{"pages":[{"id":1,"text":"السيد العلامة المفكر الإسلامي\rأبوبكر العدني بن علي بن أبي بكر المشهور\rالإهداء\rإلَى مَن أفرغَ في جَوفي جَوَالِقَ الشوقِ والذَوق … ورسَم لي بعاطِفته وعَقلِه منافِذَ الطَوق..\rوعَركَ بإبهامه وسبّابته شحمَةَ أذناي حتّى احمرَّتا، واستَجَابَتْ جُفوني فأَسبلَتْ واجتلَتُ الغِشاوة في مِخدَع المحاسبة الذَّاتية.\rإليه ما جَمعتُ .. وَأُقَبِّلُ كفَّهُ راضياً وأتمنى أن يَمنَحنِي الدُعَاء وأن يَأخُذَ بيدي إلى الباب الذي اعتدنَا أن نأنسَ إليه..\rبسم الله الرحمن الرحيم\rوبعد حمده وشكره :\rهاأنذا قد تطفَّلتُ بقصوري وضَعفي على أمرٍ كبير وبحرٍ غزيرٍ، رغبة في معرفة الحقيقة من مصادرها النقيَّة… فقد جُبٍلْتُ مُنذُ أن عرفتُ نفسي على البحث والتنقيب عن كل ما يفيدني راغباً في إجلاء الغشاوة عن عيني وإزالة الرّان عن قلبي، وتعدّدت قراءاتي ومطالعاتي.. واستقيتُ من مواردَ عديدة ومتنوعة، وشربت من مناهل متفرقة ومتباينة..\rولكن ومع كثرة ما شربت، زدتُ قلقاً على قلقي، وحيرة على حيرتي تجلّت في أبياتٍ قصيرة قُلتُها في لحظة من تلك اللحظات …\rماذا يقول وماذا يصنعُ البشرُ\rوما لنفسي مع الأيام تنتحرُ\rوفي مخيّلتي أمرٌ يُمزقني\rولستُ أدري بما يُخفيه لي القدرُ\rيجتاحُني ألمٌ يجتاحُني قلقٌ\rيجتاح عاطفتي سرٌّ له خطرُ\rضاقَتْ به كلُّ حالاتي ولستُ أرى\rبُدًّا من الصبر مَهْما طال بي السهرُ\rالمرءُ تحملُه أقدارُ حاضرة\rومنه تنتزعُ الإبداع أو تذر\rمَهْمَا بذلتُ من التفكير في زمني\rلن يُجدِ ذلك شيئاً قد مضى الخبرُ\rفلأستمرّ عَسى الأحداثُ تُنْضِجُني\rفالمرُء في قمّة الأحداث ينتصرُ\r****","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"وبين العواصف النفسية وقعت على لون جديد من الطلب يربط بين المعرفة وتوظيفها… فانصهرت بطاقتي بين الأقران، في مجال التنافس والتفاضل، واشتركت في الحلقات وفي الدّورات والمحاضرات.. وتكلمت بوعي وإدراك، وناقشت بشغفٍ ورغبة وجمعتُ .. ومحّصتُ .. وعلقتُ ما استطعت إلى ذلك سبيلاً…\rولكن القلقَ أخذ يتسم بالمدِّ والجزر ينخفض حيناً .. ويرتفع حيناً آخر .. حتى يكادُ يعصف بي .. مع إدراكي لما حولي من حقٍّ وباطل..\rوفي غمرة من غمرات المحاسبة .. ظهرَ لي أمرٌ كانَ خافياً أو كان محاطاً بغشاء رقيق.. غمرني فجأة وأشرق في ذاتي وقادني إلى طريق لمست فيها ملامح الأمان وفوحَة النور، ومُتعة النفس الحائرة .. وبين البحث عن هذا اللون المضيء في مكتبة والدي العزيز وجدت الإمام الغزالي حجة الإسلام في أكثر من رفّ ومكان..\rوعهدي بهذا الإمام منذ أن كنت صبيًّا أقرأ كتابه (بداية الهداية) في بعض الحلقات التي كان يقيمها والدي في المسجد واستأنست لعرضه الصّادق وأسلوبه المشرق.. بفطرة الصبي الفج .. ولكني نسيت كل شيء في غمرة المعركة المعرفية اللاحقة لهذا العمر.. وظلّ هذا الإمام يتعهدني في بعض المواقف المرتبطة بكتاباته وآدابه المعروضة في (بداية الهداية) أو أستمعُ إلى ذكره من لسان أبي وهو يشيد به ويأمر طُلاَّبه بقراءة كتبه..\rوالجوهرة لا تبلى ولا تفنى ولا تسقط في سوق العرض والطّلب إلا إذا سقط ذوق الناس.. ومصنّفات (حجة الإسلام) كلها جواهر.. تظهر مشرقة كالشّمس في هذا العصر الوبيئ .. المغرق في الماديّات إغراقاً بهيمياً وقد وقعت يدي بعون الله وتوفيقه على جوهرة من جواهر الإمام، فوجدت نفسي منقاداً إليها انقياد الطائع المريد.. فاجتمع في نفسي شوقٌ للعرض والتناول منها وإليها.. فبدأت أضع ملاحظاتي وكلماتي حتى تكونت وريقات متواضعة .. سميتها\rسياحة نفسية في رسائل الإمام الغزالي","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"وأدركت حينما كنت أجمعها أن واجبي كشاب مسلم أن أقول ما اعتلج في ذاتي نحو ديني وعقيدتي.\rفشبابُ المسلمين اليوم وغداً عليهم واجبات كبيرة تجاه هذا الدين الحنيف.. وبتعرفهم على منهاج تربوي إسلامي متفرد. يستمد تجربته الصرفة من روح الإسلام وتعاليمه يختصرون الطريق ويجدون البغية في مثل مجموع (الجواهر الغوالي) والذي يضمّ عدة رسائل هامة تحتوي على أسس تربوية ونفسية استنفذت من الإمام وقتاً وجهداً حتى جاءت ناصعةً مشرقةً كالشمس في رابعة النهار.\rوجديرٌ بي كطالب للعلم (وكمدَرس في المدارس الثانوية)(1) أن أبحث بروح المؤمن بالله عن خيط يوصلني إلى المقام الأسنى .. وأقود فيه معي كل محب لهذا النور المبين..\r\"ربنا آمنّا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين\" ويدي على يد كل طالب للمعرفة من روافدها المشرقة الفياضة .. إلى رحلة سياحية .. في رسائل الإمام الغزالي.\r****\rالمؤلف\rكيمياء السعادة\rالرسالة الأولى\rحًجَّة الإسلام :\rلا معنى لِلّقب إذا لم يكن صاحبه يمتلك الشروط الكافية المؤهلة لإطلاقه عليه. فالحجة هي (قوة الإقناع) بحيث يستطيع صاحبها أن يُخْرِس المعارَضَة بالحجَّة والدّليل ..\rوالتاريخ الإسلامي قد عرف رجالاً من الباحثين والفقهاء والدّارسين ووهبهم ألقاباً متعدِّدة .. منها ما يتلاءم حقاً مع مقام الرّجل المقلَّد .. ومنها ما قُلِّدَ به مجاملة أو أثراً عاطفياً ساد موقفاً من موقف العصور تلك.\rولست هنا في مقام الناقد للألقاب الإسلامية .. وإنما في مقام وضع رأيي المتواضع فيما يتعلق (بحجة الإسلام).\rلقد كان هذا الإمام (حجة) ولا شك ليس لأنه ملك عوامل الإقناع لبني عصره.. وإنما لأنه استطاع أن يثبت قوة الإقناع والحجة حتى اليوم.\rإذ هو ويبثُّ في نفس الدارس قوّةً غريبة يستمدُّها من قوة الإمام وصموده وصبره في مجال العلم والطّلب..\r__________\r(1) كان المؤلف حينها في عدن مدرساً في المدارس الثانوية ومنتدباً للجامعة ..اهـ .","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"ولقد أنصف الباحثون هذا الإمام .. وتناولوه من جهات عدة .. ولكن النهر يمنحك العطاء حيثما نزلت منه وحيثما وقفت.. وها نحن معه في منهاج نفسي روحي يقول :\rمعرفة النفس\rقال الإمام الغزالي :\rاعلم أن مفتاح معرفة الله تعالى هو معرفة النفس كما قال سبحانه وتعالى : { سنُريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } ..\rوورد في الأثر : (من عرف نفسه فقد عرف ربّه) وليس شيء أقرب إليك من نفسك، فإذا لم تعرف نفسك فكيف تعرف ربك(1) أهـ.\rقلت : يتحدث الإمام عن توظيف العلم في معرفة الحقيقة الأزلية .. التعرف على عظمة الخالق من خلال التعرف على الذات.\rإن علم النفس الإسلامي كما يراه الغزالي علماً غير مرتبط بأثر الغرائز.. بل يرى أن الدوافع الأولية والثانوية ليست سوى نزعات يمكن كَبْحُها وترويضُها وعدمُ الانقياد لها..\rقال:\" لقد جمعتَ في باطنك صفاتٍ، منها صفاتُ البهائم، ومنها صفات السِّباع، ومنها صفات الملائكة، فالروح حقيقة جوهرك وغيرُها غريب منك.. وعاريةٌ عندك فالواجب عليك أن تعرف هذا، وتعرف أن لكل واحد من هؤلاء غذاء وسعادة.. فإن سعادة البهائم في الأكل والشرب والنوم والنكاح، فإن كنت منهم فاجتهد في أعمال الجوف والفرج.(2)\r__________\r(1) معرفة النفس – الجوهر – ص7 – الطبعة\r(2) هذا ما وصل إليه عالم النفس النمساوي (فرويد) إذ جعل الجنس هو أساس الدّوافع.","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"وسعادة السباع في الضرب والفتك، وسعادة الشياطين في المكر والشر والحيل، فإن كنت منهم فاشتغل بأشغالهم وسعادة الملائكة في مشاهدة جمال حضرة الربوبية وليس للغضب والشهوة إليهم طريق(1) فإن كنت من جوهر الملائكة فاجتهد في معرفة أصلك حتى تعرف الطريق إلى الحضرة الإلهية، وتبلغ إلى مشاهدة الجلال والجمال وتخلص نفسك من قيد الشهوة والغضب.(2)\rقلتُ: الإنسان في التربية الإسلامية هو من يتصرف بقوته النفسية ضدّ رغباته ونداءاته، والأسرة المؤمنةُّ.. من تُنمِّي صغارها على كبح الرغبات الجسدية، وتغرس فيهم حب الخير والعمل من أجل الخير (مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر(3) ) ( ورضاء الله في رضاء الولدين ، وسخطه في سخط الولدين) (الجنة تحت أقدام الأمهات).\rوتموت عند تطبيق هذا المنهاج بصورته الحقيقية كل النداءات الجسدّية المصمّة للآذان… ويظهر على السطح نبت النبوّة السمحة.. تربية سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم النبي الذي نشأ تحت العناية الإلهية.. \"أدبني ربي فأحسن تأديبي\".\rولأن أتسامى وأخطوَ في طريق هذا النبي الكريم خيراً لي من أن انحدر في مضيق فرويد وأشباه فرويد.\rوعلى طرطيق النبي الكريم يتحدث الإمام عن الصّفات المختلفة المركبة في الإنسان فيقول:\r__________\r(1) الملائكة مثال أسمى للصفاء والطهر والنورانية وهو المسلك الجديد الذي دعا الإسلام إلى التصاعد فيه قدر الطاقة ( لا يكلف الله نفساُ إلى وسعها) وهو المنهاج الذي يجعل الإسلام متفرداً عن بقية الدعوات والأفكار. سيصبح به المسلم أنموذجاً وسطاً غير مفرطٍ ولا مفرط.\r(2) معرفة النفس … كيمياء السعادة (ص7).\r(3) وفرقوا بينهم في المضاجع .. أهـ.","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"(وتعلم : أن هذه الصفات لأي شيء ركبت فيك، فما خلقك الله تعالى لتكون أسيرها، ولكن خلقها حتى تكون أسراك وتسخرها للسفر الذي قدّامك، وتجعل إحداها مركبك والأخرى سلاحك حتى تصيد بها سعادتك(1)) .