يقتضي نفي الزكاة عن المعلوفة كما سبق في إبطال دليل الخطاب، وإنما يقتضي نفي الزكاة عن المعلوفة، بناء على حكم العقل الاصلي، فرفعه لا يكون نسخا لما تقدم وإن سلمنا أن دليل الخطاب حجة، وأنه يدل على نفي الزكاة عن المعلوفة فلا يخفى أن وجوب الزكاة فيها يكون رافعا لما اقتضاه دليل الخطاب، فيكون نسخا.\rالفرع الثاني إذا زيدت ركعة على ركعتي الصبح بحيث صارت صلاة الصبح\rثلاث ركعات.\rقال أبو الحسين البصري هذا ليس بنسخ لحكم الدليل الدال على وجوب صلاة الصبح، لان زيادة الركعة، إما أن تكون نسخا للركعتين، أو نسخا لاجزائها ووجوبها، أو نسخا لوجوب التشهد عقيب الركعتين: لا جائز أن يكون نسخا للركعتين، لان النسخ لا يتعلق بالافعال كيف وإن الركعتين قارتان لم يرتفعا.\rولا جائز أن يكون نسخا لاجزائها، وإلا كان زيادة غسل عضو آخر في طهارة الصلاة ناسخا لاجزائها ووجوبها، الذي كان قبل إيجاب غسل العضو الزائد، ولم يقل به من قال بهذا المذهب، كالقاضي عبد الجبار، كما عرف من مذهبه ولا جائز أن يكون نسخا لوجوب التشهد عقيب الركعتين، لانه إنما كان واجبا آخر الصلاة، وذلك غير مرتفع، ولا متغير، وإنما المتغير آخر الصلاة، فإن آخرها كان بآخر الركعتين، والآن صار آخر الثلاث.\rوقد قيل في إبطاله لا نسلم الحصر، فإنه كان يحرم الزيادة على الركعتين، والتحريم حكم شرعي، وقد ارتفع بالزيادة، وليس بحق إذ لقائل أن يقول: إنما يصح ذلك أن لو كان الامر بالركعتين مقتضيا للنهي عن الزيادة عليهما، وليس كذلك، بل أمكن أن يكون ذلك مستفادا من دليل آخر، فزيادة الركعة على الركعتين لا يكون نسخا لحكم الدليل الدال على وجوب الركعتين.","part":3,"page":172},{"id":809,"text":"وقد قيل في إبطاله أيضا، إن النسخ إنما هو لاجزاء الركعتين بتقدير انفرادهما وهو حكم شرعي، وقد ارتفع بالزيادة، وفيه نظر، إذ يمكن أن يقال: معنى كون الركعتين مجزية أنه يخرج بها عن عهدة الامر ومعنى الخروج بها عن العهدة أنه لا يجب مع فعلها شئ آخر، وليس ذلك\rحكما شرعيا ليكون رفعه نسخا شرعيا، بل هو من مقتضيات النفي الاصلي.\rوإنما طريق الرد عليه أن يقال: ما ذكره من الالزام باشتراط غسل العضو الزائد.\rوإن كان لازما على القاضي عبد الجبار فغير لازم لغيره، كالغزالي ونحوه من القائلين بكون ذلك نسخا، فلا بد من الدلالة عليه، ولم يتعرض لذلك، وإن قدر لزوم ذلك، فلا يخفى أن وجوب التشهد بعد الركعتين حكم شرعي، وقد ارتفع بزيادة الركعة.\rوالقول بأن المغير إنما هو آخر الصلاة ليس كذلك.\rفإن التشهد كان واجبا عقيب الركعتين، وبالزيادة صار غير واجب.\rالفرع الثالث زيادة التغريب على الحد، وزيادة عشرين جلدة على الثمانين ليس بنسخ لان النسخ يستدعي رفع ما ثبت للثمانين من الحكم الشرعي، ولا تحقق له، إذا الاصل بقاء ما كان لها من الحكم قبل الزيادة بعدها.\rفإن قيل: بيان ارتفاع حكم الثمانين من خمسة أوجه: الاول: أن الثمانين قبل الزيادة كانت كل الحد الواجب، وقد صارت بعد الزيادة بعض الحد.\rالثاني: أن الثمانين كانت مجزئة قبل الزيادة، وقد ارتفع إجزاؤها بالزيادة.\rالثالث: الثمانون وحدها كان يتعلق بها التفسيق.\rورد الشهادة، وبعد الزيادة زال تعلق ذلك بالثمانين.\rالرابع: أن الثمانين قبل الزيادة كان يجب الاقتصار عليها، وبعد الزيادة زال هذا الوجوب.\rالخامس: أن قيل الزيادة كانت الزيادة غير واجبة (1) وقد زال هذا الحكم بإيجاب الزيادة.\rوالجواب عن الاول: أنه لا معنى لكون الثمانين قبل الزيادة كل الواجب إلا.\r__________\r1 - ان قيل الزيادة كانت الزيادة غير واجبة - فيه تحريف ولعل الاصل ان الزيادة كانت قبل الزيادة غير واجبة.\r(*)","part":3,"page":173},{"id":810,"text":"أنها واجبة، وغيرها ليس بواجب، ووجوبها لم يرتفع، وإنما المرتفع بالزيادة\rعدم وجوب الزيادة، وذلك معلوم بالبراءة الاصلية، فلا يكون رفعه نسخا شرعيا.\rوعن الثاني ما سبق في الفرع الذي قبله.\rوعن الثالث لا نسلم أن التفسيق ورد الشهادة متعلق بالثمانين، بل بالقذف وإن سلمنا تعلق ذلك بالثمانين، إلا أن معنى التفسيق يرجع إلى عدم موافقة أمر الشارع، ورد الشهادة إلى عدم قبولها، وذلك معلوم بالنفي الاصلي، ورد الشهادة وإن كان معلوما من قوله تعالى: * (ولا تقبلوا لهم شهادة) * فليس من مقتضيات دليل إيجاب الثمانين، فرفعه لا يكون نسخا شرعيا.\rوعن الرابع أن معنى وجوب الاقتصار على الثمانين قبل الزيادة أنها واجبة ولا تجوز الزيادة عليها، ووجوبها لم يرتفع، وإنما المرتفع عدم الجواز المستند إلى البراءة الاصلية، وذلك ليس بنسخ على ما تقدم.\rوعلى هذا، فقد خرج الجواب عن الالزام الخامس أيضا.\rالفرع الرابع إذا أوجب الله تعالى غسل الرجلين على التعيين، ثم خيرنا بين ذلك وبين المسح على الخفين، أو خيرنا في الكفارة بين الاطعام والصيام، ثم زاد ثالثا، وهو الاعتاق، هل يكون ذلك نسخا لوجوب غسل الرجلين على التعيين ووجوب التخيير بين الاطعام والصيام على التعيين ؟ الحق إنه ليس بنسخ (1) لان معنى كون العمل واجبا على التعيين انه واجب وان غيره لا يقوم مقامه وكونه.\r__________\r1 - حكى الاسنوى في كتابه نهاية السول في شرح منهاج الوصول للبيضاوي عن الآمدي انه أختلف قوله في المسألتين فقال في الاحكام ان الحق أنه ليس بنسخ في المسألتين، وقال في منتهى السول انه نسخ في الاولى وليس بنسخ في الثانية، وقد وجدت بمخطوطة المدينة التي هي العمدة في هذه الطبعة قول الآمدي انه لانسخ في المسألتين فآثرت أن أجعل ما فيها في أصل هذه الطبعة واجعل في التعليق قول الآمدي الآخر الذي ذكر الاسنوي أنه قوله في مننتهى السوال لا في الاحكام\rوهذا نصه: (الحق انه نسخ لغسل الرجلين وليس نسخا للتخيير بين الاطعام والصيام، لان التخيير بين الاطعام والصيام على التعيين) (*)","part":3,"page":174},{"id":811,"text":"واجبا لم يرتفع وإنما المرتفع كون غيره لا يقوم مقامه وذلك ثابت بمقتضى النفي الاصلي، فرفعه لا يكون نسخا شرعيا وكذلك لتخيير بين الاطعام والصيام على التعيين معناه ان الواجب منهما، وان غيرهما لا يقوم مقامهما ووجوب احدهما لا يعنية مرتفع، وانما المرتفع كون غيرهما لا يقوم مقامهما، وذلك ثابت بمقتضى النفي الاصلي، فرفعه لا يكون نسخا شرعيا.\rالفرع الخامس إذا وقف الله تعالى الحكم على شاهدين بقوله * (فاستشهدوا شهيدين) * (2) البقرة: 282) فإذا جوز الحكم بشاهد ويمين بخبر الواحد، فهل يكون ذلك نسخا للحكم بالشاهدين على التعيين ؟ الحق أنه ليس بنسخ، وذلك لان مقتضى الآية جواز الحكم بالشاهدين، وأن شهادتهما حجة، وليس فيه ما يدل على امتناع الحكم بحجة أخرى إلا بالنظر إلى المفهوم، ولا حجة فيه على ما تقدم.\rوإن كان حجة فرفعه يكون نسخا، ولا يجوز بخبر الواحد (1).\rالفرع السادس: إذا أوجب الله تعالى عتق رقبة مطلقة في كفارة الظهار، فتقييدها بعد ذلك بالايمان إن ثبت أن الله تعالى أراد بكلامه الدلالة على أجزاء الرقبة الكافرة وغيرها، كان التقييد بالايمان نسخا، ولا يجوز بدليل العقل والقياس وخبر الواحد، وإلا كان تقييدا للمطلق لا نسخا (2).\rالفرع السابع: إذا أوجب الله تعالى قطع يد السارق ورجله على التعيين، فإباحة قطع رجله الاخرى بعد ذلك، إن كان رافعا لعدم الاباحة الثابتة بحكم العقل الاصلي، فلا يكون نسخا شرعيا وإن كان رافعا للتحريم، وإن جاز أن\r__________\r1 - متى صح خبر القضاء بالشاهد واليمين، وجب العمل به مطلقا، اما لعدم\rاعتبار مفهوم المخالفة في قوله تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) واما الرجحان الخبر عليه وان قلنا ان المفهوم حجة وجهل التاريخ لانه منطوق متفق على العمل به عند المختلفين في حجية مفهوم المخالفة، واما لانه ناسخ له ان علم التاريخ وكان متاخرا.\r2 - يجب العمل بخبر الواحد في ذلك تقييدا أو نسخا فانه على تقدير افادته لغلبة الظن فقط فافادة المتواتر لاستمرار حكمه ظنية ما دام الوحي ينزل فلا بعد في ان يقطع الاستمرار بخبر الواحد، إذ كلاهما ظني - انظر التعليق 4 ص 149 ج 3.\r(*)","part":3,"page":175},{"id":812,"text":"يكون نسخا، فليس نسخا لمقتضى النص الاول لعدم دلالته عليه.\rالفرع الثامن: إذا زيد في الطهارة اشتراط غسل عضو زائد على الاعضاء الستة، فلا يكون ذلك نسخا لوجوب غسل الاعضاء الستة، إذ هي واجبة مع وجوب غسل العضو الزائد، ولا لاجزائها عند الاقتصار عليها، لان معنى كونها مجزئة أن امتثال الامر بفعلها غير متوقف على أمر آخر، وامتثال الامر بفعلها غير مرتفع وإنما المرتفع عدم التوقف على شرط آخر، وذلك المرتفع وهو عدم اشتراط أمر آخر إنما كان مستندا إلى حكم العقل الاصلي، فلا يكون رفعه نسخا شرعيا.\rوعلى هذا، يكون الحكم فيما إذا زيد في الصلاة شرط آخر.\rالفرع التاسع: قوله تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * (2) البقرة: 187) دال على جعل أول الليل غاية للصوم، فإيجاب صوم أول الليل بعد ذلك هل يكون نسخا لما دلت عليه الآية من كون أول الليل غاية للصوم وظرفا له ؟ والحق في ذلك أن يقال: إن قلنا إن مفهوم الغاية ليس بحجة وأنه لا يدل على مد الحكم إلى غاية أن يكون الحكم فيما بعد الغاية على خلاف ما قبلها، فإيجاب صوم أول الليل لا يكون نسخا لمدلول الآية، وإلا كان نسخا، وامتنع ذلك بدليل العقل وخبر الواحد (1).\rالفرع العاشر: إذا قال الله تعالى (صلوا إن كنتم متطهرين) فاشتراط شرط آخر لا يكون نسخا، لانه إما أن يكون نسخا لوجوب الصلاة مع الطهارة، أو لاجزائها، أو لما فيه من رفع عدم اشتراط شرط آخر، أو لشئ آخر: لا سبيل إلى الاول لان الوجوب مع الطهارة لم يرتفع.\rوالثاني لا سبيل إليه، لما سبق في الفرع الثامن.\rولا سبيل إلى الثالث، لانه رفع حكم العقل الاصلي، فلا يكون نسخا شرعيا والرابع لا بد من تصويره لان الاصل عدمه.\rوعلى هذا أيضا قوله تعالى: * (وليطوفوا بالبيت العتيق) * (22) الحج: 29) موجب للطواف مطلقا مع الطهارة، ومن غير طهارة، فاشتراط الطهارة بقوله (ص): الطواف بالبيت\r__________\r1 - انظر التعليق ص 175 ج 3.\r(*)","part":3,"page":176},{"id":813,"text":"صلاة لا يكون نسخا لوجوب الطواف لبقاء وجوبه، ولا لاجزائه، ولا لعدم اشتراط الطهارة لما بيناه.\rولذلك، منع الشافعي من الاجزاء بقوله: الطواف بالبيت صلاة (1).\rوأبو حنيفة لما لم يسعه مخالفة الخبر قال بوجوب الطهارة مع بقاء الطواف مجزئا من غير طهارة، حيث اعتقد أن رفع الاجزاء يكون نسخا لحكم الكتاب بخبر الواحد.\r__________\r1 - (الطواف بالبيت) رواه ابن حبان في صحيحة من حديث فضيل بن عياض والحاكم في المستدرك من حديث سفيان كلاهما عن عطاء بن السائب عن طاووس عن بن عباس قال: قال رسول الله (ص) (الطواف بالبيت صلاة الا أن الله قد أدحل فيه النطق فمن نطق فيه فلا ينطق الا بخير.\rواخرجه الترمذي في كتابه عن جرير عن عطاء بن السائب به، بلفظ) الطواف حول البيت مثل الصلاة) قال وقد روي هذا الحديث عن ابن طاووس وغيره موقوفا، ولا نعرفه مرفوعا\rالا من حديث عطاء ابن السائب، انظر تفصيل الكلام على متنه وطرقه في نصب الراية وتلخيص الحبير.\r(*)","part":3,"page":177},{"id":814,"text":"المسألة التاسعة عشرة اتفقوا على أن نسخ سنة من سنن العبادة لا يكون نسخا لتلك العبادة، كنسخ ستر الرأس، والوقوف على يمين الامام في الصلاة واختلفوا في أن نسخ ما تتوقف عليه صحة العبادة، هل يكون نسخا لتلك العبادة فذهب الكرخي وأبو الحسين البصري إلى أن ذلك لا يكون نسخا للعبادة.\rوسواء كان المنسوخ جزءا من مفهوم العبادة كالركعة من صلاة الظهر مثلا، أو شرطا خارجا عن مفهوم الصلاة، كالوضوء.\rومن المتكلمين من قال: إنه نسخ للعبادة مطلقا.\rوإليه ميل الغزالي.\rومنهم من فصل بين الجزء والشرط وأوجب نسخ العبادة بنسخ جزئها دون شرطها، كالقاضي عبد الجبار.\rوالمختار أنه لا يكون ذلك نسخا للعبادة مطلقا.\rأما إذا كانت الصلاة أربع ركعات، فكل ركعتين منها واجبة، فنسخ أحد الواجبين لا يوجب نسخ الواجب الآخر، وكذلك إذا كانت الصلاة واجبة، والطهارة شرط فيها.\rفنسخ اشتراط الطهارة لا يكون موجبا لنسخ وجوب الصلاة، بل الوجوب باق بحاله، فلا نسخ.\rفإن قيل: إذا أوجب الشارع أربع ركعات، ثم نسخ منها وجوب ركعتين، فقد نسخ وجوب أصل العبادة، لا أنه نسخ للبعض، وتبقية للبعض، فإن الركعتين الباقيتين ليست بعض الاربع، بل هي عبادة أخرى، وإلا فلو كانت بعضا منها، لكان من صلى الصبح أربع ركعات آتيا بالواجب وزيادة، كما لو أوجب عليه التصدق بدرهم، فتصدق بدرهمين.\rوإن سلمنا أن وجوب الركعتين باق بحاله، غير أنها كانت قبل نسخ الركعتين لا تجزي، وقد ارتفع ذلك بنسخ الركعتين الزائدتين حيث صارت تجزئ، وكان يجب تأخير التشهد إلى ما بعد الاربع، وقد ارتفع ذلك، وهو عين النسخ.\rوعلى هذا يكون الحكم فيما إذا نسخ شرط العبادة، فإنها كانت قبل النسخ لا تجزئ، وقد ارتفع ذلك بنسخ الشرط.\rوالجواب: قولهم إن نسخ الركعتين نسخ لوجوب أصل العبادة ليس كذلك بدليل بقاء وجوب الركعتين:","part":3,"page":178},{"id":815,"text":"قولهم الركعتان عبادة أخرى غير العبادة الاولى، إن أرادوا بالغيرية أنها بعض منها، والبعض غير الكل فمسلم، ولكن لا يكون نسخا للركعتين، وإن كان نسخا لوجوب الكل، وإن أرادوا به أنها ليست بعضا من الاربع، فهو غير مسلم.\rقولهم لو كانت بعضا من الاربع، لكان من صلى الصبح أربعا، قد أتى بالواجب وزيادة.\rقلنا ولو لم تكن بعضا من الواجب الاول، بل عبادة أخرى، لافتقرت في وجوبها إلى ورود أمر يدل على وجوبها، وهو خلاف الاجماع، وحيث لم تصح صلاة الصبح عند الاتيان بأربع ركعات فإنما كان لادخال ما ليس من الصلاة فيها.\rقولهم إنها كانت قبل نسخ الركعتين لا تجزئ.\rقلنا: إن أريد به عدم امتثال الامر والثواب عليها، فذلك مستند إلى النفي الاصلي، فرفعه لا يكون نسخا، وإن أريد به وجوب القضاء، فهو نسخ، لكن لا لنفس العبادة.\rقولهم إنه كان يجب تأخير التشهد إلى ما بعد الاربع ليس كذلك، فإن التشهد بعد الركعتين جائز.\rنعم غايته أنه لم يكن واجبا وعدم وجوبه فلبقائه على النفي الاصلي، فرفعه لا يكون نسخا شرعيا على ما عرف.\rنعم لو قيل برفع جوازه بحكم الشرع، كان ذلك نسخا.\rوعلى هذا، عرف الجواب عن قولهم إن العبادة كانت لا تجزئ دون الطهارة، ثم صارت مجزئة.","part":3,"page":179},{"id":816,"text":"المسألة العشرون: اتفق العلماء على جواز نسخ جميع التكاليف بإعدام العقل الذي هو شرط في التكليف، وأنه يستحيل أن يكلف الله أحدا بالنهي عن معرفته إلا على رأي من يجوز التكليف بما لا يطاق.\rوذلك لان تكليفه بالنهي عن معرفته يستدعي العلم بنهيه، والعلم بنهيه يستدعي العلم بذاته، فإن من لا يعرف الباري تعالى يمتنع عليه أن يكون عالما بنهيه.\rفإذا تحريم معرفته متوقف على معرفته، وهو دور ممتنع.\rوإنما الخلاف في أمرين: الاول: أنه هل يتصور نسخ وجوب معرفة الله تعالى وشكر المنعم ونسخ تحريم الكفر والظلم والكذب، وكذلك كل ما قيل بوجوبه لحسنه وتحريمه لقبحه في ذاته: فذهبت المعتزلة بناء على فاسد أصولهم في اعتقاد الحسن والقبح الذاتي ورعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، إلى امتناع نسخ هذه الاحكام لاعتقادهم أن المقتضى لوجوبها وتحريمها إنما هو صفات ذاتية لا يجوز تبديلها ولا تغييرها، ونحن قد أبطلنا هذه الاصول، ونبهنا على فسادها فيما تقدم.\rالثاني: أنه وإن جاز نسخ هذه الاحكام، فبعد أن كلف الله العبد هل يجوز أن ينسخ عنه جميع التكاليف أو لا ؟ اختلفو فيه نفيا وإثباتا واختار الغزالي المنع من ذلك مصيرا منه إلى أن المنسوخ عنه يجب عليه معرفة النسخ والناسخ والدليل المنصوب عليه.\rفهذا النوع من\rالتكليف لا يمكن نسخه، بل هو باق بالضرورة، وليس بحق، فإنا وإن قلنا بأن النسخ لا يحصل في حق المكلف دون علمه بنزول النسخ، فلا يمتنع تحقق النسخ لجميع التكاليف في حقه عند علمه بالنسخ، وإن لم يكن مكلفا بمعرفة النسخ.","part":3,"page":180},{"id":817,"text":"خاتمة في طريق معرفة الناسخ والمنسوخ فنقول: النصان إذا تعارضا وتنافيا إما أن يتعارضا من كل وجه أو من وجه دون وجه: فإن تنافيا من كل وجه، فإما أن يكونا معلومين أو مظنونين، أو أحدهما معلوما والآخر مظنونا: فإن كانا معلومين أو مظنونين، فإما أن يعلم تأخر أحدهما عن الآخر فهو ناسخ، والمتقدم منسوخ.\rوذلك قد يعرف إما بلفظ النسخ والمنسوخ، كما لو قال النبي (ص): هذا ناسخ وهذا منسوخ (1) أو أجمعت الامة على ذلك.\rوإما بالتاريخ، وذلك قد يعلم إما بأن يكون في اللفظ ما يدل على التقدم والتأخر كقوله (ص): كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها وإما بإسناد الراوي أحدهما إلى شئ متقدم، كقوله، كان هذا في السنة الفلانية، وهذا في السنة الفلانية وإحداهما معلومة التقدم على الاخرى هذا كله إذا كان سند الناسخ والمنسوخ مستويا.\rوليس من الطرق الصحيحة في معرفة النسخ أن يقول الصحابي كان الحكم كذا، ثم نسخ فإنه ربما قال ذلك عن اجتهاد، ولا أن يقول في أحد المتواترين إنه كان قبل الآخر، لانه يتضمن نسخ المتواتر بقول الواحد ولا يلزم ثبوت نسب الولد من صاحب الفراش ضمنا من قبول قول القابلة في الولد إنه من إحدى المرأتين، وأن النسب لا يثبت بقولها ابتدأ، مثل ذلك ها هنا، كما قاله القاضي عبد الجبار، فإن غاية ذلك الجواز، ولا يلزم منه الوقوع.\rولا أن يكون أحدهما مثبتا في المصحف بعد الآخر، لانه ليس ترتيب الآيات في المصحف على ترتيبها في النزول، ولا أن يكون راوي أحدهما من أحداث.\r__________\r1 - هذا مجرد فرض وتقدير لم يعهد مثل هذا في عبارات الكتاب والسنة، فهو غير علمي في التمييز بين الناسخ والمنسوخ.\r(*)","part":3,"page":181},{"id":818,"text":"الصحابة، لانه قد ينقل عمن تقدمت صحبته.\rوإن روى عن النبي (ص)، من غير واسطة، فلجواز أن تكون رواية متقدم الصحبة متأخرة.\rولا أن يكون إسلام أحد الراويين بعد إسلام الآخر، لما ذكرناه في رواية الحدث ولا أن يكون أحد الراويين متجدد الصحبة بعد انقطاع صحبة الراوي الآخر، لجواز سماعه عمن تقدمت صحبته، ولا أن يكون أحد النصين على وفق قضية العقل والبراءة الاصلية، والآخر على خلافه فإنه ليس تقدم الموافق لذلك أولى من المخالف.\rوأما إن علم اقترانهما مع تعذر الجمع بينهما، فعندي أن ذلك غير متصور الوقوع، إن جوزه قوم، وبتقدير وقوعه، فالواجب إما الوقف عن العمل بأحدهما (1) أو التخيير بينهما إن أمكن.\rوكذلك الحكم فيما إذا لم يعلم شئ من ذلك.\rوأما إن كان أحدهما معلوما، والآخر مظنونا، فالعمل بالمعلوم واجب، سواء تقدم أو تأخر (2) أو جهل الحال في ذلك لكنه إن كان متأخرا عن المظنون كان ناسخا، وإلا كان مع وجوب العمل به غير ناسخ.\rهذا كله فيما إذا تنافيا من كل وجه وأما إن تنافيا من وجه دون وجه، بأن يكون كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه دون وجه كما في قوله (ص): من بدل دينه فاقتلوه (3) فإنه خاص بالمبدل، وعام في النساء والرجال، وقوله: نهيت عن قتل النسوان (4) فإنه خاص في النساء، وعام بالنسبة إلى المبدل، فالحكم فيهما كما لو تنافيا من كل وجه، فعليك بالاعتبار، والله أعلم.\r__________\r1 - عن العمل بأحدهما - لعله عن العمل بكل منهما.\r2 - بل العمل بالمتأخر منهما واجب فان المتواتر وان كان معلوم الثبوت لكنه ظني الاستمرار ما دام الوحي ينزل فيجوز قطع استمراره بالاحاد وليس في ذلك اكثر من تخصيص متواتر ظاهره العموم في الزمان بآحاد يبين اختصاصه ببعض الزمان وتخصيص المتواتر العام بالآحاد لاغرابة فيه، انظر التعليق 4 - ص 149 ج 3 3 - من بدل، رواه احمد والبخاري والاربعة من طريق ابن عباس.\r4 - روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر نهى النبي (ص): عن قتل النساء والصبيان.\r(*)","part":3,"page":182},{"id":819,"text":"الاصل الخامس في القياس ويشتمل على مقدمة وخمسة أبو اب.\rأما المقدمة ففي تحقيق معنى القياس وبيان أركانه.\rأما القياس فهو في اللغة عبارة عن التقدير، ومنه يقال: قست الارض بالقصبة وقست الثوب بالذراع، أي قدرته بذلك وهو يستدعي أمرين يضاف أحدهما إلى الآخر بالمساواة، فهو نسبة وأضافة بين شيئين ولهذا يقال: فلان يقاس بفلان، ولا يقاس بفلان أي يساويه، ولا يساويه.\rوأما في اصطلاح الاصوليين فهو منقسم إلى قياس العكس، وقياس الطراد.\rأما قياس العكس، فعبارة عن تحصيل نقيض حكم معلوم ما في غيره، لافتراقهما (1) في علة الحكم، وذلك كما لو قيل: لو لو يكن الصوم شرطا في الاعتكاف، لما كان شرطا له عند نذره أن يعتكف صائما، كالصلاة فإن الصلاة لما لم تكن شرطا في الاعتكاف لم تكن من شرطه إذا نذر أن يعتكف مصليا، فالاصل هو الصلاة، والفرع هو الصوم، وحكم الصلاة أنها ليست شرطا في الاعتكاف، والثابت في الصوم نقيضه، وهو أنه شرط في الاعتكاف، وقد افترقا في العلة (2) لان العلة التي لاجلها لم تكن الصلاة شرطا في الاعتكاف أنها لم تكن شرطا فيه حالة النذر،\rوهذه العلة غير موجودة في الصوم، لانه شرط في الاعتكاف حالة النذر إجماعا (3).\r__________\r1 - لافتراقهما - الصواب لتنافيهما فان مجرد الافتراق في العلة والاختلاف فيها لا يوجب التناقض في الحكم.\r2 - افترقا في العلة - اي تنافيا وتقابلا بالسلب والايجاب.\r3 - ومن امثلته ايضا ما تضمنه قوله تعالى (أفمن يخلق كمن لا يخلق) فقد اثبت الله تعالى لنفسه التفرد باستحقاق الالوهية وانكر ان يكون غيره مستحقا لذلك استقلالها أو اشتراكا لتنافيهما في الموجب وهو الخلق فلله الخلق والامر وحده وغيره ليس إليه شئ من ذلك ومن ذلك قوله تعالى (ضرب الله مثلا عبد ا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقناه منا رزقا حسنا) الآيتين من سورة النحل، ومنه قوله (ص) (وفي احدكم صدقة = (*)","part":3,"page":183},{"id":820,"text":"وأما قياس الطرد، فقد قيل فيه عبارات غير مرضية، لا بد من الاشارة إليها وإلى إبطالها.\rثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار فيه.\rفمنها قول بعضهم إنه عبارة عن إصابة الحق، وهو منتقض بإصابة الحق بالنص والاجماع، فإنه على ما قيل وليس بقياس كيف وإن إصابة الحق فرع للقياس وحكم له، وحكم القياس لا يكون هو القياس.\rومنها قول بعضهم إنه بذل الجهد في استخراج الحق، وهو أيضا باطل بما أبطلنا به الحد الذي قبله.\rكيف وإن بذل الجهد إنما هو منبئ عن حال القائس، لا عن نفس القياس.\rوقد قيل في إبطاله إنه غير منعكس لوجود المحدود، دون الحد، وذلك أن من رأى حكما منصوصا عليه وعلى علته، وكانت علته مما يشهد الحس بها في الفرع فإن ذلك مقتضى تعدية الحكم من الاصل إلى الفرع بطريق القياس، وإن لم يوجد\rفيه بذل جهد في استخراج الحق فقد وجد المحدود دون حده، وليس بحق، فإنه وإن لم يلحق المكلف بذل جهد في معرفة الحكم وعلته، لكونهما منصوصين ولا في معرفة وجود العلة في الفرع لكونها محسة فيه، فلا بد من الاجتهاد في معرفة صحة النص إن كان آحادا، وإن كان متواترا، ولا بد من البحث عن كونه منسوخا أم لا، وإن لم يكن منسوخا، فلا بد من النظر في الاصل هل للعلة فيه معارض أو لا وإن لم يكن لها معارض في الاصل فلا بد من النظر في الفرع هل وجد فيه مانع أو فات شرط أو لا، ثم وإن قدر انتفاء الاجتهاد مطلقا في الصورة المفروضة فلا نسلم تحقق القياس فيها، بل الحكم إنما يثبت في الفرع على هذا التقدير بالاستدلال، لا بالقياس، على ما يأتي تحقيقه.\rومنها قول بعضهم إن القياس هو التشبيه، ويلزم عليه أن يكون تشبيه أحد الشيئين بالآخر، في المقدار، وفي بعض صفات الكيفيات كالالوان والطعوم ونحوها.\r__________\r= قالوا يا رسول الله أياتي أحدنا شهوته ويكون فيها اجر قال: أرايتم لو وضعها في حرام اكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له اجر).\r(*)","part":3,"page":184},{"id":821,"text":"قياسا شرعيا، إذ الكلام إنما هو في حد القياس في اصطلاح المتشرعين، وليس كذلك.\rومنها قول بعضهم: القياس هو الدليل الموصل إلى الحق، وهو باطل بالنص والاجماع.\rومنهم من قال: هو العلم الواقع بالمعلوم عن نظر، وهو أيضا باطل بالعلم الحاصل بالنظر في دلالة النص والاجماع كيف وإن العلم غير حاصل من القياس، فإنه لا يفيد غير الظن، وإن كان حاصلا منه، فهو ثمرة القياس، فلا يكون هو القياس.\rوقال أبو هاشم إنه عبارة عن حمل الشئ على غيره وإجراء حكمه عليه وهو باطل من وجهين:\rالاول أنه غير جامع لانه يخرج منه القياس الذي فرعه معدوم ممتنع لذاته فإنه ليس بشئ الثاني: أن حمل الشئ على غيره وإجراء حكمه عليه قد يكون من غير جامع.\rفلا يكون قياسا، وإن كان بجامع، فيكون قياسا، وليس في لفظه ما يدل على الجامع، فكان لفظه عاما للقياس ولما ليس بقياس.\rوقال القاضي عبد الجبار: إنه حمل الشئ على الشئ في بعض أحكامه بضرب من الشبه، وهو باطل بما أبطلنا به حد أبي هاشم في الوجه الاول.\rوقال أبو الحسين البصري: القياس تحصيل حكم الاصل في الفرع لاشتباههما في علة الحكم عند المجتهد.\rوقد أورد على نفسه في ذلك إشكالا وأجاب عنه.\rأما الاشكال فهو أن الفقهاء يسمون قياس العكس قياسا، وليس هو تحصيل حكم الاصل في الفرع لاشتباههما في علة الحكم، بل هو تحصيل نقيض حكم الشئ في غيره لافتراقهما في علة الحكم، كما سبق تحقيقه.\rوأما الجواب فحاصله أن تسمية قياس العكس قياسا إنما كان بطريق المجاز لفوات خاصية القياس فيه، وهو إلحاق الفرع بالاصل في حكمه لما بينهما من المشابهة.\rويمكن أن يقال في جوابه أيضا إنه وإن كان قياس العكس قياسا حقيقة.\rغير أن اسم القياس مشترك بين قياس الطرد وقياس العكس، فتحديد أحدهما","part":3,"page":185},{"id":822,"text":"بخاصيته لا ينتقض بالمسمى الآخر المخالف له في خاصيته، وإن كان مسمى باسمه.\rولهذا، فإنه لو حدت العين بحد يخصها لا ينتقض بالعين الجارية المخالفة لها في حدها وإن اشتركا في الاسم، والمحدود ها هنا إنما هو قياس الطرد المخالف في حقيقته لقياس العكس، غير أن ما ذكره من الحد مدخول من وجهين.\rالاول أن قوله تحصيل حكم الاصل في الفرع مشعر بتحصيل عين حكم الاصل في الفرع، وهو ممتنع، فكان من حقه أن يقول: مثل حكم الاصل في الفرع.\rالثاني أن تحصيل حكم الاصل في الفرع هو حكم الفرع ونتيجة القياس.\rونتيجة الشئ لا تكون هي نفس ذلك الشئ، فكان الاولى أن يقول: القياس هو اشتباه الفرع والاصل في علة حكم الاصل في نظر المجتهد على وجه يستلزم تحصيل الحكم في الفرع.\rوقال القاضي أبو بكر (1): القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما.\rأو نفيه عنهما، بأمر جامع بينهما من اثبات حكم أو صفة لها أو نفيهما عنهما.\rوقد وافقه عليه أكثر أصحابنا، وهو مشتمل على خمسة قيود: الاول قوله: حمل معلوم على معلوم.\rالثاني قوله: في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما.\rالثالث قوله: بناء على جامع بينهما.\rالرابع قوله: من إثبات حكم أو صفة لهما.\rالخامس قوله: أو نفيه عنهما.\rأما القيد الاول يستدعي بيان معنى الحمل، وبيان فائدة إطلاق لفظ المعلوم وفائدة حمل المعلوم على المعلوم.\rأما الحمل فمعناه مشاركة أحد المعلومين للآخر في حكمه، وإنما أطلق لفظ المعلوم، لانه ربما كانت صورة المحمول والمحمول عليه عدمية، وربما كانت وجودية فلفظ المعلوم يكون شاملا لهما، فإنه لو أطلق لفظ الموجود، لخرج منه المعدوم، ولو أطلق لفظ الشئ لاختص أيضا بالموجود على رأي أهل الحق.\r__________\r1 - وهو محمد بن الطيب الباقلاني.\r(*)","part":3,"page":186},{"id":823,"text":"ولو قال: حمل فرع على أصل، ربما أوهم اختصاصه بالموجود من جهة أن وصف أحدهما بكونه فرعا، والآخر بكونه أصلا، قد يظن أنه صفة وجودية والصفات الوجودية لا تكون صفة للمعدوم، وإن لم يكن حقا، فكان استعمال لفظ المعلوم أجمع وأمنع وأبعد عن الوهم الفاسد، وإنما قال: حمل معلوم على معلوم لان القياس يستدعي المقايسة، وذلك لا يكون إلا بين شيئين، ولانه لولاه لكان إثبات الحكم أو نفيه في الفرع غير مستفاد من القياس، أو كان معللا بعلة غير معتبرة، فيكون بمجرد الرأي، والتحكم، وهو ممتنع.\rوأما القيد الثاني: فإنما ذكره، لان حمل الفرع على الاصل قد بان أن معناه التشريك في الحكم، وحكم الاصل، وهو المحمول عليه قد يكون إثباتا، وقد يكون نفيا وكانت عبارته بذلك أجمع للنفي والاثبات.\rوأما القيد الثالث: فإنما ذكره لان القياس لا يتم إلا بالجامع بين الاصل والفرع وإلا كان حمل الفرع على الاصل في حكمه من غير دليل، وهو ممتنع.\rوأما القيد الرابع: فإنما ذكره، لان الجامع بين الاصل والفرع قد يكون تارة حكما شرعيا، كما لو قال في تحريم بيع الكلب، نجس فلا يجوز بيعه كالخنزير وقد يكون وصفا حقيقيا، كما لو قال في النبيذ مسكر فكان حراما كالخمر.\rوأما القيد الخامس: فإنما ذكره لان الجامع من الحكم أو الصفة قد يكون إثباتا كما ذكرناه من المثالين.\rوقد يكون نفيا.\rأما في الحكم فكما لو قال في الثوب النجس إذا غسل بالخل، غير طاهر، فلا تصح الصلاة فيه، كما لو غسله باللبن والمرق.\rوأما في الصفة، فكما لو قال في الصبي، غير عاقل، فلا يكلف كالمجنون.\rوقد أورد عليه تشكيكات لا بد في ذكرها والاشارة إلى دفعها.\rالاشكال الاول أن القول بحمل المعلوم على المعلوم إما أن يراد به إثبات مثل\rحكم أحدهما للآخر، أو شئ آخر فإن كان الاول: فالقول ثانيا في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما يكون تكرارا من غير فائدة.","part":3,"page":187},{"id":824,"text":"وإن كان الثاني فلا بد من بيانه، كيف وإنه بتقدير أن يراد به شئ آخر، فلا يجوز ذكره في تعريف القياس، لان ماهية القياس تتم بإثبات مثل حكم أحد المعلومين للآخر بأمر جامع، فكان ذكر ذلك الشئ زائدا عما يحتاج إليه.\rالثاني: أن قوله في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما مشعر بأن الحكم في الاصل والفرع مثبت بالقياس، وهو محال من جهة أن القياس فرع على ثبوت الحكم في الاصل، فلو كان ثبوت الحكم في الاصل فرعا على القياس كان دورا.\rالثالث: أنه كما يثبت الحكم بالقياس، فقد ثبتت الصفة أيضا بالقياس، كقولنا في الباري تعالى (عالم) فكان له علم كالشاهد.\rفالقياس أعم من القياس الشرعي والعقلي.\rوعند ذلك إما أن تكون الصفة مندرجة في الحكم، أو لا تكون.\rفإن كان الاول: كان القول بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة أو نفيهما تكرارا لكون الصفة أحد أقسام الحكم.\rوإن كان الثاني: كان التعريف ناقصا.\rالرابع: أن المعتبر في ماهية القياس، الجامع من حيث هو جامع لا أقسام الجامع وذلك إن ماهية القياس قد تنفك عن كل واحد من أقسامه بعينه وما تنفك عنه الماهية لا يكون داخلا في حدها، وأيضا فإنه لو وجب في ذكر ماهية القياس ذكر أقسام الجامع، فالحكم والصفة الجامعة أيضا كل واحد منهما منقسم إلى أقسام كثيرة لا تحصى، فكان يجب استقصاؤها في الذكر، وإلا كان الحد ناقصا، وهو محال.\rالخامس: أن كلمة (أو) للترديد والشك، والتحديد إنما هو للتعيين، والترديد ينافي التعيين.\rالسادس: أن القياس الفاسد قياس، وهو غير داخل في هذا الحد، وذلك\rلان هذا القائل قد اعتبر في حده حصول الجامع، ومهما حصل الجامع كان صحيحا فالفاسد الذي لم يحصل الجامع فيه في نفس الامر، لا يكون داخلا فيه، فكان يجب أن يقال بأمر جامع في ظن المجتهد، فإنه يعم القياس الفاسد الذي لم يحصل الجامع فيه في نفس الامر.\rوالجواب عن الاشكال الاول أن المراد بحمل المعلوم على المعلوم إنما هو التشريك بينهما في حكم أحدهما مطلقا.\rوقوله بعد ذلك (في إثبات حكم أو نفيه) إشارة إلى ذكرها تفاصل ذلك الحكم وأقسامه،","part":3,"page":188},{"id":825,"text":"وهي زائدة على نفس التسوية في مفهوم الحكم، فذكرها ثانيا لا يكون تكرارا.\rوعن الثاني: وإن كان هو أقوى الاشكالات الواردة ها هنا أن يقال: لا نسلم أن قول القائل (حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما) مشعر بإثبات حكم الاصل بالقياس، حتى يلزم منه الدور، لان القياس، على ما علم مركب من الاصل والفرع، وحكم الاصل والوصف الجامع بين الاصل والفرع والحكم في الاصل غير مستند في ثبوته ولا نفيه إلى مجموع هذه الامور، إذ هو غير متوقف على الفرع، ولا على نفسه، وإنما هو متوقف في ثبوته على الوصف الجامع وهو العلة حيث إن الشرع لم يثبت الحكم في الاصل إلا بناء عليه، ولهذا قال الحاد في هذه (في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما) والوصف الجامع ركن القياس، وليس هو نفس القياس، فلا يكون ثبوت الحكم في الاصل ولا نفيه بالقياس، بل بالعلة، وليست هي نفس القياس، وإنما الثابت والمنفي بالقياس إنما هو حكم الفرع لا غير (1).\rوعن الثالث من وجهين: الاول أنه مبني على تصور القياس، في غير الشرعيات وهو غير مسلم، على ما يأتي بيانه (2) وما ذكروه من المثال، فقد أبطلنا صحة القياس\rفيه في أبكار الافكار.\rالثاني وإن سلمنا تصور القياس في غير الشرعيات، غير أن الكلام إنما وقع في تحديد القياس الشرعي في مصطلح أهل الشرع، وذلك لا يكون إلا فيما كان حكم الاصل فيه شرعيا، والصفة ليست حكما شرعيا، فلا.\r__________\r1 - انما الاولى زائدة وتقدير الكلام، والثابت والمنفى بالقياس انما هو حكم الفرع لا غير.\r2 - قياس التعليل والتمثيل كما يجري في الاحكام الشرعية يجرى في طبائع الاشياء وخواصها وفي العقليات صفات وأفعالا بعد معرفة العلة - انظر الكلام على ذلك في ص 366 - من مسودة آل تيميه، واللمع لابي اسحاق الشيرازي، وروضة الناظر لابن قدامة، والكوكب المنير للفتوحي.\r(*)","part":3,"page":189},{"id":826,"text":"تكون مندرجة فيه.\rوعلى هذا، فخروج القياس العقلي عن الحد المذكور للقياس الشرعي لا يكون موجبا لنقصانه وقصوره.\rوعن الرابع: أنه، وإن كان ذكر أقسام الجامع من الحكم والصفة وتعيين كل واحد غير داخل في مفهوم القياس، فذكره لم يكن لتوقف مفهوم القياس عليه، حتى يقال بقصور التعريف بل للمبالغة في الكشف والايضاح بذكر الاقسام وذلك مما لا يخل بالحد، ولا يلزم من ذلك الاستقصاء بذكر باقي أقسام الحكم والصفة لعدم وجوبه.\rوعن الخامس: أن التحديد والتعريف قد تم بقولنا (حمل معلوم على معلوم بأمر جامع بينهما) وما وقع فيه الترديد بحرف (أو)، فقد بان التحديد (1) والتعريف غير متوقف عليه، وإنما ذكر لزيادة البيان والايضاح، فلا يكون ذلك مانعا من تعريف المحدود، كيف وإنه لا معنى للترديد سوى بيان صحة انقسام الحكم والجامع إلى ما قيل، وصحة الانقسام من الصفات اللازمة التي لا ترديد فيها.\rوعن السادس: أن المطلوب إنما هو تحديد القياس الصحيح الشرعي، والفاسد ليس من هذا القبيل، فخروجه عن الحد لا يكون مبطلا له، لكنه يرد عليه إشكال مشكل لا محيص عنه، وهو أن الحكم في الفرع نفيا وإثباتا متفرع على القياس إجماعا، وليس هو ركنا في القياس، لان نتيجة الدليل لا تكون ركنا في الدليل، لما فيه من الدور الممتنع، وعند ذلك فيلزم من أخذ إثبات الحكم ونفيه في الفرع في حد القياس أن يكون ركنا في القياس، وهو دور ممتنع.\rوقد أخذه في حد القياس حيث قال (في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما) إشارة إلى الفرع والاصل.\rوالمختار في حد القياس أن يقال إنه عبارة عن الاستواء بين الفرع والاصل في العلة المستنبطة من حكم الاصل.\rوهذه العبارة جامعة مانعة وافية بالغرض عرية عما يعترضها من التشكيكات العارضة لغيرها على ما تقدم (2).\r__________\r1 - بان التحديد - تم وانتهي.\r2 - هذه التعاريف دخلتها الصناعة المنطقية المتكلفة فصارت خفية غامضة، واحتاجت إلى شرح وبيان، ومع ذلك لم تسلم من النقد والاخذ والرد، واوسلكوا في = (*)","part":3,"page":190},{"id":827,"text":"وإذا عرف معنى القياس، فهو يشتمل على أربعة أركان: الاصل، والفرع، وحكم الاصل، والوصف الجامع.\rأما الاصل فقد يطلق على أمرين: الاول ما بني عليه غيره، كقولنا: إن معرفة الله أصل في معرفة رسالة الرسول، من حيث ان معرفة الرسول تنبنى على معرفة المرسل الثاني ما عرف بنفسه من غير افتقار إلى غيره، وإن لم يبن عليه غيره، وذلك كما تقوله في تحريم الربا في النقدين، فإنه أصل، وإن لم يبن عليه غيره.\rوعلى هذا، اختلف العلماء في الاصل في القياس، وذلك كما إذا قسنا النبيذ على الخمر المنصوص عليه بقوله عليه السلام حرمت الخمرة لعينها (1) في تحريم\rالشراب، هل الاصل هو النص أو الخمر أو الحكم الثابت في الخمر، وهو التحريم مع اتفاق الكل على أن العلة في الخمر، وهي الشدة المطربة ليست هي الاصل.\rفقال بعض المتكلمين: الاصل هو النص الدال على تحريم الخمر، لانه الذي بني عليه التحريم، والاصل ما بني عليه.\r* هامش) * = البيان طريقة القرآن وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومعهود العرب ومألوفهم من الايضاح بضرب الامثال لسهل الامر وهان الخطب.\r1 - حديث حرمت الخمر لعينها، ويروي بعينها قليلها وكثيرها والمسكر من كل شراب رواه العقيلي في ترجمة محمد بن الفرات عن ابي اسحاق السبيعي عن الحارث عن علي مرفوعا واعله بمحمد بن الفرات ورواه العقبلي من طريق عبد الرحمن بن مجهول في الرواية والنسب وحديثه غير محفوظ، وانما يروى هذا عن ابن عباس من قوله.\rوقد رواه موقوفا على ابن عباس النسائي في سننه من طرق، والبزار في مسنده والطبراني في معجمه والدارقطني في سننه مع اختلاف في العبارة، ومن اراد تفصيل القول في ذلك فليرجع إلى كتاب نصب الراية للزيلعي، والى ترجمة ابي اسحاق السبيعي والحارث الاعور في تهذيب التهذيب لابن حجر فان ابا اسحاق يدلس وقد عنعن، والحارث الاعور كذاب.\rومع ذلك فلغة اهل الجدل واصطلاح علماء الفقه واصوله بعد استحكام الخلاف بينهم ظاهرة في صناعة الحديث ووضعه لنصرة المذهب.\r(*)","part":3,"page":191},{"id":828,"text":"وقالت الفقهاء: الاصل إنما هو الخمر الثابتة حرمته، لان الاصل ما كان حكم الفرع مقتبسا منه ومردودا إليه.\rوهذا إنما يتحقق في نفس الخمر.\rوقال بعضهم: الاصل إنما هو الحكم الثابت في الخمر، لان الاصل ما انبنى عليه غيره، وكان العلم به موصلا إلى العلم بغيره أو الظن.\rوهذه الخاصية موجودة في حكم الخمر، فكان هو الاصل.\rقالوا: وليس الاصل هو النص، لان النص هو الطريق إلى العلم بالحكم، ولو تصور العلم بالحكم في الخمر دون النص، كان القياس ممكنا، ولانه لو كان النص هو الاصل، لكونه طريقا إلى معرفة الحكم، باتفاق لكان قول الراوي هو أصل القياس بطريق الاولى، لكونه طريقا إلى معرفة النص، وليس كذلك بالاتفاق.\rوليس الاصل أيضا هو الخمر، لانه قد يعلم الخمر، ولا يعلم أن الحرمة جارية فيه، ولا في الفرع، بخلاف ما إذا علم الحكم، فكان هو الاصل.\rواعلم أن النزاع في هذه المسألة لفظي، وذلك لانه إذا كان معنى الاصل ما يبنى عليه غيره فالحكم أمكن أن يكون أصلا لبناء الحكم في الفرع عليه، على ما تقرر.\rوإذا كان الحكم في الخمر أصلا، فالنص الذي به.\rمعرفة الحكم يكون أصلا للاصل.\rوعلى هذا، أي طريق عرف به حكم الخمر من إجماع أو غيره أمكن أن يكون أصلا، وكذلك الخمر، فإنه إذا كان محلا للفعل الموصوف بالحرمة، فهو أيضا أصل للاصل، فكان أصلا.\rوالاشبه أن يكون الاصل هو المحل، على ما قاله الفقهاء، لافتقار الحكم والنص إليه ضرورة من غير عكس، فإن المحل غير مفتقر إلى النص ولا إلى الحكم.\rوأما الفرع: فهل هو نفس الحكم المتنازع فيه أو محله ؟ اختلفوا فيه: فمن قال بأن الاصل هو الحكم في الخمر، قال الفرع هو الحكم في النبيذ.\rومن قال بأن الاصل هو المحل، قال الفرع هو المحل، وهو النبيذ، وإن كان الاولى أن يكون الفرع هو الحكم المتفرع على القياس، والمحل أصل الحكم المفرع على القياس.\rفتسمية الخمر أصلا أولى من تسمية النبيذ فرعا، من حيث إن الخمر أصل للتحريم الذي هو الاصل، بخلاف النبيذ فإنه أصل للفرع، لا أنه فرع له.","part":3,"page":192},{"id":829,"text":"وأما الوصف الجامع فهو فرع في الحكم لكونه مستنبطا من محل حكم المنصوص\rعليه، فهو تبع للنص والحكم ومحله، وهو أصل في الفرع، لكون الحكم المتنازع فيه في النبيذ مبنيا عليه.\rوتسمية الوصف الجامع في الفرع أصلا، أولى من تسمية النص في الخمر والتحريم ومحله أصلا، للاختلاف في ذلك والاتفاق على كون الوصف في ذلك أصلا.\rوإذا عرف معنى القياس وأركانه، فلنشرع في بيان أبو ابه: الباب الاول في شرائط القياس ويشتمل على مقدمة وأقسام.\rأما المقدمة، فاعلم أن القياس، على ما سبق تعريفه، يستدعي أركانا لا يتم دونها، وثمرة هي نتيجته.\rفأما الاركان، فهي أربعة: الفرع المسمى بصورة محل النزاع، وهي الواقعة المتنازع عليها نفيا واثباتا.\rوالاصل: وهو الواقعة التي يقصد تعدية حكمها إلى الفرع.\rوالحكم: الشرعي الخاص بالاصل.\rوالعلة الجامعة بين الاصل والفرع.\rوأما ثمرته: فحكم الفرع، فإنه إذا تم القياس أنتج حكم الفرع، وليس حكم الفرع من أركان القياس، إذ الحكم في الفرع متوقف على صحة القياس، فلو كان ركنا منه، لتوقف على نفسه، وهو محال.\rوعلى هذا، فشروط القياس لا تخرج عن شروط هذه الاركان، فمنها ما يعود إلى الاصل، ومنها ما يعود إلى الفرع: وما يعود إلى الاصل فمنها ما يعود إلى حكمه، ومنها ما يعود إلى علته.\rفلنرسم في كل واحد منهما قسما (1).\r__________\r1 - منهما - الصواب منها (*)","part":3,"page":193},{"id":830,"text":"القسم الاول في شرائط حكم الاصل وهي ثمانية الشرط الاول: أن يكون حكما شرعيا، لان الغرض من القياس الشرعي إنما هو تعريف الحكم الشرعي في الفرع نفيا وإثباتا.\rفإذا لم يكن الحكم في الاصل شرعيا بأن كان قضية لغوية أو عقلية فالحكم المتعدي إلى الفرع لا يكون شرعيا فلا فلا يكون الغرض من القياس الشرعي حاصلا، كيف وإنه إذا كان قضية لغوية فقد بينا امتناع جريان القياس فيه، في اللغات.\rالشرط الثاني: يكون ثابتا غير منسوخ، حتى يمكن بناء الفرع عليه وإلا فبتقدير أن لا يكون ثابتا، فلا ينتفع به ناظر ولا مناظر، لانه إنما تعدى الحكم من الاصل إلى الفرع بناء على الوصف الجامع، وذلك متوقف على اعتبار الشارع له.\rفإذا لم يكن الحكم المرتب على وصفه ثابتا في الشرع، فلا يكون معتبرا.\rالشرط الثالث: أن يكون دليل ثبوته شرعيا، لان ما لا يكون دليله شرعيا لا يكون حكما شرعيا.\rالشرط الرابع: أن لا يكون حكم الاصل متفرعا عن أصل آخر، وهذا ما ذهب إليه أكثر أصحابنا والكرخي، خلافا للحنابلة (1) وأبي عبد الله البصري، وذلك لان العلة الجامعة بينه وبين أصله إما أن تكون هي العلة الجامعة بينه وبين فرعه، أو هي غيرها: فإن كان الاول، فالاصل الذي به الشهادة بالاعتبار إنما هو الاصل الاخير لا الاصل الاول، فليقع الرد إليه، وإلا فهو تطويل من غير فائدة، وذلك كما لو قال\r__________\r1 - ظاهر الاطلاق في قوله: خلافا للحنابلة جواز بناء القياس على القياس.\rوليس كذلك، فان منهم من منع ذلك، ومنهم من اجازه، بل منهم من روي عنه قولان في ذلك، المنع، والجواز، كالقاضي ابي يعلى وابي الخطاب - انظر روضة الناظر لابن قدامة، والكوكب المنير لابي العباس الفتوحي واللمع لابي اسحاق الشيرازي وانظر خلاف الحنابلة في حكم بناء القياس على القياس في ص 394 و 395 من مسودة آل تيمية طبعة المدني (*)","part":3,"page":194},{"id":831,"text":"الشافعي مثلا في السفرجل مطعوم، فجرى فيه الربا، قياسا على التفاح، ثم قاس التفاح في تحريم الربا على البر بواسطة الطعم أيضا.\rوإن كان الثاني، وهو أن تكون العلة في القياسين مختلفة، فلا تخلو إما أن تكون العلة التي عدى بها الحكم من الاصل الممنوع حكمه إلى فرعه مؤثرة، أي ثابتة بنص أو إجماع أو مستنبطة: فإن كان الاول، فقد أمكن إثبات الحكم في الفرع الاول بالعلة المؤثرة، ولم يبق للقياس على الاصل الممنوع حكمه وقياسه على الاصل الاخير حاجة، بل هو تطويل غير مفيد.\rوإن كان الثاني، وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة فسخ النكاح بالجذام عيب يثبت به الفسخ في البيع، فيثبت به الفسخ في النكاح، قياسا على الرتق والقرن، ثم قاس الرتق والقرن عند توجيه منعه على الجب والعنة بواسطة فوات غرض الاستمتاع به، فلا يصح القياس فيه، وذلك لان الحكم في الفرع المتنازع فيه أولا إنما يثبت بما يثبت به حكم أصله، فإذا كان حكم أصله ثابتا بعلة أخرى، وهي ما استنبطت من الاصل الآخر، فيمتنع تعدية الحكم بغيرها، لان غيرها لم يثبت اعتبار الشارع له ضرورة أن الحكم الثابت معه ثابت بغيره بالاتفاق، فلو ثبت الحكم به في الفرع الاول مع عدم اعتباره، كان ذلك إثباتا للحكم بالمعنى المرسل الخلي عن الاعتبار، وذلك ممتنع.\rوعلى هذا، فإن قلنا بجواز تعليل الحكم الواحد بعلتين مع كونه ممتنعا، كما يأتي تقريره (1) فهو ممتنع ها هنا، حيث إنا قطعنا بأن العلة المستنبطة من الاصل الممنوع مما لم يلتفت إليها الشارع في إثبات الحكم في أصلها للاتفاق على ثبوته بغيرها.\rوالجمع بين العلل إنما يكون حيث يمكن الظن باعتبار الشارع لها من إثبات الحكم على وفقها.\rهذا كله إن كان حكم الاصل مقولا به من جهة المستدل، ممنوعا من جهة المعترض، وأما إن كان مقولا به من جهة المعترض، ممنوعا من جهة المستدل.\rوذلك كما لو قال الحنفي في مسألة تعيين النية عندما إذا نوى النفل أتى بما أمر به، فوجب أن يصح، كما إذا كان عليه فريضة الحج، ونوى النفل، فإن الحكم.\r__________\r1 - سيأتي الكلام على ذلك تعليقا في المسألة الثانية عشرة من مسائل شروط العلة ان شاء الله تعالى.\r(*)","part":3,"page":195},{"id":832,"text":"في الاصل مما لا يقول به الحنفي، بل الشافعي، فلا يصح من المستدل بناء الفرع عليه، لانه إما أن يذكر ذلك في معرض التقرير لمأخذ من هو منتم إليه، أو في معرض الالزام للخصم: فإن كان الاول فهو ممتنع، لانه إنما يعرف كون الوصف الجامع مأخذا لامامه بإثباته للحكم على وفقه، وبالقياس على الاصل الذي لا يقول به إمامه لا يعرف ذلك.\rوإن كان الثاني، وذلك بأن يقول هذا هو عندك علة الحكم في الاصل المقيس عليه، وهو موجود في محل النزاع، فيلزمك الاعتراف بحكمه، وإلا فيلزم منه إبطال المعنى وانتقاضه لتخلف الحكم عنه من غير معارض، ويلزم من إبطال التعليل به امتناع إثبات الحكم به في الاصل، فهو أيضا ممتنع، لوجهين: الاول أن للمعترض أن يقول: الحكم في الاصل لم يكن عندي ثابتا على هذا الوصف، بل بناء على غيره، ويجب تصديقه فيه، لكونه عدلا، والظاهر من حاله الصدق، وهو أعرف بمأخذ مذهبه.\rالثاني أنه، وإن كان الحكم في الاصل معللا بالوصف المذكور، غير أن حاصل الالزام يرجع إلى إلزام المعترض بالتخطئة في الفرع بإثبات خلاف حكمه، ضرورة تصويبه في اعتقاد كون الوصف الجامع علة للحكم في الاصل المقيس عليه وهو غير لازم، إذ ليس تخطئته في الفرع ضرورة تصويبه في تعليل حكم الاصل بالوصف المذكور، أولى من تخطئته في تعليل حكم\rالاصل بالوصف المذكور وتصويبه في حكم الفرع.\rالشرط الخامس: أن لا يكون حكم الاصل معدولا به عن سنن القياس، والمعدول به عن سنن القياس على قسمين.\rالاول ما لا يعقل معناه، وهو على ضربين: إما مستثنى من قاعدة عامة أو مبتدأ به: فالاول كقبول شهادة خزيمة وحده، فإنه مع كونه غير معقول المعنى، مستثنى من قاعدة الشهادة.\rوالثاني كأعداد الركعات، وتقدير نصب الزكوات، ومقادير الحدود،","part":3,"page":196},{"id":833,"text":"والكفارات، فإنه مع كونه غير معقول المعنى، غير مستثنى من قاعدة سابقة عامة.\rوعلى كلا التقديرين يمتنع فيه القياس.\rالقسم الثاني: ما شرع ابتداء، ولا نظير له، ولا يجري فيه القياس لعدم النظير وسواء كان معقول المعنى، كرخص السفر والمسح على الخفين لعلة دفع المشقة، أو هو غير معقول المعنى، كاليمين في القسامة وضرب الدية على العاقلة ونحوه.\rالشرط السادس: إذا كان حكم الاصل متفقا عليه، فقد اختلفوا في كيفية الاتفاق: فمنهم من قال بأنه يكفي أن يكون ذلك متفقا عليه بين الفريقين لا غير.\rومنهم من قال: لا يكفي ذلك، بل لا بد وأن يكون متفقا عليه بين الامة، وإلا فإن كان متفقا عليه بين الفريقين فقط، فلا يصح القياس عليه، وسموه قياسا مركبا.\rوقبل النظر في مأخذ الحجاج، فلابد من النظر في معنى القياس المركب وأقسامه.\rأما القياس المركب فهو أن يكون الحكم في الاصل غير منصوص عليه، ولا مجمع عليه من الامة (1) وهو قسمان: الاول مركب الاصل، والثاني مركب الوصف.\rأما التركيب في الاصل فهو أن يعين المستدل علة في الاصل المذكور، ويجمع بها بينه وبين فرعه، فيعين المعترض فيه علة أخرى، ويقول: الحكم عندي ثابت\rبهذه العلة، وذلك كما إذا قال في مسألة الحر بالعبد مثلا، عبد فلا يقتل به الحر كالمكاتب، فإن المكاتب غير منصوص عليه، ولا مجمعا عليه بين الامة، لاختلاف الناس في وجوب القصاص على قاتله، وإنما هو متفق عليه بين الشافعي وأبي حنيفة، وعند ذلك فللحنفي أن يقول العلة في المكاتب (2) المتفق عليه المانعة من جريان القصاص فيه عندي إنما هو جهالة (3) المستحق من السيد أو الورثة.\rفإن سلم ذلك امتنعت التعدية إلى الفرع لخلو الفرع عن العلة، وإن أبطل التعليل بها فأنا أمنع الحكم في الاصل لانه إنما ثبت عندي بهذه العلة، وهي مدرك إثباته، ولا محذور في نفي الحكم.\r__________\r1 - ولكنه متفق عليه من الخصمين المستدل والمعترض.\r2 - العلة في المكاتب - أي علة الحكم بترك القصاص للمكاتب من قاتله الحر.\r3 - انما هو جهالة - الصواب انما هي جهالة، لان كلا من مرجع الضمير وخبره مؤنث.\r(*)","part":3,"page":197},{"id":834,"text":"لانتفاء مدركه إذ لم يلزم منه مخالفة نص ولا إجماع، وعلى كلا التقديرين، فالقياس يكون ممتنعا إما لمنع حكم الاصل، وإما لعدم علة الاصل في الفرع.\rقال بعض الاصوليين: وإنما سمي هذا النوع قياسا مركبا، لاختلاف الخصمين في علة الاصل، وليس بحق.\rوإلا كان كل قياس اختلف في علة أصله، وإن كان منصوصا أو متفقا عليه بين الامة، مركبا، وليس كذلك.\rوالاشبه أنه إنما سمي بذلك لاختلاف الخصمين في تركيب الحكم على العلة في الاصل فإن المستدل يزعم أن العلة الجامعة مستنبطة من حكم الاصل، وهي فرع له.\rوالمعترض يزعم أن الحكم في الاصل فرع على العلة وهي المثبتة له، وأنه لا طريق إلى إثباته سواها، وأنها غير مستنبطة منه، ولا هي فرع عليه، ولذلك منع ثبوت الحكم عند إبطالها، وإنما سمي مركب الاصل لانه نظير في علة حكم الاصل (1).\rوأما مركب الوصف فهو ما وقع الاختلاف فيه في وصف المستدل، هل له\rوجود في الاصل أو لا ؟ وذلك كما لو قال المستدل في مسألة تعليق الطلاق بالنكاح، تعليق، فلا يصح قبل النكاح، كما لو قال: زينب التي أتزوجها طالق، فللخصم أن يقول: لا نسلم وجود التعليق في الاصل، بل هو تنجيز، فإن ثبت أنه تعليق، فأنا أمنع الحكم وأقول بصحته، كما في الفرع، ولا يلزمني من المنع محذور، لعدم النص عليه وإجماع الامة، وإنما سمي مركب الوصف، لانه خلاف في تعيين الوصف الجامع.\rوإذ أتينا على بيان معنى القياس المركب وأقسامه.\rفنقول: لا يخلو إما أن ينظر في ذلك إلى الناظر المجتهد، أو المناظر: فإن كان الاول، فإن كان له مدرك في ثبوت حكم الاصل سوى النص والاجماع، فالقياس صحيح لانه إذا غلب على ظنه صحة القياس فلا يكابر نفسه فيما أوجبه ظنه، وإن\r__________\r1 - قارن بين خلاف الحنفية والائمة الثلاثة هنا فيما ثبت حكم الاصل، وبيان الآمدي علة تسمية هذا النوع من القياس المركب مركب الاصل، وبين خلاف الحنفية والشافعية فيما ثبت به حكم الاصل في المسألة العشرين من مسائل شروط العلة مع مراعاة أن العلة هنا مستنبطة، وفي المسألة الآتية منصوصة.\r(*)","part":3,"page":198},{"id":835,"text":"لم يكن له مدرك سوى النص والاجماع فالقياس متعذر لتعذر إثبات حكم الاصل وإن كان الثاني، فالمختار بعد إبطال ما يعارض به الخصم في القسم الاول من التركيب وتحقيق وجود ما يدعيه في الاصل في القسم الثاني منه، إنما هو التفصيل وهو أن الخصم إما أن يكون مجتهدا أو مقلدا.\rفإن كان مجتهدا وظهر في نظره إبطال المدرك الذي بني عليه حكم الاصل، فله منع حكم الاصل.\rوعند ذلك فالقياس لا يكون منتفعا به بالنسبة إلى الخصم.\rوإن كان مقلدا فليس له منع الحكم في الاصل وتخطئة إمامه فيه بناء على عجزه\rهو عن تمشية الكلام مع المستدل، وذلك لاحتمال أن لا يكون ما عينه المعترض هو المأخذ في نظر إمامه، وبتقدير أن يكون هو المأخذ في نظر إمامه، فلا يلزم من عجز المقلد عن تقريره عجز إمامه عنه لكونه أكمل حالا منه وأعرف بوجه ما ذهب إليه وتقريره.\rوقد قيل إنه وإن كان لا بد من تخطئة إمام المعترض إما في حكم الاصل أو الفرع، فليس للخصم تخطئة إمامه في حكم الاصل دون الفرع، وليس بحق، فإنه كما أنه ليس للخصم تخطئة إمامه في حكم الاصل دون الفرع، فليس للمستدل تخطئة إمام المعترض في الفرع دون الاصل، ولا أولوية.\rفإن قيل: بل تخطئته في الفرع أولى لوقوع الخلاف فيه بين إمام المستدل وإمام المعترض، بخلاف حكم الاصل، فيقال كما أن الخلاف واقع في الفرع بين الامامين فالخلاف في الاصل أيضا واقع بين الائمة، إذ هو غير مجمع عليه.\rوليس موافقة إمام المستدل في الفرع أولى من موافقة المخالف في الاصل.\rالشرط السابع: أن لا يكون الدليل الدال على إثبات حكم الاصل دالا على إثبات حكم الفرع، وإلا فليس جعل أحدهما أصلا للآخر أولى من العكس.\rالشرط الثامن: اختلف الاصوليون في اشتراط قيام الدليل على تعليل حكم الاصل وجواز القياس عليه نفيا وإثباتا.\rوالمختار أنه إن أريد بالدليل الدال على ذلك أن يكون دليلا خاصا بذلك الاصل من كتاب أو سنة أو إجماع، فهو باطل.","part":3,"page":199},{"id":836,"text":"وإن أريد به أنه لا بد من قيام دليل على ذلك بجهة العموم والشمول، فهو حق: وذلك لانا سنبين أن كل أصل أمكن تعليل حكمه فإنه يجب تعليله، وإنه يجوز القياس عليه، وذلك لان مدرك كون القياس حجة إنما هو إجماع الصحابة على ما يأتي (1)\rوقد علمنا من تتبع أحوالهم في مجاري اجتهاداتهم أنهم كانوا يقيسون الفرع على الاصل عند وجود ما يظن كونه علة لحكم الاصل في الاصل فظن وجوده في الفرع وإن لم يقم دليل خاص على وجوب تعليل حكم ذلك الاصل وجواز القياس عليه، حتى قال عمر لابي موسى الاشعري: اعرف الاشباه والامثال، ثم قس الامور برأيك (2) ولم يفصل.\rوكذلك اختلفوا في قوله أنت علي حرام حتى قاسه بعضهم على الطلاق، وبعضهم على الظهار، وبعضهم على اليمين.\rولم ينقل نص خاص ولا إجماع، على القياس على تلك الاصول ولا على جواز تعليلها.\r__________\r1 - سيأتي في أدلة التعبد بالقياس ان العمدة في ثبوت ذلك إجماع الصحابة، فحصره مدرك التعبد بالقياس هنا على الاجماع حصر ادعائي يقصد به بيان ان الاجماع هو المعول في اثباته لا نفي المدارك الاخرى التي استدل بها على التعبد بالقياس.\r2 - سيأتي الكلام عليه تعليقا عند الكلام على ادلة التعبد بالقياس ان شاء الله تعالى.\r(*)","part":3,"page":200},{"id":837,"text":"القسم الثاني في شروط علة الاصل وقد اتفق الكل على جواز تعليل حكم الاصل بالاوصاف الظاهرة الجلية العرية عن الاضطراب.\rوسواء أكان الوصف معقولا، كالرضى والسخط، أم محسا كالقتل والسرقة، أم عرفيا كالحسن والقبح.\rوسواء أكان موجودا في محل الحكم كما ذكر من الامثلة أم ملازما له غير موجود فيه، كتحريم نكاح الامة لعلة رق الولد، لكن اختلفوا في شروط.\rفلنفرض في كل واحد منها مسألة.\rالمسألة الاولى ذهب الاكثرون إلى أن شرط علة الاصل (1) أن لا يكون محل حكم الاصل\rولا جزأ من محله.\rوذهب آخرون إلى جوازه.\rوالمختار إنما هو التفصيل، وهو امتناع ذلك في المحل دون الجزء، وذلك لان الكلام إنما هو واقع في علة أصل القياس فلو كانت العلة فيه هي محل حكم الاصل بخصوصه، لكانت العلة قاصرة لاستحالة كون محل حكم الاصل بخصوصه متحققا في الفرع، وإلا كان الاصل والفرع متحدا، وهو محال.\rنعم إنما يمكن ذلك فيما إذا لم تكن علة حكم الاصل متعدية، لانه لا يعد في استلزام محل الحكم لحكمة داعية إلى ذلك الحكم، كاستلزام الاوصاف العامة لمحل الاصل والفرع.\rوأما الجزء، فلا يمتنع التعليل به لاحتمال عمومه الاصل والفرع.\r__________\r1 - علة الاصل - اي علة حكم الاصل.\r(*)","part":3,"page":201},{"id":838,"text":"المسألة الثانية اختلفوا في جواز كون العلة في الاصل بمعنى الامارة المجردة.\rوالمختار أنه لا بد وأن تكون العلة في الاصل بمعنى الباعث أي مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم، وإلا فلو كانت وصفا طرديا لا حكمة فيه.\rبل أمارة مجردة فالتعليل بها في الاصل ممتنع لوجهين: الاول: أنه لا فائدة في الامارة، سوى تعريف الحكم، والحكم في الاصل معروف بالخطاب لا بالعلة المستنبطة منه.\rالثاني: أن علة الاصل مستنبطة من حكم الاصل، ومتفرعة عنه، فلو كانت معرفة لحكم الاصل، لكان متوقفا عليها، ومتفرعا عنها، وهو دور ممتنع.\rالمسألة الثالثة ذهب الاكثرون إلى امتناع تعليل الحكم بالحكمة المجردة عن الضابط (2).\rوجوزه\rالاقلون.\rومنهم من فصل بين الحكمة الظاهرة المنضبطة بنفسها والحكمة الخفية المضطربة فجوز التعليل بالاولى دون الثانية، وهذا هو المختار.\r__________\r1 - اختار ان تكون العلة في الاصل بمعنى الباعث لا لامارة وهذا وان كان بالنسبة للمكلف مناسبا فان المعنى الذي ثبت الحكم من اجله يبعث المكلف على العمل بمقتضاه، لكنه ينبغي ان يغبر عنه في حق الله بالمقصود من شرع الحكم ادبا مع الله قال في مسودة آل تيمية قد اطلق غير واحد من اصحابنا القاضي وابو الخطاب وابن عقيل والحلواني وغيرهم في غير موضع من علل الشرع انما هي امارات وعلامات نصبها الله ادلة على الاحكام فهي تجري مجرى الاسماء، ثم قال وهذا الكلام غير صحيح على الاطلاق، ثم قال: ذكر ابن عقيل وغيره انها وان كانت امارات فانها موجبة لمصالح ودافعة لمفاسد ليست من جنس الامارات الساذجة العاطلة عن الايجاب.\r2 - المراد بالضابط هنا الوصف الظاهر المشتمل على لحكمة المقصودة للشارع من شرع الحكم.\r(*)","part":3,"page":202},{"id":839,"text":"أما إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة غير مضطربة، فلانا أجمعنا على أن الحكم إذا اقترن بوصف ظاهر منضبط مشتمل على حكمة غير منضبطة بنفسها أنه يصح التعليل به، وإن لم يكن هو المقصود من شرع الحكم، بل ما اشتمل عليه من الحكمة الخفية.\rفإذا كانت الحكمة، وهي المقصود من شرع الحكم، مساوية للوصف في الظهور والانضباط كانت أولى بالتعليل بها.\rوأما إذا كانت الحكمة خفية مضطربة غير منضبطة فيمتنع التعليل بها لثلاثة أوجه: الاول: أنها إذا كانت خفية مضطربة مختلفة باختلاف الصور والاشخاص والازمان والاحوال، فلا يمكن معرفة ما هو مناط الحكم منها والوقوف عليه إلا\rبعسر وحرج، ودأب الشارع فيما هذا شأنه على ما ألفناه منه، إنما هو رد الناس فيه إلى المظان الظاهرة الجلية، دفعا للعسر عن الناس والتخبط في الاحكام.\rولهذا فإنا نعلم أن الشارع إنما قضى بالترخص في السفر، دفعا للمشقة المضبوطة بالسفر الطويل إلى مقصد معين، ولم يعلقها بنفس المشقة، لما كانت مما يضطرب ويختلف.\rولهذا فإنه لم يرخص للحمال المشقوق عليه في الحضر، وإن ظن أن مشقته تزيد على مشقة المسافر في كل يوم فرسخ، وإن كان في غاية الرفاهية والدعة، لما كان ذلك مما يختلف ويضطرب.\rالثاني: أن الاجماع منعقد على صحة تعليل الاحكام بالاوصاف الظاهرة المنضبطة المشتملة على احتمال الحكم، كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان لحكمة الزجر أو الجبر، وتعليل صحة البيع بالتصرف الصادر من الاهل في المحل لحكمة الانتفاع، وتعليل تحريم شرب الخمر وإيجاب الحد به لحكمة دفع المفسدة الناشئة منه ونحوه، ولو كان التعليل بالحكمة الخفية مما يصح لم احتيج إلى التعليل بضوابط هذه الحكم والنظر إليها، لعدم الحاجة إليها، ولما فيه من زيادة الحرج بالبحث عن الحكمة، وعن ضابطها مع الاستغناء بأحدهما.\rالثالث: أن التعليل بالحكمة المجردة إذا كانت خفية مضطربة، مما يفضي إلى العسر والحرج في حق المكلف بالبحث عنها والاطلاع عليها، والحرج منفي بقوله تعالى: * (ما جعل عليكم في الدين من حرج) * (22) الحج: 78) غير أنا خالفناه في التعليل بالوصف","part":3,"page":203},{"id":840,"text":"الظاهر المنضبط، لكون المشقة فيه أدنى، فبقينا عاملين بعموم النص فيما عداه.\rفإن قيل: ما ذكرتموه في جواز التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة فهو فرع إمكان ذلك، وهو غير مسلم في الحكمة، فإنها راجعة إلى الحاجات إلى المصالح ودفع المفاسد، والحاجات مما تخفى وتزيد وتنقص، فلا تكون ظاهرة ولا منضبطة وإن سلمنا إمكان ذلك نادرا.\rغير أنه يلزم من التوسل إلى معرفتها في آحاد الصور لتعيين القليل منها، نوع عسر وحرج لا يلزم في التوسل إلى معرفة الضوابط الجلية والمظان الظاهرة المنضبطة المشتملة على احتمال الحكم في الغالب، وذلك مدفوع بقوله تعالى: * (ما جعل عليكم في الدين من حرج) *.\rوما ذكرتموه في امتناع التعليل بالحكمة الخفية: أما الوجه الاول، فالبحث عن الحكمة الخفية، وإن كان فيه نوع حرج ومشقة، غير أنه لا بد منه عند التعليل بالوصف الظاهر المشتمل عليها ضرورة أنها علة لكون الوصف علة، ولولا اشتمال الوصف عليها لما كان علة للحكم وإذا لم يكن بد من معرفتها في جعل الوصف علة للحكم وقد جعلت علة للعلة أمكن أن تجعل علة للحكم من غير حاجة إلى ضابطها.\rوحيث لم تقض بالترخص في حق الحمال في الحضر دفعا للمشقة عنه، فغايته امتناع تعليل الرخصة بمطلق المشقة، بل بالمشقة الخاصة بالسفر، ولا يلزم من ذلك امتناع التعليل بالحكمة مطلقا.\rوأما الوجه الثاني: فغاية ما فيه جواز التعليل بالضابط المشتمل على الحكمة.\rوليس فيه ما يدل على امتناع التعليل بالحكمة.\rقولكم: إنه لا حاجة إليه، لا نسلم ذلك، فإن الاطلاع عليه أسهل من الاطلاع على الحكمة.\rوأما الوجه الثالث: فهو أن الحرج اللازم عن البحث عن الحكمة الخفية وإن كان شاقا، غير أنه لا يزيد على البحث عنها عند التعليل بضابطها، بل المشقة في تعرفها، مع تعرف ضابطها، أشق من تعرفها دون ضابطها.\rوقد أجمعنا على مخالفة النص المذكور عند التعليل بالضابط، وكانت مخالفته عند التعليل بالحكمة، لا غير أقل مشقة وحرجا، فكان أولى بالمخالفة.","part":3,"page":204},{"id":841,"text":"والجواب عن الاعتراض الاول: أن الكلام إنما هو مفروض فيما إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها في بعض الصور لا فيما لم يكن\r، قولهم إن الاطلاع عليها والبحث عنها أشق من البحث عن الضابط ليس كذلك.\rفإنها إذا كانت ظاهرة منضبطة، كالوصف، فلا تفاوت.\rوعن الاعتراض الاول: على الوجه الثاني (1) أن البحث عن الحكمة عند تجردها عن الضابط لا بد فيه من معرفة كميتها وخصوصيتها، حتى نأمن من الاختلاف بين الاصل والفرع فيها وذلك غير ممكن في الحكمة الخفية المضطربة، ولا يكفي فيه مجرد معرفة احتمالها بخلاف ما إذا كانت مضبوطة بضابط، فإنا نكتفي بمعرفة الضابط ومعرفة أصل احتمال الحكمة لا غير.\rويدل على ذلك ما ذكرناه من الاستشهاد، وما ذكروه عليه، فهو اعتراف بامتناع التعليل بمجرد الحكمة، وهو المطلوب.\rوعن الاعتراض على الوجه الثاني أنه لو أمكن التعليل بالحكمة لما احتيج إلى التعليل بالضابط.\rقولهم إن الوقوف عليه أسهل من الوقوف على الحكمة بمجردها.\rقلنا: فيلزم من ذلك امتناع التعليل بالحكمة لما فيه من تأخير إثبات الحكم الشرعي إلى زمان إمكان الاطلاع على الحكمة، مع إمكان إثباته بالضابط في أقرب زمان، وذلك ممتنع.\rوعن الاعتراض على الوجه الثالث أنا لا نسلم التساوي في الحرج والمشقة في البحث عن الحكمة مع ضابطها، ومع خلوها عن الضابط.\rوذلك لانا نفتقر في البحث عنها عند خلوها عن الضابط إلى معرفة خصوصيتها وكميتها، حتى نأمن من التفاوت فيها بين الاصل والفرع، كما سبق، ولا كذلك في البحث عنها مع ضابطها، فإنا لا نفتقر في البحث عنها إلى أكثر من معرفة أصل احتمالها.\rولا يخفى أن الحرج في تعرفها على جهة التفصيل أتم من تعرفها لا بجهة التفصيل.\r__________\r1 - وعن الاعتراض الاول على الوجه الثاني - فيه تحريف والصواب وعن الاعتراض على الوجه الاول.\r(*)","part":3,"page":205},{"id":842,"text":"المسألة الرابعة اختلفوا في جواز تعليل الحكم الثبوتي بالعدم: فجوزه قوم.\rومنع منه آخرون، وشرطوا أن تكون العلة للحكم الثبوتي أمرا وجوديا، وهو المختار.\rوبيانه من ثلاثة أوجه: الاول: أن الحكم بكون الوصف علة صفة وجودية، لان نقيض العلة (لا علة)، و (لا علة) أمكن أن يكون صفة لبعض الاعدام، ولو كان المفهوم (من لا علة) وجوديا، لكان الوجود صفة للعدم، وهو محال.\rوإذا كان (لا علة) عدما، فالمفهوم من نقيضها وجودي.\rالوجه الثاني: أنه يصح قول القائل أي شئ وجد حتى حدث هذا الامر ؟ ولو لم يكن الحدوث متوقفا على وجود شئ، لما صح هذا الكلام.\rكما لو قال: أي رجل مات، حتى حدث لفلان هذا المال ؟ حيث لم يكن حدوث المال لفلان متوقفا على ما قيل.\rالثالث: وهو خاص بما إذا كان الحكم ثابتا بخطاب التكليف، كالوجوب والحظر ونحوه، وهو أن يقال قد ثبت أن العلة المستنبطة من الحكم لا بد وأن تكون بمعنى الباعث لا بمعنى الامارة.\rوالباعث ما اشتمل على تحصيل مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها، كما يأتي بيانه.\rفإذا كان الحكم ثابتا بخطاب التكليف لمثل هذا الغرض، فلا بد وأن يكون ضابط ذلك الغرض مقدورا للمكلف في إيجاده وإعدامه، وإلا لما كان شرع ذلك الحكم مفيدا لمثل ذلك الغرض، لعدم إفضائه إلى الغرض المطلوب، والعدم المحض لا انتساب له إلى قدرة المكلف لا بإيجاد ولا إعدام، فجعل ضابطا لغرض الحكم، ومقصوده لا يكون مفضيا إلى مقصود شرع الحكم، فيمتنع التعليل به.\rفإن قيل: ما ذكرتموه من الوجه الاول معارض بما يدل على أن المفهوم من صفة العلة عدم، وبيانه من وجهين:","part":3,"page":206},{"id":843,"text":"الاول أنه لو كانت صفة العلة أمرا وجوديا، لم يخل إما أن تكون واجبة لذاتها، أو ممكنة: الاول محال، وإلا لما افتقرت إلى الموصوف بها.\rوالثاني يوجب افتقارها إلى علة مرجحة لها.\rوالكلام في صفة تلك العلة كالكلام في الاولى، وهو تسلسل ممتنع.\rالوجه الثاني: أنه يصح وصف الامر العدمي بكونه علة للامر العدمي، ولهذا يصح أن يقال: إنما لم أسلم على فلان، لاني لم أره وإنما لم أفعل كذا، لعدم الداعي إليه.\rوأما الوجه الثاني، فليس فيه دلالة على توقف حدوث ذلك الامر على تجدد وجود أمر آخر.\rولهذا، فإنه يصح أن يقال أي شئ صنع هذا، حتى حدث له هذا المال ؟ وإن لم يكن حصول المال له موقوفا على صنع من جهته، لجواز حدوثه له عن إرث أو وصية.\rوإن سلمنا دلالته على التوقف على الامر الوجودي، غير أنه معارض بما يدل على صحة تعليل الامر الوجودي بالامر العدمي.\rوبيانه أنه يصح أن يقال ضرب فلان عبد ه لانه لم يمتثل أمره وشتم فلان فلانا لانه لم يسلم عليه، وهو تعليل للامر الوجودي بالامر العدمي.\rوأما الوجه الثالث: فهو وإن سلمنا أن العلة لا بد وأن تكون بمعنى الباعث، وأن الباعث عبارة عما ذكرتموه، ولكن لا نسلم امتناع كون الوصف العدمي باعثا وذلك لانا أجمعنا على جواز التعليل بالوصف الوجودي الظاهر المنضبط، إذا كان يلزم من ترتيب الحكم على وفقه تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة ظاهرا، فالعدم المقابل له يكون أيضا ظاهرا منضبطا، ويكون مشتملا على نقيض ما اشتمل عليه\rالوصف الوجودي، وهو لا يخرج عن المصلحة أو المفسدة، لانه إن كان ما اشتمل عليه الوصف الوجودي مصلحة، فعدمه يلزمه عدم تلك المصلحة، وعدم المصلحة مفسدة، وإن كان ما اشتمل عليه الوصف الوجودي مفسدة، فعدمه يلزمه عدم تلك المفسدة وعدم المفسدة مصلحة وهو مقدور للمكلف، لانه إذا كان مقابله، وهو الوصف الوجودي، مقدورا، فلا معنى لكونه مقدورا، إلا أنه مقدور على إيجاده وإعدامه، فإذا العدم المقابل للوجود مقدور، وإذا كان مقدورا وهو ظاهر","part":3,"page":207},{"id":844,"text":"منضبط مشتمل على مصلحة أو مفسدة، فقد أمكن التعليل به كما أمكن التعليل بالوصف الوجودي.\rوالجواب عن الاول أن ما ذكروه من لزوم التسلسل بتقدير كون العلية صفة وجودية لزم بتقدير كونها عدمية، وذلك، لان المفهوم من صفة العلية، إذا كان أمرا عدميا، فإما أن يكون واجبا لنفسه ومفهومه، أو ممكنا لا جائز أن يكون واجبا لذاته، والا لما افتقر في تحقيقه إلى نسبته إلى ذات العلة وكونه وصفا لها، وإن كان ممكنا، فلا بد له من علة مرجحة.\rوالتسلسل لازم له وعند ذلك، فالجواب يكون متحدا.\rوما ذكروه من الاحتجاج ثانيا، فلا يصح.\rوذلك، لان وجود الداعي إلى الفعل شرط وجود الفعل.\rوكذلك الرؤية لزيد شرط في السلام عليه، لا أن ذلك علة له، وإنما أضيف عدم الاثر إليه بلام التعليل بجهة التجوز لمشابهته للعلة في افتقار الاثر إلى كل واحد منهما.\rولذلك، يقال في صورة تعليق الطلاق والعتق بدخول الدار إنما طلقت الزوجة، وعتق العبد لدخول الدار ويجب حمل ذلك على جهة التجوز جمعا بينه وبين ما ذكرناه من الدليل.\rقولهم على الوجه الثاني: ليس فيه دلالة على توقف الحدوث عل تجدد الوجود قلنا: دليله ما ذكرناه، وما ذكروه من الاستشهاد.\rفإنما صح بناءا على الظاهر\rمن جهة أن الغالب في حدوث المال لبعض الاشخاص أن يكون مستندا إلى صنعة لا إلى ما ذكروه.\rونحن إنما نتمسك في هذا الوجه بالظاهر، لا بالقطع.\rوما ذكروه من المعارضة الدالة على تعليل الامر الوجودي بالامر العدمي غير صحيح.\rفإن المعلل به ليس هو العدم المحض، فإنه غير منتسب إلى فعل الشخص فلا يحسن جعله علة للعقاب، لا عقلا ولا شرعا، وإنما التعليل بالامتناع عن ذلك وكف النفس عنه، وهو أمر وجودي لا عدمي.\rوما ذكروه على الوجه الثالث فحاصله راجع إلى التعليل بالاعدام المقدور، وهو أمر وجودي لا بالعدم المحض الذي لا قدرة للمكلف عليه.\rوذلك غير ما وقع فيه النزاع.","part":3,"page":208},{"id":845,"text":"وإذا عرف امتناع تعليل الوجود بالعدم المحض مما ذكرناه، فبمثله يعلم أن العدم لا يكون جزأ من العلة المقتضية للامر الوجودي، ولا داخلا فيها.\rوالوجه في الاعتراض على ذلك والانفصال، فعلى ما تقدم.\rويخصه اعتراض آخر وهو أن انتفاء معارضة المعجزة بمثلها جزء من المعرف لكونها معجزة.\rوكذلك الدوران فإنه معرف لعلية المدار وأحد أجزاء الدوران العدم مع العدم.\rوجوابه أنا لا نسلم أن العدم فيما ذكروه من صور الاستشهاد جزء من المعرف بل شرط، والشرط غير الجزء.\rوإذا عرف امتناع تعليل الحكم الثبوتي بالعدم المحض، وامتناع جعله جزأ من العلة لزم امتناع التعليل بالصفات الاضافية (1) وذلك لان المفهوم من الصفة الاضافية إما أن يكون وجودا أو عدما لا جائز أن يكون وجودا، لان الصفة الاضافية لا بد وأن تكون صفة للمضاف، ويلزم من ذلك قيام الصفة الوجودية\rبالمعدوم المحض وهو محال.\rوبيان لزوم ذلك أن الاضافة الواقعة بين المتناقضين وبين المتقدم والمتأخر قائمة بكل واحد من الامرين وأحد المتقابلين مما ذكرناه لا بد وأن يكون معدوما.\rوإذا بطل أن يكون المفهوم من الاضافة وجودا، تعين أن يكون عدما.\r__________\r1 - انظر تعريف الصفة الاضافية في التعليق ص 174 ج 2.\r(*)","part":3,"page":209},{"id":846,"text":"المسألة الخامسة اختلفوا في جواز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي: فجوزه قوم.\rومنع منه آخرون.\rوشرطوا في العلة أن لا تكون حكما شرعيا.\rونحن نشير إلى مأخذ الفريقين، وننبه على ما فيه، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار.\rفأما من قال بأن الحكم يجوز أن يكون علة للحكم، فقد احتجوا عليه بأن أحد الحكمين قد يكون دائرا مع الحكم الآخر وجودا وعدما.\rوالدوران دليل كون المدار عليه للدائر (1) وسنبين أن الدوران لا يدل على التعليل فيما بعد.\rوأما القائلون بامتناع التعليل بالحكم، فقد احتجوا بأن الحكم إذا كان علة لحكم آخر، فإما أن يكون متقدما عليه، أو متأخرا عنه، أو مقارنا له لا جائز أن يقال بالاول، وإلا لزم منه وجود العلة مع تخلف حكمها عنها وهو نقض للعلة.\rولا جائز أن يقال بالثاني، لان المتأخر لا يكون علة للمتقدم.\rوإن كان الثالث: فليس جعل أحدهما علة للآخر أولى من العكس.\rوأيضا فإنه يحتمل أن لا يكون لحكم الاصل علة، ويحتمل أن يكون.\rوإذا كان معللا، احتمل أن لا يكون الحكم به هو العلة، واحتمل أن يكون، وعلى هذا فلا يكون علة على تقديرين، وإنما يكون علة على تقدير واحد، ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد.\rوأيضا فإنه لو كان الحكم علة للحكم، فإما أن يكون علة بمعنى الامارة المعرفة أو بمعنى الباعث.\rلا جائز أن يقال بالاول لما سبق (2) ولا جائز أن يقال بالثاني، لان القول بكون الحكم داعيا وباعثا على الحكم محال خارق للاجماع.\r__________\r1 - عليه - الصواب علة للدائر.\r2 - لما سبق، يعني لما تقدم اول المسألة الثانية من الادلة على انها بمعنى الباعث.\r(*)","part":3,"page":210},{"id":847,"text":"ولقائل أن يقول: أما الحجة الاولى، فلا نسلم امتناع التقدم.\rقولهم: يلزم منه نقض العلة - ليس كذلك، فإن الحكم لم يكن علة لنفسه وذاته، بل إنما يصير علة باعتبار الشرع له بقران الحكم الآخر به، وذلك كما في تعليل تحريم شرب الخمر بالشدة المطربة، فإن الشدة المطربة، وإن كانت متقدمة على التحريم، فلا يقال إنها علة قبل اعتبارها من الشرع بقران التحريم بها، فلا تكون منتقضة بتخلف التحريم عنها قبل ورود الشرع.\rوإن سلمنا امتناع التقدم فما المانع أن يكون مقارنا ؟ قولهم: ليس جعل أحد المقترنين علة للآخر أولى من العكس ليس كذلك، فإن الكلام إنما هو مفروض فيما إذا كان أحد الحكمين مناسبا للحكم الآخر من غير عكس، وإلا فمع قطع النظر عن جهة البعث في أحد الحكمين، فلا يكون علة.\rوما ذكروه من الترجيح، فهو لازم عليهم في التعليل بالاوصاف الحقيقة، وما هو جواب ثم، فهو الجواب فيما نحن فيه.\rوأما الحجة الثانية، فالمختار من قسميها أنه علة بمعنى الباعث.\rقولهم: إنه ممتنع، خارق للاجماع، دعوى مجردة، لا دليل عليها.\rوعند هذا، فنقول: المختار أنه يجوز أن يكون الحكم علة للحكم، بمعنى الامارة\rالمعرفة لكن لا في أصل القياس، بل في غيره، فقد حرمت كذا فإنه لا يمتنع أن يقول الشارع: مهما رأيتم أنني حرمت كذا، فقد حرمت كذا، ومهما أبحت كذا كما لو قال: مهما زالت الشمس فصلوا، ومهما طلع هلال رمضان فصوموا.\rوأما في أصل القياس فقد بينا أنه لا يجوز أن تكون العلة فيه بمعنى الامارة المعرفة، بل بمعنى الباعث، فإذا كان الحكم علة لحكم أصل القياس، فلا بد وأن يكون باعثا عليه.\rوعلى هذا، فحكم الاصل إما أن يكون حكما تكليفيا أو ثابتا بخطاب الوضع والاخبار.","part":3,"page":211},{"id":848,"text":"فإن كان ثابتا بخطاب التكليف، امتنع أن يكون الحكم الشرعي علة له، لانه غير مقدور للمكلف لا في إيجاده، ولا في إعدامه، فلا يصلح أن يكون علة له لما ذكرناه في امتناع التعليل بالوصف العدمي، وبما ذكرناه أيضا يمتنع تعليله بالوصف العرفي والتقديري والوصف الوجودي الذي لا قدرة للمكلف على تحصله، كالشدة المطربة والطعم والنقدية والصغر ونحوه.\rوأما إن كان حكم الاصل ثابتا بخطاب الوضع والاخبار، فلا بد وأن يكون الحكم المعلل به باعثا على حكم الاصل إما لدفع مفسدة لزمت من شرع الحكم.\rالمعلل به، واما لتحصيل مصلحة تلزم منه: فإن كان الاول، فيمتنع أن يكون الحكم علة، لان المفسدة اللازمة من الحكم المعلل به كانت مطلوبة الانتفاء بشرع حكم الاصل، لما شرع الحكم المعلل به، لما يلزم من شرعه من وجوه مفسدة مطلوبة الانتفاء للشارع: وإن كان الثاني، فلا يمتنع تعليل الحكم بالحكم، فإنه لا يمتنع أن يكون ترتيب أحد الحكمين على الآخر يستلزم حصول مصلحة لا يستقل بها أحدهما، فقد ينحل من هذه الجملة أن إطلاق القول بامتناع التعليل بالحكم الشرعي\rوجوازه ممتنع، بل لا بد من النظر إلى ما ذكرناه، لما ذكرناه من التفصيل.\rالمسألة السادسة اشترط قوم أن تكون العلة ذات وصف واحد، لا تركيب فيه، كتعليل تحريم الخمر بالاسكار ونحوه.\rومنع من ذلك الاكثرون، وهو المختار وذلك كتعليل وجوب القصاص بالمحدد بالقتل العمد العدوان.\rودليله أنه لا يمتنع أن تكون الهيئة الاجتماعية من الاوصاف المتعددة مما يقوم الدليل على ظن التعليل بها إما بمناسبة أو شبه، أو سبر وتقسيم، أو غير ذلك من طرق الاستنباط والتخريج مع اقتران الحكم بها حسب دلالته على علية الوصف الواحد، وكان علة.\rفإن قيل: ما ذكرتموه، وإن دل على جواز التعليل بعلة ذات أوصاف، غير أنه معارض بما يدل على امتناعه.","part":3,"page":212},{"id":849,"text":"وبيانه من أربعة أوجه: المعارضة الاولى: أن مجموع الاوصاف إذا كان علة للحكم، فالعلية صفة زائدة على مجموع تلك الاوصاف.\rودليله أمران: الاول أنا نعقل الهيئة الاجتماعية من الاوصاف، ونجهل كونها علة والمعلوم غير المجهول.\rالثاني أنه يحسن أن يقال: الهيئة الاجتماعية من الاوصاف علة، فنصفها بها، والصفة يجب أن تكون غير الموصوف.\rوعند ذلك فإما أن تكون صفة العلية بتمامها قائمة بكل واحد من الاوصاف، أو بواحد منها، أو أنها مع اتحادها قائمة بالمجموع، كل بعض منها قائم بوصف: لا جائز أن يقال بالاول، وإلا كان كل وصف علة مستقلة، لان العلة مجموع\rالاوصاف، وهو خلاف الفرض.\rكيف وإن ذلك محال كما يأتي.\rوإن قيل بالثاني: فالعلة ذلك الوصف الذي قامت به صفة العلية، لا مجموع الاوصاف، وهو أيضا خلاف الفرض.\rولا جائز أن يقال بالثالث، لان صفة العلية متحدة، فيلزم من ذلك تعدد المتحد لقيامه بالمتعدد، أو اتحاد المتعدد، وهو محال.\rالمعارضة الثانية أنه لو كانت العلية صفة لاوصاف متعددة، فهي متوقفة على كل واحد من تلك الاوصاف، ويلزم من ذلك أن يكون عدم كل وصف منها علة مستقلة لعدم صفة العلية ضرورة انتفائها عند عدمه، وذلك محال لوجهين: الاول أنه إذا انتفت جميع الاوصاف، فإما أن يكون عدم كل وصف علة مستقلة لعدم العلية أو البعض دون البعض، أو أنه لا واحد منها مستقل بل المستقل الجميع.\rلا جائز أن يقال بالاول، لان معنى استقلال عدم كل واحد من الاوصاف بعدم العلية، لا معنى له سوى أنه المفيد لذلك دون غيره، ويلزم من ذلك امتناع استقلال كل واحد منها.\rولا جائز أن يقال بالثاني لانه لا أولوية لاختصاص البعض بذلك دون البعض.","part":3,"page":213},{"id":850,"text":"ولا جائز أن يقال بالثالث لما فيه من إخراج كل واحد من تلك الاوصاف عن الاستقلال بالعلية، وقد قيل إنه مستقل.\rالوجه الثاني: أنه إذا كان عدم كل وصف منها يستقل عند انفراده بعدم العلية، فبتقدير انتفاء العلية عند انتفاء بعض الاوصاف، يلزم منه أنه إذا انتفى بعد ذلك وصف آخر من تلك الاوصاف أن لا يكون موجبا لعدم العلية لكونها معدومة ويلزم من ذلك نقض العلة العقلية، وهو محال.\rالمعارضة الثالثة أنه لا يخلو إما أن يكون كل واحد من تلك الاوصاف مناسبا\rللحكم، أو لا واحد منها مناسب له، أو المناسب البعض دون البعض.\rفإن كان الاول، فيلزم من مناسبة كل واحد للحكم مع اقتران الحكم به أن يكون مستقلا بالتعليل، وعند ذلك، فالحكم إما أن يضاف إلى كل واحد على سبيل الاستقلال، أو إلى البعض دون البعض، أو إلى الجملة، والكل محال لما تقدم في المعارضة السابقة.\rوإن كان الثاني فضم ما لا يصلح للتعليل إلى ما يصلح له لا يكون مفيدا للتعليل.\rوإن كان الثالث: فذلك هو العلة المستقلة لمناسبته وقران الحكم به، ولا مدخل لغيره في التعليل.\rالمعارضة الرابعة: أن كل واحد من الاوصاف إذا لم يكن علة عند انفراده، فعند انضمامه، إن تجددت صفة العلية له، فلا بد من تجدد أمر يقتضي العلية.\rوذلك الامر المتجدد لا بد له من علة متجددة توجبه: والكلام في ذلك المتجدد كالكلام في الاول، وهو تسلسل ممتنع.\rالجواب عن المعارضة الاولى من ثلاثة أوجه: الاول: أنه لا معنى لكون مجموع الاوصاف علة سوى أن الشارع قضى بالحكم رعاية لما اشتملت عليه الاوصاف من الحكمة.\rوليس ذلك صفة لها فلا يلزم ما ذكروه، الا ان هذا يناقض ما ذكر من الوجه الاول في امتناع التعليل بالعدم الثاني الثاني: أنه إن كانت العلية صفة للاوصاف غير انه يمتنع ان تكون صفة وجودية وبيانه من وجهين:","part":3,"page":214},{"id":851,"text":"الاول: أنها لو كانت صفة وجودية، لكانت عرضا، والصفات المعلل بها أعراض، والعرض لا يقوم بالعرض كما بيناه في أبكار الافكار وغيره.\rالثاني: أنها صفة إضافية وقد بينا فيما تقدم أن المفهوم من الصفة الاضافية غير\rوجودي، وما ذكروه من المحال، إنما يلزم بتقدير كونها صفة وجودية، وليس كذلك غير أن هذين الجوابين يناقضان ما ذكر من الوجه الاول في امتناع التعليل بالعدم.\rالثالث: أن ما ذكروه منتقض بكون القول المخصوص خبرا أو استخبارا أو وعدا أو وعيدا أو غير ذلك، مع تعدد ألفاظه وحروفه، فإن كل ما ذكروه من الاقسام بعينه متحقق فيه.\rومع ذلك، لم يمتنع وصفه بما وصف به.\rفما هو الجواب ها هنا يكون جوابا في محل النزاع.\rوعن الثانية: أنها مبنية على كون عدم الاوصاف علة لعدم العلية.\rوليس كذلك لوجهين: الاول: أن العدم لا يصلح أن يكون علة لما تقدم.\rالثاني: أن وجود كل واحد من الاوصاف شرط في تحقق العلية، فانتفاء العلية عند انتفاء بعض الاوصاف أو كلها إنما هو لانتفاء الشرط لا لعلة علم العلية.\rوعن الثالثة: أنه وإن لم يكن كل واحد من الاوصاف مناسبا للحكم مناسبة استقلال فلا يمتنع أن تكون مناسبة الاستقلال ناشئة أو ملازمة للهيئة الاجتماعية من الاوصاف، كما في القتل العمد العدوان بالنسبة إلى وجوب القصاص ونحوه.\rوعن الرابعة: أن المتجدد والمستلزم للعلية إنما هو الانضمام الحادث بالفاعل المختار، فلا تسلسل ثم يلزم على ما ذكروه تجدد الهيئة الاجتماعية من الاوصاف المتعددة، فإنها غير متحققة في كل واحد واحد من الاوصاف مع لزوم ما ذكروه.\rفما هو الجواب عن تجدد الهيئة الاجتماعية يكون جوابا عن تجدد صفة العلية.","part":3,"page":215},{"id":852,"text":"المسألة السابعة اتفق الكل على أن تعدية العلة شرط في صحة القياس وعلى صحة العلة القاصرة كانت منصوصة أو مجمعا عليها.\rوإنما اختلفوا في صحة العلة القاصرة إذا لم تكن منصوصة ولا مجمعا عليها.\rوذلك كتعليل أصحاب الشافعي حرمة الربا في النقدين بجوهرية الثمينة.\rفذهب الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل والقاضي أبو بكر والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري وأكثر الفقهاء والمتكلمين إلى صحتها وذهب أبو حنيفة وأصحابه وأبو عبد الله البصري والكرخي إلى إبطالها.\rوالمختار صحتها.\rوقد احتج القائلون بذلك بمسالك: المسلك الاول أنهم قالوا: تعدية العلة إلى الفرع موقوف على صحتها في نفسها فلو كانت صحتها متوقفة على تعديتها كان دورا ممتنعا.\rولقائل أن يقول إن أردتم بالتعدية الموقوفة على صحة العلة ثبوت الحكم بها في الفرع، فهو مسلم وإن أردتم بالتعدية الموقوفة على صحة العلة وجودها في الفرع لاغير، فهو غير مسلم.\rوعلى هذا فنحن لا نقول بان التعدية بالاعتبار الاول شرط في صحة العلة ليكون دورا، وإنما نقول بأن شرط صحة العلة التعدية بالاعتبار الثاني، وهو غير مفض إلى الدور، فإن صحة العلة، وإن كانت مشروطة بوجودها في غير محل النص، فوجودها غير متوقف على صحتها في نفسها، فلا دور، وإن سلمنا توقف التعدية على الصحة وتوقف الصحة على التعدية، فإنما يلزم الدوران لو كان ذلك التوقف مشروطا بتقدم كل واحد من الامرين على الاخر وأما إذا كان ذلك بجهة المعية كما في توقف كل واحد من المضافين على الآخر فلا دور.\rالمسلك الثاني أنهم قالوا إذا دار الحكم مع الوصف القاصر وجودا وعدما دل على كونه علة كالمتعدي، وهو غير صحيح لما سنبينه من إبطال التمسك بالدوران.","part":3,"page":216},{"id":853,"text":"المسلك الثالث: أنهم قالوا إذا جاز أن تكون علة عند دلالة النص عليها\rجاز أن تكون علة بالاستنباط، وهو غير صحيح أيضا.\rوذلك لان عليتها عند دلالة النص مستفادة من النص، ودلالة النص عليها غير متحققة حالة استنباطها، فلا يلزم أن تكون علة.\rفإن قيل: إذا دل النص على علية الوصوف القاصر، وجب الحكم بعلية المستنبط لما بينهما من الاشتراك في الحكمة قلنا: هذا قياس في الاسباب، وسيأتي إبطاله.\rوالمعتمد في ذلك أن يقال إذا كان الوصف القاصر مناسبا للحكم، والحكم ثابت على وفقه، غلب على الظن كونه علة للحكم بمعنى كونه باعثا عليه، ولا معنى لصحة العلة سوى ذلك.\rفإن قيل القضاء بصحة العلة يستدعي فائدة، فإن ما لا فائدة فيه لا يمكن القضاء بصحته، وفائدة العلة إنما هي في إثبات الحكم بها، والعلة القاصرة غير مثبتة للحكم في الاصل لكونه ثابتا بالنص أو الاجماع، ولانها مستنبطة منه، فتكون فرعا عليه فلو كانت مثبتة له، لكان فرعا عليها، وهو دور، ولا هي مثبتة للحكم في الفرع لعدم تعديتها.\rفقد تعرت عن الفائدة بالكلية، فلا تكون صحيحة.\rقلنا: وإن سلمنا امتناع إثبات الحكم بالعلية القاصرة، وأن إثبات الحكم بها فائدة لها، ولكن لا نسلم انحصار فائدتها في ذلك، بل لها ثلاث فوائد أخر.\rالاولى معرفة كونها باعثة على الحكم بما اشتملت عليه من المناسبة أو الشبه وإذا كانت باعثة على الحكم، كان الحكم معقول المعنى، وكان أدعى إلى الانقياد وأسرع في القبول له مما لم يظهر فيه الباعث، وكان تعبدا، وإذا كان كذلك، كان أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع من شرع الحكم، فكان التعليل بها مفيدا.\rالثانية: أن العلة إذا كانت قاصرة، فبتقدير ظهور وصف آخر متعد في محلها يمتنع تعدية الحكم به دون ترجيحه على العلة القاصرة، وذلك من أجل الفوائد.\rالثالثة: أنه إذا كانت القاصرة علة، وعرفناها، فقد امتنع بسببها تعدية الحكم\rإلى الفرع، وذلك أيضا من أتم الفوائد.","part":3,"page":217},{"id":854,"text":"فإن قيل: وإن كان ما ذكرتموه من جملة الفوائد، وأن ذلك مما يغلب على الظن الصحة، غير أن العمل بالظن على خلاف قوله تعالى: * (وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) * وحيث خالفناه في العلة المتعدية لاشتمالها على ما ذكرتموه من الفوائد وزيادة فائدة التعدية، فلا يلزم منه المخالفة فيها (1) دون ذلك.\rقلنا: يجب حمل الآية على ما المطلوب فيه القطع، جمعا بينه وبين ما ذكرناه من الدليل.\rسلمنا أنه لا فائدة في العلة القاصرة، ولكن لا يلزم من ذلك امتناع القضاء بصحتها بدليل ما لو كانت منصوصة.\rالمسألة الثامنة اختلفوا في جواز تخصيص العلة المستنبطة: فجوزه أكثر أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل ومنع من ذلك أكثر أصحاب الشافعي.\rوقد قيل إنه منقول عن الشافعي.\r__________\r1 - فيها - فيه تحريف والصواب فيما - بالميم.\r2 - ذكر في روضة الناظر أن أبا حفص البرمكي حكى وجهين في اشتراط الاطراد لصحة العلة، الاول أن الاطراد - وهو ان يوجد الحكم كلما وجدت العلة - شرط صحتها، فمتى تخلف الحكم عنها استدللنا على انها ليست بعلة ان كانت مستنبطة، وعلى أنها بعض العلة ان كانت منصوصا عليها، ونصره القاضي أبو يعلى وبه قال بعض الشافعية - ويسمى تخلف الحكم عن العلة نقضا.\rالثاني: أن الاطراد ليس بشرط في صحتها فتبقى حجة فيما عدا المحل المخصوص كالعموم إذا خص واختاره أبو الخطاب.\rالخ.\rوفي المنهاج للبيضاوي خمسة اقوال في المسألة - الجواز مطلقا، المنع مطلقا، الجواز في المنصوصة دون المستنبطة - الجواز في المستنبطة بمانع أو فوات شرط، الجواز في المستنبطة ولو بلا مانع أو فوات شرط دون المنصوصة فارجع إلى الكتابي تجد ذلك مع الامثلة.\r(*)","part":3,"page":218},{"id":855,"text":"ثم القائلون بجواز تخصيصها اتفقوا على جواز تخصيص العلة المنصوصة.\rواختلفوا: في جواز تخصيص المستنبطة إذا لم يوجد في محل التخلف مانع ولا فوات شرط، فمنع منه الاكثرون وجوزه الاقلون.\rوالقائلون بالمنع في تخصيص العلة المستنبطة اختلفوا في جواز تخصيص العلة المنصوصة.\rوالمختار إنما هو التفصيل، وهو أن يقال: العلة الشرعية لا تخلو إما أن تكون قطعية أو ظنية: فإن كانت قطعية، فتخلف الحكم عنها لا يخلو إما أن يكون لا بدليل أو بدليل.\rلا جائز أن يقال بالاول، لانه محال.