\rقلت : ولعل الإمام وهو يستعرض أسس منهاجه النفسي كان يعلم أن هناك من لا يأنسون بطبعهم إلى الخير، ويتطلعون بكل أدواتهم لطمسه وتلويثه.. وخلق المبررات والإدعاءات التي يدفعون بها عن أنفسهم ونزعاتهم الدنيئة.. فيقول (فكل من لم يعرف هذه المعاني فنصيبه من القشور لأن الحق يكون عنه محجوباً(2)).\rقلت : ياللعجب … ماذا سيقول عن هذا المنهاج أصحاب النظريات الحديثة؟ هل سيقولون إنه قاصر الرؤية؟ منهاج بني على أسس غيبية .. منهاج لم يرضخ للتجربة العلمية كما رضخت أبحاث فرويد وبافلوف وتورنديك ووورث ربّما يقولون؟ وربما يقولون أكثر من ذلك … وهم معذورون لأن (كل إناء بما فيه ينضح)!!!\rوهذا هو المنهاج الذي نضح به صَدْرُ حجة الإسلام، فالإناء ممتلىءٌ علماً وتجربةً وصدقاً وضميراً حياً، وحبًّا للعدل وأهله ... ثم هو يتحدث من العلم الذي وصل إليه بطريق المعاناة والمكابدة… والرحلة في طلب المعرفة، وجمع الأسباب الموصلة إلى حل المعادلة الصعبة في مجتمع كان أشبه ما يكون بمجتمع اليوم في طغيان الماديّات على الروحيّات، وارتفاع طبول الحذلقة والسفسطة وهدم الإيمان بصور عديدة..\rفرق متناحرة .. عصبيات شعوبيّة .. مجون وخلاعة .. دخل ونحل على صلب الدين الحنيف وغير ذلك من الوسائل المنتشرة آنذاك ..\rويردّد الإمام عبارته مرة أخرى فيقول (فكل من لم يعرف هذه المعاني فنصيبه من القشور لأن الحق يكون عنه محجوباً).\rقلت : قشور …! حجب عن الحقيقة .. هذه هي وجهة نظر الإسلام حتى مع العلماء… {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأَضَلَّهُ الله على علم .. } .\r__________\r(1) كيمياء السعادة ..(ص7).\r(2) كيمياء السعادة ..(ص8).","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"ولسنا هنا في مقام التفضيل بين المناهج.. ولكن في مقام التفصيل لمنهاج الإمام الغزالي المستمد من الدين الإسلامي مع عدم إغفال المنهاج للدور العلمي الكبير الذي أدته وتؤدِّيه مدارس علم النفس الحديثة في الكشف عن أسرار النفس الإنسانية على مافيها من مآخذ..\rوالإمام \"حجة الإسلام\" يضع للمسلمين فلسفة نفسية على أساس من النقاء والطهر… مع عدم إغفال طبائع البشر الوضعية في الميل للظلم والجريمة والدّعة والمجون..وإنما ياخذ بأيدي هؤلاء يهديهم للأسباب المنقذة لهم من الوقوع في الموبقات ويبحث عن أعماق النفس عن تركيبها الخفي ومواصفات تزكيتها..\rيقول: (إنك مركب من شيئين .. الأول هذا القلب ، والثاني يسمّى – النفس والروح، والنفس هو القلب الذي تعرفه بعين الباطن وحقيقتك الباطن لأن الجسد أول وهو الآخر، والنفس آخر وهو الأول(1) …)\rالقلب … النفس والروح …\rيقول الإمام: (والنفس هو القلب الذي تعرفه بعين الباطن، وحقيقتك الباطن). قلت الإمام لا يجعل من الجوارح الظاهرة وأفعالها المباشرة وغير المباشرة حقيقة الإنسان .. لكن الحقيقة هي في الباطن … النفس … الروح القوة التي تحتار فيها كل الخلائق العاقلة القوة الغريبة في هذا الهيكل المتناسق والذي يصبح جثة هامدة لا حراك فيه ساعة أن تُوليِّ عنه إلى عالم آخر .. والنفس أو الروح .. لاشك أنها حبيسة في هذا الجسد الأرضي طول حياة الإنسان ولذلك فلابد من قوة تقوم بدور المنبّه والمهذب لهذه النفس الحبيسة .. تكون هذه القوة تحت إمرة الإنسان ذاته .. إنه العقل .. يقول الإمام ..(وقد أُمر ابن آدم بأن يكشف ظُلَمَ الجهل بنور العقل خوفاً من الفتنة كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (ما من أحد إلا وله شيطان ولي شيطان وإن الله قد أعانني على شيطاني حتى ملكته).(2)\r__________\r(1) كيمياء السعادة … ص8.\r(2) كيمياء السعادة .. ص13 وجاء في روايات أخرى بلفظ ولكن الله أعانني عليه فأسلم . اهـ.","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"قلت : ظُلَمُ الجَهْل – نُورُ العَقل – خَوفُ الفتنة الجهلُ ظَلام – والعقلُ نور – والفِتْنَةُ سبب الشرور والرسول صلى الله عليه وآله وسلم بسطوع نور العقل المسدد من عند الله استطاع أن يمتلك زمام الشيطان الموكل به .. إذن ما هو هذا النور أهو العلم والمعرفة ؟ إن الرسول لم يكن من أهل العلم المقروء بمكان(1).. لكن كثيراً من العلماء لا نجدهم إلا إلى الشَّر والإثم أقرب رغم علومهم ومعارفهم ورجاحة عقولهم.\rإذن فنور العقل لا يكعني أمراً مكتسباً يجمعه المرء خلال تجربته المعرفية.\rولكنه نور من الله واردٌ\r……أتى ذكره في سورة النور فاستقر(2)\rوهذا النور المقذوف في قلب الإنسان لا يظهر مصادفة ولا عرضاً ولكن له أسباباً وظواهر …\rالمجاهدة للنفس .. التسامي فوق الذات البشرية ورغباتها الحيوانية .. الالتزام بالشريعة.\rأما العلم .. فهو مجرد وسيلة .. إما أن ترفع صاحبها إلى مستوى الإشراق والنور وإما أن تهوي به إلى هاوية الظلال السحيق.\rوالجهل .. لا يعني الأمية بمفهومنا .. ولكن الجهل هنا أمر آخر .. إنه السَّفه .. غمط الحق رغم معرفته .. الغشاء الحاجب عن العقل العالم نور الحقيقية ربما يكون الرجل عالماً فيزيائياً .. أو كيميائياً .. أو طبيباً .. أو فيلسوفاً .. أو غير ذلك ولكنه مع ذلك (جاهل)..\rلأن علمه ومعرفته كانت وسيلة شرٍّ على نفسه يخفي حقيقة العلم رغم أنوره. من أجل مكانة دنيوية ومن أجل شهرة في عالم المعجبين …\rرجل يمتلك العلم الكفيل بكسر حواجر الوجود ليتعرف على الواحد المعبود فيستعد لخدمة ظُلَمِ الجهل..\r__________\r(1) { وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون * بل هو آيات بينات في صدور الذين أتوا العلم .. }\r(2) ديوان الإمام عبد الله الحداد.","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"والفتنة .. حالة سببية يصاب بها العالم المفتون الغارق في إطار نظر قصير.. يفكر بما يسعد ذاته .. يلبي رغباته .. يمنحه السعادة الصورية والرضاء حتى لو كانت ضريبة ذلك مسخ العقل والضمير.\rينبهر بما يرى .. يشرقُ بما يبحث .. يتوه في عالم الملكوت المتباعد .. فينقلب إليه البصر خاسئاً وهو حسير ..\rوتنتفخ الأوداج فينطلق في سرد أحوال الأبراج والسدم والأفلاك وكأنه الذي صنعها ونظّمها ورتب مسيرتها .. سيجعل من سرد المعلومات عنها برهاناً للإلحاد.\rوينسى أنه لم يفعل شيئاً سوى أنه علم بها .. ولاحظ نشاطها ورصد بوسائله آثارها.. رغم وجودها منذ الأحقاب الطويلة .. وعلمها عند ربي .. من قبل ومن بعد .\rنحن والرسول سواءٌ في البشرية .. ولكن المجاهدة والمعاناة والعناية الربانية كانت على موعد مع هذا الجسد الشفاف المرتاض برياضة النفس الملهمة أربعين عاماً … ولذلك يقول صلى الله عليه وآله وسلم (مامن أحدٍ إلا وله شيطان ، ولي شيطان وأن الله قد أعانني عليه فأسلم).\rالشيطان : قوة خفية .. يجري من ابن آدم مجرى الدم يسخِّر الغرائز لطمس نور العقل. لإثارة الضباب على صفاء النفس البشرية .. فيتلوث الجو .. وتظلم الرؤية .. ويتخبط الساعي .. ويقع في المحظور.\rأسلم شيطان الرسول . فكان بذلك أول قائل لبلال (أرحنا بها يا بلال) .. ويقول ( وجعلت قرة عيني في الصلاة) .. وذلك مقام النبوّة .. ولكن الظواهر تدل على النتيجة..\rالرسول منذ أن عرف نفسه وهو يبتعد عن الشر حتى دخل دائرة الخير الواسع والفيض الإلهي..\rسعيه إلى الخير حباً غريزياً فيه .. فكانت نتيجته أن اصطفاه مولاه للأمانة الكبرى .. الرسالة السماوية..\rإذن فالأرتياض على الخير يفتح للعقل باباً من النور .. يبعده عن أبواب العقل الجاهل..","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"ومن الضرورة بمكان أن ينفتح للمرتاض باب في عالم الإشراق كما انفتح لأولئك الرجال الذين عرفهم تاريخ الإسلام.. وقد تناول الإمام هؤلاء وتناول الوسيلة الموصلة إلى النتيجة المبهجة فقال: (ولا تظنن أن هذه الطاقة(1) تنفتح بالنوم والموت فقط .. بل تنفتح باليقظة لمن أخلص الجهاد والرياضة وتخلص من يد الشهوة والغضب والأخلاق القبيحة والأعمال الرديئة فإذا جلس في مكان خال وعطّل طريق الحواس ، وفتح عين الباطن وسمعه وجعل القلب في مناسبة عالم الملكوت وقال دائماً (الله الله الله) بقلبه دون لسانه إلى أن يصير لا خبر معه من نفسه ولا من العالم ويبقى لا يرى شيئاً إلا الله سبحانه وتعالى انفتحت تلك الطاقة(2).\rقلت: يا ترى أن مثل هذا الإستغراق يعطِّل قوة الإنسان ويمنعه عن العمل؟ يصرفه عن الحياة؟ يبعده عن الغوص في المقلاة كما عبَّر عن ذلك الكاتب الفلسطيني \"غسان كنفاني\" في قصته المعروفة \"رجال تحت الشمس\".\rهم هكذا يعتقدون .. أو هكذا يزين لهم الشيطان.. أما هم قد اتهموا شهر رمضان بأنه يعطل الإنتاج؟ .. مع أنهم يعرفون تماماً أن هناك من هم معطلون للإنتاج طول الحياة في رمضان وفي غير رمضان ومن صامَ رمضان عن صدق وإيمان حاشا أن يكون أداة تعطيل وإنما هو زيادة وأمانة وتفان..فمن خشي ربه وعمل صالحاً سيعمل الخير لغيره حبًّا ورضاً.\r__________\r(1) الطاقة يقصد بها هنا القوة المبينة للإنسان حركة الملكوت وقوانينه على أساس الإيمان المطلق بالله تعالى واعتبار كل تعليل من التعاليل العلمية هو مجرد سبب فقط يجلي التدرج المعرفي للباحث ولكن المحرك الأساسي هو الله …\r(2) وهذا هو المسفر بمقام الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك والمقصود هنا بالرؤيا تمام المراقبة وصدق الشهود.","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"ولذلك فالاستغراق في مجاهدة النفس ورياضتها لتصل إلى معرفة خالقها ليس تعطيل ولا ضعفاً ولا انهزاماً كما عبر عنه \"زكي مبارك\" في كتابه (التصوف الإسلامي) بل أنه سموٌّ وعلوٌّ وتربية إسلامية صرفة..\rوالمسلم الصادق في إسلامه وإيمانه لابد يتطلع لهذا المنهاج التربوي ويتدرج فيه قدر طاقته وجهده \"لا يكلف الله نفساً إلا وسعها\" ..\rولا نقصد هنا بمنهاج الإسلام التربوي رضى فئام الناس أو رضى علماء العصر الحديث من شرقيين وغربيين وأشياعهم..\rوإنما ندعو كل مؤمن صادق يدرك مفهوم التفرد في منهاجه الإسلامي .. كما دعى لذلك علماء وقادة المسلمين الروحيين المخلصين في غابر العصور لا دعوة السياسيين المرتبطين بالمصالح الدنيوية الصرفة، مع إشارتنا إلى ضرورة التعرف بوعي على ماقد يدخل إلى ديننا ومنهاجنا من أعدائه في القديم وفي الحديث .. عبر مساقات التسييس والتبادل المعرفي.\rإن منهاج علم النفس الإسلامي يربي النفس لغاية شريفة وعالية يرفعها من حضيض الهوى إلى سمو الإنسانية .. إلى نور العقل المقيد بالشرع .. إلى نور الله .. \"يهدي الله لنوره من يشاء\" ومن ظن في نفسه صدق المنهاج الذي يتبعه فعليه أن يعرضه إلى هذا المنهاج النفسي التربوي ليعرف مقامه في دينه وإيمانه..\rلقد كان في حياة نبينا الكريم رجال عديدون يحومون في دائرة الإسلام درءاً لدمائهم وأعراضهم وطلباً لتحقيق مصالحهم وأغراضهم .. ولكنهم بعيدون كل البعد عن منهاج الإسلام الحقيقي..\r{يخادعون الله والذين آمنوا .. وما يخدعون إلى أنفسهم وما يشعرون .. في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون(1) } .\r__________\r(1) البقرة.","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"ولذلك فقد حدد القرآن منهم موقفاً ووصفهم وصفاً دقيقاً يؤكد على مدى ما كان لهم من أثر على الناس وعلى الرسول {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وان يقولوا تسمع لقولهم .. كأنهم خشب مسندة * يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون } (1)\rلاشك أنهم متحذلقون .. يملكون قدرات بارعة في الاستحواذ على المستمع .. (وإن يقولوا تسمع لقولهم) ويملكون أيضاً شخصيات جسدية (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم).\rولكن المنهاج الإسلامي النفسي والتربوي لا يحكم على هذه المظاهر وإنما على التركيب الداخلي للإنسان..\rوهذا هو المنهاج السليم الذي حمله المسلمون الأوائل إلى مشارق الأرض ومغاربها ليجتاح كل ماديات الفرس والروم .. وليرسي أسساً جديدة على كل مناحي الحياة الإجتماعية .\rوالاقتصادية .. والسياسية.. الخ .. إنها قوة الإيمان بالله ودينه.. قوة الثبات في مجاهدة النفس أمام المغريات.\rإن المسلمين في حروبهم المتعددة مع أعدائهم لم يتفوقوا لكثرة عددهم وعدتهم .. وإنما لتقواهم ومجاهدتهم رغباتهم وشهواتهم …\rوكانت تلك علة الهزيمة للمشركين فهم غارقون في عبادة الذات عاكفون على اللذات والشهوات لا يبصرون أكثر من أبصارهم ما يشبع الجوع والظمأ في الجسد وما يحقق المال والجاه في المجتمع.\rواجتاح المسلمون الصادقون مسلكاً وسلوكاً كل هذه المظاهر الجوفاء ليحققوا للعقل الإسلامي مكانته في الحياة…\rوخير دليل على قوة الكيان الإسلامي رسالة عمر(2) العسكرية إلى سعد بن أبي وقاص والتي تعد مرجعاً صحيحاً وصورة حقيقية للتغير الواضح في المنهاج الإسلامي قياساً بغيره من مناهج الإمم .. قديمها وحديثها..\rوقبل أن أغلق المصراع على سياحتي الأولى في [كيمياء السعادة] للإمام الغزالي . أضع الأثر الإسلامي المعروف نصب عيني .. مبدءاً دائماً ودستوراً لازماً لن نبلغ ما نصبوا إليه إلا به…\r__________\r(1) البقرة.\r(2) عمر بن الخطاب رضي الله عنه .","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"\"لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها \" أو ما في معناه.\rوما هذه المأساة التي يعيشها المسلمون في عالمنا الإسلامي والعربي إلا نتيجة الإغتراب عن المنهاج الصحيح.\rالمنهاج الذي يؤكد القرآن على جدواه في إعادة الحياة الرغيدة لبني البشر { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض .. ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون } .\rإن كل ما أصابنا .. هو نتيجة طبيعية لمسلكنا .. للطريق الذي اخترناه لأنفسنا .\rولن يجدي لهث وراء أولئك ولا وراء هؤلاء .. لأن منهاجهم بعيد عن منهاج الإسلام .. ولذلك فنحن في خيار .. إما أن نتبع من سلف أو أن نخطو في طريق هؤلاء الأدعياء ونكون أبواقاً لغيرنا بلباس الإسلام والإيمان..\rوتطول بنا رحلة الاغتراب شئنا أم أبينا.\r\"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم\".\r\"ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين\".\rإن علينا أن نعود لننظر في أمرنا ونعالج حالنا .. ولا أشك أن لدينا مقدرة مادية وروحية .. وأساساً راسخاً للتشريع والتقنين.. ونعيد الوجه الإيجابي يشرق بنور الله على العالم..\rويخفت به من جديد صوت الرغبات الجسدية وندآءآت الفسق والفجور الكفر والزندقة والإلحاد وتسيس المبادئ والأديان .. وإلى الأبد …\rويشعر بالغثيان كثير من القراء الذي رغبوا حياة معينة .. وارتاحوا في ظل الإنطلاق اللامحدود يستمتعون ويُمتعون.. فبين مؤيد ومعارض وبين موافق ورافض وبين صامت ومحلل.. يتناولون ما نقول .. ولماذا قيل؟ وماهي جدواه؟ وأين هي الحقيقة الصِرفَةُ التي يُتحدث عنها؟.\rوأخيراً: يغلقون الكتاب ويضعونه في أفضل الأحوال على الرف.. إن لم يرمى في المزبلة .. ويقولون لقد كان مؤلفه رومانسياً خيالياً .. [طوباويًّا] لم يغص في المقلاة ولم يعش الواقع وليظل أثراً بعد عين.\r****\rالرسالة اللدنيَّة\rالرسالة الثانية","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"العلم اللّدني .. والعلوم المكتسبة : قال الغزالي :\"العلم تصوّر النفس الناطق المطمئنة حقائق الأشياء وصورها المجردة عن المواد بأعيانها وكيفياتها وكمياتها وجواهرها وذواتها إن كانت\"\r[\"والعالم\" هو المحيط المدرك المتصور و\"المعلوم\" هو ذات الشيء الذي ينتقش علمه في النفس(1)]\rقلت : بهذا التعريف العلمي المترابط يتخذ الإمام مدخله إلى التفصيل بين العلم اللدني والعلوم المكتسبة.. وليس المقصور باللدني هو الموهوب بالوراثة .. أو كما يسميها علماء النفس اليوم الاستعدادات الفطرية .. وإنما المقصود به العلوم التي يقذفها الله في قلب من يختصه من عباده .. كالأنبياء والأصفياء والأولياء وهي علوم في جوهرها وشكلها ذات بعدٍ خاص تؤدي دوراً في تثبيت الشريعة وفهم مقاصدها ..\rولكنها قد تختلف عن العلوم التي نألفها اليوم .. لأنها لا تعتمد على قياس ولا تجريب ولا مقارنة ولكنها تعتمد على ارتياض روحي معيّن .. ونَبْذٍ لكثير من شروط العلم الظاهر واهتمام بتنقية الباطن واجلائه.. ليشهد شؤونه بالحس أكثر من الرؤية المباشرة.\rولذلك يرى الإمام أن للعلم شرف فيقول :\"شرف العلم على قدر شرف معلومه، ورتبة العالم تكون بحسب رتبة العلم\".\rوحديثه هذا لايقتصر على العلم اللدني وحده.. وإنما يحتوي على شرف كافة العلوم .. ولكنه يرى أن العلوم المكتسبة هي علوم من الدرجة الثانية .. أي أنها وسيلة للحياة وليست غايتها..\rوإنما العلم الحقيقي الذي يعد من أشرف العلوم وأجلها وأكملها هو (علم التوحيد) وهذا العلم ضروري وواجب تحصيله على جميع العقلاء(2) والمعترض على هذا الرأي المستقيم إنما لم يعرف من العلوم سوى ما تصورته نفسه الناطقة المطمئنّة إلى الملموس تجاه العين المجردة.\r__________\r(1) الرسالة اللدنية ص20.\r(2) الرسالة اللدنية ص22.","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"ويفسر الإمام حجة الإسلام أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الواردة في الحث على العلم الموصل إلى علم التوحيد معتبراً أن كافة العلوم المكتسبة يجب أن تكون معينة على التوحيد.\r\"طلب العلم فريضة على كل مسلم\"(1)\rوأمر بالسفر في طلب العلم هذا \"اطلبوا العلم ولو في الصين\" وماذا عسى أن يكون في الصين من علوم دينية .. ولكن الصورة النبوية جلية في ضرورة طلب العلوم على اختلافها لتكون سبيلاً إلى التوحيد وسبيلاً إلى توفير حاجة الإنسان في الحياة(2)…\rوالعالم الذي يكون هذا سبيله هو أفضل العلماء .. فالتوحيد هو أساس العلوم ودليل الإمام على ذلك قوله تعالى …\r{ ولله الحجة البالغة } .\r{ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم}.\rفعلماء التوحيد بالإطلاق هم الأنبياء وبعدهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء.\rوهذا العلم – أي علم التوحيد – وإن كان شريفاً في ذاته كاملاً في نفسه لا ينفي سائر العلوم بل لا يحصُل إلا بمقدمات كثيرة وتلك المقدمات لا تنتظم إلا من علوم شتى(3)…\r__________\r(1) في رواية أخرى (على كل مسلم ومسلمة).\r(2) هذا رأي بعض المحللين للحديث .. بينما يرى البعض أن المقصود به البعد لا نوع العلم اهـ.\r(3) إشارة واضحة إلى علوم الحياة وبأنها مجرد وسيلة لمعرفة الأسمى والغزالي هنا يجعل من كافة العلوم وسيلة للتعرف على علم التوحيد. لقد وصل الإمام إلى هذا المقام بالتدرج في شتى العلوم..