\rوان كان الثاني: فالدليل اما ظني أو قطعي، والظني لا يعارض القطعي، ئتعارض قاطعين ايضا محال، الا ان يكون احدهما ناسخا للآخر وإن كانت ظنية، فتخلف الحكم عنها إما في معرض الاستثناء أولا في معرض الاستثناء: فإن كان الاول كتخلف إيجاب المثل في لبن المصراة عن العلة الموجبة له وهي تماثل الاجزاء، بالعدول إلى إيجاب صاع من التمر، وتخلف وجوب الغرامة عمن صدرت عنه الجناية في باب ضرب الدية على العاقلة، وتخلف حكم الربا مع وجود الطعم في العرايا ونحوه، فذلك مما لا يدل على بطلان العلة، بل تبقي حجة فيما وراء صورة الاستثناء، وسواء كانت العلة المخصوصة منصوصة أو مستنبطة، وذلك لان الدليل من النص أو الاستنباط قد\rدل على كونها علة، وتخلف الحكم حيث ورد بطريق الاستثناء عن قاعدة القياس كان مقررا لصحة العلة لا ملغيا لها.\rوأما إن كان تخلف الحكم عنها لا بطريق الاستثناء فلا يخلو إما أن تكون العلة منصوصة أو مستنبطة: فإن كانت منصوصة فلا يخلو إما أن يمكن حمل النص على أن الوصف المنصوص عليه بعض العلة، وذلك","part":3,"page":219},{"id":856,"text":"كتعليل انتقاض الوضوء بالخارج من غير السبيلين مأخوذا (1) من قوله عليه السلام الوضوء مما خرج (2) فإنه إذا تخلف عنه الوضوء في الحجامة أمكن أخذ قيد الخارج من السبيلين في العلة، وتأويل النص بصرفه عن عموم الخارج النجس إلى الخارج من المخرج المعتاد أو حمله على تعليل حكم آخر غير الحكم المصرح به في النص، وذلك قوله (3) تعالى: * (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) * (59) الحشر: 2) معللا بقوله تعالى * (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله) * (59) الحشر: 4) فإن الحكم المعلل المصرح به إنما هو خراب البيت، وليس كل من شاق الله ورسوله يخرب بيته، فأمكن حمل الخراب على استحقاق الخراب، وجد الخراب أو لم يوجد.\rأو أنه لا يمكن ذلك، فإن أمكن تأويل النص بالحمل على معنى خاص أو حكم آخر خاص وجب التأويل لما فيه من الجمع بين دليل التعليل بتأويله، ودليل إبطال العلة المذكورة.\rوإن لم يمكن تأويله بغير الوصف المذكور والحكم المرتب عليه، فغايته امتناع إثبات حكم العلية، لما عارضها من النص النافي لحكمها و العلة المنصوصة في معنى النص وتخلف حكم النص عنه في صوره (4)، لما عارضه لا يوجب إبطال العمل به في غير صورة المعارضة، فكذلك العلة المنصوصة.\rو أما إن كانت العلة مستنبطة، فتخلف الحكم عنها إما أن يكون لمانع أو فوات شرط أو لا يكون.\rفإن كان الاول: وذلك كما في تعليل إيجاب القصاص على القاتل بالقتل العمد العدوان، وتخلف الحكم عنه في الاب والسيد بمانع الابوة والسيادة، فلا يكون\r__________\r1 - كتعليل انتقاض الوضوء بالخارج من غير السبيلين مأخوذا - الخ، فيه سقط وتقدير الكلام: كتعليل انتقاض الوضوء بالخارج من غير السبيلين بالخارج النجس مأخوذا - وبالخارج الاول متعلق بانتقاض، والثاني متعلق بتعليل.\rوسيأتي للمؤلف مثل هذا في المسألة التاسعة عشرة من مسائل شروط العلة.\r2 - رواه الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عباس بلفظ (الوضوء مما يخرج وليس مما يدخل) وفي اسناده الفضل بن المختار وشعبة مولى ابن عباس وكلاهما ضعيف - انظر تلخيص الحبير.\r3 - وذلك قوله تعالى - الصواب وذلك كقوله.\r4 - في صوره - الصواب في صورة.\r(*)","part":3,"page":220},{"id":857,"text":"ذلك مبطلا للعلية فيما وراء صورة المخالفة، لان دليل الاستنباط قد دل على العلية بالمناسبة والاعتبار، وقد أمكن إحالة نفي الحكم على ما ظهر من المانع لا على إلغاء العلة فيجب الحمل عليه جمعا بين الدليل الدال على العلة والدليل الدال عل مانعية الوصف النافي للحكم، فإن الجمع بين الادلة أولى من إبطالها.\rولا يخفى: أن القول بإبطال العلة بتخلف الحكم عنها مما يلزم منه إبطال الدليل الدال على العلة والدليل الدال على مانعية المانع، فكان القول بإحالة نفي الحكم على المانع أولى.\rفإن قيل: لا نسلم أن المناسبة وقران الحكم بها فقط دليل العلية، بل مع الاطراد، وإن سلمنا ذلك، لكن لا نسلم إمكان تعليل انتفاء الحكم بالمانع لوجهين: الاول أن تعليل انتفاء الحكم بالمانع أو فوات الشرط في صورة التخلف\rيتوقف على وجود المقتضي للحكم فيها، فإنه لو لم يكن المقتضي للحكم موجودا فيها، لكان الحكم منتفيا لانتفاء المقتضي لا للمانع ولا لفوات الشرط، والقول بكون الوصف المذكور علة يتوقف في صورة التخلف على وجود المانع أو فوات الشرط، فإنا إذا لم نتبين وجود المانع ولا فوات الشرط، فالحكم يجب أن يكون منتفيا لانتفاء ما يقتضيه، وعند ذلك نتبين أن الوصف المذكور ليس بعلة، وإذا توقف كل واحد من المقتضي والمانع على الآخر، كان دورا ممتنعا وهذا الامتناع إنما لزم من التعليل بالمانع أو فوات الشرط في صورة التخلف، فكان ممتنعا.\rالوجه الثاني أن انتفاء الحكم في صورة التخلف كان متحققا قبل وجود المانع، وفي تعليله بالمانع تعليل المتقدم بالمتأخر وهو محال، وسواء كان المانع بمعنى الامارة أو الباعث.\rقلنا: جواب الاول أنا إذا رأينا الوصف مناسبا والحكم مقترنا به، غلب على الظن تأول النظر (1) إليه أنه علة مع قطع النظر عن البحث في جميع مجاري العلة، هل الحكم مقارن لها أو لا.\r__________\r1 - تأول - الصواب بأول.\r(*)","part":3,"page":221},{"id":858,"text":"وأما الاطراد فحاصله يرجع إلى السلامة عن النقص المعارض لدليل العلية وعدم المعارض عن داخل في دليل العلية وعن الدور من ثلاثة أوجه: الاول لا نسلم أن تعليل انتفاء الحكم بالمانع يستدعي وجود المقتضي.\rودليله أنه يصح انتفاؤه بالمانع مع وجود المقتضي، ومع كون المقتضي معارضا للمانع، فلان يصح تعليل النفي به مع عدم المقتضي كان أولى (1).\rالثاني وإن سلمنا توقف التعليل بالمانع على وجود المقتضي، ولكن لا نسلم توقف وجود المقتضي على وجود المانع، فإن كون المقتضي مقتضيا إنما يعرف\rبدليله من المناسبة والاعتبار، أو غير ذلك من الطرق، وذلك متحقق فيما نحن فيه.\rفيجب القضاء بكونه مقتضيا.\rوالمانع إنما هو من قبيل المعارض، فإن وجد انتفى الحكم المقتضي مع بقاء المقتضي بحاله مقتضيا، وإن لم يوجد، عمل المقتضي عمله.\rالثالث سلمنا توقف كل واحد منهما على الآخر، لكن توقف معية أو توقف تقدم: الاول مسلم، والثاني ممنوع.\rوعلى هذا، فلا دور.\rوعن قولهم: فيه تعليل المتقدم بالمتأخر أن المعلل نفيه بالمانع إنما هو انتفاء الحكم الذي صار بسبب وجود المقتضي بعرضية الثبوت عرضية لازمة لا مطلق حكم، وذلك مما لا يسلم تقدمه على المانع المفروض وأما إن لم يظهر في صورة التخلف مانع ولا فوات شرط، فالحق بطلان العلة، وذلك لان العلة المستنبطة إنما عرف كونها علة باعتبار الشارع لها بثبوت الحكم على وفقها، وذلك إن دل على اعتبارها.\rفتخلف الحكم عنها مع ظهور ما يكون مستندا لنفيه يدل على إلغائها، وليس أحد الدليلين أولى من الآخر، فيتقاومان ويبقى الوصف على ما كان قبل الاعتبار، ولم يكن قبل ذلك علة، فكذلك بعده.\rفإن قيل: مناسبة الوصف وقران الحكم به دليل ظاهر على كونه علة، وكذلك سائر طرق الاستنباط، وهذا الدليل قائم، وإن وجد النقص، وتخلف الحكم\r__________\r1 - كان أولى - المناسب حذف كان وقد استعمل المؤلف هذا الاسلوب اكثر من مرة.\r(*)","part":3,"page":222},{"id":859,"text":"عن الوصف، غايته أنه يوجب الشك في فساد العلة، وتقاوم احتمال انتفاء الحكم لانتفاء العلة، أو وجود المعارض على السواء، وإذا كان دليل العلة ظاهرا ودليل الفساد مشكوكا فيه، فالمشكوك فيه لا يقع في مقابلة الظاهر.\rودليل وقوع الشك في فساد العلة في صورة النقض وتقاوم الاحتمال فيها، أنه يحتمل أن يكون\rانتفاء الحكم في صورة النقض لمعارض، من وجود مانع أو فوات شرط، ويحتمل أنه لفساد العلة، وهما متقاومان.\rوبيان التقاوم أن احتمال الانتفاء لانتفاء العلة، وإن كان على وفق الاصل بالنسبة إلى احتمال انتفائه للمعارض، دفعا لمحذور المعارضة، غير أنه على خلاف الاصل بالنظر إلى إبطال العلة مع قيام الدليل الدال على كون الوصف علة، واحتمال انتفاء الحكم للمعارض وإن كان على خلاف الاصل لما فيه من نفي الحكم مع قيام دليله، غير أنه على وفق الاصل من جهة موافقة الدليل الدال على كون الوصف علة، فإذا احتمال انتفاء الحكم لانتفاء العلة موافق للاصل من وجه، ومخالف له من وجه، فيتقاوم الاحتمالان على السواء وذلك مما يوجب الشك في فساد العلة.\rوالشك لا يعارض الظاهر بوجه.\rقلنا: إذا اعترف بالشك في دليل فساد العلة، فيلزم منه الشك في فساد العلة، ويلزم من الشك في فساد العلة انتفاء الظن بكونها علة، لان الصحة والفساد متقابلان، فمهما وقع الشك في أحد المتقابلين، وقع الشك في الآخر، وإن كان أحدهما ظاهرا، والآخر بعيدا، فالقول بوقوع الشك في أحد المتقابلين مع ظهور الآخر ممتنع، كما يمتنع الشك في الغيم مع ظن الصحو، والشك في موت زيد مع ظن حياته.\rوهذا بخلاف ما إذا شككنا في الطهارة، وحكمنا بالنجاسة، نظرا إلى النجاسة السابقة، فإن الشك في هذه الصور لا يجامع النظر إلى الاصل، بل عند النظر إلى الاصل يترجح أحد احتمالي الشك على الآخر، فلا يبقى الشك متحققا، حتى إنه لو وقع الشك في النجاسة أو الطهارة مع النظر إلى الاصل، لبقي الشك معمولا به.\rوهذا، بخلاف ما نحن فيه، فإن الشك انما وقع في فساد العلة في صورة النقض مع النظر إلى دليل العلة، ولولا النظر إلى دليل العلة، لكان الظاهر انتفاء الحكم لا انتفاء العلة.\rومهما كان كذلك، فلا يمكن القضاء بظهور العلة، مع أن تقاوم الاحتمال إنما كان بالنظر إلى دليل العلة.","part":3,"page":223},{"id":860,"text":"كيف وإنه قد يمكن أن يقال: انتفاء الحكم مع وجود الوصف دليل ظاهر على أنه ليس بعلة، وثبوت الحكم على وفقه مع مناسبته، مما يوجب الشك في صحة التعليل به في محل الاعتبار والمشكوك فيه لا يعارض الظاهر، وبيان وقوع الشك في صحة التعليل في الاصل المستروح إليه أنه وإن كان ثبوت الحكم به على وفق الاصل غير أنه على خلاف الاصل بالنظر إلى دليل الفساد.\rوثبوت الحكم لغيره، وإن كان على خلاف الاصل مع عدم الظفر به إلا أنه على وفق الاصل بالنظر إلى دليل الفساد ويلزم من ذلك تقاوم الاحتمالات في صحة العلة.\rوكان الظاهر قد دل على فسادها، فلا يترك بالمشكوك فيه.\rفإن قيل: ما ذكرتموه من دلائل عدم الانتقاض في الصور المذكورة معارض من ثمانية أوجه: (1) الاول وهو اختيار أبي الحسين البصري، أن تخصيص العلة مما يمنع من كونها أمارة على الحكم في شئ من الفروع، سواء ظن بها أنها جهة للمصلحة، أو لم يظن بها ذلك.\rوبيان ذلك أنا إذا علمنا أن علة تحريم بيع الذهب بالذهب متفاضلا هي كونه موزونا، ثم علمنا إباحة بيع الرصاص بالرصاص متفاضلا مع أنه موزون، لم يخل إما أن يعلم ذلك بعلة أخرى تقتضي إباحته، أو بنص فإن علمنا إباحته بعلة أخرى يقايس بها الرصاص على أصل مباح لكونه أبيض مثلا، فإنا عند ذلك لا نعلم تحريم بيع الحديد بالحديد متفاضلا إلا بكونه موزونا غير أبيض، فإنا لو شككنا في كونه أبيض لم نعلم قبح بيعه متفاضلا كما لو شككنا في كونه موزونا، فبان أنا لا نعلم بعد التخصيص تحريم شئ لكونه موزونا فقط، فبطل أن يكون الموزون\r__________\r1 - هذه معارضات ممن يقول بمنع تخصيص العلة مطلقا لادلة من يقولون\rبجواز تخصيصها في الصورة الآتية - العلة القطعية مطلقا، والظنية في معرض الاستثناء، والمنصوصة الظنية في غير الاستثناء والمستنبطة إذا كان لها معارض من مانع أو فقد شرط.\r(*)","part":3,"page":224},{"id":861,"text":"وحده علة، بل الموزون مع كونه غير أبيض.\rوعلى هذا، يكون الكلام فيما إذا دل على إباحة بيع الرصاص نص، وسواء علمت علة الاباحة أو لم تعلم.\rالثاني قال بعض أصحابنا: اقتضاء العلة للحكم إما أن يعتبر فيه انتفاء المعارض، أو لا يعتبر: فإن اعتبر لم تكن العلة علة الا عند انتفاء المعارض، وذلك يقتضي أن الحاصل قبل انتفاء المعارض ليس هو تمام العلة، بل بعضها.\rوإن لم يعتبر، فسواء حصل المعارض أو لم يحصل يكون الحكم حاصلا، وذلك يقدح في كون المعارض معارضا.\rالثالث: أنه لابد وأن يكون بين كون المقتضي مقتضيا اقتضاء حقيقيا بالفعل وبين كون المانع مانعا حقيقيا بالفعل منافاة بالذات، وشرط طريان أحد المتنافيين بالذات انتفاء الاول وليس انتفاء الاول لطريان اللاحق، وإلا لزم الدور وحيث كان شرط كون المانع مانعا خروج المقتضي عن كونه مقتضيا بالفعل لم يجز أن يكون خروجه عن كونه مقتضيا بالفعل لاجل تحقق والا لزم الدور فإذا المقتضي إنما خرج عن كونه مقتضيا لا بالمانع، بل بذاته، وقد انعقد الاجماع على أن ما يكون كذلك لا يصلح للعلية.\rالرابع أن الوصف وإن وجد مع الحكم في الاصل، فقد وجد مع الحكم في صورة النقض مع عدم الحكم.\rووجوده مع الحكم لا يقتضي القطع بكونه علة لذلك الحكم ووجوده مع عدم الحكم في صورة النقض يقتضي القطع بأنه ليس بعلة لذلك الحكم في تلك الصورة.\rوالوصف الحاصل في الفرع، كما إنه مثل الوصف الحاصل في الاصل، فهو مثل الوصف الحاصل في صورة النقض، وليس إلحاقه\rبأحدهما أولى من الآخر، فلم يجز الحكم عليه بكونه علة.\rالخامس قالوا: لا طريق إلى صحة العلة الشرعية سوى جريانها مع معلولها، فإذا لم تجر معه، لم يكن إلى صحتها طريق.\rالسادس قالوا: العلة الشرعية إذا دل الدليل على تعلق الحكم بها، امتنع تخصيصها، كالعلة العقلية.","part":3,"page":225},{"id":862,"text":"السابع قالوا: العلة في القياس طريق إلى إثبات الحكم في الفرع، فإذا وجدت العلة في فرعين، امتنع أن تكون طريقا إلى العلم بحكم أحدهما دون الآخر، كما في الادراكات والادلة العقلية.\rالثامن قالوا: لو جاز وجود العلة الشرعية في فروع يثبت الحكم معها في البعض دون البعض لم يكن البعض بالاثبات أولى من البعض الآخر.\rوما ذكرتموه من دليل الانتقاض في الصورة الاخيرة معارض من أربعة أوجه: (1) الاول إجماع الصحابة على ذلك.\rودليله ما روي عن ابن مسعود أنه كان يقول هذا حكم معدول به عن سنن القياس (2) واشتهر ذلك فيما بين الصحابة من غير نكير، فصار إجماعا.\rالثاني: أن العلة الشرعية أمارة على الحكم في الفرع، ووجودها في موضع من غير حكم لا يخرجها عن كونها أمارة، فإنه ليس من شرط كون الامارة أمارة على شئ أن يكون ذلك الشئ ملازما لها دائما بدليل وجود جميع الامارات الشرعية على إثبات الاحكام، وإن لم تكن الاحكام ملازمة لها قبل ورود الشرع وبدليل الغيم الرطب، فإنه أمارة على وجود المطر، وإن لم يكن المطر ملازما له ولذلك، فإن وقوف مركوب القاضي على باب الملك أمارة على كونه في دار الملك ولا يخرج في ذلك أمارة، لوجوده (3) في بعض الاوقات والقاضي غير موجود\r__________\r1 - الصورة الاخيرة هي ما إذا كانت العلة مستنبطة وتخلف الحكم عنها على غير طريق الاستثناء، وبدون معارض لها من وجود مانع أو فقد شرط، وقد اختار الآمدي بطلان العلة بتخلف حكمها عنها في في هذه الصورة، واستدل على ذلك بما تقدم، فعارضه من يقول بجواز تخصيص العلة مطلقا باربعة أوجه ذكرها الآمدي وأجاب عنها 2 - هذا حكم معدول به عن سنن القياس لم أجد هذه الكلمة عن ابن مسعود وليست مما يشبه لغة عند الصحابة - لكنها شبيهة بلغة علماء الفقه وأصوله في نقاشهم وجدالهم عند الاستدلال واشتداد الخلاف بينهم ومع ذلك فقد ذكر ابن تيمية في ص 504 وما بعدها من ج 20 كثيرا من المسائل التي ادعى فيها علماء الفقه واصوله انهما على خلاف القياس وبين انها لم تخرج عن قاعدة القياس فارجع إليه.\r3 - لوجوده - في العبارة تحريف والصواب بوجوده - والباء سببية، وجملة = (*)","part":3,"page":226},{"id":863,"text":"في دار الملك، بأن يكون مركوبه مستعارا، وكذلك خبر الواحد فإنه أمارة على وجود الحكم، وتخلف حكمه عند وجود النص الراجح المخالف له لا يخرجه عن كونه أمارة، عليه عند عدم ذلك النص.\rالثالث أن العلة المستنبطة أمارة، فجاز تخصيصها كالمنصوصة.\rالرابع أن كون الوصف أمارة على الحكم في محل إما أن يتوقف على كونه إمارة على ذلك الحكم في محل آخر، أو لا يتوقف: فإن توقف فإما أن لا يتعاكس الحال في ذلك، أو يتعاكس (2): الاول محال، لما فيه من الدور.\rوالثاني أيضا محال لعدم الاولوية.\rولم يتوقف فهو المطلوب.\rوالجواب عن المعارضة الاولى من المعارضات الدالة على امتناع التخصيص: أنا، وإن سلمنا أن علة القياس أمارة على حكم الفرع معرفة له، وأنه إذا تخلف الحكم عنها في صورة أخرى للمعارض لا يمكن إثبات الحكم بها في فرع من الفروع\rدون العلم بانتفاء ذلك المعارض لها المتفق عليه، ولكن لا يلزم أن يكون انتفاء ذلك لمعارض من جملة المعرف للحكم، بل المعرف للحكم إنما هو ما كان باعثا عليه في الاصل، وانتفاء المعارض انما توقف إثبات حكم الامارة عليه ضرورة أن الحكم لا يثبت مع تحقق المعارض النافي له، فكان نفيه شرطا في إثبات حكم الامارة لا أنه داخل في مفهوم الامارة.\rوعن الثانية أنه، وإن سلم أن اقتضاء العلة للحكم لا يتوقف على عدم المعارض، فما المانع منه ؟ قولهم إنه يكون الحكم حاصلا.\rوإن حصل المعارض، لا نسلم ذلك، فإن العلة، وان كانت مقتضية للحكم فإنما يلزم وجود الحكم، أن لو انتفى المعارض الراجح أو المساوي.\r__________\r= (والقاضي غير موجود في دار الملك) حالية.\r1 - اي عند عدم ذلك النص الراجح المعارض لخبر الواحد.\r2 - فاما ان لا يتعاكس الحال في ذلك أو يتعاكس هكذا في المخطوطة والنسخ المطبوعة وفي جميعها تحريف، والصواب فاما أن يتعاكس الحال في ذلك أولا يتعاكس.\rوبذلك يتفق مع تعليل رد الاول بما فيه من الدور، ورد الثاني بعدم الاولوية.\r(*)","part":3,"page":227},{"id":864,"text":"وعلى هذا فلا يلزم من النفى القدح في المعارض ولا في العلة.\rوعن الثالثة لا نسلم المنافاة بين اقتضاء المقتضي واقتضاء المانع، ولا استحالة الجمع بينهما، وإن استحال الجمع بين حكميهما.\rوعلى هذا، فلا يلزم من تحقق المانع خروج المقتضي عن جهة اقتضائه، لا بذاته، ولا بغيره، بخلاف المتنافيات بالذات.\rوعن الرابعة أنه، وإن كان وجود الوصف مع الحكم في الاصل لا يوجب القطع بكونه علة، لكنه يغلب على الظن كونه علة، ووجوده مع عدم الحكم في\rصورة النقض، لا نسلم أنه يقتضي القطع بأنه ليس بعلة لذلك الحكم، بل الظن بالعلية باق بحاله، وانتفاء الحكم إنما كان لوجود المعارض النافي للحكم على ما هو معلوم من قاعدة القائلين بتخصيص العلة.\rوعن الخامسة: لا نسلم أن اطراد العلة طريق إلى صحتها، كما يأتي مفصلا من كونه (1) لا طريق سواه وعن السادسة: لا نسلم أن العلة العقلية يمتنع تخلف الحكم عنها، بل ذلك جائز عند فوات القابل لحكمها، كما بيناه في الكلاميات.\rوإن سلمنا امتناع تخلف حكمها عنها، فليس ذلك لدلالة الدليل على تعلق الحكم بها، ولا لكونها علة، بل إنما كان ذلك بكونها مقتضية للحكم لذاتها، وذلك غير متحقق في العلة الشرعية فإنها ليست مقتضية للحكم لذاتها وإنما هي علة بوضع الشارع لها أمارة على الحكم في الفرع.\rوعن السابعة: أنه ليست العلة في امتناع الافتراق في الدليل العقلي المتعلق بمدلولين، وامتناع الافتراق في الادراك المتعلق بمدركين، كونه طريقا لا دليلا بل لكون الدليل العقلي موجبا لذاته، ولكون الادارك مما يجب العلم بالمدرك عنده عادة (2) بخلاف العلل الشرعية، على ما سبق.\r__________\r1 - مفصلا من كونه - هكذا في المطبوعة والمخطوطة والصواب فصلا عن كونه الخ 2 - جرى في التعبير بلفظ عنده على طريقة الاشعرية فانهم يقولون المسببات توجد عند وجود الاسباب لا بها والنتائج توجد عند وجود الادلة بها، ومذهب اهل السنة والجماعة انها توجد بها لكن لا بذاتها بل بجعل الله لها اسبابا لمسبباتها ودلائل على نتائجها.\r(*)","part":3,"page":228},{"id":865,"text":"وعن الثامنة: أنه إنما اختص البعض بتخلف الحكم دون البعض، لاختصاصه بمعارض لا تحقق له فيما كان الحكم ثابتا فيه.\rوعن المعارضة الاولى: من المعارضات الدالة على التخصيص أنه لا دلالة لقول ابن مسعود على أن القياس الذي كان الحكم ثابتا على خلافه أنه حجة، فالاجماع على ذلك لا يكون مفيدا.\rوإن كان حجة، لكن يمكن حمله على ما إذا كان تخلف الحكم عنه بطريق الاستثناء.\rويجب الحمل عليه، جمعا بين الادلة.\rوعن الثانية: لا نسلم أن تخلف الحكم عن الامارة من غير معارض لا يخرجها عن كونها أمارة، وذلك، لانه إما أن يكون كل ما توقف عليه التعريف في صورة كانت الامارة أمارة فيه قد تحقق في صورة تخلف الحكم أو لم يتحقق.\rفإن كان الاول: فتخلف الحكم عنه ممتنع.\rوإن كان الثاني: فالموجود في صورة التخلف ليس هو الامارة التي توقف عليها التعريف، بل البعض منها.\rوعلى هذا، يكون تخريج كل ما ذكروه من الصور (1).\rوعن الثالثة: بمنع كون المستنبطة مع تخلف الحكم عنها من غير معارض أمارة.\rوعلى هذا، فلم يوجد الجامع بين الاصل والفرع.\rوإن دلوا على كونها أمارة مع التخصيص بطريق آخر، فهو كاف في المطلوب، وخروج عن خصوص هذه الدلالة.\rوعن الرابعة: أن المختار مما ذكروه من الاقسام قسم التوقف من الطرفين.\rقولهم: إن ذلك يفضي إلى الدور - إنما يلزم إن لو توقف كون الامارة في كل واحدة من الصورتين على كونها أمارة في الصورة الاخرى توقف تقدم أما إذا كان ذلك بطريق المعية فلا، كما عرف ذلك فيما تقدم والله أعلم.\r__________\r1 - يعني صور الاستدلال بالغيم الرطب على المطر بوجود مركوب القاضي في مكان على وجوده فيه.\rوالاستدلال بخبر الواحد عند عدم المعارض وان تخلف\rمع وجود المعارض الراجح.\r(*)","part":3,"page":229},{"id":866,"text":"المسألة التاسعة اختلفوا في الكسر: وهو تخلف الحكم المعلل عن معنى العلة وهو الحكمة المقصودة من الحكم، هل هو مبطل للعلة أو لا ؟ وصورته: ما لو قال الحنفي في مسألة العاصي بسفره مسافر، فوجب أن يترخص في سفره كغير العاصي في سفره وبين مسافة السفر، بما فيه من المشقة.\rفقال المعترض: ما ذكرته من الحكمة، وهي المشقة، منتقضة،، فإنها موجودة في حق الحمال وأرباب الصنائع الشاقة في الحضر، ومع ذلك فإنه لا رخصة.\rوالاكثرون على أن ذلك غير مبطل للعلة.\rوالوجه فيه أن الكلام إنما هو مفروض في الحكمة التي ليست منطبطة بنفسها بل بضابطها وعند ذلك فلا يخفى أن مقدارها مما لا ينضبط، بل هو مختلف باختلاف الاشخاص والازمان والاحوال وما هذا شأنه فدأب الشارع فيه رد الناس إلى المظان الظاهرة الجلية، دفعا للعسر عن الناس والتخبط في الاحكام، على ما قال تعالى * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * وعلى هذا، فيمتنع التعليل بها دون ضابطها.\rوإذا لم تكن علة، فلا معنى لايراد النقض عليها.\rفإن قيل: المقصود من شرع الحكم إنما هو الحكمة دون ضابطها، وعند ذلك فيحتمل أن يكون مقدار الحكمة في صورة النقض مساويا لمقدارها في صورة التعليل، ويحتمل أن يكون أزيد، ويحتمل أن يكون أنقص.\rوعلى تقدير المساواة والزيادة، فقد وجد في صورة النقص ما كان موجودا في صورة التعليل، وإنما لا يكون موجودا بتقدير أن يكون أنقض.\rولا يخفى أن ما يتم على تقديرين أغلب على الظن مما لا يتم إلا على تقدير واحد.\rومع ذلك، فيظهر إلغاء ما ظن أن الحكم معلل به.\rقلنا: الحكمة، وإن كانت هي المقصودة من شرع الحكم، لكن على وجه تكون مضبوطة إما بنفسها، أو بضابطها، لما ذكرناه.\rوما فرض من الحكمة في صورة النقض مجردة عن ضابطها، فامتنع كونها مقصودة، وبتقدير كونها","part":3,"page":230},{"id":867,"text":"مقصودة، فالنقض إنما هو من قبيل المعارض لدليل كونها معللا بها.\rوعلى هذا فانتفاء الحكم، مع وجود الحكمة، في دلالته على إبطال التعليل بالحكمة مرجوح بالنظر إلى دليل التعليل بها، وذلك لانه من المحتمل أن يكون انتفاء الحكم في صورة النقص لمعارض.\rومع هذا الاحتمال، فتخلف الحكم عنها لا يدل على إبطالها.\rفإن قيل: بحثنا وسبرنا فلم نطلع على ما يصلح معارضا في صورة النقص (1)، فيظهر أن انتفاءه لانتفاء العلة، فهو معارض بقول المستدل، بحثت في محل التعليل فلم أطلع على ما يصلح للتعليل سوى ما ذكرته فدل على التعليل به فإن قيل: بحثنا راجح، لما فيه من موافقة انتفاء الحكم لانتفاء علته إذ هو الاصل، نفيا للتعارض، فهو معارض بما بحث المستدل من موافقة ما ظهر من دليل العلة من المناسبة والاعتبار، فيتقاومان، ويترجح كلام المستدل بأن مقدار الحكمة في صورة التعليل، وإن كان مظنون الوجود في صورة النقض، فيحتمل أن لا يكون موجودا فيها، وإلا كان مقطوعا، لا مظنونا، وهو موجود في صورة التعليل قطعا مع قران الحكم به قطعا، وهو دليل العلية، وما هو دليل البطلان موجودها (2) في صورة النقض ظنا، مع انتفاء الحكم قطعا، والمقطوع به من وجهين راجح على ما هو مقطوع من وجه، ومظنون من وجه.\rولا يخفى أن مثل هذا الترجيح مما لا يتجه على النقض على المظنة.\rفلذلك، كان النقض لازما على المظنة دون الحكمة.\rفإن قيل: فلو فرض وجود الحكمة في صورة النقض قطعا، فما المختار فيه ؟ قلنا: ذلك مما يمتنع وقوعه.\rوبتقدير وقوعه، فقد قال بعض أصحابنا: إنه لا الفتات إليه، مصيرا منه إلى أن التوسل إلى معرفة ذلك في آحاد الصور بخفائه وندرته مما يلزم منه نوع عسر وحرج، ولا يلزم مثله في التوسل إلى معرفة الضوابط الجلية.\rفكان من المناسب حط هذه الكلفة عن المجتهد، ورد الناس إلى الضوابط الجلية المشتملة على احتمال الحكم في الغالب.\r__________\r1 - في صورة النقص - الصواب في صورة النقض بالضاد المعجمة.\r2 - في المخطوطة فوجودها وفي المطبوعات موجودها وكلها محرفة والصواب فموجود.\r(*)","part":3,"page":231},{"id":868,"text":"ولقائل أن يقول: البحث عن الحكمة في آحاد الصور، هل هي موجودة قطعا وإن كان يفضي إلى العسر والحرج، إلا أنا نعلم أن المقصود الاصلي من إثبات الاحكام ونفيها إنما هو الحكم والمقاصد.\rفعلى تقدير وجود الحكمة في بعض الصور مماثلة لها في محل التعليل قطعا، لو لم نقل بوجوب التعليل بها في غير محل التعليل.\rلزم منه انتفاء الحكم مع وجود حكمته قطعا، وذلك ممتنع، كما يمتنع إثبات الحكم مع انتفاء حكمته قطعا فيما عدا الصورة النادرة، وكذلك لو لم نقل بإلغائها عند تخلف الحكم عنها فيصح مع تيقنها، فيلزم منه (1) إثبات الحكم بها مع الضابط مع كونها ملغاة قطعا.\rولا يخفى أن محذور إثبات الحكم لحكمة ألغاها الشارع أو نفي الحكم مع وجود حكمته يقينا أعظم من المحذور اللازم للمجتهد من البحث عن الحكمة في آحاد الصور، على ما لا يخفى.\rوعلى هذا، يكون الكلام فيما إذا فرض وجود الحكمة في صورة النقض أزيد منها في محل التعليل يقينا.\rلكن إن كان قد ثبت معها في صورة النقض حكم هو\rأليق بها بأن يكون وافيا بتحصيل أصل الحكمة وزيادة ولو رتب عليها في تلك الصورة الحكم المعلل كان فيه الاخلال بتلك الزيادة في صورة النقض، فلا يكون ذلك نقضا للحكمة، ولا إلغاء لها، بل الواجب تخلف الحكم المعلل عنها وإثبات الحكم اللائق بها، الوافي بتحصيل الزيادة لما فيه من رعاية أصل المصلحة وزيادتها فإنه أولى من رعاية أصل المصلحة وإلغاء الزيادة.\rفإذا انتفاء الحكم في هذه الصورة لا يدل على إلغاء الحكمة بل على اعتبارها بأصلها وصفتها.\rومثال ذلك ما إذا علل المستدل وجوب القطع قصاصا بحكمة الزجر فقال المعترض: مقصود الزجر في القتل العمد العدوان أعظم.\rومع ذلك فإنه لا يجب به القطع، فللمستدل أن يقول: الحكمة في صورة النقض، وإن كانت أزيد منها في محل التعليل، غير أنه قد ثبت معها في صورة النقض حكم هو أليق بها، وهو وجوب القتل.\r__________\r1 - فيلزم منه - المناسب للزم منه لانه جواب لو (*)","part":3,"page":232},{"id":869,"text":"المسألة العاشرة اختلفوا في النقض المكسور، وهو النقض على بعض أوصاف العلة (1).\rوذلك كما لو قال الشافعي في مسألة بيع الغائب: مبيع مجهول الصفة عند العاقد حال العقد، فلا يصح بيعه، كما لو قال بعتك عبد ا فقال المعترض هذا ينتقض بما لو تزوج امرأة لم يرها، فإنها مجهولة الصفة عند العاقد لدى العقد، ومع ذلك فإن النكاح يصح، والاكثرون على رده وإبطاله.\rوذلك، لان التعليل إنما وقع بكونه مبيعا مجهول الصفة، لا بكونه مجهول الصفة فقط، والمنكوحة ليست مبيعة، وإن كانت مجهولة الصفة.\rوإبطال التعليل ببعض أوصاف العلة لا يكون إبطالا بجملة العلة.\rنعم.\rإن بين المعترض أنه لا تأثير للوصف الذي وقع به الاحتراز عن النقص\rفي الحكم لا بانفراده ولا مع ضميمة إلى الوصف الآخر، فالمستدل بين أمرين بين أن يبقى مصرا على التعليل بمجموع الوصفين، وبين أن يترك الكلام على التعليل بالوصف المنقوض: فإن كان الاول: فقد بطل التعليل بما علل به لعدم التأثير لا بالنقض.\rوإن كان الثاني: فقد بطل التعليل بالنقض لكونه واردا على كل العلة.\rفإن قيل: الوصف المحذوف وإن لم يكن مناسبا، ولا له تأثير في إثبات الحكم المعلل لا بانفراده، ولا مع ضميمة إلى غيره، فلا يمتنع أخذه في التعليل لفائدة الاحتراز عن النقض، وإنما يخرج عن التعليل، إن لو تعرى عن الفائدة بالكلية، وليست الفائدة منحصرة في المناسبة على ما تقدم.\rقلنا: فائدة الاحتراز به عن النقض متوقفة على كونه من أجزاء العلة، حتى إنه لو لم يكن من أجزاء العلة، لكانت العلة ما وراءه، والنقض إذ ذاك يكون واردا عليها.\rوكونه من أجزاء العلة يتوقف على إمكان الاحتراز به عن النقض وهو دور ممتنع.\r__________\r1 - النقض المكسور كما عرفه المؤلف الخ.\rاما النقض فهو تخلف الحكم عن العلة (*)","part":3,"page":233},{"id":870,"text":"المسألة الحادية عشرة اختلفوا في اشتراط العكس في العلل الشرعية: فأثبته قوم: ونفاه أصحابنا والمعتزلة.\rوقبل الخوض في الحجاج، لا بد من بيان أقسام العكس، واختلاف الاصطلاحات فيه، وتعيين محل النزاع منها فنقول: أما العكس في اللغة فمأخوذ من رد أول الامر إلى آخره، وآخره إلى أوله، وأصله شد رأس البعير بخطامه إلى ذراعه.\rوأما في اصطلاح الحكماء فهو عبارة عن جعل اللازم ملزوما، والملزوم لازما\rمع بقاء كيفية القضية بحالها من السلب والايجاب (1) وذلك كقول القائل في عكس القضية الحملية إذا كانت موجبة كلية، كقولنا كل إنسان حيوان أو جزئية كقولنا بعض الانسان حيوان بعض الحيوان إنسان أو كلية سالبة، كقولنا لا شئ من الانسان بحجر لا شئ من الحجر بإنسان وعلى قياسه عكس القضية الشرطية.\rوأما في اصطلاح الفقهاء والاصوليين، فقد يطلق العكس باعتبارين: الاول: منهما مثل قول الحنفي: لما لم يجب القتل بصغير المثقل، لم يجب بكبيره بدليل عكسه في المحدد، وهو أنه لما وجب بكبير الجارح، وجب بصغيرة وهو باطل.\r__________\r1 - الخلاف في اشتراط العكس متفرع على الخلاف في جواز تعدد العلل، فكان المناسب ان تجعل هذه المسألة بعد مسألة تعدد العلل.\r2 - في المخطوطة بجعل الخبر مبتدا والمبتدا خبرا مع بقاء الخ، وتعريف المطبوعة خاص بعكس القضية وتعريف المخطوطة خاص بعكس القضية الحملية.\rوقد عرفه صاحب متن المسلم بتعريف يشملهما فقال: العكس قلب جزأي القضية * مع بقاء الكم والكيفية - والصدق الا الموجب الكلية * فعوضوها الموجب الجزئية فهذا اجمع من كل من التعريفين وانسب لما ذكر بعد من التمثيل لعكس كل منهما والقضية: الجملة الخبرية، والكم العدد الذي يعبر عنه بكل وبعض وما في معناهما والكيفية السلب والايجاب، اي النفي والاثبات.\r(*)","part":3,"page":234},{"id":871,"text":"فإنه لا مانع من ورود الشارع بوجوب القصاص بكل جارح، وإن تخصص وجوبه في المثقل بالكبير منه.\rوأما الثاني: فهو انتفاء الحكم عند انتفاء العلة (1) والعكس بهذا الاعتبار\rهو المقصود بالخلاف ها هنا.\rوالمختار فيه إنما هو التفصيل وهو أن جنس الحكم المعلل، إما أن لا يكون له سوى علة واحدة، أو أنه معلل بعلل، في كل صورة بعلة.\rفإن كان الاول، وذلك كتعليل جنس وجوب القصاص في النفس بالقتل العمد العدوان، فإنه لا علة له سواه، فلا شك في لزوم انتفائه عند انتفاء علته، لا لانه يلزم من نفي العلة الواحدة نفي الحكم، بل لان الحكم لا بد له من دليل، ولا دليل.\rوإن كان الثاني: كما في تعليل إباحة الدم بالقتل العمد العدوان، والردة عن الاسلام والزنا في الاحصان، وقطع الطريق، وتعليل نقض الوضوء بالمس واللمس والبول والغائط فلا شك أنه لا يلزم من انتفاء بعض هذه العلل نفي جنس الحكم لجواز وجود علة أخرى: وإنما يلزم نفيه بتقدير انتفاء جميع العلل.\rهذا في جنس الحكم المعلل وأما آحاد أشخاص الحكم في آحاد الصور، فإنه يمتنع تعليله بعلتين، على ما يأتي تقريره.\rوإنما يكون معللا بعلة واحدة على طريق البدل، فلا يلزم من نفي العلة المعينة نفيه لجواز وجود بدلها، لما سبق.\rفإن قيل: وإن كان الحكم معللا بعلة واحدة، ولا علة له سواها، في دليل عليه، فكانت مشابهة للدليل العقلي في العقليات، ولا يلزم من نفي الدليل في العقليات نفي المدلول، ولهذا فإن الصنعة دليل وجود الرب تعالى.\rولو قدر انتفاؤها لم يلزم منه انتفاء وجود الرب تعالى فكذلك العلة الشرعية.\rقلنا: العلة، وإن كانت دليل الحكم، فلا نعني بانتفاء الحكم عند انتفائها انتفاءه في نفسه بل انتفاء العلم أو الظن به ضرورة توقف ذلك على النظر الصحيح في الدليل، ولا دليل.\rوكذلك الحكم في الصنعة مع الصانع.\r__________\r1 - ويقابل العكس بهذا المعنى الطرد وهو عندهم كلما وجدت العلة وجد الحكم.\r(*)","part":3,"page":235},{"id":872,"text":"المسألة الثانية عشرة (1) اتفقوا على جواز تعليل الحكم بعلل، في كل صورة بعلة.\rواختلفوا: في جواز تعليل الحكم الواحد (2) في صورة واحدة بعلتين معا فمنهم من منع ذلك مطلقا كالقاضي أبي بكر وإمام الحرمين ومن تابعهما.\rومنهم من جوز ذلك مطلقا.\rومنهم من فصل بين العلل المنصوصة والمستنبطة، فجوزه في المنصوصة، ومنع منه في المستنبطة، كالغزالي ومن تابعه.\rوالمختار: إنما هو المذهب الاول.\rوذلك، لانه لو كان معللا بعلتين، لم يخل إما أن تستقل كل واحدة بالتعليل، أو أن المستقل بالتعليل إحداهما دون الاخرى أو أنه لا استقلال لواحدة منهما، بل التعليل لا يتم إلا باجتماعهما.\rلا جائز أن يقال بالاول، لان معنى كون الوصف مستقلا بالتعليل أنه علة الحكم دون غيره، ويلزم من استقلال كل واحدة منهما بهذا التفسير امتناع استقلال كل واحدة منهما، وهو محال.\rوإن كان الثاني: أو الثالث، فالعلة ليست إلا واحدة.\rوعلى هذا فلا فرق بين أن تكون العلة في محل التعليل بمعنى الباعث أو بمعنى الامارة.\rفإن قيل: نحن لا نفسر استقلال العلة بأن الحكم ثبت بها لا غير، ليلزمنا ما قيل، بل معنى استقلالها أنها لو انفردت لكان الحكم ثابتا لها، ولا أثر لانتفاء غيرها.\rولا يخفى وجه الفرق بينه وبين القسمين الآخرين.\rسلمنا دلالة ما ذكرتموه على امتناع تعليل الحكم بعلتين على وجه تكون كل واحدة مستقلة بالحكم، لكنه معارض بما يدل على جوازه، بالنظر إلى ما هو الواقع من أحكام الشرع.\rوذلك أنا قد اتفقنا على ثبوت الحكم الواحد عقيب علل مختلفة، كل واحدة قد ثبت استقلالها بالتعليل في صورة.\r__________\r1 - انظر ص 167 ج 20 وص 273 - 274 ج 18 من مجموع الفتاوي.\r2 - الواحد اي بالشخص.\r(*)","part":3,"page":236},{"id":873,"text":"وعند ذلك، فإما أن يقال: العلة منها واحدة، أو الكل علة واحدة ذات أوصاف، أو أن كل واحدة علة مستقلة لا جائز أن يقال بالاول، وإلا فهي معينة أو مبهمة: القول بالتعيين ممتنع لعدم الاولوية، ولما فيه من خروج الباقي عن التعليل مع استقلال كل واحدة به، وبهذا يبطل الابهام.\rوالقسم الثاني أيضا، فلم يبق سوى القسم الثالث وهو الاستقلال.\rودليل ثبوت مثل هذه الاحكام، الاجماع على إباحة قتل من قتل مسلما قتلا عمدا عدوانا، وارتد عن الاسلام، وزنا محصنا، وقطع الطريق معا، وعلى ثبوت الولاية على الصغير المجنون، وعلى امتناع نكاح من أولدته وأرضعته، وعلى تحريم وطئ الحائض المعتدة المحرمة، وعلى انتقاض الوضوء بالمس واللمس والبول والغائط معا.\rوالجواب عن الاشكال الاول أن الكلام إنما هو مفروض في حالة الاجتماع.\rلافي حالة الانفراد، والتقسيم في حالة الاجتماع، فعلى ما سبق.\rوأما الاحكام فالوجه في دفعها أن نقول أما إباحة قتل من قتل، وارتد، وزنا محصنا، وقطع الطريق، فالعلل وإن كانت فيه متعددة: فالحكم أيضا متعدد شخصا، وإن اتحد نوعا.\rولذلك، فإنه لا يلزم من انتفاء إباحة القتل بعد العود عن الردة إلى الاسلام انتفاؤها بباقي الاسباب الاخر، ولا من انتفاء الاباحة بسبب إسقاط القصاص انتفاؤها بباقي الاسباب.\rويدل على تعدد الحكم أيضا أن الاباحة بجهة القتل العمد العدوان حق للآدمي بجهة الخلوص.\rولذلك، يتمكن من إسقاطه مطلقا، والاباحة بجهة الزنا والردة حق الله تعالى بجهة الخلوص دون الآدمي، وذلك غير متصور في شئ واحد، وعلى تقدير الاستيفاء، فالمقدم حق الآدمي، وهو الاباحة بجهة القصاص، لان حقه مبني على الشح والمضايقة، وحق الله تعالى مبني على المسامحة والمساهلة، من حيث إن الآدمي يتضرر بفوات حقه دون الباري تعالى.\rوأما ثبوت الولاية على الصغير المجنون فمستندة إلى الصغر لسبقه على الجنون لكون الجنون لا يعرف إلا بعد حين.\rوكذلك امتناع نكاح الوالدة المرضعة.\rفإنه مستند إلى الولادة دون الرضاع لسبقها عليه.","part":3,"page":237},{"id":874,"text":"وأما الوطئ في حق الحائض المعتدة المحرمة فغير محرم على التحقيق، وإنما المحرم في حق الحائض ملابسة الاذى، وفي حق المعتدة تطويل العدة، وفي حق المحرمة إفساد العبادة، وهي أحكام متعددة، لا أنها حكم واحد.\rوأما المس واللمس وباقي الاسباب فالاحداث المرتبة عليها متعددة على رأي لنا.\rوعلى هذا فلو نوى رفع حدث واحد منها لا يرتفع الباقي، فأحكامها أيضا متعددة، لا أنها حكم واحد، والنزاع إنما هو في تعليل الحكم الواحد بالشخص بعلتين، لا في تعليل حكمين.\rوعلى هذا فلا يخفى وجه التخريج لكل ما يرد من هذا القبيل.\rالمسألة الثالثة عشرة اختلفوا في العلة الواحدة الشرعية هل تكون علة لحكمين شرعيين أو لا ؟ والمختار جوازه.\rوذلك، لان العلة إما بمعنى الامارة أو الباعث.\rفإن كانت بمعنى الامارة فغير ممتنع لا عقلا ولا شرعا نصب أمارة واحدة\rعلى حكمين مختلفين.\rوذلك مما لا نعرف فيه خلافا كما لو قال الشارع: جعلت طلوع الهلال أمارة على وجوب الصوم والصلاة ونحوه (1).\rوأما إن كانت بمعنى الباعث، فلا يمتنع أيضا أن يكون الوصف الواحد باعثا للشرع على حكمين مختلفين، أي مناسبا لهما.\rوذلك كمناسبة شرب الخمر للتحريم ووجوب الحد، وكذلك التصرف بالبيع من الاهل في المحل المرئي، فإنه مناسب لصحة البيع ولزومه.\rفإن قيل: إذا كان الوصف مناسبا لاحد الحكمين، فمعنى كونه مناسبا له أنه لو رتب ذلك الحكم عليه لحصل مقصوده.\rوعلى هذا، فيمتنع أن يكون مناسبا للحكم الآخر، لانه لو ناسبه لكان بمعنى أن ترتيبه عليه محصل للمقصود منه، وفي ذلك تحصيل الحاصل لكونه حاصلا بالحكم الآخر.\r__________\r1 - هذا مثال فرضى ومثاله من واقع التشريع جعل غروب شمس يوم من رمضان امارة على مشروعية الفطر للصائم ووجوب صلاة المغرب.\r(*)","part":3,"page":238},{"id":875,"text":"وأيضا فإنه إذا كان الوصف الواحد مناسبا لحكمين مختلفين: فإما أن يناسبهما من جهة واحدة، أو من جهتين مختلفتين: فإن كان الاول، فهو ممتنع، إذ الشئ الواحد لا يكون مناسبا لشئ من جهة ما يناسب مخالفه.\rوإن كان الثاني فعلة الحكمين مختلفة لا أنها متحدة.\rوالجواب عن الاول أن معنى المناسب للحكم أعم مما ذكروه.\rوذلك لان المناسب ينقسم إلى ما ترتيب الحكم الواحد عليه يستقل بتحصيل مقصوده، وذلك مما يمنع كونه مناسبا لحكمين بهذا التفسير وإلى ما يتوقف حصول مقصوده على ترتيب الحكم عليه.\rوإن لم يكن ذلك الحكم وافيا بتحصيل المقصود دون الحكم الآخر.\rوعلى هذا، فامتناع مناسبة الوصف الواحد للحكمين بالتفسير الاول وإن كان لازما فلا يمتنع أن يكون مناسبا للحكمين بالتفسير الثاني.\rوعن الاشكال الثاني: أنه إذا عرف أن معنى مناسبة الوصف للحكمين توقف حصول المقصود منه على شرع الحكمين، فلا يمتنع أن يكون الوصف مناسبا لهما من جهة واحدة.\rالمسألة الرابعة عشرة إذا كانت العلة في أصل القياس بمعنى الباعث، كما قررناه، فشرطها أن تكون ضابط الحكمة المقصودة للشرع من إثبات الحكم أو نفيه، بحيث لا يلزم منه (1) إثبات الحكم مع تيقن انتفاء الحكمة في صورة، وإلا كان فيه إثبات الحكم مع انتفاء الحكمة المطلوبة منه يقينا، وهو ممتنع، ومثاله ما لو قيل بأن حكمة القصاص إنما هي صيانة النفس المعصومة عن الفوات، فمن ضبط صيانة النفس عن الفوات بالجرح لا غير، كما يقوله أبو حنيفة، فيلزمه شرع القصاص في حق من جرح ميتا ضرورة وجود الضابط مع تيقن انتفاء الحكمة أو نفي الحكم مع وجود علته، وهو ممتنع.\rفإن قيل: وإن لزم من ذلك إثبات الحكم في صورة بدون حكمة واحدة.\r__________\r1 - اي الوصف الذي جعل ضابطا للحكمة.\r(*)","part":3,"page":239},{"id":876,"text":"وذلك الضابط (1) في الاصل المذكور إنما يمتنع الضبط به إن لو لم يكن له سوى حكمة واحدة.\rوأما إذا جاز أن يكون الوصف الواحد ضابطا في كل صورة لحكمة، فانتفاء حكمة إحدى الصورتين عن الاخرى لا يوجب أن يكون ثبوت الحكم في الصورة\rالتي انتفت عنها تلك الحكمة عريا عن الفائدة، بل يكون ثبوته بالحكمة الخاصة بتلك الصورة والضابط لها، ولحكمة الحكم في الصورة الاخرى شئ واحد.\rقلنا: إذا اتحد الضابط فاختصاصه في كل صورة بحكمة مخالفة للحكمة المختصة به في الصورة الاخرى، إما أن يكون ذلك لذاته أو لمخصص مختص بتلك الصورة دون الصورة الاخرى.\rلا جائز أن يقال بالاول: وإلا لزم الاشتراك بين الصورتين في الحكمتين ضرورة اتحاد المستلزم لها.\rوإن قيل بالثاني: فما به التخصيص في كل واحدة من الصورتين، ولا وجود له في الصورة الاخرى يكون من جملة الضابط، فالضابط للحكمتين يكون مختلفا وإن كان مركبا من الوصف المشترك وما به تخصصت كل صورة من المخصص الزائد (2).\rالمسألة الخامسة عشرة ذهب جماعة إلى إن شرط ضابط الحكمة أن يكون جامعا بحيث لا توجد الحكمة يقينا في صورة دونه، مصيرا منهم إلى أنه لو كان كذلك فلا يخلو إما أن يثبت الحكم في الصورة التي وجدت فيها الحكمة دون ذلك الضابط أو لا يثبت فإن كان الاول، فيلزم مه إدارة الحكم على الحكمة دون ضابطها، وهو ممتنع، لما فيه من الاستغناء عن الضابط لامكان إثبات الحكم بالحكمة دونه.\rوإن كان الثاني فيلزم منه إهمال الحكمة مع العلم بأن الحكم لم يثبت إلا بها، وهو ممتنع.\rوصورة ذلك ضبط الحنفي العمدية باستعمال الجارح، حيث إنه يلزم منه إهمال العمدية مع تيقن وجودها فيما إذا أدار حجر البزارة على رأسه، أو ألقاه في بحر مغرق أو نار محرقة.\r__________\r1 - وذلك الاولى فذلك.\r2 - من المخصص الزائد - بيان لكلمة ما في قوله وما به تخصصت كل صورة.\r(*)","part":3,"page":240},{"id":877,"text":"ولقائل أن يقول: ما ذكر من المحذور إنما يلزم إن لو امتنع تعليل الحكم في صورتين بعلتين، وهو باطل لما سبق.\rومع جواز تعليل الحكم في صورتين بعلتين، لا يمتنع أن تكون حكمة الحكم في الصورتين واحدة، ولها في كل صورة ضابط بحسب تلك الصورة، وذلك لا يجر إلى إهمال الحكمة ولا إلى إلغاء الضابط.\rالمسألة السادسة عشرة اختلفوا في جواز تعليل حكم الاصل بعلة متأخرة عن ذلك الحكم في الوجود وذلك كتعليل إثبات الولاية للاب على الصغير الذي عرض له الجنون بالجنون، فإن الولاية ثابتة قبل عروض الجنون.\rوالمختار امتناعه.\rوذلك، لان علة حكم الاصل إما أن تكون بمعنى الباعث أو بمعنى الامارة المعرفة له.\rفإن كان الاول، فيلزم من تأخر العلة عن الحكم في الوجود أن يكون الحكم ثابتا قبل ذلك: إما لا بباعث أو بباعث غير العلة المتأخرة عنه لاستحالة ثبوت الحكم بباعث لا تحقق له مع الحكم.\rوإن كان الثاني، فهو ممتنع لوجهين: الاول: ما بيناه من امتناع كون العلة في الاصل بمعنى الامارة.\rالثاني: أنها وإن كانت بمعنى الامارة فإنما هو في تعريف الحكم، وقد عرف قبلها ضرورة سبقه في الوجود عليها، وتعريف المعروف محال.\rفإن قيل: ما ذكرتموه إنما يستقيم بتقدير امتناع تعليل الحكم الواحد بعلتين وإلا فبتقدير تعليله بعلتين، فلا يمتنع تعليله بعلة موجودة معه وعلة متأخرة عنه.\rقلنا: أما أولا فقد بينا امتناع تعليل الحكم بعلتين في صورة واحدة وبتقدير\rجواز ذلك فإنما يجوز لتقدير أن لا تكون إحدى العلتين متقدمة على الاخرى لما بيناه فيما تقدم.","part":3,"page":241},{"id":878,"text":"المسألة السابعة عشرة إذا كان الحكم في الاصل نفيا، والعلة له وجود مانع أو فوات شرط، فقد اختلفوا في اشتراط وجود المقتضي لاثباته.\rوالمختار اشتراطه.\rوذلك، لان الاحكام إنما شرعت لمصالح الخلق، فما لا فائدة في إثباته، فلا يشرع.\rفانتفاؤه يكون لانتفاء فائدته، وسواء وجدت ثم حكمة تقتضي نفيه أو لم توجد.\rوفرق بين انتفاء الحكم لانتفاء فائدته، وبين انتفائه لوجود فائدة نافية له.\rوإذا كان كذلك، فما لم يوجد المقتضي للاثبات، كان نفي الحكم للمانع أو لفوات الشرط ممتنعا.\rفإن قيل: لا خفاء بأن وجود المقتضى من قبيل المعارض لوجود المانع وفوات الشرط، فإذا استقل المانع وفوات الشرط بنفي الحكم مع وجود ما يعارضه ويكسر سورته، فلان يستقل بالنفي مع انتفاء المعارض كان أولى (1) وأيضا فإنا لو اشترطنا وجود المقتضي، فيلزم منه التعارض بينه وبين المانع أو فوات الشرط والتعارض على خلاف الاصل لما فيه من إهمال أحد الدليلين.\rوعند انتفاء المقتضي، لو أحلنا نفي الحكم على نفي المقتضى مع تحقق ما يناسب نفي الحكم من المانع أو فوات الشرط، لزم منه إهمال مناسبة المانع وفوات الشرط مع اقتران نفي الحكم به، وهو خلاف الاصل.\rقلنا: جواب الاشكال الاول أنه لا يلزم من انتفاء الحكم بالمانع وفوات الشرط مع وجود المقتضي المشترط في إعماله لما بيناه انتفاؤه له مع فوات شرط إعماله.\rوجواب الثاني: أنه وإن لزم من وجود المقتضي التعارض بينه وبين المانع أو فوات الشرط، فهو أهون من نفيه لوجود المانع مع فوات شرط إعماله\rعلى ما حققناه.\r__________\r1 - كان أولى - الظاهر ان كان زائدة، وأولى خبر للمصدر المؤل من ان والفعل وقد تقدم للمؤلف استعمال مثل هذا التركيب في ص 222 ج 3 (*)","part":3,"page":242},{"id":879,"text":"ولهذا كان نفي الحكم بالمانع وفوات الشرط مع وجود المقتضي متفقا عليه بين القائلين بتخصيص العلة، ومختلفا فيه مع انتفاء المقتضي.\rوبتقدير انتفاء المقتضي فنفي الحكم له دون ما ظهر من المانع وفوات الشرط وإن أفضى إلى إلغاء مناسبة المانع وفوات الشرط مع اعتباره إلا أنه أولى من انتفائه للمانع أو فوات الشرط.\rولهذا، وقع الاتفاق من الكل على استقلاله بالنفي عند عدم المعارض ووقع الخلاف في استقلال المانع وفوات الشرط بالنفي مع القائلين بامتناع تخصيص العلة، فكان النفي له أولى (1).\rولا يمكن أن يقال بإحالة النفي على نفي المقتضي والمانع معا لانه معا لانه لا يخلو إما أن يكون كل واحد مستقلا بالنفي أو أن المقتضي للنفي الهيئة الاجتماعية منهما وهما بمنزلة أجزاء العلة النافية: لا سبيل إلى الاول لما بيناه من امتناع تعليل الحكم الواحد في صورة واحدة بعلتين مستقلتين، ولا سبيل إلى الثاني لان نفي المقتضي بتقدير انتفاء معارضه مستقل بالنفي إجماعا، وفيه إخراج المستقل عن الاستقلال وهو ممتنع.\rوإذا ثبت أنه لا بد في التعليل بالمانع وفوات الشرط من وجود المقتضي فلا بد من بيانه بطريق تفصيلي يدل على وجوده وعليته بما يساعد من الادلة وإن اتفق أن كان الشارع قد نص على نفي الحكم، فهو دليل ظاهر على وجود المقتضى، لانه لو لم يكن المقتضي موجودا، كانت فائدة التنصيص على النفي التأكيد لاستقلال نفي المقتضي بالنفي.\rوالاصل أن يحمل كلام الشارع على فائدة التأسيس، لكونها أصلا.\rوإنما يتم ذلك بالنظر إلى وجود المقتضي.\rفإن قيل: اعتقاد وجود المقتضي حملا للكلام على فائدة التأسيس يلزم منه نفي الحكم مع وجود ما يقتضيه، وهو خلاف الاصل، وليس مخالفة محذور مخالفة المقتضى مع كونه خلاف الاصل دفعا لمحذور حمل الكلام على فائدة التأكيد أولى من العكس.\r__________\r1 - فكان النفي له أولى - يعني فكان النفي لاجله اولى، فاللام للتعليل.\r(*)","part":3,"page":243},{"id":880,"text":"قلنا: بل المحذور اللازم من نفي الحكم مع وجود ما يقتضيه مخالفة المقتضي لا غير وهو غالب في الشرع، ومحذور التأكيد مع كونه نادرا فيه مخالفة ما ظهر من مناسبة المانع واعتباره، مع أن الغالب من حال الشارع اعتبار المناسبات، لا إلغاؤها.\rولا يخفى أن التزام محذور عهد التزامه في الشرع غالبا وليس فيه التزام محذور آخر، أولى من التزام محذور لم يعهد التزامه في الشرع غالبا وفيه التزام محذور آ خر.\rالمسألة الثامنة عشرة يجب أن لا تكون العلة المستنبطة من الحكم المعلل بها مما ترجع على الحكم الذي استنبطت منه بالابطال.\rوذلك كتعليل وجوب الشاة في باب الزكاة بدفع حاجة الفقراء، لما فيه من رفع وجوب الشاة (1) وأن ارتفاع الاصل المستنبط منه يوجب إبطال العلة المستنبطة منه ضرورة توقف عليتها على اعتبارها به.\rوأن لا تكون طردية محضة كالطول والقصر والسواد والبياض ونحوه.\rلما بيناه من أن العلة في الاصل لا تكون إلا بمعنى الباعث، والوصف الطردي (2) لا يكون باعثا، ولان الحكم في الفرع إنما يثبت بما غلب على الظن أن الحكم في\rالاصل ثابت له، وذلك غير متصور في الوصف الطردي.\rوأن لا يكون لها في الاصل معارض لا تحقق له في الفرع لما يأتي تقريره، وأن لا تكون مخالفة للنص الخاص أو للاجماع.\rوهذا كله من الشروط المتفق عليها.\rوقد اشترط فيها أن لا تكون مخصصة لعموم القرآن، وقد أبطلناه فيما تقدم (3) وأن لا تعارضها علة أخرى تقتضي نقيض حكمها.\r__________\r1 - بيانه ان وجوب الشاة زكاة عن أربعين شاة إذا كان المقصود منه مجرد دفع حاجة الفقراء، ولو ببذل القيمة ارتفع وجوب الشاة على التعيين في الزكاة.\r2 - العلة الطردية، أو الوصف الطردي هو الذى لم يشتمل على معنى مناسب يقتضي بناء الحكم على ذلك الوصف كالامثلة المذكورة.\r3 - تقدم له ذلك في المسألة الرابعة عشرة من مسائل تخصيص العموم بالادلة المنفصلة.\r(*)","part":3,"page":244},{"id":881,"text":"وإنما يصح ذلك أن لو كانت العلة المعارضة لها راجحة عليها، وممتنعة التخصيص وقد عرف ما في ذلك (1).\rوأن لا تتضمن زيادة على النص، وإنما يصح ذلك أن لو كانت الزيادة منافية لمقتضى النص (2).\rوأن تكون منتزعة من أصل مقطوع بحكمه، وليس كذلك لما بيناه من جواز القياس على أصل حكمه ثابت بدليل مظنون، وأن لا تكون مخالفة لمذهب الصحابي، وليس كذلك، لجواز أن يكون مذهب الصحابي مستندا إلى علة مستنبطة من أصل آخر، إلا أن تكون علته مع ظهورها راجحة، وأن يكون وجودها في الفرع مقطوعا به، وليس كذلك، لان وجودها أحد ما يتوقف عليه الحكم في الفرع، فكان الظن كافيا فيه، كما في وجودها في الاصل وفي كونها علة، وفي نفي المعارض عنها في الاصل والفرع.\rوبالجملة فهذه الشروط في محل الاجتهاد.\rالمسألة التاسعة عشرة اتفقوا على أن نصب الوصف سببا وعلة من الشارع، وأن دليله لا بد وأن يكون شرعيا وسواء كان كونه سببا وعلة وحكما شرعيا، أو لم يكن، كما سبق وجه الكلام فيه، وإنما اختلفوا في الدليل الدال على العلة الجامعة في القياس: فذهب بعض أصحابنا إلى أن شرطه أن لا يكون متناولا لاثبات الحكم في الفرع وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة الفواكه مطعوم فجرى فيه الربا قياسا على البر، ثم دل على كون الطعم علة بقوله عليه السلام لا تبيعوا الطعام بالطعام\r__________\r1 - تقدم في المسألة الثامنة في الكلام على خلاف العلماء في جواز تخصيص العلة.\r2 - انظر ذلك مع ما تقدم في المسألة الثامنة عشرة من خلاف العلماء في الزيادة على النص، هل هي نسخ أو لا.\r(*)","part":3,"page":245},{"id":882,"text":"إلا مثلا بمثل (1) فإنه وإن كان دليلا على كون الطعم علة بالايماء فهو دليل على تحريم الربا في الفواكه بعمومه.\rوربما كان الدليل الدال على العلة متناولا لحكم الفرع بخصوصه، دون حكم الاصل وذلك كما لو قال الحنفي في مسألة الخارج من غير السبيلين خارج نجس فينفض الوضوء كالخارج من السبيلين.\rثم دل على كون الخارج النجس علة للنقض بقوله، عليه السلام من قاء أو رعف أو أمذى فليتوضأ وضوءه للصلاة (2) فإن القئ والرعاف والمذي من حيث هو خارج، نجس مناسب لنقض الوضوء، فترتيب الحكم عليه في كلام الشارع يدل على التعليل به، كما يأتي في طرق إثبات العلة، ولكنه مع ذلك متناول لاثبات حكم الفرع بخصوصه دون حكم الاصل،\rوإنما شرطوا امتناع ذلك مصيرا منهم إلى أنه إذا كان دليل العلة يستقل بالدلالة على الحكم المتنازع فيه، فالاستدلال بالعلة على الحكم على وجه لا بد من إثباتها بدليل يستقل بإثبات الحكم المتنازع فيه، يكون تطويلا بلا فائدة، فليعدل إليه أولا.\rولقائل أن يقول: الاستدلال بالعلة المثبتة بالنص المتناول لحكم الفرع وإن أفضى إلى التطويل، فحاصله يرجع إلى مناقشة جدلية، وليس ذلك مما يقدح في صحة القياس المذكور، ولا يكون قادحا في المقصود، وقد ينقدح عنه جواب آخر في بعض الصور، وهو عندما إذا كان العام الدال على حكم الفرع قد خص في صورة، وكان المستدل ممن يرى أن العام بعد التخصيص لا يبقى حجة إلا في أقل الجمع، فله أن يقول: إنما لم أتمسك بعموم النص في إثبات حكم الفرع، لعدم مساعدة الدليل على إدراج الفرع فيه، وذلك لا يمنع من التمسك به في إثبات العلة ولو في صورة واحدة، ومهما كان كذلك، لزم إثبات الحكم بتلك العلة في أي صورة وجدت، ولذلك وقع التمسك به في إثبات العلة دون الحكم.\r__________\r1 - رواه أحمد ومسلم من طريق معمر بن عبد الله القرشى أنه قال كنت اسمع النبي (ص) يقول: الطعام بالطعام مثلا بمثل وكان طعامنا يومئذ الشعير.\r2 - رواه ابن ماجه في سننه من طريق عائشة بلفظ من اصابه قئ أو رعاف أو قلس = (*)","part":3,"page":246},{"id":883,"text":"المسألة العشرون اختلف الشافعية والحنفية في حكم أصل القياس المنصوص عليه، هل هو ثابت بالعلة، أو النص.\rفقالت: الشافعية إنه ثابت بالعلة وقالت: الحنفية إنه ثابت بالنص، محتجين على ذلك بأمور ثلاثة: الاول: أن الحكم في الاصل مقطوع به، والعلة المستنبطة منه مظنونة.\rوالمقطوع\rبه لا يكون ثابتا بالمظنون.\rالثاني: أن العلة مستنبطة من حكم الاصل، ومتفرعة عليه، وتابعة له في الوجود فلو كان الحكم ثابتا بها، لكان الاصل ثابتا بما لا ثبوت له دون ثبوته، وهو دور.\rالثالث: أنه قد يثبت الحكم تعبدا من غير علة، فلو كان ثابتا بالعلة، لما ثبت مع عدمها.\rواعلم أن الخلاف في هذه المسألة آيل إلى اختلاف في اللفظ.\rوذلك أن قول أصحابنا بأن الحكم ثابت بالعلة، لا يريدون به أن العلة معرفة له بالنسبة إلينا ضرورة أنها مستنبطة منه، وأنها لا تعرف دون معرفته وإنما يريدون به أنها الباعثة للشارع على إثبات الحكم في الاصل.\rوأنها التي لاجلها أثبت الشارع الحكم، وأصحاب أبي حنيفة غير منكرين لذلك وحيث قالت الحنفية: إن العلة غير مثبتة للحكم لم يريدوا بذلك أنها ليست باعثة وإنما أرادوا بذلك أنها غير معرفة لحكم الاصل بالنسبة إلينا وأصحابنا غير منكرين لذلك فلا خلاف في المعنى، بل في اللفظ.\r__________\r= أو مذى فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم) وفي سند اسماعيل بن عياش عن ابن جريح، وهو ضعيف فيما رواه عن الحجازيين وايضا الصحيح فيه أنه مرسل، وقد رواه الدارقطني من طريق أبي سعيد الخدري بلفظ إذ اقاء أحدكم أو رعف وهو في الصلاة أو أحدث فلينصرف فليتوضأ ثم ليجي فليبن على ما مضى، وفي سنده أبو بكر الداهري وهو كذاب.\r(*)","part":3,"page":247},{"id":884,"text":"القسم الثالث في شروط الفرع وهي خمسة الشرط الاول: أن يكون خاليا عن معارض راجح يقتضي نقيض ما اقتضته علة القياس، على رأي القائلين بجواز تخصيص العلة، ليكون القياس مفيدا.\rالشرط الثاني: أن تكون العلة الموجودة فيه مشاركة لعلة الاصل، إما في عينها\rكتعليل تحريم شرب النبيذ بالشدة المطربة المشتركة بينه وبين الخمر، أو في جنسها كتعليل وجوب القصاص في الاطراف بجامع الجناية المشتركة بين القطع والقتل، لان القياس على ما تقدم إنما هو تعدية حكم الاصل إلى الفرع، بواسطة علة الاصل.\rفإذا لم تكن علة الفرع مشاركة لها في صفة عمومها ولا خصوصها، فلم تكن (1) علة الاصل في الفرع، فلا يمكن تعدية حكم الاصل إلى الفرع.\rالشرط الثالث: أن يكون الحكم في الفرع مماثلا لحكم الاصل في عينه، كوجوب القصاص في النفس المشترك بين المثقل والمحدد، أو جنسه كإثبات الولاية على الصغيرة في نكاحها، قياسا على إثبات الولاية في مالها، فإن المشترك بينهما إنما هو جنس الولاية لا عينها، ولو لم يكن كذلك لكان القياس باطلا.\rوذلك، لان شرع الاحكام لم يكن مطلوبا لذاته، بل لما يفضي إليه من مقاصد العباد، وسواء ظهر المقصود أم لم يظهر.\rفان كان حكم الفرع مماثلا لحكم الاصل، علمنا أن ما يحصل به من المقصود مثل ما يحصل من حكم الاصل ضرورة اتحاد الوسيلة، فيجب إثباته.\rوأما إذا كان حكم الفرع مخالفا لحكم الاصل مع أنه الوسيلة إلى تحصيل المقصود، فإفضاؤه إلى الحكمة المطلوبة يجب أن يكون مخالفا لافضاء حكم الاصل إليها.\rوالمخالفة بينهما من الافضاء إما أن تكون بزيادة في إفضاء حكم الاصل إليها أو في إفضاء حكم الفرع.\rفإن كان الاول، فلا يلزم من شرع الحكم في الاصل رعاية لاصل المقصود وزيادة الافضاء إليه، شرع حكم الفرع تحصيلا لاصل المقصود دون زيادة الافضاء إليه لان زيادة الافضاء إلى المقصود مقصودة في نظر العقلاء وأهل العرف.\r__________\r1 - فلم تكن علة - الصواب لم تكن عله.\r(*)","part":3,"page":248},{"id":885,"text":"وإن كان الثاني: فهو ممتنع، لانا أجمعنا على امتناع ثبوت مثل حكم الفرع في الاصل.\rوعند ذلك، فتنصيص الشارع على حكم الاصل دون حكم الفرع يدل على أن حكم الاصل أفضى إلى المقصود من حكم الفرع وإلا فلو كان حكم الفرع أفضى\rإلى المقصود من حكم الاصل، لكان أولى بالتنصيص عليه فإن قيل ما ذكرتموه فرع تصور الاختلاف في الاحكام الشرعية، وليس كذلك.\rوذلك لان حكم الله هو كلامه وخطابه، وذلك مما لا اختلاف فيه، وإنما الاختلاف في تعلقاته ومتعلقاته.\rوحكم الشارع بالوجوب لا يخالف حكمه بالتحريم من حيث هو حكم الله وكلامه.\rوإن وقع الاختلاف في أمر خارج، كالذم على الفعل، والذم على الترك، بسبب اختلاف محل الخطاب.\rولا يخفى أن اختلاف محل الخطاب غير موجود لاختلاف الحكم في نفسه، بدليل اشتراك الصوم والصلاة في حكم الوجوب، والقتل والزنا في التحريم (1).\r__________\r1 - هذا مبني على مذهب الاشعرية من ان كلام الله صفة نفسية قديمة ليس بحرف، ولاصوت، وانه شئ واحد لا تعدد فيه من حيث ذاته، فأمره عين نهيه وخيره عين استخباره، ووعده عين وعيده، وانما يتنوع عندهم إلى هذه الانواع ويختلف باعتبار تعلقاته ومتعلقاته وهذا مخالف لما ذهب إليه اهل السنة والجماعة، فان كلام الله يطلق عندهم على اللفظ والمعنى حقيقة، وقد ينصرف إلى احدهما بقرينة ويتنوع في نفسه إلى أمر ونهى ووعد ووعيد وخبر وانشاء وقد تكلم سبحانه فيما مضى ولا يزال يتكلم وسيتكلم في الموقف يوم القيامة مع الؤمنين والكافرين، ومع اهل الجنة والنار، فيكلم كلا بما يناسبه، كما دلت على ذلك ايات القران والاحاديث الصحيحة، واذن فالاعتراض ساقط من أصله، وما ذكر بعد من اشتراك حكم الصوم والصلاة في حكم الوجوب فمسلم، لكنه اشتراك في جنس الوجوب لافي عينه وشخصه فوجوب الصلاة ثبت بامر يخصه تكلم الله به وقت فرضه الصلاة، ووجوب الصيام ثبت بأمر يخصه تكلم الله به بعد فرضه الصلاة بسنوات، والقصد ان وجوب كل منهما يختلف عن الآخر في شخصه وفيما وجب به من الامر، وفي درجته وآثاره، وكذلك القول في تحريم القتل والربا = (*)","part":3,"page":249},{"id":886,"text":"وإن سلمنا تصور الاختلاف في نفس الحكم الشرعي، ولكن ما المانع أن يكون إفضاء حكم الفرع إلى المقصود أتم من إفضاء حكم الاصل إليه.\rقولكم: لو كان كذلك، لكان التنصيص عليه في الاصل أولى، إنما يلزم أن لو لم تكن فائدة التنصيص على حكم الاصل لقصد التنبيه بالادنى على الاعلى.\rوبتقدير أن لا يكون ذلك مقصودا للشارع، فإنما لم ينص عليه لاحتمال أن يكون ذلك لمانع مختص به، لا وجود له في حكم الاصل.\rوالجواب عن السؤل الاول أنه ليس حكم الشارع عبارة عن مطلق كلامه وخطابه، ليصح ما قيل، بل الخطاب المقيد بتعلق خاص، كما بيناه في حد الحكم.\rوإذا كان التعلق داخلا في مفهوم الحكم فالتعلقات مختلفة، ويلزم من اختلافها اختلاف الاحكام.\rوعن الثاني أنه لو كانت فائدة تخصيص حكم الاصل بالتنصيص عليه التنبيه به على حكم الفرع، لكان حكم الفرع ثابتا بمفهوم الموافقة، لا بالقياس، ولجاز إثباته في الاصل، وهو ممتنع.\rقولهم: إنما لم ينص عليه لاحتمال اختصاصه بمانع.\rقلنا: المانع إما أن يكون من لوازم صورة الاصل، أو من لوازم مثل حكم الفرع أو ملوازم اجتماع الامرين.\rفإن كان الاول: فيلزم منه امتناع إثبات حكم الاصل في الاصل بطريق الاولى ضرورة كون مقصوده أدنى من مقصود حكم الفرع، على ما وقع به الفرض.\rوإن كان الثاني: فيلزم منه امتناع ثبوته في الفرع أيضا ضرورة أن ما هو المانع من إثباته في الاصل من لوازم نفس ذلك الحكم.\rوإن كان الثالث، فالاصل عدمه.\rالشرط الرابع: أن لا يكون حكم الفرع منصوصا عليه، وإلا ففيه قياس\r__________\r= وغيرهما من المحرمات، فهي مندرجة تحت جنس واحد ولكنها مختلفة في اعيانها وفيما\rوجبت به من كلامه تعالى، وفي الزمن الذي تكلم الله بتحريم كل منها.\r(*)","part":3,"page":250},{"id":887,"text":"المنصوص على المنصوص، وليس أحدهما بالقياس على الآخر أولى من العكس.\rوهذا مما لا نعرف خلافا بين الاصوليين في اشتراطه.\rالشرط الخامس: أن لا يكون حكم الفرع متقدما على حكم الاصل، وذلك كما لو قالو قاس للشافعي الوضوء على التيمم في الافتقار إلى النية، لانه يلزم منه أن يكون الحكم في الفرع ثابتا قبل كون العلة الجامعة في قياسه علة، ضرورة كونها مستنبطة من حكم متأخر عنه، اللهم إلا أن يذكر ذلك بطريق الالزام للخصم، لا بطريق مأخذ القياس.\rوقد شرط قوم أن يكون الحكم في الفرع ثابتا بالنص جملة لا تفصيلا، وهو باطل.\rفإن الصحابة قاسوا قوله أنت علي حرام على الطلاق واليمين والظهار، ولم يوجد في الفرع نص، لا جملة ولا تفصيلا.\rالباب الثاني في مسالك إثبات العلة الجامعة في القياس المسلك الاول: الاجماع وهو أن يذكر ما يدل على إجماع الامة في عصر من الاعصار على كون الوصف الجامع علة لحكم الاصل، إما قطعا، أو ظنا، فإنه كاف في المقصود.\rوذلك كإجماعهم على كون الصغر علة لثبوت الولاية على الصغير، في قياس ولاية النكاح على ولاية المال.\rفإن قيل: فإذا كانت العلة مجمعا عليها قطعا، فكيف يسوغ الخلاف معها في مسائل الاجتهاد ؟ قلنا: بأن يكون وجودها ظنيا في الاصل أو الفرع.\rوأما إن كان وجودها\rقطعيا فيهما مع كونها مقطوعا بعليتهما، فلا.","part":3,"page":251},{"id":888,"text":"المسلك الثاني: النص الصريح وهو أن يذكر دليل من الكتاب أو السنة على التعليل بالوصف بلفظ موضوع له في اللغة، من غير احتياج فيه إلى نظر واستدلال.\rوهو قسمان: الاول: ما صرح فيه بكون الوصف علة أو سببا للحكم الفلاني، وذلك، كما لو قال: العلة كذا، أو السبب كذا (1).\rالقسم الثاني: ما ورد فيه حرف من حروف التعليل كاللام وكي ومن وإن والباء.\rأما (اللام) فكقوله تعالى * (أقم الصلاة لدلوك الشمس) * (الاسراء: 78) أي زوال الشمس.\rوكقوله تعالى * (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) * (الذاريات: 56) وكقوله عليه السلام كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الاضاحي لاجل الدافة (2) أي القوافل السيارة.\rوذلك يدل على التعليل بالوصف الذي دخلت عليه (اللام) لتصريح أهل اللغة بأنها للتعليل.\rوأما (الكاف) فكقوله تعالى * (كيلا يكون دولة بين الاغنياء) * (الحشر: 7) أي كي لا تبقى الدولة بين الاغنياء، بل تنتقل إلى غيرهم.\rوأما (من) فكقوله تعالى * (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل) * (المائدة: 32).\rوأما (إن) فكقوله عليه السلام في قتلى أحد زملوهم بكلومهم فإنهم يحشرون يوم القيامة، وأوداجهم تشخب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك (3) وكقوله عليه السلام في حق محرم وقصت به ناقته، لا تخمروا\r__________\r1 - هذا التعبير لم يرد في الكتاب ولا في السنة، فهو مجرد فرض وتقدير.\r2 - تقدم الكلام عليه تعليقا ص 136 - ج 3.\r3 - رواه النسائي في سننه من حديث عبد الله بن ثعلبة قال قال رسول الله (ص) زملوهم بدمائهم فانه ليس كلم يكلم في سبيل الله الا ياتي يوم القيامة يدمي لونه لون الدم، والريح ريح المسك - ورواه الواقدي في مغازيه، قريبا من هذا ورواه غيرهما من طرق بالفاظ مختلفة، انظر نصب الراية.\r(*)","part":3,"page":252},{"id":889,"text":"رأسه، ولا تقربوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا (1).\rوأما (الباء) فكقوله تعالى * (جزاء بما كانوا يعملون) * (الاحقاف: 14).\rفهذه هي الصيغ الصريحة في التعليل، وعند ورودها يجب اعتقاد التعليل.\rإلا أن يدل الدليل على أنها لم يقصد بها التعليل فتكون مجازا فيما قصد بها وذلك في (اللام) كما لو قيل: لم فعلت كذا ؟ فقال لاني قصدت أن أفعل وكما في قول القائل أصلي لله وقول الشاعر لدوا للموت وابنوا للخراب (2) فقصد الفعل لا يصلح أن يكون علة للفعل وغرضا له وكذلك ذات الله تعالى لا تصلح أن تكون علة للصلاة، ولا الموت علة للولادة ولا الخراب علة للبناء، بل علة الفعل ما يكون باعثا على الفعل، وهي الاشياء التي تصلح أن تكون بواعث.\rوكما في قوله تعالى * (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) * (الحشر: 2) * (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله) * (الحشر: 4) وليس كل من شاق الله ورسوله يخرب بيته، فليست المشاقة علة لخراب البيت، اللهم إلا أن يحمل لفظ الخراب على استحقاق الخراب، أو على استحقاق العذاب، فإنه يكون معللا بالمشاقة.\r__________\r1 - رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس قال كان رجل مع النبي (ص) فوقصته ناقه وهو محرم فمات فقال النبي (ص) اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه فأنه يبعث يوم القيامة ملبيا) وقد روى من عدة طرق بالفاظ مختلفه - انظر تلخيص الحبير ونصب الراية.\r2 - جزء من حديث رواه البيهقى في الشعب عن ابي هريرة والزبير مرفوعا بلفظ ان ملكا بباب من أبو اب السماء الحديث، وهو غير صحيح - انظر كشف الحفا والالباس للمجلوني لتعرف طرقه وما فيها من المطاعن.\r(*)","part":3,"page":253},{"id":890,"text":"المسلك الثالث: ما يدل على العلية بالتنبيه والايماء.\rوذلك بأن يكون التعليل لازما من مدلول اللفظ وضعا لا أن يكون اللفظ دالا بوضعه على التعليل، وهو ستة أقسام.\rالقسم الاول - ترتيب الحكم على الموصف بفاء التعقيب والتسبيب في كلام الله أو رسوله أو الراوي عن الرسول.\rأما في كلام الله تعالى فكما في قوله تعالى * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * (المائدة: 38) * (وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) * (المائدة: 6).\rوأما في كلام رسوله فكقوله عليه السلام من أحيا أرضا ميتة، فهي له (1) وقوله ملكت نفسك فاختاري.\rوأما في كلام الراوي فكما في قوله: سها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فسجد.\rوزنا ماعز، فرجمه رسول الله، صلى الله عليه وسلم.\rوذلك في جميع هذه الصور يدل على أن ما رتب عليه الحكم (بالفاء) يكون علة للحكم لكون (الفاء) في اللغة ظاهرة في التعقيب ولهذا فإنه لو قيل جاء زيد فعمرو فإن ذلك يدل على مجئ عمرو عقيب مجئ زيد من غير مهلة، ويلزم من ذلك السببية لانه لا معنى لكون الوصف سببا، إلا ما ثبت الحكم عقيبه، وليس ذلك قطعا، بل ظاهرا\r__________\r1 - رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده وابو داود الطيالسي في مسنده والدارقطني في سننه من طريق عائشة، ورواه البخاري ايضا في المزارعة في صحيحه من طريق عائشة بلفظ (من اعمر ارضا ليست لاحد فهو احق) وترجم له بباب من احيا\rارضا مواتا، وقد رواه أبو داود والنسائي والترمذي من عدة طرق بالفاظ متقاربة 2 - يشير إلى ما رواه البخاري ومسلم في الصحيحن من حديث عائشة انها قالت كان في بريرة ثلاث سنن اعتقت فخيرت، وقال رسول الله (ص) الولاء لمن اعتق، ودخل رسول الله (ص) وبرمة على النار فقرب إليه خبز وإدام من ادم البيت، فقال الم ار البرمة، فقيل لحم تصدق به على بريرة وانت لا تأكل الصدقة قال: هو لها صدقة ولنا هدية.\r(*)","part":3,"page":254},{"id":891,"text":"لان (الفاء) في اللغة قد ترد بمعنى الواو في إرادة الجمع المطلق.\rوقد ترد بمعنى (ثم) في إرادة التأخير مع المهلة، كما سبق تعريفه.\rغير أنها ظاهرة في التعقيب، بعيدة فيما سواه.\rوهذه الرتب متفاوتة، فأعلاها ما ورد في كلام الله تعالى، ثم ما ورد في كلام رسوله، ثم ما ورد في كلام الراوي.\rوسواء كان فقهيا أو لم يكن، لكنه إن كان فقيها كان الظن بقوله أظهر، وإذا لم يكن فقيها، وإن كان في أدنى الرتب، غير أنه مغلب على الظن، لانه إذا قال سها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد، فالظاهر من حاله مع كونه متدينا عالما بكون (الفاء) موضوعة للتعقيب، أنه لو لم يفهم أن السهو سبب للسجود، وإلا لما رتب السجود بالفاء، لما فيه من التلبيس بنقل ما يفهم منه السببية، ولا يكون سببا، بل ولما كان تعليقه للسجود بالسهو أولى من غيره.\rالقسم الثاني: ما لو حدثت واقعة، فرفعت إلى النبي عليه السلام، فحكم عقيبها بحكم، فإنه يدل على كون ما حدث علة لذلك الحكم.\rوذلك كما روي أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: هلكت وأهلكت.\rفقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا صنعت ؟ فقال واقعت أهلي في نهار رمضان عامدا.\rفقال له، عليه السلام: اعتق رقبة (1).\rفإنه يدل على كون الوقاع علة للعتق.\rوذلك لانا نعلم أن الاعرابي إنما سأل النبي صلى الله عليه وسلم، عن واقعته لبيان حكمها شرعا، وأن النبي عليه السلام، إنما ذكر ذلك الحكم في معرض الجواب له،\r__________\r1 - يشير إلى ما رواه الجماعه من طريق ابي هريرة قال جاء رجل إلى النبي (ص) فقال هلكت يارسول الله قال، وما اهلكك قال: وقعت على امرأتي في رمضان قال هل تجد ما تعتق رقبة قال لا قال فهل تستطيع ان تصوم شهرين متتابعين قال قال فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا قال لا، قال ثم جلس قال فأتى النبي (ص) بعرق فيه تمر قال تصدق بهذا، قال فهل على أفقر منا فما بين لابتيها اهل بيت احوج إليه منا، فضحك النبي (ص) حتى بدت نواجذه وقال اذهب فاطعمه اهلك، وقد روى الحديث من طريق بالفاظ متقاربة.\r(*)","part":3,"page":255},{"id":892,"text":"لا أنه ذكره ابتداء منه لما فيه من إخلاء السؤال عن الجواب وتأخير البيان عن وقت الحاجة، وكل ذلك وإن كان ممكنا، إلا أنه على خلاف الظاهر.\rوإذا كان ذلك جوابا عن سؤاله، فالسؤال الذي عنه الجواب يكون ذكره مقدرا في الجواب في كلام المجيب، فيصير كأنه قال: واقعت فكفر.\rوقد عرف أن الوصف إذا رتب الحكم عليه في كلام الشارع بفاء التعقيب تحقيقا، فإنه يكون علة، فكذلك إذا كان الحكم مرتبا عليه بفاء التعقيب تقديرا.\rولهذا كان هذا القسم ملحقا بالقسم الذي قبله، وإن كان دونه في الظهور والدلالة، لكون (الفاء) فيه مقدرة، وفي الاول محققة، ولاحتمال أن يكون قد بدأ به لا عن قصد الجواب، وذلك، كما لو قال العبد لسيده: قد طلعت الشمس أو غربت.\rفقال له: اسقني ماء فإنه لا يفهم منه الجواب لسؤاله، ولا التعليل، بل هو أمر له ابتداء بسقي الماء وعدول عن السؤال بالكلية إما لذهوله عن السؤال أو لعدم الالتفات إليه لعدم تعلق الغرض به، غير أن هذا الاحتمال،\rوإن كان منقدحا ها هنا، فهو بعيد في حق النبي، عليه السلام، فيما فرض السؤال عنه إذ الغالب عدم الذهول، وأنه إنما قصد الجواب حتى لا يكون مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة، مع كونه خلاف الظاهر.\rالقسم الثالث: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا لو لم يقدر التعليل به لما كان لذكره فائدة، ومنصب الشارع مما ينزه عنه: وذلك، لان الوصف المذكور إما أن يكون مذكورا مع الحكم في كلام الله تعالى، أو كلام رسوله.\rفإن كان في كلام الله تعالى، وقدرنا أنه لو لم يقدر التعليل به، فذكره لا يكون مفيدا، ولا يخفى أن ذلك غير جائز في كلام الله تعالى إجماعا، نفيا لما لا يليق بكلامه عنه.\rوإن كان ذلك في كلام رسوله، فلا يخفى أن الاصل إنما هو انتفاء العبث عن العاقل في فعله وكلامه، ونسبة ما لا فائدة فيه إليه، لكونه عارفا بوجوه المصالح والمفاسد فلا يقدم في الغالب على ما لا فائدة فيه.\rوإذا كان ذلك هو الظاهر","part":3,"page":256},{"id":893,"text":"من آحاد العقلاء فمن هو أهل للرسالة عن الله تعالى ونزول الوحي عليه وتشريع الاحكام، أولى.\rوإذا عرف ذلك، فيجب اعتقاد كون الوصف المذكور في كلامه مع الحكم علة له.\rوهذا القسم على أصناف.\rوذلك، لان الشارع إما أن يذكر ذلك ابتداء من غير سؤال أو بعد السؤال.\rفإن كان من غير سؤال، فهو الصنف الاول، وذلك كما في حديث ابن مسعود ليلة الجن، حيث توضأ، عليه السلام، بماء كان قد نبذ فيه تميرات لاجتناب ملوحته، فقال ثمرة طيبة وماء طهور (1) فإنه يدل على جواز الوضوء به.\rوإلا كان ذكره ضائعا.\rلكون ما ذكر ظاهرا غير محتاج إلى بيان.\rوان كان مع السؤال، فلا يخلو إما أن يذكر ذلك الوصف في محل السؤال أو في غيره\rفإن كان في محل السؤال، فهو الصنف الثاني، وذلك كما روي عنه عليه السلام، أنه سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أينقص الرطب إذا يبس ؟ فقالوا: نعم.\rفقال: فلا إذا (2) فهذا وإن فهم منه أن النقصان علة امتناع بيع الرطب بالتمر من ترتيبه الحكم على الوصف بالفاء واقترانه بحرف (إذا) وهي من صيغ التعليل، غير أنا لو قدرنا انتفاء هذين لبقي فهم التعليل بالنقصان بحاله نظرا إلى أنه لو لم يقدر التعليل به، لكان ذكره والاستفسار عنه غير مفيد.\rوإن كان في غير محل السؤال، وهو أن يعدل في بيان الحكم إلى ذكر نظير لمحل السؤال، فهو الصنف الثالث.\rوذلك كما روي عنه، عليه السلام، أنه لما\r__________\r1 - جزء من حديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه في السنن من طريق عبد الله بن مسعود ان النبي (ص) قال له ليلة الجن، عندك طهور، قال لا، إلا شئ من نبيذ في اداوة قال (ص) تمرة طيبة وماء طهور) زاد الترمذي فتوضأ منه وفي سنده أبو زيد مولى عمرو بن حريث وهو مجهول، وفي سنده ايضا أبو فزارة ولا يدرى من هو، واعل ايضا بالاختلاف في حضور ابن مسعود ليلة الجن.\r2 - تقدم الكلام عليه تعليقا ص 237 ج 2 / انظر تفصيل الكلام عليه في نصب الراية.\r(*)","part":3,"page":257},{"id":894,"text":"سألته الجارية الخثعمية، وقالت: يا رسول الله إن أبي أدركته الوفاة، وعليه فريضة الحج فإن حججت عنه أينفعه ذلك ؟ فقال، عليه السلام: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ينفعه ذلك ؟ فقالت: نعم.\rقال: فدين الله أحق بالقضاء (1).\rفالخثعمية إنما سألت عن الحج، والنبي، عليه السلام، ذكر دين الآدمي والحج من حيث هو دين، نظير لدين الآدمي، فذكره لنظير المسؤول عنه، مع ترتيب الحكم عليه يدل على التعليل به، وإلا كان ذكره عبثا.\rويلزم من كون نظير الواقعة علة للحكم المرتب عليها، أن يكون المسؤول عنه\rأيضا علة لمثل ذلك الحكم، ضرورة المماثلة.\rوما مثل هذا يسميه الاصوليون التنبيه على أصل القياس.\rفكأنه نبه على الاصل، وعلى علة حكمه، وعلى صحة إلحاق المسؤول عنه بواسطة العلة المومي إليها.\rوليس من هذا القبيل ما مثل به بعض الاصوليين، وذلك كما روي عن عمر أنه سأل النبي، عليه السلام عن قبلة الصائم: هل تفسد الصوم ؟ فقال عليه السلام: أرأيت لو تمضمضت، أكان ذلك يفسد الصوم ؟ فقال: لا وذلك لان النبي، عليه السلام، إنما ذكر ذلك بطريق النقض، لما توهمه عمر من كون القبلة مفسدة للصوم، لكونها مقدمة للوقاع المفسد للصوم، فنقض النبي، عليه السلام ذلك بالمضمضة، فإنها مقدمة للشرب المفسد للصوم، وليست مفسدة للصوم.\rأما أن يكون ذلك تنبيها على تعليل عدم الافساد بكون المضمضة مقدمة للفساد فلا.\rوذلك لان كون القبلة والمضمضة مقدمة لافساد الصوم، ليس فيه ما يتخيل أن يكون مانعا من الافطار، بل غايته أن لا يكون مفطرا، فكان الاشبه بما ذكره النبي، عليه السلام، أن يكون نقضا، لا تعليلا.\rوأيضا فإن الاصل أن يكون الجواب مطابقا للسؤال، لا زائدا عليه ولا ناقصا عنه\r__________\r1 - يشير إلى ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس أن امراة من خثعم قالت يا رسول الله ان فريضة الله على عباده في الحج ادركت ابي شيخا كبيرا لا يستطيع ان يستمسك على الراحلة (أفأحج عنه قال نعم.\rالخ انظر تلخيص الحبير (*)","part":3,"page":258},{"id":895,"text":"أما الزيادة فلعدم تعلق الغرض بها.\rوأما النقصان فلما فيه من الاخلال بمقصود السائل.\rوعمر إنما سأل عن كون القبلة مفسدة للصوم أم لا ؟ فالجواب المطابق له إنما يكون بما يدل على الافساد أو عدمه وكون القبلة علة لنفي الفساد غير مسؤول عنه\rفلا يكون اللفظ الدال على ذلك جوابا مطابقا للسؤال، بخلاف النقض، فإنه يتحقق به أن القبلة غير مفسدة، فكان جوابا مطابقا للسؤال.\rالقسم الرابع: أن يفرق الشارع بين أمرين في الحكم بذكر صفة، فإن ذلك يشعر بان تلك الصفة هي علة التفرقة في الحكم، حيث خصصها بالذكر دون غيرها فلو لم تكن علة، لكان ذلك على خلاف ما أشعر به اللفظ، وهو تلبيس يصان منصب الشارع عنه.\rوذلك منقسم إلى ما يكون حكم أحد الامرين مذكورا في ذلك الخطاب دون ذكر الآخر.\rوإلى ما لا يكون مذكورا فيه: (1) الاول: كما في قوله، عليه السلام: القاتل لا يرث فإنه خصص القاتل بعدم الميراث، بعد سابقة إرث من يرث.\rوالثاني، فمنه ما تكون التفرقة فيه بلفظ الشرط والجزاء، كقوله لا تبيعوا البر بالبر إلى قوله فإذا اختلف الجنسان، فبيعوا كيف شئتم يدا بيد ومنه ما يكون بالغاية، كقوله تعالى * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) * (البقرة: 222) ومنه ما يكون بالاستثناء كقوله تعالى * (فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون) * (البقرة: 237) ومنه ما يكون بلفظ الاستدراك كقوله تعالى * (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) * (المائدة: 89) ومنه أن يستأنف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته بعد ذكر الآخر، كقوله عليه السلام للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم.\r__________\r1 - والى مالا يكون مذكورا فيه - فيه تحريف والصواب والى ما يكون كل من الامرين مذكورا فيه.\r(*)","part":3,"page":259},{"id":896,"text":"القسم الخامس - أن يكون الشارع قد أنشأ الكلام لبيان مقصود، وتحقيق\rمطلوب، ثم يذكر في أثنائه شيئا آخر، لو لم يقدر كونه علة لذلك الحكم المطلوب لم يكن له تعلق بالكلام، لا بأوله ولا بآخره، فإنه يعد خبطا في اللغة واضطرابا في الكلام، وذلك مما تبعد نسبته إلى الشارع، وذلك كقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا، إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) * فالآية إنما سيقت لبيان أحكام الجمعة لا لبيان أحكام البيع.\rفلو لم يعتقد كون النهي عن البيع علة للمنع عن السعي الواجب إلى الجمعة، لما كان مرتبطا بأحكام الجمعة، وما سيق له الكلام، ولا تعلق به، وذلك ممتنع، لما سبق.\rوقوله تعالى * (وذروا البيع) * وإن كانت صيغته صيغة أمر، إلا أنه في معنى النهي إذا النهي طلب ترك الفعل.\rوقوله تعالى * (وذروا البيع) * طلب لترك البيع، فكان نهيا.\rالقسم السادس - أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا مناسبا كقوله، عليه السلام لا يقضي القاضي، وهو غضبان فإنه يشعر بكون الغضب علة مانعة من القضاء لما فيه من تشويش الفكر واضطراب الحال، وكذلك إذا قال: أكرم العالم، وأهن الجاهل، فإنه يسبق إلى الفهم منه أن العلم علة للاكرام والجهل علة للاهانة وذلك لوجهين.\rالاول: ما ألف من عادة الشارع من اعتبار المناسبات دون إلغائها، فإذا قرن بالحكم في لفظه وصفا مناسبا غلب على الظن اعتباره له.\rالثاني: ما علمنا من حال الشارع أنه لا يرد بالحكم خليا عن الحكمة إذ الاحكام إنما شرعت لمصالح العبيد، وليس ذلك بطريق الوجوب، بل بالنظر إلى جري العادة المألوفة من شرع الاحكام (1) فإذا ذكر مع الحكم وصفا مناسبا، غلب\r__________\r1 - رعاية المصلحة في شرع الاحكام لم يوجبها أحد سوى الله عليه وإنما أوجبها سبحانه على نفسه رحمة منه بعباده، ويقال ايضا إن رعاية المصلحة في التصرفات هو مقتضى\rالحكمة وموجب الرحمة فكان احكم الحاكمين، وارحم الراحمين، أولى بذلك في فعله وشرعه.\r(*)","part":3,"page":260},{"id":897,"text":"على الظن أنه علة له إلا أن يدل الدليل على أنه لم يرد به ما هو الظاهر منه، فيجوز تركه.\rوذلك، كما في قوله لا يقضي القاضي وهو غضبان فإنه وإن دل بظاهره على أن مطلق الغضب علة، فجواز القضاء مع الغضب اليسير يدل على أن مطلق الغضب ليس بعلة، بل الغضب المانع من استيفاء النظر.\rوإذا عرفت أقسام الوصف المومي إليه، ترتب عليه النظر في مسألتين.\rالمسألة الاولى اختلف الاصوليون في اشتراط مناسبة الوصف المومي إليه.\rفأثبته قوم، ونفاه آخرون، كالغزالي وأتباعه.\rحجة من قال باشتراط المناسبة أن الغالب من تصرفات الشارع أن تكون على وفق تصرفات العقلاء وأهل العرف (1) ولو قال الواحد من أهل العرف لغيره أكرم الجاهل، وأهن العالم قضى كل عاقل أنه لم يأمر بإكرام الجاهل لجهلة، ولا أن أمره بإهانة العالم لعلمه، وإن ذلك لا يصلح للتعليل، نظرا إلى أن تصرفات العقلاء لا تتعدى مسالك الحكمة وقضايا العقل.\rوأيضا فإن الاتفاق من الفقهاء واقع على امتناع خلو الاحكام الشرعية عن الحكم إما بطريق الوجوب على رأي المعتزلة، وإما بحكم الاتفاق على رأي أصحابنا (2) وسواء ظهرت الحكمة أم لم تظهر.\rوما يعلم قطعا أنه لا مناسبة فيه، ولا وهم المناسبة يعلم امتناع التعليل به.\rوالمختار: أن تقول: أما ما كان من القسم السادس الذي فهم التعليل فيه مستندا إلى ذكر الحكم مع الوصف المناسب، فلا يتصور فهم التعليل فيه دون فهم المناسبة، لان عدم المناسبة فيما المناسبة شرط فيه يكون تناقضا.\rوأما ما سواه من\r__________\r1 - لو قال تصرفات العقلاء لا تتعدى مسالك الحكمة وقضايا العقل، فاحكم الحاكمين أولى بذلك لكان انسب في حق الله ومغنيا عن قوله الغالب من تصرفات الشارع ان تكون على وفق تصرفات العقلاء فان فيها ما فيها.\r2 - أصحابنا يعني الاشعرية - وقد تقدم ما في ذلك تعليقا ص 260 ج 3 الخ.\r(*)","part":3,"page":261},{"id":898,"text":"الاقسام فلا يمتنع التعليل فيها بما لا مناسبة فيه، إلا أن تكون العلة بمعنى الباعث، وأما بمعنى الامارة والعلامة فلا.\rوعلى هذا، فما ذكروه من الحجة على امتناع التعليل بالوصف الطردي إنما يصح إن لو قيل إن التعليل بالوصف الطردي بمعنى الباعث، ولا اتجاه لها في التعليل بمعنى الامارة والعلامة.\rوعلى هذا، فلا امتناع في جعل الجهل علامة على الاكرام، والعلم علامة على الاهانة، إذا لم يكن هو الباعث بل الباعث غيره.\rالمسألة الثانية اتفقوا على صحة الايماء فيما إذا كان حكم الوصف المومي إليه مدلولا عليه بصريح اللفظ، كالامثلة السابق ذكرها.\rوأما إذا كان اللفظ يدل على الوصف بصريحه، والحكم مستنبط منه، غير مصرح به، كما في قوله تعالى * (وأحل الله البيع وحرم الربا) * فإن اللفظ بصريحة يدل على الحل، والصحة مستنبطة منه.\rووجه استنباط الصحة منه أنه لو لم يكن البيع صحيحا، لم يكن مثمرا، إذ هو معنى نفي الصحة وإذا لم يكن مثمرا مفيدا، كان تعاطيه عبثا، والعبث مكروه، والمكروه لا يحل.\rوعند ذلك، فيلزم من الحل الصحة لتعذر الحل مع انتفاء الصحة.\rوهذا (1) مما اختلف في كونه مومى إليه.\rفذهب قوم إلى امتناع الايماء تمسكا منهم بأن الايماء إنما يتحقق إذا دل اللفظ بوضعه على الوصف والحكم، كما سبق من الامثلة.\rوأما إذا دل على الوصف بالوضع، وكان الحكم مستنبطا منه، فلا يدل ذلك على كونه مومي إليه، كما إذا دل اللفظ على الحكم بوضعه، وكان الوصف مستنبطا منه، فإنه لا يدل على الايماء إلى الوصف، وذلك كما في قوله، عليه السلام حرمت الخمرة لعينها (2) فإنه يدل على الحكم، وهو التحريم وضعا، والشدة المطربة علة مستنبطة منه، وليست مومي إليها.\r__________\r1 - وهذا - فيه تحريف، والصواب فهذا لانه جواب قوله واما إذا كان اللفظ.\r2 - تقدم تعليقا ص 191 ج 3 ان هذا الحديث غير صحيح.\rفما بنى عليه من التمثيل = (*)","part":3,"page":262},{"id":899,"text":"وذهب المحققون إلى كونه مومي إليه، وهو الحق.\rوذلك، لانه إذا كان اللفظ بصريحه يدل على الوصف، وهو الحل، والصحة لازمة له لما تقرر، فإثبات الحل وضعا يدل على إرادة ثبوت الصحة ضرورة كونها لازمة للحل، فيكون ثابتا بإثبات الشارع له مع وصف الحل وإثبات الشارع للحكم مقترنا بذكر وصف مناسب دليل الايماء إلى الوصف، كما لو ذكر معه الحكم بلفظ يدل عليه وضعا، ضرورة تساويهما في الثبوت، وإن اختلفا في طريق الثبوت، بأن كان أحدهما ثابتا بدلالة اللفظ وضعا، والآخر مستنبطا من مدلول اللفظ وضعا، لان الايماء إنما كان مستفادا عند ذكر الحكم والوصف بطريق الوضع من جهة اقتران الحكم بالوصف، لا من جهة كون الحكم ثابتا بطريق الوضع.\rوهذا بخلاف ما إذا كان الحكم مدلولا عليه وضعا، والوصف مستنبط منه.\rوذلك لان الوصف المستنبط من الحكم المصرح به، كما في المثال المذكور، لم يكن وجوده لازما من الحكم المصرح به، ولا مناسبته لتحققه قبل شرع الحكم\rبخلاف الصحة مع الحل، كما تقدم تحقيقه.\rوالمعتبر في الايماء أن يكون الوصف المومي إليه مذكورا في كلام الشارع مع الحكم، أو لازما من مدلول كلامه (1) والامران مفقودان في الوصف المستبط بخلاف الحل مع الصحة (2).\r__________\r= به لما حكمه منصوص وعلته مستنبط غير صحيح ايضا، والصحيح ان كلا من تحريم الخمر وعلته الموجبة له منصوص في الكتاب والسنة قال تعالى: يا أيها الذين أمنوا) - إلى قوله - (فهل انتم منتهون) وقوله (ص).\r1 - أو لازما من مدلول كلامه - فيه سقط والاصل أو الحكم لازما من مدلول كلامه 2 - الحاصل ان الاقسام العقلية في هذا المقام اربعة.\rالاول ذكر الوصف والحكم في النص، كما في حديث لا يقضى القاضي وهو غضبان، وهذا متفق فيه على ان الوصف مومى إليه.\rالثاني ذكر الوصف والحكم مستنبط منه لازم له كما قوله تعالى (واحل الله البيع وحرم الربا) فحل البيع هنا وصف مستلزم للصحة والا لما كان للحل فائدة = (*)","part":3,"page":263},{"id":900,"text":"المسلك الرابع: في إثبات العلة بالسير والتقسيم (1) وذلك أن يقال: الحكم الثابت في الاصل إما أن يكون ثابتا لعلة، أو لا لعلة لا جائز أن يقال بالثاني، إذا هو خلاف إجماع الفقهاء.\rعلى أن الحكم لا يخلو عن علة إما بجهة الوجوب، كما قالت المعتزلة.\rأولا بجهة الوجوب، كقول أصحابنا (2) وبتقدير جواز خلوه عن العلة فالخلو عنها على خلاف الغالب المألوف من شرع الاحكام، وذلك يدل ظاهرا على استلزام الحكم فيما نحن فيه للعلة.\rوإذا كان لا بد له من علة فإما بأن تكون ظاهرة أو غير ظاهرة.\rلا جائز أن تكون غير ظاهرة، وإلا كان الحكم تعبدا، وهو خلاف الاصل لوجوه ثلاثة.\rالاول أن إثبات الحكم بجهة التعقل أغلب من إثباته بجهة التعبد، وإدراج ما نحن فيه تحت الغالب أغلب على الظن.\rالثاني أنه إذا كان الحكم معقول المعنى، كان على وفق المألوف من تصرفات العقلاء وأهل العرف، والاصل تنزيل التصرفات الشرعية على وزان التصرفات العرفية.\r__________\r= ولارتفع بارتفاع الصحة، وكذا القول في تحريم الربا فانه مستلزم لبطلان العقد، وهذا القسم مختلف في كون الوصف مومى إليه.\rوالثالث ذكر الحكم في النص والوصف لازم له مستنبط منه كحل البيع للحاجة إلى تبادل المنافع فالحاصل منصوص والحاجة مستنبطة منه.\rوهذا متفق على انه ليس مومى إليه.\rالرابع وهو الا يذكر الحكم ولا الوصف فهذا لا وجود له.\r1 - التقسيم لغة التجزئة، والمراد به هنا ترديد المستدل بين ما جمعه من الاوصاف التي يحتمل ان يكون كل منها علة الحكم، والسبر لغة الاختبار، والمراد منه هنا اختبار كل وصف من الاوصاف التي انحصر التعليل فيها بطريق من الطرق الآتية ليتميز ما يصلح منها للتعليل فيضاف إليه الحكم ويلغي منها ما لا يصلح للتعليل 2 - تقدم ما في ذلك تعليقا.\r(*)","part":3,"page":264},{"id":901,"text":"الثالث أنه إذا كان معقول المعنى، كان أقرب إلى الانقياد، وأسرع في القبول، فكان أفضى إلى تحصيل مقصود الشارع من شرع الحكم فكان أولى وإذا كان لا بد من علة ظاهرة.\rفإذا قال المناظر، الموجود في محل الحكم لا يخرج عن وصفين أو ثلاثة مثلا، لاني بحثت وسبرت، فلم أطلع على ما سواه،\rوكان أهلا للنظر بأن كانت مدارك المعرفة بذلك لديه متحققة من الحس والعقل وكان عدلا ثقة فيما يقول.\rوالغالب من حاله الصدق، غلب على الظن انتفاء ما سوى المذكور من الاوصاف أو قال (1) الاصل عدم كل موجود سوى ما وجد من الاوصاف المذكورة.\rإلا أن يدل الدليل عليه.\rوالاصل عدم ذلك الدليل، فإنه يغلب على الظن الحصر فيما عينه.\rوإذا ثبت حصر الاوصاف فيما عينه فإذا بين بعد ذلك حذف البعض عن درجة الاعتبار في التعليل بدليل صالح مساعد له عليه، بحيث يغلب على الظن ذلك، فيلزم من مجموع الامرين (2) انحصار التعليل فيما استبقاه ضرورة امتناع خلو محل الحكم عن علة ظاهرة، وامتناع، وجود ما وراء الاوصاف المذكورة وامتناع إدراج المحذوف في التعليل لما دل عليه الدليل.\rفإن قيل: لعله لم يبحث ولم يسبر، وإن بحث وسبر، فلعله وجد وصفا وراء ما أدعى الحصر فيه، ولم يذكره ترويجا لكلامه وإن لم يجد شيئا وراء المذكور فلا يدل ذلك على عدمه فإن عدم العلم بالوصف جهل به والجهل بوجود الوصف لا يدل على عدمه وإن دل على عدمه بالنسبة إلى الباحث، فلا يدل على عدمه بالنسبة إلى الخصم، فإنه ربما كان عالما بوجود وصف آخر وراء المذكور.\rوعند ذلك فلا ينتهض بحث المستدل دليلا في نظر خصمه على العدم لعلمه بمناقضته.\rثم وإن دل ذلك على حصر الاوصاف فيما ذكره، فحذف بعض الاوصاف عن درجة الاعتبار في التعليل إنما يلزم منه انحصار التعليل في المستبقي أن لو كان الحكم في\r__________\r1 - أو قال - عطف على قوله قال الناظر.\r2 - الامران هما حصر ما يحتمل ان يكون علة للحكم من الاوصاف والغاء ما لا يصلح منها للتعليل بطريق من طرق الالغاء الآتية ليتمحض ما بقي منها للتعليل.\r(*)","part":3,"page":265},{"id":902,"text":"التعليل معقول المعنى.\rوإما على تقدير كونه غير معقول المعنى فلا، لانه جاز أن يشترك المحذوف والمستبقي في انتفاء الاعتبار وإن كان الحكم معقول المعنى، فغاية ما في حذف الوصف المحذوف إبطال معارض العللة.\rولا يلزم من ذلك صحة كون المستبقي علة، لان صحة العلة إنما تكون بالنظر إلى وجود مصححها، لا بالنظر إلى انتفاء معارضها (1).\rقلنا: إذا كان الباحث مسلما عدلا، فالظاهر أنه صادق فيما أخبر به من البحث وعدم الاطلاع على وصف آخر.\rوعند ذلك فالقضاء بنفي الوصف لا يكون مستندا إلى عدم العلم به، بل بناء على الظن بعدمه، فإن الظن بعدم الشئ ملازم للبحث عن ذلك الشئ ممن هو أهله، مع عدم الاطلاع عليه.\rوعند ذلك، فالظاهر أنه لو كان الخصم يعلم وجود وصف آخر لابرزه، وأظهره إفحاما لخصمه، وإظهارا لعلم مست الحاجة إلى اظهاره، فدعوى العلم منه بوجود وصف آخر من غير بيان مع إمكان البيان، لا يكون مقبولا لظهور العناد فيه، ولو بين الخصم وجود وصف آخر، فإنا وإن تبينا انخرام حصر المستدل به.\rغير أنه إذا أدرجه في الابطال مع ما أبطل، فإنه لا يعد منقطعا فيما يقصده من التعليل بالوصف المستبقي.\rوإذا ثبت انحصار الاوصاف في القدر المذكور، فلا يخفى أنه إذا أخرج البعض عن درجة الاعتبار، تعين انحصار التعليل في المستبقي، فإنه وإن جاز أن يكون الحكم تعبدا غير أنه بعيد لما سبق تقريره.\rوليس القضاء بكون المستبقي علة بناء على إبطال المعارض بل على أن الحكم في محل التعليل لا بد له من علة ظاهرا.\rوعند ذلك، يغلب على الظن انحصارها في الاوصاف المذكورة.\rفإذا قام الدليل على إبطال البعض غلب على الظن التعليل بالمستبقي، ويكون ذلك الظن مستفادا من جملة القواعد الممهدة، لا من نفس إبطال المعارض.\rهذا كله في حق المناظر.\r(2)\r__________\r1 - هذه ستة اعتراضات واردة على ما استدل به الناظر من قوله لاني بحثت الخ\rوقد اجاب عنها المستدل بستة اجوبة مرتبة ترتيبها.\r2 - الناظر من بحث لنفسه فما غلب على ظنه وجب عليه العمل به والمناظر به = (*)","part":3,"page":266},{"id":903,"text":"وأما الناظر المجتهد فإنه، مهما غلب على ظنه شئ من ذلك، فلا يكابر نفسه، وكان مؤاخذا بما أوجبه ظنه.\rوعند ذلك، فلا بد من بيان طرق الحذف.\rالاول: منها أن يبين المستدل أن الوصف الذي استبقاه قد ثبت به الحكم في صورة بدون الوصف المحذوف، وهو ملقب بالالغاء، وهو شديد الشبه بنفي العكس الذي ليس بمقبول، وسيأتي الفرق بينهما.\rولا بد من بيان ثبوت الحكم مع الوصف المستبقي فإنه لو ثبت دونه كما ثبت المحذوف (1) كان ذلك إلغاء للمستبقي أيضا وعند ذلك (2) فيتبين استقلال المستبقي بالتعليل، ومع ظهور ذلك، فيمتنع إدخال الوصف المحذوف في التعليل في محل التعليل، لانه يلزم منه إلغاء وصف المستدل في الفرع مع استقلاله ضرورة تخلف ما لم يثبت كونه مستقلا، وهو ممتنع.\rويمتنع أيضا إضافة الحكم في محل التعليل إلى الوصف المحذوف لا غير، لما فيه من إثبات الحكم بما لم يثبت استقلاله وإلغاء ما ثبت استقلاله، وهو ممتنع.\rلكن لقائل أن يقول: دعوى استقلال الوصف المستبقي في صورة الالغاء بالتعليل من مجرد إثبات الحكم مع وجوده وانتفاء الوصف المحذوف، غير صحيحة فإنه لو كان مجرد ثبوت الحكم مع الوصف في صورة الالغاء كافيا في التعليل بدون ضميمة ما يدل على استقلالة بطريق من طرق إثبات العلة لكان ذلك كافيا في أصل القياس، ولم يكن إلى البحث والسبر حاجة.\rوكذا غيره من الطرق فإذا لا بد من بيان الاستقلال بالاستدلال ببعض طرق إثبات العلة، وعند ذلك إن شرع المستدل في بيان الاستقلال ببعض طرق إثبات العلة، فإن بين الاستقلال في صورة الالغاء\r__________\r= بحث مع خصم يناقشه في دليله فان اقنع المستدل خصمه أو ألزمه الحجة كان افحاما، وان عجز المستدل عن اتمام دليله أو انتقل إلى دليل آخر كان منقطعا 1 - وعند ذلك - يعني عند ثبوت الحكم دون الوصف المحذوف، وثبوته مع الوصف المستبقى في كل صورة فتبين..الخ.\r(*)","part":3,"page":267},{"id":904,"text":"بالبحث والبر، كما أثبت ذلك في الاصل الاول، فقد استقلت صورة الالغاء بالاعتبار، وأمكن أن تكون أصلا لعلته، وتبينا أن الاصل الاول لا حاجة إليه، فإن المصير إلى أصل لا يمكن التمسك به في الاعتبار إلا بذكر صورة أخرى مستقلة بالاعتبار، يكون تطويلا بلا فائدة وإن بين الاستقلال بطريق آخر، فيلزمه مع هذا المحذور محذور آخر، وهو الانتقال في إثبات كون الوصف.\rعلة من طريق إلى طريق آخر، وهو شنيع في مقام النظر.\rالطريق الثاني - أن يكون ما يحذفه من جنس ما ألفنا من الشارع عدم الالتفات إليه في إثبات الاحكام كالطول والقصر، والسواد والبياض، ونحوه.\rالطريق الثالث - أن يكون ما يحذفه من جنس ما ألفنا من الشارع إلغاءه في جنس ذلك الحكم المعلل، فيجب إلغاؤه، وإن كان مناسبا.\rوذلك، كما في قوله عليه السلام من أعتق شركا له من عبد قوم عليه نصيب شريكه (1) فإنه وإن أمكن تقرير مناسبة بين صفة الذكورة وسراية العتق، غير أنا لما عهدنا من الشارع التسوية بين الذكر والانثى في أحكام العتق، ألغينا صفة الذكورة في السراية، بخلاف ما عداه من الاحكام.\rالطريق الرابع - إذا قال: بحثت في الوصف المحذوف، فلم أجد فيه مناسبة، ولا ما يوهم المناسبة، وكان أهلا للنظر والبحث عدلا، فالظاهر صدقه، وأن الوصف غير مناسب، ويلزم من ذلك حذفه، ضرورة كون العلة في الاصل بمعنى\rالباعث على ما تقرر قبل وامتناع اعتبار ما لا يكون مناسبا.\r__________\r1 - جزء من حديث اخرجه السنة من طريق ابي هريرة قال قال رسول الله (ص) من اعتق شقصا له في عبد، فخلاصه في ماله ان كان له مال، فان لم يكن مال استعى العبد غير مشفوق عليه ورواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر قال قال رسول الله (ص) من اعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل فاعطي شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد والا فقد عتق منه ما عتق.\r(*)","part":3,"page":268},{"id":905,"text":"فإن قيل: البحث والسبر وإن دل على عدم المناسبة في الوصف المحذوف فللمعترض أن يقول: بحثت في الوصف المستبقي، فلم أجد فيه مناسبة.\rوعند ذلك، فإن بين المستدل المناسبة فيه، فقد انتقل في إثبات العلة من طريق السبر إلى المناسبة.\rوإن لم يبين ذلك، لم يكن وصف المعترض بالحذف أولى من وصف المستدل.\rقلنا: إن كان قد سبق من المعترض تسليم مناسبة كل واحد من الوصفين، فلا يسمع منه بعد بيان المستدل نفي المناسبة في الوصف المحذوف، منع المناسبة في المستبقي، لكون مانعا لما سلمه، ولا يجب على المستدل بيان المناسبة في الوصف المستبقي.\rوإن لم يسبق من المعترض تسليم ذلك، فللمستدل طريق صالح في دفع السؤال من غير حاجة إلى بيان المناسبة في الوصف المستبقي، وهو ترجيح سبره على سبر المعترض بموافقته للتعدية، وموافقة سبر المعترض للقصور، والتعدية أولى من القصور، على ما يأتي تقريره في الترجيحات.","part":3,"page":269},{"id":906,"text":"المسلك الخامس - في إثبات العلة المناسبة والاحالة (1).\rويشتمل على ثمانية فصول\rالفصل الاول في تحقيق معنى المناسب قال أبو زيد: (2) المناسب عبارة عما لو عرض على العقول تلقته بالقبول.\rوما ذكروه، وإن كان موافقا للوضع اللغوي حيث يقال هذا الشئ مناسب لهذا الشئ، أي ملائم له، غير أن تفسير المناسب بهذا المعنى وإن أمكن أن يتحققه الناظر مع نفسه، فلا طريق للمناظر إلى إثباته على خصمه في مقام النظر لامكان أن يقول الخصم: هذا مما لم يتلقه عقلي بالقبول، فلا يكون مناسبا بالنسبة الي، وإن تلقاه عقل غيري بالقبول.\rفإنه ليس الاحتجاج علي بتلقي عقل غيري له بالقبول، أولى من الاحتجاج على غيري بعدم تلقي عقلي له بالقبول.\rوعلى هذا بني أبو زيد امتناع التمسك في إثبات العلة في مقام النظر بالمناسبة وقران الحكم بها، وإن لم يمتنع التمسك بذلك في حق الناظر، لانه لا يكابر نفسه فيما يقضي به عقله.\rوالحق في ذلك أن يقال: المناسب عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودا من شرع ذلك الحكم.\rوسواء كان ذلك الحكم نفيا أو إثباتا.\rوسواء كان ذلك المقصود جلب مصلحة أو دفع مفسدة.\rوهو أيضا غير خارج عن وضع اللغة لما بينه وبين الحكم من التعلق والارتباط.\rوكل ما له تعلق بغيره وارتباط فإنه يصح لغة أن يقال إنه مناسب له.\rولا يخفى إمكان إثبات مثل ذلك في مقام النظر على الخصم، بما لو أعرض عنه الخصم وأصر معه على المنع، كان معاندا.\r__________\r1 - والاحالة - الصواب والاخالة بالخاء المعجمة.\r2 - ابو زيد - وهو عبيدالله بن عمر الدبوسي القاضي مات 430 ه.\r(*)","part":3,"page":270},{"id":907,"text":"الفصل الثاني في تحقيق معنى المقصود المطلوب من شرع الحكم المقصود من شرع الحكم إما جلب مصلحة، أو دفع مضرة، أو مجموع الامرين بالنسبة إلى العبد، لتعالى الرب تعالى عن الضرر والانتفاع.\rوربما كان ذلك مقصودا للعبد لانه ملائم له، وموافق لنفسه.\rولذلك، إذا خير العاقل بين وجود ذلك وعدمه، اختار وجوده على عدمه.\rوإذا عرف أن المقصود من شرع الحكم إنما هو تحصيل المصلحة أو دفع المضرة، فذلك إما أن يكون في الدنيا أو في الآخرة.\rفإن كان في الدنيا، فشرع الحكم إما أن يكون مفضيا إلى تحصيل أصل المقصود ابتداء، أو دواما، أو تكميلا.\rفالاول: مثل القضاء بصحة التصرف الصادر من الاهل في المحل تحصيلا لاصل المقصود المتعلق به من الملك أو المنفعة، كما في البيع والاجارة ونحوهما.\rوأما الثاني: فكالقضاء بتحريم القتل، وإيجاب القصاص على من قتل عمدا عدوانا، لافضائه إلى دوام المصلحة المعلقة بالنفس الانسانية المعصومة.\rوأما الثالث، فكالحكم باشتراط الشهادة ومهر المثل في النكاح، فإن مكمل لمصلحة النكاح، لا أنه محصل لاصلها لحصولها بنفس اعتبار التصرف وصحته.\rوأما في الاخرى فالمقصود العائد إليها من شرع الحكم لا يخرج عن جلب الثواب، ودفع العقاب.\rفالاول كالحكم بإيجاب الطاعات وأفعال العبادات، لافضائه إلى نيل الثواب ورفع الدرجات.\rوالثاني فكالحكم بتحريم أفعال المعاصي، وشرع الزواجر عليها دفعا لمحذور العقاب المرتب عليها.","part":3,"page":271},{"id":908,"text":"الفصل الثالث في بيان مراتب إفضاء الحكم إلى المقصود من شرع الحكم، واختلافها المقصود إما أن يكون حاصلا من شرع الحكم يقينا أو ظنا، أو أن الحصول وعدمه متساويان، أو أن عدم الحصول راجح على الحصول.\rأما الاول: فمثاله إفضاء الحكم بصحة التصرف بالبيع إلى إثبات الملك.\rوأما الثاني: فكشرع القصاص المرتب على القتل العمد العدوان صيانة للنفس المعصومة عن الفوات، فإنه مظنون الحصول راجح الوقوع، إذ الغالب من حال العاقل أنه إذا علم أنه إذا قتل قتل، أنه لا يقدم على القتل، فتبقى نفس المجني عليه، إلى نظائره من الزواجر، وليس ذلك مقطوعا به لتحقق الاقدام على القتل، مع شرع القصاص كثيرا.\rوأما القسم الثالث: فقلما يتفق له في الشرع مثال على التحقيق، بل على طريق التقريب، وذلك، كشرع الحد على شرب الخمر، لحفظ العقل، فإن إفضاءه إلى ذلك متردد، حيث إنا نجد كثرة الممتنعين عنه مقاومة لكثرة المقدمين عليه، لا على وجه الترجيح والغلبة لاحد الفريقين على الآخر في العادة.\rومثال القسم الرابع إفضاء الحكم بصحة نكاح الآيسة إلى مقصود التوالد والتناسل، فإنه، وإن كان ممكنا عقلا، غير أنه بعيد عادة، فكان الافضاء إليه مرجوحا.\rفهذه الاقسام الاربعة وإن كانت مناسبة نظرا إلى أنها موافقة للنفس، غير أن أعلاها القسم الاول لتيقنه، ويليه الثاني لكونه مظنونا راجحا.\rويليه الثالث لتردده، ويليه الرابع لكونه مرجوحا.\rوالقسمان الاولان متفق على صحة التعليل بهما عند القائلين بالمناسبة.\rوأما القسم الثالث والرابع، فلكون المقصود فيهما غير ظاهر، للمساواة في\rالثالث، والمرجوحية في الرابع.\rفالاتفاق واقع على صحة التعليل بهما إذا كان ذلك في آحاد الصور الشاذة، وكان المقصود ظاهرا من الوصف في غالب صور الجنس، وإلا فلا.\rوذلك، كما ذكرناه من مثال صحة نكاح الآيسة لمقصود التوالد، فإنه وإن","part":3,"page":272},{"id":909,"text":"كان غير ظاهر بالنسبة إلى الآيسة، إلا انه ظاهر فيما عداها (1).\rوعلى هذا، فلو خلا الوصف الذي رتب عليه الحكم عن المقصود الموافق للنفس قطعا، وإن كان ظاهرا في غالب صور الجنس، كما في لحوق النسب في نكاح المشرقي للمغربية، وشرع الاستبراء في شراء الجارية لمعرفة فراغ الرحم، فيما إذا اشترى الجارية ممن باعها منه في مجلس البيع الاول لعلمنا بفراغ رحمها من غيره قطعا، وإن كان ذلك ظاهرا في غالب صور الجنس فيما عدا هذه الصور، فلا يكون مناسبا، ولا يصح التعليل به لان المقصود من شرع الاحكام الحكم (2) فشرع الاحكام مع انتفاء الحكمة يقينا لا يكون مفيدا، فلا يرد به الشرع خلافا لاصحاب أبي حنيفة.\r__________\r1 - إذا كان التساوي والرجوحة في آحاد الصور الشاذة عاد الثالث والرابع إلى الثاني، ثم للنكاح مقاصد كثيرة، منها التناسل وعفة الفرج وإتراف النفس والتعاون على متاعب الحياة، وبعض مقاصده اهم من بعض، وإذن فبعد التناسل في نكاح الآيسة لا يفضي إلى عدم الحكمة أو المقصود مطلقا، وان افضى إلى ظن عدم مقصود من مقاصد النكاح.\r2 - الحكم بكسر الحاء جمع حكمة.\r(*)","part":3,"page":273},{"id":910,"text":"الفصل الرابع في أقسام المقصود من شرع الحكم واختلاف مراتبه في نفسه وذاته (1) وهو لا يخلو إما أن يكون من قبيل المقاصد الضرورية، أو لا يكون من قبيل المقاصد\rالضرورية.\rفإن كان من قبيل المقاصد الضرورية فإما أن يكون أصلا، أو لا يكون أصلا.\rفإن كان أصلا، فهو الراجع إلى المقاصد الخمسة التي لم تخل من رعايتها ملة من الملل، ولا شريعة من الشرائع، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال فإن حفظ هذه المقاصد الخمسة من الضروريات، وهي أعلى مراتب المناسبات.\rوالحصر في هذه الخمسة الانواع إنما كان نظرا إلى الوقوع والعلم بانتفاء مقصد ضروري خارج عنها في العادة.\rأما حفظ الدين فبشرع قتل الكافر المضل وعقوبة الداعي إلى البدع.\rوأما حفظ النفوس فبشرع القصاص.\rوأما حفظ العقول فبشرع الحد على شرب المسكر.\rوأما حفظ الاموال التي بها معاش الخلق، فبشرع الزواجر للغصاب والسراق (2).\rوأما إن لم يكن أصلا فهو التابع المكمل للمقصود الضروري.\rوذلك كالمبالغة في حفظ العقل بتحريم شرب القليل من المسكر، الداعي إلى الكثير وإن لم يكن مسكرا.\rفإن أصل المقصود من حفظ العقل حاصل بتحريم شرب المسكر، لا بتحريم قليله، وإنما يحرم القليل للتكميل والتتميم.\rوأما إن لم يكن المقصود من المقاصد الضرورية.\rفإما أن يكون من قبيل ما تدعو حاجة الناس إليه، أو لا تدعو إليه الحاجة.\rفإن كان من قبيل ما تدعو إليه الحاجة، فإما أن يكون أصلا أو لا يكون أصلا.\r__________\r1 - ارجع إلى كتاب المقاصد من كتاب الموافقات للشاطي فانه قسمها إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات وذكر مكملات كل منها، واوضحها بالتعاريف والامثلة.\r2 - فيه سقط - تقديره واما حفظ النسل فبشرع النكاح وحد الجلد والرجم.\r(*)","part":3,"page":274},{"id":911,"text":"فإن كان أصلا، فهو القسم الثاني: الراجع إلى الحاجات الزائدة.\rوذلك كتسليط الولي على تزويج الصغيرة، لا لضرورة ألجأت إليه، بل لحاجة تقييد الكفوء الراغب، خيفة فواته عند دعو الحاجة إليه، بعد البلوغ لا إلى خلف.\rوأما تسليط الولي على تربية الصغير وإرضاعه وشراء المطعوم والملبوس له، فليس من هذا القبيل، بل من قبيل الضروريات الاصلية التي لا تخلو شريعة عن رعايتها.\rوهذا القسم في الرتبة دون القسم الاول: ولهذا جاز اختلاف الشرائع فيه، دون القسم الاول، وهو في محل المعارضة، مع ما كان من قبيل التكملة والتتمة للقسم الاول.\rولهذا، اشتركا في جواز اختلاف الشرائع فيهما.\rوإن لم يكن أصلا، فهو التابع الجاري مجرى التتمة والتكملة للقسم الثاني: وذلك كرعاية الكفاءة ومهر المثل في تزويج الصغيرة، فإنه أفضى إلى دوام النكاح وتكميل مقاصده، وإن كان أصل المقصود حاصلا دون ذلك.\rوهذ النوع في الرتبة دون ما تقدم، أما بالنظر إلى المقصود الذي هو من باب الضرورات والحاجات فظاهر، وأما بالنظر إلى ما هو من قبيل التكملة للمقصود الضروري فلكونه مكملا لما ليس بضروري.\rوأما إن كان المقصود ليس من قبيل الحاجات الزائدة، فهو القسم الثالث وهو ما يقع موقع التحسين والتزيين ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات وذلك كسلب العبيد أهلية الشهادة، من حيث إن العبد نازل القدر والمنزلة، لكونه مستسخرا للمالك مشغولا بخدمته، فلا يليق به منصب الشهادة لشرفها وعظم خطرها، جريا للناس على ما ألفوه وعدوه من محاسن العادات، وإن كان لا تتعلق به حاجة ضرورية ولا زائدة ولا هو من قبيل التكملة لاحدهما، وليس هذا من قبيل سلب ولايته على الطفل، فإن سلب ولايته من قبيل الحاجات، لان الولاية\rعلى الطفل تستدعي الخلو والفراغ والنظر في أحواله، واستغراق العبد بما هو الواجب عليه من خدمة مالكه مانع له من ذلك.\rولا كذلك في الشهادة لاتفاقها في بعض الاحيان.","part":3,"page":275},{"id":912,"text":"الفصل الخامس (1) اختلفوا في الحكم إذا ثبت لوصف مصلحي على وجه يلزم منه وجود مفسدة مساوية له أو راجحة عليه، هل تنخرم مناسبته أو لا ؟ فأثبته قوم: ونفاه آخرون.\rوقد احتج من قال ببقاء المناسبة من وجوه أربعة.\rالاول: أن مناسبة الوصف تنبني على ما فيه من المصلحة، والمصلحة أمر حقيقي لا تختل (2) بمعارضة المفسدة.\rودليله (3) أن المصلحة والمفسدة المتعارضتان إما أن يتساويا، أو تترجح إحداهما على الاخرى.\rفإن كان الاول، فإما أن تبطل كل إحداة منهما بالاخرى أو أن تبطل إحداهما بالاخرى من غير عكس، أو لا تبطل واحدة منها، بالاخرى الاول محال، لان عدم كل واحدة منهما إنما هو بوجود الاخرى، وذلك يجر إلى وجودهما مع عدمهما ضرورة أن العلة لا بد وأن تكون متحققة مع المعلول، والثاني محال (4) لعدم الاولوية، والثالث (5) هو المطلوب، وإن كانت إحداهما أرجح من الاخرى، فلا يلزم منه إبطال المرجوحة إلا أن تكون بينهما منافاة، ولا منافاة، لما بيناه من جواز اجتماعهما في القسم الاول ولان الراجحة منهما إذا كانت معارضة بالمرجوحة فإما أن ينتفي شئ من الراجحة لاجل المرجوحة، أو لا ينتفي منها شئ فإن كان الاول، فهو محال أن تتساويا لما سبق في القسم الاول، ولانه ليس انتفاء بعض الراحج وبقاء بعضه أولى من العكس ضرورة التساوي في الحقيقة، وإن تفاوتا، فالكلام في الراجح كالكلام في\r__________\r1 - انظر ص 290 - 206 ج 19 من مجموع الفتاوي لابن تيمية.\rوالجزء الثاني من الموافقات ومبحث الاوامر والنواهي من الجزء الثالث منها.\r2 - لا تختل - الجملة خبر ثان للمصلحة.\r3 - ودليله - دليل قوله (المصلحة امر حقيقي لا تختل الخ.\r4 - والثاني محال - تحته صورتان الاولى بطلان المصلحة بالمفسدة دون العكس والثاني بطلان المفسدة بالمصلحة دون العكس، وعلة البطلان فيهما واحدة هي عدم الاولوية.\r5 - هو في الحقيقة رابع لما تقدم من ان الثاني تحته صورتان (*)","part":3,"page":276},{"id":913,"text":"الاول، وهو تسلسل ممتنع.\rوإذا كانت المصلحة لا تختل بمعارضة المفسدة، فالعقل يقضي بمناسبتها للحكم، وبالنظر إلى المعارض يقضي بانتفاء الحكم لاجل المعارض.\rولهذا، يحسن من العاقل أن يقول الداعي إلى إثبات الحكم موجود غير أنه يمنعني منه مانع، ولو اختلت مناسبة الوصف، لما حسن من العاقل هذه المقالة.\rالوجه الثاني: أنه قد يتعارض في نظر الملك عند الظفر بجاسوس عدوه المنازع له في ملكه، قتله وعقوبته، زجرا له ولامثاله عن الحبس (1) المضر به والاحسان إليه وإكرامه إما للاستهانة بعدوه، أو لقصد كشف أسراره.\rوأي الامرين سلك فإنه لا يعد خارجا عن مذاق الحكمة، ومقتضى المناسبة، وإن لزم منه فوات المقصود الحاصل من سلوك مقابله، وسواء تساويا، أو كان أحدهما راجحا.\rالثالث: أنه إذا اجتمع الاخ من الابوين مع الاخ من الاب في الميراث، فإنه قد يتعارض في نظر الناظر تقديم الاخ من الابوين لاختصاصه بقرابة الامومة، والتسوية بينهما لاشتراكهما في جهة العصوبة، وإلغاء قرابة الامومة، وتفضيل الاخ من الابوين لاختصاصه بمزيد القرابة.\rومع ذلك، فالعقل يقضي بتأدي النظر (2) من غير احتياج إلى ترجيح بأن ورود الشرع بالاحتمال الاول مناسب\rغير خارج عن مذاق العقول، ولو كان ترجيح الوصف المصلحي معتبرا في مناسبته لما كان كذلك.\rالرابع: أن الشارع قد ورد بصحة الصلاة في الدار المغصوبة نظرا إلى ما فيها من المصلحة، وبتحريمها نظرا إلى ما فيها من مفسدة الغصب.\rفلو اشترط الترجيح في المناسبة، لما ثبت الصحة، ولا التحريم، بتقدير التساوي بين مصلحة الصحة ومفسدة التحريم، ولا حكم الصحة بتقدير رجحان مفسدة الغصب، ولا التحريم بتقدير رجحان مصلحة الصحة لعدم المناسبة.\rوهذه الحجج ضعيفة:\r__________\r1 - لحبس - فيه تحريف والصواب التجسس.\r2 - بتأدي النظر - لعله ببادئ النظر - بباءين.\r(*)","part":3,"page":277},{"id":914,"text":"أما الحجة الاولى فلقائل أن يقول: إن أردت أن مناسبة الوصف تنبني على أنه لا بد في المناسبة من المصلحة على وجه لا يستقل بالمناسبة، فمسلم.\rولكن، لا يلزم من وجود بعض ما لا بد منه في المناسبة، تحقق المناسبة.\rوإن أردت أنها مستقلة بتحقيق المناسبة، فممنوع.\rوذلك، لان المصلحة وإن كانت متحققة في نفسها فالمناسبة أمر عرفي، وأهل العرف لا يعدون المصلحة العارضة بالمفسدة المساوية أو الراجحة مناسبة.\rولهذا، إن من حصل مصلحة درهم على وجه يفوت عليه عشرة، يعد سفيها خارجا في تصرفه عن تصرفات العقلاء.\rولو كان ذلك مناسبا، لما كان كذلك، وعلى هذا، فلا يلزم من اجتماع المصلحة والمفسدة تحقق المناسبة.\rوقوله: غير أنه يمنعني منه مانع.\rوإن كان صحيحا في العرف، فليس ذلك إلا لا خلال المانع المفسدي بمناسبة المصلحة، لا بمعنى أن الانتفاء محال على المفسدة (1) مع وجود المناسب للحكم.\rوعلى هذا، نقول بأن مناسبة كل واحدة من المصلحة والمفسدة تختل بتقدير التساوي وبتقدير مرجوحية إحداهما فالمختل مناسبتها دون مناسبة الراجحة ضرورة فوات شرط المناسبة، لا لان كل واحدة علة للاخلال بمناسبة الاخرى أو إحداهما، ليلزم في ذلك ما قيل.\rوأما الحجة الثانية: فلقائل أن يقول أيضا: مهما لم يترجح في نظر الملك وأهل العرف مصلحة ما عينه من أحد الطريقين من الاحسان أو الاساءة بمقتضى الحالة الراهنة، فإن فعله لا يكون مناسبا، ويكون بتصرفه خارجا عن تصرفات العقلاء.\rوأما الحجة الثالثة فلقائل أن يقول: لا نسلم جواز الجزم بمناسبة ما عين دون ظهور الترجيح في نظر الناظر، وبعد ظهور الترجيح، فليس الجزم بمناسبة الوصف في نفس الامر قطعا، لجواز أن يكون في نفسه مرجوحا، وإن لم يطلع عليه.\r__________\r1 - محال على المفسدة - اي راجع إليها، ناشئ منها، وليس المراد بالمحال ما يقابل الواجب والجائز العقليين.\r(*)","part":3,"page":278},{"id":915,"text":"وأما الحجة الرابعة، فبعيدة عن التحقيق، وذلك، لان الكلام إنما هو مفروض في إثبات حكم لمصلحة يلزم من إثباته تحصيلا للمصلحة مفسدة مساوية، أو راجحة، وما ذكر من مفسدة تحريم الغصب، وهي شغل ملك الغير غير لازمة من ترتيب حكم المصلحة عليها، وهو صحة الصلاة، فإنا وإن لم نقض بصحة الصلاة فالمفسدة اللازمة من الغضب لا تختل بل هي باقية بحالها، ولو كانت لازمة من حكم المصلحة لا غير، لانتفت المفسدة المفروضة بانتفاء حكم المصلحة، وليس كذلك.\rوحيث لم تكن مفسدة تحريم الغضب لازمة عن حكم المصلحة، كان من المناسب اعتبار كل واحدة منهما في حكمها، وهي المصلحة والمفسدة، إذ لا معارضة بينهما على ما تقرر.\rوإذا تقرر توقف المناسبة على الترجيح، فللمعلل ترجيح وصفه بطرق تفصيلية تختلف باختلاف المسائل، وله الترجيح بطريق إجمالي يطرد في جميع المسائل.\rوحاصله أن يقول المعلل لو لم يقدر ترجيح المصلحة على ما عارضها من المفسدة مع البحث وعدم الاطلاع على ما يمكن إضافة الحكم إليه في محل التعليل سوى ما ذكرته، لزم أن يكون الحكم قد ثبت تعبدا، وهو خلاف الاصل لوجهين.\rالاول: أن الغالب من الاحكام التعقل دون التعبد، فإدراج ما نحن فيه تحته أولى.\rالثاني: أنه إذا كان معقول المعنى، كان الحكم أقرب إلى الانقياد، وأدعى إلى القبول، فإن الانقياد إلى المعقول المألوف أقرب مما ليس كذلك، فكان أفضى إلى المقصود من شرع الحكم.\rلكن لقائل أن يقول: ما ذكرتموه من البحث عن وصف آخر تمكن إضافة الحكم إليه مع عدم الظفر به، وإن دل على ترجيح جهة المصلحة فهو معارض بما يدل على عدم ترجيحها، وهو عدم الاطلاع على ما به تكون راجحة على معارضها مع البحث عنه، وعدم الظفر به، وليس أحد البحثين أولى من الآخر.\rفإن قلتم: بل ما ذكرناه أولى من جهة أن بحثنا عن وصف صالح للتعليل وذلك لا يتعدى محل الحكم فمحله متحد وبحثكم إنما هو عما به الترجيح، وهو غير منحصر في محل الحكم، فإن ما به الترجيح قد يكون بما يعود إلى ذات العلة، وقد يكون بأمر خارج عنها، كما يأتي تقريره.\rفكان ما ذكرناه أولى.","part":3,"page":279},{"id":916,"text":"قلنا: ما به الترجيح، إن كان خارجا عن محل الحكم، فلا يتحقق به الترجيح في محل الحكم، وإن كان في محل الحكم فقد استوى البحثان في اتحاد محلهما، ولا ترجيح بهذه الجهة، وبتقدير تسليم اتحاد محل بحث المستدل والتعدد في محل بحث المعترض.\rغير أن الظن الحاصل من البحثين، إما أن يكون متساويا أو متفاوتا:\rوبتقدير المساواة ورجحان ظن المعترض، فلا ترجيح في جانب المستدل.\rوإنما يترجح بتقدير أن يكون ظنه راجحا.\rولا يخفى أن ما يقع على تقدير من تقديرين، يكون أغلب مما لا يقع إلا على تقدير واحد.\rوينبغي أن يعلم أن اشتراط الترجيح في تحقيق المناسبة إنما يتحقق على رأي من لا يرى تخصيص العلة.\rوأما من يرى جواز تخصيصها، وجواز إحالة انتفاء الحكم على تحقق المعارض مع وجود المقتضي، فلا بد له من الاعتراف بالمناسبة، وإن كانت المصلحة مرجوحة أو مساوية.\rفإن انتفاء الحكم بالمانع، مع وجود المقتضي، إما أن يكون لمقصود راجح على مقصود المقتضي للاثبات، أو مساو له أو مرجوح بالنسبة إليه، فإن كان راجحا فقد قيل بمناسبة المقتضي للاثبات مع كون مقصوده مرجوحا وإلا فلو لم يكن مناسبا كان الحكم منتفيا لانتفاء المناسب لا لوجود المانع وإن كان مساويا.\rفكذلك أيضا وإن كانت مفسدة المانع مرجوحة، فقد قيل بانتفاء الحكم له، ولولا مناسبته للانتفاء لما انتفى الحكم به، فإنه لو جاز أن ينتفي الحكم بما ليس بمناسب، لجاز أن يثبت بما ليس بمناسب.","part":3,"page":280},{"id":917,"text":"الفصل السادس في كيفية ملازمة الحكمة لضابطها وبيان أقسامها فنقول: الحكمة اللازمة لضابطها إما أن تكون ناشئة عنه.\rوإما أن لا تكون ناشئة عنه.\rوالتي لا تكون ناشئة عنه، إما أن تكون للوصف دلالة على الحاجة إليها، أو لا تكون كذلك.\rفالاول: كشرع الرخصة في السفر لدفع المشقة الناشئة من السفر.\rوالثاني: كالحكم بصحة البيع بإفضائه، إلى الانتفاع بالعوض.\rفإن الانتفاع لازم لصحة البيع ظاهرا وليس ناشئا عن البيع، ولكن للبيع، وهو التصرف الصادر من الاهل في المحل، وهو الايجاب والقبول، دلالة على الجاحة إليه.\rوالثالث: كما في ملك نصاب الزكاة فإنه يناسب إيجاب الزكاة من حيث إنه نعمة، والنعمة تناسب الشكر لافضاء الشكر إلى زيادة النعمة، على ما قال تعالى * (ولئن شكرتم لازيدنكم) *.\rوالزكاة صالحة لان تكون شكرا لما فيها من إظهار النعمة، وإظهار النعمة في العرف يعد شكرا.\rولا يخفى أن ما مثل هذا المقصود (1) وهو زيادة النعمة، ملازم لترتيب إيجاب الزكاة على ذلك النصاب وليس زيادة النعمة ناشئة عن نفس ملك النصاب، كما كانت المشقة ناشئة عن السفر، ولا لملك النصاب، دلالة على الحاجة إلى زيادة النعمة، كدلالة البيع على الحاجة إلى الانتفاع.\r__________\r1 - ولا يخفى ان ما مثل هذا المقصود - تكرر من الآمدي استعمال هذا التركيب وعبارته قلقة وقد تقدم الكلام على ذلك تعليقا ص 141 ج 2.\rواقول لو حذفت ما، أو بقيت وزيد بعدها كان لسهلت العبارة ووضح معناها.\r(*)","part":3,"page":281},{"id":918,"text":"الفصل السابع في أقسام المناسب بالنظر إلى اعتباره، وعدم اعتباره فنقول: الوصف المناسب إما أن يكون معتبرا في نظر الشارع، أو لا يكون معتبرا: فإن كان معتبرا، فاعتباره إما أن يكون بنص، أو إجماع، أو بترتيب الحكم على وفقه في صورة بنص أو إجماع.\rفإن كان معتبرا بنص أو إجماع، فيسمى المؤثر، على ما سبق تحقيقه في المسائل المتقدمة،\rوإذا كان معتبرا بترتيب الحكم على وفقه في صورة، فالذي تقتضيه القسمة العقلية تسعة أقسام.\rوذلك، لانه إما أن يكون معتبرا بخصوص وصفه، أو بعموم وصفه، أو بخصوصه وعمومه، وإن كان معتبرا بخصوص وصفه دون عموم وصفه.\rفإما أن يكون معتبرا في عين الحكم المعلل أو في جنسه، أو في عينه وجنسه.\rوإن كان معتبرا بعموم وصفه فإما أن يكون معتبرا في عين الحكم أو جنسه أو في عينه وجنسه وإن كان معتبرا بعموم وصفه وخصوصه فإما أن يكون معتبرا في عين الحكم أو جنسه أو في عينه وجنسه.\rوأما إن لم يكن الوصف معتبرا، فلا يخلو إما أن يظهر مع ذلك إلغاؤه أو لم يظهر منه ذلك.\rفهذه جملة الاقسام المذكورة غير أن الواقع منها في الشرع لا يزيد على خمسة.\rالقسم الاول: أن يكون الشارع قد اعتبر خصوص الوصف في الحكم وعموم الوصف في عموم الحكم في أصل آخر، وذلك كما في إلحاق القتل بالمثقل، بالمحدد لجامع القتل العمد العدوان، فإنه قد ظهر تأثير عين القتل العمد العدوان في عين الحكم وهو وجوب القتل في المحدد وظهر تأثير جنس القتل من حيث هو جناية على المحل المعصوم بالقود في جنس القتل من حيث هو قصاص في الايدي، وهذا القسم هو المعبر عنه بالملائم، وهو متفق عليه بين القياسين، ومختلف فيما عداه.\rالقسم الثاني: أن يكون الشارع قد اعتبر خصوص الوصف في خصوص","part":3,"page":282},{"id":919,"text":"الحكم من غير أن يظهر اعتبار عينه في جنس ذلك الحكم في أصل آخر متفق عليه ولا جنسه في عين ذلك الحكم ولا جنسه في جنسه، ولا دل على كونه علة نص.\rولا إجماع، لا بصريحه ولا إيمائه، وذلك كمعنى الاسكار، فإنه يناسب تحريم تناول النبيذ، وقد ثبت اعتبار عينه في عين التحريم في الخمر، ولم يظهر تأثير عينه في جنس ذلك الحكم، ولا جنسه في عينه ولا جنسه في جنسه، ولا إجماع عليه، فلو قدرنا انتفاء النصوص الدالة على كون الاسكار علة فلا يكون معتبرا بنص أيضا، وهذا هو المناسب الغريب، وهو مختلف فيه بين القياسين، وقد أنكره بعضهم، وإنكاره غير متجه لانه يفيد الظن بالتعليل.\rولهذا فإنا إذا رأينا شخصا قابل الاحسان بالاحسان، والاساءة بالاساءة، مع أنه لم يعهد من حاله قبل ذلك شئ فيما يرجع إلى المكافأة وعدمها، غلب على الظن ما رتب الحكم عليه.\rوالذي يؤيد ذلك أنه لا يخلو إما أن يكون الحكم قد ثبت لعلة، أو لا لعلة.\rفإن كان لا لعلة، فهو بعيد لما سبق تقريره من امتناع خلو الاحكام عن العلل.\rوإن كان لعلة، فإما أن يكون لما لم يظهر، أو لما ظهر: الاول ويلزم منه التعبد، وهو بعيد، على ما عرف، والثاني هو المطلوب.\rفإن قيل: الفرق بين ما نحن فيه، وبين صورة الاستشهاد إنا قد ألفنا من تصرفات العقلاء مقابلة الاحسان بالاحسان، والاساءة بالاساءة، فكان ذلك من قبيل القسم الاول، وهو الملائم المتفق عليه، لا من قبيل القسم الثاني، وهو الغريب المختلف فيه.\rقلنا: نحن إنما نفرض الكلام في شخص لم يعهد من حاله قبل ذلك الفعل موافقة ولا مخالفة، فلا يكون من الملائم المتفق عليه، ولا من الملغى.\rومع ذلك فإن التعليل يظهر من فعله لكل عاقل، نظرا إلى أن الغالب إنما هو غلبة طبيعة المكافأة بالانتقام، والاحسان، في حق العاقل، كما أن الغالب من الشارع اعتبار المناسبات دون إلغائها.\rوليس هذا من القسم الاول في شئ، لان القسم الاول مفروض فيما علم من الشارع اعتبار العين في العين فيه، والجنس في الجنس، والفرق بين الامرين ظاهر.\rالقسم الثالث: أن يكون الشارع قد اعتبر جنس الوصف في جنس الحكم\rلا غير، أي أنه لم يعتبر مع ذلك عينه في عينه، ولا عينه في جنسه، ولا جنسه في عينه،","part":3,"page":283},{"id":920,"text":"ولا دل عليه نص ولا إجماع.\rوهذا أيضا من جنس المناسب الغريب المختلف فيه بين القياسين إلا أنه دون القسم الثاني، وذلك لان الظن الحاصل باعتبار الخصوص في الخصوص لكثرة ما به الاشتراك أقوى من الظن الحاصل من اعتبار العموم في العموم، وذلك كاعتبار جنس المشقة المشتركة بين الحائض والمسافر، في جنس التخفيف.\rفإن عين مشقة الحائض ليست عين مشقة المسافر، بل من جنسها، وعين التخفيف عن المسافر بإسقاط الركعتين الزائدتين ليس عين التخفيف عن الحائض بإسقاط أصل الصلاة بل من جنسها.\rواعلم أن الوصف المعلل به، وكذلك الحكم المعلل له أجناس: منها ما هو عال ليس فوقه ما هو أعلى منه.\rومنها ما هو قريب إليه، ليس بينه وبينه واسطة، ومنها ما هو متوسط بين الطرفين، إما على السواء، أو أنه إلى أحد الطرفين أقرب من الآخر.\rفأما الجنس العالي للحكم الخاص، فكونه حكما، وأخص منه كونه وجوبا أو تحريما أو غير ذلك من الاحكام.\rوأخص من الوجوب العبادة وغير العبادة.\rوأخص من العبادة الصلاة، وغير الصلاة وأخص من الصلاة الفرض والنفل.\rوأما الجنس العالي للوصف الخاص فكونه وصفا تناط الاحكام به، وأخص منه كونه مناسبا بحيث يخرج منه الشبهي، وأخص منه المصلحة الضرورية.\rوأخص منه حفظ النفس والعقل، وعلى هذا النحو فالظن في هذا القسم مما يزيد وينقص بسبب التفاوت فيما به الاشتراك، من الجنس العالي والسافل والمتوسط\rفيما كان الاشتراك فيه بالجنس السافل، فهو أغلب على الظن، وما كان الاشتراك فيه بالاعم، فهو أبعد، وما كان بالمتوسط، فمتوسط على الترتيب في الصعود والنزول.\rالقسم الرابع: المناسب الذي لم يشهد له أصل من أصول الشريعة بالاعتبار بطريق من الطرق المذكورة، ولا ظهر إلغاؤه في صورة، ويعبر عنه بالمناسب المرسل (1) وسيأتي الكلام عنه فيما بعد.\r__________\r1 - يعبر عنه ايضا بالمصلحة المرسلة.\rوسيأتي الكلام عليها في الادلة المختلف فيها.\r(*)","part":3,"page":284},{"id":921,"text":"القسم الخامس: المناسب الذي لم يشهد له أصل بالاعتبار بوجه من الوجوه، وظهر مع ذلك إلغاؤه وإعراض الشارع عنه في صوره، فهذا مما اتفق على إبطاله، وامتناع التمسك به.\rوذلك كقول بعض العلماء، لبعض الملوك، لما جامع في نهار رمضان وهو صائم يجب عليك صوم شهرين متتابعين.\rفلما أنكر عليه، حيث لم يأمره بإعتاق رقبة مع اتساع ماله، قال لو أمرته بذلك لسهل عليه ذلك واستحقر إعتاق رقبة في قضاء شهوة فرجه، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم، مبالغة في زجره.\rفهذا وإن كان مناسبا، غير أنه لم يشهد له شاهد في الشرع بالاعتبار مع ثبوت الغاية بنص الكتاب.\rالفصل الثامن في إقامة الدلالة على أن المناسبة والاعتبار دليل كون الوصف علة وذلك، لان الاحكام إنما شرعت لمقاصد العباد.\rأما أنها مشروعة لمقاصد وحكم فيدل عليه الاجماع والمعقول.\rأما الاجماع: فهو أن أئمة الفقه مجمعة على أن أحكام الله تعالى لا تخلو عن حكمة ومقصود، وإن اختلفوا في كون ذلك بطريق الوجوب، كما قالت المعتزلة،\rأو بحكم الاتفاق والوقوع من غير وجوب كقول أصحابنا (1) وأما المعقول فهو أن الله تعالى حكيم في صنعه، فرعاية الغرض في صنعه، إما أن يكون واجبا، أو لا يكون واجبا: فإن كان واجبا، فلم يخل عن المقصود، وإن لم يكن واجبا، ففعله للمقصود يكون أقرب إلى موافقة المعقول من فعله بغير مقصود، فكان المقصود لازما من فعله ظنا.\rوإذا كان المقصود لازما في صنعه فالاحكام من صنعه (2) فكانت لغرض ومقصود.\rوالغرض إما أن يكون عائدا إلى\r__________\r1 - تقدم ما فيه تعليقا غير مرة.\r2 - لو قال المعتزلي: أحكام الله من صنعه لقلنا انه بنى تعبيره على مذهبه من ان كلام الله مخلوق لفظه ومعناه، لكن الآمدي اشعري يرى احكام الله خطابه = (*)","part":3,"page":285},{"id":922,"text":"الله تعالى، أو إلى العباد.\rولا سبيل إلى الاول لتعاليه عن الضرر والانتفاع، ولانه على خلاف الاجماع، فلم يبق سوى الثاني.\rوأيضا فإن الاحكام مما جاء بها الرسول، فكانت رحمة للعالمين، لقوله تعالى: * (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) * (الانبياء: 107).\rفلو خلت الاحكام عن حكمة عائدة إلى العالمين ما كانت رحمة، بل نقمة، لكون التكليف بها محض تعب ونصب.\rوأيضا قوله تعالى: * (ورحمتي وسعت كل شئ) * (الاعراف: 156) فلو كان شرع الاحكام في حق العباد لا لحكمة، لكانت نقمة لا رحمة، لما سبق، وأيضا قوله عليه السلام لا ضرر ولا ضرار في الاسلام (1) فلو كان التكليف بالاحكام لا لحكمة عائدة إلى العباد، لكان شرعها ضررا محضا، وكان ذلك بسبب الاسلام، وهو خلاف النص.\rوإذا ثبت أن الاحكام إنما شرعت لمصالح العباد، فإذا رأينا حكما مشروعا\rمستلزما لامر مصلحي، فلا يخلو إما أن يكون ذلك هو الغرض من شرع الحكم أو ما لم يظهر لنا، لا يمكن أن الغرض ما لم يظهر لنا، وإلا كان شرع الحكم تعبدا وهو خلاف الاصل، لما سبق تقريره.\rفلم يبق إلا أن يكون مشروعا لما ظهر،\r__________\r= وانها قديمة غير مخلوقة، وانها شئ واحد في نفسه، وان تعددت باعتبار متعلقاتها وتعلقاتها كما تقدم ذلك ص 249 ج 3 فكيف يقول هنا ان احكام الله من صنعه: فكان ينبغي أن يقول احكام الله من شرعه، إحقاقا للحق وتأدبا مع الله في نسبة صفاته إليه وليسلم من التناقض.\r1 - رواه احمد في مسنده، وعبد الرزاق في مصنفه، وابن ماجه في سننه من طريق ابن عباس بلفظ (لاضرر ولاضرار) وفي سنده جابر بن يزيد الجعفي وهو رافضي مدلس، وقد ضعفه جماعة ورماه آخرون بالكذب، مات سنة عام 128 أو 132 ه وقد رواه الطبراني في معجمه الوسط من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (ص) (لا ضرر ولاضرار في الاسلام) وفي اسناده محمد بن اسحاق وهو مدلس وقد عنعن، وللحديث طرق اخرى لا يخلو بعضها من مطعن، ولكن معناه صحيح يشهد له استقراء نصوص الشريعة والاصول العامة في الكتاب والسنة.\r(*)","part":3,"page":286},{"id":923,"text":"، وإذا كان ذلك مظنونا، فيجب العمل به، لان الظن واجب الاتباع في الشرع، ويدل على ذلك إجماع الصحابة على العمل بالظن ووجوب اتباعه في الاحكام الشرعية.\rفمن ذلك ما اشتهر عنهم في زمن عمر من تقدير حد شارب الخمر بثمانين جلدة بسبب ظن وقع لهم من قول علي، رضي الله عنه أرى أنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي وإذا هذي افترى، فأرى أن يقام عليه حد المفترين (1) إقامة للشرب الذي هو مظنة الافتراء مقام الافتراء في حكمه.\rومن ذلك حكمهم في إمامة أبي بكر بالرأي والظن، وقياسهم العهد على العقد\rفي الامامة، ورجوعهم إلى اجتهاد أبي بكر في قتال بني حنيفة حيث امتنعوا من أداء الزكاة، واتفاقهم على كتبة المصحف وجمع القرآن بين الدفتين بالرأي والظن واتفاقهم على الاجتهاد في مسألة الجد والاخوة على وجوه مختلفة.\rومن ذلك ما اشتهر عن آحاد الصحابة من العمل بالظن والرأي من غير نكير عليه.\rفمن ذلك قول أبي بكر أقول في الكلالة برأيي وحكمه.\rبالرأي في التسوية في العطاء.\rومن ذلك قول عمر أقول في الجد برأيي، وأقضي فيه برأيي وقضى فيه بآراء مختلفة.\rوقوله في حديث الجنين لولا هذا، لقضينا فيه برأينا.\rوتشريكه في المسألة الحمارية، لما قيل له هب أن أبانا كان حمارا، ألسنا من أم واحدة ؟ ومن ذلك ما نقل عن عثمان إنه قال لعمر في بعض الاحكام إن اتبعت رأيك فرأيك أسد، وإن تتبع من قبلك، فنعم ذلك الرأي.\rإلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى ولان عملهم بالرأي مع الاختلاف، اما ان يكون مع وجود دليل قاطع\r__________\r1 - روى القصة مالك في الموطأ من طريق ثور بن يزيد الديلي عن عمر، واخرجها الحاكم في المستدرك من طريق ثور عن عكرمة عن ابن عباس، ورواها عبد الرزاق في مصنفه من طريق عكرمة عن عمر بن الخطاب، وقد روى مسلم القصة في صحيحه من طريق انس بن مالك، وفيها ان الذي اشار على عمر هو عبد الرحمن بن عوف، فيجوز ان يكون كل من علي وعبد الرحمن اشار على عمر ان يجلد الشارب ثمانين جلدة.\r(*)","part":3,"page":287},{"id":924,"text":"فيما اختلفوا فيه، أو لا مع وجود دليل قاطع، لا جائز ان يقال بالاول وإلا كان المخالف فاسقا والموافق بالسكوت عن الانكار فاسقا، ويلزم من ذلك تعيمم الفسق بجميع الصحابة، وهو ممتنع لما سبق من الدلالة على عصمتهم فلم يبق سوى الثاني وهو المطلوب\rفإن قيل: لا نسلم استلزام شرع الاحكام للحكم والمقاصد، وذلك لان شرع الاحكام من صنع الله تعالى (1) وصنعه إما أن يستلزم الحكمة والمقصود، أو لا يستلزم، والاول ممتنع لسبعة عشر وجها: الاول: أن القائل قائلان: قائل يقول بأن أفعال العبيد مخلوقة لله تعالى، وقائل إنها مخلوقة للعبيد فمن قال إنها مخلوقة لله تعالى فيلزمه من ذلك أن يكون خالقا للكفر والمعاصي وأنواع الشرور، مع أنه لا حكمة ولا مقصود في خلق هذه الاشياء، ومن قال إنها مخلوقة للعبيد فإنما كانت مخلوقة لهم بواسطة خلق الله تعالى القدرة لهم على ذلك، فخلقه للقدرة الموجبة لهذه الامور لا يكون أيضا لحكمة.\rالثاني: أنه لو استلزم فعله للحكمة، ما أمات الانبياء، وأنظر إبليس، وما أوجب تخليد أهل النار في النار، لعدم الحكمة في ذلك.\rالثالث: أنه لو كان لحكمة ومقصود، فعند تحقق الحكمة، لا يخلو إما أن يجب الفعل، بحيث لا يمكن عدمه، أو لا يجب: فإن كان الاول، فيلزم منه أن يصير الباري تعالى مضطرا غير مختار، وإن لم يجب الفعل فقد أمكن وجوده تارة وعدمه تارة وعند ذلك إما أن يترجح أحد الممكنين على الآخر لمقصود، أو لا لمقصود فإن كان الاول، فالكلام فيه كالكلام في الاول، وهو تسلسل ممتنع.\rوإن كان الثاني، فهو المطلوب.\rالرابع: أنه لو كان صنع الرب تعالى يستلزم الغرض والمقصود، فذلك المقصود إما أن يكون حادثا أو قديما: فإن كان قديما، فيلزم منه قدم الصنع والمصنوع، وهو محال.\rوإن كان حادثا، فإما أن يتوقف حدوثه على مقصود آخر، أو لا يتوقف، فالاول يلزم منه التسلسل، والثاني هو المطلوب.\r__________\r1 - تقدم ما فيه تعليقا ص 285 ج 3، وقد يقال هنا إن شرع الاحكام غير الاحكام.\r(*)","part":3,"page":288},{"id":925,"text":"الخامس: أنه تعالى قد كلف بالايمان من علم أنه لا يؤمن، كأبي جهل وغيره، وذلك مما يستحيل معه الايمان، وإلا كان علمه جهلا.\rوالتكليف بما لا يمكن وقوعه على وجه يعاقب المكلف على عدم فعله، مجرد عن الغرض والحكمة.\rالسادس: أن حكم الله هو كلامه وخطابه.\rوكلامه وخطابه قديم، والمقصود لا جائز أن يكون قديما، وإلا لزم منه موجود قديم غير الباري تعالى وصفاته، وهو محال.\rوإن كان حادثا، فيلزم منه تعليل القديم بالحادث، وهو ممتنع.\rالسابع: أن خلق الباري تعالى للعالم في وقته المعلوم المحدود، مع جواز خلقه قبله أو بعده، وتقديره بشكله المقدر، مع جواز أن يكون أصغر أو أكبر، مما لا يوقف منه على غرض ومقصود.\rالثامن: أنه لو كان له في فعله غرض ومقصود، لم يخل إما أن يكون فعله لذلك الغرض أولى من تركه، أو لا يكون أولى: فإن كان الاول، فيلزمه منه أن يكون الرب تعالى مستكملا بذلك الصنع، وناقصا قبله، وهو محال، وإن لم يكن فعله أولى من الترك، امتنع الفعل لعدم الاولوية.\rالتاسع: أن الحكم والمقاصد خفية، وفي ربط الاحكام الشرعية بها ما يوجب الحرج في حق المكلف باطلاعه عليها بالبحث عنها.\rوالحرج منفي بقوله تعالى: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) *.\rالعاشر: أن وجود الحكمة مما يجب تأخره عن وجود شرع الحكم، وما يكون متأخرا في الوجود يمتنع أن يكون علة لما هو متقدم عليه.\rالحادي عشر: أنه لو كان شرع الاحكام للحكم، لكانت مفيدة لها قطعا، وذلك لان الله تعالى قادر على تحصيل تلك الحكمة قطعا.\rفلو فعل ما فعله قصدا لتحصيل تلك الحكمة، لكان الظاهر منه أنه فعله على وجه تحصل الحكمة به قطعا،\rوأكثر الاحكام من الزواجر وغيرها غير مفيدة لما ظن أنها حكم لها قطعا.\rالثاني عشر: أنه لا يخلو إما أن يكون الرب تعالى قادرا على تحصيل تلك الحكمة الحاصلة من شرع الحكم دون شرع الحكم أو لا يكون قادرا عليه: لا جائز أن لا يكون قادرا إذ هو صفة نقص، والنقص على الله محال، وإن كان قادرا على ذلك، فشرع الحكم وتوسطه في البين لا يكون مفيدا، بل هو محض عناء وتعب.","part":3,"page":289},{"id":926,"text":"الثالث عشر: أن خلق الكافر شقيا في الدنيا مخلدا في العذاب في الاخرى، مما لا حكمة فيه ولا مقصود.\rالرابع عشر: أن الله تعالى قد أوجب على المكلف معرفته، وذلك إما أن لا يكون على العارف به أو على غير العارف: الاول فيه تحصيل الحاصل، والثاني يلزم منه المحال، حيث أوجب معرفته على من لا يعرفه مع توقف معرفة إيجابه على معرفة ذاته، وهو دور، ولا مصلحة في شئ من ذلك.\rالخامس عشر: أن الله تعالى قد أقدر العباد على المعاصي وتركهم يرتكبون الفواحش، وهو مطلع عليهم، وقادر على منعهم من ذلك، ولم يفعل شيئا من ذلك، وذلك مما لا حكمة فيه.\rالسادس عشر: أن الحكمة إنما تطلب في حق من تميل نفسه في صنعه إلى جلب نفع أو دفع ضرر، والرب تعالى منزه عن ذلك.\rالسابع عشر: أن الحكمة إنما تطلب في فعل من لو خلا فعله عن الحكمة، لحقه الذم، وكان عابثا، والرب يتعالى عن ذلك، لكونه متصرفا في ملكه بحسب ما يشاء ويختار من غير سؤال عما يفعل، على ما قال تعالى: * (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) * (الانبياء: 23) وإن لم يكن فعله مستلزما للحكمة فهو المطلوب.\rسلمنا استلزام شرع الحكم للحكمة، ولكن لا يلزم أن يكون ما ظهر من المناسب\rعلة، ولو كان يدل المناسب على كونه علة، لكانت أجزاء العلة المناسبة عللا، بل غايته أن تكون جزء علة.\rولا يلزم من وجود جزء العلة في الفرع وجود الحكم.\rسلمنا غلبة الظن بكون ما ظهر من المناسب علة، ولكن لا نسلم وجوب العمل بالظن مطلقا لما سنبينه في مسألة كون القياس حجة، وما ذكرتموه من الدلائل فسيأتي الكلام عليها أيضا في مسألة كون القياس حجة.\rوالجواب عما ذكروه من المنع ما سبق تقريره (1)، وعن الشبهة الاولى من ثلاثة أوجه: الاول: أن القدرة إنما تتعلق بالحدوث والوجود لا غير، والكفر وأنواع المعاصي والشرور راجعة إلى مخالفة نهي الشارع، وليس ذلك من متعلق القدرة في شئ.\r(2)\r__________\r1 - يعني دليل الاجماع وأدلة العقل والنقل التي ذكرها أول الفصل الثامن ص 285 ج 3 2 - هذا الجواب غير صحيح لوجهين الاول ان الاول ان الامور المنهى عنها من الكفر = (*)","part":3,"page":290},{"id":927,"text":"الثاني: وإن سلمنا أن جميع ذلك مخلوق لله تعالى، فنحن لا ندعي ملازمة الحكمة لا فعاله مطلقا، حتى يطرد ذلك في كل مخلوق، بل إنما ندعي ذلك فيما يمكن مراعاة الحكمة فيه، وذلك ممكن فيما عدا أنواع الشرور والمعاصي (1)، ولا ندعي ذلك قطعا بل ظاهرا.\rالثالث: وإن سلمنا لزوم الحكمة لافعاله مطلقا، ولكن لا نسلم امتناع ذلك فيما ذكروه من الصور قطعا، لجواز أن يكون لازمها حكم لا يعلمها سوى الرب تعالى.\rوبهذين الجوابين الاخيرين يكون جواب الشبهة الثانية.\rوعن الثالثة أن وجود الفعل وإن قدر تحقق الحكمة، غير واجب، بل هو تبع لتعلق القدرة والارادة به، ومع ذلك فالباري لا يكون مضطرا بل مختارا.\rوعن الرابعة: أن المقصود حادث، ولكن لا يفتقر إلى مقصود آخر، فإنا إنما ندعي ذلك فيما هو ممكن، وافتقار المقصود إلى مقصود آخر غير ممكن لافضائه\rإلى التسلسل الممتنع، وإن كان مفتقرا إلى مقصود، فذلك المقصود هو نفسه لا غيره، فلا تسلسل.\r__________\r= والربا والزنا ونحوها من المعاصي، والشرور، افعال تتعلق بها القدرة فمخالف الامور المنهي عنها تتعلق قدرته باحداثها وايجادها واما موافقة النهى بترك المنهي عنه فمن باب التروك، والتروك قد يدعى فيها انها ليست بافعال، فلا تتعلق بها قدرة ولا يكون فيها تكليف.\rوقد يفسر ترك المنهى بالكف عنه والكف فعل تتعلق به القدرة والتكليف والثاني ان مخالفة نهي الشارع بالكفر ونحوه لو لم تتعلق به القدرة لم يكن العبد مكلفا به ولم يكن من كسبه فلا يعاقب عليه، وذلك باطل.\r1 - الجواب الثاني: أيضا غير صحيح.\rفان ما ذكر من الاجماع وادلة العقل والنقل اول الفصل الثامن دل على ان جميع فعال الله وأحكام شرعه مبنية على الحكمة دون فرق بين انواعها من خير وشر وأمر ونهي، فالجواب الصحيح أن الافعال مخلوقة، لله وهي باعتبار صدورها عنه مقتضى الحكمة وموجب العدالة.\rوان تألم منها العباد وكانت في ظاهرها شرا فقد تكون ابتلاء وامتحانا لرفع الدرجات = (*)","part":3,"page":291},{"id":928,"text":"وعن الخامسة: أنا لا ندعي لزوم المقصود في كل فعل ليلزمنا ما قيل، وإن كان ذلك لازما، فلا يمتنع أن يكون ذلك لحكمة استأثر الرب تعالى بالعلم بها، كما بيناه في التكليف بما لا يطاق.\rوعن السادسة: أن الحكم ليس هو نفس الكلام القديم كما سبق تقريره، بل الكلام بصفة التعلق، فكان حادثا (1)، وإن كان الحكم قديما.\rوالمقصود حادثا فإنما يمتنع تعليله به أن لو كان موجبا للحكم، وليس كذلك، (2) بل إما بمعنى الامارة والعلامة عند من يقول بذلك، والحادث لا يمتنع أن يكون أمارة على القديم، وإما بمعنى الباعث فلا يمتنع أيضا أن يكون متأخرا، ويكون حكم الله القديم بما حكم به لاجل ما\rسيوجد من المقصود الحادث.\rوعن السابعة: بمنع انتفاء الحكمة فيما قيل، وإن لم تكن معلومة لنا.\rوعن الثامنة: أن فعله لذلك الغرض أولى من تركه، لكن بالنظر إلى المخلوق دون الخالق.\rوعن التاسعة: أنه لا حرج في ربط الاحكام بالحكم، إذا كانت منضبطة بأنفسها أو بأوصاف ظاهرة ضابطة لها لعدم العسر في معرفتها، وإن كان في ذلك نوع عسر وحرج يكد العقل في الاجتهاد فيها، فلا نسلم خلو ذلك عن المقصود، وهو زيادة الثواب على ما قال عليه السلام \" ثوابك على قدر نصبك \" (3)\r__________\r= وتمييز الطيب من الخبيث، وقد تكون تمحيصا للذنوب وتكفيرا للسيئات، وقد تكون عقوبة وجزاءا عادلا على ذنب سابق، وقد تكون لغير ذلك مما لا يعلمه الا الله وقريب من ذلك ما ذكره الآمدي في الوجه الثالث من الجواب.\r1 - تقدم ما فيه تعليقا ص 249 ج 3 والتعلق امر اعتباري لا ينفعه التعلل به 2 - بل الحكم مقتضية للاحكام موجبة لها لكن لا بنفسها بل باعتبار الشرع لها فلا يتخلف عنها حكمها الا لمعارض معتبر شرعا من فقد شرط أو وجود مانع، والجواب الصحيح عن الشبهة السادسة ان آحاد كلام الله وخطابه وآحاد احكام شريعته حادثة وقت نزول الوحي بشرعها، وانها لحكم ومقاصد اقتضت شرعها وخطاب المكلفين بها في ذلك الوقت دون ما قبله ولم يكن لشي من ذلك وجود في نفسه قبل زمنه الذي على الله وجوده فيه.\rوعلى ذلك فلا مانع من تعليل الاحكام بالحكم والمقاصد 3 - تقدم الكلام على الحديث تعليقا ص 140 ج 3.\r(*)","part":3,"page":292},{"id":929,"text":"وعن العاشرة: أن الحكمة، وإن كانت متأخرة في الوجود عن شرع الحكم، فإنما يمتنع أن تكون علة بمعنى المؤثر لا بمعنى الباعث.\r(1) وعن الحادية عشرة: أنه لا يمتنع أن تكون الحكمة المقصودة من شرع الحكم\rإنما هو حصول الحكمة ظاهرا لا قطعا.\rوعن الثانية عشرة: أنه لا يمتنع على بعض آراء المعتزلة أن يقال بأن الرب تعالى غير قادر على تحصيل ذلك الغرض الخاص من شرع ذلك الحكم دون شرعه، ولا يلزم منه العجز، ضرورة كونه غير ممكن، وإن قدر أنه قادر على ذلك وهو الحق، فلا يلزم أن يكون شرع الحكم غير مفيد مع حصول الفائدة به، وإن قدر إمكان حصول الفائدة بطريق آخر.\rوعن الثالثة عشرة: أن الحكمة فيما ذكروه إما أن تكون ممتنعة أو جائزة.\rفإن كان الاول، فلا يلزم امتناعها فيما هي ممكنة فيه، وإن كان الثاني، فلا مانع من وجودها، وإن لم نطلع نحن عليها.\rوهو الجواب عن الرابعة عشرة، كيف وأنه إنما يلزم الدور الممتنع، أن لو قيل بتوقف الوجوب على معرفة المكلف للوجوب، وليس كذلك على ما سبق تقريره في شكر المنعم.\rوعن الخامسة عشرة: ما هو جواب الشبهتين قبلها.\rوعن السادسة عشرة بمنع ما ذكروه في رعاية الحكمة، بل الحكمة إنما تطلب في فعل من لو وجدت الحكمة في فعله لما كان ممتنعا، بل واقعا في الغالب.\rوعن السابعة عشرة: أن ما ذكروه إنما يلزم في حق من تجب مراعاة الحكمة في فعله، والباري تعالى ليس كذلك (2)، على ما حققناه في كتبنا الكلامية.\r__________\r1 - لحكمة الحكم جهتان، الاولى رعايتها والقصد إلى تحصيلها فشرع الحكم لاجلها، والثانية تحققها في الخارج ثمرة لتنفيذ الحكم وتطبيقه، وهي باعتبار الجهة الاولى علمية متقدمة على الحكم علما وقصدا باعتبار الجهة الثانية متحققة في الخارج متأخرة عن الحكم وعن تطبيقه، وقد تكون مقارنة لتطبيقه، وقديما قيل: اول الفكرة آخر العمل.\r2 - الحق ان من كمال الله وجوب مراعاته الحكمة في فعله وشرعه فذلك مقتضى = (*)","part":3,"page":293},{"id":930,"text":"قولهم: لا يلزم أن يكون ما ظهر من المناسب علة.\rقلنا لا يلزم أن يكون علة قطعا، وإنما يلزم أن يكون علة ظاهرا، ضرورة أنه لا بد للحكم من علة ظاهرة، على ما سبق تقريره، ولا ظاهر سواه.\rوأما أجزاء العلة، وإن كانت مناسبة، فإنما يمتنع التعليل بكل واحد منها، لما سبق من امتناع تعليل الحكم الواحد في محل واحد بعلل، بخلاف ما إذا اتحد الوصف، أو تعدد، وكانت العلة مجموع الاوصاف.\rقولهم: لا نسلم وجوب العمل بذلك، وإن كان مظنونا.\rقلنا: دليله ما ذكرناه وما سيأتي في مسألة إثبات القياس على منكريه.\rوما يذكرونه على ذلك فسيأتي جوابه ثم أيضا المسلك السادس - إثبات العلة بالشبه ويشتمل على ثلاثة فصول الفصل الاول في حقيقة الشبه واختلاف الناس فيه، وما هو المختار فيه نقول: اعلم أن اسم الشبه، وإن أطلق على كل قياس، ألحق الفرع فيه بالاصل لجامع يشبهه فيه، غير أن آراء الاصوليين مختلفة فيه: (1) فمنهم من فسره بما تردد فيه الفرع بين أصلين، ووجد فيه المناط الموجود في كل واحد من الاصلين، إلا أنه يشبه أحدهما في أوصاف هي أكثر من الاوصاف التي بها مشابهته للاصل الآخر، فإلحاقه بما هو أكثر مشابهة هو الشبه.\rوذلك كالعبد المقتول خطأ إذا زادت قيمته على دية الحر، فإنه قد اجتمع فيه مناطان متعارضان،\r__________\r= كما له وموجب عدله واحسانه وان قيل ذلك واجب عليه فهو سبحانه الذي اوجبه على نفسه رحمة منه بعباده (كتب ربكم على نفسه الرحمة).\r1 - لو قال غير انه اطلق في الاصطلاح على نوع من الاقيسة معين، وقد اختلفت آراء الاصوليين في تعريفه لكان انسب، فانه لا يريد في هذا الفصل تعريف كل قياس ولا تعريف القياس من حيث هو وإنما يريد نوعا معينا يسمى بهذا الاسم = (*)","part":3,"page":294},{"id":931,"text":"أحدهما النفسية، وهو مشابه للحر فيها، ومقتضى ذلك أن لا يزاد فيه على الدية، والثاني المالية وهو مشابه للفرس فيها، ومقتضى ذلك الزيادة.\rإلا أن مشابهته للحر في كونه آدميا مثابا معاقبا، ومشابهته للفرس في كونه مملوكا مقوما في الاسواق، فكان إلحاقه بالحر أولى لكثرة مشابهته له، وليس هذا من الشبه في شئ.\rفإن كل واحد من المناطين مناسب، وما ذكر من كثرة المشابهة إن كانت مؤثرة، فليست إلا من باب الترجيح لاحد المناطين على الآخر، وذلك لا يخرجه عن المناسب، وإن كان يفتقر إلى نوع ترجيح.\rومنهم من فسره بما عرف المناط فيه قطعا، غير أنه يفتقر في آحاد الصور إلى تحقيقه، وذلك كما في طلب المثل في جزاء الصيد بعد أن عرف أن المثل واجب بقوله تعالى: * (فجزاء مثل ما قتل من النعم) * (المائدة: 95) وليس هذا أيضا من الشبه، إذ الكلام إنما هو مفروض في العلة الشبهية، والنظر ههنا إنما هو في تحقيق الحكم الواجب، وهو الاشبه لا في تحقيق المناط، وهو معلوم بدلالة النص.\rودليل أن الواجب هو الاشبه، أنه أوجب المثل، ونعلم أن الصيد لا يماثله شئ من النعم، فكان ذلك محمولا على الاشبه، كيف وهو مجزوم مقطوع به، والشبه مختلف فيه، وكيف يكون المتفق عليه هو نفس المختلف فيه.\rومنهم من فسره بما اجتمع فيه مناطان مختلفان، لا على سبيل الكمال، إلا أن أحدهما أغلب من الآخر، فالحكم بالاغلب حكم بالاشبه، وذلك كاللعان، فإنه قد وجد فيه لفظ الشهادة واليمين، وليسا بمتمحضين، لان الملاعن مدع، والمدعي\rلا تقبل شهادته لنفسه ولا يمينه، وهذا وإن كان أقرب من المذاهب المتقدمة إلا أنه مهما غلبت إحدى الشائبتين، فقد ظهرت المصلحة الملازمة لها في نظرنا، فيجب الحكم بها، ولكنه غير خارج عن التعليل بالمناسب.\rوقد ذهب القاضي أبو بكر إلى تفسيره بقياس الدلالة، وهو الجمع بين الاصل والفرع بما لا يناسب الحكم، ولكن يستلزم ما يناسب الحكم، وسيأتي تحقيقه في موضعه بعد.\r__________\r= بدليل بنائه على جامع معين، واختياره آخر المسألة تعريفا له لا يشاركه فيه غيره من الاقيسة وجعله اثناء المسألة قسيما للقياس المناسب والقياس الطردي.\r(*)","part":3,"page":295},{"id":932,"text":"ومنهم من فسره بما يوهم المناسبة من غير اطلاع عليها، وذلك أن الوصف المعلل به لا يخلو إما أن تظهر فيه المناسبة، أو لا تظهر فيه المناسبة (1)، بوقوف من هو أهل معرفة المناسبة عليها، وذلك بأن يكون ترتيب الحكم على وفقه مما يفضي إلى تحصيل مقصود من المقاصد المبينة من قبل، فهو المناسب.\rوإن لم تظهر فيه المناسبة بعد البحث التام ممن هو أهله، فإما أن يكون مع ذلك مما لم يؤلف من الشارع الالتفات إليه في شئ من الاحكام، أو هو مما ألف من الشارع الالتفات إليه في بعض الاحكام.\rفإن كان من الاول فهو الطردي الذي لا التفات إليه.\rومثاله ما لو قال الشافعي مثلا في إزالة النجاسة بمائع لا تبنى القنطرة على جنسه فلا تجوز إزالة النجاسة به كالدهن، وكما لو علل في مسألة من المسائل بالطول والقصر والسواد والبياض ونحوهما وإن كان الثاني فهو الشبهي وذلك لانه بالنظر إلى عدم الوقوف على المناسبة فيه بعد البحث، يجزم المجتهد بانتفاء مناسبته، وبالنظر إلى اعتباره في بعض الاحكام يوجب إيقاف المجتهد عن الجزم بانتفاء المناسبة فيه، فهو مشابه للمناسب في أنه غير مجزوم بنفي المناسبة عنه، ومشابه للطردي في أنه غير مجزوم بظهور المناسبة فيه.\rفهو دون المناسب وفوق الطردي.\rولعل المستند في تسميته شبهيا إنما هو هذا المعنى ومثاله قول الشافعي في مسألة إزالة النجاسة، طهارة تراد لاجل الصلاة، فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث، فإن الجامع هو الطهارة، ومناسبتها لتعيين الماء فيها بعد البحث التام غير ظاهرة.\rوبالنظر إلى كون الشارع اعتبرها في بعض الاحكام كمس المصحف والصلاة والطواف، يوهم اشتمالها على المناسبة كما تقرر.\rواعلم أن إطلاق اسم الشبه، وإن كان حاصله في هذه الصورة راجعا إلى الاصطلاحات اللفظية، غير أن أقربها إلى قواعد الاصول، الاصطلاح الاخير، وهو الذي ذهب إليه أكثر المحققين، ويليه في القرب مذهب القاضي أبي بكر.\r__________\r1 - فيه سقط حرف الشرط وفعله، والتقدير فان ظهرت فيه المناسبة بوقوف الخ وجواب الشرط قوله بعد فهو المناسب (*)","part":3,"page":296},{"id":933,"text":"الفصل الثاني في أن الشبه مع قران الحكم به دليل على كون الوصف علة وبيانه أنا إذا رأينا حكما ثابتا عقيب وصفين، وأحد الوصفين شبهي بالتفسير الاخير، والآخر طردي، فلا يخلو: إما أن يكون الحكم ثابتا لمصلحة، أو لا لمصلحة، لا جائز أن يقال بالثاني إذ الحكم الشرعي لا يخلو عن مصلحة، وإن لم يكن ذلك بطريق الوجوب كما تقرر قبل (1)، فلم يبق غير الاول، وهو أنه ثابت لمصلحة وتلك المصلحة لا تخلو: إما أن تكون في ضمن الوصف الشبهي، أو الطردي لعدم ما سواهما، ولا يخفى أن اشتمال الوصف الشبهي على المصلحة، أغلب على الظن من اشتمال الطردي عليها، لان الطردي مجزوم بنفي مناسبته، والشبهي متردد فيه على ما تقرر.\rوإذا كان ذلك هو الغالب على الظن فالظن معمول به في الشرعيات على ما تقدم تقريره.\rالفصل الثالث زعم بعض أصحابنا أن الشبهي إذا اعتبر جنسه في جنس الحكم دون اعتبار عينه في عينه، لا يكون حجة بخلاف الوصف المناسب، مصيرا منه إلى أن الشبهي إذا ظهر تأثير عينه في عين الحكم، فالظن المستفاد منه في أدنى درجات الظن، فإذا انحط عن هذه الرتبة إلى رتبة اعتبار الجنس في الجنس، فقد اضمحل الظن بالكلية، لانه ليس تحت أدنى درجات الظن درجة سوى ما ليس بظن، وما ليس بمظنون، لا يكون حجة، وهذا بخلاف المناسب، فإن الظن المستفاد منه باعتبار العين في العين قوي جدا، فنزوله عن هذه الرتبة إلى رتبة اعتبار الجنس في الجنس، وإن فات معه ذلك الظن الغالب، فقد بقي له أصل الظن، فكان حجة.\r__________\r1 - تقدم ما فيه تعليقا غير مرة.\r(*)","part":3,"page":297},{"id":934,"text":"وأيضا فإن الوصف الشبهي إنما صار شبهيا باعتبار الشارع له في جنس الحكم المعلل، وذلك في إفادة الظن دون المناسب المرسل، والمناسب المرسل ليس بحجة، لما سيأتي تقريره (1)، فما هو دونه أولى أن لا يكون حجة، وهذا بخلاف المناسب المتأيد بشهادة الجنس في الجنس، فإنه فوق المناسب المرسل.\rفلا يلزم من كون المرسل ليس بحجة، أن يكون ذلك ليس بحجة.\rولقائل أن يقول: أما الاول فهو مبني على أن الشبهي المتأيد بشهادة العين في العين، في أدنى درجات الظنون، وهو غير مسلم، بل للخصم أن يقول: ما هو في أدنى درجات الظنون إنما هو الشبهي المتأيد بشهادة الجنس في الجنس، والنزول عن تلك الدرجة إلى ما دونها (2) لا يوجب انمحاق الظن بالكلية كما قيل.\rوأما الثاني: فهو وإن سلم أن الشبهي إنما صار شبهيا بالتفات الشارع إليه في بعض\rالاحكام، وأنه أدنى من المناسب المرسل من حيث إن مناسبة المرسل ظاهرة، ومناسبة الشبهي غير ظاهرة، بل موهمة متردد فيها.\rغير أن الشبهي بعد أن ثبت كونه شبيها بالتفات الشارع إليه في بعض الاحكام إذا رأينا الشارع قد اعتبر جنسه في جنس الحكم المعلل، فقد صار معتبرا، ولا كذلك المرسل فإنه غير معتبر، ولا يلزم من عدم الاحتجاج بما ليس معتبرا عدم الاحتجاج بالمعتبر.\r__________\r1 - سيأتي ذلك في النوع الرابع من انواع الادلة المختلف في حجيتها تحت عنوان (المصلحة المرسلة) 2 - يعني والنزول عن رتبة تأثير العين في العين إلى رتبة تأثر الجنس في الجنس لا يوجب...الخ.\r(*)","part":3,"page":298},{"id":935,"text":"المسلك السابع - إثبات العلة بالطرد والعكس وقد اختلف فيه: فذهب جماعة من الاصوليين إلى أنه يدل على كون الوصف علة.\rلكن اختلف هؤلاء: فمنهم من قال إنه يدل على العلية قطعا، كبعض المعتزلة، ومنهم من قال يدل عليها ظنا، كالقاضي أبي بكر وبعض الاصوليين، وهو مذهب أكثر أبناء زماننا.\rوالذي عليه المحققون من أصحابنا وغيرهم أنه لا يفيد العلية لا قطعا ولا ظنا، وهو المختار، وصورته ما إذا قيل في مسألة النبيذ مثلا (مسكر) فكان حراما كالخمر، وأثبت كون المسكر علة للتحريم، بدورانه مع التحريم وجودا وعدما في الخمر، فإنه إذا صار مسكرا حرم، وإن زال الاسكار عنه بأن صار خلا فإنه لا يحرم، وقد احتج القائلون إنه ليس بحجة بأمرين: الاول ما ذكره الغزالي وهو أن قال حاصل الاطراد يرجع إلى سلامة العلة عن النقض، وسلامة العلة عن مفسد واحد لا يوجب سلامتها عن كل مفسد، وعلى\rتقدير السلامة عن كل مفسد، فصحة الشئ لا تكون بسلامته عن المفسدات، بل لوجود المصحح، والعكس ليس شرطا في العلل، فلا يؤثر.\rوهذه الحجة ضعيفة، فإنه وإن سلم أن كل واحد من الامرين على انفراده لا دلالة له على العلية، فلا يلزم منه عدم التأثير بتقدير الاجتماع، ودليله إجزاء العلة، فإن كل واحد منها لا يستقل بإثبات الحكم، ولم يلزم من ذلك عدم استقلال المجموع.\rالحجة الثانية لبعض أصحابنا: قال إن الصور التي دار الحكم فيها مع الوصف وجودا وعدما لا بد أن تكون متمايزة بصفات خاصة بها، وإلا كانت متحدة لا متعددة.\rوعند ذلك، فللخصم أن يأخذ الوصف الخاص بكل صورة من صور الطرد والعكس في العلة في تلك الصورة، ويجعل العلة في كل صورة مجموع الوصفين وهما الوصف المشترك والوصف الخاص بها وهي من النمط الاول، إذ لقائل أن يقول: الترجيح للتعليل بالوصف المشترك لكونه مطردا في جميع مجاري الحكم، فيكون أغلب على الظن، بخلاف التعليل بالمركب من الوصف الخاص والمشترك.","part":3,"page":299},{"id":936,"text":"فإن قيل: بل التعليل بالمركب أولى لما فيه من تعدد مدارك الحكم، فإنه أولى من اتحاده لكونه أقرب إلى تحصيل مقصود الشارع من الحكم، فهو مقابل بأن التعليل بالوصف المشترك يكون منعكسا بخلاف التعليل بالمركب من الوصفين في كل صورة، ولا يخفى أن التعليل بالمطرد المنعكس، أولى من التعليل بالمطرد الذي لا ينعكس، للاتفاق عليه، ولان التعليل بالوصف المشترك يكون متعديا، بخلاف التعليل بالمركب من الوصفين في كل صورة، فإنه يكون قاصرا، والتعليل بالمتعدية أولى للاتفاق عليها والاختلاف في القاصرة.\rوالحق في ذلك أن يقال: مجرد الدوران لا يدل على التعليل بالوصف لوجهين: الاول: أنه يجوز أن يكون الوصف وصفا ملازما للعلة، وليس هو العلة،\rوذلك كالرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة، ولا سبيل إلى دفع ذلك إلا بالتعرض لانتفاء وصف غيره بدلالة البحث والسبر، أو بأن الاصل عدمه.\rويلزم من ذلك الانتقال من طريقة الدوران إلى طريقة السبر والتقسيم، وهو كاف في الاستدلال على العلية.\rالثاني: أن الدوران قد وجد فيما لا دلالة له على العلية، كدوران أحد المتلازمين المتعاكسين، كالمتضايفين، وليس أحدهما علة للآخر، وكذلك فإن الدوران كما وجد في جانب الحكم مع الوصف، فقد وجد في جانب الوصف مع الحكم، وليس الحكم علة للوصف.\rفإن قيل: نحن لا ندعي أن مطلق الدوران دليل على علية الوصف ليلزم ما قيل، بل بقيود ثلاثة وهي أن يكون حدوث ذلك الاثر مرتبا على وجود ذلك الوصف ترتبا عقليا، بحيث يصدق قول القائل: وجد هذا الشئ فحدث ذلك الاثر.\rوأن لا يقطع بخروج هذا الوصف عن أن يكون علة وموجبا لحدوث ذلك الاثر.\rوأن لا يقطع بوجود علة أخرى لهذا الحكم سوى هذا الوصف.\rومهما وجد الدوران على هذه القيود كان دليلا على العلية.\rوذلك كما إذا دعي الانسان باسم فغضب منه، وإذا لم يدع به لم يغضب، ورأينا ذلك منه مرارا، مرة بعد مرة، وجودا وعدما، فإنه يغلب على الظن أن ذلك الاسم هو سبب الغضب، حتى إن الصبيان يعلمون ذلك منه، ويتبعونه في الدروب، داعين له بذلك الاسم المغضب له،","part":3,"page":300},{"id":937,"text":"والدوران بهذه القيود متحقق في السكر مع التحريم، فكان دليلا على كونه علة وخرج عليه ما ذكر من الرائحة الفائحة، حيث قطعنا أنها ليست علة، وكذلك الحكم في كل واحد من المتضايفين بالنسبة إلى الآخر، ولانه يمتنع ترتيب كل واحد على الآخر في الوجود بالتفسير المذكور، وكذلك الكلام في نسبة الحكم إلى الوصف.\rوخرج عليه أيضا ما إذا ظهر ثم علة مغايرة للمدار.\rقلنا: إذا كان من جملة قيود صحة دلالة الدوران ان يكون حدوث ذلك الامر مرتبا على وجود ذلك الوصف بالتفسير المذكور، فاما ان يراد به أن وجود الحكم يتعقب وجود الوصف أو أنه امارة عليه أو باعث عليه، أو معنى آخر والاول ممتنع إذ الكلام انما هو في شرعية الحكم ولا يخفى ان شرعيته تكون سابقة في الوجود على وجود سببها والثاني أيضا ممتنع إذ الكلام انما هو في العلة المستنبطة من حكم الاصل وهي فلا تكون الا بمعنى الباعث على ما سبق تقريره، وعند ذلك فاما ان يظهر فيه معنى يقتضي كونه باعثا على الحكم من مناسبة أو شبه أو لا يظهر ذلك، فان كان الاول فلا يكون باعثا، وان كان الثاني فالمناسبة مع قرآن الحكم بها كاف في التعليل ولا حاجة إلى الدوران، وان كان بمعنى آخر فلا بد من تصويره والدلالة عليه، وقد ترد عليه أسئلة قلنا: ما ذكروه من دوران غضب الانسان مع دعائه ببعض الاسماء بالقيود المذكورة، لا نسلم غلبة الظن بكون ذلك الاسم علة، بل به أو بملازمه، وإنما يظهر كونه علة مع ظهور انتفاء الملازم.\rوالطريق في ذلك إنما هو التمسك بالعدم الاصلي أو بعدم الاطلاع عليه بعد البحث والسبر والتقسيم، ويلزم منه الانتقال من طريقة الدوران إلى طريقة السبر والتقسيم، وهي كافية في التعليل.\rوقد ترد عليه أسئلة أخرى مشهورة الجواب، آثرنا الاعراض عن ذكرها، اكتفاء في إبطال الدوران بما ذكرناه، فإنه في غاية القوة والدقة.\rوإذا عرف أن الطرد والعكس لا يصلح دليلا على العلية، فالاطراد بانفراده أولى أن لا يكون دليلا، نظرا إلى أن الاطراد عبارة عن السلامة عن النقض المفسد، والسلامة عن مفسد واحد غير موجبة للتصحيح.","part":3,"page":301},{"id":938,"text":"(خاتمة) في أنواع النظر والاجتهاد في مناط الحكم، وهو العلة (1).\rولما كانت العلة متعلق الحكم ومناطه، فالنظر والاجتهاد فيه إما في تحقيق المناط أو تنقيحه أو تخريجه، أما تحقيق المناط فهو النظر في معرفة وجود العلة في آحاد الصور، بعد معرفتها في نفسها (2)، وسواء كانت معروفة بنص أو إجماع أو استنباط، أما إذا كانت معروفة بالنص، فكما في جهة القبلة فإنها مناط وجوب استقبالها، وهي معروفة بإيماء النص، وهو قوله تعالى: * (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) * (البقرة: 144).\rوكون هذه الجهة هي جهة القبلة في حالة الاشتباه، فمظنون بالاجتهاد والنظر في الامارات.\rوأما إذا كانت معلومة بالاجماع فكالعدالة، فإنها مناط وجوب قبول الشهادة، وهي معلومة بالاجماع، وأما كون هذا الشخص عدلا فمظنون بالاجتهاد.\rوأما إذا كانت مظنونة بالاستنباط، فكالشدة المطربة، فإنها مناط تحريم الشرب في الخمر (3)، فالنظر في معرفتها في النبيذ هو تحقيق المناط، ولا نعرف خلافا في صحة الاحتجاج بتحقيق المناط إذا كانت العلة فيه معلومة بنص أو إجماع (4)، وإنما الخلاف فيه فيما إذا كان مدرك معرفتها الاستنباط.\r__________\r1 - مناط الحكم متعلقة كما يكون علة منصوصة أو مستنبطة يكون قاعدة كلية منصوصة، أو مجمعا عليها، فتفسير المناط بالعلة تفسير له ببعض انواعه.\r2 - تحقيق المناط قد يكون بتطبيق القاعدة الكلية المنصوصة أو المجمع عليها في آحاد الصور، وقد يكون بالنظر في معرفة وجود العلة في آحاد الصور فتعريف الآمدي له بما ذكر تعريف بالاخص.\r3 - مناط تحريم الخمر منصوص لا مستنبط لقوله تعالى (يا ايها الذين آمنوا انما الخمر والميسر) إلى قوله (فهل انتم منتهون) وقوله (ص) \" كل مسكر خمر وكل مسكر حرام \" رواه الجماعة الا البخاري، وفي رواية مسلم (كل مسكر خمر وكل خمر حرام)\r4 - وكذا لا خلاف في تحقيق القاعدة الكلية الثابتة بنص أو اجماع.\r(*)","part":3,"page":302},{"id":939,"text":"وأما تنقيح المناط فهو النظر والاجتهاد في تعيين ما دل النص على كونه علة، من غير تعيين بحذف ما لا مدخل له في الاعتبار مما اقترن به من الاوصاف، كل واحد بطريقة (1)، كما علم فيما تقدم، مما ذكرناه من التعليل بالوقاع في قصة الاعرابي، فإنه وإن كان مومى إليه بالنص، غير أنه يفتقر في معرفته عينا إلى حذف كل ما اقترن به من الاوصاف عن درجة الاعتبار بالرأي والاجتهاد، وذلك بأن يبين أن كونه أعرابيا، وكونه شخصا معينا، وأن كون ذلك الزمان وذلك الشهر بخصوصه، وذلك اليوم بعينه، وكون الموطوءة زوجة وامرأة معينة، لا مدخل له في التأثير، بما يساعد من الادلة في ذلك حتى يتعدى إلى كل من وطئ في نهار رمضان عامدا، وهو مكلف صائم.\rوهذا النوع، وإن أقر به أكثر منكري القياس، فهو دون الاول.\rوأما تخريج المناط فهو النظر والاجتهاد في إثبات علة الحكم الذي دل النص أو الاجماع عليه دون عليته.\rوذلك كالاجتهاد في إثبات كون الشدة المطربة علة لتحريم شرب الخمر، وكون القتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص في المحدد (2)، وكون الطعم علة ربا الفضل في البر ونحوه، حتى يقاس عليه كل ما ساواه في علته، وهذا في الرتبة دون النوعين الاولين، ولذلك أنكره أهل الظاهر والشيعة وطائفة من المعتزلة البغداديين.\r__________\r1 - بطريقة - الصواب بطريقه الهاء، فانه ليس بلازم ان يكون الغاء كل وصف بطريقة خاصة، بل قد تجتمع اوصاف في الحذف بطريق واحد من الطرق التي سبق ذكرها في السبر والتقسيم.\r2 - تحريم الخمر منصوص العلة كما تقدم وكذا وجوب القصاص لقوله تعالى (ومن","part":3,"page":303},{"id":940,"text":"وأما تنقيح المناط فهو النظر والاجتهاد في تعيين ما دل النص على كونه علة، من غير تعيين بحذف ما لا مدخل له في الاعتبار مما اقترن به من الاوصاف، كل واحد بطريقة (1)، كما علم فيما تقدم، مما ذكرناه من التعليل بالوقاع في قصة الاعرابي، فإنه وإن كان مومى إليه بالنص، غير أنه يفتقر في معرفته عينا إلى حذف كل ما اقترن به من الاوصاف عن درجة الاعتبار بالرأي والاجتهاد، وذلك بأن يبين أن كونه أعرابيا، وكونه شخصا معينا، وأن كون ذلك الزمان وذلك الشهر بخصوصه، وذلك اليوم بعينه، وكون الموطوءة زوجة وامرأة معينة، لا مدخل له في التأثير، بما يساعد من الادلة في ذلك حتى يتعدى إلى كل من وطئ في نهار رمضان عامدا، وهو مكلف صائم.\rوهذا النوع، وإن أقر به أكثر منكري القياس، فهو دون الاول.\rوأما تخريج المناط فهو النظر والاجتهاد في إثبات علة الحكم الذي دل النص أو الاجماع عليه دون عليته.\rوذلك كالاجتهاد في إثبات كون الشدة المطربة علة لتحريم شرب الخمر، وكون القتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص في المحدد (2)، وكون الطعم علة ربا الفضل في البر ونحوه، حتى يقاس عليه كل ما ساواه في علته، وهذا في الرتبة دون النوعين الاولين، ولذلك أنكره أهل الظاهر والشيعة وطائفة من المعتزلة البغداديين.\r__________\r1 - بطريقة - الصواب بطريقه الهاء، فانه ليس بلازم ان يكون الغاء كل وصف بطريقة خاصة، بل قد تجتمع اوصاف في الحذف بطريق واحد من الطرق التي سبق ذكرها في السبر والتقسيم.\r2 - تحريم الخمر منصوص العلة كما تقدم وكذا وجوب القصاص لقوله تعالى (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) وللاحاديث الكثيرة في ذلك ولكن بطريق الايماء.\r(*)","part":3,"page":303},{"id":941,"text":"الاحكام - الآمدي ج 4\rالاحكام\rالآمدي ج 4","part":4,"page":0},{"id":942,"text":"الاخكام في اصول الاحكام تأليف الامام العلامة علي بن محمد الآمدي علق عليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الرابع","part":4,"page":1},{"id":943,"text":"طبع باذن فضيلة الشيخ المحقق الطبعة الاولى 1387 ه الرياض","part":4,"page":2},{"id":944,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم الباب الثالث في أقسام القياس وأنواعه وهي خمس قسم: القسمة الاولى: القياس ينقسم إلى ما المعنى الجامع فيه باقتضاء الحكم في الفرع أولى منه في الاصل، وإلى ما هو مساو، وإلى ما هو أدنى فالاول، كتحريم ضرب الوالدين بالنسبة إلى تحريم التأفيف لهما وما في معناه، وسواء كان قطعيا أو ظنيا، كما سبق تقريره في مسائل المفهوم.\rوإن كان الثاني فكما في إلحاق الامة بالعبد في تقويم نصيب الشريك على المعتق، وكما في إلحاق نجاسة الماء بصب البول فيه من كوز، بنجاسته بالبول فيه ونحوه.\rوإن كان الثالث، فكما في إلحاق النبيذ بالخمر في تحريم الشرب وإيجاب الحد ونحوه.\rغير أن هذا النوع الثالث متفق على كونه قياسا، ومختلف في النوعين الاولين كما سبق.\rالقسمة الثانية: القياس ينقسم إلى جلي وخفي فالجلي: ما كانت العلة فيه منصوصة، أو غير منصوصة، غير أن الفارق بين الاصل والفرع مقطوع بنفي تأثيره.\rفالاول كإلحاق تحريم ضرب الوالدين بتحريم التأفيف لهما، بعلة كف الاذى عنهما.\rوالثاني كإلحاق الامة بالعبد في تقويم النصيب حيث عرفنا أنه لا فارق بينهما سوى الذكورة في الاصل والانوثة في الفرع وعلمنا عدم التفات الشارع إلى ذلك في أحكام العتق خاصة.\rوأما الخفي: فما كانت العلة فيه مستنبطة من حكم الاصل، كقياس القتل بالمثقل على المحدد ونحوه.\rالقسمة الثالثة: القياس ينقسم إلى مؤثر وملائم.\rأما المؤثر فإنه يطلق باعتبارين: الاول ما كانت العلة الجامعة فيه منصوصة بالصريح أو الايماء أو مجمعا عليها.\rوالثاني ما أثر عين الوصف الجامع في عين الحكم، أو عينه في جنس الحكم، أو جنسه، في عين الحكم.","part":4,"page":3},{"id":945,"text":"وأما الملائم: فما أثر جنسه في جنس الحكم كما سبق تحقيقه.\rومن الناس من جعل المؤثر من هذه الاقسام ما أثر عينه في عين الحكم لا غير، والملائم ما بعده من الاقسام.\rالقسمة الرابعة: القياس ينقسم إلى قياس علة، ودلالة، والقياس في معنى الاصل وذلك لانه لا يخلو إما أن يكون الوصف الجامع بين الاصل والفرع، قد صرح به أو لم يصرح به، فإن صرح به فلا يخلو إما أن يكون هو العلة الباعثة على الحكم في الاصل، أو لا يكون هو العلة، بل هو دليل عليها.\rفإن كان الاول فيسمى قياس العلة، وذلك كالجمع بين النبيذ والخمر في تحريم الشرب بواسطة الشدة المطربة، ونحوه.\rوإنما سمي قياس العلة للتصريح فيه بالعلة.\rوإن كان الثاني فيسمى قياس الدلالة، وذلك كالجمع بين النبيذ والخمر بالرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة، أو الجمع بين الاصل والفرع بأحد موجبي العلة في الاصل استدلالا به على الموجب الآخر، كما في الجمع بين قطع الجماعة ليد الواحد، وقتل الجماعة للواحد، في وجوب القصاص بواسطة الاشتراك في وجوب الدية عليهم بتقدير إيجابها.\rوأما إن كان الوصف الجامع لم يصرح به في القياس، كما في إلحاق الامة بالعبد في تقويم نصيب الشريك على المعتق بواسطة نفي الفارق بينهما، فيسمى القياس في معنى الاصل.\rالقسمة الخامسة: القياس لا يخلو إما أن يكون طريق إثبات العلة المستنبطة فيه، المناسبة، أو الشبه، أو السبر والتقسيم، أو الطرد والعكس، كما سبق تحقيقه.\rفإن كان الاول، فيسمى قياس الاحالة.\rوإن كان الثاني، فيسمى قياس الشبه.\rوإن كان الثالث، فيسمى قياس السبر.\rوإن كان الرابع، فيسمى قياس الاطراد.","part":4,"page":4},{"id":946,"text":"الباب الرابع في مواقع الخلاف في القياس وإثباته على منكريه وفيه ست مسائل.\rالمسألة الاولى يجوز التعبد بالقياس في الشرعيات عقلا.\rوبه قال السلف من الصحابة والتابعين، والشافعي وأبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل وأكثر الفقهاء والمتكلمين، وقالت الشيعة والنظام وجماعة من معتزلة بغداد، كيحيى الاسكافي وجعفر بن مبشر\rوجعفر بن حرب بإحالة ورود التعبد به عقلا، وإن اختلفوا في مأخذ الاحالة العقلية كما سنبينه.\rوقال القفال من أصحاب الشافعي وأبو الحسين البصري: بأن العقل موجب لورود التعبد بالقياس.","part":4,"page":5},{"id":947,"text":"والمختار إنما هو الجواز، ويدل على ذلك الاجمال والتفصيل: أما الاجمال: فهو أنه لا خلاف بين العقلاء أنه يحسن من الشارع أن ينص ويقول: لا يقضي القاضي وهو غضبان، لان الغضب مم يوجب اضطراب رأيه وفهمه، فقيسوا على الغضب ما كان في معناه، كالجوع والعطش والاعياء المفرط، وأن يقول: حرمت عليكم شرب الخمر، ومهما غلب على ظنونكم أن علة التحريم الشدة المطربة الصادة عن ذكر الله المفضية إلى وقوع الفتن والعدواة والبغضاء لتغطيتها على العقل، فقيسوا عليها كل ما في معناه من النبيذ وغيره، ولو كان ذلك ممتنعا عقلا لما حسن ورود الشرع بذلك.\rوأما من جهة التفصيل: فمن وجهين الاول: هو أن العاقل إذا صح نظره واستدلاله، أدرك بالامارات الحاضرة المدلولات الغائبة، وذلك كمن رأى جدارا مائلا منشقا، فإنه يحكم بهبوطه، أو رأى غيما رطبا وهواء باردا، حكم بنزول المطر، أو رأى إنسانا خارجا من بيت فيه قتيل، وبيده سكين مخضبة بالدم، حكم بكونه قاتلا، فإذا رأى الشارع قد أثبت حكما في صورة من الصور، ورأى ثم معنى يصلح أن يكون داعيا إلى إثبات ذلك الحكم، ولم يظهر له ما يبطله بعد البحث التام، والسبر الكامل، فإنه يغلب على ظنه أن الحكم ثبت له، وإذا وجد ذلك الوصف في صورة أخرى غير الصورة المنصوص عليها، ولم يظهر له أيضا ما يعارضه، فإنه يغلب على ظنه ثبوت الحكم\rبه في حقنا، وقد علمنا أن مخالفة حكم الله تعالى سبب للعقاب، فالعقل يرجح فعل ما ظن فيه المصلحة ودفع المضرة على تركه، ولا معنى للجواز العقلي سوى ذلك.\rالثاني: أن التعبد بالقياس فيه مصلحة لا تحصل دونه، وهي ثواب المجتهد على اجتهاده وإعمال فكره وبحثه في استخراج علة الحكم المنصوص عليه لتعديته إلى محل آخر، على ما قال، عليه السلام: ثوابك على قدر نصبك وما كان طريقا إلى تحصيل مصلحة المكلف، فالعقل لا يحيله بل يجوزه.","part":4,"page":6},{"id":948,"text":"فإن قيل: ما ذكرتموه من جواز التعبد بالقياس بناء على ظن حصول المصلحة ودفع المضرة، إنما يحسن إذا لم يكن الوصول إلى ذلك بطريق يقيني، وأما إذا أمكن فلا، وذلك لانه مهما أمكن الوصول إلى المطلوب بطريق يؤمن فيه من الخطأ، فالعقل يمنع من سلوك طريق لا يؤمن فيه الخطأ، فما لم تثبتوا أنه لم يوجد دليل شرعي قاطع يدل على ذلك من كتاب أو سنة أو إجماع أمة، فاتباع الظن يكون ممتنعا عقلا.\rسلمنا أنه لم يوجد دليل قطعي على ذلك، لكن إنما يسوغ العقل التمسك بالظن إذا لم يوجد دليل ظني راجع على ظن القياس مفض إلى حكم القياس، وإلا كان العمل بما الخطأ فيه أقرب مما ترك وهو ممتنع عقلا.\rسلمنا دلالة ما ذكرتموه على تجويز العقل لذلك، غير أنه منقوض ومعارض.\rأما النقض فبصور: منها أن قول الشاهد الواحد، بل العبيد والنساء المتمحضات، في الحقوق المالية والدماء والفروج، بل الفساق، مغلب على ظن القاضي الصدق، ومع ذلك لا يجوز له العمل به، ومنها أن مدعى النبوة، إذا غلب على الظن صدقه من غير دلالة المعجزة عليه لا يجوز اتباعه والعمل بقوله، ومنها أن المصالح المرسلة وإن غلبت على الظن لا يجوز العمل بها،\rومنها أنه لو اشتبهت رضيعة بعشر أجنبيات، أو ميتة بعشر مذكيات، لم يجز مد اليد إلى واحدة منها، وإن وجدت علامات مغلبة على الظن.\rوأما المعارضة فمن خمسة وعشرين وجها: الاول: قال النظام إن العقل يقتضي التسوية بين المتماثلات في أحكامها، والاختلاف بين المختلفات في أحكامها، والشارع قد رأيناه فرق بين المتماثلات، وجمع بين المختلفات، وهو على خلاف قضية العقل، وذلك يدل على أن القياس الشرعي غير وارد على مذاق العقل، فلا يكون العقل مجوزا له.","part":4,"page":7},{"id":949,"text":"أما تفرقته بين المتماثلات، فإنه فرض الغسل من المني، وأبطل الصوم بإنزاله عمدا دون البول والمذي، وأوجب غسل الثوب من بول الصبية، والرش عليه من بول الغلام، ونقص من عدد الرباعية في حق المسافر الشطر دون الثنائية، وأوجب الصوم على الحائض دون الصلاة، مع أن الصلاة أولى بالمحافظة عليها، وحرم النظر إلى العجوز القبيحة المنظر، وأباحه في حق الامة الحسناء، وقطع سارق القليل، دون غاصب الكثير، وأوجب الجلد بالقذف بالزنى دون القذف بالكفر، وقبل في القتل شاهدين دون الزنى، وجلد قاذف الحر الفاسق دون العبد العفيف، وفرق في العدة بين الموت والطلاق مع استواء حال الرحم فيهما، وجعل استبراء الرحم بحيضة واحدة في حق الامة، والحرة المطلقة بثلاث حيضات، وأوجب تطهير غير الموضع الذي خرجت منه الريح، مع أن القياس كان مقتضيا للتسوية في جميع هذه الصور بل ربما كان بعض الصور التي لم يثبت فيها الحكم أولى به مما ثبت فيها.\rوأما تسويته بين المختلفات فإنه سوى بين قتل الصيد عمدا وخطأ في إيجاب الضمان، وسوى في إيجاب القتل بين الردة والزنى، وسوى في إيجاب الكفارة بين قتل النفس والوطئ في رمضان والظهار، مع الاختلاف، وذلك مما يبطل الاعتبار\rبالامثال ويوجب امتناع العمل بالقياس.\rالثاني: قالت الشيعة: إن القول بالتعبد بالقياس يفضي إلى الاختلاف، وذلك عند ما إذا ظهر لكل واحد من المجتهدين قياس مقتضاه نقيض حكم الآخر، والاختلاف ليس من الدين لقوله تعالى: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * (النساء: 82) وقوله تعالى: * (وأن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) * (الشورى: 13) وقوله * (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) * (الانفال: 46) وقوله: * (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا) * (الانعام: 159) وقوله تعالى: * (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) * (آل عمران: 105) ذكر ذلك في معرض الذم، ولا ذم على ما يكون من الدين، وقد ذم الصحابة الاختلاف حتى قال عمر لا تختلفوا، فإنكم إن اختلفتم، كان من بعدكم أشد اختلافا","part":4,"page":8},{"id":950,"text":"وأنه لما سمع ابن مسعود وأبي بن كعب يختلفان في صلاة الرجل في الثوب الواحد أو الثوبين، صعد المنبر وقال: رجلان من أصحاب رسول الله (ص)، اختلفا، فعن أي فتياكم يصدر المسلمون ؟ لا أسمع اثنين يختلفان بعد مقامي هذا إلا فعلت وصنعت وقال جرير بن كليب: رأيت عمر ينهى عن المتعة وعليا يأمر بها، فقلت إن بينكما لشرا.\rوكتب علي إلى قضاته أيام خلافته أن اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الخلاف وأرجو أن أموت كما مات أصحابي.\rالثالث: أنه إذا اختلفت الاقيسة في نظر المجتهدين، فإما أن يقال بأن كل مجتهد مصيب، فيلزم منه أن يكون الشئ ونقيضه حقا، وهو محال، وإما أن يقال\rبأن المصيب واحد، وهو أيضا محال فإنه ليس تصويب أحد الظنين، مع استوائهما، دون الآخر أولى من العكس.\rالرابع: قال النبي (ص): أوتيت جوامع الكلم واختصرت لي الحكمة اختصارا فلو كان التنصيص منه على الاشياء الستة الربوية قصدا لقياس ما عداها من المطعومات عليها، مع أنه كان قادرا على ما هو أصرح منه، وللخلاف والجهل أدفع، وهو أن يقول: حرمت الربا في كل مطعوم لكان عدولا منه عن الظاهر المفهوم، إلى الخفي الموهوم، وهو غير لائق بفصاحته وحكمته، وهو خلاف نصه.","part":4,"page":9},{"id":951,"text":"الخامس: أن الحكم في أصل القياس، إن كان ثابتا بالنص امتنع إثباته في الفرع، لعدم وجود النص في الفرع وامتناع ثبوته فيه بغير طريق حكم الاصل، وإلا لما كان تابعا للاصل ولا فرعا له وإن كان ثابتا بالعلة فهو ممتنع لوجهين: الاول أن الحكم في الاصل مقطوع، والعلة مظنونة، والمقطوع به لا يثبت بالمظنون.