والمتابع بتمحيص لحياة الإمام يجد أن تجربته أثمرت هذا اللون من التفرد في تحليل العلوم نتيجة المعاناة الصعبة التي مر بها.","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"وبناء على ذلك فكل علوم الحياة بذاتها مطلوبة .. ومرغوب للمرء أن يتعلمها ويطلع عليها مهما كانت في مستوى نظره (سيئة) أو (غير صالحة) لأنها ضد الجهل، والجهل ظلمة والعلم نور.. والإمام يدلل على ذلك في قوله:\"فاعلم أن العلم شريف بذاته وإن كان باطلاً، وذلك أن العلم ضد الجهل والجهل من لوازم الظُلمة، والظُلْمة من حيز السكون. والسكون قريب من العدم، ويقع الباطل والضلالة في هذا القسم(1).\r\"فالعلم أشرف من الجهل .. فإن الجهل مثل العمى والظلمة ، والعلم مثل البصر والنور.. وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور – قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون(2).\rقلت: إذن فوقفةً مع الإمام في هذا المقام تكاد تكون ضرورة خصوصاً في عصرنا اليوم حيث اتجه الكثير من الناس إلى حرمان أبنائهم من شرف العلوم لأسباب ومبررات تافهة القياس.. فالإمام ذاته لم يبلغ ما بلغ إليه من المعارف والعلوم إلا بعد أن شرب من كل منهل ووقف على كل علم في حياته وعصره .. لقد عبّر هو عن نفسه في كتابه (المنقذ من الضلال) يقوله…\r__________\r(1) الرسالة اللدنية ص22.\r(2) الرسالة اللدنية ص22.","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"\"ولم أزل في عنفوان شبابي منذ أرهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين إلى الآن ، وقد أناف السِّن على الخمسين، أقتحم لجَّةَ هذا البحر العميق وأخوض غمرته خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مُظلِمَة، وأتهجم على كل مشكلة، وأتقحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة لأميز بين محقٍّ ومبطل، ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنياً إلا وأنا أحب أن أطلع على بطانته، لا ظاهريّاً إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته ولا فلسفيًّا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلماً إلا وأجتهد في الإطلاع على غاية كلامه ومجادلته.. ولا صوفياّ إلا وأحرص على العثور على سرِّ صفوته، ولا متعبداً إلا وأترصد إلى ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقاً معطّلاً إلا وأتحسس وراءه للتنبّه لأسرار جرأته في تعطيله وزندقته(1)\r__________\r(1) المنقذ من الضلال:\"وفي هذه التجربة ما يميز الإمام في دعوته عن غيره فهو يتحدث عن تجربة ومعاناة.. وبذلك يبين أثر العلوم التي يختبرها الإنسان ويتعرف على مكامن قوتها وضعفها حتى يستطيع بفضل الله أن يدحض ما قد يفترى على دين الله فيها..\rوأعتقد أن إقتداءنا بالغزالي في منهاجه المعرفي وسيلة جيدة لكسر الطوق المفروض على طلاب العلم باستقاء المعارف مقنة ومختصرة وفي تخصصات وفروع محددة بحيث يتم تخرج الشاب بعد مرحلة دراسته متخصصاً في فرع معين دون أن يتعرف على جوانب هامة في حياته المعرفية فيصير بذلك آلة بشرية لا حول له ولا قوة غير الارتباط بفرع صناعي أو إداري أو غيره يدور ويحور في هذا الفلك بإطار ومفاهيم ضيقة… ولا شك أن للتخصص مكانة في علوم الحياة المعاصرة ولكن التخصص لا يتأتى إلا بعد وضع قاعدة معرفية مساعدة على سياحة عقل الشاب في كافة المعارف اللازمة والضرورية لحياته الدنيا ولآخرته أيضاً .. أي أن يتخصص بعد أن يحدد اتجاهه العقائدي إتجاهاً صحيحاً لأن التوحيد ينبني على الأخذ من كافة العلوم .. اهـ.","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"وعلى هذه القاعدة العلمية الجريئة تحدث الإمام عن غاية العلوم بعد أن محَّص سبلها وطرائقها.. محدداً الأسس التي لابد أن ينهجها المتعلم أو العالم.\rوللعالم في طلب العلم طرق عديدة …\rوالآن لا يتعين عليك بعد معرفة فضل العلم إلا معرفة النفس التي هي لوح العلوم ومقرها ومحلها، وذلك أن الجسم ليس بمحل للعلم لأن الأجسام متناهية، ولا تسع كثرة العلوم بل لا تحتمل إلا النقوش والرقوم والنفس قابلة لجميع العلوم من غير ممانعة ولا مزاحمة ولا ملال ولا زوال(1).\rيرى حجة الإسلام النظرية الإسلامية الحقيقية من زاوية مفاهيم الدين الحنيف فالعلم لا يعني أن نتعرف على موجودات الحياة وأساليبها فقط ولا على اللغات وأنواعها.. ولا على هذا ولا ذاك، وإنما العلم الحقيقي في فلسفة الإمام المسلم المؤمن أن تتعرف على نفسك وتهذبها وتصقلها بالعلوم.. أن تكون وعاء نظيفاً لطيفاً يسخر هذه المعارف إلى ما خلقت له النفس من الخير والسعادة والبذل وصنع الأفضل المتطور دائماً.\rأما الذين تفسد نفوسهم وتسوّد بذلك أخلاقها وأمزجتهم فعلمهم لا يعد إلا وبالاً عليهم وعلى غيرهم.\rلأن نداء الجسد في نفوسهم قد علا وطغى والأجسام كما يرى الإمام متناهية ولا تتسع كثرة العلوم بل لا تتحمل إلا.. النقوش والرقوم(2).\rإذن فالعلم في منهاج الإسلام له شرف ومكان أوسع وأشمل..\rالمتعلم للعلوم في سياسة الإسلام التربوية لابد أن يوظف كل ثمار نشاطه العقلي والجسمي لخدمة حياته (الدنيا والأخرى) ليصبح كل نشاط عبادة.. كل نشاط يربح فيه المرء أجر الآخرة وأجر سعادة الدنيا.\rهذا ما يفرق بين طالب علم الدين الإسلامي وطالب العلوم الأخرى بمنهاج الحضارة الأوربية.\r__________\r(1) ص23 الرسالة اللدنية.\r(2) الرسالة اللدنية ص23.","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"هنا يكمن التفرد في التربية الإسلامية طالب العلم المؤمن بالمنهاج الإسلامي يجعل من طلبه للعلوم وسيلة .. يتعرب بها إلى الله .. وهذا يعني أنه سيراقب ربه قدر استطاعته حتى لا يكون طلبه للعلم يضر بنفسه ويضر بغيره…\rإنه يتدرج في سلم الاكتشاف والاختراع والاطلاع ليصل إلى حقيقة غايته..\rمعرفة الله في موجوداته..\rوهذا هو طالب العلم الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب).\rمقام سام ورفيع.. أن يبلغ بالمخلوقات النورانية أن تتواضع وترخي أجنحتها .. ليسير عليها طالب علم يبحث عن حقيقة الحياة وغايتها..\rلا يقف أما اختراع فينبهر ولا أمام اكتشاف فيضطرب ولا تجاه تحضير لمركب جديد فيلحد.\rإنه ينظر في كل ذلك حقيقة واحدة.. وحدة الله .. تترآءى في وحدة خلقه(1) للعلم جلال وهيبة وتقدير عند الخالق..\r{شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط } ..\rالعلم أساس الدين ومعرفته..\r{ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } .\rلن يحصل إنذار إلا بالتفقه في الدين ولن يحصل التفقه إلا بتفرغ طائفة من كل جيل ومن كل أمة يسافرون في طلب المعرفة ويتزودون منها..\rفالفقيه احتوى صدره على علوم عصره قبل أ، يفتي ويعلم ويحكم ..\r__________\r(1) تعبير يردده الدكتور أحمد زكي في مقالاته بمجلة العربي.","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"والتفقه في الدين لا يحصر المتفقه على معرفة العبادات والمعاملات والحدود والجنايات والأنكحة والفرائض وعلوم التفسير والحديث …لا… إن المتفقه من يكون أكثر من ذلك.. من يطلع على علوم عصره قدر الإمكان.. لارتباطها بالدين..لكونها وسيلة توصل المتعلم إلى الغاية المطلوبة في منهاج التربية الإسلامية لأنها تعلمه الوجوه المتعددة للحياة .. آراء الفلاسفة، وجهات نظر المفكرين، تجارب الأمم.. نتائج وثمرات الحضارة .. كل ذلك يصبح خلفية ثقافية تساعد المتفقه على أن يسبر أغوار الحياة ويتناولها مرتبطة بعلوم الدين الخاصة.\rإذن وما شأن هذه العلوم التي ينظر إليها الشاب اليوم؟\rأليست هي أيضاً في خدمة الإنسان أليست هي وسيلة لتطور البلاد المتخلفة لتصبح مواكبة لتطور العالم..\rقلنا بلى .. ..\rهي حقاً علوم في خدمة الإنسان .. وفي سبيل تطوره وبناء مستقبله ولكنها لا تكون أكثر من ذلك.. إلا إذا كان المتعلم والمهاجر في سبيلها ينوي في قرارة نفسه أن يعرف ربه حق المعرفة كما يريد أن ينهل من موارد هذه العلوم. والأجر في منهاجها الإسلامي لا يأتي بالهجرة وحدها .. ولا بالتغرب عن الوطن وإنما يأتي من خلال النية .. من خلال الباطن..\rمن خلال ما تضمره النفس وليس أدل في هذا المقام من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي قاله في موقف نفسي حاد..\r\"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فجهرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو إمرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه\".\rوإننا نرى اليوم في حياتنا كثيراً ممن يهاجرون في سبيل العلوم قد انحرفوا عن جادة الصواب.. وخرجوا عن الطريق القويم.. ويتطلعون بشغف لنشر وبائهم على بقية المحافظين في بلادهم.","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"إن كثيراً منهم يتغيرون في سلوكهم وتفكيرهم قبل أن يسافرون، ولكنهم بعد عودتهم من رحلاتهم المختلفة يكونون أكثر قدرة على التحدي والاستهتار ويعيبون كل العيب على من ظل من الشباب مرتبطاً ببعض آداب الإسلام وتقاليده. زاعمين بأنها لا تتلاءم مع الحياة العصرية..\rلست أدري ماذا يقصدون بهذه الملاءمة هل يقصدون بها الخروج عن دائرة الإسلام والإيمان لنصبح كفره.\rهل يقصدون التوليف .. بأن نجمع من هنا ونجمع من هناك لنكوّن كرنفالاً من الأخلاق والعادات هذا أمر يحيِّر وخصوصاً عندما يكون دعاة هذا الأسفاف طليعة المجتمعات الإسلامية المثقفون كما يسمون أنفسهم، وكما ألبستهم معارف الحضارة هذا اللقب الفضفاض.\rإنني عندما أعرض كل هذا الأمر المفروض على منهاج الإسلام الصرف أرى أن كل تلك الدعوات ليست سوى تبريرات لا تمثل في محتواها غير وجهة نظر مريضة غارقة في عبادة اللذة والجسد. محجوبة عن حقيقة العلم وغايته الصحيحة.\rب) أصناف العلم وأقسامه:\rقسم الإمام حجة الإسلام العلوم إلى قسمين أحدهما شرعي، والآخر عقلي…\rالقسم الأول : العلم الشرعي:\rوينقسم إلى نوعين، أحدهما في الأصول(1) وهو علم التوحيد، وهذا العلم ينظر في ذات الله تعالى وصفاته، وينظر أيضاً في أحوال الأنبياء والأئمة من بعدهم والصحابة وينظر في أحوال الموت والحياة، وفي أحوال القيامة والبعث والحشر والحساب.\r__________\r(1) وهو النوع الأول من العلوم.","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"وأهل النظر في هذا العلم يتمسكون أولاً بآيات الله تعالى من القرآن، ثم بأخبار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ثم بالدلائل العقلية والبراهين القياسية(1).\rهذه هي قاعدة النهج الإسلامي لعلوم الغيب والتي تعد مرتكزاً أساسياً في علاقة علوم الغيب بالعلوم التجريبية الأخرى.\rفالإسلام منهاج متكامل وفكر شامل يستمد براهينه من القرآن أولاً. ثم من أخبار الرسول، ثم يأتي الدليل المنطقي والبرهان القياسي.. ونقطة الاختلاف في هذا المنهاج مع غيره من المناهج الوضعية بادٍ ولاشك، فالمناهج الوضعية لا تضع الكتب السماوية في المقام الأول لأنها في حالات عديدة لا تؤمن بها ولا تعدها سماوية وإنما ترضخها للقياس والبراهين العقلية الوضعيّة.\rوتعتبرها في ذاتها منهاجاً أرضياً أتفق عليه الناس، أو تفرد به رجال منهم سمَّموا أنفسهم بالأنبياء.\rوبما أن وجه الاختلاف كبير ومتباين والإسلام في مصادره القويمة من كتاب وسنة قد تناول هذه الآراء المعارضة والبراهين والقياسات واعتبرها ضلالة عندما تناول مسائل الغيب والألهيات واعتبرها وسيلة عندما تتناول مسائل الحياة والمعارف العلمية.\rونحن أحرى بالاقتداء لكتاب الله وسنة رسوله إذا كنا مؤمنين حقاً.\r{ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله }\r{ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }\r__________\r(1) لم يفت الإمام هنا في هذا المقام أن يعلّق على هذه الدلائل العقلية والبراهين القياسية، وكيف دخلت إلى هذا العلم إذ يقول(وقد أخذوا مقدمات القياس الجدلي والعنادي ولواحقهما من أصحاب المنطق الفلسفي ووضعوا أكثر الألفاظ في غير مواضعها ويعبرِّون في عبادتهم بالجوهر والعرض والدليل والنظر والاستدلال والحجة، ويختلف معنى كل لفظه من هذه الألفاظ عند كل قوم حتى أن الحكماء يعنون شيئاً آخر، والمتكلمون شيئاً الرسالة اللدنية ص28.","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"وبذلك نفهم نحن المؤمنون بمنهاج الإسلام أن كل ما يتناوله الحكماء والفلاسفة من تعليلات وتفسيرات للرسالات السماوية لا تزيد عن كونها آراء وضعية قاصرة تغري وتؤثر على من أضله الله وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة.\rولا يجلي الغشاوة غير الإيمان المطلق بالرسالات السماوية ثم البحث من خلالها ومن أصل منهاجها السليم إلى معرفة حقيقة هذه الحياة وحركة كواكبها وكنه أسرارها لتهديه إلى الإيمان بخالق هذه الأكوان وتدفعه عن اقتناع وتسليم إلى عبادة الله وتقواه.\rوالإمام لم يترك مصادر العلوم الشرعية للعبث والارتجال وإنما تحدث بها كما جاءت .. فيبدأ بالحديث عن علم الأصول.\rومن علم الأصول التفسير، فإن القرآن من أعظم الأشياء وأبينها وأجلها .. وأعزها .. وفيه من المشكلات الكثيرة مالا يحيط بها عقل إلا من أعطاه الله تعالى فهماً في كتابه.(1)\rوالإمام هنا لا يضع التفسير لكتاب الله إلهاماً فقط كما قد يتبادر للمطلع على عبارته السابقة.. بل إنه يضع الشروط..\rوتعد إشارته آنفاً إلى أن الإحاطة بمضمون القرآن لا يتأتى إلا لمن أعطاه الله فهماً .. ويعني بها وجود الاستعداد الفطري لدى الباحث متخلصاً من شوائب الغرض مخلصاً لله وحده.. إضافة إلى إطلاعه على العلوم النقلية والعقلية..\r(إذا كان أمر القرآن أعظم الأمور فأي مفسر أدى حقه؟.. وأي عالم خرج عن عهدته؟ نعم كل واحد من المفسرين شرع في شرحه بمقدار طاقته وخاض في بيانه بحسب قوة عقله وقدر كنه علمه(2). فكلهم قالوا.. وبالحقيقة ما قالوا \"وعلم القرآن يدل على علم الأصول والفروع الشرعي والعقلي\").\r__________\r(1) الرسالة اللدنية ص28.\r(2) صورة حية من صور عقلية الإمام في رفضه القوالب والنصوص الجامدة.. وحبه للتجديد والتطور على أسس ومعارف راسخة ونيات سليمة وطاهرة..","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"(ويجب على المفسِّر أن ينظر في القرآن من وجه اللغة، ومن وجه الاستعارة ومن وجه تركب اللفظ، ومن وجه مراتب النحو، ومن وجه عادة العرب، ومن وجه أمور الحكماء، ومن وجه كلام المتصوفة حتى يقرب تفسيره إلى التحقيق(1)).\rأما عندما يتناول الإمام الحديث عن المصدر الثاني للتشريع وهو الحديث النبوي فيتناوله مفصلاً محللاً قيمته، وأهميته ومكانته في الاستدلال على القضايا والأمور المستنبطة كما لا يغفل عن الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم واعطاء صورة تحليلية للمخزون العقلي كسباً وموهبة علماً تجريبياً وعلماً لدنيا – فيقول(ومن علم الأصول علم الأخبار) فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفصح العرب والعجم، وكان معلماً يوحى إليه من قبل الله تعالى، وكان عقله محيطاً بجميع العلويات والسُّفليات(2). فكل كلمة من كلماته بل لفظه من ألفاظه يوجد تحتها بحار من الأسرار وكنوز الرموز فعلم أخباره ومعرفةُ أحاديثه أمر عظيم، وخطب جليل، لا يقدر أحد أن يحيط بعلم الكلام النبوي إلا أن يهذب نفسه بمتابعة الشارع، ويزيل الاعوجاج عن قلبه بتقويم شرع النبي صلى الله عليه وآله وسلم (3).\r__________\r(1) الرسالة اللدنية ص29، والإمام هنا يطلب من المفسر أن ينظر في القرآن من كل تلك الوجوه ..ومع ذلك فقد يقرب تفسيره إلى التحقيق، وهذا دليل آخر على دقة التحليل والتعمق لدى الإمام. كما إنه يدل على معرفة أولئك أن القرآن مرتبط بكافة العلوم ويجب على مفسره أن يقلب كافة الأوجه الممكنة للخروج ببعض الصحة والرأي الصائب.\r(2) الإحاطة هنا إحاطة نسبية من خلال ما اطلعه الله عليه وليس الإحاطة الكلية.\r(3) هذه الشروط التي أشار إليها الإمام لتكون في المفسر لعلم الأصول شروط ولا شك أنها سليمة تغلق الباب أمام هواة التحليل المتحذلق، هواة الحديث لمجرد النيل من الإسلام وشخص الرسول.. دون مقومات أو أسباب.. ودون إعارة اهتمام للأخلاق الأدبية والسلوكية.","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"الإحاطة بالمضمون النبوي لا ترضخ لظاهر الحديث أو لما يبدو لفلان من المفسرين أو لفلان من الباحثين وإنما لابد من شمول الإحاطة.. والتعرف على تاريخ العبارة والمكان والزمان الذي قيلت فيه.. واللبس المحيط بالحديث وباختصار: فإن تناول الحديث للمتناول إنما هو مسلك أدبي خُلُقي لابد من التعرف على ما بين دفّتي باطنه وقلبه من صحة الإيمان والخوف من الله عز وجل. ومن موقع معرفة المقام الأسمى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.. كما هو الحال في شراح وجامعي الكتب الصحيحة كالإمام البخاري ومسلم وغيرهم، ممن كانوا يعرفون قيمة النبّوة ومقامها الأشم، فكانوا لا يتناولون الحديث إلا وهم على طهارة ولا يثبتونه في كتبهم إلا بعد شهور من التحري والدقة فكانت كتبهم مرجع الباحث ومورد الظاميء.\rولأن الإمام \"حجة الإسلام\" قد عرف المقامين مقام المصدر التشريعي الأول ومقام المصدر التشريعي الثاني فقد رضي بذاته أن يضع شروط الأخذ من الأصول.. ووضع مقوّمات الباحث اللازمة في هذا المجال.. فقال:\r(ومن أراد أن يتكلم في تفسير القرآن وتأويل الأخبار، ويصيب في كلامه فيجب عليه أولاً: تحصيل علم اللغة والتبحرُّ في فن النحو والرسوخ في ميدان الأعراب، والتصرف في أصناف التصريف(1).\r__________\r(1) كلمة تؤدي مدلولاً هاماً (تحصيل – تبصر) هي الأخذ ببدايات هذا العلم ثم الاستمرار من المورد حتى اللجة والتعمق (الرسوخ) ويعني الثبات على رأي واحد لكثرة الأوجه الإعرابية على ألسنة العرب.\rوالرسوخ دليل القوة .. ودليل صلابة الفكرة الواعية التي تستحق الإصرار عليها. ونبذ سواها ولن يحصل الباحث إلى ذلك إلا بعد التحصيل والتبحر..(التصرف في أصناف التصريف).. القدرة على وضع الاشتقاقات في اللفظ.. الإضافة والحذف في الكلمة معرفة علم الصوتيات وهو علم مستقل بذاته والإمام يراه من أهم الشروط للمتكلم في علم الأصول..فيا للغرابة؟..","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"فإن علم اللغة سلّم ومرقاة إلى جميع العلوم(1) ومن لم يعلم اللغة فلا سبيل له إلى تحصيل العلوم.\rفعلم اللغة أصل الأصول..وأول علم اللغة معرفة الأدوات وهي بمنزلة الكلمات المفردة وبعدها معرفة الأفعال مثل الثلاثي والرباعي وغيرهما.