\rالثاني أن العلة في الاصل ستنبطة من حكم الاصل، ومتفرعة عليه، والمتفرع على الشئ لا يكون مثبتا لذلك الشئ، وإلا كان دورا ممتنعا.\rالسادس: أنه لو كانت العلة منصوصة، كما لو قال: حرمت الربا في البر لكونه مطعوما فإنه لا يقتضي التحريم في غير البر فالمستنبطة أولى بعدم التعدية، وبيان أن المنصوصة لا تقتضي التحريم في غير محل النص، قصور دلالة اللفظ عن ذلك، ولهذا فإنه لو قال: أعتقت كل عبد لي أسود عتق كل السودان من عبيده، ولو قال: أعتقت عبدي سالما لسواده، أو لسوء خلقه فإنه لا يعتق غانم، وإن كان أشد سوادا من سالم، وأسوأ خلقا.\rالسابع: أن حكم القياس إما أن يكون موافقا للبراءة الاصلية، أو مخالفا لها:","part":4,"page":10},{"id":952,"text":"فإن كان الاول، لم يكن القياس مفيدا، لانه لو قدر عدمه كان مقتضاه متحققا بالبراءة الاصلية، وإن كان الثاني فهو ممتنع، لان البراءة الاصلية متيقنة، والقياس مظنون، واليقين تمتنع مخالفته بالظن.\rالثامن: أنه لو جاز التعبد بالقياس عقلا في الفروع لظن المصلحة، لجاز مثل ذلك في أصول الاقيسة، وهو محال لما فيه من التسلسل.\rالتاسع: أن الشرعيات مصالح، فلو جاز إثباتها بالقياس، لجاز أن يتعبد بالاخبار عن كون زيد في الدار عند غلبة الظن بكونه فيها بالامارات، وهو ممتنع.\rالعاشر: أن الرجم بالظن جهل، ولا صلاح للخلق في إقحامهم ورطة الجهل، حتى يتخبطوا فيه، ويحكموا بما يجوز أن يكون مخالفا لحكم الله تعالى.\rالحادي عشر: أنه لا يستقيم قياس إلا بعلة، والعلة ما توجب الحكم بذاتها، وعلل الشرع ليس كذلك، فلا قياس.\rالثاني عشر: أن حكم الله تعالى خبره، وذلك إنما يعرف بالتوقيف، لا بالقياس، لان القياس من فعلنا، لا من توقيف الشارع.\rالثالث عشر: أن جلي الاحكام الشرعية لا يعرف إلا بالنصوص، فكذلك خفيها، كالمدركات، فإن جليها وخفيها لا يدرك بغير الحس.\rالرابع عشر: أنه لو كان للشرعيات علل لاستحال انفكاكها عن أحكامها، كما في العلل العقلية، فإنه يستحيل انفكاك الحركة القائمة بالجسم عن كونه متحركا","part":4,"page":11},{"id":953,"text":"لما كانت الحركة علة لكونه متحركا، وذلك يوجب ثبوت الاحكام الشرعية قبل\rورود الشرع لتقدم العلل عليها، وهو محال.\rالخامس عشر: أنه لو كان القياس صحيحا لكان حجة مع النص وذلك ممتنع بالاجماع.\rالسادس عشر: أن نظر القائس لا بد وأن يقع في منظور فيه، والمنظور فيه ليس سوى النص والحكم، وهو الواجب والحرام مثلا، وليس المنظور فيه هو النص، إذ هو غير متناول للفرع والحكم، فهو فعل المكلف.\rويلزم من ذلك أنه إذا لم يوجد فعل المكلف أن لا يصح القياس: ويلزم من فساد الامرين فساد القياس الشرعي.\rالسابع عشر: أنه لو جاز التعبد بتحريم شئ أو وجوبه عند ظننا أنه مشابه لاصل محرم أو واجب بناء على أمارة، لجاز أن يتعبد بذلك عند ظننا المشابهة من غير أمارة، وهو محال.\rالثامن عشر: أنه لو جاز التعبد بالقياس الشرعي، لكان على عليته دلالة، والدلالة عليها إما النص، والعلة المستنبطة التي فيها الخلاف غير منصوصة، وإما العادات، والعادات تكون مثبتة للاحكام الشرعية، فلا تكون مثبتة لاماراتها.\rالتاسع عشر: لو كانت المعاني المشروعة من الاصول أدلة على ثبوب الاحكام في الفروع، لم يقف كونها أدلة على شئ سواها، كما في النصوص، والاتفاق واقع على احتياج المستنبطة إلى دليل، والمحتاج إلى الدليل لا يكون دليلا كما في الاحكام.\rالعشرون: أنه إذا غلب على الظن تحريم ربا الفضل في البر، إما لكونه مطعوم جنس أو مكيل جنس أو قوتا أو مالا، فلا بد من رعاية المصلحة في ذلك، وأي مصلحة في تحريم بيع ما هذه صفته.","part":4,"page":12},{"id":954,"text":"الحادي والعشرون: أنه لو صح معرفة الحكم الشرعي، مع كونه غيبيا بالقياس، لصح معرفة الامور الغيبية بالقياس، وهو محال.\rالثاني والعشرون: أن القياس فعل القائس، وذلك مما لا يجوز أن يتوصل به إلى معرفة المصالح.\rالثالث والعشرون: أن القياس لا بد فيه من علة مستنبطة من حكم الاصل، والحكم في الاصل جاز أن يكون معللا، وجاز أن لا يكون معللا: وبتقدير كونه معللا، يحتمل أن يكون الحكم ثابتا بغير ما استنبط، وبتقدير أن يكون ثابتا بما استنبط، يحتمل أن لا يكون متحققا في الفرع إذا كان وجوده فيه ظنيا.\rوما هذا شأنه لا يصلح للدلالة.\rالرابع والعشرون: أنه لو جاز التعبد بالقياس لافضى ذلك إلى تقابل الادلة وتكافئها، وأن يكون الرب تعالى موجبا للشئ ومحرما له، وهو محال على الله تعالى.\rوبيان ذلك أنه قد يتردد الفرع بين أصلين حكم أحدهما الحل، والآخر الحرمة.\rفإذا ظهر في نظر المجتهد شبه الفرع بكل واحد منهما، لزم الحكم بالحل والحرمة في شئ واحد، وذلك محال.\rالخامس والعشرون: أن القياس لا بد فيه من علة جامعة، والعلل الشرعية لا بد وأن تكون على وزان العلل العقلية، والعلة الشرعية يجوز عند القائلين بالقياس أن تكون ذات أوصاف، والعلة العقلية ليست كذلك، فإنها تستقل بحكمها كاستقلال الحركة بكون المحل الذي قامت به متحركا، واستقلال السواد بكون محله أسود، ونحوه.\rوأما من زعم أن العقل موجب للتعبد بالقياس الشرعي، فقد احتج بثلاث شبه: الاولى: أن الانبياء، عليهم السلام، مأمورون بتعميم الحكم في كل صورة، والصور لا نهاية لها، فلا تمكن إحاطة النصوص بها، فاقتضى العقل وجوب التعبد بالقياس.\rالثانية: أنه إذا غلب على الظن أن المصلحة في إثبات الحكم بالقياس، وأنه أنفى\rللضرر، فيجب اتباعه عقلا، تحصيلا للمصلحة ودفعا للمضرة، كما يجب القيام من تحت حائط ظن سقوطه لفرط ميله، وإن جاز أن تكون السلامة في القعود والهلاك في النهوض.","part":4,"page":13},{"id":955,"text":"الثالثة: أن العلل الشرعية ومناسبتها للاحكام مدركة بالعقل، فكان العقل موجبا لورود التعبد بها، كما توجب أحكام العلل العقلية.\rوالجواب: عن السؤال الاول أنه، إذا سلم أن القياس مغلب على الظن وجود المصلحة، فهو بيان، وهو وإن كان البيان فيه مرجوحا بالنسبة إلى البيان القاطع، فليس ذلك مما يمنع من التعبد به مع عدم الظفر بالبيان القاطع، وإن كان ممكن الوجود، وإلا لما جاز التعبد بالنصوص الظنية، وأخبار الآحاد مع إمكان أن يخلق الله تعالى لنا العلم الضروري بالاحكام، وإمكان وجود النصوص القاطعة الجلية.\rوعلى هذا، يخرج الجواب عن السؤال الثاني أيضا.\rوعن النقض بما ذكروه من الصور أن العقل يجوز ورود التعبد بكل ما هو مغلب عن الظن، غير أنه لما ورد التعبد من الشارع بامتناع العمل به، كان ذلك لمانع الشرع لا لعدم الجواز العقلي.\rوعن المعارضة الاولى: أن كل ما ظن فيه الجامع بين الاصل والفرع، وظهرت صلاحيته للتعليل، فالعقل لا يمنع من ورود التعبد من الشارع فيه بالالحاق، وحيث فرق الشارع في الصور المذكورة، فلم يكن ذلك لاستحالة ورود التعبد بالقياس، بل إنما كان ذلك إما لعدم صلاحية ما وقع جامعا، أو لمعارض له في الاصل، أو في الفرع، وحيث جمع بين مختلفات الصفات فإنما كان لاشتراكها في معنى جامع صالح للتعليل، أو لاختصاص كل صورة بعلة صالحة للتعليل، فإنه لا مانع، عند اختلاف الصورة، وإن اتحد نوع الحكم، أن تعلل بعلل مختلفة لا أن الحكم ثبت\rفي الكل بالقياس.\rوعلى هذا نقول: ما لم يظهر تعليله وصحة القياس عليه إما لعدم صلاحية الجامع، أو لتحقق الفارق، أو لظهور دليل التعبد، فلا قياس فيه أصلا، وإنما القياس فيما ظهر كون الحكم في الاصل معللا فيه، وظهر الاشتراك في العلة وانتفى الفارق.\rوعن الثانية: أن ذلك وإن أفضى إلى الاختلاف بين المجتهدين، فإن ذلك غير محذور مطلقا، فإن جميع الشرائع والملل كلها من عند الله، وهي مختلفة، ولا محذور فيها، وإلا لما كانت مشروعة من عند الله،","part":4,"page":14},{"id":956,"text":"كيف وإن الامة الاسلامية معصومة عن الخطإ، على ما عرف.\rفلو كان الاختلاف مذموما ومحذورا على الاطلاق، لكانت الصحابة مع اشتهار اختلافهم وتباين أقوالهم في المسائل الفقهية، مخطئة، بل الامة قاطبة، وذلك ممتنع.\rوعلى هذا، فيجب حمل ما ورد من ذم الاختلاف والنهي عنه، على الاختلاف في التوحيد والايمان بالله ورسوله والقيام بنصرته، وفيما المطلوب فيه القطع دون الظن، والاختلاف بعد الوفاق، واختلاف العامة ومن ليس له أهلية النظر والاجتهاد، وبالجملة كل ما لا يجوز فيه الاختلاف جمعا بين الادلة بأقصى الامكان وقوله تعالى: * (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) * (النساء: 82) إنما المراد به نفي التناقض والاضطراب والاختلاف المناقض للبلاغة عن القرآن، لا نفي الاختلاف في الاحكام الشرعية.\rوأما إنكار عمر على ابن مسعود وأبي بن كعب، فيجب أيضا حمله على اختلافهما فيما سبق فيه الاجماع، أو على اختلافهما بالنظر إلى مستفت واحد حذرا من تحيره.\rوأما قول جرير لعلي وعمر عند اختلافهما في مسألة المتعة، فيجب حمله على ما ظنه من إفضاء ذلك إلى فتنة وثوران أمر.\rوأما ما كتبه علي إلى قضاته، فيجب حمله أيضا على خوفه من انفتاق فتق بسبب نسبته إلى تعصب لمخالفة من سبق.\rوعن الثالثة: باختيار تصويب كل مجتهد بناء على أن الحكم عند الله تعالى في حق كل واحد ما أدى إليه اجتهاده وذلك مما لا يمنع من كون الشئ ونقيضه حقا","part":4,"page":15},{"id":957,"text":"بالنسبة إلى شخصين مختلفين، كما في الصلاة وتركها بالنسبة إلى الحائض والطاهر، وكالجهات المختلفة في القبلة حال اشتباهها بالنسبة إلى شخصين، وبالنسبة إلى شخص واحد في حالتين مختلفتين، وكجواز ركوب البحر في حق من غلب على ظنه السلامة، وتحريمه في حق من غلب على ظن الهلاك.\rوهذا بخلاف القضايا العقلية، وما الحق فيه في نفس الامر لا يكون إلا واحدا معينا، كحدوث العالم وقدمه، ووجود الصانع وعدمه.\rوعن الرابعة من وجهين: الاول: أنه لو كان العدول من أصرح الطريقين وأبينهما إلى أدناهما مما يمتنع ويخل بالبلاغة، لما ساغ ورود الكتاب بالالفاظ المجملة وإرادة المعين، والعامة وإرادة الخاص، والمطلقة وإرادة المقيد، والالفاظ المحتملة، ولما ساغ أيضا مثل ذلك من الرسول مع إمكان الاتيان بألفاظ صريحة ناصة على الغرض المطلوب، وهو ممتنع خلاف الواقع.\rالوجه الثاني: أنه غير بعيد أن يكون الله تعالى ورسوله قد علما أن في التعبد بالقياس والاجتهاد مصلحة للمكلفين لا تحصل من التنصيص.\rوذلك بسبب بعث دواعيهم على الاجتهاد طلبا لزيادة الثواب الحاصل به، على ما نطق به النص في حق عائشة، حتى تبقى الشريعة مستمرة غضة طرية.\rوعن الخامسة: أن الحكم في الاصل، وإن كان ثابتا بالنص أو الاجماع لا بالعلة، وأن ذلك غير متحقق في الفرع، فلا نسلم وجوب ثبوت الحكم في الفرع بمثل\rطريق إثبات حكم الاصل، بل يمكن أن يكون إثبات الحكم في الاصل مع كونه مقطوعا","part":4,"page":16},{"id":958,"text":"به بدليل مقطوع به، وفي الفرع بوجود ما كان قد ظهر كونه باعثا على الحكم في الاصل، ولا يلزم من كون الفرع تابعا في حكمه للاصل اتحاد الطريق المثبت للحكم فيهما، وإلا لما كان أحدهما تابعا للآخر، بل التبعية متحققة بمجرد إثبات الحكم في الفرع بما عرف كونبا عثا على الحكم في الاصل.\rوعن السادسة من وجهين: الاول، قال بعضهم: إن علم قطعا قصده للسواد عتق كل عبد أسود له.\rوقال بعضهم: لا يكفي مجرد القصد، بل لا بد مع ذلك من أن ينوي بهذا اللفظ عتق جميع السودان، فإنه كاف في عتق كل عبد له أسود، وغايته إطلاق اللفظ الخاص، وإرادة العام، وهو سائغ لغة، كما حمل قوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالهم) * على النهي عن الاتلاف العام، وكما حمل قول القائل والله لا أكلت لفلان خبزا، ولا شربت من مائه جرعة إذا قصد به دفع المنة على أخذ الدراهم وغيرها من العروض، حتى إنه يحنث بكل ذلك.\rوقال بعضهم: لا يكفي ذلك لان مجرد النية والارادة لذلك غير كافية في العتق، بل إن قال مع ذلك وقيسوا عليه كل أسود عتق كل عبد له أسود.\rوهذا هو اختيار الصيرفي من أصحاب الشافعي، وهو أقرب من الذي قبله.\rالثاني: أنه لا يلزم من امتناع التعدية هاهنا امتناع التعدية في العلل المستنبطة الشرعية، وذلك، لان العتق من باب التصرف في أملاك العبيد بالزوال، ولا كذلك في الاحكام الشرعية، وعند ذلك فلا يلزم من امتناع التعدية هاهنا، مبالغة في صيانة ملك العبيد مثله في الاحكام الشرعية.","part":4,"page":17},{"id":959,"text":"ولهذا فإنه لو اجتمع في المحل الواحد حقان لله وللآدمي، وتضايق المحل عن استيفائهما، كما لو وجب القتل على شخص بالردة وبالقتل الموجب للقصاص، فإنه يقدم حق الآدمي على حق الله تعالى، ويقتل قصاصا، لا بالردة ولهذا طرد أهل اللغة مثل ذلك وعدوه فيما لا يقتضي زوال ملك الآدمي، فإنه لو قال القائل لغيره لا تأكل هذا الطعام، فأنه مسموم، ولا تشرب هذا الشراب، فأنه مسهل، ولا تجالس فلانا لسواده فإن أهل اللغة يعدونه إلى كل ما هو من جنسه مشارك له في العلة.\rوعلى هذا نقول إنه لو قال لوكيله بع هذا العبد لسواده أو لسوء خلقه، وكان قد قال له مهما ظهر لك رضائي بشئ من التصرفات بقرائن الاحوال دون صريح الاقوال، فافعله.\rوعلم أن العلة في إطلاق البيع السواد وسوء الخلق خاصة، فله بيع كل ما شاركه في تلك العلة على وزان ذلك في الشرع.\rوعن السابعة: أنها منقوضة بمخالفة البراءة الاصلية بالنصوص الظنية وبالاقرار والشهادة والفتوى وغير ذلك.\rوعن الثامنة أنه لو لم يرد النص بالحكم في أصول الاقيسة، وإلا كان التعبد بإثبات أحكامها بالقياس على أصل آخر جائزا، وإن امتنع ذلك لما فيه من التسلسل، فلا يرد به التعبد لاستحالته في نفسه.\rوعن التاسعة: أنه لا يمتنع في العقل أيضا ورود التعبد بإخبارنا عن كون زيد في الدار عن ظن، إذا ظهرت أمارة كونه في الدار.\rوعن العاشرة: أنها مبينة على فاسد أصول الخصوم في وجوب رعاية الصلاح والاصلح، وهو باطل على ما عرف من أصلنا.\rوإن سلمنا وجوب رعاية المصلحة، فلا يمتنع، أن يكون في التعبد بالقياس مصلحة، وقد استأثر الرب تعالى بالعلم بها كيف وإن ما ذكروه منقوض بورود التعبد بالنصوص الظنية وقبول الشهادة والاجتهاد في القبلة حالة الاشتباه، وبقبول قول العدول في قيم المتلفات وأرش\rالجنايات وتقدير النفقات.","part":4,"page":18},{"id":960,"text":"وعن الحادية عشرة: أن العلة في القياس إنما هي بمعنى الامارة والعلامة على الحكم في الفرع، وذلك مما لا يمتنع التعبد باتباعه.\rولهذا فإنه لو قال الشارع: مهما رأيتم وصف الشدة المطربة، فاعلموا أني قضيت بتحريم ذلك المشتد المطرب كان واجب الاتباع.\rوعن الثانية عشرة: أنه مهما لم يقم دليل يدل على وجوب التعبد بالقياس من نص أو إجماع، فإنا لا نثبت به الحكم، ولا ننفيه.\rوإن كان يجوز ورود التعبد به عقلا.\rفإذا قال الشارع قد تعبدتكم بالقياس، فمهما رأيتم الحكم قد ثبت في صورة وغلب على ظنونكم أنه ثبت لعلة، وأنها، وأنها متحققة في صورة أخرى،.\rفقيسوها كان ذلك إخبارا عن إثبات الحكم في الفرع.\rوإن لم يرد مثل هذا النص، فانعقاد الاجماع على ذلك يكون كافيا.\rوعن الثالثة عشرة: أنها قياس تمثيلي من غير جامع، فلا يصح وقد أجاب بعضهم بأن كثير الزعفران الواقع في الماء يعلم بالادراك، وخفيه إنما يعلم بإخبار من شاهده لا بنفس الادراك، وليس بحق، فإن الخبر مستند إلى المشاهدة.\rفإن قيل: الحكم في الفرع أيضا مستند إلى الحكم الثابت بالنص، فكان جلي الاحكام وخفيها مستندا إلى النص.\rقيل النص الوارد في الاصل لم يكن واردا في الفرع، ولو ورد في الفرع، لما احتيج إلى القياس.\rوعن الرابعة عشرة: أنا لا نسلم أن كون المتحرك متحركا يزيد على قيام الحركة بالمحل، فلا علة ولا معلول، وإن سلمنا أن المتحركية معللة بالحركة، ولكن ما ذكروه تمثيل من غير جامع، وذلك لان اسم العلة مشترك بين العلة العقلية والعلة الشرعية\rلان العلة العقلية مقتضية للحكم بذاتها، لا بوضع، بخلاف العلة الشرعية، فإنها بمعنى الامارة والعلامة، أو بمعنى الباعث، ولا يمتنع أن يكون الوصف علامة على الحكم في بعض الازمان دون البعض، اتباعا لوضع الشارع، ولا يمتنع أن يكون الوصف باعثا لما يختص به من المصلحة في بعض الازمان دون البعض، كما أبيحت الخمرة في زمان، وحرمت","part":4,"page":19},{"id":961,"text":"في زمان، وجوز الصوم في زمان، وحرم في زمان.\rويكون مناط معرفة ذلك اعتبار الشارع للوصف في وقت وإلغاءه في وقت آخر.\rوعن الخامسة عشرة: أن القياس عندنا حجة مع النص الموافق ولا يلزم أن يكون حجة مع النص المخالف الراجح، بدليل خبر الواحد، فإنه حجة، وإن لم يكن حجة مع النص المخالف الراجح.\rوعن السادسة عشرة: أن نظر القائس في الفرع، وإن لم يكن في دلالة النص، فهو ناظر في المعنى الجامع والدلالة على عليته وفي الحكم في الفرع، وليس الحكم هو فعل المكلف، بل الحكم إنما هو الوجوب أو التحريم المتعلق بفعله.\rوعن السابعة عشرة: أنه إن غلب على الظن مشابهة شئ لشئ محرم، وأمكن ذلك من غير أمارة، فالعقل يجوز ورود الشرع بالتعبد بتحريمه، وإن لم يرد الشرع به.\rوعن الثامنة عشرة: بمنع الحصر فيما ذكروه، وما المانع من طريق آخر يعرف كون الوصف الجامع علة، من الايماء أو غيره من طرق التخريج، كما عرف.\rوعن التاسعة عشرة: أن العلل المستنبطة من الاصول، وإن كانت أدلة على الاحكام في الفروع، فليست أدلة لذواتها وصفات أنفسها الذاتية، كما في العلل العقلية، بل إنما كانت أدلة بالوضع والتوقيف وجعل الشارع لها أدلة، فلذلك افتقرت في جعلها أدلة إلى غيرها.\rوعن العشرين: أن الكلام في هذه المسألة غير مختص بتصحيح القياس في آحاد\rالصور، بل إنما هو في جواز ورود التعبد بالقياس في الجملة، كيف وإن الوجه في ظهور المصلحة في التعليل بمطعوم جنس، أو مكيل جنس، أو غير ذلك مما قد تكلف بيانه في مسائل الفروع فعلى الناظر في ذلك بالاعتبار، حتى إن كل ما لم يظهر فيه وجه المصلحة، ولا دفع المفسدة من الاوصاف المستنبطة بدليله، فالقياس فيه غير جائز.","part":4,"page":20},{"id":962,"text":"وعن الحادية والعشرين: أن كل ما هو غيب عنا، لو جعل الله عليه أمارة تدل عليه، كما جعل ذلك في الاحكام الشرعية، كان الحكم في معرفته، كما في الاحكام، وحيث لم يجعل له أمارة تدل عليه لم يكن معلوما.\rوعن الثانية والعشرين: لا نسلم أن التوصل إلى معرفة المصالح بفعل القائس، وإنما فعل القائس، وهو إثبات مثل حكم الاصل في الفرع، تبع لمعرفة المصلحة المأخوذة من حكم الاصل.\rوعن الثالثة والعشرين: أنه متى غلب على ظن القائس كون الحكم معللا، وظهرت له علة في نظره مجردة عن المعارض، وتحقق وجودها في الفرع، كان له القياس، وإلا فلا.\rوعن الرابعة والعشرين: أنه مهما تقابل في نظر القائس قياسان على التحليل والتحريم مثلا، فكل واحدة من العلتين غير موجبة لحكمها لذاتها، فلا يلزم من ذلك اجتماع الحكمين، وعلى هذا، إن ترجحت إحداهما على الاخرى، كان العمل بها، وإن تعارضا من كل وجه، أمكن أن يقال بالوقف إلى حين ظهور الترجيح، وأمكن أن يقال بتخيير المجتهد في العمل بأي القياسين شاء، على ما عرف من مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل.\rوعن الخامسة والعشرين: لا نسلم أن العلل الشرعية على وزان العلل العقلية، وإنما هي بمعنى الامارات والعلامات، وما كان بمعنى الامارة والعلامة لا يمتنع أن\rيكون الظن الحاصل منه، من مجموع أوصاف لا يستقل البعض بها، وذلك","part":4,"page":21},{"id":963,"text":"كالظن الحاصل بنزول المطر، عند طلوع الغيم وتكاثفه ودنوه من الارض وهبوب الهواء البارد.\rوكذلك ظن سقوط الجدار بميله وانشقاقه وتخلخل أجزائه إلى غير ذلك.\rوالجواب عن الشبهة الاولى للقائلين بكون العقل موجبا لورود التعبد بالقياس، أن الذي لا يتناهى إنما هو الجزئيات الداخلة تحت الاجناس الكلية.\rأما الاجناس الكلية، فلا نسلم أنها غير متناهية.\rوعلى هذا، فقد أمكن التنصيص على كل واحد من الاجناس بأن يقول الشارع كل مطعوم ربوي، وكل مسكر حرام، وكل قاتل عمدا عداونا مقتول، وكل سارق من حرز مثله لا شبهة له فيه مقطوع، إلى نظائره، والحكم في كل صورة من جزئيات ذلك الجنس يكون ثابتا بالنص.\rوإن افتقرنا فيه إلى الاجتهاد في إدراج كل واحد تحت جنسه ليتم إثبات الحكم فيه بالنص، فذلك إنما هو من باب تحقيق متعلق الحكم، لا أنه قياس.\rوعلى هذا، فلا حاجة إلى القياس.\rوإن سلمنا امتناع التعميم بغير القياس، فإنما يجب التعبد به أن لو كان النبي عليه السلام مكلفا بالتعميم، وهو غير مسلم، بل يمكن أن يقال بأنه إنما كلف بما يقدر على تبليغه بطريق المخاطبة.\rوما ذكروه مبني على وجوب رعاية الصلاح والاصلح، وهو غير مسلم، على ما عرفناه في الكلاميات.\rوعن الثانية أنها مبنية على كون العقل موجبا، وعلى وجوب رعاية المصلحة، وهو باطل، على ما عرفناه.","part":4,"page":22},{"id":964,"text":"وإن سلمنا أن العقل موجب عند ظهور المصلحة في نظر العاقل، لكن متى إذا كان علم الله تعالى متعلقا بما ظنه العبد على وفق ما ظنه العبد، أو على خلافه ؟ الاول مسلم،\rوالثاني ممنوع.\rوعند ذلك، فمن الجائز أن يكون الرب تعالى قد علم أنه لا مصلحة للمكلفين في القياس، وأنه مضر في حقهم على خلاف مظنون العبد.\rومع ذلك، فلا يكون العقل موجبا للقياس.\rوإن سلمنا إيجاب ذلك مطلقا، لكن إذا أمكن إثبات الحكم في الفرع بطريق غير القياس، أو إذا لم يمكن ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rوقد بينا إمكان ذلك في دفع الشبهة التي قبلها.\rوعن الثالثة أنها مبينة على كون العقل موجبا، وعلى وجوب رعاية المصلحة، وعلى أنه لا طريق إلى معرفة الحكم في الفرع سوى القياس، وعلى أن الله تعالى عالم بأن المصلحة في القياس، كما ظنه العبد، وكل ذلك ممنوع، وأيضا فإن العلة الجامعة قد لا يكون طريق إثباتها المناسبة، كما سبق تعريفه.\rوبتقدير أن يكون لا طريق سوى المناسبة، وأنه لا طريق إلى معرفتها إلا بالعقل، فلا نسلم أنه يلزم من ذلك وجوب التعبد بها عقلا.\rوما ذكروه من العلل العقلية مبني على العلة والمعلول العقليين، وهو غير مسلم.\rوبتقدير تحقق ذلك، فالعقل إنما يقضي بملازمة معلول العلة العقلية لها، لكونها مقتضية لمعلولها بذاتها، ولا كذلك العلل الشرعية، فإنها إنما كانت عللا بمعنى الامارات والعلامات، فلا يصح القياس.","part":4,"page":23},{"id":965,"text":"المسألة الثانية الذين اتفقوا على جواز التعبد بالقياس عقلا، اختلفوا: فمنهم من قال: لم يرد التعبد الشرعي به، بل ورد بحظره، كداود بن علي الاصفهاني وابنه القاشاني والنهرواني، ولم يقضوا بوقوع ذلك إلا فيما كانت علته منصوصة أو مومى إليها.\rوذهب الباقون إلى أن التعبد الشرعي به، واقع بدليل السمع، واختلفوا في وقوعه\rبدليل العقل، كما بيناه في المسألة المتقدمة، وأومأنا إلى إبطاله.\rثم الدليل السمعي هل هو قاطع أو ظني ؟ اختلفوا فيه: فقال الكل إنه قطعي سوى أبي الحسين البصري، فإنه قال إنه ظني، وهو المختار.\rوقد احتج على ذلك بحجج ضعيفة لا بد من الاشارة إليها والتنبيه على ضعفها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار.\rفمنها كتابية، وإجماعية، ومعنوية: أما الكتابية، فقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم، فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * (النساء: 59) ووجه الاحتجاج به أنه أمر بطاعة الله والرسول.\rوالمراد من ذلك إنما هو امتثال أمرهما ونهيهما، فقوله ثانيا: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * (النساء: 59) والظاهر من الرد هو القياس، ولانه لو أراد به اتباع أوامرهما ونواهيهما، لكان ذلك تكرارا، فلم يبق إلا أن يكون المراد به الرد إلى ما استنبط من الامر والنهي.\rولقائل أن يقول: لا نسلم أن المراد من قوله تعالى: * (فردوه) * القياس على ما أمر الله ورسوله بل يمكن أن يكون المراد البحث عن كون المتنازع فيه مأمورا أو منهيا، حتى يدخل تحت قوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فالامر الاول بالطاعة للامر والنهي، والثاني بالبحث عن المتنازع فيه، هل هو مأمور أو منهي أو لا، فلا تكرار.","part":4,"page":24},{"id":966,"text":"وإنما يمكن حمل الرد على القياس مع كونه مختلفا في الاحتجاج به أن لو تعذر حمل لفظ الرد على غيره، وليس بمتعذر.\rوإن سلمنا امتناع حمله على البحث عن كون المتنازع فيه مأمورا أو منهيا، أمكن أن يكون المراد بقوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فيما أمركم به ونهاكم عنه، والمراد من قوله: فإن تنازعتم في شئ أي فيما لم يسبق فيه أمر ولا نهي، فردوه إلى الله والرسول بالسؤال للرسول لينبئكم عن مقتضى ذلك في كتاب الله\rوسنة رسوله.\rفإن قيل: هذا يوجب اختصاص الآية بمن وجد في زمن النبي عليه السلام، لتعذر ذلك بالنسبة إلى من بعدهم، والاجماع منعقد على تعميم وجوب الطاعة والرد إلى الله والرسول في كل زمان.\rفلو كان معنى الرد السؤال للرسول، لما تصور ذلك في حق من وجد بعد النبي، عليه السلام.\rقلنا: وإن سلمنا أن الطاعة واجبة بالنسبة إلى كل زمان، ولكن لا نسلم أن وجوب الرد ثابت في كل زمان، لانه إن حمل الرد على القياس، فهو محل النزاع، وإن حمل على السؤال للنبي عليه السلام، فظاهر أنه غير واجب على من لم يره.\rفإن قيل: الضمير في المخاطب بالرد عائد إلى المخاطب بالطاعة، فإذا كان الخطاب بالطاعة عاما، فكذلك الخطاب بالرد، وإذا تعذر حمل الرد على السؤال في حق الكل، تعين أن يكون المراد به القياس.\rقلنا: وإن سلمنا أن الطاعة واجبة بالنسبة إلى كل زمان، ولكن لا نسلم أنها واجبة بقوله: أطيعوا الله وأطيعو الرسول لانها خطاب مشافهة، على ما سبق","part":4,"page":25},{"id":967,"text":"تقريره في الاوامر.\rوإن سلمنا عموم خطاب الامر بالطاعة، فغايته أن يكون الضمير في قوله فردوه إلى الله والرسول ظاهرا في العود إلى كل من أمر بالطاعة، فعوده إلى البعض، وهو من كان في زمن النبي، عليه السلام، لضرورة حمل الرد على السؤال للنبي، عليه السلام، غايته أن يكون تخصيصا للعموم، وهو مقابل بمثله في حمل الرد على القياس، وذلك لان الآية عامة في حق كل مجتهد وعامي، ويلزم من حمل لفظ الرد على القياس تخصيص الآية بالمجتهدين دون غيرهم، وليس مخالفة أحد العمومين والتمسك بالآخر أولى من العكس، وأيضا قوله تعالى: * (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين\rيستنبطونه منهم) * (النساء: 83) والاستنباط هو القياس، وهو ضعيف أيضا.\rولك، لانه إنما يجب حمل الاستنباط في الآية على القياس أن لو تعذر حمله على غيره، وليس كذلك، إذ أمكن أن يراد به استخراج الحكم من دليله، وهو أعم من القياس.\rولهذا يصح أن يقال لمستخرج الحكم من دلالة النص إنه مستنبط، كيف وإن المذكور في صدر الآية إنما هو الامن والخوف بقوله تعالى * (وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف) * فيجب أن يكون الضمير في قوله أذاعوا به وفي قوله ولو ردوه وفي قوله لعلمه وفي قوله يستنبطونه عائدا إليه، لانه المذكور لا إلى غيره لكونه غير مذكور.\rوليس ذلك من القياس في شئ.\rوأيضا قوله تعالى * (إن أنتم إلا بشر مثلنا) * (إبراهيم: 10) ووجه الاحتجاج به أنهم أوردوا ذلك في معرض صدهم عما كان يعبد أباؤهم، لما بينهم من المشابهة في البشرية، ولم ينكر عليهم ذلك، وهو عين القياس، فكان حجة، وهو ضعيف أيضا لوجهين:","part":4,"page":26},{"id":968,"text":"الاول: لا نسلم عدم النكير عليهم، فإن الآية إنما خرجت مخرج الانكار لقولهم ذلك، ولذلك قال تعالى: * (إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده) * (إبراهيم: 11).\rالثاني: أنه وإن كان قياسا وتشبيها في الامور الحقيقية، فلا يلزم مثله في الاحكام الشرعية إلا بطريق القياس أيضا، وهو محل النزاع.\rوأما الاجماعية، فمنها أنهم قالوا: الامة قد علقت من قوله تعالى: * (ولا تقل لهما أف) * (الاسراء: 23) تحريم الشتم والضرب بطريق القياس، وهو غير صحيح لامكان قول الخصم إن ذلك إنما عقل من دلالة اللفظ وفحوى الخطاب، على ما سبق، وإن كان ذلك بطريق القياس، غير أن العلة فيه معلومة بدلالة النص، وهي كف الاذى\rعن الوالدين، ولا يلزم مثله فيما كانت العلة فيه مستنبطة مظنونة، كما قاله النظام.\rومنها أن الامة مجمعة على رجم الزاني المحصن قياسا على رجم النبي (ص) (لماعز) وهو ضعيف، وأيضا لامكان أن يقال بل إنما حكموا بذلك بناء على قوله (ص): حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ومنها أن الامة مجمعة على أن الله تعالى تعبدنا بالاستدلال بالامارات على جهة القبلة عند اشتباهها، وذلك أيضا مما لا يمكن التمسك به، لان الخصم لا يمنع من التمسك بالامارات مطلقا، بل يجوز ذلك في القبلة وفي تقويم أروش الجنايات، وقيم المتلفات وتقدير النفقات، وفيما كانت الامارات فيه خفية، ولا يلزم مثله في الامارات الشرعية والاقيسة كيف وإن من الخصوم من يمنع من صحة الاجتهاد عند اشتباه القبلة، ويوجب التوجه إلى الجهات الاربع، حتى يخرج عن العهدة بيقين.\rوأما الحجة المعنوية فهي أن النص والاجماع مما يقل في الحوادث ويندر.\rفلو لم يكن القياس حجة أفضى ذلك إلى خلو أكثر الوقائع عن الاحكام الشرعية وهو خلاف المقصود من بعثة الرسل، وذلك ممتنع، وهي ضعيفة أيضا","part":4,"page":27},{"id":969,"text":"وذلك لان الوقائع التي خلت عن النصوص والاجماع، إنما يلزم خلوها عن الاحكام الشرعية أن لو لم يكن نفي الحكم الشرعي بعد ورود الشرع حكما شرعيا وأما إذا كان حكما شرعيا، وكان مدركه شرعيا، وهو استصحاب الحال وانتفاء المدارك الشرعية المقتضية للاحكام الاثباتية، فلا.\rوإن سلمنا أن انتفاء الحكم عند انتفاء النص والاجماع ليس حكما شرعيا، ولكن إنما يمتنع ذلك أن لو كنا مكلفين بإثبات الاحكام الشرعية في كل قضية، وهو غير مسلم وذلك لان الشارع كما يورد إثبات الاحكام في بعض الوقائع قد يورد نفيها\rفي بعض آخر، على حسب اختلاف المصالح ثم يلزم على ما ذكروه أن تكون المصالح المرسلة الخلية عن الاعتبار حججا في الشريعة، وهو محال، وذلك لانه ليس كل واقعة يمكن وجود النص أو الاجماع أو القياس فيها.\rفلو لم تكن المصلحة المرسلة حجة، أفضى ذلك أيضا إلى خلو الوقائع عن الاحكام الشرعية، لعدم وجود النص أو الاجماع أو القياس فيها والعذر إذ ذاك يكون مشتركا","part":4,"page":28},{"id":970,"text":"والمعتمد في المسألة الكتاب والسنة والاجماع.\rأما الكتاب فقوله تعالى: * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2) أمر بالاعتبار، والاعتبار هو الانتقال من الشئ إلى غيره، وذلك متحقق في القياس حيث إن فيه نقل الحكم من الاصل إلى الفرع.\rولهذا، قال ابن عباس في الاسنان اعتبر حكمها بالاصابع، في أن ديتها متساوية، أطلق الاعتبار، وأراد به نقل حكم الاصابع إلى الاسنان، والاصل في الاطلاق الحقيقة وإذا ثبت أن القياس مأمور به، فالامر إما أن يكون للوجوب، أو للندب على ما سبق في الاوامر.\rوعلى كلا التقديرين، فالعمل بالقياس يكون مشروعا.\rفإن قيل لا نسلم أنه أمر بالاعتبار، وصيغة افعلوا مترددة بين الامر وغيره، كما سبق في الاوامر، وليس جعلها ظاهرة في البعض أولى من البعض، سلمنا أنها للامر، ولكن لا نسلم أن الاعتبار ما ذكرتموه، بل هو عبارة عن الاتعاظ، ويدل عليه أمران: الاول قوله تعالى: * (إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار) * (آل عمران: 13) وقوله: * (وإن لكم في الانعام لعبرة) * (النحل: 66) والمراد به الاتعاظ، إذ هو المتبادر إلى الفهم من إطلاق هذا اللفظ.\rالثاني أن القائس في الفروع إذا أقدم على المعاصي، ولم يتفكر في أمر آخرته\r، يقال إنه غير معتبر، ولو كان القياس هو الاعتبار، لما صح سلب ذلك عنه.\rسلمنا أن الاعتبار ظاهر في القياس، لكنه قد وجد في الآية ما يمنع من الحمل عليه ويصرفه إلى الاعتبار بمعنى الاتعاظ، وذلك قوله تعالى: * (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) * (الحشر: 2) ولو كان الاعتبار بمعنى القياس لما حسن ترتيبه على ذلك، وإنما يحسن ذلك عند إرادة الاتعاظ.\rسلمنا أن المراد به القياس، غير أنه ليس في الآية صيغة عموم تقتضي العمل بكل قياس، فكانت الآية مطلقة، والمطلق إذا عمل به في صورة أو صور لا يبقى حجة فيما عداها، ضرورة الوفاء بالعمل بدلالته، وقد عملنا بذلك في القياس العقلي","part":4,"page":29},{"id":971,"text":"والقياس الذي علته منصوصة أو مومى إليها، وبقياس الفروع على الاصول في امتناع إثباتها بالقياس.\rسلمنا العموم لكنه قد خص بما كلفنا فيه باليقين وبما كان منصوصا عليه وبما لم نعلم له أصلا، ولا وصفا جامعا، فإن القياس غير مأمور به في ذلك كله.\rوكذلك إذا قال لوكيله أعتق غانما لسواده فإنه لا يجوز تعدية ذلك إلى سالم وإن كان مسودا.\rوالعام بعد التخصيص لا يبقى حجة، وإن بقي حجة ففي أقل ما يتناوله الاسم العام، على ما سبق في العموم.\rوإن سلمنا أنه يبقى حجة فيما عدا محل التخصيص، غير أن الآية خطاب مع الموجودين، فيختص ذلك بمن كان موجودا في وقت نزول الوحي بالآية، وإن عم جميع الازمان ولكنه أمر مطلق، فلا يكون مفيدا للفور، ولا للتكرار، وإن كان مفيدا لذلك، لكن بطريق ظني لا قطعي والمسألة قطعية لا ظنية.\rوالجواب عن السؤال الاول أنا قد بينا أن صيغة (افعل) ظاهرة في الطلب، وأن الطلب لا يخرج عن اقتضاء الوجوب أو الندب في الاوامر، وأي الامرين قدر،\rكان دليلا على شرع القياس.\rقولهم: لا نسلم أن الاعتبار عبارة عما ذكرتموه.\rقلنا: دليله ما ذكرناه.\rقولهم: يطلق بمعنى الاتعاظ.\rقلنا عنه جوابان: الاول المنع، ويدل عليه قولهم: اعتبر فلان فاتعظ ولو كان الاعتبار هو الاتعاظ لما حسن هذا الكلام والترتيب، ولان ترتيب الشئ على نفسه ممتنع.\rالثاني أن الاعتبار بمعنى الانتقال من الشئ إلى غيره، هو مشترك بين القياس الاتعاظ اما ان الانتقال متحقق في القياس فقد سبق بيانه واما انه متحقق في الاتعاظ فذلك لان المتعظ بغيره منتقل من العلم بحال ذلك الغير إلى العلم بحال نفسه ويجب ان يكون لفظ الاعتبار حقيقة فيما وقع فيه الاشتراك نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ وإذا كان كذلك فالامر اعتبار امر القدر المشترك بين القياس والاتعاظ","part":4,"page":30},{"id":972,"text":"وهو اما ان يكون متناولا لوحدمن الاعتبارات على سبيل الشيوع أو لكل اعتبار على جهة العموم فان كان الاول فتعلق الامر به انما كان لما يتعلق به من المصلحة وتلك المصلحة فكما تحصل من الواحد الفرد تحصل من كل واحد من الافراد ضرورة الاشتراك في ملزومها فالفظ وان لم يكنعاما بلفطه فيكون عاما بمعناه وان كان الثاني فهو المطلوب فكان مأمورا به من جهة ما فيه من الانتقال، وذلك هو القياس.\rوعلى هذا، فقد خرج الجواب عن الآيتين.\rقولهم: القائس إذا كان معرضا عن أمر آخرته، يقال إنه غير معتبر.\rقلنا لا يصح ذلك بالنظر إلى كونه قائسا، وإنما صح ذلك بالنظر إلى أمر الآخرة، وإنما أطلق النفي بطريق المجاز نظرا إلى إخلاله بأعظم المقاصد، وهو أمر المعاد.\rوعن الثالث أنه إذا كان الانتقال متحققا في الاتعاظ على ما قدمناه، وذلك\rهو القياس، فلا نسلم امتناع ترتيب القياس على ما ذكروه.\rوعن الرابع أن اللفظ إن كان عاما فهو المطلوب، وإن كان مطلقا، فيجب حمله على القياس الشرعي، نظرا إلى أن الغالب من الشارع أنه إنما يخاطبنا بالامور الشرعية دون غيرها، وهو إما أن تكون العلة فيه منصوصة أو مستنبطة، والاول ليس بقياس على ما حققناه قبل.\rوإن كانت مستنبطة فقد سلم صحة الاحتجاج ببعض الاقيسة المختلف فيها، ويلزم من ذلك تسليم الباقي ضرورة أن لا قائل بالفرق.\rوعن الخامس أن العام بعد التخصيص يكون حجة فيما وراء صور التخصيص، على ما سبق في العموم.\rوعن قولهم إنه خطاب مع الموجودين في زمن النبي، عليه السلام، فلا يعم.\rقلنا: لا نسلم أنه لا يعم بتقدير الوجود والفهم.\rوإن سلمنا أنه لا يعم بلفظه، فهو عام بمعناه نظرا إلى انعقاد الاجماع عل أن أحكام الخطاب الثابث في زمن النبي، عليه السلام، عامة في حق من بعد النبي (ص).\rفإذا لم يكن الخطاب عاما بلفظه،","part":4,"page":31},{"id":973,"text":"وجب أن يكون عاما بمعناه، ضرورة انعقاد الاجماع على ذلك.\rوبتقدير أن لا يكون عاما لا بلفظه ولا بمعناه، فهو حجة على الخصوم في بعض صور النزاع، ويلزم من ذلك الحكم في الباقي، ضرورة أن لا قائل بالتفصيل.\rوبهذا الجواب، يكون الجواب عن قولهم: إن الامر المطلق لا يقتضي الفور ولا التكرار.\rوعن السؤال الاخير، أن المسألة ظنية غير قطعية.\rوأما من جهة السنة فما روي عن النبي (ص)، أنه قال لمعاذ، حين بعثه إلى اليمن قاضيا بم تحكم ؟ قال: بكتاب الله.\rقال: فإن لم تجد، قال: فبسنة رسول الله.\rقال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأيي والنبي (ص)، أقره على ذلك.\rوقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله واجتهاد\rالرأي لا بد وأن يكون مردودا إلى أصل، وإلا كان مرسلا، والرأي المرسل غير معتبر، وذلك هو القياس.","part":4,"page":32},{"id":974,"text":"وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال لمعاذ وأبي موسى الاشعري، وقد أنفذهما إلى اليمن بم تقضيان ؟ فقالا: إن لم نجد الحكم في الكتاب ولا السنة، قسنا الامر بالامر، فما كان أقرب إلى الحق عملنا به صرحوا بالعمل بالقياس والنبي (ص) أقرهما عليه، فكان حجة.\rوأيضا ما روي عنه عليه السلام، أنه قال لابن مسعود اقض بالكتاب والسنة، إذا وجدتهما، فإذا لم تجد الحكم فيهما، اجتهد رأيك ووجه الاحتجاج به كما تقدم في الخبر الاول.\rوأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه لما سألته الجارية الخثعمية وقالت يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الحج شيخا زمنا لا يستطيع أن يحج.\rإن حججت عنه أينفعه ذلك ؟ فقال لها: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكان ينفعه ذلك ؟ قالت: نعم.\rقال: فدين الله أحق بالقضاء ووجه الاحتجاج به أنه ألحق دين الله بدين الآدمي في وجوب القضاء ونفعه، وهو عين القياس.\rوما مثل هذا يميه الاصوليون التنبيه على أصل القياس، كما سبق تحقيقه.","part":4,"page":33},{"id":975,"text":"وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال لام سلمة، وقد سئلت عن قبلة الصائم: هل أخبرته أني أقبل وأنا صائم وإنما ذكر ذلك تنبيها على قياس غيره عليه.\rوأيضا ما روي عنه أنه أمر سعد بن معاذ أن يحكم في بني قريظة برأيه، وأمرهم بالنزول على حكمه، فأمر بقتلهم، وسبي نسائهم، فقال عليه السلام:\rلقد وافق حكمه حكم الله.\rوأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال: لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها حكم بتحريم ثمنها، باعتبار تحريم أكلها.\rوأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه علل كثيرا من الاحكام، والتعليل موجب لاتباع العلة أين كانت، وذلك هو نفس القياس.\rفمن ذلك قوله عليه السلام: كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الاضاحي لاجل الدافة، فادخروها.\rوقوله: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنها تذكركم بالآخرة.\rومنا قوله لما سئل عن بيع الرطب بالتمر: أينقص الرطب إذا يبس ؟ فقالوا: نعم.\rفقال: فلا إذا.\rومنها قوله (كي لا يوكون دولة بين الاغنياء معكم).\rومنها قوله في حق محرم وقصت به ناقته: لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا، فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا.\rومنها قوله في حق شهداء أحد: زملوهم بكلومهم ودمائهم، فإنهم يحشرون يوم القيامة، وأوداجهم تشخب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك.","part":4,"page":34},{"id":976,"text":"ومنها قوله في الهرة: إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات.\rوقوله: إذا استيقظ أحدكم من نوم الليل، فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده.\rوقوله في الصيد: فإن وقع في الماء فلا تأكل منه، لعل الماء أعان على قتله.\rوأيضا قوله: أنا أقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي والرأي إنما هو تشبيه شئ بشئ، وذلك هو القياس، إلى غير ذلك من الاخبار المختلف لفظها، المتحد معناها، النازل جملتها منزلة التواتر، وإن كانت آحادها آحادا.\rفإن قيل: أما حيث معاذ فإنه مرسل، وخبر واحد ورد في إثبات كون القياس حجة، وهو مما تعم به البلوى، والمرسل ليس بحجة عند الشافعي، وخبر الواحد، فيما تعم به البلوى ليس بحجة عند أبي حنيفة، فالاجماع من الفريقين على أنه ليس بحجة.\rوالذي يدل على ضعفه أن النبي عليه السلام، كان قد ولاه القضاء، وذلك لا يكون إلا بعد معرفة اشتمال معاذ على معرفه ما به يقضي.\rفالسؤال عما علم لا معنى له.\rوأيضا فإنه وقف العمل بالرأي على عدم وجدان الكتاب والسنة، ووقف العمل بالسنة على عدم وجدان الكتاب.\rوالاول على خلاف قوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (الانعام: 38).\rوعلى خلاف قوله: * (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) * (الانعام: 59) والثاني على خلاف الدليل الدال على جواز نسخ الكتاب وتخصيصه بالسنة.","part":4,"page":35},{"id":977,"text":"سلمنا صحته وأنه حجة، غير أن اجتهاد الرأي أعم من القياس، وذلك لان اجتهاد الرأي، كما يكون بالقياس، قد يكون بالاجتهاد في الاستدلال بخفي النصوص من الكتاب والسنة، وطلب الحكم فيهما، على التمسك بالبراءة الاصلية، ولفظه غير عام في كل رأي، فلا يكون حمله على اجتهاد الرأي بالقياس أولى من غيره.\rسلمنا أن المراد به اجتهاد الرأي بالقياس، غير أن القياس ينقسم إلى ما علته منصوصة أو مومى إليها، وإلى ما علته مستنبطة بالرأي، واللفظ أيضا مطلق، وقد عملنا به في القياس الذي علته منصوصة على ما قاله النظام.\rسلمنا أنه حجة مطلقا في كل قياس، ولكن قبل إكمال الدين أو بعده ؟ على ما قال تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم) * (المائدة: 3) الاول مسلم، والثاني ممنوع.\rوذلك أن إكمال الدين إنما يكون باشتمال الكتاب والسنة على تعريف كل ما لا بد من معرفته وعلى هذا فالقياس لا حاجة إليه بعد ذلك.\rوبتقدير كونه حجة مطلقا، لكن\rفيما تعبد في إثباته بالظن لا باليقين.\rوالقياس ليس من هذا الباب.\rوبهذا يكون الاعتراض على حديث ابن مسعود أيضا.\rوأما حديث الجارية الخثعمية، فالورود عليه من جملة الاسئلة الواردة على حديث معاذ، أنه خبر واحد فيما تعم به البلوى، وأنه ظني فلا يتمسك به في مسائل الاصول، وهما عامان في جميع ما ذكر من الاخبار ويخصه أن النبي (ص)، إنما ذكر دين الآدمي بطريق التقريب إلى فهم الجارية في حصول نفع القضاء.\rأما أن يكون ذلك بطريق القياس، فلا.\rوأما حديث أم سلمة فيدل على أن فعل النبي (ص) حجة متبعة، أما أن يكون ذلك بطريق القياس على فعل النبي (ص)، فلا.\rوأما حديث سعد بن معاذ، فليس فيه أيضا ما يدل على صحة القياس فإن أمره له بأن يحكم في بني قريظة برأيه لا يخص القياس، لما تقدم من أن اجتهاد الرأي أعم من القياس، فلعله أمره أن يحكم باجتهاد رأيه في الاستدلال بخفي النصوص","part":4,"page":36},{"id":978,"text":"من الكتاب والسنة، ولذلك، قال، عليه السلام: لقد وافق حكمه حكم الله ورسوله.\rوأما خبر تحريم الشحوم على اليهود فليس فيه ما يدل على تحريم البيع، بالقياس على تحريم الاكل، فإن تحريم الشئ أعم من تحريم أكله، فإن تحريم الشئ تحريم للتصرف فيه مطلقا.\rوبتقدير أن يكون تحريم الاكل مصرحا به، فالمراد به تحريم التصرف مطلقا، بدليل قوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * (البقرة: 188) وقوله: * (ولا تأكلوا مال اليتيم) *.\rوقوله: * (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) * (النساء: 2) والمراد به المنع من التصرف في ذلك بغير حق.\rوأما الاخبار الدالة على تعليل الاحكام، فليس يلزم من تعليل الحكم المنصوص\rعليه بعلة، إلحاق غير المنصوص، به لاشتراكهما في تلك العلة، إذ هو محل النزاع وليس في الاخبار ما يدل على الالحاق، بل التعليل إنما كان لتعريف الباعث على الحكم، ليكون أقرب إلى الانقياد، وأدعى إلى القبول.\rولهذا أمكن التنصيص على العلة القاصرة، ولا قياس عنها.\rوبتقدير دلالتها على الالحاق.\rفالعلل فيها منصوصة ومومى إليها.\rونحن نقول بهذا النوع من القياس، كما قاله النظام، وقوله عليه السلام: إني أحكم بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي فهو على خلاف قوله تعالى: * (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) * (النجم: 3) وبتقدير أن يكون حكمه بالرأي، فلا يلزم أن يكون ذلك بالقياس لما تقدم.\rوبتقدير أن يكون بالقياس، فلا يلزم من جواز التمسك بالقياس للنبي عليه السلام، مع كونه معصوما عن الخطإ، مسددا في أحكامه، جواز ذلك لغيره.\rوالجواب عن السؤال الاول على خبر معاذ أنا قد بينا أن المرسل وخبر الواحد فيما تعم به البلوى حجة.\rوأما سؤال معاذ عما به يقضي، فإنما كان قبل توليه القضاء، ليعلم صلاحيته لذلك وإن كان ذلك بعد توليه القضاء، فإنما كان ذلك بطريق التأكيد، أو بأعلام الغير بأهليته للقضاء،","part":4,"page":37},{"id":979,"text":"وأما توقيفه للعمل بالرأي على عدم وجدان الكتاب والسنة فغير مخالف لقوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (الانعام: 38) إذ المراد منه إنما هو عدم التفريط فيما ورد من الكتاب، لا أن المراد به بيان كل شئ، فإنا نعلم عدم اشتماله على بيان العلوم العقلية من الهندسية والحسابية وكثير من الاحكام الشرعية، وبتقدير أن يكون المراد به بيان كل شئ، لكن لا بطريق الصريح، بل بمعنى\rأنه أصل لبيان كل شئ.\rفإنه أصل لبيان صدق الرسول في قوله، وقوله بيان للقياس وغيره: وبه يخرج الجواب عن الآية الاخرى، وأما توقيفه العمل بالسنة على عدم الكتاب، فالمراد به الكتاب الذي لا معارض له ولا ناسخ، ويجب تنزيله على ذلك، ضرورة الجمع بين تقرير النبي عليه السلام، له على ذلك، وبين الدليل الدال على نسخ الكتاب وتخصيصه بالسنة.\rوعن السؤال الثاني أنه يمتنع حمل اجتهاد الرأي على الاجتهاد في الاستدلال بخفي نصوص الكتاب والسنة، لان قوله فإن لم تجد عام في الجلي والخفي، بدليل صحة الاستثناء وورود الاستفهام.\rفتخصيص ذلك بالجلي دون الخفي من غير دليل ممتنع، والتمسك بالبراءة الاصلية في نفي الاحكام الشرعية، ليس بحجة على ما يأتي.\rفلا يكون اجتهاد الرأي فيه مستندا للحكم.\rوبتقدير أن يكون حجة، فذلك معلوم لكل عاقل، فلا يكون مفتقرا إلى اجتهاد الرأي.\rوعن السؤال الثالث أنا لا نسلم أن ما كانت علته منصوصة يكون قياس على ما سيأتي.\rوإن سلمنا أنه قياس فما ذكرناه، وإن لم يكن حجة على النظام، فهو حجة على غيره.\rوعن الرابع أن إكمال الدين، إنما يكون ببيان كل شئ، إما بلا واسطة، أو","part":4,"page":38},{"id":980,"text":"بواسطة، على ما بيناه.\rوعلى هذا فلا يمتنع العمل بالقياس بعد إكمال الدين، لكونه من جملة الوسائط.\rوعن الخامس ما سبق من أن المسألة ظنية غير قطعية.\rوعلى هذا فلا يخفى الجواب عما يعترض به على خبر ابن مسعود.\rوكذلك جواب كل ما يعترض به من هذه الاسئلة على باقي الاخبار.\rوما ذكروه على خبر الجارية الخثعمية فبعيد أيضا، فإنه لو لم يكن مدرك\rالحكم فيما سألت عنه القياس على دين الآدمي، لما كان التعرض لذكره مفيدا، بل كان يجب الاقتصار على قوله نعم.\rوما ذكروه على حديث أم سلمة، فغير صحيح.\rوذلك، لانه لو لم يكن اتباعنا له في فعله، بطريق التأسي به، لما كان حكم فعله ثابتا في حقنا، ولا معنى للقياس سوى ذلك.\rوما ذكروه على حديث سعد بن معاذ، باطل أيضا، لان حكمه لو كان مستندا إلى الكتاب أو السنة، لما كان ذلك برأيه، وقد قال: أحكم فيهم برأيك وقوله عليه السلام: لقد وافق حكمه حكم الله ورسوله لا منافاة بينه وبين الحكم بالقياس فإنه إذا كان القياس من طرق الشرع، فالحكم المستند إليه يكون حكما لله ولرسوله.\rوما ذكروه على خبر الشحوم، مندفع من حيث إن الظاهر من إضافة التحريم إلى المأكول إنما هو تحريم الاكل.\rوكذلك التحريم المضاف إلى النساء إما هو تحريم الوطئ، وإلى الدابة تحريم الركوب، وإلى الدار تحريم السكنى.\rوكذلك في كل شئ على حسبه، وهو المتبادر إلى الفهم عند إطلاقه.\rفتحريم","part":4,"page":39},{"id":981,"text":"البيع لا يكون مأخوذا من مطلق التحريم المضاف إلى أكل الشحوم، فلم يبق إلا أن يكون بطريق الالحاق به، وهو معنى القياس.\rوما ذكروه على الاخبار الدالة على التعليل بالعلل المذكورة من أن ذلك لا يدل على التعدية، فحق.\rغير أن ما ذكروه بتقدير تسليم التعدية على مذهب النظام، فقد سبق جوابه.\rوأما الاجماع، وهو أقوى الحجج في هذه المسألة، فهو أن الصحابة اتفقوا على استعمال القياس في الوقائع التي لا نص فيها من غير نكير من أحد منهم\rفمن ذلك رجوع الصحابة إلى اجتهاد أبي بكر رضي الله عنه في أخذ الزكاة من بني حنيفة وقتالهم على ذلك،","part":4,"page":40},{"id":982,"text":"وقياس خليفة رسول الله على الرسول في ذلك بوساطة أخذ الزكاة للفقراء وأرباب المصارف.\rومن ذلك قول أبي بكر لما سئل عن الكلالة أقول في الكلالة برأيي، فإن يكن صوابا، فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، الكلالة ما عدا الوالد والولد.\rومن ذلك أن أبا بكر ورث أم الام دون أم الاب، فقال له بعض الانصار لقد ورثت امرأة من ميت، لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأة، لو كانت هي الميتة ورث جميع ما تركت فرجع إلى التشريك بينهما في السدس.\rومن ذلك حكم أبي بكر بالرأي في التسوية في العطاء حتى قال له عمر كيف تجعل من ترك دياره وأمواله، وهاجر إلى رسول الله، كمن دخل في الاسلام كرها، فقال أبو بكر: إنما أسلموا لله، وأجورهم على الله، وإنما الدنيا بلاغ وحيث انتهت","part":4,"page":41},{"id":983,"text":"النوبة إلى عمر فرق بينهم.\rومن ذلك قياس أبي بكر تعيين الامام بالعهد على تعيينه بعقد البيعة، حتى إنه عهد إلى عمر بالخلافة، ووافقه على ذلك الصحابة.\rومن ذلك ما روي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى الاشعري اعرف الاشباه والامثال، ثم قس الامور برأيك.\rومن ذلك قول عمر أقضي في الجد برائي، وأقول فيه برائي وقضى فيه بآراء مختلفة.\rومن ذلك قوله لما سمع حديث الجنين لولا هذا لقضينا فيه برأينا.","part":4,"page":42},{"id":984,"text":"ومن ذلك أنه لما قيل له في مسألة المشركة هب أن أبانا كان حمارا، ألسنا من أم واحدة فشرك بينهم.\rومن ذلك أنه لما قيل لعمر إن سمرة قد أخذ الخمر من تجار اليهود في العشور، وخللها وباعها، قال: قاتل الله سمرة أما علم أن رسول الله، (ص)، قال: لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها قاس الخمر على الشحم، وأن تحريمها تحريم لثمنها.\rومن ذلك أنه جلد أبا بكرة حيث لم يكمل نصاب الشهادة، بالقياس على القاذف، وإن كان شاهدا لا قاذفا.\rومن ذلك قول عثمان لعمر في واقعة إن تتبع رأيك، فرأيك أسد، وإن تتبع رأي من قبلك، فنعم ذلك الرأي كان ولو كان فيه دليل قاطع على أحدهما لم يجز تصويبهما.\rومن ذلك أنه ورث المبتوتة بالرأي.\rومن ذلك قول علي عليه السلام في حد شارب الخمر: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدوه حد المفترين قاس حد الشارب على القاذف.\rومن ذلك أن عمر كان يشك في قود القتيل الذي اشترك في قتله سبعة، فقال له علي يا أمير المؤمنين، أرأيت لو أن نفرا اشتركوا في سرقة، أكنت تقطعهم ؟ قال: نعم.\rقال: فكذلك وهو قياس للقتل على السرقة.\rومن ذلك ما روي عن علي أنه قال في أمهات الاولاد اتفق رأيي ورأي عمر على أن لا يبعن، وقد رأيت الآن بيعهن حتى قال له عبيدة السلماني: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك.","part":4,"page":43},{"id":985,"text":"ومن ذلك قول علي في المرأة التي أجهضت بفزعها، بإرسال عمر إليها، أم المأثم\rفأرجو أن يكون منحطا عنك، ورأى عليك الدية، فقال له: عزمت عليك أن لا تبرح حتى تضربها على بني عدي، يعني قومه، وألحقه عثمان و عبد الرحمن بن عوف بالمؤدب وقالا: إنما أنت مؤدب، ولا شئ عليك.\rومن ذلك قول ابن عباس، لما ورث زيد ثلث ما بقي في مسألة زوج وأبوين، أين وجدت في كتاب الله ثلث ما بقي ؟ فقال له زيد: أقول برأيي، وتقول برأيك.\rومن ذلك قوله في مسألة الجد ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أبا الاب أبا.\rومن ذلك قول ابن مسعود في المفوضة، برأيه بعد أن استمهل شهرا، وأنه كان يوصي من يلي القضاء بالرأي ويقول لا ضير في القضاء بالكتاب والسنة وقضايا الصالحين، فإن لم تجد شيئا من ذلك، فاجتهد رأيك.\rومن ذلك اختلاف الصحابة في الجد حتى ألحقه بعضهم بالاب في إسقاط الاخوة، وألحقه بعضهم بالاخوة.","part":4,"page":44},{"id":986,"text":"ومن ذلك اختلافهم في قول الرجل لزوجته أنت علي حرام حتى قال أبو بكر وعمر: هو يمين.\rوقال علي وزيد: هو طلاق ثلاث.\rوقال ابن مسعود: هو طلقة واحدة.\rوقال ابن عباس هو ظهار، إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تحصى، وذلك يدل على أن الصحابة مثلوا الوقائع بنظائرها، وشبهوها بأمثالها وردوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وأنه ما من واحد من أهل النظر والاجتهاد منهم، إلا وقد قال بالرأي والقياس.\rومن لم يوجد منه الحكم بذلك، فلم يوجد منه في ذلك إنكار، فكان إجماعا سكوتيا، وهو حجة مغلبة على الظن، لما سبق تقريره في مسائل الاجماع.\rوإنما قلنا إنهم قالوا بالرأي والقياس في جميع هذه الصور، وذلك لا بد\rلهم فيها من مستند، وإلا كانت أحكامهم بمحض التشهي والتحكم في دين الله من غير دليل، وهو ممتنع، وذلك المستند يمتنع أن يكون نصا، وإلا لاظهر كل واحد ما اعتمد عليه من النص، إقامة لعذره وردا لغيره عن الخطإ بمخالفته على ما اقتضته العادة الجارية بين النظار، ولان العادة تحيل على الجمع الكثير كتمان نص دعت الحاجة إلى إظهاره في محل الخلاف.\rوهذا بخلاف ما إذا أجمعوا على حكم في واقعة بناء على نص، فإنه لا يمتنع اتفاقهم على عدم نقله، بناء على الاكتفاء في ذلك الحكم بإجماعهم، ولو أظهروا تلك النصوص، واحتجوا بها، لكانت العادة تحيل عدم نقلها، فحيث لم تنقل، دل على عدمها، وإذا لم يكن نصا، تعين أن يكون قياسا واستنباطا.\rفإن قيل: لا نسلم أن أحدا من الصحابة عمل بالقياس، وما نقل عنهم من الاجتهاد في الوقائع المذكورة والعمل بالرأي، فلعلهم إنما استندوا فيه إلى الاجتهاد في دلالات النصوص الخفية من الكتاب والسنة، كحمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص، وترجيح أحد النصين على الآخر، والنظر في تقرير النفي الاصلي، ودلالة الاقتضاء، والاشارة، والتنبيه، والايماء، وأدلة الخطاب، وتحقيق المناط، وغير ذلك من الاجتهادات المتعلقة بالادلة النصية.","part":4,"page":45},{"id":987,"text":"قولكم: لو كان ثم نص لظهر - قلنا: ولو كانوا قائسين لتلك الصور على غيرها، لاظهروا العلل الجامعة فيها، وصرحوا بها كما في النصوص، ولو أظهروها واحتجوا بها، لنقلت أيضا، فعدم نقلها يدل على عدمها.\rوإذا لم يكن قياس واستنباط، تعين أن يكون المستند إنما هو النص، وليس أحد الامرين أولى من الآخر.\rوما نقل عن الصحابة من التصريح بالعمل بالرأي في الوقائع المذكورة، لا يلزم أن يكون قياسا، فإن اجتهاد الرأي أعم من اجتهاد الرأي بالقياس، على ما تقرر،\rولا يلزم من وجود الاعم وجود الاخص.\rسلمنا أنهم عملوا بالقياس، غير أنا لا نسلم عمل الكل به، فإنه لم ينقل ذلك إلا عن جماعة يسيرة لا تقوم الحجة بقولهم.\rقولكم إنه لم يوجد من غيرهم نكير عليهم - لا نسلم ذلك.\rوبيان وجود الانكار ما روي عن أبي بكر أنه لما سئل عن الكلالة قال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي وأيضا ما روي عن عمر أنه قال إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء الدين، أعيتهم الاحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا وقال إياكم والمكايلة فسئل عن ذلك، فقال المقايسة وروي عن شريح أنه قال كتب إلي عمر اقض بما في كتاب الله، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، فاقض بما في سنة رسول الله، فإن جاءك ما ليس في سنة رسول الله فاقض بما أجمع عليه أهل العلم، فإن لم تجد، فلا عليك أن لا تقضي وأيضا ما روي عن علي، رضي الله عنه، أنه قال لعمر في مسألة الجنين إن اجتهدوا فقد أخطؤوا، وإن لم يجتهدوا، فقد غشوك","part":4,"page":46},{"id":988,"text":"وروي عن عثمان وعلي أنهما قالا لو كان الدين بالقياس، لكان المسح على باطن الخف أولى من ظاهره وروي عن ابن عباس أنه قال إن الله تعالى قال لنبيه (ص) * (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) * (المائدة: 49) ولم يقل بما رأيت ولو جعل لاحد أن يحكم برأيه، لجعل ذلك لرسول الله وقال إياكم والمقاييس، فإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس وقال إن الله لم يجعل لاحد أن يحكم في دينه برأيه وروي عن ابن عمر أنه قال: السنة ما سنة رسول الله، لا تجعلوا الرأي سنة\rوقال أيضا إن قوما يفتون بآرائهم، لو نزل القرآن، لنزل بخلاف ما يفتون وقال أيضا اتهموا الرأي على الدين، فإنه منا تكلف وظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا وروي عن ابن مسعود أنه قال: إذا قلتم في دينكم بالقياس، أحللتم كثيرا مما حرم الله، وحرمتم كثيرا مما حلل الله، وقال أيضا: قراؤكم صلحاؤكم، يذهبون ويتخذ الناس رؤوسا جهالا، يقيسون ما لم يكن بما كان وقالت عائشة أخبروا زيد بن أرقم أنه أحبط جهاده مع رسول الله بفتواه بالرأي في مسألة العينة وقد أنكر التابعون ذلك أيضا، حتى قال الشعبي: ما أخبروك عن أصحاب محمد، فاقبله، وما أخبروك عن رأيهم فألقه في الحش وقال مسروق لا أقيس شيئا بشئ، أخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها وكان ابن سيرين يذم المقاييس ويقول أول من قاس إبليس.\rومع هذه الانكارات من الصحابة والتابعين فلا إجماع.\rسلمنا أنه لم يظهر النكير في ذلك، لكن لا يلزم منه أن يكون سكوت الباقين عن موافقة، لما ذكر في الاجماع.","part":4,"page":47},{"id":989,"text":"سلمنا أنه عن موافقة، لكنه لا حجة في إجماع الصحابة.\rوكيف يقال بذلك وقد عدلوا عما أمروا به، ونهوا عنه، وتجبروا وتآمروا وجعلوا الخلاف طريقا إلى أغراضهم الفاسدة.\rحتى جرى بينهم ما جرى من الفتن والحروب، وتألبوا على أهل البيت، وكتموا النص على علي، رضي الله عنه، غصبوه الخلافة، ومنعوا فاطمة إرثها من أبيها، المنصوص عليه في كتاب الله، برواية انفرد بها أبو بكر، وعدلوا عن\rطاعة الامام المعصوم، المحيط بجميع النصوص الدالة على جميع الاحكام الشرعية، إلى غير ذلك من الامور التي لا يجوز معها الاحتجاج بأقوالهم.\rوهذا السؤال مما أورده الرافضة.\rسلمنا أن قول البعض بالقياس، وسكوت الباقين حجة، لكنها حجة ظنية، على ما سبق في الاجماع.\rوكون القياس حجة أمر قد تعبدنا فيه بالعلم، فلا يكون مستفادا من الدليل الظني.\rسلمنا صحة الاحتجاج به، ولكن ما المانع أن يكون عملهم بالقياس المنصوص على علته، ونحن نقول به، كما قاله النظام والقاشاني والنهرواني.\rسلمنا عملهم بكل قياس، لكن لم قلتم إنه إذا جاز العمل بالقياس للصحابة، جاز ذلك لمن بعدهم، وذلك لان الصحابة، لما كانوا عليه من شدة اليقين، والصلابة في الدين ومشاهدة الوحي والتنزيل، وكثرة التحفظ في أمور دينهم، حتى نقل عنهم قتل الاباء والابناء، وبذل الانفس والاموال، ومهاجرة الاهل والاوطان في نصرة الدين، حتى ورد في حقهم من التفضيل والتعظيم في الكتاب والسنة ما لم يرد مثله في حق غيرهم، على ما ذكر في الاجماع.\rوعند ذلك، فلا يلزم من جواز عملهم بالقياس، جوازه لغيرهم.\rسلمنا دلالة ما ذكرتموه على صحة القياس، وأنا متعبدون به، لكنه معارض بالكتاب والسنة.\rأما الكتاب فقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) * (الحجرات: 1) والحكم بالقياس تقدم بين يدي الله ورسوله، لانه حكم بغير قوليهما.\rوقوله تعالى: * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (البقرة: 169) وقوله تعالى: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (الاسراء: 36) والحكم بالقياس قول بما لا يعلم.","part":4,"page":48},{"id":990,"text":"وقوله تعالى: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (النجم: 28) وقوله تعالى: * (إن بعض الظن إثم) * (الحجرات: 12)\rوقوله تعالى: * (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) * (المائدة: 49) والحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل الله.\rوقوله تعالى: * (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) * (الشورى: 10) وقوله تعالى: * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * (النساء: 59) والحكم بالقياس لا يكون حكما لله، ولا مردودا إليه.\rوقوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (الانعام: 38) وقوله تعالى: * (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) * (الانعام: 59) وذلك يدل على أنه لا حاجة إلى القياس.\rوأما من جهة السنة فما روى عمر عن النبي (ص)، قال ستفترق أمتي فرقا أعظمها فتنة، الذين يقيسون الامور بالرأي وأيضا ما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، عن النبي (ص).\rأنه قال: تعمل هذه الامة برهة بكتاب الله، وبرهة بسنة رسول الله، وبرهة بالرأي، فإذا فعلوا ذلك ضلوا وأضلوا وذلك يدل على أن القياس والعمل بالرأي غير صحيح.\rوالجواب: قولهم لا نسلم أن أحدا من الصحابة عمل بالقياس قلنا: دليله ما ذكرناه.\rقولهم: يحتمل أن يكون عملهم بدلالات النصوص الخفية قلنا: لو كان كذلك لظهر المستند واشتهر، على ما قررناه.\rقولهم: ولو كان ذلك لمحض القياس، لاظهروا العلل الجامعة، وصرحوا بها كما في النصوص - قلنا: منهم من صرح، كتصريح أبي بكر في التسوية في العطاء بين المهاجرين وغيرهم، وهو قوله إنما الدنيا بلاغ وتصريح علي في قياسه حد شارب الخمر على حد القاذف، بواسطة الاشتراك في الافتراء، وتصريح عثمان و عبد الرحمن بن عوف في إلحاقهم عمر في صورة المرأة التي أجهضت الجنين بالمؤدب، بواسطة التأديب.\rومنهم من اعتمد في التنبيه عليها بفتواه، وجري العادة بفهم المستمع وجه المأخذ والشبه بين محل النزاع ومحل الاجماع.\rولهذا فإن العادة جارية من بعض","part":4,"page":49},{"id":991,"text":"الملوك بقتل الجاسوس إذا ظفر به، زجرا له ولغيره عن التجسس عليه، وعادة البعض الاحسان إليه، لاستمالته له، حتى يدله على أحوال عدوه، فإذا رأينا ملكا قد قتل جاسوسا، أو أحسن إليه، ولم نعهد من عادته قبل ذلك شيئا، كان ذلك كافيا في التنبيه على رعاية العلة الموجبة للقتل، أو الاحسان، في محل الوفاق، ولا كذلك النصوص، فإن الاذهان غير مستقلة بمعرفتها، فدعت الحاجة إلى التصريح بها.\rوعلى هذا، فمن قال منهم في قوله: أنت علي حرام، إنه طلاق ثلاث، نبه على أن مطلق التحريم يقتضي نهاية التحريم، وذلك مشترك بينه وبين الطلاق الثلاث، فلذلك عدى الطلاق الثلاث إليه.\rومن جعله طلقة واحدة، نبه على أنه اعتبر فيه أقل ما يثبت معه التحريم، فلذلك ألحقه بالطلقة الواحدة، ومن جعله ظهارا، ألحقه بالظهار، من حيث إنه يفيد التحريم بلفظ ليس هو لفظ الطلاق، ولا لفظ الايلاء.\rومن شرك بين الجد وابن الابن نبه على أن العلة في ذلك استواؤهما في الادلاء إلى الميت في طرفي العلو والسفل، ولهذا شبههما بغصني شجرة، وجدولي نهر ومن ذلك تنبيه عمر في قياسه الخمور على الشحوم، على أن العلة في تحريم أثمانها تحريمها.\rومن ذلك التنبيه في التشريك بين الاخوة من الاب والام والاخوة من الام، على أن العلة الاشتراك في جهة الامومة إلى غير ذلك من التنبيهات.\rويدل على ما ذكرناه تصريح أكثر الصحابة فيما عملوا به بالرأي.\rقولهم: اجتهاد الرأي أعم من القياس - قلنا: وإن كان الامر على ما قيل، غير أنا قد بينا أنه لم يكن ذلك مستندا إلى النصوص، فتعين استناده إلى القياس والاستنباط.\rقولهم: لا نسلم عمل الكل بالقياس -","part":4,"page":50},{"id":992,"text":"قلنا: وإن عمل به البعض، فقد بينا أنه لم يوجد من الباقين في ذلك نكير، فكان إجماعا.\rقولهم: قد وجد الانكار - لا نسلم ذلك.\rوما ذكروه من صور الانكار، فهي منقولة عمن نقلنا عنهم القول بالرأي والقياس، فلا بد من التوفيق بين النقلين لاستحالة الجمع بينهما والعمل بأحدهما من غير أولوية، وعند ذلك، فيجب حمل ما نقل عنهم من إنكار العمل بالرأي والقياس على ما كان من ذلك صادرا عن الجهال، ومن ليس له رتبة الاجتهاد، وما كان مخالفا للنص، وما ليس له أصل يشهد له بالاعتبار، وما كان على خلاف القواعد الشرعية، وما استعمل من ذلك فيما تعبدنا فيه بالعلم دون الظن جمعا بين النقلين.\rهذا من جهة الاجمال، وأما من جهة التفصيل: أما قول أبي بكر أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي فإنما أراد به قوله في تفسير القرآن، ولا شك أن ذلك مما لا مجال للرأي فيه، لكونه مستندا إلى محض السمع عن النبي (ص)، وأهل اللغة، بخلاف الفروع الشرعية.\rوأما قول عمر إياكم وأصحاب الرأي الخبر إلى آخره - فإنما قصد به ذم من ترك الاحاديث، وحفظ ما وجد منها، وعدل إلى الرأي، مع أن العمل مشروط بعدم النصوص.\rوقوله إياكم والمكايلة أي المقايسة فالمراد به المقايسة الباطلة لما ذكرناه.\rوأما قوله لابي موسى الاشعري فإنما يفيد أن لو لم يكن القياس مما أجمع عليه أهل العلم، وإلا فبتقدير أن يكون واجدا له، فلا.","part":4,"page":51},{"id":993,"text":"وقول علي لعمر في مسألة الجنين، لا يدل على أن كل اجتهاد خطأ، ونحن\rلا ننكر الخطأ في بعض الاجتهادات، كما سبق تعريفه.\rوأما قول عثمان وعلي لو كان الدين بالقياس...الخبر.\rفيجب حمله على أنه لو كان جميع الدين بالقياس، لكان المسح على باطن الخف أولى من ظاهره، ويكون المقصود منه أنه ليس كل ما أتت به السنن على ما يقتضيه القياس.\rوأما قول ابن عباس إن الله قال لنبيه، الخبر، ليس فيه ما يدل على عدم الحكم بالقياس إلا بمفهومه، وليس بحجة على ما سبق بيانه.\rوقوله: إياكم والمقاييس يجب حمله على المقاييس الفاسدة، كالمقاييس التي عبدت بها الشمس والقمر، وغير ذلك مما بيناه لما سلف من الجمع بين النقلين.\rوقوله: إن الله لم يجعل لاحد أن يحكم في دينه برأيه يجب حمله على الرأي المجرد عن اعتبار الشارع له، لما سبق.\rوأما قول ابن عمر السنة ما سنه رسول الله (ص) فإنما ينفع، أن لو كان القياس ليس مما سنه الرسول.\rوقوله لا تجعلوا الرأي سنة أراد به الرأي الذي لا اعتبار له، وإلا فالرأي المعتبر من السنة، لا يكون خارجا عن السنة.\rوقوله: إن قوما يفتون بآرائهم...الخبر.\rليس فيه ما يدل على أن كل من أفتى برأيه يكون كذلك.\rونحن لا ننكر أن بعض الآراء باطل.\rوقوله: اتهموا الرأي على الدين غايته الدلالة على احتمال الخطإ فيه، وليس فيه ما يدل على إبطاله.\rوقوله: وإن الظن لا يغني من الحق شيئا المراد به استعمال الظن في مواضع اليقين، لا أن المراد به إبطال الظن بدليل صحة العمل بظواهر الكتاب والسنة.\rوأما قول ابن مسعود إذا قلتم في دينكم بالقياس...الخبر، يجب حمله على القياس الفاسد لما سبق.\rوقوله: ويتخذ الناس رؤوسا جهالا...إلى آخره، فالمراد","part":4,"page":52},{"id":994,"text":"به أيضا القياس الباطل، ولهذا وصفهم بكونهم جهالا.\rوعلى ذلك يجب حمل قول عائشة في حق زيد بن أرقم، وكذلك قول الشعبي ومسروق وابن سيرين، جميعا بين النقلين، كما سبق تقريره.\rقولهم: لا نسلم أن السكوت يدل على الموافقة - قلنا: دليله ما سبق في مسائل الاجماع.\rقولهم: لا نسلم أن إجماع الصحابة حجة - قد دللنا عليه في مسائل الاجماع أيضا.\rوما ذكروه من القوادح في الصحابة فمن أقوال المبتدعة الزائغين كالنظام ومن تابعه من الرافضة.\rالضلال، وقد أبطلنا ذلك كله في كتاب أبكار الافكار في المواضع اللائقة بذلك.\rقولهم: إنه حجة ظنية - قلنا: والمسألة أيضا عندنا ظنية.\rقولهم: ما المانع أن يكون عملهم بالاقيسة المنصوص على عللها - عنه أجوبة ثلاثة: الاول: أنه لو كان ثم نص لنقل، كما ذكرناه في النصوص الدالة على الاحكام.\rالثاني: أنه إذا كانت العلة منصوصة، فإن لم يرد التعبد بإثبات الحكم بها في غير محل النص، فيمتنع إثباته، لما يأتي في المسألة التي بعدها، وإن ورد الشرع بذلك، فالحكم يكون في الفرع ثابتا بالاستدلال، أي بعلة منصوصة، لا بالقياس، على ما يأتي تقريره.\rوعلى هذا فلا يكونون عاملين بالقياس.\rالثالث: أن ذلك يكون حجة على من أنكر القياس مطلقا، وإن لم يكن حجة على النظام والقائلين بقوله.\rقولهم: لا يلزم أن يكون القياس حجة بالنسبة إلى غير الصحابة - قلنا: القائل قائلان: قائل يقول بالقياس مطلقا بالنسبة إلى الكل وقائل بنفيه مطلقا بالنسبة إلى الكل.\rوقد اتفق الفريقان على نفي التفصيل،\rكيف وإنه حجة على من قال بنفيه مطلقا.","part":4,"page":53},{"id":995,"text":"وما ذكروه من المعارضة، أما الآية الاولى، فإنما تفيد أن لو لم يكن القياس مما عرف التعبد به من الله تعالى ورسوله، وعند ذلك فيتوقف كون العمل بالقياس تقدما بين يدي الله ورسوله على كون الحكم به غير مستفاد من الله ورسوله، وذلك متوقف على كون الحكم به تقدما بين يدي الله ورسوله، فلا يكون حجة.\rوأما الآية الثانية والثالثة فجوابهما من ثلاثة أوجه: الاول: أنا نقول بموجب الآيتين، وذلك لانا إذا حكمنا بمقتضى القياس عند ظننا به، فحكمنا به يكون معلوم الوجوب لنا بالاجماع، لا أنه غير معلوم.\rالثاني: أنه يجب حمل الآيتين على النهي عن القول بما ليس بمعلوم على ما تعبدنا فيه بالعلم، جمعا بينهما، وبين ما ذكرناه من الادلة.\rالثالث: أن الآيتين حجة على الخصوم في القول بإبطال القياس، إذا هو غير معلوم لهم لكون المسألة غير علمية، فكانت مشتركة الدلالة.\rوبمثل هذه الاجوبة يكون الجواب عن قوله تعالى: * (وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (يونس: 36) وقوله: * (إن بعض الظن إثم) * (الحجرات: 12).\rوأما قوله تعالى: * (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) * (المائدة: 49) فنحن نقول بموجبه، فإن من حكم بما هو مستنبط من المنزل، فقد حكم بالمنزل، كيف وأن ذلك خطاب مع الرسول، ولا يلزم من امتناع ذلك في حق الرسول، لامكان تعرفه أحكام الوقائع بالوحي، امتناع ذلك في حق غيره.\rوقوله تعالى: * (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) * (الشورى: 10) وقوله: * (فردوه إلى الله والرسول) * (النساء: 59) غير مانع من القياس، لان العمل بالمستنبط من قول الله وقول الرسول حكم من الله ورد إليه وإلى الرسول.\rوأما من قال بإبطال القياس، فلم يعمل بقول الله وقول الرسول، ولا بما استنبط منهما، فكان ذلك حجة عليه لا له.\rوقوله تعالى: * (ما فرطنا في الكتاب من شئ) * (الانعام: 38)","part":4,"page":54},{"id":996,"text":"وقوله: * (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) * (الانعام: 38) فالمراد به أن الكتاب بيان لكل شئ، إما بدلائل ألفاظه من غير واسطة، وإما بواسطة الاستنباط منه، أو دلالته على السنة والاجماع الدالين على اعتبار القياس، فالعمل بالقياس يكون عملا بما بينه الكتاب لا أنه خارج عنه، كيف وإنه مخصوص بالاجماع، فإنا نعلم عدم اشتماله على تعريف العلوم الرياضية من الهندسية والحسابية، بل وكثير من الاحكام الشرعية، كمسائل الجد والاخوة، وأنت علي حرام، والمفوضة، ومسائل العول ونحوه.\rوعند ذلك فيجب حمله على أن ما اشتمل عليه الكتاب من الاحكام المبينة به لا تفريط فيها، حذرا من مخالفة عموم اللفظ.\rوأما ما ذكروه من السنة في ذم الرأي فيجب حمله على الرأي الباطل، كما ذكرناه، جمعا بين الادلة.\rالمسألة الثالثة إذا نص الشارع على علة الحكم، هل يكفي ذلك في تعدية الحكم بها إلى غير محل الحكم المنصوص، دون ورود التعبد بالقياس بها ؟ اختلفوا فيه: فقال أبو إسحاق الاسفرايني وأكثر أصحاب الشافعي وجعفر بن مبشر وجعفر بن حرب وبعض أهل الظاهر: لا يكفي ذلك.\rوقال أحمد بن حنبل والنظام والقاشاني والنهرواني وأبو بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة والكرخي: يكفي ذلك في إثبات الحكم بها أين وجدت، وإن لم يتعبد بالقياس بها.\rوقال أبو عبد الله البصري: إن كانت العلة المنصوص عليها علة للتحريم وترك\rالفعل كان التنصيص عليها كافيا في تحريم الفعل بها أين وجدت، وإن كانت علة لوجوب الفعل أو ندبه، لم يكن ذلك كافيا في إيجاب الفعل بها ولا في ندبه أين وجدت دون ورود التعبد بالقياس، لان من تصدق على فقير لفقره بدرهم، لا يجب أن يتصدق على كل فقير، ومن أكل شيئا من السكر، لانه حلو","part":4,"page":55},{"id":997,"text":"لا يجب عليه أن يأكل كل سكر، وهذا بخلاف من ترك أكل رمانة لحموضتها، فإنه يجب عليه أن يترك كل رمانة حامضة.\rوالمختار هو القول الاول لانه إذا قال الشارع: حرمت الخمر، لانه مسكر، ولم يرد التعبد بإثبات التحريم بالمسكر في غير الخمر، فالقضاء بالتحريم في غير الخمر كالنبيذ، إما أن يكون ذلك لان اللفظ اقتضى بعمومه تحريم كل مسكر، وأن قوله: حرمت الخمر لانه مسكر، نازل منزلة قوله: حرمت كل مسكر، كما قاله النظام ومن قال بمقالته، وإما لوجود العلة في غير الخمر لعدم إمكان قسم ثالث.\rفإن كان الاول، فهو ممتنع من حيث إن قوله: حرمت الخمر لاسكاره، لا دلالة له من جهة اللغة على تحريم كل مسكر، كدلالة قوله: حرمت كل مسكر، ولهذا فإنه لو قال: أعتقت عبيدي السودان، عتق كل عبد أسود له، ولو قال: أعتقت سالما لسواده، فإنه لا يعتق كل عبد له أسود، وإن كان أشد سوادا من سالم، وكذلك إذا قال لوكيله: بع سالما لسوء خلقه، لم يكن له التصرف في غيره من العبيد بالبيع، وإن كان أسوأ خلقا من سالم.\rوإن كان الثاني فهو ممتنع لوجهين: الاول أنه لو كان وجود ما نص على عليته كافيا في إثبات الحكم أينما وجدت العلة دون التعبد بالقياس، للزم من قوله: أعتقت سالما لسواده، عتق غانم، إذا كان مشاركا له في السواد، وهو ممتنع.\rالثاني أنه من الجائز أن يكون ما وقع التنصيص، عليه هو عموم الاسكار، ومن الجائز أن يكون خصوص إسكار الخمر، لما علم الله فيه من المفسدة الخاصة به، التي لا وجود لها في غير الخمر.\rوإذا احتمل واحتمل فالتعدية به تكون ممتنعة، إلا أن يرد التعبد بالتعدية.\rفإن قيل: لم قلتم إن اللفظ لا يقتضي بعمومه تحريم كل مسكر، وقوله: أعتقت عبدي سالما لسواده، دال على عتق غانم أيضا، إذا كان أسود ولهذا فإن أهل اللسان وكل عاقل يناقضه في ذلك عند عدم إعتاقه، ويقول له: فغانم أيضا أسود، فلم خصصت سالما بالعتق ؟","part":4,"page":56},{"id":998,"text":"وكذلك القول في قوله لوكيله: بع سالما لسواده.\rهذا بالنظر إلى المفهوم من اللفظة لغة، وحيث لم يقع العتق بغير سالم، ولا جاز بيعه شرعا، فإنما كان لان اللفظ وإن كان له على ذلك دلالة، لكنها غير صريحة، فالشارع قيد التصرف في أملاك العبيد بصريح القول، نظرا لهم في عاقبة الامر، لجواز طرو الندم والبداء عليهم، بخلاف تصرف الشارع في الاحكام الشرعية.\rولهذا، فإنه لو قال الشارع: حرمت الخمر لاسكاره، وقيسوا عليه كل مسكر، لزم منه تحريم كل مسكر.\rولو قال لوكيله: بع سالما لسواده، وقس عليه كل أسود، فإنه لا ينفذ تصرفه بذلك.\rوإن سلمنا أنه لا عموم في اللفظ، ولكن لم قلتم إنه يمتنع إثبات الحكم لوجود العلة ؟ وما ذكرتموه من الوجه الاول، فالعذر عنه ما ذكرناه من تقييد الشارع التصرف في أملاك العبيد بصريح القول دون غيره وما ذكرتموه من الوجه الثاني، فغير صحيح لستة أوجه: الاول: أن العرف شاهد بأن الاب إذا قال لولده: لا تأكل هذا، فإنه مسموم، وكل\rهذا، لانه غذاء نافع، فإنه يفهم منه المنع من أكل كل طعام مسموم، وجواز أكل كل غذاء نافع، ولو أمكن أن يكون لخصوص الاضافة تأثير، أو احتمل أن تكون داخلة في التعليل، لما تبادر إلى الفهم التعميم من ذلك، والاصل تنزيل التصرفات الشرعية على وفق التصرفات العرفية.\rالثاني: أن الغالب من العلة المنصوص عليها أن تكون مناسبة للحكم حتى تخرج عن التعبد، ولا مناسبة في خصوص إضافة الاسكار إلى الخمر، بل المناسبة في كونه مسكرا لا غير.\rالثالث: أنه لو لم يكن الوصف المنصوص عليه علة بعمومه، بحيث يثبت به الحكم في موضع آخر، بل العلة خصوص إضافة ذلك الوصف إلى محله، لم يكن للتنصيص عليه فائدة، وذلك لان اختصاص الخمر بوصف الاسكار ملازم له غير مفارق، فكان يكفيه أن يقول: حرمت الخمر، لا غير.\rالرابع: أن أخذ خصوص إضافة الوصف المنصوص على عليته في التعليل، على خلاف الظاهر في جميع التعاليل، ولهذا فإن عقلاء العرب ما نطقوا بعلة إلا وطردوها","part":4,"page":57},{"id":999,"text":"في غير المحل الذي أضافوها إليه، ولهذا فإنهم إذا قالوا: اضرب هذا الاسود لكونه سارقا، فإنهم يلغون خصوص إضافة السرقة إلى الاسود، حتى إن السرقة لو وجدت من أبيض كانت مقتضية لضربه.\rالخامس: أنه لو أمكن أخذ خصوص إضافة الصفة إلى محلها في التعليل، لما صح قياس أصلا.\rوذلك ممتنع.\rالسادس: أنه إذا قال الشارع: حرمت التأفيف للوالدين، فإنه يفهم منه كل عاقل تحريم ضربهما لما كان الشارع موميا إلى العلة، وهي كف الاذى عنهما، فإذا صرح بالعلة ونص عليها، كان ذلك أولى بالتعدية، ولو كان لخصوص الاذى\rبالتأفيف مدخل في التعليل، لما فهم تحريم الضرب.\rسلمنا دلالة ما ذكرتموه على امتناع التعدية فيما إذا قال: حرمت الخمر لكونها مسكرة، لكنه غير مطرد، فيما إذا قال: علة تحريم الخمر الاسكار، حيث إنه لا إضافة.\rوالجواب: قولهم: لم قلتم إن اللفظ بعمومه لا يقتضي ذلك قلنا: لما ذكرناه.\rقولهم: إن قوله: أعتقت سالما لسواده، مقتض بلفظه عتق غيره من العبيد السودان، غير صحيح، فإن اللفظ الدال على العتق إنما هو قوله: أعتقت سالما، وذلك لا دلالة له على غيره.\rوإن قيل إنه يدل عليه من جهة التعليل، فهو عود إلى الوجه الثاني.\rقولهم إن العقلاء يناقضونه في ذلك بغانم.\rقلنا: ليس ذلك بناء على عموم لفظ العتق لهما، وإنما ذلك منهم طلبا لفائدة التخصيص لسالم بالعتق، مع ظنهم عموم العلة التي علل بها.\rوإذا بطل القول بتعميم اللفظ، فالعتق يكون منتفيا في غانم لعدم دلالة اللفظ على عتقه، لا لما ذكروه،","part":4,"page":58},{"id":1000,"text":"كيف وإنه يجب اعتقاد ذلك حتى لا يلزم منه نفي العتق مع وجود دليله في حق غانم، لانه لو دل اللفظ عليه، لكان الاصل اعتبار لفظه في مدلوله نظرا إلى تحصيل مصلحة العاقل، التي دل لفظه عليها.\rقولهم إنه لو قال لوكيله: بع سالما لسواده، وقس عليه كل أسود من عبيدي، لا ينفذ تصرفه في غير سالم.\rلا نسلم ذلك، فإنه لو قال له: مهما ظهر لك من إرادتي ورضائي بشئ بالاستدلال دون صريح المقال، فافعله، فله فعله.\rفإذا قال له: أعتق سالما لسواده، وقس عليه غيره، فإذا ظهر أن العلة السواد الجامع بين سالم وغانم، وأنه لا فارق بينهما، فقد ظهر له إرادته لعتق غانم، فكان له عتقه.\rقولهم: لم قلتم بامتناع الحكم لوجود العلة ؟ قلنا: لما ذكرناه من الوجهين، وما ذكروه على الوجه الاول، فإنما يصح أن\rلو كان ما ذكروه من العلة موجبا للحكم في غير محل النص، ويجب اعتقاد انتفاء الحكم لانتفاء العلة، حذرا من التعارض، فإنه على خلاف الاصل.\rوالجواب عما ذكروه على الوجه الثاني من الاشكال الاول، أنا إنما قضينا فيما ذكروه، بالتعميم، نظرا إلى قرينة حال الآباء مع الابناء، وأنهم لا يفرقون في حقهم بين سم وسم، وغذاء نافع وما في معناه من الاغذية النافعة، وهذا بخلاف ما إذا حرم الله شيئا أو أوجبه، فإن العادة الشرعية مطردة بإباحة مثل ما حرم، وتحريم مثل ما أوجب، حتى أنه يوجب الصوم في نهار رمضان، ويحرمه في يوم العيد، ويبيح شرب الخمر في زمان، ويحرمه في زمان، ويوجب الغسل من بول الصبية والرش من بول الغلام، ويوجب الغسل من المني دون البول والمذي، مع اتحاد مخرجهما، ويوجب الحائض قضاء الصوم دون الصلاة، ويبيح النظر إلى وجه الرقيقة الحسناء، دون الحرة العجوز الشوهاء، إلى غير ذلك، مما ذكرناه فيما تقدم من التفرقة بين المتماثلات، وعلى عكسه الجمع بين المختلفات،","part":4,"page":59},{"id":1001,"text":"وذلك لما علمه الله تعالى من اختصاص أحد المثلين بمصلحة مقارنة لزمانه، لا وجود لها في مثله، إذ ليست المصالح والمفاسد من الامور التابعة لذوات الاوصاف وطباعها، حتى تكون لازمة لها، بل ذلك مختلف باختلاف الاوقات.\rهذا كله إن قلنا بوجوب رعاية المصالح، وإلا فلله أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.\rوعن الاشكال الثاني، أن النظر في التعليل إلى مناسبة القدر المشترك، وإلغاء ما به الافتراق من الخصوصية، إما أن يكون دالا على وجوب الاشتراك بين الاصل والفرع، أو لا يكون موجبا له: فإن كان موجبا فهو دليل التعبد بالقياس، والتنصيص على العلة دونه لا يكون كافيا في تعدية الحكم، وهو المطلوب، وإن لم يكن موجبا للتعدية، فلا أثر لايراده.\rوعن الاشكال الثالث: بأن فائدة التنصيص على العلة أن تعلم، حتى يكون الحكم معقول المعنى، إن كان الوصف مناسبا للحكم، فإنه يكون أسرع في الانقياد","part":4,"page":60},{"id":1002,"text":"وأدعى إلى القبول، وأن ينتفي الحكم في محل التنصيص عند انتفائها، ولمثل هذه الفائدة يكون التنصيص على الوصف، وإن لم يكن مناسبا للحكم.\rوعن الاشكال الرابع: ما ذكرناه في حل الاشكال الاول.\rوعن الاشكال الخامس: أنه لا يلزم من إمكان أخذ خصوص المحل في التعليل إبطال القياس، لجواز أن يقوم الدليل على إبطال أخذه في التعليل في آحاد الصور ومهما لم يقم الدليل على ذلك، فالقياس يكون متعذرا.\rوعن السادس: أنه إنما فهم تحريم ضرب الوالدين من تحريم التأفيف لهما، نظرا إلى القرينة الدالة على ذلك من إنشاء الكلام وسياقه، لقصد إكرام الوالدين، ودفع الاذى عنهما.\rولا يخفى أن اقتضاء ذلك لتحريم الضرب أشد منه لتحريم التأفيف، ولذلك كان سابقا إلى الفهم من تحريم التأفيف، والتنبيه بالادنى على الاعلى.\rأما أن يكون ذلك مستفادا من نفس اللفظ والتنصيص على العلة بمجرده، فلا.\rوعن الاشكال الاخير أنه مهما قال: جعلت شرب المسكر علة للتحريم، فالحكم يكون ثابتا في كل صورة وجد فيها شرب المسكر بالعلة المنصوص عليها بجهة العموم، حتى في الخمر، وذلك من باب الاستدلال، لا من باب القياس، فإنه ليس قياس بعض المسكر هاهنا على البعض، أولى من العكس، لتساوي نسبة العلة المنصوصة إلى الكل، ولا كذلك فيما نحن فيه.\rوعلى هذا فلا معنى لما ذكره أبو عبد الله البصري من التفصيل بين الفعل والترك، وذلك لانه لا مانع ولا بعد في تحريم الخمر لشدة الخمر خاصة، دون غيره من المسكرات، ولعلم الله باختصاصه بالحكمة الداعية إلى التحريم، وأن يشرك بين\rالمتماثلات في إيجاب الفعل، أو تركه، أو ندبه، لعلمه باشتراكها في الحكمة الداعية إلى الايجاب والندب.\rوأما من أكل سكرا، فلم يأكله لمجرد حلاوته، بل لحلاوته وصدق شهوته عند فراغ معدته، فإذا زالت الشهوة بالاكل، وامتلات المعدة، وتبدلت الحالة الاولى إلى مقابلها، امتنع لزوم الاكل لكل سكر مرة بعد مرة، حتى إنه لو لم تتبدل الحال، لعم ذلك كل سكر وحلو.","part":4,"page":61},{"id":1003,"text":"المسألة الرابعة مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر الناس جواز إثبات الحدود والكفارات بالقياس، خلافا لاصحاب أبي حنيفة.\rودليل ذلك النص، والاجماع، والمعقول.\rأما النص فتقرير النبي (ص)، لمعاذ في قوله اجتهد رأيي مطلقا من غير تفصيل وهو دليل الجواز، وإلا لوجب التفصيل، لانه في مظنة الحاجة إليه، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع.\rوأما الاجماع فهو أن الصحابة لما اشتوروا في حد شارب الخمر، قال علي رضي الله عنه: (إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدوه حد المفتري).\rقاسه على حد المفتري، ولم ينقل عن أحد من الصحابة في ذلك نكير، فكان إجماعا.\rوأما المعقول، فهو أنه مغلب على الظن، فجاز إثبات الحد والكفارة به لقوله، عليه السلام: نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر وقياسا على خبر الواحد.\rفإن قيل: ما ذكرتموه من الدلائل ظنية، والمسألة أصولية قطعية، فلا يسوغ التمسك بالظن فيها - سلمنا دلالة ما ذكرتموه على المطلوب، ولكنه معارض بما يدل على عدمه، وذلك من ثلاثة أوجه:\rالاول: أن الحدود والكفارات من الامور المقدرة التي لا يمكن تعقل المعنى الموجب تقديرها، والقياس فرع تعقل علة حكم الاصل، فما لا تعقل له من الاحكام علة، فالقياس فيه متعذر، كما في أعداد الركعات وأنصبة الزكاة ونحوها.\rالثاني: أن الحدود عقوبات، وكذلك الكفارات فيها شائبة العقوبة، والقياس","part":4,"page":62},{"id":1004,"text":"مما يدخله احتمال الخطإ، وذلك شبهة، والعقوبات مما تدرأ بالشبهات، لقوله، عليه السلام ادرؤوا الحدود بالشبهات.\rالثالث: أن الشارع قد أوجب حد القطع بالسرقة، ولم يوجبه بمكاتبة الكفار، مع أنه أولى بالقطع، وأوجب الكفارة بالظهار لكونه منكرا وزورا ولم يوجبها في الردة، مع أنها أشد في المنكر وقول الزور، فحيث لم يوجب ذلك فيما هو أولى، دل على امتناع جريان القياس فيه.\rوالجواب عن الاول: لا نسلم أن المسألة قطعية.\rوعن المعارضة الاولى أن الحكم المعدى من الاصل إلى الفرع إنما هو وجوب الحد والكفارة من حيث هو وجوب، وذلك معقول بما علم في مسائل الخلاف، لا أنه مجهول.\rوعن الثانية: لا نسلم احتمال الخطإ في القياس على قولنا إن كل مجتهد مصيب، وإن سلمنا احتمال الخطإ فيه، لكن لا نسلم أن ذلك يكون شبهة مع ظهور الظن الغالب، بدليل جواز إثبات الحدود والكفارات بخبر الواحد، مع احتمال الخطإ فيه لما كان الظن فيه غالبا.\rوعن الثالثة من وجهين: الاول أن غاية ما يقدر أن الشارع قد منع من إجراء القياس في بعض صور وجوب الحد والكفارة، وذلك لا يدل على المنع مطلقا، بل يجب اعتقاد اختصاص تلك الصور بمعنى لا وجود له في غيرها، تقليلا لمخالفة ما ذكرناه من الادلة.","part":4,"page":63},{"id":1005,"text":"الثاني، الفرق.\rوذلك: أما بين السرقة ومكاتبة الكفار فلان داعية الاراذل، وهم الاكثرون، متحققة بالنسبة إليها، فلولا شرع القطع، لكانت مفسدة السرقة، مما تقع غالبا، ولا كذلك في مكاتبة الكفار.\rوأما بين الظهار والردة، فهو أن الحاجة إلى شرع الكفارة في الردة دون الحاجة إلى شرعها في الظهار، وذلك لما ترتب على الردة من شرع القتل الوازع عنها بخلاف الظهار، وربما أورد الاصحاب مناقضة على أصحاب أبي حنيفة في منعهم من إيجاب الكفارة بالقياس، بإيجاب الكفارة بالاكل والشر ب في نهار رمضان، بالقياس على المجامع، وهو غير لازم على من قال منهم بذلك، وذلك لان العلة عندهم في حق المجامع لايجاب الكفارة مومى إليها في قصة الاعرابي، وهي عموم الافساد، فالحكم في الاكل والشرب يكون ثابتا بالاستدلال، أي بعلة مومى إليها، لا بالقياس، وذلك لان القياس لا بد فيه من النظر إلى حكم الاصل، إذ هو أحد أركان القياس، لضرورة اعتبار العلة الجامعة والعلة إذا كانت منصوصة أو مومى إليها، فقد ثبت اعتبارها بالنص، لا بحكم الاصل، ومهما كان الحكم في الاصل غير ملتفت إليه في اعتبار العلة، لاستقلال النص باعتبارها، فلا يكون الحكم في الفرع ثابتا بالقياس، لان العمل بالقياس لا بد فيه من النظر إلى حكم لاصل.\rوقد قيل إنه لا نظر إليه، بل غايته أن النص قد دل في الوقاع على الحكم وعلى العلة، فالحكم في الفرع إذا كان ثابتا بالعلة المنصوصة، لا يكون حكما بالقياس ولا بالنص، لعدم دلالة النص عليه، وإن دل على العلة ولا إجماع، لوقوع الخلاف فيه، وما كان ثابتا لا بنص ولا إجماع ولا قياس، فالذي ثبت به هو المعبر عنه بالاستدلال.","part":4,"page":64},{"id":1006,"text":"المسألة الخامسة\rذهب أكثر أصحاب الشافعي إلى جواز إجراء القياس في الاسباب، ومنع من ذلك أبو زيد الدبوسي وأصحاب أبي حنيفة، وهو المختار.\rوصورته إثبات كون اللواط سببا للحد، بالقياس على الزنا.