\rويجب على اللغوي أن ينظر إلى أشعار العرب وأولاها وأتقنها أشعار الجاهلية .. فإن فيها تنقيحاً للخاطر، وترويحاً للنفس(2).\rوبعد ذلك الشعر والأدوات والأسامي يجب تحصل علم النحو فإنه لعلم اللغة بمنزلة ميزان القبان للذهب والفضّة، والمنطق لعلم الحكمة والعروض للشعر، والذارع للأثواب، والمكيال للحبوب. وكل شيء لا يوزن بميزان لا يتبين فيه حقيقة الزيادة والنقصان.\rفعلم اللغة سبيل إلى علم التفسير والأخبار، وعلم القرآن والأخبار دليل على علم التوحيد، وعلم التوحيد هو الذي لا تنجو نفوس العباد إلا به، ولا تتخلص من خوف المعاد إلا به.(3)\rقلت هذه هي القواعد المنهجية عند الإمام لمريد البحث في الأصول والتي هي أساس علم الشرع وهنيهة من التأمل للفقرات الأخيرة نلاحظ تدرجاً علمياً ينقل المرء من مرحلة إلى مرحلة ومن حالة إلى حالة.. وهذه سمة من سمات المنهاج الإسلامي في ما يتعلق بالعلوم..\rفالمتعلم يبحث في علم الأدوات واللغات ليرتقي خطوة للتعرف على علوم أخرى.. يحدوه في كل ذلك التعرف على أسرار هذه العلوم والتي هي في الأساس أسرار الحياة الناطقة بجلال الخالق وعظمته.\rوينتقل الإمام بعد اشباع الجانب الأول من العلوم الشرعية إلى الجانب الثاني وهو علم الفروع. فيقول:\r__________\r(1) ترفع التربية اليوم شعار (على كل معلم أن يكون معلماً للغة العربية) والإمام قد سبقهم بهذه الدعوة قبل مئات السنين عندما قال (فإن علم اللغة سلم ومرقاة إلى جميع العلوم).\r(2) دليل المدى ارتفاع الذوق الأدبي لدى الإمام واعترافه بأثر الأدب في التسلية وشحذ الأساس فنياً وجمالياً.\r(3) الرسالة اللدنية ص30.","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"(أما النوع الثاني من العلم الشرعي فهو علم الفروع) وذلك أن العلم إما أن يكون علميًّا، وإما أن يكون عملياً. وعلم الأصول هو العلمي، وعلم الفروع هو العملي، وهذا العلم العملي يشتمل على ثلاثة حقوق:\rأولها: حق الله تعالى .. وهو أركان العبادات مثل الطهارة والصلاة والزكاة والحج والجهاد والأذكار، والأعياد والجمعة وزوائدها من النوافل والفرائض.\rوثانيها: حق العباد .. وهو أبواب العادات ويجري في وجهين:\rالمعاملة : مثل البيع والشركة والهبة والقرض والدين والقصاص الخ..\rالمعاقدة : مثل النكاح والطلاق والعتق والرق والفرائض ولواحقها.\rويطلق اسم الفقه على هذين الحقين.\rوثالثها: حق النفس .. وهو علم الأخلاق(1)\rقلت ولم يطل الحديث بالإمام أمام النوع الثاني من علوم الشرع فقد فصل وبين مفاتحهُ للقارئ وترك التحليل والتفسير للمتخصص.. بخلاف حديثه عن النوع الأول وهو علم التوحيد وهو أساس الفكر الإسلامي فقد أشبع جانبه تحليلاً وتوسعاً لم يحتاجه المقام من ذلك..\rوقد سماه الإمام (بالعلم العملي) ويقصد بذلك كل الأمور التي يترتب عليها حركة بعد النية.. سواءً كانت من أفعال العبادات أو من العادات بقسميها.\rأما علم الأخلاق فهو علم مستقل بذاته لا يرتبط بلون من ألوان العلم العملي لأهميته في التربية الإسلامية والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول:\"إنما بعثت لأتتم مكارم الأخلاق\".\rوتندرح كل هذه العلوم تحت ما سماه الإمام (بالعلم الشرعي).\rأما القسم الثاني من أصناف العلم فهو (العلم العقلي) وقد ولج الإمام إليه بقوله\"وهو علم معضل مشكل يقع فيه خطأ وصواب\" وهو موضع في ثلاثة مراتب:\rالمرتبة الأولى : العلم الرياضي والمنطقي.\r__________\r(1) الرسالة اللدنية ص30،40 .","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"أما الرياضي : فمنه الحساب وينظر في العدد والهندسة وهي علم المقادير والأشكال والهيئة أي علم الأفلاك والنجوم وأقاليم الأرض وما يتصل بها(1) ويتفرع عنه علم النجوم وأحكام المواليد والطوالع(2) ومنه علم الموسيقى الناظر في نسب الأوتار.\rوأما المنطقي: فينظر في طريق الحد والرسم في الأشياء التي تدرك بالتصور، وينظر من طريق القياس والبرهان في العلوم التي تنال بالتصديق.\rوأما المرتبة الثانية: وهو العلم الطبيعي وصاحبه ينظر في الجسم المطلق، وأركان العالم وفي الجواهر والأعراض وفي الحركة والسكون وفي أحوال السموات والأشياء الفعلية والإنفعالية(3) ويتولد من هذا العلم النظر في أحوال مراتب الموجودات وأقسام النفوس والأمزجة وكمية الحواس وكيفية إدراكها لمحسوساتها(4) ثم يؤدي إلى النظر في علم الطب وهو علم الأبدان والعلل والأدوية والمعالجات وما يتعلق بها .\rومن فروعه علم الآثار العلوية(5) وعلم المعادن ومعرفة الخواص الأشياء، وينتهي إلى علم صنعة الكيمياء وهي معالجة الأجساد المريضة في أجواف المعادن.\r__________\r(1) علم الجغرافيا كما يسمى اليوم وعلم الفضاء والكونيات.\r(2) أحد العلوم الخاصة بالنظر في الأفلاك وسيرها وعلاقتها بأحداث الأرض.. (التنجيم) ومنها معرفة الأبراج.. ولا علاقة لهذا العلم بصروف السحر أو قراءة الفنجان والكف.\r(3) امتزاج بين علوم متعددة كالجيولوجيا والبيولوجيا وعلم النفس والنباتات وعلوم أخرى.\r(4) يبني الإمام على إدراك تام بالترابط العضوي بين العلوم فتراه يفرع علوماً من علوم.\r(5) ربما قصد بالآثار العلوية .. أسرار الكون.","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"والمرتبة الثالثة وهي العليا: النظر في الموجود ثم تقسيمه إلى الواجب والممكن ثم النظر في الصانع وذاته وجميع صفاته وأفعاله وأمره وحكمه وقضائه، وترتب ظهور الموجودات عنه ثم النظر في العلويات والجواهر المفردة والعقول المجردة والنفوس الكاملة، ثم النظر في أحوال الملائكة والشياطين، وينتهي إلى علم النبوات وأمر المعجزات، وأحوال الكرامات، والنظر في أحوال النفوس المقدسة وحال النوم واليقظة ومقامات الرؤيا(1).\rومن فروعه علم الطلسمات والزيجات وما يتعلق بها(2).\rقلت: كل هذا التحليل المتسع في رسالة الإمام لمراتب العلوم تدل بما لا يدع مجالاً للريب أن الإمام قد اطلع على مجمل علوم عصره إطلاعاً كافياً مكنه من تقسيمها إلى هذه المراتب ونحن عندما نقارن حديثه بما وصلت إليه العلوم اليوم نجد من الاختلاف في المسميات والرموز وأسماء العلوم الشيء الكثير ولكن المثير حقاً أنه في تحليله قد شمل كل المعارف على المستوى العلمي والأدبي بمفهوم عصرنا اليوم.\rوكأنه قد عاش عالم العصر الحديث في دفتي التنظير الفكري.. أو بمعنى آخر سبق عصره بأزمان كثيرة..\rوالحق يقال أنه لا يمثل صورة رجل علم الدين كما يجب أن يكون.. فالمقارنة بينه وبين بعض علماء عصره ترينا الموقف الإنهزامي الذي وقفه علماء الدين تجاه المد الفلسفي اليوناني وإفراغه في حالات عديدة لمحتوى وأدبيات الفكر الإسلامي لدى البعض من العلماء والمفكرين كما أخلدت هذه التناقضات الفلسفية والفكرية فئات أخرى إلى الصمت والتقوقع على أنفسهم مما أتاح المجال واسعاً لذوي الأطماع السيئة أن ينالوا من تركيب الفكر الإسلامي الحنيف ويحولوه إلى عجينة تُرضي أصحاب المصالح والمراتب في المجتمع الإسلامي آنذاك..\rوقد أشعب هذا المقام كتاب عديدون(3)\r__________\r(1) علم تكنيك الأحلام.\r(2) الرسالة اللدنية ص31 ويقصد به علم الحرف والحفر والتنجيم وغيره.\r(3) راجع الكتب التالية:\rتجديد الدين وإحيائه . لأبي الأعلى المودودي/ الطبعة الثالثة/دار الفكر/ص73.\rالغزالي – لتيسير شيخ الأرض – سلسلة أعلام الفكر العربي/منشورات دار الشرق الجديد – الطبعة الأولى.\rنوابغ الفكر الإسلامي/ أنور الجندي/ دار الرائد العربي/الطبعة الأولى.","part":1,"page":29},{"id":30,"text":".\rومقامنا هنا هو مقام السائح الشغوف بآثار القدماء المتطلع إلى سر أسرار الآباء وتجلّياتهم الروحية الربانية .. لنجد قبساً من نور يضيء لنا مسلك الحياة في هذه العتمة المكتنفة قلوبنا وحياتنا.\rبيان طرق التحصيل العلمي\rقال الإمام الغزالي اعلم أن العلم الإنساني يحصل من طريقين(1) أحدهما :\r__________\r(1) الإمام يرسي لبنات المسافات التي يتلقى منها الإنسان المعارف في الإسلام وعلماء التربية اليوم يتحدثون عن الأهمية البالغة للدراسات التربوية (البيدانموجيا) وما حققته الدراسات تلك من آراء وفرضيات اعتبرناها نحن ضرورات ثابتة وواجبة القول، دونما تمحيص أو تحليل لها ولأثرها على منهاج التربية الإسلامية السليم والذي هو مقياسنا ومرشدنا ووجهنا المضيء أمام العالم.. وليس في حواري هذا ما يجلب الخجل كما يعتقدون فالمسألة المخجلة حقاً … هي جهلنا المطبق بهذا المنهاج وإهمالنا له في خضمِّ الصراخ المصمِّ للآذان .. حتى ظلت رؤية عالم من علماء التربية أو عالم من علماء النفس في مناهج أوروبا أكثر قبولاً وتأثيراً في نفوسنا من عالم إسلامي ينظر للعلوم المعاصرة بمنظار الإسلام.. حتى لو كان عالمنا الإسلامي يحمل الحجج والبراهين المنطقية والعلمية ما يثبت سعة وقوة المنهاج الإسلامي في صدره وكتاباته مع إدراكنا التام في مجال التمحيص والتدقيق. إن أولئك العلماء قد صاغوا آراءهم ونظرياتهم التربوية والنفسية بما يخدم سياساتهم الاستعمارية المختلفة زماناً ومكاناً.. وأنهم يتعاملون معنا تعامل المتعالي والمتعاظم والقوي .. فكراً وتطبيقاً. ودعوتنا التي نشدد عليها في هذا الجانب هو (التفرد) أي تفرد الإسلام بمنهاج مستقل في كل مناحي الحياة ، لا يحتاج إلى زيادة ولا نقصان إلا بما يتلاءم في الأطر الخارجية مع تطور الإنسان في الحياة المطردة.. أما لُبُّه فلا يحتاج إلى أخذ ولا استقاء من لبّ الغير. مهما بدا لنا منهاجاً صالحاً وجيداً فهو السم في الدسم.","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"التعلُّم الإنساني .