\rودليل ذلك أن الحكمة وهي كونه إيلاج فرج في فرج محرم مشتهى طبعا التي يكون الوصف سببا بها، وهي الحكمة التي لاجلها يكون الحكم المرتب على الوصف ثابتا، وعند ذلك فقياس أحد الوصفين على الآخر في حكم السببية لا بد وأن يكون لاشتراكهما في حكمة الحكم بالسببية.\rوتلك الحكمة إما أن تكون منضبطة بنفسها ظاهرة جلية غير مضطربة، وإما أن تكون خفية مضطربة.\rفإن كان الاول، فلا يخلو إما أن يقال بأن الحكمة إذا كانت منضبطة بنفسها يصح تعليل الحكم بها أو لا يصح ؟ إذ الاختلاف في ذلك واقع: فإن قيل بالاول كانت مستقلة بإثبات الحكم (وهو الحد) المرتب على الوصف، ولا حاجة إلى الوصف المحكوم عليه بكونه سببا، للاستغناء عنه وإن كان الثاني، فقد امتنع التعليل والجمع بين الاصل والفرع بها.\rوأما إن كانت خفية مضطربة، فإما أن تكون مضبوطة بضابط أو لا، فإن كانت مضبوطة بضابط فذلك الضابط لها، هو السبب، وهو القدر المشترك بين الاصل والفرع، ولا حاجة إلى النظر إلى خصوص كل واحد من الوصفين المختلفين، وهما الزنى واللواط هنا المقتضي على أحدهما بالاصالة، والآخر بالفرعية.\rوإن لم تكن مضبوطة بضابط، فالجمع بها يكون ممتنعا إجماعا، لاحتمال التفاوت فيها بين الاصل والفرع، فإن الحكم مما يختلف باختلاف الصور والاشخاص والازمان والاحوال.\rفإن قيل: ما المانع أن يكون الوصف الجامع بينهما هو الحكمة ؟ وما ذكرتموه من كون الحكمة إذا كانت خفية مضطربة يمتنع الجمع بها، لاحتمال التفاوت فيها.","part":4,"page":65},{"id":1007,"text":"قلنا: احتمال التفاوت وإن كان قائما، غير أن احتمال التساوي راجح، وذلك لانه يحتمل أن تكون الحكمة التي في الفرع مساوية لما في الاصل، ويحتمل أن تكون راجحة، ويحتمل أن تكون مرجوحة وعلى التقديرين الاولين، فالمساواة حاصلة، وزيادة على التقدير الثاني منهما وإنما تكون مرجوحة على التقدير الثالث، وهو احتمال واحد، ولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب وقوعا من احتمال واحد بعينه، فكان الجمع أولى، ثم كيف وقد جعلتم القتل بالمثقل سببا لوجوب القصاص، بالقياس على القتل بالمحدد، وجعلتم اللواط سببا للحد، بالقياس على الزنى، وجعلتم النية في الوضوء شرطا لصحة الصلاة، بالقياس على نية التيمم.\rوالجواب: أما ما ذكروه من دليل ظهور التساوي في الحكمة، فلا يخلو إما أن يكون ذلك كافيا في الجمع، أو لا يكون كافيا: فإن كان كافيا، فليجمع بين الاصل والفرع في الحكم المرتب على السبب، ولا حاجة إلى الجمع بالسبب، وإن لم يكن ذلك كافيا، فهو المطلوب.\rوما ذكروه من الالزامات، فلا وجه لها.\rأما قياس القتل بالثقل على المحدد، فلم يكن ذلك في السببية، وإنما ذلك في إيجاب القصاص بجامع القتل العمد العدوان، وهو السبب لا غير.\rوأما قياس اللواط على الزنى، فإنما كان ذلك في وجوب الحد بجامع إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعا، محرم شرعا، وذلك هو السبب، مع قطع النظر عن خصوصية الزنى واللواط.\rوأما قياس الضوء على التيمم فإنما هو في اعتبار النية بجامع الطهارة المقصودة للصلاة، وذلك هو السبب، لا أن القياس في الاشتراط.\rوعلى هذا النحو كل ما يرد من هذا القبيل.","part":4,"page":66},{"id":1008,"text":"المسألة السادسة اختلفوا في جواز إجراء القياس في جميع الاحكام الشرعية: فأثبته بعض الشذوذ، مصيرا منه إلى أن جميع الاحكام الشرعية من جنس واحد، ولهذا تدخل جميعها تحت حد واحد، وهو حد الحكم الشرعي، وتشترك فيه، وقد جاز على بعضها أن يكون ثابتا بالقياس، وما جاز على بعض المتماثلات، كان جائزا على الباقي، وهو غير صحيح.\rوذلك أنه وإن دخلت جميع الاحكام الشرعية تحت حد الحكم الشرعي، وكان الحكم الشرعي من حيث هو حكم شرعي جنسا لها، غير أنها متنوعة ومتمايزة بأمور موجبة لتنوعها.\rوعلى هذا، فلا مانع أن يكون ما جاز على بعضها وثبت له، أن يكون ذلك له باعتبار خصوصيته وتعينه، لا باعتبار ما به الاشتراك وهو عام لها.\rكيف وإن ذلك مما يمتنع لثلاثة أوجه.\rالاول: أنا قد بينا امتناع إجراء القياس في الاسباب والشروط، وبينا أن حكم الشارع على الوصف بكونه سببا وشرطا حكم شرعي.\rالثاني: أن ذلك مما يفضي إلى أمر ممتنع، فكان ممتنعا، وبيان لزوم ذلك أن كل قياس لا بد له من أصل يستند إليه، على ما علم، فلو كان كل حكم يثبت بالقياس، لكان حكم أصل القياس ثابتا بالقياس، وكذلك حكم أصل أصله، فإن تسلسل الامر إلى غير النهاية امتنع وجود قياس ما، لتوقفه على أصول لا نهاية لها، وإن انتهى إلى أصل لا يتوقف على القياس على أصل آخر، فهو خلاف الفرض.\rالثالث: أن من الاحكام ما ثبت غير معقول المعنى، كضرب الدية على العاقلة\rونحوه، وما كان كذلك، فإجراء القياس فيه متعذر، وذلك لان القياس فرع تعقل علة حكم الاصل وتعديتها إلى الفرع، فما لا يعقل له علة، فإثباته بالقياس يكون ممتنعا.","part":4,"page":67},{"id":1009,"text":"خاتمة لهذا الباب القياس مأمور به لقوله تعالى: * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2) كما سبق تقريره وهو منقسم إلى واجب، ومندوب.\rوالواجب: منه منقسم إلى ما هو واجب على بعض الاعيان، وذلك في حق كل من نزلت به نازلة من القضاة والمجتهدين، ولا يقوم غيره فيها مقامه مع ضيق الوقت، وإلى ما هو واجب على الكفاية، وذلك بأن يكون كل واحد من المجتهدين يقوم مقام غيره في تعريف حكم ما حدث من الواقعة بالقياس.\rوأما المندوب، وهو القياس فيما يجوز حدوثه من الوقائع، ولم يحدث بعد، فإن المكلف قد يندب إليه ليكون حكمه معدا لوقت الحاجة، وهل يوصف القياس بكونه دينا لله تعالى، فذلك مما وصفه به القاضي عبد الجبار مطلقا، ومنع منه أبو الهذيل، وفصل الجبائي بين الواجب والمندوب منه فوصف الواجب بذلك دون المندوب.\rوالمختار أن يقال: إن عني بالدين ما كان من الاحكام المقصودة بحكم الاصالة، كوجوب الفعل وحرمته ونحوه، فالقياس واعتباره ليس بدين، فإنه غير مقصود لنفسه، بل لغيره.\rوإن عني بالدين ما تعبدنا به، كان مقصودا أصليا أو تابعا، فالقياس من الدين لانا متعبدون به على ما سبق.\rوبالجملة فالمسألة لفظية","part":4,"page":68},{"id":1010,"text":"الباب الخامس في الاعتراضات الواردة على القياس وجهات الانفصال عنها.\rأما الاعتراضات الواردة على قياس العلة فخمسة وعشرون اعتراضا.\rالاعتراض الاول - الاستفسار وهو طلب شرح دلالة اللفظ المذكور، وإنما يحسن ذلك إذا كان اللفظ مجمل مترددا بين محامل على السوية، أو غريبا لا يعرفه السامع المخاطب، فعلى السائل بيان كونه مجملا أو غريبا لان الاستفسار عن الواضح عناد أو جهل.\rولهذا قال القاضي أبو بكر: ما ثبت فيه الاستبهام، صح عنه الاستفهام، ولذلك وجب أن يكون سؤال الاستفسار أولا، وما سواه متأخرا عنه، لكونه فرعا على فهم معنى اللفظ: وصيغه متعددة:","part":4,"page":69},{"id":1011,"text":"فمنها (الهمزة)، كقوله أعندك زيد ؟ وهي الاصل في الاستفسار، إذ لا ترد لغيره، بخلاف غيرها من الاسئلة، فإنها قد ترد لغير الاستفهام.\rفمن ذلك (هل) وهي تلي الهمزة في الرتبة، إذ هي أصل في الاستفهام، كقولك هل زيد موجود ؟ ولكنها قد ترد نادرا للتأكيد، كقوله تعالى: * (هل أتى على الانسان حين من الدهر) * (الانسان: 1) والمراد به: قد أتى.\rومن ذلك (ما) فإنها قد ترد بمعنى الاستفهام، كقولك ما عندك ؟ ولكنها قد ترد للنفي، كقولك ما رأيت أحدا وللتعجب، كقولك ما أحسن زيدا إلى معان أخر، ولذلك، كانت متأخرة في الرتبة عن (هل).\rومن ذلك (من) وهي قد ترد بمعنى الاستفهام، كقولك من عندك ؟ وقد ترد بمعنى الشرط والجزاء، كقوله عليه السلام من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن وقد ترد بمعنى الخبر، كقولك جاءني من أحبه وهي مختصة بمن يعقل، دون ما لا يعقل، وهي متأخرة في الرتبة عن (ما) لان (ما) قد ترد لما\rلا يعقل ولمن يعقل كقوله تعالى: * (والسماء وما بناها) * أي: ومن بناها.\rومن ذلك (أين) وهي سؤال عن المكان.\rو (متى) عن الزمان.\rو (كيف) عن الكيفية.\rو (كم) عن الكمية.\rو (أي) عن التمييز.\rوالهمزة تقوم مقام الكل في السؤال.\rوإذا ثبت أن شرط قبول الاستفسار كون اللفظ مجملا أو غريبا، فيجب على السائل بيان ذلك لصحة سؤاله.\rفإن قيل: لا خفاء بأن ظهور الدليل شرط في صحة الدليل، كما سبق، وإنما يتم الظهور، أن لو لم يكن اللفظ مجملا، فنفي الاجمال إذا شرط في الدليل، وبيان شرط الدليل على المستدل لا على المعترض.\rقلنا: ظهور الدليل، وإن كان متوقفا على نفي الاجمال، غير أن الاصل عدم الاجمال.","part":4,"page":70},{"id":1012,"text":"وسؤال الاستفسار يستدعي الاجمال المخالف للاصل، فكان بيانه على المستفهم، ولا تقبل منه دعوى الاجمال بجهة الاشتراك أو الغرابة، بناء على أنه لم يفهم منه شيئا فيما كان ظاهرا مشهورا في ألسنة أهل اللغة والشرع، لانتسابه إلى العناد، لعدم خفائه عليه في الغالب، لكن إن بين الاجمال بجهة الغرابة بطريقة أو بجهة الاشتراك بسبب تردده بين احتمالين، كفاه ذلك من غير احتياج إلى بيان التسوية بينهما، لان الاصل عدم الترجيح، ولعدم قدرته على بيان التسوية وقدرة المستدل على الترجيح، وطريق المستدل في جواب دفع الاجمال بجهة الغرابة، التفسير إن عجز عن إبطال غرابته، وفي جواب دفع الاجمال بجهة الاشتراك، منع تعدد محامل اللفظ إن أمكن، أو بيان الظهور في أحد الاحتمالين، وله فيه طريق تفصيلي بالنقل عن أهل الوضع أو الشرع أو ببيان أنه مشهور\rفيه، والشهرة دليل الظهور والحقيقة غالبا، وطريق إجمالي، وهو أن يقول: الاجمال على خلاف الاصل لاخلاله بالتفاهم، فيجب اعتقاد ظهوره في أحد الاحتمالين نفيا للاجمال عن الكلام، وهو وإن لزم منه التجوز في أحدهما، وهو خلاف الاصل أيضا، غير أن محذور الاشتراك أعظم من محذور التجوز، كما سبق تقريره.\rوإن تعذر عليه بيان ذلك فقد يقدر على دفع الاجمال أيضا بدعوى كون اللفظ متواطئا فيهما لموافقته لنفي الاجمال والتجوز، أو أن يفسر لفظه بما أراد منهما.","part":4,"page":71},{"id":1013,"text":"الاعتراض الثاني فساد الاعتبار ومعناه أن ما ذكرته من القياس لا يمكن اعتباره في بناء الحكم عليه، لا لفساد في وضع القياس وتركيبه، وذلك كما إذا كان القياس مخالفا للنص، فهو فاسد الاعتبار لعدم صحة الاحتجاج به مع النص المخالف له.\rوقد مثل ذلك أيضا بقياس الكافر على المسلم في صحة الظهارة، وبقياس الحي على الميت في المضمضة وقياس الصبي على البالغ في إيجاب الزكاة، من جهة الظهور الفرق بين الاصل والفرع.\rوعلى هذا النحو كل قياس ظهر الفارق في بين الاصل والفرع.\rوأقرب هذه الامثلة إنما هو المثال الاول: لانه مهما ثبت أن القياس مخالف للنص، كان باطلا لما سبق تقريره.\rوأما باقي الامثلة، فحاصلها يرجع إلى إبداء الفرق بين الاصل والفرع، وهو سؤال آخر غير سؤال فساد الاعتبار، وسيأتي الكلام عليه.\rوجوابه إما بالطعن في سند النص إن أمكن، أو بمنع الظهور أو التأويل أو القول بالموجب أو المعارضة بنص آخر، ليسلم له القياس، أو أن يبين أن القياس من قبيل ما يجب ترجيحه على النص المعارض له بوجه من وجوه الترجيحات المساعدة له","part":4,"page":72},{"id":1014,"text":".\rالاعتراض الثالث فساد الوضع واعلم أن صحة وضع القياس أن يكون على هيئة صالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه وفساد الوضع لا يكون على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه.\rوقد مثله الفقهاء بما تلقي الحكم فيه من مقابله، كتلقي التضييق من التوسيع، والتخفيف من التغليظ، والاثبات من النفي، وبالعكس وأن يكون ما جعله علة للحكم مشعرا بنقيض الحكم المرتب عليه، وذلك كقولهم في النكاح بلفظ الهبة: لفظ ينعقد به غير النكاح، فلا ينعقد به فإنه من حيث إنه ينعقد به غير النكاح يقتضي انعقاد النكاح به، لا عدم الانعقاد، لان الاعتبار يقتضي الاعتبار، لا عدم الاعتبار.\rومن هذا فكل فاسد الوضع فاسد الاعتبار وليس كل فاسد الاعتبار يكون فاسد الوضع، لان القياس قد يكون صحيح الوضع، وإن كان اعتباره فاسدا بالنظر إلى أمر خارج، كما سبق تقريره.\rولهذا، وجب تقديم سؤال فساد الاعتبار على سؤال فساد الوضع، لان النظر في الاعم يجب أن يتقدم على النظر في الاخص، لكون الاخص مشتملا على ما اشتمل عليه الاعم وزيادة.\rوإذا عرف ما قررناه في سؤال فساد الوضع، فلقائل أن يقول: اقتضاء الوصف لنقيض الحكم المرتب عليه: اما يدعي انه يراد به اقتضاؤه له مناسب نقيض الحكم على ما هو اشعار اللفظ واما اعتبار الوصف في نقض الحكم في صوره كما قاله بعض المتأخين فان كان الاول فاما أن يدعي أنه مناسب لنقيض الحكم من الجهة التي تمسك بها المستدل، أو من جهة أخرى،","part":4,"page":73},{"id":1015,"text":"فإن كان ذلك من الجهة التي تمسك بها المستدل فيلزم منه أن يكون وصف المستدل غير مناسب لحكمه، ضرورة أن الوصف الواحد لا يناسب حكمين متقابلين من جهة واحدة، ولكن يرجع حاصله إلى القدح في المناسبة وعدم التأثير، لاأنه سؤال آخر.\rوإن كان ذلك من جهة أخرى، فلا يمتنع مناسبة وصف المستدل لحكمه من الجهة التي تمسك بها، ويرجع حاصله إلى سؤال الاشتراك في الدلالة وهو حقيقة العارضة لانه سؤال آخر وان اريد باقتضائه لنقيض الحكم اعتباره في نقيض الحكم فلا يخلوا اما ان يكون معتبرا في نقيض الحكم من الجهة التي تمسك بها المستدل من جهة اخرى فان كان من جهة اخرى فلا يقدح في اعتباره في حكم المستدل من جهته فانه جاز ان يعتبر الوصف الواحد في حكمين متقابلين يكون من جهتين كالصلاة في الدار المغصوبة وان كان معتبرا في نقيض الحكم من الجهة التى تمسك بها المستدل فانه وان منع اعتباره في حكم المستدل ضرورة امتناع اعتباره من جهة واحدة في حمين متقابيلن، غير ان حاصله يرجع إلى سؤال القلب كما ياتي تحقيقه وسواء كان اعتباره في نقيض الحكم متفقا عليه أو ثلبتا بالدليل لانه سؤال آخر وقد يشبه بسؤال النقض من وجه آخر من حيث انا وجدنا العلة في صورة مع انتفاء الحكم لكن مع مزيد وهو كون العلة في صورة النقض هو علة النقض وجوابه من وجهين الاول مع اقتضاء الوصف لنقض الحكم والقدح فيما ابداه المعترض الثاني ان نسلم ذلك ونبين انه يقتضي الحكم الذي قصده من جهة اخرى ثم لا يخلو: إما أن تكون جهة المناسبة لنقيض الحكم معتبرة في صوره، أو غير معتبرة، فإن لم تكن معتبرة، كان ما يبديه المستدل من جهة المناسبة كافيا في دفع السؤال، ضرورة كونها معتبرة، ومناسبة المعترض غير معتبرة.\rوإن كانت مناسبة المعترض معتبرة، فإن أورد المعترض ما ذكره في معرض المعارضة، فقد انتقل عن سؤاله الاول إلى سؤال المعارضة، ووجب على المستدل الترجيح لما ذكره، ضرورة\rالتساوي في المناسبة والاعتبار، وإن لم يورد ذلك في معرض المعارضة وبقي مصرا على السؤال الاول فلا يحتاج المستدل إلى الترجيح لكونه خاصا بالمعارضة.\rوهذا من مستحسنات صناعة الجدل، فليتأمل.","part":4,"page":74},{"id":1016,"text":"الاعتراض الرابع منع حكم الاصل ولما كان منع حكم الاصل من قبيل النظر في تفصيل القياس، كان متأخرا عما قبله، لكون ما قبله نظرا في القياس من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل.\rوالنظر في الجملة يتقدم على النظر في التفصيل.\rومثاله ما لو قال الشافعي في إزالة النجاسة مثلا: مائع لا يرفع الحدث، فلا يزيل حكم النجاسة، كالدهن.\rفقال الحنفي: لا أسلم الحكم في الاصل، فإن الدهن عندي مزيل لحكم النجاسة.\rوقد اختلف الفقهاء في انقطاع المستدل بتوجيه منع حكم الاصل عليه: فمنهم من قال بانقطاعه، لانه أنشأ الكلام للدلالة على حكم الفرع، لا على حكم الاصل، فإذا منع حكم الاصل، فإما أن يشرع في الدلالة عليه، أو لا يشرع: فإن لم يشرع في الدلالة عليه لم يتم دليله على مقصوده، وهو انقطاع، وإن شرع في الدلالة عليه، فقد ترك ما كان بصدد الدلالة عليه أولا، وعدل عما أنشأه من الدليل على حكم الفرع إلى الدلالة على حكم الاصل، ولا معنى للانقطاع سوى هذا.\rومنهم من قال: لا يكون منقطعا، لانه إنما أنشأ الدليل على حكم الفرع إنشاء من يحاول تمشيته وتقريره، وبالدلالة على حكم الاصل يحصل هذا المقصود، لا أنه تارك لما شرع فيه أولا، ولا منع من ذلك، فإن الحكم في الفرع، كما يتوقف على وجود علة الاصل في الاصل، وكونها علة فيه، وعلى وجودها في الفرع، يتوقف\rعلي ثبوت حكم الاصل، وكل ذلك من أركان القياس، ولم يمنع أحد من محاولة تقرير القياس عند منع وجود علة الاصل ومنع كونها علة فيه، ومنع وجودها في الفرع من الدلالة على محل المنع، فكذلك حكم الاصل، ضرورة التساوي بين الكل في افتقار صحة القياس إليه.\rومنهم من فصل بين أن يكون المنع خفيا، وبين أن يكون ظاهرا، فحكم بانقطاعه عند ظهور المنع، وبعدم انقطاعه عند خفائه، لظهور عذره.","part":4,"page":75},{"id":1017,"text":"وهذا هو اختيار الاستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني.\rومنهم من قال: يجب اتباع عرف المكان الذي هو فيه ومصطلح أهله في ذلك.\rوهذا هو اختيار الغزالي.\rوالمختار أنه لا يعد منقطعا إذا دل على موقع المنع، لما قررناه فيما تقدم.\rوقد بينا شرط الدلالة على حكم الاصل، في أركان القياس.\rوقد قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: لا يفتقر إلى الدلالة على محل المنع، بل له أن يقول: إنما قست على أصلي ولا وجه لذلك، فإنه إن قصد إثبات الحكم على أصل نفسه، فالخصم غير منازع له في ثبوت حكم الفرع على أصله، ولا وجه للمناظرة بينهما في ذلك.\rوإن قصد إثبات الحكم في الفرع بالنسبة إلى الخصم بحيث يوجب الانقياد إليه، فذلك متعذر مع منع حكم الاصل، وعدم ثبوته بالدلالة.\rوإنما يتصور الاستغناء عن الدلالة على حكم الاصل، إذا كان اللفظ الدال على حكم الاصل عاما، وهو منقسم إلى ممنوع وغير ممنوع، كالدهن، فإنه وإن منع الحكم في الطاهر منه، فهو غير ممنوع في الدهن النجس، وعند ذلك فله أن يقول: إنما قست على الدهن النجس دون الطاهر، وإن كان قياسي عليهما، فغايته القياس على أصلين وقد بطل التمسك بأحدهما، فيبقى\rالتمسك بالآخر.\rوإذا ذكر الدليل على موقع المنع، فمنهم من حكم بانقطاع المعترض لتبين فساد المنع وتعذر الاعتراض منه على دليل المستدل لافضائه إلى التطويل فيما هو خارج عن المقصود الاصلي في أول النظر.\rومنهم من قال: لا يعد منقطعا، ولا يمنع من الاعتراض على دليل المنع، ولا يكتفي من المستدل بما يدعيه دليلا، وإلا لما كان لقبول المنع معنى، بل الانقطاع إنما يتحقق في حق كل واحد بعجزه عما يحاوله نفيا وإثباتا، وهذا هو المختار.","part":4,"page":76},{"id":1018,"text":"الاعتراض الخامس التقسيم وهو في عرف الفقهاء: عبارة عن ترديد اللفظ بين احتمالين، أحدهما ممنوع، والآخر مسلم، غير أن المطالبة متوجهة ببناء الغرض عليه، إما أنه لا بد من ترديده بين احتمالين، لانه لو لم يكن محتملا لامرين، لم يكن للترديد والتقسيم معنى، بل كان يجب حمل اللفظ على ما هو دليل عليه، وإما أنه لا بد وأن يكون احتمال اللفظ لهما على السوية، لانه لو كان ظاهرا في أحدهما، لم يكن للتقسيم أيضا وجه، بل كان يجب تنزيل اللفظ على ما هو ظاهر فيه، كان ممنوعا أو مسلما.\rوذلك كما لو قال المستدل في البيع بشرط الخيار، وجد سبب ثبوت الملك للمشتري، فوجب أن يثبت، وبين وجود السبب بالبيع الصادر من الاهل من المحل، فقال المعترض: السبب هو مطلق بيع أو البيع المطلق، أي الذي لا شرط فيه: الاول ممنوع، والثاني مسلم، ولكن لم قلت بوجوده.\rولقائل أن يقول: التقسيم وإن كان من شرطه تردد اللفظ بين احتمالين على السوية، فليس من شرطه أن يكون أحد الاحتمالين ممنوعا، والآخر مسلما، بل كما يجوز أن يكون كذلك، يجوز أن يشترك الاحتمالان في التسليم، ولكن بشرط أن يختلفا باعتبار ما يرد على كل واحد منهما من الاعتراضات القادحة فيه، وإلا\rفلو اتحدا فيما يرد عليهما من الاعتراضات، مع التساوي في التسليم، لم يكن للتقسيم معنى، بل كان يجب تسليم المدلول وإيراد ما يختص به.\rولا خلاف أنهما لو اشتركا في المنع أن التقسيم لا يكون مفيدا.","part":4,"page":77},{"id":1019,"text":"وعلى هذا فلو أراد المعترض تصحيح تقسيمه، فيكفيه بيان إطلاق اللفظ بإزاء الاحتمالين من غير تكليف ببيان التساوي بينهما في دلالة اللفظ عليهما بجهة التفصيل، لان ذلك مما يعسر من جهة أن ما من وجه يبين التساوي فيه إلا وللمستدل أن يقول: ولم قلت بعدم التفاوت من وجه آخر ؟ بلى لو قيل إنه يكلف التساوي بينهما من جهة الاجمال، وهو أن يقول: التفاوت يستدعي ترجح أحدهما على الآخر وزيادته عليه، والاصل عدم تلك الزيادة، لم يكن ذلك شاقا، وكان وافيا بالدلالة على شرط التقسيم.\rولو ذكر المعترض احتمالين لا دلالة للفظ المستدل عليهما، وأورد الاعتراض عليهما، كما لو قال المستدل في مسألة الالتجاء إلى الحرم: وجد سبب استيفاء القصاص، فيجب استيفاؤه.\rوبين وجود السبب بالقتل العمل العدوان، فقال المعترض: متى يمكن القول بالاستيفاء إذا وجد المانع، أو إذا لم يوجد ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم.\rولكن، لم قلت إنه لم يوجد، وبيان وجوده أن الحرم مانع، وبينه بطريقة لم يخل إما أن يورد ذلك بناء على أن لفظ المستدل متردد بين الاحتمالين المذكورين، أو على دعواه الملازمة بين الحكم ودليله: فإن كان الاول فهو باطل لعدم تردد لفظ السبب بين ما ذكر من الاحتمالين، وإن كان الثاني، فإن اقتصر على المطالبة ببيان انتفاء المانع، فهو غير مقبول، لما تقرر في الاصطلاح من حط مؤنة ذلك عن المناظر في الموانع والمعارضات المختلف فيها، وإن أضاف إلى ذلك الدلالة على وجود المعارض، فحاصل السؤال يرجع إلى المعارضة، ولا حاجة إلى التقسيم وإذا اتجه سؤال التقسيم على التفسير\rالاول.\rفجوابه من جهة الجدل من ستة أوجه: الاول: أن يعين المستدل بعض محامل لفظه، ويبين أن اللفظ موضوع بإزائه حقيقة في لغة العرب، إما بالنفل عن أهل الوضع، أو الشارع الصادق،","part":4,"page":78},{"id":1020,"text":"أو ببيان كونه مشهورا به في الاستعمال، فيكون حقيقة، لانه الغالب، وبما يساعد من الادلة، ومع بيان ذلك، فالتقسيم يكون مردودا، لتبين فوات شرطه من التساوي في الدلالة.\rالثاني: أن يقول إنه، وإن لم يكن ظاهرا بحكم الوضع فيما عينته من الاحتمال، غير أنه ظاهر بعرف الاستعمال، كما في لفظ الغائط ونحوه.\rالثالث: أنه، وإن لم يكن ظاهرا بالامرين، إلا أنه ظاهر في عرف الشرع، كلفظ الصلاة والصوم ونحوه.\rالرابع: أنه، وإن تعذر كونه ظاهرا بأحد الانحاء المذكورة، لكنه ظاهر بحكم ما اقترن به من القرائن المساعدة له في كل مسألة.\rالخامس: أنه، وإن تعذر بيان الظهورية بأحد الطرق المفصلة، فله دفع التقسيم بوجه إجمالي، وهو أن يقول: الاجمال على خلاف الاصل، فيجب اعتقاد ظهور اللفظ في بعض احتمالاته، ضرورة نفي الاجمال عن اللفظ.\rومع ذلك فالتقسيم لا يكون واردا.\rوقد يقدر على بيان كون اللفظ ظاهرا فيما عينه بهذا الطريق الاجمالي، وهو أن يقول: إذا ثبت أنه لا بد وأن يكون اللفظ ظاهرا في بعض محامله، نفيا للاجمال عن الكلام، فيجب اعتقاد ظهوره فيما عينه المستدل، ضرورة الاتفاق على عدم ظهوره فيما عداه، أما عند المعترض، فلضرورة دعواه الاجمال في اللفظ.\rوأما عند المستدل، فلضرورة دعواه أنه ظاهر فيما ادعاه دون غيره.\rالسادس: أن يبين أن اللفظ له احتمال آخر غير ما تعرض له المعترض بالمنع والتسليم، وأنه مراده، إلا أن يحترز المعترض عن ذلك بأن يعين مجملا، ويقول: إن أردت هذا، فمسلم.\rولكن لم قلت ببناء الغرض عليه.\rوإن أردت ما عداه، فممنوع.\rفما مثل هذا الجواب لا يكون متجها، وإن أراد المستدل الجواب الفقهي، فإن كان قادرا على تنزيل كلامه على أحد القسمين، فالاولى في الاصطلاح تنزيله على أحدهما، حذرا من التطويل، وليكن منزلا على أسهلهما في التمشية والقرب إلى المقصود إن أمكن، وإن كان الجمع جائزا شرعا.\rوإن لم يقدر على شئ من ذلك، كان منقطعا.","part":4,"page":79},{"id":1021,"text":"وأما موقع سؤال التقسيم، فيجب أن يكون بعد منع حكم الاصل، لكونه متعلقا بالوصف المتفرع عن حكم الاصل، وأن يكون مقدما على منع وجود الوصف لدلالة منع الوجود على تعيين الوصف والتقسيم على الترديد وإن يكون مقدما على سؤال المطالبة بتأثير الوصف المدعي علة لكونه مشعرا بترديد لفظ المستدل بين أمرين والمطالبة بتأثير الوصف مشعرة بتسليم كونه مدلولا للفظ لا غير، ضرورة تخصيصه بالكلام عليه، وإلا كان التخصيص به غير مفيد، وإيراد ما يشعر بالترديد بعد ما يشعر بتسليم اتحاد المدلول يكون متناقضا.\rوقد علل ذلك بعض أرباب الاصطلاح بأن المطالبة بتأثير الوصف تستدعي تسليم وجود الوصف.\rوالتقسيم مشتمل على منع الوجود، ومنع الوجود بعد تسليم الوجود لا يكون مقبولا، لما فيه من التناقض، وهو غير صحيح لوجهين: الاول أن ما ذكره إنما هو مبني على أن أحد القسمين لا بد وأن يكون ممنوع الوجود، وليس كذلك لما سبق في مبدأ السؤال وبتقدير أن يكون أحد القسمين ممنوع الوجود فإنما يلزم التناقض والمنع بعد التسليم، أن لو كان ما أورد عليه سؤال المطالبة أو لا هو نفس القسم الذي منع\rوجوده في التقسيم، وبتقدير أن يكون غيره، فلا.\rوبالجملة فيمتنع أيضا قبول سؤال التقسيم بعد سؤال الاستفسار لان المسؤول إن كان قد دفع سؤال الاستفسار جدلا بنفي الاجمال فالتقسيم بعده لا يرد، ضرورة توقفه على الاجمال، وقد انتفى.\rوإن أجاب عنه بتعيين ما قصده بكلامه، فبعد التعيين لا حاجة إلى التقسيم، بل يجب ورود الاعتراض على عينه دون غيره.","part":4,"page":80},{"id":1022,"text":"الاعتراض السادس منع وجود العلة في الاصل ولكون النظر في علة الاصل متفرعا عن حكم الاصل، وجب تأخيره عن النظر في حكم الاصل، وعن التقسيم، لما ذكرناه في السؤال الذي قبله.\rومثاله ما لو قال الشافعي في مسألة جلد الكلب مثلا: حيوان يغسل الاناء من ولوغه سبعا، فلا يطهر جلده بالدباغ كالخنزير، فيقول الخصم: لا أسلم وجوب غسل الاناء من ولوغ الخنزير سبعا.\rوجوابه بذكر ما يدل على وجوده من العقل أو الحس أو الشرع، على حسب حال الوصف في كل مسألة، أو أن يفسر لفظه بما لا يمكن الخصم منعه، وإن كان احتمال اللفظ له بعيدا.\rوذلك كما لو قال في المثال المذكور أعني به ما إذا لم يغلب على ظنه الطهارة وإن فسر لفظه بما له وجود في الاصل، غير أن لفظه لا يحتمله لغة فالمختار أنه لا يقبل، وإن ذهب إلى قبوله بعض المتأخرين، وذلك، لان وضع اللفظ إنما كان لقصد تحصيل المعنى منه وأن يعرف كل أحد ما في ضميره لغيره بواسطة اللفظ المستعمل، وذلك مشروط بضبط الوضع ضبطا يمتنع معه دخول الزيادة والنقصان.\rوإذا قبل من كل أحد تفسير لفظه بما لا يحتمله لغة، حالة عجزه عن تقرير كلامه، أفضى ذلك\rإلى اضطراب اللغة وإبطال فائدة وضعها، كيف وإن إطلاقه لذلك اللفظ دليل ظاهر على إرادة مدلوله، وعدوله عند المنع مشعر بالانقطاع في تقريره.","part":4,"page":81},{"id":1023,"text":"الاعتراض السابع منع كون الوصف المدعى علة ولما كانت العلية صفة للوصف المذكور ومتوقفة على وجوده، وجب أن يكون النظر فيها نفيا وإثباتا، متأخرا عن النظر في وجود الوصف.\rوهذا هو أعظم الاسئلة الواردة على القياس، لعموم وروده على كل ما يدعى كونه علة، واتساع طرق إثباته، وتشعب مسالكه، كما تقدم تقريره.\rوقد اختلف العلماء في قبوله نفيا وإثباتا والمختار لزوم قبوله.\rوذلك، لان إثبات الحكم في الفرع مما لا يمكن إسناده إلى مجرد إثبات حكم الاصل دون جامع بينهما.\rوالجامع يجب أن يكون في الاصل بمعنى الباعث، لا بمعنى الامارة، على ما سبق تقريره.\rوالوصف الطردي لا يصلح أن يكون باعثا، فيمتنع التمسك به في القياس، فلو لم يقبل منع تأثير الوصف والمطالبة بتأثيره، أفضى ذلك إلى التمسك بالاوصاف الطردية، ثقة من المتكلم بامتناع مطالبته بالتأثير.\rولا يخفى وجه فساده.\rوأيضا، فإن الاصل عدم الدليل الدال على جواز التمسك بالقياس، غير أنا استثنينا منه ما كانت علة القياس فيه مخيلة، أو شبهية لاجماع الصحابة عليه، ولم ينقل عنهم أنهم تمسكوا بقياس علته طردية، فبقينا فيه على حكم الاصل.\rفلذلك وجب قبول سؤال منع التأثير وبيان كون الوصف مؤثرا.\rوعند هذا، فلا بد من ذكر شبه الرادين له وتحقيق جوابها.\rوقد احتجوا بشبه.\rالاولى: أنه لو قبل سؤال منع التأثير، فما من دليل يذكره المستدل على كون\rالوصف علة إلا وهذا السؤال وارد عليه، إلى ما لا يتناهى، فيجب رده حفظا للكلام عن الخبط والنشر.","part":4,"page":82},{"id":1024,"text":"الثانية: أنه لا معنى للقياس سوى رد الفرع إلى الاصل بجامع، وقد أتى به المستدل، وخرج عن وظيفته، فعلى المعترض القدح فيه.\rالثالثة: أن الاصل أن كل ما ثبت الحكم عقيبه في الاصل أن يكون علة، فمن ادعى أن الوصف الجامع ليس بعلة، احتاج إلى بيانه.\rالرابعة: أنا بحثنا فلم نجد سوى هذه العلة، فعلى المعترض القدح فيها، أو إبداء غيرها.\rالخامسة: أنهم قالوا: عجز المعترض عن الاعتراض على الوصف المذكور دليل صحته كالمعجزة، فالمنع من الصحة مع وجود دليل الصحة لا يكون مقبولا.\rالسادسة: قولهم حاصل هذا السؤال يرجع إلى المنازعة في علة الاصل، ويجب أن يكون متنازعا فيها، ليتصور الخلاف في الفرع.\rالسابعة: أن حاصل القياس يرجع إلى تشبيه الفرع بالاصل، والشبه حجة.\rوقد تحقق ذلك بما ذكر من الوصف الجامع، فلا حاجة إلى إبداء غيره.\rالثامنة: قولهم: هذا الوصف مطرد لم يتخلف حكمه عنه في صورة، فكان صحيحا.\rوالجواب عن الاولى: أن التسلسل منقطع بذكر ما يفيد أدنى ظن بالتعليل من الطرق التي بيناها قبل، فإن المطالبة بعلية ما غلب على الظن كونه علة بعد ذلك يكون عنادا، وهو مردود إجماعا.\rوعن الثانية: بمنع تحقق القياس بجامع لا يغلب على الظن كونه علة.\rوعن الثالثة: بمنع أن الاصل علية كل ما ثبت الحكم معه من الاوصاف.\rوعن الرابعة: أن البحث مع عدم الاطلاع على غير الوصف المذكور طريق من طرق إثبات العلة، كما سبق، فكان ذلك جوابا عن سؤال المطالبة وقبولا له،\rلا أنه رد له.","part":4,"page":83},{"id":1025,"text":"وعن الخامسة: أنه لو كان عجز المعترض عن الاعتراض دليل صحة العلة، لكان عجز المستدل عن تصحيح العلة دليل فسادها، ولا أولوية، ولكان عجز المعترض عن الاعتراض على إبطال ما ادعى من الحكم في الفتوى دليلا على ثبوت الحكم، ولم يقل به قائل.\rوعن السادسة: أن علة الاصل، وإن كانت متنازعا فيها، فلا بد من دليل ظني يدل على كونها علة كما في الحكم المختلف فيه.\rوعن السابعة: أن إثبات الحكم في الفرع متوقف على ظن إثباته، ولا نسلم أن مطلق المشابهة بين الاصل والفرع في مطلق وصف، مفيد للظن.\rوعن الثامنة: أن حاصلها يرجع إلى الاكتفاء بالوصف الطردي، لكونه غير منتقض، وهو باطل بما سبق في طرق إثبات العلة.\rوإذا علم أنه لا بد من قبول سؤال المطالبة بالتأثير، وأنه لا بد من الدلالة على كون الوصف علة، وطريق إثبات ذلك ما يساعد من الادلة التي قررناها قبل.","part":4,"page":84},{"id":1026,"text":"الاعتراض الثامن سؤال عدم التأثير وهو إبداء وصف في الدليل مستغنى عنه في إثبات الحكم أو نفيه.\rوقد قسمه الجدليون أربعة أقسام: الاول: عدم التأثير في الوصف، وذلك بأن يكون الوصف المأخوذ في الدليل طرديا، لا مناسبة فيه ولا شبه، وذلك كما يقال في صلاة الصبح صلاة لا يجوز قصرها، فلا تقدم في الاداء على وقتها كالمغرب، فإن عدم القصر وصف طردي بالنسبة إلى الحكم المذكور.\rالثاني: عدم التأثير في الاصل، وهو أن يكون الوصف قد استغني عنه في إثبات\rالحكم في الاصل المقيس عليه بغيره، وذلك كما إذا قال المستدل في بيع الغائب، مبيع غير مرئي، فلا يصح بيعه، كالطير في الهواء، والسمك في الماء، فإن ما وجد في الاصل من العجز عن التسليم مستقل بالحكم.\rوهذا النوع مما اختلف فيه، فرده الاستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني ومن تابعه، مصيرا منهم إلى أنه إشارة إلى علة أخرى في الاصل، ولا يمتنع تعليل الحكم الواحد في محل واحد بعلتين.\rومنهم من قبله، مصيرا منهم إلى امتناع تعليل الحكم بعلتين، وقد سبق تقرير كل واحد من المأخذين، وما هو المختار منهما.\rالثالث: عدم التأثير في الحكم، وهو أن يذكر في الدليل وصفا لا تأثير له في الحكم المعلل، وذلك، كما لو قال المستدل في مسألة المرتدين إذا أتلفوا أموالنا: طائفة مشركة، فلا يجب عليهم الضمان بتلف أموالنا في دار الحرب كأهل الحرب، فإن الاتلاف في دار الحرب لا تأثير له في نفي الضمان، ضرورة الاستواء في الحكم عندهم بين الاتلاف في دار الحرب ودار الاسلام.","part":4,"page":85},{"id":1027,"text":"وحاصل هذا القسم يرجع إلى عدم التأثير في الوصف بالنسبة إلى الحكم المذكور إن كان طرديا، أو إلى سؤال الالغاء إن كان مؤثرا.\rالرابع: عدم التأثير في محل النزاع، وهو أن يكون الوصف المذكور في الدليل لا يطرد في جميع صور النزاع، وإن كان مناسبا.\rوذلك كما لو قال المستدل في مسألة ولاية المرأة: زوجت نفسها من غير كف، فلا يصح نكاحها.\rوذلك من حيث إن النزاع واقع فيما إذا زوجت نفسها من الكفء وغير الكفء.\rوهذا أيضا مما اختلف في قبوله، فرده قوم، مصيرا منهم إلى منع جواز الفرض\rفي الدليل، وقبله من لم يمنع من ذلك، وهو المختار على ما عرفناه في كتاب الجدل.\rوإذا بطل القسم الرابع، وهو عدم التأثير في محل النزاع، ورجع حاصل القسم الثالث، وهو عدم التأثير في الحكم، إلى عدم التأثير في الوصف أو الالغاء، فلم يبق غير عدم التأثير في الوصف وعدم التأثير في الاصل.\rوعدم التأثير في الوصف راجع إلى بيان انتفاء مناسبة الوصف، وسؤال المطالبة يغني عنه، وجوابه جوابه فلا يجتمعان، وعدم التأثير في الاصل، فحاصله يرجع إلى المعارضة في الاصل، لا أنه غيره.\rوجوابه جوابه كما يأتي.\rومع ذلك كله، فقد يكون أخذ الوصف الذي لا يناسب الحكم في الدليل مفيدا بأن يكون مشيرا إلى نفي المانع الموجود في صورة النقض، أو وجود الشرط الفائت فيها، لقصد دفع النقض، أو مشيرا إلى قصد الفرض في الدليل في بعض صور النزاع، كما ذكر من مثال أخذ الاتلاف في دار الحرب في مسألة المرتدين، ولا يكون عديم التأثير، إذ هو غير مستغنى عنه في إثبات الحكم، إما لقصد دفع النقض، أو لقصد الفرض.","part":4,"page":86},{"id":1028,"text":"الاعتراض التاسع القدح في مناسبة الوصف المعلل به وذلك بما يلزم من ترتيب الحكم على وفقه لتحصيل المصلحة المطلوبة منه وجود مفسدة مساوية لها، أو راجحة عليها.\rوقد بينا وجه الاختلاف فيه، وأن المختار إبطاله، لا أن يبين ترجيح المصلحة على المفسدة، إما بطريق إجمالي أو تفصيلي، كما بيناه فيما سبق.\rالاعتراض العاشر القدح في صلاحية إفضاء الحكم إلى ما علل به من المقصود وذلك كما لو عللت حرمة المصاهرة على التأبيد في حق المحارم بالحاجة إلى ارتفاع الحجاب بين الرجال والنساء إلى سد باب الفجور بالحرمة المؤبدة، وعلم\rالرجل بامتناع وصوله إلى الانثى على الوجه المشروع حتى ينسد عليه باب الطمع في مقدمات الهم بها والنظر إليها، فإن للمعترض أن يقول: هذا الحكم غير صالح لافضائه إلى هذا المقصود من حيث إن سد باب النكاح أدعى إلى محذور الوقوع في الزنى.\rوجوابه أن الحرمة المؤبدة، مما تمنع من النظر إلى المرأة بشهوة عادة، والامتناع العادي على مر الزمان يلتحق بالامتناع الطبعي، وبه يتحقق انسداد باب الفجور.","part":4,"page":87},{"id":1029,"text":"الاعتراض الحادي عشر أن يكون الوصف المعلل به باطنا خفيا وذلك لو علل بالرضا أو القصد، فإنه قد يقال القصد والرضا من الاوصاف الباطنة الخفية التي لا يطلع عليها بأنفسها فلا تكون علة للحكم الشرعي الخفي، ولا معرفة له.\rوجوابه أن يبين ضبط الرضا بما يدل عليه من الصيغ الظاهرة وضبط القصد بما يدل عليه من الافعال الظاهرة.\rوكل ذلك معلوم في الخلافيات.\rالاعتراض الثاني عشر أن يكون الوصف المعلل به مضطربا، غير منضبط كالتعليل بالحكم والمقاصد، مثل التعليل بالحرج والمشقة والزجر والردع ونحوه.\rفإنه قد يقال: مثل هذه الاوصاف مما تضطرب وتختلف باختلاف الاشخاص والازمان والاحوال.\rوما هذا شأنه فدأب الشارع فيه رد الناس إلى المظان الظاهرة الجلية، دفعا للعسر والحرج عن الناس في البحث عنها، ومنعا للاضطراب في الاحكام عند اختلاف الصور بسبب الاختلاف في هذه الاوصاف بالزيادة والنقصان.\rوجوابه إما ببيان كون ما علل به مضبوطا بنفسه أو بضابطه، كضبط الحرج والمشقة بالسفر ونحوه.","part":4,"page":88},{"id":1030,"text":"الاعتراض الثالث عشر - النقض وهو عبارة عن تخلف الحكم مع وجود ما ادعى كونه علة له، وقد أومأنا في مسألة تخصيص العلة إلى وجه دلالة ذلك على إبطالها ووجه الانفصال عنه فيما إذا كانت العلة منصوصة، أو مجمعا عليها، أو مستنبطة، وفي صورة النقض مانع أو فوات شرط، بالاستقصاء التام المفصل، والذي يختص بما نحن فيه هاهنا وجوه أخر في الجواب الاول منع وجود العلة في صورة النقض، إن أمكن.\rوذلك، كما لو قال الشافعي في مسألة زكاة الحلي مال غير نام، فلا تجب فيه الزكاة كثياب البذلة.\rفقال المعترض: هذا ينتقض بالحلي المحظور، فإنه غير نام، ومع ذلك فإن الزكاة تجب فيه.\rفقال المستدل: لا أسلم أن الحلي المحظور غير نام، وإنما كان منع وجود العلة في صورة النقض، دافعا للنقض لان النقض وجود العلة ولا حكم فإذا لم توجد العلة في صورة النقض فلا نقض، لكن اختلفوا في المعترض، هل له الدلالة على وجود العلة في صورة النقض، عند منع المستدل لوجودها ؟ فمنهم من قال: له ذلك، إذ به يتحقق انتقاضها وهدم كلا المستدل، فكان له ذلك كغيره من الاعتراضات.\rومنهم من منع من ذلك، لما فيه من قلب القاعدة بانقلاب المستدل معترضا، والمعترض مستدلا.\rوالواجب إنما هو التفصيل، وهو أنه إن تعين ذلك طريقا للمعترض في هدم كلام المستدل، وجب قبوله منه، تحققا لفائدة المناظرة، وإن أمكنه القدح بطريق آخر هو أفضى إلى المقصود فلا، نعم لو كان المستدل قد دل على وجود\rالعلة في محل التعليل بدليل هو موجود في صورة النقض، فإذا منع وجود العلة،","part":4,"page":89},{"id":1031,"text":"فإن قال المعترض فقد انتقض الدليل الذي دللت به على وجود العلة، لا يكون مسموعا لكونه انتقالا من النقض على نفس العلة إلى النقض على دليلها.\rوذلك، كما لو قال الحنفي في مسألة تبييت النية وتعيينها، أي بمسمى الصوم، فوجب أن يصح كما في محل الوفاق، ودل على وجود الصوم، بقوله: إن الصوم عبارة في الامساك مع النية، وهو موجود فيما نحن فيه.\rفقال المعترض: هذا منتقض بما إذا نوى بعد الزوال.\rوإن قال المعترض للمستدل: ابتداء أمرك لا يخلو من حالين، إما أن تعتقد وجود الصوم في صورة النقض، أو لا تعتقده.\rفإن كان الاول، فقد انتقضت علتك، وإن كان الثاني فقد انتقض ما ذكرته من الدليل على وجود العلة، كان متجها.\rوإن أورد ذلك، لا في معرض نقض دليل وجود العلة، بل في معرض الدلالة به على وجود العلة ي صورة النقض، فالحكم فيه على ما سبق في الدلالة على نفي الحكم في صورة النقض، فهو غير مسموع على ما يأتي: الثاني: منع تخلف الحكم وإنما كان ذلك دافعا للنقض لما ذكرناه في منع وجود العلة، وذلك، كما لو قال الشافعي في مسألة الثيب الصغيرة ثيب فلا يجوز إخبارها كالثيب البالغ، فقال المعترض: هذا منقوض بالثييب المجنونة، فإنه يجوز إجبارها.\rفقال المستدل: لا نسلم صحة إجبار الثيب المجنونة.\rوالكلام في تمكين المعترض من الاستدلال على تخلف الحكم في صورة النقض، كالكلام في دلالته على وجود العلة، وقد عرف ما فيه.\rالثالث: أن يكون النقض على أصل المستدل خاصة، وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة الرطب بالتمر: باع مال الربا بجنسه متفاضلا، فلا يصح كما لو باع صاعا بصاعين،","part":4,"page":90},{"id":1032,"text":"فقال الحنفي: هذا منتقض على أصلك بالعرايا، فإنه يصح، وإن باع مال الربا بجنسه متفاضلا.\rوجوابه من ثلاثة أوجه: الاول: أن يبين في صورة النقض مناسبا يقتضي النفي، من مانع أو فوات شرط، مع قران الحكم به على أصله.\rالثاني: أن يقول: النقض إنما هو من قبيل المعارض لدليل العلة، فتخلف الحكم عن العلة إنما هو على مذهب أحد الفريقين، وثبوت الحكم على وفق العلة المعلل بها بالاتفاق، ولا مساواة بين المتفق عليه والمختلف فيه، فلا يقع في معارضة دليل العلة.\rالثالث: أن يبين أن تخلف الحكم عن العلة في معرض الاستثناء، والمستثنى لا يقاس عليه ولا يناقض به، كما في صورة العرايا المذكورة.\rالرابع: أن يكون إبداء النقض على أصل المعترض لا غير، وتوجيهه أن يقول المعترض: هذا الوصف مما لم يطرد على أصلي، فلا يلزمني الانقياد إليه.\rوجوابه أن يقول المستدل: ما ذكرته حجة عليك في الصورتين، إذ هي محل النزاع، ومذهبك في صورة النقض لا يكون حجة في درء الاحتجاج، وإلا كان حجة في محل النزاع، وهو محال.\rوهل يجب على المستدل الاحتراز في دليله عن النقض ؟ اختلفوا: فمنهم من قال بوجوبه، لقربه من الضبط، وبعده عن النشر والخبط، ولان ما أشار إليه المستدل من الوصف المعلل به إذا كان منتقضا،\rفإما أن يكون انتفاء الحكم في صورة النقض لا لمعارض، أو لمعارض: فإن كان الاول، فلا يكون الوصف علة، لما سبق تقريره في مسألة تخصيص العلة.\rوإن كان الثاني، فقد ثبت أن للعلة معارضا متفقا عليه، فلا بد من نفيه في الدليل، لان المناظر تلو الناظر، وليس للناظر الجزم بالحكم عند ظهور سببه دون ظهور انتفاء معارضه، فكذلك المناظر، غير أنا أسقطنا عنه كلفة نفي المعارض المختلف فيه لعسر نفيه فبقينا فيما عداه على حكم الاصل.\rومنهم من لم يوجبه، تمسكا منه بأن ما يقع به الاحتراز عن النقض إما أن يكون من جملة أجزاء العلة، أو خارجا عنها:","part":4,"page":91},{"id":1033,"text":"فإن كان الاول، فالعلة لا تكون علة دونه، وما مثل هذا لا خلاف في وجوب ذكره في العلة، لعدم تمام العلة دونه، ومن نازع فيه فقد نازع في أنه: هل يجب على المستدل ذكر العلة أو لا، وإن كان الثاني فلا يخلو إما أن يكون مشيرا إلى نفي المعارض أو لا يكون كذلك، فإن كان الاول.\rفقد تعرض لما لم يسأل عنه، لكونه مسؤولا بعد الفتوى عن الدليل المقتضي للحكم، وانتفاء المعارض ليس من الدليل، ولو قيل إنه من الدليل كان خلاف الغرض في هذا القسم.\rوإن كان الثاني، فالنقض غير مندفع به، لان النقض عبارة عن وجود العلة، ولا حكم، فإذا كان المذكور خارجا عن العلة، ولا فيه إشارة إلى نفي المعارض، فالعلة ما دونه، وقد وجدت في صورة النقض، ولا معارض فكان النقض متجها.\rوإن قيل إن الوصف المأخوذ للاحتراز من جملة العلة لتعلق فائدة دفع النقض به، وإن لم يكن مناسبا، فقد سبق إبطاله في تخصيص العلة.\rالاعتراض الرابع عشر الكسر\rوهو النقض على المعنى.\rوقد ذكرنا طريق إيراده ووجه الانفصال عنه، في شروط العلة.\rويخصه من الاجوبة هاهنا منع وجود المعنى المشار إليه في صورة النقض، ومنع تخلف الحكم عنه، وباقي الاجوبة التي أوردناها في سؤال النقض قبله.","part":4,"page":92},{"id":1034,"text":"الاعتراض الخامس عشر المعارضة في الاصل بمعنى وراء ما علل به المستدل، وسواء كان مستقلا بالتعليل، كمعارضة من علل تحريم ربا الفضل في البر بالطعم أو بالكيل أو بالقوت، أو غير مستقل بالتعليل على وجه يكون داخلا في التعليل وجزءا من العلة، وذلك كمعارضة من علل وجوب القصاص في القتل بالمثقل بالقتل العمد العدوان بالجارح، في الاصل ونحوه.\rوقد اختلف الجدليون في قبوله فمنهم من رده بناء منه على أنه لا يمتنع تعليل الحكم الواحد بعلتين، كما سبق تقريره، ولهذا، فإنا لو قدرنا انفراد ما ذكر المستدل مجردا عن المعارض، صح التعليل به إجماعا، وإنما صح التعليل به، لصلاحية فيه، لا لعدم المعارض، فإن العدم لا يكون علة، ولا داخلا فيها لما سبق تقريره.\rفإذا صح التعليل به مع عدم المعارض، صح مع وجوده، ولانه لا معنى للعلة إلا ما يثبت الحكم عقيبها، وهذا المعنى موجود في الوصفين، فكان كل واحد علة.\rومنهم من قبله وأوجب جوابه على المستدل، وهو المختار.\rوذلك لانه إذا وجد في الاصل وصفان.\rفإما أن يكون كل واحد علة مستقلة، أو لا يكون كذلك لا جائز أن يكون كل واحد علة مستقلة، لما سبق تقريره في امتناع ذلك، سواء كانت العلة بمعنى الامارة أو الباعث.","part":4,"page":93},{"id":1035,"text":"وإن كان القسم الثاني، فإما أن يكون الحكم ثابتا لما ذكره المستدل لا غير، أو لما ذكره المعترض لا غير، أو لهما جميعا بحيث تكون العلة مجموع الوصفين، وكل واحد منهما جزؤها.\rلا جائز أن يقال بالاول، ولا بالثاني.\rفإنه ليس تعيين أحدهما للتعليل وإلغاء الآخر مع تساويهما في الاقتضاء أولى من الآخر، فلم يبق غير الثالث.\rويلزم منه امتناع تعدية الحكم من الاصل إلى الفرع.\rوبتقدير تساوي الاحتمالات الثلاثة، فلا يخفى أن التعدية تمتنع بتقدير أن تكون العلة ما ذكره المعترض.\rوبتقدير أن تكون العلة هي الهيئة الاجتماعية من الوصفين.\rوإنما يصح بتقدير التعليل بما ذكره المستدل لا غير.\rولا يخفى أن وقوع احتمال من احتمالين أغلب من وقوع احتمال واحد بعينه.\rومع ذلك فالتعدية تكون ممتنعة، لكن بشرط أن يكون ما أبداه المعترض صالحا للتعليل، أو لدخوله فيه عند كون ما أبداه المستدل صالحا، وإلا فلا معارضة وهل يجب على المعترض نفي ما أبداه معارضا في الاصل في الفرع ؟ اختفوا فيه: فمنهم من قال: لا يجب عليه ذلك، فإنه إن كان موجودا في الفرع، فيفتقر المستدل إلى بيان وجوده فيه ليصح الالحاق.\rوإن لم يبين ذلك، فقد انقطع الجمع.\rومنهم من قال: لا بد له من نفيه عن الفرع، لان مقصوده الفرق.\rوذلك لا يتم دون نفيه عن الفرع.\rوالمختار أنه إن قصد المعترض الفرق، فلا بد له من نفيه، وإن لم يقصد الفرق بأن يقول: هذا الوصف قد ثبت أنه لا بد من إدراجه في التعليل لما دل عليه من الدليل، فإن كان غير موجود في الفرع، فقد ثبت الفرق، وإن كان موجودا في الفرع، فالحكم يكون ثابتا في الفرع بمجموع الوصفين،\rونتبين أن المستدل لم يكن ذاكرا للعلة في الابتداء، بل لبعضها وأي الامرين قدر، فالاشكال لازم.","part":4,"page":94},{"id":1036,"text":"هذا كله فيما إذا كان المقيس عليه أصلا واحدا.\rوإن كان المقيس عليه أصولا متعددة، فمنهم من منع من ذلك لافضائه إلى النشر مع إمكان حصول المقصود بالواحد منها، ومنهم من جوز ذلك لكونه أقوى في إفادة الظن.\rومن جوز ذلك، اختلفوا في جواز الاقتصار في المعارضة في الاصل على أصل واحد: فمنهم من جوزه، لان المستدل قصد إلحاق الفرع بجميع الاصول، فإذا وقع الفرق بين الفرع وبعض الاصول، فقد تم مقصود المعترض من إبطال غرض المستدل، ومنهم من قال: لا بد من المعارضة في كل أصل، لانه إذا عارض في البعض دون البعض، فقد بقي قياس المستدل صحيحا على الاصل الذي لم يعارض فيه، وبه يتم المقصود من إثبات الحكم أو نفيه والذين أوجبوا المعارضة في جميع الاصول.\rمنهم من أوجب اتحاد المعارض في الكل، دفعا لانتشار الكلام ولان يكون مقابلا في اتحاده لاتحاد وصف المستدل، ومنهم من جوز المعارضة في كل أصل بغير ما في الاصل الآخر، لجواز أن لا يساعده في الكل علة واحدة.\rثم اختلف هؤلاء: فمنهم من قال يجوز للمستدل الاقتصار في الجواب على أصل واحد، إذ به يتم مقصوده، ومنهم من لم يجوز ذلك، حيث إن المستدل التزم صحة القياس على الكل،\rوعلى هذا يقع الخلاف فيما لو عارض في بعض الاصول، هل يجب على المستدل الجواب أو لا ؟ والوجه في الجواب من ستة أوجه: الاول: منع وجود الوصف المعارض به في الاصل.\rالثاني: المطالبة بتأثير الوصف، إن كان طريق إثبات العلة من جانب المستدل، المناسبة أو الشبه، دون السبر والتقسيم.","part":4,"page":95},{"id":1037,"text":"الثالث: أن يبين كونه ملغى في جنس الاحكام كالطول والقصر ونحوه.\rالرابع: أن يبين أنه ملغى في جنس الحكم المعلل، وإن كان مناسبا، وذلك كالذكورة في باب العتق.\rالخامس: أن يبين أنه قد استقل بالحكم في صورة دون الوصف المعارض به، وعند ذلك، فيمتنع أن يكون علة مستقلة في محل التعليل، لما فيه من إلغاء المستقل واعتبار غير المستقل، ويمتنع أن يكون داخلا في التعليل لما فيه من إلغاء ما علل به المستدل في الفرع مع استقلاله لفوات ما لم يثبت استقلاله، وهو ممتنع.\rفإن عارض المعترض في صورة الالغاء بوصف آخر غير ما عارض به في الاصل، فلا بد من إبطاله، وإلا فالقياس متعذر، ولا يمكن أن يقال في جوابه إن كل وصف اختص بصورة، فهو ملغى بالصورة الاخرى.\rوهذا هو المسمى في الاصطلاح بتعدد الوضع.\rفإن للمعترض أن يقول: العكس غير لازم في العلل الشرعية لجواز ثبوت الحكم في كل صورة بعلة غير علة الصورة الاخرى، وإذا جاز ثبوت الحكم في صورتين بعلتين مختلفتين، فلا يلزم من إثبات الحكم\rفي كل صورة بعلة مع عدم علة الصورة الاخرى فيها، إلغاء ما وجد في تلك الصورة.\rالسادس: أن يبين رجحان ما ذكره على ما عارض به المعترض بوجه من وجوه الترجيحات التي يأتي ذكرها.\rوعند ذلك فيمتنع جعل ما عارض به المعترض علة مستقلة في محل التعليل، لما فيه من إهمال الراجح واعتبار المرجوح،","part":4,"page":96},{"id":1038,"text":"ويمتنع أن يكون داخلا في التعليل لما فيه من إلغاء ما علل به المستدل في الفرع بتخلف الحكم عنه مع رجحانه، ضرورة إنتفاء الوصف المرجوح.\rوها هنا ترجيح آخر، وهو أن يكون أحد الوصفين في الاصل المستنبط منه متعديا، والآخر قاصرا، وذلك لا يخلو إما أن يكون في طرف الاثبات، أو النفي: فإن كان في طرف الاثبات، فلا يخلو إما أن يكون الوصف المتعدي جزءا من العلة، أو خارجا عنها، بأن يكون المعارض في الاصل بالوصف القاصر لا غير: فإن كان خارجا عنها، فلا يخلو إما أن يكون الوصف المتعدي مساويا للقاصر في جهة اقتضائه، أو أن الترجيح لاحدهما، فإن كان مساويا للقاصر من جهة الاقتضاء، فالتعليل بالمتعدي أولى، وبيانه من جهة الاجمال والتفصيل.\rأما الاجمال: فهو أن التعليل بالمتعدي متفق عليه، بخلاف التعليل بالقاصر، والتعليل، بالمتفق عليه أولى.\rوأما التفصيل: فهو أن فائدة المتعدي أكثر من القاصر، لان فائدة القاصر إنما هي في ظهور الحكمة الباعثة في الاصل لسرعة الانقياد، وسهولة القبول، والمتعدي\rمشارك للقاصر في هذا المعنى وزيادة التعريف للحكم في الفرع، وهو أعظم فوائد العلة عند الاكثرين، وهو وإن لزم من التعليل به إهمال المناسب القاصر فمقابل بمثله، حيث إنه يلزم من التعليل بالقاصر إهمال المناسب المتعدي، مع كونه راجحا.\rوالتعليل بالقاصر وإن كان على وفق النفي الاصلي في الفرع، والتعليل بالمتعدي على خلافه، إلا أنه مخالفة لما وقعت مخالفته في الاصل بما لم تظهر مخالفته، ولو عملنا بالقاصر لموافقة النفي الاصلي، لكان فيه العمل بموافقة ما وقع الاتفاق على مخالفته، ومخالفة ما لم يقع الاتفاق على مخالفته، وهو الوصف المتعدي، فكان مرجوحا.\rفإن قيل: إلا أن التعليل بالوصف المتعدي يلزم منه مخالفة ما لم يتفق على مخالفته من الوصف القاصر، وما اتفق على مخالفته من النفي الاصلي، فكان فيه مخالفة ظاهرين:","part":4,"page":97},{"id":1039,"text":"أحدهما متفق على مخالفته، والآخر عير متفق على مخالفته، والتعليل بالوصف القاصر يلزم منه العمل بهذين الظاهرين، ومخالفة ظاهر واحد، وهو الوصف المعتدي.\rقلنا: هذا مقابل بمثله، فإنه بعد أن ثبت الحكم في الاصل لمعنى، وإن كان قاصرا، فالاصل أن يثبت في الفرع بما وجد مساويا لوصف الاصل في الاقتضاء، نظرا إلى تماثل مقصود الشارع، والمحافظة على هذا الاصل أولى من المحافظة على النفي الاصلي، لكون النفي الاصلي مخالفا في الاصل بمثل ما قيل باقتضائه للحكم في الفرع.\rوعند ذلك فيترجح ما ذكرناه من جهة أن العمل بالوصف المتعدي عمل به وبأصل مترجح على النفي الاصلي، والعمل بالقاصر عمل به وبأصل مرجوح بالنظر إلى الاصل المعمول به من جانبنا، فكان ما ذكرناه أولى.\rفإن قيل ربما كان المانع للحكم قائما مطلقا، وعند ذلك فالتعليل بالقاصر أولى، لما فيه من موافقة الدليل الشرعي النافي، وموافقة النفي الاصل، بخلاف المتعدي.\rقلنا: المانع في الفرع بستدعي وجود المقتضي، وإلا فالحكم يكون فيه\rمنتفيا، لانتفاء ما يقتضيه، لا لوجود منافيه، فدعوى وجود المانع في الفرع مع وجوب قصور العلة المقتضية للاثبات على الاصل، تناقض لا حاصل له، كيف وإن ما مثل هذا المانع مرجوح عند الخصم بالنسبة إلى الوصف القاصر، والمتعدي على ما وقع به الفرض في ابتداء الكلام مساو للقاصر في المقصود، فكان مرجوحا بالنسبة إلى المتعدي أيضا، فكان المتعدي أولى كما بيناه في النفي الاصلي.\rفإن قيل: كما أن المتعدية قد تعرف إثبات الحكم في الفرع، فالقاصرة تعرف نفيه عن الفرع، وكما أن معرفة ثبوت الحكم في الفرع مقصود للشارع، فمعرفة انتفائه أيضا عنه مقصود له.\rقلنا:: هذا إنما يستقيم أن لو لم يوجد في الفرع ما هو مساو للعلة القاصرة في الاصل، فيما يرجع إلى جهة الاقتضاء.\rوالمقصود المطلوب للشارع من إثبات الحكم، لان تعريف العلة القاصرة لنفي الحكم في الفرع، إنما هو بناء على انتفاء مقصود الحكم، ولن يتصور ذلك مع وجود ما هو مساو في الطلب والاقتضاء لما هو المقصود في الاصل، فلا ينتهض الوصف القاصر في الاصل علامة على انتفاء الحكم في الفرع، مع وجود الوصف المتعدى فيه، ومساواته للقاصر في الاقتضاء على ما وقع به الفرض،","part":4,"page":98},{"id":1040,"text":"كيف وإن العلة القاصرة غير مستقلة بتعريف انتفاء الحكم في الفرع، إلا مع ضميمة انتفاء علة غيرها، وانتفاء النص والاجماع بخلاف العلة المتعدية في طرف الاثبات، فما استقل بالتعريف يكون أولى مما لا يستقل.\rنعم قد يتوقف العمل بالعلة المثبتة على انتفاء المعارض، لا أن انتفاء المعارض من جملة المعرف، ولا الداعي، بخلاف ما تتوقف عليه العلة القاصرة في تعريفها نفي الحكم في الفرع.\rوالعمل بما هو معرف بنفسه من غير توقف في تعريفه على غيره أولى.\rوعلى هذا يكون الحكم إن كان الوصف المتعدي راجحا في جهة اقتضائه أولى،\rوالوصف المتعدي وإن توقف استقلاله على إخراج القاصر عن التعليل، فليس إخراج القاصر موقوفا على استقلال المتعدي، ليلزم الدور، لجواز اتفاقهما في إخراجهما عن التعليل، كيف وإنه مقابل بدور آخر حيث إنه يتوقف إدخال القاصر في التعليل على عدم استقلال المتعدي، وكذلك بالعكس.\rوأما إن كان المتعدي مرجوحا في جهة اقتضائه بالنسبة إلى الوصف القاصر، فالوصف القاصر أولى، نظرا إلى المحافظة على زيادة المناسبة المعتبرة بثبوت الحكم على وفقها، والنظر إليها، وإن أوجب إهمال فائدة المتعدية، أولى، لما فيه من زيادة المصلحة وصلاح المكلف وما يتعلق به من زيادة التعقل وسرعة الانقياد في ابتداء ثبوت الحكم، لانه الاصل في كون الحكم معللا.\rوفائدة التعدية إنما تعرف بعد تعرف تعليل الحكم بما علل به، بنظر ثان متأخر عن النظر فيما علل به الحكم في الاصل، ولا شك أن ما هو أشد مناسبة للحكم يكون أسبق إلى الفهم بالتعليل للحكم الثابت في الاصل، فكان التعليل به أولى.\rوإن كانت جهة التساوي والارجحية غير معلومة ولا ظاهرة، فالتعليل بالمتعدي أولى، نظرا إلى أن العمل به أولى على تقدير أن يكون مساويا، وعلى تقدير أن يكون راجحا.\rوإنما يمتنع العمل به على تقدير أن يكون مرجوحا في نفس الامر.\rولا يخفى أن العمل بما العمل به يتم على تقدير من التقديرين أولى مما لا يتم العمل به إلا على تقدير واحد بعينه.","part":4,"page":99},{"id":1041,"text":"وعلى ما فصلناه في طرف الاثبات يكون الحكم في طرف النفي هذا كله إن كان الوصف المتعدي خارجا عن العلة القاصرة وأما إن كان داخلا فيها بأن كان المعارض معللا بمجموع الوصفين: الوصف القاصر والمتعدي معا، فالقاصر أولى، وسواء كان ذلك في طرف الاثبات أو\rالنفي، وسواء كان المتعدي راجحا على القاصر، أو مرجوحا، أو مساويا.\rأما في طرف الاثبات، فلان التعليل بالعلة المتعدية يلزم منه إهمال الوصف القاصر وتعطيله، ولا كذلك بالعكس.\rولا يخفى أن الجمع أولى من التعطيل.\rفإن قيل: إلا أنه على تقدير أن يكون الوصف المتعدي راجحا، لو جعلنا الوصف القاصر داخلا في التعليل، فيلزم منه أن يتخلف الحكم في الفرع عن الوصف المتعدي الراجح، رعاية لما فات من الوصف المرجوح، وهو ممتنع.\rقلنا: هذا إنما يستقيم علي تقدير أن يكون رجحانه ظاهرا ولا يستقيم على تقدير أن يكون مرجوحا، أو مساويا.\rولا يخفى أن احتمال وقوع العمل بما يتم على تقدير من تقديرين أولى من العمل بما لا يتم العمل به إلا على تقدير واحد بعينه.\rكيف وإن العمل بالقاصر، وإن كان يفضي إلى إهمال الوصف المتعدي في الفرع، إلا إنه لا يلزم منه إهماله مطلقا، إذ هو داخل في العلة، ولو عملنا بالوصف المتعدي فقط يلزم منه إهمال القاصر وتعطيله مطلقا، فالعمل بالقاصر يكون أولى، وعلى هذا يكون الحكم، إن كان ذلك في طرف النفي أيضا، بل أولى لما فيه من تقليل مخالفة المقتضي للاثبات.\rهذا إن ظهر الترجيح، وأما إن تحققت المعارضة من غير ترجيح بعد البحث التام، فعلى مقتضى ما أسلفناه من القول بالتخيير عند التعارض مع التنافي، فلا مانع من الجري على تلك القاعدة هاهنا.\rالاعتراض السادس عشر سؤال التركيب وهو الوارد على القياس المركب.\rوقد بينا معنى القياس المركب وأقسامه ووجه تسميته بذلك، والسؤال الوارد عليه وجوابه في شرط حكم الاصل.","part":4,"page":100},{"id":1042,"text":"الاعتراض السابع عشر سؤال التعدية\rوهو أن يعين المعترض في الاصل معنى ويعارض به، ثم يقول للمستدل: ما عللت به وإن تعدى إلى فرع مختلف فيه، فالذي عللت به أيضا قد تعدى إلى فرع مختلف فيه، وليس أحدهما أولى من الآخر.\rوذلك كما لو قال الشافعي في مسألة إجبار البكر البالغ: بكر، فجاز إجبارها كالبكر الصغيرة، فعارضه الحنفي بالصغر، وقال: البكارة، وإن تعدت إلى البكر البالغة، فالصغر متعد إلى الثيب الصغيرة.\rوهذا أيضا مما اختلف فيه والحق أنه لا يخرج عن سؤال المعارضة في الاصل مع زيادة التسوية في التعدية.\rوجوابه بإبطال ما عارض به المعترض وحذفه عن درجة الاعتبار بما أسلفناه في سؤال المعارضة في الاصل.\rومهما حقق شئ من تلك الطرق فقد اندفع، ولا أثر لما أشير إليه من التسوية، خلافا للداركي.\rالاعتراض الثامن عشر منع وجود الوصف المعلل به في الفرع وجوابه كجواب منع وجوده في الاصل، وقد عرف.\rالاعتراض التاسع عشر المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض حكم المستدل، إما بنص، أو إجماع ظاهر، أو بوجود مانع الحكم، أو بفوات شرط الحكم.\rولا بد من بيان تحققه وطريق كونه مانعا أو شرطا على نحو طريق إثبات المستدل كون الوصف الذي علل به من التأثير أو الاستنباط.\rوقد اختلف في قبوله فمنع منه قوم تمسكا منهم بأن المعارضة استدلال وبناء، وحق المعترض أن يكون هادما، لا بانيا.","part":4,"page":101},{"id":1043,"text":"وقبله الاكثرون، وهو المختار، إذ يلزم منه هدم ما بناه المستدل، لمقاومة دليله\rلدليله، ولا حجر عليه في سلوك طرق الهدم، ولا سيما إذا تعين ذلك طريقا في الهدم، بأن لم يكن له هادم سواه، فلو لم يقبل منه، لبطل مقصود المناظرة، واختلت فائدة البحث والاجتهاد.\rوالوجه في جوابه عند توجهه أن يقدح فيه المستدل بكل ما للمعترض أن يقدح به فيه، أن لو كان المستدل متمسكا به وإن عجز عن جميع ذلك، فقد اختلفوا في جواز دفعه بالترجيح: فمنهم من لم يجوز ذلك، اعتمادا منهم على أن ما ذكره المعترض، وإن كان مرجوحا بالنسبة إلى ما ذكره المستدل، فلا يخرج بذلك عن كونه اعتراضا.\rومنهم من جوزه، وهو المختار، لانه مهما ترجح ما ذكره المستدل بوجه من وجوه الترجيحات الآتية، كان العمل به متعينا.\rوهل يجب على المستدل أن يذكر في دليله ما يومئ إلى الترجيح ؟ منهم من أوجبه، لتوقف العمل بالدليل عليه فكان من الدليل، فلو لم يذكره، لم يكن ذاكرا للدليل أولا، بل لبعضه، ومنهم من لم يوجبه، لما في التكليف به من الحرج والمشقة.\rوالمختار أن يقال: إما أن يكون ما به الترجيح يرجع إلى العلة بأن يكون وصفا من أوصافها، أو لا يكون كذلك: فإن كان الاول، فلا بد من ذكره في الدليل أولا، ليكون ذاكرا للدليل.\rوإن كان الثاني، فلا، لانه مسؤول عن الدليل وقد أتى بمسماه حقيقة، والترجيح بأمر خارج عن الدليل إنما هو من توابع ورود المعارضة، فذكره بعد المعارضة، وإن توقف عليه إعمال الدليل بدفع المعارض، لا يوجب أن يكون داخلا في مسمى الدليل، حتى يقال إنه لم يكن ذاكرا للدليل أولا.","part":4,"page":102},{"id":1044,"text":"الاعتراض العشرون الفرق واعلم أن سؤال الفرق عند أبناء زماننا لا يخرج عن المعارضة في الاصل أو الفرع، إلا أنه عند بعض المتقدمين عبارة عن مجموع الامرين، حتى إنه لو اقتصر على أحدهما لا يكون فرقا.\rولهذا اختلفوا فمنهم من قال: إنه غير مقبول، لما فيه من الجمع بين أسئلة مختلفة، وهي المعارضة في الاصل والمعارضة في الفرع.\rومنهم من قال بقبوله، واختلفوا مع ذلك في كونه سؤالين أو سؤالا واحدا.\rفقال ابن سريج إنه سؤالان، جوز الجمع بينهما لكونه أدل على الفرق.\rوقال غيره: بل هو سؤال واحد لاتحاد مقصوده، وهو الفرق، وإن اختلفت صيغته.\rومن المتقدمين من قال: ليس سؤال الفرق هو هذا، وإنما هو عبارة عن بيان معنى في الاصل له مدخل في التعليل، ولا وجود له في الفرع، فيرجع حاصله إلى بيان انتفاء علة الاصل في الفرع، وبه ينقطع الجمع.\rوجوابه على كل تقدير لا يخرج عما ذكرناه في جواب المعارضة في الاصل والفرع.\rالاعتراض الحادي والعشرون إذا اختلف الضابط بين الاصل والفرع، واتحدت الحكمة كما لو قيل في شهود القصاص: تسببوا في القتل عمدا عدوانا، فلزمهم القصاص، زجرا لهم عن التسبب، كالمكره.\rفللمعترض أن يقول: ضابط الحكمة في الاصل إنما هو الاكراه، وفي الفرع الشهادة، والمقصود منهما، وإن كان متحدا وهو الزجر، فلا يمكن تعدية الحكم به وحده، وما جعل ضابطا له في الاصل غير موجود في الفرع، والضابط في الفرع يحتمل أن لا يكون مساويا لضابط الاصل في الافضاء إلى المقصود، فامتنع الالحاق.\rوجوابه إما بأن يبين أن التعليل إنما هو بعموم ما اشترك فيه الضابط من التسبب\rالمضبوط عرفا، أو بأن يبين أن إفضاء الضابط في الفرع إلى المقصود أكثر من إفضاء ضابط الاصل، فكان أولى بالثبوت.","part":4,"page":103},{"id":1045,"text":"وذلك كما لو كان أصله في مثل هذه المسألة (المغرى للحيوان) من حيث إن انبعاث الولي للتشفي والانتقام في الفرع لغلبة إقدام المكره بالاكراه على القتل، طلبا لخلاص نفسه، أغلب من إقدام الحيوان بالاغراء على الآدمي بسبب غلبة نفرته عنه.\rوبالجملة، فيبين الغلبة بما يساعد في آحاد المسائل.\rالاعتراض الثاني والعشرون إذا اتحد الضابط بين الاصل والفرع، واختلف جنس المصلحة كما لو قال الشافعي في مسألة اللواط: أولج فرجا في فرج مشتهى طبعا، محرم شرعا، فوجب به الحد كالزنى.\rفللمعترض أن يقول: الضابط وإن كان متحدا، غير أن الحكمة التي في الفرع، وهي صيانة النفس عن رذيلة اللياطة، مخالفة لحكمة الاصل، وهي دفع محذور اختلاط المياه واشتباه الانساب المفضي إلى تضييع المولود وانقطاع نسل جنس الانسان.\rوعند ذلك فلا يلزم من اعتبار الضابط في الاصل لما لزمه من الحكمة، اعتباره في الفرع لغير تلك الحكمة، لجواز أن لا تكون قائمة مقامها في نظر الشارع.\rوجوابه أن يقال: التعليل إنما وقع بالضابط المشترك المستلزم لدفع المحذور اللازم من عموم الجماع، والتعرض لحذف خصوص ما اختص به الاصل من الزنى ومقصوده اللازم عنه وحذفه بطريق من طرق الحذف التي سبق بيانها في السبر والتقسيم الاعتراض الثالث والعشرون أن يقال: حكم الفرع مخالف الاصل، فلا قياس، لان القياس عبارة عن تعدية حكم الاصل إلى الفرع بواسطة الجامع بينهما، ومع اختلاف الحكم،\rفحكم الاصل لا يكون متعديا إلى الفرع، فلا قياس.\rوجوابه ببيان اتحاد الحكم، إما عينا، وذلك كما في قياس وجوب الصوم على وجوب الصلاة، وقياس صحة البيع على صحة النكاح، وأن الاختلاف إنما هو عائد إلى المحل، وهو غير قادح","part":4,"page":104},{"id":1046,"text":"في صحة القياس لكونه شرطا فيه، وإما جنسا، كما في قياس وجوب قطع الايدي باليد الواحدة، على وجوب قتل الانفس بالنفس الواحدة، وأن الاختلاف إنما هو في عين الحكم، فكان، إما ملائما، إن كان الاشتراك في جنس العلة، أو مؤثرا إن كان الاشتراك في عينها، على ما سبق تحقيقه.\rوذلك غير مبطل للقياس عند القائلين به.\rوأما إن كان الحكم مختلفا جنسا ونوعا، كما في إلحاق الاثبات بالنفي، أو الوجوب بالتحريم، وبالعكس، فقد بينا وجه الاختلاف في صحته، وأن المختار إبطاله.\rالاعتراض الرابع والعشرون سؤال القلب وهو قسمان: الاول قلب الدعوى، والآخر قلب الدليل.\rأما قلب الدعوى: فضربان، وذلك لان الدعوى إما أن يكون الدليل مضمرا فيها، أو لا يكون كذلك: فإن كان الاول، فهو كما لو قال الاشعري: أعلم بالضرورة أن كل موجود مرئي.\rفهذه دعوى فيها إضمار الدليل، وتقديره، لانه موجود، إذ الوجود هو المصحح للرؤية عنده.\rفقال المعتزلي: أعلم بالضرورة أن كل ما ليس في جهة لا يكون مرئيا.\rفهذه الدعوى مقابلة للاولى، من جهة أن الموجود ينقسم إلى ما هو في جهة، وإلى ما ليس","part":4,"page":105},{"id":1047,"text":"فالقول بأن ما ليس في جهة لا يكون مرئيا، يقابل قول القائل: كل موجود مرئي.\rودليلها مضمر فيها، وتقديره أن انتفاء الجهة مانع من الرؤية.\rوأما إن لم يكن الدليل مضمرا فيها، فكما لو قال القائل في مسألة إفضاء النظر إلى العلم، أو في مسألة التحسين والتقبيح مثلا: أعلم بالضرورة أن النظر لا يفضي إلى العلم، وأن الكفر قبيح لعينه، والشكر حسن لعينه.\rفقال المعترض أعلم بالضرورة أن النظر يفضي إلى العلم، وأن الكفر ليس قبيحا لعينه، ولا الشكر حسنا لعينه.\rوهذا هو عين مقابلة بالفاسد، والمقصود منه استنطاق المدعي باستحالة دعوى الضرورة من خصمه في محل الخلاف، فيقال: وهذا لازم لك أيضا.\rوقد أورد الجدليون في هذا الباب قلب الاستبعاد في الدعوى، وذلك كما لو قال الشافعي في مسألة إلحاق الولد بأحد الابوين المدعيين، تحكيم الولد في ذلك تحكم بلا دليل، فقال الحنفي: وتحكيم القائف في ذلك أيضا تحكم بلا دليل.","part":4,"page":106},{"id":1048,"text":"قالوا والمقصود منه أيضا استنطاق المدعي بأن ما ذكره ليس بتحكم، بل له مأخذ صحيح، فيقول المعترض: وكذلك ما ذكرته.\rوهو في غاية البعد، فإنه إما أن يعترف المدعى بأن ما ذهب إليه تحكم، أو أن يبين مأخذه فيه، فإن كان تحكما فلا تغني معارضته بتحكمه في مذهبه في إبطال دعواه التحكم في مذهب خصمه، وإن بين له مأخذا، فلا يلزم منه أن يكون ما استبعده من مذهب خصمه كذلك.\rوإن تعرض المعترض لبيان المأخذ فيما استبعده المدعي، فهو الجواب، ولا حاجة إلى القلب.\rوأما قلب الدليل، وهو عبارة عن بيان كون ما ذكره المستدل يدل عليه، ثم لا يخلو إما أن يسلم المعترض أن ما ذكره المستدل من الدليل يدل له من وجه،\rأو يبين أنه لا دلالة له على مذهب المستدل ولا من وجه، فإن بين أن ما ذكره لا يدل له، وهو دليل عليه، فهذا قلما يوجد له مثال في غير النصوص وذلك كما لو استدل في توريث الخال بقوله عليه السلام الخال وارث من لا وارث له فقال المعترض: المراد به نفي توريث الخال بطريق المبالغة، كما يقال: الجوع زاد من لا زاد له، والصبر حيلة من لا حيلة له، معناه نفي كون الجوع زادا، والصبر حيلة.\rويدل على إرادة هذا الاحتمال أنه لا يخلو: إما أن يكون المراد من قوله: لا وارث له نفي كل وارث، فتوريث الخال لا يتوقف عند من يراه وارثا على نفي جميع الوراث، لارثه مع الزوج والزوجة، وإما نفي من عداه من الوراث بجهة العصوبة فتخصيص الخال بالذكر لا يكون مفيدا، لان من عداه من ذوي الارحام كذلك.","part":4,"page":107},{"id":1049,"text":"وهذا النوع من القلب، وإن دل على مذهب المعترض، فهو شبيه بفساد الوضع، من حيث إنه لا يدل على مذهب المستدل.\rوإن سلم أن ما ذكره المستدل يدل له من وجه فهذا النوع من القلب ثلاثة أقسام، وذلك لان المعترض إما أن يتعرض في القلب لتصحيح مذهبه، أو لابطال مذهب المستدل: وإن تعرض لابطال مذهب المستدل، فإما أن يتعرض له صريحا بأن يجعله حكما للدليل بلا واسطة، أو لا بصريحه، بل بطريق الالتزام، بأن يرتب على الدليل حكما يلزم منه إبطال مذهب المستدل.\rفإن كان من القسم الاول، فهو كما لو قال الحنفي مثلا في مسألة الاعتكاف: لبث محض، فلا يكون قربة بنفسه، كالوقوف بعرفة، فقال المعترض: لبث محض، فلا يشترط الصوم في صحته، كالوقوف بعرفة، فكل واحد منهما قد تعرض في دليله لتصحيح مذهبه، غير أن المستدل أشار بعلته\rإلى اشتراط الصوم بطريق الالتزام، والمعترض أشار إلى نفي اشتراطه صريحا.\rوعند التحقيق، فتعليل المستدل في هذا المثال لنفي القربة ليس تعليلا بمناسب يقتضي نفي القربة، بل بانتفاء المناسب من حيث إن اللبث المحض لا يناسب ولا يشم منه رائحة المناسبة للقرابة.\rوتعليل المعترض بأمر طردي، فإنه لا مناسبة في اللبث المحض لنفي اشتراط الصوم.\rوقد يتفق أن يكون المستدل قد تعرض لتصحيح مذهبه صريحا، والمعترض كذلك، كما لو قال الشافعي في إزالة النجاسة: طهارة تراد لاجل الصلاة، فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث، فقال المعترض: طهارة تراد لاجل الصلاة فتصبح بغير الماء كطهارة الحدث، فكل واحد منهما متعرض في الدليل لتصحيح مذهبه صريحا، والعلة في الطرفين شبهية.\rوإن كان من القسم الثاني، وهو أن يتعرض المعترض في القلب لابطال مذهب المستدل صريحا، فمثاله ما لو قال الحنفي في مسألة مسح الرأس: عضو من أعضاء الوضوء.\rفلا يكتفي فيه بأقل ما ينطلق عليه الاسم كسائر الاعضاء.","part":4,"page":108},{"id":1050,"text":"فقال الشافعي: عضو من أعضاء الوضوء، فلا يتقدر بالربع كسائر الاعضاء، فكل واحد منهما قد صرح في دليله بإبطال مذهب خصمه، وليس في ذلك ما يدل على تصحيح مذهب أحدهما، فإنه ليس يلزم من إبطال مذهب كل واحد منهما تصحيح مذهب الآخر، لجواز أن يكون الصحيح هو مذهب مالك، وهو وجوب الاستيعاب.\rنعم لو كان القائل في المسألة قائلان، والاتفاق منهما واقع على نفي قول ثالث، فإنه يلزم من تعرض كل واحد منهما لابطال مذهب الآخر تصحيح مذهبه، ضرورة الاجتماع على إبطال قول ثالث.\rوذلك كالحكم بالاولوية في مسألة التخلي للعبادة.\rوإن كان من القسم الثالث، فهو كما لو قال الحنفي في مسألة بيع الغائب: عقد معارضة، فيصح مع الجهل بالمعوض، كالنكاح، فقال الشافعي: عقد معاوضة فلا يشترط فيه خيار الرؤية كالنكاح.\rفإن المعترض في هذا المثال لم يتعرض لابطال مذهب المستدل في القول بالصحة صريحا، بل بطريق الالتزام.\rوذلك أن من قال بالصحة، فقد قال بخيار الرؤية.\rفخيار الرؤية لازم الصحة.\rفإذا بطل خيار الرؤية، فقد انتفى اللازم، ويلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم.\rويلتحق بأذيال هذا القسم الثالث قلب التسوية، ومثاله قول الحنفي في مسألة إزالة النجاسة بالخل: مائع طاهر مزيل للعين والاثر، فتحصل به الطهارة كالماء، فيقول الشافعي: مائع طاهر مزيل للعين والاثر فتستوي فيه طهارة الحدث والخبث كالماء، فإنه يلزم من القول بالتسوية في الخل بين طهارة الحدث والخبث عدم حصول الطهارة بالخل في الخبث لعدم حصولها به في الحدث، والحكم بالتسوية.\rواعلم أن أعلى مراتب أنواع القلب ما بين فيه أنه يدل على المستدل، ولا يدل له، ثم يليه النوع الثاني، وهو ما بين فيه أنه يدل له وعليه، وأعلى مراتب هذا النوع ما صرح فيه بإثبات مذهب المعترض، وهو القسم الاول منه، ثم ما صرح فيه بإبطال مذهب المستدل فإنه دون ما قبله من حيث إنه لا يلزم منه تصحيح مذهبه على ما تقدم، وهو القسم الثاني منه، ثم القسم الثالث، فإنه وإن شارك ما قبله من القسم الثاني في إبطال مذهب المستدل، إلا أنه يدل عليه بطريق الالتزام، وما قبله بصريحه،","part":4,"page":109},{"id":1051,"text":"وهذا النوع من القلب لا تعرض فيه لدلالة المستدل بالقدح، بل غايته بيان دلالة أخرى منه تدل على نقيض مطلوبه، فكان شبيها بالمعارضة، وإن فارقها من\rجهة أنه معارضة نشأت من نفس دليل المستدل.\rوإذا أتينا على ما أردناه من تحقيق معنى القلب، وأقسامه، فقد اختلف في قبوله: فقبله قوم من حيث إنه يشير إلى ضعف الدليل، لدلالته على نقيض مذهب المستدل، ورده آخرون من حيث إن المعترض إما أن يتعرض في دليله لنقيض حكم المستدل، أو إلى غيره: فإن كان الاول، فقد تعذر عليه القياس على أصل المستدل، لاستحالة اجتماع حكمين متقابلين مجمع عليهما في صورة واحدة.\rوإن كان الثاني، فلا يكون ذلك اعتراضا على الدليل.\rوالحق في ذلك أنه وإن تعرض في الدليل لحكم يقابل حكم المستدل صريحا، فقد لا يمتنع الجمع بينهما في أصل واحد، كما ذكرناه من مثال إزالة النجاسة في القسم الاول.\rوإن تعرض لغيره، فيصح القلب إذا كان ذلك لازما عما ذكره المعترض، كما ذكرناه المعترض كما ذكرناه من المثال في القسم الثاني من النوع الثاني من التمثيل في مسألة بيع الغائب، ومن التمثيل بقلب التسوية في إزالة النجاسة.\rوإنما يمتنع قبوله لان ما ذكره المستدل إما أن يكون مقصود الشارع من الحكم المرتب عليه ملازما له، أو لا يكون فإن كان الاول فتعليل المعترض به لمقابل حكم المستدل إما أن يكون بحيث يلزمه مقصود من مقابل الحكم، أو لا يكون كذلك: فإن كان الاول، فإما أن يكون ذلك من جهة ما علل به المستدل، أو من غيرها: فإن كان الاول فمحال أن يكون الوصف الواحد من جهة واحدة يناسب الحكم ومقابله، وإن كان الثاني، فما ذكره ليس بقلب، إذ القلب لا بد فيه من اتحاد العلة في القياسين، بل هو معارضة بدليل آخر، وإن كان بحيث لا يلازمه المقصود، فهو بالنسبة إلى حكم المعترض طردي، ووصف المستدل مناسب أو شبهي، فلا يكون قادحا\rوإن كان ما ذكره المستدل طرديا بالنسبة إلى ما رتبه عليه، فهو باطل في نفسه، لتعذر التعليل بالطردي المحض، ولا حاجة إلى شئ من الاعتراضات.","part":4,"page":110},{"id":1052,"text":"الاعتراض الخامس والعشرون - سؤال القول بالموجب وحاصله يرجع إلى تسليم ما اتخذه المستدل حكما لدليله على وجه لا يلزم منه تسليم الحكم المتنازع فيه.\rومهما توجه على هذا الوجه، كان المستدل منقطعا، لتبين أن ما نصه من الدليل لم يكن متعلقا بمحل النزاع، وهو منحصر في قسمين.\rوذلك لان المستدل إما أن ينصب دليل على تحقيق مذهبه، وما نقل عن إمامه من الحكم، أو على إبطال ما يظنه مدركا لمذهب خصمه.\rفإن كان الاول، فهو كما لو قال الشافعي في الملتجئ إلى الحرم وجد سبب جواز استيفاء القصاص، فكان استيفاؤه جائزا.\rفقال الخصم: أقول بموجب هذا الدليل، فإن استيفاء القصاص عندي جائز.\rوإنما النزاع في جواز هتك حرمة الحرم.\rوإن كان الثاني، فهو كما لو قال الشافعي في مسألة استيلاد الاب جارية ابنه: وجوب القيمة لا يمنع من إيجاب المهر كاستيلاد أحد الشريكين، أو قال في مسألة القتل بالمثقل: التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص، كالتفاوت في المتوسل إليه.\rفقال الخصم: أقول بموجب هذا الدليل، وأن وجوب القيمة لا يمنع من وجوب المهر، والتفاوت في الوسيلة لا يمنع من التفاوت في المتوسل إليه.\rوالنزاع إنما هو في وجوب المهر ووجوب القصاص، ولا يلزم من إبطال ما ذكر من الموانع إثبات وجوب المهر والقصاص، لجواز انتفاء المقتضي لذلك أو وجود مانع آخر، أو فوات شرط.\rوورود هذا النوع من القول بالموجب أغلب في المناظرات من ورود النوع\rالاول، من جهة أن خفاء المدارك أغلب من خفاء الاحكام، لكثرة المدارك وتشعبها وعدم الوقوف على ما هو معتمد الخصم من جملتها، بخلاف الاحكام، فإنه قلما يتفق الذهول عنها.\rولهذا قد يشترك في معرفة الحكم المنقول عن الامام الخواص والعوام، دون معرفة المدارك، فكان احتمال الخطإ في اعتقاد كون المدرك المعين هو مدرك الامام أقرب من احتمال الخطإ فيما ينسب إلى الامام من الحكم المدلول عليه.","part":4,"page":111},{"id":1053,"text":"وقد اختلف الجدليون في وجوب تكليف المعترض إبداء مستند القول بالموجب في هذا النوع.\rفقال بعضهم: لا بد من تكليفه بذلك لاحتمال أن يكون هذا هو المأخذ عنده، فإذا علم أنه لا يكلف بإبداء المأخذ عند إيراد القول بالموجب، فقد يقول بذلك عنادا، قصدا لايقاف كلام خصمه، ولا كذلك إذا وظف عليه بيان المأخذ فكان أفضى إلى صيانة الكلام عن الخبط والعناد، فكان أولى.\rوقال آخرون: لا وجه لتكليفه بذلك بعد وفائه بشرط القول بالموجب، وهو استبقاء محل النزاع، وهو الاظهر، لانه عاقل متدين، وهو أعرف بمأخذ إمامه، فكان الظاهر من حاله الصدق فيما ادعاه، فوجب تصديقه، كيف وإنا لو أوجبنا عليه إبداء المأخذ، فإن مكنا المستدل من إبطاله والاعتراض عليه، يلزم منه قلب المستدل معترضا، والمعترض مستدلا، ولا يخفى ما فيه من الخبط.\rوإن لم يمكن من ذلك، فلا فائدة في إبداء المأخذ، لامكان ادعائه ما يصلح للتعليل ترويحا لكلامه، ثقة منه بامتناع ورود الاعتراض عليه.\rوللمستدل في دفع القول بالموجب بالاعتبار الاول طرق.\rالاول:: أن يقول: المسألة مشهورة بالخلاف فيما فرض فيه الكلام إن أمكن،\rوالشهرة بذلك دليل وقوع الخلاف فيه.\rالثاني: أن يبين أن محل النزاع لازم فيما فرض الكلام فيه، وذلك كما لو كان حكم دليله أنه لا يجوز قتل المسلم بالذمي، فقال المعترض: هو عندي غير جائز، بل واجب.\rفيقول المستدل المعنى بعدم الجواز لزوم التبعة بفعله، ويلزم من ذلك نفي الوجوب لاستحالة لزوم التبعة بفعل الواجب.\rالثالث: أن يقول المستدل القول بالموجب فيه تغيير كلامي عن ظاهره، فلا يكون قولا بموجبه،","part":4,"page":112},{"id":1054,"text":"وذلك كما لو كان المستدل قد قال في زكاة الخيل: حيوان تجوز المسابقة عليه، فوجبت فيه الزكاة قياسا على الابل.\rفقال المعترض: عندي تجب فيه زكاة التجارة.\rوالنزاع إنما هو في زكاة العين.\rفيقول المستدل: إذ كان النزاع في زكاة العين.\rفظاهر كلامي منصرف إليها لقرينة الحال، ولظهور عود الالف واللام في الزكاة إلى المعهود، وأيضا فإن لفظ الزكاة يعم زكاة العين والتجارة، فالقول به في زكاة التجارة قول بالموجب في صورة واحدة، وهو غير متجه، لان موجب الدليل التعميم، فالقول ببعض الموجب لا يكون قولا بالموجب، بل ببعضه.\rوكذلك إذا قال في مسألة إزالة النجاسة: مائع لا يزيل الحدث، فلا يزيل الخبث، كالمرقة، فقال المعترض: أقول به، فإن الخل النجس لا يزيل الحدث ولا الخبث، فيقول المستدل: ظاهر كلامي إنما هو الخل الطاهر، ضرورة وقوع النزاع فيه، وإيراد القول بالموجب على وجه يلزم منه تغيير كلام المستدل عن ظاهره،\rلا يكون قولا بمدلوله وموجبه، بل بغيره، فلا يكون مقبولا، وله في دفع القول بالموجب بالاعتبار الثاني أيضا طرق: الاول: أن يكون المستدل قد أفتى بما وقع مدلولا لدليله وفرض المعترض الكلام معه فيه، وطالبه بالدليل عليه، فإذا قال بالموجب بعد ذلك، فقد سلم ما وقع النزاع فيه، وأفسد على نفسه القول بالموجب، بالمطالبة بالدليل عليه أولا.\rوبمثل هذا يمكن أن يجاب عن القول بالاعتبار الاول أيضا.\rالثاني: أن يبين لقب المسألة مشهور بذلك بين النظار كما سبق تقريره أولا.\rالثالث: أن يبين أن محل النزاع لازم من مدلول دليله، إن أمكن،","part":4,"page":113},{"id":1055,"text":"وذلك بأن يكون المعترض قد ساعد على وجود المقتضي لوجوب القصاص، وكانت الموانع التي يوافق المستدل عليها منتفية، والشروط متحققة.\rفإذا أبطل كون المانع المذكور مانعا، فيلزم منه الحكم المتنازع فيه ظاهرا.\rوأما قياس الدلالة، والقياس في معنى الاصل، فيرد عليهما كل ما كان واردا على قياس العلة، سوى الاسئلة المتعلقة بمناسبة الوصف الجامع.\rفإنها لا ترد عليهما، أما قياس الدلالة، فلان الوصف الجامع فيه ليس بعلة، وأما القياس في معنى الاصل فلعدم ذكر الجامع فيه.\rوالاسئلة الواردة على نفس الوصف الجامع لا ترد على القياس في معنى الاصل، لعدم ذكر الجامع فيه.\rويختص قياس الدلالة بسؤال آخر، وهو عند ما إذا كان الجامع بين الاصل والفرع أحد موجبي الاصل، كما إذا قال القائل في مسألة الايدي باليد الواحدة أحد موجبي الاصل، فالطرف المعصوم يساوي النفس فيه دليله الموجب الثاني، وقرره بأن الدية أحد الموجبين في الاصل، وهي واجبة في الفرع على الكل، ويلزم\rمن وجود أحد الموجبين في الفرع وجود الموجب الآخر وذلك لان علة الموجبين في الاصل إما أن تكون واحدة، أو متعددة: فإن كانت واحدة، فيلزم من وجود أحد موجبيها في الفرع وجودها فيه، ومن وجودها فيه وجود الموجب الآخر وهو القصاص، على الكل.\rوإن كانت متعددة، فتلازم الحكمين في الاصل دليل تلازم العلتين، وعند ذلك فيلزم من وجود أحد الحكمين في الفرع وجود علته التي وجد بها في الاصل، ويلزم من وجود علته وجود علة الحكم الآخر.\rوالسؤال الوارد عليه أن يقال: لا يلزم من وجود أحد حكمي الاصل في الفرع وجود الحكم الآخر، سواء اتحدت علتهما في الاصل، أو تعددت.","part":4,"page":114},{"id":1056,"text":"أما إذا اتحدت، فلانه لا يمتنع عند تعدد المحال وإن اتحد نوع الحكم، أن يكون الحكم الثابت في الفرع ثابتا بغير علة الاصل، وهو الاولى، لما فيه من تكثير مدارك الحكم، فإنه أفضى إلى اقتناص مقصود الشارع من الحكم، مما إذا اتحد المدرك، وإذا كان كذلك، فلا يلزم منه وجود الحكم الآخر، لجواز أن لا تكون علة الفرع مستقلة بإثبات الحكم الآخر، كاستقلال علة الاصل.\rوأما إذا تعددت العلة، فإن وقع التلازم بينهما، فلجواز أن تكون علة الحكم الثابت في الفرع غير علته في الاصل، لما ذكرناه، وعند ذلك، فلا يلزم منها وجود العلة الاخرى في الفرع، فإنه لا يلزم من التلازم بين علة ذلك الحكم وعلة الحكم الآخر في الاصل التلازم بين علته في الفرع، وعلة الحكم الآخر.\rوعلى هذا، لا يكون الحكم الآخر لازما في الفرع.\rوجوابه أن يقال: ثبوت أحد الحكمين في الفرع يدل ظاهرا على وجود علته التي ثبت بها في الاصل، وإن جاز ثبوته في الفرع بغيرها، لان الاصل عدم وجود علة أخرى غير علته في الاصل.\rوالقول بأن تعدد المدارك أولى معارض بأن الاتحاد أولى لما فيه من التعليل بعلة مطردة منعكسة، وما ذكروه، وإن كانت العلة فيه مطردة، إلا أنها غير منعكسة.\rوالتعليل بالعلة المطردة المنعكسة متفق عليه، بخلاف غير المنعكسة، فكانت أولى.\rفإن قيل: وكما أن الاصل عدم علة أخرى في الفرع غير علة الاصل، فالاصل عدم علة الاصل في الفرع، وليس العمل بأحد الاصلين أولى من الآخر.\rقلنا: بل العمل بما ذكرناه أولى، لان العلة فيه تكون متعدية، وهي متفق على صحة التعليل بها.\rوما ذكروه يلزم منه أن تكون العلة في الاصل قاصرة، لان الاصل عدم وجودها في صورة أخرى، وهي مختلف في صحة التعليل بها، فكان ما ذكرناه أولى.","part":4,"page":115},{"id":1057,"text":"خاتمة لهذا الباب في ترتيب الاسئلة الواردة على القياس والاعتراضات الواردة على القياس أما أن تكون من جنس واحد، كالنقوض، أو المعارضات في الاصل أو في الفرع، وإما أن تكون من أجناس مختلفة، كالمنع والمطالبة، والنقض، والمعارضة ونحوها.\rفإن كان الاول، فقد اتفق الجدليون على جواز إيرادها معا، إذ لا يلزم منها تناقض، ولا نزول عن سؤال إلى سؤال.\rوإن كان الثاني، فلا يخلو: إما أن تكون الاسئلة غير مرتبة أو مرتبة: فإن كانت غير مرتبة، فقد أجمع الجدليون على جواز الجمع بينهما، سوى أهل سمرقند، فإنهم أوجبوا الاقتصار على سؤال واحد، لقربه إلى الضبط، وبعده عن الخبط.\rويلزمهم على ذلك ما كان من الاسئلة المتعددة من جنس واحد، فإنها، وإن أفضت إلى النشر، فالجمع بينها مقبول من غير خلاف بين الجدليين.\rوإن كانت مرتبة، فقد منع منه أكثر الجدليين من حيث إن المطالبة بتأثير الوصف بعد منع وجوده نزول عن المنع، ومشعر بتسليم وجوده، لانه لو بقي مصرا على منع وجود الوصف، فالمطالبة بتأثير ما لا وجود له محال.\rوعند ذلك فلا يستحق المعترض غير جواب الاخير من الاسئلة.\rومنهم من لم يمنع منه، وذلك بأن يورد المطالبة بتأثير الوصف، بعد منع وجود الوصف مقدرا لتسليم وجود الوصف.\rوذلك بأن يقول: وإن سلم عن المنع تقديرا، فلا يسلم عن المطالبة وغيرها، ولا شك أنه أولى، لعدم إشعاره بالمناقضة والعود إلى منع ما سلم وجوده أولا، كمنع وجود الوصف بعد المطالبة بتأثيره المشعر بتسليم وجوده.\rوهذا هو اختيار الاستاذ أبي إسحاق، وهو المختار.\rوإذا كان لا بد من رعاية الترتيب في الاسئلة، فأول ما تجب البداية به سؤال الاستفسار، لان من لا يعرف مدلول اللفظ، لا يعرف ما يتجه عليه.","part":4,"page":116},{"id":1058,"text":"ثم بعده سؤال فساد الاعتبار، لانه نظر في فساده من جهة الجملة قبل النظر في تفصيله، ثم سؤال فساد الوضع لانه أخص من سؤال فساد الاعتبار كما سبق تقريره، والنظر في الاعم يجب أن يكون قبل النظر في الاخص.\rثم بعده منع الحكم في الاصل، ويجب أن يكون مقدما على ما يتعلق بالنظر في العلة، لان العلة مستنبطة من حكم الاصل فهي فرع عليه، والكلام في الفرع يجب تأخيره عن الكلام في أصله، ثم بعده منع وجود العلة في الاصل.\rثم بعده النظر فيما يتعلق بعلية الوصف، كالمطالبة، وعدم التأثير، والقدح في المناسبة، والتقسيم، وكون الوصف غير ظاهر ولا منضبط، وكون الحكم غير صالح لافضائه إلى المقصود منه.\rثم بعده النقض والكسر، لكونه معارضا لدليل العلية، ثم بعده المعارضة في الاصل، لانه معارضة لنفس العلة، فكان متأخرا عن المعارض لدليل العلية، والتعدية والتركيب، لان حاصلهما يرجع إلى المعارضة في الاصل، كما سبق تقريره، ثم بعده ما يتعلق بالفرع كمنع وجود العلة في الفرع، ومخالفة حكمه لحكم الاصل، ومخالفته للاصل في الضابط والحكمة والمعارضة في الفرع وسؤال القلب، ثم بعد ذلك القول بالموجب، لتضمنه تسليم كل ما يتعلق بالدليل المثمر له من تحقيق شروطه وانتفاء القوادح فيه.\rوهذا آخر الاصل الخامس.","part":4,"page":117},{"id":1059,"text":"الاصل السادس في معنى الاستدلال، وأنواعه أما معناه في اللغة فهو استفعال من طلب الدليل والطريق المرشد إلى المطلوب.\rوأما في اصطلاح الفقهاء، فإنه يطلق تارة بمعنى ذكر الدليل، وسواء كان الدليل نصا أو إجماعا أو قياسا أو غيره، ويطلق تارة على نوع خاص من أنواع الادلة، وهذا هو المطلوب بيانه هاهنا.\rوهي عبارة عن دليل لا يكون نصا ولا إجماعا ولا قياسا فإن قيل: تعريف الاستدلال بسلب غيره من الادلة عنه ليس أولى من تعريف غيره من الادلة بسب حقيقة الاستدلال عنه.\rقلنا: إنما كان تعريف الاستدلال بما ذكرناه أولى، بسبب سبق التعريف لحقيقة ما عداه من الادلة دون تعريف الاستدلال كما سبق.\rوتعريف الاخفى بالاظهر جائز دون العكس.\rوإذا عرف معنى الاستدلال، فهو على أنواع، منها قولهم: وجد السبب، فثبت الحكم، ووجد المانع وفات الشرط فينتفي الحكم فإنه دليل من حيث إن الدليل\rما يلزم من ثبوته لزوم المطلوب قطعا، أو ظاهرا، ولا يخفى لزوم المطلوب من ثبوت ما ذكرناه، فكان دليلا، وليس هو نصا ولا إجماعا ولا قياسا فكان استدلالا.\rفإن قيل: تعريف الدليل بما يلزم من إثباته الحكم المطلوب، تعريف للدليل بالمدلول، والمدلول لا يعرف إلا بدليله، فكان دورا ممتنعا.\rوإن سلمنا صحة الحد، ولكن لا نسلم أن المذكور ليس بقياس، فإنه إذا آل الامر إلى إثبات المدعى، كان مفتقرا إلى المناسبة والاعتبار، ولا معنى للقياس سوى هذا.\rقلنا: أما الدور فإنما يلزم أن لو اتحدت جهة التوقف، وليس كذلك، وذلك لان المطلوب إنما يتوقف على الدليل من جهة وجوده في آحاد الصور، لا من جهة حقيقته، لانا نعرف حقيقة الحكم من حيث هو حكم، وإن جهلنا دليل وجوده.\rوالدليل إنما يتوقف على لزوم المطلوب له من جهة حقيقته لا من جهة وجوده في آحاد الصور.\rوإذا اختلفت الجهة فلا دور.\rوما ذكروه في تحقيق","part":4,"page":118},{"id":1060,"text":"كونه قياسا، فإنما يلزم أن لو كان تقرير السببية والمانعية والشرطية لا يكون إلا بما ذكروه، وليس ذلك بلازم لامكان تقريره بنص يدل عليه أو إجماع.\rوالثابت بالنص أو الاجماع لا يكون نصا ولا إجماعا، كما تقرر قبل والاعتراضات الواردة على طريق تقريره، ووجوه الانفصال عنها غير خافية.\rومنها نفي الحكم لانتفاء مداركه، كقولهم: الحكم يستدعي دليلا، ولا دليل، فلا حكم.\rأما أنه يستدعي دليلا، فبالضرورة، وأما أنه لا دليل، فلا يدل عليه سوى البحث والسبر، وإن الاصل في الاشياء كلها العدم، وطريق الاعتراض، بإبداء ما يصلح دليلا من نص أو إجماع أو قياس أو استدلال.