\rوالثاني :\rالتعلم الرباني.\rأما الطريق الأول فطريق معهود ومسلك محسوس يقر به جميع العقلاء.\rوأما التعلم الرباني فيكون على وجهين أحدهما من خارج وهو التحصيل بالتعلّم.\rوالآخر من داخل وهو الاشتغال بالتفكر والتفكر من الباطن بمنزلة التعلم في الظاهر فإن التعلم استفاد الشخص من الشخص الجزئي، والتفكر استفادة النفس من النفس الكلي والنفس الكلي أشد تأثيراً وأقوى تعليماً(1) من جميع العلماء والعقلاء(2) .\rقلت لذلك نجد المنهاج الغزالي يركز تركيزاً كبيراً على الإلهام العقلي (المعرفة من خلال الموهبة لا الكسب).\rوحتى العقل لا يغفله الإمام في مدى قدرته على التحصيل ولكن يرى أن من العقول من يكون ذا نور كاشف فيحصل له قدرة على التحصيل الرباني بطرق أسهل وأقوى من العقل المادي المألوف.. وفي ذلك يقول الإمام ..\r\"وإذا غلب نور العقل على أوصاف الحس يستغني الطالب بقليل التفكر عن كثرة التعلم فإن النفس القابل تجد من الفوائد بتفكر ساعة ما لا تجد نفس الجامد(3) بتعلم سنة\".\r__________\r(1) يقصد بالنفس الكلي التعلم الرباني وهو العلم الموهوب الذي لا يقبله اليوم العلماء المحدثون ويعتبرونه زيفاً فلا يمكن في مستوى عقولهم أن يوهب إنساناً علماً دونما تعلم وتربية كافية ولا يوجد في شرعهم إلهاماً .. أما الإسلام فيؤمن كل الإيمان بالعلم اللدني الموهوب من الذات الإلهية لمن اصطفاه من عباده المؤمنين مع اعتبار مرحلة من التهيؤ تسبق هذه المرحلة ولكنها ليست مرحلة تعلم دنيوي معرفي مرتبط بما ألفه الناس من قراءة وكتابة ومطالعة.\r(2) الرسالة اللدنية.\r(3) الجامد : صاحب الماديات، والمتعلم باستخدام عقله المادي فقط الذي لا يؤخذ بالإشراق النفسي والعلوم اللدنية الموهوبة.","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"فإذن بعض الناس يحصلون العلوم بالتعلم وبعضهم بالتفكر(1) والتعلم يحتاج إلى التفكر، فإن الإنسان لا يقدر أن يتعلم جميع الأشياء الجزئيات والكليات وجميع المعلومات(2) بل يتعلم شيئاً ويستخرج بالتفكر من العلوم شيئاً.\rوأكثر العلوم النظرية والصنائع العملية استخرجتها نفوس الحكماء لصفاء ذهنهم وقوة فكرهم وحدة حدسهم من غير زيادة تعلم وتحصيل(3).\rوالإمام في هذا الأمر يصور لنا حالاً أشبه بالحال الذي ساد اليوم في الحياة العلمية والعملية حيث هبطت درجة التعلم المرتبط بالتفكر الشامل .. وأصبح التفكر محصوراً في حدود النظريات ذاتها وحل رموزها باعتبارها نظريات جاهزة(4) وكافية لحل مشكلات الناس، وأصيب العقل الإنساني من جراء ذلك بالعطل وأصبح في حالات كثيرة آلياًّ يقف عند الرموز ولا يتجاوزها.\rولذلك يقف الإمام من ذلك موقف الناقد فيرى أن العلم المرتبط بقيود النظريات والدائر في محورها هو علم عقلاني جامد لا يطور الإنسان ولا يخدم مصلحته في حياته المتحركة..\rوإنما يرى الغزالي أن من الضرورة بمكان استنباط شيء من شيء وإضافة صورة جديدة من المتعلم على ما عرفه من أستاذه دون شطط ولا مبالغة ولا تحريف.\rيقول الإمام في ذلك :\r__________\r(1) التفكر : هو الطريق إلى الإلهام وهو المرحلة السابقة للمعرفة اللدنية وهو لا يرتكز على منهاج علمي ولكنه نور يقذفه الله في قلب عبده أن يهديه لنور ربه وتشرق له شئون دينه ودنياه.. ولا علاقة له بعلوم الدنيا المعروفة فهي مجرد عرض زائل يتعلمها الناس لقضاء حاجاتهم الدنيوية فقط.\r(2) كلمة شاملة جامعة للعلوم المتشعبة والمحتوية على تخصصات متعددة.\r(3) الرسالة اللدنية ص33.\r(4) وينطبق هذا التشريع الإسلامي في بعض المسائل التي أصبحت توقيفية لا يمكن تجديدها لإغلاق باب الاجتهاد ، حتى أصبح الأمر في التشريع على استظهار النصوص وقراءتها وشرحها والدوران في فلك أصحابها.","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"\"فواحد وضع آلة الضرب.. وهو العود بتفكره، وآخر استخرج من تلك الآلة آلة أخرى .. وكذلك في جميع الصنائع البدنية والنفسانية ، أو أثباتها محصلة من التعلم. والبواقي مستخرجة من التفكر ، وإذا انفتح باب الفكر على النفس علمت كيفية طريق التفكر وكيفية الرجوع بالحدس إلى المطلوب فينشرح قلبه وتنفتح بصيرته(1) فيخرج ما في نفسه من القوة إلىالفعل من غير زيادة طلب وطول تعب(2)\".\rقلت ولا ينحصر المثال في الماديات وحدها ولكنه ينطبق أيضاً على كافة المعارف والتي يدعو الغزالي إلى تحصيلها بطريق أعمال العقل زيادة على ما يجده طالب العلم من القواعد وقوانين متداولة ، إذ يمكِّنه هذا الإعمال العقلي من التطوير الواعي ، كما هو حال الإمام نفسه عندما اعمل عقله في جميع العلوم ولم يكتف بظواهر الأحكام المنصوص عليها فأصبح بمعارفه الباقية إلى اليوم يمثل شحنة قوية من التطوير والتجديد.\rأعاد الإمام الغزالي أموراً عديدة إلى نصابها ووضع عليها سوراً محكماًً بعد أن كانت ضعيفة الجانب يتطاول عليها البر والفاجر وهو عمل مضني وشاق امتزج فيه لدى الإمام التعلم الإنساني المكتسب والتعلم الرباني الموهوب.\rوقد (تناولنا في حديثنا الآنف القسم الأول من التعلم وهو التعلم الإنساني .. ونتناول الآن (القسم الثاني) وهو ما يكثر الخلاف حوله مع غير المسلمين(3)) .. ويعد هذا العلم محور التفرد في منهاج التربية الإسلامي وهو (التعلم الرباني).\rوالإمام يقسم هذا اللون من التعلم إلى قسمين:\rالأول : اللقاء الروحي : وهو أن النفس إذا أكملت ذاتها يزول عنها دنس الطبيعة ودرن الحرص والأمل، وينفصل نظرها عن شهوات الدنيا وينقطع نسبها عن الأماني الفانية.\r__________\r(1) صورة جديدة من صور منهاج التربية الإسلامية وهو كون مجمل العلوم العقلية رياضة روحية ترفع البصر والعقل إلى درجة انفتاح البصيرة وخروج ما في النفس من القوة إلى الفعل.\r(2) الرسالة اللدنية ص34.\r(3) الرسالة اللدنية.","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"ويضيف الإمام سرده عن هذا القسم وما يخلقه في نفس المريد فيقول (يصير العقل الكلي كالمعلم والنفس القدسية كالمتعلم فيحصل جميع العلوم لتلك النفس وتنتقش فيها جميع الصور من غير تعلم ولا تفكر(1) ومصداق هذا قوله تعالى مخاطباً نبيه الكريم …\r{ وعلمك ما لم تكن تعلم }\rفعلم الإنبياء أشرف مرتبة من جميع علوم الخلائق.\rقلت ولا يعني الإمام بهذا اللون من العلوم أنه علم منفصل عن العلوم المكتسبة والتي هي ضرورية أيضاً، وإنما هوسرد لألوان وطرائق العلوم والمعارف التي يتعلم بها البشر.. ولأن من العلوم علوماً لم يدركها البشر بتجاربهم وبحوثهم ودراساتهم تصديقاً لقوله تعالى : { وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً } وهذه العلوم المجهولة قد يطلع الله عليها بعض أصفيائه وأنبيائه، والقرآن ذاته يحدثنا عن فصيلة من خلق الله لا يدركون كل شيء.. إنهم الملائكة حينما خاطبهم الله في سورة البقرة { أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين } فأقروا بمحدودية معرفتهم وأسندوا المعرفة إلى الله تعالى { لا علم لنا إلا ما علمتنا } (2).\rإذن والحال كذلك فالإمام يبين لنا أن طرائق العلوم على حالين ..\rعلوم يكتسبها البشر بالتجربة والمشاهدة فينقلونها إلى غيرهم وهي العلوم المعروفة إلى اليوم بعلوم الحياة وعلوم يكتسبها البشر برياضات روحية وإشراقات نفسية وصفاء رباني وهو لون موهوب وهو أقوى وأكمل.\rوهذا اللون الرباني هو من صفات الأنبياء كما تناولنا ذلك آنفاً والرسول يقول لأصحابه (أنا أعلمكم وأخشاكم لله تعالى) ونجد الارتباط واضحاً بين قول الرسول هذا وبين قوله تعلى { إنما يخشى الله من عباده العلماء … } .\r__________\r(1) لا تناقض هنا بين ما أورده الإمام وبين دور مرحلة التهيؤ التي تسبق الإلهام – ويقصد هنا بهذا القول ما يجمعه طالب العلم من غير جهد ولا تكلف وإنما بقوى فطرية وعناية ربانية تساعده في احتواء المعارف وهذه من خواص الأنبياء والرسل.\r(2) الرسالة اللدنية ص35.","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"وإنما كان علمه صلى الله عليه وآله وسلم أكمل وأشرف وأقوى لأنه حصل على التعلم الرباني وما اشتغل قط بالتعلم والتعليم الإنساني { علمه شديد القوى } (1).\rوقد سماه الإمام في كتابه المنقذ من الضلال بمنهاج النبوة .. أي الرسالة السماوية الصحيحة فيقول عنها ..\r(لاسبيل إليها بالتجربة ولا تدرك إلا بالهام إلهي وتوفيق من جهة الله تعالى)(2) وهذا ما عبر عنه الكندي بأنه الذروة العليا للاشراق أما الذورة السفلى فقال الغزالي عنها .. (فإذا فهمت معنى النبوة وأكثرت من النظر في القرآن والأخبار يحصل لك العلم الضروري).(3)\rولا ينسى الإمام في عرضه لهذا المنهاج أن يشير إلى ضرورة العمل . فالسالك لهذا المنهاج يجب أن يكون قوله مقروناً بعمله حتى يتفجر له ينبوع المعارف لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : (من علم بما علم أورثه الله علم مالم يعلم).