\rوجوابه بالقدح في الدليل المذكور بما يساعد في موضع على حسبه، ولا يخفى.\rوقد ترد عليه أسئلة كثيرة أوردناها في كتاب المؤاخذات وقررناها اعتراضا\rوانفصالا، فعليك بالالتفات إليها.\rومنها الدليل المؤلف من أقوال يلزم من تسليمها لذاتها تسليم قول آخر.\rوذلك القول اللازم إما أن لا يكون ولا نقيضه مذكورا فيما لزم عنه بالفعل، أو هو مذكور فيه.\rفإن كان الاول، فيسمى اقترانيا، وأقل ما يتركب من مقدمتين، ولا يزيد عليهما.\rوكل مقدمة تشتمل على مفردين، الواحد منهما مكرر في المقدمتين، ويسمى حدا أوسط، والمفردان الآخران اللذان بهما افتراق المقدمتين، منهما يكون المطلوب اللازم، ويسمى أحدهما، وهو ما كان محكوم به في المطلوب، حدا أكبر، وما كان منهما محكوما عليه في المطلوب يسمى حدا أصغر والمقدمة التي فيها الحد الاكبر كبرى والتي فيها الحد الاصغر صغرى.\rثم هيئة الحد الاوسط في نسبته إلى الحدين المختلفين تسمى شكلا","part":4,"page":119},{"id":1061,"text":"وهيئته في النسبة إما بكونه محمولا على الحد الاصغر، وموضوعا للحد الاكبر ويسمى الشكل الاول، وإما بكونه محمولا عليهما ويسمى الشكل الثاني، وإما بكونه موضوعا لهما ويسمى الشكل الثالث وإما بكونه موضوعا للاصغر ومحمولا على الاكبر، ويسمى الشكل الرابع.\rوهو بعيد عن الطباع ومستغنى عنه بباقي الاشكال فلنقتصر على ذكر ما قبله من الاشكال الثلاثة.\rأما الشكل الاول منها، فهو أبينها، وما بعده فمتوقف في معرفة ضروبه عليه، وهو منتج للمطالب الاربعة: الكلي موجبا وسالبا، والجزئي موجبا وسالبا.\rوشرطه في الانتاج إيجاب صغراه، وأن تكون في حكم الموجبة، وكلية كبراه.\rوضروبه المنتجة أربعة: الضرب الاول: من كليتين موجبتين، كقولنا: كل وضوء.\rعبادة، وكل\rعبادة تفتقر إلى النية، واللازم كل وضوء يفتقر إلى النية.\rالضرب الثاني: من كلية صغرى موجبة، كلية كبرى سالبة، كقولنا: كل وضوء عبادة، ولا شئ من العبادة يصح بدون النية، واللازم لا شئ من الوضوء يصح بدون النية.","part":4,"page":120},{"id":1062,"text":"الضرب الثالث: بعض الوضوء عبادة، وكل عبادة تفتقر إلى النية، واللازم بعض الوضوء يفتقر إلى النية.\rالضرب الرابع: بعض الوضوء عبادة، ولا شئ من العبادة يصح بدون النية واللازم بعض الوضوء لا يصح بدون النية.\rالشكل الثاني: وشروطه في الانتاج اختلاف مقدمتيه في الكيفية، وكلية كبراه.\rوضروبه المنتجة أربعة: الضرب الاول: من كليتين، الصغرى موجبة، والكبرى سالبة، كقولنا: كل بيع غائب فصفات المبيع فيه مجهولة، ولا شئ مما يصح بيعه صفات المبيع فيه مجهولة، واللازم لا شئ من بيع الغائب صحيح.\rالضرب الثاني: من كلية صغرى سالبة، وكلية كبرى موجبة، كقولنا: لا شئ من بيع الغائب معلوم الصفات، وكل بيع صحيح فمعلوم الصفات، واللازم كالذي قبله.\rالضرب الثالث: من جزئية صغرى موجبة، وكلية كبرى سالبة كقولنا: بعض بيع الغائب مجهول الصفات، ولا شئ مما يصح بيعه مجهول الصفات، ولازمه بعض بيع الغائب لا يصح.\rالضرب الرابع: من جزئية صغرى سالبة، وكلية كبرى موجبة، كقولنا: ليس","part":4,"page":121},{"id":1063,"text":"كل بيع غائب معلوم الصفات، وكل بيع صحيح معلوم الصفات، ولازمه كلازم\rالذي قبله.\rوالانتاج في هذا الشكل غير بين بنفسه، بل هو مفتقر إلى بيان، وذلك بأن تعكس الكبرى من الاول، وتبقيها كبرى بحالها، فإنه يعود إلى الضرب الثاني من الشكل الاول ناتجا عين المطلوب، وتعكس الصغرى من الثاني فتجعلها كبرى ثم تستنتج وتعكس النتيجة فيعود إلى عين المطلوب وأن تعكس الكبرى من الثالث وتبقيها كبرى بحالها فأنه يعود إلى الضرب الرابع من الشكل الاول ناتجا عين المطلوب والضرب الرابع منه لا يتبين بالعكس، لانك إن عكست","part":4,"page":122},{"id":1064,"text":"الكبرى منه، عادت جزئية، ولا قياس عن جزئيتين، والصغرى فلا عكس لها وإن شئت بينت الانتاج بالخلف، وهو أن تأخذ نقيض النتيجة من كل ضرب منه، وتجعله صغرى للمقدمة الكبرى من ذلك الضرب، فإنه ينتج نقيض المقدمة الصغرى الصادقة وهو محال، وليس لزوم المحال عن نفس الصورة القياسية لتحقق شروطها، ولا عن نفس المقدمة الكبرى، لكونها صادقة فكان لازما عن نقيض المطلوب، فكان محالا، وإلا لما لزم عنه المحال.\rوإذا كان نقيض المطلوب محالا، كان المطلوب الاول هو الصادق.","part":4,"page":123},{"id":1065,"text":"الشكل الثالث: وشرط إنتاجه إيجاب صغراه، أو أن تكون في حكم الموجبة، وكلية إحدى مقدميته، ولا ينتج غير الجزئي الموجب والسالب.\rوضروبه المنتجة ستة: الضرب الاول: من كليتين موجبتين، كقولنا: كل بر مطعوم، وكل بر ربوي، ولازمه بعض المطعوم ربوي.\rالضرب الثاني: من جزئية صغرى موجبة، وكلية موجبة كبرى، كقولنا: بعض البر مطعوم، وكل بر ربوي، ولازمه كلازم ما قبله.\rالضرب الثالث: من كلية موجبة صغرى، وجزئية موجبة كبرى، كقولنا: كل بر مطعوم، وبعض البر ربوي ولازمه كلازم ما قبله.\rالضرب الرابع: من كلية موجبة صغرى، وكلية سالبة كبرى، كقولنا: كل بر مطعوم، ولا شئ من البر يصح بيعه بجنسه متفاضلا، ولازمه لا شئ من المطعوم يصح بيعه يجنسه متفاضلا.\rالضرب الخامس: من جزئية موجبة صغرى، وكلية سالبة كبرى، كقولنا بعض البر ربوي، ولا شئ من البر يصح بيعه بجنسه متفاضلا، ولازمه كلازم ما قبله.\rالضرب السادس: من كلية موجبة صغرى، وجزئية سالبة كبرى، كقولنا: كل بر مطعوم، وبعض البر لا يصح بيعه بجنسه متفاضلا، ولازمه كلازم ما قبله.\rوإنتاج هذا الشكل غير بين بنفسه دون بيان، وهو أن تعكس الصغرى من الاول والثاني، وتبقيها صغرى بحالها، فإنه يعود إلى الضرب الثالث من الشكل الاول ناتجا عين المطلوب، وتعكس الصغرى من الرابع والخامس، وتبقيها صغرى بحالها فإنه يعود إلى الضرب الرابع من الشكل الاول، ناتجا عين المطلوب وتعكس الكبرى من الثالث وتجعلها صغرى للصغرى، ثم تعكس النتيجة، فتعود إلى عين المطلوب.\rوأما السادس منه فلا يتبين بالعكس، لانك إن عكست الصغرى، عادت جزئية، ولا قياس عن جزيئتين، والكبرى فلا عكس لها.\rوإن شئت بينت بالخلف، وهو أن تأخذ نقيض النتيجة، وتجعله كبرى للصغرى في جميع ضروبه، فإنه ينتج نقيض المقدمة الكبرى الصادقة، ويلزم من","part":4,"page":124},{"id":1066,"text":"ذلك كذب النقيض، لما بيناه في الشكل الثاني.\rويلزمه صدق المطلوب الاول.\rوأما إن كان القسم الثاني، وهو أن يكون اللازم أو نقيضه مذكورا فيما لزم عنه بالفعل، فيسمى استثنائيا.\rولا بد فيه من قضيتين إحداهما استثنائية لعين أحد\rجزئي القضية الاخرى أو نقيضه، ثم القضية المستثنى منها لا بد فيها من جزئين بينهما نسبة بإيجاب أو سلب.\rوالنسبة الايجابية بينهما إما أن تكون باللزوم والاتصال، وفي حالة السلب برفعه، أو بالعناد والانفصال، وفي حالة السلب برفعه.\rفإن كان الاول، فتسمى تلك القضية شرطية متصلة، وأحد جزئيها، وهو ما دخل عليه حرف الشرط (مقدما) والثاني، وهو ما دخل عليه حرف الجزاء (تاليا) وما هي مقدمة فيه يسمى قياسا شرطيا متصلا.\rوإن كان الثاني، فتسمى منفصلة وما هي مقدمة فيه يسمى قياسا منفصلا.\rأما الشرطي: المتصل، فشرط إنتاجه أن تكون النسبة بين المقدم والتالي كلية، أي دائمة، وأن يكون الاستثناء إما بعين المقدم منها، أو نقيض التالي، وذلك لان التالي إما أن يكون أعم من المقدم، أو مساويا له.\rولا يجوز أن يكون أخص منه، وإلا كانت القضية كاذبة.\rوعند ذلك، فاستثناء عين المقدم يلزم منه عين التالي، سواء كان التالي أعم من المقدم أو مساويا له.\rواستثناء نقيض التالي يلزم منه نقيض المقدم.\rوأما استثناء نقيض المقدم وعين التالي، فلا يلزم منه شئ، لجواز أن يكون التالي أعم من المقدم، فلا يلزم من نفي الاخص نفي الاعم، ولامن وجود الاعم وجود الاخص.\rوإن لزم ذلك، فإنما يكون عند التساوي بينهما، فلا يكون الانتاج لازما لنفس صورة الدليل، بل لخصوص المادة، وذلك كما في قولنا: دائما إن كان هذا الشئ إنسانا، فهو حيوان، لكنه إنسان، فيلزمه أنه حيوان، أو لكنه ليس بحيوان فيلزمه أنه ليس إنسانا.\rوأما المنفصل: فالمنفصلة منه إما أن تكون مانعة الجمع بين الجزأين والخلو معا، أو مانعة الجمع دون الخلو، أو مانعة الخلو دون الجمع: فإن كان الاول، فيلزم من استثناء عين كل واحد من الجزئين نقيض الآخر، ومن استثناء نقيضه عين الآخر، وذلك كما في قولنا: دائما إما أن يكون العدد","part":4,"page":125},{"id":1067,"text":"زوجا، وإما أن يكون فردا، لكنه زوج فليس بفرد أو لكنه فرد ليس بزوج أو لكنه ليس بزوج فهو فرد أو لكنه ليس بفرد فهو زوج.\rوإن كان الثاني، فاستثناء عين أحدهما يلزمه نقيض الجزء الآخر، ولا يلزم من استثناء نقيض أحدهما عين الآخر ولا نقيضه وذلك كقولنا: دائما إما أن يكون الجسم جمادا وإما حيوانا لكنه حيوان فليس بجماد أو لكنه جماد فليس بحيوان ولا يلزم من استثناء نقيض أحدهما عين الآخر ولا نقيضه.\rوإن كان الثالث، فاستثناء نقيض كل واحد منهما يلزم منه عين الآخر، ولا يلزم من استثناء عين أحدهما عين الآخر، ولا نقيضه، وذلك كما إذا قلنا: دائما إما أن يكون المحل لا أسود، وإما لا أبيض.\rفاستثناء نقيض أحدهما يلزمه عين الآخر، ولا يلزم من استثناء عين أحدهما عين الآخر ولا نقيضه.\rفهذه جملة ضروب هذا النوع من الاستدلال لخصناها في أوجز عبارة.\rومن أراد الاطلاع على ذلك بطريق الكمال والتمام فعليه بمراجعة كتبنا المخصوصة بهذا الفن.\rولا يخفى ما يرد عليها من الاعتراضات من منع المقدمات والقوادح في الادلة الدالة عليها، على اختلاف أنواعها، وكذلك الجواب عنها.\rومن أنواع الاستدلال استصحاب الحال وفيه مسألتان:","part":4,"page":126},{"id":1068,"text":"المسألة الاولى في الاستدلال باستصحاب الحال وقد اختلف فيه: فذهب أكثر الحنفية وجماعة من المتكلمين، كأبي الحسين البصري وغيره، إلى بطلانه.\rومن هؤلاء من جوز به الترجيح لا غير.\rوذهب جماعة من أصحاب الشافعي، كالمزني والصيرفي والغزالي وغيرهم من\rالمحققين، إلى صحة الاحتجاج به، وهو المختار، وسواء كان ذلك الاستصحاب لامر وجودي أو عدمي، أو عقلي أو شرعي، وذلك لان ما تحقق وجوده أو عدمه في حالة من الاحوال، فإنه يستلزم ظن بقائه، والظن حجة متبعة في الشرعيات، على ما سبق تحقيقه.\rوإنما قلنا إنه يستلزم ظن بقائه لاربعة أوجه.\rالاول أن الاجماع منعقد على أن الانسان لو شك في وجود الطهارة ابتداء، لا تجوز له الصلاة، ولو شك في بقائها جازت له الصلاة، ولو لم يكن الاصل في كل متحققا دوامه، للزم إما جواز الصلاة في الصورة الاولى، أو عدم الجواز في الصورة الثانية، وهو خلاف الاجماع.","part":4,"page":127},{"id":1069,"text":"وإنما قلنا ذلك، لانه لو لم يكن الراجح هو الاستصحاب، لم يخل: إما أن يكون الراجح عدم الاستصحاب، أو أن الاستصحاب، وعدمه سيان: فإن كان الاول فيلزم منه امتناع جواز الصلاة في الصورة الثانية لظن فوات الطهارة، وإن كان الثاني، فلا يخلو: إما أن يكون استواء الطرفين مما تجوز معه الصلاة أو لا تجوز فإن كان الاول فيلزم منه جواز الصلاة في الصورة الاولى، وإن كان الثاني فيلزمه عدم جواز الصلاة في الصورة الثانية.\rوكل ذلك ممتنع.\rالوجه الثاني أن العقلاء وأهل العرف إذا تحققوا وجود شئ أو عدمه وله أحكام خاصة به، فإنهم يسوغون القضاء والحكم بها في المستقبل من زمان ذلك الوجود أو العدم، حتى إنهم يجيزون مراسلة من عرفوا وجوده قبل ذلك بمدد متطاولة، وإنفاذ الودائع إليه، ويشهدون في الحالة الراهنة بالدين على من أقر به قبل تلك الحالة.\rولولا أن الاصل بقاء ما كان على على ما كان، لما ساغ لهم ذلك الثالث أن ظن البقاء أغلب من ظن التغير، وذلك لان الباقي لا يتوقف على\rأكثر من وجود الزمان المستقبل ومقابل ذلك الباقي له كان وجودا أو عدما.\rوأما التغير فمتوقف على ثلاثة أمور: وجود الزمان المستقبل، وتبدل الوجود بالعدم أو العدم بالوجود، ومقارنة ذلك الوجود أو العدم لذلك الزمان.\rولا يخفى أن تحقق ما يتوقف على أمرين لا غير أغلب مما يتوقف على ذينك الامرين وثالث غيرهما.\rالوجه الرابع إذا وقع العرض فيما هو باق بنفسه، الجوهر، فقد يقال: غلبة الظن بدوامه أكثر من تغيره، فكان دوامه أولى.\rوذلك لان بقاءه مستغن عن المؤثر حالة بقائه، لانه لو افتقر إلى المؤثر، فإما أن يصدر عن ذلك المؤثر أثر، أو لا يصدر عنه أثر: فإن صدر عنه أثر، فإما أن يكون هو عين ما كان ثابتا أو شيئا متجددا: الاول محال، لما فيه من تحصيل الحاصل، والثاني فعلى خلاف الفرض.\rوإن لم يصدر عنه أثر، فلا معنى لكونه مؤثرا وإذا كان مستغنيا في بقائه","part":4,"page":128},{"id":1070,"text":"عن المؤثر فتغيره لا بد وأن يكون بمؤثر وإلا كان منعدما بنفسه، وهو محال وإلا لما بقي، وإذا كان البقاء غير مفتقر إلى مؤثر، وتغيره مفتقر إلى المؤثر فعدم الباقي لا يكون إلا بمانع يمنع منه.\rوأما المتجدد سواء كان عدما أو وجودا، فإنه قد ينتفي تارة لعدم مقتضيه، وتارة لمانعه، وما يكون عدمه بأمرين يكون أغلب مما عدمه بأمر واحد.\rوعلى هذا فالاصل في جميع الاحكام الشرعية إنما هو العدم وبقاء ما كان على ما كان، إلا ما ورد الشارع.\rبخالفته، فإنا نحكم به ونبقى فيما عداه عاملين بقضية النفي الاصلي، كوجوب صوم شوال، وصلاة سادسة ونحوه.\rفإن قيل: لا نسلم أن كل ما تحقق وجوده في حالة من الاحوال، أو عدمه، فهو مظنون البقاء وما ذكرتموه من الوجه الاول، فالاعتراض عليه من وجوه.\rالاول أنا نسلم انعقاد الاجماع على الفرق في الحكم فيما ذكرتموه من الصورتين، فإن مذهب مالك وجماعة من الفقهاء إنما هو التسوية بينهما في عدم الصحة، وإن سلمنا ذلك وسلمنا أنه لو لم يكن الاصل البقاء في كل متحقق، للزم رجحان الطهارة أو المساواة في الصورة الاولى، ورجحان الحدث أو المساواة في الصورة الثانية.\rولكن لا يلزم من رجحان الطهارة في الصورة الاولى جوز الصلاة، بدليل امتناع الصلاة بعد النوم والاغماء والمس، على الطهارة، وإن كان وجود الطهارة راجحا.\rولامتناع الصلاة مع ظن الحدث في الصورة الثانية، حيث قلتم بأن ظن الحدث لا يلحق بتيقين الحدث.\rسلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن الاصل في الطهارة والحدث البقاء، ولكن لا نسلم أنه يلزم من ذلك الطهارة والحدث أن يكون الاصل في كل متحقق سواهما البقاء، لا بد لهذا من دليل.","part":4,"page":129},{"id":1071,"text":"سلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن الاصل البقاء في كل شئ.\rلكنه منقوض بالزمان والحركات من حيث إن الاصل فيهما التقضي دون البقاء والاستمرار.\rوما ذكرتموه من الوجه الثاني فليس فيه ما يدل على ظن البقاء بل إنما كان ذلك مجوزا منهم لاحتمال إصابة الغرض فيما فعلوه، وذلك كاستحسان الرمي إلى الغرض لقصد الاصابة، لاحتمال وقوعها، وإن لم تكن الاصابة ظاهرة، بل مرجوحة أو مساوية.\rوما ذكرتموه من الوجه الثالث لا نسلم أن ظن البقاء أغلب من ظن التغير.\rوما ذكرتموه من زيادة توقف التغير على تبدل الوجود بالعدم أو بالعكس، معارض بما يتوقف عليه البقاء من تجدد مثل السابق وإن سلمنا أن ما يتوقف عليه التغير أكثر، لكن لا نسلم أنه يدل على غلبة البقاء على التغير، لجواز أن تكون الاشياء المتعددة التي يتوقف عليها التغير أغلب في الوجود من الاعداد القليلة\rالتي يتوقف عليها البقاء، أو مساوية لها.\rوإن سلمنا أن البقاء أغلب من التغير، ولكن لا نسلم كونه غالبا على الظن، لجواز أن يكون الشئ أغلب من غيره، وإن غلب على الظن عدمه في نفسه.\rسلمنا دلالة ذلك على الاغلبية، لكن فيما هو قابل للبقاء أو فيما ليس قابلا له ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع.\rفلم قلتم بأن الاعراض التي وقع النزاع في بقائها قابلة للبقاء ؟ كيف وإنها غير قابلة، لما علم في الكلاميات.\rوما ذكرتموه من الوجه الرابع لا نسلم أن الباقي لا يفتقر إلى مؤثر.\rوما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه، وذلك لان الباقي في حالة بقائه إما أن يكون واجبا لذاته، أو ممكنا لذاته: الاول محال، وإلا لما تصور عليه العدم، وإن كان ممكنا، فلا بد له من مؤثر، وإلا لانسد علينا باب إثبات واجب الوجود.\rسلمنا دلالة ما ذكرتموه على أن الاصل في كل متحقق دوامه، لكنه معارض بما يدل على عدمه، وبيانه من ثلاثة أوجه.\rالاول: أنه لو كان الاصل في كل شئ استمراره ودوامه، لكان حدوث جميع الحوادث على خلاف الدليل المقتضي لاستمرار عدمها، وهو خلاف الاصل.","part":4,"page":130},{"id":1072,"text":"الثاني: أن الاجماع منعقد على أن بينة الاثبات تقدم على بينة النفي، ولو كان الاصل في كل متحقق دوامه، لكانت بينة النفي لاعتضادها بهذا الاصل أولى بالتقدم.\rالثالث: أن مذهب الشافعي أنه لا يجزي عتق العبد الذي انقطع خبره، عن الكفارة، ولو كان الاصل بقاءه لاجزأ.\rسلمنا أالاصل هو البقاء والاستمرار، ولكن متى يمكن التمسك به في الاحكام الشرعية، إذا كان محصلا لاصل الظن، أو غلبة الظن ؟ الاول ممتنع، وإلا كانت شهادة العبيد والنساء المتمحضات، والفساق مقبولة، لحصول أصل الظن بها.\rوالثاني مسلم، ولكن لا نسلم أن مثل هذا الاصل يفيد غلبة الظن، وذلك لان الاصل عدم هذه الزيادة بنفس ما ذكرتم.\rسلمنا كون ذلك مغلبا على الظن، لكن قبل ورود الشرع، أو بعده ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع.\rوبيانه أن قبل ورود الشرع قد أمنا الدليل المغير، فكان الاستصحاب لذلك مغلبا، على الظن وبعد ورود الشرع لم نأمن التغير وورود الدليل المغير، فلا يبقى مغلبا، على الظن.\rوالجواب عن منع الاجماع على التفرقة فيما ذكرناه من الصورتين، أن المراد به إنما هو الاجماع بين الشافعي وأبي حنيفة وأكثر الائمة، فكان ما ذكرناه حجة على الموافق دون المخالف.\rوعن السؤال الاول على الوجه الاول، أنه يلزم من رجحان الطهارة في الصورة الاولى صحة الصلاة، تحصيلا لمصلحة الصلاة مع ظن الطهارة، كالصورة الثانية.\rوأما النوم فإنما امتنعت معه الصلاة لكونه سببا ظاهرا لوجود الخارج الناقض للطهارة، لتيسر خروج الخارج معه باسترخاء المفاصل، على ما قال عليه السلام: العينان وكاء السته.","part":4,"page":131},{"id":1073,"text":"وقال: إذا نامت العينان، انطلق الوكاء وإذا كان النوم مظنة الخارج المحتمل، وجب إدارة الحكم عليه، كما هو الغالب من تصرفات الشارع، لا على حقيقه الخروج، دفعا للعسر والحرج عن المكلفين.\rوبه يقع الجواب عن الاغماء والمس.\rويلزم من رجحان الحدث في الصورة الثانية امتناع صحة الصلاة، زجرا له عن التقرب إلى الله تعالى والوقوف بين يديه، مع ظن الحدث، فإنه قبيح عقلا وشرعا، ولذلك نهي عنه.\rوالشاهد له بالاعتبار الصورة الاولى.\rقولهم إنه لا تأثير للحدث المظنون عندكم - قلنا: إنما لا يكون مؤثرا بتقدير أن لا نقول باستصحاب الحال، كالتقدير الذي نحن فيه، وإلا فلا.\rوعن السؤال الثاني أنه لو لم يكن الاستصحاب والاستمرار مقتضى الدليل في كل متحقق، لكان الاستمرار في هاتين الصورتين على خلاف حكم الاعم أغلب، إن كان عدم الاستمرار هو الاغلب، وهو على خلاف الاصل أو أن يكون عدم الاستمرار على خلاف الغالب إن كان الاستمرار هو الاغلب، وإن تساوى الطرفان، فهو احتمال من ثلاثة احتمالات، ووقوع احتمال من احتمالين أغلب من احتمال واحد بعينه.\rوعن السؤال الثالث أنا إنما ندعي أن الاصل البقاء فيما يمكن بقاؤه، إما بنفسه، كالجواهر، أو بتجدد أمثاله كالاعراض، وعليه بناء الادلة المذكورة، وعلى هذا، فالاصل في الزمان بقاؤه بتجدد أمثاله.\rوأما الحركات فإما أن تكون من قبيل ما يمكن بقاؤه واستمراره، أو لا من هذا القبيل: فإن كان الاول، فهو من جملة صور النزاع، وإن كان الثاني، فالنقض به يكون مندفعا","part":4,"page":132},{"id":1074,"text":"وعما ذكروه على الوجه الثاني أن الاقدام على الفعل لغرض موهوم غير ظاهر إنما يكون فيما لا خطر في فعله ولا مشقة كما ذكروه من المثال.\rوأما ما يلزم الخطر والمشقة في فعله، فلا بد وأن يكون لغرض ظاهر راجح على خطر ذلك الفعل ومشقته، على ما تشهد به تصرفات العقلاء وأهل العرف، من ركوب البحار ومعاناة المشاق من الاسفار، فإنهم لا يرتكبون ذلك إلا مع ظهور المصلحة لهم في ذلك ومن فعل ذلك لا مع ظهور المصلحة في نظره عد سفيها مخبطا في عقله، وما وقع به الاستشهاد من تنفيذ الودائع وإرسال الرسل إلى من بعدت مدة غيبته، والشهادة بالدين على من تقدم إفراره، من هذا القبيل، فكان الاستصحاب فيه ظاهرا.\rوعما ذكروه على الوجه الثالث أولا فجوابه بزيادة افتقار التغير إلى تجدد علة موجبة للتغير بخلاف البقاء، لامكان اتحاد علة المتجددات.\rوما ذكروه ثانيا فجوابه من وجهين.\rالاول أن الشئ إذا كان موقوفا على شئ واحد، والآخر على شيئين، فما يتوقف على شئ واحد لا يتحقق عدمه إلا بتقدير عدم ذلك الشئ، وما يتوقف تحققه على أمرين يتم عدمه بعدم كل واحد من ذينك الامرين.\rولا يخفى أن ما يقع عدمه على تقديرين يكون عدمه أغلب من عدم ما لا يتحقق عدمه إلا بتقدير واحد.\rوما كان عدمه أغلب، كان تحققه أندر، وبالعكس مقابله.\rفإن قيل: عدم الواحد المعين إما أن يكون مساويا في الوقوع لعدم الواحد من الشيئين، أو غالبا، أو مغلوبا، ولا تتحقق غلبة الظن فيما ذكرتموه بتقدير غلبة الواحد المعين ومساواته وإنما يتحقق ذلك بتقدير كونه مغلوبا.\rولا يخفى أن وقوع أحد أمرين لا بعينه أغلب من وقوع الواحد المعين كما ذكرتموه.\rقلنا: إذا نسبنا أحد الشيئين لا بعينه إلى ذلك الواحد المعين فإما أن يكون عدمه أغلب من ذلك المعين، أو مساويا له، أو مغلوبا، فإن كان الاول لزم ما ذكرناه، وإن كان الثاني، فكذلك أيضا، لترجحه بضم عدم الوصف الآخر إليه، وإن كان","part":4,"page":133},{"id":1075,"text":"مغلوبا فنسبة الوصف الآخر إليه لا تخلو من الاقسام الثلاثة، ويترجح ما ذكرناه بتقديرين آخرين منها، وإنما لا يترجح ما ذكرناه بتقدير أن يكون كل واحد من الوصفين مرجوحا، فإذا ما ذكرناه يتم على تقديرات أربعة، ولا يتم على تقدير واحد، وفيه دقة، فليتأمل.\rالوجه الثاني أن العاقل إذا عن له مقصودان متساويان، وكانت المقدمات الموصلة إلى أحدهما أكثر من مقدمات الآخر، فإنه يبادر إلى مقدماته أقل، ولولا\rأن ذلك أفضى إلى مقصوده وأغلب، لما كان إقدامه عليه أغلب، لخلوه عن الفائدة المطلوبة من تصرفات العقلاء.\rقولهم: وإن كان البقاء أغلب من التغير فلا يلزم أن يكون غالبا على الظن، قلنا: إذا كان البقاء أغلب من مقابله فهو أغلب على الظن منه، ويجب المصير إليه، نظرا إلى أن المجتهد مؤاخد بما هو الاظهر عنده.\rقولهم: إنما يدل ما ذكرتموه على غلبة الظن فيما هو قابل للبقاء.\rقلنا: الاعراض إن كانت باقية، فلا إشكال، وإن لم تكن باقية بأنفسها، فممكنة البقاء بطريق التجدد، كسواد الغراب وبياض الثلج.\rوعلى كل تقدير فالكلام إنما هو واقع فيما هو ممكن التجدد من الاعراض، لا فيما هو غير ممكن.\rوعما ذكروه على الوجه الرابع أن يقال: مجرد الامكان غير محوج إلى المؤثر، بل المحوج إليه إنما هو الامكان المشروط بالحدوث أو الحدوث المشروط بالامكان.\rوعن المعارضات، أما الحوادث فإنما خالفنا فيها الاصل، لوجود السبب الموجب للحدوث ونفي حكم الدليل مع وجوده لمعارض، أولى من إخراجه عن الدلالة وإبطاله بالكلية، مع ظهور دلالته.\rوأما تقديم الشهادة المثبتة على النافية، وإن كانت معتضدة بأصل براءة الذمة، فإنما كان لاطلاع المثبت على السبب الموجب لمخالفة براءة الذمة وعدم اطلاع النافي عليه، لامكان حدوثه حالة غيبة النافي عن المنكر، وتعذر صحبته له واطلاعه","part":4,"page":134},{"id":1076,"text":"على أحواله في سائر الاوقات.\rوأما مسألة العبد فهي ممنوعة، وبتقدير تسليمها، فلان الذمة مشغولة بالكفارة يقينا، ولا تحصل البراءة منها إلا بيقين وجود العبد، ولا يقين.\rفمن ادعى وجود مثل ذلك فيما نحن فيه فعليه الدليل.\rقولهم: إنما يمكن التمسك به في الاحكام الشرعية، إذا كان مفيدا لغلبة الظن - لا نسلم ذلك، بل أصل الظن كاف، وبه يظهر الشئ على مقابله وأما رد الشهادة في الصور المذكورة، فلم يكن لعدم صلاحيتها، بل لعدم اعتبارها في الشرع، بخلاف ما نحن فيه من استصحاب الحال، فإنه معتبر، بدليل ما ذكرناه من صورة الشاك في الطهارة والحدث.\rقولهم إنه مغلب على الظن قبل ورود الشرع لا بعده، ليس كذلك، فإنا بعد ورود الشرع، إذا لم نظفر بدليل يخالف الاصل بقي ذلك الاصل مغلبا على الظن.\rنعم غايته أنه قبل ورود الشرع أغلب على الظن لتيقن عدم المعارض منه بعد ورود الشرع لظن عدم المعارض.","part":4,"page":135},{"id":1077,"text":"المسألة الثانية اختلفوا في جواز استصحاب حكم الاجماع في محل الخلاف: فنفاه جماعة من الاصوليين، كالغزالي وغيره، وأثبته آخرون وهو المختار.\rوصورته ما لو قال الشافعي مثلا في مسألة الخارج النجس من غير السبيلين: إذا تطهر، ثم خرج منه خارج من غير السبيلين فهو بعد الخروج متطهر ولو صلى فصلاته صحيحة، لان الاجماع منعقد على هذين الحكمين قبل الخارج، والاصل في كل متحقق دوامه لما تحقق في المسألة التي قبلها، إلا أن يوجد المعارض النافي، والاصل عدمه، فمن ادعاه يحتاج إلى الدليل.\rفإن قيل القول بثبوت الطهارة وصحة الصلاة في محل النزاع إما أن يكون لدليل، أو لا لدليل: لا جائز أن يكون لا لدليل، فإنه خلاف الاجماع، وإن كان لدليل، فإما نص أو قياس أو إجماع: فإن كان بنص أو قياس، فلا بد من إظهاره، ولو ظهر لم يكن إثبات الحكم في محل الخلاف بناء على الاستصحاب، بل بناء على\rما ظهر من النص أو القياس.\rوإن كان بالاجماع، فلا إجماع في محل الخلاف، وإن كان الاجماع قبل خروج الخارج ثابتا.\rقلنا: متى يفتقر الحكم في بقائه إلى دليل، إذا قيل بنزوله منزلة الجواهر، أو الاعراض ؟ الاول ممنوع، بل هو باق بعد ثبوته بالاجماع لا بدليل، لما سبق تقريره في المسألة المتقدمة، والثاني مسلم، ولكن لم قلتم إنه نازل منزلة الاعراض ؟ سلمنا أنه نازل منزلة الاعراض، وأنه لا بد له من دليل، ولكن لا نسلم انحصار الدليل المبقى فيما ذكروه من النص والاجماع والقياس، إلا أن يبينوا أن الاستصحاب ليس بدليل، وهو موضوع النزاع.\rسلمنا أن الاستصحاب بنفسه لا يكون دليلا على الحكم الباقي بنفسه، ولكنه دليل الدليل على الحكم، وذلك لانا بينا في المسألة المتقدمة وجود غلبة الظن ببقاء كل ما كان متحققا على حاله، وذلك يدل من جهة الاجمال على دليل موجب لذلك الظن.","part":4,"page":136},{"id":1078,"text":"القسم الثاني فيما ظن أنه دليل صحيح، وليس كذلك وهو أربعة أنواع.\rالنوع الاول - شرع من قبلنا.\rوفيه مسألتان.\rالمسألة الاولى اختلفوا في النبي عليه السلام قبل بعثته، هل كان متعبدا بشرع أحد من الانبياء قبله ؟ فمنهم من نفى ذلك، كأبي الحسين البصري وغيره، ومنهم من أثبته، ثم اختلف المثبتون: فمنهم من نسبه إلى شرع نوح، ومنهم من نسبه إلى شرع ابراهيم، ومنهم من نسبه إلى موسى، ومنهم من نسبه إلى عيسى.\rومن الاصوليين.\rمن قضى بالجواز، وتوقف في الوقوع، كالغزالي والقاضي عبد الجبار وغيرهما من المحققين، وهو المختار.\rأما الجواز فثابت، وذلك لانه لو امتنع، إما أن يمتنع لذاته، أو لعدم المصلحة في ذلك، أو لمعنى آخر: الاول ممتنع، فإنا لو فرضنا وقوعه، لم يلزم عنه لذاته في العقل محال.\rوالثاني فمبني على وجوب رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه في كتبنا الكلامية، وبتقدير رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى فغير بعيد أن يعلم الله تعالى أن مصلحة الشخص قبل نبوته في تكليفه بشريعة من قبله.\rوالثالث فلا بد من إثباته، إذ الاصل عدمه.","part":4,"page":137},{"id":1079,"text":"وأما الوقوع فيستدعي دليلا، والاصل عدمه، وما يتخيل من الادلة الدالة على الوقوع وعدمه، فمع عدم دلالتها في أنفسها، متعارضة كما يأتي، وليس التمسك بالبعض منها أولى من البعض.\rفإن قيل: الدليل على أنه لم يكن قبل البعثة متعبدا بشريعة أحد قبله أنه لو كان متعبدا بشريعة من الشرائع السالفة، لنقل عنه فعل ما تعبد به واشتهر تلبسه بتلك الشريعة ومخالطة أهلها، كما هو الجاري من عادة كل متشرع بشريعة، وقد عرفت أحواله قبل البعثة، ولم ينقل عنه شئ من ذلك.\rوأيضا فإنه لو كان متعبدا ببعض الشرائع السالفة، لافتخر أهل تلك الشريعة بعد بعثته واشتهاره وعلو شأنه بنسبته إليهم وإلى شرعهم.\rولم ينقل شئ من ذلك.\rسلمنا أنه لا دليل يدل على عدم تعبده بشرع من قبله، ولكن لا نسلم عدم الدليل الدال على تعبده بشرع من قبله.\rويدل على ذلك أمران.\rالاول: أن كل من سبق من المرسلين كان داعيا إلى اتباع شرعه كل المكلفين،\rوكان النبي عليه السلام، داخلا في ذلك العموم.\rالثاني: أنه، عليه السلام، قبل البعثة كان يصلي، ويحج، ويعتمر ويطوف بالبيت ويعظمه، ويذكي، ويأكل اللحم، ويركب البهائم ويستسخرها، ويتجنب الميتة، وذلك كله مما لا يرشد إليه العقل، ولا يحسن بغير الشرع.\rوالجواب عن الاعتراض الاول أنه مقابل، بأنه لو لم يكن على شريعة من الشرائع، ولا متعبدا بشئ منها، لظهر منه التلبس بخلاف ما أهل تلك الشرائع متلبسون به.\rواشتهرت مخالفته لهم في ذلك وكانت الدواعي متوفرة على نقله، ولم ينقل عنه شئ من ذلك، وليس أحد الامرين أولى من الآخر.","part":4,"page":138},{"id":1080,"text":"وعن الاعتراض الاول للمذهب الثاني بمنع دعوة من سبق من الانبياء لكافة المكلفين إلى اتباعه، فإنه لم ينقل في ذلك لفظ يدل على التعميم، ليحكم به.\rوبتقدير نقله فيحتمل أن يكون زمان نبينا، عليه السلام، زمان اندراس الشرائع المتقدمة وتعذر التكليف بها، لعدم نقلها وتفصيلها، ولذلك بعث في ذلك الزمان.\rوعن الاعتراض الثاني أنا لا نسلم ثبوت شئ مما ذكروه بنقل يوثق به، وبتقدير ثبوته لا يدل ذلك على أنه كان متعبدا به شرعا، لاحتمال أن تكون صلاته وحجته وعمرته وتعظيمه للبيت بطريق التبرك بفعل مثل ما نقل جملته عن أفعال الانبياء المتقدمين، واندرس تفصيله.\rوأما أكل اللحم وذبح الحيوان واستسخاره للبهائم، فإنما كان بناء منه على أنه لا تحريم قبل ورود الشرع.\rوأما تركه للميتة بناء على عيافة نفسه لها، كعيافته لحم الضب، أما أن يكون متعبدا بذلك شرعا، فلا.","part":4,"page":139},{"id":1081,"text":"المسألة الثانية اختلفوا في النبي، عليه السلام وأمته، بعد البعث، هل هم متعبدون بشرع من تقدم ؟ فنقل عن أصحاب أبي حنيفة، وعن أحمد في إحدى الراويتين عنه، وعن بعض أصحاب الشافعي أن النبي عليه السلام، كان متعبدا بما صح من شرائع من قبله بطريق الوحي إليه، لا من جهة كتبهم المبدلة ونقل أربابها.\rومذهب الاشاعرة والمعتزلة المنع من ذلك، وهو المختار ويدل على ذلك أمور أربعة.\rالاول: أن النبي، عليه السلام، لما بعث معاذا إلى اليمن قاضيا قال له بم تحكم ؟ قال: بكتاب الله.\rقال: فإن لم تجد ؟ قال: بسنة رسول الله.\rقال: فإن لم تجد ؟ قال: أجتهد رأيي ولم يذكر شيئا من كتب الانبياء الاولين وسننهم، والنبي، عليه السلام، أقره على ذلك، ودعا له، وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله ولو كانت من مدارك الاحكام الشرعية لجرت مجرى الكتاب والسنة في وجوب الرجوع إليها، ولم يجز العدول عنها إلى اجتهاد الرأي إلا بعد البحث عنها واليأس من معرفتها.\rالثاني: أنه لو كان النبي عليه السلام متعبدا بشريعة من قبله، وكذلك أمته، لكان تعلمها من فروض الكفايات، كالقرآن والاخبار، ولوجب على النبي عليه السلام، مراجعتها، وأن لا يتوقف على نزول الوحي في أحكام الوقائع التي لا خلو للشرائع الماضية عنها، ولوجب أيضا على الصحابة بعد النبي، عليه السلام، مراجعتها والبحث عنها والسؤال لناقليها عند حدوث الوقائع المختلف فيها فيما بينهم، كمسألة الجد والعول وبيع أم الولد والمفوضة وحد الشرب وغير ذلك، على نحو بحثهم عن الاخبار النبوية في ذلك، وحيث لم ينقل شئ من ذلك، علم أن شريعة من تقدم غير متعبد بها لهم.","part":4,"page":140},{"id":1082,"text":"الثالث: أنه لو كان متعبدا باتباع شرع من قبله إما في الكل أو البعض، لما نسب شئ من شرعنا إليه، على التقدير الاول، ولا كل الشرع إليه، على التقدير الثاني، كما لا ينسب شرعه، عليه السلام، إلى من هو متعبد بشرعه من أمته، وهو خلاف الاجماع من المسلمين.\rالرابع: أن إجماع المسلمين على أن شريعة النبي، عليه السلام، ناسخة لشريعة من تقدم، فلو كان متعبدا بها، لكان مقررا لها ومخبرا عنها، لا ناسخا لها، ولا مشرعا، وهو محال.\rفإن قيل على الحجة الاولى: إنما لم يتعرض معاذ لذكر التوراة والانجيل، إكتفاء منه بآيات في الكتاب تدل على اتباعهما، على ما يأتي، ولان اسم الكتاب يدخل تحته التوراة والانجيل، لكونهما من الكتب المنزلة.\rوأما الحجة الثانية، لا نسلم أن تعلم ما قيل بالتعبد به من الشرائع ليس من فروض الكفايات، ولا نسلم عدم مراجعة النبي، عليه السلام، لها.\rولهذا نقل عنه مراجعة التوارة في مسألة الرجم، وما لم يراجع فيه شرع من تقدم، إما لان تلك الشرائع لم تكن مبينة له، أو لانه ما كان متعبدا باتباع الشريعة السالفة الا بطريق الوحي، ولم يوح إليه به.\rوأما عدم بحث الصحابة عنها، فإنما كان لان ما تواتر منها كان معلوما لهم وغير محتاج إلى بحث عنه، وما كان منها منقولا على لسان الآحاد من الكفار لم يكونوا متعبدين به.\rوأما الحجة الثالثة فإنما ينسب إليه ما كان متعبدا به من الشرائع بأنه من شرعه بطريق التجوز، لكونه معلوما لنا بواسطته وإن لم يكن هو الشارع له.\rوأما الحجة الرابعة فنحن نقول بها، وأن ما كان من شرعه مخالفا لشرع من تقدم فهو ناسخ له، وما لم يكن من شرعه بل هو متعبد فيه باتباع شرع من تقدم، فلا.\r1 - الاحتمال الثاني هو الذي يتفق مع تحرير محل النزاع ومع ما قال به اصحاب\rالمذهب الاول 2 - الظاهر لهم لم يتركوا ذلك الا لا نهم لم يكلفوا بالبحث عن شئ من شرائعهم في غير ما ثبت لديهم في الكتاب والسنة كما تقدم","part":4,"page":141},{"id":1083,"text":"ولهذا فإنه لا يوصف شرعه بأنه ناسخ لبعض ما كان مشروعا قبله، كوجوب الايمان، وتحريم الكفران، والزنى، والقتل، والسرقة، وغير ذلك مما شرعنا فيه موافق لشرع من تقدم.\rسلمنا دلالة ما ذكرتموه على مطلوبكم، لكنه معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه من جهة الكتاب والسنة.\rأما من جهة الكتاب فآيات.\rالاولى قوله تعالى في حق الانبياء * (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) * (الانعام: 90) أمره باقتدائه بهداهم، وشرعهم من هداهم، فوجب عليه اتباعه.\rالثانية قوله تعالى * (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح) * (النساء: 163) وقوله تعالى * (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) * (الشورى: 13) فدل على وجوب اتباعه لشريعة نوح.\rالثالثة قوله تعالى * (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم) * (النحل: 123) أمره باتباع ملة ابراهيم، والامر للوجوب.\rالرابعة قوله تعالى * (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون) * (المائدة: 44) والنبي عليه السلام، من جملة النبيين، فوجب عليه الحكم بها.\rوأما السنة، فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه رجع إلى التوراة في رجم اليهودي.\rوأيضا ما روي عنه عندما طلب منه القصاص في سن كسرت، فقال كتاب الله","part":4,"page":142},{"id":1084,"text":"يقضي بالقصاص وليس في الكتب ما يقضي بالقصاص في السن سوى\rالتوراة، وهو قوله تعالى فيها * (السن بالسن) * (المائدة: 45) وأيضا ما روي عنه أنه قال من نام عن صلاة أو أنسيها، فليصلها إذا ذكرها وتلا قوله تعالى * (أقم الصلاة لذكري) * (طه: 14) وهو خطاب مع موسى، عليه السلام.\rوالجواب قولهم (إنما لم يذكر معاذ التوراة والانجيل، لدلالة القرآن عليهما) لا نسلم ذلك، وما يذكرونه في ذلك، فسيأتي الكلام عليه.\rوإن سلمنا ذلك، لكن لا يكون ذلك كافيا عن ذكرهما، كما لو لم يكن ما في القرآن من ذكر السنة والقياس على ما بيناه، كافيا عن ذكرهما، أو أن لا يكون إلى ذكر السنة والقياس في خبر معاذ حاجة، وكل واحد من الامرين على خلاف الاصل.\rقولهم (إن الكتب السالفة مندرجة في لفظ الكتاب) ليس كذلك، لان المتبادر من إطلاق لفظ الكتاب في شرعنا عند قول القائل قرأت كتاب الله، وحكمت بكتاب الله ليس غير القرآن.\rوذلك لما علم من معاناة المسلمين لحفظ القرآن ودراسته والعمل بموجباته، دون غيره من الكتب السالفة.\rقولهم: لا نسلم أن تعلم ما تعبد به من الشرائع الماضية ليس فرضا على الكفاية - قلنا: لان إجماع المسلمين قبل ظهور المخالفين، على أنه لا تأثيم بترك النظر على كافة المجتهدين في ذلك.","part":4,"page":143},{"id":1085,"text":"وأما مراجعة النبي عليه السلام، التوراة فإنما كان لاظهار صدقه فيما كان قد أخبر به من أن الرجم مذكور في التوراة وإنكاره اليهود ذلك، لا لان يستفيد حكم الرجم منها، ولذلك فإنه لم يرجع إليها فيما سوى ذلك.\rوما ذكروه في امتناع بحث الصحابة عن ذلك فغير صحيح، لان ما نقل من ذلك متواترا، إنما يعرفه من خالط النقلة له، وكان فاحصا عنه، ولم ينقل عن أحد من الصحابة شئ من ذلك، كيف وإنه قد كان يمكن معرفة ذلك ممن أسلم من\rأحبار اليهود، وهو ثقة مأمون، كعبد الله بن سلام وكعب الاحبار وغيرهما، ولم ينقل عن النبي عليه السلام، ولا عن أحد من الامة السؤال لهم عن ذلك.\rوما ذكروه على الحجة الثالثة فترك للظاهر المشهور المتبادر إلى الفهم من غير دليل، فلا يسمع.\rوما ذكروه على الحجة الرابعة فمندفع، وذلك لان إطلاق الامة أن شرع النبي عليه السلام، ناسخ للشرائع السالفة بينهم، يفهم منه أمران: أحدهما رفع أحكامها، والثاني أنه غير متعبد بها.\rفما لم يثبت رفعه من تلك الاحكام بشرعه ضرورة استمراره، فلا يكون ناسخا له، فيبقى المفهوم الآخر، وهو عدم تعبده به.\rولا يلزم من مخالفة دلالة الدليل على أحد مدلوليه مخالفته بالنظر إلى المدلول الآخر.\rوالجواب عن المعارضة بالآية الاولى أنه إنما أمره باتباع هدى مضاف إلى جميعهم، مشترك بينهم، دون ما وقع به الخلاف فيما بينهم، والناسخ والمنسوخ منه، لاستحالة اتباعه وامتثاله، والهدى المشترك فيما بينهم، إنما هو التوحيد، والادلة","part":4,"page":144},{"id":1086,"text":"العقلية، الهادية إليه، وليس ذلك من شرعهم في شئ.\rولهذا قال فبهداهم اقتده ولم يقل بهم وبتقدير أن يكون المراد من الهدي المشترك، ما اتفقوا فيه من الشرائع دون ما اختلفوا فيه، فاتباعه له إنما كان بوحي إليه وأمر مجدد، لا أنه بطريق الاقتداء بهم.\rوعن قوله تعالى * (إنا أوحينا إليك، كما أوحينا إلى نوح) * (النساء: 163) أنه لا دلالة له على أنه موحى إليه بعين ما أوحي به إلى نوح والنبيين من بعده، حتى يقال باتباعه لشريعتهم، بل غايته أنه أوحى إليه، كما أوحى إلى غيره من النبيين، قطعا لاستبعاد ذلك، وإنكاره.\rوبتقدير أن يكون المراد به أنه أوحى إليه بما أوحى به إلى غيره من النبيين، فغايته أنه أوحى إليه بمثل شريعة من قبله بوحي مبتدإ، لا بطريق الاتباع لغيره.\rوعن قوله تعالى * (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) * (الشورى: 13) أن المراد من الدين إنما هو أصل التوحيد، لا ما اندرس من شريعته.\rولهذا لم ينقل عن النبي عليه السلام، البحث عن شريعة نوح، وذلك مع التعبد بها في حقه ممتنع، وحيث خصص","part":4,"page":145},{"id":1087,"text":"نوحا بالذكر، مع اشتراك جميع الانبياء في الوصية بالتوحيد، كان تشريفا له وتكريما، كما خصص روح عيسى بالاضافة إليه، والمؤمنين بلفظ العباد، وعن قوله تعالى: * (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم) * (النحل: 123) أن المراد بلفظ الملة، إنما هو أصول التوحيد وإجلال الله تعالى بالعبادة دون الفروع الشرعية، ويدل على ذلك أربعة أوجه، الاول أن لفظ الملة لا يطلق على الفروع الشرعية، بدليل أنه لا يقال ملة الشافعي وملة أبي حنيفة، لمذهبيهما في الفروع الشرعية.\rالثاني: أنه قال عقيب ذلك * (وما كان من المشركين) * (النحل: 123)، ذكر ذلك في مقابلة الدين، ومقابل الشرك إنما هو التوحيد.\rالثالث: أنه قال * (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) * (البقرة: 130) ولو كان المراد من الدين الاحكام الفرعية، لكان من خالفه فيها من الانبياء سفيها، وهو محال.\rالرابع: أنه لو كان المراد من الدين فروع الشريعة، لوجب على النبي عليه السلام، البحث عنها لكونه مأمورا بها، وذلك مع اندراسها ممتنع.\rثم وإن سلمنا أن المراد بالملة الفروع الشرعية، غير أنه إنما وجب عليه اتباعها بما أوحى.\rولهذا قال: ثم أوحينا إليك.\rوعن قوله تعالى * (إنا أنزلنا التوراة) * (المائدة: 44) الاية، أن قوله * (يحكم بها النبيون) * (المائدة: 44) صيغة إخبار، لا صيغة أمر، وذلك لا يدل على وجوب اتباعها.\rوبتقدير أن يكون ذلك أمرا، فيجب حمله على ما هو مشترك الوجوب بين جميع الانبياء، وهو التوحيد،","part":4,"page":146},{"id":1088,"text":"دون الفروع الشرعية المختلف فيها فيما بينهم، لامكان تنزيل لفظ النبيين على عمومه، بخلاف التنزيل على الفروع الشرعية.\rكيف وإن هذه الآيات متعارضة، والعمل بجميعها ممتنع، وليس العمل بالبعض أولى من البعض.\rوعن الخبر الاول، وهو رجوع النبي عليه السلام، إلى التوراة في رجم اليهودي ما سبق.\rوعن الخبر الثاني، لا نسلم أن كتابنا غير مشتمل على قصاص السن بالسن، ودليله قوله تعالى * (فمن اعتدى عليكم، فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * (البقرة: 194) وهو عام في السن وغيره.\rوعن الخبر الثالث أنه لم يذكر الخطاب مع موسى، لكونه موجبا لقضاء الصلاة عند النوم والنسيان، وإنما أوجب ذلك بما أوحى إليه، ونبه على أن أمته مأمورة بذلك، كما أمر موسى عليه السلام.\rثم ما ذكرتموه من النقل معارض بقوله عليه السلام بعثت إلى الاحمر والاسود وكل نبي بعث إلى قومه، والنبي عليه السلام، لم يكن من أقوام الانبياء المتقدمين، فلا يكون متعبدا بشرعهم وبما روي عنه عليه السلام، أنه رأى مع عمر بن الخطاب","part":4,"page":147},{"id":1089,"text":"قطعة من التوراة ينظر فيها، فغضب وقال ألم آت بها بيضاء نقية، لو أدركني أخي موسى لما وسعه إلا اتباعي أخبر بأن موسى، لو كان حيا، لما وسعه إلا اتباعه، فلان لا يكون النبي، عليه السلام، متبعا لموسى بعد موته أولى.\rوربما عورض أيضا بقوله تعالى * (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) * (المائدة: 48) والشرعة، الشريعة والمنهاج الطريق، وذلك يدل على عدم اتباع الاخير لمن تقدم من الانبياء، لان الشريعة لا تضاف إلا إلى من اختص بها، دون التابع لها، ولا حجة فيه، فإن الشرائع، وإن اشتركت في شئ، فمختلفة في أشياء.\rوباعتبار ما به الاختلاف بينها كانت شرائع\rمختلفة، وذلك كما يقال: لكل إمام مذهب، باعتبار اختلاف الائمة في بعض الاحكام، وإن وقع الاتفاق بينهم في كثير منها.\rوربما أورد النفاة في ذلك طرقا أخرى شتى ضعيفة، آثرنا الاعراض عن ذكرها.\rوكما أن النبي عليه السلام، لم يكن متعبدا بشريعة من تقدم إلا بوحي مجدد، لم يكن قبل بعثته على ما كان قومه عليه، بل كان متجنبا لاصنامهم، معرضا عن أزلامهم، ولا يأكل من ذبائحهم على النصب.\rهذا هو مذهب أصحاب الشافعي وأئمة المسلمين.\rومن الاصوليين من قال بالوقف، وهو بعيد.","part":4,"page":148},{"id":1090,"text":"النوع الثاني مذهب الصحابي، وفيه مسألتان: المسألة الاولى اتفق الكل على أن مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد لا يكون حجة على غيره من الصحابة المجتهدين، إماما كان أو حاكما أو مفتيا.\rواختلفوا في كونه حجة على التابعين ومن بعدهم من المجتهدين: فذهبت الاشاعرة والمعتزلة والشافعي في أحد قوليه وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، والكرخي إلى أنه ليس بحجة، وذهب مالك بن انس والرازي والبرذعي من أصحاب أبي حنيفة والشافعي في قول له وأحمد بن حنبل في رواية له إلى أنه حجة مقدمة على القياس، وذهب قوم إلى أنه إن خالف القياس، فهو حجة، وإلا، فلا، وذهب قوم إلى أن الحجة في قول أبي بكر وعمر دون غيرهما.\rوالمختار أنه ليس بحجة مطلقا.\rوقد احتج النافون بحجج ضعيفة، لا بد من ذكرها والاشارة إلى وجه ضعفها، قبل ذكر ما هو المختار في ذلك.\rالحجة الاولى قوله تعالى * (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) * (النساء: 59)\rأوجب الرد عند الاختلاف إلى الله والرسول، فالرد إلى مذهب الصحابي يكون تركا للواجب، وهو ممتنع.\rولقائل أن يقول: لا نسلم أن قوله تعالى * (فردوه إلى الله والرسول) * (النساء: 59) يدل على الوجوب، على ما سبق تقريره.\rفالرد إلى مذهب الصحابي لا يكون تركا للواجب.\rوإن سلمنا أنه للوجوب، ولكن عند إمكان الرد، وهو أن يكون حكم المختلف فيه مبينا في الكتاب أو السنة، وأما بتقدير أن لا يكون مبينا فيهما، فلا.","part":4,"page":149},{"id":1091,"text":"ونحن إنما نقول باتباع مذهب الصحابي مع عدم الظفر بما يدل على حكم الواقعة من الكتاب والسنة.\rالحجة الثانية قالوا: أجمعت الصحابة على جواز مخالفة كل واحد من آحاد الصحابة المجتهدين للآخر.\rولو كان مذهب الصحابي حجة لما كان كذلك، وكان يجب على كل واحد منهم اتباع الآخر، وهو محال.\rولقائل أن يقول: الخلاف إنما هو في كون مذهب الصحابي حجة على من بعده من مجتهدة التابعين ومن بعدهم، لا مجتهدة الصحابة، فلم يكن الاجماع دليلا على محل النزاع.\rالحجة الثالثة أن الصحابي من أهل الاجتهاد، والخطأ ممكن عليه، فلا يجب على التابع المجتهد العمل بمذهبه كالصحابيين والتابعيين.\rولقائل أن يقول: لا يلزم من امتناع وجوب العمل بمذهب الصحابي على صحابي مثله، وامتناع وجوب العمل بمذهب التابعي على تابعي مثله، امتناع وجوب عمل التابعي بمذهب الصحابي مع تفاوتهما، على ما قال عليه السلام خير القرون القرن الذي أنا فيه وقال عليه السلام أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم ولم يرد مثل ذلك في حق غيرهم.","part":4,"page":150},{"id":1092,"text":"الحجة الرابعة: أن الصحابة قد اختلفوا في مسائل، وذهب كل واحد إلى خلاف مذهب الآخر، كما في مسائل الجد مع الاخوة وقوله أنت علي حرام كما سبق تعريفه، فلو كان مذهب الصحابي حجة على غيره من التابعين، لكانت حجج الله تعالى مختلفة متناقضة، ولم يكن اتباع التابعي للبعض أولى من البعض.\rولقائل أن يقول: اختلاف مذاهب الصحابة لا يخرجها عن كونها حججا في أنفسها، كأخبار الآحاد، والنصوص الظاهرة، ويكون العمل بالواحد منها متوققا على الترجيح، ومع عدم الوقوف على الترجيح، فالواجب الوقف، أو التخيير، كما عرف فيما تقدم.\rالحجة الخامسة: أن قول الصحابي عن اجتهاد مما يجوز عليه الخطأ، فلا يقدم على القياس، كالتابعي.\rولقائل أن يقول: اجتهاد الصحابي، وإن جاز عليه الخطأ فلا يمنع ذلك من تقديمه على القياس، كخبر الواحد، ولا يلزم من امتناع تقديم مذهب التابعي على القياس، امتناع ذلك في مذهب الصحابي، لما بيناه من الفرق بينهما.","part":4,"page":151},{"id":1093,"text":"الحجة السادسة: أن التابعي المجتهد متمكن من تحصيل الحكم بطريقه، فلا يجوز له التقليد فيه، كالاصول.\rولقائل أن يقول: اتباع مذهب الصحابي إنما يكون تقليدا له إن لو لم يكن قوله حجة متبعة، وهو محل النزاع، وخرج عليه الاصول، فإن القطع واليقين معتبر فيها، ومذهب الغير من أهل الاجتهاد فيها ليس بحجة قاطعة، فكان اتباعه في مذهبه تقليدا من غير دليل، وذلك لا يجوز.\rوالمعتمد في ذلك الاحتجاج بقوله تعالى * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2) أوجب الاعتبار، وأراد به القياس، كما سبق تقريره في إثبات كون القياس حجة.\rوذلك ينافي وجوب اتباع مذهب الصحابي وتقديمه على القياس.\rفإن قيل: لا نسلم دلالة على وجوب اتباع القياس، وقد سبق تقريره من وجوه، سلمنا دلالته على ذلك، لكنه معارض من جهة الكتاب، والسنة، والاجماع، والمعقول.\rأما الكتاب، فقوله تعالى * (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف) * (آل عمران: 110) وهو خطاب مع الصحابة بأن ما يأمرون به معروف، والامر بالمعروف واجب القبول.\rوأما السنة فقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وقوله عليه السلام اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ولا يمكن","part":4,"page":152},{"id":1094,"text":"حمل ذلك على مخاطبة العامة والمقلدين لهم، لما فيه من تخصيص العموم من غير دليل، ولما فيه من إبطال فائدة تخصيص الصحابة بذلك، من جهة وقوع الاتفاق على جواز تقليد العامة لغير الصحابة من المجتهدين، فلم يبق إلا أن يكون المراد به وجوب اتباع مذاهبهم.\rوأما الاجماع فهو أن عبد الرحمن بن عوف ولى عليا، رضي الله عنه، الخلافة بشرط الاقتداء بالشيخين، فأبى، وولى عثمان، فقبل، ولم ينكر عليه منكر، فصار إجماعا.\rوأما المعقول فمن وجوه.\rالاول: أن الصحابي إذا قال قولا يخالف القياس، فإما أن لا يكون له فيما قال","part":4,"page":153},{"id":1095,"text":"مستند، أو يكون: لا جائز أن يقال بالاول، وإلا كان قائلا في الشريعة بحكم لا دليل عليه، وهو محرم، وحال الصحابي العدل ينافي ذلك.\rوإن كان الثاني فلا مستند وراء القياس سوى النقل، فكان حجة متبعة الثاني: أن قول الصحابي إذا انتشر، ولم ينكر عليه منكر، كان حجة، فكان حجة\rمع عدم الانتشار، كقول النبي عليه السلام.\rالثالث: أن مذهب الصحابي إما أن يكون عن نقل أو اجتهاد: فإن كان الاول، كان حجة، وإن كان الثاني، فاجتهاد الصحابي مرجح على اجتهاد التابعي ومن بعده، لترجحه بمشاهدة التنزيل، ومعرفة التأويل، ووقوفه من أحوال النبي عليه السلام، ومراده من كلامه، على ما لم يقف عليه غيره، فكان حال التابعي إليه كحال العامي بالنسبة إلى المجتهد التابعي، فوجب اتباعه له.\rوالجواب عن منع دلالة الآية ما ذكرناه.\rوعن القوادح ما سبق.\rوعن المعارضة بالكتاب، أنه لا دلالة فيه، لما سبق في إثبات الاجماع.\rوإن كان دالا فهو خطاب مع جملة الصحابة، ولا يلزم من كون ما أجمعوا عليه حجة أن يكون قول الواحد والاثنين حجة.\rوعن السنة أنه لا دلالة فيها أيضا، لما سبق في الاجماع، ولان الخبر الاول وإن كان عاما في أشخاص الصحابة، فلا دلالة فيه على عموم الاقتداء في كل ما يقتدى فيه.\rوعند ذلك، فقد أمكن حمله على الاقتداء بهم فيما يرونه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس الحمل على غيره أولى من الحمل عليه، وبه يظهر فساد التمسك بالخبر الثاني.\rوعن الاجماع، أنه إنما لم ينكر أحد من الصحابة على عبد الرحمن وعثمان ذلك، لانهم حملوا لفظ الاقتداء على المتابعة في السيرة والسياسة، دون المتابعة في المذهب، بدليل الاجماع على أن مذهب الصحابي ليس حجة على غيره من الصحابي المجتهدين، كيف وإنه لو كان المراد بشرط الاقتداء بهما المتابعة في مذهبهما فالقائل بأن مذهب الصحابي حجة قائل بوجوب اتباعه، والقائل أنه ليس بحجة قائل بتحريم اتباعه على غيره من المجتهدين، ويلزم من ذلك الخطأ بسكوت الصحابة عن الانكار","part":4,"page":154},{"id":1096,"text":"إما على علي حيث امتنع من الاقتداء، إن كان ذلك واجبا، وإما على عثمان و عبد الرحمن\rبن عوف، إن كان الاقتداء بالشيخين محرما.\rوذلك ممتنع وعن المعارضة الاولى من المعقول أنها منتقضة بمذهب التابعي، فإن ما ذكروه بعينه ثابت فيه، وليس بحجة بالاتفاق.\rوعن الثانية أنه لا يخلو إما أن يقول بأن قول الصحابي إذا انتشر ولم ينكر عليه منكر، أيكون ذلك إجماعا، أم لا يكون إجماعا ؟ فإن كان الاول، فالحجة في الاجماع، لا في مذهب الصحابي، وذلك غير متحقق فيما إذا لم ينتشر، وإن كان الثاني، فلا حجة فيه مطلقا، كيف وإن ما ذكروه منتقض بمذهب التابعي، فإنه إذا انتشر في عصره، ولم يوجد له نكير كان حجة، ولا يكون حجة بتقدير عدم انتشاره إجماعا.\rوعن الثالثة: لا نسلم أن مستنده النقل، لانه لو كان معه نقل لابداه ورواه، لانه من العلوم النافعة.\rوقد قال عليه السلام من كتم علما نافعا ألجمه الله بلجام من نار وذلك خلاف الظاهر من حال الصحابي، فلم يبق إلا أن يكون عن رأي واجتهاد، وعند ذلك فلا يكون حجة على غيره من المجتهدين بعده، لجواز أن يكون دون غيره في الاجتهاد، وإن كان متميزا بما ذكروه من الصحبة ولوازمها.\rولهذا قال عليه السلام فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثم هو منتقض بمذهب التابعي فإنه ليس بحجة على من بعده من تابعي التابعين، وإن كانت نسبته إلى تابعي التابعين كنسبة الصحابي إليه.","part":4,"page":155},{"id":1097,"text":"المسألة الثانية إذا ثبت أن مذهب الصحابي ليس بحجة واجبة الاتباع، فهل يجوز لغيره تقليده ؟ أما العامي فيجوز له ذلك من غير خلاف، وأما المجتهد من التابعين ومن بعدهم، فيجوز له تقليده إن جوزنا تقليد العالم للعالم، وإن لم نجوز ذلك فقد اختلف قول\rالشافعي في جواز تقليد العالم من التابعين للعالم من الصحابة فمنع من ذلك في الجديد، وجوزه في القديم.\rغير أنه اشترط انتشار مذهبه تارة، ولم يشترطه تارة.\rوالمختار امتناع ذلك مطلقا، لما يأتي في قاعدة الاجتهاد ان شاء الله تعالى.\rالنوع الثالث الاستحسان وقد اختلف فيه فقال به أصحاب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل، وأنكره الباقون، حتى نقل عن الشافعي أنه قال من استحسن، فقد شرع.\rولا بد قبل النظر في الحجاج من تلخيص محل النزاع، ليكون التوارد بالنفي والاثبات على محز واحد، فنقول.\rالخلاف ليس في نفس إطلاق لفظ الاستحسان جوازا وامتناعا، لوروده في الكتاب والسنة وإطلاق أهل اللغة.\rأما الكتاب فقوله تعالى * (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) * (الزمر: 18) وقوله تعالى * (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) * (الاعراف: 145).\rوأما السنة فقوله عليه السلام ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن.","part":4,"page":156},{"id":1098,"text":"وأما الاطلاق فما نقل عن الائمة من استحسان دخول الحمام من غير تقدير عوض للماء المستعمل، ولا تقدير مدة السكون فيها، وتقدير أجرته، واستحسان شرب الماء من أيدي السقائين من غير تقدير في الماء وعوضه.\rوقد نقل عن الشافعي أنه قال: أستحسن في المتعة أن تكون ثلاثين درهما، وأستحسن ثبوت الشفعة للشفيع إلى ثلاثة أيام، وأستحسن ترك شئ للمكاتب من نجوم الكتابة.\rوقال في السارق إذا أخرج يده اليسرى بدل اليمنى، فقطعت: القياس أن تقطع يمناه، والاستحسان أن لا تقطع.\rفلم يبق الخلاف إلا في معنى الاستحسان وحقيقته، ولا شك أن الاستحسان\rقد يطلق على ما يميل إليه الانسان ويهواه من الصور والمعاني، وإن كان مستقبحا عند غيره، وهو في اللغة استفعال من الحسن، وليس ذلك هو محز الخلاف لاتفاق الامة قبل ظهور المخالفين على امتناع حكالمجتهد في شرع الله تعالى بشهواته وهواه، من غير دليل شرعي، وأنه لا فرق في ذلك بين المجتهد والعامي، وإنما محز الخلاف فيما وراء ذلك.\rوقد اختلف أصحاب أبي حنيفة في تعريفه بحده: فمنهم من قال إنه عبارة عن دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على إظهاره لعدم مساعدة العبارة عنه.\rوالوجه في الكلام عليه أنه إن تردد فيه بين أن يكون دليلا محققا، ووهما فاسدا، فلا خلاف في امتناع التمسك به وإن تحقق أنه دليل من الادلة الشرعية فلا نزاع في جواز التمسك به أيضا، وإن كان ذلك في غاية البعد، وإنما النزاع في تخصيصه باسم الاستحسان عند العجز عن التعبير عند دون حالة إمكان التعبير عنه، ولا حاصل للنزاع اللفظي.\rومنهم من قال إنه عبارة عن العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه، ويخرج منه الاستحسان عندهم بالعدول عن موجب القياس إلى النص من الكتاب أو السنة أو العادة.","part":4,"page":157},{"id":1099,"text":"أما الكتاب فكما في قول القائل: مالي صدقة، فإن القياس لزوم التصدق بكل مال له، وقد استحسن تخصيص ذلك بمال الزكاة كما في قوله تعالى * (خذ من أموالهم صدقة) * (التوبة: 9) ولم يرد به سوى مال الزكاة.\rوأما السنة فكاستحسانهم أن لا قضاء على من أكل ناسيا في نهار رمضان، والعدول عن حكم القياس إلى قوله، عليه السلام، لمن أكل ناسيا ألله أطعمك وسقاك.\rوأما العادة فكالعدول عن موجب الاجارات في ترك تقدير الماء المستعمل في الحمام،\rوتقدير السكنى فيها، ومقدار الاجرة، كما ذكرناه فيما تقدم، للعادة في ترك المضايقة في ذلك.\rومنهم من قال إنه عبارة عن تخصيص قياس بدليل هو أقوى منه، وحاصله يرجع إلى تخصيص العلة، وقد عرف ما فيه.\rوقال الكرخي: الاستحسان هو العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه، لوجه هو أقوى، ويدخل فيه العدول عن حكم العموم إلى مقابله للدليل المخصص، والعدول عن حكم الدليل المنسوخ إلى مقابله للدليل الناسخ، وليس باستحسان عندهم.\rوقال أبو الحسين البصري: هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الالفاظ، لوجه هو أقوى منه، وهو في حكم الطارئ على الاول، وقصد بقوله (غير شامل شمول الالفاظ) الاحتراز عن العدول عن العموم إلى القياس، لكونه لفظا شاملا، وبقوله (وهو في حكم الطارئ) الاحتراز عن قولهم: تركنا الاستحسان بالقياس، فإنه ليس استحسانا، من حيث إن القياس الذي ترك له الاستحسان ليس في حكم الطارئ، بل هو الاصل، وذلك كما لو قرأ أية سجدة في آخر سورة، فالاستحسان أن يسجد لها، ولا يجتزئ بالركوع، ومقتضى القياس أن يجتزئ بالركوع، فإنهم قالوا بالعدول ها هنا عن الاستحسان إلى القياس.\rوهذا الحد وإن كان أقرب مما تقدم لكونه جامعا مانعا، غير أن حاصله يرجع إلى تفسير الاستحسان بالرجوع عن حكم دليل خاص إلى مقابله بدليل طارئ","part":4,"page":158},{"id":1100,"text":"عليه أقوى منه، من نص أو إجماع أو غيره، ولا نزاع في صحة الاحتجاج به.\rوإن نوزع في تلقيبه بالاستحسان، فحاصل النزاع راجع فيه إلى الاطلاقات اللفظية، ولا حاصل له، وإنما النزاع في إطلاقهم الاستحسان على العدول عن حكم الدليل إلى العادة،\rوهو أن يقال: إن أردتم بالعادة ما اتفق عليه الامة من أهل الحل والعقد، فهو حق، وحاصله راجع إلى الاستدلال بالاجماع.\rوإن أريد به عادة من لا يحتج بعادته، كالعادات المستحدثة للعامة فيما بينهم، فذلك مما يمتنع ترك الدليل الشرعي به.\rوإذا تحقق المطلوب في هذه المسألة، فلا بد من الاشارة إلى شبه تمسك بها القائلون بالاستحسان في بيان كون المفهوم منه حجة مع قطع النظر عن تفصيل القول فيه، والاشارة إلى جهة ضعفها.\rوقد تمسكوا في ذلك بالكتاب، والسنة، وإجماع الامة.\rأما الكتاب فقوله تعالى * (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) * (الزمر: 18) وقوله تعالى * (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) * (الزمر: 55).\rووجه الاحتجاج بالآية الاولى ورودها في معرض الثناء والمدح لمتبع أحسن القول، وبالآية الثانية من جهة أنه أمر باتباع أحسن ما أنزل، ولولا أنه حجة لما كان كذلك.\rوأما السنة فقوله، عليه السلام ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن ولولا أنه حجة لما كان عند الله حسنا.\rوأما إجماع الامة فما ذكر من استحسانهم دخول الحمام وشرب الماء من أيدي السقائين من غير تقدير لزمان السكون وتقدير الماء والاجرة.\rوالجواب عن الآية الاولى أنه لا دلالة له فيها على وجوب اتباع أحسن القول، وهو محل النزاع.\rوعن الآية الثانية أنه لا دلالة أيضا فيها على أن ما صاروا إليه دليل منزل، فضلا عن كونه أحسن ما أنزل.\rوعن الخبر كذلك أيضا، فإن قوله ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن إشارة إلى إجماع المسلمين، والاجماع حجة ولا يكون الا عن دليل، وليس فيه","part":4,"page":159},{"id":1101,"text":"دلالة على أن ما رآه آحاد المسلمين حسنا أنه حسن عند الله، وإلا كان ما رآه آحاد العوام من المسلمين حسنا أن يكون حسنا عند الله، وهو ممتنع.\rوعن الاجماع على استحسان ما ذكروه، لا نسلم أن استحسانهم لذلك هو الدليل على صحته، بل الدليل ما دل على استحسانهم له، وهو جريان ذلك في زمن النبي عليه السلام، مع علمه به وتقريره لهم عليه أو غير ذلك النوع الرابع - المصالح المرسلة وقد بينا في القياس حقيقة المصلحة وأقسامها في ذاتها وانقسامها باعتبار شهادة الشارع لها إلى معتبرة وملغاة، وإلى ما لم يشهد الشرع لها باعتبار ولا إلغاء، وبينا ما يتعلق بالقسمين الاولين، ولم يبق غير القسم الثالث، وهو المعبر عنه بالمناسب المرسل، وهذا أوان النظر فيه.\rوقد اتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع التمسك به، وهو الحق، إلا ما نقل عن مالك أنه يقول به، مع إنكار أصحابه لذلك عنه، ولعل النقل إن صح عنه فالاشبه أنه لم يقل بذلك في كل مصلحة، بل فيما كان من المصالح الضرورية الكلية الحاصلة قطعا، لا فيما كان من المصالح غير ضروري، ولا كلي، ولا وقوعه قطعي، وذلك كما لو تترس الكفار بجماعة من المسلمين، بحيث لو كففنا عنهم، لغلب الكفار على دار الاسلام، واستأصلوا شأفة المسلمين، ولو رمينا الترس وقتلناهم، اندفعت المفسدة عن كافة المسلمين قطعا، غير أنه يلزم منه قتل مسلم لا جريمة له.\rفهذا القتل وإن كان مناسبا في هذه الصورة، والمصلحة ضرورية كلية قطعية، غير أنه لم يظهر من الشارع اعتبارها ولا إلغاؤها في صورة.","part":4,"page":160},{"id":1102,"text":"وإذا عرف ذلك، فالمصالح على ما بينا منقسمة إلى ما عهد من الشارع اعتبارها،\rوإلى ما عهد منه إلغاؤها.\rوهذا القسم متردد بين ذينك القسمين، وليس إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر، فامتنع الاحتجاج به دون شاهد بالاعتبار، يعرف أنه من قبيل المعتبر دون الملغى.\rفإن قيل: ما ذكرتموه فرع تصور وجود المناسب المرسل، وهو غير متصور، وذلك لانا أجمعنا على أن ثم مصالح معتبرة في نظر الشارع في بعض الاحكام، وأي وصف قدر من الاوصاف المصلحية فهو من جنس ما اعتبر وكان من قبيل الملائم الذي أثر جنسه في جنس الحكم، وقد قلتم به، قلنا وكما أنه من جنس المصالح المعتبرة فهو من جنس المصالح الملغاة، فإن كان يلزم من كونه من جنس ما اعتبر من المصالح أن يكون معتبرا، فيلزم أن يكون ملغى ضرورة كونه من جنس المصالح الملغاة، وذلك يؤدي إلى أن يكون الوصف الواحد معتبرا ملغى بالنظر إلى حكم واحد، وهو محال.\rوإذا كان كذلك، فلا بد من بيان كونه معتبرا بالجنس القريب منه لنأمن إلغاءه، والكلام فيما إذا لم يكن كذلك.","part":4,"page":161},{"id":1103,"text":"القاعدة الثالثة في المجتهدين وأحوال المفتين والمستفتين وتشتمل على بابين الباب الاول في المجتهدين ويشتمل على مقدمة ومسائل.\rأما المقدمة ففي تعريف معنى الاجتهاد والمجتهد، والمجتهد فيه.\rأما (الاجتهاد) فهو في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في تحقيق أمر من الامور مسلتزم للكلفة والمشقة.\rولهذا يقال اجتهد فلان في حمل حجر البزارة، ولا يقال اجتهد في حمل خردلة.\rوأما في اصطلاح الاصوليين فمخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظن بشئ من الاحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه فقولنا (استفراغ الوسع) كالجنس للمعنى اللغوي والاصولي، وما وراءه خواص مميزة للاجتهاد بالمعنى الاصولي.\rوقولنا (في طلب الظن) احتراز عن الاحكام القطعية وقولنا (بشئ من الاحكام الشرعية) ليخرج عنه الاجتهاد في المعقولات والمحسات وغيرها.\rوقولنا (بحيث يحس من النفس العجز عن المزيد فيه) ليخرج عنه اجتهاد المقصر في اجتهاده مع إمكان الزيادة عليه، فإنه لا يعد في اصطلاح الاصوليين اجتهادا معتبرا.\rوأما (المجتهد) فكل من اتصف بصفة الاجتهاد، وله شرطان: الشرط الاول أن يعلم وجود الرب تعالى، وما يجب له من الصفات، ويستحقه من الكمالات، وأنه واجب الوجود لذاته، حي، عالم، قادر، مريد، متكلم، حتى يتصور منه التكليف، وأن يكون مصدقا بالرسول، وما جاء به من الشرع","part":4,"page":162},{"id":1104,"text":"المنقول، بما ظهر على يده من المعجزات، والآيات الباهرات، ليكون فيما يسنده إليه من الاقوال والاحكام محققا.\rولا يشترط أن يكون عارفا بدقائق علم الكلام، متبحرا فيه، كالمشاهير من المتكلمين، بل أن يكون عارفا بما يتوقف عليه الايمان، مما ذكرناه، ولا يشترط أن يكون مستند علمه في ذلك الدليل المفصل، بحيث يكون قادرا على تقريره وتحريره ودفع الشبه عنه، كالجاري من عادة الفحول، من أهل الاصول، بل أن يكون عالما بأدلة هذه الامور من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل.\rالشرط الثاني أن يكون عالما عارفا بمدارك الاحكام الشرعية وأقسامها،\rوطرق إثباتها، ووجوه دلالاتها على مدلولاتها، واختلاف مراتبها، والشروط المعتبرة فيها، على ما بيناه، وأن يعرف جهات ترجيحها عند تعارضها، وكيفية استثمار الاحكام منها، قادرا على تحريرها وتقريرها، والانفصال عن الاعتراضات الواردة عليها.\rوإنما يتم ذلك بأن يكون عارفا بالرواة وطرق الجرح والتعديل، والصحيح والسقيم، كأحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وأن يكون عارفا بأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ في النصوص الاحكامية، عالما باللغة والنحو، ولا يشترط أن يكون في اللغة كالاصمعي، وفي النحو كسيبويه والخليل، بل أن يكون قد حصل من ذلك على ما يعرف به أوضاع العرب والجاري من عاداتهم في المخاطبات، بحيث يميز بين دلالات الالفاظ من المطابقة، والتضمين، والالتزام، والمفرد والمركب، والكلي منها والجزئي، والحقيقة والمجاز، والتواطئ والاشتراك، والترادف والتباين، والنص والظاهر، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمنطوق","part":4,"page":163},{"id":1105,"text":"والمفهوم، والاقتضاء والاشارة، والتنبيه والايماء، ونحو ذلك مما فصلناه.\rويتوقف عليه استثمار الحكم من دليله.\rوذلك كله أيضا إنما يشترط في حق المجتهد المطلق المتصدي للحكم والفتوى في جميع مسائل الفقه.\rوأما الاجتهاد في حكم بعض المسائل، فيكفي فيه أن يكون عارفا بما يتعلق بتلك المسألة، وما لا بد منه فيها ولا يضره في ذلك جهله بما لا تعلق له بها، مما يتعلق بباقي المسائل الفقهية، كما أن المجتهد المطلق قد يكون مجتهدا في المسائل المتكثرة، بالغا رتبة الاجتهاد فيها وإن كان جاهلا ببعض المسائل الخارجة عنها، فإنه ليس من شرط المفتي أن يكون عالما بجميع أحكام المسائل ومداركها.\rفإن ذلك مما\rلا يدخل تحت وسع البشر ولهذا نقل عن مالك أنه سئل عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها لا أدري.\rوأما ما فيه الاجتهاد: فما كان من الاحكام الشرعية دليله ظني.\rفقولنا (من الاحكام الشرعية) تمييز له عما كان من القضايا العقلية، واللغوية، وغيرها.\rوقولنا (دليله ظني) تمييز له عما كان دليله منها قطعيا، كالعبادات الخمس، ونحوها، فإنها ليست محلا للاجتهاد فيها، لان المخطئ فيها يعد آثما والمسائل الاجتهادية، ما لا يعد المخطئ فيها باجتهاده آثما.\rهذا ما أردناه من بيان المقدمة.\rوأما المسائل فاثنتا عشرة مسألة.","part":4,"page":164},{"id":1106,"text":"المسألة الاولى اختلفوا في أن النبي عليه السلام، هل كان متعبدا بالاجتهاد فيما لا نص فيه ؟ فقال أحمد بن حنبل والقاضي أبو يوسف إنه كان متعبدا به وقال أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم إنه لم يكن متعبدا به.\rوجوز الشافعي في رسالته ذلك من غير قطع، وبه قال بعض أصحاب الشافعي والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري.\rومن الناس من قال إنه كان له الاجتهاد في أمور الحروب، دون الاحكام الشرعية.\rوالمختار جواز ذلك عقلا ووقوعه سمعا.\rأما الجواز العقلي، فلانا لو فرضنا أن الله تعالى تعبده بذلك، وقال له حكمي عليك أن تجتهد وتقيس لم يلزم عنه لذاته محال عقلا، ولا معنى للجواز العقلي سوى ذلك.\rوأما الوقوع السمعي فيدل عليه الكتاب، والسنة، والمعقول أما الكتاب فقوله تعالى * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2)\rأمر بالاعتبار على العموم لاهل البصائر، والنبي عليه السلام، أجلهم في ذلك، فكان داخلا في العموم، وهو دليل التعبد بالاجتهاد والقياس، على ما سبق تقريره في إثبات القياس على منكريه وأيضا قوله تعالى * (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) * (النساء: 15)","part":4,"page":165},{"id":1107,"text":"وما أراه يعم الحكم بالنص، والاستنباط من النصوص، وأيضا قوله تعالى * (وشاورهم في الامر) * (آل عمران: 159) والمشاورة إنما تكون فيما يحكم فيه بطريق الاجتهاد لا فيما يحكم فيه بطريق الوحي.\rوأيضا قوله تعالى بطريق العتاب للنبي عليه السلام، في أسارى بدر، وقد أطلقهم * (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض) * (الانفال: 67) فقال عليه السلام لو نزل من السماء إلى الارض عذاب، ما نجا منه إلا عمر لانه كان قد أشار بقتلهم، وذلك يدل على أن ذلك كان بالاجتهاد، لا بالوحي.\rوأيضا قوله تعالى * (عفا الله عنك لم أذنت لهم) * (التوبة: 43) عاتبه على ذلك ونسبه إلى الخطإ، وذلك لا يكون فيما حكم فيه بالوحي، فلم يبق سوى الاجتهاد، وليس ذلك خاصا بالنبي عليه السلام، بل كان غيره أيضا من الانبياء متعبدا بذلك.\rويدل عليه قوله تعالى * (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث) * (الانبياء: 78) الآية، وقوله * (ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما) * (الانبياء: 79) وما يذكر بالتفهيم إنما يكون بالاجتهاد لا بطريق الوحي.\rوأما السنة فما روى الشعبي أنه كان رسول الله، (ص)، يقضي القضية وينزل القرآن بعد ذلك بغير ماكان قضى به، فيترك ما قضى به على حاله، ويستقبل ما نزل به","part":4,"page":166},{"id":1108,"text":"القرآن، والحكم بغير القرآن لا يكون إلا باجتهاد.\rوأيضا ما روي عنه أنه قال في مكة لا يختلا خلاها، ولا يعضد شجرها.\rفقال العباس: إلا الاذخر.\rفقال عليه السلام إلا الاذخر ومعلوم أن الوحي لم ينزل عليه في تلك الحالة، فكان الاستثناء بالاجتهاد.\rوأيضا ما روى عنه عليه السلام أنه قال العلماء ورثة الانبياء وذلك يدل على أنه كان متعبدا بالاجتهاد، والا لما كانت علماء أمته وارثة لذلك عنه، وهو خلاف الخبر.\rوأما المعقول فمن وجهين: الاول: أن العمل بالاجتهاد أشق من العمل بدلالة النص لظهوره، وزيادة المشقة سبب لزيادة الثواب، لقوله عليه السلام، لعائشة ثوابك على قدر نصبك وقوله عليه السلام، أفضل العبادات أحمذها أي أشقها، فلو لم يكن النبي عليه السلام عاملا بالاجتهاد مع عمل أمته به.\rلزم اختصاصهم بفضيلة لم توجد له، وهو ممتنع، فإن آحاد أمة النبي (ص) لا يكون أفضل من النبي في شئ أصلا.","part":4,"page":167},{"id":1109,"text":"الثاني: أن القياس هو النظر في ملاحظة المعنى المستنبط من الحكم المنصوص عليه، وإلحاق نظير المنصوص به، بواسطة المعنى المستبنط، والنبي عليه السلام، أولى بمعرفة ذلك من غيره لسلامة نظره، وبعده عن الخطإ، والاقرار عليه.\rوإذا عرف ذلك فقد ترجح في نظره إثبات الحكم في الفرع ضرورة، فلو لم يقض به، لكان تاركا لما ظنه حكما لله تعالى على بصيرة منه، وهو حرام بالاجماع.\rفإن قيل: ما ذكرتموه في بيان الجواز العقلي، فالاعتراض عليه يأتي فيما نذكره من المعقول.\rوأما الآية الاولى، فقد سبق الاعتراض عليها فيما تقدم.\rوأما قوله تعالى * (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق، لتحكم بين الناس بما أراك الله) * (النساء: 105) أي بما أنزل اليك.\rوأما الآية الثالثة، فالمراد منها المشاورة في أمور الحروب والدنيا،\rوكذلك العتاب في قوله تعالى * (عفا الله عنك لم أذنت لهم) * (التوبة: 43).\rوأما عتابه في أسارى بدر فلعله كان مخيرا بالوحي بين قتل الكل، أو إطلاق الكل، أو فداء الكل، فأشار بعض الاصحاب بإطلاق البعض دون البعض، فنزل العتاب للذين عينوا، لا لرسول الله (ص) غير أنه ورد بصيغة الجمع في قوله تريدون عرض الدنيا والمراد به أولئك خاصة.\rوأما الخبر الاول: فهو مرسل ولا حجة في المراسيل، كما سبق.\rوإن كان حجة، غير أنه يحتمل أنه كان يقضي بالوحي، والوحي الثاني يكون ناسخا للاول.\rوأما الخبر الثاني: فيحتمل أن النبي (ص)، كان مريدا لاستثناء الاذخر، فسبقه به العباس.\rوأما الخبر الثالث، فيدل على أن العلماء ورثة الانبياء فيما كان للانبياء.\rولا نسلم أن الاجتهاد كان للانبياء حتى يكون موروثا عنهم،","part":4,"page":168},{"id":1110,"text":"كيف ويحتمل أنه أراد به الارث في تبليغ أحكام الشرع إلى العامة، كما كان الانبياء مبلغين للمبعوث إليهم، ويحتمل أنه أراد به الارث فيما كان للانبياء في حفظ قواعد الشريعة.\rوأما الوجه الاول من المعقول، فالثواب فيما عظمت مشقته وإن كان أكثر، ولكن لا يلزم منه ثبوته للنبي عليه السلام، وإلا لما ساغ له الحكم إلا بالاجتهاد، تحصيلا لزيادة الثواب، وهو ممتنع، واختصاص علماء الامة بذلك دون النبي عليه السلام، لا يوجب كونهم أفضل من النبي (ص) مع اختصاصه بمنصب الرسالة، ورتبة النبؤة، وتشريفه بالبعثة، وهداية الخلق بعد الضلالة على جهة العموم.\rوأما الوجه الثاني، وإن كان النبي عليه السلام، أشد علما من غيره بمعرفة القياس، وجهات الاستنباط، إلا أن وجوب العمل به في حقه مشروط بعدم معرفة الحكم بالوحي.\rوهذا الشرط مما لم يتبين في حقه، عليه السلام، فلا مشروط، وهذا بخلاف علماء أمته، فافترقا.\rوإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على تعبده بالقياس والاجتهاد، غير أنه معارض بما يدل على عدمه.\rوبيانه من جهة الكتاب والمعقول، أما الكتاب فقوله تعالى * (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) * (النجم: 3 - 4) وقوله تعالى * (ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي، إن أتبع إلا ما يوحى إلي) * (يونس: 15) وذلك ينفي أن يكون الحكم الصادر عنه بالاجتهاد.\rوأما المعقول فمن عشرة أوجه: الاول أن النبي عليه السلام، نزل منزلا، فقيل له إن كان ذلك عن وحي، فالسمع والطاعة، وإن كان ذلك عن رأي، فليس ذلك منزل مكيدة.\rفقال: بل هو بالرأي فدل على أنه تجوز مراجعته في الرأي، وقد علم أنه لا تجوز مراجعته","part":4,"page":169},{"id":1111,"text":"في الاحكام الشرعية، فلا تكون عن رأي.\rالثاني: أنه لو كان في الاحكام الصادرة عنه ما يكون عن اجتهاد لجاز أن لا يجعل أصلا لغيره، وأن يخالف فيه، وأن لا يكفر مخالفه، لان جميع ذلك من لوازم الاحكام الثابتة بالاجتهاد.\rالثالث: لو كان متعبدا بالاجتهاد لاظهره، ولما توقف على الوحي فيما كان يتوفق فيه في بعض الوقائع، لما فيه من ترك ما وجب عليه من الاجتهاد، واللازم ممتنع.\rالرابع: أن الاجتهاد لا يفيد سوى الظن، والنبي عليه السلام كان قادرا على تلقي الاحكام من الوحي القاطع، والقادر على تحصيل اليقين لا يجوز له المصير إلى الظن، كالمعاين للقبلة لا يجوز له الاجتهاد فيها.\rالخامس: أن الامور الشرعية مبنية على المصالح التي لا علم للخلق بها.\rفلو قيل للنبي عليه السلام، احكم بما ترى كان ذلك تفويضا إلى من لا علم له بالاصلح،\rوذلك مما يوجب اختلال المصالح الدينية والاحكام الشرعية.\rالسادس: أن لنا صوابا في الرأي وصدقا في الخبر، وقد أجمعنا على أن النبي عليه السلام، ليس له أن يخبر بما لا يعلم كونه صدقا، فكذلك لا يجوز له الحكم بما لا علم له بصوابه.\rالسابع: أنه لو جاز أن يكون متعبدا بالاجتهاد لجاز أن يرسل الله رسولا، ويجعل له أن يشرع شريعة برأيه، وأن ينسخ ما تقدمه من الشرائع المنزلة من الله تعالى، وأن ينسخ أحكاما أنزلها الله تعالى عليه برأيه، وذلك ممتنع.\rالثامن: أنه لو جاز صدور الاحكام الشرعية عن رأيه واجتهاده فربما أورث ذلك تهمة في حقه، وأنه هو الواضع للشريعة من تلقاء نفسه، وذلك مما يخل بمقصود البعثة، وهو ممتنع.\rالتاسع: أن الاجتهاد عرضة للخطإ فوجب صيانة النبي عليه السلام، عنه.\rالعاشر: أن الاجتهاد مشروط بعدم النص، وهذا الشرط غير متحقق في حق النبي عليه السلام، لان الوحي متوقع في حقه في كل حالة.\rوالجواب عما ذكروه على الآية الاولى، قد سبق فيما تقدم أيضا وعما ذكروه على الآية الثانية من وجهين.","part":4,"page":170},{"id":1112,"text":"الاول: أن الحكم بما استنبط من المنزل يكون حكما بالمنزل لانه حكم بمعناه.\rولهذا قال في آخر الآية * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2).\rالثاني: أن حكمه بالاجتهاد.\rحكم بما أراه الله، فتقييده بالمنزل خلاف الاطلاق.\rوعما ذكروه على الآية الثالثة، أنه إنما أمر بالمشاورة في أمر الفداء وهو من أحكام الدين لتعلقه بأعظم مصالح العبادات، وبتقدير أن يكون كما ذكروه، فهو حجة على من خالف فيه وبه دفع ما ذكروا على الآية الرابعة.\rوعما ذكروه على العتاب في أسارى بدر، فهو على خلاف عموم الخطاب الوارد في الآية، وتخصيص من غير دليل، فلا يصح.\rوعما ذكروه على الخبر الاول من السنة بما بيناه فيما سبق من أن المرسل حجة.\rوقولهم: يحتمل أنه كان يحكم بالوحي، والوحي الثاني ناسخ له.\rقلنا: النسخ خلاف الاصل، لما فيه من تعطليل الدليل المنسوخ، وذلك وإن كان نسخا لما حكم به النبي عليه السلام، غير أن تعطيل دليل الاجتهاد بنسخ حكمه أولى من تعطيل القرآن.\rوعما ذكروه على الخبر الثاني أنه لو كان الاذخر مستثنى فيما نزل إليه، لكان تأخيره إلى ما بعد قول العباس تأخيرا للاستثناء عن المستثنى منه مع دعو الحاجة إلى اتصاله به حذرا من التلبيس خلاف الاصل.\rوعما ذكروه على الخبر الثالث أن الظاهر من قوله العلماء ورثة الانبياء فيما اختصوا به من العلم مطلقا، فلو لم تكن علومهم الاجتهادية موروثة عن الانبياء، لكان ذلك تقييدا للمطلق، وتخصيصا للعام، من غير ضرورة، وهو ممتنع.\rوبه يبطل ما ذكروه من التأويلات.","part":4,"page":171},{"id":1113,"text":"وعما ذكروه على الوجه الاول من المعقول إنما يصح أن لو كان ذلك ممكنا في جميع الاحكام، وليس كذلك، فان الاجتهاد بالقياس يستدعي أصلا ثابتا لا بالاجتهاد، قطعا للتسلسل.\rقولهم: إنه قداختص بمنصب الرسالة، فلا يكون أحد أفضل منه قلنا: وإن كان كذلك، غير أن زيادة الثواب بزيادة المشقة نوع فضيلة، فيبعد اختصاص أحد من أمته بفضيلة لا تكون موجودة في حق النبي عليه السلام، وإلا كان أفضل منه من تلك الجهة، وهو بعيد.\rوعما ذكروه على الثاني من المعقول أنه باطل باجتهاد أهل عصره، فإنه كان واقعا، بدليل تقريره لمعاذ على قوله أجتهد رأيي ولم يكن احتمال معرفة الحكم بورود الوحي إلى النبي عليه السلام، مانعا من الاجتهاد في حقه، وإنما المانع وجود النص، لاحتمال وجوده.\rوعن المعارضة بالآية الاولى أنها إنما تتناول ما ينطق به، واجتهاده من فعله لا من نطقه، والخلاف إنما هو في الاجتهاد لا في النطق.\rفإن قيل فإذا اجتهد فلا بد وأن ينطق بحكم اجتهاده والاخبار عما ظنه من الحكم، فتكون الآية متناولة له ومن المعلوم أن ما ينطق به إذا كان مستنده الاجتهاد، فليس عن وحي، وإن لم يكن عن هوى.\rقلنا: إذا كان متعبدا بالاجتهاد من قبل الشارع، وقيل له: مهما ظننت باجتهادك حكما، فهو حكم الشرع، فنطقه بذلك يكون عن وحي لا عن هوى.","part":4,"page":172},{"id":1114,"text":"وعن الآية الثانية أنها إنما تدل على أن تبديله للقرآن ليس من تلقاء نفسه، وإنما هو بالوحي، والنزاع إنما وقع في الاجتهاد، والاجتهاد وإن وقع في دلالة القرآن، فذلك تأويل لا تبديل.\rوعن المعارضة الاولى من جهة المعقول أن المراجعة إنما كانت في أمر دنيوي متعلق بالحروب، وليس ذلك من المراجعة في أحكام الشرع في شئ.\rوعن الثانية، لا نسلم أن ما ذكروه من لوازم الاحكام الثابتة بالاجتهاد، بدليل إجماع الامة على الاجتهاد، واجتهاد النبي عليه السلام، لا يتقاصر عن اجتهاد الامة الذين ثبتت عصمتهم بقول الرسول، إن لم يكن مترجحا عليه وعن الثالثة: أنه لا مانع أن يكون متعبدا بالاجتهاد، وإن لم يظهره صريحا، لمعرفة ذلك لما ذكرناه من الادلة.\rوأما تأخره عن جواب بعض ما كان يسأل عنه فلاحتمال انتظار النص الذي لا يجوز معه الاجتهاد إلى حين اليأس منه، أو لانه كان في مهلة النظر في الاجتهاد فيما سئل عنه، فأن زمان الاجتهاد في الاحكام الشرعية غير مقدر.\rوعن الرابعة: النقض بما وقع الاجماع عليه من تعبد النبي عليه السلام، بالحكم بقول الشهود حتى قال إنكم لتختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض مع إمكان انتظاره في ذلك لنزول الوحي الذي لا ريب فيه.","part":4,"page":173},{"id":1115,"text":"وعن الخامسة: أنها مبنية على وجوب اعتبار المصالح، وهو غير مسلم، على ما عرفناه في علم الكلام.\rوإن سلمنا ذلك فلا مانع من إلهام الله تعالى له بالصواب فيما يجتهد فيه من الحوادث كيف وإن ما ذكروه منتقض بتعبد غيره بالاجتهاد.\rوعن السادسة: من ثلاثة أوجه.\rالاول: أنها تمثيل من غير جامع صحيح، فلا تكون حجة.\rالثاني: الفرق، وهو أن الاخبار بما لا يعلم كونه صادقا قد لا نأمن فيه الكذب، وهو الاخبار عن الشئ على خلاف ما هو عليه، وذلك مما لا يجوز لاحد الاقدام عليه.\rوأما الاجتهاد فعلى قولنا بأن كل مجتهد مصيب، فالنبي أولى أن يكون مصيبا في اجتهاده، والخطأ في الاجتهاد مبني على أن الحكم عند الله تعالى واحد في كل واقعة في نفس الامر، وليس كذلك، بل الحكم عند الله في كل واقعة ما أدى إليه نظر المجتهد، على ما يأتي تقريره.\rالثالث: أن ما ذكروه منتقض بإجماع الامة، إذ كان عن اجتهاد.\rوعن السابعة: أنها أيضا تمثيل من غير جامع صحيح كيف وإنا لا نمنع من إرسال رسول بما وصفوه، لا عقلا ولا شرعا، فإن لله تعالى أن يفعل ما يشاء، ويحكم بما يريد، ولا سيما إذا قلنا بأن المصالح غير معتبرة في أفعاله تعالى.\rوإن قلنا إنها معتبرة فلا يبعد أن يعلم الله تعالى المصلحة للمكلفين في إرسال رسول بهذه المثابة، ويعصمه عن الخطإ في اجتهاده، كما في إجماع الامة.\rوعن الثامنة أن التهمة منفية عنه في وضع الشريعة برأيه بما دل على صدقه فيما يدعيه من تبليغ الاحكام بجهة الرسالة، من المعجزة القاطعة.\rوعن التاسعة: أنا لا نسلم أن كل اجتهاد في الاحكام الشرعية عرضة للخطإ،","part":4,"page":174},{"id":1116,"text":"بدليل إجماع الصحابة على الاجتهاد.\rواجتهاد النبي عليه السلام، غير متقاصر عن اجتهاد أهل الاجماع، فكان معصوما فيه عن الخطإ.\rوعن العاشرة: أن المانع من الاجتهاد دائما هو وجود النص لا إمكان وجود النص، ثم ما ذكروه منتقض باجتهاد الصحابة في زمن النبي عليه السلام.\rالمسألة الثانية اتفقوا على جواز الاجتهاد بعد النبي عليه السلام، واختلفوا في جواز الاجتهاد لمن عاصره.\rفذهب الاكثرون إلى جوازه عقلا، ومنع منه الاقلون ثم اختلف القائلون بالجواز في ثلاثة أمور: الاول: منهم من جوز ذلك للقضاة والولاة في غيبته، دون حضوره، ومنهم من جوزه مطلقا.\rالثاني: أن منهم من قال بجواز ذلك مطلقا إذا لم يوجد من ذلك منع، ومنهم من قال: لا يكتفي في ذلك بمجرد عدم المنع، بل لا بد من الاذن في ذلك، ومنهم من قال: السكوت عنه مع العلم بوقوعه كاف.\rالثالث: اختلفوا في وقوع التعبد به سمعا: فمنهم من قال إنه كان متعبدا به، ومنهم من توقف في ذلك مطلقا، كالجبائي، ومنهم من توقف في حق من حضر، دون من غاب، كالقاضي عبد الجبار.\rوالمختار جواز ذلك مطلقا وأن ذلك مما وقع مع حضوره وغيبته ظنا لا قطعا.","part":4,"page":175},{"id":1117,"text":"أما الجواز العقلي فيدل عليه ما دللنا به على جواز ذلك في حق النبي عليه السلام، في المسألة المتقدمة.\rوأما بيان الوقوع: أما في حضرته فيدل عليه قول أبي بكر رضي الله عنه في حق أبي قتادة حيث قتل رجلا من المشركين، فأخذ سلبه غيره لا نقصد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فنعطيك سلبه.\rفقال النبي عليه السلام صدق وصدق في فتواه ولم يكن قال ذلك بغير الرأي والاجتهاد.\rوأيضا ما روي عن النبي عليه السلام، أنه حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، فحكم بقتلهم وسبي ذراريهم، بالرأي، فقال عليه السلام لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة.\rوأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه أمر عمرو بن العاص وعقبة بن عامر الجهني أن يحكما بين خصمين، وقال لهما إن أصبتما، فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما، فلكما حسنة واحدة.\rوأما في غيبته، فيدل عليه قصة معاذ وعتاب بن أسيد حين بعثهما قاضيين إلى اليمن.","part":4,"page":176},{"id":1118,"text":"فإن قيل: الموجود في عصر النبي عليه السلام قادر على معرفة الحكم بالنص وبالرسول عليه السلام.\rوالقادر على التوصل إلى الحكم على وجه يؤمن فيه الخطأ، إذا عدل إلى الاجتهاد الذي لا يؤمن فيه الخطأ، كان قبيحا، والقبيح لا يكون جائزا.\rوأيضا فإن الحكم بالرأي في حضرة النبي عليه السلام، من باب التعاطي والافتيات على النبي عليه السلام، وهو قبيح، فلا يكون جائزا.\rوهذا بخلاف ما بعد النبي عليه السلام.\rوأيضا فإن الصحابة كانوا يرجعون عند وقوع الحوادث إلى النبي عليه السلام، ولو كان الاجتهاد جائزا لهم لم يرجعوا إليه.\rوأما ما ذكرتموه من أدلة الوقوع فهي أخبار آحاد لا تقوم الحجة بها في المسائل القطعية، وبتقدير أن تكون حجة، فلعلها خاصة بمن وردت في حقه غير عامة.\rوالجواب عن السؤال الاول ما مر في جواز اجتهاد النبي عليه السلام وعن الثاني أن ذلك، إذا كان بأمر رسول الله وإذنه، فيكون ذلك من باب امتثال أمره، لا من باب التعاطي والافتيات عليه.\rوعن قولهم (إن الصحابة كانوا يرجعون في أحكام الوقائع إلى النبي عليه السلام) يمكن أن يكون ذلك فيما لم يظهر لهم فيه وجه الاجتهاد، وإن ظهر، غير أن القادر على التوصل إلى مقصوده بأحد طريقين لا يمتنع عليه العدول عن أحدهما إلى الآخر، ولا يخفى أنه إذا كان الاجتهاد طريقا يتوصل به إلى الحكم، فالرجوع إلى النبي عليه السلام، أيضا طريق آخر.\rوما ذكروه من أن الاخبار المذكورة في ذلك أخبار آحاد، فهو كذلك، غير أن المدعي إنما هو حصول الظن بذلك دون القطع.\rقولهم يحتمل أن يكون ذلك خاصا بمن وردت تلك الاخبار في حقه - قلنا: المقصود من الاخبار المذكورة إنما هو الدلالة على وقوع الاجتهاد في زمن النبي عليه السلام، ممن عاصره لا بيان وقوع الاجتهاد من كل من عاصره.","part":4,"page":177},{"id":1119,"text":"المسألة الثالثة مذهب الجمهور من المسلمين أنه ليس كل مجتهد في العقليات مصيبا، وأن الاثم\rغير محطوط عن مخالف ملة الاسلام، سواء نظر وعجز عن معرفة الحق، أم لم ينظر.\rوقال الجاحظ وعبيد الله بن الحسن العنبري من المعتزلة بحط الاثم عن مخالف ملة الاسلام إذا نظر واجتهد فأداه اجتهاده إلى معتقده، وأنه معذور، بخلاف المعاند.\rوزاد عبيد الله بن الحسن العنبري بأن قال: كل مجتهد في العقليات مصيب، وهو إن أراد بالاصابة موافقة الاعتقاد للمعتقد، فقد أحال، وخرج عن المعقول، وإلا كان يلزم من ذلك أن يكون حدوث العالم وقدمه في نفس الامر حقا عند اختلاف الاجتهاد، وكذلك في كل قضية عقلية اعتقد فيها النفي والاثبات، بناء على ما أدى إليه من الاجتهاد، وهو من أمحل المحالات، وما أظن عاقلا يذهب إلى ذلك.\rوإن أراد بالاصابة أنه أتى بما كلف به مما هو داخل تحت وسعه وقدرته من الاجتهاد، وأنه معذور في المخالفة، غير آثم، فهو ما ذهب إليه الجاحظ، وهو أبعد عن الاول في القبح.\rولا شك أنه غير محال عقلا، وإنما النزاع في إحالة ذلك وجوازه شرعا.\rوقد احتج الجمهور على مذهبهم بالكتاب، والسنة، وإجماع الامة.\rأما الكتاب فقوله تعالى * (ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار) * (ص: 27) وقوله * (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم) * (فصلت: 23) وقوله تعالى * (ويحسبون أنهم على شئ، ألا إنهم هم الكاذبون) * (المجادلة: 18).\rووجه الاحتجاج بهذه الآيات أنه ذمهم على معتقدهم وتوعدهم بالعقاب عليه ولو كانوا معذورين فيه لما كان كذلك.\rوأما السنة فما علم منه عليه السلام، علما لا مراء فيه تكليفه للكفار من اليهود والنصاري بتصديقه واعتقاد رسالته وذمهم على معتقداتهم وقتله لمن ظفر به منهم","part":4,"page":178},{"id":1120,"text":"وتعذيبه على ذلك منهم مع العلم الضروري بأن كل من قاتله وقتله لم يكن معاندا بعد ظهور الحق له بدليله، فان ذلك مما تحيله العادة.