(4)\r__________\r(1) الفيلسوف العربي \"الكندي\" يؤكد أيضاً رأي الغزالي في طريق المعرفة بالإشراق وهو في ذروته العليا خاص بمن يصطفيهم الله للنبوة والرسالة، هاهو يقول : (وهؤلاء الذين اصطفاهم الله فلعلمهم خصائص تبعده عن العلم الكسبي .. إنه بلا طلب ولا تكلف ولا بحيلة بشرية ولا بزمان..)\rوالكندي بقوله هذا يوافق الغزالي في أن هذا المنهاج له طرائق يمكن اتباعها والالتزام بها باعتبار الذروة السفلى الممكنة للبشر .. الإلهام .. أما الذروة العليا فهي للأنبياء.\rأهـ التفكير الفلسفي في الإسلام.\rص302د/عبد الحليم محمود.\rويضيف الكندي أيضاً عن ذروتي هذا العلم فيقول : إنه علم إلهي وإذا كان ذلك خاصاً بمن يصطفيهم الله فإن في أفراد البشر من يصل إلى مراتب من العلم الإشراقي الذي يتأتى عن صفاء النفس وان كان دون مرتبة من العلوم النبوية أهـ المصدر السابق.\r(2) المنقذ من الضلال ص51.\r(3) المنقذ من الضلال ص52.\r(4) المنقذ من الضلال ص54.","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"وهذا العلم اللدني هو العلم الذي كان للخضر عليه السلام والذي وصفه القرآن بقوله { وعلمناه من لدنا علماً } .\rوقال أمير المؤمنين سيدنا علي بي أبي طالب كرم الله وجهه (أدخلت لساني في فمي فانفتح في قلبي ألف باب من العلم مع كل باب ألف باب)(1) .\rقلت ولا تعد هذه مبالغة من الإمام علي وإنما هي حقيقة إشراقة وإدراكه اللدني من مواهب الذات الإلهية وهو لم يبلغ هذا المقام الأسمى إلا بالمجاهدة النفسية والرياضة الروحية والأخذ التام لشفي من معلمه الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والعمل من أجل سعادة المسلمين واعلاء كلمة الله تعالى .\rقال الإمام الغزالي عن هذا النموذج الفذ من نماذج التربية الإسلامية :\r(هذه مرتبة لا تنال بمجرد التعلم الإنساني بل يتحلى المرء بهذه المرتبة بقوة العلم اللدني).\r(وحقيقة الحكمة تنال من العلم اللدني وما لم يبلغ الإنسان هذه المرتبة لا يكون حكيماً.. لأن الحكمة مواهب الله تعالى : { يؤت الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلى أولوا الألباب } .\rوذلك لأن الواصلين إلى مرتبة العلم اللدني مستغنون عن كثرة التحصيل فيتعلمون قليلاً ويعلمون كثيراً (2) اهـ .\rونظرة بتمعن إلى تاريخ التربية الإسلامية في عصور ازدهارها نجد كثيراً من العارفين بالمقامات الربانية من السادة الصوفية وغير الصوفية من وهبه الله علوماً وإشراقاً ومعارف لا تحد ولا تحصى وتفرد بها عن غيره من أهل العلوم ..\r__________\r(1) الرسالة اللدنية ص36.\r(2) الرسالة اللدنية ص36.","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"وبدراسة أولئك الرجال وتحليل أساليب حياتهم وطرق سلوكهم ومعاريجهم في سلم المعرفة نرى التفرد العظيم الذي جاء به الإسلام في تربيته لرجاله الكمّل الذين خدموا دينهم علماً وعملاً يطلبون رضاء ربهم ونيل درجاته في جنة عرضها السموات والأرض .. لا يلتفتون إلى عرض من الدنيا ولا إلى غرض من أغراضها .. واضعاً أحدهم نصب عينيه قول نبيه الكريم (لو كان الدنيا تزن جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء)..\rولا أشك اليوم في الحالة التي قد تعتري أحد أولئك الذين أضلهم الله على علم .. وهو يقرأ ما كتبته عن هذا المنهاج . فينبري مؤكداً لبطانته بُعد الأولياء والعلماء عن واقع الناس وأنه لا يعدو الخرافات والتحليق في أبراج الوهم المصطنعة..\rولكن الإمام الغزالي لم يترك هذا الأمر دون إجابة وإنما أشار إلى هؤلاء المتحذلقين بأنهم يعانون عارضاً قد طرأ على نفوسهم يحجبهم عن فهم الحقيقة .. مع انهم يستطيعون إدراك هذا الأمر متى ما تخلصت نفوسهم من عيوب المادة الكثيفة .. فيقول الإمام ..\r(إعلم إن العلوم مركوزة في جميع النفوس الإنسانية وكلها قابلة لجميع العلوم وإنما يفوت نفساً من النفوس حظها منه لسبب طارئ وعارض يطرأ عليها من خارج – كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (خلق الناس حنفاء فاختالتهم الشياطين ..) وقوله : ( كل مولود يولد على الفطرة ..)(1) .\r__________\r(1) الرسالة اللدنية ص37 فصل مراتب النفوس في تحصيل العلم.","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"وأما النفوس المريضة في هذه الدنيا الدنيئة فصارت على مراتب .. بعضهم تأثر بالمرض المنزل وَدْقَ غمام النسيان في خواطرهم فيشتغلون بالتعلم ويطلبون الصحة الأصلية فيزول مرضهم بأدنى معالجة، وتنقشع غمام نسيانهم بأقل تذكر .. وبعضهم يتعلمون طول عمرهم ويشتغلون بالتعلم ويطلبون الصحة الأصلية فلا يزول مرضهم بأدنى معالجة ولا ينقشع غمام نسيانهم بأقل تذكر وبعضهم يتعلمون طول عمرهم ويشتغلون بالتحصيل والتصحيح جميع أيامهم – ولا يفهمون شيئاً لفساد أمزجتهم لأن المزاج إذا فسد لا يقبل العلاج … وبعضهم يتذكرون وينسون ويرتاضون ويذلون أنفسهم، ويجدون نوراً قليلاً وإشراقاً ضعيفاً..\rوهذا التفاوت إنما ظهر من إقبال النفوس على الدنيا واستغراقها بحسب قوتها وضعفها كالصحيح إذا مرض صح … وهذه العقدة إذا انحلت تقر النفوس بوجود العلم اللدني وتعلم أنها كانت عالمة في أول الفطرة وصافية في ابتداء الاختراع ، وإنما جهلت لأنها مرضت بصحبة هذا الجسد الكثيف والإقامة في المنزل الكدر والمحل المظلم..\r(قلت) هذه هي مراتب النفوس عند الإمام في طرق التحصيل للعلوم .. ولعل صاحبنا قارئ هذه الكليمات لا يعترض على ما كتب إلا لأنه يملك نفساً ترزح في مرتبة من تلك المراتب .. وما عليه بعد ذلك إلا أن يبحث في دواخل ذاته ويمحص .. فربما استطاع أن يعود إلى الطريق السوي فيعاتب نفسه ويلومها ويرجع من قرب أو أنه يركب عقله المريض فيزداد قسوة على قسوة وشططاً على شطط وينال من الدين وأهله، فيخسر بذلك نفسه وأهله وماله.. وبئست الخسارة سواءً قدر حجمها بنباهته وفطانته أو لم يقدرها فهي ولا شك تنخر في عظم كيانه نخر دابة الأرض للخشبة المبتلة.\rويعنينا في موقفنا هذا ما قرره الإمام الغزالي عن العلم اللدني وأثره على المريد المؤمن بهذه الطرائق الشريفة .. فيقول :","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"الأول : تحصيل جميع العلوم وأخذ الحظ الأوفر من أكثرها.(1)\rالثاني : الرياضة الصادقة والمراقبة الصحيحة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (من عمل بما أورثه الله علم مالا يعلم). وقوله: ( من أخلص لله أربعين صباحاً أظهر الله تعالى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه).\rالثالث: التفكر فإن النفس إذا تعلمت وارتاضت بالعلم ثم تفكرت في معلوماتها بشروط التفكر ينفتح عليها باب الغيب.(2)\rقلت وكم هي سعادة امرئٍ وفقه الله لهذا السبيل المرضي .. سبيل الطلب من مصادر الطلب الصحيحة .. سعادة لا تعاس بسعادة طلاب الدنيا ولا تقارن بقدرها من قريب ولا من بعيد ..\rوالخطوة الأولى في هذا الطريق المستقيم هو العمل الخالص لله .. أن يكون العبد المؤمن في كل عمله الديني والدنيوي يبحث عن رضاء الله سواءً كان في مسالك التدرج المعرفي عن طريق التعلم الإنساني أو كان في بحبوحة العطاء الرباني في مسالك ومدارج التعلم الرباني..\rوالتواضع في العلم هو غاية الوصول إلى مراقي الكمال .. وهو ما يسميه سادتنا الصوفية بموت النفس.\rفالنفس الشامخة لا تصل إلى مراتب العلا الروحية إلا بارتياضها وتأديبها واتباع الحق في مقام الحق.. أما ما نحن فيه اليوم من طلب للعلوم الدنيوية في معاهدنا وكلياتنا .. لا يعدو كونه بذر متدرج لقسوة القلوب وغرور النفوس دونما شيء .. غير الجهل والإدعاء فكم من طالب علم في هذه المعاهد والكليات أنفق جل عمره بين الكتب والمراجع وبين القاعات والفصول ولكنه سيئ الخلُق ميت الأثر، ضعيف التأثير.\r__________\r(1) صورة مشرقة للمنهاج الإسلامي في الذروة السفلى للمريد إذ يفتح المجال الواسع لطالب العلم ليتعلم كل ما يمكن له أن يستوعبه في حياته .. وبهذا يكون المنهاج الإسلامي أوسع أفقاً من مناهج كثيرة تدعي العلم وهي تغلق أبواب المعارف إلا من مصدرها . وتمنع تداول الكتب تحت تبريرات واهية.\r(2) الرسالة اللدنية ص40.","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"لسانه أسبق من عقله، وغروره أكثر من فعله، لا تأنس إليه إلا بمقدار، ولا ترى في وجهه غير الفرح بنفسه وبمعرفته.. وهو لا يعرف شيئاً عن حقيقة أمره وحاضره وغده.. ودينه وإيمانه..\rوجدير بشباب المسلمين اليوم أن يعيدوا النظر في مناهج المعارف العلمية، ويمحصونها تمحيصاً دقيقاً. وينهجون بعد ذلك طريق الجادة السوية التي قال القرآن عنها :\r{ قل هذه سبيلي ادعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وما أنا من المشركين ..الخ } .\rهذه هي سبيل المسلمين الصحيحة ولا غيرها .. ومن اتخذ له منهاجاً خارجاً عنها فقد خطأ الطريق وخرج عن الجادة.\rودعوتنا في خضم هذا الصراع الثقافي أن نمزج بين ثمرات التعلم الإنساني والتطلع إلى التعلم الرباني لنشعر بدفء العطف الإلهي والرحمة الأزلية وندخل في قوله تعالى :\r{ شهد الله أنه لا إله إلا هو الملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط } .\rوفقنا الله إلى الطريق المستقيم وجعل جمعي هذا خالصاً لوجهه الكريم وأسأله التوفيق في كل حال..\r****","part":1,"page":40}],"titles":[{"id":1,"title":"سياحه في رسائل الغزالي  -   المشهور","lvl":1,"sub":0}]}