\rولو كانوا معذورين في اعتقاداتهم،\rوقد أتوا بما كلفوا به، لما ساغ ذلك منه.\rوأما الاجماع فهو أن الامة من السلف قبل ظهور المخالفين اتفقوا أيضا على قتال الكفار وذمهم ومهاجرتهم على اعتقاداتهم، ولو كانوا معذورين في ذلك، لما ساغ ذلك من الامة المعصومة عن الخطإ.\rفإن قيل: أما الآية الاولى فغاية ما فيها ذم الكفار، وذلك غير متحقق في محل النزاع، لان الكفر في اللغة مأخوذ من الستر والتغطية، ومنه يقال: لليل كافر، لانه ساتر للحوادث، وللحارث كافر، لسترة الحب، وذلك غير متصور إلا في حق المعاند العارف بالدليل، مع إنكاره لمقتضاه، كيف وإنه يجب حمل هذه الآية، والآيتين بعدها على المعاند دون غيره، جمعا بينه وبين ما سنذكره من الدليل.\rوأما ما ذكرتموه من قتل النبي عليه السلام الكفار، فلا نسلم أنه كان على ما اعتقدوه عن اجتهادهم، بل على إصرارهم على ذلك، وإهمالهم لترك البحث عما دعوا إليه والكشف عنه مع إمكانه.\rوأما الاجماع فلا يمكن الاستدلال به في محل الخلاف، كيف وإنه يمكن حمل فعل أهل الاجماع على ما حمل عليه فعل النبي عليه السلام.\rودليل هذه التأويلات أن تكليفهم باعتقاد نقيض معتقدهم الذي أدى إليه اجتهادهم، واستفرغوا الوسع فيه، تكليف بما لا يطاق، وهو ممتنع، للنص والمعقول.\rأما النص، فقوله تعالى * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) * (البقرة: 286).","part":4,"page":179},{"id":1121,"text":"وأما المعقول فهو أن الله تعالى رؤوف بعباده، رحيم لهم، فلا يليق به تعذيبهم على ما لا قدرة لهم عليه.\rولهذا كان الاثم مرتفعا عن المجتهدين في الاحكام الشرعية مع اختلاف\rاعتقاداتهم فيها، بناء على اجتهاداتهم المؤدية إليها، كيف وقد نقل عن بعض المعتزلة أنهم أولوا قول الجاحظ وابن العنبري، بالحمل على المسائل الكلامية المختلف فيها بين المسلمين، ولا تكفير فيها، كمسألة الرؤية، وخلق الاعمال، وخلق القرآن، ونحو ذلك، لان الادلة فيها ظنية متعارضة.\rالجواب عما ذكروه على الآية أنه خلاف الاجماع في صحة إطلاق اسم الكافر على من اعتقد نقيض الحق، وإن كان عن اجتهاد.\rوقولهم إن الكفر في اللغة مأخوذ من التغطية مسلم، ولكن لا نسلم انتفاء التغطية فيما نحن فيه: وذلك لانه باعتقاده لنقيض الحق بناء على اجتهاده، مغط للحق، وهو غير متوقف على علمه بذلك.\rوما ذكروه من التأويل، ففيه ترك الظاهر من غير دليل، وما يذكرونه من الدليل، فسيأتي الكلام عليه.\rوما ذكروه على السنة، فبعيد أيضا، وذلك لانه إن تعذر قتلهم وذمهم على ما كانوا قد اعتقدوه عن اجتهاد هم واستفراغ وسعهم، فهو لازم أيضا على تعذر قتلهم وذمهم، على عدم تصديقه فيما دعاهم إليه، لان الكلام إنما هو مفروض فيمن أفرغ وسعه وبذل جهده في التوصل إلى معرفة ما دعاه النبي (ص)، إليه، وتعذر عليه الوصول إليه.\rوما ذكروه في امتناع التمسك بالاجماع في محل الخلاف، إنما يصح فيما كان من الاجماع بعد الخلاف، أو حالة الخلاف.\rوأما الاجماع السابق على الخلاف، فهو حجة على المخالف وقد بينا سبقه.\rوما ذكروه من التأويل، فجوابه كما تقدم.\rقولهم إن ذلك يفضي إلى التكليف بما لا يطاق، لا نسلم ذلك، فإن الوصول","part":4,"page":180},{"id":1122,"text":"إلى معرفة الحق ممكن بالادلة المنصوبة عليه، ووجود العقل الهادي، وغايته امتناع الوقو باعتبار أمر خارج، وذلك لا يمنع من التكليف به، وإنما يمتنع التكليف بما لا يكون ممكنا في نفسه، كما سبق تقريره في موضعه.\rوما ذكروه فقد سبق تخريجه أيضا في مسألة تكليف ما لا يطاق.\rوأما رفع الاثم في المجتهدات الفقهية، فإنما كان لان المقصود منها إنما هو الظن بها، وقد حصل، بخلاف ما نحن فيه، فإن المطلوب فيها ليس هو الظن، بل العلم، ولم يحصل.\rوما ذكروه من التأويل إن صح أنه المراد من كلام الجاحظ وابن العنبري، ففيه رفع الخلاف، والعود إلى الحق، ولا نزاع فيه.","part":4,"page":181},{"id":1123,"text":"المسألة الرابعة اتفق أهل الحق من المسلمين على أن الاثم محطوط عن المجتهدين في الاحكام الشرعية، وذهب بشر المريسي وابن علية وأبو بكر الاصم ونفاة القياس، كالظاهرية والامامية، إلى أنه ما من مسألة إلا والحق فيها متعين، وعليه دليل قاطع، فمن أخطأه، فهو آثم غير كافر، ولا فاسق.\rوحجة أهل الحق في ذلك، ما نقل نقلا متواترا لا يدخله ريبة ولا شك، وعلم علما ضروريا من اختلاف الصحابة فيما بينهم في المسائل الفقهية، كما بيناه فيما تقدم مع استمرارهم على الاختلاف إلى انقراض عصرهم، ولم يصدر من أحد منهم نكير، ولا تأثيم لاحد، لا على سبيل الابهام ولا التعيين، مع علمنا بأنه لو خالف أحد في وجوب العبادات الخمس وتحريم الزنى والقتل، لبادروا إلى تخطئته وتأثيمه.\rفلو كانت المسائل الاجتهادية نازلة منزلة هذه المسائل في كونها قطعية ومأثوما على المخالفة فيها، لبالغوا في الانكار والتأثيم، حسب مبالغتهم في الانكار على من\rخالف في وجوب العبادات الخمس وفي تأثيمه، لاستحالة تواطئهم على الخطإ، ودلالة النصوص النازلة منزلة التواتر على عصمتهم عنه، كما سبق تقريره في مسائل الاجماع.\rفإن قيل: فقد وقع الانكار من بعضهم على بعض في العمل بالرأي والاجتهاد في المسائل الفقهية، كما ذكرناه في إثبات القياس على منكريه، ومع الانكار فلا إجماع.\rوإن سلمنا عدم نقل إنكارهم لذلك، فيحتمل أنهم أنكرو اولم ينقل إلينا.\rوبتقدير عدم صدور الانكار منهم ظاهرا، فيحتمل أنهم أضمروا الا نكار والتأثيم تقية وخوفا من ثوران فتنة وهجوم آفة.\rقلنا: أما السؤال الاول فقد أجبنا عنه فيما تقدم.\rوأما الثاني فهو خلاف مقتضى العادة، فإنه لو وجد الا نكار، لتوفرت الدواعي على نقله، واستحال في العادة كتمانه، كما نقل عنهم الا نكار على الخوارج ومانعي الزكاة وغير ذلك.\rوبمثل هذا يندفع أيضا ما ذكروه من السؤال الثالث.","part":4,"page":182},{"id":1124,"text":"المسألة الخامسة المسألة الظنية من الفقهيات إما أن يكون فيها نص، أو لا يكون: فإن لم يكن فيها نص فقد اختلفوا فيها: فقال قوم: كل مجتهد فيها مصيب، وإن حكم الله فيها لا يكون واحدا بل هو تابع لظن المجتهد، فحكم الله في حق كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده، وغلب على ظنه، وهو قول القاضي أبي بكر وأبي الهذيل والجبائي وابنه.\rوقال آخرون: المصيب فيها واحد، ومن عداه مخطئ، لان الحكم في كل واقعة لا يكون إلا معينا، لان الطالب يستدعي مطلوبا، وذلك المطلوب هو الاشبه عند الله في نفس الامر بحيث لو نزل نص، لكان نصا عليه.\rلكن منهم من قال بأنه لا دليل عليه، وإنما هو مثل دفين يظفر به حالة الاجتهاد\rبحكم الاتفاق، فمن ظفر به، فهو مصيب ومن لم يصبه فهو مخطئ.\rومنهم من قال: عليه دليل، لكن اختلف هؤلاء،: فمنهم من قال إنه قطعي، ثم اختلف هؤلاء: فمنهم من قال بتأثيم المجتهد بتقدير عدم الظفر به ونقض حكمه، كأبي بكر الاصم وابن علية وبشر المريسي، ومنهم من قال بعدم التأثيم لخفاء الدليل وغموضه، فكان معذورا، ومنهم من قال إنه ظني، فمن ظفر به، فهو مصيب، وله أجران، ومن لم يصبه، فهو مخطئ، وله أجر واحد.\rوهذا هو مذهب ابن فورك والاستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني.","part":4,"page":183},{"id":1125,"text":"ومنهم من نقل عنه القولان التخطئة والتصويب، كالشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل والاشعري.\rوأما إن كان في المسألة نص، فإن قصر في طلبه، فهو مخطئ آثم لتقصيره فيما كلف به من الطلب.\rوإن لم يقصر فيه، وأفرغ الوسع في طلبه، لكن تعذر عليه الوصول إليه، إما لبعد المسافة، أو لاخفاء الراوي له وعدم تبليغه، فلا إثم، لعدم تقصيره، وهل هو مخطئ أو مصيب ؟ ففيه من الخلاف ما سبق.\rوالمختار إنما هو امتناع التصويب لكل مجتهد، غير أن القائلين بذلك قد احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من الاشارة إليها والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار.\rالحجة الاولى من جهة الكتاب قوله تعالى * (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم، وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان) * (الانبياء: 78) ووجه الاحتجاج به أنه خصص سليمان بفهم الحق في الواقعة، وذلك يدل\rعلى عدم فهم (داود) له، وإلا لما كان التخصيص مفيدا، وهو دليل اتحاد حكم الله في الواقعة، وأن المصيب واحد.\rوأيضا قوله تعالى * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (النساء: 83) وقوله تعالى * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * (آل عمران: 7) ولولا أن في محل الاستنباط حكما معينا، لما كان كذلك وأيضا قوله تعالى * (ولا تفرقوا فيه) * (الشورى: 13) * (ولا تنازعوا فتفشلوا) * (الانفال: 46) * (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) * (آل عمران: 105) وذلك أيضا يدل على اتحاد الحق في كل واقعة.\rولقائل أن يقول على الآية الاولى: غاية ما فيها تخصيص سليمان بالفهم، ولا دلالة له على عدم ذلك في حق (داود) إلا بطريق المفهوم، وليس بحجة، على ما تقرر في مسائل المفهوم.\rوان سلمنا أنه حجة، غير أنه قد روي أنهما حكما في تلك","part":4,"page":184},{"id":1126,"text":"القضية بالنص حكما واحدا، ثم نسخ الله الحكم في مثل تلك القضية في المستقبل، وعلم (سليمان) بالنص الناسخ دون (داود) فكان هذا هو الفهم الذي أضيف إليه.\rوالذي يدل عى هذا قوله تعالى * (وكلا آتينا حكما وعلما) * () ولو كان أحدهما مخطئا لما كان قد أتي في تلك الواقعة حكما وعلما.\rوإن سلمنا أن حكمهما كان مختلفا، لكن يحتمل أنهما حكما بالاجتهاد مع الاذن فيه، وكانا محقين في الحكم، إلا أنه نزل الوحي على وفق ما حكم به سليمان، فصار ما حكم به حقا متعينا بنزول الوحي به، ونسب التفهيم إلى سليمان بسبب ذلك.\rوإن سلمنا أن داود كان مخطئا في تلك الواقعة، غير أنه يحتمل أنه كان فيها نص اطلع عليه سليمان دون داود، ونحن نسلم الخطأ في مثل هذه الصورة، وإنما النزاع فيما إذا حكما بالاجتهاد، وليس في الواقعة نص.\rوعلى الآية الثانية والثالثة أنه يجب حملهما على الامور القطعية دون الاجتهادية.\rودليله قوله تعالى * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (النساء: 83) وقوله تعالى * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * (آل عمران: 7) والقضايا الاجتهادية لا علم فيها، وإن سلمنا أن المراد بهما\rالقضايا الاجتهادية، فقوله تعالى * (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * (النساء: 83) وقوله تعالى * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * (آل عمران: 7) يدل على تصويب المستنبطين والراسخين في العلم، وليس فيه ما يدل على تصويب البعض منهم دون البعض، بل غايته الدلالة بمفهومه على عدم ذلك في حق العوام ومن ليس من أهل الاستنباط والرسوخ في العلم.\rوعلى الآيات الدالة على النهي عن التفرق، أن المراد منها إنما هو التفرق في أصل الدين والتوحيد، وما يطلب فيه القطع دون الظن.\rويدل على ذلك أن القائلين بجواز الاجتهاد، مجمعون على أن كل واحد من المجتهدين مأمور باتباع ما أوجبه ظنه، ومنهي عن مخالفته، وهو أمر بالاختلاف،","part":4,"page":185},{"id":1127,"text":"ونهي عن الاتفاق في المجتهدات.\rالحجة الثانية: من جهة السنة قوله عليه السلام إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإن أخطأ، فله أجر واحد وذلك صريح في انقسام الاجتهاد إلى خطإ وصواب.\rولقائل أن يقول: نحن نقول بموجب الخبر، وأن الحاكم إذا أخطأ في اجتهاده، فله أجر واحد، غير أن الخطأ عندنا في ذلك إنما يتصور فيما إذا كان في المسألة نص، أو إجماع، أو قياس جلى، وخفي عليه بعل لبحث التام عنه، وذلك غير متحقق في محل النزاع، أو فيما إذا أخطأ في مطلوب من رد المال إلى مستحقه بسبب ظنه صدق الشهود، وهم كاذبون، أو مغالطة الخصم، لكونه أخصم من خصمه، وألحن بحجته، لا فيما وجب عليه من حكم الله تعالى.\rولهذا قال عليه السلام إنما أحكم بالظاهر، وإنكم لتختصمون إلي، ولعل أحدكم ألحن بمجته من صاحبه فمن حكمت له بشئ من مال أخيه، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار.\rالحجة الثالثة: من جهة الاجماع أن الصحابة أجمعوا على إطلاق لفظ الخطإ\rفي الاجتهاد:","part":4,"page":186},{"id":1128,"text":"فمن ذلك ما روى عن أبي بكر أنه قال أقول في ا لكلالة برأيي، فإن يكن صوابا، فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان ومن ذلك ما روي عن عمر أنه حكم بحكم، فقال رجل حضره هذا، والله الحق.\rفقال عمر: أن عمر لا يدري أنه أصاب الحق، لكنه لم يأل جهدا وروي عنه أنه قال لكاتبه اكتب هذا ما رأى عمر، فإن يكن خطأ فمنه، وإن يكن صوابا، فمن الله وأيضا قوله في جواب المرأة التي ردت عليه النهي عن المبالغة في المهر أصابت امرأة، وأخطأ عمر ومن ذلك ما روي عن علي، رضي الله عنه، أنه قال في المرأة التي استحضرها عمر فأجهضت ما في بطنها، وقد قال له عثمان و عبد الرحمن بن عوف: إنما أنت مؤدب، لا نرى عليك شيئا، إن كانا قد اجتهدا فقد أخطأ، وإن لم يجتهدا، فقد غشاك، أرى عليك الدية ومن ذلك ما روي عن ابن مسعود أنه قال في المفوضة أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا، فمن الله ورسوله، وإن كان خطأ، فمني ومن الشيطان","part":4,"page":187},{"id":1129,"text":"ومن ذلك ما روي أن عليا وابن مسعود وزيدا، رضي الله عنهم، خطؤوا ابن عباس في ترك القول بالعول، وأنكر عليهم ابن عباس قولهم بالعول بقوله من شاء أن يباهلني باهلته، إن الذي أحصى رمل عالج عددا، لم يجعل في مال واحد نصفا ونصفا وثلثا، هذان نصفان ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث ؟ ومن ذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال: ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل\rابن الابن ابنا، ولا يجعل أبا الاب أبا إلى غير ذلك من الوقائع، ولم ينكر بعضهم على بعض في التخطئة، فكان ذلك إجماعا على أن الحق من أقاويلهم ليس إلا واحدا.\rولقائل أن يقول: نحن لا ننكر وقوع الخطإ في الاجتهاد، لكن فيما إذا لم يكن المجتهد أهلا للاجتهاد، أو كان أهلا، لكنه قصر في اجتهاده، أو إن لم يقصر لكنه خالف النص أو الاجماع أو القياس الجلي، أو في مطلوبه دون ما وجب عليه من حكم الله، كما سبق تقريره في جواب السنة.\rوأما ما تم فيه الاجتهاد من أهله، ولم يوجد له معارض مبطل، فليس فيما ذكروه من قضايا الصحابة ما يدل على وقوع الخطإ فيه.","part":4,"page":188},{"id":1130,"text":"الحجة الرابعة: من جهة المعقول من ستة أوجه.\rالاول أن الاجتهاد مكلف به بالاجماع، فعند اختلاف المجتهدين في حكم الحادثة، ومصير كل واحد إلى مناقضة الآخر إما أن يكون اجتهاد كل واحد منهما مستندا إلى دليل، أو لا دليل لواحد منهما، أو أن الدليل مستند أحدهما دون الآخر فإن كان الاول، فالدليلان المتقابلان إما أن يكون أحدهما راجحا على الآخر، أو هما متساويان: فإن كان أحدهما راجحا، فالذاهب إليه مصيب، ومخالفه مخطئ.\rوإن كان الثاني، فمقتضاهما التخيير أو الوقف، فالجازم بالنفي أو الاثبات يكون مخطئا.\rوإن كان لا دليل لواحد منهما، فهما مخطئان.\rوإن كان الدليل لاحدهما دون الآخر فأحدهما مصيب، والآخر مخطئ لا محالة.\rالثاني: أن القول بتصويب المجتهدين يفضي عند اختلاف المجتهدين بالنفي والاثبات، أو الحل والحرمة، في مسألة واحدة، إلى الجمع بين النقيضين، وهو محال، وما أفضى إلى المحال يكون محالا.\rالثالث: أن الامة مجمعة على تجويز المناظرة بين المجتهدين، ولو كان كل واحد مصيبا فيما ذهب إليه، لم يكن للمناظرة معنى ولا فائدة، وذلك لان كل واحد يعتقد أن ما صار إليه مخالفه حق، وأنه مصيب فيه والمناظرة إما لمعرفة أن ما صار إليه خصمه صواب، أو لرده عنه: فإن كان الاول، ففيه تحصيل الحاصل.\rوإن كان الثاني، فقصد كل واحد لرد صاحبه عما هو عليه، مع اعتقاده أنه صواب يكون حراما.\rالرابع: أن المجتهد في حال اجتهاده، إما أن يكون له مطلوب، أو يكون: فإن كان الاول، فهو محال، إذ المجتهد طالب، وطالب لا مطلوب له محال.\rوإن كان الثاني، فمطلوبه متقدم على اجتهاده ونظره، وذلك مع عدم تعين المطلوب في نفسه محال.\rالخامس: أنه لو صح تصويب كل واحد من المجتهدين، لوجب عند الاختلاف","part":4,"page":189},{"id":1131,"text":"في الآنية بالطهارة والنجاسة أن يقضى بصحة اقتداء كل واحد من المجتهدين، بالآخر، لاعتقاد المأموم صحة صلاة إمامه.\rالسادس: أن القول بتصويب المجتهدين يلزم منه أمور ممتنعة فيمتنع.\rالاول: أنه إذا تزوج شافعي بحنفية، وكانا مجتهدين، وقال لها أنت بائن فإنه بالنظر إلى ما يعتقده الزوج من جواز الرجعة تجوز له المراجعة، والمرأة بالنظر إلى ما تعتقده من امتناع الرجعة يحرم عليها تسليم نفسها إليه، وذلك مما يفضي إلى منازعة بينهما لا سبيل إلى رفعها شرعا، وهو محال.\rالثاني: أنه إذا نكح واحد امرأة بغير ولي، ونكحها آخر بعده بولي، فيلزم من صحة المذهبين حل الزوجة للزوجين، وهو محال.\rالثالث: أن العامي إذا استفتى مجتهدين، واختلفا في الحكم، فإما أن يعمل بقوليهما، وهو محال، أو بقول أحدهما، ولا أو لوية، وإما لا بقول واحد منهما، فيكون متحيرا، وهو ممتنع ولقائل أن يقول على الوجه الاول: إن المختار إنما هو القسم الاول من أقسامه.\rقولهم: الدليلان إما أن يتساويا، أو يترجح أحدهما على الآخر - قلنا: في نفس الامر أو في نظر الناظر ؟ الاول ممنوع، وذلك لان الادلة في مسائل الظنون ليست أدلة لذواتها وصفات أنفسها، حتى تكون في نفس الامر متساوية في جهة دلالتها، أو متفاوتة، وإن كان في نظر الناظر، فلا نسلم صحة هذه القسمة، بل كل واحد منهما راجح في نظر الناظر الذي صار إليه، وذلك لان الادلة الظنية مما تختلف باختلاف الظنون، فهي أمور إضافية غير حقيقية، كما أن ما وافق غرض زيد، فهو حسن بالنسبة إليه، وإن كان قبيحا بالنسبة إلى من خالف غرضه.\rوعلى هذا، فلا تخطئة على ما ذكروه وإن سلمنا أن الدليلين في نفسيهما لا يخرجان عن المساواة أو الترجيح لاحدهما على الآخر، غير أن النزاع إنما هو في الخطإ بمعنى عدم الاصابة لحكم الله في الواقعة، لا بمعنى عدم الظفر بالدليل الراجح، ولا يلزم من عدم الظفر بالدليل الراجح عدم","part":4,"page":190},{"id":1132,"text":"الظفر بحكم الله في الواقعة، لان حكم الله تعالى عندنا عبارة عما أدى إليه نظر المجتهد وظنه، لا ما أدى إليه الدليل الراجح في نفس الامر.\rوعلى الوجه الثاني: أن التناقض إنما يلزم أن لو اجتمع النفي والاثبات، والحل والحرمة، في حق شخص واحد، من جهة واحدة، أما بالنظر إلى شخصين، فلا ولهذا، فإن الميتة تحل للمضطر، وتحرم على غيره، وإفطار رمضان مباح للمريض\rوالمسافر، ومن له عذر، دون غيره.\rوفيما نحن فيه كذلك: فأن من وجب عليه الحكم بالحل الذي أداه نظره إليه، غير من وجب عليه الحكم بالتحريم الذي أداه نظره إليه.\rثم لو كان ذلك ممتنعا، لما وجب على كل واحد من المجتهدين في القبلة، إذا أدى اجتهاده إلى خلاف ما أدى إليه اجتهاد الآخر، التوجه إلى الجهة التي غلب على ظنه أنها جهة القبلة، كتحريم التوجه إليها بالنسبة إلى الآخر، ولما حرم على كل واحد ما وجب على الآخر، وهو ممتنع.\rوعلى الثالث أن فائدة المناظرة غير منحصرة فيما ذكروه، بل لها فوائد أخر تجب المناظرة لها، أو تستحب.\rفالاولى كالمناظرة لتعرف انتفاء الدليل القاطع الذي لا يجوز معه الاجتهاد، أو لطلب تعرف الترجيح عند تساوي الدليلين في نظر المجتهد، حتى يجزم بالنفي أو الاثبات، أو يحل له الوقف أو التخيير لكونه مشروطا بعدم الترجيح.\rوالثانية، كالمناظرة التي يطلب بها تذليل طرق الاجتهاد والقوة على استثمار الاحكام من الادلة واستنباطها منها، وشحذ الخاطر وتنبيه المستمعين على مدارك الاحكام ومآخذها، لتحريك دواعيهم إلى طلب رتبة الاجتهاد، لنيل الثواب الجزيل وحفظ قواعد الشريعة.\rوعلى الرابع أن مطلوب المجتهد ما يؤدي إليه نظره واجتهاده لا غير.\rوذلك غير معين، لا عنده ولا عند الله تعالى.\rوعلى الخامس أن ما ذكروه إنما يلزم أن لو كان القضاء بصحة صلاة المأموم مطلقا، وليس كذلك.\rوإنما هي صحيحة بالنسبة إليه، غير صحيحة بالنسبة إلى مخالفه.\rوشرط صحة اقتداء المأموم بالامام اعتقاد صحة صلاة إمامه بالنسبة إليه.","part":4,"page":191},{"id":1133,"text":"وعلى السادس أما الالزام الاول، فلا نسلم إفضاء ذلك إلى منازعة لا ترتفع، لانه\rيمكن رفعها فيما فرضوه من الصورة برفع الامر إلى حاكم من حكام المسلمين، أو محكم منهم، فما حكم به وجب اتباعه، كيف وإن ما ذكروه لم يكن لازما من القول بتصويب المجتهدين، بل إنما كان لازما من القول بأنه يجب على كل مجتهد اتباع ما أوجبه ظنه، وسواء كان مخطئا أو مصيبا، لان المصيب غير معين، وذلك متفق عليه، فما هو جواب لهم ها هنا فهو جواب الخصم في قوله بالتصويب.\rوإما الالزام الثاني فنقول أي النكاحين وجد من معتقد صحته أولا فهو صحيح، والنكاح الثاني باطل، لكونه نكاحا لزوجة الغير، وإن صدر الاول ممن لا يعتقد صحته، كالنكاح بلا ولي من الشافعي فهو باطل، والثاني صحيح.\rوأما الالزام الثالث، فنقول: حكم العامي عند تعارض الفتاوى في حقه حكم تعارض الدليلين في حق المجتهد من غير ترجيح.\rوحكم المجتهد في ذلك إما التوقف أو التخيير، على ما يأتي والاقرب في ذلك أن يقال الاصل عدم التصويب، والاصل في كل متحقق دوامه، إلا ما دل الدليل على مخالفته.\rوالاصل عدم الدليل المخالف فيما نحن فيه، فيبقى فيه على حكم الاصل.\rغير أنا خالفناه في تصويب واحد غير معين للاجماع، ولا إجماع يما نحن فيه، فوجب القضاء بنفيه.\rفإن قيل: وإن كان الاصل عدم الدليل المخالف للنفي الاصلي إلا أنه قد وجد، ودليله من جهة الكتاب، والسنة،، والاجماع، والمعقول.\rأما الكتاب فقوله تعالى في حق داود وسليمان * (وكلا آتينا حكما وعلما) * (الانبياء: 79) ولو كان أحدهما مخطئا لما كان ما صار إليه حكما لله، ولا علما.","part":4,"page":192},{"id":1134,"text":"وأما السنة فقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ووجه الاحتجاج به أنه عليه السلام، جعل الاقتداء بكل واحد من الصحابة هدى،\rمع اختلافهم في الاحكام نفيا وإثباتا، كما بيناه قبل.\rفلو كان فيهم مخطئ، لما كان الاقتداء به هدى، بل ضلالة.\rوأما الاجماع فهو أن الصحابة اتفقوا على تسويغ خلاف بعضهم لبعض، من غير نكير منهم على ذلك، بل ونعلم أن الخلفاء منهم كانوا يولون القضاة والحكام مع علمهم بمخالفتهم لهم في الاحكام، ولم ينكر عليهم منكر.\rولو تصور الخطأ في الاجتهاد، لما ساغ ذلك من الصحابة، كما لم يسوغوا ترك الانكار على مانعي الزكاة، وكل منكر أنكروه.\rوأما من جهة المعقول، فمن سبعة أوجه.\rالاول أنه لو كان الحق متعينا في باب الاجتهاد في كل مسألة لنصب الله تعالى عليه دليلا قاطعا، دفعا للاشكال، وقطعا لحجة المحتج، كما هو المألوف من عادة الشارع في كل ما دعا إليه، ومنه قوله تعالى * (رسلا مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) * (النساء: 165) وقوله تعالى * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) * (إبراهيم: 4) وقوله تعالى * (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا) * (طه: 134) ولو كان عليه دليل قاطع، لوجب الحكم على مخالفه بالفسق والتأثيم، كالمخالف في العقليات.\rالثاني: أنه لو كان الحق في جهة واحدة، لما ساغ لاحد من العامة تقليد أحد من العلماء، إلا بعد الاجتهاد والتحري فيمن يقلده، وليس كذلك.\rوحيث خير في التقليد دل على التساوي بين المجتهدين، فإن الشرع لا يخير إلا في حالة التساوي.\rالثالث: أنه لو كان الحق في جهة واحدة، لوجب نقض كل حكم خالفه، كما قاله بشر المريسي والاصم.\rوحيث لم ينقض دل على التساوي.","part":4,"page":193},{"id":1135,"text":"الرابع: أنه لو كان الحق في جهة واحدة، لما وجب على كل واحد من المجتهدين اتباع ما أوجبه ظنه، ولا كان مأمورا به، لان الشارع لا يأمر بالخطإ، وحيث كان مأمورا باتباعه، دل.\rعلى كونه صوابا.\rالخامس: أنه لا خلاف في ترجيح الادلة المتقابلة في المجتهدات بما لا يستقل بإثبات أصل الحكم ولا نفيه، فدل على أن الدليل من الجانبين ما هو خارج عن الترجيح، فالدليل على كل واحد من الحكمين قائم، فكان حقا.\rالسادس: أن حصر الحق في جهة واحدة مما يفضي إلى الضيق والحرج، وهو منفي بقوله تعالى * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * (الحج: 78) وقوله تعالى * (يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر) * (البقرة: 185).\rالسابع: أنه لو كان المجتهد مخطئا، لما علم كونه مغفورا له، واللازم ممتنع.\rوبيان الملازمة أنه لو كان مخطئا، فلا يخلو: إما أن لا يجوز كونه مخطئا، أو يجوز كونه مخطئا: الاول محال، فإن من قال بالتخطئة لم يعين الخطأ في واحد، بل أمكن أن يكون قائلا بالنفي أو الاثبات.\rوالثاني فلا يخلو: إما أن يعلم مع تجويز كونه مخطئا، أنه قد انتهى في النظر إلى الرتبة التي يغفر له بترك ما بعدها، أو لا يعلم ذلك: الاول محال، فإن المجتهد لا يميز ما بين الرتبتين.\rوإن كان الثاني، فهو مجوز لترك النظر الذي إذا أخل به بعد النظر الذي انتهى إليه لا يكون مغفورا له، وذلك ممتنع مخالف لاجماع الامة على ثواب كل مجتهد وغفران ما أخل به من النظر.\rوالجواب عن الآية أن غايتها الدلالة على أن كل واحد منهما أوتي حكما وعلما، وهو نكرة في سياق الاثبات، فيخص، وليس فيه ما يدل على أنه أوتي حكما\rوعلما فيما حكم به.\rوقد أمكن حمل ذلك على أنه أوتي حكما وعلما بمعرفة دلالات الادلة على مدلولاتها، وطرق الاستنباط، فلا يبقى حجة في غيره.","part":4,"page":194},{"id":1136,"text":"وعن السنة أن الخبر، وإن كان عاما في الاصحاب والمقتدين بهم، غير أن ما فيه الاقتداء غير عام، ولا يلزم من العموم في الاشخاص، العموم في الاحوال.\rوعلى هذا، فقد أمكن حمله على الاقتداء في الرواية عن النبي عليه السلام، لا في الرأي والاجتهاد.\rوقد عمل به فيه، فلا يبقى حجة فيما عداه، ضرورة إطلاقه.\rوعن الاجماع أنه إنما لم ينكر بعض الصحابة على بعض المخالفة، لان المخطئ غير معين، ومع ذلك، فهو مأمور باتباع ما أوجبه ظنه، ومثاب عليه.\rوالذي يجب إنكاره من الخطإ ما كان مخطئه معينا، وهو منهي عنه.\rوما نحن فيه ليس كذلك.\rوعن الشبهة الاولى من المعقول: لا نسلم أنه لو كان الحكم في الواقعة معينا لنصب الله عليه دليلا قاطعا، إذ هو مبني على وجوب رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه في كتبنا الكلامية.\rوإن سلمنا وجوب رعاية الحكمة، ولكن لا مانع أن تكون الحكمة طلب الظن بذلك الحكم، بناء على الادلة الظنية، لا طلب العلم به لنيل ثواب النظر والاجتهاد.\rفإن ثوابه لزيادة المشقة فيه أزيد، على ما قال عليه السلام ثوابك على قدر نصبك وإن لم تظهر فيه حكمة، فلا مانع من اختصاصه بحكمة لا يعلمها سوى الرب تعالى.\rوعن الثانية أنه إنما خير العامي في التقليد لمن شاء، لكونه لا يقدر على معرفة الا علم دون معرفة مأخذ المجتهدين، ووجه الترجيج فيه.\rوذلك مما يخرجه عن العامية، ويمنعه من جواز الاستفتاء، بل غاية ما يقدر على معرفته كون كل واحد منهما عالما أهلا للاجتهاد، ومن هذه الجهة قد استويا في نظره، فلذلك كان مخيرا حتى إنه لو قدر على معرفة الاعلم ولو بإخبار العلماء بذلك، لم يجز له تقليد غيره.\rوعن الثالثة أنه إنما امتنع نقض ما خالف الصواب لعدم معرفة الصواب من الخطإ.\rوعن الرابعة أنها منقوضة بما إذا كان في المسألة نص أو إجماع ولم يعلم به المجتهد بعد البحث التام فان الحكم فيها معين، ومع ذلك فالمجتهد مأمور باتباع ما أوجبه ظنه.","part":4,"page":195},{"id":1137,"text":"وعن الخامسة: أنا وإن سلمنا أن الترجيح قد يكون بما لا يستقل بالحكم، فلا يمنع ذلك من اعتباره جزءا من الدليل.\rوعلى هذا فالمرجوح لا يكون دليلا، وإن كان دليلا، لكن لا نسلم جواز ترتب الحكم على المرجوح مع وجود الراجح في نفس الامر.\rوعن السادسة: أن الحرج إنما يلزم من تعيين الحق أن لو وجب على المجتهدين اتباعه قطعا.\rأما إذا كان ذلك مفوضا إلى ظنونهم واجتهاداتهم، فلا.\rكيف ويلزم على ما ذكروه ما إذا كان في المسألة نص أو إجماع، فإن الحكم فيها يكون معينا، وإن لزم منه الحرج.\rوعن السابعة: بمنع ما ذكروه من الملازمة، وذلك لان الكلام إنما هو مفروض فيما إذا علم المجتهد من نفسه انتهاءه في الاجتهاد واستفراغ الوسع إلى حد يقطع بانتفاء قدرته على المزيد عليه، وذلك هو ضابط العلم بكونه مغفورا له ما وراءه.","part":4,"page":196},{"id":1138,"text":"المسألة السادسة اتفقوا في الادلة العقلية المتقابلة بالنفي والاثبات، على استحالة التعادل بينها.\rوذلك، لان دلالة الدليل العقلي يجب أن يكون مدلولها حاصلا، فلو تعادل الدليلان في نفسيهما لزم من ذلك حصول مدلوليهما، كالدليل الدال على حدوث العالم، والدال على قدمه، ويلزم من ذلك اجتماع النقيضين، وهو محال.\rواختلفوا في تعادل الامارات الظنية.\rفذهب أحمد بن حنبل والكرخي إلى المنع من ذلك، وذهب القاضي أبو بكر والجبائي وابنه وأكثر الفقهاء إلى جوازه، وهو المختار.\rوذلك، لانه لو استحال تعادل الامارتين في نفسيهما، فإما أن يكون ذلك محالا في ذاته، أو لدليل خارج: الاول ممتنع، فإنا لو قدرنا ذلك، لم يلزم عنه لذاته محال عقلا، وإن كان الدليل من خارج، عقليا كان أو شرعيا، فالاصل عدمه.\rوعلى مدعيه بيانه","part":4,"page":197},{"id":1139,"text":".\rفإن قيل: إذا قيل بتعادل الامارتين، فإما أن يعمل بكل واحدة منهما، أو بأحديهما دون الاخرى، أو لا يعمل ولا بواحدة منهما: الاول محال، لما فيه من الجمع بين النقيضين، والثاني محال، لانه إما أن يعمل بواحدة منهما على طريق التعيين أو الابهام: فإن كان على طريق التعيين، فلا أولوية مع التساوي وإن كان على سبيل التخيير، فهو ممتنع لوجوه ثلاثة: الاول: أن الامة مجمعة على امتناع تخيير المكلفين في مسائل الاجتهاد.\rالثاني: أن التخيير إباحة للفعل والترك، وهو عمل بأمارة الاباحة، وهو ممتنع.\rلما سبق.\rالثالث: أنه يلزم منه جواز تخيير الحاكم للمتخاصمين، وكذلك المفتي للعامي، بين الحكم ونقيضه، وأن يحكم لزيد بحكم، ولعمرو بنقيضه، وأن يحكم في يوم بحكم، وفي الغد بنقيضه، وذلك محال، والثالث أيضا محال، لما فيه من الجمع بين النقيضين، ولان وضع الامارتين يكون عبثا، والعبث في تصرفات الشارع ممتنع.\rوأيضا فإن الحكم عند الله تعالى في الواقعة لا يكون إلا واحدا، على ما سبق تقريره في المسألة المتقدمة، وهو الذي وقع عليه اختياركم، فلو تعادلت الامارتان، لزم من ذلك التضليل والحيرة في إصابة الحق، وهو ممتنع على الشارع الحكيم.\rوالجواب عن الشبهة الاولى بمنع الحصر فيما ذكروه، إذ قد أمكن قسم ثالث،\rوهو العمل بمجموعهما، بأن يكونا كالدليل الواحد، ومقتضاهما الوقف أو التخيير.","part":4,"page":198},{"id":1140,"text":"وإن سلمنا امتناع ذلك، فما المانع من العمل بإحداهما على طريق التخيير بأن يعمل المكلف بما شاء منهما، إن شاء أثبت، وإن شاء نفي.\rقولهم: إن الامة مجمعة على امتناع تخيير المكلف في مسائل الاجتهاد.\rقلنا: متى إذا ترجح في نظره إحدى الامارتين، أو إذا تعادلتا ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع، ولا بعد في التخيير عند التعارض مع التساوي، نازلا منزلة ورود التخيير من الشارع بلفظ التخيير، كما في خصال الكفا رة، أو كما في التخيير بين إخراج الحقاق، وبنات اللبون، عندما إذا اجتمع في ماله مائتان من الابل بقوله عليه السلام في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حق فإنه إن أخرج أربع حقاق، فقد عمل بالنص، وإن أخرج خمس بنات لبون، فقد عمل بالنص.\rقولهم: إن التخيير إباحة للفعل والترك، وهو عمل بأمارة الاباحة، وترك للامارة الوجوب - قلنا: إنما يلزم ذلك أن لو كان التخيير بين الفعل والترك مطلقا، وليس كذلك.\rوإنما هو تخيير في العمل بأحد الحكمين، مشروطا بقصد العمل بدليله، كما في التخيير بين القصر في السفر والاتمام، بشرط قصد العمل بدليل الرخصة، أو دليل الاتمام.\rقولهم إنه يلزم منه جواز تخيير الحاكم للخصمين، والمفتي للعامي، بين الحكمين المتناقضين، ليس كذلك، بل التخيير إنما هو للحاكم والمفتي في العمل بإحدى الامارتين عند الحكم والفتوى، فلا بد من تعين ما اختاره، دفعا للنزاع بين الخصوم، وللتحير عن المستفتى.\rوأما حكمه لزيد بحكم ولعمرو بنقيضه، فغير ممتنع، كما لو تغير اجتهاده.\rوكذلك الحكم في يوم وبنقيضه في الغد، وإنما يمتنع ذلك أن لو كان المحكوم عليه واحدا،\rلما فيه من إضرار المحكوم عليه بالحكم له بحل النكاح و الانتفاع بالملك في وقت، وتحريمه عليه في وقت آخر.\rوإن سلمنا امتناع التخيير، فما المانع من ترك العمل بهما، والقول بتساقطهما.\rقولهم إنه يلزم منه الجمع بين النقيضين.\rإنما يلزم ذلك أن لو اعتقد نفي الحل والاباحة.\rوأما إذا لم يعتقد شيئا من ذلك، فلا.","part":4,"page":199},{"id":1141,"text":"قولهم إن وضع الامارتين يكون عبثا، فهو مبني على وجوب رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه في مواضعه.\rوبتقدير التسليم، فلا يمتنع استلزام ذلك لحكمة استأثر الله تعالى بالعلم بها دون المخلوقين.\rكيف وقد أمكن أن تكون الحكمة فيه إيقاف المجتهد عن الجزم بالنفي أو الاثبات.\rوعن الشبهة الثانية أنا وإن سلمنا أن الحكم في المسألة لا يكون إلا واحدا، ولكن ما المانع من تعادل الامارات.\rقولهم: يلزم منه التحير والتضليل، إنما يلزم ذلك أن لو كان مكلفا بإصابة ما هو الحكم عند الله تعالى، وليس كذلك.\rوإنما هو مكلف بما أوجبه ظنه، على ما سبق.\rفإن لم يغلب على ظنه شئ، ضرورة التعادل، كان الواجب التخيير أو التوقف أو التساقط.\rالمسألة السابعة فيما يصح نسبته من الاقوال إلى المجتهد، وما لا يصح ولا خلاف في صحة اعتقاد الوجوب والتحريم، أو النفي والاثبات معا، في مسألتين مختلفتين، كوجوب الصلاة وتحريم الزنى، وفي اعتقاد الجمع بين الاحكام المختلفة التي لا تقابل بينها في شئ واحد، كالتحريم ووجوب الحد، ونحوه، وفي اعتقاد وجوب فعلين متضادين على البدل، كالاعتداد بالاطهار والحيض أو فعلين غير متضادين كخصال الكفارة.\rوأما اعتقاد حكمين متقابلين في شئ واحد على سبيل البدل، فقد اختلفوا فيه، وبينا مأخذ القولين في المسألة المتقدمة، وما هو المختار في ذلك","part":4,"page":200},{"id":1142,"text":"وأما ما يقال في هذه المسألة: للمجتهد الفلاني قولان، فلا يخلو إما أن يكونا منصوصين في تلك المسألة، أو أحدهما منصوص عليه والآخر منقول، فإن كان الاول فلا يخلو إما أن يكون التنصيص عليهما في وقتين، أو في وقت واحد فإن كان ذلك في وقتين، فلا يخلو إما أن يكون التاريخ معلوما أو غير معلوم: فإن كان الاول، فالقول الثاني ناسخ للاول، وهو الذي يجب إسناده إليه، دون الاول، لكونه مرجوعا عنه.\rوإن قيل إن الاول قوله، فليس إلا بمعنى أنه كان قولا له، لا بمعنى انه الآن قوله ومعتقده، وإن كان الثاني، فيجب اعتقاد نسبة أحدهما إليه والرجوع عن الآخر، وإن لم يكن ذلك معلوما ولا معينا.\rوعلى هذا، فيمتنع العمل بأحدهما قبل التبيين، لاحتمال أن يكون ما عمل به هو المرجوع عنه.\rوهذا، كما إذا وجدنا نصين، وعلمنا أن أحدهما ناسخ للآخر، ولم يتبين لنا الناسخ من المنسوخ، فإنه يمتنع العمل بكل واحد منهما، لاحتمال أن يكون ما عمل به هو المنسوخ.\rوكذلك الراوي، فإنه إذا سمع كتابا من الاخبار سوى خبر واحد منه، وأشكل عليه ما سمعه عن غيره، فإنه لا يجوز له رواية شئ منه، لاحتمال أن يكون ذلك ما لم يروه.\rوأما إن كان التنصيص عليهما في وقت واحد، فإما أن ينص على الراجح منهما بأن يقول: وهذا القول أولى، أو يفرع عليه دون الآخر، فيظهر من ذلك أن قوله وما يجب أن يكون معتقدا له هو الراجح دون المرجوح.\rوأما أن لا يوجد منه ما يدل على الترجيح، كما نقل عن الشافعي ذلك في سبع عشرة مسألة، فلا يخلو إما أنه ذكر ذلك بطريق الحكاية لاقوال من تقدم، فلا تكون أقوالا له.\rوإما أن يكون ذلك بمعنى اعتقاده للقولين، وهو محال.\rوذلك لان دليلي القولين إما أن يكون أحدهما راجحا على الآخر في نظره، أو هما متساويان.","part":4,"page":201},{"id":1143,"text":"فإن كان الاول فاعتقاده لحكم الدليل المرجوح ممتنع.\rوإن كان الثاني، فاعتقاده للتحريم والاباحة معا، في شئ واحد من جهة واحدة محال.\rوإن كان معنى القولين التخيير بين الحكمين أو التردد والشك، كتردد الشافعي في التسمية، هل هي آية من أول كل سورة ؟ فذلك مما لا يصح معه نسبة القولين إليه.\rولهذا فإن من قال بالتخيير بين خصال الكفارة لا يقال إن له في الكفارة أقوالا.\rوكذلك من شك في شئ وتردد فيه، لا يقال: له فيه أقوال، وإنما يمكن تصحيح ذلك بأن يحمل قوله (في المسألة قولان) على أنه قد وجد فيها دليلين متعارضين، ولا موجود سواهما، إما نصان، أو استصحابان، كما إذا أعتق عن كفارته عبدا غائبا منقطع الخبر.\rفإن الاصل بقاء حياته، والاصل بقاء اشتغال الذمة، أو أصلان مختلفان، والمسألة مشابهة لكل واحد من الاصلين على السوية، ويمكن أن يقول بكل واحد منهما قائل، فقوله بوجود هذا الاحتمال، وهذا الاحتمال، قولان، لكنه ليس قولا بحكم شرعي.\rوأما إن كان منصوصا عليه والآخر منقولا، فذلك إنما يتصور في صورتين متناظرتين، وعند ذلك، فلا يخلو إما أن يظهر بين الصورتين فارق، أو لا يظهر: فإن ظهر بينهما فارق، فالنقل يكون ممتنعا.\rوإن لم يظهر بينهما فارق، وكان الامام قد نص على حكم الصورتين، فلا يخلو\rإما أن يكون قد نص عليهما في وقتين، أو في وقت واحد.\rفإن كان في وقتين: فإما أن يكون التاريخ معلوما، أو غير معلوم، فإن كان معلوما، فتنصيصه على الحكم الاخير، يستلزم ثبوت مثله في الصورة المنصوص عليها، أولا، ضرورة عدم الفرق، ويلزم من ذلك رجوعه عن الحكم المنصوص عليه أولا.\rوإن لم يكن التاريخ معلوما، فيجب اعتقاد اشتراك الصورتين في أحد الحكمين، وهو ما نص عليه آخرا، وإن لم يكن معلوما بعينه.\rوعلى هذا، فلا يمكن العمل بأحدهما على سبيل التعيين، لجواز أن يكون هو المرجوع عنه، كما أسلفناه، وأما إن نص على حكمي الصورتين في وقت واحد، فهو كما لو نص عليهما في صورة واحدة، وقد عرف ما فيه.","part":4,"page":202},{"id":1144,"text":"المسألة الثامنة اتفقوا على أن حكم الحاكم لا يجوز نقضه في المسائل الاجتهادية لمصلحة الحكم، فإنه لو جاز نقض حكمه إما بتغيير اجتهاده، أو بحكم حاكم آخر، لامكن نقض الحكم بالنقض، ونقض نقض النقض، إلى غير النهاية.\rويلزم من ذلك اضطراب الاحكام، وعدم الوثوق بحكم الحاكم، وهو خلاف المصلحة التي نصب الحاكم لها.\rوإنما يمكن نقضه بأن يكون حكمه مخالفا لدليل قاطع، من نص أو إجماع أو قياس جلي، وهو ما كانت العلة فيه منصوصة، أو كان قد قطع فيه بنفي الفارق بين الاصل والفرع، كما سبق تحقيقه.\rولو كان حكمه مخالفا لدليل طني من نص أو غيره، فلا ينقض ما حكم به بالظن، لتساويهما في الرتبة ولو حكم على خلاف اجتهاده، مقلدا لمجتهد آخر، فقد اتفقوا على امتناعه، وإبطال حكمه، ولو كان الحاكم مقلدا لامام، وحكم بحكم يخالف مذهب إمامه، فإن قضينا بصحة حكم المقلد ضرورة عدم المجتهد في زماننا، فنقض حكمه مبني\rعلى الخلاف في أنه هل يجوز له تقليد غير إمامه ؟ فإن منعنا من ذلك، نقض، وإلا فلا.\rوأما المجتهد إذا أداه اجتهاده إلى حكم في حق نفسه، كتجويز نكاح المرأة بلا ولي.\rثم تغير اجتهاده، فإما أن يتصل بذلك حكم حاكم آخر، أو لا يتصل: فإن كان الاول لم ينقض الاجتهاد السابق، نظرا إلى المحافظة على حكم الحاكم ومصلحته.\rوإن كان الثاني، لزمه مفارقة الزوجة، وإلا كان مستديما لحل الاستمتاع بها على خلاف معتقده، وهو خلاف الاجماع.\rوأما إن كان قد أفتى بذلك لغيره، وعمل ذلك الغى بفتواه.\rثم تغير اجتهاده، فقد اختلفوا في أن المقلد هل يجب عليه مفارقة الزو جة، لتغير اجتهاد مفتيه.\rوالحق وجوبه، كما لو قلد من ليس له أهلية الاجتهاد في القبلة، من هو من أهل الاجتهاد فيها، ثم تغير اجتهاده إلى جهة أخرى في أثناء صلاة المقلد له، فإنه يجب عليه التحول إلى الجهة الاخرى، كما لو تغير اجتهاد ه هو في نفسه.","part":4,"page":203},{"id":1145,"text":"المسألة التاسعة المكلف إذا كان قد حصلت له أهلية الاجتهاد بتمامها في مسألة من المسائل، فإن اجتهد فيها، وأداه اجتهاده إلى حكم فيها، فقد اتفق الكل على أنه لا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين، في خلاف ما أوجبه ظنه، وترك ظنه.\rوإن لم يكن قد اجتهد فيها، فقد اختلفوا فيه.\rفقال أبو علي الجبائي: الاولى له أن يجتهد، وإن لم يجتهد وترك الاولى، جاز له تقليد الواحد من الصحابة، إذا كان مترجحا في نظره على غيره ممن خالفه، وإن استووا في نظره يخير في تقليد من شاء منهم، ولا يجوز له تقليد من عداهم.\rوبه قال الشافعي في رسالته القديمة.\rومن الناس من قال: يجوز له تقليد الواحد من الصحابة أو التابعين، دون من عداهم، قال محمد بن الحسن: يجوز تقليد العالم لمن هو أعلم منه، ولا يقلد من هو مثله أو دونه، وسواء كان من الصحابة أو غيرهم، وقال ابن سريج: يجوز تقليد العالم لمن هو أعلم منه إذا تعذر عليه وجه الاجتهاد.\rوقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية وسفيان الثوري يجوز تقليد العالم للعالم مطلقا.\rوعن أبي حنيفة في ذلك روايتان.\rوقال بعض أهل العراق: يجوز تقليد العالم فيما يفتي به، وفيما يخصه.\rومنهم من قال بجواز ذلك فيما يخصه دون ما يفتى به.\rومن هؤلاء من خصص ذلك بما يفوت وقته لو اشتغل بالاجتهاد.\rوذهب القاضي أبو بكر وأكثر الفقهاء إلى منع تقليد العالم للعالم، سواء كان أعلم منه، أو لم يكن.\rوهو المختار.\rإلا أن القائلين بذلك قد احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من ذكرها والتنبيه على ضعفها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار.\rالحجة الاولى: أن من له أهلية الاجتهاد متمكن من الاجتهاد، فلا يجوز مع ذلك مصيره إلى قول غيره، كما في العقليات.","part":4,"page":204},{"id":1146,"text":"الثانية: أنه لو كان قد اجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم من الاحكام، لم يجز له تقليد غيره، وترك ما أدى إليه اجتهاده، فكذا لا يجوز له تقليده قبل الاجتهاد لامكان أن يؤديه اجتهاده إلى خلاف رأي من قلده.\rالثالثة: أنه لو جاز لغير الصحابة تقليد الصحابة مع تمكنه من الا جتهاد لجاز لبعض الصحابة من المجتهدين تقليد البعض، ولو جاز ذلك، لما كان لمناظراتهم فيما وقع بينهم من المسائل الخلافية معنى.\rالرابعة: أن الصحابة كانت تترك ما رأته باجتهادها لما تسمعه من الخبر عن النبي\rصلى الله عليه وسلم، فكان عمل غيرهم بالخبر وترك العمل برأيهم، أولى.\rولقائل أن يقول على الحجة الاولى: إنما لم يجز التقليد العقليات، ضرورة أن المطلوب فيها هو العلم، وهذا غير حاصل بالتقليد، بخلاف مسائل الاجتهاد، فإن المطلوب فيها هو الظن، وهو حاصل بالتقليد فافترقا.\rوعلى الثانية أنه إذا اجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم من الاحكام، فوثوقه به أتم من وثوقه بما يقلد فيه الغير، لانه مع مساوا ة اجتهاده لاجتهاد الغير، يحتمل أن لا يكون الغير صادقا فيما أخبر به عن اجتهاده والمجتهد لا يكابر نفسه فيما أدى إليه اجتهاده.\rوقبل أن يجتهد لم يحصل له الوثوق بحكم ما، فلا يلزم من امتناع التقليد مع الاجتهاد امتناعه مع عدمه.\rوعلى الثالثة أن من المخالفين في هذه المسألة من يجوز تقليد الصحابة بعضهم لبعض، إذا كان المقلد أعلم، كما سبق في تفصيل المذاهب في أول المسألة.\rوبتقدير التسليم، فلا يخفى أن الوثوق باجتهاد الصحابي لمشاهدة الوحي والتنزيل، ومعرفة التأويل، والاطلاع على أحوال النبي، (ص) وزيادة اختصاص الصحابة بالتشدد في البحث عن قواعد الدين، وتأسيس الشريعة، وعدم تسامحهم فيها،","part":4,"page":205},{"id":1147,"text":"أشد من غيرهم، على ما قال عليه السلام خير القرون القرن الذي أنا فيه أتم من الوثوق باجتهاد غير الصحابي.\rوما مثل هذا التفاوت فغير واقع بين الصحابة.\rوعلى هذا، فلا يلزم من جواز تقليد غير الصحابي للصحابي، تقليد الصحابي للصحابي.\rوعن الرابعة أن الخبر لا يخلو إما أن يكون صريحا في مناقضة مذهب الصحابي، أو لا يكون صريحا، بل دلالته على ذلك ظنية اجتهادية: فإن كان الاول، فلا خفاء في امتناع تقليد الصحابي معه، كما يمتنع على الصحابي العمل برأيه مع ذلك الخبر.\rوإن كان الثاني، فلا نسلم أنه يجب على الصحابي الرجوع\rإليه مع استمراره على اعتقاد ما رآه أولا وترجيح ما أداه إليه اجتهاده على ذلك الخبر.\rوعلى ذلك، فلا يمتنع تقليد الصحابي مع وجود ذلك الخبر.\rوالمعتمد في المسألة أن يقال: القول بجواز التقليد حكم شرعي، ولا بد له من دليل، والاصل عدم ذلك الدليل، فمن ادعاه يحتاج إلى بيانه، ولا يلزم من جواز ذلك في حق العامي العاجز عن التوصل إلى تحصيل مطلوبه من الحكم، جواز ذلك في حق من له أهلية التوصل إلى الحكم، وهو قادر عليه، ووثوقه به أتم مما هو مقلد فيه، لما سبق.\rفإن قيل: دليل جواز التقليد في حق من لم يجتهد، وإن كانت له أهلية الاجتهاد، الكتاب والسنة، والاجماع، والمعقول.\rأما الكتاب فقوله تعالى * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * (النحل: 43) أمر بالسؤال، وأدنى درجاته جواز اتباع المسؤول واعتقاد قوله، وليس المراد به من لم يعلم شيئا أصلا، بل من لم يعلم تلك المسألة، ومن لم يجتهد في المسألة، وإن كانت له أهلية الاجتهاد فيها، غير عالم بها، فكان داخلا تحت عموم الآية وأيضا قوله تعالى * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) * () والمراد (بأولي الامر) العلماء، أمر غير العالم بطاعة العالم، وأدنى درجاته جواز اتباعه فيما هو مذهبه.\rوأما السنة، فقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم","part":4,"page":206},{"id":1148,"text":"وقوله (ص) عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي وقوله عليه السلام اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر.\rوأما الاجماع، فهو أن عمر رجع إلى قول علي، رضي الله عنه، وإلى قول معاذ، وبايع عبد الرحمن بن عوف عثمان على اتباع سنة الشيخين أبي بكر وعمر، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة، مع أن المقلد كان أهلا للاجتهاد، فصار ذلك إجماعا.\rو\rأما المعقول، فهو أنه لا يقدر باجتهاده على غير الظن واتباع المجتهد فيما ذهب إليه، مفيد للظن، والظن معمول به في الشرعيات، على ما سبق تقريره، فكان اتباعه فيه جائزا.\rوالجواب عن الآية الاولى أن المراد بأهل الذكر أهل العلم، أي المتمكن من تحصيل العلم بأهليته فيما يسأل عنه، لا من العلم بالمسألة المسؤول عنها حاضر عتيد لديه.\rفإن أهل الشئ.\rمن هو متأهل لذلك الشئ، لا من حصل له ذلك الشئ.\rوالاصل تنزيل اللفظ على ما هو حقيقة فيه.\rوعلى هذا، فتخص الآية بسؤال من ليس من أهل العلم، كالعامي، لمن هو أهل له.\rوما نحن فيه فهو من أهل العلم بالتفسير المذكور، فلا يكون داخلا تحت الآية، لان الآية لا دلالة لها على","part":4,"page":207},{"id":1149,"text":"أمر أهل العلم بسؤال أهل العلم، فإنه ليس السائل أولى بذلك من المسؤول.\rوعن الآية الثانية أن المراد (بأولي الامر) الولاة بالنسبة إلى الرعية، والمجتهد ين بالنسبة إلى العوام، بدليل أنه أوجب الطاعة لهم.\rواتباع المجتهد للمجتهد، وإن جاز عند الخصوم، فغير واجب بالاجماع، فلا يكون داخلا تحت عموم الآية.\rوعن السنة ما سبق في مسألة مذهب الصحابي هل هو حجة أو لا ؟ وعن الاجماع: أما عمر فإنه لم يكن مقدا لعلي ولمعاذ فيما ذهبا إليه، بل لانه اطلع من قوليهما على دليل أوجب رجوعه إليه وأما قصة عبد الرحمن بن عوف، فقد سبق جوابها في المسائل المتقدمة.\rوعن المعقول أنه لو اجتهد وأداه اجتهاده إلى حكم، لم يجز له تقليد غيره في خلاف ما أدى إليه اجتهاده، إجماعا، فلو جاز له التقليد مع عدم الاجتهاد، لكان ذلك بدلا عن اجتهاده، والبدل دون المبدل، والاصل أن لا يجوز العدول إلى البدل مع إمكان تحصيل المبدل، مبالغة في تحصيل الزيادة من مقصوده، اللهم إلا أن يرد\rنص بالتخيير يوجب إلغاء الزيادة من مقصود المبدل، أو نص بأنه بدل عند العدم لا عند الوجود، كما في بنت مخاض وابن لبون عن خمس وعشرين من الابل، فإن وجود بنت مخاض يمنع من أداء ابن لبون، ولا يمتنع ذلك عند عدمها.\rوالاصل عدم ذلك النص، كيف وإن ما ذكروه معارض بقوله تعالى * (فا عتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2) وقوله تعالى * (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) * (الشورى: 10) وقوله تعالى * (واتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم) * (الاعراف: 3) وقوله تعالى * (ولا تقف ما ليس لك به علم) * (الاسراء: 36)","part":4,"page":208},{"id":1150,"text":"وبقوله عليه السلام اجتهدوا فكل ميسر لما خلق له وتقليد العالم للعالم يلزم منه ترك الاعتبار، وترك العمل بحكم الله ورسوله، وترك ما أنزل، واقتفاء ما ليس له به علم، وترك الاجتهاد المأمور به، وهو خلاف ظاهر النص.\rوإذا تعارضت الادلة، سلم لنا ما ذكرناه أولا.\rالمسألة العاشرة اختلفوا في أنه هل يجوز أن يقال للمجتهد: احكم، فإنك لا تحكم إلا بالصواب.\rفأجاز ذلك قوم، لكن اختلفوا: فقال موسى بن عمران بجواز ذلك مطلقا، للنبي وغيره من العلماء.\rوقال أبو علي الجبائي بجواز ذلك للنبي خاصة، في أحد قوليه.\rوقد نقل عن الشافعي في كتاب الرسالة ما يدل على التردد بين الجواز والمنع ومنع من ذلك الباقون.\rوالمختار جوازه دون وقوعه، لكن لا بد من الاشارة إلى حجج عول عليها المجوزون، بعضها يدل على الجواز، وبعضها يدل على الوقوع، والتنبيه على ضعفها كالجاري من","part":4,"page":209},{"id":1151,"text":"عادتنا، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المعتمد في هذه المسألة.\rوقد احتجوا بالنص، والاجماع، والمعقول.\rأما النص فمن جهة الكتاب والسنة.\rأما الكتاب فقوله تعالى * (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم اسرائيل على نفسه) * (آل عمران: 93) أضاف التحريم إليه، فدل على كونه مفوضا إليه، وأما السنة فمن وجوه.\rمنها ما روي عن النبي عليه السلام، أنه لما قال في مكة لا يختلي خلاها ولا يعضد شجرها قال له العباس: إلا الاذخر فقال النبي عليه السلام إلا الاذخر ومعلوم أن ذلك لم يكن إلا من تلقاء نفسه، لعلمنا بأن الوحي لم ينزل عليه في تلك الحالة ولولا أن الحكم مفوض إليه، لما ساغ ذلك.\rومنها قوله عليه السلام لولا أن أشق على أمتي، لامرتهم بالسواك عند كل صلاة.\rومنها قوله عليه السلام عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق.\rومنها ما روي أنه لما قيل له: أحجنا هذا لعامنا، أم للابد ؟ فقال بل للابد ولو قلت نعم لوجب أضاف الوجوب والعفو إلى أمره وفعله، ولولا أنه مفوض إلى أختياره، لما جاز.","part":4,"page":210},{"id":1152,"text":"ومنها ما روي عنه، عليه السلام، أنه أمر مناديا يوم فتح مكة أن اقتلوا ابن حبابة وابن أبي سرح، ولو كانا متعلقين بأستار الكعبة ثم عفا عن ابن أبي سرح بشفاعة عثمان، ولو كان قد أمر بقتله بوحي، لما خالفه بشفاعة عثمان.\rومنها ما روي عنه عليه السلام، أنه لما قتل النضر بن الحارث، جاءته بنت النضر، فأنشدته.\rما كان ضرك لو مننت وربما\rمن الفتى وهو المغيظ المحنق فقال عليه السلام أما إني لو كنت سمعت شعرها ما قتلته ولو كان قتله بأمر من الله، لما خالفه، وإن سمع شعرها.\rومنها ما روي عنه عليه السلام، أنه لما قيل له إن ماعزا رجم، فقال لو كنتم تركتموه حتى أنظر في أمره وذلك يدل على أن حكم الرجم كان مفوضا إلى رأيه.\rومنها قوله عليه السلام كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها،","part":4,"page":211},{"id":1153,"text":"وعن لحوم الاضاحي، ألا فانتفعوا بها وذلك يدل على تفويض الحل والحرمة في ذلك إليه.\rوأما الاجماع فما نقل عن آحاد الصحابة فيما حكم به إن كان صوابا فمن الله ورسوله، وإن كان خطأ، فمني ومن الشيطان أضاف الحكم إلى نفسه، ولم ينكر عليه منكر، فصار ذلك إجماعا ومن ذلك ما شاع وذاع من رجوع آحاد الصحابة عما حكم به أولا، من غير نكير عليه، ولو لم يكن ذلك من تلقاء نفسه، بل عن دليل من الشارع، لما شاع ذلك منه، ولما جاز تطابق الصحابة على عدم الانكار عليه.\rوأما المعقول فمن وجوه.\rالاول: أنه إذا جاز تفويض الشارع إلى المكلف اختيار واحدة من خصال الكفارة، جاز مثله في الاحكام.\rالثاني: أنه إذا جاز أن يفوض إلى العامي العمل بما شاء من فتوى أي المجتهدين شاء من غير دليل، جاز مثله في الاحكام الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين الثالث: أنه إذا جاز الحكم بالامارة الظنية مع جواز ا لخطإ فيها عن الصواب، جاز الحكم بما يختاره المجتهد من غير دليل، وإن جاز عدو له عن جهة الصواب.\rولقائل أن يجيب عن الآية: بأن إسرائيل لم يكن من جملة بنيه حتى يكون داخلا في عموم الآية، وعند ذلك فيحتمل أن إسرائيل حرم ما حرم على نفسه، بالاجتهاد، مستندا إلى دليل ظني، لا أنه عن غير دليل.\rوعن الخبر الاول أنه قد قيل إن الاذخر ليس من الخلا، فلا يكون داخلا فيما حرم.\rوعلى هذا، فإباحته تكون بناء على استصحاب الحال، والاستثناء من العباس والنبي عليه السلام، كان تأكيدا.","part":4,"page":212},{"id":1154,"text":"وبتقدير أن يكون مستثنى حقيقة مما حرم بطريق التأسيس، لكن من المحتمل أن يكون ذلك بوحي سابق، وهو الاولى لقوله تعالى في حق رسوله * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * (النجم: 3) أما أن يكون ذلك من تلقاء نفسه من غير دليل، فلا.\rوعن الخبر الثاني أنه من الجائز أن الوحي نزل بتخييره في أمرهم بالسواك الشاق عند كل صلاة، وعدم أمرهم بذلك، لا أن أمره لهم بالسواك يكون من تلقاء نفسه، ويجب اعتقاد ذلك، لما سبق في الآية.\rوعن الخبر الثالث أنه إنما أضاف العفو إلى نفسه، بمعنى أنه لم يأخذ صدقة الخيل والرقيق منهم، لا بمعنى أنه المسقط لها.\rودليله ما سبق في الآية.\rوعن الخبر الرابع أن قوله ولو قلت نعم لوجب لا يدل على أن الوجوب مستند إلى قوله نعم من تلقاء نفسه، بل لانه لا يقول ما يقول إلا بوحي، لما سبق في الآية.\rوعن الخامس أنه يجوز أن يكون قد أبيح القتل وتركه بالوحي بدليل ما سبق في الآية.\rوهو الجواب عن قصة النضر بن الحارث وماعز.\rوعن الخبر الاخير أنه إنما نهى، وأباح بعد النهي، بطريق الوحي، لا أن ذلك من تلقاء نفسه.\rوعن الاجماع.\rأما إضافة الخطإ إلى أنفسهم، فلا يدل على أن من حكم منهم أنه حكم من غير دليل، بل يمكن أن يكون حكمه بناء على ما ظنه دليلا، وهو مخطئ\rفيه، ولو كان ذلك عن اختيار قد أبيح لهم العمل به، لما شكوا في كونه صوابا.\rوأما رجوع آحاد الصحابة عما حكم به إلى غيره، فإنما كان ذلك لظهور الخطإ له فيما ظنه دليلا على الحكم أولا، وقد سوغ له الحكم به.\rأما أن يكون ذلك من غير دليل، فلا.\rوعن الوجه الاول من المعقول أنه لا يلزم من التخيير في خصال الكفارة من غير اجتهاد، جواز ذلك في الاحكام الشرعية، بدليل أن العامي له أن يتخير في خصال الكفارة.\rومن قال بجواز التخيير في الاحكام الشرعية، لم يقض بجوازه لغير المجتهد، ولو وقع التساوي بين الصورتين، لجاز ذلك للعامي، وهو ممتنع بالاجماع.\rوبمثله يخرج الجواب عن الوجه الثاني.\rوعن الوجه الثالث أنه لا يلزم من جواز العمل بالامارة مع كونها مفيدة","part":4,"page":213},{"id":1155,"text":"للظن العمل بالاختيار من غير ظن مفيد للحكم.\rوالمعتمد في المسألة أن يقال: لو امتنع ذلك، إما أن يمتنع لذاته، أو لمانع من خارج، الاول محال فأنا إذا قدرناه لم يلزم عنه لذاته محال في العقل وإن كان لمانع من خارج فالاصل عدمه، وعلى من يدعيه بيانه.\rفإن قيل: يمتنع ذلك لان الباري تعالى إنما شرع الشرائع لمصالح العباد، فلو فوض ذلك إلى اختيار العبد، فاختيار العبد متردد بين أن يكون مصلحة، وبين أن يكون مفسدة، فلا نأمن من اختياره للمفسدة، وذلك خلاف ما وضعت له الشريعة.\rوالجواب عن هذا الاشكال أنه مبني على رعاية المصلحة في أفعال الله تعالى، وقد أبطلناه في موضع، وإن سلمنا اعتبار ذلك في أفعاله تعالى، ولكن قد أمنا في ذلك من اختيار المفسدة لقول الله اختر، فإنك لا تختار إلا الصواب.\rفإن قيل: يمتنع على الشارع قول ذلك، لاستحالة استمرار المكلف على اختيار\rالصلاح دون الفساد، كما لا يجوز اتفاق الافعال الكثيرة المحكمة من غير علم، ثم لو جاز ذلك في حق المجتهد، لجاز مثله في حق العامي، وليس كذلك.\rقلنا: دليل جواز ذلك من الشارع، أنا لو قدرنا وروده منه، لم يلزم عنه لذاته محال.\rقولهم: إنه لا يتفق اختيار الصلاح في الافعال الكثيرة - قلنا: متى إذا أخبر الصادق بذلك، أو إذا لم يخبر ؟ الاول ممنوع.\rوالثاني مسلم.\rوعلى هذا، فلو قال للعامي مثل ذلك، كان جائزا عقلا.\rثم وإن سلمنا أنه لا يتفق اختيار المصلحة في الافعال الكثيرة، لكن متى إذا كانت المصلحة خارجة عن الفعل المختار، أو إذا كانت المصلحة هي نفس الفعل المختار ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع.","part":4,"page":214},{"id":1156,"text":"فإن قيل: فيلزم من ذلك الاباحة وإسقاط التكليف - قلنا: ليس كذلك، بل هو إيجاب التخيير، وإيجاب التخيير تكليف، لا أنه إباحة وإسقاط للتكليف.\rفإن قيل إنما يحسن إيجاب ما يمكن الخلو منه، ويمتنع الخلو من الفعل والترك، فلا يحسن إيجابه، قلنا هذا وإن استمر في إيجاب الفعل وتركه، فلا يستمر في التخيير بين الاحكام التي يتصور الخلو منها، كالتخيير بين أن يكون الفعل محرما أو واجبا.\rوذلك بأن يقال له: اختر إما التحريم وإما الوجوب، وأيهما اخترت، فلا تختر إلا ما المصلحة فيه.\rولا يخفى جواز الخلو منهما بالاباحة.\rوإن سلمنا أن المصلحة خارجة عن نفس الفعل المختار، وأنه يمتنع اختيار المصلحة في الافعال الكثيرة، ولكن ما المانع من ذلك في الافعال القليلة.\rفإن قيل: إنه إما أن يكون قد أوجب عليه اختيار ما المصلحة فيه، أو خيره بين المصلحة والمفسدة، فإن كان الاول، فقد كلفه ما لا يطاق، حيث أوجب عليه اختيار\rالمصلحة من غير دليل، وإن كان الثاني، فهو محال على الشارع، لما فيه من الاذن منه في فعل المفسدة، وهو خارج عن العدل.\rقلنا: إن أوجب عليه اختيار المصلحة، وإن كان تكليفا بما لا يطاق، فهو جائز على ما سبق تقريره.\rوإن خيره بين أمرين، فلا يمتنع ذلك، كما أنه يوجب عليه الحكم بما أوجبه ظنه من الامارة الظنية، وإن كان مخطئا مرتكبا للمفسدة، كما تقرر قبل.\rوإذا جاز إيجاب فعل ما هو مفسدة مع عدم علم المكلف به جاز التخيير بين المصلحة والمفسدة، مع عدم علم المكلف بذلك.","part":4,"page":215},{"id":1157,"text":"المسألة الحادية عشرة القائلون بجواز الاجتهاد للنبي عليه السلام: اختلفوا في جواز الخطإ عليه في اجتهاده.\rفذهب بعض أصحابنا إلى المنع من ذلك وذهب أكثر أصحابنا والحنابلة وأصحاب الحديث والجبائي وجماعة من المعتزلة إلى جوازه، لكن بشرط أن لا يقر عليه، وهو المختار، ودليله المنقول والمعقول.\rأما المنقول فمن جهة الكتاب والسنة.\rأما الكتاب فقوله تعالى * (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) * (التوبة: 43) وذلك يدل على خطئه في إذنه لهم.\rوقوله تعالى في المفاداة في يوم بدر * (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض) * (الانفال: 67) إلى قوله تعالى * (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) * (الانفال: 68) حتى قال النبي عليه السلام لو نزل من السماء عذاب لما نجا منه إلا عمر لانه كان قد أشار بقتلهم ونهى عن المفاداة، وذلك دليل على خطئه في المفاداة.\rوقوله تعالى * (إنما أنا بشر مثلكم) * (الكهف: 110) أثبت المماثلة بينه وبين غيره، وقد جاز\rالخطأ على غيره، فكان جائزا عليه، لان ما جاز على أحد المثلين يكون جائزا على الآخر.\rوأما السنة فما روي عن النبي عليه السلام، أنه قال إنما أحكم بالظاهر، وإنكم لتختصمون إلي، ولعل أحدكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشئ من","part":4,"page":216},{"id":1158,"text":"مال أخيه، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار وذلك يدل على أنه قد يقضي بما لا يكون حقا في نفس الامر.\rوأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني.\rوأيضا ما اشتهر عنه عليه السلام، من نسيانه في الصلاة وتحلله عن ركعتين في الرباعية في قصة ذي اليدين، وقول ذي اليدين أقصرت الصلاة أم سهوت ؟ فقال النبي عليه السلام: أحق ما يقول ذو اليدين ؟ فقالوا: نعم.\rوأما المعقول فإنه لو امتنع وقوع الخطإ منه في اجتهاده، فإما أن يكون ذلك لذاته، أو لامر من خارج: لا جائز أن يقال بالاول، فإنا لو فرضناه، لم يلزم عنه المحال لذاته عقلا.\rوإن كان لامر خارج، فالاصل عدمه، وعلى مدعيه بيانه فإن قيل: ما ذكرتموه معارض من ثلاثة أوجه.\rالاول: أنا قد أمرنا باتباع حكمه، على ما قال تعالى * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت، ويسلموا تسليما) * (النساء: 65) فلو جاز عليه الخطأ في حكمه، لكنا، قد أمرنا باتباع الخطإ، والشارع لا يأمر بالخطإ.\rالثاني: أن الامة إذا أجمعت على حكم مجتهد فيه، كان إجماعهم معصوما عن الخطإ، كما سبق بيانه.\rولو جاز على النبي الخطأ في اجتهاده، لكانت الامة أعلى رتبة منه، وذلك محال.","part":4,"page":217},{"id":1159,"text":"الثالث: أن المقصود من البعثة وإظهار المعجزة اتباع النبي عليه السلام، في الاحكام الشرعية، إقامة لمصالح الخلق، فلو جاز عليه الخطأ في حكمه، لاوجب ذلك التردد في قوله والشك في حكمه، وذلك مما يخل بمقصود البعثة، وهو محال.\rوالجواب عن الاشكال الاول أنه يلزم على ما ذكروأمر الشارع للعامي باتباع قول المفتي مع جواز خطئه.\rفما هو جواب لهم في صور الالزام، فهو جواب لنا في محل النزاع.\rوعن الاشكال الثاني أن من الناس من منمن تصور انعقاد الاجماع عن الاجتهاد، فضلا عن وقوعه وامتناع الخطأ فيه.\rومنهم من جوزه، وجوز مع ذلك مخالفته لامكان الخطإ فيه، كما سبق ذكره في مسائل الاجماع.\rوبتقدير التسليم لانعقاد الاجماع عن الاجتهاد، وامتناع الخطإ فيه، فلا مانع منه، ولا يلزم من ذلك علو رتبة الامة على رتبة النبي عليه السلام، مع اختصاصه بالرسالة، وكون عصمة الاجماع مستفادة من قوله، وأنه الشارع المتبع، وأهل الاجماع متبعون له، ومأمورون بأوامره، ومنهيون بنواهيه.\rولا كذلك بالعكس.\rوعن الثالث: أن المقصود من البعثة إنما هو تبليغه عن الله تعالى أو امره ونواهيه.\rوالمقصود من إظهار المعجزات إظهار صدقه فيما يدعيه من الرسالة والتبليغ عن الله تعالى، وذلك مما لا يتصور خطؤه فيه بالاجماع.\rولا كذلك ما يحكم به عن اجتهاده، فإنه لا يقول ما يقوله فيه عن وحي، ولا بطريق التبليغ، بل حكمه فيه حكم غيره من المجتهدين، فتطرق الخطإ إليه في ذلك لا يوجب الاخلال بمعنى البعثة والرسالة.","part":4,"page":218},{"id":1160,"text":"المسألة الثانية عشرة اختلفوا في النافي، هل عليه دليل أو لا ؟ منهم من قال: لا دليل عليه، وسواء كان ذلك من القضايا العقلية أو الشرعية.\rومنهم من أوجب ذلك عليه في الموضعين، ومنهم من أوجبه عليه في القضايا العقلية، دون الشرعية والمختار إنما هو التفصيل.\rوهو أن النافي إما أن يكون نافيا بمعنى ادعائه عدم علمه بذلك وظنه، أو مدعيا للعمل، أو الظن بالنفي: فإن كان الاول، فالجاهل لا يطالب بالدليل على جهله، ولا يلزمه ذلك، كما لا يطالب على دعواه: أني لست أجد ألما، ولا جوعا، ولا حرا، ولا بردا، إلى غير ذلك.\rوإن كان الثاني، فلا يخلو إما أن يدعي العلم بنفي ما نفاه ضرورة، أو لا بطريق الضرورة: فإن كان الاول، فلا دليل عليه أيضا، لانه إن كان صادقا في دعوى الضرورة، فالضروري لا يطالب بالدليل عليه.\rوإن لم يكن صادقا في دعواه الضرورة، فلا يطالب بالدليل عليه أيضا، فإنه ما ادعى حصوله له عن نظر.\rويكفي المنع في انقطاعه، حيث إنه لا يقدر على تحقيق الضرورة في ذلك، والنظر غير مدعى له، وإن ادعى العلم بنفيه لا بطريق الضرورة، فلا يخلو إما أن لا يكون قد حصل له بطريق مفض إليه، أو يكون بطريق مفض إليه: لا جائز أن يقال بالاول، لان حصول علم غير ضروري من غير طريق يفضي إليه، محال.\rوإن كان الثاني، فلا بد عند الدعوى والمطالبة بدليلها من ذكره وكشفه لينظر فيه.\rوإلا كان قد كتم علما نافعا مست الحاجة إلى إظهاره، ودخل تحت قوله، عليه السلام من كتم علما نافعا فقد تبوأ مقعده من النار ولانه لا فرق في ذلك في دعوى الاثبات والنفي، وقد وجب على مدعي الاثبات ذكر الدليل، فكذلك في دعوى النفي، كيف وإن الاجماع منعقد على أن من ادعى الوحدانية لله تعالى وقدمه","part":4,"page":219},{"id":1161,"text":"أنه يجب عليه إقامة الدليل، وإن كان حاصل دعوى الوحدانية نفي الشريك، وحاصل دعوى القدم نفي الحدوث والاولية.\rولهذا، نبه الله تعالى على نفي آلهة\rغير الله على الدليل في قوله تعالى * (لو كان فيهما آلهة إلا الله، لفسدتا) * الآية.\rفإن قيل: فماذا تقولون فيما إذا ادعى رجل أنه نبي، ولم تقم على دعواه بينة ؟ هل يلزم المكرين لنبوته إقامة الدليل على أنه ليس بنبي، أو لا يلزم ؟ وكذلك من أنكر وجوب صلاة سادسة أو صوم شوال، أو المدعى عليه بحق، إذا أنكر ما ادعي عليه به، هل يلزمه إقامة الدليل على ما نفاه أو لا ؟ إن قلتم بالاول، فهو خلاف الاجماع، وإن قلتم بالثاني مع كونه نافيا في قضية غير ضرورية، فقد سلمتم محل النزاع.\rقلنا: النفي في جميع هذه الصور لم يخل عن دليل يدل على النفي.\rغير أنه قد يكتفي بظهوره عن ذكره، وهو البقاء على النفي الاصلي، واستصحاب الحال مع عدم القاطع له، وهو ما يدل على النبوة، وما يدل على وجوب صلاة سادسة، وعلى وجوب صوم شوال، وشغل الذمة.\rوإذا قيل إن النافي عليه دليل، فالدليل المساعد في ذلك إما نص وارد من الشارع يدل على النفي، أو إجماع من الامة، وإما التمسك باستصاحب النفي الاصلي، وعدم الدليل المغير القاطع، وإما الاستدلال بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم.\rوهل يمكن الاستدلال على النفي بالقياس الشرعي ؟ اختلفوا فيه، بناء على الاختلاف في جواز تخصيص العلة، ولا فرق في ذلك بين قياس العلة، والدلالة، والقياس في معنى الاصل.","part":4,"page":220},{"id":1162,"text":"الباب الثاني في التقليد، والمفتي، والمستفتي، وما فيه الاستفتاء.\rوما يتشعب عن ذلك من المسائل أما (التقليد) فعبارة عن العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة، وهو مأخوذ من تقليده بالقلادة وجعلها في عنقه، وذلك كالاخذ بقول العامي، وأخذ المجتهد\rبقول من هو مثله.\rوعلى هذا، فالرجوع إلى قول النبي عليه السلام، وإلى ما أجمع عليه أهل العصر من المجتهدين، ورجوع العامي إلى قول المفتي، وكذلك عمل القاضي بقول العدول، لا يكون تقليدا، لعدم عروه عن الحجة الملزمة.\rأما في قبول قول الرسول، فما دل على وجوب تصديقه من المعجزة، ووجوب قبول قول الاجماع قول الرسول، ووجوب قبول قول المفتي والشاهدين، الاجماع على ذلك، وإن سمي ذلك تقليدا بعرف الاستعمال، فلا مشاحة في اللفظ.","part":4,"page":221},{"id":1163,"text":"وأما (المفتي) فلا بد وأن يكون من أهل الاجتهاد، وإنما يكون كذلك بأن يكون عارفا بالادلة العقلية، كأدلة حدوث العالم، وأن له صانعا، وأنه واحد متصف بما يجب له من صفات الكمال والجلال، منزه عن صفات النقص والخلل، وأنه أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم وأيده بالمعجزات الدالة على صدقه في رسالته، وتبليغه للاحكام الشرعية، وأن يكون مع ذلك عارفا بالادلة السمعية وأنواعها، واختلاف مراتبها في جهات دلالاتها، والناسخ والمنسوخ منها، والمتعارضات، وجهات الترجيح فيها، وكيفية استثمار الاحكام منها، على ما سبق تعريفه، وأن يكون عدلا ثقة حتى يوثق به فيما يخبر عنه من الاحكام الشرعية، ويستحب له أن يكون قاصدا للارشاد وهداية العامة إلى معرفة الاحكام الشرعية، لا بجهة الرياء والسمعة، متصفا بالسكينة والوقار، ليرغب المستمع في قبول ما يقول، كافا نفسه عما في أيدي الناس، حذرا من التنفير عنه.\rوأما (المستفتي) فلا يخلو إما أن يكون عالما قد بلغ رتبة الاجتهاد، أو لم يكن كذلك: فإن كان الاول قد اجتهد في المسألة وأداه اجتهاده إلى حكم من الاحكام، فلا خلاف في امتناع اتباعه لغيره في خلاف ما أداه إليه اجتهاده، وإن لم يكن قد اجتهد فيها فقد اختلفوا في جواز اتباعه لغيره من المجتهدين\rفيما أدى إليه اجتهاده وقد سبق الكلام فيه بجهة التفصيل، وما هو المختار.\rوإن لم يكن من أهل الاجتهاد فلا يخلو إما أن يكون عاميا صرفا، لم يحصل له شئ من العلوم التي يترقى بها إلى رتبة الاجتهاد، أو أنه قد ترقى عن رتبة العامة بتحصيل بعض العلوم المعتبرة في رتبة الاجتهاد: فإن كان الاول، فقد اختلف في جواز اتباعه لقول المفتي، والصحيح أن وظيفته اتباع قول المفتي على ما يأتي.\rوإن كان الثاني، فقد تردد أيضا فيه، والصحيح أن حكمه حكم العامي.\rوأما ما فيه (الاستفتاء) فلا يخلو إما أن يكون من القضايا العلمية، أو الظنية الاجتهادية: فإن كان الاول، فقد اختلف أيضا في جواز اتباع قول الغير فيه، والحق امتناعه، كما يأتي.\rوإن كان الثاني، فهو المخصوص بجواز الاستفتاء عنه ووجوب اتباع قول المفتي.\rوإذ أتينا على ما حققناه فلنرجع إلى المسائل المتشعبة عنه وهي ثمان.","part":4,"page":222},{"id":1164,"text":"المسألة الاولى اختلفوا في جواز التقليد في المسائل الاصولية المتعلقة بالاعتقاد في وجود الله تعالى، وما يجوز عليه، وما لا يجوز عليه، وما يجب له، وما يستحيل عليه.\rفذهب عبيد الله بن الحسن العنبري والحشوية والتعليمية إلى جوازه.\rوربما قال بعضهم إنه الواجب على المكلف، وإن النظر في ذلك والاجتهاد فيه حرام.\rوذهب الباقون إلى المنع منه، وهو المختار لوجوه.\rالاول أن النظر واجب، وفي التقليد ترك الواجب، فلا يجوز.\rودليل وجوبه أنه لما نزل قوله تعالى * (إن في خلق السماوات والارض) * (البقرة: 164) الآية، قال عليه السلام ويل لمن لاكها بين لحييه، ولم يتفكر فيها توعد على ترك النظر والتفكر فيها، فدل على وجوبه.\rالثاني أن الاجماع من السلف منعقد على وجوب معرفة الله تعالى، وما يجوز عليه، وما لا يجوز، فالتقليد إما أن يقال إنه محصل للمعرفة، أو غير محصل لها: القول بأنه محصل للمعرفة ممتنع لوجوه: الاول أن المفتي بذلك غير معصوم، ومن لا يكون معصوما، ولا يكون خبره واجب الصدق، وما لا يكون واجب الصدق، فخبره لا يفيد العلم.\rالثاني أنه لو كان التقليد يفيد العلم، لكان العلم حاصلا لمن قلد في حدوث","part":4,"page":223},{"id":1165,"text":"العالم، ولمن قلد في قدمه، وهو محال، لافضائه إلى الجمع بين كون العالم حادثا وقديما.\rالثالث أنه لو كان التقليد مفيدا للعمل، فالعلم بذلك إما أن يكون ضروريا، أو نظريا: لا جائز أن يكون ضروريا، وإلا لما خالف فيه أكثر العقلاء، ولانه لو خلا الانسان ودواعي نفسه من مبدإ نشئه لم يجد ذلك من نفسه أصلا، والاصل عدم الدليل المفضي إليه، فمن ادعاه لا بد له من بيانه.\rالوجه الثالث من الوجوه الاول أن التقليد مذموم شرعا، فلا يكون جائزا، غير أنا خالفنا ذلك في وجوب اتباع العامي المجتهد، وفيما ذكرناه من الصور فيما سبق، لقيام الدليل على ذلك، والاصل عدم الدليل الموجب للاتباع فيما نحن فيه، فنبقي على مقتضي الاصل.\rوبيان ذم التقليد قوله تعالى حكاية عن قوم * (إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون) * () ذكر ذلك في معرض الذم لهم.\rفإن قيل: ما ذكرتموه معارض من وجوه: الاول أن النظر غير واجب لوجوه.\rالاول أنه منهي عنه، ودليل النهي عنه الكتاب والسنة: أما الكتاب فقوله تعالى * (وما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا) * (غافر: 4) والنظر يفضي إلى فتح باب الجدال، فكان منهيا عنه.\rوأما السنة فما روي عن النبي عليه السلام، أنه نهى الصحابة لما رأهم يتكلمون\rفي مسألة القدر، وقال إنما هلك من كان قبلكم لخوضهم في هذا وقاعليه السلام عليكم بدين العجائز وهو ترك النظر، ولو كان النظر واجبا لما كان منهيا عنه.","part":4,"page":224},{"id":1166,"text":"الثاني أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة الخوض والنظر في المسائل الكلامية مطلقا، ولو وجد ذلك منهم، لنقل، كما نقل عنهم النظر في المسائل الفقهية، ولو كان النظر في ذلك واجبا، لكانوا أولى بالمحافظة عليه.\rالثالث أنه لم ينقل عن النبي عليه السلام، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين إلى زمننا هذا الانكار على من كان في زمانهم من العوام، ومن ليس له أهلية النظر على ترك النظر، مع أنهم أكثر الخلق، بل كانوا حاكمين بإسلامهم، مقرين لهم على ما هم عليه.\rالرابع لو كان النظر في معرفة الله تعالى واجبا، فإما أن يجب على العارف، أو على غير العارف: الاول محال، لما فيه من تحصيل الحاصل، والثاني يلزم منه أن يكون الجهل بالله تعالى واجبا ضرورة توقف النظر الواجب عليه، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولانه يلزم منه توقف معرفة إيجاب الله تعالى على معرفة ذاته، ومعرفة ذاته على النظر المتوقف على إيجابه، وهو دور.\rالمعارضة الثانية أن النظر مظنة الوقوع في الشبهات واضطرا ب الآراء والخروج إلى الضلال، بخلاف التقليد، فكان سلوك ما هو أقرب إلى السلامة أولى.\rولهذا، صادفنا أكثر الخلق على ذلك، فكان أولى بالاتباع.\rالثالثة أن أدلة الاصول فيما يرجع إلى الغموض والخفاء أشد من أدلة الفروع، فإذا جاز التقليد في الفروع مع سهولة أدلتها، دفعا للحرج، فلان يجوز ذلك في الاصول أولى.\rالرابعة أن الاصول والفروع قد استويا في التكليف بهما، وقد جاز التقليد\rفي الفروع، فكذلك في الاصول.\rوالجواب عن المعارضة الاولى بمنع النهي عن النظر، وأما الآية، فالمراد بهما إنما هو الجدال بالباطل على ما قال تعالى * (وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق) * (غافر: 5) دون الجدال بالحق، ودليله قوله تعالى * (وجادلهم بالتي هي أحسن) * (النحل: 125) وقوله تعالى * (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) * (العنكبوت: 46)","part":4,"page":225},{"id":1167,"text":"ولو كان الجدال بالحق منهيا عنه، لما كان مأمورا به، ثم كيف يكون النظر منهيا عنه، وقد أثنى الله تعالى على الناظرين بقوله تعالى * (ويتفكرون في خلق السموات والارض) * (آل عمران: 191) أورد ذلك في معرض الثناء والمدح، والمنهي عنه لا يكون ممدوحا عليه.\rوبه يخرج الجواب عن نهيه عن النظر في القدر.\rوقوله عليه السلام عليكم بدين العجائز لم يثبت ولم يصح.\rوإن صح، فيجب حمله على التفويض إلى الله تعالى فيما قضاه وأمضاه، جمعا بينه وبين ما ذكرناه من الادلة.\rقولهم (لم ينقل عن أحد من الصحابة النظر في ذلك) يلزم منه نسبة الصحابة إلى الجهل بمعرفة الله تعالى، مع كون الواحد منا عالما بذلك، وهو محال.\rوإذا كانوا عالمين بذلك، فليس العلم بذلك من الضروريات، فتعين إسناده إلى النظر والدليل، وإنما لم تنقل عنهم المناظرة في ذلك لصفاء أذهانهم، وصحة عقائدهم، وعدم من يحوجهم إلى ذلك.\rوحيث نقل عنهم ذلك في مسائل الفروع، فلكونها اجتهادية، والظنون فيها متفاوتة، بخلاف المسائل القطعية.\rقولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لم ينكروا على العامة ترك النظر.","part":4,"page":226},{"id":1168,"text":"قلنا: إنما لم ينكروا ذلك لان المعرفة الواجبة كانت حاصلة لهم، وهي المعرفة\rبالدليل من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل.\rقولهم (إن وجوب النظر يلزم منه وجوب الجهل بالله تعالى) إنما يلزم ذلك أن لو كان الجهل مقدورا للعبد، وهو غير مسلم.\rقولهم (يلزم منه الدور) لا نسلم ذلك، فإن الواجب الشرعي عندنا غير متوقف على النظر، كما سبق في مسألة شكر المنعم.\rقولهم (إن النظر مظنة الوقوع في الشبهات والتردي في الضلالات) قلنا: فاعتقاد من يقلده إما أن يكون عن تقليد، أو نظر، ضرورة امتناع كونه ضروريا: فإن كان الاول، فالكلام فيمن قلده كالكلام فيه، وهو تسلسل ممتنع، وإن كان الثاني فالمحذور اللازم من النظر لازم في التقليد مع زيادة، وهو احتمال كذب من قلده فيما أخبره به، بخلاف الناظر مع نفسه، فإنه لا يكابر نفسه فيما أدى إليه نظره.\rقولهم إن التقليد عليه الاكثر والسواد الاعظم.\rقلنا: ذلك لا يدل على أنه أقرب إلى السلامة، لان التقليد في العقائد المضلة أكثر من الصحيحة، على ما قال تعالى * (وإن تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله) * (الانعام: 116) وقال تعالى * (وقليل ما هم) * (ص: 24) وقال عليه السلام تفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة: واحدة ناجية، والباقي في النار وإنما كان ذلك، لان أدلة الحق دقيقة غامضة، لا يطلع عليها سوى أصحاب الاذهان الصافية والعقول الراجحة، مع المبالغة في الجد والاجتهاد، وذلك مما يندر ويقل وقوعه.","part":4,"page":227},{"id":1169,"text":"قولهم (ان أدلة الاصول أخفى، فكان التقليد فيها أولى من الفروع) ليس كذلك فإن المطلوب في الاصول القطع واليقين، بخلاف الفروع فإن المطلوب فيها الظن، وهو حاصل من التقليد، فلا يلزم من جواز التقليد في الفروع جوازه في الاصول.\rوبه يكون الجواب عن المعارضة الاخيرة أيضا.\rالمسألة الثانية العامي ومن ليس له أهلية الاجتهاد، وان كان محصلا لبعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد، يلزمه اتباع قول المجتهدين والاخذ بفتواه، عند المحققين من الاصوليين.\rومنع من ذلك بعض معتزل البغداديين وقالوا: لا يجوز ذلك الا بعد أن يتبين له صحة اجتهاده بدليله.\rونقل عن الجبائي أنه أباح ذلك في مسائل الاجتهاد دون غيرها، كالعبادات الخمس.\rوالمختار إنما هو المذهب الاول.\rويدل عليه النص، والاجماع، والمعقول.\rأما النص فقوله تعالى * (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * (النحل: 43) وهو عام لكل المخاطبين، ويجب أن يكون عاما في السؤال عن كل ما لا يعلم، بحيث يدخل فيه محل النزاع، وإلا كان متناولا لبعض ما لا يعلم بعينه، أو لا بعينه: والاول غير مأخوذ من دلالة اللفظ، والثاني يلزم منه تخصيص ما فهم من معنى الامر بالسؤال، وهو طلب الفائدة ببعض الصور، دون البعض، وهو خلاف الاصل.\rوإذا كان عاما في الاشخاص وفي كل ما ليس بمعلوم، فأدنى درجات قوله (فاسألوا) الجواز، وهو خلاف مذهب الخصوم.","part":4,"page":228},{"id":1170,"text":"وأما الاجماع فهو أنه لم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين قبل حدوث المخالفين يستفتون المجتهدين، ويتبعونهم في الاحكام الشرعية، والعلماء منهم يبادرون إلى إجابة سؤالهم من غير إشارة إلى ذكر الدليل، ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير، فكان إجماعا على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقا.\rوأما المعقول فهو أن من ليس له أهلية الاجتهاد، إذا حدثت به حادثة فرعية، إما أن لا يكون متعبدا بشئ، وهو خلاف الاجماع من الفريقين، وإن كان متعبدا\rبشئ فإما بالنظر في الدليل المثبت للحكم، أو بالتقليد: الاول ممتنع، لان ذلك مما يفضي في حقه وفي حق الخلق أجمع إلى النظر في أدلة الحوادث، والاشتغال عن المعايش، وتعطيل الصنائع والحرف، وخراب الدنيا، وتعطيل الحرث والنسل، ورفع الاجتهاد والتقليد رأسا، وهو من الحرج والاضرار المنفي بقوله تعالى * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * وبقوله عليه السلام لا ضرر ولا ضرار في الاسلام وهو عام في كل حرج وضرار، ضرورة كونه نكرة في سياق النفي.\rغير أنا خالفناه في امتناع التقليد، في أصول الدين لما بيناه من الفرق في مسألة امتناع التقليد في أصول الدين، ولان الوقائع الحادثة الفقهية أكثر بأضعاف كثيرة من المسائل الاصولية التي قيل فيها بامتناع التقليد فكان الحرج في إيجاب الاجتهاد فيها أكثر، فبقينا فيما عدا ذلك عاملين بقضية الدليل، وهو عام في المسائل الاجتهادية وغيرها.\rفإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالكتاب، والسنة، والمعقول: أما الكتاب، فقوله تعالى * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (البقرة: 169) والقول بالتقليد قول بما ليس بمعلوم، فكان منهيا عنه.","part":4,"page":229},{"id":1171,"text":"وأيضا.\rقوله تعالى حكاية عن قوم * (إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون) * (الزخرف: 23) ذكر ذلك في معرض الذم للتقليد، والمذموم لا يكون جائزا.\rوأما السنة فقوله عليه السلام طلب العلم فريضة على كل مسلم وقوله عليه السلام اجتهدوا، فكل ميسر لما خلق له والنصان عامان في الاشخاص وفي كل علم، وهما يدلان على وجوب النظر.\rوأما المعقول فمن وجهين: الاول: أن العامي لو كان مأمورا بالتقليد، فلا يأمن أن يكون من قلده مخطئا في اجتهاده، وأنه كاذب فيما أخبره به، فيكون العامي مأمورا باتباع الخطإ\rوالكذب، وذلك على الشارع ممتنع.\rالثاني: أن الفروع والاصول مشتركة في التكليف بها، فلو جاز التقليد في الفروع لمن ظهر صدقه فيما أخبر به، لجاز ذلك في الاصول.\rوالجواب عن الآية الاولى أنها مشتركة الدلالة، فإن النظر أيضا والاجتهاد في المسائل الاجتهادية قول بما ليس بمعلوم ولا بد من سلوك أحد الامرين.\rوليس في الآية دليل على تعيين امتناع أحدهما كيف ويجب حملها على ما لا يعلم فيما يشترط فيه العلم تقليلا لتخصيص العموم، ولما فيه من موافقة ما ذكرناه من الادلة.","part":4,"page":230},{"id":1172,"text":"وعن الآية الثانية بوجوب حملها على ذم التقليد فيما يطلب فيه العلم، جمعا بينها وبين ما ذكرناه من الادلة.\rوعن الخبر الاول أنه متروك بالاجماع، في محل النزاع، فإن القائل فيه قائلان: قائل بأن الواجب التقليد، وقائل إن الواجب إنما هو النظر، والعلم غير مطلوب فيهما إجماعا.\rوعن الثاني لا نسلم دلالته على الوجوب، على ما سبق تعريفه، وإن دل على وجوب الاجتهاد، لكنه لا عموم له بالنسبة إلى كل مطلوب، حتى يدخل فيه محل النزاع، وإن كان عاما بلفظه، لكن يجب حمله على من له أهلية الاجتهاد، جمعا بينه وبين ما ذكرناه من الادلة.\rوعن الوجه الاول من المعقول أنه، وإن اجتهد العامي، فلا نأمن من وقوع الخطإ منه، بل هو أقرب إلى الخطإ، لعدم أهليته، والمحذور يكون مشتركا.\rوعن الوجه الثاني ما سبق من الفرق.","part":4,"page":231},{"id":1173,"text":"المسألة الثالثة القائلون بوجوب الاستفتاء على العامي، اتفقوا على جواز استفتائه لمن عرفه بالعلم، وأهلية الاجتهاد، والعدالة، بأن يراه منتصبا للفتوى، والناس متفقون على سؤاله والاعتقاد فيه، وعلى امتناعه فيمن عرفه بالضد من ذلك.\rواختلفوا في جواز استفتاء من لم يعرفه بعلم ولا جهالة.\rوالحق امتناعه على مذهب الجمهور، وذلك لانه لا نأمن أن يكون حال المسؤول كحال السائل في العامية المانعة من قبول القول.\rولا يخفى أن احتمال العامية قائم، بل هو أرجح من احتمال صفة العلم والاجتهاد، نظرا إلى أن الاصل عدم ذلك، وإلى أن الغالب إنما هو العوام، وأن اندراج من جهلنا حالة تحت الاغلب، أغلب على الظن.\rولهذا، امتنع قبول قول مدعي الرسالة وقبول قول الراوي والشاهد إذا لم يقم دليل على صدقه.\rفإن قيل إذا لم يعرف العامي السائل عدالة المفتي، فلا يخلو: إما أن يقال إنه يجب عليه البحث عن عدالته، أو لا يجب: فإن قيل بالاول، فهو خلاف ما الناس عليه في العادة من غير نكير.\rوإن قيل بالثاني، فلا يخفى أن احتمال عدم العدالة مقاوم لاحتمال العدالة، وعند ذلك، فاحتمال صدقه فيما يخبر به مقاوم لاحتمال كذبه.\rوعند ذلك إما أن يلزم من جواز الاستفتاء مع الجهل بالعدالة جوازه مع الجهل بالعلم، أو لا يلزم: فإن لم يلزم، فما الفرق ؟ وإن لزم فهو المطلوب.\rقلنا: لا نسلم جريان العادة بما ذكروه عند إرادة الاستفتاء وعلى هذا، فلا بد من السؤال عن العدالة بما يغلب على الظن من قول عدل أو عدلين.\rوإن سلمنا أنه لا يحتاج إلى البحث عن ذلك، فالفرق ظاهر، وذلك لان\rالغالب من حال المسلم، ولا سيما المشهور بالعلم والاجتهاد، إنما هو العدالة، وهو كاف في إفادة الظن، ولا كذلك في العلم، لانه ليس الاصل في كل إنسان أن يكون عالما مجتهدا، ولا الغالب ذلك.","part":4,"page":232},{"id":1174,"text":"المسألة الرابعة إذا استفتى العامي عالما في مسألة، فأفتاه، ثم حدث مثل تلك الواقعة، فهل يجب على المفتي أن يجتهد لها ثانيا، ولا يعتمد على الاجتهاد الاول اختلفوا فيه: فمنهم من قال: لا بد من الاجتهاد ثانيا، لاحتمال أن يتغير اجتهاده، ويطلع على ما لم يكن اطلع عليه أولا.\rومنهم من قال: لا حاجة إلى اجتهاد آخر، لان الاصل عدم اطلاعه على ما لم يطلع عليه أولا.\rوالمختار إنما هو التفصيل، وهو أنه إما أن يكون ذاكرا للاجتهاد الاول، أو غير ذاكر له، فإن كان الاول، فلا حاجة إلى اجتهاد آخر، كما لو اجتهد في الحال.\rوإن كان الثاني، فلا بد من الاجتهاد لانه في حكم من لم يجتهد.\rالمسألة الخامسة اختلفوا في أنه هل يجوز خلو عصر من الاعصار عن مجتهد يمكن تفويض الفتاوى إليه ؟ فمنع منه قوم، كالحنابلة وغيرهم، وجوزه آخرون وهو المختار.\rوذلك، لانه لو امتنع، لامتنع إما لذاته، أو لامر من خارج: الاول محال، فإنا لو فرضنا وقوعه لم يلزم عنه لذاته محال عقلا، وإن كان الثاني، فالاصل عدمه، وعلى مدعيه بيانه.","part":4,"page":233},{"id":1175,"text":"فإن قيل: دليل امتناعه النص، والمعقول.\rأما النص فقوله عليه السلام لا تزال طائفة من أمتي على الحق، حتى يأتي أمر الله، وحتى يظهر الدجال وأيضا ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال واشوقاه إلى إخواني قالوا يا رسول الله، ألسنا إخوانك ؟ فقال: أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون بعدي، يهربون بدينهم من شاهق إلى شاهق، ويصلحون إذا فسد الناس وأيضا قوله عليه السلام العلماء ورثة الانبياء وأحق الامم بالوراثة هذه الامة، وأحق الانبياء بإرث العلم عنه.\rنبي هذه الامة.\rوأما المعقول فمن وجهين: الاول: أن التفقه في الدين والاجتهاد فيه، فرض على الكفاية، بحيث إذا اتفق الكل على تركه أثموا.\rفلو جاز خلو العصر عمن يقوم به، لزم منه اتفاق أهل العصر على الخطإ والضلالة، وهو ممتنع لما سبق.\rالثاني: أن طريق معرفة الاحكام الشرعية إنما هو الاجتهاد فلو خلا العصر عن مجتهد يمكن الاستناد إليه في معرفة الاحكام أفضى إلى تعطيل الشريعة واندراس الاحكام، وذلك ممتنع، لانه على خلاف عموم ما سبق من النصوص.","part":4,"page":234},{"id":1176,"text":"والجواب عما ذكروه من النصوص أنها معارضة بما يدل على نقيضها، فمن ذلك قوله عليه السلام بدئ الاسلام غريبا وسيعود كما بدأ وقوله عليه السلام إن الله لا يقبض العلم انتزاعا، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا وقوله عليه السلام تعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإنها أول ما ينسى وقوله عليه السلام لتركبن سنن من كان قبلكم، حذوا القذة بالقذة\rوقوله (ص) خير القرون القرن الذي أنا فيه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم تبقى حثالة كحثالة التمر لا يعبأ الله بهم وإذا تعارضت النصوص سلم لنا ما ذكرناه من الدليل أولا.\rوما ذكروه من الوجه الاول من المعقول، فجوابه أن يقال: متى يكون التفقه","part":4,"page":235},{"id":1177,"text":"في الدين والتأهل للاجتهاد فرضا على الكفاية في كل عصر ؟ إذا أمكن اعتماد العوام على الاحكام المنقولة إليهم في كل عصر عمن سبق من المجتهدين في العصر الاول بالنقل المغلب على الظن، أو إذا لم يمكن ؟ الاول ممنوع، والثاني مسلم، ولكن لا نسلم امتناع ذلك.\rوهذا هو الجواب عن الوجه الثاني من المعقول أيضا.\rالمسألة السادسة من ليس بمجتهد، هل تجوز له الفتوى بمذهب غيره من المجتهدين، كما هو المعتاد في زمننا هذا ؟ اختلفوا فيه: فذهب أبو الحسين البصري وجماعة من الاصوليين إلى المنع من ذلك، لانه إنما يسأل عما عنده لا عما عند غيره، ولانه لو جازت الفتوى بطريق الحكاية عن مذهب الغير، لجاز ذلك للعامي، وهو محال، مخالف للاجماع.\rومنهم من جوزه إذ ثبت ذلك عنده بنقل من يوثق بقوله.\rوالمختار أنه إذا كان مجتهدا في المذهب بحيث يكون مطلعا على مأخذ المجتهد المطلق الذي يقلده، وهو قادر على التفريع على قواعد إمامه وأقواله، متمكن من من الفرق والجمع، والنظر والمناظرة في ذلك، كان له الفتوى.\rتمييزا له عن العامي، ودليله انقطاع الاجماع من أهل كل عصر على قبول مثل هذا النوع من الفتوى وإن لم يكن كذلك، فلا.","part":4,"page":236},{"id":1178,"text":"المسألة السابعة\rإذا حدثت للعامي حادثة، وأراد الاستفتاء عن حكمها، فإما أن يكون في البلد مفت واحد، أو أكثر: فإن كان الاول، وجب عليه الرجوع إليه، والاخذ بقوله، وإن كان الثاني، فقد اختلف الاصوليون: فمنهم من قال لا يتخير بينهم، حتى يأخذ بقول من شاء منهم، بل يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين من الاورع والادين والاعلم، وهو مذهب أحمد بن حنبل وابن سريج والقفال من أصحاب الشافعي وجماعة من الفقهاء والاصوليين، مصيرا منهم إلى أن قول المفتيين في حق العامي ينزل منزلة الدليلين المتعارضين في حق المجتهد، وكما يجب على المجتهد الترجيح بين الدليلين، فيجب على العامي الترجيح بين المفتيين، إما بأن يتحفظ من كل باب من الفقه مسائل، ويتعرف أجوبتها ويسأل عنها، فمن أجابه، أو كان أكثر إصابة، اتبعه، أو بأن يظهر له ذلك بالشهرة والتسامع، ولان طريق معرفة هذه الاحكام إنما هو الظن، والظن في تقليد الاعلم والادين أقوى، فكان المصير إليه أولى.\rوذهب القاضي أبو بكر وجماعة من الاصوليين والفقهاء إلى التخيير والسؤال لمن شاء من العلماء، وسواء تساووا أو تفاضلوا، وهو المختار.\rويدل على ذلك أن الصحابة كان فيهم الفاضل والمفضول من المجتهدين.\rفإن الخلفاء الاربعة كانوا أعرف بطريق الاجتهاد من غيرهم، ولهذا قال عليه السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ وقال عليه السلام: أقضاكم علي، وأفرضكم زيد، وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وكان فيهم العوام ومن فرضه الاتباع للمجتهدين والاخذ بقولهم","part":4,"page":237},{"id":1179,"text":"لا غير.\rومع ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة والسلف تكليف العوام الاجتهاد في أعيان المجتهدين، ولا أنكر أحد منهم اتباع المفضول والاستفتاء له، مع وجود الافضل،\rولو كان ذلك غير جائز، لما جاز من الصحابة التطابق على عدم إنكاره والمنع منه ويتأيد ذلك، بقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ولولا إجماع الصحابة على ذلك لكان القول بمذهب الخصوم أولى.\rالمسألة الثامنة إذا اتبع العامي بعض المجتهدين في حكم حادثة من الحوادث، وعمل بقوله فيها، اتفقوا على أنه ليس له الرجوع عنه في ذلك الحكم بعد ذلك إلى غيره.\rوهل له اتباع غير ذلك المجتهد في حكم آخر ؟ اختلفوا فيه: فمنهم من منع منه، ومنهم من أجازه، وهو الحق نظرا إلى ما وقع عليه إجماع الصحابة من تسويغ استفتاء العامي لكل عالم في مسألة، وأنه لم ينقل عن أحد من السلف الحجر على العامة في ذلك، ولو كان ذلك ممتنعا، لما جاز من الصحابة إهماله، والسكوت عن الانكار عليه، ولان كل مسألة لها حكم نفسها، فكما لم يتعين الاول للاتباع في المسألة الاولى إلا بعد سؤاله فكذلك في المسألة الاخرى.\rوأما إذا عين العامي مذهبا معينا، كمذهب الشافعي أو أبي حنيفة أو غيره، وقال: أنا على مذهبه، وملتزم له، فهل له الرجوع إلى الاخذ بقول غيره في مسألة من المسائل ؟ اختلفوا فيه: فجوزه قوم نظرا إلى أن التزامه لمذهب معين غير ملزم له، ومنع من ذلك آخرون، لانه بالتزامه المذهب صار لازما له، كما لو التزم مذهبه في حكم حادثة معينة.\rوالمختار إنما هو التفصيل، وهو أن كل مسألة من مذهب الاول اتصل عمله بها، فليس له تقليد الغير فيها، وما لم يتصل عمله بها، فلا مانع من اتباع غيره فيها","part":4,"page":238},{"id":1180,"text":"القاعدة الرابعة في الترجيحات وتشتمل على مقدمة وبابين.\rأما المقدمة ففي بيان معنى الترجيح، ووجوب العمل بالراجح، وما فيه الترجيح.\rأما الترجيح فعبارة عن اقتران أحد الصالحين للدلالة على المطلوب، مع تعارضهما بما يوجب العمل به وإهمال الآخر.\rفقولنا (اقتران أحد الصالحين) احتراز عما ليسا بصالحين للدلالة، أو أحدهما صالح، والآخر ليس بصالح، فإن الترجيح إنما يكون مع تحقق التعارض، ولا تعارض مع عدم الصلاحية للامرين أو أحدهما.\rوقولنا (مع تعارضهما) احتراز عن الصالحين اللذين لا تعارض بينهما، فإن الترجيح إنما يطلب عند التعارض، لا مع عدمه، وهو عام للمتعارضين مع التوافق في الاقتضاء كالعلل المتعارضة في أصل القياس، كما يأتي، وللمتعارضين مع التنافي في الاقتضاء، كالادلة المتعارضة في الصور المختلف فيها نفيا وإثباتا.\rوقولنا (بما يوجب العمل بأحدهما وإهمال الآخر).\rاحتراز عما اختص به أحد الدليلين عن الآخر من الصفات الذاتية أو العرضية، ولا مدخل له في التقوية والترجيح.\rوأما أن العمل بالدليل الراحح واجب، فيدل عليه ما نقل وعلم من إجماع الصحابة والسلف في الوقائع المختفلة على وجوب تقديم الراجح من الظنين، وذلك كتقديمهم خبر عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين على خبر أبي هريرة","part":4,"page":239},{"id":1181,"text":"في قوله إنما الماء من الماء وما روت عن النبي عليه السلام، أنه كان يصبح جنبا، وهو صائم، على ما رواه أبو هريرة من قوله عليه السلام من أصبح جنبا، فلا صوم له لكونها أعرف بحال النبي عليه السلام.\rوكانوا لا يعدلون إلى الآراء والاقيسة إلا بعد البحث عن النصوص واليأس منها، ومن فتش عن أحوالهم ونظر في وقائع اجتهاداتهم علم علما لا يشوبه ريب، أنهم كانوا يوجبون العمل بالراجح من الظنين، دون أضعفهما.\rويدل على ذلك أيضا تقرير النبي عليه السلام، لمعاذ، حين بعثه إلى اليمن قاضيا،\rعلى ترتيب الادلة وتقديم بعضها على بعض، كما سبق تقريره غير مرة.\rولانه إذا كان أحد الدليلين راجحا، فالعقلاء يوجبون بعقولهم العمل بالراحج.\rوالاصل تنزيل التصرفات الشرعية منزلة التصرفات العرفية.\rولهذا قال عليه السلام ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن.\rفإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنص والمعقول.\rأما النص فقوله تعالى * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (الحشر: 2) أمر بالاعتبار مطلقا من غير تفصيل.","part":4,"page":240},{"id":1182,"text":"وأيضا قوله عليه السلام نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر والدليل المرجوح ظاهر، فجاز العمل به.\rوأما المعقول فهو أن الامارات الظنية المتعارضة لا تزيد على البينات المتعارضة، والترجيح غير معتبر في البينات، حتى إنه لا تقدم شهادة الاربعة على شهادة الاثنين.\rقلنا: أما الآية فغايتها الامر بالنظر والاعتبار، وليس فيها ما ينافي القول بوجوب العمل بالترجيح، فإن إيجاب أحد الامرين لا ينافي إيجاب غيره.\rوأما الخبر فيدل على جواز العمل بالظاهر، والظاهر هو ما ترجح أحد طرفيه على الآخر، ومع وجود الدليل الراجح فالمرجوح المخالف له لا يكون راجحا من جهة مخالفته للراجح، فلا يكون ظاهرا فيه.\rوأما المعقول فلا نسلم امتناع الترجيح في باب الشهادة، بل عندنا يقدم قول الاربعة على قول الاثنين، على رأي لنا.\rوإن سلمنا أنه لا اعتبار بالترجيح في باب الشهادة، فإنما كان لان المتبع في ذلك إنما هو إجماع الصحابة.\rوقد ألف منهم اعتبار ذلك في باب تعارض الادلة، دون باب الشهادة.\rوأما ما فيه الترجيح فهي الطرق الموصلة إلى المطلوبات.\rوهي تنقسم إلى قطعي وظني.\rأما القطعي فلا ترجيح فيه، لان الترجيح لا بد وأن يكون موجبا لتقوية أحد الطريقين المتعارضين على الآخر.\rوالمعلوم المقطوع به غير قابل للزيادة والنقصان، فلا يطلب فيه الترجيح، ولان الترجيح إنما يكون بين متعارضين، وذلك غير متصور في القطعي، لانه إما أن يعارضه قطعي أو ظني: الاول محال، لانه يلزم منه إما العمل بهما، وهو جمع بين النقيضين في الاثبات، أو امتناع العمل بهما، وهو جمع بين النقيضين في النفي، أو العمل بأحدهما دون الآخر، ولا أولوية مع التساوي.\rوالثاني أيضا محال لامتناع ترجح الظني على القاطع، وامتناع طلب الترجيح في القاطع.\rكيف وإن الدليل القاطع لا يكون في مقابلته دليل صحيح، فلم يبق سوى الطرق الظنية.","part":4,"page":241},{"id":1183,"text":"والطرق الظنية منقسمة إلى شرعية وعقلية، وليس من غرضنا بيان العقلية، بل الشرعية.\rوهي إما أن تكون موصلة إلى الظن بأمر مفرد، وهي الحدود، أو الظن بأمر مركب، وهي الادلة الشرعية من الكتاب والسنة والاجماع والقياس والاستدلال كما سبق تحقيقه.\rفلنرسم في ترجيحات كل واجد من الطريقين بابا: الباب الاول في ترجيحات الطرق الموصلة إلى التصديقات الشرعية.\rوالتعارض إما أن يكون بين منقولين، أو معقولين، أو منقول ومعقول.\rفلنرسم في كل واحد قسما.\rالقسم الاول في التعارض الواقع بين منقولين والترجيح بينهما منه ما يعود إلى السند، ومنه ما يعود إلى المتن، ومنه ما يعود إلى المدلول، ومنه ما يعود إلى أمر من خارج.\rفأما ما يعود إلى السند، فمنه ما يعود إلى الراوي ومنه ما يعود إلى نفس الرواية، ومنه ما يعود إلى المروي، ومنه ما يعود إلى المروي عنه.\rفأما ما يعود إلى الراوي فمنه ما يعود إلى نفسه، ومنه ما يعود إلى تزكيته.\rفأما ما يعود إلى نفس الراوي فترجيحات.\rالاول: أن تكون رواة أحدهما أكثر من رواة الآخر، فما رواته أكثر يكون مرجحا، خلافا للكرخي، لانه يكون أغلب على الظن، من جهة أن احتمال وقوع الغلط والكذب على العدد الاكثر أبعد من احتمال وقوعه في العدد الاقل، ولان خبر كل واحد من الجماعة يفيد الظن.\rولا يخفى أن الظنون المجتمعة كلما كانت أكثر كانت أغلب على الظن حتى ينتهي إلى القطع.\rولهذا فإنه لما كان الحد الواجب بالزنى من أكبر الحدود وآكدها جعلت الشهادة عليه أكثر عددا من غيره، وأن النبي، عليه السلام، لم يعمل بقول ذي اليدين قصرت الصلاة أم نسيت حتى أخبره بذلك أبو بكر وعمر.\rولم يعمل أبو بكر بخبر المغيرة","part":4,"page":242},{"id":1184,"text":"أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أطعم الجدة السدس، حتى اعتضد بخبر محمد بن مسلمة.\rولم يعمل عمر بخبر أبي موسى، حتى اعتضد بخبر أبي سعيد الخدري.\rالثاني: أن يكون راوي أحد الحديثين مشهورا بالعدالة والثقة، بخلاف الآخر، أو أنه أشهر بذلك، فروايته مرجحة، لان سكون النفس إليه أشد، والظن بقوله أقوى.\rالثالث: أن يكون أحد الراويين أعلم وأضبط من الآخر، أو أورع وأتقى، فروايته أرجح، لانها أغلب على الظن.\rالرابع: أن يكون أحد الراويين، حالة روايته، ذاكرا للرواية عن شيخه غير معتمد في ذلك على نسخة سماعه أو خط نفسه، بخلاف الآخر، فهو أرجح، لانه يكون أبعد من السهو والغلط.\rالخامس: أن يكون أحد الراويين قد عمل بما روى، والآخر خالف ما روى، فمن لم يخالف روايته أولى، لكونه أبعد عن الكذب، بل هو أولى من رواية من لم يظهر منه العمل بروايته.\rالسادس: أن يكونا مرسلين، وقد عرف من حال أحد الراويين أنه لا يروي عن غير العدل، كابن المسيب ونحوه، بخلاف الآخر، فرواية الاول تكون أولى.\rالسابع: أن يكون راوي أحد الخبرين مباشرا لما رواه، والآخر غير مباشر، فرواية المباشر تكون أولى، لكونه أعرف بما روى، وذلك كرواية أبي رافع أن النبي عليه السلام، نكح ميمونة، وهو حلال، فإنه يرجح على رواية ابن عباس أنه نكحها وهو حرام، لان أبا رافع كان هو السفير بينهما والقابل لنكاحها عن رسول الله.\rالثامن: أن يكون أحد الراويين هو صاحب القصة، كما روت ميمونة أنها قالت تزوجني رسول الله ونحن حلالان فإنها تقدم على رواية ابن عباس، لكونها","part":4,"page":243},{"id":1185,"text":"أعرف بحال العقد من غيرها، لشدة اهتمامها، خلافا للجرجاني من أصحاب أبي حنيفة.\rالتاسع: أن يكون أحد الراويين أقرب إلى النبي عليه السلام حال سماعه من الآخر، فروايته تكون أولى، وذلك كرواية ابن عمر إفراد النبي عليه السلام، فإنها مقدمة على من روى أنه قرن لانه ذكر أنه كان تحت ناقته حين لبى النبي عليه السلام، وأنه سمع إحرامه بالافراد العاشر: إذا كان أحد الراويين من كبار الصحابة، والآخر من صغارهم، فرواية الاكبر أرجح لان الغالب أنه يكون أقرب إلى النبي عليه السلام، حالة السماع لقوله عليه السلام ليليني منكم أولوا الاحلام والنهى ولان محافظته على منصبه مما يوجب التحرز عن الكذب أكثر من الصغير.\rالحادي عشر: إذا كان أحد الراويين متقدم الاسلام على الراوي الآخر، فروايته\rأولى، إذ هي أغلب على الظن، لزيادة أصالته في الاسلام وتحريره فيه.\rالثاني عشر: أن يكون أحد الراويين فقيها والآخر غير فقيه، أو هو أفقه وأعلم بالعربية، فخبره يكون مرجحا، لكونه أعرف بما يرويه لتمييزه بين ما يجوز وما لا يجوز.\rالثالث عشر: أن يكون أحد الراويين أفطن وأذكى وأكثر تيقظا من الآخر، فروايته أولى لكثرة ضبطه.\rالرابع عشر: أن يكون أحد الراويين روايته عن حفظ، والآخر عن كتاب، فالراوي عن الحفظ أولى لكثرة ضبطه.\rالخامس عشر: إن كان أحد الراويين مشهور النسب بخلاف الآخر، فروايته أولى، لان احترازه عما يوجب نقص منزلته المشهورة يكون أكثر.\rالسادس عشر: إذا كان في رواة أحد الخبرين من يلتبس اسمه باسم بعض الضعفاء بخلاف الآخر، فالذي لا يلتبس اسمه أولى لانه أغلب على الظن.","part":4,"page":244},{"id":1186,"text":"السابع عشر: أن يكون أحد الراويين قد تحمل الرواية في زمن الصبى، والآخر في زمن بلوغه، فرواية البالغ أولى لكثرة ضبطه.\rوأما ما يعود إلى التزكية، فترجيحات.\rالاول: أن يكون المزكي لاحد الراويين أكثر من الآخر، أو أن يكون المزكى له أعدل وأوثق، فروايته مرجحة، لانها أغلب على الظن.\rالثاني: أن تكون تزكية أحدهما بصريح المقال، والآخر بالرواية عنه، أو بالعمل بروايته، أو الحكم بشهادته، فرواية من تزكيته بصريح المقال مرجحة على غيرها، لان الرواية قد تكون عمن ليس بعدل، وكذلك العمل بما يوافق الرواية، والشهادة قد تكون بغيرها وهو موافق لها، ولا يكون ذلك بهما، ولا كذلك التزكية بصريح المقال.\rالثالث: تزكية أحد الراويين بالحكم بشهادته، والآخر بالرواية عنه\rفرواية المعمول بشهادته أولى، لان الاحتياط في الشهادة فيما يرجع إلى أحكام الجرح والتعديل أكثر منه في الرواية والعمل بها.\rولهذا قبلت رواية الواحد والمرأة، دون شهادتهما، وقبلت رواية الفرع مع إنكار الاصل لها، على بعض الآراء، ومن غير ذكر الاصل، بخلاف الشهادة الرابع: أن تكون تزكية أحدهما بالعمل بروايته، والآخر بالرواية عنه، فالاول أرجح، لان الغالب من العدل أنه لا يعمل برواية غير العدل، ولا كذلك في الرواية لان كثيرا ما يروي العدل عمن لو سئل عنه لجرحه أو توقف في حاله.\rوبالجملة فاحتمال العمل برواية غير العدل أقل من احتمال الرواية عن غير العدل.\rواحتمال العمل بدليل غيره، وإن كان قائما إلا أنه بعيد عن البحث التام مع عدم الاطلاع عليه.\rوأما ما يعود إلى نفس الرواية فترجيحات.\rالاول: أن يكون أحد الخبرين متواترا، والآخر آحادا، فالمتواتر لتيقنه أرجح من الآحاد، لكون مظنونا.\rالثاني: أن يكون أحد الخبرين مسندا، والآخر مرسلا، فالمسند أولى لتحقق","part":4,"page":245},{"id":1187,"text":"المعرفة براويه، والجهالة براوي الآخر.\rولهذا، تقبل شهادة الفرع إذا عرف شاهد الاصل، ولا تقبل إذا شهد مرسلا.\rفإن قيل: الراوي إذا كان عدلا ثقة وأرسل الخبر، فالغالب أن لا يكون إلا مع الجزم بتعديل من روي عنه، وإلا كان ذلك تلبيسا على المسلمين، وهو بعيد في حقه، وهذا بخلاف ما إذا ذكر المروي عنه، فإنه غير جازم بتعديله، فكان المرسل أولى قلنا: التلبيس إنما يلزم بروايته عمن لم يذكره إذا لم يكن لي نفس الامر عدلا، أن لو وجب اتباعه في قوله.\rوإنما يجب اتباعه في قوله، أن لو ظهرت عدالة الاصل\rوهو دور، كيف وإنه لو كان ذلك تعديلا منه فهو غير مقبول، لكونه تعديلا مطلقا، وإن كان مقبولا، فإنما يقبل إذا كان مضافا إلى شخص معين لم يعرف بفسق.\rوأما إذا كان غير معين فلا، لاحتمال أن يكون بحيث لو عينه، لاطلعنا من حاله على فسق قد جهله الراوي.\rثم ولو كان تعديلا مقبولا، إلا أنه إذا كان مذكورا مشهور الحال، وقد عدل بمثل ذلك التعديل أو أعلى منه، كان قبول قوله أولى وأغلب على الظن، وعدم جزم الراوي بعدالة المروي عنه إذا كان مصرحا به، وجزمه بعدالة من سكت عن ذكره، بعد أن ظهر تعديل المذكور بتعديل غيره، لا يكون موجبا للترجيح، بل من ظهرت عدالته بطريق متفق عليه يكون أولى ممن ظهرت عدالته بطريق مختلف فيه.\rالثالث: أن يكون أحد الخبرين من مراسيل التابعين، والآخر من مراسيل تابعي التابعين، فما هو من مراسيل التابعين أولى، لان الظاهر من التابعي أنه لا يروي عن غير الصحابي، وعدالة الصحابة، بما ثبت من ثناء النبي عليه السلام، وتزكيته لهم في ظواهر الكتاب والسنة، أغلب على الظن من العدالة في حق غيرهم من المتأخرين.\rولهذا قال عليه السلام خير القرون القرن الذي أنا فيه وقال عليه السلام أصحابي كالنجوم","part":4,"page":246},{"id":1188,"text":"بأيهم اقتديتم اهتديتم ولم يرو مثل ذلك في حق غيرهم.\rالرابع: أن يكون أحدهما معنعنا، وطريق ثبوت الآخر الشهرة مع عدم النكير، أو الاسناد إلى كتاب من كتب المحدثين، فالمعنعن أولى، لانه أغلب على الظن، أما بالنسبة إلى الطريق الاول فلمساواته له في عدم النكير وزيادته عليه برواية العدل عن العدل، وأما بالنسبة إلى الطريق الثاني، فلانه أسلم من الغلط والتلبيس، وأبعد عن التبديل والتصحيف.\rالخامس: أن يكون أحدهما ثابتا بطريق الشهرة، والآخر بالاسناد إلى كتاب من كتب المحدثين، فالمسند إلى كتب المحدثين أولى، من جهة أن احتمال تطرق الكذب إلى ما دخل في صنعة المحدثين وإن لم يكن من كتبهم المشهورة بهم، والمنسوبة إليهم، أبعد من احتمال تطرقه إلى ما اشتهر، وهو غير منسوب إليهم.\rولهذا، فإن كثيرا ما اشتهر مع كذبه ورد المحدثين له.\rالسادس: أن يكون أحدهما مسندا إلى كتاب موثوق بصحته، كمسلم والبخاري، والآخر مسندا إلى كتاب غير مشهور بالصحة ولا بالسقم، كسنن أبي داود ونحوها، فالمسند إلى الكتاب المشهور بالصحة أولى.\rالسابع: أن تكون رواية أحدهما بقراءة الشيخ عليه، والآخر بقراءته هو على الشيخ، أو بإجازته، أو مناولته له، أو بخط رآه في كتاب.\rفما الرواية فيه بقراءة الشيخ أرجح، لانه أبعد عن غفلة الشيخ عما يرويه.\rالثامن: أن تكون رواية أحدهما بالمناولة، والآخر بالاجازة، فالمناولة أولى، لان الاجازة غير كافية، وهو أن يقول خذ هذا الكتاب وحدث به عني، فقد سمعته من فلان، وعند ذلك، فتكون إجازة وزيادة.\rوالاجازة تكون راجحة على رؤية الخط في الكتاب، لان الخطوط مما تشتبه، ولا احتمال في نسبة لفظه إليه بالاجازة.\rوكذلك لو قال الشيخ هذا خطي، فالاجازة تكون أولى، لان دلالة لفظ الشيخ على الرواية عمن روى عن أظهر من دلالة خطه عليها.","part":4,"page":247},{"id":1189,"text":"وإذا كانت الاجازة أولى من الرواية عن الخط، والمناولة أولى من الاجازة، كانت المناولة أولى من الرواية عن الخط.\rالتاسع: أن يكون أحد الخبرين أعلى إسنادا من الآخر، فيكون أولى، لانه كلما قلت الرواة كان أبعد عن احتمال الغلط والكذب.\rالعاشر: أن يكون أحد الخبرين قد اختلف في كونه موقوفا على الراوي، والآخر متفق على رفعه إلى النبي عليه السلام، فالمتفق على رفعه أولى، لانه أغلب على الظن.\rالحادي عشر: أن تكون رواية أحد الخبرين بلفظ النبي، والآخر بمعناه، فرواية اللفظ أولى، لكونها أضبط وأغلب على الظن بقول الرسول.\rالثاني عشر: أن تكون إحدى الروايتين بسماع من غير حجاب، والاخرى مع الحجاب، وذلك كرواية القاسم بن محمد عن عائشة من غير حجاب، لكونها عمة له، أن بريرة عتقت وكان زوجها عبدا، فإنها تقدم على رواية أسود عنها أن زوجها كان حرا، لسماعه عنها مع الحجاب، لان الرواية من غير حجاب شاركت الرواية مع الحجاب في السماع، وزادت تيقن عين المسموع منه.\rالثالث عشر: إذا كانت إحدى الروايتين قد اختلفت دون الاخرى، فالتي لا اختلاف فيها أولى، لبعدها عن الاضطراب.\rوأما ما يعود إلى المروي فترجيحات.\rالاول: أن تكون رواية أحد الخبرين عن سماع من النبي عليه السلام، والرواية الاخرى عن كتاب فرواية السماع أولى، لبعدها عن تطرق التصحيف والغلط.\rالثاني: أن تكون إحدى الروايتين عن سماع من النبي عليه السلام، والاخرى عما جرى في مجلسه أو زمانه، وسكت عنه، فرواية السماع أولى، لكونها أبعد عن غفلة النبي عليه السلام، وذهوله، بخلاف الرواية عما جرى في مجلسه، وسكت عنه، فرواية السماع أولى مما جرى في زمانه خارجا عن مجلسه.","part":4,"page":248},{"id":1190,"text":"الثالث: أن تكون إحدى الروايتين عما خطره مع السكوت عنه أعظم من خطر المسكوت عنه في الرواية الاخرى، فما خطره أعظم يكون أرجح، لكون السكوت عنه أغلب على الظن في تقريره.\rالرابع: أن تكون إحدى الروايتين عن صيغة النبي عليه السلام، والاخرى عن فعله، فرواية الصيغة تكون راجحة لقوة دلالتها وضعف الفعل.\rولهذا أن من خالف في دلالة الفعل وجواز الاحتجاج به، لم يخالف في الصيغ، لان ما يفعله النبي عليه السلام، إلى الاختصاص به أقرب من اختصاصه بمدلول الصيغة، ولان تطرق الغفلة إلى الانسان في فعله أكثر منها في كلامه، ولهذا قلما يتكلم الانسان غافلا، بخلاف الفعل.\rالخامس: أن يكون أحدهما خبر واحد ورد فيما تعم به البلوى، بخلاف الآخر فما لا تعم به البلوى أولى، لكونه أبعد عن الكذب، من جهة أن تفرد الواحد بنقل ما تعم به البلوى مع توفر الدواعي على نقله قريب من الكذب، وذلك كمن تفرد بنقل قتل الملك في وسط السوق بمشهد من الخلق.\rولهذا كان مختلفا فيه، ومتفقا على مقابله.\rوأما ما يعود إلى المروي عنه، فترجيحات.\rالاول: أن يكون أحد الراويين قد روى عمن أنكر روايته عنه، كما في حديث الزهري، بخلاف الراوي الآخر، فما لم يقع فيه إنكار المروي عنه يكون أرحج لكونه أغلب على الظن.\rالثاني: أن يكون الاصل في أحد الخبرين قد أنكر رواية الفرع عنه إنكار نسيان ووقوف، والآخر إنكار تكذيب وجحود، فالاول أولى، لان غلبة الظن بالرواية عنه أكثر من غلبة الظن بالثاني.\rوأما الترجيحات العائدة إلى المتن.","part":4,"page":249},{"id":1191,"text":"الاول: منها أن يكون أحدهما أمرا والآخر نهيا، فالنهي من حيث هو نهي مرجح على الامر لثلاثة أوجه.\rالاول أن الطلب فيه الترك أشد.\rولهذا لو قدر كون كل واحد منهما مطلقا، فإن أكثر من قال بالخروج عن عهدة الامر بالفعل مرة واحدة، نازع في النهي.\rالثاني: أن محامل النهي، وهي تردده بين التحريم والكراهة لا غير، أقل من محامل الامر لتردده بين الوجوب والندب والاباحة على بعض الآراء.\rالثالث: أن الغالب من النهي طلب دفع المفسدة، ومن الامر طلب تحصيل المصلحة، واهتمام العقلاء بدفع المفاسد أكثر من اهتمامهم بتحصيل المصالح.\rالترجيح الثاني: أن يكون أحدهما آمرا، والآخر مبيحا، فالآمر وإن ترجح على المبيح، نظرا إلى أنه إن عمل به لا يصير مخالفا للمبيح، ولا كذلك بالعكس، لاستواء طرفي المباح وترجح جانب المأمور به، إلا أن المبيح يترجح على الآمر من أربعة أوجه: الاول: أن مدلول المبيح متحد، ومدلول الآخر متعدد، كما سبق تعريفه، فكان أولى.\rالثاني: أن غاية ما يلزم من العمل بالمبيح تأويل الآخر بصرفه عن محمله الظاهر إلى المحمل البعيد، والعمل بالآمر يلزم منه تعطيل المبيح، بالكلية، والتأويل أولى من التعطيل.\rالثالث: أن المبيح قد يمكن العمل بمقتضاه على تقديرين على تقدير مساواته للآمر ورجحانه والعمل بمقتضى الآمر متوقف على الترجيح وما يتم العمل به على تقديرين يكون أولى مما لا يتم العمل به الا على تقدير واحد.\rالرابع: أن العمل بالمبيح بتقدير أن يكون الفعل مقصودا للمكلف لا يختل لكونه مقدورا له، والعمل بالآخر يوجب الاخلال بمقصود الترك، بتقدير كون الترك مقصودا الترجيح الثالث: أن يكون أحدهما أمرا، والآخر خبرا، فالخبر يكون راجحا لثلاثة أوجه.\rالاول: أن مدلول الخبر متحد بخلاف الامر على ما سبق، فكان أولى لبعده عن الاضطراب.\rالثاني: أن الخبر أقوى في الدلالة، ولهذا امتنع نسخه على بعض الآراء، بخلاف الامر.","part":4,"page":250},{"id":1192,"text":"الثالث: أن العمل يلزمه محذور الكذب في الخبر من كلام الشارع، وهو\rفوق المحذور اللازم من فوات مقصود الامر، فكان الخبر أولى.\rالترجيح الرابع: أن يكون أحدهما ناهيا، والآخر مبيحا، فالمبيح يكون مقدما على ما عرف في الامر.\rالخامس: أن يكون أحدهما نهيا، والآخر خبرا، فالخبر مقدم على النهي على ما عرف في الامر أيضا.\rالسادس: أن يكون أحدهما مبيحا، والآخر خبرا، فالخبر مقدم لما سبق في الوجه الثاني والثالث في الامر إذا عارض الخبر.\rالسابع: أن يكون أحدهما مشتركا، والآخر غير مشترك، بل متحد المدلول، فما اتحد مدلوله أولى، لبعده عن الخلل.\rالثامن: أن يكون مدلول أحدهما حقيقيا، والآخر مجازيا، فالحقيقي أولى لعدم افتقاره إلى القرنية المخلة بالتفاهم.\rالتاسع: أن يكونا مشتركين، إلا أن مدلولات أحدهما أقل من مدلولات الآخر، فالاول أولى لقلة اضطرابه وقرب استعماله فيما هو المقصود منه.\rالعاشر: أن يكونا مجازين، إلا أن أحدهما منقول مشهور في محل التجوز، كلفظ الغائط، بخلاف الآخر، فالمنقول أولى لعدم افتقاره إلى القرنية.\rالحادي عشر: أن يكون المصحح للتجوز في أحدهما أظهر وأشهر من الآخر، فهو أولى.\rالثاني عشر: أن يكون لفظ أحدهما مشتركا، والآخر مجازا غير منقول.\rوقد ذكرنا ما يستحقه كل واحد منهما من الترجيح في الامر بطريق الاستقصاء، فعليك باعتباره والالتفات إليه.\rالثالث عشر: أن يكونا حقيقيين، الا أن أحدهما أظهر وأشهر، فالاظهر مرجح.\rالرابع عشر: أن تكون إحدى الحقيقتين متفقا عليها، والاخرى مختلفا فيها فالمتفق عليه أولى، لانه أغلب على الظن.","part":4,"page":251},{"id":1193,"text":"الخامس عشر: أن تكون دلالة أحدهما غير محتاجة إلى إضمار ولا حذف، بخلاف الاخرى، فالذي لا يحتاج إلى ذلك أولى لقلة اضطرابه.\rالسادس عشر: أن يكون أحدهما يدل على مدلوله بالوضع الشرعي، والآخر بالوضع اللغوي، وكل واحد منهما مستعمل في الشرع، فها هنا يظهر أن العمل باللفظ اللغوي يكون أولى، لانه من لسان الشارع مع كونه مقررا لوضع اللغة، وما هو عرفه ومصطلحه، وإن كان من لسانه، إلا أنه مغير للوضع اللغوي، ولا يخفى أن العمل بما هو من لسان الشارع من غير تغيير أولى من العمل بما هو من لسانه مع التغيير، ولانه أبعد عن الخلاف، وهذا بخلاف ما إذا أطلق لفظا واحدا، وكان له مدلول لغوي، وقد استعاره الشارع في معنى آخر، وصار عرفا له، فإنه مهما أطلق الشارع ذلك اللفظ، فيجب تنزيله على عرفه الشرعي دون اللغوي، لان الغالب من الشارع أنه إذا أطلق لفظا، وله موضوع في عرفه، أنه لا يريد به غيره.\rالسابع عشر: أن يكون العمل بأحدهما يلزم منه الجمع بين مجازين، والآخر لا يلزم منه غير مجاز واحد، فالذي فيه مجاز واحد أولى، لانه أبعد عن الاضطراب، وأقرب إلى الاصل.\rالثامن عشر: أن يكون أحدهما دالا على مطلوبه من وجهين أو أكثر، والآخر لا يدل إلا من جهة واحدة، فالذي كثرت جهة دلالته أولى لانه أغلب على الظن.\rالتاسع عشر: أن تكون دلالة أحدهما مؤكدة دون الاخرى فالمؤكدة أولى، لانه أقوى دلالة، وأغلب على الظن، وذلك كما في قوله عليه السلام فنكاحها باطل باطل باطل.","part":4,"page":252},{"id":1194,"text":"العشرون: أن تكون دلالة أحدهما على مدلوله بطريق المطابقة، والآخر بدلالة الالتزام، فدلالة المطابقة أولى لانها أضب.\rالحادي والعشرون: أن يكونا دالين بجهة الاقتضاء، إلا أن العمل بأحدهما في مدلوله، ضرورة صدق المتكلم، أو لضرورة وقوع الملفوظ به عقلا، والآخر لضرورة وقوع الملفوظ به شرعا، كما سبق تعريفه، فما يتوقف عيله صدق المتكلم، فوقوع الملفوظ به عقلا أولى، نظرا إلى بعد الخلف في كلام الشارع، وامتناع مخالفة المعقول، وقرب المخالفة في المشروع.\rالثاني والعشرون: أن يكونا دالين بجهة التنبيه والايماء إلى أن أحدهما لو لم يقدر كون المذكور فيه علة للحكم المذكور معه كان ذكره عبثا وحشوا، والآخر من قبيل ما رتب فيه الحكم على الوصف بفاء التعقيب، فالذي لو لم يقدر فيه التعليل كان ذكره عبثا، أولى من الآخر، نظرا إلى محذور العبث في كلام الشارع، وإلغاؤه أتم من محذور المخالفة الدلالة حرف الفاء على التعليل، وإمكان تأويلها بغير السببية، بل وهو أولى من سائر أنواع التنبيه والايماء لما ذكرناه من زيادة المحذور، وما دل على العلية بفاء التعقيب لظهورها، مقدم على ما عداه من باقي أقسام التنبيه والايماء.\rالثالث والعشرون أن يكونا دالين بجهة المفهوم، إلا أن أحدهما من قبيل مفهوم المخالفة، والآخر من قبيل مفهوم الموافقة، فقد يمكن ترجيح مفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة من جهة أنه متفق عليه، ومختلف في مقابله، وقد يمكن ترجيح مفهوم المخالفة عليه من وجهين: الاول: أن فائدة مفهوم المخالفة التأسيس، وفائدة مفهوم الموافقة التأكيد، والتأسيس أصل، والتأكيد فرع، فكان مفهوم المخالفة أولى، الثاني: أن مفهوم الموافقة لا يتم إلا بتقدير فهم المقصود من الحكم في محل النطق، وبيان وجوده في محل السكوت، وأن اقتضاءه للحكم في محل السكوت أشد.","part":4,"page":253},{"id":1195,"text":"وأما مفهوم المخالفة فإنه يتم بتقدير عدم فهم المقصود من الحكم في محل النطق، وبتقدير كونه غير متحقق في محل السكوت، وبتقدير أن يكون له معارض في محل السكوت وبتقدير ان يكون له معارض في محل السكوت ولا يخفى أن ما يتم على تقديرات أربعة أولى مما لا يتم إلا على تقدير واحد.\rالرابع والعشرون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الاقتضاء، ودلالة الآخر من قبيل دلالة الاشارة، فدلالة الاقتضاء أولى لترجحها بقصد المتكلم لها، بخلاف دلالة الاشارة.\rالخامس والعشرون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الاقتضاء، والآخر من قبيل دلالة التنبيه والايماء، فدلالة الاقتضاء أولى، لتوقف صدق المتكلم أو مدلول منطوقه عليه، بخلاف دلالة التنبيه والايماء.\rالسادس والعشرون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الاقتضاء، والآخر من قبيل دلالة المفهوم، فدلالة الاقتضاء أولى لوقوع الاتفاق عليها، ووقوع الخلاف في مقابلها، ولان ما يعترض دلالة الاقتضاء من المبطلات، أقل مما يعترض المفهوم، وبهذا كان ما كان من قبيل دلالة التنبيه والايماء مقدما على دلالة المفهوم.\rالسابع والعشرون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل المنطوق، والآخر من قبيل دلالة غير المنطوق، فالمنطوق أولى، لظهور دلالته وبعده عن الالتباس، بخلاف مقابله.\rالثامن والعشرون: أن يكون أحدهما عاما، والآخر خاصا، فالخاص مقدم مقدم على العام لثلاثة أوجه: الاول أنه أقوى في الدلالة وأخص بالمطلوب، الثاني أن العمل بالعام يلزم منه إبطال دلالة الخاص وتعطيله، ولا يلزم من العمل بالخاص تعطيل العام، بل تأويله وتخصيصه، ولا يخفى أن محذور التعطيل\rفوق محذور التأويل.\rالثالث: أن ضعف العموم بسبب تطرق التخصيص إليه وضعف الخصوص بسبب تأويله وصرفه عن ظاهره إلى مجازه، ولا يخفى أن تطرق التخصيص إلى","part":4,"page":254},{"id":1196,"text":"العمومات أكثر من تطرق التأويل، إلى الخاص، ولهذا كانت أكثر العمومات مخصصة، وأكثر الظواهر الخاصة مقررة، وبهذا يكون المطلق الدال على واحد لا بعينه مرجحا على العام.\rالتاسع والعشرون: أن يكون أحدهما عاما مخصصا، والآخر غير مخصص، فالذي لم يدخله التخصيص أولى لعدم تطرق الضعف إليه: وعلى هذا، فما كان عاما من وجه وخاصا من وجه يكون مرجحا على ما هو عام من كل وجه، وكذلك المطلق من وجه، والمقيد من وجه مرجح على ما هو مطلق من كل وجه، وما هو منطوق من كل وجه مقدم على ما هو حقيقي من وجه دون وجه.\rالثلاثون: أن يكونا عامين، إلا أن أحدهما من قبيل الشرط والجزاء، والآخر من قبيل النكرة المنفية، فقد يمكن ترجح دلالة الشرط والجزاء، لكون الحكم فيه معللا بخلاف النكرة المنفية، والمعلل أولى من غير المعلل، وقد يمكن ترجح دلالة نفي النكرة بأن دلالته أقوى.\rولهذا كان خروج الواحد منه يعد خلفا في الكلام، عند ما إذا قال لا رجل في الدار وكان فيها رجل، بخلاف مقابله، وبهذا تكون دلالة النكرة المنفية أولى من جميع أقسام العموم.\rالحادي والثلاثون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل دلالة الشرط والجزاء، والآخر من قبيل أسماء الجموع، فالاول أولى لان أكثر من خالف في صيغ العموم وافق على صيغة الشرط والجزاء، ولان الدلالة فيه مشيرة إلى الحكم والعلة، بخلاف مقابله، وبهذا يكون أولى من باقي أقسام العموم.\rالثاني والثلاثون: أن تكون دلالة أحدهما من قبيل الجمع المعرف، والآخر جمع منكر، فالمعرف أولى لوجهين: الاول أن بعض من وافق على عموم الجمع المعرف خالف في المنكر، فكان أقوى لقربه إلى الوفاق.\rالثاني أنه لا يدخله الابهام بخلاف المنكر، فكان أولى، وربما رجح المنكر بكونه دالا على عدد أقل من الجمع المعرف، فكان أقرب إلى الخصوص، فكان أولى.","part":4,"page":255},{"id":1197,"text":"الثالث والثلاثون: أن يكون أحدهما اسم جمع معرف، والآخر اسم جنس دخله الالف واللام، فاسم الجمع أولى، لامكان حمل اسم الجنس على الواحد المعهود، بخلاف الجمع المعرف، فكان أقوى عموما، يكون مقدما على (من) و (ما) الرابع والثلاثون: إذا كان احدهما من قبيل الاسم الجنس المعرووف واخر من قبيل من وما ونما او ليلعدم احتمالهما للعهد واحتمال ما قابلهنا الخامس والثلاثون: ان يكون احد الطاهرين مضطربا في لفطه بخلاف الخر فغير المطرب اولى لانه لدل عى لبحفط والضبط السادس والثلاثون: أن يكون أحدهما قد دل على الحكم وعلته، والآخر دل على الحكم دون علته فالدال على العلة أولى، لانه أقرب إلى الايضاح والبيان.\rالسابع والثلاثون: أن يكون أحدهما قولا، والآخر فعلا، فالقول أولى لانه أبلغ في البيان من الفعل، وإن كان أحدهما قولا وفعلا، والآخر قول فقط، فالقول والفعل أولى، لانه أقوى في البيان.\rالثامن والثلاثون: أن يكون أحدهما مشتملا على زيادة لم يتعرض الآخر لها، كرواية من روى أنه عليه السلام كبر في صلاة العيد سبعا، فإنها مقدمة على رواية من روى أربعا، لاشتمالها على زيادة علم خفي على الآخر.","part":4,"page":256},{"id":1198,"text":"التاسع والثلاثون: أن يكون أحد المنقولين الظاهرين إجماعا والآخر نصا، وسواء كان من الكتاب أو السنة، فالاجماع مرجح، لان النسخ مأمون فيه بخلاف النص.\rالاربعون: أن يكونا إجماعين ظاهرين إلا أن أحدهما قد دخل فيه جميع أهل العصر، والآخر لم يدخل فيه سوى أهل الحل والعقد: فالذي دخل فيه الجميع أولى، لانه أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف فيه.\rالحادي ولاربعون: أن يكون أحدهما قد دخل فيه مع أهل الحل والعقد الفقهاء الذين ليسوا أصوليين، والاصوليون الذين ليسوا فقهاء، وخرج عنه العوام، والآخر بالعكس، فالاول أولى لقربهم من المعرفة والاحاطة بأحكام الشرع واستنباطها من مداركها، وبهذا المعنى يكون أيضا ما دخل فيه الاصولي الذي ليس بفقيه، ولم يدخل فيه الفقيه، أولى مما هو بالعكس، لان الاصولي أعرف بمدارك الاحكام وكيفية تلقي الاحكام من المنطوق والمفهوم والامر والنهي وغيره.\rالثاني والاربعون: أن يكون أحدهما قد دخل فيه المجتهد المبتدع الذي ليس بكافر، بخلاف الآخر، فما دخل فيه المجتهد المبتدع أولى، لان الظاهر من حاله الصدق، ولانه أبعد عن الخلاف.\rالثالث والاربعون: أن يكون أحدهما قد دخل فيه المجتهد المبتدع، دون العوام والفروعيين الذين ليسوا أصوليين، والاصوليون الذين ليسوا فروعيين، والآخر بعكسه، فما دخل فيه المجتهد المبتدع أولى، إذ الخلل في قوله إنما هو من جهة كذبه فيما يقول، والخلل في قول من عداه من المذكورين إنما هو من جهله وعدم إحاطته وعدم كماله.\rولا يخفى أن احتمال وقوع الخلل بجهة الكذب من الفاسق لحرمته وتعلق الاثم به أنذر من الخلل الناشئ بسبب الجهل وعدم الاحاطة.","part":4,"page":257},{"id":1199,"text":"الرابع والاربعون: أن يكون أحد الاجماعين من الصحابة، والآخر من التابعين،\rفإجماع الصحابة أولى للثقة بعدالتهم وبعد تقاعدهم عن تحقيق الحق وإبطال الباطل وغلبة جدهم وكثرة اجتهادهم في تمهيد أحكام الشريعة، ولانه أبعد عن خلاف من خالف في إجماع غير الصحابة.\rوعلى هذا فإجماع التابعين يكون مقدما على إجماع من بعدهم لقربهم من العصر الاول، ولقوله عليه السلام: خير القرون القرن الذي أنا فيه، ثم الذي يليه فإجماعهم يكون أغلب على الظن.\rالخامس والاربعون: أن يكون أحد الاجماعين قد انقرض عصره، بخلاف الآخر، فما انقرض عصره يكون أولى لاستقراره وبعده عن الخلاف.\rالسادس والاربعون: أن يكون أحدهما مأخوذا عن انقسام الامة في مسألة من المسائل على قولين في أنه إجماع على نفي قول ثالث، والاجماع الآخر على إثبات القول الثالث، فالاجماع على إثباته أولى، لانه أبعد عن اللبس وعما يقوله المنازع في الاول من وجوه القدح، ويبديه من الاحتمالات.\rالسابع والاربعون: أن يكون أحدهما مسبوقا بالمخالفة، بخلاف الآخر، فالذي لم يسبق بالمخالفة أولى لانه أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف.\rالثامن والاربعون: أن يكون أحدهما قد رجع بعض المجتهدين فيه عما حكم به، موافقا للباقين لدليل ظهر له، بخلاف الآخر، فما لم يرجع فيه بعض المجتهدين أولى، لبعده عن المناقضة والخلاف فيه.\rالتاسع والاربعون: أن كون أحدهما إجماع الصحابة، إلا أنه لم يدخل فيه غير المجتهدين، والآخر من إجماع التابعين إلا أنه قد دخل فيه جميع أهل عصرهم، فإجماع الصحابة أولى للوثوق بعدالتهم وزيادة جدهم، كما سبق تقريره، وفي معنى هذا يكون قد رجع واحد من الصحابة عن الواقعة، بخلاف التابعين.\rالخمسون: أن يكون أحدهما قد دخل فيه جميع أهل العصر إلا أنه لم ينقرض عصرهم، والآخر بالعكس، فما دخل فيه جميع أهل العصر أولى، لان غلبة الظن فيه\rمتيقنة، واحتمال الرجوع بسبب عدم انقراض العصر موهوم، وفي معناه أن يكون","part":4,"page":258},{"id":1200,"text":"ما لم ينقرض عصره قد دخل فيه المجتهد المبتدع، أو الاصولي الذي ليس فروعيا، أو الفروعي الذي ليس بأصولي، والآخر بخلافه.\rالحادي والخمسون: أن يكون أحدهما غير مأخوذ من انقسام الامة على قولين، كما سبق، إلا أنه ينقرض عصره، والآخر بعكسه، فالاول أولى، نظرا إلى أن جهة الاجماع فيه أقوى بيقين، أو رجوع الواحد عنه قبل انقراض العصر موهوم، وفي معناه ما إذا كان أحد الاجماعين قد انقرض عصره إلا أنه مسبوق بالمخالفة، والآخر بعكسه.\rالثاني والخمسون: أن يكون أحد الاجماعين مأخوذا من انقسام الامة على قولين إلا أنه غير مسبوق بمخالفة بعض المتقدمين، والآخر بعكسه، فالذي لم يكن مأخوذا من انقسام الامة على قولين أولى، لقوة الاجماع فيه.\rوأما الترجيحات العائدة إلى المدلول.\rالاول: منها أن يكون حكم أحدهما الحظر، والآخر الاباحة، وهذا مما اختلف فيه: فذهب الاكثر كأصحابنا وأحمد بن حنبل والكرخي والرازي من أصحاب أبي حنيفة إلى أن الحاظر أولى، وذهب أبو هاشم وعيسى بن أبان، إلى التساوي والتساقط.\rوالوجه في ترجيح ما مقتضاه الحظر أن ملابسة الحرام موجبة للمأثم بخلاف المباح، فكان أولى بالاحتياط.\rولهذا فإنه لو اجتمع في العين الواحدة حظر وإباحة، كالمتولد بين ما يؤكل وما لا يؤكل، قدم التحريم على الاباحة، وكذلك إذا طلق بعض نسائه بعينها، ثم أنسيها، حرم وطئ الجميع، تقديما للحرمة على الاباحة وإليه الاشاره بقوله عليه السلام ما اجتمع الحلال والحرام، إلا غلب الحرام الحلال وقال عليه السلام دع ما يريبك إلى ما لا يريبك غير أنه قد يمكن ترجيح ما مقتضاه","part":4,"page":259},{"id":1201,"text":"الاباحة من جهة أخرى، وهي أنا لو عملنا بما مقتضاه التحريم لزم منه فوات مقصود الاباحة من الترك مطلقا.\rولو عملنا بما مقتضاه الاباحة، فقد لا يلزم منه فوات مقصود الحظر لان الغالب أنه إذا كان حراما فلا بد وأن تكون المفسدة ظاهرة، وعند ذلك، فالغالب أن الملكف يكون عالما بها، وقادرا على دفعها، لعلمه بعدم لزوم المحذور من ترك المباح، ولان المباح مستفاد من التخيير قطعا، بخلاف استفادة الحرمة من النهي لتردده بين الحرمة والكراهة فكان أولى، وعلى هذا فلا يخفى وجه الترجيح بين ما مقتضاه الحرمة، وما مقتضاه الندب.\rالثاني: أن يكون مدلول أحدهما الحظر، والآخر الوجوب، فما مقتضاه التحريم أولى لوجهين: الاول هو أن الغالب من الحرمة إنما هو دفع مفسدة ملازمة للفعل أو تقليلها، وفي الوجوب تحصيل مصلحة ملازمة للفعل أو تكميلها، واهتمام الشارع والعقلاء بدفع المفاسد أتم من اهتمامهم بتحصيل المصالح.\rولهذا فإن من أراد فعلا لتحصيل مصلحة ينفر عنه إذا عارضه في نظرة لزوم مفسدة مساوية للمصلحة، كمن رام تحصيل درهم على وجه يلزم منه فوات مثله، وإذا كان ما هو المقصود من التحريم أشد وآكد منه في الواجب كانت المحافظة عليه أولى.\rولهذا كان ما شرعت العقوبات فيه من فعل المحرمات أكثر من ترك الواجبات وأشد، كالرجم المشروع في زنى المحصن.\rالوجه الثاني أن إفضاء الحرمة إلى مقصودها أتم من إفضاء الوجوب إلى مقصوده، فكانت المحافظة عليه أولى.\rوذلك، لان مقصود الحرمة يتأتى بالترك، وذلك كاف مع القصد له أو مع الغفلة عنه ولا كذلك فعل الواجب.\rوأيضا فإن ترك الواجب وفعل المحرم إذا تساويا في داعية الطبع إليهما، فالترك يكون أيسر وأسهل من الفعل لتضمن الفعل مشقة الحركة وعدم المشقة في الترك.\rوما يكون حصول مقصوده أوقع، يكون أولى بالمحافظة عليه.\rالثالث: أن يكون حكم أحدهما الحرمة، والآخر الكراهة، فالحظر أولى، لمساواته الكراهة في طلب الترك وزيادته عليه بما يدل على اللوم عند الفعل، ولان المقصود","part":4,"page":260},{"id":1202,"text":"منهما إنما هو الترك لما يلزمه من دفع المفسدة الملازمة للفعل، والحرمة أوفى لتحصيل ذلك المقصود، فكانت أولى بالمحافظة.\rوأيضا فإن العمل بالمحرم لا يلزم منه إبطال دلالة المقتضي للكراهة وهو طلب الترك العمل بالمقتضي للكراهة مما يجوز معه الفعل، وفيه إبطال دلالة المحرم.\rولا يخفى أن العمل بما لا يفضي إلى الابطال يكون أولى، وبما حققناه في ترجيح المحرم على المقتضي للكراهة يكون ترجيح الموجب على المقتضي للندب.\rالرابع: أن يكون حكم أحدهما إثباتا، والآخر نفيا، وذلك كخبر بلال بأن النبي عليه السلام، دخل البيت وصلى، وخبر أسامة أنه دخل ولم يصل فالنافي مرجح على المثبت، خلافا للقاضي عبد الجبار في قوله إنهما سواء.\rوالمثبت، وإن كان مترجحا على النافي لاشتماله على زيادة علم، غير أن النافي لو قدرنا تقدمه على المثبت، كانت فائدته التأكيد، ولو قدرنا تأخره، كانت فائدته التأسيس، وفائدة التأسيس أولى، لما سبق تقريره، فكان القضاء بتأخيره أولى.\rفإن قيل: إلا أنه يلزم من تأخره مخالفة الدليل المثبت ورفع حكمه دون تقدمه.\rقلنا: هو معارض بمثله، فإنا لو قدرنا تقدم النافي، فالمثبت بعده يكون نافيا لحكمه ورافعا له.\rفإن قيل: المثبت، وإن كان رافعا لحكم النافي على تقدير تأخره عنه، فرافع لما فائدته التأكيد، ولو قدرنا تأخر النافي كان مبطلا لما فائدته التأسيس، فكان فرض تأخر المثبت أولى.","part":4,"page":261},{"id":1203,"text":"قلنا: إلا أنه وإن كانت فائدة النافي التأكيد على تقدير تقدمه، فالمثبت يكون رافعا لحكم تأسيسي، وهو الباقي على الحال الاصلي وزيادة ما حصل من النافي من التأكيد ولا كذلك ما لو كان النافي متأخرا، فإنه لا يرفع غير التأسيس، وما لا يفضي إلى رفع التأسيس مع التأكيد يكون أولى مما يفضي إلى رفع الامرين معا، وما يقال من أن المثبت مفيد لما هو حكم شرعي بالاتفاق، والنافي غير مجمع على إفادته لحكم شرعي.\rوالغالب من الشارع أنه لا يتولى بيان غير الشرعي، فمع أنه غير سديد من جهة أن الحكم الشرعي غير مقصود لذاته، وإنما هو مقصود لحكمته، لكونه وسيلة إليها وحكمة الاثبات، وإن كانت مقصودة، فكذلك حكمة النفي، فهو معارض من جهة أن الغالب من الشارع على ما هو المألوف منه إنما هو التقرير لا التغيير، وعلى هذا، فالحكم للنفي الاصلي يكون أولى من المغير.\rالخامس: أن يكون حكم أحدهما معقولا، والآخر غير معقول، فما حكمه غير معقول، وإن كان الثواب بتلقيه أكثر لزيادة مشقته كما نطق به الحديث، إلا أن مقصود الشارع بشرع ما هو معقول أتم مما ليس بمعقول، نظرا إلى سهولة الانقياد وسرعة القبول، وما شرعه أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع يكون أولى.\rولهذا، كان شرع المعقول أغلب من شرع غير المعقول، حتى إنه قد قيل إنه لا حكم إلا وهو معقول، حتى في ضرب الدية على العاقلة ونحوه مما ظن أنه غير معقول، ولان ما يتعلق بالمعقول من الفائدة بالنظر إلى محل النص بالتعدية والالحاق أكثر منه في غير المعقول، فكان أولى وما كانت جهة تعقله أقوى كما يأتي وجه التفصيل فيه في العلل، فهو أولى.\rالسادس: أن يكون أحدهما مشتملا على زيادة لا وجود لها في الآخر، كموجب الجلد مع الموجب للجلد والتغريب، فالموجب للزيادة يكون أولى، لان العمل بالزيادة غير موجب لابطال منطوق الآخر فيما دل عليه من وجوب الجلد وإجزائه عن نفسه والعمل بالموجب للجلد فقط موجب لابطال المنطوق في الدلالة على وجوب الزيادة،\rوما لا يفضي إلى إبطال حكم الدليل، أولى مما يفضي إلى الابطال، ولان دلالة الموجب للجلد على نفي الزيادة غير مأخوذة من منطوق اللفظ، ووجوب","part":4,"page":262},{"id":1204,"text":"الزيادة مأخوذ من منطوق اللفظ، ومخالفة ما ليس بمنطوق بالمنطوق أولى من العكس لما تقدم.\rالسابع: أن يكون موجب أحدهما الجلد، والآخر الدرء، فالدارئ يكون أولى، نظرا إلى ما حققناه في ترجيح ما حكمه النفي على ما حكمه الاثبات، ولان الخطأ في نفي العقوبة أولى من الخطإ في تحقيقها، على ما قال عليه السلام لان يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ولان ما يعترض الحد من المبطلات أكثر مما يعترض الدرء، فكان أولى لبعده عن الخلل وقربه إلى المقصود، ولانه على خلاف الدليل النافي للحد والعقوبة.\rالثامن: أن يكون حكم أحدهما وقوع الطلاق أو العتق، وحكم الآخر نفيه، قال الكرخي: ما حكمه الوقوع أولى، لانه على وفق الدليل النافي لملك البضع وملك اليمين، والنافي لهما على خلافه، ويمكن أن يقال بل النافي لهما أولى، لانه على وفق الدليل المقتضي لصحة النكاح وإثبات ملك اليمين المترجح على النفي له.\rالتاسع: أن يكون حكم أحدهما تكليفيا، وحكم الآخر وضعيا، فالتكليفي، وإن اشتمل على زيادة الثواب المرتبط بالتكليف، وكان لاجله راجحا، فالوضعي من جهة أنه لا يتوقف على ما يتوقف عليه الحكم التكليفي من أهلية المخاطب وفهمه وتمكنه من الفعل يكون مترجحا.\rالعاشر: أن يكون حكم أحدهما أخف من الآخر، فقد قيل إن الاخف أولى، لان الشريعة مبناها على التخفيف على ما قال الله تعالى * (يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر) * (البقرة: 185) وقال تعالى * (ما جعل عليكم في الدين من حرج) * (الحج: 78) وقال عليه السلام لا ضرر ولا ضرار في الاسلام وقيل إن الاثقل أولى، نظرا إلى الشرعية،","part":4,"page":263},{"id":1205,"text":"إنما يقصد بها مصالح المكلفين، والمصلحة في الفعل الاشق أعظم منها في الفعل الاخف، على ما قال عليه السلام ثوابك على قدر نصبك ولان الغالب على الظن إنما هو تأخره عن الاخف، نظرا إلى المألوف من أحوال العقلاء، فإن من قصد تحصيل مقصود بفعل من الافعال ولم يحصل به لا يقصد تحصيله بما هو أخف منه بل بما هو أعلى منه، فبتقدير تقدم الاخف على الاثقل يكون موافقا لنظر أهل العرف، فكان أولى، ولان زيادة ثقله تدل على تأكد المقصود منه على مقصود الاخف، فالمحافظة عليه تكون أولى.\rالحادي عشر: أن يكون كل واحد من الخبرين خبرا واحدا إلا أن حكم أحدهما مما تعم به البلوى بخلاف حكم الآخر فما لا تعم به البلوى أولى، لكونه أبعد عن الكذب من جهة أن تفرد الواحد بنقل ما تعم به البلوى مع توفر الدواعي على نقله أقرب إلى الكذب كما تقرر قبل، ولهذا كان مختلفا فيه، ومتفقا على مقابله.\rوأما الترجيحات العائدة إلى أمر خارج.\rالاول: منها أن يكون أحد الدليلين موافقا لدليل آخر، من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس أو عقل أو حس، والآخر على خلافه، فما هو على وفق الدليل الخارج أولى، لتأكد غلبة الظن بقصد مدلوله، ولان العمل به، وإن أفضى إلى مخالفة مقابله وهو دليل واحد، فالعمل بمقابله يلزم منه مخالفة دليلين والعمل بما يلزم معه مخالفة دليل واحد أولى مما يلزم منه مخالفة دليلين.\rالثاني: أن يكون أحدهما قد عمل بمقتضاه علماء المدينة، أو الائمة الاربعة أو بعض الامة بخلاف الآخر، فما عمل به يكون أولى، أما ما عمل به أهل المدينة فلانهم أعرف بالتنزيل وأخبر بمواقع الوحي والتأويل، وكذلك الائمة والخلفاء الراشدون، لحث النبي عليه السلام على متابعتهم والاقتداء بهم على ما سبق تعريفه\rوذلك يغلب على الظن قوته في الدلالة وسلامته عن المعارض، وعلى هذا أيضا ما عمل بمقتضاه بعض الامة يكون أغلب على الظن، فكان أولى","part":4,"page":264},{"id":1206,"text":"وفي معنى هذا أن يعتضد كل واحد منهما بدليل، غير أن ما عضد أحدهما راجح على الآخر ما عضد الآخر، أو أن يعمل بكل واحد منهما بعض الامة، غير أن من عمل بأحدهما أعرف بمواقع الوحي والتنزيل، فيكون أولى.\rالثالث: أن يكون كل واحد منهما مؤولا، إلا أن دليل التأويل في أحدهما أرجح من دليل التأويل في الآخر، فهو أولى، لكونه أغلب على الظن.\rالرابع: أن يكون أحدهما دالا على الحكم والعلة، والآخر على الحكم دون العلة، فما يدل على العلة يكون أولى، لقربه إلى المقصود بسبب سرعة الانقياد وسهولة القبول، ولدلالته على الحكم من جهة لفظه ومن جهة دلالته عليه بواسطة دلالته على العلة، وما دل على الحكم بجهتين يكون أولى، ولان العمل به يلزمه مخالفة ما قابله من جهة واحدة، والعمل بالمقابل يلزم منه مخالفة الدليل الآخر على الحكم من جهتين، فكان أولى، وربما رجح ما لم يدل على العلة من جهة أن المشقة في قبوله أشد والثواب عليه أعظم، إلا أنه مرجوح بالنظر إلى مقصود التعقل، ولذلك كان هو الاغلب.\rالخامس: أن يدل كل واحد منهما على الحكم والعلة، إلا أن دلالة أحدهما على العلية أقوى من دلالة الآخر عليها كما بيناه فيما تقدم، فالاقوى يكون أولى، لكونه أغلب على الظن.\rالسادس: أن يكونا عامين، إلا أن أحدهما ورد على سبب خاص بخلاف الآخر، وعند ذلك فتعارضهما إما أن يكون بالنسبة إلى ذلك السبب الخاص، أو بالنسبة إلى غير ه: فإن كان الاول، فالوارد على ذلك السبب يكون أولى، لكونه أمر به، ولان محذور المخالفة فيه، نظرا إلى أن تأخير البيان عما دعت الحاجة\rإليه يكون أتم من المحذور اللازم من المخالفة في الآخر، لكونه غير وارد فيها.\rوإن كان الثاني، فالعام المطلق يكون أولى لان عمومه أقوى من عموم مقابله لاستوائهما في صيغة العموم وغلبة الظن بتخصيص ما ورد على الواقعة بها، نظرا إلى بيان ما دعت الحاجة إليه، وإلى أن الاصل إنما هو مطابقة ما ورد في معرض البيان لما مست إليه الحاجة، ولان ما ورد على السبب الخاص مختلف في تعميمه عند القائلين بالعموم، بخلاف مقابله، وعلى هذا فمحذور المخالفة في العام المطلق يكون أشد.","part":4,"page":265},{"id":1207,"text":"السابع: أن يكون أحدهما قد وردت به المخاطبة على سبيل الاخبار بالوجوب أو التحريم أو غيره، كما في قوله تعالى * (والذين يظاهرون منكم من نسائهم) * (المجادلة: 2) أو في معرض الشرط والجزاء، كما في قوله تعالى * (ومن دخله كان آمنا) * (آل عمران: 97) والآخر وردت المخاطبة به شفاها، كما في قوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) * (البقرة: 183) فإن تقابلا في حق من وردت المخاطبة إليه شفاها، فخطاب المشافهة أولى، وإن كان ذلك بالنظر إلى غير من وردت المخاطبة إليه شفاها، كان الآخر أولى، لما حققناه في معارضة العام المطلق والوارد على السبب المعين، ولان الخطاب شفاها إنما يكون للحاضر من الموجودين، وتعميمه بالنسبة إلى غيرهم إنما يكون بالنظر إلى دليل آخر: إما من إجماع الامة على أنه لا تفرقة، أو من قوله عليه السلام حكمي على الواحد حكمي على الجماعة.\rالثامن: أن يكون أحدهما مما يجوز تطرق النسخ إليه أو قد اختلف في تطرق النسخ إليه، بخلاف الآخر، فالذي لا يقبل النسخ يكون أولى لقلة تطرق الاسباب الموهية إليه.\rالتاسع: أن يكونا عامين، إلا أن أحدهما قد اتفق على العمل به في صورة، بخلاف الآخر، فما اتفق على العمل به، وإن كان قد يغلب على الظن زيادة اعتباره، إلا أن العمل بما لم يعمل به في صورة متفق عليها أولى، إذ العمل به مما لا يفضي إلى\rتعطيل الآخر، لكونه قد عمل به في الجملة، والعمل بما عمل به يفضي إلى تعطيل ما لم يعمل به، وما يفضي إلى التأويل أولى مما يفضي إلى التعطيل.\rوما عمل به في الصورة المتفق عليها، وإن لزم أن يكون فيها راجحا على العام المقابل، إلا أنه يحتمل أن يكون الترجيح له لامر خارج لا وجود له في محل النزاع، وهو وإن كان المرجح الخارج بعيد الوجود، لكن يجب اعتقاد وجوده، نفيا لاهمال العام الآخر.\rفإن قيل: لو كان له مرجح من خارج لوقفنا عليه بعد البحث التام، وقد بحثنا فلم نجد شيئا من ذلك، واحتمال مخالفة السبر أيضا بعيد، فهو معارض بمثله، فإنه لو كان رجحانه لمعنى يعود إلى نفسه، لوقفنا عليه بعد البحث، وقد بحثنا فلم نجده.\rوعند ذلك، فيتقاوم الكلامان، وقد يسلم لنا ما ذكرناه أو لا.\rالعاشر: أن يكون أحدهما قد قصد به بيان الحكم المختلف فيه، بخلاف الآخر، فالذي قصد به البيان للحكم يكون أولى، لانه يكون أمس بالمقصود،","part":4,"page":266},{"id":1208,"text":"وكما في قوله تعالى * (وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف) * (النساء: 23) فإنه قصد به بيان تحريم الجمع بين الاختين في الوطئ بملك اليمين، فإنه مقدم على قوله تعالى * (أو ما ملكت أيمانكم) * (النساء: 3) حيث لم يقصد به بيان الجمع.\rالحادي عشر: أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط وبراءة الذمة، بخلاف الآخر، الاقرب إلى الاحتياط يكون مقدما لكونه أقرب إلى تحصيل المصلحة ودفع المضرة.\rالثاني عشر: أن يكون أحدهما يستلزم نقص الصحابي، كحديث القهقهة في الصلاة، بخلاف الآخر، فالذي لا يستلزم ذلك أولى لكونه أقرب إلى الظاهر الموافق لحال الصحابي ووصف الله له بالعدالة، على ما قال تعالى * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) * (البقرة: 143) أي عدولا.\rالثالث عشر: أن يقترن بأحد الخبرين تفسير الراوي بفعله أو قوله، فإنه يكون\rمرجحا على ما ليس كذلك، لان الراوي للخبر يكون أعرف وأعلم بما رواه الرابع عشر: أن يذكر أحد الراويين سبب ورود ذلك النص بخلاف الآخر، فالذاكر للسبب أولى، لان ذلك يدل على زيادة اهتمامه بما رواه.\rالخامس عشر: أن يكون قد اقترن بأحد الخبرين ما يدل على تأخيره عن الآخر، كالخبر الذي ظهر بعد استظهار النبي عليه السلام وقوة شوكته بخلاف الآخر، فالظاهر بعد قوة شوكة النبي عليه السلام أولى، لان احتمال ظهور مقابله قبل قوة الشوكة أكثر من احتمال وقوع ما ظهر بعد قوة الشوكة، فكان تأخيره أغلب على الظن فكان أولى.\rوفي معناه أن يكون أحد الراويين متأخر الاسلام عن الآخر، فالغالب أن ما رواه عن النبي عليه السلام بعد إسلامه، فروايته أولى، لان رواية الآخر يحتمل أن تكون قبل إسلام المتأخر، ويحتمل أن تكون بعد إسلامه، فكان تأخير ما رواه متأخر الاسلام أغلب على الظن وفي معناه أن يعلم أن موت متقدم الاسلام كان متقدما على إسلام المتأخر، وكذلك إذا علمنا أن غالب رواية أحد الراويين قبل الغالب من رواية الآخر، فروايته تكون مرجوحة، لان الغالب تقدم ما رواه،","part":4,"page":267},{"id":1209,"text":"وكذلك إذا كانت رواية أحدهما مؤرخة بتاريخ مضيق دون الآخر، فاحتمال تقدم غير المؤرخة يكون أغلب، وكذلك إذا كان أحد الخبرين يدل على التخفيف، والآخر على التشديد، فاحتمال تأخر التشديد أظهر لان الغالب منه عليه السلام أنه ما كان يشدد إلا بحسب علو شأنه واستيلائه وقهره، ولهذا أوجب العبادات شيئا فشيئا، وحرم المحرمات شيئا فشيئا.\rالقسم الثاني\rفي التعارض الواقع بين معقولين والمعقولان، إما قياسان، أو استدلالان، أو قياس واستدلال فإن كان التعارض بين قياسين، فالترجيح بينهما قد يكون بما يعود إلى أصل القياس، وقد يكون بما يعود إلى فرعه، وقد يكون بما يعود إلى مدلوله، وقد يكون بما يعود إلى أمر خارج.\rفأما ما يعود إلى الاصل فمنه ما يعود إلى حكمه، ومنه ما يعود إلى علته، فأما ما يعود إلى حكم الاصل فترجيحات.\rالاول: أن يكون الحكم في أصل أحدهما قطعيا، وفي الآخر ظنيا، فما حكم أصله قطعي أولى، لان ما يتطرق إليه من الخلل بسبب حكم الاصل منفي، ولا كذلك الآخر، فكان أغلب على الظن.\rوفي معنى هذا ما يكون الحكم في أصل أحدهما ممنوعا، وفي الآخر غير ممنوع، فغير الممنوع يكون أولى.\rالثاني: أن يكون حكم الاصل فيهما ظنيا، غير أن الدليل المثبت لاحدهما أرجح من المثبت للآخر، فيكون أولى الثالث: أن يكون حكم الاصل في أحدهما مما اختلف في نسخه، بخلاف الآخر فالذي لم يختلف في نسخه أولى، لبعده عن الخلل.\rالرابع: أن يكون الحكم في أصل أحدهما غير معدول به عن سنن القياس كما ذكرناه فيما تقدم، بخلاف الآخر، فما لم يعدل به عن سنن القياس أولى، لكونه أبعد عن التعبد وأقرب إلى المعقول وموافقة الدليل.","part":4,"page":268},{"id":1210,"text":"الخامس: أن يكون حكم الاصل في أحدهما قد قام دليل خاص على وجوب تعليله، وجواز القياس عليه، ولا كذلك الآخر، فما قام الدليل فيه على وجوب تعليله وجواز القياس عليه أولى، وإن لم يكون ذلك شرطا في صحته كما سبق، لما فيه من الامن من غائلة التعبد والقصور على الاصل ولبعده عن الخلاف.\rالسادس: أن يكون حكم أحد الاصلين مما اتفق القياسون على تعليله، والآخر مختلف فيه، فما اتفق على تعليله أولى، إذ هو أبعد عن الالتباس، وأغلب على الظن.\rالسابع: أن يكون حكم أحد الاصلين قطعيا، لكنه معدول به عن سنن القياس، والآخر ظني، لكنه غير معدول به عن سنن القياس، فالظني الموافق لسنن القياس أولى، لكونه موافقا للدليل وأبعد عن التعبد.\rالثامن: أن يكون حكم أحدهما في الاصل قطعيا، إلا أنه لم يقم دليل خاص على وجوب تعليله، وعلى جواز القياس عليه، وحكم الآخر ظني إلا أنه قد قام الدليل على وجوب تعليله وعلى جواز القياس عليه، فما حكمه قطعي أولى، لان ما يتطرق إليه من الخلل إنما هو بسبب قربه من احتمال التعبد والقصور على الاصل المعين، وما يتطرق إلى الظني من الخلل، فمن جهة أن يكون الامر في نفسه خلاف ما ظهر، واحتمال التعبد والقصور على ما ورد الشرع فيه بالحكم أبعد من احتمال ظن الظهور لما ليس بظاهر والترك للعمل بما هو ظاهر.\rالتاسع: أن يكون حكم أصل أحدهما قطعيا، إلا أنه لم يتفق على تعليله، وحكم الآخر ظني إلا أنه متفق على تعليله، فالظني المتفق على تعليله أولى، لان تعدية الحكم من الاصل إلى الفرع إنما هو فرع تعقل العلة في الاصل، وتحقق وجودها في الفرع، واحتمال معرفة ذلك فيما هو متفق عليه أغلب، واحتمال الخلل بالنظر إلى الحكم الظني، وإن كان قائما ومأمونا في جانب الحكم القطعي، إلا أن احتمال قطع القياس فيما لم يتفق على تعليله لعدم الاطلاع على ما هو المقصود من حكم الاصل، أغلب من احتمال انقطاع القياس لخلل ملتحق بالظاهر الدال على حكم الاصل، مع ظهور دليله وعدم الاطلاع عليه بعد البحث التام فيه.\rالعاشر: أن يكون دليل ثبوت الحكم في أصل أحدهما أرحج من الآخر، إلا أنه مختلف في نسخه بخلاف الآخر، فما دليله راجح أولى، لان الاصل عدم النسخ،\rوقول النسخ معارض بقول عدم النسخ، فكان احتمال عدم النسخ أرجح.","part":4,"page":269},{"id":1211,"text":"الحادي عشر: أن يكون دليل ثبوت الحكم في أحدهما راجحا على دليل حكم أصل الآخر، إلا أنه معدول به عن سنن القياس والقاعدة العامة، بخلاف الآخر، فما لم يعدل به عن القاعدة أولى، لانه يلزم من العمل به الجري على وفق القاعدة العامة التي ورد الحكم في القياس الآخر على خلافها، غير أنه يلزم منه إهمال جانب الترجيح في الآخر، وما يلزم من العمل بالآخر، فإنما هو اعتبار ظهور الترجيح، لكن مع مخالفة القاعدة المتفق عليها، واحتمال مخالفة القواعد العامة المتفق عليها أبعد من احتمال مخالفة الشذوذ من ظواهر الادلة، كيف وإن العمل بما دليل ثبوت حكم أصله ظني، محافظة على أصل الدليل الظني والقاعدة العامة، والعمل بما ظهر الترجيح في دليل ثبوت حكمه فيه الموافقة، لما ظهر من الترجيح ومخالفة القاعدة وأصل الدليل الآخر.\rولا يخفى أن العمل بما يلزم منه موافقة ظاهرين ومخالفة ظاهر واحد، أولى من العكس.\rالثاني عشر: أن يكون دليل ثبوت حكم أصل أحدهما راجحا على دليل الآخر، إلا أنه لم يقم دليل خاص على وجوب تعليله وعلى جواز القياس عليه، بخلاف الآخر، فما ظهر الترجيح في دليله أولى، لما ذكرناه فيما إذا كان الحكم قطعيا.\rالثالث عشر: أن يكون دليل ثبوت حكم أصل أحدهما أرجح من دليل الآخر إلا أنه غير متفق على تعليله، بخلاف الآخر، فما اتفق على تعليله أولى، لما ذكرناه فيما إذا كان حكم الاصل في أحدهما قطعيا، والآخر ظنيا.\rالرابع عشر: أن يكون حكم أصل أحدهما مما اتفق على عدم نسخه، إلا أنه معدول به عن القاعدة العامة، بخلاف الآخر، فما لم يعدل به عن القاعدة أولى، لما سبق تحقيقه.\rالخامس عشر: أن يكون حكم أصل أحدهما غير معدول به عن القاعدة العامة، إلا أنه لم يقم دليل خاص على وجوب تعليله وجواز القياس عليه، بخلاف الآخر،","part":4,"page":270},{"id":1212,"text":"فما هو على وفق القاعدة العامة أولى، لان العمل به عمل بأغلب ما يرد به الشرع، والعمل بمقابله بالعكس، ولان أكثر من قال باشتراط كون الحكم في الاصل غير معدول به عن القاعدة العامة، خالف في اشتراط قيام الدليل على وجوب تعليل الحكم وجواز القياس عليه، ولم يشترط غير الشذوذ، فكونه غير معدول به عن القاعدة العامة أمس بالقياس.\rالسادس عشر: أن يكون حكم أصل أحدهما غير معدول به عن القاعدة العامة، إلا أنه لم يتفق على تعليله، والآخر بعكسه، فما اتفق على تعليه أولى، لان كل واحد من القياسين، وإن كان مختلفا فيه، إلا أن احتمال وقوع التعبد في القياس يبطله قطعا، ومخالفة القاعدة العامة غير مبطلة للقياس قطعا، وما يبطل القياس قطعا بتقدير وقوعه يكون مرجوحا بالنسبة إلى ما لا يبطله قطعا.\rوأما الترجيحات العائدة إلى علة حكم الاصل، فمنها ما يرجع إلى طريق إثباتها، ومنها ما يرجع إلى صفتها.\rأما الترجيحات العائدة إلى طرق إثباتها.\rفالاول منها أن يكون وجود علة أحد القياسين مقطوعا به في أصله، بخلاف علة الآخر، فما وجود علته في أصله قطعي أولى، وسواء كان وجودها معقولا أو محسا، مدلولا عليه أو غير مدلول، لكونه أغلب على الظن.\rوفي معنى هذا أن يكون وجود العلتين مظنونا، غير أن ظن وجود إحداهما أرجح من الاخرى، فقياسها أولى، لانها أغلب على الظن.\rالثاني: أن يكون دليل علية الوصف في أحد القياسين قطعيا، وفي الآخر ظنيا،\rفيكون أولى، لانه أغلب على الظن.\rالثالث: أن يكون دليل العلتين ظنيا، غير أن دليل إحدى العلتين أرجح من دليل الاخرى، فما دليلها أرجح فقياسها أولى، لانه أغلب على الظن.","part":4,"page":271},{"id":1213,"text":"الرابع: أن يكون طريق علية الوصف فيهما الاستنباط، إلا أن دليل إحدى العلتين السبر والتقسيم، والاخرى المناسبة، فما طريق ثبوت العلية فيه السبر والتقسيم يكون أولى، لان الحكم في الفرع، كما يتوفف على تحقق مقتضيه في الاصل يتوقف على انتفاء معارضه في الاصل، والسبر والتقسيم فيه التعرض لبيان المقتضي وإبطال المعارض، بخلاف إثبات العلة بالاحالة، فكان السبر والتقسيم أولى.\rفإن قيل: وصف العلة لا بد وأن يكون مناسبا في نفس الامر أو شبهيا لامتناع التعليل بالوصف الطروي، ولا يخفى أن احتمال عدم المناسبة بعد إظهارها بالطريق التفصيلي أبعد من احتمال عدمها في السبر والتقسيم، حيث لم يتعرض فيه لبيانها تفصيلا، فكان طريق المناسبة أولى قلنا: إلا أن التعرض لمناسبة الوصف لا دلالة له بوجه على نفي المعارض في الاصل، فإنه لامتناع من اجتماع مناسبين في محل واحد على حكم واحد، ودلالة البحث والسبرعلى مناسب في الاصل غير الوصف المشترك، مع أن الاصل أن يكون الحكم معقول المعنى وأن يدل على أن الوصف المشترك مناسب، ولا يخفى أن ما يدل على مناسبة العلة وعلى انتفاء معارضها أولى مما يدل على مناسبتها ولا يدل على انتفاء معارضها.\rفإن قيل: إلا أن طريق إثبات العلة بالمناسبة أو الشبه أدل على مناسبة الوصف بعد إظهارها من دلالة السبر والتقسيم على انتفاء وصف آخر، لاحتمال أن يصدق الناظر في قوله، وأن يكذب، وبتقدير صدقه فظهور ذلك مختص به دون غيره،\rبخلاف طريق المناسبة، فإنه ظاهر بالنظر إلى الخصمين.\rقلنا: بل العكس أولى، وذلك لان الخلل العائد إلى دليل نفي المعارض إنما هو بالكذب أو الغلط، لعدم الظفر بالوصف، ولا يخفى أن وقوع الغلط مع كون الوصف المبحوث عنه ظاهرا جليا، ووقوع الكذب مع كون الباحث عدلا، أبعد من احتمال وقوع الغلط فيما أبدى من المناسبة مع كونها خفية مضطربة.","part":4,"page":272},{"id":1214,"text":"الخامس: أن يكون نفي الفارق في أصل أحد القياسين مقطوعا به، وفي الآخر مظنونا، فما قطع فيه بنفي الفارق يكون أولى، لكونه أغلب على الظن.\rالسادس: أن يكون طريق ثبوت إحدى العلتين السبر والتقسيم، والاخرى الطرد والعكس، فما طريق ثبوته السبر والتقسيم أولى، إذ هو دليل ظاهر على كون الوصف علة، وما دار الحكم معه وجودا وعدما غير ظاهر العلية، لان الحكم قد يدور مع الاوصاف الطردية، كما في الرائحة الفائحة الملازمة للشدة المطربة الدائرة مع تحريم الشرب وجودا وعدما، مع أنها ليست علة، لان العلة لا بد وأن تكون في الاصل بمعنى الباعث، لا بمعنى الامارة، كما سبق تقريره.\rوالرائحة الفائحة ليست باعثة، إذ لا يشم منها رائحة المناسبة، وكما أنه غير ظاهر في الدلالة على علية الوصف، فلا دلالة له على ملازمة العلة، لما قدمناه في إبطال الطرد والعكس.\rوبهذا يكون القياس الذي طريق إثبات العلية فيه المناسبة أولى مما طريق إثباتها فيه الطرد والعكس.\rوأما الترجيحات العائدة إلى صفة العلة.\rفالاول: منها أنه إذا كانت علة الاصل في أحد القياسين حكما شرعيا، وفي الآخر وصفا حقيقيا، فما علته وصف حقيقي أولى، لوقوع الاتفاق عليه، ووقوع الخلاف في مقابله، فكانت أغلب على الظن.\rالثاني: أن تكون علة الحكم الثبوتي في أحدهما وصفا وجوديا، وفي الآخر وصفا عدميا، فما علته ثبوتية أولى للاتفاق عليه ووقوع الخلاف في مقابله.\rالثالث: أن تكون علة أحدهما بمعنى الباعث، وفي الآخر بمعنى الامارة، فما علته باعثة أولى، للاتفاق عليه.\rالرابع: أن تكون علة أحدهما وصفا ظا هرا منضبطا، وفي الآخر بخلافه، فما علته مضبوطة أولى، لانه أغلب على الظن لظهوره، ولبعده عن الخلاف.\rا الخامس: أن تكون علة أحدهما وصفا متحدا، وفي الآخر ذات أوصاف، فما علته ذات وصف واحد أولى، لانه أقرب إلى الضبط، وأبعد عن الخلاف.\rالسادس: أن تكون علة أحدهما أكثر تعدية من علة الآخر، فهو أولى لكثرة فائدته.","part":4,"page":273},{"id":1215,"text":"السابع: أن تكون علة أحدهما مطردة بخلاف الآخر، فما علته مطردة أولى، لسلامتها عن المفسد وبعدها عن الخلاف.\rوفي معنى هذا أن تكون علة أحدهما غير منكسرة، بخلاف علة الآخر، فما علته غير منكسرة أولى، لبعدها عن الخلاف.\rالثامن: أن تكون علة أحدهما منعكسة بخلاف علة الآخر فما علته منعكسة أولى، لانها أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف.\rالتاسع: أن تكون علة أحدهما غير متأخرة عن الحكم بخلاف الآخر، فما علته غير متأخرة أولى، لبعده عن الخلاف.\rالعاشر: أن تكون علة أحدهما مطردة غير منعكسة، وعلة الآخر منعكسة غير مطردة، فالمطردة أولى، لما بيناه من اشتراط الاطراد، وعدم اشتراط الانعكاس، ولهذا فإن من سلم اشتراط الاطراد خالف في اشتراط الانعكاس.\rالحادي عشر: أن يكون ضابط الحكمة في علة أحد القياسين جامعا للحكمة مانعا لها، بخلاف ضابط حكمة العلة في القياس الآخر، كما بيناه، فالجامع المانع\rأولى، لزيادة ضبطه وبعده عن الخلاف.\rالثاني عشر: أن تكون العلة في أحدهما غير راجعة على الحكم الذي استنبطت منه برفعه، أو رفع بعضه، بخلاف الآخر، فهو أولى لسلامة علته عما يوهيها، وبعدها عن الخلاف.\rالثالث عشر: أن تكون علة أحد القياسين مناسبة، وعلة الآخر شبهية، فما علته مناسبة أولى، لزيادة غلبة الظن بها، وزيادة مصلحتها، وبعدها عن الخلاف.\rالرابع عشر: أن يكون المقصود من إحدى العلتين من المقاصد الضرورية كما بيناه من قبل، والمقصود من العلة الاخرى غير ضروري، فما مقصوده من الحاجات الضرورية أولى، لزيادة مصلحته وغلبة الظن به، ولهذا فإنه لم تخل شريعة عن مراعاته، وبولغ في حفظه، بشرع أبلغ العقوبات.\rالخامس عشر: أن يكون مقصود إحدى العلتين من الحاجات الزائدة، ومقصود الاخرى من باب التحسينات والتزيينات، فما مقصوده من باب الحاجات الزائدة أولى، لتعلق الحاجة به دون مقابله.","part":4,"page":274},{"id":1216,"text":"السادس عشر: أن يكون مقصود إحدى العلتين من مكملات المصالح الضرورية، ومقصود الاخرى من أصول الحاجات الزائدة، فما مقصوده من مكملات الضروريات، وإن كان تابعا لها ومقابله أصل في نفسه، يكون أولى، ولهذا أعطى حكم أصله حتى شرع في شرب قليل الخمر ما شرع في كثيره.\rالسابع عشر: أن يكون مقصود إحدى العلتين حفظ أصل الدين، ومقصود الاخرى ما سواه من المقاصد الضرورية، فما مقصوده حفظ أصل الدين يكون أولى، نظرا إلى مقصوده وثمرته، من نيل السعادة الابدية في جوار رب العالمين، وما سواه من حفظ الانفس والعقل والمال وغيره، فإنما كان مقصودا من أجله،\rعلى ما قال تعالى * (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) * ().\rفإن قيل: بل ما يفضي إلى حفظ مقصود النفس أولى وأرجح، وذلك لان مقصود الدين حق الله تعالى، ومقصود غيره حق للآدمي، وحق الآدمي مرجح على حقوق الله تعالى مبني على الشح والمضايقة، وحقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة، من جهة أن الله تعالى لا يتضرر بفوات حقه، فالمحافظة عليه أولى من المحافظة على حق لا يتضرر مستحقه بفواته، ولهذا رجحنا حقوق الآدمي على حق الله تعالى، بدليل أنه لو ازدحم حق الله تعالى وحق الآدمي في محل واحد، وضاق عن استيفائهما بأن يكون قد كفر وقتل عمدا عدوانا، فإنا نقتله قصاصا لا بكفره.\rوأيضا فإنا قد رجحنا مصلحة النفس على مصلحة الدين، حيث خففنا عن المسافر بإسقاط الركعتين، وأداء الصوم، وعن المريض بترك الصلاة قائما وترك أداء الصوم، وقدمنا مصلحة النفس على مصلحة الصلاة في صورة إنجاء الغريق وأبلغ من ذلك أنا رجحنا مصلحة المال على مصلحة الدين، حيث جوزنا ترك الجمعة والجماعة، ضرورة حفظ أدنى شئ من المال، ورجحنا مصالح المسلمين المتعلقة ببقاء الذمي بين أظهرهم على مصلحة الدين، حتى عصمنا دمه وماله مع وجود الكفر المبيح.\rقلنا: أما النفس فكما هي متعلق حق الآدمي بالنظر إلى بعض الاحكام، فهي متعلق حق الله تعالى بالنظر إلى أحكام أخر، ولهذا يحرم عليه قتل نفسه والتصرف","part":4,"page":275},{"id":1217,"text":"بما يفضي إلى تفويتها، فالتقديم إنما هو لمتعلق الحقين، ولا يمتنع تقديم حق الله وحق الآدمي على ما تمحض حقا لله، كيف وإن مقصود الدين متحقق بأصل شرعية القتل، وقد تحقق، والقتل انما هو لتحقيق الوعيد به، والمقصود بالقصاص إنما هو التشفي والانتقام، ولا\rيحصل ذلك للوارث بشرع القتل، دون القتل بالفعل، على ما يشهد به العرف، فكان الجمع بين الحقين أولى من تضييع أحدهما، كيف وإن تقديم حق الآدمي ها هنا لا يفضي إلى تفويت حق الله فيما يتعلق بالعقوبة البدنية مطلقا، لبقاء العقوبة الاخروية، وتقديم حق الله مما يفضي إلى فوات حق الآدمي من العقوبة البدنية مطلقا، فكان ذلك أولى.\rوأما التخفيف عن المسافر والمريض فليس تقديما لمقصود النفس على مقصود أصل الدين، بل على فروعه، وفروع الشئ غير أصل الشئ، ثم وإن كان، فمشقة الركعتين في السفر تقوم مقام مشقة الاربع في الحضر، وكذلك صلاة المريض قاعدا بالنسبة إلى صلاته قائما وهو صحيح، فالمقصود لا يختلف.\rوأما أداء الصوم، فلانه لا يفوت مطلقا، بل يفوت إلى خلف، وهو القضاء، وبه يندفع ما ذكروه من صورة إنقاذ الغريق وترك الجمعة والجماعة لحفظ المال أيضا، وبقاء الذمي بين أظهر المسلمين معصوم الدم والمال ليس لمصلحة المسلمين، بل لاجل اطلاعه على محاسن الشريعة وقواعد الدين، ليسهل انقياده ويتيسر استرشاده، وذلك من مصلحة الدين، لا من مصلحة غيره، وكما أن مقصود الدين مقدم على غيره من مقاصد الضروريات، فكذلك ما يتعلق من مقصود النفس يكون مقدما على غيره من المقاصد الضرورية، أما بالنظر إلى حفظ النسب، فلان حفظ النسب إنما كان مقصودا لاجل حفظ الولد، حتى لا يبقى ضائعا لا مربي له، فلم يكن مطلوبا لعينه بل لافضائه إلى بقاء النفس واما بالنأر إلى المال فلهئا المعنى ايضا فانه لم يكن بقاؤه مطلوبا لعينه وذاته، بل لاجل بقاء النفس مرفهة منعمة، حتى تأتي بوظائف التكاليف وأعباء العبادات.\rوأما بالنظر إلى حفظ العقل، فمن جهة أن النفس أصل، والعقل تبع، فالمحافظة على الاصل أولى، ولان ما يفضي إلى فوات النفس على تقدير أفضليته يفوتها مطلقا،\rوما يفضي إلى تفويت العقل كشرب المسكر لا يفضي إلى فواته مطلقا،","part":4,"page":276},{"id":1218,"text":"فالمحافظة بالمنع مما يفضي إلى الفوات مطلقا أولى.\rوعلى هذا أيضا يكون المقصود في حفظ النسب أولى من المقصود في حفظ العقل والمال ولكونه عائدا إلى حفظ النفس وما يفضي إلى حفظ العقل ومقدم على ما يفضي إلى حفظ المال، لكونه مركب الامانة وملاك التكليف ومطلوبا للعبادة بنفسه من غير واسطة، ولا كذلك المال، ولهذا كانت هذه الرتب مختلفة في العقوبات المرتبة عليها، على نحو اختلافها في أنفسها.\rوبمثل تفاوت هذه الرتب يكون التفاوت بين مكملاتها.\rالثامن عشر: أن يكون الوصف الجامع في أحد القياسين نفس علة حكم الاصل، والآخر دليل علة الاصل وملازمها، فالذي فيه الجامع نفس العلة أولى، لظهورها وركون النفس إليها.\rالتاسع عشر: أن تكون علة الاصل في أحد القياسين ملائمة، وعلة الآخر غريبة، فما علته ملائمة أولى، لانها أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف.\rالعشرون: أن تكون علة الاصلين منقوضة، إلا أنه قد ظهر في صورة النقض في أحدهما ما يمكن إحالة النقض عليه، من وجود مانع أو فوات شرط، بخلاف الاخرى، فهي أولى لانها أغلب على الظن.\rالحادي والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين قد يتخلف عنها مدلولها في صورة بطريق الاستثناء على خلاف القاعدة العامة، والاخرى يتخلف عنها حكمها لا على جهة الاستثناء، فالتي يتخلف عنها حكمها بجهة الاستثناء تكون أولى، لقربها إلى الصحة وبعدها عن الخلاف.\rالثاني والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين قد خلفها في صورة النقض ما هو أليق بها لكون مناسبتها فيها أشد، كما ذكرناه فيما تقدم، بخلاف الاخرى فهي أولى لتبين عدم إلغائها بخلاف الاخرى.\rالثالث والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين لا مزاحم لها في أصلها، بخلاف الاخرى، فالتي لا مزاحم لها أولى، لانها أغلب على الظن وأقرب إلى التعدية.\rوعلى هذا، يكون ما رجحانها على مزاحمها أكثر مقدمة أيضا.","part":4,"page":277},{"id":1219,"text":"الرابع والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين مقتضية للاثبات، والاخرى مقتضية للنفي، فالنافية تكون أولى، لان مقتضاها يتم على تقدير رجحانها، وعلى تقدير مساواتها، ومقتضى المثبتة لا يتم إلا على تقدير رجحانها، وما يتم مطلوبه على تقدير من تقديرين يكون أغلب على الظن مما لا يتم مطلوبه إلا على تقدير واحد معين.\rفإن قيل: الا أن العلة المثبتة مقتضاها حكم شرعي بالاتفاق، بخلاف النافية، وما فائدتها شرعية بالاتفاق تكون أولى، وأيضا فإنه يجب اعتقاد اختصاص أصل النافية بمعنى لا وجود له في الفرع، تقليلا لمخالفة الدليل، كيف وإن ما ذكرتموه من الترجيح للنافية غير مستقيم على رأي من يعتقد التخيير عند تساوي الدليلين المتعارضين، وعلى هذا فيتساوى القدمان.\rقلنا: أما كون حكم إحدى العلتين شرعي، فلا يرجح به، لان الحكم إنما كان مطلوبا لا لنفسه، بل لما يفضي إليه من الحكم به، والشارع كما يود تحصيل الحكمة بواسطة ثبوت الحكم، يود تحصيلها بواسطة نفيه، كيف وإن العلة النافية متأيدة بالنفي الاصلي، والمثبتة على خلافه، فكانت أولى.\rوما قيل من وجوب اعتقاد اختصاص النافية بمعنى في الاصل لا وجود له في الفرع، فهو معارض بمثله في المثبتة، وأنه يجب اعتقاد اختصاص أصلها بمعنى لا وجود له في الفرع، تقليلا لمخالفة الدليل النافي، وليس أحدهما أولى من الآخر، والتخيير وإن كان مقولا به عند تعارض الدليلين مع التساوي من كل وجه، فليس إلا على بعض الآراء الشاذة بالنسبة إلى ما قابله،\rكيف وإن الحكم إنما يثبت لما يصلح أو يكون مقصودا، وإثبات الحكم عند التعارض من كل وجه لتحصيل مصلحة على وجه يلزم منه مفسدة مساويه لا يصلح أن يكون مقصودا، فالحكم يكون منتفيا لانتفاء مقصوده.","part":4,"page":278},{"id":1220,"text":"الخامس والعشرون: أن تكون حكمة إحدى العلتين قد اختلت، احتمالا لمانع أخل بها دون الاخرى، فالتي لا يختل حكمها احتمالا، أولى، لقربها إلى الظن وبعدها عن الخلل والخلاف.\rالسادس والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين أفضى إلى تحصيل مقصودها من الاخرى، فتكون أولى، لزيادة مناسبتها بسبب ذلك.\rالسابع والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين مشيرة إلى نقيض المطلوب ومناسبة له من وجه، بخلاف الاخرى، فما لا تكون مناسبة لنقيض المطلوب تكون أولى، لكونها أظهر في إفضائها إلى حكمها، وأغلب على الظن، وأبعد عن الاضطراب.\rالثامن والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين متضمنة لمقصود يعم جميع المكلفين، والاخرى متضمنة لمقصود يرجع إلى آحادهم، فالاولى أولى، لعموم فائدتها.\rالتاسع والعشرون: أن تكون علة أحد القياسين أكثر شمولا لمواقع الخلاف من الاخرى، فتكون أولى لعموم فائدتها.\rوأما الترجيحات العائدة إلى الفرع فأربعة: الاول: أن يكون فرع أحد القياسين مشاركا لاصله في عين الحكم وعين العلة، وفرع الآخر مشاركا لاصله في جنس الحكم وجنس العلة، أو جنس الحكم وعين العلة، أو بالعكس، فما المشاركة فيه في عين العلة وعين الحكم أولى، لان التعدية باعتبار الاشتراك في المعنى الاخص والاعم، أغلب على الظن من الاشتراك في المعنى الاعم.\rوعلى هذا، فما المشاركة فيه بين الاصل والفرع عين أحد\rالامرين: إما الحكم أو العلة، تكون أولى، مما المشاركة فيه بين أصله وفرعه في جنس الامرين، وإن كان فرع أحدهما مشاركا لاصله في عين العلة وجنس الحكم، والآخر بعكسه، فما المشاركة فيه في عين العلة وجنس الحكم أولى، لان تعدية الحكم من الاصل إلى الفرع إنما هي فرع تعدية العلة، فهي الاصل في التعدية وعليها المدار.\rالثاني: أن يكون الفرع في أحد القياسين متأخرا عن أصله، وفي الآخر متقدما، فما الفرع فيه متأخر أولى، لسلامته عن الاضطراب، وبعده عن الخلاف، وعلمنا بثبوت الحكم فيه بما استنبط من الاصل.","part":4,"page":279},{"id":1221,"text":"الثالث: أن يكون وجود العلة في أحد الفرعين قطعيا، وفي الآخر ظنيا، فما وجود العلة فيه قطعي أولى، لان أغلب على الظن، وأبعد عن احتمال القادح فيه.\rالرابع: أن يكون حكم الفرع في أحدهما قد ثبت بالنص جملة لا تفصيلا، بخلاف الآخر، فإنه يكون أولى، لانه أغلب على الظن، وأبعد عن الخلاف.\rوأما الترجيحات العائدة إلى حكم الفرع وإلى أمر خارج، فعلى ما أسلفناه في المنقولات.\rوقد يتركب مما ذكرناه من الترجيحات ومقابلات بعضها لبعض ترجيحات أخر خارجة عن الحصر لا يخفى إيجادها في مواضعها على من أخذت الفطانة بيده.\rوقد أشرنا إلى جملة منها في كتابنا الموسوم بمنتهى المسالك في رتب السالك فعليك بمراجعته.\rوعلى هذا فلا يخفى الترجيح المتعلق بالاستدلالات المتعارضة بالنظر إلى ذواتها وطرق إثباتها.\rوأما التعارض الواقع بين المنقول والمعقول، فالمنقول إما أن يكون خاصا، وإما عاما.\rفإن كان خاصا، فإما أن يكون دالا بمنظومه، أو لا بمنظومه.\rفإن كان الاول، فهو أولى، لكونه أصلا بالنسبة إلى الرأي، وقلة تطرق الخلل إليه.\rوإن كان الثاني فمنه ما هو ضعيف جدا، ومنه ما هو قوي جدا، ومنه ما هو\rمتوسط بين الرتبتين.\rوالترجيح إذ ذاك يكون على حسب ما يقع في نفس المجتهد من قوة الدلالة وضعفها، وذلك مما لا ينضبط ولا حاصر له، بحيث تمكن الاشارة إليه في هذا الكتاب، وإنما هو موكول إلى الناظرين في آحاد الصور التي لا حصر لها.\rوأما إن كان المنقول عاما، فقد قيل بتقدم القياس عليه، وقيل بتقدم العموم، وقيل بالتوقف، وقيل يتقدم على جلي القياس دون خفيه، وقيل يتقدم القياس على ما دخله التخصيص دون ما لم يدخله.\rوالمختار إنما هو تقديم القياس، وسواء كان جليا أو خفيا، لانه يلزم من العمل بعموم العام إبطال دلالة القياس مطلقا، ولا يلزم من العمل بالقياس إبطال العام مطلقا، بل غاية ما يلزم منه تخصيصه وتأويله.","part":4,"page":280},{"id":1222,"text":"ولا يخفى أن الجمع بين الدليلين على وجه يلزم منه تأويل أحدهما أولى من العمل بأحدهما وإبطال الآخر، ولان القياس يتناول المتنازع فيه بخصوصه، والمنقول يتناوله بعمومه، والخاص أقوى من العام.\rفإن قيل: إلا أن العموم أصل، والقياس فرع، والاصل مقدم على الفرع، وأيضا فإن تطرق الخلل إلى العموم أقل من تطرقه إلى القياس على ما سبق تقريره، فكان أولى.\rقلنا: أما الاول فإنما يلزم أن لو كان ما قيل بتقديم القياس عليه هو أصل ذلك القياس، وليس كذلك، بل جاز أن يكون فرعا لغيره.\rفإن قيل: وإن لم يكن فرعا لذلك العام بعينه، فهو فرع بالنسبة إلى ما هو من جنسه.\rقلنا: إلا أن ذلك لا يمنع من تخصيص العموم بالقياس، وإلا لما جاز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد لكونه فرعا بالنسبة إلى ما هو من جنسه، وهو ممتنع على ما سبق.\rوما ذكروه من الترجيح الثاني، فهو معارض بمثله، فإن العام، يحتمل ان يكون\rغير ظاهر في العموم، وإن كان ظاهرا، فيحتمل الخصوص، واحتمال ذلك في الشرع أغلب من احتمال الغلط من المجتهد المتبحر، على ما لا يخفى.\rولهذا، قيل إنه ما من عام، إلا وهو مخصوص إلا في قوله تعالى * (والله بكل شئ عليم) * ولا كذلك القياس.","part":4,"page":281},{"id":1223,"text":"الباب الثاني في الترجيحات الواقعة بين الحدود الموصلة إلى المعاني المفردة التصورية واعلم أن الحدود على اختلاف أنواعها منقسمة إلى عقلية وسمعية كانقسام الحجج.\rغير أن ما هو متعلق غرضنا ها هنا إنما هو السمعية، ومن السمعية ما كان ظنيا.\rوعند تعارض الحدين السمعيين، فقد يقع الترجيح بينهما من وجوه.\rالاول: أن يكون أحدهما مشتملا على ألفاظ صريحة ناصة على الغرض المطلوب من غير تجوز ولا استعادة ولا اشتراك ولا غرابة ولا اضطراب ولا ملازمة، بل بطريق المطابقة أو التضمن، بخلاف الآخر، فهو أولى لكونه أقرب إلى الفهم، وأبعد عن الخلل والاضطراب.\rالثاني: أن يكون المعرف في أحدهما أعرف من المعرف في الآخر، فهو أولى لكونه أفضى إلى التعريف.\rالثالث: أن يكون أحدهما معرفا بالامور الذاتية، والآخر بالامور العرضية، فالمعرف بالامور الذاتية أولى، لانه مشارك للمعرف بالامور العرضية في التمييز، ومرجح عليه بتصوير معنى المحدود.\rالرابع: أن يكون أحد الحدين أعم من الآخر، فقد يمكن أن يقال الاعم أولى، لتناوله محدود الآخر وزيادة، وما كان أكثر فائدة فقد يمكن أن\rيقال بأن الاخص أولى، نظرا إلى أن مدلوله متفق عليه، ومدلول الآخر من الزيادة مختلف فيه، وما مدلوله متفق عليه أولى.","part":4,"page":282},{"id":1224,"text":"الخامس: أن يكون أحدهما قد أتي فيه بجميع ذاتياته، والآخر ببعضها مع التمييز، فالاول يكون أولى لانه أشد تعريفا.\rالسادس: أن يكون أحدهما على وفق النقل السمعي، والآخر على خلافه، فالموافق يكون أولى لبعده عن الخلل، ولانه أغلب على الظن.\rالسابع: أن يكون طريق اكتساب أحدهما أرجح من طريق اكتساب الآخر فهو أولى، لانه أغلب على الظن.\rالثامن: أن يكون أحدهما موافقا للوضع اللغوي، والآخر على خلافه، أو أنه أقرب إلى موافقته، والآخر أبعد، فالموافق، أو ما هو أكثر موافقة للوضع اللغوي، يكون أولى، لان الاصل إنما هو التقرير دون التغيير، لكونه أقرب إلى الفهم، وأسرع إلى الانقياد.\rولهذا، كان التقرير هو الغالب، وكان متفقا عليه، بخلاف التغيير، فكان أولى.\rالتاسع: أن يكون أحدهما مما قد ذهب إلى العمل به أهل المدينة، أو الخلفاء الراشدون، أو جماعة من الامة، أو واحد من المشاهير، بالاجتهاد والعدالة والثقة بما يقول، بخلاف الآخر، فهو أولى، لكونه أغلب على الظن وأقرب إلى الانقياد.\rالعاشر: أن يلزم من العمل بأحدهما تقرير حكم الحظر، والآخر تقرير الوجوب، أو الكراهة، أو الندب، فما يلزم منه تقرير الحظر أولى لما قدمناه في الحجج.\rالحادي عشر: أن يلزم من أحدهما تقرير حكم النفي، والآخر الاثبات، فالمقرر للنفي أولى، لما سبق في الحجج.\rالثاني عشر: أن يلزم من أحدهما تقرير حكم معقول، ومن الآخر حكم غير معقول، فما يلزم منه تقرير حكم معقول أولى لما سبق في الحجج.\rالتاسع: أن يكون أحدهما مما قد ذهب إلى العمل به أهل المدينة، أو الخلفاء الراشدون، أو جماعة من الامة، أو واحد من المشاهير، بالاجتهاد والعدالة والثقة بما يقول، بخلاف الآخر، فهو أولى، لكونه أغلب على الظن وأقرب إلى الانقياد.\rالعاشر: أن يلزم من العمل بأحدهما تقرير حكم الحظر، والآخر تقرير الوجوب، أو الكراهة، أو الندب، فما يلزم منه تقرير الحظر أولى لما قدمناه في الحجج.\rالحادي عشر: أن يلزم من أحدهما تقرير حكم النفي، والآخر الاثبات، فالمقرر للنفي أولى، لما سبق في الحجج.\rالثاني عشر: أن يلزم من أحدهما تقرير حكم معقول، ومن الآخر حكم غير معقول، فما يلزم منه تقرير حكم معقول أولى لما سبق في الحجج.\rالثالث عشر: أن يلزم من أحدهما درء الحد والعقوبة، ومن الآخر إثباته، فالدارئ للحد أولى، لما سبق أيضا.","part":4,"page":283},{"id":1225,"text":"الرابع عشر: أن يكون أحدهما يلازمه الحرية أو الطلاق، والآخر يلازمه الرق أو إبقاء النكاح، فالحكم فيه ما سبق في الحجج.\rوقد يتشعب من تقابل هذه الترجيحات ترجيحات أخرى كثيرة خارجة عن الحصر، لا تخفى على متأملها.\rوهذا آخر ما أردناه، ونهاية ما رتبناه.\rاللهم ! فكما ألهمت بإنشائه، وأعنت على إنهائه، فاجعله نافعا في الدنيا، وذخيرة صالحة في الاخرى، واختم بالسعادة آجالنا، وحقق بالزيادة آمالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، واجعل إلى حصنك مصيرنا ومآلنا، وتقبل بفضلك أعمالنا، إنك مجيب الدعوات.\rومفيض الخيرات، والحمد الله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم، إلى يوم الدين","part":4,"page":284}],"titles":[{"id":1,"title":"الجزء 1","lvl":1,"sub":0},{"id":296,"title":"الجزء 2","lvl":1,"sub":0},{"id":636,"title":"الجزء 3","lvl":1,"sub":0},{"id":941,"title":"الجزء 4","lvl":1,"sub":0}]}